http://www.masaha.org

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏


الجزء العاشر‏


تأليف

محمد بن محمد رضا القمي المشهدي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org

25

الجزء العاشر

تفسير سورة القصص‏

31

كالمنجلين العظيمين. و كان مجلسها في الأرض موضع جريب. فلمّا بغت بعث اللَّه- عزّ و جلّ- لها أسدا كالفيل و ذئبا كالبعير و نسرا كالحمار- و كان ذلك في الخلق الأوّل- فسلّطهم اللَّه- عزّ و جلّ- عليها، فقتلوها. ألا و قد قتل اللَّه- عزّ و جلّ- فرعون و هامان. و خسف اللَّه- تعالى- بقارون. و إنّما هذا المثل لأعدائه الّذين غصبوا حقّه، فأهلكهم اللَّه.

ثمّ قال عليّ- (صلوات اللّه عليه)- على أثر هذا المثل الّذي ضربه: و قد كان لي حقّ حازه دوني من لم يكن له، و لم أكن أشركه فيه. و لا توبة له إلّا بكتاب منزل، أو برسول مرسل. و أنّى له بالرّسالة بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا نبيّ بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فأنّى يتوب‏] (1) [و هو في برزخ يوم القيامة، غرّته الأماني و غرّه باللَّه الغرور. و قد أشفى‏ (2) على جرف هار، فانهار به [في نار] (3) جهنم‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.] (4) و كذلك مثل القائم- (عليه السلام)- في غيبته و هربه و استتاره، مثل موسى- (عليه السلام)- خائفا مستترا إلى أن يأذن اللَّه في خروجه و طلب حقّه و قتل أعدائه في قوله‏ (5): أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ‏.

و قد ضرب بالحسين بن عليّ- (عليه السلام)- (6) مثلا في بني إسرائيل بذلّتهم من أعدائهم.

حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد (7)، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لقى المنهال بن عمرو عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- فقال له:

كيف أصبحت يا ابن رسول اللَّه؟ قال:

ويحك، أما آن لك أن تعلم كيف أصبحت؟ أصبحنا (8) في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءنا و يستحيون نساءنا. و أصبح خير البريّة بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يلعن على المنابر. و أصبح عدوّنا يعطى المال و الشّرف. و أصبح من يحبّنا محقودا منقوصا حقّه، و كذلك لم يزل المؤمنون. و أصبحت العجم تعرف للعرب حقّها (9) بأنّ محمّدا

____________

(1) هكذا في تفسير نور الثقلين، 4/ 108- 109، ح 7، نقلا عن المصدر و ليس في المصدر. و في النسخ: فانّه ينوب.

(2) المصدر: أشرف.

(3) ليس في المصدر.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في متن المصدر. و لكن نسخة بدل أوردها في حاشيته.

(5) الحج/ 39- 40.

(6) المصدر: الحسين بن عليّ- (عليه السلام).

(7) نفس المصدر 2/ 134- 135.

(8) ليس في م.

(9) م، ن: حقا.

29

و قال السّديّ: رأى فرعون في منامه، أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس حتّى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط و تركت بني إسرائيل. فسأل علماء قومه، فقالوا:

يخرج من هذه البلدة رجل يكون هلاك مصر على يده. و ذلك كان من غاية حمقه فإنّه لو صدّق لم يندفع بالقتل، و إن كذّب فما وجهه.

إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ (4): فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيّل فاسد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): ثمّ خاطب اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: نَتْلُوا عَلَيْكَ‏ يا محمّد. إلى قوله: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏. فأخبر اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه بما لقي موسى- (عليه السلام)- و أصحابه من فرعون من القتل و الظّلم، ليكون تعزية له فيما يصيبه في أهل بيته- (صلوات اللّه عليهم)- من أمّته.

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏: أن نتفضّل عليهم بإنقاذهم من بأسه.

«و نريد» حكاية حال ماضية معطوفة على‏ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا. من حيث أنّهما واقعان تفسيرا للنّبأ. أو حال من «يستضعف» و لا يلزم من مقارنة الإرادة للاستضعاف، مقارنة المراد له لجواز أن يكون تعلّق الإرادة به حينئذ، تعلّقا استقباليّا. مع أنّ منّة اللَّه بخلاصهم لمّا كانت قريبة الوقوع منه، جاز أن يجري مجرى المقارن.

وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً: مقدّمين في أمر الدّين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، متّصلا بقوله: من أمّته. ثمّ بشّره بعد تعزيته، أنّه يتفضّل عليهم و يجعلهم خلفاء في الأرض و أئمّة على أمّته، و يردّهم إلى الدّنيا مع أعدائهم حتى ينتصفوا منهم. فقال- جلّ ذكره-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما و هم الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم. و قوله: «منهم»، أي: من آل محمّد. ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏، أي: من القتل و العذاب. و لو كانت هذه نزلت في موسى- (عليه السلام)- و فرعون لقال: و نري فرعون و هامان و جنودهما منه ما كانوا يحذرون، أي: من موسى- (عليه السلام)- و لم يقل:

منهم. فلمّا تقدّم قوله: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.]

____________

1 و 2- تفسير القمي 2/ 133.

33

الآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏.

و في كتاب معاني الأخبار، (1) بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر قال:

سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نظر إلى عليّ و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- فبكى و قال: أنتم المستضعفون بعدي.

قال المفضّل: فقلت‏ (2) له: ما معنى ذلك يا ابن رسول اللَّه؟

قال: معناه: أنّكم الأئمّة من بعدي. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن عليّ بن عبد اللَّه بن أسد (4)، عن إبراهيم بن محمّد، عن يوسف بن كليب‏ (5) المسعوديّ، عن عمر بن عبد الغفّار بإسناده، عن ربيعة بن ناجد قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول‏ في هذه الآية، و قرأها قوله- عزّ و جلّ-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏ و قال: لتعطفنّ هذه الدّنيا على أهل البيت كما تعطف الضّروس على ولدها.

و قال- أيضا- (6) حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن يحيى بن صالح الجزيريّ‏ (7) بإسناده، عن أبي صالح، عن عليّ- (عليه السلام)‏- كذا قال في قوله- عزّ و جلّ-:

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة، لتعطفنّ علينا هذه الدّنيا كما تعطف الضّروس على ولدها.

و الضّروس: النّاقة يموت ولدها، أو يذبح. فيحشى جلده، فتدنو منه‏ (8) و تعطف عليه.

وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏: أرض مصر و الشّام. و أصل التّمكين، أن تجعل للشّي‏ء مكانا يتمكّن فيه. استعير للتّسليط و إطلاق الأمر.

وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ‏: من بني إسرائيل.

ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (6): من ذهاب ملكهم، و هلاكهم على يد مولود منهم.

____________

(1) معاني الأخبار/ 79، ح 1.

(2) ن: فقلنا.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 149.

(4) المصدر: علي بن عبد اللَّه بن راشد.

(5) المصدر، س، و أ: يوسف بن كلب.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: يحيى بن صالح الحريريّ.

(8) المصدر: فيدنوا منها.

32

كان منها (1): و أصبحت العرب تعرف القريش حقّها (2) بأن محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان منها [و أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمّدا كان منها] (3) [و أصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان منها] (4) و أصبحنا أهل البيت لا يعرف لنا حقّ. فهكذا أصبحنا، يا منهال.

و في مجمع البيان‏ (5): و قال سيّد العابدين عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: و الّذي بعث محمّدا بالحقّ بشيرا و نذيرا، إنّ الأبرار منّا أهل البيت و شيعتهم بمنزلة موسى و شيعته.

و إنّ عدوّنا و أشياعهم بمنزلة فرعون و أشياعه.

وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏ (5): لما كان في ملك فرعون و قومه.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: لتعطفنّ الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضّروس على ولدها. و تلا عقيب ذلك: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.

و في كتاب الغيبة (7) لشيخ الطّائفة- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليهم السلام)‏- في قوله: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. قال: هم آل محمّد يبعث‏ (8) اللَّه مهديّهم بعد جهدهم، فيعزّهم و يذلّ أعداءهم.

و في أصول الكافي‏ (9): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: نظر أبو جعفر- (عليه السلام)- إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- يمشي فقال: ترى هذا؟ هذا من الّذين قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.

و في أمالي الصّدوق‏ (10) 1 بإسناده إلى عليّ- (عليه السلام)- قال: هي لنا، أو فينا هذه‏

____________

(1) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: و أصحبت قريش تفتخر على العرب محمّدا كان منها.

(2) ن: حقا.

(3) ليس في المصدر.

(4) من م، ن، و المصدر.

(5) مجمع البيان 4/ 239.

(6) نهج البلاغة/ 506، حكمة 209.

(7) غيبة الطوسي/ 113.

(8) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

يبعثهم.

(9) الكافي 1/ 306، ح 1.

(10) أمالي الصدوق/ 387، ح 26.

27

سورة القصص مكّيّة.

و قيل‏ (1): إلّا قوله: إلا الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله [: لا نبتغي‏] (2) الجاهلين.

و هي ثمان و ثمانون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال بإسناده‏ (3) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الطوّاسين الثّلاثة في ليلة الجمعة (4)، كان من أولياء اللَّه و في جواره‏ (5) و كنفه. و لم يصبه في الدّنيا بؤس أبدا و أعطي في الآخرة (6) حتّى يرضى و فوق رضاه. و زوّجه اللَّه مائة زوجة من الحور العين.

[و في مجمع البيان‏ (7): و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ الطّواسين الثّلاث- و ذكر مثله، و زاد في آخره- و أسكنه اللَّه في جنّة] (8) عدن وسط الجنّة، مع النّبيّين و المرسلين و الوصيّين و الرّاشدين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 186.

(2) من المصدر.

(3) ثواب الأعمال/ 136.

(4) ن: يوم الجمعة.

(5) المصدر: جوار اللَّه.

(6) المصدر: في الآخرة من الجنة.

(7) مجمع البيان 4/ 183.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في م.

30

(1) علمنا أنّ المخاطبة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما وعد اللَّه به رسوله. فإنّما يكون بعده و الأئمّة يكونون من ولده. و إنّما ضرب اللَّه هذا المثل لهم في موسى و بني إسرائيل، و في أعدائهم بفرعون و هامان و جنودهما فقال: إنّ فرعون قتل بني إسرائيل، فظفر (2) اللَّه موسى بفرعون و أصحابه حتّى أهلكهم اللَّه. و كذلك أهل بيت رسول اللَّه أصابهم من أعدائهم القتل و الغصب، ثمّ يردّهم اللَّه و يردّ أعداءهم إلى الدّنيا حتّى يقتلوهم.

و في الكافي‏ (3)، بإسناده إلى حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا حفص، إنّ من صبر، صبر قليلا. و إنّ من جزع قليلا، إلى أن قال- (عليه السلام)-: ثمّ بشّر في عترته بالأئمّة و وصفوا بالصّبر، فقال- جلّ ثناؤه‏ (4)-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ. فعند ذلك قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: الصّبر من الإيمان، كالرّأس من الجسد. فشكر اللَّه- عزّ و جلّ- ذلك له، فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ‏ (5)-:

وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ [وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ. فقال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّه بشرى و انتقام.] (6)

[أقول: يجوز أن يكون المراد من ظاهر الآية، موسى و فرعون‏] (7) و من باطنه، أهل البيت و أعدائهم و قد مرّ أنّ للقرآن ظهرا و بطنا. و يدلّ عليه- أيضا- ما

رواه في أصول الكافي‏ (8) في كتاب فضل القرآن مسندا: عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر القرآن: و له ظهر و بطن. فظاهره حكم و باطنه علم. ظاهره أنيق و باطنه عميق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)، متّصلا بقوله: حتّى يقتلوهم. و قد ضرب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [في أعدائه‏] (10) مثلا، مثل ما ضربه اللَّه لهم في أعدائهم بفرعون و هامان. فقال: يا أيّها النّاس، إنّ أوّل من بغى على اللَّه- عزّ و جلّ- على وجه الأرض عناق بنت آدم- (عليه السلام)- خلق اللَّه لها عشرين إصبعا. لكلّ إصبع منها ظفران طويلان‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: «و ظلم من ظلمهم فأظفر» بدل «فظفر».

(3) الكافي 2/ 88- 89.

(4) السجدة/ 24.

(5) الأعراف/ 137.

(6) ليس في أ.

(7) ليس في أ.

(8) الكافي 2/ 559، ح 2 الذي أوّله في ص 598.

(9) تفسير القمي 2/ 134.

(10) ليس في المصدر.

28

أبيّ بن كعب، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- (1) قال: و من قرأ طسم القصص، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى و كذّب به. و لم يبق ملك في السّموات و الأرض، إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا. إنّ كلّ شي‏ء هالك إلّا وجهه.

و عن ابن عبّاس‏ (2) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أعطيت طه و الطوّاسين من ألواح موسى.

طسم‏ (1): قد مرّ بعض تفاسيره.

و في كتاب معاني الأخبار (3) بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن أبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل يقول- (عليه السلام)-: و أمّا طسم، فمعناه: أنا الطّالب السّميع، المبدئ المعيد.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ‏ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ وَ فِرْعَوْنَ‏:

بعض نبئهما. مفعول «نتلو».

بِالْحَقِ‏: محقّين صادقين.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (3): لأنّهم المنتفعون به‏ (4).

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ‏: استئناف مبيّن لذلك البعض. و الأرض، أرض مصر. يقال: علا علوّا: إذا تجبّر. و منه: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ‏ (5).

وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً: فرقا يشيعونه فيما يريد. أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته.

أو أصنافا في استخدامه، استعمل كلّ صنف في عمل. أو أحزابا، بأن أغرى بينهم العداوة كي لا يتّفقوا عليه.

يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ‏: و هم بني إسرائيل. و الجملة حال من فاعل «جعل». أو صفة «شيعا». أو استئناف. و قوله: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ‏: بدل منها.

و كان ذلك، لأنّ كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يده.

____________

(1) نفس المصدر 4/ 238.

(2) نفس المصدر 4/ 183.

(3) معاني الأخبار/ 22، ضمن حديث 1.

(4) أ، م: المشفعون.

س: المشبعون.

(5) القصص/ 83.

35

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. و صلّى على رسول اللَّه و أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- واحدا واحدا حتى انتهى إلى أبيه. فناولنيه أبو محمّد- (عليه السلام)- و قال: يا عمّة، ردّيه إلى أمّه حتّى‏ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏: بإلهام أو رؤيا.

أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ‏: بأن يحسّ به.

فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ‏: يريد النّيل.

وَ لا تَخافِي‏: عليه ضيعة و لا شدّة.

وَ لا تَحْزَنِي‏: لفراقه.

إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ‏: عن قريب بحيث تأمنين عليه.

وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (7): قيل‏ (1): روي أنّها لمّا ضربها الطّلق، دعت قابلة من الموكّلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها. فلمّا وقع موسى- (عليه السلام)- على الأرض، هالها نور بين عينيه و ارتعشت مفاصلها و دخل حبّه في قلبها بحيث منعها من السّعاية. فأرضعته ثلاثة أشهر. ثمّ ألحّ فرعون في طلب المواليد و اجتهد العيون في تفحّصها.

فأخذت له تابوتا، فقذفته في النّيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب‏ (3)، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ موسى لمّا حملت به أمّه، لم يظهر حملها إلّا عند وضعها له. و كان فرعون قد وكّل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهنّ. و ذلك، أنّه كان لمّا بلغه عن بني إسرائيل أنّهم يقولون: إنّه يولد فينا رجل يقال له: موسى بن عمران، يكون هلاك فرعون و أصحابه على يده: فقال فرعون عند ذلك:

لأقتلنّ ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون. و فرّق بين الرّجال و النّساء، و حبس الرّجال في المحابس. فلمّا وضعت أمّ موسى بموسى- (عليه السلام)- نظرت إليه و حزنت عليه و اغتمّت و بكت و قالت: يذبح السّاعة. فعطف اللَّه- عزّ و جلّ- قلب‏ (4) الموكّلة بها عليه، فقالت لأمّ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 187.

(2) تفسير القمي 2/ 135.

(3) المصدر: الحسين (الحسن ظ) بن محبوب.

(4) المصدر: بقلب.

34

و قرئ: «يرى» بالياء و فرعون و هامان، بالرّفع. (1)

و في كتاب إكمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى حكيمة قالت: فلمّا كان اليوم السّابع [من مولد القائم- (عليه السلام)-] (3) جئت إلى أبي محمّد- (عليه السلام)- فسلّمت عليه و جلست: فقال: هلمّي إليّ ابني فجئت بسيّدي- (عليه السلام)- و هو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى. (4) ثمّ أدلى لسانه في فيه كأنّما (5) يغذّيه لبنا أو عسلا. ثمّ قال:

تكلّم يا بنيّ.

فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه. و ثنّى بالصّلاة على محمّد و على أمير المؤمنين و على الأئمّة الطّاهرين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- حتّى وقف على أبيه- (عليه السلام)- ثمّ تلا هذه الآية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الغيبة (6) لشيخ الطّائفة- نوّر اللَّه مرقده- بإسناده إلى حكيمة، حديث طويل يذكر فيه مولد القائم- (عليه السلام)- يقول فيه‏ و قد ذكرت أمر القائم- (عليه السلام)- و جلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة. فقبضت على كفّي و غمزته‏ (7) غمزة شديدة.

ثمّ أنّت أنّه و تشهّدت. و نظرت تحتها، فإذا أنا بوليّ اللَّه- (صلوات اللّه عليه)- متلقّيا (8) الأرض بمساجده. فأخذت بكتفيه‏ (9) و أجلسته في حجري، و إذا هو نظيف مفروغ منه. فناداني أبو محمّد- (عليه السلام)- يا عمّة: هلمّي فآتيني بابني. فأتيته به، فتناوله. و أخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحهما، ثمّ أدخله في فيه فحنّكه، ثمّ أدخله في أذنيه. و أجلسه في راحته اليسرى، فاستوى وليّ اللَّه جالسا. فمسح يده على رأسه، و قال: يا بنّي، انطق بقدرة اللَّه. فاستعاذ وليّ اللَّه من الشّيطان الرّجيم و استفتح: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 187. و فيه: و قرأ حمزة و الكسائي «و يرى» بالياء، و «فرعون و هامان و جنودها» بالرفع.

(2) إكمال الدين و إتمام النعمة/ 425- 426.

(3) ليس في المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: كفعل الأول.

(5) المصدر: كأنه.

(6) غيبة الطوسي/ 141- 142.

(7) المصدر: غمزت.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: مستلقيا.

(9) م: بكفيه.

36

موسى- (عليه السلام)-: ما لك قد اصفرّ لونك؟

فقالت: أخاف أن يذبح ولدي.

فقال: لا تخافي و كان موسى لا يراه أحد إلّا أحبّه. و هو قول اللَّه- تعالى- (1):

وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏. فأحبّته القبطيّة الموكّلة بها. و أنزل اللَّه على أمّ‏ (2) موسى التّابوت، و نوديت أمّه ضعيه في التّابوت فاقذفيه في اليمّ، و هو البحر وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فوضعته في التّابوت، و أطبقته عليه، و ألقته في النّيل.

و في روضة الواعظين‏ (3) للمفيد- (رحمه اللّه)-: عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)- مخاطبا لجمع من الصّحابة: و علمتم أنّ موسى بن عمران- (عليه السلام)- كان فرعون في طلبه، يشقّ بطون الحوامل‏ (4) و يذبح الأطفال ليقتل موسى. فلمّا ولدته أمّه، أمرت أن تأخذه من تحتها و تقذفه في التّابوت و تلقي التّابوت‏ (5) في اليّم‏ (6).

فقالت و هي ذعرة من كلامه: يا بنيّ إنّي أخاف عليك الغرق.

فقال لها: لا تحزني، إنّ اللَّه رادّني إليك. فبقيت حيرانة حتّى كلّمها موسى- (عليه السلام)- فقال لها: يا أمّ اقذفيني في التّابوت، و ألقي التّابوت في اليّم. ففعلت ما أمرت به. فبقي في التّابوت في اليّم إلى أن قذفه‏ (7) في السّاحل و ردّه إلى أمّه برمّته، لا يطعم طعاما و لا يشرب شرابا معصوما.

و روي أنّ المدّة كانت سبعين يوما. و روي: بسبعة أشهر.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: أمّا مولد موسى- (عليه السلام)- فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده، أمر بإحضار

____________

(1) طه/ 39.

(2) ليس في المصدر.

(3) روضة الواعظين/ 82- 83.

(4) المصدر: «يبقر بطون النساء الحوامل» بدل «يشق بطون الحوامل.»

(5) بالتابوت.

(6) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: «فبقيت حيرانة حتى كلّمها موسى و قال لها: يا أمّ اقذفيني في التابوت و ألقي التابوت في اليم» و هذا الكلام يأتي بعد قليل بلفظه و لعل لا داعي له.

(7) م: قذف.

(8) كمال الدين و تمام النعمة/ 354، ضمن حديث 50.

37

الكهنة. فدلّوه على نسبه، و أنّه يكون من بني إسرائيل. و لم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل، حتّى قتل في طلبه نيفا و عشرين ألف مولود. و تعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى- (عليه السلام)- بحفظ اللَّه- تبارك و تعالى- إيّاه.

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً: تعليل لالتقاطهم إيّاه بما هو عاقبته و مؤدّاه، تشبيها له بالغرض الحامل عليه. و قراءة حمزة و الكسائيّ: حزنا.

(1) إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ‏ (8): في كلّ شي‏ء. فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجله، ثمّ أخذوه يربّونه ليكبر و يفعل بهم ما كانوا يحذرون. أو قتلوا مذنبين، فعاقبهم اللَّه بأن ربّى عدوّهم على أيديهم. فالجملة اعتراض، لتأكيد خطئهم. أو لبيان الموجب، لما ابتلوا به.

و قرئ: خاطين. على التّخفيف، أي: خاطين الصّواب إلى الخطاء. (2).

وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ‏: أي: لفرعون. حين أخرجته من التّابوت.

قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ‏: هو قرّة عين لنا. لأنّهما لمّا رأياه و أخرج من التّابوت أحبّاه.

قيل: أو لأنّه كانت له ابنة برصاء، و عالجها الأطباء بريق حيوان بحريّ يشبه الإنسان. فلطخت برصعا بريقه، فبرئت.

لا تَقْتُلُوهُ‏: خطاب بلفظ الجمع، للتّعظيم.

و في مجمع البيان‏ (3): قال ابن عبّاس: إنّ أصحاب فرعون لمّا علموا بموسى، جاءوا ليقتلوه. فمنعتهم و قالت لفرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ‏ [قال فرعون: قرّة عين لك، و أمّا لي فلا قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (4) و الّذي يحلف به، لو أقرّ فرعون بأن يكون له قرّة عين كما أقرّت امرأته لهداه اللَّه به كما هداها. و لكنّه أبى للشّقاء الّذي كتبه اللَّه عليه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ يوسف بن يعقوب- (عليه السلام)- حين حضرته الوفاة جمع آل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 187.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) مجمع البيان 4/ 241.

(4) ليس في ن.

(5) كمال الدين و تمام النعمة/ 147- 149، صدر حديث 13.

38

يعقوب، و هم ثمانون رجلا فقال: إنّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم و يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ‏، و إنّما ينجيكم اللَّه من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب، اسمه موسى بن عمران- (عليه السلام)- غلام طوال جعد أدم. فجعل الرّجل من بني إسرائيل يسمّي ابنه عمران و يسمّي عمران ابنه موسى.

فذكر أبان بن عثمان‏ (1)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: ما خرج موسى حتّى خرج قبله خمسون كذّابا من بني إسرائيل، كلّهم يدّعي أنّه موسى بن عمران فبلغ فرعون أنّهم يرجفون به و يطلبون هذا الغلام. فقال له كهنته و سحرته: إنّ هلاك دينك و قومك على يدي هذا الغلام، الّذي يولد العام من بني إسرائيل. فوضع القوابل على النّساء و قال: لا يولد العام غلام‏ (2) إلّا ذبح. و وضع على أمّ موسى قابلة. فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان و استحيى النّساء هلكنا فلم نبق، فتعالوا لا نقرب النّساء.

فقال عمران أبو موسى- (عليه السلام)-: بل ائتوهنّ‏ (3)، فإنّ أمر اللَّه واقع و لو كره المشركون. اللّهمّ من حرّمه، فإنّي لا أحرّمه. و من تركه، فإنّي لا أتركه. و وقع على أمّ موسى فحملت به. فوضع على أمّ موسى قابلة تحرسها، إذا قامت قامت، و إذا قعدت قعدت. فلمّا حملته أمّه وقعت عليها المحبّة، و كذلك حجج اللَّه على خلقه.

فقالت لها القابلة: ما لك يا بنيّة تصفرّين و تذوبين؟

قالت: لا تلوميني، فإنّي إذا ولدت أخذ ولدي فيذبح‏ (4).

قالت: لا تحزني، فإنّي سوف أكتم عليك. فلم تصدّقها. فلمّا أن ولدت التفتت إليها و هي مقبلة، فقالت: ما شاء اللَّه. فقالت لها: ألم أقل: إنّي سوف أكتم عليك. ثمّ حملته فأدخلته المخدع و أصلحت أمره. ثمّ خرجت إلى الحرس فقالت: انصرفوا- و كانوا على الباب- فإنّما خرج دم مقطّع‏ (5). فانصرفوا فأرضعته. فلمّا خافت عليه الصّوت، أوحى اللَّه إليها: أن اعملي التّابوت، ثمّ اجعليه فيه، ثمّ أخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر. فوضعته في التّابوت، ثمّ دفعته في اليمّ. فجعل يرجع إليها، و جعلت تدفعه في الغمر، و أنّ الرّيح ضربته فانطلقت‏

____________

(1) المصدر: فذكر أبان بن عثمان عن أبي الحسين.

(2) المصدر: ولد.

(3) المصدر: باشروهنّ.

(4) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

فذبح.

(5) المصدر: منقطع.

39

به. فلمّا رأته قد ذهب به الماء، همّت أن تصيح، فربط اللَّه على قلبها.

قال: و كانت المرأة الصّالحة امرأة فرعون من بني إسرائيل. قالت لفرعون: إنّها أيّام الرّبيع، فأخرجني و اضرب لي قبّة على شطّ النّيل حتّى أتنزه هذه الأيّام. فضربت لها قبّة على شطّ النّيل، إذ أقبل التّابوت يريدها. فقالت: هل ترون ما أرى على الماء؟

قالوا: إي و اللَّه يا سيّدتنا، إنّا لنرى شيئا.

فلمّا دنا منها سادت‏ (1) إلى الماء فتناولته بيدها. و كان الماء يغمرها، حتّى تصايحوا عليها فجذبته‏ (2) و أخرجته من الماء. فأخذته فوضعته في حجرها، فإذا هو غلام أجمل النّاس و أسرّهم. (3) فوقعت عليها منه محبّة. فوضعته في حجرها و قالت: هذا ابني.

فقالوا: إي و اللَّه يا سيّدتنا، و اللَّه مالك ولد و لا للملك فاتّخذي هذا ولدا.

فقامت إلى فرعون و قالت: إنّي أصبت غلاما طيّبا حلوا نتّخذه ولدا، فيكون قرّة عين لي و لك، فلا تقتله.

فقال: و من أين هذا الغلام؟

فقالت: و اللَّه، ما أدري إلّا أنّ الماء قد جاء به. فلم تزل به حتّى رضي. فلمّا سمع النّاس أنّ الملك قد تبنّى ابنا، لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلّا بعث إليه امرأته لتكون له ظئرا (4) و تحضنه. فأبي أن يأخذ من امرأة منهنّ ثديا.

فقالت امرأة فرعون: اطلبوا لابني ظئرا، و لا تحقّروا (5) أحدا. فجعل لا يقبل من امرأة منهنّ.

فقالت أمّ موسى لأخته: قصّيه انظري أ ترين له أثرا.

فانطلقت حتّى أتت باب الملك، فقالت: قد بلغني أنّكم تطلبون ظئرا، و هاهنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم و تكفله لكم.

فقالت: ادخلوها. فلمّا دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممّن أنت؟

قالت: امرأة من بني إسرائيل.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

ثارت.

(2) س، و أ: فأخذته.

(3) المصدر: أسترهم.

(4) المصدر: أو.

(5) هكذا في م، ن، و المصدر. و في سائر النسخ:

تحضروا.

40

قالت: اذهبي يا بنيّة، فليس لنا فيك حاجة.

فقالت‏ (1) لها النّساء: انظري- عافاك اللَّه- يقبل أم لا.

فقالت امرأة فرعون: أرأيتم لو قبل، هل يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل و المرأة من بني إسرائيل، تعني‏ (2) الظّئر. فلا يرضى.

قلن: فانظري يقبل أو لا (3).

قالت امرأة فرعون: فاذهبي فادعيها.

فجاءت إلى أمّها و قالت: إنّ امرأة الملك تدعوك. فدخلت عليها. فدفع إليها موسى، فوضعته في حجرها، ثمّ ألقمته‏ (4) ثديها، فازدحم اللّبن في حلقه. فلمّا رأت امرأة فرعون أنّ ابنها قد قبل، قامت إلى فرعون فقالت: إنّي قد أصبت لابني ظئرا و قد قبل منها.

فقال: ممّن هي؟

قالت: من بني إسرائيل.

قال فرعون: هذا ممّا لا يكون أبدا، الغلام من بني إسرائيل و الظّئر من بني إسرائيل. فلم تزل تكلّمه فيه و تقول: لا تخف‏ (5) من هذا الغلام، إنّما هو ابنك ينشأ في حجرك. حتّى قلبته عن رأيه و رضي.

عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا: فإنّ فيه فحايل اليمن و دلائل النّفع.

قيل‏ (6): و ذلك لما رأت من نور بين عينيه، و ارتضاعه إبهامه لبنا، و برء البرصاء بريقه.

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً: أو نتبنّاه. فإنّه أهل له.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (9): حال، من الملتقطين. أو من القائلة و المقول له «و هم لا يشعرون» أنّهم على الخطأ في التقاطه. أو في طمع النّفع منه و التّبنّي له. أو من مفعول «ينفعنا». أو فاعل «نتّخذه».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7) متّصلا بقوله: و ألقته في النّيل- الخبر الّذي نقلنا عنه أوّلا- و كان لفرعون قصر على شط النّيل منتزها (8) فنظر من قصره و معه آسية امرأته إلى سواد في‏

____________

(1) المصدر: فقلن.

(2) المصدر: يعني.

(3) المصدر: أو لا يقبل.

(4) م: و التقمت.

(5) المصدر: ما تخاف.

(6) أنوار التنزيل 2/ 188.

(7) تفسير القمي 2/ 135.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: منزّها.

42

وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏ (12): لا يقصّرون إرضاعه و تربيته.

نقل: أنّ هامان لمّا سمعها قال: إنّها لتعرفه و أهله، خذوها تخبر بحاله. فقالت: إنّما أردت، و هم للملك ناصحون. فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله. فأتت بأمّها، و موسى على يد فرعون يبكي و هو يعلّله. فلمّا وجد ريحها، استانس و التقم ثديها.

فقال لها: من أنت منه، فقد أبى كلّ ثدي إلّا ثديك؟

فقالت: امرأة طيّبة الرّيح طيّبة اللّبن، لا أؤتى بصبيّ إلّا قبلني. فدفعه إليها، و أجرى عليها. فرجعت به إلى بيتها من يومها، و هو قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بولدها.

[و في جوامع الجامع‏ (1): و روي أنّها لمّا قالت: وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏ قال هامان: إنّها لتعرفه و تعرف أهله. فقالت: إنّما أردت، و هم للملك ناصحون‏] (2) و لا تحزن بفراقه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة، (3) بإسناده إلى حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عمّة أبي محمّد الحسن- (عليهما السلام)- أنّها قالت: كنت عند أبي محمّد- (عليه السلام)- فقال: بيتي اللّيلة عندنا. فإنّه سيولد اللّيلة المولود الكريم على اللَّه- عزّ و جلّ- يحيي به اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض بعد موتها.

فقلت: ممّن يا سيّدي، و لست أرى بنرجس شيئا من أثر الحبل؟

فقال: من نرجس لا من غيرها.

قالت: فوثبت إليها فقلّبتها ظهرا لبطن، فلم أر بها أثر الحبل. فعدت إليه- (عليه السلام)- فأخبرته بما فعلت. فتبسّم، ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر، يظهر لك بها الحبل لأنّ مثلها مثل أمّ موسى لم يظهر بها الحبل و لم يعلم لها أحد إلى وقت ولادتها. لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى، و هذا نظير موسى- (عليه السلام).

و قالت حكيمة في أواخر هذا الحديث: لمّا ولد القائم- (عليه السلام)- صاح‏ (4) بي أبو محمّد- (عليه السلام)- فقال: يا عمّتاه‏ (5) هاتيه. فتناولته و أتيت به نحوه. فلمّا مثلته بين يدي‏

____________

(1) جوامع الجامع/ 343.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ن. و توجد في سائر النسخ بعد هذه العبارة: «و لا تحزن بفراقه».

و الظاهر أنّها زائدة.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 427- 429.

(4) المصدر: فصاح.

(5) المصدر: يا عمة تناوليه و.

41

النّيل، ترفعه الأمواج و الرّياح تضربه حتّى جاءت به إلى باب قصر فرعون. فأمر فرعون بأخذه. فأخذ التّابوت، و رفع إليه. فلمّا فتحه، وجد فيه صبيّا فقال: هذا إسرائيليّ. فألقى اللَّه في قلب فرعون لموسى محبّة شديدة، و كذلك في قلب آسية- رحمة اللَّه عليها- و أراد فرعون أن يقتله. فقالت آسية: لا تقتله‏ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ أنّه موسى.

وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً: صفرا من العقل. لما دهمها من الخوف و الحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله‏ (1): وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ، أي: خلاء، لا عقول فيها.

و يؤيّده أنّه قرئ: «فرغا» من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ، أي هدر. أو من الهمّ و الغمّ، لفرط وثوقها بوعد اللَّه. أو لسماعها أنّ فرعون عطف عليه و تبّناه. و قرئ: «موسى» إجراء للضّمّة جار الواو مجرى ضمّتها في استدعاء همزة (2) إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ‏: إنّها كادت لتظهر بموسى، أي: بأمره و قصّته. من فرط الضّجر، أو الفرح بتبنّيه.

لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها: بالصّبر و الثّبات.

لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (10): من المصدّقين بوعد اللَّه. أو من الواثقين بحفظه لا لتبنّي فرعون و تعطّفه. و هو علّة الرّبط. و جواب «لولا» محذوف، دلّ عليه ما قبله.

وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ‏: مريم.

قُصِّيهِ‏: اتّبعي أثره، و تتبّعي خبره.

فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏: عن بعد.

و قرئ: «عن جانب، و عن جنب»، و هو بمعناه. (3) وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (11): أنّها تقصّ. أو أنّها أخته.

وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ‏: و منعناه أن يرتضع من المرضعات. جمع، مرضع.

و هو الرّضاع. أو موضعه، يعني: الثّدي.

مِنْ قَبْلُ‏: من قبل قصّها أثره.

فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ‏: لأجلكم.

____________

(1) إبراهيم/ 43.

(2) أنوار التنزيل 2/ 188.

(3) نفس المصدر و الموضع.

43

أبيه و هو على يدي سلّم على أبيه. فتناوله الحسن- (عليه السلام)- منّي و الطّير ترفرف على رأسه‏ (1). فصاح بطير منها فقال: أحمله و أحفظه، و ردّه إلينا في كلّ أربعين يوما. فتناوله الطّير و طار به في جوّ السّماء، و اتّبعه سائر الطّير. فسمعت أبا محمّد- (عليه السلام)- يقول: أستودعك‏ (2) الّذي أودعته أمّ موسى‏ (3). فبكت نرجس. فقال: اسكتي، فإنّ الرّضاع محرّم عليه إلّا من ثديك. و سيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمّه. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ‏.

فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها: بولدها.

وَ لا تَحْزَنَ‏: بفراقه.

وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏: علم المشاهدة.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (13): أنّ وعده حقّ، فيرتابون فيه. أو أنّ الغرض الأصليّ من الرّدّ، علمها بذلك. و ما سواه تبع. و فيه تعريض بما فرط منها، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم، (4) متّصلا بقوله: [إنّه موسى‏] (5) و لم يكن لفرعون ولد.

فقال: اطلبوا له‏ (6) ظئرا تربّيه. فجاءوا بعدّة نساء قد قتل أولادهنّ، فلم يشرب لبن أحد من النّساء و هو قول اللَّه- تعالى-: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ‏ و بلغ أمّه أنّ فرعون قد أخذه، فحزنت و بكت كما قال اللَّه- تعالى-: وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً [إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ‏ قال‏] (7): يعني: (8) كادت أن تخبر بخبره. أو تموت، ثمّ حفظت‏ (9) نفسها كما قال اللَّه- تعالى-: لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. ثمّ‏ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ‏، أي: اتّبعيه. فجاءت أخته إليه‏ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏، أي: عن بعد. وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ. فلمّا لم يقبل موسى بأخذ (10) ثدي أحد من النّساء، اغتمّ فرعون غمّا شديدا.

____________

(1) «و الطير ترفرف على رأسه» في المصدر، بين المعقوفتين و بعدها توجد: و ناوله لسانه فشرب منه.

ثمّ قال: امضى به إلى أمّه لترضعه و ردّيه إليّ.

قالت: فتناولته أمّه. فأرضعته. فرددته إلى أبي محمّد- (عليه السلام)-.

(2) المصدر: استودعك اللَّه.

(3) المصدر: أمّ موسى موسى.

(4) تفسير القمي 2/ 135- 136.

(5) ليس في النسخ.

(6) المصدر: «ائتوا» بدل «اطلبوا له».

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: ضبطت.

(10) ليس في المصدر و م.

44

فقالت أخته: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ. فقال: نعم.

فجاءت بأمّه. فلمّا أخذته في حجرها و ألقمته ثديها، التقمه و شرب. ففرح فرعون و أهله، و أكرموا أمّه. فقالوا لها: ربّيه لنا، و لك عن الكرامة ما تختارين‏ (1) و ذلك قول اللَّه- تعالى-:

فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

و فيه قال الرّاوي: فقلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: فكم مكث موسى غائبا عن أمّه، حتّى ردّه اللَّه عليها؟

قال: ثلاثة أيّام.

و فيه متّصلا بقوله: وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. قريب آخر ما نقلناه عنه قريبا:

و كان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلّما يلدون، و يربّي موسى و يكرمه. و هو لا يعلم أنّ هلاكه على يده. فلمّا درج موسى، كان يوما عند فرعون. فعطس موسى فقال: الحمد للَّه ربّ العالمين. فأنكر فرعون ذلك‏ (2) عليه، و لطمه و قال: ما هذا الّذي تقول؟ فوثب موسى على لحيته- و كان طويل اللّحية- فهلبها، أي: قلعها. فألمه ألما شديدا. (3) فهمّ فرعون بقتله.

فقالت له امرأته: هذا غلام حدث لا يدري ما يقول [و قد لطمته بلطمتك إيّاه‏] (4) فقال فرعون: بلى يدري.

فقالت امرأته‏ (5): ضع بين يديه تمرا و جمرا. فإن ميّز بينهما (6)، فهو الّذي تقول.

فوضع بين يديه تمرا و جمرا، و قال له: كل. فمدّ يد إلى التّمر. فجاء جبرائيل- (عليه السلام)- فصرفها إلى الجمر. فأخذ الجمر في فيه، فاحترق لسانه و صاح و بكى.

فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك: إنّه لم يعقل‏ (7)؟ فعفا عنه.

وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏: مبلغه الّذي لا يزيد عليه نشؤه. و ذلك، من ثلاثين إلى أربعين سنة. فإنّ العقل يكمل حينئذ.

____________

(1) المصدر: «فانّا نفعل بك ما نفعل» بدل «و لك من الكرامة ما تختارين.»

(2) ليس في المصدر.

(3) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: بلطمته إيّاه.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر. و في النسخ: له.

(6) من المصدر. و في النسخ: التمر و الجمر.

(7) المصدر: لا يعقل.

45

و

روي: أنّه لم يبعث نبيّ، إلّا على رأس الأربعين‏ (1).

وَ اسْتَوى‏: قدّه أو عقله.

و في مجمع البيان‏ (2): لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏، أي: ثلاثا و ثلاثين سنة. «و استوى»، أي:

بلغ أربعين سنة. عن مجاهد و قتادة و ابن عبّاس.

و في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن عبد اللَّه بن رباط، عن محمّد بن النّعمان الأحوال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‏ (4) قال: «أشدّه» ثماني عشرة سنة. «و استوى» التحى.

آتَيْناهُ حُكْماً: نبوّة.

وَ عِلْماً.

قيل‏ (5): علما بالدّين. أو علم الحكماء و العلماء و سمتهم قبل استنبائه، فلا يقول و لا يفعل ما يستجهل فيه. و هو أوفق لنظم القصّة، لأنّ الاستنباء (6) بعدا الهجرة في المراجعة.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك، الّذي فعلنا بموسى و أمّه.

نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏ (14): على إحسانهم.

وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ قيل‏ (7): دخل مصر آتيا من قصر فرعون.

و قيل‏ (8): مدينة (9) منف [من أرض مصر] (10). أو حائين‏ (11). أو عين الشّمس من نواحيها.

عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها: في وقت لا يعتاد دخولها، و لا يتوقّعونه فيه.

قيل‏ (12): كان وقت القيلولة. و قيل: بين العشاءين و قيل‏ (13): كان يوم عيد لهم، و قد

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 189.

(2) مجمع البيان 4/ 243.

(3) معاني الأخبار/ 226، ح 1.

(4) ذكر في المصدر بقية الاية.

(5) أنوار التنزيل 2/ 189.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: لأنّه استنباءه.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: من.

(10) ليس في المصدر.

(11) المصدر: حابين.

(12) نفس المصدر و الموضع.

(13) مجمع البيان 4/ 243.

46

اشتغلوا بلعبهم.

و في مجمع البيان‏ (1): و اختلفوا في سبب دخوله المدينة في هذا الوقت على أقوال:

أحدها: أنّه كان موسى حين كبر يركب في مراكب‏ (2) فرعون. فلمّا جاء ذات يوم قيل له: إنّ فرعون قد ركب. فركب في أثره. فلمّا كان وقت القائلة، دخل المدينة ليقيل. عن السّديّ.

و الثّاني: أنّ بني إسرائيل كانوا يجتمعون إلى موسى و يسمعون كلامه. و لمّا بلغ أشدّه، خالف قوم فرعون. فاشتهر ذلك منه، فأخافوه. فكان لا يدخل مصر، إلّا قائلين‏ (3).

فدخلها على حين غفلة. عن ابن إسحاق.

و الثّالث: أنّ فرعون أمر بإخراجه من البلد، فلم يدخله إلّا الآن. عن ابن زيد.

فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ‏: أحدهما ممّن شايعه على دينه، و هم بنو إسرائيل. و الآخر من مخالفيه، و هم القبط. قيل‏ (4): يسخرّ القبطيّ الإسرائيليّ ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون.

و الإشارة على الحكاية.

فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏: فسأله أن يغيثه بالإعانة. و لذلك عدّي ب «على» و قرئ: استعانه. (5) فَوَكَزَهُ مُوسى‏: فضرب القبطيّ. بجميع كفّه.

و قرئ: فلكزه، أي: فضرب به صدره‏ (6).

و قيل‏ (7): ضربه بعصاه.

فَقَضى‏ عَلَيْهِ‏: فقتله. و أصله: أنهى حياته. من قوله‏ (8): وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ (9).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: مواكب.

(3) المصدر و م: خائفا.

(4) نفس المصدر 4/ 243- 244.

(5) أنوار التنزيل 2/ 189.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 244.

(8) الحجر/ 66

(9) يوجد في هامش نسخة م: قيل: الذي كان من شيعته هو السامريّ و الاخر طبّاخ فرعون سمعت من م ق ر- ره. قيل: خبّاز فرعون و اسمه خاتون. ف.

47

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال فلم يزل موسى- (عليه السلام)- عند فرعون في أكرم كرامة، حتّى بلغ مبلغ الرّجال. و كان ينكر عليه ما يتكلّم به موسى- (عليه السلام)- من التّوحيد، حتّى همّ به. فخرج موسى من عنده و دخل المدينة، فإذا رجلان يقتتلان. أحدهما يقول بقول موسى، و الآخر يقول بقول فرعون. فاستغاثه الّذي من شيعته. فجاء موسى، فوكز صاحب فرعون، فقضى عليه و توارى في المدينة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: ليهنكم الاسم. قال: قلت: و ما الاسم؟

قال: الشّيعة. أما سمعت- سبحانه- يقول: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏.

قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏: أي: بسببه. حتّى هيّج‏ (3) غضبي، فضربته.

و سمّاه ظلما. و استغفر عنه على عادتهم في استعظام محقّرات فرطت منهم.

و قيل‏ (4): إنّ الأمر الّذي وقع القتل بسببه من عمل الشّيطان، أي: حصل بوسوسة الشّيطان‏ (5).

و ذكر السّيّد المرتضى- قدّس روحه- فيه وجهين آخرين‏ (6):

أحدهما: أنّه أراد أن تزيّن الشّيطان قتلي له، و تركي لما ندبت إليه من تأخّره و تفويته‏ (7) ما أستحقّه عليه من الثّواب «من عمل الشّيطان».

و الآخر: أنّه يريد أنّ عمل المقتول «من عمل الشّيطان» يبيّن أنّه مخالف للَّه- تعالى- مستحقّ [للقتل.

و هاهنا سؤال و هو: إنّ هذا القتل لا يخلو من أن يكون مستحقّا، أو غير مستحقّ.] (8) فإن كان غير مستحقّ، فالأنبياء لا يجوز عليهم ذلك عندكم لا قبل النّبوّة و لا بعدها. و إن كان مستحقّا، فلا معنى لندمه عليه و استغفاره منه.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 137.

(2) مجمع البيان 4/ 244.

(3) م: يهّيج‏

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) يوجد في هامش نسخة م: و يحتمل- و اللَّه يعلم- أن يكون مرجع هذا العدوّ، كقوله تعالى:

إنّه عمل غير صالح. جعفر.

(6) تنزيه الأنبياء/ 68.

(7) المصدر: تأخيره و تفويتي.

(8) ليس في أ.

48

و الجواب: إنّ القتل إنّما وقع على سبيل تخليص المؤمن من يد من أراد ظلمه، و البغي عليه، و دفع مكروهه عنه. و لم يكن مقصودا في نفسه. و كلّ ألم وقع على هذا الوجه، فهو حسن غير قبيح. سواء كان القاتل مدافعا عن نفسه، أو عن غيره. و الوجه في ندمه و استغفاره‏ (1) ما ذكر.

إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏ (15): ظاهر العداوة.

قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي‏: بقتله. فإنّهم لو علموا ذلك، لقتلوني.

و قال المرتضى- (رحمه اللّه)- (2): إنّما قال على سبيل الانقطاع و الرّجوع إلى اللَّه- تعالى- و الاعتراف بالتّقصير عن حقوق نعمه [و إن لم يكن هناك ذنب.] (3) أو من حيث حرم نفسه الثّواب‏ (4) المستحق بفعل النّدب.

فَاغْفِرْ لِي‏: معناه، معنى قول آدم- (عليه السلام)-: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (5).

فَغَفَرَ لَهُ‏: قبل استغفاره.

إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ: لعباده.

الرَّحِيمُ‏ (16): بهم.

قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ‏: قسم محذوف الجواب، أي: أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة و غيرها، لأتوبن.

فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ (17): أو استعطاف، أي: بحقّ إنعامك عليّ اعصمني، فلن أكون معينا لمن أدّت معاونته إلى جرم.

و عن ابن عبّاس‏ (6): إنّه لم (يستثن و ابتلي) به مرّة أخرى.

و قيل‏ (7): معناه: أنعمت عليّ من القوّة أعين أوليائك، فلن أستعملها في مظاهرة أعدائك.

و في هذا دلالة، على أنّ مظاهرة المجرمين جرم و معصية، و مظاهرة المؤمنين طاعة.

____________

(1) المصدر: «استغفاره منه و ندمه عليه» بدل «ندمه و استغفاره.»

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) الأعراف/ 23.

(6) أنوار التنزيل 2/ 189.

(7) نفس المصدر و الموضع.

49

و إنّما ظاهر موسى- (عليه السلام)- من ظاهره الإيمان و خالف من ظاهره الكفر.

و جاء في الأثر: أنّ رجلا قال لعطاء بن أبي رباح: إنّ فلانا يكتب لفلان، و لا يزيد على كتبه دخله و خرجه، و إن أخذ منه أجرا، كان له غنى. و إن يأخذ، اشتدّ فقره‏ (1) و كثر عياله.

فقال عطاء: أما سمعت قول الرّجل الصّالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ (2).

فَأَصْبَحَ‏ في اليوم الثّاني.

فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً: من قتل القبطيّ. يَتَرَقَّبُ‏: يترصّد الاستقادة.

فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏: يستغيثه. مشتقّ من الصّراخ. معناه: أنّ الإسرائيليّ الّذي قد كان خلّصه بالأمس و وكز القبطيّ لأجله، يستصرخ موسى، فليستعين به على رجل آخر من القبط خاصمه.

قال ابن عبّاس: (3) لمّا فشا [أمر] (4) قتل القبطيّ، قيل لفرعون: إنّ بني إسرائيل قتلت منّا رجلا.

قال: أ تعرفون من قاتله، و من يشهد عليه؟

قالوا لا. فأمرهم بطلبه. فبيناهم يطوفون، إذ مرّ موسى من الغد الى ذلك الإسرائيليّ يطلب نصرته و يستغيث به.

قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ (18): بيّن الغواية. لأنّك تسبّبت لقتل رجل، و تقاتل آخر مع كثرة آل فرعون. و لم يرد الغواية في الدّين.

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما: لموسى و لإسرائيليّ. لأنّه لم يكن على دينهما. و لأنّ القبط كانوا أعداء بني إسرائيل.

قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ‏: قاله الإسرائيليّ. لأنّه لمّا سمّاه غويّا، ظنّ أنّه يبطش عليه. أو القبطيّ. كأنّه توهّم من قوله، أنّه الّذي قتل القبطيّ بالأمس لهذا الإسرائيليّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصل بقوله: في المدينة. فلمّا كان من الغد، جاء آخر

____________

(1) المصدر: فقر.

(2) مجمع البيان 4/ 245.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) من المصدر.

(5) تفسير القمي 2/ 137.

50

فتشبّث بذلك الرّجل الّذي يقول بقول موسى- (عليه السلام)- فاستغاث بموسى. فلمّا نظر صاحبه إلى موسى قال له: أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي، كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ‏. فخلّى عن صاحبه و هرب.

إِنْ تُرِيدُ: ما تريد.

إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ‏: تتطاول على النّاس، و لا تنظر العواقب.

وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏ (19): بين النّاس. فتدفع التّخاصم بالّتي هي أحسن. و لمّا قال هذا، انتشر الحديث و ارتقى إلى فرعون و ملائه، فهمّوا بقتله.

فخرج مؤمن آل فرعون- و هو ابن عمّ فرعون- اسمه حزقيل.

و قيل‏ (1): رجل اسمه شمعون.

و قيل: شمعان‏ (2). ليخبر موسى كما قال: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏: يسرع. صفة الرّجل. أو حال منه، إذا جعل‏ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ صفة له لا صلة «لجاء». لأنّ تخصيصه بها يلحقه بالمعارف.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، متّصلا بقوله: حتّى قلبته عن رأيه و رضي- آخر ما نقلنا عنه قريبا- فنشأ موسى في آل فرعون. و كتمت أمّه خبره، و أخته و القابلة، حتّى هلكت أمّه و القابلة الّتي قبلته. فنشاء- (عليه السلام)- لا يعلم به بنو إسرائيل.

قال: و كانت بنو إسرائيل تطلبه و تسأل عنه، فيعمى عليهم خبره. قال: فبلغ فرعون، أنّهم يطلبونه و يسألون عنه. فأرسل إليهم و زاد عليهم في العذاب‏ (4)، و فرّق بينهم، و نهاهم عن الإخبار به و السّؤال عنه.

قال: فخرجت بنو إسرائيل ذات ليلة مقمرة إلى شيخ لهم عنده علم فقالوا: قد كنّا نستريج إلى الأحاديث، فحتّى متى و إلى متن نحن في هذا البلاء؟

قال: و اللَّه، إنّكم لا تزالون فيه حتّى يجيئ اللَّه- تعالى ذكره- بغلام من ولد لاوي بن يعقوب، اسمه موسى بن عمران، غلام طوال جعد. فبينا هم كذلك، إذ أقبل موسى- (عليه السلام)- [يسير على بغلة حتّى وقف عليهم. فرفع الشّيخ رأسه فعرفه بالصفة،

____________

(1) مجمع البيان 4/ 246.

(2) المصدر: سمعان.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 149- 150.

(4) المصدر: «فزاد في العذاب عليهم» بدل «و زاد عليهم في العذاب.»

51

فقال له: ما اسمك- يرحمك اللَّه؟ قال: موسى.] (1) قال: ابن من؟

قال: ابن عمران.

قال: فوثب إليه الشّيخ، فأخذ بيده فقبّلها. فثاروا إلى رجله فقبّلوها. فعرفهم و عرفوه، و اتّخذهم شيعة. فمكث بعد ذلك ما شاء اللَّه، ثمّ خرج فدخل مدينة لفرعون فيها رجل من شيعته يقاتل رجلا من آل فرعون من القبط. فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه القبطيّ، فوكزه موسى فقضى عليه. و كان موسى- (عليه السلام)- قد أعطي بسطة في الجسم، و شدّة في البطش. فذكره النّاس و شاع أمره، و قالوا: إنّ موسى- (عليه السلام)- قتل رجلا من آل فرعون. فأصبح في المدينة خائفا يترقّب. فلمّا أصبحوا من الغد، إذا الرّجل الّذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر «ف قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ بالأمس رجل و اليوم رجل‏ فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى محمّد بن الجهم‏ (3) قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)- [فقال له المأمون: يا ابن رسول اللَّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟

قال: بلى.

قال: فأخبرني عن قول اللَّه- تعالى-] (4) فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏.

قال الرّضا- (عليه السلام)- إنّ موسى- (عليه السلام)- دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها. و ذلك بين المغرب و العشاء فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏- (عليه السلام)- على العدوّ بحكم اللَّه- تعالى ذكره- فوكزه فمات‏ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏، يعنى: الاقتتال الّذي كان وقع بين الرّجلين، لا ما فعله موسى- (عليه السلام)-

____________

(1) ليس في ن و س.

(2) عيون الأخبار 1/ 198- 199، و أول الحديث في ص 195.

(3) المصدر: على بن محمد بن الجهم.

(4) ليس في أ.

52

من قتله. «انّه»، يعني: الشّيطان. عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏.

قال المأمون: فما معنى قول موسى- (عليه السلام)-: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي؟ قال: يقول: وضعت نفسي غير موضعها (بدخول) (1) هذه المدينة. فَاغْفِرْ لِي‏، أي:

استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي، فيقتلوني. فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ قال موسى:

رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ‏ من القوّة حتّى قتلت رجلا بوكزه. فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ بل أجاهدهم‏ (2) في سبيلك بهذه القوّة حتّى ترضى. «فأصبح» موسى- (عليه السلام)- فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏ على آخر. قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏. قاتلت رجلا بالأمس، و تقاتل هذا اليوم لأؤدّبنّك. و أراد أن يبطش به.

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما و هو من شيعته. قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.

قال المأمون: جزاك اللَّه عن أنبيائه خيرا، يا أبا الحسن.

قالَ يا مُوسى‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏: يتشاورون بسببك. و إنّما سمّي التّشاور ائتمارا، لأنّ كلّا من المتشاورين يأمر الآخر و يأتمر.

فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏ (20): اللّام، للبيان. و ليس صلة «للنّاصحين». لأنّ معمول الصّلة لا يتقدّم الموصول.

فَخَرَجَ مِنْها: في المدينة. خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏: لحوق طالب.

قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (21): خلّصيني منهم، و احفظيني من لحوقهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصلا بقوله: عن صاحبه و هرب. و كان خازن فرعون مؤمنا بموسى- (عليه السلام)- قد كتم إيمانه ستّمائة سنة. و هو الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ- وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ‏ و بلغ فرعون خبر قتل موسى الرّجل فطلبه ليقتله. فبعث المؤمن إلى موسى- (عليه السلام)-

____________

(1) المصدر: بدخولي.

(2) المصدر: أجاهد.

(3) تفسير القمي 2/ 137.

53

إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فخرج منها كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ- خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏ قال: يلتفت يمنة و يسرة. و يقول: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ‏: قبالة مدين، قرية شعيب. سمّيت باسم مدين بن إبراهيم. و لم تكن في سلطان فرعون. و كان بينها و بين مصر مسيرة ثمانية أيّام.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كانت عصا موسى قضيب آس بالجنّة أتاه جبرائيل لمّا توجّه تلقاء مدين.

قالَ عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ‏ (22): توكّلا على اللَّه، و حسن ظنّ به و كان لا يعرف الطّرق. فعنّ له ثلاث طرق، فأخذ بأوسطها. و جاء الطّلاب عقيبه، فأخذوا في الآخرين.

و في إرشاد المفيد (2) في مقتل الحسين- (عليه السلام)-: فسار الحسين- (عليه السلام)- إلى مكّة، و هو يقرأ: فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. و لزم الطّريق الأعظم.

فقال له أهل بيته: لو تنكّبت الطّريق الأعظم كما صنع‏ (3) ابن الزّبير، لئلّا يلحقك‏ (4) الطّلب.

فقال: لا و اللَّه، لا أفارقه حتّى يقضي اللَّه ما هو قاض. و لمّا دخل الحسين- (عليه السلام)- مكّة، كان دخوله إليها ليلة الجمعة. لثلاث مضين من شعبان.

دخلها و هو يقرأ: وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ‏ (الحديث).

فلمّا دعا ربّه، استجاب له و دلّه على الطّريق المستقيم إلى مدين.

و قيل: جاء ملك على فرس و بيده عنزة، فانطلق به إلى مدين.

و قيل: إنّه خرج حافيا. و لم يصل إلى مدين حتّى وقع خفّ قدميه.

(5) وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ‏: وصل إليه. و هو بئر كانوا يستقون منها.

وَجَدَ عَلَيْهِ‏: وجد فوق شفيرها.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 250.

(2) ارشاد المفيد/ 202.

(3) المصدر: فعل.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يلحق.

(5) مجمع البيان 4/ 247.

54

أُمَّةً مِنَ النَّاسِ‏: جماعة كثيرة مختلفين. يَسْقُونَ‏: مواشيهم.

وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ‏: في مكان أسفل من مكانهم.

امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ‏: تمنعان أغنامهما عن الماء لئلّا تختلط بأغنامهم.

و قيل‏ (1): تذودان النّاس عن مواشيهما.

قالَ ما خَطْبُكُما: ما شأنكما تذودان.

قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ: يصرف الرّعاة مواشيهم عن الماء. حذرا عن مزاحمة الرّجال. و حذف المفعول، لأنّ الغرض هو بيان ما يدلّ على عفّتهما و يدعوه إلى السّقي لهما ثمّة دونه.

و قراء أبو عمر و ابن عامر. «يصدر»، أي: ينصرف‏ (2).

و قرئ: «الرّعاء» بالضّمّ.

و هو اسم جمع، كالرّخال. (3) وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23): كبير السّنّ. لا يستطيع أن يخرج للسّقي، فيرسلنا اضطرارا. فَسَقى‏ لَهُما: مواشيهما، رحمة عليهما.

و في جوامع الجامع‏ (4): روي أنّ الرّعاء كانوا يضعون على رأس البئر حجرا، لا يقلّه إلّا سبعة رجال. و قيل: عشرة. و قيل أربعون. فأقلّه وحده. و سألهم دلوا، فأعطوه دلوهم.

و كان لا ينزعها إلّا عشرة. فاستقى بها وحده مرّة واحدة. فروى عنهما و أصدرهما.

و قيل‏ (5): كانت بئر أخرى عليها صغرة، فرفعها و استقى منها.

ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَ‏: لأيّ شي‏ء أنزلت.

مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير. فَقِيرٌ (24): محتاج سائل.

قال ابن عبّاس‏ (6): سأل نبىّ اللَّه فلق خبز، يقيم به صلبه.

قال الأخفش‏ (7): يقال: فقير إليه، و فقير له.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 190.

(3) نفس المصدر 2/ 190- 191.

(4) جوامع الجامع/ 344.

(5) أنوار التنزيل 2/ 191.

(6) مجمع البيان 4/ 248.

(7) نفس المصدر و الموضع.

55

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بقوله: مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. و مرّ نحو مدين.

و كان بينه و بين مدين مسيرة ثلاثة أيّام فلمّا بلغ باب مدين، رأى بئرا يستقي النّاس منها لأغنامهم و دوابّهم. فقعد ناحية، و لم يكن أكل منذ ثلاثة أيّام شيئا. فنظر إلى جاريتين في ناحية و معهما غنيمات، لا تدنوان من البئر.

فقال لهما: ما لكما لا تستقيان؟

فقالتا كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ-: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فرحمهما موسى- (عليه السلام)- و دنا من البئر، فقال لمن على البئر: استقي لي دلوا و لكم دلوا.

و كان الدّلو يمدّه عشرة رجال. فاستقى وحده دلوا لمن على البئر، و دلوا لبنتي شعيب- (عليه السلام)- و سقى أغنامهما ثمّ تولّى إلى الظّلّ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و اللَّه، ما سأل اللَّه- عزّ و جلّ- إلّا خبزا يأكله. لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، و لقد رأوا خضرة البقل في صفاق بطنه من هزاله.

و في الكافي: عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ- حكايته عن موسى- (عليه السلام)-: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال: سأل الطّعام.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا و قوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال: إنّما عنى الطّعام. فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ موسى لذو جوعات.

(4)

عن ليث بن سليم‏ (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- شكا موسى- (عليه السلام)- إلى ربّه الجوع في ثلاثة مواضع‏ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباًلَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللَّه- (عليه السلام)- حيث‏ (7) يقول: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و اللَّه، ما سأله إلّا خبزا

____________

(1) تفسير القمي 2/ 138.

(2) الكافي 6/ 287، ح 5.

(3) تفسير العياشي 2/ 330، ح 44.

(4) المصدر، س، أ، و م: لذو جواعات.

(5) نفس المصدر 2/ 335، ح 50.

(6) نهج البلاغة/ 226- 227، ضمن خطبة 160.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: إذ.

56

يأكله. لأنّه كان يأكل بقلة الأرض. و لقد كانت خضرة البقول ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله و تشذّب‏ (1) لحمه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، متّصلا بقوله: أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏- آخر ما نقلنا عنه سابقا- وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏ قالَ يا مُوسى‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏ فخرج من مصر بغير ظهر و لا دابّة و لا خادم. تخفضه أرض و ترفعه أخرى، حتّى انتهى إلى أرض مدين.

فانتهى إلى أصل شجرة فنزل، فإذا تحتها بئر، و إذا عندها أمّة من النّاس يسقون، و إذا جاريتان ضعيفتان، و إذا معهما غنيمة لهما.

قال: ما خَطْبُكُما قالَتا: أبونا شيخ كبير، و نحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرّجال، فإذا سقى النّاس سقينا. فرحمهما موسى- (عليه السلام)- فأخذ دلوهما و قال لهما:

قدّما غنمكما. فسقى لهما. ثمّ رجعتا بكرة قبل النّاس. ثمّ تولّى موسى إلى الشّجرة، فجلس تحتها، و قال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فروي: أنّه قال ذلك، و هو محتاج إلى شقّ تمرة.

فلمّا رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه السّاعة! قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا.

فقال لإحديهما: اذهبي فادعيه لي.

فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ، أي: مستحية، على عادة النّساء المخدّرات.

و قيل‏ (3): أراد باستحيائها، أنّها عظّت وجهها بكمّ ورعها.

قيل‏ (4): كانت الصّغرى منهما. و قيل: الكبرى. و اسمها صفوراء، أو صفراء. و هي الّتي تزوّجها موسى.

قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ‏: ليكافئك.

أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا: جزاء سقيك لنا. و لعلّ موسى إنّما أجابها ليتبرّك برؤية

____________

(1) تشذّب اللّحم: تفرّقه.

(2) كمال الدين و تمام النعمة/ 150.

(3) مجمع البيان 4/ 248.

(4) أنوار التنزيل 2/ 191.

57

الشّيخ و يستظهر بمعرفته، لا طمعا في الأجر. بل روى‏ (1): أنّه لمّا جاءه، قدّم إليه طعاما.

فامتنع عنه، و قال: إنّا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدّنيا (2). حتّى قال شعيب: هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا.

فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (25): يريد فرعون و قومه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصلا بقوله: من هذا له- إلى آخر ما نقلنا عنه سابقا- فلمّا رجعت ابنتا شعيب إلى شعيب، قال لهما: سرعتما الرّجوع. فأخبرتاه بقصّة موسى- (عليه السلام)- و لم تعرفاه. فقال شعيب- (عليه السلام)- لواحدة منهنّ: اذهبي إليه، فادعيه، لنجزيه أجر ما سقى لنا. فجاءت إليه كما حكى اللَّه- تعالى- تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فقام موسى معها. و مشت أمامه، فسفقتها الرّياح، فبان عجزها. فقال لها موسى: تأخّري، و دلّيني على الطّريق بحصاة تلقيها أمامي أتّبعها، فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النّساء. فلمّا دخل على شعيب قصّ عليه قصّته.

فقال له شعيب- (عليه السلام)-: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، متّصلا بقوله: أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فروى أنّ موسى- (عليه السلام)- قال لها: وجّهينى إلى الطّريق و امشي خلفي، فإنّا بني يعقوب لا ننظر في أعجاز النّساء فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

قالَتْ إِحْداهُما، يعني: الّتي استدعته.

يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ‏: لرعي الغنم.

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏ (26): تعليل نسائع، يجرى مجرى الدّليل على أنّه حقيق بالاستئجار. و للمبالغة فيه جعل «خير» اسما. و ذكر الفعل بلفظ الماضي، للدّلالة على أنّه امرؤ مجرّب معروف.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) يوجد في هامش نسخة م: فيه إشعار بعدم قبول الهدّية بعد قضاء الحاجة، كما ورد في جامع الأخبار و لّب الأحاديث [جامع الأخبار/ 182، فصل 117، بتغيير في اللفظ]: من قضى حاجة لأخيه فقبل هدّيته فقد أكل بالسحت. جعفر.

(3) تفسير القمي 2/ 138.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 151.

58

نقل‏ (1): أنّ شعيبا- (عليه السلام)- قال [لها:] (2) و ما أعلمك بقوّته و أمانته؟ فذكرت إقلال الحجر، [و أنّه صوّب رأسه‏ (3) حين بلّغته رسالته،] (4) و أمرها بالمشي خلفه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصلا بقوله: مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. قالت إحدى بنات شعيب: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏.

فقال لها شعيب: أمّا قوّته، فقد عرّفتنيه أنّه يستقي الدّلو وحده. فبما عرفت أمانته؟

فقالت: إنّه لمّا قال لي: تأخّري عنّي و دلّيني على الطّريق، فإنّا من قوم لا ينظرون إلى أدبار النّساء عرفت أنّه ليس من الّذين ينظرون أعجاز النّساء. فهذه أمانته.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و روى صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- في قوله اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏. [قال: قال لها شعيب: يا بنيّة، هذا قويّ قد عرّفتنيه‏ (7) برفع الصّخرة. الأمين‏] (8) من أين عرفته؟

قالت: يا أبة إنّي مشيت قدّامه، فقال: امشي من خلفي، فإن ضللت فارشديني إلى الطّريق، فإنّا قوم لا ننظر في أدبار النّساء.

و في مجمع البيان‏ (9): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لمّا قالت المرأة هذا، قال شعيب، و ما علّمك بأمانته و قوّته؟

قالت [: أمّا قوّته فلأنّه‏] (10) فرفع الحجر الّذي لا يرفعه و كذا و كذا. و أمّا أمانته، فإنّه قال لي: امشي خلفي، فأنا أكره أن تصيب الرّيح ثيابك فتصف لي عجزك.

(11)

و روى الحسن بن سعيد (12): عن صفوان [عن يحيى،] (13) عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: سئل، أيّتها الّتي قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ‏؟ قال: الّتي تزوّج بها.

قيل: فأي الأجلين قضى؟

قال: أوفاهما، و أبعدهما عشر سنين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 191.

2 و 4- من المصدر.

(3) صوّب رأسه: خفضه، و أماله.

(5) تفسير القمي 2/ 138.

(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 12، ح 7.

(7) المصدر: عرفتيه.

(8) ليس في س.

(9) مجمع البيان 4/ 249. و فيه: عمر بن الخطّاب» بدل «قال أمير المؤمنين علّى- (عليه السلام)-.»

(10) من المصدر. و في أ، م، ن: «فانّه» بدلا منه.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: جسدك.

(12) نفس المصدر 4/ 250.

(13) من المصدر.

59

قيل: فدخل بها قبل أن يمضى الشّرط، أو بعد انقضائه؟

قال: قبل أن ينقضي.

قيل له: فالرّجل يتزوّج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين، أ يجوز ذلك؟

قال: إنّ موسى- (عليه السلام)- علم أنّه سيتم لّه شرطه‏ (1).

قيل: كيف؟

قال: علم أنّه سيبقى حتّى يفي.

قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي‏: أن تأجر نفسك منّي. أو تكون لي أجيرا.

و قيل‏ (2): معناه: أن تجعل جزائي و ثوابي أيّاك على أن أنكحك إحدى ابنتيّ، أن تعمل لي ثماني سنين. فزوّجه ابنته بمهر و استأجره للرّعي. و لم يجعل ذلك مهرا، و إنّما شرط ذلك عليه. و هذا على وفق مذهب أبي حنيفة. و الأوّل أصحّ و أوفق لظاهر الآية.

ثَمانِيَ حِجَجٍ‏: ظرف على الأوّلين. و مفعول به على الثّالث. بإضمار مضاف، أي: رعية ثماني حجج.

فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً: عمل عشر حجج.

فَمِنْ عِنْدِكَ‏: فإتمامه من عندك تفضّلا. لا من عندي إلزاما عليك.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن ابن سنان، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن الإجارة.

فقال: صالح لا بأس به، إذا نصح قدر طاقته. قد آجر موسى- (عليه السلام)- نفسه و اشترط، فقال: إن شئت ثمان‏ (4)، و إن شئت عشرا فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- فيه.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م: أنت تدري أن معنى الاجارة نقل المنافع و إنما تجدد المنافع بالتدريج فما ليس بملوك منها لا يصح تعلم، كاجارة الوقف، مثلا: إن مات الموقوف عليه وفق العقد على إجارة الطبقة المستاخرة للانكشاف عدم ملك الموجر للمنفعة فيما بقي من المدة فكون المهر نفقة الرجل في المتعة مشكل لما ذكره- (عليه السلام)- من التعليل فيصدقها ما لا يعلم ملكه. لأنه لا منفعة له بعد الموت و أما في الدائم فليس المهر شرط صحة العقد. فالرواية إما مخصوصة بالمنقطع، أو محمولة على إكراهه، أو فساد المهر دون النكاح.

(2) نفس المصدر 4/ 249- 250.

(3) الكافي 5/ 90، ح 2.

(4) المصدر: ثماني.

60

أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ‏.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روى إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي جعفر محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: لا يحلّ النّكاح اليوم في الإسلام بإجارة، بأن يقول: أعمل عندك كذا و كذا على أن تزوّجني أختك أو ابنتك. قال: هو حرام، لأنّه ثمن رقبتها. و هي أحقّ بمهرها.

و في حديث آخر (2): إنّما كان ذلك لموسى بن عمران- (عليه السلام)- لأنّه علم من طريق الوحي هل يموت قبل الوفاء أم لا. فوفى بأتمّ الأجلين.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ‏ فروى: أنّه قضى أتمّهما.

لأنّ الأنبياء- (عليهم السلام)- لا تأخذ (4) إلّا بالفضل [و التّمام.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): قال الحلبيّ: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن البيت، أ كان يحجّ قبل أن يبعث النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)

قال: نعم و تصديقه في القرآن‏] (6) قول شعيب حين قال لموسى حيث تزوّج‏ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ‏ و لم يقل ثماني سنين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى أنس قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بكى شعيب- (عليه السلام)- من حبّ اللَّه- عزّ و جلّ- حتّى عمي، فردّ اللَّه- عزّ و جلّ- عليه بصره. ثمّ بكى حتّى عمي، فردّ اللَّه عليه بصره. [ثمّ بكى حتّى عمي فردّ اللَّه عليه بصره‏] (8) فلمّا كانت الرّابعة، أوحى اللَّه إليه: يا شعيب، إلى متى يكون هذا أبدا منك؟ إن يكن هذا خوفا من النّار، فقد أجرتك. و إن يكن شوقا إلى الجنّة، فقد أبحتك.

قال: (9) إلهي و سيّدي، أنت تعلم أنّي ما بكيت خوفا من نارك و لا شوقا إلى جنّتك، و لكن‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 268، ح 1271.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 1272.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 151.

(4) المصدر: يأخذون.

(5) تفسير العياشي 1/ 60، صدر حديث 99.

(6) ليس في أ.

(7) علل الشرائع/ 57، ح 1.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أجبتك فقال» بدل «أبحتك قال».

61

عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه أمّا إذا كان هذا هكذا، فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ يوشع بن نون وصيّ موسى- (عليه السلام)- عاش بعد موسى ثلاثين سنة. و خرجت عليه صفراء بنت شعيب، زوجة موسى- (عليه السلام)- فقالت: أنا أحقّ منك بالأمر. فقاتلها فقتل مقاتلتها و أحسن أسرها.

و فيه‏ (2): حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد ذكر موسى- (عليه السلام)-: و خرج إلى مدينة مدين، فأقام عند شعيب ما أقام: فكانت الغيبة الثّانية أشدّ عليهم من الأولى و كانت نيفا و خمسين [سنّة.] (3)

و بإسناده إلى عبد اللَّه بن سنان‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول في القائم- (عليه السلام)-: سنّة من موسى بن عمران- (عليه السلام)-.

فقلت: و ما سنّته من موسى بن عمران؟

قال: خفاء مولده، و غيبته عن قومه.

فقلت: و كم غاب موسى عن أهله؟

قال: ثمانية و عشرين سنة.

وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ‏: بإلزام إتمام العشر. أو المناقشة في مراعاة الأوقات، و استيفاء الأعمال. و اشتقاق المشقّة، من الشّقّ. فإنّ ما يصعب عليك [، يصعب‏] (5) اعتقادك في إطاقته و رأيك في مزاولته.

سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (27): في حسن المعاملة، و لين الجانب، و الوفاء بالمعاهدة.

قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ‏، أي: ذلك الّذي عاهدتني فيه قائم بيننا، لا تخرج عنه.

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة/ 27.

(2) نفس المصدر/ 146.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 152، ح 14.

(5) من ن.

62

أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ‏: أطولهما. أو أقصرهما.

قَضَيْتُ‏: وفيتك إيّاه.

فَلا عُدْوانَ عَلَيَ‏: لا تعتدي عليّ بطلب الزّيادة.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى الواحديّ بالإسناد: عن ابن عبّاس قال: سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أيّ الأجلين قضى موسى؟

قال: أوفاهما و أبطأهما.

و بالإسناد عن أبي ذرّ (2) قال: قال لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إذا سئلت، أيّ الأجلين قضى موسى- (عليه السلام)-؟ فقل: خيرهما و أبرّهما. و إن سئلت، أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل: الصّغرى منهما. و هي الّتي جاءت و قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ‏.

و قرئ: «أيما» بسكون الياء كقوله:

تنظّرت نصرا و السّماكين أيّهما* * * عليّ من الغيث استهلت مواطره‏

(3)

و أيّ الأجلين ما قضيت فيكون «ما» مزيدة لتأكيد الفعل، أي: أيّ الأجلين جروت عزمي لقضائه. «و عدوان» بالكسر.

وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ‏: من المشارطة.

وَكِيلٌ‏ (28) شاهد حفيظ.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من خرج في سفر و معه عصا لوز مرّ، و تلا هذه الآية: وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ‏ إلى قوله: وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ‏ [آمنه اللَّه من كلّ سبع ضارّ، و من كلّ لصّ عاد، و من كلّ ذات حمّة حتّى يرجع إلى أهله و منزله. و كان معه سبعة و سبعون‏] (5) من المعقّبات يستغفرون له حتّى يرجع و يضعها. (6)

____________

(1) مجمع البيان 4/ 250.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 192.

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 176، ح 786.

و للحديث ذيل.

(5) ليس في أ.

(6) يوجد في هامش نسخة م: و

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تنفي [، أى: العصا من لوز مرّ] (ليس في المصدر) الفقر و لا يحاوره الشيطان. و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مرض آدم مرضا شديدا أصابته فيه وحشة. فشكا ذلك إلى جبرئيل- (عليه السلام)-. فقال: اقطع [غصنا

63

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، مثله سواء.

فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ‏: بامرأته.

و روي‏ (2): أنّه قضى أقصى الأجلين. و مكث عنده بعد ذلك عشرا أخر، ثمّ عزم على الرّجوع.

آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً: أبصر من الجهة الّتي تلي الطّور.

و في مجمع البيان‏ (3): و روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث قال: فلمّا رجع موسى إلى امرأته، قالت: من أين جئت؟

قال: من عند ربّ تلك النّار.

قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ: بخبر الطّريق.

و في مجمع البيان‏ (4): و روى أبو منصور، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لما قضى موسى الأجل و سار بأهله نحو بيت المقدس، أخطأ الطّريق [ليلا] (5) فرأى نارا، قال لأهله [: امكثوا،] (6) إنّي آنست نارا.

و في الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي جميلة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. فإنّ موسى [بن عمران‏] (8) ذهب يقتبس نارا لأهله، فانصرف إليهم و هو نبيّ مرسل.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه‏ (9)، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عمّن ذكره، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال:

قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. فإنّ موسى بن‏

____________

من لوز مرّ] (من المصدر) و خذه و ضمّها إلى صدرك. ففعل ذلك. فأذهب اللَّه عنه الوحشة.

فقال: من أراد أن يطوى له الأرض فليتّخذ العصا من لوز مرّ. و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من مشى مع العصا في السفر و الحضر للتواضع يكتب له بكلّ خطوة ألف حسنة و محي عنه ألف سيئة و رفع له ألف درجة. من كتاب لبّ الأحاديث (جامع الأخبار/ 141، ضمن فصل 77).

(1) ثواب الاعمال/ 222، ح 1.

(2) أنوار التنزيل 2/ 192.

(3) مجمع البيان 4/ 253.

(4) نفس المصدر 4/ 250- 251.

5 و 6- من المصدر.

(7) الكافي 5/ 83، ح 2.

(8) ليس في المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

64

عمران- (عليه السلام)- خرج يقتبس نارا لأهله، فكلّمه اللَّه و رجع نبّيا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

أَوْ جَذْوَةٍ: عود غليظ. سواء كان في رأسه نار، أو لم تكن. و لذلك بيّنه بقوله:

مِنَ النَّارِ: و قرأ عاصم، بالفتح. و حمزة، بالضّمّ. و كلّها لغات.

لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏ (29): تستدفئون بها.

فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ‏: أتاه النّداء من الشّاطئ الأيمن لموسى.

فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ: متّصل «بالشّاطى.» أو صلة «لنودي».

مِنَ الشَّجَرَةِ: بدل من «شاطئ» بدل الاشتمال. لأنّها كانت ثابتة على الشّاطئ.

أَنْ يا مُوسى‏، أي: يا موسى. إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ (30):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أيّ الأجلين قضى؟

قال: أتمّها، عشر حجج.

قلت له: فدخل بها قبل أن يقضي الأجل، أو بعده؟

قال: قبل.

قال [قلت:] (2) فالرّجل يتزوّج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين [مثلا،] (3) أ يجوز ذلك؟

قال: إنّ موسى- (عليه السلام)- علم أنّه يتمّ له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنّه يبقى حتّى يفي؟

قلت له: جعلت فداك، أيّهما (4) (5) زوّجه شعيب من بناته؟

قال: الّتي ذهبت إليه فدعته و قالت لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏. فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ‏ قال لشعيب: لا بدّ لي أن أرجع إلى وطني و أمّي و أهل بيتي، فما لي عندك؟

____________

(1) تفسير القمي 2/ 139- 140.

2 و 3- ليس في المصدر.

(4) النسخ: أيّها.

(5) المصدر: أيتّها.

65

فقال شعيب- (عليه السلام)-: ما وضعت أغنامي في هذه السّنة من غنم بلق فهو لك. فعمد موسى- (عليه السلام)- عند ما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصاه‏ (1)، فقشر منه بعضه و ترك بعضه و غرزه في وسط مريض الغنم و ألقى عليه كساء أبلق، ثمّ أرسل الفحل على الغنم، فلم تضع [الغنم‏] (2) في تلك السّنة إلّا بلقا. فلمّا حال عليه الحول، حمل موسى امرأته و زوّده شعيب من عنده و ساق غنمه. فلمّا أراد الخروج قال لشعيب: أبغي عصا تكون معي. و كانت عصى الأنبياء- (عليهم السلام)- عنده ورثها مجموعة في بيت.

فقال له شعيب: ادخل هذا البيت، و خذ عصا من بين العصيّ. فدخل فوثب إليه عصا نوح و إبراهيم- (عليهما السلام)- و صارت في كفّه. فأخرجها و نظر إليها شعيب، فقال:

ردّها و خذ غيرها. فردها ليأخذ غيره، فوثبت إليه تلك بعينها فردّها حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات.

فلمّا رأى شعيب- (عليه السلام)- ذلك قال له: اذهب، فقد خصّك اللَّه- عزّ و جلّ- بها. فساق غنمه فخرج يريد مصر. فلمّا صار في مفازة (3) و معه أهله، أصابهم برد شديد و ريح و ظلمة، و جنّهم اللّيل. فنظر موسى- (عليه السلام)- إلى نار قد ظهرت كما قال اللَّه- تعالى-:

فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏. فأقبل نحو النّار يقتبس، فإذا شجرة و نار تلتهب عليها. فلمّا ذهب نحو النّار يقتبس منها، أهوت إليه ففزع و عدا [و رجعت النّار إلى الشّجرة. فالتفت إليها و قد رجعت إلى الشّجرة، فرجع الثّانية ليقتبس فأهوت إليه فعدا] (4) و تركها. ثمّ التفت و قد رجعت إلى الشّجرة، فرجع إليها الثّالثة فأهوت إليه فعدا «و لم يعقّب»، أي: لم يرجع فناده اللَّه- عزّ و جلّ-: أَنْ يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن الحسين بن عليّ بن مهزيار، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن مهزيار، (6) عن الحسين بن سعيد، عن عليّ بن الحكم، عن محزمة بن ربعي قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: شاطئ الوادي الأيمن الّذي ذكره اللَّه‏

____________

(1) المصدر: عصا.

(2) من المصدر

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: مفاوزه.

(4) ليس في الأصل.

(5) تهذيب الأحكام 6/ 38، ح 80.

(6) المصدر: محمد بن الحسن بن عليّ بن مهزيار.

66

في القرآن، هو الفرات. و البقعة المباركة، هي كربلاء. (1)

وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ، أي: فألقاها. فصارت ثعبانا و اهتزّت.

فلمّا رآها تهتزّ.

كَأَنَّها جَانٌ‏: في الهيئة و الجثّة. أو في السّرعة.

وَلَّى مُدْبِراً: مهزوما من الخوف.

وَ لَمْ يُعَقِّبْ‏: و لم يرجع.

يا مُوسى‏: نودي: يا موسى.

أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ‏ (31): عن المخاوف. فإنّه‏ لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏ (2).

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ‏: أدخلها.

تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ عيب.

و في كتاب طبّ الأئمّة (3)، بإسناده إلى جابر الجعفيّ، عن الباقر- (عليه السلام)- قال: قال اللَّه- عزّ و جلّ- في قصّة موسى- (عليه السلام)-: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، يعني: من غير برص. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ‏: يديك المبسوطتين. تتّقي بهما الحيّة كالخائف الفزع، بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى و بالعكس. أو بإدخالهما في الجيب، فيكون تكريرا لغرض آخر. و هو أن يكون ذلك في وجه العدوّ إظهار جرأة، و مبدأ لظهور معجزة. و يجوز أن يراد بالضّمّ: التّجلّد و الثّبات، عند انقلاب العصا حيّة. استعارة من حال الطّائر. فإنّه إذا خاف نشر جناحيه، و إذا أمن و اطمأنّ ضمّهما إليه.

و قيل‏ (4): أي ضمّ يدك إلى صدرك من الخوف، فلا خوف عليك.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م: لعلّ فيه دليل على أنّ كربلاء كانت ذلك اليوم تزار، أيضا. لأنّ بين مدين و مصر ثمانية أيّام كما مرّ في تفسير قوله:

وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ‏- و كربلاء في جانب و مصر في جانب. و ليست على طريق مصر. و لا هي قريبة منه بل الخارج من مديرا كلمّا قرب من كربلاء بعد عن مصر: فلا مناص إلّا أن يقال موسى- (عليه السلام)- كما قصد كربلاء قصدا.

(2) النمل/ 10.

(3) طب الأئمة/ 56.

(4) مجمع البيان 4/ 252.

67

و المعنى: أنّ اللَّه- تعالى- أمره أن يضمّه إلى صدره، يذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحيّة.

مِنَ الرَّهْبِ‏، أي: من أجل الرّهب، أي: إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلّدا، أو ضبطا لنفسك.

و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و أبو بكر، بضمّ الرّاء، و سكون الهاء (1).

و قرئ، بضمّهما. (2) و [قرأ حفص،] بالفتح و السّكون. و الكلّ لغات. (3) فَذانِكَ‏: إشارة إلى العصا و اليد. و شدّده ابن كثير و أبو عمرو و رويس.

بُرْهانانِ‏: حجّتان.

و برهان، فعلان. لقولهم: أبره الرّجل: إذا جاء بالبرهان. من قولهم: بره الرّجل: إذا ابيضّ و يقال: برهاء و برهرهة للمرأة البيضاء.

و قيل‏ (4): فعلال. لقولهم: برهن.

مِنْ رَبِّكَ‏: مرسلا بهما.

إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏ (32): فكانوا أحقّاء بأن ترسل إليهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصلا بقوله: رَبُّ الْعالَمِينَ‏. قال موسى- (عليه السلام)- فما الدّليل على ذلك؟

قال اللَّه- عزّ و جلّ- ما في يمينك يا موسى؟

قالَ هِيَ عَصايَ‏ قالَ أَلْقِها يا مُوسى‏* فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ‏ (6) حَيَّةٌ تَسْعى‏، (7) ففزع منها موسى وعدا.

فناداه اللَّه- عزّ و جلّ-: خذها وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، أي: من غير علّة. و ذلك أنّ موسى- (عليه السلام)- كان شديد السّمرة. فأخرج يده من جيبه‏ (8)، فأضاءت له الدّنيا. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 193.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 140.

(6) المصدر: «فصارت» بدل «فإذا هي».

(7) طه/ 18- 20

(8) أ: فأخرج يده جيبه تخرج بيضاء.

68

قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏ (33): بها.

وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً: معينا و هو في الأصل، اسم ما يعان به. كالدّف‏ء. يقال: فلان ردء لفلان: إذا كان ينصره، و يشدّ ظهره.

و قرأ نافع: «ردا» بالتّخفيف.

يُصَدِّقُنِي‏: بتلخيص الحقّ، و تقرير الحجّة، و تزييف الشّبهة. و إنّما كان سؤاله بعد أن أذن له فيه. لأنّ الإنسان لا يعلم أنّ المصلحة في إرسال نبيّ واحدا و اثنين، إلّا بالوحي.

و قيل‏ (1): معناه: لكي يصدّقني فرعون.

إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏ (34): و لساني لا يطاوعني عند المحاجّة.

و قيل‏ (2): المراد، تصديق القوم لتقرير هارون‏ (3) و توضيحه. [لكنّه أسند إليه إسناد الفعل إلى السّبب.

و قرأ عاصم و حمزة: «يصدّقني» بالرّفع. على أنّه صفة، و الجواب محذوف‏ (4)] (5).

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (6): فقال موسى كما حكى اللَّه: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏.] (7) قال الرّاوي: فقلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: فكم مكث موسى- (عليه السلام)- غائبا عن أمّه حتّى ردّه اللَّه- عزّ و جلّ- عليها؟

قال: ثلاثة أيّام.

قال: فقلت: فكان هارون أخا موسى- (عليه السلام)- لأبيه و أمّه؟

قال: نعم. أما تسمع اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏.

فقلت: أيّهما كان أكبر سنّا؟

____________

(1) مجمع البيان 4/ 253.

(2) أنوار التنزيل 2/ 193.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: لتقريره.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ.

(6) تفسير القمي 2/ 136- 137.

(7) ليس في المصدر.

69

قال: هارون.

قلت: و كان الوحي ينزل عليهما جميعا؟

قال: كان الوحي ينزل على موسى، و موسى- (عليه السلام)- يوحيه إلى هارون.

فقلت له: أخبرني عن الأحكام و القضاء و الأمر و النّهي، أ كان ذلك إليهما؟

قال: كان موسى- (عليه السلام)- الّذي يناجى ربّه، و يكتب العلم، و يقضي بين بني إسرائيل. و هارون يخلفه إذا غاب من قومه للمناجاة.

قلت: فأيّهما مات قبل صاحبه؟

قال: مات هارون قبل موسى- (عليه السلام)- و ماتا جميعا في التّيه.

قلت: فكان لموسى ولد؟

قال: لا. كان الولد لهارون، و الذّرّيّة له.

قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ‏: سنقوّيك به. فإنّ قوّة الشّخص شدّة اليد على مزاولة الأمور. و لذلك يعبّر عنه باليد، و شدّتها بشدّة العضد.

وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً: غلبة و حجّة.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى الحسينيّ‏ (2)، عن جدّه يحيى بن الحسن، عن أحمد بن يحيى الأزديّ، عن عمر بن حامد بن طلحة، عن عبيد اللَّه بن المهلّب البصريّ، عن المنذر بن زياد الضّبّيّ، عن أبان، عن أنس بن مالك قال: بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مصدّقا إلى قوم. فعدوا على المصدّق، فقتلوه. فبلغ ذلك النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فبعث إليهم عليّا- (عليه السلام)- فقتل المقاتلة و سبى الذّرّيّة. فلمّا بلغ عليّ- (عليه السلام)- أدنى المدينة، تلقّاه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و التزمه و قبّل بين عينيه، و قال: بأبي و أمّي من شدّ اللَّه به عضدي، كما شدّ عضد موسى بهارون.

فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما: باستيلاء. أو حجاج.

بِآياتِنا: متعلّق بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا. أو «بنجعل»، أي: نسلّطكما بها.

أو بمعنى لا يصلون، أي: تمتنعون منهم بآياتنا. أو قسم جوابه لا يصلون. أو بيان «للغالبون» في قوله: أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ‏ (35): بمعنى: أنّه صلة لما بينه، أو صلة له. على‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 150.

(2) المصدر: الحسين بن محمّد بن يحيى الحسينىّ.

70

أنّ اللّام فيه للتّعريف، لا بمعنى: الّذي.

و في كتاب طبّ الأئمّة- (عليهم السلام)(1)- بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة السّلميّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال الأصبغ: أخذت هذه العوذة منه- (عليه السلام)- و قال لي: يا أصبغ، هذه عوذة السّحر و الخوف من السّلطان. تقولها سبع مرّات: بسم اللَّه و باللَّه، سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا، أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ‏. و تقول في وجه السّاحر إذا فرغت من صلاة اللّيل، قبل أن تبدأ بصلاة النّهار سبع مرّات. فإنّه لا يضرّك إن شاء اللَّه.

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى‏ بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً‏: سحر تختلقه، لم يفعل قبل مثله. أو سحر تعمله، ثمّ تفتريه على اللَّه. أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السّحر.

وَ ما سَمِعْنا بِهذا، يعنون: السّحر. أو ادّعاء النّبوّة.

فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ‏ (36): كائنا في أيّامهم. و إنّما قالوا ذلك مع اشتهار قصّة نوح و هود و صالح و غيرهم، لأحد أمرين: إمّا للفترة الّتي بين الوقتين و الزّمان الطّويل.

و إمّا لأنّ آباءهم ما صدّقوا بشي‏ء من ذلك و لا دانوا به. فيكون المعنى: ما سمعنا بآبائنا أنّهم صدّقوا الرّسل فيما جاؤوا به.

وَ قالَ مُوسى‏ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى‏ مِنْ عِنْدِهِ‏: فيعلم أنّه محقّ و أنتم مبطلون.

و قراء ابن كثير «قال» بغير واو. لأنّه «قال» جوابا لمقالتهم. و وجه العطف، أنّ المراد حكاية القولين. ليوازن النّاظر بينهما، فيميّز صحيحهما في الفاسد (2).

وَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ: العاقبة المحمودة. فإنّ المراد بالدّار الدّنيا، و عاقبتها الأصليّة هي الجنّة. لأنّها خلقت مجازا الى الآخرة. و المقصود منها بالذّات، هو الثّواب و العقاب و إنّما قصد بالعرض.

و قراء حمزة و الكسائي: «يكون» (3) بالياء.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏ (37): لا يفوزون بالهدى في الدّنيا، و حسن العاقبة في‏

____________

(1) طبّ الأئمّة/ 35.

(2) أنوار التنزيل 2/ 194.

(3) نفس المصدر و الموضع.

71

العقبى.

وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏: نفى علمه بإله غيره دون وجوده، إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم. و لذلك أمر ببناء الصّرح ليصعد عليه و يطّلع على الحال. بقوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ‏، أي: فأجّج النّار على الطّين و اتّخذ الآجر.

و قيل‏ (1): إنّه أوّل من اتّخذ الآجر و بنى به.

فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً: قصرا و بناء عاليا.

لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏: كأنّه توهّم أنّه لو كان، لكان جسما في السّماء يمكن التّرقّي إليه. ثمّ قال:

وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ (38): أو أراد أن يبني له رصدا، يترصّد منها أوضاع الكواكب، فيرى هل فيها ما يدّل على بعثة رسول، و تبدّل دولة.

و قيل‏ (2): المراد بنفي العلم، نفي المعلوم. كقوله- تعالى- (3): أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏. فإنّ معناه: بما ليس فيهنّ. و هذا من خواصّ العلوم الفعليّة، فإنّها لازمة لتحقّق معلوماتها. فيلزم من انتفائها، انتفاؤها. و لا كذلك العلوم الانفعاليّة.

و في كتاب سعد السّعود (4) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن تفسير الكلبيّ، عن الكلبيّ، (5) عن أبي صالح، عن ابن عبّاس‏ أنّ جبرائيل- (عليه السلام) و سلّم- قال لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا (6) محمّد، لو رأيتني و فرعون يدعو بكلمة الإخلاص‏ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. و أنا أدسّه‏ (7) في الماء و الطّين، لشدّة غضبي عليه، مخافة أن يتوب فيتوب اللَّه- عزّ و جلّ- عليه.

قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و ما كان شدّة غضبك عليه يا جبرائيل؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و فيه: قيل: أوّل من اتّخذ الآجر فرعون. و لذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمّن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظيم. و لذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) يونس/ 18.

(4) سعد السعود/ 218.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: محمد عن الكلبي.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: أدفنه.

72

قال: لقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ و هي كلمته الآخرة منهما، و إنّما قالها حين انتهى إلى البحر. و كلمته الأولى‏ (1): [ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏] (2) فكان بين الأولى و الآخرة أربعين سنة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ‏. فبنى هامان له في الهواء صرحا، حتّى بلغ مكانا في الهواء لا يتمكّن الإنسان أن يقيم‏ (4) عليه من الرّياح القائمة في الهواء. فقال لفرعون: لا نقدر أن نزيد على هذا. فبعث اللَّه- عزّ و جلّ- رياحا فرمت به. فاتّخذ فرعون و هامان عند ذلك التّابوت. و عمدا إلى أربعة أنسر، فأخذا أفراخها و ربّياها. حتّى إذا بلغت القوّة و كبرت، عمدا إلى أربعة أنسر، فأخذا أفراخها و ربّياها حتى إذا بلغت القوّة و كبرت، عمدا إلى جوانب التّابوت الأربعة فغرسا في كلّ جانب منه خشبة. و جعلا على رأس كلّ خشبة لحما، و جوّعا الأنسر. و شدّا أرجلها بأصل الخشبة. فنظرت الأنسر إلى اللّحم، فأصوت إليه [و صفقت‏] (5) بأجنحتها و ارتفعت بهما في الهواء، و أقبلت تطير بومها. فقال فرعون لهامان: أنظر إلى السّماء، هل بلغناها؟ فنظر هامان، فقال: أرى السّماء كما كنت أراها من الأرض في البعد. فقال: انظر إلى الأرض. فقال: لا أرى الأرض، و لكن أرى البحار و الماء.

قال: فلم يزل النّسر ترتفع حتّى غابت الشّمس، و غابت عنهم البحار و الماء. فقال فرعون: يا هامان، انظر إلى السّماء. فنظر السّماء فقال: أراها كما كنت أراها من الأرض.

فلمّا جنهم اللّيل، نظر هامان إلى السّماء. فقال فرعون: هل بلغناها؟ قال: أرى الكواكب كما كنت أراها من الأرض، و لست أرى من الأرض إلّا الظّلمة.

قال: ثمّ جالت الرّياح القائمة في الهواء [فانقلبت‏] (6) فأقلبت‏ (7) التّابوت بهما. فلم يزل يهوي بهما حتّى وقع على الأرض. و كان فرعون أشدّ ما كان عتوّا في ذلك الوقت.

وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ‏: بغير الاستحقاق.

____________

(1) المصدر: «كلمة ما علمت لكم من إله غيرى» بدل «كلمة الأولى.»

(2) ليس في س، و أ.

(3) تفسير القمي 2/ 141.

(4) المصدر: يقوم.

(5) ليس في المصدر.

(6) من م.

(7) المصدر: بينهما فأقبلت.

73

و في جامع الجوامع‏ (1): و كل متكبّر (2) سوى اللَّه- عزّ و جلّ- فاستكباره بغير الحقّ.

و هو- جلّ جلاله- المتكبّر على الحقيقة، أي: البالغ في الكبرياء (3).

و قال- (عليه السلام)- فيما حكاه عن ربّه- عزّ و جلّ-: الكبرياء ردائي، و العظمة إزاري. فمن نازعني واحدا منهما، ألقيته في النّار.

وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ‏ (39): بالنّشور.

و قرأ نافع و حمزة و الكسائيّ، بفتح الياء و كسر الجيم‏ (4).

فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ‏: كما مرّ بيانه. و فيه فخامة و تعظيم لشأن الآخذ، و استحقار للمأخوذين. كأنّه‏ (5) أخذهم مع كثرتهم في كفّ‏ (6) و طرحهم في اليّم.

و نظيره: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏. (7) فَانْظُرْ: يا محمّد.

كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏ (40): و حذّر قومك عن مثلها.

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً: و هذا يحتاج إلى تأويله. لأنّ ظاهره يوجب أنّه- تعالى- جعلهم أئمّة يدعون إلى النّار، كما جعل الأنبياء يدعون إلى الجنّة. و هذا ممّا لا يقول به أحد. فالمعنى: أنّه أخبر عن حالهم بذلك، و حكم بأنّهم كذلك. و قد يحصل الإضافة على هذا الوجه المتعارف. و يجوز أن يكون أراد بذلك أنّه لمّا أظهر حالهم على لسان أنبيائه حتّى عرفوا فكأنّه جعلهم كذلك.

يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ: إلى موجباتها، من الكفر و المعاصي.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال: إنّ الأئمّة في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- إمامان. قال اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لا بأمر النّاس يقدمون أمر اللَّه قبل أمرهم و حكم اللّه قبل حكمهم. قال:

____________

(1) جوامع الجامع/ 345- 346.

(2) المصدر: كل مستكبر متكبر.

(3) المصدر: «المبالغ في كبرياء الشأن» بدل «البالغ في الكبرياء و».

(4) أنوار التنزيل 2/ 194.

5 و 6- م: كأنهم ... كفهم.

(7) الزمر/ 67.

(8) الكافي 2/ 216، ح 2.

74

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يقدّمون امر اللَّه قبل أمرهم و حكم اللَّه قبل حكمهم. قال‏ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يقدّمون أمرهم قبل أمر اللَّه و حكمهم قبل حكم اللَّه. و يأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-.

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ‏ (41): بدفع العذاب عنهم.

وَ أَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً: طردا عن الرّحمة، و لعن اللّاعنين. يلعنهم الملائكة و المؤمنون.

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ‏ (42): من المطرودين. أو ممّن قبّح وجوههم بسواد الوجوه و زرقة الأعين. أو في المقبوحين المموّهين.

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏: التّوراة.

مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى‏: أقوام نوح و هود و لوط و صالح.

و قيل‏ (1): يجوز أن يريد بالقرون قوم فرعون. لأنّه- سبحانه- أعطاه‏ (2) التّوراة بعد إهلاكهم‏ (3) بمدّة.

و في مجمع البيان‏ (4): و جاءت الرّواية بالإسناد: عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: ما أهلك اللَّه قوما و لا قرنا و لا أمّة و لا أهل قرّبة بعذاب [من السّماء] (5) منذ أنزل التّوراة على وجه الأرض، غير أهل القرية الّتي مسخوا قردة.

ألم تر أنّ اللَّه- تعالى- قال: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى‏ (الآية).

بَصائِرَ لِلنَّاسِ‏ أنوارا لقلوبهم. تتبصّر بها الحقائق، و تميّز بين الحقّ و الباطل.

وَ هُدىً‏: إلى الشّرائع، الّتي هي سبل اللَّه.

وَ رَحْمَةً: لأنّهم لو عملوا بها نالوا رحمة اللَّه.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (43): ليكونوا على حال يرجى منهم التّذكّر. و قد فسّر بالإرادة [و فيه ما عرفت.] (6) وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ‏: يريد الوادي. أو الطّور، فإنّه كان في شقّ الغرب‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 256.

2 و 3- هكذا في المصدر. و في النسخ: أعطى ...

إهلاكه.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

(6) من ن.

75

في مقام موسى. أو الجانب الغربيّ منه. و الخطاب لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، أي: ما كنت حاضرا. إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ: إذ أوحينا إلى موسى الأمر الّذي أردنا تعريفه.

وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (44): للوحي إليه. أو على الوحي إليه، و هم السّبعون المختارون للميقات. و المراد الدّلالة، على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإخبار عن المغيبات، الّتي لا تعرف إلّا به. و لذلك استدرك عنه بقوله: وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، أي: و لكنّا أوحينا إليك. لأنّا أنشأنا قرونا مختلفة بعد موسى فتطاولت عليهم المدد. فحرّفت الأخبار، و تغيّرت الشّرائع، و اندرست العلوم فحذف المستدرك، و أقام سببه مقامه.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن أحمد بن حاتم، عن الحسن بن عبد الواحد، عن سليمان بن محمّد بن أبي فاطمة، عن جابر بن إسحاق البصريّ، عن النّضر بن إسماعيل الواسطيّ، عن جوهر، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏. قال: بالخلافة ليوشع بن نون من بعده. ثمّ قال اللَّه: لن أدع نبيّا من غير وصيّ. و أنا باعث نبيّا عربيّا و جاعل وصيّه عليّا. فذلك قوله: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ في الوصاية. و حدّثه بما هو كائن بعده. قال ابن عبّاس:

و حدّث اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما هو كائن. و حدّثه باختلاف هذه الأمّة من بعده. فمن زعم أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مات بغير وصيّة، فقد كذب على اللَّه- عزّ و جلّ- و على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و جاء في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- قال: روى بعض أصحابنا، عن سعيد بن الخطّاب حديثا يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏. قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّما هي «أو ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏. و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- في بعض رسائله: ليس من موقف أوقف اللَّه- سبحانه- نبيّه فيه ليشهده و ليستشهده، الا و معه أخوه و قرينه و ابن عمّه و وصيّه‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 150.

76

و يؤخذ ميثاقهما معا- (صلوات اللّه عليهما) و على ذرّيّتهما الطّيّبين دائمة في كلّ أوان و حين-.

وَ ما كُنْتَ ثاوِياً: مقيما.

فِي أَهْلِ مَدْيَنَ‏: شعيب و المؤمنين به.

تَتْلُوا عَلَيْهِمْ‏: تقرأ عليهم، تعلّما منهم.

آياتِنا: الّتي فيها قصّتهم.

وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏ (45): إيّاك و مخبرين لك بها.

وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا: لعلّ المراد به وقت إعطائه التّوراة.

و بالأوّل حينما استنبأه. لأنّهما المذكوران في القصّة.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المتفرّقة، حديث طويل و فيه: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: لمّا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- موسى بن عمران- (عليه السلام)- و اصطفاه نجيّا و فلق له البحر و نجّى بني إسرائيل و أعطاه التّوراة و الألواح، رأى مكانه من ربّه- عزّ و جلّ- فقال: يا ربّ، لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا قبلي:

فقال اللَّه- جلّ جلاله- يا موسى، أما علمت أنّ محمّدا أفضل عندي من جميع ملائكتي و جميع خلقي؟

قال موسى: يا ربّ، فإن كان محمّد أكرم عندك من جميع خلقك، فهل في آل الأنبياء- (عليهم السلام)- أكرم من آلي؟

قال اللَّه- جلّ جلاله- يا موسى، أما علمت أنّ فضل آل محمّد على [جميع‏] (2) آل النّبيّين كفضل محمّد على جميع المرسلين؟

فقال موسى: يا ربّ، فإن كان آل محمّد كذلك، فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمّتي؟ ظللت عليهم الغمام و أنزلت عليهم المنّ و السّلوى و فلقت لهم البحر.

فقال اللَّه- جلّ جلاله- يا موسى، أما علمت أنّ فضل أمّة محمّد على جميع الأمم كفضله على جميع خلقي؟

قال موسى: يا ربّ، ليتني كنت أراهم.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 283.

- 284، حديث 30 الذي أوّله في ص 282.

(2) من المصدر.

77

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: يا موسى، إنّك لن تراهم. و ليس هذا أوان ظهورهم. و لكن سوف تراهم في الجنان، جنّات عدن و الفردوس، بحضرة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في نعيمها يتقلّبون، و في خيراتها يتبحبحون. أ فتحبّ أن أسمعك كلامهم؟

قال: نعم إلهي.

قال اللَّه- جلّ جلاله- قم بين يديّ، و اشدد مئزرك، قيام العبد الذّليل بين يدي الملك الجليل. ففعل ذلك موسى- (عليه السلام)- فنادى ربّنا- عزّ و جلّ-: يا أمّة محمّد.

فأجابوه كلّهم، و هم في أصلاب آبائهم و أرحام أمهاتهم: لبيّك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النّعمة و الملك لك لا شريك لك.

قال: فجعل اللَّه- عزّ و جلّ- تلك الإجابة شعار الحاجّ. ثمّ نادى ربّنا- عزّ و جلّ-: يا أمّة محمّد، إنّ قضائي عليكم، أنّ رحمتي سبقت غضبي، و عفوي قبل عقابي. فقد استجبت لكم من قبل أن تدعوني، و أعطيتكم من قبل أن تسألوني. من لقيني بشهادة أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، صادق في أقواله محقّ في أفعاله، و أنّ عليّ بن أبي طالب أخوه و وصيّه من بعده و وليّه و يلتزم طاعته كما يلتزم طاعة محمّد، و أنّ أولياءه المصطفين الطّاهرين المطهّرين المنبئين بعجائب آيات اللَّه و دلائل حجج اللَّه من بعدهما أولياؤه، أدخله جنّتي و إن كانت ذنوبه مثل زبد البحر.

قال: فلمّا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يا محمّد وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أمّتك بهذه الكرامة. ثمّ قال- عزّ و جلّ- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قل الحمد للَّه ربّ العالمين على ما اختصّني به من هذه الفضيلة. و قال لأمّته: قولوا (1) الحمد للَّه ربّ العالمين على ما اختصّني به من هذه الفضائل.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن الحسن بن عليّ بن مروان، عن ظاهر بن مدرار، عن أخيه، عن أبي سعيد المدائنيّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا.

قال: كتاب كتبه اللَّه- عزّ و جلّ- في ورقة، أثبته فيها قبل أن يخلق الخلق بألفي عام.

فيها مكتوب: يا شيعة آل محمّد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، و غفرت لكم قبل أن تستغفروني.

____________

(1) المصدر: قولوا أنتم.

(2) تأويل الآيات الباهرة/ 150- 151.

78

من أتى منكم بولاية محمّد و آل محمّد، أسكنته جنّتي برحمتي.

و يؤيّده ما رواه الشّيخ أبو جعفر الطّوسي- (رحمه اللّه)- بإسناده: عن الفضل بن شاذان، يرفعه إلى سليمان الديلميّ مولى جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: قلت لسيّدي أبي عبد اللَّه- (صلوات اللّه عليه)-: ما معنى قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا؟

قال: كتاب كتبه اللَّه- عزّ و جلّ- قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، فوضعها على العرش.

قلت: يا سيّدي، و ما في ذلك الكتاب؟ قال: في الكتاب مكتوب: يا شيعة آل محمّد أعطيتكم قبل أن تسألوني، و غفرت لكم قبل أن تعصوني، و عفوت عنكم قبل أن تذنبوا. من جاءني بالولاية، أسكنته جنّتي برحمتي.

وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏: و لكن علّمناك رحمة و قرئت، بالرّفع. على «هذه رحمة» (1).

لِتُنْذِرَ قَوْماً: متعلّق بالفعل المحذوف.

ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ‏: لوقوعهم في فترة بينك و بين عيسى- (عليه السلام)- و هي خمسمائة و خمسون سنة. أو بينك و بين إسماعيل. على أنّ دعوة موسى و عيسى كانت مختصّة ببني إسرائيل و ما حواليهم.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (46): يتّعظون.

وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا:

«لو لا» الأولى امتناعيّة. و الثّانية تحضيضيّة واقعة في سياقها. لأنّها إنّما أجيبت بالفاء تشبيها لها بالأمر. مفعول «يقولوا» المعطوف على «تصيبهم» بالفاء، المعطية معنى السّببيّه، المنبّهة على أنّ المقول هو المقصود بأن يكون سببا لانتفاء ما يجاب به. و أنّه لا يصدر عنهم حتّى تلجئهم العقوبة. و الجواب محذوف.

و المعنى: لو لا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم و معاصيهم: ربّنا هلّا أرسلت إلينا رسولا ما يبلّغنا آياتك فنتّبعها و نكون في المصدّقين ما أرسلناك، أي: إنّما أرسلناك‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 195.

79

قطعا لعذرهم، و إلزاما للحجّة عليهم.

فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا، يعنى: الرّسول المصدّق بأنواع المعجزات.

قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى‏: من الكتاب جملة، و اليد، و العصا و غيرها. اقتراحا و تعنّتا.

أَ وَ لَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى‏ مِنْ قَبْلُ‏، يعنى: أبناء جنسهم في الرّأي و المذهب. و هم كفرة زمان موسى و هارون و كان فرعون عربيّا من أولاد عاد.

قالُوا سِحْرانِ‏، يعنون: موسى و هارون. أو موسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

تَظاهَرا، تعاونا بإظهار تلك الخوارق. أو بتوافق الكتابين.

و قرأ الكوفيّون «سحران» بتقدير مضاف. أو جعلهما سحرين مبالغة. و إسناد تظاهرهما إلى فعلهما، دلالة على سبب الإعجاز. (1) و قرئ اظّاهرا على الإدغام. (2) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: سِحْرانِ تَظاهَرا قال: موسى و هارون.

وَ قالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ‏ (48)، أي: بكلّ منهما. أو بكلّ الأنبياء.

قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى‏ مِنْهُما: ممّا نزل على موسى و عليّ. و إضارهما لدلالة المعنى. و هو يؤيّد أنّ المراد بالسّاحرين موسى و محمّد- (عليهما السلام)-.

أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (49): إنّا ساحران مختلقان. و هذا في الشّروط الّتي يراد بها الإلزام و التبكيت. و لعلّ مجي‏ء حرف الشّكّ، للتّهكّم بهم.

فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ‏: دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى. فحذف المفعول للعلم به. و لأنّ فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدّعاء، و باللّام إلى الدّاعي. فإذا عدّي إليه حذف الدّعاء غالبا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 196.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 141.

80

فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ‏: إذ لو اتّبعوا حجّة لأتوا بها.

وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ‏: استفهام، بمعنى النّفي.

بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏: في موضع الحال للتّوكيد. أو التّقييد. فإنّ هوى النّفس قد يوافق الحقّ.

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [عن‏] (2) بن أبي نصر، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏ قال: يعني: من اتّخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمّة الهدى.

عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ‏ (3)، عن جعفر بن بشير و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن ابن فضّال جميعا، عن أبي جميلة، عن خالد بن عمّار، عن سدير قال:

قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- يا سدير، فأريك‏ (4) الصّادّين عن دين اللَّه؟ ثمّ نظر إلى أبي حنيفة و سفيان الثّوريّ في ذلك الزّمان. و هم حلق في المسجد. فقال: هؤلاء الصّادّون عن دين اللَّه، بلا هدى في اللَّه و لا كتاب مبين. إنّ هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم، فجال النّاس، فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن اللَّه- تبارك و تعالى- و عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى يأتونا، فنخبرهم عن اللَّه- تبارك و تعالى- و عن رسوله.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏، يعنى: من اتّخذ دينه رأيا بغير إمام‏ (6) من أئمّة الهدى.

عبّاد بن سليمان، عن سعد بن سعد، (7) عن محمّد بن الفضيل‏ (8)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏،

____________

(1) الكافي 1/ 374، ح 1.

(2) يوجد في المصدر. و بهذه الصورة.

(3) نفس المصدر 1/ 393، ذيل حديث 3. أوله في ص 392.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أ فرأيت.

(5) بصائر الدرجات/ 33، ح 1.

(6) المصدر: «من يتخذ دينه رأيه بغير هدى أئمة» بدل «من اتخذ دينه رأيا بغير إمام.»

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(8) س، أ، ن: محمد بن الفضل.

81

يعنى: من اتّخذ دينه هواه بغير هدى من أئمّة الهدى.

إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (50): الّذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتّباع الهوى.

وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ‏: أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال، ليتّصل التّذكير. أو في النّظم، لتتقرّر الدّعوة بالحجّة و المواعظ و المواعيد، و النّصائح بالعبر.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (51) فيؤمنون و يطيعون.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن عبد اللَّه بن جندب قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏.

قال: إمام إلى إمام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏. قال: إمام بعد إمام.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن حمران، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏. قال: إمام بعد إمام.

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ‏ (52):

قيل‏ (4): نزلت في مؤمني أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سلام و تميم الدّارميّ و الجارود العبديّ و سلمان الفارسيّ. فإنّهم لمّا أسلموا نزلت الآيات.

و قيل‏ (5): في أربعين من أهل الإنجيل، اثنان و ثلاثون جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، و ثمانية من الشّام.

و الضّمير في «من قبله» للقرآن. كالمستكنّ في‏ وَ إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏،

____________

(1) الكافي 1/ 415، ح 18.

(2) تفسير القمي 2/ 141.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 152.

(4) مجمع البيان 4/ 258، أنوار التنزيل 2/ 196.

(5) أنوار التنزيل 2/ 196- 197.

82

أي: أنّه كلام اللَّه.

إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا: استئناف، لبيان ما أوجب إيمانهم به.

إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ‏ (53): استئناف آخر، للدّلالة على أنّ إيمانهم به ليس ممّا أحدثوه حينئذ. و إنّما هو أمر تقادم عهده لمّا رأوا ذكره في الكتب المتقدّمة، و كونهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن. أو تلاوته عليهم، باعتقادهم صحّته في الجملة.

أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ‏: مرّة على إيمانهم بكتابهم، و مرّة على إيمانهم بالقرآن.

بِما صَبَرُوا: بصبرهم و ثباتهم على الإيمانين. أو على الإيمان بالقرآن قبل النّزول و بعده. أو على أذى المشركين و من هاجرهم من أهل دينهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1) في قوله- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا قال: الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)-

و قال الصّادق- (عليه السلام)-: نحن صبراء (2) و شيعتنا أصبر منّا. و ذلك أنّا صبرنا على ما نعلم، و صبروا على ما لا يعلمون.

وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ:

قيل‏ (3): و يدفعون بالطّاعة المعصية.

لقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أتبع السّيّئة الحسنة (4) تمحها.

و قيل‏ (5): الحسن في الكلام، الكلام القبيح الّذي يسمعونه من الكفّار.

و قيل: يدفعون بالمعروف المنكر.

و قيل:

يدفعون بالحلم جهل الجاهل. و معناه: يدفعون بالمداراة مع التّأنّي أذاهم عن أنفسهم.

و في مجمع البيان‏ (6): و روى مثل ذلك عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)‏- (7) و قوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) تفسير القمي 2/ 141.

(2) المصدر: صبرنا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 197.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الحسنة السيئة.

(5) مجمع البيان 4/ 258.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 2/ 141- 142.

83

وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، أي: يدفعون سيّئة من أساء إليهم بحسناتهم.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بن أبي عمير، عن هشام بن سالم و غيره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا قال: بما صبروا على التّقيّة. وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ قال: «الحسنة» التّقيّة. «و السّيّئة» الإذاعة.

وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (54): في سبيل الخير.

وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ‏: تكرّما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ‏ قال: «اللّغو» الكذب. و اللّهو، الغناء. [و المؤمنون‏] (3) و هم الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- يعرضون عن ذلك كلّه.

وَ قالُوا للّاغين.

لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏: متاركة لهم، و توديعا.

و دعاء لهم بالسّلامة عمّا هم فيه.

لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ‏ (55): لا نطلب صحبتهم، و لا نريدها.

إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏: لا تقدر أن تدخله في الإسلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4) و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏ قال: نزلت في أبي طالب. كان‏ (5) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: يا عمّ، قل لا إله إلّا اللَّه‏ (6)، أنفعك بها يوم القيامة. فيقول: يا بن أخي، أنا أعلم بنفسي. فلمّا مات شهد العبّاس بن عبد المطّلب عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه تكلّم بها عند الموت‏ (7): فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أمّا أنا فلم أسمعها منه، و أرجو أن أنفعه يوم القيامة. و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لو قمت المقام المحمود، لشفعت في أمّي و أبي و عمّي و أخ كان لي مؤاخا في الجاهليّة.

____________

(1) الكافي 2/ 217، ح 1.

(2) تفسير القمي 2/ 142.

(3) ليس في م و أ و س و ن. و لا داعي لوجودها.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: فانّ.

(6) المصدر: قل لا إله إلّا اللَّه بالجهر.

(7) المصدر: بأعلى صوته عند الموت.

84

و في مجمع البيان‏ (1): قيل: نزل قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏ في أبي طالب.

فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يحبّ إسلامه، فنزلت هذه الآية. و كان يكره إسلام وحشيّ قاتل حمزة، فنزلت فيه: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ (2) اللَّهِ‏ (الآية) فلم يسلم أبو طالب و أسلم وحشيّ. و رووا ذلك عن ابن عبّاس و غيره.

و في هذا نظر كما ترى. فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يجوز أن يخالف اللَّه- سبحانه- في إرادته كما لا يجوز أن يخالف أوامره‏ (3) و نواهيه. و إذا كان اللَّه- تعالى- على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب و أراد كفره، و أراد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إيمانه، فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرّسول و المرسل. و كان- سبحانه- يقول على مقتضى اعتقادهم: إنّك يا محمّد، تريد إيمانه. و أنا لا أريد إيمانه. و لا أخلق فيه الإيمان مع تكفّله بنصرتك، و بذل مجهوده في إعانتك، و الذّبّ عنك، و محّبته لك، و نعمته عليك.

و تكره أنت إيمان وحشيّ، لقتله حمزة عمّك. و أنا أريد إيمانه، و أخلق في قلبه الإيمان.

و في هذا ما فيه. و قد ذكرنا في سورة الأنعام: أنّ أهل البيت- (عليهم السلام)- قد أجمعوا، على أنّ طالب مات مسلما. و قد تظاهرت الرّوايات بذلك عنهم. و أوردنا هناك طرفا من أشعاره الدّالّة على تصديقه للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- توحيده. فإنّ استيفاء جميعه، لا يتّسع له الطوامير. و ما روى من ذلك في كتب المغازي و غيرها أكثر من أن يحصى، يكاشف فيها من كاشف النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و يناضل عنه و يصحّح نبوّته.

و قال بعض الثّقاة: أنّ قصائده في هذا المعنى الّتي تنفث في عقد السّحر و تغبر في وجه شعراء الدّهر، تبلغ قدر مجلّد و أكثر من هذا و لا شكّ في أنّه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء، استصلاحا لهم، و حسن تدبيره في دفع كيادهم. لئلّا يلجئوا الرّسول إلى ما ألجأوه إليه بعد موته.

و في جوامع الجامع‏ (4): و قالوا: إنّ الآية في نزلت في أبي طالب.

و قد ورد عن أئمّة الهدى- (عليهم السلام)-: أنّ أبا طالب مات مسلما.

و أجمعت الإماميّة على ذلك. و أشعاره مشحونة بالإسلام، و تصديق النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: فيدخله في الإسلام.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 259- 260.

(2) الزمر/ 53.

(3) المصدر: يخالفه في أوامره.

(4) جوامع الجامع/ 347.

85

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (2) عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: اجعلوا أمركم هذا (3) للَّه، و لا تجعلوه للنّاس. فأمّا ما كان للَّه، فهو للَّه. و ما كان للنّاس، فلا يصعد إلى السّماء (4).

و لا تخاصموا بدينكم النّاس‏ (5)، فإنّ المخاصمة ممرضة للقلب. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و قال‏ (6): أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏. ذروا النّاس، فإنّ النّاس أخذوا عن النّاس. و إنّكم أخذتم عن رسول اللَّه [و عليّ- (عليهما السلام)- و لا سواء. و] (7) إنّي سمعت أبي- (عليه السلام)- يقول: إذا كتب اللَّه‏ (8) على عبد أن يدخله‏ (9) في هذا الأمر، كان أسرع إليه من الطّير إلى و كره.

و في كتاب التّوحيد (10) مثله سواء.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (11) بإسناده إلى جبر بن نوف: أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كتب إلى معاوية و أصحابه يدعوهم إلى الحقّ. و ذكر الكتاب بطوله. قال: فكتب إليه معاوية أمّا بعد إنّه‏

ليس بيني و بين عمر (12) و عتاب‏* * * غير طعن الكلى و جزّ

الرّقاب‏

فلمّا وقف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على جوابه بذلك قال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صراط مستقيم.

وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏ (56)، أي: القابلين للهدي. فيدبّر الأمور على ما يعلمه من مصالح العباد.

وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا: نخرج منها.

____________

(1) الكافي 1/ 166، ح 3.

(2) المصدر: «عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد» بدل «محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى.»

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: اللَّه.

(5) المصدر: «لدينكم» بدل «بدينكم الناس.»

(6) يونس/ 99.

(7) ليس في المصدر.

(8) ليس في المصدر. و فيه: إن اللَّه- عزّ و جلّ- إذا كتب.

(9) المصدر: يدخل.

(10) التوحيد/ 414- 415، ح 13.

(11) أمالي الطوسي 1/ 188. و أوله في ص 186.

(12) المصدر: و بين قيس.

86

نزلت في الحرث‏ (1) بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف. أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: نحن نعلم أنّك على الحقّ. و لكن نخاف إن اتّبعناك و خالفنا العرب- و إنّما نحن أكلة رأس- أن يتخطّفونا من أرضنا (2). فردّ اللَّه عليهم بقوله: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً: أو لم نجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت الّذي فيه؟ يتناحر العرب‏ (3) حوله و هم آمنون فيه.

يُجْبى‏ إِلَيْهِ‏: يحمل إليه و يجمع.

و قرأ نافع و يعقوب في رواية، بالتّاء (4).

ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: من كلّ أوب.

رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا: فإذا كان هذا حالهم و هم عبدة الأصنام، فكيف نعرّضهم‏ (5) للخوف و التّخطّف إذا ضمّوا إلى حرمة البيت حرمة التّوحيد؟

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (57): جملة. لا يتفطّنون له، و لا تفكّرون ليعلموا.

و قيل‏ (6): إنّه متعلّق بقوله: «من لدنّا»، أي: قليل منهم يتدبّرون، فيعلمون أنّ ذلك رزق من عند اللَّه [و أكثرهم لا يعلمون.] (7) إذ لو علموا، لما خافوا غيره.

و انتصاب «رزقا» على المصدر في معنى: يجبى. أو حال من «الثّمرات» لتخصّصها بالإضافة. ثمّ بيّن أنّ الأمر بالعكس. فإنّهم أحقّاء بأن يخافوا في بأس اللَّه- تعالى- على ما هم عليه بقوله: وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي: و كم من أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن و خفض العيش، حتّى أشروا فدمرّ اللَّه عليهم و خرّب ديارهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا قال: نزلت في قريش حين دعاهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى الإسلام و الهجرة وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏.

____________

(1) ن: الحارث.

(2) أنوار التنزيل 2/ 197.

(3) م، أ، س، و ن: يتفاخر العرب.

(4) أنوار التنزيل 2/ 197.

(5) ن: يعرّضهم.

(6) أنوار التنزيل 2/ 197.

(7) من المصدر.

(8) تفسير القمي 2/ 142.

87

و في كشف المحجّة (1) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فأمّا الآيات اللّواتي في قريش، فهي قوله- إلى قوله-: و الثّالثة، في قول قريش لنبيّ اللَّه حين دعاهم إلى الإسلام و الهجرة فقالوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا فقال اللَّه: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏.

و في روضة الواعظين‏ (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: كان أبو طالب يضرب عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى أن قال: فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إلى النّاس كافّة أرسلت، أم إلى قومك خاصّة؟

قال: لا بل إلى النّاس أرسلت كافّة الأبيض و الأسود و العربيّ و العجميّ. و الّذي نفسي بيده، لأدعونّ إلى هذا الأمر الأبيض و الأسود و من على رؤوس الجبال و من في لجج البحار. و لأدعونّ ألسنة فارس و الرّوم. فتحيّرت‏ (3) قريش و استكبرت، و قالت: أما تسمع إلى ابن أخيك و ما يقول؟ و اللَّه، لو سمعت بهذا فارس و الرّوم لاختطفتنا في أرضنا. و لقلعت الكعبة حجرا حجرا. فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى- وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (إلى آخر الآية).

فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ‏: خاوية.

لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ‏: من السّكنى. إذ لا يسكنها إلّا المارّة، يوما أو بعض يوم.

أو لا يبقى من يسكنها.

إِلَّا قَلِيلًا: من شؤم معاصيهم.

وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ‏ (58): منهم. إذ لم يخلفهم أحد يتصرّف تصرفهم في ديارهم، و سائر متصرّفاتهم.

و انتصاب «معيشتها» بنزع الخافض. أو بجعلها ظرفا بنفسها. كقولك: زيد ظنّي مقيم. أو بإضمار زمان مضاف إليه. أو مفعول على تضمين «بطرت» معنى: كفرت.

وَ ما كانَ رَبُّكَ‏: و ما كانت عادته.

مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها:

____________

(1) كشف المحجّة لثمرة المهجة/ 175.

(2) روضة الواعظين للنيسابوري الملقب بالمفيد في بعض الأحيان/ 54.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: فجبرت.

88

قيل‏ (1): في أصلها، الّتي هي أعمالها. لأنّ أهلها تكون أفطن و أنبل.

و قيل‏ (2): إنّ معنى أمّها: أمّ القرى. و هي مكّة. و قيل: يريد معظم القرى من سائر الدّنيا. رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا: لإلزام الحجّة، و قطع المعذرة.

وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏ (59): بتكذيب الرّسل، و العتوّ في الكفر.

وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ: من أسباب الدّنيا.

فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها: تمتّعون و تزيّنون به مدّة حياتكم المنقضية.

وَ ما عِنْدَ اللَّهِ‏: و هو ثوابه.

خَيْرٌ: خير في نفسه من ذلك. لأنّه لذّة خالصة. و بهجة كاملة.

وَ أَبْقى‏: لأنّه أبديّ.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (60): فتستبدلون الّذي هو أدنى بالّذي هو خير.

و قرئ، بالياء و هو أبلغ في الموعظة (3).

أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً: وعدا بالجنّة. فإنّ حسن الوعد بحسن الموعود.

فَهُوَ لاقِيهِ‏: مدركه لا محالة. لامتناع الخلف في وعده. و لذلك عطفه «بالفاء» المعطية معنى السّببيّة.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن هشام بن عليّ، عن إسماعيل بن عليّ المعلّم، عن بدل بن البحير، عن شعبة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد قال: قوله- عزّ و جلّ- أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ‏ نزلت في عليّ و حمزة- (عليهما السلام)-.

و يؤيّده ما رواه الحسن بن أبي الحسن الّديلميّ- (رحمه اللّه)- بإسناده: عن رجاله إلى محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ‏ قال: الموعود عليّ بن أبي طالب. وعده اللَّه أن ينتقم له من أعدائه في الدّنيا، و وعده الجنّة له و لأوليائه في الآخرة.

و ذكر أبو عليّ الطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- ما يؤيّد الحديث الأوّل في سبب النّزول. قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 198.

(2) مجمع البيان 4/ 261.

(3) أنوار التنزيل 2/ 198.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 152.

89

و قيل: إنّها نزلت في حمزة و في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا: الّذي هو مشوب بالآلام، مكدّر بالمتاعب، مستعقب للتّعسّر على الانقطاع.

ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ‏ (61): للحساب. أو العذاب. «و ثمّ» للتّراخي في الزّمان، أو الرّتبة.

و قرأ نافع و ابن عامر في رواية و الكسائيّ: «ثمّ هو» بسكون الهاء بتشبيها للمنفصل بالمتّصل. و هذه الآية كالنّتيجة للّتي قبلها، و لذلك رتّب عليها «بالفاء». (1)

وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ‏: عطف على «يوم القيامة». أو منصوب «باذكر».

فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ (62)، أي: الّذين كنتم تزعمونهم شركائي. فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما.

قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‏: [بثبوت مقتضاه و حصول مؤدّاه. و هو قوله‏ (2):

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ‏] (3) أَجْمَعِينَ‏ و غيره من آيات الوعيد.

رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا: أغويناهم. فحذف الرّاجع إلى الموصول.

أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا: أي: هؤلاء الّذين أغويناهم، فغووا غيّا مثل ما غوينا. و هو استيناف للّدلالة على أنّهم غووا باختيارهم. و أنّهم لم يفعلوا بهم إلّا وسوسة و تسويلا.

و يجوز أن يكون «الّذين» صفة. «و أغويناهم» الخبر لأجل ما اتّصل به، فأفاده زيادة على الصّفة. و هو و إن كانت فضلة، لكنّه صار من اللّوازم.

تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ‏: منهم و ممّا اختاروه من الكفر هو منهم. و هي تقرير للجملة المتقدّمة. و لذلك خلت عن العاطف. و كذا ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ‏ (63): بل أهواءهم.

قيل‏ (4): «ما» مصدريّة متّصلة «بتبّرأنا»، أي: تبرّأنا من عبادتهم إيّانا.

وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ‏: من فرط الحيرة.

فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ‏: بعجزهم عن الإجابة و النّصرة.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 198.

(2) هود/ 119.

(3) ليس/ في أ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 199.

90

وَ رَأَوُا الْعَذابَ‏: لأربابهم.

لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ‏ (64): لوجه من الحيل، يدفعون به العذاب. أو إلى الحقّ لمّا رأوا العذاب. و قيل‏ (1): «لو» للتّمنّي، أي: تمنّوا أنّهم كانوا مهتدين.

وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏ (65): عطف على الأوّل.

فإنّه- تعالى- ليسأل أوّلا عن إشراكهم، ثمّ عن تكذيبهم الأنبياء.

فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ: فصارت الأنباء كالعمى عليهم، لا تهتدي إليهم. و أصله: فعموا عن الأنباء. لكنّه عكس مبالغة، و دلالة على أنّ ما يحضر الذّهن إنّما يفيض و يرد عليه من خارج. فإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره.

و المراد بالأنباء: ما أجابوا به الرّسل. أو ما يعمها. [و إذا كانت الرّسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول، و يفوّضون إلى علم اللَّه- تعالى- فما ظنّك بالضّلّال من أممهم.] (2) و تعدية الفعل «بعلى» لتضمّنه معنى الخفاء.

فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ‏ (66): لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب، لفرط الدّهشة.

أو العلم بأنّه مثله.

فَأَمَّا مَنْ تابَ‏: من الشّرك.

وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً: و جمع بين الإيمان و العمل الصّالح.

فَعَسى‏ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ‏ (67): عند اللَّه و «عسى» تحقيق على عادة الكرام. أو ترجّ من التّائب. بمعنى: فليتوقّع أن يفلح.

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ: لا موجب عليه، و لا مانع له.

ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي: التّخيّر. كالطّيرة، بمعنى: التّطيّر. و ظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا، و الأمر كذلك.

قيل‏ (3): المراد، أنّه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. و لذلك خلا عن العاطف.

و يؤيّده ما روي: أنّه نزل في قولهم‏ (4): لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في الأصل.

(3) أنوار التنزيل 2/ 199.

(4) الزخرف/ 31.

91

و قيل: «ما» موصولة مفعول «ليختار» و الرّاجع إليه محذوف. و المعنى: و يختار الّذي كان لهم فيه الخيرة، أي: الخير و الصّلاح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ- وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏. فإن العامّة قد رووا: أنّ ذلك في القيامة. و أمّا الخاصّة، فإنّه‏

حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطائيّ، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العبد إذا دخل قبره جاءه منكر و فزع منه، يسأل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فيقول له: ما ذا تقول في هذا الرّجل كان بين أظهركم؟

فإن مؤمنا قال: أشهد أنّه رسول اللَّه، جاء بالحقّ. فيقال له: ارقد رقدة لا حلم فيها. و يتنحّى عنه الشّيطان. و يفسح له في قبره سبعة أذرع. و يرى‏ (2) مكانه في الجنّة. قال: و إذا كان كافرا، قال: ما أدري. فيضرب ضربة يسمعها كلّ من خلق اللَّه إلّا الإنسان. و يسلّط عليه الشّيطان. و له عينان من نحاس أو نار تلمعان كالبرق الخاطف فيقول له: أنا أخوك. و يسلّط عليه الحّيات و العقارب. و يظلم عليه قبره، ثمّ يضغطه ضغطة تختلف أضلاعه عليه. ثمّ قال بأصابعه فشرجها.

و قوله- عزّ و جلّ-: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ. قال: و يختار اللَّه- عزّ و جلّ- الإمام. و ليس لهم أن يختاروا. سُبْحانَ اللَّهِ‏: تنزيها له. أن ينازعه أحد، أو يزاحم اختياره اختيار.

وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (68): عن إشراكهم. أو مشاركة ما يشركون به.

و في أصول الكافي‏ (3): أبو القاسم بن العلاء- (رحمه اللّه)- عن عبد العزيز بن مسلم، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل في فضل الإمام- (عليه السلام)- و صفاته. يقول فيه- (عليه السلام)-: هل يعرفون قدر الإمامة و محلّها من الأمّة، فيجوز فيها اختيارهم؟ إلى قوله- (عليه السلام)-: لقد امرا صعبا، و قالوا إفكا، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، و زيّن لهم الشّيطان أعمالهم فصدّهم عن السّبيل و ما كانوا مستبصرين. رغبوا عن اختيار اللَّه و اختيار رسول اللَّه [و أهل بيته‏] (4) إلى اختيارهم، و القرآن‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 143.

(2) المصدر: رأى.

(3) الكافي 1/ 199- 201، ضمن حديث 1 و أوّله في ص 198. و فيه «محمد القاسم بن العلاء» «أبو القاسم بن العلاء.»

(4) من المصدر.

92

يناديهم: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [من أمرهم‏] (1) سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى‏ عَمَّا [يُشْرِكُونَ‏. و قال عزّ و جلّ‏ (2): وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.] (3)

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى سعد بن عبد اللَّه القمّيّ، عن الحجّة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه‏ قلت: أخبرني يا ابن مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم.

قال: مصلح أو مفسد؟

قلت: مصلح.

قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟

قلت: بلى.

قال: فهي العلّة. و أوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك. ثمّ قال- (عليه السلام)- أخبرني عن الرّسل الّذين اصطفاهم اللَّه- عزّ و جلّ- و أنزل عليهم الكتب‏ (5) و أيّدهم بالوحي و العصمة. إذ هم أعلام الأمم و أهدى إلى الاختيار منهم، مثل: موسى و عيسى- (عليهم السلام)- هل يجوز مع وفور عقلهما [و كمال علمهما] (6) إذ همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق، و هما يظنّان أنّه مؤمن؟

قلت: لا.

قال: هذا موسى كليم اللَّه، مع وفور عقله و كمال علمه و نزول الوحي عليه، اختار في أعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربّه- عزّ و جلّ- سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم و إخلاصهم. و وقع خيرته على المنافقين. قال‏ (7) اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا إلى قوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ‏ فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللَّه- عزّ و جلّ- للنّبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح،

____________

(1) من ن.

(2) الأحزاب/ 36.

(3) ليس في أ.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 461- 462، ضمن حديث الذي أوّله في ص 454.

(5) المصدر: الكتاب.

(6) من المصدر.

(7) الأعراف/ 155.

93

و هو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أنّ الاختيار لا يجوز أن يفعل‏ (1) إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور و تكنّ الضّمائر و تتصرّف عليه السّرائر. و أنّ لا خطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصّلاح.

و في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل-: و نعلم أنّ نواصي الخلق بيده. فليس لهم نفس و لا لحظة إلّا بقدرته و مشيئته. و هم عاجزون عن إتيان أقلّ شي‏ء في مملكته إلّا بإذنه [و مشيئته‏] (3) و إرادته. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ من أمرهم‏ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏.

وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ‏: كعداوة الرّسول و حقده.

وَ ما يُعْلِنُونَ‏ (69): كالطّعن فيه.

وَ هُوَ اللَّهُ‏: المستحقّ للعبادة.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: لا أحد يستحقّها، إلّا هو.

لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى‏ وَ الْآخِرَةِ: لأنّه المولى للنّعم كلّها عاجلها و آجلها.

يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدّنيا. بقولهم: الحمد للَّه الّذي أذهب عنّا الحزن، الحمد للَّه الّذي صدقنا وعده. ابتهاجا بفضله، و التذاذا بحمده.

وَ لَهُ الْحُكْمُ‏: القضاء النّافذ في كلّ شي‏ء.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (70): بالنّشور.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً: دائما. من السّرد: و هو المتابعة. و «الميم» مزيدة. كميم «دلامص».

إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ: بإسكان الشّمس تحت الأرض. أو تحريكها فوق الأفق الغائر.

مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ: كان حقّه، هل إله. فذكر «بمن» على زعمهم: أنّ غيره آلهة.

و عن ابن كثير «بضئاء» بهمزتين‏ (4).

____________

(1) المصدر: «لا اختيار» بدل «الاختيار لا يجوز أن يفعل.»

(2) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 115- 116.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 200.

94

أَ فَلا تَسْمَعُونَ‏ (71): سماع تدبّر و استبصار.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ:

بإسكانها في وسط السّماء. أو تحريكها على مدار فوق الأفق.

مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ‏: استراحة عن متاعب الأشغال.

و لعلّه لم يصف الضياء بما يقابله، لأنّ [الضّوء، نعمة في ذاته مقصود في نفسه، و لا اللّيل كذلك. و لأنّ منافع‏] (1) الضّوء أكثر ممّا يقابله، و لذلك قرن به‏ أَ فَلا تَسْمَعُونَ‏. و باللّيل‏ أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏ (72): لأنّ استفادة العقل من السّمع أكثر من استفادته من البصر.

وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ‏: في اللّيل.

وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏: بالنّهار، بأنواع المكاسب.

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (73): و لكي تعرفوا نعمة اللَّه في ذلك، فتشكروا عليها.

وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ (74): تقريع بعد تقريع. للإشعار بأنّه لا شي‏ء أجلب لغضب اللَّه- تعالى- في الإشراك به. أو الأوّل، لتقرير فساد رأيهم. و الثّاني، لبيان أنّه لم يكن عن سند، و إنّما كان محض تشهّي و هوى.

وَ نَزَعْنا: و أخرجنا.

مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً: و هو نبيّهم. يشهد عليهم بما كانوا عليه.

فَقُلْنا: للأمم.

هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏: على صحّة ما كنتم تدينون به.

فَعَلِمُوا: حينئذ.

أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ‏: في الألوهيّة. لا يشاركه فيها أحد.

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ‏: و غاب عنهم [غيبة الضائع.] (2).

ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (75): من الباطل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ نَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يقول: من كلّ فرقة من هذه الأمّة

____________

(1) ليس في أ، ن و الأصل.

(2) من م و أ و س و ن.

(3) تفسير القمي 2/ 143.

95

إمامها (1) فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏.] (2)

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏:

قيل‏ (3): ابن عمّه يصهر بن قاهث بن لاوي. و كان ممّن أمن به.

و قيل‏ (4): كان موسى ابن أخيه. و قارون عمّه.

و في مجمع البيان‏ (5): إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏، أي: كان من بني إسرائيل، ثمّ من سبط موسى. و هو ابن خالته. عن عطاء، عن ابن عبّاس. و روي ذلك عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

فَبَغى‏ عَلَيْهِمْ‏: فطلب الفضل عليهم، و أن يكونوا تحت أمره. أو تكبّر عليهم. أو ظلمهم. قيل‏ (6): ذلك حين ملّكه فرعون على بني إسرائيل. أو حسدهم، لما روى أنّه قال له:

لك الرّسالة، و لهارون الحبورة، و أنا في غير شي‏ء. إلى متى أصبر؟

وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ: من الأموال المدّخرة.

في مجمع البيان‏ (7) قال: عطاء: أصاب كنزا من كنوز يوسف.

ما إِنَّ مَفاتِحَهُ‏: مفاتيح صناديقه. جمع، مفتح. بالكسر: و هو ما يفتح به.

و قيل‏ (8): خزائنه و قياس واحدها المفتح.

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ: خبر «إنّ». و الجملة صلة «ما». و هو ثاني مفعولي «أتى».

و ناء به الحمل: إذا أثقله حتّى أماله.

و العصبة، و العصابة: الجماعة الكثيرة. و اعتصبوا: اجتمعوا.

و قرئ «لينوء» بالياء. على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. (9) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10) 1: وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: إماما.

(2) ليس في الأصل.

(3) أنوار التنزيل 2/ 200.

(4) مجمع البيان 4/ 266.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 200.

(7) مجمع البيان 4/ 266.

(8) أنوار التنزيل 2/ 200 و فيه: و قيل: خزائنه و قياسه المفتح.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) تفسير القمي 2/ 144.

96

و العصبة: ما بين العشرة إلى تسعة عشر. [قال: كان يحمل مفاتيح خزائنه العصبة أولو القوّة.

و في مجمع البيان: (1) قيل: ما بين عشرة إلى خمسة عشر.] (2) و قيل‏ (3): ما بين عشرة إلى أربعين. و قيل: أربعون رجلا. و قيل: ما بين الثّلاثة إلى العشرة. و قيل: إنّهم جماعة يتعصّب بعضهم لبعض.

و روى الأعمش عن خثيمة قال: كانت مفاتح قارون من جلود. كلّ مفتاح مثل الإصبع.

إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ‏: منصوب «بتنوء».

لا تَفْرَحْ: لا تبطر. و الفرح بالدّنيا مذموم مطلقا. لأنّه نتيجة حبّها و الرّضا بها و الذّهول عن ذهابها. فإنّ العلم بأنّ ما فيها من اللّذّة مفارقة لا محالة، يوجب التّرح كما قال:

أشدّ الغمّ عندي في سرور* * * تيقّن عنه صاحبه انتقالا

و لذلك قال اللَّه- تعالى-: وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‏ (4) و عللّ النّهي هاهنا بكونه مانعا من محبّة اللَّه، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏ (76): أي: بزخارف الدّنيا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5) بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و ما يكون أولو قوّة إلّا عشرة آلاف [قال عزّ من قائل-: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏.] (6)

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: أوحى اللَّه- تبارك و تعالى- إلى موسى- (عليه السلام)-: لا تفرح بكثرة المال، و لا تدع ذكري على كلّ حال. فإنّ كثرة المال تنسي الذّنوب، و ترك ذكري يقسي القلوب.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 266.

(2) ليس في س.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الحديد/ 23.

(5) كمال الدين و تمام النعمة/ 654، ذيل حديث 20 و الحديث قصير.

(6) ليس في المصدر. و لعلها زيادة. فالظاهر أنّ حديث كمال الدين نقل بواسطة نور الثقلين. ثم أنّ صاحب نور الثقلين أورد بعده مباشرة هذه الآية ليورد تفسيرها. فاشتبه المفسر- رحمة اللَّه- عند النقل.

و ظنّ أنّها تتبع لكمال الدين. و اللَّه العالم.

(7) الخصال/ 39، ح 23.

97

عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (1) حديث طويل. و فيه: و الفرح مكروه عند اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى أبان الأحمر، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)‏- أنّه جاء رجل إليه فقال له: بأبي أنت و أمّي، عظني موعظة.

فقال- (عليه السلام)- إن كانت العقوبة من اللَّه- عزّ و جلّ- حقّا، فالفرح لما ذا؟

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ‏: من الغنى.

الدَّارَ الْآخِرَةَ: بصرفه فيما يوجبها لك. فإنّ المقصود منه، أن يكون وصلة إليها. (3)

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن عليّ بن يحيى، عن أيّوب بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يؤتى يوم القيامة برجل، فيقال: احتج.

فيقول: يا ربّ، خلقتني و هديتني و أوسعت‏ (5) عليّ، فلم أزل أوسع على خلقك و أيسر عليهم. لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره.

فيقول الرّبّ- جلّ ثناؤه و تعالى-: صدق عبدي. أدخلوه الجنّة.

وَ لا تَنْسَ‏: و لا تترك ترك المنسيّ.

نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا: و هو أن تحصّل بها آخرتك. أو تأخذ منها ما يكفيك. (6)

____________

(1) عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 138، ح 106.

(2) التوحيد/ 376، ضمن حديث 21.

(3) يوجد في هامش نسخة م:

مشكل: ينبغي أن لا يكون لكلّ من الفقرات المثلث، أعني: «و اتّبع»، «و لا تنس»، «و أحسن» معنى يغاير الاخرى، و لا أقلّ أن يكون بينها عموم من وجه. فليكن معنى‏ وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ نفع الناس به مع بقاء عليه، كالاقراض و الإسكان و الاعانة. فاعارة الأدوات و المماليك و المراكب و الحلّي و نحو ذلك و كذلك الكفّ عن التكبّر و الفساد فانّ الموجب لهما و الموجد في الغالب، الغنى. و لا يوجد ان مع الفقر إلّا نادرا.

و سيجي‏ء في هذه السورة بعد تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً مع وجود المعّد و المقتضى فقد طلب الآخرة في الدنيا. فافهم.

(4) الكافي 4/ 40، ح 8.

(5) المصدر: فأوسعت.

(6) يوجد في هامش نسخة م:

قد كنت قلت في سنّ الشباب من قصيدة لي:

فما ذاخر الّذي أنت باذل‏* * * و ما باذل الّا الّذي أنت ذاخره‏

98

و في كتاب معاني الأخبار (1) بإسناده إلى موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال: لا تنس صحّتك و قوّتك و فراغك و شبابك و لا نشاطك، أن تطلب بها (2) الآخرة.

وَ أَحْسِنْ‏: إلى عباد اللَّه.

كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏: فيما أنعم عليك.

و قيل‏ (3): أحسن بالشّكر و الطّاعة، كما أحسن إليك بالإنعام.

وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ‏: بأمر يكون علّة للظّلم و البغي.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏ (77): لسوء أفعالهم.

و في مصباح الشّريعة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: فساد الظّاهر، من فساد الباطن. و من أصلح سريرته، أصلح اللَّه علانيته: و من خان اللَّه في السّر هتك اللَّه ستره في العلانيّة (5) و أعظم الفساد، أن يرضى العبد (6) بالغفلة عن اللَّه- تعالى- و هذا الفساد يتولّد من طول الأمل و الحرص و الكبر. كما أخبر اللَّه- تعالى- في قصّة قارون في قوله: وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏. و كانت هذه الخصال من صنع قارون و اعتقاده. و أصلها: من حبّ الدّنيا و جمعها، و متابعة النّفس و هواها، و إقامة شهواتها، و حبّ المحمدة، و موافقة الشّيطان، و اتّباع خطراته. و كلّ ذلك مجتمع تحت الغفلة عن اللَّه و نسيان مننه‏ (7).

____________

ثم فطنت في أثناء التلاوة لقوله- جلّ شأنه-: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا. فصغر في عيني ذلك البيت و استحقرته. و معنى الآية الشريفة- و اللَّه أعلم: أن ما تعمله لآخرتك من فضل مالك و قواك فهو نصيبك من دنياك و الباقي إن لم يذهب من يدك قبل موتك بقي لوارثك و كثيرا ما يجوّزه عدوّك. صدر الدين الموسويّ.

(1) معاني الأخبار/ 325، ح 1.

(2) ن، م: تطلب عنها.

(3) أنوار التنزيل 2/ 201.

(4) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 446- 448.

(5) المصدر: «علانيته» بدل «ستره في العلانية.»

(6) هكذا في أ و س و م و ن و في المصدر، و الأصل: الخلق.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: منته.

99

قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ‏: فضّلت به على النّاس. و استوجبت به التّفوّق‏ (1) عليهم بالجاه و المال.

و «على علم» في موضع الحال. و هو علم التّوراة. و كان أعلم بها. و قيل‏ (2): هو علم الكيمياء. و قيل: علم النّجارة و الدّهقنة و سائر المكاسب.

و قيل‏ (3): العلم بكنوز يوسف.

عِنْدِي‏: صفة له. أو متعلّق «بأوتيته». كقولك: جاز هذا عندي، أي: في ظنّي و اعتقادي.

أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً: تعجّب و توبيخ، على اغتراره بقوّته و كثرة ماله مع علمه بذلك. لأنّه قرأه في التّوراة، و سمعه من حفّاظ التّواريخ. أو ردّ لادّعائه العلم و تعظّمه به، بنفي هذا العلم منه أي: أ عنده مثل ذلك العلم الّذي ادّعاه و لم يعلم هذا حتّى يقي به نفسه مصارع الهالكين.

وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏ (78): سؤال استعلام، فإنّه- تعالى- مطّلع عليها. أو معاتبة، فإنّهم يعذّبون بها بغتة.

قيل‏ (4): يعني: أنّهم يدخلون النّار بغير حساب. و أنّ الملائكة يعرفونهم بسيماهم، فلا يسألون عنم لعلامتهم. و يأخذونهم بالنّواصي و الأقدام، فيصيّرونهم إلى النّار.

فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏:

قيل‏ (5): إنّه خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان، و عليها سرج من ذهب. و معه أربعة آلاف فارس على زينته‏ (6). و الأرجوان: صمغ أحمر.

قيل‏ (7) [: خرج‏] (8) في جوار بيض، على سرج من ذهب، على قطف أرجوان، على بغال بيض. عليهن ثياب حمر و حليّ من ذهب.

و قيل‏ (9): خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات.

____________

(1) هكذا في س و أ. و في سائر النسخ: التقوى.

(2) أنوار التنزيل 2/ 201.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) مجمع البيان 4/ 267.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: «على زيّه» بدل «فارس على زينته.»

(7) مجمع البيان 4/ 267.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع.

100

قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا: على ما هو عادة النّاس من الرّغبة.

يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ‏: تمنّوا مثله لا عينه، حذرا عن الحسد.

إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏ (79): من الدّنيا.

وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏: بأحوال الآخرة، للمتّقين.

وَيْلَكُمْ‏: دعاء بالهلاك. استعمل للزّجر عمّا لا يرتضى.

ثَوابُ اللَّهِ‏: في الآخرة.

خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً: ممّا أوتي قارون. بل من الدّنيا و ما فيها.

وَ لا يُلَقَّاها:

الضّمير فيه، للكلمة الّتي تكلّم بها العلماء. أو للثّواب، فإنّه بمعنى: المثوبة. أو الجنّة. أو للإيمان و العمل الصّالح، فإنّهما في معنى: السّيرة و الطّريقة.

إِلَّا الصَّابِرُونَ‏ (80): على الطّاعات، و عن المعاصي.

فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏:

نقل‏ (1): أنّه كان يؤذي موسى- (عليه السلام)- كلّ وقت. و هو يداريه، لقرابته.

حتّى نزلت الزّكاة، فصالحه عن كلّ ألف على واحد. فحسبه فاستكثره. فعمد إلى أن يفضح موسى- (عليه السلام)- بين بني إسرائيل، ليرفضوه. فبرطل بغيّة لترميه بنفسها. فلمّا كان يوم العيد قام موسى خطيبا، فقال: من سرق قطعناه. [و من افترى جلدناه‏] (2) و من زني غير محصن جلدناه. و من زنى محصنا رجمناه.

فقال قارون: و لو كنت؟

قال: و لو كنت.

قال: إنّ بني إسرائيل يزعمون أنّك فجرت بفلانة. فاستحضرت. فناشدها موسى باللَّه أن تصدق.

فقالت: جعل لي قارون جعلا، على أن أرميك بنفسي. فخرّ موسى شاكيا منه إلى ربّه. فأوحى اللَّه إليه: أن مر الأرض بما شئت.

فقال: يا أرض خذيه. [و هو على سريره و فرشه. فأخذته حتّى غيّبت سريره. ثمّ قال: خذيه. فأخذته حتّى غيّبت قدميه. ثمّ قال: خذيه.] (3) فأخذته إلى ركبتيه. ثمّ قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 202.

2 و 3- ليس في المصدر.

101

خذيه. فأخذته إلى وسطه. ثمّ قال: خذيه. فأخذته إلى عنقه. ثمّ قال: خذيه، فخسفت به. و كان [قارون‏] (1) يتضرّع إليه في هذه الأحوال، فلم يرحمه. فأوحى اللَّه إليه: ما أفظّك! استرحمك مرارا، فلم ترحمه. و عزّتي و جلالي، لو دعاني مرّة لأجبته. ثمّ قال بنو إسرائيل: إنّما فعله ليرثه.

فدعا اللَّه، حتّى خسف بداره و أمواله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فقال قارون كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ عِنْدِي‏، يعني: ماله. و كان يعمل الكيمياء. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏.، أي: لا يسأل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏ قال:

في الثّياب المصبّغات، يجرّها بالأرض. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏. فقال لهم الخلّص‏ (3) من أصحاب موسى- (عليه السلام)-:

وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الجامع بالكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و التّطيّر منه و ثقله، و أيّ أربعاء هو؟

فقال- (عليه السلام)- آخر أربعاء في الشّهر. و هو المحاق. و فيه قتل قابيل هابيل أخاه و يوم الأربعاء ألقي إبراهيم- (عليه السلام)- في النّار. و يوم الأربعاء خسف اللَّه بقارون.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5)، في مناهي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و نهى أن يختال الرّجل في مشيه. و قال: من لبس ثوبا فاختال فيه، خسف اللَّه به من شفير جهنم و كان قرين قارون. لأنّه أوّل من اختال، فخسف اللَّه به و بداره الأرض.

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 144.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: الخاص.

(4) الخصال/ 388، ضمن حديث 78. و فيه:

قال حدّثنا عليّ بن موسى الرضا قال: حدّثنا موسى بن جعفر قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال:

حدّثنا محمّد بن على قال حدّثنا: علي بن الحسين قال: حدّثنا الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)-» بدل «عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-».

(5) من لا يحضره الفقيه 4/ 7.

102

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و كان سبب هلاك قارون، أنّه لمّا خرج موسى- (عليه السلام)- ببني إسرائيل من مصر و أنزلهم البادية (2) و كانوا يقومون من أوّل اللّيل و يأخذون في قراءة التّوراة و الدّعاء و البكاء، و كان قارون منهم. و كان يقرأ التّوراة و لم يكن فيهم أحسن صوتا منه، و كان يسمّى المنون لحسن قراءته، و كان يعمل الكيمياء، فلما طال الأمر على بني إسرائيل في التّيه و التّوبة. و كان قارون قد امتنع من الدخول معهم في التوبة [و كان موسى- (عليه السلام)- يحبّه، فدخل إليه موسى فقال له: يا قارون قومك في التّوبة] (3) و أنت قاعد هاهنا، ادخل معهم و إلّا نزل‏ (4) بك العذاب. فاستهان به و استهزأ بقوله.

فخرج موسى من عنده مغتمّا و جلس في فناء قصره. و علي جبّة شعر، و نعلان من جلد حمار شراكهما من خيط شعر (5)، بيده العصا. فأمر قارون أن يصبّ عليه رمادا قد خلطه بالماء فصبّ عليه. فغضب موسى- (عليه السلام)- غضبا شديدا. و كان في كتفه شعرات، كان إذا غضب خرجت من ثيابه و قطر منها الدّم.

فقال موسى: يا ربّ، إن لم تغضب لي فلست لك بنبي.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: قد أمرت الأرض‏ (6) أن تطيعك، فمرها بما شئت.

و قد كان قارون قد أمر أن يغلق باب القصر. فأقبل موسى- (عليه السلام)- فأومى إلى الأبواب فانفرجت‏ (7) و دخل عليه. فلمّا نظر إليه قارون، علم أنّه قد أوتي. قال: يا موسى، أسألك بالرّحم الّذي بيني و بينك.

فقال له موسى: يا بن لاوي، لا تزدني من كلامك. يا أرض، خذيه. فدخل القصر بما فيه في الأرض [و دخل قارون في الأرض‏] (8) إلى ركبتيه. فبكى و حلّفه بالرّحم. فقال‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 144- 146.

(2) في المصدر زيادة و هي:

أنزل اللَّه عليهم المّن و السّلوى و انفجر لهم من الحجر اثنتا عشرة عينا، بطروا و قالوا: لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربّك يخرج لنا ممّا تنبت الأرض من بقلها و قثائها و فومها و عدسها و بصلها. قال لهم موسى:

أ تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم. فقالوا كما حكى اللَّه: إنّ فيها قوما جبارين و إنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها.

ثم قالوا لموسى: اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون. ففرض اللَّه عليهم دخولها و حرّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.

(3) ليس في أ.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: دخل.

(5) المصدر: «خيوط سعر» بدل «خيط شعر.»

(6) المصدر: السموات و الأرض.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأوحى إلى الباب فانفجرت.

(8) ليس في م.

103

موسى- (عليه السلام)-: يا بن لاوي، لا تزدني من كلامك. يا أرض، خذيه و ابتلعيه بقصره و خزائنه.

و هذا ما قال موسى- (عليه السلام)- لقارون يوم أهلكه اللَّه- عزّ و جلّ- فعيّر اللَّه- تبارك و تعالى- بما قاله لقارون. فعلم موسى أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- قد عيّره بذلك، فقال موسى: يا ربّ، إنّ قارون دعاني بغيرك. و لو دعاني بك، لأجبته.

فقال اللَّه- عزّ و جلّ- [: ما قلت:] (1) يا ابن لاوي لا تزدني من كلامك؟

فقال: موسى- (عليه السلام)-: يا ربّ، لو علمت أنّ ذلك لك رضى لأجبته.

فقال اللَّه- عزّ و جلّ- [: يا موسى،] (2) و عزّتي و جلالي و حقّ‏ (3) جودي و مجدي و علوّ مكاني لو أنّ قارون كما دعاك دعاني، لأجبته و لكنّه لمّا دعاك، وكّلته إليك. يا ابن عمران، لا تجزع من الموت. فإنّي كتبت الموت على كلّ نفس. و قد مهدّت لك مهادا، لو قد وردت عليه لقرّت عيناك.

فخرج موسى- (عليه السلام)- إلى جبل طور سيناء مع وصيّه. و صعد موسى الجبل، فنظر (4) إلى رجل قد أقبل و معه مكتل و مسحاة. فقال له موسى- (عليه السلام)-:

ما تريد؟

قال: رجل من أولياء اللَّه قد توفّي. و أنا أحضر له قبرا.

فقال له موسى: أفلا أعينك عليه؟

قال: بلى.

قال: فحفرا القبر. فلمّا فرغا، أراد الرّجل أن ينزل إلى القبر. فقال له موسى- (عليه السلام)-: ما تريد؟

قال: أدخل القبر، فأنظر كيف مضجعه.

فقال له موسى- (عليه السلام)-: أنا أكفيك. فدخل موسى- (عليه السلام)- فاضطجع فيه، فقبض ملك الموت روحه و انضمّ عليه الجبل.

و فيه‏ (5): قد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن سجن طاف أقطار

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) هكذا في م و أ و س و ن. و في الأصل و المصدر: فنزل.

(5) نفس المصدر 1/ 318- 319.

104

الأرض بصاحبه.

فقال: يا يهوديّ، أمّا السّجن الّذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنّه الحوت الّذي حبس يونس في بطنه. فدخل في بحر القلزم، ثمّ خرج إلى بحر مصر، ثمّ دخل بحر طبرستان، ثمّ خرج في دجلة الغور (1). قال: ثمّ مرّت به تحت الأرض حتّى لحقت بقارون.

و كان قارون هلك في أيّام موسى. و وكّل اللَّه به ملكا يدخله في الأرض كلّ يوم قامة رجل.

و كان في بطن الحوت يسبح اللَّه و يستغفره، فسمع قارون صوته فقال للملك الموكّل به:

أنظرني، فإنّي أسمع كلام آدميّ. فأوحى اللَّه إلى الملك الموكّل به: أنظره. فأنظره. ثمّ قال قارون: من أنت؟

قال يونس: أنا المذنب الخاطئ، يونس بن متّى.

قال: فما فعل شديد الغضب للَّه موسى بن عمران؟ قال: هيهات، هلك.

قال: فما فعل الرّؤوف الرّحيم على قومه، هارون بن عمران؟

قال: هلك.

قال: فما فعلت كلثم بنت عمران، الّتي كانت سمّيت لي؟

قال: هيهات، ما بقي من آل عمران أحد.

فقال قارون: وا أسفا على آل عمران. فشكر اللَّه له ذلك. فأمر اللَّه الملك الموكّل به أن يرفع عنه العذاب أيّام الدّنيا. فرفع عنه.

و في تفسير العيّاشيّ: (2) عن الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ يونس لمّا آذاه قومه. و ذكر حديثا طويلا. و فيه: فألقى نفسه، فالتقمه الحوت. فطاف به البحار السبعة حتّى صار إلى البحر المسجور، و به يعذّب قارون. فسمع قارون رويّا، فسأل الملك عن ذلك. فأخبره [أنّه يونس. و أنّ اللَّه قد حبسه في بطن الحوت. فقال له قارون: أ تأذن لي أن أكلّمه؟ فأذن له. فسأله عن موسى. فأخبره‏] (3) أنّه مات، فبكى. ثمّ سأله عن هارون.

فأخبره أنه مات، فبكى و جزع جزعا شديدا. و سأله عن أخته كلثم، و كانت مسمّاة له.

فأخبره أنّها ماتت فبكى و جزع جزعا شديدا (4). قال فأوحى اللَّه إلى الملك الموكّل به: أن ارفع‏

____________

(1) المصدر: الغورا.

(2) تفسير العياشي 2/ 136- 137، ح 46.

(3) ليس في ن.

(4) المصدر: [فقال: وا أسفا على آل عمران‏] بدل «فبكى و جزع جزعا شديدا.»

105

عنه العذاب بقيّة أيّام‏ (1) الدّنيا لرقّته على قرابته.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستي‏ (2)، بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل، يذكر فيه خروجه- (عليه السلام)- للمباهلة. و فيه: فلمّا رجع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأهله‏] (3) و صار إلى مسجده هبط جبرائيل- (عليه السلام)- و قال: يا محمّد، إنّ اللَّه يقرئك السّلام، و يقول: إنّ عبدي موسى باهل عدوّه قارون بأخيه هارون و بنيه، فخسف بقارون و أهله و ماله و من وازره من قومه.

و بعزّتي أقسم و جلالي يا أحمد، لو باهلت بك و بمن تحت الكساء من أهلك أهل الأرض و الخلائق جميعا لتقطّعت السّماء كسفا و الجبال زبرا و لساخت الأرض، فلم تستقرّ أبدا إلّا أن أشاء ذلك.

فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ: أعوان. مشتقّة من فأوت رأسه: إذا ميّلته.

يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: فيدفعون عنه عذابه.

وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ‏ (81): الممتنعين منه. من قولهم: نصره من عدوّه، فانتصر: إذا منعه منه، فامتنع.

وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ‏: منزلته.

بِالْأَمْسِ‏: منذ زمان قريب.

يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ: يبسط و يقدر بمقتضى مشيئته. لا لكرامة تقتضي البسط، و لا لهوان يوجب القبض.

و «ويكأنّ» عند البصريّين مركب. من «وي» للتّعجب، «و كأنّ» للتّشبيه.

و المعنى: ما أشبه الأمر، أنّ اللَّه يبسط الرّزق.

و قيل‏ (4): من «ويك» بمعنى: ويلك و أنّ تقديره: ويك أعلم أنّ اللَّه.

لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا: فلم يعطنا ما تمنّينا.

لَخَسَفَ بِنا: لتوليده فينا ما ولده فيه. فخسف به لأجله.

وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ‏ (82): لنعمة اللَّه. أو المكذّبون برسله و بما وعد لهم من ثواب الآخرة.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) تفسير نور الثقلين 4/ 142، ح 117، نقلا عنه‏

(3) ليس في الأصل.

(4) أنوار التنزيل 2/ 202.

106

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ: إشارة تعظيم. كأنّه قال: تلك الّتي سمعت خبرها و بلغك وصفها. و الدّار الآخرة صفة. و الخبر. نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ‏: غلبة و قهرا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا حفص، ما منزلة الدّنيا من نفسي إلّا بمنزل الميتة. إذا اضطررت إليها، أكلت منها. يا حفص، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- علم ما العباد عاملون‏ (2) و إلى ما هم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السّيّئة لعلمه السّابق فيهم. فلا يغرنّك حسن الطّلب ممّن لا يخاف الفوت. ثمّ تلا قوله:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ. (الآية) و جعل يبكي و يقول: ذهبت و اللَّه الأماني عند هذه الآية.

قلت: جعلت فداك، فما حدّ الزّهد في الدّنيا؟

فقال: حدّ اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه، فقال اللَّه- عزّ و جلّ- (3) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‏ و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لا فَساداً: ظلما على النّاس. كما أراد فرعون و قارون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4): و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- أيضا في قوله: عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً العلوّ: الشّرف. و الفساد: البناء (5).

وَ الْعاقِبَةُ: المحمودة.

لِلْمُتَّقِينَ‏ (83): عن ما لا يرضاه اللَّه.

و في نهج البلاغة (6): فلمّا نهضت بالأمر، نكثت طائفة و مرقت أخرى و قسط (7) آخرون.

كأنّهم لم يسمعوا اللَّه- سبحانه- إذ يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏. بلى و اللَّه لقد سمعوها و وعوها. و لكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم و راقهم زبرجها.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (8) بإسناده إلى ابن مسعود أنّه قال: قال رسول‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 146.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: عليه عالمون.

(3) الحديد/ 23.

(4) تفسير القمي 2/ 147.

(5) المصدر: و الفساد النساء.

(6) نهج البلاغة/ 49- 50، ضمن خطبة 3.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فسق.

(8) أمالي الطوسي 1/ 210.

107

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في كلام طويل: أوصيكم بتقوى اللَّه، و أوصي اللَّه بكم‏ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏ (1) أن لا تعلوا على اللَّه في عباده و بلاده. فإنّ اللَّه- تعالى- قال لي و لكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى ذاذان: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه كان يمشي في الأسواق وحده، و هو وال‏ (3). يرشد الضّالّ، و يعين الضّعيف، و يمرّ بالبيّاع و البقّال فيفتح عليه القرآن و يقرأ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً و يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل و التّواضع من الولاة، و أهل القدرة من سائر النّاس.

و روى أبو سلام الأعرج‏ (4): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أيضا قال: إنّ الرّجل ليعجبه شراك نعله، فيدخل في هذه الآية. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ (الآية).

و في كتاب سعد السّعود (5) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- يقول عليّ بن موسى بن طاوس: رأيت في تفسير الطّبرسيّ عند ذكر هذه الآية قال: و روى عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الرّجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها.

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها: ذاتا و قدرا و وصفا.

وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ‏ وضع فيه الظّاهر موضع المضمر، تهجينا لحالهم بتكرير إسناد السّيّئة إليهم.

إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (84)، أي: إلّا مثل ما كانوا يعملون. فحذف المثل و أقام مقامه «ما كانوا يعملون» مبالغة في المماثلة.

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏: أوجب عليك تلاوته، و تبليغه، و العمل بما فيه.

لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ:

قيل‏ (6)، أي: معادله و هو المقام المحمود، الّذي وعدك أن يبعثك فيه. أو مكّة الّتي‏

____________

(1) نوح/ 2.

(2) مجمع البيان 4/ 268- 269.

(3) المصدر: دالّ.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) سعد السعود/ 88.

(6) أنوار التنزيل 2/ 202- 203.

108

اعتدت بها، على أنّه من العادة ردّه إليها يوم الفتح. كأنّه لمّا حكم بأنّ العاقبة للمتّقين، و أكّد ذلك بوعد المحسنين و وعيد المسيئين، وعده بالعاقبة الحسنى في الدّارين.

نقل: أنّه لمّا بلغ جحفة في مهاجره، اشتقاق إلى مولده و مولد آبائه فنزلت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن حريز، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أنّه سئل عن جابر.

فقال: رحم اللَّه جابرا. بلغ من فقهه أنّه كان يعرف تأويل هذه الآية. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ، يعني: الرّجعة.

قال‏ (2): و حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطّائيّ، عن أبي خالد الكابليّ، عن عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ: قال: يرجع إليكم نبيّكم- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم).

حدّثني أبي‏ (3)، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر (4) قال: ذكر عند أبي جعفر- (عليه السلام)- جابر.

فقال: (رحمه اللّه) جابرا لقد بلغ من علمه أنّه كان يعرف تأويل هذه الآية إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ، يعني: الرّجعة.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا حميد بن زياد، عن عبد اللَّه بن أحمد بن نهيك، عن عيسى بن هشام، عن أبان، عن عبد الرّحمن بن سيابة، عن صالح بن ميثم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- حدثني.

قال: أ و ليس قد سمعت من أبيك؟

قلت: هلك أبي و أنا صبيّ. قال: فأقول. فإن أصبت، قلت: نعم. و إن أخطأت، رددتني عن الخطأ.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 147.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر 1/ 25.

(4) م و س و المصدر: عمر بن شمر.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 152- 153.

109

قال: ما أشدّ شركك! قلت: فأقول. فإن أصبت، سكتّ. و إن أخطأت، رددتني عن الخطأ.

قال: هذا أهون.

قال: قلت فإنّي أزعم أنّ عليّا- (عليه السلام)- دابّة الأرض و سكتّ.

فقال: أبو جعفر- (عليه السلام)-: أراك و اللَّه تقول: إنّ عليّا- (عليه السلام)- راجع إلينا (1)؟

قال: فقلت: قد جعلتها فيما أريد أن أسألك عنه فنسيتها.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)- أفلا أخبرك بما هو أعظم من هذا؟

قوله‏ (2)- عزّ و جلّ-: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً و ذلك أنّه لا يبقى أرض، إلّا و يؤذّن فيها بشهادة أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه. و أشار بيده إلى آفاق الأرض.

و قال- أيضا (3)- حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن الحسن بن عليّ بن مروان، عن سعد بن عمر (4)، عن أبي مروان قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ.

قال: فقال لي: لا و اللَّه لا تنقضي الدّنيا و لا تذهب، حتّى يجتمع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عليّ- (عليه السلام)- بالثّويّة. (5) فيلتقيان، و يبنيان بالثّويّة (6) مسجدا له اثنا عشر ألف‏ (7) باب، يعني: موضعا بالكوفة.

و قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره‏ (8): و أمّا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ فإنّ العامّة رووا: أنّه معاد القيامة. و أمّا الخاصّة فإنّهم رووا: أنّه في الرّجعة.

قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى‏: و ما يستحقّه من الثّواب و النّصر.

و «من» منتصب بفعل يفسّره «أعلم».

وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (85): و ما استحقّه من العذاب و الإذلال، يعني:

____________

(1) في المصدر زيادة و هي: و يقرأ «إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معادك.»

(2) سباء/ 28.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: سعيد بن عمر.

5 و 6- المصدر: بالتوبة.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

110

به نفسه و المشركين. و هو تقرير للوعد السّابق. و كذا قوله: وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ إِلَيْكَ الْكِتابُ‏، أي: سيردّك إلى معاد، كما ألقى إليك الكتاب و ما كنت ترجوه.

إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏: و لكن ألقاه رحمة منه. و يجوز أن يكون استثناء محمولا على المعنى. كأنّه قال: و ما ألقى إليك الكتاب إلّا رحمة.

فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ‏ (86): بمداراتهم، و التّحمّل عنهم، و الإجابة إلى طلبهم. وَ لا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ‏: عن قراءتها و العمل بها.

بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ‏:

و قرئ: «يصدّنك». من أصدّ (1).

وَ ادْعُ إِلى‏ رَبِّكَ‏: إلى عبادته و توحيده.

وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (87): بمساعدتهم.

وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ: هذا و ما قبله، للتّهيج و قطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): و قوله- عزّ و جلّ-: فلا تكونن يا محمد ظهيرا للكافرين. فقال: المخاطبة للنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المعنى للنّاس‏ (3): و هو

قول الصّادق- (عليه السلام)-: إِنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏:

قيل‏ (4): إلّا ذاته. فإنّ ما عداه ممكن هالك في حدّ ذاته معدوم.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن سيف بن عميرة، عمّن ذكره، عن الحارث بن المغيرة النّصريّ‏ (6) قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

فقال: ما يقولون فيه؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 203.

(2) تفسير القمي 2/ 147.

(3) في المصدر زيادة و هي: و قوله‏ وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ المخاطبة للنبي و المعنى للناس.

(4) أنوار التنزيل 2/ 203.

(5) الكافي 1/ 143، ح 1.

(6) النسخ: «النضري» و تنقيح المقال: 1/ 147، رقم 2135.

111

قلت: يقولون: يهلك كلّ شي‏ء إلّا وجه اللَّه.

[فقال: سبحان اللَّه، لقد قالوا قولا عظيما. إنّما عنى بذلك وجه اللَّه‏] (1) الّذي يؤتى منه.

أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار (2)، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و قلت: أمّا الأوّل فقد عرفناه. و أمّا الآخر فبيّن لنا تفسيره.

فقال: إنّه ليس شي‏ء إلّا يبيد أو يتغيّر، أو يدخله التّغيير و الزّوال، أو ينتقل من لون إلى لون، و من هيئة إلى هيئة، و من صفة إلى صفة، و من زيادة إلى نقصان، و من نقصان إلى زيادة، إلّا ربّ العالمين. فإنّه لم يزل و لا يزال بحالة واحدة. هو الأوّل قبل كلّ شي‏ء و هو الآخر على ما لم يزل. و لا تختلف عليه الصّفات و الأسماء، كما تختلف على غيره، مثل الإنسان. الّذي يكون ترابا مرّة، و مرّة لحما و دما، و مرّة رفاتا و رميما. و كالبسر الّذي يكون مرّة بلحا، و مرّة بسرا، و مرّة رطبا، و مرّة تمرا فتتبدّل‏ (3) عليه الأسماء و الصّفات.

و اللَّه- عزّ و جلّ- بخلاف ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ قال: فيفنى كلّ شي‏ء و يبقى الوجه اللَّه أعظم من أن يوصف. لا، و لكن معناها: كلّ شي‏ء هالك إلّا دينه. و نحن الوجه، الّذي يؤتى اللَّه منه. لم نزل في عباده، ما دام اللَّه له فيهم روبة. فإن لم يكن له فيهم روبة، فرفعنا إليه، ففعل بنا ما أحبّ.

قلت: جعلت فداك، فما الرّوبة؟

قال: الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-

____________

(1) ليس في م و أ و س و ن.

(2) نفس المصدر 1/ 115، ح 5.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

فتبدل.

(4) تفسير القمي 2/ 147.

(5) الاحتجاج 1/ 377.

112

حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ فالمراد (1): كلّ شي‏ء هالك إلّا دينه. لأنّ من المحال أن يهلك منه كلّ شي‏ء و يبقى الوجه. هو أجلّ [و أكرم‏] (2) و أعظم من ذلك. و إنّما يهلك من ليس منه. ألا ترى أنّه قال‏ (3): كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ ففصل بين خلقه و وجهه.

و في كتاب التّوحيد (4) بإسناده إلى أبي حمزة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

قال: يهلك كلّ شي‏ء و يبقى الوجه. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أعظم من أن يوصف بالوجه. و لكن معناه: كلّ شي‏ء هالك إلّا دينه. و الوجه الّذي يؤتى منه.

و بإسناده إلى الحارث بن المغيرة النّصري‏ (5) قال: سألت أبا عبد الّله- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

قال: كلّ شي‏ء هالك، إلّا من أخذ طريق الحقّ.

و في محاسن البرقي‏ (6)، مثله، إلّا أنّ آخره: من أخذ الطّريق الّذي أنتم عليه.

و في كتاب التّوحيد، (7) بإسناده إلى صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ قال: من أتى اللَّه بما أمر به من طاعة محمّد و الأئمّة من بعده- (صلوات اللّه عليهم)- فهو الوجه الّذي لا يهلك. ثمّ قراء مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏. (8)

و بإسناده- أيضا- إلى صفوان‏ (9) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- نحن وجه اللَّه الّذي لا يهلك.

و بإسناده إلى صالح بن سعيد (10): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ [قال: نحن.

____________

(1) المصدر: «فانّما أنزلت» بدل «فالمراد».

(2) من س و أ و ن.

(3) الرحمن/ 26.

(4) التوحيد/ 149، ح 1.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 2. و في النسخ:

«النضريّ.» ر. تنقيح المقال 1/ 147، رقم 2135.

(6) المحاسن/ 199، ح 30.

(7) التوحيد/ 149، ح 30.

(8) النساء/ 80.

(9) نفس المصدر/ 150، ح 4.

(10) المصدر: صالح بن سهل.

113

و بإسناده إلى خيثمة (1) قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏] (2).

قال: دينه. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- دين اللَّه. و وجهه و عينه في عباده. و لسانه الّذي ينطق به.

و يده على خلقه. و نحن وجه اللَّه، الّذي يؤتى منه لن نزال في عباده ما دامت للَّه فيهم روبة.

قلت: و ما الرّوبة؟

قال: الحاجة. فإذا لم يكن للَّه فيهم حاجة، رفعنا إليه و صنع ما أحبّ.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد اللَّه بن همام، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول، عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

قال: نحن [و اللَّه وجهه‏] (4) الّذي قال. و لن يهلك إلى يوم القيامة، بما أمر اللَّه به من طاعتنا و موالاتنا. فذلك وجه اللَّه‏ (5) الّذي قال: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ و ليس منّا ميّت يموت، إلّا و خلفه عاقبة منه إلى يوم القيامة.

و قال‏ (6)- أيضا- أخبرنا عبد اللَّه بن العلا، عن المذاريّ‏ (7)، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللَّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن صالح بن سهيل‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ قال: نحن وجه اللَّه- عزّ و جلّ-.

و قال‏ (9)- أيضا-: حدّثنا الحسن بن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن يونس بن يعقوب عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ‏ إلّا ما أريد به وجه اللَّه. و وجه اللَّه‏

____________

(1) نفس المصدر/ 151، ح 7.

(2) ليس في أ.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 153.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: «و اللَّه الوجه» بدل «وجه اللَّه.»

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) م و المصدر: المزاريّ.

(8) المصدر: صالح بن سهل.

(9) نفس المصدر و الموضع.

114

عليّ- (عليه السلام)-.

لَهُ الْحُكْمُ‏: القضاء النّافذ في الخلق.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (88): للجزاء بالحقّ.

115

تفسير سورة العنكبوت‏

117

سورة العنكبوت مكّيّة كلّها. و قيل: مدنيّة كلّها. و قيل: مكّيّة، إلّا عشر آيات في أوّلها فإنّها مدنيّة. و هي تسع و ستّون آية.» (1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2) بإسناده، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة العنكبوت و الرّوم في شهر رمضان في ليلة ثلاث و عشرين، فهو- و اللَّه يا أبا محمّد- من أهل الجنّة. لا استثني فيه أبدا، و لا أخاف أن يكتب اللَّه عليّ في عيني إثما. و إنّ لهاتين السّورتين من اللَّه مكانا.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و من قراء سورة العنكبوت، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ المؤمنين و المنافقين.

الم‏ (1) سبق القول فيه. و وقوع الاستفهام بعده، دليل استقلاله بنفسه. أو بما يضمر معه.

أَ حَسِبَ النَّاسُ‏:

الحسبان ممّا يتعلّق بمضامين الجمل، للدّلالة على جهة ثبوتها. و لذلك اقتضى مفعولين متلازمين. أو ما يسدّ مسدّهما كقوله: أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 271.

(2) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(3) مجمع البيان 4/ 271.

118

(2): فإنّ معناه: أ حسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا. فالترّك أوّل مفعوليه و غير مفتونين من تمامه. و لقولهم: أمنا، هو الثّاني، كقولك: حسبت ضربه للتّأديب. أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم: آمنا. بل يمتحنهم اللَّه بمشاقّ التّكاليف. كالمهاجرة، و المجاهدة، و رفض الشّهوات، و وظائف الطّاعات، و أنواع المصائب في الأنفس و الأموال. ليتميزّ المخلص من المنافق و الثّابت في الدّين من المضطرب فيه. و لينالوا بالصّبر عليها عوالي الدّرجات. فإن مجرّد الإيمان و إن كان عن خلوص، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.

قيل‏ (1): إنّها نزلت في ناس من الصّحابة، جزعوا من أذى المشركين.

و قيل: في عمّار بن ياسر، قد عذّب في اللَّه.

و قيل: في مهجع مولى عمر بن الخطّاب، رماه عامر بن الحضرميّ‏ (2) بسهم [يوم بدر] (3) فقتله. فجزع عليه أبواه و امرأته.

وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: متّصل «بأحسب» أو «بلا يفتنون».

و المعنى أنّ ذلك سنّة قديمة جارية في الأمم كلّها. فلا ينبغي أن يتوقّع خلافه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4) توقيع من صاحب الزّمان- (عليه السلام)- كان خرج إلى العمريّ و ابنه- رضى اللَّه عنه- رواه سعد بن عبد اللَّه. قال الشّيخ أبو [عبد اللَّه‏] (5) جعفر: وجدته مثبتا بخطّ سعد بن عبد اللَّه‏ (6) (رحمه اللّه): وفّقكما اللَّه [لطاعته،] (7) و ثبّتكما على دينه، و أسعدكما بمرضاته. انتهى إلينا ما ذكرتما، أنّ الميثمي أخبركما عن المختار و مناظرته من لقى. و احتجاجه، بأنّه لا خلف غير جعفر بن عليّ و تصديقه إيّاه. و فهمت جميع ما كتبتما به ممّا قال أصحابكما (8) عنه و أنا أعوذ باللَّه من العمى بعد الجلاء، و من الضّلالة بعد الهدى، و في موبقات الأعمال و مرديات الفتن. فإنّه- عزّ و جلّ- يقول: الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. كيف يتساقطون في الفتنة، و يتردّدون في‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 204. و فيه: «روى» بدل «قيل.»

(2) المصدر: عمار بن الحضرمّي.

(3) من المصدر.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 510- 511، ح 42.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: «عنه» بدل «بخطّ سعد بن عبد اللَّه.»

(7) من المصدر.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: أصحابكم.

119

الحيرة، و يأخذون يمينا و شمالا. فارقوا دينهم، أم ارتابوا، أم عاندوا الحقّ، أم جهلوا ما جاءت به الرّوايات الصّادقة و الأخبار الصّحيحة، أو علموا فتناسوا.

و التّوقيع طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (1)- عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد قال:

سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. ثمّ قال لي: ما الفتنة؟

قلت: جعلت فداك، الفتنة في الدّين.

فقال: يفتنون كما يفتن الذّهب. ثمّ قال. يخلصون كما يخلص الذّهب.

و في نهج البلاغة (2): و قام إليه- (عليه السلام)- رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة، و هل سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عنها؟

فقال- (عليه السلام)-: لمّا أنزل اللَّه- سبحانه- قوله: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بين أظهرنا. فقلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الفتنة الّتي أخبرك اللَّه بها؟

فقال: يا عليّ، إنّ أمتي سيفتنون من بعدي.

فقلت: يا رسول اللَّه، أ و ليس قد قلت لي يوم أحد، حيث استشهد من استشهد من المسلمين و حيزت عنّي الشّهادة، فشقّ ذلك علىّ، فقلت لي: أبشر، فإنّ الشّهادة من ورائك؟

فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا؟

فقلت: يا رسول اللَّه، ليس هذا من مواطن الصّبر و لكن من مواطن البشرى و الشّكر.

و قال: يا عليّ [، إنّ القوم‏] (3) سيفتنون بأموالهم‏ (4)، و يمنّون بدينهم على ربّهم، و يتمنّون رحمته، و يأمنون سطوته، و يستحلّون حرامه بالشّبهات الكاذبة و الأهواء السّاهية. (5) فيستحلّون الخمر بالنّبيذ، و السّحت بالهدّية، الرّبا بالبيع.

____________

(1) الكافي 1/ 370، ح 4.

(2) نهج البلاغة/ 220، أواخر خطبة 156.

(3) من المصدر.

(4) م: بأموالهم و بحقّهم.

(5) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

التاهية.

120

قلت: يا رسول اللَّه، فبأيّ المنازل أنزلهم عند ذلك، أ بمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة؟ قال:

بمنزلة فتنة.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: حدّثني محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏.

قال: صار العبّاس إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: امش حتّى يبايع لك النّاس.

فقال له: أ تراهم فاعلين؟

قال نعم.

قال: فأين قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏.

و قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- (2): حدّثنا أحمد بن محمّد، عن سعيد، عن أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن حصين بن مخارق، عن عبيد اللَّه بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليّ، عن أبيه- (صلوات اللّه عليهم)- قال: لمّا نزلت‏ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الفتنة؟

قال: يا عليّ، إنّك مبتلى بك. و إنّك مخاصم قاعدّ (3) للخصومة.

و قال‏ (4)- أيضا-: حدّثنا أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن حمّاد، عن سماعة بن مهران قال: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- كان ذات ليلة في المسجد فلمّا كان قريب‏ (5) الصّبح، دخل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فناداه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: يا عليّ.

قال: لبيّك.

قال: هلّم إليّ. فلمّا دنا منه قال: يا عليّ، بت الليلة حيث تراني. فقد سألت ربّي‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 154.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في م و س و المصدر. و في سائر النسخ:

فأعدّ.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) هكذا في المصدر، و أ. و في سائر النسخ:

قرب.

121

ألف حاجة، فقضاها لي. و سألت لك مثلها، فقضاها. و سألت لك ربّي، أن يجمع لك أمّتي من بعدي فأبى عليّ ربّي. فقال: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏.

و في إرشاد المفيد (1): الفضل بن شاذان، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: لا يكون ما تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا و تمحّصوا.

و لا يبقى منكم إلّا القليل. ثمّ قرأ: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. ثمّ قال: إنّ من علامات الفرج، حدث يكون بين المسجدين و يقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا من العرب.

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏ (3):

قيل‏ (2): فليتعلّقنّ علمه بالامتحان تعلّقا حاليّا، ليتميّز به الّذين صدقوا في الإيمان و الّذين كذبوا فيه و ينوط بهم ثوابهم و عقابهم. و لذلك قيل المعنى: و ليميّزنّ. أو ليجازين.

و يجوز أن يكون المعنى: ليصير معلومه موجودا من صدق جماعة و كذب آخرين. بناء على أنّ المراد، و هو العلم التّفصيليّ. الّذي هو عين المعلوم. الّذي هو الموجود الخارجيّ.

و قرئ: «و ليعلمنّ» من الإعلام، أي: و ليعرّفنّهم، كبياض الوجوه و سوادها (3). و في مجمع البيان‏ (4): و هو المرويّ عن جعفر بن محمّد، و محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن.

الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: (5) حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: جاء العبّاس إلى أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فقال:

انطلق نبايع لك النّاس.

فقال له أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: أو تراهم فاعلين؟

قال: نعم.

قال: فأين قوله عزّ و جلّ: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏، أي: اختبرناهم.

____________

(1) الإرشاد/ 360.

(2) أنوار التنزيل 2/ 204.

(3) نفس المصدر و الموضع. و فيه: و قرئ: «و ليعلمن» من «الاعلام»، أي: و ليعرفنهم الله الناس أو يسمنهم بسمة يعرفون بها يوم القيامة، كبياض الوجوه و سوادها.

(4) مجمع البيان 4/ 271.

(5) تفسير القمي 2/ 148.

122

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): عند قوله. أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً و في تفسير الكلبيّ: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فتوضّأ و أسبغ وضوءه. ثمّ قال فصلّى فأحسن صلاته. ثمّ سأل اللَّه- سبحانه- أن لا يبعث عذابا من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، و لا يلبسهم شيعا، و لا يذيق بعضهم بأس بعض. فنزل جبرائيل- (عليه السلام)- [فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه- تعالى- سمع مقالتك. و أنّه قد أجارهم من خصلتين، و لم يجرهم من خصلتين.

أجارهم من أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم.] (2) و لم يجرهم من الخصلتين الأخيرتين.

فقال- (عليه السلام)-: يا جبرائيل، ما بقاء أمّتي مع قتل بعضهم بعضا. فقام و عاد إلى الدّعاء، فنزل‏ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. (الآيتين) فقال: لا بدّ من فتنة تبتلي بها الأمّة بعد نبيّها، ليتعيّن‏ (3) الصّادق من الكاذب. لأنّ الوحي انقطع و بقي السّيف و افتراق الكلمة إلى يوم القيامة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن جابر قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- [: قوله‏ (5) لنبيّه:] (6) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فسّره لي.

قال: فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا جابر، إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان حريصا على أن يكون عليّ- (عليه السلام)- من بعده على النّاس. و كان عند اللَّه خلاف ما أراد رسول اللَّه.

قال: قلت: فما معنى ذلك؟

قال: نعم، عنى بذلك قول اللَّه لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ يا محمّد في عليّ. الأمر إليّ في عليّ و في غيره. ألم أنزل‏ (7) عليك يا محمّد فيما أنزلت من كتابي إليك‏ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. إلى قوله: وَ لَيَعْلَمَنَ‏ قال: فوّض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الأمر إليه.

____________

(1) مجمع البيان 2/ 315.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: ليتبيّن.

(4) تفسير العياشي 1/ 197- 198، ح 140.

(5) آل عمران/ 128.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: ألم أتل (أنزل خ. ل.)

123

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)- (1) و قد جاءت الرّواية: أنّه لمّا تمّ لأبي بكر ما تمّ و بايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو يسوّي قبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بمسحاة في يده، و قال له: إنّ القوم قد بايعوا أبا بكر، و وقعت الخذلة في الأنصار (2) لاختلافهم، و بدر الطّلقاء للعقد (3) للرّجل خوفا من إدراككم الأمر. فوضع طرف المسحاة على الأرض‏ (4) و يده عليها، ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏.

و في الكافي‏ (5): روي أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال في خطبة له: و لو أراد اللَّه- سبحانه- بأنبيائه- حيث بعثهم- أن يفتح لهم كنوز الذّهبان و معادن البلدان‏ (6) و مغارس الجنان و أن يحشر طير السّماء و وحش الأرض معهم، لفعل. و لو فعل لسقط البلاء و اضمحلّ الجزاء (7) و بطل الابتلاء (8) و لما وجب للقائلين‏ (9) أجر المبتلين‏ (10) و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين. و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبيّن. و لذلك لو أنزل اللَّه‏ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏. (11) و لو فعل لسقط البلوى عن النّاس أجمعين. و لكنّ اللَّه- جلّ ثناؤه- جعل رسله أولي قوّة في عزائم نيّاتهم، و ضعفه فيما ترى الأعين من حالاتهم. من قناعة تملأ القلوب و العيون غناؤه، و خصاصة تملأ الأسماع و الأبصار أداؤه.

و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام و عزّة لا تضام و ملك يمدّ نحوه أعناق الرّجال و يشدّ إليه عقد الرّجال، لكان أهون على الخلق في الاختبار و أبعد لهم في الاستكبار. و لأمنوا عن رهبة (12) قاهرة لهم أو رغبة (13) مائلة بهم. فكانت النّيّات‏ (14) مشتركة و الحسنات مقتسمة.

و لكنّ اللَّه أراد أن يكون الاتّباع لرسله و التّصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره‏

____________

(1) الإرشاد/ 101- 102.

(2) المصدر: للأنصار.

(3) المصدر: بالعقد.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: في الأرض.

(5) الكافي 4/ 198- 201، ح 2.

(6) المصدر: معادن العقيان.

(7) المصدر و ن: بطل الجزاء.

(8) المصدر: اضمحلّت الأنباء و في ن: اضمحلّ الابتلاء.

(9) «القائلين» من القيلولة، يعني: لو لم يكن ابتلاء لكانوا مستريحين، فلا ينالون أجور المبتلين.

(10) أجور المبتلين.

(11) الشعراء/ 4.

(12) هكذا في المصدر. و في النسخ: رغبة.

(13) هكذا في المصدر. و في النسخ: رهبة.

(14) ن: السيئات.

124

و الاستسلام إليه‏ (1)، أمورا خاصّة لا يشوبها من غيرها مشائبة. و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم، كانت المثوبة و الجزاء أجزل.

ألا ترون أنّ اللَّه- جلّ ثناؤه- اختبر الأوّلين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ما تضرّ و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع فجعلها بيته الحرام، الّذي جعله للنّاس قياما.

ثمّ جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا، و أقل نتائق الدّنيا مدرا، و أضيق بطون الأودية معاشا، و أغلظ محالّ المسلمين [مياها. بين جبال خشنة، و رمال دمثة، و عيون و شلة، و قرئ منقطعة، و أثر من مواضع قطر السّماء و اثر ليس يزكو به خفّ و لا ظلف‏] (2) و لا حافر. ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه. فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم، و تهوي إليه ثمار الأفئدة في مغاوز قفار متّصلة و جزائر بحار منقطعة و مهاوي فجاج عميقة. حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا. يهلّلون اللَّه‏ (3) حوله. و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له. قد نبذوا القنع و السّراويل وراء ظهورهم و حسروا بالصعود (4) حلقا عن رؤوسهم، ابتلاء عظيما و اختيارا كبيرا و امتحانا شويدا و بليغا و قنوتا مبينا. جعله اللَّه سببا لرحمته، و وصلة (5) [و وسيلة] (6) جنّته، و علّة لمغفرته، و ابتلاء للخلق برحمته.

فلو كان اللَّه- تعالى- وضع بيته الحرام و مشاعره العظام بين جنّات و أنهار و سهل و قرار جمّ الأشجار داني الثّمار ملتفّ النبات متّصل القرى من برّة سمراء و روضة خضراء و أرياف محدقة و عراض‏ (7) مغدقة و زروع ناضرة و طرق عامرة و حدائق كثيرة، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء. ثمّ لو كانت الأساس المحمول عليها أو الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء و ياقوتة حمراء و نور و ضياء، لخفّف مصارعة الشّك‏ (8) في الصّدور و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب و لنفي معتلج الرّيب من النّاس. و لكنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يختبر عبيده بأنواع الشّدائد و يتعبّدهم بألوان المجاهدة. و يبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتّكبّر من‏

____________

(1) المصدر: لطاعته.

(2) ليس في أ.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «اللَّه» بدل «يهللون للَّه.»

(4) ن، و المصدر: بالشعور.

(5) ليس في المصدر.

(6) من ن و المصدر.

(7) المصدر: أعراض.

(8) هكذا في المصدر، و ن. و في سائر النسخ:

الشكر.

125

قلوبهم و إسكانا للتّذلّل في أنفسهم. و ليجعل ذلك أبوابا [فتّحا] (1) إلى فضله، و أسبابا ذللا لعفوه، و فتنة. كما قال: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (2): و قال- أيضا- حدّثنا جعفر بن محمّد الحسيني‏ (3)، عن إدريس بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: فسّر لي قوله‏ (4)- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فقال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان حريصا على أن يكون عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- من بعده على النّاس. و كان عند اللَّه خلاف ذلك. فقال:

و عني بذلك قوله- عزّ و جلّ-: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏ قال: فرضي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأمر اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في جوامع الجامع‏ (5): و في الحديث: كان من قبلكم يؤخذ، فيوضع المنشار على رأسه فيفرّق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه. و يمشّط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم و عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ‏: الكفر و المعاصي. فإنّ العمل يعمّ أفعال القلوب و الجوارح.

أَنْ يَسْبِقُونا: أن يفوتونا. فلا نقدر أن نجازيهم على مساوئهم.

و هو سادّ مسادّ مفعولي «حسب». أو «أم» منقطعة. و الإضراب فيها، لأنّ هذا الحسبان أبطل من الأوّل. و لهذا عقّبه بقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏ (4): أي: بئس الّذي يحكمونه. أو حكما يحكمونه حكمهم هذا. فحذف المخصوص بالذّمّ.

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ‏: (6).

قيل: في الجنّة.

____________

(1) من المصدر. و فيه بهذه الصورة- أيضا.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 154.

(3) م و أ و س: الحسيني.

(4) آل عمران/ 128.

(5) جوامع الجامع/ 350.

(6) أنوار التنزيل 2/ 204.

126

و قيل: المراد بلقاء اللَّه: الوصول إلى ثوابه. أو إلى العاقبة من الموت [و البعث‏] (1) و الحساب و الجزاء. على تمثيل حاله، بحال عبد قدم على سيّده بعد زمان مديد و قد اطّلع السّيّد على أحواله. فإمّا أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله، أو يسخط [لما سخط] (2) منها.

فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ‏: فإنّ الوقت المضروب للقائه.

لَآتٍ‏: لجاء. و إذا كان وقت اللّقاء آتيا، كان كائنا لا محالة. فليبادر ما يحقّق أمله و يصدق رجاءه. أو ما يستوجب به القربة و الرّضا.

و في كتاب التّوحيد (3)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات و قوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏، يعني بقوله: من كان يؤمن بأنّه مبعوث، فإنّه وعد اللَّه لآت من الثّواب و العقاب. فاللّقاء هاهنا ليس بالرّؤية. و اللّقاء: هو البعث. فافهم جميع ما في كتاب اللَّه عن لقائه، فإنّه يعني بذلك:

البعث.

وَ هُوَ السَّمِيعُ‏: لأقوال العباد.

الْعَلِيمُ‏ (5): بعقائدهم و أفعالهم.

وَ مَنْ جاهَدَ: نفسه بالصّبر على مضض الطّاعة، و الكفّ عن الشّهوات.

فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ‏: لأنّ منفعته لها.

إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (6): فلا حاجة به إلى طاعتهم. و إنّما كلّف عباده، رحمة عليهم، و مراعاة لصلاحهم.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى [، عن محمّد] (5) بن زكريّا، عن أيّوب بن سليمان، عن محمّد بن مروان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: قوله- عزّ و جلّ-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏. نزلت في عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة و هم الّذين بارزوا عليّا و حمزة و عبيدة. و نزلت فيهم‏ مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ‏ قال في عليّ و صاحبيه. (6)

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) التوحيد/ 267.

(4) تأويل الآيات الباهرة/ 154.

(5) ليس في المصدر.

(6) م و المصدر: صاحبه.

127

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‏: الكفر بالإيمان و المعاصي بما يتبعها من الطّاعات.

وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (7): أي: أحسن جزاء أعمالهم.

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً: بإتيانه فعلا ذا حسن. أو كأنّه حسن لفرط حسنه.

و «وصّى» يجري مجرى أمر، معنى و تصرّفا.

و قيل: (1) هو بمعنى: قال، أي: و قلنا له: أحسن بوالديك حسنا.

و قيل‏ (2): [: «حسنا»] (3) منتصب بفعل مضمر. على تقدير قول مفسّر للتّوصية، أي:

قلنا: أولهما. أو: افعل بهما حسنا. و هو أوفق لما بعده. و عليه يحسن الوقف على «بوالديه».

و قرئ: حسنا. أو إحسانا (4).

وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏: بإلهيّته. عبّر عن نفيها بنفي العلم بها، إشعارا بأنّ ما لا يعلم صحّته لا يجوز اتّباعه و إن لم يعلم بطلانه، فضلا عمّا علم بطلانه.

فَلا تُطِعْهُما: في ذلك. فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. و لا بدّ من إضمار القول إن لم يضمر قبل.

إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏: مرجع من آمن منكم و من أشرك. و من برّ بوالديه و من عقّ.

فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (8): بالجزاء عليه.

و الآية قيل‏ (5): نزلت في سعد بن أبي وقّاص و أمّه حمنة. فإنّها لمّا سمعت بإسلامه، خلفت أن لا تنتقل من الضّحّ‏ (6) و لا تطعم و لا تشرب حتّى يرتدّ. و لبثت ثلاثة أيّام كذلك.

و كذا الّتي في لقمان و الأحقاف.

و

قيل‏ (7): نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ. و ذلك أنّه أسلم، فخاف أهل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 204.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر 2/ 205.

(6) الضّحّ: الشّمس، أو ضوؤها إذا استمكن من الأرض.

(7) مجمع البيان 4/ 273- 274.

128

بيته. فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فحلفت أمّه أسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التّميميّ، أن لا تأكل و لا تشرب و لا تغسل رأسها و لا تدخل كنّا حتّى يرجع إليها. فلمّا رأى ابناها أبو جهل و الحرث ابنا هشام- و هما أخوا عيّاش لأمّه- جزعها ركبا في طلبه حتّى أتيا المدينة. فلقياه و ذكرا له القصّة. فلم يزالا به حتّى أخذ عليهما [العهود و] (1) المواثيق، أن لا يصرفاه عن دينه و تبعهما. و قد كانت صبرت أمّه ثلاثة أيّام ثمّ أكلت و شربت. فلمّا خرجا من المدينة أخذاه و أوثقاه [كتافا.] (2) و جلده كلّ واحد منهما مائة جلدة، حتّى بري‏ء من دين محمّد جزعا من الضّرب و قال ما لا ينبغي. فنزلت الآية. و كان الحرث أشدّهما عليه، فحلف عيّاش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربنّ عنقه. فلمّا رجعوا إلى مكّة مكثوا حينا. ثمّ هاجر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المؤمنون إلى المدينة.

و هاجر عيّاش و حسن إسلامه. و أسلم الحرث بن هشام، و هاجر إلى المدينة، و بايع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على الإسلام و لم يحضر عيّاش. فلقيه عيّاش يوما بظهر قباء- و لم يشعر بإسلامه- فضرب عنقه. فقيل له: إنّ الرّجل قد أسلم. فاسترجع عيّاش و بكى. ثمّ أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أخبره بذلك. فنزل‏ وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً (3) (الآية).

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ‏ (9): في جملتهم. و الكمال في الصّلاح منتهى درجات المؤمنين، و متمنّى أنبياء اللَّه المرسلين. أو في مدخلهم، و هي الجنّة.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ‏: عذّبهم الكفرة على الإيمان.

جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ‏: ما يصيبهم من أذيّتهم في الصّرف عن الإيمان.

كَعَذابِ اللَّهِ‏: في الصّرف عن الكفر.

وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏: فتح و غنيمة.

لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏: في الدّين فأشركونا فيه.

و المراد: المنافقون. أو قوم ضعف إيمانهم، فارتدّوا من أذى المشركين. و يؤيّد

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) من المصدر.

(3) النساء/ 92.

129

الأوّل. أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏ (10): من الإخلاص و النّفاق.

وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا: بقلوبهم.

وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ‏ (11): فيجازي الفريقين.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا: الّذي نسلك في ديننا.

وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ‏: [إن كان ذلك خطيئة. أو إن كان بعث و مؤاخذة. و إنّما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتّباع،] (1) مبالغة في تعليق الحمل بالاتّباع و الوعد بتخفيف الأوزار عنهم إن كانت تشجيعا لهم عليه. و بهذا الاعتبار ردّ عليهم و كذّبهم بقوله: وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ (12):

«من» الأولى للتّبيين. و الثّانية مزيدة. و التّقدير: و ما هم بحاملين شيئا من خطاياهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏ قال: من أحبّ لقاء اللَّه جاءه الأجل‏ وَ مَنْ جاهَدَ [آمال‏] (3) نفسه عن اللّذّات و الشّهوات و المعاصي‏ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏. [و قوله:] (4) وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً قال: هما اللّذان ولداه.

و أمّا قوله- عزّ و جلّ- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ‏ قال: إذا آذاه إنسان أو أصابه ضرّ أو فاقة أو خوف من الظّالمين، دخل‏ (5) معهم في دينهم. فرأى أنّ ما يفعلونه هو مثل عذاب اللَّه الّذي لا ينقطع‏ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏، يعني: القائم- (صلوات اللّه عليه)- لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏. و قوله- عزّ و جلّ-: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ‏ قال: كان الكفّار يقولون للمؤمنين: كونوا معنا. فإنّ الّذي تخافون أنتم ليس بشي‏ء فإن كان حقّا نتحمّل نحن ذنوبكم. فيعذّبهم اللَّه- عزّ و جلّ- مرّتين، مرّة (6) بذنوبهم [و مرّة بذنوب غيرهم.

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ‏: أثقال ما اقترفته أنفسهم.

____________

(1) ليس في أ.

(2) تفسير القمي 2/ 148- 149.

3 و 4- من المصدر.

(5) المصدر: ليدخل.

(6) ليس في المصدر.

130

وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏: و أثقالا أخر معها. لما تسبّبوا] (1) له بالإضلال، و الحمل على المعاصي. من غير أن ينقص من أثقال من يتبعهم شي‏ء.

وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ: سؤال تقريع و تبكيت.

عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (13): من الأباطيل.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً: بعد المبعث.

قيل‏ (2): إنّه بعث على رأس الأربعين. و دعا قومه تسعمائة و خمسين و عاش بعد الطّوفان ستّين‏ (3).

و إنّ المقصود من القصّة تسلية رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و تثبيته على ما يكابده من الكفرة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل في مكالمة بينه و بين اليهود. و فيه قال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لقد أقام نوح في قومه و دعاهم ألف سنة إلّا خمسين عاما. ثمّ وصفهم اللَّه- تعالى- فقلّلهم، فقال‏ (5): وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ و لقد تبعني في سنيّ القليلة و عمري اليسير ما لم يتبع‏ (6) نوحا في طول عمره و كبر سنّه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ (8)، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)‏- فمكث نوح- (عليه السلام)- [في قومه‏] (9) ألف سنة إلّا خمسين عاما لم يشاركه في نبوّته أحد.

و في روضة الكافي‏ (10) بإسناده إلى أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.

____________

(1) ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 205- 206.

(3) هكذا في ن. و في سائر النسخ: سنتين.

(4) الاحتجاج 1/ 57.

(5) هود/ 40.

(6) المصدر: ما لم تتبع.

(7) كمال الدين و تمام النعمة/ 215. و أوّل الحديث في ص 213.

(8) م و أ و س و ن: محمد بن الفضل.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 8/ 115، ضمن حديث 92.

131

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، (1) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لبث فيهم نوح ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم سرّا و علانية. فلمّا أبوا و عتوا قال: ربّ: (2) أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأله عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: و سأله عن اسم نوح ما كان؟

فقال: اسمه السّكن. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه ناح على قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما.

و في كتاب علل الشّرائع، (4) بإسناده إلى أحمد بن الحسن الميثميّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان اسم نوح- (عليه السلام)- عبد الغفّار. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه كان ينوح على نفسه.

و بإسناده إلى سعيد بن جناح‏ (5): عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: اسم نوح عبد الملك. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.

و بإسناده إلى محمّد بن أورقة (6): عمّن ذكره، عن سعيد بن جناح، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: اسم نوح عبد الملك. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.

و بإسناده إلى محمّد بن أورقة (7)): عمّن ذكره، عن سعيد بن جناح، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان اسم نوح عبد الأعلى. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.

و اختلاف الأخبار في اسم نوح- (عليه السلام)- محمول على تعدّد اسمه.

و لا اختلاف في معنى بكائه. لأنّه يمكن اجتماع جميع معانيه.

فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ‏: طوفان الماء. و هو لمّا طاف بكثرة، من سيل أو ظلام أو نحوهما.

____________

(1) نفس المصدر 8/ 283، ضمن حديث 424.

(2) القمر/ 10.

(3) عيون الأخبار 1/ 244.

(4) علل الشرائع/ 28، ح 1.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 2. و في النسخ:

«سعد بن جناج.» ر. تنقيح المقال 2/ 26، رقم 4820.

6، 7 نفس المصدر و الموضع، ح 3.

132

وَ هُمْ ظالِمُونَ‏ (14): بالكفر.

فَأَنْجَيْناهُ‏، أي: نوحا.

وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ: و من أركب معه من أولاده و أتباعه.

قيل‏ (1): كانوا ثمانين. و قيل: ثمانية و سبعين. و قيل: عشرة، نصفهم ذكور و نصفهم إناث.

وَ جَعَلْناها، أي: السّفينة. أو الحادثة.

آيَةً لِلْعالَمِينَ‏ (15): يتّعظون، و يستدلّون بها.

وَ إِبْراهِيمَ‏: عطف على «نوحا». أو نصب بإضمار «اذكر» (2).

و قرئ، بالرّفع على تقدير: من المرسلين إبراهيم. (3) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏: ظرف «لأرسلنا»، أي: أرسلناه حين كمل عقله و تمّ نظره، بحيث عرف الحقّ و أمر النّاس به. أو بدل منه بدل الاشتمال، إن قدّر «باذكر».

وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ‏: مما أنتم عليه.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (16): الخير و الشّرّ، و تميّزون ما هو خير ممّا هو شرّ. أو كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم، دون نظر الجهل.

إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً: و تكذبون كذبا في تسميتها آلهة، و ادّعاء شفاعتها عند اللَّه. أو تعملونها و تنحتونها للإفك. و هو استدلال على شرارة ما هم عليه، من حيث أنّه زور و باطل.

و قرئ «تخلقون» من خلق للتّكثير. «و تخلقون» من تخلّق للتّكلّف. «و إفكاً» على أنّه مصدر كالكذب. أو نعت بمعنى: ذا إفك‏ (4).

إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً: دليل ثان على شرارة ذلك، من حيث أنّه لا يجدي بطائل.

و «رزقا» يحتمل المصدر. بمعنى: لا يستطيعون أن يرزقوكم، و أن يراد المرزوق.

و تنكيره، للتّعميم.

فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ‏: كلّه. فإنّه المالك.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 206.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

133

وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ‏: متوسّلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيّدين لما حفّكم من لنّعم بشكره. أو مستعدّين للقائه بهما. فإنّه‏ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (17):

و قرئ، بفتح التّاء (1) وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ‏: من قبلي من الرّسل فلم يضرّهم‏ (2) تكذيبهم. إنّما ضرّ أنفسهم، حيث تسبّب لما حلّ بهم من العذاب. فكذا تكذيبكم.

وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ (18): الّذي زال معه الشّكّ، و ما عليه أن يصدّق و لا يكذّب.

فالآية و ما بعدها من جملة قصّة إبراهيم إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ‏ و يحتمل أن يكون اعتراضا بذكر شأن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قريش و هدم مذهبهم و الوعيد على سوء صنيعهم، توسّط بين طرفي قصّته. من حيث أنّ مساقها تسلية رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و تنفيس عنه. بأنّ أباه خليل اللَّه كان ممنوّا بنحو ما مني به من شرك القوم و تكذيبهم. و تشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ‏: من مادة و غيرها.

و قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر، بالتّاء على تقدير القول‏ (3).

و قرئ، يبدأ (4) ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: إخبار بالإعادة بعد الموت. معطوف على «أو لم يروا» لا على «يبدئ» فإنّ الرّؤية غير واقعة عليه.

و يجوز أن تؤوّل الإعادة بأن ينشئ في كلّ سنة مثل ما كان في السّنّة السّابقة من النّبات و الثّمار و نحوهما. و يعطف عليه‏ إِنَّ ذلِكَ‏: الإشارة إلى الإعادة. أو إلى ما ذكر من الأمرين.

عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19): إذ لا يفتقر في فعله إلى شي‏ء.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏: حكاية كلام اللَّه لإبراهيم. أو محمّد- صلّى اللَّه عليهما-.

فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ‏: على اختلاف الأجناس و الأحوال.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: فلا يضرّهم.

(3) نفس المصدر 2/ 207.

(4) نفس المصدر و الموضع.

134

ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: بعد النّشأة الأولى، الّتي هي الإبداء. فإنّه و الإعادة نشأتان، من حيث أنّ كلّا اختراع و إخراج من العدم. و الإفصاح باسم «اللَّه» مع إيقاعه مبتدأ، بعد إضماره في «بدأ» و القياس، الاقتصاد عليه. للدّلالة على أنّ المقصود بيان الإعادة. و أنّ من عرف بالقدرة على الإبداء، ينبغي أن يحكم له بالقدرة عليها. لأنّها أهون.

و الكلام في العطف ما مرّ.

و قرئ: «النّشاءة»، كالرّآفة. (1) إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (20): لأنّ قدرته لذاته. و نسبة ذاته إلى كلّ الممكنات على سواء. فيقدر على النشأة الأخرى، كما قدر على النّشأة الأولى.

يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ: تعذيبه.

وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ رحمته.

وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ‏ (21): تردّون.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏: ربّكم عن إدراككم.

فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ: إن فررتم من قضائه، بالتّواري في الأرض و الهبوط في مهاويها و التّحصّن في السّماء و القلاع الذاهبة فيها.

و قيل‏ (1): و لا من في السّماء. كقول حسّان: (2)

أمن يهجو رسول اللَّه منكم‏* * * و يمدحه و ينصره سواء

وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (22): يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض، أو ينزل من السّماء و يدفعه عنكم.

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ‏: بدلائل وحدانيّته أو بكتبه.

وَ لِقائِهِ‏: بالبعث.

أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي‏، أي: يئسوا منها يوم القيامة. فعبّر عنه بالماضي، للتّحقيق و المبالغة. أو أيسوا في الدّنيا لإنكار البعث و الجزاء.

وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (23): بكفرهم.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ‏: قوم إبراهيم له.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 207.

(2) نفس المصدر و الموضع.

135

و قرئ، بالرّفع على أنّه الاسم. و الخبر إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ‏: (1) كان ذلك قول بعضهم. لكن لمّا قيل فيهم و رضى به الباقون، أسند إلى كلّهم.

فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، أي: قذفوه في النّار، فأنجاه منها. بأن جعلها عليه بردا و سلاما.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: في إنجائه منها.

لَآياتٍ‏: هي حفظه من أذى النّار، و إخمادها مع عظمها في زمان يسير، و إنشاء روض مكانها.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (24): لأنّهم المنتفعون بالفحص عنها و التّأمل.

وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:

لتتوادّوا بينكم و تتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها.

و ثاني مفعولي «اتّخذتم» محذوف. و يجوز أن يكون «مودّة» المفعول الثّاني، بتقدير مضاف. أو بتأويلها بالمودودة، أي: اتّخذتم أوثانا سبب المودّة بينكم.

و قرأها نافع و ابن عامر و أبو بكر، منوّنة ناصبة «بينكم» و الوجه ما سبق. و ابن كثير و أبو عمرو و الكسائي و رويس، مرفوعة مضافة. على أنّها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودودة. أو سبب [مودّة بينكم. و الجملة صفة «أوثانا». أو خبر «إنّ» على أنّ «ما» مصدرية، أو موصولة. و العائد محذوف. و هو المفعول الأوّل. (2) و قرئت، مرفوعة منوّنة و مضافة بفتح «بينكم». كما قرئ: «لقد تقطّع بينكم».

و قرئ: «إنّما مودّة (3) بينكم».] (4) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أي:

يقوم التّناكر و التّلاعن بينكم. أو بينكم و بين الأوثان، على تغليب المخاطبين. كقوله‏ (5):

وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، (7) عن أبي عمر و الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: و الوجه الخامس من‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ن.

(5) مريم/ 82.

(6) الكافي 1/ 390 و 391.

(7) المصدر: «القاسم بن يزيد» ر. تنقيح المقال‏

136

الكفر، كفر البراءة. وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، يعني: يتبرّأ بعضكم من بعض.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (1): يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن مالك الجهنّي قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- يا مالك، إنّه ليس من قوم ائتمّوا بإمام في الدّنيا، إلّا جاء يوم القيامة يلعنهم و يلعنونه. إلّا أنتم و من كان على مثل حالكم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)‏- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله‏ (3): يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً. و قوله‏ (4): وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏. و قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (5) و قوله:

إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ و قوله‏ (6): لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ و قوله‏ (7): الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏. فانّ ذلك في مواطن غير واحد، من مواطن ذلك اليوم الّذي كان مقداره خمسين ألف سنة. يجمع اللَّه الخلائق يومئذ في مواطن يتفرّقون، و يكلّم بعضهم بعضا، و يستغفر بعضهم لبعض.

أولئك الّذين كان منهم الطّاعة في دار الدّنيا، الرّؤساء (8) و الأتباع. و يلعن أهل المعاصي الّذين بدت منهم البغضاء و تعاونوا على الظّلم و العدوان في دار الدّنيا، المستكبرين و المستضعفين. يكفر بعضهم ببعض، و يلعن بعضهم بعضا. و الكفر في هذه الآية: البراءة.

يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. و نظيرها في سورة إبراهيم قول الشّيطان‏ (9): إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏ و قول إبراهيم خليل الرّحمن‏ (10): كَفَرْنا بِكُمْ‏، أي: تبّرأنا.

____________

2/ 18، رقم 9555.

(1) نفس المصدر 8/ 146، ضمن حديث 122.

(2) التوحيد/ 260.

(3) النبأ/ 38.

(4) الأنعام/ 23.

(5) ص/ 64.

(6) ق/ 28.

(7) يس/ 65.

(8) المصدر: للرؤساء.

(9) ابراهيم/ 22.

(10) الممتحنة/ 4.

137

و في محاسن البرقي‏ (1): عنه، عن أبيه عن حمزة بن عبد اللَّه، عن جميل بن درّاج، عن مالك بن أعين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا مالك، أما ترضون أن يأتي كلّ قوم يلعن بعضهم بعضا إلّا أنتم و من قال بمقالتكم‏ (2).

وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (25): يخلّصونكم منها.

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ: هو ابن أخته، و أوّل من آمن به.

و قيل‏ (3): إنّه آمن به حين رأى النّار لم تحرقه.

وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ: من قومي.

إِلى‏ رَبِّي‏: إلى حيث يأمرني ربّي.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة، (4) بإسناده إلى محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول في آخره- (عليه السلام)‏- و إنّ الأنبياء بعثوا خاصّة و عامّة. أمّا إبراهيم نبوّته بكوثى [ربّا.] (5) و هي قرية من قرى السّواد فيها بدأ أوّل أمره، ثمّ هاجر منها و ليست بهجرة. فقال‏ (6): و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إني مهاجر إلى ربي سيهدين. (7) و كانت هجرة إبراهيم بغير قتال.

و أمّا إسحاق فكانت نبوّته بعد إبراهيم. و أمّا يعقوب فكانت نبوّته بأرض كنعان، ثمّ هبط إلى مصر فتوفّي فيها.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام [بن سالم‏] (9) و درست بن أبي منصور، عنه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- الأنبياء و المرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها. و نبيّ يرى في النّوم و يسمع الصّوت و لا يعاينه في اليقظة، و لم يبعث إلى أحد، و عليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط- (عليهما السلام)

- و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) المحاسن/ 144، ح 43.

(2) المصدر: بقولكم.

(3) أنوار التنزيل 2/ 208.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 219 و 220.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: قتال.

(7) هكذا في النسخ و المصدر. و الحق ما قال محقق المصدر في هامشه: سهو من المؤلف او الراوي. و في المصحف «إنى ذاهب» أو بدون «سيهدين».

(8) الكافي 1/ 174- 175، صدر حديث 1.

(9) من المصدر.

138

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كانت أمّ إبراهيم و أمّ لوط- (عليهما السلام)- سادة (2) و ورقة- و في نسخة رقيّة- أختين. و هما ابنتان للاحج. و كان اللاحج نبيّا منذرا، و لم يكن رسولا

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ: الّذي يمنعني عن أعدائي.

الْحَكِيمُ‏ (26): الّذي لا يأمرني إلّا بما فيه صلاحي.

روي‏ (3): أنّه هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط و امرأته سارة ابنة عمّه إلى حرّان ثمّ منها إلى الشّأم. فنزل فلسطين، و نزل لوط سدوم.

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ‏: ولدا و نافلة، حين أيس عن الولادة من عجوز عاقر. و لذلك لم يذكر إسماعيل.

وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ: فكثر منهم الأنبياء.

وَ الْكِتابَ‏: يريد به الجنس، ليتناول الكتب الأربعة.

وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ‏: على هجرته إلينا.

فِي الدُّنْيا: بإعطاء الولد في غير أوانه، و الذّرّيّة الطّيّبة، و استمرار النّبوّة فيهم، و انتماء أهل الملل إليه، و الثّناء و الصّلاة عليه إلى آخر الدّهر.

وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏ (27): لفي عداد الكاملين في الصّلاح.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (4) بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: اعلموا (5) يا عباد اللَّه، أنّ المؤمن من يعمل لثلاث من الثّواب: إمّا الخير، فإنّ اللَّه يثيبه بعمله في دنياه. قال- سبحانه- لإبراهيم: وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏. فمن عمل للَّه- تعالى- أعطاه أجره في الدّنيا و الآخرة و كفاه الهمّ فيهما.

وَ لُوطاً: عطف على «إبراهيم». أو على ما عطف عليه.

____________

(1) نفس المصدر 8/ 370، ضمن حديث 560.

(2) المصدر: سارة.

(3) أنوار التنزيل 2/ 208.

(4) أمالي الطوسي 1/ 25.

(5) هكذا في ن، و م. و في سائر النسخ: اعملوا.

139

إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ: الفعلة البالغة في القبح.

ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ‏ (28): استئناف مقرّر لفاحشتها. من حيث أنّها ممّا اشمأزّت منه الطّباع، و تحاشت عنه النّفوس حتّى أقدموا عليها لخبث طينتهم.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- في قول لوط: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ‏.

فقال: إنّ إبليس أتاهم في صورة حسنة، فيه تأنيث، عليه ثياب حسنة. فجاء إلى شبان منهم، فأمرهم أن يقعوا به. و لو طلب إليهم أن يقع بهم لأبوا عليه، لكن طلب إليهم أن يقعوا به. فلما وقعوا به التذّوه. ثمّ ذهب عنهم و تركهم، فأحال بعضهم على بعض.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- مثله.

أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ‏: و تتعرّضون للسّابلة بالقتل و أخذ المال. أو بالفاحشة، حتّى انقطعت الطّرق. أو تقطعون سبيل النّسل، بالإعراض عن الحرث و إتيان ما ليس بحرث.

وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ‏: في مجالسكم الغاصّة. و لا يقال: النّادي، إلّا لما فيه أهله.

الْمُنْكَرَ: كالجماع، و الضّراط، و حلّ الإزار، و غيرها من القبائح عدم مبالاة بها.

و قيل‏ (3): الخذف و رمي البنادق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): «و قوله- جلّ ذكره-: وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال: هم قوم لوط. [كان يضرّط بعضهم على بعض‏] (5).

و في عوالي اللّئالي‏ (6): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- أنّه رأى رجلا يخذف بحصاة في المسجد، فقال- (عليه السلام)-: ما زالت تلعنه حتّى وقعت. ثمّ قال:

الخذف في النّادي من أخلاق قوم لوط. ثمّ تلا قوله- تعالى- وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ

____________

(1) علل الشرائع/ 548، ح 3.

(2) الكافي 5/ 544، ح 4.

(3) أنوار التنزيل 2/ 209.

(4) تفسير القمي 2/ 150.

(5) ليس في المصدر.

(6) عوالي اللئالي 1/ 327، ح 72.

140

قال: هو الخذف.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قيل: فيه وجوه: أحدهما، هو أنّهم كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة و لا حياء. عن ابن عبّاس و روي ذلك عن الرّضا- (عليه السلام)-.

و في جوامع الجامع‏ (2): و في الحديث: من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29): في استقباح ذلك. أو في دعوة النّبوّة، المفهومة من التّوبيخ.

قالَ رَبِّ انْصُرْنِي‏: بإنزال العذاب.

عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30): بابتداع الفاحشة، و سنّها فيمن بعدهم.

وصفهم بذلك، مبالغة في استنزال العقاب، و إشعارا بانّهم أحقّاء بأن يعجّل لهم العذاب.

وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏: بالبشارة بالولد و النّافلة.

قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ: قرية سدوم. و الإضافة لفظيّة، لأنّ المعنى على الاستقبال.

إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (31): تعليل لإهلاكهم. بإصرارهم و تماديهم في ظلمهم، الّذي هو الكفر و أنواع المعاصي.

قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً: اعتراض عليهم، بأنّ فيها من لم يظلم. أو معارضة للموجب بالمانع، و هو كون النّبيّ بين أظهرهم.

قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ‏: تسليم، لقوله. مع ادّعاء مزيد العلم به، و أنّهم ما كانوا غافلين عنه. و جواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه.

إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32): الباقين في العذاب. أو القرية.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن داود بن فرقد، عن أبي يزيد الحمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و كروبيل. فمرّوا بإبراهيم- (عليه السلام)- و هم معتمّون، فسلّموا عليه. فلم يعرفهم و رأى هيئة حسنة، فقال: لا يخدم هؤلاء إلّا أنا

____________

(1) مجمع البيان 4/ 280.

(2) جوامع الجامع/ 353.

(3) الكافي 5/ 546- 547، صدر حديث 6.

141

بنفسي. و كان صاحب ضيافة. فشوى لهم عجلا سمينا حتّى أنضجه، ثمّ قرّبه إليهم. فلمّا وضعه بين أيديهم، رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة. فلمّا رأى ذلك جبرائيل- (عليه السلام)- حسر العمامة عن وجهه. فعرفه إبراهيم- (عليه السلام)- فقال:

أنت هو؟

فقال: نعم و مرّت سارة امرأته‏ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ‏ (1).

فقالت ما قال اللّه- عزّ و جلّ- فأجابوها بما في الكتاب.

فقال لهم إبراهيم: لما ذا جئتم؟

قالوا: في إهلاك قوم لوط.

فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين أ تهلكونهم؟

فقال جبرائيل- (عليه السلام)-: لا.

قال- (عليه السلام)- فإن كان فيها خمسون؟

قال: لا.

[قال: فإن كان فيها ثلاثون؟

قال: لا.] (2) قال: فإن كان فيها عشرون؟

قال: لا.

قال: كان فيها عشرة؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها خمسة؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها واحد؟

قال: لا قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ‏ قال الحسن بن عليّ: لا أعلم هذا القول إلّا و هو يستبقيهم‏ (3). و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- (4): يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ.

____________

(1) هود/ 71.

(2) من ن و المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: يستفهم.

(4) هود/ 74.

142

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- سأل جبرائيل: كيف كان مهلك قوم لوط؟

فقال: إنّ قوم لوط كانوا أهل قرية لا يتنظّفون من الغائط، و لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحّاء على الطّعام. و إنّ لوطا لبث فيهم ثلاثين سنة. و إنّما كان نازلا عليهم، و لم يكن منهم. و لا عشيرة له [فيهم ثلاثين سنة] (2) و لا قوم. و إنّه دعاهم إلى اللّه- عزّ و جلّ- و إلى الإيمان و اتّباعه، و نهاهم عن الفواحش، و حثّهم على طاعة اللّه، فلم يجيبوه و لم يطيعوه. و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا أراد عذابهم، بعث إليهم رسلا منذرين عذرا نذرا. فلمّا عتوا عن أمره، بعث إليهم ملائكة ليخرجوا من كان في قريتهم من المؤمنين. فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين، فأخرجوهم‏ (3) منها. و قالوا للوط فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏ من هذه القرية اللّيلة بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ‏ (4) أَحَدٌ وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏ (5).

فلمّا انتصف اللّيل، سار لوط ببناته. و تولّت امرأته مدبرة، فانقطعت إلى قومها تسعى بلوط و تخبرهم أنّ لوطا قد سار ببناته. و إنّي نوديت من تلقاء العرش لمّا طلع الفجر:

يا جبرائيل، حقّ القول من اللّه بختم‏ (6) عذاب قوم لوط. فاهبط إلى قرية قوم لوط و ما حوت، فاقلبها (7) من تحت سبع أرضين. ثمّ اعرج بها إلى السّماء، فأوقفها حتّى يأتيك أمر الجبّار في قلبها. و دع منها آية بيّنة من منزل لوط، عبرة للسّيّارة. فهبطت على أهل القرية الظّالمين.

فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليها شرقها (8) و ضربت بجناحي الأيسر على ما حوى عليه غربها (9). فاقتلعتها- يا محمّد- من تحت سبع أرضين، إلّا منزل لوط آية للسّيّارة. ثمّ عرجت بها في خوافي جناحي، حتّى أوقفتها حيث يسمع أهل السّماء زقاء ديوكها و نباح كلابها. فلمّا طلعت الشّمس نوديت من تلقاء العرش: يا جبرائيل، اقلب القرية على القوم فقلبتها عليهم، حتّى صار أسفلها أعلاها. و أمطر اللّه عليهم‏ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏

____________

(1) علل الشرائع/ 550- 551، ح 5. و له ذيل.

(2) ليس في المصدر. و الظاهر أنها زائدة.

(3) المصدر: فأخرجهم.

(4) هود/ 81.

(5) الجحر/ 65.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: تحتم.

(7) المصدر: فاقلعها.

(8) المصدر: شرقيها.

(9) المصدر: غربيها.

143

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ من أمّتك‏ بِبَعِيدٍ (1).

وَ لَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ‏: جاءته المساءة و الغمّ بسببهم. مخافة أن يقصدهم قومه بسوء.

و «أن» صلة. لتأكيد الفعلين و اتّصالهما.

وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً: و ضاق بشأنهم و تدبير أمرهم ذرعه، أي: طاقته. كقوله:

ضاقت يده. و بإزائه رحب ذرعه بكذا: إذا كان مطيقا له. و ذلك، لأنّ طويل الذّراع ينال ما لا يناله قصير الذّراع.

وَ قالُوا: لمّا رأوا فيه أثر الضّجرة.

لا تَخَفْ وَ لا تَحْزَنْ‏: على تمكّنهم منّا.

إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33):

و قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائيّ و يعقوب: «لنجينّه، و منجوك» بالتّخفيف.

و وافقهم أبو بكر في الثّاني. و موضع «الكاف» على المختار الجرّ. و نصب «أهلك» بإضمار فعل. أو بالعطف على محلّها، باعتبار الأصل‏ (2).

إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ: عذابا منها. سمّي بذلك، لأنّه يقلق المعذّب. من قولهم: ارتجز: إذا ارتجس، أي: اضطرب.

و قرأ ابن عامر: «منزّلون» بالتّشديد (3).

بِما كانُوا يَفْسُقُونَ‏ (34): بسبب فسقهم.

وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً:

قيل‏ (4): هي حكايتها الشّائعة. أو آثار الدّيار الخربة.

و قيل: الحجارة الممطورة. فإنّها كانت باقية بعد.

و قيل: بقيّة أنهارها المسودّة.

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35): يستعملون عقولهم في الاستبصار و الاعتبار. و هو متعلّق «بتركنا». أو «آية». أو «بيّنة».

وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ:

____________

(1) هود/ 82- 83.

(2) أنوار التنزيل 2/ 209.

(3) نفس الموضع و المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

144

و افعلوا ما ترجون ثوابه. فأقيم المسبّب مقام السّبب.

و قيل‏ (1): إنّه من الرّجاء، بمعنى: الخوف.

وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:

الزّلزلة الشّديدة.

و قيل‏ (2): صيحة جبرائيل، لأنّ القلوب ترجف لها.

فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ‏: في بلدهم أو دورهم. و لم يجمع، لأمن اللّبس.

جاثِمِينَ (37): باركين على الرّكب، ميّتين.

وَ عاداً وَ ثَمُودَ: منصوبان بإضمار «اذكر». أو فعل دلّ عليه ما قبله، مثل:

أهلكنا.

و قرأ حمزة و حفص و يعقوب: «و ثمود» غير مصروف. على تأويل القبيلة.

وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ‏، أي: تبيّن لكم بعض مساكنهم. أو إهلاكهم من جهة مساكنهم، إذا نظرتم إليها عند مروركم بها.

وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏: من الكفر و المعاصي.

فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ‏: السّويّ. الّذي بيّن الرّسل لهم.

وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38): متمكّنين من النّظر و الاستبصار، و لكنّهم لم يفعلوا.

أو متبيّنين أنّ العذاب لاحق بهم بإخبار الرّسل لهم، و لكنّهم لجّوا حتّى هلكوا.

و في مصباح الشّريعة: (3) قال الصّادق- (عليه السلام)‏- بعد أن ذكر الشّيطان:

و لا يغرّنّك تزيينه الطّاعات عليك. فإنّه يفتح لك تسعة و تسعين بابا من الخير، ليظفر بك عند تمام المائة. فقابله بالخلاف، و الصّدّ عن سبيله، و المضادّة باستهوائه‏ (4).

وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ‏: معطوفون على «عادا». و تقديم قارون، لشرف نسبه.

وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِينَ‏ (39): فائتين. بل أدركهم أمر اللّه. من سبق طالبه: إذا فاته.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 210.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) شرح فارسى مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 228- 229.

(4) المصدر: بأهوائه.

145

فَكُلًّا: من المذكورين.

أَخَذْنا بِذَنْبِهِ‏: عاقبنا بذنبه.

فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً: ريحا عاصفا فيها حصباء. أو ملكا رماهم بها، كقوم لوط.

وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ: كمدين و ثمود.

وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ‏: كقارون.

وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا: كقوم نوح و فرعون و قومه.

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ‏: ليعاملهم معاملة الظّالم. فيعاقبهم بغير جرم، إذ ليس ذلك من عادته.

وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40): بالتّعريض للعذاب.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن جعيد الهمدانيّ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- إنّ في التّابوت الأسفل [من النّار اثني عشر]: (2) ستّة من الأوّلين، و ستّة من الآخرين. فأمّا السّتّة من الأوّلين: فابن آدم قاتل أخيه، و فرعون الفراعنة، و السّامريّ، و الدّجّال كتابه في الأوّلين و يخرج في الآخرين، و هامان، و قارون.

و فيه‏ (3): قال أبو ذرّ: ألستم تشهدون أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: شرّ الأوّلين و الآخرين اثنا عشر: ستّة من الأوّلين، و ستّة من الآخرين. ثمّ سمّي ستّة من الأوّلين: ابن آدم الّذي قتل أخاه، و فرعون، و هامان، و قارون، و السّامريّ، و الدّجّال اسمه في الأوّلين و يخرج في الآخرين،

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ: فيما اتّخذوه معتمدا متّكلا.

كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً: إذ مثلهم بالإضافة إلى الموحّد، كمثلها بالإضافة إلى رجل بنى من حجر و جصّ فيما نسجته من الوهن و الخور، بل ذاك أوهن. فإنّ لهذا حقيقة و انتفاعا عامّا.

و «العنكبوت» يقع على الواحد، و الجمع، و المذكّر، و المؤنّث. و التّاء فيه، كتاء طاغوت. و يجمع على عناكيب، و عناكب، و عكاب، و عكبة، و أعكب.

____________

(1) الخصال/ 485، ح 59. و له ذيل.

(2) ليس في المصدر.

(3) نفس المصدر/ 458، ضمن حديث 2.

146

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا- إلى أن قال-: و أمّا العنكبوت، فكانت امرأة سيّئة الخلق عاصية لزوجها مولّية عنه. فمسخها اللّه عنكبوتا.

عن جعفر بن محمّد (2)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن المسوخ. فقال: هم ثلاثة عشر- إلى أن قال- صلى اللّه عليه و آله و سلم- و أمّا العنكبوت، فكانت امرأة تخون زوجها.

عن سعيد بن علاقة (3) قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: ترك نسج العنكبوت في البيت يورث الفقر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن‏ (5) جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)‏- و أمّا العنكبوت، فكانت امرأة سحرت زوجها.

بإسناده إلى عليّ بن جعفر (6) عن معتب مولى جعفر، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مثله.

وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ‏: لا بيت أوهن و أقلّ وقاية للحرّ و البرد منه.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ (41): يرجعون إلى علم، لعلموا أنّ هذا مثلهم. أو أنّ دينهم أوهن من ذلك.

و يجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت: دينهم سمّاه به، تحقيقا للتّمثيل. فيكون المعنى: و إنّ أوهن ما يعتمد في الدّين دينهم.

و في شرح الآيات الباهرة (7): محمّد بن خالد البرقيّ، عن سيف بن عميرة، عن أخيه، عن أبيه، عن سالم بن مكرم، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ في‏

____________

(1) نفس المصدر/ 493، ضمن حديث 1.

(2) نفس المصدر/ 494، ضمن حديث 2.

(3) نفس المصدر/ 504، صدر حديث 2. و في النسخ: «سعد بن علاقة.» و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 29، رقم 4853.

(4) علل الشرائع/ 486، ضمن حديث 2.

(5) المصدر: موسى بن جعفر بن محمد- (عليهما السلام).

(6) نفس المصدر/ 488، ضمن حديث 5.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 155.

147

قوله- عزّ و جلّ-: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ‏ قال: هي الحميراء.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ: على إضمار القول، أي: قل للكفرة: إنّ اللّه يعلم.

و قرأ البصريان و يعقوب، بالياء. حملا على ما قبله‏ (1).

«و ما» استفهاميّة، منصوبة «بيدعون» و «يعلم» معلّقة عنها.

و «من» للتّبيين. أو نافية. و «من» مزيدة. و «شي‏ء» مفعول «تدعون». أو مصدريّة. و «شي‏ء» مصدر. أو موصولة مفعول «ليعلم» و مفعول «يدعون» عائدها المحذوف. و الكلام على الأوّلين تجهيل لهم، و توكيد للمثل. و على الآخرين وعيد لهم.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42): تعليل على المعنيين. فإنّ من فرط الغباوة إشراك ما لا يعدّ شيئا، بمن هذا شأنه. و إنّ الجماد بالإضافة إلى القادر على كلّ شي‏ء البالغ في العلم و اتّقان الفعل الغاية كالمعدوم. و إنّ من هذا صفته قادر على مجازاتهم.

وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ‏، يعني: هذا المثل و نظائره.

نَضْرِبُها لِلنَّاسِ‏: تقريبا لما بعد منه أفهامهم.

وَ ما يَعْقِلُها: و لا يعقل حسنها و فائدتها.

إِلَّا الْعالِمُونَ (43): الّذي يتدبّرون الأشياء على ما ينبغي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏.، يعني: آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

و في مجمع البيان‏ (3): وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏. و

روى الواحديّ بالإسناد: عن جابر قال: تلا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- هذه الآية و قال: العالم الّذي عقل عن اللّه، فعمل بطاعته و اجتنب سخطه.

و في بصائر الدّرجات‏ (4): محمّد بن الحسين، عن يزيد بن سعد، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ قال: هم الأئمّة خاصّة وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ فزعم أنّ من عرف الإمام‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 210- 211.

(2) تفسير القمي 2/ 150.

(3) مجمع البيان 4/ 284.

(4) بصائر الدرجات/ 227، ح 17.

148

و الآيات ممّن يعقل ذلك.

و في شرح الآيات الباهرة (1): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن مالك بن عطيّة، عن محمّد بن مروان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ قال: نحن هم صدقا- (صلوات اللّه عليهم)- لأنّ منتهى العلم جميعه يرجع إليهم.

لأنّهم الرّاسخون في العلم، و إليهم الأمر فيه و الحكم.

خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏: غير قاصد به باطلا. فإنّ المقصود بالذّات من خلقها، إفاضة الخير و الدّلالة على ذاته و صفاته. كما أشار إليه بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44): لأنّهم المنتفعون بها.

اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ‏: تقرّبا إلى اللّه بقراءته، و تحفّظا لألفاظه، و استكشافا لمعانيه. فإنّ القارئ المتأمّل، قد ينكشف له بالتّكرار ما لم ينكشف له أوّل ما قرع سمعه.

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ: بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها و غيرها. من حيث أنّها تذكّر اللّه، و تورث النّفس خشية منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): ثمّ خاطب اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال- جلّ ذكره-: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ قال: من لم تنهه الصّلاة عن الفحشاء و المنكر، لم تزده‏ (3) من اللّه- عزّ و جلّ- إلّا بعدا.

و في كتاب التّوحيد (4): و قد روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: الصّلاة حجزة اللّه. و ذلك أنّها تحجز المصلّي عن المعاصي ما دام في صلاته. قال اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى أنس بن مالك [الجهنّي:] (6) عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة/ 155.

(2) تفسير القمي 2/ 150.

(3) المصدر: يزدد.

(4) التوحيد/ 166، ح 4.

(5) مجمع البيان 4/ 285.

(6) من المصدر.

149

و آله و سلم- أنّه قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزد من اللّه إلّا بعدا.

و- أيضا- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (1) أنّه قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. و طاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء و المنكر.

و روى أنس‏ (2): أنّ فتى من الأنصار كان يصلّي الصّلوات‏ (3) مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و يرتكب الفواحش: فوصف ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: إنّ صلاته تنهاه يوما.

و عن جابر قال: قيل لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ فلانا يصلّي بالنّهار و يسرق باللّيل.

فقال: إنّ صلاته لتردعه.

و روى أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)(4)- قال: من أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء و المنكر. فبقدر ما منعته قبلت منه.

و في كتاب سعد السّعود (5) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: و قد روينا في الجزء الأوّل من كتاب المهمّات و التّتمّات صفة الصّلاة النّاهية عن الفحشاء و المنكر.

وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ:

قيل‏ (6): و الصّلاة أكبر من سائر الطّاعات و إنّما عبّر عنها به، للتّعليل بأنّ اشتمالها على ذكره هي العمدة في كونها مفضّلة على الحسنات ناهية عن السّيّئات. أو لذكر اللّه إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن سفيان الحريريّ، عن أبيه، عن سعد الخفّاف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: جعلت فداك يا أبا جعفر، و هل يتكلّم القرآن؟

فتبسّم ثمّ قال: رحم اللّه الضّعفاء من شيعتنا، إنّهم أهل التّسليم. ثمّ قال: نعم يا سعد، و الصّلاة تتكلّم، و له صورة و خلق، تأمر و تنهى.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: الصلاة.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) سعد السعود/ 176.

(6) أنوار التنزيل 2/ 211.

(7) الكافي 2/ 598، ذيل حديث 1، و أوّله في ص 596.

150

قال: فتغيّر لذلك لوني، و قلت: هذا شي‏ء لا أستطيع أن‏ (1) أتكلّم به في النّاس.

فقال أبو جعفر: و هل النّاس إلّا شيعتنا. فمن لم يعرف الصّلاة، فقد أنكر حقّنا (2). ثمّ قال: يا سعد، أسمعك كلام القرآن؟

قال سعد: فقلت بلى- صلّى اللّه عليك-.

فقال: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فالنّهي كلام.

و الفحشاء و المنكر رجال. و نحن ذكر اللّه. و نحن أكبر.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يقول: ذكر اللّه لأهل الصّلاة أكبر من ذكرهم إيّاه. ألا ترى أنّه يقول‏ (4): فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى أصحابنا، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: ذكر اللّه عند ما أحلّ أو حرّم.

و عن معاذ بن جبل‏ (6) قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه؟

قال: أن تموت و لسانك رطب من ذكر اللّه- عزّ و جلّ-.

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا معاذ: إنّ السّابقين، الّذين يسهرون بذكر اللّه- عزّ و جلّ- و من أحبّ أن يرتع‏ (7) في رياض الجنّة، فليكثر ذكر اللّه- عزّ و جلّ-.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ‏ (45): منه و من سائر الطّاعات. فيجازيكم به أحسن المجازاة.

وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏: إلّا بالخصلة الّتي هي أحسن‏ (8). كمعارضة الخشونة باللّين، و الغضب بالكظم، و المشاغبة بالنّصح.

____________

(1) المصدر: [أنا].

(2) ن: حقّها.

(3) تفسير القمي 2/ 150.

(4) البقرة/ 152.

(5) لم نعثر عليه في مجمع البيان و لكن: في تفسير نور الثقلين، 4/ 162، ح 61 و تفسير الصافي 4/ 119 نقلا عنه.

(6) مجمع البيان 4/ 285- 286.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يرتفع.

(8) يوجد في هامش نسخة م: في أواخر توحيد ابن‏

151

و قيل‏ (1): هو منسوخ بآية السّيف، إذ لا مجادلة أشدّ منه. و جوابه أنّه آخر الدّواء.

و قيل: المراد به، ذووا العهد منهم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال: نحن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا.

و قال أبو محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- (3): ذكر عند الصّادق- (عليه السلام)- الجدال في الدّين، و أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- قد نهوا عنه.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: لم ينه عنه مطلقا. و لكنّه نهى عن الجدال بغير الّتي هي أحسن. أما تسمعون اللّه- تعالى- يقول: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ [و قوله‏ (4): ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ فالجدال بالّتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدّين و الجدال بغير الّتي هي أحسن محرّم حرّمه اللّه على شيعتنا. و كيف يحرم اللّه [الجدال‏] (5) جملة و هو يقول‏ (6): وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ قال اللّه- تعالى‏ (7)- تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ فجعل اللّه علم الصّدق و الإيمان بالبرهان. و هل يؤتى ببرهان إلّا بالجدال بالّتي هي أحسن؟] (8) قيل: يا ابن رسول اللّه، فما الجدال بالّتي هي أحسن و بالّتي ليست بأحسن؟

____________

بابويه، في باب النهي عن الكلام و الجدال و المراء في اللّه- عزّ و جلّ-

[التوحيد/ 459، ح 26]: أبي (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال:

حدّثنا محمّد بن عيسى قال: قرأت كتاب عليّ بن بلال أنّه سأل الرجل، يعني: أبا الحسن- (عليه السلام)- أنّه روي عن آبائك- (عليهم السلام)- أنّهم نهوا عن الكلام في الدين. فتأوّل مواليك المتكلّمون بأنّه إنّما نهى من لا يحسن أن يتكلّم فيه. فأمّا من يحسن أن يتكلّم فلم ينه. فهل ذلك كما تأوّلوا، أولا؟

فكتب- (عليه السلام)-: المحسن و غير المحسن لا يتكلّم فيه. فانّ إثمه اكثر من نفعه.

(1) أنوار التنزيل 2/ 211.

(2) الاحتجاج 1/ 5.

(3) نفس المصدر 1/ 14- 16.

(4) النحل/ 125.

(5) من المصدر.

(6) النحل/ 125.

(7) البقرة/ 111.

(8) ليس في ن.

152

قال: أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، بأن تجادل‏ (1) مبطلا فيورد عليك باطلا. فلا تردّه بحجّة قد نصبها اللّه- تعالى- و لكن تجحد قوله. أو تجحد حقّا يريد ذلك‏ (2) المبطل أن يعين به باطله. فتجحد ذلك الحقّ، مخافة أن يكون له عليك فيه حجّة. لأنّك لا تدري كيف المخلص منه. فذلك حرام على شيعتنا، أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين. أمّا المبطلون، فيجعلون ضعف الضّعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف في يده حجّة له على باطله. و أمّا الضّعفاء منكم، فتعمى‏ (3) قلوبهم لما يرون من ضعف المحقّ في يد المبطل.

و أمّا الجدال بالّتي هي أحسن، فهو ما أمر اللّه- تعالى- به نبيّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت و إحياءه له. فقال‏ (4) اللّه- تعالى- حاكيا عنه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ فقال اللّه- تعالى- في الرّدّ عليه: قل يا محمّد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏ فأراد اللّه من نبيّه، أن يجادل المبطل الّذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام و هي رميم؟ فقال اللّه- تعالى-: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أ فيعجز من ابتدأ به لا من شي‏ء أن يعيده بعد أن يبلى. بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته. ثمّ قال- عزّ و جلّ-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً أي: إذ أكمن النّار الحارّة في الشّجر الأخضر الرّطب ثمّ يستخرجها، فعرّفكم أنّه على إعادة (5) من بلي أقدر.

ثمّ قال‏ (6): أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ‏، أي: إذا كان خلق السّموات و الأرض أعظم و أبعد في أهامكم و قدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوّزتم من اللّه خلق هذا الأعجب عندكم و الأصعب لديكم و لم تجوّزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعاد البالي؟

قال الصّادق- (عليه السلام)-: فهذا (7) الجدال بالّتي هي أحسن. لأنّ فيها قطع عذر الكافرين‏ (8)، و إزالة شبههم. و أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، فأن تجحد حقّا لا يمكنك أن‏

____________

(1) المصدر: فان تجادل.

(2) المصدر: بذلك.

(3) م: فعمى المصدر: فتعم.

(4) يس/ 78- 80.

(5) المصدر: ما.

(6) يس/ 81.

(7) المصدر: فهو.

(8) أ: عذرا للكافرين.

153

تفرّق بينه و بين باطل من تجادله. و إنّما تدفعه عن باطله، بأن تجحد الحقّ. فهذا هو المحرّم.

لأنّك مثله، جحد هو حقّا و جحدت أنت حقّا آخر.

قال أبو محمّد الحسن العسكري- (عليه السلام)-: فقام إليه رجل آخر، فقال: يا ابن رسول اللّه، أ فجادل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: مهما ظننت برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من شي‏ء، فلا تظنّنّ به مخالفة اللّه- تعالى- أليس اللّه قال‏ (1): وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏. و قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (2) لمن ضرب اللّه مثلا. أ فتظنّ أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خالف ما أمره اللّه به، فلم يجادل ما أمره به، و لم يخبر عن أمر اللّه بما أمره أن يخبر به؟

إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ‏: بالإفراط في الاعتداء و الفساد. أو بإثبات الولد، و قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (3): أو بنقض العهد و منع الجزية.

وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ‏: هو من المجادلة بالّتي هي أحسن.

و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (4): لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم، و قولوا: آمنّا باللّه و بكتبه و رسله. فإن قالوا باطلا لم تصدّقوهم، و إن قالوا حقّا لم تكذّبوهم.

وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ (46): مطيعون له خاصّة. و فيه تعريض باتّخاذهم أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر فيه حديثا طويلا. قال فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها: [و فرض اللّه على اللّسان القول و التّعبير عن القلب، بما عقد عليه و أقرّ به.] (6) و قال اللّه- تبارك و تعالى- (7):

____________

(1) النحل/ 125.

(2) يس/ 79.

(3) المائدة/ 64.

(4) أنوار التنزيل 2/ 211.

(5) الكافي 2/ 35، ح 1.

(6) ليس في م.

(7) البقرة/ 83.

154

وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً و قال: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏ و ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏. فهذا ما فرض اللّه على اللّسان. و هو عمله.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك الإنزال.

أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ‏: وحيا مصدّقا لسائر الكتب الإلهيّة. و هو تحقيق لقوله:

فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏: هم عبد اللّه بن سلام و أضرابه. أو من تقدّم عهد الرّسول- (عليه السلام) و آله- من أهل الكتاب.

وَ مِنْ هؤُلاءِ: و من العرب. أو أهل مكّة. أو ممّن في عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من أهل الكتابين.

مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ‏: بالقرآن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-. فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏ فهم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- وَ مِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ‏، يعني:

أهل الإيمان من أهل القبلة.

و في شرح الآيات الباهرة (2): حدّثنا أبو سعيد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن حصين‏ (3) بن مخارق، عن أبي الورد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏ قال: هم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا: مع ظهورها، و قيام الحجّة عليها.

إِلَّا الْكافِرُونَ (47):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، يعني: ما يجحد بأمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- إلّا الكافرون.

و قيل‏ (5): إلّا المتوغّلون في الكفر. فإنّ جزمهم به، يمنعهم عن التّأمّل فيما يفيد لهم صدقها. لكونها معجزة. بالإضافة إلى الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كما أشار إليه بقوله: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‏: فإنّ ظهور هذا

____________

(1) تفسير القمي 2/ 150.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 155.

(3) هكذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ:

«الحسين بن مخارق.» ر. تنقيح 1/ 350، رقم 3141.

(4) تفسير القمي 2/ 151.

(5) أنوار التنزيل 2/ 212.

155

الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشّريفة على أمّيّ لم يعرف بالقراءة و التّعلّم، خارق للعادة.

و ذكر اليمين، زيادة تصوير للمنفيّ. و نفي للتّجوّز في الإسناد.

إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏ (48)، أي: لو كنت ممّن يخطّ و يقرأ، لقالوا: لعلّه تعلّمه، أو التقطه من كتب الأقدمين. و إنّما سمّاهم مبطلين، لكفرهم. أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المتكاثرة.

و قيل‏ (1): لارتاب أهل الكتاب، لوجدانهم نعتك على خلاف ما في كتبهم، فيكون إبطالهم باعتبار الواقع، دون المقدّر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- رضي اللّه عنه- (2): في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏. و هو معطوف على قوله- تعالى- في سورة الفرقان‏ (3): اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا فردّ اللّه عليهم فقال: كيف يدّعون أنّ الّذي تقرأه أو تخبر به تكتبه عن غيرك، و أنت‏ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏.، أي: شكّوا.

و في عيون الأخبار (4)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان و الحقالات في التّوحيد، قال الرّضا- (عليه السلام)- في أثناء المحاورات: كذلك أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما جاء به، و أمر كلّ نبيّ بعثه اللّه. و من آياته، أنّه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا. لم يتعلّم كتابا و لم يختلف إلى معلّم. ثمّ جاء بالقرآن الّذي فيه قصص الأنبياء- (عليهم السلام)- و أخبارهم حرفا حرفا، و أخبار من مضى و من بقي إلى يوم القيامة.

بَلْ هُوَ: بل القرآن.

آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏: يحفظونه. لا يقدر أحد تحريفه.

و في أصول الكافي‏ (5): عن أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ في هذه الآية: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ [فأومى بيده إلى صدره.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 151.

(3) الفرقان/ 5.

(4) عيون أخبار الرّضا- (عليه السلام)- 1/ 136، ح 1.

(5) الكافي 1/ 213، ح 1.

156

عنه‏ (1)، عن محمّد بن عليّ، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدّي، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏] (2) قال: هم الأئمة- (عليهم السلام)-.

و عنه‏ (3)، عن محمّد بن عليّ، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال:

قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- في هذه الآية: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ ثمّ قال: [هم الائمة- (عليهم السلام)-.

محمّد بن عليّ، عن عثمان بن عيسى‏ (4)، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- هذه الآية بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ ثمّ قال:] (5) أما و اللّه يا أبا محمّد ما قال بين دفتي المصحف.

قلت: من هم، جعلت فداك؟ (6) قال: من عسى أن يكون غيرنا؟

محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين‏ (7)، عن بريد (8)، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: هم الأئمّة خاصّة.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (9)، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ قال: هم الأئمّة- (عليهم السلام)- [خاصّة.] (10)

____________

(1) نفس المصدر 1/ 214، ح 2.

(2) ليس في ن.

(3) هذا الحديث مجموع و ملتقط من سند الحديث السابق و متن الحديث الآتي. و ليس في المصدر. فتلاحظ.

(4) نفس المصدر و الموضع. ح 3

(5) من س. و ليس في سائر النسخ.

(6) يوجد في هامش نسخة م:

الظاهر ان من الاستفهام الانكاري فيلتام الأخبار. لكنّ الهمزة أكثر استعمالا في الاستفهام الانكاري. و يحتمل أن يكون موصوليا فاخع- (عليهم السلام)- أمرهم. جعفر.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(8) المصدر: يزيد شعر.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(10) من المصدر.

157

و في بصائر الدّرجات‏ (1): يعقوب بن يزيد و محمّد بن الحسين، عن ابن بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

[قال: إيّانا عنى.] (2) من عسى أن يكونوا؟

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (3)، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن حجر، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه البرقيّ، عن أبي الجهيم، عن أسباط، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: نحن.

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (4)، عن عثمان بن عيسى، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- أنّه قرأ هذه الآية: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ [فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: يا أبا محمّد، ما قال بين دفتي المصحف.

قلت: من هم، جعلت فداك؟

قال: من عسى‏] (5) أن يكونوا غيرنا؟

محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير (6) و الحسن بن عليّ بن فضّال، عن مثنّى بن الحنّاط، عن الحسن الصّيقل قال: قلت لأبي عبد الّله- (عليه السلام)-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: نحن و إيّانا عنى.

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (7)، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أيوب بن حسن، عن حمران قال: سألت أبا عبد الّله- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك‏

____________

(1) بصائر الدرجات/ 204، ح 1.

(2) من المصدر. و في النسخ: «فقال: أنتم هم.

من عسى أن يكونوا» و هي ذيل حديث 2 الذي ذكر بعد الحديث هذا في المصدر. فراجع.

(3) نفس المصدر/ 205، ح 4.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(5) ليس في أ.

(6) نفس المصدر/ 207، ح 16. و فيه: «جعفر بن بشر.» ر. تنقيح المقال 1/ 213، رقم 1765.

(7) نفس المصدر/ 205، ح 6.

158

و تعالى-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ [قلت:] (1) أنتم هم؟

قال: من عسى أن يكونوا؟

محمّد بن الحسين، عن يزيد شعر (2)، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: هم الأئمّة خاصّة وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ فزعم أنّ من عرف الإمام و الآيات ممّن يعقل.

محمّد بن خالد الطّيالسيّ، عن سيف بن عميرة (3)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قلت: أنتم هم؟

قال: من عسى أن يكونوا (4)؟

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (5)، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن محمّد بن يحيى، عن عبد الرّحيم‏ (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ هذا العلم انتهى إليّ في القرآن. ثمّ جمع أصابعه. ثمّ قال: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (7): حدّثنا أحمد بن القاسم الهمدانيّ، عن أحمد بن محمّد السّياريّ، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن عليّ بن أسباط قال: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: نحن هم.

فقال الرّجل: جعلت فداك، متى يقوم القائم- (عليه السلام)

قال: كلّنا قائم بأمر اللّه- عزّ و جلّ- واحد بعد واحد، حتّى يجي‏ء صاحب‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 207، ح 17.

(3) نفس المصدر/ 206، ضمن حديث 13.

(4) المصدر: يكون.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 14.

(6) المصدر: عبد الرحمن.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 155- 156.

159

السّيف. فإذا جاء صاحب السّيف [، جاء] (1) أمر غير هذا.

و قال- أيضا- (2): حدّثنا أحمد بن هوذة الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد العزيز العبديّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: هم الأئمّة من آل محمد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- باقية دائمة في كلّ حين.

وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49): إلّا المتوغّلون في الظّلم. بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتّى لم يعتدّوا بها.

وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ‏: مثل ناقة صالح، و عصا موسى، و مائدة عيسى- (عليهم السلام)-.

و قرأ نافع و ابن عامر و البصريان و حفص: آيات‏ (3).

قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ‏: ينزلها كيف يشاء. لست أملكها، فآتيكم بما تقترحونه.

وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50): ليس من شأني، إلّا الإنذار و إبانته بما أعطيت من الآيات.

أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ‏: آية مغنية عمتا اقترحوه.

أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏: تدوم تلاوته عليهم، متحدّين به.

فلا يزال معهم آية ثابتة لا تضمحلّ، بخلاف سائر الآيات. أو يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏، يعني اليهود.

بتحقيق ما في أيديهم من نعتك و نعت دينك.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: في ذلك الكتاب. الّذي هو آية مستمرّة، و حجّة مبيّنة.

لَرَحْمَةً: لنعمة عظيمة.

وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51): و تذكرة لمن همّه الإيمان دون التّعنّت.

____________

(1) من م و ن.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 212. و لا داعي لهذه القراءة لأنّ كلمة «آيات» موجودة في نفس الآية. أمّا البيضاوي فقد أورد كلمة «آية» بدل «آيات» في الآية القرآنية و لذلك قال: و قرأ نافع (إلى آخره.)

160

و في مجمع البيان‏ (1): إن في ذلك لآية قيل: إنّ قوما من المسلمين كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب. فهدّدهم- سبحانه- في هذه الآية و نهاهم عنه.

و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- (2) جئتكم بها بيضاء نقيّة.

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً: بصدقي. و قد صدّقني بالمعجزات. أو بتبليغي ما أرسلت به إليكم و نصحي، و مقابلتكم إيّاي بالتّكذيب و التّعنّت.

يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: فلا يخفى عليه حالِى و حالكم.

وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ‏: و هو ما يعبدون من دون اللّه.

وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ‏: منكم.

أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52): في صفقتهم. حيث اشتروا الكفر بالإيمان.

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ‏: بقولهم: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ (3).

وَ لَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى‏: لكلّ عذاب. أو قوم.

لَجاءَهُمُ الْعَذابُ‏: عاجلا.

وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً: فجاءة في الدّنيا، كوقعة بدر. أو الآخرة، عند نزول الموت.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (53): بإتيانه.

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ (54): ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب. أو هي كالمحيطة بهم الآن، لإحاطة الكفر و المعاصي الّتي توجبها بهم.

و «اللّام» للعهد. على وضع الظّاهر موضع المضمر، للدّلالة على موجب الإحاطة. أو للجنس. فيكون استدلالا بحكم الجنس على حكمهم.

يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ‏: ظرف «لمحيطة». أو مقدّر، مثل: كان كيت و كيت.

مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏: من جميع جوانبهم.

وَ يَقُولُ‏: اللّه. أو بعض ملائكته بأمره.

و قرأ ابن كثير و ابن عامر و البصريون، بالنّون‏ (4).

ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)، أي: جزاءه.

يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ‏ (56)، أي:

____________

(1) مجمع البيان 4/ 289.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الأنفال/ 32.

(4) أنوار التنزيل 2/ 213.

161

إذا لم يتسهّل لكم العبادة في بلدة و لم يتيسّر لكم إظهار دينكم، فهاجروا إلى حيث يتمشّى لكم ذلك.

و «الفاء» جواب شرط محذوف. إذ المعنى: إنّ أرضي واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فأخلصوها في غيرها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ يقول: لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك. فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم، فإنّ‏ أَرْضِي واسِعَةٌ] (2) و هو يقول‏ (3): فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ‏ فقال: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها.

و في مجمع البيان‏ (4): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: معناه: إذا عصي اللّه في أرض أنت بها، فاخرج منها إلى غيرها.

و في جوامع الجامع‏ (5): و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- من فرّ بدينه من أرض إلى أرض و إن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنّة. و كان رفيق إبراهيم و محمّد- (عليهما السلام)-.

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏: تناله لا محالة.

ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57): للجزاء. و من هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لمّا أنزلت هذه الآية (7) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏. قلت: يا ربّ، أ تموت الخلائق كلّهم و تبقى‏ (8) الأنبياء؟

فنزلت‏ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‏.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 151.

(2) ليس في س.

(3) النساء/ 97.

(4) مجمع البيان 4/ 291.

(5) جوامع الجامع/ 355.

(6) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 31، ح 51.

(7) الزّمر/ 30.

(8) المصدر: يبقى.

162

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن زرارة قال: كرهت أن أسأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الرّجعة، و استخفيت ذلك. قلت: لأسألنّ مسألة لطيفة أبلغ فيها حاجتي. فقلت: أخبرني عمّن قتل، أمات؟

قال: لا. الموت موت، و القتل قتل.

قلت: ما أحد يقتل إلّا و قد مات.

فقال: قول اللّه أصدق من قولك. فرّق بينهما في القرآن، فقال: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ‏. و قال: وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ‏. و ليس كما قلت يا زرارة، الموت موت و القتل قتل.

قلت:] (2) فإنّ اللّه يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏.

قال: من قتل لم يذق الموت. ثمّ قال: لا بدّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت.

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ‏: لننزلنّهم.

مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً: علاليّ.

و قراء حمزة و الكسائي: «لنثوينّهم»، أي: لنقيمنّهم. من الثّواء. فيكون انتصاب «غرفا» لإجرائه مجرى «لننزلنّهم». أو بنزع الخافض. أو تشبيه الظّرف المؤقّت بالمبهم. (3)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- حتّى تسيل على خدّه، بوّأه اللّه بها في الجنّة غرفا يسكنه أحقابا.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58):

و قرئ: «فنعم». و المخصوص بالمدح محذوف، دلّ عليه ما قبله‏ (5).

الَّذِينَ صَبَرُوا: على أذيّة المشركين، و الهجرة للّدين. إلى غير ذلك من المحن و المشاقّ. وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59): و لا يتوكّلون، إلّا على اللّه.

وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا: لا تطيق حمله، لضعفها، أو لا تدّخره، و إنّما

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 202، ضمن حديث 160.

(2) ليس في س.

(3) أنوار التنزيل 2/ 213.

(4) تفسير القمي 2/ 291.

(5) أنوار التنزيل 2/ 213.

163

تصبح و لا معيشة عندها.

اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ‏: ثمّ أنّها مع ضعفها و توكلّها، و إيّاكم مع قوّتكم و اجتهادكم، سواء في أنّه لا يرزقها و إيّاكم إلّا اللّه. لأنّ رزق الكلّ بأسباب، هو المسبّب لها وحده. فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة. فإنه لمّا أمروا بالهجرة قال بعضهم: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيه معيشة؟ فنزلت. (1) وَ هُوَ السَّمِيعُ‏: لقولكم هذا.

الْعَلِيمُ (60) بضميركم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(2): في قوله- عزّ و جلّ-: وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ‏ قال: كانت العرب يقتلون أولادهم مخافة الجوع. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (3): و عن عطاء، عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتّى دخلنا (4) بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التّمر و يأكل.

فقال: يا بن عمر، ما لك لا تأكل؟

فقلت: لا أشتهيه، يا رسول اللّه.

قال: لكنّي أشتهيه. و هذه صبيحة رابعة منذ لم أذق طعاما. و لو شئت لدعوت ربّي، فأعطاني مثل ملك كسرى و قيصر. فكيف بك- يا ابن عمر- إذا بقيت مع قوم يخبّئون‏ (5) رزق سنتهم لضعف اليقين. فو اللّه ما برحنا حتّى نزلت‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏.

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ:

المسئول عنهم أهل مكّة.

لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏: لما تقرّر في العقول، وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود.

فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61): يصرفون عن توحيده، بعد إقرارهم بذلك.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 213- 214.

(2) تفسير القمي 2/ 151.

(3) مجمع البيان 4/ 291.

(4) المصدر: دخل.

(5) هكذا في ن و المصدر. و في م، س، أ:

«يحتازون». و في الأصل: يختارون.

164

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ‏: يحتمل أن يكون الموسّع له و المضيّق عليه واحدا. على أنّ البسط و القبض على التّعاقب. و أن لا يكون على وضع الضّمير موضع «من يشاء» و إبهامه. لأنّ «من يشاء» مبهم.

إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (62): يعلم مصالحهم و مفاسدهم.

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏: معترفين بأنّه الموجد للممكنات بأسرها، أصولها و فروعها. ثمّ أنّهم يشركون به بعض مخلوقاته، الّذي لا يقدر على شي‏ء من ذلك.

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏: على ما عصمك من مثل هذه الضّلالة. أو على تصديقك و إظهار حجّتك.

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ (63): فيتناقضون. حيث يقرّون بأنّه المبدئ لكلّ ما عداه، ثمّ أنّهم يشركون به الصّنم.

و قيل‏ (1): لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم‏ (2).

وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا: إشارة تحقير. و كيف لا، و هي لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة.

إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ‏: إلّا كما يلهى و يلعب به الصّبيان، و يجتمعون عليه، و يبتهجون به ساعة. ثمّ يتفرّقون متعبين.

وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ‏: لهي دار الحياة الحقيقيّة، لامتناع طريان الموت عليها. أو هي في ذاتها حياة، للمبالغة.

و «الحيوان» مصدر حيي. سمّي به ذو الحياة. و أصله: حييان، فقبلت الياء الثّانية واوا. و هو أبلغ من الحياة، لما في بناء «الفعلان» من الحركة و الاضطراب اللّازم للحياة.

و لذلك اختير عليها هاهنا.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ (64): لم يؤثروا عليها الدّنيا، الّتي أصلها عدم الحياة.

و الحياة فيها عارضة سريعة الزّوال.

فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ‏: متّصل بما دلّ عليه شرح حالهم، أي: هم على ما وصفوا به من الشّرك. فإذا ركبوا البحر دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏: كائنين في‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 214.

(2) المصدر: مقالتهم.

165

صورة من أخلص دينه من المؤمنين. حيث لا يذكرون إلّا اللَّه، و لا يدعون سواه. لعلمهم بأنّه لا يكشف الشّدائد، إلّا هو.

فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ‏ (65): فاجئوا المعاودة إلى الشّرك.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ‏:

«اللّام» فيه، لام كي، أي: يشركون، ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النّجاة.

وَ لِيَتَمَتَّعُوا: باجتماعهم على عبادة الأصنام و توادّهم عليها. أو «لام» الأمر على التّهديد. و يؤيّده قراءة ابن كثير و حمزة و الكسائيّ و قالون عن نافع: «و ليتمتّعوا» بالسّكون‏ (1).

فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏ (66): عاقبة ذلك حين يعاقبون.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا، يعني: أهل مكّة.

أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، أي: جعلنا بلدهم مصونا عن النّهب و التّعدّي، آمنا أهله عن القتل و السّبي.

وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ‏: يختلسون قتلا و سبيا. إذ كانت العرب حوله في تغاور و تناهب.

أَ فَبِالْباطِلِ‏: أ فبعد هذه النّعمة المكشوفة و غيرها من لا يقدر عليه إلّا اللَّه؟

يُؤْمِنُونَ‏: بالصّنم. أو الشّيطان.

وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ‏ (67): حيث أشركوا به غيره. و تقديم الصّلتين، للاهتمام. أو الاختصاص، على طريق المبالغة.

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً: بأن زعم له شريكا.

أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ‏، يعني: الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو الكتاب.

و في «لمّا» تسفيه لهم. بأن لم يتوقّفوا و لم يتأمّلوا قطّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التّكذيب أوّل ما سمعوه.

أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ‏ (68): تقدير لثوائهم. كقوله:

ألستم خير من ركب المطايا (2).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر 2/ 215.

166

أي: ألا يستوجبون الثّواء فيها، و قد افتروا مثل هذا الكذب على اللَّه و كذّبوا بالحقّ مثل هذا التّكذيب؟ أو لاجترائهم، أي: ألم يعلموا أنّ‏ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ‏، حتّى اجترءوا هذه الجرأة.

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا، أي: في حقّنا. و إطلاق المجاهدة، لتعمّ جهاد الأعادي الظّاهرة و الباطنة بأنواعه.

لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا: سبل السّير إلينا، و الوصول إلى جنابنا. أو لنزيدنّهم هداية إلى سبيل الخير، توفيقا لسلوكها. كقوله‏ (1): وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً‏.

و في الحديث‏ (2): من عمل بما علم، ورثه اللَّه علم ما لم يعلم.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏ (69): بالنّصر و الإعانة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ‏، أي: صبروا و جاهدوا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لَنَهْدِيَنَّهُمْ‏، أي:

لنثبّتنّهم. وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: هذه الآية لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- و لأشياعهم.

و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها، فتضلّوا في دينكم. أنا المحسن، بقول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (6): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن عمرو بن محمّد بن زكيّ، عن محمّد بن الفضيل، عن محمّد بن شعيب، عن قيس بن الرّبيع، عن منذر الثّوريّ، عن محمّد بن الحنفيّة، عن أبيه عليّ- (عليه السلام)- قال: يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. فأنا ذلك المحسن.

____________

(1) محمّد/ 17.

(2) أنوار التنزيل 2/ 215، بحار الأنوار 2/ 30، ح 14، بتفاوت يسير.

(3) تفسير القمي 2/ 151.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) معاني الأخبار/ 59، ضمن حديث 9.

(6) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

167

و قال- أيضا-: حدّثنا محمد بن الحسين الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن الحسن بن حمّاد، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. قال: نزلت فينا.

و قال- أيضا (1)-: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن حصين بن مخارق، عن مسلم الحذّاء، عن زيد بن عليّ- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. قال: نحن هم.

قلت: و إن لم تكونوا و إلّا فمن؟ [قال: نعم.] (2)

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من ن.

169

تفسير سورة الرّوم‏

171

سورة الرّوم مكّيّة، إلّا قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ‏. و هي ستّون، أو تسع و خمسون آيه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قراء سورة العنكبوت و الرّوم في شهر رمضان ليلة ثلاث و عشرين، فهو- و اللَّه يا أبا محمّد- من أهل الجنّة. لا أستثني فيه أبدا. و لا أخاف أن يكتب اللَّه عليّ ما في يميني إثما. و إنّ لهاتين السّورتين من اللَّه مكانا.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: و من قرأها، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ ملك سبّح للَّه ما بين السّماء و الأرض.

و أدرك ما ضيّع في يومه و ليلته.

الم‏ (1): مرّ تفسيره.

غُلِبَتِ الرُّومُ‏ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏:

قيل‏ (3): أَدْنَى الْأَرْضِ‏ من أرض العرب.

و قيل‏ (4): في أدنى الأرض، من أرض الشّام إلى أرض فارس. يريد الجزيرة. و هي أقرب أرض الرّوم إلى أرض فارس.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(2) مجمع البيان 4/ 294.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

172

و قيل‏ (1): يريد أذرعات و كسكر.

و في شرح الآيات الباهرة (2): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن الحسن بن القاسم قراءة عن عليّ بن إبراهيم المعلّى، عن فضيل بن إسحاق، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم‏ (3)، عن عباية، عن عليّ- (صلوات اللّه عليه)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏. هي فينا و في بني أميّة.

وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ‏: من إضافة المصدر إلى المفعول.

و قرئ «غلبهم» و هو لغة. كالجلب. (4) سَيَغْلِبُونَ‏ (3):

و قرئ: «غلبت» بالفتح. و «سيغلبون» بالضّمّ. (5) و معناه: أنّ الرّوم غلبوا على ريف الشّام، و المسلمون سيغلبونهم. و في السّنة التّاسعة من نزوله، غزاهم المسلمون و فتحوا بعض بلادهم. و على هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل.

و في كتاب الاستغاثة، (6) للشّيخ ميثم: و لقد روينا من طريق علماء أهل البيت- (عليهم السلام)- في أسرارهم و علومهم الّتي خرجت منهم إلى علماء شيعتهم: أنّ قوما ينسبون إلى قريش. و ليسوا من قريش بحقيقة النّسب- و هذا ممّا لا يجوز أن يعرفه إلّا معدن النّبوّة و ورثة علم الرّسالة- و ذلك مثل بني أميّة. ذكروا: أنّهم‏ (7) ليسوا من قريش.

و أنّ أصلهم من الرّوم. و فيهم تأويل هذه الآية الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ‏. معناه: أنّهم غلبوا على الملك. و سيغلبهم على ذلك بني العبّاس.

فِي بِضْعِ سِنِينَ‏:

في مجمع البيان‏ (8): قال: كان المشركون [يجادلون المسلمون، و هم بمكّة. يقولون: إنّ الرّوم أهل الكتاب، و قد غلبهم الفرس. و أنتم تزعمون أنّكم ستغلبون‏] (9) بالكتاب الّذي نزل‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

(3) المصدر: «عمر بن الميثم.» ر. تنقيح المقال 2/ 352، رقم 9123.

(4) أنوار التنزيل 2/ 215. و فيه: «كالحلب» و في مجمع البيان، 4/ 294: قال الزجاج: الغلب و الغلبة مصدر غلبت، مثل: الجلب و الجلبة.

(5) نفس المصدر 2/ 216.

(6) تفسير نور الثقلين 4/ 169، ح 3، نقلا عنه.

(7) هنا زيادة في النسخ و هي: من قريش و.

(8) مجمع البيان 4/ 295. و فيه: عن الزهريّ قال.

(9) ليس في أ.

173

على نبيّكم فسنغلبكم كما غلب قوم فارس من الرّوم. فأنزل اللَّه- تعالى- الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏. إلى قوله: فِي بِضْعِ سِنِينَ‏.

قال: فأخبرني عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أنّ أبا بكر ناصب بعض المشركين قبل أن يحرّم القمار على شي‏ء إن لم تغلب فارس في سبع سنين.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لم فعلت؟ فكلّ ما دون العشر بضع. فكان ظهور فارس على الرّوم في تسع سنين. ثمّ أظهر اللَّه الرّوم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب.

و روى أبو عبد اللَّه الحافظ (1) بالإسناد: عن ابن عبّاس في قوله: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏. قال: قد مضى. و كان ذلك في أهل فارس و الرّوم. و كانت فارس قد غلبت عليهم، ثمّ غلبت الرّوم بعد ذلك. و لقي نبيّ اللَّه مشركي العرب، و التقت الرّوم و فارس. فنصر اللَّه النّبيّ و من معه على مشركي العرب، و نصر أهل الكتاب على مشركي العجم ففرح المسلمون بنصر اللَّه إيّاهم، و نصر أهل الكتاب على العجم.

قال: عطيّة: و سألت أبا سعيد الخدريّ عن ذلك.

فقال: التقينا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و مشركو العرب، و التقت الرّوم و فارس فنصرنا اللَّه على مشركي العرب، و نصر أهل الكتاب على المجوس. ففرحنا بنصر اللَّه إيّانا على مشركي العرب، و نصر أهل الكتاب على المجوس. فذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ‏.

و قيل‏ (2): لما غلب فارس على الرّوم و بلغ الخبر مكّة، فرح المشركون و شمتوا بالمسلمين. و قالوا: أنتم و النّصارى أهل كتاب. و نحن و فارس أمّيّون. و قد ظهر إخواننا على إخوانكم. و لنظهرنّ عليكم فنزلت.

فقال لهم أبو بكر: لا يقرّنّ اللَّه أعينكم. فو اللَّه ليظهرنّ الرّوم على فارس بعد بضع سنين فقال له أبّي بن خلف: كذبت اجعل بيننا و بينك أجلا أناحبك عليه. فناحبه على عشر قلائص من كلّ واحد منهما. و جعلا الأجل ثلاث سنين. فأخبر أبو بكر رسول‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 216، بتصرف في أوّل المنقول هنا.

174

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال: البضع: ما بين الثّلاث إلى التّسع. فزايده في الخطر و مادة في الأجل، فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين. و مات أبيّ بن خلف من جرح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعد قفوله من أحد. و ظهرت الرّوم على فارس يوم الحديبية. فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبيّ، و جاء به إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال: تصدّق به.

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ: من قبل كونهم غالبين، و من بعد كونهم غالبين.

و هو وقت كونهم غالبين، أي: له الأمر حين غلبوا و حين يغلبون. ليس شي‏ء منهما إلّا بقضائه.

و قرئ: «من قبل و من بعد» من غير تقدير مضاف إليه. كأنّه قيل: قبلا و بعدا، أي: أوّلا و آخرا. (1)

و في الخرائج و الجرائح، (2) في أعلام الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- و منها ما قال أبوه: سأل محمّد بن صالح أبا محمّد- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى- لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ.

فقال: له الأمر من قبل أن يأمر به. و له الأمر من بعد أن يأمر به بما يشاء.

وَ يَوْمَئِذٍ: و يوم يغلب الرّوم.

يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ‏ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ‏ قيل‏ (3): من له كتاب على من لا كتاب له. لما فيه من انقلاب التّفاؤل، و ظهور صدقهم فيما أخبروا به المشركين، و غلبتهم في رهانهم، و ازدياد يقينهم، و ثباتهم في دينهم.

و قيل‏ (4): بنصر اللَّه المؤمنين، بإظهار صدقهم. أو بأن ولي بعض أعدائهم بعضا حتّى تفانوا.

يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ: فينصر هؤلاء تارة و هؤلاء أخرى.

و في روضة الكافي‏ (5): ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الم غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير نور الثقلين 4/ 170، ح 5، نقلا عنه.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 8/ 269، ح 397.

175

قال: فقال: يا أبا عبيدة إنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلّا اللَّه و الرّاسخون في العلم من آل محمّد- (عليهم السلام)- إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا هاجر إلى المدينة و أظهر الإسلام، كتب إلى ملك الرّوم كتابا و بعث به مع رسول يدعوه إلى الإسلام. و كتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الإسلام، و بعثه إليه مع رسوله. فأمّا ملك الرّوم، فعظّم كتاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أكرم رسوله. و أمّا ملك فارس، فإنّه استخفّ بكتاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و مزّقه و استخفّ برسوله.

و كان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الرّوم. و كان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الرّوم ملك فارس. و كانوا لناحيته أرجى منهم لملك فارس. فلمّا غلب ملك فارس ملك الرّوم، كره ذلك المسلمون فاغتمّوا به. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- بذلك كتابا قرآنا: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏، يعني: غلبتها فارس في أدنى الأرض. و هي الشّامات و ما حولها. وَ هُمْ‏، يعني: و فارس‏ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ‏ الرّوم‏ سَيَغْلِبُونَ‏، يعني: يغلبهم المسلمون. [فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فلما غزا المسلمون‏] (1) فارس و افتتحوها فرح المسلمون بنصر اللَّه- عزّ و جلّ-.

قال: قلت: أليس اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ و قد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و في إمارة أبي بكر، و إنّما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر؟

فقال: ألم أقل لك: إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا؟ و القرآن- يا أبا عبيدة- ناسخ و منسوخ. أما تسمع لقول اللَّه- عزّ و جلّ-: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ، يعني: إليه المشيئة في القول. أن يؤخّر ما قدّم، و يقدّم ما أخّر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النّصر فيه على المؤمنين. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‏، أي: يوم يحتم القضاء بالنّصر.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس حدّثنا الحسن بن محمّد بن جمهور القمّيّ، عن أبيه، عن جعفر بن بشير، عن الوشّاء، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏ قال: هم بنو أميّة. و إنّما أنزلها اللَّه- عزّ و جلّ- الم* غلبت الروم بنو أمية* في أدنى‏

____________

(1) ليس في أ.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

176

الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون* في بضع سنين لله الأمر من قبل و من بعد و يومئذ يفرح المؤمنين* بنصر الله عند قيام القائم- (عليه السلام)-.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (5): ينتقم من عباده بالنّصر عليهم تارة، و يتفضّل عليهم بنصرهم أخرى.

وَعْدَ اللَّهِ‏: مصدر مؤكد لنفسه. لأنّ ما قبله في معنى الوعد.

لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ‏: لامتناع الكذب عليه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (6): وعده، و لا صحّة وعده. لجهلهم، و عدم تفكّرهم.

يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا: ما يشاهدونه منها و التّمتّع بزخارفها.

و في مجمع البيان‏ (1): و سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا.

فقال: الزّجر و النّجوم.

وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ: التّي هي غايتها و المقصود منها هُمْ غافِلُونَ‏ (7): لا تخطر ببالهم.

و «هم» الثّانية تكرير للأولى. أو مبتدأ و «غافلون» خبره. و الجملة خبر الأولى.

و هو على الوجهين مناد على تمكّن غفلتهم عن الآخرة، المحقّقة لمقتضى الجملة المتقدّمة المبدلة من قوله: «لا يعلمون»: تقريرا لجهالتهم، و تشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدّنيا ببعض ظاهرها. فإنّ من العلم بظاهرها، معرفة حقائقها و صفاتها و خصائصها و أفعالها و أسبابها و كيفيّة التّصرّف فيها. فلذلك قال: «ظاهرا» و أمّا باطنها، فإنّها مجاز إلى الآخرة و وصلة إلى نيلها و أنموذج لأحوالها. و إشعارا بأنّه لا فرق بين عدم العلم و العلم الّذي يختصّ بظاهر الدّنيا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني:

ما يرونه حاضرا. وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏ قال: يرون حاضر الدّنيا و يتغافلون عن الآخرة.

أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ‏: أ و لم يحدّثوا التّفكّر فيها. أو أو لم يتفكّروا في أمر

____________

(1) مجمع البيان 4/ 295.

(2) تفسير القمي 2/ 153.

177

أنفسهم، فإنّها أقرب إليهم من غيرها و مرآة يجتلي فيها للمستبصر ما يجتلي له في الممكنات بأسرها. ليتحقّق له قدرة مبدعها على إعادتها من قدرته على إبدائها.

ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ‏: متعلّق بقول. أو علم محذوف، يدلّ عليه الكلام.

وَ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: تنتهي عنده. و لا تبقي بعده.

وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ‏: بلقاء جزائه. عند انقضاء قيام الأجل المسمّى، أو قيام السّاعة.

لَكافِرُونَ‏ (8): جاحدون. يحسبون أنّ الدّنيا أبديّة، و الآخرة لا تكون.

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏:

تقرير لسيرهم في أقطار الأرض، و نظرهم إلى آثار المدمّرين قبلهم.

و في كتاب الخصال‏ (1): سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-:

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏.

فقال: معناه: أ و لم ينظروا في القرآن.

كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً: كعاد و ثمود.

وَ أَثارُوا الْأَرْضَ‏: قلبوا وجهها. لاستنباط المياه، و استخراج المعادن و زرع البذور و غيرها.

وَ عَمَرُوها: و عمروا الأرض.

أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها: من عمارة أهل مكّة إيّاها. فإنّهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسّط لهم في غيرها. و فيه تهكّم بهم، من حيث أنّهم مغترّون بالدّنيا مفتخرون بها و هم أضعف حالا فيها. إذ مدار أمرها على التّبسّط في البلاد و التّسلّط على العباد و التّصرّف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، و هم ضعفاء ملجئون الى دار لا نفع بها.

وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالمعجزات. أو الآيات الواضحات.

فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ‏: ليفعل بهم ما يفعل الظّلمه. فيدمرهم من غير جرم و لا تذكير.

وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (9): حيث عملوا ما أدّى إلى تدميرهم.

____________

(1) الخصال 2/ 396، ذيل حديث 102.

178

ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏، أي: ثمّ كان عاقبتهم العاقبة السّوأى. أو الخصلة السّوأى. فوضع الظّاهر موضع الضّمير، للدّلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم و أنّهم جاؤوا بمثل أفعالهم.

«و السّوأى» تأنيث الأسوأ. كالحسنى. أو مصدر. كالبشرى. نعت بها.

أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (10): علّة. أو بدل. أو عطف بيان «للسّوأى». أو خبر «كان».

و «السّوأى» مصدر «أساؤوا». أو مفعوله، بمعنى: ثمّ كان عاقبة الّذين اقترفوا الخطيئة، أن طبع اللَّه على قلوبهم حتّى كذّبوا الآيات و استهزؤوا بها.

و يجوز أن تكون «السّوأى» صلة الفعل. «و أن كذّبوا» تابعها. و الخبر محذوف للإبهام و التهويل. و أن تكون «أن» مفسّرة. لأنّ الإساءة إذا كانت مفسّرة بالتّكذيب و الاستهزاء، كانت متضمّنة معنى القول.

و قرأ ابن عامر و الكوفيّون: «عاقبة» بالنّصب. على أنّ الاسم «السّوأى» و «أن كذّبوا» على الوجوه المذكورة (1).

اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ‏: ينشئهم.

ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: يبعثهم.

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (11): للجزاء و العدول إلى الخطاب، للمبالغة في المقصود.

و قرأ أبو عمرو و أبو بكر و روح، بالياء على الأصل‏ (2).

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ‏ (12): يسكتون، متحيّرين آيسين.

يقال: ناظره فأبلس: إذا سكت و أيس من أن يحتجّ. و منه النّاقة المبلاس: الّتي لا ترغو.

و قرئ، بفتح اللّام. من أبلسه: إذا أسكته‏ (3).

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ‏: ممّن أشركوهم باللَّه.

شُفَعاءُ: يجيرونهم من عذاب اللَّه. و مجيئه بلفظ الماضي، لتحقّقه.

وَ كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ‏ (13): يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 217 و في المصاحف الموجودة و المطبوعة الآن، أيضا، بالنصب. و أمّا في تفسير الصافي 4/ 128، رفعها. فتلاحظ.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 217- 218.

179

و قيل‏ (1): كانوا في الدّنيا كافرين بسببهم. و كتب في المصحف «شفعواء» و «علمؤا» بني إسرائيل بالواو. و كذا «السّوأى» بالألف. إثباتا للهمزة على صورة الحرف الّذي منه حركتها.

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏ (14): أي: المؤمنون و الكافرون.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: تقوم السّاعة يوم الجمعة، بين صلاة الظّهر و العصر.

و عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(3)- قال: السّبت لنا و الأحد لشيعتنا- إلى أن قال- (عليه السلام)-: و تقوم القيامة يوم الجمعة (4).

عن أبي لبابة بن عبد المنذر (5) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ يوم الجمعة سيّد الأيّام- إلى قوله-: و ما من ملك مقرّب و لا سماء و لا أرض و لا رياح و لا جبال و لا برّ و لا بحر، إلّا و هنّ يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه السّاعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏. قال: إلى الجنّة و النّار.

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ: أرض ذات أزهار و أنهار.

يُحْبَرُونَ‏ (15): يسرّون سرورا تهلّلت له وجوههم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (7): فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ‏. أي: يكرمون.

و في مجمع البيان‏ (8): فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ‏. قيل: يلذّذون بالسّماع.

____________

(1) نفس الموضع 2/ 218.

(2) الخصال.

(3) نفس المصدر 2/ 394، ح 101.

(4) يوجد في هامش نسخة م:

و الاثنين لأعداءنا و الثلاثاء لبني أميّة و الأربعاء يوم شرب الدواء الخميس تقضى فيه الحوائج و الجمعة للتنظيف و التطيّب. و هو عيد المسلمين. و هو أفضل من الفطر. و يوم غدير خمّ أفضل الأعياد. و هو الثامن عشر من ذي الحجة. و يخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة. و تقوم القيامة يوم الجمعة.

الخصال.

(5) نفس المصدر، 2/ 315، ح 97.

(6) تفسير القمي 2/ 153.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) مجمع البيان 4/ 298.

180

عن يحيى بن أبي كثير الأوزاعيّ‏ (1): أخبرنا أبو الحسن عبد اللَّه بن محمّد بن أحمد البيهقيّ قال: أخبرنا جدّى الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزّاهد قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن بندار قال: أخبرنا جعفر بن محمّد بن الحسن القربانيّ قال: حدّثنا سليمان بن عبد الرّحمن الدّمشقيّ قال: حدّثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة الباهليّ أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: ما من عبد يدخل الجنّة، إلّا و يجلس عند رأسه و عند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس و الجنّ. و ليس بمزمار الشّيطان، و لكن بتحميد اللَّه و تقديسه.

و عن أبي الدّرداء (2) قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يذكر النّاس. فذكر الجنّة و ما فيها من الأزواج و النّعيم، و في القوم أعرابيّ. فجثا لركبته، و قال: يا رسول اللَّه، هل في الجنّة من سماع؟

قال: نعم، يا أعرابيّ. إنّ في الجنّة نهرا حافّتاه الأبكار من كلّ بيضاء يتغنّين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قطّ. فذلك أفضل نعيم الجنّة.

قال الرّاوي: سألت أبا الدّرداء بم يتغنّين؟

قال: بالتّسبيح.

وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ‏ (16): مدخلون لا يغيبون عنه.

فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ‏ (17) وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ‏ (18): إخبار في معنى الأمر، بتنزيه اللَّه- تعالى- و الثّناء عليه في هذه الأوقات الّتي تظهر فيها قدرته و تتجدّد فيها نعمته. أو دلالة على ما يحدث فيها من الشّواهد النّاطقة، و تنزيهه، و استحقاقه الحمد ممّن له تمييز من أهل السّموات و الأرض.

و تخصيص التّسبيح بالمساء و الصّباح، لأنّ آثار القدرة و العظمة فيها أظهر.

و تخصيص الحمد بالعشيّ، الّذي هو آخر النّهار من عشى العين: إذا نقص نورها.

و الظّهيرة الّتي هي وسطه، تجدّد النّعم فيها أكثر.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

185

الملاقية لهما في التّخليق، يختلفان في شي‏ء من ذلك لا محال.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏ (22): لا تكاد تخفى على عاقل، من ملك و إنس و قرأ حفص، بكسر اللّام. و يؤيّده قوله‏ (1): وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏. (2)

و في أصول الكافي‏ (3): أحمد بن إدريس و محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عيسى‏ (4) بن هشام، عن عبد اللَّه بن سليمان‏ (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الإمام إذا بصر إلى الرّجل عرفه، و عرف لونه. و إن سمع كلامه من خلق حائط، عرفه و عرف ما هو. إنّ اللَّه يقول: وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏. و هم العلماء. فليس يسمع شيئا من الأمر ينطق به، إلّا عرفه أنّه ناج أو هالك. فلذلك يجيبهم بالّذي يجيبهم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- (6) قال: كفى لأولي الألباب بخلق الرّبّ المسخّر و ملك الرّبّ القاهر- إلى قوله-: و ما أنطق به ألسن العباد، و ما أرسل به الرّسل، و ما أنزل على العباد دليلا على الرّبّ.

و في توحيد المفضّل بن عمر (7) المنقول عن أبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)- في الرّدّ على الدّهريّة: تأمّل- يا مفضّل- ما أنعم اللَّه تقدّست أسماؤه به على الإنسان من هذا النّطق. الّذي يعبّر به عمّا في ضميره، و ما يخطر بقلبه، و نتيجة فكره. به يفهم غيره ما في نفسه. و لو لا ذلك، كان بمنزلة البهائم المهملة الّتي لا تخبر عن نفسها بشي‏ء و لا تفهم عن مخبر شيئا.

و كذلك الكتابة، الّتي بها تفيد أخبار الماضين للباقين و أخبار الباقين للآتين. و بها تجلّد (8) الكتب في العلوم و الآداب و غيرها. و بها يحفظ الإنسان ذكرى ما يجري بينه و بين غيره من المعاملات و الحساب. و لولاها لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض و أخبار الغائبين عن أوطانهم، و درست العلوم، و ضاعت الآداب، و عظم ما يدخل على النّاس من‏

____________

(1) العنكبوت/ 43.

(2) أنوار التنزيل 2/ 219.

(3) الكافي 1/ 438- 439، ضمن حديث 3.

(4) م: عميس.

س، أ: قيس. ر. تنقيح المقال 2/ 243، رقم 7713.

(5) س و أ و م و ن: أبي عبد اللَّه بن سليمان.

(6) نفس المصدر 1/ 81، ح 6.

(7) بحار الأنوار 3/ 81- 82.

(8) المصدر: تخلد.

184

وهب قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: انصرف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من سريّة، قد كان أصيب فيها ناس كثير من المسلمين. فاستقبلته النّساء. يسألنه عن قتلاهنّ. فدنت منه امرأة، فقالت: يا رسول اللَّه، ما فعل فلان؟

فقال و ما هو منك؟

قالت: أبي.

قال: احمدي اللَّه و استرجعي، فقد استشهد.

ففعلت ذلك. ثمّ قالت: يا رسول اللَّه، ما فعل فلان؟

فقال: و ما هو منك؟

قالت: زوجي.

قال: احمدي اللَّه و استرجعي، فقد استشهد.

فقالت: وا ويلي.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ما كنت أظنّ أنّ المرأة تجد بزوجها هذا كلّه، حتّى رأيت هذه المرأة.

أحمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد (1) قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول:

قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لابنة جحش: قتل خالك حمزة. قال:

فاسترجعت و قالت: أحتسبه عند اللَّه. ثمّ قال لها: قتل أخوك. فاسترجعت و قالت:

أحتسبه عند اللَّه. ثمّ قال لها: قتل زوجك. فوضعت يدها على رأسها و صرخت.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ما يعدل الزّوج عند المرأة شي‏ء.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (21): فيعلمون ما في ذلك من الحكم.

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ‏: لغاتكم. بأن علّم كلّ صنف لغة. أو ألهمه وضعها، و أقدره عليها. أو أجناس نطقكم و أشكاله. فإنّه لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفيّة.

وَ أَلْوانِكُمْ‏: بياض الجلد و سواده. أو تخطيطات الأعضاء و هيئاتها و ألوانها و حلاها. بحيث وقع التّمايز و التّعارف. حتّى أنّ التّوأمين مع توافق موادّهما و أسبابهما و الأمور

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

187

أنّه إنّما دار بينهم.

أحمد بن محمّد، عن أبي القاسم و عبد اللَّه بن عمران‏ (1)، عن محمّد بن بشير، عن رجل، عن عمّار السّاباطيّ قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا عمّار «أبو مسلم فظلله فكسا فكسحه فسطورا» قلت: جعلت فداك، ما رأيت نبطيّا أفصح منك.

فقال: يا عمّار، و بكلّ لسان.

و روى: يعقوب بن يزيد (2)، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- يرفع الحديث إلى الحسن بن عليّ- (صلوات اللّه عليهما و على آبائهما) - أنّه قال: إنّ للَّه مدينتين. إحداهما بالمشرق، و الأخرى بالمغرب. عليهما سور من حديد. و على كلّ مدينة ألف ألف مصراع من ذهب. و فيها سبعون ألف ألف لغة يتكلّم كلّ لغة بخلاف صاحبه. و أنا أعرف جميع اللّغات. و ما فيها، و ما بينهما، فما عليهما حجّة غيري و الحسين أخي.

و في كتاب علل الشّرائع، (3) بإسناده إلى عبد اللَّه بن يزيد بن سلام‏ أنّه سأل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: فأخبرني عن آدم، لم سمّي آدم؟

قال: لأنّه من طين الأرض و أديمها.

قال: فآدم خلق من الطّين كله أو من طين واحد؟

قال: بل من الطّين كلّه. و لو خلق من طين واحد لما عرف النّاس بعضهم بعضا، و كانوا على صورة واحدة.

قال: فلهم في الدّنيا مثل؟

قال: التّراب. فيه أبيض، و فيه أخضر، و فيه أشقر، و فيه أغبر، و فيه أحمر، و فيه أزرق، و فيه عذب، و فيه ملح، و فيه خشن، و فيه ليّن، و فيه أصهب. فلذلك صار النّاس فيهم لين، و فيهم خشن، و فيهم احمر و ابيض، و فيهم أصغر و أصهب و أسود على ألوان التراب.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(2) نفس المصدر/ 339، ذيل حديث 4.

(3) علل الشرائع/ 471، ح 33.

181

و يجوز أن يكون «عشيّا» معطوفا على «حين تمسون» و قوله: وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ اعتراضا.

و عن ابن عبّاس- رضي اللَّه عنه‏ (1)- أنّ الآية جامعة للصّلوات [الخمس «] (2) تمسون» صلاتا المغرب و العشاء. و «تصبحون» صلاة الفجر. «و عشيّا» صلاة العصر و «تظهرون» صلاة الظّهر. و لذلك زعم الحسن أنّها مدنيّة. لأنّه كان يقول: كان الواجب بمكّة ركعتين في أي وقت اتّفقت، و إنّما فرضت الخمس بالمدينة. و الأكثر على أنّها فرضت بمكّة. و قرئ: «و حينا تمسون و حينا تصبحون»، أي: تمسون فيه و تصبحون فيه‏ (3).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و روي عن الحسن بن عليّ أبي طالب- (عليهما السلام)- أنه قال: جاء نفر من اليهود إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فسأله أعلمهم عن مسائل. فكان فيما سأله: أخبرني عن اللَّه- عزّ و جلّ- لأىّ شي‏ء فرض هذه الخمس الصّلوات في خمس مواقيت على أمّتك في ساعات اللّيل و النّهار؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ الشّمس عند الزّوال لها حلقة تدخل فيها إلى أن قال- (عليه السلام)- و أمّا صلاة المغرب، فهي السّاعة الّتي تاب اللَّه- عزّ و جلّ- فيها على آدم- (عليه السلام)- و كان ما بين ما أكل من الشّجرة و بين ما تاب اللَّه- عزّ و جلّ- عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا. و في أيّام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء.

فصلّى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئته و ركعة لخطيئة حوّاء و ركعة لتوبته. ففرض اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الثّلاث ركعات على أمّتي. و هي الساعة الّتي يستجاب فيها الدّعاء.

فوعدني ربّي- عزّ و جلّ- أن يستجيب من دعاه فيها. و هي الصّلاة الّتي أمرني ربّي بها في قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: من قال حين يمسي ثلاث مرّات: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ* وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ‏. لم يفته خير يكون في تلك اللّيلة (6) و صرف عنه جميع شرّها.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 218.

(2) من م و ن.

(3) أنوار التنزيل 2/ 218.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 137، ح 1.

(5) ثواب الأعمال/ 199، ح 1.

(6) ن: في ذلك اليوم.

183

محمّد- (عليه السلام)- فقال: بيتي اللّيل عندنا. فإنّه سيلد المولود الكريم على اللَّه- عزّ و جلّ- الّذي يحي اللَّه الأرض بعد موتها.

فقلت: ممّن يا سيّدي. و لست أرى بنرجس شيئا من أثر الحبل؟

فقال: من نرجس، لا من غيرها.

قالت: فوثبت إليها، فقلّبتها ظهرا البطن. فلم أر بها أثر الحبل. فعدت إليه- (عليه السلام)- فأخبرته بما فعلت.

فتبسّم ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل. كان‏ (1) مثلها مثل أمّ موسى، لم يظهر بها الحبل، و لم يعلم بها أحد الى وقت ولادتها. لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى- (عليه السلام)- و هذا نظير موسى- (عليه السلام)

- و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ‏، أي: في أصل الإنشاء. لأنّه خلق أصلهم منه.

ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ‏ (20): ثمّ فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً: لأنّ النّساء خلقن من نطف الرّجال. أو لأنّهنّ من جنسهم، لا من جنس آخر.

لِتَسْكُنُوا إِلَيْها: لتميلوا إليها و تألفوا بها. فإنّ الجنسيّة علّة للضّمّ، و الاختلاف سبب للتّنافر.

وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ‏، أي: بين الرّجال و النّساء. أو بين أفراد الجنس.

مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً: بواسطة الزّواج، حال الشّبق و غيرها- بخلاف سائر الحيوانات- نظما لأمر المعاش. أو بأنّ تعيّش الإنسان متوقّف على التّعارف و التّعاون، المحوج إلى التّوادّ و التّراحم.

و قيل‏ (2): المودة: كناية عن الجماع. و «الرّحمة» عن الولد. كقوله‏ (3): رحمة منا.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن‏

____________

(1) ص و أ: لأنّ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 219.

(3) ص/ 43.

(4) الكافي 5/ 506، ح 1.

186

الخلل في أمورهم و معاملاتهم، و ما يحتاجون إلى النّظر فيه من أمر دينهم، و ما روى لهم ممّا لا يسعهم جهله. و لعلّك تظنّ أنّها ممّا يخلص إليه بالحيلة و الفطنة، و ليس ممّا أعطيه الإنسان من خلقه و طباعه.

و كذلك الكلام. إنّما هو شي‏ء يصطلح عليه النّاس، فيجري بينهم. و لهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة. و كذلك بالكتابة، ككتابة العربيّ و السّريانيّ و العبرانيّ و الرّوميّ و غيرها من سائر الكتابة الّتي هي متفرّقة في الأمم إنّما اصطلحوا عليها، كما اصطلحوا على الكلام. فيقال لمن ادّعى ذلك: إنّ الإنسان و إن كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة، فانّ الشي‏ء الّذي يبلغ به ذلك الفعل و الحيل عطيّة و هبة من اللَّه- عزّ و جلّ- له في خلقه. فإنّه لو لم يكن له لسان مهيّا للكلام و ذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلّم أبدا. و [و لو لم يكن له كفّ مهيّأة و أصابع لكتابة، لم يكن ليكتب أبدا. و] (1) اعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها و لا كتابة. فأصل ذلك فطرة البارئ- جلّ و عزّ- و ما تفضّل به على خلقه. فمن شكر أثيب. وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (2).

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن حمّاد بن عبد اللَّه الفرّاء، عن معتب أنّه أخبره: أنّ أبا الحسن الأوّل لم يكن يرى له ولد. فأتاه يوما إسحاق و محمّد أخواه، و أبو الحسن يتكلّم بلسان ليس بعربي. فجاء غلام سقلابيّ، فكلّمه بلسانه.

فذهب فجاء بعليّ ابنه، فقال لإخوته: هذا عليّ ابني. فضموه إليه واحدا بعد واحد فقبّلوه.

ثمّ كلّم الغلام بلسانه. فذهب به ثمّ تكلّم بلسان غير ذلك اللّسان. فجاء غلام أسود فكلّمه بلسانه. فذهب فجاء بإبراهيم فقال: هذا إبراهيم ابني فكلّمه بكلام. فجمله فذهب به. فلم يزل يدعو بغلام بعد غلام و يكلّمهم، حتّى جاء بخمسة أولاد. و الغلمان مختلفون في أجناسهم و ألسنتهم.

محمّد بن عيسى، عن عليّ بن مهزيار (4) قال: أرسلت إلى أرسلت إلى أبي الحسن- (عليه السلام)- غلامي، و كان سقلابيّا. قال: فرجع الغلام إليّ متعجّبا.

فقلت له: ما لك يا بنيّ؟

قال: كيف لا أتعجّب؟! ما زال يكلّمني بالسّقلابيّة، كأنّه واحد منّا. فظننت‏

____________

(1) من المصدر.

(2) آل عمران/ 97.

(3) بصائر الدرجات/ 333، ح 2.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

182

و من قال مثل ذلك حين يصبح، لم يفته خير يكون في ذلك اليوم و صرف عنه جميع شرّه.

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ‏: كالإنسان من النّطفة. و الطّائر من البيضة.

وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏: النّطفة و البيضة. أو يعقب الحياة بالموت و بالعكس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1) في قوله- عزّ و جلّ-: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏ قال: يخرج المؤمن من الكافر. و يخرج الكافر من المؤمن.

وَ يُحْيِ الْأَرْضَ‏: بالنّبات.

بَعْدَ مَوْتِها: يبسها.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك الإخراج. تُخْرَجُونَ‏ (19): من قبوركم فإنّه- أيضا- تعقيب الحياة بالموت.

و قرأ حمزة و الكسائيّ، بفتح التّاء (2).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (3): وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ‏. ردّ على الدّهريّة (4).

و في جوامع الجامع‏ (5): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ‏ إلى قوله: تُخْرَجُونَ‏.

و في الكافي‏ (6): أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن موسى بن سعدان، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)‏- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قال: ليس يحييها بالقطر. و لكن يبعث اللَّه رجالا فيحيون العدل، فتحيا الأرض لإحياء العدل. و لإقامة العدل فيه‏ (7)، أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة، (8) بإسناده إلى حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عمّة أبي محمّد الحسن- (عليهما السلام)- أنّها قالت: كنت عند أبي‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 154.

(2) أنوار التنزيل 2/ 218.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: «و هو ردّ على أصناف الزنادقة» بدل «ردّ على الدهرية.»

(5) جوامع الجامع/ 357.

(6) الكافي 7/ 174، ح 2.

(7) المصدر: «الحد للَّه» بدل «العدل فيه.»

(8) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 427، ح 2.

188

و بإسناده إلى سهل بن زياد الآدميّ‏ (1) قال حدّثنا عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ قال:

سمعت عليّ بن محمّد العسكريّ (عليه السلام)- يقول: عاش نوح ألفين و خمسمائة سنة. و كان يوما في السّفينة نائما، فهبّت ريح فكشف عورته. فضحك حام و يافث، فزجرهما سام (عليه السلام)- و نهاهما عن الضّحك. كان كلّما غطّى سام شيئا تكشفه الرّيح، كشفه حام و يافث. فانتبه نوح (عليه السلام)- فرآهم و هم يضحكون، فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان: فرفع نوح يده إلى السّماء يدعو و يقول: اللّهمّ، غيّر ماء صلب حام حتّى لا يولد له ولد إلّا السّودان. اللّهمّ، غيّر ماء صلب يافث. فغيّر اللَّه ماء صلبيهما. فجميع السّودان حيث كانوا من حام. و جميع التّرك و السّقالب و يأجوج و مأجوج و الصّين من يافث حيث كانوا.

و جميع البيض سواهم من سام.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏: منامكم في الزّمانين، لاستراحة القوى النّفسانيّة و قوّة القوى الطّبيعية و طلب معاشكم فيهما. أو مناكم باللّيل و ابتغاؤكم بالنّهار، فلفّ و ضمّ بين الزّمانين و الفعلين بعاطفين، إشعارا بأنّ كلّا من الزّمانين و إن اختصّ بأحدهما صالح للآخر عند الحاجة. و يؤيّده سائر الآيات الواردة فيه‏ (2).

____________

(1) نفس المصدر/ 32- 33، 1.

(2) يوجد في هامش نسخة م:

عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى سماء الدّنيا. فما رأت الرّوح في سماء الدّنيا، فهو حقّ. و ما رأت في الهواء، فهو الأضغاث.

قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: إنّ المرء إذا نام، خرجت روحه. فإنّ روح الحياة (المصدر: روح الحيوان) باقية في البدن. فالّذي يخرج منه روح العقل، و كذلك هو في المنام- أيضا.

قال: عبد الغفّار الأسلمي: يقول اللَّه- عزّ و جل- [الزمر/ 42]: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها إلى قوله: إلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ أ فليس ترى الأرواح كلّها تصير إليه عند منامها فيمسك ما يشاء و يرسل ما يشاء؟

فقال له أبو الحسن: إنّما يصير إليه أرواح العقول. فأمّا أرواح الحياة، فإنّها في الأبدان لا تخرج إلّا بالموت. و لكنّه إذا قضى على نفس الموت، فقبض الرّوح الّذي فيه روح العقل. و لو كانت روح الحياة خارجة، لكان بدنا ملقى لا يتحرّك. و لقد ضرب اللَّه لهذا مثلا في كتابه في أصحاب الكهف حيث قال: [الكهف/ 18]:

وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ‏ أفلا ترى أنّ أرواحهم فيهم بالحركات؟ من كتاب جامع الأخبار [ص 199- 200، في فصل 136]

ما يأتى في سورة السّجدة أحاديث النّوم و الموت المناسبة للمقام.

189

و في توحيد الفضّل بن عمر (1) المنقول عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- في الرّدّ على الدّهرّية: و الكرى يقتضى‏ (2) النّوم الّذي فيه راحة البدن و إجمام قواه- إلى أن قال (عليه السلام)-: و كذلك لو كان إنّما يصير إلى النّوم، بالتّفكّر في حاجته إلى راحة البدن و إجمام قواه، كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه حتّى يهنك‏ (3) بدنه.

و في كتاب علل الشّرائع، (4) بإسناده إلى يعقوب بن شعيب قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: في بني آدم ثلاثمائة و ستّين عرقا. ثمانون و مائة متّحركة، و ثمانون و مائة ساكنة. فلو سكن المتحرّك، لم ينم. أو تحرّك السّاكن، لم ينم. فكان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا أصبح قال: الحمد للَّه ربّ العالمين كثيرا على كلّ حال. ثلاثمائة و ستّين مرّة. و إذا أمسى، قال مثل ذلك.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، حديث طويل، يقول فيه الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- مجيبا للخضر- (عليه السلام)- بأمر أبيه أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه و آله)- و قد سأله عن مسائل: أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه.

فإنّ روحه متعلّقة بالرّيح. و الرّيح متعلّقة (6) بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة. فإن أذن اللَّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح على صاحبها [جذبت تلك الرّوح الرّيح و جذبت تلك الرّيح الهواء، فرجعت الرّوح فأسكنت في بدن صاحبها] (7) و إن لم يأذن اللَّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح على صاحبها، جذب الهواء الرّيح، و جذبت الرّيح الرّوح، فلم تردّ على صاحبها إلى وقت ما يبعث.

و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ، و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل، و فيه: و سأله عن النّوم، على كم وجه هو؟

____________

(1) بحار الأنوار 3/ 79.

(2) المصدر: يقضي.

(3) هكذا في المصدر. و في م و ن: «ينهلك». و في سائر النسخ: «يهلك».

(4) علل الشرائع/ 353- 354، ح 1.

(5) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 213- 214، ح 1.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: معلّقة.

(7) ليس في أ.

(8) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 193، ح 1.

190

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: النّوم على أربعة أصناف: الأنبياء تنام على أقفيتها مستقبلة، و أعينها لا تنام، متوقّعة لوحي ربّها- عزّ و جلّ- و المؤمنون ينامون على يمينهم، مستقبلين القبلة. الملوك و أبناؤها على شمائلها ليستمرءوا ما يأكلون. و إبليس و إخوانه و كلّ مجنون و ذو عاهة ينامون على وجوههم منبطحين.

و في كتاب الخصال: (1) عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- قالت: أمّ سليمان بن داود لسليمان: إيّاك و كثرة النّوم باللّيل. فأنّ كثرة النّوم باللّيل تدع الرّجل فقيرا يوم القيامة.

عن أبي الحسن- (عليه السلام)- (2) قال: لعن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثلاثة: الآكل زاده وحده، و الرّاكب في الفلاة وحده، و النّائم في بيت وحده.

و فيما أوصى به النّبيّ عليّا- (عليه السلام)(3)-: يا علّى، ثلاث يتخوّف منهنّ:

الجنون- إلى قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الرّجل ينام وحده.

و فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب‏ (4): إذا نام أحدكم‏ (5) فليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن. فإنّه لا يدري أ ينتبه من رقدته أم لا.

لا ينام الرّجل على المحجنة (6).

لا ينام الرّجل على وجهه. من رأيتموه نائما على وجهه، فأنبهوه و لا تدعوه. (7)

إذا أراد أحدكم النّوم، فليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن و ليقل: بسم اللَّه وضعت جنبي للَّه على ملّة إبراهيم و دين محمّد و ولاية من افترض اللَّه طاعته، ما شاء اللَّه كان و ما لم يشأ لم يكن. فمن قال ذلك، حفظ من اللّصّ المغير و الهدم و استغفرت له الملائكة (8).

من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حين يأخذ مضجعه، وكّل اللَّه- عزّ و جلّ- به خمسين ألف ملك يحرسونه ليلته‏ (9).

____________

(1) الخصال 1/ 28، ح 99.

(2) نفس المصدر 1/ 93، ح 38.

(3) نفس المصدر 1/ 125، ح 122.

(4) نفس المصدر/ 636.

(5) المصدر: إذا أراد أحدكم النوم.

(6) نفس المصدر/ 613. و فيه: المحجّة.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) نفس المصدر/ 631.

(9) نفس المصدر و الموضع.

191

و إذا أراد أحدكم النّوم، فلا يضعنّ جنبه على الأرض حتّى يقول: أعيذ نفسي و ديني و أهلي [و ولدي‏] (1) و مالي و خواتيم عملي و ما رزقني ربّي و خوّلني، بعزة اللَّه و عظمة اللَّه و جبروت اللَّه و سلطان اللَّه و رحمة اللَّه و رأفة اللَّه و غفران اللَّه و قوّة اللَّه و قدرة اللَّه و جلال اللَّه و بصنع اللَّه و أركان اللَّه و بجمع اللَّه و برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و بقدرة اللَّه على ما يشاء، من شرّ السّامّة و الهامّة، و من شرّ الإنس و الجنّ، و من شر ما يدبّ في الأرض و ما يخرج منها، و ما ينزل من السّماء و ما يعرج فيها، و من [شرّ] (2) كلّ دابّة ربّي‏ (3) آخذ بناصيتها، إنّ ربّ على صراط مستقيم، و هو على كلّ شي‏ء قدير، و لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم. فإنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [كان يعوّذ الحسن و الحسين.

و بذلك أرنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-]. (4)

إذا انتبه أحدكم من نومه، فليقل: لا إله إلّا اللَّه الحليم‏ (5) الكريم الحّي القيّوم، و هو على كلّ شي‏ء قدير، سبحان ربّ النّبيّين و إله المرسلين، سبحان ربّ السّموات السّبع و ما فيهنّ و ربّ الأرضين السّبع و ما فيهنّ و ربّ العرش العظيم، و الحمد للَّه ربّ العالمين. و إذا جلس من نومه، فليقل قبل أن يقوم: حسبي اللَّه، حسبي الرّبّ من العباد، حسبي الّذي هو حسبي مذ كنت، حسبي اللَّه و نعم الوكيل. (6)

عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (7) قال: ثلاث خصال فيهنّ المقت من اللَّه- تعالى-:

نوم من غير سهر. و ضحك من غير عجب. و أكل على الشّبع.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏ (23): سماع تفهّم و استبصار. فإنّ الحكمة فيه ظاهرة.

وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ: مقدّر «بأن» كقوله:

ألا أيّهذا الزّاجريّ أحضر الوغى‏* * * و أن أشهد اللّذّات هل أنت مخلد.

أو الفعل فيه منزّل منزلة المصدر. كقولهم: تسمع المعيديّ خير من أن تراه. أو صفة

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: أنت.

(4) من المصدر. و الحديث في نفس المصدر و الموضع.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: الحكيم.

(6) نفس المصدر/ 625.

(7) نفس المصدر/ 89، ح 26.

192

لمحذوف، تقديره: آية يريكم بها البرق. كقوله:

فما الدّهر إلّا تارتان فمنهما أموت‏* * * و أخرى أبتغي العيش أكدح‏

خَوْفاً: من الصّاعقة، للمسافر.

وَ طَمَعاً: للغيث، للمقيم.

و نصبهما على العلّة لفعل يلزم المذكور (1). فإنّ إراءتهم تستلزم رؤيتهم. أوّله على تقدير مضاف، نحو: إرادة خوف، أو طمع. أو تأويل الخوف و الطّمع، بالإخافة و الإطماع.

كقولك: فعلته رغما للشّيطان. أو على الحال، مثل: كلّمته شفاها.

وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً:

و قرئ، بالتّشديد (2).

فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ‏: بالنّبات:

بَعْدَ مَوْتِها: يبسها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (24): يستعملون عقولهم في استنباط أسبابه، و كيفيّة تكوّنها. ليظهر لهم كمال قدرة الصّانع و حكمته.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ‏: قيامهما بإقامته لهما و إرادته لقيامهما في حيّزهما المعيّنين، من غير مقيم محسوس. و التّعبير بالأمر، للمبالغة في كمال القدرة و الغنى عن الآلة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (3): وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ‏، يعني: السّماء و الأرض هاهنا.

ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ‏ (25): عطف على «أن تقوم» على تأويل مفرد. كأنّه قيل: و من آياته قيام السّموات و الأرض بأمره، ثمّ خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة. فيقول: أيّها الموتى، اخرجوا.

و المراد، تشبيه سرعة ترتّب حصول ذلك على تعلّق إرادته. بلا توقّف و احتياج إلى تجشّم عمل، بسرعة ترتّب إجابة الدّاعي المطاع على دعائه.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: الذكور.

(2) أنوار التنزيل 2/ 220.

(3) تفسير القمي 2/ 154.

193

و «ثمّ» إمّا لتراخي زمانه. أو لعظم ما فيه.

و «من الأرض» متعلّق «بدعا». كقوله: دعوته من أسفل الوادي، فطلع عليّ. لا «بتخرجون». لأنّ ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها. «و إذا» الثّانية للمفاجأة. و لذلك نابت مناب «الفاء» في جواب الأولى.

و في عوالي اللئالي‏ (1) و في الحديث عنه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قراء حين يصبح: فسبحان الله حين تمسون و حين تصبحون الآيات الثلاث إلى تخرجون أدرك ما فاته في يومه. و إن قالها حين يمسي، أدرك ما فاته في ليلته.

وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ‏ (26): منقادون لفعله.

فهم لا يمتنعون عليه.

وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: بعد هلاكهم.

وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏: و الإعادة أسهل عليه من الأصل، بالإضافة إلى قدركم و القياس إلى أصولكم. و إلّا فهما عليه سواء. و لذلك قيل: «الهاء» للخلق.

و قيل‏ (2): «أهون» بمعنى: هيّن. و تذكير «هو» «لأهون». أو لأنّ الإعادة بمعنى: أن يعيد.

وَ لَهُ الْمَثَلُ‏ الوصف العجيب الشّأن. كالقدرة العامّة، و الحكمة التّامّة. و من فسّره يقول: لا إله إلّا اللَّه، أراد به الوصف بالوحدانيّة.

الْأَعْلى‏: ليس لغيره ما يساويه، أو يدانيه.

و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى حنان بن سدير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: و قوم وصفوه بيدين، فقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (4). و قوم وصفوه بالرّجلين، فقالوا: وضع رجله على صخرة بيت المقدس، فمنها ارتقى إلى السّماء. و قوم‏ (5) وصفوه بالأنامل، فقالوا: إنّ محمّدا قال: إنّي وجدت برد أنامله على قلبي‏ (6). فلمثل هذه الصّفات‏

____________

(1) عوالي اللآلئ 1/ 181، ح 239.

(2) أنوار التنزيل 2/ 220.

(3) التوحيد/ 323- 324، ضمن حديث.

(4) المائدة/ 64.

(5) المصدر: قوما.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: قلبه.

194

قال‏ (1): رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏. يقول: ربّ المثل الأعلى عمّا به مثّلوه. وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ (2) الّذي لا يشبهه شي‏ء و لا يوصف و لا يتوهّم. فذلك المثل الأعلى.

و في عيون الأخبار (3) بإسناده إلى ياسر الخادم: عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعليّ- (عليه السلام)- يا عليّ، أنت حجّة اللَّه. و أنت باب اللَّه. و أنت الطّريق إلى اللَّه. و أنت النّبأ العظيم. و أنت الصّراط المستقيم. و أنت المثل الأعلى.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في عيون الأخبار (4)- أيضا- في الزّيارة الجامعة لجميع الأئمّة- (عليهم السلام)- المنقولة: عن الجواد- (عليه السلام)- (5): السّلام على أئمّة الهدى- إلى قوله-: و ورثة الأنبياء و المثل الأعلى.

عن عبد اللَّه بن العبّاس‏ (6) قال: قام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فينا خطيبا. فقال في آخر خطبته: نحن كلمة التّقوى، و سبيل الهدى، و المثل الأعلى، و الحجّة العظمى، و العروة الوثقى.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: يصفه به ما فيهما، دلالة و نطقا.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: القادر. الّذي لا يعجز عن إبداء ممكن، و إعادته.

الْحَكِيمُ‏ (27): الّذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته.

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏: منتزعا من أحوالها. الّتي هي أقرب الأمور إليكم.

هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏: من مماليككم.

مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ‏: من الأموال و غيرها.

فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ: فتكونون أنتم و هم فيه شرعا. يتصرّفون فيه كتصرّفكم. مع أنّهم بشر مثلكم، و أنّها معارة لكم.

____________

(1) الأنبياء/ 22. و الزخرف/ 82.

(2) النحل/ 60.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 6، ح 13.

(4) نفس المصدر 2/ 277، ح 1.

(5) المصدر: عن الهادي- (عليه السلام).

(6) لم نعثر عليه في العيون و لكن في الخصال/ 432، ضمن حديث 14. و أورده عن الخصال في البحار 26/ 244، ح 5.

195

و «من» الأولى، للابتداء. و الثّانيّة، للتّبعيض. و الثّالثة، مزيدة لتأكيد الاستفهام، الجاري مجرى النّفي.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): فأمّا قوله- عزّ و جلّ-: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ‏ فإنّه كان سبب نزولها:

أنّ قريشا و العرب كانوا إذا حجّوا يلبّون. و كانت تلبيتهم: لبيّك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النّعمة لك و الملك لا شريك [لك.] (2) و هي تلبية إبراهيم- (عليه السلام)- و الأنبياء- (عليهم السلام)- فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم:

ليس هذه تلبية أسلافكم.

قالوا: و ما كانت تلبيتهم؟

قال: كانوا يقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك، لا شريك لك إلّا شريك هو لك. فتفرّق قريش من هذا القول. فقال لهم إبليس: على رسلكم حتّى آتي على آخر كلامي.

فقالوا: ما هو؟

[فقال:] (3) إلّا شريك هو لك، تملكه و ما يملك. ألا ترون أنّه يملك الشّريك و ما ملكه. فرضوا بذلك و كا نوا يلبّون بهذا قريش خاصّة. فلمّا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنكر ذلك عليهم و قال: هذا شرك. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، أي: ترضون أنتم فيما تملكون أن يكون لكم فيه شريك. و إذا لم ترضوا أنتم أن يكون لكم فيما تملكونه فيه شريك، فكيف ترضون أن تجعلوا لي شريكا فيما أملك.

تَخافُونَهُمْ‏: يستبدّوا بتصرّف فيه.

كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏: كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك التّفصيل.

نُفَصِّلُ الْآياتِ‏: نبيّنها. فإنّ التّمثيل ممّا يكشف المعاني و يوضّحها.

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (28): يستعملون عقولهم في تدبّر الأمثال.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 154.

(2) من ن.

(3) من س، أ، م.

196

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: بالإشراك.

أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏: جاهلين. لا يكفّهم شي‏ء. فإنّ العالم إذا اتّبع هواه ربّما ردعه عنه.

فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ‏: فمن يقدر على هدايته.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (29): يخلّصونهم من الضّلالة، و يحفظونهم عن آفاتها.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً: فقوّمه له، غير ملتفت، أو ملتفت عنه. و هو تمثيل للإقبال و الاستقامة عليه‏ (1)، و الاهتمام به.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله- عزّ و جلّ-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، أي:

طاهرا.

أخبرنا الحسين بن محمّد، (3) عن المعلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن جعفر بن بشير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً:

قال: هي الولاية.

أخبرنا أحمد بن إدريس‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن حمّاد بن عثمان النّاب و خلف بن حمّاد، عن الفضيل بن يسار و ربعي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً.

قال: يقيم‏ (5) في الصّلاة. لا يلتفت يمينا و لا شمالا.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً:

قال: هي الولاية.

و في تهذيب الأحكام: (7) عليّ بن الحسن الطّاطريّ، عن محمّد بن أبي حمزة، عن ابن‏

____________

(1) م: الاستدامة عليه.

(2) تفسير القمي 2/ 154.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر 2/ 154- 155.

(5) المصدر. قم.

(6) الكافي 1/ 418، ح 35.

(7) تهذيب الأحكام 2/ 42، ح 1.

197

مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً قال: أمره أن يقيم وجهه للقبلة. ليس فيه شي‏ء من عبادة الأوثان. (1)

فِطْرَتَ اللَّهِ‏: خلقته. نصب، على الإغراء. أو المصدر. بما دلّ عليه ما بعدها.

الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها: خلقهم عليها. و في قبولهم للحقّ، و تمكّنهم من إدراكه. أو ملّة الإسلام، فإنّهم لو خلوا و ما خلقوا عليه أدّى بهم إليها.

و قيل‏ (2): العهد المأخوذ من آدم و ذرّيّته.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قال: التّوحيد.

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى‏ (4)، عن يونس بن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ما تلك الفطرة؟

قال هي الإسلام فطرهم اللَّه حين أخذ ميثاقهم على التّوحيد. قال‏ (5): أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ و فيه المؤمن و الكافر.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، (6) عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم جميعا على التّوحيد.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (7)، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على التّوحيد.

____________

(1) في المصدر زيادة و هي: خالصا مخلصا.

(2) أنوار التنزيل 2/ 221.

(3) الكافي 2/ 12، ح 1.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(5) الاعراف/ 172.

(6) نفس المصدر و الموضع،

(7) نفس المصدر 2/ 13، ح 5.

198

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصّحّاف قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لم يكون الرّجل عند اللَّه مؤمنا قد ثبّت له الإيمان عنده، ثمّ ينقله اللَّه بعد من الإيمان إلى الكفر؟

قال: فقال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- هو العدل. إنّما دعا العباد إلى الإيمان به، لا إلى الكفر. و لا يدعو أحدا إلى الكفر. فمن آمن باللَّه ثمّ ثبت له الإيمان عند اللَّه، لم ينقله اللَّه- عزّ و جلّ- من الإيمان إلى الكفر.

قلت له: فيكون الرّجل كافرا قد ثبت له الكفر عند اللَّه، ثمّ ينقله اللَّه بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان؟

قال: فقال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق النّاس كلّهم على الفطرة الّتي فطرهم عليها.

لا يعرفون إيمانا بشريعة و لا كفرا. بجحود ثمّ بعث اللَّه- عزّ و جلّ- الرّسل يدعو العباد إلى الإيمان به. فمنهم من هدى اللَّه، و منهم من لم يهده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): حدّثنا الحسين بن عليّ بن ذكريّا، قال:

حدّثنا الهيثم بن عبد اللَّه الرّمّانيّ قال: حدّثنا عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه محمّد بن عليّ- (صلوات اللّه عليهم)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: هو لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليّ أمير المؤمنين وليّ اللَّه. إلى هاهنا التّوحيد.

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن موسى، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قال: فقال: على التّوحيد، و محمّد رسول اللَّه، و عليّ أمير المؤمنين- (عليهما السلام)-.

و في كتاب التّوحيد (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن العلا بن فضيل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: على التّوحيد.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 416، ح 1.

(2) تفسير القمي 2/ 254 و 255.

(3) بصائر الدرجات/ 78، ح 7.

(4) التوحيد/ 328، ح 1.

199

[حدّثنا محمّد بن الحسن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه‏ (1)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن إبراهيم بن هاشم و يعقوب بن يزيد، عن ابن فضّال، عن بكير، عن زرارة عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على التّوحيد.

[حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه- (2): قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن عليّ بن حسّان الواسطيّ، عن الحسن بن يونس، عن عبد الرّحمن [بن كثير] (3) مولى أبي جعفر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: على‏ (4) التّوحيد] (5) و محمّد رسول اللَّه، و عليّ أمير المؤمنين- (عليهما السلام)-.

أبي- (رحمه اللّه)- قال‏ (6): حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-:

أصلحك اللَّه، قول اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على التّوحيد عند الميثاق، و على معرفة أنّه ربّهم.

قلت: و خاطبوه؟

قال: فطأطأ رأسه. ثمّ قال: فلولا ذلك، لم يعلموا من ربّهم و لا من رازقهم.

حدثنا أبو أحمد القاسم بن محمّد بن أحمد السّرّاج الهمدانيّ‏ (7) قال: حدّثنا أبو القاسم جعفر بن محمّد بن إبراهيم السّرنديبيّ قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن عبد اللَّه بن هارون الرّشيد بحلب قال: حدّثنا محمّد بن آدم بن أبي إياس قال [: حدّثنا] (8) ابن أبي أديب، عن ابن عمر (9) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- لا تضربوا أطفالكم على بكائهم.

فإنّ بكاءهم أربعة أشهر، شهادة أن لا إله إلّا اللَّه. و أربعة أشهر، الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أربعة أشهر، الدّعاء لوالديه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 7.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) ليس في ن.

(6) نفس المصدر/ 330، ح 8.

(7) نفس المصدر/ 331، ح 10.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: «ابن أبي ذئب عن نافع» بدل «ابن أبي أديب عن ابن عمر.»

200

حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق- رضي اللَّه عنه- (1) قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ قال: حدّثنا (2) عليّ بن العبّاس قال: حدّثنا (3) جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن فتح بن يزيد الجرجانيّ قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أسأله عن شي‏ء من التّوحيد، فكتب إليّ بخطّه.

قال جعفر، و إنّ فتحا أخرج إليّ الكتاب، فقرأته بخطّ أبي الحسن- (عليه السلام)-:

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للَّه الملهم عباده الحمد، و فاطرهم على معرفة ربوبيّته.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانت شريعة نوح- (صلوات اللّه عليه)- أن يعبد اللَّه بالتّوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد. و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (5) و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- كان مولده بكوثى ربا. و كان أبوه من أهلها. و كانت أمّ إبراهيم و أمّ لوط سادة و ورقة- و في نسخة رقيّة- أختين. و هما ابنتان للاحج. و كان اللّاحج نبيّا منذرا، و لم يكن رسولا. و كان إبراهيم- (عليه السلام)- في شبيبته على الفطرة الّتي فطر اللَّه- عزّ و جلّ- الخلق عليها. حتّى هداه اللَّه- تبارك و تعالى- إلى دينه و اجتباه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن مسعدة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- (7): كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً (الآية) و ذكر حديثا طويلا. و في آخره قلت:

أ فضلّالا كانوا قبل النّبيّين، أم على هدى؟

قال: لم يكونوا على هدى. كانوا على فطرة اللَّه الّتي فطرهم عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏

____________

(1) نفس المصدر/ 56، صدر حديث 14.

2 و 3- المصدر: حدثني.

(4) الكافي 8/ 282، صدر حديث 424.

(5) نفس المصدر 8/ 370، صدر حديث 560.

(6) تفسير العياشي 1/ 105، ذيل حديث 309 و أوله في ص 104.

(7) البقرة/ 213.

201

و لم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللَّه أما تسمع لقول إبراهيم‏ (1). لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏، ناسيا للميثاق.

و في محاسن البرقيّ‏ (2): عن أبيه، عن عليّ بن النّعمان، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على معرفته، أنّه ربّهم. و لولا ذلك، لم يعلموا إذا سئلوا من ربّهم و من رازقهم.

و في شرح الآيات الباهرة: (3) محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن الحسن المالكيّ، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد (4)، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: هي الولاية.

و روى محمّد بن الحسن الصّفّار (5)، بإسناده عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: على‏ (6) التّوحيد. و أنّ محمّدا رسول اللَّه. و أنّ عليّا أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما) و على ذرّيّتهما الطّيّبين صلاة دائمة إلى يوم الدّين.

لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏: لا يقدر أحد أن يغيّره. أو ما ينبغي أن يغيّره.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينه، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول‏ (8) اللَّه- عزّ و جلّ- حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏.

قال: الحنيفيّة من الفطرة الّتي فطر اللَّه النّاس عليها. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏ قال:

____________

(1) الانعام/ 77.

(2) المحاسن/ 241، ح 224.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

(4) م و الأصل: الحسين بن سعيد.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: هي.

(7) الكافي 2/ 12- 13، ح 4.

(8) الحج/ 31.

202

فطرهم على المعرفة.

فقال زرارة: و سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (1): وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏.

قال: أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذّرّ. فعرّفهم و أراهم نفسه. و لو لا ذلك لم يعرف أحد ربّه. قال: و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-:

كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني: على المعرفة بأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خالقه. و كذلك قوله‏ (2):

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏.

ذلك: إشارة إلى الدّين المأمور بإقامة الوجه له. أو الفطرة، إن فسّرت بالملّة.

الدِّينُ الْقَيِّمُ‏: المستوي‏ (3)، الّذي لا عوج فيه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (30): استقامته، لعدم تدبّرهم.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ‏: راجعين إليه. من أناب: إذا رجع مرّة بعد أخرى.

و قيل‏ (4): منقطعين إليه.

و الإنابة: الانقطاع إلى اللَّه بالطّاعة. فأصله على هذا: القطع. و منه، النّاب. لأنّه قاطع و ينيب في الأمر: إذا نشب فيه، كما ينشب القاطع.

و هو حال من الضّمير في النّاصب المقدّر «لفطرة اللَّه». أو في «أقم» لأنّ الآية خطاب للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و لأمّته، لقوله: وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (31): غير أنّها صدّرت بخطاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تعظيما له، يعني: فأقيموا وجوهكم منيبين إليه، راجعين إلى كلّ ما أمر به، مع التّقوى و أداء الفرض و الإخلاص في التّوحيد.

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏: بدل من «المشركين»، أي: الّذين فرقوا عن دينكم.

و قيل‏ (5): تفريقهم: اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم. فبعضهم يعبدونه بطريق، و بعضهم بطريق آخر.

____________

(1) الأعراف/ 172.

(2) لقمان/ 25.

(3) م: السويّ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 221.

(5) نفس المصدر و الموضع.

203

و قيل‏ (1): معناه: الّذين أوقعوا في دينهم الاختلاف، و صاروا ذوي أديان مختلفة.

فصار بعضهم يعبد وثنا، و بعضهم يعبد نارا، و بعضهم يعبد شمسا إلى غير ذلك.

و قرأ حمزة و الكسائي: «فارقوا»، بمعنى: تركوا دينهم الّذي أمروا به‏ (2). و هو يؤيّد المعنى الأوّل.

وَ كانُوا شِيَعاً: فرقا. تشايع كلّ إمامها، الّذي أضلّ دينها.

كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏ (32): راضون معجبون مسرورون. ظنّا بأنّه الحقّ.

قيل‏ (3): و يجوز أن يجعل «فرحون» صفة «كلّ» على أنّ الخبر «من الّذين فرّقوا».

وَ إِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ: شدّة.

دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ‏: راجعين إليه من دعاء غيره.

ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً: خلاصا من تلك الشّدائد.

إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ‏ (33): فاجأ فريق منهم بالإشراك بربّهم الّذي عافاهم.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ‏:

«اللّام» فيه، للعاقبة.

و قيل‏ (4): للأمر، بمعنى: التّهديد. لقوله: فَتَمَتَّعُوا: غير أنّه التفت فيه مبالغة.

و قرئ: «و ليتمتّعوا» (5).

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ (34): عاقبة تمتّعكم.

و قرئ، بالياء. على أنّ «تمتّعوا» ماض‏ (6).

أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً: حجّة.

و قيل‏ (7): ذا سلطان، أي: ملكا معه برهان.

فَهُوَ يَتَكَلَّمُ‏: تكلّم دلالة على الأوّل. و تكلّم نطق على الثّاني.

بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏ (35): بإشراكهم و صحّته. أو بالأمر الّذي بسببه يشركون به في ألوهيّته.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 304.

(2) أنوار التنزيل 2/ 221.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

5 و 6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

204

و المعنى: أنّهم لا يقدرون على تصحيح ذلك بوجه.

وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً: من نعمة و سعة و صحّة.

فَرِحُوا بِها: بطروا بسببها.

وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ: شدّة.

بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏: بشؤم معاصيهم.

إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ‏ (36): فاجئوا القنوط من رحمته.

و إنّما قال: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏ و لم يقل: بما قدّموا، على التّغليب للأكثر الأظهر.

فإنّ أكثر العمل لليدين. و العمل للقلب و إن كان كثيرا، فإنّه أخفى.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: و يضيّق لمن يشاء على حسب ما يقتضيه مصالح العباد. فما لهم لم يشكروا و لم يحتسبوا في السّرّاء و الضّرّاء كالمؤمنين.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: في بسط الرّزق لقوم، و تضييقه لقوم آخرين.

لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (37): فيستدلّون بها على كمال القدرة و الحكمة.

فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏، أي: أعط ذوي قرباك يا محمّد حقوقهم، الّتي جعلها اللَّه لهم من الأخماس.

و في مجمع البيان: (1) «روى أبو سعيد الخدريّ و غيره: أنّه لمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعطى فاطمة فدكا، و سلّمه إليها. و هو المروىّ عن أبي عبد اللَّه و أبي جعفر- (عليهما السلام)-.

و قيل‏ (2): إنّه خطاب له و لغيره. و المراد بالقربى: قرابة الرّجل. و هو أمر بصلة الرّحم بالمال و النّفس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى و حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا بويع لأبي بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك فأخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منها.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 306.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 155- 159.

205

فجاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، منعتني‏ (1) ميراثي من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أخرجت وكيلي من فدك، و قد جعلها (2) لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأمر اللَّه- عزّ و جلّ-.

فقال لها: هاتي على ذلك شهودا.

فجاءت بأمّ أيمن فقالت: لا أشهد حتّى أحتجّ- يا أبا بكر- عليك بما قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقالت: أنشدك اللَّه- يا أبا بكر- أ لست تعلم أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إنّ أمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة؟

قال: بلى.

قالت: فأشهد بأنّ اللَّه أوحى إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ فجعل فدكا لفاطمة بأمر اللَّه. و جاء عليّ، فشهد بمثل ذلك. فكتب لها كتابا بفدك و دفعه إليها. فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟

فقال أبو بكر: إنّ فاطمة ادّعت في فدك. و شهدت لها أمّ أيمن و عليّ. فكتبت لها بفدك. فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزّقه، و قال: هذا في‏ء للمسلمين. و قال: أوس بن الحدثان‏ (3) و عائشة و حفصة يشهدون على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة. و إنّ عليّا زوجها يجرّ إلى نفسه. و أمّ أيمن فهي امرأة صالحة. لو كان معها غيرها، لنظرنا فيه.

فخرجت فاطمة- (عليهما السلام)- من عندهما باكية حزينة. فلمّا كان بعد هذا، جاء عليّ- (عليه السلام)- إلى أبي بكر و هو في المسجد و حوله المهاجرون و الأنصار. فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة من ميراثها من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد ملكته في حياة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

فقال أبو بكر: هذا في‏ء للمسلمين. فإنّ أقامت شهودا أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- جعله لها، و إلّا فلا حقّ لها فيه.

فقال أمير المؤمنين: تحكم- يا أبا بكر- فينا بخلاف حكم اللَّه في المسلمين؟

قال: لا.

____________

(1) ن: منعت.

(2) ن: وهبه.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أويس بن الحدثان» ر. تنقيح المقال 1/ 156، رقم 1119.

206

قال: فإنّ كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه و ادّعيت أنا فيه، ممّن تسأل البيّنة؟

قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين.

قال: و إذا كان في يدي شي‏ء فادّعى فيه المسلمون، فتسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و بعده، و لم تسأل المسلمين [البيّنة] (1) على ما ادّعوا عليّ شهودا كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟

فسكت أبو بكر. ثمّ قال عمر: يا عليّ، دعنا من كلامك. فإنّا لا نقوى على حججك‏ (2). فإن أتيت شهودا عدولا، و إلّا فهو في‏ء للمسلمين. و لا حقّ لك و لفاطمة فيه.

فقال أمير المؤمنين: يا أبا بكر أ تقرأ (3) كتاب اللَّه؟

قال: نعم.

قال: فأخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (4) إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فيمن نزلت، فينا أم في غيرنا؟

قال: بل فيكم.

قال: فلو أنّ شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا؟

قال: كنت أقيم عليها الحدّ، كما أقيم على سائر المسلمين.

قال: كنت إذا عند اللَّه من الكافرين.

قال: و لم؟

قال: لأنّك رددت شهادة اللَّه لها بالطّهارة، و قبلت شهادة النّاس عليها. كما رددت حكم اللَّه و حكم رسوله أن جعل لها فدكا (5) و قبضته في حياته، ثمّ قبلت شهادة أعرابيّ بائل على عقبيه عليها. فأخذت منها فدكا (6) و زعمت أنّه في‏ء للمسلمين‏ (7). و قد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه.

قال: فدمدم النّاس و بكى بعضهم. فقالوا: صدق- و اللَّه- عليّ- (عليه السلام)- و رجع عليّ- (صلوات اللّه عليه)- إلى منزله.

____________

(1) من المصدر.

(2) هكذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ:

حجّتك.

(3) المصدر: تقرأ.

(4) الأحزاب/ 23.

5 و 6- المصدر و النسخ: فدك.

(7) المصدر: المسلمين.

207

قال: فدخلت فاطمة- (عليها السلام)- المسجد و طافت بقبر أبيها- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هي تبكي و تقول:

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها* * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب‏

قد كان بعدك أنباء و هنبثة* * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

قد كان جبرائيل بالآيات يؤنسنا* * * فغاب عنّا فكلّ الخير محتجب‏

و كنت بدرا منيرا (1) يستضاء به‏* * * عليك تنزّل من ذي العزّة الكتب‏

تهضّمتنا رجال و استخفّ بنا* * * إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب‏

فكلّ أهل لهم‏ (2) قربى و منزلة* * * عند الإله لدى الأدنين مقترب‏

أبدت رجال لنا نجوى‏ (3) صدورهم‏* * * لمّا مضيت و حالت دونك التّرب‏ (4)

فقد رزئنا به بما لم يرزه‏ (5) أحد* * * من البريّة لا عجم و لا عرب‏

فقد رزئنا به محضا خليقته‏* * * صافي الضّرائب و الأعراق و النّسب‏

فأنت خير عباد اللَّه كلّهم‏* * * و أصدق النّاس حين الصّدق و الكذب‏

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏* * * منّا العيون بهمّال لها سكب‏ (6)

سيعلم المتوّلي‏ (7) ظلم حامتنا* * * يوم القيامة انّى كيف ينقلب‏

فرجع أبو بكر إلى منزله. و بعث إلى عمر، فدعاه. فقال: أما رأيت مجلس عليّ بنا اليوم. و اللَّه لئن قعد مقعدا مثله ليفسدنّ [علينا] (8) أمرنا. فما الرّأي؟

قال عمر: الرّأي أن نأمر بقتله.

قال: فمن يقتله؟

قال: خالد بن الوليد.

فبعثا إلى خالد، فأتاهما. فقالا: نريد أن نحملك على أمر عظيم.

____________

(1) المصدر: و نورا.

(2) المصدر: له.

(3) المصدر: فحوى.

(4) المصدر: الكثب.

(5) المصدر: «يرزأه.» و النسخ: «يزروه.»

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «همال و هي تنسكب». و يمكن أن يكون الأظهر: «بتهمال» بدل «بهمال» و «همال.»

(7) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

الموتى.

(8) من م.

208

قال: حمّلاني على ما شئتما، و لو قتل عليّ بن أبي طالب.

قالا: هو ذاك.

قال خالد (1): متى أقتله؟

قال أبو بكر: إذا حضر المسجد، فقم بجنبه في الصّلاة. فإذا أنا سلّمت، فقم إليه فاضرب عنقه.

قال: نعم.

فسمعت أسماء بنت عميس ذلك، و كانت تحت أبي بكر. فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل عليّ و فاطمة فاقرئيهما السّلام. و قولي لعليّ- (عليه السلام)- (2): إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏.

فجاءت الجارية إليهما. فقالت لعليّ- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ أسماء بنت عميس تقرأ عليكما (3) السّلام، و تقول لك: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏.

فقال علّي- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه يحول بينهم و بين ما يريدون. ثمّ قام و تهيّأ للصلاة، و حضر المسجد. و وقف خلف أبي بكر، و صلّى لنفسه، و خالد بن الوليد لجنبه و معه السّيف. فلمّا جلس أبو بكر للتّشهّد، ندم على ما قال. و خاف الفتنة و شدّة عليّ- (عليه السلام)- و بأسه. فلم يزل متفكّرا لا يجسر أن يسلّم، حتّى ظنّ النّاس أنّه قد سهى. ثمّ التفت إلى خالد، فقال: يا خالد، لا تفعل ما أمرتك به. السّلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته.

فقال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: يا خالد، ما الّذي أمرك به؟

قال: أمرني بضرب عنقك.

قال: أ و كنت فاعلا (4)؟

قال: إي و اللَّه، لولا أنّه قال لي: لا تفعل. لقتلتك بعد التّسليم.

قال: فأخذه عليّ فضرب به الأرض. و اجتمع [النّاس‏] (5) عليه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: خالد بن وليد.

(2) القصص/ 20.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

عليك.

(4) المصدر: تفعل.

(5) من المصدر.

209

فقال عمر: يقتلنّه السّاعة، و ربّ الكعبة.

فقال النّاس: يا أبا الحسن، اللَّه بحقّ صاحب هذا القبر. فخلّى عنه.

قال: فالتفت إلى عمر فأخذ بتلابيبه، و قال: يا ابن صهاك، لولا عهد من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و كتاب من اللَّه- عزّ و جلّ- سبق، لعلمت‏ (1) أيّنا أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً (2) ثمّ دخل منزله.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا عليّ بن العبّاس المقانعيّ‏ (4)، عن أبي كريب، عن معاوية بن هشام، عن فضل بن مرزوق، عن عطيّه، عن أبي سعيد الخدريّ. قال: لمّا نزلت‏ فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ دعى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاطمة- (عليها السلام)- و أعطاها فدكا.

وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏: و المسافر المحتاج. ما وظّف لهما من الزّكاة.

و الخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو لمن بسط له.

ذلِكَ‏، أي: إعطاء الحقوق مستحقّيها.

خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ‏: ذاته. أو جهته، أي: يقصدون بمعروفهم إيّاه خالصا. أو جهة التّقرّب إلى اللَّه- تعالى- لا جهة أخرى من الرّياء و السّمعة و غيرهما.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (38): الفائزون بثواب اللَّه. حيث حصلوا بما بسط لهم النّعيم المقيم.

وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً: من عطيّة، يتوقّع بها مزيد مكافأة. أو زيادة محرّمة في المعاملة.

و قرأ ابن كثير، بالقصر، بمعنى: ما جئتم به من إعطاء ربا. (5)

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الرّبا رباءان: ربا يؤكل، و ربا لا يؤكل.

فأمّا الّذي يؤكل، فهديّتك إلى الرّجل تطلب منه الثّواب أفضل منها. فذلك الرّبا

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لعلمنا.

(2) الجنّ/ 24.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

(4) المصدر: «المعانقي.» م، الأصل: «المقانقي.» ن: «المقاتلي.» أو س: «المقاتي» ر. تنقيح المقال 2/ 294، رقم 8340.

(5) أنوار التنزيل 2/ 222.

(6) الكافي 5/ 145- 146، ح 6.

210

الّذي يؤكل. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏.

و أمّا الّذي لا يؤكل، فهو الّذي نهى اللَّه عنه و أوعد عليه النّار.

و في تهذيب الأحكام‏ (1): الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية. فقال: هو هديّتك إلى الرّجل، تطلب منه الثّواب أفضل منها. فذلك ربا يؤكل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد [، عن سليمان‏] (3) بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- الرّبا رباءان:

أحدهما حلال، و الآخر حرام.

فأمّا الحلال، فهو أن يقرض الرّجل أخاه قرضا، طمعا أن يزيده و يعوّضه بأكثر ممّا يأخذه بلا شرط بينهما. فإن أعطاه أكثر ممّا أخذه على غير شرط بينهما، فهو مباح له. و ليس له عند اللَّه ثواب فيما أقرضه. و هو قول اللَّه: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏.

و أمّا الحرام، فالرّجل يقرض قرضا و يشترط أن يردّ أكثر ممّا أخذه: فهذا هو الحرام.

و في مجمع البيان‏ (4): قيل‏ في الرّبا المذكور في الآية قولان: أحدهما، أنّ ربا حلال.

و هو أن يعطي الرّجل العطيّة، أو يهدي الهدّية ليثاب أكثر منها. فليس فيها أجر و لا وزر. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ‏: ليزيد و يزكو في أموالهم.

فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏: و لا يبارك فيه: و قرأ نافع و يعقوب: «لتربوا»، أي: لتزيدوا.

أو لتصيروا ذوي ربا. (5) وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ‏: تبتغون به وجهه خالصا، و لا تطلبون بها المكافأة.

فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏ (39): ذوو أضعاف من الثّواب. و نظيره: المقويّ لذي القوّة، و الموسر لذي اليسار. أو الّذين ضعفوا ثوابهم و أموالهم ببركة الزّكاة،

كما يأتي في‏

____________

(1) تهذيب الأحكام 7/ 15، ح 67.

(2) تفسير القمي 2/ 159.

(3) من ن و المصدر.

(4) مجمع البيان 4/ 306.

(5) أنوار التنزيل 2/ 222.

211

الخبر: إنّ اللَّه- تعالى- جعل الزّكاة سببا لزيادة المال.

و قرئ، بفتح العين. على لفظ اسم المفعول.

و تغييره عن سنن المقابلة عبارة و نظما، للمبالغة و الالتفات للتّعظيم. كأنّه خاطب به الملائكة و خواصّ الخلق، تعريفا لحالهم. أو للتّعميم. كأنّه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون.

و الرّاجع فيه محذوف، إن جعلت «ما» موصولة. تقديره: المضعفون به. أو فمؤتوه أولئك هم المضعفون. (1)

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2)، خطبة للزّهراء- (عليها السلام)- و فيها: ففرض اللَّه الإيمان تطهيرا من الشّرك، و الصّلاة تنزيها عن الكبر، و الزّكاة زيادة في الرّزق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال الصّادق- (عليه السلام)-: على باب الجنّة مكتوب: القرض بثماني عشرة، و الصّدقة بعشرة.

و في مجمع البيان‏ (4): في الحديث: ما نقص مال من صدقة.

و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (5): فرض اللَّه- تعالى- الصّلاة تنزيها عن الكبر، و الزّكاة تسبيبا (6) للرّزق، و الصّيام ابتلاء لإخلاص الخلق، و صلة الأرحام منماة للعدد. في كلام طويل.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ‏: عود إلى دليل التّوحيد، أي: أوجدكم.

ثُمَّ رَزَقَكُمْ‏: أعطاكم أنواع النّعم.

ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏: ليفتح أبصاركم إلى ما عرّضكم له من الثّواب الدّائم.

ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏: ليجازيكم على أعمالكم.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: الحريص محروم. و مع حرمانه مذموم في أيّ شي‏ء كان. و كيف لا يكون‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 372، ضمن حديث 1754.

(3) تفسير القمي 2/ 159- 160.

(4) مجمع البيان 4/ 306.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: تسببا.

(7) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 187.

212

محروما، و قد فرّ من وثاق اللَّه- تعالى- و خالف قول اللَّه- عزّ و جلّ- حيث يقول اللَّه: الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏.

هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ‏: الّتي عبدتموها من دونه. (1) مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ: فيجوز لذلك توجيه العبادة إليه. أثبت له لوازم الألوهيّة، و نفاها رأسا اتّخذوه شركاء له من الأصنام و غيرها مؤكّدا بالإنكار على ما دلّ عليه البرهان و العيان و وقع عليه الوفاق، ثمّ استنتج من ذلك تقدّسه عن أن يكونوا له شركاء فقال: سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (40):

قيل‏ (2): و يجوز أن تكون الكلمة الموصولة (3) صفة. و الخبر هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ‏. و الرّابط «من ذلكم». لأنّه بمعنى: من أفعاله.

و «من» الأولى و الثّانية، تفيدان شيوع الحكم في جنس الشّركاء و الأفعال.

و الثّالثة، مزيدة لتعميم النّفي. فكلّ منها مستقلّة بتأكيد، لتعجيز الشّركاء.

ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ:

قيل‏ (4): «الفساد» كالجدب، و الموتان، و كثرة الحرق و الغرق، و إخفاق الغاصّة، و محق البركات، و كثرة المضار. أو الضّلالة و الظّلم.

و قيل‏ (5): ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ بقتل قابيل ابن آدم أخاه. و في البحر، بأنّ [ملك عمان‏] (6) جلندا كان يأخذ كلّ سفينة غصبا» و هو ضعيف.

و قيل‏ (7): «المراد بالبحر قرى السّواحل» حيث ظهر القحط بدعاء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و قرئ: البحور (8).

بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ‏: بشؤم معاصيهم. أو بكسبهم إيّاها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): في هذه الآية قال: في البر فساد الحيوان إذا لم تمطر،

____________

(1) هنا زيادة في أ، و هي: «هل من شركائكم التي عبدتموها من دونه.» و لا داعي لوجودها.

(2) أنوار التنزيل 2/ 222.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يكون الموصول» بدل «تكون الكلمة الموصولة.»

(4) نفس المصدر 2/ 223.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في المصدر.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) تفسير القمي 2/ 160

213

و كذلك هلاك دوابّ البحر بذلك. و قال الصّادق- (عليه السلام)- (1): حياة دوابّ البحر بالمطر. فإذا كفّ المطر ظهر الفساد في البرّ و البحرّ. و ذلك إذا كثرت الذّنوب و المعاصي.

أخبرنا أحمد بن إدريس‏ (2) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن ميسر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ‏.

قال: ذلك- و اللَّه- يوم قالت الأنصار: منّا أمير (3) و منكم أمير (4).

و في روضة الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين‏ (6)، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية.

قال: ذاك- و اللَّه- حين قالت الأنصار: منّا أمير و منكم أمير.

لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا: بعض جزائه. فإنّ تمامه في الآخرة.

«و اللّام» للعلّة. أو للعاقبة.

و عن ابن كثير و يعقوب: «لنذيقهم» بالنّون. (7) لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (41): عمّا هم عليه في المستقبل.

و قيل‏ (8): معناه: ليرجع من يأتي بعدهم عن المعاصي.

قُلْ‏: يا محمّد.

سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏: ليس المراد الأمر، بل المبالغة في العظة.

و عن ابن عبّاس‏ (9): من قرأ القرآن و علمه، سار في الأرض. لأنّ فيه أخبار الأمم.

فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ‏: من الملوك العاتية و القرون العاصية. كيف أهلكهم اللَّه، و كيف صارت قصورهم و محاصرهم قبورهم. فلم يبق لهم عين و لا أثر.

كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ‏ (42): استئناف. للدّلالة على أنّ سوء عاقبتهم كان‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

3 و 4- المصدر: رجل.

(5) الكافي 8/ 58، ح 19.

(6) هكذا في المصدر و الأصل و في سائر النسخ:

محمد بن الحسن.

(7) أنوار التنزيل 2/ 223.

(8) مجمع البيان 4/ 307.

(9) نفس المصدر و الموضع.

214

لفشو الشّرك و غلبته فيهم. أو كان الشّرك في أكثرهم و ما دونه من المعاصي في قليل منهم.

و في روضة الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى [، عن محمّد بن عيسى،] (2) عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد جميعا، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن يزيد بن الوليد الخثعميّ، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ‏.

فقال: عنى بذلك، أي: انظروا في القرآن، فاعلموا كيف كان عاقبة الّذين من قبلكم و ما أخبركم عنه.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ‏، أي: استقم للدّين، البليغ الاستقامة بصاحبه إلى الجنّة. الّتي لا يعدل عنه يمينا و لا شمالا.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ‏: لا [يقدر أن‏] (3) يردّه أحد. و قوله: مِنَ اللَّهِ‏: متعلّق «بيأتي». و يجوز أن يتعلّق‏ (4) «بمردّ». لأنّه مصدر. على معنى: لا يردّه اللَّه، لتعلّق إراداته بمجيئه. و هو يوم القيامة.

يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ‏ (43): يتصدّعون. من الصّدع: و هو الشّقّ. و تصدّع القوم: تفرّقوا، أي: يتفرّقون. فريق في الجنّة و فريق في السّعير. كما قال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏، أي: وباله. و هو النّار المؤبّدة. لا يعاقب أحد بذنبه.

وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‏ (44): يسوّون منزلا في الجنّة، يعني: ثواب ذلك يصل إليهم لا إلى غيرهم.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العمل الصّالح ليسيق صاحبه إلى الجنّة، فيمهّد له كما يمهّد لأحدكم خادمه فراشه.

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: علّة «ليمهدون». أو «ليصّدّعون».

____________

(1) الكافي 8/ 249، ضمن حديث 349، و أوّله في ص 248.

(2) ليس في المصدر.

(3) من م.

(4) هكذا في م. و في سائر النسخ: «أو متعلّق» بدل «و يجوز أن يتعلّق.»

(5) مجمع البيان 4/ 307.

215

مِنْ فَضْلِهِ‏:

قيل: (1) يجزيهم على قدر استحقاقهم و يزيدهم من فضله.

و قيل‏ (2): معناه: بسبب فضله. لأنّه خلقهم و هداهم و مكّنهم و أزاح علّتهم، حتّى استحقّوا الثّواب. (3) و قيل‏ (4): [من فضله،] (5) يعني: فضلا من فضله و ثوابا لا ينقطع‏ (6).

و الاقتصار على جزاء المؤمنين، للإشعار بأنّه المقصود بالذّات. و الاكتفاء على فحوى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ (45): فإنّ فيه إثبات البغض لهم و المحبّة للمؤمنين.

و تأكيد اختصاص الصّلاح‏ (7) المفهوم من [ترك‏] (8) ضميرهم إلى التّصريح بهم، تعليل له.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ‏: إرسال الرّياح: تحريكها، و إجراءها في الجهات المختلفة. تارة شمالا و تارة جنوبا، و مرّة صبا و أخرى دبورا. على حسب ما يعلمه اللَّه في ذلك من المصلحة.

و قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائيّ: «الرّيح» على إرادة الجنس‏ (9).

مُبَشِّراتٍ‏: بالمطر. فكأنّها ناطقات بالبشارة، لما فيها من الدّلالة عليه.

وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‏، يعني: المنافع التّابعة لها.

و قيل‏ (10): الخصب، التّابع لنزول الطر المسبّب عنها. أو الرّوح الّذي هو مع هبوبها.

و العطف على علّة محذوفة، دلّ عليها «مبشّرات». أو عليها، باعتبار المعنى. أو على «يرسل» بإضمار فعل، أي: ليمطر (11).

وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ‏: بالرّياح.

وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏:

____________

(1) نفس المصدر 4/ 307- 308.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: «لأنّه خلقه و هداه و مكّنه و أزاح علّته حتى استحق الثواب» بدل «لأنّه خلقهم و هداهم و مكّنهم و أراح علتهم حتى استحقوا الثواب.»

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و هو الثواب الغير المنقطع» بدل «و ثوابا لا ينقطع».

(7) هكذا في ن. و في سائر النسخ: صلاح.

(8) من ن.

(9) أنوار التنزيل 2/ 223.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) المصدر: «دلّل عليه» بدل «أي: ليمطر».

216

قيل‏ (1): لتطلبوا بركوب السّفن أرباح التجارات‏ (2). و قيل‏ (3): لتطلبوا بالأمطار فيما تزرعونه من فضل اللَّه.

و الحمل على العموم، أولى.

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (46): و لتشكروا نعمة اللَّه فيها. تلطّف- سبحانه- بلفظ «لعلّكم» في الدّعاء إلى الشّكر، كما تلطّف في الدّعاء إلى البرّ بقوله‏ (4): مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا: يا محمّد، تسلية له.

مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى‏ قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالمعجزات و الآيات الباهرات. و ها هنا حذف، تقديره: فكذّبوهم، فاستحقّوا (5) العذاب.

فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا: بالتّدمير. و إيراد الظّاهر موضع المضمر، للتّعليل و التخصيص.

وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (47): و رفعنا عنهم السّواء و العذاب.

و كان واجبا علينا نصرهم، بإعلاء الحجّة و دفع الأعداء عنهم. و قد يوقف على «حقّا» على أنّه متعلّق بالانتقام.

و في مجمع البيان‏ (6): و جاءت الرّواية عن أمّ الدّرداء قالت: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه، إلّا كان حقّا على اللَّه أن يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة. ثمّ تلا (7) ذلك.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8): و روى ابن أبي عمير، عن أبي زياد النّهديّ، عن عبد اللَّه بن وهب، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: حسب المؤمن نصرة، أن يرى عدوّه يعمل بمعاصي اللَّه- عزّ و جلّ-.

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ: تهيج.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 309.

(2) المصدر: «الأرباح» بدل «أرباح التجارات.»

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) البقرة/ 245. و الحديد/ 11.

(5) الأصل: «فاستحبّوا.» و ما أثبتناه في المتن موافق سائر النسخ.

(6) مجمع البيان 4/ 309.

(7) المصدر: قراء.

(8) من لا يحضره الفقيه 4/ 284، ح 847.

217

سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ: إن شاء، بسطه مسيرة يوم. و إن شاء، بسطه مسيرة يومين. و يجريها إلى أيّ بلد شاء، و إلى أيّ جهة شاء.

وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً:

قيل‏ (1): قطعا متفرّقة.

و قيل‏ (2): متراكبا بعضه على بعض حتّى يغلظ.

و قيل‏ (3): قطعا (4)، يغطي ضوء الشّمس.

و قراء ابن عامر، بالسّكون. على أنّه مخفّف. أو جمع، كصفة. أو مصدر وصف به‏ (5).

فَتَرَى الْوَدْقَ‏: المطر.

يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ‏:

في مجمع البيان‏ (6): و روى عن علي- (عليه السلام)-: «خلله».

فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏، أي: بلادهم و أراضيهم.

ف إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏ (48): بمجي‏ء الخصب.

وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ‏: المطر.

مِنْ قَبْلِهِ‏:

قيل: تكرير، للتّأكيد و الدّلالة على تطاول عهدهم بالمطر و استحكام يأسهم.

و قيل‏ (7): الضّمير للمطر (8). أو السّحاب. أو الإرسال. لَمُبْلِسِينَ‏ (49): قانطين و آيسين من نزول المطر.

فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ‏: و هو الغيث. من النّبات و الأشجار و أنواع الثّمار. و لذلك جمعه ابن عامر و حمزة و الكسائيّ و حفص‏ (9). كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ‏:

بظهور النّبات و الشّجر.

بَعْدَ مَوْتِها: بعد يبسها. جعل اليبوسة و الجدوبة بمنزلة الموت و ظهور النّبات فيها

____________

(1) مجمع البيان 4/ 309.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: قلعا.

(5) أنوار التنزيل 2/ 224.

(6) نفس المصدر 4/ 308.

(7) أنوار التنزيل 2/ 224.

(8) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ: «إنّ الأوّل من إنزال المطر» بدل «الضمير للمطر.»

(9) نفس المصدر و الموضع.

218

بمنزلة الحياة، توسّعا و استعارة. و هي في الفعل تبعيّة، و في الموت أصليّة.

و قرئ الفعل، بالتّاء. على إسناده إلى ضمير «الرّحمة». (1) إِنَّ ذلِكَ‏: أي: الّذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها.

لَمُحْيِ الْمَوْتى‏: لقادر على إحيائهم في الآخرة بعد كونهم رفاتا.

وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (50): لأنّ نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على السّواء.

وَ لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً: باردة مؤدّية إلى الهلاك. فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا:

قيل‏ (2): فرأوا الزّرع و النّبت، الّذي كان من آثار (3) رحمته مصفرّا من البرد بعد الخضرة و النّظارة. فإنّه مدلول عليه بما تقدّم.

و قيل‏ (4): «الهاء» تعود إلى السّحاب. و معناه: فرأوا السّحاب مصفرّا. لأنّه إذا كان كذلك، لم يكن فيه مطر.

«و اللّام» توطئه للقسم، دخلت على حرف الشّرط. و قوله: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏ (51): جواب، سدّ مسدّ الجزاء. و لذلك فسّر بالاستقبال.

و هذه الآيات ناعية على الكفّار بقلّة تثبّتهم و عدم تدبّرهم و سرعة تزلزلهم، لعدم تفكّرهم و سوء رأيهم. فإنّ النّظر السّويّ يقتضي، أن يتوكّلوا على اللَّه و يلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم و لم ييأسوا من رحمته، و أن يبادروا إلى التّكثّر و الاستدامة بالطّاعة إذا أصأبهم. برحمته و لم يفرّطوا في الاستبشار، و أن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار و لم يكفروا نعمه.

فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏: و هم مثلهم. لمّا سدّوا عن الحقّ مشاعرهم.

وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ: و هم مثلهم. إذ لا ينتفعون بدعائك. لكن لا مطلقا، بل‏ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏ (52): قيّد الحكم به، ليكون أشدّ استحالة. فإنّ الأصمّ المقبل و إنّ لم يسمع الكلام، يفطن منه بواسطة الحركات شيئا.

وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ‏: سمّاهم عميا، لفقدهم المقصد الحقيقي من الإبصار. أو لعمي قلوبهم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 310.

(3) المصدر: أثر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

219

إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا: فإنّ إيمانهم يدعوهم إلى تلقّي اللّفظ و تدبّر المعنى. و يجوز أن يراد بالمؤمن: المشارف للإيمان.

فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏ (53): منقادون لأمر اللَّه.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ‏: خلقكم من أصل ضعيف. و هو النّطفة.

و قيل‏ (1): ابتدأكم ضعفاء. و جعل الضّعفة أساس أمركم، بأن خلقكم أطفالا لا تقدرون على البطش و المشي و التّصرّفات.

ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً: و ذلك إذا تعلّق الرّوح بأبدانكم، و إذا بلغتم الحلم.

ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً: في حال الشّيخوخة و الكبر.

و فتح عاصم و حمّزة الضّاد في جميعها. و هما لغتان. كالفقر و الفقر. و التّنكير مع التّكرير، لأنّ المتأخّر ليس عين المتقدّم‏ (2).

يَخْلُقُ ما يَشاءُ: من ضعف، و قوّة، و شيبة.

وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54): فإنّ التّرديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره، دليل العلم و القدرة.

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ: القيامة.

قيل‏ (3): سمّيت بها، لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدّنيا. أو لأنّها تقع بغتة.

و صارت علما لها، بالغلبة. كالكوكب للزّهرة.

يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ‏: يحلفون.

ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ: واحدة في الدّنيا. أو في القبور. أو فيما بين فناء الدّنيا و البعث و انقطاع [عذابهم، و استقلّوا مدّة لبثهم إضافة إلى مدّة عذابهم في الآخرة. أو نسيانا.

قال البيضاويّ‏ (4): و في الحديث: ما بين‏] (5) فناء الدّنيا و البعث أربعون. و هو محتمل للسّاعات و الأيام و الأعوام. أقول: و يحتمل أن يكون المراد: و أربعون عقبة تمكّن.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك الصّرف عن الصّدق و التّحقيق.

كانُوا يُؤْفَكُونَ‏ (55): يصرفون. صرفهم جهلهم عن الحقّ في الدّارين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 225.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 225.

(5) ليس في ن.

220

و قيل‏ (1): أي: يكذبون.

و من استدلّ بهذه الآية على نفي عذاب القبر، فقد أبعد لاحتمال أن يراد: أنّهم ما لبثوا بعد عذاب اللَّه إلّا ساعة. أو عدوّا مكثهم في عذاب القبر ساعة، بالقياس إلى مكثهم في عذاب جهنّم‏ (2).

وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ‏:

قيل‏ (3): من الملائكة. أو من الإنس.

و قيل‏ (4): هم الأنبياء.

و قيل‏ (5): هم المؤمنون و قيل‏ (6): إنّ هذا على التّقديم. و تقديره: و قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله و هم الّذين يعلمون كتاب اللَّه و الإيمان. و هو قول عليّ بن إبراهيم في تفسيره.

لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ‏: في علمه. أو قضائه. أو ما كتبه لكم، أي:

أوجبه. أو اللّوح. أو القرآن. و هو قوله‏ (7): وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ‏.

إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ‏: ردّوا بذلك ما قالوه و حلفوا عليه.

فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ‏: الّذي أنكرتموه.

وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (56): أنّه حقّ. لتفريطكم في النّظر.

و «الفاء» لجواب شرط محذوف. تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، أي: فقد تبيّن بطلان إنكاركم.

و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في وصف الإمام و الإمامة، و ذكر فضل الإمام و رتبته، حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: ثمّ أكرمه اللَّه- عزّ و جلّ- بأن جعلها في ذرّيّته و أهل الصّفوة و الطّهارة. فقال- عزّ و جلّ- (9):

____________

(1) مجمع البيان 4/ 310.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: «بالقياس إلى عذاب جهنّم» بدل «في عذاب جهنم.»

(3) أنوار التنزيل 2/ 225.

(4) الكشاف 3/ 227.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمي 2/ 160 و تفسير الصافي 4/ 138، نقلا عنه.

(7) المؤمنون/ 100.

(8) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 171- 172، ح 1.

(9) الأنعام/ 84- 85.

221

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ* وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ. فلم يزل في ذرّيّته. يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا، حتّى ورثها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال اللَّه- جلّ جلاله- (1): إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. فكانت له خاصّة فقلّدها- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عليّا- (عليه السلام)- بأمر اللَّه- عزّ و جلّ- على رسم ما فرض‏ (2) اللَّه- تعالى- فصارت في ذرّيّته الأصفياء، الّذين آتاهم اللَّه- تعالى- العلم و الإيمان بقوله: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ‏ فهي في ولد عليّ- (عليه السلام)- خاصّة إلى يوم القيامة. إذ لا نبيّ بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و في أصول الكافي‏ (3): عن الرّضا- (عليه السلام)- مثله سواء.

فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ‏:

و قراء الكوفيّون، بالياء. لأنّ المعذرة بمعنى: العذر. أو لأنّ تأنيثها غير حقيقيّ، و قد فصل بينهما. (4) وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏ (57): لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم، أي: إزالة عتبهم من التّوبة و الطّاعة، كما دعوا إليه في الدّنيا. من قولهم: استعتبني فلان فأعتبته، أي:

استرضاني فأرضيته.

وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏: و لقد وصفناهم فيه بأنواع الصّفات، الّتي هي في الغرابة كالأمثال، مثل: صفة المبعوثين يوم القيامة، و ما يقولون، و ما يقال لهم، و ما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة و الاستعتاب. أو بيّنّا لهم من كلّ مثل، ينبّههم على التّوحيد و البعث و صدق الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ: من آيات القرآن.

لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: من فرط عنادهم، و قساوة قلوبهم.

إِنْ أَنْتُمْ‏، يعنون: الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المؤمنين.

إِلَّا مُبْطِلُونَ‏ (58): مزوّرون.

____________

(1) آل عمران/ 68.

(2) المصدر: فرضها.

(3) الكافي 1/ 199، ح 1.

(4) أنوار التنزيل 2/ 225.

222

كَذلِكَ‏: مثل ذلك.

يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (59): لا يطلبون العلم، و يصرّون على خرافات اعتقدوها. فإنّ الجهل المركّب، يمنع إدراك الحقّ و يوجب تكذيب المحقّ.

فَاصْبِرْ: على أذاهم.

إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏: بنصرتك، و إظهار دينك على الدّين كلّه.

حَقٌ‏: لا بدّ من إنجازه.

وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ‏: و لا يحملنّك على الخفّة و القلق.

الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏ (60): بتكذيبهم و إيذائهم. فإنّهم شاكّون ضالّون لا يستبعد منهم ذلك.

و عن يعقوب بتخفيف النّون. (1) و قرئ: «و لا يستخفّنّك»، أي: لا يزيغنّك فيكونوا أحقّ بك من المؤمنين. (2)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): لا يَسْتَخِفَّنَّكَ‏، أي: لا يغضبنّك قال: كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)- يصلّي و ابن الكواء خلفه و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يقرأ.

فقال ابن الكواء (4): وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. فسكت أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- حتّى سكت ابن الكواء.

ثمّ عاد في قراءته. ثمّ فعل ابن الكواء ثلاث مرّات. فلمّا كان في الثّالثة، قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن الجارود، عن موسى بن بكر، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر (عليه السلام)-: «أنّ زيد بن عليّ بن الحسين دخل على أبي جعفر محمّد بن عليّ و معه كتب من أهل الكوفة.

يدعون فيها إلى أنفسهم و يخبرونه باجتماعهم. و يأمرونه بالخروج.

فقال له أبو جعفر: هذه الكتب ابتداء منهم أو جواب ما كتبت به إليهم و دعوتهم إليه؟

فقال: بل ابتداء من القوم. لمعرفتهم بحقّنا و بقرابتنا من رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

1 و 2- نفس المصدر 2/ 226.

(3) تفسير القمي 2/ 160.

(4) الزمر/ 65.

(5) الكافي 1/ 356- 357، صدر حديث 16.

223

و آله و سلم- و لما يجدون في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- من وجوب مودّتنا و فرض طاعتنا، و لما نحن فيه من الضّيق و الضّنك و البلاء.

فقال له أبو جعفر: إنّ الطّاعة مفروضة من اللَّه- عزّ و جلّ- و سنة أمضاها في الأوّلين، و كذلك يجريها في الآخرين. و الطّاعة لواحد منّا و المودّة للجميع. و أمر اللَّه يجري لأوليائه بحكم موصول‏ (1)، و قضاء مفصول، و حتم مقضيّ، و قدر مقدور، و أجل مسمّى لوقت‏ (2) معلوم ف لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ. إنّهم لن يغنوا عنك من اللَّه شيئا. فلا تعجل. فإنّ اللَّه لا يجعل لعجلة العباد. و لا تسبقنّ‏ (3) اللَّه، فتعجلك‏ (4) البليّة فتصرعك.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: مفصول.

(2) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ: أو وقت.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ لا تستبقن.

(4) المصدر: فتعجزك.

225

تفسير سورة لقمان‏

227

سورة لقمان مكّيّة.

و قيل‏ (1): «إلّا آية. و هي‏ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ. فإنّ وجوبهما بالمدينة» و هو ضعيف. لأنّه لا ينافي شرعيّتهما بمكّة.

و قيل: إلّا ثلاثا. من قوله: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ‏ إلى آخرهن.

عدد آيها أربع، أو ثلاث و ثلاثون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2) بإسناده، عن أبي جعفر (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة لقمان في ليلة (3)، وكّل اللَّه به في ليلته ملائكة يحفظونه من إبليس و جنوده حتّى يصبح. فإذا قرأها بالنّهار، لم يزالوا يحفظونه من إبليس و جنوده حتّى يمسي.

و في مجمع البيان‏ (4): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: و من قرأ سورة لقمان، كان لقمان له رفيقا يوم القيامة. و أعطي من الحسنات عشرا، بعدد من عمل بالمعروف و عمل بالمنكر.

الم‏ (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ‏ (2): تقدّم تفسيره في سورة يونس.

هُدىً وَ رَحْمَةً: منصوبان بالحاليّة من «الآيات». و العامل فيهما معنى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 226.

(2) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(3) المصدر: في كل ليلة.

(4) مجمع البيان 4/ 312.

228

الإشارة. و رفعهما حمزة على الخبر بعد الخبر. أو الخبر المحذوف. (1) لِلْمُحْسِنِينَ‏ (3): للّذين يحسنون العمل.

و قيل‏ (2): للمطيعين. و قيل: للموحّدين.

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏ (4):

بيان لإحسانهم. أو تخصيص لهذه الثّلاثّة من شعبه، لفضل اعتداد بها. و تكرير الضّمير، للتّوكيد و لما حيل بينه و بين خبره.

أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (5): لاستجماعهم العقيدة الحقّة، و العمل الصّالح.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‏: ما يلهى عمّا يغني. كالأحاديث الّتي لا أصل لها، و الأساطير الّتي لا اعتبار فيها، و المضاحيك، و فضول الكلام. و الإضافة بمعنى: من. و هي تبيينيّة، إن أراد بالحديث المنكر. و تبعيضيّة، إن أراد به الأعمّ منه.

و قيل‏ (3): نزلت في النّضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدّار بن قصيّ بن كلاب. كان يتّجر، فيخرج إلى فارس. فاشترى كتب الأعاجم. «و كان يحدّث بها قريشا و يقول: إن كان محمّد يحدّثكم بحديث عاد و ثمود، فأنا أحدّثكم بحديث رستم و إسفنديار و الأكاسرة. فيستحلون حديثه و يتركون استماع القرآن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ فهو النّضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة من بني عبد الدّار بن قصيّ بن كلاب. و كان النّضر ذا رواية لأحاديث النّاس و أشعارهم. يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏.

و قيل‏ (5) [: نزل‏] (6) في رجل اشترى جارية مغنّية (7) تغنّيه ليلا و نهارا.

و قيل‏ (8): كان يشتري القيان و يحملهنّ على معاشرة من أراد الإسلام و منعه عنه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 226.

(2) مجمع البيان 4/ 313.

(3) مجمع البيان 4/ 313 و أنوار التنزيل 2/ 227.

(4) تفسير القمي 2/ 161.

(5) مجمع البيان 4/ 313.

(6) من المصدر.

(7) ليس في المصدر.

(8) أنوار التنزيل 2/ 227.

229

و في كتاب معاني الأخبار (1): حدّثنا محمّد بن الحسن [بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن‏] (2) الصّفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن يحيى بن عبادة، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)- قلت: قوله- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‏.

قال: منه الغناء.

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)- عن كسب المغنّيات.

فقال: الّتي يدخل عليها الرّجال حرام. و الّتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس.

و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (4)، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن إسماعيل، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الغناء ممّا أوعد (5) اللَّه- عزّ و جلّ- عليه النّار. و تلا هذه الآية: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‏.

ابن أبي عمير، عن مهران بن محمّد (6)، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الغناء ممّا قال اللَّه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (7)، عن الوشّاء قال: سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الغناء.

فقال: هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

____________

(1) السند المذكور هنا هو سند حديث آخر في المعاني موجود في باب تسبق باب متن الحديث المذكور هنا ببابين بينهما. (ص 349، ح 1) و أمّا سند المتن المذكور هنا فهو في المصدر هكذا:

حدّثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلويّ* * * (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه قال: حدّثنا الحسين بن أشكيب قال:

حدّثنا محمّد بن السري عن الحسين بن سعيد، عن أبي احمد محمد بن أبي عمير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام).

(2) ليس في م.

(3) الكافي 5/ 119، ح 1.

(4) نفس المصدر 6/ 431، ح 4.

(5) المصدر: وعد.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(7) نفس المصدر 6/ 432، ح 8.

230

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (1)، عن ابن أبي عمير، عن مهران بن محمّد، عن الحسن بن هارون قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: الغناء مجلس لا ينظر اللَّه إلى أهله.

و هو ممّا قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى أبو أمامة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: لا يحلّ تعليم المغنيّات و لا بيعهنّ. و أثمانهنّ حرام. و قد نزل تصديق ذلك في كتاب اللَّه‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‏ و الّذي نفسي بيده، ما رفع رجل عقيرته يتغنّى إلّا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره و صدره حتّى يسكت.

و اعلم، أنّ هذه الآية صريحة في حرمة الغناء. بناء على تلك الأخبار.

و قال في القاموس‏ (3): الغناء، ككساء. من الصّوت: ما طرب به. و قال فيه‏ (4):

الطّرب، محركة الفرح و الحزن «ضدّ» أو خفّة تلحقك، تسرّك أو تحزنك. و تخصيصه بالفرح وهم و الحركة و الشّوق. و رجل مطراب و مطرابة و طروب. و استطرب: طلب الطّرب.

و الإبل: حرّكها بالحداء و التّطريب: الإطراب. كالتّطرّب و التّغنّي. (انتهى).

فعلى هذا، الغناء: الصّوت المفرح أو المحزن. و هو حرام. يجب اجتنابه في كلّ صوت، بكلّ وجه، حيث لا تخصيص.

و قد روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (5) أنّه قال: من ملأ مسامعه من غناء، لم يؤذن له أن يسمع صوت الرّوحانيّين يوم القيامة.

قيل: و ما الرّوحانيّون يا رسول اللَّه؟

قال: قرّاء أهل الجنّة.

و في مجمع البيان‏ (6): و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: هو الطّعن في الحقّ‏ (7) و الاستهزاء به، و ما كان أبو جهل و أصحابه يجيئون به. إذ قال: يا معاشر قريش، ألا أطعمكم من الزّقّوم الّذي يخوّفكم به صاحبكم؟ ثمّ أرسل إلى زبد و تمر، فقال: هذا هو الزّقّوم الّذي يخوّفكم به. قال: و منه الغناء.

____________

(1) نفس المصدر 6/ 433، ح 16.

(2) مجمع البيان 4/ 313.

(3) القاموس المحيط 4/ 372.

(4) نفس المصدر 1/ 97.

(5) مجمع البيان 4/ 314.

(6) نفس المصدر 4/ 313.

(7) المصدر: بالحق.

231

و روى الواحديّ‏ (1) بالإسناد: عن نافع، عن ابن عمر (2) أنّه سمع عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول في هذه الآية: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‏ قال:

باللّعب و الباطل كثير النّفقة، سمع فيه‏ (3) و لا تطيب نفسه بدرهم يتصدّق به.

فعلى هذا، يدخل فيه كلّ شي‏ء يلهى عن سبيل اللَّه و عن طاعته من الأباطيل و المزامير و الملاهي و المعازف. و يدخل فيه السّخرية بالقرآن و اللّغو فيه.

لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏، أي: ليضلّ غيره.

و سبيل الله دينه. أو قراءة القرآن.

و قراء ابن كثير و أبو عمرو، بفتح الياء. بمعنى: ليثبت على ضلاله و يزيد فيه‏ (4). أو ليصير أمره إلى الضّلال. و هو و إن لم يشتر للضّلالة، فإنّه يصير أمره إلى ذلك. و حسب المرء من الضّلالة، أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ.

بِغَيْرِ عِلْمٍ‏: في موضع النّصب على الحال، أي: ليضلّ النّاس جاهلا، أو غير عالم. و هو حال مؤكّد.

و يحتمل أن يتعلّق «بيشتري»، أي: يشتري من غير علم. بحال ما يشتريه. أو بالتّجارة، حيث استبدل اللّهو بالقرآن.

وَ يَتَّخِذَها هُزُواً: و يتّخذ السّبيل سخرية. أو آيات اللَّه هزوا يستهزئ بها.

و قد نصبه حمزة و الكسائي و يعقوب و حفص، عطفا على «ليضلّ» (5).

أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‏ (6): يهينهم اللَّه به. لإهانتهم الحقّ، باستئثار الباطل عليه.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً: أي: أعرض عن سماعها، رافعا نفسه فوق مقدارها.

كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها: مشابها حاله حال من لم يسمعها.

كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً: مشابها من في أذنيه ثقل لا يقدر أن يسمع.

و الأولى، حال من المستكنّ في «ولّى» أو «مستكبرا» و الثّانية، بدل منها. أو

____________

(1) نفس المصدر 4/ 314.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابن أبي عمير.

(3) الأصل: فيه الملاهي.

(4) أنوار التنزيل 2/ 227.

(5) نفس المصدر و الموضع.

232

حال من المستكنّ في «لم يسمعها».

و يجوز أن يكونا استئنافين. [أ] و الأولى حالا، و الثّانية استئنافا.

فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (7): أعلمه بعذاب مؤلم موجع، يحيق به لا محالة. و ذكر البشارة، على سبيل الاستعارة التّبعيّة التّهكّميّة.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ‏ (8): مبتدأ و خبر.

قدّم الخبر، لإفادة الاختصاص، أي لهم لا لغيرهم نعيم الجنّات. فعكس للمبالغة. و قيل‏ (1):

رفع الجنّات بالظّرف، على المذهبين. لأنّه جرى [خبرا على المبتدأ.

و يردّ عليه فوت الدّلالة على الاختصاص.

خالِدِينَ فِيها: حال من الضّمير في «لهم». أو من «جنّات» و العامل‏] (2) ما تعلّق به «اللّام».

وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا:

قيل‏ (3): مصدران مؤكّدان. الأوّل لنفسه. و الثّاني لغيره. لأنّ قوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ‏ وعد. و ليس‏ (4) كلّ وعد حقّا.

و فيه: أنّ المصدر المؤكّد وَعْدَ اللَّهِ‏ لا الوعد المطلق. و لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ‏ يحتمل مضمونه وعد غير اللَّه. و وعد اللَّه لا يحتمل غير الحقّ. فالمصدر الأوّل مؤكّد لغيره. و الثّاني بعد تقيّده بالمؤكّد الأوّل مؤكّد لنفسه. على عكس ما قاله ذلك القائل.

و قيل‏ (5): وَعْدَ اللَّهِ‏ مصدر فعل محذوف. و حقا صفة للمصدر. تقديره: وعد اللَّه.

وعدا حقّا.

و فيه: أنّه إن جعل «حقّا» وصفا للوعد المذكور، يلزم الاختلاف بين الصّفة و الموصوف. و إلّا يلزم الحذف بدون داع.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: الّذي لا يغلبه شي‏ء. فيمنعه عن إنجاز وعده و وعيده.

الْحَكِيمُ‏ (9): الّذي لا يفعل إلّا ما تقتضيه حكمته.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 313.

(2) ليس في م.

(3) أنوار التنزيل 2/ 227.

(4) هنا زيادة في م و هي: «على المبتدأ أو يردّ عليه فوت الدلالة على الاختصاص‏ خالِدِينَ فِيها حال من الضمير في «لهم» أو من «جنات» و العامل» و لا داعي لها. لأنّها وردت قبل قليل.

(5) مجمع البيان 4/ 313.

233

خَلَقَ السَّماواتِ‏: استئناف، أي: أنشأها و اخترعها.

بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها: جملة في موضع جرّ. لكونها صفة «لعمد»، أي: بغير عمد مرئيّة.

و جوّز أن يكون «غير» بمعنى: لا. و على الوجهين يتعلق «الباء» «بخلق».

و يجوز أن يكون «الباء» للحال من «السّماوات». و أن يتعلّق «بترون». و الجملة في موضع نصب على الحال من «السّماوات».

قيل‏ (1): لو كان لها عمد، لرأيتموها. لأنّها [لو] (2) كانت [، تكون‏] (3) أجساما عظاما حتّى يصحّ منها أن تقلّ السّماوات. و لو كانت كذلك، لاحتاجت إلى عمد أخر فكان يتسلسل. فإذا لا عمد لها.

و لا يخفى ما في هذا الكلام من الضّعف. فإنّ من الجائز أن يكون لها عمد و لا ترونها. أو يكون لها عمد لا يحتاج إلى عمد آخر.

و قيل‏ (4): إنّ المراد، بغير عمد مرئيّة. و المعنى: أنّ لها عمدا، لا ترونها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت له: أخبرني عن قول اللَّه- تعالى- (6): وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ‏.

فقال: هي محبوكة إلى الأرض. و شبك بين أصابعه.

فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض و اللَّه يقول‏ (7): رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؟

فقال: سبحان اللَّه، أليس يقول: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؟

فقلت: بلى.

فقال: فثمّ عمد و لكن لا ترونها.

____________

(1) نفس المصدر 4/ 314.

2 و 3- من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 328.

(6) الذاريات/ 7.

(7) الرعد/ 2.

234

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)-: فمن شواهد خلقه، خلق السّماوات موطّدات‏ (2) بلا عمد، قائمات بلا سند.

و فيه: كلام له- (عليه السلام)- (3) يذكر فيه خلق السّماوات: جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا، و علياهنّ سقفا محفوظا، و سمكا مرفوعا، بغير عمد تدعمها، و لا دسار ينتظمها.

و في كتاب الإهليلجة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: فنظرت العين إلى خلق مختلف‏ (5)، متّصل بعضه ببعض. فدّلت‏ (6) القلب على أنّ لذلك خالقا. و ذلك أنّه فكّر حيث دلّته‏ (7) العين على ما عانيت، من عظم‏ (8)، السّماء و ارتفاعها في الهواء بغير عمد و لا دعامة تمسكها. و أنّها لا تتأخّر، (9) فتنكشط. و لا تتقدّم‏ (10)، فتزول. و لا تهبط مرّة، فتدنو. و لا ترتفع، فلا ترى.

وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ‏: جبالا شوامخ.

و قيل‏ (11): ثابتة.

أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏: في موضع نصب على المفعول له «لألقى» أي: كراهة أن تميد بكم.

و الميد، و الميدان: التّحرّك. فإنّ تشابه أجزائها، يقتضي تبدّل أحيازها و أوضاعها.

لامتناع اختصاص كلّ منها لذاته. أو شي‏ء (12) من لوازمه. بحيّز و وضع معيّنين.

وَ بَثَّ فِيها، أي: فرّق في الأرض.

مِنْ كُلِّ دابَّةٍ: تدبّ على وجهها. من أنواع الحيوانات.

وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً، أي: مطرا. و فيه التفات من الغيبة إلى التّكلّم.

____________

(1) نهج البلاغة/ 261، ضمن خطبة 182.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: موطبات.

(3) نفس المصدر/ 41، ضمن خطبة 1.

(4) بحار الأنوار 3/ 162.

(5) ليس في المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: و دلّها.

(7) المصدر: «على ما عاينت و تفكّر و القلب حين دلّته» بدل «على أنّ لذلك خالقا و ذلك أنّه فكّر حيث دلّته.»

(8) المصدر: ملكوت.

(9) المصدر: «لا تؤخرّ مرّة أخرى فتنأى» بدل «لا تتأخّر.»

(10) المصدر: و لا تقدّم أخرى.

(11) مجمع البيان 4/ 314.

(12) هكذا في ن. و في سائر النسخ: أي لشي‏ء.

235

فَأَنْبَتْنا فِيها: في الأرض، بذلك الماء.

مِنْ كُلِّ زَوْجٍ‏: صنف.

كَرِيمٍ‏ (10): كثير المنفعة. و كأنّه استدلّ بذلك على عزّته الّتي هي كمال القدرة، و حكمته الّتي هي كمال العلم.

هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏: هذا الّذي ذكر مخلوقه. فما ذا خلق آلهتكم، حتّى استحقّوا مشاركته؟

و «أروني» من الرّؤية العلميّ، أي: دلّوني عليه. و هو يتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل:

أولهما ضمير المتكلّم. و الثّاني «ما» الاستفهاميّة. و الثّالث «ذا» بصلته، أي: أروني أيّ شي‏ء خلقه آلهتكم؟ و التّعليق إنّما هو، إذا كان إرادة (1) التّعليق مقدّما على العمل.

و قيل‏ (2): «ما ذا» نصب‏ (3) «بخلق»، أو «ما». مرتفع بالابتداء. و خبره «ذا» بصلته. و «أروني» معلّق‏ (4) عنه.

و يردّ على الأوّل، بقاء «أروني» بلا مفعول، أو مفعولين. و على الثّاني، احتمال كون الاسمين منصوبين على المفعوليّة كما ذكرناه. و حكاية التّعليق قد سمعتها.

بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (11): إضراب عن تبكيتهم إلى التّسجيل عليهم بالإضلال، الّذي لا يخفى على ناظر. و وضع الظّاهر موضع المضمر، للدّلالة على أنّهم ظالمون بإشراكهم.

وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ:

قيل‏ (5): إنّ لقمان لم يكن نبيّا، و كان حكيما. و قيل: كان نبيّا.

و قيل‏ (6): خيّر بين الحكمة و النّبوّة، فاختار الحكمة.

و قيل‏ (7): إنّه عاش ألف سنة، حتّى أدرك داود- (عليه السلام)- و أخذ منه العلم.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: أداة.

(2) أنوار التنزيل 2/ 227- 228.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: بمنزله اسم واحد منصوب.

(4) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

متعلّق.

(5) مجمع البيان 4/ 315.

(6) الكشاف 3/ 231.

(7) أنوار التنزيل 2/ 228.

236

و من قال: إنّه نبيّ، فسّر الحكمة بالنّبوّة (1). و من قال: لم يكن نبيّا، فسّرها بالفهم و المعرفة و العقل.

و في أصول الكافي‏ (2): [أبو عبد اللَّه الأشعري، عن‏] (3) بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، إنّ اللَّه قال:

وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ قال: الفهم و العقل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): أخبرنا الحسين بن محمّد، عن المعلى بن محمّد، عن عليّ بن محمّد، عن بكر بن صالح، عن جعفر بن يحيى، عن عليّ بن النّضر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: جعلت فداك [ما تقول في‏] (5) قوله: وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ؟

قال: أوتي معرفة إمام زمانه.

و في مجمع البيان‏ (6): و روي، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: حقّا أقول لم يكن لقمان نبيّا و لكن كان عبدا كثير التّفكّر حسن اليقين. أحبّ اللَّه فأحبّه و منّ عليه بالحكمة. كان نائما نصف النّهار. إذ جاءه نداء:

يا لقمان، هل لك أن يجعلك اللَّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس بالحقّ؟

فأجاب الصّوت: إن خيّرني ربّي، قبلت العافية و لم أقبل البلاء. و إن هو عزم عليّ، فسمعا و طاعة. فإنّي أعلم أنّه إن فعل بي ذلك، أعانني و عصمني.

فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟

قال: لأنّ الحكم أشدّ المنازل و آكدها. يغشاه الظّلم من كلّ مكان. إن وفي، فبالحريّ أن ينجو. و إن أخطأ، أخطأ طريق الجنّة. و من يكن في الدّنيا ذليلا و في الآخرة شريفا، خير من أن يكون في الدّنيا شريفا و في الآخرة ذليلا. و من يختر الدّنيا على الآخرة، تفّته الدّنيا و لا يصيب الآخرة. فتعجّبت الملائكة من حسن منطقه. فنام نومة، فأعطي الحكمة

____________

(1) مجمع البيان 4/ 315، باختلاف لفظي.

(2) الكافي 1/ 16، ضمن حديث 12، و اوّله في ص 13.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمي 2/ 161.

(5) ليس في المصدر.

(6) مجمع البيان 4/ 315- 316.

237

فانتبه يتكلم بها. ثم كان يؤازر (1) داود بحكمته. فقال له داود: طوبى لك- يا لقمان- أعطيت الحكمة، و صرفت عنك البلوى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حمّاد قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن لقمان و حكمته الّتي ذكرها اللَّه- عزّ و جلّ-.

فقال: أما و اللَّه، ما أوتي لقمان الحكمة بحسب و لا مال و لا أهل و لا بسط في جسم و لا جمال. و لكنّه كان رجلا قويّا في أمر اللَّه، متورّعا في اللَّه، ساكتا، مسكينا، عميق النّظر، طويل الفكر، حديد النّظر، مستغن بالعبر لم ينم نهارا قطّ. و لم يره أحد من النّاس على بول و لا غائط و لا اغتسال، لشدّة تستّره، و عمق نظره، و تحفّظه في أمره. و لم يضحك من شي‏ء قطّ، مخافة الإثم. و لم يغضب قطّ. و لم يمازح إنسانا قطّ. و لم يفرح بشي‏ء إن أتاه من أمر الدّنيا، و لا حزن منها على شي‏ء قطّ. و قد نكح من النّساء، و ولد له من الأولاد الكثير. و قدّم أكثرهم إفراطا، فما بكى على موت أحد منهم. و لم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان، إلّا أصلح بينهما. و لم يمض عنهما، حتّى تحابّا. و لم يسمع قولا قطّ من أحد استحسنه، إلّا سأل عن تفسيره و عمّن أخذه. و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء. و كان يغشى القضاة و الملوك و السّلاطين. فيرثي للقضاة ممّا ابتلوا به، و يرحم الملوك و السّلاطين لغرّتهم باللَّه و طمأنينتهم في ذلك. و يعتبر و يتعلم ما يغلب به نفسه، و يجاهد به هواه، و يحترز به من الشّيطان. و كان يداوي قلبه بالفكر، و يداوي نفسه بالعبر. و كان لا يظعن، إلّا فيما يعنيه. فبذلك أوتي الحكمة و منح العصمة.

و أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار و هدأت العيون بالقائلة، فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم. فقالوا: يا لقمان، هل لك أن يجعلك اللَّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس؟

فقال لقمان: إنّ أمرني اللَّه بذلك، فالسّمع و الطّاعة. لأنّه إن فعل بي ذلك، أعانني عليه و علّمني و عصمني. و إن هو خيّرني، قبلت العافية.

فقالت الملائكة: يا لقمان، لم [قلت ذلك؟] (3)

____________

(1) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

يوازي.

(2) تفسير القمي 2/ 161- 163.

(3) من المصدر.

238

قال: لأنّ الحكم بين النّاس أشدّ المنازل من الدّين، و أكثر فتنا و بلاء. ما يخذل و لا يعان، و يغشاه الظّلم من كلّ مكان. و صاحبه فيه بين أمرينه: إن أصابا فيه الحقّ، فبالحريّ أن يسلم. و إن أخطأ، أخطأ طريق الجنّة. و من يكن في الدّنيا ذليلا ضعيفا، كان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكما سريّا شريفا. و من اختار الدّنيا على الآخرة، يخسرهما كلتيهما. تزول هذه و لا يدرك تلك.

و لا يدرك تلك.

قال: فتعجّب الملائكة من حكمته، و استحسن الرّحمن منطقه. فلمّا أمسى و أخذ مضجعه من اللّيل، أنزل اللَّه عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم. و غطّاه بالحكمة غطّا. فاستيقظ، و هو أحكم النّاس في زمانه. و خرج على النّاس ينطق بالحكمة و يثبتها (1) فيها.

قال: فلمّا أوتي الحكم‏ (2) بالخلافة و لم يقبلها، أمر اللَّه- عزّ و جلّ- الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها، و لم يشترط فيها بشرط لقمان. فأعطاه اللَّه- عزّ و جلّ- الخلافة في الأرض.

و ابتلى بها غير مرّة، كلّ ذلك يهوي في الخطأ يقيله اللَّه- تعالى- و يغفر له. و كان لقمان يكثر زيارة داود- (عليه السلام)- و يعظه بمواعظه و حكمته و فضل علمه. و كان داود- (عليه السلام)- يقول له: طوبى لك- يا لقمان- أوتيت الحكمة و صرفت عنك البليّة. و أعطي داود الخلافة و ابتلي بالحكم و الفتنة.

و لا يخفى ما في دلالة الخبرين، على أنّه خيّر بين النّبوّة و الحكمة فاختار الحكمة.

و في مجمع البيان‏ (3): و قيل: إنّه كان عبدا أسودا، حبشيّا، غليظ المشافر، مشقوق الرّجلين في زمن داود.

و قال له بعض النّاس: أ لست كنت ترعى معنا؟

قال: نعم.

قال: فمن أين أوتيت ما أرى؟

قال: قدر اللَّه، و أداء الامانة، و صدق الحديث، و الصّمت عمّالا يعنيني.

و قيل: إنّه كان ابن أخت أيّوب.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ينهى.

(2) هكذا في تفسير نور الثقلين 4/ 198، نقلا عن المصدر. و أمّا في المصدر و النسخ: الحكمة.

(3) مجمع البيان 4/ 315.

239

و قيل: كان ابن خالة أيّوب.

و فيه‏ (1): ذكر في التّفسير أنّ مولاه دعاه، فقال: اذبح شاة، فآتني بأطيب مضغتين فيها. فذبح شاة، و أتاه بالقلب و اللّسان. [ثمّ بعد أيّام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين. فأتى بهما- أيضا-] (2) فسأله عن ذلك.

فقال: إنّهما أطيب شي‏ء، إذا طابا. و أخبث شي‏ء، إذا خبثا.

و قيل: إنّ مولاه دخل المخرج، فأطال فيه الجلوس. فناده لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة يفجع منه الكبد، و يورث منه الباسور، و تصعد الحرارة إلى الرّأس. فاجلس هونا، و قم هونا.

قال: فكتبت حكمته على باب الحشّ. (3) [أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ‏:

قيل‏ (4): لأن اشكر للَّه. أو أي: اشكر. فإنّ إيتاء الحكمة في معنى القول.

و قيل‏ (5): قلنا له: اشكر] (6) وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‏: لأنّ نفعه عائد إليه. و هو دوام النّعمة، و استحقاق مزيدها.

وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ‏: لا يحتاج إلى الشّكر.

حَمِيدٌ (12): حقيق بالحمد، و إن لم يحمد. أو محمود، نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال. و وضع «الكفر» موضع لم يشكر، للمبالغة في توبيخ من لم يشكر.

وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ‏، أي: اذكر يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إذ قال:

وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ (7) إذ قال لقمان.

لِابْنِهِ‏: و هو أنعم. أو أشكم. يقال: وشكم. أو ماثان‏ (8).

وَ هُوَ يَعِظُهُ‏: حال من «لقمان».

أو ابنه، أي: قال له في حال يؤدّبه و يذكّره.

____________

(1) نفس المصدر 4/ 316- 317.

(2) ليس في المصدر.

(3) الحش: الكنيف، و المتوضّأ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 228.

(5) مجمع البيان 4/ 316. و له تتمة.

(6) ليس في أ.

(7) ص/ 20.

(8) أنوار التنزيل 2/ 228. و ليس فيه: وشكم.

240

يا بُنَيَ‏: تصغير إشفاق.

و قراء ابن كثير: «يا بني» بإسكان الياء (1). إجراء للوصل مجرى الوقف.

لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ‏، أي: لا تعدل باللَّه شيئا في العبادة.

قيل‏ (2): كان كافرا. فلم يزل به، حتّى أسلم. و من وقف على «لا تشرك» جعل «باللَّه» قسما.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3)، في الحقوق المروّية عن سيّد العابدين- (عليه السلام)-: حقّ اللَّه الأكبر عليك أن تعبده و لا تشرك به شيئا. فإذا فعلت ذلك بإخلاص، جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدّنيا و الآخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، في الحديث السّابق، متّصلا بقوله: و ابتلى بالحكم و الفتنة. ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏. قال: فوعظ لقمان ابنه‏ (5) ماثان‏ (6)، حتّى تفطّر و انشقّ. (7) و كان فيما وعظ به- يا حمّاد- أن قال: يا بنيّ، إنّك منذ سقطت إلى الدّنيا استدبرتها و استقبلت الآخرة. فدار أنت إليها تسير، أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد.

يا بنيّ، جالس العلماء و زاحمهم بركبتيك. و لا تجادلهم، فيمنعوك. و خذ من الدّنيا بلاغا و لا ترفضها، فتكون عيالا على النّاس. و لا تدخل فيها دخولا يضرّ بآخرتك. و صم صوما يقطع شهوتك. و لا تصم صياما (8) يمنعك من الصّلاة. فإنّ الصّلاة أحبّ إلى اللَّه- تعالى- من الصّيام.

يا بنيّ، إنّ الدّنيا بحر عميق. قد هلك فيها عالم كثير. فاجعل سفينتك فيها الإيمان.

و اجعل شراعها التّوكّل. و اجعل زادك فيها تقوى اللَّه. فإن نجوت، فبرحمة اللَّه. و إن هلكت، فبذنوبك.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 228.

(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 376، صدر حديث 1626.

(4) تفسير القمي 2/ 163- 165.

(5) المصدر: لابنه.

(6) هكذا في ن. و في م: «ماتان.» و في سائر النسخ و المصدر: «باثار.»

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعظل و أشق.

(8) المصدر: صوما.

241

يا بنيّ، إن تأدّبت صغيرا انتفعت به كبيرا. و من عنى‏ (1) بالأدب أهتمّ به. و من اهتمّ به تكلّف علمه. و من تكلّف علمه اشتدّ له طلبه. و من اشتدّ له طلبه أدرك منفعته. فاتّخذه عادة. فانّك تخلف في سلفك‏ (2)، و ينتفع‏ (3) به من خلفك، و يرتجيك‏ (4) فيه راغب، و خشي صولتك راهب. و إيّاك و الكسل عنه بالطّلب لغيره. فإن غلبت على الدّنيا، فلا تغلبنّ على الآخرة. و إذا فاتك طلب العلم في مظانّه، فقد غلبت على الآخرة. و اجعل في أيّامك و لياليك و ساعاتك لنفسك نصيبا في طلب العلم. فإن فاتك لن تجد له تضييعا أشدّ من تركه.

و لا تمارينّ فيه لجوجا، و لا تجادلنّ فقيها (5)، و لا تعادينّ سلطانا، و لا تماشينّ ظلوما و لا تصادقنّه، و لا تصاحبنّ فاسقا ناطقا و لا تصاحبن متّهما. و اخزن علمك كما تخزن ورقك.

يا بنيّ، خف اللَّه- عزّ و جلّ- خوفا لو أتيت القيامة ببرّ الثّقلين خفت أن يعذّبك، و ارج اللَّه رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثّقلين رجوت أن يغفر (6) لك.

فقال له ابنه: يا أبت و كيف أطيق هذا و إنّما لي قلب واحد؟

فقال له لقمان: يا بنيّ لو استخرج قلب المؤمن فشقّ، يوجد فيه نوران: نور للخوف، و نور للرّجاء. لو وزنا، لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرّة. فمن يؤمن باللَّه يصدّق ما قال اللَّه- عزّ و جلّ- و من يصدّق ما قال اللَّه، يفعل ما امر اللَّه. و من لم يفعل ما أمر اللَّه، لم يصدّق ما قال اللَّه. فإنّ هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض. فمن يؤمن باللَّه إيمانا صادقا، يعمل للَّه خالصا ناصحا [و من عمل للَّه خالصا ناصحا،] (7) فقد آمن باللَّه صادقا. و من أطاع اللَّه، خافه. و من خافه. فقد أحبّه. و من أحبّه اتّبع أمره. و من اتّبع أمره، استوجب جنّاته‏ (8) و مرضاته. و من لم يتّبع رضوان اللَّه، فقد هان عليه سخطه- نعوذ باللَّه من سخط اللَّه-.

يا بنيّ، لا تركن إلى الدّنيا و لا تشغل قلبك بها. فما خلق اللَّه خلقا هو أهون عليه‏

____________

(1) المصدر: غني.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عبادة ربّك بخلف في سلفك» بدل «عادة فانّك تخلف في سلفك.»

(3) المصدر: تنفع‏

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: ما يرتجي.

(5) ن: فيه فقيها.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يغفر اللَّه.

(7) من المصدر.

(8) ن و المصدر: جنّته.

242

منها. ألا ترى أنّه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين‏ (1)، و لم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين؟

و في كتاب من لا يحضره الفقيه‏ (2): و روى سليمان بن داود المنقريّ، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في وصية لقمان لابنه: يا بنيّ، سافر بسيفك و خفّك و عمامتك و خبائك‏ (3) و سقائك و خيوطك و مخرزك، و تزوّد معك من الأدوية ما تنتفع به أنت و من معك، و كن لأصحابك موافقا إلّا في معصية اللَّه- عزّ و جلّ- (4).

يا بنيّ‏ (5)، إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك و أمورهم، و اكثر التبسّم‏ (6) في وجوههم، و كن كريما على زادك بينهم، و إذا دعوك فأجبهم، و إذا استعانوا بك فأعنهم، و استعمل طول الصّمت و كثرة الصّلاة و سخاء النّفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد، و إذا استشهدوك على الحقّ فاشهد لهم، و أجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثمّ لا تعزم حتّى تثبّت و تنظر، و لا تجب في مشورة حتّى تقوم فيها و تقعد و تنام و تأكل و تصلّي و أنت مستعمل فكرتك و حكمتك في مشورتك‏ (7)، فإنّ من لم يمحض النّصيحة لمن استشاره سلبه اللَّه رأيه و نضع منه‏ (8) الأمانة، و إذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، و إذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، و إذا تصدّقوا و أعطوا قرضا فأعط معهم، و اسمع لمن هو أكبر منك سنّا، و إذا أمروك بأمر و سألوك شيئا (9) فقل: نعم، و لا تقل لا، فإنّ «لا» عيّ و لؤم، و إذا تحيّرتم في الطّريق فانزلوا و إذا شككتم في القصد فقفوا و تآمروا، و إذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم و لا تسترشدوه، فإنّ الشّخص الواحد في الفلاة مريب لعلّه يكون عين اللّصوص‏ (10) أو يكون هو الشّيطان الّذي حيّركم، و احذروا (11) الشّخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى، فإنّ العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحقّ منه و الشّاهد يرى ما لا يرى الغائب.

يا بنيّ، إذا جاء وقت الصّلاة فلا تؤخرّها لشي‏ء و صلّها و استرح منها فإنّها دين‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ثواب المطيعين.

(2) من لا يحضره الفقيه 2/ 185، ح 834.

(3) المصدر: حبالك.

(4) هنا زيادة في المصدر و هي: و زاد فيه بعضهم و فرسك.

(5) نفس المصدر 2/ 194- 195، ح 884.

و سنده نفس سند الحديث السابق. فدمجهما المفسر.

(رحمه اللّه)- معا. و ليس فيه «يا بنيّ».

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: التوسّم.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: مشورته.

(8) المصدر: نزع عنه.

(9) هكذا في المصدر و م و ن. و في سائر النسخ:

بشي‏ء.

(10) ن: اللصّ.

(11) م: و احذر.

243

و صلّ في جماعة و لو على رأس زجّ، و لا تنامنّ على دابتّك، فإنّ ذلك سريع في دبرها و ليس ذلك من فعل الحكماء إلّا أن تكون في محمل يمكنك التّمدّد لاسترخاء المفاصل، و إذا قربت من المنزل فانزل عن دابّتك و ابدأ بعلفها قبل نفسك، فإنّها تعينك‏ (1)، و إذا أردتم النّزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لونا و ألينها تربة و أكثرها عشيا، فإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس، و إذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض، و إذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثمّ ودّع الأرض الّتي حللت بها و سلّم عليها و على أهلها، فإنّ لكلّ بقعة أهلا من الملائكة، و إن استطعت أن لا تأكل طعاما حتّى تبدأ فتتصدّق منه فافعل، و عليك بقراءة كتاب اللَّه ما دمت راكبا، و عليك بالتّسبيح ما دمت عاملا عملا، و عليك بالدّعاء ما دمت خاليا، و إيّاك و السّير من أوّل اللّيل و سر في آخره، و إيّاك و رفع الصّوت في مسيرك.

إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ (13): لأنّه تسوية بين من لا نعمة إلّا منه و من لا نعمة منه.

و في أصول الكافي‏ (2): و قد روي‏ أكبر الكبائر الشّرك باللَّه.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (3)، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن المفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر قال: الظّلم ثلاثة: ظلم يغفره اللَّه، و ظلم لا يغفره، و ظلم لا يدعه اللَّه. فأمّا الظّلم الّذي لا يغفره اللَّه فالشّرك. و أمّا الظّلم الّذي يغفره، فظلم الرّجل نفسه فيما بينه و بين اللَّه. و أمّا الظّلم الّذي لا يدعه اللَّه، فالمدانية بين العباد.

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ‏: لمّا قدّم الأمر بشكر نعمته، أتبعه بالتّنبيه على وجوب الشّكر لكلّ منعم. فبدأ بالوالدين، أي: أمرناه بطاعة الوالدين و شكرهما و الإحسان إليهما. و إنّما قرن شكرهما بشكره، لأنّه الخالق المنشئ و هما السّبب في الإنشاء و التّربية و هو عطف على قوله‏ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ بعد تقييده بمتعلّقاته. ثمّ بيّن- سبحانه- زيادة نعمة الأمّ، فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً: ذات وهن، أو تهن وهنا. و هو في موضع الحال.

عَلى‏ وَهْنٍ‏، أي: تضعف ضعفا فوق ضعف. فإنّها لا تزال يتزايد ضعفها.

____________

(1) المصدر: نفسك.

(2) الكافي 2/ 278، ذيل حديث 4 و سنده:

يونس، عن عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام).

(3) نفس المصدر 2/ 330- 331، ح 1.

244

قيل‏ (1): يعني: ضعف نطفة الوالد على ضعف [نطفة] (2) الأمّ.

و قيل‏ (3): لأنّ الحمل يؤثّر فيها. فكلّما ازداد الحمل، ازدادت ضعفا على ضعف.

و قيل‏ (4): لأنّها ضعيفة الخلق‏ (5)، فازدادت ضعفا بالحمل.

و قيل‏ (6): [وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ‏] (7)، أي: شدّة على شدّة (8)، و جهدا على جهد.

و قرئ، بالتّحريك. يقال: وهن يهن وهنا، و وهن يوهن وهنا (9).

وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏: و فطامه في انقضاء عامين. لأنّ العامين جملة مدّة الرّضاع.

و المراد: بعد ما تلده، ترضعه عامين و تربّيه. فيلحقها المشقّة بذلك- أيضا.

و قرئ: فصله‏ (10). و هو أعمّ من الفصال.

أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ‏: تفسير «لوصّينا». أو علّة له. أو بدل من «والديه»، بدل الاشتمال. و ذكر الحمل و الفصال في البين، اعتراض مؤكّد للتّوصية في حقّها خصوصا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (11)، في الحقوق المروّيّة عن زين العابدين- (عليه السلام)-: و أمّا حقّ أمّك: أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا، و أعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، و وقتك بجميع جوارحها. و لم تبال أن تجوع و تطعمك، و تعطش و تسقيك، و تعرى و تكسوك، و تضحى و تظلّك، و تهجر النّوم لأجلك. و وقتك الحرّ و البرد ليكون لها. فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون اللَّه و توفيقه.

و أمّا حق أبيك: فأن تعلم أنّه أصلك. فإنك لولاه لم تكن فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك، فاعلم أنّ أباك أصل النّعمة عليك فيه. فاحمد اللَّه و اشكره على قدر ذلك. و لا قوّة إلّا باللَّه.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 316.

(2) من المصدر.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: الخلق.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) من المصدر.

(8) هكذا في المصدر. و في ن: «شدة بعد شدة».

و في سائر النسخ: شدّة بعد شدّة بعد شدّة.

(9) أنوار التنزيل 2/ 228.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) من لا يحضره الفقيه 2/ 378.

245

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أدعوا لوالديّ إذا كانا لا يعرفان الحقّ؟

قال: ادع لهما، و تصدّق عنهما، و إن كانا حيّين لا يعرفان الحقّ، فدارهما. فإنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللَّه بعثني بالرّحمة، لا بالعقوق.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (2)، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللَّه، من أبرّ؟

قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

قال: أباك.

و بإسناده إلى محمّد بن مروان‏ (3) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- ما يمنع الرّجل منكم أن يبرّ والديه حيّين و ميّتين!؟ يصلّي عنهما، و يتصدّق عنهما، و يحجّ عنهما، و يصوم عنهما.

فيكون الّذي صنع لهما و له مثل ذلك. فيزيده اللَّه- عزّ و جلّ- ببرّه و صلته خيرا كثيرا.

ابن محبوب، عن خالد بن نافع البجليّ‏ (4)، عن محمّد بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ رجلا أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللَّه، أوصيني.

فقال: لا تشرك باللَّه شيئا و إن حرقت بالنّار و عذّبت إلّا و قلبك مطمئنّ بالإيمان، و والديك فأطعهما و برّهما حيّين كانا أو ميّتين، و إن أمراك أن تخرج من أهلك و مالك فافعل. فانّ ذلك من الإيمان.

____________

(1) الكافي 2/ 159، ح 8.

(2) نفس المصدر 2/ 159- 160، ح 9.

(3) نفس المصدر 2/ 159، ح 7.

(4) نفس المصدر 2/ 158، ح 2.

246

الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد (1)، و عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، جميعا، عن الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل، و سأل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن برّ الوالدين.

فقال: أبرر أمّك، أبرر أمّك، أبرر أمّك. أبرر أباك، أبرر أباك‏ (2). و بدأ بالأمّ قبل الأب.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (3)، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن عقبة (4)، عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: شكر كلّ نعمة و إن عظمت أن يحمد اللَّه‏ (5)- عزّ و جلّ-.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (6)، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

قلت: ما هو؟

قال: يحمد اللَّه على كلّ نعمة عليه في أهل و مال. و إن كان فيما أنعم عليه في ماله حقّ، أدّاه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

أبو عليّ الأشعريّ، عن عيسى بن أيّوب‏ (7)، عن عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن محمّد، عن إسماعيل بن أبي الحسن، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من أنعم اللَّه عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدّى شكرها.

عليّ، عن أبيه‏ (8)، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللَّه صاحب السّابريّ، فيما أعلم أو

____________

(1) نفس المصدر 2/ 162، ح 17.

(2) تكرّر «أبرر أباك» في المصدر، ثلاث مرّات.

(3) نفس المصدر 2/ 95، ح 11.

(4) المصدر: «عليّ بن عيينة». و لم نعثر عليه في كتب الرجال و أمّا بالنسبة إلى «عليّ بن عقبة» فراجع تنقيح المقال 2/ 300، رقم 8404 و 8405.

(5) المصدر: نحمد اللَّه.

(6) نفس المصدر 2/ 95- 96، صدر حديث 12.

(7) نفس المصدر 2/ 96، ح 15.

(8) نفس المصدر 2/ 98، ح 27.

247

غيره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: [قال: فيما] (1) أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى موسى- (عليه السلام)-: يا موسى اشكرني حقّ شكري.

فقال: يا ربّ، و كيف أشكرك حقّ شكرك؟ و ليس من شكر أشكرك به إلّا و أنت أنعمت به عليّ.

قال: يا موسى، الآن شكرتني حين علمت أنّ ذلك منّي.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل و فيه يقول- (عليه السلام)‏- و أمر بالشّكر له و للوالدين. فمن لم يشكر والديه، لم يشكر اللَّه- تعالى-.

و بإسناده إلى محمود بن أبي البلاد (3)، قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: من لم يشكر المنعم عن المخلوقين، لم يشكر اللَّه- عزّ و جلّ-.

إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) فأحاسبك على شكرك و كفرك. فيه تهديد و وعيد.

وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏: باستحقاقه الإشراك، تقليدا لهما.

و المراد نفيه. لأنّ ما يكون حقّا يعلم صحّته، فما لا يكون يعلّم صحّته فهو باطل. فكأنّه قال:

فإن دعواك إلى باطل.

فَلا تُطِعْهُما: في ذلك.

وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً: صحابا معروفا يرتضيه الشّرع و يقتضيه الكرم.

و في مصباح الشّريعة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: برّ الوالدين من حسن معرفة العبد باللَّه، إذ لا عبادة أسرع بلوغا بصاحبها إلى رضا اللَّه- تعالى- من حرمة (5) الوالدين المسلمين لوجه اللَّه- تعالى-. لأنّ حقّ الوالدين مشتقّ من حقّ اللَّه- تعالى- إذا كانا على مناهج الدّين و السّنة، و لا يكونان يمنعان الولد من طاعة اللَّه- تعالى- إلى معصيته، و من اليقين إلى الشّكّ، و من الزّهد إلى الدّنيا، و لا يدعوانه إلى خلاف ذلك. فإذا كانا كذلك فمعصيتهما طاعة، و طاعتهما معصية. قال اللَّه- تعالى‏ (6)-: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما

____________

(1) من المصدر.

(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 258، ضمن حديث 13.

(3) نفس المصدر 2/ 24، ح 2.

(4) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 392- 394.

(5) المصدر: بر.

(6) المصدر: «قال الله تعالى [العنكبوت/ 8]:

248

. و أمّا في باب العشرة فدارهما، و احتمل أذاهما نحو ما احتملا عنك في حال صغرك، و لا تضيّق عليهما ممّا قد وسع اللَّه عليك من المأكول‏ (1) و الملبوس، لا تحوّل بوجهك عنهما، و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما. فإنّ تعظيمهما من اللَّه- تعالى- (2). و قل لهما بأحسن القول و ألطفه. فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏ (3).

و في كتاب المناقب‏ (4)، لابن شهر آشوب: مرّ الحسين- (عليه السلام)- على عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. فقال عبد اللَّه: من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء فلينظر إلى هذا المجتاز. و ما كلمته منذ ليالي صفّين. فأتى به أبو سعيد الخدري إلى الحسين- (عليه السلام)- فقال له الحسين- (عليه السلام)- أتعلم أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء و تقاتلني و أبي يوم صفّين؟ و اللَّه، إنّ أبي لخير منيّ.

فاستعذر، و قال: إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لي: أطع أباك.

فقال له الحسين- (عليه السلام)-: أما سمعت قول اللَّه- تعالى-: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما. و قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

«إنّما الطّاعة بالمعروف.» و قوله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»؟

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و برّ الوالدين واجب و إن كانا مشركين. و لا طاعة لهما في معصية الخالق‏ (6) و لا لغيرهما. فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: هذه شرائع الدّين- إلى أن قال (عليه السلام)- و برّ الوالدين واجب. فإن كانا مشركين، فلا تطعهما و لا غيرهما في المعصية. فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

عن سليم بن قيس الهلاليّ‏ (8)، قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول- و ذكر كلاما طويلا. و في أثنائه-: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. و لا ينبغي للمخلوق أن يكون‏

____________

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ...

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: المال.

(2) المصدر: من امر اللَّه تعالى.

(3) يوسف/ 90.

(4) مناقب آل أبي طالب 4/ 73.

(5) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 124.

(6) المصدر: اللَّه- عزّ و جلّ.

(7) الخصال/ 608، ضمن حديث 9. و أوّله في ص 603.

(8) نفس المصدر/ 139، ضمن حديث 158.

249

جنّة (1) لمعصية اللَّه. فلا طاعة في معصيته. و لا طاعة لمن عصى اللَّه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2)، في ألفاظه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الموجزة: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

و في محاسن البرقيّ‏ (3)، بإسناده عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- أطيعوا آباءكم فيما أمروكم، و لا تطيعوهم في معاصي اللَّه.

و في حديث آخر (4)، عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- إني لا آمرك بعقوق الوالدين، و لكن صاحبهما في الدّنيا معروفا.

و في أصول الكافي‏ (5): يونس، عن عبد اللَّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ من الكبائر، عقوق الوالدين و اليأس من روح اللَّه، و الأمن من مكر اللَّه‏ (6).

وَ اتَّبِعْ‏: في الدّين.

سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ‏: طريق من رجع إلى طاعتي. فأقبل إليّ بقلبه. و هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ‏ يقول: اتّبع سبيل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-

ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏: مرجعك و مرجعهما.

فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (15): بأن أجازيك على عملك، و أجازيهما على عملهما.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن‏

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

«حبّه.» و قيل في هامشه: في بعض النسخ:

جنّه.

(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 273، ذيل حديث 828، و أوّله في ص 271.

(3) المحاسن/ 248، ضمن حديث 253.

(4) نفس المصدر و الموضع، ذيل نفس الحديث.

(5) الكافي 2/ 278، ح 4.

(6) المصدر: «لمكر اللَّه» بدل «من مكر اللَّه».

(7) تفسير القمي 2/ 165.

(8) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 157.

250

أبان بن عثمان، عن عبد اللَّه بن سليمان قال: شهدت جابر الجعفيّ عند أبي جعفر- (عليه السلام)- و هو يحدّث [النّاس‏] (1): أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عليّا- (عليه السلام)- [أرحم‏] (2) الوالدين [قال:] (3) قال عبد اللَّه بن سليمان: و سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: منّا الّذي أحلّ الخمس. و منّا الّذي جاء بالصّدق. و منّا الّذي صدّق به. و لنا المودّة في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-. و عليّ- (عليه السلام)- و الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الوالدان. و أمر اللَّه ذرّيّتهما بالشّكر لهما.

و قال- أيضا (4)-: حدّثنا أحمد بن درست الحلبيّ، عن ابن سكان، عن زرارة، عن عبد الواحد بن المختار قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: أما علمت أنّ عليّا أحد الوالدين اللّذين قال اللَّه- عزّ و جلّ-: اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ‏؟

قال زرارة: فكنت لا أدري أيّة آية، هي الّتي في بني إسرائيل أو الّتي في لقمان‏ (5)؟

قال: فقضى لي أن حججت. فدخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)-. فخلوت به.

فقلت: جعلت فداك، حديثا جاء به عبد الواحد.

قال: نعم.

قلت: أيّة آية، هي الّتي في لقمان أو الّتي في بني إسرائيل؟

قال: الّتي في لقمان.

و قال- أيضا (6)-: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن بشير الدّهّان، أنّه سمع أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أحد الوالدين.

قال: قلت: و لآخر؟

قال: هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

____________

1 و 2 و 3- من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع. و فيه: «حدّثنا أحمد بن درست، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حسن بن سعيد، عن نضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة، عن عبد الواحد المختار قال: ...» و لعل الصواب: أحمد بن إدريس.

(5) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

«فكنت لا أدري أيّة آية هي الّتي في لقمان أو الّتي في بني إسرائيل. قال: الّتي في لقمان» بدل «فكنت لا أدري أيّه آية هي الّتي في بني إسرائيل أو [المصدر: و] التي في لقمان.»

(6) نفس المصدر و الموضع.

251

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد عن بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حفّان‏ (2)، عن الهيثم بن واقد (3)، عن عليّ بن الحسين العبديّ، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة: أنّه سأل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ فقال: الوالدان اللّذان أوجب اللَّه الشّكر لهما، هما اللّذان ولدا العلم و ورثا الحكم و أمر النّاس بطاعتهما. ثمّ قال اللَّه: إِلَيَّ الْمَصِيرُ. فمصير العباد إلى اللَّه. و الدّليل على ذلك الوالدان. ثمّ عطف القول على ابن حنتمة (4) و صاحبه، فقال في الخاصّ و العامّ: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي‏: تقول‏ (5) في الوصيّة و تعدل‏ (6) عمّن أمرت بطاعته، فَلا تُطِعْهُما:

و لا تسمع قولهما. ثمّ عطف القول على الوالدين فقال: وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً. و يقول:

عرّف النّاس فضلهما، و ادع إلى سبيلهما. و ذلك قوله: وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏.

فقال: إلي اللَّه ثمّ إلينا. فاتّقوا اللَّه، و لا تعصوا الوالدين. فإنّ رضاهما رضا اللَّه و سخطهما سخط اللَّه.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (7)، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن بحر، عن عبد اللَّه بن مسكان، عمّن رواه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال- و أنا عنده- لعبد الواحد الأنصاريّ في برّ الوالدين، في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. فظننّا أنّها الآية الّتي في بني إسرائيل‏ (8): وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ (9). فلمّا كان بعد سألته.

فقال: هي الّتي في لقمان‏ (10): وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما

____________

(1) الكافي 1/ 428، ح 79.

(2) المصدر: إسحاق بن حسّان.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

الهشيم بن واقد.

(4) هكذا في المصدر. و في الأصل: «من حسنه.» و في ن: «ابن حسنه.» و في م و س و أ:

ابن حثيمة.

(5) هكذا في المصدر. و في الأصل و ن: «تعدل» و في م و س و أ: يطول.

(6) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

تقول.

(7) نفس المصدر 2/ 159، ح 6.

(8) الاسراء/ 23.

(9) في المصدر زيادة و هي: [و بالوالدين إحسانا.]

(10) بل في العنكبوت/ 8. و ذيلها في لقمان.

252

فقال: إنّ ذلك أعظم من أن يأمر بصلتهما و حقّهما على كلّ حال. وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏.

فقال: لا بل يأمر بصلتهما و إن جاهدا (1) على الشّرك ما زاد حقّهما إلّا عظما.

يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏: ثمّ عاد- سبحانه- إلى الإخبار عن لقمان و وصيّته لابنه.

معناه‏ (2): إنّ الفعلة من خير أو شرّ أو الخصلة منهما إن تك مثقال حبّة من خردل. في الثّقل و الصّغر.

و رفع نافع «مثقال» على أنّ الهاء ضمير القصّة. «و كان» تامّة، و تأنيثها لإضافة المثقال إلي الحّبة. أو لأنّ المراد به الحسنة، أو السّيّئة (3).

و قيل‏ (4): إنّ ابن لقمان سأل لقمان، فقال: أ رأيت الحبّة تكون في مقل البحر، أي:

في مغاص البحر، أ يعلمها اللَّه؟

فقال: إنّها، أي: إنّ الّتي سألتني عنها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏.

فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ: قيل‏ (5): أي: في جبل. و المعنى: في صخرة عظيمة. لأنّ الحبّة فيها أخفى و أبعد من الاستخراج.

و قيل‏ (6): أي: في جوف صخرة. فإنّه أخفى مكانه و أحرزه.

أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ‏: في أعلى مكان، كمحدب‏ (7) السّماوات، أو في أسفله، كمقعر الأرض.

و قرئ، بكسر الكاف. من وكن الطّائر: إذا استقرّ في وكنته‏ (8).

يَأْتِ بِهَا اللَّهُ‏: يحضرها. فيحاسب عليها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9) قال: من الرّزق يأتيك به اللَّه.

إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ‏: يصل علمه إلى كلّ خفيّ.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: جاهداك.

(2) ن: معناه.

(3) أنوار التنزيل 2/ 229.

(4) مجمع البيان 4/ 319. و فيه: «يروى» بدل «و قيل.»

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 229، بتقديم و تأخير.

(7) هكذا في ن. و في سائر النسخ: كحدب.

(8) أنوار التنزيل 2/ 229.

(9) تفسير القمي 2/ 165.

253

خَبِيرٌ (16): عالم بكنهه.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى العيّاشيّ بالإسناد عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: اتّقوا المحقّرات من الذّنوب، فإنّ لها طالبا. لا يقولنّ أحدكم:

أذنب، أستغفر اللَّه. إنّ اللَّه- تعالى- يقول: إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏. الآية.

و في أصول الكافي‏ (2): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: اتّقوا المحقّرات من الذّنوب، فإنّ لها طالبا. لا يقول‏ (3) أحدكم: أذنب، و أستغفر. إن اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4):

وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏. و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ- الآية، إلى قوله- لَطِيفٌ خَبِيرٌ.

يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ: فإنّها قربان كلّ تقيّ.

و في الكافي‏ (5)، بإسناده إلى معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)-:

عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحبّ ذلك إلى اللَّه- عزّ و جلّ- ما هو؟

فقال: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة (6). ألا ترى أنّ العبد الصّالح، عيسى بن مريم- (عليه السلام)-: قال‏ (7): وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا؟

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى‏ (8)، عن يونس، عن هارون بن خارجة (9)، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: أحبّ الأعمال إلى اللَّه- عزّ و جلّ- الصّلاة. و هي آخر وصايا الأنبياء.

أبو داود، عن الحسين بن سعيد (10)، عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: الصّلاة قربان كلّ تقيّ.

وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ‏: بما يعرفه العقل و الشّرع من الطّاعات.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 319.

(2) الكافي 2/ 270- 271، ح 10.

(3) المصدر: يقول.

(4) يس/ 12.

(5) نفس المصدر 3/ 264، ح 1.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: الصلوات.

(7) مريم/ 32.

(8) نفس المصدر و الموضع، صدر حديث 2.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يونس بن هارون بن خارجة» بدل «يونس عن هارون بن خارجة.»

(10) نفس المصدر 3/ 265، ح 6.

254

وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ: و هو كلّ معصية قبيح ينكرها العقل و الشّرع.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1)، في وصيّة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لابنه محمّد بن الحنفيّة: يا بنيّ، اقبل من الحكماء مواعظهم و تدبّر أحكامهم، و كن آخذ النّاس بما تأمر به و أكفّ النّاس عمّا تنهى عنه، و أمر بالمعروف تكن من أهله. فإنّ استتمام الأمور عند اللَّه- تبارك و تعالى- الأمر بالمعروف و النهّي عن المنكر.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عيسى عن محمّد بن عرفة (3) قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر، أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (4)، عن عليّ بن النّعمان، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي سعيد الزّهريّ، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قالا (5): ويل لقوم لا يدينون اللَّه بالأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر.

[و بإسناده‏ (6)، قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بئس القوم قوم يعيبون الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر.] (7)

وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما أَصابَكَ‏: من الشّدائد، سيّما في ذلك.

و

في مجمع البيان‏ (8): وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما أَصابَكَ‏. من المشقّة و الأذى، في الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر. عن عليّ- (عليه السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (9)، بإسناده إلى حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّ من صبر صبر قليلا. و من جزع، جزع قليلا.

ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمره بالصّبر و الرّفق. فقال‏ (10): وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ. وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 4/ 277، ضمن حديث 830.

(2) الكافي 5/ 56، ح 3.

(3) المصدر: محمد بن عمر بن عرفة.

(4) نفس المصدر 5/ 56- 57، ح 4.

(5) المصدر: قال.

(6) نفس المصدر 5/ 57، ح 5.

(7) ليس في الأصل و ن.

(8) مجمع البيان 4/ 319.

(9) الكافي 2/ 88، صدر حديث 3.

(10) المزمل/ 10- 11.

255

وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ. و قال- تبارك و تعالى‏ (1)-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ [السّيّئة.] فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا. وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏. فصبر- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتّى نالوه بالعظائم. و رموه بها. (الحديث).

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (2)، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللَّه بن بكر (3)، عن حمزة بن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الجنّة محفوفة [بالمكاره و الصّبر.

فمن صبر على المكاره في الدّنيا دخل الجنّة. و جهنّم محفوفة] (4) باللّذات و الشّهوات. فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها (5) دخل النّار.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (6)، عن ابن سنان، عن أبي الجارود، عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: الصّبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل. و أحسن من ذلك الصّبر عند ما حرّم اللَّه- عزّ و جلّ- عليك.

أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ‏ (7)، عن العبّاس بن عامر العرزيّ‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه: سيأتي على النّاس زمان لا ينال الملك فيه إلّا بالقتل و التجبّر، و لا الغنى إلّا بالغصب و البخل، و لا المحبّة إلّا باستخراج الدّين و اتّباع الهوى. فمن أدرك ذلك الزّمان فصبر على الفقر و هو يقدر على الغنى، و صبر على البغضة و هو يقدر على المحبّة، و صبر على الذّلّ و هو يقدر على العزّ، أتاه اللَّه ثواب خمسين صدّيقا ممّن صدّق بي.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (9)، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: من ابتلي من المؤمنين [ببلاء] (10) فصبر عليه، كان له مثل أجر ألف شهيد.

____________

(1) فصّلت/ 34- 35.

(2) نفس المصدر 2/ 89- 90، ح 7.

(3) المصدر: عبد اللَّه بن بكير.

(4) من المصدر.

(5) ن: لذّاتها و شهواتها.

(6) نفس المصدر 2/ 90، صدر حديث 11.

(7) نفس المصدر 2/ 91، ح 12.

(8) المصدر: «العبّاس بن عامر عن العرزميّ» بدل «العبّاس بن عامر العرزيّ.»

(9) نفس المصدر 2/ 92، ح 17.

(10) ليس في الأصل.

256

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أنعم على قوم فلم يشكروا، فصارت عليهم وبالا. و ابتلى قوما بالمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة.

أبو عليّ الأشعريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (2)، عن محمّد بن سنان، عن العلا بن فضيل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الصّبر من الإيمان بمنزلة الرّأس من الجسد. فإذا ذهب الرّأس ذهب الجسد. كذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الإيمان.

إِنَّ ذلِكَ‏: إشارة إلى الصّبر، أو إلى كلّ ما أمر به.

مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17): من معزومات الأمور. من عزم الأمر: قطعت قطع إيجاب. مصدر أطلق للمفعول. أو من عازمات الأمور. من عزم الأمر: جدّ. مصدر أطلق للفاعل.

و منه الحديث‏ (3): إنّ اللَّه يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أنت يؤخذ بعزائمه.

و في جوامع الجامع‏ (4): و فيه دلالة (5) على أنّ هذه الطّاعات كانت مأمورا بهما في سائر الأمم.

و في مجمع البيان‏ (6): إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، أي: من العقد الصّحيح على فعل الحسن، بدلا من القبيح. و العزم الإرادة المتقدّمة (7) للفعل بأكثر من وقت. و هو العقد على الأمر لتوطين النّفس على فعله. و التّلوّن في الرّأي يناقض العزم.

و قيل‏ (8): معناه: أنّ ذلك من الأمور الّتي يجب الثّبات و الدّوام عليها.

و قيل‏ (9): العزم: القوّة و الحزم: الحذر. و منه المثل: لا خير في عزم بغير حزم.

و قيل‏ (10): الحزم: التّأهّب للأمر. و العزم: النّفاذ فيه و منه. قيل في المثل: رق بحزم.

فإذا استوضحت، فاعزم.

وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ‏: لا تمله عنهم. و لا تولّهم صفحة وجهك، كما يفعله المتكبّر. من الصّعر: و هو الصّيد، داء يعتري البعير فيلوي عنقه.

و في مجمع البيان‏ (11): و لا تعرض‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 18.

(2) نفس المصدر 2/ 87، ح 2.

(3) تفسير الصافي 4/ 145- 146.

(4) جوامع الجامع/ 363.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: دليل.

(6) مجمع البيان 4/ 319.

(7) كذا في المصدر و م. و في سائر النسخ: المقدمة.

8 و 9 و 10 نفس المصدر و الموضع.

(11) نفس المصدر و الموضع.

257

عمّن يكلّمك استخفافا به. و هذا المعنى قول ابن عبّاس و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، أي: و لا تذلّ للنّاس طمعا في ما عندهم.

و قرأ نافع و حمزة و الكسائيّ: «و لا تصاعر (2).» و قرئ: «و لا تصعر». و الكلّ واحد، مثل: علاه و أعلاه و عالاه‏ (3).

وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً: مصدر وقع موقع الحال، أي: تمرح مرحا، أو لأجل المرح. و هو البطر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، أي: فرحا.

و في رواية أبي الجارود [عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (5) يقول: بالعظمة.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18): علّة للنّهي.

قيل‏ (6): و تأخير الفخور، و هو مقابل للمصعّر خذه. و المختال، للماشي مرحا ليوافق رؤوس الآي.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أوصى رجلا من بني تميم. فقال له: إيّاك و إسبال الإزار و القميص. فإنّ ذلك من المخيلة. و اللَّه لا يحبّ المخيلة.

و في ثواب الأعمال‏ (8)، بإسناده إلى ابن فضّال، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من مشى على الأرض اختيالا، لعنته [الأرض‏] (9) و من تحتها و من فوقها.

أبي- (رحمه اللّه)(10)- [قال:] (11) حدّثني سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، رفعه قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ويل لمن‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 165.

(2) أنوار التنزيل 2/ 229.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر و فيه: في قوله: و لا تمش في الأرض مرحا، أي بالعظمة.

(6) أنوار التنزيل 2/ 229.

(7) الكافي 6/ 456، ح 5.

(8) ثواب الأعمال/ 324، ح 1.

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(11) من المصدر.

258

يختال في الأرض، يعارض جبار السّموات و الأرض.

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (1) و في مناهي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و نهى أن يختال الرّجل في مشيه‏ (2). و قال: من لبس ثوبا و اختال فيه، خسف اللَّه به من شفير جهنّم و كان قرين قارون. لأنّه أوّل من اختال، فخسف اللَّه به و بداره الأرض. و من اختال، فقد نازع اللَّه في جبروته.

و في من لا يحضره الفقيه، (3) مثله سواء.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا.

يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح بن آدم و قسّمه عليها و فرّق فيها: فرض على الرّجلين أن لا يمشي بهما إلى شي‏ء من معاصي اللَّه.

و فرض عليهما المشي إلى ما يرضي اللَّه- عزّ و جلّ- فقال: وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا.

وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ‏: توسّط بين الدّبيب و الإسراع.

و قرئ، بقطع الهمزة. من أقصد الرّامي: إذا سدّد سهمه نحو الرّميّة. (5)

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (7) قال: سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن.

وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ‏: و استر بعض صوتك، أي: انقص منه و اقصر.

إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)، أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير. أوّله زفير، و آخره شهيق.

يقال: وجه منكر، أي: قبيح. و الحمار مثل في الذّمّ، سيّما نهاقه و لذلك يكنّى عنه بطويل الأذنين. و قد يقال: إذا قطعت أذناه، طال صوته. و في تمثيل الصّوت المرتفع بصوته. ثمّ إخراجه مخرج الاستعارة، مبالغة شديدة.

____________

(1) أمالي الصدوق/ 348.

(2) المصدر: مشيته.

(3) من لا يحضره الفقيه 4/ 7.

(4) الكافي 2/ 33 و 34، 36، ضمن حديث 1.

(5) أنوار التنزيل 2/ 229.

(6) الخصال/ 9، ح 30.

(7) المصدر: أبي الحسن- (عليه السلام).

259

و توحيد الصّوت، لأنّ المراد تفضيل الجنس في التّكثير دون الآحاد. أو لأنّه في الأصل مصدر.

في أصول الكافي‏ (1): أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن الحسن، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم، عن أبي بكر الحضرميّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.

قال: العطسة القبيحة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: هي العطسة المرتفعة القبيحة، و الرّجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا، إلّا أن يكون داعيا أو يقرأ القرآن.

و روى عن زيد بن عليّ‏ (3) أنّه قال: أراد صوت الحمير من النّاس. و هم الجهّال.

شبّههم بالحمير، كما شبّههم بالأنعام في قوله‏ (4) أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ‏.

أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ‏ بأن جعل أسبابا محصلة لمنافعكم، و مكّنكم من الانتفاع.

ما فِي السَّماواتِ‏: من الشّمس و القمر و النّجوم.

وَ ما فِي الْأَرْضِ‏: من الحيوان و النّبات و غير ذلك. ممّا تنتفعون به و تتصرّفون فيه، بحسب ما تريدون.

و في أمالي شيخ الطّائفة (5)، بإسناده إلى أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال لعليّ- (عليه السلام)-: قل ما أوّل نعمة أبلاك‏ (6) اللَّه- عزّ و جلّ- و أنعم عليك بها؟

قال: أن خلقني.

إلى أن قال: فما التّاسعة؟

قال: أن سخّر لي سماءه و أرضه و ما فيهما و ما بينهما من خلقه.

قال: صدقت.

____________

(1) الكافي 2/ 656، ح 21.

(2) مجمع البيان 4/ 320.

(3) نفس المصدر/ 319- 320.

(4) الاعراف/ 179.

(5) أمالي الطوسي 2/ 106.

(6) المصدر: بلاك.

260

و في أصول الكافي‏ (1)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كفى لأولي الألباب بخلق الرّبّ المسخّر و ملك الرّبّ القاهر- إلى قوله-: و ما أنطق به ألسن العباد و ما أرسل به الرّسل و ما أنزل على العباد، دليلا على الرّبّ.

وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً، أي: وسّع و أتمّ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة.

و قرئ: «أصبغ» بالإبدال. و هو جار في كلّ سين اجتمع مع الغين و الخاء و القاف، كسلخ و صقر (2).

و قرأ نافع و أبو عمرو و حفص: «نعمه» بالجمع و الإضافة. (3) قيل‏ (4): فالظّاهرة، ما لا يمكنكم جحده من خلقكم و إحيائكم و أقداركم و خلق الشّهوة فيكم و غيرها من ضروب النّعم. و الباطنة، ما لا يعرفها إلّا من أمعن النّظر فيها.

و قيل‏ (5): الباطنة، مصالح الدّين و الدّنيا ممّا يعلمه اللَّه و خفي‏ (6) عن العباد علمه.

و قيل‏ (7): الظّاهرة [، تخفيف الشّرائع. و الباطنة، الشّفاعة.

و قيل‏ (8): الظّاهرة،] (9) نعم الدّنيا. و الباطنة، نعم الآخرة.

و قيل‏ (10): الظّاهرة، نعم الجوارح. و الباطنة، نعم القلب.

و قيل: (11) الظّاهرة، ظهور الإسلام و النّصر على الأعداء. و الباطنة، الإمداد بالملائكة.

و قيل‏ (12): الظّاهرة حسن الصّورة و امتداد القامة و تسوية الأعضاء. و الباطنة، المعرفة.

و قيل‏ (13): الظّاهرة، القرآن. و الباطنة، تأويله و معانيه.

و في مجمع البيان‏ (14): و قال الباقر- (عليه السلام)-: النّعمة الظّاهرة، النّبيّ- صلّى اللَّه‏

____________

(1) الكافي 1/ 82، ح 6، و أوّله في ص 81.

(2) أنوار التنزيل 2/ 230.

(3) نفس المصدر و الموضع. و جاء في أنوار التنزيل، في متن الآية «نعمة» و هي مفردة موصوفة. و لذلك قال: و قراء ... «نعمه» بالجمع.

و أمّا في تفسير الصافي 4/ فقد ذكر في الآية «نعمته»، مفردة مضافة.

(4) مجمع البيان 4/ 320.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: غاب.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) ليس في الأصل.

10 و 11 و 12 نفس المصدر و الموضع.

13 و 14 نفس المصدر و الموضع.

261

عليه و آله و سلم- و ما جاء به من معرفة اللَّه- عزّ و جلّ- و توحيده. و أمّا النّعمة الباطنة، ولايتنا أهل البيت و عقد مودّتنا.

و لا تنافي بين هذه الأقوال، لأنّ كلّها نعم اللَّه. و يجوز حمل الآية على الجميع.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى حمّاد بن أبي زياد الأزديّ‏ (2) قال: سألت سيّدي موسى بن جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً.

فقال- (عليه السلام)- النّعمة الظّاهرة الإمام الظّاهر. و الباطنة، الإمام الغائب.

[و في كتاب المناقب‏ (3)، لابن شهر آشوب: محمّد بن مسلم، عن الكاظم- (عليه السلام)-: الظّاهرة، الإمام الظّاهر. و الباطنة، الإمام الغائب.] (4)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن شريك، عن جابر قال: قرأ رجل عند أبي جعفر- (عليه السلام)-: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً.

قال: أمّا النّعمة الظّاهرة، فالنّبيّ‏ (6)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما جاء به من معرفة اللَّه- عزّ و جلّ- و توحيده. و أمّا النّعمة الباطنة، فولايتنا أهل البيت و عقد مودّتنا.

فاعتقد- و اللَّه- قوم هذه النّعمة الظّاهرة و الباطنة. و اعتقدها قوم ظاهرة. و لم يعتقدوها باطنة. فأنزل اللَّه‏ (7) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ‏. ففرح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عند نزولها أنّه لم يقبل اللَّه- تبارك و تعالى- إيمانهم إلّا بعقد (8) ولايتنا و محبّتنا.

و في شرح الآيات الباهرة (9): عليّ بن أبي إبراهيم- (رحمه اللّه)-، عنه، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن جابر قال: قراء رجل عند أبي جعفر- (عليه السلام)-: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً.

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة/ 368، صدر حديث 6.

(2) المصدر: أبي أحمد محمد بن زياد الأزديّ.

(3) مناقب آل أبي طالب 4/ 180.

(4) ليس في ن.

(5) تفسير القمي 2/ 165- 166.

(6) المصدر: فهو النبيّ.

(7) المائدة/ 41.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: بقدر.

(9) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 157.

262

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هذه قراءة العامّة. و أمّا نحن فنقرأ: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً. فأمّا النّعمة الظّاهرة، فهو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما جاء به من معرفة اللَّه و توحيده. و أمّا النّعمة الباطنة، فموالاتنا أهل البيت و عقد مودّتنا.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً و في رواية الضّحّاك، عن ابن عبّاس قال: سألت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال: يا ابن عبّاس، أمّا ما ظهر، فالإسلام و ما سوّى اللَّه من خلقك و ما أفاض‏ (2) عليك من الرّزق، و أمّا ما بطن، فستر مساوئ عملك و لم يفضحك به. يا ابن عبّاس، إنّ اللَّه- تعالى- يقول: ثلاثة جعلتهنّ للمؤمن و لم تكن له: صلاة (3) المؤمنين عليه بعد انقطاع عمله، و جعلت له ثلث ماله يكفّر (4) به عن‏ (5) خطاياه، و الثّالثة (6) سترت مساوئ عمله و لم أفضحه بشي‏ء منه. و لو أبديتها عليه، لنبذه أهله فمن سواهم.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (7) بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: حدّثني عبد اللَّه بن عبّاس و جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ [و كان بدرّيا أحديّا شجريّا و ممّن لحظ من أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في مودّة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (8) قالوا: أتينا (9) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في مسجده في رهط من أصحابه، فيهم أبو بكر و أبو عبيدة و عمر و عثمان و عبد الرّحمن و رجلان من قرّاء الصّحابة- إلى قوله- حاكيا عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و قد أوحى إليّ ربّي- جلّ و تعالى- أن أذكّركم بالنّعمة و أنذركم بما اقتصّ عليكم من كتابه. و تلا وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ‏. (الآية).

ثمّ قال لهم: قولوا الآن قولكم، ما أوّل نعمة رغّبكم اللَّه فيها و بلاكم بها؟

فخاض القوم جميعا. فذكروا نعم‏ (10) اللَّه الّتي أنعم عليهم و أحسن إليهم بها من المعاش و الرّياش و الذّرّيّة و الأزواج إلى سائر ما بلاهم اللَّه- عزّ و جلّ- من أنعمه الظّاهرة.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 320.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أفضل.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم يكن لصلاة.

(4) المصدر: اكفر.

(5) المصدر: عنه.

(6) المصدر: الثالث.

(7) أمالي الطوسي 2/ 105- 106.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: بينما.

(10) المصدر: نعمة.

ن: أنعم.

263

فلمّا أمسك القوم أقبل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على عليّ- (عليه السلام)- فقال: يا أبا الحسن، قل. فقد قال أصحابك.

فقال: فكيف لي بالقول؟- فداك أبي و أمّي. و إنّما هدانا اللَّه بك.

قال: و مع ذلك فهات. قل ما أوّل نعمة أبلاك‏ (1) اللَّه- عزّ و جلّ- و أنعم عليك بها؟

قال: أن خلقني- جلّ ثناؤه- و لم أك شيئا مذكورا.

قال: صدقت. فما الثّانية؟

قال: أن أحسن بي‏ (2) إذ خلقني، فجعلني حيّا لا مواتا (3).

قال: صدقت. فما الثّالثة؟

قال: أن أنشأني- فله الحمد- في أحسن صورة و أعدل تركيب.

قال: صدقت. فما الرّابعة؟

قال: أن جعلني متفكّرا (4) داعيا لا يلهيه ساهيا. (5) قال: صدقت. فما الخّامسة؟

قال: أن جعل لي شواعر أدرك‏ (6) ما ابتغيت لها. فجعل لي سراجا منيرا.

قال: صدقت. فما السّادسة؟

قال: أن هداني [اللَّه لدينه‏] (7) و لم يضلّني عن سبيله.

قال: صدقت. فما السّابعة؟

قال: أن جعل لي مردّا في حياة لا انقطاع لها.

قال: صدقت. فما الثّامنة؟

قال: أن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا.

قال: صدقت. فما التّاسعة؟

قال: أن سخّر لي سماءه و أرضه و ما فيهما و ما بينهما من خلقه.

____________

(1) المصدر: بلاك.

(2) المصدر: «أحّبني» بدل «أحسن بى.»

(3) المصدر: لا ميّتا.

(4) ن: متذكّرا.

(5) المصدر: «راغبا لا بلهة ساهيا» بدل «داعيا يلهيه ساهيا.»

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «سرّا عن إدراك» بدل «شواعر أدرك.»

(7) ليس في المصدر.

264

قال: صدقت. فما العاشرة؟

قال: أن جعلنا- سبحانه- ذكرانا [قوّاما على حلائلنا] (1) لا إناثا.

قال: صدقت. فما بعدها؟

قال: كثرت نعم اللَّه، يا نبيّ اللَّه، فطابت [و تلا:] (2) وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها. (3) فتبسّم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و قال: ليهنئك الحكمة، ليهنئك العلم، يا أبا الحسن. فأنت وارث علمي و المبيّن لأمّتي ما اختلفت فيه من بعدي. من أحبّك لدينك و أخذ بسبيلك، فهو ممّن هدي إلى صراط مستقيم. و من رغب عن هواك و أبغضك [و تخلّاك،] (4) لقى اللَّه يوم القيامة لا خلاف له.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ‏: في توحيده و صفاته.

بِغَيْرِ عِلْمٍ‏: مستفاد من دليل.

وَ لا هُدىً‏: راجع إلى الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ (20): أنزله اللَّه بل بالتّقليد، كما قال: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: و هو منع صريح من التّقليد في الأصول.

أَ وَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ‏: يحتمل أن يكون الضّمير لهم و لآبائهم.

إِلى‏ عَذابِ السَّعِيرِ (21): إلى ما يؤول إليه من التّقليد، أو الإشراك. و جواب «لو» محذوف، مثل: «لاتّبعوه.» و الاستفهام للإنكار التّعجّب.

وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ‏: بأن فوّض أمره إليه، و أقبل بشراشره عليه. من أسلمت المتاع إلى الزّبون.

و يؤيّده القراءة بالتّشديد. و حيث عدّي باللّام، فلتضمّن معنى الإخلاص. (5) وَ هُوَ مُحْسِنٌ‏: في عمله.

فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏: تعلّق بأوثق ما يتعلّق به. و هو تمثيل‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) من المصدر.

(3) إبراهيم/ 34، النحل/ 18.

(4) ليس في المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 230.

265

للمتوكّل المشتغل بالطّاعة، بمن أراد أنّ يترقّى شاهق جبل فتمسّك بأوثق عرى الحبل المتدلّي منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ. وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى‏ عَذابِ السَّعِيرِ. فهو النّضر بن الحارث. قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-:

اتّبع ما أنزل إليك من ربّك.

قال: بل أتّبع‏ (2) ما وجدت عليه آبائي.

و قوله- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ قال بالولاية.

في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن أحمد بن الحسن بن سعيد، عن أبيه، عن حصين بن المخارق، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ قال: مودّتنا أهل البيت- (عليهم السلام)-.

و قال- أيضا- (4): حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن حصين بن مخارق، عن هارون بن سعيد، عن زيد بن عليّ قال: العروة الوثقى المودّة لآل محمّد- (عليهم السلام)-.

وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22): إذ الكلّ صائر إليه.

وَ مَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ‏: فإنّه لا يضرّك في الدّنيا و الآخرة.

و قرئ: «فلا يحزنك» من أحزن‏ (5).

إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ‏: في الدّارين.

فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا: بالإهلاك و التّعذيب.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23): فيجازيهم عليها فضلا عمّا في الظّاهر.

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا، أي: نعطهم من نعيم الدّنيا ما يتمتّعون مدّه قليلة. أو نمتّعهم‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 166.

(2) هكذا في المصدر و ن و م. و في سائر النسخ:

نتّبع.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 157.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أنوار التنزيل 2/ 230.

266

تمتيعا قليلا. فإنّ ما يزول بالنّسبة إلى ما يدوم قليل.

ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى‏ عَذابٍ غَلِيظٍ (24): يثقل عليهم [ثقل‏] (1) الأجرام الغلاظ.

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏: لوضوح الدّليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطرّوا إلى إذعانه.

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏: على هدايته لنا و توفيقه إيّانا لمعرفته.

و قيل‏ (2): معناه: اشكر اللَّه. على دين يقرّ لك خصمك بصحّته لوضوح دلالته.

و قيل‏ (3): قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ على إلزامهم، و إلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم.

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (25): ما عليهم من الحجّة. أو أنّ ذلك يلزمهم.

و في كتاب التّوحيد (4): [أبي- (رحمه اللّه)- قال:] (5) حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن هاشم و محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب و يعقوب بن يزيد، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينه [، عن زرارة]، (6) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول في آخره: و قال‏ (7) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني:

على المعرفة بأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خالقه. فذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏.

لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: لا يستحقّ العبادة فيها غيره.

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُ‏: عن حمد الحامدين.

الْحَمِيدُ (26): المستحقّ للحمد، و إن لم يحمد.

وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ‏: و لو ثبت كون الأشجار أقلاما.

و توحيد الشّجرة، لأنّ المراد تفصيل الآحاد.

وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ: البحر المحيط بسعته ممدودا بسبعة أبحر يمدّه. من مدّ الدّواة و أمدّها.

____________

(1) من ن.

(2) مجمع البيان 4/ 321.

(3) أنوار التنزيل 2/ 230- 231.

(4) التوحيد/ 330- 331، ذيل حديث 9.

5 و 6- من المصدر.

(7) المصدر: و قال: قال.

267

و رفعه، للعطف على محلّ «أنّ» و معموليها. و «يمدّه» حال، أو على الابتداء على أنّه مستأنف. أو الواو للحال‏ (1).

و نصبه البصريّان بالعطف على اسم «أنّ»، أو إضمار فعل يفسّره «يمدّه.» (2) و قرئ: «يمدّه و تمدّه» بالياء و التّاء (3).

و في مجمع البيان‏ (4): و قرأ جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: و البحر مداده.

ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏: يكتبها بتلك الأقلام، بذلك المداد.

و إيثار جمع القلّة، للإشعار بأنّ ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير.

و في مجمع البيان‏ (5): و الأولى أن تكون الكلمات‏ (6) عبارة عن معلوماته و مقدوراته.

لأنّها إذا كانت لا تتناهى، فكذلك الكلمات الّتي تقع عبارة عنها لا تتناهى.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: أنّ يحيى بن أكثم سأل مولانا أبا الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- عن مسائل منها تأويل هذه الآية. فقال: ما هذه السّبعة أبحر، و ما الكلمات لا تنفد؟

فقال: له الإمام- (عليه السلام)-: أمّا الأبحر، فهي عين الكبريت و عين اليمن و عين البرهوت و عين الطّبرية و جمّة ما سيدان و جمّة إفريقية و عين بلعوران. و نحن الكلمات الّتي لا تدرك فضائلنا و لا تستقصى.

و في كتاب التّوحيد (8)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الأمور سنة [سنة] (9) يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا و كذا و في أمر النّاس بكذا و كذا. و إنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم اللَّه- عزّ و جلّ- الخاصّ و المكنون‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 231.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) مجمع البيان 4/ 321.

(5) نفس المصدر 4/ 322.

(6) ليس في المصدر.

(7) لم نعثر عليه في الاحتجاج. و فيه أجوبة الامام الجواد- (عليه السلام)- على مسائل يحيى بن أكثم (2/ 240- 249). و نقل في تفسير نور الثقلين 4/ 216، ح 92، عنه. و فيه: سأل يحيى ابن أكثم أبا الحسن العالم- (عليه السلام)-.

(8) لم نعثر عليه في كتاب التوحيد و لم ينقل عنه في أحد من التفاسير الأخرى. و لكنّ يوجد في الكافي 1/ 248، ضمن حديث 3. و نقله عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 215، ح 90.

(9) من المصدر.

268

العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك اللّيلة من الأمر. ثمّ قرأ: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ‏

(الآية) و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم: (1) أنّ اليهود سألوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن الرّوح.

فقال: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. (2) قالوا: نحن خاصّة؟

قال: بل النّاس عامّة.

قالوا: فكيف يجتمع هذان، يا محمّد؟ تزعم أنّك لم تؤت من العلم إلّا قليلا؟ و قد أوتيت القرآن و أوتينا التّوراة. و قد قرأت‏ (3): وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ و هي التّوراة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.

فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏. يقول: علم اللَّه أكثر من ذلك. و ما أوتيتم كثير فيكم، قليل عند اللَّه.

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: لا يغلبه شي‏ء.

حَكِيمٌ‏ (27): يفعل من ذلك ما يليق بحكمته.

ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ: كخلقها و بعثها في قدرته.

فإنّه لا يشقّ عليه ابتداء جميع الخلق و لا إعادتهم بعد إفنائهم. لأنّه يكفي لوجود الكلّ تعلّق إرادته و كذا لإفنائه و إعادته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: بلغنا، و اللَّه أعلم، أنّهم قالوا: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خلقنا أطوارا، نطفا، ثمّ علقا، ثمّ أنشأنا خلقا آخر كما تزعم، و تزعم أنّا نبعث في ساعة واحدة. فقال اللَّه: ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏: يسمع ما يقوله القائلون في ذلك.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 166.

(2) إشارة إلى آية 85 من سورة الإسراء.

(3) البقرة/ 269.

(4) نفس المصدر 2/ 167.

269

بَصِيرٌ (28): بما يضمرونه. فيكون وعيدا لهم.

و قيل‏ (1): «سميع، يسمع كلّ مسموع. بصير، يبصر كلّ مبصر. لا يشغله إدراك بعضها عن بعض. فكذلك الخلق.» فيكون تعليلا.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ما ينقص من اللّيل يدخل في النّهار. و ما ينقص من النّهار يدخل في اللّيل.

و قيل‏ (3): معناه: أنّ كلّ واحد منهما يتعقّب الآخر.

وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌ‏: من النّيّرين.

يَجْرِي‏: في فلكه.

إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: إلى منتهى معيّن: الشّمس إلى آخر السّنة، و القمر إلى آخر الشّهر.

و قيل‏ (4): إلى يوم القيامه. و الفرق بينه و بين قوله‏ لِأَجَلٍ مُسَمًّى‏ أنّ الأجل هاهنا منتهى الجري، و ثمّ‏ (5) غرضه حقيقة أو مجازا. و كلا المعنيين حاصل في الغايات.

وَ أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29): عالم بكنهه.

ذلِكَ‏: إشارة إلى ما ذكر من سعة العلم، و شمول القدرة، و عجائب الصّنع و اختصاصه بها.

بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ‏: بسبب أنّه الثّابت في ذاته، الواجب من جميع جهاته.

أو الثّابت الألوهيّة.

وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ‏: المعدوم في حدّ ذاته، لا يوجد و لا يتصرّف إلّا بجعله. أو الباطل الإلهيّة.

و قرأ البصريّان و الكوفيّون غير أبي بكر، بالياء (6).

وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ‏: المرتفع على كل شي‏ء.

الْكَبِيرُ (30): المسلّط عليه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 231.

(2) تفسير القمي 2/ 167.

(3) مجمع البيان 4/ 322.

(4) أنوار التنزيل 2/ 231.

(5) ثمّ: هناك.

(6) أنوار التنزيل 2/ 131.

270

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ‏: بإحسانه في تهيئة أسبابه.

و هو استشهاد آخر على باهر قدرته و كمال نعمته و شمول أنعامه. و الباء للصّلة، أو الحال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) قال: السّفن تجري بقدرة اللَّه.

و قرئ: «الفلّك» بالتثقيل. و «بنعمات اللَّه» بسكون العين. و قد جوّز في مثله، الكسر و الفتح و السّكون. (2) لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ‏: دلائله.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ: على المشاقّ. فيتعب نفسه بالتّفكر في الآفاق و الأنفس.

شَكُورٍ (31): يعرف النّعم و يتعرّف مانحها. أو للمؤمنين.

فإنّ الإيمان‏- لمّا ورد في الحديث‏- نصفان: نصف صبر، و نصف شكر.

(3) وَ إِذا غَشِيَهُمْ‏: علاهم و غطّاهم.

مَوْجٌ كَالظُّلَلِ‏: كما يظلّ من جبل، أو سحاب. أو غيرهما.

و قرئ «كالظّلال»: جمع ظلّة، كقلّة و قلال. (4) و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (5) في قوله [عزّ و جلّ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ قال: هو الّذي يصبر على الفقر و الفاقة و يشكر اللَّه‏] (6)- عزّ و جلّ- على جميع أحواله.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏: لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى و التّقليد، بما دعاهم من الخوف و الشّدائد.

فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ: مقيم على الطّريق القصد، الّذي هو التّوحيد، أو متوسّط (7) في الكفر، لانزجاره بعض الانزجار.

وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ: غدّار. فإنّه نقض للعهد الفطريّ، أو لما كان في البحر. و الختر: أشدّ الغدر.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 166- 167.

(2) أنوار التنزيل 2/ 231- 232.

(3) نفس المصدر 2/ 232، من دون لفظ «لمّا ورد في الحديث.»

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر 2/ 167.

(6) ليس في أ.

(7) هكذا في م. و في سائر النسخ: متوسّطه.

271

كَفُورٍ (32): للنّعم.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ‏: لا يقضي عنه.

و قرئ: «لا يجزئ» من أجزأ [إذا أغنى‏]. (1) و الرّاجع إلى الموصوف محذوف، أي:

لا يجزى فيه‏ (2).

وَ لا مَوْلُودٌ: عطف على «والد». أو مبتدأ خبره. هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً: و تغيير النّظم، للدلالة على أنّ المولود أولى بأن لا يجزي، و قطع طمع من توقّع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة.

إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏: بالثّواب و العقاب.

حَقٌ‏: لا يمكن خلفه.

فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33):

الشّيطان. بأن يرجيكم التّوبة و المغفرة، فيجرئكم على المعاصي.

و في مجمع البيان‏ (3): و في الشّواذّ قراءة سماك بن حرب. «الغرور» بضمّ الغين.

و على هذا يكون المعنى: لا يغرّنكم غرور الدّنيا بخدعها الباطلة. أو غرور النّفس بشهواتها الموبقة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: فأيّ النّاس أثبت رأيا؟

قال: من لم يغرّه النّاس من نفسه، و لم تغرّه الدّنيا بتشويقها. (5)

و في مجمع البيان‏ (6): و في الحديث: الكيس‏ (7)، من حاسب‏ (8) نفسه و عمل لما (9) بعد الموت. و الفاجر، من اتّبع نفسه هواها و تمنّى على اللَّه.

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 232.

(3) مجمع البيان 4/ 324.

(4) من لا يحضره الفقيه 4/ 274، ضمن حديث 829.

(5) المصدر: بتشوقها.

(6) مجمع البيان 4/ 324.

(7) أو: «الكيّس.» و الاثنتان صحيحتان.

(8) المصدر: دان.

(9) المصدر: لها.

272

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)- (1) من كلام أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- لرجل سمعه يذمّ الدّنيا من غير معرفة بما يجب أن يقول في معناها: الدّنيا دار صدق لمن صدقها، و دار عافية لمن فهم عنها، و دار غنى لمن تزوّد منها، مسجد أنبياء اللَّه، و مهبط وحيه، و مصلّى ملائكته و متجر أوليائه. اكتسبوا فيها الرّحمة. و ربحوا فيها الجنّة. فمن ذا لذمّها و قد آذنت ببينها و نادت بفراقها، و نعت نفسها. فشوّقت بسرورها إلى السّرور، و [حذّرت‏] (2) ببلائها إلى البلاء تخويفا و تحذيرا و ترغيبا و ترهيبا. فيا أيّها الذّامّ للدّنيا و المعتل‏ (3) بتغريرها، متى غرّتك؟ أ بمصارع آبائك في البلاء، أم بمصارع‏ (4) أمّهاتك تحت الثّرى؟ كم علّلت بكفّيك و مرّضت بيديك، تبتغى لهم الشّفاء و تستوصف لهم الأطبّاء و تلتمس لهم الدّوا؟ لم تنفعهم بطلبك و لم تشفعهم بشفاعتك.

قد مثلت لك الدّنيا بهم مصرعك و مضجعك، حيث لا ينفعك بكاؤك و لا يغني عنك أحبّاؤك.

و في أصول الكافي‏ (5)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم بن شهاب قال: سألت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: أيّ الأعمال أفضل عند اللَّه- عزّ و جلّ-؟

فقال: ما من عمل بعد معرفة اللَّه- عزّ و جلّ- و معرفة رسول أفضل من بغض الدّنيا.

و أنّ لذلك لشعبا كثيرة، و للمعاصي شعبا. فأوّل ما عصي اللَّه به الكبر. و هي معصية إبليس حين‏ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏. (6) [و الحرص‏] (7) و هي معصية آدم و حوّاء، حين قال اللَّه- عزّ و جلّ-: لهما (8) فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏.

فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل على ذرّيتهما إلى يوم القيامة. و ذلك أنّ أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه. ثمّ الحسد و هي معصية ابن آدم، حين حسد أخاه فقتله. فتشعّب من ذلك حبّ النّساء، و حبّ الدّنيا، و حبّ الرئاسة، و حبّ الرّاحة، و حب الكلام، و حب العلوّ و الثّروة. فصرن سبع خصال. فاجتمعت‏ (9) كلّهنّ في حبّ الدّنيا. فقال الأنبياء و العلماء بعد معرفة ذلك: «حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة.» و الدّنيا دنياآن: دنيا بلاغ و دنيا ملعونة. (10)

____________

(1) الإرشاد/ 157.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: المغترّ.

(4) المصدر: بمضاجع.

(5) الكافي 2/ 130- 131، ح 11.

(6) البقرة/ 34.

(7) ليس في المصدر.

(8) البقرة/ 35.

(9) م و المصدر: فاجتمعن.

(10) هكذا في المصدر م و ن. و في سائر النسخ:

273

و بإسناده إلى طلحة بن زيد (1)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: مثل الدّنيا كمثل ماء البحر، كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا [حتّى يقتله.] (2)

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ: علم وقت قيامها.

قيل‏ (3): روى أنّ الحرث بن عمرو أتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: متى قيام السّاعة؟ و إنّي قد ألقيت حبّاتي في الأرض، فمتى السّماء، تمطر؟ و حمل امرأتي، ذكر أم أنثى؟ و ما أعمل غدا؟ و أين أموت؟ فنزلت.

وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ‏: في وقته المقدّر له، و المحلّ المعيّن في علمه.

و قراء نافع و ابن عامر و عاصم، بالتّشديد. (4)

و في كتاب الخصال‏ (5)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الاربعمائة باب: و بنا ينزّل الغيث.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و بنا ينزّل الغيث و ينشر الرّحمة.

و بإسناده إلى سليمان بن مهران الأعمش‏ (7)، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: بنا ينزّل اللَّه‏ (8) الغيث و ينشر (9) الرّحمة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ‏: أذكر أم أنثى، أتامّ أم ناقص، إلى غير ذلك.

و في نهج البلاغة (10)، خطبة يومئ بها إلى وصف الأتراك: كأنّي أراهم قوما كأنّ وجوههم المجانّ المطرّقة. يلبسون السّرق‏ (11) و الدّيباج، يعتقبون الخيل العتاق. و يكون هناك استحرار قتل، حتّى يمشي المجروح على المقتول. و يكون المفلت أقلّ من المأسور.

فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت، يا أمير المؤمنين، علم الغيب.

____________

ملعونه.

(1) نفس المصدر 2/ 136، ح 24.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 232.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الخصال/ 626.

(6) كمال الدين و تمام النعمة/ 202، ضمن حديث 6.

(7) نفس المصدر/ 207، ضمن حديث 22.

(8) ليس في المصدر.

(9) المصدر: تنشر.

(10) نهج البلاغة/ 186، ضمن خطبة 128.

(11) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

إستبرق.

274

فضحك- (عليه السلام)- و قال للرّجل- و كان كلبيّا-: يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب. و إنّما هو تعلّم [من ذي علم. و إنّما علم الغيب علم السّاعة و ما عدّده اللَّه- سبحانه- بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ‏] (1) عِلْمُ السَّاعَةِ. (الآية) فيعلم- سبحانه- ما في الأرحام من ذكر أو أنثى، و قبيح أو جميل، و سخيّ أو بخيل، و شقيّ أو سعيد. و من يكون للنّار (2) حطبا، أو في الجنان للنّبيّين مرافقا. فهذا علم الغيب لا يعلمه أحد إلّا اللَّه. و ما سوى ذلك فعلم علّمه اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فعلّمنيه. و دعا لي بأن يعيه صدري و تضطمّ عليه جوانحي. (3)

وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً: من خير أو شرّ. و ربّما تعزم على شي‏ء و تفعل خلافه.

وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏: كما لا تدري في أيّ وقت تموت.

فقيل‏ (4): إنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النّظر إليه.

فقال الرّجل: من هذا؟

فقال: ملك الموت.

فقال: كأنّه يريدني. فمر الرّيح أن تحملني و تلقيني بالهند. ففعل‏ (5).

فقال الملك: كان دوام نظري إليه تعجّبا منه، إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند و هو عندك.

و قرئ: «بأيّة أرض». و شبّه سيبويه تأنيثها بتأنيث «كلّ» في «كلتهنّ‏ (6)».

و في بصائر الدّرجات‏ (7): محمّد بن عبد الحميد و أبو طالب، جميعا، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ للَّه علما عامّا و علما خاصّا. فأمّا الخاصّ، فالّذي لم يطّلع عليه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل. و أمّا علمه العامّ، فالّذي اطّلعت عليه الملائكة

____________

(1) ليس في أ.

(2) المصدر: في النار.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: جوارحي.

(4) أنوار التنزيل 2/ 232. و فيه: «روي» بدل «فقيل.»

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأمر و فعل.

(6) نفس المصدر 2/ 232- 233.

(7) بصائر الدرجات/ 109، ح 1.

275

المقرّبون و الأنبياء المرسلون. و قد وقع‏ (1) ذلك كلّه إلينا.

ثمّ قال: أما تقرأ: عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؟

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ‏: يعلم الأشياء كلّها.

خَبِيرٌ (34): يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن أبي أسامة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال [لي أبي‏]: (3) ألا أخبرك‏ (4) بخمسة لم يطلع اللَّه عليها أحدا من خلقه.

قال: قلت: بلى.

قال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ قال الصّادق- (عليه السلام)-: هذه الخمسة أشياء لم يطّلع عليها ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل. و هي من صفات اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏ فقال: من قدم إلى قدم.

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (7) بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه:

- (عليه السلام)- لمّا أراد المسير إلى النّهروان أتاه منجّم فقال [له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه السّاعة، و سر في ثلاث ساعات يمضين من النّهار.

فقال؟] (8) له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لم ذاك؟

قال: أنّك إن سرت في هذه السّاعة أصابك و أصاب أصحابك أذى و ضرّ شديد.

____________

(1) المصدر: رفع.

(2) الخصال/ 290، ح 49.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أخبركم.

(5) تفسير القمي 2/ 167.

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 84، ح 383.

(7) أمالي الصدوق/ 338- 339، ح 16، و له تتمة. و فيه ... عبد اللَّه بن عوف الأحمر قال: لمّا أراد أمير المؤمنين- (عليه السلام)- المسير إلى النهروان ...

(8) ليس في أ.

276

و إن سرت في السّاعة الّتي أمرتك ظفرت، و ظهرت و أصبت كلّما طلبت.

فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: [تدري ما في بطن هذه الدّابّة، أذكر أم أنثى؟

قال: إن حسبت علمت.

قال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:] (1) من صدّقك على هذا القول كذّب بالقرآن.

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. ما كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يدّعي ما ادّعيت.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (2): جاء في الحديث: إنّ مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلّا اللَّه.

و قراء هذه الآية.

و قد روى عن أئمّة الهدى- (عليهم السلام)- (3): أنّ هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التّفصيل و التّحقيق غيره- تعالى.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحجّال، عن ابن بكير، عن أبي منهال، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ النّطفة إذا وقعت في الرّحم بعث اللَّه- عزّ و جلّ- ملكا فأخذ من التّربة الّتي يدفن فيها فماثها في النّطفة. فلا يزال قلبه يحنّ إليها حتّى يدفن فيها.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرّضا- (عليه السلام)-: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قد عرف قاتله، و اللّيلة الّتي يقتل فيها، و الموضع الّذي يقتل فيه، و قوله لمّا سمع صياح الأوزّ في الدّار: صوائح تتبعها نوائح. و قول أمّ كلثوم: لو صلّيت اللّيلة داخل الدّار و أمرت غيرك يصلّي بالنّاس. فأبى عليها و كثر دخوله و خروجه تلك اللّيلة بلا سلاح. و قد عرف- (عليه السلام)- أنّ ابن ملجم- لعنة اللَّه عليه- قاتله بالسّيف. كان هذا ممّا لم يجز (6) تعرضه.

____________

(1) ليس في أ.

(2) مجمع البيان 4/ 324.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الكافي 3/ 203، ح 2.

(5) نفس المصدر 1/ 259، ح 4.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: لا يحسن.

277

فقال: ذلك كان. و لكنّه‏ (1) جبن في تلك اللّيلة لتمضي مقادير اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب مقتل الحسين- (عليه السلام)- (2) لأبي مخنف: إنّ الحسين- (عليه السلام)- لمّا نزل كربلاء و أخبر اسمها بكى بكاء شديدا. و قال: أرض كرب و بلاء. فعفوا و لا تبرحوا، و حطّوا و لا ترحلوا فههنا، و اللَّه، محطّ رحالنا. و هاهنا، و اللَّه، سفك دمائنا. و هاهنا، و اللَّه، تسبى حريمنا. و هاهنا، و اللَّه، محلّ قبورنا. و هاهنا، و اللَّه، محشرنا و منتشرنا. و بهذا وعدني جدّي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و لا خلاف لوعده.

____________

(1) المصدر: «خيّر» و قيل في هامشه: «و في بعض النسخ حير» و هو الأظهر.

(2) لم نعثر على عين النص في مقتل أبي مخنف المطبوع. و يوجد فيه/ 75 و في مقاتل أخرى كمقتل المقرم/ 229، مع زيادة في منقول هنا.

279

تفسير سورة السّجدة

281

سورة السجدة مكّيّة.

و في مجمع البيان‏ (1): ما خلا ثلاث آيات منها. فإنّها نزلت بالمدينة: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ [إلى تمام الآيات.

و هي ثلاثون آية.

و قيل‏ (2): تسع و عشرون آيه.] (3) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (4)، بإسناده إلى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قراء سورة السّجدة في كلّ ليلة (5) جمعة، أعطاه اللَّه كتابه بيمينه و لم يحاسبه بما كان منه. و كان من رفقاء محمّد و أهل بيته- (عليهم السلام)-.

و بإسناده، عن الصّادق- (عليه السلام)- (6) قال: من اشتاق إلى الجنّة و إلى صفتها، فليقرأ الواقعة. و من أحبّ أن ينظر إلى صفة النّار، فليقرأ سجدة (7).

____________

(1) مجمع البيان 4/ 324.

(2) أنوار التنزيل 2/ 233.

(3) ليس في أ.

(4) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(5) ليس في المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(7) هكذا في المصدر م و ن. و في سائر النسخ:

سورة لقمان.

282

و في مجمع البيان‏ (1): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قراء الم تنزيل و تبارك الّذي بيده الملك، فكأنّما أحيا ليلة القدر.

و روى ليث بن أبي الزّيد (2)، عن جابر قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لا ينام حتّى يقرأ ألم تنزيل و تبارك الّذي بيده الملك.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، و النّجم، و تنزيل السّجدة، و حم السّجدة.

الم‏ (1) إن جعل اسما للسّورة، أو القرآن، فمبتدأ خبره‏ تَنْزِيلُ الْكِتابِ‏: على أنّ التنزيل بمعنى: المنزل. و إن جعل تعديد الحروف، كان تنزيل خبر محذوف. أو مبتدأ، خبره‏ لا رَيْبَ فِيهِ‏: فيكون‏ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (2): حالا من الضّمير في «فيه».

لأنّ المصدر لا يعمل فيها بعد الخبر. و يجوز أن يكون خبرا ثانيا، و الخبر و لا رَيْبَ فِيهِ‏ حال من الكتاب، أو اعتراض. و الضّمير في «فيه» لمضمون الجملة.

و يؤيّده قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ‏: فإنّه إنكار، لكونه من ربّ العالمين. و قوله:

بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏: فإنّه تقرير له.

و نظم الكلام على هذا، أنّه أشار أوّلا إلى إعجازه. ثمّ رتّب عليه أنّ تنزيله من ربّ العالمين. و قرّر ذلك بنفي الرّيب عنه. ثمّ أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكارا له و تعجيبا منه. فإنّ «أم» منقطعة. ثمّ أضرب عنه إلى إثبات أنّه الحقّ المنزل من اللَّه، و بيّن المقصود من تنزيله فقال: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ‏: إذ كانوا أهل الفترة.

لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ (3): بإنذارك إيّاهم.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏: مرّ بيانه.

ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ‏: ما لكم إذا جاوزتم رضا اللَّه، أحد ينصركم و يشفع لكم. أو ما لكم سواه وليّ و لا شفيع، بل هو الّذي يتولّى مصالحكم و ينصركم في مواطن نصركم على أنّ الشّفيع متجوّز به للنّاصر. فإذا خذلكم لم يبق لكم‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 324- 325.

(2) نفس المصدر و الموضع: و فيه و في ن: ليث بن أبي الزبير.

(3) الخصال/ 252، ح 124.

283

وليّ و لا ناصر.

أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ‏ (4): بمواعظ اللَّه.

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ‏: يدبّر أمر الدّنيا بأسباب سماويّة، كالملائكة و غيرها نازلة آثارها إلى الأرض.

ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ‏:

قيل‏ (1): ثمّ يصعد إليه و يثبت في علمه موجود.

فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ (5): في برهة من الزّمان متطاولة، يعني بذلك: استطالة ما بين التّدبير و الوقوع.

و قيل‏ (2): يدبّر الأمر بإظهاره في اللّوح. فينزل الملك بذلك. ثمّ يعرج إليه في زمان هو كألف سنة.

و قيل‏ (3): يقضي‏ (4) قضاء ألف سنة. فينزل به الملك. ثمّ يعرج بعد الألف لألف‏ (5) آخر.

و قيل‏ (6): يدبّر المأمور به من الطّاعات منزلا من السّماء إلى الأرض [بالوحي.] (7) ثمّ لا يعرج إليه خالصا كما يرتضيه، إلّا في مدّة متطاولة، لقلّة المخلصين و الأعمال الخلص‏ (8).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ‏، يعنى: الأمور الّتي يدبرّها و الأمر و النّهي الّذي أمر به و أعمال العباد كلّ هذا يظهره يوم القيامة. فيكون مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدّنيا.

و في مجمع البيان‏ (10): معناه: أنّه ينزّل الملك بالتّدبير أو الوحي: و يصعد إلى السّماء.

فيقطع في يوم واحد من أيّام الدّنيا مسافة ألف سنة ممّا تعدّونه أنتم. لأنّ ما بين السّماء و الأرض مسيرة خمسمائة عام.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 233.

(2) نفس المصدر 2/ 233- 234.

(3) نفس المصدر 2/ 234.

(4) المصدر: يقض.

(5) المصدر: الألف.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) من المصدر.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: المخلصة.

(9) تفسير القمي 2/ 168.

(10) مجمع البيان 4/ 326.

284

فهذه ستّة احتمالات لا ينافي قوله‏ (1): فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خمسة منها.» لأنّ المراد منه يوم القيامة. و المراد في الاحتمالات غيره.

و أمّا الاحتمال الخامس: و هو ما ذكره عليّ بن إبراهيم فينافيه. و قد قيل في التّوجيه بينهما (2): إنّه جعل- سبحانه- ذلك اليوم على الكافر مقدار خمسين ألف سنة. فإنّ المقامات في يوم القيامة مختلفة.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (3) بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال في كلام طويل: فإنّ للقيامة خمسين موقفا. كلّ‏ (4) موقف مثل ألف سنة ممّا تعدّون. ثمّ تلا هذه الآية: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ: فيدبّر أمرها على وفق الحكمة (5).

الْعَزِيزُ: الغالب على أمره.

الرَّحِيمُ‏ (6): على العباد في تدبيره.

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏: خلقه موّفرا عليه ما يستعدّه و يليق به على وفق الحكمة و المصلحة.

و «خلقه» بدل من «كلّ» بدل الاشتمال.

و قيل‏ (6): علم كيف يخلقه من‏

قوله- عليه الصّلاة و السّلام-: «قيمة المرء ما يحسنه»

، أي: يحسن معرفته. و «خلقه» مفعول ثان.

و قرأ نافع و الكوفيّون بفتح اللّام على الوصف. «فالشّي‏ء» على الأوّل مخصوص بمنفصل، و على الثّاني بمتّصل. (7) وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏ (7):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8) قال: هو آدم.

و في عيون الأخبار (9)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ يقول‏

____________

(1) المعارج/ 4.

(2) نفس المصدر و الموضع، ببعض الاختلاف.

(3) أمالي الطوسي 1/ 34.

(4) المصدر: لكلّ.

(5) ن: على وفق الحكمة و المصلحة.

(6) أنوار التنزيل 2/ 234.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمي 2/ 168.

(9) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 180- 181.

285

فيه المأمون بعد كلام طويل: يا عمران هذا سليمان المروزيّ متكلّم خراسان.

قال عمران: يا أمير المؤمنين، إنّه يزعم انّه واحد خراسان في النّظر. و ينكر البداء.

قال: فلم لا تناظر (1).

قال عمران: ذلك إليك‏ (2).

فدخل الرّضا- (عليه السلام)- فقال: في أيّ شي‏ء أنتم‏ (3)؟

قال عمران: يا ابن رسول اللَّه، هذا سليمان المروزيّ.

فقال له سليمان: أ ترضى بأبي الحسن و بقوله فيه؟

فقال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء، على أن يأتيني فيه. بحجّة أحتجّ بها على نظرائي من أهل النّظر.

قال المأمون: يا أبا الحسن، ما تقول فيما تشاجرا فيه؟

قال: و ما أنكرت من البداء، يا سليمان؟ و اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً؟ و يقول- عزّ و جلّ- (5) وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏ و يقول‏ (6): بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ و يقول- عزّ و جلّ‏ (7)-: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ.

و يقول‏ (8): وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏. و يقول- عزّ و جلّ- (9): وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏. و يقول- عزّ و جلّ- (10): ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ‏: ذرّيّته سمّيت به لأنّها تنسل منه، أي: تنفصل.

مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ (8): ممتهن.

ثُمَّ سَوَّاهُ‏: قوّمه بتصوير أعضائه على ما ينبغي.

وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏: أضافه إلى نفسه تشريفا و إشعارا بأنّه خلق عجيب،

____________

(1) المصدر: لا تناظروه.

(2) المصدر: «إليه.» و فيه: و في بعض النسخ «اليك».

(3) المصدر: كنتم.

(4) مريم/ 67.

(5) الروم/ 27.

(6) البقرة/ 117.

(7) فاطر/ 1.

(8) السجدة/ 7.

(9) التوبة/ 106.

(10) فاطر/ 11.

286

و أنّ له شأنا له مناسبة ما إلى الحضرة الرّبوبيّة. و لأجله قيل: من عرف نفسه فقد عرف ربّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ‏، أي: ولده من سلالة. و هو الصّفوة (2) من الطّعام و الشّراب، مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏. قال: النّطفة [المني.] (3) ثُمَّ سَوَّاهُ‏، أي: استحاله من نطفة إلى علقة و من علقة إلى مضغة حتّى نفخ فيه الرّوح.

وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ: خصوصا لتسمعوا و تبصروا و تعقلوا.

قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ (9): شكرا قليلا.

وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ‏، أي: صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميّز منه. أو غبنا فيه.

و قرئ، «ضللنا» بالكسر. من ضلّ يضلّ. (4)

و في جوامع الجامع‏ (5): روى عن عليّ- (عليه السلام)- و ابن عبّاس: «صللنا» بالصّاد و كسر اللّام. من صلّ اللّحم، و أصلّ اللّحم: إذا أنتن.

و قرأ ابن عامر: «إذا» على الخبر و العامل فيه ما دلّ عليه‏ (6).

أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: و هو أ نبعث أو يجدّد خلقنا.

و قرأ نافع و الكسائيّ و يعقوب: «إنّا» على الخبر. و القائل أبيّ بن خلف.

و إسناده إلى جميعهم لرضاهم به. (7) بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ‏: بالبعث، أو بتلقيّ ملك الموت و ما بعده.

كافِرُونَ‏ (10): جاحدون.

قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ‏: يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا. أو لا يبقى منكم أحد.

و «التفعّل» و «الاستفعال» يلتقيان كثيرا، كتقصّيته و استقصيته و استعجلته.

مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏: بقبض أرواحكم و إحصاء آجالكم.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 168.

(2) المصدر: الصنو.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 234.

(5) جوامع الجامع/ 365.

(6) أنوار التنزيل 2/ 234.

(7) نفس المصدر و الموضع.

287

ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏ (11): للحساب و الجزاء.

و في كتاب التّوحيد (1): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله‏ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ‏، يعني: البعث. فسمّاه اللَّه- عزّ و جلّ- لقاء. و أمّا قوله‏ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏ و قوله‏ (2): اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و قوله‏ (3): تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ‏ و قوله‏ (4): الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ و قوله‏ (5): الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ فإنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يدبّر الأمور كيف يشاء، و يوكّل من خلقه من يشاء. و أمّا ملك الموت، فإنّ اللَّه يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه، و يوكّل رسله من يشاء من‏ (6) خاصّته بمن يشاء من خلقه‏ (7) يدبّر الأمور كيف يشاء.

و ليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس. لأنّ فيهم‏ (8) القويّ و الضّعيف. و لأنّ منه ما يطاق حمله و منه ما لا يطاق حمله، إلّا أن يسهّل اللَّه له حمله و أعانه عليه من خاصّة أوليائه. و إنّما تكفيك أن تعلم أنّ اللَّه هو المحيي المميت، و أنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكة و غيرهم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (10):

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (11) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏ و عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ‏ و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ (12) و عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (13) تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و عن قوله- عزّ و جلّ- (14): وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ و قد يموت في الدّنيا في السّاعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلّا اللَّه- عزّ و جلّ-. فكيف هذا؟

____________

(1) التوحيد/ 267 و 268- 269.

(2) الزمر/ 42.

(3) الأنعام/ 61.

(4) النحل/ 28.

(5) النحل/ 32.

(6) المصدر: «الملائكة» بدل «يشاء من.»

(7) هنا زيادة في المصدر. و هي: و الملائكة الذين سمّاهم اللَّه- عزّ ذكره- و كلّهم بخاصّة من يشاء من خلقه. إنّه- تبارك و تعالى-».

(8) المصدر: منهم.

(9) من لا يحضره الفقيه 1/ 82، ح 371.

(10) الزمر/ 42.

(11) النحل/ 32.

(12) نفس السورة/ 28.

(13) الأنعام/ 61.

(14) الأنفال/ 50.

288

فقال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الإنس، يبعثهم في حوائجه فتتوفّاهم الملائكة، و يتوفّاهم ملك الموت من الملائكة، مع ما يقبض هو، و يتوفّاهم اللَّه- تعالى- من ملك الموت.

و في الكافي‏ (1): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أسباط بن سالم مولى أبان قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، يعلم ملك الموت بقبض من يقبض؟

قال: لا، إنّما هي صكاك تنزل من السّماء اقبض نفس فلان بن فلان بن فلان.

علىّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (2)، عن عمرو بن عثمان، عن المفضّل بن صالح، عن زيد الشحّام قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن ملك الموت، يقال: الأرض بين يديه كالقصعة يمد يده منها حيث يشاء.

فقال: نعم.

محمّد، عن أحمد بن محمّد (3)، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن لحظة ملك الموت.

قال: أما رأيت النّاس يكونون جلوسا فتعتريهم السّكينة (4) فما يتكلّم أحد منهم؟ فتلك لحظة [ملك الموت‏] (5) حيث يلحظهم.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (6)، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سكين قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يقول: استأثر اللَّه بفلان.

فقال: ذا مكروه.

فقيل: فلان يجود بنفسه؟

فقال: لا بأس. أما تراه يفتح فاه عند موته مرّتين أو ثلاثا؟ فذلك حين يجود بها لما يرى من ثواب اللَّه- عزّ و جلّ- و قد كان بها ضنينا.

____________

(1) الكافي 3/ 255، ح 21.

(2) نفس المصدر 3/ 256، ح 24.

(3) نفس المصدر 3/ 259، ح 31.

(4) ن و المصدر: السكتة.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 3/ 260، ح 35.

289

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لمّا أسري بي إلى السّماء رأيت ملكا من الملائكة بيده لوح من نور لا يلتفت يمينا و لا شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين. [فقلت: من هذا يا جبرئيل؟

فقال: هذا ملك الموت. مشغول في قبض الأرواح.] (2) فقلت أدنني منه، يا جبرائيل، لأكلّمه.

فأدناني منه. فقلت له: يا ملك الموت، أكلّ من مات أو هو ميّت فيما بعد أنت تقبض روحه؟

قال: نعم.

قلت: و تحضرهم بنفسك؟

قال: نعم، ما الدّنيا كلّها عندي فيما سخرّها اللَّه- عزّ و جلّ- لي و مكّنني منها إلّا كالدّرهم في كفّ الرّجل يقلّبه كيف يشاء. و ما من دار في الدّنيا، إلّا و أدخلها كلّ يوم خمس مرّات. و أقول إذا بكى أهل الميّت على ميّتهم: لا تبكوا عليه. فإنّ لي إليكم عودة و عودة حتّى لا يبقى منكم أحد.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كفى بالموت طامّة، يا جبرائيل.

فقال جبرائيل: ما بعد الموت اطمّ و أعظم من الموت.

و في نهج البلاغة (3): هل تحسّ به إذا دخل منزلا؟ أم هل تراه إذا توفّى أحدا؟ بل كيف يتوفّى الجنين في بطن أمّه؟ أ يلج عليه من بعض جوارحها؟ أم الرّوح أجابته بإذن ربّها؟ أم هو ساكن معه في أحشائها؟ كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله!؟

و في مجمع البيان‏ (4): و روى عكرمة عن ابن عبّاس: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: الأمراض و الأوجاع كلّها بريد الموت‏ (5) و رسل الموت‏ (6). فإذا حان‏ (7) الأجل أتى ملك الموت بنفسه و قال: يا أيّها العبد، كم خبر بعد خبر، و كم رسول بعد رسول‏ (8)؟ أنا الخبر الّذي‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 168.

(2) من المصدر.

(3) نهج البلاغة/ 42، خطبة 112.

(4) مجمع البيان 4/ 329.

5 و 6- المصدر: للموت.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: جاءت.

(8) هنا زيادة في المصدر. و هي: و كم بريد بعد بريد؟

290

ليس بعدي خبر. و أنا الرّسول أجب ربّك طائعا أو مكرها.

فإذا قبض روحه و تصارخوا عليه، قال: على من تصرخون؟ و على من تكبون؟ فو اللَّه ما ظلمت له أجلا و لا أكلت له رزقا. بل دعاه ربّه. فليبك الباكي على نفسه. و إنّ لي فيكم عودات و عودات حتى لا أبقي منكم أحدا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ آية المؤمن إذا حضره الموت أن يبيضّ وجهه أشد من بياض لونه، و يرشح جبينه، و يسيل من عينيه كهيئة الدّموع. ذلك آية خروج روحه. و إنّ الكافر تخرج روحه سيلا من شدقه، كزبد البعير كما تخرج نفس الحمار.

و سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (2): كيف يتوفّى ملك الموت المؤمن؟

فقال: إنّ ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذّليل من المولى.

فيقوم هو و أصحابه لا يدنو منه حتى يبدأ بالتّسليم و يبشّره بالجنّة.

و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)(3)-: إنّ المؤمن إذا حضره الموت وثقه ملك الموت.

فلولا ذلك لم يستقرّ.

و في عوالي اللّئالي‏ (4): و في الحديث‏ أنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لقى ملكا فقال له: من أنت؟

فقال: أنا ملك الموت.

فقال: أ تستطيع أن تريني الصّورة الّتي تقبض فيها روح المؤمن؟

قال: نعم. أعرض عنّي.

فأعرض عنه [ثمّ التفت إليه.] (5). فإذا هو شابّ حسن الصّورة، حسن الثّياب، حسن الشّمائل، طيّب الرّائحة.

فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق المؤمن إلّا حسن صورتك لكان حسبه.

ثمّ قال له: هل تستطيع أن تريني الصّورة الّتي تقبض فيها روح الفاجر (6)؟

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 81، ح 366.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 368.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 369.

(4) عوالي اللئالي 1/ 274، ح 100.

(5) من ن.

(6) هنا زيادة في المصدر و النسخ إلّا ن. و هي:

قال لا تطيق.

291

فقال: بلى. [ثمّ‏] (1) قال: أعرض عنّي.

فأعرض عنه. ثمّ التفت إليه. فإذا هو رجل أسود، قائم الشّعر، منتن الرّائحة، أسود الثّياب، يخرج من فيه و من مناخره النيّران‏ (2) و الدّخان. فغشى على إبراهيم. ثمّ أفاق. و قد عاد ملك الموت ألى حالته الأولى.

فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الفاجر إلّا صورتك هذه لكفته.

وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏: من الحياء و الخزي.

رَبَّنا: قائلين: ربّنا.

أَبْصَرْنا: ما وعدتنا.

وَ سَمِعْنا: منك تصديق رسلك.

فَارْجِعْنا: إلى الدّنيا.

نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ‏ (12): إذ لم يبق لنا شكّ بما شاهدنا.

و جواب «لو» محذوف. تقديره: لرأيت أمرا فظيعا. و يجوز أن تكون للتّمنّي و المضيّ فيها و في «إذ». لأنّ الثّابت في علم اللَّه بمنزلة الواقع. و لا يقدّر لترى مفعولا. لأنّ المعنى: لو تكون منك رؤية في هذا الوقت. أو يقدّر ما دلّ عليه صلة «إذ». و الخطاب لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو لكلّ أحد.

وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها: ما هدي به إلى الإيمان و العمل الصالح بالتّوفيق له.

وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي‏: ثبت قضائي و سبق وعيدي. و هو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ (13): لعلمي بأنّهم ينسون لقاء يومهم هذا، و يرتكبون ما يوجب لهم هذا.

فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا: فإنّه من الوسائط و الأسباب المقتضية له.

إِنَّا نَسِيناكُمْ‏: تركناكم من الرّحمة. أو في العذاب ترك المنسيّ.

و في استئنافه و بناء الفعل على «إنّ» و اسمها، تشديد في الانتقام منهم.

وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (14): كرّر الأمر للتّأكيد و لما نيط به من التّصريح بمفعوله و تعليله بأفعالهم السّيّئة من التّكذيب و المعاصي، كما علّله بتركهم تدبّر أمر

____________

(1) من ن.

(2) المصدر: النار.

292

العاقبة و التّفكّر فيها دلالة على أنّ كلّا منهما يقتضي ذلك.

إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها: وعّظوا بها.

خَرُّوا سُجَّداً: خوفا من عذاب اللَّه.

وَ سَبَّحُوا: ترّهوه عمّا لا يليق به، كالعجز عن البعث.

بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‏: حامدين له شكرا، على ما وفّقهم للإسلام و آتاهم الهدى.

وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ‏ (15): عن الإيمان و الطّاعة، كما يفعل من يصير مستكبرا.

تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ‏: ترتفع و تتنحّى.

عَنِ الْمَضاجِعِ‏: الفرش و مواضع النوم.

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏: داعين إيّاه.

خَوْفاً: من سخطه.

وَ طَمَعاً: في رحمته.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً لعلّك ترى أنّ القوم لم يكونوا ينامون.

قال: قلت: اللَّه و رسوله و ابن رسوله أعلم.

قال: فقال: لا بدّ لهذا البدن أن تريحه حتّى يخرج [نفسه. فإذا خرج‏] (2) النّفس استراح البدن و رجع الرّوح فيه قوة على العمل. فإنّما ذكرهم‏ تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً أنزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أتباعه من شيعتنا. ينامون في أوّل اللّيل، فإذا ذهب ثلثا اللّيل أو ما شاء اللَّه فزعوا إلى ربّهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده. فذكرهم اللَّه في كتابه. فأخبرك اللَّه بما أعطاهم أنّه‏ (3) أسكنهم في جواره، و أدخلهم جنّته، و آمن‏ (4) خوفهم‏ (5)، و أذهب رعبهم.

قال: قلت: جعلت فداك، إن أنا قمت في آخر اللّيل أيّ شي‏ء أقول إذا قمت؟

____________

(1) علل الشرائع/ 365، ح 4.

(2) ليس في س و أ.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فأخبرك بما أعطاهم اللَّه» بدل «فأخبرك اللَّه بما أعطاهم أنّه.»

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: آمنهم.

(5) ن و م: خوفه.

293

قال: قل: «الحمد للَّه ربّ العالمين و آله المرسلين. و الحمد للَّه الّذي يحيي الموتى و يبعث من في القبور.» فإنّك إذا قلتها، ذهب عنك رجز الشّيطان و وسواسه- إن شاء اللَّه.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علىّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ألا أخبرك بالإسلام أصله و فرعه و ذروة سنامه؟

قلت: بلى- جعلت فداك.

قال: أمّا أصله، فالصّلاة. و فرعه، الزّكاة. و ذروة سنامه، الجهاد.

ثمّ قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير.

قلت: نعم- جعلت فداك.

قال: الصّوم جنّة [من النّار.] (2) و الصّدقة تذهب بالخطيئة. و قيام الرّجل في جوف اللّيل يذكر اللَّه. ثمّ قرأ: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏

علىّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (3)، عن ابن محبوب، عن جميل، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا اللَّه- عزّ و جلّ- خوفا فتلك [عبادة] (4) العبيد، و قوم عبدوا اللَّه- تبارك و تعالى- طلب الثّواب، فتلك [عبادة] (5) الأجراء، و قوم عبدوا اللَّه- عزّ و جلّ- حبّا له، فتلك عبادة الأحرار. و هي أفضل العبادة.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: إنّ النّاس يعبدون اللَّه على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الخرصاء. و هو الطّمع، و آخرون يعبدون فرقا [من النار،] (7) فتلك عبادة العبيد.

و هي الرّهبة، و لكنّى أعبده حبّا له، فتلك عبادة الكرام. و هو الأمن‏

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (8): روى الواحديّ بالإسناد عن معاذ بن جبل قال: بينا نحن مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في غزوة تبوك، و قد أصابنا الحرّ. فتفرّق القوم. فإذا

____________

(1) الكافي 2/ 23- 24، ح 15.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 2/ 84، ح 5.

4 و 5- من المصدر و م.

(6) الخصال/ 188، صدر حديث 259.

(7) من المصدر.

(8) مجمع البيان 4/ 331.

294

رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أقربهم منّى. فدنوت منه.

فقلت: يا رسول اللَّه، أنبئني بعمل يدخلني الجنّة و يباعدني من النّار.

قال: لقد سألت عن عظيم- و أنّه ليسير على من يسّره‏ (1) اللَّه عليه-: تعبد (2) اللَّه و لا تشرك به شيئا، و تقيم الصّلاة المكتوبة، و تؤدّى الزّكاة المفروضة، و تصوم شهر رمضان.

قال: و إن شئت أنبأتك عن أبواب‏ (3) الخير.

قال: قلت: أجل، يا رسول اللَّه.

قال: الصّوم جنّة [من النّار.] (4) و الصّدقة تكفّر الخطيئة. و قيام الرّجل في جوف اللّيل يبتغي وجه اللَّه.

ثمّ قرأ هذه الآية: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(5)- بإسناده قال: قال الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏ قال: كانوا لا ينامون حتّى يصلّوا العتمة.

و في كتاب المناقب‏ (6)، لابن شهر آشوب كلام طويل‏ في تزويج فاطمة- (عليها السلام)- من علىّ- (عليه السلام)- و فيه: و باتت عندها أسماء بنت عميس أسبوعا، بوصيّة خديجة إليها.

فدعا لها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في دنياها و آخرتها. ثمّ أتاهما في صبيحتهما. (7) و قال: السّلام عليكم. أدخل- رحمكم اللَّه؟

ففتحت له أسماء الباب. و كانا نائمين تحت كساء.

فقال: على حالكما. فأدخل رجليه بين أرجلهما. فأخبر اللَّه عن أورادهما تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏ (الآية) فسأل عليّا: كيف وجدت أهلك؟

قال: نعم العون على طاعة اللَّه.

و سأل فاطمة، فقالت: خير بعل.

فقال: اللّهمّ اجمع شملهما، و ألّف بين قلوبهما، و اجعلهما و ذرّيّتهما من ورثة جنّة النّعيم،

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: «يستره» و في المصدر: يسيره.

(2) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

تعبدوا.

(3) المصدر و الأصل: بأبواب.

(4) ليس في المصدر.

(5) أمالي الطوسي 1/ 300.

(6) مناقب آل أبي طالب 3/ 355- 356.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أتاها في صبيحتها.»

295

و ارزقهما ذرّيّة طاهرة طيّبة مباركة، و اجعل في ذرّيّتهما البركة، و اجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك و يأمرون بما يرضيك.

ثمّ أمر بخروج أسماء و قال: جزاك اللَّه خيرا.

ثمّ خلا بها بإشارة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (16): في وجوه الخير.

و في محاسن البرقيّ‏ (1): عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن علىّ بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ألا أخبرك بأصل الإسلام و فرعه و ذروته و سنامه‏ (2)؟

قال: قلت: بلى- جعلت فداك.

قال: أصله، الصّلاة. و فرعه، الزّكاة. و ذروته و سنامه‏ (3)، الجهاد في سبيل اللَّه. ألا أخبرك بأبواب الخير؟

[قلت: نعم- جعلت فداك.

قال:] (4) الصّوم جنّة [من النار.] (5) و الصّدقة تحطّ الخطيئة. و قيام الرّجل في جوف اللّيل يناجي ربّه. ثمّ قرأ: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏.

فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ‏: لا ملك و لا نبيّ مرسل.

مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ‏: ممّا تقرّبه عيونهم.

و قرأ حمزة و يعقوب: «أخفى» على أنّه مضارع، أخفيت‏ (6).

و قرئ: «نخفي، و أخفي». و الفاعل في الكلّ هو اللَّه- تعالى‏ (7). و «العلم» بمعنى المعرفة. و «ما» موصولة، أو استفهامية، معلّق عنها الفعل.

جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (17)، أي: جوزوا جزاء، أو أخفى للجزاء. فإنّ إخفاءه لعلو شأنه.

____________

(1) المحاسن/ 289، ح 434.

2 و 3- هكذا في المصدر. و في النسخ: «ذروة سنامه» بدل «ذروته و سنامه.»

4 و 5- من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 236.

(7) نفس المصدر و الموضع.

296

و قيل‏ (1): هذا القوم أخفوا أعمالهم، فأخفى اللَّه ثوابهم‏ (2).

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله عزّ و جلّ‏ (4): [وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا في الدّنيا و لم نعمل به. فَارْجِعْنا إلى الدّنيا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ.] (5) وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها قال: و لو شئنا أن نجعلهم كلّهم معصومين لقدرنا. و قوله- عزّ و جلّ‏ (6)-: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ‏، اي: تركناكم. و قوله- عزّ و جلّ- تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏. فإنّه حدّثني أبي، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- قال: ما من عمل حسن يعمله العبد إلّا و له ثواب في القرآن إلّا صلاة اللّيل. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها (7) عنده. فقال- جلّ ذكره-: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏- إلى قوله- يَعْمَلُونَ‏.

ثمّ قال: إنّ للَّه- عزّ و جلّ- كرامة في عبادة المؤمنين في كلّ يوم جمعة. فإذا كان يوم الجمعة بعث اللَّه إلى المؤمن ملكا معه حلّتان فينتهي إلى باب الجنّة.

فيقول: استأذنوا لي على فلان.

فيقال له: هذا رسول ربّك على الباب.

فيقول لأزواجه: أيّ شي‏ء ترين عليّ أحسن؟

فيقلن: يا سيّدنا و الّذي أباحك الجنّة ما رأينا عليك أحسن من هذا. قد بعث إليك ربّك.

فيتّزر بواحدة [و يتعطّف بالأخرى. فلا يمرّ بشي‏ء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى الموعد. فإذا اجتمعوا تجلّى لهم الرّب- تبارك و تعالى.] (8) فإذا نظروا إليه، أي: إلى رحمته خرّوا سجّدا.

____________

(1) نفس المصدر، و الموضع.

(2) أ: لقاءهم.

(3) تفسير القمي 2/ 168- 170.

(4) السجدة/ 12.

(5) ليس في المصدر.

(6) السجدة/ 14.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «العظيم خطره» بدل «لعظم خطرها.»

(8) ليس في أ.

297

فيقول: عبادي، ارفعوا رؤوسكم. ليس هذا يوم سجود و لا عبادة. قد رفعت عنكم المؤنة.

فيقولون: يا ربّ، و أي شي‏ء أفضل ممّا أعطيتنا (1) الجنّة (2)؟

فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا.

فيرجع‏ (3) المؤمن في كلّ جمعة بسبعين‏ (4) ضعفا مثل ما في يده. و هو قوله‏ (5): وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ. و هو يوم الجمعة. إنّها ليلة عزّاء، و يوم أزهر. فأكثروا فيها من التّسبيح و التّهليل و التّكبير و الثّناء على اللَّه- عزّ و جلّ- و الصّلاة على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

قال: فيمرّ المؤمن. فلا يمرّ بشي‏ء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى أزواجه.

فيقلن: و الّذي أباحنا (6) الجنّة، يا سيّدنا، ما رأيناك أحسن منك السّاعة!؟

فيقول: إنّي قد نظرت إلى نور ربّي.

ثمّ قال: إنّ أزواجه لا يغرن و لا يحضن و لا يصلفن.

قلت: جعلت فداك، إنّي أردت أن أسألك عن شي‏ء أستحي منه.

قال: سل.

قلت: جعلت فداك، ثم قلت هل في الجنّة غناء (7)؟

قال: إنّ في الجنة شجرا يأمر اللَّه رياحها، فتهبّ. فتضرب تلك الشّجرة بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها حسنا.

ثمّ قال: هذا عوض لمن ترك السّماع للغناء في الدّنيا مخافة اللَّه.

قال: قلت: جعلت فداك، زدني.

فقال: إنّ اللَّه خلق جنّة بيده. و لم ترها عين. و لم يطلع عليها مخلوق. يفتحها الرّبّ كلّ صباح. و يقول: ازدادي ريحا. و ازدادي طيبا. و هو قول اللَّه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أعطيتنا.

(2) تفسير نور الثقلين 4/ 226، ح 27، نقلا عن المصدر: أعطيتنا الجنة.

(3) المصدر: فيرى.

(4) المصدر: سبعين.

(5) ق/ 35.

(6) ن: أباحك.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «ثم قلت: أفي الجنة غناء» بدل «قال: سل». قلت: جعلت فداك هل في الجنّة غناء.»

298

و في مجمع البيان‏ (1) و روي في الشّواذّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: قرّات أعين.

و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (2) أنّه قال: ما من حسنة إلّا و لها ثواب مبيّن في القرآن إلّا صلاة اللّيل. فإنّ اللَّه- عزّ اسمه- لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها. قال: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ‏ (الآية).

و في جوامع الجامع‏ (3): و في الحديث: يقول اللَّه تعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر بله‏ (4) ما أطلعتكم عليه اقرأوا إن شئتم‏ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ‏ (الآية).

و في محاسن البرقي‏ (5): عنه، عن أبيه، عن الحسن بن علىّ بن فضّال، عن علىّ بن النّعمان، عن الحارث بن محمّد الأحوال، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قالا: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعلىّ: [يا علىّ،] (6) إنّه لمّا أسري بي رأيت في الجنّة نهرا أبيض من اللّبن و أحلى من العسل و أشدّ استقامة من السّهم. فيه أباريق عدد النّجوم. على شاطئه قباب‏ (7) الياقوت الأحمر و الدّرّ الأبيض. فضرب جبرائيل بجناحيه [إلى جناحه‏] (8) فإذا هو مسكة زفرة.

ثمّ قال: و الّذي نفس محمّد بيده، إنّ في الجنّة لشجرا (9) يتصفّق بالتّسبيح بصوت لم يسمع الأوّلون و الآخرون [بمثله.] (10) يثمر ثمرا كالرّمّان. يلقي ثمره إلى الرّجل، فيشقّها عن سبعين حلّة. و المؤمنون على كراسيّ و هم الغرّ المحجّلون. أنت إمامهم يوم القيامة. على الرّجل منهم نعلا شراكهما من نور يضي‏ء أمامه‏ (11) حيث شاء (12) من الجنّة. فبيناهم كذلك إذ

____________

(1) مجمع البيان 4/ 330.

(2) نفس المصدر 4/ 331.

(3) جوامع الجامع/ 366.

(4) بلة: اسم فعل بمعنى: دع. و يكون ما بعدها منصوبا. و مصدر، و يكون ما بعدها مجرورا.

أو بمعنى: كيف. و يكون ما بعدها مرفوعا.

(المعجم الوسيط)

(5) المحاسن/ 180- 181، ح 172. و فيه: عنه، عن أبيه، و الحسن بن عليّ بن فضّال، جميعا، عن على بن النعمان ...

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: شياطبه قبات.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: أشجارا.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: أمامهم.

(12) المصدر: شاءوا.

299

أشرقت‏ (1) عليه امرأة من فوقه، تقول: سبحان اللَّه، يا عبد اللَّه، أ ما لنا منك دولة؟

فيقول: من أنت؟

فتقول: أنا من اللّواتي قال اللَّه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

ثم قال: و الّذي نفس محمّد بيده، إنّه ليجيئه كلّ يوم سبعون ألف ملك يسمّونه باسمه و اسم أبيه.

و في شرح الآيات الباهرة (2): روى الشّيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه، عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصّفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن علىّ بن النّعمان، عن الحارث بن محمّد الأحول، عن أبي عبد اللَّه، عن أبي جعفر- (عليهما السلام)- بأدنى تغيير.

ثمّ قال: و ذلك‏

ما ذكره الطّوسيّ- رضي اللَّه عنه- في أماليه، بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا علىّ، ألا أبشّرك؟ ألا أمنحك؟

قال: بلى، يا رسول اللَّه.

قال: خلقت أنا و أنت من طينة واحدة. ففضلت منها فضلة. فخلق اللَّه منها شيعتنا.

فإذا كان يوم القيامة يدعى النّاس بأمّهاتهم إلّا شيعتك. فإنّهم يدعون بآبائهم لطيب.

مولدهم. (3)

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبد اللَّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من أطعم مؤمنا حتّى يشّبّعه لم يدر أحد من خلق اللَّه ما له من الأجر في الآخرة لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل إلّا اللَّه ربّ العالمين.

أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً: خارجا عن الإيمان.

لا يَسْتَوُونَ‏ (18): في الشّرف و المثوبة تأكيد و تصريح و الجمع للحمل على المعنى.

____________

(1) هكذا في س و م و أ. و في سائر النسخ:

و المصدر: أشرفت.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 158.

و فيه: «تأويله ما رواه» بدل «روى.»

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ولادتهم.

(4) الكافي 2/ 201، صدر حديث 6.

300

و في كتاب الاحتجاج‏ (1)، للطّبرسيّ- رضي اللَّه عنه-، عن الحسن بن علىّ- (عليه السلام)-. حديث طويل و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أمّا أنت يا وليد بن عقبة، فو اللَّه، ما ألومك أن تبغض عليّا، و قد جلدك في الخمر ثمانين جلدة، و قتل أباك صبرا [بيده‏] (2) يوم بدر. أم كيف تسبّه فقد سمّاه اللَّه مؤمنا في عشر آيات من القرآن و سمّاك فاسقا؟

و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏.

و في أصول الكافي: (3) علىّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و نزل بالمدينة (4): وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏. فبرّأه اللَّه ما كان مقيما على الفرية أن يسمّى بالإيمان. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏.

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ قال: فذلك إنّ علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- و الوليد بن عقبة بن أبي معيط تشاجرا. فقال الفاسق الوليد بن عقبة:

أنا، و اللَّه، أبسط (6) منك لسانا و أحدّ منك سنانا و أمثل منك حشوا (7) في الكتيبة.

فقال علىّ- (عليه السلام)-: اسكت. فإنّما أنت فاسق.

فأنزل اللَّه: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏ نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ فهو علىّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏: الحقيقيّ. و الدّنيا منزل مرتحل عنها لا محالة.

____________

(1) الاحتجاج 1/ 412.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 32، ضمن حديث 1، و أوّله في ص 28.

(4) النور/ 4- 5.

(5) تفسير القمي 2/ 170.

(6) م: أنشط.

(7) المصدر: جثوا.

301

و قيل‏ (1): «المأوى» جنّة من الجنان‏ (2).

نُزُلًا: سبق في آل عمران.

بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (19): بسبب أعمالهم، أو على أعمالهم.

وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ: مكان جنّة المأوى للمؤمنين.

كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها: عبارة عن خلودهم فيها.

وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ (20): إهانة و زيادة لغيظهم.

و في شرح الآيات الباهرة: (3) قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، عن الحجّاج بن منهال، عن حمّاد بن سلمة، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس [- (رحمه اللّه)- قال: إنّ الوليد بن أبي معيط قال لعلّى: أنا أقسط منك لسانا و أحدّ منك سنانا و أملأ منك حشوا في الكتيبة.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: أسكت يا فاسق.

فأنزل اللَّه- جلّ اسمه-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏- إلى قوله- تُكَذِّبُونَ‏.

و قال- أيضا-: حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد الثقفيّ، عن عمرو بن حمّاد، عن أبيه، عن فضيل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس‏] (4) في قوله- عزّ و جلّ- أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ قال: نزلت في رجلين:

أحدهما من أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هو المؤمن. و الآخر فاسق.

فقال الفاسق للمؤمن: أنا و اللَّه احدّ منك سنانا و أقسط (5) منك لسانا و أملى منك حشوا في الكتيبة.

فقال المؤمن للفاسق: اسكت يا فاسق.

فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏. ثمّ بيّن حال المؤمن فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏ نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 236.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: الجنات.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 158- 159.

(4) من المصدر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنشط.

302

و بيّن حال الفاسق فقال: أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏.

و ذكر أبو مخنف- رضي اللَّه عنه‏ (1) أنّه جرى عند معاوية بين الحسن بن عليّ- (صلوات اللّه عليهما)- و بين الفاسق الوليد بن عقبه كلام. فقال له الحسن- (عليه السلام)-: لا ألومك أن تسبّ عليّا و قد جلدك في الخمر ثمانين سوطا و قتل أباك صبرا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في يوم بدر، و قد سمّاه اللَّه- عزّ و جلّ- في غير آية مؤمنا و سمّاك فاسقا.

وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏: من عذاب الدّنيا.

قيل‏ (2): إنّه المصائب و المحن في الأنفس و الأموال.

و قيل‏ (3): هو القتل يوم بدر بالسّيف.

و قيل‏ (4): يريد به ما محنوا به من السنة سبع سنين بمكّة حتّى أكلوا الجيف و الكلاب.

و قيل‏ (5): هو الحدود.

دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ: عذاب الآخرة.

لَعَلَّهُمْ‏: من بقي منهم.

يَرْجِعُونَ‏ (21): يتوبون عن الكفر.

و قيل‏ (6): ليرجع الآخرون عن أن يدنبوا مثل ذنوبهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)، في قوله- عزّ و جلّ- وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [- إلى قوله- بِهِ تُكَذِّبُونَ‏] (8) قال: إنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما. فإذا بلغوا أسفله زفرت بهم جهنم. فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد. فهذه حالهم.

و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 332.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 236.

(5) مجمع البيان 4/ 332.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 2/ 170.

(8) من المصدر.

303

(الآية) قال‏ (1): العذاب الأدنى عذاب الرّجعة بالسّيف. و معنى قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ يعني فأنّهم يرجعون في الرّجعة حتّى يعذّبوا.

و في مجمع البيان‏ (2): و أمّا العذاب الأدنى، ففي الدّنيا. و اختلف فيه- الى قوله- و قيل: هو عذاب القبر- عن مجاهد.

و روي- أيضا- (3) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و الأكثر في الرّواية عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ‏ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ الدّابّة و الدّجّال.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا عليّ بن حاتم، عن حسن بن محمّد بن عبد الواحد، عن جعفر بن عمر بن سالم، عن محمّد بن حسين بن عجلان، عن مفضّل بن عمر قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال: الأدنى، غلاء السّعر. و الأكبر، المهديّ بالسّيف.

و قال- أيضا (5)-: حدّثنا الحسن بن أحمد (6)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن مفضّل بن صالح، عن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دابّة الأرض.

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها: فلم يتفكّر فيها.

و «ثمّ» لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها و إرشادها إلى أسباب السّعادة بعد التّذكير بها عقلا.

إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ‏ (22): فكيف بمن كان أظلم من كلّ ظالم!؟

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏: كما آتيناك.

فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ: شك.

مِنْ لِقائِهِ‏: من لقائك الكتاب، لقوله‏ (7): وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ‏. فإنّا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه. فليس ذلك ببدع ممّا لم يكن قطّ حتّى ترتاب فيه. أو من‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 332.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) م و المصدر: الحسين بن أحمد.

(7) النمل/ 6.

304

لقاء موسى الكتاب. أو من لقائك موسى في الآخرة. أو من لقائك الأذى: كما لقي موسى الأذى. أو من لقائك موسى ليلة أسري بك إلى السّماء.

و في جوامع الجامع‏ (1): فقد روي أنّه- عليه الصّلاة و السّلام- قال: رأيت ليلة أسري بي موسى- (عليه السلام)- رجلا آدم طوالا جعدا كأنّه من رجال شنوءة (2).

وَ جَعَلْناهُ‏، أي: المنزل على موسى.

هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ‏ (23) وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ‏ النّاس إلى ما فيه من الحكم و الأحكام.

بِأَمْرِنا: إيّاهم به أو بتوفيقنا له.

لَمَّا صَبَرُوا:

[و قرأ حمزة و الكسائيّ و رويس: لما صبروا (3)(4) أي: لصبرهم على الطّاعة، أو عن الدّنيا.

وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏ (24): لإمعانهم فيها النّظر.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّ من صبر، صبر قليلا. و إنّ من جزع، جزع قليلا.

ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأمره بالصّبر و الرّفق- إلى قوله-: فصبر [رسول اللَّه‏] (6)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتّى نالوه بالعظائم. [و رموه بها] (7) فضاق صدره. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ‏ (8)-: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏. ثم كذّبوه و رموه فحزن لذلك. فأنزل اللَّه‏ (9): [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ‏] (10)

____________

(1) جوامع الجامع/ 366.

(2) شنوءة: موضع باليمن تنسب إليها قبائل من الأزد يقال لهم: أزد شنوءة. (هامش تفسير نور الثقلين 4/ 232)

(3) أنوار التنزيل 2/ 236.

(4) ليس في م.

(5) الكافي 2/ 88، ح 3.

6 و 7- من المصدر.

(8) الحجر/ 97- 98.

(9) الانعام/ 33- 34.

(10) من المصدر.

305

وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. فألزم‏ (1) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- نفسه الصّبر. فتعدّوا فذكروا اللَّه- تبارك و تعالى-. و كذّبوه.

فقال: قد صبرت في نفسي و أهلي و عرضي و لا صبر لي على ذكر إلهي. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ‏ (2)-: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏. فصبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في جميع أحواله. ثمّ بشّر في عترته بالأئمّة و وصفوا بالصّبر. فقال- جلّ ثناؤه-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏. [فعند ذلك قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.] (3) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، و قوله: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا قال: كان في علم اللَّه أنّهم يصبرون على ما يصيبهم. فجعلهم أئمّة.

حدثنا حميد بن زياد (5) قال: حدّثنا محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه [، عن آبائه‏] (6)- (عليهم السلام)- قال: الائمّة في كتاب اللَّه إمامان: إمام عدل، و إمام جور، قال اللَّه- تعالى-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لا بأمر النّاس. يقدّمون أمر اللَّه قبل أمرهم و حكم اللَّه قبل حكمهم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (7)، لابن شهر آشوب: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا لعليّ- (عليه السلام)- و فاطمة- (عليها السلام)- فقال: اللّهمّ اجمع شملهما، و ألّف بين قلوبهما، و اجعلهما و ذرّيّتهما من ورثة جنّة النّعيم، و ارزقهما ذرّيّة طيّبة طاهرة مباركة، و اجعل في ذرّيّتهما البركة، و اجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك و يأمرون بما يرضيك.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا عليّ بن‏

____________

(1) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

فأنزل.

(2) ق/ 38- 39.

(3) ليس في ن.

(4) تفسير القمي 2/ 170.

(5) نفس المصدر 2/ 170- 171.

(6) ليس في المصدر.

(7) مناقب آل أبي طالب 3/ 356.

(8) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159.

306

[عبد اللَّه بن أسد عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن عليّ بن هلال الأحمسيّ، عن الحسن بن وهب العبسيّ، عن‏] (1) جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: نزلت هذه الآية في ولد فاطمة- (عليها السلام)- خاصّة: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏، أي: لمّا صبروا على البلاء في الدّنيا و علم اللَّه منهم الصّبر، جعلهم أئمّة يهدون بأمره عبادة إلى طاعته المؤدّية إلى جنّته- فعليهم من ربّهم صلواته و أكمل تحيّته.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: يقضي فيميّز الحقّ من الباطل بتمييز المحقّ من المبطل.

فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (25) من أمر الدّين.

أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ‏ الواو، للعطف على منويّ من جنس المعطوف. و الفاعل منويّ، دلّ عليه‏ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ‏، أي: كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية. أو ضمير «اللَّه» بدليل القراءة بالنّون‏ (2).

يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ‏: يعنى: أهل مكّة، يمرّون في متاجرتهم على ديارهم.

و قرئ يمشّون بالتّشديد (3).

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ‏ (26): سماع تدبّر و اتّعاظ.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ: الّتي جرز نباتها، أي: قطع و ازيل. لا الّتي لا تنبت لقوله: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً:

و قيل‏ (4): اسم موضع باليمن.

تَأْكُلُ مِنْهُ‏: من الزّرع.

أَنْعامُهُمْ‏: كالتّين و الورق.

وَ أَنْفُسُهُمْ‏: كالحبّ و الثّمر.

أَ فَلا يُبْصِرُونَ‏ (27): فيستدلّون به على كمال قدرته و فضله.

____________

(1) ليس في ن.

(2) أنوار التنزيل 2/ 237.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

307

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْفَتْحُ‏: النّصر. أو الفصل بالحكومة من قوله‏ (1): رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (28): في الوعد به.

قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ (29) قيل‏ (2): هو يوم القيامة. فإنّه يوم نصر المسلمين على الكفرة و الفصل بينهم.

و قيل‏ (3): يوم بدر. أو يوم فتح مكّة. و المراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا المقتولون منهم فيه. فإنّهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل و لا يمهلون. و انطباقه جوابا عن سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم. فإنّهم لمّا أرادوا به الاستعجال تكذيبا و استهزاء، أجيبوا بما يمنع الاستعجال.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن يعقوب- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن سنان، عن ابن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ قال: يوم الفتح، يوم تفتح الدّنيا على القائم- (عليه السلام)- لا ينفع أحدا تقرّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمنا و بهذا الفتح موقنا. فذلك الّذي ينفعه إيمانه و يعظم عند اللَّه قدره و شأنه و تزخرف له يوم القيامة: جنانه و تحجب عنه نيرانه. و هذا أجر الموالين لأمير المؤمنين و لذّريّته الطّيّبين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏ و لا تبال بتكذيبهم.

و قيل‏ (5): هو منسوخ بآية السّيف.

وَ انْتَظِرْ: النّصرة عليهم.

إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ‏ (30): الغلبة عليك.

و قرئ، بالفتح. على معنى أنّهم أحقّاء بأن ينتظر هلاكهم، أو أنّ الملائكة ينتظرونه‏ (6).

____________

(1) الأعراف/ 89.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 237.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159.

(5) أنوار التنزيل 2/ 237.

(6) نفس المصدر و الموضع.

308

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله:- عزّ و جلّ- أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ قال: الأرض الخراب. و هو مثل ضربة اللَّه- عزّ و جلّ- في الرّجعة و القائم- (عليه السلام)-. فلمّا أخبرهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بخبر الرّجعة قالوا: مَتى‏ هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏؟ و هذه معطوفة على قوله: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ فقالوا: مَتى‏ هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏. فقال اللَّه- عزّ و جلّ- قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏، يا محمّد، وَ انْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 171.

309

تفسير سورة الأحزاب‏

311

سورة الأحزاب مدنيّة. و هي ثلاث و سبعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب، كان يوم القيامة في جوار محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أزواجه.

ثمّ قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرّجال و النّساء من قريش و غيرهم. يا أبن سنان، إنّ سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب. و كانت أطول من سورة البقرة، و لكن نقّصوها و حرّفوها.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: و من قرأ سورة الأحزاب و علّمها أهله و ما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب القبر

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ‏: ناداه بالنّبي و أمره بالتّقوى، تعظيما له و تفخيما لشأن التّقوى.

و المراد به، الأمر بالثّبات عليه. ليكون مانعا عمّا نهى عنه بقوله: وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ‏، أي: فيما يعود بوهن في الدّين.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً: بالمصالح و المفاسد.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 137، ح 1.

(2) مجمع البيان 4/ 334.

312

حَكِيماً (1): لا يحكم إلّا بما تقتضيه الحكمة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: (1) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً و هذا هو الّذي‏

قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه بعث نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة. فالمخاطبة للنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المعنى للنّاس.

و في مجمع البيان‏ (2): نزلت في أبي سفيان بن حرب، و عكرمة بن أبي جهل، و أبي الأعور السّلمي. قدموا المدينة، و نزلوا على عبد اللَّه بن أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ليكلّموه. فقاموا، و قام معهم عبد اللَّه بن أبيّ و عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح و طعمة بن أبيرق. فدخلوا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقالوا: يا محمّد، ارفض ذكر آلهتنا اللّات و العزّى و مناة، و قل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، و ندعك و ربك.

فشقّ ذلك على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال عمر بن الخطّاب: ائذن لنا يا رسول اللَّه في قتلهم.

فقال: إنّي أعطيتهم الأمان. و أمر- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأخرجوا منه المدينة. و نزلت الآية وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ‏ من أهل مكّة، أبا سفيان و أبا الأعور و عكرمة وَ الْمُنافِقِينَ‏ ابن أبيّ و ابن سعد (3) و طعمة

وَ اتَّبِعْ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏: كالنّهي عن طاعتهم.

إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2): فموح إليك ما تصلحه و تغني من الاستماع إلى الكفرة. و قرأ أبو عمرو، بالياء. على أنّ الواو ضمير «الكفرة و المنافقين»، أي: إنّ اللَّه خبير بمكائدهم، فيدفعها عنك‏ (4) وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏: وكّل أمرك إلى تدبيره.

وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا (3): موكولا إليه الأمور كلّها.

ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ أي: ما جمع قلبين في جوف. لأنّ القلب معدن الرّوح الحيوانيّ المتعلّق بالنّفس الانسانيّ أوّلا، و منبع القوى بأسرها. و ذلك يمنع‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 171.

(2) مجمع البيان 4/ 335.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابن سعيد.

(4) أنوار التنزيل 2/ 238.

313

التّعدّد.

و في مصباح الشّريعة: (1) قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل-: فمن كان قلبه‏ (2) متعلّقا في صلاته بشي‏ء دون اللَّه، فهو قريب من ذلك الشي‏ء بعيد عن حقيقة ما أراد اللَّه منه في صلاته. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(3)- بإسناده إلى صالح بن ميثم التّمّار- رضي اللَّه عنه- قال: وجدت في كتاب ميثم- رضي اللَّه عنه- يقول: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال لنا: إنّ عبدا لن يقصّر في حبّنا لخير جعله اللَّه في قلبه، و لن يحبّنا من يحبّ مبغضينا. إنّ ذلك لا يجتمع في قلب واحد ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ يحبّ. لهذا قوما، و يحبّ بالآخر عدوّهم. و الّذي يحبّنا، فهو يخلص حبّنا كما يخلص الذّهب لا غش فيه. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ قال علّي بن أبي طالب- (عليه السلام)-:

لا يجتمع حبّنا و حبّ عدوّنا في جوف إنسان. إنّ اللَّه لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، فيحبّ هذا و يبغض هذا. فأمّا محبّنا، فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذّهب بالنّار لا كدر فيه. فمن أراد أن يعلم حبّنا، فليمتحن قلبه. فإن شارك‏ (5) في حبّنا حبّ عدوّنا، فليس منّا و لسنا منه.

و اللَّه عدوّهم و جبرائيل و ميكائيل. و اللَّه عدّو للكافرين.

و في مجمع البيان‏ (6): قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ‏ يحبّ لهذا قوما و يحبّ لهذا أعدائهم. و فيه: و قوله‏ (7): ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ نزل في أبي معمّر [جميل بن معمّر] (8) بن حبيب الفهريّ. و كان لبيبا حافظا لما يسمع. و كان يقول: إنّ في جوفي لقلبين، أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد. و كانت قريش تسمية: ذا القلبين. فلمّا كان يوم بدر و هزم المشركون و فيهم أبو معمّر، تلقّاه أبو سفيان بن حرب‏

____________

(1) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 112- 113.

(2) المصدر: ظنّه.

(3) أمالي الطوسي 1/ 147- 148.

(4) تفسير القمي 2/ 171- 172.

(5) المصدر: شاركه.

(6) مجمع البيان 4/ 336.

(7) نفس المصدر 4/ 335.

(8) من المصدر.

314

و هو آخذ بيديه إحدى نعليه و الأخرى في رجله.

فقال له: يا أبا معمّر، ما حال النّاس؟

قال: انهزموا.

قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك و أخرى في رجلك؟

فقال أبو معمّر: ما شعرت إلّا أنّهما في رجلي.

فعرفوا يومئذ، أنّه لم يكن له إلّا قلب واحد لمّا نسي نعله في يده.

في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد بن الرّبيع‏ (2)، عن جعفر بن عبد اللَّه المحمّدي، عن كثير بن عيّاش‏ (3)، عن أبي الجارود، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ قال: قال عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-: ليس عبد من عبيد اللَّه ممّن امتحن قلبه للأيمان إلّا و هو يجدّد (4) مودّتنا على قلبه، فهو يودّنا. و ما من عبد من عبيد اللَّه ممّن سخط اللَّه عليه إلّا و هو يجدّد (5) بغضنا على قلبه، فهو يبغضنا. فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ و نغتفر له، و نبغض المبغض. و أصبح محبّنا ينتظر رحمة اللَّه- عزّ و جلّ- فكأن أبواب الرّحمة قد فتحت له. و أصبح مبغضنا على شفا جرف من النّار، فكان ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم. فهنيئا لأهل الرّحمة رحمتهم، و تعسا لأهل النّار مثواهم. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (6):

فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏.

و إنّه ليس عبد من عبيد اللَّه يقصّر في حبّنا لخير جعله اللَّه عنده. إذ لا يستوي‏ (7) من يحبنا و يبغضنا، و لا يجتمعان في قلب رجل أبدا. إنّ اللَّه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، يحب. بهذا و يبغض بهذا. أمّا محبّنا، فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذّهب بالنّار لا كدر فيه، و مبغضنا على تلك المنزلة. نحن النّجباء، و أفراطنا أفراط الأنبياء، و أنا وصيّ الأنبياء (8).

و الفئة الباغية من حزب الشّيطان، و الشّيطان منهم. فمن أراد أن يعلم حبّنا، فليمتحن قلبه.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159- 160.

(2) المصدر: محمد بن الحسين بن جميل بن الربيع.

(3) المصدر: كثير بن عبّاس. ر. تنقيح المقال 2/ 360، رقم 9838.

(4) المصدر: يجده.

(5) المصدر: يجد.

(6) النحل/ 29.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: لا يسوّي.

(8) المصدر و م و س و أ: الأوصياء.

315

فإن شارك في حبّنا عدوّنا، فليس منّا و لسنا منه. و اللَّه عدوّه و جبرائيل و ميكائيل. و اللَّه عدوّ للكافرين.

و قال علىّ- (عليه السلام)- [: لا يجتمع‏] (1) حبّنا و حبّ عدوّنا في جوف إنسان إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏

وَ ما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏: و ما جمع الزوجيّة و الأمومة في امرأة، و لا الدّعوة و البنّوة في رجل.

و المعنى: كما لم يجعل اللَّه قلبين في جوفه لأدائه إلى تناقض- و هو أن يكون كلّ منهما أصلا لكلّ القوى و غير أصل- لم يجعل الزّوجة و الدّعيّ اللّذين لا ولادة بينهما و بينه و أمّه و ابنه اللّذين بينهما و بينه ولادة.

و قرأ أبو عمرو: «و اللّاي» بالياء [وحده‏] (2)، على أنّ أصله «اللّاء» (3) لهمزة، فخففت. و عن الحجازّيين، مثله. و عنهما و عن يعقوب، بالهمزة وحده. و أصل «تظهرون» تتظهّرن، فأدغمت التّاء الثّانية في الظّاء (4).

و قرأ ابن عامر: «تظاهرون» بالإدغام. و حمزة و الكسائي، بالحذف. و عاصم «تظاهرون» من ظاهر (5).

و قرئ: «تظهرون» من ظهر، بمعنى: ظاهر، كعقد بمعنى: عاقد. و «تظهرون» من الظّهور (6).

و معنى الظّهار، أن يقول للزّوجة: أنت عليّ كظهر أمّي. مأخوذة من «الظّهر» باعتبار للّفظ، كالتّلبية من «لبّيك».

و تعديته «بمن» لتضمّنه معنى التّجنّب. لأنّه كان طلاقا في الجاهليّة، و هو في الإسلام يقتضي الطّلاق أو الحرمة إلى أداء الكفّارة، كما عدّي «الى» بها. و هو بمعنى:

الحلف.

و ذكر الظّهر، للكناية عن البطن الّذي هو عموده، فإنّ ذكره يقارب ذكر الفرج.

أو التغّليظ في التّحريم، فإنّهم يحرّمون إتيان المرأة و ظهرها إلى السّماء. و الأدعياء، جمع دعيّ،

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: اللائي.

(4) أنوار التنزيل 2/ 238.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

316

على الشّذوذ. و كأنّه شبّه بفعيل، بمعنى: فاعل. فجمع جمعه‏ ذلِكُمْ‏: إشارة إلى كلّ ما ذكر. أو إلى الأخير.

قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ‏: لا حقيقة له في الأحيان، كقول الهاذي.

وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ‏: ما له حقيقة عينيّة مطابقة له‏ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ (4):

سبيل الحقّ.

و في تفسير علّى بن إبراهيم‏ (1): و قال علىّ بن ابراهيم- رضي اللَّه عنه‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏ قال: فانّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان سبب [نزول‏] (2) ذلك، أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا تزوّج بخديجة بنت خويلد، خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها، و رأى زيدا يباع، و رآه غلاما كيسا حصيفا، فاشتراه.

فلمّا نبّئ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- دعاه إلى الإسلام، فأسلم. و كان يدعى زيد مولى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فلمّا بلغ حارثة بن شراحيل‏ (3) الكلبيّ خبر ولده زيد، قدم مكّة. و كان رجلا جليلا.

فأتى أبا طالب فقال: يا أبا طالب، إنّ ابني وقع عليه السّبي، و بلغني أنّه صار إلى ابن أخيك. فسله، إمّا أن يبيعه، و إما أن يفاديه، و إمّا أن يعتقه.

فكلّم أبو طالب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: هو حرّ، فليذهب حيث‏ (4) شاء.

فقام حارثة، فأخذ بيد زيد. فقال له: يا بنىّ، الحق بشرفك و حسبك.

فقال زيد: لست أفارق رسول اللَّه [أبدا.

فقال له أبوه: فتدع حسبك و نسبك و تكون عبدا لقريش.

فقال زيد: لست أفارق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (5) ما دمت حيّا.

فغضب أبوه، فقال: يا معشر قريش، اشهدوا أنّي قد برئت منه و ليس هو ابني.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اشهدوا أنّ زيدا ابني، أرثه و يرثني.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 172- 175.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: شراحبيل.

(4) المصدر: كيف.

(5) ليس في ن.

317

فكان زيد يدعى ابن محمّد. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يحبّه، و سمّاه: زيد الحّب.

فلمّا هاجر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى المدينة، زوّجه زينب بنت جحش و أبطأ عنه يوما، فأتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منزله يسأل عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبها بفهر. [فدفع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الباب‏] (1) و نظر إليها. و كانت جميلة حسنة.

فقال: سبحان اللَّه خالق النّور، و تبارك اللَّه أحسن الخالقين. ثمّ رجع رسول اللَّه إلى منزله. و وقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا.

و جاء زيد إلى منزله، فأخبرته زينب بما قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال لها زيد: هل لك أن أطلّقك حتّى يتزوّجك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-؟ فلعلك قد وقعت في قلبه.

فقالت: أخشى أن تطلّقني، و لا يتزوّجني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فجاء زيد إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، أخبرتني زينب بكذا و كذا. فهل لك أن أطلّقها حتّى تتزوّجها؟

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا، اذهب فاتّق اللَّه و أمسك عليك زوجك. ثمّ حكى اللَّه- عزّ و جلّ- فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها إلى قوله- تعالى-: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فزوّجه اللَّه- عزّ و جلّ- من فوق عرشه.

فقال المنافقون: يحرّم علينا نساء أبنائنا و يتزوّج امرأة ابنه زيد. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في هذا وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏ إلى قوله- تعالى-: يَهْدِي السَّبِيلَ‏

ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ‏: انسبوهم إليهم. و هو إفراد للمقصود من أقواله الحقّه.

هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ‏: تعليل له. و الضّمير لمصدر «ادعو».

و «أقسط» أفعل تفضيل، قصد به الزّيادة مطلقا. من القسط، بمعنى: العدل. و

____________

(1) ليس في المصدر.

318

معناه: البالغ‏ (1) في الصّدق.

و في عيون الأخبار (2)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه و ليس ذلك للولد، لأنّ الولد موهوب‏ (3) للوالد في قول اللَّه- تعالى‏ (4)-: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ.

مع أنّه المأمور (5) بمؤنته صغيرا أو كبيرا. و المنسوب إليه و المدعوّ له، لقوله- عزّ و جلّ-: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ‏. و قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أنت و مالك لأبيك.

و ليس الوالدة كذلك، لا تأخذ من ماله إلّا بإذنه أو بإذن الأب. لأنّ الأب مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها.

فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ‏: فتنسبوهم إليهم.

فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ‏: و أولياؤكم فيه. فقولوا: هذا أخي و مولاي.

بهذا التأويل.

و قيل‏ (6): بني أعمامكم. و قيل: معناه: معتقوكم و محرّروكم. إذا أعتقتموهم من دقّ، فلكم ولاؤهم.

وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ‏: و لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين من قبل النّهي، أو بعده على النّسيان، أو سبق اللّسان.

وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏: و لكنّ الجناح فيما تعمّدت قلوبكم. أو و لكن ما تعمّدت فيه الجناح.

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً: لما سلف من قولكم.

رَحِيماً (5) بكم.

و في الاية دلالة على أنّه، لا يجوز الانتساب إلى غير الأب. و قد وردت السّنّة بتغليظ الأمر فيه.

و في مجمع البيان‏ (7): قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من: انتسب إلى أبيه أو

____________

(1) هكذا في أ. و في سائر النسخ: المبالغ.

(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 96.

(3) المصدر: مولود.

(4) الشورى/ 49.

(5) المصدر: المأخوذ.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 337.

319

انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة اللَّه.

النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏: في الأمور كلّها. فإنّه لا يأمرهم و لا يرضى منهم إلّا بما فيه صلاحهم و نجاحهم، بخلاف النفّس. فلذلك أطلق. فيجب أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، و أمره أنفذ فيهم من أمرها، و شفقتهم عليه أتمّ من شفقتهم عليها.

وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏: منزلات منزلتهم في التّحريم و استحقاق التّعظيم. و فيما عدا ذلك فكالأجنبيّات.

وَ أُولُوا الْأَرْحامِ‏: و ذو القرابات.

بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ في التّوارث.

[فِي كِتابِ اللَّهِ‏: في اللّوح. أو فيما أنزل، و هو هذه الاية أو آية المواريث. أو فيما فرض اللَّه.

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ بيان لأولي الأرحام. أو صلة لأولي، أي: أولو الأرحام بحقّ القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحقّ الدّين، و المهاجرين بحقّ الهجرة (1).] و هو نسخ لما كان في صدر إسلام من التّوارث بالهجرة و الموالاة في الدّين، و بالمؤاخاة.

و في مجمع البيان‏ (2): قال الكلبيّ: آخى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بين النّاس. فكان يؤاخي بين الرّجلين. فإذا مات أحدهما، ورثه الثّاني دون أهله. فمكثوا بذلك ما شاء اللَّه حتّى نزلت‏ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ فنسخت هذه الاية الموارثة بالمؤاخاة و الهجرة، ورث الأدنى فالأدنى من القرابات.

و قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، و كان لا يرث الأعراب المسلم من المهاجرين‏ (3) شيئا، فنزلت هذه الآية فصار المواريث بالقرابات.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه الكبائر. يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا عقوق الوالدين فقد أنزل اللَّه في كتابه‏ النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ فعقّوا رسول اللَّه في ذرّيّته،

____________

(1) ليس في الأصل و ن.

(2) مجمع البيان 4/ 338.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: المسلمين.

(4) الخصال/ 364، ضمن حديث 56.

320

و عقّوا أمهّم خديجة في ذرّيّتها.

و في مجمع البيان‏ (1): و روي أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا أراد غزوة تبوك و أمر النّاس بالخروج، قال قوم: نستأذن آباءنا و أمّهاتنا. فنزلت هذه الآية.

و

روى عن أبيّ و ابن مسعود و ابن عبّاس‏ أنّهم كانوا يقرءون: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم هو أب لهم. و كذلك هو في و مصحف أبي. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام).

و في كتاب سعد السّعود (2) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: روي عنه- (صلوات اللّه عليه)-: أنا و عليّ أبوا هذه الأمّة.

و في تفسير علّي بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ قال: فنزلت «و هو أب لهم.» و معنى‏ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ [: أنّها بمنزلتهم في الحرمة و التعّظيم‏] (4) فجعل اللَّه- عزّ و جلّ- المؤمنين أولاد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و جعل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أباهم لمن لم يقدر أن يصون نفسه و لم يكن له مال و ليس له على نفسه ولاية. فجعل اللَّه- تبارك و تعالى- لنبيّه الولاية على المؤمنين من أنفسهم.

و

قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بغدير خمّ: أيّها النّاس، أ لست أولى بكم من أنفسكم؟

قالوا: بلى.

ثم أوجب لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- ما أوجبه لنفسه عليهم من الولاية فقال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه.

فلمّا جعل اللَّه- عزّ و جلّ- النّبي أبا للمؤمنين، ألزمه مؤنتهم و تربية أيتامهم. فعند ذلك صعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المنبر فقال: من ترك مالا، فلورثته. و من ترك دينا أو ضياعا، فعليّ و إلىّ. فألزم اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه للمؤمنين ما يلزم‏ (5) الوالد. و ألزم‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 338.

(2) سعد السعود/ 275.

(3) تفسير القمي 2/ 175- 176.

(4) يوجد في الأصل، فقط. و ليس في سائر النسخ و المصدر.

(5) المصدر: يلزمه.

321

المؤمنين من الطّاعة له ما يلزم الولد للوالد.

فكذلك ألزم أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- ما ألزم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من بعد ذلك، و بعده الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- واحدا واحدا.

و الدّليل على أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- هما والدان‏ (1) قوله‏ (2): وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. فالوالدان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و قال الصّادق- (عليه السلام)-: فكان إسلام عامّة اليهود لهذا السّبب لأنّهم أمنوا على أنفسهم و عيالاتهم.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى سعد بن عبد اللَّه القمّي، عن الحجة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: قلت: فأخبرني، يا ابن مولاي، عن معنى الطّلاق الّذي فوّض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حكمه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

قال: إنّ اللَّه- تقدّس اسمه- عظّم شأن نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فخصّهنّ بشرف الأمّهات. فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا أبا الحسن، إنّ هذا الشّرف باق لهنّ ما دمن للَّه على الطّاعة. فأيّتهنّ عصت اللَّه بعدي بالخروج عليك، فأطلق لها في الأزواج و أسقطها [من تشرّف الأمّهات و] (4) من شرف أمومة المؤمنين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى علي بن الحسن بن فضّال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- فقلت له: لم كنّي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأبي القاسم؟

فقال: لأنّه كان له ابن يقال له: قاسم، فكنّي به.

قال: فقلت: يا ابن رسول اللَّه، فهل تراني أهلا للزّيادة؟

فقال: نعم، أما علمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: أنا و علي أبوا هذه الأمّة؟

____________

(1) ن و المصدر: الوالدان.

(2) النساء/ 36.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 459، في حديث طويل.

(4) ليس في المصدر.

(5) علل الشرائع/ 127، ح 2.

322

قلت: بلى‏ (1).

قال: أما علمت أنّ عليّا- (عليه السلام)- قاسم الجنّة و النّار؟

قلت: بلى.

قال: فقيل له: أبو القاسم، لأنّه أبو قسيم الجنّة و النّار.

فقلت: ما معنى ذلك؟

فقال: إنّ شفقة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على أمّته كشفقة (2) الآباء على الأولاد. و أفضل أمّته علّي- (عليه السلام)- و شفقته‏ (3) عليهم كشفقته- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأنّه وصيّه و خليفته و الامام بعده. فذلك قال: أنا و علّي أبوا هذه الأمّة. و صعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المنبر فقال: من ترك دينا أو ضياعا، فعليّ واليّ. و من ترك مالا، فلورثته. فصار بذلك أولى من آبائهم و أمّهاتهم، و صار (4) أولى لهم منهم بأنفسهم.

و كذلك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعده، جرى ذلك له مثل ما جرى لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و بإسناده إلى عبد الرّحمن بن القصير (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ فيمن نزلت [هذه الاية؟] (6) قال: نزلت في الامرة. إنّ هذه الاية جرت في الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- و في ولد الحسين من بعده. فنحن أولى بالأمر و برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من المؤمنين و المهاجرين.

قلت: لولد جعفر فيها نصيب؟

فقال: لا

____________

(1) هنا في المصدر زيادة. و هي: قال: أما علمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أب لجميع أمتّه و عليّ- (عليه السلام)- فيهم بمنزلته؟ فقلت:

بلى.

(2) المصدر: شفقة.

(3) المصدر: و من بعده شفقة عليّ- (عليه السلام)-.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: صاروا.

(5) نفس المصدر/ 206- 207، ح 4. و فيه:

و بإسناده إلى عبد الرحيم القصير.

(6) ليس في المصدر.

323

فقال: فعددت عليه بطون بني عبد المطّلب، كلّ ذلك يقول: لا. و نسيت ولد الحسن. فدخلت عليه بعد ذلك [فقلت: هل لولد الحسن- (عليه السلام)- فيها نصيب؟

قال: لا، يا عبد الرّحمن‏ (1)، ما لمحمّدي فيها نصيب غيرنا.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى،] (3) عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن عبد الرّحيم بن روح القصير (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ فيمن نزلت؟

قال: نزلت في الامرة. إنّ هذه الآية جرت في ولد الحسين من بعده. فنحن أولى بالأمور و برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من المؤمنين و المهاجرين و الأنصار.

قلت: فلولد (5) جعفر لهم فيها نصيب؟

فقال: لا [قلت: فولد العبّاس لهم فيها نصيب؟

فقال: لا] (6) فعدّدت عليه بطون بني عبد المطلب، كلّ ذلك يقول: لا. قال: و نسيت ولد الحسن- (عليه السلام)-. فدخلت بعد ذلك عليه فقلت له: هل لولد الحسن فيها نصيب؟

فقال: لا و اللَّه، يا عبد الرّحيم، ما لمحمّديّ فيها نصيب غيرنا.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن عمر أذينة. و عليّ بن محمّد، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن ابن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس قال: سمعت عبد اللَّه بن جعفر الطّيّار يقول: كنّا عند معاوية أنا و الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن عبّاس و عمر بن أمّ سلمة و أسامة بن زيد، فجرى بيني و بين معاوية كلام. فقلت لمعاوية: سمعت رسول اللَّه- صلّى اللَّه‏

____________

(1) المصدر: يا أبا عبد الرحمن.

(2) الكافي 1/ 288، ح 2.

(3) ليس في م.

(4) ن: عبد الرحمن بن روح القصير.

(5) المصدر: فولد.

(6) ليس في م.

(7) نفس المصدر 1/ 529، ح 4.

324

عليه و آله و سلّم- يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ أخي علّي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين منه أنفسهم. فإذا استشهد علّي‏ (1) فالحسن بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فإذا استشهد- (عليه السلام)- فابنه علّي بن الحسين- (عليه السلام)- أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا عليّ، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا حسين، ثمّ تكملة اثني عشر إماما، تسعة من ولد الحسين.

قال عبد اللَّه بن جعفر: و استشهدت الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن عبّاس و عمر بن امّ سلمة و أسامة بن زيد، فشهدوا لي عند معاوية.

قال سليم: و قد سمعت ذلك من سلمان و أبي ذرّ و المقداد ذكروا أنّهم سمعوا ذلك من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى‏ (2)، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول العامّة: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من مات و ليس له إمام ميتة جاهليّة.

قال: الحقّ و اللَّه.

قلت: فإنّ إماما هلك و رجل بخراسان لا يعلم من وصيّه، لم يسعه ذلك؟

قال: لا يسعه. إنّ الإمام إذا هلك، وقعت حجّة وصيّه على من هو معه في البلد، و حقّ النّفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (3): فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏.

قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم؟

قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏.

قلت: فبلغ البلد بعضهم، فوجدك مغلقا عليك بابك و مرخى عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك و لا يكون من يدلّهم عليك، فبما يعرفون ذلك؟

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: (عليه السلام).

(2) نفس المصدر 1/ 378- 379، صدر حديث 2.

(3) التوبة/ 123.

(4) النساء/ 100.

325

قال: بكتاب اللَّه المنزل.

قلت: فيقول اللَّه- جلّ و عزّ- كيف؟

قال: أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم؟

قلت: أجل، قال: فذكر ما أنزل اللَّه في عليّ- (عليه السلام)- و ما قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في حسن و حسين- (عليهما السلام)- و ما خصّ اللَّه به عليّا- (عليه السلام)- و ما قال فيه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من وصيّته إليه، و نصبه إيّاه، و ما يصيبهم، و إقرار الحسن و الحسين بذلك، و وصيّته إلى الحسن و [تسليم‏] (1) الحسين له. يقول اللَّه: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏

و الحديث طويل أخذت منه وضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقيّ‏ (2). و علي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن القاسم بن محمّد الاصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، و عليّ أولى به من بعدي. فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من ترك دينا أو ضياعا، فعليّ و من ترك مالا، فلورثته. فالرّجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، و ليس على عياله أمر و لا نهي إذا لم يجر عليهم النّفقة.

و النّبيّ و أمير المؤمنين و من بعدهما- (سلام اللَّه عليهم)- ألزمهم هذا. فمن هناك صاروا أولى لهم من أنفسهم. و ما كان سبب إسلام عامّة اليهود إلّا من بعد هذا القول من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و إنّهم آمنوا على أنفسهم و عيالاتهم.

و في روضة الكافي‏ (3)، بإسناده إلى عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره يقول- (عليه السلام)-: كان عليّ أفضل النّاس بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أولى النّاس بالنّاس- حتّى قالها ثلاثا.

و في نهج البلاغة (4): قال- (عليه السلام)-: فو اللَّه، إنّي لأولى النّاس بالنّاس.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 1/ 406، ح 6.

(3) نفس المصدر 8/ 80، ذيل حديث 36، و أيضا في ص 333، ذيل حديث 520 ببعض الاختلاف.

(4) نهج البلاغة/ 175، ذيل خطبة 118.

326

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب حديث طويل. و فيه قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. من كنت أولى به من نفسه، فأنت [يا أخي‏] (2) أولى به من نفسه. و عليّ بين يديه- (عليهم السلام)- في البيت.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا الحسين [بن محمّد] (4) بن عامر، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن أبي نصر (5) عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحيم بن روح القصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّه سأل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ قال: نزلت في ولد الحسين- (عليه السلام).

قال: قلت: جعلت فداك، أنزلت في الفرائض؟

قال: لا.

قلت: ففي المواريث؟

قال: لا، قال: نزلت في إلّا مرة.

و قال- أيضا- (6): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن الفضل، عن جعفر بن الحسين الكوفيّ، عن أبيه، عن محمّد بن زيد مولى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألت مولاي، فقلت: قوله- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ [فِي كِتابِ اللَّهِ‏] (7) قال: هو عليّ- (عليه السلام).

معناه: أنّه رحم النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فيكون أولى به من المؤمنين و المهاجرين.

و قال- أيضا- (8): حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد (9)، عن إبراهيم بن محمّد، عن محمّد بن‏

____________

(1) عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 241، ح 26.

(2) ليس في المصدر.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 160.

(4) ليس في المصدر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أحمد بن أبي بصير.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: عليّ بن عبد اللَّه بن راشد.

327

عليّ المقري‏ (1)، بإسناده يرفعه الى زيد بن عليّ- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏.

قال: رحم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أولى بالإمارة و الملك و الايمان.

إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً: استثناء من أعمّ ما يقدّر الألويّة فيه من النّفع. و المراد بفعل المعروف: التّوصية. أو منقطع به.

كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6): كان ما ذكر في الآيتين ثابتا في اللّوح، أو القرآن.

و قيل‏ (2): في التّوراة.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى و غيره، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن الجهم، عن حنان قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّ شي‏ء للموالي؟

فقال: ليس لهم من الميراث إلّا ما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً.

محمّد بن يحيى، أحمد بن محمّد (4)، عن ابن أبي الحمراء قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّ شي‏ء للموالي من الميراث؟

فقال: ليس لهم شي‏ء إلّا التّرباء، يعني: التّراب.

و المراد منهم: الأولياء بحسب الإيمان.

وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ‏: مقدّر «باذكر».

و «ميثاقهم»: عهودهم بتبليغ الرّسالة و الدّعاء إلى الدّين القيّم.

و في روضة الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانت شريعة نوح- (عليه السلام)- (6) أن يعبد اللَّه بالتّوحيد و الإخلاص. و خلع الأنداد. و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها. و أخذ اللَّه ميثاقه على نوح و على النّبيّين- صلّى اللَّه عليهم أجمعين- أن يعبدوا اللَّه‏

____________

(1) المصدر و ن: المنقريّ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 239.

(3) الكافي 7/ 135، ح 3.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(5) الكافي 8/ 282- 283، صدر حديث 424.

(6) الأصل: شريعته- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

328

- تعالى- و لا يشركوا به شيئا. و أمر بالصّلاة و الأمر بالمعروف و النهّي عن المنكر و الحلال و الحرام. و لم يفوّض عليه أحكام حدود و لا فرائض‏ (1) مواريث. فهذه شريعة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‏: خصّهم بالذّكر، لأنّهم مشاهير أرباب الشّرائع و قدّم نبيّنا، تعظيما له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: هذه «الواو» زيادة في قوله: «و منك» إنّما هو مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ‏ فأخذ اللَّه- عزّ و جلّ- الميثاق لنفسه على الأنبياء [، ثمّ أخذ لنبيّه على الأنبياء] (3) و الأئمة- (صلوات اللّه عليهم)- ثمّ أخذ الأنبياء على رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7): عظيم الشّأن، أو مؤكّدا باليمين. و التّكرير لبيان هذا الوصف.

لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ‏، أي: فعلنا ذلك ليسأل اللَّه يوم القيامة الأنبياء الذّين صدقوا عهدهم عمّا قالوه لقومهم. أو تصديقهم إيّاهم تبكيتا لهم. أو المصدّقين لهم عن تصديقهم، فإنّ مصدّق الصّادق صادق. أو المؤمنين الّذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم.

وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (8): عطف على «أخذنا»، من جهة أنّ بعثة الرّسل و أخذ الميثاق منهم لإثابة المؤمنين. أو على ما دلّ عليه «ليسأل» كأنّه قال: فأثاب المؤمنين و أعدّ للكافرين.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ، يعني:

الأحزاب. و هم قريش و غطفان و يهود قريضة و النّضير. و كانوا زهاء اثني عشر ألفا.

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً: ريح الصّبا.

وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها: الملائكة.

روي‏ (4): أنّه- (عليه السلام)‏- لمّا سمع [بإقبالهم‏] (5) ضرب الخندق على المدينة، ثمّ خرج إليهم في ثلاثة آلاف و الخندق بينه و بينهم، و مضى على‏

____________

(1) المصدر: لا فرض.

(2) تفسير القمي 2/ 176.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 240.

(5) من المصدر.

329

الفرقين قريب [من‏] (1) شهر لا حرب بينهم إلّا التّرامي بالنّبل و الحجارة، حتّى بعث اللَّه عليهم ريحا (2) باردة في ليلة شاتية فأخضرتهم‏ (3) و سفّت التّراب في وجوههم و أطفات نيرانهم و قلعت خيامهم و ماجت الخيل بعضها في بعض و كبّرت الملائكة في جوانب العسكر. فقال طلحة بن خويلد الأسديّ: أمّا محمّد فقد بدأكم بالسحر، فالنّجاء النّجاء. فانهزموا من غير قتال.

وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ‏: من حفر الخندق.

و قرأ البصريّان بالياء، أي: بما يعمل المشركون من التّحزّب و المحاربة (4).

بَصِيراً (9): رائيا.

إِذْ جاؤُكُمْ‏: بدل من «إذ جاءتكم».

مِنْ فَوْقِكُمْ‏: من أعلى الوادي، من قبل المشرق بنو غطفان.

وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏: من أسفل الوادي، من قبل المغرب قريش.

وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ: مالت عن مستوى نظرها، حيرة و شخوصا.

وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ: رعبا. فإنّ الرّئة تنتفخ من شدّة التّروّع، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، و هي: منتهى الحلقوم مدخل الطّعام و الشّراب.

و في مجمع البيان‏ (5): و قال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق: يا رسول اللَّه، هل من شي‏ء نقوله فقد بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ؟

فقال: قولوا: اللّهمّ، استر عوراتنا و أمن روعاتنا.

قال: فقلناها، فضرب وجوه أعداء اللَّه بالرّيح فهزموا.

وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10): الأنواع من الظّنّ. المخلصون أنّه ينصر محمّد، و ظنّ المنافقون أنّه يتأصل، و ظنّ بعضهم النّصر و بعضهم البؤس.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن ابائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا هود قد انتصر اللَّه له من أعدائه بالرّيح، فهل فعل‏

____________

(1) من المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: صبا.

(3) أخصره: أبرده.

(4) أنوار التنزيل 2/ 240.

(5) مجمع البيان 4/ 340.

(6) الاحتجاج 1/ 316- 317.

330

لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- شيئا منه هذا؟

قال له عليّ- (عليه السلام)-: [لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)‏] (1) أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ اللَّه- عزّ ذكره- قد انتصر له من أعدائه بالرّيح يوم الخندق، إذ أرسل عليهم ريحا تذر و الحصى و جنودا لم يروها. فزاد اللَّه- تبارك و تعالى- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [على هود] (2) بثمانية آلاف ملك، و فضّله على هود بأنّ ريح عاد [ريح‏] (3) سخط و ريح محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [ريح‏] (4) رحمة. قال اللَّه- تبارك و تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها.

و في كتاب التّوحيد (5)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله‏ (6): إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ‏ و قوله‏ (7):

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ‏ و قوله للمنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فإنّ قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ‏ يقول: إني أيقنت‏ (8) أنّي أبعث فأحاسب. و قوله للمنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فهذا الظّنّ ظنّ شكّ، و ليس الظّنّ‏ (9) ظنّ يقين. و الظّنّ [ظنّان:] (10) ظنّ شكّ، و ظنّ يقين. فما كان من أمر معاد من الظّنّ، فهو ظنّ يقين.

و ما كان من أمر الدّنيا، فهو ظنّ شكّ. فافهم ما فسّرت لك.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏ الآية فإنّها نزلت في قصّة الأحزاب من قريش و العرب، الذّين تحزّبوا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قال: و ذلك أنّ قريشا تجمّعت‏ (12) في سنة خمس من الهجرة، و ساروا في العرب،

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

3 و 4- من المصدر.

(5) التوحيد/ 267.

(6) الحاقّة/ 20.

(7) النور/ 25.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: ظننت.

(9) ليس في المصدر.

(10) من المصدر.

(11) تفسير القمي 2/ 176- 188.

(12) أ، س و ن: أجمعت.

م: أجمعت.

331

و جلبوا و استفزّوهم لحرب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فوافوا في عشرة آلاف، و معهم كنانة و سليم و فزارة. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حين أجلى بني النّضير، و هم بطن من اليهود من المدينة، و كان رئيسهم حيّ بن أخطب، و هم يهود من بني هارون- على نبيّنا و (عليه السلام)-، فلمّا أجلاهم من المدينة، صاروا إلى خيبر.

و خرج حيّ بن أخطب و همّ إلى قريش بمكّة و قال لهم: إنّ محمّدا قد وتركم و وترنا، و أجلانا من المدينة من ديارنا و أموالنا، و أجلا بني عمّنا بني قنيقاع، فسيروا في الأرض و اجمعوا حلفائكم و غيرهم حتّى نسير (1) إليهم، فإنّه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة فقاتل و هم بنو قريضة، و بينهم و بين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عهد و ميثاق، و أنا أحملهم على نقض العهد بينهم و بين محمّد، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و يكونون معنا عليهم، فتأتونه أنتم من فوق و هم من أسفل.

و كان موضع بني قريضة من المدينة على قدر ميلين، و هو الموضع الّذي يسمّى: بئر بني المطلّب‏ (2). فلم يزل يسير معهم حيّ بن أخطب في قبائل العرب، حتّى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش و كنانة. و الأقرع بن حابس في قومه، و العباس بن مرداس في بني سليم. فبلغ ذلك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاستشار أصحابه و كانوا سبعمائة رجل.

فقال سلمان- رضي اللَّه عنه- يا رسول اللَّه، إنّ القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة.

قال: فما نصنع؟

قال: نحفر خندقا يكون بيننا و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم في المطاولة، و لا يمكنهم أن يأتونا من كلّ وجه. فإنّا كنّا- معاشر العجم- في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدوّنا، نحفر الخنادق فتكون الحرب من مواضع معروفة.

فنزل جبرائيل- (عليه السلام)- على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال:

أشار [سلمان‏] (3) بصواب.

فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بحفره من ناحية أحد إلى راتج‏ (4).

و جعل على كلّ عشرين خطوة و ثلاثين خطوة قوما من المهاجرين و الأنصار يحفرونه. فأمر، فحملت المساحي و المعاول. و بدأ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أخذ معولا،

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: سيروا.

(2) المصدر: بئر لمطلّب.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: رائج (راتج ظ)

332

فحفر في موضع المهاجرين بنفسه و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- ينقل التّراب من الحفرة حتّى عرق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عيسى. و قال: لا عيش إلّا عيش الآخرة. اللّهمّ اغفر للأنصار و المهاجرين.

فلمّا نظر النّاس إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يحفر، اجتهدوا في الحفر و نقلوا التّراب. فلمّا كان في اليوم الثّاني بكروا إلى الحفر، و قعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مسجد الفتح. فبينا المهاجرون و الأنصار يحفرون، إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه. فبعثوا جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ- رضي اللَّه عنه- إلى رسول اللَّه يعلمه بذلك.

قال جابر: فجئت إلى المسجد و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مستلق على قفاه و رداؤه تحت رأسه، و قد شدّ على بطنه حجرا. فقلت: يا رسول اللَّه، إنّه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعامل فيه.

فقام مسرعا حتّى جاءه، ثمّ دعا بماء في إناء فغسل وجهه و ذراعيه و مسح على رأسه و رجليه، ثم شرب و مجّ في ذلك الماء، ثمّ صبّه على ذلك الحجر، ثمّ أخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشّام، ثمّ ضرب أخرى‏ (1) فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثمّ ضرب ضربة أخرى [فبرقت برقة أخرى‏] (2) فنظرنا فيها إلى قصور اليمن.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أما إنّه سيفتح اللَّه عليكم هذه المواطن الّتي برقت فيها البرق. ثمّ انهال علينا الجبل كما ينهال علينا الرّمل.

فقال جابر: فعلمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مقو، أي: جائع.

لمّا رأيت على بطنه الحجر. فقلت: يا رسول اللَّه، هل لك في الغذاء؟

قال: ما عندك، يا جابر؟

فقلت: عناق و صاع من شعير.

فقال: تقدّم و أصلح ما عندك.

قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها، فطحنت الشّعير و ذبحت العنز و سلختها. و أمرتها أن تخبز و تطبخ و تشوي. فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

ضربة.

(2) ليس في الأصل.

333

و سلم- فقلت: بأبي أنت و أميّ يا رسول اللَّه قد فرغنا فاحضر مع من أحببت.

فقام- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى شفير الخندق، ثمّ قال: يا معاشر المهاجرين و الأنصار، أجيبوا جابرا.

قال جابر: فكان في الخندق سبعمائة رجل فخرجوا كلّهم، ثمّ لم يمّر بأحد من المهاجرين و الأنصار إلّا قال: أجيبوا جابرا.

قال جابر: فتقدّمت و قلت لأهلي: قد و اللَّه أتاك محمّد رسول اللَّه بما لا قبل لك به.

فقالت: أعلمته أنت بما عندنا؟

قال: نعم.

قالت: فهو أعلم بما أتى.

قال جابر: فدخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فنظر في القدر ثمّ قال:

أغرفي و أبقي. ثمّ نظر في التّنّور ثمّ قال: أخرجي و أبقي. ثمّ دعا بصحفة (1) فثرد فيها و غرف.

فقال: يا جابر، أدخل عليّ عشرة عشرة (2) فأدخلت عشرة، فأكلوا حتّى نهلوا و ما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثمّ قال: يا جابر، عليّ بالذّراع. فأتيته بالذّراع فأكلوا و خرجوا (3).

ثمّ قال: أدخل عليّ عشرة. فأدخلتهم‏ (4) فأكلوا حتّى نهلوا و ما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثمّ قال: يا جابر [عليّ بالذّراع. فأتيته بالذّراع‏ (5) فأكلوا و خرجوا.

ثمّ قال: أدخل عليّ عشرة. فأدخلتهم فأكلوا حتّى نهلوا، و ما ير في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثمّ قال: يا جابر، عليّ بالذّراع. فأتيته بالذّراع‏ (6)] (7) فقلت: يا رسول اللَّه، كم للشّاة من ذراع؟

قال: ذراعان.

____________

(1)- المصدر: بصحنة.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: «فأكلوه» بدل «فأكلوا و خرجوا.»

(4) المصدر: فدخلوا.

(5) ليس في ن.

(6) «فأتيته بالذراع» ليس في المصدر.

(7) ليس في المصدر.

334

فقلت: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا، لقد أتيتك بثلاثة.

فقالت: أما لو سكتّ، يا جابر، لأكل النّاس كلّهم من الذّراع.

قال جابر: فأقبلت أدخل‏ (1) عشرة عشرة فيأكلون‏ (2)، حتّى أكلوا كلّهم. و بقي، و اللَّه، لنا من ذلك الطّعام ما عشنا به أيّاما.

قال: و حفر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الخندق، و جعل له ثمانية أبواب، و جعل على كلّ باب رجلا من المهاجرين و رجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه.

و قدمت قريش و كنانة و سليم و هلال فنزلوا الزّغابة. ففرغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام. و أقبلت قريش و معهم حيّ بن أخطب.

فلمّا نزلوا العقيق، جاء حيّ بن أخطب إلى بني قريظة في جوف اللّيل. و كانوا في حصنهم قد تمسّكوا بعهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فدقّ باب الحصن، فسمع كعب بن أسد قرع الباب. فقال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه، و جاء الآن يشأمنا و يهلكنا، و يأمرنا بنقض العهد بيننا و بين محمّد، و قد وفى لنا محمّد و أحسن جوارنا. فنزل إليه من غرفته فقال له: من أنت؟

قال: حيّ بن أخطب، قد جئتك بعزّ الدّهر.

فقال كعب: بل جئتني بذلّ الدّهر.

فقال: يا كعب، هذه قريش في قادتها و سادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة، و هذه فزارة مع قادتها و سادتها قد نزلت الزّغابة، و هذه سليم و غيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، و لا يفلت محمّد و أصحابه من هذا الجمع أبدا. فافتح‏ (3) الباب و انقض العهد الّذي بينك و بين محمّد.

قال كعب: لست بفاتح الباب، ارجع من حيث جئت.

فقال حيّ: ما يمنعك من فتح الباب إلّا جشيشتك‏ (4) الّتي في التّنّور تخاف أن‏

____________

(1)- هكذا في المصدر. و في النسخ: «فأدخلت» بدل «فأقبلت أدخل.»

(2) المصدر: فدخلوا فيأكلون.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: فانفتح.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «خسيستك.» و الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش و هو البرّ يطحن غليظا.

335

أشاركك فيها، فافتح فإنّك آمن من ذلك.

فقال له كعب: لعنك اللَّه، لقد دخلت عليّ من باب دقيق. ثمّ قال: افتحوا له الباب، ففتحوا (1) له.

فقال: ويلك، يا كعب، انقض العهد الّذي بينك و بين محمّد و لا تردّ رأيي. فأنّ محمّدا لا يفلت من هذه الجموع‏ (2) أبدا. فإن فاتك هذا الوقت، لا تدرك مثله أبدا.

قال: و اجتمع كلّ من كان في الحصن من رؤساء اليهود، مثل: غزال بن شمول، و ياسر بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الّزبير بن ياطا.

فقال لهم كعب: ما ترون؟

قالوا: أنت سيّدنا و المطاع فينا، و أنت صاحب عهدنا. فإن نقضت، نقضنا. و إن أقمت، أقمنا معك. و إن خرجت، خرجنا معك.

فقال الزّبير بن ياطا، و كان شيخا كبيرا مجرّبا و قد ذهب بصره: قد قرأت التّوراة الّتي أنزلها اللَّه في سفرنا، بأنّه يبعث نبيّا في آخر الزّمان يكون مخرجه بمكّة و مهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة (3)، يركب الحمار العريّ و يلبس الشّملة و يجتزي بالكسيرات و التّميرات، و هو الضّحوك القتّال، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النّبوة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر. فإن كان هذا هو، فلا يهولنّه هؤلاء و جمعهم و لو ناوأته هذه الجبال الرّواسي لغلبها.

فقال حيّ: ليس هذا ذاك، ذاك النّبيّ من بني إسرائيل و هذا من العرب من ولد إسماعيل. و لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا، لأنّ اللَّه قد فضّلهم على النّاس جميعا و جعل لهم النّبوة و الملك. و قد عهد إلينا موسى، أن لا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار. و ليس مع محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله)‏] آية، و إنّما جمعهم جمعا و سحرهم و يريد أن يغلبهم بذلك. فلم يزل يقلّبهم عن رأيهم حتّى أجابوه.

فقال لهم: اخرجوا الكتاب الّذي بينكم و بين محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فأخرجوه، فأخذه حيّ بن أخطب فمزّقه و قال: قد وقع الأمر فتجهّزوا و تهيّئوا للقتال.

و بلغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذلك، فغمّه غمّا شديدا و فزع أصحابه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ففتح.

(2) المصدر: هذا الجمع.

(3) المصدر: «بالمدينة إلى هذه البحيرة» بدل «إلى المدينة في هذه البحيرة.»

336

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لسعد بن معاذ و أسيد بن حصين، و كانا من الأوس، و كانت بنو قريظة حلفاء الأوس، فقال لهما: ائتيا بني قريظة، فانظر (1) ما صنعوا. فإن كانوا نقضوا العهد، فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إليّ و قولا: عضل و القارة (2).

فجاء سعد بن معاذ و أسيد بن حصين إلى باب الحصن. فأشرف عليهما كعب من الحصن، فشتم سعدا و شتم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال له سعد: إنّما أنت ثعلب في جحر. لتولينّ قريش و ليحاصرنّك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثمّ لينزلنّك على الصّغر و القماء (3) و ليضر بنّ عنقك.

ثمّ رجعا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فقالا له: عضل و القارة (4).

[فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لعناء نحن أمرناهم بذلك. و ذلك أنّه كان على عهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عيون لقريش يتجسّسون أخباره‏ (5).

و كانت‏] (6) عضل و القارة قبيلتان من العرب، دخلا في الإسلام ثمّ غدرا. فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل، فيقال: عضل و القارة.

و رجع حيّ بن أخطب إلى أبي سفيان و قريش، فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد (7)

____________

(1) المصدر: فانظروا.

(2) في هامش نور الثقلين 4/ 248، ح 38:

عضل و القارة: قبيلتان من كنانة. غدروا بأصحاب الرجيع، خبيب و أصحابه. حيث طلبت من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفرا من المسلمين ليعلّموهم، فقالوا: يا رسول اللَّه إنّ فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهوننا في الدين. فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عشرة من أصحابه فيهم خبيب بن عديّ، ستّة من المهاجرين و أربعه من الأنصار. فخرجوا حتّى إذا كانوا على الرجيع- و هو ماء- غدروا بهم و قتلوا منهم ستّة أو ثمانية و أسروا خبيب ... إلى آخر ما ذكره المؤخرون.

(3) القماء: الذلّ و الصغار.

(4) أي: غدروا كغدر عضل و القارة بأصحاب الرجيع.

(5) المصدر: «خبره.» و في هامش نور الثقلين 4/ 248، ح 38: قوله «لعناء» قال المجلسيّ- (رحمه اللّه)- أي: لعن العضل و القارة. و المراد كلّ من غدر. ثم‏

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- على سبيل التّورية: «نحن أمرناهم بذلك»

، أي: نحن أمرنا بني قريضة أن يظهروا الغدر للمصلحة. و هم موافقون لنا في الباطن. و إنّما قال ذلك لئلّا يكون هنالك عين من عيون قريش فيعلموا بالغدر فيصير سببا لجرأتهم.

(6) ليس في أ.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عهد بني قريظة» بدل «بني قريظة العهد.»

337

بينهم و بين رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ففرحت قريش بذلك.

فلمّا كان في جوف اللّيل، جاء نعيم بن مسعود الأشجعيّ إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام. فقال: يا رسول اللَّه، قد آمنت باللَّه و صدّقتك و كتمت إيماني عن الكفرة. فإن أمرتني أن آتيك بنفسي و أنصرك بنفسي، فعلت. و إن أمرت أن أخذل بين اليهود و بين قريش، فعلت حتّى لا يخرجوا من حصنهم.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اخذل بين اليهود و بين قريش، فإنّه أوقع عندي.

قال: فتأذن لي أن أقول فيك ما أريد؟

قال: قل ما بدا لك.

فجاء إلى أبي سفيان، فقال له: تعرف‏ (1) مودّتي لكم و نصحي و محبّتي أن ينصركم اللَّه على عدوّكم. و قد بلغني أنّ محمّدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم و يميلوا عليكم، و وعدهم إذا فعلوا ذلك أن يردّ عليهم. جناحهم‏ (2) الّذي قطعه‏ (3) بني النّظير (4) و قينقاع. فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتّى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا به‏ (5) إلى مكّة، فتأمنوا مكرهم و عذرهم.

فقال له أبو سفيان: وفّقك اللَّه و أحسن جزاك، مثلك من أهدى النّصائح. و لم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم و لا أحد من اليهود.

ثمّ جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة، فقال: يا كعب، تعلم مودّتي لكم. و قد بلغني أنّ أبا سفيان قال: نخرج بهؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فإن ظفروا، كان الذّكر لنا دونهم. و إن كانت علينا، كانوا هؤلاء مقاديم الحرب. فما أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتّى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم. إنّهم إن لم يظفروا بمحمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] لم يرجعوا (6) حتّى يردّوا عليكم [عهدكم و] (7) عقدكم بين محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] و بينكم. لأنّه إن ولّت قريش و لم يظفروا

____________

(1)- هكذا في المصدر. و في النسخ: أتعرف.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: خيامهم.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: قطعهم.

(4) المصدر: لبني النظير.

(5) المصدر: بهم.

(6) المصدر: لم يبرحوا.

(7) من المصدر.

338

بمحمّد، غزاكم محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فيقتلكم.

فقالوا: أحسنت و أبلغت في النّصيحة. لا نخرج من حصننا. حتّى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.

و أقبلت قريش. فلمّا نظروا إلى الخندق، قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك.

فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسيّ الّذي معه. فوافى عمرو بن عبد ودّ و هبيرة بن وهب و ضرار بن الخطّاب إلى الخندق، و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قد صفّ أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتّى طفروا الخندق إلى جانب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فصار أصحاب رسول اللَّه كلّهم خلفا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و قدّموا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بين أيديهم.

و قال رجل من المهاجرين، و هو فلان، لرجل بجنبه إخوانه: أما ترى هذا الشّيطان عمروا، لا و اللَّه ما يفلت من يديه أحد، فهلمّوا ندفع إليه محمّدا ليقتله و نلحق نحن بقومنا.

فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على نبيّة- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في ذلك الوقت‏- قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ إلى قوله‏ (1) [: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ‏] (2) وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. و ركز عمرو بن عبد ودّ رمحه في الأرض، و أقبل يجول حوله و يرتجز و يقول:

و لقد بجحت من النّداء بجمعكم هل من مبارز* * * و وقفت إذ جبن الشّجاع مواقف القرن

المناجز.

إنّي كذلك لم أزل متسرّعا نحو الهزاهز* * * إنّ الشّجاعة في الفتى و الجود من خير الغرائز

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد.

فوثب‏ (3) إليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أنا له، يا رسول اللَّه.

فقال: يا عليّ، هذا عمرو بن عبد ودّ فارس يليل‏ (4).

قال: أنا علّي بن أبي طالب.

____________

(1) الأحزاب/ 18.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: فقام.

(4) يليل: واد قريب من بدر.

339

فقال له رسول اللَّه: ادن منّي. فدنا منه، فعمّمه بيده، و دفع إليه سيفه ذا الفقار، و قال له: اذهب و قاتل لهذا. و قال: اللّهمّ، احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته.

فمرّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يهرول في مشيه و هو يقول:

لا تعجلنّ فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز* * * ذو نيّة و بصيرة و الصّدق منجى كلّ

فائز

إنّي لأرجو أن أقيم عليك ناحية الجنائز* * * من ضربة نجلاء يبقى صيتها بعد الهزاهز.

فقال: له عمرو: من أنت؟

قال: أنا علّي بن أبي طالب، ابن عمّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ختنه.

فقال: و اللَّه، إنّ أباك كان لي صديقا قديما (1)، و إنّي أكره أن أقتلك. ما أمن ابن عمّك حين بعثك إليّ أن أختطفك برمحي هذا، فأترك شائلا بين السّماء و الأرض لا حيّ و لا ميّت.

فقال له أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: قد علم ابن عمّي أنّك إن قتلتني دخلت الجنّة، و أنت في النّار، و إن قتلتك فأنت في النّار و أنا في الجنّة.

فقال عمرو: كلتاهما لك، يا عليّ، تلك إذا قسمة ضيزى.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: دع هذا، يا عمرو، إنيّ سمعت منك و أنت متعلّق بأستار الكعبة تقول: لا يعرضنّ عليّ أحد في الحرب ثلاثة خصال، إلّا أجبته إلى واحدة منها. و أنا أعرض عليك ثلاث خصال، فأجبني إلى واحدة.

قال: هات، يا عليّ.

قال: أحدها، تشهد أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه.

قال: نحّ عنّي هذه، فاسال الثّانية.

فقال: أن ترجع و تردّ هذا الجيش عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فإن يك صادقا، فأنتم أعلى به عينا. و إن يك كاذبا، كفتكم ذؤبان العرب أمره.

قال: إذا لا تتحدّث نساء قريش بذلك، و لا تنشد الشّعراء في أشعارها، إنّي‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ سوى ن: «و نديما» و هو ليس في ن.

340

جبنت‏ (1) و رجعت على عقبي من الحرب و خذلت قوما رأسوني عليهم.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فالثّالثة، أن تنزل إليّ‏ (2). فإنّك فارس‏ (3)، و أنا راجل حتّى أنابذك.

فوثب عن فرسه و عرقبه، و قال: هذه خصلة ما ظننت أنّ أحدا من العرب يسومني عليها. ثمّ بدأ فضرب أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بالسّيف على رأسه، فاتّقاه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالدّرقة فقطعها و ثبت السّيف على رأسه.

فقال له عليّ- (صلوات اللّه عليه)-: يا عمرو، أما كفاك أنّي بارزتك، و أنت فارس العرب، حتّى استعنت عليّ بظهير. فالتفت عمرو إلى خلفه. فضربه أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- مسرعا على ساقيه فقطعهما جميعا، و ارتفعت بينهما عجاجة.

فقال المنافقون: قتل عليّ بن أبي طالب.

ثمّ انكشفت العجاجة و نظروا، فإذا أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه فذبحه. ثمّ أخذ رأسه و أقبل إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و الدّماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو. و سيفه يقطر منه الدّم. و هو يقول و الرّأس بيده:

أنا [عليّ و] (4) ابن عبد المطّلب‏* * * الموت خير للفتى من الهرب‏

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا علّي، ماكرته؟

قال: نعم، يا رسول اللَّه، الحرب خديعة.

و بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الزّبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته و أمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عمر بن الخطّاب أن يبارز ضرار بن الخطّاب. فلمّا برز إليه [ضرار] (5) انتزع له عمر سهما. فقال له ضرار: ويلك، يا ابن صهاك، أ ترميني في المبارزة (6)؟ و اللَّه لئن رميتني لا تركت عدويّا بمكّة إلّا قتلة. فانهزم عند ذلك‏ (7)

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: جئت.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: إليّ قتالي.

(3) المصدر: راكب.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) مبارزة.

(7) المصدر: «عنه» بدل «عند لك.»

341

عمر. و مرّ نحوه ضرار و ضربه ضرار على رأسه بالقناة ثمّ قال: احفظها، يا عمر، فإنّي آليت أن لا أقتل قريشيّا ما قدرت عليه. فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فوّلاه.

فبقي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما.

فقال أبو سفيان لحيّ بن أخطب: ويلك يا يهوديّ، أين قومك؟

فصار حيّ بن أخطب إليهم، فقال: ويلكم اخرجوا، فقد نابذكم‏ (1) محمّد الحرب، فلا أنتم مع محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] لم يرجعوا (2) حتّى يردّ محمّد علينا عهدنا [و عقدنا] (3) فإنّا لا نأمن أن تفّر (4) قريش و نبقى نحن في عقر دارنا و يغزونا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فيقتل رجالنا و يسبي نساءنا و ذرارينا. و إن لم نخرج لعلّه يردّ علينا عهدنا.

فقال له حيّ بن أخطب: تطمع في غير مطمع قد نابذت العرب محمّدا الحرب، فلا أنتم مع محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] و لا أنتم مع قريش.

فقال كعب: هذا من شؤمك، إنّما أنت طائر تطير مع قريش غدا و تتركنا في عقر دارنا و يغزونا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).] فقال له: لك عهد اللَّه عليّ و عهد موسى، إنّه إن لم تظفر قريش بمحمّد أنيّ أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك.

فقال كعب: هو الّذي قد قلته لك، إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا و إلّا لم نخرج.

فرجع حيّ بن أخطب إلى قريش، فأخبرهم. فلمّا قال: يسألون الرّهن، قال أبو سفيان: هذا، و اللَّه، أوّل الغدر. قد صدق نعيم بن مسعود. لا حاجة لنا في إخوان القردة و الخنازير.

فلمّا طال على أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الأمر و اشتدّ عليهم الحصار، و كانوا في وقت برد شديد و أصابتهم مجاعة و خافوا من اليهود خوفا شديدا، و تكلّم المنافقون بما حكى اللَّه- عزّ و جلّ- عنهم و لم يبق أحد من أصحاب رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

(1) المصدر: نابذتم.

(2) المصدر: لم يبرحوا.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أن تمّر.

342

و آله و سلم- إلّا نافق إلّا القليل، و قد كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أخبر أصحابه، أنّ العرب تتخرّب علىّ و يجيئونا (1) من فوق و تغدر اليهود و نخافهم من أسفل، و أنّه يصيبهم جهد شديد و لكن تكون العاقبة لي عليهم، فلمّا جاءت قريش و عذرت اليهود قال المنافقون: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً و كان قوم لهم دور في أطراف المدينة، فقالوا: يا رسول اللَّه، تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنّها في أطراف المدينة و هي عورة و نخاف اليهود أن يغيروا علينا؟

و قال قوم: هلمّوا فنهرب و نصير في البادية و نستجير بالأعراب. فإنّ الّذي كان يعدنا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] كان باطلا كلّه.

[و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (2) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة باللّيل.

و كان أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- على العسكر كلّه باللّيل يحرسهم، فإن تحرّك أحد من قريش نابذهم. و كان أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يجوز الخندق و يصير إلى قرب قريش حيث يراهم. فلا يزال اللّيل كلّه قائما وحده يصلّي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه. و مسجد أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- هناك معروف، يأتيه من يعرفه فيصلّي فيه، و هو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب‏ (3).

فلمّا رأى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من أصحابه الجزع لطول الحصار، صعد إلى مسجد الفتح- و هو الجبل الّذي عليه مسجد الفتح اليوم- فدعا اللَّه- عزّ و جلّ- و ناجاه فيما وعده. و كان ممّا دعاه أن قال: يا صريخ المكروبين، و يا مجيب دعوة (4) المضطّرين، و يا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي و وليّي و وليّ آبائي الأوّلين، اكشف عنّا غمنّا و همّنا و كربنا، و اكشف عنّا [شرّ] (5) هؤلاء القوم بقوّتك و حولك و قدرتك.

فنزل عليه جبرائيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قد سمع مقالتك، و أجاب دعوتك، و أمر الدّبور- و هي الرّيح- مع الملائكة أن تهزم قريشا و الأحزاب.

و بعث اللَّه- عزّ و جلّ- على قريش الدّبور، فانهزموا و قلعت أخبيتهم. و نزل‏

____________

(1) المصدر: «أنّ العرب متخرّب و يجيئون» بدل «أنّ العرب تتخرّب عليّ و يجيئونا.»

(2) من المصدر.

(3) المصدر: نشابة.

(4) ليس في المصدر.

(5) من ن و المصدر.

343

جبرائيل، فأخبره بذلك.

فنادى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حذيفة بن اليمان- رضي اللَّه عنه- و كان قريبا منه، فلم يجبه‏ (1) ثمّ ناداه ثانيا، فلم يجبه‏ (2). ثمّ ناداه الثّالثة، فقال: لبّيك، يا رسول اللَّه.

فقال: أدعوك، فلا تجيبني.

قال: يا رسول اللَّه، بأبي أنت و أمي، من الخوف و البرد و الجوع.

فقال: ادخل في القوم ائتني‏ (3) بأخبارهم، و لا تحدّثنّ حدثا حتّى ترجع إلىّ. فإنّ اللَّه قد أخبرني أنّه قد أرسل الرّياح على قريش و هزمهم.

قال حذيفة: فمضيت و أنا أنتفض من البرد، فو اللَّه ما كان إلّا بقدر ما جزت الخندق حتّى كأنّي في حمّام. فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو و توقد، و إذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلا خصيته على النّار، و هو ينتفض من شدّة البرد، و يقول:

يا معشر قريش، إن كنّا نقاتل أهل السّماء بزعم محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فلا طاقة لنا بأهل السّماء، و إن كنّا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم. ثمّ قال: لينظر كلّ رجل منكم إلى جليسه، لا يكون لمحمد عين فيما بيننا.

قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للّذي عن يميني: من أنت؟

فقال: أنا عمرو بن العاص.

ثمّ قلت للّذي عن يساري: من أنت؟

فقال: أنا معاوية.

و إنّما بادرت إلى ذلك لئلّا يسألني أحد: من أنت؟ ثمّ ركب أبو سفيان راحلته و هي معقولة. و لولا أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: لا تحدث حدثا حتّى ترجع إليّ، لقدرت أن أقتله.

ثمّ قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان، لا بدّ من أن أقيم أنا و أنت على ضعفاء النّاس. ثمّ قال: ارتحلوا إنّا مرتحلون. ففرّوا منهزمين.

فلمّا أصبح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال لأصحابه: لا تبرحوا. فلمّا طلعت الشّمس دخلوا المدينة و بقي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في نفر يسير.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: فلم يجيبه.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فلم يجيبه.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: آتنا.

344

و كان ابن عرفة (1) الكنانيّ رمى سعد بن معاذ- رحمة اللَّه- بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدّم. فقبض سعد على أكحله بيده، ثمّ قال: اللّهمّ، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فلا أحد أحبّ إليّ من محاربتهم من قوم حاربوا (2) اللَّه و رسوله.

و إن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و بين قريش فاجعلها لي شهادة و لا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة. فأمسك الدّم، و تورّمت يده.

و ضرب له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في المسجد خيمة، و كان يتعاهده بنفسه. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏، يعني: بني قريظة حين عذروا و خافوهم أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ إلى قوله: إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً و هم الذّين قالوا لرسول اللَّه: تأذن لنا نرجع إلى منازلنا، فإنّها في أطراف المدينة و نخاف اليهود عليها. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- فيهم: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً إلى قوله- تعالى-: وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً و نزلت هذه الآية في الثّاني لمّا قال لعبد الرّحمن بن عوف: هلمّ ندفع محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى قريش و نلحق نحن بقومنا.

هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ‏: اختبروا. فظهر المخلص من المنافق و الثّابت من المتزلزل.

وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (11): من شدّة الفزع.

و قرئ: «زلزالا» بالفتح‏ (3).

و في كتاب الاحتجاج‏ (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: أمّا إنّه سيأتي على النّاس زمان يكون الحقّ فيه مستورا و الباطل ظاهرا مشهورا. و ذلك إذا كان أولى النّاس به أعدائهم له، و اقترب الوعد الحقّ، و عظم الإلحاد، و ظهر الفساد هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً و نحلهم‏

____________

(1) المصدر: ابن فرقد.

(2) المصدر: حادوا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 240.

(4) الاحتجاج 1/ 373.

345

الأخيار أسماء الأشرار. فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب النّاس إليه. ثمّ يفتح‏ (1) اللَّه الفرج لأوليائه، و يظهر صاحب الأمر على أعدائه.

وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ‏ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: ضعف اعتقاد.

ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏: من ظفر و إعلاء الدّين.

إِلَّا غُرُوراً (12): وعدا باطلا.

و قيل‏ (2): قائله محتب بن قشير. قال: يعدنا محمّد فتح فارس و الرّوم و أحدنا لا يقدر أن يتبرّز فرقا، ما هذا إلّا وعد غرور (3).

وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ‏، يعني: أوس بن قيظي و أتباعه.

و قيل‏ (4): عبد اللَّه بن أبيّ و أصحابه.

و قيل‏ (5): هم بنو سالم من المنافقين.

يا أَهْلَ يَثْرِبَ‏: أهل المدينة.

ذكر السّيّد المرتضى- (قدّس اللّه روحه) (6)-: أنّ من أسماء المدينة، يثرب و طيبة و طابة و الدّار و السكينة و جائزة و المحبورة و المحبوبة و المحبّة و العذراء و المرحومة و القاصمة و تبدد، فذلك ثلاثة عشر اسما.

و قيل‏ (7): هو اسم أرض وقعت المدينة في ناحية منها.

لا مُقامَ لَكُمْ‏: لا موضع قيام لكم ها هنا.

و قرأ حفص، بالضّمّ، على أنّه مكان. أو مصدر، من أقام‏ (8).

فَارْجِعُوا إلى منازلكم هاربين.

و قيل‏ (9): المعنى: لا مقام لكم على دين محمّد، فارجعوا إلى الشّرك و أسلموه لتسلموا. أو لا مقام لكم بيثرب، فارجعوا كفّارا ليمكنكم المقام بها.

وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَ‏: للرّجوع.

____________

(1) المصدر: ثمّ يتيح.

(2) أنوار التنزيل 2/ 240- 241.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «غرورا» بدل «وعد غرور.»

(4) مجمع البيان 4/ 347.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر 4/ 346.

(7) أنوار التنزيل 2/ 241.

8 و 9 نفس المصدر و الموضع.

346

يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ: غير حصينة. و أصلها الخلل. و يجوز أن يكون تخفيف العورة، من عورت الدّار: إذا اختلّت. و قد قرئت بها (1).

وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ: بل هي حصينة.

إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (13):، أي: ما يريدون بذلك إلّا الفرار من القتال.

و في مجمع البيان‏ (2): يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ بل هي رفيعة السّمك حصينة. عن الصّادق- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله‏ (4): رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ‏ قال: مع النّساء. إنّهم قالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ و كانت بيوتهم في أطراف البيوت حيث ينفرد النّاس، فأكذبهم. قال: وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً و هي رفيعة السّمك حصينة.

وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ‏: دخلت المدينة، أو بيوتهم.

مِنْ أَقْطارِها: من جوانبها. و حذف الفاعل، إيماء بأنّ دخول هؤلاء المتحزّبين عليهم و دخول غيرهم من العساكر سيّان في اقتضاء الحكم المرتّب عليه.

ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ: الرّدّة و مقاتله المسلمين.

لَآتَوْها: لأعطوها.

و قرأ الحجازيّان، بالقصر، بمعنى: جاؤوها و فعلوها (5).

وَ ما تَلَبَّثُوا بِها: بالفتنة، أي: بإعطائها.

إِلَّا يَسِيراً (14) وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ قيل‏ (6): يعني: بني حارثة، عاهدوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يوم أحد حين فشلوا ثمّ تابوا أن لا يعودوا لمثله.

وَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (15): عن الوفاء به، مجازي عليه.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 37.

(2) مجمع البيان 4/ 347.

(3) تفسير العياشي 2/ 103، ح 97.

(4) التوبة/ 87.

(5) أنوار التنزيل 2/ 241. و فيه: بمعنى: لجئوها و فعلوها.

(6) نفس المصدر و الموضع.

347

قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ‏: فإنّه لا بدّ لكلّ شخص من حتف أنف أو قتل في وقت معيّن، سبق القضاء و جرى عليه القلم.

وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)، أي: و إن نفعكم الفرار مثلا فمتّعتم بالتّأخير، لم يكن ذلك التّمتيع إلّا تمتيعا أو زمانا قليلا.

قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً، أي:

يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة. فاختصر الكلام كما في قوله:

متقلّدا سيفا و رمحا (1) أو حمل الثّاني على الأوّل، لما في العصمة من معنى: المنع.

وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا: ينفعهم.

وَ لا نَصِيراً (17): يدفع الضّرّ عنهم.

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ‏: المثبّطين عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و هم المنافقون.

وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ‏: من ساكني المدينة.

هَلُمَّ إِلَيْنا: قرّبوا أنفسكم إلينا.

وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18): إلّا إتيانا، أو زمانا، أو بأسا قليلا. فإنّهم يعتذرون و يثبّطون ما أمكن لهم. أو يخرجون مع المؤمنين و لكن لا يقاتلون إلّا قليلا، كقوله: ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا.

و قيل‏ (2): إنّه من تتمّة كلامهم. و معناه: لا يأتي أصحاب محمّد حرب الأحزاب و لا يقاومونهم إلّا قليلا.

و في نهج البلاغة (3)، من كتاب له- (عليه السلام)- إلى معاوية جوابا: ثمّ ذكرت ما كان من أمري و أمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه، فأيّنا كان أعدى له و أهدى إلى مقاتله، أمّن بذل له نصرته فاستنقذه‏ (4) و استكفّه‏ (5)، أم من استنصره فتراخى عنه و بثّ المنون‏ (6) إليه حتّى أتى قدرة عليه؟ كلّا و اللَّه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر 2/ 241- 242.

(3) نهج البلاغة/ 388، ضمن كتاب 28.

(4) المصدر: فاستقعده.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: و استكنفه.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: المؤمنون.

348

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا.

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ‏: بخلاء بالمعاونة، أو النّفقة في سبيل اللَّه، أو الظّفر و الغنيمة. جمع، شحيح.

و نصبها على الحال من فاعل «يأتون» أو «المعوّقين» أو على الذّمّ.

فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ‏: في أحد افهم.

كَالَّذِي يُغْشى‏ عَلَيْهِ‏: كنظر المغشيّ عليه، أو كدوران عينيه، أو مشبّهين به، أو مشبّهة بعينه.

مِنَ الْمَوْتِ‏: من معالجة سكرات الموت، خوفا و لواذا بك.

فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ‏: و حيزت الغنائم.

سَلَقُوكُمْ‏: ضربوكم.

بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ: ذرية. يطلبون الغنيمة.

و السّلق: البسط بقهر، باليد أو باللّسان.

أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ: نصب على الحال، أو الذّمّ. و يؤيّده قراءة الرّفع. و ليس بتكرير، لأنّ كلّا منهما مقيّد من وجه‏ (1).

أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا: إخلاصا.

فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ‏: فأظهر بطلانها، إذ لم يثبت لهم أعمال فتبطل. أو أبطل تصنّعهم و نفاقهم.

وَ كانَ ذلِكَ‏: الإحباط.

عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19): هيّنا. لتعلّق الإرادة به، و عدم ما يمنعه عنه.

يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا، أي: هؤلاء لجبنهم يظنّون أنّ الأحزاب لم ينهزموا، و قد انهزموا قوّوا إلى داخل المدينة.

وَ إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ‏: كرّة ثانية.

يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ‏: لهم. أو خارجون‏ (2) إلى البدو و حاصلون بين الأعراب.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 242.

(2) في أنوار التنزيل 2/ 242 و تفسير الصافي 4/ 170: «تمنّوا أنهم خارجون» بدل «لهم أو خارجون».

349

يَسْئَلُونَ‏: كلّ قادم من جانب المدينة.

عَنْ أَنْبائِكُمْ‏: عمّا جرى عليكم.

وَ لَوْ كانُوا فِيكُمْ‏: هذه الكرّة، و لم يرجعوا إلى المدينة، و كان قتال‏ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20): رياء و خوفا عن التّعيير.

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: خصلة حسنة، من حقّها أن يؤتسى بها، كالثّبات في الحرب و مقاساة الشّدائد. أو هو في نفسه قدوة بحسن التّأسّي. به، كقولك:

في البيضة عشرون منّا حديدا، أي: هو في نفسها هذا القدر من الحديد.

و قرأ عاصم، بضمّ الهمزة. و هو لغة فيه‏ (1).

لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ: [ثواب اللَّه، أو لقاءه و نعيم الآخرة، أو أيّام اللَّه و اليوم الآخر] (2) خصوصا.

و قيل‏ (3): هو كقولك: أرجو زيدا و فضله. فإنّ يوم الآخر فيها.

و «الرّجاء» يحتمل الأمل و الخوف.

و «لمن كان» صلة «لحسنة» أو صفة لها. و قيل: بدل من «لكم» و الأكثر، على أنّ ضمير المخاطب لا يبدل منه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و لأنّ الصّبر على ولاة الأمر مفروض لقول اللَّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ‏ و إيجابه مثل ذلك على أوليائه و أهل طاعته بقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

و فيه‏ (5)- أيضا-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كلام طويل. و فيه: و أمّا قولكم «أني جعلت الحكم إلى غيري و قد كنت عندكم أحكم النّاس» فهذا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة، و كان أحكم النّاس. و قد قال اللَّه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فتأسّيت برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 242.

(2) من ن.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الاحتجاج 1/ 371.

(5) نفس المصدر 1/ 278.

350

و في مجمع البيان‏ (1): قال ثعلبة بن خاطب، و كان رجلا من الأنصار، للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ادع اللَّه أن يرزقني مالا.

فقال: يا ثعلبة، قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه. أمالك في رسول اللَّه أسوة حسنة؟ و الّذي نفسي بيده، لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا و فضّة لسارت.

و في أصول الكافي‏ (2): أحمد بن مهران رفعه. و أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار الشّيبانيّ [قال: حدّثني القاسم بن محمّد الرازيّ‏] (3) قال: حدّثني عليّ بن محمّد الهرمزيّ‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: لمّا قبضت فاطمة- (عليها السلام)- دفنها أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سرّا و عفا على موضع قبرها. ثمّ قام فحوّل وجه نحو قبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: السّلام عليك يا رسول اللَّه عنّي، و السّلام عليك عن ابنتك و زائرتك و البائتة في الثّرى ببقعتك و المختار لها سرعة اللّحاق بك. قلّ يا رسول اللَّه عن صفيّتك صبري، و عفا عن سيدة نساء العالمين تجلّدي، إلّا أنّ لي في التّأسي بسنتّك في فرقتك موضع تعزّ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن علّي بن النّعمان، عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: نام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن الصّبح، و اللَّه- عزّ و جلّ- أنامه، حتّى طلعت‏ (6) الشّمس عليه، و كان ذلك رحمة من ربّك للنّاس. ألا ترى لو أنّ رجلا نام حتّى تطلع الشّمس لعيّره النّاس، و قالوا: ألا تتورّع لصلاتك؟ فصارت أسوة و سنّة (7). فإن قال رجل لرجل: نمت عن الصّلاة. قال: قد كان نام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فصارت أسوة و رحمة رحم اللَّه- سبحانه- بها هذه الأمّة.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (8) [، عن عليّ بن النعمان،] (9) عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: صلّى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ سلّم في ركعتين [فسأله من خلفه: يا رسول اللَّه، أحدث في الصّلاة شي‏ء؟

____________

(1) مجمع البيان 3/ 53.

(2) الكافي 1/ 458- 459، صدر حديث 3.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: الهرمزانيّ.

(5) نفس المصدر 3/ 294، ح 9.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: تطلع.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أسوة حسنة.

(8) نفس المصدر 3/ 357، ح 6.

(9) من المصدر.

351

قال: و ما ذلك؟

قالوا: إنّما صلّيت ركعتين.] (1) فقال: أ كذلك يا ذا اليدين؟ و كان يدعى ذا الشّمالين.

فقال: نعم.

فبنى على صلاته، فأتمّ الصّلاة أربعا.

و قال: إنّ اللَّه هو أنساه‏ (2) رحمة للأمّة. ألا ترى لو أنّ رجلا صنع هذا لعيّر، و قيل صلاتك؟ فمن دخل عليه النوم ذلك قال: قد سنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و صارت أسوة. و سجد سجدتين ملكان الكلام.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (3)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان إذا صلّى العشاء الآخرة، امر بوضوئه و سواكه يوضع عند رأسه مخمرا (4). فيرقد ما شاء اللَّه، ثمّ يقوم فيستاك و يتوضّأ و يصلّي أربع ركعات ثمّ يرقد. حتّى إذا كان في وجه الصّبح قام فأوتر ثمّ صلّى الرّكعتين ثمّ قال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21): و قرن بالرّجاء كثرة الذّكر المؤدّية إلى ملازمة الطّاعة.

فأنت المؤتسي بالرّسول من كان كذلك.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن عبيد بن عمير اللّيثيّ‏ (6)، عن أبي ذرّ (7) قال: دخلت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هو جالس في المسجد، إلى أن قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: عليك بتلاوة كتاب اللَّه و ذكر اللَّه كثيرا، فإنّه ذكر لك في السّماء و نور [لك‏] (8).

في الأرض.

وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏: بقوله‏ (9):

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: هو الذي أنساه.

(3) نفس المصدر 3/ 445، صدر حديث 13.

(4) خمر الشي‏ء: ستره.

(5) الخصال/ 523 و 525- 526، ضمن حديث 13.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: عتبة بن عمير الليثي. ر. تنقيح المقال 2/ 237، رقم 7630.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أبي ذروة.

(8) من المصدر.

(9) البقرة/ 214.

352

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (الآية).

و

قوله- (عليه السلام)-: إنّهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر (1).

وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏: و ظهر صدّق خبر اللَّه و رسوله. أو صدقا في النّصرة و الثّواب، كما صدقا في البلاء. و إظهار الاسم، للتّعظيم.

وَ ما زادَهُمْ‏: فيه. ضمير «لمّا رأوا» أو الخطب، أو البلاء.

إِلَّا إِيماناً: باللَّه و مواعيده.

وَ تَسْلِيماً (22): لأوامره و مقاديره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ثمّ وصف اللَّه- عزّ و جلّ- المؤمنين [، أيّ:] (3) المصدّقين: بما أخبرهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ما يصيبهم في الخندق من الجهد. فقال- جلّ ذكره-: وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ [وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏] (4) وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً [وَ تَسْلِيماً] (5)، يعني: ذلك البلاء و الجهد (6) و الخوف.

و في الكافي‏ (7): حميد، عن‏ (8) ابن سماعة، عن عبد اللَّه بن جيلة، عن [عبد اللَّه بن‏] (9) محمّد بن مسعود الطّائيّ، عن عتبة (10) بن مصعب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من استقبل جنازة أو رآها فقال: «اللَّه أكبر، هذا ما وعدنا اللَّه و رسوله و صدق اللَّه و رسوله، اللّهمّ زدنا إيمانا و تسليما، الحمد للَّه الّذي تعزّز (11) بالقدرة و قهر العباد بالموت» لم يبق في السّماء إلّا بكى رحمة لصوته.

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏: من الثّبات مع الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المقاتلة لأعداء الدّين. من صدقني: إذا قال لك الصّدق. فإنّ المعاهد إذا وفى بعهده، فقد صدق.

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏: نذره. بأن قاتل حتّى استشهد، كحمزة و مصعب بن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 243.

(2) تفسير القمي 2/ 188.

3 و 4 و 5- ليس في المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بذلك الجهد» بدل «ذلك البلاء و الجهد.»

(7) الكافي 3/ 167، ح 3.

(8) ليس في ن.

(9) من الأصل.

(10) هكذا في المصدر ن. و في سائر النسخ:

عتبة. ر. تنقيح المقال 2/ 353، رقم 9205.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعزّزنا.

353

عمير و أنس بن النّضر.

و «النّحب»: النّذر. استعير للموت، لأنّه لازم في رقبة كلّ حيوان.

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ: الشّهادة.

وَ ما بَدَّلُوا: بعهد و لا غيره.

تَبْدِيلًا (23): شيئا. من التّبديل.

و في روضة الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير. يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللَّه في كتابه. فقال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. إنّكم وفيتم بما أخذ اللَّه عليه ميثاقكم من ولايتنا، و إنّكم لم تبدّلوا بنا غيرنا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (2)، جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبد اللَّه بن ميمون القّداح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا عليّ، من أحبّك ثمّ مات، فقد قَضى‏ نَحْبَهُ‏. و من أحبّك و لم يمت، فهو ينتظر. و ما طلعت شمس و لا غربت إلّا طلعت عليه يرزق و إيمان، و في نسخة، نور.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: لقد كنت عاهدت اللَّه- تعالى- و رسوله أنا و عمّي حمزة و أخي جعفر ابن عمّي عبيدة على أمر و فينا به للَّه- تعالى- و لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فتقدّمني أصحابي و تخلّفت بعدهم‏ (4)، لما أراد اللَّه- تعالى- فأنزل اللَّه فينا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. [حمزة و جعفر و عبيدة. و أنا و اللَّه المنتظر، يا أخا اليهود، و ما بدّلت تبديلا.] (5)

عن الأعمش‏ (6)، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الدّين- إلى‏

____________

(1) نفس المصدر 8/ 34- 35، ضمن حديث 6 و أوّله في ص 33.

(2) نفس المصدر 8/ 306، ح 475.

(3) الخصال/ 376، ضمن حديث 58 و أوّله في ص 364.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: بعهدهم.

(5) ليس في ن.

(6) نفس المصدر/ 607- 608، ضمن حديث‏

354

أن قال- (عليه السلام)-: و الولاية للمؤمنين الّذين لم يغيّروا و لم يبدّلوا بعد نبيّهم واجبة، مثل:

سلمان الفارسي، و أبي ذرّ الغفاريّ، و المقداد بن الأسود الكنديّ، و عمّار بن ياسر، و جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، و حذيفة بن اليمان‏ (1) [، و أبي الهيثم بن التّيهان، و سهل بن حنيف، و أبي ايّوب الأنصاريّ، و عبد اللَّه بن الصّامت،] (2) و عبادة بن الصّامت، و خزيمة بن ثابت ذي الشّهادتين، و أبي سعيد الخدريّ، و من نحى نحوهم و فعل مثل فعلهم. و الولاية لأتباعهم و المقتدين‏ (3) بهم و بهداهم واجبة.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- إلى المأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و الولاية لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الذّين مضوا على منهاج نبيّهم و لم يغيّروا و لم يبدّلوا، مثل: سلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ. و ذكر نحو ما قلنا عن الخصال بتغيير يسير.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى [الحاكم‏] (6) أبو القاسم الحسكانيّ [بالإسناد] (7) عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: فينا نزلت‏ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏ و أنا و اللَّه المنتظر، و ما بدّلت تبديلا.

و في كتاب سعد السّعود (8)، لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: فصل فيما نذكره من مجلّد قالب الثّمن عتيق، عليه مكتوب: الأوّل: من تفسير أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهم)- رواية أبي الجارود عنه‏ (9).

و قال بعد هذا (10): فصل فيما نذكره من الجزء الثّالث من تفسير الباقر- (عليه السلام)- من وجهة ثانية من ثاني سطر بلفظة (11): و أمّا قوله‏ (12): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏. يقول: كونوا مع عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و آل محمّد- (عليهم السلام)-.

____________

9. و أوّله في ص 603.

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: حذيفة بن الصامت.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

المتقدّمين.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 126.

(5) مجمع البيان 4/ 350.

6 و 7- من المصدر.

(8) سعد السعود/ 121.

(9) المصدر: «من الوجهة الأولة من القائمة الثامنة بلفظ ما نذكره منه» بدل «رواية أبي الجارود عنه.»

(10) نفس المصدر/ 122.

(11) ليس في المصدر.

(12) التوبة/ 119.

355

[قال اللَّه تعالى-:] (1) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ (2) و هو حمزة بن عبد المطلّب‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ هو عليّ بن أبي طالب. يقول اللَّه: وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. و قال اللَّه- تعالى-: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏. و هم ها هنا آل محمّد.

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)(3)-، في مقتل الحسين- (عليه السلام)-: إنّ الحسين- (عليه السلام)- مشى إلى مسلم بن عوسجة لمّا صرع فإذا هو به رمق، فقال: رحمك اللَّه، يا مسلم‏ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

و في مقتل الحسين- (عليه السلام)- لأبي مخنف‏ (4): إنّ الحسين- (عليه السلام)- لمّا أخبر بقتل رسوله عبد اللَّه بن يقطر، تغرغرت عينه بالدّموع و فاضت على خدّيه ثمّ قال: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

و في كتاب المناقب‏ (5)، لابن شهر آشوب: [إنّ أصحاب الحسين- (عليه السلام)- بكربلاء كانوا] (6) كلّ من أراد الخروج ودّع الحسين- (عليه السلام)- و قال: السّلام عليك، يا ابن رسول اللَّه. فيجيبه: و عليك السّلام و نحن خلفك، و يقرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن نصير بن أبي الحكم الخثعميّ‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: المؤمن مؤمنان:

فمؤمن صدق بعهد اللَّه- جلّ و عزّ- و في بشرطه، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏ فذلك الّذي لا تصيبه أهوال الدّنيا و لا أهوال الآخرة، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له.

[و مؤمن كخامة الزّرع تعوجّ أحيانا و تقوم أحيانا، فذلك ممّن تصيبه أهوال الدّنيا و أهوال الآخرة، و ذلك ممّن يشفع له و لا يشفع.

____________

(1) من المصدر.

(2) هنا في المصدر زيادة و لا داعي بها. لأنّه مأتي بعد. و هي: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

(3) إرشاد المفيد/ 237.

(4) كذا عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 259- 260، ح 56. و لم نعثر عليه هكذا في المقتل. لكن الموجود فيه في ص 71- 72 هو أن الحسين- (عليه السلام)- تعز غرت عيناه و قال ذلك عند ما بلغه مقتل قيس بن مسهر الصيداويّ.

(5) مناقب آل أبي طالب 4/ 100.

(6) ليس في المصدر. و فيه: «و كان» بدلا منه.

(7) الكافي 2/ 248، ح 1.

(8) المصدر: نصير أبي الحكم الخثعمّي.

356

عدّة] (1) من أصحابنا، عن سهل بن زياد (2)، عن محمّد بن عبد اللَّه، عن خالد القمّيّ‏ (3)، عن خضر بن عمرو، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: المؤمن مؤمنان:

مؤمن و في للَّه- جلّ و عزّ- بشروطه الّتي اشترطها (4) عليه، فذلك مع‏ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له، و ذلك ممّن لا تصيبه أهوال الدّنيا و لا أهوال الآخرة.

و مؤمن زلّت به قدم، فذلك كخامة الزّرع كيف ما كفأته‏ (5) الرّيح انكفأ (6)، و ذلك ممن تصيبه أهوال الدّنيا و أهوال الآخرة (7)، و يشفع له، و هو على خير.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكرّياء، عن أحمد بن محمّد بن يزيد، عن سهل بن عامر البجليّ، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- (9)، عن محمّد بن الحنفيّة- رضي اللَّه عنه قال: قال عليّ- (صلوات اللّه عليه)-: كنت عاهدت اللَّه- عزّ و جلّ- و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنا و عمّي حمزة و أخي جعفر و [ابن‏] عمّي عبيدة بن الحارث على أمر و فينا به للَّه و لرسوله، فتقدّمني أصحابي و خلفت بعدهم لما أراد- عزّ و جلّ- فأنزل اللَّه- سبحانه- فينا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ حمزة و جعفر و عبيدة وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. [فأنا المنتظر و ما بدّلت تبديلا.] (10)

و قال- أيضا (11): حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد (12)، عن إبراهيم محمّد الثّقفيّ، عن يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد الأسديّ، عن الحسن بن إبراهيم، عن جدّه عبد اللَّه بن الحسن، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: عاهَدُوا اللَّهَ‏ عليّ بن أبي طالب و حمزة بن عبد المطلّب و جعفر بن أبي طالب أن لا يفرّوا في زحف أبدا فتمّوا كلّهم، فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-

____________

(1) ليس في أ.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(3) المصدر: خالد العميّ.

(4) المصدر: شرطها.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: كنفه.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يكفا.

(7) ليس في المصدر.

(8) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، 160- 161.

(9) المصدر: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

(10) من المصدر.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) المصدر: راشد.

357

فينا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ حمزة استشهد يوم أحد، و جعفر استشهد يوم موتة وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، يعني عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، يعني الّذي عاهدوا عليه.

لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏:

تعليل للمنطوق و المعرّض به. فكان المنافقين قصدوا بالتّبديل عاقبة السّوء، كما قصد المخلصون بالثّبات و الوفاء و العاقبة الحسنى. و التّوبة عليهم مشروطة بتوبتهم، و المراد به التّوفيق للتّوبة.

إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (24) وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: الأحزاب.

بِغَيْظِهِمْ‏: متغيّظين.

لَمْ يَنالُوا خَيْراً: غير ظافرين. و هما حالان، بتداخل أو تعاقب.

وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏: بالرّيح و الملائكة.

وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا: على إحداث ما يريد.

عَزِيزاً (25): غالبا على كلّ شي‏ء.

و

في مجمع البيان‏ (1): وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏ قيل: بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و قتله عمرو بن عبدودّ، و كان ذلك سبب هزيمة القوم. عن عبد اللَّه بن مسعود. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ‏: ظاهروا الأحزاب.

مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ‏، يعني: قريظة.

مِنْ صَياصِيهِمْ‏: من حصونهم. جمع، صيصية. و هي ما يتحصّن به. و لذلك يقال لقرن الثّور (2) و الظّبي و شوكة الدّيك‏ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏: الخوف.

و قرئ، بالصّنمّ‏ (3).

فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26):

و قرئ، بضمّ السّين‏ (4).

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ‏: مزارعهم.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 350.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: البقور.

(3) أنوار التنزيل 2/ 243.

(4) نفس المصدر و الموضع.

358

وَ دِيارَهُمْ‏: حصونهم.

وَ أَمْوالَهُمْ‏: نقودهم و أثاثهم.

روي: أنّه- (عليه السلام)- جعل عقارهم للمهاجرين، فتكلّم فيه الأنصار.

فقال: إنّكم في منازلكم.

و قال عمر: أما تخمّس كما خمّست يوم بدر؟

فقال: لا، إنّما جعلت هذه لي طعمة (1).

وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها: كفارس و الرّوم.

و قيل‏ (2): خيبر. و قيل: كلّ أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً (27): فيقدر على ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و نزل في بني قريظة وَ أَنْزَلَ‏ (4) الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً.

فلمّا دخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المدينة و اللّواء معقودا، أراد أن يغتسل من الغبار. فناداه جبرائيل- (عليه السلام)-: عذيرك‏ (5) من محارب اللَّه. و اللَّه ما وضعت الملائكة لامتها، فكيف تضع لأمتك؟ إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يأمرك أن لا تصلّي العصر، إلّا بني قريظة. فإنيّ متقدّمك و مزلزل. بهم حصنهم. إنّا كنّا في آثار القوم نزجرهم زجرا، حتّى بلغوا حمراء الأسد.

فخرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاستقبله حارثة بن النّعمان.

فقال له: ما الخبر، يا حارثة؟

فقال بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، هذا دحية الكلبيّ ينادي في النّاس: ألا لا يصلّينّ العصر أحد إلّا في بني قريظة.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ذاك جبرائيل- (عليه السلام)- ادعوا عليّا. فجاء أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فقال: ناد في النّاس: لا يصلّينّ أحد العصر إلّا بني قريظة (6).

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 189- 192.

(4) المصدر: و أنزل اللَّه.

(5) عذيرك من فلان، أي: هات من يعذرك فيه. فعيل، بمعنى: فاعل.

(6) ن و المصدر: إلّا في بني قريظة.

359

فجاء أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فنادى فيهم، فخرج النّاس فبادروا إلى بني قريظة. و خرج رسول اللَّه و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما)- بين يديه مع الرّاية العظمى.

و كان حيّ بن أخطب لمّا انهزمت قريش، جاء فدخل حصن بني قريظة. فجاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أحاط بحصنهم. [فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم و يشتم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأقبل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، لا تدن من الحصن.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا علي، لعلّهم شتموني. إنّهم لو رأوني، لأذلّهم اللَّه. ثمّ دنى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من حصنهم‏] (1) فقال: يا إخوة القردة و الخنازير و عبدة الطّاغوت، أ تشتموني؟ إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم.

فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن فقال: و اللَّه يا أبا القاسم، ما كنت جهولا.

فاستحيا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتى سقط الرّواء من ظهره حياء ممّا قاله.

و كان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بيده فتباعد عنه و تفرّق في المفازة. و أنزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- العسكر حول حصنهم، فحاصرهم ثلاثة أيّام فلم يطلع أحد منهم رأسه. فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام، نزل إليه غزال بن شمول.

فقال: يا محمّد، تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النّضير، احقن دماءنا و نخلّي لك البلاد و ما فيها و لا تكتمك شيئا.

فقال: لا، أو تنزلون على حكمي.

فرجع، و بقوا أيّاما، فشكى‏ (2) النسّاء و الصّبيان إليهم و جزعوا جزعا شديدا. فلمّا اشتدّ عليهم الحصار، نزلوا على حكم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأمر [رسول‏

____________

(1) ليس في أ.

(2) المصدر: فبكت.

360

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (1) بالرّجال فكتّفوا، و كانوا سبعمائة، و أمر بالنّساء فعزلن.

و قامت‏ (2) الأوس إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقالوا: يا رسول اللَّه، حلفاؤنا و موالينا من دون النّاس، نصرونا على الخزرج في المواطن كلّها، و قد وهبت لعبد اللَّه بن أبي سبعمائة ذراع‏ (3) و ثلاثمائة حاسر في صبيحة (4) واحدة، و لسنا نحن بأقلّ من عبد اللَّه بن أبي.

فلمّا أكثروا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال لهم: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل‏ (5) منكم؟

فقالوا: بلى، فمن هو؟

قال: سعد بن معاذ.

قالوا: قد رضينا بحكمه.

فأتوا به في محفّة. و اجتمعت الأوس حوله يقولون: يا أبا عمرو، اتّق اللَّه و أحسن في حلفائك و مواليك. فقد نصرونا ببغاث و الحدائق و المواطن كلّها.

فلمّا أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في اللَّه لومة لائم.

فقالت الأوس: وا قوماه، ذهبت- و اللَّه- بنو قريظة [آخر الدّهور.] (6) و بكت النّساء و الصّبيان إلى سعد. فلمّا سكتوا، قال لهم سعد: يا معشر اليهود، أرضيتم. بحكمي فيكم؟

قالوا: بلى قد رضينا بحكمك، و قد رجونا اللَّه‏ (7) نصفك و معروفك و حسن نظرك.

فعاد عليهم القول.

فقالوا: بلى يا أبا عمرو.

فالتفت إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إجلالا له، فقال: ما ترى، بأبي أنت و أمّي يا رسول اللَّه.

قال: احكم فيهم، يا سعد، فقد رضيت بحكمك فيهم.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فعزلوا و أقامت» بدل «فعزلن و قامت.»

(3) هكذا في النسخ و المصدر. و في نور الثقلين 4/ 262، ح 62: «دراع.» و الأظهر: دارع.

(4) المصدر: صحيفة.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: رجال.

6 و 7- ليس في المصدر.

361

فقال: حكمت، يا رسول اللَّه، أن تقتل رجالهم و تسبى نساؤهم و ذراريّهم و تقسّم غنائمهم و أموالهم بين المهاجرين و الأنصار.

فقام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: قد حكمت بحكم اللَّه- عزّ و جلّ- من فوق سبع أرقعة.

ثمّ انفجر جرح‏ (1) سعد بن معاذ، فما زال ينزفه الدّم حتّى قضى. و ساقوا الأسارى إلى المدينة. فأمر رسول اللَّه بأخدود فحفرت بالبقيع. فلمّا أمسى أمر بإخراج رجل فكان يضرب عنقه.

فقال حيّ بن أخطب لكعب بن أسيد: ما ترى يصنع محمّد بهم؟

فقال له: ما يسوؤك. أما ترى الدّاعي لا يقلع و الّذي يذهب لا يرجع. فعليكم بالصّبر و الثّبات على دينكم.

فأخرج كعب بن أسيد مجموعة يديه إلى عنقه، و كان جميلا و سيما. فلمّا نظر إليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال له: يا كعب، أما نفعك وصيّة ابن الحواس‏ (2) الحبر الزّكيّ الّذي قدم عليكم من الشّام فقال: تركت الخمر و الخمير و جئت إلى البؤس و التّمور، لنبيّ يبعث، مخرجه بمكّة و مهاجرته في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسيرات و التّميرات، و يركب الحمار العريّ، في عينيه حمزة، و بين كتفيه خاتم النّبوّة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر؟

فقال: قد كان ذلك، يا محمّد، و لو لا أنّ اليهود يعيّروني أنّي جزعت عند القتل لآمنت بك و صدّقتك، و لكنّي على دين اليهود عليه أحيى و عليه أموت.

فقال رسول اللَّه: قدّموه، فاضربوا عنقه. فضربت.

ثمّ قدّم حيّ بن أخطب. فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا فاسق، كيف رأيت صنع اللَّه بك؟

و اللَّه يا محمّد، ما ألوم نفسي في عداوتك. و لقد قلقلت كلّ مقلقل، و جهدت كلّ الجهد، و لكن من يخذل اللَّه يخذل. ثمّ قال حين قدّم للقتل:

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فوق سبعة أرقعة ثم خرج» بدل «فوق سبع أرقعة ثمّ انفجر جرح.»

(2) ن: ابن الخوّاص. و في تفسير الصافي 4/ 184:

ابن الجّواس.

362

لعمري ما لام ابن أخطب نفسه‏* * * و لكنه من يخذل اللَّه يخذل‏

فقدّم و ضرب عنقه. فقتلهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في البردين، بالغداة و العشيّ في ثلاثة أيّام. و كان يقول: اسقوهم العذب و أطعموهم الطّيّب و أحسنوا إلى أسراهم‏ (1). حتّى قتلهم كلّهم. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على رسوله فيهم‏ وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ‏، أي: من حصونهم‏ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏ إلى قوله- تعالى-: وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا: السّعة و التّنعّم فيها.

وَ زِينَتَها: و زخارفها.

فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ‏ و أعطكنّ المتعة.

وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (28): طلاقا من غير ضرار و بدعة.

و قرئ: «أمتّعكنّ، و أسرّحكنّ» بالرفع على الاستئناف‏ (2).

وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً. فإنّه كان سبب نزولها، أنّه لمّا رجع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من غزوة خيبر و أصاب كنز آل أبي الحقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت.

فقال لهنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: قسّمته بين المسلمين على ما أمر اللَّه- عزّ و جلّ-.

فغضبن من ذلك، و قلن: لعلّك ترى أنك إن طلّقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوّجونا؟

فأنف اللَّه- عزّ و جلّ- لرسوله، فأمره اللَّه أن يعتزلهنّ. فاعتزلهنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في مشربة أمّ إبراهيم تسعة و عشرين يوما، حتّى حضن و طهرن. ثمّ أنزل‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و أحسنوا أسارهم» بدل «و أحسنوا إلى أسراهم.»

(2) أنوار التنزيل 2/ 244.

(3) تفسير القمي 2/ 192.

363

اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الآية، و هي آية التّخيير، فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً.

فقامت أمّ سلمة، و هي أوّل من قامت فقالت. قد اخترت اللَّه و رسوله. فقمن كلّهن، فعانقنه و قلن مثل ذلك. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قال الصّادق- (عليه السلام)-: من آوى، فقد نكح. و من أرجى، فقد طلّق.

قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. و قد أخّرت عنها في التّأليف.

و في الكافي‏ (1): حميد، عن‏ (2) ابن سماعة، عن‏ (3) ابن رباط، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل خيّر امرأته فاختارت نفسها، بانت؟

قال: لا، إنّما هذا شي‏ء كان لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: خاصّة.

و أمر بذلك، ففعل. و لو اخترن أنفسهنّ، لطلّقن. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا.

حميد [بن زياد،] (4) عن ابن سماعة (5)، عن محمّد بن زياد و ابن رباط، عن أبي أيّوب الخزّاز [، عن محمّد بن مسلم‏] (6) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّي سمعت أباك يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خيّر نساءه، فاخترن اللَّه و رسوله فلم يمسكهنّ على طلاق، و لو اخترن أنفسهنّ لبنّ.

فقال: إنّ هذا حديث يرويه أبي عن عائشة، و ما للنّاس و الخيار، إنّما هذا شي‏ء خصّ اللَّه به رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (7)، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: ذكر أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ زينب قالت‏

____________

(1) الكافي 6/ 137، ح 3.

(2) ليس في م.

3 و 4- من المصدر.

(5) نفس المصدر 6/ 136- 137، ح 2.

(6) نفس المصدر 6/ 138، ح 2.

(7) من المصدر.

364

لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا تعدل و أنت رسول اللَّه؟ و قالت حفصة: إن طلّقتنا وجدنا أكفاءنا من قومنا. فاحتبس الوحي عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عشرين يوما.

قال: فأنف اللَّه لرسوله، فأنزل‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً.

قال: فاخترن اللَّه و رسوله و لو اخترن أنفسهنّ لبنّ، و إن اخترن اللَّه و رسوله فليس بشي‏ء.

حميد [بن زياد] (1)، عن ابن سماعة (2)، عن جعفر بن سماعة، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ زينب بنت جحش قالت: أ يرى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إن خلّى سبيلنا أن لا نجد زوجا غيره؟ و قد كان اعتزل نساءه تسعا و عشرين ليلة. فلمّا قالت زينب الّذي قالت، بعث اللَّه- عزّ و جلّ- جبرائيل إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ‏ (الآيتين كلتيهما) فقلن: بل نختار اللَّه و رسوله و الدّار الآخرة.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (3)، عن ابن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ بعض نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قالت: أ يرى محمّد أنّه لو طلّقنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا؟

قال: فغضب اللَّه- عزّ و جلّ- له من فوق سبع سماواته. فأمره، فخيّرهنّ حتّى انتهى إلى زينب بنت جحش.

فقامت و قبّلته، و قالت: أختار اللَّه و رسوله.

حميد، عن الحسن بن سماعة (4)، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ زينب بنت جحش قالت لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا تعدل و أنت نبيّ؟

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 6/ 138- 139، ح 4. و «عن ابن سماعة» ليس في م.

(3) نفس المصدر 6/ 138، ح 3.

(4) نفس المصدر 6/ 139، ح 5.

365

فقال: تربت يداك‏ (1) إذا لم أعدل، فمن يعدل؟

قالت: دعوت اللَّه يا رسول اللَّه، ليقطع يداي؟

فقال: لا، و لكن لتتربان.

فقالت: إنّك إن طلّقتنا وجدنا في قومنا أكفاءنا.

فاحتبس الوحي عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تسعا و عشرين ليله.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فأنف اللَّه لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا (الآيتين) فاخترن اللَّه و رسوله و لم يكن شيئا. و لو اخترن أنفسهن، لبنّ.

و عنه، عن عبد اللَّه بن جبلة، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، مثله.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أنف لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل اللَّه آية التّخيير، فاعتزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- نساءه تسعا و عشرين ليلة في مشربة أمّ إبراهيم، ثمت دعاهنّ فخيّرهنّ فاخترنه فلم يكن شيئا، و لو اخترن أنفسهنّ كانت واحدة بائنة.

قال: و سألته عن مقالة المرأة ما هي؟

قال: فقال: إنّها قالت: يرى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه لو طلّقنا أن لا تأتينا الأكفاء من قومنا يتزوّجونا؟

و في مجمع البيان‏ (3): و روى الواحديّ بالإسناد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- جالسا مع حفصة، فتشاجرا بينهما.

فقال لها: هل لك أن أجعل بيني و بينك رجلا؟

قالت: نعم.

فأرسل إلى عمر. فلمّا أن دخل عليهما قال لها: تكلّمي.

قالت: يا رسول اللَّه، تكلّم و لا تقل إلّا حقّا.

فرفع عمر يده فوجأ وجهها [، ثمّ رفع يده فوجأ وجهها.] (4)

____________

(1) تربت يداك، أي: لا أصبت خيرا.

(2) نفس المصدر 6/ 137- 138، ح 1.

(3) مجمع البيان 4/ 353.

(4) من المصدر.

366

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كفّ.

فقال عمر: يا عدوّة اللَّه، النّبيّ لا يقول إلّا حقّا. و الّذي بعثه بالحقّ لو لا مجلسه، ما رفعت يدي حتّى لموتي.

فقام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فصعد إلى غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه يتغدّى و يتعشّى فيها. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الآيات.

و اختلف العلماء في حكم التّخيير على أقوال:

أحدها: أنّ الرّجل إذا خيّر امرأته فاختارت زوجها، فلا شي‏ء. و إن اختارت نفسها، تقع تطليقة واحدة. و هو قول عمر بن الخطّاب و ابن مسعود، و إليه ذهب أبو حنيفة و أصحابه.

و ثانيهما: أنّه إذا اختارت نفسها، تقع ثلاث تطليقات. و إن اختارت زوجها، تقع واحدة. و هو يقول زيد بن ثابت، و إليه ذهب مالك.

و ثالثها: أنّه إذا نوى الطّلاق، كان طلاقا و إلّا فلا. و هو مذهب الشّافعيّ.

و رابعها:

أنّه لا يقع بالتّغيير طلاق، و إنّما كان ذلك للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خاصّة. و لو اخترن أنفسهنّ لما خيّرهنّ، لبنّ منه. و أمّا غيره، فلا يجوز له ذلك. و هو المرويّ عن أئمتّنا- (عليهم السلام)- (1).

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن [ابن‏] (3) أبي نجران، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا.

ثمّ قال‏ (4) و عنه، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير و غيره‏ في تسمية نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و نسبهنّ و صفتهنّ: عائشة، و حفصة، و أمّ حبيب بنت أبي سفيان بن حرب، و زينب بنت جحش، و سودة بنت زمعة، و ميمونة بنت الحرث، و صفيّة بنت حيّ بن أخطب، و أمّ سلمة بنت أبي أميّة، و جويرية بنت الحرث.

و كانت عائشة من تيم، و حفصة من عديّ، و أمّ سلمة من بني مخزوم، و سودة من بني‏

____________

(1) نفس المصدر 4/ 354.

(2) الكافي 5/ 389، ح 4.

(3) من ن و المصدر.

(4) نفس المصدر 5/ 390، ح 5.

367

أسد [بن عبد العزى، و زينب بنت جحش من بني أسد] (1) و عدادها من بني أميّة، و أمّ حبيب بنت أبي سفيان من بني أميّة، و ميمونة بنت الحرث من بني هلال، و صفيّة بنت حيّ بن أخطب من بني إسرائيل.

و مات- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن تسع [نساء] (2) و كان له سواهنّ الّتي وهبت نفسها للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و خديجة بنت خويلد أمّ ولده، و زينب [بنت‏] (3) أبي الجون الّتي خدعت، و الكنديّة.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- قال: تزوّج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بخمس عشرة امرأة، و دخل بثلاث عشرة منهنّ، و قبض عن تسع.

فأمّا اللّتان لم يدخل بهما تعمرة و الشبان‏ (5).

و أمّا الثّلاث عشرة اللّاتي دخل بهنّ، فأولهنّ خديجة بنت خويلد. ثمّ سودة (6) بنت زمعة. ثمّ أمّ سلمة، و اسمها هند بنت أبي أميّة. ثمّ أمّ عبد اللَّه، عائشة بنت أبي بكر. ثمّ حفصة بنت عمر. ثمّ زينب بنت خزيمة بن الحرث أمّ المساكين. ثمّ زينب بنت جحش. ثمّ أمّ حبيبة (7) رملة بنت أبي سفيان. ثمّ ميمونة بنت الحارث. ثمّ زينب بنت عميس. ثمّ جويرية بنت الحرث. ثمّ صفيّة بنت حيّ بن أخطب.

و الّتي وهبت نفسها للنّبيّ، خولة (8) بنت حكيم السّلمي.

و كان له سريّتان يقسم لهما مع أزواجه، مارية القبطية (9)، و ريحانة الخندقية (10).

و التّسع اللّاتي قبض عنهنّ: عائشة، و حفصة، و أمّ سلمة، و زينب بنت جحش، و ميمونة بنت الحارث، و أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، و صفيّة [بنت حيّ بن أخطب،] (11) و جويرية [بنت الحارث،] (12) و سودة [بنت زمعة.] (13) و أفضلهنّ خديجة بنت خويلد، ثمّ أمّ‏

____________

1 و 2 و 3- من المصدر.

(4) الخصال/ 419، ح 13.

(5) المصدر: «فعمرة و السنا»، و في ن: «فعمرة و الشبنا» بدل «تعمرة و الشبنا.»

(6) المصدر: سورة.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أم حبيب.

(8) الأصل، س و أ: خويلة.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: الخندفيّة.

11 و 12 و 13 من المصدر. و فيه «سورة» بدل‏

368

سلمة، ثمّ ميمونة (1).

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ قيل‏ (2): بكبيرة.

مُبَيِّنَةٍ: ظاهر قبحها.

يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏: ضعفي عذاب غيرهنّ، أي: مثليه. لأنّ الذّنب منهنّ أقبح. فإنّ زيادة قبحه، تتبع زيادة فضل المذنب و النّعمة عليه. و لذلك جعل حدّ الحرّ ضعفي حد العبد. و عوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم.

و قرأ البصريّون: «يضعف» [على بناء المفعول.] (3) و ابن كثير و ابن عامر «نضعف» بالنّون، و بناء الفاعل، و نصب العذاب‏ (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثنا محمّد بن أحمد قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللَّه بن غالب عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن صمّاد، عن حريز قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏ قال: «الفاحشة» الخروج بالسّيف.

و في رواية أبي الجارود (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أجرها مرّتين و العذاب. ضعفين. كلّ هذا في الآخرة، حيث يكون الأجر يكون العذاب.

و في مجمع البيان‏ (7): و روى محمّد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عليّ بن عبد اللَّه بن الحسين‏ (8)، عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين- (عليه السلام)‏- أنّه قال له رجل: إنّكم أهل بيت مغفور لكم.

قال: فغضب و قال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى اللَّه في أزواج‏

____________

«سودة.»

(1) المصدر: «ثم أمّ سلمة بنت الحارث» بدل «ثمّ أمّ سلمة، ثم ميمونة.»

(2) أنوار التنزيل 2/ 244.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 193.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 354.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللَّه بن الحسن.

369

النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من أن نكون كما تقول. إنّما نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب. ثمّ قرأ الآيتين.

و في بصائر الدّرجات‏ (1): أحمد بن محمّد و الحسين بن عليّ بن النّعمان [، عن أبيه عليّ بن النّعمان،] (2) عن محمّد بن سنان، يرفعه، قال: إن عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرّجل حتّى أبعثه إليه.

قال: فأتيت به، فمثل بين يديها.

فرفعت إليه رأسها فقالت له: ما بلغ من عداوتك لهذا الرّجل؟

فقال لها: كثيرا ما أتمنى على ربّي، أنّه و أصحابه في وسطي فضربته ضربة بالسّيف فسبق السّيف الدّم.

قالت: فأنت له. اذهب بكتابي هذا، فادفعه إليه ظاعنا رأيته أو مقيما. أما إنّك إن رأيته رأيته‏ (3) راكبا على بغلة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- متنكّبا قوسه، معلّقا كنانته بقربوس سرجه، و أصحابه خلفه كأنّهم طير صوافّ [فتعطيه كتابي هذا. و] (4) إن عرض عليك طعامه و شرابه، فلا تناولّن منه شيئا فإنّ فيه السّحر.

قال: فاستقبله‏ (5) راكبا [كما قالت‏] (6) فناولته‏ (7) الكتاب، ففضّ خاتمه ثمّ قرأه.

فقال: تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا و شرابنا و نكتب جواب كتابك؟

فقال: هذا، و اللَّه، ما لا يكون.

قال: فسار خلفه فأحدق‏ (8) به أصحابه.

ثمّ قال له: أسألك.

قال: نعم.

قال: و تجيبني؟

قال: نعم.

____________

(1) بصائر الدرجات/ 263- 264، ح 4.

(2) من ن و المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) هكذا في المصدر.

و في النسخ: فاستقبله.

(6) ليس في المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فناوله.

(8) الأصل: فأصدقه.

370

قال: نشدتك [اللَّه‏] (1) هل قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة (2) لهذا الرّجل، فأتي‏ (3) بك. فقالت لك: ما بلغ من عداوتك لهذا الرّجل؟ فقلت: كثيرا ما أتمنّى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطي و أنّي ضربت ضربة سبق السّيف الدّم؟

قال: اللّهمّ، نعم.

قال: فنشدتك اللَّه، أ قالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما، أما إنّك إن رأيته رأيته‏ (4) راكبا على‏ (5) بغلة رسول اللَّه متنكّبا قوسه معلّقا كنانته بقربوس سرجه، أصحابه خلفه كأنّهم طير صوافّ فتعطيه كتابي هذا؟

قال: اللّهمّ، نعم.

قال: فنشدتك اللَّه، هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولنّ منه شيئا، فإنّ فيه السّحر؟

قال: اللّهمّ، نعم.

قال: فتبلّغ‏ (6) عني؟

قال: اللّهمّ، نعم. فإني قد أتيتك و ما في الأرض خلق أبغض إليّ منك، و أنا السّاعة ما في الأرض خلق أحبّ إليّ منك فمرني‏ (7) بما شئت.

قال: ارجع إليها بكتابي‏ (8) هذا، و قل لها: ما أطعت اللَّه و لا رسوله حيث أمرك اللَّه بلزوم بيتك، فخرجت تردّدين في العساكر. و قل لهم: ما أنصفتهم اللَّه و لا رسوله حيث خلّفتم حلائلكم في بيوتكم و أخرجتم حليلة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

قال: فجاء بكتابه فطرحه إليها و أبلغها مقالته، ثم رجع إليه فأصيب بصفّين.

فقالت: ما نبعث إليه بأحد إلّا أفسده‏ (9) علينا.

و في شرح الآيات الباهرة (10): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن‏ (11) محمّد بن عيسى، عن يونس بن كرام، عن محمّد بن مسلم، عن أبي‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: شديدا عداوته.

(3) المصدر: فأتوها.

4 و 5- ليس في المصدر.

(6) المصدر: فمبلّغ أنت.

(7) المصدر: فمر بي.

(8) المصدر: كتابي.

(9) الأصل: فسده.

(10) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 162.

(11) المصدر: بن.

371

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال لي: أ تدري ما الفاحشة المبيّنة؟

قلت: لا.

قال: قتال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، يعني: أهل الجمل.

وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30): لا يمنعه في التّضعيف كونهّن نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و كيف و هو سببه.

وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَ‏: و من يدم على الطّاعة.

لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ‏: و لعلّ ذكر اللَّه، للتّعظيم، أو لقوله:

وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ‏: مرّة على الطّاعة، و مرّة على طلبهنّ رضاء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بالقناعة و حسن المعاشرة.

و قرأ حمزة و الكسائيّ: و يعمل» بالياء- أيضا- حملا على لفظ «من» و يؤتها» على أنّ فيه ضمير اسم اللَّه‏ (1).

وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31): في الجنّة، زيادة على أجرها.

يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ:

أصل «أحد» وحد، بمعنى: الواحد. ثمّ وضع في النّفي العام، مستويا فيه المذّكر و المؤنّث، و الواحد و الكثير.

و المعنى: لستن كجماعة واحدة من جماعات النّساء في الفضل.

إِنِ اتَّقَيْتُنَ‏: مخالفة حكم اللَّه و رضا رسوله.

فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‏: فلا تجبن بقولكنّ خاضعا ليّنا، مثل: قول المريبات و المومسات.

فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏: فجور.

و قرئ، بالجزم، عطفا على محلّ فعل النّهي. على أنّه نهى مريض القلب عن الطّمع عقيب نهيهنّ عن الخضوع بالقول. (2) وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (32): حسنا، بعيدا عن الرّيبة.

وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ‏:

من وقر، يقر، وقارا. أو قرّ، يقرّ، قرارا. حذفت الأولى من رائي «اقررن» و نقلت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 244.

(2) نفس المصدر و الموضع.

372

كسرتها إلى القاف، فاستغني به عن همزة الوصل. و يؤيّده قراءة عاصم و نافع، بالفتح. من قررت، أقرّ و هو لغة فيه. و يحتمل أن يكون من قار، يقار: إذا اجتمع‏ (1).

وَ لا تَبَرَّجْنَ‏: و لا تتبخترن في مشيتكنّ.

تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ تبرّجا مثل تبرّج النّساء في أيّام الجاهليّة القديمة.

و قيل‏ (2): هي ما بين آدم و نوح- (عليهما السلام)-.

و قيل‏ (3): الزّمان الّذي ولد فيه إبراهيم- (عليه السلام)-. كانت المرأة تلبس ورعا من اللّؤلؤ فتمشي وسط الطّريق تعرض نفسها على الرّجال. و الجاهليّة الأخرى ما بين عيسى و محمّد- (عليهما السلام)-.

و قيل‏ (4): الجاهليّة الأولى جاهليّة الكفر قبل الإسلام، و الجاهليّة الأخرى جاهليّة الفسوق فيه‏ (5). و يعضده‏

قوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأبي الدّرداء: إنّ فيك جاهليّة.

قال: جاهلية كفر أو إسلام؟

قال: بل جاهلية كفر.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّ يوشع بن نون وصيّ موسى- (عليه السلام)- عاش بعد موسى ثلاثين سنة. و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى- (عليه السلام)- فقالت: أنا أحقّ منك بالأمر. فقالتها فقتل مقاتليها، و أسرها فأحسن أسرها (7). و إنّ ابنة أبي بكر ستخرج على عليّ في كذا و كذا ألفا من أمّي، فيقاتلها فيقتل مقاتليها (8) و يأسرها فيحسن أسرها. و فيها أنزل اللَّه- تعالى-: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏، يعني: صفراء بنت شعيب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثنا حميد بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في هذه الآية

____________

(1) نفس المصدر 2/ 245.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: في الإسلام.

(6) كمال الدين و تمام النعمة/ 27.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «مقاتلها و أحسن أسرها» بدل «مقاتليها و أسرها فأحسن أسرها.»

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: مقاتلها.

(9) تفسير القمي 2/ 193.

373

وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ قال: أي: ستكون جاهليّة أخرى.

و في عيون الأخبار (1)، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال، بعد أن ذكر ليلة أسري بي إلى السّماء: و رأيت امرأة معلّقة برجليها في تنّور من نار إلى قوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-:

و أمّا المعلّقة برجليها، فإنّها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال في وصيّة (3) له: يا عليّ، ليس على النّساء جمعة- إلى أن قال-:

و لا تخرج من بيت زوجها إلّا بإذنه. فإن خرجت بغير إذنه، لعنها اللَّه و جبرائيل و ميكائيل.

وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏: في سائر ما أمركنّ به و نهاكنّ عنه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4): أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثني سعد بن عبد اللَّه، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن محمّد [، عن محمّد] (5) بن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللَّه، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: المرأة عليها أذان و إقامة؟

فقال: إن كانت تسمع أذان القبيلة، فليس عليها [شي‏ء، و إلّا فليس عليها] (6) أكثر من الشّهادتين. لأنّ اللَّه- تبارك و تعالى- قال للرّجال: أَقِيمُوا الصَّلاةَ و قال للنّساء:

وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏: الذّنب المدنّس لعرضكم. و هو تعليل لأمرهنّ و نهيهنّ على الاستئناف، و لذلك عمّ الحكم.

أَهْلَ الْبَيْتِ‏: نصب على النّداء، أو المدح.

وَ يُطَهِّرَكُمْ‏: من المعاصي.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 10 و 11، ضمن حديث 24.

(2) الخصال/ 511، ضمن حديث 2.

(3) هكذا في م. و في سائر النسخ و المصدر:

وصيّة.

(4) علل الشرائع/ 355، صدر حديث 1.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

374

تَطْهِيراً (33): و استعارة «الرّجس» للمعصية، و التّرشيح «بالتّطهير» للتّنفير عنها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

قال: نزلت هذه الآية في رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم). و ذلك في بيت أمّ سلمة زوجة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فدعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين، ثمّ ألبسهم كساء له خيبريّا و دخل معهم فيه، ثمّ قال: اللّهمّ، هؤلاء أهل بيتي الّذين وعدتني فيهم ما وعدتني، اللّهمّ اذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا (2).

فقالت أمّ سلمة: و أنا معهم، يا رسول اللَّه؟

فقال: أبشري، يا أمّ سلمة، فإنّك إلى خير.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه: قال المأمون: من العترة الطّاهرة؟

فقال: الرّضا- (عليه السلام)- الّذين وصفهم اللَّه- تعالى- في كتابه، فقال- تعالى-:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و هم الذّين قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّي مخلّف فيكم الثّقلين، كتاب اللَّه و عترتي أهل بيتي.

ألا و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفون فيهما. أيّها النّاس، لا تعلّموهم، فإنّهم أعلم منكم.

و فيه‏ (4)، في هذا الباب يقول الرّضا- (عليه السلام)- في الحديث المذكور و الآية الثّانية في الاصطفاء: قوله- عزّ و جلّ- إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و هذا الفضل الّذي لا يجهله أحد إلّا معاند ضالّ‏ (5). لأنّه لا فضل بعد طهارة تنتظر، فهذه الثّانية.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 193.

(2) هنا زيادة في المصدر. و هي: «نزلت هذه الآية.» و لا داعي لوجودها.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 299.

(4) نفس المصدر 1/ 231.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أصلا.

375

و فيه‏ (1)، في باب السّبب الّذي من أجله قبل الرّضا- (عليه السلام)- ولاية العهد من المأمون و وجدت في بعض الكتب نسخة كتاب الحباء و الشّرط من الرّضا- (عليه السلام)- إلى العمّال في شأن الفضل بن سهل و أخيه و لم أرو ذلك عن أحد: أمّا بعد فالحمد للَّه المبدئ البديع‏ (2)، إلى أن قال- (عليه السلام)-: الحمد للَّه الّذي أورث أهل بيته مواريث النّبوّة، و استودعهم العلم و الحكمة، و جعلهم معدن الإمامة و الخلافة، و أوجب ولايتهم و شرّف منزلتهم، فأمر رسوله بمسألة أمّته مودّتهم، إذ يقول‏ (3): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ و ما وصفهم به من إذهابه الرّجس عنهم و تطهيره إيّاهم في قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و فيه‏ (4)، في الزّيارة الجامعة لجميع الأئمّة- (عليهم السلام)- المنقول عن الهادي- (عليه السلام)(5)-: عصمكم اللَّه من الزلل، و آمنكم من الفتن، و طهّركم من الدّنس، و أذهب عنكم الرّجس و طهّركم تطهيرا.

و في كتاب الخصال‏ (6)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر قال: فأنشدك باللَّه، إليّ و لأهلي و لولدي آية التّطهير من الرّجس‏ (7) أم لك و لأهل بيتك؟

[قال: بل لك و لأهل بيتك‏] (8) قال: فأنشدك باللَّه، أنا صاحب دعوة رسول اللَّه و أهلي و ولدي يوم الكساء: اللّهمّ هؤلاء أهلي إليك لا إلى النّار» أم أنت؟

قال: بل أنت و أهل بيتك‏ (9).

و فيه‏ (10)- أيضا- في احتجاجه- (عليه السلام)- على النّاس يوم الشّورى، قال: أنشدكم اللَّه‏ (11)- هل فيكم أحد أنزل اللَّه فيه آية التّطهير على رسوله‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. فأخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-

____________

(1) نفس المصدر 2/ 154- 155.

(2) المصدر: «فالحمد للَّه البدي‏ء الرفيع» بدل «فالحمد للَّه المبدئ البديع.»

(3) الشورى/ 20.

(4) نفس المصدر 2/ 274.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: عن الجواد- (عليه السلام)-

(6) الخصال/ 550.

(7) هنا في النسخ زيادة. و هي: و طهّركم تطهيرا.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: أهلك و ولدك.

(10) نفس المصدر/ 561.

(11) المصدر: نشدتكم باللَّه.

376

كساء خيبريّا فضمّني فيه و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-. ثمّ قال: «ربّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا غيري‏ (1)؟

قالوا: اللّهمّ، لا.

و فيه‏ (2)- أيضا- في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها، قال- (عليه السلام)-: و أمّا السّبعون، فإنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- نام و نوّمني و زوجتي فاطمة و ابنيّ الحسن و الحسين و ألقى علينا عباءة (3) قطوانيّة، فأنزل اللَّه- تعالى- فينا إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

فقال جبرائيل- (عليه السلام)-: أنا منكم، يا محمّد. فكان سادسنا جبرائيل- (عليه السلام)-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال‏ في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين و الأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: أيّها النّاس، أ تعلمون أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أنزل في كتابه‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

فجمعني و فاطمة و ابنيّ حسنا و حسينا و أتقى علينا كساء و قال: «اللّهمّ، إنّ هؤلاء أهل بيتي و لحمتي يؤلمني ما يؤلهمه و يجرحني ما يجرحهم، فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا» فقالت أمّ سلمة: و أنا يا رسول اللَّه؟ فقال: «أنت [أو إنّك‏] (5) على خير، إنّما أنزلت فيّ و في أخي [عليّ‏] (6) و في ابنتي‏ (7) و في ابنيّ [الحسن و الحسين‏] (8) و في تسعة من ولد ابني الحسين خاصّة ليس معنا فيها أحد» غيرنا؟

فقالوا كلّهم: تشهد أنّ أمّ سلمة حدّثتنا بذلك، فسألنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فحدّثنا كما حدّثتنا أم سلمة- رضي اللَّه عنها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (9)، بإسناده إلى ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) نفس المصدر/ 580.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

عباء.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 278، ضمن حديث 25. و أوّله في ص 274.

(5) ليس في المصدر.

(6) من المصدر. و فيه أيضا، بين المعقوفتين.

(7) «و في ابنتي» ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) علل الشرائع/ 190- 191، ضمن حديث 1.

377

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا منع أبو بكر فاطمة- (عليها السلام)- فدكا و أخرج وكيلها، جاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى المسجد- و أبو بكر جالس و حوله المهاجرون و الأنصار.

فقال: يا أبا بكر، لم منعت فاطمة ما جعله رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لها، و وكيلها فيه منذ سنين- إلى قوله- فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لأبي بكر: يا أبا بكر، تقرأ القرآن‏ (1)؟

قال: بلى.

قال: فأخبرني عن قول اللَّه- تعالى-: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. أ فينا أو في غيرنا نزلت؟

قال: فيكم.

قال: فأخبرني، لو أنّ شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمة- (عليها السلام)- بفاحشة، ما كنت صانعا؟

قال: كنت أقيم عليها الحدّ، كما أقيم على نساء المسلمين.

قال: كنت إذا عند اللَّه من الكافرين.

قال: و لم؟

قال: لأنّك كنت تردّ شهادة اللَّه و تقبل شهادة غيره، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قد شهد لها بالطّهارة. فإذا رددت شهادة اللَّه و قبلت شهادة غيره، كنت عند اللَّه من الكافرين.

قال: فبكى النّاس و تفرّقوا و دمدموا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير (2) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما عنى اللَّه- عزّ و جلّ- بقوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

قال: نزلت هذه الآية في النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الحسن و الحسين و فاطمة- (عليهم السلام)-. فلمّا قبض اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ثمّ الحسن، ثمّ الحسين- (عليهم السلام)-. ثمّ وقع تأويل هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ (3) و كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- [إماما] (4) ثمّ جرت في الأئمة

____________

(1) المصدر: «تقرّ بالقرآن» بدل «تقرأ القرآن».

(2) نفس المصدر/ 205، ح 2.

(3) الأنفال/ 75.

(4) من المصدر.

378

[من ولده الأوصياء] (1)- (عليهم السلام)- فطاعتهم طاعة اللَّه، و معصيتهم معصية اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب معاني الأخبار (2): حدّثنا أبي و محمّد بن الحسين بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنهما- قالا: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب قال:

حدّثنا النّضر بن شعيب، عن عبد الغفّار الجازيّ‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

قال: «الرّجس» هو الشّكّ.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن المفضّل بن صالح، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

يعني: الأئمّة- (عليهم السلام)- و ولايتهم. من دخل فيها، دخل في بيت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى‏ (5)، عن يونس و عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد. و أبي سعيد، عن محمّد بن عيسى [، عن يونس،] (6) عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا. يقول فيه- (عليه السلام)- حاكيا عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قال- (عليه السلام)-: أوصيكم بكتاب اللَّه و أهل بيتي، فإنّي سألت اللَّه- عزّ و جلّ- أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الخوض، فأعطاني ذلك.

و قال: لا تعلّموهم، فإنّهم أعلم منكم. و قال: إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلالة.

فلو سكت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و لم يبيّن‏ (7) من أهل بيته، لادّعاها

____________

(1) من المصدر و ن.

(2) معاني الأخبار/ 138، ح 1. و فيه حدّثنا أبي و محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه- ...

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: الخازن. ر.

تنقيح المقال 2/ 158، رقم 6665.

(4) الكافي 1/ 423 ذيل حديث 54.

(5) نفس المصدر 1/ 286- 288، مقاطع من حديث 1.

(6) من ن و المصدر.

(7) المصدر فلم يبيّن.

379

آل فلان و آل فلان. و لكنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أنزله في كتابه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و كان عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة- (عليهم السلام)- فأدخلهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تحت الكساء في بيت أمّ سلمة، ثمّ قال: اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلا و ثقلا و هؤلاء أهل بيتي و ثقلي.

فقالت أمّ سلمة: أ لست من أهلك؟

فقال: إنّك إلى خير، و لكن هؤلاء أهلي و ثقلي.

و في آخر الحديث و قال: «الرّجس» هو الشّكّ. و اللَّه لا نشكّ في ربّنا أبدا.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ [، عن أيّوب بن الحرّ و عمران بن علّي الحلبّي،] (2) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثل ذلك.

عليّ بن إبراهيم، عن حمّاد بن ربعي‏ (3)، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعة يقول: إنّا لا نوصف. و كيف يوصف قوم رفع اللَّه عنهم الرّجس، و هو الشّكّ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن ابن عمير، عن حمّاد بن عيسى‏ (5).

و حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا بويع لأبي بكر (6) و استقام له الامر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك من أخرج‏ (7) وكيل فاطمة- (عليها السلام)- إلى أنّ قال- (عليه السلام)-: فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا أبا بكر، تقرأ كتاب اللَّه؟

قال: نعم.

فقال: أخبرني عن قول اللَّه- تعالى-: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. فيمن نزلت، أ فينا أم في غيرنا؟

قال: بل فيكم.

____________

(1) نفس المصدر 1/ 288، ذيل حديث 1.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 2/ 182، ضمن حديث 16.

(4) تفسير القمي 2/ 155- 157.

(5) المصدر: عثمان بن عيسى.

(6) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

أبو بكر.

(7) المصدر: «فأخرج» بدل «من أخرج».

380

قال: فلو أنّ شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة، ما كنت صانعا؟

قال: كنت أقيم عليها الحدّ كما أقيم على سائر المسلمين.

قال: كنت إذا عند اللَّه من الكافرين.

قال: و لم؟

قال: لأنّك رددت شهادة اللَّه لها بالطّهارة و قبلت شهادة النّاس عليها، كما رددت حكم اللَّه و حكم رسوله أن جعل [رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (1) لها فدكا و قبضته في حياته ثمّ قبلت شهادة أعرابيّ بائل على عقبيه عليها، و أخذت فها فدكا و زعمت أنّه في للمسلمين‏ (2). و قد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه.

قال: فدمدم النّاس و بكى بعضهم، فقالوا: صدّق، و اللَّه، عليّ. و رجع عليّ إلى منزله. و الحديث بتمامه مذكور في الرّوم عند قوله- تعالى-: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏.

و بأسناده إلى حذيفة بن اليماني‏ (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ذكر حديثا طويلا. و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ثمّ جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا. و ذلك قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: ثمّ ذكر من أذن له في الدّعاء إليه بعده و بعد رسوله في كتابه فقال‏ (5):

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏. ثمّ أخبر عن هذه الأمّة، و ممّن هي، و أنّها من ذرّية إبراهيم، و من ذرّية إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير اللَّه قطّ، الّذين وجبت لهم الدّعوة دعوة إبراهيم و إسماعيل من أهل المسجد، الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: في‏ء المسلمين.

(3) نفس المصدر 2/ 347.

(4) الكافي 5/ 13- 14، ضمن حديث 1.

(5) آل عمران/ 104.

381

و في كتاب الاحتجاج‏ (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول فيه لبعض الشّاميّين: فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقّا خاصّة دون المسلمين؟

فقال: لا.

قال عليّ [بن الحسين‏] (2)- (عليه السلام)-: أما قرأت هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و في أمالي الصّدوق- رحمة اللَّه‏ (3)- بإسناده إلى أبي بصير قال: قلت للصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: من آل محمّد؟

قال: ذرّيته.

قلت: من أهل بيته؟

قال: الأئمّة الأوصياء.

[فقلت: من عترته‏] (4) قال: أصحاب العباء.

فقلت: من أمتّه؟

فقال: المؤمنون الّذين صدّقوا بما جاء به من عند اللَّه- عزّ و جلّ-، المتمسّكون بالثّقلين، الّذين أمروا بالتّمسّك بهما، كتاب اللَّه و عترته أهل بيته، الّذين أذهب اللَّه عنهم الرّجس و طهّركم تطهيرا، و هما الخليفتان على الأمّة بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و في مجمع البيان‏ (5): و قال أبو سعيد الخدريّ و أنس بن مالك و وائل بن الأسفع‏ (6) و عائشة و أمّ سلمة: إنّ الآية مختصّة برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-.

____________

(1) الاحتجاج 2/ 34.

(2) من المصدر.

(3) أمالي الصدوق/ 200، ح 10.

(4) ليس في س.

(5) مجمع البيان 4/ 356- 357.

(6) ن: «وائل بن الأسمع». أ: «وائل بن الأشفع». المصدر: «وائلة بن الأسقع». و لعل الصواب: «وائلة بن الأسقع». ر. الأعلام، للزركلي 8/ 107.

382

و ذكر أبو حمزة الثّماليّ في تفسيره: حدّثني شهر (1) بن حوشب، عن أمّ سلمة قال: جاءت فاطمة- (عليها السلام)- إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تحمل حريرة (2) لها.

فقال: ادعي زوجك و ابنيك. فجاءت لهم، فطعموا. ثمّ ألقى عليهم كساء له خيبريّا و قال:

اللّهمّ، إنّ هؤلاء أهل بيتي و عترتي فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.

فقلت: يا رسول اللَّه، و أنا معهم؟

قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أنت إلى خير.

و روى الثّعلبيّ في تفسيره‏ (3)- أيضا- بالإسناد، عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة (4) فيها حريرة (5). فقال لها: ادعي زوجك و ابنيك- فذكرت الحديث نحو ذلك.

ثمّ قالت: فأنزل اللَّه- تعالى- إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ‏ (الآية) قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى‏ (6) بها إلى السّماء، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي‏ (7) فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.

فأدخلت رأسي البيت و قلت: أنا معكم، يا رسول اللَّه؟

قال: إنّك إلى خير، إنّك إلى خير.

و بإسناده، قال مجمع‏ (8): دخلت مع أمّي على عائشة. فسألتها أمي: أ رأيت خروجك يوم الجمل؟

قالت إنّه كان قدرا من اللَّه.

فسألتها عن عليّ.

فقالت: تسأليني عن أحبّ النّاس كان إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و زوج أحبّ النّاس كانت إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. لقد رأيت عليّا و فاطمة و حسنا و حسينا قد جمع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بثوب عليهم، ثمّ قال:

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «شهب». ر.

الأعلام، للزركلي 3/ 178.

(2) المصدر: خزيرة.

(3) نفس المصدر 4/ 357.

(4) البرمة: القدر من الحجر.

(5) المصدر: خزيرة.

(6) المصدر: فألوى يده.

(7) المصدر: حامتي.

(8) نفس المصدر و الموضع.

383

اللّهمّ، هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي‏ (1) فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا» قالت: يا رسول اللَّه، أنا من أهلك؟

قال: تنحّي، فإنّك إلى خير.

و بإسناده، عن أبي سعيد الخدريّ‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ و في عليّ و حسن و حسين و فاطمة.

و أخبرنا السّيّد أبو الحمد (3) قال: حدّثنا الحاكم [أبو القاسم الحسكانيّ قال: حدّثنا (4) عن أبي بكر السّبيعيّ قال: حدّثنا أبو عروة الحرّانيّ قال: حدّثني ابن مصغيّ قال: حدّثنا] (5) عبد الرّحيم بن واقد، عن أيّوب بن سيّار، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر قال: نزلت هذه الآية على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ليس في البيت إلّا فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏.

فقال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اللّهمّ هؤلاء أهلي.

و حدّثنا السّيّد أبو الحمد (6) قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم بإسناده، عن زاذان، عن الحسن بن عليّ قال: لمّا نزلت آية التّطهير، جمعنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و إيّاة في كساء لأمّ سلمة خيبريّ، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي و عترتي.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ليس شي‏ء أبعد من عقول الرّجال من تفسير القرآن. إنّ الآية ينزل اوّلها في شي‏ء، و أوسطها في شي‏ء آخر، و آخرها في شي‏ء.

ثمّ قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً من ميلاد الجاهليّة.

و في بصائر الدّرجات‏ (8): محمّد بن خالد الطيّالسيّ، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «الرّجس» هو الشّكّ. و لا تشكّ في ديننا أبدا.

____________

(1) المصدر: حامتي.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: حدّثونا.

(5) ليس في أ.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير العياشي 1/ 17، ح 1.

(8) بصائر الدرجات/ 226، صدر حديث 13.

384

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن الحسن بن عليّ بن بزيع، عن إسماعيل بن بشّار الهاشميّ، عن قير (2) بن الأعشى، عن هاشم بن البريد، عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّة قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في بيت أمّ سلمة، فأتي. بحريرة، فدعا عليّا- (عليه السلام)- و فاطمة و الحسن و الحسين فأكلوا منها. ثمّ جلّل عليهم كساء خيبريّا. ثمّ قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فقالت أمّ سلمة: و أنا معهم، يا رسول اللَّه؟

قال: إنّك إلى خير (3).

و قال- أيضا (4)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريّا، عن جعفر بن محمّد بن عمارة قال: حدّثني أبي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)‏- إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- فضّلنا أهل البيت، و كيف لا يكون كذلك و اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابة: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. فقد طهّرنا اللَّه من الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، فنحن على منهاج الحقّ.

و قال‏ (5)- أيضا- حدّثنا عبد اللَّه بن عليّ بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن محمّد، عن عليّ بن جعفر بن محمّد، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن عليّ قال: خطب الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- النّاس حين قتل عليّ- (عليه السلام)- فقال: فقبض في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعلم و لا يدركه الآخرون، ما ترك على ظهر الأرض سوداء (6) و لا بيضاء إلّا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.

ثمّ قال: يا أيّها النّاس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ،

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 163- 164.

(2) أ: قسم (قسير خ. ل.) ن: قيس. م: قسير.

المصدر: قنبر.

و يمكن أن يكون «قتيبة». ر. تنقيح المقال 3/ 27، رقم 9637، قتيبة الأعشى المؤدّب.

(3) المصدر: إنّك على خير.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: صفراء.

385

و أنا ابن البشير النّذير الداعي‏ (1) إلى اللَّه بإذنه و السّراج المنير، أنا من أهل البيت الّذي كان ينزل فيه جبرائيل و يصعد، و أنا من أهل البيت الّذين أذهب اللَّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.

و قال‏ (2)- أيضا-: حدّثنا مظفّر بن يونس بن مبارك، عن عبد الأعلى بن حمّاد، عن محمّد بن إبراهيم‏ (3)، عن عبد الجبّار بن العبّاس، عن عمّار الدّهنيّ، عن عمرة (4) بنت أفعى، عن أمّ سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، و في البيت سبعة: جبرائيل، و ميكائيل، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين- (صلوات اللّه عليهم).

و كنت على الباب، فقلت: يا رسول اللَّه، أ لست من أهل البيت؟

قال: إنّك من أزواج النّبيّ. و ما قال: إنّك من أهل البيت.

قال البيضاويّ‏ (5): و تخصيص الشّيعة أهل البيت بفاطمة و عليّ و ابنيهما، لما روي، أنّه- (عليه السلام)‏- خرج ذات غدوة، و عليه مرط مرحّل‏ (6) من شعر أسود، فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه، ثمّ جاء عليّ فأدخله فيه، ثمّ جاء الحسن و الحسين فأدخلهما فيه، ثمّ قال:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏

و الاحتجاج بذلك على عصمتهم. و كون إجماعهم حجّة، ضعيف. لأنّ التّخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية و ما بعدها. و الحديث يقتضي أنّهم أهل البيت لا أنّه ليس غيرهم.

أقول: قد تواتر من طريق الخاصّة و العامّة تخصيص أهل البيت بهم كما علمت، و ليس الاحتجاج بالإجماع بل بالحديث المتواتر و مناسبته لما قبل الآية و ما بعدها يكفها عموم ظاهره، و التّخصيص للتّشريف. و نحن نقرّر استدلال الشّيعة على وجه قرّروه حتّى يظهر اندفاع ما ذكره عن استدلالهم.

قالوا: «إنّما» لفظة محقّقة لما أثبت بعدها، نافية لما لم يثبت. فإنّ قول القائل: إنّما لك [عندي درهم، و إنّما في الدّار زيد. يقتضي أنّه ليس له عنده سوى الدّرهم و ليس في الدّار سوى زيد. فإذا تقرّر هذا، فلا تخلو الارادة في الآية] (7) أن تكون هي الإرادة المحضة أو

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: داع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: فحول بن إبراهيم.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: عميرة.

(5) أنوار التنزيل 2/ 245.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: مرجل.

رحّل الثّوب: و شّاه بصور الرحال. فهو مرحّل.

(7) ليس في أ.

386

الارادة الّتي معها التّطهير و إذهاب الرّجس. فلا يجوز الوجه الأوّل، لأنّ اللَّه قد أراد من كلّ مكلّف هذه الإرادة المطلقة فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، و لأنّ هذا القول يقتضي المدح و التّعظيم لهم بغير شكّ و شبهة و لا مدح في الإرادة المجرّدة. فثبت الوجه الثّاني، و في ثبوته ثبوت عصمة المعنيّين بالآية عن جميع القبائح. و قد علمنا أنّ ما عدا من ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته، فثبت أنّ الآية مختصة لهم لبطلان تعلّقها بغيرهم.

و متى قيل: إنّ صدر الآية و ما بعدها في الأزواج.

فالقول فيه: إنّ هذا لا ينكر من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، فإنّهم يذهبون من خطاب إلى غيره و يعودون إليه. و القرآن من ذلك مملوء، و كذلك كلام العرب و أشعارهم.

وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى‏ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ:

قيل‏ (1): معناه: و اشكرن اللَّه- جلّ و علا- إذا صيّركنّ في بيوت يتلى فيها القرآن و السّنّة.

و قيل‏ (2): احفظن ذلك و ليكن منكنّ على بال أبدا، ليعملن بموجبه. و هذا حثّ لهنّ على حفظ القرآن و الأخبار و مذاكرتهنّ بها.

إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34): يعلم و يدّبر ما يصلح في الدّين، و لذلك خيّركنّ و وعظكنّ. أو يعلم من يصلح لنبوّته، و من يصلح أن يكون أهل بيته.

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ‏: الدّاخلين في السّلم، المنقادين لحكم اللَّه في القول و العمل.

وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏: و المصدّقين و المصدّقات، بما يجب أن يصدّق به.

وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ‏: المداومين على الطّاعة.

وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ‏: في القول و العمل.

وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ‏: على الطّاعة و عن المعاصي.

وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ‏: المتواضعين للَّه بقلوبهم و جوارحهم.

وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ‏: بما وجب في مالهم.

وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ‏: الصّوم المفروض.

وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ‏: عن الحرام.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 357.

(2) نفس المصدر و الموضع.

387

وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ‏: بقلوبهم و ألسنتهم.

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً: لما اقترفوا من الصّغائر، لأنّهنّ مكفرات. وَ أَجْراً عَظِيماً (35): على طاعتهم. و الآية و عدلهنّ و لأمثالهنّ على الطّاعة و التّدرعّ بهذه الخصال.

قال البيضاويّ‏ (1): روي أنّ أزواج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قلن: يا رسول اللَّه، ذكر اللَّه الرّجال في القرآن بخير فما فينا خير نذكر به، فنزلت.

و قيل‏ (2): لمّا نزل فيهنّ ما نزّل اللَّه، قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شي‏ء، فنزلت.

و عطف الإناث على الذّكور، لاختلاف الجنسين و هو ضروريّ. و عطف الزّوجين على الزّوجين، لتغاير الوصفين فليس بضروري. و لذلك ترك في قوله، مسلمات مؤمنات، و فائدته الدّلالة على أنّ إعداد المعدّ لهم للجمع بين هذه الصّفات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): ثمّ عطف على نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى‏ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً. ثمّ عطف على آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- فقال- جلّ ذكره-: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏ إلى قوله: وَ أَجْراً عَظِيماً.

و في مجمع البيان‏ (4): قال مقاتل بن حيّان: لمّا رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، دخلت على نساء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقالت: هل نزل فينا شي‏ء من القرآن؟

قلن: لا.

فأتت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقالت: يا رسول اللَّه، إنّ النّساء لفي خيبة و خسار.

فقال: و ممّ ذلك؟

قالت: لأنهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرّجال. فأنزل اللَّه- تعالى- هذه الآية.

قال البلخيّ‏ (5): فسّر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المسلم و المؤمن بقوله:

المسلم، من سلم المسلمون من لسانه و يده. و المؤمن، من أمن جاره بوائقه. و ما آمن بي من‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 246.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 194.

(4) مجمع البيان 4/ 357- 358.

(5) نفس المصدر 4/ 358.

388

بات شبعانا و جاره طاو.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، و لا يشاركه الإسلام. إنّ الإيمان ما وقر في القلوب، و الإسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدّماء. و الإيمان يشرك الإسلام، و الإسلام لا يشرك الإيمان.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (2)، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّهما أفضل الإيمان أو الإسلام؟

فإنّ من قبلنا يقولون: إنّ الإسلام أفضل من الإيمان.

فقال: الإيمان أرفع من الإسلام.

قلت: فأوجدني ذلك.

قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمّدا؟

قلت: يضرب ضربا شديدا.

قال: أصبت. قال: فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمّدا؟

قلت: يقتل.

قال: أصبت. ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد، و أنّ الكعبة تشرك المسجد و المسجد لا يشرك الكعبة. و كذلك الإيمان يشرك الإسلام، و الإسلام لا يشرك الإيمان.

عليّ بن إبراهيم، عن العبّاس بن معروف‏ (3)، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحمن‏ (4) القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين‏ (5) إلى أبي جعفر- (عليه السلام)(6)- أسأله عن الإيمان ما هو؟

فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعين: سألت- رحمك اللَّه- عن الإيمان. و الإيمان، هو الإقرار باللّسان و عقد في القلب و عمل بالأركان. و الإيمان بعضه من بعض. و هو دار، و كذلك الإسلام دار و الكفر دار. فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا، و لا يكون مؤمنا حتّى يكون مسلما. فالإسلام قبل الإيمان.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) الكافي 2/ 26، ح 3.

(2) نفس المصدر 2/ 26، ح 4.

(3) نفس المصدر 2/ 27، صدر حديث 1.

(4) ن و المصدر: عبد الرحيم.

(5) أ: عبد اللَّه بن أعين.

(6) المصدر: أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

389

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن محمّد بن خالد البرقيّ و الحسين بن سعيد جميعا، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن محمّد بن مروان، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من قرأ عشر آيات في ليلة، لم يكتب من الغافلين. و من قرأ خمسين آية، كتب من الذّاكرين.

و من قرأ مائة آية، كتب [من القانتين. و من قرأ مائتي آية، كتب من الخاشعين.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (2)، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن يريد بن معاوية العجليّ قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ الصّواعق لا تصيب ذاكرا.

قال: قلت: و ما الذّاكر؟

قال: من قرأ مائة آية.] (3)

و في مجمع البيان‏ (4): و روى أبو سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إذا أيقظ الرّجل أهله من اللّيل و توضّئا و صلّيا، كتبا من الذّاكرين اللَّه كثيرا و الذّاكرات.

و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(5)- أنّه قال: من بات على تسبيح فاطمة، كان من الذّاكرين اللَّه كثيرا و الذّاكرات.

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ: ما صحّ له.

إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً، أي: قضى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و ذكر اللَّه، لتعظيم أمره، و الإشعار بأنّ قضاء اللَّه. لأنّه نزل في زينب بنت جحش بنت عمّته أميمة بنت عبد المطّلب، خطبها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لزيد بن حارثة فأبت هي و أخوها عبد اللَّه‏ (6).

و قيل‏ (7): في أمّ كلثوم بنت عقبة، وهبت نفسها للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-

____________

(1) نفس المصدر 2/ 612، صدر حديث 5.

(2) نفس المصدر 2/ 500، ح 2.

(3) ليس في أ.

(4) مجمع البيان 4/ 358.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 246.

(7) نفس المصدر و الموضع.

390

فزوّجها من زيد.

أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏: أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار اللَّه و رسوله.

و «الخيرة» ما يتخيّر. و جمع الضمير الأوّل «لمؤمن» و «مؤمنة» من حيث أنّهما في سياق النفي. و جمع الثّاني، للتّعظيم.

و قرأ الكوفيّون و هشام: «يكون» بالياء (1).

و في أصول الكافي‏ (2): أبو محمد القاسم بن العلاء رفعه، عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا مع الرّضا- (عليه السلام)- بمرو، فاجتمعنا في الجامع [يوم الجمعة] (3) في بدء مقدمنا، فأداروا أمر الإمامة و ذكروا كثرة اختلاف النّاس فيها. فدخلت على سيّدي- (عليه السلام)- فأعلمته خوض النّاس فيه.

فتبسّم- (عليه السلام)- ثمّ قال: يا عبد العزيز، جهل القوم و خدعوا عن أديانهم‏ (4). إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لم يقبض نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتّى أكمل له الدّين، إلى قوله- (عليه السلام)-: و لقد راموا صعبا، و قالوا إفكا، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ‏ (5). رغبوا عن اختيار اللَّه و اختيار رسوله‏ (6) إلى اختيارهم، و القرآن يناديهم‏ (7) وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [من أمرهم‏] (8) سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏. و قال- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏

و في كتاب التّوحيد (9)، بإسناد إلى الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لرجل‏ إن كنت لا تطيع خالقك، فلا تأكل رزقه. و إن كنت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 246. و فيه ضبط «يكون» في الآية بالتاء.

(2) الكافي 1/ 198- 199 و 201، ضمن حديث 1.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: آرائهم.

(5) العنكبوت/ 38.

(6) المصدر: اختيار رسول اللَّه و أهل بيته.

(7) القصص/ 64.

(8) ليس في المصدر.

(9) التوحيد/ 372، ح 13.

391

واليت عدوّه، فاخرج من ملكه. و إن كنت غير قانع بقضائه‏ (1) و قدره، فاطلب ربّا سواه.

و بإسناده إلى الحسين بن خالد (2)، عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: قال اللَّه- جلّ جلاله-: من لم يرض بقضائي و لم يؤمن بقدري، فليلتمس إلها غيري.

و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: في كلّ قضاء اللَّه عزّ و جلّ- خيرة (3) للمؤمن.

و بإسناده إلى سليمان بن خالد (4)، عن أبي عبد اللَّه الصّادق، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: ضحك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذات يوم حتّى بدت نواجذه. ثمّ قال: ألا تسألوني ممّا ضحكت؟

قالوا: بلى، يا رسول اللَّه.

قال: عجبت للمرء المسلم، أنّه ليس من قضاء يقضيه اللَّه إلّا كان خيرا له في عاقبة أمره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ و ذلك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خطب على زيد بن حارثة زينب بنت جحش الأسديّة، من بني أسد بن خزيمة، و هي بنت عمّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقالت: يا رسول اللَّه، حتّى أؤامر نفسي فأنظر.

فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ (الآية).

فقالت: يا رسول اللَّه، أمري بيدك.

فزوّجها إيّاه. فمكثت عند زيد ما شاء اللَّه، ثمّ أنّهما تشاجرا في شي‏ء إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فنظر إليها النّبيّ فأعجبته.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: برضاه.

(2) نفس المصدر/ 371، ح 11.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ: خير.

(4) نفس المصدر/ 401، ح 5. و في ن: و بإسناده إلى سعد بن خالد.

(5) تفسير القمي 2/ 194.

392

فقال زيد: يا رسول اللَّه، تأذن لي في طلاقها؟ فإنّ فيها كبرا و إنّها تؤذيني بلسانها.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اتّق اللَّه و أمسك عليك زوجك و أحسن إليها.

ثمّ أنّ زيدا طلّقها و انقضت عدّتها، فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- نكاحها على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها (1).

و روي‏ (2) فيه- أيضا- غير هذا، و قد نقلناه عند قوله- تعالى-: وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏ في أوّل هذه السّورة.

و فيه- أيضا (3)- حديث طويل، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول فيه‏ و قد ذكر ما رأى ليلة أسري به: دخلت الجنّة فإذا على حافّيتها بيوتي و بيوت أزواجي، و إذا ترابها كالمسك، و إذا جارية تنغمس في أنهار الجنّة.

فقلت: لمن أنت، يا جارية؟

فقالت: لزيد بن حارثة.

فبشّرته. بها حين أصبحت.

وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (36): بيّن الانحراف عن الصّواب.

وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏: بتوفيقه للإسلام.

وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏: بما وفّقك اللَّه فيه، و هو زيد بن حارثة.

أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏: زينب.

و ذلك أنّه‏ (4)- (عليه السلام)- كان شديد الحبّ لزيد، و كان إذا أبطأ عليه [زيد] (5) أتى منزله يسأله‏ (6). فأبطأ عليه يوما، فأتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منزله، فإذا زينب جالسة في وسط حجرتها تسحق طيبا [بفهر لها.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م:

و لا منافاة بينهما لاحتمال رؤية النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- زينب مرّتين، مرّة في بينها و مرّة عند التشاجر. جعفر عند سحق العطر.

(2) نفس المصدر 2/ 194.

(3) نفس المصدر 2/ 10- 11.

(4) المصدر: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

(5) من المصدر.

(6) فيسأل عنه.

393

قال‏] (1) فدفع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الباب. فلما نظر إليها، قال:

سبحان اللَّه خالق النّور، تبارك اللَّه أحسن الخالقين. و رجع. فجاء زيد، فأخبرته زينب بما كان.

فقال لها: لعلّك وقعت في قلب رسول اللَّه، فهل لك أن أطلّقك حتّى يتزوّجك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

فقالت: أخشى أن تطلّقني و لا يتزوّجني.

فجاء زيد إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، بتمام القّصة، فنزلت الآية (2).

فقال له: أمسك عليك زوجك.

وَ اتَّقِ اللَّهَ‏: في أمرها، فلا تطلّقها.

وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ‏:

قيل‏ (3): و هو نكاحها إن طلّقها.

وَ تَخْشَى النَّاسَ‏: تعبيرهم إيّاك به.

وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏: إن كان فيه ما يخشى. و الواو، للحال.

فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً: حاجة. بحيث ملّها و لم يبق له فيها حاجة، و طلّقها و انقضت عدّتها زَوَّجْناكَها:

و قيل‏ (4): قضاء الوطر، كناية عن الطّلاق، مثل: لا حاجة لي فيك.

و قرئ: «زوّجتكها». و المعنى أنّه أمر بتزويجها منه. أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد (5).

لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً: علّة للتّزويج.

وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ‏: أمره الّذي يريده.

مَفْعُولًا (37): مكونا لا محالة.

____________

(1) من المصدر.

(2) مجمع البيان 4/ 359، نقلا عن القمي.

(3) أنوار التنزيل 2/ 246.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

394

و في عيون الأخبار (1)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون مع أصحاب الملل و المقالات، و ما أجاب به عليّ بن الجهم في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أمّا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏ فإنّ اللَّه- تعالى- عرّف نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أسماء أزواجه في دار الدّنيا و أسماء أزواجه في الآخرة، و أنّهنّ أمّهات المؤمنين. و إحداهنّ سمّى له زينب بنت جحش، و هي يومئذ تحت زيد بن حارثة. فأخفى- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- اسمها في نفسه و لم يبده، لكي لا يقول أحد من المنافقين: إنّه قال في امرأة في بيت رجل: إنّها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين. و خشي قول المنافقين. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏، يعني: في نفسك. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلّا تزويج حوّاء من آدم، و زينب من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بقوله- عزّ و جلّ-: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها و فاطمة من عليّ- (عليه السلام)-.

قال: فبكى عليّ بن محمّد بن جهم، و قال: يا ابن رسول اللَّه، أنا تائب إلى اللَّه- تعالى- من أن أنطق في أنبياء اللَّه- (عليهم السلام)- بعد يومي هذا إلّا بما ذكرته.

و فيه‏ (2)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)- حديث طويل. و فيه‏ يقول المأمون للرّضا- (عليه السلام)- فأخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ‏ (3) (4) زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏ قال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده. فرأى امرأته تغسل، فقال لها: سبحان الّذي خلقك. و إنّما أراد بذلك تنزيه اللَّه- تعالى- عن قول من زعم: أنّ الملائكة بنات اللَّه. فقال اللَّه- عزّ و جلّ- (5): أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا رآها تغتسل: سبحان اللَّه الّذي خلقك‏

____________

(1) عيون الأخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 194- 195.

(2) نفس المصدر 1/ 203- 204، في حديث طويل.

3، 4 ليس في المصدر.

(5) الاسراء/ 40.

395

أن يتّخذ ولدا يحتاج إلى هذا التّطهير و الاغتسال.

فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجي‏ء الرّسول- (عليه السلام)- و قوله لها:

سبحان اللَّه الّذي خلقك. فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، و ظنّ‏ (1) أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها. فجاء إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: يا رسول اللَّه، إنّ امرأتي في خلقها سوء و إني أريد طلاقها.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ [وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ‏] (2) و قد كان اللَّه- عزّ و جلّ- عرّفه عدد أزواجه، و أنّ تلك المرأة منهنّ. فأخفى ذلك في نفسه و لم يبده لزيد، و خشي النّاس أن يقولوا: إنّ محمّدا يقول لمولاه: إنّ امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه [بذلك. فأنزل اللَّه- تعالى- وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏، يعني:

بالإسلام‏ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏، يعني: بالعتق‏ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏] (3) وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏.

ثمّ أنّ زيد بن حارثة طلّقها و اعتدّت منه، فزوّجها اللَّه- تعالى- من نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أنزل بذلك قرآنا فقال- عزّ و جلّ-: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.

ثمّ علم- عزّ و جلّ- أنّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها، فأنزل [اللَّه- تعالى-] (4) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏ فقال المأمون: لقد شفيت صدري، يا ابن رسول اللَّه، و أوضحت لي ما كان ملتبسا (5) عليّ فجزاك اللَّه عن أنبيائه و عن الإسلام خيرا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)‏- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: ثمّ خاطبه في‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: فظنّ له.

(2) ليس في المصدر. و لكن أشار في الهامش إلى أنّه في نسخة بدل: و تخفي نفسك.

(3) ليس في أ.

(4) من المصدر.

(5) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

متلبّسا.

(6) الاحتجاج 1/ 366 و 367 و 383.

396

أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب، من الإزراء و انخفاض‏ (1) محلّه‏ (2) و غير ذلك من تهجينه و تأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء، مثل‏ (3): قوله: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏: و الّذي بدا في الكتاب من الإزراء على النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من فرية (4) الملحدين. و هنا كلام طويل يطلب عند قوله- تعالى‏ (5)-: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.

و في مجمع البيان‏ (6): وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ‏.

قيل:

إنّ الّذي أخفاه‏ (7) في نفسه هو أن اللَّه- سبحانه- أعلمه أنّها ستكون من زواجه و أنّ زيدا سيطلّقها.

فلمّا جاء زيد و قال له: أريد أن أطلّق زينب.

قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏.

فقال- سبحانه-: لم قلت: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏؟ و قد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجك. و روي ذلك عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-.

و روى ثابت‏ (8)، عن أنس بن مالك قال: لمّا انقضت عدّة زينب، قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لزيد: اذهب فاذكرها عليّ.

قال زيد [: فانطلقت، فقلت: يا زينب، أبشري، قد أرسلني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بذكرك و نزل القرآن.

و جاء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فدخل عليها بغير إذن، لقوله:

زَوَّجْناكَها.

و في رواية أخرى‏ (9)، قال زيد:] (10) فانطلقت، فإذا هي تخمر عجينها. فلمّا رأيتها عظمت، في نفسي حتّى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذكرها. فولّيتها ظهري و قلت: يا زينب، أبشري، إنّ رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

(1) المصدر: انقاص.

(2) م: و انخفاظ محمله.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: من.

(4) المصدر: فرقة.

(5) فصّلت/ 40.

(6) مجمع البيان 4/ 360.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أخفى.

(8) نفس المصدر 4/ 361.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) ليس في ن.

397

و آله و سلم- يخطبك.

ففرحت بذلك و قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي. فقامت إلى مسجدها و نزل‏ زَوَّجْناكَها. فتزوّجها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و دخل بها.

و في جوامع الجامع‏ (1): و قرأ (2) أهل البيت- (عليهم السلام)-: زوجتكها.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: ما قرأتها على أبي إلّا كذلك- إلى أن قال-: و ما قرأها (3) عليّ- (عليه السلام)- على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلّا كذلك.

و روي‏ (4): أنّ زينب كانت تقول للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّي لأدلّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدلّ بهنّ: جدّي و جدّك واحد، و زوّجنيك اللَّه، و السّفير جبرائيل- (عليه السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (5): و تزوّج خديجة و هو ابن بضع و عشرين سنة، فولد له منها قبل مبعثه- (عليه السلام)- القاسم، و رقيّة، و زينب، و أمّ كلثوم. و ولد له بعد المبعث، الطّيبّ، و الطّاهر، و فاطمة- (عليها السلام)-.

ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏: قسم له و قدّر. من قولهم:

فرض له في الدّيوان. و منه، فروض العسكر لأرزاقهم.

سُنَّةَ اللَّهِ‏: سنّ ذلك سنّة.

فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ‏: من الأنبياء. و هو نفي الحرج عنهم فيما أباح لهم.

وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً: (38) قضاء مقضيّا، و حكما مبتوتا.

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ‏: صفة «الّذين خلوا». أو مدح لهم منصوب، أو مرفوع.

و قرئ: رسالة اللَّه‏ (6).

وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ‏: إلّا منه.

____________

(1) جوامع الجامع/ 373.

(2) المصدر: قراءة.

(3) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر: قرأ.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 1/ 439، ضمن باب مولد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و وفاته. و فيه، بعد هذا الكلام: و روي أيضا، أنّه لم يولد بعد المبعث إلّا فاطمة- (عليها السلام)- و أنّ الطيّب و الطّاهر ولدا قبل مبعثه.

(6) أنوار التنزيل 2/ 247.

398

وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً (39): كافيا للمخاوف، أو محاسبا. فينبغي أن لا يخشى إلّا منه.

ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ‏: على الحقيقة. فيثبت بينه و بينه ما بين الوالد و الوالد من حرمة المصاهرة و غيرها. و لا ينتقض عمومه بكونه أبا للطّاهر (1) و الطّيّب و القاسم و إبراهيم‏ (2). لأنّهم لم يبلغوا مبلغ الرّجال، و لو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم.

و المراد مِنْ رِجالِكُمْ‏ الّذين لم يلدهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصلا بآخر ما نقلناه عنه، أعني: قوله: زَوَّجْناكَها.

و في قوله- عزّ و جلّ-: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ‏ فإنّ هذه الآية نزلت في شأن زيد بن حارثة، قالت قريش: يعيّرنا محمّد يدّعي بعضنا بعضا، و قد ادّعى هو زيدا.

وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ‏: و كلّ رسول أبو أمّته لا مطلقا، بل من حيث أنّه شفيق ناصح لهم واجب التوّقير و الطّاعة عليهم، و زيد منهم ليس بينه و بينه ولادة.

و قرئ: «رسول اللَّه» بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف. «و لكنّ» بالتّشديد، على حذف الخبر، أي: و لكن رسول اللَّه أب من غير وراثة، إذ لم يعش له ولد ذكر (4).

وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏: و آخرهم الّذي ختمهم، أو ختموا به. على قراءة عاصم بالفتح.

و لو كان له ابن بالغ، لاق بمنصبه أن يكون نبيّا، كما

قال عليه- الصّلاة و السّلام‏- في إبراهيم حين توفّي: لو عاش لكان نبيّا (5).

و لا يقدح فيه نزول عيسى بعده، لأنّه إذا نزل كان على دينه مع أنّه المراد أنّه آخر من نبئ.

وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (40): فيعلم من يليق بأن يختم به النّبوّة، و كيف ينبغي شأنه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: لمّا مات إبراهيم بن رسول‏

____________

(1) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: «للمطهّر» و هكذا في مجمع البيان 4/ 361.

(2) يوجد في هامش نسخة م: و كان إبراهيم من مارية القبطيّة عما يأتي عند تفسير و كان عند اللَّه عظيما. (جعفر)

(3) تفسير القمي 2/ 194.

(4) أنوار التنزيل 2/ 247.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 113، ح 526.

399

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: حزنا عليك، يا إبراهيم، و إنّا لصابرون، يحزن القلب و تدمع العين و لا نقول ما يسخط الرّبّ.

و في مجمع البيان‏ (1): و قد صحّ أنّه قال للحسن: إنّ ابني هذا سيّد.

و قال- أيضا (2)- للحسن و الحسين- (عليهما السلام)-: ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا.

و قال- (عليه السلام)-: إنّ كلّ بني بنت ينسبون إلى أبيهم، إلّا أولاد فاطمة فإنّي أنا أبوهم.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسّان، عن بعض أصحابنا قال: تقدّم أبو الحسن الأوّل- (عليه السلام)- إلى قبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: السّلام عليك، يا أبة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن أحمد بن داود، عن محمّد بن الحسن الكوفيّ‏ (4) قال: حدّثني محمّد بن عليّ بن معمّر قال: حدّثنا محمّد بن مسعدة قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عليّ بن أبي شعيب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: بينا الحسين- (عليه السلام)- قاعد في حجر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذات يوم، إذ رفع رأسه فقال: يا أبة.

قال: لبّيك، يا بنيّ.

قال ما لمن أتاك بعد وفاتك زائرا لا يريد إلّا زيارتك؟

فقال: يا بنيّ، من أتاني بعد وفاتي زائرا لا يريد إلّا زيارتي فله الجنّة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 361. و يوجد في هامش نسخة م:

سمعت قروة المحدثين و المجتهدين مولانا محمّد باقر المجلسيّ- (رحمه اللّه)- أن قول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا* * * بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعدا

ليس من كلام العرب الفصيح.

أقول: و بعد التسليم- يستثنى منه أولاد فاطمة- (عليهما السلام)- يحدث أبيهم- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. (جعفر)

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تهذيب الأحكام 6/ 6- 7، ح 10، بتغيير في بعض اللفظ.

(4) نفس المصدر 6/ 21، ح 48.

400

و في كتاب المناقب‏ (1)، لابن شهر آشوب، عن أنس في حديث طويل: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: أنا خاتم الأنبياء و أنت، يا عليّ، خاتم الأولياء.

و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (2): ختم محمّد ألف بنيّ، و إنيّ ختمت ألف وصيّ.

و إنّي كلّفت ما لم يكلّفوا.

و في روضة الكافي‏ (3)، بإسناده إلى عليّ بن عيسى رفعه قال: إنّ موسى ناجاه اللَّه- تبارك و تعالى- فقال له في مناجاته [: يا موسى،] (4) لا تطوّل‏ (5) في الدّنيا أملك- إلى قوله في وصيّته له بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا موسى، إنّه أمّيّ. و هو عبد صدق.

يبارك له فيما وضع يده عليه، و يبارك عليه كذلك. كان في علمي، و كذلك خلقته. به أفتح السّاعة، و بأمّته أختم مفاتيح الدّنيا.

و في عوالي الّلئالي‏ (6): و قال- (عليه السلام)-: أنا أوّل الأنبياء خلقا و آخرهم بعثا.

و في مجمع البيان‏ (7): و صحّ الحديث، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إنّما مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها و أحسنها إلّا موضع لبنة، فكان من دخل فيها (8) فنظر اليها قال: ما أحسنها! إلّا موضع هذه اللّبنة.

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأنا موضع اللّبنة ختم بي الأنبياء. أورده البخاريّ و مسلم في صحيحيهما.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41): يغلب الأوقات، و يعمّ أنواع ما هو أهله التقديس و التّحميد و التّهليل.

وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا (42): أوّل النّهار و آخره خصوصا. و تخصيصهما بالذّكر، للدّلالة على فضلهما على سائر الأوقات لكونهما مشهودين، كإفراد التّسبيح من جملة الأذكار، لأنّه العمدة فيها.

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 3/ 261.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الكافي 8/ 42- 43، ضمن حديث 8.

(4) من المصدر.

(5) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

لا يطوّل.

(6) عوالي اللئالي 4/ 122، ح 202.

(7) مجمع البيان 4/ 362.

(8) هكذا في المصدر و م و ن. و في سائر النسخ:

دخلها.

401

و قيل‏ (1): الفعلان موجّهان إليهما.

و قيل‏ (2): المراد «بالتّسبيح» الصّلاة.

و في أصول الكافي‏ (3): عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما من شي‏ء إلّا و له حدّ ينتهي إليه، إلّا الذّكر فليس له حدّ ينتهي إليه. فرض اللَّه- عزّ و جلّ- الفرائض، فمن أدّاهنّ فهو حدّهنّ. و شهر رمضان، فمن صامه فهو حدّه. و الحجّ فمن حجّ فهو حدّه. إلّا الذّكر فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لم يرض منه بالقليل و لم يجعل له حدّا ينتهي إليه. ثمّ تلا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا فقال: لم يجعل اللَّه له حدّا ينتهي إليه.

قال: و كان [أبي‏] (4)- (عليه السلام)- كثير الذّكر. لقد كنت أمشي معه و أنّه ليذكر اللَّه، و آكل معه الطّعام و أنّه ليذكر اللَّه. و لقد كان يحدّث القوم ما يشغله ذلك عن ذكر اللَّه.

و كنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول: لا إله إلّا اللَّه. و كان يجمعنا فيأمرنا (5) بالذّكر حتّى تطلع الشّمس، و يأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، و من كان لا يقرأ منّا أمره بالذّكر. و البيت الّذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللَّه- عزّ و جلّ- فيه، تكثر بركته، و تحضره الملائكة، و تهجره الشّياطين، و يضي‏ء لأهل السّماء، كما يضي‏ء الكوكب‏ (6) الدّرّيّ لأهل الأرض. و البيت الّذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر اللَّه فيه، تقلّ بركته، و تهجره الملائكة، و تهجره الشّياطين.

و قد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(7)- ألا أخبركم بخير أعمالكم، أرفعها في درجاتكم، و أزكاها عند مليككم، و خير لكم من الدّينار و الدّرهم، و خير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتقتلوهم يقتلوكم؟

فقالوا: بلى.

قال: ذكر اللَّه- عزّ و جلّ- كثيرا.

ثمّ قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: من خير أهل المسجد؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 247.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الكافي 2/ 498- 499، ح 1.

(4) من المصدر. و في م و أ و س و ن: أبي عبد اللَّه.

(5) هكذا في المصدر. و في ن: «و يأمرنا». و في سائر النسخ: فيه يأمرنا.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: الكواكب.

(7) نفس المصدر و الموضع.

402

فقال: أكثرهم للَّه ذكرا.

و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من أعطي لسانا ذاكرا، فقد أعطي خير الدّنيا و الآخرة.

و قال في قوله- تعالى‏ (1)-: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.

قال: لا تستكثر ما عملت من خير للَّه.

حميد بن زياد، عن ابن سماعة (2)، عن وهيّب‏ (3) بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: شيعتنا، الّذين إذا خلوا ذكروا اللَّه كثيرا.

الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد (4)، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من أكثر ذكر اللَّه- عزّ و جلّ- أحبّه اللَّه. و من ذكر [اللَّه‏] (5) كثيرا، كتبت له براءتان، براءة من النّار و براءة من النّفاق.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (6)، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن أبي بكر (7)، عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: تسبيح فاطمة الزّهراء- (عليها السلام)- من الذّكر الكثير، الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ-:

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً.

عنه‏ (8)، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي أسامة زيد الشّحّام و منصور بن حارم و سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [مثله.

الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن داود الحمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (9) قال: من أكثر ذكر اللَّه- عزّ و جلّ- أظلّه اللَّه في جنّته.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (10)، عن إسماعيل بن مهران، عن‏

____________

(1) المدّثّر/ 6.

(2) نفس المصدر 2/ 499، ح 2.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: وهب. ر.

تنقيح المقال 3/ 281، رقم 12698.

(4) نفس المصدر 2/ 499- 500، ح 3.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 2/ 500، ح 4.

(7) جميع النسخ سوى الأصل: أبي بكير.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر 2/ 501، ح 2.

403

سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو، عن أبي المغرا الخصّاف رفعه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من ذكر اللَّه- عزّ و جلّ- في السّر، فقد ذكر اللَّه كثيرا. إنّ المنافقين كانوا يذكرون اللَّه علانية و لا يذكرونه في السّرّ، فقال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (1)-: يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.

و في قرب الإسناد (2) للحميريّ، بإسناده إلى عبد اللَّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- [عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-:] (3) اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً قال:

قلت: ما أدنى‏ (4) الذّكر؟

فقال: التّسبيح في دبر كلّ صلاة [ثلاثا و] (5) ثلاثين مرّة.

و في مجمع البيان‏ (6): اختلف في معنى الذّكر الكثير. قيل: هو أن تقول: سبحان اللَّه، و الحمد للَّه، و لا إله إلّا اللَّه، و اللَّه أكبر على كلّ حال.

فقد ورد عن أئمّتنا- (عليهم السلام)- أنّهم قالوا: من قالها ثلاثين مرّة، فقد ذكر اللَّه ذكرا كثيرا.

و روى الواحديّ‏ (7)، بإسناده، عن الضّحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس قال: جاء جبرائيل- (عليه السلام)- إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: يا محمّد، قل: سبحان اللَّه، و الحمد للَّه، و لا إله إلّا اللَّه، و اللَّه أكبر، و لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم، عدد ما علم، وزنة [ما علم،] (8) و مل‏ء ما علم. فإنّه من قالها كتب اللَّه له بها ستّ خصال، كتب من الذّاكرين اللَّه كثيرا، و كان أفضل من ذكره بالّليل و النّهار، و كنّ له غرسا في الجنّة، و تحاتّت‏ (9) عنه الخطايا يا كما تحاتّ‏ (10) ورق الشّجرة اليابسة، و ينظر [اللَّه‏] (11) إليه، و من نظر [اللَّه‏] (12) إليه لم يعذّبه.

و في تهذيب الأحكام‏ (13): الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن بكير (14) قال: قلت‏

____________

(1) النساء/ 142.

(2) قرب الاسناد/ 79.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: أوفى (أدنى خ. ل.)

(5) ليس في المصدر.

(6) مجمع البيان 4/ 362. و القول الأوّل نقل فيه عن مقاتل.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: تحاطت.

و حتّى الورق عن الشّجر: سقط. و تحاتّت عنه الخطايا: سقطت.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: تحاط.

11 و 12 من المصدر.

(13) تهذيب الأحكام 2/ 107، ح 405.

(14) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أبي بكير»

404

لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ما ذا الذّكر الكثير؟

قال: أن يسبّح في دبر المكتوبة ثلاثين مرّة.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن زيد الشّحّام قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما ابتلي المؤمن بشي‏ء أشدّ عليه من ثلاث خصال يحرمها.

قيل: و ما هي‏ (2)؟

قال: المواساة في ذات يده باللَّه، و الإنصاف من نفسه، و ذكر اللَّه كثيرا. أما إنّي لا أقول لكم: سبحان اللَّه، و الحمد للَّه، و لا إله إلّا اللَّه، و اللَّه أكبر. و لكن ذكر اللَّه عند ما أحلّ له، و ذكر اللَّه عند ما حرّم عليه.

عن عبد اللَّه بن أبي يعفور (3) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ثلاث لا يطيقهنّ النّاس، الصّفح عن النّاس، و مواساة الأخ أخاه في ماله، و ذكر اللَّه كثيرا.

و في شرح الآيات الباهرة (4): أحمد بن هوذة الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللَّه بن حمّاد، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: تسبيح فاطمة- (عليها السلام)- من ذكر اللَّه الكثير، الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ-:

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً.

و قال- أيضا (5)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إسماعيل بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قوله- عزّ و جلّ-: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ما حدّة؟

قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- علّم فاطمة- (عليها السلام)- أن تكبّر أربعا و ثلاثين تكبيرة، و تسبّح ثلاثا و ثلاثين تسبيحة، و تحمّد (6) ثلاثا و ثلاثين تحميدة.

فإذا فعلت ذلك باللّيل مرّة و بالنّهار مرّة، فقد ذكرت اللَّه كثيرا.

____________

و هي خطأ. ر. تنقيح المقال، ج 3، فصل الكنى، ص 42.

(1) الخصال/ 128، ح 130.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر: هنّ.

(3) نفس المصدر/ 133، ح 142.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 162.

و فيه: قال- أيضا [، أي: محمد بن العباس‏]-:

حدّثنا ...

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر و م: تحمده.

405

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ‏: بالرّحمة.

وَ مَلائِكَتُهُ‏: بالاستغفار لكم و الاهتمام بما يصلحكم.

و المراد بالصّلاة المشترك، هو العناية بصلاح أمركم و ظهور شرفكم. مستعار، من الصّلو.

و قيل‏ (1): التّرحّم و الانعطاف المعنويّ مأخوذ من الصّلاة المشتملة على الانعطاف الصّوريّ، الّذي هو الرّكوع و السّجود. و استغفار الملائكة و دعاؤهم للمؤمنين، ترحّم عليهم.

سيما و هو سبب للرّحمة، من حيث أنّهم مجابو الدّعوة.

لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ: من ظلمات الجهل و المعصيته إلى نور الإيمان و الطّاعة.

وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43): حيث اعتنى بصلاح أمرهم و إنافة قدرهم.

و استعمل في ذلك ملائكته المقرّبين.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن يعقوب بن عبد اللَّه، عن إسحاق بن فروخ، مولى آل طلحة قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا إسحاق بن فرّوخ، من صلّى على محمّد و آل محمّد عشرا صلّى اللَّه عليه و ملائكته [مائة مرّة.

و من يصلّي على محمّد و آل محمّد مائة مرّة صلّى اللَّه عليه و ملائكته‏] (3) ألفا. أما تسمع قوله- عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً.

و في مجمع البيان‏ (4): في مسند السّيّد أبي طالب الهرويّ مرفوعا إلى أبي أيّوب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: قال صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري و غيره.

تَحِيَّتُهُمْ‏: من إضافة المصدر إلى المفعول: أبي يحيّون.

يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ‏: يوم لقائه عند الموت و الخروج عن القبر. أو دخول الجنّة.

سَلامٌ‏: إخبار بالسّلامة عن كلّ مكروه و آفة.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 247.

(2) الكافي 2/ 493- 494، ح 14.

(3) ليس في م و أو س و ن.

(4) لم نعثر عليه في مجمع البيان. و لكن في تفسير نور الثقلين 4/ 287- 288، ح 159 و 4/ 302، ح 223، عنه.

406

وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44): هي الجنّة. و لعلّ اختلاف النّظم، لمحافظة الفواصل و المبالغة فيما هو أهمّ.

و في كتاب التّوحيد (1)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات-: و اللّقاء، هو البعث. فافهم جميع ما في كتاب اللَّه من لقائه، فإنّه يعني بذلك: البعث. و كذلك قوله: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ‏، يعني: أنّه لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً: على من بعثت إليهم، بتصديقهم و تكذيبهم و نجاتهم و ضلالهم. و هو حال مقدّرة.

وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (45) وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ‏: بالإقرار (2) به، و بتوحيده، و ما يجب الإيمان به من صفاته.

بِإِذْنِهِ‏: بتيسيره. و أطلق له، من حيث أنّه من أسبابه. و قيّد به الدّعوة، إيذانا بأنّه أمر صعب لا يتأتّى إلّا بمعونة من جناب قدسه.

وَ سِراجاً مُنِيراً (46): يستضاء به عن ظلمات الجهالة، و يقتبس من نوره أنوار البصائر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3) بإسناده إلى الحسن بن عبد اللَّه، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)- قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فسأله أعلمهم فيما سأله فقال: لأيّ شي‏ء سمّيت محمّدا و أحمد و أبا القاسم و بشيرا و نذيرا و داعيا؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أمّا الدّاعي، فإنّي أدعو النّاس إلى دين ربّي- عزّ و جلّ-. و أمّا النّذير، فإنّي أنذر بالنّار من عصاني. و أمّا البشير، فإنّي أبشّر بالجنّة من أطاعني.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً إلى قوله- تعالى-:

____________

(1) التوحيد/ 267.

(2) س و أ: إقرارا.

م، ن: إلى الإقرار.

(3) علل الشرائع 127، ذيل حديث 1.

(4) تفسير القمي 2/ 194- 195.

407

وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا. فإنّها نزلت بمكّة قبل الهجرة بخمس سنين. فهذا دليل على خلاف التّأليف.

وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (47): على سائر الأمم، أو على أجر أعمالهم. و لعلّه معطوف على محذوف، مثل: فراقب أحوال أمّتك.

وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ‏: تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم.

وَ دَعْ أَذاهُمْ‏: إيذائهم إيّاك، و لا تحتفل به. أو إيذائك إيّاهم بمجازاة أو مؤاخذة على كفرهم و لذلك قيل‏ (1): إنّه منسوخ.

وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏: فإنّه يكفيكهم‏ (2).

وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا (48): موكلا إليه الأمر في الأحوال كلّها.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ‏: تجامعوهنّ.

فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ: أيّام يتربّصن فيها بأنفسهنّ.

تَعْتَدُّونَها: تستوفون عددها. [من عددت الدّراهم،] (3) [فاعتدّها، كقوله: كلته، فأكتاله. أو تعدّونها. و الإسناد إلى الرّجال، للدّلالة] (4) على أنّ العدّة حقّ الأزواج، كما أشعر به «فما لكم».

و عن ابن كثير (5) «تعتدونها» مخفّفا. على إبدال الدّالين بالتّاء، أو على أنّه من الاعتداء، بمعنى: تعتدون فيها. و هو يقتضي عدم وجوب العدّة بمجرد الخلوة، و تخصيص المؤمنات. و الحكم عامّ، للتّنبيه على أنّ من شأن المؤمن أن لا ينكح إلّا مؤمنة و أنّ يتخيّر النّطفة.

فَمَتِّعُوهُنَ‏: إن لم يكن مفروضا لها. فإنّ الواجب للمفروض لها نصفه دون المتعة.

وَ سَرِّحُوهُنَ‏.

قيل‏ (6): أخرجوهنّ من منازلكم، إذ ليس لكم عليهنّ عدّة.

سَراحاً جَمِيلًا (49): من غير ضرار و لا منع حقّ.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 248.

(2) ن: يكفيك.

(3) ليس في م و س و أ.

(4) ليس في أ.

(5) أنوار التنزيل 2/ 248.

(6) نفس المصدر و الموضع.

408

و قيل‏ (1): أي: طلّقوهنّ طلاقا للسّنّة من غير ظلم عليهنّ.

و قيل‏ (2): «السّراح الجميل» هو دفع النّفقة (3). بحسب الميسرة و العسرة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و روى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- فإن‏ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَ سَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا.

قال: متعّوهنّ، أي: أجملوهنّ بما قدرتم عليه من معروف. فإنّهنّ يرجعن بكآبة و وحشة و همّ عظيم و شماتة من أعدائهنّ. فإنّ اللَّه كريم يستحي و يحبّ أهل الحياء. إنّ أكرمكم، أشدّكم إكراما لحلائلهم.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سأله أبي- و أنا حاضر- عن رجل تزوّج امرأة فأدخلت عليه فلم يمسّها و لم يصل إليها حتّى طلّقها، هل عليها عدّة منه؟

فقال: إنّما العّدة من الماء.

قيل له: فإن كان واقعها في الفرج و لم ينزل؟

فقال: إذا أدخله، وجب الغسل و المهر و العدّة.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (6)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يطلّق المرأة و قد مسّ [كلّ شي‏ء] (7) منها إلّا أنّه لم يجامعها، أ لها عدّة؟

فقال: ابتلي أبو جعفر- (عليه السلام)- بذلك. فقال له أبوه عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: إذا أغلق [بابا] (8) و أرخى سترا، وجب المهر و العدّة.

أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار (9)، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يتزوّج المرأة فيدخل بها و يغلق بابا و يرخي‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 364.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: «رفع المتعة» بدل «دفع النفقة».

(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 327، ح 1580.

(5) الكافي 6/ 109، ح 6.

(6) نفس المصدر 6/ 109- 110، ح 7. و له ذيل.

7 و 8- من المصدر.

(9) نفس المصدر 6/ 110، ح 9.

409

سترا عليها و يزعم أنّه لم يمسّها و تصدّقه هي بذلك، عليها عدّة؟

قال: لا.

قلت: فإنّه شي‏ء دون شي‏ء.

قال: إن أخرج الماء اعتدّت، يعني: إذا كانا مأمونين صدّقا.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (1) [، عن ابن محبوب،] (2) عن ابن رئاب، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: الرّجل يتزوّج المرأة فيرخي عليها و عليه السّتر و يغلق الباب ثمّ يطلّقها، فتسأل المرأة: هل أتاك؟ فتقول: ما أتاني. و يسأل هو: هل أتيتها؟ فيقول: لم آتها.

فقال: لا يصدّقان. و ذلك أنّها تريد أن تدفع العدّة عن نفسها، و يريد هو أن يدفع المهر [عن نفسه،] (3) يعني: إذا كانا متّهمين.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (4) و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير (5)، عن عبد الكريم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل إذا طلّق امرأته و لم يدخل بها.

قال: فقد بانت‏ (6) منه. و تزوّج إن شاءت من ساعتها.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (7)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا طلّق الرّجل امرأته قبل أن يدخل بها، فليس عليها عدّة تزوّج من ساعتها إن شاءت، و تبينها تطليقة واحدة. و إن كان فرض لها مهرا، فلها نصف ما فرض.

أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار (8)، و أبو العبّاس محمّد بن جعفر الرّزّاز، عن أيّوب بن نوح، و حميد بن زياد، عن ابن سماعة جميعا، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا طلّق الرّجل امرأته قبل أن يدخل بها، فقد بانت منه و تتزوّج إن شاءت من ساعتها. و إن كان فرض لها مهرا، فلها نصف المهر. و إن لم‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 8.

(2) ليس في المصدر.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر 6/ 83، ح 1.

(5) المصدر: ابن أبي نصر.

(6) المصدر: فقال: قد بانت.

(7) نفس المصدر 6/ 83- 84، ح 3.

(8) نفس المصدر 6/ 106، ح 1.

410

يكن فرض لها، فليمتّعها.

عليّ، عن أبيه‏ (1)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في رجل طلّق امرأته قبل أن يدخل بها.

قال: عليه نصف المهر إن كان فرض شيئا. و إن لم يكن فرض لها، فليمتّعها على نحو ما يمتّع مثلها من النّساء.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن رجل طلّق امرأته قبل أن يدخل بها.

قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا. و إن لم يكن فرض لها شيئا، فليمتّعها على نحو ما يمتّع به مثلها من النسّاء.

و في مجمع البيان‏ (3): فَمَتِّعُوهُنَ‏ قال ابن عبّاس: هذا إذا لم يكن سمّى لها مهرا (4).

فإذا فرض لها صداقا، فلها نصفه و لا تستحقّ المتعة. و هو المرويّ عن أئمتّنا- (عليهم السلام)-.

و الآية محمولة عندنا الّتي لم يسمّ لها مهر، فتجب لها المتعة.

عن حبيب بن ثابت‏ (5) قال: كنت قاعدا عند عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-.

فجاءه رجل فقال: إنّي قلت: يوم أتزوّج فلانة، فهي طالق.

قال: اذهب فتزوّجها. فإنّ اللَّه- تعالى- بدأ بالنّكاح قبل الطّلاق. و قرأ هذه الآية.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ‏: مهورهنّ.

لأنّ المهر أجر على البضع. و الإيتاء قد يكون بالأداء، و قد يكون بالالتزام.

و قيل‏ (6): تقييد الإحلال له بإعطائها معجّلة لا لتوقّف الحلّ عليه، بل لإيثار الأفضل له، كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبيّة بقوله: وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ‏:

فإنّ المشتراة لا يتحقّق بدء أمرها و ما جرى عليها.

و تقييد القرائب بكونها مهاجرات معه في قوله: وَ بَناتِ عَمِّكَ وَ بَناتِ عَمَّاتِكَ وَ بَناتِ خالِكَ وَ بَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ‏:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، صدر حديث 3.

(2) نفس المصدر 6/ 108، ح 11.

(3) مجمع البيان 4/ 364.

(4) المصدر: صداقا.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 249.

411

قيل‏ (1): يحتمل تقييد الحلّ بذلك في حقّه خاصّة. و يعضده قول أمّ هاني بنت أبي طالب: خطبني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاعتذرت إليه فعذرني. ثمّ أنزل اللَّه هذه الآية، فلم أحلّ له. لأنيّ لم أجاهر معه، كنت من الطّلقاء.

و في مجمع البيان‏ (2): و هذا إنّما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثمّ نسخ شرط الهجرة في التّحليل.

وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ‏: نصب بفعل فسّره ما قبله، أو طف على ما سبق.

و لا يدفعه التّقييد «بأنّ»، الّتي للاستقبال. فإنّ المعنى بالإحلال: الإعلام بالحلّ، أي: أعلمناك حلّ امرأة مؤمنة تهب لك نفسها و لا تطلب مهرا إن اتّفق، و لذلك نكّرها.

و اختلف في اتّفاق ذلك و القائل به، ذكر أربعا: ميمونة بنت الحرث، و زينب بنت خزيمة الأنصاريّة، و أمّ شريك بنت جابر، و خولة بنت حكيم.

و قال ابن عبّاس‏ (3) في أحد قوليه: إنّه لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له.

و قرئ: «أن» بالفتح، أي: لأن وهبت. [أو مدّة أن وهبت‏] (4)، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسا (5).

إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها: شرط للشّرط الأوّل في استيجاب الحلّ. فإنّ هبتها نفسها منه، لا توجب له، إلّا بإرادته نكاحها. فإنّها جارية مجرى القبول.

و العدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ «النّبيّ» مكرّرا، ثمّ الرّجوع إليه في قوله:

خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏: إيذان بأنّه ممّا خصّ به لشرف نبوّته، و تقرير (6) لاستحقاقه الكرامة لأجله.

و «لاستنكاح»: طلب النّكاح و الرّغبة فيه.

و «خالصة» مصدر مؤكّدا، أي: خلص إحلالها. أو إحلال ما أحللناك على القيود المذكورة خلوصا لك. أو حال من الضّمير في «وهبت». أو صفة لمصدر محذوف، أي: هبة خالصة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 364.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 249.

(6) جميع النسخ سوى الأصل: تحقيق.

412

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ‏ قلت: كم أحلّ له من النّساء؟ قال: ما شاء من شي‏ء.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (2)، عن ابن نجران، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ‏ قلت‏ (3): كم أحلّ له من النّساء؟

قال: ما شاء من شي‏ء.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (4)، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: قوله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ‏ فقال: لرسول اللَّه أن ينكح ما شاء من بنات عمّه و بنات عمّاته و بنات خاله و بنات خالاته و أزواجه اللّاتي هاجرن معه. أحل له أن ينكح من عرض المؤمنين بغير مهر، و هي الهبة، و لا تحلّ [الهبة] (5) إلّا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأمّا لغير رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فلا يصلح نكاح إلّا بمهر. و ذلك معنى قوله- تعالى-:

وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ‏.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (6)، عن ابن أبي نجران، عن عبد الكريم بن عمرو (7)، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ‏ كم أحلّ من النّساء؟

____________

(1) الكافي 5/ 387، صدر حديث 1.

(2) نفس المصدر 5/ 389، صدر حديث 4.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر 5/ 388، ضمن حديث 1.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 5/ 389، صدر حديث 4. و قد ذكرت قطعة منه.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: عبد الكريم بن عمر. ر. تنقيح المقال 2/ 160، رقم 6685.

413

قال: ما شاء من شي‏ء.

قلت [قوله:- عزّ و جلّ-:] (1) وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ‏ فقال: لا تحلّ الهبة إلّا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمّا لغير رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فلا يصلح نكاح إلّا بمهر.

أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار (2)، عن صفوان و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان و محمّد بن سنان جميعا، عن ابن مسكان، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن المرأة تهب نفسها للرّجل، ينكحها بغير مهر؟

فقال: إنّما كان هذا للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأمّا لغيره، فلا يصلح هذا حتّى يعوّضها شيئا يقدّم إليها قبل أن يدخل بها، قلّ أو كثر و لو ثوب أو درهم.

و قال: يجزئ الدّرهم.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (3)، عن أحمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ‏.

فقال: لا تحلّ الهبة إلّا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمّا غيره، فلا يصلح نكاح إلّا بمهر.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (4)، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لا تحلّ الهبة إلّا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و أمّا غيره، فلا يصلح نكاح إلّا بمهر.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (5)، عن بعض أصحابه، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في امرأة وهبت نفسها للرّجل أو وهبها له وليّها.

فقال له: إنّما كان ذلك لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ليس لغيره، إلّا أن يعوّضها شيئا، قلّ أو كثر.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 5/ 384، ح 1.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(5) نفس المصدر 5/ 384- 385، ح 4.

414

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن [محمّد (1)، عن‏] (2) أبي القاسم الكوفيّ، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في امرأة وهبت نفسها لرجل من المسلمين.

قال: إن عوّضها، كان ذلك مستقيما.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (3)، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فدخلت عليه، و هو في منزل حفصة، و المرأة متلبّسة متمشّطة. فدخلت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقالت: يا رسول اللَّه، إنّ المرأة لا تخطب الزّوج. و أنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر و لا ولد. فهل لك من حاجة؟ فإن تك، فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني.

فقال لها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خيرا و دعا لها.

ثمّ قال: يا أخت الأنصار، جزاكم اللَّه عن رسول اللَّه خيرا. فقد نصرني رجالكم و رغبت فيّ نساؤكم.

فقالت لها حفصة: ما أقلّ حيائك و أجرأك و أنهمك للرّجال! فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كفّي عنها، يا حفصة، فإنّها خير منك، رغبت في رسول اللَّه فلمّتها (4) و عبتها.

ثمّ قال للمرأة: انصرفي، رحمك اللَّه، فقد أوجب اللَّه لك الجنّة لرغبتك فيّ و تعرّضك لمحبّتي و سروري، و سيأتيك أمري إن شاء اللَّه. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏.

قال: فأحلّ اللَّه- عزّ و جلّ- هبة المرأة نفسها لرسول اللَّه، و لا يحلّ ذلك لغيره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ‏- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (6) فإنّه كان سبب نزولها: أنّ امرأة من الأنصار أتت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد تهيّأت و تزيّنت.

____________

(1) نفس المصدر 5/ 385، ح 5.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 5/ 568، ح 53.

(4) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

فلمستها.

(5) تفسير القمي 2/ 195.

(6) ليس في أ.

415

فقالت: يا رسول اللَّه، هل لك فيّ حاجة؟ فقد وهبت نفسي لك.

فقالت لها عائشة: قبّحك اللَّه، ما أنهمك للرّجال! فقال لها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: مه، يا عائشة، فإنّها رغبت في رسول اللَّه إذ زهدتنّ فيه.

ثمّ قال: رحمك اللَّه و رحمكم، يا معاشر الأنصار، ينصرني‏ (1) رجالكم و ترغب‏ (2) فيّ نساؤكم. ارجعي، رحمك اللَّه، فإني أنتظر أمر اللَّه- عزّ و جلّ- فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏. فلا تحلّ الهبة إلّا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- قال: تزوّج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بخمس عشرة امرأة، و دخل بثلاث عشرة منهنّ، و قبض عن تسع.

فأمّا اللّتان لم يدخل بهما، فعمرة و الشّنبا (4).

و أمّا الثّلاث عشرة اللاتي دخل بهنّ، فأوّلهن خديجة- إلى قوله-: و التي وهبت نفسها للنّبيّ خولة بنت حكيم السّلميّ.

و في مجمع البيان‏ (5): و قيل: إنّها لما وهبت نفسها للنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قالت عائشة: ما بال النّساء يبذلن أنفسهنّ بلا مهر، فنزلت الآية.

فقالت عائشة: ما ارى اللَّه- تعالى- إلّا يسارع في هواك.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و إنّك إن أطعت اللَّه، سارع في هواك.

و اختلف في أنّه هل كانت عند النّبيّ امرأة وهبت نفسها له أم؟ فقيل: إنّه لم تكن‏ (6). و قيل: بل كانت- إلى قوله- و قيل: هي امرأة من بني أسد، يقال لها: أم شريك بنت جابر، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)(7)-.

____________

(1) المصدر: نصرني.

(2) المصدر: رغبت.

(3) الخصال/ 149، ضمن حديث 13.

(4) المصدر: السّنى.

(5) مجمع البيان 4/ 365.

(6) المصدر: لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له.

(7) نفس المصدر 4/ 364.

416

و في كتاب الخصال‏ (1)، في الحديث المتقدّم عن الصّادق- (عليه السلام)-: و كان له سريّتان يقسم لهما مع أزواجه، مارية القبطيّة و ريحانة الخندقيّة (2).

قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ‏: من المهر، و الحصر بعدد محصور.

و وضعناه من قبل تخفيفا.

وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ‏: و ما فرضنا عليهم في ملك اليمين، أن لا يقع عنهم الملك إلّا بوجوه معلومة من الشّراء و الهبة و الأسر (3) و السّبي. و إنّما خصصناك على علم منّا بالمصلحة فيه من غير محاباة و لا جزاء. و الجملة اعتراض بين قوله: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ‏ و متعلّقه، و هو «خالصة». للّدلالة على أنّ الفرق بينه و بين المؤمنين في نحو ذلك، لا بمجرد قصد التّوسّع عليه، بل لمعان تقتضي التّوسيع عليهم و التّضييق عليه تارة و العكس أخرى.

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً: لما يعسر التّحرّز عنه.

رَحِيماً (50): بالتّوسعة في مظانّ الحرج.

تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ‏ قيل‏ (4): تؤخرّها و تترك مضاجعتها.

وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ: و تضمّ إليك و تضاجعها.

و قيل‏ (5): تعزل من تشاء بغير طلاق، و تردّ إليك من تشاء منهنّ بعد اعتزالك‏ (6) إيّاها بلا تجديد عقد.

و قيل‏ (7)، تترك من تشاء منهنّ من نساء أمّتك، و تنكح من تشاء منهنّ.

و قيل‏ (8): تقبل من تشاء من المؤمنات [اللّاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك، و تترك من تشاء فلا تقبلها.

و قيل‏ (9): تطلّق من تشاء، و تمسك من تشاء.] (10)

____________

(1) الخصال/ 149، ضمن حديث 13.

(2) المصدر: الخندفيّة.

(3) جميع النسخ سوى الأصل: الإرث.

(4) أنوار التنزيل 2/ 249.

(5) مجمع البيان 4/ 367.

(6) المصدر: عزلك.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) مجمع البيان 4/ 367.

(9) نفس المصدر و الموضع و أنوار التنزيل 2/ 249- 250.

(10) ليس في س و أ.

417

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: أ رأيت قوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قال: من آوى فقد نكح. و من أرجى، فلم ينكح.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ثمّ أنزل اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الآية، و هي آية التّخيير، فقال‏ (3): يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ‏ إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً فقامت أمّ سلمة أوّل من قامت فقالت: قد اخترت اللَّه و رسوله. فقمن كلّهنّ، فعانقنه و قلن مثل ذلك. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: من آوى، فقد نكح. و من أرجى فقد طلّق.

و قوله- عزّ و جلّ-: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ [وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ] (4) مع هذه الآية قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ‏ إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً و قد أخّرت عنها في التّأليف، و قد كتبنا ذلك فيما تقدّم.

و في مجمع البيان‏ (5): تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قال أبو جعفر و أبو عبد اللَّه- (عليهما السلام)-: من أرجى لم ينكح. و من آوى، فقد نكح.

و قرأ حمزة و الكسائي و حفص: «يرجي» بالياء. و المعنى واحد (6).

وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ‏: طلبت.

مِمَّنْ عَزَلْتَ‏: طلّقت بالرّجعة.

فَلا جُناحَ عَلَيْكَ‏: في شي‏ء من ذلك.

ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَ‏: ذلك التّفويض إلى مشيئتك، أقرب إلى قرّة عيونهنّ و قلّة حزنهنّ و رضاهنّ جميعا. لأنّه حكم‏

____________

(1) الكافي 5/ 388، ضمن حديث 1. و أوّله في ص 387.

(2) تفسير القمي 2/ 192.

(3) الأحزاب/ 28.

(4) من المصدر.

(5) مجمع البيان 4/ 367.

(6) أنوار التنزيل 2/ 250.

418

«كلّهنّ» فيه سواء. ثمّ إن سوّيت بينهنّ، وجدن ذلك تفضّلا منك. و إن رجّحت بعضهن، علمن أنّه بحكم اللَّه فتطمئنّ نفوسهنّ.

و قرئ‏ (1): «تقرّ» بضمّ التّاء. «و أعينهنّ» بالنّصب. و تقرّ على البناء للمفعول.

و «كلّهنّ» تأكيد نون «يرضين» و قرئ، بالنّصب، تأكيدا لهنّ‏ (2) وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ‏: فاجتهدوا في إحسانه.

وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً: بذات الصّدور.

حَلِيماً (51): لا يعاجل بالعقوبة. فهو حقيقى بأن يتّقى.

لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ: بالياء. لأنّ تأنيث الجمع غير حقيقيّ.

و قرأ البصريّان، بالتّاء (3).

مِنْ بَعْدُ.

قيل‏ (4): من بعد التّسع. و هو في حقّه، كالأربع في حقّنا.

و قيل‏ (5): من بعد اليوم، حتّى لو ماتت واحدة لم يحل له نكاح أخرى.

وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ‏: فتطلّق واحدة و تنكح مكانها أخرى. و «من» مزيدة لتأكيد الاستغراق.

وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ‏: حسن الأزواج المستبدلة.

و هو حال من فاعل «تبدّل» دون مفعوله، و هو «من أزواج»، لتوغلّه في التّنكير.

و تقديره: مفروضا إعجابك بهنّ.

و اختلف في أنّ الآية محكمة أو منسوخة بقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ على المعنى الأخير. فإنّه و إن تقدّمها قراءة، فهو مسوق بها نزولا.

و قيل‏ (6): المعنى: لا يحلّ النّساء من بعد الأجناس الأربعة اللّاتي نصّ على إحلالهنّ لك، و لا أن تبدّل بهنّ أزواجا من أجناس أخر.

و قيل‏ (7): معناه: لا تحلّ لك اليهوديّات و لا النّصرانيّات و لا أن تبدّل بهنّ، أي: و لا أن تتبدّل الكتابيّات بالمسلمات، لأنّه لا ينبغي أن يكنّ أمّهات المؤمنين.

____________

1 و 2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 367.

419

إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏: استثناء من «النّساء»، لأنّه يتناول الأزواج و الإماء.

و قيل‏ (1): منقطع.

وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً (52): فتحفظوا أمركم، و لا تتخطّوا ما أحلّ لكم.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)(3)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ فقال: إنّما عنى به: لا يحلّ لك النّساء الّتي حرّم اللَّه عليك في هذه الآية (4) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ‏ إلى آخرها و لو كان الأمر كما يقولون، كان قد أحلّ لكم ما لم يحلّ له. لأنّ أحدكم يستبدل كلّما أراد. و لكن ليس الأمر كما تقولون. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أحلّ لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن ينكح من النّساء ما أراد (5) إلّا ما حرّم عليه في هذه الآية الّتي في النّساء.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (6)، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏ فقال: أراكم و أنتم تزعمون أنّه يحلّ لكم ما لم يحلّ لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. [و قد أحلّ اللَّه- تعالى- لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (7) أن يتزوّج من النّساء ما شاء. إنّما قال: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ الّذي حرّم عليك قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ‏ (إلى آخر الآية.)

أحمد بن محمد العاصميّ، عن عليّ بن الحسن بن فضّال‏ (8)، عن علىّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: أ رأيت قول‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 250.

(2) الكافي 5/ 389، ذيل حديث 4.

(3) المصدر: قلت: أ رأيت.

(4) النساء/ 22.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «ما أراد من النساء» بدل «أن ينكح من النساء ما أراد».

(6) نفس المصدر 5/ 388، ح 2.

(7) ليس في س و أ.

(8) نفس المصدر 5/ 391، ح 8.

420

اللَّه- عزّ و جلّ-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال: إنّما لم يحلّ له النّساء الّتي حرّم عليه في هذه الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ‏ في هذه الآية. كلّها. و لو كان الأمر كما تقولون‏ (1)، لكان قد أحلّ لكم ما لم يحلّ له هو. لأنّ أحدكم يستبدل كلمّا أراد. و لكن ليس الأمر كما تقولون‏ (2) أحاديث آل محمّد خلاف أحاديث النّاس. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أحلّ لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن ينكح من النّساء ما أراد، إلّا ما حرّم اللَّه عليه في سورة النّساء في هذه الآية.

و في مجمع البيان‏ (3): وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ‏، يعني: إن أعجبك حسن ما حرّم عليك من جملتهنّ و لم يحللن لك. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏: إِلّا وقت أن يؤذن لكم. أو إلّا مأذونا لكم.

إِلى‏ طَعامٍ‏.

في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن الحسن و عليّ بن محمّد [، عن سهل،] (5) عن محمّد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لمّا احتضر الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- قال للحسين- (عليه السلام)-: يا أخي، إنيّ أوصيك بوصيّة فاحفظها، فإذا أنا متّ فهيّئني، ثمّ وجّهني إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأحدث به عهدا، ثمّ اصرفني إلى أمّي فاطمة- (عليها السلام)- ثمّ ردّني فادفني في البقيع. و اعلم أنّه سيصيبني من الحميراء ما يعلم النّاس من صنيعها و عداوتها للَّه و لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عداوتها لنا أهل البيت.

فلمّا قبض الحسن- (عليه السلام)- وضع على سريره و أنطلق‏ (6) به إلى مصلّى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الّذي كان يصلّي فيه على الجنائز، فصلّى على الحسن- (عليه السلام)-. فلمّا أن صلّى عليه، حمل فأدخل المسجد. فلمّا أوقف على قبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بلغ عائشة الخبر، و قيل لها: إنّهم قد أقبلوا بالحسن بن عليّ- (عليه السلام)- ليدفنوه‏ (7) مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

____________

1 و 2- المصدر: يقولون.

(3) مجمع البيان 4/ 367.

(4) الكافي 1/ 302- 303، ح 3. و له ذيل.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: فانطلقوا.

(7) المصدر: ليدفن.

421

فخرجت مبادرة على بغل بسرج، فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجا، فوقفت و قالت: نحّو ابنكم عن بيتي، فإنّه لا يدفن فيه شي‏ء و لا يهتك على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حجابه.

فقال لها الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)-: قديما هتكت أنت و أبوك حجاب رسول اللَّه، و أدخلت بيته من لا يحبّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قربه. و إنّ اللَّه سائلك عن ذلك، يا عائشة. إنّ أخي أمرني أن أقرّ به من أبيه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ليحدث به عهدا. و اعلمي أنّ أخي أعلم النّاس باللَّه و رسوله، و أعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ستره. لأنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏ و قد أدخلت أنت بيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الرّجال بغير إذنه. و قد قال اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ و لعمري لقد ضربت أنت لأبيك و فاروقه عند أذن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المعاون.

و قال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (1)-: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ و لعمري لقد أدخل أبوك و فاروقه على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بقربهما منه الأذى، و ما رعيا من حقّه ما أمرهما اللَّه به على لسان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إنّ اللَّه حرّم من المؤمنين أمواتا ما حرّم منهم أحياء. و اللَّه، يا عائشة، لو كان هذا الّذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه- (عليه السلام)- جائزا فيما بيننا و بين اللَّه، لعلمت أنّه سيدفن و إن معطسل.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة (2).

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(3)- بإسناده إلى ابن عبّاس قال: دخل الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- على أخيه الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- في مرضه الّذي توفّي.

فقال: كيف تجدك، يا أخي؟

قال: أجدني في أوّل يوم من أيام الآخرة و آخر يوم من ايّام الدّنيا- إلى قوله-: و أن تدفنني مع [جدّي‏] (4) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فإنيّ أحقّ به ببيته ممّن أدخل‏

____________

(1) الحجرات/ 2.

(2) نفس السورة/ 3.

(3) أمالي الطوسي 1/ 160- 161.

(4) من المصدر.

422

بيته بغير إذنه و لا كتاب جاءهم من بعده. قال اللَّه فيما أنزل على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في كتابه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏ فو اللَّه ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، و لا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته. و نحن مأذون لنا في التّصرّف فيما ورثناه من بعده. فإن أنت غلبك الأمر (1)، فأنشدك بالقرابة الّتي قرّب اللَّه- عزّ و جلّ- منك و الرّحم الماسّة من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن لا تهريق‏ (2) فيّ محجمة من دم حتّى نلقى‏ (3) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فنختصم‏ (4) إليه، و نخبره بما كان من النّاس إلينا بعده. ثمّ قبض- (عليه السلام)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب علل الشرائع‏ (5)، بإسناده إلى عمرو بن جميع، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان جبرائيل- (عليه السلام)- إذا أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قعد بين يديه قعدة العبد. و كان لا يدخل حتّى يستأذنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6). و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [إِلى‏ طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ‏] (7) فإنّه لمّا تزوّج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بزينب بنت جحش، و كان يحبّها، فأولم و دعا أصحابه. [فكان أصحابه‏] (8) إذا أكلوا يحبّون أن يتحدّثوا عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و كان يحبّ أن يخلو مع زينب. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏ و ذلك أنّهم كانوا يدخلون بلا إذن. [فقال- عزّ و جلّ-: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏ إلى قوله- تعالى-: مِنْ وَراءِ حِجابٍ‏] (9)

غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ‏: غير منتظرين وقته، أو إدراكه. حال من فاعل «لا تدخلوا» أو المجرور في «لكم».

و قرئ، بالجرّ، صفة «لطعام» فيكون جاريا على غير من هو له بلا إبراز الضّمير،

____________

(1) المصدر: «فان أبت عليك الامرة» بدل «فان أنت غلبك الأمر».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: تهدموا.

(3) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر: تلقى.

(4) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

فتختصم.

(5) علل الشرائع/ 7، ح 2.

(6) تفسير القمي 2/ 195.

7 و 8- من المصدر.

(9) ليس في المصدر. و لكن في تفسير نور الثقلين 4/ 297، ح 201.

423

و هو غير جائز عند البصريّين. و قد أمال حمزة و الكسائي «إناه» لأنّه مصدر أنى الطّعام: إذا أردك‏ (1).

وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا: تفرّقوا و لا تمكثوا.

و الآية خطاب لقوم يتحيّنون طعام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فيدخلون و يقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم و بأمثالهم. و إلّا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطّعام و لا اللّبث بعد الطّعام.

وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ‏: بعضهم بعضا. عطف على «ناظرين». أو مقدّر بفعل، أي: و لا تدخلوا، أو لا تمكثوا مستأنسين.

إِنَّ ذلِكُمْ‏: اللّبث.

كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ‏: لتضييق المنزل عليه و على أهله، و إشغاله‏ (2) فيما لا يعنيه.

فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ‏: من إخراجكم، لقوله: وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ‏، يعني:

إخراجكم حقّ. فينبغي أن لا يترك حياء، كما لم يتركه اللَّه ترك الحييّ فأمركم بالخروج.

و قرئ: «لا يستحي» بحذف الياء الأولى، و إلقاء حركتها على الحاء (3).

وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً: شيئا ينتفع به.

فَسْئَلُوهُنَ‏: المتاع.

مِنْ وَراءِ حِجابٍ‏: ستر.

ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَ‏: من خواطر الشّيطان.

وَ ما كانَ لَكُمْ‏: ما صحّ لكم.

أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ‏:- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تفعلوا ما يكرهه.

وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً: من بعد وفاته، أو فراقه.

إِنَّ ذلِكُمْ‏، يعني: إيذاءه و نكاح نسائه.

كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53): ذنبا عظيما. و فيه تعظيم من اللَّه لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و إيجاب لحرمته حيّا و ميّتا. و لذلك بالغ في الوعيد عليه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 250.

(2) م و ن: اشتغاله.

(3) أنوار التنزيل 2/ 251.

424

و في جوامع الجامع‏ (1): و عن أمّ سلمة- رضي اللَّه عنها- قالت: كنت عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عنده ميمونة. فأقبل ابن أمّ مكتوم، و ذلك بعد أن أمرنا بالحجاب.

فقال: احتجبا.

فقلنا: يا رسول اللَّه، أليس أعمى لا يبصرنا؟

فقال: أ فعمياوان‏ (2) أنتما، أ لستما تبصرانه؟

و روي‏ (3) أنّ بعضهم قالت: أ ننهى أن نكلّم بنات عمّنا إلّا من وراء حجاب؟ لإن مات محمّد لأتزوّجن عائشة. و عن مقاتل: هو طلحة بن عبيد اللَّه. فنزلت‏ وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ‏ (إلى آخرها).

و في مجمع البيان‏ (4): و نزلت آية الحجاب لمّا بنى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بزينب بنت جحش، و أو لم عليها.

[قال أنس: أو لم عليها] (5) بتمر و سويق، و ذبح شاة، و بعثت إليه أمّي، أمّ سليم بحيس في تور (6) من حجارة. فأمرني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن أدعو الصّحابة إلى الطّعام، فدعوتهم. فجعل القوم يجيئون و يأكلون و يخرجون، ثم، يجي‏ء القوم فيأكلون و يخرجون.

قلت: يا نبيّ اللَّه، قد دعوت حتّى ما [أجد] (7) أحدا أدعوه‏ (8).

فقال: ارفعوا طعامكم.

فرفعوا طعامهم‏ (9)، و خرج القوم. و بقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، فأطالوا المكث.

فقام- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قمت معه لكي يخرجوا. فمشى حتى بلغ حجرة عائشة، ثمّ ظنّ أنّهم قد خرجوا فرجع و رجعت معه فإذا هم جلوس مكانهم، فنزلت الآية.

و نزل‏ (10) قوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ‏ (إلى آخر الآية) في رجل من‏

____________

(1) جوامع الجامع/ 314.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أ فعميتماوان.

(3) نفس المصدر/ 376.

(4) مجمع البيان 4/ 366.

(5) ليس في الأصل.

(6) الحيس: تمر يخلط بسمن و أقط فيعجن و يدلك دلكا شديدا حتى يمتزج، ثمّ يندر نواه.

التّور: إناء صغير.

(7) من المصدر.

(8) م و أ و س و ن: «أجد دعوة» بدل «أجد أحدا أدعوه».

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر و الموضع.

425

الصّحابة قال: لئن قبض رسول اللَّه لأنكحنّ عائشة بنت أبي بكر. عن ابن عبّاس.

قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد اللَّه.

و قيل: إنّ رجلين قالا: أ ينكح محمّد نسائنا و لا ننكح‏ (1) نساءه؟ و اللَّه لئن مات لنكحنا (2) نساءه. و كان أحدهما يريد عائشة، و الآخر يريد أمّ سلمة. عن أبي حمزة الثّماليّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً فإنّه كان سبب نزولها، أنّه لمّا أنزل اللَّه‏ النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ (4) و حرّم اللَّه نساء النّبيّ على المسلمين، غضب طلحة فقال: يحرّم محمّد علينا نساءه و يتزوّج هو نساءنا! لئن أمات اللَّه- عزّ و جلّ- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لنركضنّ بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا (5). فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.

و في أصول الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن أحمد بن النّضر، عن محمّد بن مروان رفعه إليهم‏ في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ‏ في عليّ و الأئمّة كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا (7).

و في الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- أنّه قال: لو لم يحرّم على النّاس أزواج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا [أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً حرّم‏ (9) على الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- لقول اللَّه- تعالى- (10)-: وَ لا تَنْكِحُوا] (11) ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.

____________

(1) هكذا في المصدر و ن. و في الأصل:

«ينكح». و في م، س و أ: «تنكح».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنكحنا.

(3) تفسير القمي 2/ 195.

(4) الأحزاب/ 6.

(5) المصدر: «لنفعلن كذا و كذا» بدل «لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا».

(6) الكافي 1/ 414، ح 9.

(7) الأحزاب/ 69.

(8) ج 5/ 420، ح 1.

(9) المصدر: حرمن.

(10) النساء/ 22.

(11) ليس في أ.

426

و لا يصلح للرّجل أن ينكح امرأة جدّة.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (1)، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة قال: حدّثني سعد بن أبي عروة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ‏ أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تزوّج امرأة من بني عامر بن صعصعة، يقال لها: سنى‏ (2). و كانت من أجمل أهل زمانها.

فلمّا نظرت إليها عائشة و حفصة قالتا: لتغلبنا هذه على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: بجمالها.

[فقالتا لها: لا يرى منك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حرصا.

فلمّا دخلت على رسول اللَّه‏] (3) تناولها بيده. فقالت: أعوذ باللَّه. فانقبضت يد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عنها، فطلّقها و ألحقها بأهلها.

و تزوّج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- امرأة من كندة بنت الجون‏ (4).

فلمّا مات إبراهيم بن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بن مارية القبطيّة قالت: لو كان نبيّا ما مات ابنه. فألحقها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأهلها قبل أن يدخل بها.

فلمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ولّي النّاس أبو بكر، أنته، العامريّة و الكنديّة و قد خطبتا. فاجتمع أبو بكر و عمر فقالا لهما: اختارا إن شئتما الحجاب، و إن شئتما الباه.

فاختارتا الباه. فتزوّجتا، فجذم أحد الرّجلين‏ (5) و جنّ الآخر.

قال عمر بن أذينة: فحدّثت بهذا الحديث زرارة و الفضيل، فرويا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: ما نهى اللَّه- عزّ و جلّ عن شي‏ء إلا، و قد عصي فيه، حتّى لقد نكحوا أزواج النبىّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من بعده. و ذكر هاتين، العامريّة و الكنديّة.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-:

لو سألتم عن رجل تزوّج امرأة و طلّقها قبل أن يدخل بها، أ تحلّ لابنه؟ لقالوا: لا. فرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعظم حرمة بن آبائهم.

____________

(1) نفس المصدر 5/ 421، 3.

(2) المصدر: «سنى». و هكذا في مناقب ال أبى طالب و إعلام الورى الذين نقل عنهما في البحار 22/ 192 و 204.

(3) ليس في أ.

(4) المصدر: بنت أبى الجون‏

(5) المصدر: الرجلين.

427

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (1)، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن ابن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- نحوه. و قال في حديثه: و [لا] (2) هم يستحلّون أن يتزوّجوا أمّهاتهم إن كانوا مؤمنين. و إنّ أزواج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، في الحرمة مثل أمّهاتهم.

إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً: كنكاحهنّ على ألسنتكم.

أَوْ تُخْفُوهُ‏: في صدوركم.

فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (54): فيعلم ذلك، فيجازيكم به. و في هذا التّعميم مع البرهان على المقصود و مزيد تهويل و مبالغة في الوعيد.

لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَ لا أَبْنائِهِنَّ وَ لا إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَ‏: استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم.

روي أنّه لمّا نزلت آية الحجاب، قال الآباء و الأبناء و الأقارب: يا رسول اللَّه، أو نكلّمهن- أيضا من وراء الحجاب؟ فنزلت‏ (3).

قيل‏ (4): و إنّما لم يذكر العمّ و الخال، لأنّهما بمنزلة الوالدين. و لذلك سمّي العمّ: أبا:

في قوله‏ (5): وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ‏. أو لأنّه كره ترك الحجاب عنهما، مخافة أن يصفا لأبنائهما.

وَ لا نِسائِهِنَ‏، يعني نساء المؤمنات.

وَ لا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ‏.

قيل‏ (6): من العبيد و الإماء و قيل: من الإماء خاصّة.

و في كتاب المناقب‏ (7)، لابن شهر آشوب: إنّ عليّا- (عليه السلام)- توّفي عن أربع نسوة، أمامة و أمّها زينب بنت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و أسماء بنت عميس، و ليلى التّميميّة، و أمّ البنين الكلابيّة. و لم يتزوّجن بعده.

و خطب المغيرة بن نوفل أمامة، ثمّ أبو الهياج بن أبي سفيان بن حارث.

فروت عن‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 251.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) البقرة/ 133.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مناقب آل أبي طالب 3/ 305، بتصرّف في صدره.

428

عليّ- (عليه السلام)-: أنّه لا يجوز لأزواج النّبيّ و الوصيّ أن يتزوّجن بغيره بعده.

فلم تتزوّج امرأة و لا أمّ ولد بهذه الرّواية.

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [، عن محمّد] (2) بن إسماعيل، عن إبراهيم بن أبي البلاد، و يحيى بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، عن معاوية بن عمّار قال: كنّا أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- نحوا من ثلاثين رجلا، إذ دخل أبي فرحّب به أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- و أجلسه إلى جنبه و أقبل عليه طويلا.

ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ لأبي معاوية حاجة، فلو خفّفتم‏ (3). فقمنا جميعا.

فقال لي أبي: ارجع، يا معاوية. فرجعت.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هذا ابنك؟

فقال: نعم، و هو يزعم أنّ أهل المدينة يصنعون شيئا لا يحلّ لهم.

قال: و ما هو؟

قلت: إنّ المرأة القرشيّة و الهاشميّة تركب و تضع يدها على رأس الأسود و ذراعها (4) على عنقه.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا بنيّ، أما تقرأ القرآن؟

قلت: بلى.

قال: اقرأ هذه الآية: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَ‏ حتّى بلغ‏ وَ لا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ‏.

ثمّ قال: يا بنيّ، لا بأس أن يرى المملوك الشّعر و السّاق.

وَ اتَّقِينَ اللَّهَ‏: فيما أمرتنّ به.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً (55): لا يخفى عليه خافية.

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏: يعتنون بإظهار شرفه و تعظيم شأنه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ‏: اعتنوا أنتم- أيضا. فإنّكم أولى بذلك.

____________

(1) الكافي 5/ 531، ح 2.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

خفتم.

(4) المصدر: ذراعيها.

429

وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (56): و انقادوا لاوامره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثم ذكر ما فضّل اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال- جلّ ذكره-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

قال: (صلوات اللّه عليه)، تزكية له و ثناء عليه. و صلوات‏ (2) الملائكة، مدحهم له.

و صلوات‏ (3) النّاس، دعاؤهم له و التّصديق و الإقرار بفضله. و قوله- تعالى-: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، يعني: سلّموا له بالولاية و بما جاء به.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه: قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسّر اللَّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا، إلى قوله- (عليه السلام)-: و أمّا الآية السّابعة فقوله: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [و قد علم المعاندون منهم أنّه لمّا نزلت هذه الآية] (5) قيل‏ (6): يا رسول اللَّه، قد عرفنا التّسليم عليك فكيف الصّلاة عليك؟

فقال: تقولون: اللّهمّ، صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت و باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

فهل بينكم، معاشر النّاس، في هذه خلاف؟

قالوا: لا. قال المأمون: هذا ممّا لا خلاف فيه أصلا و عليه إجماع الأمّة، فهل عندك في الآل شي‏ء أوضح من هذا في القرآن؟

قال أبو الحسن- (عليه السلام)- نعم، أخبروني عن قول اللَّه- تعالى‏ (7)-: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ فمن عنى بقوله: يس‏؟

قالت العلماء: يس‏ محمّد، لا يشكّ فيه أحد.

و قال أبو الحسن- (عليه السلام)- فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أعطى محمّدا و آل‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 196.

2 و 3- المصدر: صلاة.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 231 و 236- 237.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: قالوا.

(7) يس/ 1- 4.

430

محمّد من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلّا من عقله، و ذلك أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لم يسلّم على أحد إلّا على الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم). فقال- تعالى‏ (1)-: سَلامٌ عَلى‏ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ‏. و قال‏ (2): سَلامٌ عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ و قال‏ (3): سَلامٌ عَلى‏ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏ و لم يقل:

سلام على آل نوح. و لم يقل: سلام على آل إبراهيم. و لم يقل‏ (4): سلام على آل موسى و هارون: و قال‏ (5): سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ‏، يعنى: آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال المأمون: قد علمت أنّ في معدن النّبوة شرح هذا و بيانه، فهذه السّابعة.

و في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام‏ (6) و شرائع الدّين‏ (7): و الصّلاة (8) على النّبيّ واجبة في كلّ المواطن، و عند العطاس و الذّبائح و غير ذلك.

و في أصول الكافي‏ (9): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن حسين بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم يذكروا اسم اللَّه- عزّ و جلّ- و لم يصلّوا على نبيّهم، إلّا كان ذلك المجلس حسرة وبالا عليهم.

و في كتاب الخصال‏ (10): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الّدين إلى أن قال- (عليه السلام)-: الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- واجبة في كلّ المواطن، و عند العطاس و الرّياح و غير ذلك.

و فيه‏ (11)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: صلّوا على محمّد و آل محمّد. فإنّ اللَّه- تعالى- يقبل دعاءكم عند ذكر محمّد، و دعائكم له، و حفظكم إيّاه.

و إذا قرأتم: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ (12)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

____________

(1) الصافات/ 79.

(2) نفس السورة/ 109.

(3) نفس السورة/ 120.

(4) المصدر: لا قال.

(5) نفس السورة/ 130.

(6) الأصل: الأيمان.

(7) نفس المصدر 2/ 124.

(8) المصدر: الصلوات.

(9) الكافي 2/ 497، ح 5.

(10) الخصال/ 607.

(11) نفس المصدر/ 613.

(12) ذكر في م الآية بطولها.

431

فصلّوا عليه في الصّلاة كنتم، أو في غيرها (1).

عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(2)- قال: أربعة أوتوا سمع الخلائق، النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و حور العين، و الجنّة، و النّار. فما من عبد يصلّي علّى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو (3) يسلّم عليه، إلّا بلغه ذلك و سمعه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم [، عن أبيه،] (5) عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إذا أذّنت فأفصح بالألف و الهاء، و صلّ على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر في أذان أو غيره.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة (6).

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (7): عن أبي المغرا (8) قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: من قال في دبر صلاة الصّبح و صلاة المغرب قبل أن يثني رجليه أو يكلّم أحدا: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. اللّهمّ صلّ على محمّد و ذرّيته‏ (9)، قضى اللَّه له مائة حاجة سبعين في الدّنيا و ثلاثين في الآخرة.

قال: قلت ما معنى صلاة اللَّه و صلاة ملائكته و صلاة المؤمنين‏ (10)؟

قال: صلاة اللَّه، رحمة من اللَّه. و صلاة الملائكة تزكية منهم له. و صلاة المؤمنين‏ (11)، دعاء منهم له.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)(12)- بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يرفع إلى السّماء شهادة أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه إلّا منّي و من عليّ.

____________

(1) نفس المصدر/ 629.

(2) نفس المصدر/ 202، صدر حديث 17.

(3) المصدر: و.

(4) الكافي 3/ 303، ح 7.

(5) من المصدر.

(6) العبارة الأخير زائدة. لأنّ الحديث مذكور هنا كلّه.

(7) ثواب الأعمال/ 187، صدر حديث 1.

(8) المصدر: ابن المغيرة.

(9) م و س و أ: اللهم صلّ على محمد و آل محمد و ذرّيته.

المصدر: اللهم صلّ على محمد النبيّ و ذرّيته.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: المؤمن.

(11) م و أ و س و ن: المؤمن.

(12) الإرشاد/ 21.

432

و في مجمع البيان‏ (1): و في مسند السّيّد أبي طالب الهرويّ مرفوعا إلى أيّوب: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري و غيره.

و في كتاب التّوحيد (2)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- و فيها: و بالشّهادتين تدخلون‏ (3) الجنّة، و بالصّلاة تنالون‏ (4) الرّحمة، فأكثروا من الصّلاة على نبيّكم و آله‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و في كتاب معاني الأخبار (5): حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر قال: حدّثنا المعلى بن محمّد البصريّ، عن محمّد بن القّميّ، عن أحمد بن حفض البزّاز الكوفي، عن أبيه، عن ابن أبي حمزة، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

فقال: الصّلاة من اللَّه- عزّ و جلّ- رحمة. و من الملائكة، تزكية. و من النّاس، دعاء.

و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: سَلِّمُوا تَسْلِيماً، يعني: التّسليم فيما ورد عنه.

قال: فقلت له: فكيف نصلّي على محمّد؟

قال: تقولون: صلوات اللَّه و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله. و جميع خلقه على محمّد و آل محمّد، عليه و عليهم، و رحمة اللَّه و بركاته.

قال: قلت: فما ثواب من صلّى على النّبيّ و آله بهذه الصّلاة؟

قال: الخروج من الذّنوب، و اللَّه، كهيئته يوم ولدته أمّه.

و في الكافي‏ (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عليّ بن مهزيار، عن موسى بن القاسم قال: قلت لأبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)-: طفت يوما عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال ثلاث مرّات: صلّى اللَّه على رسول اللَّه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع‏

____________

(1) لم نعثر عليه في مجمع البيان. و لكن في تفسير نور الثقلين 4/ 287- 288، ح 159 و أيضا 4/ 302، ح 223، عنه.

(2) التوحيد/ 73، ضمن حديث.

(3) المصدر: يدخلون.

(4) المصدر: ينالون.

(5) معاني الأخبار/ 367- 368، ح 1.

(6) الكافي 4/ 314، ضمن حديث 2.

433

الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى قال: كنت عند الرّضا- (عليه السلام)- فعطس.

فقلت [له:] (2) صلّى اللَّه عليك. ثمّ عطس، فقلت: صلّى اللَّه عليك. [ثمّ عطس، فقلت: صلّى اللَّه عليك.] (3) و قلت: جعلت فداك، إذا عطس مثلك نقول‏ (4) له يقول بعضنا لبعض: يرحمك اللَّه.

أو كما نقول‏ (5)؟

قال: نعم، أليس تقول‏ (6): صلّى اللَّه على محمّد و آل محمّد؟

قلت: بلى. قال: أرحم‏ (7) محمّدا و آل محمّد؟

قال: بلى و قد صلّى عليه و رحمه، و إنّما صلواتنا عليه رحمة لنا و قربة.

محمّد بن الحسن‏ (8)، عن سهل بن زياد (9)، عن ابن فضّال، عن عليّ بن النّعمان، عن أبي مريم الأنصاريّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: كيف كانت الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

قال: لمّا غسّله أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كفّنه سجّاه، ثمّ أدخل عليه عشرة فداروا حوله، ثمّ وقف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وسطهم و قال: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. فيقول القوم كما يقول.

حتّى صلّى عليه أهل المدينة و أهل العوالي.

محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب‏ (10)، عن عليّ بن سيف، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا قبض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- صلّت عليه الملائكة و المهاجرون و الأنصار فوجا فوجا.

[قال:] (11) و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) نفس المصدر 2/ 653- 654، ح 4.

2 و 3- من المصدر.

4 و 5- هكذا في المصدر. و في النسخ: تقول.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «رحم اللَّه» بدل «قال أرحم». و في هذه الصورة هنا سقطا أو السائل سكت عن الجواب. كما أشار اليه في هامش نور الثقلين 4/ 303.

(8) المصدر و الأصل (خ. ل.): محمّد بن الحسين.

(9) نفس المصدر 1/ 450، ح 35.

(10) نفس المصدر 1/ 451، ح 38.

(11) من المصدر.

434

و سلم- يقول‏ في صحّته و سلامته: إنّما أنزلت هذه الآية عليّ في الصّلاة عليّ بعد قبض اللَّه لي‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و في الكافي‏ (1): أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عليّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن محمّد بن مسعود قال: رأيت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- انتهى إلى قبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فوضع يده عليه و قال: أسأل اللَّه الّذي اجتباك و اختارك و هداك و هدى بك، أن يصلّي عليك.

ثمّ قال: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و في روضة الكافي‏ (2)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و في خطبة الوسيلة. قال فيها- (عليه السلام)-: أكثروا من الصّلاة على نبيّكم‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و خطبة له- (عليه السلام)(3)- يقول فيها: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً اللّهمّ، صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آل محمّد و تحنّن على محمّد و آل محمّد و سلّم على محمّد و آل محمّد، كأفضل ما صلّيت و باركت و ترحّمت و تحنّنت و سلّمت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (4)، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه قال: إنّ موسى- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ناجاه اللَّه- تبارك و تعالى- فقال له في مناجاته، و قد ذكر محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فصلّ عليه، يا ابن عمران، فإنّي أصلّي عليه و ملائكتي.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فأمّا ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من كتاب اللَّه، فهو قول اللَّه- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. و لهذه الآية ظاهر و باطن، فالظّاهر قوله:

____________

(1) نفس المصدر 5/ 552، ح 4.

(2) نفس المصدر 8/ 19، ضمن حديث 4.

(3) نفس المصدر 8/ 175، ضمن حديث 194.

(4) نفس المصدر 8/ 44، ضمن حديث 8، و أوله في ص 42.

(5) الاحتجاج 1/ 277.

435

صَلُّوا عَلَيْهِ‏ و الباطن قوله: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، أي: سلّموا لمن وصّاه و استخلفه و فضّله عليكم‏ (1) و ما عهد به إليه تسليما. و هذا ممّا أخبرتك أنّه لا يعلم تأويله إلّا من لطف حسّه وصفا ذهنه و صحّ تمييزه‏ (2).

و في محاسن البرقيّ‏ (3): عنه، عن محمّد بن سنان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

قال: فقال: أمنوا عليه و سلّموا له.

و في الصّحيفة السّجّاديّة (4)، في دعائه- (عليه السلام)- في طلب الحوائج: و صلّ على محمّد و آله صلاة دائمة نامية لا انقطاع لأبدها و لا منتهى لأمدها، و اجعل ذلك عونا لي و سببا لنجاح، إنّك واسع كريم.

و في شرح الآيات الباهرة (5): و روي الشّيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه- (رحمه اللّه)- بإسناده، عن أبي المغيرة قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: ما معنى صلوات‏ (6) اللَّه و ملائكته و المؤمنين؟

قال: صلوات اللَّه، رحمة اللَّه. و صلوات‏ (7) ملائكته، تزكية منهم له. و صلوات المؤمنين، دعاء منهم له.

و قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)(8): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن عليّ بن الجعد، عن شعيب، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي‏ (9) ليلى يقول: لقيني كعب بن أبي عجرة فقال:

ألا أهدي إليك هدية؟

قلت: بلى.

قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خرج إلينا، فقلت: يا رسول اللَّه، قد علمنا كيف السّلام عليك فكيف الصّلاة عليك؟

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عليكم فضله» بدل «و فضّله عليكم».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: غيره.

(3) المحاسن/ 328، صدر حديث 85.

(4) الصحيفة الكاملة، ذيل الدعاء 13.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، 164- 166.

6 و 7- المصدر: صلاة.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) ليس في أ، س و الأصل.

436

قال: قولوا: اللّهم، صلّ على محمّد و آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. و بارك على محمّد و آل محمّد، كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

و روي عن الصّادق- (عليه السلام)(1)- قال: لمّا نزل قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. قالوا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا كيف السّلام عليك فكيف الصّلاة عليك؟

قال: تقولون: اللّهمّ، صلّ على محمّد و آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

و ممّا ورد في فضل الصّلاة على محمّد و آل محمّد- (عليهم السلام)- ما رواه الشّيخ أبو جعفر بن بابويه- (رحمه اللّه)(2)- بإسناده إلى عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- ذات يوم: ألا أبشّرك؟

فقال: بلى، بأبي أنت و أمّي، فإنّك لم تزل مبشّرا بكلّ خير.

فقال: أخبرني جبرائيل آنفا بالعجب.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما الّذي أخبرك به، يا رسول اللَّه؟

قال: أخبرني أنّ الرّجل من أمّتي إذا صلّى عليّ و أتبع بالصّلاة على أهل بيتي، فتحت له أبواب السّماء، و صلّت عليه الملائكة سبعين صلاة- و أنّه لمذنب خطيّ- ثم تحاتّ عنه الذّنوب، كما تحاتّ الورق عن الشّجر. و يقول اللَّه- تعالى-: لبّيك عبدي و سعديك. يا ملائكتي، أنتم تصلّون عليه سبعين صلاة و أنا صلّي عليه سبعمائة صلاة. و إذا لم يتبع بالصّلاة على أهل بيتي كان بينها و بين السّماء سبعون حجابا، و يقول اللَّه- جلّ جلاله-:

لا لبّيك و لا سعديك. يا ملائكتي، لا تصعّدوا دعاءه إلّا أن يلحق بالنّبيّ عترته. فلا يزال محجوبا حتّى يلحق بي أهل بيتي.

و روى- أيضا (3)- بإسناده، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه: قال: إذا ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأكثروا من الصّلاة عليه. فإنّه من صلّى عليه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و فيه: «ما يؤيّده للآل: لمّا أنزلت» بدل «قال: لمّا نزل».

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

437

صلاة واحدة، صلّى اللَّه عليه ألف صلاة في ألف صفّ‏ (1) من الملائكة، و لم يبق شي‏ء ممّا خلق اللَّه إلّا صلّى على ذلك العبد لصلاة اللَّه عليه. فلا يرغب عن هذه إلّا جاهل مغرور (2)، و قد بري‏ء اللَّه منه و رسوله.

و روى- أيضا- عن الصّادق- (عليه السلام)(3)- أنّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سلم-: أنّا عند الميزان يوم القيامة. فمن ثقلت سيّئاته على حسناته، جئت بالصّلوات عليّ حتّى أثقل بها حسناته. و قد تقدّم البحث، بأن المصلّي على محمّد دعاؤه محجوب حتّى يصلّي على آله.

و يؤيّده ما

رواه- أيضا- بإسناده، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(4)- أنّه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- كلّ دعاء محجوب عن السّماء حتّى يصلّى على النّبيّ و آله- (صلوات اللّه عليهم).

و ممّا رواه في فضل الصّلاة على محمّد و أهل بيته في تفسير الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)(5)-: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أتى إلى جبل بالمدينة في حديث طويل.

قال‏ (6): فقال: يا أيّها الجبل، إنّي أسألك بجاه محمّد و آله الطّيّبين، الّذين بذكر أسمائهم خفّف اللَّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن يقدروا على تحريكه و هم خلق كثير لا يعرف عددهم إلّا اللَّه- عزّ و جلّ-.

و قصّة ذلك، قال الإمام- (عليه السلام)- في حديث طويل: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ اللَّه لمّا خلق العرش، خلق له ثلاثمائة و ستّين ألف ركن. و خلق عند كلّ ركن ثلاثمائة و ستّين ألف ملك، لو أذن اللَّه لأصغرهم لالتقم السّماوات السّبع و الأرضين السّبع و ما كان بين لهواته إلّا كالرّملة في المفازة الفضفاضة.

فقال اللَّه- تعالى- لهم: يا عبادي، احتملوا عرشي هذا. فتعاطوه، فلم يطيقوا حمله و لا تحريكه. فخلق اللَّه مع كلّ واحد منهم واحدا، فلم يقدروا أن يزعزعوه‏ (7). فخلق اللَّه مع كلّ واحد منهم عشرة، فلم يقدروا أن يحرّكوه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ضعف.

(2) المصدر: معزول.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: فسأله.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يضعضعوه.

438

فقال اللَّه- عزّ و جلّ- لجمعهم: خلّوه عليّ أمسكه بقدرتي. فخلّوه، فأمسكه اللَّه- عزّ و جلّ- بقدرته.

ثمّ قال لثمانية منهم: احملوا أنتم.

فقالوا: يا ربّنا، لم نطقه نحن و لم يطيقوا (1) هذا الخلق الكثير و الجمع الغفير، فكيف نطيق الآن دونهم؟

فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: لأنّي أنا اللَّه المقرّب‏ (2) للعبيد [، و المذلّل للعبيد،] (3) و المخفّف للشّديد، و المسهّل للعسير، أفعل ما أشاء، و أحكم ما أريد، أعلّمكم كلمات تقولونها يخفّف بها عليكم.

قالوا: و ما هي، ربّنا؟

قال: تقولون: بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، و لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم، و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطّيّبين.

فقالوها، فحملوه و خفّ على كواهلهم، كشعرة نابتة على كاهل رجل قويّ.

ثمّ قال اللَّه- عزّ و جلّ- لسائر تلك الأملاك: خلّوا عن هؤلاء الثّمانية عرشي‏ (4) ليحملوه، و طوفوا أنتم حوله و سبّحوني و مجّدوني و قدّسوني. فإنّي أنا اللَّه القادر على ما رأيتم و على كلّ شي‏ء قدير.

فقد بان لك، أنّ بالصّلاة على محمّد و آله حمل الملائكة العرش، و لولاها لم يطيقوا حمله و لا خفّ عليهم ثقله.

و ممّا ورد في الصّلاة على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في يوم الجمعة (5)، فمن ذلك ما

رواه الشّيخ الصّدوق- (رحمه اللّه)- بإسناده، عن الباقر- (عليه السلام)‏- أنّه سئل: ما أفضل الأعمال يوم الجمعة؟

قال: لا أعلم عملا أفضل من الصّلاة على محمّد و آل محمّد.

و ذكر الشّيخ المفيد- (رحمه اللّه)- في المقنّعة، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: إذا كان يوم الخميس و ليلة الجمعة، نزلت ملائكة من السّماء و معها أقلام الذّهب و صحف الفضّة،

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) هكذا في المصدر و ن. و في س: «للقريب».

و في سائر النسخ: «للمقرب».

(3) ليس في المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في ن: «عن شي‏ء». و في سائر النسخ: «شي‏ء».

(5) نفس المصدر و الموضع.

439

لا يكتبون إلّا الصّلاة على محمّد و آله إلى أن تغرب‏ (1) الشّمس يوم الجمعة.

و ذكر- أيضا- عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: الصّدقة ليلة الجمعة و يوم الجمعة بألف. و الصّلاة على محمّد و آله ليلة الجمعة و يوم الجمعة بألف من الحسنات، و يحطّ اللَّه فيها ألفا من السّيّئات، و يرفع بها ألفا من الدّرجات. و أنّ المصلّي على محمّد و آله ليلة الجمعة و يوم الجمعة يزهر (2) نوره في السّماوات إلى يوم السّاعة. و أنّ ملائكة اللَّه في السّماوات يستغفرون له و الملك الموكّل بقبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يستغفر له إلى أن تقوم السّاعة.

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏: يرتكبون ما يكرهانه من الكفر و المعاصي. أو يؤذون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بكسر رباعيّته، و قولهم: شاعر مجنون، و نحو ذلك.

و ذكر اللَّه، للتّعظيم له. و من جوز إطلاق اللّفظ الواحد على معنيين، فسّره بالمعنيين باعتبار المعمولين.

لَعَنَهُمُ اللَّهُ‏: أبعدهم عن رحمته.

فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57): يهينهم مع الإيلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً

قال: نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حقّه، و أخذ حقّ فاطمة- (عليها السلام)- و آذاها. و قد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من أذاها في حياتي، كمن آذاها بعد موتي. و من آذاها بعد موتي، كمن آذاها في حياتي. و من آذاها، فقد آذاني. و من آذاني، فقد آذى اللَّه. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ (الآية.)

و في مجمع البيان‏ (4): حدّثنا السّيّد أبو الحمّد قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ قال: حدّثنا الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ قال: حدّثنا أحمد بن أبي دارم الحافظ قال:

حدّثنا عليّ بن أحمد العجليّ قال: حدّثنا عبّاد بن يعقوب قال: حدّثنا أرطاة بن حبيب قال:

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يغرب.

(2) م و أ و س و ن: يظهر.

(3) تفسير القمي 2/ 196.

(4) مجمع البيان 4/ 370.

440

حدّثني أبو خالد الواسطيّ، و هو آخذ بشعرة، قال: حدّثني زيد بن عليّ بن الحسين، و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني عليّ بن الحسين، و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني الحسين بن عليّ [بن أبي طالب،] (1) و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هو آخذ بشعره، فقال‏ [يا عليّ،] (2) من آذى شعرة منك، فقد آذاني. و من آذاني، فقد آذى اللَّه. و من آذى اللَّه، فعليه لعنة اللَّه.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: أخّر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ليلة من اللّيالي العشاء الآخرة ما شاء اللَّه، فجاء عمر فدق الباب فقال: يا رسول اللَّه، نام النّساء نام الصّبيان.

فخرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: ليس لكم أن تؤذوني و لا تأمروني، إنّما عليكم أن تسمعوا و تطيعوا.

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: بغير جناية استحقّوا بها.

فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (58): ظاهرا.

قيل‏ (4) [: إنّها] نزلت في المنافقين [كانوا] يؤذون عليّا- (عليه السلام)-. و قيل: في أهل الإفك. و قيل: في زناة كانوا يبتغون النّساء و هنّ كارهات.

و في أصول الكافي‏ (5): الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان‏ (6) بن مسلم، عن عبد اللَّه بن سنان قال: كان رجل عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقرأ هذه الآية:

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً.

قال: فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فما ثواب من أدخل عليه السرور؟

فقلت: جعلت فداك، عشر حسنات؟

فقال: إي، و اللَّه، و ألف ألف حسنة.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) تهذيب الأحكام 2/ 28، ذيل حديث 81.

(4) أنوار التنزيل 2/ 252.

(5) الكافي 2/ 192، ح 13.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «سعد». ر.

تنقيح المقال 2/ 230، رقم 4800.

441

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن سنان‏ (1)، عن منذر بن يزيد، عن المفضّل بن عمر، قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصّدود لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم. فيقال: هؤلاء الّذين آذوا المؤمنين و نصبوا لهم و عاندوهم و عنّفوهم في دينهم. ثمّ يؤمر بهم إلى جهنّم.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: النّاس رجلان، مؤمن و جاهل. فلا تؤذ (3) المؤمن، و لا تجهل على‏ (4) الجاهل فتكون مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏، يعني: عليّا و فاطمة- (عليهما السلام)- بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً و هي جارية في النّاس كلّهم.

و في شرح الآيات الباهرة (6): في تفسير الإمام أبي محمد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعث جيشا و أمّر عليهم عليّا- (عليه السلام)-. و ما بعث جيشا قطّ و فيهم عليّ- (عليه السلام)- إلّا جعله أميرهم.

فلمّا غنموا رغب عليّ- (عليه السلام)- أن يشري من جملة الغنائم جارية، و جعل ثمنها في جملة الغنائم. فكايده فيها خاطب بن أبي بلتعة و بريدة الأسلمي و زايده. فلمّا نظر إليهما يكايدانه و يزايدانه، انتظر إلى أن بلغ قيمتها قيمة عدل في يومها، فأخذها بذلك.

فلمّا رجعوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تواطئا على أن يقولا ذلك لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فوقف بريدة قدّام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قال: يا رسول اللَّه، ألم تر إلى ابن أبي طالب أخذ جارية من المغنم دون المسلمين؟

فأعرض عنه. فجاء عن يمينه، فقالها، فأعرض عنه. فجاءه عن يساره، فقالها، فأعرض عنه.

قال: فغضب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- غضبا لم ير قبله و لا بعده غضبا مثله، و تغيّر لونه، و تزبّد، و انتفخت أوداجه، و ارتعدت أعضاؤه، و قال: مالك، يا بريدة، آذيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منذ اليوم؟ أما سمعت قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 351، ح 2.

(2) الخصال/ 49، ح 57.

(3) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

تؤذي.

(4) ليس في المصدر.

(5) تفسير القمي 2/ 196.

(6) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط ص 166- 167.

442

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً؟

فقال بريدة: ما علمت أنّي قصدتك بأذى.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أو تظنّ، يا بريدة، أنّه لا يؤذيني إلّا من قصد ذات نفسي؟ أما علمت أنّ عليّا منّي و أنا منه، و أنّ من آذى عليّا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللَّه، و من آذى اللَّه فحقّ على اللَّه أن يؤذيه بأليم عذابه في نار جهنّم؟ يا بريدة، أنت أعلم أم اللَّه- عزّ و جلّ-؟ و أنت أعلم أم قرّاء اللّوح المحفوظ؟ و أنت أعلم أما ملك الأرحام؟

فقال بريدة: بل اللَّه أعلم، و قرّاء اللّوح المحفوظ أعلم، و ملك الأرحام أعلم.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و أنت أعلم، يا بريدة، أم حفظة عليّ بن أبي طالب؟

قال: بل حفظة عليّ بن أبي طالب.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فكيف تخطّئه و تلومه و توبّخه و تشنّع عليه في فعله؟ و هذا جبرائيل أخبرني عن حفظة عليّ، أنّهم لم يكتبوا عليه قطّ خطيئة منذ ولد. و هذا ملك الأرحام حدّثني، أنّه كتب قبل أن يواد حين استحكم في بطن أمّة أنّه لا يكون منه خطيئة أبدا. و هؤلاء قرّاء اللّوح المحفوظ أخبروني ليلة أسري بي، أنّهم وجدوا في اللّوح المحفوظ مكتوبا عليّ المعصوم من كلّ خطاء و زلل. فكيف تخطّئه أنت، يا بريدة؟ و قد صوّبه ربّ العالمين و الملائكة المقرّبين؟ يا بريدة، لا تعرّض لعليّ بخلاف الحسن الجميل، فإنّه أمير المؤمنين، و سيد الصّالحين، و فارس المسلمين، و قائد الغرّ المحجّلين، و قسيم الجنّة و النّار، يقول: هذا لي، و هذا لك.

ثمّ قال: يا بريدة، أ ترى ليس لعليّ من الحقّ عليكم؟ معاشر المسلمين، أن تكايدوه و لا تعاندوه و لا تزايدوه، هيهات هيهات هيهات هيهات‏ (1)، إنّ قدر عليّ عند اللَّه أعظم من قدره عندكم. أو لا أخبركم؟

قالوا: بلى، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ اللَّه- سبحانه و تعالى- يبعث يوم القيامة أقواما تمتلئ من جهة السّيّئات موازينهم.

____________

(1) وردت في المصدر و أ، مرتين.

443

فيقال لهم: هذه السّيّئات، فأين الحسنات؟ و إلّا فقد عطبتم.

فيقولون: يا ربّنا، ما نعرف لنا من حسنات.

فإذا النّداء من قبل اللَّه- عزّ و جلّ-: إن لم تعرفوا لأنفسكم من حسنات، فإنّي أعرّفها لكم و أوفّيها (1) عليكم.

ثمّ تأتي الرّيح برقعة صغيرة تطرحها في كفّة حسناتهم فترجح بسيّئاتهم بأكثر ما بين السّماء و الأرض فيقال لأحدهم: خذ بيد أبيك و أمّك و إخوانك و أخواتك و خاصّتك و قراباتك و أخدانك و معارفك، فأدخلهم الجنّة.

فيقول أهل المحشر: يا ربّنا، أمّا الذّنوب فقد عرفناها، فما كانت حسناتهم؟

فيقول اللَّه- عزّ و جلّ- يا عبادي، إنّ أحدهم مشى ببقية دين عليه لأخيه إلى أخيه، فقال له: خذها فإنّي أحبّك بحبّك لعليّ بن أبي طالب. فقال له الآخر: إنّي قد تركتها لك بحبّك لعليّ بن أبي طالب، و لك من مالي ما شئت. فشكر اللَّه- تعالى- لهما، فحطّ به خطاياهما، و جعل ذلك في حشو صحائفهما و موازينهما، و أوجب لهما و لوالديهما الجنّة.

قال: يا بريدة، إنّ من يدخل النّار ببعض عليّ أكثر من الحذف الّذي يرمى عند الجمرات، فإيّاك أن تكون منهم.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ‏: يغطّين وجوههنّ و أبدانهنّ بملاحفهنّ إذا برزن لحاجة.

و «من» للتّبعيض. فإنّ المرأة ترخي بعض جلبابها و تتلفّع ببعض.

ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يُعْرَفْنَ‏: يميّزن من الإماء و القينات.

فَلا يُؤْذَيْنَ‏: فلا يؤذيهنّ أهل الرّيبة بالتّعرض‏ (2) لهنّ.

و في مجمع البيان‏ (3): إنّ أهل الريبة كانوا يمازحون الإماء، و ربّما كان يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر. فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبناهنّ إماء. فقطع اللَّه عذرهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): إنّه كان سبب نزولها، أنّ النّساء كنّ يجئن إلى المسجد و يصلّين خلف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فإذا كان باللّيل و خرجن إلى صلاة

____________

(1) المصدر: أوفّرها.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: بالتعريض.

(3) مجمع البيان 4/ 370.

(4) تفسير القمي 2/ 196.

444

المغرب و العشاء الآخرة و الغداة، يقصد الشّبّان‏ (1) لهنّ في طريقهنّ فيؤذونهن‏ (2) و يتعرّضون‏ (3) لهنّ.

فأنزل اللَّه‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُ‏ (الآية).

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً: لما سلف.

رَحِيماً (59): بعباده. حيث يراعي مصالحهم حتّى الجزئيّات منها.

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ‏: عن نفاقهم.

وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: ضعف إيمان و قلّة ثبات عليه، أو فجور عن تزلزلهم في الدّين، أو فجورهم.

وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: يرجفون أخبار السّوء عن سرايا المسلمين و نحوها. من إرجافهم. و أصله، التّحريك. من الرّجفة: و هي الزّلزلة. سمّي به الإخبار الكاذب، لكونه متزلزلا غير ثابت.

لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏: لنأمرنّك بقتالهم و إجلائهم، أو ما يضطرّهم إلى طلب الجلاء.

ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ‏: عطف على «لنغرينّك». و «ثمّ» للدّلالة على أنت الجلاء و مفارقة جوار الرّسول أعظم ما يصيبهم.

فِيها: المدينة.

إِلَّا قَلِيلًا (60): زمانا، أو جوارا قليلا.

مَلْعُونِينَ‏: نصب على الشّتم، أو الحال. و الاستثناء شامل له- أيضا-، أي:

لا يجاورونك إلّا ملعونين.

و لا يجوز أن ينتصب عن قوله: أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61): لأنّ ما بعد كلمة الشّرط لا يعمل فيما قبلها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏، أي: شكّ. وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ [فِيها إِلَّا قَلِيلًا. فإنّها] (5) نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «الشباب لهم» بدل «اشبان لهنّ».

(2) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

فيوذيهنّ.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: يتعرّض.

(4) تفسير القمي 2/ 196- 197.

(5) ليس في المصدر.

445

و آله و سلم- إذا خرج إلى بعض غزواته. يقولون: قتل و أسر. فيغتمّ المسلمون لذلك، و يشكون إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في ذلك‏ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏، أي: شكّ‏ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏] (1) ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا.، أي: نأمرك بإخراجهم من المدينة إلّا قليلا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا.

و في رواية أبي الجارود (2): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: مَلْعُونِينَ‏ فوجبت عليهم اللّعنة بقول اللَّه بعد اللّعنة [أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا.] (3).

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ‏: مصدر مؤكّد، أي: سنّ اللَّه ذلك في الأمم الماضية، و هو أن يقتل الّذين نافقوا الأنبياء و سعوا في وهنهم بالإرجاف و نحوه أينما ثقفوا.

وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62): لأنّه لا يبدّلها، و لا يقدر أحد أن يبدّلها.

يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ: عن وقت قيامها، استهزاء و تعنّتا، أي امتحانا.

قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ‏: لم يطلع عليه أحدا، لا ملكا و لا نبّيا.

وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63): شيئا قريبا، أو تكون السّاعة عن قريب. و انتصابه على الظّرف. و يجوز أن يكون التّذكير، لأنّ السّاعة في معنى اليوم. و فيه تهديد للمستعجلين و إسكات للمتعنّتين.

إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64): نارا شديدة الإيقاد.

خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا: يحفظهم.

وَ لا نَصِيراً (65): يدفع العذاب عنهم.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و لا يلعن اللَّه مؤمنا. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً. خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً.

____________

(1) ليس في المصدر. و فيه: «إلى قوله» بدلا منه.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 2/ 31، ضمن حديث 1. و أوّله في ص 28.

446

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ: تصرّف من جهة إلى جهة، كالّلحم يشوى بالنّار.

أو (1) من حال إلى حال.

و قرئ: «تقلّب»، بمعنى: تتقلّب. [و تقلّب.

و] (2) متعلّق الظّرف‏ (3) يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا (66): فلن نبتلي بهذا العذاب.

وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا، يعنون: قادتهم الّذين لقّنوهم الكفر.

و قرأ ابن عامر و يعقوب: «ساداتنا» على جمع الجمع، للدّلالة على الكثرة (4).

فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67): بما زيّنوه لنا.

رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ‏: مثلي ما آتيتنا منه. لأنّهم ضلّوا و أضلّوا.

وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68): كثير العدد.

و قرأ عاصم، بالياء، أي: لعنا هو أشدّ اللّعن و أعظمه‏ (5).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ: فإنّها كناية عن الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم. يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا.، يعني: في أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه). وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. و هما رجلان. و السّادة و الكبراء، هما أوّل من بدأ بظلمهم و غصبهم. و قوله- عزّ و جلّ-: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، أي: طريق الجنّة. و السّبيل:

أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في مصباح شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(7)- خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- خطب بها يوم الغدير، و فيها يقول- (عليه السلام)-: و تقرّبوا إلى اللَّه بتوحيده و طاعة من أمركم أن تطيعوه. و لا تمسكوا بعصم الكوافر، و لا يخلج بكم الغيّ‏ (8)، فتضلّوا عن سبيل الرّشاد باتّباع أولئك الّذين ضلّوا و أضلّوا. قال اللَّه- عزّ من قائل- في طائفة ذكرهم بالذّمّ في كتابة: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: أي.

(2) من م و المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 253.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمي 2/ 197.

(7) مصباح المتهجّد/ 701.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: البغى‏ء.

447

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا:

فأظهر براءته من مقولهم، يعني: مؤدّاه و مضمونه.

قيل‏ (1): و ذلك أنّ قارون حرّض امرأة على قذفه بنفسها، فعصمه كما مرّ في القصص.

أو اتّهمه ناس بقتل هارون لمّا خرج معه إلى الطّور فمات هناك، فحملته الملائكة و مرّوا بهم حتّى رأوه غير مقتول. و قيل: أحياه اللَّه فأخبرهم ببراءته‏ (2).

أو قذفوه بعيب في بدنه من بصر أو أدرة (3) لفرط تستّره حياء، فأطلعهم اللَّه على أنّه بري‏ء منه.

أو (4): نسبوه إلى السّحر و الجنون و الكذب من بعد ما رأوا الآيات، فبّرأه اللَّه منه.

وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69): ذا قربة و وجاهة. أو خطر عند اللَّه لا يسأل شيئا إلّا أعطاه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسى ما للرّجال.

و كان موسى إذا أراد الاغتسال، ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد من النّاس. فكان يوما يغتسل على شطّ نهر، و قد وضع ثيابه على صخرة، فأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الصّخرة فتباعدت عنه حتّى نظر بنو إسرائيل إليه فعلموا أنّه ليس كما قالوا. فأنزل اللَّه‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ (الآية).

أخبرنا الحسين بن محمّد (6)، عن معلى بن محمّد، عن أحمد بن النّضر، عن محمّد بن مروان رفعه إليهم- (عليهم السلام)- قال: يا أيّها الّذين آمنوا لا تؤذوا رسول اللَّه في عليّ و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)، كما آذوا موسى فبّرأه اللَّه ممّا قالوا.

و في مجمع البيان‏ (7): و اختلف فيما أوذي به موسى على أقوال:

أحدها،

أنّ موسى و هارون صعدا الجبل فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 253.

(2) المصدر: ببراءة موسى.

(3) الأدرة: انتفاخ الخصية، لتسرّب سائل فيها.

و: الخصية المنتفخة. ج: أدر.

(4) مجمع البيان 4/ 372.

(5) تفسير القمي 2/ 197.

(6) نفس المصدر و الموضع. و في أ و م و ن: و في أصول الكافي أخبرنا الحسين بن محمّد ...

(7) مجمع البيان 4/ 372. و فيه: و اختلفوا ...

448

قتلته. فأمر اللَّه الملائكة، فحملته حتّى مرّوا به على بني إسرائيل، تكلّمت الملائكة بموته حتّى عرفوا أنّه قد مات و برّأه اللَّه من ذلك. عن عليّ- (عليه السلام)-.

و ثانيها،

أنّ موسى- (عليه السلام)- كان حييّا ستيرا (1) يغتسل وحده. فقالوا: ما تستر (2) منّا إلّا لعيب بجلده، إمّا برص، و إمّا أدرة. فذهب مرّة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، فمرّ الحجر بثوبه، فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرّجال خلقا، فبّرأه اللَّه ممّا قالوا. رواه أبو هريرة مرفوعا.

و في أمالي الصّدوق‏ (3)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- لعلقمة: يا علقمة، إنّ رضا النّاس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط. ألم ينسبوا موسى- (عليه السلام)- إلى أنّه عنّين و آذوه، حتّى برّأه اللَّه ممّا قالوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ‏: في ارتكاب ما يكرهه، فضلا عمّا يؤذي رسوله.

وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70): قاصدا إلى الحقّ. من سدّ، يسدّ، سدادا، و المراد، النّهي عن ضدّه.

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ‏: يوفّقكم للأعمال الصّالحة. أو يصلحها بالقبول و الإثابة عليها.

وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏: و يجعلها مكفّرة باستقامتكم في القول و العمل.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال:

قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- لعبّاد بن كثير البصريّ الصّوفيّ: ويحك يا عبّاد، غرّك أن عفّ بطنك و فرجك. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ‏. اعلم أنّه لا يقبل‏ (5) اللَّه- عزّ و جلّ- منك شيئا، حتّى تقول قولا عدلا.

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏: في الأوامر و النّواهي.

فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71): يعيش في الدّنيا حميدا و في الآخرة سعيدا.

____________

(1) الحييّ، ذو الحياء. و الستير: العفيف.

(2) المصدر: يستتر.

(3) أمالي الصدوق/ 91 و 92، ضمن حديث 3.

(4) الكافي 8/ 107، ح 81.

(5) المصدر: لا يتقبّل.

449

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ في ولاية عليّ و الأئمّة (2) من بعده‏ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً. هكذا نزلت.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن عليّ بن أسباط، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ في ولاية عليّ و الأئمّة من بعده‏ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً.

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ‏ [قيل‏ (4): تقرير للوعد السّابق بتعظيم الطّاعة. و سمّاها أمانة من حيث أنّها واجبة الأداء.

و المعنى: أنّها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام‏ (5) العظام و كانت ذات شعور و إدراك، لأبين أن يحملنها و أشفقن منها. و حملها الإنسان‏] (6) مع ضعف بنيته و رخاوة قوّته، لا جرم فاز الرّاعي لها و القائم بحقوقها بخير الدّارين.

إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً: حيث لم يف بها و لم يراع حقّها.

جَهُولًا (72): يكنه عاقبتها. و هذا وصف للجنس، باعتبار الأغلب.

و قيل‏ (7): المراد بالأمانة، الطّاعة الّتي تعمّ الطّبيعية و الاختياريّة. و بعرضها، استدعاؤها الّذي يعمّ طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره. و بجملها، الخيانة [فيها و الامتناع عن أدائها. و منه قولهم: حامل الأمانة و محتملها، لمن لا يؤدّيها] (8) فتبرأ ذمّته. فيكون الإباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتّى منه. و الظّلم و الجهالة، الخيانة و التّقصير.

و قيل‏ (9): إنّه- تعالى- لمّا خلق [هذه الأجرام، خلق‏] (10) فيها فهما. و قال لها: إنّي‏

____________

(1) نفس المصدر 1/ 414، ح 8.

(2) المصدر: و [ولاية] الأئمة.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 167.

(4) أنوار التنزيل 2/ 254.

(5) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

الأجسام.

(6) ليس في س.

(7) نفس المصدر 2/ 253- 254.

(8) من المصدر و ن.

(9) نفس المصدر 2/ 253- 254.

(10) من المصدر.

450

فرضت فريضة، و خلقت جنّة لمن أطاعني فيها و نارا لمن عصاني.

فقلن: نحن مسخّرات على ما خلقتنا، لا نحتمل فريضة و لا نبتغي ثوابا و لا عقابا.

و لمّا خلق آدم، عرض عليه مثل ذلك فحمله. فكان ظلوما لنفسه بتحمّل [ما يشقّ عليها، جهولا بوخامة عاقبته‏ (1).

و لعلّ المراد بالأمانة، العقل أو التّكليف و بعرضها عليهنّ، اعتبار بالإضافة إلى استعدادهنّ.] (2) و بإبائهنّ، الإباء الطّبيعيّ الّذي هو عدم اللّياقة و الاستعداد. و بحمل الإنسان، قابليّته و استعداده لها. و كونه ظلوما جهولا، لما غلب عليه من القوّة الغضبيّة و الشّهويّة.

و على هذا يحسن أن يكون علّة للحمل عليه فإنّ من فوائد العقل، أن يكون مهيمنا على القوّتين، حافظا لهما عن التّعدّي و مجاوزة الحدّ. و معظم مقصود التّكليف تعديلهما و كسر سورتهما.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المتفرّقة، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال: سألت عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها [وَ أَشْفَقْنَ مِنْها (الآية)] (4) فقال: الأمانة، الولاية. من ادّعاها بغير حقّ [، فقد] (5) كفر.

و في كتاب معاني الأخبار (6)، بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر قال:

قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- خلق الأزواج قبل الأجساد بألفي عام. فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة (7)- (عليهم السلام)-. فعرضها على السّماوات و الأرض و الجبال، فغشيها نورهم.

فقال اللَّه- تبارك و تعالى- السّماوات و الأرض و الجبال: هؤلاء أحبّائي و أوليائي‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بتحمّل ما شق جهولا و خامة عاقبته» بدل «بتّحمله ما يشقّ عليها جهولا بوخامة عاقبته».

(2) ليس في أ.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 306، ح 66.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) معاني الأخبار/ 108- 110، ح 1.

(7) المصدر: و الأئمة [بعدهم‏].

451

و حججي على خلقي و أئمّة بريّتي، ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منهم. لهم و لمن تولّاهم خلقت جنّتي، و لمن خالفهم و عاداهم خلقت ناري. فمن ادّعى منزلتهم منّي و محلّهم من عظمتي، عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، و جعلته مع المشركين في أسفل درك من ناري. و من أقرّ بولايتهم و لم يدّع منزلتهم منّي و معانهم من عظمتي، جعلته‏ (1) معهم في روضات جنّاتي، و كان لهم فيها ما يشاءون عندي، و أبحتهم كرامتي، و أحللتهم جواري، و شفّعتهم في المذنبين من عبادي و إمائي. فولايتهم أمانة عند خلقي. فأيّكم يحملها بأثقالها و يدّعيها لنفسه‏ (2)؟

فأبت السّماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و أشفقن منها، من ادّعاء منزلتها و تمنّي محلّها من عظمة ربّهم‏ (3).

فلمّا أسكن اللَّه- عزّ و جلّ- آدم و زوجته الجنّة قال لهما (4): كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، يعني: شجرة الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏.

فنظر (5) إلى منزلة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم- (صلوات اللّه عليهم)- فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة.

فقالا: ربّنا، لمن هذه المنزلة؟

فقال اللَّه- جل جلاله-: ارفعا رؤوسكما إلى ساق العرش‏ (6).

فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء (7) محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة [بعدهم-] (8) (عليهم السلام)- مكتوبة على ساق العرش بنور اللَّه الجبّار- جلّ جلاله.

فقالا: يا ربّنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، و ما أحبّهم إليك، و ما أشرفهم لديك! فقال اللَّه- جلّ جلاله- لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي و أمنائي على سريّ. إيّاكما أن تنظر إليهم بعين الحسد و تتمنّيا (9) منزلتهم عندي و محلّهم من كرامتي، فتدخلا

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: جعلتهم.

(2) هنا زيادة في المصدر. و هي: دون خيرتي.

(3) المصدر: ربّها.

(4) البقرة/ 35.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فنظر.

(6) المصدر: عرشي.

(7) المصدر: اسم.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: تمينا.

452

بذلك في نهي و عصياني فتكونا من الظّالمين.

قالا: ربّنا، و من الظّالمون؟

قال: المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ.

قالا: ربّنا، فأرنا منازل ظالميهم‏ (1) في نارك حتّى نراها، كما رأينا منزلتهم في جنّتك.

فأمر اللَّه- تبارك و تعالى- النّار، فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النكال و العذاب.

و قال- عزّ و جلّ-: مكان الظّالمين لهم المدّعين منزلتهم في أسفل درك منها، كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، و كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم‏ (2) سواها ليذوقوا العذاب. يا آدم و يا حوّاء، لا تنظر إلى أنواري و حججي بعين الحسد فأهبطكما عن جواري و أحلّ بكما هواني‏ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما، وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ (3) و حملهما على تمنيّ منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة، فعاد مكان ما أكلا شعيرا. فأصل الحنطة كلّها ممّا لم يأكلاه، و أصل الشّعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه.

فلمّا أكلا من الشّجرة، طار الحليّ و الحلل عن أجسادهما و بقيا عريانين‏ وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (4) قالَ اهْبِطا (5) من جواري فلا يجاورني في جنّتي من يعصيني. فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش.

فلمّا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- أنّ يتوب عليهما، جاءهما جبرائيل- (عليه السلام)- فقال لهما: إنكما إن ظلمتما أنفسكما بتمنّي منزلة من فضّل عليكما، فجزاؤكما ما قد عوقبتما من الهبوط من جوار اللَّه إلى أرضه. فسألا ربّكما بحقّ الأسماء الّتي رأيتموها على سابق العرش حتّى يتوب عليكما.

فقالا: اللّهمّ، إنّا نسألك بحقّ الأكرمين عليك، محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: منزلة ظالمهم.

(2) المصدر: بدّلوا (بدّلناهم خ. ل.)

(3) الأعراف/ 20- 22.

(4) الأعراف/ 22- 23.

(5) طه/ 123.

453

و الحسين و الأئمّة، إلّا تبت علينا و رحمتنا. فتاب اللَّه عليهما، إنّه هو التّوّاب الرّحيم. فلم يزل أنبياء اللَّه بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة و يخبرون بها أوصيائهم و المخلصين من أمّتهم، فيأبون حملها و يشفقون من ادّعائها، و حملها الإنسان الّذي قد عرف. فأصل كلّ ظلم منه، إلى يوم القيامة. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

حدّثنا [محمّد بن‏] (1) موسى بن المتوكّل- رضي اللَّه عنه‏ (2)- قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن مروان بن مسلم، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

قال: الأمانة، الولاية. و الإنسان، أبو البشر. روي: المنافق‏ (3).

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن إسحاق بن عمّار، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

قال: هي ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ‏، أنّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- كان إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين- (6) بكلمات.

يقول: تعاهدوا الصّلاة، و حافظوا عليها، و استكثروا منها و تقرّبوا بها. ثمّ أنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام على أهل الإسلام، و من لم يعطها طيّب النّفس بها يرجو بها من الثّمن ما هو أفضل منها، فإنّه جاهل بالسّنّة مغبون الأجر ضالّ العمر طويل النّدم‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 110، ح 2.

(3) المصدر: «الإنسان أبو الشرور المنافق» بدل «الإنسان أبو البشر و روى المنافق».

(4) الكافي 1/ 413، ح 2.

(5) نفس المصدر 5/ 36 و 37، مقطعين من حديث 1.

(6) المصدر: للمسلمين.

454

بترك أمر اللَّه- تعالى- و الرّغبة عمّا عليه. صالحوا عباد اللَّه، يقول اللَّه- عزّ و جلّ- (1): وَ مَنْ‏ ... يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى‏ من الأمانة. فقد خسر من ليس من أهلها، و ضلّ عمله، و عرضت على السّماوات المبنيّة و الأرض المهاد و الجبال المنصوبة، فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم، لو امتنعت‏ (2) من طول أو عرض أو قوّة أو عزّة (3) امتنعن و لكن أشفقن من العقوبة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (4): ثمّ أداء الأمانة، فقد خاب من ليس أهلها. إنّها عرضت على السّماوات المبنيّة و الأرض‏ (5) المدحوّة و الجبال ذات الطّول المنصوبة، فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها، و لو امتنع شي‏ء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّلا امتنعن، و لكن أشفقن من العقوبة و عقلن ما جهل من‏ (6) أضعف منهنّ و هو الإنسان‏ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- لبعض الزّنادقة- و قد قال: و أجده يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

فما هذه الأمانة، و من هذا الإنسان؟ و ليس من صفة (8) القدير الحكيم‏ (9) التّلبيس على عباده.

و أمّا الأمانة الّتي ذكرتها، فهي الأمانة الّتي لا تجب و لا تجوز أن تكون إلّا في الأنبياء و أوصيائهم. لأنّ اللَّه- تبارك و تعالى- ائتمنهم على خلقه و جعلهم حججا في أرضه.

فبالسّامريّ‏ (10) و من اجتمع معه و أعانه من الكفّار [على‏] (11) عبادة العجل عند غيبة موسى، ما تمّ انتحال محلّ‏ (12) موسى من الطّغام‏ (13) و الاحتمال لتلك الأمانة الّتي لا ينبغي إلّا لطاهر من‏

____________

(1) النساء/ 115.

(2) المصدر: لو امتنعن.

(3) هنا في المصدر زيادة. و هي: أو عظم.

(4) نهج البلاغة/ 317- 318، ذيل خطبة 199.

(5) المصدر: الأرضين.

(6) المصدر: من هو.

(7) الاحتجاج 1/ 364 و 374.

(8) المصدر: صفته.

(9) المصدر: «العزيز العليم» بدل «القدير الحكيم».

(10) المصدر: و السامريّ.

(11) من المصدر.

(12) هكذا في المصدر. و في النسخ: مجلس.

(13) هكذا في المصدر. و في النسخ: الطعام.

و الطعام: أرذال الناس و أوغادهم.

455

الرّجس. فاحتمال وزرها و وزر من سلك سبيله من الظّالمين و أعوانهم. و لذلك قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من استنّ بسنّة حقّ، كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة. [و من استنّ سنّة باطل، كان عليه و وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة.] (1)

و في عوالي اللآلئ‏ (2): و في الحديث‏ أنّ عليّا- (عليه السلام)- إذا حضرت وقت الصّلاة يتململ و يتزلزل و يتلوّن.

فيقال له: مالك، يا أمير المؤمنين؟

فيقول: جاء وقت الصّلاة، وقت أمانة عرضها [اللَّه‏] (3) على السّماوات و الأرض [و الجبال‏] (4) فأبين أن يحملنها و أشفقن منها.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): الحسين بن سعيد، عن الحسن بن عليّ، عن عليّ بن النعمان و أبي [المغراء و] (6) الوليد بن مدرك، عن إسحاق قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يبعث إلى الرّجل يقول له: ابتع لي ثوبا. فيطلب له في السّوق، فيكون عنده مثل ما يجد له في السّوق، فيعطيه من عنده؟

قال: لا يقربنّ هذا و لا يدنّس نفسه. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا. و إن كان عنده خير ممّا يجد له في السّوق، فلا يعطيه من عنده.

و في بصائر الدّرجات‏ (7): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد [، عن عثمان بن سعيد،] (8) عن مفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قال: الولاية. فأبين أن يحملنها [كفرا بها و عنادا (9)، و حملها الإنسان. و الإنسان الّذي حملها، أبو فلان.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) عوالي اللّآلئ 1/ 324، ح 62.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) تهذيب الأحكام 6/ 352، ح 999.

(6) من المصدر.

(7) بصائر الدرجات/ 96، ح 3.

(8) ليس في المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «كفرا» بدل «كفرا بها و عنادا».

456

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قال‏] (2): الأمانة، هي الإمامة و الأمر و النّهي. و الدّليل على أنّ الأمانة هي الإمامة [قوله- عزّ و جلّ- للأئمّة (3)- (صلوات اللّه عليهم)(4)-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها، يعني: الإمامة. فالأمانة، هي الإمامة] (5) عرضت‏ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها. قال: أبين أن يدّعوها أو يغصبوها أهلها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ‏، أي: الأوّل‏ (6) إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

و في شرح الآيات الباهرة (7): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين‏ (8)، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه‏ (9) جَهُولًا قال: يعني بها: ولاية عليّ بن أبي طالب.

و يؤيّده ما

رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)(10)- بطريق آخر: عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن مسكان‏ (11)، عن إسحاق بن عمّار في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ (إلى آخر الآية) قال: هي الولاية لأمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه و على ذرّيّته الطّيّبين) ، صلاة باقية دائمة إلى يوم الدّين.

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 198.

(2) ليس في أ.

(3) المصدر: في الأئمة.

(4) النساء/ 58.

(5) ليس في ن.

(6) «أي الأوّل» ليس في ن. و في المصدر: أي فلان.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 168.

(8) المصدر: «الحكيم بن مسكان». ر. تنقيح المقال 1/ 360، رقم 3248.

(9) ليس في المصدر. و «ظلوما لنفسه» ليس في أ.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) المصدر: «محمد بن الحسن عن الحكم بن مسكان» بدل «محمد بن الحسين عن الحسن بن مسكان». و لم نعثر على «الحكم بن مسكان» في كتب الرجال. و أمّا بالنسبة إلى «الحسن بن مسكان» ر. تنقيح المقال 1/ 310، رقم 2756.

457

الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏: تعليل للحمل، من حيث أنّه نتيجة، كالتّأديب للّضرب في:

ضربته تأديبا.

و ذكر التّوبة في الوعد، إشعار بأنّ كونهم‏ ظَلُوماً جَهُولًا في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات.

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73): حيث تاب على فرطاتهم، و أثاب بالفوز على طاعاتهم.

459

تفسير سورة سبأ

461

سورة سبأ مكّيّة. و قيل‏ (1): إلّا وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ أربع أو خمس و خمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى ابن اذينة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ (3) الحمدين جميعا، حمد سبأ و حمد فاطر (4) في ليلة، لم يزل في ليله‏ (5) في حفظ اللَّه و كلاءته. فإن قرأهما في نهاره، لم يصبه في نهاره مكروه، و أعطي من خير الدّنيا و خير الآخرة ما لم يخطر على قلبه و لم يبلغ مناه.

و في مجمع البيان‏ (6): أبي بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قرأ سورة سبأ، لم يبق نبيّ و لا رسول إلّا كان له يوم القيامة رفيقا و مصافحا.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏: خلقا و نعمة. فله الحمد في الدّنيا، لكمال قدرته و على تمام نعمته.

وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ: لأنّ ما في الآخرة- أيضا- كذلك. و ليس هذا من عطف المقيّد على المطلق، فإنّ الوصف يدلّ على أنّه المنعم بالنّعم الدّنيويّة، فقيّد الحمد بها.

و تقديم الصّلة للاختصاص، فإنّ النّعم الدّنيويّة قد تكون بواسطة من يستحقّ الحمد لأجلها،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 254.

(2) ثواب الأعمال/ 137- 138، ح 1.

(3) «من قرأ» ليس في المصدر.

(4) هنا زيادة في المصدر. و هي: من قرأهما.

(5) المصدر: ليلته.

(6) مجمع البيان 4/ 375.

462

و لا كذلك نعم الآخرة.

وَ هُوَ الْحَكِيمُ‏: الّذي أحكم أمور الدّارين.

الْخَبِيرُ (1): ببواطن الأشياء.

يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ‏: كالغيث، ينفذ في موضع [و يخرج من موضع‏] (1) آخر.

و كالكنوز و الدّفائن و الأموات.

وَ ما يَخْرُجُ مِنْها: كالحيوان و النّبات و الفلزّات و ماء العيون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(2)-: و قوله- عزّ و جلّ-: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ‏ قال: ما يدخل فيها. وَ ما يَخْرُجُ مِنْها قال: من النّبات.

وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، كالملائكة و الكتب و المقادير و الأرزاق و الأنداء و الصّواعق.

وَ ما يَعْرُجُ فِيها، كالملائكة و أعمال العباد و الأبخرة و الأدخنة.

وَ هُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2): للمفرّطين في شكر نعمة مع كثرتها. أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النّعم الفائتة للحصر.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: منكروا البعث.

لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ: إنكار لمجيئها. أو استبطاء، استهزاء (3) بالوعد به.

قُلْ بَلى‏ وَ رَبِّي‏: ردّ لكلامهم، و إثبات لما نفوه.

لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ‏: تكرير لإيجابه، مؤكّدا بالقسم، مقرّرا لوصف المقسم به بصفات تقرّر إمكانه و تنفي استبعاده- على ما مرّ غير مرّة.

و قرأ حمزة و الكسائيّ: «علّام الغيب» للمبالغة. و نافع و ابن عامر و رويس: «عالم الغيب» بالرّفع. على أنّه خبر [مبتدأ] (4) محذوف. أو مبتدأ، خبره‏ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏ (5).

و قرأ الكسائيّ: «لا يعزب» بالكسر (6) ..

وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (3): جملة مؤكّدة لنفي‏

____________

(1) من ن.

(2) تفسير القمي 2/ 198.

(3) هكذا في ن و م. و في سائر النسخ: استظهار.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 255.

(6) نفس المصدر و الموضع.

463

العزوب، رفعهما (1)، بالابتداء. و يؤيّده القراءة، بالفتح، على نفي الجنس‏ (2).

و لا يجوز عطف المرفوع على «مثقال» و المفتوح على «ذرّة» بأنّه فتح في موضع الجرّ، لامتناع الصّرف. لأنّ الاستثناء يمنعه، اللّهمّ، إلّا إذا جعل الضّمير في «عنه» للغيب، و جعل المثبت في اللّوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين‏ (3). فيكون المعنى: لا ينفصل عن الغيب شي‏ء إلّا مسطورا في اللّوح.

و في أصول الكافي‏ (4): عنه، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله‏ (5):

ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ‏ فقال: هو واحد، واحديّ الذّات، بائن من خلقه و بذلك وصف نفسه. و هو بكلّ شي‏ء محيط، بالإشراف و الإحاطة و القدرة لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ بالإحاطة و العلم بالذّات. لأنّ الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة. فإذا كان بالذّات، لزمها الحواية.

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: علّة لقوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ‏، و بيان لما يقتضي إتيانها.

أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ (4): لا تعب فيه، و لا من عليه.

وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا: بالإبطال، و تزهيد النّاس فيها.

مُعاجِزِينَ‏: مقدرين إعجاز ربّهم، و ظانّين أنّهم يفوتونه.

و قيل‏ (6): مُعاجِزِينَ‏ مسابقين كي يفوتونا.

و قرأ ابن كثير و أبو عمرو: «معجزين»، أي: مثبّطين عن الإيمان من أراده‏ (7).

أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ: من سيّ‏ء العذاب.

أَلِيمٌ‏ (5) (8): مؤلم. و رفعه ابن كثير و يعقوب و حفص‏ (9).

____________

(1) هكذا في م. و في سائر النسخ: رفعها.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ن: الطالعين.

(4) الكافي 1/ 126- 127، ح 5.

(5) المجادلة/ 7.

(6) مجمع البيان 4/ 377.

(7) أنوار التنزيل 2/ 255.

(8) «أليم» هي مرفوعة. لانّها صفة «لعذاب» و ليس «لرجز».

(9) نفس المصدر و الموضع.

464

وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏: يعلم أولوا العلم من الصّحابة، و من شايعهم من الأمّة. أو من مسلمي أهل الكتاب. أو كلّ من أوتي العلم بالدّين.

الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏: القرآن.

هُوَ الْحَقَ‏: و من رفع «الحقّ» جعل «هو» ضميرا مبتدأ، و «الحقّ» خبره.

و الجملة ثاني مفعولي «يرى». و هو مرفوع مستأنف للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة السّاعين في الآيات.

و قيل‏ (1): منصوب معطوف على «ليجري»، أي: ليعلم أولو العلم عند مجي‏ء السّاعة أنّه الحقّ عيانا، كما علموه الآن برهانا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: أوّل ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب. فكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

و قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ‏ فقال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

وَ يَهْدِي إِلى‏ صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6): الّذي هو التّوحيد، و التّدرّع بلباس التّقوى.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: قال بعضهم لبعض: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى‏ رَجُلٍ‏:، يعنون:

محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

يُنَبِّئُكُمْ‏: يحدّثكم بأعجب الأعاجيب.

إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7): إنكم تنشؤون خلقا جديدا، بعد أن تمزّق أجسادكم كلّ تمزيق و تفريق، بحيث تصير ترابا.

و تقديم الظّرف، للدّلالة على البعد و المبالغة فيه. و عامله محذوف دلّ عليه ما بعده، فإنّ ما قبله لم يقارنه و ما بعده مضاف إليه. أو محجوب بينه و بينه «بأن».

و «ممزّق» يحتمل أن يكون مكانا، بمعنى: إذا مزّقتم و ذهبت بكم السّبول كلّ مذهب و طرحتكم كلّ مطرح.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 198.

465

و «جديد» بمعنى فاعل. من جدّ، فهو جديد، كحدّ، فهو جديد.

و قيل‏ (1): بمعنى: مفعول. من جدّ النّسّاج [الثّوب:] (2) إذا قطعه.

أَفْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ: جنون يوهمه ذلك و يلقى على لسانه.

و استدلّ بجعلهم إيّاه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه، على أنّ بين الصّدق و الكذب واسطة، و هي كلّ خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه و ضعفه بيّن. لأنّ الافتراء أخصّ من الكذب.

بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَ الضَّلالِ الْبَعِيدِ (8): ردّ من اللَّه عليهم ترديدهم، و إثبات لهم‏ (3) ما هو أفظع من القسمين، و هو الضّلال البعيد عن الصّواب بحيث لا يرجى الخلاص منه و ما هو مؤدّاه من العذاب. و جعله رسيلا له في الوقوع و مقدّما عليه في اللّفظ، للمبالغة في استحقاقهم له.

و البعد في الأصل صفة الضّالّ، و وصف الضّلال به على الإسناد المجازيّ.

أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ: تذكير بما يعاينونه، ممّا يدلّ على كمال قدرة اللَّه- تعالى- و ما يحتمل فيه إزاحة لاستحالتهم الإحياء، حتّى جعلوه افتراء و هزءا و تهديدا عليها.

و المعنى: أعموا، فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السّماء و الأرض، و لم يتفكّروا أهم أشدّ خلقا أم هي. و إنّا إن نشأ، نخسف بهم‏ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البيّنات.

و قرأ حمزة و الكسائي: «يشأ و يخسف و يسقط، بالياء. لقولهم: أفترى على الله.

و حفص: «كسفا» بالتّحريك‏ (4).

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: النّظر و التّفكّر فيهما و ما يدلّان عليه.

لَآيَةً: لدلالة.

لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏ (9): راجع إلى ربّه. فإنّه يكون كثير التّأمّل في أمره.

وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا، أي: على سائر الأنبياء، و هو ما ذكر بعد. أو على سائر النّاس، فيندرج فيه النّبوّة و الكتاب و الملك و الصّوت الحسن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 256.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: إثابتهم.

(4) أنوار التنزيل 2/ 256.

466

يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ‏: رجّعي معه التّسبيح. و ذلك إمّا بخلق صوت مثل صوته، أو بحملها إيّاه على التّسبيح إذا تأمّل فيها. أو سيري معه حيث سار.

و قرئ: «أوبي» [من الأوب‏]، أي: ارجعي في التّسبيح كلّما رجع فيه. و هو بدل من «فضلا»، أو من «آتينا» بإضمار «قولنا» [أو «قلنا] (1).

وَ الطَّيْرَ: عطف على محلّ «الجبال». و يؤيّده القراءة بالرّفع، عطفا على لفظها، تشبيها للحركة البنائية العارضة بالحركة الإعرابيّة. أو على «فضلا». أو مفعول [معه‏] (2) «لأوّبي»، و علي هذا يجوز أن يكون الرّفع بالعطف على ضميره. و كان الأصل: و لقد آتينا داود منّا فضلا تأويب الجبال و الطّير. فبدّل بهذا النّظم لما فيه من الفخامة و الدّلالة على عظمة شأنه و كبرياء سلطانه، حيث جعل الجبال و الطّير كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها (3).

وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10): جعلناه في يده كالشّمع، يصرّفه كيف يشاء من غير إحماء و طرق بالمطرقة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال- جلّ ذكره-: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ‏، أي: سبّحي للَّه‏ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ

قال: كان داود- (عليه السلام)- إذا مرّ في البراري يقرأ الزّبور تسبّح الجبال و الطّير و الوحوش معه. و ألان اللَّه- عزّ و جلّ- له الحديد مثل الشّمع، حتّى كان يتّخذ منه ما أحبّ.

و قال الصّادق- (عليه السلام)-: اطلبوا الحوائج يوم الثّلاثاء، فإنّه اليوم الّذي ألان اللَّه فيه الحديد لداود- (عليه السلام)-.

و فيه‏ (5): قال: أعطي داود و سليمان- (عليهما السلام)- ما لم يعط أحد من أنبياء اللَّه من الآيات، علّمهما منطق الطّير، و ألان لهما الحديد و الصّفر من غير نار، و جعلت الجبال يسبّحن مع داود- (عليه السلام)-.

و في كتاب المناقب‏ (6)، لابن شهر آشوب. كتاب الإرشاد للزّهريّ: قال سعيد بن‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و الزّيادتان من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمي 2/ 199.

(5) نفس المصدر 2/ 126.

(6) مناقب آل أبي طالب 4/ 136- 137.

467

المسيّب: كان النّاس لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-.

فخرج و خرجت معه. فنزل في بعض المنازل، فصلّى ركعتين. فسبّح‏ (1) في سجوده، فلم يبق شجر و لا مدر إلّا سبّحوا معه. ففزعت منه.

فرفع رأسه فقال: يا سعيد، أفزعت؟

قلت: نعم، يا ابن رسول اللَّه.

فقال: هذا التّسبيح الأعظم.

و في رواية سعيد بن المسيّب‏ (2) قال: كان القرّاء لا يحجّون حتّى يحجّ زين العابدين- (عليه السلام)-. و كان يتّخذ لهم السّويق الحلو و الحامض، و يمنع‏ (3) نفسه. فسبق يوما إلى الرّحل، فألفيته‏ (4) و هو ساجد. فو الّذي نفس سعيد بيده، لقد رأيت الشّجر و المدر و الرّحل و الرّاحلة يردّون عليه مثل كلامه.

و في أصول الكافي‏ (5)، بإسناده إلى سالم بن أبي حفصة العجليّ: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان في رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثلاثة لم تكن في أحد غيره: لم يكن له في‏ء، و كان لا يمرّ في طريق فيمر فيه بعد يومين أو ثلاثة إلّا عرف قد مرّ فيه لطيب عرفه، و كان يمرّ بحجر و لا شجر إلّا سجد له.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن عليّ بن جعفر قال: جاء رجل إلى أخي موسى بن جعفر- (عليه السلام)- فقال له: جعلت فداك، أريد الخروج [إلى السّفر] (7) فادع لي.

قال- (عليه السلام)-: و متى تخرج؟ إلى أن قال- (عليه السلام)-: ألا أدلّك على يوم سهل‏ (8) ألان اللَّه فيه الحديد لداود- (عليه السلام)؟

قال الرّجل: بلى، جعلت فداك.

قال: اخرج يوم الثّلاثاء.

و في روضة الكافي‏ (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد جميعا، عن القاسم بن‏

____________

(1) المصدر: سبّح.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل: «يمتنع». و في سائر النسخ: «يمنعه».

(4) م و س و أ: فأتيته.

(5) الكافي 1/ 442، ح 11.

(6) الخصال/ 385، ح 67.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: سهل ليّن.

(9) الكافي 8/ 143، ذيل حديث 109.

468

محمّد، عن سليمان بن المنقريّ، عن حفص [بن غياث‏] (1) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: و من تعذّرت عليه الحوائج، فليلتمس طلبها يوم الثّلاثاء. فإنّه اليوم الّذي ألان اللَّه فيه الحديد لداود- (عليه السلام)-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى هشام بن سالم: عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث‏ يذكر فيه قصّة داود- (عليه السلام)-: أنّه خرج يقرأ الزّبور [و كان إذا قرأ الزّبور،] (3) لا يبقى جبل و لا حجر و لا طائر إلّا أجابه‏ (4).

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا داود بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال معه لخوفه.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعطي ما هو أفضل من هذا، أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة، سمع لصدره و جوفه أزيز كأزيز المرجل‏ (6) على الأثافي من شدة البكاء، و قد أمنه اللَّه- عزّ و جلّ- من عقابه. فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، فيكون إماما لمن اقتدى به.

و لقد قام- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عشر سنين على أطراف أصابعه، حتّى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه، يقوم اللّيل أجمع حتّى عوتب في ذلك. فقال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (7)-:

طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏. بل لتسعد به. و لقد كان يبكي حتّى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول اللَّه، أليس اللَّه- عزّ و جلّ- قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخرّ؟

قال: بلى، أفلا أكون عبدا شكورا.

و لئن سارت الجبال و سبّحت معه، لقد عمل لمحمد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ما هو أفضل من هذا، إذ كنّا معه على جبل حراء إذ تحرّك الجبل، فقال له: قرّ، فإنّه ليس‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كمال الدين و تمام النعمة/ 524، صدر حديث 6.

(3) ليس في الأصل و م.

(4) المصدر: جاوبته.

(5) الاحتجاج 1/ 325 و 326.

(6) المصدر: أريز كأريز المرجل.

(7) طه/ 1.

469

عليك إلّا نبيّ أو صدّيق شهيد. فقرّ الجبل مجيبا (1) لأمره و منتهيا إلى طاعته.

و لقد مررنا معه بجبل، و إذا الدّموع تجري من بعضه.

فقال له [النّبيّ:] ما يبكيك، يا جبل؟

فقال: يا رسول اللَّه، كان المسيح مرّ بي و هو يخوّف النّاس بنار (2) وقودها النّاس و الحجارة، و أنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة.

قال له: لا تخف، تلك الحجارة الكبريت. فقرّ الجبل و سكن و هدأ و أجاب لقوله.

قال له اليهودي: فهذا داود- (عليه السلام)- قد ليّن اللَّه- عزّ و جلّ- له الحديد فعمل‏ (3) منه الدّروع.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [قد] (4) أعطي ما هو أفضل من هذا، [أنّه‏] (5) ليّن اللَّه- عزّ و جلّ- له الصّمّ الصّخور الصّلاب و جعلها غارا. و لقد غارت الصّخرة تحت يده ببيت المقدس ليّنة حتّى صارت كهيئة العجين، قد رأينا ذلك و التمسناه تحت رايته.

و في الكافي‏ (6): أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن شريف بن سابق، عن المفضّل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- قال: أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- [إلى داود- (عليه السلام)-: إنّك نعم العبد لولا أنّك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا.

قال: فبكى داود أربعين صباحا. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ-] (7) إلى الحديد: أن لن لعبد داود- (عليه السلام)-. فألان اللَّه- عزّ و جلّ- له الحديد. فكان يعمل في كلّ يوم درعا، فيبيعها بألف درهم. فعمل ثلاثمائة و ستّين درعا، فباعها بثلاثمائة و ستّين ألفا و استغنى عن بيت المال.

أَنِ اعْمَلْ‏: أمرناه.

«أن» مفسّرة، أو مصدريّة.

سابِغاتٍ‏: دروعا واسعات.

____________

(1) المصدر: مطيعا.

(2) المصدر: من نار.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: قد يعمل.

4 و 5- من المصدر.

(6) الكافي 5/ 74، ح 5.

(7) ليس في أ.

470

و قرئ: «صابغات». و هو أوّل من اتّخذها (1).

وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ: و قدرّ في نسجها بحيث يتناسب حلقها. أو قدّر مساميرها، فلا تجعلها دقاقا فتقلق و لا غلاظا فتخرق.

و في قرب الإسناد (2) للحميريّ: احمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألنا الرّضا- (عليه السلام)- هل أحد من أصحابكم يعالج السّلاح؟

فقلت: رجل من أصحابنا زرّاد.

فقال: إنّما هو سرّاد. أما تقرأ كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- في قول اللَّه لداود- (عليه السلام)-: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ الحلقة بعد الحلقة.

وَ اعْمَلُوا صالِحاً: الضّمير فيه لداود و أهله.

إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11): فأجازيكم عليه.

وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ‏، أي: و سخّرنا له الرّيح.

و قرأ (3) أبو بكر: «الرّيح» بالرّفع، أي: و لسليمان الرّيح مسخّرة.

و قرئ الرّياح‏ (4).

غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ: جريانها بالغداة مسيرة شهر و بالعشيّ كذلك.

و قرئ: غدوتها و روحتها (5) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ-: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ‏ قال: الدّروع‏ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ قال: المسامير الّتي في الحلقة. و قوله- عزّ و جلّ-: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ قال: كانت الرّيح تحمل كرسيّ سليمان، فتسير به في الغداة مسيرة شهر و في العشيّ مسيرة شهر.

و في كتاب المناقب‏ (7)، لابن شهر آشوب: الأصبغ بن نباتة قال: سألت الحسين- (عليه السلام)- فقلت: يا سيّدي، أسألك عن شي‏ء أنا به موقن و أنّه من سرّ اللَّه و أنت المسرور إليه ذلك السّرّ.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 257.

(2) قرب الاسناد/ 160.

(3) أنوار التنزيل 2/ 257.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمي 2/ 199.

(7) مناقب آل أبي طالب 4/ 52.

471

فقال: يا أصبغ، أ تريد أن ترى مخاطبة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأبي دون‏ (1) يوم مسجد قبا؟

قلت: هو (2) الّذي أردت.

قال: قم.

فإذا أنا و هو بالكوفة. فنظرت، فإذا المسجد من قبل أن يرتدّ إليّ بصري.

فتبسّم- (عليه السلام)- في وجهي.

فقال: يا أصبغ، إنّ سليمان بن داود أعطي الرّيح غدوّها شهر و رواحها شهر، و أنا قد أعطيت أكثر ممّا أعطي سليمان.

فقلت: صدقت، و اللَّه، يا ابن رسول اللَّه.

فقال: نحن الّذين عندنا علم الكتاب و بيان ما فيه و ليس عند أحد (3) من خلقه ما عندنا، لانّا أهل سرّ اللَّه. ثمّ تبسّم‏ (4) في وجهي، ثمّ قال: نحن آل اللَّه و ورثة رسول اللَّه‏ (5)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فقلت: احمد للَّه على ذلك.

ثمّ قال لي: أدخل.

فدخلت، فإذا [أنا] (6) برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- محتب‏ (7) في المحراب بردائه. فنظرت، فإذا أنا بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- قابض على تلابيب الأعسر (8) فرأيت‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لأبي درداء.

يوجد في هامش نسخة م: رأيت إنّما هذا الحديث بعينه في بحار الأنوار و نقلت منها و ذكرته في تأليفي المسمّاة بمكى العنين في مصيبة مولانا أبي عبد اللَّه الحسين. و لفظ الحديث هكذا: أ تريد أن ترى مخاطبة رسول الله- صلى الله عليه و آله و سلم- لأبي دون و تعرّض شيخي- أدام اللَّه فيضه- لبيان لفظ «دون» و قال: المراد به أبو بكر. و يمكن أن يكون به عمر- لعنهما اللَّه- ع ن. عفى عنه.

و أشار في هامش المصدر: حكي عن المجلسي- (رحمه اللّه)-: أنّ المراد بأبي دون، أبو بكر. عبّر به عنه تقيّة. و الدون: الخسيس.

(2) المصدر: «قال هذا» بدل «قلت هو».

(3) المصدر: «لأحد» بدل «عند أحد».

(4) المصدر س و م و أ: «فتبسّم» بدل «ثم تبسّم».

(5) المصدر: رسوله.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: محبتي.

احتبى بالثوب: اشتمل به.

(8) الأعسر: الشديد. أو الشؤم. و المراد به الأوّل أو الثاني، كما ذكره المجلسي- (رحمه اللّه).

472

رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يعضّ الأنامل و هو يقول: بئس الخلف خلّفتني أنت و أصحابك، عليكم لعنة اللَّه و لعنتي. (الخبر انتهى.)

و في عيون الأخبار (1)، عن الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر [، عن أبيه جعفر] (2) بن محمّد- (عليهما السلام)- حديث طويل‏، و قد سبق عند قوله- تعالى-: قالَتْ نَمْلَةٌ (الآية) و فيه: ثمّ قالت النّملة: هل تدري لم سخّرت لك الرّيح من بين سائر المملكة؟

قال سليمان- (عليه السلام)-: ما لي بهذا علم.

قالت النّملة: يعني- عزّ و جلّ- بذلك: لو سخّرت لك جميع المملكة، كما سخّرت لك هذه الرّيح، لكان زوالها من بين يديك كزوال الرّيح. فحينئذ تبسّم ضاحكا من قولها.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)‏- أنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا سليمان قد سخّرت له الرّياح‏ (4)، فسارت في بلاده غدوّها شهر و رواحها شهر.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعطي ما هو [أفضل من هذا، أنّه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السّماوات مسيرة خمسين ألف عام‏] (5) في أقل من ثلث ليلة، حتّى انتهى إلى ساق العرش.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب سعد السّعود (6)، لابن طاوس- (رحمه اللّه)- عن تفسير أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد القزوينيّ، بإسناده إلى أنس بن مالك قال: أهدي لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بساط من قرية يقال لها: بهتدف‏ (7). فقعد عليه عليّ و أبو بكر و عمر و عثمان و الزّبير و عبد الرّحمن بن عوف و سعد.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعليّ‏ (8): يا عليّ، قل: يا ريح، احملينا.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 78، ذيل حديث 8.

(2) من المصدر.

(3) الاحتجاج 1/ 327.

(4) في جميع النسخ سوى الأصل: الريح.

(5) ليس في أ.

(6) سعد السعود/ 112- 113.

(7) ن: «لهتدف». م: «يهتدف». المصدر:

«بهبدت».

(8) ليس في المصدر.

473

فقال عليّ: يا ريح، احملينا. فحملتهم‏ (1). حتّى أتوا أصحاب الكهف. فسلّم أبو بكر و عمر فلم يردّوا (عليهم السلام). ثمّ قام عليّ- (عليه السلام)- فسلّم، فردّوا (عليه السلام).

فقال أبو بكر: يا عليّ، ما بالهم ردّوا عليك و لم يردّوا علينا؟

فقال لهم عليّ: قالوا: إنّا نردّ بعد الموت إلّا على نبيّ أو وصيّ نبيّ.

ثمّ قال عليّ- (عليه السلام)-: يا ريح، احملينا (2). فحملتنا.

ثمّ قال يا ريح، ضعينا. فوضعتنا. فوكز (3) برجله الأرش فتوضّأ و توضّأنا (4).

ثمّ قال: يا ريح، احملينا. فحملتنا. فوافينا المدينة، النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في صلاة الغداة و هو يقرأ (5): أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً.

فلمّا قضى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الصّلاة قال: يا عليّ، أ تخبروني‏ (6) عن مسيركم، أم تحبّون أن أخبركم؟ قالوا: بل تخبرنا، يا رسول اللَّه.

قال أنس بن مالك: فقصّ القصّة (7)، كأنّه معنا

وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ: النّحاس المذاب. أساله له من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع. فلذلك سمّاه: عينا. و كان ذلك باليمن.

وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ‏: عطف على «الرّيح». «و من الجنّ» حال متقدّمة، أو جملة من مبتدأ و خبر.

بِإِذْنِ رَبِّهِ‏: بأمره.

وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ‏: و من يعدل منهم.

عَنْ أَمْرِنا: عمّا أمرناه من طاعة سليمان.

و قرئ: «يزغ» من أزاغه‏ (8).

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «احمل بنا محمل بهم» بدل «احملينا. فقال عليّ: يا ريح احملينا فحملتهم».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: احمل بنا.

(3) المصدر: فركز.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فتوضّأ عليّ فتوضّأنا» بدل «فتوضّأ و توضّأنا».

(5) الكهف/ 9.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أخبروني.

(7) المصدر: «فقال أنس. ثمّ قصّ القصّة» بدل «قال أنس بن مالك. فقصّ القصّة».

(8) أنوار التنزيل 2/ 257.

474

نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12): عذاب الآخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ قال‏ (2): الصّفر.

يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ‏: قصورا حصينة و مساكن شريفة. سمّيت به، لأنّها يذبّ عنها و يحارب عليها.

وَ تَماثِيلَ‏: و طيورا (3) و تماثيل للملائكة و الأنبياء على ما اعتادوا و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا سليمان سخّرت الشّياطين يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و لقد أعطي محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ما هو أفضل من هذا، أنّ الشّياطين سخّرت لسليمان و هي مقيمة على كفرها، و قد سخّرت لنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الشّياطين بالإيمان. فأقبل إليه الجنّ‏ (4) التّسعة من أشرافهم، من جنّ نصيبين‏ (5)، و اليمن‏ (6) من بني عمرو بن عامر من الأحجّة، منهم سقناه، و مصماه‏ (7)، و الهملكان، و المرزبان، و المازمان، و نفات‏ (8)، و هاضب، و هاصب‏ (9)، و عمرو. و هم الّذين يقول اللَّه- تبارك اسمه- فيهم‏ (10): وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ‏ و هم التّسعة يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ‏ (11) فأقبل إليه الجنّ و النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ببطن النّخلة، فاعتذروا بأنّهم‏ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (12).

و لقد أقبل إليه أحد و سبعون ألفا منهم، فبايعوه على الصّوم و الصّلاة و الزّكاة و الحجّ و الجهاد و نصح المسلمين‏ (13)، و اعتذروا بأنّهم قالوا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (14) و هذا أفضل ممّا أعطي سليمان. سبحان من سخّرها لنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعد أن كانت تتمرّد

____________

(1) تفسير القمي 2/ 199.

(2) المصدر: أي.

(3) ن: «قيل صورا» بدل «و طيورا».

(4) المصدر: من الجنّة.

(5) المصدر: واحد من جنّ نصيبين.

(6) المصدر: الثمان.

(7) المصدر: «شضاه و مضاه» بدل «سقناه و مصماه».

(8) المصدر: نضاه.

(9) المصدر: هضب.

(10) الأحقاف/ 29.

(11) المصدر: يستمعون القرآن و هم التسعة.

(12) الجنّ/ 7.

(13) ن: نصر المسلمين.

(14) الجن/ 4.

475

و تزعم أنّ للَّه ولدا. فلقد شمل مبعثه من الجنّ و الإنس من العبادات، ليراها النّاس فيعبدوا نحو عبادتهم. و حرمة التّصاوير شرع مجدّد.

و روي: أنّهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيّه و نسرين فوقه. فإذا أراد أن يصعد، بسط الأسدان له ذراعيهما. و إذا قعد [على الكرسيّ‏] (1) أظلّه النّسران بأجنحتهما (2).

وَ جِفانٍ‏: و صحاف.

كَالْجَوابِ‏: كالحياض الكبار. جمع جابية. من الجباية. و هي من الصّفات الغالبة، كالدّابّة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)‏- أنّ يهوديّا من يهود الشّام و ما لا يحصى‏

و فيه‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: كيف صعدت الشّياطين إلى السّماء، و هم أمثال النّاس في الخلقة و الكثافة، و قد كانوا يبنون لسليمان بن داود- (عليهما السلام)- من أبناء ما يعجز عنه ولد آدم؟

قال غلظوا (5) لسليمان لمّا سخّروا (6)، و هم خلق رقيق، غذاؤهم التّنسّم‏ (7). و الدّليل على ذلك‏ (8) صعودهم إلى السّماء لاستراق السّمع، و لا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلّا بسلّم أو سبب.

و في الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن الحسين، عن الفضل بن أبي العبّاس‏ (10) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- [: قول اللَّه- عزّ و جلّ-:] (11) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ‏ قال: ما هي تماثيل الرّجال و النّساء، و لكنّها تماثيل الشّجر و شبهه.

عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ‏ (12)، عن جعفر بن بشير، عمّن ذكره، عن أبي‏

____________

(1) ليس في المصدر

(2) أنوار التنزيل 2/ 81

(3) الاحتجاج 1/ 330- 331.

(4) نفس المصدر 2/ 81.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: غلظن.

(6) المصدر: كما سخّروا.

(7) المصدر: النسيم.

(8) المصدر: كلّ ذلك.

(9) الكافي 6/ 476- 477، ح 3.

(10) المصدر: الفضل أبي العباس.

م و أ و س: الفضل بن أبي العيّاش.

(11) من المصدر.

(12) الكافي 6/ 477، ح 4.

476

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كانت لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- وسائد و أنماط فيها تماثيل يجلس عليها.

محمّد بن يحيى، عن أحمد و عبد اللَّه‏ (1) ابني محمّد بن [عيسى، عن‏] (2) عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي العبّاس‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‏ فقال‏ (4): و اللَّه ما هي تماثيل [الرّجال و النّساء، و لكنها الشّجر و شبهه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، و قوله- عزّ و جلّ-: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‏. قال:] (6) في الشّجر. و قوله- عزّ و جلّ-: وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ‏، أي: جفنة (7) كالحفرة.

وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏: ثابتات على الأثافي، لا تنزل عنها لعظمها.

اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً: حكاية لما قيل لهم.

و «شكرا» نصب على العلّة، أي: اعملوا له و اعبدوه شكرا. و المصدر، لأنّ العمل له شكر. أو الوصف له. أو الحال. أو المفعول به.

وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13): المتوفّر على أداء الشّكر بقلبه و لسانه و جوارحه أكثر أوقاته، و مع ذلك [لا يوفي حقّه. لأنّ توفيقه للشّكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية. و لذلك‏] (8) قيل: الشّكور من يرى عجزه عن الشّكر.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (9): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏، أي: ثابتات.

ثمت قال- جلّ ذكره-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [قال: اعملوا ما تشكرون عليه. ثمّ قال- سبحانه-:] (10) وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

____________

(1) نفس المصدر 6/ 527، ح 7. و هكذا في المصدر. و في النسخ: «عن أحمد بن عبد اللَّه» بدل «عن أحمد و عبد اللَّه».

(2) من المصدر.

(3) ن: عن العباس.

(4) س و ن: فقال: في الشجر.

(5) تفسير القمي 2/ 199.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: جفون.

(8) ليس في م.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) ليس في الأصل.

477

و في أصول الكافي‏ (1) [: أبو عبد اللَّه الأشعريّ، عن‏] (2) بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال [لي‏] (3) أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، ثمّ مدح القلّة، فقال: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

و في روضة الكافي‏ (4): سهل، عن عبيد اللَّه، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنا و حسين [بن ثوير] (5) بن أبي فاختة. فقلت له: جعلت فداك، إنّا كنّا في سعة من الرّزق و غضارة من العيش، فتغيّرت الحال بعض التّغيير. فادع اللَّه- عزّ و جلّ- أن يردّ ذلك إلينا.

فقال: أيّ شي‏ء، تريدون تكونون، ملوكا؟ أ يسرّك أن تكون مثل طاهر و هرثمة (6)، و إنّك على خلاف [ما أنت عليه؟

قلت: لا، و اللَّه، ما يسرّني أنّ لي الدّنيا بما فيها ذهبا و فضّة و إنّي على خلاف‏] (7) ما أنا عليه.

قال: فقال: فمن أيسر منكم، فليشكر اللَّه. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (8): لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ و قال- سبحانه و تعالى-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (9): أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه فإنّها حقّ اللَّه عليكم، و الموجبة على اللَّه حقّكم، و أن تستعينوا عليها باللَّه، و تستعينوا بها على اللَّه. فإنّ التّقوى في اليوم الحرز و الجنّة، و في غد الطّريق إلى الجنّة. مسلكها واضح، و سالكها رابح، و مستودعها حافظ. لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم و الغابرين، لحاجتهم إليها غدا، إذا أعاد اللَّه ما أبدى، و أخذ ما أعطى، و سأل عمّا أسدى. فما أقلّ من قبلها، و حملها حقّ حملها! أولئك الأقلّون عددا، و هم أهل صفة اللَّه- سبحانه- إذ يقول: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

____________

(1) الكافي 1/ 15، ضمن حديث 12.

2 و 3- من المصدر.

(4) نفس المصدر 8/ 346- 347، صدر حديث 546.

(5) من المصدر.

(6) الطّاهر هو أبو الطّيّب، أو أبو طلحة طاهر بن الحسين، المعروف بذو اليمينين، والي خراسان.

و هرثمة هو هرثمة بن أعين، و هو من أصحاب الرضا- (عليه السلام)-. و كلاهما من قوّاد المأمون و خدمته. (حاشية نور الثقلين ص 323 ج 4.)

(7) من المصدر.

(8) إبراهيم/ 7.

(9) نهج البلاغة/ 284، ضمن خطبة 191.

478

و في مصباح الشّريعة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و لو كان عند اللَّه عبادة يتعبّد بها عباده المخلصون أفضل من الشّكر على كلّ حال، لأطلق لفظة فيهم من جميع الخلق بها.

فلمّا لم يكن أفضل منها، خصّها من بين العبادات و خصّ أربابها. فقال- تعالى-: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ‏، أي: على سليمان.

ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ‏: ما دلّ الجنّ.

و قيل: آله‏ (2).

إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ‏، أي: الأرضة. أضيف إلى فعلها.

و قرئ، بفتح الرّاء. و هو تأثّر الخشبة من فعلها. يقال: أرضت الخشبة أرضا، فأرضت أرضا، مثل: أكلت القوادح الأسنان أكلا، فأكلت أكلا (3).

تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ‏: عصاه. من نسأت البعير: إذا طردته. لأنّه يطرد بها.

و قرئ، بفتح الميم و تخفيف الهمزة، قلبا و حذفا على غير قياس. إذ القياس إخراجها بين بين‏ (4).

و «منسأته» على مفعالة، كميضاءة في ميضأة. و من سأته، أي: طرف عصاه.

مشتقّا من سأة القوس. و فيه لغتان، كما في قحة و قحة.

و قرأ نافع و أبو عمرو: «منسأته» بألف ساكنة، بدلا من الهمزة. و ابن ذكوان، بهمزة ساكنة. و حمزة، إذا وقف جعلها بين بين‏ (5).

فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُ‏: علمت الجنّ بعد التباس الأمر عليهم.

أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏ (14): أنّهم لو كانوا يعلمون الغيب، كما يزعمون، يعلمون موته حيثما وقع، فلم يلبثوا بعده حولا في تسخيرة إلى أن خرّ أو ظهرت الجنّ.

و «أن» بما في حيّزه بدل منه، أي ظهر أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في‏

____________

(1) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 55.

(2) أنوار التنزيل 2/ 257.

(3) نفس المصدر 2/ 257- 258.

(4) نفس المصدر 2/ 258.

(5) لم نعثر عليه في التفاسير. و لعله وجد في نسخة المفسّر من دون نسخ الموجودة من أنوار التنزيل.

كما يوجد بعض فقراته في متن بعض شروح الأنوار.

479

العذاب.

و ذلك أنّ داود أسّس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى- (عليه السلام)-. فمات قبل تمامه. فوصّى به إلى سليمان، فاستعمل الجنّ فيه فلم يتمّ بعد إذ دنا أجله و أعلم به.

فأراد أن يعمي عليهم موته ليتمّوه، فدعاهم فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب. فقام يصلّي متّكئا على عصاه. فقبض روحه و هو متّكئ عليها. فبقي كذلك حتّى أكلتها الأرضة فخرّ. ثمّ فتحوا عنه. و أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يوما و ليلة مقدارا، فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. و كان عمره ثلاثا و خمسين سنة.

و ملك و هو ابن ثلاث عشرة سنة. و ابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه‏ (1).

و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار النّادرة في فنون شتّى، بإسناده إلى الحسين بن خالد: عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ- (عليهم السلام)-. قال: إنّ سليمان بن داود- (عليه السلام)- قال ذات يوم لأصحابه: إنّ اللَّه- تعالى- وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، سخّر لي الرّيح و الإنس و الجنّ و الطّير و الوحوش، و علّمني منطق الطّير، و أتاني من كلّ شي‏ء، و مع جميع ما أوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى اللّيل.

و قد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه و أنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لأحد عليّ [بالدّخول لئلّا يرد عليّ‏] (3) ما ينغص عليّ يومي. فقالوا: نعم.

فلمّا كان من الغد، أخذ عصاه بيده و صعد إلى أعلى موضع من قصره. و وقف متّكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه، سرورا بما أوتي، فرحا بما أعطي، إذ نظر إلى شابّ حسن الوجه و اللّباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره.

فلمّا بصر به سليمان- (عليه السلام)- قال له: من أدخلك إلى هذا القصر و قد أردت أن أخلوا فيه اليوم، فبإذن من دخلت؟

قال الشّابّ: أدخلني هذا القصر ربّه، و بإذنه دخلت.

فقال: ربّه أحقّ به منّي. فمن أنت؟

قال: أنا ملك الموت.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 258.

(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 265- 266، ح 24.

(3) من المصدر.

480

قال: و فيما جئت؟

قال: جئت‏ (1) لأقبض روحك.

قال: امض لما أمرت به، فهذا (2) يوم سروري، و أبي اللَّه- عزّ و جلّ- أن يكون لي سرور دون لقائه‏ (3).

فقبض ملك الموت روحه، و هو متّكئ على عصاه. فبقي سليمان متّكئا على عصاه و هو ميّت ما شاء اللَّه، و النّاس ينظرون إليه و هم يقدّرون أنّه حيّ. فافتتنوا فيه و اختلفوا.

فمنهم من قال: إنّ سليمان قد بقي متّكئا على عصاه هذه الأيّام الكثيرة [و لم يتعب و لم ينم و لم يأكل و لم يشرب‏] (4) إنّه لرّبنا الّذي يجب علينا أن نعبده.

و قال قوم: إنّ سليمان ساحر، و إنّه يرينا أنّه واقف متّكئ على عصاه يسحر أعيننا، و ليس كذلك.

فقال المؤمنون: إنّ سليمان هو عبد اللَّه و نبّيه، يدبّر اللَّه أمره بما يشاء (5).

فلمّا اختلفوا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- دابّة الأرض‏ (6) فدبّت في عصاه. فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا، و خرّ سليمان من قصره على وجهه. فشكرت الجنّ الأرضة على صنيعها (7) فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان، إلّا و عندها ماء و طين. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ‏ (8) مِنْسَأَتَهُ‏، [يعني عصاه.] (9) فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُ‏ أن الانس‏ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: و اللَّه‏ (10) ما نزلت هذه الآية هكذا. و إنّما نزلت فلما خر تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (11)، مثل ما نقلنا عن عيون الأخبار، إلّا أنّ آخرها: و إنّما

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: في هذا.

(3) المصدر: لقائك.

(4) ليس في ن. و في المصدر: و لم يأكل و لم يشرب و لم يتعب و لم ينم.

(5) المصدر: بما شاء.

(6) المصدر: «الأرضة» بدل «دابّة الأرض».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «للأرضة صنيعها» بدل «الأرضة على صنيعها».

(8) المصدر: فأكل.

(9) من المصدر.

(10) ليس في المصدر.

(11) علل الشرائع/ 73- 74، ح 2.

481

نزلت «فلمّا تبينت الجن أن الإنس‏ (1) لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

حدّثنا أبي- رضي اللَّه عنه‏ (2)- قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمر سليمان بن داود الجنّ، فصنعوا له قبة من قوارير. فبينا هو متّكئ على عصاه في القبّة ينظر إلى الجنّ كيف [يعملون و هم‏] (3) ينظرون إليه، إذ حانت منه التفاتة، فإذا رجل معه في القبّة.

قال له: من أنت؟

قال: أنا الّذي لا أقبل الرّضا و لا أهاب الملوك. أنا ملك الموت.

فقبضه و هو قائم متّكئ على عصاه في القبّة، و الجنّ ينظرون إليه.

قال: فمكثوا سنة يدأبون له حتّى بعث اللَّه- عزّ و جلّ- الأرضة فأكلت منسأته، و هي العصا فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ الجنّ يشكرون الأرضة ما صنعت بعصا سليمان، فما تكاد تراها في مكان إلّا و عندها ماء و طين.

و بإسناده إلى الحسن بن عليّ‏ (4) [، عن عليّ‏] (5) بن عقبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لقد شكرت الشّياطين الأرضة حين أكلت عصا سليمان حتّى سقط، و قالوا: عليك الخراب و علينا الماء و الطّين. فلا تكاد تراها في موضع إلّا رأيت ماء و طينا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد (7)، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: عاش سليمان بن داود- (عليه السلام)- سبعمائة سنة و اثني عشرة سنة.

____________

(1) المصدر: «الإنس أنّ الجنّ» بدل «الجنّ أنّ الإنس». و على هذا فلا داعي لذكر آخر حديث العلل، فلا يوجد هنالك اختلاف فيما بينهما في نزول الآية.

(2) نفس المصدر/ 74، ح 3.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر 74- 75، ح 4.

(5) من المصدر.

(6) كمال الدين و تمام النعمة/ 524، ضمن حديث 3. و أوّله في ص 523.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: محمّد بن جعفر.

482

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ سليمان بن داود- (عليه السلام)- أمر الجنّ‏ (2)، فبنوا له بيتا من قوارير.

قال: فبينما هو متّكئ على عصاه ينظر إلى الشّياطين كيف يعملون و ينظرون إليه، إذ حانت منه التفاتة، فإذا هو برجل معه في القبّة ففزع منه.

فقال: من أنت؟

فقال: أنا الّذي لا أقبل الرّشا و لا أهاب الملوك. أنا ملك الموت.

فقبضه و هو متّكئ على عصاه. فمكثوا سنة يبنون و ينظرون إليه و يدأبون‏ (3) له و يعملون حتّى بعث اللَّه- تعالى- الأرضة فأكلت منسأته، و هي العصا فلما خرت تبينت الإنس‏ (4) أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا سنة في العذاب المهين. فالجنّ تشكر الأرضة بما عملت بعصا سليمان.

قال: فلا تكاد تراها في مكان إلّا و عندها (5) ماء و طين.

و في روضة الكافي‏ (6): ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الوليد بن صبيع، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إن اللَّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى سليمان بن داود- (عليه السلام)-: أنّ آية موتك أنّ شجرة تخرج من بيت المقدس، يقال لها: الخرنوبة.

قال: فنظر سليمان يوما، فإذا الشّجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس.

فقال لها: ما اسمك؟

قالت: الخرنوبة.

قال: فولّى سليمان مدبرا إلى محرابه، فقام فيه متّكئا على عصاه، فقبض روحه من ساعته.

قال: فجعلت الجنّ و الإنس يخدمونه و يسعون في أمره، كما كانوا. و هم يظنّون أنّه حيّ لم يمت يغدون و يروحون، و هو قائم ثابت. حتّى دبّت الأرض من عصاه، فأكلت منسأته، فانكسرت و خرّ سليمان إلى الأرض. أفلا تسمع لقوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) تفسير القمي 1/ 54- 55.

(2) المصدر: أمر الجن و الانس.

(3) المصدر: يدانون.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الجن.

(5) المصدر: إلا وجد عندها.

(6) الكافي 8/ 144، ح 144.

483

فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): و في الشّواذّ «تبيّنت الإنس» و هي قراءة عليّ بن الحسين و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)-.

و فيه‏ (2)، حديث آخر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان آصف بن برخيا يدبّر أمره حتّى دبّت الأرضة.

لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ: لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و منع‏ (3) الصّرف عنه ابن كثير و ابن عمرو. لأنّه صار اسم القبيلة.

و عن ابن كثير، قلب همزته ألفا. و لعلّه أخرجه بين بين، فلم يؤده الرّاوي كما وجب‏ (4).

فِي مَسْكَنِهِمْ‏: في مواضع سكناهم، و هي باليمن. يقال لها: مأرب. بينها و بين صنعاء مسيرة ثلاث.

و قرأ حمزة و حفص، بالإفراد و الفتح. و الكسائيّ، بالكسر، حملا على ما شذّ من القياس، كالمسجد و المطلع‏ (5).

آيَةٌ: علامة دالّة على وجود الصّانع المختار.

جَنَّتانِ‏: بدل من «آية»، أو خبر محذوف، تقديره: الآية جنّتان.

و قرئ، بالنّصب، على المدح. و المراد: جماعتان من البساتين‏ (6).

عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ‏: جماعة عن يمين بلدهم، و جماعة عن شماله. كلّ واحدة منهما في تقاربها و تضامّها، كأنّها جنّة واحدة. أو بستانا كلّ رجل منهم عن يمين مسكنه و عن شماله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(7)-: و قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ‏ قال: فإنّ بحرا كان من اليمن. و كان سليمان- (عليه السلام)- أمر جنوده أن يجروا لهم‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 380. و فيه: و في الشواذ قراءة ابن عبّاس و الضحّاك ...

(2) نفس المصدر 4/ 384.

(3) أنوار التنزيل 2/ 258.

(4) نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 2/ 200- 201.

484

خليجا من البحر العذب إلى بلاد الهند، فغلوا ذلك. و عقدوا له عقدة (1) من الصّخر و الكلس حتّى يفيض على بلادهم. و جعلوا للخليج مجاريا. فكانوا إذا أرادوا أن يرسلوا منه الماء، أرسلوه بقدر ما يحتاجون إليه. و كانت لهم جنّتان عن يمين و شمال عن مسيرة عشرة أيّام، فيها يمرّ [المارّ.] (2) لا يقع عليه الشّمس من التفافها.

فلمّا عملوا بالمعاصي و عتوا عن أمر ربّهم و نهاهم الصّالحون فلم ينتهوا، بعث اللَّه- عزّ و جلّ- على ذلك السّد الجرذ، و هي الفأرة الكبيرة. فكانت تقلع الصّخرة الّتي لا يستقلّها الرّجل و ترمي بها. فلمّا رأى ذلك قوم منهم، هربوا و تركوا البلاد. فما زال الجرذ يقلع الحجر حتّى خرّبوا ذلك السّد، فلم يشعروا حتّى غشيهم السّيل و خرّب بلادهم و قلع أشجارهم.

و في مجمع البيان‏ (3): و في الحديث، عن فروة بن مسيك أنّه قال: سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن سبأ، أرجل هو أم امرأة؟

فقال: هو رجل من العرب ولد عشرة، تيامن منهم ستّة و تشأم منهم أربعة. فأمّا الّذين تيامنوا، فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و أنمار و حمير.

فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الّذين منهم خثعم و بجيلة. و أمّا الّذين تشأموا، فعاملة و جذام و الخم و غسّان.

كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ‏: حكاية لما قال لهم نبيّهم ذلك.

بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ (15): استئناف للدّلالة على موجب الشّكر، أي: هذه البلدة الّتي فيها رزقكم بلدة طيّبة، و ربّكم الّذي رزقكم و طلب شكركم ربّ غفور فرطات من يشكره.

و قرئ الكلّ: بالنّصب، على المدح.

و قيل‏ (4): كانت أخصب البلاد و أطيبها. لم يكن فيها عاهة و لا هامّة.

فَأَعْرَضُوا: عن الشّكر.

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ‏.

____________

(1) المصدر: عقدة عظيمة.

(2) من المصدر.

(3) مجمع البيان 4/ 386.

(4) أنوار التنزيل 2/ 258.

485

قيل‏ (1): سيل الأمر العرم، أي: الصّعب. من عرم الرّجل، فهو عارم. و عرم: إذا شرس خلقه و صعب. أو المطر الشّديد. أو الجرذ، أضاف إليه السّبيل. لأنّه نقب عليهم سكرا (2) ضربته لهم بلقيس، فحقنت به ماء الشّجر، و تركت فيه ثقبا (3) على مقدار ما يحتاجون إليه. أو المسناة الّتي عقدت‏ (4) سكرا (5). على أنّه جمع، عرمة، و هي الحجارة المركومة.

و قيل‏ (6): اسم واد جاء السّيل من قبله. و كان ذلك بين عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ: بشع. فإنّ الخمط كلّ نبت أخذ طعما من مرارة.

و قيل‏ (7): الأراك. أو كلّ شجر لا شوك له. و التقدير: أكل أكل خمط. فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه، في كونه بدلا أو عطف بيان.

وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏ (16): معطوفان على «أكل» لا على «خمط». فإنّ الأثل، هو الطّرفاء و لا ثمر له.

و قرئا، بالنّصب، عطفا على «جنّتين». و وصف السّدر القلّة، فإنّ جناه، و هو النّبق ممّا يطيب أكله، و لذلك يغرس في البساتين. و تسمية البدل: «جنّتين»، للمشاكلة و التّهكّم‏ (8).

ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا: بكفران النّعمة، أو بكفرهم للرّسل. إذ نقل: أنّه بعث إليهم ثلاثة عشر نبيّا، فكذّبوهم. و تقديم المفعول، للتّعظيم، لا للتّخصيص‏ (9).

وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17): و هل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلّا البليغ في الكفران، أو الكفر؟

و قرأ حمزة و الكسائي و يعقوب و حفص: «نجازي» بالنّون. و «الكفور» بالنّصب‏ (10).

____________

(1) نفس المصدر 2/ 258- 259.

(2) ن و الأصل: سدّا.

السّكر: ما يسدّ به النهر و نحوه.

(3) المصدر: نقبا.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: عقلت.

(5) ن و الأصل: سدّا.

(6) نفس المصدر 2/ 259.

(7) نفس المصدر و الموضع. و في النسخ: «و قيل:

الأراك و كلّ شجر له شوك. و التقدير: أكل كل ...» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر و الموضع. و فيه، في متن الآية «يجازي» بالياء. و في المصاحف الموجودة المتداولة

486

وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها: بالتّوسعة على أهلها. و هي قرى الشّام.

قُرىً ظاهِرَةً: متواصلة. يظهر بعضها، لبعض، أو راكبة سنن الطّريق ظاهرة لأبناء السّبيل.

وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ: بحيث يقيل الغادي في قرية و يبيت الرّائح في قرية، إلى أن يبلغ الشّام، سِيرُوا فِيها: على إرادة القول بلسان الحال، أو المقال.

لَيالِيَ وَ أَيَّاماً: متى شئتم من ليل و نهار.

آمِنِينَ‏ (18): لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات. أو سيروا آمنين، و إن طالت مدّة سفركم فيها ليالي أعماركم و أيّامها، لا تلقون فيها إلّا الأمن.

و في كتاب علل الشرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبى زاهر شيب بن أنس‏ (2) [، عن بعض أصحابه‏] (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، تعرف كتاب اللَّه حقّ معرفته، و تعرف النّاسخ و المنسوخ؟

قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة، لقد ادّعيت علما، ويلك ما جعل اللَّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما ورثك اللَّه من كتابه حرفا. فإن كنت كما تقول، و لست كما تقول، فأخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ أين ذلك من الأرض؟

قال: أحسبه ما بين مكّة و المدينة.

فالتفت أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- إلى أصحابه، فقال: تعلمون أنّ النّاس يقطع عليهم ما بين المدينة و مكّة، فتؤخذ أموالهم و لا يؤمنون على أنفسهم و يقتلون؟

قالوا: نعم.

____________

الآن، «نجازي» بالنون، و «الكفور» بالنصب.

(1) علل الشرائع/ 90 و 91، مقطعين من ح 5.

و أوّله في ص 89.

(2) ن: أبي طاهر شيب بن أنس. و المصدر: أبي زاهر حبيب بن أنس.

(3) ليس في الأصل و أ.

487

[قال:] (1) فسكت أبو حنيفة.

فقال: يا أبا حنيفة، أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (2)-: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً أين ذلك من الأرض؟

قال: الكعبة.

قال: أ فتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزّبير في الكعبة فقتله، كان آمنا فيها؟

قال: فسكت.

فقال أبو بكر الحضرميّ، جعلت فداك، الجواب في المسألتين الأوّلتين.

قال: يا أبا بكر سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ فقال: مع قائمنا أهل البيت. و أمّا قوله: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فمن بايعه و دخل معه و مسح على يده و دخل في عدّه‏ (3) أصحابه، كان آمنا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (4): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن الحسين بن علىّ بن زكريّاء البصريّ، عن الهيثم بن عبد اللَّه الرّمّانيّ قال: حدّثني عليّ بن موسى قال:

حدّثني أبي موسى، عن أبيه جعفر- (عليه السلام)- قال: دخل على أبي بعض من يفسّر القرآن.

فقال له: أنت فلان؟ و سمّاه باسمه.

قال: نعم.

قال: أنت الّذي تفسّر القرآن؟

قال: نعم.

قال: فكيف تفسّر هذه الآية وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ، سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏.

قال: هذه بين مكّة و منى.

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أ يكون في هذا الموضع خوف و قطيع؟

____________

(1) من المصدر.

(2) آل عمران/ 97.

(3) المصدر: عقد.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 168- 169.

488

قال: نعم.

قال: فموضع [يقول اللَّه:] (1) يكون أمن، فيه خوف و قطيع؟

قال: فما هو (2)؟

قال: ذراك‏ (3) نحن أهل البيت. و قد سمّاكم اللَّه: ناسا. و سمّانا: قرئ‏ (4) [قال: جعلت فداك، وجدت هذا في كتاب اللَّه أنّ القرى رجال؟

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سماكم اللَّه ناسا. و سمّى هذه: قرى‏] (5) قال أبو عبد اللَّه: أليس اللَّه- تعالى- يقول‏ (6): وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها فللجدران و الحيطان السّؤال أم للنّاس؟ و قال- تعالى‏ (7)-: وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً فمن المعذّب الرّجال أم الجدران و الحيطان؟

و يؤيّده ما رواه- أيضا-: عن أحمد بن هوذة الباهليّ‏ (8)، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللَّه بن حمّاد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: دخل [الحسن‏] (9) البصري على محمّد بن عليّ- (عليه السلام).

فقال له: يا أخا أهل البصرة، بلغني أنّك فسّرت‏ (10) آية من كتاب اللَّه على غير ما أنزلت. فإن كنت فعلت، فقد هلكت و استهلكت.

قال: و ما هي، جعلت فداك؟

قال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏. ويحك، كيف يجعل اللَّه لقوم أمانا و متاعهم يسرق. بمكّة و المدينة و ما بينهما؟ و ربّما أخذ عبد أو قتل و فاتت نفسه. ثمّ مكث مليّا ثمّ أومأ بيده إلى صدره و قال: نحن القرى الّتي بارك اللَّه فيها.

قال: جعلت فداك، أوجدت هذا في كتاب اللَّه، أنّ القرى رجال؟

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: فما هو ذاك؟

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: «قال: سمّاكم اللَّه أيّاما و سمّى هذه قرى «بدل» و قد سمّاكم ناسا و سمّانا قرى».

(5) ليس في المصدر.

(6) يوسف/ 82.

(7) الاسراء/ 58.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: قرأت.

489

قال: نعم، قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (1)-: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ، فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً فمن العاتي على اللَّه- عزّ و جلّ- الحيطان، أم البيوت، أم الرّجال؟

فقال: الرّجال.

ثمّ قال: قلت: جعلت فداك، زدني.

قال: قوله- عزّ و جلّ- في سورة يوسف‏ (2): سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها لمن أمروه أن يسأل، القرية و العير أم الرّجال؟

فقال: جعلت فداك، فأخبرني عن القرى الظّاهرة.

قال: هم شيعتنا، يعني العلماء منهم.

و قوله: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏

روى أبو حمزة الثّماليّ‏ (3)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال: آمنين من الزّيغ، أي: فيها يقتبسونه منهم من العلم في [الدّنيا و] (4) الّذين.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي حمزة الثّماليّ قال: دخل قاض من قضاة أهل الكوفة على علىّ بن الحسين- (عليهما السلام)-.

فقال له: جعلني اللَّه فداك، أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏.

فقال له: يقول النّاس فيها قبلكم بالعراق‏ (6)؟

قال: يقولون: إنّها مكّة.

قال: و هل رأيت السّرق في موضع أكثر منه. بمكّة؟

قال: فما هو؟

قال: إنّما عنى الرّجال.

قال: و أين ذلك في كتاب اللَّه؟ [فقال:] (7) أو ما تسمع إلى قوله‏ (8)- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الطلاق/ 8.

(2) يوسف/ 82.

(3) نفس المصدر/ 169.

(4) ليس في المصدر.

(5) الاحتجاج 2/ 41- 43.

(6) ليس في المصدر.

(7) من المصدر.

(8) الطلاق/ 8.

490

وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ‏ و قال‏ (1): وَ تِلْكَ الْقُرى‏ أَهْلَكْناهُمْ‏ و قال:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها أ فيسأل‏ (2) القرية [أو الرجال أو] (3) العير؟

قال: و تلا- (عليه السلام)(4)- آيات في هذا المعنى.

قال: جعلت فداك، فمن هم؟

قال: نحن هم.

قال: أو لم تسمع قوله: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏. قال: آمنين من الزّيغ.

و عن أبي حمزة الثمالي‏ (5) قال: أتى الحسن البصريّ‏ (6) أبا جعفر- (عليه السلام)-.

فقال [: جئت‏] (7) لأسالك عن أشياء من كتاب اللَّه.

فقال له أبو جعفر: أ لست فقيه أهل البصرة؟

قال: قد يقال ذلك.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟

قال: لا.

قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟

قال: نعم.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: سبحان اللَّه، لقد تقلّدت‏ (8) عظيما من الأمر (9). بلغني عنك أمر، فما أدري أ كذاك أنت أم يكذب عليك؟

قال ما هو؟

قال: زعموا أنّك تقول: إنّ اللَّه خلق العباد ففوّض إليهم أمورهم.

قال: فسكت [الحسن.] (10) فقال: أ رأيت من قال له اللَّه في كتابه: إنّك آمن. هل عليه خوف بعد هذا القول منه؟

____________

(1) الكهف/ 59.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فليسأل.

(3) من المصدر. و في النسخ: و.

(4) ليس في المصدر.

(5) نفس المصدر 2/ 62- 63.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أبو الحسن البصري.

(7) من المصدر.

(8) هكذا في الأصل. و في سائر النسخ: نقلت.

(9) هكذا في المصدر و س. و في سائر النسخ:

الأرض.

(10) من المصدر.

491

فقال الحسن: لا.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّي أعرض إليك آية و أنهي إليك خطبا، و لا أحسبك إلّا و قد فسّرته على غير وجهه. فإن كنت فعلت ذلك، فقد هلكت و أهلكت.

فقال له: و ما هو؟

قال: أ رأيت حيث يقول: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏. يا حسن، بلغني أنّك أفتيت النّاس، فقلت:

هي مكّة. فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هل يقطع على من حجّ مكّة، و هل يخاف أهل مكّة، و هل تذهب أموالهم؟

[قال: بلى.

قال: (1)] فمتى يكونون آمنين؟ بل فينا ضرب اللَّه الأمثال في القرآن. فنحن القرى الّتي بارك اللَّه فيها. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-. فمن أقرّ بفضلنا حيث [أمرهم أن يأتونا، فقال: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ‏] (2) الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً و القرى‏ (3) الظّاهرة، الرّسل و النّقلة عنّا إلى شيعتنا، و فقهاء شيعتنا إلى شيعتنا. و قوله- تعالى-: قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ فالسير مثل العلم‏ سِيرُوا فِيها (4) لَيالِيَ وَ أَيَّاماً مثل لما يسير من العلم في اللّيالي و الأيّام عنّا إليهم في الحلال و الحرام و الفرائض و الأحكام. آمِنِينَ‏ فيها إذا أخذوا [عن معدنها الّذي أمروا أن يأخذوا] (5) منه، آمنين من الشّكّ و الضّلال و النّقلة من الحرام إلى الحلال. لأنّهم أخذوا العلم ممّن وجب لهم بأخذهم‏ (6) إيّاه عنهم بالمعرفة (7)، لأنّهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا، ذرّيّة مصطفاة (8) بعضها من بعض. فلم ينته الا اصطفاء إليكم، بل إلينا انتهى. و نحن تلك الذّرّيّة المصطفاة، لا أنت و لا أشباهك.

يا حسن، فلو قلت لك حين ادّعيت ما ليس لك و ليس إليك: يا جاهل أهل البصرة. لم أقل فيك، إلّا ما علمته منك و ظهر لي عنك. و إيّاك أن تقول بالتّفويض، فإنّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر. و فيه: «بينهم و بين شيعتهم» بدلا.

(3) المصدر: القرة.

(4) المصدر: «مثل للعلم سير به» بدل «مثل العلم سيروا فيها».

(5) ليس في المصدر.

(6) ن: «بأخذه». المصدر: «أخذهم».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: المغفرة.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: مصفاة.

492

اللَّه- عزّ و جلّ- لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهنا منه و ضعفا، و لا أجبرهم على معاصيهم ظلما (1).

و الحديث) طويل أخذت منه موضع الحاجة (انتهى.)

و في روضة الكافي‏ (2) عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: يا قتادة، أنت فيه أهل البصرة؟

فقال: هكذا يزعمون.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بلغني أنّك تفسّر القرآن.

قال له قتادة: نعم.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بعلم تفسّره‏ (3) أم بجهل؟

قال: لا، بعلم.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: فإن كنت تفسّره بعلم، فأنت أنت‏ (4)، و إلّا أنا أسألك.

قال قتادة: سل.

قال: أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (5)-: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏.

فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد [حلال‏] (6) و راحلة و كراء حلال‏ (7) يريد هذا البيت، كان آمنا حتّى يرجع إلى أهله.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نشدتك باللَّه، يا قتادة، هل تعلم أنّه قد يخرج‏

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م:

و عن عليّ- (عليه السلام)- قال: نحن القرى التي بارك اللَّه فيها. و ذلك قوله تعالى: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً.

قال: «القرى الظاهرة»، الرسل. و النقلة عنّا إلى شيعتنا و شيعتنا إلى شيعتنا بأسمائه. (الآية)

(2) الكافي 8/ 311- 312، ح 485.

(3) ليس في الأصل.

(4) قال المجلسي- (رحمه اللّه)-: أي: فأنت العالم المتوحد الّذي لا يحتاج إلى المدح و الوصف، و ينبغي أن يرجع إليك في العلوم. (حاشية المصدر، نقلا عن مرآة العقول، للمجلسي- (رحمه اللّه)-.)

(5) هنا زيادة في المصدر. و هي: في سبأ.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

«أو كراحل» بدل «و كراء حلال».

493

الرّجل‏ (1) من بيته بزاد حلال و راحلة و كراء حلال‏ (2) يريد هذا البيت، فيقطع عليه الطّريق، فتذهب نفقته و يضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه‏ (3)؟

قال قتادة: اللّهمّ، نعم.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ويحك، يا قتادة، إنّ كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك، فقد هلكت و أهلكت. [و إن كنت أخذته من الرّجال، فقد هلكت و أهلكت.] (4) ويحك، يا قتادة، ذلك من خرج من بيته بزاد و راحلة و كراء حلال‏ (5) يروم هذا البيت عارفا بحقّنا يهوانا قلبه، كما قال اللَّه- عزّ و جلّ- (6): فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ و لم يعن البيت فيقول: «إليه» فنحن، و اللَّه، دعوة إبراهيم- (عليه السلام)- الّتي‏ (7) من هوانا قلبه قبلت حجّته، و إلّا فلا، يا قتادة. [فإذا كان كذلك، كان آمنا من عذاب جهنّم يوم القيامة.

قال قتادة:] (8) لا جرم، و اللَّه، لا فسّرتها إلّا هكذا.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ويحك، يا قتادة، إنّما يعرف القرآن من خوطب به.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9)، بإسناده إلى محمّد بن صالح الهمدانيّ قال: كتبت إلى صاحب الزّمان- (عليه السلام)-: [إنّ أهل بيتي‏] (10) يؤذونني و يقرّعونني بالحديث الّذي روي عن آبائك- (عليهم السلام)-. إنّهم قالوا: خدّامنا و قوّامنا شرار خلق اللَّه.

فكتب- (عليه السلام)-: ويحكم، أما تقرءون‏ (11) ما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً نحن، و اللَّه، القرى الّتي بارك اللَّه فيها. و أنتم أقرى الظّاهرة.

قال عبد اللَّه بن جعفر: و حدّثنا بهذا الحديث عليّ بن محمّد الكلينيّ، عن حمّد بن صالح، عن صاحب الزّمان- (صلوات اللّه عليه).

____________

(1) ليس في أوس و الأصل.

(2) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

«أو كراحل» بدل «و كراء حلال».

(3) الاجتياح: الإهلاك.

(4) ليس في أ.

(5) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ: حل.

(6) إبراهيم/ 37.

7 و 8- من المصدر.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 483، ح 2.

(10) من المصدر.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: «ما تعرفون» بدل «أما تقرءون».

494

فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا: أشروا النّعمة، كبني إسرائيل. فسألوا اللَّه أن يجعل بينهم و بين الشّأم مفاوز، ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرّواحل و تزوّد الأزواد.

فأجابهم اللَّه‏ (1) بتخريب القرى المتوسّطة.

و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و هشام بعد و يعقوب: «باعد» بلفظ الخبر، على أنّه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في التّرفيه و عدم الاعتداد بما أنعم اللَّه عليهم فيه. و مثله قراءة من قرأ: «ربّنا بعدّ» و «بعد» على النّداء، و إسناد الفعل إلى «بين» (2).

وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏: حيث بطروا النّعمة، أو لم يعتدّوا بها.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب. عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ (الآية.) فقال: هؤلاء، قوم، كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض، و أنهار جارية و أموال ظاهرة. فكفروا بأنعم اللَّه- عزّ و جلّ- و غيّروا ما بأنفسهم من عافية (4) اللَّه، فغيّر اللَّه ما بهم من نعمة. و إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏. فأرسل اللَّه عليهم سيل العرم، فغرّق قراهم و خرّب ديارهم و أذهب أموالهم، و أبدلهم مكان جنّاتهم‏ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏. ثمّ قال: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا، وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

و في روضة الكافي‏ (5): محمّد بن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب‏ (6)، عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏.

فقال: هؤلاء قوم، كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض و أنهار جارية و أموال ظاهرة. فكفروا بأنعم اللَّه و غيّروا ما بأنفسهم، فأرسل اللَّه- عزّ و جلّ- عليهم سيل‏

____________

(1) هكذا في م. و في سائر النسخ: «فإذا جاء بهم» بدل «فأجابهم اللَّه».

(2) أنوار التنزيل 2/ 259.

(3) الكافي 2/ 274، ح 23.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: عاقبة.

(5) نفس المصدر 8/ 395- 396، ح 596.

(6) هكذا في المصدر، أ و م و س. و في سائر النسخ: محمّد عن أحمد عن محمد بن محبوب.

495

العرم. فغرّق قراهم و أخرب ديارهم [و أذهب بأموالهم.] (1) و أبدلهم مكان جنّاتهم‏ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏. ثمّ قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا، وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

و بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(2)- خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها يقول- (عليه السلام)-: و وا أسفا من فعلا شيعتي من بعد قرب مودّتها اليوم كيف يستذلّ بعدي بعضهم‏ (3) بعضا، [و كيف يقتل بعضهم‏ (4) بعضا] (5) المتشتّتة غدا عن الأصل، النّازلة بالفرع، المؤمّلة الفتح من غير جهته، كلّ حزب منهم آخذ (6) بغصن أينما مال الغصن مال معه.

مع أنّ اللَّه- و له الحمد- سيجمع هؤلاء لشرّ يوم لبني أميّة، كما يجمع قرع الخريف يؤلّف اللَّه بينهم، ثمّ يجعلهم ركاما، كركام السّحاب ثمّ يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم، كسيل الجنّتين سيل‏ (7) العرم. حيث بعث عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة و لم يردّ سننه من طود.

يذعذعهم اللَّه في بطون أودية، ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم و يمكّن من قوم لديار (8) قوم، تشديدا لبني أميّة.

فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ‏: يتحدّث النّاس بهم تعجّبا. و ضرب مثل، فيقولون: تفرّقوا أيدي سبأ.

وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ‏: فرّقناهم غاية التّفريق، حتّى لحق غسّان‏ (9) منهم بالشّام و أنمار بيثرب و جذام بتهامة و الأزد بعمان.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10)، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: يا بلال، اصعد أبا قبيس فناد عليه: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حرّم الجرّيّ و الضّبّ و الحمر الأهليّة، ألا فاتّقوا اللَّه و لا تأكلوا من السّمك إلّا ما كان له قشر و مع القشر فلوس. إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- مسخ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 8/ 64- 65، ضمن حديث 22.

3 و 4- هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

بعضها.

(5) ليس في م.

(6) المصدر: آخذ [منه‏].

(7) ليس في أوس و المصدر.

(8) المصدر: «بهم قوما في ديار»، م و س و أ: «من قوم في ديار» بدل «من قوم لديار».

(9) هكذا في س. و في م و ن: «غيتان». و في أ:

«غشان». و في الأصل: «غشاه».

(10) علل الشرائع/ 461، 462، ضمن‏

496

سبعمائة أمّة عصوا الأوصياء بعد الرّسل، فأخذ أربعمائة أمّة منهم برّا، و ثلاثمائة منهم بحرا.

ثمّ تلا هذه الآية: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ‏.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ: عن المعاصي.

شَكُورٍ (19): على النّعم.

في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمّد بن سنان، عن سماعة بن مهران، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.

قال: صَبَّارٍ على مودّتنا و على ما نزل به من شدّة أو رخاء، صبور على الأذى فينا.

شَكُورٍ للَّه على ولايتنا أهل البيت.

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏، أي: صدّق في ظنّه، أو صدّق يظنّ ظنّه، مثل:

فعلته جهدك.

و يجوز أن يعدّى الفعل إليه بنفسه، كما في صدق وعده. لأنّه نوع من القول. و شدّده الكوفيّون، بمعنى: حقّق ظنّه، أو وجده صادقا.

و قرئ، بنصب «إبليس» و رفع «الظّنّ» مع التّشديد (2)، بمعنى: وجده ظنّه صادقا.

و التخفيف، بمعنى: قال له ظنّه الصّدق حين خيله إغواءهم. و برفعهما و التّخفيف، على الإبدال. و ذلك إمّا ظنّه بسبإ حين رأى انهماكهم في الشّهوات، أو ببني آدم حين رأى ما ركّب فيهم من الشّهوات و الغضب، أو سمع من الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فقال:

لأضلّنّهم و لَأُغْوِيَنَّهُمْ‏.

فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (20): إلّا فريقا هم المؤمنون لم يتّبعوه.

و تقليلهم بالإضافة إلى الكفّار، أو إِلَّا فَرِيقاً من فرق المؤمنين لم يتّبعوه في العصيان و هم المخلصون.

و في روضة الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن سليمان، عن عبد اللَّه بن محمّد

____________

حديث 1.

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 169.

(2) أنوار التنزيل 2/ 260.

(3) الكافي 8/ 344- 354، ح 542.

497

اليمانيّ، عن [عبد اللَّه بن‏] (1) مسمع بن الحجّاج، عن صباح الحذّاء، عن صباح المزنيّ، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا أخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بيد علي- (عليه السلام)- يوم الغدير، صرخ إبليس في جنوده صرخة فلم يبق منهم في برّ و لا بحر إلّا أتاه.

فقالوا: يا سيّدهم و مولاهم‏ (2)، ما ذا دهاك، فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟

فقال لهم: فعل هذا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فعلا إن ثم لم يعص اللَّه أبدا.

فقالوا: يا سيّدهم، أنت كنت لآدم.

فلمّا قال المنافقون: إنّه ينطق عن الهوى. و قال أحدهما لصاحبه: أما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنّه مجنون، يعنون: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- صرخ إبليس صرخة بطرب فجمع أولياء (5)، فقال: أما علمتم أنّي كنت لآدم من قبل؟

قالوا: نعم.

قال: آدم نقض العهد و لم يكفر بالرّبّ، و هؤلاء نقضوا العهد و كفروا بالرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

[و فلمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (3) و أقام النّاس غير عليّ، لبس إبليس تاج الملك و نصب منبرا و قعد في الوثبة (4) و جمع خليله‏ (5) و رجله ثمّ قال لهم: اطربوا

____________

(1) ليس في س و أ و ن و المصدر.

(2) يوجد في هامش نسخة م:

«لم ينسب إليه بقوله- (عليه السلام)- «سيّدنا».

لأنّ هذه القاعدة من قواعد الفصحاء و هم لا ينسبون الشّي‏ء القبيح إلى أنفسهم عند التكلّم.

سمعت من م ق ر ر و».

و في حاشية المصدر نقلا عن العلامة المجلسي- (رحمه اللّه)- في كتابه مرآة العقول: أي: قالوا:

«يا سيّدنا و يا مولانا». و إنّما غيّره لئلّا يوهم انصرافه إليه- (عليه السلام)-.

و هذا شائع في كلام البلغاء في نقل أمر لا يرضى القائل لنفسه، كما في قوله تعالى: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏.

و قوله: «ما ذا دهاك» يقال: دهاه: إذا أصابته داهية.

(3) ليس في م.

(4) هكذا في المصدر. و في سائر النسخ: الزينة.

الوثبة: الوسادة.

(5) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ: جميع خيله.

498

لا يطاع اللَّه حتّى يقوم الإمام.

و تلا أبو جعفر- (عليه السلام)-: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان تأويل هذه الآية لمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و الظّنّ من إبليس حين قالوا الرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّه ينطق عن الهوى. فظنّ بهم إبليس ظنّا فصدّقوا ظنّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أمر اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن ينصب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للنّاس في قوله‏ (2): يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏ في عليّ بغدير خمّ، فقال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه.

فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر (3)، و حثّوا التّراب على رؤوسهم.

فقال لهم إبليس: ما لكم؟

قالوا: إنّ هذا الرّجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلّها شي‏ء إلى يوم القيامة.

فقال لهم إبليس: كلّا، إنّ الّذين حوله قد وعدوني فيه عدة (4) لن يخلفوني. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على رسول اللَّه: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏ (الآية).

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي فضّال‏ (6)، عن عبد الصّمد بن بشير، عن عطيّة العوفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا أخذ بيد عليّ- (عليه السلام)- بغدير خمّ فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، كان إبليس حاضرا بعفاريته.

فقالت له- حيث قال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه-: و اللَّه، ما هكذا قلت لنا، لقد أخبرتنا إنّ هذا إذا مضى افترق‏ (7) أصحابه، و هذا أمر مستقرّ كلّما أراد أن يذهب واحد

____________

(1) تفسير القمي 2/ 201.

(2) المائدة/ 67.

(3) ليس في أ.

(4) الأصل: مدّة.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 169.

(6) المصدر: ابن فضّال.

(7) المصدر: افترقت.

499

بدر آخر.

فقال: افترقوا، فإن أصحابه قد وعدوني أن لا يقرّوا له بشي‏ء ممّا قال. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ‏: تسلّط و استيلاء بوسوسة و استغواء إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ‏: إلّا يتعلّق علمنا بذلك تعلّقا يترتّب عليه الجزاء، أو ليتميّز المؤمن من الشّاكّ. و المراد من حصول العلم، حصول متعلّقه مبالغة.

وَ رَبُّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ (21)» محافظ. و الزّنتان متآخيتان.

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ‏، اي: زعمتموهم آلهة.

و هما مفعولا «زعم». حذف الأوّل لطول الموصول بصلته، و الثّاني لقيام صفته مقامه. و لا يجوز أن يكون «هو» مفعوله الثّاني، لأنّه لا يلتئم مع الضّمير كلاما. و لا «لا يملكون» لأنّهم لا يزعمونه‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏.

و المعنى: ادعوهم فيما يهمّكم من جلب نفع أو دفع ضرّ لعلّهم يستجيبون لكم إن صحّ دعواكم.

ثمّ أجاب عنهم إشعارا بتعيّن الجواب و أنّه لا يقبل المكابرة، فقال: لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ: من خير أو شرّ.

فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏: في أمرنا (1). و ذكرهما، للعموم العرفيّ. أو لأنّ آلهتهم بعضها سماويّة، كالملائكة و الكواكب، و بعضها أرضيّة، كالأصنام. أو لأنّ الأسباب القريبة للخير و الشّرّ سماويّة و أرضيّة. و الجملة استئناف لبيان حالهم.

وَ ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ‏: من شركة، لا خلقا و لا ملكا.

وَ ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) يعينه على تدبير أمرهما.

وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ‏: و لا تنفعهم شفاعة أيضا، كما يزعمون. إذ لا تنفع الشّفاعة عند اللَّه.

____________

(1) هكذا في النسخ. و في تفسير الصافي 4/ 218:

«أمرهما». و في أنوار التنزيل 2/ 260: «أمر ما».

و الأخير أظهر بدلالة: لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.

و «أمرهما» أقوى بدلالة: «في السماوات و لا في الأرض». و اللَّه العالم.

500

إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏: أن يشفع، أو أذن أن يشفع له لعلوّ شأنه. و لم يثبت ذلك.

و اللّام على الأوّل، كاللّام في قولك: الكرم لزيد. و الثّاني، كاللّام في: جئتك لزيد.

و قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي، بضمّ الهمزة (1).

حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ‏: غاية لمفهوم الكلام من أنّ ثمّة توقّفا و انتظارا للإذن، أي يتربّصون فزعين، حتّى إذا كشف الفزع عن قلوب، الشّافعين و المشفوع لهم بالإذن.

و قيل‏ (2): الضّمير للملائكة، و قد تقدّم ذكرهم ضمنا.

و قرأ ابن عامر و يعقوب: «فزّع» على البناء للفاعل. و قرئ: «فرغ»، أي: نفي الوجل من فرغ الزّاد إذا فني‏ (3) قالُوا: بعضهم لبعض.

ما ذا قالَ رَبُّكُمْ‏: في الشّفاعة.

قالُوا الْحَقَ‏: قالوا: قال القول الحقّ. و هو الإذن بالشّفاعة لمن ارتضى، و هم المؤمنون.

و قرئ، بالرّفع، أي: مقوله الحقّ‏ (4).

وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23): ذو العلوّ و الكبرياء. ليس لملك و لا نبيّ أن يتكلّم ذلك اليوم‏ (5) إلّا بإذنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏ قال: لا يشفع أحد من أنبياء اللَّه و رسله يوم القيامة [حتّى يأذن اللَّه له. إلّا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فإنّ اللّه- تعالى- قد أذن له في الشّفاعة من قبل يوم القيامة] (7) فالشّفاعة له و للأئمّة- (عليهم السلام)- ثمّ بعد ذلك للأنبياء- (عليهم السلام)-.

قال‏ (8): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي العبّاس المكبّر دخل مولى لا امرأة عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقال له: أبو أيمن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 260.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر 2/ 261.

(5) من ن و م.

(6) تفسير القمي 2/ 201- 202.

(7) ليس في ن.

(8) نفس المصدر و الموضع.

501

فقال له: يا أبا جعفر، تغرّون النّاس و تقولون: شفاعة محمّد شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فغضب أبو جعفر- (عليه السلام)- حتّى تربّد (1) وجهه. ثمّ قال له: ويحك يا أبا أيمن، أغرّك أن عفّ بطنك و فرجك. أما لو قد رأيت أفزاع يوم القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. ويلك، و هل يشفع إلّا لمن وجبت له النّار (2).

ثمّ قال: ما من أحد من الأوّلين و الآخرين إلّا و هو محتاج إلى شفاعة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يوم القيامة.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الشّفاعة [في أمّته، و لنا الشّفاعة في شيعتنا، و لشيعتنا الشفاعة (3) في أهاليهم.

ثمّ قال: و إنّ المؤمن ليشفع في مثل ربيعة و حضر. و إنّ المؤمن ليشفع حتّى لخادمه، و يقول: يا ربّ، حقّ خدمتي، كان يقيني: الحرّ و البرد.

و في‏ (4) رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر] (5)- (عليه السلام)‏- في قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ، قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. و ذلك أنّ أهل السّماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله).

فلمّا بعث اللَّه جبرائيل- (عليه السلام)- إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(6)- أهل السّماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصّفا، فصعق أهل السّماوات. فلمّا فرغ من الوحي انحدر جبرائيل- (عليه السلام)- [كلّما مرّ (7) بأهل سماء فزّع عن قلوبهم، يقول: كشف عن قلوبهم. فقال بعضهم للبعض: ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَ‏] (8) وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لا تقبل الشّفاعة يوم القيامة لأحد من الأنبياء و الرّسل حتّى يأذن له في الشّفاعة، إلّا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فإنّ اللَّه قد أذن له في‏

____________

(1) تربّد: تغيّر.

(2) ليس في الأصل و ن.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: شفاعة.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ.

(6) المصدر: فسمع.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أمر.

(8) ليس في أ.

(9) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 170.

502

الشّفاعة من قبل يوم القيامة (1). فالشّفاعة له و لأمير المؤمنين و للأئمّة من ولده- (عليهم السلام)-. ثمّ بعد ذلك للأنبياء- (عليهم السلام)-.

و روى- أيضا (2)- عن أبيه، عن عليّ بن مهران، عن زرعة، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن شفاعة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم القيامة.

قال: يحشر النّاس يوم القيامة في صعيد واحد، فيلجمهم‏ (3) العرق. فيقولون: انطلقوا بنا إلى- (عليه السلام)- ليشفع‏ (4) لنا. فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لنا عند ربّك.

فيقول: إنّ لي ذنبا و خطيئة [فأستحي‏ (5) من ربّي، فعليكم بنوح.

فيأتون نوحا، فيردّهم إلى من يليه، و يردّهم كلّ نبي إلى من يليه من الأنبياء،] (6) حتّى ينتهوا إلى عيسى.

فيقول: عليكم بمحمّد.

فيأتون محمّدا، فيعرضون أنفسهم عليه و يسألونه أن يشفع لهم.

فيقول لهم: انطلقوا بنا.

فينطلقون حتّى يأتي باب الجنّة، فيستقبل وجه الرّحمن‏ (7) سبحانه و يخرّ ساجدا، فيمكث ما شاء اللَّه.

فيقول [اللَّه‏] (8) له: ارفع رأسك، يا محمّد، و اشفع تشفّع و سل تعط. فيشفع فيهم.

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: يريد به تقرير قوله: لا يَمْلِكُونَ‏.

قُلِ اللَّهُ‏: إذ لا جواب له سواه. و فيه إشعار بأنّهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام، فهم مقرّون به بقلوبهم.

وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (24)، أي: و إنّ أحد الفريقين من الموحدّين المتوحّد بالرّزق و القدرة الذاتيّة بالعبادة و المشركين به الجماد النّازل في أدنى المراتب الإمكانيّة، لعلى أحد الأمرين من الهدى و الضّلال المبين. و هو بعد ما تقدّم من‏

____________

(1) المصدر: في يوم القيامة.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أ و م و س: فيحمهم.

المصدر: فيسيل منهم.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يشفع.

(5) المصدر: و أنا أستحيي.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: وجه الرحمن الرحيم.

(8) من م و المصدر.

503

التقرير البليغ الدّالّ على من هو على الهدى و من هو في ضلال أبلغ من التّصريح، لأنّه في صورة الإنصاف المسكت للخصم المشاغب.

و اختلاف الحرفين، لأنّ الهادي، كمن صعد ضارا ينظر الأشياء و يتطلّع عليها، أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء. و الضّالّ، كأنّه منغمس في ظلام‏ (1) من قبل أنّه لا يرى شيئا، أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصّى‏ (2) منها.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كلام طويل. و فيه: و أمّا قولكم «أنّي شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا، فإن كان معاوية أحقّ بها منّي فأثبتاه‏ (4).» فإنّ ذلك لم يكن شكّا منيّ، و لكنّي أنصفت بالقول.

قال اللَّه: وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏. و لم يكن ذلك شكّا، و قد علم اللَّه أنّ نبيّه على الحقّ.

قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ (25): هذا أدخل في الإنصاف و أبلغ في الإخباث، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم و العمل إلى المخاطبين.

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا: يوم القيامة.

ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِ‏: يحكم و يفصل. بأن يدخل‏ (5) المحقّين الجنّة و المبطلين النّار.

وَ هُوَ الْفَتَّاحُ‏: الحاكم الفيصل في القضايا المنغلقة.

الْعَلِيمُ‏ (26): بما ينبغي أن يقضي به.

قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ: لأرى بأيّ صفة ألحقتموهم باللَّه في استحقاق العبادة. و هو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجّة عليهم، زيادة في تبكيتهم.

كَلَّا: ردع لهم عن المشاركة، بعد إبطال المقايسة. بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (27): الموصوف بالغلبة و كمال القدرة. و الضّمير «للَّه» أو للشّأن.

وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏: إلّا إرسالة (6) عامّة لهم. من الكفّ، فإنّها إذا عمّتهم فقد كفّتهم أن يخرج منها أحد. أو إلّا جامعا لهم في الإبلاغ. فهي حال من الكافّ.

و التّاء للمبالغة. و لا يجوز جعلها حالا من «النّاس» على المختار.

____________

(1) ن: ضلال.

(2) تفصّى من الشي‏ء، و عنه: تخلّص منه.

(3) الاحتجاج 1/ 277- 278.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأشتباه.

(5) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: يداخل.

(6) ن: رسالة.

504

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا عليّ بن جعفر قال: حدّثني محمّد بن عبد اللَّه الطّائيّ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير قال: حدّثنا حفص الكنانيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه بن بكير الأرجانيّ‏ (2) قال: قال لي الصّادق جعفر بن محمّد- (صلوات اللّه عليهما)-: أخبرني عن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان عامّا للنّاس بشيرا، أليس قد قال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (3): وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏ لأهل الشّرق و الغرب و أهل السّماء و الأرض من الجنّ و الإنس، هل بلّغ رسالته إليهم كلّهم؟

[قلت: لا أدري.

قال: يا ابن بكير، إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لم يخرج من المدينة، فكيف أبلغ أهل الشّرق و الغرب؟] (4) قلت: لا أدري.

قال: إنّ اللَّه- تعالى- أمر جبرائيل فاقتلع الأرض بريشة من جناحه و نصبها لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فكانت بين يديه مثل راحته في كفّه، ينظر أهل الشّرق و الغرب، و يخاطب كلّ قوم بألسنتهم و يدعوهم إلى اللَّه- عزّ و جلّ- و إلى نبوّته بنفسه، فما بقيت قرية و لا مدينة إلّا و دعاهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بنفسه.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن محمّد بن مروان جميعا، عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أعطى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى- إلى أن قال-: و أرسله كافّة إلى الأبيض و الأسود و الجنّ و الإنس.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) تفسير القمي 2/ 202- 203.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: «الرجاني».

و في المصدر: «الدجاني». و لعل الأصوب:

«عبد اللَّه بن بكر الأرجانى» ر. تنقيح المقال 2/ 172، رقم 6769 و ص 170، رقم 6766.

(3) هنا زيادة في المصدر. و هي: في محكم كتابه.

(4) ليس في ن.

(5) الكافي 2/ 17، ضمن حديث 1.

(6) الخصال/ 201، صدر و ذيل حديث 14.

505

و سلّم-: فضّلت بأربع خصال‏ (1): جعلت لي‏ (2) الأرض مسجدا- إلى قوله: و أرسلت إلى النّاس كافّة.

و في مجمع البيان‏ (3): عن ابن عبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أعطيت خمسا و لا أقول فخرا، بعثت إلى الأحمر و الأصفر (4). (الحديث.)

و في روضة الواعظين‏ (5)، للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: سئل أبو طالب‏ (6): سلّه‏ (7)، أرسله اللَّه إلينا خاصّة أم إلى النّاس كافّة؟

فقال أبو طالب: يا ابن أخ، إلى النّاس كافّة أرسلت أم إلى قومك خاصّة؟

قال: لا، بل إلى النّاس أرسلت كافّة، الأبيض و الأسود (8) و العزليّ و العجميّ.

و الّذي نفسي بيده، لأدعونّ إلى هذا الأمر الأبيض و الأسود و من على رؤوس الجبال و من في لجج البحار، و لأدعونّ ألسنة فارس و الرّوم.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي جعفر (10) الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و إنّ الأنبياء بعثوا خاصّة و عامّة: فأمّا نوح، فإنّه أرسل إلى من في الأرض بنبوّة عامّة و رسالة عامّة. أو أمّا هود، فإنّه أرسل [إلى عاد] (11) بنبوّة خاصّة. و أمّا صالح، فإنّه أرسل إلى ثمود، و هي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر صغيرة. و أمّا شعيب، فإنّه أرسل إلى مدين، و هي لا تكمل أربعين بيتا. و أمّا إبراهيم نبوّته بكوثا، و هي قرية من قرى السّواد فيها بدأ أوّل أمره ثمّ هاجر منها و ليست بهجرة. فقال في ذلك‏ (12) قوله- عزّ و جلّ-: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي‏ ... سَيَهْدِينِ‏ (13). و كانت هجرة

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: لأمتي.

(3) مجمع البيان 4/ 391.

(4) المصدر: الأسود.

(5) روضة الواعظين للنيسابوري/ 54، في حديث طويل.

(6) المصدر: «فقالوا يا أبو طالب» بدل «سئل أبو طالب».

(7) ليس في الأصل و م.

(8) هنا زيادة في المصدر. و هي: و الأحمر.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 219- 220، ضمن حديث 1. و أوّله في ص 213.

(10) المصدر: أبي جعفر محمد بن عليّ.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: «و ليست بهجرة قتال. و ذلك» بدل «و ليست بهجرة. فقال في ذلك».

(13) هكذا في النسخ و المصدر. و أمّا في المصحف:

إِنِّي ذاهِبٌ ... (الصافات/ 99)، أو كما وردت فوق و لكن بدون «سيهدين» فتكون في سورة العنكبوت/ 26. و الاحتمال الأوّل أظهر.

506

إبراهيم بغير قتال. و أمّا إسحاق، فكانت نبوّته بعد إبراهيم.

و أمّا يعقوب، فكانت نبوّته بأرض كنعان، ثمّ هبط إلى أرض مصر فتوفّي فيها، ثمّ حمل بعد ذلك جسده حتّى دفن بأرض كنعان. و الرّؤيا الّتي رأى يوسف الأحد عشر كوكبا و الشّمس و القمر له ساجدين، فكانت نبوّته في أرض مصر بدؤها، ثمّ أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أرسل الأسباط اثني عشر بعد يوسف. ثمّ موسى و هارون إلى فرعون و ملائه إلى أرض‏ (1) مصر وحدها. ثمّ أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أرسل يوشع بن نون إلى بني إسرائيل من بعد موسى، فنبّوته بدؤها في البرّيّة الّتي تاه فيها بنو إسرائيل. ثمّ كانت أنبياء كثيرون، منهم من قصّه اللَّه- عزّ و جلّ- على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و منهم من لم يقصصه على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. ثمّ إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصّة، و كانت نبوّته ببيت المقدس و كان من بعده الحواريّون اثنا عشر. يزل الإيمان يستتر (2) في بقية أهله منذ رفع اللَّه عيسى- (عليه السلام)-. ثمّ أرسل اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى الجنّ و الإنس عامّة، و كان خاتم الأنبياء.

و بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ (3)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ [الباقر-] (4) (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: فمكث نوح- (عليه السلام)- [في قومه‏] (5) ألف سنة إلّا خمسين عاما، لم يشاركه في نبوّته أحد.

و في روضة الكافي‏ (6) عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثل ما نقلنا من كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة أخيرا سواء.

بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (28): فيحملهم جهلهم على مخالفتك.

وَ يَقُولُونَ‏: من فرط جهلهم.

مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ: يعني: المبشّر به و المنذر عنه. أو الموعود بقوله‏ (7):

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) م و أ: يستر. و المصدر: يستسر.

(3) نفس المصدر/ 215، ضمن حديث 1. و هو نفس الحديث السابق.

4 و 5- من المصدر.

(6) الكافي 8/ 115، ضمن حديث 92.

(7) سبأ/ 26.

507

يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (29): يخاطبون به رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المؤمنين.

قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ‏: وعد يوم، أو زمان وعد. فإضافته إلى «يوم» للتّبيين.

و يؤيّده أنّه قرئ: «يوم» على البدل. و قرئ: «يوما» بإضمار أعني‏ (1).

لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ‏ (30): إذا جاءكم. و هو جواب تهديد، جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التّعنّت و الإنكار.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَ لا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏: و لا بما تقدّمه من الكتب الدّالّة على النّعت.

قيل‏ (2): إنّ كفّار مكّة سألوا أهل الكتاب عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأخبروهم أنّهم يجدون نعته في كتبهم. فغضبوا و قالوا ذلك.

و قيل‏ (3): الّذي بين يديه يوم القيامة.

وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏، أي: في موضع المحاسبة.

يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ الْقَوْلَ‏: يتحاورون و يراجعون القول.

يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا: يقول الابتاع.

لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: للرّؤساء.

لَوْ لا أَنْتُمْ‏: إضلالكم و صدّكم إيّانا عن الإيمان.

لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ‏ (31): باتّباع الرّسول.

قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى‏ بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ‏ (32): أنكروا أنّهم كانوا صادّين لهم عن الإيمان، و أثبتوا أنّهم هم الّذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى و آثروا التّقليد عليه. و لذلك بنوا الإنكار على الاسم.

وَ قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ: إضراب عن إضرابهم، أي: لم يكن إجرامنا الصّادّ، بل مكركم لنا دائما ليلا و نهارا حتّى أغرتم علينا

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 262.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

508

رأينا.

إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً:

و إضافة المكر إلى الظّرف على الاتّساع.

و قرئ: «مكر اللّيل» بالنّصب على المصدر. و مكر اللّيل، بالتّنوين و نصب الظّرف. و مكر اللّيل، من الكرور (1).

وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏: و أضمر الفريقان النّدامة على الضّلال و الإضلال، و أخفاها كلّ، عن صاحبه مخافة التّعيير. أو أظهروها. فإنّه من الأضداد. إذا الهمزة تصلح للإثبات و السّلب، كما في: أشكيته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏ قال: يسرّون النّدامة في النّار إذا رأوا وليّ اللَّه.

فقيل: يا رسول اللَّه، و ما يغنيهم إسرارهم النّدامة و هم في العذاب؟

قال: يكرهون شماتة الأعداء.

وَ جَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا: [، أي: في أعناقهم.] (3) فجاء بالظّاهر، تنويها بذمّهم، و إشعارا بموجب أغلالهم.

هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (33)، أي: لا يفعل بهم ما يفعل إلّا جزاء على أعمالهم.

و تعدية «يجزي» إمّا لتضمين معنى: يقضي. أو بنزع الخافض.

وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها: تسلية لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ممّا مني به من قومه.

و تخصيص المتنعّمين بالتّكذيب، لأنّ الدّاعي إليه التّكبّر و المفاخرة بزخارف الدّنيا و الانهماك في الشّهوات و الاستهانة بمن لم يحظ منها. و لذلك ضمّوا التّهكّم و التّفاخر إلى التّكذيب فقالوا: إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ‏ (34): مقابلة الجمع بالجمع.

وَ قالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً: فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن.

وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏ (35): إمّا لأنّ العذاب لا يكون. أو لأنّه أكرمنا بذلك، فلا

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 203.

(3) ليس في الأصل.

509

يهيننا بالعذاب.

و في نهج البلاغة (1): و أمّا الأغنياء من مترفة الأمم فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم فقالوا:

نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏. فإن كان لا بدّ من العصبيّة، فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال و محامد الأفعال و محاسن الأمور، الّتي تفاضلت فيها المجداء و النّجداء (2) من بيوتات العرب و يعاسيب‏ (3) القبائل بالأخلاق الرّغيبة (4) و الأحلام‏ (5) العظيمة و الأخطار الجليلة و الآثار المحمودة.

قُلْ‏: ردّ لحسبانهم.

إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: و لذلك يختلف فيه الأشخاص المتماثلة في الخصائص و الصّفات. و لو كان ذلك لكرامة و هوان يوجبانه، لم يكن بمشيئته. وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (36): فيظنّون أنّ كثرة الأموال و الأولاد، للشّرف و الكرامة. و كثيرا ما يكون للاستدراج كما قال: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏: قربة.

و «الّتي» إمّا لأنّ المراد: و ما جماعة أموالكم و الأولاد. أو لأنّها صفة محذوف، كالتّقوى و الخصلة.

و قرئ: «بالّذي»، أي: بالشّي‏ء الّذي يقرّبكم‏ (6).

إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً: استثناء من مفعول «تقرّبكم»، أي: الأموال و الأولاد لا تقرّب أحدا، إلّا المؤمن الصّالح الّذي ينفق ماله في سبيل اللَّه و يعلّم ولده الخير و يربّيه على الصّلاح. أو من «أموالكم و أولادكم» على حذف المضاف، أي: أموال و أولاد من آمن و عمل صالحا.

فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ‏، أي: يتجاوز (7) الضّعف إلى عشر فما فوقه. و الأصل إضافة المصدر إلى المفعول.

____________

(1) نهج البلاغة/ 295، ضمن خطبة 192.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فيه المجد و النجد» بدل «فيها المجداء و النجداء».

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعاصيب.

اليعاسيب- جمع يعسوب-: و هو أمير النحل.

و يستعمل مجازا في رئيس القوم كما هنا.

(4) الأخلاق الرغيبة: المرضية المرغوبة.

(5) الأحلام: العقول.

(6) أنوار التنزيل 2/ 263.

(7) الأظهر: يجازوا.

510

و قرئ، بالإعمال على الأصل. و عن يعقوب، دفعهما على إبدال الضّعف‏ (1). و نصب الجزاء على التّمييز أو المصدر، لفعله الّذي دلّ عليه «لهم».

بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏ (37): من المكاره.

و قرئ، بفتح الرّاء و سكونها (2).

و قرأ حمزة: «في الغرفة» على إرادة الجنس‏ (3).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى أبي بصير قال: ذكرنا عند أبي جعفر- (عليه السلام)- من الأغنياء من الشّيعة، فكأنّه كره ما سمع منّا فيهم.

قال: يا أبا محمّد، إذا كان المؤمن غنيّا رحيما وصولا له معروف إلى أصحابه، أعطاه اللَّه أجر ما ينفق في البرّ أجره مرّتين ضعفين. لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و ذكر رجل عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- الأغنياء و وقع فيهم.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- اسكت، فإنّ الغنيّ إذا كان وصولا لرحمه‏ (6) بارّا بإخوانه، أضعف اللَّه له الأجر ضعفين. لأنّ اللَّه يقول: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(7)-، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: حتّى إذا كان يوم القيامة حسب لهم [حسناتهم‏] (8) ثمّ أعطاهم بكلّ واحدة عشر (9) أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (10)-: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً. و قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 263.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) علل الشرائع/ 604، ح 73.

(5) تفسير القمي 2/ 203- 204.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: برحمه.

(7) أمالي الطوسي 1/ 25.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: عشرة.

(10) النبأ/ 36.

511

فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

وَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا: بالرّدّ و الطّعن فيها.

مُعاجِزِينَ‏: سابقين لأنبيائنا. أو ظانّين أنّهم يفوتوننا.

أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ‏ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ‏: يوسّع عليه تارة و يضيّق عليه أخرى. فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين، و ما سبق في شخصين. فلا تكرير.

وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏: عوضا. إمّا عاجلا أو آجلا.

وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ (39): فإنّ غيره وسط في إيصال رزقه، لا حقيقة لرازقيّته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏.

قال:

فإنّه حدّثني أبي، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الرّبّ- تبارك و تعالى- ينزل أمره في كلّ ليلة جمعة إلى السّماء الدّنيا من أوّل اللّيل، و في كلّ ليلة في الثّلث الأخير، و أمامه ملك ينادي: هل من تائب يتاب عليه، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله‏ (2)؟ اللّهمّ، أعط كلّ منفق خلفا، و كلّ ممسك تلفا. إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد أمر الرّبّ- تبارك و تعالى- إلى عرشه، فيقسّم الأرزاق بين العباد.

ثمّ قال للفضيل بن يسار: يا فضيل، نصيبك من ذلك، و هو قول اللَّه: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ إلى قوله: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ (3).

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم [، عن أبيه،] (5) عن عثمان بن عيسى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: آيتين في كتاب اللَّه أطلبهما و لا أجدهما.

قال: و ما هما؟

____________

(1) تفسير القمي 2/ 204.

(2) يوجد في هامش نسخه م:

السؤال بالضّمّ: المسئول، كالخبر و المخبور. كذا في ق. و قال في الوافي: الأنس بالضمّ: جمع مأنوس. (جعفر- عفا عنه.)

(3) المصدر: وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ [نهاية آية 39] بدل «إلى قوله‏ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ [نهاية آية 41]

(4) الكافي 2/ 486، ح 8.

(5) من المصدر.

512

قلت: قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (1)-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ إلى أن قال: ثمّ قال: و ما الآية الاخرى؟

قلت: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏.

و إنّي أنفق و لا أرى خلفا.

قال: أفترى اللَّه- عزّ و جلّ- أخلف وعده؟

قلت: لا.

قال: فممّ ذلك؟

قلت: لا أدري.

قال: لو أنّ أحدكم أكتسب المال من حلّة [و أنفقه في حلّه،] (2) لم ينفق درهما إلّا أخلف عليه.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (3) [، عن عثمان بن عيسى،] (4) عن يحيى، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من بسط يده بالمعروف إذا وجده، يخلف اللَّه له ما أنفق في دنياه و يضاعف له في آخرته.

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5)، بإسناده إلى أبان [بن عثمان‏] (6) الأحمر، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)‏- أنّه جاء إليه رجل فقال له: بأبي أنت و أمّي [يا بن رسول اللَّه،] (7) عظني‏ (8) موعظة.

فقال- (عليه السلام)-: فإن كان الحساب حقّا، فالجمع لما ذا. و إن كان الخلف من اللَّه- عزّ و جلّ- حقّا، فالبخل لما ذا؟ (الحديث).

و في الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن النّوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من صدّق‏

____________

(1) المؤمن/ 60.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 2/ 154، ضمن حديث 19.

(4) من المصدر.

(5) من لا يحضره الفقيه 4/ 281، ضمن حديث 832.

6 و 7- من المصدر.

(8) المصدر: علّمني.

(9) الكافي 4/ 2، ح 4.

513

بالخلف، جاد بالعطيّة.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن راشد، عن سماعة، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من أيقن بالخلف، سخت نفسه بالنّفقة.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن عثمان بن عيسى، عن بعض من حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(3)- في كلام له: و من بسط يده بالمعروف إذا وجده، يخلف اللَّه له ما أنفق في دنياه و يضاعف له في آخرته.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (4)، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أو أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ينزل اللَّه المعونة من السّماء إلى العبد بقدر المؤنة، فمن أيقن بالخلف سخت نفسه بالنّفقة.

أحمد بن محمّد، عن أبيه‏ (5)، عن الحسين بن أيمن، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال: يا حسين، أنفق و أيقن بالخلف من اللَّه. فإنّه لم يبخل عبد و لا أمة بنفقة فيما يرضى اللَّه- عزّ و جلّ- إلا أنفق أضعافها فيما يسخط اللَّه.

محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين‏ (6)، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: دخل عليه مولى له.

فقال له: هل أنفقت اليوم شيئا؟

فقال: لا، و اللَّه.

فقال أو الحسن [الرّضا] (7)- (عليه السلام)-: فمن أين يخلف اللَّه علينا؟

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (8) و أحمد بن محمّد بن خالد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ الشّمس لتطلع و معها أربعة أملاك، ملك ينادي: يا صاحب الخير، أتمّ و أبشر.

____________

(1) نفس المصدر 4/ 43، ح 3.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(3) المصدر: «أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-» بدل «رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-».

(4) نفس المصدر 4/ 44، ح 8.

(5) نفس المصدر 4/ 43، ح 7. و هنا في المصدر زيادة. و هي: عن سعدان.

(6) نفس المصدر 4/ 44، ح 9. و له ذيل.

(7) من ن.

(8) نفس المصدر 4/ 42، ح 1.

514

و ملك ينادي: يا صاحب الشّرّ، أنزع‏ (1) و أقصر. و ملك ينادي: أعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا. و ملك ينضحها (2) بالماء. و لو لا ذلك، اشتعلت‏ (3) الأرض.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (4)، عن محمّد بن سنان، عن معاية بن وهب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنّة: أنفق و لا تخلف فقرا، و أنصف النّاس من نفسك، و أفش السّلام في العالم، و اترك المراء و إن كنت محقّا.

و في مجمع البيان‏ (5): عن جابر، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: كلّ معروف صدقة، و ما وقى الرّجل به عرضه فهو صدقة، و ما أنفق المؤمن من نفقة فعلى اللَّه خلفها ضامنا إلّا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية.

و عن أبي أمامة (6) قال: إنّكم تأوّلون هذه الآية في غير تأويلها وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ و قد سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و إلّا فصمّتا يقول: إيّاكم و السّرف في المال و النّفقة، و عليكم بالاقتصاد.

فما افتقر قوم قطّ اقتصدوا.

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً: المستكبرين و المستضعفين.

ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ‏ (40): تعريضا للمشركين، و تبكيتا لهم، و إقناطا عمّا يتوقّعون من شفاعتهم.

و تخصيص الملائكة، لأنّهم أشرف شركائهم و الصّالحون للخطاب، و لأنّ عبادتهم مبدأ الشّرك و أصله.

و قرأ حفص، بالياء، فيهما (7).

قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ‏: أنت الّذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا و بينهم، كأنّهم بيّنوا بذلك براءتهم عن الرّضا بعبادتهم، ثمّ أضربوا عن ذلك و نفوا أنّهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ‏، أي: الشّياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير اللَّه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أفزغ.

(2) الأصل: «ينزحها» و ما أثبتناه في المتن موافق سائر النسخ و المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: الشعلت.

(4) نفس المصدر 4/ 44، ح 10.

(5) مجمع البيان 4/ 394.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) أنوار التنزيل 2/ 263.

515

و قيل‏ (1): كانوا يتمثّلون لهم و يخيّلون إليهم أنّهم الملائكة، فيعبدونهم.

أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ (41):

الضّمير الأوّل للإنس، أو للمشركين. و «الأكثر» بمعنى: الكلّ. و الثّاني للجنّ.

فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا: إذ الأمر فيه كلّه له. لأنّ الدّار دار جزاء، و هو المجازي وحده.

وَ نَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ‏ (42): عطف على «يملك» مبيّن للمقصود من تمهيده.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا، يعنون: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ‏: فيستتبعكم بما يستبدعه.

وَ قالُوا ما هذا، يعنون: القرآن.

إِلَّا إِفْكٌ‏: لعدم مطابقة ما فيه الواقع.

مُفْتَرىً‏: بإضافته إلى اللَّه- سبحانه-.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ‏: لأمر النّبوة، أو للإسلام، أو للقرآن.

و الأوّل باعتبار معناه، و هذا باعتبار لفظه و إعجازه.

إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ‏ (43): ظاهر سحريّته.

و في تكرير الفعل و التّصريح بذكر الكفرة و ما في «اللّامين» من الإشارة إلى القائلين و المقول فيه و ما في «لمّا» من المبادهة إلى البتّ تمهيدا للقول، إنكار عظيم له و تعجيب بليغ منه.

وَ ما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها: و فيها دليل على صحّة الإشراك.

وَ ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44): يدعوهم إليه و ينذرهم على تركه. و قد بان من قبل أن لا وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشّبهة. و هذا في غاية التّجهيل‏ (2) لهم و التّسفيه لرأيهم.

ثمّ هدّدهم فقال: وَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: كما كذّبوا.

وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ‏: و ما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوّة و طول‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: التجهيد.

516

العمر و كثرة المال. أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البيّنات و الهدى.

فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45): فحين كذّبوا رسلي، جاءهم إنكاري بالتّدمير فكيف كان نكيري لهم. فليحذر هؤلاء من مثله. و لا تكرير في «كذّب»، لأنّ الأوّل للتّكثير و الثّاني للتكذيب. أو الأوّل مطلق و الثّاني مقيّد، و لذلك عطف عليه بالفاء.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا عليّ بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللَّه‏ (2)، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن حسّان، عن هشام بن عمّار يرفعه في قوله: وَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.

قال: كذّب الّذين من قبلهم رسلهم، و ما بلغ ما آتينا رسلهم معشار ما آتينا محمّدا و آل محمّد- (عليه السلام)-.

قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ: رشدكم و أنصح لكم. بخصلة واحدة. و هي ما دلّ عليه: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ‏.

قيل‏ (3): و هو القيام من مجلس رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. أو الانتصاب في الأمر خالصا لوجه اللَّه، معرضا عن المراء و التّقليد.

و محلّه الجرّ، على البدل أو البيان. و الرّفع و النّصب، بإضمار «هو» أو «أعني».

مَثْنى‏ وَ فُرادى‏: متفرّقين اثنين، و واحدا واحدا. فإنّ الإزدحام يشوّش الخاطر و يخط القول.

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ [بِواحِدَةٍ قال: إنّما أعظكم‏] (5) بولاية عليّ- (عليه السلام)-. هي الواحدة الّتي قال اللَّه- تبارك و تعالى‏ (6)-.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 204.

(2) المصدر: أحمد بن أبي عبد اللَّه.

(3) أنوار التنزيل 2/ 264.

(4) تفسير القمي 2/ 204.

(5) ليس في الأصل و م.

(6) هنا زيادة في النسخ سوى ن. و هي: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ. و في كتاب الاحتجاج، للطبرسي- (رحمه اللّه)- إلى بواحدة. قال: إنّما أعظكم بولاية عليّ. هي الواحدة التي قال اللَّه- عزّ و جلّ-.

517

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ [بِواحِدَةٍ.

فقال: إنّما أعظكم‏] (2) بولاية عليّ- (عليه السلام)-. هي الواحدة الّتي قال اللَّه- تبارك و تعالى-: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ فإنّ اللَّه- جلّ ذكره- نزّل عزائم‏ (4) الشّرائع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة، فكان أوّل ما قيّدهم به الإقرار بالوحدانيّة و الرّبوبيّة و الشّهادة بأن لا إله إلّا اللَّه. فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالإقرار لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بالنّبوّة و الشّهادة له بالرّسالة. فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصّلاة، ثمّ الصّوم، ثمّ الحجّ، ثمّ الجهاد، ثمّ الزّكاة، ثمّ الصّدقات و ما يجري مجراها من مال الفي‏ء.

فقال المنافقون: هل بقي لربّك علينا- بعد الّذي فرض علينا- شي‏ء آخر يفترضه فتذكره، لتسكن أنفسنا إلى أنّه لم يبق غيره؟

فأنزل اللَّه في ذلك: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ، يعني: الولاية. [فأنزل اللَّه‏ (5) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏.] (6)

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهر آشوب، عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)‏- في قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ قال: الولاية: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ قال: الأئمّة من‏ (8) ذرّيّتهما.

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول‏

____________

(1) الكافي 1/ 420، ح 41.

(2) من المصدر.

(3) الاحتجاج 1/ 379.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أنزل العزائم» بدل «نزّل عزائم».

(5) المصدر: «و أنزل» بدل «فأنزل اللَّه». و الآية في سورة المائدة/ 55.

(6) ما بين المعقوفتين و هي الآية ترتبط بموضوع آخر في المصدر. و يمكن أن يكون إيرادها هنا زائد.

(7) مناقب آل أبي طالب 4/ 180.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: و.

(9) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط،

518

اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏ قال: بالولاية.

قلت: و كيف ذاك؟

قال: إنّه لمّا نصّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للنّاس فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اغتابه رجل و قال: إنّ محمّدا ليدعو كلّ يوم إلى أمر جديد، و قد بدأ بأهل بيته يملّكهم رقابنا. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بذلك قرآنا، فقال له: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ فقد أدّيت إليكم ما افترض ربّكم عليكم.

قلت: فما معنى قوله- عزّ و جلّ-: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏؟

فقال: أمّا مثنى، يعني: طاعة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و طاعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و أمّا فرادى، فيعني: طاعة الإمام من ذرّيّتهما من بعدهما. و لا، و اللَّه يا يعقوب، ما عنى غير ذلك.

و روى الشّيخ محمد بن يعقوب- (رحمه اللّه)(1)- عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ.

فقال: إنّما أعظكم [بولاية (2) عليّ- (عليه السلام)-. هي الواحدة الّتي قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أَعِظُكُمْ‏] (3) بِواحِدَةٍ.

ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا: في أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما جاء به، لتعلموا حقيقته.

ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ: فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك.

و قيل‏ (4): «ما» استفهاميّة. و المعنى: ثمّ تتفكّروا أيّ شي‏ء به من آثار الجنون.

إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46): قدامه. و هو عذاب يوم القيامة.

____________

ص 170- 171.

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: «قال: ولاية» بدل «فقال: إنّما أعظكم بولاية».

(3) ليس في أ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 264.

519

قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ:

قيل‏ (1): أيّ شي‏ء سألتكم من أجر على الرّسالة فَهُوَ لَكُمْ‏.

و المراد نفي السّؤال. فإنّه جعل الشّي‏ء مستلزما لأحد الأمرين، إمّا الجنون، و إمّا توقّع نفع دنيويّ عليه. لأنّه إمّا أن يكون لغرض، أو غيره. و أيّا ما كان، يلزم أحدهما. ثمّ نفى كلّا منهما.

و قيل‏ (2): «ما» موصولة. مراد بها: ما سألهم، بقوله‏ (3): ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا. و قوله‏ (4): لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.

و اتّخاذ السّبيل ينفعهم. و قرباه قرباهم.

و في روضة الكافي‏ (5): علىّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن علىّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- (6)-: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً.

قال: من تولّى الأوصياء من آل محمّد و اتّبع آثارهم، فذاك يزيده ولاية من مضى من النّبيّين و المؤمنين الأوّلين حتّى تصل ولايتهم إلى آدم- (عليه السلام)-. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (7)-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها تدخله‏ (8) الجنّة. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ يقول: أجر المودّة الّتي أسألكم غيره، فهو لكم تهتدون به و تنجون من عذاب يوم القيامة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (9): قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ إلى قوله: و قال الماورديّ:

معناه: أنّ أجر ما دعوتكم إليه من إجابتي و ذخره هو لكم دوني. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-

____________

(1) نفس المصدر 2/ 263.

(2) نفس المصدر 3/ 265.

(3) الفرقان/ 57.

(4) الشورى/ 23.

(5) الكافي 8/ 379، صدر حديث 574.

(6) الشورى/ 23.

(7) النمل/ 89.

(8) ن: يدخل. م: ندخله. المصدر: يدخله.

م: ندخله. المصدر: يدخله.

(9) مجمع البيان 4/ 396.

(10) تفسير القمي 2/ 204.

520

في قوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ و ذلك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- سأل قومه أن يودّوا أقاربه و لا يؤذهم. و أمّا قوله: فَهُوَ لَكُمْ‏ يقول: ثوابه لكم‏

إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (47): مطّلع، يعلم صدقي و خلوص نيّتي.

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ‏: يلقيه و ينزله على من يجتبيه من عباده. أو يرمي به الباطل، فيدمغه. أو يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام و إفشائه.

عَلَّامُ الْغُيُوبِ‏ (48): صفة محمولة على «إنّ و اسمها». أو بدل المستكنّ في «يقذف». أو خبر ثان. أو خبر محذوف.

و قرئ، بالنّصب، صفة «لربّي». أو مقدّر «بأعني‏ (1)».

و «الغيوب» بالكسر، كالبيوت. و بالضّمّ، كالعشور. و بالفتح، كالصّيود. على أنه مبالغة غائب.

قُلْ جاءَ الْحَقُ‏، أي: الإسلام.

وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ (49):

قيل‏ (2): و زهق الباطل، أي: الشّرك، بحيث لم يبق له أثر. مأخوذ من هلاك الحيّ، فإنّه إذا هلك لم يبق له إبداء و لا إعادة.

و قيل‏ (3): «الباطل» إبليس، أو الصّنم. و المعنى: لا ينشئ خلقا و لا يعيده أو لا يبدئ خيرا لأهله و لا يعيده.

و قيل‏ (4): «ما» استفهاميّة، منتصبة (5) بما بعدها.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان قال:

أو لم إسماعيل.

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عليك بالمساكين، فأشبعهم. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ.

و في مجمع البيان‏ (7): قال ابن مسعود: دخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 265.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: منصبه.

(6) الكافي 6/ 299، ح 16.

(7) مجمع البيان 4/ 397.

521

مكّة، و حول البيت ثلاثمائة و ستّون صنما. فجعل يطعنها بعود في يده و يقول: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (1) جاءَ الْحَقُّ وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(2)-، بإسناده إلى عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد [، عن أبيه،] (3) عن آبائه- (عليهم السلام)- مثل ما نقلنا عن مجمع البيان.

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ‏: عن الحقّ.

فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسِي‏: فإنّ وبال ضلالي عليها، فإنّه بسببها، إذ هي الجاهلة بالذّات و الأمّارة بالسّوء. و بهذا الاعتبار قابل الشّرطيّة بقوله: وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي‏: فإنّ الاهتداء بهدايته و توفيقه.

إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ‏ (50): يدرك قول كلّ ضالّ و مهتد و فعله و إن أخافه.

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا: عند الموت، أو البعث، أو يوم بدر. و جواب «لو» محذوف، مثل: لرأيته فضيعا.

فَلا فَوْتَ‏: فلا يفوتون اللَّه بهرب أو تحصّن.

وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ (51) من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من الموقف إلى النّار، أو من صحراء بدر إلى القليب.

و العطف على «فزعوا». أو «لا فوت»، و يؤيّده أنّه قرئ: «و أخذ» عطفا على محلّه، أي: فلا فوت هناك و هناك أخذوا (4).

وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏: بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و قد مرّ ذكره في قوله: ما بِصاحِبِكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (5) وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏.

قال أبو حمزة الثّماليّ: سمعت عليّ بن الحسين و [الحسن بن‏] (6) الحسن بن عليّ- (عليهم السلام)- يقولان: هو جيش البيداء، يؤخذون من تحت أقدامهم.

و روي عن حذيفة بن اليمان‏ (7): أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق و المغرب.

____________

(1) الاسراء/ 81.

(2) أمالي الطوسي 1/ 346.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 265.

(5) مجمع البيان 4/ 397.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر 4/ 398.

522

قال: فبينما هم كذلك، يخرج عليهم السّفيانيّ من الوادي اليابس في فور ذلك حتّى ينزل دمشق. فيبعث جيشين: جيشا إلى المشرق، و آخر إلى المدينة حتّى ينزلوا بأرض بابل‏ (1) من المدينة الملعونة، يعني: بغداد. فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، و يفضحون أكثر من مائة امرأة، و يقتلون فيها ثلاثمائة [كبش من بني العبّاس، ثمّ ينحدرون إلى الكوفة، فيخرّبون ما حولها. ثمّ يخرجون متوجّهين إلى الشّام، فتخرج راية هدى من الكوفة] (2) فتلحق ذلك الجيش فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، و يستنقذون ما في أيديهم من السّبي و الغنائم. و يحلّ الجيش الثّاني بالمدينة، فينهبونها ثلاثة أيّام بلياليها. ثمّ يخرجون متوجّهين إلى مكّة، حتّى إذا كانوا بالبيداء بعث اللَّه- عزّ و جلّ- جبرائيل. فيقول: يا جبرائيل، اذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة يخسف اللَّه بهم عندها. و لا يفلت منهم إلّا رجلان من جهنية، فلذلك جاء القول: و عند جهينة الخبر اليقين. فلذلك قوله: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا (إلى آخره.) أورده الثّعلبيّ في تفسيره.

و روى أصحابنا في أحاديث المهديّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ‏: فإنّه‏

حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي خالد الكابليّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و اللَّه، لكأنّي أنظر إلى القائم و قد أسند ظهره إلى الحجر ثمّ ينشد اللَّه حقّه.

ثمّ يقول: يا أيّها النّاس، من يحاجّني في اللَّه فأنا أولى باللَّه. أيّها النّاس، من يحاجّني في آدم- (عليه السلام)- فأنا أولى بآدم. أيّها النّاس، من يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح. أيّها النّاس، من يحاجّني في إبراهيم. أيّها النّاس، من يحاجّني في موسى فأنا أولى بموسى. أيّها النّاس، من يحاجّني في عيسى فأنا أولى بعيسى. أيّها النّاس، من يحاجّني في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأنا أولى بمحمّد. أيّها النّاس، من يحاجّني في كتاب اللَّه فأنا أولى بكتاب اللَّه.

ثمّ ينتهي إلى المقام، فيصلّي ركعتين و ينشد اللَّه حقّه.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م: «و فيه: أنّ بابل من أراضي بغداد.

أقول: قريبة من الحلّة بثلاثة فراسخ تقريبا. و فيها أشجار يق (كذا. و لعل الصواب: بنق) أنّها من أوتاد فيمه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (جعفر)».

(2) ليس في أ.

(3) تفسير القمي 2/ 204- 205.

523

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هو، و اللَّه، المضطرّ في كتاب اللَّه في قوله‏ (1): أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏. فيكون أوّل من يبايعه جبرائيل- (عليه السلام)- ثمّ الثّلاثمائة و الثّلاثة عشر رجلا. فمن كان ابتلى بالمسير وافاه، و من لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه. و هو قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: هم المفقودون عن فرشهم. و ذلك قول اللَّه‏ (2): فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال:

الْخَيْراتِ‏ الولاية. و قال في موضع آخر (3): وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ و هم و اللَّه أصحاب القائم- (عليه السلام)- يجتمعون و اللَّه إليه في ساعة واحدة. فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السّفيانيّ، فيأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض فتأخذ بأقدامهم. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏، يعني:

بالقائم من آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ‏ قال: من الصّوت، و ذلك الصّوت من السّماء. و قوله- عزّ و جلّ-:

وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ قال: من تحت أقدامهم خسف بهم.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا محمّد بن الحسن بن على بن‏ (6) الصّباح المدائنيّ، عن الحسن بن محمّد بن شعيب، عن موسى بن عمر بن زيد (7)، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يخرج القائم- (عليه السلام)- فيسير حتّى يمرّ بمزّ (8)، فيبلغه أنّ عامله‏ (9) قد قتل، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة و لا يزيد على ذلك شيئا. ثمّ ينطلق فيدعو النّاس حتّى ينتهي إلى البيداء، فيخرج جيشان للسّفيانيّ، فيأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض أن تأخذ بأقدامهم. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏، يعني: بقيام القائم‏ وَ قَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏، يعني‏

____________

(1) النمل/ 62.

(2) البقرة/ 148.

(3) هود/ 8.

(4) نفس المصدر 2/ 205- 206.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 171.

(6) من المصدر. و في الأصل: «عن». و هما ليسا في سائر النسخ.

(7) المصدر: «عن يزيد» بدل «بن زيد».

(8) المصدر: بمرّ.

(9) المصدر: عالمه.

524

بقيام القائم من‏ (1) آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم).

وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ‏: و من أين لهم أن يتناولوا الإيمان تناولا سهلا؟

مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52): فإنّه في حيّز التّكليف و قد بعد عنهم أوانه. تمثيل حالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات عنهم، بحال من يريد أن يتناول الشّي‏ء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة.

و قرأ أبو عمرو و الكوفيّون غير حفص، بالهمزة، على قلب الواو لضمّتها. أو لأنّه من نأشت الشّي‏ء: إذا طلبته: أو من نأشت: إذا تأخّرت. فيكون بمعنى التّناول من بعد (2).

وَ قَدْ كَفَرُوا بِهِ‏:

قيل‏ (3) بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. أو بالعذاب.

مِنْ قَبْلُ‏: ذلك، أوان التّكليف.

وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ‏:

قيل‏ (4): و يرجمون بما لم يظهر لهم في الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. [من المطاعن. أو في العذاب، من البتّ على نفيه.

مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53): من أمره. و هو الشّبه الّتي تمحّلوها في أمر الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.] (5) أو حال الآخرة، كما حكاه من قبل. و لعلّه تمثيل لحالهم في ذلك، بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظّنّ في لحوقه.

و قرئ: «و يقذفون» على أنّ الشّيطان يلقي إليهم و يلقّنهم ذلك‏ (6).

و العطف على‏ وَ قَدْ كَفَرُوا على حكاية الحال الماضية. أو على «قالوا» فيكون تمثيلا لحالهم، بحال القاذف في تحصيل ما ضيّعوه من الإيمان في الدّنيا وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏: من نفع الإيمان و النّجاة.

و قرأ ابن عامر و الكسائيّ، بإشمام الضّمّة للحاء (7).

كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ‏: من كفرة الأمم الدّارجة.

____________

(1) المصدر: «قائم» بدل «القائم من».

(2) أنوار التنزيل 2/ 265- 266.

(3) نفس المصدر 2/ 266.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ن.

(6) أنوار التنزيل 2/ 266.

(7) نفس المصدر و الموضع. و في م و أ و س و ن:

للهاء.

525

إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ‏ (54): موقع في الرّيبة، أو ذي الرّيبة منقول من المشكّك، أو الشّاكّ، نعت به الشّكّ للمبالغة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) [و قوله- عزّ و جلّ-:] (2) وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ. [إلى قوله:] (3) وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏، يعني: أن [لا] (4) يعذّبوا كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ‏، يعني: من كان قبلهم من المكذّبين هلكوا. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ‏.

أخبرنا الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد (5)، عن محمّد بن جمهور، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة قال: سألت‏ (6) أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال: إنّهم طلبوا الهدى من حيث لا ينال، و قد كان لهم مبذولا من حيث ينال.

____________

(1) تفسير القميّ 2/ 205.

(2) ليس في المصدر.

3 و 4- من المصدر.

(5) نفس المصدر 2/ 206.

(6) هكذا في المصدر، و ن. و في النسخ «سمعت» بدل «سألت».

527

تفسير سورة الملائكة (فاطر)

529

سورة الملائكة مكّيّة. و هي خمس أو ستّ و أربعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: للحمدين جميعا (2)، حمد سبأ و حمد فاطر، من قرأهما في ليلة لم يزل في ليلة في حفظ اللَّه و كلاءته. فمن‏ (3) قرأهما في نهاره لم يصبه في نهاره مكروه، و أعطي من خير الدّنيا و خير الآخرة ما لم يخطر على قبل و لم يبلغ مناه.

و في مجمع البيان‏ (4): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قرأ سورة الملائكة، دعته يوم القيامة ثلاث أبواب من الجنّة أن ادخل من أيّ الأبواب شئت.

الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: مبدعهما. من الفطر، بمعنى: الشّقّ.

حمد- سبحانه- نفسه ليعلمنا كيف نحمده. و الإضافة مخصّصة، لأنّه بمعنى الماضي.

جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا: وسائط بينه و بين أنبيائه و الصّالحين من عباده، يبلّغون إليهم رسالته بالوحي و الإلهام و الرّؤيا الصّادقة. أو بينه و بين خلقه، يوصلون إليهم آثار صنعه.

أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‏: ذوي أجنحة متعدّدة متفاوتة، بتفاوت‏

____________

(1) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال/ 137- 138، ح 1.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ:

«الحمدين» بدل «للحمدين جميعا».

(3) المصدر: فإن.

(4) مجمع البيان 4/ 399.

530

ما لهم من المراتب. ينزلون بها و يعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكّلهم اللَّه عليه فيتصيّرون فيه على ما أمرهم به.

قيل‏ (1): و لعلّه لم يرد خصوصيّة الأعداد و نفي ما زاد عليها، لما روي أنّه- (عليه السلام)- رأى جبرائيل ليلة المعراج و له ستّمائة جناح.

و في كتاب الخصال‏ (2)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر قال: فأنشدك باللَّه، أخوك المزيّن بالجناحين في الجنّة يطير بهما مع الملائكة أم أخي؟

قال: بل أخوك.

و فيه‏ (3)، و في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- يوم الشّورى على النّاس: و نشدتكم باللَّه، هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر المزيّن بالجناحين في الجنّة (4)، يحلّ فيها حيث يشاء غيري؟

قالوا: اللّهمّ، لا.

و فيه‏ (5)- أيضا- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها. قال- (عليه السلام)-: و أمّا السّادسة و العشرون، فإنّ جعفرا أخي الطّيّار في الجنّة مع الملائكة المزيّن بالجناحين من درّ و ياقوت و زبرجد.

و فيه‏ (6)- أيضا- فيها، قال- (عليه السلام)-: و أمّا الثامنة و الأربعون، فإنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أتاني في منزلي و لم يكن طعمنا منذ ثلاثة أيّام.

فقال: يا عليّ، هل عندك شي‏ء؟

فقلت: و الّذي أكرمك بالكرامة و اصطفاك بالرّسالة، ما طمعت و زوجتي و ابناي منذ ثلاثة أيّام.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يا فاطمة، ادخلي البيت و انظري، هل تجدين شيئا؟

فقالت: خرجت السّاعة.

فقلت: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أدخله أنا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 266.

(2) الخصال/ 551.

(3) نفس المصدر/ 555.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: بالجنة.

(5) نفس المصدر/ 575.

(6) نفس المصدر/ 578.

531

فقال: ادخل [و قل‏] (1) بسم اللَّه.

فدخلت، فإذا أنا بطبق موضوع‏ (2) عليه رطب و جفنة (3) من ثريد فحملتهما إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فقال: يا عليّ، رأيت الرّسول الّذي حمل الطّعام؟

فقلت: نعم.

فقال: صفه لي.

فقلت: من بين أحمر و أخضر و أصفر.

فقال: تلك خطط جناح جبرائيل مكلّلة بالدّر و الياقوت.

فأكلنا من الثّريد حتّى شبعنا، فما أرى إلّا خدش أيدينا و أصابعنا. [و لم ينقص من الطّعام شي‏ء] (4) فخصّني اللَّه بذلك من بين أصحابه.

عن يحيى بن وثّاب‏ (5)، عن ابن عمر قال: كان على الحسن و الحسين تعويذان، حشوهما من زغب‏ (6) جناح جبرائيل- (عليه السلام)-.

عن محمّد بن طلحة (7)، بإسناده يرفعه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: الملائكة على ثلاثة أجزاء: فجزء لهم جناحان، و جزء لهم ثلاثة أجنحة، و جزء لهم أربعة أجنحة.

عن ثابت بن أبي صفيّة (8) قال: قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: رحم اللَّه العبّاس، يعني: ابن عليّ. فلقد آثر و أبلى‏ (9) و فدى أبي‏ (10) بنفسه حتّى قطعت يداه، فأبدله اللَّه.

جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب. و إنّ للعبّاس عند اللَّه- تبارك و تعالى- لمنزله يغبطه بها جميع الشّهداء يوم القيامة.

عن زيد بن وهب‏ (11) قال: سئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: موضع.

(3) المصدر: من تمر و جفنة.

الجفنة: القصعة.

(4) ليس في المصدر.

(5) الخصال/ 67، ح 99.

(6) الزغب: صغار الريش. و قيل: أوّل ما يبدو منه.

(7) نفس المصدر/ 153، ح 191.

(8) نفس المصدر/ 68، ح 101.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أبي» بدل «و أبلى».

(10) المصدر: أخاه.

(11) نفس المصدر/ 400- 401، صدر حديث 109.

532

قدرة اللَّه- عزّ و جلّ-.

خطيبا، فحمد اللَّه و أثنى عليه. ثمّ قال إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- ملائكة، لو أنّ ملكا منهم هبط إلى الأرض ما وسعته لعظم خلقته و كثرة أجنحته. و منهم من لو كلّفت الجنّ و الإنس أن يصفوه، ما وصفوه لبعد ما بين مفاصله و حسن تركيب صورته. و كيف يوصف من ملائكته من سبعمائة عام ما بين منكبيه و شحمة أذنيه. و منهم من يسدّ الأفق بجناح من أجنحته، دون عظم بدنه. و منهم من السّماوات إلى حجزته‏ (1). و منهم من قدمه على غير قرار في جو الهواء الأسفل و الأرضون إلى ركبته‏ (2). و منهم من لو ألقي في نقرة إبهامه جميع المياه، لوسعتها. و منهم من لو ألقيت السّفن في دموع عينيه، لجرت دهر الدّاهرين. فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.

عن أبي أيّوب الأنصاريّ‏ (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. حديث طويل. يقول فيه‏ للزّهراء فاطمة- (عليها السلام)- يا فاطمة، إنّا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأوّلين قبلنا و لا يدركها أحد من الآخرين بعدنا: نبّينا خير الأنبياء، و هو أبوك. و وصّينا خير الأوصياء، و هو بعلك. و شهيدنا خير الشّهداء، و هو حمزة (4) عمّ أبيك و منّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة، و هو جعفر. و منّا سبطا هذه الأمّة، و هما ابناك.

و في كتاب التّوحيد (5): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إنّ للَّه- تبارك و تعالى- ملكا من الملائكة، نصف جسده الأعلى نار و نصفه الأسفل ثلج. فلا النّار تذيب الثّلج [و لا الثّلج‏] (6) يطفئ النّار. و هو قائم ينادي بصوت له رفيع: سبحان‏ (7) الّذي كفّ حرّ هذه النّار فلا تذيب‏ (8) [الثّلج‏ (9)، و كفّ برد هذا الثّلج‏] (10) فلا يطفئ هذه النّار (11). اللّهم، يا مؤلّفا (12) بين الثّلج و النّار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين على طاعتك.

____________

(1) الحجزة: معقد الإزار.

(2) المصدر و أ: ركبتيه.

(3) نفس المصدر/ 412، ذيل حديث 16.

(4) من المصدر.

(5) التوحيد/ 280، ح 5.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: سبحان اللَّه.

(8) م و أ و س و ن: «تذيب» بدل «فلا تذيب».

(9) المصدر: هذا الثلج.

(10) ليس في م و س و أ. و «و كفّ برد هذا الثلج» ليس في ن.

(11) المصدر: جرّ هذه النار.

م و س و أ: الحر النار.

(12) س و أ و م و ن: يا مؤلّف.

533

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى مجاهد قال: قال ابن عبّاس:

سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- ملكا يقال له: دردائيل. كان له ستّة عشر ألف جناح، ما بين الجناح‏ (2) و الجناح هواء، و الهواء، كما بين السّماء (3) و الأرض.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [، عن محمد] (5) بن خالد، عن محمّد بن القاسم، عن الحسين بن أبي العلا، عن عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال:

يا حسين- و ضرب بيده إلى مساور (6) في البيت- مساور طالما اتّكأت‏ (7) عليها الملائكة، و ربّما التقطنا من زغبها.

محمّد بن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم‏ (8) قال: حدّثني مالك بن عطيّة الأحمسيّ، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: دخلت على علي بن الحسين- (عليهما السلام)-. فاحتبست في الدّار ساعة، ثمت دخلت البيت، و هو يلتقط شيئا و أدخل يده من وراء السّتر فناوله من كان في البيت.

فقلت: جعلت فداك [هذا الّذي أراك تلتقطه، أي شي‏ء هو؟

قال: فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا [نجعله‏] (9) سيحا لأولادنا.

فقلت: جعلت فداك،] (10) و إنّهم ليأتونكم؟

فقال: يا أبا حمزة، إنّهم ليزاحمونا على تكأتنا (11).

و في بصائر الدّرجات‏ (12): أحمد بن موسى، عن أحمد المعروف بغزّال‏ (13) مولى حرب بن زياد البجليّ، عن محمّد بن أبي جعفر (14) الحماميّ الكوفيّ، عن الأزهر البطّيخيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- عرض ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة/ 282، صدر حديث 36.

2 و 3- المصدر: إلى.

(4) الكافي 1/ 393، ح 2.

(5) من المصدر.

(6) المساور- جمع المسور- متّكأ من جلد.

(7) هكذا في أ و س و م. و في الأصل و ن:

«انكت». و في المصدر: «اتّكت».

(8) نفس المصدر 1/ 393- 394، ح 3. و فيه:

محمد عن أحمد بن محمد عن عليّ بن الحكم.

(9) من المصدر.

(10) السيح: ضرب من البرود.

(11) التكأة: ما يعتمد عليه حين الجلوس.

(12) بصائر الدرجات/ 88، ح 7. م‏

(13) المصدر: محمّد بن المعروف بغزال.

(14) المصدر: محمّد أبي جعفر.

534

فقبلتها الملائكة، و أباها ملك يقال له: فطرس. فكسر اللَّه جناحه.

فلمّا ولد الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- بعث اللَّه جبرائيل في سبعين ألف ملك إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يهنّئهم بولادته. فمرّ بفطرس.

فقال: له فطرس إلى أين تذهب؟

قال: بعثني اللَّه إلى محمّد أهنّئهم بمولود ولد في هذه اللّيلة.

فقال له فطرس: احملني معك، و سل محمّدا يدعو لي.

جبرائيل: اركب جناحي.

فركب جناحه، فأتى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فدخل عليه و هنّأه.

فقال له: يا رسول اللَّه، إنّ فطرس بيني و بينه أخوّة، و سألني أن أسألك أن تدعو اللَّه أن يردّ عليه جناحه.

فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لفطرس- (1)، أ تفعل؟

قال: نعم.

فعرض عليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقبلها.

فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: شأنك المهد (2)، فتمسّح به و تمرّغ فيه.

قال: فمشى‏ (3) فطرس إلى مهد (4) الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يدعو له.

قال‏ (5) رسول اللَّه: فنظرت إلى ريشه، و أنّه ليطلع و يجري فيه‏ (6) الدّم و يطول حتى لحق بجناحه الآخر، و عرج مع جبرائيل إلى السّماء و صار إلى موضعه.

أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عمرو بن سعيد (7)، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار السّاباطيّ قال‏ أصبحت شيئا [كان على و ساء كانت في منزل أبي‏

____________

(1) المصدر: «يا فطرس» بدل «لفطرس».

(2) المصدر: بالمهد.

(3) المصدر: فمضى.

(4) المصدر: فمشى إلى مهد.

(5) المصدر: قال قال.

(6) المصدر: منه.

(7) نفس المصدر/ 111، ح 5. و فيه: محمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عمر بن سعيد.

535

عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

فقال له بعض أصحابنا: ما هذا، جعلت فداك؟ و كان يشبه شيئا يكون‏] (1) في الحشيش كثيرا، كأنّه جوزة (2).

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هذا مما يسقط من أجنحة الملائكة.

ثمّ قال: يا عمّار، إنّ الملائكة [لتأتينا، و إنّها لتمرّ بأجنحتها على رؤس صبياننا.

يا عمّار، إنّ الملائكة] (3) لتزاحمنا على نمارقنا (4).

إبراهيم بن هاشم، عن عبد اللَّه بن صمّاد (5)، عن المفضّل بن عمر قال: دخلت على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. فبينا أنا عنده جالس إذا أقبل موسى ابنه- (عليه السلام)-. و في رقبته قلادة فيها ريش غلاظ. فدعوت به فقبّلته و ضممته إلى صدري‏ (6).

ثمّ قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، أيّ شي‏ء هذا الّذي في رقبة موسى؟

فقال: هذا من أجنحة الملائكة.

قال: قلت: و إنّها لتأتيكم؟

فقال: نعم، إنّها لتأتينا و تتعفّر (7) في فرشنا. و إنّ هذا الّذي في رقبة موسى من أجنحتها.

أحمد بن الحسين، عن الحسن بن برّة الأصمّ‏ (8) [، عن ابن أبي بكير،] (9) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ الملائكة لتّنزّل علينا في رحالنا، و تتقلّب على فرشنا، و تحضر موائدنا، و تأتينا من كلّ نبات في زمانه رطب و يابس، و تقلّب علينا أجنحتها [، و تقلّب أجنحتها] (10) على صبياننا.

____________

(1) ليس في أ.

(2) م: «صورة». المصدر: «خرزة».

(3) من المصدر.

(4) غارق- جمع نمرقة- الوسادة الصغيرة يتّكأ عليها.

(5) نفس المصدر/ 113، ح 13. و فيه:

إبراهيم بن إسحاق عن عبد اللَّه بن حمّاد.

(6) المصدر: «إليّ» بدل «إلى صدري».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعفّر.

(8) نفس المصدر/ 113- 114، صدر حديث 17. و فيه: أحمد عن الحسين عن الحسن بن برّة الأصمّ.

(9) ليس في المصدر.

(10) ليس في الأصل و ن.

536

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: خلق اللَّه الملائكة مختلفة.

و قد رأي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- جبرائيل و له ستّمائة جناح، على ساقه الدّرّ، مثل القطر على البقل. قد ملأ ما بين السّماء و الأرض.

و قال: إذا أمر اللَّه- عزّ و جلّ- ميكائيل بالهبوط إلى الدّنيا، صارت رجله [اليمني‏] (2) في السّماء السّابعة و الأخرى في الأرضين‏ (3) السّابعة. و إنّ للَّه ملائكة أنصافهم من برد و أنصافهم من نار، يقولون: يا مؤلّفا بين البرد و النّار، ثبّت قلوبنا على طاعتك.

و قال: إنّ للَّه ملكا بعد ما بين شحمة أذنيه إلى عينيه مسيرة خمسمائة عام، بخفقان‏ (4) الطّير.

و قال: إنّ الملائكة لا يأكلون و لا يشربون و لا ينكحون، و إنّما يعيشون بنسيم العرش.

و إنّ للَّه- عزّ و جلّ- ملائكة ركّعا إلى يوم القيامة. و إنّ للَّه- عزّ و جلّ- ملائكة سجّدا إلى يوم القيامة.

ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-:

ما من شي‏ء ممّا خلق اللَّه- عزّ و جلّ- أكثر من الملائكة. و إنّه ليهبط في كلّ يوم أو في كلّ ليلة سبعون ألف ملك، فيأتون البيت الحرام فيطوفون به، ثم يأتون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثمّ يأتون أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون الحسين- (عليه السلام)- فيقيمون عنده فإذا كان عند السّحر وضع لهم معراج إلى السماء، ثمّ لا يعودون أبدا.

و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق إسرافيل و جبرائيل و ميكائيل- (عليهم السلام)- من تسبيحة واحدة، و جعل لهم السّمع و البصر و جورة (5) العقل و سرعة الفهم.

و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خلقة الملائكة: و ملائكة خلقتهم و أسكنتهم سماواتك، فليس فيهم فترة و لا عندهم غفلة و لا فيهم معصية. هم أعلم خلقك بك، و أخوف خلقك منك، و أقرب خلقك إليك، و أعلمهم بطاعتك. لا يغشاهم نوم العيون، و لا سهو

____________

(1) تفسير القمي 2/ 206- 207.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: الأرض.

(4) المصدر: خفقان.

(5) ن: «من جنود». و في سائر النسخ:

«موجود». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

537

العقول، و لا فترة الأبدان. لم يسكنوا (1) الأصلاب، و لم يضمّهم‏ (2) الأرحام، و لم تخلقهم من ماء مهين. إذ أنشاتهم إنشاء. فأسكنتهم سماواتك، و أكرمتهم بجوارك، و ائتمنتهم على وحيك، و جنّبتهم الآفات، و وقيتهم البليّات، و طهّرتهم من الذّنوب. و لولا قوّتك، لم يقووا. و لولا تثبيتك، لم يثبتوا. و لولا رحمتك، لم يطيعوا. و لولا أنت، لم يكونوا. أما إنّهم على مكانتهم منك و طاعتهم‏ (3) إيّاك و منزلتهم عندك و قلّة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا ما خفي عنهم منك لاحتقروا أعمالهم و لأزروا (4) على أنفسهم و لعلموا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك. سبحانك خالقا و معبودا، ما أحسن بلاؤك عند خلقك.

يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ: استئناف، للدّلالة على أنّ تفاوتهم في ذلك مقتضى مشيئته و مؤدّى حكمته، لا أمر يستدعيه ذواتهم. لأنّ اختلاف الأصناف و الأنواع بالخواصّ و الفضول إن كان لذواتهم المشتركة، لزم تنافي لوازم الأمور المتّفقة، و هو محال.

و الآية متناولة زيادات الصّور و المعاني، كملاحة الوجه، و حسن الصوت، و حصافة العقل، و سماحة النفس.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: حسّنوا القرآن بأصواتكم. فإنّ الصّوت الحسن يزيد القرآن حسنا. و قرئ: [ «و اللَّه‏] (6) يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ.

و في كتاب التّوحيد (7): [أبي- (رحمه اللّه)- قال:] (8) حدّثنا سعد بن عبد اللَّه قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن عبد اللَّه بن سليمان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ القضاء و القدر خلقان من خلق اللَّه «و اللَّه‏ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم يسكن.

(2) المصدر: لم تتضمّنهم.

(3) المصدر: طواعيتهم.

(4) أزرى عليه: عابه و عاتبه.

(5) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 69، ح 322. و يوجد في هامش نسخة م: هذا الخبر ليدلّ على جواز الغناء لاحتمال أن يكون المراد بالصوت الحسن، لحن العرب، كما

في قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اقرؤا القرآن بألحان العرب.

[جامع الأخبار/ 57، ضمن فصل 23] (جعفر)

(6) من المصدر.

(7) التوحيد/ 364، ح 1.

(8) من المصدر.

538

[و في مجمع البيان‏ (1): يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ] (2) و روى أبو هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: هو الوجه الحسن، و الصّوت الحسن، و الشّعر الحسن.

إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (91:

و تخصيص بعض الأشياء بالتحّصيل‏ (3) دون بعض، إنّما هو من جهة الإرادة.

ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ‏: ما يطلق لهم و يرسل. من تجوّز السّبب للمسبّب.

مِنْ رَحْمَةٍ: كنعمة و أمن و صحّة و علم و نبوّة.

فَلا مُمْسِكَ لَها: يحسبها.

وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ‏: يطلقه.

و اختلاف الضّميرين، لإنّ الموصول الأوّل، مفسّر (4) بالرّحمة، و الثّاني مطلق يتناولها و الغضب. و في ذلك إشعار بأنّ رحمته سبقت غضبه.

مِنْ بَعْدِهِ‏: من بعد إمساكه.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: الغالب على ما يشاء، ليس لأحد أن ينازعه فيه. الْحَكِيمُ‏ (2):

لا يفعل إلّا بعلم و اتّقان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن مالك بن عبد اللَّه بن أسلم، عن أبيه، عن رجل من الكوفيّين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: ما يَفْتَحِ (اللَّهُ) لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها قال: و المتعة من ذلك.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أبو محمّد أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها.

قال: هي ما أجرى اللَّه على لسان الإمام‏

، يعني: أنّ الّذي يجريه اللَّه على لسان‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 400.

(2) ليس في م.

(3) أ و ن و س: بالتحصّل.

(4) ن: منسوب.

(5) تفسير القمي 2/ 207.

(6) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 171.

539

الإمام- (عليه السلام)- من الكلام‏ (1) هو رحمة منه فتح بها على النّاس. لأنّه لا ينطق عن الهوى، و ما ينطق إلّا عن اللَّه، و كلّما يكون من اللَّه، فهو رحمة. و منه قوله- تعالى‏ (2)-: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏. و كذلك أهل بيته الطّيّبين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين). ثمّ لما بيّن أنّه الموجد للملك و الملكوت و المتصرّف فيهما على الإطلاق، أمر النّاس أن يشكروا إنعامه فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏: احفظوها بمعرفة حقّها، و الاعتراف بها، و طاعة مولاها.

ثمّ أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل، فيستحقّ أن يشرك به بقوله- تعالى-:

هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏ (3):

فمن أيّ وجه تصرفون عن التّوحيد إلى إشراك غيره به؟

و رفع «غير» للحمل على محلّ «من خالق» بأنّه وصف أو بدل، فإنّ الاستفهام بمعنى النّفي. أو لأنّه فاعل «خالق» (3).

و جرّه حمزة و الكسائي، حملا على لفظه‏ (4).

و قد نصب على الاستثناء. و «يرزقكم» صفة «لخالق»، أو استئناف مفسّر (5) له، أو كلام مبتدأ على أن يكون إطلاق «هل من خالق» مانعا إطلاقه على غير اللَّه- تعالى- (6).

وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ‏، أي: فتأسّ بهم في الصّبر على تكذيبهم. فوضع «فقد كذّبت» موضعه استغناء بالسّبب‏ (7) عن المسبّب. و تنكير «رسل» للتّعظيم، المقتضي زيادة التّسلية و الحثّ على المصابرة.

وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4): فيجازيك و إيّاهم على الصّبر و التّكذيب.

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏: بالحشر و الجزاء.

حَقٌ‏: لا خلف فيه.

فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا: فيذهلكم التّمتّع بها عن طلب الآخرة و السّعي لها.

____________

(1) المصدر: كلامهم.

(2) الأنبياء/ 107.

(3) أنوار التنزيل 2/ 267.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ن: مفصّل.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في م.

540

وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5): الشيّطان. بأن يمنّيكم المغفرة مع الإصرار على المعصبة، فإنّها و إن أمكنت لكنّ الذّنب بهذا التّوقّع، كتناول السّمّ اعتمادا على دفع الطّبيعة.

و قرئ، بالضّمّ. و هو مصدر، أو جمع، كقعود (1).

إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ: و عداوة قديمة.

فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا: في عقائدكم و أفعالكم، و كونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال اللَّه- تبارك و تعالى- لموسى- (عليه السلام)-: يا موسى، احفظ وصيّتي لك بأربعة- إلى أن قال-: و الرّابعة، ما دمت لا ترى الشّيطان ميّتا فلا تأمن مكره.

و بإسناده إلى أبان الأحمر (3)، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)‏- أنّه جاء اليه رجل فقال له: بأبي أنت و أمّي، عظني موعظة. فقال- (عليه السلام)-: إن كان الشّيطان عدوّا، فالغفلة لما ذا؟

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى أبان الأحمر، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: إن كان الشّيطان عدوّا، فالغفلة لما ذا؟

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6): تقريرا لعداوته، و بيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتّباع الهوى و الرّكون إلى الدّنيا.

الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7): وعيد لمن أجاب دعاءه، و وعد لمن خالفه، و قطع للأماني الفارغة، و بناء الأمر كلّه على الإيمان و العمل الصّالح.

و قوله- تعالى-: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً تقرير له، أي: أ فمن زيّن له سوء عمله، بأن غلب وهمه و هواه على عقله حتّى انتكس رأيه فرأى الباطل حقّا و القبيح حسنا، كمن لم يزيّن له بل وفّق حتّى عرف الحقّ و استحسن الأعمال و استقبحها على ما هي عليه. فحذف الجواب لدلالة فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: عليه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 267.

(2) التوحيد/ 372، صدر و ذيل حديث 14.

(3) نفس المصدر/ 376، ضمن حديث 21.

541

[و قيل‏ (1): تقديره: أ فمن زيّن له سوء عمله‏] (2) ذهبت نفسك عليهم حسرة. فحذف الجواب لدلالة [فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ‏ عليه.

و معناه: فلا تهلك عليهم للحسرات على غيّهم و إصرارهم على التّكذيب.

و الفاءات‏] (3) الثّلاثة للسّببيّة، غير أنّ الأوليين دخلتا على السّبب و الثّالثة دخلت على المسّبب.

و جمع «الحسرات» للدّلالة على تضاعيف اغتمامه على إصرارهم، أو كثره مساوئ أفعالهم المقتضية للتّأسف.

و «عليهم» ليس صلة لها، لأنّ صلة المصدر لا تتقدّمه بل صلة «تذهب»، أو بيان للمتحسّر عليه.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ‏ (8): فيجازيهم عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن حسّان، عن هشام بن عمّار يرفعه‏ في قوله: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ‏.

قال: نزلت في زريق و حبتر.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلّال، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن العجب الّذي يفسد العمل.

فقال: العجب درجات، منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فرآه حسنا، فيعجبه و يحسب له يحسن صنعا.

محمّد بن يحيى، عن أحمد [بن محمّد (6)] (7) بن عيسى، عن عليّ بن أسباط، عن رجل من أصحابنا- من أهل خراسان من ولد إبراهيم بن سيّار- يرفعه، عن أبي‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 268.

(2) ليس في م.

(3) ليس في أ.

(4) تفسير القمي 2/ 207.

(5) الكافي 2/ 313، ح 3. و له ذيل.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 1.

(7) من أ و س و المصدر.

542

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه علم أنّ الذّنب خير للمؤمن من العجب، و لو لا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب أبدا.

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد (1)، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: بينما موسى- (عليه السلام)- جالسا، إذ أقبل إبليس و عليه برنس‏ (2) ذو ألوان. فلمّا دنى من موسى- (عليه السلام)- خلع البرنس. و قام إلى موسى- (عليه السلام)- فسلّم عليه.

فقال له موسى: [من أنت؟

قال: أنا إبليس.

قال: أنت، فلا قرّب اللَّه دارك.

قال: إنّي إنّما جئت لأسلّم [عليك‏] (3) لمكانك من اللَّه.

قال: فقال له موسى:] (4) فما هذا البرنس؟

قال: به أختطف قلوب بني آدم.

فقال له موسى: فأخبرني بالذّنب الّذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه؟

قال: إذ أعجبه نفسه، و استكثر عمله، و صغر في عينه ذنبه.

وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ‏: و قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائي: الرّيح‏ (5).

فَتُثِيرُ سَحاباً: على حكاية الحال الماضية، استحضارا لتلك الصّورة البديعة الدّالّة على كمال الحكمة، و لأنّ المراد بيان إحداثها بهذه الخاصّيّة، و لذلك أسنده إليها.

و يجوز أن يكون اختلاف الأفعال، للدّلالة على استمرار الأمر.

فَسُقْناهُ إِلى‏ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ‏: بالمطر النّازل منه. و ذكر السّحاب، كذكره. أو بالسّحاب، فإنّه سبب السّبب أو الصّائر مطرا.

بَعْدَ مَوْتِها: بعد يبسها. و العدول فيهما من الغيبة إلى ما هو، أدخل في الاختصاص لما فيهما من مزيد الصّنع.

كَذلِكَ النُّشُورُ (9): أي: مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحّة

____________

(1) نفس المصدر 2/ 314، ح 8. و له ذيل.

(2) البرنس: كلّ ثوب رأسه متزق به.

(3) من المصدر.

(4) ليس في أ.

(5) أنوار التنزيل/ 268.

543

المقدوريّة. إذ ليس بينهما إلّا احتمال اختلاف المادّة في المقيس عليه، و ذلك لا مدخل له فيها.

و قيل‏ (1): في كيفيّة الإحياء، فإنّه- تعالى- يرسل ماء من تحت العرض تنبت منه أجساد الخلق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن العزميّ‏ (3)، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن حارث الأعور، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سئل عن السّحاب، أين يكون؟

قال: يكون على شجر، على كثيب‏ (4)، على شاطئ‏ (5) البحر يأوي إليه. فإذا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- أن يرسله‏ (6)، أرسل ريحا فأثاره و وكّل به ملائكة يضربونه بالمخاريق، و هو البرق، فيرتفع.

و في روضة الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العزرميّ رفعه‏ (8) قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- و سئل عن السّحاب أين يكون؟

قال: يكون على شجر، على كثيب، على شاطئ البحر يأوي إليه. فإذا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- أن يرسله، أرسل ريحا فأثارته. و وكّل به ملائكة يضربونه بالمخاريق، و هو البرق، فيرتفع. ثمّ قرأ هذه الآية: وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى‏ بَلَدٍ مَيِّتٍ‏ (الآية) و الملك اسمه الرّعد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا أراد اللَّه أن يبعث الخلق، أمطر السّماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال و نبتت اللّحوم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 276.

(3) النسخ: العزرمي.

المصدر: العرز في ط (العزر في م).

و العرزمي هو لقب جمع منهم: إسحاق بن منصور و حمّاد بن عثمان و عمرو بن جبير و محمد بن سلام و محمد بن عبد الرحمن و محمد بن عبيد اللَّه و غيرهم. ر. تنقيح المقال، فصل الألقاب، 3/ 54.

(4) المصدر: «كثيف» بدل «على كثيب».

(5) هكذا في الأصل و في سائر النسخ و المصدر:

ساحل.

(6) المصدر: يرسل.

(7) الكافي 8/ 218- 219، ح 268.

(8) ليس في الأصل.

(9) تفسير القمي 2/ 253.

544

و في أمالي الصّدوق‏ (1)، مثله سواء.

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ: الشّرف و المنعة.

فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً، أي: فليطلبها من عنده، فإنّ له كلّها. فاستغنى بالدليل عن المدلول.

و في مجمع البيان‏ (2): فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً

روى أنس، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إنّ ربّكم يقول كلّ يوم: أنا العزيز. فمن أراد عزّ الدّارين، فليطلع العزيز.

إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏: بيان لما يطلب به العزّة، و هو التّوحيد و العمل الصّالح. و صعودهما إليه مجاز عن قبوله إيّاهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما.

و المستكنّ في «يرفعه» «للكلم»، فإنّ العمل لا يقبل إلّا بالتّوحيد. و يؤيّده أنّه نصب «العمل». أو «للعمل» فإنّه يحقّق الإيمان و يقوّيه. أو «للَّه» و تخصيص العمل بهذا الشّرف لما فيه من الكلفة.

و قرئ: «يصعد» على البنائين. و المصعد هو اللَّه- تعالى-. أو المتكلّم به. أو الملك‏ (3). و قيل‏ (4): الكلم الطّيّب يتناول الذّكر و الدّعاء و قراءة القرآن. و عنه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: هو سبحان اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلّا اللَّه و اللَّه أكبر. فإذا قالها العبد، عرج بها الملك إلى السّماء فحيّا بها وجه الرّحمن. فإذا لم يكن عمل صالح، لم يقبل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله- عزّ و جلّ-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ قال: كلمة الإخلاص و الإقرار بما جاء به من عند اللَّه من الفرائض، و الولاية ترفع العمل الصّالح إلى اللَّه- عزّ و جلّ-.

و عن الصّادق- (عليه السلام)(6)- أنّه قال: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏ قول المؤمن: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليّ وليّ اللَّه و خليفة رسول اللَّه.

و قال: و الْعَمَلُ الصَّالِحُ‏ الاعتقاد بالقلب، أنّ هذا هو الحقّ من عند اللَّه لا شكّ فيه من ربّ العالمين.

____________

(1) أمالي الصدوق/ 149، ح 5.

(2) مجمع البيان 4/ 402.

(3) أنوار التنزيل 2/ 268.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 208.

(6) نفس المصدر و الموضع.

545

و في رواية أبي الجارود (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ لكلّ قول مصداقا من عمل يصدقه أو يكذبه. فإذا قال ابن آدم و صدق قوله بعمله، رفع قوله بعمله إلى اللَّه. و إذا قال و خالف قوله عمله‏ (2)، ردّ قوله على عمله الخبيث و هوى به في النّار.

و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى زيد بن عليّ- (عليه السلام)- عن أبيه سيّد العابدين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول سيّد العابدين- (عليه السلام)-: و إنّ للَّه- تبارك و تعالى- بقاعا في سماواته، فمن عرج به إلى‏ (4) [بقعة منها] (5) فقد عرج به إليه.

ألا تسمع اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (6): تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ‏. [و يقول- عزّ و جلّ-: في قصّة عيسى بن مريم- (عليه السلام)-: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ‏] (7) و يقول- عزّ و جلّ-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏.

و في الفقيه‏ (8)، مثله سواء.

و في أصول الكافي‏ (9): عليّ بن محمّد و غيره، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القنديّ، عن عمّار الأسديّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ ولايتنا أهل البيت- و أهوى بيده إلى صدره- فمن لم يتولّنا، لم يرفع اللَّه له عملا.

و في نهج البلاغة (10): و لو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة و إذعانهنّ له بالطّاعة، لما جعلهنّ اللَّه موضعا لعرشه و لا مسكنا لملائكته و لا مصعدا للكلم الطّيب و العمل الصّالح من خلقه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (11)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال ابن الكوّا: يا أمير المؤمنين، فما ثواب من قال: لا إله إلّا اللَّه؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: عمله قوله.

(3) التوحيد/ 177، ذيل حديث 8.

(4) المصدر: إليها.

(5) ليس في المصدر. و ما في المتن مطابق لما في البحار عن التوحيد. كذا أشار في حاشية المصدر.

(6) المعارج/ 4.

(7) ليس من المصدر. و أشار في حاشية المصدر إلى أنّ هذه القطعة موجودة في البحار عند ذكره حديث التوحيد.

(8) من لا يحضره الفقيه 1/ 127، ذيل حديث 603. و هو مطابق المتن.

(9) الكافي 1/ 430، ح 85.

(10) نهج البلاغة/ 261، ضمن خطبة 182.

(11) الاحتجاج 1/ 386- 387.

546

قال: من قال: لا إله إلّا اللَّه مخلصا، طمست ذنوبه، كما يطمس الحرف الأسود من الورق‏ (1) الأبيض. فإذا قال ثانية: لا إله إلّا اللَّه مخلصا، خرقت أبواب السّماء و صفوف الملائكة حتّى يقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة اللَّه. فإذا قال ثالثة مخلصا (2): لا إله إلّا اللَّه، لم تنته دون العرش. فيقول الجليل: اسكني، فو عزّتي و جلالي، لاغفرنّ لقائلك بما كان فيه. ثمّ تلا هذه الآية: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏

، يعني: إذا كان عمله خالصا (3) ارتفع قوله و كلامه.

و في شرح الآيات الباهرة (4): روى الشّيخ محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)، عن عليّ بن محمّد و غيره، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القنديّ، عن عمّار بن يقظان، الأسديّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ قال: ولايتنا أهل البيت- و أهوى بيده إلى صدره- فمن لم يتولّنا، لم يرفع اللَّه له عملا،

يعني: أنّ الولاية هي العمل الصالح الّذي يرفع الكلم الطّيّب إلى اللَّه- تعالى-.

و يؤيّده ما

رواه عن الإمام عليّ بن موسى- (عليهما السلام)(5)- في قوله- تعالى-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏.

قال: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏ هو قول: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، عليّ وليّ اللَّه و خليفته حقّا و خلفاؤه خلفاء اللَّه. وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ فهو دليله. و عمله، اعتقاده الّذي في قلبه بأنّ هذا الكلام صحيح، كما قلته بلساني،

يعني: أنّ قوله بلسانه غير كاف إذا لم يكن بقلبه و لسانه و جوارحه و أركانه.

وَ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ‏: المكرات السّيّئات، يعني: مكرات قريش للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في دار النّدوة و تدارسهم الرّأي في إحدى ثلاث: حبسه، و قتله، و إجلائه.

و قيل‏ (6): يعملون السّيّئات. و قيل: يشركون باللَّه.

____________

(1) المصدر: الرق.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: صالحا.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 171.

و فيه: «تأويله ما رواه» بدل «روى».

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) مجمع البيان 4/ 402.

547

لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ: لا يؤبه دونه بما يمكرون به.

وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10): يفسد و لا ينفذ. لأنّ الأمور مقدّرة لا تتغيّر به، كما دلّ عليه بقوله: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ‏: بخلق آدم منه.

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ: يخلق ذرّيّته منها.

ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً: ذكرانا و إناثا.

وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ‏: إلّا معلومة له.

وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ: و ما يمدّ في عمره من مصيره إلى الكبر.

وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏: من عمر المعمّر لغيره. بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصا.

و الضّمير له و إن لم يذكر، لدلالة مقابله عليه. أو للمعمرّ على التّسامح فيه، ثقة بفهم السّامع، كقوله: لا يثيب اللَّه عبدا و لا يعاقبه إلّا بحقّ.

و قيل‏ (1): الزّياد و النّقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللّوح، مثل: أن يكون فيه، إن حجّ زيد (2) فعمره ستّون سنة و إلّا فأربعون.

و قيل‏ (3): المراد بالنّقصان، ما يمرّ من عمره و ينقص فإنّه يكتب في صحيف عمره يوما فيوما.

و عن يعقوب‏ (4): «و لا ينقص» على البناء للفاعل.

إِلَّا فِي كِتابٍ‏: هو علم اللَّه، أو اللّوح، أو الصّحيفة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله: وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ‏، يعني: يكتب في كتاب.

و هو ردّ على من ينكر البداء.

و في جوامع الجامع‏ (6): و قيل معناه: لا يطول عمر و لا ينقص‏ (7) إلّا في كتاب اللَّه.] (8)

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 269.

(2) المصدر: عمرو.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 208.

(6) جوامع الجامع/ 387.

(7) المصدر: لا يقصر.

(8) ليس في أ.

548

و هو أن يكتب في اللّوح [المحفوظ:] (1) لو أطاع اللَّه فلان، بقي إلى وقت كذا. و إذا عصى، نقص من عمره الّذي وقّت له. و إليه‏

أشار رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في قوله: إنّ الصّدقة و صلة الرّحم تعمّران الدّيار و تزيدان في الأعمار.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلّا صلة الرّحم، حتّى أنّ الرّجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرّحمن فيزيد اللَّه في عمره ثلاثين سنة (3)، أو يكون‏ (4) قاطعا للرّحم فينقصه اللَّه- عزّ و جلّ- عن ثلاثين سنة و يجعل أجله إلى ثلاث سنين.

الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد (5) عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- مثله.

و في كتاب الخصال‏ (6) 0: عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: سمعت النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: من سرّه أن يبسط له في رزقه و ينسأ له في أجله، فليصل رحمه.

عن أبي جعفر- (عليه السلام)(7)- قالت: في كتاب عليّ- (عليه السلام)-: ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ حتّى يرى وبالهنّ: البغي، و قطيعة الرّحم، و اليمين الكاذبة يبارز اللَّه بها، إلى قوله- (عليه السلام)-: و إنّ القوم ليكونون فجّارا فيتواصلون، فتنمي أموالهم فيبرّون فيزاد في أعمارهم‏ (8) و إن اليمين الكاذبة و قطيعة الرّحمن لتذر انّ الدّيار بلاقع‏ (9) من أهلها.

عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (10) قال: من صدق لسانه، ذكا عمله. و من حسنت نيّته، زاد اللَّه في رزقه، و من حسن برّه في أهله، زاد اللَّه في عمره.

عن حذيفة بن اليمان‏ (11) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا معشر

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 2/ 152- 153، ح 17.

(3) هنا في المصدر زيادة و هي: فيجعلها ثلاثا و ثلاثين سنة و يكون أجله ثلاثا و ثلاثين سنة.

(4) ن و المصدر: فيكون.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الخصال/ 32، ح 112.

(7) نفس المصدر/ 124، ضمن حديث 119.

(8) المصدر: «و يبرّون فتزداد أعمارهم» بدل «فيبرّون فيزاد في أعمارهم».

(9) بلاقع- جمع بلقع-: و هي الأرض الفقر التي لا شي‏ء بها.

(10) نفس المصدر/ 88، ح 21.

(11) نفس المصدر/ 320، صدر حديث 2.

549

المسلمين، إيّاكم و الزّنا، فإنّ فيه ستّ خصال ثلاث في الدّنيا و ثلاث في الآخرة. أمّا الّتي في الدّنيا، فإنّه يذهب بالبهاء و يورث الفقر و ينقص العمر (الحديث).

و عن عليّ بن أبي طالب‏ (1)، عن النّبيّ- صلّى اللَّه عليهما و آلهما- أنّه قال في وصيّته له. مثله بتغيير يسير.

و عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله كذلك.

و في كتاب التّوحيد (2)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: لقد أخبرني أبي، عن آبائه أنّا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى نبيّ من أنبيائه: أن أخبر فلان الملك أني متوفّيه كذا و كذا.

فأتاه ذلك النّبيّ، فأخبره.

فدعا اللَّه الملك، و هو على سريره، حتّى سقط من السّرير، فقال: يا ربّ، أجّلني حتّى يشبّ طفلي و اقضي أمري.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى ذلك النّبيّ: أن ائت إلى فلان الملك، فاعلمه أنّي قد أنسأت في أجله و زدت في عمره خمس عشرة سنة.

فقال ذلك النّبيّ: يا ربّ، إنّك تعلم أنّي لم أكذب قطّ.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: إنّما أنت عبد مأمور، فأبلغه ذلك، و اللَّه لا يسأل عمّا يفعل.

و في عيون الأخبار (3)، مثله سواء.

و في روضة الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي إسحاق الجرجانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- جعل لمن جعل له سلطانا أجلا و مدّة من ليال و أيّام و سنين و شهور. فإن عدلوا في النّاس، أمر اللَّه- عزّ و جلّ- صاحب الفلك أن يبطئ بإدارته فطالت أيّامهم و لياليهم و سنوهم‏ (5) و شهورهم. و إن هم جاروا في النّاس و لم يعدلوا، أمر اللَّه- عزّ و جلّ- صاحب الفلك فأسرع‏

____________

(1) نفس المصدر/ 321، ح 3.

(2) التوحيد/ 443- 444.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 181- 182.

(4) الكافي 8/ 271، ح 400.

(5) المصدر: سنينهم و في النسخ: سنونهم.

550

بإدارته فقصرت لياليهم و أيّامهم و سنينهم و شهورهم. و قد و في لهم‏ (1)- عزّ و جلّ- بعدد اللّيالي و الشّهور.

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)- (2): و روى المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها، و استغنى النّاس‏ (3) عن ضوء الشّمس، و ذهبت الظّلمة، و يعمّر الرّجل في ملكه حتّى يولد له ألف ذكر لا يولد فيهم أنثى.

و في تهذيب الأحكام‏ (4): أبو القاسم جعفر بن محمّد [، عن محمد بن عبد اللَّه،] (5) عن الحسين بن عليّ بن زكريّا، عن الهيثم بن عبد اللَّه، عن الرّضا علي بن موسى- (عليه السلام)- عن أبيه قال: قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ أيّام زائري الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- لا تعدّ من آجالهم.

و عنه‏ (6)، محمّد بن عبد اللَّه بن جعفر، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الحميد، عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم قال: سمعته يقول: من أتى عليه حول و لم يأت قبر الحسين- (عليه السلام)- نقص اللَّه من عمره حولا. و لو قلت: إنّ أحدكم ليموت قبل أجله بثلاثين سنة، لكنت صادقا. و ذلك أنّكم تتركون زيارته. فلا تدعوها، يمدّ اللَّه في أعماركم و يزيد في أرزاقكم. و إذا تركتم زيارته، نقص اللَّه من أعماركم و أرزاقكم.

و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من أخبار هذه المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا عليّ، من كرامة المؤمن على اللَّه أنّه لم يجعل لأجله وقتا حتّى يهم ببائقة (8). فإذا همّ ببائقة، قبضه إليه.

قال: و قال جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: تجنّبوا البوائق، يمدّ لكم في الأعمار.

و في أصول الكافي‏ (9): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن موسى بن القاسم‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و في» بدل «و قد و في لهم».

(2) الإرشاد/ 363.

(3) المصدر: العباد.

(4) تهذيب الأحكام 6/ 43، ح 90.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 91. و له ذيل.

(7) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 36، ح 90.

(8) البائقة: الشرّ، الظلم. و الجمع بوائق.

(9) الكافي 1/ 485- 486، ح 8.

551

البجليّ، عن عليّ بن جعفر- (عليه السلام)- قال: جاءني محمّد بن إسماعيل و قد اعتمرنا عمرة رجب، و نحن يومئذ بمكّة.

فقال: يا عمّ، إنّي أريد بغداد و قد أحببت أن أودّع عميّ أبا الحسن، يعني موسى بن جعفر- (عليه السلام)-. و أحببت أن تذهب معي إليه.

فخرجت معه نحو أخي، و هو في داره الّتي بالحوبة، و ذلك بعد المغرب بقليل.

فضربت الباب.

فأجابني أخي فقال: من هذا؟

فقلت: عليّ.

فقال: هو ذا أخرج. و كان يبطئ الوضوء.

فقلت: العجل.

قال: و أعجل.

فخرج و عليه إزار ممشّق‏ (1) قد عقده في عنقه، حتّى قعد تحت عتبة الباب.

فقال عليّ بن جعفر: فانكببت عليه فقبّلت رأسه، و قلت: قد جئتك في أمر إن تره صوابا فاللَّه‏ (2) وفّق، و إن يكن‏ (3) غير ذلك فما أكثر ما نخطئ.

قال: و ما هو؟

قلت: هذا ابن أخيك يريد أن يودّعك و يخرج إلى بغداد.

فقال لي: ادعه‏ (4). فدعوته، و كان متنحيّا.

فدنا منه فقبّل رأسه، و قال: جعلت فداك، أوصني.

فقال‏ (5): أوصيك أن تتّقي اللَّه في دمي.

فقال: من أرادك بسوء، فعل اللَّه به و فعل‏ (6).

____________

(1) ممشّق، أي: مصبوغ بالمشق. و هو الطين الأحمر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «تر ثوابا للَّه» بدل «تره صوابا فاللَّه».

(3) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ: لم يكن.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «له ادنه» بدل «لي ادعه».

(5) المصدر: فقال مجيبا له.

(6) المصدر: «و جعل يدعو على من يريده بسوء» بدل «و فعل».

552

ثمّ عاد فقبّل رأسه، ثمّ قال: يا عمّ، أوصني.

فقال: أوصيك أن تتّقي اللَّه في دمي.

فقال: من أرادك بسوء، فعل اللَّه به و فعل‏ (1). ثمّ قال: يا عمّ، أوصني.

فقال: أوصيك أن تتّقي اللَّه في دمي.

فدعا على من أراده بسوء، ثمّ تنحّى عنه و مضيت معه.

فقال لي أخي: يا عليّ، مكانك.

فقمت مكاني. فدخل منزله ثمّ دعاني، فدخلت إليه. فتناول صرّة فيها مائة دينار فأعطانيها، و قال: قل لابن أخيك، يستعين بها على سفره.

قال عليّ: فأخذتها فأدرجتها في حاشية ردائي، ثمّ ناولني مائة أخرى و قال:

أعطه- أيضا. ثمّ ناولني صرّة أخرى و قال: أعطه أيضا.

فقالت: جعلت فداك، إذا كنت تخالف منه مثل الّذي ذكرت، فلم تعينه على نفسك؟

فقال: إذا وصلته و قطعني، قطع اللَّه أجله. ثمّ تناول مخدة أدم فيها ثلاثة آلاف درهم وضح‏ (2) فقال: أعطه هذا- أيضا.

قال: فخرجت إليه فأعطيته المائة الأولى ففرح فرحا شديدا و دعا لعمّه، ثمّ أعطيته الثّانية [و الثّالثة] (3) ففرح حتّى ظننت أنّه سيرجع و لا يخرج، ثمّ أعطيته الثّلاثة آلاف درهم.

فمضى على وجهه حتّى دخل على هارون، فسلّم عليه بالخلافة و قال: ما ظننت أنّ في الأرض خليفتين حتّى رأيت عميّ موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يسلّم عليه بالخلافة.

فأرسل هارون إليه بمائة ألف درهم، فرماه اللَّه بالذّبحة (4). فما نظر منها إلى درهم و لا مسّه.

إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11): إشارة إلى الحفظ، أو الزّيادة، أو النّقص.

وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ‏: ضرب مثل للمؤمن و الكافر.

و «الفرات» الّذي يكسر العطش. و «السّائغ» الّذي يسهل انحداره. و «الأجاج»

____________

(1) هنا زيادة في المصدر. و هي: ثم عاد فقبل رأسه.

(2) الوضح: الدرهم الصحيح.

(3) من المصدر.

(4) الذبحة: وجع في الحلق، أو دم يخنق فيقتل.

553

الّذي يحرق بملوحته.

و قرئ: «سيّغ» بالتّشديد و التّخفيف. و ملح على فعل‏ (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(2)-: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ‏ فالأجاج: المرّ.

وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها: استطراد في صفة البحرين و ما فيهما من النّعم، أو تمام التّمثيل.

و المعنى: كما أنّهما و إن اشتركا في بعض الفوائد، لا يتساويان من حيث أنّهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذّات من الماء. فإنّه خالط أحدهما ما أفسده و غيّره عن كمال فطرته. لا يتساوى المؤمن و الكافر و إن اتّفق اشتراكهما في بعض الصّفات، كالشّجاعة و السّخاوة، لاختلافهما فيما هو الخاصّيّة العظمى و هي بقاء أحدهما على الفطرة الأصليّة دون الآخر. أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك العذب من المنافع. و المراد بالحلية اللّآلي و اليواقيت.

وَ تَرَى الْفُلْكَ فِيهِ‏: في كلّ.

مَواخِرَ: تشقّ الماء بجريها.

لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏: من فضل اللَّه بالنّقلة فيها.

و «اللّام» متعلّقة «بمواخر» و يجوز أن تتعلّق بما دلّ عليه الأفعال المذكورة.

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (12): على ذلك. و حرف التّرجي باعتبار ما يقتضيه ظاهر الحال.

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى‏: هي مدّة دوره، أو منتهاه، أو يوم القيامة.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ‏: الإشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء. و فيها إشعار بأن فاعليّته لها موجبة لثبوت الأخابر المترادفة. و يحتمل أن يكون «له الملك» كلاما مبتدأ في قرآن.

وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13): للدّلالة على تفرّده‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 269.

(2) تفسير القمي 2/ 208.

554

بالألوهيّة و الرّبوبيّة.

و «القطمير» لفافة النّواة.

إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ‏: لأنّهم جماد.

وَ لَوْ سَمِعُوا: على سبيل الفرض.

مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ‏: لعدم قدرتهم على الإنفاع، أو لتبرّئهم منكم ممّا تدعون لهم.

وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ‏: بإشراككم لهم. يقرون ببطلانه، أو يقولون: ما كنتم إيّانا تعبدون.

وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14): و لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير به أخبرك، و هو اللَّه- سبحانه. فإنّه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين. و المراد، تحقيق ما أخبر به من حال آلتهم و نفي ما يدعون لهم.

يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ‏: في أنفسكم و ما يعنّ لكم. و تعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنّهم لشدّة افتقارهم و كثرة احتياجهم هم الفقراء. فإنّ افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدّ به. و لذلك قال‏ (1): وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً.

وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15): المستغني على الإطلاق، المنعم على سائر الموجودات، حتى استحقّ عليهم الحمد.

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16): بقوم أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفونه.

وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17): بمتعذّر، أو متعسّر.

وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏: و لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. و أمّا قوله‏ (2):

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏. ففي الضّالّين المضلّين. فإنّهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم. و كلّ ذلك أوزارهم ليس فيها شي‏ء من أوزاره غيرهم.

وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ: نفس أثقلها الأوزار.

إِلى‏ حِمْلِها: تحمّل بعض أوزارها.

لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ: لم تجب لحمل شي‏ء منه. نفي أن يحمل عنها ذنبها، كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها.

____________

(1) النساء/ 28.

(2) العنكبوت/ 13.

555

وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏: و لو كان المدعوّ ذا قرابتها. فأضمر المدعوّ، لدلالة «إن تدع» عليه.

و قرئ: «ذو قربى» على حذف الخبر. و هو أولى من جعل «كان» التّامّة، فإنّها لا تلائم نظم الكلام‏ (1).

إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ‏: غائبين عن عذابه، أو عن النّاس في خلواتهم.

وَ أَقامُوا الصَّلاةَ: فإنّهم المنتفعون بالإنذار لا غير. و اختلاف الفعلين، لما مرّ.

وَ مَنْ تَزَكَّى‏: و من تطهّر عن دنس المعاصي.

فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ‏: إذ نفعه لها.

و قرئ: «و من أزكى فإنّما يزكي‏ (2).» و هو اعتراض مؤكّد لخشيتهم و إقامتهم الصّلاة، لأنّهما من جملة التّزكّي.

وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18): فيجازيهم على تزكّيهم.

وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ (19): الكافر و المؤمن.

و قيل‏ (3): هما مثلان، للصّنم و للَّه- عزّ و جلّ-.

وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ (20): و لا الباطل و لا الخلق.

وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ (21): و لا الثّواب و لا العقاب. «و لا» لتأكيد نفي الاستواء، تكريرها على الشّقّين لمزيد التّأكيد.

و «الحرور» فعول، من الحرّ غلب على السّموم.

و قيل‏ (4): السّموم، ما يهبّ [نهارا. و الحرور، ما يهب‏] (5) ليلا.

وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ‏: تمثيل آخر للمؤمنين و الكافرين أبلغ من الأوّل، و لذلك كرّر الفعل.

و قيل‏ (6): للعلماء و الجهلاء.

إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ: هدايته، فيوفّقه لفهم آياته و الاتّعاظ بعظاته.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 270.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر 2/ 271.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في م.

(6) أنوار التنزيل 2/ 271.

556

وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22): ترشيح لتمثيل المصرّين على الكفر بالأموات، و مبالغة في إقناطه عنهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ مثل ضربه اللَّه- عزّ و جلّ- للمؤمن و الكافر. وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ فالظّلّ، النّاس. و الحرور، البهائم‏ (2). ثمّ قال: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ قال: هؤلاء الكفّار لا يسمعون منك، كما لا يسمع أهل القبور.

و في شرح الآيات الباهرة (3): روي عن أنس بن مالك، عن ابن شهاب‏ (4)، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ. قال:

الأعمى‏ (5)، أبو جهل. و البصير، أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ فالظّلمات. أبو جهل. و النّور، أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ و الظّلّ، ظلت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الجنّة. و الحرور، يعني: جهنّم لأبي جهل. ثمّ جمعهم جميعا فقال: وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ‏ و الأحياء، علي و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين و فاطمة و خديجة- (عليهما السلام)-. و الأموات، كفّار مكّة.

إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23): فما عليك إلّا الإنذار. أمّا الإسماع، فلا إليك و لا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم.

إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ‏: محقّين، أو محقّا، أو إرسالا مصحوبا بالحقّ.

و يجوز أن يكون صلة لقوله- تعالى-: بَشِيراً: بالوعد الحقّ: وَ نَذِيراً بالوعيد الحقّ‏ وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ: أهل عصر.

إِلَّا خَلا: مضى‏ فِيها نَذِيرٌ (24): من [نبيّ، أو] (6) عالم منذر عنه. و الاكتفاء بذكره، للعلم بأنت النّذارة قرينة البشارة سيما و قد قرن به من قبل. أو لأنّ الإنذار هو المقصود الأهمّ من البعثة.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 208- 209.

(2) هنا زيادة في المصدر. و هي: «و قال: و ما يستوي الأحياء و لا الأموات».

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 171- 172-. و فيه: تأويله من طريق العامة ما روي ...

(4) المصدر: أنس مالك بن شهاب.

(5) المصدر: «فالاعمى» بدل «قال الأعمى».

(6) من ن.

557

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ قال: لكلّ زمان إمام.

و في أصول الكافي‏ (2)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يا معشر الشّيعة، خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا. فو اللَّه، و إنّها لحجّة اللَّه- تبارك و تعالى- على الخلق بعد رسول اللَّه. و إنّها لسيّدة دينكم. و إنّها لغاية (3) علمنا. يا معشر الشّيعة، خاصموا ب حم، وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ‏ (4)، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ‏. فإنّها لولاة الأمر خاصّة بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. يا معشر الشّيعة، يقول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ.

قيل: يا أبا جعفر، نذيرها محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

قال: صدقت، فهل كان نذير و هو حيّ من البعثة في أقطار الأرض؟

فقال السّائل: لا.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)- أ رأيت بعيثه‏ (5) ليس نذيره، كما أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في بعثته من اللَّه- عزّ و جلّ- نذير؟

فقال: بلى.

قال: قال: فكذلك لم يمت محمّد إلّا و له بعيث‏ (6). نذير. قال: فإنّ قلت: لا، فقد ضيّع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من في أصلاب الرّجال من أمتّه.

قال: و ما يكفيهم القرآن؟

قال: بلى، إن وجدوا له مفسّرا.

قال: و ما فسّره رسول اللَّه- صلّى اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

قال: بلى قد فسّره لرجل واحد و فسّر للأمّة شأن ذلك الرّجل، و هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- في احتجاج أبي عبد اللَّه‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 209.

(2) الكافي 1/ 249- 250، ح 6. و له ذيل.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: العامّة.

(4) الدخان/ 1- 3.

(5) هكذا في المصدر. و في ن: «بعث». و في م:

«بعثة». و في سائر النسخ: «يبعثه».

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «مبعث.

(7) الاحتجاج 2/ 91.

558

الصّادق- (عليه السلام)-: قال السّائل: فأخبرني عن المجوس، أ فبعث‏ (1) إليهم نبيّا؟ فإنّي أجد لهم كتبا محكمة، و مواعظ بليغة، و أمثالا شافية، و يقرّون الثّواب و العقاب، و لهم شرائع يعملون بها.

قال: ما من أمّة إلّا خلا فيها نذير، و قد بعث إليهم نبيّ بكتاب من عند اللَّه فأنكروه و جحدون كتابه.

وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏:

بالمعجزات الشّاهدة على نبوّتهم.

وَ بِالزُّبُرِ، كصحف إبراهيم- (عليه السلام).

وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (25)، كالتّوراة و الإنجيل. على إرادة التّفضيل دون الجمع. و يجوز أن يراد بهما واحد. و العطف لتغاير الوصفين.

ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26)، أي: إنكاري بالعقوبة.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها:

أجناسها، أو أصنافها. على أنّ كلّا منها ذو أصناف مختلفة، أو هيئاتها من الصّفرة و الخضرة و نحوهما.

وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ، أي: ذو جدد، أي: خطط و طرائق. و يقال: جدّة الحمار، للخطّة السّوداء على ظهره.

و قرئ: «جدد» بالضّمّ. جمع، جديدة، بمعنى: الجدة. و «جدد» بفتحتين، و هو الطّريق الواضح‏ (2).

بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها: بالشّدّة و الضّعف.

وَ غَرابِيبُ سُودٌ (27): عطف على «بيض» أو على «جدد»، كأنّه قيل‏ (3): من الجبال ذو جدد مختلف الألوان و منها غرابيب متّحدة اللّون. و هو تأكيد مضمر يفسّره ما بعده. فإنّ الغرابيب تأكيد للسّود، و حقّ التّأكيد أن يتبع المؤكّد. و نظير ذلك في الصّفة قول النّابغة:

و المؤمن العائذات الطّير يمسحها

____________

(1) المصدر: أ فبعث اللَّه.

(2) أنوار التنزيل 2/ 271.

(3) نفس المصدر و الموضع.

559

و في مثله مزيد تأكيد من التّكرير باعتبار الإضمار و الإظهار.

و «الغربيب» الشّديد السّواد، الّذي يشبه لون الغراب.

وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ‏: كاختلاف الثّمار و الجبال.

إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ: إذ شرط الخشية معرفة المخشى و العلم بصفاته و أفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه. و لذلك‏

قال- (عليه السلام)(1)-: إنّي أخشاكم باللَّه و أتقاكم له.

و لهذا أتبعه بذكر أفعاله الدّالّة على كمال قدرته.

و تقديم المفعول، لأنّ المقصود حصر الفاعليّة. و لو أخّر انعكس الأمر.

و قرئ، برفع «اللَّه» و نصب «العلماء». على أنّ الخشية مستعارة للتّعظيم. فإن العظيم يكون مهيبا (2).

و في أصول الكافي‏ (3): عدّة أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن صالح بن حمزة رفعه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ من العبادة شدّة الخوف من اللَّه- عزّ و جلّ-. يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة قال:

قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: و ما العلم باللَّه و العمل إلّا إلفان مؤتلفان. فمن عرف اللَّه، خافه و حثّه‏ (5) الخوف على العمل بطاعة اللَّه. و إنّ أرباب العلم و أتباعهم، الّذين عرفوا اللَّه فعملوا له و رغبوا إليه. و قد قال اللَّه: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (6): و روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: يعني بالعلماء:

من صدق قوله فعله. و من لم يصدّق فعله قوله، فليس بعالم.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 272.

(2) نفس المصدر و الموضع. و فيه: فانّ المعظم يكون مهيبا.

(3) الكافي 2/ 69، صدر حديث 7.

(4) نفس المصدر 8/ 16، ضمن حديث 2.

(5) م و أ: خشيه.

(6) مجمع البيان 4/ 407.

560

و في الحديث‏ (1): أعلمكم باللَّه، أخوفكم للَّه.

و في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و دليل الخشية (3)، التّعظيم للَّه و التّمسّك بخالص الطّاعة (4) و أوامره [و الخوف‏] (5) و الحذر (6)، و دليلهما العلم. قال اللَّه- تعالى-: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.

و في مصباح شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(7)- في دعاء يوم الأربعاء: اللّهمّ أشدّ خلقك خشية لك أعلمهم بك، و أفضل خلقك لك‏ (8) علما أخوفهم لك‏ (9). لا علم إلّا خشيتك، و لا حكم‏ (10) إلّا الإيمان بك. ليس لمن لم يخشك علم، و لا لمن لم يؤمن بك حكم.

و في شرح الآيات الباهرة (11): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمّد، عن جعفر بن عمر، عن مقاتل بن سلمان، عن الضّحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قال: يعني به: عليّا- (عليه السلام)-. كان عالما باللَّه، و يخشى اللَّه و يراقبه، و يعمل بفرائضه، و يجاهد في سبيله، و يتّبع جميع أمره برضاه و رضا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28): تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على أنّه معاقب للمصرّ على طغيانه غفور للتّائب من عصيانه.

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ‏: يداومون قراءته أو متابعة ما فيه، حتّى صارت سمة لهم و عنوانا.

و المراد بالكتاب، القرآن أو جنس كتب اللَّه، فيكون ثناء على المصدّقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذّبين.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 35- 36.

(3) المصدر: «الخواف» و في نسخة أخرى:

«الخشية».

(4) المصدر: بتخليص طاعته.

(5) ليس في المصدر.

(6) هنا زيادة في المصدر. و هي: مع الوقوف عن محارمه.

(7) مصباح المتهجّد/ 424.

(8) المصدر: بك.

(9) هنا زيادة في المصدر. و هي: و أطوع خلقك لك أقربهم منك. و أشدّ خلقك لك إعظاما أدناهم إليك.

(10) المصدر: حلم (حكم خ. ل.)

(11) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 172.

561

وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً: كيف اتّفق من غير قصد إليهما.

و قيل‏ (1): السّرّ في المسنونة، و العلانية في المفروضة.

يَرْجُونَ تِجارَةً: تحصيل ثواب بالطّاعة. و هو خبر «إنّ».

لَنْ تَبُورَ (29): لن تكسد و لن تهلك بالخسران. صفة «للتّجارة».

و في مجمع البيان‏ (2): وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً. (الآية.) و

عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير اللّيثيّ‏ (3) قال: قام رجل إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال:

يا رسول اللَّه، مالي لا أحبّ الموت؟

قال: أ لك مال؟

قال: نعم.

قال: فقدّمه.

قال: لا أستطيع.

قال: فإنّ قلب الرّجل مع ماله، إن قدّمه أحبّ أن يلحق به، و إن أخّره أحبّ أن يتأخّره معه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و قال- (عليه السلام)‏- إنّما أعطاكم اللَّه هذه الفضول من الأموال لتوجّهوها حيث وجّهها اللَّه- عزّ و جلّ-. و لم يعطكموها لتكنزوها.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن هشام بن معاذ قال: كنت جليس عمر بن عبد العزيز (6) حيث دخل المدينة. فأمر مناديه فنادى: من كانت له مظلمة أو ظلامة فليأت الباب.

فأتاه محمد بن عليّ، يعني: الباقر- (عليه السلام)-.

فدخل إليه مولاه مزاحم فقال: إنّ محمّد بن عليّ بالباب.

فقال له: أدخله، يا مزاحم.

قال: فدخل، و عمر يمسح عينيه من الدّموع.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 272.

(2) مجمع البيان 4/ 407.

(3) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ:

عبد اللَّه بن عبيد بن أبي عمير الليثّي.

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 31، ح 120.

(5) الخصال/ 104- 105، ضمن حديث 64.

(6) المصدر: جليسا لعمر بن عبد العزيز.

562

فقال له محمّد بن عليّ: ما أبكاك، يا عمر؟

فقال هشام: أبكاه كذا و كذا، يا ابن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال محمّد بن علىّ: يا عمر، إنّما الدّنيا سوق من الأسواق، منها خرج قوم بما ينفعهم و منها خرجوا بما يضرّهم، إلى قوله- (عليه السلام)-: و اجعل في قلبك اثنتين: تنظر الّذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربّك، فقدّمه بين يديك. و تنظر الّذي تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربّك، فابتغ به البدل. و لا تذهبنّ إلى سلعة (1) قد بارت على من كان قبلك، ترجو أن تجوز عنك.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

لِيُوَفِّيَهُمْ‏: بنفاقها.

أُجُورَهُمْ‏، أي: فعلوا ذلك ليوفيّهم اللَّه أجورهم بالثّواب.

وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏: على ما يقابل أعمالهم.

و في مجمع البيان‏ (2): روى ابن مسعود، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال‏ في قوله: وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏: هو الشّفاعة لمن وجبت له النّار ممّن صنع إليه معروفا في الدّنيا.

إِنَّهُ غَفُورٌ: لفرطاتهم.

شَكُورٌ (30): لطاعاتهم، أي: مجازيهم عليها. و هو علّة للتّوفية و الزّيادة. أو خبر «إنّ» و «يرجون» حال من واو «و أنفقوا».

وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ‏، يعني: القرآن، و «من» للتّبين. أو الجنس، و من للتّبعيض.

هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ‏: أحقّه مصدّقا لما تقدّمه من الكتب السّماويّة.

حال مؤكّدة، لأنّ حقّيّته تستلزم موافقته إيّاه في العقائد و أصول الأحكام.

إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31): عالم بالبواطن و الظّواهر. فلو كان في أحوالك ما ينافي النّبوّة، لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز، الّذي هو عيار على سائر الكتب. تقديم «الخبير» للدّلالة على أنّ العمدة في ذلك الأمور الرّوحانيّة.

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ‏: حكمنا بتوريثه منك، أو نورثه. فعبّر عنه بالماضي لتحقّقه.

____________

(1) هكذا في المصدر و م و ن. و في أ: «سلفة».

و في الأصل و س: «سلهة».

(2) مجمع البيان 4/ 407.

563

أو أورثناه من الأمم السّالفة.

و العطف على‏ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ‏ و الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏ اعتراض لبيان كيفيّة التّوريث.

الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا:

قيل‏ (1): يعني: علماء الأمة [من الصّحابة و من بعدهم.] (2) أو الأمّة بأسرهم، فإنّ اللَّه اصطفاهم على سائر الأمم.

فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ‏: بالتّقصير في العمل به.

وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ: يعمل به في أغلب الأوقات.

وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏: يضمّ التّعليم و الإرشاد إلى العمل.

و قيل‏ (3): «الظّالم» الجاهل. و «المقتصد» المتعلّم. و «السّابق» العالم.

و قيل‏ (4): «الظّالم» المجرم. و «المقتصد» الّذي خلط العمل‏ (5) الصّالح بالسّيّ‏ء.

و «السّابق» الّذي ترجّحت‏ (6) حسناته بحيث صارت سيّئاته مكفّرة، و هو معنى‏

قوله- (عليه السلام)-: أمّا الّذين سيقوا فأولئك يدخلون الجنّة الحساب، و أمّا الّذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا، و أمّا الّذين ظلموا فأولئك يحبسون‏ (7) في طول المحشر ثمّ يتلقّاهم اللَّه برحمته.

و قيل‏ (8): «الظّالم» الكافر. على أنّ الضّمير «للعباد»، و تقديمه لكثرة الظّالمين.

ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32): إشارة إلى التّوريث و الاصطفاء و السّبق.

و في أصول الكافي‏ (9): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن عبد المؤمن عن سالم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 272.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 2/ 272- 273.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: رجحت.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يحاسبون.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) الكافي 1/ 214، ح 1.

564

قال: سابِقٌ بِالْخَيْراتِ‏ الإمام. و المقتصد العارف للإمام. و الظالم لنفسه الّذي لا يعرف الإمام.

الحسين، عن المعلّى‏ (1)، عن الوشّاء، عن عبد الكريم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قوله- تعالى-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فقال: أيّ شي‏ء تقولون أنتم؟

قلت: نقول: إنّها في الفاطميين.

قال: ليس حيث تذهب، ليس يدخل في هذا من أشار بسيفه و دعا النّاس إلى خلاف.

فقلت: أيّ شي‏ء الظّالم لنفسه؟

قال: الجالس في بيته لا يعرف حقّ الإمام. و المقتصد العارف بحقّ الإمام.

و السابق بالخيرات الإمام.

الحسين بن محمّد، عن المعلّى‏ (2)، عن الحسن، عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (الآية.) قال: فقال: ولد فاطمة- (عليها السلام)-. و السابق بالخيرات الإمام.

و المقتصد العارف بالإمام. و الظالم لنفسه الّذي لا يعرف الإمام.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر (3) أو غيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم‏ (4)، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: و قد أورثنا نحن هذا القرآن، الّذي فيه ما تسيّر به الجبال و تقطّع به البلدان و تحيى به الموتى. و نحن نعرف الماء تحت الهواء.

و إنّ في كتاب اللَّه لآيات ما يراد بها أمر إلّا أن يأذن اللَّه به مع ما قد يأذن اللَّه ممّا كتبه الماضون، جعله اللَّه لنا في أمّ الكتاب. إنّ اللَّه يقول‏ (5): وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏. ثمّ قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فنحن الّذين‏

____________

(1) نفس المصدر 1/ 214- 215، ح 2.

(2) نفس المصدر 1/ 215، ح 3. و فيه: «معلّى بن محمد» بدل «المعلّى».

(3) نفس المصدر 1/ 226، ذيل حديث 7.

(4) المصدر: إبراهيم عن أبيه.

(5) النمل/ 77.

565

اصطفانا اللَّه- عزّ و جلّ- و أورثنا هذا الكتاب فيه تبيان كلّ شي‏ء.

و في بصائر الدّرجات‏ (1): أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن حميد بن المثنّى، عن أبي سلام المرعشيّ، عن سورة بن كليب قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏.

قال: السابق بالخيرات الإمام.

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن سورة بن كليب، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏ في هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [إلى آخر] الآية.

قال: السابق بالخيرات الإمام. فهي في ولد عليّ- (عليه السلام)-.

و فاطمة- (عليها السلام)-. (2)

و في كتاب سعد السّعود، لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن كتاب محمّد بن العبّاس بن مروان، بإسناده إلى إسحاق السّبيعيّ قال: خرجت حاجاّ فلقيت محمّد بن علىّ، فسألته عن هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.

فقال: ما يقول فيها قومك، يا أبا إسحاق، يعني: أهل الكوفة؟

قال: قلت: يقولون: إنّها لهم.

قال: فما يخوفهم إذا كانوا في الجنّة؟

قلت: فما تقول أنت، جعلت فداك؟

فقال: هي لنا خاصّة، يا أبا إسحاق. أمّا السابق بالخيرات فعليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين و الشّهيد منّا. و المقتصد فصائم بالنّهار.

و قائم بالليل، و اما الظالم لنفسه ففيه ما في الناس، و هو مغفور له يا أبا إسحاق. (3)

____________

(1) بصائر الدرجات: (الجزء الاول) ص 44، باب (20) في الائمّة (عليهم السلام) أنّهم الذين قال الله فيهم ... الحديث 1.

(2) المصدر: ص 45، الحديث 3.

(3) سعد السعود: ص 107، فصل فيما نذكره من الجزء الثامن المذكور أيضا ... س 12.

566

و فيه- أيضا يقول عليّ بن موسى بن طاوس: وجدت كثيرا من الأخبار و قد ذكرت بعضها في الكتاب البهجة [بثمرة المهجة] متضمّنة أنّ قوله- جلّ جلاله-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.

أنّ المراد بهذه الآية جميع ذرّيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و أنّ الظالم لنفسه هو الجاهل بإمام زمانه. و المقتصد هو العارف به. و السّابق بالخيرات هو امام الوقت (عليه السلام).

فمن روينا ذلك عنه الشّيخ أبو جعفر محمد بن بابويه‏ (1) من كتاب الفرق، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)-. [من كتاب الواحد لابن جمهور فيما رواه، عن أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ- (صلوات اللّه عليه). و رويناه من كتاب الدّلائل لعبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن مولانا الحسن العسكريّ- (عليه السلام)-. و رويناه من كتاب محمّد بن عليّ بن رباح، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)-.] (2) و رويناه من كتاب محمّد بن مسعود بن عيّاش في تفسير القرآن. و رويناه من الجامع الصّغير ليونس بن عبد الرّحمن.

و رويناه من كتاب عبد اللَّه بن حمّاد الأنصاريّ. و رويناه من كتاب إبراهيم [بن‏] (3) الخزّاز (4) و غيرهم- (رضوان اللّه عليهم)- ممّن لم يحضرني ذكر أسمائهم و الإشارة إليهم.

و في كتاب معاني الأخبار (5): حدّثنا أبو جعفر محمّد بن عليّ بن نصر البخاريّ المقريّ قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه الكوفيّ العلويّ الفقيه بفرغانة، بإسناد متّصل إلى الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)‏- أنّه سئل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ (وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في المصدر.

(3) من ن و م.

(4) المصدر: «إبراهيم الجزار». و هي خطأ. ر.

الفهرست، شيخ الطائفة أبي جعفر بن محمد بن الحسن الطوسي، باب إبراهيم، إبراهيم بن عثمان الخّزاز الكوفيّ.

(5) معاني الأخبار/ 104، ح 1.

567

فقال: «الظّالم» يحوم حوم‏ (1) نفسه. و «المقتصد» يحوم حوم‏ (2) قليه. و «السابق» يحوم حوم‏ (3) ربّه- عزّ و جلّ-.

حدّثنا محمّد بن الحسن القطّان‏ (4) قال: حدّثنا الحسن بن عليّ، أعني: ابن السّكريّ‏ (5)، قال: أخبرنا محمّد بن ذكريّا الجوهريّ قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن أبي جعفر بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-. قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ (وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏.

فقال: «الظّالم منّا» من لا يعرف حقّ الإمام. و «المقتصد» العارف بحقّ الإمام.

و سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏ هو الإمام. و جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، يعني: المقتصد و السّابق.

حدّثنا أبو عبد اللَّه الحسين بن يحيى البجليّ‏ (6) قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبو عوانة موسى بن يوسف الكوفيّ قال: حدّثنا عبد اللَّه بن يحيى، عن يعقوب بن يحيى، عن أبي حفص، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: كنت جالسا في المسجد الحرام مع أبي جعفر- (عليه السلام)-. إذ أتاه رجلان من أهل البصرة.

فقالا له: يا ابن رسول اللَّه، إنّا نريد أن نسألك عن مسألة.

فقال لهما: سلا عمّا أحببتما (7).

أخبرنا عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (إلى آخر الآيتين.) قال: نزلت فينا، أهل البيت.

قال أبو حمزة: فقلت: بأبي أنت و أمّي، فمن الظّالم لنفسه؟

____________

1 و 2 و 3- الأصل: يحرم حرم.

(4) نفس المصدر/ 104- 105، ح 2.

(5) المصدر: الحسن بن علي بن الحسين السكريّ.

(6) نفس المصدر/ 105، ح 3. و في النسخ:

الحسن بن يحيى البجلي. و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 1/ 349- 350. رقمين 3101 و 3102.

(7) المصدر: «اسألا عمّا جئتما» بدل «سلا عمّا أجبتما». و أشار المحقق في حاشية المصدر إلى أنّه في أكثر النسخ: سلا عمّا أجبتما.

568

قال: من استوت حسناته و سيّئاته منّا أهل البيت، فهو الظّالم لنفسه.

فقلت: من المقتصد منكم؟

قال: العابد للَّه‏ (1) في الحالين حتّى يأتيه اليقين‏ (2).

فقلت: فمن السّابق منكم بالخيرات؟

قال: من دعا، و اللَّه، إلى سبيل ربّه و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر و لم يكن للمضلّين عضدا و لا للخائنين خصيما و لم يرض بحكم الفاسقين، إلّا من خاف على نفسه و دينه و لم يجد أعوانا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

قال: أيّ شي‏ء تقول؟

قلت: إنّي أقول: إنّها خاصّة لولد فاطمة.

فقال- (عليه السلام)-: أمّا من سلّ سيفه و دعا النّاس إلى نفسه إلى الضّلال من ولد فاطمة و غيرهم، فليس بداخل في هذه الآية.

قلت: من يدخل فيها؟

قال: «الظّالم للنفسه» الّذين لا يدعون النّاس إلى ضلال و لا هدى. و «المقتصد منّا أهل البيت» العارف حقّ الإمام. و «السّابق بالخيرات» هو الإمام.

و في الخرائج و الجرائح‏ (4): روي عن الحسن بن راشد قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا حسن، إنّ فاطمة من عبادنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ‏. فأمّا «الظّالم لنفسه» الّذي لا يعرف الإمام. و «المقتصد» العارف بحقّ الإمام. و «السّابق بالخيرات» هو الإمام.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و فيه‏ (5)، في أعلام أبي محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال أبو هاشم: إنّه سأله‏

____________

(1) المصدر: للَّه ربّه.

(2) يوجد في هامش نسخة م:

«اليقين»: الموت. و سمّي به لتيقن وقوعه.

(جعفر)

(3) الاحتجاج 2/ 138- 139.

(4) عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 364، ح 86.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 87.

569

عن قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ‏.

قال- (عليه السلام)- كلّهم من آل محمّد. «الظّالم لنفسه» الّذي لا يقر بالإمام.

و «المقتصد» العارف بالإمام، و «السّابق بالخيرات» الإمام.

و في كتاب المناقب‏ (1)، لابن شهر آشوب: قال الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا نزلت في حقّنا و حقّ ذرّيّتنا [خاصّة.] (2)

و في‏ (3) رواية، عنه، و عن أبيه- (عليه السلام)-: هي لنا خاصّة، و إيّانا عنى.

و في‏ (4) رواية أبي الجارود، عن الباقر- (عليه السلام)-: هم آل محمّد.

و في مجمع البيان‏ (5): اختلف في أنّ الضّمير في «منهم» إلى من يعود، على قولين:

أحدهما، أنّه يعود إلى «العباد» إلى قوله: و الثّاني أنّ الضّمير يعود إلى «المصطفين» من العباد. عن أكثر المفسّرين.

ثمّ اختلف في أحوال الفرق الثّلاث على قولين: أحدهما، أنّ جميعهم ناج. و يؤيّد ذلك ما

ورد في الحديث عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول في الآية: أمّا السّابق فيدخل الجنّة بغير حساب. و أمّا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا.

و أمّا الظّالم لنفسه فيحبس‏ (6) في المقام ثمّ يدخل الجنّة، فهم الّذين قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ‏.

و روى أصحابنا، عن ميسر بن عبد العزيز (7)، عن جعفر الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: «الظّالم لنفسه منّا» من لا يعرف حقّ الإمام. و «المقتصد منّا» من يعرف حقّ الإمام. (8) و «السّابق بالخيرات» هو الإمام. و هؤلاء كلّهم مغفور لهم.

عن زياد بن المنذر (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أمّا «الظّالم لنفسه منّا» فمن‏

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 4/ 130.

(2) من المصدر.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) مجمع البيان 4/ 408.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: فيجلس.

(7) نفس المصدر 4/ 409.

(8) المصدر: «العارف بحق الامام» بدل «من يعرف حقّ الامام».

(9) نفس المصدر و الموضع.

570

عمل صالحا و آخر سيّئا. و أمّا «المقتصد» فهو المتعبّد المجتهد. و أمّا «السّابق بالخيرات» فعليّ و الحسن و الحسين و من قتل من آل محمّد شهيدا.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة، بإسناده إلى الرّيان بن الصّلت قال: حضر الرّضا- (عليه السلام)- مجلس المأمون. بمرو، و قد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق و خراسان.

فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

فقالت العلماء: أراد اللَّه- تعالى- بذلك الأمّة كلّها.

فقال المأمون: ما تقول، يا أبا الحسن؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: ما أقول كما قالوا، و لكنّي أقول أراد اللَّه- عزّ و جلّ- بذلك العترة الطّاهرة.

فقال المأمون: و كيف عنى العترة من دون الأمّة؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: أنّه لو أراد الأمّة، لكانت بأجمعها في الجنّة، لقول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ. ثمّ جمعهم كلّهم في الجنة، فقال‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏ (الآية.) فصارت الوراثة للعترة الطّاهرة، لا لغيرهم.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد، عن عثمان بن سعيد، عن إسحاق بن بريد الفرّاء (3)، عن غالب الهمدانيّ، عن أبي إسحاق السّبيعيّ قال: خرجت حاجّا فلقيت محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- فسألته عن هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

فقال: ما يقول فيها قومك، يا أبا إسحاق، يعني: أهل الكوفة؟

قال: قلت: يقولون: إنّها لهم.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 228- 229، صدر حديث 1.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 172.

(3) المصدر: إسحاق بن زيد الفرّاء.

تفسير البرهان 3/ 364، رقم 11: إسحاق بن يزيد الغّراء (الفراء، خ. ل.)

571

قال: فما يخوفهم إذا كانوا من أهل الجنّة؟

قلت: فما تقول أنت، جعلت فداك؟

قال: هي لنا خاصّة، يا أبا إسحاق. أمّا «السّابقون بالخيرات» فعليّ و الحسن و الحسين و الإمام منّا. و «المقتصد» فصائم بالنّهار و قائم باللّيل. و «الظّالم لنفسه» ففيه ما في النّاس، و هو (1) مغفور له. يا أبا إسحاق، بنا يفكّ اللَّه رقابكم، و بنا يحلّ اللَّه وثاق‏ (2) الذّلّ من أعناقكم، و بنا يغفر اللَّه ذنوبكم، و بنا يفتح، و بنا يختم. و نحن كهفكم، ككهف أصحاب الكهف. و نحن سفينتكم، كسفينة نوح. و نحن باب حطّتكم، كباب حطّة بني إسرائيل.

و قال- أيضا (3)-: حدّثنا حميد بن زياد (4)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن ابن أبي حمزة، عن زكريّا المؤمن‏ (5)، عن أبي سلام سورة بن كليب‏ (6) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ما معنى قوله- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (الآية)؟

قال: «الظّالم لنفسه» الّذي لا يعرف الإمام.

قلت: فمن المقتصد؟

قال: الّذي يعرف الإمام.

قلت: فمن السّابق بالخيرات؟

قال: الإمام.

قلت: فما لشيعتكم؟

قال: تكفّر ذنوبهم و تقضى ديونهم. و نحن باب حطّتهم، و بنا يغفر لهم.

و قال- أيضا (7): حدّثنا محمّد بن الحسن بن حميد، عن جعفر بن عبد اللَّه المحمّديّ‏ (8)، عن كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

____________

(1) الأصل و م: هؤلاء.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «رقاب». و في تفسير البرهان: «رباق».

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: أحمد بن زياد.

(5) المصدر: زياد المؤمن.

(6) س: سويرة بن كليب.

المصدر: سورة بن كلب.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) م: عبد اللَّه المحمّديّ المهديّ.

572

قال: فهم آل محمّد صفوة اللَّه. فمنهم ظالم لنفسه، و هو الهالك. و منهم مقتصد، و هم الصّالحون. و منهم سابق بالخيرات بإذن اللَّه، فهو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، يعني: القرآن.

و قال عليّ بن إبراهيم‏ (1) في هذه الآية: هم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- خاصّة، ليس لأحد فيها شي‏ء، أورثهم اللَّه الكتاب الّذي أنزله على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تامّا كاملا.

و قال الصّادق‏ (2)- (عليه السلام)-: فمنهم ظالم لنفسه، و هو الجاحد للإمام من آل محمّد.

و منهم مقتصد، و هو المقرّ بالإمام. و السّابق بالخيرات، هو الإمام.

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها: مبتدأ و خبر. و الضّمير للثّلاثة، أو للّذين، أو للمقتصد و السّابق. فإنّ المراد بهما الجنس.

و قرئ: «جنّة عدن» و «جنّات عدن» منصوبة بفعل يفسّره الظّاهر (3).

و قرأ أبو عمرو «يدخلونها» على بناء المفعول‏ (4).

يُحَلَّوْنَ فِيها: خبر ثان، أو حال مقدّرة.

و قرئ: «يحلّون».

من حليت المرأة فهي حالية (5).

مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏:

«من» الأولى، للتّبعيض. و الثّانية، للتّبيين.

وَ لُؤْلُؤاً: عطف على «ذهب»، أي: من ذهب مرصّع بالّلؤلؤ، أو من ذهب في صفاء اللّؤلؤ. و نصبه نافع و عاصم، عطفا على محلّ‏ مِنْ أَساوِرَ.

وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33). وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ‏: من خوف العاقبة. أو همّهم من أجل المعاش و آفاته. أو من وسوسة إبليس و غيرها.

و قرئ: الحزن‏ (6).

إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ: للمذنبين.

____________

(1) نفس المصدر/ 173.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 273.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

573

شَكُورٌ (34): للمطيعين.

و في معاني الأخبار (1): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: جنّات عدن يدخلونها، يعني: المقتصد و السّابق‏

(الحديث.) و قد سبق قريبا.

و في كتاب الخصال‏ (2)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على النّاس يوم الشّورى.

قال: نشدتكم باللَّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من سرّه أن يحيى حياتي، و يموت مماتي‏ (3)، و يسكن جنّتي الّتي وعدني اللَّه ربّي جنات عدن قضيب غرسه اللَّه. بيده، ثمّ قال له: كن، فكان. فليوال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ذرّيّته من بعده، فهم الأئمّة و هم الأوصياء، أعطاهم اللَّه علمي و فهمي، لا يدخلونكم في باب ضلال و لا يخرجونكم من باب هدى، لا تعلّموهم فهم أعلم منكم يزول الحقّ معهم أينما زالوا، غيري؟

قالوا: اللّهمّ، لا.

و عن عليّ- (عليه السلام)(4)- و قد سأله بعض اليهود عن مسائل.

قال اليهوديّ: فأين يسكن نبيّكم من الجنّة؟

قال: في أعلاها درجة و أشرفها مكانا، في جنّات‏ (5) عدن.

قال: صدقت، و اللَّه، إنّه لبخطّ هارون و إملاء موسى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إذا دخل المؤمن في منازله في الجنّة، وضع على رأسه تاج الملك و الكرامة، و ألبس [حلل الذّهب و الفضّة، و الياقوت و الدّرّ منظوما في الإكليل تحت التّاج و ألبس‏] (7) سبعين حلّة حرير (8) بألوان مختلفة منسوجة بالذّهب و الفضّة و اللّؤلؤ و الياقوت الأحمر. و ذلك قوله:

____________

(1) معاني الأخبار/ 105، ذيل حديث 2. و فيه:

«عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر- (عليه السلام)-» بدل «عن أبي عبد الله- (عليه السلام)-».

(2) الخصال/ 558.

(3) المصدر: موتي.

(4) نفس المصدر/ 476- 477.

(5) المصدر: جنة.

(6) تفسير القمي 2/ 247.

(7) ليس في ن.

(8) ليس في المصدر.

574

يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.

و في روضة الكافي‏ (1)، مثله سندا و متنا.

و في شرح الآيات الباهرة (2)، في الحديث السّابق متّصلا بقوله، يعني: القرآن. يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، يعني: آل محمّد يدخلون قصور جنّات. كلّ قصر من لؤلؤة واحدة، ليس فيها صدع و لا وصل. لو اجتمع أهل الإسلام فيها، ما كان ذلك القصر إلّا سعة لهم. له القباب من الزّبرجد، كلّ قبّة لها مصراعان، المصراع طوله اثنا عشر ميلا.

يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. قال: و «الحزن» ما أصابهم في الدّنيا من الخوف و الشّدّة.

الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ: دار الإقامة، و الخلود فيها أبدا لا يموتون و لا يخرجون‏ (3) عنها.

مِنْ فَضْلِهِ‏: من إنعامه و تفضّله.

لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ‏: تعب.

وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ‏ (35): كلال. إذ لا تكليف فيها و لا كدّ. أتبع نفي ما يتبعه، مبالغة.

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (4): لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ‏ قال: «النّصب» العنا. و «اللّغوب» الكسل و الضّجر.

و فيه‏ (5)، في الحديث المنقول متّصلا بآخر ما نقلنا لفظة: «حرير» (آخر الآية) بلا فصل. قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمتها تمشي مقبلة و حولها و صفاؤها تحنّيها (6)، عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و الّلؤلؤ و الزّبرجد صبغن بمسك و عنبر، و على رأسها تاج الكرامة، و في رجلها نعلان من ذهب مكلّلان بالياقوت و اللّؤلؤ شراكهما ياقوت أحمر. فإذا دنت‏ (7) من وليّ اللَّه، و هو يقوم إليها شوقا، تقول له: يا وليّ اللَّه، ليس هذا يوم تعب‏

____________

(1) الكافي 8/ 97، ضمن حديث 69.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 172- 173.

(3) هكذا في ن و م. و في سائر النسخ: يحزنون.

(4) تفسير القمي 2/ 209.

(5) نفس المصدر 2/ 247.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: تجنّبها.

(7) المصدر: أدنيت.

575

و لا نصب، و لا تقم أنالك و أنت لي.

و في روضة الكافي‏ (1)، مثله كذلك.

و في نهج البلاغة (2): و أكرم أسماعهم عن أن تسمع حسيس نار أبدا، و صان أجسادهم أن تلقى لغوبا و نصبا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3)، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: و من مات يوم الأربعاء من المؤمنين وقاه اللَّه نحس يوم القيامة، و أسعده بمجاورته، و أحلّه دار المقامة من فضله، لا يمسّه فيها نصب و لا يمسّه فيها لغوب.

و في كتاب سعد السّعود (4)، لابن طاوس- (رحمه اللّه)- من مختصر تفسير محمّد بن العبّاس بن مروان، بإسناده إلى جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل. يذكر فيه ما أعدّ اللَّه المحبّي عليّ- (عليه السلام)- يوم القيامة. و فيه: فإذا دخلوا منازلهم وجدوا الملائكة يهنّئونهم بكرامة ربّهم، حتّى إذا استقرّوا قرارهم قيل لهم: هل وجدتم ما وعد (5) ربّكم حقّا؟

قالوا: نعم، ربّنا رضينا فارض عنّا.

قال: برضاي عنكم و بحبّكم أهل بيت نبيّي، حللتم داري و صافحتكم الملائكة.

فهنيئا هنيئا، عطاء غير مجذوذ، ليس فيه تنغيص.

فعندها قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن و أحلنا دار المقامة من فضله [لا يمسنا فيها نصب و] (6) لا يمسنا فيها لغوب إن ربنا لغفور شكور.

و في هذا الحديث، أنّ محبّي عليّ- (عليه السلام)- يقولون للَّه- عزّ و جلّ- إذا دخلوا الجنّة: فائذن لنّا بالسّجود.

قال لهم ربّهم- عزّ و جلّ-: إنّي قد وضعت عنكم مؤنة العبادة و أرحت لكم أبدانكم، فطال ما أنصبتم بي الأبدان و [عنيتم إليّ‏] (7) الوجوه، فالآن أفضيتم إلى روحي‏

____________

(1) الكافي 8/ 97- 98، ضمن حديث 69.

(2) نهج البلاغة/ 268، ذيل خطبة 183.

(3) من لا يحضره الفقيه 4/ 295، ضمن حديث 892.

(4) سعد السعود/ 111.

(5) الأصل: وجد.

المصدر: وعدكم.

(6) ليس في المصدر.

(7) ليس في ن. و في المصدر: عنتم لي.

576

و رحمتي.

و في شرح الآيات الباهرة (1): و ذكر الشّيخ أبو جعفر بن بابويه- (رحمه اللّه)- في تأويل قوله- تعالى-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ‏ إلى قوله: «لُغُوبٌ» خبر يتضمّن بعض فضائل الزّهراء- (عليها السلام)-.

قال‏ (2): حدّثنا عبد اللَّه بن محمّد بن عبد الوهاب، عن أبي الحسن أحمد بن محمّد الشّعرانيّ، عن أبي محمّد عبد الباقي‏ (3)، عن عمر بن سنان الميئجيّ‏ (4)، عن حاجب بن سليمان، عن وكيع بن الجرّاح، عن سليمان بن الأعمش‏ (5)، عن ابن ظبيان، عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- قال: رأيت سلمان و بلال يقبلان إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إذا انكبّ سلمان على قدم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقبّلها. فزجره النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن ذلك.

ثمّ قال له: يا سلمان، لا تصنع بي ما تصنع الأعاجم بملوكها. أنا عبد من عبيد اللَّه، آكل ما يأكل العبيد و أقعد كما يقعد العبيد.

فقال له سلمان: يا مولاي، سألتك باللَّه إلّا أخبرتني بفضل‏ (6) فاطمة يوم القيامة.

قال: فأقبل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ضاحكا مستبشرا. ثمّ قال: و الّذي نفسي بيده، إنّها الجارية الّتي تجوز في عرصة القيامة على ناقة رأسها من خشية اللَّه، و عيناها من نور اللَّه، و خطامها من جلال اللَّه، و عنقها من بهاء اللَّه، و سنامها من رضوان اللَّه، و ذنبها من قدس اللَّه، و قوائمها من مجد اللَّه. إن مشت، سبّحت. و إن رغت، قدّست. عليها هودج من نور، فيه جارية أنسيّة حوريّة عزيزة، جمعت فخلقت و صنعت و مثلت ثلاثة أصناف. فأوّلها من مسك أذفر، و أوسطها من العنبر الأشهب، و آخرها من الزّعفران الأحمر عجنت بماء الحيوان. لو تفلت تفلة في سبعة أبحر مالحة، لعذبت. و لو أخرجت ظفر خنصرها إلى دار الدّنيا، يغشي‏ (7) الشّمس و القمر. جبرائيل عن يمينها، و ميكائيل عن يسارها (8)، و عليّ أمامها،

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 173.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ: محمّد الباقي.

(4) ن: «المسيحي». م: «المينجي». س و أ:

«المسيجي». المصدر: «المنجي».

(5) المصدر: سليمان الأعمش.

(6) المصدر: بفضائل.

(7) المصدر: لغشي.

(8) المصدر: شمالها.

577

و الحسن و الحسين وراءها، و اللَّه يكلؤها و يحفظها فيجوزون في عرصة القيامة.

فإذا النّداء من قبل اللَّه- جلّ جلاله-: معاشر الخلائق، غضّوا أبصاركم و نكّسوا رؤوسكم، هذه فاطمة بنت محمّد نبيّكم زوجة عليّ إمامكم أمّ الحسن و الحسين‏ (1).

فتجوز الصّراط، و عليها ريطتان بيضاوتان. فإذا دخلت إلى الجنّة و نظرت إلى ما أعدّ اللَّه لها من الكرامة، قرأت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ‏.

قال: فيوحي اللَّه إليها: يا فاطمة، سليني أعطك، و تمنّي عليّ أرضك.

فتقول: إلهي، أنت المنى و فوق المنى، أسألك أن لا تعذّب محبّي و محبّ عترتي بالنّار.

فيوحي اللَّه إليها: يا فاطمة، و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السّماوات و الأرض بألفي عام، أن لا أعذبّ محبّيك و محبّي عترتك بالنّار.

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى‏ عَلَيْهِمْ‏: لا يحكم عليهم بموت ثان‏ فَيَمُوتُوا: و يستريحوا.

و نصبه بإضمار «أن».

و قرئ: «فيموتون» عطفا على «لا يقضى‏ (2)»، كقوله‏ (3): وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏.

وَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها: بل كلّما خبت زيد إسعارها.

كَذلِكَ‏، مثل ذلك.

نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36): مبالغ في الكفر و الكفران.

و قرأ أبو عمرو: «يجزى» على بناء المفعول، و إسناده إلى «كلّ». و قرئ:

يجازي‏ (4).

وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها: يستغيثون. يفتعل، من الصّراخ: و هو الصّياح. استعمل في الاستغاثة، لجهر المستغيث صوته.

رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏: بإضمار القول. و تقييد العمل‏

____________

(1) المصدر: «أمّ الحسنين» بدل «أمّ الحسن و الحسين».

(2) أنوار التنزيل 2/ 273.

(3) المرسلات/ 36.

(4) نفس المصدر و الموضع.

578

الصّالح بالوصف المذكور، للتّحسر على ما عملوه من غير الصّالح و الاعتراف به، و الإشعار بأن استخراجهم لتلافيه، و أنّهم كانوا يحسبون أنّه صالح و الآن تحقّق خلافه.

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره‏ قلت: جعلت فداك، بقيت مسألة.

قال: هات، للَّه أبوك.

قلت: يعلم القديم الشّي‏ء الّذي لم يكن، أن لو كان كيف كان يكون.

قال: ويحك، إنّ مسائلك لصعبة. أما سمعت اللَّه يقول‏ (2): لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. و قوله‏ (3): وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏. و قال‏ (4) يحكي قول أهل النّار: أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏. و قال: لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏. فقد علم الشّي‏ء الّذي لم يكن، أن لو كان كيف كان يكون.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن سهل العطّار، عن عمر بن عبد الجبّار، عن أبيه [، عن جدّه، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه،] (6) عن علىّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- قال: قال لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا عليّ، ما بين من يحبّك و بين أن يرى ما تقرّ به عيناه، إلّا أن يعاين الموت.

ثمّ تلا: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏،

يعني: أنّ أعداءه إذا دخلوا النّار قالوا: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً في ولاية علىّ- (عليه السلام)-. غير الّذي كنّا نعمل في عداوته.

فيقال لهم في الجواب: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ و هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ‏ لآل محمّد مِنْ نَصِيرٍ ينصرهم و لا ينجيهم منه و لا يحجبهم عنه.

أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ: جواب من اللَّه و توبيخ لهم.

____________

(1) التوحيد/ 65، في أواخر حديث 18.

(2) الأنبياء/ 22.

(3) المؤمنون/ 91.

(4) الانعام/ 28.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 174.

(6) ليس في المصدر.

579

قيل‏ (1): و ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ‏ متناول لكلّ عمر، يمكن المكلّف فيه من التّفكر و التّذكّر.

و قيل‏ (2): ما بين العشرين إلى السّتّين.

و العطف في «جاءكم» على معنى «أو لم نعمّركم» فإنّه للتّقرير، كأنّه قال:

عمّرناكم و جاءكم النّذير. و هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، أو الكتاب.

و قيل‏ (3): العقل، أو الشّيب، أو موت الأقارب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و سئل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ.

قال: توبيخ لابن ثماني عشرة سنة.

[و في كتاب الخصال‏ (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- تعالى-: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال: توبيخ لابن ثماني عشرة سنة.] (6).

و في نهج البلاغة (7): قال- (عليه السلام)-: العمر الّذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم، ستّون سنة.

و في مجمع البيان‏ (8): أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ اختلف في هذا المقدار، فقيل: هو ستّون سنة. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(9)-.

و قد (10) روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أيضا- مرفوعا أنّه قال: من عمّره اللَّه ستّين سنة، فقد أعذر إليه.

و قيل‏ (11): هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة. و روي ذلك عن الباقر- (عليه السلام)(12)-.

فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37): يدفع العذاب عنهم.

إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: لا يخفى عليه خافية. فلا يخفى عليه أحوالهم.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 273.

(3) نفس المصدر 2/ 273- 274.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 118، ح 561.

(5) الخصال/ 509، ح 2.

(6) ليس الأصل و ن.

(7) نهج البلاغة/ 532، حكمة رقم 326.

(8) مجمع البيان 4/ 410.

(9) المصدر: أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

10 و 11 نفس المصدر و الموضع.

(12) المصدر: الصادق- (عليه السلام)-.

580

إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38): تعليل له. لأنّه إذا علم مضمرات الصّدور و هي أخفى ما يكون، كان أعلم بغيره.

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ‏: يلقي إليكم مقاليد التّصرّف فيها.

و قيل‏ (1): خلفا بعد خلف، جمع خليفة. و الخلفاء، جمع خليف.

فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏: جزاؤه.

وَ لا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَ لا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً (39): بيان له و تكرير، التّجنّب على أنّ اقتضاء الكفر لكلّ واحد من الأمرين مستقلّ باقتضاء قبحه و وجوب للدّلالة عنه.

و المراد «بالمقت» و هو أشدّ البغض: مقت اللَّه. و «بالخسار» خسار الآخرة.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: يعني: آلهتهم. و الإضافة إليهم، لأنّهم جعلوهم شركاء اللَّه، أو لأنفسهم فيما يملكونه.

أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ‏: بدل من «أرأيتم» بدل الاشتمال، لأنّه بمعنى:

أخبروني، كأنّه قال: أخبروني عن هؤلاء الشّركاء أروني أيّ جزء من الأرض استبدّوا (2) بخلقه.

أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ‏: أم لهم شركة مع اللَّه في خلق السّماوات، فاستحقّوا بذلك شركة في الألوهيّة ذاتيّة.

أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً: ينطق على أنّا اتّخذناهم شركاء.

فَهُمْ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْهُ‏: على حجّة من ذلك الكتاب، بأنّ لهم شركة جعلّية. و يجوز أن يكون «هم» للمشركين لقوله‏ (3): أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً.

و قرأ نافع و ابن عامر و يعقوب و أبو بكر: «على بيّنات» فيكون إيماء إلى أنّ الشّرك خطير لا بدّ فيه من تعاضد الدّلائل‏ (4).

بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (40): لمّا نفي أنواع الحجج في ذلك، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه. و هو تعزير الأسلاف الأخلاف و الرّؤساء الأتباع، بأنّهم شفعاء عند اللَّه يشفعون لهم بالتّقرّب إليهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 274.

(2) هكذا في ن. في سائر النسخ: استبدل.

(3) الروم/ 35.

(4) أنوار التنزيل 2/ 274.

581

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا: كرامة أن تزولا، فإنّ الممكن حال بقائه لا بدّ له من حافظ. أو يمنعهما من أن تزولا، لأنّ الإمساك منع.

وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما: ما أمسكهما. مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ‏: من بعد اللَّه.

أو من بعد الزّوال. و الجملة سادّة مسدّ الجوابين. و من الأولى زائدة، و الثّانية للابتداء.

إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (41): حيث أمسكهما، و كانتا جديرتين بأن تهدّا هدّا، كما قال‏ (1): تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2)، في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعلّي- (عليه السلام)-: يا عليّ، أمان لأمّتي من الهدم‏ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً.

و روى عبّاس بن هلال‏ (3)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه- (عليه السلام)- قال: لم يقل أحد قطّ إذا أراد أن ينام: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً. فيسقط (4) عليه البيت.

و في أصول الكافي‏ (5): أخبرنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم [بن هاشم،] (6) عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن منصور، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لبعض الزّنادقة: يا أخا أهل مصر، إنّ الّذي تذهبون إليه و تظنّون أنّه الدّهر، إن كان الدّهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟

و إن كان يردّهم لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرّون، يا أخا أهل مصر، لم السّماء مرفوعة و الأرض موضوعة لم لا ينحدر (7) السّماء على الأرض لم لا ينحدر (8) الأرض فوق طباقها و لا يتماسكان و لا يتماسك من عليها؟ قال الزّنديق: أمسكهما اللَّه ربّهما و سيّدهما.

قال: فآمن الزّنديق على يدي أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

____________

(1) مريم/ 90.

(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 268.

(3) نفس المصدر 1/ 298، ح 1362.

(4) المصدر: إلى آخر الآية فسقط.

(5) الكافي 1/ 73- 74، ضمن حديث 1.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: لم لا يسقط.

(8) المصدر: لم لا يسقط.

582

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقيّ‏ (1) رفعة قال: جاء (2) الجاثليق إلى‏ (3) أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فقال له: أخبرني عن اللَّه- عزّ و جلّ- يحمل العرش أم العرش يحمله؟

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: اللَّه- عزّ و جلّ- حامل العرش و السّماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما، و ذلك قول اللَّه: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً.

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: بنا يمسك اللَّه السّماوات و الأرض أن تزولا.

و بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ‏ (5): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له:

أ تبقى الأرض بغير إمام؟

قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة، لساخت.

و بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ (6): عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت له: أ تبقى الأرض بغير إمام؟

فقال: لا.

قلت: فإنّا نروي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّها لا تبقى بغير إمام إلّا أن يسخط اللَّه على أهل الأرض أو على العباد.

فقال: لو تبقى‏ (7)، إذا لساخت.

و بإسناده إلى أحمد بن عمر الحلّال‏ (8) قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-:

إنّا روينا عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الأرض لا تبقى بغير إمام أو تبقى و لا إمام فيها.

____________

(1) نفس المصدر 1/ 129، صدر حديث 1.

(2) المصدر: سأل.

(3) ليس في المصدر.

(4) كمال الدين و تمام النعمة 202، ضمن حديث 6.

(5) نفس المصدر/ 201، ح 1.

(6) نفس المصدر/ 202، ح 2.

(7) المصدر: لا تبقى.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

583

فقال: معاذ اللَّه، لا تبقى ساعة، إذا لساخت.

و بإسناده له آخر إلى أحمد بن عمر (1) قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)-: أ تبقى الأرض بغير إمام؟

قال: لا.

قلت: فإنّا نروي أنّها لا تبقى إلّا أن يسخط اللَّه على العباد.

فقال: لا تبقى، إذا لساخت.

و بإسناده إلى عمرو بن ثابت‏ (2)، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

سمعته يقول: لو بقيت الأرض يوما بلا إمام منّا [لساخت‏] (3) بأهلها و لعذّبهم اللَّه بأشدّ عذابه. إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- جعلنا حجّة في أرضه و أمانا في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا (4) في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم. فإذا أراد أن يهلكهم ثمّ لا يمهلهم و لا ينظرهم ذهب بنا من بينهم و رفعنا إليه، ثمّ يفعل اللَّه ما يشاء (5) و أحبّ.

و بإسناده إلى سليمان بن مهران الأعمش‏ (6)، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)- حديث طويل. يقول فيه: و لو لا ما في الأرض منّا، لساخت بأهلها.

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ‏: و ذلك أنّ قريشا لمّا بلغهم أنّ أهل الكتاب كذّبوا رسلهم، قالوا: لعن اللَّه اليهود و النّصارى، لو أتانا رسول‏ (7) لنكوننّ أهدى من إحدى الأمم، أي من واحدة من الأمم اليهود و النّصارى و غيرهم. أو من الأمّة الّتي يقال فيها: هي إحدى الأمم، تفضيلا لها على غيرها في الهدى و الاستقامة (8).

فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ، يعني: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

____________

(1) نفس المصدر/ 203، ح 8.

(2) نفس المصدر/ 204، ح 14. و في النسخ:

«عمر بن ثابت». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: لم يزالوا.

(5) المصدر: شاء.

(6) نفس المصدر/ 207، ضمن حديث 22.

(7) النسخ: «رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) أنوار التنزيل 2/ 274- 275.

584

ما زادَهُمْ‏، أي: النّذير، أو مجيئه على التّسبّب.

إِلَّا نُفُوراً (42): تباعدا عن الحقّ.

اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ‏: بدل من «نفورا». بدل من «نفورا». أو مفعول له.

وَ مَكْرَ السَّيِّئِ‏:

أصله: و أن مكروا المكر السّيّ‏ء. فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثمّ بدّل «أن» مع الفعل بالمصدر، ثمّ أضيف.

وَ لا يَحِيقُ‏: و لا يحيط.

الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏: و هو الماكر. و قد حاق بهم يوم بدر.

و قرئ: و لا يحيق [المكر، أي: لا يحيق‏] اللَّه‏ (1).

فَهَلْ يَنْظُرُونَ‏: فهل ينتظرون؟

إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ‏: سنّة اللَّه فيهم بتعذيب مكذّبيهم.

فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43): إذ لا يبدّلها يجعله غير التّعذيب تعذيبا، و لا يحوّلها بأن ينقله من المكذّبين إلى غيرهم.

و قوله: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏:

استشهاد عليه، بما يشاهدونه في مسايرهم إلى الشّام و اليمن و العراق من آثار الماضين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في كتابه الّذي كتبه إلى شيعته‏، يذكر فيه خروج عائشة إلى البصرة و عظم خطأ طلحة و الزّبير قال: و أيّ خطيئة أعظم مما أتيا، أخرجا زوجة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من بيتها و كشفا عنها حجابا ستره اللَّه عليها، وصانا حلائلهما في بيوتهما. ما أنصفا لا للَّه و لا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال، مرجعها على النّاس في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-: البغي و المكر و النّكث. قال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (3)-: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏. و قال‏ (4): فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ‏. و قال: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ، السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏. و قد بغيا علينا، و نكثا بيعتي، و مكرا بي. و قوله- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏. قال: أو لم ينظروا في القرآن و في أخبار الأمم الهالكة.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 275. و زيادة من المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 210.

(3) يونس/ 23.

(4) الفتح/ 10.

585

وَ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ: ليسبقه و يفوته.

فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً: بالأشياء كلّها.

قَدِيراً (44): عليها.

وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا: من المعاصي.

ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها: ظهر الأرض.

مِنْ دَابَّةٍ: من نسمة تدبّ عليها بشؤم معاصيهم.

و قيل‏ (1): المراد بالدّابّة: الإنس وحده، لقوله: وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏:

هو يوم القيامة.

فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45): فيجازيهم على أعمالهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: و حدّثني أبي، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: سبق العلم و جفّ القلم و مضى القضاء و ثمّ القدر، بتحقيق الكتاب و تصديق الرّسل، و بالسّعادة من اللَّه لمن آمن و اتّقى، و بالشّقاء لمن كذّب و كفر بالولاية من اللَّه- عزّ و جلّ- للمؤمنين و بالبراءة منه للمشركين.

ثمّ قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بإرادتي كنت أنت الّذي تريد لنفسك ما تريد، و بفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، و بقوّتي و عصمتي و عافيتي أدّيت إليّ فرائضي، و أنا أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بذنبك منّي، الخير منّي إليك واصل بما أوليتك به، و الشّرّ منك‏ (3) إليك بما جنيت جزاء، و بكثير من تسلّطي‏ (4) لك انطويت على‏ (5) طاعتي، و بسوء ظنّك بي قنطت من رحمتي، فلي الحمد و الحجّة عليك بالبيان، و لي السّبيل عليك بالعصيان، و لك الجزاء الحسن عندي بالإحسان، لم أدع تحذيرك و لم آخذك عند غرّتك. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ لم أكلّفك فوق طاقتك، و لم أحمّلك من الأمانة إلّا بما أقررت بها على نفسك و رضيت لنفسي‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 275.

(2) تفسير القمي 2/ 210- 211.

(3) المصدر: منّي.

(4) المصدر: تسليطي (تسلطي خ. ل.)

(5) المصدر: عن.

586

منك ما رضيت به لنفسك منّي. ثمّ قال- عزّ و جلّ-: وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (1).

قد وقع الفراغ من تأليف المجلّد الثّالث من كتاب كنز الغرائب و بحر الدّقائق، في صبيحة يوم الغدير، في السّنة السّابعة الماضية بعد الألف و التّسعين من الهجرة النّبويّة، في مشهد ثامن الأئمّة- عليه و آبائه الكرام و أبنائه العظام ألف ألف تحيّة و سلام. على يد مؤلّفه الفقير ميرزا محمّد بن رضا بن إسماعيل بن جمال الدّين القّميّ- غفر اللَّه له و لآبائه و أبنائه بشفاعة محمّد و ولاية عليّ و أولاده.

قد وقع الفراغ من تسويده في شهر ربيع الثّاني سنة 1267.

____________

(1) إلى هنا تمّ متن الجزء الثالث من تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب حسب تجزأة المفسر.

و إمّا نهايات النسخ، سوى نسخة الأصل:

نسخة م: قد وقع الفراغ من تأليف المجلد الثالث من كتاب كنز الغرائب و بحر الدقائق في يوم الأربعاء بيست و يكم [كذا] شهر ربيع الأوّل سنة ستين و مائتان بعد الألف من الهجرة النبوية [!].

و في هامشه: بلغ قبالا بقدر الوسع و طاقة البشر إلّا ما زاغ عنه البصر. بحمد اللَّه و حسن توفيقه.

نسخة ن: قد فرغت من تسويد هذه النسخة الشريفة في ليلة الاثنين سادس شهر رجب الرّجب. و أنا أقلّ الطلبة محمد رضا بن عزيز اللَّه التوني، في سنة أحدى عشر و مائة بعد الألف من الهجرة النبوية- عليه و آله أفضل الصلوة و السلام و أكملهما و الحمد للَّه أوّلا و آخرا. و صلّى اللَّه عليه محمد و آله و أجمعين.

نسخة س: قد وقع الفراغ من تأليف المجلد الثالث من كتاب كنز الغرائب و بحر الدقائق في صبيحة يوم الغدير في السنة السابعة الماضية بعد الألف و التسعين من الهجرة النبويّة، في مشهد ثامن الأئمة- عليه و آبائه الكرام و أبنائه العظام ألف ألف تحية و السلام- على يد مؤلّفه الفقير ميرزا محمّد بن محمد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمّي- غفر اللَّه له و لآبائه و أبنائه بشفاعة محمد و على أولاده.

نسخة أ- بعد ورود فقرات أخير الذكر، نهاية نسخة س-: أنا المفتقر إلى اللَّه الغني كاتب كنز الغرائب و بحر الدقائق بحسب الأمر مولانا المعظّم المكرّم الأعظم، جامع الأصول و الفروع، حاوى المنقول و المعقول، مبيّن الحلال و الحرام، أعني:

مولانا ميرزا محمّدا محمّد كاظم الموسويّ- غفر اللَّه لي و له في درجات الآخرة و لمن يقرأ الفاتحة في حقيّ و حقّه بحقّ أئمة المعصومين، آمين.