
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
الجزء الحادي عشر
تأليف
محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
47
تفسير سورة يس
45
الجزء الحادي عشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و به نستعين، و عليه توكّلي
الحمد للّه ربّ العالمين. و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله أجمعين.
أمّا بعد؛ فيقول الفقير إلى اللّه الغنّي، ميرزا محمّد بن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدّين القمّي: قد شرعت في تحرير رابع مجلّدات «كنز الدّقائق و بحر الغرائب» بعد الفراغ من ثالثها. و أسأل اللّه أن يوفّقني للإتمام، بالنّبيّ و آله الكرام.
52
آبق؛ إلّا و هو في القرآن. فمن أراد ذلك، فليسألني عنه.
قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أخبرني عنه الضّالّة.
فقال: اقرأ يس (1) في ركعتين، و قل: يا هادي الضّالّة، ردّ عليّ ضالّتي.
ففعل (2). فردّ اللّه عليه ضالّته.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
أبو عليّ الأشعريّ و غيره (3)، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: سليم مولاك ذكر أنّه ليس معه من القرآن إلّا سورة يس. فيقوم من اللّيل، فينفذ ما معه من القرآن. أ يعيد ما قرأ؟
قال: نعم. لا بأس.
يس (1):
يس ك الم في المعنى و الإعراب.
و قيل (4): معناه: يا إنسان، بلغة طيء؛ على أنّ أصله: يا أنيسين، فاقتصر على شطره، لكثرة النّداء به. كما قيل «من اللّه» في «أيمن اللّه».
و قرئ (5) بالكسر- كجير- و بالفتح على البناء كأين، أو الإعراب على: اتل يس، أو بإضمار حرف القسم [و الفتحة] (6) لمنع الصّرف، و بالضّمّ بناء- كحيث- أو إعرابا على: هذه يس: و أمال الياء حمزة و الكسائيّ و يعقوب و أبو بكر و روح.
و في كتاب الخصال (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عشر أسماء. خمسة منها في القرآن. و خمسة ليست في القرآن. فأمّا الّتي في القرآن؛ فمحمّد، و أحمد، و عبد اللّه، و يس، و ن.
و في مجمع البيان (8): و روى محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- اثنى عشر اسما. خمسة منها في القرآن: محمّد، و احمد،
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و صلّ.
(2) ليس في ق، ش، ت، م، ر.
(3) نفس المصدر/ 632، ح 22.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 276.
(6) ليس في ق، ت، ن.
(7) الخصال 2/ 426، ح 2.
(8) المجمع 4/ 414.
53
و عبد اللّه، و يس، و ن.
و في أمالي الصّدوق (1)، بإسناده إلى عليّ- (عليه السلام)- في قوله (2)- عزّ و جلّ-:
سلام على آل ياسين قال: ياسين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن آل محمّد.
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن [محمّد بن خالد، عن] (4) محمّد بن عيسى، عن صفوان، رفعه إلى أبي جعفر أو أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: هذا محمّد، أذن لهم في التّسمية به. فمن أذن لهم في يس- يعني التّسمية- و هو اسم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)!؟
و أدغم (5) النّون في واو وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) ابن عامر و الكسائيّ و يعقوب و أبو بكر و ورش. و هي واو القسم، أو العطف، إن جعل «يس» مقسما به.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النعمة (6): حدّثنا المظفّر بن حمزة العلويّ (7)- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه قال: حدّثنا أبو القاسم قال: كتبت من كتاب أحمد الدّهّان (8)، عن القاسم بن حمزة، عن محمد بن أبي عمير قال: أخبرني أبو إسماعيل السّرّاج، عن خيثمة الجعفيّ قال: حدّثني أبو لبيد المخزوميّ قال: ذكر أبو جعفر- (عليه السلام)- أسماء الخلفاء الاثني عشر الرّاشدين- (صلوات اللّه عليهم). فلمّا بلغ آخرهم، قال: الثّاني عشر الّذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه عند سنة يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ.
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) لمن الّذين أرسلوا.
و في كتاب الاحتجاج (9) للطّبرسيّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل.
و فيه: فأمّا ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [من كتاب اللّه] (10) فهو قول اللّه- سبحانه (11)-:
____________
(1) أمالي الصدوق/ 381.
(2) الصافات/ 130.
(3) الكافي 6/ 20، ح 13.
(4) ليس في ق، ش.
(5) أنوار التنزيل 2/ 276.
(6) كمال الدين/ 331- 332، ح 17.
(7) المصدر: المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي.
(8) ن، ت، م: الدهقان.
(9) الاحتجاج/ 253.
(10) يوجد في ى، ر. و في المصدر: في كتاب الله.
(11) الأحزاب/ 56.
50
و يحدّثونه، و يضحكون في وجهه، و يبشّرونه بكلّ خير؛ حتّى يجوزوا به الصّراط (1) و الميزان، و يوفقوه (2) من اللّه موقفا لا يكون عند اللّه خلق (3) أقرب منه إلّا ملائكة اللّه المقرّبون و أنبياؤه المرسلون، و هو مع النّبيّين واقف بين يدي اللّه، لا يحزن مع من يحزن، و لا يهتمّ (4) مع من يهتمّ (5)، و لا يجزع مع من يجزع. ثمّ يقول له الرّبّ- تبارك و تعالى-: اشفع عبدي، أشفّعك في جميع ما تشفع. و سلني، أعطك- عبدي- جميع ما تسأل. فيسأل، فيعطى.
و يشفع، فيشفّع. فلا يحاسب فيمن يحاسب. و لا يوقف مع من يوقف. و لا يذلّ مع من يذلّ. و لا يكتب (6) بخطيئة و لا بشيء من سوء عمله. و يعطى كتابه (7) منشورا، حتّى يهبط من عند اللّه فيقول النّاس بأجمعهم: سبحان اللّه! ما كان لهذا العبد من خطيئة واحدة! و يكون من رفقاء محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
و بإسناده (8) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة يس في عمره مرّة واحدة، كتب اللّه له بكلّ خلق في الدّنيا، و بكلّ خلق في الآخرة و في السّماء، بكلّ واحد ألفي ألف حسنة. و محا عنه مثل ذلك. و لم يصبه فقر، و لا غرم (9)، و لا هدم، و لا نصب، [و لا جنون،] (10) و لا جزام (11)، و لا وسواس، و لا داء يضرّه. و خفّف اللّه عنه سكرات الموت و أهواله. و ولي قبض روحه. و كان ممّن يضمن اللّه له السّعة في معيشته، و الفرح عند لقائه، و الرّضا بالثّواب في آخرته. و قال اللّه لملائكته أجمعين من في السّموات و من في الأرض: قد رضيت عن فلان، فاستغفروا له.
و في مجمع البيان (12): أبيّ بن كعب [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (13) قال: من قرأ سورة يس، يريد بها اللّه- عزّ و جلّ- غفر اللّه له. و أعطي من الأجر كأنّما قرأ القرآن اثنتي عشرة (14) مرّة. و أيّما مريض قرئت (15) عنده سورة يس، نزل عليه بعدد كلّ حرف منها
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يجوّزونه على الصراط.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يوقفونه.
(3) المصدر: خلقا.
(4) ن، المصدر: لا يهمّ.
(5) ن، المصدر: يهمّ.
(6) المصدر: لا ينكب.
(7) المصدر: كتابا.
(8) ثواب الأعمال/ 138، ح 2.
(9) الغرم: الدّين.
(10) من المصدر.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا جرام.
(12) المجمع 4/ 413.
(13) ليس في المصدر.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: عشر.
(15) كذا في المصدر: و في النسخ: قرئ.
54
إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. و لهذه الآية ظاهر و باطن. فالظّاهر قوله: صَلُّوا عَلَيْهِ. و الباطن قوله: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً؛ أي: سَلِّمُوا لمن وصّاه، و استخلفه، و فضّله عليكم (1)، و ما عهده به إليه تَسْلِيماً. و هذا ممّا أخبرتك أنّه لا يعلم تأويله إلّا من لطف حسّه، و صفا ذهنه، و صحّ تمييزه.
و كذلك قوله (2): سلام على آل ياسين. لأنّ اللّه سمّى (3) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [بهذه الاسم] (4)؛ حيث قال: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لعلمه أنّهم يسقطون [قول اللّه] (5) «سلام على آل محمّد» كما أسقطوا غيره.
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4):
متعلّق ب «المرسلين»؛ أي: من الّذين أرسلوا على صراط مستقيم؛ و هو التّوحيد و الاستقامة في الأمور.
و يجوز أن يكون عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خبرا ثانيا، أو حالا من المستكنّ في الجارّ و المجرور. و فائدته وصف الشّرع بالاستقامة صريحا، و إن دلّ عليه لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ التزاما.
و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر مجلس الرّضاء- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه كلام له- (عليه السلام)- سبق في الأحزاب عند قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ (الآية):
و في أثناء ذلك قال المأمون: فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن؟
قال أبو الحسن- (عليه السلام)- نعم. أخبروني عن قول اللّه- تعالى-: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فمن عنى بقوله: يس؟
قالت العلماء: يس (7) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). لم يشكّ فيه أحد.
قال أبو الحسن- (عليه السلام)- قال: فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى محمدا و آل محمّد من ذلك. فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه؛ إلّا من عقله. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يسلّم على أحد إلّا على الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم). فقال (8)- تبارك و تعالى-:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عليكم فضله.
(2) الصافات/ 130.
(3) في المصدر زيادة: به.
(4) ليس في المصدر.
(5) من المصدر.
(6) العيون 1/ 185، ح 1.
(7) ليس في ق، ش، م.
(8) الصّافّات/ 79.
49
سورة يس و تدعى «المعمّة» تعمّ صاحبها خير الدّارين، و «الدّافعة» تدفع عنه كلّ سوء، و «القاضية» تقضي له كلّ حاجة.
و هي مكّيّة عند الجميع.
قال ابن عبّاس (1): إلّا آية منها: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ (الآية) نزلت بالمدينة.
و ايها ثلاث أو اثنتان و ثمانون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (2)، بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ لكلّ شيء قلبا. و إنّ قلب القرآن يس. من قرأها قبل أن ينام، أو في نهاره قبل أن يمسي، كان في نهاره من المحفوظين و المرزوقين حتّى يمسي. و من قرأها في ليله، قبل أن ينام، وكّل اللّه به ألف ملك يحفظونه من شرّ كلّ شيطان رجيم، و من كلّ آفة. و إنّ مات في يومه، أدخله اللّه الجنّة. و حضر غسله ثلاثون ألف ملك، كلّهم يستغفرون له، و يشيّعونه إلى قبره بالاستغفار. فإذا أدخل في لحده، كانوا في جوف قبره يعبدون اللّه، و ثواب عبادتهم له.
و فسح له في قبره مدّ بصره. و أومن من ضغطة القبر. و لم يزل له في قبره نور ساطع إلى عنان السّماء، إلى أن يخرجه اللّه من قبره. فإذا أخرجه، لم يزل ملائكة اللّه يشيّعونه،
____________
(1) مجمع البيان 4/ 413.
(2) ثواب الاعمال/ 138، ح.
55
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ. و قال (1): سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. و قال (2): سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ.
و لم يقل: سلام على آل نوح. و لم يقل: سلام على آل ابراهيم. و لم يقل: سلام على آل موسى و هرون. و قال (3): سلام على آل ياسين؛ يعني: آل محمّد.
فقال المأمون: قد علمت أنّ في معدن النّبوّة شرح هذا و بيانه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. قال الصّادق- (عليه السلام)-: يس اسم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و الدّليل على ذلك إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. قال: على الطّريق الواضح.
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5):
خبر محذوف. و المصدر بمعنى المفعول. و قرأ (5) ابن عامر و حمزة و الكسائي و حفص بالنّصب، بإضمار أعني أو فعله، على أنّه على أصله. و قرئ بالجرّ على البدل من «القرآن».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. قال: القرآن.
لِتُنْذِرَ قَوْماً:
متعلّق ب تَنْزِيلَ أو بمعنى لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ: قوما غير منذر آباؤهم؛ يعني: آباءهم الأقربين، لتطاول مدّة الفترة؛ فيكون صفة مبيّنة لشدّة حاجتهم إلى إرساله. أو: الّذي أنذر به، أو شيئا أنذر به آباؤهم الأبعدون؛ فيكون مفعولا ثانيا ل «تنذر». أو: إنذار آبائهم، على المصدر.
فَهُمْ غافِلُونَ (6):
متعلّق بالنّفي، على الاوّل؛ أي: لم ينذروا، فبقوا غافلين. أو بقوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ على الوجوه الأخرى؛ أي: أرسلتك إليهم لتنذرهم، فإنّهم غافلون.
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ:
يعني قوله (7): لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7)؛ لأنّهم ممّن علم اللّه أنّهم لا يؤمنون.
____________
(1) الصّافّات/ 109.
(2) الصّافّات/ 120.
(3) الصّافّات/ 130.
(4) تفسير القمّي 2/ 211.
(5) أنوار التنزيل 2/ 276.
(6) تفسير القمّي 2/ 211.
(7) هود/ 119.
51
عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا، و يستغفرون له، و يشهدون قبضه، و يشيّعون (1) جنازته، و يصلّون عليه، و يشهدون دفنه. و أيّما مريض قرأها، [و هو] (2) في سكرات الموت، أو قرئت عنده، جاءه رضوان خازن الجنان بشربة من شراب الجنّة، فسقاه إيّاها و هو على فراشه. فيشرب، فيموت ريّان، و يبعث ريّان، و لا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء؛ حتّى يدخل الجنّة و هو ريّان.
أبو بكر (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: سورة يس تدعى في التّوراة المعمّة.
قيل: و ما المعمّة؟
قال: تعمّ صاحبها خير الدّنيا و الآخرة. و تكابد (4) عنه بلوى الدّنيا. و تدفع عنه أهاويل الآخرة. و تدعى الدّافعة (5) القاضية. تدفع عن صاحبها كلّ شرّ. و تقضي له كلّ حاجة. و من قرأها، عدلت له عشرين حجّة. و من سمعها، عدلت له ألف دينار في سبيل اللّه. و من كتبها، ثمّ شربها، أدخلت جوفه ألف دواء، و ألف نور، و ألف يقين، و ألف بركة، و ألف رحمة. و نزعت منه كلّ داء (6).
و عن أنس بن مالك (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ لكلّ شيء قلبا. و قلب القرآن يس.
و عنه (8)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفّف اللّه عنهم يومئذ. و كان له بعدد من فيها حسنات.
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه (10) بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي (11) الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: و الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالحقّ، و أكرم أهل بيته، ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق، أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها، أو ضالّة أو
____________
(1) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: يتبعون.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كابد الأمر: قاساه و تحمّل المشاق في فعل
(5) المصدر: المدافعة.
(6) في المصدر زيادة: و علّة.
7 و 8- نفس المصدر و الموضع.
(9) الكافي 2/ 624، ح 21.
(10) المصدر: عبد الرّحمن.
(11) ليس في ق، ش.
56
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا:
تقرير لتصميمهم على الكفر و الطّبع على قلوبهم- بحيث لا تغني عنهم الآيات و النّذر- بتمثيلهم بالّذين غلّت أعناقهم.
و قيل (1): معناه: كأنّ هذا القرآن أغلال في أعناقهم تمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبّره، لثقله عليهم.
و قيل (2): إنّ المعنى بذلك ناس من قريش همّوا بقتل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فجعل أيديهم إلى أعناقهم، فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يدا.
و قيل (3): إنّ المراد به وصف حالهم يوم القيامة. فهو مثل قوله (4): إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ. و إنّما ذكره بلفظ الماضي للتّحقيق.
فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ: فالأغلال واصلة إلى أذقانهم، فلا تخلّيهم يطأطئون.
فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8): رافعون رؤوسهم، غاضّون أبصارهم، في أنّهم لا يلتفتون لفت الحقّ، و لا يعطفون أعناقهم نحوه، و لا يطأطئون رؤوسهم له.
و المقمح: الغاضّ بصره بعد رفع رأسه.
وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9):
تمثيل آخر لهم، بمن أحاط بهم سدّان، فغطّى أبصارهم، بحيث لا يبصرون قدّامهم و وراءهم، في أنّهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النّظر في الآيات و الدّلائل.
و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ و حفص: «سدّا» بالفتح. و هو لغة فيه. و قيل: ما كان بفعل النّاس فبالفتح. و ما كان بخلق اللّه، فبالضّمّ.
و قرئ (6): «فأغشيناهم» من العشيّ.
و في أصول الكافي (7): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال: سألته] (8) عن قول اللّه: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ.
____________
1 و 2 و 3- مجمع البيان 4/ 416- 417.
(4) غافر/ 71.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 277.
(7) الكافي 1/ 431، ح 90.
(8) ليس في ق، ش.
57
قال: لتنذر القوم الّذين (1) أنت فيهم؛ كما أنذر آباؤهم. فَهُمْ غافِلُونَ عن اللّه و عن رسوله و عن وعيده. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ ممّن لا يقرّون بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة من بعده، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بإمامة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأوصياء من بعده. فلمّا لم يقرّوا، كانت عقوبتهم ما ذكر [اللّه] (2): إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ في نار جهنّم. ثمّ قال: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ، عقوبة منه لهم، حيث أنكروا ولاية أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده. هذا في الدنيا، و في الآخرة في نار جهنّم مقمحون.
و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ، و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: و سأله: كم حجّ آدم- (عليه السلام)- من حجّة؟
فقال له: سبعين حجّة [على قدمه] (4). و أوّل حجّة حجّها، كان معه الصّرد، يدلّه على مواضع الماء. و خرج معه من الجنّة. و قد نهي عن أكل الصّرد و الخطّاف.
و سأله: ما باله لا يمشي؟
قال: لأنّه ناح على بيت المقدس، فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه. و لم يزل يبكي مع آدم- (عليه السلام). فمن هناك سكن البيوت. و معه تسع آيات من كتاب اللّه- تعالى- ممّا كان آدم يقرأها في الجنّة. و هي معه إلى يوم القيامة: ثلاث آيات من أوّل الكهف؛ و ثلاث آيات من (5) سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى، و هي: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ (6)؛ و ثلاث آيات من يس، [و هي:] (7) وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا- إلى قوله تعالى- فَهُمْ مُقْمَحُونَ. قال: قد رفعوا رؤوسهم.
و في رواية أبي الجارود (9) [عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (10) في قوله- تبارك
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الّذي.
(2) من المصدر.
(3) العيون 1/ 191، ح 1.
(4) ليس في ن، ت، م، ش، ى، ر. و في المصدر:
ماشيا على قدميه.
(5) في ق، م زيادة: أوّل.
(6) الإسراء/ 45.
(7) من المصدر.
(8) تفسير القمّي 2/ 212.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) من المصدر.
58
و تعالى-: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ يقول:
فأعميناهم، فهم لا يبصرون الهدى. أخذ اللّه سمعهم و أبصارهم و قلوبهم، فأعماهم عن الهدى. نزلت في أبي جهل بن هشام و نفر من أهل بيته. و ذلك أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قام يصلّى، و قد حلف أبو جهل- لعنه اللّه- لئن رآه يصلّى، ليدمغه (1).
فجاءه و معه حجر، و النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قائم يصلّي. فجعل كلّما رفع الحجر ليرميه، أثبت اللّه- عزّ و جلّ- يده إلى عنقه، و لا يدور الحجر بيده. فلمّا رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده. ثمّ قام رجل آخر- و هو من رهطه أيضا- فقال: أنا أقلته.
فلمّا دنا منه، فجعل يسمع (2) فأرعب، فرجع إلى أصحابه فقال: حال بيني و بينه كهيئة الفحل (3) يخطر بذنبه. فخفت أن أتقدّم.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ ابراهيم حجب عن نمرود بحجب ثلاث.
قال عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حجب عمّن أراد قتله بحجب خمس. ثلاثة بثلاثة، و اثنان فضل. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- و هو يصف محمدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا فهذا الحجاب الأوّل، وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فهذا الحجاب الثّاني، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ، فهذا الحجاب الثّالث. ثمّ قال: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. فهذا الحجاب الرّابع. ثمّ قال: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ. فهذه خمس حجب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5) كلام طويل في بيان خروج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بيته إلى الغار و غيره ذلك. و فيه: و أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يفرش له. ففرش له. فقال لعليّ بن أبي
____________
(1) المصدر: ليدمغنّه.
و دمغه: شجّه حتّى بلغت الشّجّة دماغه.
(2) ق، ش: قراءته.
(3) ق: العجل.
(4) الإحتجاج 1/ 213.
(5) تفسير القمّي 1/ 275- 276.
59
طالب- (عليه السلام)- افدني بنفسك.
قال: نعم، يا رسول اللّه.
قال: يا عليّ، نم على فراشي. و التحف ببردتي.
فنام عليّ- (صلوات اللّه عليه)- [على فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) و التحف ببردته. و قد جاء جبرئيل- (عليه السلام)- و أخذ بيد رسول اللّه، فأخرجه على قريش و هو نيام، و هو يقرأ: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10):
سبق في البقرة تفسيره.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، متّصلا بآخر ما نقلنا عنه- أعنى قوله: فخفت أن أتقدم-: و قوله- عزّ و جلّ-: وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. فلم يؤمن من أولئك الرّهط من بني مخزوم أحد. و هو يعني: ابن المغيرة.
إِنَّما تُنْذِرُ إنذارا يترقّب عليه البغية المرومة.
مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛ أي: القرآن، بالتّأمّل فيه و العمل به.
وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ: و خاف عقابه، قبل حلوله و معاينة أهواله- أو في سريرته- و لا يغترّ برحمته. فإنّه كما هو رحمن منتقم قهّار.
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ (11):
و في أصول الكافي (3)، متّصلا بآخر ما نقلناه عنه سابقا- أعني قوله (عليه السلام): في نار جهنّم مقمحون- ثمّ قال يا محمّد وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ باللّه و بولاية عليّ و من بعده. ثم قال: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، يعني أمير المؤمنين- (عليه السلام)- وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى: الأموات بالبعث، أو الجهّال بالهداية.
وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا: ما أسلفوا من الأعمال الصّالحة و الطّالحة، وَ آثارَهُمْ الحسنة- كعلم علّموه و حبس وقفوه- و السّيّئة؛ كإشاعة باطل و تأسيس ظلم.
____________
(1) ليس في، ق، ت، ن.
(2) تفسير القمّي 2/ 212.
(3) الكافي 1/ 432، ح 90.
60
و قيل (1): ما قدّموه من عمل ليس له أثر، وَ آثارَهُمْ؛ أي: ما يكون له أثر.
وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12):
قيل (2): يعنى: اللّوح المحفوظ.
و قيل (3): أراد به صحائف أعمالهم.
و في أصول الكافي (4): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن الحارث بن جعفر، عن عليّ بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضّرير قال: حدّثني موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كاتب الوصيّة، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المملي عليه، و جبرئيل و الملائكة المقرّبون شهود؟! قال: فأطرق طويلا. ثمّ قال: يا أبا الحسن، قد كان ما قلت؛ و لكن حين نزل برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الأمر، نزلت الوصيّة من عند اللّه كتابا مسجّلا نزل به (5) جبرئيل مع أمناء اللّه- تبارك و تعالى- من الملائكة.
فقلت لأبي الحسن: بأبي أنت و أمّي! ألا تذكر ما كان [في الوصيّة] (6)؟
فقال: سنن اللّه، و سنن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
فقلت: أ كان في الوصيّة توثّبهم (7) و خلافهم على أمير المؤمنين- (عليه السلام)؟ فقال:
نعم- و اللّه!- شيئا شيئا، و حرفا حرفا. أما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
الحسين بن محمّد (8)، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: اتّقوا المحقّرات من الذّنوب! فإنّ لها طالبا. يقول أحدكم: أذنب و أستغفر! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول:
____________
1 و 2 و 3- مجمع البيان 4/ 418. 7- ن، ت، م، ى، ر: نوبتهم.
(4) الكافي 1/ 281، ح 4. و التوثب: الاستيلاء على الشيء ظلما.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: نزله.
(6) من المصدر.
(7) ن، ت، م، ى، ر: نوبتهم.
و التوثب: الاستيلاء على الشيء ظلما.
(8) الكافي 2/ 270، ح 10.
61
س نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ. و قال (1)- عزّ و جلّ-: إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
أبو عليّ الأشعريّ (2)، عن محمّد بن عبد الجبار، عن ابن فضّال و الحجّال، جميعا عن ثعلبة، عن زياد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نزل بأرض قرعاء (3)، فقال لأصحابه: ائتوا بحطب.
فقالوا: يا رسول اللّه، نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب! قال: فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه.
فجاءوها به، حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هكذا تجتمع الذّنوب.
ثمّ قال: إيّاكم و المحقّرات من الذّنوب! فإنّ لكلّ شيء طالبا. ألا و إنّ طالبها يكتب ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.
و في مجمع البيان (4): قيل: معناه: نكتب خطاهم إلى المساجد. و سبب ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريّ: أنّ بني سلمة كانوا في ناحية من المدينة. فشكوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد منازلهم من المسجد و الصّلاة معه. فنزلت الآية.
و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ، قام أبو بكر و عمر من مجلسها، و قالا: يا رسول اللّه، هو التّوراة؟
قال: لا.
قالا: فهو الإنجيل؟ قال: لا.
قالا: فهو القرآن؟ قال: لا.
____________
(1) لقمان/ 16.
(2) نفس المصدر/ 288، ح 3.
(3) أرض قرعاء: لا نبات فيها.
(4) المجمع 4/ 418.
(5) المعاني/ 95، ح 1.
62
[قال:] (1) فأقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هو هذا! إنّه الإمام الّذي أحصى اللّه فيه- تبارك و تعالى- علم كلّ شيء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ، [أى: في كتاب مبين] (3). و هو محكم.
و ذكر ابن عبّاس عن أمير المؤمنين أنّه قال: أنا- و اللّه!- الإمام المبين. أبيّن الحقّ من الباطل. و ورثته من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) (4).
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه: معاشر النّاس! ما من علم إلّا [علّمنيه ربّي، و أنا علّمته عليّا- (عليه السلام)] (6). و قد أحصاه اللّه فيّ. و كلّ علم علّمت، فقد أحصيته في إمام المتّقين.
و ما من علم إلّا علّمته عليّا. [و هو الإمام المبين.] (7)
و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد اللّه بن أبي العلا، عن محمّد بن الحسن بن شمّون (9)، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن القاسم، عن صالح بن سهل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقرأ: (10) وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ قال: في أمير المؤمنين.
قال (11): و يؤيّد هذا التّأويل، ما
رواه الشّيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- في كتاب مصباح الأنوار، بإسناده إلى رجاله، مرفوعا إلى المفضّل بن عمر قال: دخلت على الصّادق- (عليه السلام)- ذات يوم، فقال لي: يا مفضّل، هل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- كنه معرفتهم؟
قلت: يا سيّدي، و ما كنه معرفتهم؟
قال: يا مفضّل، تعلم أنّهم في طير عن (12) الخلائق، بحيث يسكنون بجنب (13) الروضة
____________
(1) من المصدر.
(2) تفسير القمّي 2/ 212.
(3) ليس في ق.
(4) في المصدر زيادة: و هو محكم.
(5) الإحتجاج 1/ 60.
(6) ليس في المصدر.
(7) من المصدر.
(8) تأويل الآيات 2/ 487.
(9) كذا في المصدر و النّجاشي/ 899. و في النسخ:
شمعون.
(10) ق، ش: يقول.
(11) تأويل الآيات 2/ 488.
(12) كذا في المصدر. و في ت: طور عن. و في ق: في جملة. و في غيرها: طبر عن.
(13) كذا في المصدر: و في م، ى، ر: جنة. و ليس في غيرها.
63
الخضرة. فمن عرفهم كنه معرفتهم، كان مؤمنا (1) في السّنام الأعلى.
قال: قلت: عرّفني ذلك يا سيّدي.
قال: يا مفضّل، تعلم أنّهم علموا ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- و ذرأه و برأه. و أنّهم كلمة التّقوى و خزّان (2) السّموات و الأرضين و الجبال و الرّمال و البحار. و عرفوا كم في السّماء نجم و ملك، و وزن الجبال وكيل ماء البحار و أنهارها و عيونها. و ما تسقط من ورقة، إلّا علموها؛ وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ؛ و هو في علمهم، و قد علموا ذلك.
[و قال- (عليه السلام)-: يا مفضّل، إنّ العالم منّا يعلم حتّى تقلّب جناح الطّير في الهواء. و من أنكر ذلك، فقط كفر باللّه من فوق عرشه.] (3) فقلت: يا سيّدي، قد علمت ذلك، و أقررت به، و آمنت.
قال: نعم يا مفضّل! نعم يا مكرّم! نعم يا محبور! نعم يا طيّب! طبت، و طابت لك الجنّة، و لكلّ مؤمن بها.
و روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسي- (رحمه اللّه) (4)- في كتاب مصباح الأنوار قال: و من عجائب آياته و معجزاته، ما رواه أبو ذرّ الغفاري؛ قال:
كنت سائرا في أغراض [مع] (5) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إذ مررنا بواد و نمله (6) كالسّيل السّاري (7) فذهلت ممّا رأيت فقلت: اللّه أكبر! جلّ محصيه! فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا تقل ذلك- يا أبا ذر- و لكن قل: جلّ بارئه. فو الّذي صوّرك، إنّى أحصي عددهم، و أعلم الذّكر منهم و الأنثى، بإذن اللّه- عزّ و جلّ.
وَ اضْرِبْ لَهُمْ: و مثّل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد؛ أي: مثال واحد. و هو يتعدّى إلى مفعولين- لتضمّنه معنى الجعل- و هما: مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ، على حذف مضاف. أي: اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلا. و يجوز أن
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) ن، ت، م، ى، ر: خزناء.
(3) من ق.
(4) تأويل الآيات 2/ 490، ح 8.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في م، ى، ر: نملة. و في غيرها: النملة.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سار.
64
يقتصر على واحد، و يجعل المقدّر بدلا من الملفوظ، أو بيانا له.
و «القرية» أنطاكية.
إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13):
بدل من «أصحاب القرية».
و «المرسلون» رسل عيسى- (عليه السلام)- إلى أهلها. و إضافته إلى نفسه في قوله:
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ، لأنّه فعل رسوله و خليفته. و هما يحيى و يونس- و الثّالث شمعون- و قيل غيرهما.
و قيل (1): الرّسولان من اللّه؛ فقيل: هما شمعون و يوحنّا، و الثّالث يونس؛ و قيل:
صادق و صدق، و الثّالث سلوم.
فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا: فقوّينا.
و قرأ (2) أبو بكر مخفّفا. من: عزّه: إذا غلبه.
و حذف المفعول لدلالة ما قبله عليه، و لأنّ المقصود ذكر المعزّز به.
بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14):
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير هذه الآية.
فقال: بعث اللّه- (عليه السلام)- رجلين إلى أهل مدينة أنطاكية. فجاءاهم بما لا يعرفون. فغلظوا عليهما. فأخذوهما، و حبسوهما في بيت الأصنام. فبعث اللّه الثّالث، فدخل المدينة فقال: أرشدوني إلى باب الملك.
قال: فلمّا وقف على باب الملك، قال: أنا رجل كنت أتعبّد في فلاة من الأرض، و قد أحببت أن أعبد إله الملك. فأبلغوا كلامه الملك فقال: أدخلوه إلى بيت الآلهة.
فأدخلوه. فمكث سنة مع صاحبيه فقال لهما: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين بالخرق (4). أ فلا رفقتما؟ ثمّ قال لهما: لا تقرّان بمعرفتي.
ثمّ أدخل على الملك، فقال له الملك: بلغني أنّك كنت تعبد إلهي. فلم أزل و أنت أخي. فسلني حاجتك. فقال: مالي حاجة- أيّها الملك- و لكن رأيت رجلين في بيت
____________
(1) مجمع البيان 4/ 418.
(2) أنوار التنزيل 2/ 277.
(3) تفسير القمّي 2/ 212- 214.
(4) في المصدر كذا: بالحذق (بالحرف ط)
65
الآلهة فما بالهما؟ قال الملك: هذان رجلان أتيا يضلّانى عن دينى (1)، و يدعواني إلى إله سماويّ. فقال: أيّها الملك مناظرة جميلة؛ فإن يكن الحقّ لهما، اتّبعناهما؛ و إن يكن الحقّ لنا، دخلا معنا في ديننا. و كان لهما ما لنا، و عليهما (2) [ما علينا] (3).
قال: فبعث الملك إليهما. فلمّا دخلا إليه، قال لهما صاحبهما: ما الّذي جئتما به؟ قالا:
جئنا ندعوه إلى عبادة الّذي خلق السّموات و الأرض. و يخلق في الأرحام ما يشاء. و يصوّر كيف يشاء. و أنبت الأشجار و الثّمار. و أنزل القطر من السّماء.
قال: فقال لهما: أ إلهكما هذا الّذي تدعوان إليه و إلى عبادته، إن جئنا بأعمى، يقدر أن يردّه صحيحا؟ قالا: إذا سألناه أن يفعل، فعل إن شاء (4). قال: أيّها الملك عليّ بأعمى لم يبصر شيئا (5) قطّ.
قال: فأتي به. فقال لهما: ادعوا إلهكما أن يردّ. بصر هذا. فقاما، و صلّيا ركعتين. فإذا عيناه مفتوحتان، و هو ينظر إلى السّماء. فقال: أيّها الملك، عليّ بأعمى آخر. فأتي به.
قال: فسجد سجدة. ثمّ رفع رأسه. فإذا الأعمى بصير. فقال: أيّها الملك، حجّة بحجّة. عليّ بمقعد. فأتى به. فقال لهما مثل ذلك. فصلّيا و دعوا اللّه. فإذا المقعد قد أطلقت رجلاه، و قام يمشي. فقال: أيّها الملك، عليّ بمقعد آخر. فأتي به. فصنع به، كما صنع أوّل مرّة. فانطلق المقعد. فقال: أيّها الملك قد أتيا (6) بحجّتين، و أتينا بمثلهما (7). و لكن بقي شيء واحد؛ فإن فعلاه (8)، دخلت معهما في دينهما. ثمّ قال: أيّها الملك، بلغني أنّه كان للملك ابن واحد و مات. فإن أحياه لهما، دخلت معهما في دينهما. فقال له الملك: و أنا أيضا معك. ثمّ قال لهما: قد بقيت هذه الخصلة الواحدة. قد مات ابن الملك، فادعوا إلهكما أن يحييه.
قال: فخرّا ساجدين للّه- عزّ و جلّ- و أطالا السّجود. ثمّ رفعا رؤوسهما و قالا للملك: ابعث إلى قبر ابنك تجده قد قام من قبره، إن شاء اللّه- تعالى.
قال: فخرج النّاس ينظرون، فوجدوه قد خرج من قبره ينفض رأسه من التّراب.
قال: فأتي به إلى الملك، فعرف أنّه ابنه. فقال له: ما حالك يا بنيّ؟ قال: لكنت
____________
(1) المصدر: أتياني ببطلان دينى.
(2) المصدر: ما عليهما.
(3) ليس في ق.
(4) في ق، ش، ت، ن: إن شاء اللّه.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: أوتينا.
(7) المصدر: بمثله.
(8) المصدر: إن هما فعلاه.
66
ميّتا، فرأيت رجلين من بين يدي ربّي السّاعة ساجدين، يسألانه أن يحييني. فأحياني.
قال: يا بنيّ تعرفها إذا رأيتهما؟ فقال: نعم. قال: فأخرج النّاس جملة إلى الصّحراء. فكان يمرّ عليه رجل رجل، فيقول له أبو: انظر. فيقول: لا، [لا] (1). ثمّ مرّوا عليه بأحدهما بعد جمع كثير، فقال: أحدهما. و أشار بيده إليه. ثمّ مرّوا أيضا بقوم كثيرين، حتّى رأى صاحبه الآخر فقال: و هذا الآخر.
قال: فقال النّبيّ صاحب الرّجلين: أمّا أنا، فقد آمنت بإلهكما، و علمت أنّ ما جئتما به هو الحقّ.
قال: فقال الملك: و أنا أيضا. و آمن أهل مملكته كلّهم.
و
في مجمع البيان (2): قال وهب بن منبّه: بعث عيسى هذين الرّسولين الى أنطاكية.
فأتياها، و لم يصلا إلى ملكها، و طالت مدّة مقامهما. فخرج الملك ذات يوم. فكبّرا، و ذكرا اللّه. فغضب [الملك] (3)، و أمر بحبسهما. و جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة. فلمّا كذّب الرّسولان، و ضربا، بعث عيسى شمعون الصّفا رأس الحواريّيّن على أثرهما، لينصرهما.
فدخل شمعون البلدة متنكّرا (4). فجعل يعاشر حاشية الملك، حتّى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك. فدعاه، و رضى عشرته، و أنس به، و أكرمه. ثمّ قال له ذات يوم: [أيّها الملك،] (5) بلغني أنّك حبست رجلين في السّجن، و ضربتهما حين دعواك إلى غير دينك.
فهل سمعت قولهما؟ قال الملك: حال الغضب بيني و بين ذلك. قال: فإن رأى الملك، دعاهما حتّى نطّلع (6) ما عندهما.
فدعاهما الملك. فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: اللّه الّذي خلق كلّ شيء، لا شريك له. قال: و ما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه. فأمر الملك حتّى جاؤوا بغلام مطموس العينين، و موضع عينيه كالجبهة. فما ذا لا يدعوان اللّه، حتّى انشقّ موضع البصر.
فأخذا بندقتين (7) من الطّين، فوضعاهما في حدقتيه. فصارتا مقلتيه، يبصر بهما.
فتعجّب الملك. فقال شمعون للملك: أ رأيت لو سألت إلهك حتّى يصنع صنيعا مثل
____________
(1) من المصدر.
(2) المجمع 4/ 419- 420.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منكرا.
(5) ليس في ق.
(6) ق، ت: تطّلع.
(7) البندقة: كلّ ما يرمى به من رصاص كرويّ و غيره.
67
هذا، فيكون لك و لإلهك شرفا. فقال الملك: ليس لي عنك سرّ. إنّ إلهنا الّذي نعبده لا يضرّ و لا ينفع.
ثمّ قال الملك للرّسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميّت، آمنّا به و بكما. قالا: إلهنا قادرا على كلّ شيء. قال الملك: إنّ هاهنا ميّتا مات منذ سبعة أيّام لم ندفنه، حتّى يرجع أبوه، و كان غائبا. فجاءوا بالميّت، و قد تغيّر و أروح (1).
فجعلا يدعوان ربّهما علانية. و جعل شمعون يدعو ربّه سرّا. فقام الميّت و قال لهم إنّي قد متّ منذ سبعة أيّام، و أدخلت في سبعة أو دية من النّار. و أنا أحذّركم ما أنتم فيه! فآمنوا باللّه! فتعجّب الملك. فلمّا علم شمعون أنّ قوله أثّر في الملك، دعاه إلى اللّه. فآمن، و آمن من أهل مملكته قوم، و كفر آخرون.
و قد روى (2) مثل ذلك العيّاشيّ بإسناده عن الثّماليّ و غيره، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- إلّا أنّ في بعض الرّوايات: بعث اللّه الرّسولين إلى أهل انطاكية.
ثمّ بعث الثّالث. و في بعضها: أنّ عيسى روح اللّه أوحى اللّه اليه أن يبعثهما. ثمّ بعث وصيّه شمعون ليخلّصهما. و أن الميّت الّذي أحياه بدعائه، كان ابن الملك. و أنّه قد خرج من قبره ينفض التّراب من رأسه. فقال له: يا بنيّ، ما حالك؟ قال: كنت ميّتا، فرأيت رجلين ساجدين يسألان اللّه أن يحييني. قال: يا بنيّ، أ تعرفهما إذا رأيتهما؟ قال: نعم.
فأخرج النّاس إلى الصّحراء. فكان يمرّ عليه رجل بعد رجل. فمرّ أحدهما بعد جمع كثير، فقال: هذا أحدهما. ثمّ مرّ الآخر. فعرفهما، و أشار بيده إليهما. فآمن الملك و أهل مملكته.
قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا: لا مزيّة لكم علينا يقتضي اختصاصكم بما تدعون.
و رفع بشر لانتقاض النّفي المقتضي إعمال ما ب «إلّا».
وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ: وحي و رسالة.
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15): في دعوى رسالته.
قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16):
استشهدوا بعلم اللّه. و هو يجرى مجرى القسم. و زادوا اللّام المؤكّدة، لأنّه جواب عن إنكارهم.
____________
(1) أروح الماء: تغيّر ريحه و أنتن.
(2) مجمع البيان 4/ 419- 420.
68
وَ ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17): الظّاهر البيّن بالآيات الشّاهدة لصحّته. و هو المحسّن للاستشهاد؛ فإنّه لا يحسن إلّا ببيّنة.
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ: تشاء منا بكم.
و ذلك لاستغرابهم ما ادّعوه، و استقباحهم له، و تنفّرهم عنه.
و في كتاب الخصال (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: في كلّ أمر واحدة من ثلث: الكبر، و الطّيرة، و الّمنّي. فإذا تطيّر أحدكم، فليمض علي طيرته، و ليذكر اللّه- عزّ و جلّ. و إذا خشي اكبر، فليأكل مع عبده و خادمه، و ليحلب الشّاة. و إذا تمنّى، فليسأل اللّه- عزّ و جلّ- و ليبتهل إليه، و لا تنازعه نفسه إلى الإثم.
و في روضة الكافي (2): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن (3) المغيرة، عن عمرو بن حريث (4)، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الطّيرة على ما تجعلها. إن هوّنتها، تهوّنت (5). و إن شدّدتها، تشدّدت. و إن لم تجعلها شيئا، لم تكن شيئا.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كفّارة الطيرة التّوكّل.
محمّد بن يحيى (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب قال: أخبرنا النّضر بن قرواش الجمّال قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- قال رسول اللّه: لا عدوى. و لا طيرة. و لا شؤم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في لا يحضره الفقيه (8): و روى سليمان (9) بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: الشّؤم للمسافر في طريقه في ستّة (10): الغراب، النّاعق عن يمينه، و الكلب النّاشر لذنبه، و الذّئب العاوي الّذي يعوي في وجه الرّجل- و هو مقع
____________
(1) الخصال 2/ 624.
(2) الكافي 8/ 197، ح 235.
(3) ليس في ق.
(4) كما في جامع الرواة 2/ 619. و في ق، ش:
حرث.
(5) كذا في المصدر: و في م، ى، ر: تهوهنت. و في غيرها: هوّنت.
(6) الكافي 8/ 198، ح 236.
(7) نفس المصدر/ 196، ح 234.
(8) الفقيه 2/ 175، ح 780.
(9) كذا في ن، المصدر، جامع الرواة 1/ 375. و في غيرها: سليم.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: خمسة. و لا يخفى أنّ المعدود في المتن سبعة.
69
على ذنبه؛ يعوي، ثمّ يرتفع، ثمّ ينخفض؛ ثلاثا- و الظّبي السّانح (1) عن يمين إلى شمال، و البومة الصّارخة، و المرأة الشّمطاء (2) تلقى فرجها، و الأتان العضباء (3)- يعني: الجذعاء (4).
فمن أوجس (5) في نفسه منهنّ شيئا، فليقل: اعتصمت بك- يا ربّ- من شرّ ما أجد في نفسي. فاعصمني من ذلك. قال: فيعصم من ذلك.
و في تفسير علي بن إبراهيم (6): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ قال:
بأسمائكم.
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن مقالتكم هذه، لَنَرْجُمَنَّكُمْ بالحجارة. أو:
نشتمنّكم.
وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18):
قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ: سبب شؤمكم معكم، و هو سوء عقيدتكم و أعمالكم.
و قيل (7): حظّكم و نصيبكم.
و قرئ (8): «طيركم».
أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ: وعظتم به.
و جواب الشّرط محذوف مثل: تطيّرتم، أو توعّدتم بالوجم و التّعذيب.
و قد قرئ (9) بألف بين الهمزتين، و بفتح «إن»- بمعنى: أ تطيّرتم لأن ذكّرتم و «إن» [و «أن»] (10) بغير استفهام، و «أين ذكّرتم» بمعنى: طائركم معكم حيث جرى ذكركم؛ و هو أبلغ.
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19): قوم عادتكم الإسراف في العصيان- فمن ثمّ جاءكم الشّؤم- أو في الضّلال، و لذلك توعّدتم و تشاءمتم بمن يجب أن يكرم و يتبرّك به.
وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى:
____________
(1) ن: السائح.
(2) الشمطاء: الّتي خالط بياض رأسها سواد.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: العضى.
(4) المصدر: الجذّاء. و الجذعاء: المقطوعة الأذن.
(5) ن: أوجد.
(6) تفسير القمّي 2/ 214.
(7) مجمع البيان 4/ 419.
(8) أنوار التنزيل 2/ 278.
(9) أنوار التنزيل 2/ 278.
(10) ليس في ى.
70
هو حبيب النّجّار. و كان ينحت أصنامهم. و هو ممّن آمن بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بينهما ستّمائة سنة.
و قيل (1): كان في غار يعبد اللّه. فلمّا بلغه خبر الرّسل، أتاهم، و أظهر دينه.
و قيل (2): و قد كان آمن بالرّسل عند ورودهم القرية. و كان منزله (3) عند أقصى باب من باب المدينة. فلمّا بلغه أنّ قومه قد كذّبوا، و همّوا بقتلهم، جاء يعدو و يشتدّ. و إنّما علم نبوّتهم، لأنّهم لمّا دعوه قال: أ تأخذون على ذلك أجرا؟ قالوا: لا.
و قيل (4): إنّه كان به زمانة أو جذام، فأبرؤوه، فآمن بهم.
و قيل (5) كان له ولد مريض. فمسحاه، فبرأ؛ فآمن.
قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً على النّصح و تبليغ الرّسالة.
و في كتاب الخصال (6)، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين: مؤمن آل يس، و عليّ بن أبي طالب، و آسية امرأة فرعون.
و في جوامع الجامع (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا [باللّه] (8) طرفة عين: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و صاحب يس، و مؤمن آل فرعون. فهم الصّدّيقون. و عليّ أفضلهم.
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن يونس بن عمّار (10) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- جعلت فداك؛ هذا الّذي قد ظهر بوجهي (11)، يزعم النّاس أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يبتل به عبدا له فيه حاجة.
فقال لي: [لا!] (12) لقد كان مؤمن آل فرعون مكنّع (13) الأصابع؛ فكان يقول هكذا،
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) مجمع البيان 4/ 419.
(3) ليس في ق.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) الخصال 1/ 174، ح 230.
(7) الجوامع/ 391.
(8) ليس في ق، ش.
(9) الكافي 2/ 565، ح 4.
(10) كما في جامع الرواة 2/ 360. و في ق، ش، م:
عمارة.
(11) الآثار الّتي ظهرت بوجهه كان برصا و يحتمل الجذام كمال قال المجلسي.
(12) من المصدر.
(13) م، ى، ر: مكتع. و كنع الشّيء: تقبّض و تداخل يبسا. و المكنّع: هو الّذي وقعت أصابعه.
71
و يمدّ يده (1)، و يقول: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (21) إلى طريق الحقّ سالكون سبيله.
و في أمالي الصّدوق (2)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن أبي ليلى رفعه قال: قال [أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:] (3) الصّدّيقون ثلاثة: حبيب النّجّار، مؤمن آل يس الّذي يقول: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ؛ و حزقيل، مؤمن آل فرعون؛ و عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). و هو أفضلهم.
و في مجمع البيان (4): فلمّا قال هذا، أخذوه فرفعوه إلى الملك. فقال له الملك: أ فأنت تتّبعهم؟ فقال:
وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي:
تلطّف بالإرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه، و إمحاض النّصح؛ حيث أراد لهم ما أراد لها.
و المراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره. و لذلك قال: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)، مبالغة في التّهديد.
ثمّ عاد إلى المساق الأوّل فقال:
أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً. لا تنفعني شفاعتهم، وَ لا يُنْقِذُونِ (23) بالنّصر و المظاهرة. إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24).
فإنّ إيثار ما لا ينفع و لا يدفع ضرّا بوجه ما، على الخالق المقتدر على النّفع و الضّرّ، و إشراكه به، ضلال بيّن لا يخفى على عاقل.
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الّذي خلقكم. فَاسْمَعُونِ (25): فاسمعوا إيماني.
و قيل (5): الخطاب للرّسل. فإنّه لمّا نصح قومه، أخذوا يرجمونه. فأسرع نحوهم قبل أن
____________
(1) كذا في المصدر. و في م، ى، ر: بيده. و في غيرها: يديه.
(2) أمالي الصدوق/ 385، ح 18.
(3) م، ش، ى، ر، المصدر: رسول اللّه.
(4) المجمع 4/ 421.
(5) أنوار التنزيل 2/ 279.
72
يقتلوه، و قال هذا، يشهدهم على إيمانه.
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ:
قيل له ذلك لمّا قتلوه، بشرى (1) بأنّه من أهل الجنّة، أو إكراما و إذنا في دخولها كسائر الشّهداء. أو: لمّا همّوا بقتله، رفعه اللّه- تعالى- إلى الجنّة؛ على ما قاله الحسن (2).
و إنّما لم يقل: «له»، لأنّ الغرض بيان المقول دون المقول له؛ فإنّه معلوم.
و الكلام استئناف في حيّز الجواب عن السّؤال عن حاله عند لقاء ربّه، بعد تصلّبه في نصر دينه. و لذلك قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27). فإنّه جواب عن السّؤال عن قوله عند ذلك القول له.
و إنّما تمنّى علم قومه بحاله، ليحملهم على اكتساب مثلها بالتّوبة عن الكفر و الدّخول في الإيمان و الطّاعة، على دأب الأولياء في كظم الغيظ و التّرحّم على الأعداء. أو ليعلموا أنّهم كانوا على خطأ عظيم في أمره و أنّه كان على حقّ.
و قرئ (3): «المكرّمين».
و «ما» خبريّة، أو مصدريّة. و الباء صلة «يعلمون». أو استفهاميّة جاءت على الأصل، و الباء صلة «غفر». أي: بأيّ شيء غفر لي. يريد به المهاجرة عن دينهم، و المصابرة على أذيّتهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ قال: نزلت في حبيب النّجّار.
و في جوامع الجامع (5): قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.
ورد في حديث مرفوع أنّه نصح قومه حيّا و ميّتا.
وَ ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ: من بعد إهلاكه أو رفعه مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لإهلاكهم، كما أرسلنا يوم بدر و الخندق؛ بل كفينا أمرهم بصيحة ملك.
و فيه استحقار لإهلاكهم، و إيماء بتعظيم الرّسول* * * (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28): و ما صحّ في حكمتنا أن ننزل جندا لإهلاك قومه؛ إذ
____________
(1) ق، ش: بشرا.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمّي 2/ 214.
(5) الجوامع/ 392.
73
قدّرنا لكلّ شيء سببا، و جعلنا ذلك سببا لانتصارك من قومك.
و قيل (1): «ما» موصولة معطوفة على «جند». أي: و ممّا كنّا منزلين على من قبلهم من حجارة و ريح و أمطار شديدة.
و قيل (2): معناه: و ما أنزلنا على قومه من بعده رسالة من السّماء. فطبع اللّه عليهم الرّسالة، حيث قتلوا رسولهم.
إِنْ كانَتْ: ما كانت الأخذة، أو العقوبة، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بها جبرئيل.
و قرئت (3) بالرّفع، على كان التّامّة.
فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29): ميّتون.
شبّهوا بالنّار، رمزا إلى أن الحيّ كالنّار السّاطعة، و الميّت كرمادها؛ كمال قال لبيد:
و ما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه* * * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ تعالي. و هذه من الأحوال الّتي من حقّها أن تحضري فيها.
و هي ما دلّ عليها: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30). فإنّ المستهزئين بالنّاصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدّارين، أحقّاء بأن يتحسّروا و يتحسّر عليهم. و قد تلهّف على حالهم الملائكة و المؤمنون من الثّقلين.
و يجوز أن يكون تحسّرا من اللّه عليهم، على سبيل الاستعارة، لتعظيم ما جنوه على أنفسهم. و يؤيّده قراءة (4): «يا حسرتا».
و نصبها لطولها بالجارّ المتعلّق بها. و قيل (5): بإضمار فعلها و المنادى محذوف.
و في جوامع الجامع (6): و روي عن عليّ بن الحسين زين العابدين- (عليه السلام)-: «يا حسرة العباد» على الإضافة إليهم، لاختصاصها بهم، من حيث أنّها موجّهة (7) إليهم.
و «يا حسرة على العباد» بإجراء الوصل مجرى الوقف.
أَ لَمْ يَرَوْا: ألم يعلموا. و هو معلّق عن قوله: كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. لأنّ «كم» لا يعمل فيها ما قبلها، و إن كانت خبريّة؛ لأنّ أصلها الاستفهام.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 279.
(2) مجمع البيان 4/ 422.
(3) أنوار التنزيل 2/ 279.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 280.
(6) الجوامع/ 392.
(7) ق، ش، ن، ت: متوجّهة.
74
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31):
بدل من «كم» على المعنى. أي: ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.
و قرئ (1) بالكسر، على الاستئناف. وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32) يوم القيامة للجزاء.
و «إن» مخفّفة من المثقّلة. و اللّام هي الفارقة. و «ما» مزيدة للتّأكيد.
و قرأ (2) ابن عامر و عاصم و حمزة: «لمّا» بالتّشديد، بمعنى إلّا. فيكون «إن» نافية.
و «جميع» فعيل بمعنى مفعول. و «لدينا» ظرف له أو ل «محضرون».
وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ و قرأ نافع بالتّشديد.
أَحْيَيْناها:
خبر «للأرض». و الجملة خبر «آية» أو صفة لها؛ إذ لم يرد بها معيّنة. و هي الخبر أو المبتدأ. و الآية خبرها، أو استئناف لبيان كونها آية.
وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا: جنس الحبّ. فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33):
قدّم الصّلة للدّلالة على أنّ الحبّ معظم ما يؤكل و يعاش به.
وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ: من أنواع النّخل و العنب. و لذلك جمعهما دون الحبّ؛ فإنّ الدّالّ على الجنس مشعر بالاختلاف، و لا كذلك الدّالّ على الأنواع.
و ذكر النّخيل دون التّمور ليطابق الحبّ و الأعناب، لاختصاص شجرها. بمزيد النّفع و آثار الصّنع.
وَ فَجَّرْنا فِيها:
و قرئ (3) بالتّخفيف. و الفجر و التّفجير كالفتح و التّفتيح، لفظا و معنى.
مِنَ الْعُيُونِ (34)؛ أي: شيئا من العيون. فحذف الموصوف، و أقيمت الصّفة مقامه. أو: العيون، و «من» مزيدة، عند الأخفش.
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: ثمر ما ذكر، و هو الجنّات.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 280.
(3) أنوار التنزيل 2/ 280.
75
و قيل (1): الضّمير للّه، على طريقة الالتفات، و الإضافة إليه. لأنّ الثّمر بخلقه.
و قرأ (2) حمزة و الكسائي بضمّتين. و هو لغة فيه، أو جمع ثمار. و قرئ (3) بضمّة و سكون.
وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ:
عطف على الثّمر. و المراد ما يتّخذ منه؛ كالعصير و الدّبس و نحوهما.
و قيل (4): «ما» نافية. و المراد أنّ الثّمر بخلق اللّه، لا بفعلهم. و يؤيّد الأوّل قراءة (5) الكوفيّين- غير حفص- بلا هاء. فإنّ حذفه من الصّلة، أحسن من غيرها.
أَ فَلا يَشْكُرُونَ (35):
أمر بالشّكر من حيث إنّه إنكار لتركه.
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها: الأنواع و الأصناف، مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ: من النّبات و الشّجر، وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ: الذّكر و الأنثى، وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36): و أزواجا ممّا لم يطلعهم اللّه عليه، و لم يجعل لهم طريقا إلى معرفته، ممّا خلقه في بطون الأودية و قعر البحار، فلم يشاهدوه، و لم يتّصل خبره بهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6) في هذه الآية قال: فإنّه حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ النّطفة تقع من السّماء إلى الأرض على النّبات و الثّمر و الشّجر، فيأكل النّاس منه و البهائم، فتجري فيهم.
وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ: نزيله و نكشف عن مكانه. مستعار من سلخ الجلد. و الكلام في إعرابه ما سبق.
فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37): داخلون في الظّلام.
و في روضة الكافي (7): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: فضرب اللّه مثل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّمس، و مثل الوصيّ القمر. و هو قول اللّه (8)- عزّ و جلّ-:
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً. و قوله: و آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. و قوله (9)- عزّ و جلّ-: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ؛
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 280.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) تفسير القمّي 2/ 215.
(7) الكافي 8/ 380، ح 574.
(8) يونس/ 5.
(9) البقرة/ 17.
76
يعني: قبض محمّد، و ظهرت الظّلمة، فلم يبصروا فضل أهل بيته.
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (1): عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي ولّاد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه خلق حجابا من ظلمة ممّا يلي المشرق، و وكّل به ملكا. فإذا غابت الشّمس، اعترف ذلك الملك غرفة بيده. ثمّ استقبل بها المغرب، يتبع الشّفق، و يخرج من بين يديه قليلا قليلا. و يمضي، فيوافي المغرب عند سقوط الشّمس (2)، فيسرّح [في] (3) الظّلمة. ثمّ يعود إلى المشرق. فإذا طلع الفجر، نشر جناحيه، فاستاق الظّلمة من المشرق إلى المغرب؛ حتّى يوافي بها المغرب عند طلوع الشّمس.
وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها: لحدّ معيّن ينتهي إليه دورها؛ فشبّه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره. أو: لكبد السّماء؛ فإنّ حركتها فيه يوجد إبطاء بحيث يظنّ أنّ لها هناك وقفة. أو: لاستقرار لها على نهج مخصوص. أو: لمنتهى مقدّر لكلّ يوم من المشارق و المغارب، فإنّ لها في دورها ثلاثمائة و ستّين مشرقا و مغربا، تطلع كلّ يوم من مطلع، و تغرب من مغرب، ثمّ لا يعود إليهما إلى العام القابل. أو: لمنقطع جريها عند خراب العالم.
و قرئ (4): «لا مستقرّ لها»؛ أي: لا سكون؛ فإنّها متحرّكة دائما. و «لا مستقرّ»، على أنّ «لا» بمعنى ليس.
و في مجمع البيان (5): روي عن عليّ بن الحسين و أبي جعفر الباقر و جعفر الصّادق- (عليهم السلام)-: «لا مستقرّ لها» بنصب الرّاء.
ذلِكَ الجري على هذا التّقدير المتضمّن للحكم الّتي تكلّ الفطن عن إحصائها، تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ: الغالب بقدرته على كلّ مقدور الْعَلِيمِ (38) المحيط علمه بكلّ معلوم.
و في كتاب التّوحيد (6)، م بإسناده إلى أبى ذرّ الغفاريّ- (رحمه اللّه)- قال: كنت آخذا بيد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و نحن نتماشى جميعا، فما زلنا ننظر (7) إلى الشّمس حتّى غابت.
____________
(1) الكافي 3/ 279، ح 3.
(2) المصدر: الشفق.
(3) من المصدر مع المعقوفتين.
(4) أنوار التنزيل 2/ 281.
(5) المجمع 4/ 423.
(6) التوحيد/ 280، ح 7.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فأن لنا النظر.
77
فقلت: يا رسول اللّه أين تغيب؟
قال: في السّماء. ثمّ ترفع من سماء إلى سماء؛ حتّى ترفع إلى السّماء السابعة (1) العليا، حتّى تكون تحت العرش. فتخرّ ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها. ثمّ تقول:
يا ربّ، من أين تأمرني أن أطلع؟ من مغربي، أم من مطلعي؟ فذك قوله- عزّ و جلّ-:
وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. يعني بذلك صنع الربّ العزيز في ملكه، [العليم] (2) بخلقه.
قال: فيأتيها جبرئيل بحلّة ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النّهار في طوله في الصّيف، و في قصره في الشّتاء، أو ما بين ذلك في الخريف و الرّبيع.
قال: فتلبس تلك الحلّة، كما يلبس أحدكم ثيابه. ثمّ تنطلق بها في جوّ السّماء، حتّى تطلع من مطلعها.
قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كأنّي بها، و قد حبست مقدار ثلاث ليال. ثمّ لا تكسى ضوءا، و تؤمر أن تطلع من مغربها. فذلك قوله (3)- عزّ و جلّ-: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. و القمر كذلك من مطلعه و مجراه في أفق السّماء، و مغربه و ارتفاعه إلى السّماء السّابعة، و يسجد تحت العرش. ثمّ يأتيه جبرئيل بالحلّة من نور الكرسيّ. فذلك قوله (4)- عزّ و جلّ-: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.
و في أصول الكافي (5): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد قال: سئل العالم- (عليه السلام)- كيف علم اللّه؟
قال: علم، و شاء، و أراد، و قدّر، و قضى، و أمضى. فأمضى ما قضى. و قضى ما قدّر. و قدّر ما أراد. فبعلمه كانت المشيئة. و بمشيئته كانت الإرادة. و بإرادته كان التّقدير. و بتقديره كان القضاء. و بقضائه كان الإمضاء. و العلم متقدّم [على] (6) المشيئة، و المشيئة ثانية، و الإرادة ثالثة. و التّقدير واقع على القضاء بالإمضاء. فللّه- تبارك و تعالى- البداء فيما علم، متى شاء، و فيما أراد لتقدير الأشياء. فإذا وقع القضاء بالإمضاء، فلا بداء.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) من المصدر.
(3) التكوير/ 1- 2.
(4) يونس ره.
(5) الكافي 1/ 148، ح 16.
(6) من المصدر.
78
فالعلم في المعلوم قبل كونه. و المشيئة في المشاء (1) قبل عينه. و الإرادة في المراد قبل قيامه. و التّقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا. و القضاء بالإمضاء، هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذوي لون و ريح و وزن وكيل، و ما دبّ و درج من إنس و جنّ و طير و سباع، و غير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ. فللّه- تبارك و تعالى- فيه البداء ممّا لا عين له. فإذا وقع العين المفهوم المدرك، فلا بداء.
و اللّه يفعل ما يشاء.
فبالعلم علم الأشياء قبل كونها. و بالمشيئة عرف صفاتها و حدودها، و أنشأها قبل إظهارها. و بالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها و صفاتها. و بالتّقدير قدّر أقواتها، و عرف أوّلها و آخرها. و بالقضاء أبان للنّاس أماكنها، و دلّهم عليها. و بالإمضاء شرح عللها، و أبان أمرها. ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ: قدّرنا مسيره مَنازِلَ. أو: سيره في منازل. و هي ثمانية و عشرون: الشرطان (2)، البطين، الثريّا، الدّبران، الهقعة الهنعة، الذّراع، النّثرة، الطّرف، الجبهة، الزّبرة، الصّرفة، العوّاء، السّماك، الغفر، الزّبانا، الإكليل، القلب، الشّولة، النّعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السّعود، سعد الأخبية، فرغ الدّلو المقدّم، فرغ الدّلو المؤخّر، الرّشا، و هو بطن الحوت. ينزل كلّ ليلة في واحدة منها، لا يتخطّاه، و لا يتقاصر عنه. فإذا كان في آخر منازله- و هو الّذي يكون فيه قبيل الاجتماع- دقّ و استقوس.
و قرأ (3) الكوفيّون و ابن عامر: وَ الْقَمَرَ بنصب الرّاء.
حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ: كالشّمراخ المعوّج. فعلون من الانعراج، و هو:
الاعوجاج.
و قرئ (4): كَالْعُرْجُونِ. و هما لغتان؛ كالبزيون و البزيون.
الْقَدِيمِ (39): العتيق.
و قيل (5): ما مرّ عليه حول فصاعدا.
و في تفسير علي بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن داود بن محمّد النّهديّ (7) قال:
____________
(1) ن، ت: المنشئ. و في م، ش، ى، ر، المصدر:
المنشأ.
(2) النسخ و المصدر: الشرطين.
3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 281.
(6) تفسير القمّي 2/ 215.
(7) كما في جامع الرواة 1/ 309. و في المصدر:
الفهدي.
79
دخل أبو سعيد المكاريّ [و كان واقفيّا] (1) على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- فقال له: أبلغ من قدرك أن تدّعي ما ادّعاه (2) أبوك؟! فقال له الرّضا- (عليه السلام)-: مالك؟! أطفأ اللّه نورك! و أدخل الفقر بيتك! أمّا علمت أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى عمران أنّي واهب لك ذكرا، فوهب له مريم، و وهب لمريم عيسى- (عليه السلام)؟! فعيسى من مريم. و مريم من عيسى. و مريم و عيسى [شيء] (3) واحد. و أنا من أبي. و أبي منّي. و أنا و أبي شيء واحد.
فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة.
قال: سل، و لا أخالك تقبل منّي، و ليست من غنمي؛ و لكن هاتها.
فقال له: ما تقول في رجل قال عند موته: كلّ مملوك لي (4) قديم، فهو حرّ لوجه اللّه؟
قال: نعم ما كان له ستّة (5) أشهر، فهو قديم [و هو] (6) حرّ. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. فما كان لستّة أشهر، فهو قديم [حرّ.
قال: فخرج] (7) من عنده، و افتقر، و ذهب بصره. ثمّ مات- لعنه اللّه- و ليس عنده مبيت ليلة.
و في إرشاد المفيد (8)- (رحمه اللّه)-: و قضى عليّ- (عليه السلام)- في رجل وصّى فقال: أعتقوا عنّي كلّ عبد قديم في ملكي. فلمّا مات، لم يعرف الوصيّ ما يصنع. فسأله عن ذلك، فقال: يعتق عنه كلّ عبد له في ملكه ستّة أشهر. و تلا قوله: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها: يصحّ لها و يتسهّل أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ في سرعة سيره. فإنّ ذلك يخلّ بتكوّن النّبات و تعيّش الحيوان. أو: في آثاره و منافعه. أو: مكانه، بالنّزول إلى محلّه. أو: سلطانه، فتطمس نوده.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر ما ادّعى.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: له.
(5) كذا في المصدر: و في النسخ: «لستّة» مكان «له ستّة».
(6) من المصدر.
(7) ليس في ق.
(8) الإرشاد/ 107.
80
و إيلاء حرف النّفي الشّمس، للدّلالة على أنّها مسخّرة لا يتيسّر لها إلّا ما أريد منها.
وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، فيفوته؛ و لكن يعاقبه. و قيل (1): المراد بهما آيتاهما، و هما النّيّران. و بالسّبق، سبق القمر إلى سلطان الشّمس. فيكون عكسا للأوّل. و تبديل الإدراك بالسّبق، لأنّه الملائم لسرعة سيره.
وَ كُلٌ: و كلّهم.
و التّنوين عوض عن المضاف إليه. و الضّمير للشّموس و الأقمار- فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعدّدا ما في الذّات- أو إلى الكواكب؛ فإنّ ذكرهما مشعر بهما.
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40): يسيرون فيه بانبساط.
و إنّما قال: يَسْبَحُونَ بالواو و النّون، لمّا أضاف إليها ما هو من فعل الآدميّين؛ كما قال (2): ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يقول: الشّمس سلطان النّهار. و القمر سلطان اللّيل. لا ينبغي للشّمس أن تكون مع ضوء القمر [باللّيل] (4) و لا يسبق اللّيل النّهار. يقول: لا يذهب اللّيل حتى يدركه النّهار. وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. يقول: يجيء (5) وراء الفلك على ظاهر الاستدارة.
و في مجمع البيان (6): و روى العيّاشيّ في تفسير بالاستناد عن الأشعث بن حاتم قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرّضا و الفضل بن سهل و المأمون في الإيوان (7) بمرو. فوضعت المائدة.
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال: النّهار خلق قبل أم اللّيل؟ فما عندكم؟
قال: و أداروا الكلام. فلم يكن عندهم في ذلك شيء. فقال الفضل للرّضا
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 281.
(2) الصّافّات/ 92.
(3) تفسير القمّي 2/ 214.
(4) من المصدر.
(5) في المصدر زيادة: (يجري- ط)
(6) المجمع 4/ 425.
(7) المصدر: إيوان الحبري.
81
- (عليه السلام)-: أخبرنا بها- أصلحك اللّه.
قال: نعم. من القرآن، أم من الحساب؟
قال له الفضل: من جهة الحساب.
فقال: قد علمت- يا فضل- أنّ طالع الدّنيا السّرطان و الكواكب في موضع شرفها. فزحل في الميزان. و المشتري في السّرطان. و الشّمس في الحمل. و القمر في الثّور.
فذلك يدلّ على كينونة الشّمس [في الحمل] (1) في العاشر من الطّالع في وسط السّماء (2).
فالنّهار خلق قبل اللّيل. و في قوله- تعالى-: الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ. أي قد سبقه النّهار.
و في روضة الكافي (3): ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الشّمس قبل القمر. و خلق النّور قبل الظّلمة.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: فخلق النّهار قبل اللّيل؟ قال: نعم (5). خلق النّهار قبل اللّيل، و الشّمس قبل القمر، و الأرض قبل السّماء.
وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ:
قيل (6): أولادهم الّذين يبعثونهم إلى تجاراتهم. أو: صبيانهم و نساءهم الذين يستصحبونهم. فإنّ الذّرّيّة تقع عليهنّ، لانّهنّ مزارعها. و تخصيصهم، لأنّ استقرارهم في السّفن أشقّ، و تماسكهم (7) فيها أعجب.
و قرأ (8) نافع و ابن عامر: «ذرّيّاتهم».
فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41): المملوء.
و قيل (9): المراد فلك نوح. و حمل اللّه ذرّيّاتهم فيها أنّه حمل فيها آباءهم الأقدمين و في
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الدّنيا.
(3) الكافي 8/ 145، ح 116.
(4) الإحتجاج/ 352.
(5) ليس في المصدر.
(6) أنوار التنزيل 2/ 281.
(7) ن: تماثلهم.
(8) نفس المصدر و المجلّد/ 282.
(9) نفس المصدر و الموضع.
82
أصلابهم ذرّيّاتهم. و تخصيص الذّرّيّة، لأنّه أبلغ في أبلغ في الامتنان و أدخل في التّعجّب مع الإيجاز.
و في كتاب الخصال (1)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: قال: فما التّسعون؟ قال: الفلك المشحون. اتّخذ نوح- (عليه السلام)- فيه تسعين بيتا للبهائم.
وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ: من مثل الفلك، أو سفينة نوح ما يَرْكَبُونَ (42):
قيل (2): من الإبل؛ فإنّها سفائن البرّ.
و قيل (3): مثل السّفينة من الدّوابّ؛ كالإبل و البقر و الحمير، أو من السّفن و الزّوارق.
وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ: فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق. أو: فلا إغاثة؛ كقولهم: أتاهم الصّريخ.
وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ (43): ينجون من الموت به؛ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتاعاً: إلّا لرحمة و لتمتيع بالحياة إِلى حِينٍ (44): زمان قدّر لآجالهم.
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ؛ أي: المشركين:
اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ:
قيل (4): الوقائع الّتي خلت، و العذاب المعدّ في الآخرة. أو: نوازل السّماء، و نوائب الأرض؛ كقوله (5): أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ. أو:
عذاب الدّنيا، و عذاب الآخرة؛ أو عكسه. أو: ما تقدّم من الذّنوب، و ما تأخّر.
و في مجمع البيان (6): ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ. و
روى الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: معناه: اتّقوا ما بين أيديكم من الذّنوب، و ما خلفكم من العقوبة.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45): لتكونوا راجعين رحمة اللّه.
و جواب «إذا» محذوف، دلّ عليه قوله: وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46). كأنّه قال: و إذا قيل لهم: اتّقوا العذاب، أعرضوا؛ لأنّهم اعتادوه، و تمرّنوا عليه.
و «من» الأولى هي الّتي تزاد في النّفي للاستغراق. و «من» الثّانية للتّبعيض.
____________
(1) الخصال 2/ 598، ح 1.
(2) أنوار التنزيل 2/ 282.
(3) مجمع البيان 4/ 426.
(4) أنوار التنزيل 2/ 282.
(5) سبأر 9.
(6) مجمع البيان 4/ 427.
83
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ على محاويجكم، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالصّانع (1)- يعني: الزّنادقة- لِلَّذِينَ آمَنُوا، تهكّما بهم من إقرارهم به، و تعليقهم الأمور بمشيئته: أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ على زعمكم؟! و قيل (2): قاله مشركو قريش، حين استطعمهم فقراء المؤمنين، إيهاما بأنّ اللّه لمّا كان قادرا أن يطعمهم، و لم يطعمهم، فنحن أحقّ بذلك. و هذا من فرط جهالتهم. فإنّ اللّه يطعم بأسباب منها حثّ الأغنياء على إطعام الفقراء، و توفيقهم له.
و قيل (3): هم اليهود؛ حين أمروا بإطعام الفقراء.
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47)؛ حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة اللّه، أو أمرتم بالإنفاق على من منعه اللّه.
و يجوز أن يكون جوابا من اللّه لهم، أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48):
يعنون وعد البعث، أو وعد نزول العذاب. و هذا استهزاء منهم بخبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خبر المؤمنين. فقال- تعالى- في جوابهم:
ما يَنْظُرُونَ: ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً- هي النّفخة الأولى- تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ (49): يتخاصمون في متاجرهم و معاملاتهم، لا يخطر ببالهم أمرها. كقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ (4) بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ.
في مجمع البيان (5): و في الحديث: تقوم السّاعة، و الرّجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان؛ فما يطويانه حتّى تقوم. و الرّجل يرفع أكلته إلى فيه؛ فما تصل إلى فيه، حتّى تقوم. و الرّجل يليط حوضه (6)، ليسقي ماشيته؛ فما يسقيها حتّى تقوم.
و قيل (7): و هم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا. و أصله: يختصمون. فسكّنت التاء، و أدغمت. ثمّ كسرت الخاء، لالتقاء السّاكنين.
____________
(1) ليس في ق.
2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 282.
(4) في أنوار التنزيل 2/ 282: السّاعة. و على أيّ حال لا يوجد في المصحف هكذا آية. و لعلّ المقصود: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (الزخرف/ 66). أو: ... أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (يوسف/ 107)
(5) المجمع 4/ 427.
(6) لاط الحوض بالطّين: طلاه و ملّسه به، لئلّا ينشف الماء.
(7) نفس المصدر و الموضع.
84
و قرأ (1) أبو بكر بكسر الياء، للإتباع. و قرأ ابن كثير و ورش و هشام بفتح الخاء، على إلقاء حركة التّاء إليه. و أبو عمرو و قالون به، مع الاختلاس. و عن نافع الفتح فيه و الإسكان و التّشديد. و كأنّه جوّز الجمع بين السّاكنين، إذا كان الثّاني مدغما. و قرأ حمزة: «يخصمون». من خصمه: إذا جادله.
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً في شيء من أمورهم.
وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)، فيروا حالهم؛ بل يموتون حيث تبغتهم الصّيحة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: ذلك في آخر الزّمان. يصاح فيهم صيحة، و هم في أسواقهم يتخاصمون. فيموتون كلّهم في مكانهم، لا يرجع أحد منهم إلى منزله، و لا يوصي بوصيّة. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ.
وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ؛ أي: مرّة ثانية، فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ: من القبور. جمع جدث.
و قرئ (3) بالفاء. و الجدث- محرّكة-: القبر.
إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51): يسرعون (4).
و قرئ (5) بالضّمّ.
قالُوا يا وَيْلَنا و قرئ (6): «يا ويلتا».
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا.
و قرئ (7): «من هبّنا» بمعنى: أهبّنا. من: هبّ من نومه: إذا انتبه. و فيه ترشيح و رمز و إشعار بأنّهم، لاختلاط عقولهم، يظنّون أنّهم كانوا نياما. و «من بعثنا» و «من هبّنا»، على من الجارّة و المصدر. و سكت حفص وحده سكتة لطيفة. و الوقف عليها في سائر القراءات حسن.
و في جوامع الجامع (8): و روي عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «من بعثنا» على من الجارّة و المصدر.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 282.
(2) تفسير القمّي 2/ 215- 216.
(3) أنوار التنزيل 2/ 283.
(4) ليس في ق، ن، ت.
5 و 6 و 7- نفس المصدر و الموضع.
(8) الجوامع/ 394.
85
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52):
مبتدأ و خبر. و «ما» مصدريّة، أو موصولة محذوفة الرّاجع. أو «هذا» صفة ل «مرقدنا» و «ما وعد» خبر محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: ما وعد الرّحمن و صدق المرسلون حقّ.
قيل (1): و هو من كلامهم.
و قيل (2): جواب الملائكة أو المؤمنين، عن سؤالهم، معدول عن سننه؛ تذكيرا لكفرهم، و تقريعا لهم عليه، و تنبيها بأنّ الّذي يهمّهم هو السؤال عن البعث دون الباعث.
كأنّهم قالوا: بعثكم الرّحمن الّذي وعدكم البعث، و أرسل إليكم الرّسل، فصدقوكم.
و ليس الأمر كما تظنّونه؛ فإنّه ليس ببعث النّائم، فيهمّكم السّؤال عن الباعث، و إنّما هو البعث الأكبر ذو الأهوال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا: قالت الملائكة: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.
و في روضة الكافي (4): الحسين بن محمّد و محمّد بن يحيى، [جميعا] (5) عن محمّد بن سالم بن أبي مسلمة، عن الحسن بن شاذان الواسطيّ قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أشكوا جفاء أهل واسط، و حملهم عليّ. و كانت عصابة من العثمانيّة تؤذيني.
فوقّع بخطّه: إنّ اللّه- جلّ ذكره- أخذ ميثاق أوليائنا على الصّبر في دولة الباطل.
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ (6). فلو قد قام سيّد الخلق، لقالوا: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.
و في أصول الكافي (7)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أبو ذرّ- (رحمه اللّه)- يقول في خطبته: و ما بين الموت و البعث إلّا كنومة نمتها، ثمّ استيقظت منها.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 283.
(3) تفسير القمّي 2/ 216.
(4) الكافي 8/ 247، ح 246.
(5) من المصدر مع المعقوفتين.
(6) القلم/ 48.
(7) نفس المصدر 2/ 134، ح 18.
86
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً:
هي النّفخة الأخيرة. و قرئت (1) بالرّفع على كان التّامّة.
فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) بمجرّد تلك الصّيحة.
و في كلّ ذلك تهوين أمر البعث و الحشر، و استغناؤهما عن الأسباب الّتي ينوطان بها فيما يشهدونه (2).
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54):
حكاية لما يقال لهم حينئذ، تصويرا للموعود، و تمكينا له في النّفوس. و كذا قوله:
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55): متلذّذون في النّعمة. من الفكاهة.
و في تنكير «شغل» و إبهامه، تعظيم لما هم فيه من البهجة و التّلذّذ، و تنبيه على أنّه أعلى ما يحيط به الإفهام، و يعرب عن كنهه الكلام.
و قرأ (3) ابن كثير و نافع و ابن عمرو: «في شغل» بالسّكون. و يعقوب في رواية:
«فكهون» للمبالغة.
و هما خبران ل «إنّ». و يجوز أن يكون «في شغل» صلة ل «فاكهون».
و قرئ (4): «فكهون» بالضّمّ- و هو لغة؛ كنطس و نطس- و «فاكهين» و «فكهين» على الحال من المستكنّ في الظّرف، و «شغل» بفتحتين، و فتحة و سكون.
و الكلّ لغات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن زيد النّرسيّ (6)، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إذا أمات اللّه أهل الأرض، لبث كمثل ما خلق اللّه [الخلق] (7)، و مثل ما أماتهم و أضعاف ذلك. ثمّ أمات أهل السّماء الدّنيا. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق (8)، و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل سماء (9) الدّنيا و أضعاف ذلك. ثمّ أمات أهل السّماء الثّانية ثمّ
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 283.
(2) ن، ت، ى، ر: يشاهدونه.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير القمّي 2/ 256- 257.
(6) المصدر: البرسيّ.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.
(9) المصدر: السماء.
87
لبث مثل ما خلق الخلق (1)، و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل سماء (2) الدّنيا و السّماء الثّانية [و أضعاف ذلك] (3). [ثمّ أمات أهل السّماء] (4) الثّالثة. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق (5)، و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السّماء الدّنيا و السّماء الثّانية و السّماء الثّالثة و أضعاف ذلك في كلّ سماء مثل ذلك و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات ميكائيل. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق (6) و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات جبرئيل- (عليه السلام). ثم لبث مثل ما خلق الخلق (7) و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك. ثمّ أمات إسرافيل. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق (8)، و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات ملك الموت. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق (9) و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ يقول اللّه (10)- عزّ و جلّ-: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ. فيردّ على نفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (11). أين الجبّارون؟! و أين المتكبّرون؟! و أين الّذين ادّعوا معي إلها آخر و نحوهم.
ثمّ يبعث الخلق.
قال عبيد بن زرارة: فقلت: إنّ هذا الأمر كائن طولت ذلك. فقال: أ رأيت ما كان، هل علمت به؟ فقال: لا. قال: فكذلك هذا.
و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ قال (12): في افتضاض العذارى فاكهون. قال: يفاكهون النّساء، و يلاعبونهنّ.
و في مجمع البيان (13): فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ. و قيل: شغلوا بافتضاض العذارى.
عن ابن عبّاس و ابن مسعود. و هو المرويّ عن الصّادق- (عليه السلام)- قال (14): و حواجبهنّ كالأهلّة. و أشفار أعينهنّ كقوادم النّسور.
هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ: جمع ظلّ؛ كشعاب، أو ظلّة؛ كقباب. و يؤيّده قراءة (15) حمزة و الكسائيّ: «في ظلل».
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.
(2) في المصدر: «السماء» بدل «أهل سماء».
(3) ليس في ق، ش.
(4) ليس في ش.
5 و 6 و 7 و 8- كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.
(10) غافر/ 16.
(11) المصدر: اللّه القهّار.
(12) نفس المصدر/ 216.
(13) المجمع 4/ 429.
(14) ليس في ق.
(15) أنوار التنزيل 2/ 283.
88
عَلَى الْأَرائِكِ: على السّرر المزيّنة مُتَّكِؤُنَ (56).
و «هم» مبتدأ خبره «في ظلال». و «على الأرائك» جملة مستأنفة، أو خبر ثان. أو «متّكئون» و الجارّان صلتان له. أو تأكيد للضّمير في «في شغل» أو في «فاكهون» و عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ خبر آخر ل «إنّ». و «أزواجهم» عطف على «هم» للمشاركة في الأحكام الثّلاثة. و «في ظلال» حال من المعطوف و المعطوف عليه.
و في تفسير علي بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ: الأرائك السّرر عليها الحجال.
حدّثني أبي (2)، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذكر حديثا طويلا يذكر فيه حال المؤمن إذا دخل الجنّة: فإذا جلس المؤمن على سريره، اهتزّ سريره فرحا. فإذا استقرّت بولىّ اللّه في الجنّة، استاذن عليه الملك الموكّل (3) بجنانه ليهنّئه بكرامة اللّه إيّاه.
فيقول خدّام المؤمن و وصفاؤه: مكانك! فإنّ وليّ اللّه قد اتّكأ على أرائكه، و زوجته الحوراء العيناء قد هيّئت. فاصبر لوليّ اللّه، حتّى يفرغ من شغله.
قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمتها، تمشي مقبلة، و حولها و صفاؤها يحجبنها (4) عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و اللّؤلؤ و الزّبرجد، صبغن بمسك و عنبر. و على رأسها تاج الكرامة. و في رجليها (5) نعلان من ذهب مكلّلان بالياقوت و اللّؤلؤ، شراكهما (6) ياقوت أحمر. فإذا دنت (7) من وليّ اللّه، و هم [أن] (8) يقوم إليها شوقا، تقول له: يا وليّ اللّه، ليس هذا يوم تعب و لا نصب. و لا تقم؛ أنا لك؛ و أنت لي. فيعتنقان قدر خمسمائة عام من أعوام الدّنيا لا يملّها و لا تملّه.
قال: فينظر إلى عنقها. فإذا عليها قلادة من قضيب (9) ياقوت أحمر. وسطها لوح مكتوب: أنت يا وليّ اللّه حبيبي. و أنا الحوراء حبيبتك. إليك تتأهّب (10) نفسي. و إلىّ
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 216.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 246- 247.
(3) ق، ن، ت: الموكّل عليه.
(4) المصدر: تحينها.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلها.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: شراكها.
(7) المصدر: أدنيت.
(8) من المصدر.
(9) ق، ش: قصب.
(10) ق، ش، ت، م، ر: تناهت. و في المصدر:
تباهت.
89
تتأهّب (1) نفسك. ثمّ يبعث اللّه ألف ملك يهنّئونه [بالجنّة] (2)، و يزوّجونه بالحوراء.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نقل عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديثا طويلا (4) يقول فيه- حاكيا حال أهل الجنّة-: و المؤمن ساعة مع الحوراء، و ساعة مع الآدميّة، و ساعة يخلو بنفسه على الأرائك متّكئا ينظر بعض المؤمنين (5) إلى بعض.
لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ (57): ما يدّعون به لأنفسهم. يفتعلون من الدّعاء؛ كاشتوى و اجتمل (6): إذا شوى و جمل (7) لنفسه. أو: ما يتداعونه؛ كقولك (8): ارتموه؛ بمعنى: تراموه. أو: يتمنّون. من قولهم: ادّع عليّ ما شئت، بمعنى: تمنّه عليّ. أو: ما يدّعونه في الدّنيا من الجنّة و درجاتها.
و «ما» موصولة، أو موصوفة مرتفعة بالابتداء. و «لهم» خبرها. و قوله: سَلامٌ بدل منها، أو صفة أخرى. و يجوز أن يكون خبرها، أو خبر محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر (9). أي: و لهم سلام.
و قرئ (10) بالنّصب، على المصدر أو الحال. أي: لهم مرادهم خالصا.
قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)؛ أي: يقول اللّه، أو يقال لهم قولا كائنا من جهته.
و المعنى: أنّ اللّه يسلّم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، تعظيما لهم. و ذلك مطلوبهم و متمنّاهم. و يحتمل نصبه على الاختصاص.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله- عزّ و جلّ- سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال: السّلام منه هو الأمان.
وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)، و انفردوا عن المؤمنين. و ذلك حين
____________
(1) ق، ش، ت، م، ر: تناهت. و في المصدر:
تباهت.
(2) ليس في ن.
(3) الكافي 8/ 99، ح 69.
(4) ليس في ق، ش.
(5) المصدر: بعضهم.
(6) ن، ت، م، ى، ر: احتمل.
(7) ن، ت، م، ى، ر: حمل.
(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 284. و في النسخ:
كقوله.
(9) ليس في ق، ن، ت.
(10) أنوار التنزيل 2/ 284.
(11) تفسير القمّي 2/ 216.
90
يسار (1) بهم إلى الجنّة. كقوله (2): وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ.
و قيل (3): اعتزلوا من كلّ خير. أو: تفرّقوا في النّار. فإنّ لكلّ كافر بيتا يتفرّد به لا يرى و لا يرى.
و في تفسير علي بن إبراهيم (4): و قوله: وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ قال: إذا جمع اللّه الخلق يوم القيامة، بقوا قياما على أقدامهم. حتّى يلجمهم العرق، فينادون: يا ربّ! حاسبنا، و لو إلى النّار! فيبعث اللّه- عزّ و جلّ- رياحا، فتضرب بينهم. و ينادي مناد:
وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ. فيميّز بينهم. فصار المجرمون إلى (5) النّار. و من كان في قلبه إيمان (6) صار إلى الجنّة.
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ:
من جملة ما يقال لهم، تقريعا و إلزاما للحجّة. و عهده إليهم، ما نصب لهم من الحجج العقليّة و السّمعيّة الآمرة بعبادته، الزّاجرة عن عبادة غيره. و جعلها عبادة الشّيطان، لأنّه الآمر بها، و المزيّن لها.
و قرئ (7): «اعهد» بكسر حرف المضارعة و أحهد و أحد على لغة تميم.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60):
تعليل للمنع عن عبادته بالطّاعة فيما يحملهم عليه.
و في اعتقادات الإماميّة (8) للصّدوق- (رحمه اللّه)- قال- (عليه السلام)-: من أصغى إلى ناطق، فقد عبده. فإن كان النّاطق عن اللّه، فقد عبد اللّه. و إن كان النّاطق عن إبليس، فقد عبد إبليس.
وَ أَنِ اعْبُدُونِي:
عطف على أَنْ لا تَعْبُدُوا.
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61):
إشارة إلى ما عهد إليهم، أو إلى عبادته. فالجملة استئناف لبيان المقتضى للعهد
____________
(1) ن، ت، ى، ر: يشار.
(2) الروم/ 14.
(3) أنوار التنزيل 2/ 284.
(4) تفسير القمّي 2/ 216.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: في.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الإيمان.
(7) أنوار التنزيل 2/ 284.
(8) اعتقادات الصّدوق/ 105.
91
بشقّيّه، أو بالشّقّ الآخر. و التّنكير للمبالغة و التعظيم، أو للتّبعيض. فإنّ التّوحيد سلوك بعض الطّريق المستقيم.
وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62):
رجوع إلى بيان معاداة الشّيطان، مع ظهور عداوته و وضوح إضلاله، لمن له أدنى عقل و رأي.
و الجبلّ: الخلق و الجماعة و الجمع الّذين جبلوا على خليقة (1). و أصل الجبلّ: الطّبع و منه: الجبل؛ لأنّه مطبوع على الثّبات. و قيل (2): أصله الغلظة و الشدّة.
و قرأ (3) يعقوب بضمّتين. و ابن كثير و حمزة و الكسائيّ بهما مع تخفيف اللّام. و ابن عامر و أبو عمرو بضمّة و سكون، مع التّخفيف. و الكلّ لغات. و قرئ (4): «جبلا» جمع جبلة كخلقة و خلق. و «جيلا» واحد الأجيال.
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63).
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64): ذوقوا حرّها اليوم، بكفركم في الدّنيا. و أصله: اللّزوم.
و قيل (5): معناه: صيروا صلاها؛ أي: وقودها.
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ، لمنعها من الكلام.
وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65):
قيل (6): ذلك بظهور آثار المعاصي عليها، و دلالتها على أفعالها.
و قيل (7): يجعل اللّه- تعالى- فيها كلاما. و إنّما نسب الكلام إليها، لأنّه لا يظهر أثر الكلام إلّا من جهتها.
و قيل (8): بإنطاق اللّه إيّاها.
و في أصول الكافي (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثني أبو عمرو الزّبيرىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا
____________
(1) ق، ش: خليقته.
(2) مجمع البيان 4/ 430.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 284.
(5) مجمع البيان 4/ 430.
6 و 7 و 8- نفس المصدر و الموضع. و أنوار التنزيل 2/ 284.
(9) الكافي 2/ 33- 36، ح 1.
92
يقول فيه- بعد أن قال: [إنّ اللّه] (1)- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم، و قسّمه عليها، و فرّقه فيها-: شهدت الأيدي و الأرجل على أنفسهما، و على أربابهما، من تضييعهما لما أمر اللّه- عزّ و جلّ- و فرضه عليهما. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. فهذا أيضا ممّا فرض اللّه على اليدين، و على الرّجلين. و هو عملهما، و هو من الإيمان.
عليّ بن محمّد (2)، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- و ذكر حديثا طويلا يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و ليست تشهد الجوارح على مؤمن. إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب. فأمّا المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه. قال اللّه (3)- عزّ و جلّ-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
و في من لا يحضره الفقيه (4):
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة- رضي اللّه عنه-: و قال اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. فأخبر عنها أنّها تشهد على صاحبها يوم القيامة.
و في تفسير العيّاشي (5)، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- عن جدّه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبته يصف هول يوم (6) القيامة: ختم على الأفواه، فلا تكلّم. و تكلّمت الأيدي، و [شهدت] (7) الأرجل، و نطقت الجلود بما عملوا؛ فلا يكتمون اللّه حديثا.
و في تفسير علي بن إبراهيم (8): و قوله- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ- إلى قوله:- بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال: إذا جمع اللّه- عزّ و جلّ- الخلق يوم القيامة، دفع (9) إلى كلّ إنسان كتابه. فينظرون فيه، فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئا. فتشهد عليهم الملائكة، فيقولون: يا ربّ، ملائكتك يشهدون لك! ثمّ يحلفون أنّهم لم يعلموا من ذلك
____________
(1) ليس في ق، ت، ن.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 32، ح 1.
(3) الإسراء/ 71.
(4) الوصيّة في الفقيه 4/ 275، ح 830 و لم أر فيها هذا الشطر.
(5) تفسير العياشي 1/ 242، ح 133.
(6) ليس في ق، ش.
(7) من المصدر.
(8) تفسير القمّي 2/ 216.
(9) ق، ن، ت: رفع.
93
شيئا. و هو قول اللّه (1)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ. فإذا فعلوا (2) ذلك، ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم (3) بما كانوا يكسبون.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، فإنّ ذلك في مواطن غير واحد، من مواطن ذلك اليوم الّذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض، و يلعن بعضهم بعضا. و الكفر في هذه الآية البراءة. يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. و نظيرها في سورة إبراهيم (5) قول الشّيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ و قول إبراهيم خليل الرّحمن: كَفَرْنا بِكُمْ (6)، يعني: تبرّأنا منكم.
ثمّ يجتمعون في مواطن أخر، فيستنطقون فيه. فيقولون: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (7). و هؤلاء خاصّة هم المقرّون في دار الدّنيا بالتّوحيد، فلا ينفعهم إيمانهم مع مخالفتهم رسله، و شكّهم فيما أتوا به عن ربّهم، و نقضهم عهوده في أوصيائه (8)، و استبدالهم الّذي هو أدنى بالّذي هو خير. فكذّبهم اللّه فيما انتحلوه من الإيمان بقوله (9): انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ. فيختم اللّه على أفواههم، و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود، فتشهد بكلّ معصية كانت منهم. ثمّ يرتفع (10) عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (11).
وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ: لمسحنا أعينهم حتّى تصير ممسوحة.
و الطّمس: محو الشّيء حتّى يذهب أثره.
فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فاستبقوا إلى الطّريق الّذي اعتادوا سلوكه.
و انتصابه بنزع الخافض، أو بتضمين الاستباق معنى الابتدار، أو جعل المسبوق إليه
____________
(1) المجادلة/ 18.
(2) في ق زيادة: فاحشة.
(3) في ق، ش: تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بدل و تنطق جوارحهم.
(4) الإحتجاج/ 242.
(5) إبراهيم/ 22.
(6) الممتحنة/ 4.
(7) الأنعام/ 23.
(8) المصدر: عهودهم في أوصيائهم.
(9) الأنعام/ 24.
(10) المصدر: يرفع.
(11) فصّلت/ 21.
94
مسبوقا، على الاتّساع، أو بالظّرف.
فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66): الطّريق وجهة السّلوك، فضلا عن غيره.
و «أنّى» في محل النّصب، على الحال من «يبصرون»، أو على أنّه في معنى مصدره.
وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ بتغيير صورهم و إبطال قواهم عَلى مَكانَتِهِمْ:
مكانهم، بحيث يجمدون فيه.
و قرأ (1) أبو بكر: «على مكاناتهم». فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا: ذهابا، وَ لا يَرْجِعُونَ (67) و لا رجوعا. فوضع الفعل موضعه للفواصل.
و قيل (2): و لا يرجعون عن تكذيبهم.
و قرئ (3): «مضيّا» بإتباع الميم الضّاد المكسورة، لقلب الواو ياء، كالعتيّ و العتيّ.
و «مضيّا» كالصّبيّ.
و المعنى: أنّهم بكفرهم و نقضهم بما عهد إليهم أحقّاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنّا لم نفعل لشمول الرّحمة لهم، و اقتضاء الحكمة إمهالهم.
وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ: نطل عمره، نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ نقلبه فيه. فلا يزال يتزايد ضعفه و انتقاض بنيته و قواه، عكس ما كان عليه بدء أمره.
و قرأ (4) عاصم و حمزة: «ننكّسه» من التّنكيس. و هو أبلغ. و النّكس أشهر. أَ فَلا يَعْقِلُونَ (68) أنّ من قدر على ذلك، قدر على الطّمس و المسخ؛ فإنّه مشتمل عليهما و زيادة، غير أنّه تدرّج.
و قرأ (5) نافع و ابن عامر و يعقوب بالتّاء، لجري الخطاب قبله.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله- عزّ و جلّ: وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ. فإنه ردّ على الزّنادقة الّذين يبطلون التّوحيد، و يقولون: إنّ الرّجل إذا نكح المرأة، و صارت النّطفة في رحمها، تلقّته الأشكال من الغذاء، و دار عليه الفلك، و مرّ عليه اللّيل و النّهار. فيولد الإنسان بالطّبائع من الغذاء و مرور اللّيل و النّهار. فنقض اللّه- عزّ و جلّ- عليهم قولهم في حرف واحد، فقال- جلّ ذكره-: وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ. قال: لو كان هذا كما يقولون، لكان ينبغي أن يزيد الإنسان أبدا،
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 285.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) تفسير القمّي 2/ 217.
95
ما دامت الأشكال قائمة و اللّيل و النّهار قائمين (1) و الفلك يدور. فكيف صار يرجع إلى النّقصان كلّما ازداد في الكبر إلى حدّ الطّفوليّة و نقصان السّمع و البصر و القوّة و العلم و المنطق؛ حتّى [ينتقص و] (2) ينتكس في الخلق؟! و لكن ذلك من خلق العزيز العليم و تقديره.
وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ:
ردّ لقولهم إنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- شاعر. أي: ما علّمناه (3) الشعر بتعليم القرآن، فإنّه غير مقفّى و لا موزون، و ليس معناه ما يتوخّاه الشعراء من التّخيّلات المرغّبة و المنفّرة و نحوها.
وَ ما يَنْبَغِي لَهُ: و ما ينبغي له أن يقول الشّعر. أو: لا يتأتّي له إن أراد.
و في مجمع البيان (4): روي عن الحسن أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يتمثّل بهذا البيت:
كفى الإسلام و الشّيب* * * للمرء ناهيا
فقال له أبو بكر: يا رسول اللّه، إنّما قال الشاعر:
كفي الشّيب و الإسلام* * * للمرء ناهيا
و أشهد أنّك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما علّمك اللّه الشّعر، و ما ينبغي لك.
و عن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتمثّل ببيت أخي بني قيس:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا* * * و يأتيك بالأخبار من لم تزوّد (5)
فجعل يقول: و يأتيك من لم تزود بالأخبار. فيقول أبو بكر: ليس هكذا يا رسول اللّه! فيقول: إنّي ليس بشاعر. و ما ينبغي لي.
فأمّا قوله- (عليه السلام):
أنا النبيّ لا كذب* * * أنا ابن عبد المطّلب
فقد قال قوم: إنّ هذا ليس بشعر. و قال آخرون: إنّما هو اتّفاق منه، و ليس بقصد إلى قول
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قائمان.
(2) ليس في المصدر.
(3) ق، ش: علمته.
(4) المجمع 4/ 432.
(5) البيت لطرفة بن العبد، و هو من معلّقته.
96
الشّعر (1). و قد صحّ
أنّه- (عليه السلام)- كان يسمعه و يحثّ عليه. و قال لحسّان بن ثابت: لا تزال- يا حسّان- مؤيّدا بروح القدس؛ ما نصرتنا بلسانك.
و قيل (2): الضّمير للقرآن. أي: ما يصحّ للقرآن أن يكون شعرا.
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ: عظة و إرشاد من اللّه وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ (69): و كتاب سماويّ يتلى في المعابد، ظاهر أنّه ليس من كلام البشر، لما فيه من الإعجاز.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)- متّصلا بقوله: من خلق العزيز العليم و تقديره-:
و قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ قال: كانت قريش تقول: إنّ هذا الّذي يقوله محمّد (4)- (صلّى اللّه عليه و آله)- شعر. فردّ اللّه- عزّ و جلّ- عليهم، فقال:
وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ. و لم يقل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شعرا قطّ.
لِيُنْذِرَ القرآن، أو الرّسول- و يؤيّده قراءة (5) نافع و ابن عامر و يعقوب بالتّاء- مَنْ كانَ حَيًّا: عاقلا فهما؛ فإنّ الغافل كالميّت. أو: مؤمنا في علم اللّه- تعالى- فإنّ الحياة الأبديّة بالإيمان. و تخصيص الإنذار به، لأنّه المنتفع به.
وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ: و تجب كلمة العذاب عَلَى الْكافِرِينَ (70): على المصرّين على الكفر.
و جعلهم في مقابلة مَنْ كانَ حَيًّا، إشعارا بأنّهم لكفرهم و سقوط حجّتهم و عدم تأمّلهم أموات في الحقيقة.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن زيد (7)، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قال اللّه (8)- عزّ و جلّ-: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ (9) الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ. فالحيّ: المؤمن الّذي تخرج طينته من طينة الكافر. و الميّت
____________
(1) في المصدر زيادة: و قيل: إنّ معنى الآية و ما علّمناه الشعر بتعليم القرآن و ما ينبغي للقرآن أن يكون شعرا فإنّ نظمه ليس بنظم الشعر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 285.
(3) تفسير القمّي 2/ 217.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: محمّدا.
(5) أنوار التنزيل 2/ 285.
(6) الكافي 2/ 5، ح 7.
(7) المصدر: يزيد.
(8) الروم/ 19.
(9) المصدر: مخرج و عليه يكون: الأنعام/ 95.
97
الّذي يخرج من الحيّ، هو الكافر الّذي يخرج من طينة المؤمن. فالحيّ المؤمن. و الميّت الكافر. و ذلك قوله (1)- عزّ و جلّ-: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ. فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر. و كان حياته حين فرّق اللّه- عزّ و جلّ- بينهما بكلمته. كذلك يخرج اللّه- عزّ و جلّ- المؤمن في الميلاد من الظّلمة بعد دخوله [فيها إلى النور. و يخرج الكافر من النور إلى الظّلمة، بعد دخوله] (2) الى النّور (3). و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ.
و في مجمع البيان (4): و يجوز أن يكون المراد بمن كان حيّا عاقلا. و روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام).
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا: ممّا تولّينا إحداثه، و لم يقدر على إحداثه غيرنا.
و ذكر الأيدي و إسناد الفعل إليها، استعارة مبالغة في الاختصاص و التّفرّد بالإحداث.
أَنْعاماً:
خصّها بالذّكر، لما فيها من بدائع الفطرة و كثرة المنافع.
فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71): متملّكون بتمليكنا إيّاهم. أو: متمكّنون من ضبطها و التّصرّف فيها، بتسخيرنا إيّاها لهم.
وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ: فصيّرناها منقادة لهم.
فَمِنْها رَكُوبُهُمْ: مركوبهم.
و قرئ (5): «ركوبتهم» و هي بمعناه؛ كالحلوب و الحلوبة. و قيل: جمعه. و «ركوبهم»؛ أي: ذو ركوبهم، [أو: فمن منافعها ركوبهم] (6).
وَ مِنْها يَأْكُلُونَ (72):
في كتاب طبّ الأئمّة (7)، بإسناده إلى جابر بن راشد، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) الأنعام/ 122.
(2) ليس في ق، ن، ت.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: النّار.
(4) المجمع 4/ 432.
(5) أنوار التنزيل 2/ 286.
(6) ليس في ق.
(7) طبّ الأئمّة/ 36.
98
- (عليه السلام)- الصّادق قال: بينما هو في سفر، إذ نظر إلى رجل عليه كآبة و حزن. فقال له: ما لك؟ قال: دابّتي حرون (1). قال ويحك! اقرأ هذه الآية في أذنها (2): أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَ مِنْها يَأْكُلُونَ.
وَ لَهُمْ فِيها مَنافِعُ من الجلود و الأصواف و الأوبار، وَ مَشارِبُ من اللّبن. جمع مشرب بمعنى الموضع أو المصدر.
و أمال الشّين ابن عامر وحده برواية هشام.
أَ فَلا يَشْكُرُونَ (73) نعم اللّه في ذلك؛ إذ لو لا خلقه لها، و تذليله إيّاها، كيف أمكن التّوصّل (3) إلى تحصيل هذه المنافع المهمّة؟! وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أشركوها به في العبادة، بعد ما رأوا منه تلك القدرة الباهرة و النّعم (4) المتظاهرة، و علموا أنّه المتفرّد بها.
لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74): رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأمور؛ و الأمر بالعكس، لأنّهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ لآلهتهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75): معدّون لحفظهم و الذّبّ عنهم. أو: محضرون أثرهم في النّار.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يقول: لا تستطيع الآلهة لهم نصرا، و هم للآلهة جند محضرون.
فَلا يَحْزُنْكَ: فلا يهمّك- و قرئ (6) بضمّ الياء، من أحزن- قَوْلُهُمْ في اللّه بالإلحاد و الشّرك. و قيل (7): [فيك] (8) بالتّكذيب و التّهجين به.
إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (76)، فنجازيهم عليه. و كفى ذلك أن تتسلّى به.
و هو تعليل للنّهي، على الاستئناف. و لذلك لو قرئ (9): «أنّا»- بالفتح- على
____________
(1) الحرون: الّذي لا ينقاد.
(2) كذا في المصدر: و في النسخ: أذنه.
(3) ن، ت، ش، ى، ر: التوسّل.
(4) ق: النعمة.
(5) تفسير القمّي 2/ 217.
6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 286.
(8) من المصدر.
(9) نفس المصدر و الموضع.
99
حذف لام التّعليل، جاز.
أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77):
تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنّسبة إلى إنكارهم الحشر. و فيه تقبيح بليغ لإنكاره؛ حيث عجب منه، و جعله إفراطا في الخصومة بيّنا، و منافاة لجحود القدرة على ما هو أهون ممّا عمله في بدء خلقه، و مقابلة النّعمة الّتي لا مزيد عليها- و هي خلقه من أخسّ شيء و أمهنه شريفا مكرما- بالعقوق و التّكذيب.
و قيل (1): معنى فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا، مميّز منطيق قادر على الخصام، معرب عمّا في نفسه.
وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا: أمرا عجيبا. و هو نفي القدرة على إحياء الموتى، و تشبيهه بخلقه، بوصفه بالعجز عمّا عجزوا عنه.
وَ نَسِيَ خَلْقَهُ: خلقنا إيّاه.
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ (78)، منكرا إيّاه، مستبعدا له.
و الرّميم: ما بلي من العظام. و لعلّه فعيل بمعنى فاعل- من: رمّ الشّيء- صار اسما بالغلبة. و لذلك لم يؤنّث. أو بمعنى مفعول؛ من رممته.
و فيه دليل على أنّ العظم ذو حياة فيؤثّر فيه الموت، كسائر الأعضاء.
و في مجمع البيان (2): و اختلف في القائل لذلك. فقيل: هو أبّي بن خلف. عن قتادة و مجاهد. و هو المرويّ عن الصّادق- (عليه السلام).
و قيل: هو العاص بن وائل السّهميّ.
عن سعيد بن جبير. و قيل: أميّة بن خلف. عن الحسن.
و من لا يحضره الفقيه (3) حديث طويل، و فيه. قالوا: و قد رممت يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)! يعنون: صرت رميما. فقال: كلّا! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- حرّم لحومنا على الأرض أن تطعم منها شيئا.
و قال الصّادق (4)- (عليه السلام)- إنّ اللّه- عزّ و جلّ- حرّم عظامنا على الأرض.
و حرّم لحومنا على الدّوابّ أن تطعم (5) منها شيئا.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 286.
(2) مجمع البيان 4/ 434.
(3) الفقيه 1/ 121، ح 582.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) المصدر: على الدّود أن يطعم.
100
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ:
فإنّ قدرته كما كانت لامتناع التّغيير فيه و المادّة على حالها في القابليّة اللّازمة لذاتها.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- في احتجاج أبي عبد اللّه الصّادق- (عليه السلام)-: قال السّائل: أ فيتلاشى (2) الرّوح بعد خروجه عن قالبه، أم هو باق؟
قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصّور. فعند ذلك، تبطل الأشياء، و تفنى؛ فلا حسّ و لا محسوس. ثمّ أعيدت الأشياء كما بدأها، مدبّرها. و ذلك أربعمائة سنة يسبت (3) فيها الخلق. و ذلك بين النّفختين.
قال: و أنّى له بالبعث، و البدن قد بلى، و الأعضاء قد تفرّقت؟ فعضو ببلدة يأكلها سباعها! و عضو بأخرى تمزّقه هو امّها! و قد عضو قد صار ترابا يبنى به مع الطّين حائط (4)! قال: إنّ الّذي أنشأه (5) من غير شيء، و صوّره (6) على غير مثال كان سبق إليه، قادر على (7) أن يعيده كما بدأه.
قال: أوضح لي ذلك.
قال: إنّ الرّوح مقيمة في مكانها؛ روح المحسن في ضياء و فسحة، و روح المسيء في ضيق و ظلمة. و البدن يصير ترابا، كما منه خلق. و ما تقذف به السّباع و الهوامّ من أجوافها، ممّا أكلته و مزّقته، كلّ ذلك في التّراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض، و يعلم عدد الأشياء و وزنها. و إنّ تراب الرّوحانيّين بمنزلة الذّهب في التّراب. فإذا كان حين البعث، مطرت الأرض مطر النّشور. فتربو الأرض، ثمّ تمخض (8) مخض السّقاء. فيصير تراب البشر كمصير الذّهب من التّراب، إذا غسل بالماء؛ و الزّبد من اللّبن، إذا مخض. فيجتمع تراب كلّ قالب إلى قالبه، فينتقل بإذن اللّه- تعالى- القادر إلى حيث الرّوح. فتعود الصّور بإذن المصوّر، كهيئتها. و تلج الرّوح فيها. فإذا قد استوى، لا
____________
(1) الإحتجاج/ 350.
(2) المصدر: أ فتتلاشى.
(3) كذا في المصدر. و في م، ش، ى، ر: تسبب و في غيرها: سبب.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: في حائط.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أنشأها.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: صورة.
(7) ليس في المصدر.
(8) المصدر: تمخّضوا.
101
ينكر من نفسه شيئا.
وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79): يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه، و كيفيّة خلقها.
فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتّتة المتبدّدة أصولها و فصولها و مواقعها، و طريق تمييزها و ضمّ بعضها إلى بعض على النّمط السّابق، و إعادة الأعراض و القوى الّتي كانت فيها، أو إحداث مثلها.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسي- (رحمه اللّه)- عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)-: انّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم، قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ إبراهيم قد بهت الّذي كفر ببرهان على نبوّته.
قال له علي- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتاه مكذّب بالبعث بعد الموت- و هو أبيّ بن خلف الجمحيّ- معه عظم نخر. ففركه، ثمّ قال: يا محمّد! مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ؟! فأنطق اللّه محمدا بمحكم آياته، و بهته ببرهان نبوّته، فقال: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. فانصرف مبهوتا.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ؛ كالمرخ و العفار. و ما شجرتان يتّخذ الأعراب زنودها منهما.
و في مجمع البيان (2): و تقول العرب: في كلّ شجرة نار. و استمجد المرخ و العفار.
و قال الكلبيّ: كلّ شجرة ينقدح منها النّار؛ إلّا العنّاب.
ناراً بأن يسحق المرخ على العفار- و هما خضراوان يقطر منهما الماء- فينقدح منه النّار.
فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)، لا تشكّون في أنّها نار خرجت منه. فمن قدر على إحداث النّار من الشّجر الأخضر،- مع ما فيه من المائيّة المضادّة لها بكيفيّته- كان أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضّا فيبس و بلي.
و قرئ (3): «من الشّجر الخضراء» على المعنى؛ كقوله (4): فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ.
____________
(1) الإحتجاج/ 214.
(2) المجمع 4/ 435.
(3) أنوار التنزيل 2/ 287.
(4) الصّافّات/ 66.
104
و نصبه (1) ابن عامر و الكسائيّ، عطفا على «يقول».
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ:
تنزيه له عمّا ضربوا له، و تعجيب عمّا قالوا فيه، معلّلا بكونه مالكا للملك كلّه، قادرا على كلّ شيء.
وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83):
وعد و وعيد للمقرّين و المنكرين.
و قرأ (2) يعقوب بفتح التّاء.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- أنّه قال: و لا أجده يلفظ بشقّ فم؛ و لكن [كما] (4) قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بمشيئته من غير تردّد في نفس (5).
و في نهج البلاغة (6): يقول لمّا أراد كونه (7): كُنْ فَيَكُونُ؛ لا بصوت يقرع (8)، و لا نداء يسمع. و إنّما كلامه- سبحانه- فعل منه أنشأه و مثّله، لم يكن من قبل ذلك كائنا.
و لو كان قديما، لكان إلها ثانيا.
و فيه (9) أيضا: يقول و لا يلفظ. [و يحفظ و لا يتحفّظ.] (10) و يريد و لا يضمر.
و فيه (11) أيضا: يريد بلا همّة.
و في كتاب الإهليلجة (12) المنقول عن الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ الإرادة من العباد، الضّمير و ما يبدو بعد ذلك من الفعل. و أمّا من اللّه- عزّ و جلّ- فالإرادة للفعل إحداثه. إنّما يقول له كُنْ فَيَكُونُ؛ بلا تعب، و لا كيف.
و في أصول الكافي (13): محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعرىّ،
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 287.
(3) الإحتجاج/ 386.
(4) من المصدر.
(5) ق، ش، ن، ت: نفس الأمر.
(6) النهج/ 274، الخطبة 186.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(8) ق، ش: يفزع.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) من المصدر.
(11) نفس المصدر/ 258، الخطبة 179. و لكن فيه:
مريد بلا همّة.
(12) البحار 3/ 196.
(13) الكافي 1/ 109، ح 1.
102
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- قال أبو محمّد العسكريّ: قال الصّادق- (عليه السلام)-: و أمّا الجدال بالّتي هي أحسن، فهو ما أمر اللّه- تعالى- به نبيّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت و إحياءه له. فقال [اللّه] (2) حاكيا عنه:
وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ. فقال اللّه في الرّدّ عليه:
قل يا محمّد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. فأراد [اللّه] (3) من نبيّة أن يجادل المبطل الّذي قال:
كيف يجوز أن يبعث هذه العظام و هي رميم؟! قال: فقل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.
أ فيعجز من ابتدأ به لا من شيء، أن يعيده بعد أن يبلى؟! بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته! ثمّ قال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً؛ أي: إذ أكمن النّار الحارّة في الشّجر (4) الأخضر الرّطب، ثمّ يستخرجها، فعرّفكم (5) أنّه على إعادة من بلي (6) أقدر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثني أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن إسحاق بن جرير (8)، قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أي شيء يقول أصحابك في قول إبليس:
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (9)؟
قلت: جعلت فداك؛ قد قال ذلك، و ذكره اللّه في كتابه.
قال: كذب إبليس، يا إسحاق. ما خلقه إلّا من طين. ثمّ قال: قال اللّه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. خلقه اللّه من تلك (10) النّار، و [النّار] (11) من تلك الشّجرة أصلها من طين.
أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مع كبر جرمهما و عظم شأنهما، بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ في الصّغر و الحقارة بالإضافة إليهما. أو: مثلهم في أصول الذّات و صفاتها. و هو المعاد.
و عن يعقوب (12): «يقدر».
____________
(1) الإحتجاج/ 21- 22.
2 و 3- من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الشجرة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فيعرفكم.
(6) المصدر: ما يلي.
(7) تفسير القمّي 2/ 244- 245.
(8) المصدر: حريز. و في ق: أبي جوير. و في ش:
جوير.
(9) الأعراف/ 12.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ذلك.
(11) من المصدر.
(12) أنوار التنزيل 2/ 287.
105
عن الحسين بن سعيد الأهوازيّ، عن النّضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: لم يزل اللّه مريدا؟
قال: إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد (1) معه. لم يزل [اللّه] (2) عالما قادرا. ثمّ أراد.
أحمد بن إدريس (3)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: أخبرني عن الإرادة من اللّه و من الخلق.
قال: فقال: الإرادة من الخلق، الضّمير، و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل. و أمّا من اللّه (4) فإرادته إحداثه، لا غير ذلك. لأنّه لا يروّي، و لا يهمّ، و لا يتفكّر. و هذه الصّفات منفيّة عنه، و هي صفات الخلق. فإرادة اللّه الفعل، لا غير ذلك. يقول له: كُنْ فَيَكُونُ، بلا لفظ، و لا نطق بلسان، و لا همّة، و لا تفكّر. و لا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له.
و في عيون الأخبار (5)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان و المقالات في التّوحيد، كلام للرّضا- (عليه السلام)- مع عمران، يقول فيه.
و اعلم أنّ الإبداع و المشيئة و الإرادة معناها واحد، و أسماؤها ثلاثة. و كان أوّل إبداعه و إرادته و مشيئته الحروف الّتي جعلها أصلا لكلّ شيء و دليلا على كلّ مدرك، و فاصلا لكلّ مشكل. و تلك الحروف تفريق (6) كلّ شيء من اسم حقّ و باطل، أو فعل (7)، أو مفعول، أو معنى، أو غير معنى. و عليها اجتمعت الأمور كلّها.
و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى (8)؛ و لا وجود لها، لأنّها مبدعة بالإبداع. و النّور في هذا الموضع أوّل فعل اللّه الّذي هو نور السّموات و الأرض.
و الحروف هي المفعول بذلك الفعل. و هي الحروف الّتي عليها [مدار] (9) الكلام و العبارات، كلّها من اللّه- عزّ و جلّ- علّمها خلقه.
و هي ثلاثة و ثلاثون حرفا. فمنها ثمانية و عشرون حرفا تدلّ على لغات العربيّة. و من
____________
(1) ق، ش، ن، م، ت: المراد
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(4) في ت زيادة: فالإرادة للفعل إحداثه. إنّما يقوا له: كُنْ، فَيَكُونُ بلا تعب، و لا كيف.
(5) العيون 1/ 139- 140.
(6) كذا في المصدر. و في ن: يعرف. و في غيرها:
تعرف.
(7) ن، ى، المصدر: فاعل.
(8) المصدر: تتناهى.
(9) من المصدر.
103
بَلى:
جواب من اللّه لتقرير ما بعد لنّفي، مشعر بأنّه لا جواب سواه.
وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81): كثير المخلوقات و المعلومات.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- متّصلا بقوله سابقا: أنّه على إعادة من بلي اقدر: ثمّ قال: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ؛ أي: إذا كان خلق السّموات و الأرض أعظم و أبعد في أوهامكم و قدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوّزتم من اللّه خلق هذا الأعجب عندكم و الأصعب لديكم، و لم تجوّزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي؟! قال الصّادق- (عليه السلام)-: فهذا الجدال بالّتي هي أحسن. لأنّ فيها قطع عذر الكافرين، و إزالة شبههم. و أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، فأن تجحد حقّا لا يمكنك أن تفرّق بينه و بين باطل من تجادله؛ و إنّما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحقّ. فهذا هو المحرّم.
لأنّك مثله؛ جحد هو حقّا، و جحدت أنت حقّا آخر.
قال أبو محمّد- (عليه السلام)-: فقام إليه رجل آخر فقال: يا ابن رسول اللّه، أ فجادل (2) رسول اللّه؟
قال الصّادق- (عليه السلام)-: مهما ظننت برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من شيء، فلا تظنّنّ (3) به مخالفة اللّه- تعالى. أليس اللّه قد قال (4): وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، و قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ لمن ضرب اللّه مثلا؟! أ فتظنّ أنّ رسول اللّه خالف ما أمره اللّه به، فلم يجادل بما أمره اللّه به، و لم يخبر عن أمر اللّه بما أمره أن يخبر به؟!
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّما أَمْرُهُ: إنّما شأنه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)؛ أي: فهو يكون. أي: فيحدث.
و هو تمثيل لتأثير قدرته في مراده، بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور، من غير امتناع و توقّف و افتقار إلى مزاولة عمل و استعمال آلة، قطعا لمادّة الشّبهة؛ و هو قياس قدرة اللّه على قدرة الخلق.
____________
(1) الإحتجاج/ 22.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: أ يجادل.
(3) ق، ش، م: فلا تظن.
(4) النحل/ 125.
106
الثّمانية و الشعرين اثنان و عشرون حرفا تدلّ على لغات السّريانيّة و العبرانيّة. و منها خمسة أحرف متحرّفة في سائر اللّغات من العجم و الأقاليم و اللّغات كلّها و هي خمسة أحرف تحرّف من الثّمانية و العشرين حرفا من اللّغات. فصارت الحروف ثلاثة و ثلاثين حرفا.
و أمّا الخمسة المختلفة فتححج (1) لا يجوز ذكرها أكثر ممّا ذكرناه. ثمّ جعل الحروف بعد إحصائها و إحكام عدّتها، فعلا منه. كقوله- عزّ و جلّ-: كُنْ فَيَكُونُ. و كُنْ منه صنع، و ما يكون به المصنوع.
فالخلق الأوّل من اللّه- عزّ و جلّ- الإبداع؛ لا وزن له، و لا حركة، و لا سمع، و لا لون، و لا حسّ. و الخلق الثّاني حروف (2)؛ لا وزن لها، و لا لون. و هي مسموعة موصوفة غير منظور إليها. و الخلق الثّالث ما كان من الأنواع كلّها محسوسا ملموسا (3) ذا ذوق منظورا (4) إليه. و اللّه- تبارك و تعالى- سابق للإبداع، لأنّها ليس قبله- عزّ و جلّ- شيء (5)، و لا كان معه شيء. و الإبداع سابق للحروف (6). و الحروف لا تدلّ على غير نفسها.
قال المأمون: كيف لا تدلّ على غير نفسها (7)؟] (8).
قال الرّضا- (عليه السلام)-: لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يجمع منها شيئا بغير معنى أبدا. فإذا ألّف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستّة، أو أكثر من ذلك أو أقلّ، لم يؤلّفها لغير معنى، و لم يك إلّا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا (9).
قال عمران: فكيف لنا بمعرفة ذلك؟
قال الرّضا- (عليه السلام)-: أمّا المعرفة، فوجه ذلك و بيانه أنّك تذكر الحروف، إذا لم ترد بها غير نفسها، ذكرتها فردا [فقلت:] (10) ا ب ت ث ج ح خ؛ حتّى تأتي إلى (11) آخرها فلم تجد لها معنى (12) غير أنفسها. و إذا ألّفت و جمعت منها (13)، و جعلتها اسماء و صفة لمعنى
____________
(1) ق، ش، م، ر: فتحج. و في المصدر: ف ي ج ح خ. قال المجلسي (ره): الظاهر أنّ العبارة قد صحّفت و لم تكن بهذه الصورة.
(2) ق، ش: الحروف.
(3) ليس في ق، ش.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منظور.
(5) ليس في م، ى، ر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الحروف.
(7) المصدر: أنفسها.
(8) ليس في ن.
(9) المصدر: شيء.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: على.
(12) ليس في ت، م، ى، ر.
(13) في ق، ن، زيادة: أحرفا.
109
تفسير سورة الصّافّات
107
ما طلبت و وجه ما عنيت (1)، كانت دليلة على معانيها داعية إلى الموصوف بها. أ فهمته؟
قال: نعم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ قال- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ- إلى قوله:- كُنْ فَيَكُونُ [قال:] (3) فإنّ خزائنه في الكاف و النون.
____________
(1) م، ش، ى، ر: عينت.
(2) تفسير القمّي 2/ 218.
(3) من المصدر.
111
سورة الصّافّات مكّيّة.
و آياتها مائة و إحدى أو اثنتان و ثمانون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب- الاعمال (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الصّافّات، في كلّ يوم جمعة، لم يزل محفوظا من كلّ آفة، مدفوعا عنه كلّ بليّة في الحياة الدّنيا، مرزوقا [في الدنيا] (2) في أوسع ما يكون من الرّزق. و لم يصبه اللّه في ما له و لا ولده و لا بدنه، بسوء من شيطان رجيم، و لا من جبّار عنيد. و إن مات في يومه، أو ليلته، بعثه اللّه شهيدا، و أماته شهيدا. و أدخله الجنّة مع الشّهداء في درجة من الجنّة.
و في مجمع البيان (3): أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و من قرأ سورة الصّافات، أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ جنّيّ و شيطان.
و تباعدت عنه مردة الشياطين. و برئ من الشّرك. و شهد له حافظاه يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بالمرسلين.
و في الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن موسى بن الحسن، عن سليمان الجعفريّ قال:
رأيت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول لابنه القاسم: قم، فاقرأ عند رأس أخيك
____________
(1) ثواب الأعمال/ 139، ح 1.
(2) ليس في ق، ن، ت.
(3) المجمع 4/ 436.
(4) الكافي 3/ 126، ح 5.
112
وَ الصَّافَّاتِ حتّى تستتمّها.
فقرأ. فلمّا بلغ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا (1) قضي الفتى. فلمّا سجّي (2)، و خرجوا، أقبل عليه يعقوب بن جعفر، فقال له: كنّا نعهد الميّت إذا نزل به الموت، يقرأ عنده يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، فصرت تأمرنا بالصّافّات؟! فقال: يا بنيّ، لم تقرأ عند (3) مكروب من موت قطّ، إلّا عجّل اللّه راحته.
وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3):
قيل (4): أقسم بالملائكة الصّافّين.
و في مجمع البيان (5): اختلف في معني الصَّافَّاتِ على وجوه:
أحدها: أنّها الملائكة تصفّ أنفسها صفوفا في السّماء، كصفوف المؤمنين للصّلاة.
عن ابن عبّاس، و مسروق، و الحسن، و قتادة، و السّديّ.
و ثانيها: أنّها الملائكة تصفّ أجنحتها في الهواء، إذا أرادت النّزول إلى الأرض، واقفة تنتظر ما يأمرها اللّه- تعالى. عن الجبّائي.
و ثالثها: أنّها جماعة المؤمنين يقومون مصطفّين في الصّلاة و الجهاد. عن أبي مسلم.
فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. اختلف فيها- أيضا- على وجوه:
أحدها: أنّها الملائكة تزجر الخلائق عن المعاصي. عن السّديّ و مجاهد. و على هذا، فإنّه يوصل اللّه مفهومه إلى قلوب العباد، كما يوصل مفهوم إغواء الشّياطين إلى قلوبهم؛ ليصحّ التّكليف.
و ثانيها: أنّها الملائكة الموكّلة بالسّحاب، تزجرها و تسوقها. عن الجبّائي.
و ثالثها: أنّها زواجر القرآن و آياته الناهية عن القبائح. عن قتادة.
و رابعها: أنّهم المؤمنون يرفعون أصواتهم عند قراءة القرآن. لأنّ الزّجرة الصّيحة. عن أبي مسلم.
فَالتَّالِياتِ ذِكْراً اختلف فيها- أيضا- على أقوال:
أحدها: أنّها الملائكة تقرأ كتاب اللّه و الذّكر الّذي ينزل على الموحى إليه. عن
____________
(1) الصّافّات/ 11.
(2) قال في الصّحاح: سجّيت الميّت تسجية: إذا مددت عليه ثوبا.
(3) المصدر: عبد.
(4) أنوار التنزيل 2/ 288.
(5) المجمع 4/ 437- 438.
117
. و تحته سبعون ألف ملك، تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك. فقال: يا جبرئيل من هذا معك؟ قال: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). قال: أو قد بعث؟ قال: نعم. ففتح الباب. فسلّمت عليه، و سلّم عليّ. و استغفرت له، و استغفر لي. و قال: مرحبا بالأخ الصّالح (1)، و النّبيّ الصّالح.
فَاسْتَفْتِهِمْ: فاستخبرهم.
و الضّمير لمشركي مكة، أو لبني آدم.
أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا؛ يعني: ما ذكر من الملائكة و السّماء و الأرض و ما بينهما و المشارق و الكواكب و الشّهب الثّواقب.
و «من» لتغليب العقلاء. و يدلّ عليه إطلاقه، و مجيئه بعد ذلك، و قراءة (2) من قرأ:
«أم من عددنا»، و قوله: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11)؛ فإنّه الفارق بينهم و بينها، لا بينهم و بين من قبلهم، كعاد و ثمود. و لأنّ المراد إثبات المعاد، و ردّ استحالته، و الأمر فيه بالإضافة إليهم و إلى من قبلهم سواء.
و تقريره: أنّ استحالة ذلك إمّا لعدم قابليّة المادّة، و مادّتهم الاصليّة هي الطّين اللّازب الحاصل من ضمّ الجزء المائيّ إلى الجزء الأرضيّ. و هما باقيان قابلان للانضمام بعد. و قد علموا أنّ الإنسان الأوّل إنّما تولّد منه، إمّا لاعترافهم بحدوث العالم، أو بقصّة آدم و شاهدوا تولّد كثير من الحيوانات بلا توسّط مواقعة. فلزمهم ان يجوّزوا إعادتهم كذلك.
و إمّا لعدم قدرة الفاعل؛ و من قدر على خلق هذه الأشياء، قدر على ما لا يعتدّ به بالإضافة إليها؛ سيّما و من ذلك بدأهم أوّلا، و قدرته ذاتيّة لا تتغيّر.
و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن النّضر بن شعيب، عن عبد الغفّار الجازيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه خلق المؤمن من طينة الجنّة، و خلق الكافر من طينة النّار.
قال: و سمعته يقول: الطّينات ثلاث: طينة الأنبياء، و المؤمن من تلك الطّينة؛ إلّا أنّ الأنبياء هم من صفوتها. هم الأصل، و لهم فضلهم. و المؤمنون الفرع من طين لازب.
كذلك لا يفرّق اللّه- عزّ و جلّ- بينهم و بين شيعتهم.
____________
(1) المصدر: النّاصح.
(2) أنوار التنزيل 2/ 289.
(3) الكافي 2/ 3، ح 2.
114
كونه ربّا لها.
و الْمَشارِقِ مشارق الكواكب، أو مشارق الشّمس في السّنة. و هي ثلاثمائة و ستّون مشرقا، تشرق كلّ يوم في واحد، و بحسبها تختلف المغارب؛ و لذلك اكتفى بذكرها.
مع أنّ الشّروق أدلّ على القدرة، و أبلغ في النّعمة.
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا: القربى منكم بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6): بزينة (1) هي الكواكب. و الإضافة للبيان. و يعضده قراءة (2) يعقوب و حمزة (3) و حفص بتنوين «زينة». و جرّ «الكواكب» على إبدالها منه.
أو: بزينة هي لها كأضوائها و أوضاعها. أو: بأن زيّنّا الكواكب فيها، على إضافة المصدر إلى المفعول. فإنّها كما جاءت اسماء- كاللّيقة- جاعت مصدرا، كالنّسبة.
و يؤيّده قراءة (4) أبي بكر بالتّنوين و النّصب على الأصل.
أو: بأن زيّنتها الكواكب، على إضافته إلى الفاعل.
و ركوز الثّوابت في الكرة الثّامنة، و ما عدا القمر من السّيّارات في السّتّ المتوسّطة بينها و بين السّماء الدّنيا- إن تحقّق- لم يقدح في ذلك؛ فإنّ أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا قال: الملائكة و الأنبياء- (عليهم السلام)- و من صفّ للّه- عزّ و جلّ- و عبده. فَالزَّاجِراتِ زَجْراً الّذين يزجرون النّاس. فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [الّذين] (6) يقرءون الكتاب من النّاس. فهو قسم و جوابه: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ. الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ.
قال (7): و حدّثني أبي و يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ لهذه النّجوم الّتي في السّماء مدائن [مثل المدائن] (8) الّتي في الأرض، مربوطة كلّ مدينة بعموم من نور. طول
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) أنوار التنزيل 2/ 288.
(3) ليس في ق، ش.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير القمّي 2/ 218- 219.
(6) من المصدر.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) ليس في ق، ت، ن.
113
مجاهد و السّديّ.
و ثانيها: أنّها الملائكة تتلو كتاب اللّه الّذي كتبه لملائكته و فيه ذكر الحوادث، فتزداد يقينا بوجود المخبر على وفق الخبر.
و ثالثها: جماعة قرّاء القرآن من المؤمنين، يتلونه في الصّلاة. عن أبي مسلم.
و إنّما لم يقل: فالتّاليات (1) تلواكما قال: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً، لأنّ التّالي قد يكون بمعنى التّابع. و منه قوله (2): وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها. فلمّا كان اللّفظ مشتركا، بيّنه بما يزيل الإبهام (3).
فالعطف لاختلاف الذّوات أو الصّفات. و الفاء لترتيب الوجود؛ كقوله:
يا لهف زيّابة للحارث الصابح* * * فالغانم فالآيب
فإنّ الصّفّ كمال، و الزّجر تكميل بالمنع عن الشّرّ، أو الإساقة (4) إلى قبول الخير، و التّلاوة إفاضته. أو الرّتبة؛
كقوله (5)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رحم اللّه المحلّقين، فالمقصّرين
غير أنّه لفضل المتقدّم على المتأخّر، و هذا للعكس.
و أدغم (6) أبو عمرو و حمزة التّاءات فيما يليها، لتقاربها؛ فإنّها من طرف اللّسان و أصول الثّنايا.
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4):
جواب للقسم. و الفائدة فيه تعظيم المقسم به، و تأكيد المقسم عليه، على ما هو المألوف في كلامهم. و أمّا تحقيقه، فبقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (5). فإنّ وجودها و انتظامها على الوجه الأكمل، مع إمكان غيره، دليل وجود الصّانع الحكيم و وحدته، على ما مرّ غير مرّة.
و «ربّ» بدل من «واحد» أو خبر ثان، أو خبر محذوف.
و ما قيل (7): إنّ ما بينهما يتناول أفعال العباد. فيدلّ على أنّها من خلقه ففيه: أنّ كونه ربّ أفعال العباد، لا يستلزم كونه خالقا لها. فإنّ كونه خالقا لمصادرها، يكفي في
____________
(1) في ق زيادة: ذكرا.
(2) الشمس/ 2.
(3) انتهى ما نقل من المجمع.
(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 288. و في النسخ:
لإشاقة.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 288.
(7) نفس المصدر و الموضع.
118
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
بَلْ عَجِبْتَ من قدرة اللّه و إنكارهم للبعث، وَ يَسْخَرُونَ (12) من تعجّبك و تقريرك للبعث.
و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ بضمّ التّاء. أي: بلغ كمال قدرتي و كثرة خلائقي أن تعجّبت منها، و هؤلاء لجهلهم يسخرون منها. أو: عجبت من أن ينكر البعث ممّن هذه أفعاله، و هم يسخرون ممّن يجوّزوه. و العجب من اللّه إمّا على الفرض و التّخيل، أو على معنى الاستعظام اللّازم له، فإنّه روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشّيء.
و قيل (2): إنّه مقدّر بالقول. أي: قل يا محمّد، بل عجبت.
وَ إِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (13): و إذا وعظوا بشيء، لا يتّعظون به. أو: إذا ذكر لهم ما يدلّ على صحّة الحشر، لا ينتفعون به، لبلادتهم و قلّة ذكرهم.
وَ إِذا رَأَوْا آيَةً: معجزة تدلّ على صدق القائل يَسْتَسْخِرُونَ (14): يبالغون في السّخرية، و يقولون: إنّه سحر. أو: يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.
وَ قالُوا إِنْ هذا- يعنون ما يرونه- إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15): ظاهر سحريّته.
أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16):
أصله: أ نبعث إذا متنا. فبدّلوا الفعليّة بالاسميّة، و قدّموا الظّرف، و كرّروا الهمزة، مبالغة في الإنكار، و إشعارا بأنّ البعث مستنكر في نفسه، و في هذه الحال أشدّ استنكارا.
فهو أبلغ من قراءة (3) ابن عامر بطرح الهمزة الأولى، و قراءة (4) نافع و الكسائيّ و يعقوب بطرح الثّانية.
أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17):
عطف على محلّ «إنّ» و اسمها، أو على الضمير في «مبعوثون»، فإنّه مفصول منه بهمزة الاستفهام، لزيادة الاستبعاد، لبعد زمانهم.
و سكّن (5) نافع و ابن عامر الواو على معنى التّرديد.
قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ داخِرُونَ (18): صاغرون.
و إنّما اكتفى به في الجواب، لسبق ما يدلّ على جوازه، و قيام المعجزة على صدق المخبر عن وقوعه.
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 290.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
121
المتفرّقة، حديث طويل. و في آخره: ثمّ قال- (عليه السلام)-: و قد ذكر عليّ- (عليه السلام)- حاكيا عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و عزّة ربّي، إنّ جميع أمّتي موقوفون يوم القيامة، و مسؤولون عن ولايته. و ذلك قوله- تعالى-: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ. قال: عن ولاية عليّ- (عليه السلام).
و في هذا الباب (1) أيضا، و بإسناده عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أوّل ما يسأل عنه العبد حبّنا أهل البيت.
و في كتاب الخصال (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تزول قدما (3) عبد يوم القيامة، حتّى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، و [عن] (4) شبابه فيما أبلاه، و عن ماله من أين اكتسبته (5)، و فيما أنفقه، و عن حبّنا أهل البيت- (عليهم السلام).
و في كتاب علل الشّرائع (6)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في تفسير قوله- عزّ و جلّ-: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ: إنّه لا يجاوز قدم عبد حتّى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، و عمره فيما أفناه، و عن ماله من أين جمعه، و فيما أنفقه، و عن حبّنا أهل البيت- (عليهم السلام).
و في أصول الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الأزدىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان فيما وعظ به لقمان ابنه: و اعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- عن أربع: شبابك فيما أبليته، و عمرك فيما أفنيته، و مالك ممّا اكتسبته، و فيما أنفقته. فتأهّب لذلك. و أعدّ له جوابا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
أبو عليّ الأشعريّ (8)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن (9) أبي نجران، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا
____________
(1) لم نعثر عليه في الباب المذكور.
(2) الخصال 1/ 253، ح 125.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تزل قدم.
(4) من المصدر مع المعقوفتين.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: كسبته.
(6) لم نعثر عليه في العلل، مع أنّ تفسير نور الثقلين 4/ 402، ح 20 أورد الحديث عن العلل و الخصال.
و الموجود في الخصال 1/ 253، ح 125 خال عن ذكر الآية الكريمة.
(7) الكافي 2/ 135، ح 20.
(8) الكافي 2/ 606، ح 9.
(9) ليس في ى.
115
ذلك العمود في السّماء مسيرة مائتين و خمسين سنة.
وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7): خارج من الطاعة، برمي الشّهب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ قال: المارد: الخبيث.
و حِفْظاً منصوب بإضمار فعله، أو العطف على بِزِينَةٍ باعتبار المعنى. كأنّه قال:
إنّا خلقنا الكواكب زينة (2) للسّماء و حفظا.
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى:
كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السّماء عنهم. و لا يجوز جعله صفة ل كُلِّ شَيْطانٍ؛ فإنّه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، و لا علّة للحفظ، على حذف اللّام؛ كما في: جئتك أن تكرمني. ثمّ حذف أن و إهدارها كقوله:
ألا أيّهذا الزّاجريّ أحضر الوغى
فإنّ اجتماع ذلك منكر.
و الضّمير ل «كلّ» باعتبار المعنى. و تعدية السّماع ب «إلى» لتضمّنه معنى الإصغاء، مبالغة لنفيه، و تهويلا لما يمنعهم عنه. و يدلّ عليه قراءة (3) حمزة و الكسائيّ و حفص بالتّشديد؛ من التّسمّع، و هو: طلب السّماع. و الْمَلَإِ الْأَعْلى: الملائكة و أشرافهم.
وَ يُقْذَفُونَ: و يرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) من جوانب السّماء، إذا قصدوا صعوده، دُحُوراً: علّة؛ أي: للدّحور، و هو الطّرد. أو مصدر. لأنّه و القذف متقاربان.
أو حال بمعنى: مدحورين. أو: منزوع عنه الباء جمع دحر، و هو: ما يطرد به. و يقوّيه القراءة (4) بالفتح و هو يحتمل أيضا أن يكون مصدرا كالقبول أو صفة له أي قذفا دحورا.
وَ لَهُمْ عَذابٌ؛ أي: عذاب آخر واصِبٌ (9): دائم، أو شديد و هو عذاب الآخرة.
و في تفسير عليّ بن ابراهيم (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: عَذابٌ واصِبٌ؛ أي: دائم موجع، قد وصل إلى قلوبهم.
____________
(1) نفس المصدر و المجلّد/ 220.
(2) ق، ش، ت، ن: مزيّنة.
(3) أنوار التنزيل 2/ 289.
(4) أنوار التنزيل 2/ 289.
(5) تفسير القمّي 2/ 221.
116
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ:
استثناء من واو «يسمعون». و «من» بدل منه.
فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ:
و الخطف: الاختلاس. و المراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة. و لذلك عرّف الخطفة.
و قرئ (1): «خطّف» بالتّشديد مفتوح الخاء و مكسورها. و أصلهما: اختطف.
و أتبع بمعنى: تبع. و الشّهاب: ما يرى كأنّ كوكبا انقضّ. قال البيضاويّ (2): و ما قيل: إنّه بخار يصعد إلى الأثير، فيشتعل، فتخمين- إن صحّ- لم يناف ذلك. إذ ليس فيه ما يدلّ على أنّه ينقضّ (3) من الفلك، و لا في قوله (4): وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ. فإنّ كلّ نيّر يحصل في الجوّ العالي، فهو مصباح لأهل الأرض، و زينة للسّماء من حيث إنّه يرى كأنّه على سطحه. و لا يبعد أن يصير الحادث كما ذكر في بعض الأوقات رجما (5) للشّيطان (6)، أن يتصعّد إلى قرب الفلك للتّسمّع.
و ما روي أنّ ذلك حدث بميلاد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إن صحّ، فلعلّ المراد كثرة وقوعه، أو مصيره دحورا.
و اختلف في أنّ المرجوم يتأذّى به فيرجع، أو يحترق به، لكن قد يصيب (7) الصّاعد مرّة، و قد لا يصيب (8)؛ كالموج لراكب السّفينة. و لذلك لا يرتدعون عنه رأسا. و لا يقال:
إنّ الشّيطان من النّار، فلا يحترق؛ لأنّه ليس من النّار الصّرف، كما أنّ الإنسان ليس من التّراب الخالص. مع أنّ النّار القويّة، إذا استولت على الضّعيفة، استهلكتها.
ثاقِبٌ (10): مضيء كأنّه يثقب الجوّ بضوئه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل.
قال: فصعد جبرئيل، و صعدت معه إلى سماء الدّنيا، و عليها ملك يقال له: إسماعيل، و هو صاحب الخطفة الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 289.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ينتقض.
(4) الملك/ 5.
(5) ق، ش: زجرا.
(6) المصدر: للشياطين.
7 و 8- ن: يصب.
(9) تفسير القمي 2/ 4- 5.
122
معاشر قرّاء القرآن! اتّقوا اللّه- عزّ و جلّ- فيما حمّلكم من كتابه! فإنّي مسؤول و إنّكم مسؤولون. فإنّي مسؤول عن تبليغ الرّسالة. و أمّا أنتم، فتسألون عمّا حمّلتم من كتاب اللّه و سنّتي.
و في نهج البلاغة (1): اتّقوا اللّه في عباده و بلاده! فإنّكم مسؤولون؛ حتّى عن البقاع و البهائم.
و في مجمع البيان (2): إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ. روى أنس بن مالك مرفوعا: إنّهم مسؤولون عمّا دعوا إليه من البدع.
و قيل (3): عن ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). عن أبي سعيد الخدريّ.
و في تهذيب الأحكام (4)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: اللّهمّ فكما كان من شأنك- يا صادق الوعد، يا من لا يخلف الميعاد، يا من هو كلّ يوم في شأن- أن أنعمت علينا بموالاة أوليائك المسئول عنها عبادك؛ فإنّك قلت- و قولك الحقّ-: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (5) و قلت: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ.
و في شرح الآيات الباهرة (6): روى أبو عبد اللّه بن العبّاس (7)- (رحمه اللّه)- عن صالح بن أحمد، عن أبي مقاتل، عن حسين بن حسن، عن حسين بن نصر بن مزاحم، عن القاسم بن [عبد] (8) الغفّار، عن أبي الأحوص (9)، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، عن أبي عبّاس، في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ قال: عن ولاية (10) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
و روي (11) مثله من طريق العامّة، عن أبي نعيم، عن ابن عبّاس. و مثله، عن أبي سعيد الخدريّ. و مثله، عن سعيد بن جبير. و كلّهم عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) النهج/ 242، الخطبة 167.
(2) المجمع 4/ 441.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) التهذيب 3/ 146، ح 317.
(5) التكاثر/ 8.
(6) تأويل الآيات 2/ 492- 494.
(7) ما في المتن موافق لبعض سنخ المصدر. و في بعضها: أبو عبد اللّه محمّد بن عبّاس و في بعضها:
محمّد بن عبد اللّه محمّد بن العبّاس.
(8) من المصدر مع المعقوفتين.
(9) ق، ش: أبي الأحرص.
(10) ليس في ق.
(11) نفس المصدر و الموضع.
119
و قرئ (1): «قال»؛ أي: اللّه، أو الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و «نعم» بالكسر.
و هو لغة فيه.
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ:
جواب شرط مقدّر. أي: إذا كان ذلك، فإنّما البعثة زجرة- أي: صيحة- واحدة هي النّفخة الثّانية (2). من: زجر الرّاعي غنمه: إذا صاح عليها. و أمرها في الإعادة، كأمر «كن» في الإبداء. و لذلك رتّب عليها فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (19): فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم.
وَ قالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (20): اليوم الّذي نجازى بأعمالنا.
و يا وَيْلَنا كلمة يقولها القائل عند الوقوع في الهلكة. و مثله: «يا حسرتنا». ينادون مثل هذه الأشياء على وجه التّنبيه على عظم الحال.
قيل (3): و قدتّم به كلامهم، و قوله: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) جواب الملائكة.
و قيل (4): هو أيضا من كلام بعضهم لبعض.
و الفصل: القضاء، أو الفرق بين المحسن و المسيء.
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا بارتكاب المعاصي، أي: اجمعوهم من كلّ جهة.
و قيل (5): أمر اللّه للملائكة، أو أمر بعضهم لبعض، بحشر الظّلمة من مقامهم إلى الموقف. و قيل: منه إلى الجحيم.
وَ أَزْواجَهُمْ: و أشباههم، عابد الصّنم مع عبدة الصّنم، و عابد الكواكب مع عبدته. كقوله: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً. أو: نساءهم اللّاتي على دينهم. أو: قرناءهم من الشّياطين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قوله- عزّ و جلّ-: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ قال: الّذين ظلموا آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حقّهم. وَ أَزْواجَهُمْ قال أشباههم.
وَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ من الأصنام و غيرها، زيادة في
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) في ن زيادة: من إسرافيل.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 290.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) تفسير القمّي 2/ 222.
120
تحسّرهم و تخجيلهم.
قيل (1): و فيه دليل على أنّ الّذين ظلموا هم المشركون.
أقول: الّذين ظلموا آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حقّهم مشركون؛ لأنّهم قد أشركوا أنفسهم في جعل حقّهم لهم، أو لغيرهم. لأنّ الجاعل لذلك هو اللّه- سبحانه. فإذا جعلوا ذلك الحقّ لغيرهم، فقد أشركوا باللّه.
فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23): فعرّفوهم طريقها ليسلكوها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ يقول: ادعوهم إلى طريق الجحيم.
وَ قِفُوهُمْ: احبسوهم في الموقف إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24):
قيل (3): عن عقائدهم و أعمالهم. و الواو لا توجب التّرتيب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)- (رحمه اللّه)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ قال: عن ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام).
و في أمالي شيخ الطّائفة (5)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أنس بن مالك، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إذا كان يوم القيامة، و نصب الصّراط على جهنّم، لم يجز عليه إلّا من معه جواز فيه ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). و ذلك قوله- تعالى-: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ؛ يعني: عن ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
و في اعتقادات الإماميّة (6) للصّدوق- (رحمه اللّه)-: قال زرارة للصّادق- (عليه السلام)-: ما تقول في القضاء و القدر؟ قال- (عليه السلام)-: أقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا جمع العباد يوم القيامة، سألهم عمّا عهد إليهم، و لم يسألهم عمّا قضى عليهم.
و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 291.
(2) تفسير القمّي 2/ 222.
(3) أنوار التنزيل 2/ 291.
(4) تفسير القمّي 2/ 222.
(5) أمالي الطوسي 1/ 296.
(6) اعتقادات الصدوق/ 71.
(7) العيون 1/ 244، ح 86 إلّا أنّ الحاكي ليس عليّا بل الراوي فيه الحسين- (عليه السلام).
123
و يؤيّده ما
رواه (1) عبد اللّه بن العبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: لا يزول (2) قدم العبد يوم القيامة، حتّى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، و عن ماله من أين اكتسبه، و فيما أنفقه، و عن علمه ما ذا عمل به، و عن حبّنا أهل البيت- (عليهم السلام).
و يعضده ما روا (3) محمّد بن مؤمن، عن الشّيرازيّ- (رحمه اللّه)- في كتابه حديثا يرفعه بإسناده إلى ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا كان يوم القيامة، أمر اللّه مالكا أن يسعّر النّيران السّبع، و يأمر رضوان أن يزخرف الجنان الثّمان، و يقول: يا ميكائيل، مدّ (4) الصراط على متن جهنّم. و يقول: يا جبرئيل، انصب ميزان العدل تحت العرش. و يقول: يا محمّد، قرّب أمّتك للحساب. ثمّ يأمر اللّه- عزّ و جلّ- أن يقعد على الصّراط سبع قناطر؛ طول كلّ قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ، و على كلّ قنطرة سبعون ألف ملك، يسألون هذه الأمّة؛ نساءهم و رجالهم. على القنطرة الأولى، عن ولاية أمير المؤمنين، و حبّ أهل البيت. فمن أتى به، جاز على القنطرة الأولى كالبرق الخاطف.
و من لا يحبّ أهل البيت، سقط على أمّ رأسه في قعر جهنّم، و لو كان معه من أعمال البرّ عمل سبعين صدّيقا.
و ذكر الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ (5)- (رحمه اللّه)- في مصباح الأنوار حديثا يرفعه بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا كان يوم القيامة، جمع اللّه الأوّلين و الآخرين في صعيد واحد، و نصب الصّراط على شفير جهنّم، فلم يجز عليه إلّا من كانت معه براءة من عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
و ذكر أيضا في الكتاب المذكور (6) حديثا يرفعه بإسناده عن عبد اللّه بن عبّاس- (رحمه اللّه)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا كان يوم القيامة، أقف أنا و عليّ على الصّراط؛ بيد كلّ واحد منّا سيف. فلا يمرّ أحد من خلق اللّه، إلّا سألناه عن ولاية عليّ- (عليه السلام). فمن [كان] (7) معه شيء منها، نجا و فاز؛ و إلّا ضربت (8) عنقه، و ألقيناه في النّار. ثمّ تلا: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المصدر: لا تزول.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كذا في المصدر. و في م، ش، ر: هذا. و في ن.
ت، ى: هنا. و في ق: هزّ.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ضرب.
124
ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25) لا ينصر بعضكم بعضا بالتّخليص.
و هو توبيخ و تعريض و تقريع.
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26): منقادون، لعجزهم و انسداد الحليل عليهم.
و أصل الاستسلام: طلب السّلامة. أو: متسالمون، كأنّه يسلّم بعضهم بعضا و يخذله.
وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [يعني الرؤساء و الأتباع أو الكفرة و القرناء] (1) يَتَساءَلُونَ (27): يسأل بعضهم بعضها للتّوبيخ. و لذلك فسّر بيتخاصمون.
قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28): عن أقوى الوجوه و أيمنها. أو: عن الدّين، أو الخير؛ كأنّكم تنفعوننا نفع السّانح (2). فتبعناكم، فهلكنا. مستعار من يمين الإنسان الّذي هو أقوى الجانبين و أشرفهما و أنفعهما. و لذلك سمّوها يمينا، و تيمّن بالسّانح. أو: عن القوّة و القهر، فتقسروننا على الضّلال. أو: عن الحلف؛ فإنّهم كانوا يحلفون لهم إنّهم على الحقّ.
قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)، وَ ما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30):
أجابهم الرّؤساء أوّلا بمنع إضلالهم، بأنّهم كانوا ضالّين في أنفسهم؛ و ثانيا بأنّهم ما أجبروهم على الكفر؛ إذ لم يكن لهم عليهم تسلّط، و إنّما جنحوا إليه، لأنّهم كانوا قوما مختارين الطّغيان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ. يعني: فلانا، و فلانا (4).
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31)، فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32):
ثمّ بيّنوا أنّ وقوع الفريقين في العذاب، كان أمرا مقتضيّا لا محيص لهم عنه. و أنّ غاية ما فعلوا بهم أنّهم دعوهم إلى الغيّ، لأنّهم كانوا على الغيّ، فأحبّوا أن يكونوا مثلهم.
و فيه إيماء بأنّ غوايتهم في الحقيقة ليست من قبلهم؛ إذ لو كان كلّ غواية لإغواء غاو، فمن
____________
(1) ليس في ق، ش، ن، ت.
(2) سنخ الطّائر أو الظّبي و غيرهما: مرّ من مياسرك إلى ميامنك فولّاك ميامنه. و العرب يتيمّنون به.
(3) تفسير القمّي 2/ 222.
(4) يوجد في النسخ زيادة: قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
125
أغواهم.
فَإِنَّهُمْ: فإنّ الأتباع و المتبوعين يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33)؛ كما كانوا مشتركين في الغواية.
إِنَّا كَذلِكَ مثل ذلك الفعل نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34): بالمشركين؛ لقوله:
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)؛ أي: عن كلمة الحقّ و التّوحية، أو على من يدعوهم إليه.
وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36):
يعنون محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله).
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37):
ردّ عليهم بأنّ ما جاء به من التّوحيد حقّ، قام به البرهان، و تطابق عليه المرسلون.
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38)؛ بالإشراك و تكذيب الرّسل.
و قرئ (1) بنصب العذاب، على تقدير النّون؛ كقوله:
و لا ذاكر اللّه إلّا قليلا (2)
و هو ضعيف في غير المحلّى باللّام؛ و على الأصل.
وَ ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39): إلّا مثل ما عملتم.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40):
استثناء منقطع؛ إلّا أن يكون الضّمير في «تجزون» لجميع المكلّفين، فيكون استثناؤهم عنه باعتبار المماثلة؛ فإنّ ثوابهم مضاعف، و المنقطع أيضا بهذا الاعتبار.
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) خصائصه؛ من الدّوام، أو تمحّض اللّذّة.
و لذلك فسّره بقوله: فَواكِهُ؛ فإنّ الفاكهة ما يقصد. للتّلذّذ دون التّغذّي، و القوت بالعكس. و أهل الجنّة لمّا أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن التّحلّل، كانت أرزاقهم فواكه خالصة.
وَ هُمْ مُكْرَمُونَ (42) في نيله. يصل إليهم من غير تعب و سؤال، كما عليه رزق الدّنيا.
____________
(1) أنوار التّنزيل 2/ 292.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: على تقدير النّون.
126
و في روضة الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نقل عنه حديثا طويلا، يقول فيه- حاكيا حال أهل الجنّة-: و أمّا قوله:
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ قال: يعلمه الخدّام، فيأتون به أولياء اللّه، قبل أن يسألوهم إيّاه.
و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: فَواكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ قال: فإنّهم لا يشتهون شيئا في الجنّة إلّا أكرموا به.
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43): في جنّات ليس فيها إلّا النّعيم.
و هو ظرف أو حال من المستكنّ في مُكْرَمُونَ. أو خبر ثان ل «أولئك».
و كذلك عَلى سُرُرٍ يحتمل الحال و الخبر؛ فيكون مُتَقابِلِينَ (44) حالا من المستكنّ فيه، أو في مُكْرَمُونَ؛ و أن يتعلّق ب مُتَقابِلِينَ، فيكون حالا من ضمير مُكْرَمُونَ.
و هي جمع سرير. أي: متقابلين على سرر يتمتّع بعضهم بالنّظر إلى وجوه بعض، و لا يرى بعضهم فقاء بعض.
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ: إناء فيه خمر. أو: خمر؛ كقوله:
و كأس شربت* * * على لذّة
مِنْ مَعِينٍ (45): من شراب معين، أو نهر معين؛ أي: ظاهر للعيون، أو خارج من العيون.
و هو صفة للماء. من: عان الماء: إذا نبع. وصف به خمر الجنّة، لأنّها تجري كالماء؛ أو للإشعار بأنّ ما يكون لهم بمنزلة الشّراب جامع لما يطلب من أنواع الأشربة بكمال اللّذّة.
و كذلك قوله: بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46). [و هما أيضا صفتان ل «كأس».
و وصفها ب «لذّة» إمّا للمبالغة، أو لأنّها تأنيث لذّ، بمعنى: لذيذ؛ كطبّ. و وزنه فعل.
قال:
و لذّ كطعم الصّرخديّ تركته] (2) بأرض العدى من خشية الحدثان* * *
لا فِيها غَوْلٌ: غائلة، كما في خمر الدّنيا؛ كالخمار. من: غاله يغوله: إذا أفسده.
و منه: الغول.
____________
(1) الكافي 8/ 100، ح 69.
(2) من ن، ت.
127
وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47): يسكرون. من: نزف الشّارب، فهو نزيف و منزوف: إذا ذهب عقله.
أفرده بالنّفي، و عطفه على ما يعمّه؛ لأنّه من عظم فساده، كأنّه جنس برأسه.
و قرأ (1) حمزة و الكسائي بكسر الزّاى؛ من: أنزف الشارب: إذا نفد عقله أو شرابه.
و أصله للنّفاد. يقال: نزف المطعون: إذا خرج دمه كلّه، و: نزحت الرّكيّة حتّى نزفتها.
و في مجمع البيان (2): قال ابن عبّاس- (رحمه اللّه)-: [معناه:] (3) و لا يبولون (4). قال:
و في الخمر أربع خصال: السّكر، و الصّداع، و القيء، و البول. فنزّه اللّه- سبحانه- خمر الجنّة عن هذه الخصال.
وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ: قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهنّ (5)، لحبّهنّ إيّاهم.
و قيل (6): معناه: و لا يفتحن أعينهن غنجا و دلالا.
عِينٌ (48): واسعات العيون جمع عيناء.
و قيل (7) هي الشّديدة، بياض العين الشّديدة سوادها.
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49):
شبّههنّ ببيض النّعام المصون عن (8) الغبار و نحوه، في الصّفاء و البياض المخلوط بأدنى صفرة؛ فإنّه أحسن ألوان الأبدان.
و قيل (9): شبّههنّ ببطن البيض قبل أن تقشر، و قبل أن تمسّه الأيدي.
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50):
معطوف على يُطافُ عَلَيْهِمْ. اي: يشربون فيتحادثون على الشّراب. قال:
و ما بقيت من اللّذّات إلّا* * * أحاديث الكرام على المدام
و التّعبير عنه بالماضي، للتّأكيد فيه. فإنّه ألذّ تلك اللّذّات إلى العقل. و تساؤلهم عن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 292.
(2) المجمع 4/ 443.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يبلون.
(5) كذا في النسخ و نفس المصدر. و الصحيح:
غيرهم.
6 و 7- نفس المصدر و الموضع.
(8) ن، ت، م، ى، ر: من.
(9) نفس المصدر و الموضع.
128
المعارف و الفضائل و ما جرى لهم و عليهم في الدّنيا.
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ في مكالمتهم: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51): صاحب يختصّ بي في الدّنيا، إمّا من الإنس- على قول ابن عبّاس- أو من الشّياطين- على قول مجاهد.
يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52): يوبخّني على التّصديق بالبعث.
و قرئ (1) بتشديد الصّاد؛ من التّصدّق.
أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ (53): لمجزيون. من الدّين بمعنى:
الجزاء.
و في جوامع الجامع (2): «إنّا لمدينون»؛ أي: لمجزيون. من الدّين الّذي هو الجزاء. أو:
لمسوسون مربوبون. من دانه: إذا ساسة.
و في الحديث (3): الكيس (4) من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت.
قالَ ذلك القائل لإخوانه في الجنّة:
هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) إلى أهل النّار، لأريكم ذلك القرين.
و قيل (5): القائل هو اللّه- تعالى أو بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبّون أن تطّلعوا على أهل النّار، لأريكم ذلك القرين؟
و قيل (6): لتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم (7).
و عن أبي عمرو (8): «مطلعون فأطلع» بالتّخفيف و كسر النّون و ضمّ الألف، على أنّه جعل اطلاعهم سبب اطلاعه؛ من حيث إنّ أدب المجالسة يمنع الاستبداد به. أو خاطب الملائكة على وضع المتّصل موضع المنفصل؛ كقوله:
هم الآمرون الخير* * * و الفاعلونه (9)
أو شبّه اسم الفاعل بالمضارع.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 293.
2 و 3- الجوامع/ 398.
(4) الكيس: العاقل، و الفطن. و يقرأ: الكيس.
و الكيّس.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 293.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: «فاطّلع» عليهم.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 293. و في النسخ:
الفاعلون.
130
و هو أيضا يحتمل الأمرين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: ثمّ يقولون في الجنّة: أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
قال: فحدّثني أبي، عن عليّ بن مهزيار و الحسن بن محبوب، عن النّضر بن سويد، عن درست، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (صلوات اللّه عليه)- قال: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، و أهل النّار النّار، جيء بالموت، فيذبح كالكبش، بين الجنّة و النّار. ثمّ يقال:
خلود، فلا (2) موت أبدا! فيقول أهل الجنّة: أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62): شجرة ثمرتها نزل أهل النّار.
و انتصاب «نزلا» على التّمييز، أو الحال. و في ذكره دلالة على أنّ ما ذكر من النّعيم لأهل الجنّة، بمنزلة ما يقام للنّازل، و لهم ما وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام. و كذلك الزّقّوم لأهل النّار. و هو اسم شجرة صغيرة الورق منتنة الرّائحة مرّة، تكون بتهامة. سمّيت بها الشّجرة الموصوفة.
إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63): محنة و عذابا لهم في الآخرة، و ابتلاء في الدّنيا. فإنّهم لمّا سمعوا أنّها في النّار، قالوا: كيف ذلك و النّار تحرق الشّجر؟! و لم يعلموا أنّ من قدر على خلق ما يعيش في النّار و يتلذّذ بها، فهو أقدر على خلق الشّجر في النّار و حفظه من الإحراق.
و في مجمع البيان (3): روي أنّ قريشا لمّا سمعت هذه الآية، قالت؛ ما نعرف هذه الشّجرة! قال ابن الزّبعريّ: الزّقّوم بكلام البربر التّمر و الزّبد- و في رواية: بلغة اليمن.
فقال أبو جهل لجاريته: يا جارية زقّمينا (4). فأتته الجارية بتمر و زبد. فقال لأصحابه:
تزقّموا بهذا الّذي يخوّفكم به محمّد، فيزعم أنّ النّار تنبت الشّجر، و النّار تحرق الشّجر! فأنزل اللّه- تعالى-: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ.
و قد روي (5) أنّ اللّه يجوّعهم حتّى ينسوا عذاب النّار من شدّة الجوع. فيصرخون إلى
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 223.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بلا.
(3) المجمع 4/ 446.
(4) أي: أطعمينا الزّقّوم.
(5) نفس المصدر و الموضع.
129
فَاطَّلَعَ عليهم فَرَآهُ؛ أي: قرينه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55): وسطه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [في قوله:] (2) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [يقول: في وسط الجحيم] (3).
قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56): لتهلكني بالإغواء.
و قرئ (4): «لتغوين».
و «إن» هي المخفّفة. و اللّام هي الفارقة.
وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي بالهداية و العصمة، لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) معك فيها.
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58).
عطف على محذوف. أي: أ نحن مخلّدون منعّمون، فما نحن بميّتين؛ أي: بمن شأنه الموت.
و قرئ (5): «بمائتين».
إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى الّتي كانت في الدّنيا و هي متناولة لما في القبر بعد الإحياء للسّؤال.
و نصبها على المصدر من اسم الفاعل. و قيل (6): على الاستثناء المنقطع.
وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) كالكفّار.
و ذلك تمام كلامه لقرينه، تقريعا له. أو معاودة إلى مكالمة جلسائه، تحدّثا بنعمة اللّه، و تبجّحا بها، و تعجّبا منها، و تعريضا للقرين بالتّوبيخ.
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60):
يحتمل أن يكون من كلامهم، و أن يكون كلام اللّه، لتقرير قوله، و الإشارة إلى ما هم عليه من النّعمة و الخلود و الأمن من العذاب.
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61)؛ أي؛ لنيل مثل هذا، يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدّنيويّة المشوبة (7) بالآلام، السّريعة الانصرام.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 222.
(2) من المصدر.
(3) ليس في ق.
(4) أنوار التنزيل 2/ 293.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ليس في ق.
131
مالك، فيحملهم إلى تلك الشّجرة؛ و فيهم أبو جهل. فيأكلون منها. فتغلي بطونهم كغلي الحميم. فيستسقون. فيسقون شربة من الماء الحارّ الّذي بلغ نهايته في الحرارة. فإذا قرّبوها من وجوههم، شوت وجوههم. فذلك قوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ. فإذا وصل (1) إلى بطونهم، صهر ما في بطونهم؛ كما قال (2)- سبحانه-: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ. و ذلك طعامهم و شرابهم.
و فيه (3)، عند قوله (4)- تعالى-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ: و
روي- أيضا- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: هو الطّعن في الحقّ، و الاستهزاء به، و ما كان أبو جهل و أصحابه يجيئون به؛ إذ قال: يا معشر قريش، ألا أطعمكم من الزّقّوم الّذي يخوّفكم به صاحبكم؟! ثمّ أرسل إلى زبد و تمر، فقال: هذا هو الزّقّوم الّذي يخوّفكم به!
و في الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد؛ و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن ضريس الكناسيّ قال:
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ للّه نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفّار. و يأكلون من زقّومها. و يشربون من حميمها ليلهم. فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له: برهوت، أشدّ حرّا من نيران الدّنيا. كان فيها يتلاقون و يتعارفون. فإذا كان المساء، عادوا إلى النّار. فهم كذلك إلى يوم القيامة.
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64): منبتها في قعر جهنّم، و أغصانها ترتفع إلى دركاتها.
طَلْعُها: حملها. مستعار من طلع التّمر، لمشاركته إيّاه في الشّكل، أو الطّلوع من الشّجر.
كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) في تناهي القبح و الهول.
و هو تشبيه بالمتخيّل؛ كتشبيه الفائق الحسن بالملك.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: وصلت.
(2) الحجّ/ 20.
(3) مجمع البيان 4/ 313.
(4) لقمان/ 6.
(5) الكافي 3/ 246- 247، ح 1.
132
و قيل (1): الشّياطين (2) حيّات هائلة قبيحة المنظر، لها أعراف (3). و لعلّها سمّيت بها لذلك.
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها: من الشّجرة، أو من طلعها.
فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66)، لغلبة الجوع، أو الجبر على أكلها.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها؛ أي: بعد ما شبعوا منها، و غلبهم العطش.
و يجوز أن يكون «ثمّ». لما في شرابهم من مزيد الكراهة و البشاعة.
لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67): لشرابا من غسّاق أو صديد مشوبا بماء حميم، يقطّع أمعاءهم.
و قرئ (4) بالضّمّ. و هو اسم ما يشاب به. و الأوّل مصدر سمّي به.
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ: مصيرهم لَإِلَى الْجَحِيمِ (68): إلى دركاتها، أو إلى نفسها. فإنّ الزّقّوم و الحميم نزل يقدم (5) إليهم قبل دخولها.
و قيل (6): الحميم خارج عنها- لقوله (7)- تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ- يوردون إليه كما تورد الإبل إلى الماء؛ ثمّ يردّون إلى الجحيم. و يؤيّده أنّه قرئ: «ثمّ إنّ منقلبهم».
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69)، فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70):
تعليل لاستحقاقهم تلك الشّدائد بتقليد الآباء في الضّلال.
و الإهراع: الإسراع الشّديد: كأنّهم يزعجون على الإسراع على أثرهم. و فيه إشعار بأنّهم بادروا إلى ذلك من غير توقّف على نظر و بحث.
وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ: قبل قومك أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71).
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72):
أنبياء أنذروهم من العواقب.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 294.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: هيئة.
(3) ق: أعراف.
(4) أنوار التنزيل 2/ 294.
(5) ليس في ن، ت، م، ى، ر.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) الرحمن/ 43- 44.
133
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) من الشّدّة و الفظاعة.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74): إلّا الّذين تنبّهوا بإنذارهم، فأخلصوا دينهم للّه.
و قرئ (1) بالفتح. أي: الّذين أخلصهم اللّه لدينه. (2).
و الخطاب مع الرّسول، و المقصود خطاب قومه؛ فإنّهم أيضا سمعوا أخبارهم و رأوا آثارهم.
وَ لَقَدْ نادانا نُوحٌ:
شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها. أي: و لقد دعانا، حين أيس من قومه.
فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)؛ أي: فأجبناه أحسن الإجابة؛ فو اللّه لنعم المجيبون نحن. فحذف منها ما حذف، لقيام ما يدلّ عليه.
وَ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)؛ أي: من الغرق، أو أذى قومه.
وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77):
قيل (3): إذ هلك من عداهم، و بقوا متناسلين إلى يوم القيامة. إذ روي أنّه مات كلّ من كان معه في السّفينة غير بنيه و أزواجهم.
و في تفسير علي بن إبراهيم (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ: يقول: بالحقّ و النّبوّة و الكتاب و الإيمان في عقبه. و ليس كلّ من في الأرض من بني آدم من ولد نوح- (عليه السلام). قال اللّه (5)- عزّ و جلّ- في كتابه: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ (6) وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. و قال أيضا (7). ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ.
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) من الأمم.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 294.
(2) ن، ت، ى: لدينهم.
(3) أنوار التنزيل 2/ 294- 295.
(4) تفسير القمّي 2/ 223.
(5) هود/ 40.
(6) في النسخ زيادة: منهم.
(7) الإسراء/ 3.
(8) كمال الدين/ 134- 135، ح 3.
134
و بشّرهم نوح بهود. و أمرهم باتّباعه، و أن يقيموا (1) الوصيّة كلّ عام، فينظروا فيها، فيكون عيدا لهم؛ كما أمرهم آدم- (عليه السلام). فظهرت الجبريّة في (2) ولد حام و يافث.
فاستخفى ولد سام بما عندهم من العلم. و جرت على سام بعد نوح الدّولة لحام و يافث.
و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. يقول: تركت على نوح دولة الجبّارين. و يعزّي اللّه محمّدا بذلك.
قال: و ولد لحام (3) الهند و السّند و الحبش. و ولد لسام العرب و العجم. و جرت عليهم الدّولة. و كانوا يتوارثون الوصيّة عالم بعد عالم؛ حتّى بعث اللّه- عزّ و جلّ- هودا- (عليه السلام).
سَلامٌ عَلى نُوحٍ:
هذا الكلام جيء به على الحكاية. و المعنى: يسلّمون عليه تسليما.
و قيل (4): هو سلام من اللّه- تعالى- عليه. و مفعول «تركنا» محذوف مثل الثّناء.
فِي الْعالَمِينَ (79):
متعلّق بالجارّ و المجرور. و معناه: الدّعاء بثبوت هذه التّحيّة في الملائكة و الثّقلين جميعا.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80):
تعليل لما فعل بنوح، من التّكرّم بأنّه مجازاة له على إحسانه.
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81).
تعليل لإحسانه بالإيمان، إظهارا لجلالة قدره و أصالة أمره.
و في كتاب الخصال (5)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب، ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: و من خاف منكم العقرب، فليقرأ هذه الآيات:
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)؛ يعني: كفّار قومه.
وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83): ممّن شايعه في الإيمان و أصول الشّريعة، و لا
____________
(1) ق، ش: يفتحوا.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: من.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: حام.
(4) أنوار التنزيل 2/ 295.
(5) الخصال 2/ 619.
135
يبعد اتّفاق شرعهما في الفروع أو غالبا.
قيل (1): و كان بينهما ألفان و ستّمائة و أربعون سنة. و كان بينهما نبيّان: هود، و صالح.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثنا أبو العبّاس قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن النّضر بن سويد، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: ليهنّئكم الاسم.
قلت: و ما هو جعلت فداك؟
قال: [الشيعة.
قيل: إنّ النّاس يعيّروننا بذلك.
قال: أما تسمع قول اللّه:] (3) وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، و قوله- عزّ و جلّ-:
فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ؟! فليهنّئكم الاسم.
و في مجمع البيان (4): روي أبو بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ليهنّئكم الاسم.
قلت: و ما هو؟
قال: الشّيعة.
قلت: إنّ النّاس يعيّروننا بذلك.
قال: أما تسمع قوله- سبحانه-: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، و قوله: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ.
و في شرح الآيات الباهرة (5): و معنى إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ؛ أي: إنّ إبراهيم من شيعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- كما قال (6)- سبحانه-: وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي؛ ذرّيّة من هو أب لهم. فجعلهم ذرّيّة، و قد سبقوا إلى الدّنيا.
و روي عن مولانا الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ؛ أي: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- من شيعة [النّبيّ. فهو من شيعة] (7)
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 295.
(2) تفسير القمّي 2/ 223.
(3) من المصدر.
(4) المجمع 4/ 448.
(5) تأويل الآيات 2/ 495- 497.
(6) يس/ 41.
(7) من المصدر.
136
عليّ- (صلوات اللّه و سلامه عليه).
[و الخبران متوافقان. لأنّ كلّ من كان من شيعة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهو من شيعة عليّ- (عليه السلام).] (1) و كلّ من كان من شيعة عليّ، فهو من شيعة النّبيّ- صلّى اللّه عليهما [و على ذرّيّتهما الطّاهرين.
و يؤيّد هذا التّأويل ما رواه (2)
الشّيخ محمّد بن الحسين (3)- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن وهبان، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن رحيم، عن العبّاس بن محمّد قال: حدّثني أبي، عن أبي الحسين (4) بن عليّ بن (أبي) (5) حمزة قال: حدّثني أبي، عن أبي بصير يحيى بن أبي (6) القاسم قال: سأل جابر بن يزيد الجعفيّ جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- عن تفسير هذه الآية: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ. فقال- (عليه السلام)-:
إنّ اللّه- سبحانه- لمّا خلق [إبراهيم- (عليه السلام)-] (7) كشف له عن بصره.
فنظر، فرأى نورا إلى جنب العرش، فقال: إلهي، ما هذا النّور؟ فقيل له: هذا نور محمّد صفوتي من خلقي. و رأى نورا إلى جنبه، فقال: إلهي، و ما هذا النّور؟ فقيل له: هذا نور عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- ناصر ديني. و رأي إلى جنبهم (8) ثلاثة أنوار، فقال: إلهي و ما هذه الأنوار. فقيل (9) له: هذا نور فاطمة- فطمت محبّيها من النّار- و نور ولديها الحسن و الحسين (10). و رأى (11) تسعة أنوار قد حفّوا بهم [فقال: إلهي، و ما هذا الأنوار التّسعة؟] (12) قيل: يا إبراهيم، هؤلاء الأئمّة من ولد عليّ و فاطمة.
فقال إبراهيم: إلهي (13)، بحقّ هؤلاء الخمسة إلّا عرّفتني من التّسعة! قيل: يا إبراهيم، أوّلهم عليّ بن الحسين، و ابنه محمّد، و ابنه جعفر، و ابنه موسى، و ابنه عليّ، و ابنه محمّد، و ابنه عليّ، و ابنه الحسن، و الحجّة القائم ابنه.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) المصدر: العبّاس.
(4) المصدر: الحسن.
(5) من المصدر مع القوسين.
(6) ليس في ق، ت، ن.
(7) ليس في ت.
(8) ش: جنبيهم.
(9) ق: فقال.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: فقال إلهي.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: أرى.
(12) من المصدر.
(13) ليس في ق، ن.
137
فقال إبراهيم: إلهي و سيّدي، أرى أنوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلّا أنت! قيل: يا إبراهيم، هؤلاء شيعتهم؛ شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
فقال إبراهيم: و بم (1) تعرف شيعته؟ قال: بصلاة إحدى و خمسين، و الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، و القنوت قبل الرّكوع، و التّختّم في اليمين. فعند ذلك قال إبراهيم: اللّهمّ اجعلني من شيعة أمير المؤمنين.
قال (2): فأخبر اللّه- تعالى- في كتابه، فقال: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ.
ثمّ قال: و ممّا يدلّ على أنّ إبراهيم و جميع الأنبياء و الرّسل من شيعة أهل البيت- (عليهم السلام)- ما
روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: ليس إلّا اللّه و رسوله و نحن و شيعتنا. و الباقي في النّار.
فتعيّن أنّ جميع أهل الإيمان من الأنبياء و الرّسل و أتباعهم من شيعتهم.
و لقول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو اجتمع الخلق على حبّ عليّ، لم يخلق اللّه (3) النّار.
إِذْ جاءَ رَبَّهُ:
متعلّق بما في الشّيعة من معنى المشايعة، أو بمحذوف هو: اذكر.
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) من آفات القلوب. أو: من العلائق، خالص للّه، أو مخلص له.
و قيل (4): حزين. من السّليم، بمعنى: اللّديغ. و معنى المجيء به ربّه (5)، إخلاصه له؛ كأنّه جاء به متحفا إيّاه.
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (85):
بدل من الأولى، أو ظرف ل «جاء»، [أو «سليم»] (6).
أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)؛ أي: أ تريدون آلهة دون اللّه إفكا. فقدّم المفعول للعناية، ثمّ المفعول له. لأنّ الأهمّ أن يقرّر أنّهم على الباطل، و مبنى أمرهم على الإفك.
و يجوز أن يكون «إفكا» مفعولا به، و «آلهة» بدل منه؛ على أنّها إفك في نفسها،
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بما.
(2) ليس في ق، ش.
(3) ليس في ق، ش.
(4) أنوار التنزيل 2/ 295.
(5) ليس في ن، ت، م، ى، ر.
(6) ليس في ق، ت.
138
للمبالغة. أو المراد بها عبادتها، بحذف المضاف. أو حالا بمعنى: آفكين.
فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87): بمن هو حقيق بالعبادة، لكونه ربَّا للعالمين؛ حتّى تركتم عبادته، أو أشركتم به غيره، أو أمنتم من عذابه.
و المعنى إنكار ما يوجب ظنّا- فضلا عن قطع- يصدّ عن عبادته، أو يجوّز الإشراك به، أو يقتضي الأمن من عقابه، على طريقه الإلزام. و هو كالحجّة على ما قبله.
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88):
قيل (1): فرأى مواقعها و اتّصالاتها. أو في علمها، أو كتابها. و لا منع منه، مع أنّ قصده إيهامهم.
و ذلك حين سألوه أن يعيّد معهم فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89). أراهم بأنّه استدلّ بها- لأنّهم كانوا منجّمين- على أنّه مشارف للسّقم، لئلّا يخرجوه إلى معيدهم. فإنّه كان أغلب أسقامهم الطّاعون، و كانوا يخافون العدوى. أو أراد: إنّي سقيم القلب، لكفركم.
أو: خارج المزاج عن الاعتدال، خروجا قلّ من يخلو منه. أو: بصدد الموت.
و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده [عن أبي] (3) صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قلت. له: قوله- تعالى-: إِنِّي سَقِيمٌ.
فقال: ما كان إبراهيم سقيما، و ما كذب. إنّما عنى سقيما في دينه مرتادا.
و قد روي (4) أنّه عنى بقوله: إِنِّي سَقِيمٌ؛ أي: سأسقم. و كلّ ميّت سقيم. و قد قال اللّه (5)- تعالى- لنبيّه: إِنَّكَ مَيِّتٌ؛ أي: ستموت.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن محمّد، رفعه عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ، قال: حسب فرأى ما يحلّ بالحسين- (عليه السلام)- فقال: إِنِّي سَقِيمٌ لما يحلّ بالحسين (7)- (عليه السلام).
عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: التّقيّة من دين اللّه.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 295.
(2) المعاني/ 209- 210.
(3) ليس في المصدر. و في ن، ت، م، ى، ر: «إلى» مكان «عن أبي».
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) الزمر/ 30.
(6) الكافي 1/ 465، ح 5.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: به.
(8) الكافي 2/ 217، ح 3.
139
قلت: من دين اللّه؟! قال: إي و اللّه! من دين اللّه. و لقد قال يوسف: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (1).
و اللّه ما كانوا سرقوا شيئا. و لقد قال إبراهيم: إِنِّي سَقِيمٌ. و اللّه ما كان سقيما.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حجر، عن أبي عبد اللّه قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: عاب آلهتهم، فنظر نظرة في النّجوم، و قال: إنّي سقيم. قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و اللّه ما كان سقيما، و ما كذب.
الحسين بن محمّد الأشعريّ (3)، عن معلّي بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: قيل لأبي جعفر- (عليه السلام)- و أنا عنده: إنّ سالم بن أبي حفصة و أصحابه يروون عنك أنّك تكلّم على سبعين وجها لك منها المخرج! فقال: ما يريد سالم منّي؟! أ يريد أن أجيء بالملائكة؟! و اللّه، ما جاءت بهذا النّبيّون. و لقد قال إبراهيم- (عليه السلام)-: إِنِّي سَقِيمٌ. و ما كان سقيما، و ما كذب.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن محمّد بن عرامة الصّيرفيّ، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق روح القدس. فلم يخلق خلقا أقرب إليه منها، و ليست بأكرم خلقه عليه. فإذا أراد أمرا. ألقاه إليها. فألقته (5) إلى النّجوم، فجرت به.
و في من لا يحضره الفقيه (6): و روي عن عبد الملك بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّي قد ابتليت بهذا العلم. فأريد الحاجة. فإذا نظرت إلى الطّالع، و رأيت الطّالع الشّرّ، جلست، و لم أذهب فيها. و إذا رأيت الطّالع الخير، ذهبت في الحاجة.
فقال لي: تقضي. قلت: نعم. قال: أحرق كتبك.
____________
(1) يوسف/ 70.
(2) الكافي 8/ 368، ح 559.
(3) نفس المصدر و المجلّد/ 100، ح 70. و في ق:
محمّد بن الحسين الأشعري.
(4) تفسير العياشي 2/ 270، ح 70.
(5) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: فألقاه.
(6) الفقيه 2/ 175، ح 779.
140
و في كتاب جعفر بن محمّد (1) الدّوريستيّ (2)، بإسناده إلى ابن مسعود، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إذا ذكر القدر، فأمسكوا. و إذا ذكر أصحابي، فأمسكوا. و إذا ذكر النّجوم، فأمسكوا.
و في كتاب الإحتجاج (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال له السّائل: فما تقول في علم النّجوم؟
قال: هو علم قلّت منافعه، و كثرت مضارّة (4). لأنّه لا يدفع به المقدور، و لا يتّقى به المحذور. إن خبر (5) المنجّم بالبلاء لم ينجه التّحرّز من القضاء. إن أخبر (6) هو بخير، لم يستطع تعجيله. و إن حدث به سوء، لم يمكنه صرفه. و المنجّم يضادّ اللّه في علمه بزعمه أنّه (7) يردّ قضاء اللّه عن خلقه.
عن سعيد بن جبير (8) قال: استقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- دهقان من دهاقين الفرس فقال له بعد التّهنئة: يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [تناحست النّجوم الطّالعات.
و تناحست السّعود بالنّحوس. و إذا كان مثل هذا اليوم، وجب على الحكيم الاختفاء.
و يومك هذا يوم صعب قد انقلب فيه] (9) كوكبان، و انقدح من برجك النّيران، و ليس الحرب لك بمكان.
قال أمير المؤمنين ويحك (10)- (عليه السلام)- يا دهقان المنبّئ بالآثار، و المحذّر من الأقدار! ما قصّة صاحب [الميزان و قصّة صاحب] (11) السّرطان؟ و كم المطالع (12) من الأسد و السّاعات من المحرّكات؟ و كم بين السّراري و الذّراري (13)؟
قال: سأنظر. و أومأ بيده إلى كمّه، و أخرج منه أسطرلابا ينظر فيه.
فتبسّم- (صلوات اللّه عليه)- و قال: أ تدري ما حدث البارحة؟ وقع بيت بالصّين.
و انفرج برج ماجين. و سقط سور سرانديب. و انهزم بطريق الرّوم بأرمينة (14). و فقد ديّان
____________
(1) ليس في ق.
(2) نور الثقلين 4/ 407، ح 50.
(3) الإحتجاج/ 348.
(4) المصدر: مضرّاته.
(5) ليس في المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و إن خبر.
(7) المصدر: إن.
(8) نفس المصدر/ 239- 240.
(9) ليس في ق.
10 و 11 ليس في ق، ش.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: الطالع.
(13) كذا في المصدر. و في ق: الزراريّ و في غيرها:
الزراري.
(14) المصدر: بأرمينية.
141
اليهود بإبله. و هاج النّمل بوادي النّمل. و هلك ملك إفريقية. أ كنت عالما بهذا؟
قال: لا، يا أمير المؤمنين.
فقال: البارحة سعد سبعون ألف عالم. و ولد في كلّ عالم سبعون ألف عالم. و اللّيلة يموت مثلهم. و هذا منهم. و أوما بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثيّ- لعنه اللّه- و كان جاسوسا للخوارج في عسكر أمير المؤمنين- (عليه السلام). فظنّ الملعون أنّه يقول: خذوها (1)، فأخذ بنفسه، فمات.
فخرّ الدّهقان ساجدا. فقال أمير المؤمنين: أ لم أروك من عين التوفيق؟
قال: بلى، يا أمير المؤمنين.
فقال: أنا و أصحابي (2) لا شرقيّون، و لا غربيّون. نحن ناشئة القطب و أعلام الفلك.
أمّا قولك: انقدح من برجك النّيران؛ فكان الواجب [عليك] (3) أن تحكم لي به، لا عليّ.
أمّا نوره و ضياؤه، فعندي. و أمّا حريقه و لهبه، فذاهب (4) عنّي. و هذه مسألة عميقة؛ احسبها إن كنت حاسبا.
و روي (5) أنّه- (عليه السلام)- لمّا أراد المسير إلى الخوارج، قال له بعض أصحابه: إن سرت في هذا الوقت، خشيت أن لا تظفر بمرادك، من طريق علم النّجوم.
فقال- (عليه السلام)-: أ تزعم انّك تهدي إلى السّاعة الّتي من سار فيها، صرف عنه السّوء؟! و تخوّف السّاعة الّتي من سار فيها، حاق به الضّرّ؟! فمن صدّقك بهذا، فقد كذّب القرآن، و استغنى عن الاستعانة باللّه في نيل المحبوب و دفع المكروه. و ينبغي في قولك للعامل بأمرك، أن يولّيك الحمد دون ربّه. لأنّك بزعمك أنت هديته إلى السّاعة الّتي نال فيها النّفع، و أمن الضّرّ.
أيّها النّاس! إيّاكم و تعلّم النّجوم؛ إلّا ما يهتدى به في برّ أو بحر. فإنّها (6) تدعو إلى الكهانة. و المنجّم كالكاهن. و الكاهن كالسّاحر. و السّاحر كالكافر. و الكافر في النّار. سيروا على اسم اللّه و عونه. [و مضى فظفر بمراده- (صلوات اللّه عليه).] (7)
____________
(1) ق، ش، م: حذوه.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: صاحبي.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فذهب.
(5) نفس المصدر/ 240.
(6) ق، ش، م، ن: فإنّما.
(7) من المصدر.
142
و في نهج البلاغة (1)، قال: أيّها النّاس! إيّاكم و تعلّم النّجوم؛ إلّا ما يهتدى به في برّ او بحر. فإنّها تدعو إلى الكهانة. و المنجّم كالكاهن. و الكاهن كالسّاحر. و السّاحر كالكافر. و الكافر في النّار. [سيروا على اسم اللّه] (2).
و في الكافي (3): عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن غير واحد، عن عليّ بن أسباط- إلى قوله: و بهذا الإسناد، عن عليّ بن أسباط، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان بيني و بين رجل قسمة أرض. و كان الرّجل صاحب نجوم. فكان يتوخّى ساعة السّعود، فيخرج فيها، و أخرج أنا في ساعة النّحوس. فاقتسمنا فخرج إليّ خير القسمين.
فضرب الرّجل يده اليمنى على اليسرى. ثمّ قال: ما رأيت كاليوم قطّ.
قلت: ويل الآخر (4)، و ما ذاك؟
قال: إنّي صاحب نجوم. أخرجتك في ساعة النّحوس، و خرجت أنا في ساعة السّعود. ثمّ قسمنا، فخرج لك خير القسمين! فقلت: ألا أحدّثك بحديث حدّثني به أبي؟ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سرّه أن يدفع [اللّه] (5) عنه نحس يومه (6)، فليفتتح يومه بصدقة يذهب اللّه بها عنه نحس يومه. و من أحبّ أن يذهب اللّه عنه نحس ليلته، فليفتتح ليلته بصدقة تدفع عنه نحس ليلته. فقلت: و إنّي افتتحت خروجي بصدقة. فهذا خير لك من علم النّجوم.
و في روضة الكافي (7): أحمد بن محمّد و عليّ بن محمّد، جميعا عن عليّ بن الحسن التّيميّ (8)، عن محمّد [بن] (9) الخطّاب الواسطيّ، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أحمد بن عمر (10) الحلبيّ، عن حمّاد الأزديّ، عن هشام الخفّاف قال:
قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كيف بصرك بالنّجوم؟
قال: قلت: ما خلّفت بالعراق أبصر بالنّجوم منّي.
____________
(1) النهج/ 105، الخطبة 79.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 4/ 6، ح 9.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «الا» مكان «ويل الاخر و»
(5) من المصدر.
(6) ق: يوم.
(7) الكافي 8/ 351، ح 549.
(8) ق، ش: التميميّ.
(9) من المصدر.
(10) ق، ش، ن، ت: عمرو.
143
فقال: كيف دوران الفلك عندكم؟
قال: فأخذت قلنسوتي عن رأسي، فأردتها.
قال: فقال: فإن كان الأمر على ما تقول، فما بال بنات النّعش و الجدي و الفرقدين، لا يرون يدورون يوما من الدّهر في القبلة؟
قال: قلت: و اللّه هذا شيء لا أعرفه. و لا سمعت أحدا من أهل الحساب يذكره.
فقال لي: كم السّكينة من الزّهرة جزءا في ضوئها؟
قال: قلت: هذا و اللّه نجم ما سمعت به. و لا سمعت أحدا من النّاس يذكره.
فقال: سبحان اللّه! فأسقطتم نجما بأسره؟! فعلى ما تحسبون؟! ثمّ قال: فكم الزّهرة من القمر جزءا في ضوئه؟
قال: فقلت: هذا شيء لا يعلمه إلّا اللّه- عزّ و جلّ.
قال: فكم القمر جزءا من الشّمس في ضوئها؟
قال: قلت: ما أعرف هذا.
قال: صدقت. ثمّ قال: ما بال العسكرين يلتقيان؛ في هذا حاسب، [و في هذا حاسب؛] (1) فيحسب هذا لصاحبه بالظّفر، و يحسب هذا لصاحبه بالظّفر. ثمّ يلتقيان، فيهزم أحدهما الآخر. فأين كانت النّحوس (2)؟
قال: قلت: لا و اللّه ما أعلم ذلك.
قال: فقال: صدقت. إنّ أصل الحساب حقّ؛ و لكن لا يعلم ذلك إلّا من علم مواليد الخلق كلّهم.
عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن فضّال، عن الحسن بن أسباط، عن عبد الرّحمن (4) بن سيابة قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك؛ إنّ النّاس يقولون: إنّ النّجوم لا يحلّ النّظر فيها؛ و هي تعجبني. فإن كانت تضرّ بديني، فلا حاجة لي في شيء يضرّ بديني.
و إن كانت لا تضرّ بديني، فو اللّه إنّي لأشتهيها، و قد (5) أشتهي النّظر فيها.
____________
(1) ليس في ن، ى.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: النّجوم.
(3) الكافي 8/ 195، ح 233.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللّه.
(5) ليس في المصدر.
144
فقال: ليس كما يقولون. لا تضرّ بدينك. ثمّ قال: إنّكم تنظرون في شيء منها كثيرة لا يدرك، و قليله لا ينتفع به. تحسبون على طالع القمر.
ثمّ قال: أ تدري كم بين المشتري و الزّهرة من دقيقة؟ قلت: لا و اللّه.
قال: أ فتدري كم بين الزّهرة و بين القمر من دقيقة؟ قلت: لا.
قال: أ فتدري كم بين الشّمس و بين السّنبلة من دقيقة؟ قلت لا و اللّه. ما سمعته من أحد من المنجّمين [قطّ] (1).
قال: أ فتدري كم بين السّنبلة (2) و بين اللّوح المحفوظ من دقيقة. قلت: لا و اللّه.
ما سمعته من منجّم قطّ.
قال: ما بين كلّ واحد منها إلى صاحبه ستّون أو سبعون (3) دقيقة- شكّ عبد الرّحمن. ثمّ قال: يا عبد الرّحمن، هذا حساب إذا حسبه الرّجل، و وقع عليه، عرف عدد (4) القصبة الّتي وسط الأجمة، و عدد ما عن يمينها، و عدد ما عن يسارها، و عدد ما خلفها و عدد ما أمامها؛ حتّى لا يخفى عليه من قصب الأجمة واحدة.
محمّد بن يحيى (5)، عن سلمة بن الخطّاب؛ و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا عن عليّ بن حسّان، عن عليّ بن عطيّة الزّيّات، عن معلّى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن النّجوم، أ هي حقّ.
فقال: نعم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث المشتري إلى الأرض في صورة رجل. فأخذ رجلا من العجم، فعلّمه النّجوم؛ حتّى ظنّ أنّه قد بلغ. ثمّ قال له: انظر أين المشتري.
فقال: ما أراه في الفلك، و ما أدري أين هو.
قال: فنحّاه. و أخذ بيد رجل من الهند، فعلّمه. حتّى ظنّ أنّه قد بلغ، و قال: انظر المشتري أين هو. فقال: إنّ حسابي ليدلّ على أنّك أنت المشتري.
فقال: فشهق شهقة، فمات، و ورث علمه أهله. فالعلم هناك.
عليّ بن إبراهيم (6)، [عن أبيه،] (7) عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عمّن
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: السكينة.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ستّين أو تسعين.
(4) ليس في المصدر.
(5) الكافي 8/ 330، ح 507.
(6) نفس المصدر و الموضع، ح 508.
(7) من المصدر.
145
أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن النّجوم. فقال: ما يعلمها إلّا أهل بيت من العرب، و أهل بيت من الهند.
و في كتاب الإهليلجة (1) المنقول عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّدّ على من كان منكرا للصّانع (2)- جلّ جلاله- زعما منه أنّ الأشياء كلّها تدرك بالحواسّ الخمس؛ و لو كان موجودا، لأدرك بها.
قال- (عليه السلام)-: قلت: أخبرني، هل يعلم أهل بلادك علم النّجوم؟
قال: إنّك لغافل عن علم أهل بلادي بالنّجوم. فليس أحد أعلم بذلك منهم.
قال: قلت: أخبرني، كيف وقع علمهم بالنّجوم؛ و هي ممّا لا يدرك بالحواسّ و لا بالفكر؟
قال: حساب وضعه الحكماء، و توارثته النّاس. فإذا سألت العالم منهم عن شيء، قاس الشّمس، و نظر في حالها و حال القمر، و ما الطّالع من النّحوس في البروج، و ما الباطن من السّعود منها. ثمّ فيحسب، فلا يخطئ بالمولود فيخبر بكلّ علامة فيه بغير معاينة، [و ما هو مصيبة إلى يوم يموت] (3).
قلت: و كيف دخل الحساب في مواليد النّاس؟
قال: لأنّ جميع النّاس إنّما يولدون بهذا النّجوم. [و لو لا ذلك لم يستقم هذا الحساب.] (4) فمن ثمّ لا يخطئ الحساب، إذا علمت السّاعة و اليوم و الشّهر و السّنة الّتي يولد فيها المولود.
قلت: [لقد توصّفت] (5) علما [عجيبا ليس في علم الدّنيا أدقّ، و لا أعظم، إن كان حقّا كما ذكرت، يعرف به المولود الصّبيّ، و ما فيه من العلامات، و منتهى أجله، و ما يصيبه في حياته. أو ليس هذا حسابا تولد به جميع أهل الدنيا من كان من النّاس؟
قال: لا أشكّ فيه.
قلت:] (6) فتعال ننظر بعقولنا. هل يستقيم أن يكون يعلم الناس هذا من بعض الناس
____________
(1) البحار 3/ 171 بتفاوت كثير في بعض الألفاظ و العبارات.
(2) كذا في نور الثقلين 4/ 411، ح 60. و في النسخ: في الصّانع.
(3) ليس في ن، ت، م، ب، ر.
(4) من ق.
(5) كذا في البحار. و في النسخ: «توصف» مكان بين المعقوفتين.
(6) ليس في ن، ت، م، ش، ى، ر.
146
إذا كان الناس يولدون بهذه النجوم؟ و إن قلت: إن الحكماء من الناس هم الذين وضعوا هذا الحساب و علم مجارى هذا النجوم و عرفت نحوسها من سعودها و دنوّها من بعدها و بطيئها من سريعها و مواقعها من السماء، و مواضعها من تحت الأرض. فإنّ منها ستّة طالعة في السّماء، و ستّة باطنة تحت الأرض. و كذلك النّجوم السّبعة [تجرى على حساب تلك النجوم] (1). و ما يقبل القلب، و لا يدلّ العقل أنّ مخلوقا من الأرض قدر على الشّمس حتّى يعلم في أيّ البروج هي، و أيّ بروج [القمر، و أيّ بروج] (2) هذه النّحوس و السّعود، و متى الطّالع، و متى الباطن؛ و هي معلّقة في السّماء، و هي تحت الأرض، و لا يراها إذا توارت بضوء الشّمس، إلّا [أن يزعم] (3) أنّ هذا الحكيم رقى (4) إلى السّماء حتّى علم هذا.
ثمّ قلت: وهبه رقى إلى السّماء، هل له بدّ من أن يخرج مع كلّ برج من البروج و نجم من هذه النّجوم، من حيث يغرب إلى حيث يطلع، ثمّ يعود إلى الآخر. يفعل ذلك بكلّها؟ و منها ما يقطع السّماء في ثلاثين سنة، و منها ما يقطعها في أقلّ من ذلك. و هل كان له بدّ أن يجول في أقطارها، حتّى يعرف مطالع السّعود و النّحوس منها، و تيّقنه؟ وهبه قدر على ذلك، حتّى فرغ منه؛ كيف كان يستقيم له ما في السّماء، حتّى يحكم حساب ما في الأرض و تيّقنه و يعرفه و يعاينه، [كما قد عاينه] (5) في السّماء؟ فقد علمت أنّ مجاريها تحت الأرض على حساب (6) مجاريها في السّماء، و أنّه لا يعرف حاسبها و دقائقها إلّا بمعرفة ما غاب منها؛ لأنّه ينبغي أن يعرف أيّ ساعة من اللّيل يطلع طالعها، [و أيّ ساعة] (7) من اللّيل يغيب غائبها. و أنّه لا يصلح للمتعلّم أن يكون واحدا حتّى يصحّ الحساب. و كيف يمكنه ذلك و هي تحت الأرض، و هو على ظهرها، لا يرى ما تحتها؟ إلّا أن يزعم أنّ ذلك الحكيم دخل في ظلمات الأرضين و البحر، فسار مع النّجوم و الشّمس و القمر في مجاريها، على حساب ما سار في السّماء؛ حتّى عاين ما تحت الأرض منها، كما عاين منها ما في السّماء.
قال: و هل قلت لك: إنّ أحدا رقى إلى السّماء، و قدر على ذلك، و حتّى أقول إنّه
____________
(1) ليس في ق.
(2) ليس في ق، ش.
(3) ليس في ق، ش.
(4) ن: دنى.
(5) ليس في ى.
(6) ليس في ق، ش.
(7) ليس في ق، ش.
147
دخل إلى الأرض و الظّلمات، و حتّى نظر النّجوم و مجاريها؟
قلت: فكيف وقع هذا العلم الّذي زعمت أنّ الحكماء من النّاس وضعوه و أنّ النّاس كلّهم مولودون به؟ و كيف عرفوا ذلك الحساب، و هو أقدم منهم؟
قال: ما أجده يستقيم أن أقول: إنّ أحدا من النّاس يعلم علم هذه النّجوم المعلّقة في السّماء بتعليم أحد من النّاس.
قلت: لا بدّ لك أن تقول: إنّما علّمه حكيم عليم بأمر السّماء و الأرض و مدبّرها.
قال: إنّ قلت هذا، فقد أقررت بإلهك الّذي تزعم؛ غير أنّي أعلم أنّه لا بدّ لهذا الحساب من معلّم. و إن قلت: إنّ أحدا من أهل الأرض علم ذلك من غير معلّم من أهل الأرض، لقد أبطلت؛ لأنّ علم الأرض لا يكون عندنا إلّا بالحواس، و لا يقع علم الحواسّ في علم النّجوم، و هي معلّقة تغيب مرّة، و تطلع أخرى، و تجري تحت الأرض، كما تجري في السّماء. و ما زادت الحواسّ على أكثر من النّظر إلى طالعها إذا طلع، و إلى غائبها إذا غاب. فأمّا حسابها و دقائقها و سعودها و نحوسها و سريعها و بطيئها، فلا تقدر عليه الحواسّ.
قلت: فأخبرني، لو كنت متعلّما مستوصفا لهذا الحساب من أهل الأرض أحبّ إليك أن تستوصفه و تتعلّمه، أم من أهل السّماء؟
قال: من أهل السّماء، إذا كانت النّجوم معلّقة فيها، حيث لا يعلمها أهل الأرض.
قلت: فافهم. ألطف النّظر. و لا يغلبنّك الهوى. أ ليس تعلم أنّه إذا كان أهل الدّنيا يولدون بهذه النّجوم، أنّ النّجوم قبل النّاس؟ فإذا أقررت بذلك، انكسرت عليك أن تعلم علمها من عالم منهم؛ إذا كان العالم و هم إنّما ولدوا بها بعدها، و أنّها قبلهم خلقت.
قال: بلى.
قلت: و كذلك الأرض كانت قبلهم أيضا؟
قال: نعم.
قلت: لأنّه لو لم يكن الأرض خلقت، لما استقام أن يكون النّاس و لا غيرهم من الخلق عليها؛ إلّا أن يكون لها أجنحة، إذ لم يكن لها مستقرّ تأوي إليه و لا منسعة (1) ترجع إليها. و كذلك الفلك قبل النّجوم، و الشّمس و القمر. لأنّه لو لا الفلك، لم تدر البروج، و لم
____________
(1) أرض منسعة: للّتي يطول نبتها. و في نور الثقلين: ملسعة.
148
تستقلّ مرّة، و تهبط أخرى.
قال: نعم. هو كما قلت: فقد أقررت بأنّ خالق النّجوم الّتي يتولّد النّاس بها، هو خالق السّماء و الأرض. لأنّه لو لم يكن سماء و لا أرض، لم يكن دوران الفلك. أ فليس ينبغي لك أن يدلّك عقلك على أنّ الّذي خلق السّماء، هو الّذي خلق الأرض و الفلك و الدّوران و الشّمس و القمر و النّجوم؟! قال: أشهد أنّ الخالق واحد؛ و لكن لست أدري كيف سقطوا على هذا الحساب، حتّى عرفوه، و على هذا الدّور و الصّواب، و لو أعرف من الحساب ما عرفت، لأخبرت بالجهل، و كان أهون عليّ؛ غير أنّي أريد أن تزيدني شرحا.
قلت: أنبّئك من قبل إهليلجتك هذه الّتي في يدك، و ما تدّعي من الطّبّ الّذي هو صناعتك و صناعة آبائك- إلى قوله (عليه السلام).
قال: فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّه خالق السّمائم القاتلة، و الهوامّ العادية، و جميع النّبت و الأشجار، و غارسها و منبتها، و بارئ الأجساد، و سائق الرّياح، و مسخّر السّحاب (1)، و أنّه خالق الأدواء الّتي يهيج بالإنسان؛ كالسّمائم القاتلة الّتي تجري في أعضائه و عظامه مستقرّ الأدواء، و ما يصلحها من الدّواء، العارف بتسكين الرّوح و مجرى الدّم و أقسامه في العروق، و اتّصاله بالعصب و الأعضاء و العقب و الجسد، و أنّه عارف بما يصلحه من الحرّ و البرد، عالم بكلّ عضو و ما فيه، و أنّه هو الّذي وضع هذه النّجوم و حسابها، و العالم بها، و الدّالّ على نحوسها و سعودها، و ما يكون من المواليد، و أنّ التّدبير واحد، لم يختلف، متّصل فيما بين السّماء و الأرض و ما فيهما.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حجر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خالف إبراهيم قومه، و عاب آلهتهم؛ حتّى أدخل على نمرود. فخاصمه (3). فقال إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (4).
و قال أبو جعفر- (عليه السلام) (5)-: عاب آلهتهم. فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
____________
(1) ق، ش، ت، ن: الرياح.
(2) الكافي 8/ 368، ح 559.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فخاصمهم.
(4) البقرة/ 258.
(5) نفس المصدر و المجلّد/ 369، ح 559.
149
. قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و اللّه، ما كان سقيما، و ما كذب.
فلمّا تولوا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (1) إلى عيد لهم، دخل إبراهيم- (عليه السلام)- إلى آلهتهم بقدوم (2) فكسرها إلّا كبيرا لهم، و وضع القدوم في عنقه. فرجعوا إلى آلهتهم، فنظروا إلى ما صنع بها. فقالوا: لا و اللّه! ما اجترأ عليها، و لا كسرها، إلّا الفتى الّذي كان يعيبها و يبرأ منها. فلم يجدوا له قتلة أعظم من النّار.
فجمع له الحطب، و استجادوه حتّى إذا كان اليوم الّذي يحرق فيه، برز له نمرود و جنوده، و قد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النّار. و وضع إبراهيم- (عليه السلام)- في منجنيق. و قالت الأرض: يا ربّ، ليس على ظهري أحد يعبدك غير إبراهيم، يحرق بالنّار! قال الرّبّ: إن دعاني كفيته.
فذكر (3) أبان، عن محمّد بن مروان، عمّن رواه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ دعاء إبراهيم- (عليه السلام)- يومئذ كان: يا أحد يا أحد، يا صمد (4) يا صمد، يا من لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد. ثمّ قال: توكّلت على اللّه. فقال الرّبّ- تبارك و تعالى-: كفيت. فقال النّار: كُونِي بَرْداً فاضطربت أسنان إبراهيم- (عليه السلام)- من البرد؛ حتّى قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (5). و الخطّ جبرئيل، فإذا هو جالس مع إبراهيم- (عليه السلام)- يحدّثه في النّار. قال نمرود: من اتّخذ إلها، فليتّخذ مثل إله إبراهيم.
قال: فقال عظيم من عظمائهم: إنّي عزمت على النّار أن لا تحرقه. [قال:] (6) فأخذ عنق من النّار نحوه، حتّى أحرقه.
قال: فامن له لوط. فخرج مهاجرا إلى الشّام هو و سارة و لوط.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ آزر (8) أبا إبراهيم كان منّجما لنمرود.
____________
(1) الآية من نفس السورة.
(2) القدوم: آلة للنّحت و النّجر.
(3) الكافي 8/ 369- 370، ح 559.
(4) المصدر: يا أحد [يا أحد يا صمد].
(5) الأنبياء/ 69.
(6) من المصدر مع المعقوفتين.
(7) الكافي 8/ 366، ح 558.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: آذر.
150
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90): هاربين مخافة العدوى.
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ: فذهب إليها في خفية. من: روغة الثّعلب. و أصله: الميل بحيلة.
فَقالَ: أي: للأصنام استهزاء:
أَ لا تَأْكُلُونَ (91):
يعني: الطّعام الّذي كان عندهم.
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) بجوابي؟! فَراغَ عَلَيْهِمْ: فمال عليهم مستخفيا.
و التّعدية ب «على»، للاستعلاء، و أنّ الميل لمكروه.
ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93):
مصدر ل «راغ»، لأنّه في معنى: ضربهم. أو لمضمر تقديره: فراغ عليهم يضربهم.
و تقييده ب «اليمين» للدّلالة على قوّته. فإنّ قوّة الآلة تستدعي قوّة الفعل.
و قيل (1): «باليمين»: بسبب الحلف. و هو قوله: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ (2).
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ: إلى إبراهيم- (عليه السلام)- بعد ما رجعوا، فرأوا أصنامهم مكسّرة، و بحثوا عن كاسرها، فظنّوا أنّه هو؛ كما شرحه في قوله (3): مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا (الآية).
يَزِفُّونَ (94): يسرعون. من: زفيف النّعام.
و قرأ (4) حمزة على بناء المفعول- من: أزفّه- أي: يحملون على الزّفيف.
و قرئ (5): «يزفّون»؛ أي: يزفّ بعضهم بعضها. و «يزفون»؛ من: وزف يزف: إذا أسرع. و «يزفون»؛ من: زفاه: [إذا حداه] (6)؛ كأنّ بعضهم يزفوا بعضا، لتسارعهم إليه.
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95): ما تنحتونه من الأصنام.
و في روضة الكافي (7)؛ و ذكر حديثا طويلا يذكر فيه ولادة إبراهيم- (عليه السلام)-
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 296.
(2) الأنبياء/ 57.
(3) الأنبياء/ 59.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في ق.
(7) الكافي 8/ 368، ح 558.
151
و فيه يقول- (عليه السلام)-: فبينما إخوته يعملون يوما (1) من الأيّام الأصنام، [إذا أخذ إبراهيم- (عليه السلام)- القدوم، و أخذ خشبة، فنجر منها صنما لم يروا قطّ مثله. فقال آزر (2) لأمّه] (3) إنّي لأرجوا أن نصيب (4) خيرا ببركة ابنك هذا. قال (5): فبينما هم كذلك، إذ (6) أخذ إبراهيم- (عليه السلام)- القدوم، فكسّر الصّنم الّذي عمله. ففزع أبوه من ذلك فزعا شديدا، فقال له: أي شيء عملت؟! فقال له إبراهيم: و ما تصنعون به. فقال آزر (7):
نعبده. فقال إبراهيم: أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟ فقال آزر (8) [لأمّه] (9): هذا الّذي يكون ذهاب ملكنا على يديه.
وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (96)، أي: و ما تعملونه. فإنّ جوهرها بخلقه، و شكلها (10)- و إن كان بفعلهم، و لذلك جعل من أعمالهم- فبإقداره إيّاهم عليه، و خلقه ما يتوقّف عليه فعلهم من الدّواعي و العدد.
و معناه: و خلق أصل الحجارة الّتي تعملون منها الأصنام. و هذا يجري مجرى قوله (11):
تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ، و قوله (12): تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، بأنّه أراد المنحوت من الجسم هنا، دون العرض الّذي هو النّحت. كما أراد هناك المأفول (13) منه و المصنوع فيه من الحبال و العصيّ، دون العرض الّذي هو فعلهم. و إنّما كانوا يعبدون الأصنام الّتي هي الأجسام.
و قوله: ما تَنْحِتُونَ هو ما تَعْمَلُونَ [في المعنى]، على أنّ مبنى الآية على التقريع للكفّار، و الإزراء عليهم بقبيح فعلهم. و لو كان المعنى: و اللّه خلقكم و خلق عملكم- و من جملة، عبادتهم- لكان الآية لأن يكون عذرا لهم، أقرب من أن يكون لوما و تهجينا. و لكان لهم أن يقولوا: و لم توبّخنا على عبادتها، و اللّه- تعالى- هو الفاعل لذلك؟! فتكون الحجّة لهم، لا عليهم. و لأنّه قد أضاف العمل إليهم بقوله: «تعلمون».
فكيف يكون مضافا إلى اللّه- تعالى، و هذا تناقض؟! (14)
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: آذر.
(3) ليس في ن.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تصيب.
(5) ليس في ق، ش، ن، ل.
(6) المصدر: إذا.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: آذر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: آذر.
(9) من المصدر مع المعقوفتين.
(10) ن: تشكلها.
(11) الأعراف/ 117.
(12) طه/ 69.
(13) كذا في النسخ، و الصحيح: المأفوك.
(14) في هامش ت:
152
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً:
في مجمع البيان (1): قال ابن عبّاس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السّماء ثلاثون ذراعا، و عرضه عشرون ذراعا، و ملؤوه نارا، و طرحوه فيها.
فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97): النّار الشّديد. من الجمحة، و هي: شدّة التّأجّج.
و اللّام بدل الإضافة. أي: جحيم ذلك البنيان.
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً:
فإنّه لمّا قهرهم بالحجّة، قصدوا تعذيبه بذلك، لئلّا يظهر للعامّة عجزهم.
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98): الأذلّين، بإبطال كيدهم، و جعله برهانا نيّرا على علوّ شأنه، حيث جعل النّار عليه بردا و سلاما.
وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي: إلى حيث أمرني ربّي، و هو الشّام. أو: حيث أتجرّد فيه لعبادته.
سَيَهْدِينِ (99) إلى ما فيه صلاح ديني. أو: إلى مقصدي.
قيل (2): و إنّما بتّ القول لسبق وعده، أو لفرط توكّله، أو البناء على عادته معه. و لم يكن كذلك حال موسى حين قال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (3)، فلذلك ذكر بصيغة التّوقّع.
و في روضة الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ إبراهيم كان مولده بكوثى ربا (5). و كان أبوه من أهلها. و كانت أمّه و أمّ لوط (6)
____________
و في معاني الأخبار، بسنده عن عبد السّلام بن صالح الهرويّ. قال سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليهما السلام)- يقول: أفعال العباد مخلوقة. فقلت له: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما معنى مخلوقة؟ قال: مقدّرة. (معاني الأخبار/ 396، ح 52).
(1) المجمع 4/ 451.
(2) أنوار التنزيل 2/ 296.
(3) القصص/ 22.
(4) الكافي 8/ 370- 373، ح 560.
(5) قال الجزريّ: كوثى: سرّة السواد و بها ولد إبراهيم- (عليه السلام)-.
و قال الفيروزآباديّ: كوثى: موضع بالعراق.
و قال الحمويّ: كوثى بالعراق موضعان: كوثى الطريق موضعان: كوثى الطريق و كوثى ربا، و بها مشهد إبراهيم- (عليه السلام)- و هما قريتان و بينهما تلول من رماد، يقال إنّها رماد النّار الّتي أوقدها نمرود لإحراقه.
(6) قال في هامش المصدر: كذا في أكثر النسخ، و في بعض النسخ: «امرأة إبراهيم و امرأة لوط» و هو الصّواب و في كامل التواريخ: أنّ لوطا كان ابن أخي إبراهيم- (عليه السلام)-.
153
- (عليهما السلام)- سارة و ورقة- و في نسخة: رقيّة- أختين، و هما ابنتان للاحج. و كان اللّاحج نبيّا منذرا، و لم يكن رسولا.
و كان إبراهيم في شبيبته (1) على الفطرة الّتي فطر اللّه- عزّ و جلّ- الخلق عليها، حتّى هداه اللّه- تبارك و تعالى- إلى دينه، و اجتباه.
و إنّه تزوّج سارة ابنة لاحج (2)، و هي ابنة خالته. و كانت سارة صاحبة ماشية كثيرة (3) و أرض واسعة و حال حسنة. و كانت قد ملّكت إبراهيم جميع ما كانت تملكه.
فقام فيه، و أصلحه، و كثرت الماشية و الزّرع، حتّى لم يكن بأرض كوثى ربا رجل أحسن حالا منه.
و إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا كسّر أصنام نمرود، أمر به نمرود. فأوثق، و عمل له حيرا (4)، و جمع له فيه الحطب، و ألهب فيه النّار. ثمّ قذف إبراهيم- (عليه السلام)- في النّار، لتحرقه. ثمّ اعتزلوها حتّى خمدت النّار. ثمّ أشرفوا على الحير، فإذا هم بإبراهيم سليما مطلقا من وثاقه.
فأخبر نمرود خبره. فأمرهم أن ينفوا إبراهيم- (عليه السلام)- من بلاده، و أن يمنعوه من الخروج بماشيته و ماله. فحاجّهم إبراهيم- (عليه السلام)- عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي و مالي، فإنّ حقّي عليكم أن تردّوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم.
و اختصموا إلى قاضي نمرود. فقضى على إبراهيم أن يسلّم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم. و قضى على أصحاب نمرود أن يردّوا على إبراهيم ما ذهب من عمره في بلادهم.
فأخبر بذلك نمرود. فأمرهم أن يخلّوا سبيله و سبيل ماشيته و ماله، و أن يخرجوه.
و قال: إنّه إن بقي في بلادكم، أفسد دينكم، و أضرّ بآلهتكم. فأخرجوا إبراهيم و لوطا معه- (عليهما السلام). فتحمّل (5) من بلادهم إلى الشّام.
____________
(1) أي: في حداثته.
(2) قال في البحار 12/ 47: الظاهر أنّ كلمة ابنة كانت مكرّرة فأسقط إحداهما النّساخ لتوهّم التكرار و يحتمل أن يكون المراد ابنة الابنة مجازا (انتهى). ثمّ إنّ سارة و لا حج هنا غير المتقدّمين و إنّما الاشتراك في الاسم. و أمّا على سنخة «الامرأة» فلا.
(3) ليس في ق.
(4) الحير: شبه الحضيرة.
(5) ليس في ق، ش، ن، ت.
154
فخرج إبراهيم و معه لوط لا يفارقه و سارة، و قال: لهم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ، يعني بيت المقدّس. فتحمّل إبراهيم بماشيته و ماله، و عمل تابوتا، و جعل فيه سارة، و شدّ عليها الأغلاق غيرة منه عليها.
و مضى حتّى خرج من سلطان نمرود، و صار (1) إلى سلطان رجل من القبط يقال له:
عرارة (2). فمرّ بعاشر (3) له. فاعترضه العاشر ليعشر ما معه. فلمّا انتهى إلى العاشر و معه التّابوت، قال العاشر لإبراهيم: افتح هذا التّابوت حتّى نعشر (4) ما فيه. فقال له إبراهيم: قل ما شئت فيه من ذهب أو فضّة، حتّى نعطي عشره، و لا نفتحه. فأبى العاشر إلّا فتحه.
قال: و غضب إبراهيم- (عليه السلام)- على فتحه. فلمّا بدت له سارة، و كانت موصوفة بالحسن و الجمال، قال له العاشر: ما هذه المرأة منك؟ قال إبراهيم- (عليه السلام)-: هي حرمتي و ابنة خالتي. فقال له العاشر: فما دعاك إلى أن خبيّتها في هذا التّابوت؟ فقال إبراهيم: الغيرة عليها أن يراها أحد. فقال له العاشر: لست أدعك تبرح حتّى أعلم الملك حالها و حالك.
قال: فبعث رسولا إلى الملك، فأعلمه. فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتّابوت.
فأتوا ليذهبوا به، فقال له إبراهيم: إنّي لست أفارق التّابوت حتّى تفارق (5) روحي جسدي.
فأخبروا الملك بذلك. فأرسل الملك أن احملوه و التّابوت معه. فحملوا إبراهيم و التابوت و جميع ما كان معه حتّى أدخل على الملك فقال له الملك: افتح التّابوت. فقال له إبراهيم:
أيّها الملك، إنّ فيه حرمتي و بنت خالتي، و أنا مفتد فتحه بجميع ما معي.
قال: فغضب (6) الملك إبراهيم على فتحه. فلمّا رأى سارة، لم يملك حلمه سفهه أن مدّ يده إليها. فأعرض إبراهيم بوجهه عنها و عن الملك (7)، غيرة منه، و قال: اللّهم احبس يده عن حرمتي و ابنة خالتي. فلم تصل يده إليها، و لم ترجع إليه. فقال له الملك: إنّ إلهك هو الّذي فعل بي هذا؟ فقال له: نعم. إنّ إلهي غيور يكره الحرام. و هو الّذي حال بينك و بين ما أردت من الحرام. فقال له الملك: فادع إلهك يردّ عليّ يدي. فإن أجابك، فلم
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: سار.
(2) ن، ت، م، ش، ى، ر: عرادة.
(3) أي: ملتزم أخذ العشر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يعشر.
(5) ت، ر: يفارق.
(6) كذا. و الأظهر: فغصب.
(7) في المصدر: «عنه» مكان «عن الملك».
155
أعرّض لها. فقال إبراهيم: إلهي، ردّ عليه يده، ليكفّ عن حرمتي.
[قال:] (1) فردّ اللّه- عزّ و جلّ- عليه يده. فأقبل الملك نحوها ببصره (2). ثمّ عاد (3) بيده [نحوها] (4). فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه، و قال: اللّهم احبس يده عنها.
قال: فيبست يده، و لم تصل إليها. فقال الملك لإبراهيم: إنّ إلهك لغيور. و إنّك لغيور. فادع إلهك يردّ عليّ يدي. فإنّه إن فعل، لم أعد. فقال له إبراهيم: أسأله ذلك على أنّك إن عدت، لم تسألني أن أسأله. فقال له الملك: نعم. فقال إبراهيم: اللّهم إن كان صادقا، فردّ عليه يده. فرجعت إليه يده.
فلمّا رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى، و رأى الآية في يده، عظّم إبراهيم- (عليه السلام)- وهابه، و أكرمه، و اتّقاه. و قال له: قد أمنت من أن أعرّض لها، أو لشيء ممّا معك، فانطلق حيث شئت، و لكن لي إليك حاجة. فقال له إبراهيم: ما هي؟
فقال له: أحبّ أن تأذن لي أن أخدمها قبطيّة عندي جميلة عاقلة، تكون لها خادما.
قال: فأذن له إبراهيم. فدعا بها، فوهبها لسارة. و هي هاجر أمّ إسماعيل- (عليه السلام). فسار إبراهيم بجميع ما معه، و خرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم- (عليه السلام)- إعظاما لإبراهيم- (عليه السلام)- و هيبة له. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى إبراهيم أن قف، و لا تمش قدّام الجبّار المتسلّط، و يمشي هو خلفك، و لكن اجعله أمامك و امش خلفه، و عظّمه وهبه، فإنّه مسلّط. و لا بدّ من إمرة في الأرض برّة أو فاجرة.
فوقف إبراهيم- (عليه السلام)- و قال للملك: امض، فإلهي (5) أوحى إليّ السّاعة أن أعظّمك، و أهابك، و أن أقدّمك أمامي، و أمشي خلفك، إجلالا لك. فقال له الملك:
أوحى إليك بهذا؟ فقال له إبراهيم: نعم. فقال له الملك: أشهد أنّ إلهك لرفيق حليم كريم.
و أنّك ترغّبني في دينك. و ودّعه الملك.
فسار إبراهيم، حتّى نزل بأعلى الشّامات، و خلّف لوطا- (عليه السلام) في أدنى الشّامات.
ثمّ أنّ إبراهيم لما أبطئ عليه الولد، قال لسارة: لو شئت ليعتني (6) هاجر. لعلّ اللّه أن
____________
(1) من المصدر.
(2) ن، ت، ى، ر: يبصرها.
(3) المدر: أعاد.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: فإنّ إلهى.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لبعتيني.
156
يرزقنا منها ولدا، فيكون لنا خلفا. فابتاع إبراهيم هاجر من سارة، [فوقع عليها] (1). فولدت إسماعيل.
و في كتاب التّوحيد (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و قد أعلمتك أنّ ربّ شيء من كتاب اللّه تأويله غير تنزيله، و لا يشبه كلام البشر. و سأنبّئك بطرف منه، فتكتفي إن شاء اللّه. من ذلك قول إبراهيم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. فذهابه إلى ربّه توجّهه إليه عبادة و اجتهادا و قربة إلى اللّه- عزّ و جلّ. ألا ترى أنّ تأويله غير تنزيله؟!
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100): بعض الصّالحين، يعينني على الدّعوة و الطّاعة، و يؤنسني في الغربة، يعني: الولد. لأنّ لفظ الهبة غالب فيه. و لقوله:
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101):
بشّره بالولد، و بأنّه ذكر يبلغ أوان الحلم. فإنّ الصّبيّ لا يوصف بالحلم. أو يكون حليما. و أيّ حلم مثل حلمه، حين عرض عليه أبوه الذّبح- و هو مراهق- فقال:
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
و قيل (3): ما نعمت اللّه نبيّا بالحلم لعزّة وجوده، غير إبراهيم و ابنه- (عليهما السلام).
و حالهما المذكورة بعد تشهد عليه.
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، أي: فلمّا وجد و بلغ أن يسعى معه في الأعمال.
و «معه» متعلّق بمحذوف دلّ عليه السّعي (4) لا به- لأنّ صلة المصدر لا تتقدّمه- و لا ب «بلغ»، فإنّ بلوغهما لم يكن معا. كأنّه لمّا قال: «فلمّا بلغ السّعي» فقيل: مع من؟
فقيل: معه. و تخصيصه، لأنّ الأب أكمل في الرّفق به، و الاستصلاح له، فلا يستسعيه قبل أوانه. أو لأنّه استوهبه لذلك.
قيل (5): و كان له يومئذ ثلاث عشرة سنة.
و في مجمع البيان (6): و روى العيّاشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجليّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل و بين
____________
(1) ليس في ن، ت، م، ى، ر.
(2) التوحيد/ 266، ح 1.
(3) أنوار التنزيل 2/ 296.
(4) ليس في ن.
(5) نفس المصدر و المجلّد/ 297.
(6) المجمع 4/ 455.
157
بشارته بإسحاق؟
قال: كان بين البشارتين خمس سنين. قال اللّه- سبحانه-: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، يعني: إسماعيل. و هي أوّل بشارة بشّر اللّه بها إبراهيم- (عليه السلام) في الولد.
(الحديث، و ستقف عليه بتمامه- إن شاء اللّه تعالى.)
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى محمّد بن (2) القاسم و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ سارة قالت لإبراهيم: يا إبراهيم، قد كبرت، فلو دعوت اللّه أن يرزقك ولدا تقرّ أعيننا به. فإنّ اللّه قد اتّخذك خليلا، و هو مجيب لدعوتك- إن شاء.
قال: فسأل إبراهيم ربّه أن يرزقه غلاما عليما. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: إنّي واهب لك غلاما عليما. ثمّ أبلوك بالطّاعة لي.
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فمكث إبراهيم بعد البشارة ثلاث سنين. ثمّ جاءته البشرى من اللّه- عزّ و جلّ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ:
قيل (3): يحتمل أنّه رأى ذلك، و أنّه رأى ما هو تعبيره.
و قيل (4): إنّه رأى ليلة التّروية أنّ قائلا يقول له: إنّ اللّه يأمرك بذبح ابنك. فلمّا أصبح، روّى (5) أنّه من اللّه- تعالى- أو من الشّيطان. فلمّا أمسى، رأى مثل ذلك.
فعرف أنّه من اللّه. ثمّ رأى مثل ذلك في اللّيلة الثّالثة. فهمّ بنحره، و قال له ذلك. و لهذا سمّيت الأيّام الثّلاثة بالتّروية، و عرفة، و النّحر.
فَانْظُرْ ما ذا تَرى، من الرّأي.
و إنّما شاوره فيه، و هو حتم له، ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء اللّه، فيثبّت قدمه، إن جزع، و يأمن عليه، إن سلّم. و ليوطّن نفسه عليه، فيهون و يكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله.
و قرأ (6) حمزة و الكسائيّ: «ما ذا تري» بضمّ التّاء و كسر الرّاء خالصة، و الباقون
____________
(1) العلل 1/ 38، ح 2.
(2) ش، ق: أبو.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 297.
(5) روّى فلان في الأمر: نظر فيه و تفكّر.
(6) أنوار التنزيل 2/ 297.
158
بفتحهما، و أبو عمرو يميل فتحة الرّاء، و ورش بين بين، و الباقون بإخلاص فتحها.
قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، أي: ما تؤمر به. فحذف دفعة. أو على التّرتيب، كما عرفت. أو: أمرك، على إرادة المأمور به، و الإضافة إلى المأمور. أو لعلّه فهم من كلامه أنّه رأى أنّه يذبحه مأمورا به. أو علم أنّ رؤيا الأنبياء حقّ، و أنّ مثل ذلك لا يقدمون عليه إلّا بأمر.
و لعلّ الأمر به في المنام دون اليقظة، لتكون مبادرتهما إلى الامتثال أدلّ على كمال الانقياد و الإخلاص.
و إنّما ذكر بلفظ المضارع، لتكرّر الرّؤيا.
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) على الذّبح. أو: على قضاء اللّه.
و في عيون الأخبار (1): حدّثنا أحمد بن الحسن (2) القطّان قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ قال: حدّثنا عليّ بن الحسن (3) بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن معنى قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا ابن الذّبيحين.
قال: يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، و عبد اللّه بن عبد المطّلب. أمّا إسماعيل، فهو الغلام الحليم الّذي بشّر اللّه- تعالى- به إبراهيم. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ و هو لما عمل مثل عمله، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. و لم يقل: يا أبت افعل ما رأيت. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
(الحديث، و ستقف على تمامه- إن شاء اللّه.) فَلَمَّا أَسْلَما: استسلما لأمر اللّه. أو: سلّما الذّبيح نفسه، و إبراهيم ابنه.
و قد قرئ (4) بهما. و أصله: سلم هذا لفلان. إذا خلص (5) له. بأنّه سلم من أن ينازع فيه.
وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103): صرعه على شقّه، فوقع جبينه (6) على الأرض. و هو:
____________
(1) العيون 1/ 167، ح 1.
(2) المصدر: الحسين.
(3) المصدر: الحسين.
(4) أنوار التنزيل 2/ 297.
(5) ش، م، ق: أخلص.
(6) ن، خدّيه.
159
أحد جانبي الجبهة.
و قيل (1): كبّه على وجهه بإشارته، لئلّا يرى فيه تغيّرا يرقّ له فلا يذبحه. و كان ذلك عند الصّخرة بمنى، أو في الموضع المشرف على مسجده، أو المنحر الّذي ينحر فيه اليوم.
و في عيون الأخبار (2)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و العلّة الّتي من أجلها سمّيت منى منى، أنّ جبرئيل- (عليه السلام)- قال هناك لإبراهيم: تمنّ على ربّك ما شئت. فتمنّى إبراهيم- (عليه السلام)- في نفسه أن يجعل اللّه مكان ابنه إسماعيل كبشا يأمره بذبحه، فداء له.
فأعطي مناه.
وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا بالعزم و الإتيان بالمقدّمات.
و قد نقل (3): أنّه أمرّ السّكين بقوّته على حلقه مرارا، فلم تقطع.
و جواب «لمّا» محذوف، تقديره: كن [ما كان] (4) ممّا ينطق به الحال، و لا يحيط به المقال، من استبشارهما و شكرهما للّه، على أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله، و التّوفيق لما لم يوفّق غيرهما لمثله، و إظهار فضلهما به على العالمين، مع إحراز الثّواب العظيم، إلى غير ذلك.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105):
تعليل لإفراج تلك الشّدّة عنهما بإحسانهما. و احتجّ به من جوّز النّسخ قبل وقوعه. فإنّه- (عليه السلام)- كان مأمورا بالذّبح لقوله: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ و لم يحصل.
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106): الابتلاء البيّن الّذي يتميّز فيه المخلص من غيره. أو: المحنة البيّنة الصّعوبة، فإنّه لا أصعب منها.
وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ: بما يذبح بدله، فيتمّ به الفعل.
عَظِيمٍ (107): عظيم الجثّة سمين. أو: عظيم القدر، لأنّه يفدي به- سبحانه- نبيّا ابن نبيّ، و أيّ نبيّ من نسله سيّد المرسلين! قيل (5): كان كبشا من الجنّة.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) العيون 2/ 89- 90، ح 1.
(3) أنوار التنزيل 2/ 297.
(4) ليس في ن.
(5) أنوار التنزيل 2/ 298.
160
و قيل (1): و علا اهبط عليه من تبير.
و نقل (2): أنّه هرب منه عند الجمرة. فرماه بسبع حصيات، حتّى أخذه. فصارت سنّة.
و الفادي على الحقيقة إبراهيم. و إنّما قال: وَ فَدَيْناهُ، لأنّه المعطي له و الأمر به، على التّجوّز في الفداء أو الإسناد.
و في كتاب التّوحيد (3): و قد روي من طريق أبي الحسين الأسديّ- (رحمه اللّه)- في ذلك شيء غريب و هو، أنّه روى أنّ الصّادق- (عليه السلام)- قال: ما بدا للّه بداء كما بدا له في إسماعيل (4)، إذ (5) أمر أباه بذبحه، ثمّ فداه بذبح عظيم.
و بإسناده (6) إلى الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ للّه إرادتين و مشيئتين: إرادة حتم، و إرادة عزم.
ينهى، و هو يشاء. و يأمر، و هو لا يشاء. أو ما رأيت أنّه نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشّجرة، و هو يشاء ذلك؟! و لو لم يشأ، [لم يأكلا، و لو أكلا، لغلبت مشيئتهما مشيئة اللّه.
و أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل، و شاء أن لا يذبحه. و لو لم يشأ] (7) أن لا يذبحه، لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة اللّه- عزّ و جلّ. قلت: فرّجت عنّي. فرّج اللّه عنك.
و في أمالي شيخ الطّائفة (8)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى سليمان بن يزيد قال: حدّثنا عليّ بن موسى قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: الذّبيح إسماعيل.
و في مهج الدّعوات (9)، في دعاء مرويّ عن أمير المؤمنين، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا من فدى إسماعيل من الذّبح.
و في كتاب مصباح الزّائر (10) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- في دعاء الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- يوم عرفة: يا ممسك يد إبراهيم عن ذبح ابنه، بعد كبر سنّه و فناء عمره.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 298.
(3) التوحيد/ 236، ح 11.
(4) في المصدر زيادة: أبي.
(5) المصدر: إذ.
(6) نفس المصدر/ 64.
(7) ليس في ن.
(8) تفسير نور الثقلين 4/ 421، ح 73.
(9) نفس المصدر و الموضع، ح 74.
(10) نفس المصدر و الموضع، ح 75 و البحار 98/ 220 عن الإقبال و مصباح الزائر.
161
و في مجمع البيان (1): و روى العيّاشيّ بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل، و بين بشارته بإسحاق؟
قال: كان بين البشارتين خمس سنين. قال اللّه- سبحانه-: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، يعني: إسماعيل. و هي أوّل بشارة [بشّر اللّه] (2) بها إبراهيم في الولد. و لمّا ولد لإبراهيم إسحاق من سارة، و بلغ إسحاق ثلاث سنين، أقبل إسماعيل إلى إسحاق- و هو في حجر إبراهيم- فنحّاه، و جلس في مجلسه. فبصرت به سارة، فقالت: يا إبراهيم! ينحّي ابن هاجر ابني من حجرك، و يجلس هو مكانه؟! لا و اللّه، لا تجاورني هاجر و ابنها (3) أبدا، فنحّهما عنّي! و كان إبراهيم مكرما لسارة (4)، يعزّها و يعرف حقّها. و ذلك لأنّها من ولد الأنبياء و بنت خالته. فشقّ ذلك على إبراهيم، و اغتمّ لفراق إسماعيل. فلمّا كان في اللّيل، أتى إبراهيم آت من ربّه فأراه الرّؤيا في ذبح ابنه إسماعيل بموسم مكّة. فأصبح إبراهيم حزينا للرّؤيا الّتي رآها.
فلمّا حضر موسم ذلك العام، حمل إبراهيم هاجر و إسماعيل في ذي الحجّة من أرض الشّام. فانطلق بهما إلى مكّة، ليذبحه في الموسم. فبدأ بقواعد البيت الحرام. فلمّا رفع قواعده، خرج إلى منى حاجّا، و قضى نسكه بمنى. و رجع إلى مكّة، فطاف بالبيت أسبوعا. ثمّ انطلقا [إلى السّعي] (5). فلمّا صارا في المسعى، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ في موسم عامي هذا، «فما ذا ترى»؟ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ.
فلمّا فرغا من سعيهما، انطلق به إبراهيم إلى منى، و ذلك يوم النّحر. فلمّا انتهى به إلى الجمرة الوسطى، و أضجعه لجنبه (6) الأيسر، و أخذ الشفرة ليذبحه، نودي أن يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (إلى آخره) و فدى إسماعيل بكبش عظيم، فذبحه، و تصدّق بلحمه على المساكين.
____________
(1) المجمع 4/ 455.
(2) ليس في ق.
(3) في المصدر زيادة: في بلاد.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: متكرّما بسارة.
(5) من المصدر.
(6) ى: بجنبه.
162
و عن عبد اللّه بن سنان (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن صاحب الذّبح، فقال: هو إسماعيل.
و روي (2) عن زياد بن سوقة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن صاحب الذّبح. فقال: إسماعيل- (عليه السلام).
و في الكافي (3): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه- أظنّه محمّد بن إسماعيل- قال: قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: لو خلق اللّه- عزّ و جلّ- مضغة أطيب من الضّأن، لفدى بها إسماعيل- (عليه السلام).
محمّد بن يحيى (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن سعد بن سعد قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: لو علم اللّه- عزّ و جلّ- شيئا أكرم من الضّأن، لفدى به إسماعيل- (عليه السلام).
و الحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن المختار بن محمّد الهمدانيّ، و محمّد بن الحسن، عن عبد اللّه بن الحسن العلويّ، جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: إنّ للّه إرادتين و مشيئتين: إرادة حتم، و إرادة عزم. ينهى، و هو يشاء. و يأمر، و هو لا يشاء. أو ما رأيت أنّه نهى آدم و زوجته أن يأكلا من الشّجرة، و شاء ذلك؟! و لو لم يشأ أن يأكلا، لما غلبت شهوتهما (6) مشيئة اللّه. و أمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل (7)، و لم يشأ أن يذبحه. و لو شاء، لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة اللّه.
و في الكافي (8): عدّة من أصحابنا، عن جعفر بن إبراهيم [الحضرمي] (9)، عن سعد بن سعد قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: لو علم اللّه- عزّ و جلّ- خيرا من الضّأن، لفدى به إسحاق.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و
في مجمع البيان (10): و قيل: إنّ إبراهيم رأى في المنام أن يذبح ابنه إسحاق، و قد كان حجّ بوالدته سارة و أهله. فلمّا انتهى إلى منى، رمى الجمرة هو و أهله. و أمر سارة، فزارت
____________
1 و 2- مجمع البيان 4/ 455.
(3) الكافي 6/ 310، ح 1.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(5) الكافي 1/ 151، ح 4.
(6) المصدر: مشيئتهما.
(7) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: إسحاق.
(8) نفس المصدر 6/ 310، ح 3.
(9) من المصدر.
(10) المجمع 4/ 454.
163
بالبيت. و احتبس الغلام، فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى. فاستشاره في نفسه.
فأمره الغلام أن يمضي لما أمره اللّه، و سلّما (1) لأمر اللّه.
فأقبل شيخ فقال: يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام؟ قال: أريد أن أذبحه. فقال:
سبحان اللّه! تريد أن تذبح غلاما لم يعص اللّه طرفة عين قطّ. قال إبراهيم: إنّ اللّه أمرني بذلك. قال: ربّك ينهاك عن ذلك، و إنّما أمرك بهذا الشّيطان! فقال إبراهيم: لا و اللّه! فلمّا عزم على الذّبح، قال الغلام: يا أبت، خمّر وجهي (2)، و شدّ وثاقي. فقال: يا بنيّ، الوثاق مع الذّبح؟! و اللّه لا أجمعهما عليك اليوم. و رفع رأسه إلى السّماء، ثمّ أنحى (3) عليه بالمدية. و قلّب جبرئيل المدية على قفاها، و اجترّ الكبش (4) من قبل ثبير (5). و اجترّ الغلام من تحته، و وضع الكبش مكان الغلام. و نودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا بإسحاق إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ.
قال: و لحق إبليس بأمّ الغلام حين زارت البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته بمنى؟
قال: ذاك بعلي. قال: فوصيف (6) رأيته؟ قالت: ذاك ابني. قال: فإنّي رأيته قد أضجعه، و أخذ المدية [ليذبحه] (7). قالت: كذبت! إبراهيم أرحم النّاس، فكيف يذبح ابنه؟! قال:
فو ربّ السّماء و الأرض، و ربّ هذه الكعبة، قد رأيته كذلك. قال: و لم؟ قال: زعم أنّ ربّه أمره بذلك. قالت: حقّ له أن يطيع ربّه. فوقع في نفسها أنّه قد أمر في ابنها بأمر.
فلمّا قضت نسكها، أسرعت في الوادي، راجعة إلى منى، واضعة يديها على رأسها، و هي تقول: يا ربّ! لا تؤاخذني بما عملت بأمّ إسماعيل! فلمّا جاءت سارة و أخبرت الخبر، قامت تنظر إلى ابنها. فرأت إلى أثر السكين خدشا في حلقه. ففزعت و اشتكت.
و كان بدء مرضها الّذي هلكت به.
رواه العيّاشيّ و عليّ بن إبراهيم (8) بالإسناد في كتابيهما.
و فيه اختلف العلماء في الذّبيح على قولين:
____________
(1) ن: مسلما.
(2) أي: استر وجهى.
(3) أي: أقبل عليه و في ن: انتخى. و في ت، م، ى، ر: انتحى. و في المصدر: انحنى.
(4) أي جرّه.
(5) ثبير: جبل بين مكّة و عرفات من أعظم جبال مكّة.
(6) الوصيف: الخادم. قال المجلسيّ (ره): و إنّما عبّر الملعون هكذا تجاهلا عن أنّه ابنه ليكون أبعد عن التّهمة.
(7) من المصدر.
(8) تفسير القمّي 2/ 226.
164
أحدهما: أنّه إسحاق. و روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام).
و القول الآخر: إنّه إسماعيل.
و كلا القولين قد رواه أصحابنا عن أئمّتنا- (عليهم السلام)
- إلّا أنّ الأظهر في الرّوايات أنّه إسماعيل. و قد صحّ
عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: «أنا ابن الذّبيحين».
و لا خلاف أنّه من ولد إسماعيل، و الذّبيح الآخر هو عبد اللّه أبوه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- (رحمه اللّه)-: و قد اختلفوا في إسحاق و إسماعيل (2).
و قد روت العامّة خبرين مختلفين في إسماعيل و إسحاق.
و في من لا يحضره الفقيه (3): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن الذّبيح من كان.
فقال: إسماعيل. لأنّ اللّه- تعالى- عن الذّبيح من كان. فقال: إسماعيل. لأنّ اللّه- تعالى- ذكر قصّته في كتابه، ثمّ قال (4): وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
و قد اختلف (5) الرّوايات في الذّبيح: فمنها ما ورد بأنّه إسماعيل. و منها ما ورد بأنّه إسحاق. و لا سبيل إلى ردّ الأخبار متّى صحّ طرقها. و كان الذّبيح إسماعيل، لكنّ إسحاق لمّا ولد بعد ذلك، تمنّى أن يكون هو الّذي أمر أبوه بذبحه، و كان يصبر لأمر اللّه و يسلّم له كصبر أخيه و تسليمه، فينال بذلك درجته في الثّواب. فعلم اللّه ذلك من قلبه، فسمّاه بين ملائكته ذبيحا، لتمنّيه لذلك. و قد ذكرت إسناد ذلك في كتاب النّبوّة، متّصلا بالصّادق- (عليه السلام).
و سئل الصّادق (6)- (عليه السلام)-: أين أراد إبراهيم أن يذبح ابنه؟ فقال: على الجمرة- و لمّا أراد إبراهيم أن يذبح ابنه، قلّب جبرئيل المدية، و اجترّ الكبش من قبل ثبير. و اجترّ الغلام من تحته، و وضع الكبش مكان الغلام. و نودي من ميسرة مسجد الخيف أن يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ.
و في الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و (8) محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد،
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 226.
(2) في المصدر زيادة: و عبد اللّه.
(3) الفقيه 2/ 148، ح 655.
(4) الصّافّات/ 112.
(5) من كلام الصدوق (ره) في نفس المصدر.
(6) نفس المصدر.
(7) الكافي 4/ 207- 209، ح 9.
(8) ق، ش: عن.
165
و الحسين بن محمّد عن عبد ربّه (1) بن (2) عامر، جميعا عن أحمد بن محمّد (3) [بن أبي نصر] (4)، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير أنّه سمع أبا جعفر و أبا عبد اللّه- (عليهما السلام)- يذكران:
انّه لمّا كان يوم التروّية، قال جبرئيل لإبراهيم: تروّ (5) من الماء. فسمّيت التّروية. ثمّ أتى منى، فأباته بها. ثمّ غدا به إلى عرفات، فضرب خباءه بنمرة (6) [دون عرفة] (7)، فبنى مسجدا بأحجار بيض. و كان يعرف أثر مسجد إبراهيم، حتّى أدخل في هذا المسجد الّذي بنمرة حيث يصلّي الإمام يوم عرفة. فصلّى [بها] (8) الظّهر و العصر.
ثمّ عمد به إلى عرفات، فقال: هذه عرفات، فاعرف بها مناسكك، و اعترف بذنبك. [فسمّي عرفات] (9). ثمّ أفاض إلى المزدلفة. [فسمّيت المزدلفة] (10) لأنّه ازدلف إليها.
ثمّ قام على المشعر الحرام، فأمره اللّه أن يذبح ابنه. و قد رأى فيه شمائله و خلائقه، و أنس ما كان إليه. فلمّا أصبح، أفاض من المشعر إلى منى، فقال لأمّه: زوري البيت أنت. و احتبس الغلام، فقال: يا بنيّ هات الحمار و السّكين، حتّى أقرّب القربان.
فقال أبان: فقلت لأبي بصير: ما أراد بالحمار و السّكين؟
قال: أراد أن يذبحه، ثمّ يحمله فيجهّزه و يدفنه.
قال: فجاء الغلام بالحمار و السّكين، فقال: يا أبت أين القربان؟ قال: ربّك يعلم أين هو. يا بنيّ، أنت- و اللّه- هو. [إنّ اللّه] (11) قد أمرني بذبحك فَانْظُرْ ما ذا تَرى؟ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
قال: فلمّا عزم على الذّبح، قال: يا أبت خمّر وجهي، و شدّ وثاقي، قال: يا بنيّ.
الوثاق مع الذّبيح!؟ و اللّه لا أجمعهما عليك اليوم! قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فطرح له قرطان (12) [أي برذعة] (13) الحمار. ثمّ أضجعه
____________
(1) م، ى، ر، المصدر: عبدويه.
(2) ى: عن.
(3) في، ن، ت، ى زيادة: بن يحيى أبي نصر.
(4) ليس في ن، ت، ى.
(5) المصدر: تروه.
(6) نمرة: الجبل الّذي عليه أنصاب الحرم بعرفات عن يمينك إذا خرجت منها إلى الموقف.
(7) ليس في ق، ن، ت.
(8) من المصدر.
(9) ليس في ن.
(10) من المصدر.
(11) ليس في ق.
(12) كذا في المصدر. و في ق: قطران. و في غيرها:
قرطا.
(13) ليس في المصدر.
166
عليه، و أخذ المدية، فوضعها على حلقه.
قال: فأقبل شيخ فقال: ما تريد من هذا الغلام؟ قال: أريد أن أذبحه. فقال:
سبحان اللّه! غلام لم يعص اللّه طرفة عين، تذبحه!؟ فقال: نعم. إنّ اللّه قد أمرني بذبحه.
فقال: بل ربّك ينهاك عن ذبحه؛ و إنّما أمرك بهذا الشّيطان في منامك! قال: ويلك! الكلام الّذي سمعته هو الّذي بلغ بى ما ترى. لا و اللّه، لا أكلّمك. ثمّ عزم على الذّبح.
فقال الشّيخ: يا إبراهيم! إنّك إمام يقتدى بك؛ و إن ذبحت ولدك، ذبح النّاس أولادهم، فهملا! فأبى أن يكلمه.
قال أبو بصير: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: فأضجعه عند الجمرة الوسطى. ثمّ أخذ المدية، فوضعها على حلقه. ثمّ رفع رأسه إلى السّماء، ثمّ انحنى (1) عليه.
فقلّبها جبرئيل عن حلقه. فنظر إبراهيم، فإذا هي مقلوبة. فقلّبها إبراهيم على حدّها، و قلّبها جبرئيل على قفاها. ففعل ذلك مرارا. ثمّ نودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. و اجترّ الغلام من تحته. و تناول جبرئيل الكبش من قلّة ثبير، فوضعه تحته.
و خرج الشّيخ الخبيث، حتّى لحق بالعجوز حين نظرت إلى البيت، و البيت في وسط الوادي. فقال: ما شيخ رأيته بمنى؟ فنعت نعت إبراهيم. قالت: ذاك بعلي. قال: فما وصيف رأيته معه؟ و نعت نعته. قالت: ذاك ابني. قال: فإنّي رأيته أضجعه، و أخذ المدية ليذبحه. قالت: كلّا! ما رأيت إبراهيم إلّا أرحم النّاس. و كيف رأيته يذبح ابنه؟! قال:
و ربّ السّماء و الأرض، و ربّ هذه البنية، لقدر رأيته أضجعه، و أخذ المدية ليذبحه. قالت:
لم؟ قال: زعم أنّ ربّه أمره بذبحه! قالت: فحقّ عليه (2) أن يطيع ربّه.
[قال:] (3) فلمّا قضت (4) مناسكها، فرقت (5) أن يكون قد نزل في ابنها شيء. فكأنّي أنظر إليها مسرعة (6) في الوادي، واضعة يديها على رأسها، و هي تقول: ربّ! لا تؤاخذني بما عملت بأمّ إسماعيل.
____________
(1) ن: أنجني. و في المصدر: انتحى.
(2) المصدر: له.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قضيت.
(5) فرقت: خافت.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: سرعة.
167
قال: فلمّا جاءت سارة، فأخبرت الخبر، قامت إلى ابنها تنظر. فإذا أثّر السّكّين خدشا (1) في حلقه. ففزعت و اشتكت. و كانت بدء مرضها الّذي هلكت فيه.
و ذكر أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أراد أن يذبحه في الموضع الّذي حملت أمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند الجمرة الوسطى. فلم يزل مضربهم يتوارثون به، كابر عن كابر، حتّى كان آخر من ارتحل منه عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- في شيء كان بين بني هاشم و بين بني أميّة. فارتحل فضرب بالعرين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن فضّالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- أتاه جبرئيل عند زوال الشّمس من يوم التّروية، فقال:
يا إبراهيم، ارتو من الماء لك و لأهلك. و لم يكن بين مكّة و عرفات ماء. فسمّيت التّروية لذلك. فذهب به، حتّى انتهى به إلى منى، فصلّى بها (3) الظّهر و العصر و العشاءين و الفجر. حتّى إذا بزغت الشّمس، خرج إلى عرفات، فنزل بنمرة، و هي بطن عرفة.
فلمّا زالت الشّمس، خرج و قد اغتسل. فصلّى الظّهر و العصر بأذان واحد و إقامتين. و صلّى في موضع المسجد الّذي بعرفات. و قد كانت ثمّ (4) أحجار بيض.
فأدخلت في المسجد الّذي بني. ثمّ مضى به إلى الموقف، فقال: يا إبراهيم، اعترف بذنبك، و اعرف مناسكك. فلذلك سمّيت عرفة. و أقام به حتّى غربت الشّمس. ثمّ أفاض به، فقال: يا إبراهيم، ازدلف إلى المشعر الحرام. فسمّيت المزدلفة. و أتى به المشعر الحرام، فصلّى به المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين.
ثمّ بات بها، حتّى إذا صلّى بها صلاة الصّبح، أراه الموقف. ثمّ أفاض إلى منى.
فأمره، فرمى جمرة العقبة، و عندها ظهر له إبليس. ثمّ أمره اللّه بالذّبح. فإنّ إبراهيم- (عليه السلام)- حين أفاض من عرفات، بات على المشعر الحرام، و هو قزح (5). فرأى في النّوم أن يذبح ابنه. و قد كان حجّ بوالدته (6) [و أهله] (7).
____________
(1) ن، ى، ر، المصدر: خدوشا.
(2) تفسير القمّي 2/ 224- 226.
(3) المصدر: به.
(4) ثمّ: هناك.
(5) المصدر: فزع. و قزح: القرن الّذي يقف الإمام عنده بالمزدلفة عن يمين الإمام و هو الموضع الّذي كانت توقد فيه النّيران في الجاهليّة.
(6) المصدر: أن يذبح ابنه إسحاق و قد كان إسحاق حجّ بوالدته سارة.
(7) ليس في المصدر.
168
فلمّا انتهى إلى منى، رمى جمرة العقبة (1) هو (2) و أهله، و مرّت سارة (3) إلى البيت.
و احتبس الغلام، فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى. فاستشار ابنه، و قال كما حكى اللّه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى. فقال الغلام كما حكى اللّه- عزّ و جلّ عنه-: امض لما أمرك اللّه به. يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. و سلّما لأمر اللّه- عزّ و جلّ.
و أقبل شيخ فقال: يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام؟! قال: أريد أن أذبحه. فقال:
سبحان اللّه! تذبح غلاما لم يعص اللّه طرفة عين. فقال إبراهيم: إنّ اللّه أمرني بذلك.
فقال: ربّك ينهاك عن ذلك. و إنّما أمرك بهذا الشّيطان! فقال له إبراهيم: ويلك! إن الّذي بلغني هذا المبلغ، هو الّذي أمرني به، و الكلام الّذي وقع في أذني (4). فقال: لا و اللّه! ما أمرك بهذا إلّا الشّيطان! فقال إبراهيم: لا و اللّه! و لا أكلّمك! ثمّ عزم على الذّبح.
فقال: يا إبراهيم إنّك إمام يقتدى بك. و إنّك إن ذبحته، ذبح النّاس أولادهم. فلم يكلّمه.
و أقبل على الغلام، فاستشاره في الذّبح. فلمّا أسلما جميعا لأمر اللّه، قال الغلام: يا أبتاه خمّر وجهي، و شدّ وثاقي. فقال إبراهيم: يا بنيّ! الوثاق مع الذّبح؟! لا و اللّه لا أجمعهما عليك اليوم! فرمى له بقرطان الحمار، ثمّ أضجعه عليه. و أخذ المدية، فوضعها على حلقه، و رفع رأسه إلى السّماء. ثمّ اجترّ (5) عليه المدية. فقلّب جبرئيل- (عليه السلام)- المدية على قفاها. و اجترّ الكبش من قبل ثبير، و أثار الغلام من تحته، و وضع الكبش مكان الغلام. و نودي من ميسرة (6) مسجد الخيف أن يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ.
قال: و لحق إبليس بامّ الغلام، حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي بحذاء
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) ليس في ن، ت، م، ى، ر.
(3) في المصدر: «و أمر أهله فسارت» مكان «و مرّت سارة.
(4) قال في البحار 12/ 128: «و الكلام الّذي وقع في اذني» لعلّه معطوف على الموصول المتقدّم أي الكلام الّذي وقع في اذني أمرني بهذا، فيكون كالتفسير لقوله: الّذي بلغني هذا المبلغ أو المراد بالأوّل الربّ تعالى، و بالثاني وحيه، و يحتمل أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي و هو الكلام الّذي وقع في اذني.
(5) المصدر: انتحى.
(6) المصدر: مسيرة.
169
البيت. فقال لها: ما شيخ رأيته؟ قالت: إنّ ذلك بعلي. قال: فوصيف رأيته معه قالت:
ذاك ابني. قال: فإنّي رأيته، و قد أضجعه، و أخذ المدية ليذبحه. فقالت: كذبت! إنّ إبراهيم أرحم النّاس. كيف يذبح ابنه؟! قال: فو ربّ السّماء و الأرض، و ربّ هذا البيت، لقد رأيته أضجعه، و أخذ المدية. فقالت: و لم؟ قال: زعم أنّ ربّه أمره بذلك! قالت: فحقّ عليه (1) أن يطيع ربّه. فوقع في نفسها أنّه قد أمر في ابنها بأمر.
فلمّا قضت مناسكها، أسرعت في الوادي، راجعة إلى منى، واضعة يدها على رأسها، تقول: يا ربّ! لا تؤاخذني بما عملت بأمّ إسماعيل.
قلت: فأين أراد أن يذبحه.
قال: عند الجمرة الوسطى.
و في مجمع البيان (2): و روي أنّه قال: اذبحني و أنا ساجد لا ترى إلى وجهي. فعسى أن ترحمني فلا تذبحني.
و روي عن عليّ (3)- (عليه السلام)- و جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: «فلما سلّما» بغير ألف و لام مشدّدة.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ (4)- (رحمه اللّه)-: روى عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا إبراهيم قد أضجع ولده، و تلّه للجبين.
فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و لقد أعطي إبراهيم بعد الإضجاع (5) الفداء. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصيب بأفجع منه فجيعة. أنّه وقف- (عليه السلام)- على حمزة عمّه أسد اللّه و أسد رسوله و ناصر دينه، و قد فرّق بين روحه و جسده. فلم يبن عليه حرقة، و لم يفض عليه عبرة. و لم ينظر إلى موضعه من قلبه و قلوب أهل بيته، ليرضي اللّه- عزّ و جلّ- بصبره، و يستسلم لأمره في جميع الفعال. و قال- (عليه السلام)-: لو لا أن تحزن صفيّة، لتركته حتّى يحشر من بطون السّباع و حواصل الطّيور (6). و لو لا أن يكون سنّة بعدي، لفعلت ذلك.
____________
(1) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: له.
(2) المجمع 4/ 453.
(3) نفس المصدر 4/ 451.
(4) الإحتجاج/ 214.
(5) المصدر: الاضطجاع.
(6) المصدر: الطير.
170
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، متّصلا بآخر ما نقلنا عنه قريبا- أعني قوله- صلّى اللّه عليه عند الجمرة الوسطى- قال: و نزل الكبش على الجبل الّذي عن يمين مسجد منى.
نزل من السّماء، و كان يأكل في سواد، و يمشي في سواد أقرن. قلت: ما كان لونه؟ قال:
كان أملح أغبر.
و في مجمع البيان (2): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن كبش إبراهيم، ما كان لونه. قال: أملح أقرن. و نزل منه السّماء على الجبل الأيمن من (3) مسجد منى بجبال الجمرة الوسطى. و كان يمشي في سواد، و يأكل في سواد، و ينظر في سواد، و يبعر في سواد، و يبول في سواد.
و في عيون الأخبار (4): حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النّيسابوريّ العطّار بنيسابور، في شعبان سنة اثنين و خمسين و ثلاثمائة، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن (5) قتيبة النّيسابوري، عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: لمّا أمر اللّه- تعالى- إبراهيم أن يذبح (6) مكان ابنه إسماعيل الكبش الّذي أنزله عليه، تمنّى إبراهيم- (عليه السلام)- أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده، و أنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الّذي يذبح أعزّ ولده بيده، فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب.
فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا إبراهيم، من أحبّ خلقي إليك؟ قال: يا ربّ ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)؟
فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا إبراهيم، أ فهو أحبّ إليك أو نفسك (7)؟ [قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي.
قال: فولده أحبّ إليك أو ولدك؟] (8) قال: بل ولده.
قال: فذبح ولده ظلما على أيدي (9) أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا ربّ، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 226.
(2) المجمع 4/ 455.
(3) في ق، ش: «الّذي عن يمين» مكان «الأيمن من».
(4) العيون 1/ 166، ح 1.
(5) في المصدر زيادة: محمّد بن.
(6) في ق زيادة: ابنه.
(7) المصدر: ولدك.
8 و 9 ليس في المصدر.
171
قال: يا إبراهيم، إنّ طائفة تزعم أنّها من أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ستقتل الحسين- (عليه السلام)- ابنه من بعده، ظلما و عدوانا، كما يذبح الكبش. و يستوجبون بذلك سخطي.
فجزع إبراهيم لذلك، و توجع قلبه، و أقبل يبكي. فأوحى اللّه تعالى إليه: يا إبراهيم، قد قبلت (1) جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك، بجزعك على الحسين- (عليه السلام)- و قتله. و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. [و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم] (2).
حدّثنا (3) أحمد بن الحسن (4) القطّان قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ قال:
حدّثنا عليّ بن الحسن (5) بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن معنى قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا ابن الذّبيحين.
قال: يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل- (عليه السلام)- و عبد اللّه بن عبد المطلّب.
أما إسماعيل، فهو الغلام الحليم الّذي بشّر اللّه- تعالى- به إبراهيم. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ و هو لمّا عمل مثل عمله، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى؟؟ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ (6) و لم يقل: يا أبت افعل ما رأيت، ستجدني إن شاء اللّه من الصّابرين.
فلمّا عزم على ذبحه، فداه اللّه- تعالى- بذبح عظيم، بكبش أملح يأكل كفي سواد، و يشرب في سواد، و ينظر في سواد، و يمشي في سواد، و يبول (7) [في سواد] (8)، و يبعر في سواد. و كان يرتع قبل ذلك في رياض الجنّة أربعين عاما. و ما خرج من رحم أنثى. و إنّما قال اللّه- تعالى- له: كن، فكان، ليفتدي (9) به إسماعيل. فكلّ ما يذبح في منى، فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة. فهذا أحد الذّبيحين- إلى قوله- (عليه السلام)-:
و العلّة الّتي من أجلها دفع اللّه الذّبح عن إسماعيل، هي العلّة الّتي من أجلها دفع
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فديت.
(2) ليس في المصدر.
(3) العيون 1/ 167- 168، ح 1.
4 و 5- المصدر: الحسين.
(6) في ق زيادة: ستجدني إن شاء اللّه.
(7) المصدر: يبرك.
(8) ليس في م، ر.
(9) المصدر: ليفدي.
172
اللّه الذّبح عن عبد اللّه. و هي كون النّبيّ و الأئمّة- (عليهم السلام)- في صلبيهما (1). فببركة النّبيّ و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- دفع اللّه الذّبح عنهما، فلم تجر السّنّة في النّاس بقتل أولادهم. و لو لا ذلك، لوجب على النّاس كلّ أضحى التّقرب إلى اللّه- تعالى- ذكره- بقتل أولادهم. و كلّما يتقرّب به النّاس إلى اللّه- عزّ و جلّ- من أضحيّة، فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الخصال (2)، عن الحسن بن عليّ قال، كان عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشّام، فسأله عن مسائل.
فكان فيما سأله: أخبرني عن ستّة لم يركضوا في رحم. فقال: آدم، و حوّاء، و كبش إسماعيل (3) (الحديث).
و في الكافي (4): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه- أظنّه محمّد بن إسماعيل- قال: قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: لو خلق (5) اللّه- عزّ و جلّ- مضغة (6) هي أطيب (7) من الضّأن، لفدى بها إسماعيل.
[محمّد بن يحيى (8)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن سعد بن سعد، قال:
قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: لو علم اللّه شيئا أكرم من الضّأن، لفدى به إسماعيل.] (9)
عدّة من أصحابنا (10)، عن جعفر بن إبراهيم [الحضرمي] (11)، عن سعد بن سعد قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: لو علم اللّه- عزّ و جلّ- خيرا من الضّأن، لفدى به إسحاق.
و هذه الأحاديث الثلاث (12) طوال. أخذت منها موضع الحاجة.
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) سبق بيانه في قصّة نوح- (عليه السلام).
كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (111) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111):
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: صلبهما.
(2) الخصال 1/ 322، ح 8.
(3) المصدر: إبراهيم.
(4) الكافي 6/ 310، ح 1.
(5) ق، ش، م: علم.
(6) ق، ش، م: شيئا.
(7) ق، ش، م: أكرم.
(8) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(9) ليس في ق، ش، م.
(10) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(11) من المصدر.
(12) الظاهر الصحيح: الثلاثة.
173
لعلّه طرح عنه «إنّا» اكتفاء بذكره مرّة في هذه القصّة.
وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112):
قيل (1): مقضيّا نبوّته، مقدّرا كونه من الصّالحين. و بهذا الاعتبار وقعا حالين، و لا حاجة إلى وجود المبشّر به وقت البشارة. فإنّ وجود ذي الحال غير شرط، بل الشّرط مقارنة تعلّق الفعل به، لاعتبار المعنى بالحال. فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما، مثل: و بشّرناه بوجود إسحاق، أي: بأن يوجد إسحاق نبيّا من الصّالحين. و مع ذلك لا يصير نظير قوله (2): فَادْخُلُوها خالِدِينَ. فإنّ الدّاخلين مقدّرون خلودهم وقت الدّخول، و إسحاق لم يكن مقدّرا نبوّة نفسه و صلاحهما حينما يوجد.
و من فسّر الغلام (3) بإسحاق، جعل المقصود من البشارة نبوّته.
و في ذكر الصّلاح بعد النّبوّة، تعظيم لشأنه، و إيماء بأنّه الغاية لتضمّنها معنى الكمال و التّكميل بالفعل على الإطلاق.
وَ بارَكْنا عَلَيْهِ: على إبراهيم في أولاده، وَ عَلى إِسْحاقَ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل و غيرهم، كأيّوب، و شعيب. أو: أفضنا عليهما بركات الدّين و الدّنيا.
و قرئ (4): «و بركنا».
وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ في عمله. أو: على نفسه بالإيمان و الطّاعة، وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالكفر و المعاصي مُبِينٌ (113): ظاهر ظلمه.
و في ذلك تنبيه على أنّ النّسب لا أثر له في الهدى و الضّلال، و أنّ الظّلم في أعقابهما، لا يعود عليهما بنقيصة و عيب.
وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَ هارُونَ (114): أنعمنا عليهما بالنّبوّة و غيرها من المنافع الدّينيّة و الدّنيويّة.
وَ نَجَّيْناهُما وَ قَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115): من تعذيب فرعون، أو الغرق.
وَ نَصَرْناهُمْ:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 298.
(2) الزمر/ 73.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الكلام.
(4) نفس المصدر و المصدر.
174
الضّمير لهما مع القوم.
فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116) على فرعون و قومه.
وَ آتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117): البليغ في بيانه. و هو التّوراة.
وَ هَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118): الموصل (1) إلى الحقّ و الصّواب.
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِما الثّناء الجميل. فِي الْآخِرِينَ (119)، بأن قلنا: سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ (120).
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) سبق مثل ذلك.
وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123):
قيل (2): هو إلياس بن ياسين، سبط هارون أخي موسى، بعث بعده.
و قيل (3): إدريس [لأنّه قرئ: «إدريس»] (4)، و «إدراس» مكانه و في حرف أبيّ:
«و إنّ إبليس (5)». و قرأ ابن ذكوان مع خلاف عنه، بحذف همزة «إلياس».
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ (124) عذاب اللّه؟! أَ تَدْعُونَ بَعْلًا: أ تعبدونه؟! أو: أ تطلبون الخير منه؟! و هو اسم صنم كان لأهل بكّ بالشّام. و هو البلد الّذي يقال له الآن: بعلبك.
و قيل (6): البعل: الرّبّ، بلغة اليمن. و المعنى: أ تدعون بعض البعول.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): أَ تَدْعُونَ بَعْلًا قال: كان لهم صنم يسمّونه بعلا.
وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125): و تتركون عبادته؟! و قد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعنيّ بالهمزة. ثمّ صرّح به بقوله:
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126).
و قرأ (8) حمزة و الكسائيّ و يعقوب و حفص بالنّصب، على البدل من «أحسن الخالقين».
____________
(1) ن، ت، م، ش، ى، ر: الطريق الموصل.
2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 299.
(4) ليس في ق، ش، ن.
(5) المصدر: إبليس.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير القمّي 2/ 226.
(8) أنوار التنزيل 2/ 299.
175
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127)، أي: في العذاب. و إنّما أطلقه، اكتفاء بالقرينة. أو لأنّ الإحضار المطلق مخصوص بالشّرّ عرفا.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) مستثنى من الواو، لا من المحضرين، لفساد المعنى.
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129).
سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (130): لغة في «إلياس»، كسيناء و سينين.
و قيل (1): جمع له، مراد به هو و أتباعه، كالمهلّبين. لكن فيه أنّ العلم إذا جمع، يجب تعريفه باللّام أو للمنسوب إليه، بحذف ياء النّسب، كالأعجمين، و هو قليل ملبس.
و قرأ (2) نافع و ابن عامر و يعقوب على إضافة «آل» إلى «ياسين»، لأنّهما في المصحف مفصولان.
قيل (3): فيكون «ياسين» أبا إلياس.
و قيل (4): محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو القرآن، أو غيره من كتب اللّه.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132).
و في عيون الأخبار (5)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل.
و في أثنائه قال المأمون: [فهل عندك] (6) في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن؟
قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: نعم أخبروني عن قول- (عليه السلام)* * * تعالى-: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فمن عنى بقوله: يس؟
قال العلماء: محمّد. لم يشكّ فيه أحد.
قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى محمّدا (7) و آل محمّد من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه، إلّا من عقله. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يسلّم على أحد إلّا على الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم). فقال- تبارك و تعالى-:
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) العيون 1/ 185، ح 1.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: محمد.
176
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ. و قال: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. و قال: سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ. و لم يقل: سلام على آل نوح. [و لم يقل: سلام على آل إبراهيم.] (1) و لم يقل (2): سلام على آل موسى و هارون. و قال: سلام على آل ياسين، يعني: آل محمّد.
فقال المأمون: قد علمت أنّ في معدن النّبوّة شرح هذا و بيانه.
و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى قادح، عن الصّادق- (عليه السلام)- جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-:
سلام على آل ياسين قال: ياسين محمّد. و نحن آل يس.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و لهذه الآية ظاهر و باطن. فالظّاهر قوله (5): صَلُّوا عَلَيْهِ. و الباطن قوله: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، أي (6): سلّموا لمن وصّاه، و استخلفه، و فضّله عليكم (7)، و ما عهد به إليه تسليما.
و هذا ممّا أخبرتك أنّه لا يعلم تأويله إلّا من لطف حسّه، وصفا ذهنه، و صحّ تمييزه.
و كذلك قوله: سلام على آل ياسين. لأنّ اللّه سمّي (8) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهذا الاسم (9)، حيث قال: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، لعلمه بأنّهم يسقطون [قول اللّه:] (10) سلام على (11) آل محمّد، كما أسقطوا غيره.
و في شرح الآيات الباهرة (12): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- (13): حدّثنا محمّد بن القاسم، عن (14) حسين (15) بن حكم، عن حسين بن نصر بن مزاحم، عن أبيه، عن أبان بن أبي (16) عيّاش، عن سليم (17) بن قيس، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- صلّى اللّه
____________
(1) ليس في ن.
(2) المصدر: و لا قال.
(3) المعاني/ 122، ح 2.
(4) الإحتجاج/ 253.
(5) الأحزاب/ 56.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أن.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «عليكم فضله» مكان «و فضّله عليكم»
(8) المصدر: سمّى به.
(9) ليس في المصدر.
(10) من المصدر.
(11) في ق زيادة: آل ياسين أي.
(12) تأويل الآيات 2/ 498- 500.
(13) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(14) ن: بن.
(15) ت: علي.
(16) ليس في ق، ش، م.
(17) كذا في المصدر. و في النسخ: سليمان.
177
عليه و آله- اسمه «ياسين». و نحن الّذين قال اللّه- تعالى-: سلام على آل ياسين.
و قال أيضا: حدّثنا محمّد بن سهل العطّار، عن الخضر بن أبي فاطمة البلخيّ، عن وهب (1) بن نافع، عن كارخ (2) [بن جعفر] (3)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: سلام على آل ياسين قال: ياسين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و نحن آل ياسين (4).
و قال أيضا. حدّثنا محمّد بن سهل، عن إبراهيم بن معن (5)، عن إبراهيم بن آدم (6)، عن الأعمش، عن يحيى بن وثّاب، عن أبي عبد الرّحمن الأسلميّ، عن عمر بن الخطّاب، أنّه كان يقرأ: سلام على آل ياسين قال: على آل محمّد.
و قال أيضا: حدّثنا محمّد بن الحسين الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن موسى بن عثمان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله- عزّ و جلّ-: سلام على آل ياسين قال: نحن هم، آل محمّد.
و قال أيضا: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن أسيد (7)، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن زريق بن مرزوق البجليّ، عن داود بن عليّة (8)، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله- عزّ و جلّ-: سلام على آل ياسين قال: أي: على آل محمّد. و إنّما ذكر اللّه- عزّ و جلّ- أهل الخير و أبناء الأنبياء و ذراريهم و إخوانهم.
وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136):
سبق بيانه.
وَ إِنَّكُمْ يا أهل مكّة، لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ: على منازلهم في متاجركم إلى الشّام- فإنّ سدوم في طريقه- مُصْبِحِينَ (137): داخلين في الصّباح، وَ بِاللَّيْلِ، أي: و مساء. أو: نهارا و ليلا. و لعلّها وقعت قرب (9) منزل يمرّ بها المرتحل عنه
____________
(1) ن، ت، م، ى، ر: وهيب.
(2) ن، ى، المصدر: كادح و في م، ر: كادخ.
(3) ليس في المصدر.
(4) ن، ت، م، ش، ى، ر، المصدر: آل محمّد.
(5) المصدر: معمّر. و في ن: معلى.
(6) م، ى، ر، المصدر: داهر. و في ن، ت: زاهر.
(7) المصدر: أسد.
(8) ن: عتبة.
(9) ن، ت، م، ى، ر: قريب.
178
صباحا و القاصد لها مساء.
أَ فَلا تَعْقِلُونَ (138): أ فليس فيكم عقل تعتبرون به؟!
و في روضة الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد، جميعا (2) عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زيد بن الوليد الخثعميّ (3)، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- إلى قوله:
فقلت: فقوله-: عزّ و جلّ-: وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ.
قال: تمرّون عليهم في القرآن، إذا قرأتم القرآن تقرءون فيه ما قصّ اللّه عليكم من خبرهم.
وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139):
و قرئ (4) بكسر النّون.
إِذْ أَبَقَ: هرب. و أصله: الهرب من السّيّد.
قيل (5): لمّا كان هربه من قومه بغير إذن ربّه، حسن إطلاقه عليه.
إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140): المملوء.
فَساهَمَ: فقارع أهله.
فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141): فصار من المغلوبين بالقرعة. و أصله: المزلق عن مقام الظّفر.
نقل (6): أنّه لمّا وعد قومه بالعذاب، خرج من بينهم قبل أن يأمره اللّه به. فركب السّفينة، فوقفت. فقالوا: هاهنا عبد آبق. فاقترعوا، فخرجت القرعة عليه. فقال: أنا الآبق! و رمى بنفسه في الماء.
و في كتاب المناقب (7) لابن شهر آشوب: و في حديث أبي حمزة الثّماليّ أنّه دخل عبد اللّه بن عمر على زين العابدين- (عليه السلام)- و قال له: يا ابن الحسين، أنت الّذي
____________
(1) الكافي 8/ 248، ح 349.
(2) ليس في ق، ش.
(3) ق، ش: الخثعميّ.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 299.
(6) نفس المصدر و المجلّد/ 300.
(7) المناقب 4/ 138- 139.
179
تقول: إنّ يونس بن متّى، إنّما لقي من الحوت ما لقي، لأنّه عرضت عليه ولاية جدّي، فتوقّف عندها؟! قال: بلى، ثكلتك (1) أمّك! قال: فأرني آية ذلك، إن كنت من الصّادقين.
فأمر بشدّ عينيه بعصابة، و عينيّ بعصابة. ثمّ أمر بعد ساعة بفتح أعيننا. فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه.
فقال ابن عمر: يا سيّدي! دمي في رقبتك، اللّه [اللّه] (2) في نفسي! قال: هنيئة (3) و أريه إن كنت من الصّادقين. ثمّ قال: يا أيّتها الحوت! قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم، و هو يقول: لبّيك! لبّيك يا وليّ اللّه! فقال: من أنت؟ قال: [أنا] (4) حوت يونس يا سيّدي. قال: أنبئنا (5) بالخبر.
قال: سيّدي، إنّ اللّه- تعالى- لم يبعث نبيّا من آدم، إلى أن صار جدّك محمّد، إلّا و قد عرض عليه و لا يتكلم أهل البيت- (عليهم السلام). فمن قبلها من الأنبياء، سلم و تخلّص. و من توقّف عنها، و تتعتع في حملها، لقي ما لقي آدم من المعصية (6) و ما لقي نوح من الغرق، و ما لقي إبراهيم من النّار، و ما لقي يوسف من الجبّ، و ما لقى أيّوب من البلاء، و ما لقي داود من الخطيئة. إلى أن بعث اللّه يونس. فأوحى اللّه إليه أن يا يونس، تولّ (7) أمير المؤمنين عليّا و الأئمّة الرّاشدين من صلبه في كلام له.
قال: فكيف أتولّى من لم أره، و لم أعرفه؟! و ذهب مغتاظا.
فأوحى اللّه اللّه- تعالى- إليّ أن التقمي يونس، و لا توهني له عظما. فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار، في ظلمات ثلاث (8)، ينادي أنّه لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (9). قد قبلت ولاية عليّ بن أبي طالب و الأئمّة الرّاشدين من ولده- (عليهم السلام). [فلمّا أن آمن بولايتكم، أمرني ربّي. فقذفته على ساحل البحر.] (10)
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ثكلك.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: هيّه. و في ن، ى: هيت.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: آتينا.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: المصيبة.
(7) في ق زيادة: تولّ.
(8) المصدر: مئات.
(9) الأنبياء/ 87.
(10) ليس في ق، ش، م.
180
فقال- (عليه السلام)-: ارجع أيّها الحوت إلى وكرك. [فرجع الحوت،] (1) و استوى الماء.
و في بصائر الدّرجات (2): العبّاس بن معروف، عن سعدان (3) بن مسلم، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة (4)، عن حبّة العرنيّ قال:
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ اللّه عرض ولايتي على أهل السّموات، و على أهل الأرض. أقرّ بها من أقرّ. و أنكرها من أنكر (5). أنكرها يونس، فحبسه اللّه في بطن الحوت، [حتّى أقرّ بها] (6).
و في روضة الكافي (7)، في رسالة أبي جعفر- (عليه السلام)- إلى سعد الخير يقول- (عليه السلام)-: إنّ النّبيّ (8) من الأنبياء كان يستكمل الطّاعة. ثمّ يعصي اللّه- تبارك و تعالى- في الباب الواحد، فيخرج به من الجنّة، و ينبذ به في بطن الحوت. ثمّ لا ينجيه إلّا الاعتراف و التّوبة.
و في تهذيب الأحكام (9): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان، عن إسحاق المراديّ قال: سئل و أنا عنده- يعني: أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن مولود [ولد] (10) ليس بذكر و لا أنثى، ليس له إلّا دبر، كيف يورث.
قال: يجلس الإمام، و يجلس معه أناس. و يدعو اللّه، و يجيل السّهام على أيّ ميراث يورثه، ميراث الذّكر، أم ميراث الأنثى. فأيّ ذلك خرج، ورثه (11) عليه.
ثمّ قال: و أيّ قضيّة أعدل من قضيّة يجال عليها بالسّهام؟! إنّ اللّه- تعالى- يقول:
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ.
عليّ بن الحسين (12)، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) البصائر/ 95- 96، ح 1.
(3) كما في جامع الرواة 1/ 357. و في ق: سعد.
(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 172. و في النسخ: حضيرة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أنكرها.
(6) من المصدر.
(7) الكافي 8/ 53، ح 16.
(8) المصدر: نبيّا.
(9) التهذيب 9/ 356، ح 1274.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: ورث.
(12) نفس المصدر.
181
قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا عنده- و ذكر كحديث إسحاق السّابق سواء.
و في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال و الحجّال (2)، عن ثعلبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن مولود ليس بذكر و لا أنثى، ليس له إلّا دبر، كيف يورث.
قال: يجلس الإمام و يجلس عنده ناس [من المسلمين] (3). فيدعو اللّه (4)، و تجال السّهام عليه، على أيّ ميراث يورثه أ ميراث الذّكر، أم الأنثى. فأيّ ذلك خرج عليه، ورثه.
ثمّ قال: و أيّ قضيّة أعدل من قضيّة تجال عليها السّهام؟! يقول اللّه- تعالى-:
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ.
قال: و ما من أمر يختلف فيه اثنان، إلّا و له أصل في كتاب اللّه، و لكن لا تبلغه عقول الرّجال.
في من لا يحضره الفقيه (5): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: ما تقارع قوم، ففوّضوا أمرهم إلى اللّه- عزّ و جلّ- إلّا خرج سهم المحقّ.
و قال: أيّ قضيّة أعدل من القرعة، إذا فوّض الأمر إلى اللّه؟! أليس اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ.
و في كتاب الخصال (6)، في سؤال بعض اليهود عليّا- (عليه السلام)- عن الواحد إلى المائة. قال له اليهوديّ: فما نفس [في نفس] (7) ليس بينهما رحم و لا قرابة؟
قال: ذاك يونس في بطن الحوت.
قال له: فما قبر طاف بصاحبه؟
قال: يونس، حين طاف به الحوت في سبعة أبحر (8).
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ: فابتلعه. من اللّقمة.
و في عيون الأخبار (9)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر
____________
(1) الكافي 7/ 158، ح 3.
(2) في ن زيادة: جميعا.
(3) من المصدر.
(4) ن، ت: للّه.
(5) الفقيه 3/ 52، ح 175.
(6) الخصال 1/ 596، ح 1.
(7) ليس في ن.
(8) هذا هو الظاهر الموافق للمصدر و لما مرّ في الكتاب، لكن في بعض النسخ «في سعة البحر».
(9) العيون 1/ 191، ح 1.
182
الشّامّي و ما سأل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل.
و فيه: و سأله عن سجن سار بصاحبه. فقال: الحوت، سار بيونس بن متى- (عليه السلام).
و عن أبي جعفر- (عليه السلام)- (1) قال: أوّل من سوهم عليه مريم ابنة عمران- إلى قوله- (عليه السلام)-:
ثمّ استهموا في يونس، لمّا ركب مع القوم، فوقفت السّفينة في اللّجّة. و اسنهموا، فوقع السّهم على يونس ثلاث مرّات.
قال: فمضى يونس إلى صدر السّفينة، فإذا الحوت فاتح فاه. فرمى بنفسه.
و في تفسير العيّاشيّ (2)، عن الثّماليّ (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ يونس- (عليه السلام)- لمّا آذاه قومه- و ذكر حديثا طويلا، و فيه: و خرج كما قال اللّه- تعالى- مُغاضِباً (4)، حتّى ركب سفينة فيها رجلان. فاضطربت السّفينة. فقال الملّاح: يا قوم، إنّ في سفينتي مطلوب. فقال يونس، أنا هو! و قام ليلقي نفسه. فأبصر السّمكة، و قد فتحت فاها. فهابها و تعلّق به الرّجلان و قالا له: أنت وحدك (5)، و نحن رجلان! فساهمهم. فوقعت السّهام عليه. فجرت السّنة بأن السّهام إذا كانت ثلاث مرّات أنّها لا تخطئ. فألقى نفسه، فالتقمه الحوت. فطاف به البحار السّبعة، حتّى صار (6) إلى البحر المسجور، و به يعذّب قارون.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما ردّ اللّه العذاب إلّا عن قوم يونس- إلى أن قال- (عليه السلام)-:
فغضب يونس، و مرّ على وجهه مغاضبا للّه (8)- كما حكى اللّه- حتّى انتهى إلى ساحل البحر. فإذا سفينة قد شحنت، و أرادوا أن يدفعوها. فسألهم يونس أن يحملوه.
فحملوه. فلمّا توسّطوا البحر، بعث اللّه حوتا عظيما، فحبس عليهم السّفينة [من قدّامها] (9).
____________
(1) الفقيه 3/ 51، ح 173.
(2) تفسير العياشي 2/ 136، ح 46.
(3) ق: اليمانيّ.
(4) الأنبياء/ 87.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ويحك.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: سار.
(7) تفسير القمّي 1/ 317- 319.
(8) ليس في ق.
(9) من المصدر.
183
فنظر إليه يونس، ففزع منه. فصار إلى مؤخّر السّفينة. فدار إليه الحوت، و فتح فاه. فخرج أهل السّفينة، فقالوا: فينا عاص. فتساهموا. فخرج سهم يونس. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. فأخرجوه، فألقوه في البحر. فالتقمه، و مرّ به في الماء.
و قد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه. قال: [يا يهوديّ، أمّا السّجن الّذي طاف أقطار الأرض بصاحبه،] (1) فدخل في بحر القلزم. ثمّ خرج إلى بحر مصر. ثمّ دخل بحر طبرستان. ثمّ خرج في دجلة الغوراء.
قال: ثمّ مرّت به تحت الأرض، حتّى لحقت بقارون. و كان قارون هلك أيّام موسى، و وكّل اللّه به ملكا يدخله في الأرض كلّ يوم قامة رجل. و كان يونس في بطن الحوت يسبّح اللّه، و يستغفره.
و في آخر الحديث قال: و مكث يونس في بطن الحوت تسع ساعات.
وَ هُوَ مُلِيمٌ (142):
قيل (2): داخل في الملامة. أو: آت بما يلام عليه. أو: مليم نفسه.
و قرئ (3) بالفتح، مبنيّا من ليم، كمشيب في مشوب.
و في مجمع البيان (4): أي (5): مستحقّ للّوم، لوم العتاب، لا لوم العقاب، على خروجه من بين قومه، من غير أمر ربّه. و عندنا أنّ ذلك إنّما وقع منه تركا للأولى (6). و قد يلام الإنسان على ترك المندوب. و من جوّز الصّغيرة على الأنبياء، قال: قد وقع ذلك صغيرة مكفّرة.
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143): الذّاكرين اللّه كثيرا بالتّسبيح مدّة عمره، أو في بطن الحوت. و هو قوله: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
و قيل (7): من المصلّين.
و قيل (8): من المسبّحين المنزّهين اللّه (9) عمّا لا يليق به.
____________
(1) ليس في ق، ش.
2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 300.
(4) المجمع 4/ 458.
(5) ق: أنّه.
(6) المصدر: للمندوب.
(7) أنوار التنزيل 2/ 300.
(8) مجمع البيان 4/ 459.
(9) ليس في ق، ن، ت.
184
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) حيّا. و قيل (1): ميّتا.
و فيه حثّ على إكثار الذّكر، و تعظيم لشأنه. و من أقبل عليه في السّرّاء، أخذ بيده عند الضّرّاء.
فَنَبَذْناهُ، بأن حملنا الحوت على لفظه بِالْعَراءِ: بالمكان الخالي عمّا يغطّيه من شجر أو بنت.
و اختلف في مدّة لبثه: فقيل (2) بعض يوم. و قيل (3): ثلاثة أيّام. و قيل (4): سبعة.
و قيل (5): عشرون و قيل (6): أربعون.
وَ هُوَ سَقِيمٌ (145) ممّا ناله.
قيل (7): صار بدنه كبدن الطّفل حين يولد.
وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ، أي: فوقه مظلّة عليه شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146): من شجر ينبسط على وجه الأرض، و لا يقوم على ساقه. يفعيل من: قطن بالمكان: إذا أقام به.
و الأكثر على أنّها كانت الدّباء. عظّته بأوراقها عن الذباب، فإنّه لا يقع عليه.
و يدلّ عليه أنّه
قيل لرسول اللّه (8)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّك لتحبّ القرع! قال: هي شجرة أخي يونس.
و قيل (9): التّين.
و قيل (10): الموز، يتغطّى بورقه، و يستظلّ بأغصانه، و يفطر على ثماره.
و في مجمع البيان (11): و روى ابن مسعود قال: خرج يونس من بطن الحوت كهيئة فرخ ليس عليه ريش. فاستظلّ بالشّجرة من الشّمس.
وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ:
هم قومه الّذين هرب عنهم. و هم أهل نينوى. و المراد به ما سبق من إرساله، أو إرسال ثان إليهم، أو إلى غيرهم.
أَوْ يَزِيدُونَ (147) في مرأى النّاظر. أي إذا نظر إليهم قال: هم مائة ألف أو أكثر. و المراد الوصف بالكثرة.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 300.
(2) مجمع البيان 4/ 458- 459.
3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10- أنوار التنزيل 2/ 300.
(11) المجمع 4/ 459.
185
و قيل (1): إنّه على طريق الإبهام على المخاطبين.
و قيل (2): إنّ «أو» بمعنى الواو.
و قرئ (3) بالواو.
و في أصول الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام بن سالم و درست بن أبي منصور قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- الأنبياء و المرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه، لا يعدو غيرها. و نبيّ يرى في النّوم، و يسمع الصّوت، و لا يعاينه في اليقظة، و لم يبعث إلى أحد، و عليه إمام، مثل ما كان إبراهيم على لوط. و نبيّ يرى في منامه، و يسمع الصّوت، و يعاين الملك، و قد أرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا، كيونس. قال اللّه ليونس: وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.
قال: يزيدون ثلاثين ألفا. و عليه إمام. و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (5): قراءة جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)-: «و يزيدون» بالواو.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم الثّقفيّ الطّحّان قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- و أنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمّد- صلّى اللّه عليهم أجمعين.
فقال مبتدئا: يا محمّد، إنّ في القائم من أهل بيت محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- سنّة من خمسة من الرّسل: يونس بن متّي، و يوسف بن يعقوب، و موسى، و عيسى، و محمّد- (صلوات اللّه عليهم). فأمّا سنّة من يونس بن متّي، فرجوعه من غيبته، و هو شابّ بعد كبر السّنّ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
فَآمَنُوا: فصدّقوه. أو: فجدّدوا الإيمان به.
فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148): إلى أجلهم المسمّى.
____________
1 و 2- مجمع البيان 4/ 459.
(3) أنوار التنزيل 2/ 300.
(4) الكافي 1/ 174، ح 1.
(5) المجمع 4/ 457.
(6) كمال الدين/ 327، ح 7.
186
قيل (1): و لعلّه إنّما لم يختم قصّته و قصّة لوط، بما ختم به سائر القصص، تفرقة بينهما و بين أرباب الشّرائع الكبر و أولي (2) العزم من الرّسل. أو اكتفاء بالتّسليم الشّامل لكلّ الرّسل المذكورين في آخر السّورة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول- (عليه السلام)- في آخره: و امر اللّه (4) الحوت أن يلفظه (5). فلفظه على ساحل البحر، و قد ذهب جلده و لحمه (6). و أنبت اللّه عليه شجرة من يقطين- و هي الدّباء- فأظلّته من الشّمس (7). ثمّ أمر اللّه الشّجرة، فتنحّت عنه، و وقعت الشّمس عليه. فجزع. فأوحى اللّه إليه: يا يونس، لم لم ترحم مائة ألف أو يزيدون، و أنت تجزع من ألم (8) ساعة؟! فقال:
يا ربّ! عفوك! لا عفوك! فردّ اللّه عليه بدنه. و رجع إلى قومه، و آمنوا به.
و في رواية أبي الجارود (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيّام، و نادى في الظّلمات- ظلمة بطن الحوت، و ظلمة اللّيل، و ظلمة البحر- أن لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فاستجاب له ربّه.
فأخرجه الحوت إلى السّاحل. ثمّ قذفه، فألقاه بالسّاحل. فأنبت اللّه عليه شجرة من يقطين، و هو القرع. و كان يمصّه، و يستظلّ به و بورقه. و كان تساقط شعره و رقّ جلده.
و كان يونس يسبّح اللّه، و يذكر اللّه باللّيل و النّهار.
فلمّا أن قوي و اشتدّ، بعث اللّه دودة، فأكلت أسفل القرع. فذبلت القرعة، ثمّ يبست. فشقّ ذلك على يونس، فظلّ حزينا. فأوحى اللّه إليه: مالك حزينا يا يونس؟
قال: يا ربّ، هذا الشّجرة [الّتي] (10) تنفعني سلّطت عليها دودة، فيبست. قال: يا يونس، أحزنت (11) لشجرة لم تزرعها، و لم تسقها، و لم تعي (12) بها [أن يبست] (13) حين استغنيت عنها، و لم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف، أردت أن ينزل عليهم العذاب؟! إنّ أهل نينوى
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 300.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أولوا.
(3) تفسير القمّي 1/ 319- 320.
(4) ليس في المصدر.
(5) المصدر: تلفظه.
(6) ق، ش: شحمه.
(7) في المصدر زيادة: فشكر.
(8) ن، ت، ى: مألم.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) من المصدر.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: حزنت.
(12) ن، ت، م، ى، ز: لم تسعى.
(13) من المصدر.
187
قد آمنوا و اتّقوا، فارجع إليهم.
فانطلق يونس إلى قومه. فلمّا دنا يونس من نينوى، استحيى أن يدخل. فقال لراع لقيه: ائت أهل نينوى، فقل لهم: إنّ هذا يونس [قد جاء] (1). قال له الراعي: أ تكذب؟! أما (2) تستحيي، و يونس قد غرق في البحر و ذهب؟! قال له يونس: اللّهمّ إنّ هذه الشّاة تشهد لك أنّي يونس. فأنطقت (3) الشّاة له بأنّه يونس.
فلمّا أتي الرّاعي قومه، و أخبرهم (4)، أخذوه، و همّوا بضربه. فقال: إنّ لي بيّنة بما أقول. قالوا: من يشهد؟ قال: هذه الشّاة تشهد. فشدت بأنّه صادق، و أنّ يونس قد ردّه اللّه إليهم. فخرجوا يطلبونه. فوجدوه. فجاءوا به و آمنوا، و حسن إيمانهم. فمتّعهم اللّه إلى حين- و هو الموت- و أجارهم من العذاب.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال:
سمعته يقول: وجدنا في بعض] (6) كتب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: حدّثني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ جبرئيل حدّثه:
انّ يونس بن متّى بعثه اللّه إلى قومه و هو ابن ثلاثين سنة. و كان رجلا تعتريه الحدّة. و كان قليل الصّبر على قومه و المداراة لهم، عاجزا عمّا حمل من ثقل حمل أوقار النّبوّة و أعلامها. و أنّه تفسّخ تحتها كما يتفسّخ (7) الجمل (8) تحت حمله. و أنّه أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان باللّه و التّصديق به و اتّباعه، ثلاثا و ثلاثين سنة. فلم يؤمن به، و لم يتّبعه من قومه إلّا رجلان، اسم أحدهما روبيل، و اسم الآخر تنوخا- إلى قوله:
فقال يونس: يا ربّ، إنّما غضبت عليهم فيك، و إنّما دعوت عليهم حين عصوك فوعزّتك (9) أن لا أتعطّف عليهم برأفة أبدا و لا أنظر (10) إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم و تكذيبهم إيّاي، و جحدهم نبوّتي. فأنزل عليهم عذابك، فإنّهم لا يؤمنون أبدا.
فقال اللّه: يا يونس، إنّهم مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ من خلقي. يعمرون بلادي،
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و ما.
(3) المصدر: فنطقت. و في ق: فانطلقت.
(4) المصدر: و أخبره.
(5) تفسير العياشي 2/ 129- 135.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ينفسخ.
(8) المصدر: الجذع.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فوعدتك.
(10) ن، ت، م، ى، ر: أنتظر.
188
و يلدون عبادي، و محبّتي أن أتأنّاهم للّذي سبق من علمي فيهم و فيك. و تقديري و تدبيري، غير علمك و تقديرك. و تقديرك. و أنت المرسل، و أنا الرّب الحكيم. و علمي فيهم- يا يونس!- باطن في الغيب عندي، لا تعلم (1) ما منتهاه. و علمك فيهم، ظاهر لا باطن له. يا يونس قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و هو بتمامه مذكور في سورة يونس.
و في آخره قال أبو عبيدة:
قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: كم غاب يونس عن قومه حتّى رجع إليهم بالنّبوّة و الرّسالة، فآمنوا به و صدّقوه؟
قال: أربعة أسابيع: سبعا منها في ذهابه إلى البحر، [و سبعا في بطن الحوت، و سبعا تحت الشجرة بالعراء،] (2) و سبعا منها في رجوعه إلى قومه.
فقلت له: و ما هذه الأسابيع؟ شهور، أو أيّام، أو ساعات؟
فقال: يا أبا عبيدة، إنّ العذاب أتاهم يوم الأربعاء في النّصف من شوّال. و صرف عنهم من يومهم ذلك. فانطلق يونس مغاضبا. فمضى يوم الخميس سبعة أيّام في مسيره إلى البحر، و سبعة أيّام في بطن الحوت، و سبعة أيّام تحت الشّجرة بالعراء، و سبعة أيّام في رجوعه إلى قومه. فكان ذهابه و رجوعه [مسير] (3) ثمانية و عشرين (4) يوما. ثمّ أتاهم، فآمنوا به و صدّقوه و اتّبعوه. فلذلك قال اللّه: فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (5).
و عن معمّر (6) قال: أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ يونس لمّا أمره اللّه بما أمره، فأعلم قومه، فأظلّهم العذاب، ففرّقوا بينهم و بين أولادهم، و بين البهائم و أولادهم.
ثمّ عجّوا إلى اللّه، و ضجّوا. فكفّ اللّه العذاب عنهم. فذهب يونس- (عليه السلام)- مغاضبا. فالتقمه الحوت. فطاف به سبعة في البحر (7).
____________
(1) المصدر: لا يعلم.
(2) من نور الثقلين 4/ 437، ح 118.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عشرون.
(5) يونس/ 98.
(6) تفسير العياشي 2/ 137، ح 47.
(7) كذا في النسخ: و لكن الظاهر «سبعة أبحر» كما في نسخة البحار و ذكرناه في المصدر أيضا، فراجع نفس المصدر و الموضع.
189
فقلت له: كم بقي في بطن الحوت؟
قال: ثلاثة أيّام. ثمّ لفظه الحوت، و قد ذهب جلده و شعره. فأنبت اللّه عليه شجرة من يقطين، فأظلّته. فلمّا قوي، أخذت في اليبس. فقال: يا ربّ شجرة أظلّتني، فيبست! فأوحى اللّه إليه: يا يونس، تجزع على شجرة أظلّتك، و لا تجزع إلى مائة ألف أو يزيدون من العذاب؟!
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ (149):
معطوف على مثله في أوّل السّورة. أمر رسوله أوّلا باستفتاء فريش عن وجه إنكارهم البعث، و ساق الكلام في تقريره، جاريا لما يلائمه من القصص، موصولا بعضها ببعض. ثمّ أمر باستفتائهم (1) عن وجه القسمة حيث جعلوا للّه البنات، و لأنفسهم البنين، في قولهم:
الملائكة بنات اللّه. و هؤلاء زادوا على الشّرك ضلالات أخر: التّجسيم، و تجويز البنات على اللّه تعالى، فإنّ الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة، و تفضيل أنفسهم عليه، حيث جعلوا أوضع الجنسين له و أرفعهما لهم، و استهانتهم بالملائكة، حيث أنّثوهم. و لذلك كرّر اللّه- تعالى- إنكار (2) ذلك و إبطاله في كتابه مرارا، و جعله ممّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ قال: قالت قريش: إنّ الملائكة بنات اللّه. فردّ اللّه عليهم: فَاسْتَفْتِهِمْ (الآية).
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ (150):
و إنّما خصّ علم المشاهدة، لأنّ أمثال ذلك لا تعلم إلّا به- فإنّ الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم، ليمكن معرفته بالعقل الصّرف- مع ما فيه من الاستهزاء و الإشعار بانّهم لفرط جهلهم يبتّون به كأنّهم قد شاهدوا خلقهم.
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ، لعدم ما يقتضيه، و قيام ما ينفيه (4). وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) فيما يتديّنون به.
و قرئ (5): «ولد اللّه»، أي: الملائكة ولده، فعل بمعنى مفعول، يستوي فيه الواحد
____________
(1) ن: باستفتائه.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 301. و في النسخ:
إنكارهم.
(3) تفسير القمّي 2/ 227.
(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 301. و في النسخ:
ينفعه.
(5) نفس المصدر و الموضع.
190
و الجمع و المذكّر و المؤنّث.
أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153):
استفهام للإنكار [و الاستبعاد] (1). و الاصطفاء أخذ صفوة الشّيء.
و عن نافع (2) كسر الهمزة، على حذف حرف الاستفهام- لدلالة «أم» بعدها عليها- أو على الإثبات بإضمار القول، أي: لكاذبون في قولهم: اصطفى، أو إبداله من وَلَدَ اللَّهُ.
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) بما لا يرتضيه عقل.
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (155) أنّه منزّه عن ذلك؟! أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156): حجّة واضحة نزلت عليكم من السّماء بأنّ الملائكة بنات اللّه.
فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ الّذي أنزل عليكم، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157) في دعواكم.
وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً:
قيل (3): يعني ب «الجنّة» الملائكة. و سمّاهم جنّة، لاستتارهم عن العيون.
و قيل (4): قالوا: إنّ اللّه صاهر الجنّ، فخرجت الملائكة.
و قيل (5): قالوا: اللّه و الشّيطان أخوان.
وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ: إنّ الكفرة، أو الإنس، أو الجنّة- إن فسّرت بغير الملائكة- لَمُحْضَرُونَ (158) في العذاب.
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) من الولد و النّسب.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160):
استثناء من المحضرين منقطع، أو متّصل، إن فسّر الضّمير بما يعمّهم- و ما بينهما اعتراض- أو من «يصفون».
فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ (161)- عود إلى خطابهم- ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ على
____________
(1) ليس في ق.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) مجمع البيان 4/ 460.
(4) أنوار التنزيل 2/ 301.
(5) نفس المصدر و الموضع.
191
اللّه بِفاتِنِينَ (162): مفسدين النّاس بالإغواء، إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163): إلّا من سبق في علمه أنّه من أهل النّار و يصلاها لا محالة.
و «أنتم» ضمير لهم و لآلهتهم، غلّب فيه المخاطب على الغائب. و يجوز أن يكون وَ ما تَعْبُدُونَ لما فيه من معنى المقارنة سادّا مسدّ الخبر. أي: إنّكم و آلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين- بباعثين على طريق الفتنة- إلّا ضالّا مستوجبا لها (1) مثلكم.
و قرئ (2): «صال» بالضّمّ، على أنّه جمع محمول على معنى من ساقط واوه لالتقاء السّاكنين، أو تخفيف صائل على القلب- كشاك في شائك- أو المحذوف منه، كالمنسيّ، كما في قولهم: ما باليت به بالة. فإنّ أصلها بالية، كعافية.
وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164):
حكاية اعتراف الملائكة بالعبوديّة، للرّدّ على عبدتهم. و المعنى: و ما منّا أحد إلّا له مقام معلوم في المعرفة و العبادة و الانتهاء [إلى أمر اللّه] (3) في تدبير العالم.
و يحتمل أن يكون هذا و ما قبله و قوله: سُبْحانَ اللَّهِ من كلامهم، ليتّصل بقوله:
وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ. كأنّه قال: و قد علمت (4) الملائكة أنّ المشركين معذّبون بذلك، و قالوا: سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عنه. ثمّ استثنوا (5) المخلصين تبرئة (6) لهم منه. ثمّ خاطبوا الكفرة بأنّ الافتتان بذلك للشّقاوة المقدّرة. ثمّ اعترفوا بالعبوديّة و تفاوت مراتبهم فيها لا يتجاوزونها. فحذف الموصوف، و أقيمت الصّفة مقامه.
وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165): في أداء الطّاعة و منازل الخدمة.
وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166): 1 المنزّهون اللّه عمّا لا يليق به.
و لعلّ الأوّل إشارة إلى درجاتهم في الطّاعة، و هذا في المعارف. و ما «إنّ» و اللّام و توسيط (7) الفصل من التّأكيد و الاختصاص، لأنّهم المواظبون على ذلك دائما من غير فترة دون غيرهم.
____________
(1) أي: للنّار.
(2) أنوار التنزيل 2/ 301.
(3) ليس في ن.
(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
علم.
(5) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
استثنى.
(6) ن، ت، م، ى، ر: بتنزيه.
(7) ق، ت: توسّط.
192
و قيل (1): هو من كلام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المؤمنين. و المعنى: وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في الجنّة، أو بين يدي اللّه في القيامة. وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ له في الصّلاة، و المنزّهون له عن السّوء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثنا محمّد بن أحمد بن مارية قال: حدّثني محمّد بن سليمان (3) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن الشّيبانيّ قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه التّفليسي، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن رزين، عن شهاب بن عبد ربّه قال: سمعت الصّادق- (عليه السلام)- يقول: يا شهاب، نحن شجرة النّبوّة، و معدن الرّسالة، و مختلف الملائكة. و نحن عهد اللّه و ذمّته. و نحن ودائع (4) اللّه و حجّته. كنّا أنوارا صفوفا حول العرش، نسبّح فيسبّح (5) أهل السّماء بتسبيحنا، [إلى أن هبطنا إلى الأرض. فسبّحنا، فسبّح أهل الأرض بتسبيحنا.] (6) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ. فمن و في بذمتنا، فقد و في بعهد اللّه- عزّ و جلّ- و ذمته. و من خفر (7) ذمّتنا، فقد خفر ذمّة اللّه- عزّ و جلّ- و عهده.
و في نهج البلاغة (8)، قال- (عليه السلام)- في وصف الملائكة: و «صافّون» لا يتزائلون. و «مسبّحون» لا يسألون.
و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن أحمد بن [محمد، عن] (10) عمر بن يونس الحنفيّ اليمانيّ (11)، عن داود بن سليمان، المروزيّ، عن الرّبيع بن عبد اللّه الهاشميّ، عن أشياخ من آل [عليّ بن] (12) أبي طالب- (عليه السلام)- قالوا: قال عليّ- (عليه السلام)- في بعض خطبه: انّا- آل محمّد- كنّا أنوارا حول العرش. فأمرنا اللّه بالتّسبيح. فسبّحنا. [فسبّحت
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 302.
(2) تفسير القمّي 2/ 228.
(3) في المصدر: «حدّثنا أحمد بن محمّد الشيبانيّ، قال حدّثنا محمّد بن أحمد ن بويه» مكان «حدّثنا محمد بن أحمد ... سلمان».
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ود.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فسبّح.
(6) ليس في م، ش.
(7) خفره: نقض عهده و غدر به.
(8) النهج الخطبة 1/ 41.
(9) تأويل الآيات 2/ 501- 502.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: اليماميّ.
(12) ليس في ن.
193
الملائكة بتسبيحنا. ثمّ أهبطنا إلى الأرض. فأمرنا اللّه بالتّسبيح. فسبّحنا.] (1) فسبّحت أهل الأرض بتسبيحنا. [وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ] (2) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ.
و من ذلك ما روي مرفوعا إلى محمّد بن زياد قال: سأل ابن مهران عبد اللّه بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن تفسير قوله- تعالى-: وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ. فقال ابن عبّاس:
إنّا كنّا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فأقبل عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). فلمّا رآه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- تبسّم في وجهه، و قال: مرحبا بمن خلقه اللّه قبل آدم بأربعين ألف عام.
فقلت: يا رسول اللّه، أ كان الأبن قبل الأب؟! قال: نعم. إنّ اللّه خلقني، و خلق عليّا، قبل أن يخلق آدم بهذه المدّة. خلق نورا، فقسّمه نصفين. فخلقني من نصفه، و خلق عليّا من النّصف الآخر، قبل الأشياء كلّها. ثمّ خلق الأشياء، فكانت مظلمة. فنورها من نوري و نور عليّ. ثمّ جعلنا عن يمين العرش. ثمّ خلق الملائكة. فسبّحنا. فسبّحت الملائكة. و هلّلنا. فهلّلت الملائكة. و كبّرنا. فكبّرت الملائكة. فكان ذلك من تعليمي و تعليم عليّ. و كان ذلك في علم اللّه (3) السّابق أن لا يدخل النّار محبّ لي و لعليّ- (عليه السلام)- و لا يدخل الجنّة مبغض لي و لعليّ.
ألا و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق ملائكة بأيديهم أباريق اللّجن (4) مملوءة من ماء الحياة من الفردوس. فما أحد (5) من شيعة عليّ- (عليه السلام)- إلّا و هو طاهر الوالدين، تقيّ نقيّ مؤمن باللّه. فإذا أراد أبو أحدهم (6) أن يواقع أهله، جاء ملك من الملائكة الّذين بأيديهم أباريق ماء الجنّة، فيطرح من ذلك [الماء] (7) في آنيته الّتي يشرب منها، فيشرب به.
فبذلك الماء ينبت (8) الإيمان في قلبه، كما ينبت الزّرع. فهم عليّ بيّنة من ربّهم، و من نبيّهم، و من وصيّه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و من ابنتي الزّهراء، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ الأئمّة من ولد الحسين.
____________
(1) ليس في ن.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: علمه.
(4) ن: اللبن. و اللجين: الفضّة.
(5) ن: مما أخذ.
(6) كذا في المصدر. و في ق، ش: واحدهم. و في غيرهما: بواحدهم.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في ن: من ذلك الماء تنبت به. و في غيرها: من ذلك الماء فينبت.
194
فقلت: يا رسول اللّه، و من هم الأئمّة؟
قال: أحد عشر منّي. و أبوهم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الحمد للّه الّذي جعل محبّة عليّ و الإيمان سببين. [يعني: سببا لدخول الجنّة، و سببا للنّجاة (1) من النّار.] (2)
وَ إِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167)، أي: مشركو قريش:
لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168): كتابا من الكتب الّتي نزلت عليهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169): لأخلصنا العبادة له، و لم نخالف مثلهم.
فَكَفَرُوا بِهِ، أي: لمّا جاءهم الذّكر الّذي هو أشرف الأذكار و المهيمن عليها.
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) عاقبة كفرهم.
وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)، أي: وعدنا لهم بالنّصرة و الغلبة. و هو قوله:
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173).
و هو باعتبار الغالب و المقتضي بالذّات. و إنّما سمّاه كلمة- و هي كلمات- لانتظامها في معنى واحد.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ: فأعرض عنهم، حَتَّى حِينٍ (174). و هو الموعد لنصرك عليهم.
قيل (3): و هو يوم بدر.
و قيل (4): يوم الفتح.
وَ أَبْصِرْهُمْ على ما ينالهم حينئذ.
و المراد بالأمر الدّلالة على أنّ ذلك كائن قريب، كأنّه قدّامه.
فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) ما قضينا لك من التّأييد و النّصرة و الثّواب في الآخرة.
و «سوف» للوعيد لا للتّبعيد.
أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176):
نقل (5): أنّه لمّا نزل «فسوف يبصرون» قالوا: متى هذا؟ فنزل.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: للفوز.
(2) ليس في ن، ت.
3 و 4- مجمع البيان 4/ 462.
(5) أنوار التنزيل 2/ 302.
195
فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ: فإذا نزل العذاب بفنائهم.
شبّهه بجيش هجمهم، فأناخ بفنائهم بغتة (1).
و قرئ (2): «نزل» على إسناده إلى الجارّ و المجرور.
فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177): فبئس صباح المنذرين صباحهم.
و اللّام للجنس. و الصّباح مستعار من: صباح الجيش المبيّت، لوقت نزول العذاب.
و لمّا كثر فيهم الهجوم و الغارة في الصّباح، سمّوا الغارة صباحا، و إن وقعت في وقت آخر.
وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179):
تأكيد إلى تأكيد، و إطلاق بعد تقييد، للإشعار بأنّه يبصر و أنّهم يبصرون مالا يحيط به الذّكر، من أصناف المسرّة و أنواع المساءة. أو الأوّل لعذاب الدّنيا، و الثّاني لعذاب الآخرة.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180):
عمّا قاله المشركون فيه، على ما حكي في السّورة. و إضافة الرّبّ إلى «العزّة» لاختصاصها به، إذ لا عزّة إلّا له، أو لمن أعزّه. و قد أدرج فيه جملة صفاته السّلبيّة و الثّبوتيّة، مع الإشعار بالتّوحيد.
و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى جابر الجعفيّ قال: جاء رجل من علماء أهل الشّام إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحدا يفسّرها لي. و قد سألت ثلاثة أصناف من النّاس، فقال كلّ صنف غير ما قال الآخر.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و ما ذلك؟
فقال: أسألك ما أوّل ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- من خلقه؟
فإنّ بعض من سألته، قال: القدرة. و قال بعضهم: العلم. و قال بعضهم: الرّوح.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ما قالوا شيئا. أخبرك أنّ اللّه- علا ذكره- كان و لا شيء غيره. و كان عزيزا، و لا عزّ، لأنّه كان قبل عزّه. و ذلك قوله- سبحانه- سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. و كان خالقا، و لا مخلوق.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) التوحيد/ 66، ح 20.
196
و في روضة الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين، عن محمّد بن داود، عن محمّد بن عطيّة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال لرجل من أهل الشّام: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- كان و لا شيء غيره. و كان عزيزا، و لا أحد كان، قبل عزّه. و ذلك قوله: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. و كان الخالق قبل المخلوق.
و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشّيء من الشّيء، [إذا] (2) لمن يكن له انقطاع أبدا. و لم يزل اللّه إذا و معه شيء ليس هو يتقدّمه (3). و لكنّه كان إذ لا شيء غيره.
وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181):
تعميم للرّسل بالتّسليم، بعد تخصيص بعضهم.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182) على ما أفاض عليهم، و على من اتّبعهم من النّعم و حسن العاقبة. و لذلك أخّره عن التّسليم. و المراد تعليم المؤمنين كيف يحمدونه و يسلّمون على رسله.
و في أصول الكافي (4)، بإسناده قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و في من لا يحضره الفقيه (5): و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليكن آخر قوله: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فإنّ له من كلّ مسلم حسنة.
و في مجمع البيان (6): و روى الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- و روي أيضا مرفوعا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من أراد أن يكتال بالميكال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه في مجلسه: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و في قرب الإسناد (7) للحميريّ بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال
____________
(1) الكافي 8/ 94، ح 67.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تقدّمه.
(4) الكافي 2/ 496، ح 3.
(5) الفقيه 1/ 213، ح 954.
(6) المجمع 4/ 462- 463.
(7) قرب الإسناد/ 17. و عنه في البحار 86/ 23، ح 23.
197
أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليقل بعد كلّ صلاة:
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
199
تفسير سورة ص
201
سورة ص مكّيّة و آياتها ستّ أو ثمان و ثمانون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
و في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة ص، في ليلة الجمعة، أعطي من خير الدّنيا و الآخرة ما لم يعط أحد من النّاس، إلّا نبيّ مرسل، أو ملك مقرّب. و أدخله اللّه الجنّة، و كلّ من أحبّ من أهل بيته، حتّى خادمه الّذي يخدمه، و إن كان لم يكن في حدّ عياله، و لا في حدّ من يشفع فيه.
و في مجمع البيان (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة ص، أعطي من الأجر بوزن كلّ جبل سخّره اللّه لداود حسنات. و عصمه اللّه أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير.
ص:
و قرئ (3) بالكسر، لالتقاء السّاكنين.
و قيل (4): لأنّه أمر من المصاداة، بمعنى: المعارضة. و منه: الصّدى، فإنّه يعارض الصّوت الأوّل. أي: عارض القرآن بعملك. و بالفتح، لذلك، أو لحذف حرف القسم،
____________
(1) ثواب الأعمال/ 139، ح 1.
2 و 3- المجمع 4/ 463.
(4) أنوار التنزيل 2/ 303.
202
و إيصال فعله إليه، أو إضماره و الفتح في موضع الجرّ، فإنّها غير مصروفة، لأنّها علم السّورة. و بالجرّ على تأويل الكتاب.
و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا ص فعين تنبع من تحت العرش. و هي الّتي توضّأ منها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا عرج به. و يدخلها جبرئيل كلّ يوم دخلة. فينغمس فيها، ثمّ يخرج منها، فينفض أجنحته. فليس من قطرة تقطر من أجنحته، إلّا خلق اللّه- تبارك و تعالى- منها ملكا يسبّح اللّه، و يدّسه و يكبّره و يحمّده إلى يوم القيامة.
و في مجمع البيان (2): ص. اختلفوا في معناه. فقيل: هو اسم السّورة. و قيل غير ذلك، على ما ذكرناه في أوّل البقرة.
قال ابن عبّاس (3): هو اسم من أسماء اللّه- تعالى- أقسم به. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام).
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: كيف صارت الصّلاة ركعة و سجدتين؟ و كيف إذا صارت سجدتين، لم تكن ركعتين؟
فقال: إذا سألت عن شيء، ففرّغ قلبك، لتفهم. إنّ أوّل صلاة صلّاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّما صلّاها في السّماء بين يدي اللّه- تبارك و تعالى- قدّام عرشه- جلّ جلاله. و ذلك أنّه لمّا أسري به، و صار عند عرشه- تبارك و تعالى- [فتجلّى له عن وجهه، حتّى رآه بعينه،] (5) قال: يا محمّد ادن من صاد، فاغسل مساجدك، و طهّرها. و صلّ لربّك. فدنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى حيث أمره اللّه- تبارك و تعالى- فتوضّأ، و أسبغ وضوءه.
قلت: جعلت فداك، و ما صاد (6) الّذي أمره أن يغتسل منه؟
فقال: عين تنفجر من ركن من أركان كالعرش يقال له: ماء الحياة. و هو ما قال اللّه
____________
(1) المعاني/ 22، ح 1.
(2) المجمع 4/ 465.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) العلل 2/ 334، ح 1.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: صار.
203
- عزّ و جلّ-: ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1):
الواو للقسم، إن جعل ص اسما للحرف (1) مذكورا للتّحدّي، أو للرّمز بكلامه- مثل: صدق محمّد- أو للسّورة خبر المحذوف أو لفظ الأمر. و للعطف، إن جعل مقسما به، و الجواب محذوف دلّ عليه ما في «ص» من الدّلالة على التّحدّي، أو الأمر بالمعادلة- أي: أنّه لمعجز، أو لواجب العمل به، أو أنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- لصادق- أو قوله:
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ (2)، أي: ما كفر به من كفر، لخلل وجده فيه، بل الّذين كفروا به في عزّة- أي: في استكبار عن الحقّ- و شقاق و خلاف للّه و لرسوله. و لذلك كفروا به. و على الأوّلين، إضراب- أيضا- من الجواب المقدّر، و لكن من حيث إشعاره بذلك.
و المراد ب «الذّكر» العظة (2)، أو الشّرف و الشّهرة، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدّين من العقائد و الشّرائع و المواعيد.
و التّنكير في عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ للدّلالة على شدّتهما.
و قرئ (3): «في غرّة»، أي: غفلة عمّا يجب عليهم النّظر فيه.
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ:
وعيد لهم على كفرهم به، استكبارا و شقاقا.
فَنادَوْا، استغاثة، أو توبة، أو استغفارا.
وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ (3)، أي: ليس الحين حين مناص.
«لا» هي المشبّهة بليس، زيد عليها تاء التّأنيث للتأكيد، كما زيدت على ربّ و ثمّ، و خصّت بلزوم الأحيان و حذف أحد المعمولين.
و قيل (4): هي النّافية للجنس. أي: و لا حين مناص لهم.
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 303. و في النسخ زيادة: أو.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 303. و في النسخ:
العظمة.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) أنوار التنزيل 2/ 304.
204
و قيل (1): للفعل، و النّصب بإضماره. أي: و لا أرى حين مناص.
و قرئ (2) بالرّفع، على أنّه اسم «لا»، أو مبتدأ محذوف الخبر. أي: ليس حين مناص حاصلا لهم. أو: لا حين مناص كائن لهم. و بالكسر، كقوله:
طلبوا صلحنا و لات أوان* * * فأجبنا أن لات حين بقاء
إمّا لأنّ «لات» تجرّ الأحيان، كما أنّ «لو لا» تجرّ الضّمائر في نحو قوله:
لولاك هذا العام لم أحج (3)
أو لأنّ أوان شبّه بإذ، لأنّه مقطوع عن الإضافة، إذ أصله: أوان صلح. ثمّ حمل عليه مناص، تنزيلا لما أضيف إليه الظّرف منزلته لما بينهما من الاتّحاد، إذ أصله: حين مناصهم. ثمّ بني الحين لإضافته إلى غير متمكّن.
و «لات» بالكسر، كجير. و تقف الكوفيّة عليها بالحاء- كالأسماء- و البصريّة بالتّاء، كالأفعال.
و قيل (4): إنّ التّاء مزيدة على «حين» لاتّصالها به في قرآن عثمان، و لقوله:
العاطفون تحين لا من عاطف* * * و المطعمون زمان ما من مطعم
و المناص: المنجا. من ناصه ينوصه: إذا فاته.
وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ: بشر مثلهم. أو: أمّي من عدادهم.
وَ قالَ الْكافِرُونَ:
وضع فيه الظّاهر موضع الضّمير، غضبا عليهم، و ذمّا لهم، و إشعارا بانّ كفرهم جرّأهم على هذا القول.
هذا ساحِرٌ فيما يظهره معجزة. كَذَّابٌ (4) فيما يقوله على اللّه.
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، بأن جعل الألوهيّة الّتي كانت لهم لواحد.
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5): بليغ في العجب، فإنّه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا، و ما نشاده من أنّ الواحد لا يفي علمه و قدرته بالأشياء الكثيرة.
و قرئ (5) مشدّدا. و هو أبلغ، ككرام و كرّام.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 304.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) المصدر: لم أحجج.
(4) أنوار التنزيل 2/ 304.
(5) نفس المصدر و الموضع.
205
في مجمع البيان (1): قال المفسّرون: إنّ أشراف قريش- و هم خمسة و عشرون، منهم الوليد بن المغيرة و هو أكبرهم، و أبو جهل، و أبيّ و أميّة ابنا خلف، و عتبة و شيبة ابنا ربيعة، و النّضر بن الحارث- أتوا أبا طالب، و قالوا: أنت شيخنا و كبيرنا، و قد أتيناك لتقضي بيننا و بين ابن أخيك، فإنّه سفّه أحلامنا، و شتم آلهتنا. فدعا أبو طالب برسول اللّه، و قال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك. فقال: و ما ذا يسألونني؟ قالوا: دعنا و آلهتنا، ندعك و إلهك. فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ تعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب و العجم. فقال أبو جهل: للّه أبوك، نعطيك ذلك و عشر أمثالها! فقال: قولوا: لا إله إلّا اللّه. فقاموا و قالوا: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. فنزلت هذه الآيات.
وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ: و انطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب، بعد ما بكتهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أَنِ امْشُوا: قائلين بعضهم لبعض: امشوا، وَ اصْبِرُوا: و اثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ: على عبادتها، فلا تنفعكم مكالمته.
و «أن» هي المفسّرة، لأنّ الانطلاق عن مجلس التّقاول يشعر بالقول.
و قيل (2): المراد بالانطلاق: الاندفاع في القول. «و امشوا»، من: مشت المرأة: إذا كثرت ولادتها. و منه: الماشية. أي: اجتمعوا.
و قرئ (3) بغير «أن». و قرئ (4): «يمشيون أن اصبروا».
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6): إنّ هذا لشيء من ريب الزّمان يراد بنا، فلا مردّ له. أو: إنّ هذا الّذي يدّعيه من التّوحيد، أو يقصده من الرّئاسة و التّرفّع على العرب و العجم، لشيء يتمنّى، أو يريده كلّ أحد. أو: إنّ دينكم يطلب ليؤخذ منكم.
ما سَمِعْنا بِهذا: بالّذي يقوله فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ: في الملّة الّتي أدركنا عليها آباءنا. أو: في ملّة عيسى الّتي هي آخر الملل. فإنّ النّصارى يثلّثون.
و يجوز أن يكون حالا (5) من «هذا». أي: ما سمعنا من أهل الكتاب و لا الكهّان بالتّوحيد كائنا في الملّة المترقّبة.
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7): كذب اختلقه.
و في أصول الكافي (6): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن سالم، عن أحمد بن محمّد بن أبي
____________
(1) المجمع/ 465.
(2) أنوار التنزيل 2/ 305.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ق.
(6) الكافي 2/ 649، ح 5.
206
نصر (1)، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أقبل أبو جهل بن هشام، و معه قوم من قريش. فدخلوا على أبي طالب- (عليه السلام)- فقالوا: إنّ ابن أخيك قد آذانا، و آذى آلهتنا. فادعه و مره، فليكفّ عن آلهتنا، و نكفّ عن إلهه.
قال: فبعث أبو طالب إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدعاه. فلمّا دخل النّبيّ، لم ير في البيت إلّا مشركا. فقال: السّلام على من اتّبع الهدى. ثمّ جلس.
فخبّره أبو طالب بما جاؤوا له. فقال: أو هل لهم في كلمة خير (2) لهم من هذا يسودون بها العرب، و يطئون أعناقهم؟ فقال أبو جهل: نعم. و ما هذه الكلمة؟ قال: تقولون: لا إله إلّا اللّه.
قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم، و خرجوا هرابا، و هم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلّا اختلاف. [فأنزل اللّه في قولهم: ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ- إلى قوله:- إِلَّا اخْتِلاقٌ.] (3)
و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون، و عنده الرّضا- (عليه السلام).
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ قال:
بلى.
قال: فأخبرني عن قول اللّه (5)- تعالى-: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ. قال الرّضا- (عليه السلام)-:
لم يكن أحد عند مشركي [أهل] (6) مكّة أعظم ذنبا من رسول اللّه. لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة و ستّين صنما. فلمّا جاءهم- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالدّعوة إلى كلمة الإخلاص، كبر ذلك عليهم، و عظم. و قالوا: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ (7) عُجابٌ وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أحمد بن النّضر.
(2) المصدر: خيرا.
(3) ليس في ق، ش.
(4) العيون 1/ 160- 161.
(5) الفتح/ 2.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: الشيء.
207
فلمّا فتح اللّه- تعالى- على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مكّة، قال له: يا محمّد إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ (1) عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد اللّه، فيما تقدّم و ما تأخّر. لأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم، و خرج بعضهم عن مكّة. و من بقي منهم، لم يقدر على إنكار التّوحيد عليه إذا دعا النّاس إليه.
فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا، بظهوره عليهم.
فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن!
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا:
إنكار لاختصاصه- (عليه السلام)- بالوحي، و هو مثلهم أو أدون منهم في الشّرف و الرّئاسة، كقولهم: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (2).
و أمثال ذلك دليل على أنّ مبدأ تكذيبهم لم يكن إلّا الحسد و قصور النّظر على الحطام الدّنيويّ.
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي: من القرآن أو الوحي- لميلهم إلى التّقليد، و إعراضهم عن الدّليل- و ليس في عقيدتهم ما يبيّتون (3) به من قولهم: هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ.
بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8): بل لم يذوقوا عذابي بعد. فإذا ذاقوه، زال شكّهم.
و المعنى: انّهم لا يصدّقون به حتّى يمسّهم العذاب، فيلجئهم إلى تصديقه.
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9): بل أعندهم خزائن رحمة و في تصرّفهم، حتّى يصيبوا بها من شاءوا، و يصرفوها عمّن شاءوا، فيتخيّروا للنّبوّة بعض صناديدهم!؟
و المعنى: انّ النّبوّة عطيّة من اللّه يتفضّل بها على من يشاء من عباده، لا مانع له.
فإنّه العزيز- أي: الغالب الّذي لا يغلب- الوهّاب الّذي له أن يهب كلّ ما يشاء لمن يشاء.
____________
(1) الفتح/ 1 و 2. و في جميع النسخ هنا زيادة:
و يتمّ نعمته.
(2) الزّخرف/ 31.
(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 305. و في ن: يبنون.
و في غرها: يبتون.
208
ثمّ رشّح ذلك فقال:
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما:
كأنّه لمّا أنكر عليهم التّصرّف في نبوّته، بأن ليس عندهم خزائن رحمته الّتي لا نهاية لها، أردف ذلك بأنّه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسمانيّ الّذي هو جزء يسير من خزائنه. فمن أين لهم أن يتصرّفوا فيها!؟
فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10):
جواب شرط محذوف. أي: إن كان لهم ذلك، فليصعدوا في المعارج الّتي يتوصّل بها إلى العرش، حتّى يستووا عليه، و يدبّروا أمر العالم، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون.
و هو غاية التّهكّم بهم.
و السّبب في الأصل هو الوصلة.
و قيل (1): المراد بالأسباب [السموات. لأنّها] (2) أسباب الحوادث السّفليّة.
جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11)، أي: هم جند ما من الكفّار المتحزّبين على الرّسل مهزوم مكسور عمّا قريب. فمن أين لهم التدابير (3) الإلهيّة و التّصرّف في الأمور الرّبّانيّة!؟ أو: فلا تكترث بما يقولون.
و «ما» مزيدة للتّقليل، كقولك: أكلت شيئا ما.
و قيل (4): للتّعظيم، على الهزء. و هو لا يلائم ما بعده.
و «هنالك» إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب، لمثل هذا القول.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قوله: وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ (6) قال: نزلت بمكّة. لمّا أظهر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الدّعوة [بمكّة] (7)، اجتمعت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا، و سبّ آلهتنا، و أفسد شبّاننا، و فرّق جماعتنا! فإن كان الّذي يحمله (8) على ذلك العدم، جمعنا له مالا، حتّى يكون أغنى رجل في قريش، و نملّكه علينا.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 305.
(2) ليس في ق، ش.
(3) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
تدبير.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير القمّيّ 2/ 228- 229.
(6) في ق زيادة: و قال الكافرون.
(7) من المصدر.
(8) ليس في ق.
209
فأخبر أبو طالب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك. فقال: لو وضعوا الشّمس في يميني، و القمر في يساري، ما أردته. و لكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب، و تدين لهم بها العجم، و يكونون ملوكا في الجنّة.
فقال لهم أبو طالب ذلك، فقالوا: نعم، و عشر كلمات! فقال لهم رسول اللّه:
تشهدون أن لا إله إلّا اللّه، و أنّي رسول اللّه. فقالوا: ندع ثلاثمائة و ستّين إلها، و نعبد إلها واحدا!؟
فأنزل اللّه- سبحانه-: وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ- إلى قوله:- إِلَّا اخْتِلاقٌ، أي: تخليط. أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي- إلى قوله:- مِنَ الْأَحْزابِ، يعني: الّذين تحزّبوا عليه يوم الخندق.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12):
قيل (1): ذو الملك الثّابت بالأوتاد، كقوله:
و لقد غنوا فيها بأنعم عيشة* * * في ظلّ ملك ثابت الأوتاد
مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده. أو: ذو المجموع الكثيرة. سمّوا بذلك، لأنّ بعضهم يشدّ بعضا، كالوتد يشدّ البناء.
و قيل (2): نصب أربع سوار (3). و كان يمدّ يدي المعذّب و رجليه إليها، [و يضرب عليها أوتادا و يتركه حتّى يموت] (4).
وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ: و أصحاب الغيضة. و هم قوم شعيب.
أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13)، يعني: المتحزّبين على الرّسل، الّذين جعل الجند المهزوم منهم.
و قيل: معناه: هم الأحزاب حقّا، أي: أحزاب الشّيطان، كما يقال: هم هم.
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ:
بيان لما أسند إليهم من التّكذيب على الإبهام، مشتمل على أنواع من التأكيد، ليكون تسجيلا، على استحقاقهم للعذاب. و لذلك رتّب عليه: فَحَقَّ عِقابِ (14).
و هو إمّا مقابلة الجمع بالجمع، أو جعل تكذيب الواحد منهم تكذيب جميعهم.
____________
(1) أنزل التنزيل 2/ 305- 306.
(2) نفس المصدر/ 306.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أوتاد.
(4) من المصدر.
210
وَ ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ: و ما ينتظر قومك، أو الأحزاب- فإنّهم كالحضور، لاستحضارهم بالذّكر، أو حضورهم في علم اللّه- إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً، و هي النّفخة.
ما لَها مِنْ فَواقٍ (15): من توقّف، مقدار فواق، و هو ما بين الحلبتين. أو: رجوع و ترداد. فإنّه فيه يرجع اللّبن إلى الضّرع.
و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ بالضّمّ. و هما لغتان.
وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا: قسطنا من العذاب الّذي توعّدنا به، أو الجنّة الّتي تعدها للمؤمنين. و هو من قطّه: إذا قطعه.
و يقال لصحيفة الجائزة «قطّ» لأنّها قطعة من القرطاس. و قد فسّر بها. أي: عجّل لنا صحيفة أعمالنا، ننظر فيها.
قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16):
استعجلوا ذلك استهزاء.
و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ قال: نصيبهم من العذاب.
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ:
في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السيّاري (4)، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-:
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ: يا محمّد، من تكذيبهم إيّاك. فإنّى منتقم منهم برجل منك. و هو قائمي الّذي سلّطته على دماء الظّلمة.
وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ: ذا القوّة.
يقال: فلان أيد، و ذو أيد، و ذو أياد، بمعنى.
و في مجمع البيان (5): ذَا الْأَيْدِ، أي: ذا القوّة على العبادة. و ذكر أنّه يقوم نصف
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 306.
(2) المعاني/ 225، ح 1.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 503.
(4) كذا في ن، المصدر. و في سائر النسخ: البيازي.
(5) المجمع 4/ 469.
211
اللّيل، و يصوم نصف الدّهر. كان يصوم يوما، و يفطر يوما. و ذلك أشدّ الصّوم.
و قيل (1): ذا القوّة على الأعداء و قهرهم. و ذلك أنّه رمى بحجر من مقلاعه صدر رجل، فأنفذه من ظهره، فأصاب آخر، فقتله.
و قيل (2): معناه ذا التّمكين العظيم و النّعم العظيمة. و ذلك أنّه كان يبيت كلّ ليلة حوله يحرسه (3) ألوف كثيرة من الرّجال.
و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى محمّد بن سالم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- فقلت: قول اللّه (5)- عزّ و جلّ-: يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ. فقال:
اليد في كلام العرب: القوّة و النّعمة. قال اللّه: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ.
و قال (6): وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ، أي: بقوّة. و قال (7): وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، أي:
قوّاهم (8). و يقال: لفلان [عندي أيادي كثيرة، أي: فواضل و احسان. و له] (9) عندي يد بيضاء، أي: نعمة.
إِنَّهُ أَوَّابٌ (17): رجّاع إلى مرضاة اللّه.
قيل (10): و هو تعليل للأيد [و دليل] (11) على أنّ المراد به القوّة في الدّين.
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ:
قد مرّ تفسيره. و «يسبّحن» حال وضع موضع مسبّحات، لاستحضار الحال الماضية، و الدّلالة على تجدّد التّسبيح حالا بعد حال.
بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ (18): وقت الإشراق. و هو حين تشرق الشّمس، أي:
تضيء و يصفو شعاعها. و هو وقت الضّحى. و أمّا شروقها، فطلوعها. يقال: شرقت الشّمس، و لمّا تشرق.
وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً إليه من كلّ جانب.
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) المصدر: محرابه.
(4) التوحيد/ 153، ح 1.
(5) ص/ 75.
(6) الذاريات/ 47.
(7) المجادلة/ 22.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: قوّة.
(9) من المصدر.
(10) أنوار التنزيل 2/ 306.
(11) ليس في ق.
212
و إنّما لم يراع المطابقة بين الحالين، لأنّ الحشر جملة أدلّ على القدرة منه مدرجا.
و قرئ (1): «و الطّير محشورة» بالابتداء و الخبر.
كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19): كلّ واحد من الجبال و الطّير، لأجل تسبيحه، رجاع إلى التّسبيح.
و الفرق بينه و بين ما قبله أنّه يدلّ على الموافقة في التّسبيح، و هذا على المداومة عليها.
أو: كلّ منهما و من داود، مرجّع للّه التّسبيح.
وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ: و قوّيناه بالهيبة و النّصرة و كثرة الجنود.
و قرى (2) بالتّشديد، للمبالغة.
و قيل (3): إنّ رجلا ادّعى بقرة على آخر، و عجز عن البيان. فأوحي إليه أن اقتل المدّعى عليه. فأعلمه. فقال: صدقت. إنّي قتلت أباه غيلة، و أخذت البقرة. فعظمت بذلك هيبته.
وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ: النّبوّة، أو كمال العلم و إتقان العمل.
وَ فَصْلَ الْخِطابِ (20):
قيل (4): فصل الخصام بتمييز الحقّ عن الباطل. أو: الكلام المخلص (5) الّذي ينبّه المخاطب [على المقصود] (6) من غير التباس، يراعى فيه مظانّ الفصل و الوصل، و العطف و الاستئناف، و الإضمار و الإظهار، و الحذف و التّكرار، و نحوها. و إنّما سمّي به «أمّا بعد»، لأنّه يفصل المقصود عمّا سبق مقدّمة له من الحمد و الصّلاة.
و قيل (7): هو الخطاب القصد الّذي ليس فيه اختصار مخلّ، و لا إشباع مملّ. كما جاء في وصف كلام الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فصل لا نزر و لا هذر (8).
و في جوامع الجامع (9) عن عليّ- (عليه السلام)-: هو قوله- (عليه السلام)-: «البيّنة على المدّعي. و اليمين على المدّعى عليه». و هو من الفصل بين الحقّ و الباطل.
و في عيون الأخبار (10)، بإسناده إلى أبي الصّلت الهرويّ قال: كان الرّضا
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر/ 307.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الملخص.
(6) من المصدر.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) النّزر: القليل: و الهذر: الكثير.
(9) الجوامع/ 404.
(10) العيون 2/ 230.
213
- (عليه السلام)- يكلّم النّاس بلغاتهم. و كان- و اللّه- أفصح النّاس، و أعلمهم بكلّ لسان و لغة.
فقلت له يوما: يا ابن رسول اللّه، إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللّغات على اختلافها! فقال: يا أبا الصّلت! أنا حجّة اللّه على خلقه. و ما كان اللّه ليتّخذ حجّة على قوم و هو لا يعرف لغاتهم. أو ما بلغك قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: «أوتينا فصل الخطاب»؟ فهل فصل الخطاب إلّا معرفة اللّغات!؟
و فيه (1)، و في الزّيارة الجامعة لجميع الأئمّة المنقولة عن الجواد (2)- (عليه السلام)-: و فصل الخطاب عندكم.
و في كتاب الخصال (3)، بإسناده إلى الأصبغ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال:
سمعته يقول: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- علّمني ألف باب من الحلال و الحرام. و ممّا كان و ما (4) يكون إلى يوم القيامة. كلّ باب منها يفتح ألف باب. [فذلك ألف ألف باب] (5)، حتّى علّمت [علم] (6) المنايا [و البلايا] (7) و فصل الخطاب.
و عن يزداد بن إبراهيم (8)، عمّن حدّثه من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول:
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و اللّه، لقد أعطاني اللّه- تبارك و تعالى- تسعة أشياء لم يعطها أحدا قبلي، خلا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و لقد فتحت لي السّبل.
و علّمت الأنساب (9). و أجري لي السّحاب. و علّمت المنايا و البلايا و فصل الخطاب.
(الحديث).
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (10)، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. قال فيه- و قد ذكر عليّ بن أبي طالب
____________
(1) نفس المصدر 2/ 279.
(2) بل عن الهاي- (عليه السلام).
(3) الخصال/ 643.
(4) ليس في المصدر. و في ق، شي، ممّا.
(5) ليس في م، ن، ت، ي، ر، المصدر.
(6) من المصدر.
(7) ليس في ش، ق.
(8) نفس المصدر/ 414، ح 4.
(9) كذا في ق، المصدر. و في سائر النسخ:
الأسباب.
(10) كمال الدّين/ 263، ح 10.
214
- (عليه السلام)- و فضائله- مخاطبا لفاطمة- (عليهما السلام)-:
و إنّك- يا بنيّة- زوجته. و ابناه سبطاي، حسن و حسين. و هما سبطا أمّتي. و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر. و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- آتاه الحكمة و فصل الخطاب.
و في أصول الكافي (1): أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، جميعا عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: و لقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي علّمت المنايا و البلايا، و الأنساب، و فصل الخطاب.
و بإسناده (3) إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لقد أعطيت السّتّ: علم المنايا و البلايا و الوصايا، [و الأنساب] (4)، و فصل الخطاب.
و إنّي لصاحب الكرّات و دولة الدّول. و إنّي لصاحب العصا و الميسم، و الدّابة الّتي تكلّم النّاس.
و هذا الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في بصائر الدّرجات (5)، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: عندي علم المنايا و البلايا و الوصايا، و الأنساب، و فصل الخطاب.
وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ:
استفهام معناه التعجيب و التّشويق إلى استماعه. و الخصم في الأصل مصدر.
و لذلك أطلق للجمع.
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21): إذ تصعّدوا سور الغرفة. تفعّل من السّور، كتسنّم من السّنام.
و «إذ» متعلّق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصم، إذ تسوّروا. أو بالنّبإ (6)، على أنّ المراد به الواقع في عهد داود، و أنّ إسناد «أتى» إليه، على حذف مضاف، أي: قصّة نبأ الخصم. أو ب «الخصم»، لما فيه من معنى الفعل. لا ب «أتى» (7)، لأنّ إتيانه الرّسول لم
____________
(1) الكافي 1/ 196، ح 1.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر/ 198، ح 3.
(4) ليس في ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(5) البصائر/ 288، ح 16.
(6) أنوار التنزيل 2/ 307: بالبناء.
(7) ن، أنوار التنزيل 2/ 307: «لا يأتي» بدل «لا بأتى».
215
يكن حينئذ.
و «إذ» الثّانية في إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ بدل من الأولى، أو ظرف ل «تسوّروا».
فَفَزِعَ مِنْهُمْ:
لأنّهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب، و الحرس على الباب لا يتركون من يدخل عليه. فإنّه كان- (عليه السلام)- جزّأ زمانه يوما للعبادة، و يوما للقضاء، و يوما للوعظ، و يوما للاشتغال بخاصّته. فتسوّر عليه ملائكة على صورة الإنسان في يوم الخلوة.
قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ: نحن فوجان متخاصمان- على تسمية مصاحب الخصم خصما- بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ:
و هو على الفرض و قصد التّعريض، إن كانوا ملائكة. و هو المشهور.
و قال أبو مسلم (1): لا يمتنع أن يكون الدّاخلان على داود شخصين (2) كانا خصمين من البشر، و أن يكون النّعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية. و إنّما خاف منهما لدخولهما من غير إذن، و على غير مجرى العادة.
فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ: و لا تجر في الحكومة.
و قرئ (3): «و لا تشطط» [- أي: و لا تعبد عن الحقّ-] (4) [و «لا تشطّط»] (5) و «لا تشاطط». و الكلّ من معنى الشّطط، و هو: مجاوزة الحدّ.
وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22): إلى وسطه. و هو العدل.
إِنَّ هذا أَخِي بالدّين أو الصّحبة.
لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ. هي الأنثى من الضّأن. و قد يكنّى بها عن المرأة. و الكناية و التّمثيل فيما يساق للتّعريض، أبلغ في المقصود.
و قرئ (6): «تسع و تسعون نعجة» بفتح التّاء و «نعجة» بكسر النّون.
فَقالَ أَكْفِلْنِيها: [ملّكنيها] (7). و حقيقته: اجعلني أكفلها، كما أكفل ما تحت يدي.
____________
(1) مجمع البيان 4/ 473.
(2) من ن.
(3) أنوار التنزيل 2/ 307.
(4) ليس في ش، ق.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) من نفس المصدر و الموضع.
216
و قيل (1): اجعلها كفلي، أي: نصيبي.
وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23): و غلبني في مخاطبته إيّاي محاجّة- أي: بأن جاء بحجاج، و لم أقدر على ردّه- أو: في مغالبته إيّاي في الخطبة. يقال: خطبت المرأة و خطبها هو، فخاطبني خطابا: حيث زوّجها دوني.
و قرى (2): «و عازني»- أي: غالبني- و «عزني» على تخفيف غريب.
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ:
جواب قسم محذوف. قصد به المبالغة في [إنكار فعل] (3) خليطه و تهجين طمعه. و لعلّه قال ذلك بعد اعترافه، أو على تقدير صدق المدّعي. أي: إذا كان الأمر على ما تدّعيه، لقد ظلمك.
و السّؤال مصدر مضاف إلى مفعوله. و تعديته إلى مفعول آخر ب «إلى» لتضمّنه معنى الإضافة.
وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ: الشّركاء الّذين خلطوا أموالهم- جميع خليط- لَيَبْغِي: ليتعدّى.
و قرئ (4) بفتح الياء، على تقدير النّون الخفيفة و حذفها، كقوله:
أضرب عنك الهموم طارقها
و بحذف الياء، اكتفاء بالكسرة.
بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ، أي:
هم قليل.
و «ما» مزيدة، للإبهام و التّعجّب من قلّتهم.
وَ ظَنَّ داوُدُ:
و في مجمع البيان (5): أي: و علم.
و قيل (6): أراد الظّنّ الّذي هو خلاف اليقين.
أَنَّما فَتَنَّاهُ: ابتليناه و امتحنّاه بتلك الحكومة.
____________
(1) نفس المصدر/ 308.
(2) نفس المصدر/ 308.
(3) ليس في ق، ش.
(4) نفس المصدر/ 308.
5 و 6- المجمع 4/ 471.
217
و قيل (1): شددنا علمه (2) في التّعبّد.
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ لذنبه.
وَ خَرَّ راكِعاً: [ساجدا] (3)، على تسمية السّجود ركوعا، لأنّه مبدؤه. أو: خرّ للسّجود راكعا، أي: مصلّيا.
وَ أَنابَ (24): و رجع إلى اللّه [بالتوبة] (4).
و استغفاره إنّما هو على سبيل الانقطاع إلى اللّه- تعالى- و الخضوع له، و التّذلّل بالعبادة و السّجود، ممّا ظنّ أنّه ما خلق اللّه خلقا هو أعلم منه. كما يأتي في الخبر عن الرّضا- (عليه السلام).
و في أمالي الصّدوق (5)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لعلقمة: إنّ رضاء النّاس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط، أ لم ينسبوا داود- (عليه السلام)- إلى أنّه تبع الطّير حتّى نظر إلى امرأة أوريا فهواها!؟ و أنّه قدّم زوجها أمام التّابوت، حتّى قتل، ثمّ تزوّج بها!؟
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (6): و قد روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: لا أوتى برجل يزعم أنّ داود تزوّج امرأة أوريا، إلّا جلدته حدّين: حدّا للنّبوّة، و حدّا للإسلام.
و في كتاب المناقب (7) لابن شهر آشوب، عن زين العابدين حديث طويل. و قد كتبته بتمامه عند قوله (8)- تعالى-: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. و فيه أنّ حوت يونس- (عليه السلام)-: قال:
إنّ اللّه لم يبعث نبيّا من آدم إلى أن صار جدّك محمّد، إلّا و قد عرض عليه ولايتكم أهل البيت. فمن قبلها من الأنبياء، سلم و تخلّص. و من توقّف عنها و تتعتع في حملها، لقي ما لقي آدم من المعصية (9)، و ما لقي نوح من الغرق، و ما لقي إبراهيم من النّار، و ما لقي يوسف من الجبّ، و ما لقي أيّوب من البلاء، و ما لقي داود من الخطيئة.
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ، أي: ما استغفر عنه.
____________
(1) المجمع 4/ 471.
(2) ن: عليه.
(3) من أنوار التنزيل 2/ 308.
(4) من نفس المصدر و الموضع.
(5) أمالي الصّدوق/ 91- 92، ح 3.
(6) المجمع 4/ 472.
(7) المناقب 4/ 138- 139.
(8) الصّافّات/ 139.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: المصيبة.
218
وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى: لقربة و كرامة بعد المغفرة. وَ حُسْنَ مَآبٍ (25):
مرجع في الجنّة.
و اعلم أنّ حاصل معنى الآية: أنّ داود- (عليه السلام)- لمّا ظنّ أنّ ما خلق اللّه خلقا هو أعلم منه، فبعث اللّه الملكين، فابتلاه بالحكم بينهما. فعجل داود على المدّعى عليه، و لم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك. فكان هذا خطيئة (1) رسم حكمه، أي: رسم حكمه المأمور بالحكم بهذا الطّريق. و كان خطيئة (2)، أي: تجاوزا (3) عمّا هو المتعارف في الحكم لغيره. فاستغفر لخطور (4) ذلك الظّنّ- و إن لم يكن سيّئة- للانقطاع إلى اللّه، و التّذلّل لما ترفع بها الظّنّ المنافي للخشوع التّامّ المناسب بحال الأنبياء.
و من جوّز الصّغيرة على الأنبياء، قال: إنّ استغفاره كان لصغيرة وقعت (5) منه. ثمّ إنّهم اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: إنّ أوريا بن حنّان خطب امرأة، و كان أهلها أرادوا أن يزوّجوها منه. فبلغ داود جمالها، فخطبها أيضا. فزوّجوها منه، و قدّموه على أوريا.
فعوتب داود على الحرص على الدّنيا.
و قال بعضهم: إنّه أخرج أوريا إلى بعض ثغوره، فقتل. فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده، إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته. فعوتب على ذلك بنزول الملكين.
و قال بعضهم: إنّه كان في شريعته أنّ الرّجل إذا مات و خلّف امرأة، فأولياؤه أحقّ بها، إلّا أن يرغبوا عنها. فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوّج بها. فلمّا قتل أوريا، خطب داود امرأته، و منعت هيبة داود و جلالته أولياءه أن يخطبوها. فعوتب على ذلك.
و قال بعضهم: إنّ داود كان متشاغلا بالعبادة. فأتاه رجل و امرأة متحاكمين إليه.
فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها. و ذلك نظر مباح. فمالت نفسه إليها ميل الطّباع. ففصل بينهما و عاد إلى عبادة ربّه. فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله. فعوتب.
و قال بعضهم: إنّه عوتب على عجلته في الحكم قبل التّثبّت. و كان يجب عليه حين سمع الدّعوى من أحد الخصمين، أن يسأل الآخر عمّا عنده فيها، و لا يحكم عليه قبل ذلك. و إنّما أنساه التّثبّت في الحكم، فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العادة.
____________
(1) ق، ش، ي، ر: خطيئته.
(2) ش، ي، ر: خطيئته.
(3) ق: و تجاوزوا. و في ن، ش: تجاوز.
(4) م، ي، ر: محظور. و في ق، ش، ت: لحظور.
(5) من ن.
219
و قال بعضهم ما رواه عليّ بن إبراهيم (1) في تفسيره. قال: حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: إنّ داود- (عليه السلام)- لمّا جعله اللّه- عزّ و جلّ- خليفة في الأرض، و أنزل عليه الزّبور، أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى الجبال و الطّير أن يسبّحن معه. و كان سببه أنّه إذا صلّى ببني إسرائيل، يقوم وزيره بعد ما يفرغ من الصّلاة، فيحمد اللّه و يسبّحه و يكبّره و يهلّله. ثمّ يمدح الأنبياء- (عليهم السلام)- نبيّا نبيّا، و يذكر من فضلهم و أفعالهم و شكرهم و عبادتهم للّه- سبحانه- و الصّبر على بلائه، و لا يذكر داود- (عليه السلام).
فنادى داود ربّه فقال: يا ربّ، قد أثنيت (2) على الأنبياء بما قد أثنيت عليهم، و لم تثن عليّ! فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: هؤلاء عبادي (3)، ابتليتهم فصبروا، و أنا أثني عليهم بذلك. فقال: يا ربّ فابتلني حتّى أصبر فقال يا داود تختار البلاء على العافية! انّي ابتليت (4) هؤلاء، و لم أعلمهم. و أنا أبتليك (5)، و أعلمك أنّ بلائي في سنة كذا، و شهر كذا، و في يوم كذا.
و كان داود- (عليه السلام)- يفرغ نفسه لعبادته يوما، و يقعد في محرابه، و يوما (6) يقعد لبني إسرائيل، فيحكم بينهم.
فلمّا كان في اليوم الّذي وعده اللّه- عزّ و جلّ- اشتدّت عبادته، و خلا في محرابه، و حجب النّاس عن نفسه، و هو في محرابه يصلّي. فإذا بطائر وقع بين يديه جناحاه من زبرجد أخضر، و رجلاه من ياقوت أحمر، و رأسه و منقاره من اللّؤلؤ و الزّبرجد. فأعجبه جدّا و نسي ما كان فيه. فقام ليأخذه. فطار الطّائر، فوقع على حائط بين داود و بين أوريا بن حنان.
و كان داود قد بعث أوريا في بعث. فصعد داود- (عليه السلام)- ذلك الحائط، ليأخذ الطّير. و إذا امرأة أوريا جالسة تغتسل. فلمّا رأت ظلّ داود، نشرت شعرها، و غطّت به بدنها. فنظر إليها داود، و افتتن بها. و رجع إلى محرابه، و نسي ما كان فيه. و كتب إلى صاحبه في ذلك البعث إلى أن يصيروا إلى موضع كيت و كيت، يوضع التّابوت بينهم و بين
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 229- 233.
(2) المصدر: قد أنعمت.
(3) المصدر: عباد.
(4) ن: أبليت.
(5) ن: أبليك.
(6) المصدر: «يوما و» بدل «و يوما».
220
عدوّهم.
و كان التّابوت في بني إسرائيل كما قال اللّه (1)- عزّ و جلّ-: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ. و قد كان رفع بعد موسى إلى السّماء، لمّا عملت بنو إسرائيل بالمعاصي. فلمّا غلبهم جالوت، و سألوا النّبيّ أن يبعث إليهم ملكا يقاتل في سبيل اللّه- تقدّس وجهه- بعث إليهم طالوت، و أنزل عليهم التّابوت. و كان التّابوت إذا وضع بين بني إسرائيل و بين أعدائهم، و رجع عن التّابوت إنسان، كفر و قتل و لا يرجع أحد عنه إلّا و يقتل (2).
فكتب داود- (عليه السلام)- إلى صاحبه الّذي بعثه أن ضع التّابوت بينك و بين عدوّك، و قدّم أوريا بن حنان بين يدي التّابوت. فقدّمه و قتل.
فلمّا قتل أوريا، دخل عليه المكان و قعدا، و لم يكن تزوّج امرأة أوريا، و كانت في عدّتها، و داود في محرابه يوم عبادته. فدخل عليه الملكان من سقف البيت، و قعدا بين يديه.
ففزع داود منهما. فقالا: لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ. و لداود- (عليه السلام)- حينئذ تسع و تسعون امرأة، ما بين مهيرة (3) إلى جارية.
فقال أحدهما لداود: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ، أي: ظلمني و قهرني. فقال داود كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ- إلى قوله:- وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ.
قال: فضحك المستعدى عليه من الملائكة، و قال: قد حكم الرّجل على نفسه. فقال داود: أ تضحك و قد عصيت!؟ لقد هممت أن أهشّم فاك! قال: فعرجا و قال الملك المستعدى عليه: لو علم داود أنّه أحقّ أن يهشّم فاه (4) منّي.
ففهم داود الأمر، و ذكر الخطيئة. فبقي أربعين يوما ساجدا يبكي ليله و نهاره، و لا يقوم إلّا وقت الصّلاة، حتّى انخرق (5) جبينه و سال الدّم من عينيه.
____________
(1) البقرة/ 248.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: أو يقتل.
(3) المهيرة من النّاء: الحرّة الغالية المهر.
(4) المصدر: أن بهشم فيه.
(5) كذا في المصدر. و في ن: أغرق مراة. و في غيرها: أعرق من.
221
فلمّا كان بعد أربعين يوما، نودي: يا داود، ما لك؟ أ جائع [أنت] (1) فنشبعك؟ أو ظمآن فنسقيك؟ أم عريان فنكسوك؟ أم خائف فنؤمنك؟ فقال: أي ربّ! و كيف لا أخاف، و قد عملت ما عملت!؟ و أنت الحكم (2) العدل الّذي لا يجوزك ظلم ظالم.
فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: تب يا داود! فقال: أي ربّ! و أنّي لي بالتّوبة!؟
قال: صر إلى قبر أوريا حتّى أبعثه إليك، و اسأله أن يغفر لك. فإن غفر لك، غفرت لك.
قال: يا ربّ! فإن لم يفعل؟ قال: استوهبك منه.
فخرج داود- (عليه السلام)- يمشي على قدميه، و يقرأ الزّبور. [و كان إذا قرأ الزبور] (3) لا يبقى حجر [و لا مدر] (4) و لا شجر و لا جبل، و لا طائر و لا سبع، إلّا و يجاوبه.
حتّى انتهى إلى جبل، و عليه نبيّ عابد يقال له «حزقيل».
فلمّا سمع دويّ الجبال و صوت السّباع، علم أنّه داود- (عليه السلام). فقال: هذا النّبيّ الخاطي! فقال داود: يا حزقيل، أ تأذن لي أن أصعد إليك؟ قال: لا! فإنّك مذنب! فبكى داود. فأوحى اللّه إلى حزقيل. يا حزقيل، لا تعيّر داود بخطيئته، و سلني العافية.
فنزل حزقيل، و أخذ بيد داود- (عليه السلام)- و أصعده إليه. فقال له داود:
يا حزقيل، هل هممت بخطيئة قطّ. قال:. قال: فهل دخلك العجب ممّا أنت فيه من عبادة اللّه؟ قال: لا. قال: فهل ركنت إلى الدّنيا، فأحببت أن تأخذ من شهواتها و لذّاتها؟
قال: بلى، ربّما عرض ذلك بقلبي. قال: فما تصنع؟ قال: أدخل هذا الشّعب فأعتبر بما فيه.
قال: فدخل داود- (عليه السلام)- الشّعب، فإذا بسرير من حديد عليه جمجمة بالية و عظام نخرة. و إذا لوح من حديد و فيه مكتوب. فقرأه داود، فإذا فيه: «أنا أروى بن مسلم (5). ملكت ألف سنة. و بنيت ألف مدينة. و افتضضت ألف جارية. و كان آخر أمري أن صار التّراب فراشي، و الحجارة و سادي، و الحيّات و الدّيدان جيراني. فمن رآني، فلا يغترّ بالدّنيا».
و مضى داود حتّى أتى قبر أوريا. فناداه، فلم يجبه. ثمّ ناداه ثانية، فلم يجبه. ثمّ ناداه ثالثة، فقال أوريا: مالك يا نبيّ اللّه!؟ لقد شغلتني عن سروري و قرّة عيني؟ قال:
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الحاكم.
(3) ليس في ق.
(4) ليس في المصدر.
(5) م، ى، ر: سلم. و في المصدر: سلمة.
222
يا أوريا، اغفر لي، وهب لي خطيئتي. فأوحى اللّه إليه: يا داود، بيّن له ما كان منك.
فناداه داود، فأجابه في الثّالثة. فقال: يا أوريا، فعلت كذا و كذا، و كيت و كيت. فقال أوريا: أ تفعل الأنبياء مثل هذا!؟ فناداه، فلم يجبه.
فوقع داود على الأرض باكيا. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه. فكشف عنه. فقال أوريا: لمن هذا؟ فقال: لمن غفر لداود خطيئته. فقال:
يا ربّ، قد وهبت له خطيئته.
فرجع داود- (عليه السلام)- إلى بني إسرائيل. و كان إذا صلّى وزيره، يحمد اللّه و يثني على الأنبياء. ثمّ يقول: كان من فضل نبيّ اللّه داود قبل الخطيئة كيت و كيت.
فاغتمّ داود- (عليه السلام). فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا داود، قد وهبت لك خطيئتك، و ألزمت عار ذنبك بني إسرائيل. قال: يا ربّ، كيف و أنت الحكم العدل الّذي لا تجور. قال: لأنّهم لم يعاجلوك بالنكير (1).
و تزوّج داود- (عليه السلام)- بامرأة أوريا بعد ذلك، فولد له منها سليمان- (عليه السلام). ثمّ قال- عزّ و جلّ-: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ (2).
و نقل ذلك القول في مجمع البيان (3) بأدنى مخالفة لما في الرّواية.
و تلك الأقوال فاسدة على أصل مذهبنا من عدم جواز الصّغائر على أنبياء اللّه- تعالى. خصوصا و بعضها يشتمل على نسبة الفواحش و الكبائر إليهم، و أحاديثنا تدلّ على فسادها.
و الرّواية الّتي رواها عليّ بن إبراهيم واردة مورد التّقيّة. و يحتمل الورود مورد الإنكار لا الإخبار. و الدّليل الدّالّ على ذلك، ما سنورده من الأخبار فيما بعد. و اللّه المستعان.
ثمّ لمّا تذلّل و تخضّع داود من ذلك الخطور الّذي ليس بفتور، أعلى اللّه مرتبته فقال:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ: استخلفناك على الملك فيها. أو:
جعلناك خليفة ممّن قبلك من الأنبياء القائلين بالحقّ.
____________
(1) كذا في المصدر. و في ن: بالنكيل. و في غيرها:
بالكبر.
(2) قال العلّامة المجلسيّ (ره): اعلم أنّ هذا الخبر محمول على التّقيّة، لموافقته لما روته العامّة في ذلك.
(3) المجمع 4/ 472.
223
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ: بحكم اللّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حمّاد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن لقمان و حكمته الّذي الّتي (2) ذكرها اللّه- عزّ و جلّ. فقال:
أما و اللّه، ما أوتي [لقمان] (3) الحكمة بحسب و لا مال و لا أهل، و لا بسط في جسم و لا جمال- و ذكر حديثا طويلا ذكرناه بتمامه في لقمان. و فيه يقول- (عليه السلام)-:
و انّ اللّه- تبارك و تعالى- أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار، و هدأت العيون بالقائلة، فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم، فقالوا: يا لقمان، هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس؟
فقال لقمان: إن أمرني اللّه بذلك، فالسّمع و الطّاعة. لأنّه إن فعل بي ذلك، أعانني عليه، و علّمني و عصمني. و إن هو خيّرني، قبلت العافية.
فقالت الملائكة: يا لقمان لم [قلت ذلك] (4)؟
قال: لأنّ الحكم بين النّاس من أشدّ (5) المنازل من الدّين، و أكثرها (6) فتنا و بلاء (7)، ما يخذل و لا يعان، و يغشاه الظّلم من كلّ مكان. و صاحبه فيه بين أمرين: إن أصاب فيه الحقّ، فبالحريّ أن يسلم. و إن أخطأ، أخطأ طريق الجنّة. و من يكن في الدّنيا ذليلا و ضعيفا، كان أهون عليه في المعاد، من أن يكون فيه حكما سريّا (8) شريفا. و من اختار الدّنيا على الآخرة، يخسرهما كلتيهما. تزول هذه، و لا تدرك (9) تلك.
[قال:] (10) فتعجّبت الملائكة من حكمته، و استحسن الرّحمن منطقه. فلمّا أمسى، و أخذ مضجعه من اللّيل، أنزل اللّه عليه الحكمة، فغشاه بها من قرنه إلى قدمه- و هو نائم- و غطّاه بالحكمة غطاء. فاستيقظ و هو أحكم النّاس في زمانه. و خرج على النّاس ينطق بالحكمة، و ينهى فيها (11).
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 162- 163.
(2) المصدر: الّذي.
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «بأشدّ» بدل «من أشدّ».
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أكثر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: بأشدّ.
(8) السّريّ: السيّد الشريف.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يدرك.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: و يثبتها.
224
قال: فلمّا أوتي الحكم بالخلافة و لم يقبلها، أمر اللّه- عزّ و جلّ- الملائكة، فنادت داود- (عليه السلام)- بالخلافة. فقبلها، و لم يشترط فيها بشرط لقمان (1). فأعطاه اللّه- عزّ و جلّ- الخلافة في الأرض. و ابتلي بها غير مرّة، و كلّما يهوى في الخطأ، يقيله اللّه- تعالى- و يغفر له.
و كان لقمان يكثر زيارة داود، و يعظه بمواعظه و حكمته و فضل علمه. و كان داود- (عليه السلام)- يقول له: طوبى لك يا لقمان! أوتيت الحكمة، و صرفت عنك البليّة.
و أعطي داود- (عليه السلام)- الخلافة، و ابتلي بالحكم و الفتنة.
قوله- (عليه السلام)-: «كلّما يهوى في الخطيئة (2)، يقيله اللّه»، أي: كلّما يحكم بخطيئة رسم حكمه، يغفر له، لأنّه جوّزه له. أو: كلّما خطر بباله مثل ما خطر من كونه أعلم من كلّ الخلق، ثمّ يستغفر، غفر له، و أثابه، و رفع درجته.
و في الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضّالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: في كتاب عليّ- (عليه السلام)- أنّ نبيّا من الأنبياء شكا إلى ربّه القضاء فقال:
كيف أقضي بما لم تر عيني، و لم تسمع أذني!؟ فقال: اقض بينهم بالبيّنات و أضفهم (4) إلى اسمي يحلفون به.
و قال: إنّ داود- (عليه السلام)- قال: يا ربّ، أرني الحقّ كما هو عندك، حتّى أقضي به. فقال: إنّك لا تطيق ذلك. فألحّ على ربّه، حتّى فعل. فجاءه رجل يستعدي على رجل (5)، فقال: إنّ هذا أخذ مالي. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى داود- (عليه السلام)- أنّ هذه المستعدي قتل أبا هذا الرّجل، و أخذ ماله. فأمر داود- (عليه السلام)- بالمستعدي، فقتل. و أخذ ماله، فدفعه إلى المستعدى عليه.
قال: فعجب النّاس و تحدّثوا حتّى بلغ داود- (عليه السلام)- و دخل عليه من ذلك ما كره. فدعا ربّه أن يرفع ذلك، ففعل. ثمّ أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه أن احكم بينهم بالبيّنات، و أضفهم إلى اسمي يحلفون به.
____________
(1) ليس في ش، ق.
(2) كذا. و في نصّ الرواية: الخطأ.
(3) الكافي 7/ 414، ح 3.
(4) في القاموس: أضفته إليه: ألجأته.
(5) في ق زيادة: آخر.
225
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور، عن فضيل (2) الأعور، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: يا أبا عبيدة، إذا قام قائم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حكم بحكم داود و سليمان، لا يسأل بيّنة.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى (3)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا تذهب كالدّنيا، حتّى يخرج رجل منّي، يحكم بحكومة آل داود- (عليه السلام)- و لا يسأل بيّنة. يعطي كلّ نفس حقّها.
محمّد (4)، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار السّاباطيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: بم تحكمون إذا حكمتم؟ قال: بحكم اللّه و حكم داود.
فإذا ورد علينا الشّيء الّذي ليس عندنا، تلقّانا به روح القدّس.
محمّد بن أحمد (5)، عن محمّد بن خالد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عمران (6) بن أعين، عن جعيد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: سألته: بأيّ حكم تحكمون؟ قال: حكم آل داود- (عليه السلام). فإن أعيانا شيء، تلقّانا به روح القدس.
أحمد بن مهران (7)- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن عليّ [عن ابن محبوب] (8)، عن هشام بن سالم، عن عمّار السّاباطيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما منزلة الأئمّة؟ قال (9): كمنزلة ذي القرنين، و كمنزلة يوشع، و كمنزلة آصف صاحب سليمان.
قال: فبما تحكمون؟ قال: بحكم اللّه و حكم داود- (عليه السلام)- و حكم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و يتلقّانا به روح القدس.
وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى: ما تهوى النّفس.
في كتاب الخصال (10): عن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال (11): قال رسول
____________
(1) الكافي 1/ 397، ح 1.
(2) المصدر: فضل.
(3) نفس المصدر/ 398، ح 2.
(4) نفس المصدر/ 398، ح 3.
(5) نفس المصدر/ 398، ح 4.
(6) م، ر: حمران.
(7) نفس المصدر/ 398، ح 5.
(8) من المصدر.
(9) ليس في ق.
(10) الخصال/ 51، ح 62.
(11) المصدر: عن جابر بن عبد اللّه قال: و في ن، ر:
عن جابر، عن عبد اللّه قال.
226
اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي الهوى و طول الأمل. أمّا الهوى، فإنّه يصدّ عن الحقّ. و أمّا طول الأمل، فينسي الآخرة.
عن سليم (1) بن قيس الهلاليّ (2) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في كلام له إلى أن قال:
ثمّ قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خصلتين:
اتّباع الهوى، و طول الأمل. أمّا اتّباع الهوى، فيصدّ عن الحقّ. و طول الأمل، ينسي الآخرة.
عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (3)- (عليه السلام)- قال: ثلاث درجات. و ثلاث كفّارات. و ثلاث موبقات. و ثلاث منجيات. فأمّا الدّرجات- إلى أن قال (عليه السلام):- و أمّا الموبقات، فشحّ مطاع، و هو متّبع، و إعجاب المرء بنفسه.
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: دلائله الّتي نصبها على الحقّ.
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26): بسبب نسيانهم. و هو ضلالهم عن السّبيل. فإنّ تذكّر يوم الحساب يغضي إلى الحقّ و مخالفة الهوى.
و في عيون الأخبار (4)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون مع أصحاب الملل و المقالات، و ما أجاب به عليّ بن جهم في عصمة الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم)- حديث طويل، يقول فيه الرّضا- (عليه السلام)-:
و أمّا داود، فما يقول من قبلكم فيه؟
فقال عليّ بن محمّد بن الجهم: يقولون: إنّ داود- (عليه السلام)- كان يصلّي في محرابه، إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطّيور. فقطع داود- (عليه السلام)- صلاته، و قام ليأخذ الطّير. فخرج الطّير إلى الدّار. [فخرج في أثره.] (5) فطار الطّير إلى السّطح. فصعد في طلبه. فسقط الطّير في دار أوريا بن حنان. فاطّلع داود في
____________
(1) نفس المصدر، ح 63.
(2) كذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ:
سليمان.
(3) نفس المصدر/ 83- 84، ح 10.
(4) العيون 1/ 154- 155، ح 1.
(5) ليس في المصدر.
227
أثر الطّير. فإذا بامرأة أوريا تغتسل. فلمّا نظر إليها، هواها. و كان قد أخرج أوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدّم أوريا أمام التّابوت. فقدّم أوريا، فظفر بالمشركين.
فصعب ذلك على داود. فكتب إليه ثانية أن قدّمه أمام التّابوت. فقدّم. فقتل أوريا.
فتزوّج داود- (عليه السلام)- بامرأته.
قال: فضرب الرّضا- (عليه السلام)- بيده على جبهته، و قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون! لقد نسبتم نبيّا من أنبياء اللّه إلى التّهاون بصلاته، حتّى خرج في أثر الطّير! ثمّ بالفاحشة! ثمّ بالقتل! فقال: يا ابن رسول اللّه، فما كانت خطيئته؟
فقال: ويحك! إنّ داود إنّما ظنّ أنّ ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- خلقا هو أعلم منه.
فبعث اللّه- عزّ و جلّ- الملكين «فتسوّروا المحراب فقالوا (1) خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ.
فعجل داود- (عليه السلام)- على المدّعى عليه، فقال: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ و لم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك، و لم يقبل على المدّعى عليه فيقول له:
ما تقول؟ فكان هذا خطيئة (2) رسم حكمه (3)، لا ما ذهبتم إليه. ألا تسمع اللّه- عزّ و جلّ- يقول: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ (إلى آخر الآية).
فقال: يا ابن رسول اللّه، فما قصّته مع أوريا؟
قال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ المرأة في أيّام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل، لا تتزوّج بعده أبدا. فأوّل من أباح (4) اللّه- عزّ و جلّ- له أن يتزوّج بامرأة قتل بعلها، داود.
فتزوّج بامرأة أوريا، لمّا قتل، و انقضت عدّتها منه. فذلك الّذي شقّ [على النّاس من قبل] (5) أوريا.
وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا: خلقا باطلا لا حكمة فيها.
____________
(1) المصدر: فتسوّرا في المحراب فقالا.
(2) ق، ش: خطيئته.
(3) المصدر: الحكم.
(4) المصدر: أتاح.
(5) من المصدر.
228
أو: ذوي باطل، بمعنى: مبطلين عابثين، كقوله (1): وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. أو: للباطل الّذي هو متابعة الهوى، بل للحقّ الّذي هو مقتضي الدّليل من التّوحيد، و التّدرّع بالشّرع، كقوله (2): وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، على وضعه موضع المصدر مثل هنيئا.
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا:
الإشارة إلى خلقها باطلا. و الظّنّ بمعنى المظنون.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) بسبب هذا الظّنّ.
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ:
«أم» منقطعة. و الاستفهام فيه لإنكار التّسوية بين الحزبين، الّتي هي من لوازم خلقها باطلا، ليدلّ على نفيه. و كذا الّتي في قوله:
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)».
كأنّه أنكر التّسوية أوّلا بين المؤمنين و الكافرين، ثمّ بين المتّقين من المؤمنين و المجرمين منهم.
و يجوز أن يكون تكريرا للإنكار الأوّل، باعتبار وصفين، آخرين يمنعان التّسوية من الحكيم الرّحيم.
و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبيد و محمّد بن القاسم بن سلام قال: حدّثنا حسين بن حكم، عن حسن بن حسين، عن حيّان بن عليّ، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله- عزّ و جلّ-:
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ: عليّ و حمزة و عبيدة كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ: عتبة و شيبة و الوليد. أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ: عليّ و أصحابه كَالْفُجَّارِ: فلان و أصحابه.
و في روضة الكافي (4)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: لا ينبغي لأهل الحقّ أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل. لأنّ اللّه لم يجعل أهل الحقّ عنده بمنزلة أهل الباطل. ألم يعرفوا وجه قول اللّه في كتابه، إذ يقول:
____________
(1) الدخان/ 38.
(2) الذاريات/ 56.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 503، ح 2.
(4) الكافي 8/ 12، ح 1.
229
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ!؟
و في كتاب الخصال (1)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و الفاجر إن ائتمنته خانك. و إن صاحبته، شانك. و إن وثقت به، لم ينصحك.
عن أبي بصير (2)، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: إنّ لأهل التّقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث، و أداء الأمانة، و الوفاء بالعهد، و قلّة الفخر و التّجمّل (3)، و صلة الأرحام، و رحمة الضّعفاء، و قلّة المؤاتاة للنّساء، و بذل المعروف، و حسن الخلق، و سعة الحلم، و اتّباع العلم فيما يقرّب إلى اللّه- تعالى.
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ، أي: هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك نفّاع.
و قرئ (4) بالنّصب، على الحال.
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ: ليتفكّروا فيها.
و قرئ (5): «ليتدبّروا» على الأصل. و «لتدّبّروا»، أي: أنت و علماء أمّتك.
وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29): و ليتّعظ به ذوو العقول السّليمة (6). أو:
ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم، من فرط تمكّنهم من معرفته، بما نصب عليه من الدّلائل. فإنّ الكتب الإلهيّة بيان لما لا يعرف إلّا من الشّرع، و إرشاد إلى ما لا يستقلّ به العقل. و لعلّ التّدبّر للمعلوم الأوّل، و التّذكّر للثّاني.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا يحيى بن زكريّا اللّؤلؤيّ، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- عن قوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ. قال: أمير المؤمنين و أصحابه. كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ: حبتر و زريق (8) و أصحابهما. أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ: أمير المؤمنين و أصحابه كَالْفُجَّارِ: حبتر و زلّام (9)
____________
(1) الخصال/ 116، ح 96.
(2) نفس المصدر/ 483، ح 56.
(3) المصدر: البخل.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 309.
(6) في جميع النسخ زيادة: قبل.
(7) تفسير القمّي 2/ 234.
(8) كناية عن أبي بكر و عمر- لعنهما اللّه. و في ن:
رزيق.
(9) م، المصدر: دلام. و في ش، ي، ر: ذلام.
230
و أصحابهما. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ: أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام). وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. و هم أهل الألباب الثاقبة (1).
[قال:] (2) و كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يفتخر بها، و يقول: ما أعطي أحد (3) قبلي و لا بعدي مثل ما أعطيت.
وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ، أي: نعم العبد سليمان. إذ ما بعده تعليل للمدح. و هو من حاله إِنَّهُ أَوَّابٌ (30): رجّاع إلى اللّه بالتّوبة، أو إلى التّسبيح، مرجّع له.
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ:
ظرف ل «أوّاب» أو ل «نعم».
بِالْعَشِيِ: بعد الظّهر.
الصَّافِناتُ:
الصّافن من الخيل: الّذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل. و هو من الصّفات المحمودة في الخيل، لا تكاد تكون إلّا في العراب الخلص.
الْجِيادُ (31): جمع جواد أو جود، و هو: الّذي يسرع في جريه.
و قيل (4): الّذي يجود بالركض.
و قيل (5): جمع جيد.
قيل (6): غزا دمشق و نصيبين و أصحاب ألف فرس.
و قيل (7): أصابها أبوه من العمالقة فورثها منه.
و قيل (8): كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. فاستعرضها. فلم تزل تعرض عليه، حتّى غربت الشّمس، و غفل عن ورد كان له. فاغتمّ لمّا فاته. فاستردّها فعقرها، تقرّبا للّه.
و قيل (9): كان صلّى الصّلاة الأولى، و قعد على كرسيّه.
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الباقية.
(2) من المصدر.
(3) ليس في ق.
4 و 5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 309.
8 و 9 مجمع البيان 4/ 474.
231
أصل أحببت أن يعدّ ب «على» لأنّه بمعنى: آثرت. لكن لمّا أنيب مناب أنبت، عدّي تعديته.
و قيل (1): هو بمعنى: تقاعدت. من قولهم:
مثل بعير السّوء إذ أحبّا
أي: برك. و «هبّ الخير» مفعول له.
و الخير: المال الكثير. و المراد به: الخيل الّتي شغلته. و يحتمل أنّه سمّاها خيرا، تعلّق الخير بها.
قال (2)- (عليه السلام)-: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة.
و في قراءة ابن مسعود (3): «حبّ الخيل».
و قيل (4): الخير: المال الكثير. و منه: الخيل، لأنّه مال.
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32)، أي: غربت الشّمس.
شبّه غروبها بتواري المخبّأة بحجابها. و إضمارها من غير ذكر، لدلالة «العشيّ» عليه.
و قيل (5): الضّمير للخيل.
و في الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة و الفضيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه (7)- عزّ و جلّ-: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً قال: يعني مفروضا. و ليس يعني وقت فوتها، إذا جاز ذلك الوقت، ثمّ صلّاها، لم تكن صلاته هذه مؤدّاة. و لو كان ذلك كذلك، لهلك سليمان بن داود- (عليهما السلام)- حين صلّاها لغير وقتها. و لكنّه متّى ما ذكرها، صلّاها.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشّرائع (8): حدّثنا محمّد بن الحسن- رحمة اللّه- قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: كِتاباً مَوْقُوتاً قال: موجبا. إنّما يعني بذلك وجوبها على المؤمنين. و لو كانت كما يقولون، لهلك
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 310.
(3) مجمع البيان 4/ 475.
(4) أنوار التنزيل 2/ 310.
(5) مجمع البيان 4/ 475.
(6) الكافي 3/ 294، ح 10.
(7) النساء/ 103.
(8) العلل/ 605، ح 79.
232
سليمان بن داود- (عليهما السلام)- حين أخّر الصّلاة حتّى توارت بالحجاب. لأنّه لو صلّاها قبل أن تغيب، كان وقتا. و ليس صلاة أطول [وقتا] (1) من العصر.
رُدُّوها عَلَيَ:
قيل (2): الضّمير للصّافنات.
فَطَفِقَ مَسْحاً: فأخذ يمسح السّيف مسحا بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ (33)، أي:
بسوقها و أعناقها يقطعها. من قولهم: مسح علاوته: إذا ضرب عنقه.
و المعنى: أنّه أقبل يضرب سوقها و أعناقها، لأنّها كانت سبب فوت صلاته.
و قيل (3): إنّما فعل ذلك، لأنّها كانت أعزّ ما له. فتقرّب إلى اللّه بذبحها، ليتصدّق بلحومها.
و قيل (4): جعل يمسح بيده أعناقها و سوقها حبّا لها.
و قيل (5): إنّه مسح أعناقها و سوقها، و جعلها مسبلة (6) في سبيل اللّه.
و الصّحيح أنّ الضّمير للشّمس. و المراد بالمسح بالسّوق و الأعناق: الوضوء بطريق شرع لهم. كما يدلّ عليه الأخبار.
و عن ابن كثير (7): «بالسّؤق» على همز الواو، لضمّة ما قبلها، كمؤمن.
و عن أبي عمرو (8): «بالسّؤق» (9) [كما في موسى.] (10) و قرئ (11): «بالسّاق» اكتفاء بالواحد عن الجمع، لأمن الإلباس.
و في من لا يحضره الفقيه (12): روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ سليمان بن داود- (عليهما السلام)- عرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل. فاشتغل بالنّظر إليها، حتّى توارت الشّمس بالحجاب. فقال للملائكة: ردّوا الشّمس عليّ، حتّى أصلّي صلاتي في وقتها. فردّوها. فقام، فمسح ساقيه و عنقه، و أمر أصحابه الّذين فاتتهم الصّلاة معه بمثل ذلك. و كان ذلك وضوءهم للصّلاة. ثمّ قام فصلّى (13). فلمّا فرغ، غابت
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 310.
(3) مجمع البيان 4/ 475.
(4) أنوار التنزيل 2/ 310.
(5) مجمع البيان 4/ 475.
(6) كذا في المصدر. و في ن: مبتلة. و في غيرها:
بتلة.
7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 310.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: بالسّؤوق.
(10) ليس في المصدر.
(11) نفس المصدر و الموضع.
(12) الفقيه 1/ 129، ح 607.
(13) ليس في ق، ش، م.
233
الشّمس، و طلعت النّجوم.
و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ.
و
في مجمع البيان (1): و قيل: «إنّ هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر، حتّى فات وقتها. عن عليّ- (عليه السلام).
و في روايات أصحابنا أنّه فاته أوّل الوقت.
قال ابن عبّاس (2): سألت عليّا- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
فقال: ما بلغك فيها، يا ابن عبّاس؟
قلت له: سمعت كعبا يقول: اشتغل سليمان- (عليه السلام)- بعرض الأفراس، حتّى فاتته الصّلاة، فقال: رُدُّوها عَلَيَ، يعني: الأفراس، و كانت أربعة عشر. فأمر بضرب سوقها و أعناقها بالسّيف، فقتله. فسلبه اللّه ملكه أربعة عشر يوما. لأنّه ظلم الخيل بقتلها.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: كذب كعب. لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم، لأنّه أراد جهاد العدوّ، حتّى توارت الشّمس بالحجاب. فقال بأمر اللّه للملائكة المؤكّلين بالشّمس: رُدُّوها عَلَيَ. فردّت، فصلّى العصر في وقتها. و إنّ أنبياء اللّه لا يظلمون، و لا يأمرون بالظّلم. لأنّهم معصومون مطهّرون.
و ما
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)- (رحمه اللّه)- من قوله: و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ.
و ذلك أنّ سليمان- (عليه السلام)- كان يحبّ الخيل و يستعرضها (4). فعرضت عليه يوما إلى أن غابت الشّمس، و فاتته صلاة العصر. فاغتمّ من ذلك عمّا شديدا. فدعا اللّه- عزّ و جلّ- أن يردّ عليه الشّمس، حتّى يصلّي العصر. فردّ اللّه- سبحانه و تعالى- عليه الشّمس إلى وقت صلاة العصر، حتّى صلّاها. ثمّ دعا بالخيل، فأقبل يضرب أعناقها
____________
(1) المجمع 4/ 475.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير القمّي 2/ 234- 235.
(4) كذا في ن، المصدر. و في سائر النسخ: يعرضها.
234
و سوقها بالسّيف، حتّى قتلها كلّها. و هو قوله- تعالى-: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ. محمول على نقل ما رواه العامّة من غير استناد إلى ما روي من الأخبار.
وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ: على سريره- من التّكرّس، و هو: الاجتماع- جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34):
في مجمع البيان (1): و اختلف العلماء في زلّته و فتنته و الجسد الّذي ألقي على كرسيّه على أقوال:
منها:
أنّ سليمان- (عليه السلام)- قال يوما في مجلسه: لأطوفنّ اللّيلة على سبعين امرأة تلد كلّ امرأة منهنّ غلاما يضرب بالسّيف في سبيل اللّه. و لم يقل: «إن شاء اللّه».
فطاف عليهنّ فلم تحمل منهنّ إلّا امرأة واحدة جاءت بشقّ ولد. رواه أبو هريرة عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
قال (2): ثمّ قال: فو الّذي نفس محمّد بيده، لو قال: «إن شاء اللّه» لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا. و الجسد الّذي ألقي على كرسيّه كان هذا.
و عوتب على تركه ما هو مندوب إليه (3).
و منها: ما روي أنّ الجنّ و الشّياطين لمّا ولد لسليمان ابن، قال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد، لنلقينّ منه ما لقينا من أبيه من البلاء. فأشفق- (عليه السلام)- منهم عليه.
فاستعرضه في المزن، و هو: السّحاب. فلم يشعر إلّا و قد وضع على كرسيّه ميّتا، تنبيها على أنّ الحذر (4) لا ينفع عن القدر. و إنّما عوتب- (عليه السلام)- على خوفه من الشّياطين. [عن الشعبيّ.] (5) و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
و منها: أنّه ولد له [ولد] (6) ميّت جسد بلا روح، فألقي على سريره.
و منها: أنّ الجسد المذكور، هو جسد سليمان، لمرض امتحنه اللّه- تعالى- به.
و تقدير الكلام و ألقينا منه على كرسيّه جسدا (7)، لشدّة المرض.
____________
(1) المجمع 4/ 475- 476، بتلخيص في ذيله من المفسر.
(2) ليس في ق، م، ش، ت.
(3) العبارة الأخيرة ملخص ما قيل في المجمع بعد العبارة السابقة.
(4) ت، م، ي، ر: المحذر.
(5) من المصدر.
(6) من المصدر.
(7) في ق زيادة: ثمّ أناب.
235
و في تفسير عليّ بن ابراهيم (1): أنّه لمّا تزوّج فاليخا (2)، ولد منها ابن، و كان يحبّه.
فنزل ملك الموت على سليمان- و كان كثيرا ما ينزل عليه- فنظر إلى ابنه نظرا حديدا (3).
ففزع سليمان- (عليه السلام)- من ذلك، فقال لأمّه: إنّ ملك الموت نظر إلى ابني نظرة أظنّه قد أمر بقبض روحه.
فقال للجنّ [و الشياطين] (4): هل لكم حيلة في أن تفرّوه (5) من الموت؟ فقال واحد منهم: أنا أضعه تحت عين الشّمس في المشرق. فقال سليمان- (عليه السلام)-: إنّ ملك الموت يخرج ما بين المشرق و المغرب. فقال واحد منهم: أنا أضعه في الأرض السّابعة.
فقال: إنّ ملك الموت يبلغ ذلك. فقال آخر: أنا أضعه في السّحاب و الهواء. فرفعه و وضعه على السّحاب.
فجاء ملك الموت، فقبض روحه (6) في السّحاب، فوقع جسده ميّتا على كرسىّ سليمان- (عليه السلام). فعلم أنّه قد أخطأ فحكى اللّه ذلك في قوله: وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ.
و في مجمع البيان (7):
و أمّا ما ذكر عن ابن عبّاس: أنّه ألقي شيطان اسمه صخر على كرسيّه، و كان ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع (8) الشّياطين. و كان نبيّ اللّه سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه. فجاء صخر في صورة سليمان، حتّى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه. و أقام أربعين يوما في ملكه، و. سليمان هارب. و عن مجاهد: أنّ شيطانا اسمه آصف، قال له سليمان:
كيف تفتنون النّاس؟ قال: أرني خاتمك، أخبرك بذلك. فلمّا أعطاه إيّاه، نبذه في البحر. فذهب ملكه (9). و قعد الشّيطان على كرسيّه و صنعه اللّه نساء سليمان، فلم يقربهنّ.
و كان سليمان- (عليه السلام)- يستطعم، فلا يطعم. حتّى أعطته امرأة (10) يوما حوتا، فشقّ بطنه، فوجد خاتمه فيه. فردّ اللّه عليه ملكه. و عن السّديّ: أنّ اسم ذلك الشّيطان
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 235- 236.
(2) ن، ت، المصدر: باليمانيّة.
(3) ن: شديدا. و في ق، ش: حديثا.
(4) من المصدر.
(5) ش، ق: تفرّده.
(6) ليس في المصدر.
(7) المجمع 4/ 476.
(8) يوجد في ن، المصدر.
(9) في ق زيادة: و قال.
(10) ليس في ق.
236
حيقيق (1).
و ما ذكر أنّ السّبب في ذلك [أنّ اللّه- سبحانه-] (2) أمره أن لا يتزوّج في غير بني إسرائيل، فتزوّج من غيرهم. و قيل: السّبب فيه أنّه وطأ امرأة في حال الحيض، فسال منها (3) الدّم. فوضع خاتمه و دخل الحمّام. فجاء (4) الشّيطان، فأخذه. و قيل: تزوّج امرأة مشركة، و لم يستطع أن يكرهها على الإسلام. فعبدت الصّنم في داره [أربعين يوما] (5). [فابتلاه اللّه بحديث الشّيطان و الخاتم أربعين يوما.] (6) و قيل: احتجب ثلاثة أيّام، و لم ينظر في أمر النّاس، فابتلي بذلك.
فإنّ جميع ذلك ممّا لا يعوّل عليه. لأنّ النّبوّة لا تكون في خاتم، و لا يجوز أن يسلبها (7) النّبيّ (8)، و لا أن يمكّن الشّيطان من التّمثّل بصورة النّبيّ و القعود على سريره و الحكم بين عباده.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: جعل اللّه- عزّ و جلّ- ملك سليمان- (عليه السلام)- في خاتمه. فكان إذا لبسه، حضرته الجنّ و الإنس و الشّياطين، و جميع الطّير و الوحش، و أطاعوه. فيقعد على كرسيّه، و يبعث (10) اللّه- عزّ و جلّ- ريحا تحمل الكرسيّ بجميع ما عليه من الشّياطين و الطّير و الإنس و الدّوابّ و الخيل، فتمرّ بها في الهواء إلى موضع يريده سليمان. فكان يصلّي الغداة بالشّام، و الظّهر بفارس. و كان يأمر الشّياطين أن يحملوا الحجارة [من فارس] (11) و يبيعونها بالشّام. فلمّا مسح أعناق الخيل و سوقها بالسّيف، سلبه اللّه- عزّ و جلّ- ملكه.
و كان إذا دخل الخلاء، دفع خاتمه إلى بعض من يخدمه. فجاء شيطان، فخدع خادمه، و أخذ منه الخاتم و لبسه. فخرّت عليه الشّياطين و الجنّ و الإنس و الطّير و الوحش.
و خرج سليمان في طلب الخاتم (12)، فلم يجده. فهرب، و مرّ على ساحل البحر.
و أنكرت بنو إسرائيل الشّيطان الّذي تصوّر في صورة سليمان. و صاروا إلى أمّه،
____________
(1) ق، ش: خيفيق.
(2) ليس في ن.
(3) المصدر: منه.
(4) في المصدر زيادة: إبليس.
(5) ليس في ق، ش، ن.
(6) ليس في ن.
(7) في ق، ش، المصدر، زيادة: اللّه.
(8) المصدر، لنبيّ.
(9) تفسير القمّي 2/ 236- 238.
(10) المصدر: بعث.
(11) ليس في ق، م، ش.
(12) ق: خاتمه.
237
فقالوا لها: أ تنكرين من سليمان شيئا؟ فقالت: كان أبرّ النّاس بي، و هو اليوم يبغضني.
و صاروا إلى جواريه و نسائه، فقالوا: أ تنكرين (1) من سليمان شيئا؟ قلن: كان لم يكن يأتينا في الحيض، [و الآن يأتينا في الحيض] (2).
فلمّا خاف الشّيطان أن يفطنوا (3) به، القى الخاتم في البحر. فبعث اللّه سمكة، فالتقمته. و هرب الشّيطان. فبقى (4) بنو إسرائيل يطلبون سليمان أربعين يوما.
و كان سليمان- (عليه السلام)- يمرّ على ساحل البحر [يبكي و يستغفر اللّه] (5)، تائبا إلى اللّه ممّا كان منه. فلمّا كان بعد أربعين يوما، مرّ بصيّاد يصيد السّمك. فقال له:
أعينك على أن تعطيني من السّمك شيئا. فقال: نعم. فأعانه سليمان- (عليه السلام).
فلمّا اصطاد، دفع إلى سليمان- (عليه السلام)- سمكة. فأخذها و شقّ بطنها، و ذهب ليغسلها. فوجد الخاتم في بطنها. فلبسه. فخرّت عليه الشّياطين و الجنّ و الإنس و الطّير و الوحوش، و رجع إلى ما كان.
و طلب ذلك الشّيطان و جنوده الّذين كانوا معه، فقيّدهم و حبس بعضهم في جوف الماء، و بعضهم في جوف الصّخر (6)، بأسامي اللّه- عزّ و جلّ. فهم محبوسون معذّبون إلى يوم القيامة.
قال: و لمّا رجع سليمان إلى ملكه، قال لآصف- و كان آصف كاتب سليمان.
و هو الّذي كان عنده علم من الكتاب-: قد عذرت النّاس بجهالتهم. فكيف أعذرك؟
فقال: لا تعذرني. فلقد عرفت الشّيطان الّذي أخذ خاتمك و أباه و أمّه و عمّه و خاله. و لقد قال لي: اكتب لي. فقلت له: إنّ قلمي (7) لا يجري بالجور. فقال: اجلس [و لا تكتب. فكنت أجلس] (8) و لا أكتب شيئا. و لكن أخبرني عنك- يا سليمان- صرت تحبّ الهدهد، و هو أخسّ الطّير منبتا، و أنتنه ريحا! قال: إنّه يبصر الماء من وراء الصّفا الأصمّ.
____________
(1) كذا في النسخ و المصدر. و الظاهر الصحيح:
أ تنكرن.
(2) من نور الثقلين 4/ 456، ح 46.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يظنوا.
(4) المصدر: فبقوا.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النّسخ: الصخرة.
(7) كذا في المصدر. و في النّسخ: القلم.
(8) ليس في م، ش، ي، ر.
238
فقال: و كيف يبصر الماء من وراء الصّفا، و إنّما يوارى عنه الفخّ بكفّ من تراب حتّى يأخذ بعنقه!؟
فقال سليمان: قف يا وقّاف (1)! إنّه إذا جاء القدر، حال دون البصر.
و هذا محمول على أنّه ورد مورد التّقيّة- لأنّ هذا و أمثاله مذهب العامّة- أو على الإنكار، لا الإخبار.
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي: [لا يتسهّل له.] (2)
في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، [عن الحسين بن عليّ] (4)- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا سليمان- (عليه السلام)- أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله- و هو ميكائيل- فقال له: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- عش ملكا منعّما. و هذه مفاتيح خزائن الأرض معك، و يسير معك جبالها ذهبا و فضّة، و لا ينقص لك فيما ادّخر لك في الآخرة شيء.
فأومأ إلى جبرئيل- و كان خليله من الملائكة- فأشار عليه أن تواضع للّه (5). فقال:
بل أعيش نبيّا عبدا. آكل يوما، و لا آكل يومين. و ألحق بإخواني من الأنبياء. فزاده اللّه- تعالى- الكوثر، و أعطاه الشّفاعة. و ذلك أعظم من ملك الدّنيا، من أوّلها إلى آخرها، سبعين مرّة. و وعده المقام المحمود. فإذا كان يوم القيامة، أقعده اللّه على العرش.
فهذا أفضل ممّا أعطي سليمان.
و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ (6)، بإسناده إلى الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: إنّ سليمان بن داود قال ذات يوم لأصحابه: إنّ اللّه- تبارك
____________
(1) الوقّاف: المحجم عن القتال، و المتأنّي.
(2) من ن، ى.
(3) الاحتجاج/ 220.
(4) ليس في ق.
(5) ليس في ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(6) نور الثقلين 4/ 458، ح 50.
239
و تعالى- قد وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. سخّر لي الرّيح و الإنس و الجنّ و الطّير، و آتاني من كلّ شيء.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في بصائر الدّرجات (1): حدّثني يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كنت عنده، فذكروا سليمان، و ما أعطي من العلم، و ما أوتي من الملك. فقال لي:
و ما أعطي سليمان بن داود- (عليه السلام)- إنّما كان عنده حرف واحد من الاسم الأعظم. و صاحبكم الّذي قال اللّه (2)- تعالى-: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. [فكان- و اللّه- عند عليّ علم الكتاب.] (3)
أحمد بن محمّد (4)، عن [عليّ بن] (5) الحكم، عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان سليمان عنده اسم اللّه الأكبر الّذي إذا سأل به (6)، أعطي، و إذا دعا به، أجاب (7). و لو كان اليوم لاحتاج إلينا.
و في عيون الأخبار (8)، بإسناده إلى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- قال: إنّ سليمان بن داود- (عليه السلام)- قال ذات يوم لأصحابه: إنّ اللّه تعالى- و ذكر إلى آخر ما نقلناه عن الدّوريستيّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني [أبي، عن] (10) أبي بصير، عن أبان، عن أبي حمزة، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: خرج سليمان بن داود من بيت المقدس، و معه ثلاثمائة ألف كرسيّ عن يمينه، عليها الإنس، و ثلاثمائة ألف (11) كرسيّ عن يساره، عليها الجنّ. و أمر الطّير، فأظلّتهم. و أمر الرّيح، فحملتهم، حتّى ورد إيوان كسرى في المدائن. ثمّ رجع، فبات بإصطخر (12) فاضطجع (13). ثمّ غدا، فانتهى إلى مدينة بركاوان (14). ثمّ أمر الرّيح (15)، فحملتهم، حتّى كادت
____________
(1) البصائر/ 232، ح 1.
(2) الرعد/ 43.
(3) ليس في ق.
(4) نفس المصدر/ 231، ح 2.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: إذا سأله.
(7) كذا. و الظاهر أنّ الصحيح: أجيب.
(8) العيون 1/ 206، ح 24.
(9) تفسير القمّي 2/ 238.
(10) ليس في ن.
(11) ليس في ق.
(12) ليس في المصدر.
(13) ليس في ق، ش.
(14) بركاوان: ناحية بفارس (قاله الحموي). و في المصدر: تركاوان (بركاوان- ك)
(15) كذا في المصدر. و ليس في ق. و في سائر النسخ:
الرياح.
240
أقدامهم يصيبها الماء و سليمان على عمود منها. فقال بعضهم لبعض: هل رأيتم ملكا قطّ أعظم من هذا!؟ أو سمعتم به!؟ فقالوا: ما رأينا، و لا سمعنا بمثله! فناداهم (1) ملك من السّماء: ثواب تسبيحة واحدة في اللّه أعظم ممّا رأيتم.
و في كتاب الخصال (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يبعث أنبياء (3) ملوكا في الأرض إلّا أربعة بعد نوح: ذي القرنين- و اسمه عيّاش- و داود، و سليمان و يوسف. فأمّا عيّاش، فملك ما بين المشرق و المغرب. و أمّا داود، فملك بين الشّامات إلى بلاد إصطخر. و كذلك كان ملك سليمان. و أمّا يوسف، فملك مصر و براريّها، و لم يتجاوزا إلى غيرها.
عن محمّد بن خالد (4)، بإسناده رفعه قال: ملك الأرض كلّها أربعة: مؤمنان، و كافران. فأمّا المؤمنان، فسليمان بن داود، و ذو القرنين. و أمّا (5) الكافران، فنمرود، و بخت نصرّ. و اسم ذي القرنين عبد اللّه بن ضحّاك بن سعد (6).
و في الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- لأقوام يظهرون الزّهد و يدعون النّاس أن يكونوا معهم على مثل الّذي هم عليه من التّقشّف:
أخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود، حين سأل اللّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه اللّه- جلّ اسمه- ذلك!؟ و كان يقول الحقّ، و يعمل به. ثمّ لم نجد (8) اللّه- عزّ و جلّ- عاب عليه ذلك، و لا أحدا من المؤمنين. و داود النّبيّ قبله في ملكه و شدّة سلطانه.
و في مجمع البيان (9) روي مرفوعا عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه صلّى صلاة
____________
(1) المصدر: نادى.
(2) الخصال/ 248، ح 110.
(3) ق، ش، م: أنبياءه. المصدر: الأنبياء.
(4) نفس المصدر/ 255، ح 130.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: معبد. و في نور الثقلين 4/ 459، ح 55: معد.
(7) الكافي 5/ 69- 70.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يجد.
(9) المجمع 4/ 477.
241
فقال: إنّ الشّيطان عرض لي ليفسد عليّ صلاتي (1). فامكنني اللّه منه، فدفعته (2). و لقد هممت أن أوثقه إلى سارية، حتّى تصبحوا و تنظروا إليه أجمعين. فذكرت قول سليمان:
هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فردّه [اللّه] (3) خاسئا (4) خائبا. أورده البخاريّ و مسلم في الصّحيحين.
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35): المعطي ما تشاء لمن تشاء.
و في مجمع البيان (5): فيسأل عن هذا فيقال: إنّ هذا القول من سليمان يقتضي الضّنّ (6) و المنافسة. لأنّه لم يرض بأن يسأل الملك حتّى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه.
و أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: أنّ الأنبياء لا يسألون إلّا ما يؤذن لهم في مسألته (7). و جائز أن يكون اللّه- تعالى- أعلم سليمان أنّه إن سأل ملكا لا ينبغي لأحد غيره، كان أصلح له في الدّين، و أعلمه أنّه لا صلاح لغيره في ذلك. و لو أنّ أحدا صرّح في دعائه بهذا الشّرط، حتّى يقول: «اللّهمّ اجعلني أكثر [أهل زماني] (8) مالا إن علمت ذلك أصلح لي» لكان ذلك منه حسنا جائزا، و لا ينسب في ذلك إلى شحّ و ضنّ. و اختاره الجبّائيّ.
و ثانيها: أنّه يجوز أن يكون- (عليه السلام)- التمس من اللّه- تعالى- آية لنبوّته يبيّن بها من غيره و أراد: لا ينبغي لأحد غيري ممّن أنا مبعوث إليه. و لم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النّبيّين. كما يقال: أنا لا أطيع أحدا بعدك، أي: لا أطيع أحدا (9) سواك.
و ثالثها: ما قاله المرتضى- (قدّس اللّه سرّه)-: أنّه يجوز أن يكون [إنّما] (10) سأل ملك (11) الآخرة و ثواب الجنّة. و يكون معنى قوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. لا يستحقّه أحد (12) بعد وصولي إليه، من حيث لا يصحّ (13) أن يعمل ما يستحقّ به ذلك لانقطاع التّكليف.
____________
(1) المصدر: الصلاة.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فدعوته.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ن.
(5) نفس المصدر/ 276- 477.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الظنّ. و الضنّ:
البخل.
(7) كذا في ن، المصدر. و في سائر النسخ: لا يسألون إلّا أن يؤذن لهم في مسألة.
(8) ليس في ق، ش، م، ت، ر.
(9) ليس في ق.
(10) من المصدر.
(11) يوجد في ن، المصدر.
(12) ليس في المصدر.
(13) ق، ش، المصدر: لا يصلح.
242
و رابعها: أنّه التمس معجزة تختصّ به. كما أنّ موسى اختصّ (1) بالعصا و اليد [البيضاء] (2)، و اختصّ صالح بالنّاقة، و محمّد بالمعراج و القرآن.
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ: فذلّلناها لطاعته، إجابة لدعوته.
و قرئ (3): «الرّياح».
تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً: من الرّخاوة، أي: ليّنة سهلة لا تخالف إرادته، كالمأمور المنقاد.
حَيْثُ أَصابَ (36): أراد من النّواحي.
وَ الشَّياطِينَ:
عطف على «الرّياح».
كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ (37):
بدل منه.
وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38):
عطف على «كلّ». كأنّه فصّل الشّياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشّاقّة- كالبناء و الغوص- و مردة قرن بعضهم مع بعض في السّلاسل. و كان يجع بين اثنين و ثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم (4) عند تمرّدهم.
و قيل (5): إنّما كان يفعل ذلك بكفّارهم فإذا آمنوا أطلقهم.
قيل (6): و الأقرب أنّ المراد تمثيل كفّهم عن الشّرور بالإقران في الصّفد، و هو القيد.
و سمّي به العطاء، لأنّه يربط بالمنعم عليه. و فرّقوا بين فعليهما فقالوا: صفده: قيّده، و أصفده: أعطاه، عكس وعد و أوعد. و في ذلك نكتة.
هذا عَطاؤُنا، أي: هذا الّذي أعطيناك من الملك و البسط و التّسلّط على ما لم يسلّط به غيرك، عطاؤنا.
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ: فأعط من شئت و امنع من شئت.
بِغَيْرِ حِسابٍ (39):
____________
(1) كذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر: يختصّ.
(2) من المصدر.
(3) أنوار التنزيل 2/ 311.
(4) ق، ش: ندبهم.
(5) مجمع البيان 4/ 477.
(6) أنوار التنزيل 2/ 311.
243
حال من المستكنّ في الأمر- أي: غير محاسب على منّه و إمساكه، لتفويض التّصرّف فيه إليك- أو من العطاء. أو صلة له، و ما بينهما اعتراض. فالمعنى: أنّه عطاء جمّ لا يكاد يمكن حصره.
و قيل (1): الإشارة إلى تسخير الشّياطين. فالمراد بالمنّ و الإمساك: إطلاقهم و إبقاؤهم في القيد.
و في كتاب علل الشّرائع: حدّثنا أحمد بن يحيى المكتب قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الورّاق أبو الطّيّب قال: حدّثنا عليّ بن هارون الحميريّ [قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن سليمان النّوفليّ] (2) قال: حدّثنا أبي، عن عليّ بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: أ يجوز أن يكون نبيّ اللّه بخيلا؟
قال: لا.
فقلت له: فقول سليمان- (عليه السلام)-: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ما وجهه؟ و ما معناه؟
فقال: الملك ملكان: ملك مأخوذ بالغلبة و الجور و إجبار النّاس، و ملك مأخوذ من قبل اللّه- تعالى ذكره- كملك آل إبراهيم، و ملك طالوت و ذي القرنين. فقال سليمان: هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أن يقول: إنّه مأخوذ بالغلبة و الجور و إجبار النّاس. فسخّر اللّه- عزّ و جلّ- له الرّيح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. و جعل غدوّها شهرا. [و رواحها شهرا] (3). و سخّر اللّه- عزّ و جلّ- له الشّياطين كلّ بنّاء و غوّاص. و علّم منطق الطّير. و مكّن في الأرض. فعلم النّاس في وقته و بعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل النّاس و المالكين بالغلبة و الجور.
قال: فقلت له: فقول رسول اللّه: «رحم اللّه أخي سليمان بن داود، ما كان أبخله!».
فقال: لقوله- (عليه السلام)- وجهان: أحدهما: ما كان أبخله بعرضه و سوء القول فيه. و الوجه الآخر يقول: ما كان أبخله إن كان أراد ما كان يذهب إليه الجهّال.
ثمّ قال- (عليه السلام)-: قد و اللّه أوتينا ما أوتي سليمان، و ما لم يؤت سليمان، و ما لم يؤت أحد من الأنبياء (4). قال اللّه- (عليه السلام)- عزّ و جلّ- في قصّة سليمان:
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
2 و 3- من المصدر.
(4) في المصدر زيادة: من العالمين.
244
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. و قال- عزّ و جلّ- في قصّة محمّد (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
و في أصول الكافي (2): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- فقلت: جعلت فداك، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (3)؟ فقال: نحن أهل الذّكر. و نحن المسئولون.
[فقلت: فأنتم المسئولون (4)] (5) و نحن السّائلون؟ قال: نعم.
قلت: حقّا علينا أن نسألكم؟ قال: نعم.
قلت: حقّا عليكم أن تجيبونا؟ قال: لا. ذاك إلينا. إن شئنا، فعلنا. و إن شئنا، لم نفعل. أما تسمع قول اللّه- تبارك و تعالى-: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ!؟
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس عن بكّار بن بكر، عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه- عزّ و جلّ. فأخبره بها. ثمّ دخل عليه داخل، فسأله عن تلك الآية. فأخبره بخلاف ما أخبر الأوّل. فدخلني من ذلك ما شاء اللّه، حتّى كأنّ قلبي يشرّح بالسّكاكين.
فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشّام، لا يخطئ في الواو و شبهه، و جئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه! فبينا أنا كذلك، إذ دخل عليه آخر، فسأله عن تلك الآية. فأخبره بخلاف ما أخبرني و أخبر صاحبي. فسكنت نفسي، فعلمت أنّ ذلك منه تقيّة.
قال: ثمّ التفت إليّ فقال: يا ابن أشيم! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فوّض إلى سليمان بن داود فقال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. و فوّض إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال (7): ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. فما فوّض إلى رسول اللّه، فقد فوّضه إلينا.
محمّد بن يحيى (8)، عن أحمد بن محمّد بن سنان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) الحشر/ 7.
(2) الكافي 1/ 210، ح 3.
(3) النحل/ 43، و الأنبياء/ 7.
(4) كذا في المصدر و في النسخ زيادة: قال نعم قلت.
(5) ليس في ن.
(6) نفس المصدر/ 265، ح 2.
(7) الحشر/ 7.
(8) نفس المصدر/ 267، ح 6.
245
- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أدّب نبيّه. فلمّا انتهى به إلى ما أراد، قال له (1): إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. ففوّض إليه دينه فقال: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فرض الفرائض، و لم يقسم للجدّ شيئا. و إنّ رسول اللّه أطعمه السّدس. فأجاز اللّه- جلّ ذكره- له ذلك. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
عليّ بن محمّد (2)، عن بعض أصحابنا، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن صندل الخيّاط، عن زيد الشّحّام قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-:
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. قال: أعطي سليمان ملكا عظيما. ثمّ جرت هذه الآية في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فكان له أن يعطي من شاء و ما شاء [و يمنع من شاء] (3). و أعطاه [اللّه] (4) أفضل ممّا أعطى سليمان، لقوله: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
أحمد بن إدريس (5) و محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عبيس بن هشام، عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. قال: سألته عن الإمام، فوّض إليه كما فوّض إلى سليمان بن داود. فقال: نعم. و ذلك أنّ رجلا سأله عن مسألة، فأجابه فيها. و سأله آخر عن تلك المسألة، فأجابه بغير جواب الأوّل. ثمّ سأله آخر، فأجابه بغير جواب الأوّلين. ثمّ قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أعط بغير حساب. و هكذا هي في قراءة عليّ- (عليه السلام).
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثنا محمّد بن جعفر قال (7): حدّثنا عبد اللّه بن محمّد، عن ابن (8) أبي داود، عن سليمان بن سفيان، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله (9): فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ من المعنيّون بذلك؟
فقال: نحن و اللّه.
فقلت: فأنتم المسئولون؟ قال: نعم.
____________
(1) القلم/ 4.
(2) نفس المصدر/ 268، ح 10.
(3) ليس في ق، ش، ت، ن.
(4) من المصدر مع المعقوفتين.
(5) نفس المصدر/ 438، ح 3.
(6) تفسير القمّي 2/ 68.
(7) ليس في ق، ش.
(8) ليس في المصدر.
(9) النحل/ 43، و الأنبياء/ 7.
246
قلت: و نحن السّائلون؟ قال: نعم.
قلت: فعلينا أن نسألكم؟ قال نعم. قلت: و عليكم أن تجيبونا؟ قال: ذلك إلينا.
إن شئنا، فعلنا. و إن شئنا، تركنا (1). ثمّ قال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ الأحاديث تختلف عنكم! قال: فقال: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف. و أدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه. ثمّ قال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
و في بصائر الدّرجات (3): محمّد بن الحسين، عن أبي داود، عن سليمان بن سعيد، عن ثعلبة، عن منصور (4)، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قول اللّه- تبارك و تعالى-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ من المعنيّون بذلك؟ قال: نحن.
قال: قلت: فأنتم المسئولون؟ قال: نعم.
[قال:] (5) قلت: و نحن السّائلون؟ قال: نعم.
قال: قلت: فعلينا أن نسألكم؟ قال: نعم. قال (6): قلت: و عليكم أن تجيبونا؟ قال:
لا. ذلك إلينا. إن شئنا، فعلنا. و إن شئنا، لم نفعل (7). قال اللّه- تعالى-: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
و في الكافي (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا قال: أو لم أبو الحسن موسى- (عليه السلام)- وليمة على بعض ولده فأطعم أهل المدينة ثلاثة أيّام الفالوذجات (9) [في الجفان] (10) في المساجد و الأزقّة. فعابه بذلك بعض أهل المدينة. فبلغه ذلك- (عليه السلام)- فقال:
ما آتى اللّه- عزّ و جلّ- نبيّا من أنبيائه شيئا، إلّا و قد آتى محمّدا- صلّى اللّه عليه
____________
(1) ن: لم نفعل.
(2) تفسير نور الثقلين 4/ 462، ح 65.
(3) البصائر/ 62، ح 25.
(4) المصدر: ... عن سليمان بن سفيان، عن ثعلبة بن ميمون، ...
(5) من المصدر.
(6) ليس في المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(8) الكافي 6/ 281، ح 1.
(9) الفالوذج: حلواء تعمل من الدّقيق و الماء و العسل، و تصنع الآن من النّشا و الماء و السّكّر.
(10) يوجد في ن، ي، المصدر.
247
و آله- مثله، و زاده ما لم يؤتهم. قال لسليمان- (عليه السلام)-: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. و قال لمحمّد (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عبد اللّه بن الحجّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زكريّا الزّجّاجيّ قال:
سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان فيما ولي بمنزلة سليمان بن داود، إذ قال له- سبحانه-: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
و معنى ذلك (3): أنّ الّذي وليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- من الإمامة و الخلافة و الرّئاسة العامّة على الجنّ و الإنس و جميع خلق اللّه، بمنزلة ما وليه سليمان- (عليه السلام)- من الملك الموهوب و الرّئاسة العامّة على الجنّ و الإنس و الطّير و الوحوش و غير ذلك. و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- أعطي ما لم يعط سليمان. لأنّه أعطي كلّما أعطي النّبيّ- (صلوات اللّه عليه)- و ممّا أعطاه اللّه ما أعطى سليمان و غيره من الأنبياء. فصار ما أعطي سليمان بعض ما أعطي- (عليه السلام) (4).
وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدّنيا، وَ حُسْنَ مَآبٍ (40): هو الجنّة.
وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ:
هو أيّوب بن عيص بن إسحاق. و امرأته، قيل (5): ليا بنت يعقوب و قيل (6): رحمة بنت يوسف بن يعقوب.
إِذْ نادى رَبَّهُ:
بدل من «عبدنا»، و «أيّوب» عطف بيان له.
أَنِّي مَسَّنِيَ: بأن مسّني الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ: بتعب وَ عَذابٍ (41): ألم.
____________
(1) الحشر/ 7.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 504، ح 3.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المصدر: فصار ما أعطي أمير المؤمنين أعظم ممّا.
اعطي سليمان.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 311.
248
و هو حكاية لكلامه الّذي ناداه به. و لو لا هي، لقال: إنّه مسّه.
قيل (1): و الإسناد إلى الشّيطان، إمّا لأنّ اللّه مسّه بذلك، لما فعل بوسوسته. كما قيل:
إنّه أعجب بكثرة ماله. أو استغاثه مظلوم فلم يغثه. أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه و لم يغزه. أو لسؤاله امتحانا لصبره. فيكون اعترافا بالذّنب، أو مراعاة للأدب. أو لأنّ المراد من النّصب و العذاب ما كان يوسوس به إليه في مرضه من عظم البلاء و القنوط من الرّحمة، و يغريه على الجزع. أو لأنّه وسوس إلى أتباعه، حتّى رفضوه و أخرجوه من ديارهم.
و في مجمع البيان (2): أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ. قيل:
إنّه اشتدّ مرضه، حتّى تجنّبه النّاس. فوسوس الشيطان (3) إلى النّاس أن يستقذروه و يخرجوه من بينهم، و لا يتركوا امرأته الّتي تخدمه أن تدخل عليهم. فكان أيّوب يتأذّى بذلك، و يتألّم منه. و لم يشك الألم الّذي كان من أمر اللّه- سبحانه. قال قتادة: دام ذلك سبع سنين. و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
و في شرح الآيات الباهرة (4): و جاء في بعض الأخبار شيء من قصّة أيّوب أحببنا ذكره (5) هاهنا. و هو ما نقل من خطّ الشّيخ أبي جعفر الطّوسيّ- قدّس روحه- في كتاب مسائل البلدان. رواه بإسناده عن أبي محمّد الفضل بن شاذان، رفعه إلى جابر بن يزيد الجعفيّ، عن رجل من أصحاب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: دخل سلمان على أمير المؤمنين، فسأله عن نفسه. فقال: يا سلمان، أنا الّذي دعيت الأمم كلّها إلى طاعتي، فكفرت، فعذبت في النّار. و أنا خازنها عليهم حقّا. أقول:
يا سلمان، إنّه لا يعرفني أحد حقّ معرفتي (إلّا كان معي) (6) في الملأ الأعلى. قال: ثمّ دخل الحسن و الحسين، فقال: يا سلمان، هذان شنفا عرش ربّ العالمين. بهما تشرق الجنان.
و أمّهما خيرة النّسوان. أخذ اللّه على النّاس الميثاق [بي. فصدّق من صدّق. و كذّب من كذّب. أمّا من صدّق، فهو في الجنّة. و أمّا من كذّب، فهو في النّار.] (7) و أنا الحجّة البالغة
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المجمع 4/ 478.
(3) ليس في ق.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 504- 506، ح 4.
(5) المصدر: ذكرها.
(6) من المصدر مع القوسين.
(7) من المصدر.
249
و الكلمة الباقية. و أنا سفير (1) السّفراء.
قال سلمان: يا أمير المؤمنين، لقد وجدتك في التّوراة كذلك، و في الإنجيل كذلك. بأبي أنت و أمّي يا قتيل كوفان! و اللّه لو لا أن يقول النّاس وا شوقاه (2)! رحم اللّه قاتل سلمان! لقلت فيك مقالا تشمئز منه النّفوس. لأنّك حجّة اللّه الّذي بك تاب على آدم، و بك أنجى يوسف من الجبّ. و أنت قصّة أيّوب و سبب تغيّر (3) نعمة اللّه عليه.
فقال أمير المؤمنين: أ تدري ما قصّة أيّوب و سبب تغيّر (4) نعمة اللّه عليه؟ قال: اللّه أعلم و أنت يا أمير المؤمنين.
قال: لمّا كان عند الانبعاث للمنطق، شكّ أيّوب [في ملكي] (5) و بكى، فقال: هذا خطب جليل، و أمر جسيم. قال اللّه- عزّ و جلّ-: يا أيّوب، أ تشكّ (6) في صورة أقمته أنا!؟
إنّي ابتليت آدم بالبلاء، فوهبته له و صفحت عنه، بالتّسليم عليه بإمرة المؤمنين، و أنت تقول: خطب جليل، و أمر جسيم! فو عزّتي، لأذيقنّك من عذابي، أو تتوب إليّ، بالطّاعة لأمير المؤمنين. [ثمّ أدركته السّعادة بي.
يعني أنّه تاب إلى اللّه و أذعن بالطّاعة لأمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه و على ذرّيّته الطّيّبين).] (7) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ:
حكاية لما أجيب به. أي: اضرب برجلك الأرض.
هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ (42)، أي: فضربها فنبعت عين، فقيل: هذا مُغْتَسَلٌ، أي: ماء تغتسل به و تشرب منه، فبرأ باطنك و ظاهرك.
و قيل (8): نبعت عينان حارّة و باردة. فاغتسل من الحارّة، و شرب من الأخرى.
وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ، بأن جمعناهم عليه بعد تفرّقهم، أو أحييناهم بعد موتهم.
و قيل (9): وهبنا له مثلهم.
وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، حتّى كان له ضعف ما كان.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أسفر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: واش واه.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تغيير.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تغيير.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الشكّ.
(7) ليس في المصدر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 311.
(9) نفس المصدر/ 312.
250
رَحْمَةً مِنَّا لرحمتنا عليه، وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43): و تذكيرا لهم، لينتظروا الفرج بالصّبر و اللّجأ إلى اللّه فيما يحيق بهم (1).
وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ:
عطف على «اركض». و الضّغث: الحزمة الصّغيرة من الشّجر و الحشيش و نحوه.
و الحنث: مخالفة اليمين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن ابن فضّال، عن عبد اللّه بن بحر، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن بليّة أيّوب- (عليه السلام)- الّتي ابتلي بها في الدّنيا، لأيّ علّة كانت.
قال: لنعمة أنعم اللّه- عزّ و جلّ- بها عليه في الدّنيا، و أدّى شكرها. و كان في ذلك الزّمان لا يحجب إبليس عن دون العرش. فلمّا صعد و رأى شكر نعمة أيّوب، حسده إبليس فقال: يا ربّ، إنّ أيّوب لم يؤدّ إليك شكر هذه النّعمة إلّا بما أعطيته من الدّنيا. و لو حرمته دنيا، ما أدّى إليك شكر نعمة أبدا. فسلّطني على دنياه حتّى تعلم أنّه لم يؤدّ إليك شكر نعمة أبدا. فقيل له: قد سلّطتك على ماله و ولده.
قال: فانحدر إبليس، قلم يبق له مالا و لا ولدا، إلّا أعطبه (3). فازداد أيّوب شكرا [للّه] (4) و حمدا. قال: فسلّطني على زرعه. قال: قد فعلت. فجمع شياطينه، فنفخ فيه، فاحترق. فازداد أيّوب للّه شكرا و حمدا. فقال: يا ربّ، فسلّطني على غنمه. فسلّطه على غنمه. فأهلكها. فازداد أيّوب للّه شكرا و حمدا. فقال: يا ربّ، سلّطني على بدنه ما خلا عقله و عينيه (5). فنفخ فيه إبليس، فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه.
فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد اللّه و يشكره. حتّى وقع في بدنه الدّود، فكانت تخرج من بدنه، فيردّها و يقول لها: ارجعي إلى موضعك الّذي خلقك اللّه منه. و نتن، حتّى أخرجه (6) أهل القرية من القرية، و ألقوه في المزبلة خارج القرية. و كانت امرأته
____________
(1) في هامش ت:
ورد في روضة الوافي بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ قلت: ولده كيف أوتي مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ؟ قال: أحيا له من ولده الّذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم مثل الّذين هلكوا يومئذ.
(2) تفسير القمّي 2/ 239- 242.
(3) أي: أهلكه.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: عينه.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أخرجوه.
251
رحمة (1) بنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- (صلوات اللّه عليهم و عليها) - تتصدّق من النّاس و تأتيه بما تجده.
قال: فلمّا طال عليه البلاء، و رأى إبليس صبره، أتى أصحابا لأيّوب (2) كانوا رهبانا في الجبال و قال لهم: مرّوا بنا إلى هذا العبد المبتلى فنسأله (3) عن بليّته. فركبوا بغالا شهبا و جاؤوا. فلمّا دنوا منه، نفرت بغالهم من نتن ريحه. فقرنوا بعضا (4) إلى بعض، ثمّ مشوا إليه. و كان فيهم شابّ حدث السّنّ. فقعدوا إليه فقالوا: يا أيّوب- (عليه السلام)- لو أخبرتنا بذنبك لعلّ اللّه كان يملكنا (5) إذا سألناه. و ما نرى ابتلاءك بهذا البلاء الّذي لم يبتل به (6) أحد، إلّا من أمر كنت تستره.
فقال أيّوب- (عليه السلام)-: و عزّة ربّي، إنّه ليعلم أنّي ما أكلت طعاما إلّا و يتيم أو ضعيف يأكل معي. و ما عرض أمران كلاهما طاعة للّه، إلّا أخذت بأشدّهما على بدني. فقال الشّابّ: سوءة لكم! عيّرتم (7) نبىّ اللّه حتّى أظهر من عبادة ربّه ما كان يسترها.
فقال: أيّوب: يا ربّ، لو جلست مجلس الحكم منك، لأدليت بحجّتي. فبعث اللّه إليه غمامة فقال: يا (8) أيّوب، أدل (9) بحجّتك. فقد أقعدتك مقعد الحكم. و ها أنا ذا قريب و لم أزل. فقال: يا ربّ، إنّك لتعلم أنّه لم يعرض لي أمران قطّ كلاهما لك طاعة، إلّا أخذت بأشدّهما على نفسي. ألم أحمدك!؟ أ لم أشكرك!؟ ألم أسبّحك!؟
قال: فنودي من الغمامة بعشرة آلاف (10) لسان: يا أيّوب! من صيّرك (11) تعبد اللّه، و النّاس عنه غافلون!؟ و تحمده و تسبّحه و تكبّره. و النّاس عنه غافلون!؟ أتمنّ على اللّه بما للّه فيه المنّة عليك!؟
قال: فأخذ [أيّوب] التّراب، فوضعه في فيه. ثمّ قال: لك العتبى يا ربّ! أنت
____________
(1) المصدر: رحيمة.
(2) المصدر: له.
(3) كذا في المصدر. و لآي ن: فنسله. و في غيرها: فنسلّيه.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «فنظر بعضهم» بدل «فقرنوا بعضا».
(5) ق، ش، المصدر: يهلكنا.
(6) ق، ش، المصدر: إليه.
(7) المصدر: عمرتم إلى.
(8) ليس في المصدر.
(9) ق: اذن. المصدر: أدلني.
(10) المصدر: ألف.
(11) ن، ق، ش، ت: صبّرك.
252
فعلت ذلك بي. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- عليه ملكا، فركض برجله. فخرج الماء. فغسله بذلك الماء. فعاد أحسن ما كان و أطرأ. و أنبت اللّه عليه روضة خضراء، و ردّ عليه ماله و ولده و زرعه. و قعد معه الملك يحدّثه و يؤنسه.
فأقبلت امرأته و معه الكسرة (1). فلمّا انتهت إلى الموضع، إذ الموضع متغيّر، و إذا رجلان جالسان. فبكت و صاحت و قالت: يا أيّوب، [ما دهاك] (2)؟ فناداها أيّوب.
فأقبلت. فلمّا رأته و قد ردّ اللّه عليه بدنه و نعمه، سجدت للّه- عزّ و جلّ- شكرا. فرأى ذؤابتها مقطوعة. و ذلك أنّها سألت قوما أن يعطوها ما تحمله إلى أيّوب من الطّعام- و كانت حسنة الذّوائب- فقالوا لها: بيعينا ذوأبتك هذه حتّى نعطيك. فقطعتها و دفعتها إليهم، و أخذت منهم طعاما لأيّوب. فلمّا رآها مقطوعة الشّعر، غضب و حلف عليها أن يضربها مائة جلدة. فأخبرته أنّه كان سببه كيت و كيت. فاغتمّ أيّوب بذلك. فأوحى اللّه إليه: خُذْ بِيَدِكَ (3) ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ. فأخذ [عذقا مشتملا] (4) على مائة شمراخ، فضربها ضربة واحدة، فخرج من يمينه.
ثمّ قال: وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ. قال:
فردّ اللّه عليه أهله الّذين ماتوا قبل البلاء، و ردّ عليه الّذين ماتوا بعد ما أصابهم البلاء كلّهم أحياهم اللّه- تعالى- فعاشوا معه. و سئل أيّوب بعد ما عافاه اللّه: أيّ شيء كان أشدّ عليك ممّا مرّ عليك؟ فقال: شماتة الأعداء.
قال: فأمطر اللّه عليه في داره فراش الذّهب. و كان يجمعه. فكان إذا ذهبت الرّيح منه بشيء، عدا خلفه، فردّه. فقال له جبرئيل- (عليه السلام)-: أما تشبع يا أيّوب؟ قال:
و من يشبع من رزق اللّه- عزّ و جلّ!؟
و في مجمع البيان (5): و روى العيّاشيّ بإسناده أنّ عبّاد المكّيّ قال: قال لي سفيان الثّوريّ: إنّى أرى لك من أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- منزلة. فأسأله عن رجل زنى و هو مريض، فإن أقيم عليه الحدّ، خافوا أن يموت، ما يقول فيه.
قال: فسألته. فقال لي: هذه المسألة من تلقاء نفسك، أو أمرك بها إنسان؟ فقلت له
____________
(1) المصدر: الكسر. و الكسرة: القطعة من الخبز.
(2) ليس في ش، ق.
(3) ليس في ق.
(4) ليس في المصدر.
(5) المجمع 4/ 478.
253
إنّ سفيان الثّوريّ أمرني أن أسألك عنها.
فقال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتي برجل [أحبن] (1) قد استسقى بطنه، و بدت عروق فخذيه، و قد زنى بامرأة مريضة. فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأتي بعرجون فيه مائة شمراخ. فضربه به ضربة، و ضربها به ضربة، و خلّى سبيلهما. و ذلك قوله: وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ.
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً فيما أصابه في النّفس و الأهل و المال.
و لا يخلّ به شكواه إلى اللّه من الشّيطان، فإنّه لا يسمّى جزعا، كتمنّي العافية و طلب الشّفاء. مع أنّه قال ذلك، خيفة أن يفتنه أو قومه في الدّين.
نِعْمَ الْعَبْدُ أيّوب إِنَّهُ أَوَّابٌ (44): مقبل بشراشره على اللّه.
وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ:
و قرأ (2) ابن كثير «عبدنا»، على أنّ «إبراهيم» وحده لمزيد شرفه عطف بيان له و «إسحاق» و «يعقوب» عطف عليه. أي: و اذكر- يا محمّد- لقومك (3) عبادنا أولئك، ليقتدوا بهم في حميد أفعالهم و كريم أخلاقهم. فيستحقّوا بذلك حسن الثّناء و جزيل الثّواب في العقبى، كما استحقّوا أولئك.
أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ (45): أولي القوّة في الطّاعة، و البصيرة في الدّين.
أو: أولي الأعمال الجليلة، و العلوم الشّريفة. فعبّر بالأيدي عن الأعمال، لأنّ أكثرها بمباشرتها، و بالأبصار عن المعارف، لأنّها أقوى مبادئها.
و فيه تعريض بالبطلة الجهّال أنّهم كالزّمنى و العماة.
و قيل (4): أُولِي الْأَيْدِي: أولي النّعم على عباد اللّه، بالدّعاء إلى الدّين. و أولي الأبصار: أولي العقل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ قال: أولي القوّة في العبادة، و البصيرة (6) فيها.
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ: جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 312.
(3) في ق زيادة: يا محمّد.
(4) مجمع البيان 4/ 480.
(5) تفسير القمّي 2/ 242.
(6) المصدر: الصّبر (البصر- ط)
254
هي: ذِكْرَى الدَّارِ (46): تذكّرهم للآخرة دائما. فإنّ خلوصهم في الطّاعة بسببها.
و ذلك لأنّ مطمح نظرهم فيما يأتون و يذرون جوار اللّه و الفوز بلقائه، و ذلك في الآخرة.
و إطلاق الدّار للإشعار بأنّها الدّار الحقيقيّة، و الدّنيا المعبر.
و أضاف (1) نافع و هشام بِخالِصَةٍ إلى ذِكْرَى الدَّارِ للبيان، أو لانّه مصدر بمعنى الخلوص، فأضيف إلى فاعله.
وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47): لمن المختارين من أمثالهم، المصطفين عليهم في الخير. جمع خير، كشرّ و أشرار.
و قيل (2): جمع خيّر أو خير- على تخفيفه- كأموات في جمع ميّت، أو ميت.
وَ اذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ:
قيل (3): هو ابن أخطوب. استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثمّ استنبئ. و اللّام فيه كما في قوله.
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ: «و اللّيسع» تنبيها بالمنقول من ليسع من اللّسع.
وَ ذَا الْكِفْلِ:
قيل (5): هو ابن عمّ يسع، أو بشر بن أيّوب. و اختلف في نبوّته و لقبه. فقيل: فرّ إليه مائة نبيّ من القتل، فآواهم و كفلهم.
و قيل (6): رجل كفل بعمل رجل صالح كان يصلّي كلّ يوم مائة صلاة.
وَ كُلٌ؛ أي: و كلّهم مِنَ الْأَخْيارِ (48).
هذا- إشارة إلى ما تقدّم من أمورهم- ذِكْرٌ: شرف لهم. أو: نوع من الذّكر، و هو القرآن.
ثمّ شرع في بيان ما أعدّ لهم و لأمثالهم:
وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49): مرجع.
جَنَّاتِ عَدْنٍ:
عطف بيان ل لَحُسْنَ مَآبٍ. و هو من الأعلام الغالبة، لقوله (7):
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 312.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) مريم/ 61.
255
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ. و انتصب عنها مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50)، على الحال، و العامل فيها ما في لِلْمُتَّقِينَ (1) من معنى الفعل.
و قرئتا (2) مرفوعتين، على الابتداء و الخبر، أو أنّهما خبران لمحذوف.
مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَ شَرابٍ (51):
حالان متعاقبان أو متداخلان عن الضّمير في «لهم»، لا من «المتّقين»، للفعل. أو «يدعون» استئناف لبيان حالهم فيها. و «متّكئين» حال من ضميره، أو من ضمير «لهم».
و الاقتصار على الفاكهة، للإشعار بأنّ مطاعمهم لمحض التّلذّذ. فإنّ التّغذّي للتّحلّل، و لا تحلّل ثمّة (3).
وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ: لا ينظرن إلى غير أزواجهنّ.
أَتْرابٌ (52): لدات (4) لهم. فإنّ التّحابّ بين الأقران أثبت. أو بعضهنّ (5) لبعض (6)، لا عجوز فيهنّ و لا صبيّة. و اشتقاقه من التّراب، فإنّه يمسّهنّ في وقت واحد.
هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53): لأجله. فإنّ الحساب علّة الوصول إلى الجزاء.
و قرأ (7) ابن كثير و أبو عمرو بالياء، ليوافق ما قبله.
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54): انقطاع.
هذا، أي: الأمر هذا. أو: هذا كما ذكر. أو: خذ هذا.
وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55).
جَهَنَّمَ:
إعرابه ما سبق.
يَصْلَوْنَها:
حال من «جهنّم».
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: المتّقين.
(2) نفس المصدر/ 313.
(3) أي: هناك.
(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 313. و في النسخ:
لذات.
(5) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: بعضهم.
(6) في، ن، ت، م، ي، ر، زيادة، او نصف.
(7) نفس المصدر و الموضع.
256
فَبِئْسَ الْمِهادُ (56):
المهد: الفراش. مستعار من فراش النّائم. و المخصوص بالذّمّ محذوف و هو «جهنّم»، لقوله (1): لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ.
هذا فَلْيَذُوقُوهُ، أي: ليذوقوا هذا، فليذوقوه. أو: العذاب هذا، فليذوقوه.
و يجوز أن يكون مبتدأ خبره:
حَمِيمٌ وَ غَسَّاقٌ (57). و هو على الأوّلين، خبر محذوف، أي: «جهنّم».
و الغساق: ما يغسق من صديد أهل النّار. من: غسقت العين: إذا سال دمعها.
و قرأ (2) حفص و حمزة و الكسائيّ: «غسّاق» بتشديد السّين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: الغسّاق واد في جهنّم. فيه ثلاثمائة و ثلاثون قصرا. في كلّ قصر ثلاثمائة بيت. في كلّ بيت أربعون زاوية. في كلّ زاوية شجاع. في كلّ شجاع ثلاثمائة و ثلاثون عقربا. في حمّة (4) كلّ عقرب ثلاثمائة و ثلاثون قلّة من سمّ.
لو أنّ عقربا منها نضحت سمّها على أهل جهنّم، لوسعتهم بسمّها (5).
وَ آخَرُ، أي: مذوق. أو: عذاب آخر.
و قرأ (6) البصريّان: «و أخر»، أي: مذوقات. أو: أنواع عذاب أخر (7).
مِنْ شَكْلِهِ: من مثل هذا المذوق أو العذاب. في الشّدّة.
و توحيد الضّمير على أنّه لما ذكر، أو للشّراب الشّامل للحميم و الغساق، أو للغساق.
و قرئ (8) بالكسر. و هي لغة.
أَزْواجٌ (58): أجناس.
خبر ل «آخر» أو صفة له، أو للثّلاثة. أو مرتفع بالجارّ، و الخبر محذوف، مثل «لهم».
هذا فَوْجٌ: قوم (9): مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ:
حكاية ما يقال للرّؤساء الطّاغين إذا دخلوا النّار، و اقتحمها معهم فوج تبعهم في الضّلال.
____________
(1) الأعراف/ 41.
(2) أنوار التنزيل 2/ 313.
(3) تفسير القمّي 2/ 242.
(4) ليس في ت. و في ن، م، ي، ر: جمة. و في المصدر: جمجمة.
(5) ليس في ق، ش، ت.
(6) أنوار التنزيل 2/ 313.
(7) ليس في ق.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) ليس في ق.
257
و الاقتحام: ركوب الشّدّة و الدّخول فيها.
و في مجمع البيان (1): هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ (الآية).
روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنّ النّار تضيق عليهم، كضيق الزّجّ (2) بالرّمح.
لا مَرْحَباً بِهِمْ:
دعاء من المتبوعين على أتباعهم. أو صفة ل «فوج». أو حال: أي: مقولا فيهم: لا مرحبا بهم. أي: ما أتوا بهم رحبا وسعة.
إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59): داخلون النّار بأعمالهم مثلنا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)- (رحمه اللّه)-: هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ. و هم الأوّل و الثّاني (4) و بنو أميّة. ثمّ ذكر من كان من بعدهم ممّن غصب آل محمّد حقّهم فقال:
و آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ. و هم بنو العبّاس. فيقولون (5) بنو أميّة:
لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ.
قالُوا، أي: الأتباع للرّؤساء:
بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ: بل أنتم أحقّ بما قلتم.
أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا: قدّمتم العذاب أو الصّلي لنا، بإغوائنا على ما قدّمتم من العقائد الزّائفة و الأعمال القبيحة.
فَبِئْسَ الْقَرارُ (60): فبئس المقرّ جهنّم.
قالُوا، أي الأتباع أيضا:
رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61): مضاعفا، أي: ذا ضعف. و ذلك أن تزيد على عذابه مثله، فيصير ضعفين، كقوله (6): رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ.
وَ قالُوا، أي: الطّاغون:
ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62):
يعنون فقراء المسلمين الّذين يسترذلونهم و يستخرون بهم.
____________
(1) المجمع 4/ 483.
(2) الزّجّ: الحديدة في أسفل الرّمح.
(3) تفسير القمّي 2/ 242.
(4) المصدر: و هم زريق و حبتر.
(5) المصدر: و هم بنو السّباع و يقولون.
(6) الأحزاب/ 68.
258
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) متّصلا بما سبق: فيقولون بنو فلان (2): بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا و بدأتم بظلم آل محمّد فَبِئْسَ الْقَرارُ. ثمّ يقول بنو أميّة: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ. يعنون الأوّل و الثّاني (3). ثمّ يقول أعداء آل محمّد في النّار: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ في الدّنيا. و هم شيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام).
و في مجمع البيان (4): و روى العيّاشيّ بالإسناد (5)، عن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ أهل النّار يقولون: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ. يعنونكم [و يطلبونكم. لا، و اللّه،] (6) لا يرونكم في النّار. لا يرون و اللّه واحدا منكم في النّار.
و في أمالي شيخ الطّائفة (7)- (رحمه اللّه)- بإسناده قال: دخل سماعة بن مهران على الصّادق- (عليه السلام)- فقال له: يا سماعة، من شرّ النّاس؟ قال: نحن يا ابن رسول اللّه.
قال: فغضب حتّى احمرّت وجنتاه. ثمّ استوى جالسا و كان متّكئا فقال: يا سماعة، من شرّ النّاس عند النّاس (8)؟ فقلت: و اللّه ما كذبتك يا ابن رسول اللّه. نحن شرّ النّاس عند النّاس (9). لأنّهم يسمّونا كفّارا و رافضة. فنظر إليّ ثمّ قال كيف إذا سيق بكم إلى الجنّة و سيق بهم إلى النّار فينظرون إليكم فيقولون: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ.
يا سماعة بن مهران، إنّه من أساء منكم إساءة، مشينا إلى اللّه يوم القيامة بأقدامنا، فنشفع فيه، فنشفع. و اللّه، لا يدخل النّار منكم عشرة رجال. و اللّه، لا يدخل النّار منكم خمسة رجال. و اللّه، لا يدخل النّار منكم رجل واحد. فتنافسوا في الدّرجات. و أكمدوا (10) عدوّكم بالورع.
و في شرح الآيات الباهرة (11): و روى الصّدوق بإسناده (12) إلى سليمان الدّيلمي قال:
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 243.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول فلان.
(3) المصدر: يعنون الأوّلين.
(4) المجمع 4/ 484.
(5) ليس في ق، ش.
(6) يوجد في ن، ى.
(7) أمالي الطوسي 1/ 301- 302.
8 و 9 في ق زيادة: عند النّاس.
(10) أكمد الحزن فلانا: غمّه. فالمعنى: أغمّوا عدوّكم بالورع.
(11) تأويل الآيات الباهرة 2/ 507، ح 9.
(12) المصدر: و روى [الكليني و] الصّدوق بإسنادهما.
259
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لأبي بصير (1): لقد ذكركم اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه، إذ حكى قول أعدائكم و هم في النّار: وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ.
و اللّه ما عنوا و لا أرادوا بها غيركم، إذ صرتم (2) [عند أهل هذا] (3) [العالم] (4) شرار النّاس.
و أنتم خيار (5) النّاس. و أنتم- و اللّه- في النّار تطلبون، و أنتم- و اللّه- في الجنّة تحبرون.
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا: صفة أخرى ل «رجالا».
و قرأ (6) الحجازيّون و ابن عامر و عاصم بهمزة الاستفهام، على أنّه إنكار على أنفسهم، و تأنيب لهم في الاستسخار منهم.
و قرأ (7) نافع و حمزة و الكسائيّ: «سخريّا» بضمّ السّين. و قد سبق مثله في المؤمنين.
أَمْ زاغَتْ مالت عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) فلا نراهم.
و «أم» معادلة ل ما لَنا لا نَرى، على أنّ المراد نفي رؤيتهم لغيبتهم. كأنّهم قالوا:
أ ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارنا؟ أو ل أَتَّخَذْناهُمْ، على القراءة الثّانية، بمعنى: أيّ الأمرين فعلنا بهم، الاستسخار منهم، أم تحقيرهم؟ فإنّ زيغ الأبصار كناية عنه على معنى إنكارهما على أنفسهم. أو منقطعة، و المراد الدّلالة على أنّ استرذالهم و الاستسخار منهم كان لزيغ أبصارهم و قصور أنظارهم على رثاثة حالهم.
و في روضة الكافي (8): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه، إذ حكى عن عدوكم في النّار بقوله: وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ. و اللّه ما عنى و لا أراد بهذا غيركم.
صرتم عند أهل هذا العالم شرار (9) النّاس، و أنتم- و اللّه- في الجنّة تحبرون، و في النّار تطلبون.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّ ذلِكَ الّذي حكينا عنهم لَحَقٌ: لا بدّ أن يتكلّموا به.
____________
(1) يوجد في ن، المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: صبرتم على.
(3) من المصدر مع المعقوفتين.
(4) من المصدر.
(5) كذا في ن. و في غيرها: خير.
(6) أنوار التنزيل 2/ 314.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) الكافي 8/ 36، ح 6.
(9) كذا في المصدر و في النسخ: أشرار.
260
ثمّ بيّن ما هو فقال: تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64). و هو بدل من «حقّ» أو خبر محذوف.
و قرئ (1) بالنّصب، على البدل من «ذلك».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) متّصلا بقوله: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ: ثمّ قال: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ فيما بينهم. و ذلك قول الصّادق- (عليه السلام)-: إنّكم لفي الجنّة تحبرون، و في النّار تطلبون.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عثمان بن عيسى، عن ميسر (4) قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: كيف أصحابك؟ فقلت: جعلت فداك، لنحن عندهم أشرّ من اليهود و النّصارى و المجوس و الّذين أشركوا.
قال: و كان متّكئا. فاستوى جالسا. ثمّ قال: كيف قلت!؟ [قلت] (5) و اللّه لنحن عندهم أشرّ من اليهود و النّصارى و المجوس (6) و الّذين أشركوا.
فقال: أما و اللّه، لا يدخل (7) النّار منكم اثنان. لا و اللّه، و لا واحد. إنّكم الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. قال: طلبوكم و اللّه في النّار [و اللّه] (8)، فما وجدوا منكم أحدا.
محمّد بن [يحيى (9)، عن] (10) أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة (11)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا استقرّ أهل النّار في النّار، يفقدونكم، فلا يرون منكم أحدا. فيقول بعضهم لبعض: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ. قال: و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ. يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 314.
(2) تفسير القمّي 2/ 243.
(3) الكافي 8/ 78، ح 32.
(4) ق: ميسرة.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ي، م، ر.
(7) المصدر: لا تدخل.
(8) ليس في ق، ي، المصدر.
(9) نفس المصدر/ 141، ح 104.
(10) من المصدر.
(11) ن: عتبة.
261
الدّنيا.
و في بصائر الدّرجات (1): محمّد بن الحسين، عن عبد اللّه بن جبلة، عن عليّ بن حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يا أبا محمّد، أنتم في الجنّة تحبرون، و بين أطباق النّار تطلبون، فلا توجدون.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في جوامع الجامع (2): و عن الباقر: يعنونكم. لا يرون- و اللّه- أحدا منكم في النّار.
قُلْ يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- للمشركين:
إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ أنذركم عذاب اللّه.
وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الّذي لا يقبل الشّركة و الكثرة في ذاته.
الْقَهَّارُ (65) لكلّ شيء.
رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا: منه خلقها، و إليه أمرها.
الْعَزِيزُ: الّذي لا يغلب إذا عاقب.
الْغَفَّارُ (66): الّذي يغفر ما يشاء من الذّنوب لمن يشاء.
و في هذه الأوصاف تقرير للتّوحيد، و وعد و وعيد للموحّدين و المشركين. و تثنية ما يشعر بالوعيد و تقديمه، لأنّ المدعوّ به هو الإنذار.
قُلْ هُوَ:
قيل (3): ما أنبأتكم به من أنّي نذير من عقوبة من هذه صفته، و أنّه واحد في الألوهيّة.
و قيل (4): ما بعده من نبأ آدم.
و قيل (5): خبر القيامة.
و قيل (6): القرآن حديث عظيم، لأنّه كلام اللّه المعجز.
نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) لتمادي غفلتكم. فإنّ العاقل لا يعرض عن مثله. كيف، و قد قامت عليه الحجج الواضحة؟ أمّا على التّوحيد، فما مرّ، و أمّا على النّبوّة، فقوله:
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69).
____________
(1) البصائر/ 290، ح 4.
(2) الجوامع/ 407.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 314.
5 و 6- مجمع البيان 4/ 484.
262
فإنّ أخباره عن تقاول الملائكة و ما جرى بينهم، على ما ورد في الكتب المتقدّمة، من غير سماع و مطالعة كتاب، لا يتصوّر إلّا بالوحي.
و «إذ» متعلّق ب «علم» أو بمحذوف. إذ التّقدير: من علم بكلام الملأ الأعلى.
و في مصباح شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)- خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- خطب بها يوم الغدير. و فيها يقول: هذا يوم عظيم الشّأن- إلى قوله:- هذا يوم الملأ الأعلى الّذي أنتم عنه معرضون.
و في بصائر الدّرجات (2): عبّاد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان [عن أبيه سليمان] (3) بن سدير (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ. [قال:] (5) الّذين أوتوا العلم الأئمّة.
و النبأ الإمامة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني خالد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن سنان (7)، عن مالك الأسديّ، عن إسماعيل الجعفيّ قال: كنت في المسجد الحرام قاعدا، و أبو جعفر- (عليه السلام)- في ناحية. فرفع رأسه، فنظر إلى السّماء مرّة، و إلى الكعبة مرّة. ثمّ قال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (8). و كرّر ذلك ثلاث مرّات. ثمّ التفت إلىّ فقال:
أيّ شيء يقولون أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟ قلت: يقولون: أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس.
فقال: ليس هو (9) كما يقولون. و لكنّه أسري به من هذه إلى هذه. و أشار بيده إلى السّماء، و قال: ما بينهما حرم.
قال: فلمّا انتهى به إلى سدرة المنتهى، تخلّف عنه جبرئيل- (عليه السلام). فقال رسول اللّه: يا جبرئيل، في هذا الموضع تخذلني! فقال: تقدّم أمامك. فو اللّه، لقد بلغت مبلغا لم يبلغه (10) أحد من خلق اللّه قبلك. فرأيت من نور ربّي، و حال بيني و بينه السّبحة (11).
____________
(1) مصباح المتهجّد/ 700.
(2) البصائر/ 227، ح 1.
(3) ليس في ق.
(4) المصدر: عبّاد بن سليمان، عن سدير ...
(5) من المصدر.
(6) تفسير القمّي 2/ 243- 244.
(7) المصدر: يسار (سيار)
(8) الإسراء/ 1.
(9) ليس في ق، ش، المصدر.
(10) ق، ش، م: ما بلغه.
(11) المصدر: السبخة.
263
قلت: و ما السّبحة (1)، جعلت فداك؟ فأومأ بوجهه إلى الأرض، و أومأ بيده إلى السّماء، و هو يقول: جلال ربّي. ثلاث مرّات.
قال: يا محمّد. قلت: لبّيك يا ربّ (2)! قال: فيما اختصم الملأ الأعلى. قال: قلت:
سبحانك، لا علم لي إلّا ما علّمتني. قال: فوضع يده- أي: يد القدرة- بين ثدييّ (3).
فوجدت بردها بين كتفي. قال: فلم يسألني عمّا مضى، و لا عمّا بقي، إلّا علمته، فقال:
يا محمّد، فيما اختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت [يا ربّ] (4) في الكفّارات و الدّرجات و الحسنات.
فقال: يا محمّد، قد انقطع أكلك، و انقضت نبوّتك. فمن وصيّك؟ فقلت: يا ربّ، قد بلوت خلقك، فلم أر أحدا من خلقك أطوع لي من عليّ. فقال: ولي، يا محمّد. [فقلت:
يا ربّ، إنّي قد بلوت خلقك، فلم أر في خلقك أحدا أشدّ حبّا (5) لي من عليّ بن أبي طالب.
قال: و لي، يا محمّد.] (6) فبشّره بأنّه راية الهدى، و إمام أوليائي، و نور لمن أطاعني، و الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين. من أحبّه، فقد أحبّني. و من أبغضه، فقد أبغضني. مع ما أنّي أخصّه بما لم أخصّ به أحدا. فقلت: يا ربّ، أخي و صاحبي و وزيري و وارثي. فقال: إنّه أمر قد سبق أنّه مبتلى و مبتلى به. مع ما أنّي قد نحلته و نحلته و نحلته [و نحلته] (7) أربعة أشياء.
عقدها بيده، و لا يفصح بها عقدها.
و في مجمع البيان (8): روى ابن عبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: قال لي ربّي: أ تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا. قال: اختصموا في الكفّارات و الدّرجات. فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوضوء في السّبرات (9)، و نقل الأقدام إلى الجماعات، و انتظار الصّلاة بعد الصّلاة (10). و أمّا الدّرجات، فإفشاء السّلام، و إطعام الطّعام، و الصّلاة باللّيل و النّاس نيام.
و في كتاب الخصال (11)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه لمّا سئل في المعراج
____________
(1) المصدر: السبخة.
(2) في ت، م، ر، زيادة: قلت.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ثدي.
(4) من المصدر.
(5) في ق زيادة: للّه.
(6) ليس في نور الثقلين 4/ 470، ح 84.
(7) ليس في ق، ش، ت، ن.
(8) المجمع 4/ 485.
(9) السّبرة: الغداة الباردة. السّبرات جمعها.
(10) ق: الصلوات.
(11) الخصال/ 85، ح 12.
264
فيما اختصم الملأ الأعلى، قال: في الدّرجات و الكفّارات. فنوديت: و ما الدّرجات؟
فقلت: إسباغ الوضوء في السّبرات، و المشي إلى الجماعات، و انتظار الصّلاة بعد الصّلاة، و ولايتي و ولاية أهل بيتي إلى الممات. و الحديث طويل. قد أخرجته مسندا على وجهه في كتاب إثبات المعراج. انتهى.
عن جعفر بن محمّد (1)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال في وصيته له: يا عليّ ثلاث درجات.
و ثلاث كفّارات- إلى قوله (صلّى اللّه عليه و آله):- و أمّا الكفّارات، فإفشاء السّلام، و إطعام الطّعام، و التّهجّد باللّيل و النّاس نيام.
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)، أي: لأنّما.
كأنّه لمّا جوّز أنّ الوحي يأتيه، بيّن بذلك ما هو المقصود به، تحقيقا لقوله: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ. و يجوز أن يرتفع بإسناد «يوحى» إليه.
و قرئ: «إنّما» بالكسر، على الحكاية.
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71):
قيل (2): بدل من «إذ يختصمون» مبيّن له. فإنّ القصّة الّتي دخلت عليها «إذ» مشتملة على تقاول الملائكة و إبليس في خلق آدم و استحقاقه للخلافة و السّجود، على ما مرّ في البقرة، غير أنّها اختصرت (3) اكتفاء بذلك، و اقتصارا على ما هو المقصود منها، و هو إنذار المشركين على استكبارهم على النّبيّ، بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم.
فَإِذا سَوَّيْتُهُ: عدّلت خلقته.
وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي: و أحييته بنفخ الرّوح فيه. و إضافته إلى نفسه، لشرفه و طهارته.
فَقَعُوا لَهُ: فخرّوا له ساجِدِينَ (72)، تكرمة و تبجيلا له.
و قد مرّ الكلام في البقرة.
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ: تعظّم.
____________
(1) نفس المصدر/ 84- 85، ح 12.
(2) أنوار التنزيل 2/ 314.
(3) كذا في المصدر. و في ق: أ فصرت. و في غيرها:
اقتصرت.
265
وَ كانَ: و صار مِنَ الْكافِرِينَ (74)، باستكباره عن أمر اللّه، أو استنكافه (1) عن المطاوعة. أو كان منهم في علم اللّه.
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ: خلقته (2) بنفسي من غير توسّط كأب و أمّ. و التّثنية لما في خلقه من مزيد القدرة و اختلاف الفعل.
و قرئ (3) على التّوحيد.
و ترتيب الإنكار عليه، للإشعار بأنّه المستدعى للتّعظيم، أو بأنّه الّذي تشبّث في تركه (4). و هو لا يصلح لمانع. إذ للسّيّد أن يستخدم بعض عبيده لبعض، سيّما و له مزيد اختصاص.
و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه ذكر أنّ اسم إبليس الحارث، و إنّما قول اللّه- عزّ و جلّ-:
يا إِبْلِيسُ: يا عاصي. و سمّي إبليس، لأنّه أبلس (6) من- (رحمه اللّه).
و في عيون الأخبار (7)، بإسناده إلى محمّد بن عبيد قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ [قال: يعني: بقوّتي و قدرتي.
و في كتاب التّوحيد (8)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- فقلت: قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ؟] (9) فقال: اليد في كلام العرب القوّة و النّعمة. قال اللّه (10). وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ. و قال (11): وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ، أي: بقوّة. و قال: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (12)، أي:
قوّاهم (13). و يقال: لفلان [عندي أيادي كثيرة، أي: فواضل و إحسان. و له] (14) عندي يد
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 315. و في النسخ.
و استكباره.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر و الموضع: تثبت به تركه.
(5) المعاني/ 138، ح 1.
(6) أي: يئس.
(7) العيون 1/ 98، ح 13.
(8) التّوحيد/ 153، ح 1.
(9) ليس في ن.
(10) ص/ 17.
(11) الذّاريات/ 47.
(12) المجادلة/ 22.
(13) كذا في المصدر. و في النسخ: قوّة.
(14) من المصدر.
266
بيضاء، أي: نعمة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت قال: حدّثنا القاسم بن [محمّد، عن] (2) إسماعيل الهاشميّ، عن محمّد بن سنان (3)، عن الحسن بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لو أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الخلق كلّهم بيده، لم يحتجّ في آدم أنّه خلقه بيده فيقول: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ. أفترى اللّه- عزّ و جلّ- يبعث الأشياء بيده!؟
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75): تكبّرت من غير استحقاق!؟ أو كنت ممّن علا و استحقّ التّفوّق!؟
و قيل (4): أستكبرت الآن!؟ أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين!؟
و قرئ (5): «استكبرت» بحذف الهمزة، لدلالة «أم» عليها، أو بمعنى الإخبار.
و في شرح الآيات الباهرة (6): روى أبو جعفر محمّد بن بابويه- (رحمه اللّه)- عن عبد اللّه بن محمّد بن عبد الوهّاب، عن أبي الحسن محمّد بن أحمد القواريريّ، عن أبي الحسين محمّد بن عمّار (7)، عن إسماعيل بن ثوبة (8)، عن زياد بن عبد اللّه البكائيّ (9)، عن سليمان الأعمش، عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنّا جلوسا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول اللّه، أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ- لإبليس-: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ.
من هم يا رسول اللّه الّذين هم أعلى من الملائكة المقرّبين؟
فقال رسول اللّه: أنا و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين. كنّا في سرادق العرش، نسبّح اللّه. فسبّحت الملائكة بتسبيحنا، قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام. فلمّا خلق اللّه- عزّ و جلّ- آدم، أمر الملائكة أن يسجدوا له. و لم يؤمروا بالسّجود، إلّا لأجلنا. فسجدت الملائكة كلّهم أجمعون إلّا إبليس، أبي أن يسجد. فقال له اللّه- تعالى-: يا إِبْلِيسُ، ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ، أي من هؤلاء
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 244.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: يسار (سيار- ط)
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 315.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 508- 509، ح 11.
(7) ت: عامر.
(8) ن، المصدر: ثوية.
(9) ن، ت، م، ي، ر: البكاثي.
267
الخمسة المكتوبة أسماؤهم في سرادق العرش. فنحن باب اللّه الّذي يؤتى منه. و بنا يهتدي المهتدون. فمن أحبّنا، أحبّه اللّه، و أسكنه جنّته. و من أبغضنا، أبغضه اللّه، و أسكنه ناره.
و لا يحبّنا إلّا من طاب مولده.
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، إبداء للمانع. و قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) دليل عليه. و قد سبق الكلام فيه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- (رحمه اللّه)-: حدّثني أبي، عن سعيد [بن أبي سعيد] (2)، عن إسحاق بن جرير (3) قال:
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّ شيء يقول أصحابك في قول إبليس: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؟
قلت (4): جعلت فداك، قد قال ذلك، و ذكره اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه.
فقال: كذب إبليس، يا إسحاق. ما خلقه (5) اللّه- عزّ و جلّ- إلّا من طين. ثمّ قال:
قال اللّه (6)- عزّ و جلّ-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. خلقه اللّه- عزّ و جلّ- من تلك النّار، و من تلك الشّجرة. و الشّجرة أصلها من طين.
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها: من الجنّة.
قيل (7): أو من السّماء، أو من الصّورة الملكيّة.
فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77): مطرود من الرّحمة و محلّ الكرامة.
وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78).
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79)، أي: إلى يوم يحشرون للحساب.
و هو يوم القيامة.
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81):
مرّ بيانه.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 244- 245.
(2) من المصدر.
(3) ق، ش: جوير. و في المصدر: حريز.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق.
(6) يس/ 80.
(7) أنوار التنزيل 2/ 315.
268
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- (رحمه اللّه)-: أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد [عن محمّد] (2) بن يونس، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [قال: يوم الوقت المعلوم] (3) يوم يذبحه رسول اللّه على الصّخرة الّتي في بيت المقدس.
و في شرح الآيات الباهرة (4): روي بحذف الإسناد مرفوعا إلى وهب بن جميع، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن إبليس و قوله: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أيّ يوم هو. قال: يا وهب، أ تحسب أنّه يوم يبعث اللّه النّاس؟ لا، و لكنّ اللّه- عزّ و جلّ- أنظره إلى يوم يبعث قائمنا، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه. فذلك اليوم هو الوقت المعلوم.
قالَ فَبِعِزَّتِكَ: فبسلطانك و قهرك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83): الّذين أخلصهم اللّه لطاعته، و عصمهم من الضلالة. أو أخلصوا قلوبهم للّه، على اختلاف القراءتين.
قالَ فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ (84)، أي: فأحقّ الحقّ و أقوله.
و قيل (5): الحقّ الأوّل اسم اللّه- تعالى. و نصبه بحذف حرف القسم، كقوله:
إنّ عليك اللّه أن تبايعا
و جوابه (6): لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85). و ما بينهما اعتراض. و هو على الأوّل جواب محذوف، و الجملة تفسير للحقّ (7) المقول.
و قرأ (8) عاصم و حمزة برفع الأوّل، على الابتداء- أي: الحقّ يميني، أو قسمي- أو الخبر. أي: أنا الحقّ.
و قرئا (9) مرفوعين، على حذف الضّمير من «أقول»، كقوله: كلّه لم أصنع.
و مجرورين، على إضمار حرف القسم في الأوّل، و حكاية لفظ المقسم به في الثّاني للتّوكيد، و هو سائغ فيه إذا شارك الأوّل. و برفع الأوّل و جرّه و نصب الثّاني. و تخريجه
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 245.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 509- 510، ح 12.
(5) أنوار التنزيل 2/ 315.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: محذوف.
(7) ليس في ق، ش، م.
8 و 9 نفس المصدر و الموضع.
269
على ما ذكرناه.
و الضّمير في «منهم» للنّاس. إذ الكلام فيهم. و المراد ب «منك»: من جنسك، ليتناول الشّياطين.
و قيل (1): للثّقلين. و «أجمعين» تأكيد له. أو للضّميرين.
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، أي: على القرآن، أو تبليغ الوحي.
وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)، المتصنّعين بما لست (2) من أهله، على ما عرفتم من حالي، فأنتحل النّبوّة و أتقوّل القرآن.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن الحسين قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ امرأة من المسلمات أتت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالت: يا رسول اللّه، إنّ فلانا زوجي و قد نثرت له بطني، و أعنته على دنياه و آخرته لم ير منّي مكروها، أشكوه إليك.
قال: فيم تشكينه؟ قالت: إنّه قال: أنت عليّ حرام كظهر أمّي. و قد أخرجني من منزلي. فانظر في أمري.
فقال لها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أنزل اللّه- تبارك و تعالى- عليّ كتابا أقضي فيه بينك و بين زوجك. و أنا أكره أن أكون من المتكلّفين.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في مصباح الشّريعة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: المتكلّف مخطئ (5)، و إن أصاب (6). و المتكلّف (7) لا يستجلب في عاقبة أمره إلّا الهوان، و في الوقت إلّا التّعب و العناء و الشّقاء. و المتكلّف ظاهره رياء، و باطنه نفاق. و هما جناحان بهما يطير [المتكلّف] (8).
و ليس في الجملة من أخلاق الصّالحين و لا من شعار المتّقين (9) التّكلّف (10)، في أيّ باب
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 316. و في النسخ:
ليس.
(3) تفسير القمّي 2/ 353.
(4) مصباح الشّريعة/ 140.
(5) المصدر: متخلّف عن الصّواب.
(6) في المصدر زيادة: و المتطوّع مصيب و إن أخطأ.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: التكلّف.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: المؤمنين.
(10) المصدر: المتكلّف.
270
كان. قال اللّه- تعالى- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
و في من لا يحضره الفقيه (1): و في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: و للمتكلّف ثلاث علامات: يتملّق إذا حضر. و يغتاب [إذا غاب] (2).
و يشمت بالمصيبة.
و في كتاب الخصال (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال (4) لقمان لابنه:
يا بنيّ، لكلّ شيء علامة يعرف بها و يشهد عليها- إلى قوله:- و للمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه. و يقول ما لا يعلم. و يتعاطى ما لا ينال.
عن أبي عبد اللّه (5) حديث طويل يقول فيه: و من العلماء من يضع نفسه للفتاوى و يقول: سلوني. و لعلّه لا يصيب حرفا واحدا. و اللّه لا يحبّ المتكلّفين. فذاك في الدّرك السّادس من النّار.
و في جوامع الجامع (6): و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: للمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه. و يتعاطى ما لا ينال. و يقول ما لا يعلم.
و في كتاب التّوحيد (7) حديث طويل عن الرّضا- (عليه السلام)- يقول فيه: عن عليّ- (عليه السلام)- أنّ المسلمين قالوا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو أكرهت- يا رسول اللّه- من قدرت عليه من النّاس على الإسلام، لكثر عددنا، و قوينا على عدوّنا. فقال رسول اللّه: ما كنت لألقى اللّه- عزّ و جلّ- ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا.
و ما أنا من المتكلّفين.
و في روضة الكافي (8): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، [كعن حمّاد] (9)، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و قال لأعداء اللّه أولياء الشّيطان أهل التّكذيب و الإنكار: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. يقول: متكلّفا أن أسألكم ما لستم بأهله.
____________
(1) الفقيه 4/ 261، ح 821.
(2) ليس في ق.
(3) الخصال/ 121، ح 113.
(4) ليس في ق.
(5) نفس المصدر/ 353، ح 33.
(6) الجوامع/ 408.
(7) التوحيد/ 342، ح 11.
(8) الكافي 8/ 379، ح 574.
(9) ليس في المصدر.
271
فقال المنافقون عند ذلك بعضهم لبعض: أما يكفي محمّدا أن يكون قهرنا عشرين سنة، حتّى يريد أن يحمل أهل بيته على رقابنا!؟ فقالوا: ما أنزل اللّه هذا. و ما هو إلّا شيء يتقوّله، يريد أن يرفع أهل بيته على رقابنا. و لئن قتل محمّد، أو مات، لننزعنّها من أهل بيته. ثمّ لا نعيدها فيهم أبدا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ: موعظة لِلْعالَمِينَ (87): للثّقلين.
وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ: و هو ما فيه من الوعد و الوعيد، أو صدقه بإتيان ذلك، بَعْدَ حِينٍ (88): بعد الموت. أو: يوم القيامة. أو: عند ظهور الإسلام.
و فيه تهديد.
و في روضة الكافي (1): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-:
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ قال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام). وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ. قال: عند خروج القائم.
و في كتاب المناقب (2) لابن شهر آشوب أنّ الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- خطب النّاس، فحمد اللّه و أثنى عليه، و تشهّد. ثمّ قال:
أيّها النّاس! إنّ اللّه اختارنا لنفسه، و ارتضانا لدينه، و اصطفانا على خلقه، و أنزل علينا كتابه و وحيه. و أيم اللّه، لا ينقصنا أحد من حقّنا شيئا، إلّا انتقصه (3) اللّه من حقّه في عاجل دنياه و آجل (4) آخرته. و لا يكون علينا دولة إلّا كانت لنا العاقبة. وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
____________
(1) الكافي 8/ 287، ح 432.
(2) المناقب 4/ 11.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أنقصه.
(4) ليس في مصدر.
273
تفسير سورة الزّمر
275
سورة الزمر مكيّة، إلّا ثلاث آيات، قوله: قُلْ يا عِبادِيَ (الآية) إلى آخره. فإنّها نزلت بالمدينة.
و قيل (1): غير آية: يا عِبادِيَ (الآية).
و آياتها خمس و سبعون، أو ثنتان و سبعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (2)، بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الزّمر، استخفها (3) من لسانه، أعطاه اللّه [من] (4) شرف الدّنيا و الآخرة. و أعزّه بلا مال و لا عشيرة، حتّى يهابه من يراه. و حرّم جسده على النّار. و بنى (5) له في الجنّة ألف مدينة، في كلّ مدينة ألف قصر، في كلّ قصر مائة حوراء. و له مع هذا عينان تجريان (6) نضّاختان، و جنّتان (7) مدهامّتان، و حور مقصورات في الخيام، و ذواتا أفنان، و من كلّ فاكهة زوجان.
و في مجمع البيان (8): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 316.
(2) ثواب الأعمال/ 139- 140، ح 1.
(3) ق: استحفها.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: يبني.
(6) في ق، المصدر، زيادة: و عينان.
(7) ن، ت، م، ي، ر، المصدر: عينان.
(8) المجمع 4/ 487.
276
سورة الزّمر، لم يقطع اللّه رجاه. و أعطاه ثواب الخائفين الّذين خافوا اللّه- تعالى.
تَنْزِيلُ الْكِتابِ:
خبر محذوف، مثل: هذا. أو مبتدأ خبره: مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1).
و هو على الأوّل، صلة التّنزيل، [أو خبر ثان، أو حال عمل فيها معنى الإشارة أو التنزيل.] (1) و الظّاهر أنّ «الكتاب» على الأوّل السّورة، و على الثّاني القرآن.
و قرئ (2): «تنزيل» بالنّصب، على إضمار فعل، نحو: اقرأ، أو: الزم.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ: ملتبسا بالحقّ. أو: بسبب إثبات الحقّ و إظهاره و تفصيله.
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2): ممحّصنا له الدّين من الشّرك و الرّياء.
و قرئ (3) برفع «الدّين»، على الاستئناف، لتعليل الأمر.
و تقديم الخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللّام، كما صرّح به مؤكّدا. و إجراؤه مجرى المعلوم المقرّر، لكثرة حججه و ظهور براهينه. فقال:
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ، أي: ألا هو الّذي وجب اختصاصه بأنّ يخلص له الطّاعة. فإنّه المتفرّد بصفات الألوهيّة و الاطّلاع على الأسرار و الضّمائر.
وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، أي: زعموا أنّ لهم من دون اللّه مالكا عليهم (4).
و هو مبتدأ خبره: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، بإضمار القول، أي: يقولون.
و الزّلفى: القربى. و هو اسم أقيم مقام المصدر.
و قرئ (5): «قالوا ما نعبدهم». و «ما نعبدكم إلّا لتقرّبونا»، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم. و «نعبدهم» بضمّ النّون، اتباعا.
و في كتاب الاحتجاج (6) للطّبرسيّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه:
____________
(1) ليس في ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 316.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) ن: يملكهم.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) الاحتجاج/ 26.
277
ثمّ أقبل- (صلّى اللّه عليه و آله)- على مشركي العرب (1) فقال: و أنتم، فلم عبدتم الأصنام من دون اللّه؟ فقالوا: نتقرّب بذلك إلى اللّه- تعالى.
فقال لهم: أ و هي سامعة مطيعة لربّها عابدة له، حتّى تتقرّبوا بتعظيمها إلى اللّه- تعالى؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم الّذين نحتّموها (2) بأيديكم؟ [قالوا: نعم.
قال:] (3) فلئن تعبدكم هي- لو كان يجوز منها العبادة- لأحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم، و الحكيم فيما يكلّفكم!
و في قرب الإسناد (4) للحميريّ، بإسناده إلى مسعدة بن زياد قال: و حدّثني جعفر، عن أبيه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يأتي يوم القيامة بكلّ شيء يعبد من دونه، من شمس أو قمر أو غير ذلك. ثمّ يسأل كلّ إنسان عمّا كان يعبد. فيقول كلّ من عبد غيره: ربّنا إنّا كنّا نعبدها لتقرّبنا إليك زلفى. قال: فيقول اللّه- تبارك و تعالى- للملائكة: اذهبوا بهم و بما كانوا يعبدون إلى النّار، ما خلا من استثنيت فإنّ (5) أولئك عنها مبعدون.
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدّين، بإدخال المحقّ الجنّة، و المبطل النّار.
و الضّمير للكفرة و مقابليهم.
و قيل (6): لهم و لمعبوديهم. فإنّهم يرجون شفاعتهم، و هم يلعنونهم (7).
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: لا يوفّق للاهتداء إلى الحقّ مَنْ هُوَ كاذِبٌ على اللّه و رسوله، كَفَّارٌ (3) بما أنعم اللّه عليه. فإنّهما فاقدا البصيرة.
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، كما زعموا من أنّ الملائكة بنات اللّه، أو المسيح ابن اللّه، أو عزيز ابن اللّه.
لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، أي: لاختار ممّا يخلق ما يشاء. أي: ما كان
____________
(1) ق، ش: على المشركين.
(2) كذا في المصدر. و في ن: ينحتوها. و في غيرها:
تنحتونها.
(3) من المصدر.
(4) قرب الإسناد/ 41.
(5) من ي. ليس في سائر النسخ و المصدر.
(6) أنوار التنزيل 2/ 317.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يلعنهم.
278
يتّخذ الولد باختيارهم حتّى يضيفوا إليه من شاءوا، بل كان يخصّ من خلقه ما يشاء كذلك لأنّه غير ممنوع من مراده.
ثمّ أخبر أنّه منزّه عن اتّخاذ الأولاد بقوله:
سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4).
فإنّ الألوهيّة الحقيقيّة تتبع الوجوب المستلزم للوحدة الذّاتيّة، و هي تنافي المماثلة، فضلا عن التّوالد. لأنّ كلّ واحد من المثلين مركّب من الحقيقة المشتركة و التّعيّن المخصوص، و القهّاريّة المطلقة تنافي قبول الزّوال المحوج إلى الولد.
ثمّ استدلّ على ذلك بقوله:
خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ: يغشي كلّ واحد منهما الآخر، كأنّه يلفّه عليه لفّ اللّباس باللّابس. أو:
يغيّبه به، كما يغيّب الملفوف باللّفافة. أو: يجعله كارّا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار.
العمامة.
و في كتاب الخصال (1) أنّ أعرابيّا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول إنّ اللّه واحد؟ [قال:] (2) فحمل النّاس عليه و قالوا:
يا أعرابيّ! أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب!؟ فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: دعوه. فإنّ الّذي يريد الأعرابيّ، هو الّذي نريده من القوم. ثمّ قال:
يا أعرابيّ، إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام. فوجهان منها لا يجوزان على اللّه- تعالى. و وجهان يثبتان فيه.
فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه، فقول القائل واحد، يقصد به باب الأعداد. فهذا ما لا يجوز. لأنّ مالا ثاني له، لا يدخل في باب الأعداد. ألا ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة. و قول القائل: هو واحد من النّاس- يريد به النّوع من الجنس- فهذا ما لا يجوز.
لأنّه تشبيه. و جلّ ربّنا عن ذلك.
و أمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، [فقول القائل:] (3) هو واحد ليس له في الأشياء شبيه (4). كذلك ربّنا. و قول القائل: إنّه- عزّ و جلّ- أحديّ المعنى. يعني به: أنّه لا
____________
(1) الخصال/ 2، ح 1.
(2) من المصدر.
(3) ليس في م، ش، ق.
(4) المصدر: شبه.
279
ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم. كذلك ربّنا- عزّ و جلّ.
وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى هو منتهى دوره، أو منقطع حركته.
أَلا هُوَ الْعَزِيزُ: القادر على كلّ ممكن الغالب على كلّ شيء.
الْغَفَّارُ (5)، حيث لم يعاجل بالعقوبة و سلب ما في هذه الصّنائع من الرّحمة و عموم المنفعة.
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها: نوع (1).
استدلال آخر بما أوجده في العالم السّفليّ، مبدوءا به من خلق الإنسان، لأنّه أقرب و أكثر دلالة و أعجب. و فيه على ما ذكره ثلاث دلالات: خلق آدم- (عليه السلام)- أوّلا، من غير أب و أمّ. ثمّ خلق حوّاء من فضل طينته. ثمّ تشعيب الخلق الغائب للحصر منهما.
و «ثمّ» للعطف على محذوف، و هو صفة «نفس» مثل «خلقها». أو على معنى «واحدة»، أي: من نفس وحدت، ثمّ جعل منها زوجها، فشفعها بها. أو على «خلقكم»، لتفاوت ما بين الآيتين. فانّ الأولى عادة مستمرّة دون الثّانية.
و في مجمع البيان (2) عند قوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها: و في خلق الوالدين قبل الولد ثلاثة أقوال- إلى قوله:- و ثالثها
أنّه خلق الذّرّيّة في ظهر آدم، و أخرجها من ظهره كالذّرّ. ثمّ خلق من بعد ذلك حوّاء من ضلع من أضلاعه، على ما ورد في الأخبار.
و هذا ضعيف.
وَ أَنْزَلَ لَكُمْ: و قضى أو قسّم لكم. فإنّ قضاياه و قسمه توصف بالنّزول من السّماء حيث كتبت في اللّوح. أو: أحدث لكم بأسباب نازلة منها، كأشعّة الكواكب و الأمطار.
مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ: ذكرا و أثنى، من البقر و الإبل و الضّأن و المعز.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل.
و فيه: و قال: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ. فإنزاله ذلك خلقه إيّاه.
____________
(1) ليس في أنوار التنزيل 2/ 317.
(2) المجمع 4/ 490.
(3) الاحتجاج/ 250.
280
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ:
بيان لكيفيّة خلق ما ذكر من الأناسي و الأنعام، إظهارا لما فيها من عجائب القدرة.
غير أنّه غلّب أولي العقل أو خصّهم بالخطاب، لأنّهم المقصودون.
خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ: حيوانا سويّا، من بعد عظام مكسوّة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف.
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ:
في مجمع البيان (1): فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ: ظلمة (2) البطن، و ظلمة الرّحم، و ظلمة المشيمة. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).
و في كتاب مصباح الزّائر (3) لابن طاوس في دعاء الحسين- (عليه السلام)- يوم عرفة: و ابتدعت خلقي من منّي يمنى. ثمّ أسكنتني في ظلمات ثلاث، بين لحم و جلد و دم.
لم تشهر بخلقي، و لم تجعل إليّ شيئا من أمري. ثمّ أخرجتني إلى الدّنيا سويّا.
و في كتاب التّوحيد (4) للمفضّل بن عمر المنقول عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّدة على الدّهريّة، قال- (عليه السلام)-: سنبتدئ (5)- يا مفضّل- بذكر خلق الإنسان. فاعتبر به. فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرّحم- و هو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة (6) البطن، و ظلمة الرّحم، و ظلمة المشيمة- حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء، و لا دفع (7) أذى، و لا استجلاب منفعة، و لا دفع مضرّة. فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه، كما يغذوا الماء النّبات (8). فلا يزال ذلك غذاء، حتّى إذا كمل خلقه، و استحكم بدنه، و قوي أديمه (9) على مباشرة الهواء، و بصره على ملاقاة الضّياء، هاج الطّلق بأمّه. فأزعجه أشدّ إزعاج ذا عنفة حتّى يولد.
و في نهج البلاغة (10): أم هذا الّذي أنشاه في ظلمات الأرحام و شغف (11) الأستار، نطفة دهاقا، و علقة محاقا، و جنينا، و راضعا، و وليدا، و يافعا (12).
____________
(1) المجمع 4/ 491.
(2) ليس في ق، ش.
(3) عنه في البحار 98/ 217.
(4) توحيد المفضّل/ 12- 13.
(5) ق، ش: نبتدئ: و في المصدر: نبدأ.
6 و 7- ليس في ق.
(8) المصدر: ... ما يغذوه الماء و النّبات.
(9) الأديم: الجلد.
(10) النهج/ 112، الخطبة 83.
(11) كذا في المصدر. و في ق، ش: شغفا. و في ن:
شق. و في سائر النسخ: شقق.
(12) الشّغف: جمع شغاف. و أصله غلاف القلب.
281
و في تهذيب الأحكام (1): محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن العبّاس بن موسى الورّاق، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي جرير القمّي قال: سألت العبد الصّالح- (عليه السلام)- عن النّطفة ما فيها من الدّية، و ما في العلقة، و ما في المضغة المخلّقة و ما يقرّ في الأرحام.
قال: إنّه يخلق في بطن أمّه خلقا من بعد خلق. يكون نطفة أربعين يوما. ثمّ يكون علقة أربعين يوما. ثمّ مضغة أربعين يوما. ففي النّطفة أربعون (2) دينارا. و في العلقة ستّون دينارا. و في المضغة ثمانون دينارا. فإذا اكتسى العظام لحما، ففيه مائة دينار. قال اللّه (3)- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. فإن كان ذكرا، ففيه الدّية. و إن كان أثنى، ففيها الدّية.
و في كتاب معاني الأخبار (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن السّنديّ، عن محمّد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه قال: كنت عند أبي الحسن (5)- (عليه السلام)- كنت عند حيث دخل عليه داود الرّقّيّ فقال له: جعلت فداك؛ إنّ النّاس يقولون: إذا مضى للحمل ستّة أشهر، فقد فرغ اللّه من خلقته. فقال أبو الحسن- (عليه السلام)- يا داود، ادع، و لو بشقّ الصّفا. فقلت: جعلت فداك، و أيّ شيء الصّفا؟ قال: ما يخرج مع الولد. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يفعل ما يشاء.
ذلِكُمُ: الّذي هذه أفعاله اللَّهُ رَبُّكُمْ: هو المستحقّ لعبادتكم و المالك لكم.
لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إذ لا يشاركه في الخلق غيره.
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6): يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك.
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ: عن إيمانكم.
____________
يقال: شغفه الحبّ، أي: بلغ شغافه.
و الدّهاق: المملوءة.
و المحاق: ثلاث ليال من آخر الشّهر، و سمّيت محاقا، لأنّ القمر يمتحق فيهنّ، أي: يخفى و تبطل صورته.
قال الشارح المعتزليّ: و إنّما جعل العلقة محاقا هاهنا، لأنّها لم تحصل لها الصّورة الإنسانيّة بعد، فكانت ممحوّة ممحوقة.
و اليافع: الغلام المراهق لعشرين. و قيل: ناهز البلوغ.
(1) التهذيب 10/ 282، ح 1102.
(2) ق، المصدر: أربعين.
(3) المؤمنون/ 14.
(4) المعاني/ 405، ح 79.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي عبد اللّه.
282
وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ، لاستضرارهم به، رحمة عليهم.
و في كتاب التّوحد (1)، بإسناده إلى فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: شاء و أراد. و لم يحبّ يرض. شاء ألّا يكون شيء إلّا بعلمه.
و أراد مثل ذلك. و لم يحبّ أن يقال له: ثالث ثلاثة. و لم يرض لعباده الكفر.
وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ. و يرده منكم، و يثبكم (2).
و الهاء في «يرضه» كناية عن المصدر الّذي دلّ عليه «و إن تشكروا». و التّقدير:
يرض الشّكر لكم.
و قرأ (3) ابن كثير و نافع في رواية و أبو عمرو و الكسائيّ، بإشباع ضمّة الهاء. لأنّها صارت بحذف الألف موصولة بمتحرّك.
و عن أبي عمرو و يعقوب (4) إسكانها. و هو لغة فيها.
و في محاسن البرقيّ (5): عنه، عن بعض أصحابه، رفعه في قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ فقال: الكفر هاهنا الخلاف. و الشّكر الولاية و المعرفة.
وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالمحاسبة و المجازاة.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7). فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم.
وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ، لزوال ما ينازع العقل في الدّلالة على أنّ مبدأ الكلّ منه.
ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ: أعطاه. من الخول، و هو: التّعهّد. أو الخول، و هو: الافتخار.
نِعْمَةً مِنْهُ: من اللّه.
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ، أي: نسي الضّرّ الّذي كان يدعو اللّه إلى كشفه، أو ربّه الّذي كان يتضرّع إليه مِنْ قَبْلُ: من قبل النّعمة.
وَ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، أي: ليضلّ النّاس عن سبيل اللّه و دينه.
____________
(1) التوحيد/ 339، ح 9.
(2) من ن. و في غيرها: يشاء.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 318.
(5) المحاسن/ 149، ح 65.
283
و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو و رويس بفتح الياء.
قيل (2): و الضّلال و الإضلال لمّا كانا نتيجة جعله، صحّ تعليله بهما، و إن لم يكونا غرضين.
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا:
أمر تهديد، فيه إشعار بأنّ الكفر نوع تشهّ لا سند له. و إقناط للكافرين من التّمتّع في الآخرة.
و لذلك علّله بقوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8)، على سبيل الاستئناف للمبالغة.
و في شرح الآيات الباهرة (3): روى محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)- عن رجاله، عن عمّار السّاباطيّ، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ (الآية).
قال: نزلت في أبي الفضيل. و ذلك أنّه كان عنده أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ساحر. فإذا مسه الضر، يعني: السّقم، دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ، يعني: تائبا إليه من قوله في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). [ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ، يعني: العافية، نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، يعني: التوبة ممّا كان يقول في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (4) بأنّه ساحر. و لذلك قال اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، يعني: بإمرتك على النّاس بغير حقّ من اللّه و من رسول اللّه.
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ: قائم بوظائف الطّاعات آناءَ اللَّيْلِ: ساعاته.
و «أم» متّصلة بمحذوف. تقديره: الكافر خير أم من هو قانت. أو منقطعة، و المعنى:
بل أمّن هو قانت كمن هو بضدّه.
و قرأ (5) الحجاريّان و حمزة بتخفيف الميم، بمعنى: أمّن هو قانت للّه، كمن جعل له أندادا.
ساجِداً وَ قائِماً:
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 318.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 511، ح 1.
(4) من المصدر.
(5) أنوار التنزيل 2/ 318.
284
حالان من ضمير «قانت».
و قرئا (1) بالرّفع، على الخبر بعد الخبر، و الواو للجمع بين الصّفتين.
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ في موضع الحال، أو الاستئناف، للتّعليل.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ:
نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوّة العلميّة، بعد نفيه باعتبار القوّة العمليّة، على وجه أبلغ، لمزيد فضل العلم.
و قيل (2): تقرير للأوّل، على سبيل التّشبيه، أي: كما لا يستوي العالمون و الجاهلون، لا يستوي القانتون و العاصون.
و في كتاب علل الشّرائع (3): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. قال: يعني صلاة اللّيل.
و في الكافي (4) مثله، سندا و متنا.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسي: و روي عن الحسن (6) العسكريّ- (عليه السلام)- أنّه اتّصل بأبي الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- أنّ رجلا من فقهاء الشّيعة كلّم بعض النّصّاب فأفحمه (7) بحجّته (8) حتّى أبان عن فضيحته. فدخل على عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)- و في صدر مجلسه دست (9) عظيم منصوب، و هو قاعد خارج الدّست، و بحضرته خلق من العلويّين و بني هاشم. فما زال يرفعه حتّى أجلسه في ذلك الدّست، و أقبل عليه.
فاشتدّ ذلك على أولئك الأشراف. فأمّا العلويّون، فأجلّوه عن العتاب. و أمّا لها شميّون، فقال له (10) شيخهم: يا ابن رسول اللّه، هكذا تؤثر عامّيّا على سادات بني هاشم من الطّالبين و العباسيّين!؟
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) العلل/ 364، ح 8.
(4) الكافي 3/ 444، ح 11.
(5) الاحتجاج/ 454- 455.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) المصدر: أفهمه.
(8) كذا في المصدر: و في النسخ: بحجّة.
(9) الدّست هاهنا بمعنى الوسادة.
(10) المصدر: له.
285
فقال- (عليه السلام)-: إيّاكم و أن تكونوا من الّذين قال اللّه (1)- تعالى- فيهم:
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ! أ ترضون بكتاب اللّه- عزّ و جلّ- حكما؟ قالوا: بلى.
قال: أو ليس قال اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ!؟ فكيف تنكرون رفعي لهذا، لمّا رفعه اللّه!؟ إنّ كسر هذا لفلان النّاصب بحجج اللّه الّتي علّمه إيّاها، لأفضل له من كلّ شرف في النّسب.
و في هذا الحديث شيء حذفناه، و هو مذكور عند قوله (2)- تعالى-: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ.
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) بأمثال هذه البيّنات.
و قرئ (3): «يذّكّر» بالإدغام.
و في روضة الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار السّاباطيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ.
قال: نزلت في أبي الفصيل (5) أنّه كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عنده ساحرا. فكان إذا مسه الضر، يعني: السّقم، دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ، يعني: تائبا اليه من قوله في رسول اللّه ما يقول. ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ، يعني: العافية، نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، يعني: نسي التّوبة إلى اللّه- عزّ و جلّ- ممّا كان يقول في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه ساحر. و لذلك قال اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، يعني: إمرتك على النّاس بغير حقّ من اللّه- عزّ و جلّ- و من رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله).
قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ثمّ عطف القول من اللّه- عزّ و جلّ- في عليّ- (عليه السلام)- يخبر بحاله و فضله عند اللّه- تبارك و تعالى- فقال: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
____________
(1) آل عمران/ 23.
(2) المجادلة/ 11.
(3) أنوار التنزيل 2/ 318.
(4) الكافي 8/ 204، ح 246.
(5) كناية عن أبي بكر- لعنه اللّه.
286
أنّ محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أنّ محمّدا رسول اللّه و أنّه ساحر كذّاب. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: هذا تأويله يا عمّار.
عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكرنا اللّه- عزّ و جلّ- و شيعتنا و عدوّنا في آية من كتابه، فقال- عزّ و جلّ-: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. فنحن الّذين يعلمون. و عدوّنا الّذين لا يعلمون. و شيعتنا أولوا الألباب.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (2): بعض أصحابنا، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: قال الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- إذا طلبتم الحوائج، فاطلبوها من أهلها.
قيل: يا ابن رسول اللّه و من أهلها؟ قال: الّذين قصّ اللّه في كتابه و ذكرهم فقال:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. قال: هم أولو العقول.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عبد المؤمن بن القاسم الأنصاريّ، عن سعة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ قال [أبو جعفر: إنّما] (4) نحن الّذين يعلمون. و الّذين لا يعلمون عدوّنا. و شيعتنا أولو الألباب.
عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. قال: نحن الّذين يعلمون. و عدوّنا الّذين لا يعلمون. و شيعتنا أولو الألباب.
و في محاسن البرقيّ (6): عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه قال: قال رسول اللّه
____________
(1) نفس المصدر/ 35، ح 6.
(2) الكافي 1/ 19- 20، ح 12.
(3) نفس المصدر/ 212، ح 1.
(4) ليس في ن.
(5) نفس المصدر/ 212، ح 2.
(6) المحاسن/ 193، ح 11.
287
- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما قسم اللّه لعباده شيئا أفضل من العقل. فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل. و إفطار العاقل أفضل من صوم (1) الجاهل. و إقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل. و لا بعث اللّه [رسولا و لا] (2) نبيّا حتّى يستكمل العقل، و يكون عقله أفضل من عقول جميع أمّته. و ما يضمر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نفسه أفضل من اجتهاد جميع المجتهدين. و ما أدّى العاقل (3) فرائض اللّه، حتّى عقل منه. و لا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل. إنّ العقلاء (4) هم أولو الألباب الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
عنه (5)، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة بن خالد قال: دخلت أنا و معلّى بن خنيس علي أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فأذن لنا و ليس هو في مجلسه. فخرج علينا من جانب [البيت] (6) من عند نسائه، و ليس عليه جلباب. فلمّا نظر إلينا، رحّب و قال: مرحبا بكما و أهلا. ثمّ جلس و قال: أنتم أولو الألباب في كتاب اللّه. قال اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. فأبشروا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في بصائر الدّرجات (7): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، [عن النّضر بن سويد] (8)، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. قال: نحن الّذين نعلم (9). و عدوّنا الّذين لا يعلمون.
و أولو الألباب شيعتنا.
محمّد بن الحسين (10)، عن أبي داود المسترق، عن محمّد بن مروان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. [قال: نحن الّذين نعلم. و عدوّنا الّذين لا يعلمون. و شيعتنا (11) أولو الألباب.] (12)
____________
(1) ق: صيام.
(2) ليس في ق.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: العبد.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «من عقلائهم» بدل «إنّ العقلاء».
(5) نفس المصدر/ 169، ح 135.
(6) من المصدر.
(7) البصائر/ 75، ح 4.
(8) ليس في المصدر.
(9) ق، ش: يعلمون.
(10) نفس المصدر/ 74، ح 2.
(11) في المصدر زيادة: الّذين.
(12) ليس في ق.
288
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ بلزوم طاعته.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، أي: للّذين أحسنوا بالطّاعات في الدّنيا، مثوبة حسنة في الآخرة.
و قيل (1): معناه: للّذين أحسنوا، حسنة في الدّنيا، هي الصّحة و العافية. و فِي هذِهِ الدُّنْيا بيان لمكان الحسنة.
وَ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ. فمن تعسّر عليه التّوفّر على الإحسان في وطنه، فليهاجر إلى حيث يتمكّن منه.
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ على مشاقّ الطّاعة من احتمال البلاء و مهاجرة الأوطان لها، أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10): أجرا لا يهتدي إليه حساب الحسّاب.
و في تفسير البيضاويّ (2): و في الحديث أنّه تنصب (3) الموازين يوم القيامة لأهل الصّلاة و الصّدقة و الحجّ فيوفّون بها أجورهم. و لا تنصب (4) لأهل البلاء، بل يصبّ عليهم الأجر صبّا. حتّى يتمنّى أهل العافية في الدّنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض ممّا يذهب به أهل البلاء من الفضل.
و في أمالي شيخ الطّائفة (5)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه: اعلموا- يا عباد اللّه- أنّ المؤمن من يعمل لثلاث من الثّواب.
أمّا لخير، فإنّ اللّه يثيبه بعمله في دنياه- إلى قوله:- و قد اللّه- تعالى-: يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ. فمن أعطاهم اللّه في الدّنيا، لم يحاسبهم به في الآخرة.
و في مجمع البيان (6): و روى العيّاشيّ بالإسناد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا نشرت الدّواوين، و نصبت الموازيين، لم ينصب لأهل البلاء ميزان. و لم ينشر لهم ديوان. ثمّ تلا هذه الآية إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
و في أصول الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 319.
(3) المصدر: ينصب.
(4) من ن. و في سائر النسخ و المصدر: ينصب.
(5) نور الثقلين 4/ 481، ح 27.
(6) المجمع 4/ 492.
(7) الكافي 2/ 75، ح 4.
289
شاذان، جميعا عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من النّاس، فيأتون باب الجنّة فيضربونه. فيقال لهم:
من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصّبر. فيقال لهم: على ما صبرتم؟ فيقولون: كنّا نصبر على طاعة اللّه، و نصبر عن معاصي اللّه. فيقول اللّه- عزّ و جلّ-: صدقوا. أدخلوهم الجنّة.
و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11): موحّدا له.
وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12): و أمرت بذلك، لأجل أن أكون مقدّمهم في الدّنيا و الآخرة. لأنّ قصب السّبق في الدّين بالإخلاص. أو لأنّه أوّل من أسلم وجهه للّه من قريش و من دان بدينهم.
و العطف لمغايرة الثّاني الأوّل بتقييده بالعلّة و الإشعار بأنّ العبادة المقرونة بالإخلاص، و إن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها، فهي أيضا تقتضيه لما يلزمها من السّبقة في الدّين.
و يجوز أن تجعل اللّام مزيدة- كما في: أردت لأن أفعل- فيكون أمرا بالتّقدّم في الإخلاص و البدء بنفسه في الدّعاء إليه، بعد الأمر به.
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بترك الإخلاص و الميل إلى ما أنتم عليه من الشّرك و الرّياء، عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)، لعظمة ما فيه.
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14):
أمر بالإخبار عن إخلاصه (1) و أن يكون مخلصا له دينه، بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة و الإخلاص، خائفا عن (2) المخالفة من العقاب، قطعا لأطماعهم.
و لذلك رتّب عليه قوله: فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ، تهديدا و خذلانا لهم.
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ: الكاملين في الخسران الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالضّلال وَ أَهْلِيهِمْ بالإضلال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)- (رحمه اللّه)-: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر في
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 319. و في النسخ: الطاعات.
(2) نفس المصدر و الموضع: على.
(3) تفسير القمّي 2/ 248.
290
قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ [يقول: غبنوا أنفسهم و أهليهم.] (1)
يَوْمَ الْقِيامَةِ، حين يدخلون النّار بدل الجنّة، لأنّهم جمعوا وجوه الخسران.
و قيل (2): و خسروا أهليهم، لأنّهم إن كانوا من أهل النّار، فقد خسروهم، كما خسروا أنفسهم. و أن كانوا من أهل الجنّة، فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده.
أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15):
مبالغة في خسرانهم، لما فيه من الاستئناف و التّصدير ب «ألا» و توسيط الفعل و تعريف «الخسران» و وصفه ب «المبين».
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ:
شرح لخسرانهم.
وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ: أطباق من النّار، و هي ظلل لآخرين.
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ: ذلك العذاب هو الّذي يخوّفهم به، ليتجنّبوا ما يوقعهم فيه.
يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16)، و لا تتعرّضوا لما يوجب سخطي.
وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ: البالغ غاية الطّغيان. فعلوت منه، بتقديم اللّام على العين. بني للمبالغة في المصدر- كالرّحموت- ثمّ وصف به للمبالغة في النّعت.
و لذلك اختصّ بالشّيطان و نظرائه.
أَنْ يَعْبُدُوها:
بدل اشتمال منه.
وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ: و أقبلوا إليه بشراشرهم، عمّا سواه.
لَهُمُ الْبُشْرى بالثّواب، على ألسنة الرّسل أو الملائكة، عن حضور الموت.
و في مجمع البيان (3): وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى. و
روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: أنتم هم. و من أطاع جبّارا، فقد عبده.
____________
(1) ليس في ش، ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 319.
(3) المجمع 4/ 493.
291
و في شرح الآيات الباهرة (1): روي بحذف الإسناد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه، عن أبي جعفر- (عليهما السلام)- أنّه قال: أنتم الّذين اجتنبوا الطّاغوت أن يعبدوها. و من أطاع جبّارا، فقد عبده.
و في أصول الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن (3) أبي نصر، عن حمّاد بن (4) عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن ذكر فضل الإمام [و المعترفين به: ثمّ نسبهم] (5) فقال (6): فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، يعني: بالإمام وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. يعني (7) الّذين اجتنبوا [الجبت و] (8) الطّاغوت أن يعبدوها. و الجبت و الطّاغوت فلان و فلان. و العبادة طاعة النّاس لهم. ثمّ قال (9):
أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ. ثمّ جزاهم فقال (10): لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ. و الإمام يبشّرهم بقيام القائم و بظهوره و بقتل أعدائهم، و بالنّجاة في الآخرة و الورود على محمّد و آله- (عليهم السلام)- الصّادقين على الحوض (11).
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 513، ح 5.
(2) الكافي 1/ 429، ح 83.
3 و 4- كذا في المصدر. و في النسخ: عن.
(5) ليس في ق، ش.
(6) الأعراف/ 157.
(7) في ق، ش زيادة: المعترفين به ثمّ نسبهم.
(8) من المصدر.
(9) الزمر/ 54.
(10) يونس/ 64.
(11) و في ت زيادة:
و روى الصدوق عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ سائلا سأله عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (النساء/ 59) فكان جوابه أن قال: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (النساء/ 51) لامّة الضّلال و الدّعاة إلى النّار هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً* أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ يعني: الإمامة و الخلافة فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً نحن النّاس الّذين عنى اللّه تعالى هاهنا، و النقير: النقطة الّتي رأيت في وسط النواة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ نحن هؤلاء النّاس المحسودون على ما آتانا اللّه الإمامة دون خلق اللّه جميعا فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً أي جعلنا منهم الرّسل و الأنبياء و الأئمّة فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً قال: و كذلك قوله: جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً قال: نحن الأمّة الوسط، و نحن شهداء اللّه على خلقه و حجّته في أرضه، قال: فقوله تعالى في آل إبراهيم: وَ آتَيْناهُمْ
292
فَبَشِّرْ عِبادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ:
وضع الظّاهر موضع ضمير الَّذِينَ اجْتَنَبُوا، للدّلالة على مبدأ اجتنابهم، و أنّهم نقّاد في الدّين يميّزون بين الحقّ و الباطل، و يؤثرون الأفضل فالأفضل.
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لدينه.
وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18): العقول السّليمة عن منازعة الوهم و العادة.
و في أصول الكافي (1): [أبو عبد اللّه الأعشري، عن] (2) بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- بشّر أهل العقل و الفهم في كتابه فقال: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قول اللّه- جلّ ثناؤه-: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. قال: هو الرّجل يسمع الحديث، فيحدّث به كما سمعه. لا يزيد فيه، و لا ينقص منه.
أحمد بن مهران (4)- (رحمه اللّه)- عن عبد العظيم الحسنيّ، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن عقبة، عن الحكم بن أيمن، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (إلى آخر الآية). قال: هم المسلّمون لآل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذين إذا سمعوا الحديث لم يزيدوا فيه، و لم ينقصوا منه. جاؤوا به كما سمعوه.
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19):
جملة شرطيّة معطوفة على محذوف دلّ عليه الكلام. تقديره: أ أنت مالك أمرهم، فمن
____________
مُلْكاً عَظِيماً أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم أطلاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه، و هذا الملك العظيم.
(لم نعثر على هذا الحديث في تصانيف الصّدوق و لكن وجدنا قريبا مند في تفسير العياشي 1/ 246)
(1) الكافي 1/ 13، ح 12.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر/ 51، ح 1.
(4) نفس المصدر/ 391، ح 8.
293
حقّ عليه العذاب، أ فأنت تنقذه!؟ فكرّرت الهمزة في الجزاء، لتأكيد الإنكار و الاستبعاد.
و وضع مَنْ فِي النَّارِ موضع الضّمير، لذلك و للدّلالة على أنّ من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه، لامتناع الخلف فيه، و أنّ اجتهاد الرّسول في دعائهم إلى الإيمان، سعي في إنقاذهم من النّار. و يجوز أن يكون أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ جملة مستأنفة للدّلالة على ذلك، و الإشعار بالجزاء المحذوف.
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ: علاليّ (1) بعضها فوق بعض مَبْنِيَّةٌ: بنيّت بناء المنازل على الأرض.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، أي: من تحت تلك الغرف.
وَعْدَ اللَّهِ:
مصدر مؤكّد. لأنّ قوله: لَهُمْ غُرَفٌ في معنى الوعد.
لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (20):
لأنّ الخلف نقص و هو على اللّه محال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)- (رحمه اللّه)-: قوله-: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ- إلى قوله:- الْمِيعادَ. فإنّه
حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سأل عليّ- (عليه السلام)- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن تفسير هذه الآية فقال (3): بماذا بنيت هذه الغرف يا رسول اللّه؟
فقال: يا عليّ، تلك غرف بناها اللّه لأوليائه بالدّرّ و الياقوت و الزّبرجد. سقوفها الذّهب، محبوكة بالفضّة. لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب. على كلّ باب منها ملك موكّل به. و فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض، من الحرير و الدّيباج بألوان مختلفة.
وحوشها المسك و العنبر و الكافور. و ذلك قول اللّه (4)- عزّ و جلّ-: وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ.
فإذا دخل المؤمن إلى منازله في الجنّة، وضع على رأسه تاج الملك و الكرامة.
و ألبس حلل الذّهب و الفضّة و الياقوت و الدّر منظوما في الإكليل تحت التّاج. و ألبس
____________
(1) العلاليّ، مفردها العليّة: الغرفة في الطبقة الثانية من الدار و ما فوقها.
(2) تفسير القمّي 2/ 246- 248.
(3) ليس في ق، ش، ت، ن.
(4) الواقعة/ 34.
294
سبعين حلّة بألوان مختلفة منسوجة بالذّهب [و الفضّة] (1) و اللّؤلؤ و الياقوت الأحمر. و ذلك قوله (2): يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.
فإذا جلس المؤمن على سريره، اهتزّ سريره فرحا. فإذا استقرت بوليّ اللّه منازله في الجنّة، استأذن عليه الملك الموكّل بجنانه، ليهنّئه بكرامة اللّه إيّاه. فيقول له خدّام المؤمن و وصفاؤه: مكانك! فإنّ وليّ اللّه قد اتّكى على أريكته (3)، و زوجته الحوراء العيناء قد تهيّأت إليه (4). فاصبر لوليّ اللّه، حتّى يفرغ من شغله.
قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمتها، تمشي مقبلة، و حولها و صفاؤها (5).
و عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و اللّؤلؤ [و الزبرجد] (6) قد صبغن بمسك و عنبر. و على رأسها تاج الكرامة. و في رجليها نعلان من ذهب مكلّلان بالياقوت و اللّؤلؤ، شراكهما ياقوت أحمر. فإذا دنت من وليّ اللّه، و همّ أن يقوم إليها شوقا، تقول له: يا وليّ اللّه، ليس هذا يوم تعب و لا نصب، فلا تقم. أنا لك، و أنت لي. فيعتنقان قدر خمسمائة عام من أعوام الدّنيا، لا يملّها و لا تملّه.
قال: فينظر إلى عنقها، فإذا عليها قلادة من قصب ياقوت أحمر، وسطها لوح مكتوب: أنت- يا وليّ اللّه- حبيبي. و أنا الحوراء حبيبتك. إليك تتأهّب (7) نفسي، و إليّ تتأهّب (8) نفسك.
ثمّ يبعث اللّه ألف ملك يهنّئونه بالجنّة، و يزوّجونه الحوراء. قال: فينتهون إلى أوّل باب (9) من جنانه. فيقولون للملك الموكّل بأبواب الجنان: استأذن لنا على وليّ اللّه. فإنّ اللّه بعثنا مهنّئين له (10). فيقول الملك: حتّى أقول للحاجب. فيعلمه مكانكم.
قال: فيدخل الملك إلى الحاجب و بينه و بين الحاجب ثلاث جنان، حتّى ينتهي إلى أوّل باب، فيقول للحاجب: إنّ على باب العرصة (11) ألف ملك، أرسلهم ربّ العالمين.
جاؤوا يهنّئون وليّ اللّه. و قد سألوا أن يستأذن (12) لهم عليه. فيقول الحاجب: إنّه ليعظم عليّ
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) الحجّ/ 23، و فاطر/ 33.
(3) المصدر: قد اتّكأ على أرائكه.
(4) المصدر: قد هيّئت له.
(5) في المصدر زيادة: تحنيها.
(6) من المصدر.
7 و 8- المصدر: تباهت.
(9) ليس في ق، ش.
(10) ليس في المصدر.
(11) المصدر: الغرفة.
(12) المصدر: أستأذن.
295
أن أستأذن لأحد على ولي اللّه، و هو مع زوجته.
قال: و بين الحاجب و بين وليّ اللّه جنّتان. فيدخل الحاجب على القيّم فيقول له:
إنّ على باب العرصة (1) ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين يهنّئون وليّ اللّه [فاستأذن لهم.
فيقوم القيّم إلى الخدّام فيقول لهم: إنّ رسل الجبّار على باب العرصة، و هم ألف ملك أرسلهم يهنّئون وليّ اللّه. فأعلمهم كأنهم. قال: فيعلمونه الخدّام] (2) مكانهم.
قال: فيؤذن لهم، فيدخلون على وليّ اللّه، و هو في الغرفة، و لها ألف باب. [و على كلّ (باب) (3) من أبوابها ملك موكّل به. فإذا أذن للملائكة بالدّخول على وليّ اللّه، فتح كلّ ملك بابه الّذي قد وكّل به. فيدخل كلّ ملك من باب] من أبواب الغرفة، فيبلّغونه رسالة الجبّار. و ذلك قول اللّه (4): وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، يعني من أبواب الغرفة سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. و ذلك قوله (5): وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً، يعني بذلك وليّ اللّه، و ما هو فيه من الكرامة و النّعيم و الملك العظيم، و أنّ الملائكة من رسل الجبّار ليستأذنون عليه، فلا يدخلون عليه إلّا بإذنه. فذلك الملك العظيم.
و في روضة الكافي (6) مثله، سندا و متنا، إلّا أنّ في الرّوضة بعد قوله: «و لا تملّه»:
فإذا فتر بعض الفتور (7) من غير ملالة، نظر إلى عنقها (إلى آخره).
و في كتاب ثواب الأعمال (8)، بإسناده إلى أبي السّلام العبديّ قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت له: ما تقول في رجل يؤخّر [صلاة] (9) العصر متعمّدا؟ قال:
يأتي يوم القيامة موتورا أهله و ماله.
قال: قلت: جعلت فداك، و إن كان من أهل الجنّة؟ قال: و إن كان من أهل الجنّة؟ قال: و إن كان من أهل الجنّة.
قال: قلت: فما منزلته في الجنّة؟ قال: موتورا أهله و ماله. بتضيّف (10) أهلها. ليس له فيها منزل.
____________
(1) المصدر: الغرفة.
(2) من المصدر. و في النسخ بدل كلّها: فأعلموه.
(3) يوجد في ق، المصدر.
(4) الرعد/ 23، 24.
(5) الدهر/ 20.
(6) الكافي 8/ 97- 98، ح 69.
(7) ليس في ق.
(8) ثواب الأعمال/ 275، ح 2.
(9) من المصدر.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: بتضعيف.
296
و بإسناده (1) إلى أبي بصير قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)- (2): إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: الموتور أهله و ماله، من ضيّع صلاة العصر.
قلت: و ما الموتور أهله و ماله؟ قال: لا يكون له أهل و لا مال في الجنّة.
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:
هو المطر.
فَسَلَكَهُ: فأدخله يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ:
هي عيون أو مجاري كائنة فيها أو مياه (3) نابعات فيها. إذ الينبوع جاء للمنبع و للنّابع.
فنصبها (4) على المصدر أو الحال.
ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ: أصنافه من برّ و شعير و غيرهما. أو:
كيفيّاته، من حمرة و خضرة و غيرهما.
ثُمَّ يَهِيجُ: يتمّ جفافه. لأنّه إذا تمّ جفافه، حال له أن يثور عن منبته.
فَتَراهُ مُصْفَرًّا من يبسه.
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً: فتانا.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى: لتذكرة بأنّه لا بدّ من حكيم دبّره و سوّاه. أو بأنّه مثل الحياة الدّنيا، فلا تغترّ بها.
لِأُولِي الْأَلْبابِ (21)، إذ لا يتذكّر به غيرهم.
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، حتّى تمكّن فيه بيسر.
عبّر به عمّن خلق نفسه (5) شديدة الاستعداد لقبوله، غير متأبّية عنه. من حيث إنّ الصدر محلّ للقلب المنبع للرّوح المتعلّق بالنّفس القابلة للإسلام.
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، يعني: المعرفة و الاهتداء إلى الحقّ.
و خبر «من» محذوف، دلّ عليه ما بعده. أي: كمن لم يشرح صدره و قسا قلبه؟
و في تفسير علي بن إبراهيم (6)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-:
____________
(1) نفس المصدر، ح 3.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 320. و في النسخ:
قنات.
(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
جاء للنبع و النابع نصبها.
(5) من ن.
(6) تفسير القمي 2/ 248.
297
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ. قال: نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام).
و في شرح الآيات الباهرة (1): و روى الواحديّ في أسباب النّزول (2) قال: قال عطا في تفسيره: إنّها نزلت في عليّ و حمزة.
و في روضة الواعظين (3): و روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قرأ: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فقال: إنّ النّور إذا وقع في القلب، انفتح (4) له و انشرح.
قالوا: يا رسول اللّه فهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: التّجافي عن دار الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و الاستعداد للموت قبل نزوله.
فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ:
من أجل ذكر اللّه.
و هو أبلغ من أن يكون «عن» مكان «من». لأنّ القاسي من أجل الشّيء أشد تأبّيا من قبوله، من القاسي عنه بسبب آخر.
و للمبالغة في وصف أولئك بالقبول، و هؤلاء بالامتناع، ذكر شرح الصّدر، و أسنده إلى اللّه- تعالى- و قابله بقساوة القلب، و أسنده إليه. (5)
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)- (رحمه اللّه)-: قال الصّادق- (عليه السلام)-: و القسوة و الرّقّة من القلب. و هو قوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) يظهر للنّاظر بأدنى نظر.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ:
يعني: القرآن. سمّاه اللّه (7) حديثا، لأنّه كلام اللّه. و الكلام سمّي حديثا، كما سمّى كلام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديثا. أو لأنّه حديث التّنزيل، بعد ما تقدّمه من الكتب المنزلة على الأنبياء. و هو أحسن الحديث، لفرط فصاحته و إعجازه، و اشتماله على
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 513، ح 9.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: في الأسباب و النزول.
(3) نور الثقلين 4/ 485، ح 40.
(4) ي، ر: انفسخ. و في ن، ت: النفسخ.
(5) أي: إلى القلب.
(6) نور الثقلين 4/ 485، ح 41.
(7) من ن.
298
جميع ما يحتاج إليه المكلّف.
و بناء «نزّل» عليه تأكيد للإسناد إليه، و تفخيم للمنزل، و استشهاد على حسنه.
كِتاباً مُتَشابِهاً:
بدل من «أحسن»، أو حال منه. و تشابهه تشابه أبعاضه في الإعجاز، و تجاوب النّظم و صحّة المعنى، و الدّلالة على المنافع العامّة.
و قيل (1): معناه يشبه كتب اللّه المتقدّمة، و إن كان أعمّ و أنفع و أجمع.
مَثانِيَ: جمع مثنّى أو مثنى على ما مرّ في الحجر. سمّي به، لأنّه يثنّى فيه القصص و الأخبار و الأحكام و المواعظ بتصريفها في ضروب البيان، و يثنّى أيضا في التّلاوة، فلا يملّ لحسن مسموعه.
و قيل (2): وصف به كتابا، باعتبار تفاصيله، كقولك: القرآن سور و آيات، و الإنسان عظام و عروق و أعصاب. أو جعل تمييزا من «متشابها»، كقولك: رأيت رجلا حسنا شمائله.
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ: تشمئزّ خوفا ممّا فيه من الوعيد.
و هو مثل في شدّة الخوف.
و اقشعرار الجلد: تقبّضه. و تركيبه من حروف القشع- و هو الأديم اليابس- بزيادة الرّاء، ليصير رباعيّا، كتركيب اقمطرّ من القمط، و هو الشّدّ.
و في مجمع البيان (3): تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (الآية).
روي عن العبّاس بن عبد المطّلب أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية اللّه، تحاتت (4) عنه الذّنوب، كما يتحاتّ عن الشّجرة اليابسة ورقها.
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ بالرّحمة و عموم المغفرة. و الإطلاق للإشعار بأنّ أصل أمره الرّحمة، و أنّ رحمته سبقت غضبه.
و التّعدية ب «إلى» لتضمين معنى السّكون و الاطمئنان. و ذكر القلوب، لتقدّم الخشية الّتي هي من عوارضها.
ذلِكَ، أي: الكتاب. [أو: الكائن من الخشية أو الرحمة.] (5) هُدَى اللَّهِ يَهْدِي
____________
(1) المجمع 4/ 495.
(2) أنوار التنزيل 2/ 321.
(3) المجمع 4/ 495.
(4) تحاتّ الورق عن الشجر: تناثر.
(5) من ن.
299
بِهِ مَنْ يَشاءُ هدايته.
وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ: و من يخذله فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23) يخرجهم من الضّلال.
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ: يجعله درقة يقي به نفسه- لأنّه يكون مغلولة يداه إلى عنقه، فلا يقدر أن يتّقي إلّا بوجهه- سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، كمن هو آمن منه؟
فحذف الخبر، كما حذف في نظائره.
وَ قِيلَ لِلظَّالِمِينَ، أي: لهم. فوضع الظّاهر موضعه، تسجيلا عليهم بالظّلم، و إشعارا بالموجب لما يقال لهم، و هو: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24)، أي: وباله.
و الواو للحال. و قد مقدّرة.
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25):
من الجهة الّتي لا يخطر ببالهم أنّ الشّرّ يأتيهم منها.
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ: الذّلّ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، كالمسخ و الخسف و القتل و السّبي و الإجلاء.
وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ المُعدّ لهم أَكْبَرُ، لشدّته و دوامه.
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (26): [لو كانوا] (1) من أهل العلم و النّظر، لعلموا ذلك، و اعتبروا به.
وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يحتاج إليه النّاظر في أمر دينه.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27): يتّعظون به.
قُرْآناً عَرَبِيًّا:
حال من «هذا». و الاعتماد فيها على الصّفة، كقولك: جاءني زيد رجلا صالحا.
أو مدح له.
غَيْرَ ذِي عِوَجٍ: لا اختلال فيه بوجه ما. فهو أبلغ من المستقيم، و أخصّ بالمعاني.
و قيل (2): بالشّكّ، استشهادا بقوله:
و قد أتاك يقين غير ذي عوج* * * من الإله و قل غير مكذوب
____________
(1) ليس في ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 321.
300
و هو تخصيص له ببعض مدلوله.
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28):
علّة أخرى مرتّبة على الأولى.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للمشرك و الموحّد رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ و رجلا سالما لرجل:
مثل المشرك- على ما يقتضيه مذهبه من أن يدّعي كلّ واحد من معبوديه عبوديّته، و يتنازعون فيه- بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه و يتعاورونه في مهامّهم المختلفة، في تحيّره و توزّع قلبه. و الموحّد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل.
و «رجلا» بدل من «مثلا». و «فيه» صلة «شركاء».
و التّشاكس و التّشاخس: الاختلاف.
و قرأ (1) نافع و ابن عامر و الكوفيّون: «سلما» بفتحتين. و قرئ بفتح السّين و كسرها، مع سكون العين. و ثلاثتها مصادر سلم، نعت بها، أو حذف منها ذا.
و رجل سالم، أي: و هناك رجل سالم. و تخصيص الرّجل، لأنّه أفطن للضّرّ و النّفع.
و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء. احذروا أن تغلبوا عليها، فتضلّوا في دينكم. أنا السّلم لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). يقول اللّه- عزّ و جلّ-: «و رجلا سلما لرجل».
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (3): و روى الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ بالإسناد، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: أنا ذلك الرّجل السّلم لرسول اللّه.
و روى العيّاشي (4)، بإسناده عن أبي خالد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الرّجل السّلم للرّجل حقّا، عليّ و شيعته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- (رحمه اللّه)- في قوله- عزّ و جلّ-: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ: فإنّه مثل ضربه اللّه- عزّ و جلّ- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و شركاؤه الّذين ظلموه و غصبوا حقّه. و قوله- تعالى-: مُتَشاكِسُونَ،
____________
(1) نفس المصدر/ 322.
(2) المعاني/ 59- 60، ح 9.
3 و 4- المجمع 4/ 497.
(5) تفسير القمّي 2/ 248- 249.
301
أي: متباغضون. و قوله- عزّ و جلّ-: «رجلا سلما لرجل» أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سلم لرسول اللّه.
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا: صفة و حالا. و نصبه على التّمييز. و لذلك وحّده.
و قرئ (1): «مثلين»، للإشعار باختلاف النّوع. أو لأنّ المراد: هل يستويان في الوصفين. على أنّ الضّمير للمثلين. فإنّ التّقدير: مثل رجل، و مثل رجل.
و في روضة الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا.
قال: أمّا الّذي فيه شركاء متشاكسون فلان الأوّل (3) الّذي (4) يجمع المتفرّقون ولايته، و هم في ذلك يلعن بعضهم بعضا، و يبرأ بعضهم من بعض. و أمّا رجل سلم لرجل، فإنّه الأوّل (5) حقّا و شيعته.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
الْحَمْدُ لِلَّهِ: كلّ الحمد له، لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه. لأنّه المنعم بالذّات، و المالك على الإطلاق.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29)، فيشركون به غيره، من فرط جهلهم.
و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن عمرو بن محمّد بن (7) تركيّ، عن محمّد بن الفضل (8)، عن محمّد بن شعيب، عن قيس (9) بن الرّبيع، عن منذر الثّوريّ، عن محمّد بن الحنفيّة، عن أبيه في قول اللّه- عزّ و جلّ-: «و رجلا سلما لرجل»: أنا ذلك الرّجل السّالم لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال أيضا (10): حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبي بكير (11)، عن حمران، قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 322.
(2) الكافي 8/ 224، ح 283.
(3) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
4 و 5- ليس في المصدر.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 515، ح 10.
(7) يوجد في ي، المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عن أبي محمد الفضل.
(9) كذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ: قريش.
(10) نفس المصدر، ح 11.
(11) ق، ش، م: أبي بكر.
302
في قول اللّه- عزّ و جلّ-: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ و رجلا سلما»:
هو عليّ- (عليه السلام). «لرجل» هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ، أي: مختلفون. و أصحاب عليّ- (عليه السلام)- مجتمعون على ولايته.
و قال أيضا (1): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن سلام (2)، عن أحمد بن عبد اللّه بن عيسى بن مصقلة القمّيّ، عن بكر بن الفضيل (3)، عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
«و رجلا سلما لرجل». قال: الرّجل السّالم لرجل عليّ- (عليه السلام)- [و شيعته] (4).
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)، فإنّ الكلّ بصدد الموت و في عداد الموتى.
و قرئ (5): «مائت و مائتون»، لأنّه ممّا سيحدث.
ثُمَّ إِنَّكُمْ- على تغليب المخاطب على الغيب- يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31). فتحتجّ عليهم بأنّك كنت على الحقّ في التّوحيد، و كانوا على الباطل في التّشريك. و اجتهدت في الإرشاد و التّبليغ، و لجّوا في التّكذيب و العناد. و يعتذرون بالأباطيل مثل: أطعنا سادتنا، و وجدنا آباءنا.
و قيل (6): المراد به الاختصام العامّ. يخاصم النّاس بعضهم بعضا، فيما دار بينهم في الدّنيا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)- (رحمه اللّه)- متّصلا بقوله: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سلم لرسول اللّه: ثمّ عزّى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال- جلّ ذكره-: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، يعني:
أمير المؤمنين و من غصبه حقّه.
و في عيون الأخبار (8)، في باب آخر في ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا نزلت هذه الآية:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، قلت: يا ربّ، أ تموت الخلائق كلّهم، و تبقى الأنبياء؟
____________
(1) نفس المصدر، ح 12.
(2) ق، ش، م: سالم.
(3) ن: بكير بن الفضيل. و في المصدر: بكير بن الفضل.
(4) يوجد في ن، ى، المصدر.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 322.
(7) تفسير القمّي 2/ 249.
(8) العيون 2/ 31، ح 51.
303
فنزلت (1): كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ.
و في باب (2) ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من أخباره المجموعة، و بإسناده عن علي بن أبي طالب- (عليه السلام)-: لو رأى العبد أجله و سرعته إليه، لأبغض الأمل و ترك طلب الدّنيا.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، بإضافة الولد و الشّريك إليه.
وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ- و هو ما جاء به محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إِذْ جاءَهُ، من غير توقّف و تفكّر في أمره.
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (32). و ذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم.
و اللّام تحتمل العهد و الجنس.
وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ:
قيل (3): «الّذي» للجنس، ليتناول الرّسول و المؤمنين لقوله:
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33).
و قيل (4): هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و المراد هو و من تبعه، كما في قوله (5):
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.
و في تفسير البيضاويّ (6): و قيل: الجائي هو الرّسول. و المصدّق أبو بكر. و ذلك يقتضي إضمار «الّذي»، و هو غير جائز.
و قرى (7): «و صدَق به» بالتّخفيف، أي: صدق به النّاس، فأدّاه إليهم كما نزل [من غير تحريف] (8). أو: صار صادقا بسببه. لأنّه معجز يدلّ على صدقه. و «صدّق به» على البناء للمفعول.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): ثمّ ذكر أيضا أعداء آل محمّد، و من كذب على اللّه و على رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ادّعى ما لم يكن له. فقال- جلّ ذكره-: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ، يعني: بما جاء به رسول اللّه
____________
(1) العنكبوت/ 57.
(2) نفس المصدر/ 38، ح 120.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 322.
(5) المؤمنون/ 49.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) من المصدر.
(9) تفسير القمّي 2/ 249.
304
- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الحقّ، و ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام). ثمّ ذكر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ؛ يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام). أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
- و في مجمع البيان (1): وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ. قيل: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ- و هو القرآن و (2) جبرئيل. وَ صَدَّقَ بِهِ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- تلقّاه بالقبول.
و قيل (3): الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ- و هو قول لا إله إلّا اللّه- هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). وَ صَدَّقَ بِهِ هو أيضا، و بلّغه إلى الخلق.
و قيل (4): الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: الأنبياء. وَ صَدَّقَ بِهِ أتباعهم.
و قيل (5):
الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). وَ صَدَّقَ بِهِ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). و هو المرويّ عن أئمّة الهدى من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
و في شرح الآيات الباهرة (6): تأويله (7) ما نقله ابن مردويه عن الجمهور، بإسناده مرفوعا إلى الإمام موسى بن جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: الّذي كذّب بالصّدق [هو الّذي ردّ قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عليّ- (عليه السلام).
و يؤيّده ما
ذكره الشيخ في أماليه عن عليّ- (عليه السلام)- في قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ] (8) إذ جاءه. قال: الصّدق ولايتنا أهل البيت.
و قال محمّد بن العبّاس (9)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن إسماعيل بن همّام، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ. قال: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). وَ صَدَّقَ بِهِ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنّة.
____________
(1) المجمع 4/ 498.
(2) من ن.
3 و 4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 516، ح 14 و 15.
(7) المصدر: و هو قول النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عليّ- (عليه السلام)- على.
(8) ليس في ق.
(9) نفس المصدر/ 517، ح 18.
305
ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) على إحسانهم.
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا:
خصّ الأسوأ للمبالغة. فإنّه إذا كفّر، كان غيره أولى بذلك. أو للإشعار بأنّهم لاستعظامهم الذّنوب، يحسبون أنّهم مقصّرون مذنبون، و أنّ ما يفرط منهم من الصّغائر أسوأ ذنوبهم. و يجوز أن يكون بمعنى السّيّئ.
و قرئ (1): «أسواء» جمع سوء.
وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ: و يعطيهم ثوابهم.
بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (35): فيعدّ لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر و عظمه، لفرط إخلاصهم فيها.
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ:
استفهام إنكار للنّفي، مبالغة في الإثبات. و العبد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و يحتمل الجنس. و يؤيّده قراءة (2) حمزة و الكسائيّ: «عباده». و فسّر بالأنبياء.
وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ:
قيل (3): يعني قريشا. فإنّهم قالوا له: إنّا نخاف أن تخبلك (4) آلهتنا، لعيبك إيّاها.
و قيل (5): بعث خالدا ليكسر العزّى. فقال له سادنها: أحذّركها! إنّ لها شدّة. فعمد إليها خالد، فهشم أنفها. فنزل تخويفه [منزلة تخفيفه] (6)- (صلّى اللّه عليه و آله). لأنّه الآمر له بما خوّف عليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): و قوله- عزّ و جلّ-: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ: يعني: يقولون لك: يا محمّد، أعفنا من عليّ- (عليه السلام).
و يخوّفونك أنّهم يلحقون بالكفّار.
وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ، حتّى غفل عن كفاية اللّه له و خوّفه بما لا ينفع و لا يضرّ، فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36) يهديهم إلى الرّشاد.
وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ، إذ لا رادّ لفعله. كما قال:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 322.
2 و 3- نفس المصدر/ 323.
(4) ن، ت، م، ي، ر: يهلكك.
(5) نفس المصدر/ 323.
(6) ليس في ق.
(7) تفسير القمّي 2/ 249.
306
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ: غالب منيع.
في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، [عن محمد بن عيسى،] (2) عن [محمّد بن] (3) إسماعيل السرّاج، عن ابن مسكان، عن ثابت بن سعيد، قال:
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا ثابت، ما لكم و للنّاس!؟ كفّوا عن النّاس! و لا تدعوا أحدا إلى أمركم! فو اللّه، لو أنّ أهل السّموات و [أهل] (4) الأرضين، اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد اللّه ضلالته، ما استطاعوا على أن يهدوه. و لو أنّ أهل السّموات و أهل الأرضين اجتمعوا على أن يضلّوا عبدا يريد اللّه هداه، ما استطاعوا أن يضلّوه. كفّوا عن النّاس، و لا يقول أحد: عمّي، و أخي، و ابن عمّي و جاري! فإنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا، طيّب روحه. فلا يسمع معروفا إلّا عرفه، و لا منكرا، إلّا أنكره. ثمّ يقذف [اللّه] (5) في قلبه كلمة يجمع بها أمره.
ذِي انْتِقامٍ (37)، ينتقم من أعدائه.
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، لوضوح البرهان على تفرّده بالخالقيّة.
قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أي: أرأيتم بعد ما تحقّقتم أنّ خالق العالم هو اللّه، أنّ آلهتكم إن أراد اللّه أن يصيبني بضرّ، هل يكشفنّه.
أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ: بنفع، هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ، فيمسكها عنّي.
و قرأ (6) أبو عمرو: «كاشفات ضرّه» و «ممسكات رحمته» بالتّنوين فيهما، و نصب «ضرّه» و «رحمته».
قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ كافيا في إصابة الخير و دفع الضّرّ. إذ تقرّر بهذا التّقرير، أنّه القادر الّذي لا مانع له لما يريده من خير أو شرّ.
نقل (7) أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سألهم، فسكتوا. فنزل ذلك. و إنّما قال:
____________
(1) الكافي 1/ 165، ح 1.
(2) ليس في المصدر.
(3) يوجد في ن، ى، المصدر.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 323.
307
«كاشفات» و «ممسكات»، على ما يصفونها به من الأنوثة، تنبيها على كمال ضعفها.
عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)، لعلمهم بأنّ الكلّ منه- تعالى.
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: على حالكم. ام للمكان استعير للحال.
كما استعير «هنا» و «حيث» من المكان للزّمان.
و قرئ (1): «مكاناتكم».
إِنِّي عامِلٌ، أي: على مكانتي. فحذف للاختصار، و المبالغة في الوعيد، و الإشعار بأنّ حاله لا تقف. فإنّه- تعالى- يزيده على مرّ الأيام قوّة و نصرة.
و لذلك توعّدهم بكونه منصورا عليهم في الدّارين، فقال (2): فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ. فإنّ خزي أعدائه دليل غلبته.
وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40): دائم. و هو عذاب النّار.
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ: لأجلهم- فإنّه مناط مصالحهم في معاشهم و معادهم- بِالْحَقِ: ملتبسا بالحقّ.
فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، إذ نفع به نفسه.
وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، فَإنّ وباله لا يتخطّاها.
وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)، و ما وكّلت عليهم لتجبرهم على الهدى. و إنّما أمرت بالبلاغ، و قد بلّغت.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها، أي: يقبضها عن الأبدان، بأن يقطع عنها تعلّقها و تصرّفها فيها، إمّا ظاهرا و باطنا- و ذلك عند الموت- أو ظاهرا لا باطنا، فهو في النّوم.
و في إرشاد المفيد (3): لمّا عرض على عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال له: من أنت؟ فقال: أنا عليّ بن الحسين.
فقال: أليس قد قتل اللّه عليّ بن الحسين!؟ فقال له عليّ- (عليه السلام)- قد كان لي أخ يسمّى عليّا. قتله النّاس.
فقال ابن زياد- لعنه اللّه-: بل اللّه قتله. فقال [علي بن الحسين] (4)
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ق، ش.
(3) الإرشاد/ 228.
(4) ليس في ق.
308
- (عليه السلام)-: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها. فغضب ابن زياد- لعنه اللّه.
و في تهذيب الأحكام (1): أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يواقع أهله، أ ينام على ذلك؟ قال: الله يتوفى الأنفس في منامها. و لا يدري ما يطرقه من البليّة. إذا فرغ، فليغتسل.
و في مجمع البيان (2): روى العيّاشيّ بالإسناد، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت (3) أبي المقدام (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما من أحد ينام إلّا عرجت نفسه إلى السّماء، و بقيت روحه في بدنه. و صار بينهما سبب كشعاع الشّمس. فإن أذن اللّه- تعالى- في قبض الأرواح، أجابت الرّوح النّفس. و إن أذن اللّه في ردّ الرّوح، أجابت النّفس الرّوح. و هو قوله- سبحانه-: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (الآية). فما (5) رأت في ملكوت السّموات (6)، فهو ممّا له تأويل. و ما رأت فيما بين السّماء و الأرض، فهو ممّا يخيّله الشّيطان، و لا تأويل له.
و في أصول الكافي (7) حديث طويل عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول فيه: «لا و اللّه! ما مات أبو الدّوانيق إلّا أن يكون مات موت النّوم». يقول ذلك مخاطبا لمن أخبره أنّه مات.
محمّد بن يحيى (8)، عن أحمد بن محمّد، رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا آوى أحدكم إلى فراشه، فليقل: اللّهم إنّي احتبست (9) نفسي، فاحتبسها (10) في محلّ رضوانك و مغفرتك. فإن (11) رددتها إلى بدني، فارددها مؤمنة عارفة بحقّ أوليائك، حتّى تتوفّاها على ذلك.
عليّ بن إبراهيم (12)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، رفعه قال: تقول
____________
(1) التّهذيب 1/ 372، ح 1137.
(2) المجمع 4/ 501.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: عن و أبو المقدام كنية ثابت الحدّاد، كما في جامع الرواة 2/ 419.
(4) ق، ش: المقداد.
(5) كذا في ن. و في المصدر و سائر النسخ: مهما.
(6) في ق زيادة: و الأرض.
(7) الكافي 1/ 363، ح 17.
(8) نفس المصدر 2/ 536، ح 2.
(9) ن، ت، ي: احتسبت.
(10) ن، ت: فاحتسبها.
(11) المصدر: و إن
(12) نفس المصدر 2/ 539، ح 14.
309
إذا أردت النّوم: اللّهم إن أمسكت نفسي، فارحمها. و إن أرسلتها، فاحفظها.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا قمت باللّيل من منامك، فقل: الحمد للّه الّذي ردّ عليّ روحي لأحمده و أعبده.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد اللّه، [عن أبي جعفر] (3)- (عليهما السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و اللّه، ما من عبد من شيعتنا ينام، إلّا أصعد اللّه روحه إلى السّماء، فيبارك عليها.
فإن كان قد أتى عليها أجلها، جعلها في كنوز من رحمته، و في رياض جنّته (4)، و في ظلّ عرشه. و إن كان أجلها متأخّرا، بعث بها مع أمنته (5) من الملائكة، ليردّوها إلى الجسد الّذي خرجت منه، لتسكن فيه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الخصال (6) فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: لا ينام المسلم و هو جنب. و لا ينام إلّا على طهور. فإن لم يجد الماء، فليتيمّم بالصّعيد. فإنّ روح المؤمن ترفع إلى اللّه- تعالى- فيقبلها و يبارك عليها. فإن كان أجلها قد حضر، جعلها في كنوز رحمته. و إن لم يكن أجلها قد حضر، بعث بها مع أمنائه من الملائكة، فيردّونها في جسد (7).
و في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى السّكونيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال النبيّ (9)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا آوى أحدكم إلى فراشه، فليمسحه بطرف إزاره. فإنّه لا يدري ما يحدث عليه. ثمّ ليقل: اللّهم إن أمسكت نفسي في منامي، فاغفر لها. و ان أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين.
____________
(1) نفس المصدر 2/ 538، ح 12.
(2) نفس المصدر 8/ 213، ح 259.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: جنّة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أمنه.
(6) الخصال/ 613. من حديث أربعمائة.
(7) المصدر: جسدها.
(8) العلل/ 589، ح 34.
(9) ليس في ق، ش.
310
و في كتاب كمال الدّين و تمام النعمة (1)، بإسناده إلى داود بن القاسم الجعفريّ، عن محمّد بن عليّ الثانيّ- (عليه السلام)- قال: أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ذات يوم، و معه الحسن بن عليّ و سلمان الفارسيّ- (رحمه اللّه)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- متّكئ على يد سلمان. فدخل المسجد الحرام، فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللّباس. فسلّم على أمير المؤمنين- (عليه السلام). [فردّ- (عليه السلام).] (2) فجلس.
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن [ثلاث] (3) مسائل، إن أخبرتني بهنّ، علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنّهم ليسوا (4) بمأمونين في دنياهم، و لا في آخرتهم.
و إن تكن الأخرى، علمت أنّك و هم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:
سلني عمّا بدا لك.
قال: أخبرني عن الرّجل إذا نام، أين تذهب روحه؟ و عن الرّجل كيف يذكر و ينسى؟ و عن الولد، كيف يشبه (5) الأعمام و الأخوال؟
فالتفت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- فقال: يا أبا محمّد أجبه.
فقال: أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه معلّقة بالرّيح. و الرّيح معلّقة بالهواء، إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة. فإن أذن اللّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الروح (6) على صاحبها، جذبت تلك الرّوح الرّيح. [و جذبت تلك الريح] (7) الهواء. فرجعت الرّوح فأسكنت في بدن صاحبها. و إن لم يأذن اللّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح على صاحبها، جذبت (8) الهواء الرّيح، و جذبت الرّيح الرّوح، فلم تردّ إلى صاحبها إلى وقت ما يبعث.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب التّوحيد (9) حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات-:
____________
(1) كمال الدين/ 313، ح 1.
(2) ليس في ن.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ق.
(5) المصدر: و عن الرجل كيف يشبه ولده ....
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) ليس في ق.
(8) ي، المصدر: جذب.
(9) التّوحيد/ 268، ح 5.
311
و أمّا قوله (1): يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، و قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، و قوله (2): تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ، و قوله (3): الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ، و قوله (4): الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ] (5) طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يدبّر الأمور كيف يشاء. و يوكّل من خلقه من يشاء، بما يشاء. أمّا ملك الموت، فإنّ اللّه يوكّله بخاصّة من (6) يشاء من خلقه. و يوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه (7). [و الملائكة الّذين سمّاهم اللّه- عزّ و جلّ ذكره- وكّلهم بخاصّة من يشاء من خلقه. فهو- تعالى-] (8) يدبّر الأمور كيف يشاء.
و ليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس. لأنّ فيهم القويّ و الضّعيف. و لأنّ منه ما يطاق حمله، و منه ما لا يطاق حمله، إلّا من (9) يسهّل اللّه له حمله، و أعانه عليه من خاصّة أوليائه.
و إنّما يكفيك أن تعلم أنّ اللّه هو المحيي المميت، و أنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه، من ملائكة و غيرهم.
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، فلا يردّها إلى البدن.
و قرأ (10) حمزة و الكسائي: «قضي» بضمّ القاف و كسر الضّاد، و «الموت» بالرّفع.
وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى- أي: النّائمة إلى بدنها عند اليقظة- إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى. و هو الوقت المضروب لموته، و هو غاية جنس الإرسال.
إِنَّ فِي ذلِكَ، من التّوفّي و الإمساك و الإرسال، لَآياتٍ دالة على كمال قدرته و حكمته و شمول رحمته، لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) في كيفيّة تعلّقها بالأبدان، و توفّيها عنه بالكلّيّة حين الموت، و إمساكها باقية لا تفنى بفنائها و ما يعتريها من السّعادة و الشّقاوة، و الحكمة في توفّيها عن ظواهرها و إرسالها حينا بعد حين إلى توفّي آجالها.
____________
(1) السجدة/ 11.
(2) الأنعام/ 61.
(3) النّحل/ 28.
(4) النحل/ 32.
(5) ليس في ش، م، ق.
(6) ن، ت، م، ى، ر: «بخاصّة بمن» بدل بخاصّة من».
(7) ن، ت، م، ى، ر: و يوكّل رسله من يشاء من خاصّة بمن يشاء من خلقه.
(8) ليس في ن، ت، م، ى، ر.
(9) كذا في ش، المصدر. في ق: ما. و في سائر النسخ: أن.
(10) أنوار التنزيل 2/ 324.
312
أَمِ اتَّخَذُوا: اتّخذ فريش مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ يشفع لهم عند اللّه.
قُلْ أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعْقِلُونَ (43): أ يشفعون و لو كانوا على هذه الصّفة، كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر و لا تعلم.
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً:
قيل (1): لعلّه ردّ لما عسى يجيبون به. و هو أنّ الشّفعاء أشخاص مقرّبون هي تماثيلهم.
و المعنى: أنّه مالك الشّفاعة كلّها، لا يستطيع أحد شفاعة إلّا بإذنه، و لا يستقلّ بها.
ثمّ قرّر ذلك فقال:
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
فإنّه مالك الملك كلّه. لا يملك أحد أن يتكلّم في أمره دون إذنه و رضاه.
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) يوم القيامة، فيكون الملك له أيضا] (2) [حينئذ.
ثمّ أخبر- سبحانه- عن سوء اعتقادهم و شدّة عنادهم فقال:] (3) وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ دون آلهتهم، اشْمَأَزَّتْ: انقبضت و نفرت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.
وَ إِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ- يعني: الأوثان- إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. (45) لفرط افتتانهم بها، و نسيانهم حقّ اللّه.
و لقد بالغ في الأمرين [حتّى بلغ الغاية فيها. فإنّ الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا، حتّى ينبسط له بشرة وجهه. و الاشمئزاز أن يمتلئ غضبا و غمّا، حتّى ينقبض أديم وجهه.
و في روضة الكافي (4):] (5) عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: حدّثني أبو الخطّاب في أحسن ما يكون حالا، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. قال إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ بطاعة من أمر اللّه، بطاعته من آل محمّد، اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. و إذا ذكر الّذين لم يأمر اللّه بطاعتهم، إذا هم يستبشرون.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في م، ش.
(3) ليس في م، ش، ق.
(4) الكافي 8/ 304، ح 471.
(5) ليس في ق.
313
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن سليمان بن صالح، رفعه عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال: إنّ حديثكم هذا لتشمأزّ منه (2) قلوب الرّجال. فمن أقرّبه، فزيدوه. و من أنكره، فذروه.
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، فإنّها نزلت في فلان و فلان [و فلان] (4).
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ: التجئ إلى اللّه بالدّعاء، لمّا تحيّرت في أمرهم، و عجزت من عنادهم و شدّة شكيمتهم. فإنّه القادر على الأشياء، و العالم بأحوالها كلّها.
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46): فأنت وحدك تقدر أن تحمكم بيني و بينهم.
وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ:
وعيد شديد، و إقناط كلّيّ لهم من الخلاص.
وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47):
زيادة مبالغة فيه. و هو نظير قوله (5): فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ في الوعد.
____________
(1) الكافي 1/ 370، ح 5.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: القلوب.
(3) تفسير القمّي 2/ 250.
(4) ليس في ق، ش. و في هامش ت:
و أمّا ما رواه في بصائر الدّرجات بإسناده عن حبيب الخثعميّ قال: ذاكرت أبا عبد اللّه (المصدر:
ذكرت لأبي عبد اللّه)- (عليه السلام)- ما يقول أبو الخطّاب فقال: اذكر لي بعض ما يقول قلت في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ (الزمر/ 45) يقول: إذا ذكر اللّه (في المصدر زيادة: وحده) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و إذا ذكر الّذين من دونه فلان و فلان فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من قال هذا فهو مشرك ثلاثا و أنا إلى اللّه برئ منه ثلاثا بل عنى اللّه بذلك نفسه.
(البصائر/ 536، ح 4) فلا ينافي ما في هذه الأخبار لأنّ إنكاره- (عليه السلام)- في حديث حبيب متعلّق بالأوّل حيث عنى أبو الخطّاب باللّه في الآية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لأمر سبحانه و لا يتعلّق إنكاره- (عليه السلام)- بالثّانى كما لا يخفى.
(5) السجدة/ 17.
314
وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا: سيّئات أعمالهم الّتي فعلوها، حين تعرض صحائفهم.
وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (48): و أحاط بهم جزاؤه.
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا:
إخبار عن الجنيس بما يغلب فيه. و العطف على قوله: وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ بالفاء، لبيان مناقضتهم و تعكيسهم في التّسبّب، بمعنى: أنّهم يشمئزّون عن ذكر اللّه وحده، و يستبشرون بذكر الآلهة. فإذا مسّهم ضرّ، دعوا من اشمأزّوا من ذكره، دون من استبشروا بذكره. و ما بينهما اعتراض مؤكّد، لإنكار ذلك عليهم.
ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا: أعطيناه إيّاها تفضّلا. فإنّ التّخويل يختصّ به.
قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ: على علم منّي بوجوه كسبه، أو بأنّي سأعطاه لما لي من استحقاقه أو من اللّه بي و استحقاقي.
و الهاء ل «ما» إن جعلت موصولة، و إلّا، فللنّعمة، و التذكير لأنّ المراد شيء منها.
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ: امتحان له بها، أ يشكر، أم يكفر.
و هو ردّ لما قاله. و تأنيث الضّمير باعتبار الخبر، أو لفظة النّعمة. و قرئ (1) بالتّذكير.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) ذلك.
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:
الهاء لقوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، لأنّها كلمة أو جملة. و قرئ (2) بالتّذكير.
و الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قارون و قومه. فإنّه قاله، و رضي به قومه.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (50) من متاع الدّنيا.
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا: جزاء سيّئات أعمالهم، أو جزاء أعمالهم. و سمّاه سيّئة، لأنّه في مقابلة أعمالهم السّيّئة، رمزا إلى أنّ جميع أعمالهم كذلك.
وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بالعتوّ مِنْ هؤُلاءِ [المشركين.
و «من» للبيان، أو للتبعيض.] (3) سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، كما أصاب أولئك.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 325.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ليس في ق، ش، م.
315
و قد أصابهم. فإنّهم قحطوا سبع سنين، و قتل ببدر صناديدهم.
وَ ما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51): فائتين.
أَ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ، حيث حبس عنهم الرّزق سبعا، ثمّ بسط لهم سبعا (1).
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)، أي: يصدّقون رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (2) لأنّهم المنتفعون بها.
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أفرطوا في الجناية عليها، بالإسراف في المعاصي.
و إضافة العباد، تخصّصه بالمؤمنين، على ما هو عرف القرآن.
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ: لا تيأسوا من مغفرته أوّلا، و تفضّله ثانيا.
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (3): صغائرها و كبائرها، بالنّدم.
[و من ارتكب الذنب] (4) و لم يندم عليه، فهو خارج عن الإيمان، و يخرجه عن هذا الحكم إضافة العباد. و النّدم على الذّنب، يستلزم العزم على عدم العود، و إن عادوا النّدم على الذّنب، مع العزم على عدم العود. و هو معنى التّوبة.
ما قيل (5) من أنّ تقييده بالتّوبة خلاف الظّاهر، خلاف الواقع. و يدلّ على إطلاقه فيما عدا الشّرك قوله (6): إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (الآية).
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53):
تعليل للسّابق.
و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لا يعذر (8) أحد يوم القيامة بأن يقول: يا ربّ، لم أعلم أنّ ولد فاطمة هم الولاة. و في ولد فاطمة- (عليها السلام)- أنزل اللّه هذه الآية خاصّة:
____________
(1) ليس في ق.
(2) ن: أي يصدقون بتوحيد الله.
(3) في هامش ت:
و فيه إشارة إلى مغفرة الله تعالى لشيعتهم جميعا و مواليهم لا غيرهم لأنهم آمنوا و هم المؤمنين الذين آمنهم الله تعالى من عذابه و الحمد لله وحده.
ناجي.
(4) ليس في ق.
(5) القائل البيصناوي في تفسيره 2/ 352.
(6) النساء/ 48.
(7) المعاني/ 107، ح 4.
(8) المصدر: لا يقدر.
316
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
و في روضة الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه، إذ يقول: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. و اللّه، ما أراد بهذا غيركم.
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
و في نهج البلاغة (2): عجبت لمن يقنط، و معه الاستغفار.
و فيه أيضا (3): الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة اللّه (الحديث).
و في مجمع البيان (4): و عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ما في القرآن آية أو سع من يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا (الآية).
و قيل (5): إنّ هذه الآية نزلت في وحشيّ قاتل حمزة، حين أراد أن يسلم، و خاف أن لا تقبل توبته. فلمّا نزلت الآية، أسلم. فقيل: يا رسول اللّه، هذه له خاصّة؟ أم للمسلمين عامّة؟ فقال: بل للمسلمين عامّة. و هذا لا يصحّ. لأنّ الآية نزلت بمكّة، و وحشيّ أسلم بعدها بسنين كثيرة.
لكن يمكن أن يكون قرأت عليه [الآية] (6)، فكانت سبب إسلامه.
فالآية محمولة على عمومها.
و في أصول الكافي (7): محمّد بن يحيى، [عن أحمد بن محمّد] (8)، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجزريّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول (9): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث نبيّا من أنبيائه إلى قومه. و أوحى (10) إليه أن قل لقومك إنّ رحمتي سبقت غضبي، فلا تقنطوا من رحمتي. فإنّه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (11)، عن أبيه، عن عبد الرّحمن بن حمّاد، عن بعض أصحابه، رفعه
____________
(1) الكافي 8/ 35، ح 6.
(2) النهج/ 482، الحكمة 87.
(3) نفس المصدر/ 483، الحكمة 90.
(4) المجمع 4/ 503.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) من المصدر.
(7) الكافي 2/ 274، ح 25.
8 و 9 ليس في ق.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فأحى اللّه.
(11) نفس المصدر/ 443، ح 1.
317
قال: صعد أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالكوفة المنبر. فحمد اللّه، و أثنى عليه. ثمّ قال:
يا أيّها النّاس! إنّ الذّنوب ثلاثة. ثمّ أمسك.
فقال له حبّة العرنيّ: يا أمير المؤمنين! قلت: «الذّنوب ثلاثة» ثمّ أمسكت.
فقال: ما ذكرتها إلّا و أنا أريد أن أفسّرها. و لكن عرض لي بهر (1) حال بيني و بين الكلام. نعم، الذّنوب ثلاثة. فذنب مغفور، و ذنب غير مغفور، و ذنب نرجو لصاحبه و نخاف عليه.
قال: يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فبيّنها لنا.
قال: نعم. أمّا الذّنب المغفور، فعبد عاقبة اللّه على ذنبه في الدّنيا. فاللّه أحكم (2) و أكرم من أن يعاقب عبده مرّتين. و أمّا الذنب (3) الّذي لا يغفر فمظالم العباد بعضهم لبعض. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا برز خلقه (4)، أقسم قسما على نفسه فقال: و عزّتي و جلالي، لا يجوزني ظلم ظالم، و لو كفّ بكفّ، [و لو مسحة بكفّ،] (5) و لو نطحة ما بين القرناء إلى الجمّاء (6). فيقتصّ للعباد بعضهم من بعض، حتّى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة. ثمّ يبعثهم للحساب. و أمّا الذّنب الثّالث، فذنب ستره اللّه على خلقه، و رزقه التّوبة منه. فأصبح خائفا من ذنبه، راجيا لربّه. فنحن له، كما هو لنفسه. نرجو الرّحمة، و نخاف عليه العذاب.
عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ المؤمن ليهوّل عليه في نومه، فيغفر له ذنوبه. و إنّه ليمتهن (8) في بدنه، فيغفر له ذنوبه.
و في كتاب معاني الأخبار (9)، بإسناده إلى الحسين- (عليه السلام)- قال: قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: صف لنا الموت.
____________
(1) البهر: تتابع النفس و انقطاعه من الإعياء، و ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد و العدو من التهيّج و تتابع النفس.
(2) المصدر: أحلم.
(3) ليس في ق، ش.
(4) المصدر: لخلقة.
(5) ليس في ق، ش.
(6) نطحه: أصابه بقرنه. و الجمّاء: الشاة الّتي لا قرن لها.
(7) نفس المصدر/ 444، ح 4.
(8) مهنه: خدمه و ضربه. و امتهنه: استعمله للمهنة. و المهين: الفقير الضعيف.
(9) المعاني/ 288، ح 2.
318
فقال: على الخبير سقطتم. هو أحد أمور ثلاثة يرد عليها (1): إمّا بشارة بنعيم أبدا. و إمّا بشارة بعذاب أبدا. و إمّا تخويف (2) و تهويل و أمره [ه] (3) مبهم (4) لا يدري من أيّ الفريقين (5) هو. فأمّا وليّنا المطيع لأمرنا، فهو المبشّر بنعيم الأبد. و أمّا عدوّنا المخالف علينا، فهو المبشّر بعذاب الأبد. و أمّا المبهم أمره الّذي لا يدري ما حاله، فهو المؤمن المسرف على نفسه. لا يدري ما يؤول إليه حاله. يأتيه الخبر مبهما محزنا (6) ثمّ لن يسوّيه اللّه- عزّ و جلّ- بأعدائنا. لكن يخرجه اللّه- عزّ و جلّ- من النّار بشفاعتنا. فاعملوا! و أطيعوا! و لا تتّكلوا (7)! و لا تستصغروا عقوبة اللّه- عزّ و جلّ! فإنّ من المسرفين من لا تلحقه (8) شفاعتنا، إلّا بعد [عذاب] (9) ثلاثمائة ألف سنة.
و في محاسن البرقيّ (10): عنه، عن أبيه، و محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار، عن عبّاد بن زياد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا عبّاد! ما على ملّة إبراهيم أحد غيركم! و ما يقبل (11) إلّا منكم! و لا تغفر الذّنوب إلّا لكم
و في كتاب سعد السّعود (12) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن تفسير الكلبيّ: بعث وحشيّ (13) و جماعة إلى (14) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه ما يمنعنا من دينك إلّا أنّنا سمعناك تقرأ في كتابك أنّ من يدعو مع اللّه إلها آخر، و يقتل النّفس و يزني، يلق أثاما، و يخلّد في العذاب (15). و نحن قد فعلنا هذا كلّه.
فبعث إليهم بقوله- تعالى- (16): إِلَّا مَنْ تابَ [وَ آمَنَ] (17) وَ عَمِلَ صالِحاً. فقالوا:
نخاف أن لا نعمل صالحا. فبعث إليهم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (18). فقالوا: نخاف أن لا ندخل في المشيئة. فبعث إليهم:
____________
(1) المصدر: عليه.
(2) المصدر: تحزين.
(3) من المصدر مع المعقوفتين.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: أمره الذي.
(5) المصدر: الفرق.
(6) المصدر: مخوفا.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا تتكلموا.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يحلق.
(9) من المصدر.
(10) المحاسن/ 147، ح 56.
(11) ت، ق: و لا تقبل.
(12) سعد السعود/ 211.
(13) ليس في المصدر.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: ان.
(15) إشارة إلى الآية 68 و 69 من سورة الفرقان.
(16) الفرقان/ 70.
(17) من المصحف.
(18) النساء/ 48.
319
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.
فجاءوا و أسلموا. فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لوحشيّ قاتل حمزة: غيّب وجهك عنّي. فإنّي لا أستطيع النّظر إليك. قال: فلحق (1) بالشّام (2) فمات في الخبر (3) هكذا ذكر الكلبيّ (4).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حاكيا عن اللّه- جلّ جلاله-: يا ابن آدم! بمشيئتي كنت أنت الّذي تشاء- إلى قوله:- و بسوء ظنّك قنطت من رحمتي.
و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن (7) فضّال، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: لا يعذر اللّه أحدا يوم القيامة بأن يقول: يا ربّ! لم أعلم أنّ ولد فاطمة هم الولاة! و في [شيعة] (8) ولد فاطمة أنزل اللّه هذه الآية خاصّة: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
و روى الشّيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه (9) في حديث قال: حدّثني محمّد بن الحسن الصّفّار، عن عبّاد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ دخل عليه أبو بصير. فقال له الإمام: يا أبا بصير، لقد ذكركم اللّه في كتابه، إذ يقول: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ- رَحْمَةِ اللَّهِ- إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
____________
(1) المصدر: فحلق.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: الخمر. و هو كما قال الحموي-:
شعب من أعراض المدينة. و قال ابن حجر في الإصابة: إنه مات بمحس، و لعلة الصحيح. و الخبر كما قاله ياقوت: موضع في طريق الحاج على ستة أميال من مسجد سعد بن أبي وقاص فيها بركة للخلفاء. و على كل حال لا تخلو النسخ من التصحيف. و الظاهر ما ذكره في الإصابة.
(4) في هامش ت:
أقول: إن الوحشي روي أنه لحق بمعاوية و شرب شرابا و باشر بامرأة زانية و مات في حضرتها لعنه الله مع عداوة أهل بيت نبيها- صلى الله عليه و آله-، و لذا
قال له- (عليه السلام)- غيب وجهك و الله- تعالى-: يعلم و أولياؤه. ناجي.
(5) تفسير نور الثقلين 4/ 493، ح 80.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 518، ح 21.
(7) ليس في ق، م، ش، ر، ت، ى.
(8) من المصدر مع المعقوفتين.
(9) نفس المصدر، ح 22.
320
. و اللّه، ما أراد بذلك غيركم، يا أبا محمّد! فهل سررتك؟ فقال: نعم.
محمّد بن عليّ (1)، عن عمر (2) بن عثمان، عن عمران بن سليمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لا تَقْنَطُوا مِنْ- رَحْمَةِ اللَّهِ- إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فقال: إنّ اللّه يغفر لكم الذّنوب جميعا.
قال: فقلت: ليس هكذا نقرؤه! فقال: يا أبا محمّد، فإذا غفرت الذّنوب جميعا، فلمن (3) يعذّب!؟ و اللّه، ما عنى من «عبادي» (4) غيرنا و [غير] (5) شيعتنا. و ما نزلت إلّا هكذا: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لكم الذُّنُوبَ جَمِيعاً.
وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54):
قيل (6): معناه: اجعلوا أنفسكم خالصة.
و قيل (7): ارجعوا عن الشّرك و الذّنوب إلى اللّه، فوحّدوه. و أسلموا له، و انقادوا بالطّاعة فيما يأمركم به.
وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ: محكمات القرآن.
و قيل (8): القرآن. أو: المأمور به دون المنهيّ عنه. أو: العزائم دون الرّخص. أو:
النّاسخ دون المنسوخ. و لعلّه ما هو أنجى و أسلم، كالإنابة و المواظبة على الطّاعة.! مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) بمجيئه فتتداركوا.
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: كراهة أن تقول.
و تنكير «نفس»، لأنّ القائل بعض الأنفس.
يا حَسْرَتى:
و قرئ (9) بالياء، على الأصل.
____________
(1) نفس المصدر/ 519، ح 23.
(2) المصدر: عمرو.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فلن.
(4) ن، م، ى، ر، المصدر: عباده.
(5) من المصدر.
6 و 7- مجمع البيان 4/ 503.
(8) أنوار التنزيل 2/ 326.
(9) نفس المصدر و الموضع.
321
عَلى ما فَرَّطْتُ: بما قصّرت.
فِي جَنْبِ اللَّهِ: في جانبه، أي: في حقّه، و هو طاعته.
قال سابق البريريّ (1):
أما تتّقين اللّه في جنب وامق* * * له كبد حرّى عليك مقطّع
و هو كناية فيها مبالغة، كقوله:
إنّ السّماحة و المروة و النّدى* * * في قبّة ضربت على ابن الحشرج
و قيل (2): في ذاته، على تقدير مضاف كالطّاعة.
و قيل (3): في قربه، من قوله (4): وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ.
و قرئ (5): «في ذكر اللّه».
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبته: أنا الهادي. و أنا المهديّ (7). و أنا أبو اليتامى و المساكين، و زوج الأرامل. و أنا ملجأ كلّ ضعيف، و مأمن كلّ خائف. و أنا قائد المؤمنين [إلى الجنّة] (8). و أنا حبل اللّه المتين. و أنا عروة اللّه الوثقى، و كلمة التّقوى.
و أنا عين اللّه، و لسانه الصّادق [، و يده] (9). و أنا جنب اللّه الّذي يقول: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ. و أنا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرّحمة و المغفرة.
و أنا باب حطّة. من عرفني [و عرف حقّي] (10)، فقد عرف ربّه. لأنّي وصيّ نبيّه في أرضه، و حجته على خلقه. لا ينكر هذا إلّا رادّ على اللّه و رسوله.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (11)، بإسناده إلى خيثمة الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: نحن جنب اللّه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (12): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حسان الجمّال قال: حدّثني هاشم بن أبي عمّار (13) الجنينيّ (14) قال: سمعت
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) النساء/ 36.
(5) أنوار التنزيل 2/ 326.
(6) التوحيد/ 164، ح 2.
(7) المصدر: المهتدي.
8 و 9 ليس في ق.
(10) من المصدر.
(11) كمال الدّين/ 206، ح 20.
(12) الكافي 1/ 145، ح 8.
(13) المصدر: عمارة.
(14) ن: الحسيني. و في ق، ش: الحنيني. و في المصدر: الجنبي.
322
أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: أنا عين اللّه. و أنا يد اللّه. و أنا جنب اللّه. و أنا باب اللّه.
محمّد بن يحيى (1)، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمّه حمزة بن بزيع، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [قال: جنب اللّه] (2) أمير المؤمنين- (عليه السلام). و كذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرّفيع، إلى أن ينتهي الأمر إلى آخرهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال الصّادق- (عليه السلام)- نحن جنب اللّه.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و قد زاد- جلّ ذكره- في التبيان (5) و إثبات الحجّة بقوله في أصفيائه و أوليائه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، تعريفا للخليقة قربهم. ألا ترى أنّك تقول: «فلان إلى جنب فلان»، إذا أردت أن تصف قربه منه. و إنّما جعل اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه هذه الرّموز الّتي لا يعلمها غيره و [غير] (6) أنبيائه و حججه في أرضه، لعلمه بما يحدثه (7) في كتابه المبدّلون، من إسقاط أسماء حججه منه، و تلبيسهم ذلك على الأمّة، ليعينوا على باطلهم. فأثبت فيه (8) الرّموز و أعمى قلوبهم و أبصارهم، لما عليهم في تركها و ترك غيرها من الخطاب الدّالّ على ما أحدثوه فيه.
و في مجمع البيان (9): روى العيّاشيّ بالإسناد، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: نحن جنب اللّه.
و في كتاب المناقب (10) لابن شهر آشوب: أبو ذرّ في خبر عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أبا ذرّ، يؤتى بجاحد عليّ يوم القيامة أعمى أبكم، يتكبكب في ظلمات يوم
____________
(1) نفس المصدر، ح 9.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمّي 2/ 251.
(4) الاحتجاج/ 252.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: البيان.
(6) من المصدر.
(7) ق: يحدث.
(8) المصدر: به.
(9) المجمع 4/ 505.
(10) المناقب 2/ 273.
323
القيامة، ينادي: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، و في عنقه طوق (1) من النّار.
و روى العيّاشيّ (2)، بإسناده إلى أبي الجارود، عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال: نحن جنب اللّه.
و في محاسن البرقي (3): عنه، [عن ابن محمّد،] (4) عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن يزيد الصّائغ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يا يزيد، إنّ أشدّ النّاس حسرة يوم القيامة الّذين وصفوا العدل ثمّ خالفوه. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ.
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن هوذة الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن حمران بن أعين، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا حسرتى على ما فرّطت في جنب اللّه [قال: خلقنا اللّه جزءا من جنب اللّه (6). و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ؛ يعني: في ولاية عليّ- (عليه السلام).]
و قال أيضا (7): حدّثنا عليّ بن العبّاس، عن حسن بن محمّد، عن حسين بن عليّ بن بهيس (8)، عن موسى بن أبي الغدير، عن عطاء الهمدانيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال: قال عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و أنا جنب اللّه. و أنا حسرة النّاس يوم القيامة.
و قال أيضا (9): حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن إسماعيل، عن حمزة بن بزيع، عن البنانيّ (10)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال: جنب اللّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). و كذلك من كان بعده من الأوصياء بالمكان الرّفيع، حتّى ينتهي الأمر (11) إلى الأخير منهم (12). و اللّه أعلم بما هو كائن
____________
(1) ليس في ق.
(2) نور الثقلين 4/ 495، ح 93.
(3) المحاسن/ 120، ح 134.
(4) من المصدر.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 519- 520، ح 24.
(6) المصدر: خلقنا [و] اللّه (من نور] جنب اللّه.
(7) نفس المصدر/ 520، ح 25.
(8) ق، ش: بهليس. و في ت: بعيس.
(9) نفس المصدر/ 520، ح 26.
(10) المصدر: عليّ السائي.
(11) ليس في المصدر.
(12) ق، ش، م: إلى آخرهم.
324
بعده.
و قال أيضا (1): حدّثنا أحمد بن هوذة، عن ابراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن سدير الصيرفيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول، و قد سأله رجل عن قول اللّه- عزّ و جلّ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نحن- و اللّه- خلقنا من نور جنب اللّه. و ذلك قول الكافر إذا استقرّت به الدّار: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ؛ يعني: ولاية محمّد و آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56): المستهزئين بأهله.
و محلّ: وَ إِنْ كُنْتُ نصب، على الحال. كأنّه قال: فرّطت، و أنا ساخر.
و في كتاب الخصال (2)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: نحن الخزّان لدين اللّه. و نحن مصابيح العلم. إذا مضى منّا علم (3)، بدا علم. لا يضلّ من تبعنا (4). و لا يهتدى من أنكرنا. و لا ينجو من أعان علينا عدوّنا. و لا يعان من أسلمنا. فلا تتخلّفوا عنّا لطمع دنيا و حطام زائل عنكم [و أنتم] (5) تزولون عنه. فإنّ من آثر الدّنيا على الآخرة، و اختارها علينا، عظمت حسرته غدا. و ذلك قول اللّه- تعالى-: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ.
و في بصائر الدّرجات (6): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضّالة بن أيّوب، عن القاسم بن بريد (7)، عن مالك الجهنيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: أنا شجرة من جنب اللّه. فمن وصلنا، وصله اللّه. قال ثمّ تلا هذه الآية: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ.
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي بالإرشاد إلى الحقّ، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) الشّرك و المعاصي.
____________
(1) نفس المصدر/ 520، ح 27.
(2) الخصال/ 631.
(3) ليس في ق.
(4) المصدر: اتّبعنا.
(5) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(6) البصائر/ 82، ح 5.
(7) ي، المصدر: يزيد.
325
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) في العقيدة و العمل.
و «أو» للدّلالة على أنّه لا تخلو من هذه الأقوال، تحيّرا أو تعلّلا بما لا طائل تحته.
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59):
ردّ من اللّه عليه، لما تضمّنه قوله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي من معنى النّفي. و فصله عنه، لأنّ تقديمه يفرق القرائن، و تأخير المودود يخلّ بالنّظم المطابق للوجود. لأنّه يتحسّر بالتّفريط، ثمّ يتعلّل بفقد الهداية، ثمّ يتمنّى الرّجعة.
و تذكير الخطاب على المعنى.
و قرئ (1) بالتّأنيث للنّفس.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ قال: أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً (الآية). فردّ اللّه- عزّ و جلّ- عليهم فقال: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها؛ يعني بالآيات الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم). وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ؛ يعني: باللّه.
وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، بأن وصفوه بما لا يجوز، كاتّخاذ الولد. أو ادّعوا أنّهم إمام و ليسوا بإمام (3).
وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ بما ينالهم من الشّدّة. أو: ما يتخيّل عليها من ظلمة الجهل.
و الجملة حال. إذ الظّاهر أنّ «ترى» من رؤية البصر، و اكتفى فيها بالضّمير عن الواو.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ. فإنّه
حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من ادّعى أنّه إمام، و ليس بإمام (5). قلت: و إن كان علويّا فاطميّا؟ قال: و إن كان علويّا فاطميّا.
و في كتاب اعتقادات الإماميّة (6) للصّدوق: و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 326.
(2) تفسير القمّي 2/ 251.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) في المصدر زيادة: يوم القيامة ترى الّذين كذبوا على اللّه وجوههم مسودّة.
(6) الاعتقادات/ 107.
326
قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ. قال:
من زعم أنّه إمام، و ليس بإمام. قيل: و إن كان علويّا فاطميّا؟ قال: و إن كان علويّا فاطميّا.
و في كتاب ثواب الأعمال (1): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين، عن ابن فضّال، عن معاوية بن وهب، عن أبي سلام، عن سورة بن كليب، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ. قال: من زعم أنّه إمام، و ليس بإمام.
قلت: و إن كان علويّا فاطميّا؟ قال: و إن كان علويّا فاطميّا.
و في شرح الآيات الباهرة (2): روى العيّاشيّ بإسناده إلى خيثمة بن عبد الرّحمن قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من حدّث عنّا بحديث، فنحن سائلوه عنه يوما. فإن صدق علينا، فإنّما يصدق على اللّه و على رسوله. و إن كذب علينا، فإنّما يكذب على اللّه و على رسوله. لأنّا إذا حدّثنا لا نقول: قال فلان، و قال فلان. و إنّما نقول: قال اللّه- عزّ و جلّ- و قال رسوله. ثمّ تلا هذه الآية: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ. ثمّ أشار خيثمة إلى أذنيه (3) و قال: صمّتا إن لم أكن سمعته.
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً: مقام لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) عن الإيمان و الطّاعة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)- (رحمه اللّه)-: قوله- عزّ و جلّ- أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ. قال: فإنّه
حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ في جهنّم لواديا للمتكبّرين يقال له «سقر». شكا إلى اللّه- تعالى- شدّة حرّه، و سأله أن يتنفّس. فأذن له. فتنفّس، فأحرق جهنّم.»:
وَ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا قرئ (5): «ينجي».
بِمَفازَتِهِمْ: بفلاحهم. مفعلة من الفوز.
و قرأ (6) الكوفيّون غير حفص بالجمع، تطبيقا له بالمضاف إليه.
____________
(1) ثواب الأعمال/ 254، ح 1.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 521، ح 30.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أذينة.
(4) تفسير القمّي 2/ 251.
(5) أنوار التنزيل 2/ 326.
(6) نفس المصدر/ 327.
327
و الباء فيها للسّببية صلة ل «ينجّي»، أو لقوله:
لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (61). و هو حال أو استئناف لبيان المفازة.
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: محدث كلّ شيء و مبدعه.
وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62): حافظ مدبّر.
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: لا يملك أمرها و لا يتمكّن من التّصرّف فيها غيره.
و هو كناية عن قدرته و حفظه لها. و فيها مزيد دلالة على الاختصاص. لأنّ الخزائن لا يدخلها، و لا يتصرّف فيها، إلّا من بيده مفاتيحها.
و هو جمع مقليد أو مقلاد؛ من قلّدته: إذا ألزمته.
و قيل (1): جمع إقليد- معرّب «إكليد»- على الشّذوذ؛ كمذاكير.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (63): متّصل بقوله:
وَ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا. و ما بينهما اعتراض، للدّلالة على أنّه مهيمن على العباد، مطّلع على أفعالهم، مجاز عليها.
و تغيير النّظم، للإشعار بأنّ العمدة في فلاح المؤمنين فضل اللّه، و في هلاك الكافرين أن خسروا أنفسهم. و للتّصريح بالوعد، و التّعريض بالوعيد، قضيّة للكرم أو بما يليه.
قيل (2): و المراد بآيات الله: دلائل قدرته، و استبداده بأمر السّموات و الأرض.
أو: كلمات توحيده و تمجيده.
و قد سبق أنّ المراد بالآيات. الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم). و تخصيص الخسار بكافريهم، لأنّ غيرهم له حظّ من الرّحمة و الثّواب.
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (64)؛ أي: أ فغير اللّه أعبد بعد هذه الدّلائل و المواعيد!؟
و تَأْمُرُونِّي اعتراض، للدّلالة على أنّهم أمروه به عقيب ذلك، و قالوا: استلم بعض آلهتنا، و نؤمن بإلهك، لفرط غباوتهم.
و يجوز أن ينتصب «غير» بما دلّ عليه تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ. لأنّه بمعنى: تعبدونني.
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
328
على أنّ أصله: تأمرونني أن أعبد. فحذف «أن» و رفع؛ كقوله: «أحضر الوغى» (1).
و يؤيّده قراءة (2) «أعبد» بالنّصب.
و قرأ (3) ابن عامر: «تأمرونني». بإظهار النّونين على الأصل، و نافع بحذف الثّانية.
فانّها تحذف كثيرا.
و في الآية دلالة على أنّ من أنكر الأئمّة، و أمر بالإنكار، يعبد غير اللّه، بناء على ما سبق من أنّ المراد بالآيات: الأئمّة- (عليهم السلام).
وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ؛ أي: من الرّسل.
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65):
كلام على سبيل الفرض. و المراد به تهييج الرّسل، و إقناط الكفرة، و الإشعار على حكم أمّته.
و إفراد الخطاب، باعتبار كلّ واحد. و اللّام الأولى موطّئة للقسم. و الأخريان للجواب. و عطف الخسران عليه، من عطف المسبّب على السّبب.
و في كتاب المناقب (4) لابن شهر آشوب: انّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمر بقطع لصّ. فقال اللّصّ: يا رسول اللّه، قدمته في الإسلام، و تأمره بالقطع!؟ فقال: لو كانت ابنتي فاطمة! [فسمعت فاطمة] (5) فخزنت. فنزل جبرئيل بقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.
فخزن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فنزل (6): لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
فتعجّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من ذلك. فنزل جبرئيل و قال: كانت فاطمة حزنت من قولك. فهذه الآيات لموافقتها، لترضى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن أحمد، عن عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه لنبيّه: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
____________
(1) و أصله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
و هو صدر بيت للشاعر طرفة بن العبد.
2 و 3- نفس المصدر/ 327.
(4) المناقب 3/ 324.
(5) من المصدر.
(6) الأنبياء/ 22.
(7) تفسير القمي 2/ 251.
329
. قال: تفسيرها لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية عليّ- (عليه السلام)- من بعدك، ليحبطنّ عملك، و لتكوننّ من الخاسرين.
و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن القاسم، عن عبيد بن مسلم، عن جعفر بن عبد اللّه المحمديّ، عن الحسن بن إسماعيل الأفطس، عن أبي موسى المشرقانيّ قال: كنت عنده إذ (2) حضره قوم من الكوفيّين، فسألوه عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.
فقال: ليس حيث تذهبون. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- حيث أوحى إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يقيم عليّا للنّاس علما، اندسّ إليه معاذ بن جبل فقال: أشرك في ولايته (أي الأوّل و الثاني) (3) حتّى يسكن النّاس إلى قولك، و يصدّقوك. فلمّا أنزل اللّه (4)- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، شكا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى جبرئيل، فقال: إنّ النّاس يكذّبوني، و لا يقبلون منّي! فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.
ففي هذا نزلت هذه الآية. و لم يكن اللّه ليبعث رسولا إلى العالم، و هو صاحب الشّفاعة في العصاة، يخاف أن يشرك بربّه. [و] (5) كان رسول اللّه أوثق عند اللّه من أن يقول له: «لئن أشركت بي»، و هو جاء بإبطال الشّرك و رفض الأصنام و ما عبد مع اللّه.
و إنّما عنى: تشرك في الولاية من الرّجال. فهذا معناه.
و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر مجلس آخر للرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء، بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام).
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون!؟
قال- (عليه السلام)-: بلى.
قال: فما معنى قول اللّه- إلى أن قال:- فأخبرني عن قول اللّه (7)- تعالى-:
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 522 ح 32.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و.
(3) من المصدر مع القوسين.
(4) المائدة/ 67.
(5) من المصدر مع المعقوفتين.
(6) العيون 1/ 155- 161، ح 1.
(7) التوبة/ 43.
330
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: هذا ممّا نزل ب «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة».
خاطب اللّه- تعالى- بذلك نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أراد به أمّته. و كذلك قوله- عزّ و جلّ-: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ، و قوله (1)- تعالى-: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.
قال: صدقت يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و فيه أيضا (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من أخباره المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تعالى- يحاسب كلّ خلق، إلّا من أشرك باللّه. فإنّه لا يحاسب [يوم القيامة] (3)، و يؤمر به إلى النّار.
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ:
ردّ لما أمروه به. و لو لا دلالة التّقديم على الاختصاص، لم يكن كذلك.
وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) إنعامه عليك.
و فيه إشارة إلى موجب الاختصاص.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحكم بن بهلول، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [قال:] (5) يعني: إن أشركت في الولاية غيره. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. يعني: بل اللّه فاعبد بالطّاعة. و كن من الشّاكرين أن عضدك (6) بأخيك و ابن عمّك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)- (رحمه اللّه)-: ثمّ خاطب اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه فقال:
وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. فهذه مخاطبة للنّبيّ (8)- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى لأمّته. و هو ما قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث نبيّه «إيّاك أعني و اسمعي
____________
(1) الإسراء/ 74.
(2) نفس المصدر 2/ 33، ح 66.
(3) من المصدر.
(4) الكافي 1/ 427، ح 76.
(5) من المصدر.
(6) المصور: عضدتك.
(7) تفسير القمّي 2/ 251.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: النبيّ.
331
يا جارة». و الدّليل على ذلك قوله- عزّ و جلّ-: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
و قد علم أنّ نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يعبده و يشكره، و لكن استعبد (1) نبيّه بالدّعاء إليه، تأديبا لأمّته.
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ما قدروا عظمته في أنفسهم حقّ تعظيمه؛ حيث جعلوا له شريكا، و وصفوه بما لا يليق به من أنّه فوّض أمر الإمامة إلى اختيار الأمّة.
و قرئ (2) بالتّشديد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3) في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ:
قال: نزلت في الخوارج.
وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ:
تنبيه على عظمته و كمال قدرته، و حقارة الأفعال العظام الّتي تتحيّر فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته. و دلالة على أنّ تخريب العالم أهون شيء عليه، على طريقة التّمثيل و التّخييل، من غير اعتبار القبضة و اليمين حقيقة و لا مجازا؛ كقولهم: شابت لمّة اللّيل.
و القبضة: المرّة من القبض. أطلقت بمعنى القبضة و هو المقدار المقبوض بالكفّ، تسمية بالمصدر، أو بتقدير: ذات قبضة.
و قرئ (4) بالنّصب، على الظّرف، تشبيها للمؤقّت بالمبهم.
و تأكيد «الأرض» بالجميع، لأنّ المراد بها الأرضون السّبع، أو جميع أبعاضها البادية و الغائرة.
و قرئ (5): «مطويّات» على أنّها حال، و «السّموات» معطوفة على «الأرض» منظومة (6) في حكمها.
سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67): ما أبعد و أعلى من هذه قدرته و عظمته، عن إشراكهم، أو ما يضاف إليه من الشّركاء.
و في كتاب التّوحيد (7) خطبة لعليّ- (عليه السلام). و فيها يقول: الّذي لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار و النّواحي المختلفة في طبقاته،
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: استبعد.
(2) أنوار التنزيل 2/ 328.
(3) تفسير القمّي 2/ 251- 252.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 328.
(6) ق، ش: منطوية.
(7) التوحيد/ 55، ح 13.
332
و كان- عزّ و جلّ- الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى (1) شقى أن يكون قدروه [حقّ قدره] (2)؛ فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد، و ارتفاعا عن قياس المقدّرين له بالحدود من كفرة العباد: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
فما (3) دلّك القرآن عليه من صفته، فاتّبعه ليوصل (4) بينك و بين معرفته. و ائتمّ به، و استضيء بنور هدايته. فإنّها نعمة و حكمة أوتيتهما (5)، فخذ ما أوتيت، و كن من الشّاكرين. و ما دلّك الشّيطان عليه، ممّا ليس في القرآن عليك فرضه، و لا في سنّة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أئمّة الهدى- (عليهم السلام)- أثره، فكل علمه إلى اللّه- عزّ و جلّ-. فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك.
حدّثنا (6) محمّد بن [محمّد بن] (7) عصام الكلينيّ- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكلينيّ قال: حدّثنا عليّ بن محمّد- المعروف بعلّان الكلينيّ- قال: حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد قال: سألت أبا الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. فقال:
ذلك تعيير اللّه- تبارك و تعالى- لمن شبّهه بخلقه. ألا ترى أنّه قال: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ!؟ و معناه: [ «إذ قالوا: إنّ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. كما قال (8)- عزّ و جلّ-: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] (9) إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. ثمّ نزّه- عزّ و جلّ- نفسه عن القبضة و اليمين، فقال: سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
حدّثنا (10) أحمد بن محمّد بن الهيثم العجلي (11)- (رحمه اللّه) (12)- قال: حدّثنا أحمد بن
____________
(1) كذا في المصدر. و في ق، ش: أشقى: و في غيرهما: أشفى.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: ما.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لتوسل.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أوتيتها.
(6) نفس المصدر/ 160- 161، ح 1.
(7) من المصدر.
(8) الأنعام/ 91.
(9) من المصدر.
(10) يوجد في ن، المصدر.
(11) ق، ش، م: البجلي.
(12) نفس المصدر/ 161- 162، ح 2.
333
يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلل، عن أبيه، عن أبي الحسن العبديّ، عن سليمان بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. فقال: يعني ملكه. لا يملكها معه أحد. و القبض من اللّه- تعالى- في موضع آخر: المنع. و البسط منه: الإعطاء و التّوسيع (1). كما قال (2)- عزّ و جلّ- وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. يعني: يعطي و يوسّع، و يمنع و يضيّق. و القبض منه- عزّ و جلّ- في وجه آخر: الأخذ. [و الأخذ] (3) في وجه: القبول منه. كما قال (4): وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ (5)؛ أي: يقبلها من أهلها، و يثبت عليها.
قلت: فقوله- عزّ و جلّ-: وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. قال: اليمين: اليد.
و اليد: القدرة و القوّة. يقول- عزّ و جلّ-: وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ؛ أي: بقدرته و قوّته. سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
و بإسناده (6) إلى الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول (7): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يوسف. قال: و قال زرارة: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللّه لا يوصف. و كيف يوصف، و قد قال في كتابه: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ!؟ فلا يوصف بقدر (8) إلّا كان أعظم من ذلك.
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه (10) بن جعفر، [عن] (11) السّياريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: و الّذي بعث محمّدا بالحقّ، و أكرم أهل بيته، ما من شيء يطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق، أو إفلات دابّة من صاحبها، أو ضالّة، أو آبق، إلّا و هو في القرآن. فمن أراد ذلك، فليسألني عنه.
قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أخبرني عمّا يؤمن يخبر الحرق
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: التوسّع.
(2) البقرة/ 245.
(3) يوجد في ن، المصدر.
(4) التوبة/ 104.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) نفس المصدر/ 127- 128، ح 6.
(7) يوجد في ن، المصدر.
(8) المصدر: بقدرة.
(9) الكافي 2/ 624، ح 21.
(10) المصدر: عبد الرحمن.
(11) من المصدر.
334
و الغرق. فقال: اقرأ هذه الآيات: اللَّهُ (1) الَّذِي نَزَّلَ (2) الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ- إلى قوله:- سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. فمن قرأها، فقد أمن من الحرق و الغرق.
قال: فقرأها رجل، و اضطرمت النّار في بيوت جيرانه، و بيته وسطها، فلم يصبه شيء.
و لحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب طبّ الأئمّة (3)- (عليهم السلام)-: أبو عتاب عبد اللّه بن بسطام قال:
حدّثنا إبراهيم بن محمّد الأزديّ (4)، عن صفوان الجمّال، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)-: إنّ رجلا شكا (5) إلى أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- فقال: يا ابن رسول اللّه إنّي أجد وجعا في عراقيبي (6) قد منعني عن النّهوض إلى الصّلاة (7). قال: فما يمنعك من العوذة!؟ قال: لست أعلمها.
قال: فإذا أحسست بها، فضع يدك عليها و قل: بسم اللّه [و باللّه] (8) و السّلام على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). ثمّ اقرأ عليه: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
ففعل الرّجل ذلك، فشفاه اللّه- تعالى.
و في كتاب الخصال (9) فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب، ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: من خاف منكم الغرق، فليقرأ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (10). بسم اللّه الملك القويّ (11). وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
____________
(1) يوجد في ن، المصدر.
(2) كذا في المصدر و المصحف. و في النسخ: أنزل.
(3) طبّ الأئمّة/ 33- 34.
(4) المصدر: الأودي.
(5) المصدر: اشتكى.
(6) عراقيب: جمع عرقوب: عصب غليظ فوق عقب الإنسان.
(7) كذا في المصدر. و في ق، ش: العزيز: و في ن:
الغزور. و. في سائر النسخ: الغزو.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) الخصال/ 619.
(10) هود/ 41.
(11) المصدر: الحقّ.
335
وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ:
يعني المرّة الأولى.
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ: خرّ ميّتا، أو مغشيّا عليه.
إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ:
قيل (1): جبرئيل [و ميكائيل] (2) و إسرافيل. فإنّهم يموتون بعد.
و قيل (3): حملة العرش.
و قيل (4): الشّهداء الّذين قتلوا في سبيل اللّه.
و في مجمع البيان (5): و عن أبي هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه سأل جبرئيل عن هذه الآية: من الّذين (6) لم يشأ اللّه أن يصعقهم؟ قال: هم الشّهداء، متقلّدون أسيافهم حول العرش.
و القول الأوّل، هو المرويّ [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (7) في حديث طويل مرفوع.
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى: [نفخة أخرى] (8).
و هي تدلّ على أنّ المراد بالأولى و «نفخ في الصّور» نفخة واحدة. كما صرّح به في مواضع.
و «أخرى» تحتمل النّصب و الرّفع.
و في إرشاد المفيد (9)- (رحمه اللّه)-: و لمّا عاد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من تبوك إلى المدينة، قدم عليه عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ (10). فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أسلم يا عمرو، يؤمنك اللّه من الفزع الأكبر.
فقال: يا محمّد، و ما الفزع الأكبر؟ فإنّي لا أفزع! فقال: يا عمرو، إنّه ليس كما تظنّ و تحسب. إنّ النّاس يصاح بهم صيحة واحدة، فلا يبقى ميّت إلّا نشر، و لا حيّ إلّا مات؛ إلّا ما شاء اللّه. ثمّ يصاح بهم صيحة أخرى،
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 328.
(2) ليس في ق، ش.
(3) نفس المصدر و الموضع.
4 و 5- مجمع البيان 4/ 508.
(6) ن، المصدر: الّذي.
(7) ليس في م، ي، ر.
(8) ليس في ق.
(9) الإرشاد/ 73.
(10) ليس في المصدر.
336
فينشر من مات، و يصفّون جميعا. و تنشقّ السّماء، و تهدّ الأرض. و تخرّ الجبال [هدّا] (1).
و ترمي (2) النّار بمثل الجبال شررا. فلا يبقى ذو روح إلّا انخلع [قلبه] (3)، و طاش لبّه، و ذكر ذنبه، و شغل بنفسه، إلّا ما شاء اللّه. فأين أنت- يا عمرو!- من هذا؟
قال: ألا إنّي أسمع أمرا عظيما. فآمن باللّه و برسوله، و آمن معه من قومه ناس.
و رجعوا إلى قومهم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن ثوير بن أبي فاختة، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: سئل عن النّفختين كم بينهما. قال: ما شاء اللّه. فقيل له (5): فأخبرني يا ابن رسول اللّه، كيف ينفخ فيه؟
فقال: أمّا النّفخة الأولى، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يأمر إسرافيل، فيهبط إلى الدّنيا، و معه الصّور و للصّور رأس واحد، و طرفان. و بين طرف كلّ رأس منهما [إلى الآخر، مثل] (6) ما بين السّماء إلى الأرض.
قال: فإذا رأت الملائكة إسرافيل قد هبط إلى الدّنيا، و معه الصّور، قالوا: قد أذن اللّه في موت أهل الأرض، و في موت أهل السّماء.
قال: فيهبط إسرافيل بخطيرة بيت المقدس، و يستقبل الكعبة. فإذا رأوه أهل الأرض، قالوا: قد أذن اللّه- عزّ و جلّ- في موت أهل الأرض.
قال: فينفخ (7) فيه نفخة، فيخرج الصّوت من الطّرف الّذي يلي [أهل] (8) الأرض. فلا يبقى في الأرض ذو روح إلّا صعق و مات. و يخرج الصّوت من الطّرف الّذي يلي [أهل] (9) السّموات. فلا يبقى [في السموات] (10) ذو روح إلّا صعق و مات؛ إلّا إسرافيل. [فيمكثون في ذلك ما شاء اللّه.] (11) قال: فيقول اللّه لإسرافيل: يا إسرافيل، مت! فيموت إسرافيل. فيمكثون في ذلك
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تزفر.
(3) من المصدر.
(4) تفسير القمّي 2/ 252.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(6) ليس في المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فنفخ.
8 و 9 من المصدر.
(10) ليس في ش، ق.
(11) من المصدر.
337
ما شاء اللّه. ثمّ يأمر السّموات فتمور، و يأمر الجبال فتسير. و هو قوله (1)- تعالى-: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً؛ يعني: تبسط، و تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ (2)؛ يعني: بأرض لم تكسب عليها الذّنوب بارزة، ليس عليها جبال و لا نبات؛ كما دحاها أوّل مرّة، و يعيد عرشه على الماء؛ كما كان أوّل مرّة، مستقلّا بعظمته و قدرته.
قال: فعند ذلك ينادي الجبّار- تبارك و تعالى- بصوت من قبله جهوريّ يسمع أقطار السّموات و الأرضين: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يجيبه مجيب، فعند ذلك يقول الجبّار- عزّ و جلّ- مجيبا لنفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (3). و أنا قهرت الخلائق كلّهم فأمتّهم. إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، وحدي لا شريك لي و لا وزير. و أنا خلقت خلقي بيدي. و أنا أمتّهم بمشيّتي. و أنا أحييهم بقدرتي.
قال: فينفخ الجبّار نفخة أخرى في الصّور فيخرج الصّوت من أحد الطّرفين الّذي يلي السّموات، فلا يبقى في السّموات أحد إلّا حيي و قام كما كان، و يعود حملة العرش، و تحضر الجنّة و النّار، و تحشر الخلائق للحساب.
قال: فرأيت عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يبكي عند ذلك بكاء شديدا.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: أ فتتلاشى الرّوح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟
قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصّور، فعند ذلك تبطل الأشياء و تفنى، فلا حسّ و لا محسوس. ثمّ أعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، و ذلك أربعمائة سنة يسبت (5) لسبت فيها الخلق، و ذلك بين النّفختين.
و في مجمع البيان (6): و قال قتادة في حديث رفعه: إنّما بين النّفختين أربعون (7) سنة.
فَإِذا هُمْ قِيامٌ: قائمون من قبورهم، أو متوقّفون.
و قرئ (8) بالنّصب، على أنّ الخبر يَنْظُرُونَ (68)، و هو حال من ضميره.
و المعنى يقلّبون أبصارهم في الجوانب؛ كالمبهوتين. أو ينتظرون ما يفعل بهم.
____________
(1) الطّور/ 9- 10.
(2) إبراهيم/ 48.
(3) غافر/ 16.
(4) الاحتجاج/ 350.
(5) كذا في المصدر. و في ش: نسبت. و في ق:
لسبت. و في غيرهما: تسبت.
و سبت؛ أي: استراح.
(6) المجمع 4/ 508.
(7) المصدر: أربعين.
(8) أنوار التنزيل 2/ 328.
338
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أراد اللّه أن يبعث الخلق أمطر السّماء على الأرض أربعين صباحا، فاجتمعت الأوصال و نبتت اللّحوم.
و قال: أتى جبرئيل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخذ بيده و أخرجه إلى البقيع، فانتهى به إلى قبر، فصوّت بصاحبه فقال: قم بإذن اللّه. فخرج منه رجل أبيض الرّأس و اللّحية يمسح التّراب عن رأسه (2)، و هو يقول: الحمد للّه و اللّه أكبر. فقال جبرئيل:
عد بإذن اللّه. ثمّ انتهى به إلى قبر آخر فقال: قم بإذن اللّه. فخرج منه رجل مسوّد الوجه و هو يقول: يا حسرتاه يا ثبوراه. ثمّ قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت فيه بإذن اللّه- عزّ و جلّ. فقال: يا محمّد، هكذا يحشرون يوم القيامة، فالمؤمنون يقولون هذا القول و هؤلاء يقولون ما ترى.
وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها:
قيل (3): بما أقام فيها من العدل. سمّاه نورا، لأنّه يزيّن البقاع و يظهر الحقوق؛ كما سمّى الظّلم ظلمة. و في الحديث: الظّلم ظلمات يوم القيامة. و لذلك أضاف اسمه إلى الأرض. أو بنور خلق فيها لا بتوسّط أجسام من شمس أو قمر تضيء به الأرض، و لذلك أضافه إلى نفسه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال: حدّثني القاسم بن الرّبيع قال: حدّثني صباح المدائنيّ قال: حدّثنا المفضّل بن عمر أنّه سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول في قوله- عزّ و جلّ-:
وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها قال: ربّ الأرض؛ يعني: إمام الأرض.
قلت (5): فإذا خرج، يكون ما ذا؟
قال: إذا يستغني النّاس عن ضوء الشّمس و نور القمر و تجبرون (6) بنور الإمام.
و في إرشاد المفيد (7)- (رحمه اللّه)-: و روى المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 253.
(2) المصدر: وجهه.
(3) من ن. و مصدر الكلام: أنوار التنزيل 2/ 328.
(4) تفسير القمّي 2/ 253.
(5) ليس في ت، ق.
(6) المصدر: يجتزون. و في ق، ش: تجبرون. و في ن:
تخبرون. و لعلّ الصحيح: يجتزءون؛ أي: يكتفون.
(7) الإرشاد/ 342.
339
- (عليه السلام)- يقول: إذا قام قائمنا، أشرقت الأرض بنور ربّها، و استغنى العباد عن ضوء الشّمس، و ذهبت (1) الظّلمة.
وَ وُضِعَ الْكِتابُ: للحساب و الجزاء، من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أو صحائف الأعمال في أيدي العمّال. و اكتفى باسم الجنس عن الجمع.
و قيل (2): اللّوح المحفوظ، يقابل (3) به الصّحائف.
وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ: الّذين يشهدون للأمم و عليهم من الملائكة و المؤمنين.
و قيل (4): المستشهدون الّذين استشهدوا في سبيل اللّه.
و قيل (5): هم جميع الشّهداء من الجوارح و المكان و الزّمان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قال: الشُّهَداءِ الأئمّة- (عليهم السلام). و الدّليل على ذلك قوله في سورة الحج (7): لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا أنتم يا معشر الأئمّة (8) شهداء على الناس.
وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ: بين العباد بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (69): بنقص ثواب، أو زيادة عذاب على ما جرى به الوعد.
وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ جزاءه. وَ هُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (70) فلا يفوته شيء من أفعالهم.
ثمّ فصّل التّوفية فقال: وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً: أفواجا متفرّقة بعضها في أثر بعض، على تفاوت أقدامهم في الضّلالة و الشّرارة.
و اشتقاقها من «الزّمر» و هو الصّوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه. أو من قولهم: شاة زمرة: قليلة الشّعر، و رجل زمر: قليل المروءة.
حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها: ليدخلوها، و هي سبعة أبواب.
و «حتّى» هي الّتي تحكى بعدها الجملة.
____________
(1) المصدر، ق، ش: ذهب.
(2) أنوار التنزيل 2/ 328.
(3) المصدر: يقايل.
4 و 5- مجمع البيان 4/ 509.
(6) تفسير القمّي 2/ 253- 254.
(7) الحجّ/ 78.
(8) كذا في ش. و في سائر النسخ و المصدر:
الشيعة.
340
و قرأ (1) الكوفيّون: «فتحت» بتخفيف التّاء.
وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: تقريعا و توبيخا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [من جنسكم] (2) يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا: و هو وقت دخولهم النّار (3).
قالُوا بَلى وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71): كلمة اللّه بالعذاب علينا، و هو الإخبار عنهم بالشّقاوة و أنّهم من أهل النّار.
و وضع الظّاهر فيه موضع الضّمير، للدّلالة على اختصاص ذلك بالكفرة.
و قيل (4): هو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم.
و في كتاب الخصال (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن جدّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ للنّار سبعة أبواب:
باب يدخل منه فرعون و هامان و قارون.
و باب يدخل منه المشركون و الكفّار ممّن لم يؤمن باللّه طرفه عين.
و باب يدخل منه بنو أميّة، هو لهم خاصّة [لا يزاحمهم فيه أحد،] (6) و هو باب لظى، و هو باب سقر، و هو باب الهاوية، تهوي بهم سبعين خريفا، و كلّما هوي بهم سبعين خريفا، فار بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفا، [ثمّ تهوي بهم كذلك (7) سبعين خريفا] (8) فلا يزالون هكذا أبدا خالدين مخلّدين.
و باب يدخل منه مبغضونا و محاربونا و خاذلونا، و إنّه لأعظم الأبواب و أشدّها حرّا.
قال: محمّد بن الفضيل (9) الزّرقيّ (10): فقلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الباب الّذي ذكرت عن أبيك عن جدّك- (عليهم السلام)- أنّه يدخل منه بنو أميّة، يدخله من مات
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 328.
(2) ليس في ق، ش.
(3) من ن.
(4) نفس المصدر/ 329.
(5) الخصال/ 361، ح 51.
(6) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ هوى بهم هكذا.
(8) ليس في ق.
(9) ن: الفضل.
(10) المصدر: الرزقي. و في ن، ت، م، ي، ر:
الرزني.
341
منهم على الشّرك أو من (1) ممّن أدرك الإسلام منهم؟
فقال: لا أمّ لك، ألم تسمعه يقول: و باب يدخل منه المشركون و الكفّار؟ فهذا باب يدخل منه (2) كلّ مشرك و كلّ كافر لا يؤمن بيوم الحساب، و هذا الباب الآخر يدخل منه بنو أميّة، لأنّه هو لأبي سفيان و معاوية و آل مروان خاصّة. يدخلون من ذلك الباب، فتحطّمهم النّار فيه حطما لا يسمع لهم فيها واعية و لا يحيون فيها و لا يموتون.
و في مجمع البيان (3): «لها سبعة أبواب» فيه قولان: أحدهما، ما روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّ جهنّم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض، و وضع إحدى يديه على الأخرى، فقال: هكذا، و أنّ اللّه وضع الجنان على العرض، و وضع النّيران بعضها فوق بعض؛ فأسفلها جهنّم، و فوقها لظى، و فوقها الحطمة، [و فوقها سقر،] (4) و فوقها الجحيم، و فوقها السّعير، و فوقا الهاوية.
و في رواية الكلبيّ (5): أسفلها الهاوية و أعلاها جهنّم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): عن أبي بصير قال: يؤتى بجهنّم لها سبعة أبواب: بابها الأوّل للظّالم (7) و هو زريق، و بابها الثّاني لحبتر (8)، و الثّالث للثّالث، و الرّابع لمعاوية، و الخامس لعبد الملك، و السّادس لعكر (9) بن هوس (10)، و السّابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن أتّبعهم.
و في كتاب الخصال (11)، في سؤال بعض اليهود عليّا- (عليه السلام)- عن الواحد إلى المائة: قال له اليهوديّ: فما السّبعة؟
قال: سبعة أبواب النّار متطابقات (12).
قال: فما الثّمانية؟
____________
(1) كذا في المصدر. و في ن: فمن. و غيرها: ممّن.
(2) المصدر: فيه.
(3) المجمع 3/ 338.
(4) يوجد في ق، ش، المصدر.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) رواه في نور الثقلين 4/ 505، ح 125، عن العيّاشي، و هكذا يوجد في البحار 8/ 301، ح 57.
(7) كذا في البحار. و في النسخ: للظالمين.
(8) كذا في البحار. و في ن: لخبيث الناس. و في ي: الخبيث الناس. و في ت، ر: لخبيث. و في سائر النسخ: الخبيث.
و «حبتر» كناية عن عمر. و معناه: الثعلب.
(9) ن، ى: لمعكر. و في البحار: لعسكر.
(10) في المصدرين: هوسر.
(11) الخصال/ 597، ح 1.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: متطابقا.
342
قال: ثمانية أبواب الجنّة (1).
و فيه، أيضا (2)، في بيان مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها: قال- (عليه السلام)-: و أمّا التّاسعة و الثّلاثون، فإنّي سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: كذب من زعم أنّه يحبّني و يبغض عليّا، لا يجتمع حبّي و حبّه إلّا في قلب مؤمن، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل أهل حبّي و حبّك، يا عليّ، في أوّل زمرة (3) أوّل السّابقين إلى الجنّة، و جعل أهل بغضي و بغضك في أوّل زمرة الضّالّين من أمّتي الى النّار.
و في كتاب ثواب الأعمال (4)، بإسناده إلى أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أخبرني عن أوّل (5) من يدخل النّار.
قال: إبليس، و رجل عن يمينه و رجل عن يساره.
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72).
اللّام فيه للجنس، و المخصوص بالذّمّ سبق ذكره.
وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ قيل (6): إسراعا بهم إلى دار الكرامة.
و قيل (7): سيق مراكبهم، إذ لا يذهب بهم إلّا راكبين.
و قيل (8): ذكر السّوق للمقابلة.
زُمَراً: على تفاوت مراتبهم في الشّرف و علوّ الطّبقة.
حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها حذف جواب «إذا» للدّلالة على أنّ لهم حينئذ من الكرامة و التّعظيم مالا يحيط به الوصف، و أنّ أبواب الجنّة تفتح لهم قبل مجيئها غير منتظرين.
و قرأ (9) الكوفيّون: «فتحت» بالتّخفيف.
و في كتاب الخصال (10): عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ
____________
(1) ق، ش: الجنّات.
(2) نفس المصدر/ 577، ح 1.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: في زمرة أوّل. و في ن زيادة: المساكين.
(4) ثواب الأعمال/ 225، ح 2.
(5) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: بأوّل.
6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 329.
(8) مجمع البيان 4/ 510.
(9) أنوار التنزيل 2/ 329.
(10) الخصال/ 407، ح 6.
343
- (عليهم السلام)- قال: إنّ للجنّة ثمانية أبواب:
باب يدخل منه النّبيّون و الصّدّيقون.
و باب يدخل منه الشّهداء و الصّالحون.
و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبّونا، فلا أزال واقفا على الصّراط أدعو و أقول:
ربّ، سلّم شيعتي و محبّي و أنصاري و من تولّاني في دار الدّنيا. فإذا النّداء من بطنان العرش: قد أجيبت دعوتك، و شفعت في شيعتك. و يشفع كلّ رجل من شيعتي و من تولّاني و نصرني و حارب من حاربني، بفعل أو قول، في سبعين ألفا (1) من جيرانه و أقربائه.
و باب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد (2): أن لا إله إلّا اللّه، و لم يكن في قلبه مثقال (3) ذرّة من بغضنا؛ أهل البيت.
و عن أبي جعفر (4)- (عليه السلام)- قال: أحسنوا الظّنّ باللّه، و اعلموا أنّ للجنّة ثمانية أبواب، عرض كلّ باب منها مسيرة (5) أربعمائة (6) سنة.
و في أمالي الصّدوق (7)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)؛ جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ- (عليهم السلام)- حديث طويل، و فيه: و من صلّى ثلث ليلة، لم يبق ملك إلّا غبطه بمنزلته من اللّه- عزّ و جلّ. و قيل له: ادخل من أيّ أبواب الجنّة الثّمانية شئت.
و في روضة الواعظين (8) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لعثمان بن مظعون: للجنّة ثمانية أبواب، و للنّار سبعة أبواب.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تهذيب الأحكام (9): محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن وهب، عن جعفر، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: للجنّة باب يقال لها (10):
باب المجاهدين، يمضون إليه فإذا هو مفتوح، و هم متقلّدون بسيوفهم، و الجمع في الموقف، و الملائكة تزجر، فمن ترك الجهاد، ألبسه اللّه ذلّا و فقرا في معيشته و محقا في دينه. إنّ اللّه أعزّ أمّتي بسنابك خيلها و مراكز رماحها.
____________
(1) المصدر: ألف.
(2) المصدر: شهد.
(3) المصدر: مقدار.
(4) نفس المصدر/ 408، ح 7.
(5) ليس في ق.
(6) المصدر: أربعين.
(7) نور الثقلين 4/ 506، ح 131.
(8) نفس المصدر، ح 132.
(9) التهذيب 6/ 123، ح 213.
(10) كذا. و الصحيح: له.
344
و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، [عن محمّد بن زياد،] (2) عن محمّد بن أورمة، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: تنافسوا في المعروف لإخوانكم و كونوا من أهله، فإنّ للجنّة بابا يقال له: المعروف، لا يدخله إلّا من اصطنع المعروف في الحياة الدّنيا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في قرب الإسناد (3) [للحميريّ، بإسناده] (4) إلى الحسين بن علوان: عن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ للجنّة بابا يقال له: باب المعروف، [لا يدخله إلّا أهل (5) المعروف] (6).
و في مجمع البيان (7): و عن سهل بن سعد السّاعديّ، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ في الجنّة ثمانية أبواب، منها باب يسمّى: الرّيّان، لا يدخلها إلّا الصّائمون. رواه البخاريّ و مسلم في الصّحيحين.
و في من لا يحضره الفقيه (8)، في خبر بلال: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: قلت لبلال: فما أبوابها؛ يعني: الجنّة؟
قال: إنّ أبوابها مختلفة، باب الرّحمة من ياقوتة حمراء.
[قلت: فما حلقته؟
فقال: ويحك! كفّ عنّي، فقد كلّفتني شططا.
قلت: ما أنا بكافّ عنك حتّى تؤدّي إلىّ ما سمعت من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).] (9) قال: اكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. أمّا باب الصّبر، فباب صغير له مصراع واحد من ياقوتة حمراء [لا حلق له] (10). و أمّا باب الشّكر، فإنّه من ياقوتة بيضاء، لها مصراعان، مسيرة [ما بينهما] (11) مسيرة (12) خمسمائة عام، له ضجيج و حنين يقول: اللّهمّ، جئني (13) بأهلي.
____________
(1) الكافي 2/ 195، ح 10.
(2) ليس في المصدر.
(3) قرب الإسناد/ 56.
(4) ليس في ق، ش.
(5) ليس في ن، ى، ق.
(6) ليس في ق.
(7) المجمع 4/ 511.
(8) الفقيه 1/ 192، ح 905.
(9) من المصدر.
(10) من المصدر.
(11) ليس في ن، ت.
(12) ليس في ق، ش، ن، ت.
(13) كذا في المصدر. و في النسخ: جنبني.
345
قال: قلت: هل يتكلّم الباب؟
قال: نعم، ينطقه اللّه- ذو الجلال و الإكرام. و أمّا باب البلاء.
قلت: أليس باب البلاء هو باب الصّبر؟
قال: لا.
قلت: فما البلاء؟
قال: المصائب و الأسقام و الأمراض و الجذام. و هو باب من ياقوتة صفراء، له (1) مصراع واحد ما أقلّ من يدخل فيه! [قلت: يرحمك اللّه؛ زدني و تفضّل عليّ فإنّي فقير.
فقال: يا غلام، لقد كلّفتني شططا.] (2) أمّا الباب الأعظم فيدخل منه العباد الصّالحون، و هم أهل الزّهد و الورع و الرّاغبون إلى اللّه- عزّ و جلّ- المستأنسون به.
و في روضة الكافي (3)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا، يقول فيه: اعلموا، عباد اللّه، أنّ أهل الشّرك لا تنصب لهم الموازين و لا تنشر لهم الدّواوين، و إنّما يحشرون إلى جهنّم زمرا، و إنّما نصب الموازين و نشر الدّواوين لأهل الإسلام.
و في نهج البلاغة (4): وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها] (5) قد أمن العذاب، و انقطع العتاب (6)، و زحزحوا عن النّار، و اطمأنّت بهم (7) الدّار، و رضوا المثوى و القرار. الّذين كانت أعمالهم في الدّنيا زاكية، و أعينهم باكية، و كان ليلهم في دنياهم نهارا تخشّعا و استغفارا، و كان نهارهم ليلا توحّشا و انقطاعا، فجعل اللّه لهم الجنّة ثوابا (8) وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها (9) في ملك دائم، و نعيم قائم.
وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ: لا يعتريكم بعد مكروه.
طِبْتُمْ: طهرتم عن دنس المعاصي.
فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73): مقدّرين الخلود.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 8/ 75، ح 29.
(4) النهج/ 282، الخطبة 190.
(5) ليس في المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: العقاب.
(7) ق، ش: و اطمأنّ لهم.
(8) المصدر: مآبا، و الجزاء ثوابا.
(9) الفتح/ 26.
346
و «الفاء» للدّلالة على أنّ الطّيب سبب لدخولهم و خلودهم، و هو لا يمنع دخول العاصي لأنّه يطهّر بالتّوبة أو غيرها ثمّ يدخلها.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه و قد ذكر عليّا- (عليه السلام)- و أولاده- (عليهم السلام)-: ألا إنّ أولياءهم (2) الّذين يدخلون الجنّة آمنين، و تتلقّاهم الملائكة بالتّسليم أن طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ.
و في كتاب التّوحيد (3)، حديث طويل: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله (4)- عزّ و جلّ-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. فإنّ ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء اللّه- عزّ و جلّ- بعد ما يفرغون (5) من الحساب إلى نهر يسمّى: الحيوان، فيغتسلون فيه و يشربون منه، فتنضر وجوههم إشراقا، فيذهب عنهم كلّ قذى و وعث (6)، ثمّ يؤمرون بدخول الجنّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربّهم كيف يثيبهم و منه يدخلون الجنّة، فذلك قوله- عزّ و جلّ- في تسليم الملائكة عليهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنّة و النّظر إلى ما وعدهم [ربّهم] (7)، فذلك قوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. و إنّما يعني بالنّظر إليه: النّظر إلى ثوابة- تبارك و تعالى.
وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ: بالبعث و الثّواب.
وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ؛ يريدون: المكان الّذي استقرّوا فيه على الاستعارة.
قيل (8): و «إيراثها» تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم. أو تمكينهم من التّصرف فيها، تمكين الوارث فيما يرثه.
و قيل (9): ورثوها من أهل النّار.
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ؛ أي: يتبوّأ كلّ منّا في أيّ مقام أراده في الجنّة. و هذا إشارة إلى كثرة قصورهم و منازلهم، وسعة نعيمهم.
____________
(1) الاحتجاج/ 63.
(2) في المصدر زيادة: الّذين وصفهم اللّه فقال.
(3) التوحيد/ 262، ح 5.
(4) القيامة/ 22- 23.
(5) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: يفرغ.
(6) القذى: ما يقع في العين. و الوعث: الهزال: ثمّ استعير لكلّ أمر شاقّ من تعب أو إثم.
(7) من المصدر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 329.
(9) مجمع البيان 4/ 511.
347
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74): الجنّة.
و في الكافي (1): سهل بن زياد قال: روى أصحابنا أنّ حدّ القبر إلى التّرقوة، و قال بعضهم: إلى الثّدي، و قال بعضهم: قامة الرّجل حتّى يمدّ الثّوب على رأس من في القبر، و أمّا اللّحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس.
قال: و لمّا حضر عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- الوفاة، أغمي عليه، فبقي ساعة، ثمّ رفع عنه الثّوب، ثمّ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي [صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الجنّة نتبوّأ منها حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ.
ثمّ قال: احفروا لي و ابلغوا إلى الرّشح. ثمّ مدّ الثّوب عليه، فمات- (عليه السلام).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)- (رحمه اللّه)-: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ منها (3) حيث نشاء»؛ يعني: أرض الجنّة.
حدّثني أبي (4) قال: حدّثنا إسماعيل بن همّام، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: لمّا حضر عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- الوفاة أغمي عليه ثلاث مرّات، فقال في المرّة الأخيرة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. ثمّ مات.
و في أصول الكافي (5): محمّد بن أحمد، عن عمّه؛ عبد اللّه بن الصّلت، عن الحسن (6) بن عليّ بن بنت إلياس، عن أبي الحسن قال: سمعته يقول: عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- لمّا حضرته الوفاة، أغمي عليه، ثمّ فتح عينيه و قرأ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ و إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. و قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. ثمّ قبض من ساعته و لم يقل شيئا.
و بإسناده (7) إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: إذا جمع اللّه الأوّلين و الآخرين قام مناد فنادى يسمع النّاس، فيقول: أين المتحابّون في اللّه؟
____________
(1) الكافي 3/ 165، ح 1.
(2) تفسير القمّي 2/ 254.
(3) المصدر و المصحف: من الجنّة.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) الكافي 1/ 468، ح 5.
(6) كذا في ن، المصدر. و في سائر النسخ: الحسين.
(7) نفس المصدر 2/ 126، ح 8.
348
قال: فيقوم عنق من النّاس، فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب.
قال: فتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟
فيقولون: إلى الجنّة بغير حساب.
قال (1): فيقولون: فأيّ حزب أنتم من النّاس؟
يقولون: نحن المتحابّون [في اللّه] (2).
قال: فيقولون: و أيّ شيء كانت أعمالكم؟
قالوا: كنّا نحبّ في اللّه و نبغض في اللّه.
قال: فيقولون: فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ.
عليّ بن إبراهيم (3)، [عن أبيه] (4) عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب قال: سمعت أبا حمزة يقول: سمعت العبد الصّالح يقول: من زار أخاه المؤمن للّه، لا لغيره، يطلب به ثواب اللّه و يرجو (5) ما وعد اللّه- عزّ و جلّ- و كلّ اللّه- عزّ و جلّ- به سبعين ألف ملك من حين يخرج من منزلة حتّى يعود إليه، ينادونه: ألا طبت و طابت لك الجنّة، تبوّأت من الجنّة منزلا.
و في شرح الآيات الباهرة (6): ذكر الكراجكيّ- (رحمه اللّه)- في كنز الفوائد، بإسناده، عن رجاله مرفوعا إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة يقبل قوم على نجائب من نور، ينادون بأعلا أصواتهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ و أورثنا أرضه نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ.
قال: فتقول الخلائق: هذه زمرة الأنبياء.
فإذا النّداء من قبل اللّه- عزّ و جلّ-: هؤلاء شيعة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، فهم (7) صفوتي من عبادي و خيرتي من بريتّي.
فيقول الخلائق: إلهنا و سيّدنا، بما نالوا هذه الدّرجة؟
فإذا النّداء من اللّه: بتختّمهم باليمين (8)، و صلاتهم إحدى و خمسين، و إطعامهم
____________
(1) يوجد في ي، ر، المصدر.
(2) ليس في ن، ت، ش، ق.
(3) نفس المصدر 2/ 178، ح 15.
(4) ليس في ن، ت، ش، ق.
(5) المصدر: و تنجّز.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 524، ح 38.
(7) المصدر: فهو.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: في اليمين.
349
المسكين، و تعفيرهم الجبين، و جهرهم «ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*».
وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ: محدقين.
مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ؛ أي: حوله.
و «من» مزيدة، أو لابتداء الحفوف.
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ: متلبّسين بحمده.
و الجملة حال ثانية، أو مقيّدة للأولى.
قيل (1): و المعنى: ذاكرين له بوصفي جلاله و إكرامه تلذّذا به. و فيه إشعار بأنّ منتهى درجات العلّيّين و على لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحقّ.
و قيل (2): ينزهون اللّه- تعالى- عمّا لا يليق به، و يذكرونه بصفاته الّتي هو عليها.
و قيل (3): يحمدون اللّه حيث دخل الموحّدون الجنّة.
وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ؛ أي: بين الخلق بإدخال بعضهم النّار و بعضهم الجنّة.
أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم.
وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75)؛ أي: على ما قضى بيننا بالحقّ.
و القائلون هم المؤمنون من المقضيّ بينهم، أو الملائكة و طيّ ذكرهم لتعيّنهم و تعظيمهم.
و في كتاب التّوحيد (4) خطبة عجيبة لأمير المؤمنين عليّ- (عليه السلام): و فيها: ثمّ إنّ اللّه- و له الحمد- افتتح الكتاب بالحمد (5) لنفسه، و ختم أمر الدّنيا و مجيء الآخرة بالحمد لنفسه، فقال: وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و في شرح الآيات الباهرة (6): ورد من طريق العامّة في أحاديث عليّ بن الجعد، عن قتادة، عن أنس بن مالك في تفسير قوله- تعالى-: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا كانت ليلة (7) المعراج، نظرت تحت العرش أمامي، [فإذا أنا بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 329.
(2) وصف الجلال الوصف السلبيّ و الإكرام الوصف الثبوتي. و الأوّل يستفاد من التسبيح الّذي هو التنزيه، و الثاني من الحمد.
(3) مجمع البيان 4/ 511.
(4) التوحيد/ 32- 33، ح 1.
(5) يوجد في ن، ى، المصدر.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 525، ح 40.
(7) ليس في ق.
350
قائم أمامي] (1) تحت العرش يسبّح اللّه و يقدّسه.
فقلت: يا جبرئيل، سبقني (2) شيعني عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- إلى هاهنا؟
قال: لا، و لكنّي أخبرك، يا محمّد، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يكثر من الثّناء و الصّلاة على عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فوق عرشه، فاشتاق العرش إلى رؤية عليّ، فخلق اللّه هذا الملك على صورة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- تحت العرش لينظر إليه العرش فيسكن شوقه، و جعل اللّه- سبحانه- تسبيح هذا الملك و تقديسه و تمجيده [ثوابا] (3) لشيعة أهل بيتك، يا محمّد.
فعلى محمّد و أهل بيته من ربّ العرش العظيم أفضل الصّلاة و أكمل التّسليم، ما نسمت هبوب و هبّ نسيم.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) كذا في المصدر. و في ت: سبقت. و في غيرها:
شيعني.
(3) من المصدر مع المعقوفتين.
351
تفسير سورة المؤمن (غافر)
353
تفسير سورة المؤمن مكيّة.
قيل (1): إلّا آيتين منها نزلت بالمدينة: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ- إلى قوله: لا يَعْلَمُونَ (2).
و قيل (3): إلّا قوله: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ (4).
و آياتها خمس، أو اثنتان و ثمانون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (5)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ حم المؤمن في كلّ ليلة غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، و ألزمه كلمة التّقوى، و جعل الآخرة خيرا له من الدّنيا.
و بإسناده (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحواميم رياحين القرآن، فإذا قرأتموها فاحمدوا اللّه و اشكروه كثيرا لحفظها و تلاوتها. إنّ العبد ليقوم و يقرأ الحواميم فيخرج من فيه أطيب من المسك الأذفر و العنبر، و أنّ اللّه- عزّ و جلّ- ليرحم تاليها و قارئها، و يرحم جيرانه و أصدقائه و معارفه و كلّ حميم و قريب له، و أنّه في يوم القيامة
____________
(1) مجمع البيان 4/ 512.
(2) المؤمن/ 56- 57.
(3) مجمع البيان 4/ 512.
(4) المؤمن/ 55.
(5) ثواب الأعمال/ 140، ح 1.
(6) نفس المصدر/ 141- 142، ح 1.
354
يستغفر له العرش و الكرسيّ و ملائكة اللّه المقرّبون.
و في مجمع البيان (1): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة حم المؤمن لم يبق روح نبيّ و لا صدّيق و لا مؤمن إلّا صلّوا عليه و استغفروا له.
و روى (2) أبو برزة (3) الأسلميّ، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليقرأ الحواميم في صلاة اللّيل.
أنس بن مالك (4)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: الحواميم تاج (5) القرآن.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)- (رحمه اللّه)-: الحسن، عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ الحواميم في ليله قبل أن ينام كان في درجة محمّد و آل محمّد و إبراهيم و آل إبراهيم- (صلوات اللّه عليهما)- و كلّ قريب له أو بسبيل إليه.
ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الحواميم تأتي يوم القيامة أنثى من أحسن النّاس وجها و أطيبها، معها ألف ألف ملك، مع كلّ ملك ألف ألف ملك حتّى تقف بين يدي اللّه.
فيقول لها الرّبّ: من الّذي يقرؤك فيقضي قراءتك؟ فيقوم طائفة من النّاس لا يحصيهم إلّا اللّه، فيقول لهم: لعمري، لقد أحسنتم تلاوة الحواميم و قمتم بها في حياتكم الدّنيا، و عزّتي و جلالي، لا تسألوني اليوم شيئا كائنا ما كان إلّا أعطيتكم، و لو سألتموني جميع جناني أو جميع ما أعطيته عبادي الصّالحين و أعددته لهم. فيسألونه جميع ما أرادوا و تمنّوا، فيعطيهم جميع (7) ما أرادوا و تمنّوا، ثمّ يؤمر بهم إلى منازلهم في الجنّة، و قد أعدّ لهم فيها ما لم يخطر على بال ممّا لا عين رأت و لا أذن سمعت.
حم (1):
أماله (8) ابن عامر و حمزة و الكسائيّ و أبو بكر صريحا، و نافع برواية ورش و أبو عمرو بين بين.
____________
(1) المجمع 4/ 512.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ن: أبو بررت. و في ت: أبو بردة. و في المصدر:
أبو بريرة.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) المصدر: ديباج.
(6) نور الثقلين 4/ 510، ح 6.
(7) ليس في ن.
(8) أنوار التنزيل 2/ 330.
355
و قرئ (1)، بفتح الميم، على التّحريك لالتقاء السّاكنين، أو النّصب بإضمار «اقرأ».
و منع صرفه للتّأنيث و التعريف، أو لأنّها على زنة أعجمي؛ كقابيل و هابيل.
و قد مرّ تفسيره (2).
و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: أمّا حم فمعناه: الحميد المجيد.
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2).
لعلّ تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإعجاز و الحكم الدّالّ على القدرة الكاملة و الحكمة البالغة.
غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ:
[في تفسير عليّ بن ابراهيم (4): ذلك خاصّة لشيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام).] (5) شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ قيل (6): هذه صفات أخر لتحقيق ما فيه من التّرغيب و التّرهيب و الحثّ على ما هو المقصود منه، و الإضافة حقيقة على أنّه لم يرد بها زمان مخصوص.
و أريد «بشديد العقاب» مشدّده، أو الشّديد عقابه (7)، فحذف الضّمير للازدواج (8) و أمن الالتباس أو إبدال، و جعله وحده بدلا مشوّش للنّظم.
و توسيط الواو بين الأوّلين لإفادة الجمع بين محو الذّنوب و قبول التّوبة، أو تغاير الوصفين إذ ربّما يتوهّم الاتّحاد.
و «التّوب» مصدر؛ كالتّوبة، و قيل: جمعها. و «الطّول» الفضل.
و في توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرّحمة دليل رجحانها.
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
(2) في غير ن، ى، زيادة: و في تفسير عليّ بن إبراهيم، ذلك خاصّة لشيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام).
(3) المعاني/ 22، ح 1.
(4) تفسير القمّي 2/ 254.
(5) من ن، ي.
(6) أنوار التنزيل 2/ 330.
(7) إنّما قال ذلك لأنّ الإضافة في شَدِيدِ الْعِقابِ إضافة لفظيّة، لأنّها إضافة الصفة المشبّهة، فلا تفيد الإضافة التعريف. فلا يصحّ أن يكون صفة للمعرفة، و هو اللّه.
(8) أي لأجل المناسبة مع سائر أقرانه.
356
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: فيجب الإقبال الكلّيّ (1) على عبادته. إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3):
فيجازي المطيع و العاصي.
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:
لمّا حقّق أمر التّنزيل سجّل بالكفر على المجادلين فيه بالطّعن و إدحاض الحقّ، لقوله (2)- تعالى-: وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ؛ أي: لا يخاصم في دفع حجج اللّه و إنكارها إلّا الّذين كفروا.
فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4): فلا يغررك إمهالم و إقبالهم في دنياهم و تقلّبهم في بلاد الشّام و اليمن بالتّجارات المربحة، فإنّهم يؤخذون عمّا قريب بكفرهم أخذ من قبلهم؛ كما قال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ الْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ: و الّذين تحزّبوا على الرّسل و ناصبوهم بعد قوم نوح؛ كعاد و ثمود.
في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سمرة (4) قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لعن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا، و من جادل في آيات اللّه فقد كفر، قال اللّه- عزّ و جلّ-: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ: من هؤلاء بِرَسُولِهِمْ.
و قرئ (5): «برسولها».
لِيَأْخُذُوهُ: ليتمكّنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب.
و قيل (6): من الأخذ، بمعنى: الأسر.
وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ: بما لا حقيقة له.
لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ: ليزيلوه به.
فَأَخَذْتُهُمْ: بالإهلاك جزاء لهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (5) فإنّكم تمرّون على ديارهم و ترون أثره، و هو تقرير فيه تعجيب.
وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ: وعيده (7)، أو قضاؤه بالعدل عَلَى الَّذِينَ
____________
(1) ليس في ق.
(2) المؤمن/ 5.
(3) كمال الدين/ 256، ح 1.
(4) م، ش، ق: حمزة.
(5) أنوار التنزيل 2/ 330.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ق، ش، م: وعده.
357
كَفَرُوا للكفر.
أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (6): بدل من كلمة «ربّك» بدل الكلّ، أو الاشتمال، على إرادة اللّفظ أو المعنى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الحميريّ، [عن أبيه] (2) عن محمّد بن الحسين و محمّد بن عبد الجبّار، جميعا، عن محمّد بن سنان، عن المنحل (3) بن خليل البرقيّ (4)، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ؛ يعني: بني أميّة.
ثمّ أخبر- سبحانه- عن حال المؤمنين و أنّه تستغفر لهم الملائكة مع عظم منزلتهم عند اللّه، فقال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ؛ أي: الحاملين له امتثالا لأمر اللّه.
وَ مَنْ حَوْلَهُ؛ أي: المطيّفين بالعرش، و هم الكروبيّون و سادة الملائكة.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (5): قال: حدّثني جعفر بن محمّد الفزاريّ (6) قال:
حدّثني أحمد بن الحسين بن (7) محمّد بن حاتم، عن هارون بن الجهم، عن محمّد بن مسلم قال:
سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: قول اللّه- تعالى-: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ؛ يعني: محمّدا و عليّا و الحسن و الحسين و إبراهيم و إسماعيل و موسى و عيسى- (صلوات اللّه عليهم).
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ: يذكرون اللّه بمجامع الثّناء من صفات الجلال و الإكرام، و جعل التّسبيح أصلا و الحمد حالا لأنّ الحمد مقتضى حالهم دون التّسبيح؛ أي: ينزّهونه عمّا يصفه هؤلاء المجادلون.
وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ:
أخبر عنهم بالإيمان، إظهارا لفضله [و تعظيما لأهله] (8) و مساق الآية لذلك؛ كما صرّح به بقوله (9): وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، و (10) إشعارا بأنّ حملة العرش و سكّان الفرش (11) في
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 255.
(2) ليس في ق، ش.
(3) م، ى، ر: المسنخل. و في المصدر: المنخل.
(4) المصدر: الرقي.
(5) تفسير فرات الكوفي/ 140.
(6) م، ش، ق، ت، ى، ر: الفراري.
(7) المصدر: عن.
(8) من أنوار التنزيل 2/ 331.
(9) ليس في ق.
(10) لا يوجد «و» في أنوار التنزيل 2/ 331.
(11) كذا في أنوار التنزيل 3/ 331. و في النسخ:
العرش
358
معرفته سواء (1)، ردّا على المجسّمة.
و «استغفارهم» شفاعتهم، و حملهم على التّوبة، و إلهامهم ما يوجب المغفرة.
و فيه تنبيه على أنّ المشاركة في الإيمان توجب النّصح و الشّفقة، و إن تخالفت الأجناس، لأنّها أقوى المناسبات؛ كما قال (2)- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
و في روضة الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، إنّ للّه ملائكة يسقطون الذّنوب عن ظهور شيعتنا؛ كما يسقط الرّيح الورق في أوان سقوطه، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. استغفارهم، و اللّه، لكم دون هذا الخلق.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن أحمد (4)، عن عبد اللّه بن الصّلت، عن يونس، عمّن ذكره، عن أبي بصير قال (5): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أبا محمّد، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- له ملائكة (6) يسقطون الذّنوب عن ظهور شيعتنا؛ كما تسقط الرّيح الورق من الشّجر أوان سقوطه، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
و اللّه، ما أراد غيركم.
و في عيون الأخبار (7)، بإسناده: عن الرّضا- (عليه السلام)- [عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (8) حديث طويل، و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و إنّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا، يا عليّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. بولايتنا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود
____________
(1) كان الأولى أن يقال: «في الإيمان به سواء».
و يكون هذا ردّا على المجسّمة، لأنّه لو كان تعالى- جسما مستعليا على العرش- كما قاله المجسّمة- لكان حملة العرش مشاهدين له، فما وصفوا بالإيمان في معرض المدح.
(2) الحجرات/ 10.
(3) الكافي 8/ 34، ح 6.
(4) نفس المصدر/ 304، ح 470.
(5) يوجد في ن، المصدر.
(6) المصدر: إنّ للّه- عزّ و جلّ- ملائكة.
(7) نور الثقلين 4/ 511، ح 12.
(8) من المصدر.
(9) تفسير القمّي 2/ 255.
359
المنقريّ، عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل: الملائكة أكثر أم بنو آدم؟
فقال: و الّذي نفسي بيده، [لعدد] (1) ملائكة اللّه في السّموات أكثر من عدد التّراب في الأرض، و ما في السّماء موضع قدم إلّا و فيه (2) ملك يسبّحه و يقدّسه، و لا في الأرض شجرة و لا مدر إلّا و فيها ملك موكّل بها يأتي اللّه كلّ يوم بعملها، و اللّه أعلم بها، و ما منهم أحد إلّا و يتقرّب كلّ يوم إلى اللّه بولايتنا؛ أهل البيت، و يستغفر لمحبّينا، و يلعن أعداءنا، و يسأل اللّه- عزّ و جلّ- أن يرسل عليهم العذاب إرسالا.
و في الحديث السّابق المنقول عن تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، متّصلا بقوله: بني أميّة.
و قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ؛ يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأوصياء من بعده يحملون علم اللّه. وَ مَنْ حَوْلَهُ؛ يعني: الملائكة. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ يعني: شيعة آل محمّد.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (4): قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن عبيد قال:
حدّثنا الحسن (5) بن جعفر قال: حدّثنا الحسين [بن جعفر] (6) قال: حدّثنا [الحسين الشوا قال: حدّثنا] (7) محمّد؛ يعني: ابن (8) عبد اللّه الحنظليّ قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا سليمان الأعمش قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-؛ جعفر بن محمّد و قلت له: جعلت فداك، إنّ النّاس يسمّونا: روافض، فما الرّوافض؟
فقال: و اللّه، ما هم سمّوكموه، و لكنّ اللّه سمّاكم به في التّوراة و الإنجيل على لسان موسى و لسان (9) عيسى، و ذلك أنّ سبعين رجلا من قوم فرعون رفضوا دين (10) فرعون فدخلوا في دين موسى، فسمّاهم اللّه- تعالى- الرّافضة، و أوحى إلى موسى: أن أثبت لهم [هذا الاسم] (11) في التّوراة حتّى يملكونه على لسان محمّد، ففرّقهم اللّه فرقا كثيرة و تشعّبوا شعبا كثيرة، فرفضوا الخير فرفضتم الشّرّ و استقمتم (12) مع أهل بيت نبيّكم- (عليهم السلام)- فذهبتم حيث ذهب نبيّكم و اخترتم من اختار اللّه و رسوله، فأبشروا ثمّ
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: فيها.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير فرات الكوفيّ/ 139.
(5) كذا في ن، المصدر. و سائر النسخ: الحسين.
6 و 7- من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي.
(9) ليس في ش، ق.
(10) ليس في ن، ت، ي، ر، المصدر.
(11) من المصدر.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: استقيموا.
360
أبشروا، فأنتم المرحومون، المتقبّل من محسنهم و المتجاوز عن مسيئهم. و من لم يلق اللّه بمثل ما لقيتم، لم تقبل حسنة و لم يتجاوز عن سيّئة. يا سليمان، هل سررتك؟
فقلت: زدني، جعلت فداك.
فقال: إنّ للّه- عزّ و جلّ- ملائكة يستغفرون لكم حتّى تتساقط ذنوبكم؛ كما يتساقط ورق الشّجر في يوم الرّيح، و ذلك قول اللّه- تعالى-: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هم شيعتنا و هي (1)، و اللّه، لهم. يا سليمان، هل سررتك؟
فقلت: جعلت فداك، زدني. قال- (عليه السلام)- ما هي على ملّة إبراهيم إلّا نحن و شيعتنا، و سائر النّاس منها برآء.
و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا [أحمد بن محمّد] (3) بن سعيد، بإسناد يرفعه إلى الأصبغ بن نباتة قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنزل عليه فضلي من السّماء، و هي هذه الآية الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. و ما في الأرض يومئذ مؤمن غير رسول اللّه و أنا، و هو قوله- (عليه السلام)-: لقد استغفرت لي الملائكة قبل جميع النّاس من أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بسبع (4) سنين و ثمانية أشهر.
رَبَّنا؛ أي: يقولون: ربّنا. و هو بيان «ليستغفرون»، أو حال.
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً؛ أي: وسعت رحمتك و علمك. فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرّحمة و العلم. و المبالغة في عمومهما (5). و تقديم «الرّحمة» لأنّها المقصودة بالذّات هاهنا.
____________
(1) المصدر: هم.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 526، ح 1.
(3) ليس في م، ش، ق. و في ت، ى، ر: أحمد.
(4) المصدر: [و أنا ابن] سبع.
(5) قوله: «للإغراق ...» لأنّه لمّا وصف ذاته- تعالى- بأنّه وسع كلّ شيء و الحال أنّ ما ذكر صفة الرحمة و العلم، فكأنّه حكم بأنّ ذاته- تعالى- نفس العلم و الرحمة، و المبالغة في عمومها بسبب أنّه لمّا كان التركيب مشعرا بأنّ ذاته كأنّه نفس الرحمة و العلم، و كان لذاته- تعالى- تعلّق بكلّ شيء إذ كلّ شيء مخلوق له، كانت الرحمة و العلم متعلّقين بكلّ شيء فحصلت المبالغة في عمومها.
361
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ: للّذين علمت منهم التّوبة و اتّباع سبيل الحقّ.
وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (7): و احفظهم عنه. و هو تصريح بعد إشعار للتّأكيد و الدّلالة على شدّة العذاب.
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر (2) بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا صلّيت على المؤمن فادع له و اجتهد له في الدّعاء، و إن كان واقفا مستضعفا فكبّر و قل: اللّهمّ، اغفر للّذين تابوا و اتّبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن رجل، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: تقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). اللّهمّ، صلّ على محمّد عبدك و رسولك. اللّهمّ، صل على محمّد و آل محمّد، و تقبّل شفاعته و بيّض وجهه و أكثر تبعه. اللّهمّ، اغفر لي و ارحمني و تب عليّ. اللّهمّ، اغفر للّذين [تابوا و] (4) اتّبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم. فإن كان مؤمنا دخل فيها، و إن كان ليس بمؤمن خرج منها.
رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ: إيّاها. وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ عطف على «هم» الأوّل، أي: أدخلهم و معهم هؤلاء ليتمّ سرورهم. أو الثّاني، لبيان عموم الوعد.
و قرئ (5): «جنّة عدن»، و «صلح» بالضّمّ، و «ذرّيّتهم» بالتّوحيد.
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ: الّتي لا يمتنع عليه مقدور.
الْحَكِيمُ (8): الّذي لا يفعل إلّا ما تقتضيه حكمته، و من ذلك الوفاء بالوعد.
وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ: العقوبات، أو جزاء السّيّئات.
و هو تعميم بعد تخصيص. أو مخصوص بمن صلح. أو المعاصي في الدّنيا لقوله: وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، أي: و من تقها في الدّنيا فقد رحمته في الآخرة، كأنّهم
____________
(1) الكافي 3/ 187، ح 2.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عمرو.
(3) نفس المصدر، ح 5.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) أنوار التنزيل 2/ 331.
362
طلبوا السّبب بعد ما سألوا المسبّب.
وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)، يعني: الرّحمة، أو الوقاية، أو مجموعهما.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من ولاية فلان و فلان و بني أميّة وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، أي: ولاية [عليّ] (2) وليّ اللّه.
وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ- إلى قوله: الْحَكِيمُ، يعني: من تولّى عليّا- (عليه السلام)- فذلك صلاحهم. وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، يعني: يوم القيامة.
وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لمن نجّاه اللّه من هؤلاء، يعني: فلان و فلان (3).
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، رفعه، قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى التّائبين ثلاث خصال، لو أعطى خصلة منها جميع أهل السّموات و الأرض لنجوا بها، قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: الصّلاة على المستضعف و الّذي لا يعرف الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الدّعاء للمؤمنين و المؤمنات، تقول:
ربنا اغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم (إلى آخر الآيتين).
و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن أسد، بإسناده يرفعه إلى أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)-: لقد مكثت (7) الملائكة (سبع) سنين و أشهرا لا يستغفرون إلّا
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 255.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: لمن نجّاه اللّه من ولاية فلان و فلان.
(4) الكافي 2/ 432، ح 5.
(5) نفس المصدر 3/ 187، ح 1.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 527، ح 2.
(7) م، ت، ى، ر، ش، ق: مكث.
363
لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ولي، و فينا نزلت هذه الآية: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فقال قوم المنافقين: من أبو عليّ و ذريّته الّذي أنزلت فيه هذه الآية؟
فقال: عليّ- (عليه السلام)- سبحان اللّه، أما من آبائنا إبراهيم و إسماعيل، (أليس) (1) هؤلاء آباءنا؟
و قال- أيضا (2): حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن محمّد بن عليّ، عن حسين الأشقر، عن عليّ بن هاشم، عن محمّد بن عبيد اللّه، عن أبي رافع، عن أبي أيّوب، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن أبيه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد صلّت الملائكة (عليّ و) (3) على عليّ سنين (4)، لأنّا كنّا نصلّي و ليس معنا أحد غيرنا.
و قال- أيضا (5): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أبا محمّد، إنّ للّه ملائكة تسقط الذّنوب عن ظهر شيعتنا، كما تسقط الرّيح الورق [من الشجر] (6) أوان سقوطه، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. و استغفارهم، و اللّه، لكم دون هذا الخلق. يا أبا محمّد، فهل سررتك؟
قال: فقلت: نعم.
و في حديث آخر (7)، بالإسناد المذكور: و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- عز و جل-: عَذابَ الْجَحِيمِ. فسبيل اللّه عليّ- (عليه السلام). و الذين آمنوا أنتم، ما أراد غيركم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ: يوم القيامة، فيقال لهم: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ
____________
(1) من المصدر مع القوسين.
(2) نفس المصدر، ح 3.
(3) من المصدر مع القوسين.
(4) المصدر: (سنتين)
(5) نفس المصدر/ 528، ح 4.
(6) ليس في ق، ش.
(7) نفس المصدر/ 528، ح 5.
364
مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ، أي: لمقت اللّه إيّاكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمّارة بالسّوء.
إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10): ظرف لفعل دلّ عليه المقت الأوّل لا له لأنّه أخبر عنه، و لا للثّاني لأنّ مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة، إلّا أن يؤوّل بنحو: «بالصّيف ضيّعت اللّبن (1)»، أو تعليل للحكم و زمان المقتين واحد.
و في شرح الآيات الباهرة (2): روي [عن] (3) عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال:
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قول (4) اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ، يعني: بني أميّة، هم الّذين كفروا و هم أصحاب النّار.
ثمّ قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ، يعني: الرّسول و الأوصياء من بعده- (عليهم السلام)- يحملون علم اللّه- عزّ و جلّ.
ثمّ قال: وَ مَنْ حَوْلَهُ، يعني: الملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ... وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا و هم شيعة آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقولون: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من ولاية هؤلاء و بني أميّة وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ و هو (5) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [يعني: من تولّى عليّا- (عليه السلام)- فذلك صلاحهم المذكور بقوله: وَ مَنْ صَلَحَ] (6) وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ و السَّيِّئاتِ بنو أميّة و غيرهم و شيعتهم.
ثمّ قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: بنو بني أميّة يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ [فَتَكْفُرُونَ.
____________
(1) هذا مثل يضرب لمن حصل في سالف الزمان ما حصل بسببه ضرر في المستقبل. فمعنى «بالصيف ضيّعت اللّبن»: حصلت فيما مضى سببا يصرفه في المستقبل. و إذا لو حظ هذا المعنى في الآية، كان المعنى: لمقت اللّه أكبر من سبب مقتكم أنفسكم إذ تدعون. إذ المقت و إن كان في الآخرة، لكن سببه في الدنيا، فجعل سبب المقت معناه، و فيه ما فيه.
و قوله: «بالصّيف ...» قيل: إنّ رجلا استنكح امرأة فطلّقت. فبعد ذلك طلبت منه اللّبن فقال: بالصّيف ضيّعت اللّبن.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 528- 529، ح 7.
(3) من بعض نسخ المصدر.
(4) ش، ق: قال.
(5) المصدر: و هو [ولاية].
(6) من المصدر مع المعقوفتين.
365
ثمّ قال: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ بولاية عليّ- (عليه السلام)- وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ، يعني: بعليّ تُؤْمِنُوا، أي: إذا ذكر إمام غيره تؤمنوا (1) فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ قال- جلّ ذكره-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني:
بني أميّة يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ،] (3) يعني:
ولاية عليّ- (صلوات اللّه عليه).
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ: إماتتين.
[قيل (4): بأن] (5) خلقتنا أمواتا [أوّلا، ثمّ صيّرتنا أمواتا] (6) عند انقضاء آجالنا. فإنّ الإماتة جعل الشّيء عادم الحياة ابتداء، أو بتصيير، كالتّصغير و التّكبير، و لذلك قيل:
سبحان من صغّر البعوضة و كبّر الفيل. و إن خصّ بالتّصيير (7)، فاختيار الفاعل [المختار] (8) أحد مقدوريه (9) تصيير و صرف له عن الآخر.
وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ، الإحياءة الأولى و إحياءة البعث.
و قيل (10): الإماتة الأولى عند انخرام الأجل، و الثّانية في القبر بعد الإحياء للسّؤال.
و الإحياء ان ما في القبر و البعث، إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه و لم يكترثوا به، و لذلك تسبّب بقوله: «فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا»: فإنّ اقترافهم لها من اغترارهم بالدّنيا و إنكارهم للبعث.
فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ: نوع خروج من النّار.
مِنْ سَبِيلٍ (11): طريق فنسلكه و ذلك إنّما يقولونه من فرط قنوطهم، تعلّلا و تحيّرا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ- إلى قوله: مِنْ سَبِيلٍ: قال الصّادق- (عليه السلام)-:
ذلك في الرّجعة.
____________
(1) في ق زيادة: باللّه. و في المصدر: به.
(2) تفسير القمّي 2/ 255.
(3) ما بين المعقوفتين تكرّر في ق.
(4) أنوار التنزيل 2/ 332.
(5) يوجد في ن، ت، ى.
(6) ليس في ش.
(7) المصدر: بالتصغير.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: مفعوليه.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) تفسير القمّي 2/ 256.
366
ذلِكُمْ: الّذي أنتم فيه.
بِأَنَّهُ: بسبب أنّه.
إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ: متّحدا. أو توحّد وحده، فحذف الفعل و أقيم مقامه في الحاليّة.
كَفَرْتُمْ: بالتّوحيد.
وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا: بالإشراك.
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ: المستحقّ للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السّرمد.
الْعَلِيِ: من أن يشرك به و يسوّى (1) بغيره.
الْكَبِيرِ (12): حيث حكم على من أشرك و سوّى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب (2).
و في نهج البلاغة (3): كبير لا يوصف بالجفاء (4).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- (رحمه اللّه)-: أخبرنا الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن جعفر بن بشير، عن الحكم بن زهير، عن محمّد بن حمدان (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ يقول: إذا ذكر اللّه وحده بولاية من أمر اللّه بولايته كفرتم، و إن يشرك به ن ليست له ولاية تؤمنوا (7).
و في أصول الكافي (8): الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن علي بن أسباط، عن عليّ بن منصور، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده و أهل الولاية كفرتم.
و في شرح الآيات الباهرة (9): عن محمّد البرقيّ، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم (10) بن عبد الحميد، عن الحسن بن الحسين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-:
ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ بأنّ لعليّ ولاية وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ من ليست له
____________
(1) ق، ش: يستوي.
(2) يوجد في ش، ق.
(3) النهج/ 258، الخطبة 179.
(4) أي: بالغلظ و الخشونة.
(5) تفسير القمّي 2/ 256.
(6) ش، ق: حمران.
(7) في المصدر زيادة: بأنّ له ولاية.
(8) الكافي 1/ 421، ح 46.
(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 530، ح 11.
(10) ليس في ق.
367
ولاية تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ قيل (1): آياته الدّالّة على التّوحيد و سائر ما يجب أن يعلم، تكميلا لنفوسكم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ، يعني: الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- الّذين أخبر (3) اللّه- عزّ و جلّ- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهم.
وَ يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً: أسباب رزق، كالمطر، مراعاة لمعاشكم.
وَ ما يَتَذَكَّرُ: بالآيات الّتي هي كالمركوزة في العقول لظهورها، المغفول عنها للانهماك في التّقليد و اتّباع الهوى.
إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13): يرجع من إنكاره إلى الإقبال عليها (4) و التّفكّر فيها، فإنّ الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه.
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: من الشّرك. وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) إخلاصكم و شقّ عليهم.
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ: خبران آخران، للدّلالة على علوّ صمديّته من حيث المعقول و المحسوس الدّالّة على تفرّده في الألوهيّة، فإنّ من ارتفعت درجات كماله، بحيث لا يظهر دونها كمال و كان العرش الّذي هو أصل العالم الجسمانيّ في قبضة قدرته، لا يصحّ أن يشرك به.
و قيل (5): «الدّرجات» مراتب المخلوقات، أو مصاعد الملائكة إلى العرش أو السّموات، أو درجات الثّواب.
و قرئ (6): «رفيع» بالنّصب على الحال.
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ: خبر رابع (7)، للدّلالة على أنّ الرّوحانيّات- أيضا- مسخّرات لأمره بإظهار آثارها و هو الوحي، و تمهيد للنّبوّة بعد تقرير التّوحيد.
و الرُّوحَ قيل (8): هو جبرئيل- (عليه السلام)- يرسله اللّه- تعالى- بأمره.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 332.
(2) تفسير القمّي 2/ 256.
(3) المصدر: أخبرهم.
(4) ن: يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 332.
(7) ليس في ي.
(8) مجمع البيان 4/ 517.
368
و قيل (1): إنّ الرّوح- هاهنا- النّبوّة.
و قيل (2): الرّوح هو القرآن، و كلّ كتاب أنزله اللّه- تعالى- على نبيّ من أنبيائه.
و قيل (3): الرّوح الوحي- هنا. و مِنْ أَمْرِهِ بيانه، لأنّه أمر بالخير أو مبدؤه، و الآمر هو الملك المبلّغ.
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ: يختاره للنّبوّة. و فيه دليل على أنّها عطائيّة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ قال: روح القدس و هو خاصّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم).
لِيُنْذِرَ: غاية الإلقاء. و المستكنّ فيه للّه، أو «لمن»، أو «للرّوح». و اللّام مع القرب تؤيّد الثّاني.
يَوْمَ التَّلاقِ (15): يوم القيامة، فإنّ فيه تتلاقى الأرواح و الأجساد، و أهل السّماء و الأرض، و المعبودون و العبّاد، و الأعمال و العمّال، و الخصم و المخصوم، و الظّالم و المظلوم، و الأوّلون و الآخرون.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قوله- عزّ و جلّ-: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ قال: يوم يلتقي أهل السّموات و الأرض.
و في كتاب معاني الأخبار (6): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن القاسم بن محمّد الإصفهانيّ، عن [سليمان بن] (7) داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يوم التّلاق يوم يلتقي أهل السّماء و أهل (8) الأرض.
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ: خارجون من قبورهم. أو ظاهرون لا يسترهم شيء. أو ظاهرة نفوسهم لا يحجبهم غواشي الأبدان، أو أعمالهم و سرائرهم (9).
لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ: من أعيانهم و أعمالهم و أحوالهم.
و هو تقرير لقوله: هُمْ بارِزُونَ، و إزاحة لنحو ما يتوهّم في الدّنيا.
____________
1 و 2- مجمع البيان 4/ 517.
(3) أنوار التنزيل 2/ 332.
(4) تفسير القمّي 2/ 256.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) المعاني/ 156، ح 1.
(7) من المصدر.
(8) ليس في ي.
(9) كذا في ن. و في غيرها: أسرارهم.
369
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16): حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم (1) و لما يجاب به، أو لما دلّ عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب و ارتفاع الوسائط، و أمّا حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما.
و في مجمع البيان (2): و يقول اللّه- تعالى- في ذلك اليوم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ (3) فيقرّ المؤمنون و الكافرون بأنّه لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
و قيل (4): إنّه- سبحانه- هو القائل لذلك و هو المجيب لنفسه، و يكون في الإخبار بذلك مصلحة للمكلّفين.
و قال محمّد بن كعب القرطيّ (5): يقول اللّه- تعالى- ذلك بين النّفختين (6) حين يفني الخلائق كلّها، ثمّ يجيب نفسه لأنّه بقي وحده. و الأوّل أصحّ، لأنّه بيّن أنّه يقول ذلك يوم التّلاق، يوم يبرز (7) فيه العباد من قبورهم.
و في نهج البلاغة (8): و إنّه- سبحانه- يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه، كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان.
عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات، و زالت السّنون و السّاعات. فلا شيء إلّا [اللّه] (9) الواحد القهّار الّذي إليه مصير جميع الأمور. بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، و بغير امتناع منها كان فناؤها، و لو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن زيد النّرسيّ (11)، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إذا أمات اللّه أهل الأرض لبث، كمثل ما خلق (12) الخلق و مثل ما أماتهم و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات أهل السّماء الدّنيا، ثمّ لبث مثل (13) ما خلق (14) الخلق و مثل (15) ما أمات أهل
____________
(1) ليس في ن، ت، ى، ر.
(2) المجمع 4/ 517.
(3) ليس في ق، ش.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) في ش، ق، زيادة: برز.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: برز.
(8) النهج/ 276، الخطبة 186.
(9) من المصدر.
(10) تفسير القمّي 2/ 256- 257.
(11) المصدر: البرسي.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: اللّه.
(13) ليس في م، ش، ق، ت، ر.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: اللّه.
(15) ليس في م، ر.
370
الأرض و أهل السّماء [الدّنيا و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات أهل السّماء الثّانية، ثمّ لبث مثل ما خلق (1) الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السّماء] (2) الدّنيا و السّماء الثّانية [و أضعاف ذلك] (3).
ثمّ أمات أهل السّماء الثّالثة، ثمّ لبث مثل ما خلق (4) الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السّماء الدّنيا و السّماء الثّانية و الثّالثة و أضعاف ذلك، في كلّ سماء مثل ذلك و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات ميكائيل، ثمّ لبث مثل ما خلق (5) الخلق و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات جبرئيل، ثمّ لبث مثل ما خلق (6) الخلق و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات إسرافيل، ثمّ لبث مثل ما خلق (7) الخلق و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ أمات ملك الموت، ثمّ لبث مثل ما خلق (8) الخلق و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.
ثمّ يقول اللّه- عزّ و جلّ-: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فيرد (9) على نفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (10) أين الجبّارون، [و أين المتكبّرون،] (11) و أين الّذين دعوا (12) معي إلها آخر، أين المتكبّرون و نخوتهم؟ ثمّ يبعث الخلق.
قال عبيد بن زرارة: فقلت: إنّ هذا الأمر كلّه يطول بذلك (13)؟
فقال: أ رأيت ما كان هل علمت به؟
فقلت: لا.
قال: فكذلك هذا.
حدّثني أبي (14)، عن الحسن (15) بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن ثوير (16) بن أبي فاختة، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: سئل عن النّفختين: كم بينهما؟
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: اللّه.
(2) ليس في ش.
(3) ليس في ق.
4 و 5- كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: اللّه.
6 و 7 و 8 و 9- كذا في المصدر، و في النسخ زيادة:
اللّه.
(10) المصدر: «اللّه القهّار».
(11) ليس في المصدر.
(12) كذا في ق. و في سائر النسخ و المصدر: ادّعوا.
(13) المصدر: «كائن طولت ذلك» بدل «كلّه يطول بذلك».
(14) نفس المصدر/ 252- 253.
(15) ق، ش، ي، م: الحسين.
(16) م، ش، ر: سوير. و في ق: سويد.
371
قال: ما شاء اللّه.
فقيل له: أخبرني، يا ابن رسول اللّه، كيف ينفخ فيه؟
فقال- (عليه السلام)-: أمّا النّفخة الأولى فإنّ اللّه يأمر إسرافيل فيهبط إلى الأرض (1) و معه الصّور، و للصّور رأس واحد و طرفان، و بين طرف كلّ رأس منهما إلى الآخر مثل ما بين السّماء و الأرض.
قال: فإذا رأت الملائكة إسرافيل قد هبط إلى الدّنيا و معه الصّور قالوا: قد أذن اللّه في موت أهل الأرض [و في موت أهل اسّماء.
قال: فيهبط إسرافيل بحظيرة بيت المقدس و يستقبل الكعبة. فإذا رأوه أهل الأرض قالوا: قد أذن اللّه في موت أهل الأرض.
قال:] (2) فينفخ فيه نفخة، فيخرج الصوت من الطّرف الّذي يلي أهل الأرض، فلا يبقى ذو روح إلا صعق و مات. [و يخرج الصوت من الطرف الّذي يلي (أهل) (3) السموات، فلا يبقى (في السموات) (4) ذو روح إلّا صعق و مات،] (5) إلّا إسرافيل. [فيمكثون في ذلك ما شاء اللّه.] (6) قال: فيقول اللّه لإسرافيل: يا إسرافيل، مت. يموت إسرافيل. فيمكثون في ذلك ما شاء اللّه.
ثمّ يأمر [اللّه] (7) السّموات فتمور، و يأمر الجبال فتسير، و هو قوله (8): يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً، يعني: تبسط. و تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ (9)، يعني: بأرض لم تكسب عليها الذّنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات، كما دحاها أوّل مرّة، و يعيد عرشه على الماء، كما كان أوّل مرّة مستقلّا بعظمته و قدرته.
قال: فعند ذلك ينادي الجبّار- جلّ جلاله- بصوت من قبله جهوريّ (10) يسمع أقطار السّموات و الأرضين: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ. فلا يجيبه مجيب، فعند ذلك يقول الجبّار- عزّ و جلّ- مجيبا لنفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ و أنا قهرت الخلائق كلّهم فأمتّهم، إنّي
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الدنيا.
(2) من المصدر.
3 و 4- من المصدر.
(5) ليس في ق.
6 و 7- من المصدر.
(8) الطّو/ 9- 10.
(9) إبراهيم/ 48.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: جوهري.
372
أنا اللّه لا إله إلّا أنا وحدي لا شريك لي و لا وزير لي، و أنا خلقت خلقي بيدي. (إلى آخره) و قد سبق في آخر الزّمر.
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ قيل (1): كأنّه نتيجة لما سبق، و تحقيقه: أنّ النّفوس تكتسب بالعقائد و الأعمال هيئات توجب لذّتها و ألمها، لكنّها لا تشعر بها في الدّنيا لعوائق تشغلها، فإذا قامت قيامتها زالت العوائق و أدركت لذّتها و ألمها.
و في مجمع البيان (2): الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ و
في الحديث: أنّ اللّه- تعالى- يقول: أنا الملك (3)، أنا الدّيّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنّة أن يدخل الجنّة و لا لأحد من أهل النّار أن يدخل النّار و عنده مظلمة حتّى أقصّه منه. ثمّ تلا هذه الآية.
و في الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد [بن محمّد] (5) بن عيسى (6)، عن الحسين بن سعيد، عن فضّالة بن أيّوب، عن أبي المغرا (7) قال: حدّثني يعقوب الأحمر قال: دخلنا على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- نعزّيه بإسماعيل، فترحّم عليه.
ثمّ قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- نعى إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفسه، فقال (8):
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. و قال (9): كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ.
ثمّ أنشأ يحدّث فقال: إنّه يموت أهل الأرض حتّى لا يبقى أحد، ثمّ يموت أهل السّماء حتّى لا يبقى أحد إلّا ملك الموت و حملة العرش و جبرئيل و ميكائيل.
قال: فيجيء ملك الموت- (عليه السلام)- حتّى يقوم بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- فيقال له: من بقي و هو أعلم؟
فيقول: يا ربّ، لم يبق إلّا ملك الموت و حملة العرش و جبرئيل و ميكائيل.
فيقال له: قل لجبرئيل و ميكائيل فليموتا.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 333.
(2) المجمع 4/ 518.
(3) ن: المالك.
(4) الكافي 3/ 256، ح 25.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) في ن، ت، م، ش، ق، زيادة: بن محمّد.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي المعزاء.
(8) الزّمر/ 30.
(9) آل عمران/ 185، و الأنبياء/ 35، و العنكبوت/ 29.
373
فيقول الملائكة عند ذلك: يا ربّ، رسوليك و أمينيك.
فيقول: إنّي قد قضيت على كلّ نفس فيها الرّوح الموت.
ثمّ يجيء ملك الموت حتّى يقف بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- فيقال له: من بقي؟
و هو أعلم.
فيقول: يا ربّ، لم يبق إلّا ملك الموت. [و حملة العرش.
فيقال (1): قل لحملة العرش فليموتوا.
قال: ثمّ يجيء كئيبا حزينا لا يرفع طرفة، فيقال له: من بقي؟ و هو أعلم.
فيقول: يا ربّ، لم يبق إلّا ملك الموت.] (2) فيقول (3) له: مت، يا ملك الموت. فيموت ثمّ يأخذ الأرض (4) و السّموات بيمينه و يقول: أين الّذين كانوا يدعون معي شريكا، أين الّذين كانوا يجعلون معي إلها آخر؟
لا ظُلْمَ الْيَوْمَ: بنقص الثّواب و زيادة العقاب.
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17): إذ لا يشغله شأن عن شأن، فيصل إليهم ما يستحقّونه سريعا.
و في كتاب التّوحيد (5): [حدّثنا] (6) محمّد بن بكران النّقّاش- (رحمه اللّه)- بالكوفة قال: حدّثنا أحمد (7) ابن محمّد الهمدانيّ قال: حدّثنا عليّ بن الحسن (8) بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن، عليّ بن موسى الرّضا- (عليهما السلام)- قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- في «أ ب ت ث» أنّه قال: «الألف» آلاء اللّه ...
إلى قوله: «فالميم» ملك اللّه [يوم الدّين] (9) يوم لا مالك غيره، و يقول اللّه- عزّ و جلّ-: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ. ثمّ تنطق أرواح أنبيائه و رسله و حججه فيقولون: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. فيقول اللّه- جلّ جلالة-: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
____________
(1) المصدر: فيقول.
(2) ليس في ق، ش.
(3) المصدر: فيقال.
(4) في المصدر زيادة بيمينه.
(5) التوحيد/ 232- 234، ح 1.
(6) من المصدر.
(7) ليس في ق، ش، م.
(8) ق، ش، م، ر: الحسين.
(9) من المصدر.
374
وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ، أي: القيامة، سمّيت بها لأزوفها، أي: قربها.
و قيل (1): الخطّة الآزفة، و هي مشارفتهم النّار.
و قيل (2): الموت.
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ: فإنّها ترتفع (3) عن أماكنها من الخوف فتلتصق (4) بحلقومهم، فلا تعود فيتروّحوا، و لا تخرج فيستريحوا.
كاظِمِينَ: على الغمّ.
حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأنّه على الإضافة أو منها، أو من ضميرها في الظّرف (5)، و جمعه كذلك لأنّ الكظم من أفعال العقلاء (6)، كقوله: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ. أو من مفعول أَنْذِرْهُمْ على أنّه حال مقدّرة (7).
و في روضة الكافي (8)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول فيه: يا ابن آدم، إنّ من وراء هذا أعظم و أفظع (9) و أوجع للقلوب يوم القيامة، و ذلك يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ.
ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ: قريب مشفق.
وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ (18): و لا شفيع مشفع.
و الضّمائر إن كانت للكفّار (10)، و هو الظّاهر، كان وضع «الظّالمين» موضع ضميرهم للدّلالة على اختصاص ذلك بهم، و أنّه لظلمهم.
و في كتاب التّوحيد (11): حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: يا أبا أحمد (12)، ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلّا أساءه ذلك و ندم عليه، و قد
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 333.
(3) م، ش، ى، ر، ت، ق: ترفع.
(4) ق، فتلصق.
(5) قوله: «لأنّه على الإضافة ...»، أي:
التقدير: إذا حصلت قلوب الخلق لدى الحناجر فيكون «كاظمين» حالا من الخلق الّذين هم أصحاب القلوب. و على التقدير الثالث يكون المعنى: إذ القلوب حصلت لدى الحناجر.
(6) ق، ش، م: القلب. و في ت، ى، ر: العقل.
(7) ليس في ق.
(8) الكافي 8/ 73، ح 29.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أقطع.
(10) ت، م، ي، ر: للكافر.
(11) التوحيد/ 407- 408، ح 6 بحذف صدر الحديث و ذيله.
(12) ق، ش، م: يا أبا محمّد.
375
قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كفى بالنّدم توبة.
و قال- (عليه السلام)-: من سرّته حسنته (1)، و ساءته سيّئته (2)، فهو مؤمن. فأمّا من لم يندم على ذنب يرتكبه، فليس بمؤمن، و لم تجب له الشّفاعة و كان ظالما، و اللّه- تعالى- يقول: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ.
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ: النّظرة الخائنة، كالنّظرة الثّانية إلى غير المحرم و استراق النّظر إليه. أو خيانة الأعين.
و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن مسلمة (4) الحريريّ (5) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ.
فقال: ألم تر إلى الرّجل ينظر إلى الشّيء و كأنّه لا ينظر؟ فذلك خائنة الأعين.
و في مجمع البيان (6): و في الخبر أنّ النّظرة الأولى لك، و الثّانية عليك. فعلى هذا تكون الثّانية محرّمة، فهي المراد بخائنة الأعين.
و فيه (7): قال- (عليه السلام)- لأصحابه يوم فتح مكّة، و قد جاء عثمان بعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح يستأمنه منه، و كان- (صلّى اللّه عليه و آله)- قبل ذلك أهدر دمه و أمر بقتله، فلمّا رأى عثمان استحيى من ردّه و سكت طويلا ليقتله بعض المؤمنين، ثمّ أمنه بعد تردّد المسألة من عثمان: أما كان منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا فيقتله؟
فقال له عبّاد بن بشر: يا رسول اللّه، إنّ عيني ما زالت في عينك انتظارا أن تومئ إليّ فأقتله.
فقال- (عليه السلام)-: إنّ الأنبياء لا يكون لهم خائنة أعين.
وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ (19): من الضّمائر.
و الجملة خبر خامس (8)، للدّلالة على أنّه ما من خفيّ إلّا و هو متعلّق العلم و الجزاء.
و في نهج البلاغة (9): قسّم أرزاقهم، و أحصى آثارهم و أعمالهم و عدد أنفاسهم (10)
____________
(1) ق: حسنة.
(2) ق: سيّئة.
(3) المعاني/ 147، ح 1.
(4) كذا في ن، المصدر، و في سائر النسخ: سلمة.
(5) ق: الحريزي.
(6) المجمع 4/ 519.
(7) نفس المصدر 2/ 335.
(8) أي لقوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ.
(9) النهج/ 123، الخطبة 90.
(10) المصدر: أنفسهم.
376
و خائنة أعينهم و ما تخفي صدورهم من الضّمير.
وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ، أي: يفصل بين الخلائق بالحقّ، فيوصل كلّ ذي حقّ حقّه.
وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ: تهكّم بهم، لأنّ الجماد لا يقال فيه: إنّه يقضي و لا يقضي.
و قرأ (1) نافع و هشام، بالتّاء، على الالتفات، و إضمار «قل».
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20): تقرير لعلمه بخائنة الأعين، و قضائه بالحقّ، و وعيد لهم على ما يقولون و يفعلون، و تعريض بحال ما يدعون من دونه.
أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ: ما آل حال الّذين كذّبوا الرّسل قبلهم، كعاد و ثمود.
كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً: قدرة و تمكّنا.
و إنّما جيء بالفصل، و حقّه أن يقع بين معرفتين، لمضارعة «أفعل من» للمعرفة في امتناع دخول اللّام عليه.
و قرأ (2) ابن عامر: «أشدّ منكم» بالكاف.
وَ آثاراً فِي الْأَرْضِ، مثل القلاع و المدائن الحصينة.
و قيل (3): المعنى: و أكثر آثارا، كقوله:
متقلّدا سيفا و رمحا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (21): يمنع العذاب عنهم.
ذلِكَ الأخذ.
بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ:
بالمعجزات، و الأحكام الواضحة.
فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌ: متمكّن ممّا يريده غاية التّمكّن.
شَدِيدُ الْعِقابِ (22): لا يؤبه بعقاب دون عقابه.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 333.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر/ 334.
377
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا، يعني: المعجزات.
وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ (23): و حجّة ظاهرة قاهرة. و العطف لتغاير الوصفين. أو لإفراد بعض المعجزات، كالعصا، تفخيما لشأنه (1).
إِلى فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ قارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (24)، يعنون: موسى.
و فيه تسلية لرسول اللّه، و بيان لعاقبة من هو أشدّ الّذين كانوا من قبلهم بطشا و أقربهم زمانا.
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَ اسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ، أي: أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أوّلا ليصدّوا عن مظاهرة موسى. و هذا القتل غير القتل الأوّل، لأنّه أمر بالقتل الأوّل لئلّا ينشأ من يزول ملكه على يده ثمّ ترك. فلمّا ظهر موسى عاد إلى تلك العادة فمنعهم اللّه عنه بإرسال الدّم و الضّفادع و الطّوفان و الجراد.
وَ ما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (25): في ضياع.
و وضع الظّاهر فيه موضع الضّمير لتعميم الحكم، و الدّلالة على العلّة.
وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى: كانوا يكفّونه عن قتله و يقولون: إنّه ليس الّذي تخافه بل هو ساحر، و لو قتلته، ظنّ أنّك عجزت عن معارضته بالحجّة.
و تعلّله بذلك، مع كونه سفّاكا في أهون شيء، دليل على أنّه تيقّن أنّه نبيّ فخاف من قتله. أو ظنّ (2) أنّه لو حاوله لم يتيسّر له، و يؤيّده قوله: وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ، فإنّه تجلّد و عدم مبالاة بدعائه (3).
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى إسماعيل بن منصور، أبي زياد: عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ما (5) كان يمنعه؟
قال: منعته رشدّته، و لا يقتل الأنبياء و لا أولاد الأنبياء إلّا أولاد الزّنا.
إِنِّي أَخافُ: إن لم أقتله أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ: أن يغيّر ما أنتم عليه من
____________
(1) ليس في ش، م، ق.
(2) قوله: «أو ظنّ» عطف على قوله: تيقّن.
(3) قوله: «و يؤيّده ...»، أي: يؤيّد الظنّ المذكور، لأنّه لا يناسب التيقّن المذكور تجلّده و عدم مبالاته بدعاء ربّه.
(4) العلل/ 58، ح 1.
(5) المصدر: من.
378
عبادتي و عبادة الأصنام، لقوله: وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ.
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (26): ما يفسد دنياكم من التّحارب و التّهارج إن لم يقدر أن يبطل دينكم بالكلّيّة.
و قرأ (1) ابن كثير و نافع و أبو عمرو و ابن عامر، بالواو، على معنى الجمع. و ابن كثير و ابن عامر و الكوفيّون غير حفص، بفتح الياء و الهاء، و رفع «الفساد».
وَ قالَ مُوسى، أي: لقومه لمّا سمع كلامه: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (27).
صدّر الكلام ب «إنّ» تأكيدا و إشعارا على أنّ السّبب المؤكّد في دفع الشّر هو العياذ باللّه.
و خصّ اسم الرّبّ لأنّ المطلوب هو الحفظ و التّربية، و أضافه إليه و إليهم حثّا لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإجابة.
و لم يسمّ فرعون و ذكر وصفا يعمّه و غيره لتعميم الاستعاذة و رعاية الحقّ، و الدّلالة على الحامل له على القول.
و قرأ (2) أبو عمرو و حمزة و الكسائيّ «عتّ» (3) فيه و في الدّخان بالإدغام، و عن نافع مثله.
وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: من أقاربه.
و قيل (4): كان ابن عمّ فرعون، و كان آمن بموسى، و هو الّذي جاء من أقصى المدينة.
و قيل (5): كان وليّ عهده من بعده، و كان اسمه: حبيب. و قيل: حزبيل (6).
و سيأتي في الخبر أنّه كان ابن خال له، و اسمه: حزقيل.
و قيل (7): «من» متعلّق بقوله: يَكْتُمُ إِيمانَهُ، [، أي يكتم إيمانه] (8) من آل فرعون على وجه التّقية. و الرّجل إسرائيليّ. أو غريب (9) موحّد كان ينافقهم.
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا: أ تقصدون قتله ن غير رؤية و تأمّل في أمره.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 334.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) المصدر: عدت.
4 و 5- مجمع البيان 4/ 521.
(6) ق، ش، م، ت، ر: حرئيل.
(7) أنوار التنزيل 2/ 334.
(8) ليس في ق.
(9) ن، ي: قريب.
379
أَنْ يَقُولَ: لأن يقول، أو وقت أن يقول: رَبِّيَ اللَّهُ وحده.
و هو في الدّلالة على الحصر، مثل: صديقي زيد.
و في بصائر الدّرجات (1): محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن الحسين بن عثمان (2)، عن يحيى (3) الحلبيّ، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال:] (4) قال له (5) رجل و أنا عنده: إنّ الحسن البصريّ يروي أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من كتم علما جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار.
فقال: كذب، ويحه، فأين قول اللّه: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ثمّ مدّ بها [أبو جعفر- (عليه السلام)-] (6) صوته فقال:
فليذهبوا حيث شاءوا، أما و اللّه، لا يجدون العلم إلّا هاهنا. ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال:
عند آل محمّد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): و كان خازن فرعون مؤمنا بموسى- (عليه السلام)- قد كتم إيمانه ستّمائة سنة، و هو الّذي قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ.
و في أصول الكافي (8): بعض أصحابنا، رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو الحسن، موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يا هشام ثمّ مدح اللّه القلّة [و قال] (9): وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ.
و في أمالي الصّدوق (10)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن أبي ليلى، رفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الصّدّيقون ثلاثة: حبيب النّجار، مؤمن آل يس، الّذي يقول: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ. و حزقيل، مؤمن آل فرعون. و عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و هو أفضلهم.
و في مجمع البيان (11): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: التّقيّة من ديني و دين آبائي،
____________
(1) البصائر/ 30، ح 6.
(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 246- 247.
و في النسخ: الحسن بن عثمان.
(3) في المصدر زيادة: بن.
(4) من المصدر.
(5) ليس في المصدر.
(6) من المصدر.
(7) تفسير القمّي 2/ 137.
(8) الكافي 1/ 15، ح 2.
(9) من المصدر.
(10) أمالي الصّدوق/ 385، ح 18.
(11) المجمع 4/ 521.
380
و لا دين لمن لا تقيّة له، و التّقيّة ترس اللّه في الأرض، لأنّ مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام (1)، لقتل.
وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ: المتكثّرة على صدقه من المعجزات و الاستدلالات مِنْ رَبِّكُمْ.
أضافه إليهم بعد ذكر البيّنات احتجاجا عليهم، و استدراجا لهم إلى الاعتراف به.
ثمّ أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال: وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ: لا يتخطّاه و بال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله.
وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ: فلا أقلّ من أن يصيبكم بعضه.
و فيه مبالغة في التّحذير و إظهار للإنصاف و عدم التّعصّب، و لذلك قدّم كونه كاذبا أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدّنيا، و هو بعض مواعيده، كأنّه خوّفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم.
و تفسير البعض بالكلّ، كقول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها* * * أو يرتبط بعض النّفوس حمامها
مردود، لأنّه أراد بالبعض: نفسه.
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) قيل (2): احتجاج ثالث وجهين.
أحدهما، أنّه لو كان مسرفا كذّابا، لما هداه اللّه إلى البيّنات، و لما عضده بتلك المعجزات.
و ثانيهما، أنّ من خذله اللّه و أهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله.
و لعلّه أراد به: المعنى الأوّل، و خيّل إليهم الثّاني لتسكين شكيمتهم، و عرّض به لفرعون بأنّه مسرف كذّاب لا يهديه اللّه سبيل الصّواب و طريق النّجاة.
و في عيون الأخبار (3)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل، و فيه قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر اللّه (4)
____________
(1) ق، ش، م: إسلامه.
(2) أنوار التنزيل 2/ 335.
(3) العيون 1/ 181- 187- 188، ح 1.
(4) يوجد في ن، المصدر.
381
الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا، فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ ...
إلى أن قال: و أمّا الحادي عشر فقول اللّه- عزّ و جلّ- في سورة المؤمن، حكاية عن قول رجل مؤمن من آل فرعون: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ. (إلى تمام الآية) فكان (1) ابن خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه و لم يضفه إليه بدينه، و كذلك خصصنا نحن إذ كنّا من آل رسول اللّه بولادتنا منه و عمّمنا النّاس بالدّين، فهذا فرق بين الآل و الأمّة، فهذا (2) الحادي عشر.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ: غالبين عالين.
فِي الْأَرْضِ: أرض مصر.
فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا، أي: فلا تفسدوا أمركم و لا تتعرّضوا لبأس اللّه بقتله، فإنّه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد.
و إنّما أدرج نفسه في الضّميرين لأنّه كان منهم في القرابة، و ليريهم أنّهم معهم و مساهمهم فيما ينصح لهم.
قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ: ما أشير إليكم إِلَّا ما أَرى و أستصوبه من قتله. أو ما أعلمكم إلّا ما علمت من الصّواب، و قلبي و لساني متواطئان عليه.
وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (29): طريق الصّواب.
و قرئ (3) بالتّشديد، على أنّه فعّال للمبالغة، من رشد، كعلّام. أو من رشد، كعبّاد، لا من أرشد، كجبّار، لأنّه مقصور على السّماع (4)، أو للنّسبة إلى الرّشد، كعوّاج و بتّات.
وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ: في تكذيبه و التّعرّض له.
مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30): مثل أيّام الأمم الماضية، يعني: وقائعهم.
و جمع «الأحزاب» مع التّفسير أغنى عن جمع «اليوم».
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ: مثل جزاء ما كانوا عليه دائبا (5) من الكفر
____________
(1) المصدر: فمكان.
(2) المصدر: فهذه.
(3) أنوار التنزيل 2/ 335.
(4) أي «فعّال» من «أفعل» سماعيّ.
(5) كذا في ن. و في غيرها: دائما.
382
و إيذاء الرّسل.
وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، كقوم لوط.
وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (31): فلا يعاقبهم بغير ذنب، و لا يخلّي الظّالم منهم بغير انتقام. و هو أبلغ من قوله (1): وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. من حيث إنّ المنفيّ فيه نفي حدوث تعلّق (2) إرادته بالظّلم.
وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32): يوم القيامة، ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة، أو يتصايحون بالويل و الثّبور. أو ينادي أصحاب الجنّة أصحاب النّار، كما حكي في الأعراف.
و في كتاب معاني الأخبار (3): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن القاسم بن محمّد الإصفهانيّ، عن [سليمان بن] (4) داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يَوْمَ التَّنادِ يوم ينادي [أهل النار] (5) أهل الجنّة: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ (6).
و قرئ (7) بالتّشديد، و هو أن يندّ بعضهم من بعض، كقوله (8): يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ.
يَوْمَ تُوَلُّونَ: عن الموقف «مُدْبِرِينَ»: منصرفين عنه إلى النّار.
و قيل (9): فارّين عنها.
ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ: يعصمكم من عذابه.
وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ: عن طريق الخير (10).
فَما لَهُ: [من اللّه] (11) مِنْ هادٍ (33): يهديه إليها.
وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ بن يعقوب.
و في مجمع البيان (12): بعثه اللّه رسولا إلى القبط.
____________
(1) فصّلت/ 46.
(2) ق: متعلّق.
(3) المعاني/ 156، ح 1.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
(6) الأعراف/ 50.
(7) أنوار التنزيل 2/ 335.
(8) عبس/ 34.
(9) أنوار التنزيل 2/ 335.
(10) ن: النّجاة.
(11) من ق.
(12) المجمع 4/ 523.
383
مِنْ قَبْلُ: من قبل موسى.
بِالْبَيِّناتِ: بالمعجزات.
و في مجمع البيان (1)، في كتاب النّبوّة، بالإسناد: عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: فكان يوسف رسولا نبيّا؟
قال: نعم، أما تسمع قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- عهد إلى آدم ...
إلى أن قال- (عليه السلام)-: فكان بين يوسف و موسى (3)- (عليه السلام)- [من] (4) الأنبياء.
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ: من الدّين.
حَتَّى إِذا هَلَكَ مات قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا: ضمّا إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده. أو جزما بأن لا يبعث بعده رسول مع الشّكّ في رسالته.
و قرئ (5) «ألن (6) يبعث اللّه» على أنّ بعضهم يقرّر بعضا بنفي البعث.
كَذلِكَ: مثل ذلك الإضلال يُضِلُّ اللَّهُ في العصيان مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (34): شاكّ فيما تشهد به البيّنات، لغلبة الوهم و الانهماك في التّقليد.
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ: بدل من الموصول الأوّل (7)، لأنّه بمعنى الجمع.
بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ: بغير حجّة، بل إمّا بتقليد أو بشبهة داحضة.
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا.
فيه ضمير «من» و إفراده للّفظ (8).
____________
(1) نفس المصدر 3/ 266.
(2) الكافي 8/ 116، ح 92.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و كان بين موسى و يوسف.
(4) من المصدر.
(5) أنوار التنزيل 2/ 336.
(6) كذا في المصدر. و في ق: لن. و في سائر النسخ:
أن لن.
(7) أي «من» في قوله: «من هو مسرف ...».
(8) أي: الضمير المستتر في «كبر» راجع إلى «من»، و إفراده لأنّه مفرد اللّفظ.
384
و يجوز أن يكون «الّذين» مبتدأ و خبره «كبر» [- على حذف مضاف، آي:
و جدال الّذين يجادلون كبر مقتا- أو] (1) «بغير سلطان» و فاعل «كبر». كَذلِكَ، أي:
كبر مقتا مثل ذلك، فيكون قوله: يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) استئنافا للدّلالة على الموجب لجدالهم.
و قرئ (2): «قلب» بالتّنوين، على وصفه بالتّكبّر و التّجبّر لأنّه منبعهما، كقولهم:
رأت عيني و سمعت أذني. أو على حذف المضاف، أي: على كلّ ذي قلب متكبّر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ [يعني:] (4) بغير حجّة يخاصمون أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فإنّه
حدّثني أبي (5)، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ في النّار لنارا يتعوّذ منها أهل النّار، ما خلقت إلّا لكلّ جبّار عنيد و لكلّ شيطان مريد و لكلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب و لكلّ ناصب العداوة لآل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال: إنّ أهون النّاس عذابا يوم القيامة لرجل في ضحضاح (6) من نار، عليه نعلان من نار و شراكان من نار، يغلي منها دماغه، كما يغلي المرجل (7)، ما يرى أنّ في النّار أحدا أشدّ عذابا منه، و ما في النّار أحد أهون عذابا منه.
وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً: بناء مكشوفا عاليا، من صرح الشّيء:
إذا ظهر.
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36): الطّرق. أَسْبابَ السَّماواتِ: بيان لها.
و في إبهامها ثمّ إيضاحها تفخيم لشأنها، و تشويق للسّامع إلى معرفتها.
فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى: عطف على «أبلغ».
و قرأ (8) حفص، بالنّصب، على جواب الترجّي.
____________
(1) ليس في ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 336.
(3) تفسير القمّي 2/ 257- 258.
(4) من المصدر.
(5) يوجد في ن.
(6) الضحضاح في الأصل: ماء رقيق على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعير للنّار.
(7) المرجل: القدر من النّحاس.
(8) أنوار التنزيل 2/ 336.
385
و لعلّه أراد (1) أن يبني له رصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب، الّتي هي أسباب سماويّة تدلّ على الحوادث الأرضيّة، فيرى هل فيها ما يدلّ على إرسال اللّه- تعالى- إيّاه، أو أن يرى فساد قول موسى بانّ إخباره من إله السّماء يتوقّف على اطّلاعه و وصوله إليه، و ذلك لا يتأتّي إلّا بالصّعود إلى السّماء، و هو ممّا لا يقوى عليه الإنسان، و ذلك لجهله باللّه و كيفيّة استنبائه.
وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً: في دعوى الرّسالة.
وَ كَذلِكَ: و مثل ذلك التّزيين زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ: سبيل الرّشاد، و الفاعل الشّيطان.
و قرئ (2) بالفتح.
و قرأ (3) الحجازيّان و الشّاميّ و أبو عمرو: «و صدّ» على أنّ فرعون صدّ النّاس عن الهدى بأمثال هذه التّمويهات و الشّبهات، و يؤيّده: وَ ما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ (37)، أي: خسار و هلاك.
وَ قالَ الَّذِي آمَنَ قيل (4): يعني: مؤمن آل فرعون.
و قيل: موسى.
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ بالدّلالة سَبِيلَ الرَّشادِ (38): سبيلا يصل بسالكه إلى المقصود.
و فيه تعريض، بأنّ ما عليه فرعون و قومه سبيل الغيّ.
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ: تمتّع يسير لسرعة زوالها.
وَ إِنَّ الْآخِرَةَ لخلودها هِيَ دارُ الْقَرارِ (39).
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها: عدلا من اللّه.
وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40): بغير تقدير و موازنة بالعمل، بل أضعافا مضاعفة فضلا منه و رحمة.
____________
(1) ليس في ق.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر و الموضع.
386
و لعلّ تقسيم العمّال و جعل الجزاء [جملة] (1) اسميّة مصدّرة باسم الإشارة و تفضيل الثّواب لتغليب الرّحمة (2)، و جعل العمل عمدة و الإيمان حالا للدّلالة على أنّه شرط في اعتبار العمل.
و في كتاب التّوحيد (3)، حديث طويل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: قال اللّه- عزّ و جلّ-: لقد حقّت كرامتي- أو قال (4): مودّتي- لمن يراقبني (5) و يتحابّ بجلالي، أنّ وجوههم يوم القيامة من نور، على منابر من نور، عليهم ثياب خضر.
قيل: من هم، يا رسول اللّه؟
قال: قوم ليسوا أنبياء و لا شهداء، و لكنّهم تحابّوا بجلال اللّه و يدخلون الجنّة بغير حساب، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم برحمته.
و في كتاب معاني الأخبار (6) [حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصفّار قال:] (7) حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قيل له: إنّ أبا الخطّاب يذكر عنك أنّك قلت له: إذا عرفت الحقّ فاعمل ما شئت.
قال: لعن اللّه أبا الخطّاب، و اللّه، ما قلت هكذا، و لكنّي قلت: إذا عرفت الحقّ فاعمل ما شئت من خير يقبل منك، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.» و يقول (8)- تبارك و تعالى-: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.
وَ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41).
____________
(1) من أنوار التنزيل 2/ 337.
(2) قوله: «و جعل الجزاء ...» لأنّ كلّا منهما يفيد نوع تأكيد. أمّا الاسميّة، فلإفادتها الدّوام و الثبوت، و أمّا التصدير باسم الإشارة، فلأنّه يفيد عليّة الحكم. فكأنّه قيل: هؤلاء الموصوفون بما ذكر يدخلون الجنّة.
(3) التوحيد/ 268، ح 5.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) ليس في ق.
(6) المعاني/ 338، ح 26.
(7) من المصدر.
(8) النّحل/ 97.
387
كرّر نداءهم إيقاظا لهم عن سنة الغفلة، و اهتماما بالمنادى له، و مبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه.
و عطفه على النّداء الثّاني الدّاخل على «ما» هو بيان لما قبله و لذلك لم يعطف على الأوّل (1)، فإنّ ما بعده- أيضا- تفسير لما أجمل فيه تصريحا أو تعريضا أو على الأوّل (2).
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ: بدل، أو بيان فيه تعليل. و الدّعاء، كالهداية في التّعدية «بإلى و اللّام».
وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ: بربوبيّته عِلْمٌ.
و المراد: نفي المعلوم، و الإشعار بأنّ الألوهيّة لا بدّ لها من برهان، و اعتقادها لا يصحّ إلّا عن إيقان.
وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42): المستجمع لصفات الألوهيّة، من كمال القدرة و الغلبة، و ما يتوقّف عليه (3) من العلم و الإرادة، و التّمكّن من المجازاة، و القدرة على التّعذيب و الغفران.
لا جَرَمَ قيل (4): «لا» ردّ (5) لما دعوه إليه. و «جرم» فعل، بمعنى: حقّ، و فاعله: أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَ لا فِي الْآخِرَةِ، أي: حقّ عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا، لأنّها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيّتها. أو عدم دعوة مستجابة. أو عدم استجابة دعوة لها.
و قيل (6): «جرم» بمعنى: كسب، و فاعله مستكنّ فيه، أي: كسب ذلك الدّعاء إليه أن [لا دعوة له] (7) بمعنى: ما حصل من ذلك إلّا ظهور بطلان دعوته.
و قيل (8): فعل من الجرم، بمعنى: القطع، كما أنّ بدا من «لا بدّ» فعل من التّبديد،
____________
(1) قوله: «و لذلك لم يعطف على الأوّل» لكونه بيانا له.
(2) قوله: «فإنّ ما بعده ...»، أي: ما بعد النداء الثالث- أيا- تعيين لما أجمل في النداء الأوّل تصريحا باعتبار أنّ الدّعوة إلى النجاة هي الهداية إلى سبيل الرشاد، و في النداء الأوّل تعريض بأنّ قوم فرعون داعون إلى النّار، و في الثالث تصريح بذلك التعريض.
(3) في ق زيادة: من عليه.
(4) أنوار التنزيل 2/ 337.
(5) ق: رادّ.
(6) أنوار التنزيل 2/ 337.
(7) ليس في ت، م، ش، ى، ر.
(8) نفس المصدر و الموضع.
388
و هو التّفريق، و المعنى: لا قطع لبطلان دعوة ألوهيّة الأصنام، أي: لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقّا. و يؤيّده قولهم: لا جرم أنّه يفعل، لغة فيه، كالرّشد و الرّشد.
وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ بالموت.
وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ في الضّلالة و الطّغيان، كالإشراك و سفك الدّماء هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (43): ملازموها.
فَسَتَذْكُرُونَ: فسيذكّر بعضكم بعضا عند معاينة العذاب ما أَقُولُ لَكُمْ:
من النّصيحة.
وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ: ليعصمن من كلّ سوء.
إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (44): فيحرسهم، و كأنّه جواب توعّدهم المفهوم من قوله:
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا: شدائد مكرهم.
و قيل (1): الضّمير لموسى على التّقدير الأوّل- أيضا.
و في محاسن البرقيّ (2): عنه، عن أبيه، عن عليّ بن النّعمان، عن أيّوب بن الحرّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا قال: أما لقد سطوا عليه و قتلوه، و لكن أ تدرون ما وقاه؟ وقاه أن يفتنوه في دينه.
و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان- و ذكر إلى آخر ما نقلناه عن البرقيّ.
و في كتاب الخصال (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: عجبت لمن يفزع (5) من أربع، كيف لا يفزع إلى [أربع- إلى] (6) قوله:- و عجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله- تعالى-: وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. فإنّي سمعت اللّه- تعالى- يقول بعقبها: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): و قوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، يعني: مؤمن آل فرعون.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المحاسن/ 219، ح 119.
(3) الكافي 2/ 215، ح 1.
(4) الخصال/ 218، ح 43.
(5) المصدر: فزع.
(6) من ن، ي.
(7) تفسير القمّي 2/ 258.
389
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و اللّه، لقد قطّعوه إربا إربا، و لكن وقاه اللّه- عزّ و جلّ- أن يفتنوه في دينه.
وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ: بفرعون [و قومه] (1). فاستغني بذكرهم عن ذكره، للعلم منه بأنّه أولى بذلك.
و قيل (2): بطلبة المؤمن من آل فرعون، فإنّه فرّ إلى جبل، فاتّبعه طائفة، فوجدوه يصلّي و الوحوش صفوف حوله، فرجعوا خائفين.
سُوءُ الْعَذابِ (45): الغرق أو القتل.
و في مصباح الشّريعة (3): قال الصّادق- (عليه السلام)-: المفوّض أمره إلى اللّه إلى اللّه في راحة الأبد و العيش الدّائم الرّغد، و المفوّض حقّا هو العالي (4) عن كلّ همّة دون اللّه- تعالى-، كما قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:
رضيت بما قسم اللّه ل* * * ى و فوّضت أمري إلى خالقي
كما أحسن اللّه فيما مضى* * * كذلك يحسن فيما بقي
و قال اللّه- عزّ و جلّ- في المؤمن من آل فرعون: وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ.
و التّفويض خمسة أحرف: [ت، ف، و، ي، ض] (5)، لكلّ حرف منها حكم، فمن أتي بأحكامه فقد أتي به، «التّاء» من تركه التّدبير في (6) و الدّنيا. و «الفاء» من فناء كلّ همّة غير اللّه- تعالى. و «الواو» من وفاء العهد و تصديق الوعد. و «الياء» من اليأس من نفسك و اليقين بربّك (7). و «الضّاد» من الضّمير الصّافي للّه و الضّرورة إليه. و المفوّض لا يصبح إلّا سالما من جميع الآفات، و لا يمسي إلّا معافى بدينه.
و في تهذيب الأحكام (8)، بإسناده إلى الحسين بن عليّ بن عبد الملك الزّيّات: عن رجل، عن كرام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أربع لأربع ....
إلى قوله: و الأخرى للمكر و السّوء وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ. قال اللّه
____________
(1) ليس في ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 337.
(3) مصباح الشريعة/ 157- 176.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الفاني.
(5) ليس في المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: من ربّك.
(8) التهذيب 6/ 170، ح 329.
390
- عزّ و جلّ-: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه حزقيل و انّ قوم فرعون وشوا به إلى فرعون و قالوا: إنّ حزقيل يدعو إلى مخالفتك و يعين أعداءك على مضادّتك.
فقال لهم فرعون: ابن عمّي و خليفتي على (2) ملكي و وليّ عهدي، إن [كان قد] (3) فعل ما قلتم فقد استحقّ العذاب على كفره نعمتي، و إن (4) كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشدّ العقاب لإيثاركم الدّخول في مساءته.
فجاء بحزقيل و جاء بهم (5)، فكاشفوه، فقالوا: أنت تجحد ربوبيّة فرعون الملك و تكفر نعماءه.
فقال: حزقيل: أيّها الملك، هل جرّبت عليّ كذبا قطّ؟
قال: لا.
قال: فاسألهم من ربّهم؟
قالوا: فرعون.
قال: و من خالقكم (6)؟
قالوا: فرعون.
قال: و من رازقكم الكافل لمعاشكم و الدّافع عنكم مكارهكم؟
قالوا: فرعون هذا.
قال حزقيل: أيّها الملك، فأشهدك و كلّ من حضرك أنّ ربّهم هو ربّي، و خالقهم هو خالقي، و رازقهم هو رازقي، و مصلح معايشهم [هو مصلح معايشي] (7)، لا ربّ لي و لا خالق [و لا رازق] (8) غير ربّهم و خالقهم و رازقهم. و أشهدك و من حضرك، أنّ كلّ ربّ و خالق [و رازق] (9) سوى ربّهم و خالقهم و رازقهم فأنا بريء منه و من ربوبيّته و كافر بالهيّته.
____________
(1) الاحتجاج/ 370- 371.
(2) المصدر: في.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: فإن.
(5) م، ت، ر، ق، ش، المصدر: جاءهم.
(6) المصدر: خلقكم.
(7) ليس في ت، ش، ق.
8 و 9 ليس في المصدر.
391
يقول حزقيل هذا و هو يعني: أنّ ربّهم هو [اللّه ربّي، و لم يقل: إنّ الّذي قالوا هم أنّه ربّهم هو] (1) ربّي، و خفي هذا المعنى على فرعون و من حضره، و توهّموا أنّه يقول: فرعون ربّي و خالقي و رزاقي.
فقال لهم فرعون (2): يا رجال السّوء، و يا طلّاب الفساد في ملكي، و مريدي الفتنة بيني و بين ابن عمّي و هو عضدي، أنتم المستحقّون لعذابي لإرادتكم فساد أمري و إهلاك ابن عمّي و الفتّ في عضدي.
ثمّ أمر بالأوتاد، فجعل في (3) ساق كلّ واحد منهم وتدا، [و في عضده وتدا،] (4) و في صدره وتدا و أمر أصحاب أمشاط الحديد فشقّوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال اللّه- تعالى-: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا. (5) لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه. وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ و هم الّذين وشوا بحزقيل إليه لمّا أوتد فيهم الأوتاد، و مشّط عن أبدانهم لحومها بالأمشاط.
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا:
جملة مستأنفة. أو «النّار» خبر محذوف، و «يعرضون» استئناف للبيان، أو بدل و «يعرضون» حال منها، أو من الآل (6).
و قرئت (7) منصوبة على الاختصاص، أو بإضمار فعل يفسّره «يعرضون»، مثل:
يصلون. فإنّ عرضهم على النّار إحراقهم بها، من قولهم: عرض الأسارى على السّيف:
إذا قتلوا به.
و ذكر الوقتين يحتمل التّخصيص و التأبيد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): قال: ذلك في الدّنيا قبل القيامة، و ذلك أنّ القيامة لا يكون فيها غدوّ و عشيّ، لأنّ الغدوّ و العشيّ إنّما يكون في الشّمس و القمر، و ليس في جنان الخلد و نيرانها شمس و لا قمر.
____________
(1) ما بين المعقوفتين تكرّر في ق.
(2) ليس في المصدر.
(3) في ق زيادة: كلّ.
(4) ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و كان سبب هلاكهم.
(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 338. و في النسخ:
الأوّل.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) تفسير القمّي 2/ 258.
392
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن أرواح المشركين.
فقال: [في النّار] (2) يعذّبون، يقولون: ربّنا لا تقم لنا السّاعة، و لا تنجز (3) لنا ما وعدتنا، و لا تلحق آخرنا بأوّلنا.
عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن مثنّى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أرواح الكفّار في نار جهنّم يعرضون عليها، يقولون: ربّنا، لا تقم لنا السّاعة، و لا تنجز لنا ما وعدتنا، و لا تلحق آخرنا بأوّلنا.
محمّد بن يحيى (5)، عن محمّد بن أحمد، بإسناده له قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- شرّ بئر في النّار برهوت، الّذي فيه أرواح الكفّار.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن النّوفلي، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: شرّ ماء على وجه الأرض ماء برهوت، و هو واد بحضر موت يرد عليه هام الكفّار و صداهم (7).
محمّد بن يحيى (8)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان قال:
حدّثني من سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إذا احتضر الكافر، حضره رسول اللّه و عليّ و جبرئيل و ملك الموت- (عليهم السلام).
فيدنو منه عليّ- (عليه السلام)- فيقول: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، إنّ هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه. [و يقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
يا جبرئيل، إنّ هذا كان يبغض اللّه و رسوله و أهل بيت رسوله، فأبغضه.] (9) و يقول جبرئيل: يا ملك الموت، إنّ هذا كان (10) يبغض اللّه و رسوله و أهل بيت رسوله فأبغضه و أعنف عليه.
____________
(1) الكافي 3/ 245، ح 1.
(2) ليس في ي.
(3) ى، ر: لا تجز.
(4) نفس المصدر، ح 2.
(5) نفس المصدر/ 246، ح 3.
(6) نفس المصدر/ 246، ح 5.
(7) الهام: جمع الهامة: رأس كلّ شيء. و رئيس القوم و سيّدهم. و الصّدى: الرجل اللطيف الجسد.
قال الفيض (ره) في الوافي: و المراد بالهامة هنا: أرواح الكفّار و أبدانهم المثاليّة.
(8) نفس المصدر/ 131- 132، ح 4.
(9) من المصدر.
(10) ق، ش: كافر.
393
فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد اللّه، أخذت فكاك [رهانك؟ أخذت] (1) أمان براءتك؟ تمسّكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدّنيا؟
يقول: لا.
فيقول: أبشر، يا عدوّ اللّه، بسخط اللّه- عزّ و جلّ- و عذاب النّار (2)، أمّا الّذي كنت تحذره فقد نزل بك.
ثمّ يسلّ نفسه سلّا عنيفا، ثمّ يوكل بروحه ثلاثمائة شيطان كلّهم يبزق في وجهه و يتأذّى بروحه (3)، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النّار فيدخل عليه من قيحها (4) و لهبها. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد [عن محمّد] (6) بن عيسى، عن الحسن بن عليّ، عن غالب بن عثمان، عن بشير الدّهّان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يجيء الملكان منكر و نكير إلى الميّت حين يدفن.
... إلى أن قال: فإذا كان الرّجل كافرا دخلا عليه، و أقيم الشّيطان بين يديه عيناه من نحاس، فيقولان له: من ربّك، و ما دينك، و ما تقول في هذا الرّجل الّذي قد خرج من بيض ظهرانيكم؟
فيقول: لا أدري. فيخلّيان بينه و بين الشّيطان، فيسلّط عليه في قبره تسعة و تسعين تنينا، لو أنّ تنينا واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبت شجرا أبدا، و يفتح له باب إلى النّار و يرى مقعده فيها.
عدّة من أصحابنا (7)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد الرّحمن (8)، عن عبد اللّه بن القاسم، عن أبي بكر الحضرميّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أصلحك اللّه، من المسئولون في قبورهم؟
قال: من محض الإيمان و من محض الكفر.
قال: قلت: فبقيّه هذا الخلق؟
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: و عذابه و النّار.
(3) ق، ش، ت، م، ر: روحه.
(4) ن، ت، م، ي، ر: فيحها.
(5) نفس المصدر/ 326، ح 7.
(6) ليس في المصدر.
(7) نفس المصدر/ 237، ح 8.
(8) المصدر: عن عبد اللّه بن عبد الرحمن.
394
قال: يلهى، و اللّه، عنهم و ما يعبأ بهم.
قال: قلت: و عمّا يسألون؟
قال: عن الحجّة القائمة (1) بين أظهركم، فيقال للمؤمن: ما تقول في فلان بن فلان؟
فيقول: ذلك إمامي. فيقال له: نم، أنام اللّه عينيك. و يفتح له باب من الجنّة فما يزال بتحفة من روحها إلى يوم القيامة. و يقال للكافر: ما تقول في فلان بن فلان؟ قال:
فيقول: قد سمعت به و ما أدري ما هو. قال: فيقال له: لا دريت (2). قال: و يفتح له باب من النّار فلا يزال يتحفه من حرّها إلى يوم القيامة.
محمّد بن يحيى (3)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- قال: يقال: للمؤمن في قبره: من ربّك ....
إلى أن قال: و يقال للكافر: من ربّك؟
فيقول: اللّه ربّي (4).
فيقال: من نبيّك؟
فيقول: محمّد نبيّي (5).
فيقال: ما دينك؟
فيقول: الإسلام ديني (6).
فيقال: من أين علمت ذلك؟
فيقول: سمعت النّاس يقولون فقلته. فيضربانه بمرزبة (7)، لو اجتمع عليه الثّقلان، الإنس و الجنّ لم يطيقوها.
قال: فيذوب، كما يذوب الرّصاص، ثمّ يعيدان فيه الرّوح فيوضع قلبه بين لوحين من نار، فيقول: يا ربّ، أخّر قيام السّاعة.
عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه،
____________
(1) ق، ش، م، ت: القائم.
(2) قال العلّامة المجلسي (ره): الظاهر أنّه دعاء عليه. و يحتمل أن يكون استفهاما على الإنكار.
أي: علمت و تمّت لك الحجّة في الدنيا، و إنّما جحدت لشقاوتك، أو كان عدم العلم لتقصيرك.
(3) نفس المصدر/ 238، ح 11.
4 و 5- ليس في المصدر.
(6) يوجد في ق.
(7) ن، ي: بمضربة. و المرزبة: عصيّة من حديد.
(8) نفس المصدر/ 246- 247، ح 1.
395
جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن ضريس الكناسيّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ للّه- تعالى- نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفّار و يأكلون من زقّومها و يشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن (1) يقال له:
برهوت، أشد حرّا من نيران الدّنيا كانوا فيه (2) يتلاقون و يتعارفون، فإذا كان المساء عادوا إلى النّار، فهم كذلك إلى يوم القيامة.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (3): و عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة و العشيّ، إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة، و إن كان من أهل النّار فمن النّار، يقال: هذا مقعدك حتّى يبعثك اللّه يوم القيامة.
أورده البخاريّ و مسلم في الصّحيح.
وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ، أي: هذا ما دامت الدّنيا، فإذا قامت السّاعة قيل لهم:
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [يا آل فرعون] (4) أَشَدَّ الْعَذابِ (46): عذاب جهنّم، فإنّه أشدّ ممّا كانوا فيه، أو أشدّ عذاب جهنّم.
و قرأ (5) نافع و حمزة و الكسائيّ و يعقوب و حفص: «أدخلوا» على أمر الملائكة بإدخالهم النّار.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قال رجل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ما تقول في قول اللّه- عزّ و جلّ-: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا؟
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما تقول النّاس فيها؟
فقال: يقولون: إنّها في نار الخلد (7)، و هم لا يعذّبون فيما بين ذلك.
فقال- (عليه السلام)-: فهم من السّعداء.
فقيل له: جعلت فداك، فكيف هذا؟
فقال: إنّما هذا في الدّنيا، و أمّا في نار الخلد فهو قوله: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ.
____________
(1) المصدر: باليمين.
(2) المصدر: فيها.
(3) المجمع 4/ 525- 526.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) أنوار التنزيل 2/ 338.
(6) تفسير القمّي 2/ 258.
(7) ش، ق: الخلود.
396
وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ: و اذكر وقت تخاصمهم فيها. و يحتمل العطف على «غدوّا».
فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: تفصيل له.
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً: تباعا، كخدم، في جمع خادم. أو ذوي تبع، بمعنى: أتباع، على الإضمار أو التّجوّز (1).
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (47): بالدّفع أو الحمل.
و «نصيبا» مفعول به لما دلّ عليه «مغنون»، أو له بالتّضمين، أو مصدر، كشيئا، في قوله (2): لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. فيكون «من» صلة «مغنون» (3).
و في مصباح شيخ الطّائفة (4)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- خطب بها يوم الغدير، و فيها يقول- (عليه السلام)-: و تقرّبوا إلى اللّه بتوحيده و طاعة من أمركم أن تطيعوه، وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ (5)، و لا يخلج (6) بكم الغيّ فتضلّوا عن سبيل الرّشاد باتّباع أولئك الّذين ضلّوا و أضلّوا، قال- عزّ من قائل- في طائفة ذكرهم بالذّمّ في كتابه (7): إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ....
... إلى قوله: و قال- تعالى-: وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً (8) فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ. (9) أ فتدرون الاستكبار ما هو؟ هو ترك الطّاعة لمن أمروا بطاعته و التّرفّع على من ندبوا إلى متابعته (10)، و القرآن ينطق من هذا عن كثير، إن تدبّره متدّبر، زجره و وعظه.
____________
(1) فالإضمار أن يكون «ذوي» مقدّرا.
و التجوّز أن يكون «تبعا» بمعنى: دوي تبع مجازا.
(2) آل عمران/ 10 و 116، و المجادلة/ 17.
(3) فيكون المعنى: فهل أنتم دافعون عنّا بعض عذاب النّار.
(4) مصباح المتهجّد/ 701.
(5) الممتحنة/ 10.
(6) ق، ي، ر: لا تحتلج. و في م، ش: يختلج.
(7) الأحزاب/ 67.
(8) المؤمن/ 47.
(9) إبراهيم/ 21. و لا يوجد في المصحف آية واحدة بالصورة الموجودة في الخطبة.
(10) كذا في المصدر. و في ى، ر: مطابعته. و في ن، ت: متباعته.
397
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها: نحن و أنتم، فكيف نغني عنكم، و لو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا.
و قرئ (1): «كلّا» على التّأكيد، لأنّه بمعنى: كلّنا، و تنوينه عوض عن المضاف إليه.
و لا يجوز جعله حالا من المستكنّ في الظّرف فإنّه لا يعمل في الحال المتقدّمة، كما يعمل في الظّرف المتقدّم، كقولك: كلّ يوم لك ثوب.
إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) بأن أدخل أهل (2) الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار، و لا معقّب لحكمه.
وَ قالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، أي: لخزنتها.
و وضع «جهنّم» موضع الضّمير للتّهويل، أو لبيان محلّهم فيها. و (3) يحتمل أن يكون جهنّم أبعد دركاتها، من قولهم: بئر جهنام: بعيدة القعر.
ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً: قدر يوم.
مِنَ الْعَذابِ (49): شيئا من العذاب.
و يجوز أن يكون المفعول «يوما» بحذف المضاف (4)، و «من العذاب» بيانه.
قالُوا أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ:
«أرادوا به: إلزامهم للحجّة، و توبيخهم على إضاعتهم أوقات الدّعاء و تعطيلهم أسباب الإجابة.
قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا: فإنّا لا نجترئ فيه، إذ لم يؤذن لنا في الدّعاء لأمثالكم.
وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (50): ضياع لا يجاب.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا: بالحجّة و الظّفر، و الانتقام لهم من الكفرة.
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51)، أي: في الدّارين.
و «الأشهاد» جمع شاهد، كصاحب و أصحاب. و المراد بهم: من يقوم يوم القيامة للشّهادة على النّاس من الأنبياء و الملائكة و المؤمنين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- (رحمه اللّه)-: أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 338.
(2) ليس في ق.
(3) ق، ش: إذ.
(4) و التقدير: عذاب يوم.
(5) تفسير القمّي 2/ 258- 259.
398
محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت:
قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ.
قال: ذلك، و اللّه، في الرّجعة. أما علمت أنّ أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدّنيا و قتلوا، و أئمّة من بعدهم قتلوا و لم ينصروا، و ذلك في الرّجعة.
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ: بدل من الأوّل. و عدم نفع المعذرة لأنّها باطلة، أو لأنّه لا يؤذن لهم فيعتذرون.
و قرأ (1) غير الكوفيّين و نافع، بالتّاء.
وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ: و لهم البعد من الرّحمة.
وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) جهنّم (2).
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى: ما يهتدى به في الدّين (3) من المعجزات و الصّحف و الشّرائع.
وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (53): و تركنا عليهم بعده من ذلك التّوراة.
هُدىً وَ ذِكْرى: هداية و تذكرة. أو هاديا و مذكّرا.
لِأُولِي الْأَلْبابِ (54): لذوي العقول السّليمة.
فَاصْبِرْ: على أذى المشركين.
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ: بالنّصر حَقٌ: لا يخلفه، و استشهد بحال موسى و فرعون.
وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قيل (4): و أقبل على أمر دينك و تدارك فرطاتك بترك الأولى و الاهتمام بأمر العدا بالاستغفار، فإنّه- تعالى- كافيك في النّصر و إظهار الأمر.
و قيل (5): هذه تعبّد من اللّه- سبحانه- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالدّعاء و الاستغفار، لكي يزيده في الدّرجات و يصير سنّة لمن بعده.
وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ (55): و دم على التّسبيح و التّحميد
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 339.
(2) ليس في ق.
(3) ن، ت، م، ي، ر: الدّارين.
(4) أنوار التنزيل 2/ 339.
(5) مجمع البيان 4/ 528.
399
لربّك.
و قيل (1): صلّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكّة ركعتين بكرة و ركعتين عشيّا.
و قيل (2): يريد الصلوات (3) الخمس.
و في مجمع البيان (4): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال قال (5) اللّه (6)- جلّ جلاله-: يا ابن آدم، اذكرني بعد الغداة ساعة، و بعد العصر ساعة، أكفك ما أهمّك.
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ قيل (7): عامّ في كلّ مجادل مبطل و إن نزلت في مشركي مكّة. أو اليهود حين قالوا:
لست صاحبنا، بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البرّ و البحر و تسير معه الأنهار.
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ: إلّا تكبّر عن الحقّ، و تعظّم عن التّفكّر و التّعلّم. أو إرادة الرّئاسة. أو أنّ النّبوّة و الملك لا يكونان إلّا لهم.
ما هُمْ بِبالِغِيهِ: ببالغي دفع الآيات، أو المراد.
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ: فالتجئ إليه.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56): لأقوالكم و أفعالكم.
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ: فمن قدر على خلقها مع عظمها أوّلا من غير أصل، قدر على خلق الإنسان ثانيا من أصل. و هو بيان لأشكل ما يجادلون فيه من أمر التّوحيد.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57): لأنّهم لا ينظرون و لا يتأمّلون لفرط غفلتهم و اتّباعهم أهواءهم.
وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ: الغافل و المتبصّر، فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التّفاوت و هي فيما بعد البعث.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ لَا الْمُسِيءُ: و المحسن و المسيء.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 339.
(2) مجمع البيان 4/ 528.
(3) ق، ش، م، ي، المصدر، الصّلاة.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) يوجد في ت، المصدر.
(7) أنوار التنزيل 2/ 339.
400
و زيادة «لا» في «المسيء» لأنّ المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل و الكرامة.
و العاطف الثّاني عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى و البصير، لتغاير الوصفين في المقصود، أو الدّلالة بالصّراحة و التّمثيل (1).
قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (58) [، أي: تذكّرا قليلا يتذكّرون] (2) و الضّمير للنّاس، أو الكفّار.
و قرأ (3) الكوفيّون، بالتّاء، على تغليب المخاطب، أو الالتفات، أو أمر الرّسول بالمخاطبة.
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها: في مجيئها، لوضوح الدّلالة على جوازها و إجماع الرّسل على الوعد بوقوعها.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59): لا يصدّقون بها، لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسّونه.
وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي قيل (4): اعبدوني.
أَسْتَجِبْ لَكُمْ: أثبكم، لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60): صاغرين.
و إن فسّر الدّعاء بالسّؤال، كان الاستكبار الصّارف عنه منزّلا منزلته للمبالغة (5). أو المراد بالعبادة: الدّعاء، فإنّه من أبوابها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)- (رحمه اللّه)-: حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن ابن عيينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك
____________
(1) قوله: «عطف الموصول بما عطف ...»، أي:
عطف الموصول الّذي هو «اللّام» مع ما عطف و هو «المحسن»، أي: عطف مجموع هذين الأمرين على الأمرين السّابقين.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) أنوار التنزيل 2/ 339.
(4) أنوار التنزيل 2/ 340.
(5) أي: كان الاستكبار عن العبادة المانع عن الدعاء منزّلا منزلة عدم السّؤال للمبالغة، لأنّه يفيد أنه استكبار عن العبادة الّذي هو الكفر. و توضيحه:
أنّ المراد من الاستكبار عن العبادة الّذي هو مانع عن السؤال عدم السؤال.
(6) تفسير القمّي 2/ 259.
401
و تعالى- ليمنّ على عبده المؤمن يوم القيامة، فيأمره (1) أن يدنو منه، يعني: من رحمته، فيدنو حتّى يضع كفّه (2) عليه، ثمّ يعرّفه ما أنعم به عليه، يقول له: ألم تدعني يوم كذا و كذا بكذا و كذا فأجبت دعوتك!؟ ألم تسألني يوم كذا و كذا فأعطيتك مسألتك!؟ ألم تستغث بي يوم كذا و كذا و بك ضرّ كذا و كذا فكشفت ضرّك (3) و رحمت صوتك!؟ ألم تسألني مالا فملّكتك!؟ ألم تستخدمني، فأخدمتك!؟ ألم تسألني أن أزوّجك فلانه، و هي منيعة عند أهلها، فزوّجناكها!؟
قال: فيقول العبد: بلى، يا ربّ، أعطيتني كلّما سألتك، و كنت أسألك الجنّة.
فيقول اللّه له: فإنّي واهب (4) لك [ما سألتنيه. الجنّة لك] (5) مباحا. أرضيتك؟
فيقول المؤمن: نعم، يا ربّ، ارضيتني و قد رضيت.
فيقول اللّه له: عبدي، إنّي كنت أرضى أعمالك، و إنّما أرضى لك أحسن (6) الجزاء، فإنّ أفضل جزائي عندك أن أسكنك الجنّة. و هو قوله- عزّ و جلّ-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
حدّثني أبي (7)، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال (8) له رجل: جعلت فداك، إنّ اللّه يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. و إنّا ندعو فلا يستجاب لنا! قال: لأنّكم لا تفون (9) للّه (10) بعهده، و أنّ اللّه يقول (11): أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.
و اللّه، لو وفيتم للّه، لوفي [اللّه] (12) «لكم.
و في نهج البلاغة (13): من أعطى الدّعاء لم يحرم الإجابة. قال اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) في المصدر زيادة: اللّه.
(2) ن، ت، م، ر: كتفه.
(3) المصدر:
ألم تستغث بي يوم كذا و كذا فأغثتك!؟ ألم تسأل ضرّا كذا و كذا فكشفت عنك ضرّك و ...
(4) المصدر: منعم.
(5) ليس في ق.
(6) ق، ش، م: حسن.
(7) نفس المصدر 1/ 46.
(8) يوجد في ن.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لا توفون.
(10) ق، ش، م، ي، المصدر: اللّه.
(11) البقرة/ 40.
(12) من المصدر.
(13) النهج/ 494، الحكمة 135. و الاستشهاد بالآية لا يوجد في نصّ كلامه- (عليه السلام)- و لكن أوردها الرضى (ره) بعد ذكره دليلا عليه من الكتاب المجيد.
402
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
و في من لا يحضره الفقيه (1)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- خطب بها يوم الجمعة، و فيها: و أكثروا فيه التّضرّع و الدّعاء و مسألة الرّحمة و الغفران، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- ستجيب لكلّ من دعاه، و يورد النّار من عصاه و كلّ مستكبر (2) عن عبادته، قال اللّه- عزّ و جلّ-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال السّائل: أ لست تقول: يقول اللّه- تعالى-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. و قد نرى المضطرّ يدعوه فلا يجاب له، و المطيع يستنصره على عدوّه فلا ينصره؟
قال: ويحك، ما يدعوه أحد إلّا استجاب له، أمّا الظّالم (4) فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه، و أمّا المحقّ فإنّه إذا دعاه استجاب له و صرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه، أو ادّخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه، و إن لم يكن الأمر الّذي سأل العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه، و المؤمن العارف باللّه ربّما عزّ عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ.
و في أدعية الصّحيفة السّجّاديّة (5): و قلت ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ. [فسمّيت دعاءك عبادة، و تركه استكبارا، و توعّدت على تركه (6) دخول جهنّم داخرين.] (7).
و في قرب الإسناد (8) للحميريّ، بإسناده إلى أبي عبد اللّه: عن أبيه- (عليهما السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ممّا أعطى اللّه أمّتي و فضّلهم به على سائر الأمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلّا نبيّ.
... إلى قوله: كان إذا بعث نبيّا، قال له: إذا أحزنك أمر تكرهه، فادعني، أستجب لك (9). و إنّ اللّه- تعالى- أعطى أمّتي ذلك حيث يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
____________
(1) الفقيه 1/ 276، ح 1262.
(2) ش، ق: متكبّر.
(3) الاحتجاج/ 343.
(4) ن: للظّالم.
(5) الصحيفة السجّادية، الدعاء 45.
(6) كذا في المصدر. و في ق، ش: ترك الدعاء.
و في سائر النسخ: تركه الدعاء.
(7) ليس في ن.
(8) قرب الإسناد/ 41.
(9) ق، ش، ن، المصدر: لكم.
403
و في كتاب جعفر بن محمّد الدّرويستيّ (1)، بإسناده إلى حفص (2) بن غياث النّخعيّ قال: سمعت الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- يقول: إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربّه- تعالى- شيئا إلّا أعطاه، فلييأس من النّاس (3) كلّهم، و لا يكون له رجاء إلّا عند اللّه- عزّ و جلّ. فإذا علم اللّه- تعالى- ذلك من قلبه (4) لم يسأله (5) شيئا إلّا أعطاه.
و في مجمع البيان (6): و قد روى معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلني اللّه فداك، ما تقول في رجلين دخلا المسجد جميعا، كان أحدهما أكثر صلاة و الآخر أكثر دعاء، فأيّهما أفضل؟
قال: كلّ حسن.
قلت: قد علمت، و لكن أيّهما أفضل؟
قال: أكثرهما دعاء، أما تسمع قول اللّه- تعالى-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
(إلى آخر الآية)!؟ و قال: هي العبادة الكبرى.
و روي (7): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية، قال: هو الدّعاء، و أفضل العبادة الدّعاء.
و في أصول الكافي (8)، بإسناده إلى المعلّى بن خنيس: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللّه- عزّ و جلّ-:
من استذلّ عبدي المؤمن، فقد بارزني بالمحاربة.
... إلى قوله- عزّ و جلّ-: و إنّه ليدعوني في الأمر، فأستجيب له بما هو خير له.
عليّ بن إبراهيم (9)- (رحمه اللّه)-: عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز (10)، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ. قال: هو الدّعاء، و أفضل العبادة الدّعاء.
محمّد بن يحيى (11)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل و ابن محبوب، جميعا، عن
____________
(1) نور الثقلين 4/ 528، ح 77.
(2) ق، ش، ن: جعفر.
(3) ق: النّار.
(4) ن: قبله.
(5) ق، ش، م: لم يسأل.
(6) المجمع 4/ 529.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) الكافي 2/ 354، ح 11.
(9) نفس المصدر/ 466، ح 1.
(10) ق، ش: جرير.
(11) نفس المصدر/ 466، ح 2.
404
حنّان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أيّ العبادة أفضل؟
فقال: ما من شيء أفضل عند اللّه- عزّ و جلّ- من أن يسأل و يطلب ممّا عنده، و ما من أحد أبغض إلى اللّه- عزّ و جلّ- ممّن يستكبر عن عبادته و يسأل ما عنده.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: ادع و لا تقل: قد فرغ من الأمر، فإنّ الدّعاء هو العبادة، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
و قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن رجل قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الدّعاء هو العبادة الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي. (الآية) ادع اللّه- عزّ و جلّ- و لا تقل: إنّ الأمر (3) قد فرغ منه.
قال زرارة: إنّما يعني: لا يمنعك إيمانك بالقضاء و القدر أن تبالغ بالدّعاء و تجتهد فيه.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [قلت:] (5) آيتان (6) في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- أطلبهما فلا أجدهما.
قال: و ما هما؟
قلت: قول اللّه- عزّ و جلّ-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. فندعوه و لا نرى إجابة.
قال: أفترى (7) اللّه- عزّ و جلّ- أخلف وعده؟
قلت: لا.
قال: فممّ ذلك؟
قلت: لا أدري.
قال: لكنّي أخبرك، من أطاع اللّه- عزّ و جلّ- فيما أمره ثمّ دعاه من جهة الدّعاء أجابه.
____________
(1) نفس المصدر/ 467، ح 5.
(2) نفس المصدر/ 467، ح 7.
(3) ليس في م. و في ن، ت، ي، ر: اللّه.
(4) نفس المصدر/ 486، ح 8.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: آيتين.
(7) في ق، ش، ن، ت، زيادة: على.
405
قلت: و ما جهة الدّعاء؟
قال: تبدأ فتحمد اللّه و تذكر نعمه عندك، ثمّ تشكره، ثمّ تصلّي على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، ثمّ تذكر ذنوبك فتقرّبها، ثمّ تستعيذ منها، فهذا جهة الدّعاء.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن ابن بكير (2)، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ في كتاب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ المدحة قبل المسألة، فإذا دعوت اللّه- عزّ و جلّ- فمجّده.
قلت: كيف أمجّده؟
قال: تقول: يا من هو أقرب إليّ من حبل الوريد، يا فعّالا لما يريد، يا من يحول بين المرء و قلبه، يا من هو بالمنظر الأعلى، يا من ليس كمثله شيء.
الحسين بن محمّد (3)، عن معلّي بن محمّد، عن الحسن (4) بن عليّ، عن حمّاد بن عثمان (5)، عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا أردت أن تدعو فمجّد اللّه- عزّ و جلّ- و أحمده و سبّحه و هلّله و أثن عليه، و صلّ على محمّد و آل محمّد، ثمّ سل تعط.
أبو عليّ الأشعريّ (6)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن عيص بن القاسم قال:
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا طلب أحدكم الحاجة فليثن على ربّه و ليمدحه، فإنّ الرّجل إذا طلب الحاجة من السّلطان هيّأ له من الكلام أحسن ما يقدر عليه، فإذا طلبتم الحاجة فمجّدوا اللّه العزيز الجبّار و امدحوه و أثنوا عليه، تقول:
يا أجود من أعطى، و يا خير من سئل، يا أرحم من استرحم، يا أحد يا صمد، يا من لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد، يا من لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، يا من يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و يقضي ما أحبّ، يا من يحول بين المرء و قلبه، يا من هو بالمنظر الأعلى، يا من ليس كمثله شيء، يا سميع يا بصير.
و أكثر من أسماء اللّه، [فإنّ أسماء اللّه] (7) كثيرة، و صلّ على محمّد و آله، و قل:
____________
(1) نفس المصدر/ 484، ح 2.
(2) ق، ش، ن، ت: عن أبي بكير.
(3) نفس المصدر/ 485، ح 5.
(4) ق، ش، م: الحسين.
(5) ق، ش: عيسى.
(6) نفس المصدر/ 485، ح 6.
(7) ليس في ن، ت، م، ى، ر.
406
اللّهمّ، أوسع عليّ من رزقك الحلال ما أكفّ به وجهي، و أؤدّي به عن أمانتي، و أصل به رحمي، و يكون عونا لي في الحجّ و العمرة.
و قال: إنّ رجلا دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثمّ سأل اللّه- عزّ و جلّ. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عجّل العبد ربّه.
و جاء آخر فصلّى ركعتين، ثمّ أثنى على اللّه- عزّ و جلّ- و صلّى على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سل، تعط.
عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من سرّه أن تستجاب دعوته فليطيّب (2) مكسبه.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن غير واحد من أصحابنا قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ العبد الوليّ للّه- سبحانه- يدعو اللّه- عزّ و جلّ- في الأمر ينوبه، فيقول (4) للملك الموكّل به: اقض لعبدي حاجته، و لا تعجّلها، فإنّي أشتهي أن أسمع نداءه و صوته. و إنّ العبد العدوّ للّه ليدعو اللّه- عزّ و جلّ- في الأمر ينوبه، فيقال (5) للملك الموكّل به: اقض [لعبدي] (6) حاجته و عجّلها، فإنّي أكره أن أسمع نداءه و صوته.
قال: فيقول النّاس: ما أعطي هذا إلّا لكرامته، و لا منع هذا إلّا لهوانه.
محمّد بن يحيى (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا يزال المؤمن بخير و رجاء رحمة من اللّه- عزّ و جلّ- ما لم يستعجل فيقنط و يترك الدّعاء.
قلت: له: كيف يستعجل؟
قال: يقول: قد دعوت منذ كذا و كذا و ما أرى الإجابة.
الحسين (8) بن محمّد (9)، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ المؤمن ليدعو اللّه- عزّ و جلّ- في
____________
(1) نفس المصدر/ 486، ح 9.
(2) المصدر: فليطب.
(3) نفس المصدر/ 490، ح 7.
4 و 5- كذا في المصدر، و في النسخ: فقال.
(6) من المصدر مع المعقوفتين.
(7) نفس المصدر/ 490، ح 8.
(8) ق، ي: الحسن.
(9) نفس المصدر/ 490، ح 9.
407
حاجته، فيقول اللّه- عزّ و جلّ-: أخّروا إجابته شوقا إلى صوته و دعائه. فإذا كان يوم القيامة قال اللّه- عزّ و جلّ-: عبدي، دعوتني فأخّرت إجابتك و ثوابك كذا و كذا، و دعوتني في كذا و كذا فأخّرت إجابتك و ثوابك كذا و كذا.
قال (1): فيتمنّى المؤمن أنّه لم تستجب له دعوة في الدّنيا ممّا يرى من حسن الثّواب.
عليّ بن إبراهيم (2)- (رحمه اللّه)-: [عن أبيه] (3) عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا يزال الدّعاء محجوبا حتّى يصلّى على محمّد و آل محمّد.
عليّ بن محمّد (4)، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن رجاله قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من كانت له إلى اللّه- عزّ و جلّ- حاجة، فليبدأ بالصّلاة على محمّد و آل محمّد، ثمّ يسأل حاجته، ثمّ يختم بالصّلاة على محمّد و آل محمّد، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- أكرم من أن يقبل الطّرفين و يدع الوسط إن (5) كانت الصّلاة على محمّد و آل محمّد، لا تحجب عنه.
و في الكافي (6): الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن المغيرة (7)، أنّه سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ فضل الدّعاء بعد الفريضة على الدّعاء بعد النّافلة، كفضل الفريضة على النّافلة.
قال: ثمّ قال: ادعه و لا تقل: قد فرغ من الأمر. فإنّ الدّعاء هو العبادة، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
و قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
و قال: إذا أردت أن تدعو اللّه (8) فمجّده و أحمده و سبحّه و هلّله و أثن عليه، و صلّ على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ سل تعط.
و في عيون الأخبار (9)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ حديث طويل، فيه قال الرّضا- (عليه السلام)-: يا جاهل، فإذا علم الشّيء فقد أراده؟
____________
(1) ليس في ن.
(2) نفس المصدر/ 491، ح 1.
(3) يوجد في ن، المصدر.
(4) نفس المصدر/ 494، ح 16.
(5) المصدر: إذ [ا].
(6) الكافي 3/ 341، ح 4.
(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 227. و في النسخ: الحارث بن المغيرة.
(8) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(9) العيون 1/ 151.
408
قال سليمان: أجل.
قال: فإذا لم يرده لم يعلمه؟
قال سليمان: أجل.
قال: من أين قلت ذاك، و ما الدّليل على أنّ إرادته علمه؟ و قد يعلم مالا يريده أبدا، و ذلك قوله (1)- تعالى-: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ. فهو يعلم كيف يذهب به و هو لا يذهب به أبدا.
قال سليمان: لأنّه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئا.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: هذا قول اليهود، فكيف قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ؟
قال: سليمان: إنّما عنى بذلك: أنّه قادر عليه.
قال: أ فيعد مالا يفي به؟ فكيف قال (2): يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ. و قال (3)- عزّ و جلّ-: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و قد فرغ من الأمر؟ فلم يحر (4) جوابا.
و في كتاب الخصال (5): عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كنت عنده و عنده جفنة من رطب، فجاء سائل فأعطاه، ثمّ جاء سائل [آخر] (6) فأعطاه، [ثمّ جاء آخر (7) فأعطاه] (8) ثمّ جاء آخر فقال: وسّع اللّه عليك.
ثمّ قال: إنّ رجلا لو كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألفا ثمّ شاء أن لا يبقى منه شيء إلّا قسّمه في حقّ فعل، فيبقى لا مال له، فيكون من الثّلاثة الّذين يردّ دعاؤهم عليهم.
قال: قلت: جعلت فداك، من هم؟
قال: رجل (9) رزقه اللّه مالا فأنفقه في وجوهه ثمّ قال: يا ربّ، ارزقني. [فيقول اللّه- عزّ و جلّ-: أو لم أرزقك!؟] (10). و رجل دعا على امرأته و هو ظالم لها، فيقال له: ألم
____________
(1) الإسراء/ 86.
(2) فاطر/ 1.
(3) الرعد/ 39.
(4) أي: سكت و لم يتكلّم.
(5) الخصال/ 160، ح 208.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سائل.
(8) ليس في ق.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: من.
(10) من المصدر مع المعقوفتين.
409
أمرها بيدك!؟ و رجل جلس في بيته و ترك الطّلب ثمّ يقول: يا ربّ، ارزقني، فيقول- عزّ و جلّ-: ألم أجعل لك السّبيل إلى الطّلب للرّزق!؟
عن معاوية بن عمّار (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال يا معاوية، من أعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة: من أعطي الدّعاء أعطي الإجابة، و من أعطى الشّكر أعطي الزّيادة، و من أعطي التّوكّل أعطي الكفاية، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه (2):
وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. و يقول (3): لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. و يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
عن عليّ بن أبي طالب (4)- (عليه السلام)-، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (5) أنّه قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- في وصيته له: يا عليّ، أربعة لا تردّ لهم دعوة: إمام عادل، و والد لولده، و الرّجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، و المظلوم، يقول اللّه- جلّ جلاله-: و عزّتي و جلالي، لأنتصرنّ لك و لو بعد حين.
عن أمير المؤمنين (6)- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أخفى أربعة في أربعة: أخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرنّ شيئا من دعائه فربّما و أفق إجابته و أنت لا تعلم.
عن أبي عبد اللّه (7)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خمسة لا يستجاب لهم: رجل جعل اللّه بيده طلاق امرأته فهي تؤذيه و عنده ما يعطيها و لم يخلّ سبيلها، و رجل أبق مملوكه ثلاث مرّات و لم يبعه، و رجل مرّ بحائط مائل و هو يقبل إليه و لا يسرع المشي حتّى سقط عليه، و رجل أقرض رجلا (8) مالا فلم يشهد عليه، و رجل جلس في بيته و قال: اللّهمّ، ارزقني، و لم يطلب.
عن نوف (9)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: يا نوف، إيّاك أن تكون عشّارا أو شاعرا أو شرطيّا أو عريفا (10) أو صاحب عرطبة، و هي الطّنبور، أو صاحب كوبة،
____________
(1) نفس المصدر/ 101، ح 56. و فيه: عن معاوية بن وهب.
(2) الطّلاق/ 3.
(3) إبراهيم/ 7.
(4) نفس المصدر/ 197، ح 4.
(5) في ق زيادة: قال- (عليه السلام).
(6) نفس المصدر/ 209، ح 31.
(7) نفس المصدر/ 299، ح 71.
(8) يوجد في ن، المصدر.
(9) نفس المصدر/ 337- 338، ح 40.
(10) العريف: القيّم بأمر القوم الّذي عرف بذلك و شهر. و قيل: النقيب، و هو دون الرئيس. و قيل:
410
و هو الطّبل، فإنّ نبيّ اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خرج ذات ليلة فنظر إلى السّماء فقال:
إنّها السّاعة الّتي لا تردّ فيها دعوة، إلّا دعوة [عريف أو دعوة] (1) شاعر [أو دعوة عاشر] (2) أو دعوة شرطيّ أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة.
و في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده إلى عليّ بن أسباط، يرفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: من قرأ مائة آية من القرآن من أيّ القرآن شاء، ثمّ قال: يا اللّه، سبع مرّات، فلو دعا على الصّخرة لقلعها- إن شاء اللّه.
و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: قال قوم للصّادق- (عليه السلام)-: ندعو فلا يستجاب لنا.
قال: لأنّكم تدعون من لا تعرفونه.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن أبي حمزة (6) الثّماليّ: عن أبيه، عن الصّادق- (عليه السلام)-، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حدّثني جبرئيل، عن ربّ العزّة- جلّ جلاله- أنّه قال: من علم أنّه لا إله إلّا أنا وحدي، و أنّ محمّدا عبدي و رسولي، و أنّ علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- خليفتي، و أنّ (7) الأئمّة من ولده حججي، أدخله الجنّة برحمتي و أنجيه (8) من النّار بعفوي، و أبحت له جواري، و أوجبت له كرامتي، و أتممت عليه نعمتي، و جعلته من خاصّتي و خالصتي، إن ناداني لبّيته، [و إن دعاني أجبته،] (9) و إن سألني أعطيته، و إن سكت ابتدأته، و إن أساء رحمته، و إن فرّ منّي دعوته، و إن رجع إليّ قبلته، و إن قرع بابي فتحته.
و من لم يشهد أن لا إله إلّا أنا [وحدي، أو شهد بذلك] (10) و لم يشهد أنّ محمّدا عبدي و رسولي، أو شهد بذلك [و لم يشهد أنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، أو يشهد بذلك] (11) و لم
____________
العريف يكون على نفير، و المنكب يكون على خمسة عرفاء و نحوها، ثمّ الأمير فوق هؤلاء.
(1) ليس في ق.
(2) من المصدر.
(3) ثواب الأعمال/ 130، ح 1.
(4) التوحيد/ 288- 289، ح 7.
(5) كمال الدين/ 258، ح 3.
(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 208. و في النسخ: الحسين بن عليّ بن أبي حمزة.
(7) كذا في ن، المصدر، و في سائر النسخ: «من بعدي و» بدل «و أنّ».
(8) المصدر: نجّيته.
9 و 10 و 11 من المصدر.
411
يشهد أنّ الأئمّة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، و صغّر عظمتي، و كفر بآياتي و كتبي، إن قصدني حجبته، و إن سألني حرمته، و إن ناداني لم أسمع نداءه، و إن دعاني لم أستجب دعاءه، و إن رجاني خيّبته، و ذلك جزاؤه منّي وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى أبي خالد الكابليّ قال: سمعت زين العابدين، عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: الذّنوب الّتي تردّ الدّعاء سوء النّيّة و خبث السّريرة و النّفاق مع الإخوان، و ترك التّصديق بالاجابة، و تأخير الصّلوات المفروضات حتّى تذهب أوقاتها، و ترك التّقرّب إلى اللّه- عزّ و جلّ- بالبرّ و الصّدقة، و استعمال البذاء (2) و الفحش في القول.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن النّعمان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يكلنا إلى أنفسنا، و لو وكلنا إلى أنفسنا لكنّا كبعض النّاس، و لكن نحن الّذين قال اللّه- تعالى- لنا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ: لتستريحوا فيه، بأن خلقه باردا مظلما ليؤدّي إلى ضعف الحركات (4) و هدوء الحواسّ.
وَ النَّهارَ مُبْصِراً: يبصر فيه، أو به.
و إسناد الإبصار إليه مجاز فيه مبالغة، و لذلك عدل به عن التعليل إلى الحال (5) إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ: لا يوازيه فضل، و للإشعار به لم يقل: لمفضل.
عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61): لجهلهم بالمنعم، و إغفالهم مواضع النّعم.
و تكرير «النّاس» لتخصيص الكفران بهم.
____________
(1) المعاني/ 271، ح 2.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: البلاء.
و البذاء: السفه و الفحش في المنطق.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 532، ح 16.
(4) ي، ر: المحرّكات.
(5) أي: أصله على قياس ما سبق أن يقال: و النّهار لتبصروا فيه. فعدل إليه للمبالغة.
412
ذلِكُمُ: المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهيّة و الرّبوبيّة اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: أخبار مترادفة، تخصّص اللّاحقة السّابقة و تقرّرها.
و قرئ (1): «خالق» بالنّصب على الاختصاص، فيكون لا إِلهَ إِلَّا هُوَ استئنافا بما هو، كالنّتيجة للأوصاف المذكورة.
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62): فكيف، و من أيّ وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.
كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63)، أي: كما أفكوا أفك عن الحقّ كلّ من جحد بآيات اللّه و لم يتأمّلها.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً: استدلال آخر بأفعال أخر مخصوصة.
وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ: بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء و التّخطيطات، متهيّأ لمزاولة الصّنائع و اكتساب الكمالات.
وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ: اللّذائذ.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64): فإنّ كلّ ما سواه مربوب مفتقر بالذّات معرّض للزّوال.
هُوَ الْحَيُ: المتفرّد بالحياة الذّاتيّة.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: إذ لا موجود يساويه، أو يدانيه في ذاته و صفاته.
فَادْعُوهُ: فاعبدوه.
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، أي: الطّاعة من الشّرك و الرّياء.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65): قائلين له.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد عن سليمان بن داود، رفعه قال: قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: إذا قال أحدكم: لا إله إلّا اللّه، فليقل:
الحمد للّه ربّ العالمين. [فإنّ اللّه يقول: هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ] (3).
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 340.
(2) تفسير القمّي 2/ 259- 260.
(3) ليس في ق.
413
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي: من الحجج و الآيات، فإنّها مقوّية لأدلّة العقل منبّهة عليها.
وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (66): أن أنقاد له و أخلص له ديني.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا: أطفالا.
و التّوحيد، لإرادة الجنس. أو على تأويل كلّ واحد منكم.
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ.
«اللّام» فيه متعلّق بمحذوف، و تقديره: ثمّ يبقيكم لتبلغوا. و كذلك في قوله: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً.
و يجوز، عطفه على لِتَبْلُغُوا.
و قرئ (1): «شيوخا» بالكسر، و «شيخا»، كقوله: «طفلا».
و قرأ (2) نافع و أبو عمرو و حفص و هشام: «شيوخا» بضمّ الشّين.
و قرئ: «شيخوخة».
و في كتاب الخصال (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يؤتى بالشّيخ يوم القيامة فيدفع إليه كتابه، ظاهره ممّا يلي النّاس فلا يرى إلّا مساوئ، فيطول ذلك عليه، فيقول: يا ربّ، أتأمر بي (4) إلى النّار؟
فيقول الجبّار- جلّ جلاله-: يا شيخ، إنّي أستحي أن أعذّبك و قد كنت تصلّي لي في دار الدّنيا، اذهبوا بعبدي إلى الجنّة.
وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ: من قبل الشّيخوخة، أو بلوغ الأشدّ.
وَ لِتَبْلُغُوا: و يفعل (5) ذلك لتبلغوا أَجَلًا مُسَمًّى: هو وقت الموت، أو يوم القيامة.
وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67): ما في ذلك من الحجج [و العبر] (6).
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً: فإذا أراده فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 340.
(3) الخصال/ 546، ح 26.
(4) ق، المصدر: أ تأمرني.
(5) غير ن: ليفعل.
(6) من ن.
414
فَيَكُونُ (68) فلا يحتاج في تكوينه إلى عدّة و تجشّم كلفة.
و «الفاء» الأولى للدّلالة على أنّ ذلك نتيجة ما سبق، من حيث أنّه يقتضى قدرة ذاتيّة غير متوقّفة على العدد و الموادّ.
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) عن التّصديق.
و تكريز ذمّ المجادلة، لتعدّد المجادل و المجادل فيه. أو للتّأكيد.
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ: بالقرآن. أو بجنس الكتب (1) السّماويّة.
وَ بِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا: من سائر الكتب أو الوحي و الشّرائع.
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) جزاء تكذيبهم إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ: ظرف «ليعلمون»، إذ المعنى على الاستقبال، و التّعبير بلفظ المضيّ (2) لتيقّنه.
وَ السَّلاسِلُ: عطف على «الأغلال». أو مبتدأ خبره يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ. و العائد محذوف، أي: يسحبون بها. و هو على الأوّل حال.
و قرئ (3): «و السّلاسل يسحبون» بالنّصب و فتح الياء، على تقديم المفعول و عطف الفعليّة على الاسميّة. «و السّلاسل» بالجرّ حملا على المعنى إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، بمعنى: أعناقهم في الأغلال. أو إضمارا للباء، و يدلّ عليه لقراءة به.
ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72): يحرقون، من سجر التّنّور: إذا ملأه بالوقود. و منه السّجير للصّديق، كأنّه سجر بالحبّ، أي: ملئ. و المراد: تعذيبهم بأنواع من العذاب، و ينقلون عن بعضها إلى بعض.
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا:
غابوا عنّا، و ذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم. أو ضاعوا عنّا، فلم نجد منهم ما كنّا نتوقّع منهم.
و في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب [عن ضريس الكناسي] (5) قالوا: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ للّه نارا في المشرق.
____________
(1) ت: الكتاب. و في ق تكرّر «الكتب».
(2) ليس في ن، ي.
(3) أنوار التنزيل 2/ 341.
(4) الكافي 3/ 246- 247، ح 1.
(5) من المصدر.
415
... إلى أن قال: فأمّا النّصّاب من أهل القبلة فإنّهم يخدّ لهم خدّ إلى النّار الّتي خلقها [اللّه] (1) في المشرق، فيدخل عليهم منها اللّهب و الشّرر و الدّخان و فورة الحميم إلى يوم القيامة، ثمّ مصيرهم إلى الحميم ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تدعون (2) من دون الله، أي: أين إمامكم الّذي اتّخذتموه دون الإمام الّذي جعله اللّه للنّاس إماما.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في بصائر الدّرجات (3): عليّ، عن العبّاس بن عامر، عن أبان عن بشير النّبّال، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: كنت (4) خلف أبي و هو على بغلته، فنفرت بغلته، فإذا (5) شيخ في عنقه سلسلة و رجل يتبعه (6).
فقال: يا عليّ بن الحسين، اسقني [اسقني.] (7) فقال الرجل (8): لا تسقه، لا سقاه اللّه. و كان الشّيخ معاوية.
الحجّال (9)، عن الحسن بن الحسين، عن ابن سنان، عن عبد الملك القمّي، عن إدريس، عن (10) أخيه قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: بينا أنا و أبي متوجّهان إلى مكّة، و أبي قد تقدّمني في موضع يقال له: ضجنان، إذ جاء رجل في عنقه سلسلة يجرّها (11)، [فأقبل عليّ] (12) فقال لي (13): اسقني، اسقني (14).
قال: فصاح بي أبي: لا تسقه، لا سقاه اللّه. و رجل (15) يتبعه حتّى جذب سلسلته (16) و طرحه في أسفل درك من النّار.
أحمد بن محمّد (17)، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن عليّ بن المغيرة قال: نزل أبو جعفر- (عليه السلام)- [بوادي] (18) ضجنان، فقال ثلاث مرّات: لا غفر اللّه
____________
(1) من المصدر.
(2) في المصحف: تشركون.
(3) البصائر/ 304- 305، ح 1.
(4) ليس في ن، ي.
(5) في المصدر زيادة: رجل.
(6) في غير ن: اتبعه.
(7) من المصدر.
(8) يوجد في ن، المصدر.
(9) نفس المصدر/ 305، ح 2.
(10) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(11) المصدر: تجرّها.
(12) من المصدر.
(13) المصدر: له.
(14) ليس في ش، ق.
(15) المصدر: قال: فرجل.
(16) المصدر: سلسلة فألقاه.
(17) نفس المصدر/ 305، ح 3.
(18) من المصدر.
416
لك.
ثمّ قال لأصحابه: أ تدرون لم قلت ما قلت؟
فقالوا: لم قلت، جعلنا اللّه فداك؟
قال: [مرّ] (1) معاوية يجرّ سلسلة قد أدلى لسانه [يسألنى أن] (2) أستغفر له، و أنّه يقال:
إنّ هذا واد (3) من أودية جهنّم.
بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً، أي: بل تبيّن لنا أنّا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم، فإنّهم ليسوا شيئا يعتدّ به، كقولك: حسبته شيئا فلم يكن.
كَذلِكَ: مثل هذا الضّلال يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74) حتّى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة. أو يضلّهم عن آلهتهم، حتّى لو تطالبوا لم يتصادفوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَ بِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا- إلى قوله: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ. فقد سمّاهم اللّه: كافرين (5) مشركين، بأن كذّبوا بالكتاب، و قد أرسل اللّه- عزّ و جلّ- رسله بالكتاب و بتأويله، فمن كذّب بالكتاب، أو كذّب (6) بما أرسل به رسله من تأويل الكتاب، فهو مشرك كافر.
ذلِكُمْ: الإضلال بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ: تبطرون و تتكبّرون بِغَيْرِ الْحَقِ: و هو الشّرك و الطّغيان.
وَ بِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75): تتوسّعون في الفرح.
و العدول إلى الخطاب، للمبالغة في التّوبيخ.
و في تفسير علي بن إبراهيم (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الفرح و المرح و الخيلاء (8) كلّ ذلك في الشّرك و العمل في الأرض بالمعصية.
و في كتاب الخصال (9): عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و شعب الطّمع أربع: الفرح و المرح و اللّجاجة و التّكبّر (10)، و الفرح (11) مكروه عند اللّه
____________
(1) من المصدر.
(2) ليس في ق.
(3) المصدر: وادي ضجنان.
(4) تفسير القمّي 2/ 260.
(5) المصدر: فقد سمّي اللّه الكافرين.
(6) ليس في ي، ق.
(7) تفسير القمّي 2/ 261.
(8) أي: العجب و الكبر.
(9) الخصال/ 234، ح 74.
(10) المصدر: التكاثر.
(11) المصدر: فالفرح.
417
- تعالى- و المرح خيلاء. و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (1)، مثله.
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ: الأبواب السّبعة المقسومة لكم.
خالِدِينَ فِيها: مقدّرين الخلود.
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76): عن الحقّ جهنّم. و كان مقتضى النّظم:
فبئس مدخل المتكبّرين. لكن لمّا كان الدّخول المقيّد بالخلود سبب الثّواء، ذكر المثوى.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ: بهلاك الكفّار حَقٌ: كائن لا محالة.
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ: فإن نرك.
و «ما» مزيدة لتأكيد الشّرطيّة، و لذلك لحقت النّون الفعل، و لا تلحق مع «إن» وحدها.
بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ: و هو القتل و الأسر.
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ: قبل إنزاله.
فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77): يوم القيامة، فنجازيهم بأعمالهم.
و هو جواب نَتَوَفَّيَنَّكَ، و جواب نُرِيَنَّكَ محذوف، مثل: فذاك.
و يجوز أن يكون جوابا لهما، بمعنى: أن نعذّبهم في حياتك. أو لم [نعذّبهم فإنّا] (2) نعذّبهم في الآخرة أشدّ العذاب، و يدلّ على شدّته الاقتصار بذكر الرّجوع في هذا المعرض.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن ضريس الكناسيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، ما حال الموحّدين المقرّبين بنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المسلمين المذنبين (4) الّذين يموتون و ليس لهم إمام و لا يعرفون ولايتكم؟
فقال: أمّا هؤلاء فإنّهم في حفرهم لا يخرجون منها، فمن كان له عمل صالح و لم تظهر (5) منه عداوة فإنّه يخدّ له خدّ إلى الجنّة الّتي خلقها اللّه بالمغرب، فيدخل عليه الرّوح في حفرته إلى يوم القيامة حتّى يلقى اللّه فيحاسبه بحسناته [و سيّئاته] (6)، فإمّا إلى الجنّة و إمّا
____________
(1) الكافي 2/ 394، ح 1.
(2) ليس في ش.
(3) تفسير القمّي 2/ 260- 261.
(4) يوجد في ن، ي، المصدر.
(5) المصدر: يظهر.
(6) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
418
إلى النّار، فهؤلاء الموقوفون لأمر اللّه، قال: و كذلك يفعل بالمستضعفين و البله و الأطفال و أولاد المسلمين الّذين لم يبلغوا الحلم.
و أمّا النّصاب من أهل القبلة فإنّهم يخدّ لهم خدّ إلى النّار الّتي خلقها اللّه في المشرق، فيدخل عليهم اللّهب و الشّرر و الدّخان و فورة الحميم إلى يوم القيامة، ثمّ بعد ذلك مصيرهم إلى الجحيم (1) فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي: أين إمامكم الّذي اتّخذتموه دون الإمام الّذي جعله اللّه [لكم و] (2) للنّاس إماما؟ ثمّ قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [، يعني من العذاب] (3) أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ.
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ: إذ قيل: عدد الأنبياء مائة ألف (4) و اربعة و عشرون ألفا، و المذكور قصّتهم أشخاص معدودة.
و في مجمع البيان (5): وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ و
روي عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: بعث اللّه نبيّا أسود لم يقصّ علينا قصّته.
و اختلفت الأخبار (6) في عدد الأنبياء، فروي في بعضها أنّ عددهم مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا، و في بعضها أنّ عددهم ثمانية آلاف [نبيّ] (7)، أربعة آلاف من بني إسرائيل، و أربعة آلاف من غيرهم.
وَ ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ: فإنّ المعجزات عطايا قسّمها بينهم على ما اقتضته حكمته، كسائر القسم، ليس لهم اختيار في إيثار بعضها و الاستبداد بإتيان المقترح بها.
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ: بالعذاب في الدّنيا و الآخرة قُضِيَ بِالْحَقِ: بإنجاء المحقّ و تعذيب المبطل.
____________
(1) ق، ش: الحميم.
(2) ليس في المصدر.
(3) ليس في ق.
(4) من ن.
5 و 6- المجمع 4/ 533.
(7) من المصدر.
419
وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78): المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها.
و في أمالي الصّدوق (1)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان بالمدينة رجل بطّال يضحك النّاس (2)، فقال: قد أعياني هذا الرّجل أن أضحكه، يعني: عليّ بن الحسين- (عليه السلام).
قال: فمرّ عليّ- (عليه السلام)- و خلفه موليان له، فجاء الرّجل حتّى انتزع رداءه من رقبته ثمّ مضى، فلم يلتفت إليه عليّ- (عليه السلام)- فاتّبعوه و أخذوا الرّداء منه فجاءوا به فطرحوه عليه.
فقال لهم: من هذا؟
قالوا: هذا رجل بطّال يضحك أهل المدينة.
فقال: قولوا له: إنّ للّه يوما يخسر فيه المبطلون.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (79): فإنّ من جنسها ما يؤكل، كالغنم، و منها ما يؤكل و يركب و هو الإبل و البقر.
وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ، كالألبان و الجلود و الأوبار.
وَ لِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ: بالمسافرة عليها.
وَ عَلَيْها في البرّ.
وَ عَلَى الْفُلْكِ في البحر تُحْمَلُونَ (80).
و إنّما قال: عَلَى الْفُلْكِ و لم يقل: في الفلك، للمزاوجة.
و تغيير النّظم في الأكل لأنّه في حيّز الضّرورة، إذ بقصد به التّعيّش و التّلذّذ، و الرّكوب و المسافرة عليها قد يكون لأغراض دينيّة واجبة أو مندوبة. أو للفرق بين العين و المنفعة (3) وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ: دلائله الدّالّة على كمال قدرته و فرط رحمته.
فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ، أي: فأيّ آية من تلك الآيات تُنْكِرُونَ (81): فإنّها لظهورها لا تقبل الإنكار.
____________
(1) أمالي الصّدوق/ 183، ح 6.
(2) في المصدر زيادة: منه.
(3) فإنّ الأكل أخذ العين، و الركوب و المسافرة الانتفاع.
420
و هو ناصب، أي: إذ لو قدّرته متعلّقا بضميره كان الأولى رفعه.
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثاراً فِي الْأَرْضِ: ما بقي منهم من القصور و المصانع و نحوهما.
و قيل (1): آثار أقدامهم في الأرض، لعظم أجرامهم.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82).
الأولى (2) نافية، أو استفهاميّة منصوبة «بأغنى». و الثّانية موصولة، أو مصدريّة مرفوعة به.
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ: بالمعجزات، أو الآيات الواضحات فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ و استحقروا علم الرّسل.
و المراد بالعلم: عقائدهم الزائفة و شبههم الدّاحضة، كقوله (3): بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. و هو قولهم: لا نبعث و لا نعذّب و ما أظنّ السّاعة قائمة و نحوها. و سمّاها: علما، على زعمهم، تهكّما بهم.
أو من علم الطّبائع و التّنجيم و الصّنائع، و نحو ذلك.
أو علم الأنبياء، و فرحهم به ضحكهم منه و استهزاؤهم، و يؤيده: وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83).
و قيل (4): الفرح- أيضا- للرّسل، فإنّهم لمّا رأوا تمادي جهل الكفّار و سوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم و شكروا اللّه عليه، و حاق بالكافرين جزاء جهلهم و استهزائهم.
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا: شدّة عذابنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)، يعنون: الأصنام.
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا: لامتناع قبوله حينئذ.
قيل (5): و الفاء الأولى (6) لأنّ قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ كالنّتيجة لقوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ. و الثانية (7) لأنّ قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ كالتّفسير لقوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 342.
(2) يعني «ما» الأولى.
(3) النّمل/ 66.
(4) أنوار التنزيل 2/ 343.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) أي: الفاء في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ.
(7) أي: الفاء في قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ.
421
و الباقيتان (1) لأنّ رؤية البأس مسبّبة عن مجيء الرّسل، و امتناع نفع الإيمان مسبّب عن الرّؤية.
و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- عن من العلل، بإسناده إلى [محمّد بن] (3) إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: لأيّ علّة غرّق (4) اللّه- تعالى- فرعون و قد آمن به و أقرّ بتوحيده؟
قال: لأنّه آمن عند رؤية البأس، و الإيمان عند روية البأس غير مقبول، و ذلك حكم اللّه- تعالى ذكره- في السّلف و الخلف، قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا.
و قال (5)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. و هكذا فرعون لمّا أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فقيل له: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. (6)
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في شرح الآيات الباهرة (7): قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره. ذلك إذا قام القائم- (عليه السلام)- في الرّجعة.
سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ، أي: سنّ اللّه ذلك سنّة ماضية في العباد.
قيل (8): و هي من المصادر المؤكّدة.
وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85)، أي: وقت رويتهم البأس. اسم مكان استعير للزّمان.
و في الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن جعفر بن رزق اللّه [- أو رجل عن جعفر بن (10) رزق اللّه-] (11) قال: قدم إلى المتوكّل رجل نصرانيّ فجر بامرأة مسلمة، فأراد
____________
(1) أي: الفاء في قوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا و قوله:
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ.
(2) العيون 2/ 76، ح 7.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: أغرق.
(5) الأنعام/ 158.
(6) يونس/ 91.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 532، ح 18.
(8) أنوار التنزيل 2/ 343.
(9) الكافي 7/ 238، ح 2.
(10) في ش زيادة: محمّد.
(11) ليس في ق.
422
أن يقيم عليه الحدّ فأسلم.
فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه و فعله.
و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. و قال بعضهم. يفعل به كذا و كذا.
فأمر المتوكّل بالكتاب (1) إلى أبي الحسن الثّالث و سؤاله عن ذلك، فلمّا قرأ الكتاب كتب: يضرب حتّى يموت.
فأنكر يحيى بن أكثم، و أنكر فقهاء العسكر ذلك، و قالوا: يا أمير المؤمنين، نسأل (2) عن هذا فإنّه شيء لم ينطق به كتاب (3) و لم تجيء به سنّة.
فكتب إليه: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا، و قالوا: لم تجيء به سنّة و (4) لم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لم أوجبت عليه الضّرب حتّى يموت؟
فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ. فأمر به المتوكّل، فضرب حتّى مات.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و أرسله.
(2) المصدر: سل.
(3) ليس في ق.
(4) في ق زيادة: قالوا.
423
تفسير سورة السّجدة (فصّلت)
425
سورة السّجدة مكّيّة.
و آيها ثلاث أو أربع و خمسون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ حم السّجدة كانت له نورا يوم القيامة مدّ بصره و سرورا، و عاش في الدّنيا محمودا مغبوطا.
و في مجمع البيان (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [قال] (3).
و من قرأ حم السّجدة أعطي بعدد كلّ حرف منها عشر حسنات.
و في كتاب الخصال (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، و النّجم، و تنزيل السّجدة، و حم السّجدة.
حم (1) قد مرّ تفسيره.
و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق
____________
(1) ثواب الأعمال/ 140، ح 1.
(2) المجمع 5/ 3.
(3) من المصدر.
(4) الخصال/ 252، ح 124.
(5) المعاني/ 22، ح 1.
426
- (عليه السلام)-: و أمّا حم فمعناه: الحميد المجيد.
و قيل (1): إن جعلته مبتدا، فخبره تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) و إن جعلته تعديدا للحروف «فتنزيل» خبر محذوف أو مبتدأ لتخصّصه بالصّفة و خبره كِتابٌ. و هو على الأوّلين بدل منه، أو خبر آخر، أو خبر محذوف.
و لعلّ افتتاح هذه السّور السّبع «بحم» و تسميتها به لكونها مصدّرة ببيان الكتاب، متشاكلة في النّظم و المعنى. و إضافة «التّنزيل» إلى الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ للدّلالة على أنّه مناط المصالح الدّينيّة و الدّينويّة. (2) فُصِّلَتْ آياتُهُ: ميّزت باعتبار اللّفظ و المعنى.
و قرئ (3): «فصلت»، أي: فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل و المعاني، أو فصلت بين الحقّ و الباطل.
قُرْآناً عَرَبِيًّا: نصب على المدح، أو الحال من فُصِّلَتْ. و فيه امتنان بسهولة قراءته و فهمه.
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3): العربيّة، أو لأهل العلم و النّظر.
و هو صفة أخرى «لقرآنا»، أو صلة «لتنزيل» أو «لفصّلت». و الأوّل أولى لوقوعه بين الصّفات.
بَشِيراً وَ نَذِيراً للعاملين به (4) و المخالفين له.
و قرئا (5) بالرّفع، على الصّفة «لكتاب» أو الخبر لمحذوف.
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ: عن تدبّره و قبوله.
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4): سماع تأمّل و طاعة.
وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ: أغطية. جمع كنان (6) مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ.
وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ: صمم. و أصله: الثّقل.
و قرئ (7) بالكسر.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 343.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 344. و في النسخ:
«للعالمين» بدل «للعاملين به».
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في جميع النسخ وردت هذه العبارة بعد مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ.
(7) نفس المصدر و الموضع.
427
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله (2): لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها. يقول: طبع اللّه عليها فلا تعقل. وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ عليها غطاء عن الهدى لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها جعل في آذانهم و قر فلن يسمعوا الهدى.
وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ: يمنعنا عن التّواصل.
و «من» للدّلالة على أنّ الحجاب مبتدأ منهم و منه، بحيث استوعب المسافة المتوسّطة و لم يبق فراغ. و هذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه و اعتقادهم، و مجّ (3) أسماعهم له، و امتناع مواصلتهم و موافقتهم للرّسول.
فَاعْمَلْ: على دينك، أو في إبطال أمرنا إِنَّنا عامِلُونَ (5): على ديننا، أو في إبطال أمرك.
و في شرح الآيات الباهرة (4): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- في تفسيره قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن مخلّد الدّهان، عن الحسن بن عليّ بن أحمد العلويّ قال: بلغني عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لداود (5) البرقيّ: أيّكم ينال السّماء؟ فو اللّه، إنّ أرواحنا و أرواح النّبيّين لتنال (6) العرش كلّ ليلة جمعة.
يا داود، قرأ أبي، محمّد بن عليّ حم السّجدة حتّى بلغ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. ثمّ قال:
نزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأنّ الإمام بعده عليّ [بن أبي طالب] (7)- (عليه السلام). ثمّ قرأ: حم، تَنْزِيلٌ (8) مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ حتّى بلغ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن ولاية عليّ- (عليه السلام)- فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (9)، مثله، إلّا أنّ فيه: أيّكم ينال قطب سماء
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 249.
(2) الأعراف/ 179.
(3) مجّ الماء أو الشراب من فيه. و مجّ به: لفظه.
و يقال: كلام تمجّه الأسماع.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 533، ح 1. و في النسخ هنا زيادة: قال.
(5) ق، ش: البرقي.
(6) في غير ق: لتناول.
(7) من المصدر.
(8) في غير ن زيادة: الكتاب.
(9) تفسير فرات الكوفي/ 143.
428
الدّنيا.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ: لست ملكا و لا جنّيا لا يمكنكم التلقّي منه، و لا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول و أسماع، و إنّما أدعوكم إلى التّوحيد و الاستقامة في العمل و قد يدلّ عليهما دلائل العقل و شواهد النّقل.
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ: فاستقيموا في أفعالكم متوجّهين إليه. أو فاستووا إليه بالتّوحيد و الإخلاص في العمل.
وَ اسْتَغْفِرُوهُ: ممّا أنتم عليه من سوء العقيدة و العمل.
ثمّ هدّدهم على ذلك فقال: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6): من فرط جهالتهم و استخفافهم باللّه.
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ: لبخلهم و عدم إشفاقهم على الخلق، و ذلك من أعظم الرّذائل.
و فيه دليل على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع.
و قيل (1): معناه: لا يفعلون ما يزكّي أنفسهم، و هو الإيمان و الطّاعة.
وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (7): حال مشعرة بأنّ امتناعهم عن الزّكاة لاستغراقهم في طلب الدّنيا و إنكارهم للآخرة.
و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن سعدان (3) بن مسلم، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- و قد تلا هذه الآية: يا أبان، هل ترى اللّه- سبحانه- طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم يعبدون معه إلها غيره؟
قال: قلت: فمن هم؟
قال: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (4) الّذين أشركوا بالإمام الأوّل و لم يردّوا إلى الآخر ما قال فيه الأوّل، و هم به كافرون.
و روى (5) أحمد بن محمّد بن بشّار (6)، بإسناده الى أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 344.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 533، ح 2.
(3) ق: سعد.
(4) ليس في ق.
(5) نفس المصدر/ 543، ح 3.
(6) المصدر: سيّار.
429
- (عليه السلام)-: وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الّذين أشركوا مع الإمام الأوّل غيره و لم يردّوا إلى الآخر ما قال فيه الأوّل، و هم به كافرون.
فمعنى الزّكاة هاهنا: زكاة الأنفس، و هي طهارتها من الشّرك المشار إليه، و قد وصف اللّه- سبحانه- المشركين بالنّجاسة، يقول (1): إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. و من أشرك بالإمام فقد أشرك بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و من أشرك بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقد أشرك باللّه.
و قوله- تعالى- لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ (2)، أي: أعمال الزّكاة، و هي ولاية أهل البيت- (عليهم السلام)- لأنّ بها تزكّي (3) الأعمال يوم القيامة.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8): لا يمنّ به عليهم، من المنّ: و هو الثّقل. أو القطع، من مننت الحبل: إذا قطعته. [و قيل:] (4) نزلت في المرضى و الهرمى، إذا عجزوا عن الطّاعة كتب لهم الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون.
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، أي: في مقدار يومين. أو بنوبتين، و خلق في كلّ نوبة ما خلق في أسرع ما يكون.
و قيل (5): لعل المراد من الأرض: ما في جهة السّفل من الأجرام البسيطة، و من خلقها في يومين: أنّه خلق لها أصلا مشتركا ثمّ خلق لها صورا بها صارت أنواعا، و كفرهم به:
إلحادهم في ذاته و صفاته.
وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً: و لا يصحّ أن يكون له ندّ.
ذلِكَ: الّذي خلق الأرض في يومين رَبُّ الْعالَمِينَ (9): خالق جميع ما وجد من الممكنات و مربّيها.
وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ: استئناف غير معطوف على «خلق» للفصل بما هو خارج عن الصّلة.
مِنْ فَوْقِها: مرتفعة عليها ليظهر للنّاظر ما فيها من وجوه الاستبصار، و تكون منافعها معرضة للطّلّاب.
____________
(1) التّوبة/ 28.
(2) ليس في ق، ش.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يتزكّي زكاة.
(4) ليس في ش، ق.
(5) أنوار التنزيل 2/ 344.
430
وَ بارَكَ فِيها: و أكثر خيرها، بأن خلق فيها أنواع النّبات و الحيوان.
وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها: أقوات أهلها، بأن عيّن لكلّ نوع ما يصلحه و يعيش به. أو أقواتا تنشأ منها، بأن خصّ حدوث كلّ قوت بقطر من أقطارها.
و قرئ (1): «و قسّم فيها أقواتها».
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قيل (2): في تتمّة أربعة أيّام كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة [أيّام] (3) و إلى الكوفة في خمسة عشر [يوما] (4). و لعلّه قال ذلك و لم يقل: في يومين، للإشعار باتّصالهما باليومين الأوّلين، و التّصريح على الفذلكة (5).
و في روضة الكافي (6)، بإسناده و إلى عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه خلق الخير يوم الأحد و ما كان ليخلق الشّرّ قبل الخير، و في يوم الأحد و الاثنين خلق الأرضين و خلق أقواتها يوم الثّلاثاء، و خلق السّموات يوم الأربعاء و يوم الخميس و خلق أقواتها يوم الجمعة، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
و في مجمع البيان (7): و روى عكرمة [عن ابن عبّاس] (8)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ اللّه خلق الأرض يوم الأحد و الاثنين، و خلق الجبال يوم الثّلاثاء، و خلق الشّجر و الماء و العمران و الخراب يوم الأربعاء، فتلك أربعة أيّام، و خلق يوم الخميس السّماء، و خلق يوم الجمعة الشّمس و القمر و النّجوم و الملائكة و آدم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9)- (رحمه اللّه)-: حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجّا و معه الأبرش الكلبيّ، فلقيا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في المسجد الحرام.
فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر/ 345.
3 و 4- من المصدر.
(5) الفذلكة: مجمل ما فصّل و خلاصته.
(6) الكافي 8/ 145، ح 117.
(7) المجمع 5/ 5.
(8) ليس في ق، ش، م، ت، ر.
(9) تفسير القمّي 2/ 69- 70.
431
قال: لا.
قال: هذا الّذي تزعم الشّيعة أنّه نبيّ من كثرة علمه.
فقال الأبرش: لأسألنّه عن مسألة لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ.
فقال هشام: وددت أنّك فعلت ذلك.
فلقى الأبرش أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: [يا أبا عبد اللّه] (1) أخبرني عن قول اللّه (2)- تعالى-: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما. بما كان رتقهما و بما كان فتقهما؟
فقال أبو عبد اللّه: يا أبرش، هو كما وصف نفسه كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (3) و الماء على الهواء، و الهواء لا يحدّ و لم يكن يومئذ خلق غيرهما، و الماء يومئذ عذب فرات. فلمّا أراد أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربت الماء حتّى صار موجبا، ثمّ أزبد فصارت زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلا من زبد، ثمّ دحا الأرض من تحته، فقال اللّه (4)- تبارك و تعالى-: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً. ثمّ مكث الرّبّ- تبارك و تعالى- ما شاء. فلمّا أراد أن يخلق السّماء أمر الرّياح فضربت البحور حتّى أزبدت بها، فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السّماء و جعل فيها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر و أجراها في الفلك، و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب، و كانتا مرتوقتين ليس لها أبواب، و لم يكن للأرض أبواب [و هو النبت] (5)، و لم تمطر السّماء عليها فتنبت، ففتق السّماء بالمطر و فتق الأرض بالنّبات، و ذلك قوله: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.
فقال الأبرش: و اللّه، ما حدّثني بمثل هذا الحديث أحد قطّ، أعد عليّ.
فأعاد عليه، و كان الأبرش ملحدا فقال: أنا أشهد أنّك ابن نبيّ، ثلاث مرّات.
سَواءً، أي: استوت سواء، بمعنى: استواء.
و الجملة صفة «أيّام»، و يدلّ عليه قراءة يعقوب بالجرّ.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) الأنبياء/ 30.
(3) هود/ 7.
(4) آل عمران/ 96.
(5) ليس في ش، ق.
432
و قيل (1): حال من الضّمير في «أقواتها» أو في «فيها».
و قرئ (2) بالرّفع، على: هي سواء.
لِلسَّائِلِينَ (10) متعلّق بمحذوف، تقديره: هذا الحصر للسّائلين من مدة خلق الأرض و ما فيها. أو «بقدّر»، أي: بما قدّر فيها الأقوات للطّالبين لها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي جميلة، عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أبان، أ ترى أنّ اللّه- عزّ و جلّ- طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم يشركون به حيث يقول: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ؟ قلت:
له جعلت فداك، فسّره لي.
فقال: ويل للمشركين الّذين أشركوا بالإمام الأوّل، و هم بالأئمّة الآخرين كافرون.
يا أبان، إنّما دعا اللّه العباد إلى الإيمان به، فإذا آمنوا باللّه و برسوله، افترض عليهم الفرائض، ثمّ خاطب نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: قل لهم، يا محمّد: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي [يَوْمَيْنِ. و معنى] (4) يومين، أي: وقتين، ابتداء الخلق و انقضاؤه. وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها، أي: لا تزول و تبقى (5). فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ، يعني: أربعة أوقات، و هي الّتي يخرج اللّه- عزّ و جلّ- فيها أقوات العالم من النّاس و البهائم و الطّير و حشرات الأرض و ما في البرّ و لبحر من الخلق، من (6) الثّمار و النّبات و الشّجر، و ما يكون فيه معاش الحيوان كلّه و هو الرّبيع و الصّيف و الخريف و الشّتاء.
... إلى قوله: سَواءً لِلسَّائِلِينَ، يعني: المحتاجين، لأنّ كلّ محتاج سائل، و في العالم من خلق اللّه من لا يسأل و لا يقدّر عليه من الحيوان كثير فهم سائلون و إن لم يسألوا.
و في روضة الكافي (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 345.
(3) تفسير القمّي 2/ 262- 263.
(4) ليس في ق.
(5) المصدر: لا يزول و لا يبقى. و في نور الثقلين 4/ 539، ح 6: لا تزول و لا تفنى.
(6) المصدر: و
(7) الكافي 8/ 94، ح 67.
433
محمّد بن داود، عن محمّد بن عطيّة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: و خلق الشّيء الّذي جميع الأشياء منه، و هو الماء، الّذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، و خلق الرّيح من الماء ثمّ سلّط الرّيح على الماء فشققت الرّيح متن الماء حتّى ثار من الماء زبد على [قدر] (1) ما شاء أن يثور، فخلق من ذلك الزّبد أرضا بيضاء نقيّة ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة، ثمّ طواها فوضعها فوق الماء، ثمّ خلق اللّه النّار من الماء فشققت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه (2) أن يثور، فخلق من ذلك الدّخان سماء صافية نقيّة ليس فيها صدع و لا ثقب، و ذلك قوله (3): وَ السَّماءَ بَنَيْناها (4) (الآية).
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: قصد نحوها، من قولهم: استوى إلى مكان كذا: إذا توجّه إليه توجّها لا يلوي على غيره.
و الظّاهر أنّ «ثمّ» لتفاوت ما بين الخلقين لا للتّراخي في المدّة، لقوله (5): وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها و دحوها متقدّم على خلق الجبال من فوقها.
وَ هِيَ دُخانٌ: أمر ظلمانيّ.
قال ابن عبّاس (6): كانت بخار الأرض.
و في روضة الكافي (7): محمّد عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، [و الحجّال، عن العلا، عن محمّد بن مسلم] (8) قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان كلّ شيء ماء، و كان عرشه على الماء، فأمر- جلّ جلاله- الماء فاضطرم نارا، ثمّ أمر النّار فخمدت فارتفع من خمودها دخان، فخلق [اللّه] السّموات (9) من ذلك الدّخان و خلق الأرض من الرّماد.
فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا: بما خلقت فيكما من التّأثير و التّأثّر، و أبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة و الكائنات المتنوّعة. أو ائتيا في الوجود، على أنّ الخلق
____________
(1) من المصدر.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) الذاريات/ 47.
(4) المصدر: بناها.
(5) النازعات/ 30.
(6) مجمع البيان 5/ 6.
(7) الكافي 8/ 95، 68.
(8) ليس في ق، ش.
(9) من المصدر.
434
السّابق بمعنى: التّقدير. أو إتيان السّماء حدوثها، و إتيان الأرض أن تصير مدحوّة.
و قرئ (1): «و آتيا» من المؤاتاة، أي: لتوافق كلّ واحدة أختها فيما أردت منكما.
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً: شئتما ذلك أو أبيتما، و المراد: إظهار كمال قدرته و وجوب وقوع مراده، لا إثبات الطّوع و الكره لهما.
و هما مصدران، وقعا موقع الحال.
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11): منقادين بالذّات.
قيل (2): و الأظهر أنّ المراد: تصوير تأثير قدرته فيهما و تأثرهما بالذّات عنها، و تمثيلهما بأمر المطاع و إجابة المطيع الطّائع، كقوله: كُنْ فَيَكُونُ.
و قيل (3): إنّه- تعالى- خاطبهما و أقدرهما على الجواب، و إنّما قال: طائِعِينَ على المعنى، باعتبار كونهما مخاطبتين، كقوله (4): ساجِدِينَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- (رحمه اللّه)-: و قد سئل أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عمّن كلّم اللّه لا من الجنّ و لا من الإنس.
فقال: السّموات و الأرض في قوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.
و في نهج البلاغة (6): فمن شواهد خلقه خلق السّموات موطّدات (7) بلا عمد، قائمات بلا سند. دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات غير متلكّئات (8) [و لا مبطّئات] (9)، و لو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة و إذعانهنّ بالطّواعية، لما جعلهنّ موضعا لعرشه، و لا مسكنا لملائكته، و لا مصعدا للكلم الطّيّب و العمل الصّالح من خلقه.
و فيه (10): و ذلّل للهابطين بأمره و الصّاعدين بأعمال خلقه حزونة (11) معراجها، و ناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها (12).
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 345.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) يوسف/ 4.
(5) تفسير القمّي 2/ 263.
(6) النّهج/ 128، الخطبة 91.
(7) أي: مثبّتات في مداراتها على ثقل أجرامها.
(8) التكلّؤ: التوقّف و التباطؤ.
(9) من المصدر.
(10) نفس المصدر/ 128، الخطبة 91.
(11) الحزونة: الصعوبة.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أشراحها.
و الأشراج: جمع شرج، و هي: العروة، و هي:
مقبض الكوز و الدلو و غيرهما. و تسمّى مجرّة السّماء شرجا، تشبيها بشرج العيبة. و أشار بإضافة العرى للأشراج إلى أنّ كلّ جزء من مادّتها للآخر يجذبه إليه ليتماسك به، فكلّ ماسك و كلّ ممسوك: فكلّ
435
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ: فخلقهنّ خلقا إبداعيّا و أتقن أمرهنّ.
و الضّمير للسّماء على المعنى، أو مبهم. و سَبْعَ سَماواتٍ حال على الأوّل، و تمييز على الثّاني.
فِي يَوْمَيْنِ.
قد مرّ بيانه في الحديث السّابق.
وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها: شأنها و ما يتأتّى منها، بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا.
و قيل (1): أوحى إلى أهلها بأوامره [و نواهيه] (2).
و قيل (3): خلق فيها ما أراده من ملك و غيره.
وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ: فإنّ الكواكب كلّها ترى كأنّها تتلألأ عليها.
وَ حِفْظاً، أي: و حفظناها من الآفات. أو من المسترقة حفظا.
و قيل (4): مفعول له على المعنى، كأنّه قال: و خصصنا السّماء الدّنيا بمصابيح زينة و حفظا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى فضيل الرّسّان قال: كتب محمّد بن إبراهيم إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أخبرنا ما فضلكم أهل البيت- (عليهم السلام)؟
فكتب إليه أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ الكواكب جعلت أمانا لأهل السّماء، فإذا ذهبت نجوم السّماء جاء أهل السّماء ما كانوا يوعدون. و قال رسول اللّه: جعل أهل بيتي أمانا لأمّتي، فإذا ذهبت أهل بيتي جاء أمّتي ما كانوا يوعدون.
و بإسناده (6) إلى أياس بن مسلمة (7): عن أبيه، رفعه قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: النّجوم أمان لأهل السّماء، و أهل بيتي أمان لأمّتي.
و بإسناده (8) إلى هارون بن عنزة (9)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)-
____________
عروة و له عروة.
(1) أنوار التنزيل 2/ 345.
(2) من المصدر.
(3) مجمع البيان 5/ 7.
(4) أنوار التنزيل 2/ 345.
(5) كمال الدين/ 205، ح 17.
(6) نفس المصدر، ح 18.
(7) ق: مسلم. و في المصدر: سلمة.
(8) نفس المصدر، ح 19.
(9) المصدر: عنترة.
436
قال (1): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: النّجوم أمان لأهل السّماء، فإذا ذهبت النّجوم ذهب أهل السّماء. و أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض.
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12): البالغ في القدرة و العلم.
فَإِنْ أَعْرَضُوا: عن الإيمان بعد هذا البيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً:
فحذّرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع، كأنّه صاعقة مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ (13).
و قرئ (2): «صعقة مثل صعقة عاد و ثمود.» و هي المرّة (3) من الصّعق. يقال: صعقته الصّاعقة، فصعق صعقا.
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ: حال من صاعِقَةِ عادٍ. و لا يجوز جعله صفة «لصاعقة» أو ظرفا «لأنذرتكم» لفساد المعنى.
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ قيل (4): أي: من جميع جوانبهم، و اجتهدوا بهم من كلّ جهة. أو من جهة الزّمن الماضي بالإنذار عمّا جرى فيه على الكفّار، و من جهة المستقبل بالتّحذير عمّا أعدّ لهم في الآخرة. و كلّ من اللّفظين يحتملهما. أو من قبلهم و من بعدهم، إذ قد بلغهم خبر المتقدّمين و أخبرهم هود و صالح عن المتأخّرين داعين إلى الإيمان بهم أجمعين.
و يحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة، كقوله- تعالى-: يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، يعني: [نوحا و] (6) إبراهيم و موسى و عيسى و النبيّين- (صلوات اللّه عليهم). و مِنْ خَلْفِهِمْ أنت.
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ: بأن لا تعبدوا. أو أي لا تعبدوا.
قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا: إرسال الرّسل لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً: برسالته.
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم كافِرُونَ (14): إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) أنوار التنزيل 2/ 346.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الموتة.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير القمّي 2/ 263.
(6) يوجد في ن، ى، المصدر.
437
لكم علينا.
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ: فتعظّموا فيها على أهلها بغير استحقاق.
وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً: اغترار بقوّتهم و شوكتهم.
قيل (1): كان من قوّتهم أنّ الرّجل منهم ينزع الصّخرة فيقلعها بيده.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم: عن الصّادق أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: لمّا بعث اللّه- عزّ و جلّ- هودا أسلم له العقب من ولد سام، و أمّا الآخرون فقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً. فأهلكوا بالرّيح العقيم، و أوصاهم هود و بشّرهم بصالح- (عليه السلام).
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً: قدرة، فإنّه قادر بالذّات، مقتدر على [ما لا يتناهى، قويّ على (3) ما لا يقدر عليه غيره.
وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15): يعرفون أنّها حقّ و ينكرونها. و هو عطف على فَاسْتَكْبَرُوا.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً: باردة تهلك بشدّة بردها، من الصّر، و هو البرد الّذي يصرّ، أي: يجمع و يقبض. أو شديدة الصّوت في هبوبها، من الصّرير.
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ: جمع نحسة، من نحس نحسا نقيض سعد سعدا.
و قرأ (4) الحجازيّان و البصريّان، بالسّكون، على التّخفيف، أو النّعت على فعل، أو الوصف بالمصدر.
قيل (5): كنّ آخر الشّوال من الأربعاء إلى الأربعاء، و ما عذّب قوم إلّا في يوم الأربعاء.
و في نهج البلاغة (6): و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً. حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، و أنزلوا [الأجداث] (7) فلا يدعون ضيفانا، و جعل لهم من الصّفيح (8) أجنان (9) و من التّراب أكفان و من الرّفات (10) جيران.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 346.
(2) كمال الدين/ 136، ح 5.
(3) ليس في ي.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 346.
(6) النهج/ 166، الخطبة 111.
(7) من المصدر. أي: القبور.
(8) الصفيح: وجه كلّ شيء. و المراد:
وجه الأرض.
(9) الأجنان: جمع جنن، و هو: القبر.
(10) أي: العظام المندقّة المحطومة.
438
و في تفسير علي بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً و «الصّرصر» الرّيح الباردة فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ، أي: أيّام مياشيم.
لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
أضاف «العذاب» إلى «الخزي» و هو الذّلّ على قصد وصفه به، لقوله: وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى. و هو في الأصل صفة المعذّب، و إنّما وصف (2) به العذاب على الإسناد المجازيّ للمبالغة (3).
وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ (16): بدفع العذاب عنهم.
وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ: فدللناهم على الحقّ بنصب الحجج و إرسال الرّسل.
و قرئ (4): «ثمود» بالنّصب بفعل مضمر يفسّره ما بعده، و منوّنا في الحالين، و بضمّ الثّاء.
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى: فاختاروا الضّلالة على الهدى.
و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى حمزة بن طيّار: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى قال:
عرّفناهم، فاستحبّوا العمى على الهدى و هم يعرفون.
و في اعتقادات الإماميّة (6) للصّدوق: قال الصّادق- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى قال: وجوب الطّاعات و تحريم المعاصي و هم يعرفون.
فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ: صاعقة من السّماء فأهلكتهم. و إضافتها إلى العذاب و وصفه بالهون للمبالغة.
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17): من اختيار الضّلالة على الهدى.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 263.
(2) ليس في ق.
(3) أي: للمبالغة في لزوم الخزي للعذاب فكأنّه عينه.
(4) أنوار التنزيل 2/ 346.
(5) التّوحيد/ 411، ح 4.
(6) الاعتقادات/ 72.
439
وَ نَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (18): من تلك الصّاعقة.
وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ و قرئ (1): «يحشر» على البناء للفاعل، و هو اللّه- عزّ و جلّ.
و قرأ (2) نافع: «نحشر» بالنّون مفتوحة، و ضمّ الشّين، و نصب «أعداء».
فَهُمْ يُوزَعُونَ (19): يحبس أوّلهم على آخرهم لئلّا يتفرّقوا. و هي عبارة عن كثرة أهل النّار.
حَتَّى إِذا ما جاؤُها: إذا حضروها. و «ما» مزيدة لتأكيد اتّصال الشّهادة بالحضور.
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20):
بأن ينطقها [اللّه- تعالى] (3). أو يظهر عليها آثارا تدلّ على ما اقترف بها فتنطق بلسان الحال.
و قيل (4): إنّ اللّه- تعالى- يفعل الشّهادة، و إنّما أضافها إليها مجازا.
وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا: سؤال توبيخ. أو تعجّب، و لعلّ المراد به:
نفس التّعجّب.
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، أي: ما نطقنا باختيارنا بل أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ. أو ليس نطقنا بعجب من قدرة اللّه الّذي أنطق كلّ حيّ.
قيل (5): و لو أوّل الجواب و النّق بدلالة الحال بقي الشّيء عامّا في الموجودات الممكنة.
و في كتاب التّوحيد (6): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه حاكيا حال أهل المحشر: ثمّ يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه، فيقولون: و اللّه، ربّنا ما كنّا مشركين. فيختم اللّه- تبارك و تعالى- على أفواههم و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود، فتشهد بكلّ معصية كانت منهم، ثمّ يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم:
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 346.
(3) من أنوار التنزيل 2/ 347.
(4) مجمع البيان 5/ 9.
(5) أنوار التنزيل 2/ 347.
(6) التوحيد/ 261، ح 5.
440
وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود، و أن يكون استئنافا.
وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ، أي: كنتم تستترون من النّاس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، و ما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استترتم عنها.
و فيه تنبيه على أنّ المؤمن ينبغي أن يتحقّق أنّه لا يمرّ عليه حال إلّا و عليه رقيب.
و في أصول الكافي (1): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول (2) فيه: و ليست الجوارح تشهد على مؤمن إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب، فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، [قال اللّه (3)- عزّ و جلّ-: فَمَنْ (4) أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ] (5) فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
عليّ بن إبراهيم (6)- (رحمه اللّه)- عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد (7) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، يقول فيه بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها: ثمّ نظم [ما فرض] (8) على القلب و اللّسان و السّمع و البصر في آية أخرى، فقال: وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ، يعني بالجلود: الفروج و الأفخاذ.
و في من لا يحضره الفقيه (9): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة: يا بنيّ، لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كلّ ما تعلم، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- قد فرض على جوارحك كلّها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة.
... إلى قوله: و قال- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ،
____________
(1) الكافي 2/ 32، ح 1.
(2) ليس في ق، ش.
(3) الإسراء/ 71.
(4) المصدر: فأما من. و في المصحف: فمن.
(5) ليس في ق.
(6) نفس المصدر/ 36، ح 1.
(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: القاسم بن يزيد.
(8) ليس في ش، ق.
(9) نور الثقلين 4/ 544، ح 28.
441
يعني بالجلود: الفروج.
وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22): فلذلك اجترأتم على ما فعلتم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): إنّها نزلت في قوم تعرض عليهم أعمالهم فينكرونها، فيقولون: ما عملنا شيئا منها. فتشهد عليهم الملائكة الّذين كتبوا عليهم أعمالهم.
قال الصّادق- (عليه السلام)-: فيقولون للّه: يا ربّ، هؤلاء ملائكتك يشهدون لك.
ثمّ يحلفون باللّه ما فعلوا من ذلك شيئا منها، و هو قول اللّه (2)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ. و هم الّذين غصبوا أمير المؤمنين، فعند ذلك يختم اللّه- عزّ و جلّ- على ألسنتهم و ينطق جوارحهم، فيشهد السّمع بما سمع ممّا حرّم اللّه- عزّ و جلّ-، و يشهد [البصر بما نظر به إلى ما حرّم اللّه- عزّ و جلّ-، و تشهد اليدان بما أخذتا، و تشهد الرّجلان بما سعتا فيما حرّم اللّه- عزّ و جلّ-، و يشهد] (3) الفرج بما ارتكب ممّا حرّم اللّه. ثمّ أنطق اللّه- عزّ و جلّ- ألسنتهم، فيقولون (4) هم لجلودهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أي من الله أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ و «الجلود» الفروج وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.
وَ ذلِكُمْ: إشارة إلى ظنّهم هذا، و هو مبتدأ و قوله: ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ: خبران له.
و يجوز أن يكون «ظنّكم» بدلا و «أرداكم» خبرا.
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدّارين سببا لشقاء المنزلين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: حديث يرويه النّاس فيمن يؤمر به آخر النّاس إلى النّار.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 264.
(2) المجادلة/ 18.
(3) ليس في ر.
(4) المصدر: قالوا.
(5) تفسير القمّي 2/ 264- 265.
442
فقال لي: أما إنّه ليس كما يقولون: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ آخر عبد يؤمر به إلى النّار، فإذا أمر به التفت.
فيقول الجبّار- جلّ جلاله-: ردّوه. فيردّونه، فيقول له: لم التفتّ إليّ؟
فيقول: يا ربّ، لم يكن ظنّي بك هذا.
فيقول: و ما كان ظنّك بي؟
فيقول: يا ربّ، كان ظنّي بك أن تغفر لي خطيئتي و تسكنني جنّتك.
قال: فيقول الجبّار: يا ملائكتي، لا و عزّتي و جلالي و آلائي و علوّي و ارتفاع مكاني، ما ظنّ بي عبدي هذا ساعة من خير قطّ، و لو ظنّ بي ساعة من خير ما روّعته بالنّار، أجيزوا له كذبه و أدخلوه الجنّة.
ثمّ قال (1): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس من عبد يظنّ باللّه- عزّ و جلّ- خيرا إلّا كان عند ظنّه به، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ.
و في مجمع البيان (2): و قال الصادق- (عليه السلام)-: ينبغي للمؤمن أن يخاف اللّه خوفا، كأنّه يشرف على النّار، و يرجوه رجاء، كأنّه من أهل الجنّة، إنّ اللّه- تعالى- يقول: وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ (الآية).
ثمّ قال: إنّ اللّه- تعالى- عند ظنّ عبده، إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ.
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ: لا خلاف لهم عنها.
وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا: يسألوا العتبى، و هو الرّجوع إلى ما يحبّون.
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24): المجابين إليها. و نظيره قوله (3)- تعالى- حكاية: أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
و قرئ (4): «و إن يستعتوا فما هم من المعتبين»، أي: إن يسألوا أن يرضوا ربّهم فما هم فاعلون لفوات المكنة.
و في نهج البلاغة (5): و صارت الأجساد شحبة (6) بعد بضّتها (7)، و العظام نخرة بعد قوّتها،
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المجمع 5/ 10.
(3) إبراهيم/ 21.
(4) أنوار التنزيل 2/ 347.
(5) النهج/ 111، الخطبة 83.
(6) الشحبة: الهالكة.
(7) البضّة هنا: الواحدة من البضّ. و هو مصدر بضّ الماء: إذا ترشّح قليلا قليلا، أي: بعد امتلائها، حتّى كأنّ الماء يترشّح منها.
443
و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها، موقنة بغيب أنبائها، لا تستزاد من صالح عملها، و لا تستعتب (1) من سيّئ زللها!
وَ قَيَّضْنا: و قدّرنا لَهُمْ للكفرة قُرَناءَ: أخدانا من الشّياطين يستولون (2) عليهم استيلاء القيض على البيض، و هو القشر.
و قيل (3): أصل القيض: البدل، و منه المقايضة للمعاوضة.
فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدّنيا، و اتّباع الشّهوات.
وَ ما خَلْفَهُمْ من أمر الآخرة و إنكاره (4).
وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ، أي: كلمة العذاب.
فِي أُمَمٍ: في جملة أمم. و هو حال من الضّمير المجرور.
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ و قد عملوا مثل أعمالهم. إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25): تعليل لاستحقاقهم العذاب.
و الضّمير لهم و للأمم.
وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ: و عارضوه بالخرافات. أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوّشوا على القارئ.
و قرئ (5) بضمّ الغين، و المعنى واحد. يقال: لغا يغلو، و لغي يلغي: إذا هذى.
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)، أي: تغلبونه على على قراءته.
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً المراد بهم: هؤلاء القائلون، أو عامّة الكفّار.
وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27): سيّئات أعمالهم.
و قد سبق مثله (6).
ذلِكَ: إشارة إلى «الأسوأ». جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ: خبره. النَّارُ: عطف
____________
(1) و لا تستعتب: مبنيّ للمجهول، أي: لا يطلب منها تقديم العتبى، أي: التوبة عن العمل القبيح. أو مبنيّ للفاعل، أي: لا يمكنها أن تطلب الرضى و الإقالة من خطئها السّيئ.
(2) ليس في ق.
(3) أنوار التنزيل 2/ 347.
(4) ليس في ن.
(5) أنوار التنزيل 2/ 348.
(6) أي في سورة الزمر/ 35.
444
بيان «للجزاء». أو خبر محذوف.
لَهُمْ فِيها: في النّار دارُ الْخُلْدِ فإنّها دار إقامتهم، و هو كقولك: في هذه الدّار دار سرور، و تعني بالدّار: عينها، على أنّ المقصود هو الصّفة (1).
جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (28): ينكرون الحقّ، أو يلغون. و ذكر الجحود، الّذي هو سبب اللّغو.
و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن أسباط، عن عليّ بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتركهم ولاية عليّ- (عليه السلام). عَذاباً شَدِيداً في الدّنيا. وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخرة. ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. و الآيات: الأئمّة- (عليهم السلام).
وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ قيل (3): يعني: شيطاني النّوعين، الحاملين على الضّلالة و العصيان.
و قيل (4): هما إبليس و قابيل، فإنّهما سنّا الكفر و القتل.
و قرأ (5) ابن كثير و ابن عامر و يعقوب و أبو بكر و السّوسيّ: «أرنا» بالتخفيف، كفخذ، و فخذ.
نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا: ندسهما انتقاما منهما.
و قيل (6): نجعلهما في الدّرك الأسفل.
لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29): [مكانا، أو ذلّا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7):- (رحمه اللّه)-: قال العالم- (عليه السلام)-: من الجنّ إبليس الّذي دلّ (8) على قتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في دار النّدوة، و أضلّ
____________
(1) قوله «على أنّ المقصود هو الصفة» لم يذكر وجه إضافة الدار إلى الخلد و السّرور. و فائدة ذكرها و وجهه: أنّه باب التجريد. و هو أن ينزع من أمر ذى صفة أمر آخر مثله مبالغة لكماله فيهما. هكذا قالوا.
و يمكن أن يقال: إنّ لكلّ أحد من أهل الجنّة مقاما هو دار الخلد له، فصحّ أنّ لكلّ منهم في الجنّة دار الخلد.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 534، ح 4.
(3) أنوار التنزيل 2/ 348.
4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير القمّي 2/ 265.
(8) كذا في نور الثقلين 4/ 545، ح 32. و في
445
النّاس بالمعاصي، و جاء بعد وفاة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أبي بكر (1) فبايعه، و من الإنس فلان.
و في روضة الكافي (2): محمّد بن أحمد القمّي، عن [عمّه] (3) عبد اللّه بن الصّلت، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن سنان، عن حسين الجمّال، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ.] (4) قال: هما.
ثمّ قال: و كان فلان شيطانا.
يونس (5)، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ.
قال: يا سورة، هما، و اللّه، هما ثلاثا. و اللّه، يا سورة، إنّا لخزّان علم اللّه في السّماء، و إنّا لخزّان علم اللّه في الأرض.
و في مجمع البيان (6): رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا (الآية)، يعنون: إبليس الأبالسة، و قابيل بن آدم أوّل من أبدع المعصية. روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام).
و في شرح الآيات الباهرة (7): و ذكر ابن قولويه- (رحمه اللّه) عليه- في «كامل الزّيارات» شيئا في هذا المعنى في حديث طويل يأتي في آخر الكتاب، و هو: فيؤتيان هو و صاحبه فيضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، و لو وضع على جبال الدّنيا لذابت حتّى تصير رمادا فيضربان بها.
ثمّ يجثو أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- للخصومة مع الرّابع، و يدخل الثّلاثة في جبّ فيطبق عليهم لا يراهم أحد و لا يرون أحدا، فيقول الّذين كانوا في ولايتهم: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ.
____________
النسخ: ردّ. و في المصدر: دبّر.
(1) المصدر: إلى فلان.
(2) الكافي 8/ 334، ح 523.
(3) من المصدر.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في ت.
(5) نفس المصدر، ح 524.
(6) المجمع 5/ 12.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 536، ح 7.
446
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ: اعترافا بربوبيّته، و إقرارا بوحدانيّته.
ثُمَّ اسْتَقامُوا قيل (1): أي: في العمل.
و «ثمّ» لتراخيه عن الإقرار الرّتبة من حيث إنّه مبدأ الاستقامة، أو لأنّها عسرة قلّما تتبع الإقرار.
و في مجمع البيان (2): روى محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن الاستقامة.
فقال: هي، و اللّه، ما أنتم عليه.
و عن أنس (3) قال: قرأ علينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية، ثمّ قال:
قد قالها أناس ثمّ كفر أكثرهم، فمن قالها حتّى يموت فهو ممّن استقام عليها.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (4): قال: حدّثني حفص (5) بن محمّد الأحمسيّ قال:
حدّثنا محول عن أبي مريم قال: سمعت أبان بن تغلب- (رحمه اللّه)- يسأل جعفرا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [قال:
استقاموا] (6) بولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قيل (7): فيما يعنّ (8) لهم بما يشرح صدورهم و يدفع عنهم الخوف و الحزن.
و قيل (9): عند الخروج عن القبر.
و قيل (10):
عند الموت.
و في مجمع البيان (11): روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
أَلَّا تَخافُوا: على ما تقدمون عليه.
وَ لا تَحْزَنُوا: على ما خلّفتم.
و «أن» مصدريّة، أو مخفّفة مقدّرة بالباء، أو مفسّرة.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 348.
2 و 3- المجمع 5/ 12.
(4) تفسير فرات الكوفي/ 142- 143.
(5) ن، المصدر: جعفر.
(6) ليس في ق.
(7) أنوار التنزيل 2/ 348.
(8) أي: يظهر.
9 و 10 نفس المصدر و الموضع.
(11) المجمع 5/ 12.
447
وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30): في الدّنيا على لسان الرّسل.
و في بصائر الدّرجات (1): عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن الحسين (2) بن عليّ قال: حدّثنا عبد اللّه بن سهيل (3) الأشعريّ، عن أبيه، عن [أبي] (4) اليسع قال: دخل حمران بن أعين على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال له: جعلت فداك، يبلغنا أنّ الملائكة تتنزّل عليكم.
قال: إي، و اللّه، و لتنزل علينا فتطأ فرشنا، أما تقرأ كتاب اللّه- تبارك و تعالى-:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
و في أصول الكافي (5): الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن فضالة، بن أيّوب، عن الحسين بن عثمان، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا.
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: استقاموا على الأئمّة واحدا بعد واحد تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
و عن أبي عبد اللّه (6)- (عليه السلام)- أنّه قال: بينا أبي- (عليه السلام)- جالس و عنده نفر إذ استضحك ثمّ حتّى اغرورقت عيناه دموعا، ثمّ قال: هل تدرون ما أضحكني؟
قال: فقالوا: لا.
قال: زعم ابن عبّاس أنّه من الّذين قالوا (7) ربّنا اللّه ثمّ استقاموا.
فقلت له: هل رأيت الملائكة، يا ابن عبّاس، تخبرك بولايتها لك في الدّنيا و الآخرة مع الأمن من الخوف و الحزن؟
قال: فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول (8): إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و قد دخل في
____________
(1) البصائر/ 111، ح 3.
(2) ن، المصدر: الحسن.
(3) المصدر: سهل.
(4) من المصدر.
(5) الكافي 1/ 420، ح 40.
(6) نفس المصدر/ 247، ح 2.
(7) في ق زيادة: قالوا.
(8) الحجرات/ 10.
448
هذا جميع الأمّة.
فاستضحكت ثمّ قلت: صدقت، يا ابن عبّاس.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في نهج البلاغة (1): و إنّي متكلّم بعدة اللّه و حجّته، قال اللّه- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. و قد قلتم: رَبُّنَا اللَّهُ، فاستقيموا على كتابه و على منهاج أمره و على الطّريقة الصّالحة من عبادته، ثمّ لا تمرقوا منها، و لا تبتدعوا فيها، و لا تخالفوا عنها، فإنّ أهل المروق منقطع بهم يوم القيامة.
و في الخرائج و الجرائح (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فقال: أمّا، و اللّه، لربّما و سدّناهم الوسائد في منزلنا.
قيل له: الملائكة تظهر لكم؟
فقال: لهم ألطف بصبياننا منّا بهم. و ضرب بيده إلى مسور (3) في البيت فقال: و اللّه، لطالما اتّكت عليها الملائكة، و ربّما التقطنا من زغبها (4).
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد، عن جعفر بن عبد اللّه المحمّديّ، عن كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يقول: استكملوا طاعة اللّه و رسوله و ولاية آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- ثمّ استقاموا عليها تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ يوم القيامة أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. فأولئك هم الّذين إذا فزعوا يوم القيامة حين يبعثون تتلقّاهم الملائكة و يقولون لهم: لا تخافوا و لا تحزنوا، نحن الّذين كنّا معكم في الحياة الدّنيا لا نفارقكم حتّى تدخلوا الجنّة وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
____________
(1) النهج/ 253، الخطبة 176.
(2) نور الثقلين 4/ 547، ح 44.
(3) كذا في المصدر. و في ق، ن، ي: سوار. و في سائر النسخ: مسواد.
و المسور: المتّكأ من جلد. أو الوسادة.
(4) الزغب: صغار ريش الطائر.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 537، ح 8.
449
و قال- أيضا (1): حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاري، عن محمّد بن خالد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا (الآية) قال: استقاموا على الأئمّة واحدا بعد واحد.
و قال- أيضا (2): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن يعقوب، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا.
قال: هو، و اللّه، ما أنتم عليه و هو قوله (3)- تعالى-: وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً.
قلت: متى تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ؟
فقال: عند الموت و يوم القيامة، معناه: عند الموت في الدّنيا، و يوم القيامة في الآخرة.
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: نلهمكم الحقّ و نحملكم على الخير بدل ما كان الشّياطين تفعل بالكفرة.
وَ فِي الْآخِرَةِ: بالشّفاعة و الكرامة حيثما يتعادى الكفرة و قرناؤهم.
و في مجمع البيان (4): نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ قيل: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ [فِي الْحَياةِ الدُّنْيا] (5)، أي: نحرسكم في الدّنيا و عند الموت و في الآخرة ... عن أبي جعفر- (عليه السلام).
وَ لَكُمْ فِيها: في الآخرة ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ من اللّذائذ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، إنّي أردت أن أسألك عن شيء أستحيي منه.
قال: سل.
____________
(1) نفس المصدر، ح 9.
(2) نفس المصدر، ح 10.
(3) الجنّ/ 16.
(4) المجمع 5/ 13.
(5) ليس في ق.
(6) تفسير القمّي 2/ 168- 170.
450
قلت: جعلت فداك،] (1) هل في الجنّة غناء؟
قال: إنّ في الجنّة شجرا يأمر اللّه رياحها فتهبّ فتضرب تلك الشّجرة بأصوات لهم يسمع الخلائق مثلها حسنا.
ثمّ قال: هذا عوض لمن ترك السّماع للغناء في الدّنيا مخافة اللّه.
و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ (2)، بإسناده إلى عبد اللّه بن عبّاس- (رحمه اللّه)- قال: إنّه سمع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ الجنّة لتتّخذ و تزين (3) من الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أوّل ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المبشّرة (4) المثيرة، فتصفّق ورق أشجار الجنان و حلق المصاريع فيسمع لذلك طنين لم يسمع السّامعون أحسن منه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (31): ما تتمنّون من الدّعاء، بمعنى: الطّلب، و هو أعمّ من الأوّل.
و في روضة الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذكر حديثا طويلا، يقول فيه حاكيا حال أهل الجنّة و الثّمار دانية منهم، و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا من قربها منهم يتناول المؤمن من النّوع الّذي يشتهيه من الثّمار بعينه بفيه (7) و هو متّكئ. و إنّ الأنواع من الفاكهة ليقلن لوليّ اللّه: يا وليّ اللّه، كلني قبل أن تأكل هذا قبلي.
قال: و ليس من مؤمن في الجنّة إلّا و له جنان كثيرة معروشات [و غير معروشات] (8) و أنهار من خمر، و أنهار من [ماء، و أنهار] (9) لبن، و أنهار من عسل، فإذا دعا وليّ اللّه بغذائه أتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمّي شهوته.
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32): حال من ما تَدَّعُونَ، للإشعار بأنّ ما يتمنّون (10) بالنّسبة إلى ما يعطون ممّا لا يخطر ببالهم، كالنزل للضّيف.
____________
(1) من المصدر.
(2) نور الثقلين 4/ 548، ح 49.
(3) كذا في النسخ. و لعلّه مصحّف: لتتحلّى و تتزيّن.
(4) ق: المثيرة. و في ت، م، ش، ر: المشيرة.
(5) الكافي 8/ 99، 69.
(6) ت: المزني. و في م، ي، ر: المدني.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بعينه.
8 و 9 ليس في ش، ق.
(10) في ي زيادة: الموت.
451
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- (رحمه اللّه)-: ثمّ ذكر المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قال: على ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام).
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال: عند الموت.
أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال: كنّا نحرسكم من الشّياطين. وَ فِي الْآخِرَةِ، أي: عند الموت. وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، يعني: في الجنّة. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ.
حدّثني أبي (2)، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما يموت موال لنا مبغض لأعدائنا إلّا و يحضره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- فيسرّوه (3) و يبشّروه، و إن كان غير موال لنا يراهم بحيث يسوؤه، و الدّليل على ذلك قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لحارث الهمدانيّ:
يا حار همدان من يمت يرني* * * من مؤمن أو منافق قبلا
و في تفسير الإمام العسكريّ (4): قال الإمام- (عليه السلام)- قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة، لا يتيقّن الوصول إلى رضوان اللّه، حتّى يكون وقت نزع روحه و ظهور ملك الموت له، و ذلك أنّ ملك الموت يرد على المؤمن، و هو في شدّة علّته (5) و عظيم ضيق صدره بما يخلّفه من أمواله [و عياله] (6)، و ما هو (7) عليه من [شدّة] (8) اضطراب أحواله في معامليه و عياله و قد بقيت في نفسه حسراتها (9) و اقتطع دون أمانيه فلم ينلها.
فيقول له ملك الموت: مالك تتجرّع غصصك؟
فيقول: لاضطراب أحوالي و اقتطاعي (10) دون [أموالي و] (11) آمالي.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 265- 266.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فيروه.
(4) تفسير الإمام/ 239.
(5) ت، م، ر: غلبته.
(6) ليس في ق، المصدر.
(7) المصدر: لما هو.
(8) من المصدر مع المعقوفتين.
(9) ن، ت، م، ي، ر: حزازتها.
(10) المصدر: اقتطاعك لي.
(11) من المصدر مع المعقوفتين.
452
فيقول له ملك الموت: و هل يجزع (1) عاقل من فقد درهم زائف و قد اعتاض عنه بألف ألف (2) ضعف الدّنيا؟
فيقول: لا.
فيقول له ملك الموت: فانظر فوقك.
فينظر، فيرى درجات الجنان و قصورها الّتي تقصر دونها الأماني.
فيقول له ملك الموت: هذه منازلك و نعمك و أموالك [و أهلك] (3) و عيالك و من كان من [أهلك هاهنا و] (4) ذرّيّتك صالحا فهم هناك معك، أ فترضى به بدلا ممّا هاهنا؟
فيقول: بلى و اللّه.
ثمّ يقول له ملك الموت: انظر. فينظر، فيرى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّا و الطّيّبين من آلهما في أعلى علّيّين.
فيقول له: أو تراهم، هؤلاء ساداتك و أئمّتك، هم هناك جلساؤك و أنساؤك (5)، فما ترضى بهم بدلا ممّا تفارق هاهنا؟
فيقول: بلى، و ربّي.
فذلك ما قال اللّه- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا (6) فما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموه، وَ لا تَحْزَنُوا على ما تخلّفونه من الذّراريّ و العيال و الأموال، فهذا الّذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. هذه منازلكم، و هؤلاء جلساؤكم و أمناؤكم (7)، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ.
وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ: إلى عبادته.
وَ عَمِلَ صالِحاً: فيما بينه و بين ربّه.
وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33): تفاخرا به، أو اتّخاذا للإسلام دينا و مذهبا،
____________
(1) المصدر: يحزن.
(2) في المصدر: «و اعتياص ألف ألف» بدل «و قد اعتاص عنه بألف ألف».
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) ق، ش، م: أمناؤك. و في المصدر: أناسك.
(6) في ق، زيادة: و لا تحزنوا.
(7) م، ش: جلساؤك و أمناؤك. و في ن، ي، ر:
جلساؤك و أنساؤك. و في المصدر: هؤلاء ساداتكم و اناسكم و جلّاسكم.
453
من قولهم: هذا قول فلان، لمذهبه.
و الآية عامّة لمن استجمع تلك الصّفات.
و قيل (1): نزلت في النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
و قيل (2): في المؤذّنين.
و في تفسير العيّاشي (3): عن جابر قال: قلت لمحمّد بن عليّ- (عليهما السلام)-: قول اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه (4): الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.
قال: هما و الثّالث و الرّابع [و عبد الرحمن] (5) و طلحة، و كانوا سبعة عشر رجلا (6).
قال: لما وجّه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و عمّار بن ياسر إلى أهل مكّة قالوا: بعث هذا الصّبيّ و لو بعث غيره، يا حذيفة، إلى أهل مكّة و في مكّة صناديدها. و كانوا يسمّون عليّا، الصّبيّ، لأنّه كان اسمه في كتاب اللّه الصّبيّ، لقول اللّه: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً و هو صبيّ وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ: في الجزاء و حسن العاقبة.
و «لا» الثّانية لتأكيد النّفي.
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: ادفع السّيّئة حيث اعترضتك بالّتي هي أحسن منها، و هي الحسنة، على أنّ المراد بالأحسن: الزّائد مطلقا (7). أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات.
و إنّما أخرجه مخرج الاستئناف على أنّه جواب من قال: كيف أصنع؟ للمبالغة (8)، و لذلك وضع [الأحسن موضع] (9) الحسنة.
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)، أي: إذا فعلت ذلك صار عدوّك المشاقّ مثل الوليّ الشّفيق.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 349.
(3) تفسير العيّاشي 1/ 279، ح 286.
(4) النّساء/ 137.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و كانوا سبعة كذا و كذا.
(7) أي: الزائد في الحسن بوجه ما.
(8) لأنّ الاستئناف يدلّ على شدّة الاهتمام به، إذ هو جواب سؤال سائل.
(9) ليس في ي.
454
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- (رحمه اللّه)-: ثمّ أدّب اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال: ادفع سيّئة من أساء إليك بحسنتك حتّى يكون الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
و في أصول الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ قال: «الحسنة» التّقيّة، و «السّيّئة» الإذاعة.
و قوله- عزّ و جلّ-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [السّيئة» قال: الّتي هي أحسن] (3) التقيّة فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (4): قال: حدّثنا محمّد بن القاسم [بن عبيد] (5) قال: حدّثنا محمّد بن رزان (6) قال: حدّثنا عبيد اللّه (7)، يعني: [ابن] (8) محمّد القيسيّ، قال:
حدّثنا محمّد بن فضيل، عن تميم بن أسلم، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: جعلت فداك، لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ قال: «الحسنة» التّقيّة، و «السّيّئة» الإذاعة.
قال: قلت: جعلت فداك، و ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
قال: الصّمت.
ثمّ قال: يا معاوية، ناشدتك باللّه، هل تعرف ذلك في نفسك أنّك تكون مع قوم لا يعرفون ما أنت عليه من دينك] (9) و لا تكون لهم ودّا و صديقا، فإذا عرفوك و شعروك، أبغضوك (10)؟
قلت: صدقت.
قال: فقال لي: فذا من ذلك.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 266.
(2) الكافي 2/ 218، ح 6.
(3) ليس في ش، ق.
(4) تفسير فرات الكوفي/ 143.
(5) من المصدر.
(6) م، ى، ر: ذران. و في المصدر: زازان.
(7) المصدر: عبيد اللّه.
(8) من المصدر.
(9) ليس في ش، ق.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فإذا عرفوك، و شوك [شيّعوك- ن، ى، و شعوك- ت، م] و أنقصوك.
455
و في أمالي الصّدوق (1)، بإسناده إلى عبد اللّه بن زهير قال: وفد العلا بن الحضرميّ على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ لي أهل بيت أحسن إليهم و يسيئون، و أصلهم و يقطعون.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
فقال العلا بن الحضرميّ: إنّي قد قلت شعرا هو أحسن من هذا.
قال: و ما قلت؟
فأنشده:
و حيّ ذوي الأضغان (2) تسب قلوبهم* * * تحيّتك العظمى فقد يرفع
النّغل (3)
فإنّ أظهروا خيرا فجاز بمثله* * * و إن خنسوا عنك (4) الحديث فلا تسل
فإنّ الّذي يؤذيك منه سماعه* * * و إنّ الّذي قالوا و راءك لم يقل
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ من الشّعر لحكما، و إنّ من البيان لسحرا، و إنّ شعرك لحسن، و إنّ كتاب اللّه أحسن.
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ قال: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فقال رسول اللّه-: أمرت بالتّقيّة، فسار بها عشرا حتّى أمر أن يصدع [بما أمر، و أمر بها عليّ- (عليه السلام)- فسار بها حتّى أمر أن يصدع] (6) بها. ثمّ أمر الأئمّة بعضهم بعضا فساروا بها، فإذا قام قائمنا سقطت التّقيّة و جرّد السّيف، و لم يأخذ من النّاس و لم يعطهم إلّا بالسّيف.
و قال- أيضا (7): حدّثنا الصّالح، الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن
____________
(1) أمالي الصّدوق/ 495، ح 6.
(2) جمع الضغن: الحقد.
(3) أي: الإفساد بين القوم.
(4) خنس عنه: رجع و تنحّى.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 539، ح 13.
(6) ليس في ق.
(7) نفس المصدر/ 540، ح 14.
456
يونس بن عبد الرّحمن، عن محمّد بن فضيل، عن العبد الصّالح- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ.
قال: نحن الحسنة، و بنو أمية السّيّئة.
وَ ما يُلَقَّاها: [و ما يلقّى] (1) هذه السّجية و هي مقابلة الإسائة بالإحسان إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا فإنّها تحبس النّفس عن الانتقام.
وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) من الخير و كمال اليقين.
و قيل (2): «الحظّ العظيم» الجنّة.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّ من صبر صبر قليلا، و إنّ من جزع جزع قليلا.
ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث محمّدا فأمره بالصّبر و الرّفق، فقال- تبارك و تعالى-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ... فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. فصبر [رسول اللّه] (4) حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الخصال (5)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: صافح عدوّك و إن كره، فإنّه ممّا أمر اللّه به عباده، يقول: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. و ما تكافئ (6) عدوّك بشيء أشدّ عليه من أن تطيع اللّه فيه، و حسبك أن ترى عدوّك يعمل بمعاصي اللّه.
و في مجمع البيان (7): روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: «و ما يلقّاها إلّا كلّ
____________
(1) من ن.
(2) أنوار التنزيل 2/ 349.
(3) الكافي 2/ 88، ح 3.
(4) من المصدر.
(5) الخصال/ 633.
(6) المصدر: ما يكافي.
(7) المجمع 5/ 13- 14.
457
ذي حظّ عظيم».
وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ: نخس. شبّه به وسوسته لانّها بعث على مالا ينبغي، كالدّفع بما هو أسوأ. و جعل النّزغ نازغا على طريقه: جدّ جدّه. أو أريد منه:
نازغ وصفا للشّيطان بالمصدر.
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ: من شرّه و لا تطعه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ [، أي: إن عرض لقلبك نزغ من الشيطان] (2) فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. و المخاطبة لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى للنّاس.
و في كتاب الخصال (3)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: إذا وسوس الشّيطان إلى أحدكم فليستعذ باللّه، و ليقل: آمنت باللّه [و برسوله] (4) مخلصا له الدّين.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ: لاستعاذتك. الْعَلِيمُ (36) بنيّتك و بصلاحك.
وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ: لأنّهما مخلوقان مأموران مثلكم. وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ.
الضّمير للأربعة المذكورة، و المقصود: تعليق الفعل بهما إشعارا بأنّهما من عداد ما لا يعلم و لا يختار.
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37): فإنّ السّجود أخصّ العبادات.
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا: عن الامتثال.
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ: من الملائكة.
يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ، أي: دائما، لقوله: وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ (38)، أي: لا يملّون.
و في مجمع البيان (5): و المرويّ عن ابن عبّاس و قتادة و ابن المسيّب: أنّ موضع السّجود عند قوله: وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 266.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) الخصال/ 624.
(4) من المصدر.
(5) المجمع 5/ 15.
458
و عن ابن مسعود و الحسن: أنه عند قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. و هو اختيار أبي عمرو بن أبي العلا. و هو المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام).
و في جوامع الجامع (1): و موضع السّجدة عند الشّافعيّ: «تعبدون». و هو المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام).
و عند أبي حنيفة: «يسأمون».
و في من لا يحضره الفقيه (2): و قد روي أنّه يقول في سجدة العزائم: لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا، لا إله إلّا اللّه إيمانا و تصديقا، لا إليه إلّا اللّه عبوديّة و رقّا، سجدت لك، يا ربّ، تعبّدا و رقّا، لا مستنكفا و لا مستكبرا، بل أنا عبد ضعيف (3) ذليل خائف مستجير. ثمّ يرفع رأسه، ثمّ يكبّر.
وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً: يابسة متطامنة. مستعار من الخشوع، بمعنى: التّذلّل.
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ: تزخرفت (4) و انتفخت بالنّبات.
و قرئ (5): «و ربأت»، أي: زادت.
إِنَّ الَّذِي أَحْياها: بعد موتها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ: من الإحياء و الإماتة قَدِيرٌ (39).
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال: عن أبيه، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت له: لم خلق اللّه- عزّ و جلّ- الخلق على أنواع شتّى و لم يخلقه نوعا واحدا؟
قال: لئلّا يقع في الأوهام أنّه عاجز، فلا تقع صورة في وهم أحد (7) إلّا و قد خلق اللّه- عزّ و جلّ- عليها خلقا، و لا يقول قائل: هل يقدر اللّه- تعالى- على أن يخلق على صورة كذا و كذا، إلّا وجد ذلك في خلقه- تبارك و تعالى. فيعلم بالنّظر إلى أنواع خلقه أنّه على كلّ شيء قدير.
____________
(1) الجوامع/ 425.
(2) الفقيه 1/ 201، ح 922.
(3) يوجد في ق، ش.
(4) ق: تزحزحت.
(5) أنوار التنزيل 2/ 349.
(6) العيون 2/ 74، ح 1.
(7) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: ملحد.
459
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ: يميلون عن الاستقامة. فِي آياتِنا بالطّعن و التّحريف و التّأويل الباطل و الإلغاء فيها. لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا فنجازيهم على إلحادهم.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ (1)- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل، يقول فيه مجيبا لبعض الزّنادقة: و أمّا ما ذكرته (2) من الخطاب الدّال على تهجين النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الإزراء به و التّأنيب له (3)، مع ما أظهره اللّه- تعالى- في كتابه من تفضيله إيّاه على سائر أنبيائه، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل لكلّ نبيّ عدوّا من المشركين، كما قال في كتابه، و بحسب جلالة منزلة (4) نبيّنا عند ربّه كذلك عظم (5) محنته لعدوّه الّذي عاد منه في حال شقاقه و نفاقه، و كلّ أذى و مشقّة لدفع نبوّته و تكذيبه إيّاه و سعيه في مكارهه و قصده لنقض كلّ ما أبرمه، و اجتهاده و من مالأه (6) على كفره و عناده و نفاقه و إلحاده في إبطال دعواه و تغيير ملّته و مخالفة سنّته، و لم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيّه و إيحاشهم منه و صدّهم عنه و إغرائهم بعداوته، و القصد لتغيير الكتاب الّذي جاء به و إسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل و كفر ذوي الكفر، منه و ممّن وافقه على ظلمه و بغيه و شركه.
و لقد علم اللّه ذلك منهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.
و قال (7): يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ.
و لقد أحضروا الكتاب كملا مشتملا على التّأويل و التّنزيل و المحكم و المتشابه و النّاسخ و المنسوخ لم يسقط منه حرف ألف و لا لام، فلمّا وقفوا على ما بيّنه اللّه من أسماء أهل الحقّ و الباطل، و أنّ ذلك إن ظهر نقض ما عقدوه (8)، قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا. و لذلك (9) قال (10): فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.
ثمّ دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عمّا لا يعلمون تأويله إلى جمعه و تأليفه
____________
(1) الاحتجاج/ 257- 258.
(2) كذا في المصدر. و في ن: ذكره. و في سائر النسخ: ذكر تعالى.
(3) أزرى عليه: عابه. و التأنيب: اللّوم.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) ليس في ق.
(6) أي: ساعده و عاونه.
(7) الفتح/ 15.
(8) المصدر: إن ظهر نقص ما عهدوه.
(9) المصدر: كذلك.
(10) آل عمران/ 187.
460
و تضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ (1) مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به. و وكّلوا تأليفه و نظمه إلى بعض من وافقهم إلى معاداة أولياء اللّه، فألّفه (2) على اختيارهم و ما يدلّ للمتأمّل له على اختلاف (3) تمييزهم و افترائهم، و تركوا منه ما قد رأوا أنّه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهر تناكره و تنافره، و علم اللّه أنّ ذلك يظهر و يبين فقال: ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ. و انكشف لأهل الاستبصار عوارهم (4) و افتراؤهم.
و الّذي بدا في الكتاب من الإزراء على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من فرية (5) الملحدين، و لذلك قال (6): وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً. فيذكر- جلّ ذكره- لنبيّه ما يحدثه عدوّه في كتابه من بعده بقوله (7): وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، يعني: أنّه ما من نبيّ تمنّى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه و عقوقهم و الانتقال عنهم إلى دار الإقامة إلّا ألقى الشّيطان المعرّض لعداوته عند فقده في الكتاب الّذين أنزل عليه ذمّه و القدح فيه و الطّعن عليه، فينسخ اللّه ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله و لا تصغي إليه غير قلوب المنافقين و الجاهلين، و يحكم اللّه (8) آياته بأن يحمي أولياءه من الضّلال و العدوان و مشايعة أهل الكفر و الطّغيان الّذين لم يرض اللّه أن يجعلهم كالأنعام، حتّى قال (9): بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
فافهم هذا [و اعلمه] (10) و اعمل به، و اعلم أنّك ما قد تركت ممّا يجب عليك السّؤال عنه أكثر ممّا سألت عنه، و إنّي اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة العلم و قلّة الرّاغبين في التماسه، و في دون ما بيّنت لك بلاغ لذوي الأبصار (11).
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
____________
(1) شق، ش، م، ي، ر: فصرح.
(2) ليس في ق، ش.
(3) ق، ش: اختلاف.
(4) كذا في المصدر. و في ن، ت: عواهم. و في ر:
غواهم. و في ي: عوراهم. و في ق، ش، م:
دعوائهم.
(5) المصدر: فرقة.
(6) المجادلة/ 2. و فيها: ليقولون.
(7) الحجّ/ 52.
(8) ليس في ق.
(9) الفرقان/ 44.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: الألباب.
461
قابل الإلقاء في النّار بالإتيان آمنا مبالغة في إحماد حال المؤمنين.
و في كتاب الخصال (1): عن الحسن قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال: و عزّتي و جلالي، لا أجمع على عبدي خوفين و لا أجمع له أمنين، فإذا أمنني في الدّنيا، أخفته [في الآخرة] (2) يوم القيامة، و إذا خافني في الدّنيا، آمنته يوم القيامة.
و في نهج البلاغة (3): و إنّما هي نفسي، أروّضها بالتّقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، و تثبت على جوانب المزلق (4).
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لبعض جلسائه: ألا أخبرك بشيء يقرّب من اللّه و يقرّب من الجنّة و يباعد من النّار؟
فقال: بلى.
فقال: عليك بالسّخاء، فإنّ اللّه خلق خلقا برحمته لرحمته، فجعلهم للمعروف أهلا و للخير موضعا و للنّاس وجها يسعى إليهم، لكي يحيوهم، كما يحيي المطر الأرض المجدبة، أولئك هم المؤمنون الآمنون يوم القيامة.
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ تهديد شديد.
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40): وعيد بالمجازاة.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ: بدل من قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا. أو مستأنف و خبر «إنّ» محذوف، مثل: معاندون، أو هالكون، أو أولئك ينادون.
و «الذّكر» القرآن.
وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41): كثير النّفع عديم النّظير، أو منيع لا يتأتّى إبطاله و تحريفه.
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ: لا يتطرّق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو ممّا فيه من الأخبار الماضية و الأمور الآتية.
____________
(1) الخصال/ 79، ح 127.
(2) ليس في المصدر.
(3) النّهج/ 417، الكتاب 45.
(4) أي: موضع الزلق لا يثبت عليه قدم. و في ق، ش: الزلق.
(5) الكافي 4/ 41، ح 12.
462
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، يعني: القرآن الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ (2) قال: لا يأتيه الباطل من قبل التّوراة [و لا من قبل الإنجيل و الزّبور. وَ لا مِنْ خَلْفِهِ، أي: لا يأتيه من بعده كتاب يبطله.
و في مجمع البيان (3): لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ (4) وَ لا مِنْ خَلْفِهِ قيل: فيه أقوال.
... إلى قوله: ثالثها، معناه: أنّه ليس في أخباره عمّا مضى باطل [و لا في أخباره عمّا يكون في المستقبل باطل،] (5) بل أخباره كلّها موافقة لمخبراتهما. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)] (6).
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)، أي: حكيم يحمده كلّ مخلوق بما ظهر عليه من نعمه.
و في كتاب طبّ الأئمّة (7)، بإسناده إلى أبي بصير قال: شكا رجل إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- وجع السرّة (8).
فقال له: اذهب فضع يدك على الموضع الّذي تشتكي، و قل: وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. ثلاثا، فإنّك تعافى بإذن اللّه.
ما يُقالُ لَكَ، أي: ما يقول لك كفّار قومك.
إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ: إلّا مثل ما قال لهم كفّار قومهم.
و يجوز أن يكون المعنى: ما يقول لك اللّه إلّا مثل ما قال لهم.
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ: لأنبيائه.
وَ ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (43): لأعدائهم.
و هو على الثّاني يحتمل أن يكون المقول بمعنى: أنّ حاصل ما أوحى إليك و إليهم وعد المؤمنين بالمغفرة، و الكافرين بالعقوبة.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 266.
(2) في ق زيادة: و لا من خلفه.
(3) المجمع 5/ 15.
(4) ليس في م، ش، و في ن، ت، زيادة: الباطل.
(5) يوجد في ق، ش، المصدر.
(6) ليس في ق.
(7) طبّ الأئمّة/ 28.
(8) ق، ش: السن.
463
وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا: جواب لقولهم: هلّا نزل القرآن بلغة العجم.
و الضّمير للذّكر.
لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ: بلسان نفقهه.
ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌ: أ كلام أعجميّ و مخاطب عربيّ. إنكار و مقرّر للتّخصيص.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، متّصلا بآخر ما سبق، أعني قوله (2): كتاب يبطله. و قوله- عزّ و جلّ-: لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌ قال: لو كان هذا القرآن أعجميّا لقالوا: كيف نتعلّمه و لسانا عربيّ و آتيتنا بقرآن أعجميّ؟ فأحبّ اللّه- عزّ و جلّ- أن ينزّل بلسانهم، و قد قال اللّه (3)- عزّ و جلّ-: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ.
و «الأعجميّ» يقال للّذي لا يفهم كلامه (4)، و هذا قراءة (5) أبي بكر و حمزة و الكسائيّ.
و قرأ (6) الباقون: «أعجميّ» و هو منسوب إلى العجم.
و قرأ (7) هشام: «أعجميّ» على الإخبار، و على هذا يجوز أن يكون المراد: هلّا فصّلت آياته، فجعل بعضها أعجميّا لإفهام العجم و بعضها عربيّا لإفهام العرب، و المقصود: إبطال مقترحهم باستلزام المحذور، أو الدّلالة على أنّهم لا ينفكّون عن التّعنّت في الآيات كيف جاءت.
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً: إلى الحقّ.
وَ شِفاءٌ: لما في الصّدور من الشّكّ و الشّبهة.
وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: مبتدأ خبره فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، على تقدير: هو في آذانهم وقر، لقوله: وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. و ذلك لتصامّهم عن سماعه و تعاميهم عمّا يريهم من الآيات.
و من جوّز العطف على عاملين [مختلفين] (8)، عطف ذلك على لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً (9).
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 266.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) إبراهيم/ 4.
(4) في ن، ي، زيادة: و لكلامه.
5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 350.
(8) من أنوار التنزيل 2/ 350.
(9) قوله: «عطف ذلك»، أي: قوله: وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. فيكون المعنى: هو للّذين آمنوا هدى و للّذين لا يؤمنون فيكون قوله: «الذين» معطوفا على «الّذين» و «وقر» عطف على «هدى» فيكون من باب العطف على معمول عاملين مختلفين. و هو ممّا جوّزه الأخفش و الفرّاء مطلقا و المحقّقون من المتأخّرين في مثل هذه الصّورة خاصّة.
464
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44): و هو تمثيل لهم في عدم قبولهم و استماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة.
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ: بالتّصديق و التكذيب، كما اختلف في القرآن.
وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ: و هي العدة بالقيامة و فصل الخصومة حينئذ.
أو تقدير الآجال.
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: باستئصال المكذّبين.
وَ إِنَّهُمْ: و إنّ اليهود. أو الّذين لا يؤمنون.
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ: من التّوراة. أو القرآن.
مُرِيبٍ (45): موجب للاضطراب.
و في شرح الآيات الباهرة (1): محمّد بن يعقوب [عن عليّ بن محمد] (2)- (رحمه اللّه)-، عن عليّ بن العبّاس- (رحمه اللّه)-، عن الحسن (3) بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ قال: اختلفوا، كما اختلفت هذه الأمّة في الكتاب، [و سيختلفون في الكتاب] (4) الّذي مع القائم- (عليه السلام)- لمّا يأتيهم به حتّى ينكره ناس كثير، فيقدّمهم فيضرب أعناقهم.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ: نفعه.
وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها: ضرّه.
وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46): فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله.
و في عيون الأخبار (5)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام).
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 540، ح 16.
(2) ليس في ق، ش.
(3) ق: الحسين.
(4) ليس في ش، ق.
(5) العيون 1/ 100- 101، ح 16.
465
... إلى أن قال: و سألته عن اللّه- عزّ و جلّ-: هل يجبر عباده على المعاصي؟
فقال: لا، [بل يخيّرهم و يمهلهم] (1) حتّى يتوبوا.
قلت: فهل كلّف عباده ما لا يطيقون؟
فقال: كيف يفعل ذلك و هو يقول: وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ؟
ثمّ قال- (عليه السلام)-: «حدّثني أبي، موسى بن جعفر [عن أبيه جعفر] (2) بن محمّد- (عليهم السلام)- أنّه قال: من زعم أنّ اللّه يجبر عباده على المعاصي أو يكلّفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، و لا تقبلوا شهادته، و لا تصلّوا وراءه، و لا تعطوه من الزّكاة شيئا.
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ، أي: إذا سئل عنها، إذ لا يعلمها إلّا هو.
وَ ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها: من أوعيتها. جمع، كمّ، بالكسر.
و قرأ (3) نافع و ابن عامر و حفص: «من ثمرات» بالجمع لاختلاف الأنواع.
و قرئ (4) بجمع الضّمير، أيضا.
و «ما» نافية، و «من» الأولى مزيدة للاستغراق. و يحتمل أن تكون موصولة معطوفة على «السّاعة»، و «من» مبيّنة بخلاف قوله: وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ بمكان.
إِلَّا بِعِلْمِهِ: إلّا مقرونا بعلمه، واقعا حسب تعلّقه به.
وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي: بزعمكم.
قالُوا آذَنَّاكَ: أعلمناك.
ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47): من أحد يشهد لهم بالشّركة إذ تبرّأنا عنهم لمّا عاينا الحال، فيكون السّؤال عنهم للتّوبيخ. أو من أحد يشاهدهم، لأنّهم ضلّوا عنّا.
و قيل (5): هو قول الشّركاء، أي: ما منّا من يشهد لهم بأنّهم كانوا محقّين.
وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ: يعبدون مِنْ قَبْلُ: لا ينفعهم، أو لا يرونه.
وَ ظَنُّوا: و أيقنوا.
ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48): مهرب. و الظّنّ معلّق عنه بحرف النّفي.
____________
(1) ليس في ق.
(2) من المصدر.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 351.
(5) نفس المصدر و الموضع.
466
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ: لا يملّ.
مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ: من طلب السّعة في النّعمة.
و قرئ (1): «من دعاء بالخير».
وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ: الضّيقة فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (49): من فضله اللّه و رحمته.
و هذا صفة الكافر، لقوله (2)- تعالى-: لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ. و قد بولغ في يأسه من جهة البنية و التّكرير، و ما في القنوط من ظهور (3) أثر اليأس.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ، أي: لا يملّ و لا يعيي (5) من أن يدعو لنفسه بالخير. وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ، أي: ييأس من روح اللّه و فرجه.
وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ: يفترجها عنه.
لَيَقُولَنَّ هذا لِي: حقّي، أستحقّه بما لي من الفضل و العمل. أو لي دائما لا يزول.
وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً: تقوم.
وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، أي: و لئن قامت على التّوهّم كان لي عند اللّه الحالة الحسنى من الكرامة، و ذلك لاعتقاده أنّ ما اصابه من نعم الدّنيا فلاستحقاق لا ينفكّ عنه.
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: فلنخبرنّهم بِما عَمِلُوا: بحقيقة أعمالهم، و لنبصّرنّهم عكس ما اعتقدوا فيها.
وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50): لا يمكنهم التّفصّي عنه.
وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ: عن الشّكر.
وَ نَأى بِجانِبِهِ: و انحرف عنه، أو ذهب بنفسه و تباعد منه بكلّيّته تكبّرا.
و «الجانب» مجاز عن النّفس، كالجنب في قوله (6): فِي جَنْبِ اللَّهِ على ما قيل (7).
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) يوسف/ 87.
(3) من ي، ر.
(4) تفسير القمّي 2/ 267.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يعني.
(6) الزمر/ 56.
(7) أنوار التنزيل 2/ 351.
467
وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51): كثير. مستعار ممّا له عرض متّسع للإشعار بكثرته و استمراره، و هو أبلغ من الطّويل إذ الطّول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنّك بطوله.
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ: أخبروني.
إِنْ كانَ: القرآن.
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ: من غير نظر و اتّباع دليل.
مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (52)، أي: من أضلّ منكم. فوضع الموصول موضع الصّلة شرحا لحالهم، و تعليلا لمزيد ضلالهم.
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ قيل (1): يعني: وقوع ما أخبرهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الحوادث الآتية، و ما يسرّ اللّه له من الفتوح و الظّهور على ممالك الشّرق و الغرب على وجه يدلّ على صدقة.
و قيل (2): يعني: سنريهم حججنا و دلائلنا على التّوحيد في آفاق العالم و أقطار السّموات و الأرض من الشّمس و القمر و النّجوم و النّبات و الأشجار و البحار و الجبال.
وَ فِي أَنْفُسِهِمْ قيل (3): وقعة بدر.
و قيل (4): ما أظهر فيما بين أهل مكّة و ما حلّ بهم.
و قيل (5): ما في بدن الإنسان من عجائب الصّنع الدّالّة على كمال القدرة.
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ قيل (6): الضّمير للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله). [أو للتّوحيد. أو للقرآن.] (7) أو للّه- تعالى.
و في كتاب الاحتجاج (8) للطّبرسيّ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 352.
(2) مجمع البيان 5/ 19.
(3) مجمع البيان 5/ 19.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 352.
(6) نفس المصدر و الموضع، مع اختلاف يسير.
(7) يوجد في ن، المصدر.
(8) الإحتجاج 1/ 216.
468
آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لعليّ- (عليه السلام)-: فإنّ هذا موسى بن عمران قد أرسله اللّه [إلى فرعون] (1) و أراه الآية الكبرى.
قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أرسله اللّه إلى فراعنة شتّى، مثل: أبي جهل بن هشام، و عتبة بن ربيعة، و شيبة و أبي البختريّ، و النّضر بن الحرث، و أبيّ بن خلف، و منبّه و نبيه ابني الحجّاج، و إلى الخمسة المستهزئين، الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و العاص بن وائل السّهميّ، و الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ (2)، و الأسود بن المطّلب، و الحرث بن الطّلاطلة (3)، فأراهم الآيات في الآفاق و في أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ.
و في روضة الكافي (4): سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن الطّيّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ قال: خسف و مسخ و قذف.
قال: قلت له: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ قال: دع ذا، ذاك قيام القائم.
أبو عليّ الأشعريّ (5)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن عليّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ.
قال: نريهم (6) في أنفسهم المسخ، و نريهم (7) في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم، فيرون قدرة اللّه- عزّ و جلّ- في أنفسهم و في الآفاق.
قلت: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ.
قال: خروج القائم هو الحقّ عند اللّه- عزّ و جلّ- يراه الخلق لا بدّ منه.
و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)- (8): عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- في قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 105. و في النسخ: الأزهري.
(3) المصدر: الحرث بن أبي الطلالة.
(4) الكافي 8/ 166، ح 181.
(5) نفس المصدر و المجلد/ 381، ح 575.
6 و 7- المصدر: يريهم.
(8) الإرشاد/ 338.
469
قال: الفتن في آفاق الأرض، و المسخ في أعداء الحقّ.
و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن القاسم بن إسماعيل الأنباريّ، عن الحسين (2) بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ قال: في الآفاق انتقاض (3) الأطراف عليهم، و في أنفسهم بالمسخ. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ، أي: أنّه القائم- (عليه السلام).
أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ، [أي: أو لم يكف ربّك، و] (4) الباء مزيدة للتّأكيد، كأنّه قيل: أو لم تحصل الكفاية به. و لا تكاد تزاد في الفاعل إلّا مع «كفى».
أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53): بدل من فاعل «كفى».
قيل (5): و المعنى: أو لم يكفك أنّه- تعالى- على كلّ شيء شهيد محقّق له، فيحقّق أمرك بإظهار الآيات الموعودة. كما حقّق سائر الأشياء الموعودة. أو مطّلع فيعلم حالك و حالهم. أو أو لم يكف الإنسان رادعا عن المعاصي أنّه- تعالى- مطّلع على كلّ شيء لا يخفى عليه خافية.
و في مصباح الشّريعة (6): قال الصّادق- (عليه السلام)-: العبوديّة جوهرة (7) كنهها الرّبوبيّة، فما فقد من العبوديّة وجد في الرّبوبيّة، و ما خفي في الرّبوبيّة أصيب في العبوديّة، قال اللّه- تعالى-: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أي: موجود في غيبتك و حضرتك.
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ: شكّ.
و قرئ (8)، بالضّمّ، و هو لغة، كخفيه و خفية.
مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ: بالبعث و الجزاء.
أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54): عالم (9) بجمل الأشياء و تفاصيلها، مقتدر عليها، لا يفوته شيء منها.
____________
(1) تأويل الآيات 2/ 541، ح 17.
(2) ن، المصدر: الحسن.
(3) ق، ش: انتقاص.
(4) ليس في ن.
(5) أنوار التنزيل 2/ 352.
(6) مصباح الشريعة/ 7.
(7) المصدر: جوهر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 352.
(9) من ن.
471
تفسير سورة حمعسق (الشّورى)
473
تفسير سورة حمعسق مكّيّة.
قيل (1): إلّا آية وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ- إلى قوله: لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
و قيل (2): إلّا أربع آيات منها نزلن بالمدينة قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال ابن عبّاس: لمّا نزلت هذه الآية قال رجل: و اللّه، ما أنزل اللّه هذه الآية. فأنزل اللّه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً. ثمّ إنّ الرّجل تاب و ندم، فنزل: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ- إلى قوله-: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.
و هي ثلاث و خمسون آية، و تسمّى: سورة الشّورى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ حم عسق بعثه اللّه يوم القيامة و وجهه كالثّلج أو كالشّمس حتّى يقف بين يدي اللّه- عزّ و جلّ. فيقول: عبدي، أدمت (4) قراءة حم عسق و لم تدر ما ثوابها، أما لو دريت ما هي و ما ثوابها لما ملك من قراءتها و لكن سأجزيك (5) جزاك، أدخلوه الجنّة. و له فيها قصر من ياقوتة حمراء، أبوابها و شرفها و درجها منها (6)، يرى ظاهرها [من باطنها و باطنها من
____________
1 و 2- مجمع البيان 5/ 20.
(3) ثواب الأعمال/ 140.
(4) ن، ت، ى، ر: أدمنت.
(5) المصدر: سأخبرك.
(6) في ت، ر زيادة: يرى درجها.
474
ظاهرها] (1) و له (2) فيها [جوارأ من الحور العين] (3) و ألف جارية، و ألف غلام من الغلمان (4) المخلّدين الّذين وصفهم اللّه- عزّ و جلّ.
و في مجمع البيان (5): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة حمعسق كان ممّن يصلّي عليه الملائكة و يستغفرون له و يسترحمون.
حم (1) عسق (2):
قيل (6): لعلّه اسمان للسّورة و لذلك فصل بينهما و عدّا آيتين، و إن كانا اسماء واحدا فالفصل ليطابق سائر الحواميم.
و قرئ (7): «حم، سق (8)».
و في كتاب معاني الأخبار (9)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و أمّا حم، عسق فمعناه: الحكيم المثيب العالم السّميع القادر القويّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (10): حم، عسق هو حروف من اسم اللّه الأعظم المقطوع، يؤلّفه الرّسول أو الإمام فيكون الاسم (11) الّذي إذا دعا اللّه به أجاب.
حدّثنا أحمد بن عليّ و أحمد بن إدريس (12) قالا: حدّثنا محمّد بن أحمد العلويّ، عن العمكريّ (13)، عن محمّد بن جمهور قال: حدّثنا سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القاسم، عن يحيى بن ميسرة الخثعميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: حم، عسق عدد سني القائم- (صلوات اللّه عليه). و «قاف» جبل محيط بالدّنيا من زمرّدة خضراء، فخضرة السّماء من ذلك الجبل، و علم كلّ شيء في عسق.
و في شرح الآيات الباهرة (14): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن
____________
(1) من ن، ت، ى، ر، ش، م، المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ «إنّ» بدل «و له».
(3) كذا في المصدر مع المعقوفتين. و في ى، ر: حورا و إنّ من الحور العين. و في غيرهما: حور و انّ من الحور العين.
(4) ن، ى، المصدر: الولدان.
(5) المجمع 5/ 20.
6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 352.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: سيق.
(9) المعاني/ 22، ح 1.
(10) تفسير القمّي 2/ 267.
(11) ن، المصدر: الاسم الأعظم.
(12) نفس المصدر و الموضع.
(13) ق: العكرميّ.
(14) تأويل الآيات 2/ 541، ح 1.
475
عبد اللّه بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن يوسف بن كليب المسعودي (1)، عن عمرو بن عبد الغفّار الفقيميّ، عن محمّد، عن (2) أبي الحكم (3) بن مختار، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: حم اسم من أسماء (4) اللّه- تعالى. و عسق علم عليّ- (عليه السلام)- بفسق (5) كلّ جماعة و نفاق كلّ فرقة.
بحذف الإسناد (6)، يرفعه إلى محمّد بن جمهور، عن السّكونيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هم حم (7) حتم، و «عين» عذاب، و «سين» سنون كسني يوسف، و «قاف» قذف و خسف و مسخ يكون في آخر الزّمان بالسّفيانيّ، و أصحابه و أناس من كلب ثلاثون ألف الف يخرجون معه، و ذلك حين يخرج القائم- (عليه السلام)- بمكّة، و هو مهديّ هذه الأمّة.
كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)، أي:
مثل ما في هذه السّورة من المعاني، أو إيحاء مثل إيحائها أوحى اللّه إليك و إلى الرّسل من قبلك. و إنّما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية، للدّلالة على استمرار الوحي، و أنّ إيحاء مثله عادته.
و قرأ (8) ابن كثير: «يوحى» بالفتح، على أنّ «كذلك» مبتدأ و «يوحى» خبره المسند إلى ضميره، أو مصدر و «يوحى» مسند إلى «إليك». و «اللّه» مرتفع بما دلّ عليه «يوحى»، و الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان له مقرّرتان لعلوّ شأن الوحى به، كما مرّ في السّورة السّابقة، أو بالابتداء، كما في قراءة «نوحي» بالنّون، و «العزيز» و ما بعده أخبار، أو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان و قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) خبران له. و على الوجوه الأخر استئناف مقرّر لعزّته.
تَكادُ السَّماواتُ و قرأ (9) نافع و الكسائيّ، بالياء.
يَتَفَطَّرْنَ
____________
(1) ق، ش: العوديّ.
(2) ليس في المصدر.
(3) ن: أبي الحاكم.
(4) ق، ش، م، ى، ت، ر: اسم.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تفسير.
(6) نفس المصدر/ 542، ح 3.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: جاء.
(8) أنوار التنزيل 2/ 352.
(9) نفس المصدر/ 353.
476
قيل (1): يتشقّقن (2) فرقا من عظمة اللّه.
و قيل (3): من دعاء (4) الولد له.
و قرأ (5) البصريّان و أبو بكر: «ينفطرن»، و الأوّل أبلغ لأنّه مطاوع «فطّر» و هذا مطاوع «فطر».
و قرئ (6): «تتفطّرن» بالتّاء لتأكيد التّأنيث و هو نادر.
مِنْ فَوْقِهِنَ، أي: يبتدئ الانفطار من جهتين الفوقانيّة.
و تخصيصها، على الأوّل (7)، لأنّ أعظم الآيات و أدلّها على علوّ شأنه من تلك الجهة، و على الثّاني، ليدلّ على الانفطار من تحتهنّ بالطّريق الأولى.
و قيل (8): الضّمير للأرض، فإنّ المراد بها الجنس (9).
وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قيل (10): بالسّعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشّفاعة و الإلهام و إعداد الأسباب (11) المقرّبة إلى الطّاعة، و ذلك في الجملة يعمّ المؤمن و الكافر، بل لو فسّر الاستغفار بالسّعي فيما يدفع الخلل المتوقّع عمّ الحيوان بل الجماد، و حيث خصّ بالمؤمنين فالمراد به: الشّفاعة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (12)- (رحمه اللّه)-: و قال [عليّ بن] (13) إبراهيم: وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قال: للمؤمنين من الشّيعة التّوابين خاصة، و لفظ الآية عامّ (14) و معناه خاص.
و في جوامع الجامع (15): وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قال الصّادق- (عليه السلام)-: و يستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين.
أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5): إذ ما من مخلوق إلّا و هو ذو حظّ من
____________
(1) نفس المصدر/ 353.
(2) ليس في ن.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المصدر: ادّعاء.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) أي: على قراءة «يتفطّرن».
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) فهو شامل للمتعدّد، و لذا جمع الضّمير.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) ليس في ن.
(12) تفسير القمّي 2/ 268.
(13) ليس في ق، ش.
(14) ق، ش، المصدر: عامّة.
(15) الجوامع/ 427.
477
رحمته.
و الآية على الأوّل (1) زيادة تقرير لعظمته. و على الثّاني دلالة على تقدّسه عمّا نسب إليه، و أنّ عدم معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشّنعاء باستغفار الملائكة و فرط غفرانه و رحمته.
وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ: شركاء و أندادا.
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ: رقيب على أحوالهم و أعمالهم فيجازيهم بها.
وَ ما أَنْتَ يا محمّد عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6): بموكّل بهم، أو بموكول إليه أمرهم.
وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا الإشارة إلى مصدر «يوحي». أو إلى معنى الآية المتقدّمة، فإنّه مكرّر في القرآن في مواضع جمّة، فتكون «الكاف» مفعولا به و «قرآنا عربيّا» حال منه.
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى: [أهل أمّ القرى] (2) و هي مكّة.
وَ مَنْ حَوْلَها: من العرب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها قال: أُمَّ الْقُرى مكّة، سمّيت أمّ القرى لأنّها أوّل بقعة خلقها اللّه من الأرض، لقوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً.
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد الصّوفيّ، عن محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و إنّما سمّي- يعني:
النّبيّ- الأمّيّ، لأنّه كان من أهل مكّة و مكّة من أمّهات القرى، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها.
و بإسناده (5) إلى عليّ بن حسّان و عليّ بن أسباط و غيره، رفعه عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: فلم سمّي النّبيّ الأمّي؟
قال: نسب (6) إلى مكّة، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها. فأمّ القرى مكّة، فقيل «أمّي» لذلك.
____________
(1) أي: التفسير الأوّل.
(2) ليس في ق.
(3) تفسير القمّي 2/ 268.
(4) العلل 1/ 124، ح 1.
(5) نفس المصدر/ 125، ح 2.
(6) ق، ش، ت، م، ر: ينسب.
478
وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ: يوم القيامة يجمع الخلائق فيه، أو الأرواح و الأشباح، أو العمّال و الأعمال. و حذف ثاني مفعولي الأوّل و أوّل مفعولي الثّاني للتّهويل، و إيهام التّعميم.
و قرئ (1): «لينذر» بالياء، و الفعل للقرآن.
لا رَيْبَ فِيهِ: اعتراض لا محلّ له [من الإعراب] (2).
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)، أي بعد جمعهم في الموقف يجمعون أوّلا ثمّ يفرّقون، و التّقدير: منهم فريق. و الضّمير للمجموعين لدلالة الجمع عليه.
و قرئا (3) منصوبين على الحال «لمنهم»، أي: و تنذر يوم جمعهم متفرّقين، بمعنى:
مشارفين للتّفرّق، أو متفرّقين في داري الثّواب و العقاب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)- (رحمه اللّه)-: حدّثني الحسين بن عبد اللّه السّكينيّ، عن أبي سعيد البجليّ، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه- (صلوات اللّه عليهم)- حديث طويل، يذكر فيه مضيّ الإمام الحسن (5) بن عليّ بن إلى ملك الرّوم و جوابات الإمام للملك عمّا سأله عنه، و في أواخر الحديث: ثمّ سأله عن أرواح المؤمنين أين تكون إذا ماتوا؟
قال: تجتمع (6) عند صخرة بيت المقدس في كلّ ليلة جمعة، و هو عرش اللّه الأدنى، منها بسط (7) اللّه- عزّ و جلّ- الأرض و إليها يطويها و منها المحشر و منها استوى ربّنا إلى السّماء، أي: استولى (8) على السّماء و الملائكة.
ثمّ سأله عن أرواح الكفّار أين تجتمع؟
فقال: تجتمع في وادي حضرموت وراء مدينة اليمن، ثمّ يبعث اللّه- عزّ و جلّ- نارا من المشرق و نارا من المغرب و يتبعهما بريحين شديدتين فيحشر النّاس عند صخرة بيت المقدس، فيحشر أهل الجنّة عن يمين الصّخرة و يزلف الميعاد (9)، و تصير جهنّم عن يسار الصّخرة في تخوم الأرضين السّابعة و فيها الفلق و السّجّين، فتفرّق الخلائق من عند الصّخرة،
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 353.
(2) من نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمّي 2/ 268- 272.
(5) م، ي: الحسين.
(6) ق، المصدر: يجتمع.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يبسط.
(8) م، ر: استوى.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: المعتبر.
479
فمن وجبت له الجنّة دخلها و م وجبت له النّار دخلها، و ذلك قوله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
و في أمالي الصّدوق (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل، يقال له: بشر بن غالب، أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخبرني عن قول اللّه (2)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ.
قال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، و إمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنّة و هؤلاء في النّار، و هو قوله- عزّ و جلّ-: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن سيف، عن أبيه، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- النّاس، ثمّ رفع يده اليمنى قابضا على كفّه، ثمّ قال: أ تدرون، أيّها النّاس، ما في كفّي؟
فقالوا: اللّه و رسوله أعلم.
فقال: فيها أسماء أهل الجنّة و أسماء آبائهم و قبائلهم إلى يوم القيامة.
ثمّ [رفع يده الشّمال فقال: أيّها النّاس، أ تدرون ما في كفّي؟
قالوا: اللّه و رسوله أعلم.
فقال: أسماء أهل النّار و أسماء آبائهم و قبائلهم إلى يوم القيامة.
ثمّ] (4) قال (5): حكم اللّه و عدل، حكم اللّه و عدل، [حكم اللّه و عدل] (6) فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
و في بصائر الدّرجات (7): أحمد بن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عمّن ذكره قال: خرج علينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و في يده اليمنى كتاب و في يده اليسرى
____________
(1) نور الثقلين 4/ 558، ح 13.
(2) الإسراء/ 71.
(3) الكافي 1/ 444، ح 16.
(4) ليس في ش.
(5) ليس في ق.
(6) يوجد في ق، ش.
(7) البصائر/ 211، ح 2.
480
كتاب، فنشر الكتاب الّذي في يده اليمنى فقرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*» كتاب لأهل الجنّة بأسمائهم و أسماء آبائهم و قبائلهم لا يزاد فيهم واحد، و لا ينقص منهم واحد.
قال (1): [ثمّ نشر الّذي بيده اليسرى فقرأ: كتاب من اللّه الرّحمن الرّحيم لأهل النّار بأسمائهم و أسماء آبائهم و قبائلهم لا يزاد فيهم واحد و لا ينقص منهم واحد.] (2)
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً: مهتدين أو ضالّين.
وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ: بالهداية و الحمل على الطّاعة.
وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ: [من اللّه] (3) مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (8)، أي: و يدعهم بغير وليّ و لا نصير في عذابه.
و لعلّه غيّر المقابلة للمبالغة في الوعيد، إذ الكلام في الإنذار.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و أمّا قوله: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً قال:
لو شاء اللّه أن يجعلهم كلّهم معصومين مثل الملائكة (5) بلا طباع، لقدر عليه وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ (6) وَ الظَّالِمُونَ لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم ما لَهُمْ [من اللّه] (7) مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ.
أَمِ اتَّخَذُوا: بل اتّخذوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ: كالأصنام.
فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ: جواب شرط محذوف، مثل: إن أرادوا أولياء بحقّ فاللّه هو الوليّ بالحقّ (8).
وَ هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)، كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية.
وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ: أنتم و الكفّار مِنْ شَيْءٍ من أمر (9) من أمور الدّين أو الدّنيا.
فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ: مفوّض إليه، يميّز الحقّ عن المبطل بالنّصر، أو بالإثابة و المعاقبة.
____________
(1) يوجد في م، ي، ر، المصدر.
(2) ليس في ش.
(3) من ق.
(4) تفسير القمّي 2/ 272- 273.
(5) المصدر: ملائكة.
(6) في النسخ: يدخل في رحمته من يشاء.
(7) من ق.
(8) ق: الحميد.
(9) في غير نسخة ن زيادة: قيل.
481
و قيل (1): وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ من تأويل متشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب اللّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ من شيء من المذاهب أو اخترتم لأنفسكم من الأديان، فحكم ذلك كلّه إلى اللّه يوم القيامة.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ: في مجامع الأمور.
وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ (10): أرجع في المعضلات.
فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ خبر آخر «لذلكم»، أو مبتدأ خبره: جَعَلَ لَكُمْ.
و قرئ (3) بالجرّ، على البدل من الضّمير في «عليه»، أو الوصف «لإلى اللّه».
مِنْ أَنْفُسِكُمْ: من جنسكم.
أَزْواجاً: نساء.
وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً، أي: و خلق للأنعام من جنسها أزواجا، أو خلق لكم من الأنعام أصنافا، أو ذكورا و إناثا.
يَذْرَؤُكُمْ: يكثّركم، من الذّرء، و هو البثّ. و في معناه: الذّرّ، و الذّرو.
فِيهِ، في هذا التّدبير، و هو جعل النّاس و الأنعام أزواجا يكون بينهم توالد فإنّه كالمنبع للبث و التّكثير.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [، أي: ليس مثله شيء] (4) يزاوجه و يناسبه، و المراد من مثله: ذاته- ما في قولهم: مثلك لا يفعل كذا- على قصد المبالغة في نفيه عنه، فإنّه إذا نفي عمّن يناسبه و يسدّ مسدّه كان نفيه عنه أولى.
و من قال: «الكاف» فيه زائدة، لعلّه عنى أنّه يعطي معنى: ليس مثله (5)، غير أنّه آكد لما ذكرناه.
و قيل (6): مثله صفته، أي: ليس كصفته صفة.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 354.
(2) تفسير القمّي 2/ 273.
(3) أنوار التنزيل 2/ 354.
(4) ليس في ق.
(5) في ق، ش، م، زيادة: شيء.
(6) أنوار التنزيل 2/ 354.
482
و في أصول الكافي (1): محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن حمزة بن محمّد قال: كتبت إلى أبي الحسن- (عليه السلام)- أسأله عن الجسم و الصّورة.
فكتب: سبحان من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، و لا جسم و لا صورة.
و في مصباح شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)- خطبة مرويّة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، إذا كان الشّيء من مشيئته، فكان لا يشبه مكوّنه.
و في عيون الأخبار (3)، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان في آخرها أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام)- مرّة بعد مرّة و شيئا بعد شيء: فإن قال: فلم وجب عليهم الإقرار للّه بأنّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟
قيل: لعل، منها أن لا (4) يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة و الطّاعة دون غيره غير مشتبه عليهم أمر ربّهم و صانعهم و رازقهم. و منها أنّهم لو لم يعلموا (5) أنّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لم يدروا لعلّ ربّهم و صانعهم هذه الأصنام الّتي نصبها لهم آباؤهم و الشّمس و القمر و النّيران، إذا كان جائزا أن يكون عليهم مشتبه (6)، و كان يكون في ذلك الفساد و ترك طاعاته كلّها و ارتكاب معاصيه كلّها على قدر ما يتناهى إليهم من أخبار هذه الأرباب و أمرها و نهيها. و منها أنّه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أنّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز و الجهل و التّغيّر و الزّوال و الفناء و الكذب و الاعتداء، و من جازت عليه هذه الأشياء لم يؤمن فناؤه و لم يوثق بعدله و لم يحقّق قوله و أمره و نهيه و وعده و وعيده و ثوابه و عقابه، و في ذلك فساد الخلق و إبطال الرّبوبيّة.
و في كتاب التّوحيد (7) خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يقول فيها: و لا له مثل فيعرف بمثله.
و خطبة أخرى (8) يقول فيها: حدّ الأشياء كلّها عند خلقه إيّاها، إبانة لها من [شبهه و إبانة له من شبهها.
____________
(1) الكافي 1/ 104، ح 2.
(2) مصباح المتهجّد/ 697.
(3) العيون 2/ 101، ح 1.
(4) كذا في جميع النسخ، و الأظهر أنّ «لا» زائدة.
(5) المصدر: لو لا يعلموا.
(6) ن: مشبه. و في ق، ش، ت، ي: مشتبهة.
(7) التوحيد/ 33، ح 1.
(8) نفس المصدر/ 42، ح 3.
483
و خطبة أخرى (1) يقول- (عليه السلام)- فيها: و لا يخطر ببال أولي الرّؤيات خاطرة من تقدير] (2) جلال عزّته، لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لأنّه خلاف خلقه فلا شبه له في المخلوقين، و إنّما يشبّه الشّيء بعديله، فأمّا ما لا عديل له فكيف يشبّه بغير مثاله؟!
وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11): لكلّ ما يسمع و يبصر.
و في أصول الكافي (3): سهل، عن إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ قال: كتبت إلى الرّجل- (عليه السلام)-: أنّ من قبلنا من مواليك قد اختلفوا في التّوحيد، فمنهم من يقول: جسم، و منهم من يقول: صورة.
فكتب بخطّة: سبحان من لا يحدّ و لا يوصف ليس كمثله شيء و هو السميع العليم.
أو قال: الْبَصِيرُ.
سهل (4)، عن بشر (5) بن بشّار النّيسابوريّ قال: كتبت إلى الرّجل- (عليه السلام)-:
أنّ من قبلنا قد اختلفوا في التّوحيد، فمنهم من يقول: جسم، و منهم من يقول: صورة.
فكتب إليّ: سبحان من لا يحدّ و لا يوصف و لا يشبهه شيء، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى طاهر بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إلى الطّيّب، يعني: أبا الحسن- (عليه السلام)-: ما الّذي لا يجتزئ (7) في معرفة الخالق بدونه؟
فكتب: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لم يزل سميعا و عليما و بصيرا، و هو الفعّال لما يريد.
و بإسناده (8) إلى عبد الرّحمن بن أبي نجران قال: سألت أبا جعفر الثّاني- (عليه السلام)- عن التّوحيد، فقلت: أتوهّم شيئا؟
فقال: نعم، غير معقول و لا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه. لا يشبهه شيء و لا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام و هو خلاف ما يعقل و خلاف ما يتصوّر في الأوهام، إنّما يتوهّم شيء غير معقول و لا محدود.
____________
(1) نفس المصدر/ 52، ح 13.
(2) ليس في ن.
(3) الكافي 1/ 102، ح 5.
(4) نفس المصدر، ح 9.
(5) ن، ت، م، ر: بشير.
(6) التوحيد/ 284، ح 4.
(7) المصدر: لا تجزئ.
(8) نفس المصدر/ 106، ح 6.
484
و بإسناده (1) إلى محمّد بن عيسى بن عبيد أنّه قال: قال الرّضا- (عليه السلام)-: للنّاس في التّوحيد ثلاثة مذاهب. نفيّ، و تشبيه، و إثبات بغير تشبيه. فمذهب النّفي لا يجوز، و مذهب التّشبيه لا يجوز لأنّ اللّه- تعالى- لا يشبهه شيء، و السّبيل في الطّريق الثّالثة إثبات بلا تشبيه.
و بإسناده (2) إلى الحسين بن سعيد قال: سئل أبو جعفر- (عليه السلام)-: يجوز أن يقال للّه: إنّه شيء؟
فقال: نعم، تخرجه عن الحدّين: حدّ التّشبيه و حدّ التّعطيل.
و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار حديث، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قلنا: إنّه سميع، لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثّرى من الذّرة إلى أكبر منها في برّها و بحرها، و لا تشتبه (4) عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك: إنّه سميع، لا بأذن و قلنا: إنّه بصير، لا ببصر لأنّه يرى أثر الذّرة السّحماء (5) في اللّيلة الظّلماء على الصّخرة السّوداء (6)، و يرى دبيب النّمل في الّليلة الدّجية، [أي:
المظلمة] (7) و يرى مضارّها و منافعها و اثر سفادها (8) و فراخها و نسلها، فقلنا عند ذلك: إنّه بصير، لا كبصر خلقه.
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: خزائنها.
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: يوسع و يضيق على وفق مشيئته.
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) فيفعله على ما ينبغي.
و في روضة الكافي (9): خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، قال- (عليه السلام)- فيها: فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن، و يكون فيها لا على وجه الممازجة، و علمها لا بأداة لا يكون العلم إلّا بها، و ليس بينه و بين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا
____________
(1) نفس المصدر/ 107، ح 8.
(2) نفس المصدر/ 107، ح 8.
(3) العيون 1/ 109، ح 28.
(4) المدر: لا يشتبه.
(5) يوجد في ن، ي، المصدر. و السّحماء: السوداء.
(6) المصدر: الصمّاء.
(7) من ق.
(8) السّفاد: الجماع.
(9) الكافي 8/ 18، ح 4.
485
بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى، أي: شرع لكم من الدّين دين نوح و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من بينهما من أرباب الشّرائع، و هو الأصل المشترك فيما بينهم المفسّر بقوله:
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ: و هو الإيمان بما يجب تصديقه و الطّاعة في أحكام اللّه. و محلّه النّصب على البدل من مفعول «شرع»، أو الرّفع على الاستئناف، كأنّه جواب: و ما ذلك المشروع؟! أو الجرّ على البدل من هاء «به».
وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ: و لا تختلفوا في هذا الأصل. أمّا فروع الشّرائع فمختلفة، كما قال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً.
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ: عظم عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التّوحيد.
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ: يجتلب إليه. و الضّمير «لما تدعوهم»، أو «للدّين».
وَ يَهْدِي إِلَيْهِ بالإرشاد و التّوفيق مَنْ يُنِيبُ (13): يقبل إليه.
و في بصائر الدّرجات (1): عبد اللّه بن عامر، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران قال: كتب أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- رسالة و. أقرأنيها، [قال:] (2) قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: إنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان أمين اللّه في أرضه، فلمّا قبض محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- كنّا أهل البيت ورثته، فنحن (3) أمناء اللّه في أرضه.
... إلى قوله: و نحن الّذين شرع اللّه (4) لنا دينه، فقال في كتابه: شَرَعَ لَكُمْ يا آل محمّد مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً قد وصّانا بما وصّى به نوحا وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمّد وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ و إسماعيل و إسحاق و يعقوب وَ مُوسى وَ عِيسى. فقد علمنا و بلّغنا ما علمنا و استودعنا علمهم، و نحن ورثة الأنبياء و نحن ورثة أولي العزم من الرّسل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يا آل محمّد وَ لا تَتَفَرَّقُوا (5) فِيهِ و كونوا على جماعة كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ من أشرك بولاية عليّ- (عليه السلام)- ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية عليّ- (عليه السلام)- [إنّ اللّه يا محمّد] (6) يَهْدِي إِلَيْهِ من يجيبك إلى ولاية عليّ- (عليه السلام).
____________
(1) البصائر/ 138، ح 1.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: و نحن.
(4) من ن.
(5) المصدر: و لا تفرقوا.
(6) ليس في ق.
486
و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني (2)، عن إدريس بن زياد الحنّاط، عن أحمد بن عبد الرّحمن (3) الخراسانيّ، عن بريد بن إبراهيم، عن أبي حبيب النّتاجيّ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، محمّد، عن أبيه، عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)- قال في تفسير هذه الآية: نحن الّذين شرع اللّه لنا دينه في كتابه، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: شَرَعَ لَكُمْ يا آل محمّد مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يا آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية عليّ- (عليه السلام)- (5) اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ، أي: من يجيبك إلى ولاية عليّ- (عليه السلام).
و قال- أيضا (6): حدّثنا محمّد بن همّام، عن عبد اللّه بن [جعفر، عن عبد اللّه] (7) العصانيّ (8)، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران قال: كتب أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- إلى (9) عبد اللّه بن جندب رسالة و أقرأنيها، قال (10): قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-:
نحن أولى النّاس باللّه- عزّ و جلّ- و نحن أولى بكتاب اللّه، و نحن أولى بدين اللّه، و نحن الّذين شرع اللّه لنا دينه فقال في كتابه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ يا آل محمّد ما وَصَّى بِهِ نُوحاً فقد وصّانا [بما وصّي به نوحا وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمّد وَ ما وَصَّيْنا] (11) بِهِ إِبْراهِيمَ و إسماعيل و إسحاق و يعقوب وَ مُوسى وَ عِيسى فقد علمنا و بلّغنا ما علمنا و استودعنا علمهم (12)، فنحن ورثة الأنبياء و نحن ورثة أولي العزم من الرّسل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يا آل محمّد وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ و كونوا على جماعة كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ [من أشرك بولاية عليّ- (عليه السلام)-] (13) ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية عليّ. إنّ اللَّهُ يا محمّد [يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ] (14) يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ من يجيبك إلى ولاية عليّ
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 543، ح 5.
(2) ق، ش: الحسيني.
(3) ت: عبد الرحيم.
(4) المصدر: النباحيّ. و في ن، ي: التناجي.
(5) في النسخ زيادة: إنّ.
(6) نفس المصدر/ 543- 544، ح 6.
(7) ليس في ق، ش.
(8) المصدر: القصباني.
(9) في ق، ش، زيادة: أبي.
(10) ليس في ق، ش.
(11) ليس في ق.
(12) يوجد في ق، ش. و في المصدر: [علمهم].
(13) من ق.
(14) من المصدر.
487
- (عليه السلام).
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد العزيز بن المهتدي، عن عبد اللّه بن جندب أنّه كتب إليه الرّضا- (عليه السلام)-: نحن الّذين شرع اللّه لنا دينه فقال في كتابه: شَرَعَ لَكُمْ يا آل محمّد مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [قد وصّانا بما وصّى به نوحا] (2) وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمّد وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى. فقد علمنا و بلّغنا (3) ما علمنا، و استودعنا علمهم. نحن ورثة أولي العزم من الرسل. أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يا آل محمّد وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ: و كونوا على جماعة. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ: من أشرك بولاية عليّ- (عليه السلام)- ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ولاية عليّ- (عليه السلام). إنّ الله يا محمّد يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ: من يجيبك إلى ولاية عليّ- (عليه السلام).] (4)
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
الحسين بن محمّد (5)، عن معلّي بن محمّد، عن عبد اللّه بن إدريس، عن محمّد بن سنان، عن الرّضا- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (6) ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يا محمّد من ولاية عليّ»- (عليه السلام)- هكذا في الكتاب مخطوطة.
عليّ بن محمّد (7)، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث نوحا إلى قومه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (9)، ثمّ دعاهم إلى اللّه وحده أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا، ثمّ بعث الأنبياء إلى أن بلغوا محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدعاهم إلى أن يعبدوا اللّه و لا يشركوا به شيئا، و قال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلّا اللّه و الإقرار بما جاء [به] (10) من عند اللّه- عزّ و جلّ. فمن آمن مخلصا و مات على ذلك أدخله الجنّة بذلك، و ذلك أنّ اللّه
____________
(1) الكافي 1/ 223- 224، ح 1.
(2) من المصدر.
(3) في المصدر زيادة: علم.
(4) لا يوجد في ق.
(5) نفس المصدر/ 418، ح 32.
(6) في المصدر زيادة: بولاية عليّ.
(7) نفس المصدر 2/ 28، ح 1.
(8) ق: مسلم.
(9) نوح/ 3.
(10) من المصدر مع المعقوفتين.
488
- عزّ و جلّ- لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يكن يعذّب عبدا حتّى يغلظ عليه في القتل و المعاصي الّتي أوجب اللّه- عزّ و جلّ- عليه بها النّار لمن عمل بها، فلمّا استجاب لكلّ نبيّ من استجاب له من قومه من المؤمنين جعل لكلّ نبيّ منهم شرعة و منهاجا، و الشّرعة و المنهاج سبيل و سنّة.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن محمّد بن مروان، جميعا، عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تعالى- أعطى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى- (عليهم السلام)- التّوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد و الفطرة الحنيفيّة (2) السّمحاء (3) لا رهبانية و لا سياحة، أحلّ فيها الطّيّبات و حرّم فيها الخبائث، و وضع عنهم إصرهم و الأغلال الّتي كانت عليهم.
ثمّ افترض [عليه فيها] (4) الصّلاة و الزّكاة و الصّيام [و الحجّ] (5) و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر و الحلال و الحرام و المواريث و الحدود و الفرائض و الجهاد في سبيل اللّه، و زاده الوضوء، و فضّله بفاتحة الكتاب و بخواتيم سورة البقرة و المفصّل، و أحل له المغنم و الفيء، و نصره بالرّعب، و جعل له الأرض مسجدا و طهورا، و أرسله كافّة إلى الأبيض و الأسود و الجنّ و الإنس، و أعطاه الجزية، و أسر المشركين (6) و فداهم.
ثمّ كلّف ما لم يكلّف أحد من الأنبياء، أنزل عليه سيف من السّماء في غير غمد و قيل له: قاتل في سبيل اللّه لا تكلّف (7) إلّا نفسك.
و في روضة الكافي (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانت شريعة نوح أن يعبد اللّه بالتّوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد، و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها، و أخذ اللّه ميثاقه على نوح و على النّبيّين- صلّى اللّه عليهم أجمعين- أن
____________
(1) نفس المصدر 2/ 17، ح 1.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الحنفيّة.
(3) ليس في ق، ش.
(4) من المصدر.
(5) ليس في ق.
(6) ليس في ق.
(7) ليس في ق، ش.
(8) الكافي 8/ 284، ح 424.
489
يعبدوا اللّه- تعالى- و لا يشركوا به شيئا، و أمر بالصّلاة و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر و الحلال و الحرام، و لم يفرض عليه أحكام حدود و لا فرائض مواريث، فهذه شريعته.
و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: دخلت على سيّدي، عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- فلمّا بصر بي قال لي:
مرحبا بك، يا أبا القاسم، أنت وليّنا حقّا.
قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه، إنّي أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا أثبت (2) عليه حتّى ألقى اللّه- عزّ و جلّ.
فقال: هاتها، يا أبا القاسم.
فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- واحد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خارج من الحدّين: حدّ الإبطال و حدّ التّشبيه. و إنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام و مصوّر الصّور و خالق الأعراض و الجواهر، و ربّ كلّ شيء و مالكه و جاعله و محدثه. و إنّ محمّدا عبده و رسوله خاتم النّبيّين، فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة.
و أقول: إنّ الإمام و الخليفة و وليّ الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنت يا مولاي.
فقال- (عليه السلام)-: و من بعدي الحسن ابني، فكيف للنّاس بالخلف من بعده؟
قال: فقلت: و كيف ذاك، يا مولاي؟
قال: لأنّه لا يرى شخصه، و لا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا.
قال: فقلت: أقررت و أقول: إنّ وليّهم وليّ اللّه، و عدوّهم عدوّ اللّه، و طاعتهم طاعة اللّه، و معصيتهم معصية اللّه. و أقول: إنّ المعراج حقّ (3)، و المساءلة في القبر حقّ. و إنّ
____________
(1) التوحيد/ 81- 82، ح 37.
(2) ق، ش، م، ت، ي، ر: ثبت.
(3) ليس في ق، ش.
490
الجنّة حقّ، و النّار حقّ، و الصّراط حقّ، و الميزان حقّ. و إنّ السّاعة آتية لا ريب فيها.
و إنّ اللّه يبعث من في القبور. و أقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الجهاد و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر.
فقال عليّ بن محمّد: يا أبا القاسم، هذا و اللّه، دين اللّه الّذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه- ثبّتك اللّه بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا و في الآخرة.
و بإسناده (1) إلى الرّيّان بن الصّلت: عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللّه- جلّ جلاله-: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني.
و بإسناده (2) إلى داود بن سليمان الفرّاء: عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: التّوحيد نصف الدّين.
و في كتاب الخصال (3): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أفضل دينكم الورع.
عن ابن عمر (4)، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّه قال: أفضل العبادة الفقه، و أفضل الدّين الورع.
و في أصول الكافي (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن عبيد بن زرارة قال: حدّثني حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الاستطاعة فلم يجبني، فدخلت عليه دخلة أخرى فقلت:
أصلحك اللّه، إنّه قد وقع في قلبي منها شيء لا يخرجه إلّا شيء أسمعه منك.
قال: فإنّه لا يضرّك ما كان في قلبك.
قلت: أصلحك اللّه، إنّي أقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يكلّف العباد ما لا يستطيعون و لم يكلّفهم إلّا ما يطيقون، و إنّهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلّا بإرادة اللّه
____________
(1) نفس المصدر/ 68، ح 23.
(2) نفس المصدر/ 68، ح 24.
(3) الخصال/ 4، ح 9.
(4) نفس المصدر/ 29- 30، ح 104.
(5) الكافي 1/ 162، ح 4.
491
و مشيئته و قضائه و قدره.
قال: فقال: هذا دين اللّه الّذي أنا عليه و آبائي- أو كما قال.
الحسين بن محمّد (1)، عن معلّي بن محمّد، عن محمّد بن جمهور.
... إلى قوله: عنه، عن معلّي بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان، عن إسماعيل الجعفيّ قال: دخل رجل على أبي جعفر- (عليه السلام)- و معه صحيفة.
فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: هذه صحيفة مخاصم سأل عن الدّين الّذي يقبل فيه العمل.
فقال: رحمك اللّه، هذا الّذي أريد.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و تقرّ بما جاء به من عند اللّه، و الولاية لنا أهل البيت، و البراءة من عدوّنا، و التّسليم لأمرنا، و الورع و التّواضع، و انتظار قائمنا، فإنّ لنا دولة إذا شاء اللّه جاء بها.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، و أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، جميعا، عن صفوان [بن يحيى] (3)، عن عمرو بن حريث قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و هو في منزل أخيه، عبد اللّه بن محمّد، فقلت له: جعلت فداك، ما حوّلك إلى هذا المنزل؟
فقال: طلب النّزهة (4).
فقلت: جعلت فداك، ألا أقصّ عليك ديني؟
فقال: بلي.
قلت: أدين اللّه بشهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ السّاعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور، و إقام الصّلاة و إيتاء الزّكاة و صوم شهر رمضان و حجّ البيت، و الولاية لعليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و الولاية للحسن و الحسين، و الولاية لعليّ بن الحسين، و الولاية لمحمّد بن علي و لك من بعده- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- و أنّكم أئمّتي عليه أحيى و عليه أموت، و أدين اللّه به.
____________
(1) نفس المصدر 2/ 22، ح 13.
(2) نفس المصدر 2/ 23، ح 14.
(3) ليس في المصدر.
(4) أي: البعد عن الناس.
492
فقال: يا عمرو، هذا و اللّه، دين اللّه و دين آبائي الّذي أدين اللّه به في السّرّ و العلانية. فاتّق اللّه، و كفّ لسانك إلّا من خير. و لا تقل: إنّي هديت نفسي، بل اللّه هداك، فأدّ شكر ما أنعم اللّه- عزّ و جلّ- به عليك. و لا تكن ممّن إذا أقبل، طعن في عينه، و إذا أدبر، طعن في قفاه. و لا تحمل النّاس على كاهلك، فإنّك أو شك إن حملت النّاس على كاهلك أن يصدّعوا شعب (1) كاهلك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن عليّ بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قال: الإمام. وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كناية عن أمير المؤمنين- (عليه السلام).
ثمّ قال: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من أمر ولاية عليّ- (عليه السلام).
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ كناية عن عليّ- (صلوات اللّه عليه). وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.
وَ ما تَفَرَّقُوا قيل (3): يعني: الأمم السّابقة.
و قيل (4): أهل الكتاب، لقوله: وَ ما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ: العلم بأنّ التّفرّق ضلال متوعّد عليه. أو العلم بمبعث الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله). أو أسباب العلم من الرّسل و الكتب و غيرهما، فلم يلتفتوا إليها.
بَغْياً بَيْنَهُمْ: عداوة (5)، أو طلبا للدّنيا.
وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ: بالإمهال.
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى: هو يوم القيامة، أو آخر أعمارهم المقدّرة.
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: باستئصال المبطلين حين افترقوا لعظم ما اقترفوا.
وَ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ قيل (6): يعني: أهل الكتاب الّذين كانوا في عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله). أو
____________
(1) الشعب: بعد ما بين المنكبين.
(2) تفسير القمّي 2/ 273- 274.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 355.
(5) ليس في ي.
(6) نفس المصدر و الموضع.
493
المشركين الّذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب.
و قرئ (1): «ورّثوا» و «ورثوا».
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ: من كتابهم لا يعلمونه كما هو، أو لا يؤمنون به حقّ الإيمان. أو من القرآن.
مُرِيبٍ (14): مقلق، أو مدخل في الرّيبة.
فَلِذلِكَ: فلأجل ذلك التّفرّق، أو الكتاب، أو العلم الّذي أوتيته فَادْعُ إلى الاتّفاق على الملّة الحنيفيّة، أو الأتباع لما أوتيت.
وَ اسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ (2): [و استقم على الدعوة كما أمر اللّه- سبحانه.] (3) وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ الباطلة.
وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، يعني: جميع الكتب المنزلة، لا كالكفّار الّذين آمنوا ببعض و كفروا ببعض.
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى مسلم بن خالد المكّيّ: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهم السلام)- قال: ما أنزل اللّه- تبارك و تعالى- كتابا و لا وحيا إلّا بالعربيّة، فكان يقع في مسامع الأنبياء بألسنة قومهم، و كان يقع في مسامع نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالعربيّة، فإذا كلّم به قومه كلّمهم بالعربيّة فيقع في مسامعهم بلسانهم. و كان أحد (5) لا يخاطب رسول اللّه بأيّ لسان خاطبه إلّا وقع في مسامعه بالعربيّة، كلّ ذلك يترجم جبرئيل عنه تشريفا من اللّه- عزّ و جلّ- له.
وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ: في تبليغ الشّرائع و الحكومة. و الأوّل إشارة إلى كمال القوّة النّظريّة، و هذا إشارة إلى كمال (6) القوّة العمليّة.
و في مجمع البيان (7): لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ و
في الحديث: ثلاث منجيات، و ثلاث مهلكات. فالمنجيات: العدل في الرّضا و الغضب، و القصد في الغنا و الفقر، و خشية اللّه في السّر و العلانية. و المهلكات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ت، ي.
(3) من ن.
(4) العلل 1/ 126، ح 8.
(5) المصدر: أحدنا.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) المجمع 5/ 25.
494
اللَّهُ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ: خالق الكلّ، و متولّي أمره.
لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ: و كلّ مجازى بعلمه.
لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ: لا حجاج، بمعنى: لا خصومة، إذ الحقّ قد ظهر و لم يبق للمحاجّة مجال و لا للخلاف مبدأ سوى العناد.
اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا: يوم القيامة.
وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15): مرجع الكلّ لفصل القضاء.
و ليس في الآية ما يدلّ على متاركة الكفّار رأسا حتّى تكون منسوخة بآية القتال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله- عزّ و جلّ-: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مخاطبة لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمّد وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، أي: تعلّموا الدّين، يعني: التّوحيد، و إقام الصّلاة، و إيتاء الزّكاة، و صوم شهر رمضان، و حجّ البيت، و السّنن و الأحكام الّتي في الكتب، و الإقرار بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام). وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، أي: لا تختلفوا فيه. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من ذكر هذه الشّرائع.
ثمّ قال: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ، أي: يختار. وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ و هم الأئمّة الّذين اجتباهم اللّه و اختارهم.
قال: وَ ما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ قال: لهم يتفرّقوا بجهل، و لكنّهم تفرّقوا لمّا جاءهم العلم و عرفوه، فحسد بعضهم بعضا و بغي بعضهم على بعض لمّا رأوا من تفاضل (2) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بأمر اللّه، فتفرّقوا في المذاهب و أخذوا بالآراء و الأهواء.
ثمّ قال- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ قال: لو لا أنّ اللّه قد قدّر ذلك أين يكون في التّقدير الأوّل لقضي بينهم إذا اختلفوا و أهلكهم و لم ينظرهم، و لكن أخّرهم إلى أجل مسمّى المقدور. وَ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ كناية عن الّذين نقضوا أمر رسول اللّه.
ثمّ قال: فَلِذلِكَ فَادْعُ، يعني: لهذه الأمور و الدّين الّذي تقدّم ذكره (3) و موالاة
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 273- 274.
(2) كذا في المصدر. و في ن: تفاصيل. و في غيرها:
تفاضيل.
(3) ليس في ق.
495
أمير المؤمنين فادع وَ اسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ.
قالت: فحدّثني أبي، عن عليّ بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قال: الإمام. وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كناية عن أمير المؤمنين- (عليه السلام).
ثمّ قال: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من أمر ولاية عليّ. اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ كناية عن عليّ- (عليه السلام). وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.
ثمّ قال: فَلِذلِكَ فَادْعُ وَ اسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، يعني: إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام).
وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ فيه. وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ- إلى قوله: وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
وَ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ: في دينه.
مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ: من بعد ما استجاب له النّاس و دخلوا فيه. أو من بعد ما استجاب اللّه لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر. أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقرّوا بنبوّته، و استفتحوا به.
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ: زائلة باطلة.
وَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ بمعاندتهم، وَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16) على كفرهم.
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ: جنس الكتاب.
بِالْحَقِ: متلبّسا به، بعيدا عن الباطل. أو بما يحقّ إنزاله من العقائد و الأحكام.
وَ الْمِيزانَ: و الشّرع الّذي توازن به الحقوق و يسوّى بين النّاس. أو العدل بأنّ أنزل الأمر به. أو آلة الوزن، فأوحى بإعدادها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): ثمّ قال- عزّ و جلّ-: الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزانَ قال: «الميزان» أمير المؤمنين- (عليه السلام). و الدّليل على ذلك قوله- عزّ و جلّ- في سورة الرّحمن. وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ قال: يعني: الإمام.
وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) إتيانها، فاتّبع الكتاب و اعمل بالشّرع و واظب على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الّذي توزن فيه أعمالك و يوفّى جزاؤك.
و قيل (2): تذكير القرب لأنّه بمعنى: ذات قرب، أو لأنّ السّاعة بمعنى: البعث.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 274.
(2) أنوار التنزيل 2/ 356.
496
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها استهزاء.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها: خائفون منها مع اغتيابها لتوقّع الثّواب.
وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ الكائن لا محالة.
أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ: يجادلون فيها. من المرية، أو من مريت النّاقة: إذا مسحت ضرعها بشدّة للحلب، لأنّ كلّا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدّة.
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18) عن الحقّ، فإنّ البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات، فمن لم يهتد لتجويزه، فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراه.
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ: بربّهم بصنوف من البرّ لا تبلغها الأفهام.
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ، أي: يرزقه كما يشاء، فيخصّ كلّا من عباده بنوع من البرّ على ما اقتضته حكمته.
وَ هُوَ الْقَوِيُ: الباهر القدرة.
الْعَزِيزُ (19): المنيع الّذي لا يغلب.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ: ثوابها. شبّه بالزّرع في أنّه فائدة تحصل بعمل الدّنيا، و لذلك قيل: الدّنيا مزرعة الآخرة.
و الحرث في الأصل: إلقاء البذر في الأرض. و يقال للزّرع الحاصل منه.
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ: فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها.
وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها: شيئا منها على ما قسمنا له.
وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) إذ الأعمال بالنّيّات، و لكلّ امرئ ما نوى.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ.
قال: ولاية أمير المؤمنين.
قلت: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ.
قال: معرفة أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام).
____________
(1) الكافي 1/ 435- 436، ح 92.
497
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ قال: نزيده منها. قال (1): يستوفي نصيبه من دوائهم.
وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (2) قال: ليس له في دولة الحقّ مع الإمام نصيب.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
الحسين بن محمّد بن عامر (3)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أراد الحديث لمنفعة الدّنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، و من أراد به خير الآخرة، أعطاه اللّه خير [الدنيا و] (4) الآخرة.
عليّ بن إبراهيم (5). [عن أبيه] (6) عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أراد الحديث لمنفعة الدّنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب.
و في الكافي (7): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، عن حسن قال: خطب أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:
أمّا بعد- إلى أن قال- (عليه السلام)-: إنّ المال و البنين حرث الدّنيا و العمل الصّالح حرث الآخرة، و قد يجمعهما اللّه لأقوام، فاحذروا من اللّه ما حذّركم من نفسه و اخشوه خشية ليست بتعذير، و اعملوا في غير رياء و لا سمعة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): حدّثني أبي، عن بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: المال و البنون حرث الدّنيا و العمل الصّالح حرث الآخرة، و قد يجمعهما اللّه لأقوام.
و في مجمع البيان (9): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من كانت نيّته الدّنيا فرّق اللّه عليه أمره و جعل الفقر بين عينيه و لم يأته من الدّنيا إلّا ما كتب له،
____________
(1) ليس في ق.
(2) من هنا إلى آخر الحديث تكرّر في ق.
(3) نفس المصدر/ 46، ح 2.
(4) ليس في ق.
(5) نفس المصدر/ 46، ح 3.
(6) يوجد في ن، ي، المصدر.
(7) نفس المصدر 5/ 57، ح 6.
(8) تفسير القمّي 2/ 274.
(9) المجمع 5/ 27.
498
و من كانت نيّته الآخرة جمع اللّه شمله و جعل غناه في قلبه و أتته الدّنيا و هي راغمة.
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ: بل لهم شركاء، و الهمزة للتّقرير و التّقريع.
قيل (1): شركاؤهم شياطينهم الّذين زيّنوا لهم الشّرك و إنكار البعث و العمل للدّنيا.
و قيل (2): شركاؤهم أوثانهم، و إضافتها إليهم لأنّهم متّخذوها شركاء، و إسناد الشّرع إليها لأنّها سبب ضلالتهم و افتتانهم بما تديّنوا (3) به.
وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ: أي: القضاء السّابق بتأجيل الجزاء، أو العدة بأنّ الفصل يكون يوم القيامة.
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: بين الكافرين و المؤمنين، أو المشركين و شركائهم.
وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21) و قرئ (4): «و أنّ» بالفتح، عطفا على «كلمة الفصل»، [أي: و لو لا كلمة الفصل] (5) و تقدير عذاب الظّالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدّنيا، فإنّ العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة.
و في روضة الكافي (6): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس- (رحمه اللّه)-، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمّة في الكتاب، و سيختلفون (7) في الكتاب الّذي مع القائم الّذي يأتيهم به حتّى ينكره ناس كثير فيقدّمهم فيضرب أعناقهم.
و أمّا قوله: وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال:
لو لا ما تقدّم فيهم من اللّه- عزّ ذكره- ما أبقى القائم منهم أحدا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ قال: «الكلمة» الإمام، و الدّليل على ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 356.
(3) ن، ت، م، ي، ر: تزينوا.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في م، ش، ي.
(6) الكافي 8/ 287، ح 432.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ستختلفون.
(8) تفسير القمي 2/ 274.
499
، يعني: الإمام.
ثمّ قال- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ، يعني: الّذين ظلموا هذه الكلمة لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تَرَى الظَّالِمِينَ في القيامة.
مُشْفِقِينَ: خائفين.
مِمَّا كَسَبُوا: من السّيّئات.
وَ هُوَ واقِعٌ بِهِمْ، أي: وباله لا حق بهم، أشفقوا أو لم يشفقوا.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ: في أطيب بقاعها و أنزهها.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أي: ما يشتهونه ثابت لهم عند ربّهم.
ذلِكَ: إشارة إلى ما للمؤمنين هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) الّذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدّنيا.
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ: ذلك الثّواب الّذي يبشّرهم به، فحذف الجارّ ثمّ العائد. أو ذلك التّبشير الّذي يبشّره اللّه عباده.
و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و الكسائيّ: [ «يبشر» من بشره] (2) و قرئ: «يبشر» من أبشره.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)- (رحمه اللّه)-: قال- عزّ و جلّ-: تَرَى الظَّالِمِينَ، يعني: الّذين ظلموا آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا، أي:
خائفين ممّا ارتكبوا و عملوا وَ هُوَ واقِعٌ بِهِمْ ممّا يخافونه.
ثمّ ذكر اللّه- عزّ و جلّ- الّذين آمنوا بالكلمة و اتّبعوها، فقال: و الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات في روضات الجنّات لهم ما يشاءون عند ربّهم ذلك هو الفضل الكبير، ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بهذه الكلمة وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ممّا أمروا به.
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ: على ما أتعاطاه من التّبليغ و البشارة.
أَجْراً: نفعا منكم.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 357.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمّي 2/ 274- 275.
500
إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قيل (1): أن تودّوني بقرابتي منكم، أو تودّوا قرابتي.
و قيل (2): الاستثناء منقطع، و المعنى: لا أسألكم [أجرا قطّ لكن أسألكم] (3) المودّة.
و فِي الْقُرْبى حال منها، أي: إلّا المودّة ثابتة في ذوي القربى متمكّنة في أهلها، أو في حقّ القرابة و من أجلها، كما جاء في الحديث: الحبّ في اللّه، و البغض في اللّه.
روي (4): أنّها لمّا نزلت قيل: يا رسول اللّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قرابتك من هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال: عليّ و فاطمة و أبناؤهما- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
و قيل (5): «القربى» التّقرّب إلى اللّه، أي: إلّا أن تودّوا اللّه و رسوله في تقرّبكم إليه بالطّاعة و العمل الصّالح.
و قرئ (6): «إلّا مودّة في القربى».
و في قرب الإسناد (7) للحميريّ، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: عن آبائه- (عليهم السلام)- أنّه [قال] (8) لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [قام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: ايّها النّاس! إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قد فرض لي عليكم فرضا فهل أنتم مودّوه؟
قال: فلم يجبه أحد منهم فانصرف فلمّا كان من الغد قام فيهم و قال: مثل ذلك ثمّ قال فيهم و قال: مثل ذلك في اليوم الثالث فلم يتكلّم أحد.
فقال: ايّها النّاس! إنّه ليس من ذهب و لا فضّة و لا مطعم و لا مشرب.
قالوا فألقه إذا قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل علي قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى] (9).
فقالوا: أمّا هذه فنعم.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 357.
(3) ليس في ي.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) قرب الإسناد/ 38.
(8) من نور الثقلين 4/ 570، ح 59.
(9) من المصدر.
501
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام). فو اللّه، ما و في إلّا سبعة نفر: سلمان، و أبو ذرّ، و عمّار، و المقداد بن الأسود الكنديّ، و جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، و مولى لرسول اللّه يقال له: الثّبت (1)، و زيد بن أرقم.
و في جوامع الجامع (2): و روي أنّ المشركين قالوا فيما بينهم: أ ترون أنّ محمّدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ فنزلت (3): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ (الآية).
و في محاسن البرقيّ (4): عنه، عن أبيه، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عمّار، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ الرّجل يحبّ الرّجل و يبغض ولده، فأبي اللّه- عزّ و جلّ- إلّا أن يجعل حبّنا مفترضا أخذه من أخذه و تركه من تركه واجبا، فقال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
عنه (5)، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
فقال: هي، و اللّه، فريضة من اللّه (6) على العباد لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أهل بيته.
عنه، (7) عن الهيثم في عبد اللّه النّهديّ، عن العبّاس بن عامر القصير، عن حجّاج الخشّاب قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول لأبي جعفر الأحول: ما يقول من عندكم في قول اللّه- تبارك و تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى؟
فقال: كان الحسن البصريّ يقول: في أقربائى (8) من العرب.
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لكنّني أقول لقريش الّذين عندنا: هي لنا (9) خاصّة، فيقولون: هي لنا و لكم عامّة، فأقول: أخبروني عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-
____________
(1) كذا في المصدر. و في ق، ش الثلث. و في غيرهما: التّبت. و بعض نسخ المصدر: الثبيت.
(2) الجوامع/ 429.
(3) المصدر: و نزلت.
(4) المحاسن/ 144، ح 45.
(5) نفس المصدر، ح 46.
(6) ن، ت، م، ي، ر: فقال: هم و اللّه من نصبه من اللّه.
(7) نفس المصدر/ 145، ح 47.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: القربى.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «هاهنا» بدل «هي لنا».
502
إذا نزلت به شديدة من خصّ بها؟ [أليس إيّانا خصّ بها] (1) حين أراد أن يلاعن أهل نجران أن أخذ بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)؟ و يوم بدر قال لعلّي و حمزة و عبيدة بن الحارث، قال: فأبوا (2) يقرّون لي، أ فلكم الحلو و لنا المرّ؟
عنه (3)، عن الحسين (4) بن عليّ الخزّاز، عن مثنّى الحنّاط، عن عبد اللّه بن عجلان قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال: هم الأئمّة الّذين لا يأكلون الصّدقة و لا تحلّ لهم.
و في روضة الكافي (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى؟
قلت: جعلت فداك، إنّهم يقولون: إنّها لأقارب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
قال: كذبوا، إنّما نزلت فينا خاصّة في أهل البيت، في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و (6) و أصحاب الكساء- (عليهم السلام).
و في كتاب الاحتجاج (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه لبعض الشّاميّين: أما قرأت هذه (8) الآية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى؟
قال: بلى.
قال عليّ- (عليه السلام)-: فنحن (9) أولئك.
و
في مجمع البيان (10): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف في معناه على أقوال.
... إلى قوله: و ثالثها، أنّ معناه: إلّا أن تودّوا قرابتي و عترتي و تحفظوني فيهم. عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- [و سعيد بن جبير و عمرو بن شعيب و جماعة] (11) و هو
____________
(1) ليس في ق.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أتوا.
(3) نفس المصدر/ 145، ح 48.
(4) ي، ر، المصدر: الحسن.
(5) الكافي 8/ 93، ح 66.
(6) ليس في المصدر.
(7) الاحتجاج/ 306- 307.
(8) المصدر: في.
(9) المصدر: نحن.
(10) المجمع 5/ 28.
(11) من المصدر.
503
المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).
و بإسناده (1) إلى ابن عبّاس قال: لمّا نزلت: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (الآية) قالوا: يا رسول اللّه، من هؤلاء الّذين أمرنا اللّه بمودّتهم؟
قال: عليّ و فاطمة و ولدهما.
و بإسناده (2) إلى أبي القاسم الحسكنيّ، مرفوعا إلى أبي أمامة (3) الباهليّ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تعالى- خلق الأنبياء من أشجار شتّى، و خلقت أنا و عليّ من شجرة واحدة، فأنا (4) أصلها و عليّ فرعها [و فاطمة لقاحها] (5) و الحسن و الحسين ثمارها و أشياعنا أوراقها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، و من زاغ عنها هوى، و لو أنّ عبدا عبد اللّه بين الصّفا و المروة ألف عام [ثمّ ألف عام] (6) حتّى يصير الشّنّ البالي ثمّ لم يدرك محبّتنا كبّه اللّه على منخريه في النّار.
ثمّ تلا: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
و روى زاذان (7)، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: فينا في ال حم آية لا يحفظ مودّتنا إلّا كلّ مؤمن. ثمّ قرأ هذه الآية، و إلى هذا أشار الكميت في قوله:
وجدنا لكم في ال حم آية* * * تأوّلها منّا تقيّ و معرب (8)
و في أصول الكافي (9): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّي بن محمّد، عن الوشّاء، [عن مثنى] (10) عن زرارة، عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال: هم الأئمّة- (عليهم السلام).
الحسين بن محمّد (11) و غيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين، جميعا عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو، عن
____________
(1) المجمع/ 28- 29.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ق: أبي همامة.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فاطمة.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) التقّي: صاحب التقيّة. و المعرب: المظهر لمذهبه علانية.
(9) الكافي 1/ 413، ح 7.
(10) من المصدر.
(11) نفس المصدر/ 293- 296، ح 3. و فيه:
محمّد بن الحسين.
504
عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: فلمّا رجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من حجّة الوداع و قدم المدينة أتته الأنصار.
فقالوا: يا رسول اللّه، إنّ اللّه- جلّ ذكره- قد أحسن إلينا و شرّفنا بك و بنزولك بين ظهرانينا، فقد فرّح اللّه صديقنا و كبت عدوّنا (1)، و قد تأتيك (2) وفود فلا تجد ما تعطيهم فيشمت بك العدوّ، فيخبّ (3) أن تأخذ ثلث أموالنا حتّى إذا قدم عليك وفد مكّة وجدت ما تعطيهم.
فلم يردّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليهم شيئا، و كان ينتظر ما يأتيه من ربّه، فنزل جبرئيل و قال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى و لم يقبل أموالهم.
فقال المنافقون: ما أنزل اللّه هذا على محمّد، و ما يريد إلّا أن يرفع بضبع (4) ابن عمّه و يحمل علينا أهل بيته، يقول بالأمس: من كنت مولاه فعليّ مولاه، و اليوم: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى إسحاق بن إسماعيل النّيسابوريّ، أنّ العالم كتب إليه،- يعني: الحسن بن عليّ (عليهما السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها اليهم ليحلّ لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم و أموالكم و مأكلكم و مشربكم، و يعرّفكم بذلك البركة و النّماء و الثّروة، و ليعلم من يطيعه منكم بالغيب، و قال- تبارك و تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فاعلموا أنّ من بخل، فإنّما يبخل على نفسه، إنّ اللّه هو الغنيّ و أنتم الفقراء إليه لا إله إلّا هو، فاعملوا من بعد ما شئتم فسيرى اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و الحديث طويل. أخذ منه موضع الحاجة.
و في أمالي شيخ الطّائفة (6)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى ابن عبّاس قال: كنّا جلوسا مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ هبط عليه الأمين جبرئيل- (عليه السلام)- و معه
____________
(1) أي: أذلّه و أخزاه.
(2) المصدر: يأتيك.
(3) ق، ت، م، ر: فيجب.
(4) الضبع: العضد. و قيل: الإبط.
(5) العلل 1/ 249- 250، ح 6.
(6) نور الثقلين 4/ 574، ح 75.
505
جام من البلور مملوء مسكا و عنبرا، و كان إلى جنب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ولداه الحسن و الحسين- (عليهما السلام).
... إلى أن قال: فلمّا صارت الجام في كفّ الحسين- (عليه السلام)- قالت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل، و فيه قالت العلماء له: فأخبرنا هل فسّر اللّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا و موطنا، فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ.
... إلى قوله: و الآية السّادسة قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى و هذه خصوصيّة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [إلى يوم القيامة، و خصوصيّة] (2) للآل دون غيرهم، و ذلك أنّ اللّه- تعالى- حكى في ذكر نوح في كتابه (3): يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ.
و حكى- عزّ و جلّ- عن هود أنّه قال (4): لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ.
و قال- عزّ و جلّ- لنبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ يا محمّد لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. و لم يفترض اللّه- تعالى- مودّتهم إلّا و قد علم أنّهم لا يرتدّون عن الدّين أبدا و لا يرجعون إلى ضلال أبدا.
و أخرى أن يكون الرّجل وادّا للرّجل فيكون بعض ولده و أهل بيته عدوّا له، فلا يسلم له قلب الرّجل، فأحبّ اللّه- عزّ و جلّ- أن لا يكون في قلب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على المؤمنين شيء، ففرض اللّه عليهم مودّة ذوي القربى، فمن أخذ بها و أحبّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و أحبّ أهل بيته لم يستطع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5) أن يبغضه، و من تركها و لم يأخذ بها و أبغض أهل بيته فعلى
____________
(1) العيون 1/ 181- 184.
(2) ليس في ق.
(3) هود/ 29.
(4) هود/ 51.
(5) ليس في ش.
506
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يبغضه، لأنّه قد ترك فريضة من فرائض اللّه- عزّ و جلّ-، فأيّ فضل و أيّ شرف يتقدّم هذا أو يدانيه، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- هذه الآية على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أصحابه فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال:
يا أيّها النّاس، إنّ اللّه قد فرض لي عليكم فرضا فهل أنتم مؤدّوه؟ فلم يجبه أحد، فقال:
أيّها النّاس، إنّه ليس بذهب و لا فضّة و لا مأكول و لا مشروب.
فقالوا: هات إذا.
فتلا عليهم هذه الآية.
فقالوا: أمّا هذه، فنعم. فما وفى بها أكثرهم.
و ما بعث اللّه نبيّا إلّا و أوحى إليه أن لا يسأل قومه أجرا، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يوفّيه أجر الأنبياء، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرض اللّه طاعته و مودّة قرابته على أمّته، و أمره أن يجعل أجره (1) فيه ليودّوه في قرابته بمعرفة فضلهم الّذي أوجب اللّه- عزّ و جلّ- لهم، فإنّ المودّة إنّما تكون على قدر (2) معرفة الفضل.
فلمّا أوجب اللّه ذلك ثقل لثقل وجوب الطّاعة، فتمسّك بها قوم قد أخذ اللّه- تعالى- ميثاقهم على الوفاء، و عاند أهل الشّقاوة (3) و النّفاق و ألحدوا في ذلك، فصرفوه عن حدّه الّذي حدّه اللّه- عزّ و جلّ- فقالوا: القرابة هم العرب كلّها و أهل دعوته. فعلى أيّ الحالتين كان فقد علمنا أنّ المودّة هي للقرابة، فأقربهم من النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أولاهم بالمودّة، و كلّما قربت القرابة كانت المودّة على قدرها.
و ما أنصفوا نبيّ اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حيطته و رأفته، و ما منّ اللّه به على أمّته ممّا تعجز الألسن عن وصف الشّكر عليه أن لا يؤذوه (4) في ذريّته و أهل بيته، و أن يجعلوهم فيهم بمنزلة العين من الرّأس حفظا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيهم [و حبا له، فكيف و القرآن ينطق به و يدعو إليه، و الأخبار ثابتة بأنّهم أهل المودّة] (5)
____________
(1) ن، ت، م، ي، ر: أمرهم.
(2) ليس في ق.
(3) المصدر: الشّقاق.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يؤده.
(5) ليس في المصدر.
507
و الّذين فرض اللّه- تعالى- مودّتهم و وعد الجزاء عليها، فما وفى أحد بها، فهذه المودّة لا يأتي بها أحد مؤمنا مخلصا إلّا استوجب الجنّة لقول اللّه- تعالى- في هذه الآية: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى مفسرا و مبيّنا.
و فيه (1): و وجدت في بعض الكتب نسخة كتاب الحباء و الشّرط من الرّضا- (عليه السلام)- إلى العمال في شأن الفضل بن سهل و أخيه، و لم أرو ذلك عن أحد: أمّا بعد، فالحمد للّه البرئ البديع (2).
... إلى أن قال: الحمد للّه الّذي أورث أهل بيته مواريث النّبوّة، و استودعهم العلم و الحكمة، و جعلهم معدن الإمامة و الخلافة، و أوجب ولايتهم و شرف منزلتهم، فأمر رسوله بمسألة أمّته مودّتهم، إذ يقول: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. و ما وصفهم به من إذهابه الرّجس عنهم و تطهيره إيّاهم في قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
و في كتاب الخصال (3): عن عبد اللّه بن العبّاس قال: قام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فينا خطيبا، فقال في آخر خطبته:
و نحن الّذين أمر اللّه لنا بالمودة، فما ذا بعد الحقّ إلّا الضّلال فأنّى تصرفون.
عن أبي رافع (4)، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من لم يحبّ عترتي فهو لإحدى ثلاث: إمّا منافق، و إمّا لزنيّة، و إمّا امرؤ حملت به أمّه في غير طهر.
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكرياء، عن محمّد بن عبد اللّه الخثعميّ (6)، عن الهيثم بن عديّ، عن سعيد بن صفوان، عن عبد الملك بن عمير (7)، عن الحسين بن عليّ- صلوات اللّه
____________
(1) نفس المصدر 2/ 152- 153، ح 23.
(2) المصدر: الرفيع.
(3) الخصال/ 432، ح 14.
(4) نفس المصدر/ 110، ح 82.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 545، ح 9.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الجشمي.
(7) ن: عمر.
508
عليهما- في قوله- عزّ و جلّ-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال:
و إنّ القرابة الّتي أمر اللّه بصلتها و عظّم من حقّها و جعل الخير فيها قرابتنا، أهل البيت، الّذين أوجب حقّنا على كلّ مسلم.
و قال أبو عليّ الطّبرسيّ (1)- (رحمه اللّه)-: أخبرنا مهديّ بن نزار الحسيني، بإسناده، عن رجاله، عن ابن عبّاس قال: لمّا أنزل اللّه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا: يا رسول اللّه، من هؤلاء الّذين أمرنا بمودّتهم؟
قال: عليّ و فاطمة و ولدهما.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (2): قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن يوسف الأزديّ (3) قال: حدّثنا عليّ بن أحمد قال: حدّثنا إسحاق بن محمّد [بن محمّد] (4) بن عبيد اللّه العرزمي (5) قال: حدّثنا القاسم بن محمّد بن (6) عقيل، عن جابر- رضي اللّه عنه- قال: كنّا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حائط من حيطان بني حارثة، إذ جاء جمل أجرب (7) أعجف حتّى سجد للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
قلنا لجابر: أنت رأيته؟ [قال: نعم، رأيته] (8) واضعا جبهته بين يدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
فقال: يا عمر، إنّ هذا الجمل قد سجد لي و استجار بي، فاذهب فاشتره (9) و أعتقه، و لا تجعل لأحد عليه سبيلا.
قال: فذهب عمر فاشتراه (10) و خلّى سبيله، ثمّ جاء إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال:
يا رسول اللّه، هذا بهيمة يسجد لك فنحن أحقّ أن نسجد لك، سلنا على ما جئتنا به من الهدى أجرا، سلنا (11) عليه عملا (12).
____________
(1) نفس المصدر، ح 10.
(2) تفسير فرات الكوفي/ 143- 144.
(3) ن: الأودي. و في المصدر: الأوردي.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في ن: العروحي. و في غيرها: العرومي.
(6) ليس في المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في ق، ش، ت: أحوث. و في ن: حيرت. و في م، ي، ر: أحرث.
(8) ليس في ن.
(9) كذا في المصدر. و في ق، ش، ن: فاشتريه.
و في سائر النسخ: و اشتر.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فاشترى به.
(11) ن، ت، ي، ر: سلمنا. و في المصدر: سألنا.
(12) ليس في ي.
509
قال: لو كنت آمر أحدا يسجد لأحد أمرت المرأة أن تسجد لزوجها.
فقال جابر: فو اللّه، ما خرجت حتّى نزلت الآية الكريمة: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال (1): حدّثني عبيدة (2) بن كثير قال: حدّثنا عليّ بن الحكم قال: أخبرنا شريك، عن إسحاق قال: [سألت] (3) عمرو بن شعيب (4) في قوله- تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال: قرابته من أهل بيته.] (5).
و قال (6): حدّثنا الحسين بن سعيد قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن خلف العطّار قال:
حدّثنا الحسين الأشعريّ (7)، عن قيس بن الرّبيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس- (رحمه اللّه)- قال: لمّا نزلت: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قرابتك الّذين افترض اللّه علينا مودّتهم؟
قال: عليّ و فاطمة و ولدهما، ثلاث مرّات يقولها.
و قال (8): حدّثنا جعفر بن محمّد الفزاريّ قال: حدّثنا عبّاد بن عبد اللّه بن حكيم (9) قال: كنت عند جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- فسأله رجل عن قول اللّه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال نزعم إنّا قرابة ما بيننا و بينه، و تزعم قريش أنّها قرابة ما بينه و بينهم، و كيف يكون هذا و قد أنبأ اللّه أنّه معصوم.
و قال (10): حدّثنا عبد السّلام بن مالك قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن أحمد قال:
حدّثنا محمّد بن الحارث الهاشميّ قال: حدّثنا الحكم بن سنان الباهليّ، عن أبي جريح، عن عطاء بن أبي رياح قال: قلت لفاطمة بنت الحسين (11): أخبريني، جعلت فداك، بحديث
____________
(1) نفس المصدر/ 144.
(2) المصدر: عبيد.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: شعب.
(5) يوجد في ن، ي.
(6) نفس المصدر/ 144.
(7) المصدر: حدّثنا الحسين بن الأشقر.
(8) نفس المصدر/ 144.
(9) المصدر: الحكم.
(10) نفس المصدر/ 145- 146.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسن.
510
أحدّث و أحتجّ به على النّاس.
قالت: نعم، أخبرني أبي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان نازلا بالمدينة، و أنّ من أتاه من المهاجرين حرصوا أن (1) يفرضوا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فريضة يستعين بها على من أتاه، فأتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قالوا: قد رأينا ما ينوبك من النّوائب، و إنّا أتيناك لنفرض من أموالنا فريضة تستعين بها على من أتاك.
قال: فأطرق النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- طويلا، ثمّ رفع رأسه و قال: إنّي لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتكم (2) به شيئا، و انطلقوا فإنّي لم أؤمر بشيء، و إن أمرت به أعلمتكم.
قال فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ ربّك قد سمع مقالة قومك و ما عرضوا عليك، و قد أنزل اللّه عليهم فريضة قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. فخرجوا و هم يقولون: ما أراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا أن يذلّ له الأشياء و يخضع له الرّقاب ما دامت السّموات و الأرض (3) و لبني عبد المطّلب.
قال: فبعث النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أن اصعد المنبر و ادع النّاس إليك، ثمّ قل: يا أيّها النّاس، من انتقص (4) أجيرا أجره، فليتبوّأ مقعده من النّار. [و من دعا إلى غير مواليه، فليتبوّأ مقعده من النّار.] (5) و من انتفى (6) من والديه فليتبوّأ مقعده من النّار.
فقام رجل و قال: يا أبا الحسن، ما لهنّ من تأويل؟
فقال: اللّه و رسوله أعلم. ثمّ أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبره.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ويل لقريش من تأويلهنّ، ثلاث مرّات.
ثمّ قال: يا عليّ، انطلق فأخبرهم أنّي أنا الأجير الّذي أثبت اللّه مودّته (7) من السّماء، أنا و أنت مولى المؤمنين، و أنا و أنت أبو المؤمنين.
ثمّ خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا معشر قريش و المهاجرين
____________
(1) ن، ت، ي: حرسوا. و في المصدر: مرسوا.
(2) المصدر: جئتم.
(3) ليس في المصدر.
(4) ت، ي: انتقض.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: انتضى.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «مودّتهم ثمّ قال» بدل «مودّته».
511
و الأنصار! فلمّا اجتمعوا قال: يا أيّها النّاس، إنّ عليّا أوّلكم ايمانا باللّه (1) و أقومكم بأمر اللّه، و أوفاكم بعهد اللّه، و أعلمكم بالقضيّة، و أقسمكم بالسّويّة، و أرحمكم بالرّعيّة، و أفضلكم عند اللّه حرمة (2).
ثمّ قال: إنّ اللّه مثّل لي أمّتي في الطّين و علّمني أسماءهم، كما عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، ثمّ عرضهم فمرّ بي أصحاب الرّايات فاستغفرت لعليّ و شيعته و سألت ربّي (3) أن يستقيم أمّتي على عليّ من بعدي، فأبى إلّا أن يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء، ثمّ ابتدأني ربّي في عليّ بسبع خصال:
أمّا أولاهنّ فإنّه أوّل من ينشقّ عنه الأرض معي و لا فخر، و أمّا الثّانية فإنّه [يذود مبغضيه من الحوض، كما] (4) يذود الرّعاة غريبة (5) الإبل، و أمّا الثّالثة فإنّ من فقراء شيعة عليّ ليشفع في مثل ربيعة و مضر، و أمّا الرّابعة فإنّه أوّل من يقرع باب الجنّة معي و لا فخر، و أمّا الخامسة فإنّه يزوّج من الحور العين معي و لا فخر، و أمّا السّادسة فإنّه أوّل من يسكن في العلّيّين (6) معي [و لا فخر] (7) و أمّا السابعة فإنّه اوّل من يسقى من رحيق مختوم (8) ختامه مسك، و في ذلك فليتنافس المتنافسون.
و قال (9): حدّثنا عبد السّلام قال: حدّثنا هارون بن أبي بردة قال: حدّثنا جعفر بن الحسن، عن يوسف، عن الحسين بن إسماعيل بن صيم (10) الأسديّ، عن سعد بن طريف (11) التّميميّ، عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في مسجد الكوفة، فأتاه رجل من بجيلة (12) مكنّى (13) بأبي خديجة، و معه ستّون رجلا من بجيلة (14)، فسلّم و سلّموا (15)، ثمّ جلس و جلسوا، ثمّ أنّ أبا خديجة قال:
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) المصدر: مزيّة.
(3) يوجد في ن، المصدر.
(4) ليس في ن.
(5) كذا في المصدر. و في ق، ي، م: غربته. و في ت، ر: عزبته. و في ن: عزبية. و في ش: عن تبة.
(6) المصدر: عليّين.
(7) ليس في ق.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: المختوم.
(9) نفس المصدر/ 146- 147.
(10) المصدر: متمّم. و في ت: ميثم. و في ن: متم.
و في م، ى، ر: مينم.
(11) ن، ي، ر: ظريف.
(12) ق، ش: نجلية.
(13) المصدر: يكنّى.
(14) ق، ش: نجيلة.
(15) في ق، ش، زيادة: تسليما.
512
يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أ عندك سرّ من سرّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تحدّثنا به؟
قال: نعم، يا قنبر، ائتني بالكتابة. ففضّها فإذا في أسفلها سليفة مثل ذنب الفأرة، مكتوب فيها: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*» إنّ لعنة اللّه و ملائكته و النّاس أجمعين على من انتمى إلى غير مواليه، و لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين على من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا، و لعنة اللّه [و ملائكة و النّاس أجمعين] (1) على من ظلم أميرا (2) [أجره] (3)، و لعنة اللّه على من سرق منار الأرض و حدودها، يكلّف يوم القيامة أن يجيء بذلك من سبع سموات و سبع أرضين.
ثمّ التفت إلى النّاس فقال: و اللّه، لو كلّفت هذا دوابّ الأرض، ما أطاقته.
فقال أبو خديجة: و لكنّ أهل البيت موالي كلّ مسلم، فمن تولّى غير مواليه (4) [فعليه مثل ذلك] (5).
فقال: ليست حيث ذهبت، يا أبا خديجة، ليس بالدّينار و لا بالدّينارين و لا بالدّرهم و لا بالدّرهمين، بل من ظلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أجره في قرابته، [قال اللّه- تعالى-:] (6) قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. (7) فمن ظلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أجره في قرابته، فعليه لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين.
و قال (8): حدّثنا محمّد بن أحمد بن عثمان بن ذليل قال: حدّثنا إبراهيم، يعني:
الصّينيّ، عن عبد اللّه بن حكيم [، عن سعيد] (9) بن جبير أنّه قال: سألت عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- عن هذه الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال: هي قرابتنا، أهل البيت، من محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في ت: أسيرا. و في سائر النسخ: أميرا.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ:
فقال له يا أبا خديجة و لكنّا أهل البيت موالي كلّ مسلم فمن تولّى غيرنا»
بدل «فقال أبو خديجة ... غير مواليه».
(5) ليس في ن، ي، المصدر.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.
(8) نفس المصدر/ 148.
(9) من المصدر.
513
قال (1): حدّثنا محمّد بن أحمد قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن حكيم، [عن حكيم] (2) بن جبير، عن حبيب بن أبي ثابت أنّه أتى مسجد قباء فإذا فيه مشيخة من الأنصار، فحدّثوه أنّ عليّ بن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- أتاهم (3) يصلّي في مسجد قباء فسلّموا عليه، ثمّ قالوا: إنّ كنتم سلّمتم إلينا فيما كان بينكم، نشهدكم، فإنّ مشيختنا حدّثونا أنّهم أتوا نبيّ اللّه في مرضه الّذي مات فيه فقالوا (4): يا نبيّ اللّه، قد أكرمنا اللّه و هدانا بك، و آمنّا و فضّلنا بك، فاقسم في أموالنا ما أحببت.
فقال لهم نبيّ اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. [فأمرنا بمودّتكم.
قال (5): حدّثني عبيد بن كثير قال: حدّثنا الحسين بن نصر (6) قال: حدّثنا أيّوب بن سليمان الفزاريّ قال: حدّثنا أيّوب بن عليّ بن الحسين بن سمط: سمعت أبي يقول:
سمعت عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يقول: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: لمّا نزلت هذه الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى] (7) قال جبرئيل- (عليه السلام)-: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ لكلّ دين أصلا و دعامة و فرعا و بنيانا، و إنّ أصل الدّين و دعامته قول: لا إله إلّا اللّه، و إنّ فرعه و بنيانه محبّتكم أهل البيت- (عليهم السلام)- و موالاتكم فيما وافق الحقّ و دعا إليه.
و قال (8): حدّثني عليّ بن محمّد بن عليّ بن عمر النّصريّ (9) قال: حدّثنا القاسم بن أحمد، يعني: إسماعيل قال: حدّثنا جعفر، يعني: ابن عاصم، و نصر و عبد اللّه، يعني: ابن المغيرة، عن محمّد، يعني: ابن مروان، عن الكلبيّ (10)، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله- تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال ابن عبّاس- (رحمه اللّه)-: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قدم المدينة، فكانت تنوبه فيها (11) نوائب و حقوق و ليس في يديه سعة لذلك.
____________
(1) نفس المصدر/ 148.
(2) ليس في المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قام.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.
(5) نفس المصدر/ 148.
(6) المصدر: نصير.
(7) لا يوجد في ن.
(8) نفس المصدر/ 149.
(9) المصدر: البصري.
(10) المصدر: الكليني.
(11) المصدر: فيه.
514
فقالت الأنصار: إنّ هذا الرّجل قد هدانا اللّه على يديه، و هو ابن أختكم، تنوبيه نوائب و حقوق و ليس في يديه لذلك سعة، فاجمعوا له من أموالكم مالا يضرّكم فتأتونه فيستعين به على ما ينوبه.
ففعلوا ثمّ أتوه، فقالوا: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّك من أختنا و قد هدانا اللّه على يديك، و تنوبك نوائب و حقوق و ليس عندك لها سعة، فرأينا أن نجمع من أموالنا فنأتيك به فتستعين به على ما (1) ينوبك، و هوذا.
فأنزل اللّه هذه الآية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى يقول: ألّا تؤذوني في قرابتي (2).
و قال (3): حدّثنا الحسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن سلام بن أبي عمرو (4)، عن أبي (5) هارون السّديّ (6)، عن محمّد بن بشر، عن محمّد بن الحنفيّة أنّه خرج إلى أصحابه ذات يوم و هم ينتظرون خروجه، فقال: تنجّزوا البشرى من اللّه، فو اللّه، ما من أحد يتنجّز البشرى من اللّه غيركم.
ثمّ قرأ هذه الآية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال: نحن من أهل البيت قرابته، جعلنا اللّه منه و جعلكم اللّه منّا.
ثمّ قرأ هذه الآية (7): قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ الموت و دخول الجنّة و ظهور أمرنا، فيريكم (8) اللّه ما تقرّبه أعينكم.
ثمّ قال: أما ترضون أنّ صلاتكم تقبل و صلاتهم لا تقبل، و حجّكم يقبل و حجّهم لا يقبل.
قالوا: لم (9)، يا أبا القاسم؟
قال: فإنّ ذلك لذلك (10).
و قال (11): حدّثنا جعفر بن أحمد بن يوسف قال: حدّثنا عليّ بن برزخ (12) الخيّاط (13) قال:
____________
(1) ن، ت، م، ش، ي، المصدر: من.
(2) المصدر: أقاربي.
(3) نفس المصدر/ 149- 150.
(4) المصدر: أبي عميرة.
(5) ليس في ق، ش.
(6) المصدر: العبدي.
(7) التوبة/ 52.
(8) المصدر: فيكم.
(9) ليس في المصدر.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: كذلك.
(11) نفس المصدر/ 150.
(12) ن، ي: برزج. و في م، ر: برزج.
(13) المصدر: الحنّاط.
515
حدّثني عليّ بن حسّان، عن عمّه [محمّد] (1)، عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى:
ثم إن جبرئيل أتاه فقال:
يا محمّد، إنّك قضيت (2) نوبتك و أسلبتك أيّامك، فاجعل الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة عند عليّ- (عليه السلام)- فإنّي لا أترك الأرض إلّا و فيها عالم يعرف به طاعتي، و يعرف به ولايتي، و يكون حجّة لمن ولد فيما يتربّص (3) النّبيّ إلى خروج النّبيّ الآخر، فأوصى إليه بالاسم الأكبر و (4) ميراث العلم و آثار علم النّبوّة، و أوصى إليه بألف باب يفتح لكلّ باب ألف (5) و كلّ كلمة ألف كلمة، و مرض يوم الاثنين ثلاثة أيّام حتّى يؤلّف كتاب اللّه كي (6) لا يزيد فيه الشّيطان شيئا (7) و لا ينقص منه شيئا، فإنّك في ضدّ سنّة وصيّ سليمان- (عليه السلام). فلم يضع عليّ- (عليه السلام)- رداءه على ظهره حتّى يضع ألف باب من القرآن، قلم يزد فيه الشيطان شيئا [و لم ينقص منه شيئا] (8).
وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً: و من يكتسب طاعة سيما حبّ آل الرّسول [الّذي به تقبل سائر الطاعات] (9).
نَزِدْ لَهُ فِيها: في الحسنة حُسْناً بمضاعفة الثّواب.
و قرئ (10): «يزد»، أي: يزد اللّه- تعالى- حسنا.
و في مجمع البيان (11): و صحّ عن الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- أنّه خطب النّاس، فقال في خطبته: أنا من أهل البيت الّذين افترض اللّه مودّتهم على كلّ مسلم فقال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً. فاقتراف الحسنة مودّتنا، أهل البيت.
و في أصول الكافي (12): الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان،
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: قد قضت.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يترفض.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: هو.
(5) ليس في ق، ي.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) المصدر: غيّا.
(8) ليس في ش، ق.
(9) من ن.
(10) أنوار التنزيل 2/ 357.
(11) المجمع 5/ 29.
(12) الكافي 1/ 391، ح 4.
516
عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-:
وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً قال: «الاقتراف» التّسليم لنا و الصّدق علينا، و ألّا يكذّب علينا.
و في روضة الكافي (1): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً قال: من تولّى الأوصياء من آل محمّد و اتّبع آثارهم، فذلك يزيده ولاية من مضى من النّبيّين و المؤمنين الأوّلين حتّى تصل ولايتهم إلى آدم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ: لمن أذنب.
شَكُورٌ (23): لمن أطاع بتوفيقه الثّواب، و التّفضل عليه بالزّيادة.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (2): قال: حدّثني عبيد بن كثير قال: حدّثني يحيى بن الحسن الفرات الفزاريّ قال: حدّثنا عامر بن كثير السّراج، و حدّثني الحسين بن سعيد قال: حدّثا محمّد بن عليّ قال: حدّثنا زياد بن المنذر قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علىّ- (عليه السلام)- و هو يقول: شجرة أصلها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و فرعها عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و أغصانها فاطمة بنت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (3) و ثمرتها (4) الحسن و الحسين- (عليهما السلام) و التّحيّة و الإكرام. فإنّها شجرة النّبوّة، و بيت الرّحمة، و مفتاح الحكمة، و معدن العلم، و موضع الرّسالة، و مختلف الملائكة، و موضع سرّ اللّه و وديعته، و الأمانة الّتي عرضت على السّموات و الأرض و الجبال (5)، و حرم اللّه الأكبر و بيت اللّه العتيق و ذمّته، و عندنا علم البلايا و المنايا و الوصايا و فصل الخطاب و مولد الإسلام و أنساب العرب. كانوا نورا مشرقا حول عرض ربّهم فأمرهم بالتّسبيح (6)، فسبّحوا [فسبّح] (7) أهل السّموات لتسبيحهم، و إنّهم لصّادقون (8)، و إنّهم لهم (9) المسبّحون.
____________
(1) الكافي 8/ 379، ح 574.
(2) تفسير فرات الكوفي/ 147- 148.
(3) ليس في ق.
(4) المصدر: ثمرها.
(5) المصدر: الجبار.
(6) ليس في المصدر.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: لصافّون.
(9) المصدر: هم.
517
فمن أوفى بذمّتهم فقد أوفى بذمّة اللّه، و من عرف حقّهم فقد عرف حقّ اللّه، هؤلاء عترة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و من جحد حقّهم فقد جحد حقّ اللّه، هم ولاة أمر اللّه و خزنة وحي اللّه و ورثة كتاب اللّه، و هم المصطفون باسم اللّه و أمناء (1) على وحي اللّه. و هؤلاء أهل بيت النّبوّة و مفاض (2) الرّسالة و المستأنسون بخفق أجنحة الملائكة، من كان يغدوهم (3) جبرئيل [بأمر] (4) الملك الجليل بخير التنزيل (5) و برهان الدّلائل (6).
هؤلاء أهل بيت أكرمهم اللّه بشرفه، و شرّفهم بكرامته، و أعزّهم بالهدى (7)، و ثبّتهم بالوحي، و جعلهم أئمّة هداة و نورا في الظّلم للنّجاة، و اختصّهم لدينه، و فضّلهم بعلمه، و آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، و جعلهم عمادا (8) لدينه و مستودعا لمكنون سرّه و أمناء على وحيه، مطلبا من خلقه و شهداء على بريّته، و اختارهم اللّه (9) و اجتباهم و خصّهم و اصطفاهم و فضّلهم و ارتضاهم و انتجبهم و افتعلهم (10)، و جعلهم نورا للبلاد و عمادا (11) للعباد و حجّته العظمى.
و هم النّجاة و الزّلفى، هم الخيرة الكرام (12)، هم القضاة الحكّام، هم النّجوم الأعلام، هم الصّراط المستقيم، هم السّبيل الأقوم، الرّاغب عنهم (13) مارق، و المقصّر حقّهم (14) زاهق، و اللّازم لهم لاحق. هم نور اللّه في قلوب المؤمنين و البحار السائغة للشّاربين، أمن لمن التجأ إليهم و أمان لمن تمسّك بهم، إلى اللّه يدعون و له يسلّمون و بأمره يعملون و ببيانه يحكمون، فيهم بعث اللّه رسوله، و عليهم هبطت ملائكته، و بينهم (15) نزلت سكينته، و إليهم بعث (16) الرّوح الأمين، منّا من (17) اللّه عليهم. فضّلهم به و خصّهم بذلك، و آتاهم تقواهم و بالحكمة
____________
(1) المصدر: أمناؤه.
(2) المصدر: مضاض.
(3) كذا في المصدر. و في ي: يعددهم. و في غيرها:
يعدوهم.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في ق، ش: «لحو الشريك» بدل «بخير التنزيل» و في سائر النسخ: «لحر».
(6) المصدر: الدليل.
(7) ن: بالمهديّ.
(8) ق: عمارا.
(9) يوجد في ن، المصدر.
(10) المصدر: أسلفهم.
(11) ق: عمارا.
(12) المصدر: للكرام.
(13) المصدر: منهم.
(14) المصدر: عنهم.
(15) ق، ت، ي، ر، ش، م: منهم.
(16) ن: نفث.
(17) ت، م، ش، ر: ميامن. و في ق: ميامين.
518
قوّاهم (1)، فروع طيّبة و أصول مباركة، مستقرّ قرار (2) الرّحمة، خزّان العلم و ورثة الحلم، و أولو التّقى و النّهى و النّور و الضّياء و ورثة الأنبياء و بقيّة الأوصياء.
منهم الطّيّب ذكره المبارك اسمه محمّد المصطفى و المرتضى و رسوله الأمّيّ، و منهم الملك الأزهر و الأسد المرسل (3) [حمزة بن عبد المطّلب] (4) و منهم المستسقى به يوم (5) الوفادة (6) العبّاس بن عبد المطّلب، عمّ رسول اللّه و صنو أبيه (7)، و ذو الجناحين و القبلتين و الهجرتين و البيعتين من الشّجرة المباركة صحيح الأديم وضّاح البرهان، و منهم حبيب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أخوه، و مبلّغ عنه من بعده البرهان و التّأويل و محكم التّفسير، أمير المؤمنين و وليّ المؤمنين و وصيّ رسول ربّ العالمين، عليّ بن أبي طالب- عليه من اللّه الصّلوات الزّكيّة و البركات السّنيّة. هؤلاء الّذين افترض اللّه مودّتهم و ولايتهم على كلّ مسلم و مسلمة، فقال في محكم كتابه لنبيّه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.
قال أبو جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)-: اقتراف الحسنة حبّنا، أهل البيت.
و قال (8): حدّثنا العبّاس بن محمّد بن الحسين الهمدانيّ الزّيّات (9) قال: أخبرني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن (10) إسحاق، يعني: ابن عمّار بن حفص (11) الأعور، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما بعث اللّه نبيّا قطّ إلّا قال لقومه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
قال: ثمّ قال: أما رأيت الرّجل [يودّ الرّجل] (12) ثمّ لا يودّ قرابته فيكون في نفسه عليه شيء، فأحبّ اللّه إن أخذوه أخذوه مفروضا [و إن تركوه، تركوه مفروضا] (13).
قال: قلت: قوله: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فراهم.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قرارة.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الرسل.
(4) من المصدر. و فيه: «جزة» بدل «حمزة».
(5) في النسخ زيادة: القيامة.
(6) كذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر: الرمادة.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «صوابه» بدل «صنو أبيه».
(8) نفس المصدر/ 149.
(9) كذا في المصدر. و في ق، ش، ن، ت: الذيّاب.
و في م، ى، ر: الذباب.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.
(11) المصدر: جعفر.
(12) ليس في ن، ي.
(13) يوجد في ن، المصدر.
519
قال: هو التّسليم لنا و التّصديق فينا، و أن لا يكذب علينا (1).
أَمْ يَقُولُونَ: بل يقولون.
افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً: افترى محمّد بدعوى النّبوّة أو القرآن.
فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ قيل (2): استبعاد للافتراء عن مثله، بالإشعار على أنّه إنّما يجترى عليه من كان مختوما على قلبه جاهلا بربّه، فأمّا من كان ذا بصيرة و معرفة فلا، فكأنّه قال: إن يشأ اللّه خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه.
و قيل (3): يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يمسك القرآن و الوحي عنه، أو يربط عليه بالصّبر فلا يشقّ عليك أذاهم.
وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) قيل (4): استئناف لنفي الافتراء عمّا يقوله بأنّه لو كان مفترى، محقه، إذ من عادته- تعالى- محو الباطل و إثبات الحقّ بوحيه أو بقضائه أو بوعده. و يجوز أن يكون عدة لرسول اللّه بمحق باطلهم و إثبات حقّه بالقرآن، أو بقضائه الّذي لا مردّ له.
و سقوط «الواو» من «يمح» في بعض المصاحف لإتباع اللّفظ، كما في قوله (5):
وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول في قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، يعني: في أهل بيته.
____________
(1) في هامش ت:
و روى صاحب الطّرائف عن مسند حنبل عن ابن عبّاس قال لمّا نزل قوله- تعالى- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا:
يا رسول اللّه من قرابتك الّذين وجبت مودّتهم؟ قال:
عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و ابناهما- (عليهم السلام)- و رواه الثّعلبيّ في تفسيره بهذه الألفاظ و المعاني
(البحار 23/ 251 عن ابن بطريق صاحب العمدة).
و روى البخاريّ في صحيحه في الجزء السّادس في قوله- تعالى- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ- الآية أنّه آل محمّد و كذا في صحيح مسلم في الجزء الخامس أنّه قال آل محمّد- صلّى اللّه عليهم أجمعين-.
(البحار 23/ 250)
(2) أنوار التنزيل 2/ 357.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) الإسراء/ 11.
(6) تفسير القمّي 2/ 275.
520
قال: جاءت الأنصار إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: إنا قد آوينا و نصرنا، فخذ طائفة (1) من أموالنا فاستعن بها على ما نابك. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-:
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، يعني: على النّبوّة إلّا المودّة في القربى، أي: في أهل بيته.
ثمّ قال: ألا ترى أنّ الرّجل يكون له صديق و في نفس ذلك الرّجل شيء على أهل بيته فلم يسلم صدره، فأراد اللّه- عزّ و جلّ- أن لا يكون في نفس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شيء على أمّته (2)، ففرض اللّه عليهم المودّة في القربى، فإن أخذوا أخذوا مفروضا و إن تركوا تركوا مفروضا.
قال: فانصرفوا من عنده و بعضهم يقول: عرضنا عليه أموالنا، فقال: لا (3)، قاتلوا عن أهل بيتي من بعدي. و قالت طائفة: ما قال هذا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و جحدوه، و قالوا كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فقال اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ قال (4) [لو] (5) افتريت. وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ، يعني: يبطله. وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، يعني: [بالنّبيّ] (6) بالأئمّة و القائم من آل محمّد إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
و في روضة الكافي (7): عليّ بن محمّد، [عن عليّ بن العبّاس،] (8) عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال (9): قال لأعداء اللّه أولياء الشّيطان أهل التّكذيب و الإنكار: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ (10) وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ يقول: متكلّفا (11) أن أسألكم ما لستم بأهله.
فقال المنافقون عند ذلك بعضهم لبعض: أما يكفي محمّدا أن يكون قهرنا عشرين سنة حتّى يريد أن يحمل أهل بيته على رقابنا، فقالوا: ما أنزل اللّه هذا و ما هو إلّا شيء يتقوّله، و يريد أن يرفع أهل بيته على رقابنا، و لئن قتل محمّد (12) أو مات لننزعنّها من أهل
____________
(1) يوجد في ق، ش، المصدر.
(2) المصدر: أهل بيته (أمّته)
(3) ليس في المصدر.
(4) ن، ت، م، ش، ى، ر: قالوا.
5 و 6- من المصدر.
(7) الكافي 8/ 379- 380، ح 574.
(8) من المصدر.
(9) ليس في ن.
(10) كذا في المصدر و المصحف (ص/ 86). و في النسخ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً. و ورد في ق، ش، ن، ت، زيادة: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: متكلّف.
(12) ليس في ق، ش.
521
بيته ثمّ لا نعيدها فيهم أبدا.
و أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن يعلم نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذي أخفوا في صدورهم و أسرّوا به، فقال في كتابه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يقول: لو شئت حبست عنك الوحي فلم تكلّم بفضل أهل بيتك و لا بمودّتهم، و قد قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ يقول الحقّ لأهل بيتك الولاية. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول بما ألقوه في صدورهم من العداوة لأهل بيتك و الظّلم بعدك.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ: بالتّجاوز عمّا تابوا عنه.
و القبول يعدّى إلى مفعول ثان «بمن» و «عن» لتضمّنه معنى الأخذ و الإنابة، و قد عرفت حقيقة التّوبة.
وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ: صغيرها و كبيرها لمن يشاء.
وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (25): فيجازي و يتجاوز عن اتّقان و حكمة.
و قرأ (1) الكوفيّون، بالتّاء، غير أبي بكر.
و في عيون الأخبار (2)، متّصلا بقوله سابقا: مفسرا و مبيّنا. ثمّ قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائي، عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: اجتمع المهاجرون و الأنصار إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: إنّ لك، يا رسول اللّه، مؤنة في نفقتك و فيمن يأتيك من الوفود، و هذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارّا مأجورا، أعط ما شئت [و أمسك ما شئت (3) من غير حرج.
قال: فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- عليه الرّوح الأمين فقال: قُلْ يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، يعني: أن تؤدّوا قرابتي من بعدي.
فخرجوا، فقال المنافقون: ما حمل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ترك
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 357.
(2) العيون 1/ 184، ح 1.
(3) ليس في م، ي، ر.
524
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ قال الصّادق- (عليه السلام)-: لو فعل لفعلوا، و لكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض و استعبدهم بذلك، و لو جعلهم أغنياء لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ممّا يعلم أنّه يصلحهم في دينهم و دنياهم إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
حدّثني (2) الحسين بن عبد اللّه السّكينيّ، عن أبي سعيد البجليّ، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن آبائه، عن الإمام الحسن (3) بن عليّ- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث طويل بعد مضيّه إلى ملك الرّوم و أجوبة الإمام- (عليه السلام)- عمّا سأله عنه الملك: ثمّ سأله عن أرزاق الخلائق.
فقال الحسن- (عليه السلام)-: أرزاق الخلائق في السّماء الرّابعة، ينزل بقدر و يبسط بقدر.
و في مجمع البيان (4): روى أنس بن مالك، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عن جبرئيل، عن اللّه- تعالى-: إنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا السّقم و لو صححته لأفسده، و إنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الصّحّة و لو أسقمته لأفسده، و إنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الغنى و لو أفقرته لأفسده، و إنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الفقر و لو أغنيته لأفسده، و ذلك أنّي أدبّر عبادي لعلمي بقلوبهم.
و في جوامع الجامع (5): «بقدر»، أي: بتقدير.
و في الحديث (6): أخوف ما أخاف على أمّتي زهرة الدّنيا و كثرتها.
وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ: المطر الّذي يغيثهم من الجدب، و لذلك خصّ بالنّافع.
و قرأ (7) نافع و ابن عامر و عاصم: «ينزّل» بالتّشديد.
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا: أيسوا منه.
و قرئ (8)، بكسر النّون.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 276.
(2) نفس المصدر/ 271.
(3) ق: الحسين.
(4) المجمع 5/ 30.
(5) الجوامع/ 429.
(6) نفس المصدر و الموضع.
7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 358.
523
بذلك أن يذلّلنا لقرابته من بعده. فنزلت: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً.
فأرسل إليهم فتلاها عليهم، فبكوا و اشتدّ عليهم [الأمر] (1)، فأنزل اللّه: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (الآية) فأرسل في أثرهم فبشّرهم [به. ثمّ قال- سبحانه-:] (2):
وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا و هم الّذين سلّموا لقوله.
وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ: ما سألوا و استحقّوا أو استوجبوا له بالاستجابة.
و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تبارك و تعالى-: وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب، فيقول له الملك: آمين، و يقول العزيز الجبّار:
و لك مثل ما سألت، [و قد أعطيت ما سألت] (4) بحبّك إيّاه.
و في مجمع البيان (5): و روي [عن أبي] (6) عبد اللّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الشّفاعة لمن وجبت له النّار ممّن أحسن إليهم في الدّنيا.
وَ الْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26): بدل ما للمؤمنين من الثّواب و التّفضّل.
وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ: لتكبّروا و أفسدوا فيها بطرا، و لبغى بعضهم على بعض استيلاء و استعلاء، و هذا على الغالب، و أصل البغي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى كمّيّة و كيفيّة.
وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ: بتقدير «مَا يَشَآءُ»: ما اقتضته مشيئته.
إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27): يعلم خفايا أمرهم و جلايا حالهم، فيقدر لهم ما يناسب شأنهم.
قيل (7): إنّ أهل الصّفّة تمنّوا الغنى، فنزلت.
و قيل (8): في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا، و إذ أجدبوا انتجعوا (9).
____________
(1) من المصدر.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 2/ 507، ح 3.
(4) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(5) المجمع 5/ 30.
(6) من المصدر.
7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 358.
(9) ن، ت، م، ي، ر: افتجعوا.
526
و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أ رأيت ما أصاب عليّا و أهل بيته- (عليهم السلام)- من بعده أهو بما كسبت أيديهم، و هم أهل بيت طهارة معصومون؟
فقال: إنّ رسول اللّه كان يتوب إلى اللّه و يستغفره في كلّ يوم و ليلة مائة مرّة من غير ذنب. إنّ اللّه يخصّ أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب.
وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30): من الذّنوب فلا يعاقب عليها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّي أحدّثكم (3) بحديث ينبغي لكلّ مسلم أن يعيه.
ثمّ أقبل علينا فقال: ما عاقب اللّه عبا مؤمنا في هذه الدّنيا إلّا كان اللّه أحلم و أجود و أمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة (4).
ثمّ قال: و قد يبتلي اللّه- عزّ و جلّ- المؤمن بالبليّة في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله.
ثمّ تلا هذه الآية: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ و حثا (5) بيده ثلاث مرّات.
قال الصّادق (6): لمّا أدخل (7) عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- على يزيد نظر إليه ثمّ قال له: يا عليّ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.
فقال عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)-: كلّا، ما هذه فينا نزلت (8)، إنّما نزل (9) فينا: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (10) فنحن الّذين لا
____________
(1) الكافي 2/ 450، ح 2.
(2) تفسير القمّي 2/ 276.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قال: إنّي سمعته يقول: أحدّثكم.
(4) في المصدر زيادة:
و ما ستر اللّه على عبد مؤمن في هذه الدّنيا و عفا عنه إلّا كان اللّه أمجد و أكرم من أن يعود في عقوبته يوم القيامة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حشا.
(6) نفس المصدر/ 277.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: دخل.
(8) المصدر: ما فينا هذه نزلت.
(9) المصدر: نزلت.
(10) الحديد/ 22- 23.
525
وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ: في كلّ شيء من السّهل و الجبل و النّبات و الحيوان.
وَ هُوَ الْوَلِيُ: و هو الوليّ الّذي يتولّى عباده بإحسانه و نشر رحمته.
الْحَمِيدُ (28): المستحقّ للحمد على ذلك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، أي: أيسوا.
وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
قال: حدّثني أبي، عن العرزميّ (2)، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الحرث الأعور، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سئل عن السّحاب أين يكون؟
قال: على شجر كثيف على ساحل البحر يأوي إليه، فإذا أراد اللّه أن يرسله (3) أرسل ريحا فأثاره، و وكّل به ملائكة يضربونه بالمخاريق و هو البرق فيرتفع.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود: عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و بنا ينزّل الغيث [و ينشر الرّحمة] (5).
وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: فإنّها بذاتها و صفاتها تدلّ على وجود صانع قادر حكيم.
وَ ما بَثَّ فِيهِما: عطف على «السّموات» أو «الخلق».
مِنْ دابَّةٍ: من حيّ، على إطلاق اسم المسبّب على السّبب. أو ممّا يدبّ على الأرض، و ما يكون في أحد الشّيئين يصدق أنّه فيهما في الجملة.
وَ هُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ: في أيّ وقت يشاء قَدِيرٌ (29): متمكّن منه.
و «إذا» كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع.
وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ: فبسبب معاصيكم. و الفاء لأنّ «ما» شرطية، أو متضمّنة معناه. و لم يذكرها نافع و ابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السّببيّة.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 276.
(2) ق، ش، م، ر: القزرمي.
(3) المصدر: يرسل.
(4) كمال الدّين/ 202، ح 6.
(5) ليس في ي.
522
ما عرضنا عليه إلّا ليحثّنا على قرابته من بعده (1)، إن هو إلّا شيء افتراه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في مجلسه.
و كان ذلك من قولهم عظيما، فأنزل اللّه- تعالى- هذه الآية (2): أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
فبعث إليهم (3) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: هل (4) من حدث؟
فقالوا: إي و اللّه، يا رسول اللّه، لقد قال (5) بعضنا كلاما عظيما (6) فكرهناه.
فتلا عليهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الآية (7)، فبكوا و اشتدّ بكاؤهم، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أي: يستجيب اللّه لهم، فحذف اللّام، كما حذف في وَ إِذا كالُوهُمْ (8) و المراد: إجابة الدّعاء، أو الإثابة (9) على الطّاعة فإنّها كدعاء و طلب لما يترتّب عليه. [أو ليستجيبون للّه بالطاعة إذا دعاهم إليها.] (10)
و في شرح الآيات الباهرة (11) قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- و في مجمع البيان (12):
و ذكر أبو حمزة الثّماليّ في تفسيره: حدّثني عثمان بن عمير، عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عبّاس- (رحمه اللّه)- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين قدم المدينة و استحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينها: نأتي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنقول له: إنّه تعروك أمور، فهذه أموالنا تحكّم فيها من غير حرج و لا محظور.
فأتوه في ذلك، فنزلت: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فقرأها عليهم، فقال: تودّون قرابتي من بعدي.
فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله، فقال المنافقون: إنّ هذا لشيء افتراه في مجلسه، أراد
____________
(1) المصدر: بعد.
(2) الأحقاف/ 8.
(3) المصدر: عليهم.
(4) ليس في ت، م، ر.
(5) في ق تكرّر «قال».
(6) المصدر: غليظا.
(7) ليس في ي.
(8) سورة المطفّفين/ 3.
(9) ت، م، ش، ي، ر: الإنابة.
(10) يوجد في ن.
(11) تأويل الآيات الباهرة 2/ 546، ح 11.
(12) المجمع 5/ 29.
527
نأسى على ما فاتنا [من أمر الدنيا] (1) و لا نفرح بما أوتينا.
و في أصول الكافي (2): عنه، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أما إنّه ليس من عرق يضرب [و لا نكبة و لا صداع و لا مرض إلّا بذنب، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ] (3) فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.
ثمّ قال: و ما يعفو اللّه أكثر ممّا يؤاخذ به.
عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: ليس من التواء عرق و لا منكبة حجر و لا عثرة قدم و لا خدش عود إلّا بذنب، و لما يعفو اللّه أكثر، [فمن عجّل اللّه] (5) عقوبة ذنبه في الدّنيا فإنّ اللّه أجلّ و أكرم و أعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة.
و في قرب الإسناد (6) للحميريّ: محمّد بن الوليد، عن عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.
فقال هو: وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.
قال: قلت ما أصاب عليّا و أشياعه من أهل بيته من ذلك؟
قال: فقال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يتوب إلى اللّه- عزّ و جلّ- كلّ يوم سبعين مرّة من غير ذنب.
و في مجمع البيان (7): روي عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خير آية في كتاب اللّه هذه الآية، يا عليّ، ما من خدش عود و لا نكبة قدم إلّا بذنب، و ما عفا اللّه عنه في الدّنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، و ما عاقب عليه
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) الكافي 2/ 269، ح 3.
(3) ليس في ن.
(4) نفس المصدر/ 445، ح 6.
(5) ليس في ق.
(6) قرب الإسناد/ 79.
(7) المجمع 5/ 31.
528
في الدّنيا فهو أعدل من أن يثنّي على عبده.
و في كتاب الخصال (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: توقّوا الذّنوب، فما نكبة (2) و لا نقص رزق إلّا بذنب، حتّى الخدش و الكبوة و المصيبة، قال اللّه- تعالى-: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.
و أوفوا بالعهد (3) إذا عاهدتم، فما زالت نعمة و لا نضارة عيش إلّا بذنوب اجترحوها (4)، إنّ اللّه ليس بظلّام للعبيد، و لو أنّهم استقبلوا ذلك بالدّعاء و الإنابة لما نزلت (5)، و لو أنّهم إذا نزلت عليهم النّقم و زالت عنهم النّعم، فزعوا إلى- عزّ و جلّ- بصدق (6) من نيّاتهم و لم يهنوا و لم يسرفوا، لأصلح [اللّه] (7) لهم كلّ فاسد، و لردّ عليهم كلّ صالح.
و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من أخباره المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، من كرامة المؤمن على اللّه أنّه لم يجعل لأجله وقتا حتّى يهمّ ببائقه (9)، فإذا همّ ببائقة قبضه إليه.
قال (10): و قال جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- تجنّبوا البوائق يمدّ لكم في الأعمار.
و في أصول الكافي (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن الفضيل (12) بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما من نكبة تصيب (13) العبد إلّا بذنب، و ما يعفو اللّه عنه أكثر.
عنه (14)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي أسامة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: تعوّذوا باللّه من سطوات اللّه باللّيل و النّهار.
قال: قلت له: و ما سطوات اللّه؟
____________
(1) الخصال/ 616 و 624.
(2) المصدر: من بليّة.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لعهد.
(4) المصدر: اجترحوا.
(5) المصدر: «لم تزل» بدل «لما نزلت».
(6) ليس في ق، ش.
(7) من المصدر.
(8) العيون 2/ 35، ح 90.
(9) البائقة: الشرّ.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) الكافي 2/ 269، ح 4.
(12) ق، ش: الفضل.
(13) المصدر: يصيب.
(14) نفس المصدر، ح 6.
529
قال: الأخذ على المعاصي.
الحسين بن محمّد (1)، عن معلّي بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ العبد ليذنب الذّنب فيزوي عنه الرّزق.
أبو عليّ الأشعريّ (2)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن ثعلبة، عن سليمان بن طريف (3)، عن محمّد بن (4) مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ الذّنب يحرم العبد الرّزق.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي (6) أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ العبد يسأل اللّه الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب، أو إلى وقت بطيء، فيذنب العبد ذنبا فيقول اللّه- تبارك و تعالى- للملك: لا تقض حاجته و احرمه إيّاها، فإنّه تعرّض لسخطي و استوجب الحرمان [منّي] (7).
الحسين بن محمّد (8)، عن محمّد بن أحمد النّهديّ، عن عمرو بن عثمان، عن رجل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: حقّ على اللّه أن لا يعصى في دار إلّا أضحاها للشّمس حتّى تطهّرها.
وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ: فائتين ما قضى عليكم من المصائب.
وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ: يحرسكم عنها.
وَ لا نَصِيرٍ (31): يدفعها عنكم.
وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ: السّفن الجارية.
فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32): كالجبال.
قالت الخنساء.
و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به* * * كأنّه علم في رأسه نار
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ
____________
(1) نفس المصدر/ 270، ح 8.
(2) نفس المصدر/ 271، ح 11.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يحيى.
(4) في النسخ زيادة: محبوب عن.
(5) نفس المصدر/ 271، ح 14.
(6) ق، ش: ابن.
(7) من المصدر.
(8) نفس المصدر/ 272 ح 18.
530
و قرئ (1): «الرّياح».
فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ: فيبقين ثوابت على ظهر البحر.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33): لكلّ من وكل همّته و حبس نفسه على النّظر في آيات اللّه، و التّفكّر في آلائه. أو لكلّ مؤمن كامل، فإنّ الإيمان نصفان: نصف صبر و نصف شكر.
أَوْ يُوبِقْهُنَ: أو يهلكهنّ بإرسال الرّيح العاصفة المفرّقة، و المراد: إهلاك أهلها، لقوله: بِما كَسَبُوا.
و أصله: أو يرسلها فيوبقهنّ، لأنّه قسيم يسكن فاقتصر فيه على المعهود، كما في قوله:
وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) إذ المعنى: أو يرسلها عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم و ينجّ ناسا على العفو منهم.
و قرئ (2): «و يعفو» على الاستئناف.
وَ يَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا: عطف على علّة مقدّرة، مثل: لينتقم منهم و يعلم. أو على الجزاء، و نصب نصب الواقع جوابا للأشياء السّتّة، لأنّه- أيضا- غير واجب. و قرأ (3) نافع و ابن عامر، بالرّفع، على الاستئناف.
و قرئ (4) بالجزم، عطفا على «يعف» فيكون المعنى: و يجمع بين إهلاك قوم، و إنجاء قوم، و تحذير آخرين.
[ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35): محيد من العذاب. و الجملة معلّق عنها العفل.] (5) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا: تمتّعون به مدّة حياتكم.
وَ ما عِنْدَ اللَّهِ من ثواب الآخرة خَيْرٌ وَ أَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) لخلوص نفعه و دوامه.
و «ما» الأولى موصولة تضمّنت معنى الشّرط، من حيث أنّ إيتاء ما أوتوا سبب للتمتّع بها في الحياة الدّنيا فجاءت الفاء في جوابها، بخلاف الثّانية.
و في محاسن البرقي (6): عنه، عن الحسين (7) بن يزيد النّوفليّ، عن إسماعيل بن أبي زياد
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 358.
(2) نفس المصدر/ 359.
3 و 4- نفس المصدر/ 359.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) المحاسن/ 252، ح 273.
(7) المصدر: الحسن.
531
السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن آبائه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أحبّ أن يعلم ما له عند اللّه فليعلم ما للّه عند.
وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) «و الّذين» بما بعده عطف على «الّذين آمنوا»، أو مدح منصوب أو مرفوع. و بناء «يغفرون» على ضمير «هم» خبرا للدّلالة على أنّهم الأخصّاء بالمغفرة حال الغضب.
و قرأ (1) حمزة و الكسائي: «كبير الإثم».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: من كظم غيظا و هو يقدر على إمضائه حشا اللّه قلبه أمنا و إيمانا يوم القيامة.
قال: و من ملك نفسه إذا رغب و إذا رهب و إذا غضب حرّم اللّه (3) جسده على النّار.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في خطبته: ألا أخبركم بخير خلائق الدّنيا و الآخرة: العفو عمّن ظلمك، و تصل من قطعك، و الإحسان إلى من أساء إليك، و إعطاء من حرمك.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي خالد القمّاط، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: النّدامة على العفو أفضل و أيسر من النّدامة على العقوبة.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة قال: حدّثني من سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من كظم غيظا، و لو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ (7) اللّه قلبه يوم القيامة رضاه.
عليّ بن إبراهيم (8)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حفص بيّاع السّابري، عن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 359.
(2) تفسير القمّي 2/ 277.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) الكافي 2/ 107، ح 1.
(5) نفس المصدر/ 108، ح 6.
(6) نفس المصدر/ 110، ح 6.
(7) المصدر: أملأ.
(8) نفس المصدر/ 110، ح 9.
532
أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أحبّ السّبيل (1) إلى اللّه- عزّ و جلّ- جرعتان: جرعة غيظ تردّها بحلم، و جرعة مصيبة تردّها بصبر.
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، [عن ابن بكير] (3) عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال كان عليّ بن الحسين يقول: إنّه ليعجبني الرّجل أن يدركه حلمه عند غضبه.
وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ قيل (4): نزلت في الأنصار، دعاهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الإيمان فاستجابوا له.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ قال: في إقامة الإمام.
وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ: ذو شورى، لا يتفرّدون برأي حتّى يتشاوروا و يجتمعوا عليه، و ذلك من فرط تدبّرهم و تيقّظهم في الأمور.
و هو مصدر، كالفتيا، بمعنى: التّشاور.
و في مجمع البيان (6): و في هذه الآية دلالة على فضل المشاورة في الأمور.
و قد روي (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: ما من رجل يشاور أحدا إلّا هدى إلى الرّشد.
و في من لا يحضره الفقيه (8): و روى سليمان المنقريّ، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لقمان لابنه: إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك و أمورهم.
... إلى قوله: و أجهد رأيك إذا استشاروك، ثمّ لا تعزم حتّى تثبت و تنظر، و لا تجب في مشورة حتّى تقوم فيها و تقعد و تنام و تأكل و تصلّي و أنت مستعمل فكرتك و حكمتك في مشورتك، فإنّ من لم يمحص النّصيحة لمن استشاره سلبه اللّه رأيه و نزع عنه
____________
(1) ش: السبل.
(2) نفس المصدر/ 112، ح 3.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 2/ 359.
(5) تفسير القمّي 2/ 277.
(6) المجمع 5/ 33.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) الفقيه 2/ 194، ح 884.
533
الأمانة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ، أي: يقلبون ما أمروا به، و يشاورون الإمام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم.
وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38): في سبيل الخير.
وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39): على ما جعله اللّه لهم كراهة التّذلّل، و هو وصفهم بالشّجاعة بعد وصفهم بسائر أمّهات الفضائل، و هو لا يخالف وصفهم بالغفران فإنّه ينبئ عن عجز المغفور و الانتصار عن مقاومة الخصم، و الحلم عن العاجز محمود و عن المتغلّب مذموم لأنّه إجراء و إغراء على البغي، ثمّ عقّب وصفهم بالانتصار بالمنع عن التّعدّي.
وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها سمّى الثّانية سيئة للازدواج، أو لأنّها تسوء من تنزل به.
فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ: بينه و بين عدوّه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ عدة مبهمة تدلّ على كمال الموعود.
و في مجمع البيان (2): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان أجره على اللّه فليدخل الجنّة.
فيقال: من ذا الّذي أجره على اللّه؟
فيقال: العافون عن النّاس. فيدخلون الجنّة بغير حساب.
و في أصول الكافي (3)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: سمعته يقول: إذا كان يوم القيامة جمع اللّه- تبارك و تعالى- الأوّلين و الآخرين في صعيد واحد، ثمّ ينادي مناد: أين أهل الفضل؟
قال: فيقوم عنق من النّاس فتلقّاهم الملائكة، فيقولون: و ما كان فضلكم؟
فيقولون: كنّا نصل من قطعنا، و نعطي من حرمنا، و نعفو عمّن ظلمنا.
فيقال لهم: صدقتم، ادخلوا الجنّة.
عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن جهم بن الحكم المدائنيّ، عن
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 277.
(2) المجمع 5/ 34.
(3) الكافي 2/ 108، ح 4.
(4) نفس المصدر، ح 5.
534
إسماعيل بن أبي زياد السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عليكم بالعفو، فإنّ العفو لا يزيد (1) العبد إلّا عزّا، فتعافوا يعزّكم اللّه.
و في كتاب الخصال (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل خصال الإيمان: من صبر على الظّلم، و كظم غيظه، و احتسب و عفا و غفر، كان ممّن يدخله اللّه الجنّة بغير حساب و يشفّعه في مثل ربيعة و مضر.
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40): المبتدءين بالسّيّئة، و المتجاوزين في الانتقام.
وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ: بعد ما ظلم، و قد قرئ به.
فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41): بالمعاتبة و المعاقبة.
و في كتاب الخصال (3)، في الحقوق المرويّة عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: و حقّ من أساءك أن تعفو عنه، و إن علمت أنّ العفو يضرّ انتصرت، قال اللّه- تبارك و تعالى-: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ.
عن أبي عبد اللّه (4)، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: السّفلة، و الزّوجة، و المملوك (5).
و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن عليّ بن هلال الإحمسيّ، عن الحسن بن وهب، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ قال: ذلك القائم- (عليه السلام)- إذا قام انتصر من بني أميّة و من المكذّبين و النّصّاب.
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (7): قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن أحمد بن [محمّد بن] (8) طلحة الخراسانيّ قال: حدّثنا عليّ بن الحسن (9) بن فضّال قال: حدّثنا
____________
(1) في ق تكرّر «لا يزيد».
(2) الخصال/ 104، ح 63.
(3) الخصال/ 570، ح 1.
(4) نفس المصدر/ 86، ح 15.
(5) المصدر: السفلة و زوجتك و خادمك.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 549- 550، ح 18.
(7) تفسير فرات الكوفي/ 150.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.
535
إسماعيل بن مهران [قال: حدّثنا يحيى بن أبان] (1)، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ قال: القائم- (عليه السلام)- و أصحابه، قال اللّه- تعالى-: فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ: قال:
القائم إذا قام انتصر من بني أميّة و المكذّبين و النّصّاب، و هو قوله- تعالى-: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ.
وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ: يبتدئونهم بالإضرار، أو يطلبون مالا يستحقّونه تجبّرا عليهم.
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42): على ظلمهم و بغيهم.
وَ لَمَنْ صَبَرَ على الأذى وَ غَفَرَ و لم ينتصر إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)، أي: إنّ ذلك منه فحذف، كما حذف في قولهم: السّمن منوان بدرهم، للعلم به.
وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ: من ناصر يتولّاه من بعد خذلان اللّه إيّاه.
وَ تَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ: حين يرونه. فذكر بلفظ الماضي تحقيقا.
يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)، أي: رجعة إلى الدّنيا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثنا جعفر بن محمّد (3) قال: حدّثنا عبد الكريم، عن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، يعني: القائم- (صلوات اللّه عليه و آله)- و أصحابه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. و القائم إذا قام انتصر من بني أميّه و المكذّبين و النّصّاب هو و أصحابه، و هو قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ- إلى قوله: وَ تَرَى الظَّالِمِينَ لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ و عليّ- (صلوات اللّه عليه)- هو العذاب في هذا الوجه (4) يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ فنوالي عليّا- (صلوات اللّه عليه).
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن
____________
(1) يوجد في ن، ي، المصدر.
(2) تفسير القمّي 2/ 278.
(3) المصدر: أحمد.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: في هذه الرجعة.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 550، ح 19.
536
القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ الصّوفيّ (1)، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «و ترى ظالمي (2) آل محمّد حقّهم لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ و عليّ هو العذاب يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، يعني: أنّه هو سبب العذاب، لأنّه قسيم الجنّة و النّار.
وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها: على النّار، و يدلّ عليها «العذاب».
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِ: متذلّلين متقاصرين ممّا يلحقهم من الذّلّ.
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ، أي: يبتدئ نظرهم إلى النّار ن تحريك لأجفانهم ضعيف، كالمصبور [ينظر إلى السيف] (3).
و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن البرقيّ، عن محمّد بن أسلم، عن أيّوب البزّاز، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و قوله- عزّ و جلّ-: خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ، يعني: إلى القائم- (صلوات اللّه عليه).
وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ:
بالتّعريض للعذاب المخلّد.
يَوْمَ الْقِيامَةِ: ظرف «لخسروا»، و القول في الدّنيا. أو لقال، أي: يقولون إذا رأوهم على تلك الحال.
أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45): تمام كلامهم. أو تصديق من اللّه لهم.
وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46): إلى الهدى و النّجاة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، متّصلا بقوله: إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ فنوالي عليّا- (عليه السلام). وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِ لعليّ يَنْظُرُونَ إلى عليّ
____________
(1) المصدر: الصّيرفي.
(2) المصدر: الظّالمين.
(3) من ن.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 550، ح 20.
(5) تفسير القمّي 2/ 278.
537
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: آل محمّد- صلّى اللّه عليه و عليهم- و شيعتهم إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ لآل محمّد حقّهم فِي عَذابٍ مُقِيمٍ قال: و اللّه، يعني: النّصّاب الّذين نصبوا العداوة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و ذرّيّته- (صلوات اللّه عليهم)- و المكذّبين. وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ.
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ: لا يردّه اللّه بعد ما حكم به.
و «من» صلة «لمردّ».
و قيل (1): صلة «يأتي»، أي: من قبل أن يأتي يوم من اللّه لا يمكن ردّه.
ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ: مفرّ.
يَوْمَئِذٍ وَ ما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47): إنكار لما اقترفتموه، لأنّه مدوّن في صحائف أعمالكم تشهد عليكم ألسنتكم و جوارحكم.
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً: رقيبا محاسبا.
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ قد بلّغت.
وَ إِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها أراد بالإنسان: الجنس، لقوله: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48): بليغ الكفران، ينسي النّعمة رأسا و يذكر البليّة و يعظّمها و لم يتأمّل سببها. و هذا و إن اختصّ بالمجرمين جاز إسناده إلى الجنس، لغلبتم و اندراجهم فيه.
و تصدير الشّرطيّة الأولى «بإذا» و الثّانية «بإنْ» لأنّ إذاقة النّعمة محقّقة من حيث أنّها عادة مقتضية بالذّات، بخلاف إصابة البليّة. و اقامة علّة الجزاء مقامه و وضع الظّاهر موضع المضمر في الثّانية، للدّلالة على أنّ هذا الجنس موسوم بكفران النّعمة.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: فله أن يقسّم النّعمة و البليّة كيف شاء.
يَخْلُقُ ما يَشاءُ: من غير لزوم و مجال اعتراض.
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً: بدل من «يخلق» بدل البعض، و المعنى:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 360.
538
يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة، فيهب لبعض إمّا صنفا واحدا من ذكر أو أنثى أو الصّنفين جميعا و يعقم آخرين.
قيل (1): و لعلّ تقديم الإناث لأنّها أكثر لتكثير النّسل. أو لأنّ مساق الآية للدّلالة على أنّ الواقع ما يتعلّق به مشيئة اللّه لا مشيئة الإنسان و الإناث كذلك. أو لأنّ الكلام في البلاء، و العرب تعدّهنّ بلاء. أو لتطبيب قلوب آبائهنّ. او للمحافظة على الفواصل، و لذلك عرّف الذّكور. أو لجبر التّأخير، تغيير العاطف في الثّالث (2) لأنّه قسيم المشترك بين القسمين، و لم يحتج إليه الرّابع لإفصاحه بأنّه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدّمة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً، يعني: ليس معهنّ ذكور. وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، يعني: ليس معهم أنثى. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً، أي: يهب لمن يشاء ذكرانا و إناثا جميعا يجمع له البنين و البنات، أي: يهبهم جميعا لواحد.
حدّثني (4) أبي، عن المحموديّ و محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد بن إسماعيل الرّازيّ، عن محمّد بن سعيد، أن يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد عن مسائل، و فيها: أخبرنا عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً فهل يزوّج اللّه عباده الذّكران و قد عاقب قوما فعلوا ذلك؟
فسأل موسى أخاه، أبا الحسن العسكريّ- (عليه السلام). و كان من جواب أبي الحسن- (عليه السلام)- [أمّا قوله- عزّ و جلّ-:-] (5) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يزوّج ذكران المطيعين إناثا من الحور العين و إناث المطيعات من الإنس من ذكران المطيعين، و معاذ اللّه أن يكون الجليل عنى ما لبست على نفسك تطلّبا للرّخصة لارتكاب المآثم (6) وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (7) إن لم يتب.
و في عيون الأخبار (8)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 361.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الثاني.
(3) تفسير القمّي 2/ 278.
(4) نفس المصدر/ 278- 279.
(5) ليس في ق، ت.
(6) في المصدر زيادة: قال.
(7) الفرقان/ 69.
(8) العيون 2/ 94، ح 1.
539
سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه و ليس ذلك للولد، لأنّ الولد موهوب (1) للوالد في قول اللّه- تعالى-: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ مع أنّه المأخوذ بمؤنته صغيرا أو كبيرا، و المنسوب إليه و المدعوّ له لقوله (2)- عزّ و جلّ-: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ. و قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنت و مالك لأبيك. و ليس للوالدة كذلك، لا تأخذ من ماله إلّا بأذنه أو بإذن الأب، لأنّه مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ (3) المرأة بنفقة ولدها.
و في تهذيب الأحكام (4): أحمد بن محمّد بن عيسى.
... إلى أن قال: و عنه، عن محمّد بن الحسين، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل، فقال: يا رسول اللّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه، كهيئة المضّرّة لي.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنت و مالك من هبة اللّه لأبيك، أنت سهم من كنانته، يهب لمن يشاء إناثا، و يهب لمن يشاء الذّكور، و يجعل من يشاء عقيما.
جازت عتاقة أبيك، يتناول و الدك من مالك و بدنك، و ليس لك ان تتناول من ماله و لا من بدنه شيئا إلّا بإذنه.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: قال أبو محمّد، الحسن العسكريّ- (عليه السلام)-: سأل عبد اللّه بن صوريا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال:
أخبرني عمّن لا يولد [له و من يولد له] (6).
فقال: إذا مغرت (7) النطفة (8) لم يولد له، أي: إذا احمرّت و كدرت، و إذا كانت صافية ولد له.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50): فيفعل ما يفعل بحكمة و اختيار.
وَ ما كانَ لِبَشَرٍ: و ما صحّ له.
____________
(1) المصدر: مولود.
(2) الأحزاب/ 5.
(3) ق، ش، ت، م، ي، ر: لا تؤاخذ.
(4) التهذيب 8/ 235، ح 849.
(5) الاحتجاج/ 43.
(6) ليس في ق.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: اصفرت.
(8) ليس في ق.
540
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً: إلّا أن يوحي إليه وحيا، و هو داود أوحى في صدره فزبر الزّبور.
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ: و هو «موسى.
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا: و هو جبرئيل- (عليه السلام)- أرسل إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ و «وحيا» بما عطف عليه منتصب بالمصدر، لأنّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ صفة كلام محذوف، و الإرسال نوع من الكلام. و يجوز أن يكون «وحيا» و «يرسل» مصدرين، و مِنْ وَراءِ حِجابٍ ظرفا وقعت أحوالا.
و قرأ (1) نافع: «أو يرسل» برفع اللّام.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ قال: وحي مشافهة، [و وحي إلهام، و هو الّذي يقع في القلب أو من وراء حجاب (كما كلّم اللّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و) (3) كما كلّم اللّه- عزّ و جلّ- موسى- (عليه السلام)- من النّار (4). أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ قال: وحي مشافهة] (5)، يعني: إلى النّاس.
و في كتاب التّوحيد (6) لمفضّل بن عمر، المنقول عن أبي عبد اللّه الصادق- (عليه السلام)- في الرّدّ على الدّهريّة، قال- (عليه السلام)- بعد أن ذكر اللّه- عزّ و جلّ- و العجز عن أن يدرك: فإن قالوا: و لم استتر؟
قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها، كمن يحتجب عن النّاس بالأبواب و السّتور، و إنّما معنى قولنا: استتر، أنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام، كما لطفت النّفس و هي خلق من خلقه، و ارتفعت عن إدراكها بالنّظر.
و في كتاب التّوحيد (7): عن الرّضا- (عليه السلام)- كلام طويل في التّوحيد، و فيه:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 361.
(2) تفسير القمّي 2/ 279.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الناس.
(5) ليس في ق، ش.
(6) توحيد المفضّل/ 119.
(7) التوحيد/ 56، ح 14.
541
لا تشمله (1) المشاعر و لا يحجبه الحجاب، فالحجاب بينه و بين خلقه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصّانع و المصنوع و الرّبّ و المربوب و الحادّ و المحدود.
و فيه (2): عن الرّضا- (عليه السلام)- كلام، و فيه: قال الرّجل: فلم احتجب؟
قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ الاحتجاب (3) على الخلق لكثرة ذنوبهم، فأمّا هو فلا تخفى عليه خافية في أناء اللّيل و النّهار.
و فيه (4) حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ما ينبغي لبشر أن يكلّمه اللّه إلّا وحيا، و ليس بكائن إلّا من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال اللّه- تبارك و تعالى علوّا كبيرا. قد كان الرّسول يوحى إليه من رسول السّماء فتبلّغ رسول السّماء رسل الأرض، و قد كان الكلام بين رسل أهل الأرض و بينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السّماء.
و قد قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، هل رأيت ربّك؟
فقال جبرئيل: إنّ ربّي لا يرى.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فمن أين تأخذ الوحي؟
فقال: آخذه من إسرافيل.
فقال: و من أين يأخذه إسرافيل؟
قال: يأخذه من ملك فوقه من الرّوحانيّين.
قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟
قال: يقذف في قلبه قذفا.
فهذا وحي، و هو كلام اللّه- عزّ و جلّ. و كلام اللّه ليس بنحو واحد، منه ما كلّم اللّه به الرّسل، و منه ما قذفه في قلوبهم، و منه رؤيا يراها (5) الرّسل، و منه وحي و تنزيل يتلى و يقرأ فهو كلام اللّه- عزّ و جلّ. فاكتف بما وصفت لك من كلام اللّه، [فإنّ معنى
____________
(1) المصدر: لا يشمله.
(2) نفس المصدر/ 252، ح 3.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الحجاب.
(4) نفس المصدر/ 264، ح 5.
(5) المصدر: يريها.
542
كلام اللّه] (1) ليس بنحو واحد (2)، فإنّ منه ما تبلّغ به رسل السّماء رسل الأرض.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- لبعض الزّنادقة، و قد جاء إليه مستدلّا بآي من القرآن متوهّما فيها التّناقض و الاختلاف: و أمّا قوله- تعالى-: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً (4) أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ كذلك قال اللّه- تعالى. قد كان الرّسول يوحى إليه- و ذكر نحو ما نقلنا من كتاب التّوحيد، إلّا أنّه قال: ليس هنا «فاكتف» إلى آخره.
إِنَّهُ عَلِيٌ: عن صفات المخلوقين.
حَكِيمٌ (51): يفعل ما تقتضيه حكمته، فيكلّم تارة بوسط و تارة بغير وسط، إمّا عيانا أو من وراء حجاب.
وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا قيل (5): يعني: ما أوحي إليه، و سمّاه: روحا، لأنّ القلوب تحيى به.
و قيل: جبرئيل، و المعنى: أرسلناه إليك بالوحي.
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ، أي: قبل الوحي، و هو دليل على أنّه لم يكن متعبّدا قبل النّبوّة بشرع.
و قيل (6): المراد: هو الإيمان بما لا طريق إليه إلّا السّمع.
و في أصول الكافي (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه (8)- تبارك و تعالى-: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ.
قال: خلق من خلق اللّه- عزّ و جلّ- أعظم من جبرئيل و ميكائيل، كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخبره و يسدّده، و هو مع الأئمّة من بعده.
____________
(1) من المصدر.
(2) ليس في ق.
(3) الاحتجاج/ 243.
(4) ورد في النسخ زيادة: و ليس بكائن.
(5) أنوار التنزيل 2/ 362.
6 و 7- نفس المصدر و الموضع.
(8) الكافي 1/ 273، ح 1.
543
محمّد بن يحيى (1)، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط [عن أسباط] (2) بن سالم قال: سأله رجل من أهل هيت (3)، و أنا حاضر، عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا.
فقال: منذ أنزل اللّه- عزّ و جلّ- ذلك الرّوح على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما صعد إلى السّماء، و إنّه لفينا.
محمّد بن يحيى (4)، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن العلم، أهو شيء (5) يتعلّمه العالم من أفواه الرّجال أم في الكتاب عندكم تقرءونه فتعلمون منه؟
قال: الأمر أعظم من ذلك و أوجب، أما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ.
ثمّ قال: أيّ شيء يقول أصحابكم في هذه الآية، أ يقولون (6): إنّه كان في حال لا يدري ما الكتاب و لا الإيمان؟
فقلت: لا أدري، جعلت فداك، ما يقولون.
فقال: بلى، قد كان في حال لا يدري ما الكتاب و لا الإيمان حتّى بعث اللّه- عزّ و جلّ- الرّوح الّتي ذكر في الكتاب، فلمّا أوحاها إليه علم بها العلم و الفهم، و هي الرّوح الّتي يعطيها اللّه- عزّ و جلّ- من شاء، فإذا أعطاها عبدا علّمه الفهم.
و في مجمع البيان (7): رُوحاً مِنْ أَمْرِنا، يعني: الوحي.
... إلى قوله: و قيل: هو ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قالا: و لم يصعد إلى السّماء، و إنّه لفينا.
و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن حديد (9) و محمّد بن إسماعيل بن بزيع،
____________
(1) نفس المصدر، ح 2.
(2) ليس في ق، ش.
(3) هيت: بلد في العراق.
(4) نفس المصدر، ح 5.
(5) المصدر: علم.
(6) المصدر: أ يقرّون.
(7) المجمع 5/ 37.
(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 550- 551، ح 21.
(9) ن: محمّد.
544
عن منصور بن يونس، عن أبي بصير و أبي الصّباح الكنانيّ قالا: قلنا لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلنا اللّه فداك، قوله- تعالى-: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قال: يا أبا محمّد، الرّوح خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل، كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخبره و يسدّده، و هو مع الأئمّة يخبرهم و يسدّدهم.
وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً، أي: الرّوح، أو الكتاب، أو الإيمان.
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا: بالتّوفيق للقبول و النّظر فيه.
و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن زكريّاء بن إبراهيم قال: كنت نصرانيّا فأسلمت و حججت، فدخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت: إنّي كنت على النّصرانيّة، و إنّي أسلمت.
فقال: و أيّ شيء رأيت في الإسلام؟
قلت: قول اللّه- عزّ و جلّ-: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ.
فقال: لقد هداك اللّه.
ثمّ قال: اللّهمّ، اهده- ثلاثا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ كنّى عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال:
وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا. و الدّليل على أنّ النّور أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قوله (3)- عزّ و جلّ-: وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ (الآية).
وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52): [هو الإسلام.] (4) و قرئ (5): «لتهدي»، أي: ليهديك اللّه.
____________
(1) الكافي 2/ 160، ح 11.
(2) تفسير القمّي 2/ 362.
(3) الأعراف/ 157.
(4) ليس في ت.
(5) أنوار التنزيل 2/ 362.
545
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (2)، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و قال في نبيّه: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول: تدعو.
و في بصائر الدّرجات (3): عبد اللّه بن عامر، عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن الحسين بن عثمان، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.
قال: تفسيرها في بطن القرآن: من يكفر بولاية عليّ، و عليّ هو الإيمان.
... إلى قوله: و أمّا قوله: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: إنّك لتأمر بولاية عليّ و تدعو إليها، و هو الصّراط المستقيم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن (5) عبد الرّحيم قال: حدّثنا محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، [عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (6) في قول اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً، يعني: عليّا، و عليّ- (صلوات اللّه عليه)- هو النّور، فقال: نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا، يعني: عليّا يهدي به من هدى من خلقه.
قال: و قال اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: إنّك لتأمر بولاية عليّ- (عليه السلام)- و تدعو إليها، و عليّ هو الصّراط المستقيم.
و في شرح الآيات الباهرة (7): قال (8) محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن عليّ بن هلال، عن الحسن بن وهب العبسيّ، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) الكافي 5/ 13، ح 1.
(2) ق: يزيد.
(3) البصائر/ 97- 98، ح 5.
(4) تفسير القمي 2/ 279- 280.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.
(6) ليس في ق. ش.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 551، ح 22.
(8) ليس في ر.
546
وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا قال: ذلك عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
و في قوله: إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال: إلى ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و على ذرّيّته الأماجد الكرام الصّفوة من الأنام و خيرة الملك العلّام، سلام دائم مستمرّ الدّوام على مرّ الشّهور و الأعوام ما سبّح الرّعد في الغمام و نسخ الضّياء و الظّلام.
صِراطِ اللَّهِ: بدل من الأوّل (1).
الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ: خلقا و ملكا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، متّصلا بقوله: و عليّ هو الصّراط المستقيم. صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ، يعني: عليّا- (عليه السلام)- أنّه جعل خازنه على ما في السّموات و ما في الأرض من شيء و ائتمنه عليه.
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53): بارتفاع الوسائط و التّعلّقات. و فيه وعد و وعيد للمطيعين (3) و المجرمين.
و في أصول الكافي (4): عنه، عن الحسين بن (5) النّضر، عن القاسم بن سليمان، عن أبي مريم الأنصاريّ، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: وقع مصحف في البحر، فوجدوه و قد ذهب ما فيه إلّا هذه الآية أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
____________
(1) أي: «صراط مستقيم».
(2) تفسير القمّي 2/ 280.
(3) في ق، ش، زيادة: و المشركين.
(4) الكافي 2/ 632، ح 18.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.
