
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
الجزء الثاني عشر
تأليف
محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
33
الجزء الثاني عشر
تفسير سورة الزّخرف
مكّيّة.
و قيل (1): إلا قوله: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا.
و آياتها تسع، أو ثمان و ثمانون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (2)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أدمن قراءة حم الزّخرف، آمنه اللَّه في قبره من هوامّ الأرض و ضغطة القبر حتّى يقف بين يدي اللَّه- عزّ و جلّ-. ثمّ جاءت حتى تدخله الجنّة بأمر اللَّه- تبارك و تعالى-.
و في مجمع البيان (3): أبيّ بن كعب، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة الزّخرف كان ممّن يقال له يوم القيامة: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ادخلوا الجنة بغير حساب.
حم (1).
قد مرّ تفسيره.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و أمّا «حم» فمعناه: الحميد المجيد.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 362.
(2) ثواب الأعمال/ 141، ح 1.
(3) المجمع 5/ 38.
(4) معاني الأخبار/ 22، ح 1.
35
- (عليه السلام)-: ربّنا، آمنّا و اتّبعنا مولانا و وليّنا و هادينا و داعينا و داعي الأنام و صراطك المستقيم (1) السّويّ و حجّتك و سبيلك الدّاعي إليك على بصيرة هو و من اتّبعه، سبحان اللَّه عمّا يشركون بولايته و ما يلحدون باتّخاذ الولائج دونه.
نشهد (2) يا إلهي، أنّه الإمام الهادي المرشد الرّشيد، عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- الّذي ذكرته في كتابك فقلت: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. لا أشرك معه إماما و لا أتّخذ من دونه وليجة.
و في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا أحمد بن عبد اللَّه (4) بن إبراهيم بن هاشم قال:
حدّثنا أبي، عن جدّي، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و معرفته، و الدليل على أنّه أمير المؤمنين قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.
و هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في أمّ الكتاب في قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
و في شرح الآيات الباهرة (5): روى الحسن بن [أبي] (6) الحسن الدّيلميّ- (رحمه اللّه)- بإسناده: عن رجاله إلى حمّاد السّنديّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و قد سأله سائل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.
قال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و روى محمّد بن العبّاس (7)- (رحمه اللّه)-، عن أحمد بن إدريس، عن عبد اللَّه بن محمّد [بن عيسى،] (8) عن موسى بن القاسم، عن محمّد بن عليّ بن جعفر قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- و هو يقول: قال (9) أبي- (عليه السلام)- و قد تلا هذه الآية: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ قال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و روي (10) عنه أنّه سئل: أين ذكر عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في أمّ
____________
(1) ليس في ق.
(2) المصدر: فاشهد.
(3) معاني الأخبار/ 32، ح 3.
(4) المصدر: عليّ.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 552، ح 1.
(6) من المصدر.
(7) نفس المصدر، ح 2.
(8) ليس في ق، ش، ت، ن. و في سائر النسخ: عن عيسى. و ما في المتن موافق المصدر.
(9) ليس في ق.
(10) نفس المصدر، ح 3.
37
صدرك عظيما.
أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً: أ فنذوده و نبعده عنكم، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض.
و «الفاء» للعطف على محذوف، أي: أ نهملكم فنضرب عنكم الذّكر.
و «صفحا» مصدر من غير لفظه فإنّ تنحية الذّكر عنهم إعراض، أو مفعول له، أو حال بمعنى: صافحين. و أصله: أن تولّي الشّيء صفحة عنقك.
و قيل (1): إنّه بمعنى: الجانب، فيكون ظرفا، و يؤيّده أنّه قرئ: «صفحا» و حينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح، جمع صفوح، بمعنى: صافحين.
و المراد: إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه.
أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5)، أي: لأن كنتم. و هو في الحقيقة علّة مقتضية لترك الإعراض.
و قرأ (2) نافع و حمزة و الكسائي: «إن» بالكسر، على أنّ الجملة شرطيّة مخرجة للمحقّق (3) مخرج المشكوك استجهالا لهم، و ما قبلها دليل للجزاء.
وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7): تسلية لرسول اللَّه- صلى اللَّه عليه و آله- عن استهزاء قومه.
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً، أي من الوقم المسرفين، لأنّه صرف الخطاب عنهم إلى الرّسول مخبرا عنهم.
وَ مَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8): و سلف في القرآن قصّتهم العجيبة. و في وعد للرّسول و وعيد لهم بمثل ما جرى على الأوّلين.
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9):
لعلّه لازم مقولهم، أو ما دلّ عليه إجمالا أقيم مقامه تقريرا لإلزام الحجّة عليهم، فكأنّه قالوا: اللَّه، كما حكى عنهم في موضع آخر، و هو الّذي من صفته ما سرد من
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 363.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) في ق زيادة: فخرج.
40
ماله حقّ أدّاه، و منه قوله- عزّ و جلّ-: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، [وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ] (1).
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أسباط (3) و محمّد بن أحمد، عن موسى بن القاسم البجلّي، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و إن خرجت برّا فقل الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ-:
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ. فإنّه ليس من عبد يقولها عند ركوبه فيقع من بعير أو دابة فيصيبه شيء بإذن اللَّه.
عليّ بن إبراهيم (4): [عن أبيه] (5) عن ابن أبي عمير و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى، جميعا، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا استويت على راحلتك و استوى بك محملك فقل:
الحمد للَّه الّذي هدانا للإسلام، [و علّمنا القرآن] (6) و منّ علينا بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ.
و الحمد للَّه ربّ العالمين.
اللّهمّ، أنت الحامل على الظّهر و المستعان على الأمر، اللّهمّ، بلّغنا بلاغا يبلغ إلى خير بلاغا يبلغ إلى مغفرتك و رضوانك، اللّهمّ لا طير إلّا طيرك (7) و لا خير إلّا خيرك و لا حافظ غيرك.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (8)، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: فإن ركبت الظّهر فقال: الحمد لله الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ.
عليّ بن إبراهيم (9)، عن محمّد بن عيسى، عن الدّهقان، عن درست، عن
____________
(1) يوجد في ق، ش.
(2) نفس المصدر 3/ 471- 472، ح 5.
(3) ق: عليّ بن أسباط.
(4) نفس المصدر 4/ 284- 285، ح 2.
(5) ليس في ق.
(6) من المصدر.
(7) الطير: الاسم من التطيّر، هو ما يتشأم به الإنسان من الفال الرديء. قال الغيض (ره):
و هذا كما يقال: لا أمر إلّا أمرك يعني: لا يكون إلّا ما تريد.
(8) نفس المصدر 5/ 256، ح 3.
(9) نفس المصدر 6/ 540، ح 17.
38
الصّفات. و يجوز أن يكون مقولهم و ما بعده استئناف.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً: فتستقرّون فيها.
و قرأ (1) غير الكوفيّين: «مهادا» بالألف.
وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا: تسلكونها.
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10): لكي تهتدوا إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصّانع بالنّظر في ذلك.
وَ الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ: بمقدار ينفع و لا يضر.
فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً: زال عنه النمّاء (2).
و تذكيره، لأنّ البلدة بمعنى: البلد و المكان.
كَذلِكَ: مثل ذلك الانشار تُخْرَجُونَ (11): تنشرون من قبوركم.
و قرأ (3) ابن عامر و حمزة و الكسائيّ: «تخرجون» بفتح التّاء [و ضمّ الراء] (4).
وَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها: أصناف المخلوقات.
وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12): ما تركبونه، على تغليب [المتعدّي بنفسه على] (5) المعتدّي بغيره، إذ يقال: ركبت الدّابّة، و ركبت في السّفينة. أو المخلوق للرّكوب على المصنوع له، أو الغالب على النّادر و لذلك قال: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ، أي: ظهور ما تركبون. و جمعه للمعنى.
ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ: تذكروها بقلوبكم، معترفين بها، حامدين عليها.
وَ تَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13): مطيقين، من أقرن الشّيء: إذا أطاقه. و أصله: وجده قرينه، إذ الصّعب لا يكون قرينة الضّعيف.
و قرئ (6) بالتّشديد [و المعنى واحد] (7).
وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14)، أي: راجعون.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 363. و في النسخ:
السّماء.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) ليس في ق.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ليس في ق.
34
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): «حم» حروف (2) من الاسم الأعظم.
وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا أقسم بالقرآن المبيّن للحلال و الحرام و جميع ما يحتاج إليه الأنام من شرائع الإسلام، على أنّه جعله قرآنا عربيّا. و هو من البدائع لتناسب القسم و المقسم عليه، و لعلّ إقسام اللَّه بالأشياء استشهاد بما فيها من الدّلالة على المقسم عليه.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3): لكي تفقهوا معانيه.
وَ إِنَّهُ: عطف على «إنّا».
و قرأ (3) حمزة و الكسائيّ بالكسر على الاستئناف.
فِي أُمِّ الْكِتابِ: في اللّوح المحفوظ، فإنّه أصل الكتاب السّماويّة.
و قرئ (4): «أمّ الكتاب» بالكسر.
لَدَيْنا: محفوظا عندنا عن التّغيير.
لَعَلِيٌ: رفيع الشأن في الكتب، لكونه معجزا من بينها.
حَكِيمٌ (4): ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره.
و هما خبران «لإنّ». و «في أمّ الكتاب» متعلّق «بعليّ» و اللّام لا تمنعه (5)، أو حال منه و «لدينا» بدل منه (6)، أو حال من «أمّ الكتاب»، [أو حال من «الكتاب»] (7).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- مكتوب في الفاتحة في قوله- عز و جلّ-:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في تهذيب الأحكام (9)، في الدّعاء المنقول بعد صلاة يوم الغدير: عن أبى عبد اللَّه
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 280.
(2) ق، ش، المصدر: حرف.
(3) أنوار التنزيل 2/ 362.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) أي: اللام في «لعليّ» لا تمنع تقديم ما يتعلّق ب «عليّ» عليه: كما جاز: إن زيدا في الدار لقائم. و المعنى: لعليّ في أمّ الكتاب.
(6) أي: من «عليّ»
(7) ليس في ق، ش.
(8) تفسير القمّي 2/ 280.
(9) التهذيب 3/ 145، ح 317.
36
الكتاب؟
فقال: في قوله- سبحانه-: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. و هو عليّ- (عليه السلام)-.
و قال- أيضا- (1): حدّثنا أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن محمّد بن حمّاد الشّاشي (2)، عن الحسين بن أسد الطّفاوي (3)، عن عليّ بن إسماعيل الميثميّ، عن عبّاس الضايع (4)، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا مع أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حتّى انتهينا إلى صعصعة بن صوحان، فإذا هو على فراشه، فلمّا رأى عليّا خفّ له (5).
فقال له علي- (عليه السلام)-: لا تتّخذن زيارتنا إيّاك فخرا على قومك.
قال: لا يا أمير المؤمنين [و لكن] (6) ذخرا و أجرا.
فقال له: و اللَّه، ما كنت علمتك إلّا خفيف المئونة كثير المعونة.
فقال صعصعة: و أنت، و اللَّه، يا أمير المؤمنين (7) ما علمتك إلّا [أنّك] (8) باللَّه لعليم، و أنّ اللَّه في عينك لعظيم، و أنّك في كتاب اللَّه لعليّ حكيم، و أنّك بالمؤمنين رؤوف رحيم.
و قال- أيضا- (9): حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن معبد، عن واصل (10) بن سليمان، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا صرع (11) زيد بن صوحان يوم الجمل جاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حتى جلس عند رأسه، فقال: رحمك اللَّه، يا زيد، قد كنت خفيف المئونة عظيم المعونة.
فرفع زيد رأسه إليه فقال: و أنت، جزاك اللَّه خيرا، يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فو اللَّه ما علمتك إلّا باللَّه عليما [و في أمّ الكتاب عليّا] (12) حكيما، و أنّ اللَّه في
____________
(1) نفس المصدر/ 553، ح 4.
(2) كذا في المصدر. و في ق، ش: الشامي. و في سائر النسخ: الشاسي.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: التقاوي.
(4) ق، ش، م، ر: الصانع.
(5) كذا في المصدر. و في ق، ش: خفّاه. و في سائر النسخ: خفاله.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر و في النسخ زيادة: إنّك.
(8) من المصدر.
(9) نفس المصدر/ 553، ح 5.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و اهل.
(11) ن: صدع.
(12) ليس في ق.
39
و اتّصاله بذلك لأنّ الرّكوب للنّقل، و النّقلة العظمى هو الانقلاب إلى اللَّه. أو لأنّه محضر فينبغي للرّاكب أن لا يغفل عنه و يستعدّ للقاء اللَّه- تعالى-.
و في مجمع البيان (1): ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ
و روى العيّاشي، بإسناده: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ذكر النّعمة أن تقول: الحمد للَّه الّذي هدانا للإسلام، و علّمنا القرآن، و منّ علينا بمحمّد و آله. و يقول بعده: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا (إلى آخره).
و روي (2) عن ابن عمر أنّ رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه و آله- كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر كبّر ثلاثا، و قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ اللّهمّ، إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ و التّقوى و العمل بما ترضى، اللّهمّ، هوّن علينا سفرنا و أطوعنا بعده، اللّهمّ، أنت الصّاحب في السّفر و الخليفة في الأهل [و المال] (3)، اللّهمّ، إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر في الأهل و المال.
و إذا رجع قال: آئبون تائبون لربّنا (4) حامدون. أورده مسلم في الصّحيح.
و في كتاب الخصال (5)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: إذا ركبتم الدّوابّ فاذكروا اللَّه- تعالى- و قولوا: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ.
و في أصول الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟
قال: نعم.
قلت: ما هو؟
قال: يحمد اللَّه على كلّ نعمة عليه في أهل و مال، و إن كان فيما أنعم عليه في
____________
(1) المجمع 5/ 41.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) من المصدر.
(4) ق، ش: إلى ربّنا.
(5) الخصال/ 634.
(6) الكافي 2/ 96، ح 12.
41
إبراهيم، عن عبد الحميد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا ركب الرّجل.
... إلى أن قال: و قال (1): من قال إذا ركب الدّابّة: بسم اللَّه، لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ (الآية) (2) سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (3) حفظت له دابّته و نفسه [حتّى ينزل.] (4).
و في من لا يحضره الفقيه (5): و سأل سعد بن سعد الرّضا- (عليه السلام)- عن سجدة الشّكر، فقال: أرى أصحابنا يسجدون بعد الفريضة سجدة واحدة، و يقولون: هي سجدة الشكر.
فقال: إنّما الشّكر (6) إذا أنعم اللَّه- عزّ و جلّ- على عبده أن يقول: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ و الحمد للَّه ربّ العالمين] (7) [و يسبّح اللَّه سبعا، و يحمّد اللَّه سبعا، و يهلّل اللَّه سبعا] (8).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): و قوله: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ- إلى قوله-: وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ.
قال: فإنّه حدّثني أبي، عن ابن فضّال، عن المفضّل بن سعد بن طريف (10)، عن الأصبغ بن نباتة قال: أمسكت لأمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بالرّكاب و هو يريد أن يركب، فرفع رأسه ثمّ تبسّم.
فقلت له: يا أمير المؤمنين، رأيتك رفعت رأسك ثمّ تبسّمت؟
قال: نعم، يا أصبغ،: أمسكت لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كما أمسكت لي، فرفع رأسه ثمّ تبسّم، فسألته عن تبسّمه كما سألتني، و سأخبرك كما أخبرني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أمسكت لرسول اللَّه بغلته الشّهباء، فرفع رأسه إلى السّماء و تبسّم.
____________
(1) ليس في ق.
(2) الأعراف/ 43.
(3) في النسخ زيادة: إلّا.
(4) من المصدر.
(5) الفقيه 1/ 218، ح 972.
(6) في ق، ش، زيادة: فقال.
(7) من المصدر.
(8) ليس في المصدر.
(9) تفسير القمّي 2/ 281.
(10) ق، ش، م: سعيد بن طريف. و في المصدر: سعيد بن ظريف (سعد بن طريف- ط)
42
فقلت: يا رسول اللَّه، رفعت رأسك إلى السّماء و تبسّمت، لما ذا؟
فقال: يا عليّ، إنّه ليس من أحد يركب فيقرأ آية الكرسيّ، ثمّ يقول: أستغفر اللَّه الّذي لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم الحيّ القيّوم و أتوب إليه، اللّهمّ، اغفر لي ذنوبي فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت، إلّا قال السّيّد الكريم: يا ملائكتي، عبدي يعلم أنه لا يغفر الذّنوب غيري، اشهدوا أنّي قد غفرت له ذنوبه.
حدّثني (1) أبي، عن عليّ بن أسباط قال: حملت متاعا إلى مكّة فكسد عليّ، فجئت إلى المدينة فدخلت إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- فقلت: جعلت فداك، إنّي قد حملت متاعا إلى مكّة فكسد عليّ، و قد أردت مصر فأركب بحرا أو برّا؟
فقال: بمصر الحتوف، و تفيض إليها (2) أقصر النّاس أعمارا.
قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تغسلوا رؤوسكم بطينها، و لا تشربوا في فخارها، فإنّه يورث الذّلّة و يذهب بالغيرة.
ثمّ قال: لا عليك أن تأتي مسجد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تصلّي فيه ركعتين، و تستخير اللَّه- عزّ و جلّ- مائة مرّة و مرّة، فإذا عزمت على شيء و ركبت البرّ فإذا استويت (3) على راحلتك فقل: سُبْحانَ (4) الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ فإنّه ما ركب أحد ظهرا فقال هذا و سقط إلّا لم يصبه كسر، و لا وني و لا وهن.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً: متّصلا بقوله: «و لئن سألتهم»، أي: و قد جعلوا بعد ذلك الاعتراف من عباده ولدا، فقالوا: الملائكة بنات اللَّه.
و لعلّه سمّاه: جزءا، كما سمّاه: بعضا، لأنّه بضعة من الوالد، دلالة على استحالته على الواحد الحقّ في ذاته.
و قرئ (5): «جزءا» بضمّتين.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15): ظاهر الكفران، و من ذلك نسبة الولد إلى اللَّه، لأنّها من فرط الجهل به و التّحقير لشأنه.
____________
(1) نفس المصدر/ 282.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال: مصر الحتوف و يقبض إليها.
(3) المصدر: و ركبت البحر أو إذا التويت.
(4) في ق، ش، ت، ن، زيادة: اللَّه.
(5) أنوار التنزيل 2/ 364.
43
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَ أَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16).
معنى الهمزة في «أم» للإنكار و التّعجبّ من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءا حتّى جعلوا له من مخلوقاته جزءا (1) أخسّ ممّا اختير لهم و أبغض الأشياء إليهم، بحيث إذا بشّر أحدهم بها اشتد غمّه، كما قال: وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا: بالجنس الّذي جعله له [مثلا] (2)، إذ الولد لا بدّ و أن يماثل الوالد.
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا: صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة.
وَ هُوَ كَظِيمٌ (17): مملوء قلبه من الكرب. و في ذلك دلالات على فساد ما قالوه. و تعريف البنين لما مر في الذّكور.
و قرئ (3): «مسودّ» و «مسوادّ» على أنّ في «ظلّ» ضمير المبشّر، و «وجهه مسودّ» جملة وقعت خبرا.
أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ، أي: او جعلوا له. أو اتّخذ من يتربّى في الزّينة، يعني: البنات.
وَ هُوَ فِي الْخِصامِ: في المجادلة.
غَيْرُ مُبِينٍ (18): مقرّر لما يدّعيه من نقصان العقل و ضعف الرأي.
و يجوز أن يكون «من» مبتدأ محذوف الخبر، أي: او من هذا حالة ولده. و في «الخصام» متعلّق «بمبين» و إضافة «غير» إليه لا يمنعه، كما عرفت.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ و حفص: «ينشأ»، أي: يربّى.
[و قرئ (5): «ينشأ»] (6) و «يناشأ» بمعناه. و نظير ذلك: أعلاه، و علاه، و عالاه بمعنى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ- أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ، أي: ينشّأ في الذّهب.
وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال: إن موسى- (عليه السلام)- أعطاه اللَّه- عزّ و جلّ- من القوة أن أرى فرعون صورته على فرس من ذهب رطب، عليه ثياب من ذهب رطب،
____________
(1) ن، م، ي، ر: أجزاء.
(2) أنوار التنزيل 2/ 364.
(3) نفس المصدر و الموضع.
4، 5 نفس المصدر و الموضع.
(6) من ن.
(7) تفسير القمّي 2/ 283.
44
فقال فرعون: أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا [فِي الْحِلْيَةِ، أي ينشأ] (1) بالذّهب (2). وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال: لا يبيّن الكلام و لا يتبيّن من النّاس، و لو كان نبيّا لكان خلاف النّاس.
وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً: كفر آخر تضمّنه مقالهم شنّع به عليهم، و هو جعلهم أكمل العباد و أكرمهم على اللَّه أنقصهم رأيا و أخسّهم صنفا.
و قرئ (3): «عبيد».
و قرأ (4) الحجازيّان و البصريّان: «عند» على تمثيل زلفاهم.
و قرئ (5): «انثاء» و هو جمع الجمع.
أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ: أحضروا خلق اللَّه إيّاهم فشاهدوهم إناثا، فإنّ ذلك ممّا يعلم بالمشاهدة و هو تجهيل و تهكّم بهم.
و قرأ (6) نافع: «أ أشهدوا» بهمزة الاستفهام و همزة مضمومة بين بين. و «آ أشهدوا» بمدّة بينهما.
سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ: الّتي شهدوا بها على الملائكة.
وَ يُسْئَلُونَ (19): عنها يوم القيامة، و هو وعيد.
و قرئ (7): «سيكتب» [و «سنكتب»] (8) بالياء و النّون. و «شهاداتهم» و هي أنّ للَّه جزءا (9)، و أنّ له بنات و هن الملائكة. «و يساءلون» من المسائلة.
و في بصائر الدّرجات (10): أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن بكر (11) بن صالح، عن عبد اللَّه بن إبراهيم بن عبد العزيز بن محمّد بن عليّ بن عبد اللَّه بن جعفر الجعفريّ قال:
حدّثنا يعقوب بن جعفر قال: كنت مع أبي الحسن- (عليه السلام)- بمكة، فقال له رجل:
إنّك لتفسر من كتاب اللَّه ما لم يسمع.
فقال: علينا نزل قبل النّاس، و لنا فسر قبل أن يفسر في النّاس، فنحن نعرف حلاله و حرامه و ناسخه و منسوخه و سفريّه و حضريّه (12)، و في أيّ ليلة نزلت [كم] (13) من آية،
____________
(1) من المصدر.
(2) ق: في الذهب.
3، 4 أنوار التنزيل 2/ 364.
5، 6 نفس المصدر و الموضع.
(7) نفس المصدر و الموضع.
8 و 9 ليس في ق.
(10) البصائر/ 218، ح 4.
(11) المصدر: بكير.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: «متفرّقة و حضرته» بدل «سفريّه و حضريّه».
(13) من المصدر.
45
و فيمن نزلت، و فيما أنزلت فنحن حكماء اللَّه في أرضه و شهداؤه على خلقه، و هو قول اللَّه- تبارك و تعالى-: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ. فالشّهادة لنا و المساءلة للمشهود (1) عليه، فهذا علم [ما] (2) قد أنهيته [إليك و أدّيته إليك ما لزمني، فإن قبلت فاشكر، و إن تركت، فإنّ اللَّه على كلّ شيء شهيد] (3).
و في أصول الكافي (4)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن إبراهيم (5) الجعفريّ قال: كتب يحيى بن عبد اللَّه بن الحسن إلى موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-:
أمّا بعد، فإنّي أوصي نفسي بتقوى اللَّه و بها أوصيك، فإنّها وصيّة اللَّه في الأوّلين و وصيّته في الآخرين، خبّرني من ورد عليّ من أعوان اللَّه على دينه و نشر طاعته بما كان من تحنّنك مع خذلانك، و قد شاورت في الدّعوة للرّضا من آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- و قد احتجبتها [و احتجبها] (6) أبوك من قبلك، و قديما ادعيتم ما ليس لكم و بسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم اللَّه، فاستهويتم و أضللتم، و أنا محذّرك ما حذّرك اللَّه من نفسه.
فكتب إليه أبو الحسن، موسى بن جعفر: من موسى بن [أبي] (7) عبد اللَّه، جعفر و على المشركين (8) في التذّلّل للَّه و طاعته، إلى يحيى بن عبد اللَّه بن الحسن:
أمّا بعد، فإني أحذّرك اللَّه و نفسي، و أعلمك أليم عذابه و شديد عقابه و تكامل نقماته. و أوصيك و نفسي بتقوى اللَّه، فإنها زين الكلام و تثبيت (9) النّعم، أتاني كتابك تذكر فيه أنّي مدّع و أبي من قبل، و ما سمعت ذلك منّي و سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ.
و في شرح الآيات الباهرة (10): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن هوذة الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللَّه بن حمّاد، عن عمرو (11) بن شمر قال: قال ابو عبد اللَّه- (عليه السلام)-:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: للشهود.
2، 3 من المصدر.
(4) الكافي 1/ 366- 367، ح 19.
(5) في ق، ش، زيادة: بن جعفر. و في ت، م، ي، ر، زيادة: بن.
(6) ليس في ق، ش.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: مشتركين.
(9) كذا في المصدر. و في ق، ش: ثبت. و في سائر النسخ: تثبّت.
(10) تأويل الآيات الباهرة 2/ 554، ح 7.
(11) ق: جعفر.
46
أمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبا بكر و عمر و عليّا- (عليه السلام)- أن يمضوا إلى الكهف و الرّقيم، فيسبغ أبو بكر الوضوء و يصفّ قدميه و يصلّي ركعتين و ينادي ثلاثا، فإن أجابوه و إلّا فليفعل (1) مثل ذلك عمر، فإن أجابوه و إلّا فليفعل (2) مثل ذلك عليّ- (عليه السلام)-.
فمضوا و فعلوا ما أمرهم به رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلم يجيبوا أبا بكر و لا عمر، فقام عليّ- (عليه السلام)- و فعل ذلك فأجابوه. و قالوا: لبّيك لبّيك، ثلاثا.
فقال لهم: ما لكم لم تجيبوا الصّوت الأول و الثّاني و أجبتم الثّالث؟
فقالوا: إنّا أمرنا أن لا نجيب إلّا نبيّا أو وصيّا.
ثمّ انصرفوا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألهم ما فعلوا، فأخبروه، فأخرج رسول اللّه صحيفة حمراء فاقل لهم: اكتبوا شهادتكم بخطوطكم فيها بما رأيتم و سمعتم.
فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ يوم القيامة.
و قال- أيضا- (3): حدّثنا الحسين بن أحمد بن المالكيّ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن خلف، عن حماد بن عيسى، عن أبي بصير قال: ذكر أبو جعفر- (عليه السلام)- الكتاب الذي تعاقدوا عليه في الكعبة، و أشهدوا فيه و ختموا عليه (4) بخواتيمهم.
فقال: يا [أبا] (5) محمّد، إنّ اللَّه أخبر نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما يصنعونه قبل أن يكتبوه، و أنزل اللَّه فيه كتابا.
قلت: أنزل اللَّه فيه كتابا؟
قال: نعم، أ لم تسمع قوله- تعالى-: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ.
وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ، أي: لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم.
فاستدلّوا بنفي مشيئة عدم عبادة الملائكة على امتناع النّهي عنها، أو على (6) حسنها، و ذلك باطل لأنّ المشيئة متعلّق بكل الممكنات الواقعة مأمورا كان أو منهيّا حسنا كان أو غيره، و لذلك جهّلهم فقال: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
____________
1 و 2- ن، ت، م، ي، ر، المصدر: فليقل.
(3) نفس المصدر/ 555، ح 9.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و أشهدوا فيه و اجتمعوا عليه.
(5) من المصدر.
(6) في ق، ش، ت، زيادة: حبها.
47
(20): يتمحّلون تمحّلا (1) باطلا.
و يجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدّعوى، كأنّه لمّا أبدى وجوه فسادها و حكى شبههم المزيّفة نفي أن يكون لهم بها علم من طريق العقل.
ثمّ أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل فقال: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ: من قبل القرآن، أو ادّعائهم ينطق على صحّة ما قالوه.
[فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21): بذلك الكتاب متمسّكون.
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)، أي:
لا حجّة لهم على ذلك] عقليّة و لا نقليّة، و إنّما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة.
و «الأمّة» الطّريق الّتي تؤمّ، كالرحلة للمرحول إليه.
و قرئت (2) بالكسر، و هي الحالة الّتي يكون عليها الآمّ، أي: القاصد، و منها الدّين.
وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23): تسلية لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و دلالة على أنّ التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، و أنّ متقدّميهم- أيضا- لم يكن لهم سند منظور إليه.
و تخصيص المترفين، إشعار بأنّ التّنعّم وحبّ البطالة صرفهم عن النّظر إلى التقليد.
قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ، أي: أ تتّبعون آباءكم و لو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم. و هو حكاية أمر ماض أوحي إلى النّذير، أو خطاب لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و يؤيّد الأول أنّه قرأ (3) ابن عامر و حفص: «قال».
و قوله: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (24)، أي: و إن كان أهدى، إقناطا للنّذير من أن ينظروا أو يتفكروا فيه.
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ: بالاستئصال.
____________
(1) تمحّل: احتال. يقال: تمحّل لي خيرا:
اطلبه.
(2) أنوار التنزيل 2/ 365.
(3) نفس المصدر و الموضع.
48
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25): و لا تكترث بتكذيبهم.
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ: و اذكر وقت قوله (1) هذا، ليروا كيف تبرأ عن التّقليد و تمسّك بالدّليل. أو ليقلّدوه إن لم يكن لهم بدّ من التّقليد، فإنّه أشرف آبائهم.
لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26): بريء من عبادتكم، أو معبودكم.
مصدر نعت به، و لذلك استوى فيه الواحد و المتعدد و المذكر و المؤنّث.
و قرئ (2): «بريء». و «براء»، ككريم و كرام.
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي: استثناء منقطع. أو متصل، على أنّ ما يعمّ أولي العلم و غيرهم و أنّهم كانوا يعبدون اللَّه و الأوثان. أو صفة، على أنّ «ما» موصوفة، أي: إنّني براء من آلة تعبدونها غير الّذي فطرني.
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27): سيثبّتني على الهداية. [أو سيهديني إلى] (3) ما وراء ما هداني إليه.
وَ جَعَلَها: و جعل إبراهيم- (عليه السلام)- أو اللَّه كلمة التّوحيد كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ: في ذرّيته، فيكون فيهم أبدا من يوحّد و يدعو إلى توحيده.
و قرئ (4): «كلمة» و «في عقبه» على التّخفيف. و «في عاقبه»، أي: فيمن عقبه.
و في كتاب كمال الدين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى هشام بن سالم: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، و في آخره قال هشام: قلت: فهل تكون الإمامة في أخوين (6) بعد الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-؟
قال: لا، إنّما هي جارية في عقب الحسين- (عليه السلام)- كما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ثمّ هي جارية في الأعقاب و أعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة.
و بإسناده (7) إلى محمّد بن قيس، عن ثابت الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين بن عليّ
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ليس في ق.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) كمال الدين/ 416- 417، ح 9.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الآخرين.
(7) نفس المصدر/ 323، ح 8.
49
بن أبي طالب- (عليهم السلام)- أنه قال: فينا أنزلت هذه الآية وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ. و الإمامة في عقب الحسين- (عليه السلام)- إلى يوم القيامة.
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ قال: في عقب الحسين- (عليه السلام)-. فلم يزل هذا الأمر منذ افضي إلى الحسين- (عليه السلام)- ينقل من والد (2) إلى ولد، لا يرجع إلى أخ و عمّ، و لا يتمّ بعلم (3) أحد منهم إلّا و له ولد، و إن عبد اللَّه خرج من الدّنيا و لا ولد له و لم يمكث بين ظهراني أصحابه إلّا شهرا.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى عليّ بن أبي حمزة: عن أبيه، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ.
قال: هي الإمامة، جعلها اللَّه- عزّ و جلّ- في عقب الحسين- (عليه السلام)- باقية إلى يوم القيامة.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث، يقول فيه- (عليه السلام)- في خطبة الغدير: معاشر النّاس، القرآن يعرّفكم أنّ الأئمة من بعده ولده، و عرّفتكم أنّه منّي و أنا منه، حيث يقول اللَّه (6)- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ. و قلت: لن تضلّوا ما أن تمسّكتم بهما.
و في كتاب المناقب (7) لابن شهر آشوب: الأعرج، عن أبي هريرة قال: سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن قوله: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ.
قال: جعل الإمامة في عقب الحسين- (عليه السلام)- يخرج من صلبه تسعة من الأئمة، منهم مهديّ هذه الأمّة.
المفضّل بن عمر (8) قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
____________
(1) العلل/ 207، ح 6.
(2) ن، ت، م، ي، ر، المصدر: ولد.
(3) ق، المصدر: يعلم.
(4) معاني الأخبار/ 131- 132، ح 1.
(5) الاحتجاج/ 65.
(6) ليس في ق.
(7) المناقب 4/ 46.
(8) نفس المصدر و الموضع.
50
قال: يعني بذلك: الإمامة، جعلها في عقب الحسين- (عليه السلام)- إلى يوم القيامة.
فقلت: كيف صارت في ولد الحسين- (عليه السلام)- دون ولد الحسن- (عليه السلام)-؟
فقال: إن موسى و هارون كانا نبيّين و مرسلين أخوين، فجعل اللَّه النّبوة في صلب هارون دون صلب موسى.
ثمّ ساق الحديث- إلى قوله-: و هو الحكيم في أفعاله، لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون.
و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا عليّ بن محمّد الجعفيّ، عن أحمد بن القاسم الأكفانيّ، عن عليّ بن محمّد بن مروان، عن أبيه، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم (2) بن قيس قال: خرج علينا عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و نحن في المسجد، فاحتوشناه.
فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن القرآن فإنّ في القرآن علم الأوّلين و الآخرين، لم يدع لقائل مقالا و لا يعلم تأويله إلّا اللَّه و الرّاسخون في العلم، و ليسوا بواحد، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان واحدا منهم علّمه اللَّه- سبحانه- إيّاه، و علّمنيه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ لا يزال في عقبه (3) إلى يوم تقوم الساعة (4). ثمّ قرأه (5):
وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ. فأنا (6) من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمنزلة هارون من موسى إلّا النّبوّة، و العلم في عقبنا إلى أن تقوم السّاعة. ثمّ قرأ. وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ.
ثمّ قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عقب إبراهيم، و نحن أهل البيت عقب إبراهيم و عقب محمّد- (صلوات اللّه عليهما)-.
و قال- أيضا- (7): حدّثنا محمّد بن الحسين بن عليّ بن مهران (8) قال: حدّثني أبي،
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 555، ح 10.
(2) ق، ش، م، ت، ي، ر: سليمان.
(3) المصدر: تقيّته.
(4) ق، ش، المصدر: إلى يوم القيامة.
(5) البقرة/ 248.
(6) في المصدر زيادة: (بقيّة)
(7) نفس المصدر/ 556، ح 11.
(8) المصدر: محمّد بن الحسن بن عليّ بن
51
عن أبيه، عن الحسين (1) بن سعيد، عن محمّد بن سنان، عن أبي سلام، عن سورة بن كليب عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ قال: إنّها في [عقب] (2) الحسين- (عليه السلام)-. فلم يزل هذا الأمر منذ افضي إلى الحسين ينتقل من والد (3) إلى ولد، لا يرجع إلى أخ و لا إلى عمّ، و لا يعلم أحد منهم خرج من الدّنيا إلّا و له ولد، و إنّ عبد اللَّه بن جعفر خرج من الدنيا و لا ولد له (4)، و لم يمكث بين ظهراني أصحابه إلّا شهرا.
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28): يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحّد.
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ: هؤلاء المعاصرين للرسول من قريش وَ آباءَهُمْ: بالمدّ في العمر و النّعمة فاغترّوا بذلك، و انهمكوا في الشّهوات.
حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ: دعوة التّوحيد، أو القرآن.
وَ رَسُولٌ مُبِينٌ (29): ظاهر الرّسالة بماله من المعجزات. أو مبيّن للتّوحيد بالحجج و الآيات.
وَ لَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ: ينبّههم عن الغفلة قالُوا هذا سِحْرٌ وَ إِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30): زادوا شرارة، فضمّوا إلى شركهم معاندة الحقّ و الاستخفاف به، فسمّوا القرآن: سحرا، و كفروا به و استحقروا الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ: من إحدى القريتين، مكّة و الطّائف.
عَظِيمٍ (31): بالجاه و المال، كالوليد بن المغيرة، و عروة بن مسعود الثّقفيّ، فإنّ الرّسالة منصب عظيم لا يليق إلّا بعظيم، و لم يعلموا أنّها روحانيّة تستدعي عظم (5) النّفس بالتّحلّي بالفضائل و الكمالات القدسيّة، لا التزخرف بالزّخارف الدّنيويّة.
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ: إنكاره فيه تجهيل و تعجيب من تحكّمهم، و المراد
____________
مهزيار.
(1) ت، م، ي، ر: الحسن.
(2) من المصدر مع المعقوفتين.
(3) ن: ولد.
(4) ق، ش: و لا يعلم أحد منهم إلا و له ولد، و إنّ عبد اللَّه خرج من الدنيا و لا ولد له. و في ن، ت، م، لا يوجد «إلّا و له ولد و إنّ عبد اللَّه بن جعفر خرج من الدنيا».
(5) كذا في ن. و في غيرها: عظيم.
52
بالرّحمة: النّبوّة.
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: و هم عاجزون عن تدبيرها و هي خويصة أمرهم في دنياهم، فمن أين لهم أن يتدبّروا في أمر النّبوّة الّتي هي أعلا المراتب الإنسيّة!
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و عن أبي محمّد، الحسن العسكريّ، عن أبيه- (عليهم السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة، إذ قال له عبد اللَّه بن أميّة المخزوميّ: لو أراد اللَّه أن يبعث إلينا رسولا، لبعث أجلّ من فيما بيننا مالا (2) و أحسنه حالا، فهلّا (3) نزّل هذا القرآن الّذي تزعم أن اللَّه أنزله عليك و ابتعثك به رسولا، على رجل من القريتين عظيم، إما الوليد بن المغيرة بمكة، و إمّا عروة بن مسعود الثّقفيّ بالطّائف.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أمّا قولك: لو لا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، الوليد بن المغيرة بمكّة أو عروة بالطّائف، فإنّ اللَّه ليس يستعظم مال الدّنيا، كما تستعظمه أنت، و لا خطر له عنده، كما له خطر عندك، بل لو كانت الدّنيا عنده تعدل جناح بعوضة، لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء، و ليس قسمة اللَّه إليك، بل اللَّه هو القاسم للرحمات و الفاعل لما يشاء في عبيده و إمائه، و ليس هو- عزّ و جلّ- ممّن يخاف أحدا، كما تخاف أنت، لماله و حاله فعرفته بالنّبوّة لذلك، و لا ممّن يطمع في أحد في ماله أو في حاله، كما تطمع أنت، فتخصّه بالنّبوّة لذلك، و لا ممّن يحبّ أحدا محبّة الهوى، كما تحبّ أنت، فتقدم من لا يستحقّ التّقديم، و إنّما معاملته بالعدل فلا يؤثر (4) لأفضل مراتب الدّين [و جلاله] (5) إلّا الأفضل في طاعته و الأجد (6) في خدمته، و كذا لا يؤخّر في مراتب الدّين [و جلاله] (7) إلّا أشدّهم تباطؤا عن طاعته.
و إذا كان هذا صفته، لم ينظر إلى مال و لا إلى حال، بل هذا المال و الحال من
____________
(1) الاحتجاج/ 29- 30- 32- 33.
(2) ليس في ق.
(3) كذا في الثقلين 4/ 597، ح 28. و في النسخ و المصدر: فهل.
(4) في المصدر زيادة: إلا بالعدل.
(5) ليس في ق، ش.
(6) ت: الأجلّ و في ق، ش: الأحد. و في المصدر: الأجدى.
(7) ليس في ق، ش.
53
تفضّله و ليس لأحد من عباده عليه ضربة (1) لازب (2)، فلا يقال له: إذا تفضّلت بالمال على عبد فلا بدّ أن تتفضل عليه بالنّبوّة- أيضا- لأنّه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده، و لا إلزامه تفضّلا لأنّه تفضّل قبله بنعمة.
ألا ترى، يا عبد اللَّه، كيف أغنى واحدا و قبّح صورته، و كيف حسّن صورة واحد و أفقره، و كيف شرّف واحدا و أفقره و كيف أغنى واحدا و وضعه، ثمّ ليس لهذا الغنيّ أن يقول: هلّا أضيف إلى يساري جمال فلان، و لا للجميل أن يقول: هلّا أضيف إلى جمالي مال فلان، و لا للشّريف أن يقول: هلّا أضيف إلى شر في مال فلان، و لا للوضيع أن يقول: هلّا أضيف إلى مالي (3) شرف فلان، و لكنّ الحكم للَّه يقسم كيف يشاء و يفعل كما يشاء، و هو حكيم في أفعاله محمود في أعماله.
و ذلك قوله: وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قال اللَّه: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا محمّد نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوج هذا إلى مال ذلك و أحوج ذلك إلى سلعة هذا و إلى خدمته. فترى أجلّ الملوك و أغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضّروب، إمّا سلعة معه ليست معه، و إمّا خدمة يصلح لها لا يتهيّأ لذلك الملك أن يستغني إلّا به، و إمّا باب من العلوم و الحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا [الفقير] (4). فهذا الفقير (5) يحتاج إلى مال ذلك الملك الغنيّ، و ذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته، ثمّ ليس للملك أن يقول: هلّا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير، و لا للفقير أن يقول: هلّا اجتمع إلى معرفتي (6) و علمي و ما أتصرّف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني.
و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لو حلف القانع (8) بتملّكه الدّارين، لصدّقه اللَّه- عزّ و جلّ- بذلك و لأبرّه (9) لعظم شأن مرتبته في القناعة، ثمّ كيف
____________
(1) المصدر: ضريبة.
(2) أي: ثابت.
(3) المصدر: ضعتى.
(4) من المصدر.
(5) في النسخ زيادة: الّذي.
(6) المصدر: رأيي.
(7) مصباح الشريعة/ 202.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: على اللَّه.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لأبرّ.
54
لا يقنع العبد بما قسم اللَّه- عزّ و جلّ- له و هو يقال: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. فمن أذعن (1) و صدّقه بما شاء و لما شاء (2) بلا غفلة و أيقن بربوبيّته (3)، أضاف تولية الإقسام إلى نفسه بلا سبب، و من قنع بالمقسوم استراح من الهمّ و الكرب.
وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: و أوقعنا بينهم التّفاوت في الرّزق و غيره.
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا: ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم، فيحصل بينهم تآلف و تضامّ ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسع و لا لنقص في المقتر.
ثمّ إنّه لا اعتراض لهم علينا في ذلك و لا تصرّف، فكيف يكون فيما هو أعلى منه.
وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ: هذه، يعني: النّبوّة و ما يتبعها.
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32): من حطام الدّنيا، و العظيم من رزق منها لا منه.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسي، متّصلا بآخر ما نقلنا عنه، أعني: قوله: مال هذا الملك الغنيّ. ثمّ قال: وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا. ثمّ قال: يا محمّد [قل لهم:] (5) وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، [أي: ما] (6) يجمعه هؤلاء من أموال الدّنيا.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً و لو لا أن يرغبوا في الكفر، إذا رأوا الكفّار في سعة و تنعّم لحبّهم الدّنيا، فيجتمعوا عليه.
لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ: و مصاعد، جمع معرج.
و قرئ (7): «معاريج» جمع معراج.
عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33): يعلون السّطوح لحقارة الدّنيا.
و «لبيوتهم» بدل من «لمن» بدل الاشتمال، أو علة، كقولك: و هبت له ثوبا لقميصه.
و قرأ (8) ابن كثير و أبو عمرو: «سقفا» اكتفاء بجمع «البيوت».
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أيقن.
(2) ليس في ق.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «بلا غفلة علة و من أيقن بربّه» بدل «بلا غفلة و أيقن بربوبيّته».
(4) الاحتجاج/ 33.
5 و 6- من المصدر.
7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 366.
55
و قرئ (1): «سقفا» و هو لغة في «سقف».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أي: على مذهب واحد. لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ قال: المعارج الّذي يظهرون بها (3).
و في كتاب علل الشّرائع (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللَّه بن غالب [الأسدي] (5) [عن أبيه] (6)، عن سعيد بن المسيّب قال: سألت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:
وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً.
فقال (7): عنى بذلك: أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يكونوا على دين واحد كفّارا كلّهم لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ.
و لو فعل ذلك بأمة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لحزن المؤمنون و غمّهم ذلك، و لم يناكحوهم و لم يوارثوهم.
و في أصول الكافي (8): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد اللَّه بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- و ذكر كما نقلنا عن كتاب العلل.
... إلى قوله: وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ
فإنّه ليس في أصول الكافي.
وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34): أي: أبوابا و سررا من فضّة.
وَ زُخْرُفاً: و زينة، عطف على «سقفا». أو ذهبا، عطفا على محلّ من «فضّة».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9)، متّصلا بقوله: عَلَيْها يَظْهَرُونَ. قال: وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَ زُخْرُفاً قال: البيت المزخرف بالذّهب.
قال الصّادق- (عليه السلام)- لو فعل اللَّه ذلك لما آمن أحد، و لكنّه جعل [في
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 366.
(2) تفسير القمي 2/ 284.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يظهرونها.
(4) العلل/ 589، ح 33.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ق، ش.
(7) ف ق، ش، زيادة. يعني.
(8) الكافي 2/ 265، ح 23.
(9) تفسير القمّي 2/ 284.
56
المؤمنين أغنياء، و في الكافرين فقراء، و] (1) في المؤمنين فقراء و في الكافرين أغنياء، ثمّ امتحنّهم بالأمر و النّهي و الصّبر و الرّضا.
و في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى منصور بن يونس قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قال اللَّه- عزّ و جلّ-: لو لا أن يجد عبدي المؤمن في نفسه (3)، لعصّبت الكافر بعصابة من ذهب.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد عن عيسى، عن يونس، عن محمّد بن سنان، عن العلا، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ فقراء المؤمنين (5) يتقلّبون (6) في رياض الجنّة قبل أغنيائهم أربعين خريفا.
ثمّ قال: سأضرب لك مثل ذلك، إنّما [مثل ذلك] (7) مثل سفينتين مرّ بهما على عاشر (8) فنظر في إحداهما (9) فلم ير فيها شيئا (10) فقال: أسربوها (11)، و نظر في الأخرى فإذا هي موقورة (12) فقال: احبسوها.
و بإسناده (13) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لو لا إلحاح المؤمنين على اللَّه في طلب الرّزق، لنقلهم من الحال الّتي هم فيها إلى حال أضيق منها.
و بإسناده (14) إلى سعدان قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إن اللَّه- عزّ و جلّ- يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر إليهم، فيقول:
و عزّتي و جلالي، ما أفقرتكم في الدّنيا من هو ان بكم عليّ، و لترون ما أصنع بكم اليوم، فمن زوّد [أحدا] (15) منكم في دار الدّنيا معروفا، فخذوا بيده و أدخلوه الجنة.
قال: فيقول رجل منهم: يا ربّ، إنّ أهل الدّنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا (16)
____________
(1) يوجد في ق، المصدر.
(2) العلل/ 604، ح 74.
(3) أي: يخطر بباله شيء.
(4) الكافي 2/ 260، ح 1.
(5) المصدر: المسلمين.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ينقلبون.
(7) ليس في ق.
(8) العاشر: من يأخذ العشر.
(9) ق، المصدر، إحداهما.
(10) ليس في ق، ش.
(11) أي: خلّوا سبيلها.
(12) كذا في المصدر. و في ق، ش: موقوتا. و في سائر النسخ: موقّرة.
و موقورة، أي: مملوءة.
(13) نفس المصدر/ 261، ح 5.
(14) نفس المصدر/ 261- 262، ح 9.
(15) من المصدر.
(16) كذا في المصدر. و في النسخ: فنحكوا.
57
النّساء و لبسوا الثّياب اللّيّنة و أكلوا الطّعام و سكنوا الدّور و ركبوا المشهور من الدّواب، فأعطني مثل ما أعطيتهم.
فيقول- تعالى-: لك و لكلّ عبد منكم (1) مثل ما أعطيت أهل الدّنيا منذ كانت الدّنيا إلى أن انقضت الدّنيا سبعون ضعفا.
عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن إبراهيم بن عقبة، عن إسماعيل بن سهل و إسماعيل بن عباد، جميعا، يرفعانه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما كان من ولد آدم مؤمن إلّا فقيرا و لا كافر إلّا غنيّا، حتّى جاء إبراهيم- (عليه السلام)- فقال:
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا (3). فصير اللَّه في هؤلاء أموالا و حاجة، [و في هؤلاء أموالا و حاجة] (4).
عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل (6) موسر (7) إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [نقيّ الثوب، فجلس إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (8) فجاء رجل معسر (9) درن الثّوب (10) فجلس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخفت أن يمسّك من فقره شيء؟
[قال: لا.
قال: فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟] (11) قال: لا.
قال فخفت أن يوسّخ ثيابك؟
قال: لا.
قال: فما حملك على ما صنعت؟
____________
(1) ق، ش، م: منهم.
(2) نفس المصدر/ 262، ح 10.
(3) الممتحنة/ 5.
(4) يوجد في ق، ش، المصدر.
(5) نفس المصدر/ 262، ح 11.
(6) ليس في ق، ش.
(7) الموسر: الغني.
(8) ليس في ق.
(9) ليس في ن.
(10) درن الثوب درنا: وسخ.
(11) من المصدر.
58
قال: يا رسول اللَّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- إن لي قرينا يزيّن لي كلّ قبيح و يقبّح لي كلّ حسن، و قد جعلت له نصف مالي.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للمعسر: أ تقبل.
قال: لا.
فقال له الرّجل: و لم؟
قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك.
و بإسناده (1) إلى حفص بن غياث: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: في مناجاة موسى- (عليه السلام)-: [يا موسى] (2) إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصّالحين، و إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجّلت عقوبته.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: طوبى للمساكين بالصّبر، و هم الذين يرون ملكوت السّموات [و الأرض] (4).
و بإسناده (5) قال (6): قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر المساكين، طيبوا نفسا و أعطوا اللَّه الرّضا من قلوبكم يثبكم اللَّه على فقركم، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم.
محمّد بن يحيى (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن إبراهيم (8) الحذّاء، عن محمّد بن صغير (9)، عن جدّه، شعيب [عن مفضّل] (10) قال: [قال] (11) أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-:
لو لا إلحاح هذه الشّيعة على اللَّه في طلب الرّزق، لنقلهم من الحال الّتي هم عليها إلى ما هو أضيق منها.
و بإسناده (12) إلى المفضّل بن عمر: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إن اللَّه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدّنيا، كما يتعذر الأخ إلى أخيه، فيقول:
____________
(1) نفس المصدر/ 263، ح 12.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر/ 263، ح 13.
(4) من المصدر.
(5) نفس المصدر/ 263، ح 14.
(6) ليس في ق.
(7) نفس المصدر/ 264، ح 16.
(8) في ن، ت، م، ي، ر، زيادة: بن.
(9) ن، ي، ر: صفير.
(10) ليس في ق، ش، م.
(11) من المصدر.
(12) نفس المصدر/ 264، ح 18.
59
و عزّتي، ما أحوجتك في الدّنيا من هو ان كان بك عليّ، فارفع هذا السّجف (1) فانظر إلى ما عوّضتك من الدّنيا.
فيرفع فيقول: ما ضرّني ما منعتني مع ما عوّضتني.
عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن مبارك، غلام شعيب قال: سمعت أبا الحسن، موسى- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللَّه يقول:
إنّي لم أغن الغنيّ لكرامة به عليّ، و لم أفقر الفقير لهوان به عليّ، و هو ممّا ابتليت به الأغنياء بالفقراء (3)، و لو لا الفقراء (4)، لم يستوجب الأغنياء الجنّة.
عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الفقر الموت الأحمر.
فقلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: الفقر من الدّينار و الدرهم؟
قال: لا، و لكن من الدّين.
وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا.
«إن» هي المخفّفة، و «اللّام» هي الفارقة.
و قرأ (6) حمزة و عاصم و هشام: «لمّا» بالتّشديد، بمعنى: إلّا، و «إن» نافية.
و قرئ (7) به (8) مع «إن» و «ما».
وَ الْآخِرَةُ: خير عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35): الكفر و المعاصي.
و فيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدّنيا، و إشعار بما لإجله لم يجعل ذلك للمؤمنين حتّى يجتمع النّاس على الإيمان، و هو أنّه تمتّع قليل بالإضافة إلى ما لهم في الآخرة مخلّ به في الأغلب لما فيه من الآفات قلّ من يتخلّص عنها، كما أشار إليه بقوله: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ يتعام و يعرض عنه، لفرط اشتغاله بالمحسوسات و انهماكه في الشّهوات.
____________
(1) أي: السّتر.
(2) نفس المصدر/ 264، ح 20.
(3) ق، ش، ت، م، ي، ر: بالفقر.
(4) ق، ش، م، ر: الفقر.
(5) نفس المصدر/ 266، ح 2.
(6) أنوار التنزيل 2/ 367.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) أي: ب «إلّا».
60
و قرئ (1): «يعش» بالفتح، أي: يعم. يقال: عشي: إذا كان في بصره آفة (2).
و عشى: إذا تعشى بلا آفة، كعرج و عرج.
و قرئ (3): «يعشو» على أنّ «من» موصولة.
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً: يوسوسه و يغويه دائما.
و قرأ (4) يعقوب، بالياء، على إسناده إلى ضمير الرّحمن.
و من رفع «يعشو» ينبغي أن يرفعه.
و «التّقيّض» الإتاحة، قيّض اللَّه فلانا لفلان (5): جاء به.
فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ: عن الطّريق الّذي من [حقّه أن] (6) يسبل.
و جمع الضميرين للمعنى، إذ المراد: جنس العاشي، و الشّيطان المقيّض لهم.
و في كتاب الخصال (7)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: من تصدّى (8) بالإثم أعشى (9) عن ذكر اللَّه (10). من ترك الأخذ عمّن (11) أمر اللَّه بطاعته، قيّض (12) له شيطان فهو له قرين.
وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37).
الضّمائر الثّلاثة (13): الأول له (14)، و الباقيان للشّيطان، أي: يحسبون أن الشياطين يهتدون فيتّبعونهم، و المراد: رؤساء الضّلالة و علماء السّوء.
حَتَّى إِذا جاءَنا، أي: العاشي.
و قرأ (15) الحجازيّان و ابن عامر و أبو بكر: «جاء انا»، أي: العاشي و الشّيطان.
«قال»، أي: العاشي للشّيطان.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في م، ي، ر.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ق، ش.
(6) ليس في ي.
(7) الخصال/ 633- 634.
(8) المصدر: صدئ.
(9) المصدر: عشى.
(10) أي: أعرض عنه.
(11) ن، ت، م، ي، المصدر: عن.
(12) قيّض له، أي: قدر و هيّأ له.
(13) أي: الضمائر الموجودة في الفقرة الماضية من الآية.
(14) أي: للعاشي.
(15) أنوار التنزيل 2/ 367.
61
يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ: بعد المشرق و المغرب، فغلّب المشرق و ثنّي، و أضيف البعد إليهما.
فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38): أنت.
و في روضة الكافي (1)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، يقول فيها: و لئن تقمّصها دوني الأشقيان و نازعاني فيما ليس لهما بحقّ و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا (2)، و لبئس ما لأنفسهما مهّدا، يتلاعنان في دورهما، و يتبرأ كلّ منهما من صاحبه، يقول (3) لقرينه إذا التقيا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ. فيجيبه الأشقى على رثوثة: يا ليتني لم اتّخذك خليلا، لقد أضللتني عن الذّكر بعد إذ جاءني، و كان الشيطان للإنسان خذولا (4). فأنا الذّكر الّذي عنه ضلّ (5).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم [بن عبد الرحيم] (7)، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت هاتان الآيتان هكذا: «حتّى إذا جاءانا» (8)، يعني:
فلانا و فلانا، يقول أحدهما لصاحبه حين يراه: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ.
وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ، أي: ما أنتم عليه من التّمنّي.
إِذْ ظَلَمْتُمْ: إذ صحّ أنكم ظلمتم أنفسكم في الدّنيا. بدل من اليوم.
أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39): لأنّ حقّكم أن تشتركوا (9) أنتم و شياطينكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه.
و يجوز أن يسند الفعل إليه، بمعنى: و لن ينفعكم اشتراككم في العذاب، كما ينفع الواقعين في أمر صعب معاونتهم في تحمل أعبائه و تقسّمهم بمكابدة عنائده، إذ لكلّ
____________
(1) الكافي 8/ 27- 28، ح 4.
(2) ت: وزرا.
(3) في ق، ش، زيادة: صاحبه.
(4) إشارة للآية 28، 29 من سورة الفرقان.
(5) ن، ت، م، ي، ر: صدّ.
(6) تفسير القمّي 2/ 286.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: جاءنا.
(9) ق، ت، م، ي، ر: تشركوا.
62
منكم ما لا تسعه طاقته (1).
و قرئ (2): «إنّكم» بالكسر، و هو يقوّي الأوّل.
و في شرح الآيات الباهرة (3): قال (4) محمد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاري، عن محمد بن خالد البرقيّ، عن أبي أسلم، عن أيّوب البزّاز، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ آل محمّد حقّهم أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ.
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ: إنكار تعجيب من أن يكون هو الّذي يقدر على هدايتهم بعد تمرّنهم على الكفر و استغراقهم في الضّلال، بحيث صار عشاهم عمى مقرونا بالصّمم (5).
قيل (6): كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتعب نفسه في دعاء قومه و هم لا يزيدون إلّا غيّا، فنزلت.
وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40): عطف على «العمي» باعتبار تغاير الوصفين. و فيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكّنهم في ضلال لا يخفى.
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ، أي: فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم. و «ما» مزيدة مؤكّدة (7) بمنزلة لام القسم في استجلاب النّون المؤكّدة.
فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41): بعذاب في الدّنيا و في الآخرة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8)- (رحمه اللّه)-، متّصلا بقوله: فَبِئْسَ الْقَرِينُ. فقال اللَّه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قل لفلان و فلان و أتباعهما: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ آل محمد حقّهم أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ.
ثمّ قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، يعني: من فلان و فلان.
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) أنوار التنزيل 2/ 367.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 557، ح 13.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 367. و في النسخ:
بالصّم.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ليس في ق.
(8) تفسير القمّي 2/ 286.
63
حدّثني (1) أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ يا محمّد [من مكّة] (2) إلى المدينة فإنّا رادّوك إليها، و منتقمون منهم بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في مجمع البيان (3): فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ (الآية)
روي: أنّه اري ما تلقى أمّته بعده، فما زال منقبضا و لم ينبسط ضاحكا حتّى لقي اللَّه.
و روى (4) جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ قال: إنّي لأدناهم من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حجّة الوداع بمنى حتّى قال: لألفينكم (5) ترجعون بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، و أيم اللَّه، لئن فعلتموها لتعرفنّني في الكتيبة الّتي تضاربكم.
ثمّ التفت إلى خلفه فقال: أو عليّ أو عليّ [ثلاث مرّات] (6). فرأينا أنّ جبرئيل غمزه فأنزل اللَّه على إثر ذلك: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في تفسير فرات بن إبراهيم (7) قال: حدّثنا أبو القاسم [العلويّ] (8) قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفيّ قال: حدّثنا الفضل بن يوسف القصبانيّ قال: حدثني إبراهيم بن الحكم بن ظهير قال: حدّثنا (9) أبي، عن (10) السّدّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس، في قوله- تعالى-: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ قال: بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في شرح الآيات الباهرة (11): حدّثنا أحمد بن محمّد بن موسى النّوفليّ، عن عيسى بن مهران، عن يحيى بن حسن بن فرات، بإسناده إلى حرب (12) بن أبي الأسود الدّؤليّ، عن عمّه أنّه قال: إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [قال:] (13) لمّا نزلت فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، أي: بعليّ- (عليه السلام)-. كذلك حدّثني جبرئيل.
____________
(1) نفس المصدر/ 284.
(2) من المصدر.
(3) المجمع 5/ 49.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) أي: لأجدكم. و في ق، ش، م:
لألقينّكم.
(6) من المصدر.
(7) تفسير فرات الكوفي/ 150- 151.
(8) من المصدر.
(9) ليس في ق، ش، م.
(10) ليس في المصدر.
(11) تأويل الآيات الباهرة 2/ 559، ح 17.
(12) ق: الحرث.
(13) من المصدر.
64
و قال- أيضا- (1): حدّثني عبد العزيز بن يحيى، عن المغيرة بن محمّد، عن عبد الغفّار بن محمّد، عن منصور بن أبي الأسود، عن زياد بن المنذر، عن عديّ بن ثابت قال:
سمعت ابن عبّاس يقول: ما حسدت قريش عليّا- (عليه السلام)- بشيء ممّا سبق له أشدّ ممّا وجدت يوما و نحن عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: كيف أنتم [معشر قريش] (2) لو قد كفرتم من بعدي فرأيتموني في كتيبة أضرب وجوهكم بالسيف؟
فهبط عليه جبرئيل فقال: قل: إن شاء اللَّه أو عليّ.
فقال: إن شاء اللَّه أو عليّ- (عليه السلام)-.
و قال- أيضا- (3): حدّثني الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن بن سالم، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [قال:] (4) قال اللَّه: أنتقم بعليّ- (عليه السلام)- يوم البصرة (5) و هو اليوم (6) الّذي وعد اللَّه رسوله.
و قال- أيضا- (7): حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن عليّ بن هلال، عن محمّد بن الرّبيع قال: قرأت على يوسف الأزرق حتّى انتهيت في الزّخرف فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ.
قال: يا محمّد، أمسك. فأمسكت.
فقال يوسف: قرأت على الأعمش، فلمّا انتهيت إلى هذه الآية قال: يا يوسف، أ تدري فيمن نزلت؟
قلت: اللَّه أعلم.
قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ بعليّ «منتقمون» محيت و اللَّه من القرآن، و اختلست و اللَّه من القرآن.
أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ: أو إن أردنا أن نريك ما وعدناهم.
____________
(1) نفس المصدر، ح 18.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر، ح 19.
(4) من المصدر.
(5) ق، ش، ن، م، ي، ر: النّصرة.
(6) ليس في ي، ر، المصدر.
(7) نفس المصدر/ 560، ح 20.
65
و قرأ (1) يعقوب برواية رويس: «أو نرينك» بإسكان النّون، و كذا «نذهبن».
فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42): لا يفوتوننا.
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ: من الآيات و الشّرائع.
و قرئ (2): «أوحى» على البناء للفاعل، و هو اللَّه.
إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43): لا عوج له.
و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن النّضر بن شعيب، عن خالد بن ماد (4)، عن محمّد بن الفضل (5)، عن الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أوحى اللَّه إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قال: إنّك على ولاية عليّ- (عليه السلام)-. و علي- (عليه السلام)- هو الصّراط المستقيم.
و في شرح الآيات الباهرة (6): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-:] (7) حدّثنا عليّ ابن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن عليّ بن هلال، عن الحسن بن وهب، عن جابر ابن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تبارك و تعالى-: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ قال: في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- (8).
و روى الشّيخ محمّد بن يعقوب (9)، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين عن النّضر بن شعيب، بإسناده إلى محمّد بن الفضل (10)، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أوحى اللَّه إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ في ولاية عليّ- (عليه السلام)- عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. [و علي هو الصراط
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 367.
(2) نفس المصدر/ 368.
(3) الكافي 1/ 416- 417، ح 24.
(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 292. و في النسخ: مارد.
(5) ق: الفضيل.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 560، ح 21.
(7) ليس في ق، ش، م.
(8) في ن، ت، ي، ر زيادة و هي مكرّر نفس الحديث.
(9) نفس المصدر/ 560- 561، ح 22.
(10) المصدر: الفضيل.
66
المستقيم] (1).
وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ: لشرف لك.
وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ (44)، أي: عنه يوم القيامة، و عن قيامك بحقّه.
و في أصول الكافي (2): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد اللَّه بن عجلان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نحن قومه، و نحن المسئولون.
الحسين بن محمّد (3)، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عمّه، عبد الرّحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قوله:
وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ.
قال: إيّانا عنى، و نحن أهل الذّكر، و نحن المسئولون.
عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ. فرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أهل بيته المسئولون، و هم أهل الذّكر.
أحمد بن محمّد (5)، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جل-: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ قال: «الذّكر القرآن» و نحن قومه، و نحن المسئولون.
محمّد بن الحسين و غيره (6)، عن سهل، عن محمّد بن عيسى و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين، جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، و (7) عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و نقل حديثا
____________
(1) من المصدر.
(2) الكافي 1/ 210، ح 1.
(3) نفس المصدر، ح 2.
(4) نفس المصدر/ 211، ح 4.
(5) نفس المصدر/ 211، ح 5.
(6) نفس المصدر/ 293- 295.
(7) ق، ش: عن.
67
طويلا، يقول فيه: و سمّى اللَّه القرآن: ذكرا، فقال: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن صالح بن السنديّ (2)، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن شهادة ولد الزّنا تجوز؟
فقال: لا.
فقلت: إن الحكم بن عتيبة (3) يزعم أنّها تجوز.
فقال: اللّهم، لا تغفر ذنبه، ما قال اللَّه للحكم (4): وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ فليذهب الحكم يمينا و شمالا، فو اللَّه، لا يؤخذ العلم إلّا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا يحيى بن زكريّاء، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له قوله: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ فقال: «الذّكر» القرآن، و نحن قومه، و نحن المسئولون.
و في بصائر الدّرجات (6): العبّاس بن معروف، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر (7) بن يزيد قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ قال: «الذّكر» (8) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و أهل بيته أهل الذّكر، و هم المسئولون.
يعقوب بن يزيد (9)، عن (10) ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن (11) معاوية، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ. قال: إنّما عنانا بها. نحن أهل الذّكر، و نحن المسئولون.
____________
(1) نفس المصدر/ 400، ح 5.
(2) ق، ش: صالح الندي.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عيينة.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) تفسير القمّي 2/ 286.
(6) البصائر/ 58، ح 7.
(7) ق: عمرو.
(8) ليس في ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(9) نفس المصدر، ح 8.
(10) في ق، ش، زيادة: عمر.
(11) المصدر: عن.
68
و في شرح الآيات [الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-:] (2). حدّثنا محمّد ابن القاسم، عن الحسين بن الحكم، عن حسين بن (3) نصر، عن أبيه، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قوله: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ. فنحن قومه، و نحن المسئولون.
و قال- أيضا- (4): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن سلام، عن أحمد بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قوله- تعالى-: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ.
قال: إيّانا عنى، و نحن أهل الذّكر، و نحن المسئولون.
و قال- أيضا- (5): حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد (6) الحلبيّ [عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (7) قال: قوله: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ. فرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [الذكر] (8) و أهل بيته أهل الذّكر، و هم المسئولون أمر اللَّه النّاس أن (9) يسألونهم، فهم ولاة النّاس و أولاهم بهم، فليس يحلّ لأحد من النّاس أن يأخذ هذا الحقّ الّذي افترضه اللَّه لهم.
و قال- أيضا- (10): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يوسف، عن صفوان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: قوله- تعالى-: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ [من هم] (11)؟
قال: نحن هم.
و روي (12) عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن الحسين بن يوسف (13)، عن أبيه، عن ابني
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 561، ح 23.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) في ق، ش، زيادة: أبي.
(4) نفس المصدر، ح 24.
(5) نفس المصدر، ح 25.
(6) في ق، ش، م، ي، ر، زيادة: بن.
(7) من المصدر مع المعقوفتين.
(8) من المصدر مع المعقوفتين.
(9) ليس في المصدر.
(10) نفس المصدر، ح 26.
(11) ليس في ق، ش، م.
(12) نفس المصدر/ 562، ح 27.
(13) المصدر: سيف.
69
القاسم، عن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ.
قال: قوله: «و لقومك»، يعني: عليّا أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. «و سوف تسألون» عن ولايته.
وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا: و اسأل رسل (1) أممهم و علماء دينهم.
و في شرح الآيات الباهرة (2): روى من طريق العامّة أبو نعيم الحافظ، أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة اسري [به إلى السّماء] (3) جمع اللَّه بينه و بين الأنبياء، ثمّ قال له: سلهم، يا محمّد، على ما ذا بعثتم؟
فقالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، و الإقرار بنبوّتك، و الولاية لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
محمّد بن العبّاس (4)- (رحمه اللّه)-، عن جعفر بن محمّد الحسنيّ (5)، عن عليّ بن إبراهيم القطّان، عن عبّاد بن يعقوب، عن محمّد بن فضيل، عن محمّد بن سويد، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث الإسراء:
فإذا ملك قد أتاني، فقال: يا محمّد، سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما ذا بعثتم؟
فقلت لهم: معاشر الرّسل و النّبيّين، على ما ذا بعثكم اللَّه قبلي؟
قالوا: على ولايتك [يا محمّد] (6)، و ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
الحسن بن أبي الحسن الديلميّ (7)، بإسناده، عن رجاله إلى محمّد بن مروان قال:
حدّثنا السّائب بإسناده إلى ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لما عرج بي إلى السّماء انتهى بي المسير مع جبرئيل إلى السّماء الرّابعة، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر.
فقال لي جبرئيل: يا محمّد، هذا البيت المعمور خلقه اللَّه قبل خلق السّموات
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 562، ح 28.
(3) ليس في ق.
(4) نفس المصدر، ح 29.
(5) المصدر: الحسيني.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) نفس المصدر/ 563، ح 30.
70
و الأرض بخمسين ألف عام، فصلّ فيه. فقمت للصّلاة و جمع اللَّه النّبيّين و المرسلين، فصفّهم جبرئيل صفّا فصلّيت بهم.
فلمّا سلّمت أتاني آت من عند ربّي، فقال: يا محمّد، ربّك يقرئك السّلام، و يقول لك: سل الرّسل على ما ذا أرسلتم من قبل (1)؟
فقلت: معاشر الأنبياء و الرّسل، على ما ذا بعثكم ربّي قبلي؟
قالوا: على ولايتك، و ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و ذلك قوله: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا.
و من طريق العامّة: عن أبي نعيم الحافظ (2)، عن محمّد بن حميد (3)، يرفعه عن ابن عبّاس في تفسير قوله- تعالى-: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا قال: قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا جمع اللَّه بيني و بين الأنبياء ليلة الإسراء قال اللَّه: سلهم، يا محمّد، على ما بعثتم؟
قالوا: بعثنا اللَّه على شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، و الإقرار (4) بنبوّتك، و على الولاية لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و من طريق الخاصّة: روى الشّيخ محمّد بن يعقوب (5)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: ولاية عليّ مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، و لم يبعث اللَّه (6) رسولا إلّا بنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و وصيّة عليّ- (عليه السلام)-.
و روى- أيضا- (7)، عن محمّد بن أحمد (8)، عن سلمة بن الخطّاب، عن عليّ بن سيف (9)، عن العبّاس بن عامر، عن أحمد بن رزق العمشاني (10)، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ولايتنا ولاية اللَّه الّتي لم يبعث اللَّه
____________
(1) المصدر: قبلي.
(2) نفس المصدر/ 563، ح 31.
(3) ق، ش: حميد.
(4) في ق زيادة: بولايتك.
(5) نفس المصدر/ 565، ح 33.
(6) ليس في ق.
(7) نفس المصدر/ 565، ح 34.
(8) المصدر: يحيى.
(9) ق، ش، م: يوسف.
(10) المصدر: الغمشاني.
71
نبيّا إلّا بها.
و روي الشّيخ أبو جعفر الطّوسي (1)- (رحمه اللّه)- في أماليه مسندا (2)، عن محمّد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمد الصّادق- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما قبض اللَّه نبيّا حتّى أمره أن يوصي إلى أفضل عترته من عصبته، و أمرني أن أوصي.
فقلت: إلى من، يا ربّ؟
فقال: أوص، يا محمّد، إلى ابن عمّك، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فإنّي قد أثبتّه في الكتب السّالفة، و كتبت فيها: أنّه وصيّك، و على ذلك أخذت ميثاق الخلائق و مواثيق أنبيائي و رسلي، أخذت مواثيقهم لي بالرّبوبية، و لك يا محمّد بالنّبوّة، و لعليّ بن أبي طالب بالولاية.
و روى الشّيخ محمّد بن يعقوب (3)، عن محمّد بن يحيى، عن عبد اللَّه بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن عبد الحميد، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: ما من نبيّ جاء قطّ إلّا بمعرفتنا و تفضيلنا على من سوانا.
و روي (4) مسندا مرفوعا، عن جابر بن عبد اللَّه أنّه قال: قال لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جابر، أيّ الإخوة أفضل؟
قال: قلت: البنين (5) من الأب و الأمّ.
فقال: إنّا، معاشر الأنبياء، إخوة و أنا أفضلهم، و أحبّ الإخوة إليّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فهو عندي أفضل من الأنبياء: فمن زعم أنّ الأنبياء أفضل منه فقد جعلني أقلّهم، و من جعلني أقلّهم فقد كفر، لأنّي لم أتّخذ عليّا أخا إلا لما علمت من فضله و أرمني ربّي بذلك.
و روي المفضّل بن محمّد المهلبيّ (6)، عن رجاله مسندا، عن محمّد بن ثابت قال:
____________
(1) نفس المصدر/ 566، ح 35.
(2) ليس في ق، ش.
(3) نفس المصدر/ 566، ح 36.
(4) نفس المصدر/ 566، ح 37.
(5) كذا في المصدر. و في ن، م، ش: النبيّين.
و في سائر النسخ: البنيين.
(6) نفس المصدر/ 567، ح 38.
72
حدّثني أبو الحسن، موسى- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ: أنا رسول اللَّه المبلّغ عنه، و أنت وجه اللَّه و (1) المؤتمّ به، فلا نظير لي إلّا أنت، و لا مثل لك إلّا أنا.
أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45): هل حكمنا بعبادة الأوثان، و هل جاءت في ملّة من مللهم؟
و المراد به: الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التّوحيد، و الدّلالة على أنّه ليس ببدع أبدعه فيكذّب و يعادى له، فإنّه كان أقوى ما حملهم على التّكذيب و المخالفة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي الرّبيع قال: حججت مع أبي جعفر- (عليه السلام)- في السّنة الّتي حجّ فيها هشام بن عبد الملك، و كان معه نافع بن الأزرق مولى عمر بن الخطّاب، فنظر نافع إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- في ركن البيت و قد اجتمع إليه النّاس.
فقال [لهشام] (3): يا أمير المؤمنين، من هذا الّذي تتكافأ (4) عليه [الناس] (5)؟
فقال: هذا نبيّ أهل الكوفة، محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-.
فقال نافع: لأئتيه فأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصي نبيّ [أو ابن وصيّ] (6).
فقال هشام: فاذهب إليه فاسأله، فلعلّك أن تخجله.
فجاء نافع فاتكى على النّاس ثمّ أشرف على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد بن عليّ، إنّي قرأت التّوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان، و قد عرفت حلالها و حرامها، و قد جئتك أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصي نبيّ أو ابن وصيّ نبيّ.
فرفع إليه أبو جعفر- (عليه السلام)- رأسه، فقال: سل.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) تفسير القمّي 2/ 284- 285.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تتكافى.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ق.
73
فقال: أخبرني كم بين عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من سنة؟
فقال: أخبرك بقولي أو بقولك؟
فقال: أخبرني بالقولين جميعا.
فقال: أما بقولي فخمسمائة سنة، و أمّا بقولك فستّمائة سنة.
فقال: فأخبرني عن قول اللَّه: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا (الآية) من ذا الّذي سأله (1) محمّد و كان بينه و بين عيسى خمسمائة سنة؟
قال: فتلا أبو جعفر- (عليه السلام)- هذه الآية (2): سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا، فكان من الآيات الّتي أراها اللَّه محمّدا حين اسري به إلى بيت المقدس أن حشر اللَّه له الأولين و الآخرين من النّبيّين و المرسلين، ثمّ أمر جبرئيل فأذّن شفعا و أقام شفعا، ثمّ قال في إقامته: حيّ على خير العمل. ثمّ تقدّم محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فصلّى بالقوم، فأنزل اللَّه عليه: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا (الآية).
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: على ما تشهدون، و ما كنتم تعبدون؟
فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أنّك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخذت على ذلك مواثيقنا و عهودنا.
قال نافع: صدقت، يا ابن رسول اللَّه. يا أبا جعفر، أنتم و اللَّه أوصياء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خلفاؤه في التّوراة، و أسماؤكم في الإنجيل و في الزّبور و في الفرقان، و أنتم أحق بالأمر من غيركم.
و في روضة الكافي (3): عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، ثابت بن دينار الثّماليّ و أبي (4) منصور، عن أبي الرّبيع، مثله.
... إلى قوله: قال نافع: صدقت. من غير تغيير و حذف مغيّر للمعنى.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين حديث طويل، يقول فيه:
____________
(1) ن، ت، ي، ر، المصدر: سأل.
(2) الإسراء/ 1.
(3) الكافي 8/ 120، ح 93.
(4) المصدر: أبو.
(5) الاحتجاج/ 248- 249.
74
و أمّا قوله: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا. فهذا من براهين نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّتي آتاه اللَّه إياها و أوجب به الحجّة على سائر خلقه، لأنه لما ختم به الأنبياء و جعله اللَّه رسولا إلى جميع الأمم و سائر الملل خصّه بالارتفاء إلى السّماء عند المعراج، و جمع له يومئذ الأنبياء، فعلم منهم ما أرسلوا به و حملوه من عزائم اللَّه و آياته و براهينه، فأقرّ الأجمعون (1) بفضله و فضل الأوصياء و الحجج في الأرض من بعده و فضل شيعة (2) وصيّه من المؤمنين و المؤمنات الّذين سلّموا لأهل الفضل فضلهم، و لم يستكبروا عن أمرهم، و عرف من أطاعهم و عصاهم من أممهم و سائر من مضى و من غبر أو تقدّم أو تأخّر.
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46).
يريد باقتصاصه: تسلية الرّسول، و مناقضة قولهم: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. و الاستشهاد بدعوة موسى إلى التّوحيد.
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا [إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47): (فاجئوا لوقت ضحكهم منها، أي:) (3) استهزؤوا بها أوّل ما رأوها و لم يتأمّلوا فيها.
وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها:] (4) إلّا و هي بالغة أقصى درجات الإعجاز، بحيث يحسب النّاظر فيها أنّها أكبر ممّا يقاس إليها من الآيات، و المراد:
وصف الكلّ بالكبر، كقولك: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض.
أو إلّا و هي مختصّة بنوع من الإعجاز، مفضلّة على غيرها بذلك الاعتبار.
وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، كالسّنين و الطّوفان و الجراد.
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48): على وجه يرجى رجوعهم.
وَ قالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ: نادوه بذلك في تلك الحال لشدّة شكيمتهم و فرط حماقتهم، أو لأنّهم كانوا يسمّون العالم الباهر: ساحرا.
و قرأ (5) ابن عامر، بضمّ الهاء.
____________
(1) المصدر: و أقرّوا أجمعون
(2) ق، ش، م، المصدر: شيعته.
(3) ليس في م.
(4) ليس في ش.
(5) أنوار التنزيل 2/ 368.
75
ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ: بعهده عندك من النبوة. أو من أن يستجيب دعوتك. أو أن يكشف العذاب عمّن اهتدى. أو بما عهد عندك فوفيت به، و هو الإيمان و الطّاعة.
إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49): إن تدع لنا فيكشف عنّا العذاب.
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50): فاجئوا نكث عهدهم بالاهتداء.
وَ نادى فِرْعَوْنُ: بنفسه، أو بمناديه.
فِي قَوْمِهِ: في مجمعهم، أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة أن يؤمن بعضهم.
قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ، أي: أنهار النّيل.
قيل (1): معظمها أربعة: نهر الملك، و نهر طولون، و نهر دمياط، و نهر تنيس.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِي: تحت قصري، أو أمري، أو بين يدي في جناني.
و «الواو» إما عاطفة «لهذه الأنهار» على «الملك» و «تجري» حال منها، أو واو حال و «هذه» مبتدأ و «الأنهار» و «تجري» خبرها.
أَ فَلا تُبْصِرُونَ (51): ذلك.
أَمْ أَنَا خَيْرٌ: مع هذه الأملاك و البسطة مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ: ضعيف حقير لا يستعدّ للرّئاسة. من المهانة، و هي القلّة.
وَ لا يَكادُ يُبِينُ (52): الكلام لما به من الرّتّة (2)، فكيف يصلح للرّسالة.
و «أم» إمّا منقطعة و الهمزة فيها للتّقرير، إذ قدّم من أسباب فضله. أو متّصلة على إقامة المسبّب مقام السّبب، و المعنى: أ فلا تبصرون أم تبصرون فتعلمون أنّي خير منه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): وَ لا يَكادُ يُبِينُ قال: لم يبين الكلام.
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أي: فهلّا ألقي عليه مقاليد الملك إن
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) أي: العجمة في اللّسان، و هي اللّثغة و التردّد في النطق.
(3) تفسير القمّي 2/ 285.
76
كان صادقا.
قيل (1): إذ كانوا إذا سوّدوا (2) رجلا سوّروه و طوّقوه بسوار و طوق من ذهب.
و «أساورة» جمع إسوار (3)، بمعنى: السّوار، على تعويض التاء من ياء أساوير، و قد قرئ به.
و قرأ (4) يعقوب و حفص: «أسورة»، و هي جمع سوار.
و قرئ (5) أساور، جمع أسورة. و «ألقى [عليه أسورة» و «أساور»] (6) على بناء الفاعل، و هو اللَّه.
و في نهج البلاغة (7): و لقد دخل موسى بن عمران، و معه أخوه هارون، على فرعون و عليهما مدارع الصّوف و بأيديهما العصيّ، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه، فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ و بقاء الملك، و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّة، فهلّا ألقي عليهما أساورة من ذهب؟ إعظاما للذّهب و جمعه، و احتقارا للصّوف و لبسه! و لو أراد اللَّه- (عليه السلام)- سبحانه- لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان، و معادن (8) العقيان (9)، و مغارس الجنان، و أن يحشر معهم طيور السّماء و وحوش الأرضين لفعل، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء و اضمحلّت الأنباء (10)، و لما وجب للقابلين (11) أجور المبتلين، و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين، و لا لزمت الأسماء معانيها.
و لكنّ اللَّه- سبحانه- جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 369.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سوّروا.
(3) ن، م، ي، ر: أسورة.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) النّهج/ 291- 292، الخطبة 192.
(8) في ق زيادة: الأعيان.
(9) أي: الذهب.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و اضمحلّ الأبناء.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: للقائلين.
77
و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام، و عزة لا تضام، و ملك تمدّ نحوه أعناق الرّجال، [و تشدّ إليه عقد الرّحال] (1) لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار، و أبعد لهم في الاستكبار، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، فكانت السّيّئات مشتركة، و الحسنات مقتسمة.
و لكنّ اللَّه أراد أن يكون الاتّباع لرسله، و التّصديق بكتبه، و الخشوع لوجهه، و الاستكانة لأمره، و الاستسلام لطاعته، أمورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة، و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم، كانت المثوبة و الجزاء (2) أجزل.
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53): مقرونين يعينونه أو يصدّقونه، من قرنته به، فاقترن. أو متقارنين، من اقترن، بمعنى: تقارن.
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ: فطلب منهم الخفّة في مطاوعته. أو فاستخفّ أحلامهم.
فَأَطاعُوهُ: فيما أمرهم به.
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54): فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق.
فَلَمَّا آسَفُونا: أغضبونا بالإفراط في العناد و العصيان. منقول من أسف: إذا اشتدّ غضبه.
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55): في اليمّ.
في كتاب التوحيد (3)، بإسناده إلى أحمد بن أبي عبد اللَّه، [عن أبيه،] (4) رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ قال: إنّ اللَّه لا يأسف، كأسفنا، و لكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون و يرضون، و هم مخلوقون مدبّرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى و سخطهم لنفسه سخطا، و ذلك لأنّه جعلهم الدّعاة إليه و الأدلّاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، و ليس أن ذلك يصل إلى اللَّه، كما يصل إلى خلقه، و لكن هذا معنى ما قال من ذلك.
و قد قال- أيضا-: من أهان لي وليّا، فقد بارزني بالمحاربة و دعاني إليها. و قال
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) في ق، ش، م، زيادة: أعظم و.
(3) التوحيد/ 168- 169، ح 2.
(4) من المصدر.
84
فأنزل اللَّه في ذلك المجلس: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (1) وَ قالُوا (الآية)- إلى قوله-: «إن عليّ إلّا عبد أنعمنا عليه و جعلناه مثلا لبني إسرائيل» فمحي (2) اسمه عن هذا الموضع.
و في مجمع البيان (3): و قوله: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ (الآية) اختلف في المراد به على وجوه.
... إلى قوله: و رابعها، ما
رواه سادة أهل البيت، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: جئت إلى النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما فوجدته في ملأ من قريش، فنظر إليّ ثم قال:
يا عليّ، إنّما مثلك في هذه الأمّة كمثل عيسى بن مريم، أحبّه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا، و أبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا، و اقتصد فيه قوم فنجوا.
فعظم ذلك عليهم فضحكوا، فقالوا: يشبّهه بالأنبياء و الرّسل. فنزلت هذه الآية.
و في كتاب المناقب (4) لابن شهر آشوب: و قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يدخل من هذا الباب رجل أشبه الخلق بعيسى. فدخل عليّ- (عليه السلام)- فضحكوا من هذا القول، فنزل: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا (الآية).
و في كتاب الخصال (5) في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على النّاس يوم الشّورى قال: نشدتكم باللَّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: احفظ الباب فإنّ زوّارا من الملائكة يزوروني (6)، فلا تأذن لأحد. فجاء عمر فرددته ثلاث مرّات، [و أخبرته] (7) أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- محتجب و عنده زوّار من الملائكة و عدّتهم كذا و كذا، ثمّ أذنت له فدخل.
فقال: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّي قد جئتك ثلاث مرّات (8)، و كلّ
____________
(1) المصدر: يضجّون.
(2) ي، ر: فنحى.
(3) المجمع 5/ 52- 53.
(4) المناقب 3/ 259- 260.
(5) الخصال/ 557، ح 31.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يزورني.
(7) ليس في ق، ش.
(8) في ت، ي، ر، زيادة: غير مرّة.
79
و قرئ (1): «سلفا» بإبدال ضمّة اللّام فتحة. أو على أنّه جمع سلفة، أي: ثلّة سلفت.
وَ مَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56): و عظة لهم. أو قصّة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم، فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون.
وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا قيل (2): أي: ضربه ابن الزّبعري لما جادل رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه و آله- في قوله: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. أو غيره بأن قال: النصارى أهل كتاب، و هم يعبدون عيسى و يزعمون أنه ابن اللَّه، و الملائكة أولى بذلك.
و قيل (3): معناه: و لمّا ضرب وصف ابن مريم شبيها في العذاب بالآلهة، أي:
فيما قالوا على زعمهم، و ذلك أنّه لمّا نزل قوله: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ قال المشركون: قد رضينا بأن تكون آلهتنا حيث يكون عيسى، فإن كان عيسى في النّار فكذلك آلهتنا.
و قيل (4): إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا مدح المسيح و أمّه، و أنّه كآدم في الخاصّيّة، قالوا: إنّ محمّدا يريد أن نعبده، كما عبدت النّصارى عيسى.
إِذا قَوْمُكَ: قريش.
مِنْهُ: من هذا المثل.
يَصِدُّونَ (57): يضجّون فرحا، لظنّهم أن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- صار ملزما به.
و قرأ (5) نافع و ابن عامر و الكسائي، بالضّمّ، من الصّدود، أي: يصدّون عن الحقّ و يعرضون عنه.
و قيل (6): هما لغتان، نحو: يعكف و يعكف.
و في كتاب معاني الأخبار (7): حدثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال:
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) مجمع البيان 5/ 52- 53.
(4) نفس المصدر و الموضع.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 369.
(7) معاني الأخبار/ 220، ح 1.
80
حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العبّاس بن معروف، عن الحسين بن بريد النّوفليّ، عن اليعقوبيّ، عن عيسى بن عبد اللَّه الهاشميّ، عن أبيه، عن جدّه قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال:
الصّدود في العربيّة: الضّحك.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (1): قال: حدّثني سعيد بن الحسين بن مالك قال: حدثنا أبو الحسن، يعني: عبد الواحد، قال: حدّثنا الحسن (2) بن يحيى بن [أبي] (3) يعلى، عن الصّباح بن يحيى، عن الحارث بن حصرة (4)، عن ربيعة بن ناجد (5) قال:
سمعت عن أمير المؤمنين عليّ (6) بن أبي طالب- (عليه السلام)- يقول: فيّ نزلت هذه الآية وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا (الآية).
و قال (7): حدّثنا الحسين بن أحمد بن يوسف [قال: حدّثني يوسف] (8) بن [موسى ابن] (9) عيسى بن عبد اللَّه قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: جئت إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو في ملأ من قريش، فنظر إليّ ثمّ قال: يا عليّ، إنّما مثلك في هذه الأمّة كمثل عيسى بن مريم، أحبّه قوم فأفرطوا، و أبغضه قوم فأفرطوا.
فضحك الملأ الّذين عنده و قال: انظروا (10) كيف يشبّه ابن عمّه بعيسى بن مريم.
قال: فنزل الوحي: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا (الآية).
و قال (11): حدّثنا أحمد بن قاسم قال: أخبرنا عبادة، يعني: ابن زيادة، قال:
____________
(1) تفسير فرات الكوفي/ 151.
(2) المصدر: الحسين.
(3) من المصدر.
(4) ن، ي: حضرة. و في المصدر: حضيرة.
و الظاهر أنّ الصحيح: حصيرة، كما ورد في جامع الرواة 1/ 172.
(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 318.
(6) المصدر: عليّا.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) ليس في ق، ش.
(9) من المصدر.
(10) المصدر: انظر.
(11) نفس المصدر و الموضع.
81
حدّثنا محمّد بن كثير، عن الحارث بن حصيرة (1)، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد (2)، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، إن فيك مثلا من عيسى بن مريم، إنّ اليهود أبغضوه حتّى بهتوه (3)، و أن النّصارى أحبّوه حتى جعلوه إلها، و يهلك فيك رجلان: محبّ مفرط (4)، و مبغض مفتر.
قال المنافقون: [ما يألوا] (5) ما رفع بضبع (6) ابن عمّه جعله مثلا لعيسى بن مريم، و كيف يكون هذا؟ و ضجّوا ما قالوا.
فأنزل اللَّه هذه الآية: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، أي:
يضجّون.
قال: و هي قراءة ابيّ بن كعب (7).
و قال (8): حدّثني الحسين بن سعيد و محمّد بن عيسى بن زكريّا قالا: حدّثنا يحيى ابن أبي (9) الصّباح المزنيّ، عن عمرو بن عمير، عن أبيه قال: بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا إلى شعب فأعظم فيه العناء (10)، فلما أن جاء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال:
يا عليّ،- (عليه السلام)- قد بلغني عناؤك (11) و الّذي صنعت، و أنا عنك راض.
قال: فبكى عليّ- (عليه السلام)-.
فقال (12) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما يبكيك، يا عليّ- (عليه السلام)- أفرح أم حزن؟
قال: بل فرح. و ما لي لا أفرح، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنت عنّي
____________
(1) ن، المصدر: حضيرة.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ماخذ.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يهنوه.
(4) كذا في المصدر. و في ق، ش: مطري. و في سائر النسخ: مطوى.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بضع.
(7) في ي، المصدر، زيادة: يضجّون. و في ر زيادة: يضحون.
(8) نفس المصدر/ 153.
(9) ليس في المصدر.
(10) المصدر: البلاء.
(11) المصدر: نبأك.
(12) في ن، ت، ي، ر، زيادة: قال.
82
راض؟! قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما و إنّ (1) اللَّه و ملائكته و جبرئيل و ميكائيل عنك راضون. أما و اللَّه، لو لا أن يقول (2) فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت اليوم فيك قولا لا تمرّ بملإ منهم قلّوا أو كثروا إلّا قاموا (3) إليك يأخذون التّراب من تحت قدميك يلتمسون البركة في ذلك.
قال: فقالت قريش: ما رضى حتّى جعله مثلا لابن مريم.
فأنزل اللَّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، قال:
يضجّون.
وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، أي: آلهتنا خير عندك أم عيسى، فإن كان في النّار فلتكن آلهتنا معه. أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى، فإذا جاز أن يعبد و يكون ابن اللَّه كانت آلهتنا أولى بذلك. أو آلهتنا خير أم محمّد، فنعبده و ندع آلهتنا.
و قرأ (4) الكوفيّون، بتخفيف الهمزتين و ألف بعدهما.
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا: ما ضربوا هذا المثل إلّا لأجل الجدل و الخصومة، لا لتمييز الحقّ من الباطل.
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58): شداد الخصومة، حراص على اللّجاج.
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ: بالنّبوّة.
وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59): أمرا عجيبا، كالمثل السّائر لبني إسرائيل، و هو كالجواب المزيح لتلك الشّبهة.
و في تهذيب الأحكام (5)، في الدّعاء المرويّ: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- بعد ركعتي صلاة الغدير: ربّنا، فقد أجبنا داعيك النّذير المنذر، محمّدا عبدك و رسولك إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- الّذي أنعمت عليه و جعلته مثلا لبني إسرائيل، إنّه أمير المؤمنين و مولاهم و وليّهم إلى يوم القيامة يوم الدين، فإنّك قلت:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «أنا و» بدل «أما و إن».
(2) المصدر: يقولوا.
(3) المصدر: أقاموا.
(4) أنوار التنزيل 2/ 370.
(5) التهذيب 3/ 144- 145، ح 317.
83
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.
وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ: لولدنا منكم، كما ولدنا عيسى من غير أب.
مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60): يخلفونكم في الأرض.
و المعنى: أنّ حال عيسى و إن كانت عجيبة، فإنّ اللَّه قادر على ما هو أعجب من ذلك و هو توليد الملائكة منكم.
و في روضة الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم، و لو لا أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة.
قال: فغضب الأعرابيّان و المغيرة بن شعبة و عدّة من قريش معهم، فقالوا:
ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم.
فأنزل اللَّه على نبيّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ (الآية) وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ يعني من بني هاشم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (الحديث).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن وكيع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن أبي الأعزّ، عن سلمان الفارسي قال: بينا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس في أصحابه إذ قال: يدخل عليكم السّاعة شبيه عيسى بن مريم.
فخرج بعض من كان جالسا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليكون هو الدّاخل، فدخل عليّ- (عليه السلام)-.
فقال الرّجل لبعض أصحابه: أما رضي (3) محمّد أن فضّل عليّا علينا حتّى شبّهه (4) بعيسى بن مريم، و اللَّه، لآلهتنا الّتي كنّا نعبدها في الجاهليّة أفضل منه.
____________
(1) الكافي 8/ 57، ح 18.
(2) تفسير القمّي 2/ 385- 286.
(3) ق، ش: ما رضي. و في المصدر: يرضى.
(4) ن، ت، م، ي، ر، المصدر: يشبّهه.
78
- أيضا- (1): مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. و قال- أيضا- (2): إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. و كلّ هذا و شبهه على ما ذكرت لك، و هكذا الرّضاء و الغضب و غيرهما من الأشياء ممّا يشاكل (3) ذلك.
و لو كان يصل إلى المكوّن الأسف و الضّجر، و هو الّذي أحدثهما و أنشأهما، لجاز لقائل أن يقول: إنّ المكوّن يبيد يوما ما، لأنّه إذا دخله الضّجر و الغضب دخله التّغيّر، فإذا دخله التّغيّر لم يؤمن عليه الإبادة.
و لو كان ذلك كذلك لم يعرف المكوّن [من المكوّن] (4)، و لا القادر من المقدور، و لا الخالق من المخلوق، تعالى اللَّه عن هذا القول علوّا كبيرا، هو الخالق للأشياء لا لحاجة، [فإذا كان لا لحاجة] (5) استحال الحدّ و الكيف فيه. فافهم [ذلك إن شاء اللَّه- تعالى-] (6).
و في أصول الكافي (7): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمّه، حمزة بن بزيع، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه:
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فقال: إنّ اللَّه لا يأسف، كأسفنا، و لكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون و يرضون، و هم مخلوقون، مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه و سخطهم سخط نفسه، لأنّه جعلهم الدّعاة إليه-
و ذكر الى آخر ما نقلنا عن كتاب التّوحيد من غير تغيير و حذف مغيّر للمعنى.
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً: قدوة لمن بعدهم من الكفّار يهتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم. مصدر نعت به، أو جمع سالف، كخدم و خادم.
و قرأ (8) حمزة و الكسائيّ، بضمّ السّين و اللام، جمع سليف كرغف [و رغيف] (9).
أو سالف، كصبر [جمع صابر] (10). أو سلف، كخشب.
____________
(1) النساء/ 80.
(2) الفتح/ 10.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ممّا يشاء كل.
(4) ليس في م، ي، ر.
(5) يوجد في ق، ش، المصدر.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) الكافي 1/ 144، ح 6.
(8) أنوار التنزيل 2/ 369.
9 و 10 من المصدر.
85
ذلك يردّني، و يقول: إن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- محتجب و عنده زوّار من الملائكة و عدّتهم كذا و كذا، فكيف علم بالعدّة أعاينهم؟
فقال: يا عليّ (1)، كيف علمت بعدّتهم؟
فقلت (2): اختلفت عليّ التّحيات و سمعت الأصواب فأحصيت العدد.
قال: صدقت، فإنّ فيك شبها (3) من أخي عيسى.
فخرج عمر و هو يقول: ضربه لابن مريم مثلا. فأنزل اللَّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. قال: يضجّون. «و قالوا» (الآية) غيري؟
قالوا: اللّهمّ، لا.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (4): قال: حدّثنا الحسين بن سعيد قال:
حدثنا إسماعيل، يعني: ابن إسحاق قال: حدّثنا يحيى بن سالم، عن صباح، عن الحارث بن حصيرة (5)، عن أبي صادق، عن القاسم- أحسبه ابن جندب (6)- قال (7): بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا إلى شعب فأعظم فيه العناء (8)، فأتاه جبرئيل فأخبره عنه.
فلما رجع، قام إليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قبّله (9) و جعل يمسح عرق وجه عليّ بوجهه (10)، و هو يقول: قد بلغني عناؤك (11) و الّذي صنعت، فأنا عنك راض.
قال: فبكى عليّ- (عليه السلام)-.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما يبكيك، يا عليّ، أفرح أم حزن؟
فقال: [بل فرح.] (12) و مالي لا أفرح و أنت تخبرني، يا رسول اللَّه، أنّك عنّي.
____________
(1) في المصدر زيادة: قد صدق.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(3) المصدر: سنّة.
(4) تفسير فرات الكوفي/ 154.
(5) المصدر: حضيرة.
(6) المصدر: القاسم بن أخشبة بن جندب.
(7) في ق، ت، ش، م، ي، ر، زيادة قال.
(8) المصدر: النبأ.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فقبّل.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و جعل يمسح عرق وجهه على وجهه.
(11) المصدر: نبأك.
(12) ليس في م، ي، ر، المصدر.
86
راض؟! قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه و ملائكته و ميكائيل و جبرئيل عنك رضوان. أما و اللَّه، لو لا أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت اليوم فيك مقالا لا تمرّ بملإ منهم قلّوا أو كثروا، إلّا قاموا إليك و يأخذون التّراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة. قالت قريش: ما رضي [حتى جعله مثلا لابن مريم.
فأنزل اللَّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا] (1) إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال:
يضجّون. [إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ] (2).
و قال (3): حدّثني عليّ بن محمّد بن هند الجعفيّ قال: حدّثني أحمد بن سليمان الفرقانيّ (4): قال لنا ابن المبارك [الصّوري] (5): لم قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأبي ذرّ:
«ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ»؟، أ لم يكن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصدق من أبي ذرّ؟! قال: بلى.
قال: فما القصّة، يا أبا عبد اللَّه، في ذلك؟
قال: كان النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نفر من قريش إذ قال: يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يشبه عيسى بن مريم. فاستشرفت (6) قريش للموضع (7) فلم يطلع أحد، فقام النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لبعض حاجته إذ طلع من ذلك الفجّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فلمّا رأوه قالوا: الارتداد و عبادة الأوثان أيسر علينا ممّا يشبّه ابن عمّه بنبيّ (8).
فقال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّهم قالوا: كذا و كذا.
____________
(1) ليس في ر.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) نفس المصدر/ 155.
(4) ق: القرفاني. و في ن، م، ي، ر:
الفرقساني.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: فاستشرق.
(7) المصدر: للموضوع.
(8) ت: بعيسى.
87
فقالوا بأجمعهم: كذب. و حلفوا على ذلك، فوجد (1) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على أبي ذرّ (2)، فما برح حتى نزل عليه الوحي: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [قال: يضجّون] (3). «و قالوا» (الآية).
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ.
و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريّاء، عن مخدع (5) بن عمير الحنفيّ (6)، عن عمرو بن قائد، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: بينا النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نفر من أصحابه إذ قال: الآن يدخل عليكم نظير عيسى (7) ابن مريم في أمّتي.
فدخل أبو بكر، فقالوا: هو هذا؟
فقال: لا.
[فدخل عمر، فقالوا: هو هذا؟
فقال: لا] (8).
فدخل عليّ- (عليه السلام)- فقالوا: هو هذا؟] قال: نعم.
فقال قوم: لعبادة اللّات و العزّى أهون من هذا! فأنزل اللَّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ (الآيات).
و قال- أيضا- (9): حدّثنا محمّد بن سهل العطّار قال: حدّثنا أحمد بن عمرو الدّهقان، عن محمّد بن كثير الكوفيّ، عن محمّد بن ثابت (10)، عن أبي صالح، عن ابن
____________
(1) ن: فزجر. و في المصدر: فوجل.
(2) في ت زيادة: غمّا.
(3) من المصدر.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 567، ح 39.
(5) ر: مخدح. و في ن: محدج. و في المصدر:
نجدح.
(6) ق، ش: حنقي. و في المصدر: الخثعمي.
(7) ليس في ق، ش، المصدر.
(8) ليس في ق.
(9) نفس المصدر/ 568، ح 40.
(10) المصدر: السّائب.
88
عبّاس قال: جاء قوم إلى النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا محمّد، إن عيسى بن مريم كان يحيى الموتى، فأحي لنا الموتى.
فقال لهم: من تريدون؟
فقالوا: فلان، و إنه قريب عهد بموت.
فدعا عليّ بن أبي طالب فأصغى إليه بشيء لا نعرفه، ثمّ قال له: انطلق معهم إلى الميّت فادعه باسمه و اسم أبيه.
فمضى معهم حتى وقف على قبر الرّجل، ثمّ ناداه: يا فلان بن فلان. فقام الميّت، فسألوه ثمّ اضطجع في لحده، فانصرفوا و هم يقولون: إنّ هذا من أعاجيب بني عبد المطّلب، أو نحوها. فأنزل اللَّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، أي يضجّون.
و قال- أيضا- (1): حدّثنا عبد اللَّه بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه ابن نمير، عن شريك، عن عثمان بن عمير البجليّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
قال عليّ- (عليه السلام)-: مثلي في هذه الأمّة مثل عيسى بن مريم، أحبّه قوم فغالوا في حبّه فهلكوا، و أبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا، و اقتصد فيه قوم فنجوا.
و قال- أيضا- (2): حدّثنا [محمّد بن] (3) مخلد الدّهّان، عن عليّ بن أحمد العريضي بالرّقّة، عن إبراهيم بن عليّ [بن جناح، عن الحسن بن عليّ] (4) بن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نظر إلى عليّ- (عليه السلام)- و أصحابه حوله و هو مقبل، فقال: أما إنّ فيك لشبها من عيسى بن مريم، و لو لا مخافة أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا من تحت قدميك التّراب، يبتغون به البركة.
فغضب من كان حوله و تشاوروا فيما بينهم، و قالوا: لم يرض (5) إلّا أن جعل ابن عمّه مثلا لبني إسرائيل!
____________
(1) نفس المصدر/ 568، ح 41.
(2) نفس المصدر/ 569، ح 42. و للحديث ذيل.
(3) ليس في ق.
(4) من المصدر. و ما ورد بعد المعقوفة الثانية إلى «آبائه» يوجد في المصدر بين القوسين.
(5) في المصدر زيادة: محمّد.
89
فأنزل اللَّه: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا (الآية)- إلى قوله-: «و لو نشاء لجعلنا من بني هاشم ملائكة في الأرض يخلفون».
قال: فقلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ليس في القرآن «بني هاشم»؟! قال: محيت، و اللَّه، فيما محي. و لقد قال عمرو بن العاص على منبر مصر:
محي من كتاب اللَّه ألف حرف، و حرف منه بألف حرف، و أعطيت مائتي ألف درهم على أن أمحي إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. فقالوا: لا يجوز ذلك. [قلت:] (1) فكيف جاز ذلك لهم و لم يجز لي؟! فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه: قد بلغني ما قلت على منبر مصر، و لست هناك.
وَ إِنَّهُ: و إنّ عيسى لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، لأنّ نزوله من أشراط السّاعة يعلم به دنوّها.
و قرئ (2): «لعلم»، أي: علامة. و «لذكر» [على تسمية] (3) ما يذكر به ذكرا.
[و قيل (4): الضّمير للقرآن، فإنّ فيه الإعلام بالسّاعة و الدّلالة عليها.] (5).
فَلا تَمْتَرُنَّ بِها: فلا تشكّنّ فيها.
وَ اتَّبِعُونِ: و اتّبعوا هداي، أو شرعي، أو رسولي.
و قيل (6): هو قول الرسول، أمر أن يقوله.
هذا: الّذي أدعوكم إليه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61): لا يضلّ سالكه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): وَ اتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، يعني: عليا أمير المؤمنين.
و في شرح الآيات الباهرة (8): قال أبو عليّ الطبرسي- (رحمه اللّه)-: إنّ هاء الضّمير في «إنّه» يعود إلى عيسى، أي: أنّ نزوله علم للسّاعة، أي: من أشراطها يعلم به قربها، و ذلك عند ظهور القائم.
____________
(1) من المصدر مع المعقوفتين.
(2) أنوار التنزيل 2/ 370.
(3) ليس في م، ش.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ن.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير القمّي 2/ 286.
(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 570، ح 43.
90
و روى جابر بن عبد اللَّه (1) قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول (2): ينزل عيسى بن مريم فيقول له (3) أميرهم، يعني: القائم [تعال] (4) صلّ بنا.
فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة من اللَّه لهذه الأمة. أورده مسلم في الصّحيح.
و في حديث آخر (5): كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم و إمامكم منكم، يعني به: المهديّ.
و جاء في تفسير أهل البيت: أن الضّمير في «إنّه» يعود إلى عليّ- (عليه السلام)-.
لما روي (6) بحذف الإسناد، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ.
قال: عنى بذلك: عليّا- (عليه السلام)-.
و قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا علي أنت علم هذه الأمّة. فمن اتّبعك نجى و من تخلّف عنك هلك و هوى.
و لا منافاة في اختلال التأويل بين عليّ- (عليه السلام)- و عيسى في أنّ يكون كلّ واحد منهما علما للسّاعة (7)، لما تقدّم من أنّ مثل عليّ- (عليه السلام)- في هذه الأمّة مثل عيسى- (عليه السلام)- في بني إسرائيل، أنّ عيسى ينزل عند قيام القائم و كلاهما علم للسّاعة، و إذا كان القائم- (عليه السلام)- علما للسّاعة و هو ابن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فصحّ أن يكون أبوه علما للسّاعة، و هو المطلوب.
و قد جاء في تأويل السّاعة، أنّها ساعة ظهور القائم- (عليه السلام)-.
وَ لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ عن المتابعة.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62): ثابت عداوته، بأن أخرجكم عن الجنّة و عرّضكم للبليّة.
وَ لَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ: بالمعجزات، أو بآيات الإنجيل، أو بالشّرائع
____________
(1) نفس المصدر، ح 44.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) المصدر: (لهم)
(4) من المصدر مع المعقوفتين.
(5) نفس المصدر، ح 44.
(6) نفس المصدر، ح 45.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: في أنّ كلّ واحد منهما علم للسّاعة.
91
الواضحات.
قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ: بالإنجيل و الشّريعة.
وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
قيل (1): و هو ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلّق بأمر الدّنيا، فإنّ الأنبياء لم تبعث لبيانه، و لذلك قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنتم أعلم بأمر دنياكم (2).
و قيل (3): إنّ المعنى: كلّ الّذي تختلفون فيه، كقول لبيد:
أو تخترم بعض النّفوس حمامها
أي: كلّ النفوس.
و قيل (4): البعض هو الّذي جاء به عيسى (5) في الإنجيل، و يبيّن لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه.
و في كتاب الاحتجاج (6) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: محمّد بن أبي عمير الكوفيّ، عن عبد اللَّه بن الوليد السّمّان قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما يقول النّاس في أولي العزم و صاحبكم عليّ- (عليه السلام)-؟
قال: قلت: ما يقدّمون على أولي العزم أحدا.
قال: فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: [قال اللَّه لموسى] (7):
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 370.
(2) نقل القوم هذه الرواية في ص مهم ك:
صحيح المسلم، باب وجوب امتثاله ما قاله شرعا دون ما ذكره في معايش الدنيا على سبيل الرأي 7/ 95، ح 142- 139+ سند احمد 1/ 162 و 3/ 123+ سنن ابن ماجة، كتاب الرهون، باب تلقيح النخل 2/ 825. و لكن تلك رواية موضوعة، وضعت لأجل تنزيل مقام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لثبات دعاوى مخالفيه في أمر أهل بيته- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- حين أسند المثبتين إلى أقواله و رواياته و هو الذي قال اللَّه- تعالى- في كتابه: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم/ 4- 3) و أنزل اللَّه تعالى عليه القرآن الذي لا رطب و لا يابس إلّا و علمه فيه، و كلّ طفل صغير سداسي يعيش في بلد كبلدة مكة و المدينة يعلم تلقيح النخل ما ذا؟ (أنظر:
علامة سيد مرتضى عسكري، نقش أئمة در احياء دين، 3/ 26- 30+ محمد صادق نجمي، سيري در صحيحين، ص 241- 244)
3 و 4- مجمع البيان 5/ 54.
(5) ليس في ن.
(6) الاحتجاج/ 375.
(7) ليس في ن، م، ي، ر.
92
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً (1) و لم يقل: كلّ شيء موعظة (2). و قال لعيسى: وَ لِأُبَيِّنَ (3) لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ و لم يقل: في كلّ شيء. و قال لصاحبكم عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (4).
و قال (5)- تعالى-: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. و علم هذا الكتاب عنده.
و في بصائر الدّرجات (6): عليّ (7) بن إسماعيل، عن محمّد بن عمرو الزّيّات، عن عبد اللَّه بن الوليد قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أي شيء يقول الشّيعة في عيسى و موسى و أمير المؤمنين؟
قلت: يقولون: إنّ عيسى و موسى أفضل من أمير المؤمنين. [قال: أ يزعمون أن أمير المؤمنين] (8) قد علم ما علم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قلت: نعم، و لكن لا يقدّمون على أولي العزّم من الرّسل أحدا.
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فخاصمهم بكتاب اللَّه.
قلت: و في أيّ موضع منه أخاصمهم؟
قال: قال اللَّه لموسى: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ علمنا أنّه لم يكتب لموسى كلّ شيء. و قال اللَّه- تبارك و تعالى- لعيسى: وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ و قال- تعالى- [لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (9)-: وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (63): فيما أبلغه عنه.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ: بيان لما أمرهم بالطّاعة فيه، و هو اعتقاد التّوحيد و التّعبّد بالشّرائع.
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64).
الإشارة إلى مجموع الأمرين، و هو من تتمّة كلام عيسى. أو استئناف من اللَّه
____________
(1) الأعراف/ 145.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) المصدر: ليبيّن.
(4) الرعد/ 43.
(5) الأنعام/ 59.
(6) البصائر/ 247، ح 1.
(7) المصدر: محمّد.
(8) ليس في ق.
(9) ليس في ق.
93
يدلّ على ما هو مقتض للطّاعة في ذلك.
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ: الفرق المتحزّبة.
مِنْ بَيْنِهِمْ: من بين النّصارى. أو اليهود و النّصارى من بين قومه المبعوث إليهم.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: من المتحزّبين.
مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65): هو يوم القيامة.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ الضّمير لقريش، أو «للّذين ظلموا».
أَنْ تَأْتِيَهُمْ: بدل من السّاعة، و المعنى: هل ينظرون إلّا إتيان السّاعة.
بَغْتَةً: فجأة.
وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (66): غافلون عنها، لاشتغالهم بأمور الدّنيا و إنكارهم لها.
الْأَخِلَّاءُ: الأحبّاء.
يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، أي: يتعادون يومئذ لانقطاع العلق، لظهور ما كانوا يتحابّون له سببا للعذاب.
إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67): فإنّ خلّتهم لمّا كانت في اللَّه تبقى نافعة أبد الآباد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: ألا كلّ خلّة كانت في الدّنيا في غير اللَّه فإنها تصير عداوة يوم القيامة.
و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و للظّالم غدا يكفيه عضّة (2) [يديه] (3). و للرّجل حيل (4) و شيك. و للأخلّاء ندامة إلّا المتّقين.
أخبرنا (5) أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 287.
(2) كذا في المصدر. و في ن: غضة. و في غيرها:
غصة.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ن، ت، ي، م، ر، المصدر.
و الظاهر أنّ الصحيح: «رحيل»، كما ورد في النهج/ 502، الحكمة 186 و 187 هكذا:
«و للظّالم البادي غدا بكفّه عظّة. الرحيل و شيك».
(5) نفس المصدر و الموضع.
94
بن عيسى، عن شعيب بن يعقوب، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن عليّ- (عليه السلام)- قال في خليلين مؤمنين و خليلين كافرين و مؤمن غنيّ و مؤمن فقير و كافر غنيّ و كافر فقير:
فأمّا الخليلان المؤمنان فتخالّا في (1) حياتهما في طاعة اللَّه، و تباذلا عليها و توادّا عليها، فمات أحدهما قبل صاحبه فأراه اللَّه منزلته في الجنّة يشفع لصاحبه، فيقول (2):
يا ربّ خليلي فلان كان يأمرني بطاعتك و يعينني عليها و ينهاني عن معصيتك، فثبّته على ما ثبتني عليه من الهدى حتّى تريه ما أريتني. فيستجيب اللَّه له حتّى يلتقيا عند اللَّه، فيقول كلّ منهما لصاحبه: جزاك اللَّه من خليل خيرا، كنت تأمرني بطاعة اللَّه و تنهاني عن معصيته.
و أمّا الكافران فتخالّا بمعصية اللَّه و تباذلا عليها و توادّا عليها، فمات أحدهما قبل صاحبه فأراده اللَّه منزلته في النّار، فيقول (3): يا ربّ، خليلي فلان كان يأمرني بمعصيتك و ينهاني عن طاعتك، فثبّته على ما ثبّتني عليه من المعاصي حتّى تريه ما أريتني من العذاب. فيلتقيان عند اللَّه يوم القيامة يقول كلّ واحد منهما لصاحبه: جزاك اللَّه من خليل شرا، كنت تأمرني بمعصية اللَّه و تنهاني من طاعة اللَّه.
قال: ثمّ قرأ: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.
(الحديث).
و في روضة الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ. و اللَّه، ما أراد بهذا غيركم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في مصباح الشّريعة (5): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و اطلب مؤاخاة الأتقياء و لو في ظلمات الأرض و إن أفنيت عمرك في طلبهم، فإن اللَّه لم يخلق أفضل منهم على وجه الأرض بعد النبيين، و ما أنعم [اللَّه على عبد بمثل ما أنعم] (6) به من التّوفيق لصحبتهم (7)،
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: فقال.
(3) ي، ر، المصدر: فقال.
(4) الكافي 8/ 35، ح 6.
(5) مصباح الشريعة/ 150- 151.
(6) يوجد في ق، المصدر.
(7) المصدر: بصحبتهم.
95
قال- تعالى-: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.
و أظنّ أنّ من طلب في زماننا هذا صديقا بلا عيب، بقي بلا صديق.
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68): حكاية لما ينادي به المتّقون المتحابّون في اللَّه يومئذ.
و قرأ (1) ابن كثير و حمزة و الكسائيّ و حفص، بغير الياء.
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا: صفة للمنادى.
وَ كانُوا مُسْلِمِينَ (69): حال من الواو، أي: الّذين آمنوا مخلصين، غير أنّ هذه العبارة آكد.
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ: نساؤكم المؤمنات.
تُحْبَرُونَ (70): تسرون سرورا (2)، يظهر حباره، أي: أثره على وجوهكم.
أو تزيّنون، من الحبر، و هو حسن الهيئة. أو تكرمون إكراما يبالغ فيه، و «الحبرة» المبالغة فيما وصف بجميل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا، يعني: الأئمّة.- (صلوات اللّه عليهم)- وَ كانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ، أي: تكرمون.
و في روضة الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمد، صرتم عند أهل هذا العالم (5) شرار النّاس، و أنتم و اللَّه في الجنّة تحبرون و في النّار تطلبون.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في بصائر الدّرجات (6): محمّد بن الحسين، عن عبد اللَّه بن جبلة، عن [عليّ بن] (7) أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: يا أبا محمّد، أنتم في الجنة تحبرون و بين أطباق النّار تطلبون فلا توجدون.
(الحديث)
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 371.
(2) ليس في ق، ش، ت.
(3) تفسير القمّي 2/ 288.
(4) الكافي 8/ 36، ح 6.
(5) ت، م، ر: العلم.
(6) البصائر/ 290 ح 4.
(7) ليس في ي.
96
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (1): قال: حدّثني الحسين بن سعيد قال:
حدثنا محمّد بن مروان قال: حدثنا بن عبد [اللَّه بن] (2) الفضل الثّوريّ، عن جعفر، عن أبيه- (عليهم السلام)- قال: ينادي مناد يوم القيامة: أين المحبّون لعليّ- (عليه السلام)-؟
فيقومون من كلّ فجّ عميق.
فيقال لهم: من أنتم؟
فيقولون (3): نحن المحبون لعليّ- (عليه السلام)- الخالصون له حبّا.
قال: فتشركون في حبّه أحد من النّاس؟
فيقولون: لا.
فيقال لهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ.
و قال (4): حدّثنى الحسين بن سعيد قال: حدّثنا عليّ بن السّحب (5) قال: حدّثنا الحسن بن الحسين بن أحمد قال: حدّثنا أحمد بن سعيد الأنماطيّ، عن عبد اللَّه بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [يا عليّ،] (6) كذب من زعم أنّه يحبّني و يبغضك.
يا عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين محبّي [عليّ- (عليه السلام)-] (7) و شيعته، أين محبّي عليّ و من يحبّه، أين المتحابّون في اللَّه، أين المتباذلون (8) في اللَّه، أين المؤثرون على أنفسهم، أين الّذين جفّت ألسنتهم من العطش، أين الّذين يصلّون باللّيل و النّاس نيام، أين الّذين يبكون من خشية اللَّه؟ لا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون، أين رفقاء نبيّي (9) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- (10) آمنوا و قرّوا عينا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ.
و قال (11): حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا عبد اللَّه بن الوضّاح اللّؤلؤيّ قال:
____________
(1) تفسير فرات الكوفي/ 152.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قالوا.
(4) نفس المصدر/ 522- 153.
(5) المصدر: السخت.
(6) يوجد في ن، ي، المصدر.
(7) ليس في ن، ت، ي، ر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: المباذلون.
(9) المصدر: النبيّ.
(10) في المصدر زيادة: الّذين.
(11) نفس المصدر/ 153.
97
حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن عمرو، عن (1) جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال (2):
إذا كان يوم القيامة ينادي مناد (3) من السّماء: أين عليّ (4) ابن أبي طالب- (عليه السلام)-.
قال (5): فأقوم، فيقال لي: أنت عليّ؟
فأقول: أنا ابن عمّ النّبيّ- صلى اللَّه عليه و آله- [و وصيّه] (6) و وارثه.
فيقال لي: صدقت، ادخل الجنة فقد غفر اللَّه لك و لشيعتك، و قد آمنك اللَّه و آمنهم معك من الفزع الأكبر ادْخُلُوا الْجَنَّةَ آمنين لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
و قال (7): حدّثني محمّد بن عيسى بن زكرياء الدّهقان قال: حدّثنا عبد الرّحمن، يعني ابن سراج قال: حدثنا أبو (8) حفص (9)، عن أبي حمزة الثّمالي، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: لا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون. فإذا قالها لم يبق أحد إلا رفع رأسه (10)، فإذا قال: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَ كانُوا مُسْلِمِينَ. لم يبق أحد إلّا طأطأ رأسه إلّا المسلمين المحبّين.
قال: ثمّ ينادي: هذه فاطمة بنت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- تمرّ بكم، و همّت و من معها إلى الجنّة. ثمّ يرسل اللَّه إليها ملكا فيقول: يا فاطمة، سليني حاجتك.
فتقول: يا ربّ، حاجتي أن تغفر (11) لمن نصر ولدي.
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ أَكْوابٍ «الصّحاف» جمع صحفة، و هي الجام الّذي يؤكل فيه الطّعام. و «الأكواب» جمع كوب، و هو كوز لا عروة له.
وَ فِيها: و في الجنة ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ.
و قرأ (12) نافع و ابن عامر: «ما تشتهيه» على الأصل.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.
(2) لي في ق.
(3) يوجد في ر، المصدر.
(4) ليس في المصدر.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر/ 153.
(7) يوجد في ي، المصدر.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) المصدر: جعفر.
(10) يوجد في ن، المصدر.
(11) في المصدر زيادة: لي و.
(12) أنوار التنزيل 2/ 371.
98
وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ: بمشاهدته.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن الحجّة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه أنّه سئل عن أهل الجنة: هل يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟
فأجاب: انّ الجنة لا حمل فيها للنّساء و لا ولادة و لا طمث و لا نفاس و لا شقاء بالطّفوليّة، و فيها ما تشتهيه (2) الأنفس و تلذّ الأعين، كما قال اللَّه، فإذا اشتهى المؤمن ولدا خلقه اللَّه بغير حمل و لا ولادة على الصّورة الّتي يريد، كما خلق آدم عبرة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): أخبرني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن ابن يسار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الرّجل في الجنّة يبقى على مائدته (4) أيّام الدّنيا، و يأكل في أكلة واحدة بمقدار اكله في الدّنيا.
وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71): فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ و فوت الزّوال، و مستعقب للتّحسّر في ثاني الحال.
وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72).
و قرئ (5): «ورثتموها». شبّه جزاء العمل بالميراث، لأنّه يخلفه عليه العامل.
و «تلك» إشارة إلى الجنّة المذكورة وقعت مبتدأ، و «الجنّة» خبرها، و «الّتي أورثتموها» صفتها. أو «الجنّة» صفة (6) «تلك»، و «الّتي» خبرها، أو صفة «الجنّة» و الخبر «بما كنتم تعملون» و عليه يتعلّق الباء بمحذوف لا «بأورثتموها».
لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (73): بعضها تأكلون لكثرتها و دوام نوعها.
[قيل (7): و] (8) لعلّ تفصيل التّنعّم بالمطاعم و الملابس و تكريره في القرآن، و هو حقير بالنّسبة إلى سائر (9) نعائم الجنّة، لما كان بهم من الشّدّة و الفاقة.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ: الكاملين في الإجرام.
____________
(1) الاحتجاج/ 488.
(2) المصدر: تشتهي.
(3) تفسير القمّي 2/ 288.
(4) ن، ت، م، ي، ر،: إنّ الرجل يبقى مائدته.
(5) أنوار التنزيل 2/ 371.
(6) ق: صفة صفة.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) ليس في ق، ش، م، ت.
99
قيل: و هم الكفّار، لأنّه جعل قسيم المؤمنين بالآيات و حكى عنهم ما يخصّ بالكفّار.
فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74): خبر «إنّ». أو «خالدون» خبر، و الظّرف متعلّق به لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ: لا يخفّف عنهم، من فترت عنه الحمى: إذا سكنت قليلا. و التّركيب للضّعف (1).
وَ هُمْ فِيهِ: في العذاب.
مُبْلِسُونَ (75): آيسون من النجاة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ ذكر اللَّه ما أعدّه لأعداء آل محمّد- (عليهم السلام)- فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ- إلى قوله-: مُبْلِسُونَ، أي: آيسون من الخير. فذلك قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و أمّا أهل المعصية فخلّدوا في النّار (3)، و أوثق منهم الأقدام، و غلّ منهم الأيدي إلى الأعناق، و ألبس أجسادهم سرابيل القطران، و قطّعت لهم (4) مقطّعات من النّار، هم في عذاب قد اشتد حرّه، و نار قد أطبق على أهلها فلا يفتح عنهم أبدا، و لا يدخل عليهم ريح أبدا، و لا ينقضي منهم الغمّ (5) أبدا، العذاب أبدا شديد، و العقاب أبدا جديد، لا الدّار زائلة (6) تفنى (7)، و لا آجال القوم تقضى.
وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76).
مرّ مثله غير مرّة. و «هم» فصل (8).
و في شرح الآيات الباهرة (9): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-] (10) حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السيّاريّ، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
____________
(1) أي: التركيب من حروف «فتر» يدل على الضعف.
(2) تفسير القمي 2/ 288- 289.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و أما أهل الدار فخلدهم في النار.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: منها.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عمر.
(6) كذا في المصدر. و في ق، ش: زائدة. و في سائر النسخ: زائدة.
(7) ليس في ق، ش.
(8) أي: ضمير فصل.
(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 571، ح 47.
(10) ليس في ق، ش، م.
100
قال: و ما ظلمناهم بتركهم ولاية أهل بيتك و لكن كانوا هم الظّالمين.
وَ نادَوْا يا مالِكُ و قرئ (1): «يا مال» على التّرخيم، مكسورا و مضموما.
و في مجمع البيان (2):
و في الشّواذّ «يا مال» و روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام)-.
و لعلّه إشعار بأنّهم لضعفهم لا يستطيعون تأدّية اللّفظ بالتّمام، و لذلك اختصروا فقالوا: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ.
و المعنى: سل ربّك أن يقضي علينا. من قضى عليه: إذا أماته. و هو لا ينافي إبلاسهم، فإنّه جؤار و تمن للموت (3) من فرط الشّدّة.
قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77): لا خلاص لكم بموت و لا بغيره.
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ: بالإرسال و الإنزال. و هو تتمّة الجواب إن كان في «قال» ضمير اللَّه و إلّا فجواب منه، و كأنّه- تعالى- تولّى جوابهم بعد جواب مالك.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78): لما في اتّباعه من إتعاب النفس و آداب الجوارح.
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً: في تكذيب الحقّ وردّه، و لم يقتصروا على كراهته.
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79): أمرا في مجازاتهم. و العدول عن الخطاب، للإشعار بأنّ ذلك أسوأ من كراهتهم.
أو أنّه أحكم المشركون أمرا من كيدهم بالرّسول فإنّا مبرمون كيدنا بهم، و يؤيّده قوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ: حديث نفسهم بذلك.
وَ نَجْواهُمْ: و تناجيهم.
بَلى: نسمعها.
وَ رُسُلُنا: و الحفظة مع ذلك.
لَدَيْهِمْ: ملازموهم.
يَكْتُبُونَ (80): ذلك.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 371- 372.
(2) المجمع 5/ 56.
(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 372. و في ق، ش، م: فانّه تمنّي للموت. و في ن: فانه خوار تمنّي للموت. و في سائر النسخ: فانّه خوارا للموت و تمنّي للموت.
101
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): ثمّ حكى نداء أهل النّار فقال- جلّ جلاله-:
وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قال: أي: نموت، فيقول مالك: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ.
ثمّ قال- تعالى-: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ، [يعني] (2) بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ.
و الدليل على أنّ «الحقّ» ولاية أمير المؤمنين (3)- (عليه السلام)- قوله (4)- تعالى-: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، يعني: ولاية عليّ- (عليه السلام)-. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ، يعني: ظالمي آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-. «نارا».
ثمّ ذكر- تعالى- على أثر هذا خبرهم و ما تعاهدوا عليه في الكعبة: ألّا يردّوا (5) الأمر في أهل بيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أَمْ أَبْرَمُوا- إلى قوله-:
يَكْتُبُونَ.
و في أصول الكافي (6): الحسين بن محّمد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة و عليّ بن عبد اللَّه عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قول اللَّه (7)- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى فلان و فلان [و فلان] (8)، ارتدّوا عن الايمان في ترك ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
قلت: قوله (9): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ.
قال: نزلت، و اللَّه، فيهما و في أتباعهما، و هو قول اللَّه الّذي نزل به جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ في عليّ- (عليه السلام)- سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال (10): دعوا بني أميّة إلى ميثاقهم ألا يصيّروا
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 289.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: يعني بولاية أمير المؤمنين [علي- ق، ش، م]- (عليه السلام).
(4) الكهف/ 29.
(5) المصدر: «لا يردّوا» بدل «ألّا يردّوا».
(6) الكافي 1/ 420- 421، ح 43.
(7) سورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-/ 25.
(8) ليس في ق، ش.
(9) نفس السّورة/ 26.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: قالوا.
102
الأمر فينا بعد النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا يعطونا من الخمس شيئا (1)، و قالوا: إن أعطيناكم [إيّاه] (2) لم يحتاجوا إلى شيء و لم يبالوا أن لا يكون (3) الأمر فيهم فقالوا:
سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الّذي دعوتمونا إليه، و هو الخمس، ألّا نعطيهم منه شيئا.
و قوله: كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ و الّذي نزّل اللَّه ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كان معهم أبو عبيدة و كان كاتبهم، فأنزل اللَّه: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ (4) سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ (الآية).
و في روضة الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، [عن عليّ بن الحسين] (6) عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه (7)- عزّ و جلّ-: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
قال: نزلت هذه الآية في فلان [و فلان] (8) و أبي عبيدة بن الجرّاح و عبد الرّحمن بن عوف و سالم، مولى أبي حذيفة، و المغيرة بن شعبة، حيث كتبوا الكتاب بينهم و تعاهدوا و تواثقوا (9): لئن مضى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا تكون الخلافة في بني هاشم و لا النّبوّة أبدا. فأنزل اللَّه فيهم هذه الآية.
قال: قلت: قوله- تعالى-: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ.
قال: و هاتان الآيتان نزلتا فيهم ذلك اليوم.
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لعلّك ترى أنّه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلّا يوم قتل الحسين- (عليه السلام)-. و هكذا كان في سابق علم اللَّه الّذي أعلمه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين- (عليه السلام)- و خرج الملك من
____________
(1) لي في ق، ش.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و لم يبالوا الا أن يكون.
(4) كذا في المصدر و المصحف. و في النسخ:
نعلم.
(5) الكافي 8/ 179- 180، ح 202.
(6) لي في ق، ش، م.
(7) المجادلة/ 7.
(8) ليس في ق.
(9) المصدر: توافقوا.
103
بني هاشم، فقد كان ذلك كلّه.
(الحديث)
و في شرح الآيات الباهرة (1): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-] (2) حدّثنا أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن محمّد بن حمّاد السّاميّ (3)، عن الحسين بن أسد الطّغاويّ (4)، عن علي بن إسماعيل الميثميّ، عن الفضيل (5) بن الزّبير، عن أبي داود، عن بريدة الأسلميّ، أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لبعض أصحابه: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين.
فقال رجل من القوم: لا، و اللَّه، لا تجتمع النبوّة و الخلافة في أهل بيت أبدا.
فأنزل اللَّه: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً (الآية).
و روى (6) عن عبد اللَّه بن العبّاس أنّه قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخذ عليهم الميثاق مرّتين لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-:
الأولى حين قال: أ تدرون من وليّكم من بعدي؟ قالوا: اللَّه و رسوله أعلم.
قال: صالح المؤمنين، و أشار بيده إلى عليّ- (عليه السلام)- و قال: هذا وليّكم من بعدي.
و الثّانية يوم غدير خمّ يقول: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.
و كانوا قد أسرّوا في أنفسهم و تعاقدوا ألّا نرجع إلى أهله هذا الأمر و لا نعطيهم الخمس، فأطلع اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على أمرهم و أنزل عليه: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً (الآية).
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81): منكم، فإنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- يكون أعلم باللَّه و بما يصحّ له و ما لا يصحّ، و أولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه، و من تعظيم الوالد تعظيم ولده، و لا يلزم من ذلك صحّة كينونة الولد و عبادته له، إذ المحال قد يستلزم المحال، بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه، كقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. غير أنّ «لو» ثمّ مشعرة بانتفاء الطّرفين، و «إن» هاهنا لا يشعر به و لا بنقيضه، فإنها لمجرّد الشّرطيّة، بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللّازم الدّالّ على انتفاء ملزومه، و الدّلالة على أنّ إنكاره للولد ليس لعناد و مراء بل لو كان لكان أولى
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 572، ح 48.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) ق، ش: الشامي. و في المصدر: الشاشي.
(4) ق، ش، م، ن، ي، ر: الطغاوي.
(5) كذا في ت. و في غيرها: الصيقل. و في المصدر: الفضل.
(6) نفس المصدر، ح 49.
104
النّاس بالاعتراف به.
و قيل (1): معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين للَّه الموحّدين له. أو الآنفين منه، أو من أن يكون له ولد، من عبد يعبد: إذا اشتدّ أنفه. أو ما كان له ولد فأنا أوّل الموحدين من أهل مكّة.
و قرأ (2) حمزة و الكسائيّ: «ولد» بالضّمّ و سكون اللّام.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه لمّا أراد أن يخلق آدم أرسل الماء على الطّين، ثمّ قبض قبضة فعركها (4)، ثمّ فرقها فرقتين بيده، ثمّ ذراهم فإذا هم يدبّون، ثمّ رفع لهم نارا فأمر أهل الشّمال أن يدخلوها، فذهبوا إليها فهابوها و لم يدخلوها، ثمّ أمر أهل اليمين أن يدخلوها فذهبوا إليها فدخلوها، فأمر اللَّه النّار فكانت عليهم بردا و سلاما.
فلمّا رأى ذلك أهل الشّمال قالوا: ربّنا، أقلنا. فأقالهم (5)، [ثمّ قال لهم] (6):
ادخلوها. فذهبوا فقاموا عليها و لم يدخلوها، فأعادهم طينا و خلق منها آدم.
و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، و لا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء.
قال: فيرون أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوّل من دخل تلك النّار، فذلك قوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ.
و في كتاب الاحتجاج (7) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: قوله: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ، أي: الجاحدين.
و التأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره.
و في تفسير علي بن إبراهيم (8): و قوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ، يعني: أول القائلين للَّه (9)- عزّ و جلّ- أن يكون له ولد.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 372.
(3) الكافي 2/ 7، ح 3.
(4) ن، ت، م، ي، ر: ففركها.
(5) أ قال اللَّه عثرته: صفح عنه و تجاوز.
(6) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(7) الاحتجاج/ 250.
(8) تفسير القمّي 2/ 289.
(9) يوجد في ن، ت، المصدر.
105
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82):
عن كونه ذا ولد، فإنّ هذه الأجسام لكونها أصولا (1) ذات استمرار تبرّأت عمّا يتّصف به سائر الأجسام من توليد المثل، فما ظنّك بمبدعها و خالقها.
و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى حنّان بن سدير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، ذكر فيه العرش و قال: إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كلّ سبب وضع في القرآن صفة على حدة، يقول فيه:
فمن اختلاف صفات العرش أنّه قال- تبارك و تعالى-: رَبِّ الْعَرْشِ [عَمَّا يَصِفُونَ. و هو عرش وصف الوحدانيّة لأنّ قوما أشركوا (3)، كما قلت لك، قال- تبارك و تعالى-: «ربّ العرش»] (4) ربّ الوحدانيّة «عمّا يصفون»، و قوما (5) وصفوه بيدين فقالوا:
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (6)، و قوما (7) وصفوه بالرّجلين فقالوا: وضع رجله على صخرة بيت المقدّس فمنها ارتقى إلى السّماء، و قوما (8) وصفوه بالأنامل فقالوا: إنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّي وجدت برد أنامله على قلبي. فلمثل هذه الصّفات قال: رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يقول: ربّ المثل الأعلى عمّا به مثّلوه، و للَّه المثل الأعلى الّذي لا يشبهه شيء و لا يوصف و لا يتوهّم، فذلك المثل (9) الأعلى.
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا: في باطلهم.
وَ يَلْعَبُوا: في دنياهم.
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)، أي: القيامة. و هو دلالة على أنّ قولهم هذا جهل و اتّباع هوى، و أنّهم مطبوع على قلوبهم معذّبون في الآخرة.
وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ: مستحقّ لأن يعبد فيهما. و الظّرف متعلّق به لأنّه بمعنى: المعبود، أو متضمّن معناه، كقولك: و هو حاتم في
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) التوحيد/ 323- 324، ح 1.
(3) كذا في المصدر و في ق ورد العبارة الأخيرة هكذا: و هو عرش وصف الوحدانيّة لأقوام أشركوا.
(4) يوجد في ق، المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قوم.
(6) المائدة/ 64.
7 و 8- كذا في المصدر. و في النسخ: قوم.
(9) ليس في م، ي، ر.
106
البلد، و كذا فيمن قرأ (1): «اللَّه»، و الرّاجع مبتدأ محذوف لطول الصّلة بمتعلّق الخبر و العطف عليه، و لا يجوز جعله خبرا له لأنّه لا يبقى له عائد، لكن لو جعل صلة و قدر لإله (2) مبتدأ محذوف يكون به جملة مبيّنة للصّلة دالّة على أنّ كونه في السّماء بمعنى الألوهيّة دون الاستقرار.
و فيه نفي الآلهة السّماويّة و الأرضيّة، و اختصاصه باستحقاق الألوهيّة.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو شاكر الدّيصانيّ: إنّ في القرآن آية هي قولنا.
قلت: و ما هي؟
فقال: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ.
فلم أدر بما أجيبه، فحججت فأخبرت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: هذا كلام زنديق خبيث، إذا رجعت إليه فقل له: ما اسمك بالكوفة؟ فإنّه يقول: فلان، فقل له:
ما اسمك بالبصرة؟ فإنه يقول: فلان، فقل: كذلك اللَّه ربّنا في السّماء إله، و في الأرض إله، و في البحار إله، و في القفار إله، و في كلّ مكان إله.
قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته.
فقال: هذه نقلت من الحجاز.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن منصور، عن أبي أسامة قال:
سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ.
فنظرت، و اللَّه، إليه و قد لزم الأرض و هو يقول: و اللَّه- عزّ و جلّ- (5) الّذي هو، و اللَّه ربّي في السّماء إله و في الأرض إله، و هو اللَّه.
و في كتاب الاحتجاج (6) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن عليّ- (عليه السلام)- و فيه:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 372.
(2) المصدر، الإله.
(3) الكافي 1/ 128- 129، ح 10.
(4) تفسير القمّي 2/ 289.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «عبد اللَّه» بدل «عزّ و جلّ».
(6) الاحتجاج/ 250.
107
و قوله: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ، و قوله (1): وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، و قوله (2): ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ. فإنّما أراء بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة الّتي ركّبها فيهم على جميع خلقه، و إنّ فعلهم فعله.
وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84): كالدّليل على سابقه.
وَ تَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما، كالهواء.
وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ: العلم (3) بالسّاعة الّتي تقوم القيامة فيها.
وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85): للجزاء.
و قرأ (4) نافع و ابن عامر و أبو عمرو و حمزة و عاصم و روح، بالتّاء، على الالتفات للتّهديد (5).
وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، أي: من دون اللَّه.
الشَّفاعَةَ، كما زعموا أنّهم شفعاؤهم عند اللَّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قال: هم الّذين عبدوا في الدّنيا لا يملكون الشّفاعة لمن عبدهم.
إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (86): بالتّوحيد.
و الاستثناء متّصل (7) إن أريد بالموصول كلّ ما عبد من دون اللَّه، لاندراج الملائكة و المسيح فيه. و منفصل إن خصّ بالأصنام.
و في من لا يحضره الفقيه (8): قال الصّادق- (عليه السلام)-: القضاة أربعة: ثلاثة في النّار و واحد في الجنّة، رجل قضى بجور و هو يعلم أنّه جور فهو في النّار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم أنّه جور في النّار، و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النّار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة.
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ: سألت العابدين، و المعبودين.
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ: لتعذر المكابرة فيه من فرط ظهوره.
____________
(1) الحديد/ 4.
(2) المجادلة/ 7.
(3) ليس في ق.
(4) أنوار التنزيل 2/ 373.
(5) المصدر: بالتهديد.
(6) تفسير القمّي 2/ 289- 290.
(7) ليس في ي.
(8) الفقيه 3/ 3، ح 6.
108
و في أصول الكافي (1): عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد و محمّد ابن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، جميعا، عن أبي هاشم الجعفريّ قال: سألت أبا جعفر الثّاني- (عليه السلام)-: ما معنى الواحد؟
فقال: إجماع الألسن عليه بالوحدانيّة، لقوله (2): وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.
محمّد بن يحيى (3)، عن محمّد بن الحسن (4)، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد اللَّه بن محمّد الجعفيّ (5)، [و عقبة] (6)، جميعا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه خلق الخلق، فخلق من أحبّ ممّا أحبّ فكان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة، و خلق من أبغض ممّا أبغض و كان ما أبغض أن خلقه من طينة النّار، ثمّ بعثهم في الظّلال.
فقلت: و أيّ شيء الظّلال؟
قال: أ لم تر إلى ظلّك في الشّمس شيئا و ليس بشيء، ثمّ بعث اللَّه فيهم النّبيّين يدعوهم (7) إلى الإقرار باللَّه، و هو قوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. ثمّ دعاهم (8) إلى الإقرار بالنبيّين فأقرّ بعضهم و أنكر بعض، ثمّ دعاهم (9) إلى ولايتنا فأقرّ بها و اللَّه، من أحبّ و أنكرها من أبغض، و هو قوله (10): فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ.
ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان التّكذيب ثمّ.
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87): يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره.
وَ قِيلِهِ: و قول الرّسول.
و نصبه للعطف على سرّهم، أو على محلّ «السّاعة»، أو لإضمار فعله، أي:
و قال: قيله.
____________
(1) الكافي 1/ 118، ح 12.
(2) المصدر: كقوله.
(3) نفس المصدر 2/ 10، ح 3.
(4) المصدر: الحسين.
(5) ق، ش، م: الجعفري.
(6) ليس في ق، ش.
(7) في المصدر بدل العبارة الأخيرة: ثمّ بعث منهم النبيّين فدعوهم.
8 و 9 المصدر: دعوهم.
(10) يونس/ 74.
109
و جرّه عاصم و حمزة عطفا على «السّاعة».
و قرئ (1)، بالرّفع، على أنّه مبتدأ خبره يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88). أو معطوف على «علم السّاعة» بتقدير مضاف.
و قيل (2): هو قسم منصوب بحذف الجارّ، أو مجرور بإضماره، أو مرفوع بتقدير:
و قيله يا ربّ قسمي، و «إنّ هؤلاء» جوابه.
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ: فأعرض عن دعوتهم [آيسا عن إيمانهم] (3).
وَ قُلْ سَلامٌ: [تسلم منكم و متاركة] (4) فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89):
تسلية للرسول و تهديد لهم.
و قرأ (5) ابن عامر و نافع، بالتّاء، على أنّه من المأمور بقوله لهم.
و في أصول الكافي (6): محمّد بن الحسن (7) و غيره، عن سهل، عن محمد بن عيسى و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين، جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو (8)، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: ثمّ أنزل اللَّه [- جلّ ذكره- عليه] (9) أن أعلن فضل وصيّك.
فقال: ربّ، إنّ العرب قوم جفاة لم يكن فيهم كتاب و لم يبعث إليهم نبيّ، و لا يعرفون فضل نبوّات (10) الأنبياء و لا شرفهم، و لا يؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي.
فقال اللَّه: وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ قُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. فذكر من فضل وصيّه ذكرا فوقع النّفاق في قلوبهم.
و في بصائر الدّرجات (11): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الصمد [بن بشير] (12) قال: ذكر أبو عبد اللَّه (13)- (عليه السلام)- بدء الأذان (14)
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 373.
(3) ليس في ق.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) الكافي 1/ 293- 294، ح 3.
(7) المصدر: الحسين.
(8) ق، ش: عمر.
(9) من المصدر.
(10) ليس في ق، ش، م.
(11) البصائر/ 210- 211، ح 1.
(12) من المصدر.
(13) المصدر: ذكر عند أبي عبد اللَّه.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: الآداب.
110
و قصّته (1) في إسراء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [حتّى قال:] (2) حتّى انتهى إلى سدرة المنتهى.
قال: فقالت السّدّرة: ما جازني (3) مخلوق قبل.
قال (4): ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.
قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال.
... إلى قوله: و فتح صحيفة أصحاب الشّمال فإذا فيها أسماء أهل النّار و أسماء آبائهم و قبائلهم.
قال: فقال رسول اللَّه* * * (صلّى اللّه عليه و آله)-: ربّ، إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون.
فقال اللَّه- تعالى-: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ (5) سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): متّصلا بما سبق من قوله: لمن عبدهم: ثمّ قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا ربّ، إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون.
فقال اللَّه- تعالى-: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
____________
(1) المصدر: قصّة الأذان.
(2) ليس في المصدر.
(3) ق، ش: ما جاز في. و في المصدر: ما جاوزني.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) المصدر: قد.
(6) تفسير القمّي 2/ 290.
111
تفسير سورة الدّخان
113
سورة الدّخان مكّيّة، إلّا قوله- تعالى-: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ. (الآية) و هي سبع، أو تسع و خمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده إلى أبي حمزة قال: [قال أبو جعفر- (عليه السلام)-:] (2) من أدمن على قراءة سورة الدّخان (3) في فرائضه و نوافله بعثه اللَّه من الآمنين يوم القيامة: و ظلّله تحت عرشه، و حاسبه حسابا يسيرا، و أعطاه كتابه بيمينه.
و في مجمع البيان (4): و روى أبو حمزة الثماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
من قرأ سورة الدّخان في فرائضه- و نقل مثل ما نقلناه [عن ثواب الأعمال] (5) سواء.
ابيّ بن كعب (6)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة الدّخان في ليلة الجمعة، غفر له.
أبو هريرة (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة الدّخان في ليلته أصبح يستغفر له ألف ملك.
و عنه (8) [عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (9) قال: من قرأها في ليلة جمعة، أصبح
____________
(1) ثواب الأعمال/ 141، ح 1.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: من قرأ سورة الدّخان.
(4) مجمع البيان 5/ 60.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) نفس المصدر و الموضع.
7 و 8- نفس المصدر و الموضع.
(9) من المصدر.
114
مغفورا له.
أبو أسامة (1)، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من قرأ سورة الدّخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، بنى اللَّه له بيتا في الجنّة.
و في أصول الكافي (2): بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال السّائل: يا ابن رسول اللَّه، كيف أعرف أنّ ليلة القدر تكون في كلّ سنة؟
قال: إذا أتى شهر رمضان، فاقرأ سورة الدّخان في كلّ ليلة مائة مرّة، فإذا أتت ليلة ثلاث و عشرين، فإنّك ناظر إلى تصديق الّذي سألت عنه.
حم (1).
قد مرّ بعض معانيه.
و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و أمّا «حم» فمعناه: الحميد المجيد.
وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2): القرآن. و الواو للعطف إن كان «حم» مقسما به و إلّا فللقسم (4)، و الجواب قوله (5): إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قيل (6): في ليلة القدر. أو البراءة ابتدئ فيها إنزاله. أو انزل فيها جملة إلى السّماء الدّنيا من اللّوح [المحفوظ] (7) ثمّ انزل على الرّسول نجوما، و بركتها لذلك، فإنّ نزول القرآن سبب المنافع الدّينيّة و الدّنيويّة. أو لما فيها من نزول الملائكة و الرّحمة، و إجابة الدّعوة، و قسم النّعمة، و فصل الأقضية.
و في مجمع البيان (8): إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، أي:
أنزلنا القرآن، و اللّيلة المباركة هي ليلة القدر. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)-.
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3): استئناف يبيّن المقتضي و للإنزال، و كذلك قوله:
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4): فإنّ كونها مفرق الأمور المحكمة و الملتبسة بالحكمة
____________
(1) نفس المصدر و الموضع. و فيه: أبو أمامة.
(2) الكافي 1/ 252، ح 8.
(3) معاني الأخبار/ 22، ح 1.
(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 373. و في النسخ:
إن كان «حم» مقسما بها و إلّا فالقسم.
(5) ليس في ق، ش.
(6) أنوار التنزيل 2/ 373.
(7) من المصدر.
(8) المجمع 5/ 61.
115
يستدعي أن ينزّل فيها القرآن، الّذي هو من عظائمها.
و يجوز أن يكون صفة «لليلة مباركة» و ما بينهما اعتراض.
و قرئ (1): «يفرق» بالتّشديد. و «يفرق كلّ»، أي: يفرقه اللَّه. و «نفرق» بالنون.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)- (رحمه اللّه)-: إِنَّا أَنْزَلْناهُ، يعني: القرآن. فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ و هي ليلة القدر.
أنزل اللَّه القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في طول عشرين سنة (3). فِيها يُفْرَقُ، أي: في ليلة القدر. كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أي: يقدّر اللَّه كلّ أمر من الحقّ و الباطل، و ما يكون في تلك السّنة، و له فيه البداء و المشيئة، يقدم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء من الآجال و الأرزاق و البلايا و الأعراض [و الأمراض] (4) و يزيد فيها ما يشاء و ينقص ما يشاء، و يلقيه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و يلقيه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى الأئمّة- (عليهم السلام)- حتّى ينتهي ذلك إلى صاحب الزّمان، و يشترط له فيه البداء و المشيئة و التّقديم و التأخير. قال: حدّثني بذلك أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه و أبي الحسن- (عليهما السلام)-.
و حدّثني (5) أبي، عن ابن أبي عمير، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن أبي المهاجر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يا أبا المهاجر لا تخفى علينا ليلة القدر، و إنّ الملائكة يطوفون بنا فيها.
و في أصول الكافي (6): بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال اللَّه- تعالى- في ليلة القدرة: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم،] (7) و المحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف، فحكمه من
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 374.
(2) تفسير القمّي 2/ 290.
(3) المصدر: في طول (ثلاث و- ط) عشرين سنة.
(4) يوجد في ق، ش، المصدر.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) الكافي 1/ 248، ح 3.
(7) من المصدر.
116
حكم اللَّه، و من حكم بأمر فيه اختلاف فرأي أنّه مصيب (1) فقد حكم بحكم الطّاغوت، إنّه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر (2) تفصيل (3) الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا و كذا، و في أمر النّاس بكذا و كذا، و إنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كلّ (4) يوم علم اللَّه- عزّ و جلّ ذكره- الخاص و (5) المكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك اللّيلة من الأمر. ثمّ قرأ: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (6).
و بإسناده (7) إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يا معشر الشّيعة، خاصموا بسورة «إنّا أنزلناه» تفلجوا (8)، فو اللَّه، إنّها لحجّة اللَّه على الخلق بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و إنّها لسيّدة دينكم، و إنّها لغاية علمنا.
يا معشر الشّيعة، خاصموا ب حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ،: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فإنّها لولاة الأمر خاصّة بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
يا معشر الشّيعة، يقول اللَّه (9): وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ.
قيل: يا أبا جعفر، نذيرها محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: صدقت، فهل كان نذير و هو حيّ من البعثة في أقطار الأرض؟
فقال السّائل: لا.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أ رأيت بعيثه أ ليس نذيره، كما أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بعثته من اللَّه نذير؟
فقال: بلى.
قال: فكذلك لم يمت محمّد إلا و له بعيث نذير.
فإن قلت: لا، فقد ضيّع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من في أصلاب الرّجال من أمّته.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يصيب.
(2) ن، ت، م، ي، ر: اللَّه.
(3) كذا في ق. و في سائر النسخ و المصدر:
تفسير.
(4) في ق زيادة: أمر.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) لقمان/ 27.
(7) نفس المصدر/ 249- 250، ح 6.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: تفلحوا.
(9) فاطر/ 24.
117
قال: و ما يكفيهم القرآن؟
قال: بلى، إن وجدوا له مفسّرا.
قال: و ما فسره رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: بلى، قد فسره لرجل واحد، و فسّر للأمّة شأن ذلك الرّجل، و هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
(الحديث).
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد و عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب [عن أبي حمزة] (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا قبض أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قام الحسن بن عليّ في مسجد الكوفة، فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلّى على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
ثم قال: أيّها النّاس، إنّه قد قبض في هذه اللّيلة رجل ما سبقه الأوّلون و لا يدركه الآخرون. و اللَّه، لقد قبض في اللّيلة الّتي قبض فيها وصي موسى يوشع بن نون، و اللّيلة الّتي عرج فيها بعيسى بن مريم، و اللّيلة التي نزل فيها القرآن.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
أحمد بن مهران (3) و عليّ بن إبراهيم، جميعا، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم قال: كنت عند أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- إذ أتاه رجل نصرانيّ، فقال: إنّي أسألك، أصلحك اللَّه (4).
فقال: سل.
فقال: أخبرني عن كتاب اللَّه الّذي انزل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نطق به، ثمّ وصفه بما وصفه فقال: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ] (5) ما تفسيرها في الباطن؟
فقال: أمّا «حم» فهو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو في كتاب هود الّذي انزل عليه، و هو منقوص الحروف. و أمّا «الكتاب المبين» فهو أمير المؤمنين عليّ- (عليه السلام)-. و أمّا «اللّيلة» ففاطمة. و أمّا قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يقول: يخرج
____________
(1) نفس المصدر/ 457، ح 8.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر/ 478- 479، ح 4.
(4) في ق، ش، زيادة: خيرا.
(5) من المصدر.
118
منها خير كثير، فرجل حكيم، و رجل حكيم، [و رجل حكيم] (1).
فقال الرّجل: صف لي الأول و الآخر من هؤلاء الرّجال.
فقال: إنّ الصّفات تشتبه، و لكنّ الثّالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله، و إنّه عندكم لفي الكتب الّتي نزلت عليكم إن لم تغيّروا و تحرّفوا و تكفروا (2)، و قديما ما فعلتم.
قال له النّصرانيّ: إنّي لا أستر عنك ما علمت و لا أكذبك، و أنت تعلم ما أقول في صدق ما أقول و كذبه، و اللَّه، لقد أعطاك اللَّه من فضله و قسم عليك من نعمه ما لا يخطره الخاطرون و لا يستره السّاترون و لا يكذب فيه من كذب، فقولي لك في ذلك الحقّ كلّما ذكرت.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر (4) بن أذينة، عن الفضيل و زرارة و محمّد بن مسلم، عن حمران أنّه سأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ.
قال: نعم، ليلة القدر، و هي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلّا في ليلة القدر، قال اللَّه- عزّ و جلّ-: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ قال:
يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السّنة (5) إلى مثلها من قابل، خير و شرّ و طاعة و معصية و مولود و أجل و (6) رزق، فما قدّر في تلك السّنة و قضي فهو المحتوم، و للَّه فيه المشيئة.
(الحديث)
محمّد بن يحيى (7)، [عن محمّد بن أحمد] (8)، عن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد اللَّه المؤمن، عن إسحاق بن عمّار قال: سمعته يقول، و ناس يسألونه يقولون: الأرزاق تقسّم ليلة النصف من شعبان.
قال: فقال: لا، و اللَّه، ما ذلك إلّا في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين، فإنّ في [ليلة] (9) تسع عشرة يلتقي الجمعان، و في ليلة إحدى
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) في ت زيادة، و قيل.
(3) الكافي 4/ 157- 158، ح 6.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عمرو.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الليلة.
(6) المصدر أو.
(7) نفس المصدر/ 158، ح 8.
8 و 9 من المصدر.
119
و عشرين يفرق كلّ أمر حكيم، و في ليلة ثلاث و عشرين يمضي ما أراد اللَّه- عزّ و جلّ- من ذلك، و هي ليلة القدر الّتي قال اللَّه- تعالى-: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
قال: قلت: ما معنى قوله: «يلتقي الجمعان»؟
قال: يجمع اللَّه فيها ما أراد من تقديمه و تأخيره و إرادته و قضائه.
قال: قلت: فما معنى يمضيه في ثلاث و عشرين؟
قال: إنّه يفرقه في ليلة [إحدى و عشرين] (1) إمضاء (2)، و يكون له فيه البداء، فإذا كانت ليلة ثلاث و عشرين أمضاه فيكون من المحتوم الّذي لا يبدو له فيه.
محمّد بن يحيى (3)، عن محمّد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن بن عليّ، عن عمرو بن سعيد، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار بن موسى السّاباطيّ قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فقل: اللّهمّ.
... إلى أن قال: و اجعل فيما تقضي و تقدّر من الأمر المحتوم فيما يفرق (4) من الأمر الحكيم في ليلة القدر من القضاء الّذي لا يردّ و لا يبدّل، أن تكتبني من حجّاج بيتك الحرام.
و في روضة الكافي (5): حميد بن زياد، عن الحسن (6) بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن عديس (7)، عن أبان، عن يعقوب بن شعيب قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يفرق في ليلة القدر ما كان من شدّة أو رخاء أو مطر، يقدّر (8) ما يشاء [اللَّه- عزّ و جلّ-] (9) أن يقدّر إلى مثلها من قابل.
و في تهذيب الأحكام (10)، بإسناده إلى زرارة: عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال:
في ليلة تسع عشرة يكتب فيها وفد الحاجّ، و فيها يفرق كلّ أمر حكيم.
(الحديث)
أبو الصّباح الكنانيّ (11)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان ليلة القدر،
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: [إمضاؤه].
(3) نفس المصدر/ 71، ح 2.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: فيها.
(5) الكافي 8/ 82، ح 40.
(6) ق، ش،: المحسن.
(7) ق، ش: عدليس.
(8) المصدر: بقدر.
(9) من المصدر.
(10) التهذيب 4/ 196، ح 561.
(11) نفس المصدر 6/ 49، ح 111.
120
و فيها يفرق كلّ أمر حكيم، نادى مناد تلك اللّيلة من بطنان العرش: إنّ اللَّه قد غفر لمن أتى قبر الحسين في هذه اللّيلة.
و في بصائر الدّرجات (1): أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن يونس، عن الحارث بن المغيرة البصريّ، [و عن عمرو] (2)، عن ابن أبي عمير، عمّن رواه، عن هشام قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قول اللَّه: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.
قال: تلك ليلة (3) القدر يكتب فيها وفد الحاجّ، و ما يكون فيها من طاعة أو معصية أو حياة أو موت، و يحدث اللَّه في اللّيل و النّهار ما يشاء ثمّ يلقيه إلى صاحب الأرض.
قال [الحارث بن المغيرة البصري] (4): فقلت: و من صاحب الأرض؟
قال: صاحبكم.
العبّاس بن معروف (5)، عن سعدان بن مسلم، عن عبد اللَّه بن سنان قال: سألته عن النّصف من شعبان.
فقال: ما عندي فيه شيء، و لكن إذا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، قسّم فيها الأرزاق و كتب فيها الآجال، و خرج فيها صكاك الحاجّ، و اطّلع اللَّه على عباده فغفر اللَّه لهم إلّا شارب خمر مسكر (6) فإذا كانت ليلة ثلاث و عشرين فيها يفرق كلّ أمر حكيم [ثمّ] (7) ينهى ذلك و يمضي.
قلت: إلى من؟
قال: إلى صاحبكم، و لولا ذلك لم يعلم.
و في عيون الأخبار (8)، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان في آخرها أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام)- مرّة بعد مرّة و شيئا بعد شيء: فإذا قيل: فلم جعل الصّوم في شهر رمضان دون سائر الشّهور؟
قيل: لأنّ شهر رمضان هو الشّهر الّذي أنزل فيه [القرآن، و فيه فرق بين الحقّ
____________
(1) البصائر/ 241، ح 4.
(2) من المصدر.
(3) ليس في ق.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «ابن الحارث» مكان ما بين المعقوفتين.
(5) نفس المصدر/ 240 و ح 3.
(6) ق، ش، المصدر: شارب الخمر.
(7) من المصدر.
(8) العيون 2/ 115، ح 1.
121
و الباطل، كما قال اللَّه (1): شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ] (2) الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ. و فيه نبّئ (3) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و فيه ليلة القدر الّتي هي خير من ألف شهر، و فيها يفرق كلّ أمر حكيم، و هو رأس (4) السنة يقدر فيها ما يكون في السّنة من خير أو شرّ أو مضرّة أو منفعة أو أجل أو رزق، و لذلك سمّيت ليلة القدر.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى الحسين بن يزيد النّوفليّ (6): عن عليّ بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من نام (7) في اللّيلة الّتي يفرق فيها كلّ أمر حكيم، لم يحجّ تلك السّنة، و هي ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان، لأنّ فيها يكتب و فد الحاجّ، و فيها تكتب الأرزاق و الآجال، و ما يكون من السّنة إلى السّنة.
و في كتاب الاحتجاج (8) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه بعد أن ذكر الحجج، [قال السائل: من هؤلاء الحجج؟] (9).
قال: هم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من حلّ محلّه من أصفياء اللَّه، الّذين قرنهم اللَّه بنفسه و برسوله، و فرض على العباد من طاعتهم مثل الّذي فرض عليهم منها لنفسه، و هم ولاة الأمر الّذين قال اللَّه (10) فيهم: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. و قال (11) فيهم: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.
قال السّائل: ما ذلك الأمر؟
قال: الّذي به تنزّل الملائكة في اللّيلة الّتي يفرق فيها كلّ أمر حكيم، من خلق و رزق و أجل و عمل [و عمر] (12) و حياة و موت و علم غيب السّموات و الأرض و المعجزات الّتي لا تنبغي إلّا للَّه و أصفيائه و السّفرة بينه و بين خلقه، و هم وجه اللَّه الّذي قال (13).
____________
(1) البقرة/ 185.
(2) يوجد في ق، المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بنى.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: من. و في ش: «و فيها رأس» بدل «و هو رأس» و في ن، ت، م، ي، ر: «و فيها رأى»
(5) العلل/ 420، ح 3.
(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 258. و في النسخ: الحسين بن زيد النوفلي.
(7) المصدر: من لم يكتب له.
(8) الاحتجاج/ 252.
(9) ليس في ق.
(10) النساء/ 59.
(11) النساء/ 83.
(12) من المصدر.
(13) البقرة/ 115.
122
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. و (1) هم بقيّة اللَّه، يعني: المهديّ- (عليه السلام)- (2) يأتي عند انقضاء هذه النظرة فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و من آياته الغيبة و الاكتتام (3) عند عموم الطّغيان و حلول الانتقام، و لو كان هذا الأمر الّذي عرّفتك نبأه (4) للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- دون غيره، لكان الخطاب يدلّ على فعل ماض غير دائم و لا مستقبل، و لقال: نزلت الملائكة و فرق كلّ أمر حكيم، و لم يقل: «تنزّل الملائكة» [و «يفرق كلّ أمر حكيم»] (5).
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا، أي: أعني بهذا الأمر: أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا، و هو مزيد تفخيم للأمر.
و يجوز أن يكون حالا من «كلّ»، أو «أمر» أو ضميره المستكنّ في «حكيم» لأنّه موصوف، و أن يكون المراد به: مقابل النّهي وقع مصدرا «ليفرق» أو لفعله مضمرا، من حيث أنّ الفرق به. أو حالا من أحد ضميري «أنزلناه»، بمعنى: آمرين، أو مأمورا.
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ: بدل من «إنّا كنّا منذرين»، أي:
إنّا أنزلنا، القرآن، لأنّ من عادتنا إرسال الرّسل بالكتب إلى العباد لأجل الرّحمة عليهم، و وضع «الرب» (6) موضع الضّمير للإشعار بأن الرّبوبيّة اقتضت ذلك، فإنّه أعظم أنواع التّربية. أو علّة «ليفرق» أو «أمرا»، و «رحمة» مفعول به، أي: يفصل فيها كلّ أمر حكيم. أو تصدر الأوامر من عندنا، لأنّ من شأننا أن نرسل رحمتنا، فإنّ فصل كلّ أمر من قسمة الأرزاق و غيرها و صدور الأوامر الآلهيّة من باب الرّحمة.
و قرئ (7): «رحمة» على: تلك رحمة.
و في أصول الكافي (8)، بإسناده إلى أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: فإن قالوا: من الرّاسخون في العلم؟
فقل: من لا يختلف في علمه.
____________
(1) ليس في ن، ت، ي، ر، المصدر.
(2) في ق، ش، زيادة: الّذي.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و حلول الغيب و الاكتام.
(4) المصدر: بأنّه.
(5) ليس في ق، ش.
(6) يوجد في ق، ش.
(7) أنوار التنزيل 2/ 374.
(8) الكافي 1/ 245- 246، ح 1.
123
فإن قالوا: فمن هو ذاك؟
فقل: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صاحب ذلك، فهل بلّغ أم لا؟
فإن قالوا: قد بلّغ.
فقل: هل مات- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف؟
فإن قالوا: لا.
فقل: إنّ خليفة- رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مؤيّد، و لا يستخلف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا من يحكم بحكمه، و إلّا من (1) يكون مثله إلّا النّبوة، و إن كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يستخلف في علمه أحدا، فقد ضيّع من في أصلاب الرّجال ممّن يكون بعده.
فإن قالوا: فإن علم رسول اللَّه كان من القرآن (2).
فقال: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ- إلى قوله-: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ.
فإن قالوا لك: لا يرسل اللَّه إلّا إلى نبيّ (3).
فقل: هذا الأمر الحكيم الّذي يفرق (4) فيه هو من الملائكة و الرّوح و الّتي تتنزّل من سماء إلى سماء، أو من سماء إلى الأرض؟
فإن قالوا: من سماء إلى سماء، فليس في السّماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «و الأمر» بدل «و إلّا من».
(2) قال المحدث الكاشاني (ره): هذا إيراد سؤال على الحجّة، تقريره: أنّ علم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعلّه كان من القرآن فحسب ليس ما يتجدّد في شيء. فأجاب بأنّ اللَّه- سبحانه- يقول: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ فهذه الآية تدلّ على تجدّد الفرق و الإرسال في تلك الّليلة المباركة بانزال الملائكة و الرّوح فيها من السّماء إلى الأرض دائما، فلا بدّ من وجود من يرسل إليه الأمر دائما.
(3) قال المجلسي (ره) هذا سؤال آخر، تقريره:
أنّه يلزم ممّا ذكرتم جواز إرسال الملك إلى غير النّبيّ مع أنّه لا يجوز ذلك: فأجاب عنه بمدلول الآية الّتي لا مردّ لها.
(4) في ق زيادة: اللَّه.
124
فإن قالوا: من سماء إلى أرض، و أهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك.
فقل: فهل لهم (1) بدّ من سيّد (2) يتحاكمون إليه؟
فإن قالوا: فإنّ الخليفة هو حكمهم.
فقل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ- إلى قوله-:
خالِدُونَ (3). و لعمري ما في الأرض و لا في السّماء وليّ للَّه إلّا و هو مؤيّد، و من ايّد لم يخطئ، و ما في الأرض عدوّ للَّه إلّا و هو مخذول، و من خذل (4) لم يصب، كما أنّ الأمر لا بدّ من تنزيله من السّماء يحكم به أهل الأرض، كذلك لا بدّ من وال.
فإن قالوا: لا نعرف هذا.
فقل لهم: قولوا ما أحببتم، أبى (5) اللَّه- تعالى- بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يترك العباد و لا حجّة عليهم.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6): يسمع أقوال العباد و يعلم أحوالهم. و هو و ما بعده تحقيق لربوبيّته، و أنّها لا تحقّ إلّا لمن هذه صفاته.
رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما: خبر آخر، أو استئناف.
و قرأ (6) الكوفيّون، بالجرّ، بدلا من «ربّك».
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)، أي: إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم. أو إن كنتم موقنين (7) في إقراركم، إذا سئلتم: من خلقها؟ فقلتم: اللَّه، علمتم أنّ الأمر كما قلنا. أو إن كنتم مريدين اليقين، فاعلموا ذلك.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: إذ لا خالق سواه.
يُحْيِي وَ يُمِيتُ، كما تشاهدون.
رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8).
و قرئتا (8) بالجرّ، بدلا [من «ربّك»] (9).
____________
(1) كذا في المصدر. و في السنخ: «لهم هل» بدل «فهل لهم».
(2) ق، ش، م، ي: سند.
(3) البقرة/ 257.
(4) ق، ش، م: خذله.
(5) ت، م، ر: إلى.
(6) أنوار التنزيل 2/ 374.
(7) يوجد في ق، ش.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) من المصدر.
125
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9): ردّ لكونهم موقنين.
فَارْتَقِبْ، أي: فانتظر لهم.
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10).
قيل (1): يوم شدّة و مجاعة، فإن الجائع يرى بينه و بين السّماء كهيئة الدّخان من ضعف بصره، أو لانّ الهواء يظلم عام القحط لقلّة الأمطار و كثرة الغبار، أو لأنّ العرب تسمّي الشّرّ الغالب: دخانا، و قد قحطوا حتّى أكلوا جيف الكلاب و عظامها.
و إسناد الإتيان إلى السّماء، لأنّ ذلك يكفه عن الأمطار.
و في مجمع البيان (2): و ذلك أن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا على قومه لمّا كذبوه، فقال: اللّهمّ، اجعل (3) سنينا كسني يوسف. فأجدبت الأرض فأصابت قريشا المجاعة.
و قيل (4): يوم ظهور الدّخان المعدود في أشراط السّاعة، لما
روي أن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا قال: أول الآيات الدّخان (5)، و نزول عيسى، و نار تخرج من قعر عدن إبين (6) تسوق النّاس إلى المحشر.
قيل: و ما الدّخان؟
فتلا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الآية، و قال: يملأ ما بين المشرق و المغرب، يمكث أربعين يوما و ليلة، أمّا المؤمن فيصيبه كهيئة الزّكام، و أمّا الكافر فهو كالسّكران يخرج من منخريه و أذنيه و دبره.
و قيل (7): يوم القيامة، و الدّخان يحتمل المعنيين. و هو بعيد عن سياق الآية.
و في جوامع الجامع (8): فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. و اختلف في الدّخان، فقيل:
إنّه دخان يأتي من السّماء قبل قيام السّاعة، يدخل في أسماع الكفرة حتّى يكون رأس الواحد كالرّأس الحنيذ (9)، و يعتري المؤمن منه كهيئة الزّكام، و تكون
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المجمع/ 5/ 62.
(3) ليس في م، ي، ر.
(4) أنوار التنزيل 2/ 374.
(5) ن، ت، م، ي، ر: الدّجّال.
(6) إبين- بكسر الهمزة و فتحها-: اسم رجل بنى هذه البلدة و سكن بها.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) الجوامع/ 438.
(9) أي المشوي.
126
الأرض كلّها كبيت أوقد فيه (1) ليس فيه خصاص (2)، يمتدّ ذلك أربعين يوما. و روي ذلك عن عليّ (3) [- (عليه السلام)- و] (4) ابن عبّاس و الحسن (5).
يَغْشَى النَّاسَ: يحيط بهم، صفة «للدّخان». و قوله: هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12): مقدر بقول وقع حالا، و «إنّا مؤمنون» وعد بالايمان إن كشف العذاب عنهم.
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى: من أين لهم، و كيف يتذكرون بهذه الحالة؟! وَ قَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13): يبين لهم ما هو أعظم منها في إيجاب الأذكار من الآيات و المعجزات.
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14).
قال بعضهم: يعلّمه غلام أعجميّ لبعض ثقيف، و قال آخرون: إنّه مجنون.
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ: بدعاء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإنّه دعا فرفع القحط.
قَلِيلًا: كشفا قليلا (6) أو زمانا قليلا و هو ما بقي من أعماركم.
إِنَّكُمْ عائِدُونَ (15): إلى الكفر غبّ (7) الكشف.
و من فسر الدّخان بما هو من الأشراط، قال: إذا جاء الدّخان غوّث الكفّار بالدّعاء فيكشفه اللَّه عنهم بعد الأربعين، فريثما يكشفه عنهم يرتدّون.
و من فسره بما في القيامة، أوّله بالشّرط و التّقدير.
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى: يوم القيامة، أو يوم بدر. ظرف لفعل دلّ عليه إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) لا «لمنتقمون» فإنّ «إنّ» تحجزه عنه (8). أو بدل من «يوم تأتي».
و قرئ (9): «نبطش»، أي: نجعل البطشة الكبرى باطشة بهم. أو نحمل
____________
(1) في ر زيادة، النّار.
(2) الخصاص: الفرجة و الخلّة.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: (عليه السلام).
(6) ليس في ق، ش.
(7) بمعنى: بعد.
(8) لأنّ ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها.
(9) أنوار التنزيل 2/ 375.
127
الملائكة على بطشهم، و هو التّناول بصولة.
وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ: امتحنّاهم بإرسال موسى إليهم. أو أوقعناهم في الفتنة بالإمهال و توسيع الرّزق عليهم.
و قرئ (1) بالتشديد، للتأكيد أو لكثرة القوم (2).
وَ جاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17): على اللَّه و على المؤمنين. أو في نفسه، لشرف نسبه و فضل حسبه.
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ: بأن أدّوهم إليّ و أرسلوهم معي. أو بأن أدّوا إليّ حقّ اللَّه من الإيمان و قبول الدعوة، يا عباد اللَّه.
و يجوز أن تكون «أن» مخفّفة، أو مفسّرة لأنّ مجيء الرسول يكون برسالة و دعوة.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18): غير متّهم لدلالة المعجزات على صدقه، أو لائتمان اللَّه إيّاه على وحيه، و هو علة الأمر.
وَ أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ: و لا تتكبّروا عليه بالاستهانة بوحيه و رسوله.
[و «أن» ك «أن» الأولى في وجوهها] (3).
إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (19): علّة للنّهي. و لذكر الأمين مع الأداء، و السّلطان مع العلاء، شأن لا يخفى (4).
وَ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ: التجأت إليه، و توكّلت عليه.
أَنْ تَرْجُمُونِ (20): أن تؤدوني ضربا، أو شتما. أو أن تقتلوني.
و قرئ (5): غدت (6) بالإدغام.
وَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21): فكونوا بمعزل منّي لا عليّ و لا لي و لا تتعرّضوا لي بسوء، فإنّه ليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ذلك.
فَدَعا رَبَّهُ: بعد ما كذّبوه.
أَنَّ هؤُلاءِ: بأنّ هؤلاء قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22): و هو تعريض بالدّعاء
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) لأن باب التفعيل قد يكون لكثرة المفعول.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) يوجد في ن، ت، ي.
(5) أنوار التنزيل 2/ 375.
(6) ليس في ق، ش، م، ن، ت. و في المصدر: عدت.
128
عليهم بذكر ما استوجبوه به، و لذلك سمّاه: دعاء.
و قرئ (1) بالكسر (2)، على إضمار القول.
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا، أي: فقال: إن كان الأمر كذلك فأسر.
و قرئ (3) بوصل الهمزة، من سرى.
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23): يتبعكم فرعون و جنوده إذا علموا بخروجكم.
وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً: مفتوحا ذا فجوة واسعة. أو ساكنا على هيئته بعد ما جاوزته، و لا تضر به بعصاك، و لا تغيّر منه شيئا ليدخله القبط.
إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24).
و قرئ (4) بالفتح، بمعنى: لأنّهم.
كَمْ تَرَكُوا: كثيرا تركوا.
مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (25) وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ (26): محافل مزيّنة، و منازل حسنة.
وَ نَعْمَةٍ: و تنعّم.
كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27): متنعّمين.
و قرئ (5): «فكهين».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قال: النّعمة في الأبدان.
و قوله: «فاكهين»، أي: فاكهين للنّساء.
كَذلِكَ: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. أو الأمر كذلك.
وَ أَوْرَثْناها: عطف على الفعل المقدر، أو على «تركوا».
قَوْماً آخَرِينَ (28): ليسوا منهم في شيء، و هم بنو إسرائيل.
و قيل (7): غيرهم، لأنّهم لم يعودوا إلى مصر.
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ي، ر.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر/ 376.
(6) تفسير القمّي 2/ 291.
(7) أنوار التنزيل 2/ 376.
129
قيل (1): مجاز عن عدم (2) الاكتراث بهلاكهم و الاعتداد بوجودهم، كقولهم:
بكت عليهم السّماء و الأرض (3) و كسفت لمهلكهم (4) الشمس، في نقيض ذلك و منه:
ما روي في الأخبار، أنّ المؤمن ليبكي عليه مصلّاه، و محلّ عبادته، و مصعد عمله، و مهبط رزقه.
و قيل (5): تقديره: فما بكت عليهم أهل (6) السّماء و الأرض.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): قال: حدثني أبي، [عن جدّه] (8) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: مرّ عليه رجل عدو للَّه و لرسوله، فقال: فَما (9) بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ.
ثمّ مرّ عليه الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- فقال: لكنّ هذا لتبكيّن (10) عليه السّماء و الأرض، و ما بكت السماء و الأرض إلّا على يحيى بن زكرياء و الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)-.
قال: و حدثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- دمعة حتّى تسيل على خدّه، بوّأه اللَّه بها في الجنّة غرفا يسكنها أحقابا (11).
و أيّما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتّى يسيل (12) على خدّه لأذى مسّنا من عدوّنا في الدّنيا، بوّأه اللَّه مبوّأ صدق في الجنّة.
و أيّما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتّى يسيل (13) دمعه على خدّيه من
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) ليس في ق.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بمهلكهم.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في ي.
(7) تفسير القمّي 2/ 291- 292.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) ن، المصدر: و ما.
(10) ن، المصدر: ليبكين.
(11) الأحقاب- جمع حقب-: و هو ثمانون سنة من سنين الآخرة: و قيل: الأحقاب ثلاثة و أربعون حقبا، كلّ حقب سبعون خريفا، كلّ خريف سبعمائة سنة، كلّ سنة ثلاثمائة و ستّون يوما، كلّ يوم ألف سنة. (مجمع البحرين مادة «حقب»)
(12) المصدر: تسيل.
(13) المصدر: تسيل.
130
مضاضة (1) ما أوذي فينا، صرف اللَّه عن وجهه الأذى و آمنه يوم القيامة من سخطه و النّار.
و حدّثني أبي (2)، عن بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من ذكرنا [أو ذكرنا] (3) عنده، فخرج من عينيه (4) دمع مثل جناح بعوضة، غفر اللَّه له ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر.
و في مجمع البيان (5): و روى زرارة بن أعين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: بكت السّماء على يحيى بن زكريّاء و على الحسين بن عليّ أربعين صباحا (6).
قلت: فما بكاؤها؟
قال: كانت تطلع حمراء و تغيب حمراء.
و في كتاب المناقب (7) لابن شهر آشوب: عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ، يعني: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و ذلك أنّ عليّا- (عليه السلام)- خرج قبل الفجر متوكّئا على عنزة (8) و الحسين خلفه يتلوه، حتّى أتى حلقة (9) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [فرمى بالعنزة] (10) ثمّ قال: إن اللَّه ذكر أقواما فقال: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ [و اللَّه] (11) ليقتلنّه و لتبكينّ السّماء عليه.
و قال الصّادق (12)- (عليه السلام)-: بكت السّماء على الحسين- (عليه السلام)- أربعين يوما بالدّم.
عن إسحاق الأحمر (13)، عن الحجّة- (عليه السلام)- حديث طويل، و في أواخره: و ذبح يحيى كما ذبح الحسين- (عليه السلام)-. و لم تبك السّماء و الأرض إلّا عليهما.
____________
(1) كذا في المصدر. و في ق: خصاصة. و في ش: خصاصته.
و في ن، ي: مضاضته. و في ت، م، ر،:
مضاضة.
و المضاضة: وجع المصيبة.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) من المصدر.
(4) ي، ر، المصدر: عينه.
(5) المجمع 5/ 65.
(6) في المصدر زيادة: و لم تبك إلّا عليهما.
(7) المناقب 4/ 53- 54.
(8) العنزة- محرّكة-: شبيه العكّازة، أطول من العصا و أقصر من الرمح.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خلفه.
(10) ليس في المصدر.
(11) من المصدر.
(12) نفس المصدر/ 54.
(13) نفس المصدر/ 84- 85.
131
و في مجمع البيان (1): و روى أنس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من مؤمن إلّا و له باب يصعد منه عمله و باب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه.
و في من لا يحضره الفقيه (2)، بعد أن نقل حديثا عن الصّادق- (عليه السلام)-: و قال- (عليه السلام)-: إذا مات المؤمن بكت عليه بقاع الأرض الّتي كان يعبد اللَّه فيها، و الباب الّذي كان يصعد منه عمله، و موضع سجوده.
وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ (29): ممهلين إلى وقت آخر.
وَ لَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30): من استعباد فرعون و قتله أبناءهم.
مِنْ فِرْعَوْنَ: بدل من «العذاب» على حذف المضاف. أو جعله عذابا لإفراطه في التّعذيب. أو حال من «المهين» بمعنى: واقعا من جهته.
و قرئ (3): «من فرعون» على الاستفهام، تنكيرا له لنكر ما كان عليه من الشّيطنة.
إِنَّهُ كانَ عالِياً: متكبّرا.
مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31): في العتوّ و الشّرارة. و هو خبر ثان، أي: كان متكبّرا مسرفا. أو حال من الضّمير في «عاليا»، أي: كان رفيع الطّبقة من بينهم.
وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ: اخترنا بني إسرائيل.
عَلى عِلْمٍ: بأنّهم أحقّاء بذلك. أو مع علم منّا بأنّهم يزيّفون في بعض الأحوال.
عَلَى الْعالَمِينَ (32): لكثرة الأنبياء فيهم. أو على عالمي زمانهم.
و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في هاروت و ماروت: قال الإمام الحسن بن عليّ- (عليه السلام)-: حدّثني أبي، عن جدّي (5)، عن الرّضا- (عليه السلام)-، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه اختارنا، معاشر آل محمد- (صلوات اللّه عليهم)- و اختار النّبيّين و اختار
____________
(1) المجمع 5/ 65.
(2) الفقيه 1/ 84، ح 384.
(3) أنوار التنزيل 2/ 376.
(4) العيون 1/ 210، ح 1.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن أبيه، عن جدّه» بدل «عن جدّي».
132
الملائكة المقرّبين، و ما اختارهم إلّا على علم منه بهم أنّهم لا يواقعون (1) ما يخرجون به (2) عن ولايته (3)، و ينقطعون به عن عصمته، و ينتمون (4) به إلى المستحقّين لعذابه (5) و نقمته (6).
و في شرح الآيات الباهرة (7) روى عمن رواه، عن محمد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن الفضيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله: وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ. قال: الأئمة من المؤمنين، و فضّلناهم على من سواهم.
وَ آتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ، كفلق البحر، و تظليل الغمام، و إنزال المنّ و السّلوى.
ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (33): نعمة جليّة، أو اختبار ظاهر.
إِنَّ هؤُلاءِ، يعني: كفّار قريش، لأن الكلام فيهم، و قصّة فرعون [و قومه] (8) مسوقة للدّلالة على أنّهم مثلهم في الإصرار على الضّلالة و الإنذار عن مثل ما حلّ بهم.
لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى: ما العاقبة و نهاية الأمر إلّا الموتة المزيلة للحياة الدّنيويّة، و لا قصد فيه إلى إثبات ثانية، كما في قولك: حجّ زيد (9) الحجّة الأولى و مات.
و قيل (10): لما قيل لهم: إنّكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما تقدّمتكم موتة، كذلك قالوا: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى، أي: ما الموتة الّتي من شأنها ذلك (11) إلّا الموتة الأولى.
وَ ما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35): بمبعوثين.
فَأْتُوا بِآبائِنا: خطاب لمن وعدهم بالنّشور، من الرّسول و المؤمنين.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36): في وعدكم ليدلّ عليه.
____________
(1) ق، ش: لا يوافقون.
(2) ليس في المصدر.
(3) ن، م، ي، ر: الولاية.
(4) ن، ت، م، ي، ر: ينتقمون.
(5) ن، ت، م، ي، ر: المستخفّين بعذابه.
(6) كذا في المصدر. و في ن: همته. و في غيرها:
نعمته.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 574، ح 2.
(8) ليس في ق.
(9) ق، ش: مزيد.
(10) أنوار التنزيل 2/ 376.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: تلك.
133
أَ هُمْ خَيْرٌ: في القوة و المنعة أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ.
في مجمع البيان (1): هو تبّع الحميريّ الّذي سار بالجيوش حتّى (2) حيّر الحيرة، ثمّ أتى سمرقند فهدمها ثمّ بناها، و كان إذا كتب كتب: باسم الّذي ملك برّا و بحرا وضحا و ريحا. عن قتادة. و سمّي تبّعا لكثرة أتباعه من النّاس.
و قيل (3): سمّي: تبّعا، لأنّه تبع من قبله من ملوك اليمن (4)، و التّبابعة (5) اسم ملوك اليمن (6)، فتبّع لقب له، كما يقال: خاقان لملك التّرك، و قيصر لملك الرّوم، و اسمه: سعد أبو بكر (7).
و روى سهل بن سعد (8)، عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: لا تسبّوا تبّعا فإنّه كان قد أسلم. [و قال كعب: نعم الرجل الصالح، ذمّ اللَّه قومه و لم يذمّه.] (9).
و روى الوليد بن صبيح (10)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ تبّعا قال للأوس و الخزرج: كونوا هاهنا حتّى يخرج هذا النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أما إني لو أدركته لخدمته. و لخرجت معه.
وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كعاد و ثمود.
أَهْلَكْناهُمْ: استئناف بمآل قوم تبّع و الّذين من قبلهم، هدّد به كفّار قريش، أو حال بإضمار «قد». أو خبر من الموصول إن استؤنف به.
إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (37): بيان للجامع المقتضي للهلاك.
وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما: و ما بين الجنسين.
و قرئ (11): «و ما بينهنّ».
لاعِبِينَ (38): لاهين. و هو دليل على صحّة الحشر، كما مرّ في الأنبياء و غيرها.
____________
(1) المجمع 5/ 66.
(2) ن: و.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) ق، ش: النمير.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: التابعة.
(6) ت: باليمن. و في ق، ش: النمير.
(7) ن: سعد كوب. و في ت، ر: سعد كرب.
و في المصدر: أسعد كرب.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) ليس في ق، ش، ت، م، ر.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) أنوار التنزيل 2/ 377.
134
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ قيل (1): أي: بالعلم الدّاعي إلى خلقهما (2)، و العلم لا يدعو إلّا إلى الصّواب و الحقّ.
و قيل (3): إلّا للحقّ، و هو الامتحان بالأمر و النّهي و التمييز بين (4) المحسن و المسيء.
و قيل (5): إلّا على الحقّ الّذي يستحقّ به الحمد، خلاف الباطل الّذي يستحقّ به الذّمّ.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39): لقلّة نظرهم.
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ: فصل الحقّ عن الباطل، و المحقّ عن المبطل بالجزاء. أو فصل الرّجال عن أقاربه و أحبّائه.
مِيقاتُهُمْ: وقت موعدهم (6). أَجْمَعِينَ (40).
و قرئ (7): «ميقاتهم» بالنّصب، على أنه الاسم، أي: أنّ ميعاد جزائهم في يوم الفصل.
يَوْمَ لا يُغْنِي: بدل من «يوم الفصل». أو صفة «لميقاتهم».
أو ظرف لما دلّ عليه الفصل، لا له، للفصل (8).
مَوْلًى: من قرابة، أو غيرها.
عَنْ مَوْلًى: أيّ مولى كان.
شَيْئاً: شيئا من الإغناء.
وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (41): الضّمير «لمولى» الأوّل، باعتبار المعنى لأنّه عامّ (9).
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ: بالعفو عنه، أو قبول الشّفاعة فيه. و محلّه الرّفع على البدل
____________
(1) مجمع البيان 5/ 66.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: خلقهنّ.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «السيّئ من» بدل «التمييز بين».
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 377. و في النسخ:
موعودهم.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) أي: للفصل بين الفصل الّذي هو المضاف إليه في «يوم الفصل» و بين يوم القيامة.
(9) لا يعود الضمير إلى المولى الثاني، لأنّه يعلم من الكلام أنّ المولى الثاني لم ينصر.
135
من الواو، أو النّصب على الاستثناء.
و في أصول الكافي (1): أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ، عن عليّ بن أسباط، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن زيد الشّحّام قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- و نحن في الطّريق في ليلة الجمعة: اقرأ، فإنّها ليلة الجمعة، قرآنا.
فقرأت: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ (2) مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: نحن، و اللَّه، الّذي رحم (3) اللَّه. و [نحن و اللَّه] (4) الّذي استثنى اللَّه فكنّا (5) نغني عنهم.
و في روضة الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، و اللَّه، ما استثنى اللَّه بأحد من الأولياء (7) أوصياء الأنبياء و لا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و شيعته، فقال في كتابه و قوله الحقّ: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، يعني بذلك: عليّا- (عليه السلام)- و شيعته
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ: لا ينصر من أراد تعذيبه.
الرَّحِيمُ (42): لمن أراد أن يرحمه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً قال: من والى غير أولياء اللَّه لا يغني بعضهم عن بعض.
ثمّ استثنى من والى آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- فقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
و في شرح الآيات الباهرة (9): [محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-] (10) عن حميد بن زياد،
____________
(1) الكافي 1/ 423، ح 56.
(2) في المصدر زيادة: (كان)
(3) ق، ش، م، ت، ي، ر: يرحم.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: لكنّا.
(6) نفس المصدر 8/ 35، ح 6.
(7) ليس في المصدر.
(8) تفسير القمّي 2/ 292.
(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 574، ح 3.
(10) ليس في ق، ش، م.
136
عن عبد اللَّه بن أحمد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم (1) بن عبد الحميد، عن أبي أسامة، زيد الشّحّام قال: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- ليلة جمعة (2)، فقال لي: اقرأ.
فقرأت.
ثمّ قال لي: اقرأ.
فقرأت.
ثمّ قال: يا شحّام، اقرأ فإنّها ليلة قرآن. فقرأت، حتّى إذا بلغت: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ. قال: هم.
قال: قلت (3): إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.
قال: نحن القوم الّذين رحم (4) اللَّه، و نحن القوم الّذين استثنى اللَّه، و إنّا- و اللَّه- نغني عنهم.
و روي- أيضا (5)-، عن أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن محمّد بن عيسى، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ. قال: نحن أهل الرّحمة.
و روي- أيضا- (6)، عن الحسن (7) بن أحمد (8)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن إسحاق بن عمّار، عن شعيب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ. قال:
نحن، و اللَّه، الّذين رحم اللَّه، و الّذين استثنى اللَّه (9)، و الّذين تغني ولايتنا.
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43).
و قرئ (10) بكسر الشّين. و معنى الزّقوم سبق في الصّافّات.
طَعامُ الْأَثِيمِ (44). الكثير الآثام، و المراد به: الكافر، لدلالة ما قبله و ما
____________
(1) ق: عبد اللَّه.
(2) ليس في ق، ش.
(3) ليس في ق.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: رحمه.
(5) نفس المصدر/ 574- 575، ح 4.
(6) نفس المصدر/ 575، ح 5.
(7) المصدر: الحسين.
(8) ق: محمّد.
(9) يوجد في ق، ش.
(10) أنوار التنزيل 2/ 377.
137
بعده عليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): ثمّ قال- تعالى-: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ نزلت في أبي جهل بن هشام.
و في مجمع البيان (2): و روي أنّ أبا جهل أتى بتمر و زبد، فجمع بينهما و أكل، و قال: هذا هو الزّقوم الّذي يخوّفنا محمّد به.
و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة، و من أشبع كافرا كان حقّا على اللَّه أن يملأ جوفه من الزّقّوم مؤمنا كان أو كافرا.
كَالْمُهْلِ قيل (4): هو ما يمهل في النّار حتّى يذوب.
و قيل (5): درديّ الزّيت (6).
يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45).
و قرأ (7) ابن كثير و حفص و رويس، بالياء، على أنّ الضّمير «للطّعام» أو «الزّقّوم» لا «للمهل»، إذ الأظهر أنّ الجملة حال من أحدهما.
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46): غليانا مثل غليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله: «كالمهل» قال: «المهل» الصّفر المذاب.
يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ و هو الّذي قد حمي و بلغ المنتهى.
خُذُوهُ: على إرادة القول، و المقول له الزّبانية.
فَاعْتِلُوهُ: فجرّوه.
«و العتل» الأخذ بمجامع الشّيء، و جرّه بقهر.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 292.
(2) المجمع 5/ 67.
(3) الكافي 2/ 200، ح 1.
4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 377.
(6) الدرديّ: ما رسب أسفل العسل و الزيت و نحوهما من كلّ شيء مائع كالأشربة و الأدهان.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) تفسير القمّي 2/ 292.
138
و قرأ (1) الحجازيّان و ابن عامر و يعقوب، بالضّمّ، و هما لغتان.
إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47): وسطه.
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48).
كان أصله: «يصبّ من فوق رؤوسهم [الحميم». فقيل: يصبّ من فوق رؤوسهم] (2) عذاب هو الحميم للمبالغة، ثم أضيف العذاب إلى الحميم للتّخفيف، و زيد «من» للدّلالة على أنّ المصوب بعض هذا النّوع.
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)، أي: و قولوا له ذلك استهزاء به، و تقريعا على ما كان يزعمه.
و قرأ (3) الكسائيّ: «انّك» بالفتح، أي: ذق لأنّك، أو عذاب أنّك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): ثمّ قال: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ، أي: فاضغطوه من كلّ جانب، ثمّ انزلوا به إلى سواء الجحيم، ثمّ يصبّ عليه ذلك الحميم، ثمّ يقال له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. فلفظه خبر و معناه حكاية عمّن يقول له ذلك، و ذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا العزيز الكريم. فيعيّر (5) بذلك في النّار.
و في جوامع الجامع (6): روى أنَّ أبا جهل قال لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
ما بين جبليها أعزّ و لا أكرم منّي.
إِنَّ هذا، أي: إنّ هذا العذاب.
ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50): تشكّون و تمارون فيه.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ: في موضع إقامة.
و قرأ (7) نافع و ابن عامر، بضمّ الميم.
أَمِينٍ (51): يأمن صاحبه عن الآفة و الانتقال (8).
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (10) بن عيسى، عن ابن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 377.
(2) من ق.
(3) نفس المصدر/ 378.
(4) تفسير القمّي 2/ 292.
(5) المصدر: فتعير.
(6) الجوامع/ 440.
(7) أنوار التنزيل 2/ 378.
(8) ق، ش م: الانتقام.
(9) الكافي 2/ 65، ح 4.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: عن
139
محبوب، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: أيّما عبد أقبل [قبل] (1) ما يحبّ اللَّه، أقبل اللَّه قبل ما يجب، و من اعتم باللَّه عصمه اللَّه، و من أقبل اللَّه قبله و عصمه لم يبال لو سقطت السّماء على الأرض، أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة كان في حزب (2) اللَّه بالتّقوى من كلّ بليّة، أ ليس اللَّه يقول: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ.
فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (52): بدل من «مقام» جيء به للدّلالة على نزاهته، و اشتماله على ما يستلذّ (3) به من المآكل و المشارب.
يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ: خبر ثان.
أو حال من الضّمير في الجارّ. أو استئناف.
و «السّندس» ما رقّ من الحرير. و «الإستبرق» ما غلظ منه، معرّب، أو مشتقّ من البراقة.
مُتَقابِلِينَ (53): في مجالسهم، ليستأنس بعضهم ببعض.
كَذلِكَ: الأمر كذلك. أو آتيناهم مثل ذلك.
وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54): قرناهم بهنّ، و لذلك عدّي بالباء.
و «الحوراء» البيضاء، و «العيناء» عظيمة العينين. و اختلف في أنّهنّ نساء الدّنيا أو غيرها، و المفهوم من الأخبار أنهن غيرهنّ.
و في روضة الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سنان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار، بعث ربّ العزة عليّا- (عليه السلام)- فأنزلهم منازلهم من الجنّة فزوّجهم. فعليّ- (عليه السلام)- و اللَّه، الّذي يزوّج أهل الجنّة في الجنّة، و ما ذاك إلى أحد غيره كرامة من اللَّه و فضلا فضّله اللَّه و منّ به عليه.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
أحمد بن محمّد (5)، عن عليّ بن الحسن التّيميّ، عن محمّد بن عبد اللَّه، عن زرارة،
____________
أحمد.
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جوف.
(3) ن، ت، م، ي، ر: يستلزم.
(4) الكافي 8/ 159، ح 154.
(5) نفس المصدر/ 365، ح 556. و فيه: أحمد بن
140
عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول لرجل من الشّيعة: أنتم الطّيّبون و نساؤكم الطّيّبات، كلّ مؤمنة حوراء عيناء، و كل مؤمن صدّيق.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن [محمّد بن] (2) أبي نصر، عن الحسين بن خالد و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان الخزّاز (3)، عن رجل، عن الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن مهر السّنّة، كيف صار خمسمائة؟
فقال: إن اللَّه أوجب (4) على نفسه أن لا يكبّره مؤمن مائة تكبيرة و يسبّحه مائة تسبيحة و يحمّد مائة تحميدة و يهلّله مائة تهليلة و يصلّي على محمّد و آل محمّد مائة مرّة، ثم يقول: اللّهمّ، زوّجني من الحور العين إلّا زوّجه اللَّه حوراء (5)، و جعل ذلك مهرها. ثمّ أوحى اللَّه إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن سنّ مهور المؤمنات خمسمائة درهم، ففعل ذلك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و أيّما مؤمن خطب إلى أخيه حرمته، فقال: خمسمائة درهم، فلم يزوجه، فقد عقّه و استحقّ من اللَّه ألّا يزوّجه حوراء.
و في صحيفة الرّضا (6)- (عليه السلام)-: و بإسناده قال (7): قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الّذي يسقط من المائدة مهور الحور العين.
و في كتاب الخصال (8): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أربعة أوتوا سمع الخلائق: النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الحور العين، و الجنّة، و النّار. فما من عبد يصلّي على النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يسلّم عليه إلّا بلغه ذلك و سمعه، و ما من أحد قال:
اللّهمّ، زوّجني من الحور العين إلّا سمعنه و قلن: يا ربّ، إنّ فلانا خطبنا إليك، فزوّجنا منه
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
____________
محمّد بن احمد.
(1) الكافي 5/ 376، ح 7.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 624. و في النسخ: عمرو بن شمر الخزّاز.
(4) ن، ت، م، ي، ر: وجب.
(5) في المصدر: عين.
(6) صحيفة الإمام الرضا- (عليه السلام)-/ 50، ح 42.
(7) يوجد في ن، ت.
(8) الخصال/ 202، ح 17.
141
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: المؤمن يزوّج ثمانمائة عذراء و ألف (2) ثيّب و زوجتين من الحور العين.
قلت: جعلت فداك، ثمانمائة عذراء؟! قال: نعم، ما يفترش (3) فيهنّ إلا وجدها كذلك.
(الحديث)
و في مجمع البيان (4): عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا أبا القاسم، تزعم أنّ أهل الجنّة يأكلون و يشربون.
قال: و الّذي نفسي بيده، إنّ الرّجل منهم ليؤتى قوة مائة رجل (5) في الأكل و الشّرب و الجماع.
(الحديث)
و في روضة الكافي (6)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: إن خيرا نهر في الجنّة، مخرجه من الكوثر، [و الكوثر] (7) مخرجه من ساق العرش، عليه منازل الأوصياء و شيعتهم، على حافتي ذلك النّهر جواري نابتات كلّما قلعت واحدة نبتت أخرى.
و في الاحتجاج للطّبرسي (8)- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: قال السّائل له- (عليه السلام)-: فكيف تكون الحوراء في كلّ ما أتاها زوجها عذراء؟
قال: [لأنّها] (9) خلقت من الطّيب، لا تعتريها عاهة و لا يخالط جسمها آفة و لا يجري في ثقبها شيء و لا يدنّسها حيض، فالرّحم ملتزقة (10)، إذ ليس فيه (11)، لسوى الإحليل مجرى.
قال: فهي تلبس (12) سبعين حلّة، و يرى زوجها (13) مخّ ساقها من وراء حللها
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 82.
(2) المصدر: أربعة آلاف.
(3) في بعض نسخ المصدر: يفترس.
(4) المجمع 5/ 165.
(5) ليس في ن.
(6) الكافي 8/ 230، ح 298.
(7) يوجد في ق، ش، المصدر.
(8) الاحتجاج/ 351.
(9) من المصدر.
(10) في المصدر زيادة: ملدم.
(11) المصدر: فيها.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: تلتبس.
(13) ليس في ق، ش، م. و في ت، ر:
بفرجها.
142
و بدنها؟
قال: نعم، كما يرى أحدكم الدّرهم إذا ألقي (1) في ماء صاف، قدره قدر رمح.
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ: يطلبون و يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه، لا يتخصّص شيء منها بزمان و لا مكان.
آمِنِينَ (55): من الضّرر.
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى: بل يحيون فيها دائما، و الاستثناء منقطع. أو متصل و الضّمير للآخرة و الموت أوّل أحوالها، أو الجنّة و المؤمن يشارفها بالموت و يشاهدها عنده فكأنّه فيها. أو الاستثناء للمبالغة في تعميم النّفي.
و امتناع الموت، فكأنّه قال: لا يذوقون فيها الموت إلّا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل.
وَ وَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (56).
و قرئ (2): «و وقاهم» على المبالغة.
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ، أي: أعطوا كلّ ذلك عطاء و تفضّلا منه.
و قرئ (3) بالرّفع، أي: ذلك فضل (4).
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57): لأنّه خلاص من المكاره، و فوز بالمطالب.
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ: سهّلناه، حيث أنزلناه بلغتك. و هو فذلكة (5) للسّورة.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58): لعلّهم يفهمونه فيتذكّرون به. فلمّا لم يتذكّروا فَارْتَقِبْ: فانتظر ما يحلّ بهم.
إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59): منتظرون ما يحلّ بك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): ثمّ وصف ما أعدّه [اللَّه] (7) للمتّقين من شيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ- إلى قوله-: إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى،
____________
(1) المصدر: كما يرى أحدكم الدّراهم إذا ألقيت.
(2) أنوار التنزيل 2/ 378.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المصدر: فضلا.
(5) الفذلكة: مجمل ما فصّل و خلاصته.
(6) تفسير القمّي 2/ 292.
(7) من المصدر.
143
يعني: في الجنّة غير الموتة الّتي في الدّنيا. [وَ وَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ- إلى قوله-: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ، أي: انتظر إنّهم منتظرون] (1).
و في أصول الكافي (2): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن سفيان الجريري (3)، عن أبيه، عن سعد الخفّاف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال حاكيا عن القرآن.
يأتي الرّجل من شيعتنا الّذي كان يعرفه و يجادل به أهل الخلاف فيقوم (4) بين يديه، فيقول: ما تعرفني؟ فينظر إليه الرّجل فيقول: ما أعرفك، يا عبد اللَّه.
قال: فيرجع في صورته الّتي كانت في الخلق الأوّل، فيقول: ما تعرفني؟
فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الّذي أسهرت ليلك و أنصبت عيشك و سمعت الأذى و رجمت بالقول فيّ، ألا و إنّ كلّ تاجر قد استوفى تجارته و أنا ورائك اليوم.
قال: فينطلق به إلى ربّ العزّة، فيقول: يا رب، عبدك و أنت أعلم به، قد كان نصبا (5) بي مواظبا عليّ يعادي بسببي و يحبّ في و يبغض.
فيقول اللَّه: أدخلوا عبدي جنّتي، و اكسوه حلّة من حلل الجنّة، و توّجوه بتاج.
فإذا فعل به ذلك عرض على القرآن، فيقال (6) له: هل رضيت بما صنع بوليّك؟
فيقول: يا ربّ، إنّي أستقلّ هذا له، فزده مزيد الخير كلّه.
فيقول: و عزّتي و جلالي و علوّي و ارتفاع مكاني، لأنحلنّ له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له و لمن كان بمنزلته: ألا إنّهم شباب لا يهرمون، و أصحّاء لا يسقمون، و أغنياء لا يفتقرون، و فرحون لا يحزنون، و أحياء لا يموتون.
ثمّ تلا هذه الآية: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) الكافي 2/ 597- 598، ح 1.
(3) ق، ش، م: الجويريّ. و في المصدر:
الحريريّ.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: به.
(5) نصب الرجل نصبا- بالكسر-: تعب.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.
145
تفسير سورة الجاثية
147
سورة الجاثية مكيّة، [إلّا: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا (الآية) (1)] (2).
و هي سبع، أو ستّ و ثلاثون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الجاثية كان ثوابها أن لا يرى النّار أبدا، و لا يسمع زفير جهنّم و لا شهيقها (4)، و هو مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في مجمع البيان (5): ابيّ بن كعب، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة الجاثية، ستر (6) اللَّه عورته (7)، و سكن روعته عند الحساب.
حم (1).
قد مرّ بعض (8) معانيه.
[و في كتاب معاني الأخبار (9) بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق
____________
(1) الجاثية/ 14.
(2) ليس في م، ش.
(3) ثواب الأعمال/ 141، ح 1.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: شهيقا.
(5) المجمع 5/ 70.
(6) ت: سكن.
(7) ن، ي: غمرته. و في ت، م، ر: غرّته
(8) ليس في ق، ش م.
(9) معاني الأخبار/ 22، ح 1.
148
- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا «حم» فمعناه: الحميد المجيد] (1).
تَنْزِيلُ الْكِتابِ إن جعلت «حم» مبتدأ خبره «تنزيل الكتاب» و احتجت إلى إضمار، مثل:
تنزيل حم (2). و إن جعلته تعديدا للحروف، كان «تنزيل الكتاب» مبتدأ خبره: مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2).
و قيل (3): «حم» مقسم به، و «تنزيل الكتاب» صفته، و جواب القسم إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3).
و هو يحتمل أن يكون على ظاهره، و أن يكون المعنى: إن في خلق السّموات، لقوله: وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ و لا يحسن عطف «ما يبثّ» على الضّمير المجرور، بل عطفه على المضاف إليه بأحد الاحتمالين، فإنّ بثّه و تنوّعه و استجماعه لما بثه يتمّ معاشه إلى غير ذلك دلائل على وجود الصّانع المختار.
آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4): محمول على محلّ «إنّ» و اسمها.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ و يعقوب، بالنّصب، حملا على الاسم.
وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ: من مطر.
و سمّاه: رزقا، لأنّه سببه.
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها: يبسها.
وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ: باختلاف جهاتها و أحوالها.
و قرأ (5) حمزة و الكسائي: «و تصريف الرّيح».
آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5).
فيه القراءتان (6). و يلزمهما العطف على عاملين «في» و الابتداء أو «إنّ» إلّا
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) من ن.
(3) أنوار التنزيل 2/ 379.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) أي: قراءة الرفع و النصب.
149
أن يضمر «في» أو تنصب «آيات» على الاختصاص، أو ترفع بإضمار «هي» (1). و لعلّ اختلاف الفواصل الثّلاث لاختلاف الآيات في الدّقّة و الظّهور.
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ: تلك الآيات دلائله.
نَتْلُوها عَلَيْكَ: حال، عاملها معنى الإشارة.
بِالْحَقِ: ملتبسين به، أو ملتبسة به.
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)، أي: بعد آيات اللَّه، و تقديم اسم اللَّه للمبالغة و التّعظيم، كما في قولك: أعجبني زيد و كرمه.
أو بعد حديث اللَّه، و هو القرآن، كقوله (2): اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ.
و «آياته» دلائله المتلوة، أو القرآن. و العطف لتغاير الوصفين.
و قرأ (3) الحجازيّان و حفص و أبو عمرو و روح: «يؤمنون» بالياء، ليوافق ما قبله.
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ: كذّاب.
أَثِيمٍ (7): كثير الآثام.
يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ: يقيم على كفره.
مُسْتَكْبِراً: عن الإيمان بالآيات.
و «ثمّ» لاستبعاد الإصرار بعد (4) سماع الآيات، كقوله:
يرى غمرات الموت ثمّ يزورها
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، أي: كأنّه، فخفّفت و حذف ضمير الشّأن. و الجملة في موقع الحال، أي: يصرّ مثل غير السّامع.
فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8): على إصراره. و البشارة على الأصل، أو التّهكّم.
وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً: و إذا بلغه شيء [من آياتنا] (5) و علم أنّه منها
____________
(1) قوله: «و يلزمهما العطف ...» لأنّ «آيات» معطوف على محلّ اسم «إنّ» إذا كان مرفوعا. و على لفظه إذا كان منصوبا، و «اختلاف اللّيل و النّهار» معطوف على «خلقكم» فيكون «في» عاملا فيه.
(2) الزمر/ 23.
(3) أنوار التنزيل 2/ 279.
(4) من هنا إلى موضع سنذكره بعد صفحات لا يوجد في نسخة ت.
(5) من أنوار التنزيل 2/ 380.
150
اتَّخَذَها هُزُواً: لذلك، من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزء.
و الضمير «لآياتنا» و فائدته الإشعار بأنّه إذا سمع كلاما و علم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلّها و لم يقتصر على ما سمعه، أو «لشيء» لأنه بمعنى الآية.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ و هي النّجوم و الشّمس و القمر، و في الأرض ما يخرج منها من أنواع النّبات للنّاس و الدّوابّ (2).
و قوله: وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، أي: تجيء من كلّ جانب، و ربّما كانت حارّة و ربّما كانت باردة، و منها ما تثير السّحاب و منها ما يبسط (3) في الأرض و منها ما يلقّح الشّجر (4).
و قوله: وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا (الآية)، يعني: إذا رأى، فوضع العلم مكان الرّؤية.
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ: من قدّامهم، لأنّهم متوجهون إليها. أو من خلفهم لأنّها بعد آجالهم.
وَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ: و لا يدفع عنهم.
ما كَسَبُوا: من الأموال و الأولاد.
شَيْئاً: من عذاب اللَّه.
وَ لا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ، أي: الأصنام.
وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10): لا يحتمّلونه.
هذا هُدىً الإشارة إلى القرآن، و يدلّ عليه قوله وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11).
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 293.
(2) في المصدر زيادة: لآيات لقوم يعلمون.
(3) في المصدر زيادة: الرزق.
(4) ق، ش، م، المصدر: الشجرة. و ورد في المصدر بعدها: و قوله: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، أي: كذّاب يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً، أي: يصرّ على أنّه كذب و يستكبر على نفسه «كأن لم يسمعها».
151
و قرأ (1) ابن كثير و يعقوب و حفص، برفع «أليم».
و «الرّجز» أشدّ العذاب.
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ: بأن جعله أملس السّطح يطفو عليه ما يتخلخل، كالأخشاب، و لا يمنع الغوص فيه.
لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ: بتسخيره و أنتم راكبوها (2).
وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ: بالتّجارة و الغوص و الصّيد و غيرها.
وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12): هذه النّعم.
وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً: بأن خلقها نافعة لكم.
مِنْهُ: حال من «ما»، أي: سخر هذه الأشياء كائنة منه. أو خبر لمحذوف، أي: هي جميعا منه، أو «لما» في السّموات» و «سخّر لكم» تكرير للتأكيد، أو «لما في الأرض».
و قرئ (3): «منة» على المفعول له. و «منّة» على أنّه فاعل «سخر» على الإسناد المجازي، أو خبر محذوف.
و في بصائر الدّرجات (4): إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن سيف، عن أبيه، عن أبي الصّامت قال: سألته (5) عن قول اللَّه: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ.
قال: أجراهم على طاعتهم (6).
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13): في صنائعه.
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا حذف المقول لدلالة الجواب عليه، و المعنى: قل لهم اغفروا يغفروا، أي: يعفوا و يصفحوا.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 380.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 380. و في النسخ:
راكبون.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) البصائر/ 89، ح 1.
(5) ق، ش، م، المصدر: سألت.
(6) ن، ي، ر: أجبرهم لطاعتهم. و في المصدر: أجبرهم بطاعتهم.
152
و قيل (1): «يغفروا» تقديره: يا هؤلاء اغفروا، فحذف المنادى، كقوله: ألا يا اسجدوا.
لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ.
قيل (2): أي: لا يتوقّعون و قائعه بأعدائه، من قولهم «أيّام العرب» لوقائعهم. أولا يأملون الأوقات الّتي وقّتها اللَّه لنصر المؤمنين و ثوابهم و وعدهم بها.
و الآية منسوخة بآية القتال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثنا أبو القاسم قال: حدّثنا محمّد بن عبّاس قال: حدّثنا عبد اللَّه (4) بن موسى قال: حدّثني عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ قال: حدثنا عمر (5) بن رشيد، عن داود بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ.
قال: قل للّذين مننا عليهم بمعرفتنا أن يعرّفوا (6) الّذين لا يعلمون، فإذا عرّفوهم فقد غفروا لهم.
لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14): علة للأمر.
و قيل (7): «القوم» هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما، فيكون التّنكير للتّعظيم أو التّحقير أو الشّيوع.
و «الكسب» المغفرة، أو الإساءة، أو يعمّهما.
و قرأ (8) ابن عامر و حمزة و الكسائيّ: «لنجزي» بالنّون.
و قرئ (9): [ «ليجزي قوم»] (10) و «ليجزي قوما»، أي: ليجزي الخير أو الشّرّ أو الجزاء، أعني: ما يجزى به لا المصدر، فإنّ الإسناد إليه سيّما مع المفعول به ضعيف.
و في شرح الآيات الباهرة (11): ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره قال: قوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ (الآية)، أي: قل لأئمة العدل: لا تدعو (12) على أئمة الجور،
____________
(1) مجمع البيان 5/ 75.
(2) أنوار التنزيل 2/ 380.
(3) تفسير القمّي 2/ 294.
(4) المصدر: عبد اللَّه.
(5) ق، ش: عمرو.
(6) المصدر: يغفروا.
(7) أنوار التنزيل 2/ 380.
8 و 9 نفس المصدر و الموضع.
(10) من المصدر.
(11) تأويل الآيات الباهرة 2/ 575، ح 1.
(12) المصدر: لا تدعوا.
153
حتّى يكون اللَّه هو الّذي ينتقم لهم منهم.
و روي (1): أنّ عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أراد أن يضرب غلاما له، فقرأ:
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا (الآية) فوضع السّوط من يده، فبكى الغلام.
فقال له: ما يبكيك؟
قال: و إنّي عندك، يا مولاي، ممّن لا يرجون أيّام اللَّه؟
فقال له: أنت ممّن يرجو أيّام اللَّه؟
قال: نعم، يا مولاي.
فقال: لا أحبّ أن أملك من يرجو أيّام اللَّه، قم فأت قبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قل: اللّهمّ، اغفر لعليّ بن الحسين- (عليه السلام)- خطيئته يوم الدين، و أنت حرّ لوجه اللَّه.
و روي (2) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: أيّام اللَّه المرجوّة ثلاثة: يوم قيام القائم، و يوم الكرّة، و يوم القيامة.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها: إذ لها ثواب العمل، و عليها عقابه.
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15): فيجازيكم على أعمالكم.
وَ لَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ: التّوراة.
وَ الْحُكْمَ: و الحكمة النّظريّة و العمليّة. أو فصل الخصومات.
وَ النُّبُوَّةَ: إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم.
وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ: ممّا أحلّ [اللَّه- تعالى-] (3) من اللّذائذ.
وَ فَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16): حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم.
وَ آتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ: أدلّة في أمر الدّين، و يندرج فيها المعجزات.
و قيل (4): آيات من أمر (5) النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- مبيّنة لصدقه.
فَمَا اخْتَلَفُوا: في ذلك الأمر.
____________
(1) نفس المصدر، ح 2.
(2) نفس المصدر/ 576، ح 3.
(3) ليس في ق.
(4) أنوار التنزيل 2/ 381.
(5) ليس في ق.
154
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ: بحقيقة الحال.
بَغْياً بَيْنَهُمْ: عداوة و حسدا.
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17):
بالمؤاخذة و المجازاة.
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ: طريقة.
مِنَ الْأَمْرِ: أمر (1) الدّين.
فَاتَّبِعْها: فاتّبع شريعتك الثّابتة بالحجج (2).
وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18): آراء الجهّال التّابعة للشّهوات، و هم رؤساء قريش، قالوا له: ارجع إلى دين آبائك.
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً: ممّا أراد بك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): [و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-] (4) في قوله- تعالى-: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ (الآية): فهذا تأديب لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى لأمّته.
وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: إذ الجنسيّة علّة الانضمام، فلا توالهم باتّباع أهوائهم.
وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19): فواله بالتّقى و اتّباع الشّريعة.
هذا، أي: القرآن، أو اتّباع الشّريعة.
بَصائِرُ لِلنَّاسِ: بيّنات تبصّرهم وجه الفلاح.
وَ هُدىً: من الضّلال.
وَ رَحْمَةٌ: و نعمة من اللَّه.
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20): يطلبون اليقين.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ «أم» منقطعة، و معنى الهمزة فيها: إنكار الحسبان.
و «الاجتراح» الاكتساب. و منه، الجارحة.
____________
(1) ليس في ن.
(2) ليس في ق.
(3) تفسير القمّي 2/ 294.
(4) ليس في ق، ش.
155
أَنْ نَجْعَلَهُمْ: أن نصيّرهم.
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ: مثلهم. و هو ثاني مفعولي «نجعل»، و قوله: سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ بدل منه إن كان الضّمير للموصول الأوّل، لأنّ المماثلة فيه، إذ المعنى: إنكار أن يكون حياتهم و مماتهم سيين (1) في البهجة و الكرامة، كما هو للمؤمنين، و يدلّ عليه قراءة (2) حمزة و الكسائيّ و حفص: «سواء» بالنّصب على البدل، أو الحال من الضّمير في الكاف، أو المفعوليّة و الكاف حال.
و إن كان للثّاني فحال منه، أو استئناف يبيّن المقتضي للإنكار.
و إن كان لهما فبدل، أو حال من الثّاني و ضمير الأول، و المعنى: إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة، كما استووا في الرزق و الصّحّة في الحياة، أو استئناف مقرر لتساوي محيا كلّ صنف و مماته في الهدى و الضّلال.
و قرئ (3): «مماتهم» بالنّصب، على أنّ «محياهم» و «مماتهم» ظرفان، كمقدم الحاجّ.
ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21): ساء حكمهم هذا، أو بئس شيئا حكموا به ذلك.
و في شرح الآيات الباهرة (4): [قال محمّد بن العباس:] (5) حدّثنا عليّ بن عبيد، عن حسين بن حكم، عن حسن بن الحسين، عن حيّان بن عليّ، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ (الآية) قال:
الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات بنو هاشم و بنو عبد المطلب، و الّذين اجترحوا السّيّئات بنو عبد شمس.
و قال- أيضا- (6): حدّثنا (7) عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريّاء، عن أيّوب بن سليمان، عن محمّد بن مروان، عن الكلبيّ (8)، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 381. و في ن:
سيئين. و في غيرها: سيئان.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 576، ح 5.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) نفس المصدر/ 577 ح 6.
(7) ليس في ق، ش.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الكني.
156
قوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ (الآية) قال: إنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و حمزة بن عبد المطلب و عبيدة بن الحارث [هم الّذين آمنوا] (1)، و في ثلاثة من المشركين: عتبة و شيبة ابني ربيعة و الوليد بن عتبه، و هم الّذين اجترحوا السّيئات.
وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ، كأنّه دليل على الحكم السّابق، من حيث أنّ خلق ذلك بالحقّ المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظّالم، و التفاوت بين المسيء و المحسن، و إذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات.
وَ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: عطف على «بالحقّ» لأنّه في معنى العلّة، أو علة محذوفة، مثل: ليدلّ بها على قدرته، أو ليعدل و لتجزى.
وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (22): بنقص ثواب، أو بتضعيف عقاب.
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ: ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى، فكأنّه يعبده.
و قرئ (2): «آلهته» هواه، لأنّه كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده، فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه [و خلّاه و يختاره] (3).
وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ: و خذله (4).
عَلى عِلْمٍ: منه باستحقاقه لذلك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قوله: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قال: نزلت في قريش، كلّما هووا شيئا عبدوه. وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ، أي: عذّبه على علم منه فيما ارتكبوا من (6) أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و جرى ذلك بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيما فعلوه بعده بأهوائهم و آرائهم و أزالوهم، و أمالوا الخلافة و الإمامة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعد أخذ الميثاق عليهم مرّتين [لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (7).
وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ: فلا يبالي بالمواعظ، و لا يتفكّر في الآيات.
____________
(1) ليس في ق، ش، المصدر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 382.
(3) ليس في ن، المصدر.
(4) في ن زيادة: و خلاه و مختاره.
(5) تفسير القمّي 2/ 294.
(6) في ق، ش، زيادة: أمر.
(7) ليس في ق، ش، م.
157
وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً: فلا ينظر بعين الاستبصار و الاعتبار.
و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ: «غشوة».
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ: من بعد إضلاله و خذلانه أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (23).
و قرئ (2): «تتذكرون».
وَ قالُوا ما هِيَ: ما الحياة، أو الحال.
إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا: الّتي نحن فيها.
نَمُوتُ وَ نَحْيا، أي: نكون أمواتا نطفا و ما قبلها و نحيا بعد ذلك. أو نموت بأنفسنا و نحيا ببقاء أولادنا. أو يموت بعض و يحيى بعض. أو يصيبنا الموت أو الحياة فيها، و ليس وراء ذلك حياة.
قيل (3): و يحتمل أنّهم أرادوا به: التّناسخ، فإنّه عقيدة أكثر عبدة الأوثان.
وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ: إلّا مرور الزّمان، و هو في الأصل: مدة بقاء العالم، من دهره: إذا غلبه.
وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، يعني: نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك و ما يتعلّق بها على الاستقلال، أو إنكار البعث، أو كليهما.
إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24): إذ لا دليل لهم عليه، و إنما قالوه بناء على التّقليد و الإنكار لما لم يحسّوا به.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4) و قوله- تعالى-: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ نزلت في قريش، و جرت بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أصحابه الّذين غصبوا حقّ (5) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و اتّخذوا إماما بأهوائهم، و الدليل على ذلك قوله (6): وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ قال: من زعم أنّه إمام و ليس بإمام، فمن اتّخذ إماما ففضّله على عليّ- (عليه السلام)-.
ثمّ عطف على الدّهريّة الّذين قالوا: لا نحيا بعد الموت، فقال:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 382.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمي 2/ 294- 295.
(5) ليس في ن، ي، ر، المصدر.
(6) الأنبياء/ 29.
158
وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا. و هذا مقدّم و مؤخر، لأنّ الدّهرية لم يقرّوا بالبعث و النشور بعد الموت، و إنّما قالوا: نحيا و نموت وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ- إلى قوله-: يَظُنُّونَ فهذا ظنّ شكّ. و نزلت هذه الآية في الدّهريّة، و جرت في الّذين فعلوا ما فعلوا بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أهل بيته- (عليهم السلام)-، و إنّما كان إيمانهم إقرارا بلا تصديق خوفا من السّيف و رغبة في المال.
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له:
أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب اللَّه.
قال: الكفر في كتاب اللَّه على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود، و الجحود على وجهين: فالكفر بترك ما أمر اللَّه، و كفر البراءة و كفر النّعم، فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالرّبوبيّة، و هو قول من يقول: لا ربّ و لا جنّة و لا نار، و هو قول صنفين من الزّنادقة يقال لهم: الدّهرية، و هم الّذين يقولون: وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ و هو دين (2) و ضعفوه (3) لأنفسهم بالاستحسان منهم على غير تثبّت منهم و لا تحقيق لشيء ممّا يقولون، قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ إنّ ذلك كما يقولون.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في نهج البلاغة (4): فانظر إلى الشّمس و القمر و النّبات و الشّجر و الماء و الحجر، و اختلاف هذا اللّيل و النّهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة هذه الجبال، و طول هذه القلال، و تفرّق هذه اللّغات و الألسن المختلفات، فالويل لمن جحد المقدّر و أنكر المدبّر، زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع و لا لاختلاف صورهم صانع، و لم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا و لا تحقيق لما ادّعوا (5)، و هل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان!
و في مجمع البيان (6): و قد روي في الحديث عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: لا تسبّوا الدّهر، [فإن اللَّه هو الدّهر] (7).
____________
(1) الكافي 2/ 389، ح 1.
(2) ليس في ن، م، ي.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و صفوه.
(4) النّهج/ 271، الخطبة 185.
(5) المصدر: أوعوا.
(6) المجمع 5/ 78- 79.
(7) ليس في ق.
159
و تأويله: أنّ أهل (1) الجاهليّة كانوا ينسبون الحوادث المجحفة و البلايا النّازلة إلى الدهر، فيقولون: فعل الدّهر كذا. و كانوا يسبّون الدّهر، فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ فاعل هذه الأمور هو اللَّه، فلا تسبّوا فاعلها.
و قيل: معناه: فإنّ اللَّه مصرّف الدّهر و مدبّره.
و الوجه الأوّل أحسن، فإنّ كلامهم مملوء من ذلك ينسبون أفعال اللَّه إلى الدّهر.
قال الأصمعيّ: ذمّ أعرابيّ رجلا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدّهر.
و قال كثير:
و كنت كذي رجلين رجل صحيحة* * * و رجل رمى فيها الزّمان فشلّت
وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ: واضحات الدّلالة على ما يخالف معتقدهم، أو مبيّنات له.
ما كانَ حُجَّتَهُمْ: ما كان لهم متشبّث يعارضونها به إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25).
و إنّما سمّاه: حجّة، على حسبانهم و مساقهم، أو على أسلوب قولهم:
تحيّة بينهم ضرب وجيع
فإنّه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالا امتناعه مطلقا.
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ: على ما دلّ عليه الحجج.
ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ: فإنّ من قدر على الإبداء قدر على الإعادة، و الحكمة (2) اقتضت أن يعادوا يوم الجمع للجزاء.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26): لقلّة تفكرهم، و قصور نظرهم على ما يحسّونه (3).
وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: تعميم للقدرة بعد تخصيصها.
وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)، أي: و يخسر يوم تقوم. و «يومئذ» بدل منه.
____________
(1) يوجد في ي، المصدر.
(2) ليس في ق.
(3) ن، م، ي، ر، يحسبونه.
160
وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً: مجتمعة، من الجثوة، و هي الجماعة. أو باركة مستوفزة على الرّكب.
و قرئ (1): «جاذية»، أي: جالسة على أطراف الأصابع، لاستيفازهم.
كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا: صحيفة أعمالها.
و قرأ (2) يعقوب: «كلّ» على أنّه بدل من الأوّل، و «تدعى» صفته، أو مفعول ثان.
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28): محمول على القول.
هذا كِتابُنا: أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه، لأنّه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم.
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ: يشهد عليكم بما عملتم، بلا زيادة و نقصان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله: وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً، [أي: على ركبها] (4) كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا قال: إلى ما يجب عليهم من أعمالهم.
ثم قال: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ الآيتان محكمتان.
حدّثنا (5) محمّد بن همّام قال: حدثنا جعفر بن محمّد الفزاريّ، عن الحسن بن عليّ اللؤلؤيّ، عن الحسن بن أيّوب، عن سليمان بن صالح، عن رجل، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ.
قال له: إنّ الكتاب لم ينطق و لا ينطق (6)، و لكن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هو النّاطق بالكتاب، قال اللَّه: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ (7) عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ.
فقلت: إنّا لا نقرأها هكذا.
فقال: هكذا، و اللَّه، نزل بها جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لكنّه ممّا حرّف من كتاب اللَّه.
و في روضة الكافي (8): سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان الديلميّ المصريّ، عن
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 383.
(3) تفسير القمّي 2/ 295.
(4) ليس في ق، ش.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) المصدر: لن ينطق.
(7) قال الفيض (ره): كأنّه قرأ- (عليه السلام)-:
«ينطق» بضمّ الياء و فتح التاء. (تفسير الصافي 2/ 551)
(8) الكافي 8/ 50، ح 11.
161
أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: قول اللَّه: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ.- و ذكر مثل ما نقلنا (1) عن تفسير عليّ بن إبراهيم سواء.
و في نهج البلاغة (2): و هذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدّفّتين، لا ينطق بلسان، و لا بدّ له من ترجمان، و إنّما ينطق عنه الرّجال.
و في أصول الكافي (3)، بإسناده: عن الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: أنّ إلياس قال له: هاهنا، يا ابن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- باب غامض، أ رأيت [إن] (4) قالوا: حجّة اللَّه القرآن.
قال: إذا أقول لهم: إنّ القرآن ليس بناطق يأمر و ينهى، و لكنّ للقرآن أهل يأمرون به (5) و ينهون.
و في إرشاد المفيد (6)- (رحمه اللّه)-: عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال في أثناء كلام طويل: و أمّا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين دفّتين لا ينطق، و إنّما تتكلّم به الرّجال.
و في شرح الآيات الباهرة (7): [قال محمّد بن العبّاس] (8): حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن سليمان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قوله- تعالى-: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ.
قال: إنّ الكتاب لا ينطق، و لكن محمّد و أهل بيته- (عليهم السلام)- هم النّاطقون بالكتاب، و هذا على سبيل المجاز تسمية المفعول باسم الفاعل، إذ جعل الكتاب هو النّاطق و النّاطق غيره.
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ: نستكتب الملائكة.
ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29): أعمالكم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحيم (10)
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) النهج/ 182، الخطبة 125.
(3) الكافي 1/ 246، ح 1.
(4) من المصدر.
(5) ليس في ق، ش، م، المصدر.
(6) الإرشاد/ 129.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 577.
(8) ليس في ق، ش م.
(9) تفسير القمّي 2/ 379- 380.
(10) المصدر: عبد الرحمن (عبد الرحيم- ط)
162
القصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن ن وَ الْقَلَمِ.
قال: إنّ اللَّه خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها: الخلد، ثمّ قال لنهر في الجنّة: كن مدادا. فجمد النّهر، و كان أشدّ بياضا من الثّلج و أحلى من الشّهد، ثمّ قال للقلم: اكتب.
قال: يا ربّ، ما أكتب؟
قال: اكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة.
فكتب القلم في رقّ (1) أشدّ بياضا من الفضّة و أصفى من الياقوت، ثمّ طواه فجعله في ركن العرش، ثمّ ختم على فم القلم فلم ينطق بعد و لا ينطق أبدا، فهو الكتاب المكنون الّذي منه النّسخ كلّها، [أو لستم عربا؟ فكيف لا تعرفون معنى الكلام و أحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب] (2). أو ليس إنما ينسخ من كتاب أخذ (3) من الأصل؟ و هو قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
و في كتاب سعد السّعود (4) لابن طاوس، بعد أن ذكر الملكين الموكّلين بالعبد:
و في رواية أنّهما إذا أرادا النّزول صباحا و مساء ينسخ لهما إسرافيل عمل العبد من اللّوح المحفوظ فيعطيهما ذلك، فإذا صعدا صباحا و مساء بديوان العبد قابله إسرافيل بالنّسخة (5) الّتي انتسخ (6) لهما، حتّى يظهر أنّه كان كما نسخ منه.
و في بصائر الدّرجات (7): أحمد بن محمّد و يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الأعمال تعرض على اللَّه (8) في كلّ خميس، فإذا كان الهلال أجملت (9)، فإذا كان النّصف من شعبان عرضت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على عليّ- (عليه السلام)- ثمّ تنسخ (10) في الذّكر الحكيم.
و في عيون الأخبار (11)، بإسناده إلى الحسين بن بشّار: عن أبي الحسن عليّ بن
____________
(1) ق، ش، م:، ورق.
(2) ليس في م، ش.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: آخر.
(4) سعد السّعود/ 226.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بالنسخ.
(6) المصدر: تنسخ.
(7) البصائر/ 444، ح 1.
(8) ق، ش، المصدر: تعرض عليّ.
(9) المصدر: أكملت.
(10) المصدر: ينسخ.
(11) العيون 1/ 96، ح 8.
163
موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال: سألته: أ يعلم اللَّه الشيء (1) الّذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟
فقال: إنّ اللَّه هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء، قال- تعالى-: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. و قال لأهل النّار (2): وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. فقد علم- تعالى- أنّه لو ردّهم لعادوا لما نهوا عنه، و قال للملائكة لمّا قالت:
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ [وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ] (3) قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (4). فلم يزل اللَّه علمه سابق للأشياء قديما (5) قبل أن يخلقها، فتبارك اللَّه ربّنا علوّا كبيرا، خلق الأشياء و علمه سابق لها كما شاء، كذلك ربّنا لم يزل عالما سميعا بصيرا.
و في كتاب التّوحيد (6)، مثله سواء.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ:
الّتي من جملتها الجنّة.
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30): الظّاهر، لخلوصه عن الشّوائب.
وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، أي: فيقال لهم: أ لم يأتكم رسلي، فلم تكن آياتي تتلى عليكم؟ فحذف القول و المعطوف عليه اكتفاء بالمقصود، و استغناء بالقرينة.
فَاسْتَكْبَرْتُمْ: عن الإيمان بها.
وَ كُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31): قوما عادتهم الإجرام.
وَ إِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ: يحتمل الموعود به و المصدر.
حَقٌ: كائن هو. أو متعلّقه لا محال.
وَ السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها: إفراد للمقصود.
و قرأ (7) حمزة، بالنّصب، عطفا على اسم «إنّ».
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) الأنعام/ 28.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) البقرة/ 30.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) التوحيد/ 136، ح 8.
(7) أنوار التنزيل 2/ 383.
164
قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ: أيّ: شيء السّاعة، استغرابا لها.
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا:
أصله: نظنّ ظنّا. فادخل حرف النّفي و الاستثناء لإثبات الظّنّ و نفي ما عداه، كأنّه قال: ما نحن إلّا نظن ظنّا. أو لنفي ظنّهم فيما سوى ذلك مبالغة، ثمّ أكّده بقوله:
وَ ما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)، أي: لإمكانه.
و لعلّ ذلك قول بعضهم، تحيّروا بين ما سمعوا من آبائهم و ما تليت عليهم من الآيات في أمر السّاعة.
وَ بَدا لَهُمْ: و ظهر لهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا: على ما كانت عليه، بأن عرفوا قبحها و عاينوا و خامة (1) عاقبتها. أو جزاؤها.
وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33): و هو الجزاء.
وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ: نترككم في العذاب ترك المنسيّ.
كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا: كما تركتم عدته و لم تبالوا به.
و إضافة «اللّقاء» إلى «اليوم» إضافة المصدر إلى ظرفه.
وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34): يخلّصونكم منها.
ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً: استهزأتم بها، و لم تتفكّروا فيها.
وَ غَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا: فحسبتم أن لا حياة سواها.
فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها.
و قرأ (2) حمزة و الكسائيّ، بفتح الياء و ضمّ الرّاء.
وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35): لا يطلب منهم أن يعتبوا ربّهم، أي: يرضوه، لفوات أوانه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً و هم الأئمة، أي: كذّبتموهم و استهزأتم بهم. فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها [، يعني: من
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) أنوار التنزيل 2/ 384.
(3) تفسير القمّي 2/ 295.
165
النار] (1) وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، أي: لا يجاوبون و لا يقبلهم (2) [اللَّه] (3).
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36): إذ الكلّ نعمة منه، دالّ على كمال قدرته.
وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: إذ ظهر فيهما آثارها.
و في مجمع البيان (4): و
في الحديث: يقول اللَّه- سبحانه-: الكبرياء ردائي و العظمة إزاري، فمن نازعني واحدة منهما، ألقيته في نار جهنّم.
وَ هُوَ الْعَزِيزُ: الّذي لا يغلب.
الْحَكِيمُ (37): [في ما قدّر و قضى، فاحمدوه و كبروه و أطيعوا له] (5).
____________
(1) ليس في ق.
(2) ن: لا يقبلهم.
(3) من المصدر.
(4) المجمع 5/ 81.
(5) ليس في ق، ش.
167
تفسير سورة الأحقاف
169
سورة الأحقاف مكّية.
قال ابن عبّاس (1): إلّا آية نزلت بالمدينة: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ [إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] (2) الآية.
و آياتها أربع، أو خمس و ثلاثون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ كلّ ليلة أو كلّ جمعة سورة الأحقاف، لم يصبه اللَّه بروعة في الحياة الدّنيا، و آمنه من فزع يوم القيامة [إن شاء اللَّه] (4).
و في مجمع البيان (5): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة الأحقاف اعطي من الأجر بعدد كلّ رمل في الدّنيا عشر حسنات، و محي عنه عشر سيّئات، و رفع له عشر درجات.
حم (1).
قد مرّ معناه (6).
____________
(1) مجمع البيان 5/ 81.
(2) من المصدر.
(3) ثواب الأعمال/ 141، ح 1.
(4) ليس في ق، ش، م ت.
(5) المجمع 5/ 81.
(6) ورد في ن، ي، ر، زيادة: «و في كتاب معاني الأخبار ...». و وردت هذه الرواية بعينها ذيل الآية الأولى من سورة الجاثية.
170
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ: إلّا خلقا متلبّسا بالحقّ، و هو ما تقتضيه الحكمة و المعدلة. و فيه دلالة على وجود الصّانع الحكيم، و البعث للمجازاة على ما قرّرناه مرارا.
وَ أَجَلٍ مُسَمًّى: و بتقدير أجل مسمّى ينتهي إليه الكلّ، و هو يوم القيامة.
أو كلّ واحد، و هو آخر مدّة بقائه المقدّرة له.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا: من هول ذلك الوقت.
و يجوز أن تكون «ما» مصدريّة.
مُعْرِضُونَ (3): لا يتفكّرون فيه، و لا يستعدّون لحلوله.
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ (1) شِرْكٌ فِي السَّماواتِ، أي: أخبروني عن آلهتكم بعد تأمل فيها، هل يعقل أن يكون لها في أنفسنا مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحقّ به العبادة؟
و قيل (2): تخصيص الشّرك بالسّموات احترازا عمّا يتوهّم أنّ للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السّفليّة.
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا: من قبل هذا الكتاب، يعني: القرآن، فإنّه ناطق بالتّوحيد.
أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ: أو بقيّة من علم بقيت عليكم من علوم الأولين، هل فيها ما يدلّ على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به؟
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4): في دعواكم. و هو إلزام بعدم ما يدلّ على ألوهيّتهم بوجه ما نقلا بعد إلزامهم بعدم ما يقتضيها عقلا.
و قرى (3): «إثارة» بالكسر، أي: مناظرة، فإنّ المناظرة تثير المعاني. و «أثره»، أي: شيء أوثرتم به. و «أثرة» بالحركات الثّلاث في الهمزة سكون الثّاء فالمفتوحة للمرّة، من مصدر أثر الحديث: إذا رواه، و المكسورة بمعنى: الأثرة، و المضمومة اسم ما يؤثر.
و في مجمع البيان (4): قرأ عليّ- (عليه السلام)-: «أو أثرة» بسكون الثّاء من غير
____________
(1) إلى هنا من الموضع الّذي أشرنا إليه قبل صفحات لا يوجد في نسخة ت.
(2) أنوار التنزيل 2/ 385.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المجمع 5/ 82.
171
ألف.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، [عن أحمد بن محمّد،] (2) عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه:
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
قال: عنى بالكتاب: التّوراة و الإنجيل، و أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ فإنّما عنى بذلك:
علم أوصياء الأنبياء.
علي بن إبراهيم (3)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عمّن ذكره، عن سليمان بن خالد قال (4): قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ في الجفر الّذي يذكرونه (5) لما يسوؤهم، لأنّهم لا يقولون الحقّ و الحقّ فيه، فليخرجوا قضايا عليّ- (عليه السلام)- و فرائضه إن كانوا صادقين، و سلوهم عن الخالات و العمّات (6)، و ليخرجوا مصحف فاطمة- (عليهما السلام)- فإنّ فيه وصيّة فاطمة، و معه سلاح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. إن اللَّه يقول: فأتوا بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
و في بصائر الدرجات (7): أحمد بن محمّد، عن النّضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: سمعته يقول: إن في الجفر الّذي يذكرونه ما يسوؤهم، إنّهم لا يقولون الحقّ و الحقّ فيه، فليخرجوا قضايا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فرائضه إن كانوا صادقين، و سلوهم عن الخالات و العمّات، و ليخرجوا مصحفا (8) فيه وصيّة فاطمة- (عليها السلام)- و سلاح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ قال [اللَّه- تعالى-] (9): ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ: إنكار أن يكون أحد (10) أضلّ من المشركين، حيث تركوا عبادة السّميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة ما لا يستجيب لهم و لو سمع دعاءهم، فضلا أن يعلم سرائرهم و يراعي مصالحهم.
____________
(1) الكافي 1/ 426، ح 72.
(2) ليس في المصدر.
(3) نفس المصدر/ 241، ح 4.
(4) يوجد في ن، المصدر.
(5) مرجع الضمير الأئمّة الزيديّة من بني الحسن، و هو الّذين كانوا يفتخرون به و يدّعون أنّه عندهم.
(6) أي: عن خصوص مواريثهنّ.
(7) البصائر/ 178، ح 21.
(8) ت، ي، ر: مصحف فاطمة.
(9) من المصدر.
(10) ليس في ق.
172
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ: ما دامت الدّنيا.
وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (5): لأنّهم إمّا جمادات، و إمّا عباد مسخّرون مشتغلون بأحوالهم.
وَ إِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً: يضرّونهم و لا ينفعونهم.
وَ كانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6): مكذّبين بلسان الحال أو المقال.
و قيل (1): الضمير للعابدين، و هو كقولهم (2): وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (3).
و في كتاب الغيبة (4) لشيخ الطّائفة، بإسناده إلى أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسديّ: عن سعد بن عبد اللَّه الأشعريّ قال: حدّثني الشيخ الصّدوق، أحمد [بن إسحاق] (5) بن سعد (6) الأشعريّ، أنّه جاءه بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن عليّ كتب إليه كتابا، يعرّفه فيه نفسه، و يعلمه أنّه القيّم بعد أخيه، و أنّ عنده من علم الحلال و الحرام ما يحتاج إليه، و غير ذلك من العلوم كلّها.
قال أحمد بن إسحاق: فلمّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزّمان، و صيّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج الجواب إليّ في ذلك:
«بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» أتاني كتابك، أبقاك اللَّه، و الكتاب الّذي أنفذته درجه، و أحاطت معرفتي بجميع ما تضمّنه على اختلاف ألفاظه و تكرّر الخطأ فيه، و لو تدبّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه.
... إلى قوله: و قد ادّعى هذا المبطل المفتري على اللَّه الكذب بما ادّعاه، أدري بأيّة حالة هي له رجاء أن يتمّ له دعواه، أ بفقه (7) في دين اللَّه؟ فو اللَّه، ما يعرف حلالا من حرام، و لا يفرّق بين خطأ و صواب، أم بعلم (8)؟ فما يعلم حقّا من باطل و لا محكما من متشابه، و لا يعرف حدّ الصّلاة و وقتها، أم بورع؟ فاللَّه شهيد على تركه الصّلاة الفرض أربعين يوما، يزعم ذلك الطلب الشعوذة (9)، و لعلّ خبره قد تأدّي (10) إليكم، و هاتيك ظروف
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 385.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: كقوله.
(3) الأنعام/ 23.
(4) الغيبة/ 174- 176.
(5) ليس في ق.
(6) ق، ش: سعيد.
(7) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: «بفقهه» بدل «أ بفقه» و في سائر النسخ: «أنفه».
(8) ن، ت، ر، المصدر: يعلم.
(9) كذا في المصدر. و في ن: السعادة. و في غيرها: السعودة.
(10) ق، ش: «بادي» بدل «قد تأدّى».
173
مسكرة منصوبة و آثار عصيانه للَّه مشهورة قائمة، أم بآية؟ فليأت بها، أم بحجّة؟
فليلقمها، أم بدلالة؟ فليذكرها.
قال اللَّه في كتابه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ- إلى قوله-: وَ إِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَ كانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ.
فالتمس بوليّ (1) اللَّه- تعالى- توفيقك (2) من هذا الظّالم ما ذكرت لك، و امتحنه و سله عن آية من كتاب اللَّه يفسّرها، أو صلاة فريضة يبيّن حدودها و ما يجب فيها، لتعلم (3) حاله و مقداره، و يظهر لك عواره (4) و نقصانه، و اللَّه حسيبه، حفظ اللَّه الحقّ على أهله و أقرّه في مستقرّه.
وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ: [واضحات أو مبيّنات] (5) قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِ لأجله و في شأنه.
و المراد به: الآيات، و وضعه موضع ضميرها، و وضع «الّذين كفروا» موضع ضمير المتلوّ عليهم للتسّجيل عليها بالحقّ، و عليهم بالكفر و الانهماك في الضّلالة.
لَمَّا جاءَهُمْ: حين جاءهم من غير نظر و تأمل.
هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7): ظاهر بطلانه.
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: إضراب عن ذكر تسميتهم إيّاه سحرا إلى ذكر ما هو أشنع منه، و إنكار له و تعجيب.
قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ: على الفرض.
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أي: إن عاجلني اللَّه بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه و أعرّض نفسي للعقاب من غير توقّع نفع و لا دفع ضرّ من قبلكم.
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ: تندفعون فيه من القدح في آياته.
كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ: يشهد لي بالصدق و البلاغ، و عليكم بالكذب و الإنكار، و هو وعيد لجزاء إفاضتهم.
____________
(1) المصدر: تولّي.
(2) ق، المصدر: يوفّقك.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ليعلم.
(4) العوار- بالفتح و قد يضمّ-: العيب.
(5) ليس في ق، ش، م.
174
وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8): وعد بالمغفرة و الرّحمة لمن تاب و آمن، و إشعار بحلم اللَّه عنهم مع عظم جرمهم.
و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمة كلام طويل للرّضا- (عليه السلام)- و فيه: حدّثني أبي، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: اجتمع المهاجرون و الأنصار إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: إنّ لك، يا رسول اللَّه، مؤنة في نفقتك و فيمن يأتيك من الوفود، و هذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارّا مأجورا، أعط ما شئت و أمسك ما شئت من غير حرج.
قال: فأنزل اللَّه إليه الرّوح الأمين، فقال: يا محمّد،- (صلّى اللّه عليه و آله)- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (2)، يعني: أن تؤدّوا قرابتي من بعدي.
فخرجوا، فقال المنافقون: ما حمل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ترك ما عرضنا عليه إلّا ليحثّنا على قرابته من بعده، و إن هو إلّا شيء افتراه في مجلسه، و كان ذلك من قولهم عظيما.
فأنزل اللَّه هذه الآية: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ- إلى قوله-: وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
فبعث إليهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: هل من حدث؟
فقالوا: إي و اللَّه، يا رسول اللَّه، لقد قال بعضنا كلاما غليظا كرهناه.
فتلا عليهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الآية فبكوا و اشتدّ بكاؤهم، فأنزل اللَّه (3): وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ: بديعا منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه و هو الإتيان بالمقترحات كلّها، و نظيره، الخفّ، بمعنى:
الخفيف.
و قرئ (4) بفتح الدّال، على أنه كقيم، أو مقدّر بمضاف، أي: ذا بدع.
وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ: في الدّارين على التّفصيل، إذ لا علم لي بالغيب.
____________
(1) العيون 1/ 184- 185، ح 1.
(2) الشورى/ 23.
(3) الشورى/ 25.
(4) أنوار التنزيل 2/ 385- 386.
175
و «لا» لتأكيد النّفي المشتمل على ما يفعل [بي و «ما» موصولة منصوبة، أو استفهاميّة مرفوعة.
و قرئ (1): «يفعل»،] (2) أي: يفعل اللَّه.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال-: ثمّ خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الإزراء و انخفاض (4) محلّه و غير ذلك من تهجينه و تأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء، مثل قوله: وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ. و هو يقول: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (5)، وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (6). فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام، و هو وصيّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فالنّبيّ أولى أن يكون بعيدا من الصّفة الّتي قال فيها: وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ-:
و أمّا ما ذكرته من الخطاب الدّالّ على تهجين النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الإزراء به و التّأنيب له، مع ما أظهره اللَّه في كتابه من تفضيله إيّاه على سائر أنبيائه، فإنّ اللَّه جعل لكلّ نبيّ عدوّا من المجرمين (7).
... إلى قوله- (عليه السلام)-: ثمّ دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عمّا لا يعلمون تأويله إلى جمعه و تأليفه و تضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به. و وكلوا تأليفه [و نظمه] (8) إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء اللَّه، فألفه على اختيارهم، ممّا (9) يدلّ للمتأمل له على اختلال (10) تمييزهم (11) و افترائهم، و تركوا منه ما قدّروا أنّه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهر تناكره و تنافره، و علم اللَّه أن ذلك يظهر و يبيّن فقال (12): ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
و انكشف لأهل الاستبصار عوارهم و افتراؤهم، و الّذي بدا في الكتاب من الإزراء على
____________
(1) نفس المصدر/ 386.
(2) ليس في ق.
(3) الاحتجاج/ 246 و 257.
(4) المصدر: انتقاص.
(5) الأنعام/ 38.
(6) يس/ 12.
(7) ق، ش، المصدر: المشركين.
(8) ليس في ق، ش.
(9) ن، ت، م، ي، ر: فلا. و في المصدر:
و ما.
(10) ق، ش: اختلاف.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: تميزهم.
(12) النجم/ 30.
176
النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- من فرية (1) الملحدين.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ، أي: لا أتجاوزه. و هو جواب عن اقتراحهم الإخبار عمّا لم يوح اليه من الغيوب، أو استعجال المسلمين أن يتخلّصوا من أذى المشركين.
و في قرب الإسناد (2) للحميريّ: أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: يزعم ابن (3) أبي حمزة أنّ جعفرا زعم أنّ القائم أبي (4)، و ما علم جعفر بما يحدث من أمر اللَّه، فو اللَّه لقد قال اللَّه يحكي (5) لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ.
و في شرح الآيات الباهرة (6): روي مرفوعا، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن أحمد ابن النّضر (7)، عن أبي مريم، عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ، يعني: في حروبه.
قالت قريش: فعلى ما نتّبعه و هو لا يدري ما يفعل به و لا بنا؟ فأنزل اللَّه (8): إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.
و قال: و قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ في عليّ- (عليه السلام)-. هكذا نزلت.
وَ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ: من عقاب اللَّه.
مُبِينٌ (9): يبيّن الإنذار بالشّواهد المبيّنة، و المعجزات المصدّقة.
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أي: القرآن.
وَ كَفَرْتُمْ بِهِ: و قد كفرتم به.
و يجوز أن تكون «الواو» عاطفة على الشّرطيّة، و كذا الواو في قوله: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ. إلّا أنّها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله (9).
____________
(1) المصدر: فرقة.
(2) قرب الإسناد/ 165.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أنّ.
(4) المصدر: أتى.
(5) ليس في المصدر.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 578، ح 2.
(7) ق، ش، م، ي، ر: النهر.
(8) الفتح/ 1.
(9) أي: إلّا أنّ هذه الواو تعطف جملة شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مع ما بعدها و هو قوله- تعالى-: فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ على ما قبلها و هو كَفَرْتُمْ بِهِ لأنّ المقصود أنّه لو شهد شاهد من
177
و «الشّاهد» قيل: هو عبد اللَّه بن سلام.
و قيل (1): موسى، و شهادته ما في التّوراة من نعت الرّسول.
عَلى مِثْلِهِ: مثل القرآن، و هو ما في التّوراة من المعاني المصدّقة للقرآن المطابقة له. أو مثل ذلك، و هو كونه من عند اللَّه.
فَآمَنَ به، أي: بالقرآن، لمّا رآه من جنس الوحي مطابقا للحقّ.
وَ اسْتَكْبَرْتُمْ: عن الإيمان.
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10): استئناف مشعر بأنّ كفرهم به لضلالهم المسبّب عن ظلمهم، و دليل على الجواب المحذوف، مثل: ألستم ظالمين.
وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لاجلهم لَوْ كانَ الإيمان، أو ما أتى به محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ: و هم سقّاط (2)، إذ عامّتهم فقراء و موالي و رعاة.
قيل (3): قاله قريش.
و قيل (4): بنو عامر و غطفان و أسد و أشجع، لمّا أسلم جهينة و مزينة و أسلم و غفار.
و قيل (5): اليهود، حين أسلم ابن سلام و أصحابه.
وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ: ظرف لمحذوف، مثل: ظهر عنادهم، و قوله: فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11): مسبّب عنه، و هو كقولهم: «أساطير الأولين».
وَ مِنْ قَبْلِهِ: و من قبل القرآن. و هو خبر لقوله: كِتابُ مُوسى ناصب لقوله: إِماماً وَ رَحْمَةً: على الحال.
وَ هذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ: لكتاب موسى. أو لما بين يديه، و قد قرئ (6) به.
لِساناً عَرَبِيًّا: حال من ضمير «كتاب» في «مصدّق»، أو منه لتخصّصه بالصّفة، و عاملها معنى الاشارة. و فائدتها الإشعار بالدّلالة على أن كونه مصدّقا للتّوراة، كما دلّ على أنّه حقّ دلّ على أنه وحى و توقيف من اللَّه.
و قيل (7): مفعول «مصدّق»، أي: يصدّق ذا لسان عربيّ بإعجازه.
____________
بني إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم، كنتم قوما ضالّين كافرين.
(1) أنوار التنزيل 2/ 386.
(2) جمع الساقط، أي: اللئيم في حسبه و نسبه.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
6 و 7- نفس المصدر و الموضع.
178
لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: علّة «مصدّق» و فيه ضمير «الكتاب» أو «اللَّه» أو «الرّسول». و يؤيّد الأخير قراءة (1) نافع (2) و ابن عامر و يعقوب، بالتّاء.
وَ بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12): عطف على محلّه.
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا: جمعوا بين التّوحيد الّذي هو خلاصة العلم، و الاستقامة في الأمور الّتي هي منتهى العمل.
و «ثمّ» للدّلالة على تأخر رتبة العمل، و توقّف اعتباره على التّوحيد.
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: من لحوق مكروه.
وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (13): على فوات محبوب.
و «الفاء» لتضمّن الاسم معنى الشّرط.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14): من اكتساب الفضائل العلميّة و العمليّة.
و «خالدين» حال من المستكن في أصحاب، و «جزاء» مصدر لفعل دلّ عليه الكلام، أي: جوزوا جزاء.
وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً [و قرأ (3) الكوفيّون:، «إحسانا».
و في مجمع البيان (4): و روي عن عليّ- (عليه السلام)-: «حسنا» بفتح الحاء و السين
، أي: إيصاء حسنا.] (5) حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً: ذات كره. أو حملا ذا كره، و هو المشقة.
و قرأ (6) الحجازيّان و أبو عمرو و هشام، بالفتح، و هما لغتان، كالفقر و الفقر.
[و قيل (7): المضموم] (8) اسم، و المفتوح مصدر.
وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ: و مدّة حمله و فصاله.
و «الفصال» الفطام. و يدلّ عليه قراءة (9) حمزة و يعقوب: «و فصله» (10).
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر/ 387.
(4) المجمع 5/ 84.
(5) ليس في ق، ش، م.
6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 387.
(8) ليس في ق.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) ليس في ق.
179
أو وقته، و المراد به: الرّضاع التّامّ المنتهى به، و لذلك عبّر به، [كما يعبّر بالأمد عن المدّة] (1).
ثَلاثُونَ شَهْراً: كل ذلك بيان لما تكابده الأمّ في تربية الولد، مبالغة في التّوصية بها. و فيه دليل على أن أقلّ مدة الحمل ستّة أشهر، لأنّه إذا حطّ عنه للفصال حولان لقوله (2)- تعالى-: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ بقي ذلك.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قال: استقاموا (4) على ولاية عليّ- (عليه السلام)-.
و قوله: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً قال: «الإحسان» رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه و آله-.
و قوله: «بوالديه» إنّما عنى: الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.
ثم عطف على الحسين- (عليه السلام)- فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً و ذلك أنّ اللَّه أخبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بشّره بالحسين- (عليه السلام)- قبل حمله، و أنّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل و المصيبة في نفسه و ولده، ثمّ عوضه بأن جعل الإمامة في عقبة و أعلمه أنه يقتل، ثمّ يردّه إلى الدّنيا و ينصره حتى يقتل أعداءه و يملّكه الأرض، و هو قوله (5)- تعالى-: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (الآية) و قوله (6): وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (الآية) فبشّر اللَّه نبيّه أن أهل بيته يملكون الأرض و يرجعون إليها و يقتلون أعداءهم.
فأخبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فاطمة- (عليها السلام)- بخبر الحسين- (عليه السلام)- و قتله، فحملته كرها.
ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فهل رأيتم أحدا يبشّر بولد ذكر (7) فتحمله كرها، أي: أنّها اغتمّت و كرهت لمّا أخبرها بقتله، وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً لمّا علمت من
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) البقرة/ 233.
(3) تفسير القمّي 2/ 297.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) القصص/ 5.
(6) الأنبياء/ 105.
(7) ليس في ق، ش، م.
180
ذلك، و كان بين الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- طهر واحد، و كان الحسين- (عليه السلام)- في بطن أمّه ستّة أشهر و فصاله أربعة و عشرين شهرا، و هو قوله: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، [و الحسين ابن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشاء،] (2) عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا حملت فاطمة بالحسين- (عليهما السلام)- جاء جبرئيل إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إن فاطمة- (عليها السلام)- ستلد غلاما تقتله أمّتك من بعدك.
فلمّا حملت فاطمة بالحسين- (عليهما السلام)- كرهت حمله، و حين وضعته كرهت وضعه.
ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لم تر في الدنيا أمّ تلد غلاما تكرهه، [و لكنها كرهته (3)] (4) لمّا علمت أنّه سيقتل.
قال: و فيه نزلت هذه الآية: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً (5) (الآية).
و في إرشاد المفيد (6)- (رحمه اللّه)-: و رووا، عن يونس، عن الحسن- (عليه السلام)-:
أنّ عمر اتي بامرأة قد ولدت ستّة أشهر فهمّ برجمها.
فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إن خاصمتك بكتاب اللَّه خصمتك، إن اللَّه يقول: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً. و يقول (7): وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. فإذا تمت (8) المرأة الرّضاعة لسنتين، و كان حمله و فصاله ثلاثون شهرا، كان الحمل منها ستّة أشهر.
فخلّى عمر سبيل المرأة، و ثبت الحكم بذلك فعمل (9) به الصّحابة و التّابعون و من أخذ عنه إلى يومنا هذا.
____________
(1) الكافي 1/ 464، ح 3.
(2) يوجد في ن، ي، المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تكرهه.
(4) ليس في ق، ش.
(5) المصدر: حسنا.
(6) الإرشاد/ 98- 99.
(7) البقرة/ 233.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أتممت.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يعمل.
181
و في شرح الآيات الباهرة (1): [قال محمّد بن العبّاس:] (2) حدّثنا محمّد بن همّام، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن إبراهيم بن يوسف العبدي، عن إبراهيم بن صالح، عن الحسين (3) بن زيد، عن آبائه قال: نزل جبرئيل على النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنه يولد لك مولود تقتله أمّتك من بعدك.
فقال: يا جبرئيل، لا حاجة لي فيه.
فقال: يا محمّد، إنّ منه الأئمة و الأوصياء.
قال: و جاء النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فاطمة- (عليها السلام)- فقال لها: إنّك تلدين ولدا تقتله أمّتي من بعدي.
فقالت: لا حاجة لي فيه.
فخاطبها ثلاثا، ثمّ قال لها: إنّ منه [الأئمة و] (4) الأوصياء.
فقالت: نعم يا أبة. فحملت بالحسين- (عليه السلام)-. فحفظها اللَّه و ما في بطنها من إبليس، فوضعته لستة أشهر، و لم يسمع بمولود ولد لستّة أشهر إلّا الحسين و يحيى بن زكريّاء- (عليهم السلام)-. فلمّا وضعته، وضع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لسانه في فيه فمصّه، و لم يرضع الحسين- (عليه السلام)- من أنثى حتّى نبت لحمه و دمه من ريق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [و هو قول اللَّه- عزّ و جل-] (5) (6) وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً [حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً] (7).
و روى أحمد بن هوذة الباهليّ (8)، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللَّه ابن حمّاد الأنصاريّ، عن نصر بن يحيى، عن المقتبس بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن جدّه قال: كان رجل من أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مع عمر بن الخطاب، فأرسله في جيش، فغاب ستة أشهر ثمّ قدم، و كان مع أهله ستّة أشهر، فعلقت منه، فجاءت بولد لستّة أشهر فأنكره، فجاء بها إلى عمر.
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 578، ح 3.
(2) ليس في ق، ش م.
(3) ق: الحسن.
(4) ليس في ق، ش.
(5) ليس في ق.
(6) ليس في ق، ش.
(7) في ق، ش م: «الاية» مكان ما بين المعقوفتين.
(8) نفس المصدر/ 581، ح 6.
182
فقال: يا أمير المؤمنين، كنت في البعث الّذي وجّهتني فيه، و تعلم أنّي قدمت [منذ] (1) ستّة أشهر و كنت مع أهلي، و قد جاءت بغلام و هو ذا، و تزعم أنّه منّي.
فقال لها عمر: ما ذا تقولين، أيّتها المرأة؟
فقالت: و اللَّه، ما غشيني رجل غيره، و ما فجرت، و إنّه لابنه.
و كان اسم الرّجل الهيثم (2)، فقال لها عمر: أحقّ ما يقول زوجك؟
قالت: قد صدق، يا أمير المؤمنين.
فأمر بها عمر أن ترجم، فحفر لها حفيرة ثمّ أدخلها فيها. فبلغ ذلك عليّا- (عليه السلام)- فجاء مسرعا حتى أدركها، و أخذ بيدها فسلّها من الحفيرة.
ثم قال لعمر: اربع (3) على نفسك (4)، إنها قد صدقت، إنّ اللَّه يقول في كتابه:
وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً. و قال في الرّضاع (5): وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ.
فالحمل و الرضا ثلاثون شهرا، و هذا الحسين- (عليه السلام)- ولد لستّة أشهر.
فعندها قال عمر: لولا عليّ لهلك العمر.
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ: حتّى إذا اكتهل و استحكم قوته و عقله.
و في تهذيب الأحكام (6): عليّ بن الحسن [بن فضّال] (7)، عن أحمد و محمّد ابني الحسن، عن أبيهما، عن أحمد بن عمر الحلبيّ، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سأله أبي و أنا حاضر عن قول اللَّه: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ.
قال: الاحتلام.
وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قيل (8): لم يبعث نبيّ إلّا بعد أربعين.
و في أصول الكافي (9): الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط
____________
(1) من المصدر.
(2) م، ش: الهشيم.
(3) ق، ش، ت: ارجع.
(4): أي: تمكّث و انتظر.
(5) البقرة/ 233.
(6) التهذيب 9/ 182، ح 731.
(7) من المصدر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 387.
(9) الكافي 1/ 494، ح 3.
183
قال: رأيت أبا جعفر- (عليه السلام)- و قد خرج عليّ فاحدت النظر إليه، و جعلت أنظر إلى رأسه (1) و رجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر، فبينا أنا كذلك حتى قعد و قال:
يا عليّ، إنّ اللَّه احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النّبوّة، فقال (2): وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (3) وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ (4) وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فقد يجوز أن يؤتى الحكمة (5) و هو صبي، و يجوز أن يؤتى الحكمة (6) و هو ابن أربعين سنة.
و في كتاب الخصال (7): عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إذا بلغ العبد ثلاثا و ثلاثين سنة، فقد بلغ أشدّه، و إذا بلغ أربعين سنة، فقد بلغ منتهاه، فإذا ظعن (8) في إحدى و أربعين فهو في النّقصان، و ينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النّزع.
قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي: ألهمني. و أصله: أولعني، من أوزعته بكذا.
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَ، يعني: نعمة الدين، أو ما يعمّها و غيرها.
وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ.
نكّره للتعظيم، أو لأنّه أراد نوعا من الجنس يستجلب رضا اللَّه.
وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي: قيل (9): و اجعل لي الصّلاح ساريا في ذرّيّتي، راسخا فيهم.
قيل (10): أي: اجعلهم صالحين.
و قيل (11): إنّه دعا بإصلاح ذرّيّته لبرّه و طاعته، لقوله: «أصلح لي».
و قيل (12): إنّه الدّعاء بإصلاحهم لطاعة اللَّه، و [هو] (13) عبادته. [و هو الأشبه] (14) لأنّ طاعتهم اللَّه من برّه.
____________
(1) المصدر: عن عليّ بن أسباط قال: خرج عليّ فنظرت إلى رأسه.
(2) مريم/ 12.
(3) في المصدر زيادة: قال.
(4) يوسف/ 22.
(5) المصدر: الحكم.
(6) المصدر: يعطاها.
(7) الخصال/ 545، 23.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: طعن.
(9) ليس في ق. و المصدر: أنوار التنزيل.
2/ 387.
(10) مجمع البيان 5/ 86.
11 و 12 نفس المصدر و الموضع.
13 و 14 من المصدر.
184
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير (2) الهاشميّ قال:
قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، من أين جاء لولد الحسين- (عليه السلام)- الفضل على ولد الحسن- (عليه السلام)- و هما يجريان في شرع واحد؟
فقال: ألا أراكم (3) تأخذون به، إنّ جبرئيل نزل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما ولد الحسين- (عليه السلام)- بعد، فقال له: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك.
فقال: يا جبرئيل، لا حاجة لي فيه.
فخاطبه ثلاثا، ثمّ دعا عليّا- (عليه السلام)- فقال له: إنّ جبرئيل يخبرني عن اللَّه، أنّه يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك.
فقال لا حاجة لي فيه، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فخاطب عليّا- (عليه السلام)- ثلاثا، ثمّ قال: إنّه يكون فيه و في ولده الإمامة و الوراثة و الخزانة.
فأرسل إلى فاطمة فقال لها: إنّ اللَّه يبشّرك بغلام تقتله أمّتي من بعدي.
فقالت فاطمة: ليس لي حاجة فيه، يا أبت.
فخاطبها ثلاثا، ثمّ أرسل إليها: لا بدّ أن تكون فيه الإمامة و الوراثة و الخزانة.
فقالت له: رضيت عن اللَّه.
فعلقت و حملت بالحسين، فحملت ستّة أشهر ثمّ وضعته، و لم يعش مولود قطّ لستّة أشهر غير الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- و عيسى بن مريم، فكفلته أمّ سلمة، و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يأتيه في كلّ يوم فيضع لسانه الشريف في فم الحسين فيمصّه حتى يروى، فأنبت اللَّه لحمه من لحم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يرضع من فاطمة و لا من غيرها لبنا قطّ، فلمّا أنزل اللَّه فيه: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي- إلى قوله-: وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي. فلو قال: أصلح لي ذرّيّتي، كانوا كلّهم أئمّة، لكن خصّ هكذا.
____________
(1) العلل/ 205- 206، ح 3.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: المثنى.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ألا أراكم.
185
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن عمرو الزّيّات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ جبرئيل نزل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه يبشّرك بمولود يولد لك (2) من فاطمة تقتله أمّتك من بعدك.
فقال: يا جبرئيل، و علي ربّي السّلام، لا حاجة لي في مولود تقتله أمّتي من بعدي.
[فعرج ثمّ هبط فقال له مثل ذلك.
فقال: يا جبرئيل، و على ربّي السّلام، لا حاجة لي في مولود تقتله أمّتي من بعدي] (3).
فعرج جبرئيل إلى السّماء ثمّ هبط، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السّلام و يبشّرك بأنّه جاعل في ذريّته الإمامة و الولاية و الوصاية (4).
فقال: إنّي قدر رضيت.
ثمّ أرسل إلى فاطمة: إن اللَّه يبشّرني بمولود يولد لك تقتله أمّتي من بعدي.
فأرسلت إليه: لا حاجة لي في مولود تقتله أمّتك من بعدك.
فأرسل إليها: إنّ اللَّه قد جعل في ذرّيّته الإمامة و الولاية و الوصاية (5).
فأرسلت إليه: إنّي قد رضيت.
فحملته كرها وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ- إلى قوله-: وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي. فلو لا أنّه قال: أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي لكانت ذرّيّته كلّهم أئمّة.
و لم يرضع الحسين من فاطمة- (عليها السلام)- و لا من أنثى، كان يؤتى به إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيضع إبهامه في فيه فيمصّ منها ما يكفيه (6) اليومين و الثّلاث، فنبت لحم الحسين- (عليه السلام)- من لحم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و دمه، و لم يولد
____________
(1) الكافي 1/ 464، ح 4.
(2) ليس في المصدر.
(3) من المصدر.
(4) ن، ت، ي، ر، المصدر: الوصيّة.
(5) ن، ت، ي، ر، المصدر: الوصيّة.
(6) المصدر: يكفيها.
186
لستة أشهر (1) إلّا عيسى بن مريم و الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)-.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني العبّاس بن محمّد قال: حدّثني الحسن بن سهل، بإسناده رفعه إلى [جابر بن يزيد، عن] (3) جابر عن عبد اللَّه قال: ثمّ أتبع اللَّه مدح الحسين بن علي- (صلوات اللّه عليهما)- بذمّ عبد الرّحمن بن أبي بكر.
قال جابر بن يزيد: فذكرت (4) هذا الحديث لأبي جعفر- (عليه السلام)-.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا جابر، و اللَّه، لو سبقت الدّعوة من الحسين- (عليه السلام)-: و أصلح لي ذرّيّتي، لكانت ذرّيته كلّهم أئمّة طاهرين، و لكن سبقت الدّعوة: وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فمنهم الأئمّة واحد فواحد، فثبت اللَّه بهم حجّته.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (5): قال: حدثنا أبو القاسم، عبد اللَّه (6) بن عبد الرّحمن الحسينيّ (7)، قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفيّ قال: حدثنا عتبة (8) بن مكرم الصّيبيّ (9) قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن عمرو بن طريق الحجرويّ (10) قال: حدّثنا أبو تراب، عمرو بن عبد اللَّه بن هارون الطّوسي الخراسانيّ، قال: حدثنا أحمد بن عبد اللَّه بن (11) عليّ الهرويّ النّسيانيّ (12) قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: لقد هممت بتزويج فاطمة- (عليها السلام)- حينا، و أنّ ذلك متخلخل في قلبي ليلي و نهاري، و لم أجرأ أن أذكر ذلك لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى دخلت على النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم فقال لي: يا عليّ.
قلت: لبّيك، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: (13): هل لك في التّزويج؟
____________
(1) يوجد في ن، المصدر.
(2) تفسير القمّي 2/ 297- 298.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: نقلت.
(5) تفسير فرات الكوفي/ 156- 158.
(6) المصدر «عبد الرحمن بن محمد» بدل «عبد اللَّه».
(7) ن: الحسني.
(8) المصدر: عقبة.
(9) ق، المصدر: الضبي. و وردت الفقرة الأخيرة في المصدر بعد الفقرة الآتية. و فيه:
«حدّثنا محمّد ... بن ظريف الحجردي».
(10) ن: الهروي.
(11) المصدر: أبو.
(12) ن، المصدر: الشيباني.
(13) ليس في ي، ر.
187
فقلت: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعلم إذا هو يريد أن يزوّجني بعض (1) نساء قريش، و إنّي لخائف على فوت (2) فاطمة- (عليها السلام)-. فما أشعرت بشيء يوما إذ أتاني رسول (3) اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا عليّ، أجب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أسرع، فما رأينا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأشدّ فرحا خاصّة اليوم.
قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: فأتيته مسرعا فإذا هو في حجرة أمّ سلمة، فلمّا نظر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إليّ (4) تهلّل (5) وجهه و تبسّم، حتّى نظرت إلى أسنانه تبرق.
فقال: أ بشر، يا عليّ، إنّ اللَّه قد كفاني ما كان همّني من أمر تزويجك.
قلت: و كيف ذلك، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال: أتاني جبرئيل و معه من سنبل الجنّة و قرنفلها و ناولينها (6)، فأخذتها و شممتها (7).
فقلت له: يا جبرئيل، ما سبب هذا السّنبل و القرنفل؟
فقال: إنّ اللَّه أمر سكّان الجنّة من الملائكة و ما (8) فيها أن يزيّنوا (9) الجنّة كلّها بمغارسها و أشجارها و أثمارها، و قصورها، و أمر ريحها فهبّت بأنواع الطّيب و العطر، فأمر حور عينها بالغناء فيها بسورة طه و يس و طواسين (10) و حمعسق (11)، ثمّ نادى (12) مناد من تحت العرش: ألا إن اليوم [يوم] (13) وليمة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. ألا إنّي أشهدكم أنّي قد زوجت بنت محمّد بن عبد اللَّه إلى عليّ بن أبي طالب رضى منّي بعضهم لبعض (14).
ثمّ بعث اللَّه سحابة (15) بيضاء فقطرت عليهم من لؤلؤها و يواقيتها و زبرجدها،
____________
(1) ن، م، ي، ر: حتّى بعض.
(2) كذا في المصدر. و في ق، ش: زفّ. و في غيرهما: رق.
(3) ليس في ق.
(4) يوجد في ن.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: هلل.
(6) المصدر: و لينهما.
(7) المصدر: فأخذتهما و شممتهما.
(8) المصدر: من.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تزيّنوا.
(10) المصدر: طوراسنين.
(11) المصدر: عسق.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: ينادي.
(13) من المصدر.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: لبعضي.
(15) يوجد في ن، ي، ر.
188
فقامت الملائكة فتناثرت من سنبل الجنّة و قرنفلها، و هذا من نثرة (1) الملائكة.
ثم أمر (2) [اللَّه] (3) ملكا من الملائكة يقال له: راحيل، و ليس في الملائكة أبلغ منه، فقال له: اخطب، يا راحيل. فخطب بخطبة لم يسمع بمثلها أهل السّماء و الأرض.
ثمّ نادى مناد (4): يا ملائكتي و سكّان جنّتي، باركوا على تزويج عليّ بن أبي طالب و فاطمة، فقد باركت أنا عليهما، ألا إنّي زوّجت أحبّ النّساء [إلي] (5) إلى أحبّ الرّجال إليّ بعد النبيّين و المرسلين.
فقال راحيل الملك: يا ربّ، و ما باركت (6) لهما بأكثر ممّا رأينا [من إكرامك] (7) لهما في جنانك و دورك و هما بعد في الدّنيا؟
فقال: من بركتي فيهما [أو قال: عليهما] (8)، إنّي أجمعهما على محبّتي و أجعلهما معدنين لحجّتي إلى يوم القيامة، و عزّتي و جلالي، لأخلقنّ منهما خلقا و لأنشأنّ منّهما ذرّيّة فأجعلهم خزّانا في أرضي و معادن لعلمي و دعائم لكتابي، بهم (9) أحتجّ على خلقي بعد النّبيّين و المرسلين.
فأبشر، يا عليّ، فإنّ اللَّه قد أكرمك بكرامة لم يكرم اللَّه بمثلها أحدا، قد زوّجتك فاطمة ابنتي على ما زوّجك الرّحمن فوق عرشه، و قد رضيت لها ما رضي اللَّه لها، فدونك أهلك، فإنّك أحقّ بها منّي، و لقد أخبرني جبرئيل أنّ الجنّة و أهلها لمشتاقة إليكما، و لولا أنّ اللَّه قدر أن يخرج منكما ما يتّخذ به على الخلق حجّة لأجاب فيكما الجنّة و أهلها، فنعم الأخ أنت، و نعم الختن (10) أنت، و نعم الصّاحب أنت، و كفاك برضاء اللَّه رضاء.
فقال عليّ بن أبي طالب: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- او بلغ من قدري حتّى أنّي ذكرت في الجنّة فزوّجني اللَّه في ملائكته؟! فقال: يا عليّ، إنّ اللَّه إذا أكرم وليّه، أكرمه بما لا عين رأت و لا أذن سمعت.
____________
(1) المصدر: ممّا نثرت.
(2) ليس في ن، ت، ي، ر.
(3) من المصدر.
(4) ق، المصدر: مناديا.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: باركتك.
(7) من المصدر.
(8) ليس في المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الخلف.
189
[و إنّما حباك اللَّه في الجنّة بما لا عين رأت و لا أذن سمعت] (1).
فقال عليّ- (عليه السلام)-: يا رَبِّ أَوْزِعْنِي (2) أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: آمين، ربّ العالمين، و خير النّاصرين.
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ: عمّا لا ترضاه و يشغل عنك.
وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15): المخلصين لك.
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، يعني: طاعاتهم، فإنّ المباح حسن و لا يثاب عليه.
وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ: لتوبتهم.
و قرأ (3) حمزة و الكسائيّ و حفص، بالنّون فيهما.
فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ: كائنين في عدادهم، أو مثابين، أو معدودين فيهم.
وَعْدَ الصِّدْقِ: مصدر مؤكّد لنفسه، [لأنّ «يتقبّل» و «يتجاوز» وعد] (4) الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16): أي: في الدّنيا.
وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما: مبتدأ خبره «أولئك».
قيل (5): المراد به: الجنس، و إن صحّ نزولها في عبد الرّحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، فإنّ خصوص السّبب لا يوجب التّخصيص.
أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ: ابعث.
و قرأ (6) هشام: «أ تعدانّي» بنون واحدة مشدّدة.
وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي: فلم يرجع واحد منهم.
وَ هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ: يقولان: الغياث باللَّه منك. أو يسألانه أن يغيثه بالتّوفيق للإيمان.
وَيْلَكَ آمِنْ:، أي: يقولان له. ويلك. و هو الدّعاء بالثّبور بالحثّ على ما يخافه على تركه.
____________
(1) يوجد في ن، ي، المصدر.
(2) المصدر: فأوزعني.
(3) أنوار التنزيل 2/ 387.
(4) ليس في ق، ش، م.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
190
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17): أباطيلهم الّتي كتبوها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله: وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما- إلى قوله-: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ قال: نزلت في عبد الرّحمن بن أبي بكر.
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ: بأنّهم أهل النّار.
فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ، كقوله: فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ.
مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ: بيان للأمم.
إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (18): تعليل للحكم على الاستئناف.
وَ لِكُلٍ: من الفريقين دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا: مراتب من اجزاء ما عملوا من الخير و الشّر، أو من أجل ما عملوا.
و الدرجات غالبة في المثوبات، و هاهنا جاءت على التّغليب.
وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ: جزاءها.
و قرأ (2) نافع و ابن ذكوان و حمزة و الكسائيّ، بالنّون.
وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (19): بنقص ثواب و زيادة عقاب.
وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ: يعذّبون بها.
و قيل (3): تعرض النّار عليهم، فقلب مبالغة، كقولهم: عرضت النّاقة على الحوض.
أَذْهَبْتُمْ، أي: يقال لهم: أذهبتم. و هو ناصب «اليوم».
و قرأ (4) ابن كثير و ابن عامر و يعقوب، بالاستفهام، غير أنّ ابن كثير يقرأ بهمزة ممدودة، و هما يقرآن بها و بهمزتين مخفّفتين.
[طَيِّباتِكُمْ: لذّاتكم] (5).
فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا: باستيفائها.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 297.
(2) أنوار التنزيل 2/ 388.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ق، ش، م.
191
و في محاسن البرقيّ (1): عنه، عن جعفر بن محمّد، عن أبي (2) القدّاح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، عن آبائه قال: دخل النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مسجد (3) قباء، فاتي بإناء فيه لبن حليب.
...- إلى قوله-: جعفر، بهذا الإسناد قال: اتي بخبيص (4)، فأبى أن يأكله.
فقيل: أ تحرّمه؟
فقال: لا، و لكنّي أكره أن تتوق إليه نفسي (5). ثمّ تلا هذه الآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا.
وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها: فما بقي لكم منها شيء.
و في مجمع البيان (6): و قد روي في الحديث، أنّ عمر بن الخطّاب قال: استأذنت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدخلت عليه في مشربة أمّ إبراهيم، و أنّه لمضطجع على خصفة، و أنّ بعضه على التّراب و تحت رأسه و سادة محشوّة ليفا، فسلّمت عليه ثمّ جلست. فقلت: يا رسول اللَّه، أنت نبيّ اللَّه و صفوته و خيرته من خلقه، و كسرى و قيصر على سرر (7) الذّهب و فرش (8) الدّيباج و الحرير! فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أولئك قوم عجّلت طيّباتهم و هي وشيكة الانقطاع، و إنّما (9) اخّرت لنا طيّباتنا.
و قال عليّ (10)- (عليه السلام)- في بعض خطبه: و اللَّه، لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها. و لقد قال لي قائل: ألا تنبذها (11)؟ فقلت: أعزب عنّي، فعند الصّباح يحمد القوم السّرى (12).
____________
(1) المحاسن/ 409، ح 133.
(2) المصدر: ابن.
(3) ليس في ق، ش.
(4) الخبيص: قسم من الحلواء.
(5) تاق إليه: اشتاق.
(6) المجمع 5/ 88.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سور.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: إنّا.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) ق، ش، م: ألا يبتذلها.
(12) السرى: السير عامّة الليل. و هذا مثل يضرب لمن يحتمل المشقّة رجاء الراحة. و يضرب أيضا في الحثّ على مزاولة الأمر و الصبر و توطين النفس حتّى يحمد عاقبته.
192
و روى محمّد بن قيس (1)، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: و اللَّه، أن كان عليّ- (عليه السلام)- ليأكل أكلة العبد و يجلس جلسة العبد، و أن كان ليشتري القميصين فيخير غلامه خيرهما ثمّ يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، و إذا جاز كعبه (2) حذفه، و لقد ولي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة و لا لبنة على لبنة و لا أورث حمراء و لا بيضاء. و أن كان ليطعم النّاس خبز البرّ و اللّحم و يأكل خبر الشّعير و الزّيت و الخلّ، و ما ورد عليه أمران كلاهما للَّه رضى إلّا أخذ بأشدّهما على بدنه. و لقد أعتق ألف مملوك من كدّ يمينه تربت منه يداه و عرق فيه وجهه. و ما أطاق عمله أحد من النّاس [بعده] (3). و أن كان ليصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة، و أن كان أقرب النّاس به شبها عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- ما أطاق عمله أحد من النّاس من بعده.
ثمّ إنّه قد اشتهر في الرّواية، أنّه- (عليه السلام)- لمّا دخل على العلاء بن زياد بالبصرة يعوده، فقال له العلاء (4): يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أشكو إليك أخي، عاصم بن زياد، لبس العبا (5) و تخلّى من الدّنيا.
فقال- (عليه السلام)-: عليّ بعاصم. فلمّا جاء به، قال- (عليه السلام)-: يا عديّ (6) نفسه، لقد استهام بك الخبيث (7)، أما رحمت أهلك و ولدك، أ ترى اللَّه أحلّ لك الطّيّبات و هو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على اللَّه من ذلك.
قال: يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- هذا أنت في خشونة ملبسك و جشوبة (8) مأكلك! قال: ويحك، إنّي لست كأنت، إنّ اللَّه فرض على أئمة الحقّ أن يقدروا أنفسهم بضعفة النّاس كي لا يتبيّغ (9) بالفقير فقره.
و في جوامع الجامع (10): و روي أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- دخل على أهل
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: كمّه.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) المصدر: العباءة.
(6) تصغير عدو.
(7) أي: جعلك هائما، و الهائم بمعنى: الضالّ.
و المراد من الخبيث: هو الشيطان.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: خشونة.
و طعام جشب، أي: غليظ. و قيل: إنّه الّذي لا أدم معه.
(9) تبيّغ به: هاج به.
(10) الجوامع/ 445.
193
الصّفّة، و هم يرقّعون ثيابهم بالادم (1) و ما يجدون لها رقاعا.
فقال: أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلّة و يروح في أخرى، و يغدى عليه بجفنة و يراح عليه بأخرى، و يستر بيته، كم تستر (2) الكعبة؟
قالوا: نحن يومئذ خير.
فقال: بل أنتم اليوم خير.
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ: الهوان، و قد قرئ (3) به.
بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20):
بسبب الاستكبار الباطل، و الفسوق عن طاعة اللَّه.
و قرئ (4): «تفسقون» بالكسر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله- تعالى-:
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها قال: أكلتم و شربتم و لبستم و ركبتم، و هي في بني فلان.
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ قال: العطش.
وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ، يعني: هودا.
إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ: جمع حقف، و هو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من أحقوقف الشّيء: إذا اعوجّ.
و قيل (6): و كانوا يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشّحر من اليمن (7).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله- تعالى-: وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ. و الأحقاف من بلاد عاد من الشّقوق (9) إلى الأجفر، و هي أربع منازل.
____________
(1) الأدم: جمع الأديم: الجلد المدبوغ.
(2) المصدر: يستر.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 388.
(5) تفسير القمّي 2/ 298.
(6) أنوار التنزيل 2/ 388.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بالشحر من اليمين.
(8) تفسير القمّي 2/ 298.
(9) كذا في نور الثقلين 5/ 17، ح 28. و في ن، ي: الشقوف. و في سائر النسخ و المصدر:
الشفوف.
و الشقوق و الأجفر موضعان بطريق مكة، كما قاله الحموي.
و قال الطبرسي في المجمع: الأحقاف هو واد بين عمان و مهرة. عن ابن عبّاس. و قيل: رمال فيما بين عمان إلى حضرموت.
194
قال: حدّثني أبي قال: أمرا المعتصم أن يحفر بالبطاينة (1) بئرا، فحفروا ثلاثمائة قامة فلم يظهر الماء فتركه و لم يحفره. فلمّا ولي المتوكّل أمر أن يحفر ذلك البئر أبدا حتّى يبلغ الماء، فحفروا حتّى وضعوا في كلّ مائة قامة بكرة حتّى انتهوا إلى صخرة، فضربوها بالمعول فانكسرت، فخرج منها ريح باردة فمات من كان يقربها، فأخبروا المتوكل بذلك، فلم يدر (2) ما ذاك.
فقالوا: سل ابن الرّضا- (عليه السلام)- و هو أبو الحسن، عليّ بن محمّد العسكري فكتب إليه يسأله (3) عن ذلك.
فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: تلك بلاد الأحقاف، و هم قوم عاد الّذين أهلكهم اللَّه بالرّيح الصّرصر.
و في الخرائج و الجرائح (4): أن المهديّ الخليفة أمر بحفر بئر بقرب (5) قبر العباديّ (6) لعطش الحاجّ، [هناك] (7) فحفروا (8) أكثر من مائة قامة، فبينما هم [كذلك] (9) يحفرون إذ خرقوا خرقا و إذا تحته هواء لا يدرى [ما] (10) قعره و هو مظلم (11) و للرّيح فيه دويّ، فأدلوا رجلين [إلى مستقرّه] (12) فلمّا خرجا تغيّرت ألوانهما.
فقالا: رأينا هواء (13)، و رأينا بيوتا قائمة و رجالا و نساء و إبلا و بقرا و غنما، و كلّما مسسنا (14) شيئا منها رأيناه هباء.
فسألنا الفقهاء عن ذلك فلم يدر أحد ما هو، فقدم أبو الحسن، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- على المهديّ فسأله عن ذلك.
فقال: أولئك أصحاب الأحقاف، و هم [بقيّة] (15) من قوم (16) عاد ساخت بهم
____________
(1) المصدر: بالبطائية (بالبطانية)
(2) المصدر: فلم يعلم بذلك.
(3) المصدر: يسأل.
(4) الخرائج 2/ 655، ح 8.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يقبر.
(6) قال الحمويّ: «قبر العباديّ» منزل في طريق مكّة من القادسيّة إلى العذيب فراجع مادّة «قبر».
(7) من المصدر.
(8) المصدر: حفرت.
9 و 10 من المصدر.
(11) المصدر: فإذا هو مظلم.
(12) من المصدر.
(13) المصدر: دويّ هواء واسعا.
(14) كذا في المصدر. و في م، ي، ر: مسينا.
و في ن: نسينا و في سائر النسخ: مشينا.
(15) من المصدر.
(16) المصدر: [قوم].
195
منازلهم. و ذكر على مثل قول الرّجلين.
وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ: الرسل.
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ: قبل هود و من بعده.
و الجملة حال، أو اعتراض.
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، أي: لا تعبدوا. أو بأن لا تعبدوا، فإنّ النّهي عن الشّيء إنذار عن مضرّته.
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21): هائل بسبب شرككم.
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا: لتصرفنا (1) عَنْ آلِهَتِنا: عن عبادتها.
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: من العذاب على الشّرك.
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22): في وعدك.
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ: لا علم لي بوقت عذابكم و لا مدخل لي فيه فاستعجل به، و إنّما علمه عند اللَّه فيأتيكم به في وقته المقدّر له.
وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ: و ما على الرّسول إلّا البلاغ.
وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23): لا تعلمون أنّ الرّسل بعثوا مبلغين منذرين، لا معذّبين مقترحين.
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً: سحابا عرض في أفق السّماء (2).
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ: متوجّه أوديتهم. و الإضافة فيه لفظية، و كذا في قوله:
قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، أي: يأتينا بالمطر.
بَلْ هُوَ، أي: قال هود: بل هو مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ: من العذاب.
و قرئ (3): «قل بل».
رِيحٌ، [أي: هي ريح] (4).
و يجوز أن يكون بدل «ما».
فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24): صفتها، و كذا قوله: تُدَمِّرُ: تهلك.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 389. و في ن لا يوجد «أفق». و في غيرها: سحابا عرض من الأفق إلى السّماء
(3) أنوار التنزيل 2/ 389.
(4) ليس في ق.
196
كُلَّ شَيْءٍ: من نفوسهم و أموالهم.
بِأَمْرِ رَبِّها: إذ لا توجد نابضة حركة و لا قابضة سكون إلّا بمشيئته.
و في ذكر «الأمر» و «الرّبّ» و إضافته إلى الرّيح فوائد، سبق ذكرها مرارا.
و قرئ (1): «يدمر كلّ شيء» من دمر دمارا: إذا هلك، فيكون العائد محذوفا أو الهاء في «ربّها»، و يحتمل أن يكون استئنافا للدّلالة على أنّ لكلّ ممكن فناء مقضيّا لا يتقدّم و لا يتأخّر و تكون الهاء «لكلّ شيء» فإنّه بمعنى: الأشياء.
فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ، أي: فجاءتهم الرّيح فد مرتهم، فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلّا مساكنهم.
و قرأ (2) عاصم و حمزة و الكسائيّ: «لا يرى إلّا مساكنهم» بالياء المضمومة و رفع المساكن.
كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25).
نقل (3): أنّ هودا لمّا أحس بالرّيح اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة، و جاءت الرّيح فأمالت الأحقاف على الكفرة و كانوا تحتها سبع ليال و ثمانية أيّام، ثم كشفت عنهم و احتملتهم و قذفتهم في البحر.
وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ [فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ «إن» نافية، و هي أحسن من «ما» ها هنا لأنّها توجب التّكرير لفظا، و لذلك قلبت ألفها هاء في «مهما». أو شرطيّة محذوفة الجواب، و التّقدير: و لقد مكّنّاهم] (4) في الّذي، أو في شيء إن مكّنّاكم فيه كان بغيكم أكثر. أو صلة (5)، كما في قوله:
يرجى المرء ما إن لا يراه* * * و يعرض دون أدناه الخطوب
و الأوّل أظهر و أوفق لقوله: هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً (6). كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثاراً (7).
وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً: ليعرفوا تلك النّعم، و يستدلّوا بها على
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 389.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) ليس في ن.
(5) أي: زائدة.
(6) مريم/ 74.
(7) غافر/ 82.
197
مانحها و يواظبوا على شكرها.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ: من الإغناء، و هو القليل.
إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ: علّة «لما أغنى». و هو ظرف جرى مجرى التّعليل، من حيث أنّ الحكم مرتّب على ما أضيف إليه، و كذلك «حيث».
وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26): من العذاب.
وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ: يا أهل مكّة.
مِنَ الْقُرى، كحجر ثمود.
و قرئ (1): «قوم لوط».
وَ صَرَّفْنَا الْآياتِ: بتكريرها.
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27): عن كفرهم.
فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً: فهلّا منعتهم من الهلاك آلهتهم الّذين يتقرّبون بهم إلى اللَّه، حيث قالوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ (2).
و أوّل مفعولي «اتّخذوا» الرّاجع إلى الموصول محذوف، و ثانيهما «قربانا»، و «آلهة» بدل أو عطف بيان. أو «آلهة»، و «قربانا» حال أو مفعول له، على أنّه بمعنى:
التّقرّب (3).
و قرئ: «قربانا» بضمّ الرّاء.
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ: غابوا عن نصرهم، و امتنع أن يستمدّوا بهم امتناع الاستمداد بالضّالّ.
وَ ذلِكَ إِفْكُهُمْ: و ذلك الاتخاذ الّذي هذا أثره صرفهم عن الحقّ.
و قرئ (4): «إفّكهم» بالتّشديد للمبالغة. و «آفكهم»، أي: جعلهم آفكين.
و «آفكهم»، أي: قولهم الآفك، أي: ذو الإفك.
وَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (28) وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ: أملنا، أو وجّهنا
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 390.
(2) يونس/ 18.
(3) ن، ت، ي، ر: التقريب.
(4) نفس المصدر و الموضع.
198
إليك جماعة من الجنّ تسمع القرآن.
و قيل (1): معناه: صرفناهم إليك من بلادهم بالتّوفيق و الألطاف حتّى أتوك.
و قيل (2): صرفناهم إليك عن استراق السّمع منا للسّماء برجوم الشّهب، و لم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه، فقالوا: ما هذا الّذي حدث في السّماء إلّا من أجل شيء قد حدث (3) في الأرض. فضربوا في الأرض حتّى وقفوا على النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- ببطن نخلة عائدا (4) إلى عكاظ و هو يصلّي الفجر، فاستمعوا القرآن (5) و نظروا كيف يصلّي.
و «النّفر» دون العشرة، و جمعه أنفار.
و في مجمع البيان (6)، بعد أن نقل كلاما في سبب ورود الجنّ على النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و قال آخرون: أمر (7) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن ينذر الجنّ و يدعوهم إلى اللَّه و يقرأ عليهم القرآن، فصرف اللَّه إليه نفرا من الجنّ من نينوى.
فقال- (عليه السلام)-: إنّي (8) أمرت أن أقرأ على الجنّ اللّيلة، فأيّكم يتبعني؟ فاتّبعه عبد اللَّه بن مسعود.
قال عبد اللَّه: و لم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة، و دخل نبيّ اللَّه شعبا يقال له: شعب الحجون، خطّ لي خطّا، ثمّ أمرني أن أجلس فيه، و قال: لا تخرج منه حتّى أعود إليك. ثمّ انطلق حتّى قام فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كثيرة حتّى حالت بيني و بينه حتّى لم أسمع صوته، ثمّ انطلقوا و طفقوا يتقطّعون مثل قطع السّحاب ذاهبين، حتّى بقي منهم رهط، و فرغ منهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مع الفجر فانطلق فبرز.
ثمّ قال: هل رأيت شيئا؟
فقلت: نعم، رأيت رجالا سودا مستثفري (9) ثياب بيض.
____________
(1) مجمع البيان 5/ 91- 92.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ق، ش: أحدث.
(4) المصدر: عامدا.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) نفس المصدر/ 92- 93.
(7) ليس في ق.
(8) ق، ش: إنّما.
(9) ق، ش، م: مستشعري: و في المصدر:
مشعنفري.
و الاستشفار: هو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه، كما يفعل الكلب بذنبه.
199
قال: أولئك جنّ نصيبين.
و روى علقمة، عن عبد اللَّه قال: لم أن مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة [الجنّ] (1) و وددت أنّي كنت معه.
و روي عن ابن عبّاس: أنّهم كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين، فجعلهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رسلا إلى قومهم.
قال بن حبيش كانوا تسعة نفر، منهم زوبعة (2).
و روى محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه قال: فلمّا (3) قرأ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الرّحمن على النّاس سكتوا فلم يقولوا شيئا.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الجنّ كانوا أحسن جوابا منكم، فلمّا قرأت عليهم: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قالوا: لا، [و لا] (4) بشيء من آلائك ربّنا نكذّب.
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ: حال محمولة على المعنى.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: و روى عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه مناقب النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيه: أنّ الشّياطين سخرت لسليمان و هي مقيمة على كفرها، و قد سخّرت لنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّياطين بالإيمان، فأقبل إليه من الجنّ التّسعة من أشرافهم، واحد من جنّ نصيبين، و الثّمان من بني عمرو بن عامر [من الأحجّة] (6)، منهم شفاة (7)، و مضاة، و الهملكان، و المرزبان، و المازمان، و قضاه (8)، و خاضب (9)، و هماصب (10)، و عمرو.
و هم الّذين يقول اللَّه فيهم: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ [نَفَراً مِنَ الْجِنِ و هم التّسعة
____________
(1) من المصدر.
(2) ق، ش: ذويعة.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فلمّا.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) الاحتجاج/ 222- 223.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) المصدر: شضاه، و في بعض نسخة: شضاة.
(8) ي، ر، المصدر: نضاه.
(9) المصدر: هاضب.
(10) ليس في ن، ت، م، ي، ر. و في ش:
هماسب. و في المصدر: هضب.
200
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فأقبل إليه الجن] (1) و النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- ببطن النّخل، فاعتذروا بأنّهم ظنّوا كما ظننتم أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً. و لقد أقبل إليه أحد و سبعون ألفا منهم، فبايعوه على الصّوم و الصّلاة و الزّكاة و الحجّ و الجهاد و نصح المسلمين، و اعتذروا بأنّهم قالوا على اللَّه شططا، و هذا أفضل ممّا اعطي سليمان، فسبحان من سخّرها لنبوّة محمّد بعد أن كانت تتمرّد و تزعم أنّ للَّه ولدا، فلقد شمل مبعثه من الجنّ و الإنس ما لا يحصى.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ، أي: القرآن، أو الرّسول.
قالُوا أَنْصِتُوا: قال بعضهم لبعض: اسكتوا، لنسمعه.
فَلَمَّا قُضِيَ: أتم و فرغ من قراءته.
و قرئ (2)، على بناء الفاعل، و هو ضمير الرّسول.
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)، أي: منذرين إيّاهم بما سمعوا.
و في محاسن البرقي (3): عنه، عن أبيه، عن محمّد بن أبي القاسم ما جيلويه، عن (4) سليمان بن رشيد، عن عليّ بن الحسن (5) القلانسيّ، عن محمّد بن سنان، عن عمرو (6) بن يزيد قال: ضللنا سنة من السّنين، و نحن في طريق مكة، فأقمنا ثلاثة أيّام نطلب الطّريق فلم نجده، فلمّا أن كان في اليوم الثّالث و قد نفد ما كان معنا من الماء، عمدنا إلى ما كان معنا من ثياب الإحرام و من الحنوط فتحنّطنا (7) و تكفّنا بإزار إحرامنا، فقام رجل من أصحابنا فنادى: يا صالح، يا أبا الحسين (8). فأجابه مجيب من بعد.
فقلنا له: من أنت، يرحمك اللَّه؟
قال: أنا من النّفر الّذي قال اللَّه في كتابه: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ (الآية) و لم يبق منهم غيري، فأرشد (9) الضّالّ إلى الطّريق.
قال: لم نزل نتبع الصّوت حتّى خرجنا إلى الطّريق.
____________
(1) ورد في ق، ش، م، بدل ما بين المعقوفتين:
الآية.
(2) أنوار التنزيل 2/ 390.
(3) المحاسن/ 379- 380، ح 158.
(4) في المصدر زيادة: عليّ بن.
(5) المصدر: الحسين.
(6) المصدر: عمر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فحنّطنا.
(8) المصدر: يا أبا الحسن.
(9) المصدر: فأنا مرشد.
201
و في روضة الواعظين (1) للمفيد- (رحمه اللّه)- بعد أن ذكر الصّادق- (عليه السلام)- و نقل عنه حديثا طويلا: و قال- (عليه السلام)-: إنّ امرأة من الجنّ كان يقال لها: عفراء (2)، تأتي (3) النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- فتسمع من كلامه، فتأتي صالحي الجنّ فيسلمون على يديها، و أنّها فقدها النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأل عنها جبرئيل.
فقال: زارت أختا لها تحبّها في اللَّه.
و في أمالي الصّدوق (4)، عن الباقر (5)- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه خروج الحسنين من عند جدّهما و نومهما في حديقة بني النّجّار، و طلب النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لهما حتّى لقيهما،: و قد اكتنفتهما حيّة لها شعرت كآجام القصب، و جناحان، جناح (6) قد غطّت به الحسن- (عليه السلام)- و جناح قد غطّت به الحسين- (عليه السلام)-. فلمّا أن بصر بهما النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- تنحنح فانسابت الحيّة، و هي تقول: اللّهمّ، إنّي أشهدك و اشهد ملائكتك أنّ هذين شبلا نبيّك قد حفظتهما عليه و دفعتهما إليه سالمين صحيحين.
فقال لها النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّتها الحيّة، فمن (7) أنت؟
قالت: أنا رسول الجنّ إليك.
قال: [و ايّ الجنّ؟ قالت:] (8) جنّ نصيبين، نفر من بني مليح (9) نسينا آية من كتاب- اللَّه فبعثوني إليك لتعلّمنا ما نسينا من كتاب اللَّه، فلمّا بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي: أيّتها الحيّة، هذان شبلا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فاحفظيهما من العاهات و الآفات و من طوارق اللّيل و النّهار. فقد حفظتهما و سلّمتهما إليك سالمين صحيحين.
و أخذت الحيّة الآية و انصرفت.
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
____________
(1) روضة الواعظين 2/ 417.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: غفر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تسأل. و الظاهر أن الصحيح: كانت تأتي
(4) أمالي الصّدوق/ 360- 361، ح 8.
(5) في المصدر: زيادة: عن أبيه.
(6) ليس في ق، ش.
(7) المصدر: ممّن.
(8) ليس في ق.
(9) ق: بني مليج.
202
قيل (1): إنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا يهودا، أو ما سمعوا أمر عيسى.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ: من العقائد.
وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30): من الشّرائع.
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ: بعض ذنوبكم، و هو ما يكون في خالص حقّ اللَّه، فإن المظّالم لا تغفر بالإيمان.
وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31): هو معدّ للكفّار.
وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ: إذ لا ينجي منه مهرب.
وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ: يمنعونه منه.
أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32): حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قوله: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ (الآية) فهذا كلّه حكاية عن الجن، و كان سبب نزول هذه الآية أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خرج من مكّة إلى سوق عكاظ، و معه زيد بن حارثة يدعو النّاس إلى الإسلام، فلم يجبه أحد و لم يجد أحدا يقبله، ثمّ رجع إلى مكة فلمّا بلغ موضعا يقال له: وادي (3) مجنة، تهجّد بالقرآن في جوف اللّيل، فمرّ به نفر من الجن، فلمّا سمعوا قراءة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- استمعوا له، فلمّا سمعوا قراءته قال بعضهم لبعض: «أنصتوا»، يعني: اسكتوا «فلمّا قضي»، أي: فرغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من القراءة وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قالُوا يا قَوْمَنا- إلى قوله-: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. فجاءوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأسلموا (4) و آمنوا، و علّمهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شرائع الإسلام.
فأنزل اللَّه على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ (السّورة كلّها) فحكى اللَّه قولهم: و ولّى عليهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منهم، و كانوا يعودون إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في كلّ وقت، فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أن يعلّمهم و يفقّهم، فمنهم مؤمنون و منهم كافرون و ناصبون و يهود و نصارى و مجوس، و هم ولد الجانّ.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 390.
(2) تفسير القمّي 2/ 29- 300.
(3) ليس في ق، ش.
(4) يوجد في ي، ر، المصدر.
203
و سئل العالم- (عليه السلام)- عن مؤمني الجنّ يدخلون الجنّة؟
فقال: لا، و لكن للَّه حظائر بين الجنّة و النّار يكون فيها مؤمنوا الجنّ و فسّاق الشّيعة.
و في مجمع البيان (1): و في هذا دلالة على أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان مبعوثا إلى الجنّ، كما كان مبعوثا إلى الإنس، و لم يبعث اللَّه نبيّا إلى الإنس و الجنّ قبله.
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَ: و لم يتعب و لم يعجز، و المعنى: أنّ قدرته كاملة، لا تنقص (2) و لا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد.
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، أي: قادر. و يدلّ عليه قراءة (3): «يقدر»، و «الباء» مزيدة لتأكيد النّفي فإنّه مشتمل على «أنّ» و ما في حيّزها، و لذلك أجاب عنه بقوله: بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33): تقريرا للقدرة (4) على وجه عامّ يكون كالبرهان على المقصود، و كأنّه لمّا صدّر السّورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد.
وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ: منصوب بقول مضمر مقوله: أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِ. و الإشارة إلى العذاب.
قالُوا بَلى وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34): بكفركم في الدّنيا. و معنى الأمر: الإهانة بهم، و التّوبيخ لهم.
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قيل (5): أولو الثّبات و الجدّ منهم، فإنّك من جملتهم. و «من» للتّبيين، فعلى هذا يكون جميع الأنبياء أولي العزم على أداء الرسالة و تحمّل أعبائها.
و قيل (6): للتّبعيض. و أولو العزم [أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها و تقريرها و صبروا على تحمّل مشاقّها و معاداة الطاعنين فيها. و مشاهيرهم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى.
و قيل (7):] (8) الصّابرون على بلاء اللَّه، كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتّى يغشى عليه، و إبراهيم على النّار و ذبح ولده، و الذّبيح على الذّبح، و يعقوب على
____________
(1) المجمع 5/ 94.
(2) ق، ش: لا تنقعر.
(3) أنوار التنزيل 2/ 391.
(4) ق، ش، ت: تقرير المقدرة.
5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 391.
(8) من المصدر.
204
فقد الولد و البصر، و يوسف على الجبّ و السّجن، و أيّوب على الضّرّ، و موسى قال له قومه:
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (1). و داود بكى على خطيئته أربعين سنة، و عيسى لم يضع لبنة على لبنة، [و هم ثمانية] (2).
و قيل (3): ستّة، بإسقاط داود و عيسى من الثّمانية المذكورة.
و قيل (4): هم الّذين أمروا بالجهاد و القتال، و أظهروا المكاشفة و جاهدوا في الدين.
و قيل (5): هم إبراهيم و نوح و هود، و رابعهم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في أصول الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قول اللَّه:
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
فقال: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قلت: و كيف صاروا أولي العزم؟
قال: لأنّ نوحا بعث بكتاب و شريعة، و كلّ من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح و شريعته و منهاجه، حتّى جاء إبراهيم بالصّحف و بعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به، فكلّ نبيّ جاء بعد إبراهيم أخذ بشريعة إبراهيم و منهاجه و بالصّحف، حتّى جاء موسى بالتّوراة و شريعته و منهاجه و بعزيمة ترك الصّحف، فكلّ نبيّ جاء بعد موسى أخذ بالتّوراة و بشريعته و منهاجه، حتّى جاء المسيح [بالإنجيل و بعزيمة ترك شريعة موسى و منهاجه، فكلّ نبيّ جاء بعد المسيح] (7)، أخذ [بالإنجيل و] (8) بشريعته و منهاجه، حتى جاء محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- (9) بالقرآن و بشريعته و منهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أولو العزم من الرّسل.
محمّد بن يحيى (10)، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى [الواسطي] (11)، عن هشام بن الحكم (12) و درست بن أبي منصور، عنه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في حديث
____________
(1) الشعراء/ 61- 62.
(2) ليس في المصدر.
3 و 4- مجمع البيان 5/ 94.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) الكافي 2/ 17- 18، ح 2.
(7) ليس في ت.
(8) يوجد في ق، ش.
(9) في ن و المصدر زيادة فجاء. و في ت، م، ي، ر، زيادة: فجهد.
(10) نفس المصدر 1/ 174- 175، ح 1.
(11) من المصدر.
(12) المصدر: سالم.
205
طويل، يذكر فيه طبقات الأنبياء و المرسلين: و الذين يرى في منامه و يسمع الصّوت و يعاين في اليقظة و هو إمام مثل أولي العزم.
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن هشام، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: سادة النبيّين و المرسلين خمسة، و هم أولو العزم من الرّسل، و عليهم دارت الرّحا: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمّد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-.
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أوّل وصيّ كان على وجه الأرض هبة اللَّه بن آدم، و ما من نبيّ مضى إلّا و له وصيّ، و كان جميع الأنبياء مائة ألف نبيّ و عشرين ألف، منهم خمسة أولو العزم: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمّد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-
(الحديث)
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و لإن الصّبر على ولاة الأمر مفروض، لقول اللَّه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. و إيجابه مثل ذلك على أوليائه و أهل طاعته بقوله (4):
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
و في الخرائج و الجرائح (5)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إن اللَّه فضّل أولي العزم من الرّسل على الأنبياء بالعلم، و أورثنا علمهم و فضّلنا عليهم في فضلهم، و علم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما لا يعلمون، و علّمنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فروينا لشيعتنا، فمن قبله منهم فهو أفضلهم، و أينما نكون (6)، فشيعتنا معنا.
و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من العلل، بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال: عن أبيه، عن أبي الحسن الرّضا- عليه
____________
(1) نفس المصدر/ 175، ح 3.
(2) نفس المصدر 1/ 224، ح 2.
(3) الاحتجاج/ 249- 250.
(4) الأحزاب/ 21.
(5) الخرائج/ 209.
(6) ن، ق: تكون.
(7) العيون 2/ 79، ح 13
206
السّلام- قال: إنّما سمّي أولو العزم [أولي العزم] (1) لأنّهم كانوا أصحاب العزائم و الشّرائع، و ذلك أنّ كلّ نبيّ كان بعد نوح كان على شريعته و منهاجه و تابعا لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل، [و كلّ] (2) نبيّ كان في أيّام إبراهيم و بعده كان على شريعة إبراهيم و منهاجه و تابعا لكتابه إلى [أيّام موسى، و كلّ نبيّ كان في أيّام موسى و بعده كان على شريعة موسى و منهاجه و تابعا لكتابه إلى] (3) أيّام عيسى، و كلّ نبيّ كان في أيّام عيسى و بعده كان على منهاج عيسى و شريعته و تابعا لكتابه إلى زمن محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فهؤلاء الخمسة أولو العزم، و هم (4) أفضل الأنبياء و الرّسل، و شريعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا تنسخ إلى يوم القيامة و لا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، فمن ادّعى بعده نبيّا أو أتى بعد القرآن بكتاب، فدمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه.
و في كتاب الخصال (5): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال: أولو العزم من الرسل خمسة: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد- صلّى اللَّه عليهم أجمعين-.
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى جابر بن يزيد: عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (7) في قول اللَّه (8): وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. قال:
عهد إليه في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأئمة من بعده، فترك و لم يكن له عزم فيهم أنّهم هكذا، و إنّما سمّي أولو العزم، لأنّهم عهد إليهم في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأوصياء من بعده و المهديّ و سيرته، فأجمع عزمهم [أنّ ذلك] (9) كذلك الإقرار (10) به.
و في أصول الكافي (11)، كذلك سواء (12).
و في مجمع البيان (13): أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ و قيل: إنّ «من» هاهنا للتّبعيض، و هو قول أكثر المفسّرين، و الظاهر في روايات أصحابنا.
____________
(1) ليس في ق.
(2) ليس في ق.
(3) ليس في ن، ت، ي، ر.
(4) المصدر: فهم.
(5) الخصال/ 300، ح 73.
(6) العلل/ 122، ح 1.
(7) ليس في ق، ش.
(8) طه/ 115.
(9) ليس في ق، ش.
(10) ق، ش، م: أقروا.
(11) الكافي 1/ 416، ح 22.
(12) في ق، ش، زيادة: كان.
(13) المجمع 5/ 94.
207
ثمّ اختلفوا فقيل:
أولو العزم من الرّسل من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدّمه، و هم خمسة: أوّلهم نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّ موسى، ثمّ عيسى، ثم محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
قال: و هم سادة النّبيّين، و عليهم دارت رحا المرسلين.
وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ: لكفّار قريش بالعذاب، فإنّه نازل بهم في وقته لا محال.
و في روضة الكافي (1): حدثني عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، [عن حفص المؤذّن] (2) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [و عن ابن بزيع، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (3) أنّه قال في رسالة طويلة إلى أصحابه: إنّه لا يتمّ الأمر حتّى يدخل عليكم مثل ما دخل على الصّالحين قبلكم، و حتّى تبتلوا في أنفسكم و أموالكم، و حتّى تسمعوا من أعداء اللَّه أذى كثيرا فتصبروا و تعركوا بجنوبكم (4)، و حتّى يستذلّوكم و (5) يبغضوكم، و حتّى يحملوا عليكم الضّيم فتحتملوه منهم (6) تلتمسون بذلك وجه اللَّه و الدّار الآخرة، و حتّى تكظموا الغيظ الشّديد في الأذى في اللَّه يجترمونه إليكم (7)، و حتّى يكذبوكم بالحقّ و يعادوكم فيه و يبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم، و مصداق ذلك كلّه في كتاب اللَّه الّذي أنزله جبرئيل على نبيّكم، سمعتم قول اللَّه لنبيّكم: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ.
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ: استقصروا من هوله مدّة لبثهم في الدّنيا حتّى يحسبونها ساعة.
بَلاغٌ: هذا الّذي وعظتم به، أو هذه السّورة بلاغ، أي: كفاية. أو تبليغ من الرسل، و يؤيّده أنّه قرئ (8): «بلّغ».
و قيل (9): مبتدأ خبره «لهم»، و ما بينهما اعتراض، أي: لهم وقت يبلغون إليه، كأنّهم إذا بلغوه و رأوا ما فيه استقصروا مدّة عمرهم.
____________
(1) الكافي 8/ 407.
2 و 3- من المصدر.
(4) عرك الأذى بجنبه، أي: احتمله.
(5) المصدر: أو.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و حتى تحملوا الضيم فتحملوه منهم.
(7) اجترم عليهم و إليهم جريمة: جنى جناية.
8 و 9 أنوار التنزيل 2/ 391.
208
و قرئ (1)، بالنصب، أي: بلّغوا بلاغا.
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35): الخارجون عن الاتّعاظ و الطاعة.
و قرئ: «يهلك» (2) بفتح اللام و كسرها. «و نهلك». بالنّون، و نصب «القوم».
و في روضة الواعظين (3) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و قيل للنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كم ما بين الدّنيا و الآخرة؟
قال: غمضة عين، قال اللَّه: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ (الآية).
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 391.
(3) روضة الواعظين/ 448.
209
تفسير سورة محمّد
211
سورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تسمى سورة القتال.
و هي مدنيّة.
و قيل (1): إلّا آية منها نزلت بمكّة حيث يريد النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- التّوجّه إلى المدينة، و هي: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ (الآية).
و آياتها تسع و ثلاثون، أو أربعون آية (2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة «الّذين كفروا» لم يرتب (4) أبدا، و لم يدخله شكّ في دينه أبدا، و لم يبتله اللَّه بفقر أبدا، [و لا خوف من سلطان أبدا] (5) و لم يزل محفوظا من الشّكّ و الكفر أبدا حتّى يموت، فإذا مات و كل اللَّه به في قبره ألف ملك يصلّون في قبره، و يكون ثواب صلاتهم له و يشيّعونه حتّى يوقفوه موقف الآمنين (6) عند اللَّه، و يكون في أمان اللَّه و أمان محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في مجمع البيان (7)، بعد أن نقل حديث ثواب الأعمال: و قال- (عليه السلام)-:
____________
(1) مجمع البيان 5/ 95.
(2) في أنوار التنزيل 2/ 392: سبع او ثمان و ثلاثون.
(3) ثواب الأعمال/ 142، ح 1.
(4) المصدر: لم يريب.
(5) ليس في ق.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الأمن.
(7) المجمع 5/ 95.
212
من أراد أن يعرف حالنا و حال أعدائنا فليقرأ سورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإنّه يراها آية فينا و آية فيهم.
ابيّ بن كعب (1) قال: قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان حقّا على اللَّه أن يسقيه من أنّهار الجنّة.
و في أصول الكافي (2)، في كتاب فضل القرآن: عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن سعد الإسكاف قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعطيت السّور الطّوال مكان التّوراة، و أعطيت المئين (3) مكان الإنجيل، و أعطيت المثاني مكان الزّبور، [و فضّلت بالمفضّل (4) ثمان و ستّون سورة و هو مهيمن على سائر الكتب، فالتّوراة لموسى،] (5) و الإنجيل لعيسى، و الزبور لداود.
و فيه (6)، في باب الشّرائع: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن محمّد بن مروان، جميعا، عن أبان بن عثمان (7)، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه أعطى محمّدا شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى.
... إلى أن قال: و فضّله بفاتحة الكتاب، و بخواتيم سورة البقرة، و المفصّل.
و في شرح الآيات الباهرة (8): ذكر محمّد بن العباس في تأويلها ما رواه، عن أحمد ابن محمّد بن سعيد، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن حصين بن مخارق، عن سعد بن طريف (9) و أبي حمزة، عن الأصبغ، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: سورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- آية فينا و آية في بني أميّة.
و قال- أيضا- (10): حدثنا علي بن العبّاس البجليّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عليّ ابن هاشم، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-
____________
(1) المجمع 5/ 95.
(2) الكافي 2/ 601، ح 10.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: المنين.
(4) كذا في المصدر. و في ق، ت، ي، ر:
بالفضل. و في ق: بالمفضّل.
(5) ليس في م، ش.
(6) نفس المصدر/ 17، ح 1.
(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 12. و في النسخ: أبان بن عيسى.
(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 582، ح 1.
(9) المصدر: ظريف.
(10) نفس المصدر، ح 2.
213
آية فينا و آية في بني أميّة.
و قال- أيضا- (1): حدّثنا أحمد بن محمّد الكاتب، عن حميد بن الرّبيع، عن عبيد بن موسى قال: أخبرنا فطر (2)، عن إبراهيم عن (3) أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- أنّه قال:
من أراد [أن يعلم] (4) فضلنا على عدوّنا (5) فليقرأ هذه السّورة الّتي يذكر فيها: الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فينا آية، و فيهم آية إلى آخرها.
الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: امتنعوا عن الدّخول في الإسلام و سلوك طريقة. أو منعوا النّاس عنه.
و قيل (6): و هم المطعمون يوم بدر، أو شياطين قريش، أو المصرّون من أهل الكتاب، أو عامّ في جميع من كفروا و صدّوا.
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (1): جعل مكارمهم، كصلة الأرحام و فكّ الأسارى و حفظ الجوار، ضالّة ضائعة محبطة بالكفر. أو مغلوبة مغمورة فيه، كما يضلّ الماء في اللّبن. أو ضلالا حيث لم يقصدوا به وجه اللَّه. أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله و الصّدّ عن سبيله، بنصر رسوله و إظهار دينه على الدين كلّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): إنّ الآية نزلت في أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذين ارتدّوا بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و غصبوا أهل بيته حقّهم] (8) و صدّوا عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و عن ولاية الأئمة «أضلّ أعمالهم»، أي: أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الجهاد [و النّصرة] (9).
أخبرنا (10) أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن العبّاس الخرشيّ (11)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعد وفاة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في المسجد، و النّاس مجتمعون، بصوت عال: الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ.
____________
(1) نفس المصدر/ 583، ح 3.
(2) المصدر: قطر.
(3) كذا في المصدر و في النسخ: بن.
(4) من المصدر مع المعقوفتين.
(5) ق، ش، م: غيرنا.
(6) أنوار التنزيل 2/ 392.
(7) تفسير القمّي 2/ 300.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) من المصدر.
(10) نفس المصدر/ 301.
(11) المصدر: الحريشي.
214
فقال (1) له ابن عبّاس: يا أبا الحسن، لم قلت ما قلت؟
قال علي- (عليه السلام)-: قرأت شيئا من القرآن.
قال: لقد قلته لأمر؟
قال: نعم، إن اللَّه يقول في كتابه (2): وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أ فتشهد على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه استخلف أبا بكر؟
قال: ما سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوصى إلّا إليك.
قال: فهلّا بايعتني؟
قال: اجتمع النّاس على أبي بكر، فكنت منهم.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كما اجتمع أهل العجل على العجل، هاهنا فتنتم، و مثلكم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ (3) (الآية).
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ: يعمّ المهاجرين و الأنصار، و الّذين آمنوا (4) من أهل الكتاب [و غيرهم] (5).
وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ: تخصيص للمنزل عليه ممّا يجب الإيمان به، تعظيما له، و إشعارا بأنّ الإيمان لا يتمّ دونه، و أنّه الأصل فيه، و لذلك أكّده بقوله: وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ: اعتراضا على طريقة الحصر.
و قيل (6): حقّيّته بكونه ناسخا لا ينسخ.
و قرئ (7): «نزّل» على البناء للفاعل. و «أنزل» على البنائين. و «نزل» بالتّخفيف.
و في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللَّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال، جاء نفر من اليهود إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأله أعلمهم فيما سأله، فقال:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(2) الحشر/ 7.
(3) البقرة/ 17.
(4) في جميع النسخ يوجد زيادة: و عملوا.
(5) ليس في ق، ش.
6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 392.
(8) العلل/ 127، ح 1.
215
لأيّ شيء سمّيت محمّدا، و أحمد، و أبا القاسم، و بشيرا و نذيرا و داعيا؟
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّا محمّد، فإنّي محمود في الأرض. و أمّا أحمد، فإنّي محمود في السّماء.
(الحديث) كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ: سترها بالإيمان و عملهم الصّالح.
وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ (2): حالهم في الدّين و الدّنيا بالتّوفيق و التأييد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): أخبرنا الحسين (2) بن محمّد، عن المعلّى (3) بن محمّد، بإسناده، عن إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: «و الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات و آمنوا بما نزّل على محمّد في عليّ و هو الحقّ من ربّهم كفر عنهم سيّئاتهم و أصلح بالهم» هكذا نزلت.
و قال عليّ بن إبراهيم (4) في قوله: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ نزلت في أبي ذرّ و سلمان و عمّار و المقداد، لم ينقضوا العهد. وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أي: ثبتوا على الولاية الّتي أنزلها اللَّه. و «هو الحقّ»، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ، أي: حالهم.
و في روضة الواعظين (5) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال أبو جعفر الباقر- (عليه السلام)-: إذا قام القائم من آل محمّد، ضرب فساطيط لمن يعلّم النّاس [القرآن] (6) على ما أنزل اللَّه، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنّه يخالف فيه التّأليف.
ذلِكَ: إشارة إلى ما مرّ من الإضلال و التّكفير و الإصلاح، و هو مبتدأ خبره بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ: بسبب اتباع هؤلاء الباطل و اتّباع هؤلاء الحقّ. و هذا تصريح بما أشعر به ما قبلها، و لذلك يسمّى تفسيرا.
كَذلِكَ: مثل ذلك الضّرب.
يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ: يبيّن لهم.
أَمْثالَهُمْ (3): أحوال الفريقين، أو أحوال النّاس. أو يضرب أمثالهم، بأن
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 301.
(2) المصدر: الحسين (الحسن- ط)
(3) المصدر: العلا (المعلّى- ط)
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) روضة الواعظين 2/ 265.
(6) من المصدر.
216
جعل اتّباع الباطل مثلا لعمل الكفار و الإضلال مثلا لخيبتهم، و اتّباع الحقّ مثلا للمؤمنين و تكفير السّيّئات مثلا لفوزهم.
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا: في المحاربة فَضَرْبَ الرِّقابِ.
أصله: فاضربوا الرّقاب ضربا، فحذف الفعل و قدّم المصدر و أنيب منابه مضافا إلى المفعول ضمّا إلى التّأكيد الاختصار و التّعبير به عن القتل، إشعار بأنّه ينبغي أن يكون بضرب الرّقبة حيث أمكن، و تصوير له بأشنع صورة و إن كان يجوز الضّرب في سائر المواضع.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله- تعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ فالمخاطبة للجماعة و المعنى لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و للإمام من بعده- (صلوات اللّه عليه)-.
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ: أكثرتم قتلهم و أغلظتموه. من الثّخين، و هو الغليظ. (2) و قيل (3): إذا أثقلتموهم بالجراح و ظفرتم بهم.
فَشُدُّوا الْوَثاقَ: فأسروهم و احفظوهم.
و «الوثاق» بالفتح و الكسر: ما يوثق به.
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً، أي: فإمّا تمنّون منّا، أو تفدون فداء.
و المراد: التّخيير بعد الأسر بين المنّ و الإطلاق، و بين أخذ الفداء بالنّفس و المال.
و هو ثابت عند الشّافعيّ، فإنّ الذّكر الحرّ المكلّف إذا أسر تخيّر الإمام بين القتل و المنّ و الفداء و الاسترقاق عنده.
و منسوخ بقوله (4): فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. و بقوله (5): فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ عند الحنفيّة، أو مخصوص بحرب بدر، فإنّهم قالوا بتعيين القتل أو الاسترقاق.
و مذهب الإماميّة ما ينقل عن مجمع البيان موافقا للأخبار.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 302. وردت هذه الفقرة في غير نسخة ن قبل الفقرة الماضية.
(2) في جميع النسخ زيادة: حتى ضعفوا.
(3) مجمع البيان 5/ 97.
(4) التوبة/ 5.
(5) الأنفال/ 57.
217
و قرئ (1): «فدا»، كعصا.
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها: آلاتها و أثقالها الّتي لا تقوم إلّا بها، كالسّلاح و الكراع، أي: تنقضي الحرب و لم يبق إلّا مسلم أو مصالح.
و قيل (2): آثامها، و المعنى: حتّى يضع أهل الحرب شركهم و معاصيهم. و هو غاية للضّرب، أو للشّدّ، أو للمنّ أو للفداء، أو للمجموع، بمعنى: أنّ هذه الأحكام جارية فيهم حتّى لا تكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم.
و قيل (3): بنزول عيسى- (عليه السلام)-.
و في كتاب الخصال (4): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل أبي (5) عن حروب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كان السّائل من محبّينا.
فقال له أبي (6): إنّ اللَّه بعث محمّدا بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها.
... إلى قوله: و سيف على مشركي العجم، يعني: التّرك [و الدّيلم] (7) و الخزر، قال اللَّه في سورة الّذين كفروا: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ- إلى قوله-:
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، يعني: المفاداة بينهم و بين أهل الإسلام، [فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدّخول في الإسلام،] (8) و لا يحلّ لنا نكاحهم ما داموا في دار الحرب.
و في أصول الكافي (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (10) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا يقول فيه- بعد أن قال: إنّ اللَّه فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها-: و فرض على اليدين ألّا يبطش بهما إلى ما حرّم اللَّه، و أن يبطش بهما إلى ما أمر اللَّه، و فرض عليهما من الصّدقة و صلة الرّحم و الجهاد في سبيل اللَّه، و الطّهور للصّلاة فقال (11):
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 393.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) الخصال/ 274- 275، ح 18.
5 و 6- المصدر: أبا عبد الله.
(7) من المصدر.
(8) ليس في م، ش، ي، ر.
(9) الكافي 2/ 36، ح 1.
(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: القاسم بن يزيد.
(11) المائدة/ 6.
218
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. و قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ- إلى قوله-: أَوْزارَها. فهذا ما فرض اللَّه على اليدين، لأنّ الضّرب من علاجهما.
و في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن طلحة بن زيد قال:
سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كان أبي يقول: إنّ للحرب حكمين:
إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها و لم يثخن أهلها، فكلّ أسير أخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار، إن شاء ضرب عنقه، و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف بغير حسم و تركه يتشحّط (2) في ذمه حتّى يموت، و هو قول اللَّه (3): إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. ألا ترى أنّ المخيّر الّذي خيّر اللَّه الإمام على شيء واحد، و هو الكفر (4)، و ليس هو على أشياء مختلفة.
فقلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قول اللَّه: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.
قال: ذلك الطّلب، إن تطلبه الخيل حتّى يهرب، فإنّ أخذته الخيل حكم عليه ببعض الأحكام الّتي وصفت لك.
و الحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها و أثخن أهلها، فكلّ أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار، إن شاء منّ عليهم فأرسلهم، و إن شاء فاداهم أنفسهم، و إن شاء استبعدهم فصاروا عبيدا.
و في روضة الكافي (5): يحيى الحلبيّ، عن أبي المستهلّ (6)، عن سليمان بن خالد قال: سألني أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقال: أيّ شيء كنتم يوم خرجتم مع زيد؟
فقلت: مؤمنين.
قال: فما كان عدوّكم؟
____________
(1) الكافي 5/ 32، ح 1.
(2) الحسم: الكيّ بعد قطع العرق لئلا يسيل دمه. و التشحّط: التمرّغ.
(3) المائدة/ 33.
(4) الكفر بمعنى الإهلاك بحيث لا يرى أثره.
(5) الكافي 8/ 250- 251، ح 351.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي السّهل.
219
قلت: كفّارا.
قال: فإنّي أجد في كتاب اللَّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا- إلى قوله-: أَوْزارَها فابتدأتم أنتم بتخلية من أسرتم، سبحان اللَّه، ما استطعتم أن تسيروا بالعدل ساعة.
و في مجمع البيان (1): و المرويّ عن أئمّة الهدى، أنّ الأسارى ضربان:
ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال و الحرب قائمة، فهؤلاء يكون الإمام مخيّرا بين أن يقتلهم، أو يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يتركهم حتّى ينزفوا، و لا يجوز المنّ و لا الفداء.
و الضّرب الآخر، الّذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها و انقضى القتال، فالإمام مخيّر فيهم بين المنّ و الفداء إمّا بالمال أو بالنّفس، و بين الاسترقاق و ضرب الرّقاب، فإن أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك و كان حكمهم حكم المسلمين.
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها و قيل: حتّى لا يبقى دين غير [دين] (2) الإسلام، و المعنى: حتّى تضع حربكم و قتالكم أوزار المشركين و قبائح أعمالهم، بأن يسلموا فلا يبقى إلّا الإسلام [خير (3) الأديان] (4) و لا تعبد (5) الأوثان.
و هذا كما
جاء في الحديث: و الجهاد ماض منذ بعثني اللَّه إلى أن يقاتل آخر (6) أمّتي الدّجّال.
ذلِكَ، أي: الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك.
وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ: لانتقم منهم بالاستئصال.
وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ: و لكن أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثّواب العظيم، و الكافرين بالمؤمنين (7) بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر.
وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي: جاهدوا.
____________
(1) المجمع 5/ 97- 98.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: حين.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: لا يعبدوا.
و في سائر النسخ: لا تعبدوا.
6 و 7- ليس في ق، ش.
220
و قرأ (1) البصريّان و حفص: «قتلوا»، أي: استشهدوا.
فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4): فلن يضيّعها.
و قرئ (2): «يضلّ» من ضلّ. و «يضلّ» على البناء للمفعول.
سَيَهْدِيهِمْ: إلى الصّواب (3). أو سيثبّت هدايتهم.
وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ (5) وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (6): و قد عرّفها لهم في الدّنيا حتّى اشتاقوا إليها، فعملوا ما استحقّوها به. أو بيّنها لهم بحيث يعلم كلّ واحد منزله و يهتدي إليه، كأنّه كان ساكنه منذ خلق. أو طيّبها لهم، من العرف، و هو طيب الرّائحة. أو حدّدها لهم، بحيث يكون لكلّ جنة مفرزة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ: إن تنصروا دينه و رسوله يَنْصُرْكُمْ:
على عدوّكم.
وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7): في القيام بحقوق الإسلام، و المجاهدة مع الكفّار.
و في نهج البلاغة (4): و خذوا من أجسادكم فجودوا (5) بها على أنفسكم، و لا تبخلوا بها عنها، فقد قال اللَّه- سبحانه-: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ. فلم يستنصركم من ذلّ، و له جنود السّموات و الأرض و هو العزيز الحكيم، و إنّما أراد أن يبلوكم أيّكم أحسن عملا. فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران اللَّه في داره رافق (6) بهم رسله، و أزارهم ملائكته، و أكرم أسماعهم عن أن تسمع حسيس نار أبدا، و صان أجسادهم أن (7) تلقى لغوبا و نصبا ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (8).
و في كلامه غير هذا، لكنّا أخذنا منه موضع الحاجة.
و في روضة الواعظين (9) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ الجهاد باب فتحه اللَّه لخاصّة أوليائه و سوّغهم كرامة منه و نعمة ذخرها، و الجهاد لباس التّقوى و درع [اللَّه] (10) الحصينة و جنّته (11) الوثيقة.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 393.
(3) ق، ش، ن: الثواب.
(4) النّهج/ 267- 268، الخطبة 183.
(5) كذا في المصدر. و في ق، ت: تجوروا. و في سائر النسخ: تجودوا.
(6) ن، ت، م، ي، ر: وافق.
(7) في ق زيادة: تغلو.
(8) الجمعة/ 4.
(9) روضة الواعظين 2/ 363، و نهج البلاغة/ 69، الخطبة 27.
(10) من نهج البلاغة.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الجنّة.
221
فمن تركه رغبة عنه، ألبسه اللَّه ثوب الذّلّة، و شمله البلاء، و فارق الرّخاء، و ضرب على قلبه بالإسهاب (1)، و دُيّث بالصّغار (2) و القماءة (3) و سيم الخسف (4)، و منع النّصف (5)، و أديل منه الحقّ (6) بتضييعه الجهاد، و غضب اللَّه بتركه نصرته، و قد قال اللَّه في محكم كتابه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ: فعثورا و انحطاطا، و نقيضه: لعا (7).
قال الأعشى:
فالتعس أولى لها من أن أقول لعا
و انتصابه بفعله الواجب إضماره سماعا. و الجملة خبر «الّذين كفروا»، أو مفسرة لناصبه.
وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8): عطف عليه.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ: القرآن، لما فيه من التّوحيد و التّكاليف المخالفة لما ألفوه و اشتهته أنفسهم. و هو تخصيص و تصريح بسببيّة الكفر بالقرآن، للتّعس و الإضلال.
و في مجمع البيان (8): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و كرهوا ما أنزل اللَّه في حقّ عليّ- (عليه السلام)-.
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9): كرّره إشعارا بأنّه يلزم الكفر بالقرآن، و لا ينفكّ عنه بحال.
____________
(1) كذا في النهج. و في ق، ش: بالاشتباه.
و في سائر النسخ: بالأشباه. و في المصدر: بأشباه.
و الإسهاب: ذهاب العقل.
(2) أي: ذلّل بغير مديّث، أي: مذلّل.
و الصّغار: الذلّ و الضيم.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: القما.
و القماءة: الصّغار و الذلّ.
(4) أي: أولي الخسف و كلّفه. و الخسف:
الذلّ، و المشقّة أيضا.
(5) أي: العدل و الإنصاف.
(6) كذا في النهج. و في النسخ و المصدر: أزيل فيه الحقّ،. و أديل الحقّ منه، أي: صارت الدولة للحقّ بدله.
(7) لعا: صوت، معناة: الدعاء للعاثر بأن يرتفع من عثرته .. يقال: لعا لفلان. و في الدعاء عليه بالتعس يقولون: لا لعا له.
(8) المجمع 5/ 99.
222
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثنا جعفر بن أحمد، قال: حدثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهذه الآية هكذا:
«ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللَّه في عليّ»- (عليه السلام)- إلّا أنّه كشط الاسم فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: استأصل عليهم ما اختصّ بهم من أنفسهم و أهليهم و أموالهم.
وَ لِلْكافِرِينَ: من وضع الظّاهر موضع المضمر.
أَمْثالُها (10): أمثال تلك العاقبة، أو العقوبة، أو الهلكة لأنّ التّدمير يدل عليها.
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا: ناصرهم على أعدائهم.
وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (11): فيدفع العذاب عنهم. و هو لا يخالف قوله: وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ. فإنّ المولى فيه بمعنى: المالك.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ: ينتفعون بمتاع الدّنيا.
وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ: حريصين غافلين عن العاقبة.
وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (12): منزل و مقام.
وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ: على حذف المضاف، و إجراء أحكامه على المضاف إليه. و الإخراج باعتبار التّسبّب.
أَهْلَكْناهُمْ: بأنواع العذاب.
فَلا ناصِرَ لَهُمْ (13): يدفع عنهم. و هو كالحال المحكيّة (2).
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: حجّة من عنده، و هو القرآن أو ما يعمّه، و الحجج العقليّة، كالنّبيّ و المؤمنين.
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، كالشّرك و المعاصي.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 302.
(2) لأنّ المفهوم من قوله: فَلا ناصِرَ لَهُمْ أنّه لا ناصر لهم في الحال، فيكون حكاية الحال الماضية.
223
و في مجمع البيان (1): كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قيل: هم المنافقون. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (14): في ذلك لا شبهة لهم عليه، فضلا عن حجّته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال عليّ بن إبراهيم في قوله: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أي: أو لم ينظروا في أخبار الأمم الماضية.
و قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أي: أهلكهم و عذّبهم.
ثمّ قال: «و للكافرين»، يعني: و الّذين كفروا و كرهوا ما أنزل اللَّه في عليّ- (عليه السلام)-. «أمثالها»، أي: لهم مثل ما كان للأمم الماضية من العذاب و الهلاك.
ثمّ ذكر المؤمنين الّذين ثبتوا على إمامة أمير المؤمنين (3)- (عليه السلام)- فقال:
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ.
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، يعني: الّذين غصبوه و اتّبعوا أهواءهم.
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، أي: فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة.
و قيل (4): مبتدأ خبره كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ. و تقدير الكلام: أمثل أهل الجنّة كمثل من هو خالد (5)، أو أمثّل الجنّة كمثل جزاء من هو خالد. فعرّي عن حرف الإنكار، و حذف ما حذف استغناء بحري مثله تصوير المكابرة من يسوّي بين المتمسّك بالبيّنة و التّابع للهوى، بمكابرة من يسوّي بين الجنة و النّار.
و هو على الأوّل خبر محذوف، تقديره: أ فمن هو خالد في هذه الجنّة كمن هو خالد في النّار. أو بدل من قوله: كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، و ما بينهما اعتراض، لبيان ما يمتاز به من هو على بيّنة في الآخرة تقريرا لإنكار للمساواة.
و في مجمع البيان (6): مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ و
قرأ عليّ- (عليه السلام)-:
«أمثال الجنّة» على الجمع.
____________
(1) المجمع 5/ 100.
(2) تفسير القمّي 2/ 302.
(3) ق، ش، م: ثبتوا على ولاية عليّ.
(4) أنوار التنزيل 2/ 394.
(5) في ق، ش، زيادة: في النّار.
(6) المجمع 5/ 99.
224
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (1): قال: حدّثنا أبو القاسم العلويّ قال:
حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفيّ قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن سعيد الأحمسي (2) قال:
حدثني أبو يحيى البصريّ قال: حدّثنا أبو جابر، عن طعمة (3) الجعفيّ، عن المفضّل بن عمر قال: سأل السدّيّ جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.
قال: هي في عليّ- (عليه السلام)- و أولاده و شيعتهم، هم المتّقون، و هم أهل الجنة و المغفرة.
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ: استئناف لشرح المثل، أو حال من العائد المحذوف، أو خبر «لمثل».
و «آسن» من أسن الماء، بالفتح: إذا تغير طعمه و ريحه. أو بالكسر، على معنى الحدوث (4).
و قرأ (5) ابن كثير: «أسن».
وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ: لم يصر قارصا، و لا حازرا (6).
وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ: لذيذة لا يكون فيها غائلة كراهة ريح، و لا غائلة (7) سكر و خمار. تأنيث «لذّ»، أو مصدر نعت به بإضمار [ذات] (8) أو تجوّز.
و قرئت (9)، بالرّفع، على صفة «الأنهار». و النّصب على العلّة.
وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى: لم يخالطه الشّمع و فضلات النّحل و غيرها.
قيل (10): و في ذلك تمثيل لما يقوم مقام الأشربة في الجنّة بأنواع ما يستلذّ بها في الدّنيا، بالتّجريد عمّا ينقصها [و ينغضها] (11)، و التّوصيف بما يوجب غزارتها و استمرارها.
____________
(1) تفسير فرات الكوفي/ 158.
(2) ن: الأعشى.
(3) ن: علقمة.
(4) فانّ اسم الفاعل موضوع للحدوث، و أمّا «أسن» بأن يكون صفة مشبّهة كما هو قراءة ابن كثير، فهو للثبوت.
(5) أنوار التنزيل 2/ 394.
(6) القارص: اللّبن يلذع اللّسان و الحازر:
الحامض.
(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 394. و في النسخ:
لا يكون فيها كراهة غائلة و ريح و لا مكروها (ق:
مكر) غائلة سكر و خمار.
(8) من نفس المصدر و الموضع.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) نفس المصدر/ 394- 395.
(11) من المصدر.
225
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن بعض أصحابه، رفعه، قال:
قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا دخلت الجنّة، رأيت في الجنّة شجرة طوبى، و يجري نهر في أصل تلك الشّجرة يتفجّر منها الأنهار الأربعة: نهر من ماء غير آسن، و نهر من لبن لم يتغيّر طعمه، و نهر من خمر لذّة للشّاربين، و نهر من عسل مصفى.
(الحديث)
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه،] (3) عن ابن محبوب، عن محمّد ابن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه نقل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديثنا طويلا في بيان حال أهل الجنّة، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و ليس من مؤمن في الجنّة إلّا و له جنان كثيرة، معروشات و غير معروشات، و أنهار من خمر، و أنهار من ماء، و أنهار من لبن، و أنهار من عسل.
و في كتاب الخصال (4): عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربعة أنهار من الجنّة: الفرات، و النّيل و سيحان، و جيحان، فالفرات الماء في الدّنيا و الآخرة، و النّيل العسل، و سيحان الخمر، و جيحان اللّبن.
وَ لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ: صنف على هذا القياس (5).
وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ: عطف على الصّنف المحذوف. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: لهم مغفرة.
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً: مكان تلك الأشربة.
فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (15): من فرط الحرارة.
و في بصائر الدّرجات (6): الحسن بن أحمد بن (7) سلمة، عن الحسين بن عليّ [بن نعاج] (8)، عن ابن جبلة، عن عبد اللَّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- [عن الحوض] (9).
فقال: حوض ما بين بصرى إلى صنعاء، أ تحبّ أن تراه؟
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 337 بحذف من المؤلف بعض الفقرات.
(2) الكافي 8/ 99، ح 69.
(3) ليس في ق، ش.
(4) الخصال/ 250، ح 116.
(5) أي: علي قياس الأشربة، لأنّ لهم فيها صنفا من الأشربة.
(6) البصائر/ 423- 424، ح 3.
(7) المصدر: عن.
8 و 9 ليس في المصدر.
226
قلت له: نعم، جعلت فداك.
قال: فأخذ بيدي و أخرجني إلى ظهر المدينة، ثمّ ضرب برجله فنظرت إلى نهر يجري لا تدرك حافّتاه (1) إلّا الموضع الّذي أنا فيه قائم، و أنّه شبيه بالجزيرة، فكنت أنا و هو وقوفا فنظرت إلى نهر جانباه ماء أبيض من الثّلج، [و من جانبيه لبن أبيض من الثلج] (2) و في وسطه خمر أحسن من الياقوت، فما رأيت شيئا أحسن من تلك الخمر بين اللّبن و الماء.
فقلت: جعلت فداك، من أين يخرج هذا و مجراه؟
قال: هذه العيون الّتي ذكرها اللَّه (3) في الجنّة، عين من ماء، و عين من لبن، و عين من خمر تجري في هذا النّهر.
و رأيت حافّتيه عليهما (4) شجر، فيهنّ جوار (5) معلّقات برءوسهنّ (6)، ما رأيت شيئا أحسن منهنّ، و بأيديهنّ آنية ما رأيت أحسن منها، ليست من آنية الدّنيا.
فدنا من إحداهنّ فأومأ بيده تسقيه (7)، فنظرت إليها و قد مالت لتغرف من النّهر فمال الشّجر (8) معها، فاغترفت (9) ثمّ ناولته، ثمّ شرب ثمّ ناولها، فأومأ إليها فمالت لتغرف فمالت (10) الشّجرة معها، ثمّ ناولته فناولني فشربت، فما رأيت شرابا كان ألين منه و لا ألذ منه، و كانت رائحته رائحة المسّك، و نظرت في الطّاس فإذا فيه ثلاثة ألوان من الشّراب.
فقلت له: جعلت فداك، ما رأيت كاليوم قطّ، و لا كنت أرى أنّ الأمر هكذا.
فقال لي: هذا أقلّ ما أعدّه [اللَّه] (11) لشيعتنا، إنّ المؤمن إذا توفّي طارت (12) روحه إلى هذا النّهر فرعت (13) في رياضه، و شربت من شرابه، و إن عدوّنا إذا توفّي صارت روحه إلى برهوت فأخلدت (14) في عذابه و أطعمت من زقّومه و أسقيت من حميمه، فاستعيذوا باللَّه
____________
(1) المصدر: لا يدرك حافّتيه.
(2) ليس في ق.
(3) في المصدر زيادة: في كتابة أنهار.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و رأيت حافية عليها.
(5) المصدر: حور.
(6) في المصدر زيادة: شعر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لنفسه.
(8) ن، ت، ي، ر، المصدر: الشجر.
(9) في المصدر زيادة: فمالت الشجرة معها.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فمالت لتغرف فمالت.
(11) من المصدر.
(12) المصدر: صارت.
(13) المصدر: و رغب.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: فأخذت.
227
من ذلك الوادي (1).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ ضرب لأوليائه [و أعدائه] (3) مثلا، فقال لأوليائه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ- إلى قوله-: مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ و معنى الخمر، أي: خمرة إذا تناولها وليّ اللَّه وجد رائحة المسك فيها. أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَ لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ثم ضرب لأعدائهم مثلا، فقال: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ قال: ليس من هو في هذه الجنّة الموصوفة كمن هو في هذه النّار، كما أن ليس عدوّ اللَّه كوليّه.
و في مجمع البيان (4): روى أبو أمامة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله (5):
وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ قال: يقرب إليه فيكرهه، و إذا ادني منه شوى وجهه و وقع فروة رأسه، فإذا شرب قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره، يقول اللَّه: وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.
و في الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع الشّاميّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (7) أقسم ربي ألّا يشرب عبد لي في الدّنيا خمرا إلّا سقيته مثل ما شرب (8) منها من الحميم يوم القيامة معذّبا بعد أو مغفورا له، و لا يسقيها عبد لي صبيّا صغيرا أو مملوكا إلّا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذّبا بعد أو مغفورا له.
عليّ بن إبراهيم (9)، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ و درست و هشام بن سالم، جميعا، عن عجلان، عن أبي صالح قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: قال اللَّه: من شرب مسكرا أو سقاه صبيّا لا يعقل سقيته من ماء الحميم، معذّبا أو مغفورا.
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ، يعني: المنافقين كانوا
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و النّار.
(2) تفسير القمّي 2/ 303.
(3) ليس في ق، ش.
(4) المجمع 3/ 308.
(5) إبراهيم/ 16.
(6) الكافي 6/ 396، ح 1.
(7) ليس في ق.
(8) ن، ت، م، ي، ر، المصدر: شربت.
(9) نفس المصدر/ 397، ح 7.
228
يحضرون مجلس الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يستمعون كلامه، فإذا خرجوا قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.
قيل (1): لعلماء الصّحابة [و المؤمنين] (2).
ما ذا قالَ آنِفاً: ما الّذي قال السّاعة، استهزاء أو استعلاما، إذ لم يلقوا له آذانهم تهاونا به.
و «آنفا» من قولهم: أنف الشّيء: لما تقدّم منه، مستعار من الجارحة. و منه استأنف، و ائتنف، و هو ظرف بمعنى: وقتا مؤتنفا، أو حال من الضّمير في «قال».
و قرأ (3) ابن كثير: «أنفا».
و في شرح الآيات الباهرة (4): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-:] (5) حدّثنا أحمد ابن محمّد النّوفليّ، عن محمّد بن عيسى العبيدي، عن أبي محمّد الأنصاريّ [و كان خيّرا] (6)، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حضيرة (7)، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: كنّا نكون عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيخبرنا بالوحي، فأعيه أنا دونهم، و اللَّه و ما يعونه هم، و «إذا خرجوا» قالوا لي «ما ذا قال آنفا»؟
يعني: أنّ المراد بالذين أوتوا العلم عليّ- (عليه السلام)-. و قوله: «آنفا»، أي: السّاعة.
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (16): فلذلك استهزؤا و تهاونوا بكلامه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8) حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن (9) سماعة، عن وهب بن (10) حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [كان يدعو أصحابه، فمن أراد اللَّه به خيرا (11) سمع و عرف ما يدعوه إليه، و من أراد اللَّه] (12) به شرّا طبع على قلبه لا يسمع و لا
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 395.
(2) ليس في المصدر.
(3) مجمع البيان 5/ 101.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 584، ح 10.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) المصدر: حصيرة.
(8) تفسير القمّي 2/ 303.
(9) المصدر: عن.
(10) ق، ش: و.
(11) المصدر: خير.
(12) ليس في ن.
229
يعقل: و هو قول اللَّه: حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً. [فإنّها نزلت في المنافقين من أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من كان إذا سمع شيئا، لم يكن يؤمن به و لم يعه، فإذا خرج قال (1) للمؤمنين: ما ذا قال محمّد آنفا؟ فقال اللَّه: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ] (2).
وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً: أي: زادهم اللَّه بالتّوفيق و الإلهام، أو قول الرسول.
وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ (17): بيّن لهم ما يتّقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (3): قال: حدثني ابن عبيد الفزاريّ (4)، قال:
حدّثنا محمّد بن الحسين بن عليّ بن محمّد بن الفضيل، عن خيثمة (5) الجعفيّ قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يا خيثمة (6)، إنّ شيعتنا أهل البيت يقذف في قلوبهم الحبّ لنا أهل البيت، و يلهمون حبّنا أهل البيت. ألا إنّ الرّجل يحبّنا و يحتمل ما يأتيه من فضلنا، و لم يرنا و لم يسمع كلامنا لما يريد اللَّه به من الخير، و هو قول اللَّه: وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً على هدايته.
[وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ، يعني: من لقينا و سمع كلامنا، زاده اللَّه هدى] (7) على هدايته.
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ: فهل ينتظرون غيرها.
أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً: بدل اشتمال من «السّاعة»، و قوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها كالعلّة له.
____________
(1) المصدر: و إذا خرجوا قالوا.
(2) ورد في المصدر ما بين المعقوفتين متقدّما على الحديث السابق.
(3) تفسير فرات الكوفي/ 158.
(4) م، ش: ابن عبيد الفراري. و في ق: ابن عبد الفراري. و في المصدر: جعفر بن محمّد الفزاري.
(5) ق: خثعمة. و في م، ش، ي: خشيمة.
و في المصدر: خثيمة.
(6) المصدر: خثيمة.
(7) ليس في ق.
230
و قرئ (1): «إن تأتهم (2)» على أنّه شرط مستأنف، جزاؤه (3) فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (18).
و المعنى: إن تأتهم السّاعة بغتة، لأنّه قد ظهر لهم أمارتها، كمبعث النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- و انشقاق القمر، فكيف لهم ذكراهم، أي: تذكّرهم إذا جاءتهم السّاعة، و حينئذ لا يفرغ (4) له و لا ينفع.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى أنس بن مالك: عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه لعبد اللَّه بن سلام، و قد سأله عن مسائل: أمّا [أوّل] (6) أشراط السّاعة فنار تحشر النّاس من المشرق إلى المغرب.
و في الكافي (7): [عليّ] (8) عن أبيه، عن النوفلي، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أشراط السّاعة أن يفشوا الفالج و موت الفجاءة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن سلمان (10) بن مسلم الخشّاب، عن عبد اللَّه بن جريح المكّيّ، عن عطاء بن أبي رياح، عن عبد اللَّه بن عبّاس قال: حججنا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حجة الوداع، فأخذ بحلقة باب الكعبة، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال:
ألا أخبركم بأشراط السّاعة؟ فكان أدنى النّاس منه يومئذ سلمان.
فقال: بلى، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال: إنّ من أشراط القيامة إضاعة الصّلاة، و اتّباع الشّهوات، و الميل إلى الأهواء، و تعظيم أصحاب المال، و بيع الدّين بالدّنيا، فعندها يذوب (11) قلب المؤمن في جوفه، كما يذاب الملح في الماء، ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟!
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 395.
(2) كذا في المصدر. و في ق: يأتيهم. و في غيرها: تأتيهم.
(3) المصدر: جزاؤها.
(4) ن، ت، م، ي، ر: يفزع.
(5) العلل/ 95، ح 3.
(6) من المصدر.
(7) الكافي 3/ 261، ح 39.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) تفسير القمّي 2/ 303- 307.
(10) ق، المصدر: سليمان.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: يذاب.
231
قال: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، إنّ عندها يليهم أمراء جورة و وزراء فسقه و عرفاء ظلمة و أمناء خونة.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الذي نفسي بيده، يا سلمان، إنّ عندها يكون المنكر معروفا و المعروف منكرا و يؤتمن الخائن و يخوّن الأمين و يصدّق الكاذب و يكذّب الصّادق.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، فعندها تكون إمارة النّساء و مشاورة الإماء و قعود الصّبيان على المنابر، و يكون الكذب ظرفا (1) و الزّكاة مغرما و الفيء مغنما، و يجفو الرّجل والديه و يبرّ صديقه، و يطلع الكوكب المذنّب.
قال: سلمان: و إن هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها تشارك المرأة زوجها في التّجارة، و يكون المطر قيظا، و يغيظ الكرام غيظا، و يحتقر الرّجل المعسر، فعندها تقارب الأسواق، و (2) قال هذا: لم أبع (3) شيئا، و قال هذا: لم أربح شيئا، فلا ترى إلّا ذامّا للَّه.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، فعندها يليهم أقوام إن تكلّموا قتلوهم، و إن سكتوا استباحوهم (4)، ليستأثرون بفيئهم و ليطئون حرمتهم، و ليسفكنّ دماءهم، و ليملأنّ (5) قلوبهم دغلا و رعبا، فلا تراهم إلّا وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، إنّ عندها يؤتى بشيء من المشرق و شيء من المغرب يلون أمّتي، فالويل لضعفاء أمّتي منهم، و الويل
____________
(1) المصدر: طرفا.
(2) المصدر: إذ. و في ق، ش: و إذا.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لم أربح.
(4) المصدر: استباحوا حقّهم.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لتملئنّ.
232
لهم من اللَّه، لا يرحمون صغيرا، و لا يوقّرون كبيرا، و لا يتجاوزون (1) عن مسيء (2)، جثّتهم (3) جثّة الآدميّين و قلوبهم قلوب الشّياطين.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها يكتفي الرّجال بالرّجال و النّساء، بالنّساء، و يغار على الغلمان، كما يغار على الجارية في بيت أهلها، و تشبّه الرّجال بالنّساء و النّساء بالرّجال، و لتركبن (4) ذوات الفروج السّروج، فعليهنّ من أمّتي لعنة اللَّه.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، إنّ عندها تزخرف المساجد، كما تزخرف البيع و الكنائس، و تحلّى المصاحف، و تطول المنارات، و تكثر الصّفوف و القلوب (5) متباغضة و السنن (6) مختلفة.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها تحلّى ذكور أمّتي بالذّهب و يلبسون الحرير و الدّيباج، و يتّخذون جلود النّمور صفافا (7).
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها يظهر الرّبا و يتعاملون بالعينة (8) و الرّشا، و يوضع الدين و ترفع الدّنيا.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها يكثر الطّلاق فلا يقام للَّه حدّ، و لن يضرّوا اللَّه شيئا.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟!
____________
(1) كذا في المصدر. و في السنخ: لا يتجافون.
(2) كذا في المصدر. و في ن: شيء خيارهم. و في غيرها: مشي خيارهم.
(3) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: جتهم.
و في سائر النسخ: خناحثتهم.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يركبن.
(5) المصدر: بقلوب.
(6) المصدر: السن.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: صفوفا.
(8) كذا في المصدر. و في ن: بالعيبة. و في غيرها: بالغيبة. و العينة: السّلعة.
233
قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها تظهر القينات و المعارف، و تليهم أشرار أمّتي.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، و عندها تحجّ أغنياء أمّتي للنّزهة و تحجّ أوساطها للتّجارة و تحجّ فقراؤهم للرّياء و السّمعة، فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير اللَّه و يتّخذونه مزامير، و يكون أقوام يتفقّهون لغير اللَّه، و تكثر أولاد الزّنا، و يتغنّون بالقرآن، و يتهافتون بالدّنيا.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، ذاك إذا انتهكت المحارم و اكتسبت المآثم، و تسلّط الأشرار [على الأخيار، و يفشو الكذب] (1) و تظهر اللّجاجة، و تفشو (2) الفاقة، و يتباهون في اللّباس، و يمطرون في غير أوان المطر، و يستحسنون الكوبة (3) و المعازف، و ينكرون الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، حتّى يكون المؤمن في ذلك الزّمان أذل الأمّة (4)، و يظهر قرّاؤهم و عبّادهم فيما بينهم التلاوم (5)، فأولئك يدعون في ملكوت السّموات الأرجاس الأنجاس.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، فعندها لا يخشى (6) الغنيّ على الفقير، حتّى أنّ السّائل يسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحدا يضع في كفّه شيئا.
قال سلمان: و إنّ هذا لكائن، يا رسول اللَّه؟! قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إي، و الّذي نفسي بيده، يا سلمان، فعندها يتكلّم الرّويبضة (7).
____________
(1) ليس في ر.
(2) المصدر: تغشو.
(3) الكوبة: النّرد أو الشطرنج، و آله موسيقيّة تشبه العود.
(4) كذا في المصدر. و في ق: الأومة. و في غيرها: من الأدمة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: السلام.
(6) المصدر: لا يحضّ.
(7) تصغير الرابضة، و هو: الرجل التافه.
234
قال سلمان (1): فلما الرّويبضة، يا رسول اللَّه، فداك أبي و أمّي؟
فقال: يتكلّم في أمر العامّة من لم يكن يتكلّم، فلم يلبثوا إلّا قليلا حتّى تخور (2) الأرض خورة فلا يظنّ كلّ قوم إلّا أنّها خارت في ناحيتهم، فيمكثون ما شاء اللَّه ثمّ ينكتون (3) في مكثهم، فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها (4)، ذهبا و فضّة، ثمّ أومأ بيده إلى الأساطين فقال: مثل هذا، فيومئذ لا ينفع ذهب و لا فضّة، فهذا معنى قوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها.
و في روضة الواعظين (5) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، و يظهر الجهل، و يشرب الخمر، و يفشو الزّنا، و تقلّ الرّجال و تكثر النّساء، حتّى أنّ الخمسين امرأة فيهنّ واحد من الرّجال.
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، أي: إذا علمت سعادة المؤمنين و شقاوة الكافرين فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانيّة، و تكميل النفس بإصلاح أحوالها و أفعالها و هضمها بالاستغفار لذنبك.
و في أصول الكافي (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن حسين بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الاستغفار و قوله لا إله إلّا اللَّه خير العبادة، قال اللَّه- تعالى-: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.
عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى (8)، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: ما من شيء أعظم ثوابا من شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، إنّ اللَّه لا يعد له شيء و لا يشركه في الأمور [أحد] (9).
عنه (10)، عن الفضيل بن عبد الوهّاب، عن إسحاق بن عبيد اللَّه [عن عبيد اللَّه] (11)
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في ت: يخور. و في غيرها:
تحور.
(3) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: ينكثو.
و في سائر النسخ: ينكثون.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(5) روضة الواعظين 2/ 485.
(6) الكافي 2/ 505، ح 6.
(7) نفس المصدر/ 516، ح 1.
(8) المصدر: علي.
(9) من المصدر.
(10) نفس المصدر/ 517، ح 2.
(11) من المصدر.
235
ابن الوليد الوصافي (1)، رفعه، قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قال: لا إله إلّا اللَّه، غرست [له شجرة] (2) في الجنّة من ياقوتة حمراء، منبتها في مسك أبيض، أحلى من العسل و أشدّ بياضا من الثّلج و أطيب ريحا من المسك، فيها أمثال ثدي الأبكار، تفلق (3) عن سبعين حلّة.
و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خير العبادة قول: لا إله إلّا اللَّه، و قال (4):
خير العبادة الاستغفار، و ذلك قول اللَّه في كتابه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.
و في مجمع البيان (5): و قد صحّ الحديث، بالإسناد، عن حذيفة بن اليمان قال: كنت رجلا ذرب اللّسان على أهلي، فقلت: يا رسول اللَّه، إنّي لأخشى أن يدخلني لساني النّار.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فأين أنت من الاستغفار، إنّي لأستغفر اللَّه [في اليوم] (6) مائة مرّة.
و روي (7)، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من مات و هو يعلم أنّه لا إله إلّا اللَّه، دخل الجنّة. أورده مسلم في الصّحيح.
و في محاسن البرقيّ (8): قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خير العبادة الاستغفار، و ذلك قول اللَّه في كتابه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.
و في عيون الأخبار (9)، في باب العلل الّتي ذكرها الفضل بن شاذان في آخرها أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام)- مرّة بعد مرّة و شيئا بعد شيء: فإن قال (قائل) (10): فلم وجب عليهم الإقرار و المعرفة بأنّ اللَّه واحد أحد؟
قيل: لعلل، منها أنّه لو لم يجب عليهم الإقرار و المعرفة لجاز أن يتوهّموا مدبّرين أو أكثر من ذلك، و إذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصّانع لهم من غيره، لأنّ كلّ إنسان
____________
(1) ق، ش، م: الوصاف.
(2) ليس في ق.
(3) المصدر: تعلو.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) المجمع 5/ 102.
(6) من المصدر.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) المحاسن/ 30، ح 16.
(9) العيون 2/ 100- 101، ح 1.
(10) من المصدر مع القوسين.
236
منهم كان لا يدري لعلّه (1) إنّما يعبد غير الّذي خلقه و يطيع غير الّذي أمره، فلا يكونون على حقيقة من صانعهم و خالقهم، و لا يثبت عندهم أمر آمر و لا نهي ناه (2) إذا لم يعرف الآمر بعينه و لا النّاهي من غيره.
و منها أنّه لو جاز أن يكون اثنين لم يكن أحد الشّريكين أولى بأن يعبد و يطاع من الآخر، و في إجازة أن يطاع ذلك الشّريك إجازة ألّا يطاع اللَّه، و في [إجازة] (3) ألّا يطاع اللَّه كفر باللَّه و بجميع كتبه و رسله، و إثبات كلّ باطل و ترك كلّ حقّ، و تحليل كلّ حرام و تحريم كل حلال، و الدّخول في كلّ معصية و الخروج من كلّ طاعة، و إباحة كلّ فساد و إبطال كلّ حقّ.
و منها أنّه لو جاز أن يكون أكثر من واحد، لجاز لإبليس أن يدّعى أنّه ذلك الآخر، حتّى يضاد اللَّه في جميع حكمه و يصرف العباد إلى نفسه، فيكون في ذلك أعظم الكفر و أشدّ النّفاق.
و بإسناده (4) إلى إسحاق بن راهويه قال: لمّا وافى أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- نيشابور، و أراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث، فقالوا:
يا ابن رسول اللَّه، ترحل عنّا و لا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك؟ و كان قد قعد في العماريّة.
فأطلع رأسه و قال- (عليه السلام)-: سمعت أبي، موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول: سمعت أبي، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- يقول: سمعت أبي، محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- يقول: سمعت أبي، عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: سمعت أبي، الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- يقول: سمعت أبي، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يقول: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: [سمعت جبرئيل يقول:] (5) سمعت اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: لا إله إلّا اللَّه حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي.
فلمّا مرّت الرّاحلة، نادانا (6): بشروطها، و أنا من شروطها.
و بإسناده (7) إلى عليّ بن بلال: عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن آبائه
____________
(1) المصدر: لأنه.
(2) ليس في ق.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر/ 134، ح 4.
(5) ليس في المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نادى.
(7) نفس المصدر/ 135 ح 1.
237
- (عليهم السلام)-، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللّوح، عن القلم قال: يقول [اللَّه- عزّ و جلّ-] (1) ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي.
و في باب ما جاء عن الرّضا (2)- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة: قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: التوحيد نصف الدّين.
و في كتاب الخصال (3): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربع خصال من كنّ فيه كان في نور اللَّه الأعظم: من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، و أنّي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
(الحديث)
و في عيون الأخبار (4)، في باب آخر فيما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده، قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن للَّه عمودا من ياقوتة حمراء، رأسه تحت العرش و أسلفه على ظهر الحوت في الأرض السّابعة السّفلى، فإذا قال العبد: لا إله إلّا اللَّه، اهتز العرش و تحرّك العمود و تحرّك الحوت.
فيقول اللَّه: اسكن، يا عرشي.
فيقول: [يا ربّ، كيف] (5) أسكن و أنت لم تغفر لقائلها.
فيقول اللَّه- تبارك و تعالى-: اشهدوا، يا سكّان سماواتي، أنّي قد غفرت لقائلها.
و في كتاب الخصال (6): قال عليّ- (عليه السلام)- لبعض اليهود و قد سأله عن مسائل: أمّا أقفال السّموات فالشّرك باللَّه، و مفاتيحها قول: لا إله إلّا اللَّه (7).
و في كتاب التّوحيد (8)، بإسناده إل محمّد بن حمران: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قال: لا إله إلّا اللَّه، مخلصا دخل الجنة، و إخلاصه أن يحجزه «لا إله إلّا اللَّه» عمّا حرّم اللَّه.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) نفس المصدر/ 34، ح 75.
(3) الخصال/ 222، ح 49.
(4) العيون 2/ 30، ح 43.
(5) من المصدر.
(6) الخصال/ 456، ح 1.
(7) في ق تكرر: و مفاتيحها- الخ.
(8) التوحيد/ 27، ح 26.
238
و بإسناده (1) إلى زيد بن أرقم: عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثله.
و في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى ابن شبرمة: عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك و آخرها إيمان.
قال: لا أدري.
قال: هي [كلمة] (3) لا إله إلّا اللَّه، لو قال: لا إله، كان (4) شرك.
و بإسناده (5) إلى ابن أبي ليلى: عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث طويل: و أمّا كلمة أولها كفر (6) و آخرها إيمان فقول: لا إله إلّا اللَّه، أولها كفر و آخرها إيمان.
وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ: و لذنوبهم بالدّعاء لهم و التّحريض على ما يستدي غفرانهم.
و في إعادة الجارّ و حذف المضاف إشعار بفرط احتياجهم، و كثرة ذنوبهم.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ: في الدّنيا، فإنّها مراحل لا بدّ من قطعها.
وَ مَثْواكُمْ (19): في العقبى، فإنّها دار إقامتكم، فاتّقوا اللَّه و استغفروه و أعدّوا لمعادكم.
وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ، أي: هلّا نزلت سورة، لأنّهم كانوا يأنسون بنزول القرآن و يستوحشون لإبطائه، ليعلموا أوامر اللَّه فيهم و تعبّده لهم.
فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ: مبيّنة ليس فيها متشابه و لا تأويل.
و قيل (7): [سورة] (8) ناسخة لما قبلها من إباحة التّخفيف في الجهاد.
و قيل (9): كلّ سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، و هي أشدّ القرآن على
____________
(1) نفس المصدر/ 28، ح 27.
(2) العلل/ 87، ح 2.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ي.
(5) نفس المصدر/ 88، ح 4.
(6) ق، ش: شرك.
(7) مجمع البيان 5/ 103.
(8) من المصدر.
(9) نفس المصدر و الموضع.
239
المنافقين.
وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، أي: الأمر به.
رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ضعف في الدّين.
و قيل (1): نفاق.
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ: جبنا و مخافة.
فَأَوْلى لَهُمْ (20): فالويل لهم. أفعل من (2) الولي و هو القرب، أو فعلى من آل، و معناه: الدّعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤول إليه أمرهم.
طاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ: استئناف، أي: أمرهم طاعة. [أو طاعة] (3) و قول معروف خير لهم. أو حكاية قولهم لقراءة أبي (4): «يقولون طاعة».
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ، أي: جدّ، و هو لأصحاب الأمر، و إسناده إليه مجاز، و عامل الظّرف محذوف، [و قيل (5):] (6) فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ، أي: فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو الإيمان.
لَكانَ: الصّدق خَيْراً لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ: فهل يتوقّع منكم.
إِنْ تَوَلَّيْتُمْ: أمور النّاس و تأمّرتم عليهم. أو أعرضتم و تولّيتم عن الإسلام.
و في مجمع البيان (7): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «فهل عسيتم إن وليتم».
أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (22): تناحرا على الولاية، و تجاذبا لها. أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهليّة من التّغاور مقاتلة (8) الأقارب.
و المعنى: أنّهم لضعفهم في أمر (9) الدّين و حرصهم على الدّنيا أحقّاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم، و يقول لهم: «هل عسيتم». و هذا على لغة الحجاز، فإنّ بني تميم لا يلحقون الضّمير به، و خبره «أن تفسدوا» و «إن تولّيتم» اعتراض.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 396.
(2) يوجد هنا في ن، ت، م، ر، ي زيادة:
الويل أو من.
(3) ليس في ي.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في م، ق، ش.
(7) المجمع 5/ 103.
(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 396. و في النسخ:
مقابلة.
(9) ليس في ن، ت، ي، ر.
240
و عن يعقوب (1): «تولّيتم»- و في مجمع البيان (2): أنّها مرويّة عن عليّ- (عليه السلام)-
أي: إن تولّاكم ظلمة خرجتم معهم، و ساعدتموهم في الإفساد و قطيعة الرّحم.
و «تقطعوا» من القطع.
و قرئ (3): «و تقطّعوا» من التقطّع.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن عليّ الخزّاز، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللَّه، عن أبي العبّاس المكّيّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إن عمر لقى عليّا- (عليه السلام)- فقال: أنت الّذي تقرأ هذه الآية: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ تعرّض بي و بصاحبي؟
قال: أ فلا أخبرك بآية نزلت في بني أميّة: فَهَلْ عَسَيْتُمْ- إلى قوله-: وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ.
فقال عمر: بنو أميّة أوصل للرّحم منك، و لكنّك أثبت العداوة لبني أميّة و بني عديّ و بني تيم.
و في روضة الكافي (5): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن [عثمان، عن] (6) عبد الرّحمن عن أبي عبد اللَّه، عن أبي العبّاس المكّيّ، مثله، إلّا أنّ فيه: فقال: كذبت، بنو أميّة ... إلى آخره.
أُولئِكَ: إشارة إلى المذكورين. الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ: لإفسادهم و قطعهم الأرحام.
فَأَصَمَّهُمْ: عن استماع الحقّ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ (23): فلا يهتدون سبيله.
و في أصول الكافي (7): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد [و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا] (8) عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن عذافر، عن بعض أصحابه (9)، عن
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المجمع 5/ 103.
(3) أنوار التنزيل 2/ 396.
(4) تفسير القمّي 2/ 308.
(5) الكافي 8/ 103، ح 76.
(6) من المصدر.
(7) الكافي 2/ 641، ح 7.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: أصحابهما.
241
محمّد بن مسلم و أبي حمزة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، عن أبيه- (عليه السلام)- قال:
قال لي [أبي] (1) عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: يا بنيّ، إيّاك و مصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي وجدته ملعونا في كتاب اللَّه في ثلاثة مواضع، قال اللَّه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الخصال (2): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: في كتاب عليّ- (عليه السلام)- ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ حتّى يرى و بالهنّ: البغي، و قطيعة الرّحم، و اليمين الكاذبة يبارز اللَّه بها.
(الحديث)
عن أبي موسى الأشعريّ (3) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاثة لا يدخلون الجنّة: مدمن خمر، و مدمن سحر، و قاطع رحم.
و في كتاب ثواب الأعمال (4): عن السّكونيّ، عن الصّادق- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا ظهر العلم و احترز العمل و ائتلفت الألسن و اختلفت القلوب و تقاطعت الأرحام، هنالك لعنهم اللَّه فأصمّهم و أعمى أبصارهم.
و في شرح الآيات الباهرة (5): [قال محمّد بن العبّاس:] (6) حدّثنا محمّد بن أحمد الكاتب، عن حسين بن خزيمة الرّازيّ، عن عبد اللَّه بن بشير، عن أبي هوذة، عن إسماعيل بن عيّاش، عن جويبر (7)، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس (8) في قوله- تعالى-:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ (الآية) قال: نزلت في بني هاشم و بني أميّة.
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ: يتصفّحون القرآن و ما فيه من المواعظ و الزّواجر، حتّى لا يجترئوا على المعاصي.
و
في مجمع البيان (9): أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ قيل: أ فلا يتدبّرون القرآن فيقضوا
____________
(1) من المصدر.
(2) الخصال/ 124، ح 119.
(3) نفس المصدر/ 179، ح 243.
(4) ثواب الأعمال/ 289، ح 1.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 585، ح 12.
(6) ليس في م، ش، ..
(7) ش، ق: جوير.
(8) م، ت، ر، ي: ابن عيّاش.
(9) المجمع 5/ 104.
242
ما عليهم من الحقّ .. عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و أبي الحسن [موسى- (عليه السلام)-] (1).
أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24): لا يصل إليها ذكر، و لا ينكشف لها أمر.
و قيل (2): «أم» منقطعة، و معنى الهمزة فيها التّقرير. و تنكير القلوب لأنّ المراد قلوب بعض منهم، أو للإشعار بأنّها لإبهام (3) أمرها في القساوة أو لفرط جهالتها و نكرها كأنّها مبهمة منكورة، و إضافة الأقفال إليها للدّلالة على أقفال مناسبة لها مختصّة بها لا تجانس الأقفال المعهودة (4).
و قرئ (5): «إقفالها» على المصدر.
و في محاسن البرقيّ (6): عنه، عن عبد اللَّه بن يحيى، عن] (7) هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: قال لي (8) أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا سليمان، إنّ لك قلبا و مسامع، و إنّ اللَّه إذا أراد أن يهدي عبدا فتح مسامع قلبه، و إذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه فلا يصلح أبدا، و هو قول اللَّه: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها.
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ: إلى ما كانوا عليه من الكفر.
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى: بالدلائل الواضحة و المعجزات الظّاهرة.
الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ: سهّل لهم اقتراف الكبائر. من السّول، و هو الاسترخاء.
و قيل (9): حملهم على الشّهوات. من السّوال، و هو التمنّي (10): و فيه أن «السّول» مهموز قلبت همزته [واوا] (11) لضمّ ما قبلها، و لا كذلك «التّسويل». و يمكن ردّه بقولهم:
هما يتساولان (12).
و قرئ (13): «سول» على تقدير مضاف، أي: كيد الشّيطان سول لهم.
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 396.
(3) ليس في ق.
(4) المصدر: المعدودة.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) المحاسن/ 200، ح 35.
7 و 8- ليس في المصدر.
(9) أنوار التنزيل 2/ 396.
(10) المصدر، ش، ق: المتمنّى.
(11) من المصدر.
(12) المصدر: يتسوّلان.
(13) نفس المصدر و الموضع.
243
وَ أَمْلى لَهُمْ (25): و أمدّ لهم في الآمال [و الأماني] (1). أو أمهلهم اللَّه و لم يعاجلهم بالعقوبة لقراءة يعقوب (2): «و أملي لهم»، أي: و أنا املي لهم. فيكون الواو للحال، أو الاستئناف.
و قرأ (3) أبو عمرو: [ «و املى»] (4) على البناء للمفعول، و هو ضمير «الشّيطان» أو «لهم».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثنا محمّد بن القاسم بن عبيد الكنديّ قال:
حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الفارس، عن محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ عن الإيمان بتركهم ولاية عليّ- (عليه السلام)-.
«الشّيطان [يعني فلانا] (6) سوّل لهم»، يعني: بني فلان و بني فلان (7).
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ قيل (8): قال اليهود الّذين كفروا بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد ما تبيّن لهم نعته للمنافقين. أو المنافقون لهم. أو أحد الفريقين للمشركين (9).
سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ: في بعض أموركم. أو في بعض ما تأمرون به، كالقعود عن الجهاد، و الموافقة في الخروج معهم إن اخرجوا، و التّظافر على الرسول.
و في أصول الكافي (10): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة و عليّ بن عبد اللَّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى فلان و فلان [و فلان] (11)، ارتدّوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
قلت: قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ [سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ] (12).
____________
(1) ليس في ق.
2 و 3- نفس المصدر/ 397.
(4) ليس في ق، ش. و في المصدر: «و أملى لهم».
(5) تفسير القمّي 2/ 308.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «يعني الثاني و أملى لهم» بدل العبارة الأخيرة.
(8) أنوار التنزيل 2/ 397.
(9) المصدر: المشركين.
(10) الكافي 1/ 420- 421، ح 43.
(11) ليس في ت، ش، ق.
(12) من المصدر.
244
قال: نزلت [و اللَّه] (1) فيهما و في أتباعهما، و هو قول اللَّه الّذي به جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ في عليّ- (عليه السلام)- سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال: دعوا بني أميّة إلى ميثاقهم ألّا يصيّروا (2) الأمر إلينا بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا يعطونا من الخمس شيئا، و قالوا: إن أعطيناهم إيّاه، لم يحتاجوا إلى شيء و لم يبالوا أن لا يكون الأمر فيهم. [فقالوا: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الّذي دعوتمونا إليه و هو الخمس ألا نعطيهم منه شيئا. قوله: كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ و الّذي نزّل اللَّه ما افترض على خلقه] (3) من ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [و كان معهم أبو عبيده و كان كاتبهم، فأنزل اللَّه (4): أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ (الآية).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، متّصلا بآخر ما نقلنا عنه سابقا، أعني: قوله:
وَ أَمْلى لَهُمْ. قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ هو ما افترض اللَّه على خلقه] (6) من ولاية عليّ. سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال: دعوا بني أميّة إلى ميثاقهم ألّا يصيّروا لنا الأمر بعد النّبيّ (7)- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا يعطونا من الخمس شيئا، و قالوا:
ان أعطيناهم الخمس استغنوا به. فقالوا (8): سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، أي: لا تعطوهم من الخمس شيئا، فأنزل اللَّه على نبيّه: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً (الآية).
و في مجمع البيان (9): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ
و المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)-: أنّهم بنو أميّة كرهوا ما نزّل اللَّه في ولاية عليّ- (عليه السلام)-.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (26): و منها قولهم هذا، الّذين أفشاه اللَّه عليهم.
و قرأ (10) حمزة و الكسائي و حفص: «إسرارهم» على المصدر.
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ: فكيف يعملون و يحتالون حينئذ.
____________
(1) ليس في ش، م، ق.
(2) ش، م، ق: ألّا يصير.
(3) ليس في ق.
(4) الزّخرف/ 79.
(5) تفسير القمّي 2/ 308.
(6) لا يوجد في ن.
(7) المصدر: ألّا يصيرون لنا بعد النبيّ.
(8) المصدر: فقال.
(9) المجمع 5/ 105.
(10) أنوار التنزيل 2/ 397.
245
و قرئ (1): «توفّاهم» و هو يحتمل الماضي و المضارع المحذوف إحدى تائيه.
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ (27): تصوير لتوفّيهم بما يخافون منه و يجتنبون عن القتال له.
ذلِكَ: إشارة إلى التّوفّي الموصوف، بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ.
قيل (2): من الكفر، و كتمان نعت الرّسول، و عصيان الأمر.
وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ: ما يرضاه من الإيمان و الجهاد و غيرهما من الطّاعات.
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (28): لذلك.
و في روضة الواعظين (3) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الباقر- (عليه السلام)-: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ [وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ] (4) قال: كرهوا عليّا- (عليه السلام)-. و كان أمر اللّه بولايته يوم بدر و [يوم] (5) حنين و ببطن نخلة و يوم التّروية و يوم عرفة، نزلت فيه خمس (6) عشرة آية في الحجّة الّتي صدّ فيها (7) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المسجد الحرام و بالجحفة [و بخمّ] (8).
و في الكافي (9): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، [عن محمّد] (10) بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللّه (11)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من طلب مرضاة النّاس بما يسخط اللّه كان حامده من النّاس ذامّا، و من آثر طاعة اللّه بما يغضب النّاس، كفاه اللّه عداوة كلّ عدوّ و حسد كلّ حاسد و بغي كلّ باغ، و كان اللّه له ناصرا و ظهيرا (12).
عليّ بن إبراهيم (13): عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكوني، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أرضى سلطانا بسخط اللّه (14) خرج من دين الإسلام.
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) روضة الواعظين 1/ 106.
(4) ليس في ش، م، ق.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: خمسة.
(7) المصدر: الحجّة الّتي صدعها.
(8) ليس في ش، م، ق.
(9) الكافي 5/ 62، ح 1.
(10) ليس في المصدر.
(11) المصدر: عن أبي جعفر.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: ظهرا.
(13) نفس المصدر/ 63، ح 2.
(14) ن: بما يسخط اللّه.
246
و بهذا الإسناد (1) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من طلب مرضاة النّاس بما يسخط اللّه كان حامده من النّاس ذامّا.
و في كتاب التوحيد (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و قد سأله بعض الزّنادقة عن اللّه- تعالى-. و فيه قال السّائل: فله رضاء و سخط؟
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نعم، و ليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين، و ذلك أنّ الرّضاء و السّخط دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، و ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، و هو [تبارك و تعالى- العزيز الرحيم] (3) لا حاجة به إلى شيء ممّا خلق، و خلقه جميعا محتاجون (4) إليه، و إنّما خلق الأشياء من غير حاجة و لا سبب اختراعا و ابتداعا.
و بإسناده (5) إلى هشام بن الحكم، أنّ رجلا سأل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن اللّه- تعالى-: له رضاء و سخط؟
قال: نعم، و ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، و ذلك أنّ الرّضاء و الغضب (6) دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، معتمل (7)، مركّب، للأشياء فيه مدخل، و خالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد أحديّ الذّات و أحديّ المعنى، فرضاه ثوابه و سخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه و ينقله من حال إلى حال، فإنّ ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، و هو- تبارك و تعالى- القويّ العزيز لا حاجة به إلى شيء ممّا خلق، و خلقه جميعا محتاجون إليه، و إنّما خلق الأشياء من غير حاجة و لا سبب اختراعا و ابتداعا.
و بإسناده (8) إلى محمّد بن عمارة [عن أبيه] (9) قال: سألت الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- فقلت له: يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن اللّه هل له رضاء و سخط؟
فقال: نعم، و ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، و لكن غضب اللّه عقابه، و رضاه ثوابه.
____________
(1) نفس المصدر، ح 3.
(2) التوحيد/ 247- 248، ح 1.
(3) ليس في ش، م، ق.
(4) ش، ق: يحتاجون.
(5) نفس المصدر/ 169- 170، ح 3.
(6) ي: السخط. و في ن: السخط لغضب.
(7) أي: يعمل بصفاته و آلاته.
(8) نفس المصدر/ 170، ح 4.
(9) من المصدر.
247
و في كتاب الخصال (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرنّ شيئا من طاعته، فربّما وافق رضاه و أنت لا تعلم. و أخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرنّ شيئا من معصيته، فربّما وافق سخطه (2) و أنت لا تعلم.
(الحديث).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ، يعني: موالاة (4) فلان و فلان و ظالمي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ، يعني: الّتي عملوها من الخيرات.
و في شرح الآيات الباهرة (5): [قال محمّد بن العبّاس:] (6) حدّثنا عليّ بن [عبد اللّه، عن] (7) إبراهيم بن محمّد، عن إسماعيل بن بشّار، عن عليّ بن جعفر الحضرميّ، عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
قال: كرهوا عليّا- (عليه السلام)-. و كان عليّ- (عليه السلام)- رضاء (8) اللّه و رضاء (9) رسوله، أمر اللّه بولايته يوم بدر و يوم (10) حنين و ببطن نخلة و يوم التّروية، نزلت فيه اثنتان و عشرون آية في الحجّة الّتي صدّ فيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المسجد الحرام بالجحفة (11) و بخمّ.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ: أن لن يبرز اللّه لرسوله و للمؤمنين أَضْغانَهُمْ (29): أحقادهم.
و في شرح الآيات الباهرة (12): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-] (13) حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكرياء، عن جعفر بن محمّد بن عمارة قال: حدّثني أبي، عن جابر، عن أبي جعفر، [محمّد عن علي- (عليهم السلام)-] (14) عن جابر بن عبد اللّه قال:
____________
(1) الخصال/ 209، ح 31.
(2) المصدر: سخطه معصيته.
(3) تفسير القمّي 2/ 309.
(4) م، ش، ق: مودّة.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 589، ح 17.
(6) ليس في ش، م، ق.
(7) ليس في ش، ق.
8 و 9 المصدر: رضى.
(10) من ن، ي، ر.
(11) في البرهان: و الجحفة و في روضة الواعظين و بالجحفة.
(12) تأويل الآيات الباهرة 2/ 590، ح 18.
(13) ليس في ش، م، ق.
(14) ليس في ش، م، ت، ق.
248
لمّا نصب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا (1) يوم غدير خمّ قال قوم: ما باله يرفع (2) ضبع ابن عمّه؟ فأنزل اللّه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ (الآية).
وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ: لعرّفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم.
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ: بعلاماتهم الّتي نسمهم بها.
و «اللّام» لام الجواب كرّرت في المعطوف.
وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ: جواب قسم محذوف.
و «لحن القول» أسلوبه، و إمالته إلى جهة تعريضا و تورية. و منه قيل للمخطئ:
لا حن، لأنّه يعدل بالكلام عن الصّواب.
و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى أبي عبيدة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا أبا عبيدة، خالقوا النّاس بأخلاقهم و زايلوهم بأعمالهم، إنّا لا نعدّ الرّجل فينا عاقلا حتّى يعف لحن القول. ثمّ قرأ هذه الآية: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.
و في أمالي شيخ الطّائفة (4)، بإسناده إلى عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: قلت: أربع أنزل اللّه تصديقي بها في كتابه، قلت: المرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلّم ظهر، فأنزل اللّه: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.
و في مجمع البيان (5): و عن أبي سعيد الخدريّ قال: لحن القول بغضهم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. [قال: و كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ببغضهم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.] (6) و روى (7) مثل ذلك عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ.
و عن عبادة بن الصّامت (8) قال: كنّا نبور (9) أولادنا بحبّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فإذا رأينا أحدهم لا يحبّه، علمنا أنّه لغير رشدة (10).
____________
(1) ليس في ق.
(2) المصدر: «ما يألو برفع» بدل «ما باله يرفع».
(3) التوحيد/ 458- 459، ح 24.
(4) الأمالي 2/ 108.
(5) المجمع 5/ 106.
(6) من ن، ي.
7 و 8- نفس المصدر و الموضع.
(9) باره: جرّبه و اختبره.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: رشده. و الرّشدة- بالفتح و الكسر- ضدّ الزّينة. يقال: ولد لرشدة.
249
قال أنس (1): ما خفي منافق على عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد هذه الآية.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (30): فيجازيكم على حسب قصدكم، إذ الأعمال بالنّيّات.
و في شرح الآيات الباهرة (2): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-:] (3) حدّثنا محمّد بن جرير (4)، عن عبد اللّه بن عمر، عن الجاميّ (5)، عن محمّد بن مالك، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ قال:
بغضهم لعليّ- (عليه السلام)-.
و قال- أيضا- (6): حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن (ابن) بكير قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللّه أخذ ميثاق شيعتنا (7) بالولاية، فنحن نعرفهم في لحن القول.
وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ: بالأمر و بالجهاد، و سائر التّكاليف الشّاقّة.
و في مجمع البيان (8): قرأ أبو بكر: «ليبلونّكم» و ما بعده، بالياء. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ: على مشاقّها.
وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (31): ما يخبر به عن أعمالكم، فيظهر حسنها و قبيحها.
أو أخبارهم عن إيمانهم و موالاتهم المؤمنين في صدقها و كذبها.
و قرأ أبو بكر (9) الأفعال الثّلاثة، بالياء، لتوافق ما قبلها.
و عن يعقوب (10): «و نبلو» بسكون الواو، على تقدير: و نحن نبلو.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى قيل (11): هم قريظة و النضير. أو المطعمون يوم بدر.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 590، ح 19.
(3) ليس في ش، م، ق.
(4) نفس المصدر، ح 20.
(5) من المصدر مع القوسين.
(6) ليس في ق.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أخذ ميثاقنا.
(8) المجمع 5/ 106.
9 و 10 و 11 أنوار التنزيل 2/ 397.
250
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال:
عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. «و شاقّوا الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-»، أي: قطعوه (2) في أهل بيته بعد أخذه الميثاق عليهم له.
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً: بكفرهم و صدّهم. أو لن يضرّوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمشاقّته.
و حذف المضاف لتعظيمه [و تفظيع مشاقّهم] (3).
وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (32): [ثواب حسنات أعمالهم] (4) بذلك. أو مكائدهم الّتي نصبوها في مشاقّته، فلا يصلون بها إلى مقاصدهم و لا تثمر لهم إلّا القتل و الجلاء عن أوطانهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33): بما أبطل به هؤلاء، كالكفر، و النّفاق، و العجب، و الرّياء، و المنّ، و الأذى، و نحوها.
و في عيون الأخبار (5)، في باب آخر فيما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اختاروا الجنّة على النّار، و لا تبطلوا أعمالكم فتقذفوا في النّار منكبّين (6) خالدين فيها أبدا.
و في كتاب ثواب الأعمال (7): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قال: «سبحان اللّه» غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة. و من قال: «الحمد للّه» غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة. و من قال: «لا إله إلّا اللّه» غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة. و من قال: «اللّه أكبر» غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة.
فقال رجل من قريش: يا رسول اللّه، إنّ شجرنا في الجنّة لكثير؟
قال: نعم، و لكن إيّاكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 309.
(2) المصدر: قاطعوه.
(3) ليس في ش، م، ق.
(4) ليس في ق.
(5) العيون 2/ 31، ح 52.
(6) المصدر: منكّسين.
(7) ثواب الأعمال/ 26، ح 3.
251
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (1): قال: حدّثني عليّ بن محمّد الزّهريّ قال:
حدّثني محمّد بن عبد اللّه، يعني: ابن غالب قال: حدّثني الحسن (2) بن عليّ بن سيف قال: حدّثني مالك بن عطيّة قال: حدّثني يزيد بن فرقد (3) النّهديّ أنّه قال: قال جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- [في قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ: يعني إذا أطاعوا اللّه و أطاعوا الرّسول ما تبطل أعمالكم. قال:] (4) إنّ عداوتنا تبطل أعمالهم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34).
قيل (5): عامّ في كلّ من مات على كفره و إن صحّ نزوله في أصحاب القليب، و يدلّ بمفهومه على أنّه [قد يغفر] (6) لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.
فَلا تَهِنُوا: فلا تضعفوا.
وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ: و لا تدعوا إلى الصّلح خورا و تذلّلا.
و يجوز نصبه بإضمار «أن».
و قرئ (7): «لا تدعوا» من ادّعى، بمعنى: دعا.
و قرأ (8) أبو بكر و حمزة، بكسر السّين.
وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: الأغلبون.
وَ اللَّهُ مَعَكُمْ: ناصركم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها (10) قال: هي منسوخة بقوله: فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ [وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ] (11).
وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (35): و لن يضيع أعمالكم. من وترت الرّجل: إذا قتلت متعلّقا له من قريب أو حميم فأفردته عنه، من الوتر، شبته به تعطيل ثواب العمل
____________
(1) تفسير فرات بن إبراهيم 158.
(2) المصدر: حدّثني ابن حمزة الحسن.
(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 344. و في النسخ: زيد بن فرقد.
(4) من المصدر.
(5) أنوار التنزيل 2/ 398.
(6) ليس في ن.
7 و 8- نفس المصدر و الموضع.
(9) تفسير القمّي 1/ 279.
(10) الأنفال/ 61.
(11) ليس في ش، م، ق.
252
و إفراده منه.
و في جوامع الجامع (1): وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ هو من و ترت الرّجل: إذا قتلت له قتيلا، أو حربته (2)، و حقيقته: أفردته من حميمه (3) أو ماله، من الوتر، و هو الفرد. و منه
قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من فاتته صلاة العصر، فكأنّما وتر أهله و ماله
، أي: أفرد عنهما قتلا و نهبا.
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ: لا ثبات لها.
وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ: ثواب إيمانكم و تقواكم.
وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36): جميع أموالكم، بل يقتصر على جزء يسير.
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ: فيجهدكم (4) بطلب الكلّ.
و «الإحفاء» و «الإلحاف»: المبالغة و بلوغ الغاية. يقال: أحفى شاربه: إذا استأصله.
تَبْخَلُوا: فلا تعطوا.
وَ يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (37): و يضغنكم على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و الضّمير في «يخرج» للّه، و يؤيّده القراءة بالنّون. أو البخل، لأنّه سبب الأضغان.
و قرئ (5): «يخرج» بالياء، و التاء و رفع أضغانكم.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ، أي: أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون (6). و قوله:
تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: استئناف مقرّر لذلك (7). أو صلة لهؤلاء على أنّه بمعنى:
الّذين، و هو يعمّ نفقة (8) الغزو و الزّكاة و غيرهما.
فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ: ناس يبخلون. و هو كالدّليل على الآية المتقدّمة (9).
____________
(1) الجوامع/ 451.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جريته.
و حربته، أي: سلبته ماله.
(3) المصدر: حميم.
(4) ليس في ش، ق.
(5) أنوار التنزيل 2/ 398.
(6) أي: الموصوفون بأنّه لو يحفكم تبخلوا و يخرج أضغانكم.
(7) أي: مقرّر أنّهم إن يحفهم اللّه يبخلوا.
(8) ليس في ش، ق.
(9) لأنّه يفهم منه أنّه لا بدّ من جماعة بخلاء، فهو دليل على أنّهم يبخلون إن يحفهم اللّه.
253
وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ: فإنّ نفع الإنفاق و ضرر البخل عائدان إليه.
و «البخل» يعدّي «بعن» و «على» لتضمّنه معنى الإمساك و التّعدّي، فإنّه إمساك عن مستحقّ.
وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ: فما يأمركم به فهو لاحتياجكم، فإن امتثلتم فلكم، و إن تولّيتم فعليكم.
وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا: عطف على «تؤمنوا».
يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ: يقم (1) مكانكم قوما آخرين.
و في مجمع البيان (2): و روى أبو هريرة أنّ ناسا من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قالوا: يا رسول اللّه، من هؤلاء الّذين ذكر اللّه في كتابه؟ و كان سلمان إلى جنب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فضرب- (صلّى اللّه عليه و آله)- يده على فخذ سلمان فقال: هذا و قومه، فو الّذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثّريّا، لتناوله رجال من فارس.
و روى أبو بصير (3): عن أبي جعفر (4)- (عليه السلام)- قال: «إن تتولّوا» يا معشر العرب يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، يعني: الموالي.
و عن أبي عبد اللّه (5)- (عليه السلام)- قال: قد، و اللّه، أبدل [بهم] (6) خيرا منهم الموالي.
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38): في [التولية و] (7) الزّهد و الإيمان، و هم الفرس، كما مرّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): وَ يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ قال: العداوة الّتي في صدوركم. «و إن تتولّوا»، يعني (9): عن ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 398. و في النسخ:
يقيم.
(2) المجمع 5/ 108.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المصدر: أبي عبد الله.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) من المصدر.
(7) ليس في ش، م، ق.
(8) تفسير القمي 2/ 309.
(9) ليس في المصدر.
254
يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قال: يدخلهم في هذا الأمر. ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ في معاداتكم و خلافكم و ظلمكم لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.
حدّثني (1) محمّد بن عبد اللّه، عن أبيه، عبد اللّه بن جعفر، عن السّنديّ بن محمّد، عن يونس بن يعقوب، عن يعقوب بن قيس قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا بن قيس وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ، عنى: أبناء الموالي المعتقين.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
255
تفسير سورة الفتح
257
سورة الفتح مدنيّة.
نزلت في مرجع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الحديبية.
و آيها تسع و عشرون بالإجماع.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- (رحمه اللّه)-: حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان سبب نزول هذه السّورة و هذا الفتح العظيم، أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في النّوم أن يدخل المسجد الحرام و يطوف و يحلق مع المحلّقين، فأخبر أصحابه و أمرهم بالخروج فخرجوا.
فلمّا نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة و ساقوا البدن، و ساق رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ستّا و ستّين بدنة و أشعرها عند إحرامه، و أحرموا من ذي الحليفة ملبّين بالعمرة، و قد ساق [من ساق] (3) منهم الهدي معرات مجلّلات (4).
فلمّا بلغ قريشا ذلك، بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا، ليستقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فكان يعارضه على الجبال. فلمّا كان في بعض الطريق، حضرت صلاة الظّهر، فأذّن بلال، و صلّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّاس.
فقال خالد بن الوليد: لو كنّا حملنا عليهم و هم في الصّلاة، لأصبناهم، فإنّهم لا
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 309- 314.
(2) المصدر: ابن سنان (سيار- ط)
(3) ليس في ش، ق.
(4) أي: كان بعضها عراة و بعضها مجلّلات.
258
يقطعون صلاتهم، و لكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى أحبّ إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصّلاة أغرنا عليهم.
فنزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بصلاة الخوف بقوله (1): وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ (الآية). و هذه الآية في سورة النّساء، و قد مضى ذكر [خبر] (2) صلاة الخوف فيها.
فلمّا كان في اليوم الثّاني، نزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الحديبية، و هي على طرف الحرم، و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يستنفر (3) الأعراب (4) في طريق معه فلم يتبعه أحد، و يقولون: أ يطمع محمّد و أصحابه [أن يدخلوا] (5) الحرم و قد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم (6)، إنّه يرجع محمّد و أصحابه إلى المدينة أبدا.
فلمّا نزل رسول اللّه الحديبية، خرجت قريش يحلفون باللّات و العزّى، لا يدعون رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يدخل مكّة و فيهم عين تطرف.
فبعث إليهم رسول اللّه: إنّي لم آت لحرب، و إنّما جئت لأقضي مناسكي (7) و أنحر بدني و أخلّي بينكم و بين لحمانها (8).
فبعثوا عروة بن مسعود الثّقفيّ، و كان عاقلا لبيبا، و هو الّذي أنزل اللّه فيه:
وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. فلمّا أقبل إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عظم ذلك و قال: يا محمّد، تركت قومك و قد ضربوا الأبنية و أخرجوا العوذ (9) المطافيل (10) يحلفون باللّات و العزّى لا يدعوك تدخل مكّة، فإنّ مكّة حرمهم و فيهم (11) عين تطرف، أ فتريد أن تبيد أهلك و قومك، يا محمّد.- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما جئت لحرب، و إنّما جئت لأقضى
____________
(1) النساء/ 102.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يتنفّر.
(4) المصدر: بالأعراب.
(5) ليس في م، ت، ش، ق.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقتلوا.
(7) المصدر: نسكي.
(8) المصدر: «لحماتها». و اللّحمان: جمع اللّحم.
(9) المصدر: العود.
- «العوذ المطافيل» يريد: النّساء و الصّبيان.
و العوذ في الأصل: جمع عائذ، و هي النّاقة إذا وضعت و بعد ما تضع أيّاما حتّى يقوى ولدها.
(10) و المطافيل: الإبل مع أولادها، يريد: أنّهم جاؤوا بأجمعهم كبارهم و صغارهم.
(11) المصدر: فيها.
259
مناسكي و أنحر (1) بدني و أخلّي بينكم و بين لحمانها (2).
فقال عروة: و اللّه، ما رأيت كاليوم أحدا صدّ، كما صددت.
فرجع إلى قريش فأخبرهم، فقالت قريش: و اللّه، لئن دخل محمّد مكّة و تسامعت به العرب لنذلنّ فلتجرؤنّ (3) علينا العرب.
فبعثوا حفص بن الأحنف و سهيل (4) بن عمرو، فلمّا نظر إليهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ويح قريش، قد أنهكتهم (5) الحرب، ألا خلّوا بيني و بين العرب، فإنّ أك صادقا، فإنّما آخذ الملك لهم (6) مع النّبوّة، و إن أك كاذبا، فكفتهم ذئاب العرب، لا يسألني اليوم امرؤ من قريش خطّة ليس للّه فيها سخط إلّا أجبتهم إليه.
فلمّا وافوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قالوا: لم لا ترجع (7) عنّا عامك هذا إلى أن ننظر إلى ما يصير أمرك و أمر العرب [على أن ترجع من عامك هذا] (8)، فإنّ العرب قد تسامعت بمسيرك، فإن دخلت بلادنا و حرمنا استذلّتنا العرب و اجترأت علينا، و نخلّي لك البيت في العام القابل في هذا الشّهر ثلاثة أيّام حتّى تقضي نسكك و تنصرف عنّا.
فأجابهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى ذلك.
و قالوا له: تردّ إلينا كلّ من جاءك من رجالنا و نردّ إليك كلّ من جاءنا من رجالك.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه، و لكن على أنّ المسلمين بمكّة لا يؤذون في إظهارهم الإسلام و لا يكرهون و لا ينكر عليهم شيء يفعلونه من شرائع الإسلام.
فقبلوا ذلك، فلمّا أجابهم رسول اللّه إلى الصّلح أنكر عامّة أصحابه، و أشدّ ما كان إنكارا عمر (9).
فقال: يا رسول اللّه، ألسنا على الحقّ و عدوّنا على الباطل؟
____________
(1) المصدر: فأنحر.
(2) المصدر: لحماتها.
(3) ش، ق: فليجترئن.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: سهل.
(5) المصدر: نهكتهم.
(6) ن، ت، م، ي، ر: فانّما أجرّ الملك إليهم.
(7) المصدر: فقالوا: يا محمّد، ألا ترجع.
(8) ليس في ق و، المصدر.
(9) المصدر: فلان.
260
فقال: نعم.
قال: فنعطي الذّلّة (1) في ديننا؟
فقال: إنّ اللّه قد وعدني و لن يخلفني.
فقال: لو أنّ معي أربعين رجلا لخالفته.
و رجع سهيل بن عمرو و حفص بن الأحنف إلى قريش فأخبراهم (2) بالصّلح.
فقال عمر: يا رسول اللّه، أ لم تقل لنا أن ندخل المسجد الحرام (3) و نحلق مع المحلّقين؟
[فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ من عامنا هذا وعدتك؟ و قلت لك: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد وعدني أن أفتح مكّة و أطوف و أسعى و أحلق (4) مع المحلّقين] (5).
فلمّا أكثروا عليه، قال لهم: إن لم تقبلوا الصّلح فحاربوهم. فمرّوا نحو قريش و هم مستعدّون للحرب، و حملوا عليهم فانهزم أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هزيمة قبيحة و مرّوا برسول اللّه، فتبسّم (6)- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ قال: يا عليّ، خذ السّيف و استقبل قريشا. فأخذ أمير المؤمنين (7)- (عليه السلام)- سيفه و حمل على قريش.
فلمّا نظروا إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- تراجعوا، و قالوا: يا عليّ، بدا لمحمّد فيما أعطانا؟
فقال: لا.
و تراجع أصحاب رسول اللّه مستحيين، و أقبلوا يعتذرون إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال (8) لهم [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (9): أ لستم أصحابي يوم بدر إذ أنزل اللّه- عزّ و جلّ- فيكم: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (10). ألستم أصحابي يوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
____________
(1) المصدر: الذلة (الدنية- ح)
(2) المصدر: فأخبرهم.
(3) من ي.
(4) ليس في المصدر.
(5) ليس في ق.
(6) ي، ر، المصدر: فتبسم رسول الله.
(7) من ي، ر.
(8) المصدر: و قال.
(9) ليس في م، ش، ق.
(10) الأنفال/ 9.
261
(1). أ لستم أصحابي يوم كذا، أ لستم أصحابي يوم كذا؟
فاعتذروا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ندموا على ما كان منهم، و قالوا:
اللّه أعلم و رسوله، فاصنع ما بدا لك.
و رجع حفص بن الأحنف و سهيل بن عمرو إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالا: يا محمّد، قد أجابت قريش إلى ما اشترطت عليهم من إظهار الإسلام، و أن لا يكره أحد على دينه.
فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالمكتب، و دعا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و قال له: اكتب. فكتب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*».
فقال سهيل بن عمرو: لا نعرف الرّحمن، اكتب، كما كان يكتب آباؤك:
باسمك اللّهمّ.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اكتب باسمك اللّهمّ، فإنّه اسم من أسماء اللّه.
ثمّ كتب: هذا ما تقاضى عليه محمّد رسول اللّه و الملأ من قريش.
فقال سهيل بن عمرو: لو نعلم (2) أنّك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما حاربناك، اكتب: هذا ما تقاضى عليه محمّد بن عبد اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أ تأنف من نسبك، يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا رسول اللّه، و إن لم تقرّوا.
ثمّ قال: امح، يا عليّ، و اكتب: محمّد بن عبد اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما أمحو اسمك من النّبوّة أبدا.
فمحاه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيده، ثمّ كتب: هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد اللّه و الملأ من قريش و سهيل بن عمرو، اصطلحوا (3) على وضع الحرب بينهم عشر سنين على أن يكفّ بعضنا عن بعض، و على أنّه لا إسلال و لا إغلال (4)، و أنّ بيننا و بينهم غيبة (5) مكفوفة (6)، و أنّ من أحبّ أن يدخل في عهد محمّد و عقده فعل، و من أحبّ أن
____________
(1) آل عمران/ 153.
(2) المصدر: علمنا.
(3) المصدر و بعض النسخ: و اصطلحوا.
(4) الإسلال: السرقة الخفية و الاغلال: الخيانة.
(5) ق: عينبة. و الظاهر أنّ الصحيح: عيبة.
أي: بينهم صدر نقيّ من الغلّ و الخداع مطويّ على الوفاء بالصّلح.
(6) أي: مشرجة مشدودة.
262
يدخل في عهد قريش و عقدها فعل، و أنّه من أتى محمّدا (1) بغير إذن وليّه يردّه إليه، و من أتى قريشا من أصحاب محمّد لم يردّه إليه، و أن يكون الإسلام ظاهرا بمكة و (2) لا يكره أحد على دينه و لا يؤذى و لا يعيّر، و أنّ محمّدا يرجع عنهم عامه هذا و أصحابه، ثمّ يدخل علينا في العام القابل مكّة فيقيم فيها ثلاثة أيّام، و لا يدخل عليها بسلاح إلّا سلاح المسافر السّيوف في القراب (3). و كتب عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و شهد على الكتاب المهاجرون و الأنصار.
ثمّ قال رسول اللّه: يا عليّ، أنت أبيت أن تمحو اسمي النّبوّة، فو الّذي بعثني بالحقّ نبيّا، لتجيبنّ (4) أبناءهم إلى مثلها و أنت مضيض (5) مضطهد.
فلمّا كان يوم صفّين و رضوا بالحكمين، كتب: هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و معاوية بن أبي سفيان.
فقال: عمرو بن العاص: لو علما أنّك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ما حاربناك، و لكن اكتب: هذا ما اصطلح عليه عليّ بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: صدق اللّه و صدق رسوله، أخبرني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك. ثمّ كتب الكتاب.
قال: فلمّا كتبوا (6) الكتاب، قامت خزاعة فقالت: نحن في عهد محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (7) و عقده. و قامت بنو بكر فقالت: نحن في عهد قريش و عقدها.
و كتبوا نسختين نسخة عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نسخة عند سهيل بن عمرو، [و رجع سهيل بن عمرو] (8) و حفص بن الأحنف إلى قريش فأخبراهم.
و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأصحابه: انحروا بدنكم و احلقوا رؤوسكم.
____________
(1) المصدر: من أتى من قريش إلى أصحاب محمّد.
(2) ليس في المصدر.
(3) أي: الغمد.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لتجيئن.
(5) ليس في ش، م،.
و مضّ الرّجل من الشّيء مضيضا: أ لم من وجع المصيبة. و المضطهد: المقهور و المؤذي.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: كتب.
(7) ليس في ي، ق.
(8) ليس في ق.
263
فامتنعوا، و قالوا: كيف ننحر و نحلق و لم نطف بالبيت و لم نسع بين الصّفا و المروة؟
فاغتمّ لذلك رسول اللّه و شكا ذلك إلى أمّ سلمة، فقالت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- انحر أنت و احلق.
فنحر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و حلق، و نحر القوم على حيث (1) يقين و شكّ و ارتياب.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تعظيما للبدن: رحم اللّه المحلّقين.
و قال قوم لا يسوقوا (2) البدن: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المقصّرين؟
لأنّ من لم يسق هديا لم يجب عليه الحلق فقال رسول اللّه ثانيا: رحم اللّه المحلقين الذين لم يسوقوا الهدى.
فقالوا: يا رسول اللّه و المقصرين؟
فقال: رحم اللّه المقصّرين. ثمّ رحل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نحو المدينة، فرجع إلى التّنعيم و نزل تحت الشّجرة، فجاء أصحابه الّذين أنكروا عليه الصّلح و اعتذروا و أظهروا النّدامة على ما كان منهم، و سألوا رسول اللّه أن يستغفر لهم، فنزلت آية الرّضوان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
حصّنوا أموالكم و نساءكم و ما ملكت أيمانكم من التّلف بقراءة إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4). فإنّه إذا كان ممّن يدمن قراءتها نادى مناد يوم القيامة حتى تسمع الخلائق:
أنت من عبادي المخلصين، ألحقوه بالصّالحين من عبادي، و أدخلوه جنات النّعيم، و اسقوه من الرّحيق المختوم بمزاج الكافور.
و في مجمع البيان (5): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حين.
(2) كذا في المصدر. و في ش، ق: لا يسوقوا. و في غيرهما: لم نسوق.
(3) ثواب الأعمال/ 142، ح 1.
(4) المصدر: «إنّا فتحنا».
(5) المجمع 5/ 108- 109.
264
قرأها فكأنّما شهد مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فتح مكّة] (1).
و في رواية [أخرى] (2): فكأنّه (3) كان مع من بايع محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- تحت الشّجرة.
عمر بن الخطّاب (4) قال: كنّا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سفر، فقال:
نزلت عليّ البارحة سورة هي أحبّ إليّ من الدّنيا و ما فيها إِنَّا فَتَحْنا- إلى قوله-: وَ ما تَأَخَّرَ أورده البخاريّ في الصّحيح.
قتادة (5)، عن أنس قال: لمّا رجعنا من غزاة الحديبية، و قد حيل بيننا و بين نسكنا، فنحن بين الحزن و الكآبة (6) إذ أنزل اللّه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد نزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا و ما فيها.
عبد اللّه بن مسعود (7) قال: أقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الحديبية فجعلت ناقته تثقل، فتقدّمنا فأنزل اللّه عليه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. فأدركنا رسول اللّه و به من السّرور ما شاء اللّه، فأخبر أنّها نزلت عليه.
و في تفسير العيّاشي (8): عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
ما ترك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (9) إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ حتّى نزلت سورة الفتح، فلم يعد إلى ذلك الكلام.
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1).
قيل (10): وعد بفتح مكّة، و التّعبير عنه بلفظ الماضي لتحقّقه. أو بما اتّفق له في تلك السّنة، كفتح خيبر و (11) فدك. أو إخبار عن صلح الحديبية، و إنّما سمّاه فتحا لأنّه كان بعد ظهوره على المشركين حتّى سألوا الصّلح، و تسبّب لفتح مكّة، و فرغ به رسول اللّه صلّى
____________
(1) من ي.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: فكأنّما.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) ش، م، ق: البكاء.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 120، ح 12.
(9) المصدر: لم يزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول.
(10) أنوار التنزيل 2/ 399.
(11) المصدر: أو.
265
اللّه عليه و آله- لسائر العرب فغزاهم، و فتح مواضع، و أدخل في الإسلام خلقا عظيما، و ظهر له في الحديبية آية عظيمة، و هي أنّه نزح ماؤها بالكليّة فتمضمض ثمّ مجّه فيها فدرّت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. أو فتح الرّوم فإنّهم غلبوا على الفرس في تلك السّنة، و قد عرف كونه فتحا للرّسول في سورة الرّوم (1).
و قيل (2): «الفتح» بمعنى: القضاء، أي: قضينا لك أن تدخل مكة من قابل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: و كان أساف و نائلة رجلا و امرأة زنيا في البيت، فمسخا حجرين، و اتّخذتهما قريش صنمين يعبدونهما، فلم يزالا يعبدان حتى فتح مكة، فخرجت منها (4) امرأة عجوز شمطاء تخمش وجهها و تدعو بالويل.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تلك نائلة يئست أن تعبد ببلادكم هذه.
و في مجمع البيان (5): اختلف في هذا الفتح على وجوه: أحدها [أنّ المراد به فتح مكّة، وعده (6) اللّه ذلك عام الحديبية عند انكفائه منها. عن أنس و قتادة و جماعة من المفسّرين.
و في جوامع الجامع (7): و قيل: هو فتح الحديبية.
فروي] (8) انّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما رجع قال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت و صدّ هدينا.
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالرّاح، و يسألوكم القضيّة، و يرغبوا (9) إليكم في الأمان، و قد رأوا منكم ما كرهوا.
و عن الزّهريّ (10): لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية و ذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكّن الإسلام في قلوبهم، و أسلم في ثلاث سنين
____________
(1) لأنّه مرّ أنّ غلبة الرّوم و هي أهل الكتاب على فارس التي هي المجوس مطلوب النبي- (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير القمّي 2/ 83- 84.
(4) المصدر: منهما.
(5) المجمع 5/ 109.
(6) المصدر: وعدها.
(7) الجوامع/ 452.
(8) ليس في ق.
(9) ن، المصدر: رغبوا.
(10) نفس المصدر و الموضع.
266
خلق كثير كثر بهم سواد الإسلام. و الحديبية بئر نفذ ماؤها (1) حتّى لم يبق فيها قطرة، فأتاها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فجلس على شفيرها، ثمّ دعا بإناء من ماء فتوضّأ ثمّ تمضمض و مجّه فيها، فدرّت بالماء حتّى أصدرت جميع من معه [و ركابهم] (2).
و عن سالم بن أبي الجعد (3) قال: قلت لجابر: كم كنتم تحت الشّجرة؟
قال: كنّا ألفا و خمسمائة، و ذكر عطشا أصابهم، قال: فاتي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بماء في تور (4)، فوضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه، كأنّه العيون، قال: فشربنا و سقينا (5) [و كفانا] (6)، و لو كنّا مائة ألف [كفانا.
أقول: و
في الحديث عن الرضا- (عليه السلام)- أنّه لمّا فتح مكّة قال له: يا محمّد، إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ] (7).
و في أصول الكافي (8): محمّد بن أحمد، عن عمّه، عبد اللّه بن الصّلت، عن الحسن [بن عليّ] (9) بن بنت إلياس، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- لمّا حضرته الوفاة اغمي عليه، ثمّ فتح عينيه و قرأ: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ و إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (10) و قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (11). ثمّ قبض من ساعته و لم يقل شيئا.
و في كتاب علل الشّرائع (12)، بإسناده إلى محمّد بن سنان: عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: لأي علّة يكبّر المصلّي بعد التّسليم ثلاثا يرفع بها يديه؟
فقال: لأنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا فتح مكّة صلّى بأصحابه الظّهر عند الحجر الأسود، فلمّا سلّم رفع يديه و كبّر ثلاثا و قال:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الحديبية فقد ماؤها.
(2) ليس في ش، ق.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) أي: إناء صغير.
(5) المصدر: وسعنا.
(6) ليس في ش، ق.
(7) من ن.
(8) الكافي 1/ 468، ح 5.
(9) ليس في ش، ت، ن، ق.
(10) ليس في ر.
(11) الزمر/ 74.
(12) العلل/ 360، ح 1.
267
لا إله إلّا اللّه وحده وحده (1)، أنجز وعده، و نصر عبده، و أعزّ جنده، و غلب الأحزاب وحده، فله الملك و له الحمد، يحيى و يميت [و يميت و يحيى] (2)، و هو على كلّ شيء قدير.
ثمّ أقبل على أصحابه فقال: لا تدعوا هذا التّكبير و هذا القول في دبر كلّ صلاة مكتوبة، فإنّ من فعل ذلك بعد التسليم و قال هذا القول كان قد أدّى ما يجب عليه من شكر اللّه- تعالى ذكره- على تقوية الإسلام و جنده.
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ: علّة للفتح من حيث إنّه مسبّب عن جهاد الكفّار، و السّعي في إعلاء الدّين، و إزاحة الشّرك، و تكميل النّفوس النّاقصة قهرا ليصير ذلك بالتّدريج اختيارا (3)، و تخليص الضّعفة عن أيدي الظّلمة.
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.
قيل (4): جميع ما فرط منك ممّا يصحّ أن تعاتب عليه (5).
في كتاب سعد السّعود (6) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: أقول: و أمّا لفظ ما تقدّم من الذّنب و ما تأخّر، فالّذي نقلناه من طريق أهل بيت النّبوّة أنّ المراد منه: ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر عند أهل مكّة و قريش، يعني: ما تقدّم قبل الهجرة و بعدها، فإنّك إذا فتحت مكّة بغير قتل لهم و لا استئصال و لا أخذهم بما قدّموه من العداوة و القتال، غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنبا لك عندهم متقدّما أو متأخّرا، و ما كان يظهر من عداوتهم في مقابلة عداوتهم له، فلمّا رأوه قد تحكّم و تمكّن و ما استقصى (7) غفروا ما ظنّوه من الذّنب (8).
____________
(1) ن، ت، ر: وحده وحده وحده.
(2) من المصدر.
(3) قوله: «ليصير ذلك بالتدريج اختيارا» أي:
ليصير ما ذكر من إزاحة الشّرك و إعلاء الدّين و تكميل النّفوس اختيارا بعد ما كان بالقهر، فانّه إذا أزيح الشرك عن شخص قهرا صارت تلك الإزاحة بالتّدريج اختيارا، يبعد ذلك الشخص الشرك عن نفسه باختياره.
(4) أنوار التنزيل 2/ 399.
(5) يوجد هنا ي، ت زيادة: «أقول: و
في الحديث عن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه لمّا فتح مكّة قال له: يا محمد إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.
و قد مضت هذه الفقرة بعينها عند تفسير الآية الأولى نقلا عن نسخة ن.
(6) سعد السّعود/ 207- 208.
(7) في المصدر زيادة و لا استصفى.
(8) ن، المصدر: الذّنوب.
268
و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مجلس آخر للرّضا- (عليه السلام)- [عند المأمون في عصمة الأنبياء، بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-] (2).
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أ ليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول اللّه.
... إلى أن قال: فأخبرني عن قول اللّه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: لم يكن أحد عند مشركي مكّة أعظم ذنبا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة و ستّين صنما، فلمّا جاءهم بالدّعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم و قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ، إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ، ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. [فلمّا فتح اللّه- تعالى- على نبيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (3) [مكّة] (4) قال له: يا محمّد إِنَّا فَتَحْنا لَكَ (5) فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد اللّه فيما تقدّم و ما تأخّر، لأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم و خرج بعضهم عن مكّة، و من بقي منهم لم يقدر على إنكار التّوحيد [عليه] (6) إذا دعا النّاس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم.
فقال المأمون: للّه درّك، يا أبا الحسن.
أقول: فعلى هذا بقي «ليغفر اللّه» أنّ الفتح لأن ينصر اللّه سببا لغفرانهم ما يعدّونه ذنبا.
و في مجمع البيان (7): روى المفضّل بن عمر، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال:
____________
(1) العيون 1/ 160- 161، ح 1.
(2) ليس في ن.
(3) ليس في ق.
(4) من المصدر.
(5) في المصدر: زيادة: مكّة.
(6) من المصدر.
(7) المجمع 5/ 110.
269
سأله رجل عن هذه الآية.
فقال: و اللّه، ما كان له ذنب، و لكن اللّه- سبحانه- ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة (1) عليّ ما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر.
و في شرح الآيات الباهرة (2): قال [أبو جعفر محمّد] (3) بن بابويه: حدثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن علي بن مهران، عن عليّ بن عبد الغفّار، عن صالح بن حمزة و يكنّى بأبي شعيب، عن محمّد بن سعيد المروزيّ قال: قلت لرجل: أذنب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قطّ؟
قال: لا.
قلت: فقول اللّه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ ما معناه؟
قال: إنّ اللّه- سبحانه- حمّل محمّدا ذنوب شيعة عليّ- (عليه السلام)- ثمّ غفر له ما تقدّم منها و ما تأخّر.
و يؤيّده
ما روي (4) مرفوعا، عن أبي الحسن الثّالث- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللّه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.
فقال (5)- (عليه السلام)-: و أيّ ذنب كان لرسول اللّه متقدّما أو متأخّرا، و إنّما حمّله اللّه ذنوب شيعة عليّ- (عليه السلام)- ممّن مضى منهم و من بقي، ثمّ غفرها اللّه له.
و يؤيّده
ما روي (6) مرفوعا، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، إني سألت اللّه- عزّ و جلّ- ألّا يحرم شيعتك التّوبة حتّى تبلغ نفس أحدهم حنجرته (7)، فأجابني إلى ذلك و ليس ذلك لغيرهم.
و ما روى الشّيخ أبو جعفر (8) الطّوسي (9)- (رحمه اللّه)-: عن رجاله، عن زيد بن يونس الشّحّام، عن أبي الحسن (10) موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: قلت لأبي الحسن:
الرّجل من مواليكم عاقّ يشرب الخمر و يرتكب الموبق من الذّنب (11)، نتبرّأ منه؟
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: شيعته.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 591، ح 1.
(3) ليس في م، ش، ق.
(4) نفس المصدر/ 593، ح 4.
(5) ش، ق: فقال عليّ.
(6) نفس المصدر/ 593، ح 5.
(7) ش، ق: متحريه.
(8) ليس في ش، م، ق.
(9) نفس المصدر/ 594، ح 6.
(10) ليس في ش، م، ق.
(11) ن: الذنوب.
270
فقال- (عليه السلام)-: تبرّؤوا من [فعله، لا تتبّرؤوا من] (1) خيره و أبغضوا عمله.
فقلت: يتّسع لنا أن نقول: فاسق فاجر؟
فقال: لا، الفاسق الفاجر الكافر الجاحد لنا و لأوليائنا، أبي اللّه أن يكون وليّنا فاسقا فاجرا و إن عمل ما عمل، و لكنّكم قولوا: فاسق العمل فاجر العمل مؤمن النّفس، خبيث الفعل طيّب الرّوح و البدن.
لا، و اللّه، لا يخرج وليّنا من الدّنيا إلّا و اللّه و رسوله و نحن عنه راضون، يحشره اللّه على ما فيه من الذّنوب مبيضّا وجهه، مستورة عورته، آمنة روعته، لا خوف عليه و لا حزن.
و ذلك أنّ لا يخرج من الدّنيا حتّى يصفّى من الذّنوب، إمّا بمصيبة في مال أو نفس أو ولد أو مرض، و أدنى ما يصنع بوليّنا أن يريه اللّه رؤيا مهولة فيصبح حزينا لما رآه، فيكون ذلك كفّارة له، أو خوفا يرد عليه من أهل دولة الباطل، أو يشدّد عليه عند الموت فيلقى اللّه- عزّ و جلّ- طاهرا من الذّنوب، آمنة روعته بمحمّد و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما)-.
ثمّ يكون أمامه أحد الأمرين: رحمة اللّه الواسعة الّتي هي أوسع من أهل الأرض جميعا، أو شفاعة محمّد و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما)-، إن أخطأته رحمة اللّه، أدركته شفاعة نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين، فعندها تصيبه رحمة اللّه الواسعة (2)، و كان أحقّ بها و أهلها و له إحسانها و فضلها.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لعليّ- (عليه السلام)-: فإنّ آدم تاب اللّه عليه من (4) خطيئته.
قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال اللّه- عزّ و جلّ-: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ. إنّ
____________
(1) ليس في ش، ق.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ هنا زيادة: الّتي هي.
(3) الاحتجاج/ 211 و 220.
(4) ليس في المصدر.
271
محمّدا غير مواف (1) القيامة (2) بوزر، و لا مطلوب فيها بذنب.
و قال: و لقد كان يبكي حتّى يغشى عليه.
فقيل له: يا رسول اللّه، أ ليس اللّه قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟
قال: بلى، أفلا أكون عبدا شكورا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب المناقب (3) لابن شهر آشوب: و أتت فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- إلى جابر بن عبد اللّه فقالت له: يا صاحب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ لنا عليكم حقوقا، [من حقّنا] (4) عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكّروه اللّه و تدعوه إلى البقيا على نفسه، و هذا عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- بقيّة أبيه الحسين قد انخرم أنفسه (5) و ثفنت (6) جبهته و ركبتاه و راحتاه أذاب نفسه في العبادة.
فأتى جابر إليه (7) فاستأذن، فلمّا دخل عليه وجده في محرابه قد أنصبته (8) العبادة، فنهض عليّ- (عليه السلام)- فسأله عن حاله سؤالا خفيّا ثمّ أجلسه بجنبه، ثمّ أقبل جابر (9) يقول: يا ابن رسول اللّه، أما علمت أنّ اللّه إنّما خلق الجنّة لكم و لمن أحبّكم، و خلق النّار لمن أبغضكم و عاداكم، فما هذا الجهد الّذي كلّفته نفسك؟
قال له عليّ بن الحسين: يا صاحب رسول اللّه، أما علمت أنّ جدّي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد غفر اللّه (10) له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، فلم يدع الاجتهاد، و تعبّد- بأبي هو و أمّي- حتّى انتفخ السّاق و ورم القدم؟ و قيل له: أ تفعل هذا و قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أ فلا أكون عبدا شكورا.
و في كتاب الخصال (11): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال:
هذه شرائع الدّين.
____________
(1) ق: مؤات.
(2) المصدر: يوم القيامة.
(3) المناقب 4/ 148- 149.
(4) من ق. ليس في المصدر أيضا.
(5) الانخرام: انشقاق وترة الأنف، و في الكلام كناية عن شدّة المشقّة.
(6) ن، ت، المصدر: «نقبت» أي:
انخرقت.
(7) المصدر: إلى بابه.
(8) كذا في المصدر. و في ت، ي، ر: انعته. و في ن: انقته. و في سائر النسخ: أفضته.
(9) ليس في ق.
(10) ليس في ق.
(11) الخصال/ 608، ح 9.
272
... إلى أن قال: و الأنبياء و الأوصياء لا ذنوب لهم، لأنّهم معصومون مطهّرون.
عن أبي عبد اللّه (1)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من عمّر أربعين سنة.
... إلى أن قال: من عمّر ثمانين سنة غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر.
عن أبي عبد اللّه (2)- (عليه السلام)- قال: إذا بلغ التّسعين، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر.
عن أنس (3) قال: قال (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما من معمّر يعمّر.
... إلى أن قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فإذا بلغ التّسعين، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، و سمّي أسير اللّه في أرضه، و يشفع في أهل بيته.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (5): عن جعفر بن محمّد بن بشرور القطّان، عن محمّد بن إبراهيم الرّازيّ، عن الأركان، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه، [عن أبيه، عن آبائه،] (6) عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (7)- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.
قال: يا (8) جبرئيل، ما الذّنب الماضي و الذّنب الباقي؟
قال جبرئيل: ليس لك ذنب أن يغفرهما (9) لك.
وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ: بإعلاء الدّين، و ضمّ الملك إلى النّبوّة.
وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (2): في تبليغ الرّسالة، و إقامة مراسم الرّئاسة.
وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3): نصرا فيه عزّة و منعة (10): أو يعزّ به المنصور، فوصف بوصفه مبالغة.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
____________
(1) نفس المصدر/ 545، ح 21.
(2) نفس المصدر 546، ح 25.
(3) نفس المصدر/ 548، ح 28، و ص 547، ح 27.
(4) من ن.
(5) تفسير فرات بن إبراهيم/ 159.
(6) من المصدر.
(7) ق: ... عن أبي عبد اللّه، عن عليّ ...
(8) ليس في المصدر.
(9) ن، ت، ي، م، ر، المصدر: يغفرها.
(10) كذا في أنوار التنزيل 2/ 399. و في النسخ:
صنعة.
273
قيل (1): الثّبات و الطّمأنينة.
فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ: حتّى تثبّتوا حيث تقلق النّفوس و ترجف (2) الأقدام.
و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي جعفر (4)- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ] (5).
قال: هو الإيمان.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «السّكينة» الإيمان.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ، عن (8) هشام بن سالم و غيرهما، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ] (9). قال: هو الإيمان.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ، عن هشام بن سالم و غيرهما، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ]. قال: هو الإيمان.
عليّ بن إبراهيم (10)، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن جميل قال:
سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ] (11).
قال: هو الإيمان.
لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ: يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة و اطمئنان النّفوس عليها. أو أنزل فيها السّكون إلى ما جاء به الرسول، ليزدادوا إيمانا بالشّرائع مع
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ن، ت: تدحض.
(3) الكافي 2/ 15، ح 1.
(4) ش، م، ق: عن عليّ بن جعفر.
(5) ليس في ش، م، ق.
(6) نفس المصدر، ح 2.
(7) نفس المصدر، ح 4.
(8) المصدر: و.
(9) ليس في م، ش، ق.
(10) نفس المصدر، ح 5.
(11) ليس في ش، م، ق.
274
إيمانهم باللّه و اليوم الآخر.
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (2) قال: حدثنا أبو عمرو الزبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
قلت له: أيّها العالم، أخبرني أيّ الأعمال أفضل عند اللّه؟
قال: ما لا يقبل اللّه شيئا (3) إلّا به.
قلت: و ما هو؟
قال: الإيمان باللّه الّذي لا إله إلّا هو أعلى الأعمال درجة، و أشرفها منزلة، و أسناها حظّا.
قلت: ألا تخبرني عن الإيمان أقول هو و عمل، أم قول بلا عمل؟
[قال: بل عمل] (4) كلّه، و القول بعض ذلك العمل، بفرض من اللّه بيّن في كتابه واضح نوره ثابتة حجّته يشهد له به الكتاب و يدعوه إليه (5).
قال: قلت: صفه لي، جعلت فداك، حتى أفهمه.
قال: الإيمان (6) حالات و درجات و طبقات و منازل، فمنه التّامّ المنتهى تمامه، و منه النّاقص البيّن نقصانه، و منه الرّاجح الزّائد رجحانه.
قلت: إنّ الإيمان ليتمّ و ينقص و يزيد؟
قال: نعم.
قلت: كيف ذلك؟
قال: لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها، فليس من جوارحه [إلّا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها.
إلى أن قال- (عليه السلام)-: فمن لقى اللّه- عزّ و جلّ- حافظا لجوارحه موفيا (7) كلّ
____________
(1) نفس المصدر/ 33- 34 و 37.
(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: القاسم بن يزيد.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: شينا.
(4) ليس في ن، ت، م، ر. و في المصدر:
فقال: الإيمان عمل.
(5) قال في الوافي: قوله (ع): «واضح نوره» صفة للفرض، و كذا «ثابتة حجّته. و قوله:
«يشهد به»، أي: لكونه عملا،، أو للعامل.
«به»، أي: بذلك الفرض. «و يدعو إليه»، أي: يدعوا العامل إلى ذلك الفرض.
(6) ش، م، ق: للإيمان.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: موفنا.
275
جارحة من جوارحه] (1) ما فرض اللّه عليها، لقي اللّه- عزّ و جلّ- [مستكملا لإيمانه، و هو من أهل الجنّة. و من خان في شيء منها، أو تعدّى ما أمر اللّه- عزّ و جلّ- فيها، لقي اللّه- عزّ و جلّ-] (2) ناقص [الإيمان.
قلت: قد فهمت نقصان] (3) الإيمان و تمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
فقال: قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ. و قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً. و لو كان كلّه واحدا لا زيادة فيه و لا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر، و لاستوت [النّعم فيه (4)، و لاستوى النّاس و بطل التّفضيل، و لكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، و بالزّيادة في] (5) الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه، و بالنّقصان دخل المفرطون النّار.
وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: يدبّر أمرها، فيسلّط بعضها على بعض تارة، و يوقع فيما بينهم السّلم أخرى، كما تقتضيه حكمته.
وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً: بالمصالح.
حَكِيماً (4): فيما يقدّر و يدبّر.
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها قيل (6): علّة بما بعده لما دلّ عليه قوله: وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ من معنى التّدبير، أي: دبّر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة اللّه فيه و يشكروها فيدخلوا الجنّة، و يعذب الكفّار و المنافقين لما غاظهم من ذلك. أو «فتحنا». أو «أنزل». أو جميع ما ذكر. أو «ليزدادوا».
و قيل (7): إنّه بدل [منه بدل] (8) الاشتمال.
____________
(1) ليس في ن، ت، م، ش، ي، ر.
(2) ليس في ن.
(3) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منه.
(5) ليس في ن، ت، م، ش، ي، ر.
(6) أنوار التنزيل 2/ 399- 400.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) ليس في ن، ت، ي، م، ر.
276
وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ: يغطيها و لا يظهرها.
وَ كانَ ذلِكَ، أي: الإدخال و التّكفير عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5): لأنّه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرّ، و عند حال من الفوز (1).
وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ: عطف على «يدخل»، إلّا إذا جعلته بدلا فيكون عطفا على المبدل.
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ: ظنّ الأمر السّوء، و هو أن لا ينصر رسوله و المؤمنين.
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ: دائرة ما يظنّونه و يتربّصونه بالمؤمنين لا يتخطّاهم.
و قرأ (2) ابن كثير و أبو عمرو: «دائرة السّوء» بالضّمّ، و هما لغتان، غير أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه، و المضموم جرى مجرى الشّر، و كلاهما في الأصل مصدر.
وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ: عطف لما استحقّوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدّنيا.
و «الواو» في الأخيرين و الموضع موضع الفاء، إذ اللّعن سبب للإعداد و الغضب، سبب له لاستقلال الكلّ في الوعيد بلا اعتبار السّببيّة.
وَ ساءَتْ مَصِيراً (6): جهنّم.
وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (7).
في كتاب طبّ الأئمة (3)، بإسناده إلى جابر الجعفيّ: عن محمّد الباقر- (عليه السلام)- قال: كنت عند عليّ بن الحسين (4) إذ أتاه رجل من بني أميّة من شيعتنا.
فقال: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما قدرت أن أمشي إليك من وجع رجلي.
قال: أين أنت من عوذة الحسين بن عليّ؟
قال: و ما ذاك، يا ابن رسول اللّه؟
____________
(1) قوله: «و عند حال من الفوز» و لا معنى:
و كان ذلك فوزا عظيما حاصلا عند اللّه.
(2) أنوار التنزيل 2/ 400.
(3) طب الأئمة/ 33.
(4) المصدر: عند الحسين بن علي- (عليهما السلام).
277
قال: آية إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً- إلى قوله (1)-: وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.
قال: ففعلت ما أمرني به فما حسست بعد ذلك بشيء منها بعون اللّه- تعالى-.
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً: على أمّتك.
وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (8): على الطّاعة و المعصية.
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ الخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأمة. أو لهم، على أن خطابه منزل (2) منزلة خطابهم.
وَ تُعَزِّرُوهُ: و تقوّوه بتقوية دينه و رسوله.
وَ تُوَقِّرُوهُ: و تعظموه.
وَ تُسَبِّحُوهُ: تنزّهوه. أو تصلّوا له.
بُكْرَةً وَ أَصِيلًا (9): غدوة و عشيّا. أو دائما.
و قرأ (3): ابن كثير و أبو عمرو الأفعال الأربعة، بالياء.
و قرئ (4): «تعزروه» بسكون العين. و «تعزروه» بفتح التّاء و ضمت الزّاء و كسرها. و «تعززوه» و «توقروه» من أوقره، بمعنى: وقره.
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ: لأنّه المقصود ببيعته.
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ: حال، أو استئناف مؤكّد له [على سبيل التخييل] (5).
و في عيون الأخبار (6)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد، بإسناده إلى عبد السّلام (7) بن صالح الهرويّ قال: قلت لعليّ بن موسى الرّضا (8)- (عليه السلام)-: يا بن رسول اللّه، ما تقول في الحديث الّذي يرويه أهل الحديث أنّ المؤمنين يزورون ربّهم من (9) منازلتهم في الجنّة؟
____________
(1) يوجد في ن، ت، ي، ر، المصدر، نصوص الآيات المحذوفة.
(2) ليس في ش، م، ق.
(3) أنوار التنزيل 2/ 400.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ش، م، ت، ق.
(6) العيون 1/ 93 و 94، ح 3.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللّه.
(8) ش، م، ق: قلت للرّضا.
(9) المصدر: في.
278
فقال- (عليه السلام)-: يا أبا الصّلت، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فضّل نبيّه محمّدا على جميع خلقه من النبيّين و الملائكة، و جعل طاعته طاعته، و مبايعته مبايعته (1)، و زيارته [في الدنيا و الآخرة] (2) زيارته، فقال (3)- عزّ و جلّ-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. و قال:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ] (4). و قال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من زارني في حياتي أو بعد موتي (5)، فقد زار اللّه- تعالى-. و درجة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الجنّة أرفع الدّرجات، فمن زاره في درجته في الجنّة من منزله فقد زار اللّه- تبارك و تعالى-.
و بإسناده إلى الرّيان بن شبيب (6)، خال المعتصم أخي (7) ماردة: أنّ المأمون لمّا أراد أن يأخذ البيعة لنفسه بإمرة المؤمنين و لأبي الحسن [عليّ بن موسى] (8) الرّضا- (عليه السلام)- بولاية العهد و للفضل (9) بن سهل بالوزارة، أمر بثلاثة كراسي فنصبت لهم. فلما قعدوا عليها و أذن للنّاس فدخلوا يبايعون، فكانوا يصفقون بأيمانهم على أيمان الثّلاثة من أعلى (10) الإبهام إلى الخنصر و يخرجون، حتّى بايع في آخر النّاس فتى (11) من الأنصار فصفق بيمينه من أعلى الخنصر إلى أعلى الإبهام، فتبسّم أبو الحسن- (عليه السلام)-.
ثمّ قال: كلّ من بايعنا بايع بفسخ البيعة، غير هذا الفتى فإنّه [بايعنا] (12) بعقدها.
فقال المأمون: و ما فسخ البيعة، و ما (13) عقدها؟
قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: عقد البيعة هو من أعلى الخنصر إلى أعلى (14) الإبهام، و فسخها من أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر.
قال: فماج النّاس في ذلك، و أمر المأمون بإعادة النّاس إلى البيعة على ما وصفه أبو الحسن- (عليه السلام)-.
____________
(1) المصدر: و متابعته متابعته.
(2) من المصدر.
(3) النساء/ 80.
(4) ليس في ش، م، ق.
(5) ش، م، ق: مماتي.
(6) نفس المصدر 2/ 240- 241، ح 2.
(7) المصدر: أخو.
(8) ليس في ش، م، ق.
(9) المصدر: لفضل.
(10) ليس في ش، ق.
(11) ليس في ق.
(12) من المصدر.
(13) المصدر: «من» بدل «و ما».
(14) ليس في ق.
279
فقال (1) النّاس: كيف يستحقّ الإمامة من لا يعرف عقد البيعة؟ إنّ من علم لأولى بها ممّن لا يعلم.
قال (2): فحمله ذلك على ما فعله من سمّه.
و في إرشاد المفيد (3)- (رحمه اللّه)- كلام طويل في بيعة النّاس للرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون، و فيه: و جلس المأمون و وضع للرّضا- (عليه السلام)- و سادتين عظيمتين حتّى لحق بمجلسه و فرشه، و أجلس الرّضا- (عليه السلام)- عليها في الخضرة عليه عمامة و سيف. ثمّ أمر (4) [ابنه العبّاس بن المأمون أن يبايع له أول الناس. فرفع الرضا- (عليه السلام)- يده فتلقّى بظهرها وجه نفسه و ببطنها وجوههم.
فقال له المأمون:] (5) ابسط يدك للبيعة.
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا كان يبايع، فبايعه النّاس و يده فوق أيديهم.
و في أصول الكافي (6): بإسناده إلى هاشم بن أبي عمّار (7) الجنينيّ (8) قال: سمعت أمير المؤمنين (9)- (عليه السلام)- يقول: أنا عين اللّه، و أنا يد اللّه، و أنا جنب اللّه، [و أنا باب اللّه] (10).
و في كتاب الخصال (11): عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: سمعت [أبا جعفر محمّد بن علي] (12) الباقر- (عليه السلام)- يقول: ليس على النّساء أذان.
... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و لا تبايع إلّا من وراء ثياب.
فَمَنْ نَكَثَ: نقض عهده.
____________
(1) المصدر: و قال.
(2) ليس في ق.
(3) الإرشاد/ 291.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «لم أمن» بدل «ثمّ أمر».
(5) من المصدر.
(6) الكافي 1/ 145، ح 8.
(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 309. و في النسخ: أبي عماد.
(8) المصدر الجنبي. و في جامع الرواة الجنبي ...
و في نسخة اخرى: الجنيني.
(9) م، ش، ق، عليا.
(10) ليس في م، ش، ر، ق. و في ن: و أنا جنبه و باب اللّه.
(11) الخصال/ 585- 588، ح 12.
(12) ليس في م، ش، ق.
280
[فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ:] (1) فلا يعود ضرر نكثه إلّا على نفسه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قال أمير المؤمنين (3) عليّ- (عليه السلام)- في كتابه الّذي كتبه إلى شيعته، يذكر فيه خروج عائشة إلى البصرة و عظم خطأ طلحة و الزبير (4):
و أيّ خطيئة أعظم ممّا أتيا أخرجا زوجة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بيتها، و كشفا عنها حجابا ستره اللّه [عليها] (5)، وصانا حلائلهما في بيوتهما، ما أنصفا لا للّه و لا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال، مرجعها على النّاس في كتاب اللّه: البغي و المكر و النّكث، قال اللّه (6): يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ. و قال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. و قال (7): وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ، إِلَّا بِأَهْلِهِ. و قد بغيا علينا، و نكثا بيعتي، و مكر أبي.
و في كتاب ثواب الأعمال (8)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (9): إنّ في النّار لمدينة يقال لها: الحصينة، أ فلا تسألوني ما فيها؟
فقيل له: و ما فيها، يا أمير المؤمنين؟
قال: فيها أيدي النّاكثين.
وَ مَنْ أَوْفى: وفى في مبايعته.
بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10): هو الجنّة.
و قرئ (10): «عهد».
و قرأ (11) حفص: «عليه» بضمّ الهاء. و ابن كثير و نافع و ابن عامر و روح:
«فسنؤتيه» بالنون.
و في كتاب الاحتجاج (12) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-
____________
(1) ليس في ن.
(2) تفسير القمّي 2/ 210.
(3) م، ش، ق: عليّ.
(4) في المصدر: زيادة: فقال.
(5) من المصدر.
(6) يونس/ 23.
(7) فاطر/ 43.
(8) ثواب الأعمال/ 302، ح 1.
(9) ليس في ت، م، ي، ر. و في ن و المصدر:
إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال.
10 و 11 أنوار التنزيل 2/ 400.
(12) الاحتجاج/ 66.
281
حديث طويل، يقول فيه في خطبة الغدير: و من بايع فإنّما يبايع اللّه (1) يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. معاشر النّاس، فاتقوا اللّه و بايعوا عليّا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين، و الأئمّة كلمة طيّبة باقية، يهلك اللّه بها من غدر، و يرحم بها من و في فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ (الآية).
و فيه- أيضا- (2): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه في خطبة الغدير: معاشر النّاس، قد بيّنت لكم و أفهمتكم، و هذا عليّ يفهمكم بعدي. ألا و إنّي عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته و الإقرار به، ثمّ مصافقته بعدي الا و أنّي قد بايعت اللّه و عليّ- (عليه السلام)- قد بايعني، و أنا آخذ بالبيعة له عن اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (الآية).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و نزلت في بيعة الرّضوان: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (4). و اشترط عليهم ألّا ينكروا بعد ذلك على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شيئا يفعله، و لا يخالفوه في شيء يأمرهم به، فقال اللّه- عزّ و جلّ- بعد نزول آية الرّضوان: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ- إلى قوله- (5): أَجْراً عَظِيماً. و إنّما رضي اللّه عنهم بهذا الشّرط أن يفوا بعد ذلك بعهد اللّه و ميثاقه و لا ينقضوا عهده و عقده، فبهذا العهد رضي اللّه عنهم، فقدّموا في التّأليف آية الشّرط على بيعة الرّضوان، و إنّما نزلت أوّلا بيعة الرضوان ثمّ آية الشّرط عليهم فيها.
و في روضة الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عنهم- (عليهم السلام)- قال: فيما وعظ اللّه- عزّ و جلّ- به عيسى. و ذكر حديثا قدسيّا (7) طويلا، و فيه وصف محمّد، و فيه: على أمّته (8) تقوم السّاعة، و يدي فوق أيديهم فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ أوفيت له بالجنّة.
و في كتاب معاني الأخبار (9)، بإسناده إلى ابن عبّاس: عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه
____________
(1) ليس في ق.
(2) نفس المصدر/ 64.
(3) تفسير القمّي 2/ 315.
(4) الفتح/ 18.
(5) ورد في ن، ت، ي، ر، و المصدر نصّ الآية.
(6) الكافي 8/ 140، ح 103.
(7) ليس في ش، م، ق.
(8) كذا في المصدر. و في ش، م، ق: أمّتي. و في سائر النسخ: أمّة.
(9) المعاني/ 372، ح 1.
282
و آله- حديث طويل، و فيه قال: و إنّي مفارقكم عن قريب و خارج من بين أظهركم، و لقد عهدت إلى أمّتي في (1) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، و إنّها لراكبة سنن من قبلها من الأمم في مخالفة وصيّي و عصيانه. ألا و إنّي مجدّد عليكم عهدي في عليّ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قيل (2): هم أسلم وجّهينة و مزينة و غفار، استنفرهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عام الحديبية فتخلّفوا و اعتلّوا بالشّغل بأموالهم و أهليهم، و إنّما خلّفهم الخذلان و ضعف العقيدة و الخوف من مقاتلة قريش [إن صدّوهم] (3).
شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا: إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالنا.
و قرئ (4)، بالتّشديد، للتّكثير.
فَاسْتَغْفِرْ لَنا: من اللَّه على التّخلّف.
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ: تكذيب لهم في الاعتذار و الاستغفار.
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً: فمن يمنعكم من مشيئته و قضائه.
إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا: ما يضرّكم، كقتل، أو هزيمة، أو خلل في المال و الأهل عقوبة على التّخلّف.
و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ، بالضّمّ.
أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً: ما يضادّ ذلك، و هو تعريض بالرّدّ (6).
بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11): فيعلم تخلّفكم و قصدكم فيه.
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً: لظنّكم أنّ المشركين يستأصلونهم (7).
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: في عهد.
(2) أنوار التنزيل 2/ 400.
(3) ليس في ش، م، ق.
(4) نفس المصدر/ 401.
(5) نفس المصدر/ 401.
(6) أي: تعريض بالرّدّ في اعتذارهم، إذ يفهم
(7) منه أنّهم لخلفوا عن الضّرر و طلبوا النفع لتخيّل أنّ التخلّف سبب لدفع الضّرر و طلب النفع مع أن تخلّفهم و عدمه سواء بالنسبة إلى قضاء اللَّه- تعالى- إذ لو أراد اللَّه ضرّهم أو نفعهم للحق بهم البتّة و لا ينفعه التخلّف.
283
و «أهلون» جمع، أهل. و قد يجمع على أهلات، كأرضات، على أن أصله:
أهلة. و أمّا أهال فاسم (1) جمع، كليال.
وَ زُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ: فتمكّن فيها.
و قرئ (2) على البناء للفاعل، و هو [اللَّه أو] (3) الشّيطان.
وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ: الظّنّ المذكور، و المراد: التّسجيل عليه بالسّوء. أو هو و سائر ما يظنّون باللَّه و رسوله من الأمور الزّائفة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال: «الظّنّ» في كتاب اللَّه على وجهين: فمنه ظنّ يقين، و منه ظنّ شكّ، و أمّا (5) الشّكّ، فقوله (6): إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَ ما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ. و قوله: وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ.
و في روضة الكافي (7): سهل عن (8) عبيد اللَّه (9)، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- فقال: أحسنوا الظّنّ باللَّه، فإنّ أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- كان يقول: من حسن ظنّه باللَّه، كان اللَّه عند ظنّه به.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12): هالكين عند اللَّه لفساد عقيدتكم و سوء نيّتكم.
وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (13):
وضع «الكافرين» موضع الضّمير إيذانا بأنّ من لم يجمع بين الإيمان باللَّه و رسوله فهو كافر، و أنّه مستوجب للسّعير بكفره.
و تنكير «سعيرا» للتّهويل، أو لأنّها نار مخصوصة.
وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: يدبّره كيف يشاء.
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ: برحمته.
وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ: ممّن استحقّ العقاب.
وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14): فإنّ الغفران و الرّحمة من دأبه (10)، و التّعذيب
____________
(1) ليس في ق.
(2) نفس المصدر/ 401.
(3) من المصدر.
(4) تفسير القمّي 1/ 46.
(5) المصدر: إنّما.
(6) الجاثية/ 32.
(7) الكافي 8/ 346- 347، ح 546.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.
(9) ق: عبد اللَّه.
(10) في أنوار التنزيل 2/ 401: ذاته.
284
داخل تحت قضائه بالعرض، و لذلك جاء في الحديث القدسيّ: سبقت رحمتي غضبي.
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ، يعني: المذكورين.
إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها، يعني: مغانم خيبر، فإنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجع من الحديبية في ذي الحجّة من سنة ستّ و أقام في المدينة بقيّتها و أوائل المحرّم، ثمّ غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها و غنم أموالا كثيرة فخصّها بهم.
و في كتاب الخصال (1): عن أبي امامة قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
فضّلت بأربع (2).
... إلى قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و احلّت لأمّتي الغنائم.
عن سعيد بن جبير (3)، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي.
... إلى قوله (4): و احلّ لي المغنم.
(الحديث)
عن جابر بن عبد اللَّه (5)، عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه حاكيا عن اللَّه- عزّ و جلّ- مخاطبا له- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أحللت لك الغنيمة، و لم تحلّ لأحد قبلك.
و في كتاب الاحتجاج (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ موسى- (عليه السلام)- أعطي (7) المنّ و السّلوى، فهل فعل بمحمّد (8)- (صلّى اللّه عليه و آله)- نظير (9) هذا؟
قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد اعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أحلّ له الغنائم و لأمّته و لم تحلّ الغنائم لأحد قبله، فهذا أفضل من المنّ و السّلوى.
____________
(1) الخصال/ 201، ح 14.
(2) يوجد هنا في ن، ت، ي، ر، الفقرة الأولى من الفقرات المحذوفة.
(3) نفس المصدر/ 292، ح 56.
(4) يوجد في ن، ت، ي، ر، نصّ العبارات المحذوفة.
(5) نفس المصدر/ 425، ح 1.
(6) الاحتجاج/ 219.
(7) ر: قد أعطي.
(8) المصدر: لمحمّد.
(9) م، ش، ق: مثل.
285
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ، أي: اتركونا نجيء معكم.
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ: أن يغيروه.
قيل (1): هو وعده لأهل الحديبية أن يعوّضهم عن مغانم مكّة مغانم خيبر.
و قيل (2): هو قوله (3): لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً.
و قيل (4): إنّه في تبوك.
و «الكلام» اسم للتّكلّم غلب في الجملة المفيدة.
و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ: «كلم اللَّه» و هو جمع كلمة.
و في كتاب الاحتجاج (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: فإن اللَّه- عزّ و جلّ- جعل لكلّ نبيّ عدوّا من المشركين، كما قال في كتابه، و بحسب جلالة منزلة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند ربّه كذلك عظم محنته لعدوّه الّذي عارضه (7) في حال (8) شقاقه و نفاقه كلّ أذى و مشقّة، لدفع نبوّته و تكذيبه إيّاه، و سعيه في مكارهه، و قصده لنقض كلّ ما أبرمه، و اجتهاده و من مالأه على كفره و عناده و نفاقه و إلحاده في إبطال دعواه، و تغيير ملّته و مخالفة سنّته، و لم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيّة و إيحاشهم منه و صدّهم عنه و إغرائهم بعداوته، و القصد لتغيير الكتاب الّذي جاء به، و إسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، و كفر ذوي الكفر منه و ممّن [يعينه و] (9) وافقه على ظلمه و بغيه و شركه، و لقد علم اللَّه ذلك منهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا. و قال: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ. و هنا كلام طويل يطلب عند قوله (10)- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا (الآية).
قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا: نفي [في معنى] (11) النّهي.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 401.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) التوبة/ 83.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) الاحتجاج/ 257.
(7) المصدر: عاد منه.
(8) ليس في المصدر.
(9) ليس في ن، ت، م، ى، ر، المصدر.
(10) فصلت/ 40.
(11) ليس في ق.
286
كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ: من قبل تهيّئهم للخروج إلى خيبر.
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا: أن نشارككم في الغنائم.
و قرئ (1)، بالكسر (2).
بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ: لا يفهمون.
إِلَّا قَلِيلًا (15): إلّا فهما قليلا، و هو فطنتم لأمور الدّنيا.
و معنى الإضراب الأول ردّ منهم أن يكون حكم اللَّه أن لا يتّبعوهم و إثبات للحسد، و الثّاني ردّ من اللَّه لذلك و إثبات لجهلهم بأمور الدّين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): ثمّ ذكر الأعراب الّذين تخلّفوا عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال- جلّ جلاله-: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ (4)- إلى قوله-: وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً، أي: قوم سوء، و هم الّذين استنفرهم في الحديبية، و لمّا رجع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الحديبية إلى المدينة غزا خيبر، فاستأذنه المخلّفون بأن يخرجوا معه، فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: «سيقول» لك الْمُخَلَّفُونَ- إلى قوله-: إِلَّا قَلِيلًا.
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ: كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذّمّ، و إشعارا بشناعة التّخلّف.
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.
قيل (5): هم هوازن و حنين.
و قيل (6): هم هوازن و ثقيف.
و قيل (7): هم ثقيف.
و قيل (8): هم أهل فارس.
و قيل (9): هم الرّوم.
و قيل (10): هم أهل حنين صفّين أصحاب معاوية.
و قيل (11): هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذّاب.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 401.
(2) أي بكسر السين في «تحسدوننا».
(3) تفسير القمّي 2/ 315.
(4) يوجد في ن، ت، ي، ر، أبقيّة الآية إلى قوله- تعالى-: ما ليس في قلوبهم.
5، 6، 7، 8، 9، 10- مجمع البيان 5/ 115.
(11) أنوار التنزيل 2/ 402.
287
و في مجمع البيان (1): و الصّحيح أن المراد بالدّاعي في قوله: «ستدعون» هو النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأنّه دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة و قتال أقوام ذوي نجدة و شدّة، مثل أهل خيبر (2) و الطّائف و مؤتة، إلى تبوك و غيرها، فلا معنى لحمل ذلك على ما بعد وفاته.
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، أي: يكون أحد الأمرين: إمّا المقاتلة، أو الإسلام لا غير.
و قيل (3): ينقادون لكم.
فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً: هو الغنيمة في الدّنيا، و الجنّة [في الآخرة] (4).
وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ: عن الحديبية.
يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16): لتضاعف جرمكم.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ:
لمّا أوعد على التّخلّف نفي الحرج عن هؤلاء المعذورين، استثناء لهم عن الوعيد.
وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ: فصّل الوعد و أجمل الوعيد مبالغة فيه، لسبق رحمته. ثمّ جبر (5) ذلك بالتكرير على سبيل العموم فقال: وَ مَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (17): إذ التّرهيب هاهنا أنفع من التّرغيب.
و قرأ (6) نافع و ابن عامر: «ندخله» و «نعذّبه» بالنّون.
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ نقل (7): أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل الحديبية، بعث جوّاس بن أميّة الخزاعيّ إلى أهل مكّة، فهمّوا به فمنعه الأحابيش فرجع، فبعث عثمان بن عفّان فحبسوه فارجف بقتله، فدعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصحابه و كانوا ألفا و ثلاثمائة أو أربعمائة أو
____________
(1) المجمع 5/ 115- 116.
(2) المصدر: حنين.
(3) نفس المصدر/ 116.
(4) ليس في ي.
(5) ليس في ق.
(6) أنوار التنزيل 2/ 402.
(7) نفس المصدر و الموضع.
288
خمسمائة و بايعهم على أن يقاتلوا قريشا و لا يفرّوا عنهم، و كان جالسا تحت سمرة (1) أو سدرة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثين (3) الحسين بن عبد اللَّه السّكينيّ، عن أبي سعيد البجليّ، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (4) قال: كتب عليّ- (عليه السلام)- إلى معاوية: أنا أوّل من بايع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تحت الشّجرة في قوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ] (5).
(الحديث) أقول: و إنّما قال: عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ و لم يقل: عن الّذين يبايعونك، للإشعار بأن فيهم منافقين لم يرض بتلك البيعة، كبيعة أبي بكر و عمر.
فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ: من الإخلاص.
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ: الطّمأنينة و سكون النّفس بالتّشجيع.
وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18): فتح خيبر غبّ (6) انصرافهم.
و قيل (7): مكّة، أو هجر.
و في شرح الآيات الباهرة (8): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدثنا] (9) محمّد بن أحمد الواسطيّ، عن زكريّا بن يحيى، عن إسماعيل بن عثمان، عن عمّار الدّهنيّ، عن أبي الزّبير، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: قول اللَّه- عزّ و جلّ-:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ (الآية) (10) كم كانوا؟
قال: ألفا و مائتين.
قال: هل كان فيهم عليّ- (عليه السلام)-؟
قال: نعم، عليّ- (عليه السلام)- سيّدهم و شريفهم.
وَ مَغانِمَ كَثِيرَةً [يَأْخُذُونَها، يعني: مغانم خيبر.
وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19): غالبا، مراعيا مقتضى الحكمة.
____________
(1) المصدر: ثمرة.
و السمرة: ضرب من شجرة الطلح جمعها: السّمر.
(2) تفسير القمّي 2/ 268.
(3) ليس في م، ش، ق.
(4) في المصدر زيادة: عن آبائه- (عليهم السلام).
(5) ليس في م، ش، ق.
(6) أي: بعد.
(7) أنوار التنزيل 2/ 402.
(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 595، ح 7.
(9) ليس في م، ش، ق.
(10) ورد في ن، ت، ي، ر، المصدر، نصّ الآية إلى: الشجرة.
289
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً] (1) تَأْخُذُونَها: و هي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة.
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، يعني: مغانم خيبر.
وَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ: أيدي أهل خيبر و حلفائهم من بني أسد و غطفان. أو قريش بالصّلح.
وَ لِتَكُونَ: هذه الكفّة، أو الغنيمة.
آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: أمارة يعرفون بها أنّهم من اللَّه- تعالى- بمكان. أو صدق الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه عن الحديبية. أو وعد الغنائم. أو عنوانا لفتح مكّة.
و العطف على محذوف و هو علّة «لكفّ» أو «عجّل»، مثل: لتسلموا أو لتأخذوا، أو العلّة لمحذوف، مثل: فعل ذلك (2).
وَ يَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (20): هو الثّقة بفضل اللَّه و التّوكّل عليه.
وَ أُخْرى: و مغانم أخرى. معطوفة على «هذه»، أو منصوبة بفعل يفسّره «قد أحاط اللَّه بها»، مثل: قضى.
و يحتمل رفعها بالابتداء لأنّها موصوفة، و جرّها بإضمار «ربّ».
لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها: بعد لما كان فيها من الجولة (3).
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها: استولى، فأظفركم بها، و هي مغانم هوازن أو فارس.
وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21): فإنّ قدرته ذاتيّة، لا تختصّ بشيء دون شيء.
وَ لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا: من أهل مكّة و لم يصالحوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ:
لانهزموا.
____________
(1) ليس في ن.
(2) قوله: «و العطف الخ»، أي: عطف «لتكون» على محذوف. و قوله: «أو العلّة لمحذوف» عطف جملة على جملة، إذ هو في تقدير: أو هو علّة لمحذوف، و الحاصل: أن «لتكون» إمّا عطف على محذوف، أو علّة محذوف.
(3) قوله: «من الجولة». الجولة هي الغلبة.
و لعلّ المراد من الغلبة: غلبة الكفّار في يوم حنين.
و قيل: المراد من الجولة: هزيمة المسلمين. و قيل:
المراد منها: الهزيمة ثمّ الرجوع ثمّ الهزيمة ثمّ الرجوع.
290
ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا: يحرسهم (1)، وَ لا نَصِيراً (22): ينصرهم.
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، أي: سنّ غلبة أنبيائه سنّة قديمة فيمن مضى من الأمم، كما قال: «لأغلبنّ أنا و رسلي».
وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23): تغييرا.
وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ: أيدي كفّار مكّة.
عَنْكُمْ: بالرّعب.
وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ: بالنّهي.
بِبَطْنِ مَكَّةَ، يعني: الحديبية.
مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ: أظهركم عليهم.
و قيل (2): كان ذلك أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتّى أدخلهم حيطان مكّة.
فالمراد ببطن مكّة: في داخل مكّة، و هو الأظهر، ثمّ عاد.
و قيل (3): كان ذلك يوم الفتح، و استشهد به على أن مكّة فتحت عنوة.
وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ: من مقاتلتهم أوّلا طاعة لرسوله، و كفّهم ثانيا لتعظيم بيته.
و قرأ (4) أبو عمرو، بالياء.
بَصِيراً (24): فيجازيهم عليه.
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً:
محبوسا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ.
يدلّ على أنّ ذلك كان عام الحديبية.
و «الهدي» [ما يهدى إلى مكة.
و قرئ (5): «الهديّ»] (6) و هو فعيل، بمعنى: المفعول.
____________
(1) ليس في ي.
2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 403.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في ي.
291
و «محلّه» مكانه الّذي يحلّ فيه نحره، يعني: مكة، لأنّ هدي العمرة لا يذبح إلّا بمكّة، كما أنّ هدي الحجّ لا يذبح إلّا بمنى.
و في روضة الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير و غيره، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا خرج النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- في غزوة الحديبية خرج في ذي القعدة، فلمّا انتهى إلى الموضع الّذي أحرم فيه أحرموا و لبسوا السّلاح.
فلمّا بلغه أنّ المشركين قد أرسلوا إليه خالد بن الوليد ليردّه قال: ابغوني رجلا يأخذني على غير هذا الطّريق. فاتي برجل من مزينة أو من جهينة، فسأله فلم يوافقه.
فقال: ابغوني رجلا غيره (2) [يأخذني على غير هذا الطّريق] (3). فاتي برجل آخر إمّا من مزينة أو من جهينة فذكر له، فأخذه معه حتّى انتهى إلى العقبة، فقال: من يصعدها حطّ اللَّه عنه، كما حطّ اللَّه من بني إسرائيل فقال لهم ادخلوا الباب سجّدا نغفر لكم خطاياكم.
قال: فابتدرها خيل الأنصار، الأوس و الخزرج.
قال: و كانوا ألفا و ثمانمائة، قال: فلمّا هبطوا إلى الحديبية إذا امرأة معها ابنها على القليب (4)، فسعى ابنها هاربا. فلمّا أثبت أنّه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صرخت به: هؤلاء الصّابئون (5) ليس عليك منهم بأس (6). فأتاها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمرها، فاستقت دلوا من ماء، فأخذه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فشرب و غسل وجهه، فأخذت فضلته فأعادته إلى البئر، فلم تبرح حتّى السّاعة.
و خرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأرسل إليه المشركون (7) أبان بن سعيد في الخيل فكان بإزائه، ثمّ أرسلوا الحليس (8) فرأى البدن و هي تأكل بعضها أو بار بعض (9)،
____________
(1) الكافي 8/ 322- 327، ح 503.
(2) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(3) ليس في المصدر.
(4) القليب: البئر مطويّة كانت أم غير مطويّة، سمّيت به لأنّها قلبت الأرض بالحضر.
(5) صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره.
(6) ليس في ي.
(7) ليس في ق.
(8) كذا في المصدر. و في ش، ق: الجش. و في سائر النسخ: الجيش.
و الحليس: اسم رجل، و هو حليس بن علقمة، أو ابن زيّان، و هو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، كما ذكره المؤرّخون.
(9) قال العلامة المجلسيّ (ره): كناية عن
292
فرجع و لم يأت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و قال لأبي سفيان: يا أبا سفيان، أما و اللَّه ما على هذا حالفناكم على أن تردّوا الهدي عن محلّه.
فقال: اسكت، فإنّما أنت أعرابيّ.
فقال: أما، و اللَّه، لتخلّينّ عن محمّد و ما أراد أو لأنفردن في الأحابيش.
فقال: اسكت حتّى نأخذ (1) من محمّد ولثا (2).
فأرسلوا إليه عروة بن مسعود، و قد كان جاء إلى قريش في القوم الّذين أصابهم المغيرة بن شعبة، كان خرج معهم من الطّائف و كانوا تجّارا فقتلهم و جاء بأموالهم إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأبى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يقبلها، و قال:
هذا غدر و لا حاجة لنا فيه. فأرسلوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا رسول اللَّه، هذا عروة بن مسعود فقد أتاكم و هو يعظّم البدن.
قال: فأقيموها. فأقاموها.
فقال: يا محمّد، مجيئ من جئت؟
قال: جئت أطوف بالبيت، و أسعى بين الصّفا و المروة، و أنحر هذه الإبل و أخلّي عنكم و عن لحمانها.
قال: لا، و اللات و العزّى، فما رأيت مثلك ردّ عمّا جئت له، إنّ قومك يذكّرونك (3) اللَّه و الرّحم أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم، و أن تقطع أرحامهم، و أن تجرّئ عليهم عدوّهم.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أنا بفاعل حتّى أدخلها.
قال: و كان عروة بن مسعود حين كلّم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تناول
____________
كثرتها و ازدحامها و اجتماعها. و إنّما قدّم- (صلّى اللّه عليه و آله)- البدن ليعلموا أنّه لا يريد القتال بل يريد النسك.
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تأخذ.
(2) قال في القاموس: حبشي- بالضّم-: جبل بأسفل مكّة. و منه: أحابيش قريش، لأنّهم تحالفوا باللَّه إنّهم ليد على غيرهم.
و الولث: العهد بين القوم يقع من غير قصد، أو يكون غير مؤكّد.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يذكرون.
293
لحيته (1) و المغيرة قائم على رأسه، فضرب بيده.
فقال: من هذا، يا محمّد؟
فقال: هذا ابن أخيك، المغيرة.
فقال: يا غدر، و اللَّه (2)، ما جئت إلّا في غسل سلحتك (3).
قال: فرجع إليهم، فقال لأبي سفيان و أصحابه: لا، و اللَّه، ما رأيت مثل محمّد ردّ عمّا جاء له.
فأرسلوا إليه سهيل بن عمرو و حويطب بن عبد العزّي، فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأثيرت في وجوههم البدن.
فقالا: مجيء من جئت؟
قال: جئت لأطوف بالبيت، و أسعى بين الصّفا و المروة، و انحر البدن و أخلّي بينكم و بين لحمانها.
فقالا: إنّ قومك يناشدونك اللَّه و الرّحم أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم، و تقطع أرحامهم، و تجرّئ عليهم عدوّهم.
قال: فأبي عليهما رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا أن يدخلها، و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أراد أن يبعث عمر.
فقال: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ عشيرتي قليل و إنّي فيهم على ما تعلم، و لكنّي أدلّك على عثمان بن عفّان.
فأرسل إليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربّي من فتح مكّة.
فلمّا انطلق عثمان، لقي أبان بن سعيد فتأخر عن السّرح (4)، فحمل عثمان بين يديه و دخل [عثمان] (5) فأعلمهم، و كانت المناوشة (6).
____________
(1) أي: لحية رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كانت عادتهم ذلك فيما بينهم عند مكالمتهم و لجهله بشأن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عدم إيمانه لم يعرف أنّ ذلك لا يليق بجنابه.
(2) ش، ق: فقال: يا عدوّ اللَّه.
(3) أي: غائطك، و السّلح: التّغوّط، كناية عن غسل عار غدرته.
(4) السّرح: الماشية.
(5) من المصدر.
(6) المناوشة: المناولة في القتال، أي كان المشركون في تهيئة للقتال.
294
فجلس سهيل بن عمرو عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و جلس عثمان في عسكر المشركين، و بايع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المسلمين (1)، و ضرب بإحدى يديه على الأخرى [لعثمان] (2).
فقال المسلمون: طوبى لعثمان، قد طاف بالبيت و سعى بين الصّفا و المروة و أحلّ.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما كان ليفعل.
فلمّا جاء عثمان قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أطفت بالبيت؟
فقال: ما كنت لأطوف بالبيت و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يطف به.
ثمّ ذكر القصّة و ما كان فيها.
فقال لعليّ- (عليه السلام)-: اكتب: «بسم اللَّه الرّحمن الرحيم».
فقال سهيل: ما أدري ما الرّحمن الرّحيم، إلّا أنّي أظنّ هذا (3) الّذي باليمامة، و لكن اكتب كما (4) نكتب: باسمك اللّهمّ.
قال: و اكتب: هذا ما قاضى (5) [عليه] (6) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سهيل ابن عمرو.
فقال سهيل بن عمرو: فعلى ما نقاتلك، يا محمّد؟
فقال: أنا (7) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنا محمّد بن عبد اللَّه.
فقال النّاس: أنت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: اكتب، فكتب: هذا ما قاضى (8) عليه محمّد بن عبد اللَّه.
فقال النّاس: أنت رسول اللَّه.
و كان في القضيّة: أنّ من كان منّا أتى إليكم رددتموه إلينا، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- غير مستكره، عن دينه، و ما جاء إلينا منكم لم نردّه إليكم.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا حاجة لنا فيهم.
____________
(1) ليس في م، ش، ق.
(2) من المصدر.
(3) في ت زيادة: الظنّ.
(4) في ش، م، ر، ت، ق زيادة: كان.
(5) ن: تقاضى.
(6) من المصدر مع المعقوفتين.
(7) ليس في ن.
(8) ت: تقاضى.
295
و على أن يعبد اللَّه فيكم علانية غير سرّ، و إن كانوا ليتهادون السّيور (1) في المدينة إلى مكّة.
و ما كانت قضيّة أعظم بركة منها، لقد كاد أن يستولي على أهل مكّة الإسلام.
فضرب سهيل بن عمرو على أبي جندل، ابنه، فقال: أوّل ما قاضينا عليه.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و هل قاضيت على شيء؟
فقال: يا محمّد، ما كنت بغدّار.
قال: فذهب بأبي جندل، فقال: يا رسول اللَّه، تدفعني إليه؟
قال: و لم أشترط لك.
قال (2): و قال: اللّهمّ، اجعل لأبي مخرجا.
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن عبد اللَّه بن فرقد، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين صدّ بالحديبية قصّر و أحلّ [و نحر] (4)، ثمّ انصرف منها، و لم يجب عليه الحلق حتّى يقضي المناسك (5)، فأمّا المحصور فإنّما يكون عليه التّقصير.
عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن محرم انكسرت ساقه، أيّ شيء يكون حاله، و أي شيء عليه؟
قال: هو حلال من كلّ شيء.
قلت: من النّساء و الثّياب و الطّيب؟
فقال: نعم، من جميع ما يحرم على المحرم.
و قال: أما بلغك قول أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: حلّني حيث حبستني لقدرك الّذي قدّرت عليّ.
____________
(1) السّيور- جمع السّير-: الذي يقدّ من الجلد مستطيلة.
(2) ليس في ق.
(3) الكافي 4/ 368، ح 1.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: النسك.
(6) نفس المصدر/ 369، ح 2.
296
قلت: أصلحك اللَّه، ما تقول في الحجّ؟
قال: لا بدّ أن يحجّ من قابل.
قلت: أخبرني عن المحصور و المصدود هما سواء؟
فقال: لا.
قلت: فأخبرني عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين صدّه المشركون قضى عمرته؟
قال: لا، و لكنّه اعتمر بعد ذلك.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير و صفوان، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: المحصور غير المصدود، المحصور المريض، و المصدود الّذي يصدّه المشركون، كما ردّوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه ليس من مرض، و المصدود تحلّ له النّساء، و المحصور لا تحلّ له النّساء.
و في آخر هذا الحديث قال (2): قلت: فما بال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين رجع من الحديبية حلّت له النّساء و لم يطف بالبيت؟
قال: ليسا سواء، كان النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- مصدودا و الحسين- (عليه السلام)- محصورا.
محمّد بن يحيى (3)، عن أحمد بن محمّد، عن الفضل عن يونس، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالما له يوم عرفه قبل أن يعرّف، فبعث به إلى مكة فحبسه، فلمّا كان يوم النّحر، خلّى سبيله، كيف يصنع؟
قال: يلحق فيقف بجمع (4)، ثمّ ينصرف إلى منى فيرمى و يذبح و يحلق، و لا شيء عليه.
قلت: فإن خلّى عنه يوم النّفر، كيف يصنع؟
قال: هذا مصدود عن الحجّ، إن كان دخل مكّة متمتّعا بالعمرة إلى الحجّ فليطف بالبيت أسبوعا ثمّ يسعى أسبوعا و يحلق رأسه و يذبح شاة، فإن كان مفردا للحجّ
____________
(1) نفس المصدر/ 369- 370، ح 3.
(2) ليس في م، ش، ق.
(3) نفس المصدر/ 371، ح 8.
(4) الجمع: علم للمزدلفة.
297
فليس عليه ذبح و لا شيء عليه.
حميد بن زياد (1)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن المثنّى (2)، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المصدود يذبح حيث صدّ، و يرجع صاحبه فيأتي النّساء.
(الحديث)
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه لمعاوية: لعن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبا سفيان في ستّة (4) مواطن.
... إلى قوله: و الخامسة قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ.
و صددت أنت و أبوك و مشركو قريش رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلعنه (5) لعنة شملته و ذرّيّته إلى يوم القيامة.
وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ: لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين.
أَنْ تَطَؤُهُمْ: أن توقعوا بهم و تبيدوهم. و هو بدل الاشتمال من «رجال» و «نساء»، أو من ضميرهم في «تعلموهم».
فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ: من جهتهم.
مَعَرَّةٌ: مكروه، كوجوب الدية و الكفّارة بقتلهم، و التأسّف [عليهم، و تعيير الكفّار بذلك، و الإثم بالتقصير في البحث عنهم] (6).
مفعلة، من عرّه: إذا عرّاه ما يكرهه.
بِغَيْرِ عِلْمٍ: متعلّق «بأن تطؤوهم»، أي: تطؤوهم غير عالمين بهم. و جواب «لو لا» محذوف لدلالة الكلام عليه، و المعنى: لو لا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه، لما كفّ أيديكم عنهم.
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ: علّة لما دلّ عليه كفّ الأيدي من أهل مكّة صونا لمن فيها من المؤمنين، أي: كان ذلك لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، أي.
____________
(1) نفس المصدر/ 371، ح 9.
(2) المصدر: الميثميّ.
(3) الاحتجاج/ 274.
(4) المصدر: سبعة.
(5) المصدر: فلعنه اللَّه.
(6) من أنوار التنزيل 2/ 404.
298
في توفيقه لزيادة الخير، او الإسلام.
مَنْ يَشاءُ: من مؤمنيهم، او مشركيهم. لَوْ تَزَيَّلُوا: لو تفرقوا و تميز بعضهم من بعض.
و قرئ (1): «لو تزايلوا».
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (25): بالقتل و السبي.
و في كتاب كمال الدين و تمام النعمة (2)، بإسناده الى ابن أبي (3) عمير: عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما بال امير المؤمنين لم يقاتل فلانا و فلانا؟ (4) قال له: لآية في كتاب اللَّه- عزّ و جل-: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
قال: قلت: ما يعني بتزايلهم؟
قال: ودائع المؤمنين (5) في أصلاب قوم كافرين، و كذلك القائم- (عليه السلام)- لن يظهر أبدا حتى تظهر (6) ودائع اللَّه- عزّ و جل-. فإذا خرجت، ظهر على من ظهر من أعداء اللَّه فقتلهم.
و بإسناده الى إبراهيم الكرخي (7)، قال: قلت لابي عبد اللَّه- (عليه السلام)- او قال له رجل: أصلحك اللَّه، أ لم يكن عليّ- (عليه السلام)- قويا في دين اللَّه؟
قال: بلى.
قال: فكيف ظهر على القوم و كيف لم يدفعهم، و ما يمنعه من ذلك؟
قال: آية في كتاب اللَّه [- عزّ و جلّ- منعته] (8).
قلت: و أيّة آية؟
قال: هي قوله- تعالى-: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. إنّه كان [للَّه- عزّ و جلّ] (9) ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين، و لم يكن عليّ- عليه
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 404.
(2) كمال الدينّ 641.
(3) ليس في ش، ق.
(4) المصدر: لم يقاتل مخالفيه.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المؤمنين.
(6) المصدر: تخرج.
(7) نفس المصدر/ 642.
(8) من المصدر.
(9) ليس في ش، ق.
299
السّلام- ليقتل الاباء حتّى تخرج (1) الودائع، فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله، و كذلك قائمنا، اهل البيت، لن يظهر أبدا حتّى تظهر ودائع اللَّه- عزّ و جلّ-. فإذا ظهرت، ظهر على من ظهر فيقتلهم (2).
و بإسناده (3) إلى منصور بن حازم: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. قال: لو أخرج اللَّه ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين و ما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لَعَذَّبْنَا (4) الَّذِينَ كَفَرُوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): ثمّ قال: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً، يعني: هؤلاء الّذين كانوا بمكّة من المؤمنين و المؤمنات، يعني: لو زالوا (6) عنهم و خرجوا من بينهم لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
حدّثنا أحمد بن عليّ (7)، قال: حدثنا الحسين بن عبد اللَّه [السعدي] (8) قال: حدّثنا الحسن بن موسى الخشّاب، عن عبد اللَّه بن الحسين، عن بعض أصحابه، عن فلان الكرخيّ قال: قال رجل لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أ لم يكن عليّ- (عليه السلام)- قويّا في بدنه، قويّا في أمر اللَّه؟
فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: بلى.
قال: فما منعه أن يدفع أو يمتنع؟
قال: قد سألت فافهم الجواب، منع عليّا- (عليه السلام)- من ذلك آية من كتاب اللَّه.
فقال: و أيّ آية؟
فقرأ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. إنّه كان للَّه ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين، فلم يكن عليّ- (عليه السلام)- ليقتل الآباء حتّى تخرج (9) الودائع، فلمّا خرجت (10) ظهر على من ظهر و قتله، و كذلك قائمنا، أهل البيت: لن
____________
(1) المصدر: يخرج.
(2) المصدر: ظهر على من يظهر فقتله.
(3) نفس المصدر/ 642.
(4) المصدر: لعذّب.
(5) تفسير القمّي 2/ 316.
(6) ق: زايلوا.
(7) نفس المصدر/ 316- 317.
(8) ليس في المصدر.
(9) المصدر: يخرج.
(10) المدر: خرج.
300
يظهر أبدا حتّى تخرج ودائع اللَّه. فإذا خرجت، يظهر على من يظهر فيقتله.
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا: مقدّر «باذكر». أو ظرف «لعذّبنا»، أو «صدّوكم».
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ: الأنفة حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ: الّتي تمنع إذعان الحقّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1).- (رحمه اللّه)- قال عليّ بن إبراهيم: ثمّ قال- جلّ ذكره-: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، يعني: قريشا و سهيل بن عمرو حين قالوا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا نعرف الرّحمن (2) الرّحيم، و قولهم: لو علمنا أنّك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما حاربناك [فاكتب: محمّد بن عبد اللَّه] (3).
و في كتاب الخصال (4): عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و عنده جماعة من مواليه، فجرى ذكر العقل و الجهل.
[فقال أبو عبد اللَّه: اعرفوا العقل (و جنده) (5) و الجهل (و جنده) (6)] (7).
... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و الإنصاف، و ضدّه الحميّة.
عن أبي عبد اللَّه (8)- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتعوّذ في كلّ يوم من ستّ خصال: من الشّكّ، و الشّرك، و الحميّة، و الغضب، و البغي، و الحسد.
و في روضة الكافي (9): سهل بن زياد، عن إبراهيم بن عقبة، عن سبابة (10) بن أبي (11) أيّوب و محمّد بن الوليد عليّ بن أسباط، يرفعونه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه يعذّب السّتّة بالسّتّة: العرب بالعصبيّة.
(الحديث) (12)
و في أصول الكافي (13): عليّ [بن إبراهيم] (14)، عن أبيه، عن النّوفلي، عن
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 317.
(2) في المصدر زيادة: و
(3) ليس في ش، م، ق.
(4) الخصال/ 590، ح 13.
5 و 6- من المصدر.
(7) ليس في ن.
(8) نفس المصدر 329، ح 24.
(9) الكافي 8/ 162، ح 170.
(10) ق: سابة. و في المصدر: سيابة.
(11) ليس في المصدر.
(12) يوجد ن، ت، ش، ي، ر، بقيّة نصّ الحديث.
(13) الكافي 2/ 308، ح 3.
(14) من المصدر.
301
السّكونيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من كان في قلبه حبّة من خردل من عصبيّة، بعثه اللَّه يوم القيامة مع أعراب الجاهليّة.
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن داود بن النّعمان، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من تعصّب أو تعصّب له فقد خلع ربق (2) الإيمان من عنقه.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم و درست (4) بن أبي منصور، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من تعصّب أو تعصّب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه.
أبو عليّ الأشعريّ (5)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن خضر، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من تعصّب عصّبه اللَّه بعصابة من نار.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن صفوان بن مهران، عن عاصم بن السّمط، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: لم تدخل (7) الجنّة حميّة غير حميّة حمزة بن عبد المطّلب، و ذلك حين أسلم غضبا للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث السّلا (8) الّذي ألقي على النبي
____________
(1) نفس المصدر/ 307، ح 1.
(2) أي: الحبل. و في المصدر: ربقة.
(3) نفس المصدر/ 308، ح 2.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: داود.
(5) نفس المصدر/ 308، ح 4.
(6) نفس المصدر/ 308، ح 5.
(7) المصدر: لم يدخل.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: السلار.
و السّلا: الجلدة الرّقيقة، الّتي يكون فيها الولد من المواشي. و قصّة السّلا على
ما ذكره الكلينيّ (ره) في باب مولد النبي (ص) و غيره، كالطّبرسيّ في إعلام الورى هي: أنّ قريشا كانوا يجدّون في أذى رسول اللَّه (ص)، و كان أشدّ النّاس عليه عمّه، أبو لهب، و كان رسول اللَّه (ص) ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلا شاة فألقوه على رسول اللَّه (ص) فاغتمّ رسول اللَّه من ذلك، فجاء إلى أبي طالب فقال: يا عمّ، كيف حسبي فيكم؟
قال: و ما ذاك، يا ابن أخ؟ قال: إنّ قريشا ألقوا عليّ السّلا. فقال لحمزة: خذ السّيف و كانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب و معه السّيف و حمزة و معه السّيف فقال: أمر السّلا على سبالهم، فمن أبى فاضرب عنقه. فما تحرّك أحد حتّى أمرّ السّلا على سبالهم ثمّ التفت إلى رسول اللَّه (ص) فقال: يا ابن أخ، هذا حسبك فينا.
302
- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ، عن القاسم بن محمّد [عن] (2) المنقريّ، عن عبد الرّزّاق، عن معمّر، عن الزّهريّ قال: سئل عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- عن العصبيّة.
فقال: العصبية (3) الّتي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرّجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، و ليس من العصبيّة أن يحبّ الرّجل قومه، و لكن من العصبيّة أن يعين قومه على الظّلم.
و في نهج البلاغة (4): فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة و أحقاد الجاهليّة، و إنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان (5) و نخواته (6) و نزعاته (7) و نفثاته (8).
و فيه (9): فاللَّه اللَّه في كبر الحميّة و فخر الجاهليّة، فإنّه ملاقح (10) الشنآن (11) و منافخ (12) الشّيطان اللاتي خدع بها الأمم الماضية و القرون الخالية.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: فأنزل عليهم الوقار و الثّبات.
وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى.
قيل (13): كلمة الشّهادة. أو «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» محمّد رسول اللَّه اختارها لهم. أو الثّبات و (14) الوفاء بالعهد.
و إضافة «الكلمة» إلى «التّقوى» لأنّها سببها، أو كلمة أهلها.
____________
(1) نفس المصدر/ 308، ح 7.
(2) من المصدر.
(3) ليس في ق.
(4) النهج/ 288، الخطبة 192.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: من خطوات الشياطين.
(6) النّخوة: التكبر و التّعاظم.
(7) النّزغة: المرّة من النّزغ بمعنى الإفساد.
(8) النّفثة: النّفخة.
(9) نفس المصدر/ 289، الخطبة 192.
(10) الملاقح- جمع ملقح-: الفحول الّتي تلقح الإناث و تستولد الأولاد.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: السنان.
(12) كذا في المصدر. و في ش، ق: مناتخ. و في غيرهما: مناثخ.
(13) أنوار التنزيل 2/ 404.
(14) المصدر: أو.
303
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن جميل قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى.
قال: هو الإيمان.
و في تفسير علي بن إبراهيم (2)، خطبة له- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيها: و أولى القول كلمة التّقوى.
و في أمالي الصّدوق (3)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال:
إنّ اللَّه عهد إليّ في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عهدا.
قلت: يا ربّ، بيّنة لي.
قال: اسمع.
قلت: قد سمعت.
قال: إنّ عليّا راية الهدى، و إمام أوليائي، و نور من أطاعني، و هو الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين، من أحبّه أحبّني، و من أطاعه أطاعني.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى سلام الجعفيّ: عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- عن أبي ذرّ، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثله.
و في كتاب الخصال (5): عن عبد اللَّه بن عبّاس قال: قام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فينا خطيبا، فقال في آخر خطبته: نحن كلمة التّقوى و سبيل الهدى.
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبته: أنا عروة اللَّه (7) الوثقى و كلمة التّقوى.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود: عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: نحن كلمة التقوى و العروة الوثقى.
____________
(1) الكافي 2/ 15، ح 5.
(2) تفسير القمّي 1/ 290.
(3) أمالي الصّدوق/ 386، ح 23.
(4) معاني الأخبار/ 125- 126، ح 1.
(5) الخصال/ 432، ح 14.
(6) التوحيد/ 164، ح 2.
(7) ليس في ق.
(8) كمال الدّين/ 202، ح 6.
304
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللَّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في تفسير «سبحانه اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلّا اللَّه و اللَّه أكبر» و في: قال- (عليه السلام)- و قوله: لا إله إلّا اللَّه، يعني: وحدانيته الّتي لا يقبل اللَّه الأعمال إلّا بها، و هي كلمة (2) التّقوى يثقل اللَّه بها الموازين يوم القيامة.
وَ كانُوا أَحَقَّ بِها: من غيرهم.
وَ أَهْلَها: و المستأهل لها.
و في شرح الآيات الباهرة (3): روى الحسن بن أبي الحسن الديلميّ، بإسناده، عن رجاله، عن مالك بن عبد اللَّه قال: قلت لمولاي الرّضا- (عليه السلام)-: قوله: وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها.
قال: هي ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
فالمعنى: أنّ الملزومين (4) بها هم شيعته وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها.
و ذكر عليّ بن إبراهيم (5) في تفسيره، قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عرج بي ربّي (6) إلى السّماء فسح في بصري غلوة، كما يرى الرّاكب خرق الإبرة من ميسرة يوم، فعهد إليّ ربّي في عليّ كلمات.
فقال: اسمع، يا محمّد، إنّ عليّا إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، و يعسوب (7) المؤمنين و المال يعسوب الظّلمة، و هو الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها فبشّره بذلك.
قال: فبشّره رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك، فالقي عليّ- (عليه السلام)- ساجدا شكرا للَّه.
ثمّ قال: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و إنّي لأذكر هناك؟
قال: نعم، إنّ اللَّه ليعرفك هناك، و إنّك لتذكر في الرّفيق الأعلى.
____________
(1) العلل/ 251، ح 8.
(2) في ق زيادة: اللَّه.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 595، ح 8.
(4) المصدر: الملزمين.
(5) نفس المصدر، ح 9.
(6) ليس في المصدر.
(7) في ت زيادة: الدين.
305
و روى محمّد بن العبّاس (1)، عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن محمّد بن هارون، عن محمّد بن مالك، عن محمّد (2) بن فضيل، عن غالب الجهنيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، [عن أبيه،] (3) عن جدّه، [عن عليّ- (صلوات اللّه عليهم)-] (4) قال: قال لي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء ثمّ إلى سدرة المنتهى أوقفت (5) بين يدي ربّي.
فقال لي: يا محمّد.
فقلت: لبيك، ربّي، و سعديك.
قال: قد بلوت خلقي فأيّهم وجدت أطوع لك؟
قلت: ربّي، عليّا.
قال: صدقت، يا محمّد، فهل اتّخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك و يعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون؟
قال: قلت: لا، فاختر لي، فإنّ خيرتك خيرتي (6).
قال: قد اخترت لك عليّا، فاتّخذه لنفسك خليفة و وصيّا، و قد نحلته علمي و حلمي، و هو أمير المؤمنين حقّا لم ينلها أحد قبله و ليست لأحد من بعده.
يا محمّد،- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ راية الهدى، و إمام من أطاعني، و نور أوليائي، و هو الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين، من أحبّه فقد أحبّني، و من أبغضه فقد أبغضني، فبشره بذلك، يا محمّد.
قال: فبشّره بذلك.
فقال عليّ: أنا عبد اللَّه و في قبضته، إن يعاقبني فبذنبي لم يظلمني، و إن يتمّ لي ما وعدني فاللَّه أولى بي.
فقال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهمّ، أجل (7) قلبه و اجعل ربيعه الإيمان بك.
قال اللَّه- تعالى-: قد فعلت ذلك به، يا محمّد، غير أنّي مختصّه من البلاء بما لا
____________
(1) نفس المصدر/ 596- 597، ح 10.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: نعمة.
(3) ليس في ش، م، ق.
(4) ليس في ق. و في م، ش بدلها: عليّ.
(5) م و ش، ق: وقفت.
(6) المصدر: خيرا لي.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: اجعل.
306
أختصّ به أحدا من أوليائي.
قال: قلت: ربّي، أخي و صاحبي.
قال: إنّه قد سبق في علمي أنّه مبتلى و مبتلى به، و لو لا عليّ لم تعرف أوليائي و لا اولياء رسولي (1).
و قال- أيضا- (2): حدّثنا محمّد بن الحسين، عن عليّ بن منذر، عن مسكين (3) الرّجال (4) العابد- و قال ابن منذر عنه: و بلغني أنّه لم يرفع رأسه إلى السّماء منذ أربعين سنة- قال (5): حدثنا فضيل الرسان (6)، عن أبي داود، عن أبي بردة (7) قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ اللَّه عهد إليّ في عليّ- (عليه السلام)- عهدا.
فقلت: اللّهمّ، بيّن لي.
فقال لي: اسمع.
فقلت: اللّهم، قد سمعت.
فقال اللَّه- عزّ و جلّ- أخبر عليّا بأنّه أمير المؤمنين، و سيّد المسلمين، و أولى النّاس بالنّاس، و الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين.
فيكون المراد بالمتّقين: شيعته الّذين ألزمهم كلمته، و فرض عليهم ولايته فقبولها و والوا بولايته (8) ذريّته (9) الّذين أكمل بهم دينه و أتمّ نعمته، و منحهم فضله، و جعل عليهم صلواته و سلامه و تحيّته و بركاته التّامة العامّة و رحمته.
وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26): فعلم أهل كلّ شيء و يسّره له.
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا: رأى [رسول اللَّه] (10)- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه و أصحابه دخلوا مكّة آمنين و قد حلقوا و قصروا، فقصّ الرّؤيا على أصحابه ففرحوا و حسبوا أنّ ذلك يكون في عامهم هذا. فلمّا تأخّر، قال بعضهم: و اللَّه، ما حلقنا و ما قصّرنا و لا رأينا البيت. فنزلت، و المعنى: صدقه في رؤياه.
____________
(1) المصدر: رسلي.
(2) نفس المصدر/ 597، ح 11.
(3) ق: سكين.
(4) ش، ق: الرحال. و في المصدر: الرجل.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و قال أيضا.
(6) كذا في المصدر. و في م، ش، ق: فضل:
و في سائر النسخ: فضل الرجال.
(7) المصدر: أبي برزة.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بولاية.
(9) المصدر: ذرّيّة.
(10) ليس في ن، ي، ر.
307
بِالْحَقِ: ملتبسا به، فإنّ ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدّر له، و هو العام القابل.
و يجوز أن يكون «بالحقّ» صفة مصدر محذوف، أي: صدقا ملتبسا بالحقّ، و هو القصد إلى التّمييز بين الثّابت في الإيمان و المتزلزل فيه. و أن يكون قسما إمّا باسم اللَّه- تعالى- أو بنقيض الباطل، و قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ: جوابه، و على الأولين جواب قسم محذوف.
إِنْ شاءَ اللَّهُ: تعليق للعدة بالمشيئة تعليما للعباد، أو إشعارا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة. أو حكاية لما قاله ملك الرّؤيا، أو النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأصحابه.
آمِنِينَ: حال من «الواو» و الشّرط معترض.
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ، أي: محلّقا بعضكم و مقصّرا آخرون.
لا تَخافُونَ: حال مؤكّدة. أو استئناف، أي: لا تخافون بعد ذلك.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: كيف صار الصّرورة (2) يستحبّ له دخول الكعبة دون من قد حجّ؟
قال: لأنّ الصّرورة قاضي فرض، مدعو إلى حجّ بيت اللَّه الحرام (3)، فيجب أن يدخل البيت الّذي دعي إليه ليكرم فيه.
قلت: فكيف صار الحلق عليه واجبا دون من قد حجّ؟
قال: ليصير بذلك موسما بسمة الآمنين، ألا تسمع اللَّه يقول: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: الفرق (5) من السّنّة؟
____________
(1) العلل/ 450، ح 1.
(2) أي: الّذي لم يحجّ.
(3) من ي. ليس في المصدر.
(4) الكافي 6/ 486، ح 5.
(5) أي: الفاصل بين صفّين من شعر الرأس.
308
قال: لا.
قلت: فهل فرق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: نعم.
قلت: كيف فرق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ليس من السّنّة؟
قال: من (1) أصابه ما أصاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يفرق، كما فرق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فقد أصاب سنة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (2) و إلّا فلا.
قلت: كيف ذلك؟
قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا صدّ عن البيت و قد كان ساق الهدي و أحرم، أراه اللَّه الرّؤيا [التي أخبره اللَّه بها في كتابه إذ يقول: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا] (3) بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ. فعلم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن اللَّه سيفي له بما أراده، فمن ثمّ و فّر ذلك الشّعر الّذي كان على رأسه حين أحرم انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده اللَّه- عزّ و جل-. فلمّا حلقه، لم يعد توفير الشّعر و لا كان ذلك من قبله.
و في روضة الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور [عن أبي بصير] (5) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، الرّؤيا الصّادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد؟
قال صدقت، أمّا الكاذبة المختلفة فإنّ الرجل يراها في أول ليله في سلطان المردة الفسقة. و إنّما هي شيء يخيّل إلى الرّجل و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها، و أمّا الصادقة إذا رآها بعد الثّلثين من اللّيل مع حلول الملائكة و ذلك قبل السّحر فهي صادقة لا تخلف [إن شاء اللَّه] (6)، إلّا أن يكون جنبا أو ينام على غير طهور و لم يذكر اللَّه حقيقة ذكره فإنّها تخلف و تبطئ على صاحبها.
____________
(1) ليس في ت، م ور.
2 و 3- من المصدر.
(4) الكافي 8/ 91، ح 62.
(5) ليس في ق.
(6) ليس في م، ش ق.
309
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسي- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا يوسف قاسى مرارة الغربة (2)، و حبس في السّجن توقّيا للمعصية، و القي في الجبّ وحيدا.
قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاسى مرارة الغربة و فراق الأهل و الأولاد [و المال] (3) مهاجرا من حرم اللَّه و أمنه، فلمّا رأى [اللَّه] (4)- عزّ و جلّ- كآباته و استشعاره (5) الحزن أراه- تعالى- رؤيا توازي رؤيا يوسف في تأويلها و أبان للعالمين صدق تحديثها (6)، فقال له: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا (الآية) (7).
و في كتاب الخصال (8): عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: سمعت [أبا جعفر محمّد بن علي] (9) الباقر- (عليه السلام)- يقول: ليس على النّساء أذان.
... إلى أن قال: و لا الحلق، إنّما يقصّرون من شعورهنّ.
فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا: من الحكمة في تأخير ذلك.
فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ: من دون دخولكم المسجد، أو فتح مكّة.
فَتْحاً قَرِيباً (27): هو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسّر الموعود.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): [فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً] (11) يعني فتح خيبر، لأنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا رجع من الحديبيّة غزا خيبر.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى: ملتبسا به، أو بسببه، أو لأجله.
وَ دِينِ الْحَقِ: و بدين الإسلام.
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ: ليغلبه على جنس الدين كلّه، بنسغ ما كان
____________
(1) الاحتجاج/ 215.
(2) المصدر: الفرقة.
3 و 4- من المصدر.
(5) في المصدر زيادة: و.
(6) المصدر تحقيقها.
(7) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية إلى:
لا تخافون.
(8) الخصال/ 585، ح 12.
(9) ليس في ش، م، ق.
(10) تفسير القمّي 2/ 317.
(11) ليس في م، ش، ق.
310
حقّا و إظهار فسد ما كان باطلا. أو بتسليط المسلمين على أهله، إذ ما من أهل دين إلّا و قد قهرهم المسلمون.
و فيه تأكيد لما وعده من الفتح.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله- عزّ و جل-: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ (الآية) (2) و هو الإمام الّذي يظهره اللَّه على الدين كلّه، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما. و هذا ممّا ذكرنا أنّ تأويله بعد تنزيله.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى، رفعه، قال: إنّ موسى ناجاه اللَّه- فقال له في مناجاته: يا موسى، لا يطول في الدّنيا أملك. و ذكرنا حديثا قدسيّا طويلا يقول اللَّه- تعالى- فيه، و قد ذكر محمدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فتمّت كلماتي، لأظهرنّ دينه على الأديان كلّها و لاعبدنّ بكلّ مكان.
وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28): على أنّ ما وعده كائن. أو على نبوّته بإظهار المعجزات.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
في كتاب الخصال (4)، بإسناده إلى جابر قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مكتوب على باب الجنّة: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عليّ- (عليه السلام)- أخو الرسول قبل أن يخلق اللَّه السموات (5) بألفي عام.
و هو جملة مبيّنة للمشهود به.
و يجوز أن يكون «رسول اللَّه»- (صلّى اللّه عليه و آله)- صفة، و «محمّد»- (صلّى اللّه عليه و آله)- خبر محذوف. أو مبتدأ وَ الَّذِينَ مَعَهُ: معطوف عليه، و خبرهما أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.
و «أشدّاء» جمع، شديد. و «رحماء» جمع، رحيم.
و المعنى: أنّهم يغلظون على من خالف دينهم، و يتراحمون فيما بينهم، كقوله (6):
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 317.
(2) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية إلى:
كلّه.
(3) الكافي 8/ 44، ح 8.
(4) الخصال/ 638، ح 11.
(5) ليس في ق.
(6) المائدة/ 54.
311
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ.
و في محاسن البرقيّ (1): عنه، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمّه (2) و (3) اللَّه خلق طينتهما من سبع سموات، و هي من طينة الجنان. ثمّ تلا: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ فهل يكون الرّحم إلّا برّا وصولا.
و في أصول الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي المغرا (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه و لا يخذله و لا يحزنه (6)، و يحقّ على المسلمين (7) الاجتهاد في التّواصل و التّعاون على التّعاطف و المواساة لأهل الحاجة و تعاطف بعضهم على بعض، حتّى تكونوا، كما أمركم اللَّه- عزّ و جلّ- رحماء بينكم، متراحمين مغتمّين (8) لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و نقل هذا الحديث في باب آخر (9) و فيه بدل بينكم بينهم.
محمّد بن يحيى (10)، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى] (11)، عن محمّد بن سنان، عن كليب الصّيداويّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: تواصلوا و تبارّوا و تراحموا، و كونوا إخوة بررة، كما أمركم اللَّه- عزّ و جلّ- (12).
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً: لأنّهم مشتغلون بالصّلاة في أكثر أوقاتهم.
و في شرح الآيات الباهرة (13): نقلا عن ابن مردويه الحافظ و أخطب خوارزم: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
____________
(1) المحاسن/ 134، ح 11.
(2) في ق زيادة: قال.
(3) المصدر: لأنّ.
(4) الكافي 2/ 174، ح 15.
(5) كذا في المصدر. و في م، ش، ق: أبي المعرا. و في سائر النسخ: أبي المعزا.
(6) المصدر: لا يخونه.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: المسلم.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مقيمين.
(9) نفس المصدر/ 175، ح 4. ورد.
(10) نفس المصدر/ 175، ح 2.
(11) ليس في ق.
(12) في النسخ زيادة و هو نفس الحديث السابق كما أشار إليه المؤلّف آنفا.
(13) تأويل الآيات الباهرة 2/ 599- 600، ح 12.
312
و مثله روي (1) عن الكاظم- (عليه السلام)-.
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً: الثّواب و الرّضا.
في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (2): قال: حدثني سعيد بن الحسن بن مالك قال: حدثنا بكّار، عن الحسن بن الحسين قال: حدّثنا منصور بن مهاجر، عن سعد (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن هذه الآية: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمنوا (الآية) (4).
فقال (5): مثل أجراه اللَّه في شيعتنا، كما يجري لهم في الأصلاب، ثمّ يزرعهم في الأرحام و يخرجهم للغاية الّتي أخذ عليهم ميثاقهم في الخلق.
فمنهم أتقياء شهداء، و منهم الممتحنة قلوبهم، و منهم العلماء، و منهم النّجباء، و منهم النّجداء (6)، و منهم النّقي (7)، و منهم أهل التّقوى، و منهم أهل التسليم، فازوا بهذه الأشياء سبقت لهم من اللَّه، و فضّلوا [على النّاس] (8) بما فضّلوا، و جرت للنّاس بعدهم في المواثيق حالهم، أسماؤهم حدّ المستضعفين، و حدّ المرجون لأمر اللَّه [حدّا] (9) و أمّا أن يتوب عليهم، و حدّ عسى أن يتوب عليهم، و حدّ لابثين فيها [أبدا، و حدّ لابثين فيها] (10) أحقابا، و حدّ (6) خالدين فيها ما دامت السّموات و الأرض.
ثمّ حد الاستثناء من اللَّه من الفريقين، و منازل (11) النّاس في الخير و الشر خلقان من خلق اللَّه، فيهما المشيئة (12)، فمن شاء من خلقه في قسمه و [ما] (13) قسم له تحويل عن حال زيادة في الأرزاق، أو نقص منها، أو تقصير في الآجال و زيادة فيها، أو نزول البلاء أو دفعه.
ثمّ أسكن الأبدان على ما شاء من ذلك، فجعل منه مشعرا (14) في القلوب ثابتا
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير فرات الكوفيّ/ 161.
(3) المصدر: سعاد.
(4) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية إلى:
رضوانا.
(5) ن، المصدر: قال.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: النجد.
(7) م، ش، ر: النقيّ. و في سائر النسخ و المصدر: أهل التّقى.
(8) ليس في ن، ت، م، ى، ر و المصدر.
(9) من المصدر.
(10) يوجد في ي، ر، المصدر.
(11) المصدر: ... من اللَّه من القريتين ينازل.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: المشقّة.
(13) من المصدر.
(14) المصدر: شعرا.
313
لأهله (1)، و [منه] (2) عواري من القلوب و الصّدور إلى أجل له وقت، فإذا بلغ وقتهم انتزع ذلك منهم، فمن ألهمه اللَّه الخير و أسكنه في قلبه، بلغ منه الغاية الّتي أخذ عليها ميثاقه في الخلق الأوّل.
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
قيل (3): يريد السّمعة الّتي تحدث في جباههم من كثرة السّجود، فعلى، من سامه: إذا أعلمه (4). و قد قرئت ممدودة، و «من أثر السّجود» بيانها، أو حال من المستكنّ في الجار.
و في أصول الكافي (5): أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللَّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، إنّي لأرى بعض أصحابنا يعتريه النّزق و الحدّة و الطيش (6) فأغتمّ لذلك غمّا شديدا، و أرى من خالفنا فأراه حسن السّمت.
قال: لا تقل: حسن السّمت، فإنّ السّمت سمت الطّريق: و لكن قل: حسن السّيماء، فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ] (7)
(الحديث).
و في من لا يحضره الفقيه (8): و سأله عبد اللَّه بن سنان عن قول اللَّه- عزّ و جل-:
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
قال: هو السّهر في الصّلاة.
و في روضة الواعظين (9) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و سأل الصّادق- (عليه السلام)- عبد اللَّه بن سنان عن قول اللَّه: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
قال: هو السّهر في الصّلاة.
ذلِكَ: إشارة إلى الوصف المذكور. أو إشارة مبهمة يفسّرها «كزرع» (10).
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ: صفتهم العجيبة الشّأن المذكورة فيها.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ثابتة لأمله.
(2) من المصدر.
(3) أنوار التنزيل 2/ 405.
(4) المصدر: علمه.
(5) الكافي 2/ 11، ح 2.
(6) النّزق: خفّة في كلّ أمر و عجلة في جهل و حمق. و الطّيش بمعنى النّزق أيضا.
(7) يوجد في ق، ش، المصدر.
(8) الفقيه 1/ 299، ح 1369.
(9) روضة الواعظين 2/ 321.
(10) ليس في ي، ق.
314
وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ: عطف عليه، أي: ذلك مثلهم في الكتابين.
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: ثمّ وصف أبتاع نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المؤمنين فقال- عزّ و جلّ-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى قوله (2): فِي الْإِنْجِيلِ. و قال (3)- تعالى-: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ، يعني: أولئك المؤمنين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في اليهود و النّصارى، يقول اللَّه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [يعني: التوراة و الإنجيل] (5) يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، يعني: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. لأن اللَّه قد أنزل عليهم في التّوراة و الإنجيل و الزّبور صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صفة أصحابه و مبعثه و مهاجره (6)، و هو قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى قوله- تعالى- (7): فِي الْإِنْجِيلِ. فهذه صفة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في التّوراة و الإنجيل و صفة (8) أصحابه، فلمّا بعثه اللَّه عرفه أهل الكتاب، كما قال- تعالى- (9).
كَزَرْعٍ: تمثيل مستأنف، أو تفسير.
أَخْرَجَ شَطْأَهُ: فراخه. يقال: أشطأ الزّرع: إذا أفرخ.
و قرأ (10) ابن كثير و ابن عامر [برواية ابن ذكوان] (11) مشطأه» بفتحات، و هو لغة فيه.
و قرئ (12): «شطأه» بتخفيف الهمزة. و «شطاءه» بالمدّ. و «شطه» بنقل حركة الهمزة و حذفها. و «شطوه» بقلبها واوا.
____________
(1) الكافي 5/ 14، ح 1.
(2) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(3) التحريم/ 8.
(4) تفسير القمّي 1/ 32- 33.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: هجرته.
(7) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(8) ليس في المصدر.
(9) في ش، م، ق، زيادة: كمثل.
(10) أنوار التنزيل 2/ 405.
(11) من المصدر.
(12) نفس المصدر و الموضع.
315
فَآزَرَهُ: فقواه. من المؤازرة، بمعنى: المعاونة. أو من الإيزار، و هو الإعانة.
و قرأ (1) ابن عامر [برواية ابن ذكوان] (2): «فأزره»، كأجر، في آجر.
فَاسْتَغْلَظَ: فصار من الدّقة (3) إلى الغلظ.
فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ: فاستقام على قصبه. جمع، ساق.
و عن ابن كثير (4): «سؤقه» بالهمزة.
و في شرح الآيات الباهرة (5): نقل ابن مردويه، عن الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: استوى الإسلام بسيف عليّ- (عليه السلام)-.
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ: بكثافته و قوّته و غلظه و حسن منظره.
و هو مثل ضربه اللَّه لأصحابه، قلّوا في بدأ الإسلام ثمّ كثروا و استحكموا، فترقّى أمرهم بحيث أعجب النّاس.
و في شرح الآيات الباهرة (6): قال [محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-] (7): حدّثنا محمّد بن أحمد بن (8) عيسى بن إسحاق، عن الحسن بن الحارث بن طليب، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله- عزّ و جل-: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (9).
قال: قوله: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أصل الزّرع عبد المطّلب، و «شطأه» محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و «يعجب الزّرّاع» قال: عليّ [بن أبي طالب] (10)- (عليه السلام)-.
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ: علّة لتشبيههم بالزّرع في زكائه و استحكامه. أو لقوله:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (29): فإنّ الكفّار لمّا سمعوه غاظهم ذلك.
و «منهم» للبيان.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) من المصدر.
(3) ن، ت: الرقّة.
(4) نفس المصدر/ 406.
(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 600، ح 12.
(6) نفس المصدر، ح 13.
(7) ليس في ش، م، ق.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.
(9) ورد في ن، ت، ي، ر، بقية الآية إلى:
الكفّار.
(10) ليس في ش، م، ق.
316
و في شرح الآيات الباهرة (1): خبر من محاسن الأخبار في تأويل هذه الآية ورد من طريق العامّة، نقله أخطب خوارزم بإسناد يرفعه إلى ابن عبّاس قال: سأل قوم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فيمن نزلت هذه الآية؟
قال: إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض، و نادى مناد: ليقم سيّد المؤمنين و معه الّذين آمنوا بعد بعث محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فيقوم عليّ [بن أبي طالب] (2)- (عليه السلام)- فيعطى اللّواء من النّور الأبيض بيده، و تحته جميع السّابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار، لا يخالطهم غيرهم حتى يجلس على منبر من نور ربّ العزّة، و يعرض الجميع عليه رجلا رجلا فيعطيه أجره و نوره، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم: قد عرفتم صفتكم و منازلكم في الجنّة، إنّ ربّكم يقول: إنّ لكم عندي مغفرة و أجرا عظيما، يعني: الجنّة.
فيقوم عليّ- (عليه السلام)- و القوم تحت لوائه معه حتّى يدخل بهم الجنّة.
ثمّ يرجع إلى منبره، فلا يزال يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ نصيبه (3) منهم (4) إلى الجنّة، و ينزل أقواما على النّار. فذلك قوله: وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ، يعني: السّابقين الأولين و المؤمنين و أهل الولاية له. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ، يعني:
كفروا و كذبوا بالولاية و بحقّ عليّ- (عليه السلام)-.
و هذا ذكره (5) الشيخ في أماليه.
____________
(1) نفس المصدر/ 600- 601، ح 14.
(2) ليس فس م، ش، ق.
(3) كذا في المصدر. و في ق: نصيبهم. و في غيرها: يصيبهم.
(4) ليس في م، ش، ق.
(5) نفس المصدر و الموضع.
317
تفسير سورة الحجرات
319
سورة الحجرات مدنيّة.
و قيل (1): إلّا آية و هي قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى] (2).
و هي ثماني عشرة آية بالإجماع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال:
من قرأ سورة (4) الحجرات في كلّ ليلة أو في كلّ يوم، كان من زوّار محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في مجمع البيان (5): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من قرأ سورة الحجرات اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من أطاع اللَّه و رسوله و من عصاه.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
في مجمع البيان (6): روى زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- انّه قال: ما سلّت السّيوف، و لا أقيمت الصّفوف في صلاة و لا زحوف، و لا جهر بأذان، و لا أنزل اللَّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حتّى أسلم أبناء قبيلة الأوس و الخزرج.
____________
(1) مجمع البيان 5/ 128.
(2) ليس في م، ش.
(3) ثواب الأعمال/ 142، ح 1.
(4) يوجد في ي، ر، المصدر.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) نفس المصدر/ 130.
320
لا تُقَدِّمُوا، [أي: لا تقدّموا] (1) أمرا، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كلّ ما يمكن. أو ترك، لأنّ المقصود نفي التّقديم رأسا. أو لا تتقدّموا، و منه مقدّمة الجيش لتقدّمهم، و يؤيّده قراءة يعقوب (2): «لا تقدّموا».
و قرئ (3): «لا تقدموا» من القدوم.
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ: مستعار ممّا بين الجهتين المسامتتين (4)، كيدي الإنسان، تهجينا لما نهوا عنه. و المعنى. لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به.
و قيل (5): المراد بين يدي رسول اللَّه، و ذكر اللَّه تعظيم له و إشعار بأنّه من اللَّه بمكان يوجب إجلاله.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ: في التّقديم، أو مخالفة الحكم.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ: لأقوالكم عَلِيمٌ (1): بأفعالكم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ، أي: إذا كلّمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته.
وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.
قيل (6): و لا تبلغوا به الجهر الدّائر بينكم، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على التّرجيب (7) و مراعاة للأدب.
و قيل (8): معناه: و لا تخاطبوه باسمه و كنيته، كما يخاطب بعضكم بعضا، و خاطبوه بالنّبيّ و الرّسول.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): إنّ و فد بني تميم كانوا إذا قدموا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وقفوا على باب حجرته فنادوا: يا محمّد، اخرج إلينا. و كانوا إذا خرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تقدّموه في المشي، و كانوا إذا كلّموه (10) رفعوا أصواتهم فوق صوته، و يقولون: يا محمّد [يا محمّد] (11)، ما تقول في كذا و كذا، كما يكلّمون بعضهم
____________
(1) ليس في ن.
2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 406.
(4) كذا في أنوار التنزيل و في النسخ: مستعار من بين الجهتين المسامتين.
(5) أنوار التنزيل 2/ 406.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) أي: التعظيم.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) تفسير القمّي 2/ 318.
(10) المصدر: تكلّموا.
(11) ليس في ت، ش، ق.
321
بعضا. فأنزل اللَّه الآية (1).
و تكرير النّداء لاستدعاء مزيد الاستبصار، و المبالغة في الإيقاظ، و الدّالة على استقلال المنادى له و زيادة الاهتمام به.
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ: كراهة أن تحبط، فيكون علّة للنّهي.
أو لأن تحبط، على أنّ النّهي عن الفعل المعلّل باعتبار التّأدية (2)، لأنّ في الجهر و الرّفع استخفافا قد يؤدّي إلى الكفر المحبط و ذلك إذا انضمّ إليه قصد الإهانة و عدم المبالاة.
و في جوامع الجامع (3): و عن ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، و كان في أذنه وقر، و كان جهوريّ الصّوت، فكان إذا كلّمه رفع صوته، و ربّما تأذّى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بصوته (4).
و عن أنس (5): لمّا نزلت الآية، تخلّف عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (6).
فتفقّدوه و دعاه (7).
فقال: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لقد أنزلت إليك هذه الآية، و إنّي رجل جهير (8) الصّوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط.
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لست هناك، إنّك تعيش بخير و تموت بخير، و إنّك من أهل الجنّة.
وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2): أنّها محبطة.
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ: يحفضونها. عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ: مراعاة للأدب، أو مخافة عن مخالفة (9) النّهي.
____________
(1) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(2) أي: باعتبار ما يؤدي إليه الأمر. و حاصل ما قال في الاحتمال: أنّ الجهر بالقول لمّا كان قد يؤدّي إلى حبوط العمل فكأن الجهر كائن لحبوطه قهرا على الجهر المعلّل بحبوط العمل بالاعتبار المذكور.
(3) الجوامع/ 456.
(4) ليس في ش، ق.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) المصدر: «فقد ثابت» بدل «تحلّف عن ...».
(7) المصدر: فتفقّده رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأخبر بشأنه، فدعاه.
(8) ش، م، ق: جهور.
(9) يوجد في النسخ هنا زيادة: علّة.
322
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى: جرّ بها للتّقوى و مرّنها عليها. أو عرّفها كائنة للتّقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة، و «اللّام» صلة محذوف، أو للفعل باعتبار الأصل (1).
أو ضرب اللَّه قلوبهم بأنواع المحن و التّكاليف [الشاقّة] (2) لأجل التّقوى، فإنّها لا تظهر إلّا بالاصطبار عليها. أو أخلصها لها، من امتحن الذّهب: إذا أذابه و ميّز إبريزه (3) من خبثه (4).
و في أصول الكافي (5): محمّد بن الحسن و عليّ بن محمّد، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه وفاة الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- و ما كان من الحميراء (6) عند ذلك، و فيه قال (7): قال الحسين- (عليه السلام)-: و قد قال اللَّه- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ. و لعمري، لقد ضربت أنت لأبيك و فاروقه عند أذن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المعاول، و قال اللَّه- عزّ و جل-: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى. و لعمري، لقد أدخل أبوك و فاروقه على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بقربهما منه الأذى، و ما رعيا من حقّه ما أمرهما اللَّه به على لسان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. إنّ اللَّه حرّم من المؤمنين أمواتا ما حرّم منهم أحياء.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ: لذنوبهم.
وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (3): لغضهم، و سائر طاعاتهم.
و التّنكير، للتّعظيم. و الجملة خبر ثان ل «إن»، أو استئناف لبيان ما هو جزاء
____________
(1) قوله: «و اللام صلة محذوف، أو للفعل باعتبار الأصل» الأول بالنظر إلى التفسير الثاني، و الثاني باعتبار التفسير الأول. و ذلك لأنّ المراد من «جرّ بها للتقوى» كونها عريقة في التقوى معتادة عليها، فاللام في قوله: «للتقوى» باعتبار الأصل، أي: تعلّقها ب «أمتحن» باعتبار المعنى الأصليّ، لا بالنظر إلى المعنى المجازيّ.
(2) من ن.
(3) أي: خالصة.
(4) ق: خبيثه.
(5) الكافي 1/ 302- 303، ح 3.
(6) أي: عائشة بنت أبي بكر.
(7) ليس في ق.
323
الغاضّين إحمادا لحالهم، كما أخبر عنهم بجملة مؤلّفة من معرفتين، و المبتدأ اسم الإشارة (1) المتضمّن لما جعل عنوانا لهم (2). و الخبر الموصول بصلة دلّت على بلوغهم أقصى الكمال، مبالغة في الاعتداد بغضّهم و الارتضاء لهم، و تعريضا بشناعة الرّفع و الجهر، و أنّ حال المرتكب لهما على خلاف ذلك.
و في شرح الآيات الباهرة (3): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-:] (4) حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن محمّد بن أحمد (5)، عن المنذر بن جفير (6) قال: حدثني أبي، جفير (7) بن الحكيم (8)، عن منصور بن المعتمر (9)، عن ربعي بن خراش (10) قال: خطبنا عليّ- (عليه السلام)- في الرّحبة، ثمّ قال: إنّه لما كان في زمان الحديبية خرج إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أناس من قريش من أشراف أهل مكّة، فيهم سهيل بن عمرو، و قالوا: يا محمّد، أنت جارنا و حليفنا و ابن عمّنا، و لقد كان لحق بك أناس من أبنائنا (11) و إخواننا و أقاربنا، ليس بهم التّفقّه في الدّين و لا رغبة فيما عندك و لكن إنّما خرجوا فرارا من ضياعنا و أعمالنا و أموالنا، فارددهم علينا.
فدعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبا بكر، فقال له: انظر ما يقولون؟
فقال: صدقوا، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنت جارهم فارددهم عليهم.
قال: ثمّ دعا عمر، فقال مثل قول أبي بكر.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند ذلك: لا تنتهوا،- يا معشر قريش- حتّى يبعث اللَّه عليكم رجلا امتحن اللَّه قلبه للتّقوى يضرب رقابكم على الدّين. فقال أبو
____________
(1) أي: «أولئك» في قوله: «أولئك الذين ...».
(2) قوله: «المتضمّن لما جعل عنوانا لهم»، أي:
وصفا لهم. و التّضمّن باعتبار أنّ في اسم الإشارة إشارة إلى الوصف المذكور لما تقرّر من أنّ اسم الإشارة جعل المشار إليه كالمحسوس الحاضر، و لا بدّ في ذلك من كونه معلوما بالوصف حتّى يكون المعلوم كالمحسوس.
(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 602- 603.
ح 1.
(4) ليس في ش، م، ق.
(5) ق: عن أحمد بن محمّد.
6 و 7- كذا في المصدر. و في ق: حنفر. و في غيرها: خنفر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الحكم.
(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 268. و في النسخ: المغنم.
(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 315. و في ش، ق: جراش. و في غيرهما: جواش.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: آبائنا.
324
بكر: أنا هو يا رسول اللَّه؟
قال: لا.
فقال عمر: أنا هو يا رسول اللَّه؟
قال: لا، و لكنّه خاصف النّعل. و كنت أخصف نعل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: ثمّ التفت إلينا عليّ- (عليه السلام)- و قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: من كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّأ مقعده من النّار.
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ: من خارجها، خلفها أو قدّامها.
و «من» ابتدائية، فإنّ المناداة نشأت من جهة الوراء، و فائدتها الدّلالة على أنّ المنادى داخل الحجرة، إذ لا بدّ و أن يختلف المبدأ و المنتهى بالجهة.
و قرئ (1): «الحجرات» بفتح الجيم و سكونها، و ثلاثتها جمع، حجرة، و هي القطعة من الأرض (2) المحجورة بحائط. و لذلك يقال لحظيرة الإبل: حجرة. و هي فعلة، بمعنى: مفعول، كالغرفة و القبضة.
و المراد: حجرات نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و فيها كناية عن خلوته فيها بالنّساء.
و مناداتهم من ورائها إمّا بأنّهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، أو بأنّهم تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فأسند فعل الأبعاض إلى الكلّ.
و قيل (3): إنّ الّذي ناداه عيينة بن حصن (4) و الأقرع بن حابس، و فدا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظّهيرة و هو راقد فقالا: يا محمّد، اخرج إلينا.
و إنّما أسند الفعل إلى جميعهم لأنّهم رضوا بذلك، أو أمروا به، أو لأنّه وجد فيما بينهم.
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4): إذ العقل يقتضي حسن الأدب و مراعاة الحشمة،
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 407.
(2) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) ن: حصين. ش، ي، ق: خصر.
325
سيما لمن كان بهذا المنصب.
وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، اي: و لو ثبت صبرهم و انتظارهم حتّى تخرج إليهم. فإن «أنّ» و إن دلّت بما في حيزها على المصدر دلّت بنفسها على الثّبوت، و لذلك وجب إضمار الفعل.
و «حتّى» تفيد أنّ الصّبر ينبغي أن يكون مغيا بخروجه، فإن حتّى مختصّة بغاية الشيء في نفسه، و لذلك تقول: أكلت السّمكة حتّى رأسها، و لا تقول: حتّى نصفها.
بخلاف «إلى» فإنّها عامّة.
و في «إليهم» إشعارا بأنّه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتّى يفاتحهم بالكلام، أو يتوجّه إليهم.
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ: لكان الصّبر خيرا لهم من الاستعجال، لما فيه من حفظ الأدب و تعظيم الرّسول الموجبين للثّناء و الثّواب، و الإسعاف بالمسؤول. إذ نقل أنّهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر فأطلق النّصف و فادى النّصف.
وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5): حيث اقتصر على النّصح [و التقريع] (1) لهؤلاء المسيئين الأدب، التّاركين تعظيم الرّسول.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا: فتعرّفوا و توقّفوا فيه حتّى يثبت عندكم حقيقته.
روي (2): أنّه بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق، و كان بينه و بينهم إحنة (3)، فلمّا سمعوا به استقبلوه فحسبهم مقاتليه، فرجع و قال لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قد ارتدّوا و منعوا الزّكاة، فهمّ بقتالهم، فنزلت.
و [قيل] (4): بعث إليهم خالد بن الوليد بعده فوجدهم منادين بالصّلاة متهجّدين، فسلّموا إليه الصّدقات فرجع.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن الحسن (6) بن عليّ- عليهما
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 408.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أخته.
و الإحنة: الحقد و الضغن.
(4) من نفس المصدر و الموضع.
(5) الاحتجاج/ 276.
(6) ن، ت، ي، ر: الحسين.
326
السّلام- حديث طويل، يقول فيه: و أمّا أنت، يا وليد بن عقبة، فو اللَّه ما ألومك أن تبغض عليّا- (عليه السلام)- و قد حدّك (1) في الخمر ثمانين جلدة، و قتل أباك صبرا بيده يوم بدر، أم كيف تسبّه فقد سمّاه اللَّه مؤمنا في عشر (2) آيات من القرآن و سمّاك فاسقا، و هو قوله- تعالى-: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (الآية) (3).
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ- و المرويّ عن الصّادق (5)- (عليه السلام)-: «فتثبّتوا»
، أي:
فتوقّفوا إلى أن يتبيّن لكم الحال.
و استدلّ بعضهم بالآية على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا، من حيث إنّ اللَّه أوجب التّوقف في خبر الفاسق فدلّ على أن خبر العادل لا يوجب التّوقف فيه.
و هذا لا يصحّ، لأنّ دليل الخطاب لا يعول (6) عليه عندنا و عند أكثر المحقّقين.
و في كتاب معاني الأخبار (7): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)-، عن سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبي جميلة، المفضّل بن صالح، عن زيد الشّحّام قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الرّفث و الفسوق [و الجدال.
قال: أمّا «الرّفث» فالجماع، و أمّا «الفسوق»] (8) فهو الكذب، ألّا تسمع قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ] (9). و «الجدال» [هو قول الرجل] (10) لا و اللَّه، و بلى و اللَّه، و سباب الرّجل الرّجل.
أَنْ تُصِيبُوا: كراهة إصابتكم.
قَوْماً بِجَهالَةٍ: جاهلين بحالهم.
فَتُصْبِحُوا: فتصيروا.
عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6): مغتمّين غمّا لازما، متمنّين أنّه لم يقع.
____________
(1) ن، ت، ي، المصدر: جلدك.
(2) المصدر: عشرة.
(3) ورد في ن، ت، ي، ر: بقيّة نصّ الآية.
(4) أنوار التنزيل 2/ 408.
(5) ورد في ن و مجمع البيان 5/ 131: عن الباقر.
(6) كذا في مجمع البيان 5/ 133. و في النسخ:
لا يعمل.
(7) المعاني/ 294، ح 1.
(8) ليس في ن.
(9) ليس في ش، م، ق.
(10) من المصدر.
327
و تركيب هذه الأحرف الثّلاثة (1) دائر مع الدّوام.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): إنّها نزلت في مارية القبطيّة، أمّ إبراهيم. و كان سبب ذلك أنّ عائشة قالت لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ إبراهيم ليس هو منك، و إنّما هو من جريح القبطيّ، فإنّه يدخل إليها في كلّ يوم.
فغضب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: [خذ السيف و ائتي برأس جريح.
فأخذ أمير المؤمنين] (3) السّيف ثمّ قال: بأبي أنت و أمّي، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّك إذا بعثتني في أمر أكون فيه كالسّفّود (4) المحماة في الوبر، فكيف تأمرني أثبت فيه أو أمضي على ذلك؟
فقال له رسول اللَّه: بل تثبت.
فجاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى مشربة أمّ إبراهيم فتسلّق عليها، فلمّا نظر جريح هرب منه و صعد النّخلة، فدنا منه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و قال له: انزل.
فقال له: يا عليّ، اتّق اللَّه، ما ها هنا أناس (5) إنّي مجبوب (6).
ثمّ كشف عن عورته فإذا هو مجبوب، فأتى به إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما شأنك، يا جريح؟
فقال: يا رسول اللَّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ القبط يجبّون إلى حشمهم (7) و من يدخل إلى أهليهم، و القبطيّون لا يأنسوا إلّا بالقبطيّين، فبعثني أبوها لأدخل إليها و أخدمها و أونسها.
فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ (الآية).
و في رواية عبد اللَّه (8) بن موسى (9): عن أحمد بن راشد (10)، عن مروان بن مسلم، عن
____________
(1) أي: تركيب النّون و الدّال و الميم دالّ على الدّوام. قيل: «النّدم» غمّ يصحب الإنسان صحبة لها دوام. و من مقلوباته أدمن، و مدن بالمكان: إذا الزمه.
(2) تفسير القمّي 1/ 318- 319.
(3) ليس في م، ش، ق.
(4) السّفود: حديدة يشوى عليها اللّحم.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بأس.
(6) المجبوب: الخصيّ.
(7) الحشم: خاصة الرّجال الّذين يغضبون لغضبه و لما يصيبه من مكروه.
(8) في المصدر زيادة: (عبيد اللَّه- ط)
(9) نفس المصدر/ 319.
(10) المصدر: رشيد (راشد- ط)
328
عبد اللَّه بن بكير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد أمر بقتل القبطيّ، و قد علم أنّها كذبت عليه أم لم يعلم، و إنّما دفع اللَّه عن القبطيّ القتل بتثبّت (1) عليّ- (عليه السلام)-؟
فقال: بلى قد كان، و اللَّه، أعلم، و لو كان عزيمة من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- القتل، ما رجع عليّ حتّى يقتله، و لكنّه إنّما فعل ذلك (2) رسول اللَّه لترجع عن ذنبها، فما رجعت و لا اشتدّ عليها قتل رجل مسلم بكذبها.
و يمكن الجمع بين هذا و خبر الاحتجاج المتقدّم، بأن الآية نزلت أوّلا في الوليد و جرت باعتبار عمومه المستفاد من التّنكير في عائشة و غيرها.
و في أمالي الصّدوق (3)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه للمنصور: لا تقبل في ذي رحمك و أهل الرّعاية من أهل بيتك قول [من حرّم اللَّه عليه الجنّة و جعل مأواه النّار. فإنّ النمّام شاهد الزور (4) و شريك إبليس في الإغراء (5) بين (6) [الناس] (7). و قد قال اللَّه (8)- تبارك و تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ (الآية) (9).
وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ «أن» بما في حيّزه سادّ مسدّ مفعولي «اعلموا» باعتبار ما قيّد به من الحال و هو قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ. فإنّه حال من أحد ضميري «فيكم» (10)، و لو جعل استئنافا لم يظهر للأمر فائدة.
و المعنى: أن فيكم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على حال يجب تغييرها، و هو أنّكم تريدون أن يتّبع رأيكم في الحوادث و لو فعل ذلك لعنتم، أي: لوقعتم في الجهد من الإيقاع ببني المصطلق، أو قتل جريح القبطيّ البريء ممّا رمي به، و الندم عليه من العنت.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يثبت.
(2) ليس في المصدر.
(3) أمالي الصّدوق/ 490، ح 9.
(4) المصدر: زور.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الاعرا.
(6) يوجد في ش، م، ق، بدل ما بين المعقوفتين:
الأعرابيّين.
(7) من المصدر.
(8) ليس في ق.
(9) ورد في ن، ت، ي، ر، بقيّة نص الآية.
(10) قوله: «أحد ضميري فيكم» لأنّه في تقدير:
كائن، و الآخر الضّمير المجرور.
329
وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ: استدراك ببيان عذرهم، و هو أنّهم من فرط حبّهم الإيمان و كراهتهم الكفر حملهم على ذلك لمّا سمعوا قول الوليد، أو عائشة، أو بصفة من لم يفعل ذلك، إحمادا لفعلهم و تعريضا بذمّ من فعل، و يؤيّده قوله: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7): أي: أولئك المستثنون هم الّذين أصابوا الطّريق السّويّ.
و «كره» متعدّ بنفسه إلى مفعول واحد، فإذا شدّد زاد له (1) أخر (2)، لكنّه لمّا تضمّن معنى التّبعيض عدّي «بإلى».
و «الكفر» تغطية نعم اللَّه بالجحود.
و «الفسوق» الخروج عن القصد.
و «العصيان» الامتناع عن الانقياد.
و في أصول الكافي (3): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله:
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، يعني: أمير المؤمنين. وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ الأوّل و الثّاني و الثّالث.
عليّ بن إبراهيم (4)، [عن أبيه، عن حمّاد] (5) عن حريز، عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الحبّ و البغض أ من الإيمان هو؟
فقال: و هل الإيمان إلّا الحبّ و البغض. ثمّ تلا هذه الآية: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ (الآية) (6).
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدّنيا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): حدّثنا محمّد بن جعفر، عن يحيى بن زكريّا، عن
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 409: زاوله.
(2) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
اخرى.
(3) الكافي 1/ 426، ح 71.
(4) نفس المصدر/ 2/ 125، ح 5.
(5) من المصدر.
(6) ورد في ن، ت، ي، ر، بقيّة نصّ الآية.
(7) نفس المصدر 2/ 128، ح 2.
(8) تفسير القمّي 2/ 319.
330
عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله:
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام). وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ الأول و الثّاني و الثّالث (1).
و في مجمع البيان (2):
الفسوق الكذب. عن ابن عبّاس و ابن زيد، و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
و في محاسن البرقيّ (3): عنه، عن محمّد بن خالد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أيّوب بن الحرّ (4)، عن الحسن بن زياد قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ هل للعباد بما حبّب اللَّه (5) صنع؟
قال: لا، و لا كرامة.
عنه (6)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبيدة، زياد الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث له، قال: يا زياد، و يحك و هل الدّين إلّا الحبّ، ألا ترى إلى قول اللَّه (7): إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. أو ما ترون (8) قول اللَّه لمحمّد- (عليه السلام)-: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ. و قال: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.
و قال: الدّين هو الحبّ، و الحبّ هو الدّين.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (9): قال: حدّثنا الحسين بن سعيد قال:
حدّثنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن يونس بن حبّاب، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: حبّ أمير المؤمنين (10) [عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-] (11) إيمان، و بغضه نفاق. ثمّ قرأ: وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ- إلى قوله- (12): الرَّاشِدُونَ.
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً: تعليل «لكرّه» أو «حبّب» و ما بينهما اعتراض، لا «للرّاشدون» فإنّ الفضل فعل اللَّه، و الرّشد و إن كان مسبّبا عن فعله مسند إلى ضميرهم.
____________
(1) المصدر: فلان و فلان و فلان.
(2) المجمع 5/ 133.
(3) المحاسن/ 199، 29.
(4) في غير ن من النسخ: الحرب.
(5) ليس في المصدر.
(6) نفس المصدر/ 262، ح 327.
(7) آل عمران/ 31.
(8) المصدر أو لا ترى.
(9) تفسير فرات الكوفي/ 162.
(10) المصدر: حبّ عليّ.
(11) ليس في ش، ق.
(12) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
331
أو مصدر لغير فعله، فإنّ التّحبيب و الرشد فضل من اللَّه و إنعامه.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ: بأحوال المؤمنين و ما بينهم من التّفاضل.
حَكِيمٌ (8): حين يفضل و ينعم بالتّوفيق عليهم.
وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا: تقاتلوا (1). و الجمع باعتبار المعنى، فإن كلّ طائفة جمع.
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما: بالنّصح، و الدّعاء إلى حكم اللَّه.
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى: تعدّت عليها.
فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ: ترجع إلى حكمه و ما أمر به.
و إنّما اطلق الفيء على الظّلّ لرجوعه بعد نسخ الشّمس، و الغنيمة لرجوعها من الكفّار إلى المسلمين.
و في كتاب الخصال (2): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- أنّه قال:
القتل قتلان: قتل كفّارة، و قتل درجة. و القتال قتالان: قتال الفئة الكافرة حتّى يسلموا، و قتال الفئة الباغية حتّى يفيئوا.
و في الكافي (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل [أبي- (عليه السلام)-] (4) عن حروب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كان السّائل من محبينا.
فقال له أبي: إن اللَّه بعث محمّدا بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة لا تغمد حتّى تضع الحرب أوزارها، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها، [فإذا طلعت الشمس من مغربها] (5) أن النّاس كلّهم في ذلك اليوم، فيومئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً (6). و سيف منها مكفوف، و سيف منها مغمد (7) سلّه إلى غيرنا و حكمه إلينا.
... إلى قوله: و أما السّيف المكفوف فسيف على أهل البغي و التّأويل، قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- إلى قوله- (8): أَمْرِ اللَّهِ. فلمّا نزلت هذه الآية قال
____________
(1) ليس في ي.
(2) الخصال/ 60، ح 83.
(3) الكافي 5/ 10- 12، ح 2.
(4) ليس في ق.
(5) ليس في ن، ق.
(6) الأنعام/ 158.
(7) المصدر: مغموم.
(8) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
332
رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ منكم من يقاتل بعدي على التّأويل، كما قاتلت على التّنزيل.
فسئل النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من هو؟
قال: خاصف النّعل، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
فقال عمّار بن ياسر، قاتلت بهذه الرّاية مع رسول اللَّه ثلاثا و هذه الرّابعة، و اللَّه، لو ضربونا حتّى بلغوا بنا السّعفات من هجر (1)، لعلمنا أنّا على الحقّ و أنّهم على الباطل.
و كانت السّيرة فيهم من أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ما كان من رسول اللَّه في أهل مكّة يوم فتح مكة، فإنّه لم يسب لهم ذريّة، و قال: من أغلق بابه فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن. و كذلك قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوم البصرة، نادى فيهم:
لا تسبوا لهم ذريّة، و لا تجهزوا على جريح (2)، و لا تتّبعوا مدبرا، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن.
فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ: بفصل ما بينهما على ما حكم اللَّه.
و تقييد الإصلاح بالعدل ها هنا لأنّه مظنّة الحيف، من حيث إنّه بعد المقاتلة.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (الآية) (4) قال: الفئتان (5). إنّما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة، و هم أهل هذه الآية، و هم الّذين بغوا على أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فكان الواجب عليه قتالهم و قتلهم حتّى يفيئوا إلى أمر اللَّه، و لو لم يفيئوا، لكان الواجب عليه فيما أنزل اللَّه ألّا يرفع السّيف عنهم حتّى يفيئوا [إلى أمر اللَّه] (6) و يرجعوا عن رأيهم، لأنّهم بايعوا طائعين غير كارهين، و هي الفئة الباغية، كما قال اللَّه- تعالى- فكان الواجب على أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم، كما عدل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-
____________
(1) السّعفات. جمع السّعفة-: أغصان النّخل.
و الهجر- بالتّحريك-: بلدة باليمن، و اسم لجميع أرض البحرين. و إنّما خصّ هجر لبعد المسافة، أو لكثرة النّخل بها.
(2) أجهز على الجريح: أسرع في قتله.
(3) الكافي 8/ 180، ح 202.
(4) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(5) ليس في ش، م، ق. و هذا تفسير ل «طائفتان».
(6) من ق. ليس في المصدر أيضا.
333
في أهل مكّة، إنّما منّ عليهم و عفا، و كذلك صنع أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بأهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأهل مكّة حذو النّعل بالنّعل.
و في من لا يحضره الفقيه (1): و روى سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: سألت جعفر بن محمّد (2)- (عليه السلام)- عن طائفتين من المؤمنين إحداهما باغية و الأخرى عادلة اقتتلوا، فقتل رجل من أهل العراق أباه أو ابنه أو حميمه و هو من أهل البغي و هو وارثه، هل يرثه؟
قال: نعم، لأنّه قتله بحقّ.
وَ أَقْسِطُوا: و اعدلوا في كلّ الأمور.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9): يحمد فعلهم بحسن الجزاء.
و في مجمع البيان (3): و الآية نزلت في [قتال حدث بين الأوس و الخزرج في عهده- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالسّعف و النّعال ... عن سعيد بن جبير.
و قيل (4): نزلت في رهط عبد اللَّه بن ابيّ بن سلول من الخزرج و رهط عبد اللَّه بن رواحة من الأوس، و سببه أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وقف على عبد اللَّه بن ابيّ فراث حمار رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمسك عبد اللَّه أنفه، و قال: إليك عنّي.
فقال عبد اللَّه بن رواحة: [و اللَّه] (5) لحمار رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أطيب ريحا منك و من أبيك. فغضب [و أعانه] (6) قومه، و أعان ابن رواحة قومه، و كان بينهما ضرب بالحديد (7) و الأيدي و النّعال.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ: من حيث إنّهم منتسبون إلى أصل واحد هو الايمان الموجب للحياة الأبديّة. و هو تعليل و تقرير للأمر بالإصلاح، و لذلك كرّره مرتّبا عليه بالفاء (8).
____________
(1) الفقيه 4/ 233، ح 748.
(2) ق: سألت أبا جعفر.
(3) المجمع 5/ 132. باختلاف في التعبير.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في المصدر.
(6) ليس في ي، ر، المصدر.
(7) ن، ي: و كان بينهما حرب بالجريد.
(8) يعني بالفاء الموجودة في قوله- تعالى-:
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ و التي تجيء بعد قوله:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
334
و في أصول الكافي (1): عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ بنو أب و أمّ، و إذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون.
عنه (2)، عن أبيه، عن فضالة بن أيّوب، عن عمر (3) بن أبان، عن جابر الجعفيّ قال: تقبّضت بين يدي أبي جعفر- (عليه السلام)- فقلت: جعلت فداك، ربّما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتّى يعرف ذلك أهلي في وجهي و صديقي.
فقال: نعم، يا جابر، إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق المؤمنين من طينة الجنان و أجرى فيهم من ريح روحه، و لذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمّه، فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن، حزنت هذه، لأنّها منها.
محمّد بن يحيى (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: المؤمن أخو المؤمن، عينه و دليله، لا يخونه (5) و لا يظلمه [و لا يغشّه] (6) و لا يغيبه و لا يعده عدة فيخلفه.
و بإسناده (7) إلى أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: المؤمن أخو المؤمن، كالجسد الواحد إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، و أرواحهما من روح واحدة، و إنّ روح المؤمن لأشدّ اتّصالا بروح اللَّه من اتصال شعاع الشّمس بها.
و بإسناده (8) إلى الحارث بن المغيرة قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- المسلم أخو المسلم، هو عينه و مرآته و دليله، لا يخونه و لا يخدعه و لا يظلمه و لا يكذبه و لا يغتابه.
و بإسناده (9) إلى حفص بن البختريّ قال: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و دخل عليه رجل.
فقال لي: تحبّه؟
____________
(1) الكافي 2/ 165، ح 1.
(2) نفس المصدر/ 166، ح 2.
(3) ليس في ش، ق.
(4) نفس المصدر/ 166، ح 3.
(5) ش، ق: لا يحزنه.
(6) ليس في ت. و في ش: و لا يغتبه. و في سائر النسخ: و لا يغبه. و ما أثبتنا في المتن موافق المصدر.
(7) نفس المصدر/ 166، ح 4.
(8) نفس المصدر/ 166، ح 5.
(9) نفس المصدر/ 166، ح 6.
335
فقلت: نعم.
فقال لي: و لم لا تحبّه، و هو أخوك و شريكك في دينك و عونك على عدوّك، و رزقه على غيرك.
و بإسناده (1) إلى محمّد بن الفضيل (2): [عن أبي حمزة] (3) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمّه، لأنّ اللَّه خلق المؤمنين من طينة الجنان، و أجرى في صورهم من ريح الجنّة. فذلك هم إخوة لأب و أمّ (4).
و بإسناده (5) إلى عليّ بن عقبة: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ المؤمن أخو المؤمن، عينه و دليله، لا يخونه و لا يظلمه و لا يغشه و لا يعده عدة فيخلفه.
أحمد بن محمّد بن عيسى (6)، [عن أحمد بن محمّد] (7) بن عبد اللَّه (8)، عن رجل، عن جميل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: المؤمنون خدم بعضهم لبعض.
قلت: و كيف يكونون خدما بعضهم [لبعض؟
قال: يفيد بعضهم] (9) بعضها.
(الحديث)
و بإسناده (10) إلى الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ نفرا من المسلمين خرجوا إلى سفر لهم فضلّوا الطّريق، فأصابهم عطش شديد، فتكفّنوا و لزموا (11) أصول الشّجر، فجاءهم شيخ و عليه ثياب بيض.
فقال: قوموا فلا بأس عليكم، فهذا الماء.
فقاموا و شربوا و ارتووا، فقالوا: من أنت، يرحمك اللَّه؟
فقال: أنا من الجنّ الّذين بايعوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. إنّي سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: المؤمن أخو المؤمن، عينه و دليله، فلم تكونوا تضيعوا بحضرتي.
و بإسناده (12) إلى ربعي: عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللَّه- عليه
____________
(1) نفس المصدر/ 166، ح 7.
(2) ق: الفضل.
(3) ليس في ش، ق.
(4) ش، ق: إخوه للأب و للأمّ.
(5) نفس المصدر/ 167، ح 8.
(6) نفس المصدر/ 167، ح 9.
(7) ليس في ش، ق.
(8) المصدر: عن أحمد بن [محمّد بن] عبد اللَّه.
(9) ليس في ن، ت، م، ش، ي.
(10) نفس المصدر/ 167، ح 10.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الزموا.
(12) نفس المصدر/ 167، ح 11.
336
السّلام- يقول: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه و لا يخذله (1).
قال ربعي: فسألني رجل من أصحابنا بالمدينة، فقال: سمعت الفضيل يقول ذلك.
قال: فقلت له: نعم، فقال: فإني سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول:
المسلم أخو المسلم، لا يظلمه و لا يغشه [و لا يخذله] (2) و لا يغتابه و لا يخونه و لا يحرمه.
و في محاسن البرقيّ (3): عنه، عن أبي عبد اللَّه، أحمد بن محمّد السّياريّ، و حسن بن معاوية، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمّه، و ذلك أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- خلق المؤمن من طينة جنان السّموات و أجرى فيهم من ريح روحه (4)، فلذلك هو أخوه لأبيه و أمّه.
و في بصائر الدّرجات (5): الحسن بن عليّ بن معاوية، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن عيسى بن أسلم، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-:
جعلت فداك، هذا الحديث الّذي سمعته منك ما تفسيره؟
قال: و ما هو؟
قال: إنّ المؤمن ينظر بنور اللَّه.
فقال: يا معاوية، إنّ اللَّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و أخذ ميثاقهم لنا بالولاية على معرفته يوم عرّفهم نفسه، فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمّه، أبوه النّور و أمّه الرّحمة، و إنّما ينظر بذلك النّور [الّذي خلق منه] (6).
و في إرشاد المفيد (7)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ: عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه: يا فاطمة، إنّ لعليّ ثمانية أضراس قواطع لم تجعل لأحد من الأولين و الآخرين [مثلها] (8)، هو أخي في الدّنيا و الآخرة. و ليس ذلك لغيره (9) من النّاس.
____________
(1) في المصدر: [و لا يغتابه و لا يخونه و لا يحرمه].
(2) من المصدر.
(3) المحاسن/ 134، ح 12.
(4) المصدر: و أجرى فيهم من روح رحمته.
(5) البصائر/ 100، ح 2.
(6) من المصدر.
(7) الإرشاد/ 16.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: لأحد.
337
و في مجمع البيان (1): و روى الزّهريّ، عن سالم، عن أبيه أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه و لا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، و من فرّج عن مسلم كربة، فرّج اللَّه بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، و من ستر مسلما ستره اللَّه (2) يوم القيامة. أورده البخاريّ و مسلم في صحيحهما.
و في وصية النبيّ (3)- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: سر ميلًا عد مريضا، سر ميلين شيّع جنازة، سر ثلاثة [أميال] (4) أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في اللَّه، سر خمسة أميال أجب [دعوة] (5) الملهوف، سر ستة أميال (6) انصر المظلوم، و عليك بالاستغفار.
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ:
وضع الظّاهر موضع الضّمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التّقرير و التّخصيص، و خصّ الاثنين بالذّكر لأنّهما أقلّ من يقع بينهما الشّقاق.
و قيل (7): المراد بالأخوين الأوس و الخزرج.
و قرئ (8): «بين إخوتكم» و «إخوانكم».
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن حمّاد بن أبي طلحة، عن حبيب الأحول قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: صدقة يحبّها اللَّه إصلاح بين النّاس إذا تفاسدوا، و تقارب بينهم إذا تباعدوا.
عنه (10)، عن محمّد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله.
عنه (11)، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لئن أصلح بين اثنين، أحبّ إليّ من أتصدّق بدينارين.
عنه (12)، عن أحمد بن محمّد [عن] (13) ابن سنان، عن مفضل قال: قال أبو عبد اللَّه
____________
(1) المجمع 5/ 134.
(2) ن: و من سرّه، سرّه اللَّه.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ق، ش.
7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 409.
(9) الكافي 2/ 209، ح 1.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) نفس المصدر، ح 2.
(12) نفس المصدر، ح 3.
(13) من المصدر.
338
- (عليه السلام)-: إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي.
ابن سنان (1)، عن أبي حنيفة سائق (2) الحاجّ قال: مرّ بنا المفضّل، و أنا و ختني (3) نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثمّ قال لنا: تعالوا إلى المنزل. فأتيناه، فأصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها إلينا من عنده، [حتّى] (4) إذا استوثق كلّ واحد منّا من صاحبه قال: أما إنّها ليست من مالي، و لكن أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما و أفتديهما (5) من ماله، فهذا من مال أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
عن عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: المصلح ليس بكاذب (7).
عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب أو معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال: أبلغ عنّي كذا و كذا. في أشياء أمر بها.
قلت: فأبلّغهم عنك، و أقول عنّي ما قلت لي و غير الّذي قلت؟
قال: نعم، إنّ المصلح ليس بكذّاب. [إنّما هو الصّلح، ليس بكذب] (9).
وَ اتَّقُوا اللَّهَ: في مخالفة حكمه و الإهمال فيه.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10): على تقواكم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ، أي: لا يسخر بعض المؤمنين و المؤمنات من بعض، إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند اللَّه من السّاخر.
و «القوم» مختصّ بالرّجال، لأنّه إمّا مصدر نعت به فشاع في الجمع، أو جمع لقائم، كزائر و زور. و القيام بالأمور وظيفه الرّجال، كما قال (10)- تعالى-:
____________
(1) نفس المصدر، ح 4.
(2) المصدر سابق.
(3) الختن: زوج بنت الرجل، و زوج أخته، أو كل من كان من قبل المرأة.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: أفتديها.
(6) نفس المصدر، ح 5.
(7) يعني: إذا تكلم بما لا يطابق الواقع فيما يتوقف عليه الإصلاح، لم يعد كلامه كذبا.
(8) نفس المصدر/ 210، ح 7.
(9) من المصدر مع المعقوفتين.
(10) النساء/ 34.
339
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. و حيث فسّر بالقبيلين، كقوم عاد و فرعون، فإمّا على التّغليب، أو الاكتفاء بذكر الرّجال عن ذكرهنّ لأنّهنّ توابع. و اختيار الجمع، لأنّ السّخرية تغلب في المجامع.
و «عسى» باسمها استئناف بالعلّة الموجبة للنّهي، و لا خبر لها لإغناء الاسم عنه.
و قرئ (1): «عسوا أن يكونوا» و «عسين أن يكنّ». فهي على هذا ذات خبر.
وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، أي: و لا يطعن بعضكم بعضا، فإنّ المؤمنين كنفس واحدة. أو لا تفعلوا ما تلمزون به، فإنّ من فعل ما استحقّ به اللّمز فقد لمز نفسه.
و «اللّمز»: الطّعن باللّسان.
و قيل (2): «اللّمز» العيب في المشهد، و «الهمز» العيب في المغيب.
و قيل (3): إنّ «اللّمز» يكون باللّسان و العين و الإشارة، و «الهمز» لا يكون إلّا باللّسان.
و قيل (4): معناه: و لا يلعن بعضكم بعضا.
و قيل (5): معناه: و لا يغتب بعضكم بعضا.
و قرأ (6) يعقوب، بالضّمّ.
وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ: و لا يدع بعضكم بعضا بلقب السّوء، فإنّ النّبز مختصّ بلقب السّوء عرفا.
و قيل (7). هو كلّ اسم لم يوضع له و إذا دعي به يكرهه، فأمّا إذا كان لا يسوؤه و لا يكرهه فلا بأس به، مثل: الفقيه و القاضي.
و قيل (8): هو قول الرّجل للرّجل: يا كافر، يا فاسق، يا منافق.
و قيل (9): كان اليهوديّ و النّصرانيّ يسلم، فيقال له بعد ذلك: يا يهوديّ، أو: يا نصرانيّ، فنهوا عن ذلك.
و قيل (10): هو أن يعمل إنسان شيئا من القبيح ثمّ يتوب منه، فيعير بما سلف منه.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 410.
(2) مجمع البيان 5/ 136.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 410.
7 و 8 و 9 و 10 مجمع البيان 5/ 136.
340
و في عيون الأخبار (1)، في باب ما أنشده الرّضا- (عليه السلام)- من الشّعر في الحلم و غيره: حدّثنا الحاكم أبو عليّ، الحسين بن أحمد البيهقيّ قال: حدثنا محمّد بن يحيى الصّوليّ قال: حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي عبّاد قال: حدّثني عمّي قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يوما ينشد، و قليلا ما كان ينشد شعرا:
كلّنا يأمل مدّا في الأجل* * * و المنايا هنّ آفات الأمل
لا تغرّنك أباطيل المنى* * * و الزم القصد (2) ودع عنك العلل
إنّما الدّنيا كظلّ زائل* * * حلّ فيه راكب ثمّ رحل
فقلت: لمن هذا، أعزّ اللَّه الأمير؟
فقال: لعراقيّ لكم.
قلت: أنشدنيه أبو العتاهية لنفسه.
فقال: هات اسمه و دع هذا، إنّ اللَّه- سبحانه و تعالى- يقول: وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ. و لعلّ الرجل يكره هذا.
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ، أي: بئس الذّكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم الإيمان، أو اشتهارهم به.
و المراد به: إمّا تهجين نسبة الكفر و الفسوق إلى المؤمنين خصوصا، أو الدّلالة على أنّ التّنابز فسق و الجمع بينه و بين الإيمان مستقبح.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و أما قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً (الآية) (4) فإنّها نزلت في صفيّة بنت حيّ بن أخطب، و كانت زوجة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذلك أنّ عائشة و حفصة كانتا تؤذيانها و تشتمانها، و تقولان لها: يا بنت اليهوديّة. فشكت ذلك إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
____________
(1) العيون 2/ 175 ح 7.
(2) المصدر: الصّمت.
(3) تفسير القمّي 2/ 322.
(4) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية إلى:
منهنّ.
341
فقال لها: ألا تجيبيهما؟
فقالت: بماذا، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: قولي: إنّ أبي هارون نبيّ اللَّه، و عمّي موسى كليم اللَّه، و زوجي محمّد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فما تنكران منّي؟
فقالت لهما، فقالتا: هذا علّمك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأنزل اللَّه في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله (1)-: بَعْدَ الْإِيمانِ.
و في كتاب الخصال (2): عن أبان بن تغلب قال: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- إذا دخل عليه رجل من أهل اليمن فسلّم عليه، فردّ [(عليه السلام)] (3) و قال له:
مرحبا بك، يا سعد.
فقال له الرّجل: بهذا الاسم سمّتني أمّي، و ما أقلّ من يعرفني به! فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: صدقت، يا سعد المولى.
فقال الرّجل: جعلت فداك، بهذا كنت القّب.
فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لا خير في اللّقب، إن اللَّه يقول في كتابه:
وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ.
وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ: عمّا نهي عنه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11): بوضع العصيان موضع الطّاعة، و تعريض النّفس للعذاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ: كونوا على جانب منه.
قيل (4): و إبهام «الكثير» ليحتاط في كلّ ظنّ و يتأمل حتى يعلم أنّه من أي القبيل، فإنّ من الظّن ما يجب اتّباعه، كالظّنّ حيث لا قاطع فيه من العمليّات، و حسن الظّنّ باللَّه، و ما يحرم، كالظّنّ في الإلهيّات و النّبوّات و حيث يخالفه قاطع، و ظنّ السّوء بالمؤمنين، و ما يباح، كالظّنّ في الأمور المعاشيّة.
و في أصول الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن الحسين بن حازم، عن حسين بن عمر بن يزيد، عن أبيه- إلى قوله-: بعد
____________
(1) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(2) الخصال/ 489، ح 68.
(3) ليس في م، ق، ش.
(4) أنوار التنزيل 2/ 410.
(5) الكافي 2/ 361، ح 2.
342
نقل حديث عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. و قبل هذا: عليّ بن إبراهيم (1): عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. و نقل حديثا- أيضا- عنه، عن أبيه، عمن حدّثه، عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يغلبك منه، و لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجد لها في الخير محملا.
و بإسناده (2) إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللَّه- تعالى-: و لا يتّكل العاملون على أعمالهم الّتي يعملونها لثوابي، فإنّهم لو اجتهدوا و أتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي.
... إلى قوله: و لكن برحمتي فليثقوا، و فضلي فليرجوا، و إلى حسن الظّنّ بي فليطمئنّوا.
و بإسناده (3) إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: وجدنا في كتاب عليّ- (عليه السلام)- أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و هو على منبره:
و الّذي لا إله إلّا هو، ما اعطي مؤمن قطّ خير الدّنيا و الآخرة إلّا بحسن ظنّه باللَّه و رجائه له و حسن خلقه و الكفّ عن اغتياب المؤمنين.
و الّذي إلّا هو، لا يعذّب اللَّه مؤمنا بعد التّوبة و الاستغفار إلّا بسوء ظنّه باللَّه [و تقصيره (4) من رجائه] (5) و سوء خلقه و اغتيابه للمؤمنين.
و الّذي لا إله إلّا هو، لا يحسن ظن عبد مؤمن باللَّه إلّا كان اللَّه عند ظنّ عبده المؤمن، لأنّ اللَّه كريم بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظّنّ ثمّ يخلف ظنّه و رجاءه، فأحسنوا باللَّه الظّنّ و ارغبوا (6) إليه.
و بإسناده (7) إلى الرّضا- (عليه السلام)- قال: أحسن الظّنّ باللَّه، فإنّ اللَّه
____________
(1) نفس المصدر/ 362، ح 3.
(2) نفس المصدر/ 71، ح 1.
(3) نفس المصدر/ 71- 72، ح 2.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تقهر.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) ق، ش: راغبوا.
(7) نفس المصدر 2/ 72، ح 3.
343
- عزّ و جلّ- يقول: أنا عند ظنّ عبدي المؤمن بي إن خيرا فخيرا، و إن شرا فشرا.
و بإسناده (1) إلى سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: حسن الظّنّ باللَّه ألّا ترجو إلّا اللَّه، و لا تخاف إلّا ذنبك.
و في كتاب الخصال (2)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب: اطرحوا سوء الظّنّ بينكم، فإنّ اللَّه نهى عن ذلك.
و في نهج البلاغة (3): و قال- (عليه السلام)-: إذا استولى الصّلاح على الزّمان و أهله ثم أساء رجل الظّنّ برجل لم تظهر منه حوبة (4) فقد ظلم، و إذا استولى الفساد على الزّمان و أهله ثمّ أحسن رجل الظّنّ برجل فقد غرّر.
و في مجمع البيان (5): و في الحديث: إيّاكم و الظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب (6) الحديث.
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ: تعليل مستأنف للأمر.
و «الإثم» الذّنب الّذي يستحقّ العقوبة عليه، و الهمزة فيه [بدل] (7) من الواو، كأنّه يثم الأعمال، أي: يكسرها.
وَ لا تَجَسَّسُوا: و لا تبحثوا عن عورات المسلمين. تفعّل، من الجسّ، باعتبار ما فيه من معنى الطّلب، كالتّلمّس.
و قرئ (8)، بالحاء، من الحسّ: الّذي هو أثر الجسّ و غايته. و لذلك قيل للحواسّ: الجواسّ.
و في أصول الكافي (9): بإسناده إلى عبد اللَّه بن بكير: عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قالا: أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرّجل على الدّين، فيحصي عليه عثراته و زلّاته ليعنّفه بها يوما ما.
و بإسناده (10) إلى زرارة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- نحوه، بتغيير يسير غير مغيّر للمعنى.
____________
(1) نفس المصدر/ 72، ح 4.
(2) الخصال/ 624، ح 10.
(3) النّهج/ 489، الخطبة 114.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يظهر منه خزيه (خربه- ق)
(5) المجمع 5/ 137.
(6) كذا في المصدر. و في ت، ن: أكذب الكذب. و في غيرهما: الكذب.
(7) من أنوار التنزيل 2/ 410.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) الكافي 2/ 354، ح 1.
(10) نفس المصدر/ 355، ح 3.
344
و بإسناده (1) إلى ابن بكير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: أبعد ما يكون العبد من اللَّه أن يكون الرّجل يؤاخي الرجل و هو يحفظ زلّاته ليعيّره بها يوما ما.
و بإسناده (2) إلى محمّد بن مسلم أو (3) الحلبيّ: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال:
قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تطلبوا عثرات المؤمنين، فإنّه من تتبع عثرات أخيه تتبّع اللَّه عثراته (4)، و من تتبّع اللَّه عثراته (5) يفضحه و لو في جوف بيته.
و بإسناده (6) إلى أبي بصير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر من أسلم بلسانه و لم يسلم بقلبه، لا تتّبعوا عثرات المسلمين. فإنّه من تتبّع عثرات المسلمين، تتبّع اللَّه عثرته، و من تتبّع اللَّه عثرته، يفضحه.
و بإسناده (7) إلى إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول:
قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر من أسلم بلسانه و لم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين، و لا تتّبعوا عوراتهم. فإنّه من تتبّع عوراتهم، تتبّع اللَّه عورته، و من تتبّع اللَّه- تعالى- عورته، يفضحه و لو في بيته.
و بإسناده (8) إلى أبي الجارود: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.
وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: و لا يذكر بعضكم بعضا بالسّوء في غيبته.
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً: تمثيل لما يناله المغتاب [عن عرض المغتاب] (9) على أحفش وجه، مع مبالغات الاستفهام المقرّر، و إسناد الفعل إلى «أحد» للتّعميم، و تعليق المحبّة بما هو في غاية الكراهة، و تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، و جعل المأكول أخا و ميتا، و تعقيب ذلك بقوله: فَكَرِهْتُمُوهُ: تقريرا و تحقيقا لذلك.
و المعنى: إن صحّ ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه، و لا يمكنكم إنكار كراهته.
و انتصاب «ميتا» على الحال من «اللّحم» أو «الأخ». و شدّده نافع.
____________
(1) نفس المصدر/ 355، ح 7.
(2) نفس المصدر/ 355، ح 5.
(3) ق، ش: و.
4 و 5- كذا في المصدر. و في النسخ: عثرته.
(6) نفس المصدر/ 355، ح 4.
(7) نفس المصدر/ 354، ح 2.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) ليس في ق، ش.
345
و في كتاب الخصال (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب: إيّاكم و غيبة المسلم فإنّ المسلم لا يغتاب أخاه، و قد نهى اللَّه [- عزّ و جلّ- عن ذلك فقال: وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ] (2) أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً.
عن أسباط بن محمّد (3)، بإسناده، إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- انه قال:
الغيبة أشدّ من الزنا.
فقيل: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم ذلك؟
قال: صاحب الزّنا يتوب فيتوب اللَّه عليه، و صاحب الغيب يتوب فلا يتوب اللَّه عليه حتّى يكون صاحبه الّذي يخلّه (4).
عن عبد اللَّه بن سنان (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ثلاث من كنّ فيه أوجبن له على النّاس أربعا: من إذا حدّثهم لم يكذبهم، و إذا خالطهم لم يظلمهم، و إذا وعدهم لم يخلفهم، وجب أن تظهر في النّاس (6) عدالته، و تظهر فيهم مروّته، و أن تحرم عليه غيبته، و أن تجب عليهم أخوّته (7).
و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من عامل النّاس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروّته، و ظهرت عدالته، و وجبت أخوّته، و حرمت غيبته.
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن العباس [بن عامر] (10)، عن أبان، عن رجل لا نعلمه إلّا يحيى الأزرق قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه النّاس لم يغتبه، و من ذكره من
____________
(1) الخصال/ 622، ح 10.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر/ 62- 63، ح 90.
(4) كذا في المصدر. و في ق، ش: يخله. و في غيرهما: يحبه.
(5) نفس المصدر/ 208، ح 29.
(6) ليس في ق.
(7) يوجد في ق، ش بعد هذه الحديث حديث آخر مركّب من متن هذا الحديث بعينه سوى الفقرتين الأولى و الثانية منه و سند الحديث الآتي و الفقرة الأولى منه. و لعلّه نشأ من غلط النسّاخ.
(8) العيون 2/ 29، ح 34.
(9) الكافي 2/ 358، ح 6.
(10) ليس في ن.
346
خلفه بما هو فيه ممّا لا يعرفه النّاس اغتابه، و من ذكره بما ليس فيه فقد بهته.
و بإسناده (1) إلى عبد الرّحمن بن سيابة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللَّه عليه و أمّا الأمر (2) الظّاهر فيه مثل الحدّة و العجلة فلا، و البهتان أن تقول فيه ما ليس فيه.
و بإسناده (3) إلى داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الغيبة.
قال: هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، و تبثّ عليه أمرا قد ستره اللَّه عليه لم يقم عليه فيه حدّ.
و بإسناده (4) إلى السّكونيّ: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الغيبة أسرع في دين الرّجل المسلم من الاكلة (5) في جوفه.
و قال (6): قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الجلوس في المسجد انتظارا للصّلاة عبادة ما لم يحدث.
قيل: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما يحدث؟
قال: الاغتياب.
عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن حفص بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سئل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما كفّارة الاغتياب؟
قال: تستغفر اللَّه لمن اغتبته كلّما ذكرته.
و في من لا يحضره الفقيه (8)، في مناهي الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و نهى عن الغيبة، و قال: من اغتاب امرا مسلما بطل صومه، و نقض و ضوؤه، و جاء يوم القيامة تفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّى بها أهل الموقف، فإن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرّم اللَّه- عزّ و جلّ-.
____________
(1) نفس المصدر، ح 7.
(2) ليس في ق، م، ش.
(3) نفس المصدر/ 357، ح 3.
(4) نفس المصدر/ 356- 357، ح 1.
(5) أي غ الحكّة.
(6) نفس المصدر/ 357، ح 1.
(7) نفس المصدر/ 357، ح 4.
(8) الفقيه 4/ 8- 9 ح 1.
347
ألا و من تطول على أخيه في غيبة (1) سمعها فيه في مجلس فردّها عنه ردّ اللَّه عنه ألف باب من الشرّ في الدّنيا و الآخرة، فإن هو لم يردّها و هو قادر على ردّها، كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرّة.
و في مجمع البيان (2): في الحديث: قولوا في الفاسق ما فيه كي يحذره النّاس.
و عن جابر (3) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إيّاكم و الغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزّنا.
ثمّ قال: إنّ الرّجل يزني ثمّ يتوب فيتوب (4) اللَّه عليه، و إنّ صاحب الغيبة لا يغفر له إلّا أن يغفر له صاحبه.
و في الحديث (5): إذا ذكرت الرّجل بما فيه ممّا يكرهه فقد اغتبته، فإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه.
و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستي (6)، بإسناده إلى أبي ذرّ: عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: يا باذرّ، إيّاك و الغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزّنا.
قلت: يا رسول اللَّه، و لم ذاك، فداك أبي و أمّي؟
قال: لأنّ الرّجل يزني فيتوب فيقبل اللَّه توبته، و الغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها.
و في جوامع الجامع (7): و روي أنّ أبا بكر و عمر بعثا سلمان إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى أسامة بن زيد و كان خازن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على رحله، فقال: ما عندي شيء.
فعاد إليهما، فقالا: بخل أسامة، و لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها.
ثمّ انطلقا إلى رسول اللَّه، فقال لهما: ما لي أرى خضرة اللّحم في أفواهكما؟
قالا: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما تناولنا اليوم لحما.
قال: ظللتم (8) تأكلون لحم سلمان و أسامة: فنزلت.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: غيبته.
(2) المجمع 5/ 135.
(3) نفس المصدر/ 137.
(4) ليس في م، ش، ق.
(5) نفس المصدر/ 137.
(6) نور الثقلين 5/ 95، ح 79.
(7) الجوامع/ 459.
(8) كذا في المصدر. و في ق، ش: نعم. و في م:
ظلم. و في سائر النسخ: ظننتم.
348
وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ: (12) لمن اتّقى ما نهى عنه، و تاب ممّا فرط منه.
و المبالغة في «التّواب» لأنّه بليغ في قبول التّوبة إذ يجعل صاحبها كمن لم يذنب، أو لكثرة المتوب عليهم. أو لكثرة ذنوبهم.
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى: من آدم و حوّاء، أو خلقنا كلّ واحد منكم من أب و أمّ، فالكلّ سواء في ذلك فلا وجه للتّفاخر بالنسب.
و يجوز أن يكون تقريرا للأخوة المانعة من الاغتياب.
وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ.
«الشّعب» الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد، و هو يجمع القبائل، و القبيلة تجمع العمائر، و العمارة تجمع البطون، و البطن يجمع الأفخاذ، و الفخذ يجمع الفضائل.
فخزيمة شعب، و كنانة قبيلة، و قريش عمارة، و قصيّ بطن، و هاشم فخذ، و عبّاس فصيلة.
لِتَعارَفُوا: ليعرف بعضكم بعضا، لا للتّفاخر بالآباء و القبائل.
و قرئ (1): «لتعارفوا» بالإدغام، و «لتتعارفوا»، و «لتعرفوا».
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ: فإنّ التّقوى بها تكمل النّفوس و تتفاضل الأشخاص، فمن أراد شرفا فليتمس منها، كما
قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتّق اللَّه.
و قال (2): يا أيّها النّاس، إنّما النّاس رجلان: رجل مؤمن تقيّ كريم على اللَّه، و فاجر شقيّ هيّن على اللَّه.
و في عيون الأخبار (3)، في باب قول الرّضا- (عليه السلام)- لأخيه زيد بن موسى، حين افتخر على من في مجلسه: حدّثنا الحاكم أبو [علي] (4) الحسين بن أحمد البيهقيّ قال:
حدّثني محمّد بن يحيى الصّوليّ قال: حدّثني أبو عبد اللَّه، محمّد بن موسى بن نصر الرّازيّ قال: سمعت أبي يقول: قال رجل للرّضا- (عليه السلام)-: و اللَّه، ما على وجه الأرض
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 411.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) العيون 2/ 238، ح 10.
(4) من المصدر.
349
أشرف منك أبا [و جدّا] (1).
فقال: التّقوى شرّفتهم، و طاعة اللَّه أحظتهم (2).
فقال له آخر: أنت، و اللَّه، خير النّاس.
فقال له: لا تحلف، يا هذا، خير منّي من كان أتقى اللَّه (3)- تعالى- و أطوع له.
و اللَّه، ما نسخت هذه الآية: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا قال:
«الشّعوب العجم، و «القبائل» العرب. و قوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» هو ردّ على من يفتخر بالأحساب و الأنساب.
و قال رسول اللَّه (5)- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم فتح مكّة: يا أيّها النّاس، إنّ اللَّه قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة الجاهليّة و تفاخرها بآبائها، إنّ العربيّة ليست بأب و والدة، و إنّما هو لسان ناطق، فمن تكلّم به فهو عربي. ألا إنّكم من آدم و آدم من التّراب، و إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (6).
أخبرنا الحسن بن عليّ (7)، عن أبيه، عن الحسن بن سعيد، عن الحسين بن علوان [الكلبيّ] (8)، عن عليّ بن الحسين العبديّ، عن أبي هارون العبديّ، عن ربيعة السّعديّ (9)، عن حذيفة بن اليماني (10) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه خلق الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما، و ذلك قوله: «و أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال» (11) فأنا من أصحاب اليمين، و أنا خير (12) أصحاب اليمين (13).
ثمّ جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها أثلاثا (14)، و ذلك قوله (15):
____________
(1) ليس في ن، ت، ي، ر، المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في ق، ش: أحفظهم. و في غيرهما: أخفظهم.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الله.
(4) تفسير القمي 2/ 322.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في ق.
(7) نفس المصدر/ 346- 347.
(8) من المصدر.
(9) ق، ش: السندي.
(10) المصدر و جامع الرواة 1/ 182: اليمان.
(11) إشارة إلى آية 27 و 41 من سورة الواقعة.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة: من.
(13) ليس في ق.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: ثلاثا.
(15) الواقعة/ 8- 11.
350
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ، وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، [أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ] (1). فأنا من السّابقين، و أنا خير السّابقين.
ثمّ جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، و ذلك قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. فقبيلتي خير القبائل، و أنا سيّد ولد (2) أولاد آدم و أكرمكم على اللَّه و لا فخر.
(الحديث).
و في مجمع البيان (3): و قيل: أراد بالشّعوب الموالي، و بالقبائل العرب. في رواية عطاء، عن ابن عبّاس.
و إلى هذا ذهب قوم فقالوا: الشّعوب من العجم، و القبائل من العرب، و الأسباط من بني إسرائيل. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام)-.
و روي (4) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: يقول اللَّه يوم القيامة: أمرتكم فضيّعتم ما عهدت إليكم فيه و رفعتم أنسابكم، فاليوم أرفع نسبي و أضع أنسابكم، أين المتّقون إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
و روي (5) أنّ رجلا سأل عيسى بن مريم: أيّ النّاس أفضل؟
فأخذ قبضتين من تراب، ثمّ قال: أيّ هاتين أفضل؟ النّاس خلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم.
أبو بكر البيهقيّ (6)، بالإسناد: عن عباية (7) بن ربعي، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه جعل الخلق قسمين، فجعلني في خيرهم (8) قسما، و ذلك قوله: «و أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال» (9) فأنا من أصحاب اليمين، و أنا خير (10) أصحاب اليمين.
ثمّ جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا (11)، و ذلك قوله: «و أصحاب
____________
(1) ليس في ن، ت، ي، م، ر، المصدر.
(2) ق: أولاد.
(3) المجمع 5/ 138.
(4) نفس المصدر و الموضع.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) ق، ش، م، ي، ر: عباثة.
(8) ش: خيرهما.
(9) إشارة إلى آية 27 و 41 من الواقعة.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: من.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: ثلاثا ..
351
الميمنة و أصحاب المشأمة» (1) السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (2). فأنا من السّابقين، و أنا خير السّابقين.
ثمّ جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، و ذلك قوله: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ (الآية) فأنا أتقى ولد آدم [و لا فخر] (3) و أكرمهم على اللَّه و لا فخر.
ثمّ جعل القبائل بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، و ذلك قوله (4): إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. فأنا و أهلي مطهّرون من الذّنوب.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال (6):
قال [عليّ بن موسى] (7) الرّضا- (عليه السلام)-: لا دين لمن لا ورع له، و لا أيمان (8) لمن لا تقية له، و إنّ أكرمكم عند اللَّه أعملكم بالتّقيّة.
و في اعتقادات الإماميّة (9) للصّدوق: و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللَّه:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
قال: أعملكم بالتّقيّة.
و في الكافي (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عمر بن أبي بكار، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- زوّج مقداد بن الأسود ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطّلب، و إنّما زوّجه لتتّضع المناكح و ليتأسّوا برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و ليعلموا أنّ أكرمهم عند اللَّه أتقاهم.
عدّة من أصحابنا (11)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن هام بن سالم، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- زوّج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزّبير [بن عبد المطّلب، ثمّ قال: إنّما زوّجها المقداد لتتّضع المناكح. و لتتأسّوا (12) برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لتعلموا أنّ أكرمكم عند اللَّه
____________
(1) إشارة إلى آية 8 و 9 من الواقعة.
(2) الواقعة/ 10.
(3) من المصدر.
(4) الأحزاب/ 33.
(5) كما الدين/ 371، ح 5.
(6) ليس في ت، ي، ر.
(7) ليس في ق، ش، م.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أمان.
(9) الاعتقادات/ 104.
(10) الكافي 5/ 344، ح 1.
(11) نفس المصدر، ح 2.
(12) المصدر: ليتأسّوا.
352
أتقاكم. و كان الزّبير] (1) أخا عبد اللَّه و أبي طالب لأبيهما و أمّهما.
و في أصول الكافي (2): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنّان بن (3) عقبة بن بشير الأسديّ قال: [قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-:
أنا عقبة بن بشير الأسديّ و أنا في الحسب الضخم من قومي.
قال: فقال: ما تمنّ علينا بحسبك. إن اللَّه رفع بالإيمان من كان النّاس يسمّونه وضيعا] (4) إذا كان مؤمنا، و وضع بالكفر من كان النّاس يسمّونه شريفا إذا كان (5) كافرا.
فليس لأحد فضل على أحد إلّا بالتّقوى.
و في كتاب مقتل (6) الحسين (7) لأبي مخنف، من كلامه في موقف كربلاء: أما أنا ابن بنت نبيّكم، فو اللَّه، ما بين المشرق و المغرب لكم ابن بنت نبيّ غيري.
و من كلامه (8) للشّمر- لعنه اللَّه-: يا ويلك، من أنا؟
فقال: الحسين، و أبوك عليّ بن أبي طالب، و أمّك فاطمة الزّهراء، و جدّك محمّد المصطفى.
فقال له الحسين (9): يا ويلك، إذا عرفت بأنّ هذا حسبي و نسبي فلم تقتلني؟
و من أشعاره- (عليه السلام)- (10):
أنا بن عليّ الطّهر (11) من آل هاشم* * * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر
و فاطم أمّي ثمّ (12) جدّي محمّد* * * و عمّي يدعى ذا الجناحين جعفر (13)
____________
(1) ليس في ق.
(2) الكافي 2/ 328، ح 3.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.
4 و 5- ليس في ق.
(6) ليس في ش، ق، م.
(7) في مقتل الحسين/ 85 قريب منه، و لم نعثر فيه على نصّ الكلام.
(8) نقل بمعناه في نفس المصدر/ 144- 145.
(9) ليس في ق، ش، م.
(10) مقتل الحسين- (عليه السلام)- لأبي مخنف/ 118.
(11) ن، ت، ي، ر: الحرّ.
(12) المصدر: و.
(13) المصدر: و عمّي هو الطيّار في الخلد جعفر.
353
و نحن ولاة الحوض نسقي محبّنا* * * بكأس رسول اللَّه من (1) ليس
ينكر
[إذا ما أتى يوم القيامة ظاميا* * * إلى الحوض يسقيه بكفّيه حيدر] (2)
و من أشعاره- أيضا- (3):
خيرة اللَّه من الخلق أبي* * * بعد جدّي فأنا بن الخيرتين
أمّي الزّهراء حقّا و أبي* * * وارث العلم و مولى الثّقلين
فضّة قد صفيت من ذهب (4)* * * فأنا الفضّة و ابن الذّهبين
والدي شمس و أمّي قمر* * * فأنا الكوكب و ابن القمرين
عبد اللَّه غلاما يافعا* * * و قريش يعبدون الوثنين
من له جدّ كجدّي في الورى* * * أو كأمّي في جميع المشرقين (5)
خصّه اللَّه بفضل و تقى* * * فأنا الأزهر و ابن الأزهرين (6)
[جوهر من فضّة مكنونة* * * فأنا الجوهر و ابن الدرّتين] (7)
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.
(2) ليس في المصدر.
(3) نفس المصدر/ 134- 138، بتقديم و تأخير.
(4) ق، ش، م: فضّة.
(5) المصدر:
أو كشيخي فأنا ابن العلمين.
(6) المصدر:
فأنا الزاهر و ابن الزاهرين
(7) ليس في المصدر.
354
[جدّي المرسل مصباح الدّجى* * * و أبي الموفي بالبيعتين] (1)
[و الذي خاتمه جاد به* * * حين وافى رأسه للركعتين] (2)
أيّده اللَّه بطهر طاهر* * * صاحب الأمر ببدر و حنين
ذاك و اللَّه عليّ المرتضى* * * ساد بالفضل جميع (3) الحرمين
و في روضة الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن عبد اللَّه بن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن حنّان قال: سمعت أبي يروي، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد، فأقبلوا ينتسبون و يرفعون في أنسابهم حتّى بلغوا سلمان.
فقال له عمر بن الخطّاب: أخبرني من أنت، و من أبوك، و ما أصلك؟
فقال: أنا سلمان بن عبد اللَّه، كنت ضالّا فهداني اللَّه- عزّ و جلّ- بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كنت عائلا فأغناني اللَّه بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و كنت مملوكا فأعتقني اللَّه بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذا نسبي، و هذا حسبي.
قال: فخرج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سلمان- رضي اللَّه عنه- يكلّمهم.
فقال له سلمان: يا رسول اللَّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما لقيت من هؤلاء، جلست معهم فأخذوا ينتسبون و يرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إليّ قال عمر بن الخطّاب: من أنت و ما أصلك و ما حسبك؟
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فما قلت له [يا سلمان] (5)؟
قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد اللَّه، كنت ضالّا فهداني اللَّه- عزّ ذكره- بمحمّد
____________
(1) ليس في ش، ق.
(2) ليس في ش، ق. و في المصدر هكذا
و الّذي صدق بالخاتم منه* * * حين ساوى ظهره في الركعتين
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: على أهل.
(4) الكافي 8/ 181- 182، ح 203.
(5) من المصدر.
355
- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و كنت عائلا، فأغناني اللَّه- عزّ ذكره- بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- (1). و كنت مملوكا فأعتقني اللَّه- عزّ ذكره- بمحمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذا نسبي، و هذا حسبي.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر قريش، إنّ حسب الرّجل دينه و مروءته خلقه، و أصله عقله، قال اللَّه- تعالى-: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى- إلى قوله- (2): إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
ثم قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لسلمان: ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلّا بتقوى اللَّه- عزّ و جلّ-. و إن كان التّقوى لك عليهم، فأنت أفضل.
أبو عليّ الأشعريّ (3)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحجّال، عن جميل بن درّاج قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فما الكرم؟
قال: التّقوى
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في من لا يحضره الفقيه (4): و روى يونس بن ظبيان، عن الصّادق [جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: حدّثني أبي] (5)، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أعبد النّاس من أقام الفرائض.
... إلى قوله: و أكرم النّاس أتقاهم، و أتقى النّاس من قال الحقّ فيما له و عليه.
(الحديث)
و روى عليّ بن مهزيار (6): عن الحسن بن سعيد، عن الحارث (7) بن محمّد [بن] (8) النّعمان الأحوال، صاحب الطّاق، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أحبّ أن يكون أتقى النّاس، فليتوكّل على اللَّه.
____________
(1) يوجد في ق، ش، م، بدل هذا الفقرة: إلى قوله.
(2) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(3) نفس المصدر/ 220، ح 272.
(4) الفقيه 4/ 281- 282، ح 836.
(5) ليس في ش، ق، م.
(6) نفس المصدر/ 285، ح 854.
(7) ق، ش: ليث.
(8) من المصدر.
356
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ: بكم. خَبِيرٌ (13): ببواطنكم.
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا نزلت (1) في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة و أظهروا الشّهادتين، و كانوا يقولون لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أتيناك بالأثقال و العيال، و لم نقاتلك، كما قاتل بنو فلان، يريدون الصّدقة و يمنّون.
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا: إذ الإيمان تصديق مع ثقة و طمأنينة قلب، و لم يحصل لكم، و إلّا لما مننتم على الرسول بالإسلام و ترك المقاتلة، كما دلّ عليه آخر السّورة.
وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا: فإن الإسلام انقياد و دخول في السّلم و إظهار الشّهادتين (2)، و ترك المحاربة يشعر به.
و كان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا آمنّا و لكن قولوا أسلمنا إذ لم تؤمنوا و لكن أسلمتم. فعدل منه إلى هذا النّظم احترازا من النّهي عن القول بالإيمان و الجزم بإسلامهم، و قد فقد شرط اعتباره شرعا (3).
وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ: توقيت (4) «لقولوا»، فإنّه حال من ضميره، أي: و لكن قولوا: أسلمنا و لم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد.
و في أصول الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ.
فقال: ألا ترى أنّ الإيمان غير الإسلام.
الحسين بن محمّد (6)، عن معلّى بن محمّد، [و عدّة من أصحابنا] (7)، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن الوشّاء، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
سمعته يقول: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا. فمن زعم أنّهم
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 411.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 411. و في النسخ:
الشهادة ...
(3) أي: لو قيل: لا تقولوا آمنّا، لدلّ على النهي من أن يقول أحد: آمنا، فللاحتراز عن النهي عدل إلى ما ذكر. و كذا لم يقل: و لكن أسلمتم، للاحتراز من الجزم بإسلامهم لفقد شرطه شرعا.
(4) أي: تعيين لقولهم، أي: قولهم: أسلمنا، في حال مواطأة قلوبهم ألسنتهم.
(5) الكافي 2/ 24، ح 3.
(6) نفس المصدر/ 25، ح 5.
(7) ليس في ق، م، ش.
357
آمنوا فقد كذب، و من زعم أنّهم لم يسلموا فقد كذب (1).
عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد [و محمّد بن زياد] (3) و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب (4)، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الإسلام لا يشرك الإيمان [و الإيمان يشرك الإسلام] (5)، و هما في القول و الفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد ليس في الكعبة، و كذلك الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان، و قد قال اللَّه- عزّ و جلّ-: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ. فقول اللَّه- عزّ و جلّ- أصدق القول.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى (6)، عن أحمد بن [محمّد بن] (7) عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا سليمان، أ تدري من المسلم؟
قلت: جعلت فداك، أنت أعلم.
قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده.
ثمّ قال: و تدري من المؤمن؟
قال: قلت: أنت أعلم.
قال: المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم و أنفسهم، و المسلم حرام على المسلم أن يخذله أو يظلمه أو يدفعه دفعة تعتته (8).
عليّ بن إبراهيم (9)، عن أبيه، عمّن ذكره، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل: إنّ الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون
____________
(1) ورد في ن، ت، ي، ر، بعد هذا الحديث، نفس هذا الحديث بعينه مع سنده الثاني، أي عدّ من أصحابنا عن ... و يوجد في ق، ش، م، سنده فحسب، و بدل متنه كلمة «مثله».
(2) نفس المصدر/ 26، ح 5.
(3) ليس في المصدر.
(4) ق، ش: عليّ بن محبوب.
(5) ليس في ق.
(6) نفس المصدر/ 233- 234، ح 12.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في ق، ش: نعتته. و في ن: تعنه. و فس سائر النسخ: تعنت.
و عنت الشيء: فسد. و أعنته: أوقعه في شدّة.
(9) نفس المصدر/ 173، ح 4.
358
و يتناكحون، و الإيمان عليه يثابون.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن العبّاس بن معروف، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أسأله عن الإيمان ما هو؟
فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعين: سألت- رحمك اللَّه- عن الإيمان، و الإيمان هو الإقرار باللّسان و عقد في القلب و عمل بالأركان، و الإيمان بعضه من بعض، و هو دار و كذلك الإسلام دار و الكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا و لا يكون مؤمنا حتّى يكون مسلما، فالإسلام قبل الإيمان و هو يشارك الإيمان.
فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي، أو صغيرة من صغائر المعاصي الّتي نهى اللَّه- عزّ و جلّ- عنها، كان خارجا من الإيمان ساقطا عنه اسم [الإيمان و ثابتا (2) عليه اسم] (3) الإسلام.
فإن تاب و استغفر عاد إلى دار الإيمان، و لا يخرجه إلى الكفر إلّا الجحود و الاستحلال أن يقول للحلال: هذا حرام، و للحرام: هذا حلال. و دان بذلك، فعندها يكون خارجا من الإيمان و الإسلام داخلا في الكفر، و كان بمنزلة من دخل الحرم ثمّ دخل [في الكعبة] (4) و أحدث في الكعبة حدثا، فاخرج عن الكعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار إلى النّار.
عدة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته عن الإيمان و الإسلام، قلت له: أفرق بين الإسلام و الإيمان؟
قال: فأضرب لك مثلا؟
قال: قلت: أورد ذلك.
قال: مثل الإيمان و الإسلام مثل الكعبة الحرام من الحرام، قد يكون في الحرم و لا يكون في الكعبة، و لا يكون في الكعبة حتّى يكون في الحرم، و قد يكون مسلما [و لا يكون مؤمنا، و لا يكون مؤمنا حتّى يكون مسلما] (6).
____________
(1) نفس المصدر 2/ 27- 28، ح 1.
(2) كذا في المصدر. و في ق: «تائبا» بدل «و ثابتا».
(3) يوجد في ق، المصدر.
(4) ليس في ن، م، ت، ي، ر.
(5) نفس المصدر/ 28، ح 2.
(6) يوجد في ق، المصدر.
359
قال: قلت: فيخرج من الإيمان شيء؟
قال: نعم.
قلت: فمصيره (1) إلى ما ذا؟
قال: إلى الإسلام أو الكفر.
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سماعة قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أخبرني عن الإسلام و الإيمان، أ هما مختلفان؟
فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، و الإسلام لا يشارك الإيمان.
فقلت: فصفهما لي.
فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، و التّصديق برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- به حقنت الدّماء (3) و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة النّاس.
و الإيمان الهدى، و ما يثبت في القلوب من صفة الإسلام، و ما ظهر من العمل به. و الإيمان أرفع من الإسلام بدرجة، إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظّاهر، و الإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن و إنّ اجتمعا في القول (4) و الصّفة.
محمّد بن يحيى (5) [عن أحمد بن محمّد] (6)، عن عليّ بن الحكم، عن سفيان بن السمط (7) قال: سأل رجل أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الإسلام و الإيمان، ما الفرق بينهما؟ فلم يجبه [ثمّ سأله فلم يجبه] (8)، ثمّ التقيا في الطّريق و قد أزف من الرّجل الرّحيل.
فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: كأنّه قد أزف منك رحيل؟
[فقال: نعم] (9).
فقال: فألقني في البيت. فلقيه فسأله عن الإسلام و الإيمان ما الفرق بينهما؟
قال: الإسلام هو الظّاهر الّذي عليه [النّاس] (10) شهادة أن لا إله إلّا اللَّه (11) و أنّ
____________
(1) ن، ي، ر: فصيّره. و في المصدر: فيصيّره.
(2) نفس المصدر/ 25، ح 1.
(3) كذا في المصدر. و في ق، ش: به جفنت لدماء. و في غيرهما: به حقنا لدماء.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: القلوب.
(5) نفس المصدر 2/ 24- 25، ح 4.
(6) ليس في ش، ق.
(7) ق: السقط.
8 و 9 و 10 من المصدر.
(11) في المصدر زيادة: وحده لا شريك له.
360
محمّدا رسول اللَّه (1)، و إقام الصّلاة، و إيتاء الزّكاة، و حجّ البيت، و صيام شهر رمضان، فهذا الإسلام.
و قال: الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقرّ بها و لم يعرف هذا الأمر كان مسلما و كان ضالّا.
و في كتاب الخصال (2): عن الأعمش، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: هذه شرائع الدّين.
... إلى أن قال: و الإسلام غير الإيمان، و هو كلّ مؤمن مسلم و ليس كلّ مسلم مؤمنا (3).
عن أبي بصير (4) قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال له رجل: أصلحك اللَّه، إنّ بالكوفة قوما يقولون مقالة ينسبونها إليك.
قال: و ما هي؟
قال: يقولون: الإيمان غير الإسلام.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نعم.
فقال الرّجل: صفه لي.
فقال: من شهد أن لا إله إلّا اللَّه، و أنّ محمّد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أقرّ بما جاء من عند اللَّه، و أقام الصّلاة، و آتى الزكاة، و صام شهر رمضان، و حجّ البيت [فهو مسلم.
فقلت: فالإيمان؟
قال: من شهد ألّا إله إلّا اللَّه، و أنّ محمّدا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أقرّ بما جاء من عند اللَّه، و أقام الصّلاة، و آتى الزّكاة، و صام شهر رمضان، و حجّ البيت] (5) و لم يلق اللَّه بذنب أوعد عليه النّار فهو مؤمن.
[قال له أبو بصير: جعلت فداك، و أيّنا لم يلق اللَّه بذنب أوعد عليه النار؟] (6) فقال: ليس هو حيث تذهب، إنّما هو لم يلق اللَّه بذنب أوعد عليه النّار و لم
____________
(1) المصدر: و أنّ محمّدا عبده و رسوله.
(2) الخصال/ 608، ح 9.
(3) المصدر: مؤمن.
(4) نفس المصدر/ 411، ح 14.
5 و 6- ليس في ق.
361
يتب منه.
و روى أنس (1)، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: الإسلام علانية، و الإيمان في القلب. و أشار إلى صدره.
وَ إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ: بالإخلاص و ترك النّفاق.
لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً: لا ينقصكم من أجورها. من لات ليتا: إذا نقص.
و قرأ (2) البصريّان: «لا يألتكم» من الألت، و هو لغة غطفان.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ: لما فرط من المطيعين. رَحِيمٌ (14): بالتفضّل عليهم.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا: لم يشكّوا. من ارتاب، مطاوع رابه: إذا أوقعه في الشّكّ مع التّهمة.
و فيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإيمان عنهم.
و «ثمّ» للإشعار بأنّ اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس حال الإيمان فقط، بل فيه و فيما يستقبل، فهي كما في قوله (3): «ثمّ استقاموا».
وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: في طاعته.
و المجاهدة بالأموال و الأنفس تصلح للعبادات الماليّة و البدنيّة بأسرها.
أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15): الّذين صدقوا في ادّعاء الإيمان.
و في شرح الآيات الباهرة (4): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا] (5) عليّ بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن حفص بن غياث، عن مقاتل بن سليمان، عن الضّحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس أنّه قال في قول اللَّه- عزّ و جل-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ- إلى قوله (6)-: هُمُ الصَّادِقُونَ قال ابن عبّاس: ذهب [عليّ- (عليه السلام)-] (7) بشرفها و فضلها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا- أي: لم يشكّوا- وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (9) قال: نزلت في
____________
(1) مجمع البيان 5/ 138.
(2) أنوار التنزيل 2/ 411.
(3) فصّلت/ 30، و الأحقاف/ 13.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 607، ح 8.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(7) ليس في ق، ش، م.
(8) تفسير القمّي 2/ 322.
(9) ورد في ق، ش، م، بدل ما بين المعقوفتين:
الآية.
362
أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ: أ تخبرونه به بقولكم: آمنّا.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16): لا يخفى عليه خافية. و هو تجهيل لهم، و توبيخ.
روي (1): أنّه لمّا نزلت الآية المتقدّمة جاؤوا و حلفوا أنّهم مؤمنون معتقدون، فنزلت هذه الآية.
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا: يعدّون إسلامهم عليك منّة، و هي النّعمة الّتي لا يستثيب موليها ممن بزلها إليه. من المنّ، بمعنى: القطع. لأنّ المقصود بها قطع حاجته.
و قيل (2): النّعمة الثّقيلة من المنّ.
قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ: [أي: بإسلامكم] (3) فنصب بنزع الخافض، أو تضمين الفعل معنى الاعتداد (4).
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ: على ما زعمتم، مع أنّ الهداية لا تستلزم الاهتداء.
و قرئ (5): «إن هداكم» بالكسر، و «إذ هداكم».
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17): في ادّعاء الإيمان.
و جوابه محذوف يدلّ عليه ما قبله، أي: فللَّه المنة عليكم.
و في سياق الآية لطف، و هو أنّهم لمّا سمّوا ما صدر عنهم إيمانا و منّوا به فنفى أنّه إيمان و سمّاه إسلاما، بأن قال: يمنّون عليك (6) بما هو في الحقيقة إسلام، و ليس بجدير أن يمنّ عليك، بل لو صحّ ادّعاؤهم للإيمان فللَّه المنّة عليه بالهداية له لا لهم.
و في أصول الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه،] (8) عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلّال، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: عن العجب الّذي يفسد العمل.
فقال: العجب درجات، منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه (9)
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 412.
(3) ليس في ق.
(4) فيكون المعنى: قل لا تمنّوا عليّ معتدّين إسلامكم، أي: معتبرين إيّاه.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) في ق زيادة: أن أسلموا.
(7) الكافي 2/ 313، ح 3.
8 و 9 كذا في المصدر. و في النسخ: حسنا.
363
و يحسب أنّه يحسن، صنعا (1) و منها أن يؤمن العبد بربّه فيمنّ على اللَّه و للَّه عليه فيه المنّ.
و في شرح الآيات الباهرة (2): ذكر الشيخ أبو جعفر الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- في كتاب «مصباح الأنوار»، بإسناده عن رجاله، يرفعه إلى جابر بن عبد اللَّه قال: كنت عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حفر الخندق، و قد حفر النّاس و حفر عليّ- (عليه السلام)-.
فقال له النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [بأبي] (3) من يحفر و جبرئيل يكنس التّراب بين يديه، و يعينه ميكائيل و لم يكن يعين أحدا من الخلق قبله.
ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعثمان بن عفان: احفر.
فغضب عثمان، و قال: لا يرضي محمّد أن أسلمناه على يده حتّى يأمرنا بالكدّ.
فأنزل اللَّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ- إلى قوله (4)-:
صادِقِينَ.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: ما غاب فيهما.
وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18): في سرّكم و علانيتكم، فكيف يخفى عليه ما.
في ضمائركم.
و قرأ (5) ابن كثير، بالياء، لما في الآية من الغيبة.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في عثمان يوم الخندق. و ذلك أنّه مرّ بعمّار بن ياسر و هو يحفر الخندق، و قد ارتفع (7) الغبار من الحفرة، فوضع عثمان (8) كمّه على أنفه و مرّ.
فقال عمّار: لا يستوي من يعمر (9) المساجد فيصلّي فيها راكعا و ساجدا، كمن يمرّ بالغبار حائدا يعرض عنه جاحدا معاندا.
فالتفت إليه عثمان فقال: يا ابن السّوداء، إيّاي تعني؟ ثمّ أتى رسول اللَّه- صلّى
____________
(1) ليس في ق و ش.
(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 607- 608، ح 9.
(3) من المصدر.
(4) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(5) أنوار التنزيل 2/ 412.
(6) تفسير القمّي 2/ 322- 323.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: اغتبر.
(8) ليس في المصدر.
(9) المصدر: يبني.
364
اللَّه عليه و آله- فقال له: لم ندخل معك لتسبّ أعراضنا.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قد أقلتك إسلامك، فاذهب.
فأنزل اللَّه: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ- إلى قوله (1)-: صادِقِينَ، أي: ليس هم صادقين (2).
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ- إلى قوله (3)- تَعْمَلُونَ.
____________
(1) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(2) المصدر: أي: لستم صادقين.
(3) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
367
سورة ق
مكّيّة.
و قيل (1): غير قوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ إلى قوله: وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
و هي خمس و أربعون آية بالإجماع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (2)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أدمن في فرائضه و نوافله قراءة سورة ق وسّع اللَّه عليه في رزقه، و أعطاه كتابه بيمينه، و حاسبه حسابا يسيرا.
و في مجمع البيان (3): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة ق، هوّن اللَّه عليه تارات الموت و سكراته.
ق الكلام فيه كما مرّ في ص.
و قيل (4): اسم من أسماء اللَّه.
و قيل (5): معناه: قضى الأمر، أو قضى ما هو كائن.
و في كتاب معاني الأخبار (6)، بإسناده إلى سفيان الثّوريّ: عن الصّادق- عليه
____________
(1) مجمع البيان 5/ 104.
(2) ثواب الأعمال/ 142- 143، ح 1.
(3) المجمع 5/ 140.
4 و 5- نفس المصدر/ 141.
(6) المعاني/ 22- 23، ح 1.
368
السّلام- حديث طويل، يقول فيه: و أمّا «ق» فهو الجبل المحيط بالأرض و خضرة السّماء منه، و به يمسك اللَّه الأرض أن تميد بأهلها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قال: إنّ «ق» جبل محيط بالدّنيا من وراء يأجوج و مأجوج.
وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1): ذو المجد و الشّرف على سائر الكتب. أو لأنّه كلام المجيد. أو كلّ من علم معانيه و امتثل أحكامه مجد (2). و هو قسم.
و قيل (3): تقديره: و القرآن المجيد إنّ محمّدا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
بدلالة قوله: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ: إنكار لتعجّبهم ممّا ليس بعجب، و هو أن ينذرهم أحد من جنسهم أو من أبناء جلدتهم.
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2): حكاية لتعجّبهم.
و «هذا» إشارة إلى اختيار محمّدا للرسالة.
و إضمار ذكرهم ثمّ إظهاره (4) للإشعار بتعنّتهم (5) بهذا المقال، ثمّ التّسجيل على كفرهم بذلك. أو عطف لتعجّبهم من البعث على تعجّبهم من البعثة، و المبالغة فيه بوضع الظّاهر موضع ضميرهم. و حكاية تعجّبهم مبهما إن كانت الإشارة إلى مبهم يفسّره ما بعده، و مجملا إن كانت الإشارة إلى محذوف دلّ عليه «منذر». ثمّ تفسيره أو تفضيله لأنّه أدخل في الإنكار إذ الأول استبعاد لأنّ يفضّل عليهم مثلهم، و الثّاني استقصار لقدرة اللَّه عمّا هو أهون ممّا يشاهدون من صنعه- تعالى-.
أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً، أي: أ نرجع إذا متنا و صرنا ترابا. و يدلّ على المحذوف قوله: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)، أي: بعيد عن الوهم، أو العادة، أو الإمكان.
و قيل (6): «الرّجع» بمعنى: المرجوع.
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ: ما تأكل من أجساد موتاهم. و هو ردّ لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 323.
(2) مجد فلان مجدا: كان ذا مجد، فهو ماجد. أو مجد فلان مجادة: كان ذا مد، فهو مجيد.
(3) مجمع البيان 5/ 141.
(4) ليس في ت.
(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 413. و في النسخ:
بتعييتهم.
(6) أنوار التنزيل 2/ 413.
369
و قيل (1): إنّه جواب القسم، و اللّام محذوف لطول الكلام.
وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4): حافظ لتفاصيل الأشياء كلّها، أو محفوظ عن التّغيير، و المراد: إمّا تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه، أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللّوح المحفوظ عنده.
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ، يعني: النّبوّة الثّابتة بالمعجزات، أو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو القرآن لَمَّا جاءَهُمْ.
و قرئ (2): «لما» بالكسر.
فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5): مضطرب. من مرج الخاتم في إصبعه: إذا جرج (3).
و ذلك قولهم تارة: إنّه شاعر، [و تارة إنّه ساحر،] (4) و تارة إنه كاهن.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، و بإسناده إلى يحيى بن ميسرة الخثعميّ: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: «عسق» (6) عش عدد سني القائم، و «ق» جبل محيط بالدّنيا من زمرّد أخضر، فخضرة، السّماء من ذلك الجبل. و علم- (عليه السلام)- (7) في عسق. «بل عجبوا»، يعني: قريشا. أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، يعني: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
[فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ] (8) قال: نزلت في ابيّ بن خلف، قال لأبي جهل: تعال [إليّ أعجبك] (9) من محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ أخذ عظما ففتّته، ثمّ قال: يزعم محمّد (10)، أنّ هذا يحيى!؟
فقال اللَّه: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أي: مختلط (11).
و في أصول الكافي (12)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: بني الكفر على أربع دعائم: الفسق، و الغلوّ، و الشكّ، و الشّبهة.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) أي: قلق و اضطرب.
(4) من ق، ش.
(5) تفسير القمّي 2/ 268 و 323.
(6) ق، ش: عش. و في المصدر: حم عسق.
(7) المصدر: و علم كلّ شيء.
(8) ليس في ق، م، ش.
(9) ليس في ق.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «يا محمد تزعم» بدل «يزعم محمّد».
(11) ن، ت، ي، ر: يعني مختلف. و في المصدر، يعني مختلفا.
(12) الكافي 2/ 391- 392، ح 1.
370
إلى قوله: و الغلوّ على أربع شعب: على التّعمّق بالرّأي، و التّنازع فيه، و الزّيغ، و الشّقاق. فمن تعمق لم ينب (1) إلى الحقّ، و لم يزدد إلّا غرقا في الغمرات، و لم تنحسر (2) عنه فتنة إلّا غشيته أخرى، و انخرق دينه، فهو يهوى في أمر مريج.
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا: حين كفروا بالبعث.
إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ: إلى آثار قدرة اللَّه في خلق العالم.
كَيْفَ بَنَيْناها: رفعناها.
وَ زَيَّنَّاها: بالكواكب.
وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6): فتقو، بأن خلقنا السّماء (3) متلاصقة الطبّاق.
وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها: بسطناها.
وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ: جبالا ثوابت.
وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ: من كلّ صنف بَهِيجٍ (7): حسن.
تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8): راجع إلى ربّه، متفكّر في بدائع صنعه. و هما علّتان للأفعال المذكورة معنى و إن انتصبتا عن الفعل الأخير.
وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً: كثير المنافع.
و في الكافي (4)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله- تعالى-: وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً قال: ليس من ماء في الأرض إلّا و قد خالطه ماء السّماء.
فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ: أشجارا و أثمارا.
وَ حَبَّ الْحَصِيدِ (9): و حبّ الزّرع الّذي من شأنه أن يحصد، كالبرّ و الشّعير.
وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ: طوالا: أو حوامل، من أبسقت الشّاة: إذا حملت، فيكون من أفعل، فهو فاعل.
و إفرادها بالذّكر لفرط ارتفاعها، و كثرة منافعها.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لم ينسب.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم تحتبس.
(3) أنوار التنزيل 2/ 413: بأن خلقناها ملساء.
(4) الكافي 6/ 387، ح 1.
371
و قرئ (1): «باصقات» لأجل القاف.
لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10): منضود بعضه فوق بعض، و المراد: تراكم الطّلع، أو كثرة ما فيه من الثّمر.
رِزْقاً لِلْعِبادِ: علّة «لأنبتنا». أو مصدر، فإنّ الإنبات رزق.
و في روضة الكافي (2)، بإسناده إلى محمّد بن عطيّة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: كانت السّماء رتقا لا تنزل المطر و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ، فلمّا خلق اللَّه الخلق و بثّ فيها من كلّ دابّة فتق السّماء بالمطر و الأرض بنبات الحبّ.
و بإسناده (3) إلى أبي الرّبيع الشّاميّ (4): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه (5) أهبط آدم إلى الأرض و كانت السّماء (6) رتقا لا تمطر شيئا و كانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا، فلمّا تاب اللَّه- عزّ و جلّ- على آدم، أمر السّماء فتفطّرت (7) بالغمام ثمّ أمرها فأرخت عزاليها (8)، ثمّ أمر الأرض فأنبتت الأشجار و أثمرت الثّمار تفهّقت (9) بالأنهار، فكان ذلك رتقها و هذا فتقها.
وَ أَحْيَيْنا بِهِ: بذلك الماء.
بَلْدَةً مَيْتاً: أرضا جدبة لا نماء فيها.
كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11):، كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِ
في الكافي (10): بإسناده إلى هشام الصّيدنانيّ: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سأله رجل عن هذه الآية: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِ.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 413.
(2) الكافي 8/ 95، ح 67.
(3) نفس المصدر/ 121، ح 93.
(4) ليس في المصدر.
(5) في المصدر زيادة: تبارك و تعالى لمّا.
(6) المصدر: السموات.
(7) المصدر: تقطّرت.
(8) قوله: «أرخت عزاليها» من أرخى زمام النّاقة: أرسله. و عزالي- جمع عزلاء-: فم المزادة و مصبّ الماء من القرية و نحوها. و هذا الكلام كناية عن شدّة وقع المطر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تفيّهت.
و فهق الإناء: إذا امتلأ
(10) الكافي 5/ 551، ح 1.
372
فقال بيده هكذا، فمسح إحداهما على الأخرى (1)، فقال: هنّ اللّواتي [باللّواتي] (2)، يعني: النساء بالنّساء.
و في مجمع البيان (3): و قيل: كان سحق النّساء في أصحاب الرّسّ. و روي ذلك عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
وَ ثَمُودُ (12) وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ المراد بفرعون: هو و قومه، ليلائم ما قبله و ما بعده.
وَ إِخْوانُ لُوطٍ (13): [سمّي قوم لوط] (4) إخوانه لأنّهم كانوا أصهاره.
وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ قد مرّ تفسير تلك الأصحاب كلّ في موضعه (5).
و في عيون الأخبار (6)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: لم سمّي تبّع تبّعا؟
فقال: لأنّه كان (7) غلاما كاتبا، و كان يكتب لملك كان قبله، فكان إذا كتب كتب: بسم اللَّه الّذي خلق سبحا و ريحا.
فقال الملك: اكتب و ابدأ باسم ملك الرّعد.
فقال: لا أبدأ إلّا باسم إلهي، ثمّ أعطف على حاجتك.
فشكر اللَّه له ذلك، فأعطاه ملك ذاك الملك، فتابعه النّاس على ذلك فسمّي تبعا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى عمر بن أبان: عن أبان رفعه، أنّ تبّعا (9) قال في شعره (10):
حتى أتاني من قريظة عالم* * * حبر (11) لعمرك في اليهود مسود
____________
(1) المصدر: بالأخرى.
(2) من المصدر.
(3) المجمع 5/ 143.
(4) ليس في ن.
(5) أي في سورتي الحجر و الدّخان.
(6) العيون 1/ 193، ح 1.
(7) ليس في ق.
(8) كمال الدين/ 169- 170، ح 25.
(9) المصدر: تبّع.
(10) المصدر: مسيره.
(11) الحبر: رئيس الكهنة عند اليهود.
373
قال ازدجر عن قرية (1) محجوبة* * * لنبيّ مكّة من قريش مهتدي
(2)
فعفوت عنهم عفو غير يثرب (3)* * * و تركتهم لعقاب يوم سرمد
و تركتها للَّه أرجو عفوه* * * يوم الحساب من الجحيم الموقد
و لقد تركت له بها من قومنا* * * نفرا أولي حسب و بأس (4) يحمد
نفرا يكون النصر (5) في أعقابهم* * * أرجو بذاك ثواب نصر (6) محمّد
ما كنت أحسب أنّ بيتا ظاهرا* * * للَّه في بطحاء مكّة (7) يعبد
قالوا بمكّة بيت مال داثر* * * و كنوزه من لؤلؤ و زبرجد
فأردت أمرا حال ربّي دونه* * * و اللَّه يدفع عن خراب المسجد
فتركت ما أمّلته فيه لم* * * و تركتهم مثلا لأهل المشهد
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: و قد أخبر أنّه سيخرج من هذه، يعني: مكّة، نبيّ يكون مهاجرته إلى يثرب، فأخذ قوما من اليمن فأنزلهم مع اليهود لينصروه إذا خرج، و في ذلك قال شعرا:
____________
(1) كذا في المصدر. و في ق، ش: فشة. و في ن، ر: فرية. و في ت، م، ي: فنة.
(2) المصدر: مهتد.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يثرب.
و ثرّبه: لامه.
(4) المصدر: و ممّن.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: النفر.
(6) المصدر: ربّ.
(7) ليس في ق.
374
شهدت على أحمد أنّه (1)* * * رسول من اللَّه بارئ النسم
فلو مدّ عمري إلى عمره* * * لكنت وزيرا له و ابن عمّ
و كنت عذابا على المشركين* * * أسقيهم (2) كأس حتف و غمّ
و بإسناده (3) إلى الوليد بن صبيح: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ تبّعا قال للأوس و الخزرج: كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أما أنا فلو أدركته، لخدمته و لخرجت معه.
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ، أي: كلّ واحد منهم، أو قوم منهم، أو جميعهم.
و إفراد الضّمير، لإفراد لفظه.
فَحَقَّ وَعِيدِ (14): فوجب و حلّ عليه وعيدي. و فيه تسلية للرّسول و تهديد لهم.
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ: أ فعجزنا عن الإبداء حتّى نعجز عن الإعادة. من عيي بالأرض: إذا لم يهتد لوجه علمه.
و «الهمزة» فيه للإنكار.
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15).
قيل (4): أي: هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأوّل، بل هم في خلط و شبهة في خلق مستأنف لما في من مخالفة العادة.
و تنكير الخلق الجديد لتعظيم شأنه، و الإشعار بأنه على وجه غير متعارف و لا معتاد.
و في كتاب الخصال (5): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث
____________
(1) البيت الأول لا يحتاج إلى صدر و عجز، لأنّه بيت مدوّر. و إذا كان و لا بدّ. فيكون الصّدر إلى الحرف «س» من كلمة «رسول».
(2) م، ش: فأسقيهم.
(3) نفس المصدر/ 170، ح 26.
(4) أنوار التنزيل 2/ 414.
(5) الخصال/ 359، ح 45.
375
طويل، يقول فيه: لعلّكم ترون أنّه إذا (1) كان يوم القيامة و صيّر اللَّه أبدان أهل الجنّة مع أرواحهم في الجنّة، و صيّر اللَّه أبدان أهل النّار مع أرواحهم في النّار، أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لا يعبد في بلاده، و لا يخلق خلقا يعبدونه و يوحّدونه و يعظّمونه؟ بلى، و اللَّه، ليخلقنّ خلقا من غير فحولة و لا إناث يعبدونه و يوحّدونه و يعظّمونه، و يخلق لهم أرضا تحملهم و سماء تظلّهم، أ ليس اللَّه- عزّ و جل- يقول (2): يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ (3).
و قال: أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.
و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى عمرو بن شمر: عن جابر بن يزيد قال:
سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-: أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.
قال: يا جابر، تأويل ذلك: أنّ اللَّه إذا أفنى هذا الخلق و هذا العالم و أسكن أهل الجنة الجنّة و أهل النّار النّار، جدّد اللَّه عالما غير هذا العالم، و جدّد خلقا من غير فحولة و لا إناث يعبدونه و يوحّدونه، و خلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم و سماء غير هذه السّماء تظلّهم. لعلّك ترى أن اللَّه إنّما خلق هذا العالم الواحد، أو (5) ترى أنّ اللَّه لم يخلق بشرا غيركم؟
بلى، و اللَّه، لقد خلق ألف ألف عالم و ألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم و أولئك الآدميّين.
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ: ما تحدثه به نفسه، و هو ما يخطر بالبال.
و «الوسوسة» الصّوت الخفيّ. و منها وساوس الحليّ.
و الضّمير «لما» إن جعلت موصولة، و «الباء» مثلها في: صوّت بكذا. أو للإنسان إن جعلت مصدريّة، و الباء للتّعدية.
و في شرح الآيات الباهرة (6): و روى محمّد بن جمهور، عن فضالة، عن أبان، عن عبد الرحمن، عن ميسر، عن بعض آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله:
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) إبراهيم/ 48.
(3) في ق، ش، م، زيادة: مطويات بيمينه.
(4) التوحيد/ 277، ح 2.
(5) ق، ش، المصدر: و.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 608، ح 1.
376
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ قال: هو الأول.
وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16): أي: و نحن أعلم بحاله ممّن كان أقرب إليه من حبل الوريد.
تجوّز بقرب الذّات لقرب العلم، لأنّه موجبه.
و حبل الوريد مثل في القرب، قال:
و الموت أدنى لي من (1) الوريد
و «الحبل» العرق، و إضافته للبيان. و «الوريدان» عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدّمها، متصلان بالوتين (2) يردان من الرأس إليه.
و قيل (3): سمي وريدا، لأنّ الرّوح ترده.
و في الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، رفعه، عن محمّد بن مسلم قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقال له: رأيت ابنك موسى يصلّي و النّاس يمرّون بين يديه فلا ينهاهم، و فيه ما فيه! فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ادعوا لي موسى.
فدعي، فقال: يا بنيّ، إنّ أبا حنيفة يذكر أنّك كنت صلّيت و النّاس يمرّون بين يديك فلم تنههم (5).
فقال: [نعم] (6) يا أبت، إنّ الّذي كنت أصلّي له كان أقرب إليّ منهم، يقول اللَّه- عزّ و جل-: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
قال: فضمّه أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- إلى نفسه، ثمّ قال: بأبي أنت و أمّي، يا مستودع (7) الأسرار.
و هذا تأديب منه- (عليه السلام)- لا أنّه ترك الفض.
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ: مقدّر «با ذكر». أو متعلّق «بأقرب»، أي: هو أعلم بحاله من كلّ قريب حين يتلقى، أي: يتلقّى الحفيظان ما يتلفّظ به.
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 414. و في النسخ زيادة: حبل.
(2) الوتين: هو عرق من القلب، إذا انقطع مات صاحبه.
(3) أنوار التنزيل 2/ 414.
(4) الكافي 3/ 297، ح 4.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فلا تنهاهم.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: مودع.
377
و فيه إيذان بأنّه غنيّ عن استحفاظ الملكين، فإنّه أعلم منهما و مطلع على ما يخفى عليهما، لكنّه لحكمة اقتضته، و هي ما فيه من تشديد تثبّط العبد عن المعصية، و تأكيد في اعتبار الأعمال و ضبطها للجزاء، و إلزام الحجّة يوم يقوم الأشهاد.
عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17)، أي: عن اليمين قعيد و عن الشّمال قعيد، أي: مقاعد، كالجليس، فحذف الأول لدلالة الثّاني عليه، كقوله:
و إنّي و قيّار بها لغريب
و قيل (1): يطلق الفعيل للواحد و المتعدّد، كقوله: وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ: ما يرمي به من فيه.
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ: ملك يرقب عمله.
عَتِيدٌ (18): معدّ حاضر، يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب.
و في كتاب سعد السّعود (2) لابن طاوس، فصل فيما يذكر من كتاب «قصص القرآن و أسباب نزول آثار القرآن» (3) تأليف الهيثم (4) بن محمّد بن الهيثم (5) النيسابوريّ، فصل في ذكر الملكين الحافظين: دخل عثمان بن عفّان على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: أخبرني عن العبد كم معه من ملك (6)؟
قال: ملك على يمينك على حسناتك و واحد على الشّمال، فإذا عملت حسنة كتب عشرا، و إذا عملت سيّئة قال الّذي على الشّمال للّذي على اليمين: أكتب؟
قال: لعلّه يستغفر اللَّه و يتوب. فإذا قال ثلاثا قال: نعم، اكتب أراحنا (7) اللَّه منه فبئس القرين (8)، و ما أقلّ مراقبته للَّه- عزّ و جلّ- و أقلّ استحياءه منّا (9)! يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
و ملكان بين يديك و من خلفك، [يقول اللَّه (10):
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 414.
(2) سعد السعود/ 225.
(3) المصدر: قصص القرآن بأسباب نزول آيات القرآن.
4 و 5- كذا في نور الثقلين 5/ 109، ح 19. و في النسخ: الهيصم. و في المصدر: القيصم.
(6) كذا في المصدر. و في ن: «كم عليه ملك» بدل «كم معه من ملك». و في ت: «من ملك». و في سائر النسخ: «من عليه ملك».
(7) كذا في المصدر و في النسخ: ان أحبنا.
(8) المصدر: فلبئس الصديق.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ بدل الفقرتين الأخيرتين: ما أقل مراقبة الله أقل استحياء من.
(10) الرعد/ 11.
378
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ] (1).
و ملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت للَّه رفعك، و إذا تجبّرت [على اللَّه وضعك اللَّه و] (2) فضحك.
و ملكان على شفتيك ليس (3) يحفظان (4) عليك إلّا الصّلاة (5) على محمّد [و آله] (6).
و ملك قائم على فيك لا يدع أن تداف (7) الحيّة في فيك.
و ملكان على عينيك، فهذه عشرة أملاك على كلّ آدميّ. يعدّ أن ملائكة اللّيل على ملائكة النّهار، لأنّ ملائكة اللّيل سوى ملائكة النّهار. فهؤلاء عشرون ملكا (8) على كلّ آدميّ، و إبليس بالنّهار و ولده باللّيل، قال اللَّه (9): وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (الآية) و قال- تعالى-: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ (الآية).
و فيه- أيضا- (10) بعد أن ذكر ملكي اللّيل و ملكي النّهار: و في رواية أنّهما يأتيان المؤمن عند حضور صلاة الفجر، فإذا هبطا صعد الملكان الموكّلان باللّيل، فإذا غربت الشّمس نزل إليه [الملكان] (11) الموكلان بكتابة الليل و يصعد (12) الملكان الكاتبان بالنّهار بديوانه إلى اللَّه، فلا يزال ذلك دأبهم إلى وقت حضور أجله.
فإذا حضر أجله، قالا للرّجل [الصّالح] (13): جزاك اللَّه من صاحب عنّا خيار، فكم من عمل صالح أريتناه (14)، و كم من قول حسن أسمعتناه (15)، و كم من مجلس خير أحضرتناه، فنحن اليوم على ما تحبّه و شفعاء إلى ربّك. و إن كان عاصيا، قالا له: جزاك اللَّه من صاحب عنّا شرا، فلقد كنت تؤذينا، فكم من عمل سيئ أريتناه (16)، و كم من
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) من المصدر: و في النسخ بدلها: للَّه.
(3) ليس في ق. و في ش، م: ليسا.
(4) المصدر: يحفظون.
(5) ن، ت، ي، ر، المصدر: الصلوات.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: تدبّ.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ملائكة.
(9) الانفطار/ 10.
(10) نفس المصدر/ 225- 226.
(11) من المصدر.
(12) المصدر: يصعدان.
(13) من المصدر.
(14) كذا في المصدر. و في ي، ر: أديتناه. و في غيرهما: أديناه.
(15) ق، ش، المصدر: استمعناه.
(16) كذا في المصدر. و في النسخ: أديتناه.
379
قول سيّئ أسمعتناه (1)، و كم (2) من مجلس سوء أحضرتناه، و نحن اليوم لك على ما تكره و شهيدان عند ربّك.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما من قلب إلّا و له أذنان، على إحداهما ملك مرشد و على الأخرى شيطان مفتّن، هذا يأمره و هذا يزجره، الشّيطان يأمره بالمعاصي و الملك يزجره عنها. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللَّه بن جبلة، عن إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ المؤمنين إذا قعدا يتحدّثان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا فلعلّ لهما سرا و قد ستر اللَّه عليهما.
فقلت: أ ليس اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ؟
فقال: يا إسحاق، إن كانت الحفظة لا تسمع، فإنّ عالم السّرّ يسمع و يرى.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- قال: إنّ المؤمنين إذا اعتنقا غمرتهما الرّحمة، فإذا التزما لا يريدان بذلك إلّا وجه اللَّه و لا يريدان غرضا من أغراض الدّنيا قيل لهما: مغفورا لكما، فاستأنفا. فإذا أقبلا على المساءلة [قالت الحفظة] (6) بعضها لبعض: تنحّوا عنهما، فإنّ لهما سرا و قد ستر اللَّه عليهما.
قال إسحاق: فقلت: جعلت فداك، فلا يكتب عليهما لفظهما و قد قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ؟
قال: فتنفّس أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- الصّعداء (7)، ثمّ بكى حتّى اخضلّت دموعه لحيته، و قال: يا إسحاق، إن اللَّه- تعالى- إنّما أمر الملائكة أن تعتزل (8) عن المؤمنين
____________
(1) المصدر: استمعهاه.
(2) ليس في المصدر.
(3) الكافي 2/ 266- 267، ح 1.
(4) نفس المصدر/ 181- 182، ح 14.
(5) نفس المصدر/ 184، ح 2.
(6) من ق. و في المصدر: قالت الملائكة.
(7) أي: التنفّس الطويل من همّ أو تعب.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: تعزل.
380
إذا التقيا إجلالا لهما، و إنّه و إن كانت [الملائكة] (1) لا تكتب لفظهما و لا تعرف كلامهما فإنّه يعرفه و يحفظه عليهما عالم السّرّ و أخفى.
و في جوامع الجامع (2): و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كاتب الحسنات على يمين الرّجل و كاتب السّيّئات على شماله (3)، و صاحب اليمين أمير على صاحب الشّمال.
فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا. و إذا عمل سيّئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشّمال: دعه سبع ساعات، لعلّه يسبّح أو يستغفر.
و في مجمع البيان (4): عن أبي امامة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ صاحب الشّمال ليرفع القلم ستّ ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء، فإن ندم و استغفر [اللَّه] (5) منها، ألقاها و إلّا كتب واحدة.
و عن أنس بن مالك (6) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه و كلّ بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات قالا: يا ربّ، قد قبضت عبدك فلانا فإلى أين؟
قال: سمائي مملوءة بملائكتي يعبدونني و أرضي مملوءة من خلقي يطيعونني، اذهبا إلى قبر عبدي فسبّحاني و كبّراني و هلّلاني و اكتبا (7) ذلك في حسنات عبدي.
وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ: لمّا ذكر استبعادهم البعث للجزاء، و أزاح ذلك بتحقيق قدرته و علمه (8)، أعلمهم بأنّهم يلاقون ذلك عن قريب عند الموت و قيام السّاعة، و نبّه على اقترابه بأن عبّر عنه بلفظ الماضي.
و «سكرة الموت» شدّته الذّاهبة بالعقل، و «الباء» للتّعدية، كما في قولك: جاء زيد بعمرو، و المعنى: و أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر، أو الموعود الحقّ، أو الحقّ الّذي ينبغي أن يكون من الموت، أو الجزاء فإن الإنسان خلق له. أو مثل الباء في تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (9).
____________
(1) من المصدر.
(2) الجوامع/ 461.
(3) المصدر: يساره.
(4) المجمع 5/ 144.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) المصدر: فاكتبا.
(8) أمّا القدرة فمن قوله- تعالى-: أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ (الآيات) و أمّا العلم فمن قوله: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ.
(9) المؤمنون/ 20. و ورد في ق، ش، م، زيادة: و صبغ للآكلين.
381
و قرئ (1): «سكرة الحقّ بالموت» على أنّها لشدّتها اقتضت الزّهوق، أو لاستعقابها له، كأنّها جاءت به، أو على أنّ «الباء» بمعنى: «مع».
و قيل (2): «سكرة الحقّ» سكرة اللَّه، و إضافتها إليه للتّهويل.
و في مجمع البيان (3): في الشّواذّ: «و جاءت سكرة الحقّ بالموت». و هي قراءة سعيد بن جبير [و طلحة] (4)، و رواها أصحابنا عن أئمّة الهدى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قوله: وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ قال: نزلت «و جاءت سكرة الحقّ بالموت».
ذلِكَ، أي: الموت.
ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19): تميل و تفرّ عنه. و الخطاب للإنسان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ قال (7): نزلت في الأول (8).
وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ، يعني: نفخة الصّور (9).
ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20)، أي: وقت ذلك يوم تحقق الوعيد و إنجازه.
و الإشارة إلى مصدر «نفخ».
وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (21).
قيل (10): ملكان: أحدهما يسوقه، و الاخر يشهد بعمله. أو ملك جامع للوصفين.
و قيل (11): السّائق كاتب السّيّئات، و الشّهيد كاتب الحسنات.
و قيل (12): السّائق نفسه أو قرينه، و الشّهيد جوارحه و أعماله.
و محلّ «معها» النّصب على الحال من «كلّ» لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة (13).
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 415.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) المجمع 5/ 143.
(4) من المصدر.
(5) تفسير القمّي 2/ 324.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ليس في ق، ش.
(8) المصدر: زريق. و المراد أبو بكر- لعنه اللَّه.
(9) أنوار التنزيل 2/ 415: يعني: نفخة البعث.
10 و 11 و 12 أنوار التنزيل 2/ 415.
(13) قوله: «لاضافته إلى ما هو في حكم المعرفة» لأنّ هذا الحكم عامّ، فهو في حكم المحلّى بلام الاستغراق.
382
و في نهج البلاغة (1): ف كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ سائق يسوقها إلى محشرها، و شاهد يشهد عليها بعملها.
و في روضة الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: كم بينك و بين البصرة؟
قلت: في الماء خمس إذا طابت الرّيح، و على الظّهر ثمان و نحو ذلك.
فقال: ما أقرب هذا! تزاوروا و تعاهدوا (3) بعضكم بعضا، فإنّه لا بدّ يوم (4) [القيامة] (5) من أن يأتي كلّ إنسان بشاهد يشهد له على دينه
(الحديث).
و في من لا يحضره الفقيه (6): و في رواية السّكونيّ قال: قال عليّ- (عليه السلام)-:
ما من يوم يمرّ على ابن آدم إلّا قال له ذلك اليوم: أنا يوم جديد و أنا عليك شهيد، فافعل فيّ خيرا و اعمل فيّ خيرا أشهد به لك يوم القيامة، فإنك لن تراني بعد هذا أبدا.
و في شرح الآيات الباهرة (7): روى الحسن بن أبي الحسن الديلميّ، بإسناده، عن رجاله، عن جابر بن يزيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- (8): وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ قال: السّائق أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و الشّهيد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا: على إضمار القول. و الخطاب لكلّ نفس إذ ما من أحد إلّا و له اشتغال ما عن الآخرة، أو للكافر.
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ.
«الغطاء» الحاجب لأمور المعاد، و هو الغفلة، و الانهماك في المحسوسات و الالف بها و قصور النظر عليها.
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22): نافذ، لزوال المانع للإبصار.
و قيل (9): الخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و المعنى: كنت في غفلة من أمر
____________
(1) النهج/ 116، الخطبة 85.
(2) الكافي 8/ 315- 316، ح 496.
(3) المصدر: يتعاهد.
(4) ليس في ق.
(5) من المصدر.
(6) الفقيه 4/ 284، ح 845.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 609، ح 2.
(8) في ق، ش، م، زيادة: و جاءت سكرة الموت بالحقّ إلى قوله.
(9) أنوار التنزيل 2/ 415.
383
الدّيانة، فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي و تعليم (1) القرآن، فبصرك اليوم حديد ترى ما لا يرون و تعلم ما لا يعلمون.
و يؤيّد الأول قراءة (2) من كسر التّاء و الكافات، على خطاب النفس.
وَ قالَ قَرِينُهُ: الملك الموكل عليه هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23): هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لديّ. أو الشّيطان الّذي قيّض له: هذا ما عندي و في ملكتي عتيد لجهنّم، هيّأته لها بإغوائي له و إضلالي.
و «ما» إن جعلت موصوفة «فعتيد» صفتها. و إن جعلت موصولة فبدلها، أو خبر بعد خبر، أو خبر محذوف (3).
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ قيل (4): خطاب من اللَّه للسّائق و الشّهيد، أو لملكين من خزنة النّار، أو لواحد.
و تثنية الفاعل منزّل منزلة تثنية الفعل، و تكريره كقوله:
فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر* * * و إن تدعاني أحم عرضا ممنّعا
أو «الألف» (5) بدل من نون التّأكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف، و يؤيّده أنّه قرئ (6): «ألقين» بالنّون الخفيفة.
عَنِيدٍ (24): معاند للحقّ.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): وَ قالَ قَرِينُهُ، أي: شيطانه، و هو الثّاني (8) هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ. و قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ (9) عَنِيدٍ مخاطبة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)-. و ذلك قول الصّادق- (عليه السلام)-: عليّ قسيم الجنّة و النّار.
____________
(1) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: تنزيل.
و في سائر النسخ: تعظيم.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) قوله: «أو خبر بعد أو خبر محذوف»، يعني: «لديّ» خبر أول و «عتيد» خبر آخر بعده، أو «لديّ» خبر و «عتيد» خبر محذوف، و التقدير: هذا ما لديّ هو عتيد.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) يعني الألف في «ألقيا».
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير القمّي 2/ 324.
(8) المصدر: حبتر. و المراد عمر- لعنه اللَّه.
(9) يوجد في ق، ش، م: «إلى قوله» بدل «عتيد ... كفّار».
384
و بإسناده (1) إلى عبيد بن يحيى: عن محمّد بن عليّ بن الحسين (2)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن اللَّه إذا جمع النّاس يوم القيامة في صعيد واحد كنت أنا و أنت يومئذ عن يمين العرش، ثم يقول اللَّه- تبارك و تعالى- لي و لك:
قوما (3)، ألقيا (4) من أبغضكما و كذّبكما في النّار.
و حدّثني (5) أبي، عن أبي عبد اللَّه بن (6) المغيرة الخزّاز (7)، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إذا سألتم اللَّه فاسألوه لي الوسيلة. [و ذكر- (صلوات اللّه عليه و آله)- الوسيلة] (8) و صفتها، و هو حديث طويل، و في آخره: فبينما أنا كذلك إذا بملكين (9) قد أقبلا إليّ، أمّا أحدهما فرضوان خازن الجنّة و أما الآخر فمالك خازن النّار، فيدنو إليّ رضوان و يسلّم عليّ.
فيقول: السلام عليك، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأردّ (عليه السلام)، و أقول:
أيها الملك الطيب الريح الحسن الوجه الكريم على ربّه من انت؟ فيقول: انا رضوان خازن الجنة، أمرني ربّي أن آتيك بمفاتيح الجنّة، فخذها يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فأقول: قد قبلت ذلك من ربّي، و له الحمد على ما أنعم به عليّ، ادفعها إلى أخي، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فيدفعها إلى عليّ و يرجع رضوان، ثمّ يدنو مالك خازن النّار فيسلّم عليّ، و يقول: السّلام عليك، يا حبيب اللَّه.
فأقول له: و عليك السّلام، أيّها الملك، ما أنكر رؤيتك و أقبح وجهك من أنت؟
فيقول: أنا مالك خازن (10) النّار، أمرني ربّي أن آتيك بمفاتيح النّار.
فأقول قد قبلت ذلك من ربّي، فله الحمد على ما أنعم به عليّ و فضّلني به،
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المصدر: عن محمّد بن الحسين بن عليّ.
(3) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(4) في ق زيادة: منكما.
(5) نفس المصدر/ 324- 326.
(6) ليس في ق، ش.
(7) ق، م: الخزّار. و في المصدر زيادة:
الجزار- ط)
(8) ليس في ق.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ملكين.
(10) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
385
ادفعها إلى أخي، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فيدفعها إليه ثمّ يرجع، و يقبل عليّ- (عليه السلام)- و معه مفاتيح الجنّة و مقاليد النّار حتّى يقعد (1) على شفير جهنّم و يأخذ زمامها بيده، و قد علا (2) زفيرها و اشتد حرّها و كثر شرارها، فتنادي جهنّم: يا عليّ- (عليه السلام)- جزني، فقد أطفأ نورك لهبي.
فيقول لها عليّ: قرّي، يا جهنّم، و ذري هذا وليّي و خذي هذا عدوّي. فلجهنّم يومئذ أشدّ مطاوعة لعليّ من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهب به يمنة و إن شاء يذهب به يسرة، و لجهنّم يومئذ أشدّ مطاوعة لعليّ- (عليه السلام)- فيما يأمرها به من جميع الخلائق، و ذلك أنّ عليّا يومئذ قسيم الجنّة و النّار.
و في مجمع البيان (3): و روى أبو القاسم الحسكانيّ، بالإسناد، عن الأعمش أنّه قال: حدّثنا أبو المتوكّل التّاجر (4)، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا كان يوم القيامة يقول اللَّه- تعالى- لي و لعليّ- (عليه السلام)-: ألقيا في النّار من أبغضكما و أدخلا الجنّة من أحبّكما، و ذلك قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ.
و في أمالي شيخ الطّائفة (5)، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يقول اللَّه يوم القيامة لي و لعليّ- (عليه السلام)-: أدخلا الجنّة من أحبّكما و أدخلا النّار من أبغضكما، و ذلك قوله- تعالى-: أَلْقِيا (الآية) (6).
و بإسناده (7)، قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله- تعالى-: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ قال: نزلت في و في عليّ- (عليه السلام)-، و ذلك أنّه إذا كان يوم القيامة شفّعني ربّي و شفّعك، يا عليّ، و كساني و كساك، يا عليّ.
ثم قال لي و لك، يا عليّ: ألقيا في جهنّم من أبغضكما و أدخلا الجنّة كلّ من أحبّكما.
قال: ذلك هو المؤمن.
و في شرح الآيات الباهرة (8): روى بحذف الإسناد، عن محمّد بن حمران قال:
____________
(1) المصدر: يقف.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) المجمع 5/ 147.
(4) المصدر: الناجي.
(5) أمالي الطّوسي 1/ 296 ..
(6) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(7) نفس المصدر/ 378.
(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 609- 610، ح 5.
386
سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ.
فقال: إذا كان يوم القيامة وقف محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ على الصّراط، فلا يجوز عليه إلّا من كان معه براءة.
قلت: و ما براءته؟
قال ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و الأئمّة من ولده، و ينادي مناد:
يا محمّد يا عليّ أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ بنبوّتك عَنِيدٍ لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ولده.
و روى محمّد بن العبّاس (1): عن أحمد بن هوذة (2) الباهلي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن حمّاد، عن شريك قال: بعث إلينا الأعمش و هو شديد المرض فأتيناه، و قد اجتمع عنده أهل الكوفة و فيهم أبو حنيفة و ابن قيس الماصر (3).
فقال لابنه: يا بنيّ، أجلسني. فأجلسه، فقال: يا أهل الكوفة، إنّ أبا حنيفة و ابن قيس الماصر (4) أتياني فقالا: إنّك قد حدّثت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أحاديث فارجع عنها فإنّ التّوبة مقبولة ما دامت الرّوح في البدن.
فقلت لهما: مثلكما يقول لمثلي هذا، أشهدكم يا أهل الكوفة، فإنّي في آخر يوم من أيّام الدّنيا و أول يوم من أيّام الآخرة، إنّي سمعت عطاء بن رياح يقول: سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن قول اللَّه أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا و علىّ نلقي في جهنّم كلّ من عادانا.
فقال أبو حنيفة لابن قيس: قم بنا لا يجيء ما هو أعظم من هذا. فقاما و انصرفا.
و روي (5) بحذف الاسناد عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: دخلت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسلّمت، و قلت: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أرني الحقّ أنظر إليه عيانا (6).
فقال: يا ابن مسعود، لج المخدع (7) فانظر ما ذا ترى؟
____________
(1) نفس المصدر/ 610، ح 6.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: هوزة.
(3) ق، ش، م، ت، ر، ي: الماضي.
(4) ليس في ق، ش، م. و في ي: الماضي.
(5) تأويل الآيات 2/ 610- 612، ح 7.
(6) ليس في م، ش، ق.
(7) أي: ادخل الحجرة.
387
قال: فدخلت، فإذا (1) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- راكعا و ساجدا، و هو يخشع في ركوعه و سجوده و يقول: اللّهمّ، بحقّ محمّد نبيّك إلّا ما غفرت للمذنبين من شيعتي. فخرجت لأخبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك، فوجدته راكعا و ساجدا، و هو يخشع في ركوعه و سجوده يقول: اللّهمّ، بحقّ عليّ وليّك إلّا ما غفرت للمذنبين من أمّتي.
فأخذني الهلع، فأوجز- (صلّى اللّه عليه و آله)- في صلاته و قال: يا ابن مسعود، أ كفر بعد إيمان؟
فقلت: لا و عيشك، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- غير أنّي نظرت إلى عليّ- (عليه السلام)- و هو يسأل اللَّه بجاهك، و نظرت إليك و أنت تسأل اللَّه بجاهه، فلا أعلم أيّكما أوجه عند اللَّه من الآخر؟
فقال: يا ابن مسعود، إنّ اللَّه خلقني و خلق عليّا و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- من نور قدسه، فلمّا أراد أن ينشئ الصّنعة فتق نوري و خلق منه السّموات و الأرض، و أنا، و اللَّه، أجلّ من السّموات و الأرض. و فتق نور عليّ- (عليه السلام)- و خلق منه العرش و الكرسيّ، و عليّ و اللَّه، أجلّ من العرش و الكرسيّ [و فتق نور الحسن] (2) و خلق منه الحور العين و الملائكة (3)، و الحسن، و اللَّه، أجلّ من الحور العين و الملائكة. و فتق نور الحسين و خلق منه اللّوح و القلم، و الحسين، و اللَّه، أجلّ من اللّوح و القلم.
فعند ذلك أظلمت المشارق و المغارب، فضجّت الملائكة و نادت: إلهنا و سيّدنا، بحقّ الأشباح الّتي خلقتها إلا ما فرّجت عنّا هذه الظلمة. فعند ذلك تكلّم اللَّه بكلمة أخرى، فخلق منها روحا، فاحتمل النّور الرّوح فخلق منه الزّهراء، فاطمة، فأقامها أمام العرش، فأزهرت المشارق و المغارب، فلأجل ذلك سمّيت الزّهراء.
فقال (4): يا ابن مسعود، إذا كان يوم القيامة يقول اللَّه لي و لعليّ- (عليه السلام)-:
____________
(1) في ق، ش، زيادة: وجدت.
(2) ليس في ق.
(3) في ق، ش، م، زيادة: و الجنّ و الإنس.
(4) ليس في المصدر.
388
أدخلا الجنة من أحببتما (1)، و ألقيا في النّار (2) من أبغضتما (3)، و الدليل على ذلك قوله:
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ.
فقلت: يا رسول اللَّه، من الكفّار العنيد (4)؟
قال: «الكفّار» من كفر بنبوّتي، و «العنيد» من عاند عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قيل (5): كثير المنع للمال عن الحقوق المفروضة.
و قيل (6): المراد بالخير: الإسلام، فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني أخيه عنه.
مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25): شاكّ في اللَّه و في دينه.
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ: مبتدأ متضمّن معنى الشّرط، و خبره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26). أو بدل من «كلّ كفّار»، فيكون «فألقياه» تكريرا للتّوكيد، أو مفعول لمضمر يفسّره «فألقياه».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): [و أمّا قوله: «منّاع للخير»] (8) قال: المنّاع الثّاني، و الخير ولاية عليّ- (عليه السلام)- و حقوق آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-. و لمّا كتب الأوّل كتاب فدك بردّها على فاطمة، منعه (9) الثّاني، فهو مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ. قال: هو ما قالوا: نحن كافرون بمن جعل لكم الإمامة و الخمس.
قالَ قَرِينُهُ، أي: الشيطان المقيّض له.
و إنّما استؤنفت، كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التّقاول، فإنّه جواب لمحذوف دلّ عليه رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ، كأنّ الكافر قال: هو أطغاني، فقال قرينه:
ربّنا، ما أطغيته. بخلاف الأولى فإنّها واجبة العطف على ما قبلها، للدّلالة على الجمع بين مفهوميهما في الحصول، أعني: مجيئ كلّ نفس مع الملكين و قول قرينه.
____________
(1) المصدر: أحبّكما.
(2) ق، ش، م: جهنّم.
(3) المصدر: أبغضكما.
(4) ليس في ق، ش.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 415- 416.
(7) تفسير القمّي 2/ 326.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) المصدر: شقه.
389
وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27): فأعنته عليه. فإنّ إغواء الشّيطان إنّما يؤثر فيمن كان مختلّ الرأي مائلا إلى الفجور، كما قال (1): وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.
قالَ، أي: اللَّه.
لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ، أي: في موقف الحساب، فإنه لا فائدة فيه. و هو استئناف مثل الأولى.
وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28): على الطّغيان في كتبي و على ألسنة رسلي، فلم يبق لكم حجّة.
و هو حال فيه تعليل للنّهي، أي: لا تختصموا عالمين بأنّي أوعدتكم. و الباء مزيدة، أو معدّية، على أنّ «قدّم» بمعنى: تقدّم.
و يجوز أن يكون «بالوعيد» حالا و الفعل واقعا على قوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ، أي: بوقوع الخلف فيه، فلا تطمعوا أن أبدّل وعيدي. و عفو بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التّبديل، فإن دلائل العفو تدلّ على تخصيص الوعيد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و أما قوله: قالَ قَرِينُهُ، أي: شيطانه، و هو الثّاني (3) رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ، يعني: الأوّل (4) وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ. فيقول [اللَّه لهما] (5): لا تَخْتَصِمُوا- إلى قوله- (6): ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ، [أي: ما فعلتم] (7) لا يبدّل حسنات (8)، ما وعدته لا أخلفه.
وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29): فأعذب من ليس لي تعذيبه.
و في من لا يحضره الفقيه (9): و روي عن زيد بن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال: [سألت] (10) أبي، سيّد العابدين (11)- (عليه السلام)- فقلت له: يا أبت، أخبرني عن جدّنا، رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا عرج به إلى السّماء [و أمره ربّه- عزّ و جلّ-] (12)
____________
(1) إبراهيم/ 22.
(2) تفسير القمّي 2/ 326.
(3) المصدر: حبتر.
(4) المصدر: زريقا.
(5) ليس في ق، ش.
(6) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(7) من المصدر.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) الفقيه 1/ 126- 127، ح 603.
(10) من المصدر.
(11) ق، ش، م: زين العابدين.
(12) ليس في ق، ش، م.
390
بخمسين صلاة، كيف لم يسأله التّخفيف عن أمّته حتّى قال له موسى بن عمران: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك؟
فقال: يا بنيّ، إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يقترح على ربّه و لا يراجعه في شيء يأمره به، فلمّا سأله موسى ذلك، و صار شفيعا لأمّته إليه، لم يجز ردّ شفاعة أخيه، موسى، فرجع إلى ربّه يسأله التّخفيف إلى أن ردّها إلى خمس صلوات.
[قال: فقلت له: يا أبت، فلم لم يرجع إلى ربّه- عزّ و جلّ- و لم يسأله التخفيف من خمس صلوات] (1) و قد سأله موسى أن يرجع إلى ربّه و يسأله التّخفيف؟
فقال: يا بنيّ، أراد أن يحصل لأمّته التّخفيف مع أجر خمسين صلاة لقول اللَّه (2)- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. ألّا ترى أنّه لمّا هبط إلى الأرض نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السّلام و يقول: إنّها خمس بخمسين ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
(الحديث).
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30): سؤال و جواب جيء بهما للتّخييل و التّصوير، و المعنى: أنّها مع اتّساعها تطرح فيها الجنّة و النّاس فوجا فوجا حتّى تمتلئ لقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ. أو أنّها من السّعة بحيث يدخلها من يدخلها و فيها بعد فراغ. أو أنّها من شدّة زفيرها و حدّتها و تشبّثها بالعصاة كالمستكثرة لهم، و الطّالبة لزيادتهم.
و قرأ (3) نافع و أبو بكر (4): «يقول» بالياء.
و «المزيد» إمّا مصدر، كالمجيد، أو مفعول: كالمبيع.
و «يوم» مقدّر «با ذكر». أو ظرف «لنفخ»، فيكون «ذلك» إشارة إليه، فلا يفتقر إلى تقدير مضاف.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قوله: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال: هو استفهام، لأنّ اللَّه وعد النّار (6) أن يملأها فتمتلئ النّار. ثمّ يقال لها:
____________
(1) ليس في ق.
(2) الأنعام/ 160.
(3) أنوار التنزيل 2/ 416.
(4) م، ش، ق: أبو عمرو.
(5) تفسير القمّي 2/ 326.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لأن وعد اللَّه النار.
391
هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ على حدّ الاستفهام (1)، أي: ليس فيّ مزيد.
قال فتقول الجنّة: يا ربّ، و عدت النّار أن تملأها و وعدتني أن تملأني، [فلم لم تملأني] (2) و قد ملأت النّار؟
قال: فيخلق اللَّه يومئذ خلقا فيملأ بهم الجنّة.
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: طوبى لهم، إنّهم لم يروا غموم الدّنيا و همومها.
و في مجمع البيان (3): وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ و يجوز أن يكون تطلب الزّيادة على أن يزاد في سعتها، كما جاء عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قيل له يوم فتح مكّة: ألا تنزل دارك؟
فقال- (عليه السلام)-: و هل ترك لنا عقيل من دار؟ [لأنّه كان] (4) قد باع دور بني هاشم لمّا خرجوا إلى المدينة. فعلى هذا يكون المعنى: و هل بقيت زيادة.
(انتهى) وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ: قربت لهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): في قوله: وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، أي: زيّنت.
غَيْرَ بَعِيدٍ (31): مكانا غير بعيد.
و يجوز أن يكون حالا، و تذكيره لأنّه صفة محذوف، أي: شيئا غير بعيد. أو على زنة المصدر. أو لأنّ الجنّة بمعنى البستان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): «غير بعيد» قال:، بسرعة.
هذا ما تُوعَدُونَ: على إضمار القول، و الإشارة إلى الثّواب. أو مصدر «أزلفت».
و قرأ (7) ابن كثير، بالياء.
لِكُلِّ أَوَّابٍ: رجّاع إلى اللَّه. بدل من «المتّقين» بإعادة الجارّ.
حَفِيظٍ (32): حافظ لحدوده.
____________
(1) في ق، ش، زيادة: الإنكاري.
(2) من المصدر.
(3) المجمع 5/ 147.
(4) من المصدر.
(5) تفسير القمّي 2/ 327.
(6) نفس المصدر 2/ 327.
(7) أنوار التنزيل 2/ 416.
392
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33): بدل بعد بدل. أو بدل من موصوف «أوّاب»، و لا يجوز أن يكون في حكمه لأن «من» لا يوصف به. أو مبتدأ خبره ادْخُلُوها على تأويل يقال لهم: ادخلوها، فإنّ «من» بمعنى الجمع.
و «بالغيب» حال من الفاعل أو المفعول. أو صفة لمصدر، أي: خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه و هو غائب، أو العقاب بعد غيب، أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد.
و تخصيص «الرّحمن» للإشعار بأنّهم يرجون رحمته و يخافون عذابه، أو بأنّهم ذو خشية مع علمهم بسعة رحمته.
و وصف القلب، بالإنابة، إذ الاعتبار رجوعه إلى اللَّه.
بِسَلامٍ: سالمين من العذاب، و زوال النّعمة. أو مسلّما عليكم من اللَّه و ملائكته.
و في عوالي الّلآلي (1): و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا دخل المدينة عند هجرته:
أيّها النّاس، أفشوا السّلام و صلوا الأرحام و أطعموا الطّعام و صلّوا باللّيل و النّاس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34): يوم تقرير الخلود، كقوله (2): فَادْخُلُوها خالِدِينَ.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ (35): و هو ما لا يخطر ببالهم، ممّا لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ قال:
النّظر إلى رحمة اللَّه.
حدثني أبي (4)، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ للَّه كرامة في عباده المؤمنين في كلّ يوم جمعة، فإذا كان يوم الجمعة بعث اللَّه إلى المؤمن (5) ملكا معه حلّتان، فينتهي إلى باب الجنّة فيقول: استأذنوا لي
____________
(1) عوالي الّلآلي 1/ 268، ح 71.
(2) الزمر/ 73.
(3) تفسير القمّي 2/ 327.
(4) نفس المصدر/ 169.
(5) المصدر: المؤمنين.
393
على فلان، فيقال له: هذا رسول ربّك على الباب.
فيقول لأزواجه: أيّ شيء ترين عليّ أحسن؟
فيقلن: يا سيّدنا، و الّذي أباحك بالجنة (1)، ما رأينا عليك [شيئا] (2) أحسن من هذا قد بعث إليك ربّك.
فيتّزر بواحدة و يتعطّف بالأخرى، فلا يمرّ بشيء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى الموعد، فإذا اجتمعوا تجلّى لهم الرّبّ، فإذا نظروا إليه، [أي] (3) إلى رحمته، خرّوا سجّدا.
فيقول: عبادي، ارفعوا رؤوسكم، ليس هذا يوم (4) سجود و لا عبادة قد رفعت عنكم المؤنة.
فيقولون: يا ربّ، و أيّ شيء أفضل ممّا أعطيتنا؟ أعطيتنا (5) الجنّة.
فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا.
فيرجع المؤمن في كلّ جمعة بسبعين (6) [ضعفا] (7) مثل ما في يديه، و هو قوله:
وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ و هو يوم الجمعة، إنّها ليلة غرّاء و يوم أزهر، فأكثروا فيها من التّسبيح و التّهليل و التّكبير و الثّناء على اللَّه و الصّلاة على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: فيمرّ المؤمن، فلا يمرّ بشيء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى أزواجه.
فيقلن: و الّذي أباحنا الجنّة (8)، يا سيّدنا، ما رأينا (9) قطّ أحسن منك السّاعة! فيقول: إنّي قد نظرت إلى نور ربّي.
(الحديث) وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ: قبل قومك.
مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً: قوّة، كعاد و فرعون.
فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ: فخرّقوا في البلاد و تصرّفوا فيها، أو جالوا في الأرض كلّ مجال حذر الموت.
فالفاء على الأول للتّسبّب، و على الثّاني لمجرّد التّعقيب.
و أصل التّنقيب: التّنقير عن الشّيء و البحث عنه.
____________
(1) في نور الثقلين 5/ 115، ح 44: أباحك الجنّة. و هو الأصحّ.
(2) من المصدر.
(3) من نور الثقلين.
(4) ليس في ق، ش.
(5) ليس في ش، ق.
(6) المصدر: سبعين.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: في الجنّة.
(9) المصدر: ما رأيناك.
394
هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36)، أي: لهم من اللَّه، أو الموت.
و قيل (1): الضّمير في «نقّبوا» لأهل مكة، أي: ساروا في أسفارهم في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصا حتّى يتوقّعوا مثله لأنفسهم. و يؤيّده أنّه قرئ: «فنقّبوا» بالكسر، من النقب، و هو أن ينتقب (2) خفّ البعير، أي: أكثروا السّير حتّى نقبت أقدامهم، أو أخفاف مراكبهم.
إِنَّ فِي ذلِكَ، أي: فيما ذكر في هذه السّورة.
لَذِكْرى: لتذكرة.
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، أي: قلب واع يتفكّر في حقائقه.
و في تنكير القلب و إبهامه تفخيم، و إشعار بأنّ كلّ قلب لا يتفكر و لا يتدبّر [كلا قلب] (3).
و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى عمرو بن شمر: عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا [عليها فتضلّوا] (5) في دينكم. أنا ذو القلب، يقول اللَّه- تعالى-:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (6): بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: يا هشام، إن اللَّه يقول في كتابه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، يعني: عقل.
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، أي: أصغى لاستماعه.
وَ هُوَ شَهِيدٌ (37): حاضر بذهنه ليفهم معانيه. [أو شاهد بصدقه فيتّعظ بظواهره و ينزجر بزواجره.
و في شرح الآيات الباهرة (7): جاء في تأويله حديث لطيف و خبر طريف] (8) و هو
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 417.
(2) ق، ش، ي: يتنقّب.
(3) من أنوار التنزيل 2/ 417.
(4) معاني الأخبار/ 59، ح 9.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 1/ 16، ح 12.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 612- 613، ح 8.
(8) ليس في ق، ش.
395
ما نقله ابن شهر آشوب في كتابه مرفوعا، عن رجاله، عن ابن عبّاس أنه قال: أهدى رجل إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ناقتين عظيمتين سمينتين، فقال للصّحابة: هل فيكم أحد يصلي ركعتين بوضوئهما و قيامها و ركوعهما و سجودهما [و خشوعهما] (1) و لم يهتمّ فيهما بشيء من أمر الدّنيا و لا يحدّث قلبه بفكر الدّنيا، أهدي إليه إحدى هاتين النّاقتين.
فقالها مرّة و مرّتين و ثلاثا، فلم يجبه أحد من أصحابه.
فقام إليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أنا، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصلّي ركعتين أكبّر التكبيرة (2) الأولى إلى أن أسلم منها لا أحدّث نفسي بشيء من أمر الدّنيا.
فقال: يا علي صلّ (3)، صلّى اللَّه عليك [و آلك] (4).
قال: فكبّر أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و دخل في الصّلاة، فلمّا سلّم من الرّكعتين، هبط جبرئيل على النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه يقرئك السّلام و يقول لك: أعطه إحدى النّاقتين.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا شارطته على أن يصلّي ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه بشيء من أمر الدّنيا أن أعطيه إحدى النّاقتين، و إنّه جلس في التشهّد فتفكر في نفسه أيّهما يأخذ؟
فقال جبرئيل: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ اللَّه يقرئك السّلام و يقول لك:
تفكّر أيّهما يأخذ أسمنهما فينحرها في سبيل اللَّه و يتصدّق بها لوجه اللَّه، و كان تفكّره للَّه لا لنفسه و لا للدّنيا.
فبكى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أعطاه كلتيهما، فنحرهما و تصدّق بهما، فأنزل اللَّه فيه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ
، يعني به: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنه خاطب نفسه في صلاته للَّه، لم يتفكّر فيها بشيء من أمر الدّنيا.
و هذا هو سبيل الإخلاص و العصمة، لم تتّفق هاتان الخصلتان في أحد من الصّحابة و القرابة إلّا فيه و في المعصومين من بنيه. [- (صلوات اللّه و سلامه عليهم) في كل
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تكبير.
(3) ليس في ن.
(4) ليس في المصدر.
396
زمان و ما يليه، ما دار الفلك الجاري على مجاريه و سبّحه موحّدا هو و الحلول فيه] (1).
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مرّ تفسيره مرارا.
و في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى [عبد اللَّه بن] (3) يزيد بن سلام أنه سأل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخبرني عن أول يوم خلق اللَّه.
قال: يوم الأحد.
قال: و لم سمّي يوم الأحد؟
قال: لأنّه واحد محدود.
قال: فالإثنين؟
قال: هو يوم الثّاني من الدّنيا.
قال: فالثلاثاء (4)؟
قال: الثّالث من الدّنيا.
قال: فالأربعاء؟
قال: اليوم الرّابع من الدّنيا.
قال: فالخميس؟
قال: هو يوم خامس من الدّنيا، و هو يوم أنيس لعن فيه إبليس و رفع فيه إدريس.
قال: فالجمعة؟
قال (5): هو يوم مجموع له النّاس، و ذلك يوم مشهود، و هو شاهد و مشهود.
قال: فالسبت؟
قال (6): يوم مسبوت، و ذلك قوله [- عزّ و جلّ- في القرآن] (7): وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. فمن الأحد إلى الجمعة ستّة أيّام،
____________
(1) ليس في ق، ش، م.
(2) العلل/ 471، ح 33.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: و الثلاثاء.
(5) المصدر: «و» بدل «قال».
(6) يوجد في ق، المصدر.
(7) ليس في م، ش، ق.
397
و السّبت معطّل.
قال: صدقت، يا محمّد (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)-
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38): من تعب و إعياء.
و هو ردّ لما زعمت اليهود، من أنّه بدأ خلق العالم يوم الأحد، و فرغ منه يوم الجمعة، و استراح يوم السّبت و استلقى على العرش.
و في أصول الكافي (2)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- و فيها: أتقن ما أراد (3) خلقه من الأشياء (4) كلّها بلا مثال (5) سبق [إليه] (6)، و لا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه.
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ: ما يقول المشركون من إنكارهم البعث، فإن من قدر على خلق العالم بلا إعياء قدر على بعثهم و الانتقام منهم. أو ما يقول اليهود من الكفر و التشبيه.
و في روضة الواعظين (7) للمفيد- (رحمه اللّه)-: روي أنّ اليهود أتت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألته عن خلق السّموات و الأرض.
فقال: خلق اللَّه الأرض يوم الأحد و الاثنين، و خلق الجبال و ما فيهنّ يوم الثّلاثاء، و خلق يوم الأربعاء الشّجر و الماء و المدائن و العمران و الخراب، و خلق يوم الخميس السّماء، و خلق يوم الجمعة النّجوم و الشّمس [و القمر] (8) و الملائكة.
قالت اليهود: ثمّ ما ذا، يا محمّد؟
قال: ثم استوى على العرش.
قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثمّ استراح.
فغضب النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- غضبا شديدا، فنزلت: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (الآية) (9).
و في أصول الكافي (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ،
____________
(1) ق، ش، المصدر: يا رسول اللَّه.
(2) الكافي 1/ 142، ح 7.
(3) في المصدر زيادة: من.
(4) المصدر: الأشباح.
(5) المصدر: لا بمثال.
(6) من المصدر.
(7) روضة الواعظين 2/ 394.
(8) يوجد في ق، ش، المصدر.
(9) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(10) الكافي 2/ 88، ح 3.
398
جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصفهاني، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عليك بالصّبر في جميع أمورك، فإن اللَّه بعث محمّدا [- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالصبر و الرفق ... فصبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها فضاق صدره، فأنزل اللَّه (2): وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك، فأنزل اللَّه (3): قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا.
فألزم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفسه الصّبر (4)، فتعدّوا فذكروا اللَّه و كذّبوه.
فقال: قد صبرت في نفسي و أهلي و عرضي، و لا صبر لي على ذكر إلهي.
فأنزل اللَّه- تعالى-: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ. فصبر النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في جميع أحواله.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ: و نزّهه عن العجز عمّا يمكن و الوصف بما يوجب التّشبيه، حامدا له على ما أنعم عليك من إصابة الحقّ و غيرها.
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ (39)، يعني: الفجر و العصر، و قد عرفت فضيلة الوقتين.
و في مجمع البيان (5): و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قوله:
وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
فقال: تقول حين تصبح و حين تمسي عشر مرّات: لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت، و هو على كلّ شيء قدير.
و في كتاب الخصال (6): عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عجّت الأرض إلى ربّها كعجيجها من ثلاثة: من دم حرام يسفك عليها، و اغتسال من زنا، و النّوم عليها قبل طلوع الشّمس.
____________
(1) من المصدر.
(2) الحجر/ 97- 98.
(3) الأنعام/ 33- 34.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فصبر.
(5) المجمع 5/ 150.
(6) الخصال/ 141، ح 160.
399
و فيه (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب: و اطلبوا الرّزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، فإنّه أسرع في طلب الرّزق من الضّرب في الأرض، و هي السّاعة الّتي يقسّم اللَّه فيها الرّزق بين عباده.
وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ: فسبّحه بعض الليل.
وَ أَدْبارَ السُّجُودِ (40): و أعقاب الصّلاة. جمع، دبر.
و قرأ (2) الحجازيّان و حمزة [و خلف] (3)، بكسر الهمزة، من أدبرت الصّلاة: إذا انقضت. (4) و قيل (5): المراد بالتّسبيح: الصّلاة. [فالصّلاة] (6) قبل الطّلوع الصّبح، و قبل الغروب الظّهر و العصر، و من اللّيل العشاءان و التّهجد، و أدبار السّجود النّوافل بعد المكتوبات. و قيل: الوتر بعد العشاء.
و في الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: وَ أَدْبارَ السُّجُودِ.
قال: ركعتان بعد المغرب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر (9) قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: [وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ] (10) وَ أَدْبارَ السُّجُودِ.
قال: أربع ركعات بعد المغرب.
و في قرب الإسناد (11) للحميريّ، بإسناده إلى إسماعيل بن عبد الخالق قال:
سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: الرّكعتين اللّتين بعد المغرب هما أدبار السّجود.
و
في مجمع البيان (12): وَ أَدْبارَ السُّجُودِ فيه أقوال: أحدها، أنّ المراد به الرّكعتان بعد المغرب، و أدبار النّجوم الرّكعتان قبل الفجر عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-
____________
(1) نفس المصدر/ 616.
(2) أنوار التنزيل 2/ 417.
(3) ليس في المصدر.
(4) ق، ش: أي إذا انقضى.
(5) أنوار التنزيل/ 417- 418.
(6) من المصدر.
(7) الكافي 3/ 444، ح 11.
(8) تفسير القمّي 2/ 327.
(9) المصدر: عن أبي بصير.
(10) ليس في ق، ش، م.
(11) قرب الإسناد/ 61.
(12) المجمع 5/ 150.
400
و الحسن بن عليّ، و عن ابن عبّاس مرفوعا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و رابعها، أنّه الوتر من آخر اللّيل.
و روي ذلك عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
وَ اسْتَمِعْ: لما أخبرك به من أحوال القيامة. و فيه تهويل و تعظيم للمخبر به.
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ.
قيل (1): أي: إسرافيل، أو جبرئيل- (عليهما السلام)-، فيقول: أيتها العظام [و الأوصال المنقطعة] (2) البالية (3) و اللّحوم المتمزّقة [و الشعور المتفرّقة] (4)، إن اللَّه يأمركنّ أن تجتمعن لفصل القضاء.
مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41): بحيث يصل نداؤه إلى الكلّ على سواء. و لعلّه في الإعادة نظير «كن» في الإبداء.
و «يوم» نصب بما دلّ عليه يوم الخروج (5).
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ: بدل عنه. و «الصّيحة» النّفخة الثّانية.
بِالْحَقِ: متعلّق بالصّيحة، و المراد به: البعث للجزاء.
ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42): من القبور، و هو من أسماء يوم القيامة، و قد يقال للعبد (6).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ [مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال: ينادي المنادي] (8) باسم القائم و اسم أبيه.
و قوله: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ قال: صيحة القائم من السّماء ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ قال: هي الرجعة.
[حدثنا (9) أحمد بن إدريس قال: حدثنا محمّد بن أحمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 418.
(2) ليس في المصدر.
(3) ق، ش: اليابسة.
(4) ليس في ق.
(5) فيكون المعنى: يخرجون من القبور يوم ينادي المنادي.
(6) أنوار التنزيل 2/ 418: للعبيد.
(7) تفسير القمي 2/ 327.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) نفس المصدر و الموضع.
401
قال: هي الرّجعة] (1).
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ: في الدّنيا.
وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43): للجزاء في الآخرة.
يَوْمَ تَشَقَّقُ: تتشقّق.
و قرأ (2) عاصم و حمزة و الكسائيّ و أبو عمرو، بتخفيف الشّين.
الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً: مسرعين.
و في كتاب الخصال (3): عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)-، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ- (عليه السلام)- إنّ اللَّه أعطاني فيك سبع خصال، أنت أول من ينشقّ عنه القبر معي.
(الحديث)
عن الزّهريّ (4) قال: قال عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-:
أشدّ ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة الّتي يعاين فيها ملك الموت، و السّاعة الّتي يقوم فيها من قبره.
(الحديث)
عن عليّ بن موسى- (عليه السلام)- الرّضا (5)، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، سألت ربّي فيك خمس خصال فأعطاني، أمّا أوّلها فسألت ربّي أن أكون أول من تنشقّ عنه الأرض و أنفض التّراب عن رأسي و أنت معي.
(الحديث) و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قال علي بن إبراهيم في قوله: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً قال: في الرّجعة.
و في تهذيب الأحكام (7)، بإسناده إلى عطيّة الأبزاريّ (8) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: لا تمكث جثّة نبيّ [و لا وصيّ نبيّ] (9) في الأرض أكثر من أربعين يوما.
____________
(1) ليس في ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 418.
(3) الخصال/ 342، ح 5.
(4) نفس المصدر/ 119، ح 108.
(5) نفس المصدر/ 314، ح 93.
(6) تفسير القمّي 2/ 327.
(7) التهذيب 6/ 106، ح 185.
(8) ق: الأبراري.
(9) من المصدر.
402
و بإسناده (1) إلى زياد بن أبي الحلّال: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما من نبيّ و لا وصي يبقى في الأرض بعد موته أكثر من ثلاثة أيّام حتّى ترفع روحه و عظمه و لحمه إلى السّماء، و إنّما تؤتى مواضع آثارهم و يبلغهم السّلام من بعيد و يسمعونه (2) في مواضع آثارهم من قريب.
و في من لا يحضره الفقيه (3): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه أوحى إلى موسى: أن أخرج عظام يوسف من مصر.
(الحديث)
و فيه (4)، في آخر زيارة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- متّصلا بزيارة الحسين- (عليه السلام)-: و تصلّي عنده ست ركعات تسلّم في كلّ ركعتين، لأن في قبره عظام آدم و جسد نوح و أمير المؤمنين- (عليهم السلام)-. و من زار قبره فقد زار آدم و نوحا و أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- فتصلّي لكلّ زيارة ركعتين.
و طريق الجمع بين تلك الأخبار، أن يقال: رفع بعضهم بعد ثلاثة، و بعضهم بعد أربعين بحسب اختلاف مراتبهم، ثمّ ينزل بعد ما شاء اللَّه، و يؤتى (5) مواضع آثارهم في أوقات الرّفع.
و في روضة الواعظين (6) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا تنشقّ الأرض عن أحد يوم القيامة إلّا و ملكان آخذان (7) بضبعه، يقولان: أجب ربّ العزّة.
ذلِكَ حَشْرٌ: بعث و جمع.
عَلَيْنا يَسِيرٌ (44):
و تقديم الظّرف للاختصاص، فإنّ ذلك لا يتيسر إلّا على العالم القادر لذاته الّذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال: ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ: تسلية لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تهديد لهم. وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ: بمسلّط تقسرهم على الإيمان. أو تفعل بهم ما
____________
(1) نفس المصدر، ح 186.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يسمعونهم.
(3) الفقيه 1/ 123، ح 594.
(4) نفس المصدر 2/ 358، ح 1613.
(5) في ق، ش، زيادة: بعد.
(6) روضة الواعظين 2/ 498.
(7) ق، ش، م: يأخذان.
403
تريد، و إنّما أنت داع.
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45): فإنّه لا ينتفع غيره به.
405
تفسير سورة الذّاريات
407
سورة الذّاريات مكّيّة.
و آياتها ستّون بالإجماع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة و الذّاريات في يوم أو في ليلة، أصلح اللَّه له معيشته، و أتاه برزق واسع، و نور له قبره بسراج يزهر إلى يوم القيامة.
و في مجمع البيان (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة و الذّاريات، اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ ريح هبّت و جرت في الدّنيا.
وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً (1)، يعني: الرّياح تذر و التّراب أو غيره. أو النّساء الولود (3)، فإنّهنّ يذرين الأولاد. أو الأسباب الّتي تذري الخلائق من الملائكة و غيرهم.
و قرأ (4) أبو عمرو و حمزة، بإدغام التّاء [في الذال] (5).
فَالْحامِلاتِ وِقْراً (2): فالسّحب الحاملة للأمطار. أو الرّياح الحاملة للسّحاب. أو النساء الحوامل. أو أسباب ذلك.
____________
(1) ثواب الأعمال/ 143، ح 1.
(2) المجمع 5/ 151.
(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 418. و في النسخ:
أو النساء يذرين الأولاد.
(4) أنوار التنزيل 2/ 418.
(5) ليس في ق.
408
و قرى (1): «وقرا» على تسمية المحمول بالمصدر.
فَالْجارِياتِ يُسْراً (3): فالسّفن الجارية في البحر سهلا. أو الرّياح الجارية في مهابّها. أو الكواكب الّتي تجري في منازلها.
و «يسرا» صفة مصدر محذوف، أي: جريا ذا يسر.
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (4): الملائكة التي تقسّم الأمور من الأمطار و الأرزاق و غيرهما، أو ما يعمّهم و غيرهم (2) من أسباب القسمة. أو الرّياح تقسّم الأمطار بتصريف السّحاب.
فإنّ حملت على ذوات مختلفة، فالفاء لترتيب الإقسام بها باعتبار ما بينها من التّفاوت في الدّلالة على كمال القدرة (3)، و إلّا فالفاء لترتيب الأفعال (4)، إذ الرّيح مثلا تذرو الأبخرة إلى الجوّ حتّى تنعقد سحابا فتحمله، فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسّم المطر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [في قوله] (6): وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً فقال: إنّ ابن الكواء سأل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً.
قال: الرّيح.
و عن فَالْحامِلاتِ وِقْراً.
فقال: هي السّحاب.
و عن فَالْجارِياتِ يُسْراً.
فقال: هي السّفن.
و عن فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً.
____________
(1) نفس المصدر/ 419.
(2)، أي: ما يعمّ الملائكة و غيرهم.
(3) فالفاء يفيد أن القسم بالذاريات ليس في الظهور كالقسم بالحاملات وقرا، لأن حمل السّحاب بالمطر أقوى في الدلالة على القدرة من دور السّحاب ... ثمّ الجاريات يسرا أدلّ على بالقدرة ممّا تقدّم، لأن جري السّفن المشحونة بالأثقال على البحر و عدم رسوبها فيه مع أن واحدا من تلك الأثقال لو ألقي فيه لرسب في غاية الغرابة، ثمّ أن تقسيم الأمور الواقعة في جميع العوامل أدلّ على القدرة ممّا تقدّم.
(4) و هي الذري و الحمل و الجري و التقسيم.
(5) تفسير القمّي 2/ 327.
(6) ليس في ق، ش.
409
فقال: الملائكة، و هو قسم كلّه.
و في من لا يحضره الفقيه (1): و قال الرضا- (عليه السلام)- في قول اللَّه: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً قال: الملائكة تقسّم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، فمن نام فيما بينهما، نام عن رزقه.
وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً و ما عطف عليه قسم، و قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) وَ إِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (6): جواب للقسم، كأنه استدلّ باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطّبيعة على اقتداره على البعث الموعود.
و «ما» موصولة، أو مصدريّة.
و «الدّين» الجزاء. و «الواقع» الحاصل.
و في مجمع البيان (2): قال أبو جعفر- (عليه السلام)- و أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-:
لا يجوز لأحد أن يقسم إلّا باللَّه، و اللَّه- سبحانه- يقسم بما شاء من خلقه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثنا جعفر بن أحمد (4) قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول في قول اللَّه- تعالى-: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ، يعني: في عليّ- (عليه السلام)-. وَ إِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ، يعني: عليّا، و عليّ- (عليه السلام)- هو الدين.
وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7): ذات الطّرائق.
و المراد إمّا الطّرائق المحسوسة الّتي هي مسيرة الكواكب، أو المعقولة الّتي يسلكها النّظّار و يتوصّل بها إلى المعارف، أو النّجوم فإن لها طرائق أو أنّها تزيّنها، كما يزيّن الموشي طرائق الوشي. جمع حبيكة، كطريقة و طرق. أو حباك، كمثال و مثال.
و قرئ (5): «الحبك» بالسّكون، كالقفل. و الحبك، كالإبل. و الحبك، كالسّلك. و الحبك، كالجبل. و الحبك، كالنّعم. و الحبك، كالبرق.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ قال: «السّماء» رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و عليّ- (عليه السلام)- ذات الحبك.
____________
(1) الفقيه 1/ 319، ح 1454.
(2) المجمع 5/ 153.
(3) تفسير القمّي 2/ 329.
(4) ق، ش، م: محمّد.
(5) أنوار التنزيل 2/ 419.
(6) تفسير القمّي 2/ 329.
410
حدثني أبي (1)، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال:
قلت له: أخبرني عن قول اللَّه: وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ.
فقال: هي محبوكة إلى الأرض. و شبك بين أصابعه.
فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض و اللَّه يقول (2): رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؟
فقال: سبحان اللَّه أ ليس يقول: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؟
فقلت: بلى.
فقال: فثمّ عمد، و لكن لا ترونها.
قلت: كيف ذلك، جعلني اللَّه فداك؟
فبسط كفّه اليسرى ثمّ وضع اليمنى عليها، فقال: هذه أرض الدّنيا [و السّماء الدّنيا] (3) عليها فوقها قبّة، و الأرض الثّانية (4) [فوق السّماء الدّنيا و السّماء الثّانية] (5) [فوقها قبّة، و الأرض] (6) الثّالثة فوق السّماء الثّانية و السّماء الثّالثة فوقها قبة، و الأرض الرّابعة فوق السّماء الثالثة و السّماء الرابعة فوقها [قبّة، و الأرض] (7) الخامسة فوق السّماء الرّابعة و السّماء الخامسة فوقها قبّة، و الأرض السّادسة فوق السّماء الخامسة و السّماء السّادسة فوقها قبّة، و الأرض السّابعة (8) فوق السّماء السّادسة و السّماء السّابعة فوقها قبّة، و عرش الرّحمن فوق السّماء السّابعة، و هو قول اللَّه (9): الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (10) وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ. فأمّا صاحب الأمر فهو رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الوصي بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (11) قائم هو على وجه الأرض، فإنّما يتنزّل الأمر إليه من فوق السماء من بين السّموات و الأرضين.
قلت: فما تحتنا إلّا أرض واحدة؟
فقال: ما تحتنا إلّا أرض واحدة، و أنّ السّتّ فهي (12) فوقنا.
____________
(1) نفس المصدر/ 328- 329.
(2) الرعد/ 2. و فيها: السموات.
(3) ليس في ن، ي.
(4) ليس في ن، ي، ر.
(5) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(6) ليس في ن، ي، ر.
7 و 8- ليس في ن.
(9) الطّلاق/ 12.
(10) ليس في المصحف.
(11) في ن، ي، زيادة: قال.
(12) المصدر: لهنّ.
411
و في مجمع البيان (1): «ذات الحبك» أي: ذات الطرائق الحسنة (2).
... إلى قوله:
و قيل: ذات الحسن و الزّينة ... عن عليّ- (عليه السلام)-.
و في جوامع الجامع (3): و عن عليّ- (عليه السلام)-: حسنها و زينتها (4).
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8).
قيل (5): في الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو قولهم تارة: إنّه شاعر، و تارة: إنّه ساحر، و تارة: إنّه شاعر، و تارة: إنّه ساحر، و تارة: إنّه مجنون. أو في القرآن. أو في القيامة. أو أمر الدّيانة. و لعلّ النّكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها و تنافي أغراضها بالطّرائق للسّموات في تباعدها و اختلاف غاياتها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [، يعني: قول مختلف] (7) في عليّ- (عليه السلام)-، يعني: اختلفت هذه الأمّة في ولايته، فمن استقام على ولاية علي- عليه الصّلاة و السّلام- دخل الجنة، و من خالف ولاية عليّ دخل النّار.
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9).
قيل (8): يصرف عن الرسول، أو القرآن، أو الإيمان. من صرف إذ لا صرف أشدّ منه فكأنّه لا صرف بالنّسبة إليه (9). أو يصرف من صرف في علم اللَّه و قضائه (10).
و يجوز أن يكون الضّمير للقول، على معنى: يصدر إفك من افك عن القول المختلف و بسببه، كقوله:
ينهون عن أكل و عن شرب
____________
(1) المجمع 5/ 153.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الطريق الحسن.
(3) الجوامع/ 463.
(4) ن، ت، ي، ر: زينها.
(5) أنوار التنزيل 2/ 419.
(6) تفسير القمّي 2/ 329.
(7) ليس في ق، ش.
(8) أنوار التنزيل 2/ 419.
(9)، أي: قوله- تعالى- يدلّ ظاهرا على أنّ من أفك و صرف لا بدّ أن يكون صرفه عن واحد من الأمور المذكورة، إذ كلّ صرف هو غير الصرف عن واحد منها، كأنّه غير صرف بالنّسبة إلى الصرف عن أحد الأمور المذكورة.
(10) إنما قال ذلك لأنّ من أفك يدلّ على وقوع الإفك في الزمان الماضي، و يؤفك يدلّ على الزمان المستقبل و هو تحصيل للحاصل أول بأنّ المراد يصرف في الواقع من صرف في علم اللَّه، و من هذا يعلم أنّ الأنسب هو هذا الوجه لا الأوّل.
412
أي: يصدر تناهيهم (1) عنهما و بسببهما.
و قرئ (2): «أفك» بالفتح، أي: من أفك النّاس، و هم قريش كانوا يصدّون النّاس عن الإيمان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ فإنه يعنى: عليّا- (عليه السلام)-. فمن أفك عن ولايته، أفك عن الجنّة.
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10): [الكذّابون من أصحاب القول المختلف: و أصله:
الدعاء بالقتل، أجري مجرى اللعن] (4).
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ، أي: في جهل يغمرهم.
ساهُونَ (11): غافلون عما أمروا به.
يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12)، أي: فيقولون: متى يوم الجزاء، أي:
وقوعه.
و قرئ (5): «إيّان» بالكسر.
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13): يحرقون. جواب للسّؤال، أي: يقع يوم هم على النّار يفتنون. أو هو يوم هم على النّار يفتنون، و فتح «يوم» لإضافته إلى غير متمكّن، و يدلّ عليه أنه قرئ (6) بالرّفع (7).
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، أي: مقولا لهم هذا القول.
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14): هذا العذاب هو الّذي كنتم به تستعجلون.
و يجوز أن يكون «هذا» بدلا من «فتنتكم» و «الّذي» صفته.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (15).
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ: قابلين لما أعطاهم راضين به، و معناه: أنّ كلّ ما
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: في السنّ.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير القمّي 2/ 329.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) أنوار التنزيل 2/ 419.
(6) نفس المصدر/ 420.
(7) قوله: «و فتح يوم ...» أي اليوم على هذا التفسير خبر المبتدأ الذي هو «هو»، و فتحه لما ذكر، و يؤيّد خبريّته أنّه قرئ بالرفع.
413
آتاهم حسن مرضيّ متلقى بالقبول.
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16): قد أحسنوا أعمالهم. و هو تعليل لاستحقاقهم ذلك.
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17): تفسير لإحسانهم.
و «ما» مزيدة، أي: يهجعون [في طائفة من الليل، أو يهجعون] (1) هجوعا قليلا.
أو مصدرية، أو موصولة، أي: في قليل من اللّيل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه. و لا يجوز أن تكون نافية، لأنّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
و فيه مبالغات لتقليل نومهم و استراحتهم، ذكر القليل، و اللّيل الّذي هو وقت السّبات، و الهجوع الّذي هو الفرار من النّوم، و زيادة «ما» (2).
و في تهذيب الأحكام (3): محمّد بن عليّ بن محبوب، عن الحسن بن عليّ، عن العبّاس بن عامر (4)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ قال: كان القوم ينامون، و لكن كلّما انقلب أحدهم قال: الحمد للَّه، و لا إله إلّا اللَّه، و اللَّه أكبر.
وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)، أي: أنّهم مع قلة هجوعهم و كثرة تهجّدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنّهم أسلفوا في ليلتهم الجرائم.
و في بناء الفعل على الضّمير إشعار بأنّهم أحقّاء بذلك، لوفور علمهم باللَّه و خشيتهم منه.
و في الكافي (5): عليّ بن محمّد، عن سهل، عن أحمد بن عبد العزيز قال حدثني بعض أصحابنا قال: كان أبو الحسن الأوّل- (عليه السلام)- إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك و شكره ضعيف و ذنبه عظيم، و ليس له إلّا رأفتك (6) و رحمتك، فإنّك قلت في كتابك المنزل على نبيّك المرسل: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (7) طال هجومي و قلّ قيامي، و هذا السّحر و أنا
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) لأنّ الحرف الزائد يوجب التأكيد.
(3) التهذيب 2/ 335، ح 1384.
(4) في المصدر زيادة: عن جابر.
(5) الكافي 3/ 325، ح 16.
(6) المصدر: دفعك.
(7) في ق زيادة: و يستغفرون.
414
استغفرك لذنبي استغفار من لا يجد لنفسه نفعا و لا ضرّا، و لا موتا و لا حياة و لا نشورا. ثمّ يخرّ ساجدا.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّار، عن محمّد ابن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ العبد يوقظ ثلاث مرّات من اللّيل فإن لم يقم، أتاه الشّيطان فبال في أذنه.
قال: و سألته عن قول اللَّه: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ.
قال: كانوا أقلّ اللّيالي تفوتهم لا يقومون فيها.
و في مجمع البيان (2): كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ. و قيل: معناه: قلّ ليلة تمرّ بهم إلّا صلّوا فيها. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ و قال أبو عبد اللَّه (3)- (عليه السلام)-: كانوا يستغفرون [اللَّه] (4) في الوتر سبعين مرّة (5).
وَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌ: نصيب يستوجبونه على أنفسهم، تقرّبا إلى اللَّه و إشفاقا على النّاس.
لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (19).
قيل (6): للمستجدي، و المتعفّف الّذي يظنّ غنيا فيحرم الصّدقة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): قال: «السّائل» الّذي يسأل، و «المحروم» الّذي قد منع كدّه.
و في تهذيب الأحكام (8): محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عن ابن فضّال، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ [قال:
«المحروم»] (9) المحارف (10) الّذي قد حرم كدّيده في الشّراء و البيع.
و في رواية أخرى (11): عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- أنهما قالا:
____________
(1) نفس المصدر/ 446، ح 18.
2 و 3- المجمع 5/ 155.
(4) من المصدر.
(5) في ن، ت، ي، ر، زيادة: في السحر.
(6) أنوار التنزيل 2/ 420.
(7) تفسير القمّي 2/ 330.
(8) التهذيب 4/ 108، ح 312.
(9) ليس في ق، ش.
(10) المحارف: المحروم يطلب فلا يرزق. و هو خلاف المبارك.
(11) نفس المصدر، ح 313.
415
«المحروم» الرّجل الّذي ليس بعقله (1) بأس، و لا يبسط له في الرّزق، و هو محارف.
وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)، أي: فيها دلائل من أنواع المعادن و الحيوانات. أو وجوه (2) دلالات في الدّحو و السّكون، و ارتفاع بعضها عن الماء، و اختلاف أجزائها، في الكيفيّات و الخواصّ و المنافع، تدل على وجود الصّانع و علمه و قدرته و إرادته و وحدته و فرط رحمته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قوله (4): وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ قال: في كلّ شيء خلقه اللَّه آية، قال الشّاعر:
و في كلّ شيء له آية* * * تدلّ على أنه واحد
وَ فِي أَنْفُسِكُمْ، أي: و في أنفسكم آيات، إذ ما في العالم شيء إلّا و في الإنسان نظير له يدلّ دلالته، مع ما انفرد به من الهيئات النّافعة و المناظر البهيّة (5) و التّركيبات العجيبة و التّمكّن من الأفعال الغريبة و استنباط الصّنائع المختلفة و استجماع الكمالات المتنوّعة.
أَ فَلا تُبْصِرُونَ (21): تنظرون نظر من يعتبر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ قال: خلقك سميعا بصيرا، تغضب مرّة و ترضى مرّة، و تجوع مرّة (7) و تشبع مرّة (8)، و ذلك كلّه من آيات اللَّه.
و في مجمع البيان (9): وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ، أي: أ فلا ترون أنّها متصرّفة.
من حال إلى حال.
... إلى قوله:
و قيل: إنّه خلقك سميعا بصيرا تغضب (10) و ترضى، و تجوع و تشبع،
____________
(1) كذا في المصدر. و في ق، ش: الرجل الّذي لا ليس بفعله. و في سائر النسخ: الرجل الّذي يعقله.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 420. و في النسخ:
وجوده.
(3) تفسير القمّي 2/ 330.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 420. و في ق، ش:
البهيمة. و في م: المبهمة. و في سائر النسخ:
المبهمية.
(6) تفسير القمّي 2/ 330.
7 و 8- ليس في المصدر.
(9) المجمع 5/ 156.
(10) في ق زيادة: مرّة.
416
و ذلك كلّه من آيات اللَّه ... عن الصّادق- (عليه السلام)-.
و في أصول الكافي (1)، بإسناده إلى أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و في آخره: قال الرّجل- و كان زنديقا-: فأخبرني متى كان؟
قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّي لمّا نظرت إلى جسدي و لم يمكنّي فيه زيادة و لا نقصان في العرض و الطّول و دفع المكاره عنه و جرّ المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان بانيا، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته و إنشاء السّحاب و تصريف الرّياح و مجرى الشّمس و القمر و النّجوم و غير ذلك من الآيات العجيبات المبيّنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا و منشئا.
و في كتاب الخصال (2): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعت أبي يحدث، عن أبيه أنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: يا أمير المؤمنين، بما عرفت ربّك؟
قال: بفسخ العزم و نقض الهمّ (3)، لمّا أن هممت فحال بيني و بين همّي و عزمت فخالف القضاء عزمي، علمت أنّ المدبّر غيري.
و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى هشام بن سالم قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقيل له: بما عرفت ربّك؟
قال: بفسخ العزم (5) و نقض الهمّ (6)، عزمت ففسخ عزمي [و هممت] (7) فنقض (8) همّي.
وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ: أسباب رزقكم، أو تقديره.
____________
(1) الكافي 1/ 78، ح 3.
(2) الخصال/ 33، ح 1.
(3) ق، ش، م: بفسخ العزائم و نقض الهمم.
(4) التوحيد/ 289، ح 8.
(5) ق، ش، ن، ت، ي، ر: العزائم.
(6) ق، ش: الهمم.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: و نقض.
417
و قيل (1): المراد بالسّماء: السّحاب، و بالرّزق: المطر، فإنّه سبب الأقوات.
وَ ما تُوعَدُونَ (22).
قيل (2): من الثواب لأنّ الجنّة فوق السّماء السّابعة، أو لأنّ الأعمال و ثوابها مكتوبة مقدّرة في السماء.
و قيل (3): إنّه مستأنف خبره فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ. و على هذا فالضمير «لما» (4)، و على الأوّل يحتمل أن يكون له و لما ذكر من الآيات أو الرّزق و الوعد (5).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ قال:
المطر ينزل من السّماء فتخرج به أقوات العالم من الأرض. «و ما توعدون» من أخبار الرّجعة و القيامة، و الأخبار الّتي في السماء.
و فيه (7): عن الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- حديث طويل، و فيه: ثمّ سأله ملك الرّوم عن أرزاق الخلائق.
فقال [الحسن- (عليه السلام)-: أرزاق الخلائق] (8) في السّماء الرّابعة، تنزل (9) بقدر و تبسط بقدر.
و في كتاب علل الشّرائع (10)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال (11): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إذا فرغ أحدكم من الصّلاة فليرفع يديه إلى السّماء و لينصب في الدعاء.
فقال ابن سبأ: يا أمير المؤمنين، أ ليس اللَّه في كلّ مكان؟
قال: بلى.
قال: فلم يرفع [يديه إلى السّماء] (12)؟
فقال: أو ما تقرأ: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ فمن أين تطلب الرّزق إلّا من موضع الرّزق، و ما وعد اللَّه السّماء.
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 420.
(4) في ت زيادة: إنه لحقّ.
(5) في أنوار التنزيل 2/ 420: ... و لما ذكر من أمر الآيات و الرزق و الوعد.
(6) تفسير القمّي 2/ 330.
(7) نفس المصدر/ 271.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: ينزل.
(10) العلل/ 344، ح 1.
(11) ليس في المصدر.
(12) ليس في ي.
418
و في كتاب الخصال (1): فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: إذا فرغ أحدكم ... و قال- (عليه السلام)- نحو ما نقلنا عن علل الشّرائع [بحذف] (2) و تغيير غير مغير للمعنى.
عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (3) قال: غسل الإناء و كسح الفناء (4) مجلبة للرّزق.
و في الصّحيفة السّجاديّة (5)، في دعائه إذا أقتر عليه الرزق (6): و اجعل ما صرحت به من عدتك في وحيك، و أتبعته من قسمك في كتابك، قاطعا لاهتمامنا بالرّزق الّذي تكفّلت به، و حسما (7) للاشتغال بما ضمنت الكفاية له، فقلت و قولك الحقّ الأصدق، و أقسمت و قسمك الأبرّ الأوفى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ. ثمّ قلت: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.
و في إرشاد المفيد (8)- (رحمه اللّه)- حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- و في يقول: اطلبوا الرّزق فإنّه مضمون لطالبه.
و في كتاب التّوحيد (9)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل له مع بعض الزّنادقة، و فيه: قال السّائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السّماء و بين أن تخفضوها نحو الأرض؟
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذلك في علمه و إحاطته و قدرته سواء، و لكنه أمر أولياءه و عباده برفع أيديهم إلى السّماء نحو العرش لأنّه جعله معدن الرّزق.
و بإسناده (10) إلى أبان الأحمر: عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال:
و الّذي بعث جدي بالحقّ نبيّا، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- ليرزق العبد على قدر المروّة، و إنّ المعونة لتنزل [من السّماء على قدر المئونة، و إنّ الصّبر لينزل] (11) على قدر شدّة البلاء.
____________
(1) الخصال/ 628- 629.
(2) أضفناها من نور الثقلين 5/ 125، لتصحيح العبارة.
(3) نفس المصدر/ 54، ح 73.
(4) أي: كنسه. و استعير لتنقية البئر و النهر و غيره.
(5) الصحيفة السجاديّة/ 162- 163، الدعاء 29.
(6) اقتر الرجل: قلّ ماله و افتقر.
(7) الحسم: القطع.
(8) الإرشاد/ 143.
(9) التوحيد/ 248، ح 1.
(10) نفس المصدر/ 401، ح 6.
(11) من المصدر.
419
و بإسناده (1) إلى أبي البختريّ قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يا عليّ، إنّ اليقين أن لا ترضي أحدا على سخط اللَّه، و لا تحمدنّ أحدا على ما آتاك اللَّه، و لا تذمّنّ أحدا على ما لم يؤتك اللَّه، فإنّ الرّزق لا يجرّه حرص حريض، و لا يصرفه كره كاره.
(الحديث)
و بإسناده (2) إلى أبان الأحمر: عن الصادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- أنّه جاء إليه رجل فقال له: بأبي أنت و أمّي، عظني موعظة.
فقال- (عليه السلام)-: إن كان اللَّه- تبارك و تعالى- قد تكفّل بالرّزق، فاهتمامك لما ذا!؟ و إن كان [الرزق] (3) مقسوما فالحرص لما ذا!؟
(الحديث)
و بإسناده (4) إلى أبي حمزة: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال (5): خرجت حتّى انتهيت إلى هذا الحائط فاتّكأت (6) عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في وجهي، ثمّ قال لي: يا عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- ما لي أراك كئيبا حزينا؟ أعلى الدّنيا حزنك فرزق اللَّه حاضر للبرّ و الفاجر؟
فقلت: ما على هذا أحزن و إنّه لكما تقول.
قال: يا عليّ بن الحسين، هل رأيت أحدا سأل اللَّه فلم يعطه؟
قلت: لا.
قال: ثمّ نظرت فإذا ليس قدّامي أحد.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (7) إلى إبراهيم بن أبي رجاء، أخي طربال، قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كفّ الأذى و قلّة الصّخب (8) يزيدان في الرّزق.
____________
(1) نفس المصدر/ 375، ح 20.
(2) نفس المصدر/ 376، ح 21.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر/ 374، ح 17.
(5) ت، ق، ش، م: إنّي.
(6) ن، ت، م، ي، ر: فانكبت.
(7) نفس المصدر/ 460، ح 28.
(8) كذا في المصدر. و في ن، ت، ي: الضحب.
و في سائر النسخ: السحت.
و الصّخب: اختلاط الأصوات، و الصياح الشديد.
420
و بإسناده (1) إلى عليّ بن الحسين قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول (2): إنّ اللَّه جعل أرزاق المؤمنين من حيث لا يحتسبون، و ذلك أنّ العبد إذا لم يعرف وجه رزقه، كثر دعاؤه.
و بإسناده (3) إلى داود بن سليمان الفرّاء: عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [التوحيد نصف الدّين، و] (4) استنزل الرّزق بالصّدقة.
مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)، أي: مثل نطقكم، كما أنّه لا شكّ لكم في أنكم تنطقون، ينبغي أن لا تشكّوا في تحقّق ذلك.
و نصبه على الحال من المستكنّ في «لحقّ». أو الوصف لمصدر محذوف، أي: أنّه لحقّ حقّا مثل نطقكم.
و قيل (5): إنّه مبنيّ على الفتح لإضافته إلى غير متمكّن، و هو «ما» إن كانت بمعنى شيء، و «أنّ» بما في حيّزها إن جعلت زائدة.
و محلّه الرّفع على أنه صفة «لحقّ» و يؤيّده قراءة حمزة و الكسائي و أبي (6) بكر، بالرّفع.
و في شرح الآيات الباهرة (7): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-] (8) حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن الحسن بن الحسين، عن سفيان بن إبراهيم، عن عمرو بن هاشم، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في قول اللَّه: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ] (9) قال: قوله: إِنَّهُ لَحَقٌ هو قيام القائم، و فيه نزلت (10): وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ (الآية) (11).
____________
(1) نفس المصدر/ 402، ح 8.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر/ 68، ح 24.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) أنوار التنزيل 2/ 421.
(6) في ق، ش، م، زيادة: عمرو و.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 615، ح 4.
8 و 9 ليس في ق، ش، م.
(10) النّور/ 55.
(11) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية إلى:
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً.
421
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ: فيه تفخيم لشأن الحديث، و تنبيه على أنّه أوحي إليه.
و «الضّيف» في الأصل مصدر، و لذلك يطلق على الواحد و المتعدّد.
و قيل (1): كانوا اثني عشر ملكا.
و قيل (2): ثلاثة: جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل. و سمّاهم ضيفا، لأنهم كانوا في صورة الضّيف.
الْمُكْرَمِينَ (24)، أي: مكرمين عند اللَّه. أو عند إبراهيم إذ خدمهم بنفسه و زوجته.
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ: ظرف للحديث، أو الضّيف، أو المكرمين.
فَقالُوا سَلاماً، أي: نسلّم عليكم سلاما.
قالَ سَلامٌ، أي: عليكم سلام. عدل به إلى الرّفع بالابتداء لقصد الثّبات، حتّى تكون تحيّة أحسن من تحيّتهم.
و قرئا (3)، مرفوعين.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ: «قال سلم».
و قرئ (5) منصوبا، و المعنى واحد.
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25): [، أي: أنتم قوم منكرون] (6) و إنّما أنكرهم لأنّه ظنّ أنّهم بنو آدم و لم يعرفهم، أو لأنّ السّلام لم يكن تحيّتهم فإنّه علم الإسلام و هو كالتّعرّف عنهم (7).
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ: فذهب إليهم في خفية من ضيفه. و إنّما راغ مخافة أن يمنعوه من تكليف مأكول، كعادة الظّرفاء.
فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26).
قيل (8): لأنّه كان عامّة ماله البقر.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 421.
(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 421. و في النسخ:
قرأ نافع.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في ق.
(7) أي طلب المعرفة عنهم، أي: المقصود من قوله. قَوْمٌ مُنْكَرُونَ: عرّفوني حالكم.
(8) مجمع البيان 5/ 157.
422
و كان مشويّا، لقوله في آية أخرى: حَنِيذٍ (1).
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ: بأن وضعه بين أيديهم.
قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ (27)، أي: منه، و هو مشعر بكونه حنيذا.
و الهمزة فيه للعرض و الحثّ على الأكل على طريقة الأدب أن قاله أوّل ما وضعه، و للإنكار أن قاله حينما رأى إعراضهم.
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً: فأضمر منهم خوفا لمّا رأى إعراضهم عن طعامه، لظنّه أنّهم جاؤوه بشرّ.
و قيل (2): وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب.
و في روضة الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن داود بن أبي يزيد، و هو فرقد، عن أبي يزيد الحمّار (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و كروبيل، فمرّوا بإبراهيم و هم معتمّون فسلموا عليه فلم يعرفهم، و رأى هيئة حسنة، فقال: لا يخدم هؤلاء أحد إلّا أنا بنفسي. و كان صاحب أضياف، فشوى لهم عجلا سمينا حتّى أنضجه ثمّ قرّبه إليهم، فلمّا وضعه بين أيديهم رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة، فلمّا رأى ذلك جبرئيل، حسر (5) العمامة عن وجهه و عن رأسه فعرفه إبراهيم. فقال: أنت هو؟ فقال: نعم. و مرّت امرأته سارة فبشّرها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب، فقالت ما قال اللَّه- عزّ و جلّ- فأجابوها بما في الكتاب العزيز.
(الحديث) قالُوا لا تَخَفْ: إنّا رسل اللَّه.
قيل (6): مسح جبرئيل العجل بجناحه (7) فقام يدرج حتّى لحق بأمّه، فعرفهم و أمن منهم.
وَ بَشَّرُوهُ بِغُلامٍ: هو إسحاق.
____________
(1) هود/ 69.
(2) أنوار التنزيل 2/ 421.
(3) الكافي 8/ 328، ح 505.
(4) ق، ش، م: الحمّاد.
(5) حسر عن الشيء: كشفه.
(6) أنوار التنزيل 2/ 421.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بجناحيه.
423
عَلِيمٍ (28): يكمل علمه إذا بلغ.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ: سارة إلى بيتها، و كانت في زاوية تنظر إليهم.
فِي صَرَّةٍ: في صيحة من الصّرير. و محلّه النصب على الحال أو المفعول إن اوّل «أقبلت» بأخذت.
و في مجمع البيان (1): فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ و قيل: في جماعة. [عن الصادق- (عليه السلام)-] (2).
فَصَكَّتْ وَجْهَها.
قيل (3): فلطمت بأطراف الأصابع جبهتها فعل المتعجّب.
و قيل (4): وجدت حرارة دم الحيض، فلطمت وجهها من الحياء.
وَ قالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)، أي: أنا عجوز عاقر، فكيف ألد.
قالُوا كَذلِكَ، أي: مثل ذلك الّذي بشّرناه به قالَ رَبُّكِ، و إنّما نخبرك به عنه.
إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30): فيكون قوله حقّا، و فعله محكما.
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31): لمّا علم أنّهم ملائكة و أنّهم لا ينزلون مجتمعين إلّا لأمر عظيم، سأل عنه.
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32)، يعنون: قوم لوط.
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33).
قيل (5): يريد السّجيل، فإنّه طين متحجّر.
أقول: هذا هو الظّاهر، و في الحديث الآتي المنقول من العلل ما ينافيه فإن فيه إهلاكهم كان بقلب الأرض عليهم، و يمكن الجمع إمّا بحمل إرسال الحجارة على إرسال (6) قطعات الأرض المقلوبة بعد إرسالهم، أو بالحمل على أنّ إهلاكهم بقلب الأرض كان بعد تعذيبهم بإرسال الحجارة.
____________
(1) المجمع 5/ 157.
(2) ليس في ق.
3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 421.
(5) أنوار التنزيل 2/ 421.
(6) في ن زيادة: و إرسال.
424
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ: مرسلة، من أسمت (1) الماشية. أو معلّمة، من السّؤمة و هي العلامة.
لِلْمُسْرِفِينَ (34): المجاوزين الحدّ في الفجور.
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها: في قرى قوم لوط. و إضمارها، و إن لم يجر ذكرها، لكونها معلومة.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35): ممّن آمن بلوط.
فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36): غير أهل بيت من المسلمين.
قيل (2): يعني: لوطا و بنتيه (3).
و في أصول الكافي (4): محمّد بن يحيى [عن أحمد بن محمّد] (5)، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنان، عن سالم الحنّاط قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- لم يبق فيها غيرهم.
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فهل كان أهل قرية لوط كلّهم هكذا يعملون؟
فقال: نعم، إلّا أهل بيت منهم مسلمين (7)، أما تسمع لقوله- تعالى-: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
و بإسناده (8) إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أن رسول اللَّه
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 421. و في النسخ:
أسميت.
(2) مجمع البيان 5/ 158.
(3) كذا في المصدر. و في ن، ت، ي، ر: بيته.
و في ق، ش، م: أهل بيته.
(4) الكافي 1/ 425، ح 67.
(5) ليس في ق، ش.
(6) العلل/ 548، ح 4.
(7) المصدر: من المسلمين.
(8) نفس المصدر/ 550- 551، ح 5.
425
- (صلّى اللّه عليه و آله)- سأل (1) جبرئيل: كيف كان مهلك قوم لوط؟
[فقال: إنّ قوم لوط] (2) كانوا أهل قرية لا يتنظّفون (3) من الغائط و لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحّاء على الطّعام.
و إن لوطا لبث فيهم ثلاثين سنة، و إنّما كان نازلا عليهم و لم يكن منهم و لا عشيرة له فيهم (4) و لا قوم، و إنّه دعاهم إلى اللَّه و إلى الإيمان به و اتّباعه، و نهاهم عن الفواحش و حثّهم على طاعة اللَّه فلم يجيبوه و لم يطيعوه.
و إنّ اللَّه لمّا أراد عذابهم بعث إليهم رسلا منذرين عذرا نذرا (5)، فلمّا عتوا عن أمره، بعث إليهم الملائكة ليخرجوا من كان في قريتهم من المؤمنين، فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين فأخرجوهم منها.
... إلى قوله- (عليه السلام)-: و إنّي نوديت من تلقاء العرش لمّا طلع الفجر: يا جبرئيل، حقّ القول من اللَّه بحتم عذاب قوم لوط، فاهبط إلى قرية [قوم لوط] (6) و ما حوت فاقلبها (7) من تحت سبع أرضين، ثمّ اعرج (8) بها إلى السّماء فأوقفها حتّى يأتيك أمر الجبّار في قلبها و دع منها آية بيّنة من منزل لوط عبرة للسّيّارة.
فهبطت على أهل القرية الظّالمين، فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليه شرقها (9) و ضربت بجناحي الأيسر على ما حوى (10) عليه غربها (11)، فاقتلعتها، يا محمّد، من تحت سبع أرضين إلّا منزل لوط آية للسّيّارة.
ثمّ عرجت بها في خوافي جناحي حتّى وقفتها (12) حيث يسمع أهل السّماء زقاء (13) ديوكها و نباح (14) كلابها، فلمّا طلعت الشّمس نوديت من تلقاء العرش: يا جبرئيل، اقلب القرية على القوم. فقلبتها عليهم حتّى صار أسفلها أعلاها.
(الحديث)
____________
1 و 2- ليس في ق.
(3) كذا في المصدر. و في ق: لا ينطقون. و في سائر النسخ: لا ينظّفون.
(4) ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عذراء نذراء.
(6) ليس في ق.
(7) المصدر: فأقلعها.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: اخرج.
(9) المصدر: شرقيها.
(10) ن، ت، ي، ر: حوت.
(11) المصدر: غربيها.
(12) المصدر: أوقفتها.
(13) كذا في المصدر. و في ق، ش: زقاق. و في سائر النسخ زقا.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: نياح.
426
وَ تَرَكْنا فِيها آيَةً: علامة لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (37): فإنّهم المعتبرون بها.
قيل (1): هي تلك الأحجار، أو صخر منضود فيها، أو ماء أسود منتن.
وَ فِي مُوسى: عطف على «و في الأرض» أو «تركنا فيها» على معنى:
و جعلنا في موسى، كقوله:
علفتها تبنا و ماء باردا
إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38): هو معجزاته، كاليد و العصا.
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ: فأعرض عن الإيمان به، كقوله (2): وَ نَأى بِجانِبِهِ. أو فتولّى بما [كان] (3) يتقوّى به من جنوده. و هو اسم لما يركن إليه الشّيء، و يتقوّى به.
و قرئ (4) بضمّ الكاف.
وَ قالَ ساحِرٌ، أي: هو ساحر.
أَوْ مَجْنُونٌ (39)، كأنّه جعل ما ظهر عليه من الخوارق منسوبا إلى الجنّ، و تردّد في أنه حصل ذلك باختياره و سعيه أو بغيرهما (5).
فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ: فأغرقناهم في البحر.
وَ هُوَ مُلِيمٌ (40): آت بما يلام عليه من الكفر و العناد. و الجملة حال من الضّمير في «أخذناه».
وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41).
سمّاها عقيما لأنّها أهلكتهم و قطعت دابرهم (6)، أو لانّها لم تتضمّن منفعة، و هي الدّبور أو الجنوب أو النّكباء.
و في من لا يحضره الفقيه (7): و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما خرجت
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 422.
(2) الإسراء/ 83.
(3) من أنوار التنزيل 2/ 442.
(4) أنوار التنزيل 2/ 422.
(5) فان كان باختياره فهو ساحر، و إن كان بغيره فهو مجنون. و إنّما حمل كلام فرعون على ذلك لأنّ الجزم بنسبة موسى إلى الجنون بمعنى عدم العقل مع ظهور تلك الخوارق ممّا لا يفوه به عاقل.
(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 422. و في النسخ:
أدبارهم.
(7) الفقيه 1/ 344، ح 1524.
427
ريح قطّ إلّا بمكيال إلّا زمن عاد، فإنّها عتت على خزّانها، فخرجت في مثل خرق الإبرة فأهلكت قوم عاد.
و روي عليّ بن رئاب (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ للَّه جنودا من الرّيح يعذّب بها من عصاه.
... إلى قوله: و قال اللَّه: الرِّيحَ الْعَقِيمَ. و أمّا الرّياح الأربع، فإنّها أسماء الملائكة: الشّمال، و الجنوب، و الصّبا، و الدّبور. و على كلّ ريح منهنّ ملك موكّل بها.
و فيه (2): و قال عليّ- (عليه السلام)-: الرّياح خمسة، منها الرّيح (3) العقيم. [فنعوذ باللَّه من شرّها] (4).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللَّه بن سنان، عن معروف بن خربوز، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الرّيح العقيم تخرج من تحت الأرضين السّبع، و ما خرج (6) منها شيء (7) قطّ إلّا على قوم عاد حين غضب اللَّه عليهم، فأمر الخزّان أن يخرجوا منها بقدر سعة الخاتم، فعصت (8) على الخزنة فخرج منها (9) مقدار منخر الثّور تغيّظا منها على قوم عاد، فضجّ الخزنة إلى اللَّه من ذلك و قالوا: يا ربّنا، إنّها قد عتت علينا و نحن نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك و عمّار بلادك. فبعث اللَّه جبرئيل فردّها بجناحه، و قال لها: اخرجي [على ما أمرت به. فرجعت و خرجت على] (10) ما أمرت به فأهلكت قوم عاد (11) و من كان بحضرتهم.
و في روضة الكافي (12): عنه، عن أحمد بن محمّد [عن] (13) بن محبوب، عن عبد اللَّه ابن سنان، عن معروف بن خربوز، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، فيه مثل ما نقلنا من تفسير عليّ بن إبراهيم من غير تغيير مغيّر للمعنى المراد.
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ: مرّت عليه.
____________
(1) نفس المصدر/ 344- 345، ح 1525.
(2) نفس المصدر/ 345، ح 1527.
(3) ليس في المصدر.
(4) ليس في ش، ق، م.
(5) تفسير القمّي 1/ 330.
(6) المصدر: ما يخرج.
(7) ليس في ق، ش.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فغضب.
(9) في ن، المصدر، زيادة: مثل.
(10) من المصدر.
(11) ليس في ن، ت، م، ر.
(12) الكافي 8/ 92- 93، ح 64.
(13) من المصدر.
428
إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)، كالرّماد. من الرّم، و هو البلى و التّفتّت.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: لمّا حضرت نوحا الوفاة، دعا الشّيعة فقال لهم: اعلموا أنّه سيكون من بعدي غيبة يظهر فيها الطّواغيت، و إنّ اللَّه يفرّج عنكم بالقائم من ولدي، اسمه هود- (عليه السلام)- له سمت و سكينة (2) و وقار يشبهني في خلقي [و خلقي] (3)، و سيهلك اللَّه أعداءكم عند ظهوره بالرّيح.
فلم يزالوا يرقبون (4) هودا و ينتظرون ظهوره حتّى طال عليهم الأمد و قست قلوب أكثرهم، فأظهر اللَّه نبيّه هودا عند اليأس منهم و تناهي البلاء بهم، و أهلك الأعداء بالرّيح العقيم الّتي وصفها اللَّه فقال: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
ثمّ وقعت الغيبة بعد ذلك إلى أن ظهر صالح.
وَ فِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43)، تفسيره: قوله: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. و ذلك أنّهم لمّا عقروا النّاقة قال لهم صالح: تمتّعوا ثلاثة أيّام.
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ: فاستكبروا عن امتثاله.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، أي: العذاب بعد الثّلاثة.
و قرأ (5) الكسائيّ: «الصّعقة» و هي المرة من الصّعق.
وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (44): إليها، فإنّها جاءتهم معاينة بالنّهار.
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ، أي: من نهوض، و المعنى: أنّهم لم ينهضوا من تلك الصّرعة (6).
و قيل (7): هو من قولهم: ما يقوم به: إذا عجز عن دفعه.
وَ ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (45): ممتنعين منه.
وَ قَوْمَ نُوحٍ، أي: و أهلكنا قوم نوح، لأنّ ما قبله يدلّ عليه، أو اذكر.
____________
(1) كمال الدّين/ 135- 136، ح 4.
(2) ن، ت: سيماء.
(3) ليس في ش، ق.
(4) المصدر: يترقبون.
(5) أنوار التنزيل 2/ 422.
(6) كذا في مجمع البيان 5/ 160. و في النسخ:
السعة.
(7) أنوار التنزيل 2/ 422.
429
و يجوز أن يكون عطفا على محلّ «في عاد» (1) و يؤيّده قراءة (2) أبي عمرو و حمزة و الكسائيّ، بالجرّ.
مِنْ قَبْلُ أي: من قبل هؤلاء المذكورين.
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (46): خارجين عن الاستقامة بالكفر و العصيان.
وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ: بقوّة.
و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- فقلت: قول اللَّه (4): يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ.
فقال: «اليد» في كلام العرب القوّة و النّعمة، قال اللَّه (5): وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ. و قال: وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ، أي: بقوّة. و قال (6): أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، أي: قوّاهم (7). و يقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي: نعمة.
وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ (47): لقادرون، من الوسع، بمعنى: الطّاقة. و «الموسع» القادر على الإنفاق. أو لموسعون السّماء، أو ما بينها و بين الأرض، أو الرّزق.
وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها: مهّدناها ليستقرّوا عليها.
فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (48)، أي: نحن.
وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: من الأجناس خَلَقْنا زَوْجَيْنِ: نوعين لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49): فتعلمون أن التّعدّد من خواصّ الممكنات، و أنّ الواجب بالذّات لا يقبل التّعدّد و الانقسام.
و في أصول الكافي، بإسناده إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- خطبة طويلة (8)،
____________
(1) لأن «في عاد» مفعول به فيكون في محلّ النصب، و يكون الفعل المقدّر عليه مثل: أغرقنا، فيكون من قبيل ما ذكر من قوله:* علفتنا تبنا و ماء باردا*
(2) أنوار التنزيل 2/ 422.
(3) التوحيد/ 153، ح 1.
(4) ص/ 75.
(5) ص/ 17.
(6) المجادلة/ 22.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: قواه.
(8) لا توجد هذه الخطبة في الكافي، و لكن رواها في التوحيد/ 37- 38، ح 2، كما نقل عنه أيضا في نور الثقلين 5/ 130، ح 49. نعم، وردت الفقرة المذكورة منها في المتن باختلاف يسير في ضمن كلام لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الكافي 1/ 139، ح 4.
430
و فيها: بتشعيره المشاعر عرف ألّا مشعر له، و بتجهيزه الجواهر عرف ألّا جوهر له، و بمضادّته بين الأشياء عرف ألّا ضدّ له (1)، و بمقارنته بين الأشياء (2) عرف ألّا قرين له، ضادّ النّور بالظّلمة، و اليبس بالبلل (3)، و الخشن باللّين، و البرد (4) بالحرور، مؤلّفا بين متعادياتها، و مفرّقا بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على مفرّقها، و بتأليفها على مؤلّفها، و ذلك قوله:
وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. ففرّق (5) بين قبل و بعد ليعلم ألّا قبل له و لا بعد له (6)، شاهدة بغرائزها ألّا غريزة له (7)، مخبرة بتوقيتها ألّا وقت لموقّتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم ألّا حجاب بينه و بين خلقه (8).
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ قيل (9): من عقابه، بالإيمان و التّوحيد و ملازمة الطّاعة.
و في من لا يحضره الفقيه (10): و روي عن زيد بن عليّ بن الحسين، أنّه قال:
سألت (11) أبي سيّد العابدين- (عليه السلام)- فقلت له: يا أبت، أ ليس اللَّه- تعالى- لا يوصف بمكان؟
فقال: بلى، تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا.
قلت: فما معنى قول موسى لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ارجع إلى ربّك؟
قال: معناه معنى قول إبراهيم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (12). و معنى قول موسى: وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (13). و معنى قوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، يعني: حجّوا إلى بيت اللَّه.
يا بنيّ، إنّ الكعبة بيت اللَّه فمن حجّ بيت اللَّه فقد (14) قصد إلى اللَّه، و المساجد
____________
(1) في الكافي: ألّا قرين له. و لا يوجد فيه الفقرة الآتية.
(2) في التّوحيد: الأمور.
(3) كذا في الكافي. و في التوحيد: و الجلاية بالبهم، و الجسو بالبلل.
(4) في التوحيد و الكافي: الصّرد. و هي معرب «سرد» بمعنى: البرد في الفارسيّة.
(5) في التوحيد زيادة: بها.
(6) ليس في التوحيد.
(7) في الكافي و التوحيد: لمغرّزها.
(8) كذا في الكافي. و في التوحيد: ألّا حجاب بينه و بينها غيرها.
(9) أنوار التنزيل 2/ 423.
(10) الفقيه 1/ 127، ح 603.
(11) ليس في ش، ق.
(12) الصافّات/ 99.
(13) طه/ 84.
(14) ي: كمن.
431
بيوت اللَّه فمن سعى [إليها فقد سعى] (1) إلى اللَّه و قصد إليه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ، أي: من عذابه المعدّ لمن أشرك أو عصى.
نَذِيرٌ مُبِينٌ (50): بين كونه منذرا من اللَّه بالمعجزات، أو مبيّن ما يجب أن يحذر عنه.
و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده إلى أبي الجارود، زياد بن المنذر: عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ] (3) قال: حجّوا إلى اللَّه.
و في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، [عن محمد] (5) بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ قال حجّوا إلى اللَّه- عزّ و جلّ-.
و في مجمع البيان (6):] (7) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ. و قيل: معناه: حجّوا. عن الصّادق- (عليه السلام)-.
وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ قيل (8): إفراد لأعظم ما يجب أن يفرّ منه.
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51): تكرير للتّأكيد. أو الأوّل مرتّب على ترك الإيمان و الطّاعة أو على ترك الحجّ كذلك، و الثّاني على الإشراك.
كَذلِكَ، أي: الأمر مثل ذلك، و الإشارة إلى تكذيبهم الرّسول و تسميتهم إيّاه ساحرا أو مجنونا.
[و قوله] (9): ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52): كالتّفسير له.
و لا يجوز نصبه «بأتى» أو ما يفسره، لأنّ ما بعد «ما» النّافية لا يعمل فيما
____________
(1) ليس في ن، ت، ر، م.
(2) معاني الاخبار/ 322 و ح 1.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) الكافي 4/ 356، ح 21.
(5) ليس في ش، ق.
(6) المجمع 5/ 160.
(7) ليس في ق.
(8) أنوار التنزيل 2/ 423.
(9) ليس في ق.
432
قبلها.
أَ تَواصَوْا بِهِ، أي: كأنّ الأوّلين و الآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول، حتّى قالوه جميعا.
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53): إضراب عن أن التّواصي جامعهم، لتباعد أيّامهم، إلى أنّ الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطّغيان الحامل عليه.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ: فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كرّرت عليهم الدّعوة فأبوا إلّا الإصرار و العناد.
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54): على الإعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ.
وَ ذَكِّرْ: و لا تدع التّذكير و الموعظة فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55): من قدّر اللَّه إيمانه، أو من آمن فإنّه يزداد بها بصيرة.
و في عيون الأخبار (1)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان: قال المأمون فيه بعد كلام لعمران الصّابيّ: يا عمران، إنّ هذا سليمان المروزيّ متكلّم خراسان.
قال عمران: يا أمير المؤمنين، إنّه يزعم أنه (2) واحد خراسان في النظر و ينكر (3) البداء.
قال: فلم لا تناظره (4)؟
قال عمران: ذلك إليك (5). و كان ذلك قبل دخول الرّضا- (عليه السلام)- المجلس.
فلمّا دخل- (عليه السلام)- قال: في أيّ شيء كنتم؟
قال عمران: يا ابن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذا سليمان المروزيّ.
فقال له سليمان (6): أ ترضى بأبي الحسن و بقوله فيه؟
قال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء، على أن يأتيني فيه بحجّة أحتجّ بها على نظرائي من أهل النّظر.
فقال المأمون: يا أبا الحسن، ما تقول فيما تشاجروا فيه؟
قال: و ما أنكرت من البداء، يا سليمان، و اللَّه- تعالى- يقول (7): [أ و لم ير
____________
(1) العيون 1/ 145، ح 1.
(2) ليس في المصدر.
(3) ن، ت، م، ي، ر: منكر.
(4) المصدر: لا تناظروه.
(5) المصدر: إليه.
(6) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(7) مريم/ 67. و فيها: أ و لا يذكر ...
433
الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً. و يقول (1)- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. و يقول (2): بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. و يقول (3)- عزّ و جلّ-: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ. و يقول (4): وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. و يقول (5)- عزّ و جلّ-:
وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ. و يقول (6)- عزّ و جلّ-: وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ] (7).
قال سليمان (8): هل رويت فيه عن آبائك شيئا؟
قال: نعم، رويت [عن أبي،] (9) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ للَّه- عزّ و جلّ- علمين: علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلّا هو، و (10) من ذلك يكون البداء، و علما علّمه ملائكته و رسله فالعلماء من أهل بيت نبيّنا يعلمونه.
قال سليمان: أحبّ أن تنزعه لي من كتاب اللَّه.
فقال: قال اللَّه- عزّ و جلّ- لنبيّه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ. أراد هلاكهم، ثمّ بدا للَّه- تعالى- فقال: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
قال [سليمان] (11): زدني، جعلت فداك. قال الرّضا: لقد أخبرني أبي، عن آبائه
(الحديث).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (12): و قوله: «فتولّ عنهم [يا محمّد] (13) فما أنت بملوم» قال: همّ اللَّه بهلاك أهل الأرض فأنزل (14) على رسوله: «فتولّ عنهم [يا محمّد] (15) فما أنت بملوم». ثمّ بدا للَّه في ذلك فأنزل عليه: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
و في روضة الكافي (16): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى (17) بن محمّد، عن
____________
(1) الروم/ 27.
(2) البقرة/ 117، و الأنعام/ 101.
(3) فاطر/ 1.
(4) السجدة/ 7.
(5) التوبة/ 106.
(6) فاطر/ 11.
(7) ليس في ق، ش، م.
(8) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
(9) يوجد في ق، ش.
(10) ليس في المصدر.
(11) من المصدر.
(12) تفسير القمّي 2/ 330- 331.
(13) ليس في ق، ش، م.
(14) في المصدر زيادة: اللَّه.
(15) ليس في ق، ش، م.
(16) الكافي 8/ 103، ح 78.
(17) ق، ش: أحمد.
434
الوشّاء [عن أبان،] (1) عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّهما قالا: إنّ النّاس لمّا كذّبوا رسول (2) اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- همّ اللَّه- تبارك و تعالى- بهلاك أهل الأرض إلّا عليّا فما سواه بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ. ثمّ بدا له فرحم المؤمنين، ثمّ قال لنبيّه: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
و في مجمع البيان (3): و روي بالإسناد، عن مجاهد قال: خرج عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- معتمّا (4) مشتملا في قميصه، فقال: لمّا نزلت: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ لم يبق منّا أحد إلّا أيقن بالهلكة حين قيل للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فلمّا نزل: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ طابت أنفسنا.
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) (5).
قيل (6): أي [لم أخلق الجن و الإنس] (7) إلّا لعبادتي، و المعنى: لعبادتهم إيّاي، فإذا عبدوني استحقّوا الثّواب.
و قيل (8): إلّا لآمرهم و أنهاهم و أطلب منهم العبادة، [عن مجاهد] (9). و الّلام لام الغرض، و المراد: أنّ الغرض في خلقهم تعريضهم للثّواب و ذلك لا يحصل إلّا بأداء العبادات، فصار كأنّه- سبحانه- خلقهم للعبادة، ثمّ إنّه إذا لم يعبده قوم، لم يبطل الغرض، و يكون كمن هيّأ طعاما لقوم و دعاهم ليأكلوه، فحضروه و لم يأكله بعضهم، فإنّه لا ينسب إلى السّفه و يصحّ غرضه فإنّ الأكل موقوف على اختيار الغير، و كذلك المسألة فإنّ اللَّه إذا أزاح علل المكلّفين من القدرة و الآلة و الألطاف و أمرهم بعبادته، فمن خالف فقد اتي من قبل نفسه لا من قبله- سبحانه-.
و قيل (10): معناه: إلّا ليقرّوا بالعبوديّة طوعا و (11) كرها.
و في كتاب التّوحيد (12)، بإسناده إلى محمد بن أبي عمير قال: قلت لأبي الحسن
____________
(1) ليس في ق.
(2) المصدر: برسول.
(3) المجمع 5/ 161.
(4) المصدر: مغتمّا.
(5) في جميع النسخ زيادة: أي.
(6) مجمع البيان 5/ 161.
(7) من المصدر.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) يوجد في ر، المصدر.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) ق، ش: أو.
(12) التوحيد/ 356، ح 3.
435
موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: و ما معنى قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اعملوا، فكلّ ميسّر لما خلق له؟
فقال: إنّ اللَّه خلق الجنّ و الإنس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه، و ذلك قوله- تعالى-: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فيسّر كلّا لما خلق له، فويل لمن استحبّ العمى على الهدى.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: خرج الحسين بن علي على أصحابه فقال:
أيّها النّاس، إنّ اللَّه ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.
فقال له رجل: يا ابن رسول اللَّه، بأبي أنت و أمّي، فما معرفة اللَّه؟
قال: معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الّذي تجب عليهم طاعته.
و بإسناده (2) إلى أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): [و قوله] (4) وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
قال: خلقهم للأمر و النّهي و التّكليف. [و ليست خلقتهم جبرا أن يعبدوه، و لكن خلقهم (5) اختيارا ليختبرهم بالأمر و النهي و من يطيع اللَّه و من يعصي.
و في حديث آخر (6) قال: هي منسوخة بقوله (7): وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ] (8).
و في تفسير العيّاشي (9): عن يعقوب بن سعيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال:
سألته عن قول اللَّه: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
قال- (عليه السلام)-: خلقهم للعبادة.
قال: قلت: و قوله: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (10).
____________
(1) العلل/ 9، ح 1.
(2) نفس المصدر/ 13، ح 10.
(3) تفسير القمّي 2/ 331.
(4) ليس في ق.
(5) المصدر: خلقتهم.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ليس في ق.
(8) هود/ 118.
(9) تفسير العيّاشي 2/ 164، ح 83.
(10) هود/ 118- 119.
436
فقال: نزلت هذه بعد ذلك.
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)، أي: ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي فاشتغلوا بما أنتم كالمخلوقين له و المأمورين به، و المراد: أن يبيّن أنّ شأنه مع عباده ليس شأن السّادة مع عبيدهم، فإنّهم إنّما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم.
و يحتمل أن يقدّر «بقل» فيكون بمعنى قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ: الّذي يرزق كلّ ما يفتقر إلى الرّزق. و فيه إيماء باستغنائه عنه.
و قرئ (1): «إنّي أنا الرّزاق».
ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58): شديد القوّة.
[و قرئ (2): «المتين»] (3) بالجرّ، صفة للقوّة.
و في الصّحيفة السّجّاديّة (4): اللَّهمّ، إنّي أخلصت بانقطاعي إليك، و أقبلت بكلّي عليك، و صرفت وجهي عمّن يحتاج إلى رفدك (5)، و قلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك، و رأيت أنّ طلب المحتاج إلى المحتاج سفه من رأيه و ضلّة من عقله. فكم قد رأيت، يا إلهي، من أناس طلبوا العزّ بغيرك فذلّوا، و راموا الثّروة من سواك فافتقروا، و حاولوا الارتفاع فاتّضعوا، فصحّ بمعاينة أمثالهم حازم وفّقه اعتباره و أرشده إلى طريق صوابه اختياره. فأنت، يا مولاي، دون كلّ مسؤول موضع مسألتي، و دون كلّ مطلوب إليه وليّ حاجتي.
و فيها (6): اللّهمّ، لا طاقة لي بالجهد، و لا صبر لي على البلاء، و لا قوّة لي على الفقر. فلا تحظر عليّ رزقي، و لا تكلني إلى خلقك، بل تفرّد بحاجتي و تولّ كفايتي، و انظر إليّ (7) في جميع أموري، فإنّك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها و لم أقم ما فيه مصلحتها، و إن وكلتني إلى خلقك تجهّموني، و إن ألجأتني إلى قرابتي حرموني، و إن
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 424.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) الصحيفة الكاملة السجّادية/ 160، الدعاء 28.
(5) ن، ت، ر: رزقك
(6) نفس المصدر/ 126، الدعاء 22.
(7) ن، ت، م، ر: لي.
437
أعطوا أعطوا قليلا نكدا و منّوا عليّ طويلا و ذمّوا كثيرا. فبفضلك، اللّهمّ، فأغنني، و بعظمتك فأنعشني، و بسعتك فأبسط يدي، و بما عندك فاكفني.
و فيها (1): فمن حاول سدّ خلّته من عندك و رام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته في مظانّها، و أتى طلبته من وجهها. و من توجّه بحاجته إلى أحد من خلقك أو جعله سبب نجحها دونك، فقد تعرّض للحرمان و استحقّ من عندك فوت الإحسان.
اللّهمّ، ولي إليك حاجة قد قصر عنها جهدي، و تقطّعت دونها حيلي، و سوّلت لي نفسي رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك و لا يستغني في طلباته عنك، و هي زلّة من زلل الخاطئين و عثرة من عثرات المذنبين. ثمّ انتبهت بتذكيرك لي من غفلتي، و نهضت بتوفيقك من زلّتي، و نكصت بتسديدك من عثرتي، و قلت: سبحان ربّي، كيف يسأل محتاج محتاجا، و أنّى يرغب معدم إلى معدم.
و في تهذيب الأحكام (2)، بإسناده إلى سدير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّ شيء على الرّجل في طلب الرّزق؟
فقال: إذا فتحت بابك و بسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك.
محمد بن يعقوب (3)، عن عليّ بن محمّد، عن ابن جمهور، عن أبيه، رفعه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا، أنّ اللَّه لم يجعل للعبد و إن اجتهد (4) جهده و عظمت حيلته و كثرت مكابدته (5) أن يسبق ما سمّي له في الذّكر الحكيم، و لم يحل بين (6) العبد في ضعفه و قلّة حيلته أن يبلغ ما سمّي له في الذّكر الحكيم. أيّها النّاس، إنه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه، و لن ينقص امرؤ نقيرا بحمقه.
(الحديث)
و بإسناده (7) إلى عليّ بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما فعل عمر بن مسلم؟
قلت: جعلت فداك، أقبل على العبادة و ترك التّجارة.
فقال: ويحه، أما علم أنّ تارك الطّلب لا يستجاب له.
(الحديث)
____________
(1) نفس المصدر/ 76- 77 الدعاء 13.
(2) التهذيب 6/ 323، ح 886.
(3) نفس المصدر/ 322، ح 883.
(4) المصدر: اشتدّ.
(5) كابد الأمر: قاساه و تحمّل المشاقّ في فعله.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: من.
(7) نفس المصدر/ 323، ح 885.
438
و بإسناده (1) إلى عمر (2) بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-:
[رجل] (3) قال (4): لأقعدنّ في بيتي و لأصلّينّ و لأصومنّ و لأعبدنّ ربّي، فأمّا رزقي فيأتيني (5).
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هو أحد الثلاثة الّذين لا يستجاب لهم.
و بإسناده (6) إلى أيّوب، أخي أديم بيّاع الهروي، قال: كنّا جلوسا عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- إذا أقبل العلاء بن كامل فجلس قدّام أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
فقال: ادع اللَّه أن يرزقني في دعة.
فقال: لا أدعو لك، اطلب كما أمرك اللَّه.
و بإسناده (7) إلى عبد الأعلى، مولى آل سام، قال: استقبلت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- في بعض طرق المدينة في يوم صائف شديد الحرّ، فقلت: جعلت فداك، حالك عند اللَّه و قرابتك من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم؟
فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرّزق لأستغني به عن مثلك.
و بإسناده (8) إلى فضل (9) بن أبي قرّة: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى داود: إنّك نعم العبد لو لا أنّك تأكل من بيت المال، و لا تعمل بيدك شيئا.
قال: فبكى داود أربعين صباحا، فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى الحديد: أن لن لعبدي داود، فألان اللَّه له الحديد، فكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة و ستّين درعا فباعها بثلاثمائة و ستّين ألفا و استغنى عن بيت المال.
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً، أي: للّذين ظلموا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالتّكذيب نصيبا من العذاب.
مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ: مثل نصيب نظرائهم من الأمم السّالفة. و هو مأخوذ من مقاسمة السّقاة الماء بالدّلاء، فإنّ الذّنوب هو الدّلو العظيم المملوء.
____________
(1) نفس المصدر/ 323، ح 887.
(2) ن: عمرو.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ن.
(5) المصدر: سيأتيني.
(6) نفس المصدر/ 323- 324، ح 888.
(7) نفس المصدر 6/ 324- 325، ح 893.
(8) نفس المصدر/ 326، ح 896.
(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 4. و في النسخ: فضيل.
439
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59): جواب لقولهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60): من يوم القيامة.
قيل (1): أو يوم بدر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): «فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا» آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- «ذنوبا» (إلى آخر السّورة) (3).
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 424.
(2) تفسير القمّي 2/ 331.
(3) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآيات.
443
سورة الطور
مكّية.
و هي تسع أو ثمان و أربعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه و أبي جعفر- (عليهما السلام)- قالا: من قرأ سورة الطّور، جمع اللَّه له خير الدّنيا و الآخرة.
و في مجمع البيان (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة و الطّور، كان حقّا على اللَّه أن يؤمنه من عذابه و ينعمه في جنّته.
وَ الطُّورِ (1).
قيل (3): يريد طور سينين، و هو جبل بمدين سمع فيه موسى كلام اللَّه.
و «الطّور» الجبل بالسّريانيّة. أو ما طار من أوج الإيجاد إلى حضيض الموادّ، أو من عالم الغيب إلى عالم الشّهادة.
وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (2): مكتوب.
و «السّطر» ترتيب الحروف المكتوبة.
قيل (4): المراد به: القرآن، أو ما كتبه اللَّه في اللّوح المحفوظ، أو ألواح موسى، أو
____________
(1) ثواب الأعمال/ 143، ح 1.
(2) مجمع البيان 5/ 162.
(3) أنوار التنزيل 2/ 424.
(4) نفس المصدر و الموضع.
444
في قلوب أنبيائه و أوصيائه (1) من المعارف و الحكم، أو ما يكتبه الحفظة.
فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3).
«الرّقّ» الجلد الّذي يكتب فيه، استعير لما كتب فيه الكتاب. و تنكيرهما للتّعظيم، أو الإشعار بأنّهما ليسا من المتعارف فيما بين النّاس.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (3) قال: «الطّور» جبل بطور سيناء. وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ، أي: مكتوب فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (4).
و في مهج الدّعوات (5) لابن طاوس، دعاء مرويّ عن الزّهراء- (عليها السلام)- (6) و فيه: الحمد للَّه الّذي خلق النّور، و أنزل النّور على الطّور، في كتاب مسطور، في رقّ منشور، بقدر مقدور، على نبيّ محبور.
و في شرح الآيات الباهرة (7)، روي (8) بإسناد متّصل: عن عليّ بن سليمان، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ قال:
كتاب كتبه اللَّه- عزّ و جلّ- في ورقه آس، و وضعه على عرشه قبل خلق الخلق بألفي عام:
يا شيعة آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-، إنّي أنا اللَّه، أجبتكم قبل. أن تدعوني، و أعطيتكم قبل أن تسألوني، و غفرت لكم قبل أن تستغفروني.
وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4).
قيل (9): يعني: الكعبة، و عمارتها بالحجّاج و المجاورين. أو الضّراح و هو في السّماء الرّابعة، و عمارته (10) كثرة غاشيته (11) من الملائكة. أو قلب المؤمن، و عمارته بالمعرفة و الإخلاص.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (12): وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قال: هو في السّماء الرّابعة و هو الضّراح، يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه أبدا.
____________
(1) المصدر: «أوليائه» بدل «أنبيائه و أوصيائه».
(2) تفسير القمّي 2/ 331.
3 و 4- ليس في ق، ش، م.
(5) مهج الدعوات/ 7.
(6) في ن، ت، ي، ر، زيادة: عن أبيها.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 616، ح 1.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) أنوار التنزيل 2/ 424.
(10) المصدر: عمرانه.
(11) كذا في المصدر. و في ق، ش: غاشية. و في سائر النسخ: غاشة.
(12) تفسير القمّي 2/ 331.
445
و في مجمع البيان (1): روي عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ اللَّه- تعالى- وضع تحت العرش أربع أساطين، و سمّاهنّ الضّراح، و هو البيت المعمور، و قال للملائكة:
طوفوا به. ثمّ بعث ملائكة فقال: ابنوا في الأرض بيتا بمثاله و قدره. و أمر من في الأرض أن يطوفوا بالبيت.
و فيه- أيضا- (2): وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ و هو بيت في السّماء الرّابعة بحيال الكعبة، تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة ... عن ابن عبّاس و مجاهد.
و روي- أيضا- (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: و يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه أبدا.
و عن الزّهريّ (4)، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: البيت المعمور في السّماء الرّابعة (5)، و في السّماء الرّابعة نهر يقال له:
الحيوان، يدخل فيه جبرئيل كلّ يوم طلعت فيه الشّمس، و إذا خرج انتقض انتقاضة جرت عنه سبعون ألف قطرة، يخلق اللَّه من كلّ قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلّون فيه، فيفعلون ثمّ لا يعودون إليه أبدا.
و عن ابن عبّاس (6) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: البيت المعمور (7) الّذي في السّماء [الدنيا] (8) يقال له: الضّراح، و هو بفناء البيت الحرام لو سقط لسقط (9) عليه، يدخله كلّ يوم ألف ملك لا يعودون إليه أبدا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10)، حديث طويل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذكرناه بتمامه [في أوّل الإسراء] (11)، و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فقلت: يا جبرئيل، من هذا الّذي في السّماء السّابعة على باب البيت (12) المعمور في جوار اللَّه؟
فقال: هذا أبوك، إبراهيم.
____________
(1) المجمع 1/ 207.
(2) نفس المصدر 5/ 163.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) المصدر: الدنيا.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ليس في المصدر.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: سقط.
(10) تفسير القمّي 2/ 9.
(11) ليس في ق، ش، م.
(12) ليس في ن، م، ر.
446
و في تفسير العيّاشي (1): عن عبد الصّمد بن شيبة (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل في معراج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و في أواخره: فلمّا فرغ من مناجاته رد إلى البيت المعمور، و هو في السّماء السّابعة بحذاء الكعبة.
أقول: يمكن رفع الاختلاف بين تلك الأخبار بأن يقال: في السّماء السّابعة مطاف للملائكة يسمّى بالبيت المعمور بحذاء البيت المعمور الّذي في السّماء الرّابعة المحاذية للكعبة، يدخله كلّ يوم ألف ملك [، كما يدخل الّذي في السّماء الرّابعة كلّ يوم سبعون ألف ملك،] (3) و تلك السّبعون هي الّتي خلقت من قطرات جبرئيل (4).
وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)، يعني: السّماء.
و في أصول الكافي (5): بعض أصحابنا رفعه، عن محمّد بن سنان، عن داود بن كثير الرّقيّ قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما معنى السّلام على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال: إنّ اللَّه لمّا خلق نبيّه و وصيّة [و ابنته] (6) و ابنيه و جميع الأئمّة و خلق شيعتهم أخذ عليهم الميثاق، و أن يصبروا و يصابروا و يرابطوا، و أن يتّقوا اللَّه، و وعدهم أن يسلّم لهم الأرض المباركة و الحرم الآمن، و أن ينزّل لهم البيت المعمور، و يظهر لهم السّقف المرفوع و يريحهم من عدوّهم، و الأرض التي يبدّلها اللَّه من السّلام، و يسلّم ما فيها لهم «لا شية فيها» قال: لا خصومة فيها لعدوّهم، و أن يكون لهم فيها ما يحبّون.
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 157- 159، ح 530.
(2) المصدر: بشير.
(3) ليس في ن.
(4) في هامش ت:
و في المناقب عن ابن عبّاس قال:
قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما عرج بي الى السّماء الرابعة رأيت بيتا من ياقوت أحمر فقال لي جبرئيل: يا محمّد هذا هو البيت المعمور و السّقف المرفوع خلقه اللَّه- عز و جل- قبل خلق السّماوات و الأرضين بخمسين ألف عام قم يا محمّد فصلّ فيه قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فصلّيت بهم فلمّا سلّمت أتاني آت من عند ربّي فقال لي يا محمّد ربّك يقرئك السلام و يقول: سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما ذا أرسلناهم؟ فقلت: معاشر الأنبياء و الرّسل على ما ذا بعثكم ربّي قولوا لي. فقال الرّسل: يا رسول اللَّه! بعثنا على شهادة أن لا إله إلّا اللَّه و على الإقرار بنبوّتك و الولاية لعليّ ابن أبي طالب- (عليه السلام)-.
(5) الكافي 1/ 451، ح 39.
(6) من المصدر.
447
و أخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على جميع الأمّة [و (1) الأئمة] (2) و شيعتهم (3) الميثاق بذلك، و إنّما [السّلام عليه] (4) تذكرة نفس الميثاق و تجديد له على اللَّه لعلّه أن يعجّله و يعجّل السّلام لكم بجميع ما فيه.
و في كتاب الإهليلجة (5): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل، فخلق السّماء سقفا مرفوعا، و لو لا ذلك لأظلم على خلقه بقر بها (6) و لأحرقتهم الشّمس لدنوّها (7) [و حرارتها] (8).
و في مجمع البيان (9): وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ و هو السّماء ... عن عليّ- (عليه السلام)-.
وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6)، أي: المملوء، و هو المحيط. أو الموقد من قوله: «و إذا البحار سجّرت». أو المختلط، من السّجير، و هو الخليط.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ قال: يسجر يوم القيامة.
و في مجمع البيان (11): وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، أي: المملوء ... عن قتادة.
و قيل (12): هو الموقد المحمى بمنزلة التّنور ... عن مجاهد و الضّحّاك و الأخفش و ابن زيد.
ثمّ قيل (13): إنّه تحمى البحار يوم القيامة فتجعل نارا، ثم يفجر بعضها في بعض، ثمّ تفجر إلى النّار. ورد به الحديث.
و في تفسير العيّاشي (14): عن الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ يونس لمّا آذاه قومه. و ذكر حديثا طويلا، و فيه: فألقى نفسه فالتقمه الحوت، فطاف (15) به البحار السّبعة (16) حتّى صار إلى البحر المسجور، و به يعذّب قارون.
____________
(1) في ن، ت، م، ي، ر، زيادة: شيعتنا.
(2) ليس في المصدر.
(3) في نور الثقلين 5/ 137، ح 12 وردت العبارة الأخيرة هكذا: و أخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على جميع الأئمة و شيعتهم ...
(4) ليس في ن، ت، م، ي، ر. و في ق، ش:
(عليه السلام). و ما في المتن موافق المصدر.
(5) البحار 3/ 190- 191.
(6) المصدر: و لو لا ذلك اغتمّ على خلقه لقربها.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بذوبها.
(8) ليس في المصدر.
(9) المجمع 5/ 163.
(10) تفسير القمّي 2/ 331.
(11) المجمع 5/ 163.
12 و 13 نفس المصدر و الموضع.
(14) تفسير العيّاشي 2/ 136، ح 46.
(15) كذا في المصدر. و في النسخ: فطار.
(16) المصدر: سبعة.
448
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7): لنازل.
ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8): يدفعه.
و وجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك، أنّها أمور تدلّ على كمال قدرة اللَّه و حكمته و صدق أخباره و ضبط أعمال العباد للمجازاة.
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9): تضطرب اضطرابا.
و «المور» تردّد في المجيء و الذّهاب.
و قيل (1): تحرّك في تموّج. و «يوم» ظرف (2).
وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10)، أي: تسير على وجه الأرض فتصير هباء.
و في تفسير علي بن إبراهيم (3)، بإسناده إلى ثوير بن أبي فاختة: عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: سئل عن النّفختين: كم بينهما؟
قال: ما شاء اللَّه.
... إلى قوله: و يخرج الصّوت من الطّرف الّذي يلي السّموات، فلا يبقى [في السموات] (4) ذو روح إلّا صعق و مات إلّا إسرافيل [فيمكثون في ذلك ما شاء اللَّه] (5).
قال: فيقول اللَّه لإسرافيل: مت. فيموت إسرافيل، فيمكثون في ذلك ما شاء اللَّه، ثم يأمر اللَّه السّموات فتمور و يأمر الجبال فتسير، و هو قوله: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً يعني تبسط.
(الحديث) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11)، أي: إذا وقع ذلك فويل لهم.
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12)، أي: الخوض في الباطل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قوله: فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ قال: يخوضون في المعاصي.
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13): يدفعون إليها بعنف، و ذلك بأن تغلّ أيديهم إلى أعناقهم و تجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النّار.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 424.
(2) في جميع النسخ زيادة: دافع.
(3) تفسير القمّي 2/ 252.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) من المصدر.
(6) تفسير القمّي 2/ 332.
449
و قرئ (1): «يدعون» من الدعاء، فيكون «دعّا» حالا، بمعنى: مدعوعين، و «يوم» بدل من «يوم تمور» (2) أو ظرف لقول مقدّر محكيّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): [و قوله:] (4) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا قال:
يدفعون في النّار.
و
قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا مرّ بعمرو بن العاص و عقبة بن أبي معيط، و هما في حائط يشربان و يغنّيان بهذا البيت في حمزة بن عبد المطّلب حين [قتل] (5):
كم (6) من حواريّ تلوح عظامه* * * وراء الحرب
(7) أن يجرّ فيقبرا
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهمّ، العنهما و اركسهما في الفتنة ركسا، و دعّهما في النّار دعّا.
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14)، أي: يقال لهم ذلك.
أَ فَسِحْرٌ هذا، أي: كنتم تقولون للوحي: هذا سحر، أ فهذا المصداق- أيضا- سحر.
و تقديم الخبر لأنّه المقصود بالإنكار و التّوبيخ.
أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15): هذا- أيضا- كما كنتم لا تبصرون في الدّنيا ما يدلّ عليه، و هو تقريع و تهكّم. أو: أم سدّت أبصاركم، كما سدّت فيها (8)، على زعمكم حين قلتم: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا (9).
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا، أي: ادخلوها على أيّ وجه شئتم من الصّبر و عدمه، فإنّه لا محيص لكم عنها.
سَواءٌ عَلَيْكُمْ، أي: الأمران: الصّبر و عدمه.
إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16): تعليل للاستواء، فإنّه لمّا كان
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 425.
(2) ليس في ق، ش.
(3) تفسير القمّي 2/ 332.
(4) ليس في ق، ش.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قتلكم.
(7) كذا في المصدر و النسخ: و الظاهر: «و درأ الحروب». و درأه و درأ عنه: دفعه.
(8) أي: في الدنيا.
(9) الحجر/ 15.
450
الجزاء واجب الوقوع كان الصّبر و عدمه سيّين في عدم النّفع.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَعِيمٍ (17): في أيّة جنّات و أيّ نعيم. أو في جنّات و نعيم مخصوصة بهم.
فاكِهِينَ: ناعمين متلذّذين بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ.
و قرئ (1): «فكهين». و «فاكهون» على أنّه الخبر و الظّرف لغو.
وَ وَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18): عطف على «آتاهم»- إن جعل «ما» مصدريّة- أو «في جنّات». أو حال بإضمار «قد» من المستكنّ في الظّرف، أو الحال، أو من فاعل «أتى» أو مفعوله أو منهما.
كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً، أي: أكلا و شربا هنيئا، أو طعاما و شرابها هنيئا و هو الّذي لا تنغيص (2) فيه.
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19): بسببه، أو بدله.
و قيل (3): «الباء» زائدة و «ما» فاعل «هنيئا»، و المعنى: هنأكم (4) ما كنتم تعملون، أي: جزاؤه.
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ: مصطفّة. وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20).
«الباء» لما في التّزويج من معنى الوصل و الإلصاق. أو للسّببيّة، إذ المعنى:
صيرناهم أزواجا بسببهنّ. أو لما في التّزويج من معنى الإلصاق و القران، و لذلك عطف وَ الَّذِينَ آمَنُوا: على «حوار»، أي: قرنّاهم بأزواج حور و رفقاء مؤمنين.
و قيل (5): إنّه مبتدأ خبره «ألحقنا بهم»، [و قوله:] (6) وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ: اعتراض للتّعليل.
و قرأ (7) ابن عامر و يعقوب: «ذرّيّاتهم» بالجمع و ضمّ التّاء، للمبالغة في كثرتهم، و التّصريح بأنّ الذّرّيّة تقع على الواحد و الكثير.
و قرأ (8) أبو عمرو: «و أتبعناهم ذريّاتهم»، أي: جعلناهم تابعين لهم في الإيمان.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 425.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 425. و في النسخ:
تنقيص.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هنائكم.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ليس في م، ش، ق.
7 و 8- نفس المصدر و الموضع.
451
و قيل (1): «بإيمان» حال من الضّمير، أو «الذّرّيّة»، أو منهما (2)، و تنكيره للتّعظيم، أو للإشعار بأنّه يكفي للإلحاق المتابعة في أصل الإيمان (3).
أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ: في دخول الجنّة، أو الدّرجة.
و في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن غير واحد رفعوه، أنّه سئل عن الأطفال.
فقال: إذا كان يوم القيامة جمعهم [اللَّه] (5) و أجّج لهم نارا و أمرهم أن يطرحوا أنفسهم فيها، فمن كان في علم اللَّه- عزّ و جلّ- أنّه سعيد، رمى بنفسه فيها و كانت عليه بردا و سلاما، و من كان في علمه أنّه شقيّ امتنع (6)، فيأمر اللَّه بهم إلى النّار.
فيقولون: يا ربّنا، تأمر بنا إلى النّار و لم تجر علينا القلم؟
فيقول الجبّار: قد أمرتكم مشافهة فلم تطيعوني، فكيف و لو أرسلت رسلي بالغيب إليكم؟
و في حديث آخر (7): أمّا أطفال المؤمنين فيلحقون بآبائهم و أولاد المشركين يلحقون بآبائهم، و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: بِإِيمانٍ (8) أَلْحَقْنا بِهِمْ ذرياتهم (9).
عدّة من أصحابنا (10)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن ابن بكير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذرياتهم (11) قال: فقال: قصرت الأبناء عن عمل الآباء، فألحقوا الأبناء بالآباء لتقرّ بذلك أعينهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (12): حدّثني أبي، عن سليمان الدّيلميّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أطفال شيعتنا من المؤمنين تربّيهم فاطمة
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المصدر: منها.
(3) لك أن تقول: لو عرّف باللام لكان مشعرا بما ذكر. و الظاهر أن المراد منه حقيقة الإيمان.
(4) الكافي 3/ 248، ح 2.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ق، ش.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) ليس في ق.
(9) المصدر: ذرّيّتهم.
(10) نفس المصدر/ 249، ح 5.
(11) المصدر: ذريّتهم.
(12) تفسير القمّي 2/ 332.
452
- (عليها السلام)-.
و قوله: [ألحقنا بهم] (1) ذرياتهم (2) قال: يهدون إلى آبائهم يوم القيامة.
و في من لا يحضره الفقيه (3): و في رواية الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه كفّل إبراهيم و سارة أطفال المؤمنين، يغذّونهم بشجرة في الجنّة، لها أخلاف (4) كأخلاف البقر في قصر من درّة. فإذا كان يوم القيامة البسوا و طيّبوا و اهدوا إلى آبائهم، فهم ملوك في الجنّة مع آبائهم، و هذا قول اللَّه- عزّ و جلّ-: و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم.
و في مجمع البيان (5): و روى زاذان، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ المؤمنين و أولادهم في الجنّة. ثمّ قرأ هذه الآية.
و روي (6) عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: أطفال المؤمنين يهدون إلى آبائهم يوم القيامة.
و في أمالي شيخ الطّائفة (7)، بإسناده إلى محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- و جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- يقولان: إنّ اللَّه- تعالى- عوّض الحسين- (عليه السلام)- من قتله أن جعل في ذرّيّته الإمامة، و الشّفاء في تربته، و إجابة الدّعاء عند قبره، و لا تعدّ أيّام زيارته جائيا و راجعا من عمره.
قال محمّد بن مسلم: فقلت لأبي أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هذه الخلال تنال بالحسين، فما له في نفسه؟
قال: إنّ اللَّه ألحقه بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فكان معه في درجته و منزلته. ثم تلا أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم.
و في كتاب التّوحيد (8)، بإسناده إلى أبي بكر الحضرميّ: عن أبي عبد اللَّه- عليه
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) المصدر: ذرّيّتهم.
(3) الفقيه 3/ 316، ح 1536.
(4) الأخلاف: جمع الخلف: حلمة ضرع الناقة.
5 و 6- المجمع 5/ 166.
(7) أمالي الشيخ 1/ 324- 325.
(8) التوحيد/ 394، ح 7.
453
السّلام- في قول اللَّه- تعالى-: و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم (1) قال: قصرت الأبناء عن عمل الآباء، فألحق اللَّه- عزّ و جلّ- الأبناء بالآباء لتقرّ (2) بذلك أعينهم.
و بإسناده (3) إلى أبي بصير قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إذ مات طفل من أطفال المؤمنين نادى مناد في ملكوت السّموات و الأرض: ألا إنّ فلان بن فلان قد مات. فإن كان قد مات والداه أو أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين دفع إليه يغذوه، و إلّا دفع إلى فاطمة- (صلوات اللَّه عليها)- تغذوه حتّى يقدم أبواه أو أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين فتدفعه إليه.
و بإسناده (4) إلى جميل بن درّاج: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن أطفال الأنبياء.
فقال: ليسوا كأطفال سائر النّاس.
قال: و سألته عن (5) إبراهيم بن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو بقي كان صدّيقا؟
قال: لو بقي كان على منهاج أبيه- (عليه السلام)-.
و بإسناده (6) إلى عامر بن عبد اللَّه [قال: سمعت أبا عبد اللَّه] (7)- (عليه السلام)- يقول: مات إبراهيم بن رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه و آله- و كان له ثمانية عشر شهرا، فأتمّ اللَّه رضاعه في الجنّة.
وَ ما أَلَتْناهُمْ: و ما نقصناهم مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ بهذا الإلحاق، فإنّه كما يحتمل أن يكون بنقص (8) مرتبة الآباء أو إعطاء الأبناء بعض مثوباتهم، يحتمل أن يكون بالتّفضّل عليهم، و هو اللّائق بكمال لطفه.
و قرأ (9) ابن كثير، بكسر اللّام، من ألت يألت. و عنه: «لتناهم» من لات
____________
(1) المصدر: ذرّيّتهم.
(2) المصدر: ليقرّ.
(3) نفس المصدر، ح 8.
(4) نفس المصدر/ 395، ح 11.
(5) من «أطفال الأنبياء» إلى هنا تكرّر في ق.
(6) نفس المصدر/ 395، ح 12.
(7) ليس في ق.
(8) ق، ش: ينقص.
(9) أنوار التنزيل 2/ 426.
454
يليت. و «آلتناهم» من آلت يولت. و «ولتناهم» من ولت يلت، و معنى الكلّ واحد.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أبي زاهر، عن الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال (2):
قال [اللَّه- تعالى-] (3): الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ (الآية) (4) قال: الّذين آمنوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و ذرّيته الأئمة و الأوصياء- (صلوات اللّه عليهم)- أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (5) و لم ننقص (6) ذرّيّتهم الحجّة الّتي جاء بها محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في علي- (عليه السلام)- و حجّتهم واحدة و طاعتهم واحدة.
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (21): بعمله مرهون عند اللَّه، فإن عمل صالحا فكّه، و إلّا أهلكه.
و في شرح الآيات الباهرة (7): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا] (8) أحمد بن القاسم، عن عيسى (9) بن مهران، عن داود بن مجير، عن الوليد بن محمّد، عن زيد بن جدعان (10)، عن عمّه، عليّ بن زيد، قال: قال عبد اللَّه بن عمر: كنّا نفاضل (11) فنقول: أبو بكر و عمر و عثمان، و يقول (12) قائلهم: فلان و فلان.
فقال له رجل: يا [أبا] (13) عبد الرّحمن، فعليّ- (عليه السلام)- (14)؟
قال: عليّ- (عليه السلام)- من أهل بيت لا يقاس بهم أحد من النّاس، عليّ- (عليه السلام)- مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في درجته، إنّ اللَّه يقول: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ففاطمة- (عليها السلام)- ذرّية النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هي معه في درجته، و عليّ- (عليه السلام)- مع فاطمة- (عليها السلام)-.
____________
(1) الكافي 1/ 275، ح 1.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) من المصدر مع المعقوفتين.
(4) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية إلى:
«من شيء».
(5) ليس في ي، ر، المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: لم ينقص. و في سائر النسخ: لم تنقص.
(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 618، ح 5.
(8) ليس في ق، ش، م.
(9) ن: يحيى.
(10) ن، ي: جذعان.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لفاضل.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: نقول.
(13) من المصدر.
(14) في ق، ش، م، زيادة: فقال.
455
و قال- أيضا- (1): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن إبراهيم بن محمّد، عن عليّ بن نصير، عن الحكم بن ظهير، عن السّديّ، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس في قوله:
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، قال: نزلت في النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-.
و قال- أيضا- (2): حدثنا أبو عبد اللَّه (3)، جعفر بن محمّد الحسينيّ، عن محمّد بن الحسين، عن حميد بن والق [عن محمّد بن يحيى المازنيّ] (4)، عن الكلبيّ، عن الإمام جعفر ابن محمّد الصّادق، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من لدن العرش: يا معشر الخلائق، غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة- (عليها السلام)- بنت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فتكون أوّل من تكسى (5)، و يستقبلها من الفردوس اثنتا عشرة ألف حوراء، معهنّ خمسون ألف ملك على نجائب من ياقوت، أجنحتها و أزمّتها اللّؤلؤ الرّطب و الزبرجد (6)، عليها رحائل من درّ، على كلّ رحل نمرقة من سندس حتّى تجوز بها الصّراط و يأتون الفردوس، فيتباشر بها أهل الجنّة، و تجلس على عرش من نور و يجلسون حولها، و في بطنان العرش قصران: قصر أبيض و قصر أصفر، من لؤلؤ من عرق واحد، و أنّ في القصر الأبيض سبعين ألف دار مساكن محمّد و آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنّ في القصر الأصفر (7) سبعين ألف دار مساكن إبراهيم و آل إبراهيم، و يبعث اللَّه إليها ملكا لم يبعث إلى أحد قبلها و لا يبعث إلى أحد بعدها.
فيقول لها: إن ربّك- عزّ و جلّ- يقرأ عليك السلام و يقول لك: سليني أعطك.
فتقول: قد أتمّ عليّ نعمته و أباحني جنّته و هنّأني (8) كرامته و فضّلني على نساء خلقه، أسأله أن يشفّعني في ولدي و ذرّيّتي و من ودّهم بعدي و حفظهم بعدي.
قال: فيوحي اللَّه إلى ذلك الملك من غير أن يتحوّل من مكانه: أن خبرها، أنّي قد شفّعتها في ولدها و ذرّيّتها و من ودّهم و أحبّهم و حفظهم بعدها.
____________
(1) نفس المصدر، ح 6.
(2) نفس المصدر/ 619، ح 7.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أبو عبيد عباد.
(4) ليس في ق، ش.
(5) المصدر: يكسى.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: من زبرجد.
(7) ليس في ش، ق.
(8) ق، ش: هداني.
456
قال: فتقول: الحمد للَّه الّذي أذهب عنّي (1) الحزن، و أقرّ عيني.
ثمّ قال جعفر- (عليه السلام)-: كان أبي إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية:
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ- الآية إلى قوله (2):- بِما كَسَبَ رَهِينٌ.
[فانظر أيّها الناظر إلى شأن قدر سيّدة نساء العالمين و ما أعدّ اللَّه لها من الكرامة يوم الدين و لذرّيّتها المؤمنين و لشيعتها المحبّين الموالين. صلّى اللَّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها الطيّبين صلاة دائمة في كلّ حين] (3).
وَ أَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22)، أي: و زدناهم وقتا بعد وقت ما يشتهون من أنواع التّنعّم.
يَتَنازَعُونَ فِيها: يتعاطون هم و جلساؤهم بالتّجاذب (4).
كَأْساً: خمرا سمّاها باسم محلّها، و لذلك أنّث الضّمير في قوله: لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ (23)، أي: لا يتكلّمون بلغو الحديث في أثناء شربها، و لا يفعلون ما يؤثم به فاعله، كما هو عادة الشّاربين في الدنيا، و ذلك مثل قوله (5): لا فِيها غَوْلٌ.
و قرأهما (6) ابن كثير و البصريّان، بالفتح.
وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، أي: بالكأس.
غِلْمانٌ لَهُمْ، أي: مماليك مخصوصون بهم.
و قيل (7): هم أولادهم الّذين سبقوهم (8).
[قيل (9): إنّه ليس على الغلمان مشقّة في خدمة أهل الجنّة، بل لهم في ذلك اللّذّة و السرور، إذ ليست تلك الدار دار محنة] (10).
كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24): مصون في الصّدف، من بياضهم و صفائهم.
و في مجمع البيان (11): و ذكر عن الحسن أنّه قال: قيل: يا رسول اللَّه، الخادم
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عنّا.
(2) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآية.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) إنّما فسّره، لأنّ التنازع بمعنى التخاصم لا يقع بينهم.
(5) الصّافّات/ 47.
(6) أنوار التنزيل 2/ 426.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) أي: سبقوهم بالموت و دخول الجنّة.
(9) مجمع البيان 5/ 166.
(10) ليس في ق، ش، م.
(11) نفس المصدر و الموضع.
457
كاللّؤلؤ فكيف المخدوم؟
فقال: و الّذي نفسي بيده، إنّ فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25)، أي: يسأل بعضهم بعضا عن أحواله و أعماله.
قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (26): خائفين من عصيان اللَّه، معتنين بطاعته. أو وجلين من العاقبة.
و في أصول الكافي (1)، بإسناده إلى معروف بن خربوز: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال: صلّى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالنّاس الصّبح بالعراق، فلمّا انصرف و عظهم فبكى و أبكاهم من خوف اللَّه.
ثمّ قال: أما، و اللَّه، لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنّهم ليصبحون و يمسون شعثا غبرا خمصا (2)، بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربّهم [ركّعا و] (3) سجّدا و قياما، يراوحون بين أقدامهم و جباههم، يناجون ربّهم و يسألونه فكاك رقابهم من النّار، و اللَّه، لقد رأيتهم مع هذا و هم خائفون مشفقون.
و في كتاب سعد السّعود (4) لابن طاوس، نقلا عن مختصر كتاب محمّد بن العبّاس ابن مروان، بإسناده إلى جعفر بن محمّد: عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن النّبيّ- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- حديث طويل، يذكر فيه شيعة عليّ- (عليه السلام)- و حالهم في الجنّة، و فيه يقول- (عليه السلام)- بعد أن ذكر دخولهم الجنة: على النّجائب [تقودهم الملائكة فينطلقون] (5) صفّا واحدا معتدلا لا يفوت منهم شيء شيئا، و لا يفوت أذن ناقة ناقتها، و لا بركة (6) ناقة بركتها، و لا يمرّون بشجرة من أشجار الجنّة إلّا لحقتهم (7)
____________
(1) الكافي 2/ 236، ح 21.
(2) الشعث: تفرّق الشعر و عدم صلاحه و مشطه.
و الغبر من الأغبر: المتلطّخ بالغبار. و خمصا، أي:
بطونهم خالية.
(3) ليس في ن، ت، ي، ر، المصدر.
(4) سعد السعود/ 109- 110.
(5) ليس في ق. و في المصدر بدلها: فيتحوّل كلّ رجل منهم على راحلته فينطلقون.
(6) البركة: هيئة البروك. و هو أن يلصق صدره بالأرض.
(7) المصدر: أتحفتهم.
458
بثمارها و رحلت لهم عن طريقهم (1) كراهية أن تنثلم طريقهم و أن يفرّق بين الرّجل و رفيقه.
فلمّا رفعوا إلى الجبّار- تبارك و تعالى- قالوا: ربّنا، أنت السّلام و منك السّلام و لك يحقّ الجلال و الإكرام.
قال: فقال: أنا السلام، و منّي (2) السّلام، ولي يحقّ الجلال و الإكرام، فمرحبا بعبادي الّذين حفظوا وصيّتي في أهل بيت نبيّي، و رعوا (3) حقّي و خافوني بالغيب، و كانوا منّي على كلّ حال مشفقين.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا: بالرّحمة و التّوفيق.
وَ وَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27): عذاب النّار النّافذة [في المسام] (4) نفوذ السّموم.
و قرئ (5): «و وقّانا» بالتّشديد.
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ: [من قبل] (6) ذلك في الدّنيا.
نَدْعُوهُ: نعبده. أو نسأله الوقاية.
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ: المحسن.
و قرأ (7) نافع و الكسائيّ، بفتح همزة «أنّه» (8).
الرَّحِيمُ (28): الكثير الرّحمة.
فَذَكِّرْ: فاثبت على التّذكير و لا تكثرت بقولهم.
فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ: بحمد اللَّه و إنعامه بِكاهِنٍ وَ لا مَجْنُونٍ (29)، كما يقولون.
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30): ما يقلق النّفوس من حوادث الدّهر.
____________
(1) المصدر: طريقة.
(2) المصدر: معي.
(3) المصدر: راعوا.
(4) ليس في ق، ش، م.
(5) أنوار التنزيل 2/ 426.
(6) ليس في ش، ق، ي.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) فيكون المعنى: لأنّه البرّ الرّحيم.
459
و قيل (1): «المنون» الموت، فعول، من منّه: إذا قطعه.
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31): أتربّص هلاككم، كما تربّصون هلاكي.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ: عقولهم (2).
بِهذا: التّناقض في القول، فإنّ الكاهن يكون ذا فطنة و دقّة نظر، و المجنون مغطّى عقله، و الشّاعر يكون ذا كلام موزون متّسق مخيّل و لا يتأتّى ذلك من المجنون، و أمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه.
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (32): مجاوزون الحدّ في العناد.
و قرئ (3): «بل هم».
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ: اختلق هذا من تلقاء نفسه.
بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33): فيرمونه بهذه المطاعن لكفرهم و عنادهم.
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: مثل القرآن.
إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34): في زعمهم، إذ فيهم كثير ممّن عدّوا من الفصحاء، فهو ردّ للأقوال المذكورة بالتّحدّي. و يجوز أن يكون ردّا للتّقوّل، فإنّ سائر الأقسام (4) ظاهر الفساد.
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ: أم أحدثوا و قدّروا من غير محدث و مقدّر فلذلك لا يعبدونه، أو من أجل لا شيء من عبادة و مجازاة.
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35): يؤيّد الأوّل، فإنّ معناه: أم خلقوا أنفسهم.
و لذلك عقّبه بقوله: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و «أم» في هذه الآيات منقطعة، و معنى الهمزة فيها الإنكار.
بَلْ لا يُوقِنُونَ (36): إذا سئلوا: من خلقكم و من خلق السّموات و الأرض؟ قالوا: اللَّه. إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته.
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ: خزائن رزقه حتّى يرزقوا النبوّة من شاءوا، أو
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر/ 427.
(4) ق، ش، م:: الأقوال.
460
خزائن علمه حتّى يختاروا لها من اختارته الحكمة.
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37): الغالبون على الأشياء، يدبّرونها كيف شاءوا.
و قرأ (1) قنبل و حفص بخلاف عنه و هشام، بالسّين. و حمزة بخلاف عن خلّاد، بين الصّاد و الزّاي. و الباقون، بالصّاد خالصة.
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ: مرتقى إلى السّماء.
يَسْتَمِعُونَ فِيهِ: صاعدين فيه إلى كلام الملائكة و ما يوحى إليهم من علم الغيب حتّى يعلموا ما هو كائن.
فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38): بحجّة واضحة تصدّق استماعه.
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ (39): فيه تسفيه لهم، و إشعار بأنّ من هذا رأيه لا يعدّ من العقلاء فضلا عن أن يكون ممّن يترقّى بروحه إلى عالم الملكوت فيطّلع على الغيوب.
و في تفسير علي بن إبراهيم (2): قال: هو ما قالت قريش: إنّ الملائكة بنات اللَّه.
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً: على تبليغ الرّسالة.
فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ: من التزام غرم.
مُثْقَلُونَ (40): محملون الثّقل، فلذلك زهدوا في اتّباعك.
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ: اللّوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات.
فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41): منه.
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً: و هو كيدهم في دار النّدوة برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فَالَّذِينَ كَفَرُوا: يحتمل العموم و الخصوص، فيكون وضعه موضع الضّمير للتّسجيل على كفرهم و الدّلالة على أنّه الموجب للحكم المذكور.
هُمُ الْمَكِيدُونَ (42): هم الّذين يحيق بهم الكيد. أو يعود عليهم و بال كيدهم، و هو قتلهم يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته (3).
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعينهم و يحرسهم من عذابه.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 427.
(2) تفسير القمّي 2/ 333.
(3) ليس في ق.
461
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43): عن إشراكهم، أو شركة ما يشركونه به.
وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً: قطعة.
مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا [: يقولوا من فرط طغيانهم و عنادهم:] (1) سَحابٌ مَرْكُومٌ (44): هذا سحاب تراكم بعضه على بعض، و هو جواب قولهم:
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ (2).
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45): و هو عند النّفخة الأولى.
و قرئ (3): «يلقوا».
و قرأ (4) ابن عامر [و عاصم] (5): «يصعقون» على البناء للمفعول، من صعقة أو أصعقه.
و في تهذيب الأحكام (6): الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن عمر (7) بن عثمان، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- و ذكرا حديثا طويلا، يقولان فيه: و لقد بات النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند بعض النّساء فانكسف القمر في تلك اللّيلة، فلم يكن منه فيها شيء.
فقالت له زوجته: يا رسول اللَّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأبي أنت و أمّي، أكلّ هذا لبغض؟
فقال: ويحك، هذا الحادث في السّماء فكرهت أن أتلذّذ و أدخل في شيء، و لقد عيّر اللَّه قوما فقال: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ.
و في الكافي (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن ابن سالم [عن أبيه] (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- عليه
____________
(1) ليس في ق.
(2) الشعراء/ 187.
(3) أنوار التنزيل 2/ 428.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ليس في ق.
(6) التهذيب 7/ 411، ح 1642.
(7) المصدر: عمرو.
(8) الكافي 5/ 498، ح 1.
(9) ليس في ش، ق.
462
السّلام-: و لقد بات رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند بعض أزواجه في ليلة انكسف فيها القمر، فلم يكن منه في تلك اللّيلة ما كان يكون منه في غيرها حتّى أصبح.
فقالت له: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أ لبغض كان (1) هذا منك في هذه اللّيلة؟
قال: لا، و لكن هذه الآية ظهرت في هذه اللّيلة، فكرهت أن أتلذّذ و ألهو فيها، و قد عيّر اللَّه أقواما فقال في كتابه: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ.
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً، أي: شيئا من الإغناء في ردّ العذاب.
وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (46): لا يمنعون من عذاب اللَّه.
وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: يحتمل العموم و الخصوص.
عَذاباً دُونَ ذلِكَ، أي: دون عذاب الآخرة و هو عذاب القبر، أو المؤاخذة في الدّنيا، كقتلهم ببدر و القحط سبع سنين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): [و قوله:] (3) وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم عَذاباً دُونَ ذلِكَ قال: عذاب الرّجعة بالسّيف.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (47): ذلك.
و في شرح الآيات الباهرة (4): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا] (5) أحمد ابن القاسم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن ابن فضيل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا (الآية) قال (6): «و إنّ للّذين ظلموا- آل محمّد حقّهم- عذابا دون ذلك».
وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ: بإمهالهم و إبقائك في عنائهم (7).
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا: في حفظنا بحيث نراك و نكلؤك.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) تفسير القمّي 2/ 333.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 620، ح 8.
(5) ليس في ق، ش، م.
(6) ليس في ق.
(7) ى، ش، م: بإمهالهم و إبقائهم في عنائك.
463
و جمع العين لجمع الضّمير، و المبالغة بكثرة أسباب الحفظ.
وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48): من أيّ مكان قمت، أو من منامك، أو إلى الصّلاة.
وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ: فإنّ العبادة فيه أشق على النّفس و أبعد من الرّياء، و لذلك أفرده بالذّكر و قدّمه على الفعل.
وَ إِدْبارَ النُّجُومِ (49): و إذا أدبرت النّجوم من آخر اللّيل.
و قرئ (1) بالفتح، أي: في أعقابها إذا غربت أو خفيت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال: لصلاة اللّيل. «فسبّحه» [قال:] (3) قبل صلاة اللّيل.
وَ إِدْبارَ النُّجُومِ
أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: إدبار السّجود أربع ركعات بعد المغرب، و إدبار النّجوم ركعتان قبل صلاة الصّبح.
و في مجمع البيان (4): وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ (5)، يعني: صلاة اللّيل.
و روي (6) زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- في هذه الآية قالا: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يقوم من اللّيل ثلاث مرّات فينظر في آفاق السّماء، و يقرأ الخمس من آل عمران الّتي آخرها إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ. ثمّ يفتتح صلاة اللّيل.
(الخبر بتمامه).
وَ إِدْبارَ النُّجُومِ، يعني: الرّكعتين قبل صلاة الفجر. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)-.
و فيه (7): وَ أَدْبارَ السُّجُودِ فيه أقوال: أحدها، أنّ المراد به: الرّكعتان بعد المغرب وَ إِدْبارَ النُّجُومِ الرّكعتان قبل الفجر. عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و الحسن بن عليّ، و عن ابن عبّاس مرفوعا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 428.
(2) تفسير القمي 2/ 333.
(3) من المصدر.
(4) المجمع 5/ 170.
(5) في ق، ش، م، زيادة: قال.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) نفس المصدر/ 150.
464
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: وَ إِدْبارَ النُّجُومِ.
قال: ركعتان قبل الصّبح.
و في قرب الإسناد (2) للحميريّ، بإسناده إلى إسماعيل بن عبد الخالق قال:
سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: الرّكعتين اللّتين بعد الفجر هما إِدْبارَ النُّجُومِ.
____________
(1) الكافي 3/ 444، ح 11.
(2) قرب الإسناد/ 61.
467
سورة النّجم
مكّيّة.
قال ابن العبّاس (1): إلّا آية [منها نزلت بالمدينة] (2) و هي: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ (الآية) (3).
و عن الحسن قال: هي مدنية.
و آيها إحدى أو ثنتان و ستّون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (4)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من كان يدمن قراءة و النّجم في كلّ يوم أو في كلّ ليلة، عاش محمودا بين النّاس، [و كان مغفورا له و كان محبوبا بين الناس] (5).
و في مجمع البيان (6): ابيّ بن كعب، قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة و النّجم، اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بمحمّد و من جحد به.
____________
(1) مجمع البيان 5/ 170.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) النجم/ 32
(4) ثواب الأعمال/ 143.
(5) ليس في ق، ش.
(6) المجمع 5/ 170.
468
و في كتاب الخصال (1): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العزائم أربع:
اقرأ باسم [ربّك الّذي خلق] (2)، و النّجم، [و تنزيل السجدة، و حم السجدة] (3).
(الحديث)
وَ النَّجْمِ إِذا هَوى (1) قيل (4): أقسم بجنس النّجوم. أو الثّريّا فإنّه غلب فيه إذا غاب، أو انتثر يوم القيامة، أو انقضّ، أو طلع فإنّه يقال: هو هويا، بالفتح: إذا سقط و غرب، و هويا، بالضّمّ: إذا علا و صعد. أو بالنّجم من نجوم القرآن إذا نزل. أو النّبات إذا سقط على الأرض، أو إذا انما و ارتفع.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): وَ النَّجْمِ إِذا هَوى قال: «النّجم» رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. «إذا هوى» لما اسري به إلى السّماء و هو في الهواء.
حدّثني أبي (6)، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال:
قلت: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ.
قال: «النّجم» رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد سمّاه اللَّه في غير موضع فقال: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى
(الحديث).
و في مجمع البيان (7): و روت العامّة، عن جعفر الصّادق- (عليه السلام)- أنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- نزل من السّماء السّابعة ليلة المعراج، و لمّا نزلت السّورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب، فجاء إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و طلّق ابنته و تفل في وجهه، و قال: كفرت بالنّجم و بربّ النّجم. فدعا- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليه و قال: اللّهم، سلّط عليه كلبا من كلابك. فخرج عتبة إلى الشّام فنزل في بعض الطّريق و ألقى اللَّه عليه الرّعب، فقال لأصحابه ليلا: أنيموني (8) بينكم. ففعلوا، فجاء أسد و افترسه من بين النّاس.
____________
(1) الخصال/ 252، ح 124.
2 و 3- ليس في ق، ش، م.
(4) أنوار التنزيل 2/ 428.
(5) تفسير القمّي 2/ 333.
(6) نفس المصدر/ 343.
(7) المجمع 5/ 172.
(8) كذا في المصدر. و في ق: اسقنوني. و في ن، م، ش: استمنوني. و في ي، ت، ر:
استأمنوني.
469
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، [عن محمّد] (2) بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَ النَّجْمِ إِذا هَوى و ما أشبه ذلك.
قال: إنّ للَّه أن يقسم من خلقه بما يشاء (3)، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به- عزّ و جلّ- (4).
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ: ما عدل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الطّريق المستقيم. و الخطاب لقريش.
وَ ما غَوى (2): و ما اعتقد باطلا، و المراد: نفي ما ينسبون إليه.
وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3): و ما نطقه بالقرآن عن الهوى.
إِنْ هُوَ: ما القرآن، أو الّذي ينطق به.
إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4)، أي: إلّا وحي يوحيه اللَّه إليه.
و في أمالي الصّدوق (5)، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: صلّينا العشاء الآخرة ذات ليلة مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلمّا سلّم أقبل علينا بوجهه.
ثمّ قال: أما إنّه سينقضّ كوكب من السّماء مع طلوع الفجر فيسقط في دار أحدكم، فمن سقط ذلك الكوكب في داره، فهو وصيّي و خليفتي و الإمام بعدي.
فلمّا كان قرب الفجر جلس كلّ واحد منّا في داره ينتظر سقوط الكوكب في داره، و كان أطمع القوم في ذلك أبي: العبّاس بن عبد المطّلب، فلمّا طلع الفجر، انقضّ الكوكب من الهواء فسقط في دار عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، و الّذي بعثني بالنّبوة لقد وجبت لك الوصيّة و الخلافة و الإمامة بعدي.
____________
(1) الكافي 7/ 449، ح 1.
(2) ليس في ق.
(3) المصدر: شاء.
(4) في هامش ت:
و روي أيضا بسند آخر عن ربيعة السّعديّ قال: سألت ابن عبّاس عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- وَ النَّجْمِ إِذا هَوى قال: هو النّجم الّذي هوى مع طلوع الفجر فسقط في حجرة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و كان أبي العبّاس يحبّ أن يسقط ذلك النّجم في داره فيجوز الوصيّة و الخلافة و الإمامة و لكن أبى اللَّه أن يكون ذاك غير عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ذلك يؤتيه من يشاء و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطّاهرين.
(5) أمالي الصدوق/ 453، ح 4.
470
فقال المنافقون، عبد اللَّه بن أبي و أصحابه: لقد ضلّ محمّد في محبّة ابن عمّة و غوى، و ما ينطق في شأنه إلّا بالهوى.
فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى يقول [اللَّه- عزّ و جلّ-] (1): و خالق النّجم [إذا هوى] (2) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ، يعني: في محبّة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- وَ ما غَوى، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، يعني: في شأنه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
و حدّثنا (3) بهذا الحديث شيخ لأهل الرّيّ يقال له: أحمد بن محمّد بن الصّقر الصّائغ العدل، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس بن سام (4) قال: حدّثني أبو جعفر، محمّد بن أبي الهيثم السّعديّ قال: حدّثني أحمد بن الخطّاب (5) قال: حدّثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد اللَّه بن عبّاس بمثل ذلك، إلّا أنه قال في حديثه: يهوى كوكب من السّماء مع طلوع الشّمس فيسقط في دار أحدكم.
و بإسناده (6) إلى الصّادق: عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: لمّا مرض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مرضه الّذي قبضه اللَّه فيه اجتمع إليه أهل بيته و أصحابه، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك و من القائم فينا بأمرك؟ فلم يجبهم جوابا فسكت عنهم، فلمّا كان اليوم الثّاني أعادوا عليه القول فلم يجبهم عن شيء ممّا سألوه، فلمّا كان اليوم الثّالث قالوا: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إن حدث بك حدث، فمن لنا بعدك و من القائم فينا بأمرك؟
فقال لهم: إذا كان غدا هبط نجم من السّماء (7) في دار رجل من أصحابي، فانظروا من هو، فهو خليفتي عليكم من بعدي و القائم فيكم بأمري.
و لم يكن فيهم أحد إلّا و هو يطمع أن يقول له: أنت القائم من بعدي. فلمّا كان اليوم الرّابع جلس كلّ رجل منهم في حجرته ينتظر هبوط النّجم، إذ انقضّ (8) نجم من السّماء قد غلب ضوؤه على ضوء الدّنيا حتّى وقع في حجرة عليّ- (عليه السلام)-. فهاج القوم و قالوا: و اللَّه، لقد ضلّ هذا الرّجل و غوى، و ما ينطق في ابن عمّه إلّا بالهوى.
____________
(1) من المصدر.
(2) ليس في ق، ش، م، ت.
(3) نفس المصدر، ح 5.
(4) ق، ش، م: سالم. و في المصدر: بسّام.
(5) ق، ش: احمد بن أبي الخطّاب. و في المصدر: أحمد بن أبي الخطّاب (أحمد بن الخطّاب)
(6) نفس المصدر/ 468، ح 1.
(7) ق: إذا كان غدا نجم السّماء.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أسقط.
471
فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى- في ذلك: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى (إلى آخر السّورة).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن العبّاس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى [يقول: ما ضل في عليّ و ما غوى.] (2) «و ما ينطق» فيه (3) «عن الهوى» و ما كان ما قاله فيه إلا بالوحي الّذي أوحي إليه.
و في روضة الكافي (4)، متّصلا بآخر ما نقلنا قريبا، أعني: و ما غوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى يقول: ما يتكلّم بفضل أهل بيته بهواه، و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن سليمان، عن عبد اللَّه بن محمّد اليمانيّ، عن مسمع بن الحجّاج، عن صباح الحذّاء، عن صباح المزنيّ [عن جابر] (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا أخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد عليّ- (عليه السلام)- يوم الغدير صرخ إبليس في جنوده صرخة، فلم يبق منهم في برّ و لا بحر إلّا أتاه.
فقالوا: يا سيدهم و مولاهم (7)، ما ذا دهاك (8)، فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟
فقال لهم: فعل هذا النّبيّ فعلا إن تمّ (9) لم يعض اللَّه أبدا (10).
فقالوا: يا سيّدهم (11)، أنت كنت لآدم.
فلمّا قال المنافقون: إنّه ينطق عن الهوى، و قال أحدهما (12) لصاحبه: أما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنه مجنون، يعنون: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صرخ إبليس صرخة بطرب فجمع أولياءه.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 334.
2 و 3- ليس في ق، ش.
(4) الكافي 8/ 380، ح 574.
(5) نفس المصدر/ 344، ح 542.
(6) من المصدر.
(7) أي قالوا: يا سيّدنا و مولانا. و إنّما غيّره لئلّا يوهم انصرافه إليه- (عليه السلام)- و هذا شائع في كلام البلغاء في نقل أمر لا يرضى القائل لنفسه، كما في قوله- تعالى- (النور/ 7): أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. (من هامش المصدر، نقلا عن مرآة العقول)
(8) يقال دهاه: إذا أصابته داهية.
(9) ق: «ثم إن» بدل «إن تمّ».
(10) ق، ش: أحد.
(11) ق، ش: سيّدنا.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أحدهم.
472
فقال لهم: أما علمتم أنّي كنت لآدم من قبل؟
قالوا: نعم.
قال: آدم نقض العهد و لم يكفر بالرّبّ، و هؤلاء نقضوا العهد و كفروا بالرسول.
(الحديث)
و في أمالي الصّدوق (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لعلقمة: إنّ رضاء النّاس لا يملك و ألسنتهم لا تضبط، و كيف تسلمون ممّا لم يسلم منه أنبياء اللَّه و رسله و حجج اللَّه- (عليهم السلام)-. ألم ينسبوا نبيّنا (2) إلى أنّه ينطق عن الهوى في ابن عمّه عليّ- (عليه السلام)- حتّى كذّبهم [اللَّه- عزّ و جلّ-] (3) فقال: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد، عن عمر (5) بن عبد العزيز، عن هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و غيره قالوا: سمعنا أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: حديثي حديث أبي- (عليه السلام)- و حديث أبي- (عليه السلام)- حديث جدّي- (عليه السلام)- و حديث جدّي- (عليه السلام)- حديث الحسين- (عليه السلام)- و حديث الحسين- (عليه السلام)- حديث الحسن- (عليه السلام)- و حديث الحسين- (عليه السلام)- حديث امير المؤمنين- (عليه السلام)- و حديث امير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و حديث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قول اللَّه- تعالى-.
و في شرح الآيات الباهرة (6): و روي من طريق العامّة، عن علي بن المغازليّ، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: كنت جالسا مع فئة من بني هاشم عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ انقضّ كوكب.
فقال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من انقضّ هذا النّجم في منزلة، فهو الوصيّ من بعدي.
قال: فقام فئة من بني هاشم فنظروا فإذا الكوكب قد انقضّ في منزل (7) عليّ بن
____________
(1) أمالي الصّدوق/ 91- 92، ح 3.
(2) يوجد في ش، ق. و في المصدر: ألم ينسبوه.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) الكافي 1/ 53، ح 14.
(5) ق، ش: عمران.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 620، ح 1.
(7) ليس في ق.
473
أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقالوا: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد غويت في حبّ ابن عمّك.
فأنزل اللَّه- تعالى-: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
و من طريق الخاصّة (1): روى محمّد بن العبّاس، عن جعفر بن محمّد العلويّ، عن عبد اللَّه بن محمّد الزّيّات، عن جندل بن والق، عن محمّد بن [أبي] (2) عمير، عن غياث ابن إبراهيم، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: قال: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
أنا سيّد النّاس و لا فخر، و عليّ- (عليه السلام)- سيّد المؤمنين. اللّهمّ، و ال من والاه و عاد من عاداه.
فقال رجل من قريش: [و اللَّه] (3) ما يألو يطرئ ابن عمّه! فأنزل اللَّه- تعالى-: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى [ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى] (4) و ما هذا القول الّذي يقوله بهواه في ابن عمّه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
و قال- أيضا- (5): حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن خالد [عن محمّد بن خالد] (6) الأزديّ، عن عمرو بن [شمر، عن] (7) جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما فتنتم إلّا ببغض آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- إذا مضى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ بتفضيله أهل بيته- إلى قوله-: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
و قال- أيضا (8)-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن منصور بن العبّاس، عن الحصين، عن العبّاس القصياني (9)، عن داود بن الحصين، عن فضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أوقف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوم الغدير افترق النّاس ثلاث فرق، فقالت فرقة: ضلّ محمّد. و فرقة قالت: غوى. و فرقة
____________
(1) نفس المصدر/ 623، ح 4.
(2) من المصدر.
3 و 4- من المصدر.
(5) نفس المصدر/ 623، ح 5.
(6) من المصدر مع المعقوفتين.
(7) من المصدر.
(8) نفس المصدر/ 623- 624، ح 6.
(9) كذا في المصدر. و في ق، ش: الغضبان.
و في سائر النسخ: الغضباني.
474
قالت: بهواه يقول في أهل بيته و ابن عمّه.
فأنزل اللَّه- سبحانه-: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
و قال- أيضا- (1): حدّثنا أحمد بن هوذة الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللَّه بن حمّاد الأنصاريّ، عن محمّد بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليلة اسري بي إلى السّماء، صرت (2) إلى سدرة المنتهى، فقال لي جبرئيل: تقدّم، يا محمّد. فدنوت دنوة- و الدّنوة (3) مدّ البصر- فرأيت نورا ساطعا فخرت للَّه ساجدا.
فقال لي: يا محمّد، من خلّفت في الأرض؟
قلت: يا ربّ، أعدلها و أصدقها و أبرّها و أسنمها (4)، عليّ بن أبي طالب،- (عليه السلام)- وصيّى [و وارثي] (5) و خليفتي في أهلي.
فقال لي: أقرئه منّي السّلام، و قل له: إنّ غضبه عزّ و رضاه حكم.
يا محمّد، إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا العليّ الأعلى وهبت لأخيك اسما من أسمائي فسميته عليّا، و أنا العليّ الأعلى.
[يا محمّد] (6) إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا فاطر السّموات و الأرض وهبت لابنتك اسما من أسمائي فسمّيتها فاطمة، و أنا فاطر كلّ شيء.
يا محمّد، إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا أنا (7) الحسن البلاء وهبت لسبطيك سمين من أسمائي فسمّيتهما الحسن و الحسين، و أنا الحسن البلاء.
قال: فلمّا حدّث النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قريشا بهذا الحديث قال قوم: ما أوحى اللَّه إلى محمّد بشيء و إنّما تكلّم عن هوى نفسه. فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى- تبيان ذلك: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى- إلى قوله- (8): شَدِيدُ الْقُوى.
____________
(1) نفس المصدر/ 624، ح 7.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سرت.
(3) ليس في م، ش، ق.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: اسمه.
(5) ليس في ش، ق.
(6) ليس في ق، ش.
(7) ليس في ي، ر، المصدر.
(8) ورد في ن، ت، ي، ر، نصّ الآيات.
475
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5): ملك شديد قواه، و هو جبرئيل فإنّه الواسطة في إبداء الخوارق، على ما روي (1): أنه قلع قرى قوم لوط و رفعها إلى السّماء ثمّ قلبها، و صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين.
ذُو مِرَّةٍ: حصافة في عقله و رأيه.
فَاسْتَوى (6).
قيل (2): فاستقام على صورته الحقيقية الّتي خلقه اللَّه عليها، و ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- مرّتين: مرّة في السّماء، و مرّة في الأرض.
و قيل (3): استولى بقوّته على ما جعل له من الأمر.
وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7): أفق السّماء، و الضّمير لجبرئيل.
ثُمَّ دَنا: من النّبيّ.
فَتَدَلَّى (8): فتعلّق به. و هو تمثيل لعروجه بالرّسول.
و قيل (4): ثمّ تدلّى من الأفق الأعلى فدنا من الرّسول، فيكون إشعارا بأنّه عرج به غير منفصل عن محلّه تقريرا لشدّة قوّته، فإنّ التّدلّي استرسال مع تعلّق، كتدلّي الثّمرة.
و يقال: دلى رجله من السّرير، و أدلى دلوه. و «الدّوالي» الثمر المعلّق.
فَكانَ: جبرئيل، كقولك: هو منّي معقد (5) الإزار. أو المسافة بينهما (6).
قابَ قَوْسَيْنِ: مقدارهما.
أَوْ أَدْنى (9): على تقديركم، كقوله: «أو يزيدون». و المقصود تمثيل ملكة الاتّصال، و تحقيق استماعه لما أوحى إليه بنفي البعد الملبس.
فَأَوْحى: جبرئيل.
إِلى عَبْدِهِ: عبد اللَّه. و إضماره قبل الذّكر لكونه معلوما، كقوله: عَلى ظَهْرِها (7).
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 429.
(2) نفس المصدر و الموضع.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 429. و في النسخ:
مقعد.
(6) في ق زيادة: فكان.
(7) فاطر/ 45.
476
ما أَوْحى (10): جبرئيل- و فيه تفخيم للموحى به- أو اللَّه إليه. هذا ما اشتهر بين المفسّرين.
و قيل (1): الضّمائر كلّها للَّه- تعالى- و هو المعني بشديد القوى، كما في قوله (2): هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. و دنوّه منه برفع مكانته. و «تدلّيه» جذبه بشراشره إلى جناب القدس.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، يعني: اللَّه- عزّ و جلّ-: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، يعني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: و حدّثني ياسر، عن أبي الحسن [الرضا] (4)- (عليه السلام)- قال: ما بعث اللَّه نبيّا إلّا صاحب مرّة سوداء صافية، و قوله: وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى، يعني: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. «ثمّ دنا»، يعني: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من ربّه- عزّ و جلّ-. «فتدلّى» قال: إنّما نزلت: ثم دنا فتدانى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى قال: كان من اللَّه كما بين مقبض القوس إلى رأس السّية (5) «أو أدنى»، أي: من نعمته [و رحمته] (6)، قال: بل أدنى من ذلك.
و فيه (7): و أمّا قوله (8): آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ فإنّه
حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ هذه الآية مشافهة اللَّه لنبيّه لمّا (9) اسري به إلى السّماء.
و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: انتهيت إلى (10) سدرة المنتهى و إذا الورقة (11) منها تظل أمّة من الأمم، فكنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى، كما حكى اللَّه.
(الحديث) و فيه (12): فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى كان بين لفظه و بين سماع محمد كما بين وتر القوس و عودها.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) الذاريات/ 58.
(3) تفسير القمّي 2/ 334.
(4) من المصدر.
(5) سية القوس: ما عطف من طرفيها.
(6) ليس في ق.
(7) نفس المصدر 1/ 95.
(8) البقرة/ 285.
(9) المصدر: ليلة.
(10) في المصدر زيادة: محلّ.
(11) المصدر: بورقة.
(12) نفس المصدر 2/ 334.
477
حدّثني أبي (1)، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أوّل من سبق [من الرسل] (2) إلى «بلى» رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك أنّه كان أقرب الخلق إلى اللَّه، و كان بالمكان الّذي قال له جبرئيل لما اسري بي إلى السّماء: تقدّم، يا محمّد، فقد وطئت موطئا لم يطأه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل. و لو لا أنّ روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، و كان من اللَّه- عزّ و جلّ- كما قال اللَّه: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، أي: بل أدنى.
و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)- عن اللَّه- جلّ جلاله- هل يوصف بمكان؟
فقال: تعالى عن ذلك.
قلت: فلم اسري بنبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى السّماء؟
قال: ليريه ملكوت السّموات و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه.
قلت: فقول اللَّه: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى؟
قال: ذاك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دنا من حجب النّور فرأى ملكوت السّموات، ثمّ تدلّى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض، حتّى ظنّ أنّه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى.
و بإسناده (4) إلى هشام بن الحكم: عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: فلمّا اسري بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه.
و في أمالي شيخ الطائفة (5)، بإسناده إلى ابن عبّاس (6) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عرج بي إلى السّماء دنوت من ربّي- تعالى- حتّى كان بيني و بينه قاب قوسين أو أدنى.
فقال لي: يا محمّد، من تحبّ من الخلق؟
____________
(1) نفس المصدر/ 246.
(2) من المصدر.
(3) العلل/ 131- 132، ح 1.
(4) نفس المصدر/ 332، ح 4.
(5) أمالي الشيخ 1/ 362.
(6) المصدر: إلى أنس.
478
قلت: يا ربّ، عليّا.
قال: التفت، يا محمّد. فالتفت عن يساري فإذا عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و بإسناده (1) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء كنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليّ ربّي ما أوحى.
ثم قال: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- اقرأ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، فما سمّيت بهذا أحدا قبله و لا أسمّي بها أحدا بعده.
و في أصول الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- و أنا حاضر فقال: جعلت فداك، كم عرج برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال: مرّتين، فأوقفه جبرئيل موقفا فقال له: مكانك، يا محمّد، فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك و لا نبيّ، إنّ ربّك يصلّي (3).
فقال: يا جبرئيل، و كيف يصلّي؟
قال: يقول: سبّوح قدوس، أنا ربّ الملائكة و الرّوح، سبقت رحمتي غضبي.
فقال: اللّهمّ، عفوك عفوك.
قال: و كان كما قال اللَّه: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى.
فقال له أبو بصير: جعلت فداك، ما قاب قوسين أو أدنى؟
قال: ما بين سيتها إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق و لا أعلمه إلّا و قد قال: زبرجد، فنظر في سمّ الإبرة (4) إلى ما شاء اللَّه من نور العظمة.
فقال اللَّه- تبارك و تعالى-: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: لبيك، يا ربّي.
قال: من لأمّتك من بعدك؟
قال: اللَّه أعلم.
____________
(1) نفس المصدر/ 301.
(2) الكافي 1/ 442- 443، ح 13.
(3) في ق، ش، م، زيادة: عليك.
(4) أي: ثقبها.
479
قال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أمير المؤمنين، و سيّد المسلمين (1)، و قائد الغرّ المحجّلين.
قال: ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- لأبي بصير: يا أبا محمّد، و اللَّه، ما جاءت ولاية عليّ من الأرض، و لكن جاء من السّماء مشافهة.
و في مجمع البيان (2): روي مرفوعا عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: في قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى قال: قدر ذراعين [أو أدنى من ذراعين] (3).
و في بصائر الدرجات (4): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الصّمد بن بشير قال: ذكر أبو عبد اللَّه (5)- (عليه السلام)- بدء الأذان و قصّة الأذان في إسراء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى انتهى إلى سدرة (6) المنتهى.
قال: فقالت السّدرة: ما جازني مخلوق قبلك (7).
قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال، فأخذ كتاب (8) أصحاب اليمين بيمينه و فتحه فنظر إليه فإذا فيه أسماء أهل الجنّة و أسماء آبائهم، ثمّ طوى الصّحيفة فأمسكها بيمينه، و فتح صحيفة أصحاب الشّمال، فإذا فيها أسماء أهل النّار و أسماء آبائهم و قبائلهم، ثمّ نزل و معه الصّحيفتان، فدفعهما إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الاحتجاج (9) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه: أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى.
و عن يعقوب بن جعفر الجعفري (10) قال (11): سأل رجل يقال له: عبد الغفّار
____________
(1) ش، ق: الوصيّين. و في م: المرسلين.
(2) المجمع 5/ 173.
(3) ليس في ق، ش.
(4) البصائر/ 210- 211، ح 1 بحذف من المؤلف بعض الفقرات.
(5) المصدر: ذكر عند أبي عبد اللَّه.
(6) المصدر: السّدرة.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: قبل.
(8) ليس في المصدر.
(9) الاحتجاج/ 311.
(10) ليس في ق.
(11) نفس المصدر/ 386- 387.
480
السّلميّ (1)، أبا إبراهيم، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (2) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فقال: أرى هاهنا خروجا من حجب النّور و تدلّيا إلى الأرض، و أرى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- [رأى] (3) ربّه بقلبه و نسبه (4) إلى بصره، فكيف هذا؟
فقال أبو إبراهيم: دنا فتدلّى فإنّه لم يزل عن موضع و لم يتدلّ ببدن.
فقال عبد الغفّار (5): أصفه بما وصف به نفسه حيث قال: «دنا فتدلّى» فلم يتدلّ (6) عن مجلسه إلّا و قد زال عنه، و لو لا ذلك لم يصف (7) بذلك نفسه.
فقال أبو إبراهيم: إنّ هذه لغة في قريش، إذا أراد الرّجل منهم أن يقول: قد سمعت، يقول: تدلّيت. و إنّما التّدلّي الفهم.
و عن موسى بن جعفر (8)، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا سليمان قد سخّرت له الرّياح، فسارت به في بلاده غدوها شهر و رواحها شهر.
فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- اعطي ما هو أفضل من هذا، إنّه أسري (9) به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السّموات مسيرة خمسين ألف عام في أقلّ من ثلث ليلة حتّى انتهى إلى ساق العرش، فدنا بالعلم فتدلّى، فدلي له من الجنة رفرف أخضر و غشى النّور بصره، فرأى عظمة ربّه بفؤاده و لم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين بينه و بينها أو أدنى (10)، فأوحى [اللَّه] (11) إلى عبده ما أوحى، فكان فيما أوحى إليه الآية الّتي في سورة البقرة (12):
____________
(1) المصدر: السمي.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتدلى.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: نسب.
(5) ليس في ش، ق، م.
(6) كذا في المصدر. و في ن: فلم أتبدل. و في ق، ش: فلم يبدل. و في سائر النسخ: فلم تبدل.
(7) المصدر: لم يوصف.
(8) نفس المصدر/ 220.
(9) المصدر: سرى.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فكان قاب قوسين بينهما و بينه أو أدنى.
(11) من المصدر.
(12) البقرة/ 284.
481
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. و كانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث اللَّه- تبارك اسمه- محمّدا* * * (صلّى اللّه عليه و آله)-، و عرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، و قبلها رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه و آله- و عرضها على أمّته فقبلوها.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى حبيب السّجستانيّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.
فقال: يا حبيب، لا تقرأ هكذا، أقرأ: «ثمّ دنا فتدانى (2)، فكان قاب قوسين في القرب أو أدنى، فأوحى إلى عبده، يعني: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما أوحى».
يا حبيب، إن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا فتح مكّة أتعب نفسه في عبادة اللَّه و الشّكر لنعمه في الطّواف بالبيت، و كان عليّ- صلّى اللَّه عليه- معه.
قال: فلمّا غشيهما (3) اللّيل انطلقا إلى الصّفا و المروة يريدان السّعي.
قال: فلمّا هبطا من الصّفا إلى المروة و صارا في الوادي دون العلم الذي رأيت غشيهما من السّماء نور، فأضاءت لهما جبال مكّة و خشعت أبصارهما.
قال: ففزعا فزعا شديدا. قال: فمضى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى ارتفع عن الوادي و تبعه عليّ- (عليه السلام)- فرفع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأسه إلى السّماء فإذا هو برمّانتين على رأسه.
قال: فتناولهما رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا محمّد، إنّهما من قطف الجنّة، فلا يأكل منهما إلّا أنت و وصيّك عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
قال: فأكل إحداهما رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أكل عليّ- (عليه السلام)- الأخرى، ثم أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى محمّد ما أوحى.
و في شرح الآيات الباهرة (4): [قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا] (5) أحمد
____________
(1) العلل/ 276، 277، ح 1.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتدلّى.
(3) المصدر: غشيهم.
(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 625، ح 8.
(5) في ق، ش، م، بدلها: عن.
482
ابن محمّد النّوفليّ، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللَّه بن بكير، عن حمران بن أعين قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه:
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى.
فقال: أدنى اللَّه محمّدا منه فلم يكن بينه و بينه إلّا قفص من لؤلؤ، فيه فراش من ذهب يتلألأ، فاري (1) صورة.
فقيل له: يا محمّد، أتعرف هذه الصّورة؟
قال: نعم، هذه صورة علي بن أبي طالب.
فأوحى اللَّه إليه: أن زوّجه فاطمة و اتّخذه وصيّا.
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) قيل (2): ما رأى ببصره من صورة جبرئيل (3)، أي: ما كذّب بصره بما حكاه له، فإنّ الأمور القدسيّة تدرك أوّلا بالقلب ثمّ تنتقل منه (4) إلى البصر. أو ما قال فؤاده لما رآه:
لم أعرفك، و لو قال ذلك كان كاذبا، لأنّه عرفه بقلبه كما رآه بصره.
و قيل (5): ما رآه بقلبه، و المعنى: لم يكن تخيّلا كاذبا. و يدلّ عليه
أنّه قيل له:
هل رأيت ربّك؟ فقال: رأيته بفؤادي.
و قرأ (6) هشام: «ما كذّب»، أي: صدّقه و لم يشكّ فيه.
و في مجمع البيان (7): ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال ابن عبّاس: رأى محمّد ربّه بفؤاده. و روي ذلك عن محمّد بن الحنفية عن أبيه، عليّ- (عليه السلام)-.
و روي (8) عن أبي ذرّ و أبي سعيد الخدريّ، أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سئل عن قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى.
قال: رأيت نورا.
و عن أبي العالية قال (9): سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل رأيت ربّك ليلة المعراج؟
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: اودى.
(2) أنوار التنزيل 2/ 429.
(3) في المصدر زيادة: أو اللَّه- تعالى.
(4) في ق زيادة: البصر.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
7 و 8 و 9- المجمع 5/ 174- 175.
483
قال: رأيت نهرا، و رأيت (1) وراء النّهر حجابا، و رأيت وراء الحجاب نورا لم أر غير ذلك.
و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)-: هل رأى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ربّه؟
فقال: نعم، بقلبه رآه، أما سمعت (3) اللَّه- تعالى- يقول: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى، أى: لم يره بالبصر و لكن رآه بالفؤاد.
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12): أ فتجادلونه عليه. من المراء، و هو المجادلة.
و اشتقاقه من مري النّاقة (4)، فإنّ كلّا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه.
و قرأ (5) حمزة و الكسائي و خلف و يعقوب: «أ فتمرونه»، أي: أ فتغلبونه في المراء، من ماريته فمريته. أو أ فتجحدونه، من مراه حقّه: إذا جحده.
و «على» لتضمين الفعل معنى الغلبة، فإنّ المماري و الجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم.
وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13): مرّة أخرى. فعلة، من النّزول.
قيل (6): أقيمت مقام المرة و نصبت نصبها، إشعارا بأنّ الرّؤية في هذه المرّة كانت- أيضا- بنزول و دنوّ، و الكلام في المرئيّ و الدّنو ما سبق.
و قيل (7): تقديره: و لقد رآه نازلا نزلة أخرى. و نصبها على المصدر، و المراد به:
نفي الرّيبة عن الرّؤية الأخيرة.
و كلا التّوجيهين مبنيّ على أنّ المراد بالرّؤية: رؤية جبرئيل، و قد مرّ أنّه رآه مرّتين في صورته.
و في أصول الكافي (8): أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن ادخله على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-.
فاستأذنته في ذلك فأذن لي، فدخل عليه فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام.
____________
(1) ليس في ق.
(2) التوحيد/ 116، ح 17.
(3) في م، ش، ق، ي، ر، زيادة: قول.
(4) أي: مسح ضرعها.
(5) أنوار التنزيل 2/ 429.
6 و 7- نفس المصدر/ 429- 430.
(8) الكافي 1/ 96، ح 2.
484
... إلى قوله: قال أبو قرّة: فإنّه يقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى.
فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ بعد هذه [الآية] (1) ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى يقول: ما كذب فؤاد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فآيات اللَّه غير اللَّه.
أقول: و في هذا الخبر دلالة على أنّ المراد بالرؤية: رؤية اللَّه، و معناه: رؤية آياته، و حينئذ لا إشكال في معنى النزول- أيضا-.
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) قيل (2): الّتي ينتهي إليها علم الخلائق و أعمالهم، أو ما ينزل من فوقها و يصعد من تحتها. و لعلّها شبّهت بالسّدرة، و هي شجرة النّبق، لأنّهم يجتمعون في ظلّها (3).
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى حبيب السّجستانيّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا حبيب وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، يعني: عندها وافي به جبرئيل حين صعد إلى السّماء.
فلمّا انتهى إلى محلّ السّدرة، وقف جبرئيل دونها، و قال: يا محمّد، إنّ هذا موقفي الّذي وضعني اللَّه فيه و لن أقدر على أن أتقدّمه، و لكن امض أنت أمامك إلى السّدرة فقف عندها.
قال: فتقدّم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى السّدرة، و تخلّف جبرئيل.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّما سمّيت سدرة المنتهى لأنّ أعمال أهل الأرض تصعد بها الملائكة الحفظة [إلى محلّ السّدرة، و الحفظة الكرام] (5) البررة دون السّدرة يكتبون ما يرفع إليهم (6) من أعمال العباد في الأرض، قال: فينتهون بها إلى محلّ السّدرة.
قال: فنظر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرأى أغصانها تحت العرش و حوله،
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 430.
(3) أي: العرب يجتمعون في ظلّ السدرة إذ لا شجرة لهم في البادية ظلّها كظلّ السدرة. فوجه الشبه اجتماع الأشياء، فكما أنّ السّدرة تجمع العرب، كذلك تجتمع الأعمال الصالحة عدة و ما ينزل من فوق عند سدرة المنتهى.
(4) العلل/ 277- 278، ح 1.
(5) يوجد في ق، المصدر.
(6) في المصدر زيادة: الملائكة.
485
قال: فتجلّى لمحمّد- (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)- نور الجبّار، فلمّا غشى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- (2) شخص ببصره و ارتعدت فرائصه، قال: فشدّ اللَّه- تعالى- لمحمّد قلبه و قوّى له بصره حتّى رأى من آيات ربّه ما رأى، و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى قال: يعني: الموافاة (3)، فرأى محمّد ما رأى ببصره من آيات ربّه الكبرى [يعني: أكبر الآيات] (4).
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و إنّ غلظ السّدرة لمسيرة مائة عام من أيّام الدّنيا، و إنّ الورقة منها تغطّي أهل الدّنيا.
و في بصائر الدّرجات (5)، بإسناده إلى عبد الصمد بن بشير قال: ذكر أبو عبد اللَّه (6)- (عليه السلام)- بدء الأذان و قصّة الأذان في إسراء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى انتهى إلى سدرة المنتهى، قال: فقالت السّدرة (7): ما جازني مخلوق قبلك (8).
و في كتاب الاحتجاج (9) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه: أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى و كان من ربّه قاب قوسين أو أدنى.
و روي (10) عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-:
فأنت موسى ناجاه اللَّه على طور سيناء.
قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و لقد أوحى اللَّه إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند سدرة المنتهى، فمقامه في السّماء محمود و عند منتهى العرش مذكور.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): حدّثني أبي، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا أحمد، ما الخلاف بينكم و بين
____________
(1) المصدر: بمحمّد.
(2) في المصدر زيادة: النّور.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
(4) ليس في ق.
(5) البصائر/ 210، ح 1.
(6) المصدر: ذكر عند أبي عبد اللَّه.
(7) في المصدر زيادة: المنتهى.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: قبل.
(9) الاحتجاج/ 311.
(10) نفس المصدر/ 215.
(11) تفسير القمّي 1/ 20.
486
أصحاب هشام بن الحكم في التّوحيد؟
فقلت: جعلت فداك، قلنا نحن بالصورة للحديث الّذي روي أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأى ربّه في صورة شاب، و قال هشام بن الحكم بالنّفي للجسم.
فقال: يا أحمد، إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به إلى السّماء و بلغ عند سدرة المنتهى، خرق له في الحجب مثل سمّ الإبرة، فرأى من نور العظمة ما شاء اللَّه أن يرى، و أردتم أنتم التشبيه (1)، دع هذا، يا أحمد، لا ينفتح عليك منه (2) أمر عظيم.
حدّثني أبي (3)، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: انتهيت إلى سدرة المنتهى فإذا الورقة منها تظلّ به أمّة من الأمم، فكنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى.
و بإسناده (4) إلى إسماعيل الجعفيّ: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، يقول فيه: فلمّا انتهي به إلى سدرة المنتهى، تخلّف عنه جبرئيل.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، في مثل هذا الموضع تخذلني؟
فقال: تقدّم أمامك، فو اللَّه (5) لقد بلغت مبلغا لم يبلغه خلق من خلق اللَّه قبلك.
فرأيت من نور ربّي، و حال بيني و بين السّبحة (6).
قلت: و ما السّبحة (7)، جعلت فداك؟
فأومأ بوجهه (8) إلى الأرض، و أومأ بيده إلى السّماء و هو يقول (9): جلال ربّي، ثلاث مرّات.
و فيه (10): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى قال: في السّماء السّابعة.
و فيه (11): وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى يقول: رأيت الوحي مرّة أخرى عند سدرة المنتهى
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: للتشبيه.
(2) المصدر: هذا.
(3) نفس المصدر 2/ 11.
(4) نفس المصدر 2/ 243.
(5) ليس في ق، ش.
(6) ن، ت، م، ي، ر: السبخة. و في المصدر:
السبخة (التسبيحة- ط).
و السّبحة، أي: نور اللَّه و جلاله و عظمته و كبرياؤه.
(7) ن، ت، م، ي، ر، المصدر: السبخة.
(8) في ق، ش، زيادة: بيده.
(9) في ق، ش، زيادة: جلّ.
(10) نفس المصدر 2/ 335.
(11) نفس المصدر 2/ 335.
487
الّتي يتحدّث تحتها الشّيعة في الجنان.
و في كتاب الخصال (1): عن عليّ- (عليه السلام)- [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)] (2) أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ، إنّي رأيت اسمك مقرونا إلى اسمي (3) في أربعة مواطن فأنست بالنّظر إليه.
... إلى قوله: فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوبا عليها: إنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا وحدي، محمّد صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره و نصرته به (4).
فقلت لجبرئيل: من وزيري؟
فقال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فلمّا جاوزت السّدرة انتهيت إلى عرش ربّ العالمين- جلّ جلاله-.
(الحديث).
و في كتاب التّوحيد (5)، حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- و فيه يقول: و أمّا قوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، يعني محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين (6) كان عند سدرة المنتهى، حيث لا يجاوزها خلق من خلق.
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) قيل (7): أي: عند سدرة المنتهى الّتي يأوي إليها المتّقون، أو أرواح الشّهداء.
و في مجمع البيان (8): و روي عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- «جنّه المأوى» بالهاء.
و في جوامع الجامع (9): و عن عليّ- (عليه السلام)- و أبي الدّرداء «جنّة المأوى» بالهاء. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام)-
و معناه: ستره بظلاله و أدخله (10) فيه.
و في من لا يحضره الفقيه (11)، في خبر بلال عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قلت لبلال: يرحمك اللَّه، زدني و تفضل عليّ فإنّي فقير.
فقال: يا غلام، لقد كلّفتني شططا، أمّا الباب الأعظم فيدخل منه العباد
____________
(1) الخصال/ 207، ح 26.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: باسمي.
(4) ليس في ن، ت، م، ي، ر، و في المصدر:
بوزيره.
(5) التوحيد/ 263، ح 5.
(6) ليس في المصدر.
(7) أنوار التنزيل 2/ 430.
(8) المجمع 5/ 174.
(9) الجوامع/ 468.
(10) ق، ش، المصدر: دخله.
(11) الفقيه 1/ 192- 193، ح 905.
488
الصّالحون و هم أهل الزّهد و الورع و الرّاغبون إلى اللَّه المستأنسون به.
قلت: [يرحمك اللَّه] (1) فإذا دخلوا الجنّة فما ذا يصنعون؟
قال: يسيرون على نهرين في ماء صاف في سفن الياقوت، مجاذيفها (2) اللّؤلؤ، فيها ملائكة من نور عليهم ثياب خضر شديدة خضرتها.
قلت: يرحمك اللَّه، هل يكون من النّور أخضر (3)؟
قال: إنّ الثّياب خضر، و لكن فيها نور أخذ (4) من نور ربّ العالمين- جلّ جلاله- ليسيروا على حافتي ذلك النّهر.
قلت: فما اسم ذلك [النهر] (5)؟
قال: جنّة المأوى.
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16): تعظيم و تكثير لما يغشاها، بحيث لا يكتنفها (6) نعت و لا يحصيها عدّ.
و قيل (7): يغشاها الجمّ الغفير من الملائكة يعبدون [اللَّه- تعالى-] (8) عندها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): و قوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قال: لمّا رفع الحجاب بينه و بين رسوله، غشى نوره السّدرة.
و في قرب الإسناد (10) للحميريّ، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء و انتهيت إلى سدرة المنتهى قال: إنّ الورقة منها تظلّ الدّنيا، و على كلّ ورقة ملك يسبّح، يخرج من أفواههم الدّرّ و الياقوت، [تبصّر (11) اللّؤلؤة مقدار خمسمائة عام، و ما يسقط من ذلك الدّرّ و الياقوت] (12) يخرجونه ملائكة موكّلون به يلقونه في بحر من نور يخرجون كلّ ليلة جمعة إلى سدرة المنتهى. فلمّا نظروا إليّ، رحّبوا بي و قالوا: يا محمّد، مرحبا بك، فسمعت
____________
(1) ليس في ق.
(2) المصدر: مجاديفها. و في ت، م: مجاذيعها.
و في ق، ش: تجاويفها.
(3) ليس في ن، ت، ي، ر.
(4) ليس في المصدر.
(5) من المصدر.
(6) أي: لا يحيط بها.
(7) أنوار التنزيل 2/ 430.
(8) ليس في ق.
(9) تفسير القمّي 2/ 338.
(10) قرب الإسناد/ 48- 9.
(11) كذا في نور الثقلين 5/ 157، ح 49. و في ق:
مبصر. و في غيرها: متبصّر.
(12) ليس في ن.
489
اضطراب ريح السّدرة و خفقة أبواب الجنان و قد اهتزت فرحا بمجيئك، فسمعت الجنان تنادي: وا شوقاه إلى عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-.
و في مجمع البيان (1): إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
و روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: رأيت على كلّ ورقة من ورقها ملكا قائما يسبّح اللَّه.
ما زاغَ الْبَصَرُ: ما مال بصر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عمّا رآه.
وَ ما طَغى (17): و ما تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا. أو ما عدل عن رؤية العجائب الّتي امر برؤيتها، و ما جاوزها.
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18)، أي: و اللَّه، لقد رأى (2) الكبرى من آياته و عجائبه الملكيّة و الملكوتيّة ليلة المعراج، و قد قيل (3): أنّها المعينة (4) بما رأى.
و يجوز أن تكون «الكبرى» صفة للآيات على أنّ المفعول محذوف، أي: شيئا من آيات ربّه. أو «من» مزيدة.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى سليمان بن داود المنقريّ: عن حفص ابن غياث أو غيره قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى.
قال: رأى (6) جبرئيل على ساقه الدّرّ مثل القطر على البقل، له ستّمائة جناح، قد ملأ ما بين السّماء إلى الأرض.
و في كتاب التّوحيد (7)، حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه: و قوله في آخر الآية: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى رأى جبرئيل في صورته مرّتين، هذه المرّة و مرّة أخرى، و ذلك أنّ خلق جبرئيل عظيم، فهو من الرّوحانيّين الّذين لا يدرك خلقهم و صفتهم إلّا اللَّه ربّ العالمين.
و في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى حبيب السّجستاني: عن أبي جعفر
____________
(1) المجمع 5/ 175.
(2) في ق زيادة: من آيات ربّه.
(3) أنوار التنزيل 2/ 430.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «و قد مرّ أنّها المعينة» بدل «و قد قيل أنّها المعنيّة».
(5) لم نعثر عليه في العلل، و لكن رواه الصدوق (ره) في التوحيد/ 116، ح 18.
(6) كذا في التوحيد. و في النسخ: أي.
(7) التوحيد/ 263، ح 5.
(8) العلل/ 278، ح 1.
490
- (عليه السلام)- حديث طويل، و في آخره: [فرأى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) ما رأى ببصره من آيات ربّه الكبرى، يعني: أكبر الآيات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى يقول: لقد سمع كلاما لو لا أنّه قويّ ما قوي.
و بإسناده (3) إلى أبو أبي بردة (4) الأسلميّ قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول لعلي: يا علي، إنّ اللَّه أشهدك معي في سبع مواطن:
أمّا الأوّل، فليلة أسري بي إلى السّماء، قال لي جبرئيل: أين أخوك؟
فقلت: خلّفته ورائي.
قال: ادع اللَّه فليأتك به. فدعوت اللَّه و إذا مثالك معي.
و الثّاني، حين أسرى بي في المرّة الثّانية، فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟
قلت: خلّفته ورائي.
قال: ادع اللَّه فليأتك به.
فدعوت اللَّه فإذا مثالك معي.
... إلى قوله: و أمّا السّادس، لمّا اسري بي إلى السّماء جمع اللَّه لي النّبيّين فصلّيت بهم و مثالك خلفي.
و في أصول الكافي (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن أبي عمير أو غيره، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: ما للَّه- عزّ و جلّ- آية هي أكبر منّي.
و الحديث طويل.
أخذت منه موضع الحاجة.
و في شرح الآيات الباهرة (6): [و قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا] (7) محمّد
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) تفسير القمّي 2/ 335.
(3) نفس المصدر/ 335- 336 بحذف من المؤلف بعض الفقرات.
(4) كذا في المصدر. و في ق: أبو بردة. و في غيرها: ابن بردة.
(5) الكافي 1/ 207، ح 3.
(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 625- 628، ح 9.
(7) في ق، ش، م، بدلها: عن.
491
ابن همام، [عن محمّد بن إسماعيل،] (1) عن عيسى بن داود، عن (2) أبي الحسن، موسى بن جعفر، عن أبيه [عن جدّه] (3)، عن عليّ- (عليهم السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به (4) إلى ربّه قال: وقف بي جبرئيل عند شجرة عظيمة لم أر مثلها، على كلّ غصن منها ملك، و على كلّ ورقة منها [ملك] (5)، و على كلّ ثمرة منها ملك، و قد تجلّلها نور من نور اللَّه- عزّ و جلّ-.
فقال جبرئيل: هذه سدرة المنتهى، كان ينتهي الأنبياء قبلك إليها، ثمّ لم يتجاوزوها (6) و أنت تجوزها إن شاء اللَّه ليريك من آياته الكبرى، فاطمئنّ- أيّدك اللَّه بالثّبات- حتّى تستكمل كرامات [اللَّه] (7) و تصير إلى جواره.
ثمّ صعد بي إلى تحت العرش، فدلّي إليّ رفرف أخضر ما احسن أصفه، فرفعني الرّفرف بإذن اللَّه [إلى] (8) ربّي فصرت عنده، و انقطع عنّي أصوات الملائكة و دويّهم، و ذهبت المخاوف و الرّوعات، و هدأت نفسي [و استبشرت] (9) و جعلت أمتد (10) و أنقبض، و وقع عليّ السّرور و الاستبشار، و ظننت أنّ جميع الخلائق قد ماتوا، و لم أر غيري أحدا من خلقه، فتركني ما شاء اللَّه.
ثمّ ردّ عليّ روحي فأفقت، و كان توفيقا من ربّي أن غمضت عيني (11) فكلّ (12) بصري و غشي عن النّظر، فجعلت أبصر (13) بقلبي، كما أبصر (14) بعيني، بل أبعد و أبلغ، فذلك قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. و إنّما كنت أبصر مثل خيط الإبرة (15) نورا بيني و بين ربّي، [و نور ربّي] (16) لا تطيقه الأبصار.
فناداني ربّي، فقال- تعالى-: يا محمّد.
____________
(1) من المصدر مع المعقوفتين.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ بدل «عن»:
بإسناده يرفعه إلى.
(3) ليس في ق.
(4) في غير نسخة ن، زيادة: إلى السّماء.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يتجاوزها.
7 و 8- من المصدر مع المعقوفتين.
(9) ليس في ق، ش، م.
(10) في ق، ش، م، زيادة: و استبشرت.
(11) أي: ضعفت و تعبت.
(12) المصدر: و كلّ.
(13) كذا في المصدر. و في النسخ: أبصره.
(14) م، ي، ر، ق، ش: أبصره.
(15) كذا في المصدر. و في النسخ: مثل خط الابر.
(16) من المصدر.
492
قلت: لبيك، ربّي و سيّدي و إلهي، لبيك.
قال: هل عرفت قدرك [عندي] (1) و موضعك و منزلتك؟
قلت: نعم، يا سيّدي! [قال: يا محمّد، هل عرفت موقعك منّي و موقع ذرّيّتك؟
قلت: نعم، يا سيّدي] (2).
قال: فهل تعلم يا محمّد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟
قلت: أنت أعلم، سيّدي و أحكم، و أنت علّام الغيوب.
قال: اختصموا في الدّرجات و الحسنات، فهل تدري ما الدّرجات و الحسنات؟
قلت: أنت (3) أعلم سيّدي [و أحكم] (4).
قال: إسباغ الوضوء في المفروضات، و المشي على الأقدام إلى الجماعات معك و مع الأئمّة من ولدك، و انتظار الصّلاة بعد الصّلاة، و إفشاء السّلام، و إطعام الطّعام، و التّهجّد باللّيل و النّاس نيام.
ثمّ قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
قلت: وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
قال: صدقت، يا محمّد لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ.
فقلت: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
قال: ذلك لك و لذرّيّتك، يا محمّد.
قلت: لبيّك ربي و سعديك سيّدي و إلهي.
قال: أسألك عمّا أنا أعلم به منك، من خلفت في الأرض بعدك؟
قلت: خير أهلها لها، أخي و ابن عمّي و ناصر دينك و الغاصب لمحارمك إذا
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) ليس في ن، ت، ي، ر.
(4) ليس في ق، ش.
493
استحلّت، و لنبيّك غضب النّمر إذا غضب، عليّ بن أبي طالب.
قال: صدقت، يا محمّد، إنّي اصطفيتك بالنّبوّة و بعثتك بالرّسالة، و امتحنت عليّا بالبلاغ و الشّهادة على أمّتك، و جعلته حجّة في الأرض معك و بعدك، و هو نور أوليائي و وليّ من أطاعني، و هو الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين.
يا محمّد، و زوجته فاطمة، فإنّه وصيّك و وارثك و وزيرك، و غاسل عورتك، و ناصر دينك، و المقتول على سنّتي و سنّتك، يقتله شقي هذه الأمّة.
قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثمّ إنّ ربّي أمرني بأمور و أشياء، و أمرني أن أكتمها و لم يؤذن لي في إخبار أصحابي بها، ثمّ هوى بي الرّفرف فإذا أنا بجبرئيل فتناولني منه (1) حتّى صرت إلى سدرة المنتهى، فوقف بي تحتها.
ثمّ أدخلني جنّة المأوى فرأيت مسكني و مسكنك يا عليّ فيها، فبينما جبرئيل يكلّمني إذ علاني نور من نور اللَّه (2)، فنظرت إلى مثل مخيط الإبرة إلى ما كنت نظرت إليه في المرّة الأولى.
فنادني ربّي: يا محمّد.
قلت: لبيك ربّي و إلهي و سيّدي.
قال: سبقت رحمتي غضبي لك و لذرّيّتك، أنت صفوتي من خلقي، و أنت أميني و حبيبي و رسولي، و عزتي و جلالي، لو لقيني جميع خلقي يشكّون فيك طرفة عين [أو ينقصوك] (3) أو ينتقصوا (4) ينقصوا صفوتي من ذرّيّتك، لأدخلنّهم ناري و لا أبالي.
يا محمّد، عليّ أمير المؤمنين، و سيّد المسلمين (5)، و قائد الغرّ المحجّلين إلى جنات النّعيم، أبو السّبطين سيّدي شباب جنّتي (6) المقتولين بي ظلما.
ثمّ فرض عليّ الصّلاة و ما أراد- تبارك و تعالى-، و قد كنت قريبا منه في المرّة الأولى، مثل ما بين كبد القوس إلى سيته (7) ستة، فذلك قوله- تعالى-: قابَ (8) قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
____________
(1) كذا في المصدر. و في ي: «متنا» بدل «فتناولني منه». و في سائر النسخ: «متناولي».
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) من المصدر. و الظاهر أن الصحيح: أو ينقصونك.
(4) كذا في المصدر. و في ن: ينقضوا. و في غيرها: ينقصوا. و الظاهر أن الصحيح: ينتعصون.
(5) ق: الوصيين.
(6) ي: أهل جنتي.
(7) كذا في المصدر. و في ق: ستة. و في غيرها:
سية.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: كقاب.
494
. أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى (19) وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20): هي أصنام كانت (1) لهم.
قيل (2): فاللات لثقيف بالطّائف، أو لقريش بنخلة (3)، و هي فعلة، من لوى، لأنّهم كانوا (4) يلوون عليها، أي: يطوفون.
و قرئ (5): «اللّاتّ» بالتّشديد، على أنّه سمّي به، لأنّه صورة رجل كان يلت السّويق بالسمن و يطعم الحاجّ.
و «العزّى» سمرة (6) اسم شجرة لغطفان كانوا يعبدونها، فبعث إليها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خالد بن الوليد فقطعها، و أصلها تأنيث الأعزّ.
و «مناة» صخرة كانت لهذيل و خزاعة، أو لثقيف، و هي فعلة، من مناه: إذا قطعة، فإنّهم كانوا يذبحون عندها القرابين، و منه منى.
و قرئ (7): «مناءة» (8) و هي مفعلة، من النّوء، كأنّهم [كانوا] (9) يستمطرون الأنواء عندها تبرّكا بها.
و قوله: الثَّالِثَةَ الْأُخْرى صفتان للتأكيد، كقوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ. أو «الأخرى» من التّأخر في الرّتبة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): و قوله: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى قال: اللّات رجل، و العزى امرأة.
و قوله: وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال: كان صنم بالمسلك (11)، خارج من الحرم على ستّة أميال، يسّمى مناة.
و في عيون الأخبار (12)، في باب النّصوص على الرّضا- (عليه السلام)- حديث قدسيّ
____________
(1) في ق زيادة: قيل.
(2) أنوار التنزيل 2/ 430.
(3) كذا في المصدر. و في ن: بنحلته. و في غيرها: بنخلته.
(4) في ق زيادة: يلعبون.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) يوجد في ي، ر. و السمرة. جمعها: السمر-:
ضرب من شجر الطّلح.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مناه.
(9) من المصدر.
(10) تفسير القمّي 2/ 338.
(11) في المصدر زيادة: (الشلل- ط)
(12) العيون 1/ 47، ح 27.
495
حكاه، و فيه: و هذا القائم الّذي يحلّ حلالي و يحرّم حرامي، و به أنتقم من أعدائي، و هو راحة لأوليائي، و هو الّذي يشفي قلوب شيعتك من الظّالمين و الجاحدين و الكافرين، فيخرج اللّات و العزّى طريّين فيحرقهما، فتفتتن (1) النّاس بهما يومئذ أشدّ من فتنة العجل و السّامري.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ: عن محمّد بن عليّ بن موسى- (عليهم السلام)- حديث طويل يذكر فيه القائم، و في آخره يقول: فإذا دخل المدينة أخرج اللّات و العزّى فأحرقهما.
و في كتاب مقتل الحسين (3)- (عليه السلام)- لأبي مخنف، من أشعار الحسين- (عليه السلام)- في موقف كربلاء:
والدي شمس و أمّي قمر* * * فأنا الكوكب و ابن القمرين
عبد اللَّه غلاما يافعا* * * و قريش يعبدون الوثنين
يعدون اللّات و العزّى معا* * * و عليّ قائم في القبلتين (4)
مع رسول اللَّه سبعا كاملا* * * ما على الأرض مصلّي غير ذين
تارك اللّات و لم يسجد لها (5)* * * مع قريش لا و لا طرفة عين
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى (21) قيل (6): إنكار لقولهم: الملائكة بنات اللَّه. و هذه الأصنام استوطنها جنّيّات (7) هنّ بناته، أو هياكل الملائكة. و هو المفعول الثّاني لقوله: «أ فرأيتم».
____________
(1) المصدر: فلفتنة.
(2) كمال الدين/ 378، ح 2.
(3) مقتل الحسين- (عليه السلام)-/ 135- 136.
(4) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: قائم بالحسبتين. و في ن، ت، ي، ر: قائم بالجبتين.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: هجر الأصنام لم يعبدها.
(6) أنوار التنزيل 2/ 430.
(7) كذا في المصدر. و في ق: «الجنات هي»، و في غيرها: «الجنيّات»، بدل: «جنيات هن».
496
و حاصل معناه: أ فرأيتم الأصنام الثّلاثة من مواطن بناته أو هياكلهنّ، مع كون الذّكر لكم.
و قيل: معنى الآية: أخبروني عن هذه الأصنام هل ضرّت أو نفعت [أو فعلت] (1) ما يوجب أن يعدل باللَّه؟ فحذف لدلالة الكلام عليه. و قوله: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى استئناف للرّدّ عليهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قوله: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى قال: هو ما قالت قريش: إنّ الملائكة بنات اللَّه، فردّ اللَّه عليهم فقال: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسي: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه و قد ذكر الملحدين في آيات اللَّه: و وكلوا تأليفه و نظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء اللَّه فألّفه على اختيارهم، و ممّا (4) يدلّ للمتأمّل له على اختلال (5) تميّزهم و افترائهم، و تركوا منه ما قدّروا أنّه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهر تناكره و تنافره، و علم اللَّه أنّ ذلك يظهر و يبين فقال (6): ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (22): جائرة، حيث جعلتم له ما تستنكفون منه.
و هي فعلى، من الضّيز- و هو الجور- و لكنّه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في بيض، فإنّ فعلى (7) بالكسر لم تأت وصفا.
و قرأ (8) ابن كثير، بالهمزة، من ضأزه: إذا ظلمه، على أنّه مصدر نعت به.
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ:
الضّمير للأصنام، أي: ما هي باعتبار الألوهيّة إلّا أسماء تطلقونها عليها لأنكم تقولون: إنّها آلهة، و ليس فيها شيء من معنى الألوهيّة. أو للصّفة الّتي تصفونها بها من كونها آلهة و بنات و شفعاء. أو للأسماء المذكورة فإنّهم كانوا يطلقون اللّات عليها باعتبار
____________
(1) ليس في ق.
(2) تفسير القمّي 2/ 338.
(3) الاحتجاج/ 257.
(4) المصدر: ما.
(5) ق، ش، م، ن، ت: اختلاف.
(6) النجم/ 30.
(7) أنوار التنزيل 2/ 430: فعل.
(8) نفس المصدر و الموضع.
497
استحقاقها للعكوف على عبادتها، و العزّى لعزّتها، و مناة لاعتقادهم أنّها تستحقّ أن يتقرّب إليها بالقرابين.
سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ: [سمّيتم بها] (1) وَ آباؤُكُمْ: بهواكم.
ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ: برهان تتعلّقون به.
إِنْ يَتَّبِعُونَ.
و قرئ (2) بالتّاء.
إِلَّا الظَّنَ: إلّا توهّم أنّ ما هم عليه حقّ تقليدا و توهّما باطلا.
وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ: و ما تشتهيه أنفسهم.
وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (23): الرّسول أو الكتاب، فتركوه.
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (24) «أم» منقطعة، و معنى الهمزة فيها الإنكار، و المعنى: ليس له كلّ ما يتمنّاه.
و المراد: نفي طمعهم في شفاعة الآلهة، و قوله: لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. و قولهم: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. و نحوهما.
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَ الْأُولى (25): يعطي منهما ما يشاء لمن يريد، و ليس لأحد أن يتحكّم عليه في شيء منهما.
وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً: و كثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئا [و لا تنفع] (3).
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ: في الشّفاعة.
لِمَنْ يَشاءُ: من الملائكة أن يشفع. أو من النّاس أن يشفع له.
وَ يَرْضى (26): و يراه أهلا لذلك، فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم.
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ، أي: كلّ واحد منهم. تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (27): بأن سمّون بنتا.
وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، أي: بما يقولون.
____________
(1) ليس في ق.
(2) أنوار التنزيل 2/ 430.
(3) ليس في ق.
498
و قرئ (1): «بها»، أي: بالملائكة، أو التّسمية.
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28): فإنّ الحقّ الذي هو حقيقة الشّيء لا يدرك إلّا بالعلم، و الظّنّ لا اعتبار له في المعارف الحقيقيّة و إنّما العبرة به (2)، في العمليّات و ما يكون وصلة إليها.
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29): فأعرض عن دعوته و الاهتمام بشأنه، فإنّ من غفل عن اللَّه و أعرض عن ذكره و انهمك في الدّنيا، بحيث كانت منتهى همّته و مبلغ علمه، لا تزيده الدّعوة إلّا عنادا و إصرارا على الباطل.
ذلِكَ، أي: أمر الدّنيا، أو كونها شهيّة مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ: لا يتجاوزه علمهم.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسي (3)- (رحمه اللّه)- حديث طويل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول فيه و قد ذكر الملحدين في آيات اللَّه: ... (و قد ذكر هذا الحديث سابقا» (4).
و «ذلك» مبتدأ خبره «مبلغهم»، و الجملة اعتراض مقرّر لقصور هممهم بالدّنيا، و قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30): تعليل للأمر بالاعراض، أي: إنّما يعلم اللَّه من يجيب ممّن لا يجيب، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، إذ ما عليك إلّا البلاغ و قد بلّغت.
وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ: خلقا و ملكا.
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا: بعقاب ما عملوا من السّوء، أو بمثله، أو بسبب ما عملوا من السّوء. و هو علّة لما دلّ عليه ما قبله، أي: خلق العالم و سوّاه للجزاء، أو ميّز الضّالّ عن المهتدي و حفظ أحوالهم لذلك.
وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31): بالمثوبة الحسنى، و هي الجنّة.
أو بأحسن من أعمالهم. [أو بسبب] (5) الحسنى.
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ: ما يكبر عقابه من الذّنوب.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 431.
(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 431. و في النسخ:
و إنّما اعتبرت.
(3) الاحتجاج/ 257.
(4) أي ذيل الآية 21. و قد ورد في ن، ت، ي، ر نصّ الحديث.
(5) ليس في ق، ش.
499
قيل (1): هو ما رتّب الوعيد عليه بخصوصه.
و قيل (2): ما أوجب الحدّ.
و قيل (3): الشّرك.
و قرأ (4) حمزة و الكسائي و خلف: «كبير الإثم» على إرادة الجنس.
و في من لا يحضره الفقيه (5): و روى عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ، عن [أبي جعفر محمّد بن عليّ] (6) الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه قال: سمعت أبي، موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول (7): دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ ثمّ أمسك.
فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما أمسك؟
فقال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللَّه.
فقال- (عليه السلام)-: نعم، يا عمرو، أكبر الكبائر الشّرك باللَّه، يقول (8)- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (9)، و يقول (10): إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.
و بعده اليأس من روح اللَّه، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (11): إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.
ثمّ الأمن من مكر اللَّه، لأنّ اللَّه- تعالى- يقول (12): فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ.
و منها عقوق الوالدين، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- جعل العاق حبّارا شقيّا [في قوله (13)- تعالى-: وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا] (14).
و قتل النفس الّتي حرّم اللَّه إلّا بالحقّ، [لأنّ- اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (15):
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 432.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) الفقيه 3/ 367- 369.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) ليس في ق.
(8) النساء/ 48.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: شيئا.
(10) المائدة/ 72.
(11) يوسف/ 87.
(12) الأعراف/ 99.
(13) مريم/ 32.
(14) ليس في ق، ش.
(15) النساء/ 93.
500
وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (إلى آخر الآية).
و قذف المحصنات] (1) لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (2): إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
و أكل مال اليتيم ظلما لقول اللَّه (3)- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً] (4).
و الفرار من الزّحف، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (5): وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ.
و أكل الرّبا، لأنّ اللَّه- تعالى- يقول (6): الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ. و يقول اللَّه (7)- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ.
و السّحر، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (8): وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.
و الزّنا، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (9): وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً.
و اليمين الغموس (10)، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (11): إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ الآية.
و الغلول (12)، قال اللَّه (13)- تعالى-: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
____________
(1) ليس في ق، ي.
(2) النّور/ 23.
(3) النساء/ 10.
(4) ليس في م، ش.
(5) الأنفال/ 16.
(6) البقرة/ 275.
(7) البقرة/ 279.
(8) البقرة/ 102.
(9) الفرقان/ 68.
(10) هي اليمين الكاذبة الفاجرة، يقطع بها الحالف ما لغيره مع علمه أنّ الأمر بخلافه، و ليس فيها كفّارة لشدّة الذنب فيها. سمّيت بذلك لأنّها تغمس صاحبها في الإثم.
(11) آل عمران/ 77.
(12) أي: السرقة و الخيانة. و قيل: الغلول في المغنم خاصّة.
(13) آل عمران/ 161.
501
و منع الزّكاة المفروضة، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (1): يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
و شهادة الزّور و كتمان الشّهادة، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (2): وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
و شرب الخمر، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- عدل بها عبادة الأوثان.
و ترك الصّلاة متعمّدا أو شيئا ممّا فرض اللَّه- عزّ و جلّ-، لأنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من ترك الصّلاة متعمّدا، فقد برئ من ذمّة اللَّه و ذمة رسوله.
و نقض العهد و قطيعة الرّحم، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول (3): أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
قال: فخرج عمرو بن عبيد و له صراخ من بكائه (4)، و هو يقول: هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم.
و في عيون الأخبار (5)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- من محض الإسلام و شرائع الدّين: قال- (عليه السلام)-: و اجتناب الكبائر، و هي: قتل النّفس الّتي حرّم اللَّه- تعالى- (6)، و الزّنا، و السّرقة، و شرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزّحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الميتة و الدّم و لحم الخنزير و ما اهلّ لغير اللَّه به من غير ضرورة، و أكل الربا بعد البيّنة، و السّحت، و الميسر و هو القمار، و البخس في المكيال و الميزان، و قذف المحصنات، و اللّواط، و شهادة الزّور، و اليأس من روح اللَّه، و الأمن من مكر اللَّه، و القنوط من رحمة اللَّه، و معونة الظّالمين و الرّكون إليهم، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكذب، [و الكبر] (7) و الإسراف و التّبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللَّه، و الاشتغال بالملاهي، و الإصرار على الذّنوب.
و في كتاب الخصال (8): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: وجدنا في كتاب
____________
(1) التوبة/ 35.
(2) البقرة/ 283.
(3) الرّعد/ 25.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مكانه.
(5) العيون 2/ 125، ح 1.
(6) في ق، ش، م، زيادة: إلّا بالحقّ.
(7) ليس في ش، ق، ر.
(8) الخصال/ 273، ح 16.
502
عليّ- (عليه السلام)- الكبائر خمس: الشّرك باللَّه، و عقوق الوالدين، و أكل الرّبا بعد البيّنة، و الفرار من الزّحف، و التّعرّب بعد الهجرة.
و عن عبيد بن زرارة (1) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أخبرني عن الكبائر.
قال: خمس، و هنّ ما (2) أوجب اللَّه عليهنّ النّار، [قال اللَّه (3)- عزّ و جلّ-:] (4) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً، و قال (5): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (إلى آخر الآية)، و قوله (6): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا (إلى آخر الآية)، و رمي المحصنات الغافلات، و قتل المؤمن متعمّدا [على دينه] (7).
عن عبد الرّحمن بن كثير (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الكبائر سبع، فينا نزلت و منّا استحلّت: فإنّها (9) الشّرك باللَّه العظيم، و قتل النّفس الّتي حرّم اللَّه، و أكل مال اليتيم، و عقوق الوالدين، و قذف المحصنات، و الفرار من الزّحف، و إنكار حقّنا.
فأمّا الشّرك باللَّه، فقد أنزل اللَّه فينا ما أنزل، و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فينا] (10) ما قال، فكذّبوا اللَّه و كذّبوا رسوله و أشركوا باللَّه.
و أمّا قتل النّفس الّتي حرّم اللَّه، فقد قتلوا الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- و أصحابه.
و أمّا أكل مال اليتيم، فقد ذهبوا بقيئنا الّذي جعله اللَّه لنا و أعطوه غيرنا و أمّا عقوق الوالدين، فقد أنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه (11): النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ. فعقّوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في ذرّيّته، و عقّوا أمّهم خديجة في ذرّيّتها.
و أمّا قذف المحصنة، فقد قذفوا فاطمة على منابرهم.
____________
(1) نفس المصدر/ 273- 274، ح 17.
(2) ن، المصدر: ممّا.
(3) النساء/ 10.
(4) ليس في ق.
(5) الأنفال/ 15- 16.
(6) البقرة/ 279.
(7) من المصدر.
(8) نفس المصدر/ 363- 364، ح 56.
(9) المصدر: فأوّلها.
(10) من المصدر.
(11) الأحزاب/ 6.
503
و أمّا الفرار من الزّحف، فقد أعطوا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بيعتهم طائعين غير مكرهين ففروا عنه و خذلوه.
و أمّا إنكار حقّنا، فهذا لا يتنازعون فيه.
و في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده [إلى عبّاد بن كثير] (2) النّوا قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الكبائر.
فقال: كلّ شيء وعد اللَّه عليه النّار.
و بإسناده (3) إلى أحمد بن إسماعيل الكاتب (4) [عن أبيه] (5) قال: أقبل محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- في المسجد الحرام فنظر إليه قوم من قريش، فقالوا: هذا إله أهل العراق.
فقال بعضهم (6): لو بعثتم إليه بعضكم فسأله.
فأتاه شابّ منهم فقال له: يا عمّ، ما أكبر الكبائر؟
فقال: شرب الخمر.
فأتاهم فأخبرهم. فقالوا له: عد إليه فلم يزالوا به حتّى عاد إليه فسأله.
فقال له: ألم أقل لك، يا ابن أخ، شرب الخمر؟ [إنّ شرب الخمر] (7) يدخل صاحبه في الزّنا و السّرقة و قتل النّفس الّتي حرّم اللَّه إلّا بالحقّ و في الشّرك، و تا اللَّه، أفاعيل الخمر تعلو على كلّ ذنب، كما تعلو شجرتها على كلّ شجرة.
وَ الْفَواحِشَ: ما فحش من الكبائر خصوصا.
إِلَّا اللَّمَمَ.
قيل (8): إلّا ما قلّ و صغر [، كالقبلة و النّظر (9) و ما كان دون الزّنا] (10) فإنّه مغفور من مجتنبي الكبائر.
و قيل (11): هو ما ألمّوا (12) به في الجاهليّة من الإثم، فإنه معفوّ عنه في الإسلام.
____________
(1) ثواب الأعمال/ 277، ح 2.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر/ 392، ح 15.
(4) ليس في ق.
(5) من المصدر.
(6) ليس في ق، ش.
(7) من المصدر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 432.
(9) ن، ت، ي: النظّرة.
(10) ليس في المصدر.
(11) مجمع البيان 5/ 179.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: ألمّ.
504
و الاستثناء منقطع (1).
و قيل: «هو أن يلم بالذّنب مرّة ثمّ يتوب منه و لا يعود» (2). و الاستثناء متّصل، و محلّ «الّذين» النصب على الصّفة أو المدح، أو الرّفع على أنّه خبر محذوف.
و في أصول الكافي (3): يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال: «الفواحش» الزّنا و السّرقة، و «اللّمم» الرّجل يلمّ بالذّنب فيستغفر اللَّه منه.
قلت: بين الضّلال و الكفر منزلة؟
فقال: ما أكثر عرى الإيمان!
عليّ بن إبراهيم (4)، [عن أبيه، عن ابن أبي عمر] (5) عن أبي أيّوب (6)، عن محمّد ابن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: أ رأيت قول اللَّه: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.
قال: هو الذّنب يلمّ به الرّجل فيمكث ما شاء اللَّه، ثمّ يلمّ به بعد.
أبو عليّ الأشعريّ (7)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن العلا، عن محمّد ابن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت له: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.
قال: الهنة بعد الهنة، أي: الذّنب [بعد الذّنب] (8) يلمّ به العبد.
عليّ بن إبراهيم (9)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إسحاق بن عمّار قال:
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما من مؤمن إلا و له ذنب يهجره زمانا ثمّ يلمّ به، و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا اللَّمَمَ.
و سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.
____________
(1) المصدر: و على هذا يكون الاستثناء منقطعا.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) الكافي 2/ 442، ح 3، و 278، ح 7.
(4) نفس المصدر/ 441، ح 1.
(5) ليس في ش، ق.
(6) ق، ش: عن ابن أبي أيّوب.
(7) نفس المصدر/ 441، ح 2.
(8) من المصدر.
(9) نفس المصدر/ 442، ح 3.
505
قال: «الفواحش» الزّنا و السّرقة، و «اللّمم» الرّجل يلمّ بالذّنب فيستغفر اللَّه منه.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما من ذنب إلّا و قد طبع عليه عبد مؤمن يهجره الزّمان ثمّ يلمّ به، و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [قال: اللمّام (2) العبد الّذي يلمّ بالذّنب (3) بعد الذّنب ليس من سليقته (4)، أي: من طبعه (5).
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى إسحاق القمّيّ قال: دخلت على أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- فقلت له: جعلت فداك، أخبرني عن المؤمن يزني؟
قال: لا.
قلت: فيلوط؟
قال: لا.
قلت: فيشرب المسكر؟
قال: لا.
قلت: فيذنب؟
قال: نعم.
قلت: جعلت فداك، لا يزني و لا يلوط و لا يرتكب السّيّئات، فأيّ شيء ذنبه؟
فقال: يا إسحاق، قال اللَّه- تبارك و تعالى-: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ] (7). و قد يلمّ المؤمن بالشّيء الذي ليس (8) فيه مراد.
(الحديث) و في مجمع البيان (9): قال الفرّاء: «اللّمم» أن يفعل الإنسان الشيء (10) في الحين و لا يكون له عادة، و منه إلمام الخيال، و «الإلمام» الزّيادة الّتي لا تمتدّ، و كذلك اللّمام، قال أميّة:
____________
(1) نفس المصدر/ 442، ح 5.
(2) ليس في ق، ت، ش. و في م: اللمم.
(3) المصدر: الذّنب.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: سابقته.
(5) المصدر: طبيعته.
(6) العلل/ 490، ح 1.
(7) ليس في ت.
(8) ليس في ق، ش.
(9) المجمع 5/ 178.
(10) ليس في ش، ق.
506
إن تغفر اللّهمّ تغفر جمّا* * * و أيّ عبد لك لا ألمّا
و قد روي (1)، أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان (2) ينشدهما و يقولهما.
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ، يعني: أنّ رحمته تسع جميع الذّنوب لا تضيق عنه.
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ: أعلم بأحوالكم منكم.
إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ: علم أحوالكم و مصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التّراب بخلق آدم، و حيث صوركم في الأرحام.
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ: فلا تثنوا عليها بزكاء العمل و زيادة الخير، أو بالطّهارة عن المعاصي و الرّذائل.
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32): [فإنّه يعلم التّقي] (3) و غيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم.
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى أبي إسحاق اللّيثيّ: عن أبي جعفر محمّد ابن عليّ الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه ما خلق اللَّه عليه الشّيعة و طينة النّاصب، و أنّ اللَّه: مزج بينهما.
... إلى قوله: فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط أو ترك صلاة أو صوم أو حج أو جهاد أو خيانة (5) أو كبيرة من هذه الكبائر، فهو من طينة النّاصب و عنصره الّذي قد مزج فيه، لأنّ من سنخ (6) النّاصب و عنصره و طينته اكتساب المآثم و الفواحش و الكبائر.
و ما رأيت من الناصب من مواظبة (7) على الصّلاة و الصّيام و الزّكاة و الحجّ و الجهاد و أبواب البرّ، فهو من طينة المؤمن و سنخه (8) الّذي قد مزج فيه، لأنّ من سنخ (9) المؤمن و عنصره و طينته اكتساب الحسنات و استعمال الخير و اجتناب المآثم.
و في آخره قال- (عليه السلام)-: اقرأ، يا إبراهيم:
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ق.
(3) ليس في ي.
(4) العلل/ 608 و 610، ح 81.
(5) ق، ش: جناية.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: شج.
و سنخ الشيء: أصله.
(7) المصدر: مواظبته.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: شجه.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: شج.
507
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، يعني:
من الأرض [الطيّبة و الأرض] (1) المنتنة فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى يقول: لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته و صيامه و زكاته و نسكه، لأنّ اللَّه أعلم بمن اتقى منكم، فإنّ ذلك من قبل اللّمم و هو المزج (2).
و في هذا الحديث إيضاح و فوائد، و هو مذكور في سورة الفرقان عند قوله (3):
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى.
قال: قول الإنسان (5): صلّيت البارحة و صمت أمس، و نحو هذا.
ثمّ قال- (عليه السلام)-: إنّ قوما [كانوا] (6) يصبحون فيقولون: صلّينا البارحة و صمنا أمس.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: لكنّي أنام اللّيل و النّهار، و لو أجد بينهما شيئا لنمته.
و في كتاب الاحتجاج (7) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن معمّر بن راشد قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: أتى يهوديّ إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقام بين يديه يحدّ النّظر إليه.
فقال: يا يهوديّ، ما حاجتك؟
فقال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النّبيّ الّذي كلّمه اللَّه، و أنزل عليه التّوراة و العصا، و فلق له البحر، و أظلّه بالغمام؟
فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّه يكره للعبد أن يزكّي نفسه، و لكنّي أقول: إنّ آدم لمّا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللّهمّ، إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا غفرت لي. فغفرها اللَّه له. و إنّ نوحا لمّا ركب السّفينة و خاف الغرق قال: اللّهمّ، إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أنجيتني من الغرق. فنجّاه اللَّه. و إنّ
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: المزاج.
(3) الفرقان/ 70.
(4) معاني الأخبار/ 243، ح 1.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: النّاس.
(6) من المصدر.
(7) الاحتجاج/ 47- 48.
508
إبراهيم لمّا القي في النّار، قال: اللّهمّ، إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا [أنجيتني منها. فجعلها اللَّه عليه بردا و سلاما. و إن موسى- (عليه السلام)- لمّا ألقى عصاه و أوجس في نفسه خيفة قال: اللّهم إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا] (1) آمنتني، قال اللَّه (2)- تعالى-: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى.
يا يهوديّ، إنّ موسى لو أدركني ثمّ لم يؤمن بي و بنبوّتي ما نفعه إيمانه شيئا، و لا نفعته النّبوّة.
يا يهوديّ، و من ذرّيتي المهديّ، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فيقدّمه ليصلّي خلفه.
و فيه (3)، من كلام لعليّ- (عليه السلام)-: و لو لا ما نهى اللَّه عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة، تعرفها قلوب المؤمنين، و لا تمجّها آذان السّامعين.
و في تفسير العيّاشي (4): و قال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هل (5) يجوز أن يزكّي المرء نفسه؟
قال: نعم، إذا اضطّر إليه، أما سمعت قول يوسف: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (6). و قول العبد الصّالح: وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (7).
و في كتاب مقتل الحسين (8)- (عليه السلام)- لأبي مخنف، من أشعار الحسين- (عليه السلام)- في موقف كربلاء:
أنا بن عليّ الطّهر من آل هاشم* * * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر
بنا بيّن اللَّه الهدى عن ضلالة* * * [و يعمر بنا دين الإله و يظهر] (9)
[علينا و فينا نزّل الوحي و الهدى] (10)* * * و نحن سراج اللَّه في الأرض نزهر
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) طه/ 68.
(3) نفس المصدر/ 177.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 181.
(5) ن، ت، ي، ر، المصدر: ما.
(6) يوسف/ 55.
(7) الأعراف/ 68.
(8) مقتل الحسين- (عليه السلام)-/ 118.
9 و 10 ليس في المصدر.
509
و نحن ولاة الحوض نسقي محبّنا* * * بكأس رسول اللَّه من ليس ينكر
و شعيتنا في النّاس أكرم شيعة* * * و مبغضنا (1) يوم القيامة يخسر
فطوبى لعبد زارنا بعد موتنا* * * بجنّة عدن (2) صفوها لا يكدّر
و منها (3):
خيرة اللَّه من الخلق أبي* * * بعد جدّي فأنا بن الخيرتين
أمّي الزّهراء حقّا و أبي* * * وارث العلم و مولى الثقلين
فضّة قد صفيت من ذهب* * * فأنا الفضّة و ابن الذّهبين
والدي شمس و أمّي قمر* * * فأنا الكوكب و ابن القمرين
من له جدّ كجدّي في الورى* * * أو كأمّي في جميع المشرقين (4)
خصّة اللَّه بفضل و تقى* * * فأنا الأزهر و ابن الأزهرين
[جوهر من فضّة مكنونة* * * فأنا الجوهر و ابن الدّرتين] (5)
نحن أصحاب العبا خمستنا* * * قد ملكنا شرقها و المغربين
____________
(1) المصدر: باغضنا.
(2) ليس في ق.
(3) نفس المصدر/ 134- 138، مع تقديم و تأخير و حذف كثير من الأبيات.
(4) المصدر: أو كشيخي فأنا ابن العلمين.
(5) ليس في المصدر.
510
ثمّ (1) جبريل لنا سادسنا* * * و لنا البيت و مثوى الحرمين
(2)
كلّ ذا (3) العالم يرجى (4) فضلنا* * * غير ذا الرجس (5) اللّعين الوالدين
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33): عن اتّباع الحقّ و الثّبات عليه.
و
في مجمع البيان (6): أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى نزلت الآيات السّبع في عثمان بن عفّان، كان يتصدّق و ينفق [ماله] (7).
فقال له أخوه من الرّضاعة، عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح: ما هذا الّذي تصنع؟ يوشك ألّا يبقى لك شيء.
فقال عثمان: إنّ لي ذنوبا، و إنّي أطلب بما أصنع رضى اللَّه و أرجو عفوه.
فقال له عبد اللَّه: أعطني ناقتك برحلها و أنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها.
فأعطاه، و أشهد عليه و أمسك عن النّفقة (8)، فنزلت: أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، أي: يوم احد حين ترك المركز وَ أَعْطى قَلِيلًا (9) ثمّ قطع النّفقة- إلى قوله-: وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. فعاد عثمان إلى ما كان عليه ... عن ابن عبّاس و السّديّ و الكلبيّ و جماعة من المفسّرين.
و قيل (10): نزلت في الوليد بن المغيرة، فكان قد اتّبع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على دينه، فعيّره بعض المشركين و قال له: تركت دين الأشياخ و ضلّلتهم، و زعمت أنّهم في النّار؟! قال: إنّي خشيت عذاب اللَّه.
فضمن له الّذي عاتبه، إن هو أعطاه شيئا من ماله و رجع إلى شركه أن يتحمّل عنه عذاب اللَّه، ففعل فأعطى الّذي عاتبه بعض ما كان ضمن (11) له، ثمّ بخل و منعه تمام
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: نحن.
(2) المصدر: و لنا البيت لنا و المشعرين.
(3) أي: هذا.
(4) كذا. و الظاهر أنّ الصحيح: يرجو.
(5) ق، ش، م، المصدر: غير ذي الرجس.
(6) المجمع 5/ 178- 189.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: الصّدقة.
(9) في ق زيادة: و أكدى.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
511
ما ضمن له، فنزلت: أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى عن الإيمان «و أعطى» صاحبه الضّامن «قليلا و أكدى»، أي: بخل بالباقي ... عن مجاهد و ابن زيد.
و قيل (1): نزلت في العاص بن وائل السّهميّ، و ذلك أنّه ربّما كان يوافق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بعض الأمور ... عن السّديّ.
و قيل (2): نزلت في رجل، قال لأهله: جهّزوني أنطلق إلى هذا الرّجل، يريد:
النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فتجهّز و خرج، فلقيه رجل من الكفّار فقال له: أين تريد؟
فقال: محمّدا، لعلّي أصيب من خيره.
فقال له الرّجل: أعطني جهازك و أحمل عنك إثمك ... عن عطاء بن يسار.
و قيل (3): نزلت في أبي جهل، و ذلك أنّه قال: و اللَّه، ما يأمرنا محمد إلّا بمكارم الأخلاق. فذلك قوله: أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى، أي: لم يؤمن به ... عن محمّد بن كعب القرظي (4).
وَ أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى (34): و قطع العطاء، من قولهم: أكدى الحافر: إذا بلغ الكدية، و هي الصّخرة الصّلبة [فترك الحفر] (5).
أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35): يعلم أنّ صاحبه يتحمّل عنه.
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37):
[و فّرو] (6) أتمّ ما التزمه و أمر به. أو بالغ في الوفاء بما عاهد (7) اللَّه.
و تخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره، كالصّبر على نار نمرود، حتّى أتاه جبرئيل حين ألقي (8) في النّار، فقال: أ لك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، و ذبح الولد، و أنّه يمشي كلّ يوم فرسخا يرتاد ضيفا فإنّ وافقه أكرمه و إلّا نوى الصّوم.
و تقديم موسى لأنّ صحفه، و هي التوراة، كانت أشهر و أكبر عندهم.
و في كتاب علل الشّرائع (9)، بإسناده إلى حفص بن البختريّ: عن أبي عبد اللَّه
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كذا في المصدر. و في ق: المقرطي. و في غيرها: القرطي.
(5) ليس في ق.
(6) ليس في ق، ش، م.
(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 432. و في النسخ:
عهد.
(8) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: يلقى.
(9) العلل/ 37، ح 1.
512
- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال: إنّه يقول إذا أصبح و أمسى: أصبحت [و ربّي] (1) محمود، أصبحت (2) لا أشرك باللَّه شيئا، و لا أدعو مع اللَّه إلها آخر، و لا أتّخذ من دونه وليّا. فسمّي بذلك: عبدا شكورا.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما عنى بقوله: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى؟
قال: كلمات بالغ فيهنّ.
قلت: و ما هنّ؟
قال: كان إذا أصبح قال: أصبحت و ربّي محمود، أصبحت لا أشرك باللَّه شيئا، و لا أدعو معه إلها، و لا أتّخذ من دونه وليّا، ثلاثا، و إذا أمسى. قال ثلاثا. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال: وفّى بما أمره اللَّه به من الأمر و النّهى، و ذبح ابنه.
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38):
«أن» هي المخفّفة من الثقيلة، و هي بما بعدها في محلّ الجرّ بدلا من «ما في صحف موسى»، أو الرّفع على: هو أن لا تزر (5)، كأنّه قيل: ما في صحفهما؟ فأجاب به، و المعنى: أنّه لا يؤخذ أحد بذنب غيره. و لا يخالف ذلك قوله (6)- تعالى-: كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً.
و قوله (7)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سن سنّة (8) سيّئة فله وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
فإنّ ذلك للدّلالة و التسبّب الّذي هو وزره.
وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40): إلا
____________
(1) ليس في ق.
(2) ليس في ق، ش.
(3) الكافي 2/ 534- 535، ح 38.
(4) تفسير القمّي 2/ 338.
(5) في ق زيادة: وازرة وزر أخرى.
(6) المائدة/ 32.
(7) أنوار التنزيل 2/ 432.
(8) ليس في ق، ش.
513
سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله.
و ما جاء في الأخبار من أنّ الصّدقة و الحجّ ينفعان الميت، فلكون النّاوي له كالنّائب عنه.
و في الكافي (1): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يحجّ فيجعل حجّته و عمرته أو بعض طوافه لبعض أهله، و هو عنه غائب في بلد آخر، قال: قلت:
فينقص ذلك من أجره؟
قال: لا، هي له و لصاحبه، و له أجر سوى ذلك بما وصل.
قلت: و هو ميّت، هل يدخل ذلك عليه؟
قال: نعم، حتّى يكون مسخوطا عليه فيغفر له، أو يكون مضيّقا عليه فيوسّع عليه.
قلت: فيعلم هو في مكانه أنّه عمل ذلك لحقّه؟
قال: نعم.
قلت: و إن كان ناصبا ينفعه ذلك؟
قال: نعم، يخفّف عنه.
عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال (3): إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رفع رأسه إلى السّماء فتبسّم.
فقيل له: يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأيناك رفعت رأسك إلى السّماء فتبسّمت؟
قال: نعم، عجبت لملكين هبطا من السّماء إلى الأرض يلتمسان عبدا صالحا مؤمنا في مصلّى كان يصلّي فيه ليكتبا له عمله في يومه و ليلته، فلم يجداه في مصلّاة، فعرجا إلى السّماء.
فقالا: ربّنا، عبدك فلان المؤمن التمسناه في مصلّاه لنكتب عمله ليومه و ليلته
____________
(1) الكافي 4/ 315- 316، ح 4.
(2) نفس المصدر 3/ 113، ح 1.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: قال.
514
فلم نصبه، فوجدناه في حبالك (1).
فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمله في صحّته، من الخير في يومه و ليلته ما دام في حبالي، فإنّ عليّ أن أكتب له أجر ما كان يعمله [في صحّته] (2) إذ حبسته عنه.
عنه (3)، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن المفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
إنّ المؤمن إذا غلبه ضعف الكبر، أمر اللَّه- عزّ و جلّ- الملك أن يكتب له في حاله تلك مثل ما كان يعمل و هو شابّ نشيط صحيح، و مثل ذلك إذا مرض و كل اللَّه به ملكا يكتب له في سقمه ما كان يعمل من الخير في صحّته حتّى يرفعه اللَّه و يقبضه، و كذلك الكافر إذا اشتغل بسقم في جسده، كتب اللَّه له ما كان يعمل من شرّ في صحّته (4).
عليّ بن إبراهيم (5)، [عن أبيه] (6)، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يقول اللَّه- عزّ و جلّ- للملك الموكّل بالمؤمن إذا مرض: اكتب له [ما كنت تكتب له] (7) في صحّته، فإنّي أنا الّذي صيّرته في حبالي.
عدّة من أصحابنا (8)، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الحميد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا صعد ملكا العبد المريض إلى السّماء عند كلّ مساء يقول الرّب- تبارك و تعالى-: ما ذا كتبتما لعبدي في مرضه؟
فيقولان: الشّكاية.
فيقول: ما أنصفت عبدي أن حبسته في حبس [من حبسي] (9) ثمّ أمنعه الشّكاية، اكتبا لعبدي مثل ما كنتما تكتبان له من الخير في صحّته، و لا تكتبا عليه سيّئة حتّى أطلقه من حبسي.
محمّد بن يحيى (10)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن درست قال: سمعت أبا
____________
(1) أي: وجدناه مريضا.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر 3/ 113، ح 2.
(4) ليس في ق.
(5) نفس المصدر 3/ 113، ح 3.
(6) من المصدر.
(7) ليس في ق.
(8) نفس المصدر 3/ 114، ح 5.
(9) ليس في ق.
(10) نفس المصدر 3/ 114، ح 7.
515
إبراهيم يقول: إذا مرض المؤمن أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى صاحب الشّمال: لا تكتب على عبدي ما دام في حبسي و وثاقي ذنبا. و يوحي إلى صاحب اليمين: أن اكتب لعبدي ما كنت تكتب له في صحّته من الحسنات.
أبو عليّ الأشعريّ (1)، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: حمّى ليلة تعدل عبادة سنة، و حمّى ليلتين تعدل عبادة سنتين، و حمّى ثلاث ليال تعدل عبادة سبعين سنة.
قال: قلت: فإن لم يبلغ سبعين سنة؟
قال: فلأمّه و أبيه.
قال (2): قلت: فإنّ لم يبلغا؟
قال: فلقرابته.
قال: قلت: فإن لم تبلغ قرابته؟
قال: فلجيرانه.
و في أصول الكافي (3)، بإسناده إلى محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما يمنع الرّجل منكم أن يبرّ والديه حيّين أو ميتين، يصلّي عنهما (4) و يتصدّق عنهما (5) و يحجّ عنهما و يصوم عنهما، فيكون الّذي صنع لهما و له مثل ذلك، فيزيده اللَّه- عزّ و جلّ- ببرّه و صلته خيرا كثيرا.
و في كتاب الخصال (6): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ليس يتبع الرّجل بعد موته من الأجر إلّا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته إلى يوم القيامة صدقة موقوفة لا تورث، و سنّة هدى سنّها و كان يعمل بها [و عمل بها] (7) من بعده غيره، و ولد صالح يستغفر له.
و في من لا يحضره الفقيه (8): و قال عمر بن يزيد: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أ يصلّى (9) عن الميّت؟
فقال: نعم، حتّى أنّه ليكون في ضيق فيوسّع اللَّه عليه ذلك الضّيق، ثمّ يؤتى
____________
(1) نفس المصدر 3/ 114- 115، ح 9.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) الكافي 2/ 159، ح 7.
4 و 5- كذا في المصدر. و في النسخ: فيهما.
(6) الخصال/ 151، ح 184.
(7) ليس في ق، ش.
(8) الفقيه 1/ 117، ح 554.
(9) ليس في ق.
516
فيقال له: خفف اللَّه (1) عنك هذا الضّيق بصلاة فلان، أخيك، عنك.
قال: فقلت له: فأشرك بين رجلين في ركعتين؟
قال: نعم.
و قال- (عليه السلام)- أيضا (2): و إنّ الميّت ليفرح بالتّرحّم عليه و الاستغفار له، كما يفرح الحيّ بالهديّة [تمهدى إليه] (3).
و قال (4)- (عليه السلام)- ستّة تلحق المؤمن بعد وفاته: ولد (5) يستغفر له، و مصحف يخلّفه، و غرس يغرسه، و صدقة ماء يجربه، و قليب (6) يحفره، و سنّة يؤخذ بها من بعده.
و قال (7)- (عليه السلام)-: من عمل من المسلمين عن ميّت عملا صالحا، أضعف له أجره و نفع اللَّه به الميّت.
و قال (8)- (عليه السلام)-: يدخل على الميّت في قبره الصّلاة و الصّوم و الحجّ و الصّدقة و البرّ و الدّعاء، و يكتب أجره للّذي يفعله و للميّت.
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41)، أي: يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر، فنصب بنزع الخافض.
و يجوز أن يكون مصدرا، و أن تكون الهاء للجزاء المدلول عليه «بيجزى» و الجزاء بدله.
وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42): انتهاء الخلائق و رجوعهم.
و قرئ (9) بالكسر على أنّه منقطع عمّا في الصّحف و كذلك ما بعده.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): و قوله: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال (11): إذا انتهى الكلام إلى اللَّه فأمسكوا، و تكلّموا فيما دون العرش و لا تكلّموا فيما فوق العرش [فإنّ قوما] (12) تكلّموا في ما فوق العرش فتاهت عقولهم حتّى كان الرّجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، و ينادى من خلفه فيجيب من بين يديه.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر، ح 555.
(5) ليس في ق.
(6) أي: بئر.
(7) نفس المصدر، ح 556.
(8) نفس المصدر، ح 557.
(9) أنوار التنزيل 2/ 433.
(10) تفسير القمّي 2/ 338- 339.
11 و 12 ليس في ق، ش.
517
و فيه (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا انتهى الكلام إلى اللَّه. و قال كالكلام السّابق.
و في أصول الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إن اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فإذا انتهى الكلام إلى اللَّه- تعالى- فأمسكوا.
و بإسناده (3) إلى زرارة بن أعين: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إن ملكا عظيم الشّأن كان في مجلس له فتناول الرّبّ- تعالى- ففقد- فما يدرى أين هو.
و بإسناده (4) إلى أبي عبيدة الحذّاء قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا زياد، إيّاك و الخصومات فإنّها تورث الشّكّ و تحبط العمل و تردي صاحبها، و عسى أن يتكلّم بالشّيء فلا يغفر له، إنّه كان فيما مضى تركوا علم ما و كلوا به و طلبوا علم ما كفوه حتّى انتهى كلامهم إلى اللَّه فتحيّروا، حتّى كان الرّجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه و يدعى من خلفه فيجيب من يديه.
و في رواية أخرى (5): حتّى تاهوا في الأرض.
و في كتاب التّوحيد (6): بإسناده إلى عليّ بن حسّان الواسطيّ: عن بعض أصحابنا، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ النّاس قبلنا قد أكثروا في الصّفة، فما تقول؟
فقال: مكروه، أما تسمع اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى تكلّموا فيما دون ذلك.
وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى (43) قيل (7): أي: فعل سبب الضّحك و البكاء من السّرور و الحزن.
[و قيل (8): أضحك أهل الجنّة في الجنّة، و أبكى أهل النّار في النّار.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 25- 26.
(2) الكافي 1/ 92، ح 2.
(3) نفس المصدر/ 93، ح 6.
(4) نفس المصدر/ 92، ح 4.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) التوحيد/ 457- 458، ح 18.
7 و 8- مجمع البيان 5/ 182.
518
و قيل (1): أضحك الأشجار بالأنوار (2)، و أبكى السّحاب بألامطار].
و قيل (3): أضحك المطيع بالرّحمة، و أبكى العاصي بالسّخطة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و أبكى السّماء بالمطر، و أضحك الأرض بالنّبات (5) قال الشّاعر:
كلّ يوم بأقحوان (6) جديد* * * تضحك الأرض من بكاء السّماء
وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا (44): لا يقدر على الإماتة و الأحياء غيره، فإنّ القاتل ينقض البنية (7) و الموت يحصل عنده بفعل اللَّه على العادة.
وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (46):
تدفق في الرّحم، أو تخلق، أو يقدّر منها الولد من مني إذا قدّر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله: مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى قال: تتحول النّطفة إلى الدّم فتكون أوّلا دما، ثمّ تصير النّطفة في الدّماغ في عرق يقال له: الوريد، و تمرّ في فقار الظّهر، فلا تزال تجوز فقرا فقرا حتّى تصير في الحالبين فتصير أبيض، و أمّا نطفة المرأة فإنّها تنزل من صدرها.
و في كتاب الاحتجاج (9) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: قال [أبو محمّد الحسن] (10) العسكري- (عليه السلام)-: سأل عبد اللَّه بن صوريا [رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (11) فقال:
أخبرني عمّن لا يولد له [و من يولد له] (12).
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا اصفرت النّطفة لم يولد له، أي: إذا احمرّت و كدرت، و إذا كانت صافية ولد له.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (47): الإحياء بعد الموت وفاء بالعهد.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ق، ن: بالأنهار.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمّي 2/ 339.
(5) ق: بالمطر.
(6) الإقحوان: نبات له زهر أبيض يشبّهون بها الأسنان، و يسمّونه بالبابونج.
(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 433. و في النسخ:
البينة.
(8) تفسير القمّي 2/ 339.
(9) الاحتجاج/ 43.
(10) ليس في ق، ش، م.
(11) ليس في ق، ش.
(12) من المصدر.
519
و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو: «النّشاءة» بالمدّ و هو- أيضا- مصدر نشأ.
وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى (48): و أعطى القنية، و هي ما يتأثّل من الأموال (2)، و إفرادها لأنّها أشفّ الأموال. أو أرضى، و تحقيقه: جعل الرّضا له فيه.
و قيل (3): أغنى من شاء، و أقنى، أي: أفقر و حرم من شاء.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى السّكوني: عن الصّادق، عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَنَّهُ (هُوَ) أَغْنى وَ أَقْنى قال:
أغنى كلّ إنسان بمعيشته، و أرضاه بكسب يده.
وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (49) قيل (5): يعني: العبور، و هي أشدّ ضياء من الغميصاء، عبدها أبو كبشة أحد أجداد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- [من قبل أمّهاته] (6)، و خالف قريشا في عبادة الأوثان، و لذلك كانوا يسمّون الرّسول ابن أبي كبشة. و لعلّ تخصيصها، للإشعار بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و إن وافق أبا كبشة في مخالفتهم خالفه- أيضا- في عبادتها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى قال: نجم في السّماء يسمّى الشّعرى، كانت قريش و قوم من العرب يعبدونه، و هو نجم يطلع في آخر اللّيل.
وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (50): القدماء، لأنّهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح.
و قيل (8): عاد الأولى قوم هود، و عاد الأخرى إرم.
و قرئ (9): «عاد لولى» بحذف الهمزة و نقل ضمّتها إلى لام التّعريف.
و قرأ (10) نافع و أبو عمرو [في رواية الورش] (11): «و عاد لولى» بإدغام التنوين في اللّام. [و قالون] (12) كذلك، مع جعل (13) الواو همزة.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 433.
(2) ما يدّخر من الأموال لتستثمر.
(3) مجمع البيان 5/ 183.
(4) معاني الأخبار/ 214- 215، ح 1.
(5) أنوار التنزيل 2/ 433.
(6) ليس في المصدر.
(7) تفسير القمّي 2/ 339.
(8) أنوار التنزيل 2/ 433.
9 و 10 نفس المصدر و الموضع.
11 و 12 ليس في المصدر.
(13) ليس في ق.
520
وَ ثَمُودَ: عطف على «عادا» لأنّ ما بعده لا يعمل فيه (1).
و قرأ (2) عاصم و حمزة، بغير تنوين، و يقفان بغير ألف. و الباقون، بالتّنوين، و يقفون بالألف.
فَما أَبْقى (51): الفريقين.
وَ قَوْمَ نُوحٍ: أيضا- معطوف عليه.
مِنْ قَبْلُ: من قبل عاد و ثمود.
إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغى (52): من الفريقين.
قيل (3): لأنّهم كانوا يؤذونه، و ينفرون (4) ينصرون عنه، و يضربونه حتّى لا يكون به حراك.
وَ الْمُؤْتَفِكَةَ: و القرى الّتي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت بأهلها، و هي قوم لوط.
أَهْوى (53): بعد أن رفعها فقلبها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قوله: وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى قال: المؤتفكة البصرة، و الدّليل على ذلك
قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا أهل البصرة، و يا أهل المؤتفكة، و يا جند المرأة و أتباع البهيمة، رغا (6) فأجبتم، و عقر فهربتم، ماؤكم زعاق (7)، و أحلامكم (8) رقاق، و فيكم ختم النّفاق، و لعنتم على لسان سبعين نبيّا. إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخبرني أنّ جبرئيل أخبره، أنّه طوي له الأرض فرأى البصرة أقرب الأرضين من الماء، و أبعدها من السّماء، و فيها تسعة أعشار الشّرّ و الدّاء العضال (9)، المقيم فيها مذنب، و الخارج منها (متدارك) (10) برحمة. و قد ائتفكت بأهلها مرّتين، و على اللَّه تمام
____________
(1) أي لا يعمل «فما أبقى» في «ثمود» إمّا لأجل أنّ الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها و إمّا لأجل أنّ «ما» النافية يمنع العمل فيها لصدارتها، أي لصدارة «ما».
(2) أنوار التنزيل 2/ 433.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) كذا في المصدر. و في ق، ش: ينصرون.
و في سائر النسخ: ينفرونه.
(5) تفسير القمّي 2/ 339- 340.
(6) رغا البعير: صوّت.
(7) الزعاق: المرّ.
(8) كذا في المصدر. و فيه أيضا زيادة:
(أخلاقكم- ط). و في ق، ش، م: أديانكم. و في ن، ت، ي، ر: حلالكم.
(9) أي: الشديد.
(10) من المصدر مع القوسين.
521
الثّالثة [و تمام الثّالثة] (1) في الرّجعة.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: [قوله- عزّ و جلّ-:] (3) وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى.
قال: هم أهل البصرة، هي المؤتفكة.
فَغَشَّاها ما غَشَّى (54): فيه تهويل و تعميم لما أصابهم.
قيل (4): المراد: الحجارة المسوّمة الّتي رموا بها من السّماء.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (55): تتشكّك. و الخطاب للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو لكلّ أحد.
و المعدودات، و إن كانت نعما و نقما، سمّاها آلاء من قبل ما في نقمة (5) من العبر و المواعظ للمعتبرين و الانتقام للأنبياء و المؤمنين.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: بني الكفر على أربع دعائم.
... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و الشّكّ على اربع شعب: على المرية، و الهوى، و التّردّد، و الاستسلام. و هو قوله- تعالى-: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (56)، أي: هذا القرآن نذير من جنس الإنذارات المتقدّمة. أو هذا الرّسول نذير من جنس المنذرين الأوّلين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثنا عليّ بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن معمّر، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى.
____________
(1) ليس في ق، ش.
(2) الكافي 8/ 180، ح 202.
(3) من المصدر.
(4) مجمع البيان 5/ 183.
(5) ق، ش، م: نقمته.
(6) الكافي 2/ 391- 392، ح 1.
(7) تفسير القمّي 2/ 340.
522
قال: إنّ اللَّه لمّا ذرأ (1) الخلق في الذّر الأوّل فأقامهم صفوفا (2) و بعث اللَّه محمّدا، فآمن به قوم، و أنكره قوم، فقال [اللَّه- عزّ و جلّ-] (3): هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى، يعني به محمّدا حيث دعاهم إلى اللَّه في الذّرّ الأوّل.
و في بصائر الدّرجات (4): بعض أصحابنا، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن معمّر، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- [عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-:] (5): هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى.
قال (6): يعني به: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيث دعاهم إلى الإقرار (7) باللَّه في الذّرّ الأوّل.
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57): دنت السّاعة الموصوفة بالدّنوّ، في نحو قوله (8): اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ.
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (58): ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلّا اللَّه، لكنّه لا يكشفها. أو الآن (9)، بتأخيرها إلّا اللَّه. أو ليس لها كاشفة لوقتها إلّا اللَّه (10)، إذ لا يطلّع عليه سواه. أو ليس لها من غير اللَّه كشف، على أنّها مصدر، كالعافية.
أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ، يعني: القرآن. تَعْجَبُونَ (59): إنكارا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): قال عليّ بن إبراهيم في قوله- تعالى-: أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، يعني: ما تقدّم ذكره من الأخبار.
و في مجمع البيان (12): أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، يعني بالحديث: ما تقدّم من الأخبار ... عن الصّادق- (عليه السلام)-.
وَ تَضْحَكُونَ: استهزاء.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ذرّ.
(2) في ق، ش، زيادة: قدّامه.
(3) ليس في ق.
(4) البصائر/ 104- 105، ح 6.
(5) ليس في ق.
(6) ليس في ق.
(7) المصدر: بالإقرار.
(8) القمر/ 1.
(9) عطف على «إذا وقعت»، أي: ليس لها الآن كاشفة- أي: مؤخّرة لها إلى وقتها المعيّن- إلّا اللَّه. فالكشف فيه بمعنى: الرّفع.
(10) الكشف- على هذا القول- بمعنى: الإيضاح.
(11) تفسير القمّي 2/ 340.
(12) المجمع 5/ 184.
523
وَ لا تَبْكُونَ (60): تحزّنا على ما فرّطتم.
وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ (61): لاهون، أو مستكبرون، من سمد البعير في مسيره:
إذا رفع رأسه. [أو مغنّون] (1) لتشغلوا النّاس عن استماعه، من السّمود، و هو الغناء.
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَ اعْبُدُوا (62): أي: و اعبده دون الآلهة.
____________
(1) ليس في ق.
527
سورة القمر
و آياتها خمس و خمسون بالإجماع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة (2) اقتربت السّاعة، أخرجه اللَّه من قبره على ناقة من نوق الجنّة.
و في مجمع البيان (3): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة اقتربت السّاعة في كلّ غبّ (4) عشيّة، بعث يوم القيامة و وجهه على صورة القمر ليلة البدر. و من قرأها كلّ ليلة كان أفضل، و جاء يوم القيامة و وجهه مسفر على وجوه الخلائق.
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (1): هو ما روي، أنّ الكفّار سألوا (5) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- آية، فانشق القمر.
و قيل (6): معناه: سينشقّ القمر يوم القيامة.
و يؤيّد الأوّل، أنّه قرئ: «و قد انشقّ القمر»، أي: اقتربت السّاعة و قد حصل
____________
(1) ثواب الأعمال/ 143، ح 1.
(2) ليس في ق.
(3) المجمع 5/ 184.
(4) كذا في المصدر. أي: يقرأ ليلة و يترك أخرى. و في النسخ: عشيّة.
(5) من هنا إلى موضع سنذكره بعد صفحات، لا يوجد في ي.
(6) أنوار التنزيل 2/ 434.
528
من آيات اقترابها انشقاق القمر.
و في مجمع البيان (1): قال ابن عبّاس: اجتمع المشركون إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين.
فقال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن فعلت تؤمنون؟
قالوا: نعم.
و كانت ليلة بدر، فسأل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر (2) فرقتين و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ينادي: يا فلان [يا فلان] (3)، اشهدوا.
و قال ابن مسعود (4): انشقّ القمر [على عهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5) شقّتين.
فقال لنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اشهدوا اشهدوا.
و روي- أيضا- (6): عن ابن مسعود أنّه قال: و الّذي نفسي بيده، لقد رأيت حراء بين فلقي (7) القمر.
و عن جبير بن مطعم (8) قال: انشقّ القمر على عهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى صار فرقتين على هذا الجبل و على هذا الجبل.
فقال أناس: سحرنا محمّد.
فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر النّاس كلّهم.
و قد روى (9) حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصّحابة، منهم: عبد اللَّه بن مسعود، و أنس بن مالك، و حذيفة بن اليمان و جبير بن مطعم، و ابن عبّاس، و عبد اللَّه بن عمر، و عليه جماعة المفسّرين إلّا ما روي عن عثمان بن عطا عن أبيه أنّه قال: معناه: و سينشقّ القمر ... و روي ذلك عن الحسن، و أنكره- أيضا- البلخيّ. و هذا- أيضا- لا يصحّ، لأنّ المسلمين أجمعوا على ذلك فلا يعتدّ بخلاف من خالف فيه، و لأنّ اشتهاره
____________
(1) المجمع 5/ 186.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: على عهد رسول اللَّه.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ن، ت، ر: فلكي.
8 و 9 نفس المصدر و الموضع.
529
بين الصّحابة يمنع من القول بخلافه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قال: اقتربت القيامة، فلا يكون بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا القيامة و قد انقضت النّبوّة و الرّسالة.
و قوله: وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ فإنّ قريشا سألوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يريهم آية، فدعا اللَّه، فانشق القمر نصفين (2) حتّى نظروا إليه ثمّ التأم.
و فيه (3): و روي- أيضا- في قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قال: خروج القائم- (عليه السلام)-.
حدّثنا (4) حبيب بن الحسن بن أبان الآجريّ (5)، عن محمّد بن هشام، عن محمّد، عن يونس قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: اجتمعوا أربعة عشر (6) رجلا أصحاب العقبة ليلة أربع عشرة (7) من ذي الحجّة، فقالوا للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما من نبيّ إلّا و له آية، فما آيتك في ليلتك هذه؟
فقال النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما الّذي تريدون؟
فقالوا: إن يكن لك عند ربّك قدر فأمر القمر أن ينقطع قطعتين.
فهبط جبرئيل فقال: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ اللَّه يقرئك السّلام و يقول لك: إنّي قد أمرت كلّ شيء بطاعتك.
فرفع رأسه فأمر القمر أن ينقطع قطعتين،] (8) فانقطع قطعتين، فسجد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- شكرا للَّه و سجد شيعتنا، ثمّ رفع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأسه و رفعوا رؤوسهم.
فقالوا: تعيده كما كان. فعاد كما كان.
ثمّ قالوا: ينشقّ (9) رأسه فأمره فانشقّ، فسجد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- شكرا للَّه و سجد شيعتنا.
فقالوا: يا محمّد، حين تقدم أسفارنا (10) من الشّام و اليمن فنسألهم ما رأوا في هذه
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 340.
(2) المصدر: بنصفين.
3 و 4- نفس المصدر/ 340- 341.
(5) ن: الأحمري.
(6) المصدر: أربعة عشر.
(7) ليس في ر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: فرفع.
(9) ليس في ق، ش، م.
(10) المصدر: سفارنا.
530
اللّيلة، فإن يكونوا رأوا مثل ما رأينا علمنا أنّه من ربّك، و إن لم يروا مثل ما رأينا علمنا أنّه سحر سحرتنا به. فأنزل اللَّه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ (إلى آخر السورة).
و في إرشاد المفيد (1): و روى أبو بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث طويل أنّه قال. إذا قام القائم سار إلى الكوفة فهدم فيها أربعة مساجد، و لم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلّا هدمها و جعلها جماء (2)، و وسع الطّريق الأعظم، و كسر كلّ جناح خارج (3) في الطّريق، و أبطل الكنف و الميازيب إلى الطّرقات، و لا يترك بدعة إلّا أزالها و لا سنّة إلّا أقامها، و يفتح قسطنطينة و الصين (4) و جبال الدّيلم، فيمكث على ذلك سبع سنين، مقدار (5) كلّ سنة عشر سنين من سنيكم (6) ثمّ يفعل اللَّه ما يشاء.
قلت: جعلت فداك، كيف تطول السّنون (7)؟
قال: يأمر اللَّه- تعالى- الفلك باللّبوث و قلّة الحركة، فتطول الأيّام لذلك و السّنون.
قال: [قلت] (8) له: إنّهم يقولون: إنّ الفلك إن تغيّر (9) فسد.
قال: ذلك قول الزّنادقة، و أمّا المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، و قد شقّ اللَّه- تعالى- القمر لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و ردّ الشمس] (10) من قبله ليوشع بن نون، و أخبر بطول يوم القيامة و أنّه كألف سنة ممّا تعدّون.
وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا: عن تأمّلها و الإيمان بها.
وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2): مطّرد، و هو يدلّ على أنّهم رأوه قبله آيات اخر مترادفة و معجزات متتابعة حتّى قالوا ذلك. أو محكم، من المرّة، يقال: أمررته فاستمرّ:
إذا أحكمته فاستحكم. أو مستبشع (11)، من استمرّ: إذا اشتدّت مرارته. أو مارّ ذاهب لا يبقى.
____________
(1) الإرشاد/ 344.
(2) كذا في المصدر. أي: ملساء، و هي المستوية. و في النسخ: جما.
(3) ليس في ق، ش.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: العير.
(5) ليس في المصدر.
(6) ق، ش، م، المصدر: سنينكم.
(7) المصدر: كيف يطوّل السنين.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تقر.
(10) ليس في ق.
(11) كذا في أنوار التنزيل 2/ 434. و في ن، ر:
مستتبع. و في ق، ش، م، ت: متشبع.
531
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): فقالوا (2): هذا سحر مستمرّ، أي: صحيح.
وَ كَذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ: و هو ما زيّن لهم الشّيطان من رد الحقّ بعد ظهوره.
و ذكرهما بلفظ الماضي، للإشعار بأنّهما من عادتهم القديمة.
وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3): منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدّنيا و شقاوة أو سعادة في الآخرة فإنّ الشّيء إذا انتهى إلى غاية ثبت و استقرّ.
و قرئ (3) بالفتح، أي: ذو مستقرّ، بمعنى: استقرار. و بالكسر و الجرّ، على أنّه صفة «أمر» و «كلّ» معطوف على «السّاعة».
وَ لَقَدْ جاءَهُمْ: في القرآن.
مِنَ الْأَنْباءِ، أي: أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة.
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4): ازدجار من تعذيب، أو وعيد.
و تاء الافتعال تقلب دالا مع الدّال و الذّال و الزّاي، للتّناسب.
و قرئ (4): «مزّجر» بقلبها زايا و إدغامها.
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ: غايتها، لا خلل فيها. و هي بدل من «ما» أو خبر لمحذوف.
و قرئ (5) بالنصب، حالا من «ما»، فإنّها موصولة أو مخصوصة بالصّفة فيجوز نصب الحال عنها.
فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5): نفي. أو استفهام إنكار، أي: فأيّ غناء تغني النّذر.
و هو جمع، نذير، بمعنى: المنذر، أو المنذر منه، أو مصدر بمعنى: الإنذار.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ: لعلمك أنّ الإنذار لا يغني فيهم.
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ: إسرافيل.
و يجوز أن يكون الدّعاء فيه كالأمر في قوله: «كن فيكون». و إسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتّخفيف. و انتصاب «يوم» ب «يخرجون» أو بإضمار «اذكر».
إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (6): فظيع تنكره النّفوس لأنّها لم تعهد مثله، و هو هول
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 340.
(2) ليس في ق، ش، م.
(3) أنوار التنزيل 2/ 435.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
532
يوم القيامة.
و قرأ (1) ابن كثير: «نكر» بالتّخفيف.
و قرئ (2): «نكر» بمعنى: أنكر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): [و قوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ] (4) يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ قال: الإمام إذا خرج يدعوهم إلى ما ينكرون.
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ، أي: يخرجون من قبورهم خاشعا ذليلا أبصارهم من الهول.
و إفراده و تذكيره، لأنّ فاعله ظاهر غير حقيقيّ التّأنيث.
و قرئ (5): «خاشعة» على الأصل.
و قرأ (6) ابن عامر و ابن كثير و نافع و عاصم: «خشّعا»، و إنّما حسن ذلك و لا يحسن: مررت برجال قائمين غلمانهم، لأنّه ليس على صيغة تشبه الفعل (7).
و قرئ (8): «خشّع أبصارهم» على الابتداء و الخبر، فتكون الجملة حالا.
كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7): في الكثرة و التّموّج و الانتشار في الأمكنة.
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ: مسرعين مادّي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه.
يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8): صعب.
و في روضة الكافي (9)، بإسناده إلى ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يحدّث في مسجد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال: حدّثني أبي أنّه سمع أباه، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يحدّث النّاس، قال:
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 435.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير القمّي 2/ 341.
(4) ليس في ق، ش، م.
5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 435.
(7) قوله: «لأنّه ليس على صيغة تشبه الفعل» به يدخل ما يدلّ على معنى الجمع و التنبيه عليه، كما أنّ القائلين كذلك بخلاف «خشّعا»، فلما لا يحسن: يقدمون غلمانه، لا يحسن: قائمون غلمانه.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) الكافي 8/ 104، ح 79.
533
إذا كان يوم القيامة، بعث اللَّه النّاس من حفرهم عزلا بهما (1) جردا مردا (2) في صعيد [واحد] (3)، يسوقهم النّور و تجمعهم الظلمة حتّى يقفوا على عقبة المحشر، فيركب بعضهم بعضا و يزدحمون دونها، فيمنعون من المضي فتشتدّ أنفاسهم و يكثر عرقهم و تضيق بهم أمورهم و يشتدّ ضجيجهم و ترفع أصواتهم. قال (4) و هو أول هول من أهوال يوم القيامة.
قال: فيشرف الجبّار- تبارك و تعالى- عليهم من فوق عرشه [في ظلال من الملائكة (5)، فيأمر ملكا من الملائكة فينادي:] (6) يا معشر الخلائق، انصتوا و اسمعوا منادي الجبّار.
قال: فيسمع آخرهم، كما يسمع أوّلهم.
قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك، و تخشع أبصارهم، و تضطرب فرائصهم (7)، و تفزع قلوبهم، و يرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصّوت مهطعين إلى الدّاع.
قال: فعند ذلك يقول الكافر: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
(الحديث).
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ: قبل قومك.
فَكَذَّبُوا عَبْدَنا، نوحا. و هو تفصيل بعد إجمال.
و قيل (8): معناه: كذّبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلّما خلا منهم قرن مكذّب تبعه قرن مكذّب. أو كذّبوه بعد ما كذّبوا الرّسل.
وَ قالُوا مَجْنُونٌ: هو مجنون.
وَ ازْدُجِرَ (9): و زجر عن التّبليغ بأنواع الأذيّة.
و قيل (9): [إنّه من جملة قيلهم] (10) أي: هو مجنون، و قد ازدجرته الجنّ و تخبّطته.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مهلا.
(2) «عزلا»، جمع أعزل أي: لا سلاح لهم.
«بهما»، أي: ليس معهم شيء. «جردا»، أي: لا ثياب معهم. «مردا»، أي: ليس لهم لحية.
(3) من المصدر.
(4) ليس في ش، ق.
(5) قال المجلسي (ره): يمكن أن يكون إشراف اللَّه- تعالى- كناية عن توجّهه إلى محاسبتهم، فالإشراف في حقّه مجاز و في حقّ الملائكة حقيقة.
(6) ليس في ن، ت، م، ر.
(7) الفريضة: اللحمة بين الكتف و الصّدر ترتعد عند الفزع.
8 و 9 أنوار التنزيل 2/ 435.
(10) من المصدر.
534
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي: [بأنّي.
و قرئ (1) بالكسر، على إرادة القول] (2).
مَغْلُوبٌ: غلبني قومي.
فَانْتَصِرْ (10): فانتقم لي منهم. و ذلك بعد يأسه منهم، فقد نقل: أنّ الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتّى يخرّ مغشيّا عليه، فيفيق و يقول: اللّهمّ، اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
لبث فيهم نوح ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم سرّا و علانية، فلمّا أبوا و عتوا قال: ربّ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)- كلام لعليّ- (عليه السلام)- يقول فيه- و قد قيل له: لم لا حاربت أبا بكر و عمر، كما حاربت طلحة و الزّبير و معاوية؟-: (5) إنّ لي أسوة بستّة من الأنبياء، أوّلهم نوح حيث قال: ربّ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ. فإن قال قائل: إنّه قال هذا لغير خوف، فقد كفر، و إلّا فالوصي اعذر.
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11): منصبّ. و هو مبالغة و تمثيل لكثرة الأمطار، و شدّة انصبابها.
و قرأ (6) ابن عامر و يعقوب: «ففتّحنا» بالتّشديد لكثرة الأبواب.
وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً: و جعلنا الأرض كأنّها عيون منفجرة. و أصله:
و فجرّنا عيون الأرض، فغيّر للمبالغة.
فَالْتَقَى الْماءُ: ماء السّماء و ماء الأرض.
و قرئ (7): «الماءان» لاختلاف النّوعين. و «الماوان» بقلب الهمزة واوا.
عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12): على حال قدّرها اللَّه في الأزل من غير تفاوت. أو
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في ق، ش.
(3) الكافي 8/ 282- 283، ح 424.
(4) الاحتجاج/ 189.
(5) في ق، ش، زيادة: قال.
(6) أنوار التنزيل 2/ 436.
(7) نفس المصدر و الموضع.
535
على حال قدّرت و سوّيت، و هو أنّ قدر ما انزل من السّماء على قدر ما اخرج من الأرض. أو على أمر قدّره اللَّه، و هو هلاك قوم (1) نوح بالطّوفان.
وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ: ذات أخشاب عريضة.
وَ دُسُرٍ (13): و مسامير، جمع دسار، من الدّسر و هو الدّفع الشّديد. و هي صفة للسّفينة أقيمت مقامها، من حيث أنّها كشرح لها تؤدّي مؤدّاها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أراد اللَّه هلاك قوم نوح. و ذكر حديثا طويلا، و فيه:
فصاحت امرأته لمّا فار التّنور، [فجاء نوح إلى التنّور] (3) فوضع عليها طينا و ختمه حتّى أدخل جميع الحيوان السّفينة، ثمّ جاء إلى التنّور ففضّ (4) الخاتم و رفع الطّين، و انكسف الشّمس، و جاء من السّماء ماء منهمر صبّا بلا قطر، و تفجّرت الأرض عيونا، و هو قوله- تعالى-: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ- إلى قوله- (5): أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ.
و في الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ نوحا لمّا كان في أيّام الطّوفان دعا المياه كلّها فأجابته (7) إلّا ماء الكبريت و الماء المرّ، فلعنهما.
و بإسناده (8) إلى أبي سعيد، عقيصا التيميّ قال: مررت بالحسن و الحسين- (عليهما السلام)- و هما في الفرات مستنقعان (9) في إزارين.
... إلى قوله: ثمّ قالا: إلى أين تريد؟
فقلت: إلى هذا الماء.
فقالا: و ما هذا الماء؟
فقلت: أريد دواءه (10)، أشرب منه لعلّة بي أرجو أن يخفّ له الجسد و يسهّل
____________
(1) ليس في ش، ق.
(2) تفسير القمّي 1/ 326- 327.
(3) ليس في ق، ش، م.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و نقض.
و فضّ ختم الكتاب: كسره و فتحه.
(5) ورد في ن، ت، ي، ر نصّ الآيات.
(6) الكافي 6/ 389، ح 2.
(7) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: فأجاب.
و في سائر النسخ: فأجابت.
(8) نفس المصدر، ح 3.
(9) استنقع فلان في النهر: دخله و مكث فيه يتبرد.
(10) ليس في ق، ش، م. و في سائر النسخ:
دواء. و ما أثبتناه موافق المصدر.
536
البطن.
فقالا: ما نحسب (1) أن اللَّه جعل في شيء قد لعنه شفاء.
قلت: و لم ذلك؟
فقالا: لأنّ اللَّه- تعالى- لمّا آسفه (2) قوم نوح، فتح السّماء بماء منهمر، و أوحى إلى الأرض فاستعصت عليه عيون منها، فلعنها و جعلها ملحا أجاجا.
عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سنان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان أبي يكره أن يتداوى بالماء المرّ و بماء الكبريت، و كان يقول: إنّ نوحا لمّا كان الطّوفان دعا المياه فأجابته كلّها إلّا الماء المرّ و ماء الكبريت، فدعا عليهما و لعنهما.
و في محاسن البرقيّ (4): عنه، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال:
حدّثني أبو سعيد، دينار بن عقيصا (5) التيميّ (6) قال: مررت بالحسن و الحسين- (عليهما السلام)- و هما في الفرات مستنقعان في إزارهما.
فقالا: إنّ للماء سكانا كسكّان الأرض.
ثمّ قالا: أين تذهب؟
فقلت: إلى هذا الماء.
قالا: و ما هذا الماء؟
قلت: ماء نشربه في هذا الحير (7) يخفّ له الجسد، و يخرج الحرّ، و يسهّل البطن، هذا الماء [له سرّ] (8) فقالا: ما نحسب (9) أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- [جعل في شيء ممّا قد لعنه شفاء.
____________
(1) كذا في المصدر. و في ن، ت، ر: ما نحب.
و في سائر النسخ: ما تحب.
(2) أي: أغضبه. إشارة إلى قوله- تعالى-: «فلمّا آسفونا انتقمنا منهم». (الزخرف/ 55)
(3) نفس المصدر/ 390، ح 4.
(4) المحاسن/ 579، ح 46.
(5) كذا في النسخ و المصدر. و الظاهر زيادة لفظة «بن» لأن دينارا كنيته أبو سعيد و لقبه عقيصا، كما في رواية الكافي 6/ 389- 390، ح 3- و قد مرّت آنفا- و جامع الرواة 1/ 312 و 540.
(6) المصدر: التميمي. و في ق، ش: اليتمي.
(7) كذا في المصدر. و في ق، ش: الحين. و في سائر النسخ: الخبر.
و الحير: الموضع الّذي يجتمع فيه الماء.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ما تحب.
537
فقلت: و لم ذاك؟
فقالا: إن اللَّه- تبارك و تعالى-] (1) لمّا آسفه قوم نوح، فتح السّماء بماء منهمر، فأوحى اللَّه إلى الأرض فاستعصت عليه عيون منها، فلعنها فجعلها ملحا أجاجا.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ فأنّى كان موضعه، و كيف كان؟
فقال: كان التّنّور في بيت عجوز مؤمنة، في دبر قبلة (3) ميمنة المسجد.
فقلت له: فإنّ ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم، ثمّ قلت له: و كان بدء خروج الماء من ذلك التّنور؟
فقال: نعم، إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أحبّ أن يري قومه آية، ثمّ إنّ اللَّه أرسل عليهم المطر يفيض فيضا، و فاض الفرات فيضا، و العيون كلّهنّ فيضا، فغرّقهم اللَّه- عزّ ذكره- و أنجى نوحا و من معه في السّفينة.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن هارون (5) بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لم تنزل (6) قطرة من السّماء من مطر إلّا بعدد معدود و وزن معلوم، إلّا ما كان من يوم الطّوفان على عهد نوح فإنّه نزل ماء منهمر بلا وزن و لا عدد.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي رزين (8) الأسديّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ نوحا لمّا فرغ من السّفينة، و كان ميعاده فيما بينه و بين ربّه في إهلاك قومه أن يفور التّنّور، ففار فقالت امرأته: إنّ التّنّور قد فار. فقام إليه فختمه فقام الماء (9)، و أدخل من أراد أن يدخل، و أخرج من أراد أن يخرج، ثمّ جاء إلى خاتمه فنزعه، يقول
____________
(1) من المصدر.
(2) الكافي 8/ 281، 421.
(3) في ن، ت، م، ي، ر، زيادة: المسجد.
(4) نفس المصدر/ 239- 240، ح 326.
(5) ق، ش، م: هود.
(6) المصدر: و لم ينزل.
(7) نفس المصدر/ 281- 282، ح 422.
(8) ق، ش، ن، ي: زرين.
(9) أي: جمد.
538
اللَّه- عزّ و جلّ-: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ- إلى قوله-: أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ.
قال: و كان نجرها في وسط مسجدكم، و لقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع (1).
و في كتاب الاحتجاج (2) للطّبرسي- رحمة اللَّه-: روى عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ نوحا دعا ربّه فهطلت السّماء بماء منهمر.
قال له عليّ (3)- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و كانت دعوته دعوة غضب، و محمّد هطلت له السّماء بماء منهمر [لأنّه- (عليه السلام)-] (4) رحمة [و ذلك] (5) أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول اللَّه، احتبس القطر و اصفرّ العود و تهافت الورق. فرفع يده المباركة إلى السّماء حتّى رأى (6) بياض إبطيه (7)، و ما يرى في السّماء سحابة، فما برح حتّى سقاهم اللَّه، حتّى أنّ الشّابّ المعجب بشبابه لتهمّه (8) نفسه في الرّجوع إلى منزله فما يقدر من شدّة السّيل، فدام أسبوعا.
فأتوه في الجمعة الثّانية فقالوا: يا رسول اللَّه، لقد تهدّمت الجدر و احتبس الرّكب و السّفر.
فضحك- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: هذه سرعة ملالة ابن آدم.
ثمّ قال: اللّهمّ، حوالينا و لا علينا، اللّهمّ، في (9) أصول الشيخ (10) و مراتع البقر (11).
فرأى (12) حول المدينة المطر يقطر قطرا و ما يقع بالمدينة قطرة، لكرامته على اللَّه.
و عن الأصبغ بن نباته (13) قال: قال ابن الكوّاء لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-:
____________
(1) قال العلّامة المجلسي (ره): لعلّ الغرض رفع الاستبعاد عن عمل السفينة في المسجد مع ما اشتهر من عظمها. أي: نقصوا المسجد عمّا كان عليه في زمن نوح سبعمائة ذراع. و يدلّ على أصل النقص أخبار أخر.
(2) الاحتجاج/ 212.
(3) ليس في ق.
(4) ليس في ق، ش، المصدر
(5) من المصدر.
(6) كذا. و الظاهر أن الصحيح: رئي.
(7) المصدر: إبطه.
(8) المصدر: لهمّته.
(9) ق، ش، م: و في.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الشجر.
و الشيخ- بالكسر-: نبت ينبت بالبادية.
(11) المصدر: البقع.
(12) كذا. و الصحيح: رئي.
(13) نفس المصدر/ 260.
539
[أخبرني يا أمير المؤمنين] (1) عن المجرّة (2) الّتي تكون في السّماء.
قال: هي شرح (3) في السّماء و أمان لأهل الأرض من الغرق، و منه أغرق اللَّه قوم نوح بماء منهمر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ قال:
صبّ بلا قطر.
وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ قال: ماء السّماء و ماء الأرض. عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَ حَمَلْناهُ، يعني: نوحا.
عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ قال: ذات ألواح (5) السّفينة، و الدّسر المسامير.
و قيل (6): الدّسر ضرب من الحشيش تشدّ (7) به السّفينة.
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا: بمرأى منّا، أي: محفوظة بحفظنا.
جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14)، أي: فعلنا ذلك جزاء لنوح لأنّه نعمة كفروها، فإنّ كلّ نبيّ نعمة من اللَّه و رحمة على أمّته.
و يجوز أن يكون على حذف الجارّ و إيصال الفعل إلى الضّمير (8).
و قرئ (9): [ «لمن كفر»، أي: للكافرين] (10).
وَ لَقَدْ تَرَكْناها، أي: السّفينة، أو الفعلة آيَةً: يعتبر بها، إذا شاع خبرها و استمرّ.
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15): معتبر.
و قرئ (11): «مذتكر» على الأصل. و «مذّكر» بقلب التّاء ذالا و الإدغام فيها.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (16): استفهام تعظيم و وعيد. و «النّذر» يحتمل
____________
(1) ليس في ق.
(2) المجرّة: منطقة في السّماء، قوامها نجوم كثيرة، لا يميّزها البصر فيراها كبقعة بيضاء.
(3) المصدر: شرج.
(4) تفسير القمّي 2/ 341- 342.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «الألواح» بدل «ذات ألواح».
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) ق، ش، م، ن، ي: تشتدّ. و في المصدر:
شدّ.
(8) فيكون الأصل: «لمن كفر به» فحذف الباء و استتر الضمير في «كفر».
(9) أنوار التنزيل 2/ 436.
(10) ليس في ي.
(11) نفس المصدر و الموضع.
540
المصدر، و الجمع.
وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ: سهّلناه، أو هيّأناه، من يسر ناقته للسّفر: إذا رحّلها.
لِلذِّكْرِ: للإذكار و الاتّعاظ، بأن صرّفنا فيه أنواع المواعظ و العبر. أو للحفظ بالاختصار و عذوبة اللّفظ.
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17): متّعظ.
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (18): و إنذاري (1) لهم بالعذاب قبل نزوله، أو لمن بعدهم في تعذيبهم.
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً: باردا. أو شديد الصّوت.
فِي يَوْمِ نَحْسٍ: شؤم.
مُسْتَمِرٍّ (19): استمر شؤمه. أو استمرّ عليهم حتّى أهلكهم. أو على جميعهم كبيرهم و صغيرهم فلم يبق منهم أحدا. أو أشتدّ مرارته، و كان يوم الأربعاء آخر الشهر.
و في روضة الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب و هشام بن سالم، عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إذا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- أن يعذّب قوما بنوع من العذاب، أوحى إلى الملك الموكّل بذلك النّوع من الرّيح الّتي يريد (3) أن يعذّبهم بها. قال (4): فيأمرها الملك فتهيج (5)، كما يهيج الأسد المغضب.
قال: و لكلّ ريح منهنّ اسم، أما تسمع قوله- تعالى-: كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى عثمان بن عيسى، رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الأربعاء يوم نحس مستمرّ، لأنّه أول يوم و آخر يوم من الأيّام الّتي
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 436. و في النسخ زيادة: أتى.
(2) الكافي 8/ 91، ح 63.
(3) في ق، ش، م، زيادة: اللَّه.
(4) ليس في ق، ش، م، ت.
(5) المصدر: فيهيج.
(6) العلل/ 381، ح 2.
541
قال اللَّه- تعالى-: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً.
و في مجمع البيان (1): يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ قيل: إنّه كان في يوم أربعاء في آخر الشّهر لا يدور ... رواه العيّاشي بالإسناد عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
و في كتاب الخصال (2)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: توقّوا الحجامة و النّورة يوم الأربعاء، فإنّ يوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ، و فيه خلقت جهنّم.
و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: ثمّ قام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و تطيّرنا منه و ثقله، و أيّ أربعاء هو؟
قال: آخر أربعاء في الشّهر، و هو المحاق، و فيه قتل قابيل هابيل (4) أخاه.
... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و يوم الأربعاء أرسل اللَّه- عزّ و جلّ- الرّيح على قوم عاد.
و في من لا يحضره الفقيه (5): عن أبي بصير (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ للَّه- عزّ و جلّ- جنودا من الرّيح يعذّب بها من عصاه و موكّل بكلّ ريح منهنّ ملك مطاع، فإذا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- أن يعذّب قوما بعذاب (7) أوحى اللَّه إلى الملك الموكّل بذلك النّوع من الرّيح الّذي يريد أن يعذّبهم به، فيأمر بها الملك فتهيج، كما يهيج الأسد المغضب. و لكلّ ريح منهنّ اسم، أما تسمع لقول اللَّه- تعالى-: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ.
تَنْزِعُ النَّاسَ: تقلعهم.
روي (8): أنّهم دخلوا في الشّعاب و الحفر و تمسّك بعضهم ببعض، فنزعتهم الرّيح و صرعتهم موتى.
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20): أصول نخل منقلع عن مغارسه، ساقط
____________
(1) المجمع 5/ 190.
(2) الخصال/ 637.
(3) العيون 1/ 193، ح 1.
(4) ليس في ق، ش.
(5) الفقيه 1/ 344، ح 1525.
(6) ت، ي، م، ر، ش، ق: أبي نصر.
(7) ليس في ق.
(8) أنوار التنزيل 2/ 436.
542
على الأرض.
و قيل (1): شبهوا بالأعجاز، لأنّ الرّيح طيّرت رؤوسهم و طرحت أجسادهم.
و تذكير «منقعر» للحمل على اللّفظ، و التأنيث في قوله: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ للمعنى.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (21): كرّره للتّهويل.
و قيل (2): الأوّل لما حاق بهم في الدّنيا، و الثّاني لما يحيق بهم في الآخرة، كما قال- أيضا- في قصّتهم: لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى.
وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23): بالإنذارات و المواعظ، أو الرّسل. و فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا: من جنسنا، أو من جملتنا لا فضل له علينا.
و انتصابه بفعل يفسّره ما بعده.
و قرئ (3) بالرّفع، على الابتداء. و الأوّل أوجه للاستفهام (4).
واحِداً: منفردا لا تبع له. أو من آحادهم دون أشرافهم.
نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (24): جمع سعير، كأنّهم عكسوا عليه فرتّبوا على اتّباعهم إيّاه ما رتّبه على ترك اتّباعهم له.
و قيل (5): السّعر الجنون، و منه: ناقة مسعورة.
و في بصائر الدّرجات (6): عليّ بن حسّان، عن جعفر بن هارون الزّيّات قال:
كنت أطوف بالكعبة فرأيت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقلت في نفسي: هذا هو الّذي يتبع و الّذي هو الإمام، و هو كذا و كذا.
قال: فما علمت به حتّى ضرب يده على منكبي، ثمّ أقبل عليّ و قال: فَقالُوا (7) أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ.
____________
1 و 2- نفس المصدر/ 437.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) لما تقرّر في النحو من أنّ المختار في مثل هذا الاسم النصب إذا كان بعد الاستفهام.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) البصائر/ 260، ح 21.
(7) ليس في المصدر.
543
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ: الكتاب، أو الوحي عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا: و فينا من هو أحقّ منه بذلك.
بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25): حمله بطره على التّرفّع علينا بادّعائه.
سَيَعْلَمُونَ غَداً: بعد نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة.
مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26): الّذي حمله أشره على الاستكبار عن الحقّ و طلب الباطل أصالح أم من كذّبه.
و قرأ (1) ابن عامر و حمزة و رويس: «ستعلمون» على الالتفات، أو حكاية ما أجابهم صالح- (عليه السلام)-.
و قرئ (2): «الأشر»، كقولهم: حذر في حذر.
و «الأشر» الأبلغ في الشّرارة، و هو أصل مرفوض كالأخير.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، [عن أبي بصير] (4) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ- إلى قوله-: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.
قال: هذا كان بما كذّبوا صالحا، و ما أهلك اللَّه قوما قطّ حتّى يبعث إليهم قبل ذلك الرّسل فيحتجّوا عليهم، فبعث اللَّه إليهم صالحا فدعاهم إلى اللَّه فلم يجيبوه و عتوا عليه عتوّا و قالوا: لن نؤمن لك حتّى تخرج لنا من هذه الصّخرة الصمّاء (5) ناقة عشراء (6).
و كانت الصّخرة يعظّمونها و يعبدونها و يذبحون عندها في رأس كلّ سنة و يجتمعون عندها، فقالوا له: إنّ كنت كما تزعم نبيّا رسولا فادع لنا إلهك حتّى يخرج لنا من هذه الصّخرة الصّماء ناقة عشراء.
فأخرجها اللَّه كما طلبوا منه، ثمّ أوحى اللَّه إليه: أن، يا صالح، قل لهم: إنّ اللَّه قد جعل لهذه النّاقة شرب يوم و لكم شرب يوم.
فكانت النّاقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم، فيحلبونها فلا يبقى صغير و لا كبير إلّا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان اللّيل و أصبحوا غدوا إلى مائهم
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 437.
(3) الكافي 8/ 187- 189، ح 214.
(4) ليس في ق، ش.
(5) ليس في ق، ش، المصدر.
(6) العشراء من النوق و نحوها: ما مضى على حملها عشرة أشهر.
544
فشربوا منه ذلك اليوم و لم تشرب النّاقة ذلك اليوم، فمكثوا بذلك ما شاء اللَّه، ثم أنّهم عتوا على اللَّه و مشى بعضهم إلى بعض و قالوا: اعقروا هذه النّاقة و استريحوا منها، لا نرضى أن يكون لها شرب يوم و لنا شرب يوم. ثمّ قالوا: من ذا الّذي يلي قتلها و نجعل له جعلا ما أحبّ؟
فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ولد زنا، لا يعرف له أب، يقال له: قدار، شقيّ من الأشقياء مشؤوم عليهم، فجعلوا له جعلا، فلمّا توجّهت النّاقة إلى الماء الّذي كانت ترده تركها حتّى شربت الماء و أقبلت راجعة، فقعد لها في طريقها فضربها بالسّيف ضربة فلم يعمل شيئا، فضربها ضربة أخرى فقتلها، فخرّت إلى الأرض على جنبها و هرب فصيلها حتّى صعد إلى الجبل، فرغا (1) ثلاث مرّات إلى السّماء، و أقبل قوم صالح فلم يبق أحد إلّا شركه في ضربته و اقتسموا لحمها فيما بينهم، فلم يبق صغير و لا كبير إلّا أكل منها.
فلمّا رأى ذلك صالح أقبل إليهم فقال: يا قوم، ما دعاكم إلى ما صنعتم، أعصيتم ربّكم؟
فأوحى اللَّه إلى صالح- (عليه السلام)-: إنّ قومك قد طغوا و بغوا، و قتلوا ناقة بعثها اللَّه إليهم حجّة عليهم و لم يكن عليهم منها ضرر و كان لهم منها أعظم المنفعة، فقل لهم:
إنّي مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيّام، فإن هم تابوا و رجعوا قبلت توبتهم و صددت عنهم، و إن هم لم يتوبوا و لم يرجعوا، بعثت عليهم عذابي في اليوم الثّالث.
فأتاهم صالح- (عليه السلام)- فقال لهم: يا قوم، إنّي رسول ربّكم إليكم، و هو يقول لكم: إنّ أنتم تبتم و رجعتم و استغفرتم غفرت لكم و تبت عليكم.
فلمّا قال لهم ذلك كانوا أعتا ما كانوا و أخبث، و قالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصّادقين.
قال: يا قوم، إنكم تصبحون غدا و وجوهكم مصفرّة، و اليوم الثّاني و وجوهكم محمرّة، و اليوم الثّالث و وجوهكم مسودّة.
فلمّا كان أوّل يوم، أصبحوا و وجوههم مصفرة، فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا:
قد جاءكم ما قال لكم صالح.
____________
(1) أي: صوّت.
545
فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح و لا نقبل قوله و إن كان عظيما.
فلمّا كان اليوم الثّاني، أصبحت وجوههم محمرّة، فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا: يا قوم، قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح، و لا تركنا آلهتنا الّتي كان آباؤنا يعبدونها، و لم يتوبوا و لم يرجعوا.
فلمّا كان اليوم الثّالث، أصبحوا و وجوههم مسودّة، فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا (1): يا قوم، أتاكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح.
فلمّا كان نصف اللّيل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة، خرقت تلك الصّرخة أسماعهم و فلقت قلوبهم و صدعت أكبادهم، و قد كانوا في تلك الثّلاثة أيّام (2) قد تحنّطوا و تكفّنوا [و علموا] (3) أنّ العذاب نازل بهم، فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم و كبيرهم، فلم يبق لهم ناعقة و لا دراغية (4) و لا شيء إلّا أهلكه اللَّه، فأصبحوا في ديارهم و (5) مضاجعهم موتى أجمعين، ثمّ أرسل اللَّه عليهم مع الصّيحة النّار من السّماء فأحرقتهم أجمعين، و كانت (6) هذه قصّتهم.
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ: مخرجوها و باعثوها.
فِتْنَةً لَهُمْ: امتحانا لهم.
فَارْتَقِبْهُمْ: فانتظرهم، و تبصّر ما يصنعون.
وَ اصْطَبِرْ (27): على أذاهم.
وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ: مقسوم [لها يوم و] (7) لهم يوم.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(2) المصدر: الأيّام.
(3) يوجد في ق، ش، المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في ق: داعية. و في غيرها:
راعيه.
(5) قال العلّامة المجلسي (ره) في مرآة العقول:
النعيق، و هو صوت الراعي بغنمه. أي: لم تبق منهم جماعة يتأتي منهم النعيق. و في بعض النسخ: «فلم يبق لهم ثاغية و لا راغية»- قال الجوهري: ... قولهم: ما له ثاغية و لا راعية، أي:
ماله شاة و لا ناقة. انتهى- و هو الأظهر.
(6) في ن، ت، م، ي، ر، زيادة: كانت.
(7) ليس في ق.
546
و «بينهم» لتغليب العقلاء.
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28): يحضره صاحبه في نوبته، أو يحضر عنه غيره.
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ: قدار (1) بن سالف، أحيمر ثمود.
فَتَعاطى فَعَقَرَ (29): فاجترأ على تعاطي قتلها فقتلها. أو فتعاطى السّيف فقتلها.
و «التّعاطي» تناول الشّيء بتكلّف.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً: صيحة جبرئيل.
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31): كالشّجر اليابس المتكسر، الّذي يتّخذه من يعمل الحظيرة لأجلها. أو كالحشيش اليابس، الّذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشّتاء.
و قرئ (2) بفتح الظّاء، أي: كهشيم الحظيرة، أو الشّجر المتّخذ لها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قال: قدار، الّذي عقر النّاقة.
و قوله: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ.
قال: الحشيش و (4) النّبات.
وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً: ريحا تحصبهم بالحجارة، أي: ترميهم.
إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34): في سحر، و هو آخر اللّيل. أو مسحّرين.
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا: إنعاما منّا. و هو علّة «لنجّينا».
كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35): نعمتنا بالإيمان و الطّاعة.
وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ: لوط.
بَطْشَتَنا: أخذتنا بالعذاب.
____________
(1) ق: قداد.
(2) أنوار التنزيل 2/ 438.
(3) تفسير القمّي 2/ 342.
(4) ليس في المصدر.
547
فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36): فكذّبوا بالنّذر متشاكسين.
وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ: قصدوا الفجور بهم.
فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ: فمسحناها (1) و سوّيناها بسائر الوجه.
روي (2): أنّهم لمّا دخلوا داره عنوة، صفقهم جبرئيل- (عليه السلام)- صفقة فأعماهم.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن داود بن فرقد، عن أبي يزيد الحمّار (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه قصّة قوم لوط و مجيء الملائكة إليهم، و فيه يقول- (عليه السلام)-: فكاثروه حتّى دخلوا البيت، فصاح به جبرئيل و قال: يا لوط، دعهم يدخلوا. فإذا دخلوا، أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم، و هو قول اللَّه- تعالى-: فَطَمَسْنا (5) أَعْيُنَهُمْ.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سعيد قال:
أخبرني زكريّا بن محمّد، عن أبيه، عن عمرو، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا يذكر فيه قصّة قوم لوط و مجيء الملائكة اليهم، و فيه يقول- (عليه السلام)-: فقال له جبرئيل: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ (7). فأخذ كفّا من بطحاء فضرب بها وجوههم و قال: شاهت الوجوه. فعمي أهل المدينة كلّهم.
و الحديثان بتمامهما مذكوران في سورة هود- (عليه السلام)- (8).
و في علل الشّرائع (9)، بإسناده إلى أبي بصير و غيره: عن أحدهما يذكر فيه قصّة لوط و مجيء الملائكة إليهم، و فيه يقول- (عليه السلام)-: فأشار إليهم جبرئيل بيده، فرجعوا عميا يلتمسون الجدار بأيديهم، يعاهدون اللَّه: لئن أصبحنا لا نستبقي أحدا من آل لوط.
فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ (37): فقلنا لهم: ذوقوا، على ألسنة الملائكة أو ظاهر
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 438. و في النسخ:
فمسخناها.
(2) أنوار التنزيل 2/ 438.
(3) الكافي 5/ 548، ح 6.
(4) ق، م: الحمّاد.
(5) في المصدر زيادة: (على)
(6) نفس المصدر/ 546، ح 5.
(7) هود/ 81.
(8) في ن، ت، ي، ر: زيادة «عند القصّة».
(9) العلل/ 552، ح 6.
548
الحال (1).
وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً و قرئ (2): «بكرة» غير مصروفة (3)، على أنّ المراد بها: أوّل نهار معيّن.
عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38): يستقر بهم حتّى يسلمهم إلى النّار.
فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ (39) وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40): كرر ذلك في كلّ قصّة إشعارا بأنّ تكذيب كلّ رسول مقتض لنزول العذاب، و استماع كلّ قصّة مستدع للإذكار و الاتّعاظ و استئنافا للتّنبيه و الإيقاظ لئلّا يغلبهم السّهو و الغفلة، و هكذا تكرير قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ و وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ و نحوهما.
وَ لَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41): اكتفي بذكرهم عن ذكره، للعلم بأنّه أولى بذلك [منهم] (4).
كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها، يعني: الآيات التّسع.
و في الكافي (5): أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسني، عن موسى ابن محمّد العجليّ، عن يونس بن يعقوب، رفعه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها، يعني: الأوصياء كلّهم.
فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ: لا يغالب.
مُقْتَدِرٍ (42): لا يعجزه شيء.
أَ كُفَّارُكُمْ: يا معشر العرب خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ: الكفّار المعدودين قوّة و عدّة، أو مكانه و دينا عند اللَّه.
أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43): أم نزل لكم في الكتب السّماويّة، أنّ من كفر منكم فهو في أمان من العذاب.
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ: جماعة أمرنا مجتمع.
____________
(1) يعني: لم يك قول من اللَّه و لا من الملائكة، بل المراد أنّه فعل بهم ما يدلّ على توبيخهم الّذي هو مضمون ذوقوا عذابي و نذر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 438.
(3) كذا في المصدر. و في ن، ت، م، ي، ر:
منصرف و في غيرها: منصوب.
(4) من أنوار التنزيل 2/ 438.
(5) الكافي 1/ 207، ح 2.
549
مُنْتَصِرٌ (44): ممتنع لا نرام. أو منتصرين من الأعداء لا نغلب. أو متناصر ينصر بعضنا بعضا.
و التّوحيد على لفظ الجمع (1).
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)، أي: الأدبار. و إفراده لإرادة الجنس، أو لأنّ كلّ واحد يولّي دبره. و قد وقع ذلك يوم بدر، و هو من دلائل النّبوّة.
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ: موعد عذابهم الأصليّ، و ما يحيق بهم في الدّنيا فمن طلائعه.
وَ السَّاعَةُ أَدْهى: أشدّ.
و «الدّاهية» أمر فظيع لا يهتدى لدوائه.
وَ أَمَرُّ (46): مذاقا من عذاب الدّنيا.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (47): و نيران في الآخرة.
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ: يجرّون عليها.
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)، أي: يقال لهم: ذوقوا حرّ النّار و ألمها، فإنّ مسّها سبب للتألّم بها.
و «سقر» علم لجهنم، و لذلك لم يصرف، من سقرته النّار [و صقرته] (2): إذا لوّحته.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)، أي: إنّا خلقنا كلّ شيء خلقناه مقدّرا مرتّبا على مقتضى الحكمة، أو مقدّرا مكتوبا في اللّوح قبل وقوعه.
و قيل (3): معناه: خلقنا كلّ شيء على قدر معلوم، فخلقنا اللّسان للكلام و اليد للبطش و الرّجل للمشي و العين للبصر (4) و الأذن للسّماع و المعدة للطّعام، و لو زاد أو نقص عمّا قدرناه لما تمّ الغرض.
____________
(1) يعني: توحيد لفظ «منتصر» و إن كان موصوفه جميعا في المعنى إلّا أنّ لفظه مفرد.
(2) ليس في ق، م، ش. و في ن: و سقرته. و في أنوار التنزيل 2/ 439: صقرقه.
(3) مجمع البيان 5/ 194.
(4) المصدر: للنظر.
550
و قيل (1): معناه: جعلنا لكلّ شيء شكلا [يوافقه و] يصلح [له] (2)، كالمرأة للرّجل، و الأتان (3) للحمار، و ثياب الرّجال للرّجال (4)، و ثياب النّساء للنّساء.
و «كلّ شيء» منصوب بفعل يفسّره ما بعده.
و قرئ (5) بالرّفع، على الابتداء.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّقي (7) أ تدفع من القدر شيئا؟
فقال: هي من القدر.
و قال- (عليه السلام)-: إنّ القدريّة مجوس هذه الأمّة، و هم الّذين أرادوا أن يصفوا اللَّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية: يَوْمَ يُسْحَبُونَ (الآية).
و بإسناده (8) إلى عبد اللَّه بن موسى بن عبد اللَّه بن الحسن: عن أبيه، عن آبائه، عن الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- [عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-] (9) أنّه سئل عن قول اللَّه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ.
فقال: يقول اللَّه- تعالى-: إنّا كلّ شيء خلقناه لأهل النّار بقدر أعمالهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): و قوله- تعالى-: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال:
له وقت و أجل و مدّة.
و بإسناده إلى (11) إسماعيل بن مسلم قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: وجدت لأهل القدر اسما (12) في كتاب اللَّه: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ- إلى قوله-: بِقَدَرٍ فهم المجرمون.
و في ثواب الأعمال (13)، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: أرواح القدريّة تعرض على النّار غدوّا و عشيّا حتّى تقوم السّاعة، فإذا قامت السّاعة عذّبوا مع
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
2 و 3- من المصدر.
(4) الأتان: الحمارة.
(5) أنوار التنزيل 2/ 439.
(6) لم نعثر عليه في كمال الدين بل في التوحيد/ 382، ح 29.
(7) الرّقي: العوذة.
(8) التوحيد/ 383، ح 30.
(9) ليس في المصدر.
10 و 11 تفسير القمّي 2/ 342.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: اسماء.
(13) ثواب الأعمال/ 252، ح 1.
551
أهل النّار بأنواع (1) العذاب، فيقولون: يا ربّنا، عذّبتنا خاصّة و تعذّبنا (2) عامّة. فيردّ عليهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ.
عن يونس (3)، عمّن حدثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما أنزل اللَّه هذه الآيات إلّا في القدريّة: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ- إلى قوله-: خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ.
عن محمّد بن موسى بن المتوكّل (4)، عن عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب (5)، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة بن أعين و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في القدريّة:
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ.
و بإسناده (6) إلى ابن أبي بكير (7): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ في جهنّم لواديا للمتكبّرين يقال له: سقر، شكا إلى اللَّه شدّة حرّه و سأله أن يأذن له أن يتنفس، فتنفّس فأحرق جهنّم.
وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ: إلّا فعلة واحدة، و هو الإيجاد بلا معالجة و معاناة. أو إلّا كلمة واحدة، و هو قوله- تعالى-: كُنْ.
كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50): في اليسر و السّرعة.
وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ: أشباهكم في الكفر ممّن قبلكم.
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51): متّعظ.
وَ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52): مكتوب في كتب الحفظة.
وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ: من الأعمال مُسْتَطَرٌ (53): مسطور في اللّوح.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ (54): أنهار، و اكتفي باسم الجنس. أو سعة. أو ضياء من النّهار.
و قرئ (8): «نهر» بضمّ الهاء، جمع نهر، كأسد و اسد.
____________
(1) المصدر: بألوان.
(2) كذا في المصدر. و في ن، ت، ي، ر:
فعذّبنا و في غيرها: فعذّبتنا.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(4) نفس المصدر/ 253، ح 5.
(5) كذا في المصدر و رجال النجاشي/ 897. و في النسخ: محمّد بن الحسن بن الخطّاب.
(6) نفس المصدر/ 265، ح 7.
(7) ق، ش: ابن أبي بكر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 439. و في مجمع البيان 5/ 193: و قراءة زهير و القرقني و الأعمش «و نهر» بضمّتين.
552
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ: في مكان مرضيّ.
و قرئ (1): «مقاعد صدق».
عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55): مقرّبين عند من تعالى أمره في الملك و الاقتدار بحيث أبهمه ذو و الإفهام.
و في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)- بعد أن ذكر التّقوى: و فيه جماع كلّ عبادة صالحة، و به وصل من وصل إلى الدّرجات العلى (3)، و به عاش من عاش بالحياة الطّيبة و الأنس الدّائم، قال- تعالى-: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ (الآية).
و في شرح الآيات الباهرة (4): قال أبو جعفر الطّوسي: روينا بالإسناد إلى جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [لعلي- (عليه السلام)-: يا عليّ، من أحبّك و تولّاك أسكنه اللَّه معنا في الجنّة. ثمّ تلا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5): إِنَّ الْمُتَّقِينَ (الآية).
محمّد بن العبّاس (6)، عن محمّد بن عمر بن أبي شيبة، عن زكرياء بن يحيى، عن عمرو (7) بن ثابت، عن أبيه، عن (8) عاصم بن ضمرة قال: إنّ جابر بن عبد اللَّه قال: كنّا عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في المسجد، فذكر بعض أصحابه الجنّة.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أوّل أهل الجنّة دخولا إليها عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال أبو دجانة الأنصاري: يا رسول اللَّه،- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أليس] (9) أخبرتنا أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى تدخلها، و على الأمم حتّى تدخلها أمّتك؟
فقال: بلى، يا أبا دجانة، أما علمت أن للَّه لواء من نور و عمودا من نور خلقهما اللَّه قبل أن يخلق السّموات و الأرض بألفي عام، مكتوب على ذلك اللّواء (10): لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، خير البريّة آل محمّد. صاحب اللّواء عليّ- (عليه السلام)- و هو إمام
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 439.
(2) مصباح الشريعة/ 163.
(3) في المصدر زيادة: و الرتبة القصوى.
(4) تأويل الآيات 2/ 629- 630، ح 2.
(5) ليس في ن.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 12/ 618، و في النسخ: عمر.
(8) ليس في ن، ت، م، ش، ي، ر.
(9) من المصدر مع المعقوفتين.
(10) يوجد في ن، ت، ي، ر.
553
القوم.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: الحمد للَّه الّذي هدانا بك، يا رسول اللَّه، و شرّفنا.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أبشر، يا عليّ،- (عليه السلام)- ما من عبد ينتحل مودّتك إلّا بعثه اللَّه معنا يوم القيامة.
و جاء في رواية أخرى (1): يا عليّ، أما علمت أنّه من أحبّنا و انتحل مودّتنا (2) أسكنه اللَّه معنا؟ و تلا هذه الآية: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
____________
(1) تأويل الآيات 2/ 629- 630، ح 2.
(2) في ن، ت، ي، ر، المصدر: محبّتنا.
557
سورة الرّحمن
مكّيّة، أو مدنيّة، [أو متبعّضة] (1).
و آياتها ستّ أو سبع أو ثمان و سبعون (2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في ثواب الأعمال (3): بإسناده (4) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لا تدعوا قراءة سورة الرّحمن و القيام بها، فإنّها لا تقرّ في قلوب المنافقين، و يؤتى بها (5) يوم القيامة في صورة آدميّ في أحسن صورة و أطيب ريح حتّى تقف (6) من اللَّه موقفا لا يكون أحد أقرب إلى اللَّه منها، فيقول لها: من الّذي كان يقوم بك في الحياة الدّنيا و يدمن قراءتك؟
فتقول (7): يا ربّ، فلان و فلان. فتبيضّ وجوههم، فيقول لهم: اشفعوا فيمن أحببتم.
فيشفعون حتّى لا يبقى لهم غاية و لا أحد يشفعون [له، فيقول] (8) لهم: ادخلوا الجنّة و اسكنوا فيها حيث شئتم.
و بإسناده (9): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الرّحمن فقال عند كلّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ: لا بشيء من آلائك ربّ (10) أكذب، فإن قرأها ليلا
____________
(1) ليس في ت.
(2) في ت زيادة: أو متبعضة.
(3) ثواب الأعمال/ 143- 144، ح 1.
(4) يوجد في ن، ت، م، ي، ر.
(5) المصدر: يأتي بها ربّها.
(6) المصدر: يقف.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.
(8) من المصدر.
(9) ثواب الأعمال/ 144، ح 2.
(10) ليس في ر.
558
ثمّ مات مات شهيدا، و إن قرأها نهارا ثمّ مات (1) مات شهيدا.
و في مجمع البيان (2): ابيّ بن كعب، [عن النّبيّ] (3)- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال (4):
من قرأ الرّحمن رحم اللَّه ضعفه، و أدّى شكر ما أنعم اللَّه عليه.
و روي (5)، عن موسى بن جعفر، عن آبائه- (عليهم السلام)- [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (6) قال: لكلّ شيء عروس، و عروس القرآن سورة الرّحمن.
و عن الصّادق- (عليه السلام)- (7) قال: من قرأ سورة الرّحمن ليلا يقول عند كلّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ: لا بشيء من آلائك ربّ (8) أكذّب، و كلّ اللَّه به ملكا، و إن قرأها من أوّل اللّيل (9) يحفظه حتّى يصبح، و إن قرأها حين يصبح و كلّ اللَّه به ملكا ان (10) يحفظه حتّى يمسي.
و في الكافي (11): الحسين بن محمّد، عن عبد اللَّه بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن محمّد بن يحيى، عن حمّاد بن عيسى (12) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: يستحبّ أن تقرأ (13) في دبر الغداة يوم الجمعة الرّحمن كلّها، ثمّ تقول (14) كلّما قلت: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ: لا بشيء من آلائك ربّ (15) أكذّب.
الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) لمّا كانت السّورة مقصورة على تعداد النّعم الدّنيويّة و الأخرويّة، صدّرها بالرّحمن. و قدّم ما هو أصل النّعم الدّينيّة و أجلّها (16). و هو إنعامه بالقرآن و تنزيله و تعليمه، فإنّه أساس الدّين، و منشأ الشّرع، و أعظم الوحي، و أعزّ الكتب السّماويّة، إذ هو
____________
(1) المصدر: فمات.
(2) المجمع 5/ 195.
(3) ليس في ن، ت، ر.
(4) ليس في ي. و في ن، ت، ر، المصدر زيادة: قال رسول اللَّه.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) يوجد في ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) المصدر: يا ربّ.
(9) المصدر: في أوّل الليل. و في ن، ت، م، ي، ر: ليلا.
(10) ليس في المصدر.
(11) الكافي 3/ 429، ح 6.
(12) في ن، ت، ي، ر، المصدر: حمّاد بن عثمان.
(13) كذا في المصدر. و في النسخ: يقرأ.
(14) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.
(15) ي: يا ربّ.
(16) يوجد في ن، ت، ر. و في ي: لأجلها.
559
بإعجازه و اشتماله على خلاصتها مصدّق لنفسه و مصداق (1) لها. ثمّ أتبعه قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4): إيماء بأنّ خلق البشر و ما تميّز به عن سائر الحيوان من البيان، و هو التّعبير عمّا في الضّمير و إفهام الغير لما أدركه، لتلقّي الوحي و تعرّف الحقّ و تعلّم الشّرع.
و إخلاء الجمل الثّلاث، الّتي هي أخبار مترادفة للرّحمن، عن العاطف لمجيئها على نهج التّعدّد (2).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قوله- تعالى-: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ قال: جوابه: الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ.
و في مجمع البيان (4): عَلَّمَهُ الْبَيانَ قال الصّادق- (عليه السلام)-: البيان الاسم الأعظم الذي به علم كلّ شيء.
و في شرح الآيات الباهرة (5): [محمّد بن العباس، حدّثنا] (6) الحسن بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن يعقوب، عن غير واحد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سورة الرّحمن فينا من أوّلها إلى آخرها.
و روى (7)- أيضا-: عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم ابن هاشم، عن عليّ بن معبد (8)، عن الحسين بن خالد، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال:
سألته عن قول اللَّه- تعالى-: الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ.
قال: اللَّه علم القرآن.
قلت: فقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ؟
قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، علّمه اللَّه بيان كلّ شيء يحتاج إليه
____________
(1) كذا في ن، ت، ي، ر. و في غيرها:
مصدّق.
(2) ن، ت، ي، ر: التعديد. أقول: لعلّ مجيئها على النهج المذكور للإشعار بأنّ كلّ واحد منها مستقلّ بكونه خبرا لا يحتاج إلى الجمع بينهما بخلاف ما لو جيء بها على طريق العطف فانّه لا إشعار للعطف بما ذكر.
(3) تفسير القمّي 2/ 115.
(4) مجمع البيان 5/ 197.
(5) تأويل الآيات 2/ 630، ح 1.
(6) يوجد في ن، ت، ي، ر، المصدر.
(7) نفس المصدر و المجلّد/ 630- 631، ح 2.
(8) ق، ش: سعيد.
560
النّاس.
و يؤيّده (1):
ما رواه (2) صاحب الاحتجاج، بإسناده إلى عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، ذكر حديثا مسندا يرفعه إلى حمّاد اللّحّام قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: نحن، و اللَّه، نعلم ما في السّموات و ما في الأرض و ما في الجنّة و ما في النّار و ما بين ذلك.
قال حمّاد: فنهضت إليه النّظر.
فقال: يا حمّاد، إنّ ذلك في كتاب اللَّه يقولها ثلاثا. ثمّ تلا هذه الآية: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ إنّه من كتاب اللَّه (3) الّذي فيه تبيان كلّ شيء.
[فمعنى قوله: إنّه من كتاب اللَّه، [أي: أنّ الّذي نعلمه من كتاب اللَّه] (4) الّذي فيه تبيان كلّ شيء يحتاج النّاس إليه] (5).
و يعضده (6)
ما رواه أيضا (7) بحذف الإسناد مرفوعا إلى أبي حمزة الثّماليّ قال: قلت لمولاي، علي بن الحسين- (عليه السلام)-: [أسألك عن شيء أنفي (8) به عنّي ما خامر نفسي.
قال: ذلك (9) إليك.
قلت:] (10) أسألك عن الأوّل و الثّاني.
قال: عليهما لعائن اللَّه كلّها، مضيا و اللَّه، مشركين كافرين باللَّه العظيم.
قال: قلت: يا مولاي، و الأئمّة منكم يحيون الموتى و يبرءون الأكمه و الأبرص و يمشون على الماء؟
____________
(1) المصدر: يؤيّد هذا التأويل.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 631، ح 3 و في هامشه: لم نجده في الاحتجاج نعم رواه العياشي في تفسيره 2/ 266، ح 57 و عنه البحار 92/ 101، ح 77 و البرهان 2/ 380، ح 15.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: أي أنّ الّذي نعلمه.
(4) من المصدر.
(5) يوجد في ن، ت، ي، ر.
(6) نفس المصدر و المجلّد/ 631، ح 4.
(7) ليس في المصدر.
(8) المصدر: تنفي.
(9) في المصدر، ر: ذاك.
(10) ليس في ي.
561
قال- (عليه السلام)-: ما أعطى اللَّه نبيّا شيئا إلّا أعطى محمّدا مثله، و أعطاه ما لم يعطهم و ما لم يكن عندهم، و كلّما كان عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقد أعطاه أمير المؤمنين، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ إماما بعد إمام إلى يوم القيامة، مع الزّيادة الّتي تحدث في كلّ سنة و في كلّ شهر و في كلّ يوم.
الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5): يجريان بحساب معلوم مقدّر في بروجهما و منازلهما، و يتسق بذلك أمور الكائنات السّفليّة، و تختلف الفصول و الأوقات، و يعلم السّنون و الحساب.
وَ النَّجْمُ: و النّبات الّذي ينجم، أي: يطلع من الأرض و لا ساق له.
وَ الشَّجَرُ: و الّذي له ساق.
يَسْجُدانِ (6): ينقادان للَّه- تعالى- فيما يريد بهما طبعا انقياد السّاجدين من المطيعين طوعا.
و كان حقّ النّظم في الجملتين أن يقال: و أجرى الشّمس و القمر و أسجد النّجم و الشّجر، أو الشّمس و القمر بحسبانه و النّجم و الشّجر يسجدان له. ليطابقا ما قبلهما و ما بعدهما في اتّصالهما بالرّحمن، لكنّهما جرّدتا عمّا يدلّ على الاتصال إشعارا بأنّ وضوحه يغنيه عن البيان، و إدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدّلالة على أن ما يحسّ به من تغيّرات أحوال الأجرام العلويّة و السّفليّة بتقديره و تدبيره.
وَ السَّماءَ رَفَعَها: خلقها مرفوعة محلّا و رتبة، فإنّها منشأ أقضيته و متنزل أحكامه و محلّ ملائكته.
و قرئ (1)، بالرّفع، على الابتداء.
وَ وَضَعَ الْمِيزانَ (7): العدل، بأن وفّر على كلّ مستعد مستحقّه و وفّى كلّ ذي حقّ حقّه [حتّى] (2) انتظم أمر العالم و استقام، كما
قال- (عليه السلام)-: بالعدل قامت السّموات و الأرض.
أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان و مكيال و نحوهما، كأنّه لمّا وصف
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 440.
(2) من نفس المصدر و الموضع.
562
السّماء بالرّفعة (1) من حيث أنّها مصدر القضايا (2) و الأقدار، أراد وصف الأرض بما فيها ممّا يظهر به التّفاوت و يعرف به المقدار و يسوّى به الحقوق و المواجب.
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8): لأن لا تطغوا فيه، أي: لا تعتدوا و لا تجاوزوا الإنصاف.
و قرئ (3): «لا تطغوا» على إرادة القول (4).
وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9): و لا تنقصوه، فإنّ من حقّه أن يسوّى، لأنّه المقصود من وضعه و تكريره مبالغة في التّوصية به و زيادة حثّ على استعماله.
و قرئ (5): «و لا تخسروا» بفتح التّاء و ضمّ السّين و كسرها و فتحها، على أنّ الأصل: «و لا تخسروا في الميزان» فحذف الجارّ و أوصل الفعل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن الرّضا- (عليه السلام)- في قوله: الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ قال: اللَّه علّم [محمّدا] (7) القرآن.
قلت: خَلَقَ الْإِنْسانَ؟
قال: ذلك أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
قلت: عَلَّمَهُ الْبَيانَ؟
قال: علّمه بيان (8) كلّ شيء يحتاج إليه النّاس.
قلت: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ؟
قال: هما يعذّبان (9).
قلت: الشّمس و القمر يعذّبان؟
قال: سألت عن شيء فأتقنه، إنّ الشّمس و القمر آيتان من آيات اللَّه يجريان (10)
____________
(1) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
بالرفعة الّتي هي.
(2) ق، مقادير مصدر القضايا.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) فيكون «لا» للنّهي.
(5) أنوار التنزيل 2/ 440.
(6) تفسير القمّي 2/ 343.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: تبيان.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: بعذاب اللَّه.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: تجريان.
563
بأمره مطيعان له ضوؤهما من نور عرشه و حرّهما من جهنّم، فإذا كانت القيامة عاد إلى العرش نورهما و عاد إلى النّار حرّهما، فلا يكون شمس و لا قمر، و إنما عناهما- لعنهما اللَّه-. أو ليس قد روى النّاس أن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ الشّمس و القمر نوران في النّار؟
قلت: بلى.
قال: أما سمعت قول النّاس: فلان و فلان شمس (1) هذه الأمّة و نورها (2)؟ فهما في النار، و اللَّه، ما عنى غيرهما.
قلت: النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ؟
قال: النّجم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد سمّاه اللَّه في غير موضع، فقال:
وَ النَّجْمِ إِذا هَوى. و قال: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. فالعلامات الأوصياء، و النّجم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قلت: يَسْجُدانِ؟
قال: يعبدان.
قلت: وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ؟
قال: السّماء رسول اللَّه رفعه اللَّه إليه، و الميزان أمير المؤمنين نصب لخلقه.
قلت: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ؟
قال: لا تعصوا الإمام.
قلت: وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ؟
قال: أقيموا الإمام بالعدل.
قلت: وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ؟
قال: لا تبخسوا الإمام حقّه [و لا تظلموه] (3).
و في شرح الآيات الباهرة (4): حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن الحسن بن عليّ ابن مروان (5)، عن سعيد بن عثمان، عن داود الرقيّ (6) قال: سألت أبا عبد اللَّه- عليه
____________
(1) المصدر: شمسا.
(2) ق: نورهما.
(3) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(4) تأويل الآيات 2/ 632- 633، ح 5.
(5) المصدر: مهران.
(6) في ق، م، ش: البرقيّ.
564
السّلام- عن قول اللَّه: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ.
قال: يا داود، سألت عن أمر فاكتف بما يرد عليك، إنّ الشّمس و القمر آيتان من آيات اللَّه يجريان بأمره، ثمّ إنّ اللَّه ضرب ذلك مثلا لمن وثب علينا و هتك حرمتنا [و ظلمنا حقّنا] (1)، قال: هما بحسبان، قال: هما في عذابي.
قال (2): قلت: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ؟
قال: النّجم رسول اللَّه، و الشجر أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- لم يعصوا اللَّه طرفة عين.
قال: قلت: وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ؟
قال: السّماء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قبضه اللَّه ثمّ رفعه إليه، وَ وَضَعَ الْمِيزانَ الميزان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و نصبه لهم من بعده.
قلت: أَلَّا تَطْغَوْا فِي [الْمِيزانِ؟ قال: لا تطغوا] (3) الإمام بالعصيان و الخلاف.
قلت: وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ؟
قال: أطيعوا الإمام بالعدل (4) و لا تبخسوه حقّه.
[معنى قوله: «هما بحسبان (5): أي (6): هما في عذابي. فالحسبان بالضم لغة العذاب و منه قوله تعالى: وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ (الآية) و الضمير في قوله:
هما، راجع إلى من وثب عليهم، و هما الأوّل و الثاني] (7).
وَ الْأَرْضَ وَضَعَها: خفضها مدحوّة.
لِلْأَنامِ (10): للخلق.
و قيل (8): «الأنام» كلّ ذي روح.
و في الخصال (9): عن عليّ- (عليه السلام)- قال: خلقت الأرض لسبعة، بهم يرزقون و بهم يمطرون و بهم ينصرون: أبو ذر، و سلمان، و المقداد، و عمّار، و حذيفة، و عبد اللَّه بن مسعود، قال عليّ- (عليه السلام)-: و أنا إمامهم، و هم الّذين شهدوا الصّلاة على فاطمة
____________
(1) من، ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(2) من، ن، ت، ي، ر، المصدر.
(3) من، ت، م، ي، ر، المصدر.
(4) من، ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
5 و 6- ليس في النسخ.
(7) من، ن، ت، ي، ر، المصدر.
(8) أنوار التنزيل 2/ 441.
(9) الخصال 2/ 361، ح 50.
565
- (عليها السلام)-.
فِيها فاكِهَةٌ: ضروب ممّا يتفكّه به.
وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (11): أوعية التّمر، جمع، كمّ. أو كلّ ما يكمّ، أي: يغطّى من ليف و سعف و كفرى، فإنّه ينتفع به كالمكموم، كالجذع و الثّمرة (1).
و في الكافي (2): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و غيرهما، بأسانيد مختلفة، في احتجاج أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملاء و شكاه أخوه الرّبيع بن زياد إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قد غمّ أهله و أحزن ولده بذلك، فقال [أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (3): عليّ بعاصم بن زياد. فجيء به، فلمّا رآه عبّس في وجهه، فقال له: أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك، أ ترى اللَّه أحلّ لك الطّيبات و هو يكره أخذك منها، أنت أهون على اللَّه من ذلك، أو ليس اللَّه يقول: وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ
(الحديث) و ستقف عليه بتمامه عند قوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ. (الآية).
وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ، كالحنطة و الشّعير و سائر ما يتغذّى به.
و «العصف» ورق النّبات اليابس، كالتّبن.
وَ الرَّيْحانُ (12)، يعني: المشموم. أو الرّزق، من قولهم: خرجت أطلب ريحان اللَّه.
و قرأ (4) ابن عامر: «و الحبّ ذا العصف و الرّيحان»، يعني: و خلق الحبّ و الرّيحان، أو أخصّ (5). و يجوز أن يراد: و ذا الرّيحان، فحذف المضاف.
و قرأ (6) حمزة و الكسائيّ: «و الرّيحان» بالخفض، و الباقون بالرّفع. و هو فيعلان، من الرّوح، فقلبت الواو ياء و ادغم ثم خفّف.
و قيل (7): روحان، فقلبت واوه ياء للتّخفيف.
____________
(1) ن، ت، م، ي، ر: للجذع و التّمرة.
(2) الكافي 1/ 410- 411، ح 3.
(3) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(4) أنوار التنزيل 2/ 441.
(5) يعني: يكون المقدّر هو أخصّ.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) نفس المصدر و الموضع.
566
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله: وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ قال: للنّاس.
فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ قال: يكبر ثمر النّخل في القمع (2) ثمّ يطلع منه.
قوله: وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ قال: «الحبّ» الحنطة و الشّعير و الحبوب، و «العصف» التّبن (3)، و «الرّيحان» ما يؤكل منه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13): الخطاب للثّقلين، المدلول عليها، بقوله: «للأنام»، و قوله: «أيّها الثّقلان».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قال: في الظّاهر مخاطبة الجنّ و الإنس، و في الباطن فلان و فلان.
حدّثنا أحمد بن عليّ (5)، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين عن، محمّد بن أسلم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
قال: قال اللَّه: فبأيّ النّعمتين تكفران؟ بمحمّد أم عليّ- (صلوات اللّه عليهما)-.
و في الكافي (6): الحسين بن محمّد، عن معلّى [بن محمّد] (7)، رفعه، في قول اللَّه:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أبا لنّبيّ أم بالوصي، نزلت في الرّحمن.
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) «الصّلصال» (8) الطّين اليابس الّذي له صلصلة، و «الفخّار» الخزف. و قد خلق اللَّه آدم من تراب جعله طينا ثمّ حمأ مسنونا ثمّ صلصالا، فلا يخالف ذلك قوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ و نحوه.
وَ خَلَقَ الْجَانَ: الجنّ. أو أبا الجنّ.
مِنْ مارِجٍ: من صاف من الدّخان.
مِنْ نارٍ (15): بيان «لمارج»، فإنّه في الأصل للمضطرب، من مرج: إذا
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 343- 344.
(2) القمع: ما التزق بأسفل التّمرة و البسرة و نحوهما.
(3) المصدر: التين.
4 و 5- تفسير القمّي 2/ 334.
(6) الكافي 1/ 217، ح 2.
(7) من المصدر.
(8) من، ن، ت، ي، ر.
567
اضطرب.
و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و سأله عن اسم أبي الجنّ.
فقال: شومان، و هو الّذي خلق من مارج من نار.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16): ممّا أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتّى صيّركما أفضل المركّبات و خلاصة الكائنات.
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17): مشرقي الشّتاء و الصّيف.
و مغربيهما.
و في الاحتجاج (2) للطبرسي- (رحمه اللّه)- حديث طويل، و فيه: و أمّا قوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فإنّ مشرق الشّتاء على حدة [و مشرق الصيف على حدة (3)] (4)، أما تعرف ذلك (5) من قرب الشّمس و بعدها. و أمّا قوله: بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ فإنّ لها ثلاثمائة و ستّين برجا، تطلع كلّ يوم من برج و تغيب في آخر، فلا تعود إليه إلّا من قابل في ذلك اليوم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)- (رحمه اللّه)- في قوله- تعالى-: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ قال: مشرق الشّتاء و مشرق الصّيف، و مغرب الشّتاء و مغرب الصّيف.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18): ممّا في ذلك من الفوائد الّتي لا تحصى، كاعتدال الهواء، و اختلاف الفصول، و حدوث ما يناسب كلّ فصل فيه إلى غير ذلك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): و في رواية سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ.
قال: المشرقين رسول اللَّه و أمير المؤمنين، و المغربين الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- و في (8) أمثالهما تجري.
____________
(1) العيون 1/ 189، ح 1.
(2) الاحتجاج 1/ 259.
(3) كذا في المصدر. و في ن، ت، م، ي، ر:
الحدة.
(4) من ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(5) المصدر: بذلك.
(6) تفسير القمّي 2/ 344.
(7) تفسير القمّي 2/ 344.
(8) ليس في ن، ت، م، ي، ر.
568
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قال: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و علي- (عليه السلام)-.
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: أرسلهما، من مرج الدّابّة: إذا أرسلها، و المعنى: أرسل البحر الملح و البحر العذب.
يَلْتَقِيانِ (19): يتجاوزان و يتماسّ سطوحهما. أو بحري فارس و الرّوم يلتقيان في المحيط، لأنّهما خليجان يتشعّبان منه.
و في المناقب (1) لابن شهر آشوب، بعد أن ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّا و فاطمة- (عليهما السلام)-: و روي أنّه قال: مرحبا ببحرين يلتقيان، و نجمين يقترنان.
بَيْنَهُما بَرْزَخٌ: حاجز من قدرة اللَّه- تعالى-. أو من الأرض.
لا يَبْغِيانِ (20): لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة و إبطال الخاصّيّة. أو لا يتجاوزان حدّيهما بإغراق ما بينهما.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (22): كبار الدّرّ و صغاره.
و قيل (2): «المرجان» الخرز الأحمر، و إن صحّ أنّ الدّرّ يخرج من الملح، فعلى الأوّل إنّما قال: «منهما»، لأنّه يخرج من مجتمع الملح (3) و العذب. أو لأنّهما لمّا اجتمعا صارا (4) كالشّيء الواحد، فكأن (5) المخرج من أحدهما كالمخرج منهما.
و قرأ (6) نافع و أبو عمرو و يعقوب: «يخرج».
و قرئ (7): «نخرج»، و «يخرج» بنصب اللّؤلؤ و المرجان.
و في قرب الإسناد (8) للحميريّ، بإسناده إلى أبي البختريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ قال:
من ماء السّماء و من ماء البحر، فإذا مطرت فتحت الأصداف أفواهها في البحر فيقع فيها من ماء المطر، فتخلق اللّؤلؤة الصّغيرة من القطرة الصّغيرة و الكبيرة من القطرة الكبيرة.
____________
(1) المناقب 3/ 355.
(2) أنوار التنزيل 2/ 441- 442.
(3) من ن، ت، م، ش، ي، ر، المصدر.
(4) المصدر: صار.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و كان.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) أنوار التنزيل 2/ 441- 442.
(8) قرب الإسناد/ 64.
569
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه، عن سعد بن عبد اللَّه، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن يحيى بن سعيد العطّار (2) قال:
سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول في قول اللَّه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ قال: عليّ و فاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه.
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ قال: الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.
و في الكافي (3): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، ذكرنا أوّله عند قوله:
وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ و يتّصل بآخر ما نقلنا هناك، أعني: قوله: ذاتُ الْأَكْمامِ. أو ليس [اللَّه] (4) يقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [إلى قوله] (5) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ فباللَّه، لابتذال (6) نعم اللَّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذاله لها بالمقال، و قد قال- تعالى-: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
فقال عاصم: يا أمير المؤمنين، فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة و في ملبسك على الخشونة؟
فقال: ويحك، إنّ اللَّه فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة النّاس، كي لا يتبيّغ (7) بالفقير فقره.
فألقى عاصم بن زياد العباء، و لبس الملاء.
و في مجمع البيان (8): و روي عن سلمان الفارسيّ و سعيد بن جبير و سفيان الثّوريّ، أنّ «البحرين» عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)-. «بينهما برزخ» محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.
و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 344.
(2) بعض نسخ المصدر: القطّان.
(3) الكافي 1/ 411، ح 3.
(4) من المصدر مع المعقوفتين.
(5) من، ن، ت، ي، ر، المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في ن، ت، م، ي، ر:
تبذل. و في غيرها: لا تبذال.
(7) كذا في المصدر. و في ن، م، ي، ر: يبيع.
و في غيرها: يتبيع. و معنى يتبيّغ: يتهيّج.
(8) المجمع 5/ 201.
(9) تأويل الآيات 2/ 635، ح 11.
570
محفوظ بن بشير (1)، عن عمر بن شمر، عن جابر الجعفيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ قال: عليّ و فاطمة.
بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ قال: لا يبغي عليّ على فاطمة، و لا تبغي فاطمة على عليّ.
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ [قال] (2) الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.
و قال (3)- أيضا-: حدّثنا جعفر بن سهل، عن أحمد بن محمّد عن (4) عبد الكريم، عن يحيى بن عبد الحميد، عن قيس بن (5) الرّبيع، عن (أبي) (6) هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ في قوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ قال: عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)-. قال:
لا يبغي هذا على هذه، و لا هذه على هذا.
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ قال: الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.
و قال (7)- أيضا-: حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن محمّد بن الصلت (8)، عن أبي الجارود، زياد (9) بن المنذر، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس في قوله:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ قال: «البحرين» عليّ و فاطمة.
بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ قال: النّبيّ.
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ قال: الحسن و الحسين.
و قال (10)- أيضا-: حدّثنا عليّ بن مخلّد الدّهّان، عن أحمد بن سليمان، عن إسحاق ابن إبراهيم الأعمش، عن كثير بن هشام، عن كهمش بن الحسن، عن أبي سليل، عن أبي ذرّ في قوله- تعالى-: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ قال: عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)-.
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ قال: الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-. فمن رأى
____________
(1) ن، م، ش، ي، ر، المصدر: بشر.
(2) من المصدر.
(3) تأويل الآيات 2/ 636، ح 12.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.
(5) كذا في ي، المصدر، جامع الرواة 2/ 24.
و في غيرها من النسخ: عن.
(6) من المصدر مع القوسين.
(7) نفس المصدر و الموضع، ح 13.
(8) كذا في المصدر. و في ن: صلت. و في غيرهما: صلة.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن زياد» بدل «زياد».
(10) تأويل الآيات 2/ 636، ح 14.
571
مثل هؤلاء الأربعة: عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-؟ لا يحبّهم إلّا مؤمن و لا يبغضهم إلّا كافر، فكونوا مؤمنين بحبّ أهل البيت، و لا تكونوا كفّارا ببغض أهل البيت فتلقوا [في النار] (1).
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (23) وَ لَهُ الْجَوارِ، أي: السّفن. جمع، جارية.
و قرئ (2)، بحذف الياء و رفع الرّاء، كقوله:
لها ثنايا أربع حسان* * * و أربع فكلّها ثمان (3)
الْمُنْشَآتُ: المرفوعات الشّرع (4)، أو المصنوعات.
و قرأ (5) حمزة و أبو بكر، بكسر الشّين، أي: الرّافعات الشّرع (6)، أو اللّاتي ينشئن الأمواج، [أو السّير] (7).
فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (24)، كالجبال. جمع، علم، و هو الجبل الطّويل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): و قوله: وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ قال: كما قالت الخنساء، ترثي أخاها [صخرا] (9):
و إنّ صخرا [لمولانا و سيّدنا* * * و إنّ صخرا إذا يستوقد النّار
و إنّ صخرا] (10) لتّأتمّ الهداة به* * * كأنّه علم في رأسه نار
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (25): من خلق موادّ السّفن، و الإرشاد إلى أخذها، و كيفيّة تركيبها، و إجرائها في البحر، بأسباب لا يقدر على خلقها و جمعها غيره.
كُلُّ مَنْ عَلَيْها: من على الأرض من الحيوانات أو المركبات، و «من» للتّغليب. أو من الثّقلين.
____________
(1) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(2) أنوار التنزيل 2/ 442.
(3) حذف الياء من «ثماني» و رفع النّون، لأنّ «الحسان» أيضا مرفوع.
(4) كذا في ن، ت، ي، ر. و في غيرها:
الشراع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) كذا في ن، ت، ي، ر، المصدر. و في غيرها: الشراع.
(7) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(8) تفسير القمّي 2/ 345.
(9) من المصدر.
(10) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
572
فانٍ (26) وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ: ذاته، و لو استقريت جهات الموجودات و تفحّصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حدّ ذاتها إلّا وجه اللَّه، أي: الوجه الّذي يلي جهته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ قال: من على وجه (2) الأرض.
وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ قال: دين ربّك.
و قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- (3): نحن وجه اللَّه الّذي يؤتى (4) منه.
و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد، حديث طويل، و فيه: فقلت: يا ابن رسول اللَّه، فما معنى الخبر الّذي رووه:
أن ثواب «لا إله إلّا اللَّه» النّظر إلى وجه اللَّه؟
فقال: يا أبا الصّلت، من وصف اللَّه بوجه، كالوجوه، فقد كفر، و لكن وجه اللَّه أنبياؤه (6) و حجّجه الّذين بهم يتوجّه إلى اللَّه و إلى دينه و معرفته، و قال اللَّه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ. و قال- تعالى-: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فالنّظر إلى أنبياء اللَّه و رسله و حججه في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين [يوم القيامة] (7)، و قد قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أبغض أهل بيتي و عترتي، لم يرني و لم أره يوم القيامة.
و في التّوحيد (8)، بإسناده إلى أبي هاشم الجعفريّ: عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و إذا أفنى اللَّه الأشياء أفنى الصّور و الهجاء، و لا ينقطع (9)، و لا يزال من لم يزل عالما.
و في المناقب (10) لابن شهر آشوب: قوله: وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ قال الصّادق- (عليه السلام)-: نحن وجه اللَّه.
____________
(1) نفس المصدر و المجلّد/ 345.
(2) من ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) في ن، ت، و ي، ر، المصدر: يؤتي اللَّه منه.
(5) العيون 1/ 94، ح 3.
(6) في المصدر زيادة: و رسله.
(7) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(8) التوحيد/ 193، ح 7.
(9) هامش المصدر: في الكافي و البحار:
«و التقطيع» مكان «و لا ينقطع» أي: تقطيع الحروف، كما في صدر الرواية.
(10) المناقب 3/ 272.
579
. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38)، أي: ممّا يكون بعد ذلك.
فَيَوْمَئِذٍ، أي: فيوم تنشقّ السّماء.
لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ (39).
قيل (1): لأنّهم يعرفون (2) بسيماهم، و ذلك حين يخرجون من قبورهم و يحشرون إلى الموقف ذودا ذودا (3) على اختلاف مراتبهم. و أمّا قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ و نحوه، فحين يحاسبون في المجمع.
و «الهاء» للإنس باعتبار اللّفظ، فإنّه و إن تأخّر لفظا تقدّم رتبة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ قال: منكم، يعني: من الشّيعة.
إِنْسٌ وَ لا جَانٌ قال: معناه: من تولّى (5) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تبرّأ من أعدائه و آمن باللَّه و أحلّ حلاله و حرّم حرامه ثمّ دخل في الذّنوب و لم يتب في الدّنيا، عذّب بها (6) في البرزخ، و يخرج يوم القيامة و ليس له ذنب يسال عنه يوم القيامة.
و في مجمع البيان (7): و روي عن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ منكم عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ. [و المعنى:] (8) أنّ من أعتقد الحقّ ثمّ أذنب و لم يتب في الدّنيا عذّب عليه في البرزخ، و يخرج يوم القيامة و ليس له ذنب يسال عنه.
و في شرح الآيات الباهرة (9): روى ابن بابويه قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن (10) ماجيلويه، بإسناده، عن رجاله، عن حنظلة، عن ميسرة قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: و اللَّه، لا يرى منكم في النّار اثنان، لا و اللَّه و لا واحد.
قال: قلت: فأين ذلك من كتاب اللَّه؟
قال: فأمسك عنّي سنة.
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 443.
(2) المصدر: لا يعرفون.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: زودا زودا.
(4) تفسير القمّي 2/ 345.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: توالى.
(6) المصدر: لها.
(7) المجمع 5/ 206.
(8) من المصدر.
(9) تأويل الآيات 2/ 638- 639، ح 20.
(10) ليس في المصدر.
575
رأيهما و قدرهما (1)، أو لأنّهما مثقلان بالتّكليف.
و في عيون الأخبار (2)، في باب آخر في ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ للَّه ديكا عرفه (3) تحت العرش و رجلاه في تخوم الأرض (4) السّابعة السّفلى، إذا كان في الثّلث الأخير من اللّيل سبّح اللَّه بصوت يسمعه كلّ شيء ما خلا الثّقلين، الجنّ و الإنس، فيصيح عند ذلك ديكة الدّنيا.
و في التّوحيد (5)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يقول فيها: و أنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراده (6) من الثّقلين، الجنّ و الإنس، لتعرف (7) بذلك ربوبيّته [و تمكن (8) فيهم طواعيته] (9).
و فيه (10): عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: فمن المبلغ عن اللَّه إلى الثّقلين، الجنّ و الإنس؟
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): و قوله- تعالى-: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال:
نحن و كتاب اللَّه، و الدّليل على ذلك قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي تارك فيكم الثّقلين، كتاب اللَّه و عترتي أهل بيتي.
و في شرح الآيات الباهرة (12): قال محمّد بن العبّاس، حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن هارون بن خارجة، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال: «الثّقلان» نحن و القرآن.
و يؤيّده (13):
ما رواه- أيضا-، عن محمّد بن همام، عن عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ،
____________
(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 442. و في النسخ:
رأيهم و قدرهم.
(2) العيون 2/ 71، ح 333.
(3) العرف: لحمة مستطيلة في أعلى رأس الدّيك.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الأرضين.
(5) التوحيد/ 33، ح 1.
(6) كذا في المصدر. و في ن، ي: أنشأه على على ما أراد.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ليعرف.
(8) كذا في المصدر. و في ن، ت، ي، ر:
يمكّن.
(9) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(10) نفس المصدر/ 111، ح 9.
(11) تفسير القمّي/ 345.
(12) تأويل الآيات 2/ 637- 638، ح 17.
(13) نفس المصدر و الموضع، ح 18.
574
و في المناقب (1) لابن شهر آشوب: و قال المسيّب بن نجيّة الفزاريّ و سليمان بن صرد الخزاعيّ للحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-: ما ينقضي تعجّبنا منك، بايعت معاوية و معك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة سوى أهل البصرة و الحجاز! فقال الحسن: قد كان ذلك، فما ترى الآن؟
قال: و اللَّه، أرى أن ترجع لأنّه نقض [العهد] (2).
فقال: يا مسيّب، إنّ الغدر لا خير فيه، و لو أردت لما فعلت.
فقال حجر بن عديّ: أما، و اللَّه، لوددت أنّك متّ في ذلك اليوم و متنا معك و لم نر هذا اليوم، فإنّا رجعنا راغمين (3) بما كرهنا و رجعوا مسرورين بما أحبّوا.
فلمّا خلا به [الحسن- (عليه السلام)-] (4) [قال: يا حجر] (5) قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، و ليس كلّ إنسان يحبّ ما تحبّ و لا رأيه كرأيك، و إنّي لم أفعل ما فعلت إلّا إبقاء عليكم، و اللَّه كلّ يوم هو في شأن.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30): أي: ممّا يسعف به سؤالكما. [أو ممّا يخرج لكما] (6) من مكمن العدم حينا فحينا.
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31): سنتجرّد (7) لحسابكم (8) و جزائكم، و ذلك يوم القيامة فإنّه [تعالى] (9) لا يفعل فيه غيره.
و قيل (10): تهديد مستعار، من قولك لمن تهدّده: سأفرغ لك. فإنّ المتجرّد للشّيء كان أقوى عليه، و أجدّ فيه.
و قرأ (11) حمزة و الكسائي، بالياء.
و قرئ (12): «سنفرغ إليكم»، أي: سنقصد إليكم.
و «الثّقلان» الإنس و الجن، سمّيا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة
____________
(1) المناقب 4/ 35.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: راغبين.
(4) من ن، ت، م، ي، ر، المصدر.
(5) من المصدر.
(6) من ن، ت، م، ش، ي، ر.
(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 442، و في النسخ:
سنجرّد.
(8) كذا في ن، ت، م، ي، ر، المصدر. و في غيرها: لعذابكم.
(9) من نفس المصدر و الموضع.
10 و 11 و 12 نفس المصدر و الموضع.
573
و في الاحتجاج (1) للطبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و أمّا قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فالمراد (2): كلّ شيء هالك إلّا دينه، لأنّ من المحال أن يهلك منه كلّ شيء و يبقى الوجه، هو أعظم و أجلّ من ذلك، و إنّما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنّه قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ففصل [بين] (3) خلقه و وجهه.
ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (27): ذو الاستغناء المطلق و الفضل العام.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28): أي: ممّا ذكرنا من قبل من بقاء الذّات و إبقاء ما لا يحصى ممّا هو على صدد الفناء رحمة و فضلا، أو ممّا يترتّب على إفناء الكلّ من الإعادة و الحياة الدّائمة و النّعيم المقيم.
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: فإنّهم مفتقرون إليه في ذواتهم و صفاتهم، و سائر ما يهمّهم و يعنّ (4) لهم.
و المراد بالسّؤال: ما يدلّ على الحاجة إلى تحصيل الشّيء، نطقا كان أو غيره.
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29): كلّ وقت يحدث أشخاصا و يجدّد أحوالا على ما سبق به قضاؤه، و هو ردّ لقول اليهود: إنّ اللَّه لا يقتضي يوم السّبت شيئا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قوله: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال: يحيي و يميت، و يرزق، و يزيد و ينقص.
و في الكافي (6): خطبة مرويّة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: الحمد للَّه الّذي لا يموت و لا تنقضي عجائبه، لأنّه كلّ يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن.
و في مجمع البيان (7): و عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله:
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال: من شأنه أن يغفر ذنبا، و يفرج كربا، و يرفع قوما و يضع آخرين.
____________
(1) الإحتجاج 1/ 253.
(2) في المصدر: «فانّما أنزلت» بدل «فالمراد».
(3) من المصدر.
(4) يعنّ: يظهر. أو: يبدو.
(5) تفسير القمّي 2/ 345.
(6) الكافي 1/ 141، ح 7.
(7) المجمع 5/ 202.
576
عن السّندي بن محمّد، عن أبان بن عثمان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ.
قال: نحن و كتاب اللَّه.
و يؤيّده (1):
ما رواه- أيضا-، عن عبد اللَّه بن محمّد بن ناجية، عن مجاهد بن موسى، عن ابن مالك، عن حجّام، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي تارك فيكم الثّقلين (2)، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللَّه [حبل] (3) ممدود من السّماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.
و إنّما سمّي الثّقلين لعظم خطرهما و جلالة قدرهما.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السّموات و الأرض هاربين من اللَّه، فارّين من قضائه- تعالى-.
فَانْفُذُوا: فاخرجوا.
لا تَنْفُذُونَ: لا تقدرون على النّفوذ.
إِلَّا بِسُلْطانٍ (33): إلّا بقوّة و قهر، و أنّى لكم ذلك. أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السّموات و الأرض فانفذوا لتعلموا، و لكن لا تنفذون و لا تعلمون إلّا ببيّنة نصبها اللَّه فتعرجون عليها بأفكاركم.
و في مجمع البيان (4): و روى مسعدة بن صدقة، عن كليب قال: كنّا عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فأنشأ يحدّثنا.
فقال: إذا كان يوم القيامة جمع اللَّه العباد في صعيد واحد، و ذلك أنّه يوحي إلى السّماء الدّنيا: أن اهبطي بمن فيك. فيهبط أهل السّماء الدّنيا بمثلي من في الأرض من الجنّ و الإنس و الملائكة [ثمّ يهبط أهل السماء الثانية بمثل الجميع مرّتين] (5) فلا يزالون كذلك حتّى يهبط أهل السموات السبع (6): فيصير الجنّ و الإنس في سبع سرادقات من
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 19.
(2) في ق زيادة: كتاب اللَّه و عترتي.
(3) من المصدر.
(4) المجمع 5/ 205.
(5) من المصدر.
(6) ت، م، ش، ي، ر، المصدر: سبع سماوات. و في ق: سموات سبع.
580
قال: فإنّي معه ذات يوم في الطّواف إذ قال لي: يا ميسرة، اليوم اذن لي في جوابك عن مسألة كذا.
فقلت: فأين هو من القرآن؟
قال: سورة الرّحمن، و هو قول اللَّه: فيومئذ لا يسأل عن ذنبه منكم إنس و لا جان.
فقلت له: ليس فيه «منكم».
قال: إنّ أوّل من غيرها «ابن أروى» و ذلك أنّها حجّة عليه و على أصحابه، و لو لم يكن فيها «منكم» لسقط عقاب (1) اللَّه عن خلقه، إذ لم يسأل عن ذنبه إنس و لا جان فلمن يعاقب إذا يوم القيامة؟
[فمعنى «منكم» أي: من الشيعة. و قوله: ابن اروى، يعني: [أحد] (2) أئمّة الضلال عليهم النكال و الوبال] (3).
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (40)، أي: ممّا أنعم على عباده المؤمنين في هذا اليوم.
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ: و هو ما يعلوهم من الكابة و الحزن.
فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ (41): مجموعا بينهما.
و قيل (4): يؤخذون بالنّواصي تارة، و بالأقدام أخرى.
و في بصائر الدّرجات (5): إبراهيم بن هاشم، عن سليمان (6) الدّيلميّ [أو عن سليمان] (7)، عن معاوية الدهنيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ. قال: يا معاوية، ما يقولون في هذا؟
قلت: يزعمون أنّ اللَّه يعرف المجرمين بسيماهم يوم (8) القيامة، فيأمر بهم، فيؤخذ (9) بنواصيهم و أقدامهم فيلقون في النّار.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عذاب.
(2) من المصدر.
(3) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(4) أنوار التنزيل 2/ 443.
(5) البصائر/ 376، ح 8.
(6) المصدر: أبي سليمان.
(7) ليس في المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: في.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فيأخذوا.
578
و في الاحتجاج (1) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، فيه خطبة الغدير، و فيها يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: معاشر النّاس، إنّي ادعها إمامة و وراثة في عقبي إلى يوم القيامة، و قد بلّغت (2) ما أمرت بتبليغه حجّة على كلّ حاضر و غائب و على كلّ أحد من شهد أو لم يشهد ولد أم (3) لم يولد، فليبلّغ الحاضر الغائب و الوالد الولد إلى يوم القيامة، و سيجعلونها ملكا و اغتصابا، لعن اللَّه الغاصبين و المغتصبين، و عندها سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (36): فإنّ التهديد لطف، و التّمييز بين المطيع و العاصي بالجزاء و الانتقام من الكفّار في عداد الآلاء.
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً، أي: حمراء كالوردة.
و قرئت (4)، بالرّفع، على «كان» التّامّة، فيكون من باب التّجريد (5)، كقوله:
و لئن بقيت لأرحلنّ بغزوة* * * تحوى (6) الغنائم أو يموت
(7) كريم
كَالدِّهانِ (37): مذابة كالدّهن. و هو اسم لما يدهن به، كالحزام. أو جمع، دهن.
و قيل (8): هو الأديم الأحمر.
و في محاسن البرقي (9): عنه، عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة دعي برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيكسى حلّة ورديّة.
فقلت: جعلت فداك، و رديّة؟
قال: نعم، أما سمعت قول اللَّه: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
____________
(1) الاحتجاج 1/ 62.
(2) ن: أبلغت.
(3) ن، ت، ي، ر، المصدر: أو.
(4) أنوار التنزيل 2/ 443.
(5) و هو أن ينزع من أمر ذي صفة أمرا آخر مثله في تلك لكمالها فيه، جرد من السماء شيئا يسمى وردة، كما جرد الشاعر من نفسه صفة الكرم لكمالها فيه.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نحو.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بموت.
(8) أنوار التنزيل 2/ 443.
(9) المحاسن/ 180، ح 171.
577
الملائكة، ثمّ ينادي مناد: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ (الآية). فينظرون فإذا قد أحاط بهم سبعة أطواق من الملائكة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن منصور ابن يونس، عن عمر بن شيبة (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول ابتداء منه: إنّ اللَّه إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بدّ منه أمر مناديا ينادي، فاجتمع الجنّ و الإنس في أسرع من طرفة عين، ثمّ أذن لسماء الدّنيا فتنزل و كان من وراء النّاس، و أذن للسّماء الثّانية فتنزل و هي ضعف الّتي تليها، فإذا رآها أهل السّماء الدّنيا قالوا:
جاء ربّنا، قالوا: لا و هو آت، يعني: أمره، حتّى تنزل كلّ سماء يكون كلّ واحدة منها من وراء الأخرى، و هي ضعف الّتي تليها، ثمّ ينزل أمر اللَّه في ظلل من الغمام و الملائكة و قضي الأمر و إلى ربّكم ترجع الأمور، ثمّ يأمر اللَّه مناديا ينادي: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ (الآية)
(الحديث).
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34)، أي: من التّنبيه و التّحذير و المساهلة و العفو مع كمال القدرة. أو ممّا نصب من المصاعد العقلية و المعارج النقلية، فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلي.
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ: لهب مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ: و دخان.
قال:
تضيء كضوء السراج السّلي* * * ط (3) لم يجعل اللَّه فيه نحاسا
أو صفر مذاب يصبّ على رؤوسهم.
و قرأ (4) ابن كثير: «شواظ» بالكسر، و هو لغة. و «نحاس» بالجرّ عطفا على «نار» و وافقه فيه أبو عمرو و يعقوب في رواية.
و قرئ (5): «و نحس» و هو جمع، كلحف.
فَلا تَنْتَصِرانِ (35): فلا تمتنعان.
____________
(1) تفسير القمّي 2/ 77.
(2) المصدر: عمرو بن أبي شيبة.
(3) السليط: البيت المدوّر.
(4) أنوار التنزيل 2/ 443.
(5) نفس المصدر و الموضع.
581
فقال لي: و كيف يحتاج- تعالى- (1) إلى معرفة خلق أنشأهم و هو خلقهم؟
فقلت: جعلت فداك و ما ذلك؟
قال: ذلك لو (2) قام قائمنا أعطاه (3) اللَّه السّيماء، فيأمر بالكافرين (4) فيؤخذ بنواصيهم و أقدامهم، ثمّ يخبط بالسّيف خبطا.
و في شرح الآيات الباهرة (5): روى الشّيخ [المفيد] (6) بإسناده، عن رجاله، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ قال: اللَّه يعرفهم، و لكن هذه نزلت في القائم- (عليه السلام)- و هو يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسّيف هو و أصحابه خبطا.
يعرف به سيماهم، أي: علاماتهم بأنّهم مجرمون.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَها: بين النّار يحرقون بها.
وَ بَيْنَ حَمِيمٍ: ماء حارّ.
آنٍ (44): بلغ النّهاية في الحرارة يصبّ عليهم، أو يسقون منه.
و قيل (7): إذا استغاثوا من النّار أغيثوا بالحميم.
و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد حديث طويل، و فيه: قال: قلت له: يا ابن رسول اللَّه، أخبرني عن الجنّة و النّار، أ هما [اليوم] (9) مخلوقتان؟
قال: نعم، و أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد دخل الجنّة و رأى النّار لمّا عرج به إلى السّماء.
قال: فقلت له: إنّ قوما يقولون: إنّهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين.
قال- (عليه السلام)-: لا هم منّا و لا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة و النّار فقد
____________
(1) المصدر: يحتاج الجبّار- تبارك و تعالى-.
(2) في المصدر: «أو قد» بدل «لو».
(3) في المصدر: «أعطاه» بدل «أعطاه».
(4) المصدر: بالكافر.
(5) تأويل الآيات 2/ 639، ح 21.
(6) من المصدر.
(7) أنوار التنزيل 2/ 443.
(8) العيون 1/ 94، ح 3.
(9) من المصدر.
582
كذّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كذّبنا، و ليس من ولايتنا على شيء، و يخلّد في نار جهنّم، قال اللَّه- تعالى-: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ. و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عرج بي إلى السّماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة.
(الحديث).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قرأ أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: «هذه جهنّم الّتي كنتما (2) بها تكذّبان تصليانها و لا تموتان [فيها] (3) و لا تحييان»، يعني: الأوّلين (4).
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قال: لها أنين من شدّة حرّها.
و في مجمع البيان (5): و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: «هذه جهنّم الّتي كنتما بها تكذّبان اصلياها فلا تموتان فيها و لا تحييان».
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45) وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ: موقفه الّذي يقف فيه العباد للحساب. أو قيامه على أحواله (6)، من قام عليه: إذا راقبه.
أو مقام الخائف عند ربّه للحساب بأحد المعنيين (7)، فأضيف (8) إلى الرّب تفخيما و تهويلا. أو ربّه، و مقام مقحم للمبالغة.
و في الكافي (9): محمّد بن يحيى (10)، عن أحمد بن [محمد بن عيسى، عن الحسن بن] (11) محبوب، عن داود الرقيّ (12)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ قال: من علم أنّ اللَّه يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمل (13) من خير أو
____________
(1) تفسير القمّي/ 345.
(2) كذا في المصدر. و في ن، ت، م، ي، ر:
كنتم. و لا يوجد في غيرها.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: يعني: زريقا و حبتر.
(5) المجمع 5/ 203.
(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 443. و في النسخ:
أحوالهم.
(7) توضيحه: أنّ المعنى: و لمن خاف موقف الخائف عند ربّه للحساب، أي: لمن خاف موقفا خاف القائم فيه عند ربّه للحساب. فالمقام بمعنى الموقف لا بمعنى الآخر، و لذا قال: بأحد المعنيين.
(8) كذا نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
فأضاف.
(9) الكافي 2/ 80، ح 1.
(10) كذا في المصدر. و في ر، م، ش، ق:
«عنه» بدل «محمد بن يحيى». و لا يوجد في غيرها.
(11) من المصدر.
(12) ق، ش: البرقي.
(13) في المصدر: «و يفعله» بدل «يعلم ما يعمل».
583
شرّ، فيحجزه (1) ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الّذي خاف مقام ربّه (2) و نهي النّفس عن الهوى.
جَنَّتانِ (46): جنّة للخائف الإنسي و أخرى للخائف الجنّي، فإنّ الخطاب للفريقين، و المعنى: لكلّ خائفين منكما، أو لكلّ واحد (3) جنّة لعقيدته و أخرى لعمله، أو جنّة لفعل الطّاعات و أخرى لترك المعاصي، أو جنّة يثاب بها و جنّة يتفضّل بها عليه، أو روحانيّة و جسمانيّة، و كذا ما جاء مثنى بعد (4).
و في من لا يحضره الفقيه (5)، في مناهي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و قال- (عليه السلام)-: من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة اللَّه حرّم اللَّه عليه النّار، و آمنه من الفزع الأكبر، و أنجز له ما وعده في كتابه في قوله: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ.
و في التّوحيد (6)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: أيّها النّاس- من خاف ربّه كفّ ظلمه.
و في الخصال (7): عن الحسن قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللَّه:
و عزّتي و جلالي، لا أجمع على عبدي خوفين و لا أجمع له أمنين، فإذا أمنني في الدّنيا أخفته في الآخرة، و إذا خافني في الدّنيا أمنته يوم القيامة (8).
و عن الباقر- (عليه السلام)- (9) قال: ثلاث درجات، و ثلاث كفّارات، و ثلاث موبقات، و ثلاث منجيات.
... إلى أن قال: و أمّا المنجيات فخوف اللَّه في السّرّ و العلانية.
(الحديث)
و عن الصّادق- (عليه السلام)- (10)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّته له: يا عليّ، ثلاث درجات، و ثلاث كفّارات. و ذكر كالسّابق.
____________
(1) ن، ت، ي: فيجحده.
(2) في ق زيادة: جنّتان.
(3) ق، ش: أحد.
(4) ي: من بعد.
(5) الفقيه 4/ 7- 8، ح 1.
(6) التوحيد/ 74، ح 27.
(7) الخصال 1/ 79، ح 127.
(8) في ن زيادة: و إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة.
(9) نفس المصدر و المجلّد/ 84، ح 10.
(10) نفس المصدر و الموضع، ح 12.
584
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47) ذَواتا أَفْنانٍ (48): أنواع من الأشجار و الثّمار، جمع فنّ. أو أغصان، جمع فنن، و هي الغصنة الّتي تتشعّب من فرع الشّجر، و تخصيصها بالذّكر لأنّها الّتي تورق و تثمر و تمدّ الظّلّ.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50): حيث شاءوا في الأعالي و الأسافل.
قيل (1): إحداهما التّسنيم و الأخرى السّلسبيل.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (52):
صنفان، غريب و معروف أو رطب و يابس.
و في كتاب سعد السّعود (2) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن تفسير محمّد بن العبّاس بن مروان، بإسناده إلى جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: عن آبائه- (عليهم السلام)-، عن عليّ- (عليه السلام)- عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)- مخاطبا للمقداد بعد أن ذكر شيعة عليّ- (عليه السلام)- و كرامتهم عند اللَّه: فلا يزالوا، يا مقداد، محبّو (3) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في العطايا و المواهب، حتّى أنّ المقصّر من شيعة عليّ- (عليه السلام)- يتمنّى في أمنيّته مثل جميع الدّنيا منذ خلقها اللَّه إلى يوم القيامة، قال لهم ربّهم: لقد قصّرتم في أمانيّكم و رضيتم بدون ما يحقّ لكم، فانظروا إلى مواهب ربّكم.
فإذا بقباب و قصور (4) في أعلى علّيين من الياقوت الأحمر و الأخضر و الأصفر و الأبيض يزهر نورها (5)، فلو لا أنّه مسخّر إذا للمعت الأبصار منها، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأحمر مفروش بالسّندس الأخضر، و ما كان منها من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالرّباط (6) الصفر، مبثوثة بالزّبرجد الأخضر و الفضّة البيضاء و الذّهب الأحمر، قواعدها و أركانها من الجوهر، ينور من أبوابها و أعراضها نور شعاع الشّمس عنده مثل
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 444.
(2) سعد السعود/ 110- 111.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قصر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قصر.
(5) كذا في ن، المصدر. و في ت، م، ي، ر:
يزهو نورها. و في ق: هو أنورها.
(6) كذا في نور الثقلين 5/ 198. و في النسخ:
الرّباط، و الرّياط- جمع الرّيطة-: الملاءة كلّها نسج واحد و قطعة واحدة و كلّ ثوب ليّن رقيق.
585
الكوكب الدّرّي في النّهار المضيء، و إذا على كلّ باب قصر من تلك القصور جنّتان مدهامّتان، [فيهما عينان نضّاختان،] (1) و فيهما من كلّ فاكهة زوجان.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ: من ديباج ثخين، و إذا كانت البطائن كذلك فما ظنّك بالظّهائر.
و «متّكئين» مدح للخائفين. أو حال منهم، لأن «من خاف» في معنى الجمع.
وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54): قريب يناله القاعد و المضطجع.
و «جنى» اسم، بمعنى: مجنى.
و قرئ، بكسر الجيم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55) فِيهِنَ: في الجنّان، فإنّ «جنّتان» تدل على جنان هي للخائفين. أو فيما فيهما من الأماكن و القصور. أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنّتين و العينين و الفاكهة و الفرش.
قاصِراتُ الطَّرْفِ: نساء قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): [و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-] (3) في قوله:
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ قال: الحور العين، يقصر الطّرف عنها من ضوء نورها.
و في مجمع البيان (4): و قال أبو ذرّ: إنّها تقول لزوجها: و عزّة ربّي: ما أرى في الجنّة أخير (5) منك، فالحمد للَّه الّذي جعلني زوجك و جعلك زوجي.
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (56): لم يمسّ الإنسيّات إنس، و لا الجنّيات جنّ.
و قرأ (6) الكسائيّ، بضمّ الميم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ (58)، أي: في حمزة الوجنة و بياض البشرة و صفائهما (7).
و في مجمع البيان (8): و في الحديث: أنّ المرأة من أهل الجنّة يرى مخّ ساقها من
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) تفسير القمّي 2/ 346.
(3) ليس في ي.
(4) المجمع 5/ 208.
(5) في المصدر: «شيئا أحسن» بدل «أخير».
(6) أنوار التنزيل 2/ 444.
(7) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
الوجه و صفائها.
(8) المجمع 5/ 208.
586
وراء سبعين حلّة من حرير.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ: في الاعتقاد و العمل.
إِلَّا الْإِحْسانُ (60): في الثّواب، و هو الجنّة.
و في مجمع البيان (1): و جاءت الرّواية، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية، فقال: هل تدرون ما يقول ربّكم؟
قالوا: اللَّه و رسوله أعلم.
قال: فإنّ ربّكم يقول: هل جزاء من أنعمنا عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة.
و روى العيّاشي (2)، بإسناده: عن (3) الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن سالم قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: آية في كتاب اللَّه مسجلة.
قلت: ما هي؟
قال: قول اللَّه: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ جرت في المؤمن و الكافر و البرّ و الفاجر. و من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، و ليس المكافأة أن تصنع (4) كما صنع حتّى تربى (5)، فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و قوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال:
ما جزاء من أنعمت عليه بالمعرفة إلّا الجنّة.
و في التّوحيد (7): حدّثنا أبو أحمد، الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد العسكريّ قال:
حدّثنا محمّد بن أحمد بن حمران القشيريّ قال: حدّثنا أبو الحريش (8)، أحمد بن عيسى الكلابيّ، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (9)- (عليه السلام)- سنة خمسين و مائتين قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه [عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه] (10)، عن
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ت، م، ش، ق: إلى.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يصنع.
(5) كذا في المصدر. و في ن: ترى. و في غيرها:
تربى.
(6) تفسير القمّي 2/ 345.
(7) التوحيد/ 28، ح 29.
(8) المصدر: أبو الجريش.
(9) في ن، ت، ي، ر، المصدر زيادة: بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
(10) من، ن، ت، ي، ر، المصدر.
587
عليّ- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال: عليّ- (عليه السلام)-: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ اللَّه قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة.
و في علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللَّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في تفسير «سبحان اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلّا اللَّه و اللَّه أكبر» و فيه قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أمّا قوله: لا إله إلّا اللَّه، فثمنها الجنّة، و ذلك قول اللَّه: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال: هل جزاء من قال: لا إله إلّا اللَّه، إلّا الجنّة.
و في الخصال (2): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أربعة أسرع شيء عقوبة:
رجل أحسنت إليه و كافأك (3) بالإحسان إليه إساءة.
(الحديث)
و في من لا يحضره الفقيه (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لعن اللَّه قاطعي سبيل المعروف.
قيل: و ما قاطعي سبيل المعروف؟
قال: الرّجل يصنع إليه المعروف فيكفره، فيمنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61) وَ مِنْ دُونِهِما قيل (5): أي: و من دون تينك الجنّتين الموعودتين للخائفين المقرّبين.
جَنَّتانِ (62): لمن دونهم من أصحاب اليمين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن (7) بن غالب، عن عثمان بن محمّد عن (8) عمران قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ.
قال: خضراوتان في الدّنيا، يأكل المؤمنون منهما حتّى يفرغوا (9) من الحساب.
____________
(1) العلل/ 251، ح 8.
(2) الخصال 1/ 230، ح 71.
(3) المصدر: يكافئك. و في ش، ق: كما قال.
(4) الفقيه 2/ 31، ح 123.
(5) أنوار التنزيل 2/ 444.
(6) تفسير القمّي 2/ 345.
(7) المصدر: الحسين.
(8) المصدر: بن.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يفرغ.
588
و في مجمع البيان (1): وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: جنّتان من فضّة آنيتهما (2) و ما فيهما، و جنّتان من ذهب آنيتهما (3) و ما فيهما.
و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-:] (4) و لا تقولنّ: الجنّة واحدة، إنّ اللَّه يقول:
وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (5).
(الحديث) (6)
و عن العلاء بن سيابة (7)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [قال:] (8) قلت له: إنّ النّاس يتعجبون منّا إذا قلنا: يخرج قوم من النّار (9) فيدخلون الجنّة، فيقولون لنا: فيكونون مع أولياء اللَّه في الجنّة؟
فقال: يا علاء (10)، إنّ اللَّه يقول: وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ لا، و اللَّه، ما يكونون مع أولياء اللَّه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63) مُدْهامَّتانِ (64): خضراوان (11) تضربان (12) إلى السّواد من شدّة الخضرة.
و فيه إشعار بأنّ الغالب على هاتين الجنّتين النّبات و الرّياحين المنبسطة على وجه الأرض، و على الأوليين (13) الأشجار و الفواكه، دلالة على ما بينهما من التّفاوت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (14)، بإسناده إلى يونس بن ظبيان: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: مُدْهامَّتانِ قال: يتّصل ما بين مكّة و المدينة نخلا.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66): فوّارتان بالماء.
____________
(1) المجمع 5/ 210.
2 و 3- كذا في المصدر. و في النسخ: أبنيتها.
(4) ليس في ن، ي.
(5) في، ن، ت، ي، ر، المصدر زيادة: و لا تقولنّ درجة واحدة إنّ اللَّه يقول درجات بعضها فوق بعض إنّما تفاضل القوم بالأعمال.
(6) ليس في ن، ت، ي، ر، المصدر.
(7) مجمع البيان 5/ 210.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: جهنّم.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: يا عليّ.
(11) ق، ش، م: خضراوتان.
(12) ق: تقربان.
(13) كذا في أنوار التنزيل 2/ 444. و في النسخ:
الأوّلين.
(14) تفسير القمّي 2/ 346.
589
قيل (1): و هو- أيضا- أقلّ (2) ممّا وصف به الأوليين (3) [و كذا ما بعده] (4).
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67) فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ (68):
عطفهما على «الفاكهة» بيانا لفضلهما، فإنّ ثمرة النّخل فاكهة و غذاء، و ثمرة الرّمان فاكهة و دواء.
و في الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن أحمد ابن سليمان، عن أحمد بن يحيى (6) الطّحّان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: خمس من فواكه الجنّة في الدّنيا: الرّمّان الإمليسيّ، و التّفّاح الشّيسقاني (7)، و السّفرجل، و العنب الرّازقيّ، و الرّطب المشان (8).
و بإسناده (9) إلى أبي الجارود: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أربعة نزلت من الجنّة: العنب الرّازقيّ، و الرّطب المشان، و الرّمان الإمليسيّ، و التّفاح الشّيسقاني.
عليّ بن إبراهيم (10)، [عن أبيه] (11)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الفاكهة مائة و عشرون لونا، سيّدها الرّمّان.
و بإسناده (12) إلى عمر بن أبان الكلبيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- و أبا جعفر- (عليه السلام)- يقولان: ما على وجه الأرض (13) ثمرة كانت أحبّ إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الرّمان، و كان و اللَّه، إذا أكلها [أحبّ أن] (14) لا يشركه أحد فيها.
و بإسناده (15) إلى حمّاد بن عثمان: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ما من
____________
(1) أنوار التنزيل 2/ 444.
(2) لأنّه يمكن أن تكون العين فوّارة لكن لا تجري.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الأوّلين.
(4) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(5) الكافي 6/ 349، ح 1.
(6) ليس في ق.
(7) ن، ت، ي، ر، المصدر: الشيسقان.
(8) رمّان إمليس: حلو طيّب لا عجم له كأنّه منسوب إليه و في أمالي الشيخ: التفاح الشعشعانيّ، يعني: الشاميّ و المشان: نوع من الرطب يميل إلى السّواد دقيق، و هو أعجمي.
(9) نفس المصدر و المجلّد/ 352، ح 3.
(10) الكافي 6/ 352، ح 2.
(11) ليس في المصدر.
(12) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(13) ليس في ق، ش، م.
(14) من المصدر.
(15) الكافي 6/ 353، ح 5.
590
شيء أشارك فيه أبغض إليّ من الرّمان، و ما من رمّانة إلّا و فيها حبّة من الجنّة، فإذا أكلها الكافر بعث اللَّه إليه (1) ملكا فانتزعها منه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69) فِيهِنَّ خَيْراتٌ، أي: خيّرات.
فخفّفت، لأنّ «خير» الّذي بمعنى: أخير، لا يجمع. و قد قرئ على الأصل.
حِسانٌ (70): حسان الخلق و الخلق.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و قوله- تعالى-: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ قال: جوار نابتات على شطّ الكوثر، كلّما أخذت منها (3) واحدة نبتت مكانها أخرى (4).
و في مجمع البيان (5): خَيْراتٌ حِسانٌ، أي: نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه. روته أمّ سلمة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
و في من لا يحضره الفقيه (6): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: الخيرات الحسان من نساء أهل الدّنيا، و هنّ أجمل من الحور العين.
و في روضة الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ.
قال: هنّ صوالح (8) المؤمنات العارفات.
محمّد بن يحيى (9)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن يزيد النّوفليّ، عن الحسين ابن أعين، أخو مالك بن أعين، قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول الرّجل للرّجل: جزاك اللَّه خيرا، ما يعني به؟
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ خيرا نهر في الجنّة، مخرجه من الكوثر، و الكوثر مخرجه من ساق العرش، عليه منازل الأوصياء و شيعتهم، و على حافّتي ذلك النّهر جوار
____________
(1) كذا في ي، ر، المصدر. و في غيرها: إليها.
(2) تفسير القمّي 2/ 346.
(3) المصدر: أخذ منهم.
(4) المصدر: بنت بمكانها الأخرى.
(5) المجمع 5/ 211.
(6) الفقيه 3/ 299- 300، ح 1432.
(7) الكافي 8/ 156، ح 147.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: صالح.
(9) نفس المصدر و المجلّد/ 230، ج 298.
591
نابتات كلّما قلعت واحدة نبتت أخرى، سمين (1) تلك الجواري باسم ذلك (2) النّهر، و ذلك قوله- تعالى- في كتابه: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ. فإذا قال الرّجل لصاحبه: جزاك اللَّه خيرا، فإنّما يعني بذلك: تلك المنازل التي (3) أعدّها اللَّه لصفوته و خيرته من خلقه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (72):
قصرن في خدورهنّ، يقال: امرأة قصيرة و قصورة [و مقصورة] (4)، أي: مخدّرة. أو مقصورات الطّرف على أزواجهنّ.
و في شرح الآيات الباهرة (5): روى محمّد بن يعقوب، بإسناده، عن (6) الحلبيّ قال:
سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قوله تعالى-: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ.
قال: هنّ صوالح. (7) المؤمنات العارفات.
قال: قلت: مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ.
قال: هنّ البيض المصونات (8) المخدّرات في الخيام: الدّرّ و الياقوت و المرجان، لكلّ خيمة أربعة أبواب، على (9) كلّ باب سبعون [كاعبا] (10) حجابا لهنّ، و يأتيهنّ في كلّ يوم كرامة من اللَّه ليسرّ اللَّه بهنّ المؤمنين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): و قوله: مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ قال: يقصر الطّرف عنهنّ (12).
و في مجمع البيان (13): عن أنس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [قال] (14): مررت ليلة اسري بي بنهر حافّتاه قباب المرجان، فنوديت منه: السّلام عليك، يا رسول اللَّه.
فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟
____________
(1) ن، المصدر: سمّى.
(2) في المصدر: «بذلك» بدل «تلك الجواري باسم ذلك».
(3) في المصدر زيادة: قد.
(4) من ن، ت، ي، ر.
(5) تأويل الآيات 2/ 640، ح 23.
(6) ق، ش، م: إلى.
(7) ق، ش، م: صالح.
(8) المصدر: المضمومات.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: في.
(10) من المصدر مع المعقوفتين و الكاعب: الجارية حين يبدو ثديها للنّبور، أي: الارتفاع عن الصدر.
(11) تفسير القمّي 2/ 346.
(12) المصدر: عنها.
(13) المجمع 5/ 211.
(14) من المصدر.
592
قال: هؤلاء جوار من حور العين استأذنّ ربّهنّ أن يسلّمن عليك، فأذن لهنّ.
فقلن: نحن الخالدات فلا نموت، و نحن النّاعمات فلا نيأس (1)، أزواج رجال كرام.
ثمّ قرأ رسول اللَّه: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ.
و روي (2) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أنّه] (3) قال: الخيمة درّة واحدة، طولها في السّماء ستّون ميلا.
و في جوامع الجامع (4): و في الحديث: الخيمة درّة واحدة، طولها في السّماء ستّون ميلا، في كلّ زاوية منها أهل للمؤمن لا يراه الآخرون.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (74)، كحور الأوّلين، و هم أصحاب (5) الجنّتين، فإنّهما يدلّان عليهم (6).
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ: وسائد، أو نمارق. جمع، رفرفه.
و قيل (7): «الرّفرف» ضرب من البسط، أو ذيل الخيمة. و قد يقال لكلّ ثوب عريض: [رفرف] (8).
وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77):
«العبقري» منسوب إلى عبقر (9) تزعم العرب أنّه اسم بلد للجنّ فينسبون إليه كلّ شيء عجيب، و المراد به: الجنس، و لذلك جمع «حسان» حملا على المعنى.
و
في جوامع الجامع (10): و قرئ في الشّواذّ: «رفارف خضر و عباقريّ»، كمدائني.
____________
(1) كذا في المصدر. و في ت، ش: ينس. و في ن، م، ي، ر: ينئس. و الأظهر: نبؤس كما في تفير القمّي 2/ 81- 83.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) من المصدر.
(4) جوامع الجامع/ 476.
(5) كذا أنوار التنزيل 2/ 445. و في النسخ:
لأصحاب.
(6) أي: أصحاب الجنّتين و إن كانوا غير مذكورين، لكنّ ذكر الجنّتين يدلّان عليهم.
(7) نفس المصدر و.
(8) من المصدر.
(9) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:
العبقر.
(10) جوامع الجامع/ 476.
593
و روي ذلك عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و إن شذّ في القياس ترك صرف عباقريّ فلا يستنكر مع استمراره في الاستعمال.
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ: تعالى اسمه من حيث أنّه مطلق على ذاته، فما ظنّك بذاته.
و قيل (1): «الاسم» بمعنى: الصّفة. أو مقحم، كما في قوله:
إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما
ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (78).
و قرأ (2) ابن عامر، بالرّفع، صفة «للاسم».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): عن عليّ بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه (4)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن سعد بن طريف (5)، عن أبي جعفر (6)- (عليه السلام)- في قول اللَّه: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فقال: نحن جلال اللَّه، و كرامته الّتي أكرم [اللَّه- تعالى-] (7) العباد بطاعتنا [و محبّتنا] (8).
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 445.
(3) تفسير القمّي 2/ 346.
(4) المصدر: أحمد بن (أبي عبيد ط)
(5) كما في رجال النجاشي/ 468. و في المصدر:
ظريف.
(6) ق: أبي عبد اللَّه جعفر.
(7) من ن، ت، ي، ر، المصدر.
(8) ليس في المصدر.
