http://www.masaha.org

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏


الجزء الرابع عشر‏


تأليف

محمد بن محمد رضا القمي المشهدي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org

11

الجزء الرابع عشر

سورة المدّثّر

مكّيّة.

و آيها ستّ أو خمس و خمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- قال: من قرأ في الفريضة سورة المدّثر، كان حقّا على اللّه أن يجعله مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في درجته، و لا يدركه في الحياة الدّنيا شقاء أبدا [إن شاء اللّه‏] (2).

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة المدّثّر، اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كذّب به‏ (4).

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)، أي: المتدثّر، و هو لابس الدّثار.

قيل‏ (5): أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: كنت بحراء فنوديت، فنظرت عن يميني و شمالي فلم أر شيئا (6)، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش‏ (7) بين السّماء و الأرض، يعني:

____________

(1) ثواب الأعمال/ 148، ح 1.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) المجمع 5/ 383.

(4) في المصدر زيادة: بمكّة.

(5) أنوار التنزيل 2/ 516.

(6) ليس في ق.

(7) المصدر: العرش.

12

الملك الّذي ناداه، فرعبت و رجعت إلى خديجة- رضي اللّه عنها- فقلت: دثّروني. فنزل جبرئيل و قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ و لذلك قيل‏ (1): هي أوّل سورة نزلت.

و قيل‏ (2): تأذّى من قريش فتغطّى بثوبه متفكّرا، أو كان نائما متدثّرا، فنزلت.

و قيل‏ (3): المراد بالمدّثّر: المتدثّر بالنّبوّة و الكمالات النّفسانيّة، أو المختفي فإنّه كان بحراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة.

و قرئ‏ (4): «المدثّر»، أي: الّذي دثّر هذا الأمر و عصّب به.

و في مجمع البيان‏ (5): قال الأوزاعيّ: سمعت يحيى بن كثير (6) يقول: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أنزل قبل؟

قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

فقلت‏ (7): أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏؟

فقال: سألت جابر بن عبد اللّه: أيّ القرآن انزل قبل؟

قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

فقلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏؟

فقال جابر: أحدّثكم ما حدّثنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال:

جاورت بحراء شهرا، فلمّا قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي‏ (8)، فنوديت، فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و شمالي فلم أر أحدا، ثمّ نوديت، فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني: جبرئيل. فقلت: دثّروني دثّروني‏ (9). فصبّوا عليّ ماء، فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

قُمْ‏: من مضجعك. أو قم قيام عزم و جدّ.

فَأَنْذِرْ (2): مطلق للتّعميم. أو مقدّر بمفعول دلّ عليه قوله‏ (10): وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ أو قوله‏ (11): وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً.

____________

(1) ليس في ي.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 5/ 384.

(6) المصدر: أبي كثير.

(7) ليس في ق، ش.

(8) المصدر: الواد.

(9) ليس في ق، ش.

(10) الشعراء/ 214.

(11) سبأ/ 28.

18

وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (12): مالا مبسوطا كثيرا. أو ممدودا بالنّماء، و كان له الزّرع و الضّرع و التّجارة.

وَ بَنِينَ شُهُوداً (13): حضورا معه بمكّة يتمتّع بلقائهم، لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته، و لا يحتاج إلى أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه. أو في المحافل و الأندية، لوجاهتهم و اعتبارهم.

قيل‏ (1): كان له عشرة بنين أو أكثر، كلّهم رجال، فأسلم منهم ثلاثة: خالد، و عمّار، و هشام.

وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14): و بسطت له الرّئاسة و الجاه العريض حتّى لقّب ريحانة قريش و الوحيد، أي باستحقاق الرّئاسة و التّقدّم.

ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15): على ما أوتيه. و هو استبعاد لطمعه له، لأنّه لا مزيد على ما أوتي، أو لأنّه لا يناسب ما هو عليه من كفران النّعم و معاندة المنعم و لذلك قال: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (16): فإنّه ردع له عن الطّمع، و تعليل للرّدع على سبيل الاستئناف بمعاندة آيات المنعم المناسبة لإزالة النّعمة المانعة عن الزّيادة.

قيل‏ (2): ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله‏ (3) حتّى هلك.

و في شرح الآيات الباهرة (4): جاء في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- رواه الرّجال، عن [عمرو بن‏] (5) شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً قال: يعني بهذه الآية: إبليس اللّعين خلقه وحيدا من غير أب و لا أمّ. و قوله: وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً، يعني: هذه الدّولة إلى يوم‏ (6) الوقت المعلوم، يوم يقوم القائم.

وَ بَنِينَ شُهُوداً وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يقول‏ (7): معاندا للأئمّة، يدعو إلى غير سبيلها و يصدّ النّاس عنها، و هي آيات اللّه.

سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17): سأغشيه عقبة (8) شاقّة المصعد. و هو مثل لما يلقى من‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 518.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: حاله.

(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 5.

(5) ليس في ق، ش.

6 و 7- ليس في ق، ش، م.

(8) ليس في ق.

16

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (1): و إيّاك و المنّ على رعيّتك بإحسانك أو التّزيّد في ما كان من فعلك، فإنّ المنّ يبطل الإحسان، و التّزيّد يذهب بنور الحقّ.

وَ لِرَبِّكَ‏: و لوجهه، أو أمره.

فَاصْبِرْ (7): فاستعمل الصّبر. أو فاصبر على مشاقّ التّكاليف و أذى المشركين.

فَإِذا نُقِرَ: نفخ.

فِي النَّاقُورِ (8): في الصّور، فاعول، من النّقر، بمعنى: التّصويت.

و أصله: القرع الّذي هو سبب الصّوت.

و «الفاء» للسّببيّة، كأنّه قال: اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبه صبرك و أعداؤك عاقبة ضرّهم.

و «إذا» ظرف لما دلّ عليه قوله: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ‏: لأنّ معناه: عسر الأمر على الكافرين.

و «ذلك» إشارة إلى وقت النّقر، و هو مبتدأ خبره «يوم عسير»، و «يومئذ» بدله أو ظرف لخبره، إذ التّقدير: فذلك الوقت [وقت‏] (2) وقوع يوم عسير.

غَيْرُ يَسِيرٍ (10): تأكيد يمنع أن يكون عسيرا عليهم من وجه دون وجه، و يشعر بتيسيره على المؤمنين.

و في كتاب الغيبة (3) لشيخ الطّائفة: و أخبرني جماعة، عن أبي المفضّل [عن محمّد ابن عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، عن أبيه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن المفضل‏] (4) بن عمر قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن تفسير جابر.

فقال: لا تحدّث به السفلة فيذيعوه‏ (5)، أما تقرأ كتاب اللّه: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ.

إنّ منّا إماما مستترا، فإذا أراد [اللّه‏] (6) إظهار أمره، نكت في قلبه نكتة فيظهر (7)، فقام بأمر

____________

(1) النّهج/ 444، الكتاب 53.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 517.

(3) الغيبة/ 103.

(4) ليس في ق، ش.

(5) المصدر: فيذيعونه.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: فظهر.

17

اللّه.

و في شرح الآيات الباهرة (1): روى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ.

قال: «النّاقور» هو النّداء من السّماء: ألا إنّ وليّكم فلان بن فلان القائم بالحقّ. ينادي به جبرئيل في ثلاث ساعات من ذلك اليوم. فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ (2) يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ، يعني بالكافرين: المرجئة الّذين كفروا بنعمة اللّه و بولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11): نزلت في الوليد بن المغيرة.

و «وحيدا» حال من الياء، أي: ذرني وحدي معه فإنّي أكفيكه. أو من التّاء، أي: و من خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد. أو من العائد المحذوف، أي: و من خلقته فريدا لا مال له و لا ولد.

أو ذمّ، فإنّه كان ملقّبا به، فسمّاه اللّه به تهكّما. أو أراد أنّه وحيد، و لكن في الشّرارة. أو عن أبيه، لأنّه كان زنيما.

و في مجمع البيان‏ (3): و روى العيّاشي، بإسناده‏ (4) عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ الوحيد الوليد (5) ولد الزّنا.

قال زرارة: ذكر لأبي جعفر- (عليه السلام)- عن أحد بني هشام أنّه قال في خطبته: أنا الوليد (6) الوحيد.

فقال: ويله، لو علم ما الوحيد (7) ما فخر بها.

فقلنا: و ما هو؟

قال: من لا يعرف له أب.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 732، ح 3.

(2) ليس في المصدر.

(3) المجمع 5/ 387.

(4) ليس في ق، ش.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: ابن.

(7) كذا في المصدر. و في ق: لوليد. و في غيرها:

الوليد.

19

الشّدائد.

و في مجمع البيان‏ (1): و قيل: «صعود» جبل في جهنّم من نار يؤخذ (2) بارتقائه، فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت، و كذلك رجله ... في خبر مرفوع.

و في روضة الواعظين‏ (3). للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الباقر- (عليه السلام)-: إنّ في جهنّم جبلا (4) يقال له: صعود، و إنّ في صعود لواديا يقال له: سقر (5)، و إنّ في سقر (6) لجبّا يقال له: هبهب، كلّما كشف غطاء ذلك الجبّ، ضجّ أهل النّار من حرّه، و ذلك منازل الجبّارين.

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: «صعود» جبل في النّار من نحاس يعمل‏ (8) عليه حبتر (9) ليصعده كارها، فإذا ضرب رجليه‏ (10) على الجبل ذابتا حتى تلحق بالرّكبتين، فإذا رفعهما عادتا، فلا يزال هكذا ما شاء اللّه.

إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ (18): تعليل للوعيد، أو بيان للعناد، و المعنى: فكّر فيما تخيّل طعنا (11) في القرآن، و قدّر في نفسه ما يقول فيه.

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19): تعجّب من تقديره استهزاء به. أو لأنّه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه، من قولهم: قتله اللّه ما أشجعه، أي: بلغ في الشّجاعة مبلغا يحقّ أن يحسد، و يدعو عليه حاسده بذلك.

و في جوامع الجامع‏ (12): و روي أنّ الوليد قال لبني مخزوم: و اللّه، لقد سمعت من محمّد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجنّ، إنّ له حلاوة، و إنّ عليه لطلاوة (13)، و إنّ أعلاه لمثمر، و إنّ أسفله لمغدق، و إنّه يعلو و لا يعلى عليه.

فقال قريش: صبا، و اللّه، الوليد. و اللّه، ليصبأنّ قريش.

فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه.

____________

(1) المجمع 5/ 388.

(2) ش: يؤمر.

(3) روضة الواعظين/ 382.

(4) ليس في ق، م.

5 و 6- المصدر: سعر.

(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 6.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يعمل.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: حبّه.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «بيديه إلى» بدل «رجليه على».

(11) كذا في أنوار التنزيل 2/ 518. و في النسخ:

لمعنى.

(12) الجوامع/ 517- 518.

(13) الطّلاوة: الحسن و البهجة و القبول و الذّوق.

13

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قُمْ فَأَنْذِرْ. قال: هو قيامه في الرّجعة ينذر فيها.

وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (3): و خصّص ربّك بالتكبير، و هو وصفه بالكبرياء عقدا (2) و قولا.

و روي من طريق العامّة (3): أنّه لمّا نزل كبّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أيقن أنّه الوحي، و ذلك لأنّ الشّيطان لا يأمر بذلك.

و الفاء فيه و فيما بعده لإفادة معنى الشّرط، و كأنّه قال: و ما يكن من شي‏ء فكبّر ربّك. أو الدّلالة على أنّ المقصود الأوّل من الأمر بالقيام أن يكبّر ربّه عن الشّرك و التّشبيه، فإنّ أوّل ما يجب معرفة الصّانع، و أوّل ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه، و القوم كانوا مقرّين به.

وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4): من النّجاسات، فإنّ التّطهير واجب في الصّلاة محبوب في غيرها، و ذلك بغسلها و بحفظها عن النّجاسة بتقصيرها مخافة جرّ الذّيول فيها.

و قيل‏ (4): هو وّل ما أمر به من رفض العادات المذمومة.

و قيل‏ (5): طهر نفسك من الأخلاق الذّميمة و الأفعال الدّنيئة، فيكون أمرا باستكمال القوّة العلميّة (6) بعد أمره باستكمال القوّة النّظريّة و الدّعاء إليه.

و قيل‏ (7): فطهّر دثار النّبوّة عمّا يدنّسه من الحقد و الضّجر و قلّة الصّبر (8).

و في كتاب الخصال‏ (9)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: تشمير الثّياب طهور لها، قال- تعالى-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، يعني: فشمّر.

و في الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال:

فشمّر.

الحسين بن محمّد (11)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 393.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 516. و في النسخ: عقلا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 516.

4 و 5- نفس المصدر/ 517.

(6) ن، المصدر: العلميّة.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ق، ش، م: من الحقد و الحسد و غيرهما.

(9) الخصال/ 622- 623.

(10) الكافي 6/ 455، ح 1.

(11) نفس المصدر/ 455- 456، ح 2.

15

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ» قال: التّطهير هنا:

تشميرها.

و قال‏ (2): شيعتنا يطهّرون.

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) قيل‏ (3): و اهجر العذاب بالثبات، على هجر ما يؤدّي إليه من الشّرك و غيره من القبائح.

و قرأ (4) يعقوب و حفص: «و الرّجز» بالضّمّ، و هو لغة، كالذّكر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ. الرّجز الخبيث‏ (6).

وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6): و لا تعط مستكثرا أو لا تمنن على اللّه بعبادتك مستكثرا إيّاها، أو على النّاس بالتّبليغ مستكثرا به الأجر منهم، أو مستكثرا إيّاه.

و قرئ‏ (7): «تستكثر» بالسّكون، للوقف أو الإبدال، من «تمنن»، على أنّه من:

منّ بكذا. أو «تستكثر» بمعنى: تجده كثيرا.

و بالنّصب على إضمار «أن» و قد قرئ‏ (8) بها، و على هذا يجوز أن يكون الرّفع بحذفها و إبطال عملها، كما روي: «أحضر الوغى» (9) بالرّفع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): قوله: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ

و في رواية أبي الجارود يقول: لا تعط (11) العطيّة تلتمس أكثر منها.

و في أصول الكافي‏ (12): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أعطي لسانا ذاكرا فقد اعطي خير الدّنيا و الآخرة.

و قال في قوله: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قال: لا تستكثر ما عملت من خير للّه.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 393.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقال.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 517.

(5) تفسير القمّي 2/ 393.

(6) ق، ش، م: الخبث.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 517.

(9) هذه جملة من بيت شعر لطرفة بن العبد، و البيت هكذا:

الا ايّها الزاجريّ أحضر الوغى‏* * * و أن أشهد اللذّات هل أنت مخلدي‏

(10) تفسير القمّي 2/ 393.

(11) المصدر: لا تعطي.

(12) الكافي 2/ 499، ح 1.

14

عائد، عن أبي خديجة، عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان عندكم، فأتى بني ديوان فاشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب، و الإزار إلى نصف السّاق، و الرّداء من بين يديه و من خلفه إلى أليتيه‏ (1).

ثمّ رفع يده إلى السّماء، فلم يزل يحمد اللّه على ما كساه حتّى دخل منزله.

ثمّ قال: هذا اللّباس الّذي ينبغي‏ (2) للمسلمين أن يلبسوه.

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و لكن لا تقدرون أن تلبسوا هذا اليوم، و لو فعلناه لقالوا: مجنون، و لقالوا: مراء، و اللّه يقول: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال: و ثيابك ارفعها لا تجرّها. فإذا قام قائمنا، كان هذا اللّباس.

محمد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الرّحمن بن عثمان، عن رجل من أهل اليمامة كان مع أبي الحسن- (عليه السلام)- أيّام حبس ببغداد قال: قال لي أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللّه قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ [و كانت ثيابه طاهرة] (4) و إنّما أمره بالتّشمير.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن رجل، عن سلمة بيّاع القلانس قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- إذ دخل عليه أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا بنيّ، ألا تطهّر قميصك؟ فذهب، فظننّا أنّ ثوبه قد أصابه شي‏ء فرجع، فقال: إنّه‏ (6) هكذا.

فقلنا: جعلنا فداك، ما لقميصه؟

فقال: كان قميصه طويلا فأمرته أن يقصّره‏ (7)، إنّ اللّه يقول: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ.

و في مجمع البيان‏ (8): و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: غسل الثّياب يذهب الحزن و الهمّ و هو طهور للصلاة (9) طهر، و تشمير الثياب طهورها (10)، و قد قال اللّه- سبحانه-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، أي: فشمّر.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ألييه.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر/ 456، ح 4.

(4) ليس في ق.

(5) نفس المصدر/ 457- 458، ح 10.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إنهن.

(7) المصدر: يقصّر.

(8) المجمع 5/ 358.

(9) ليس في ق.

(10) المصدر: طهور لها.

20

فقعد إليه حزينا و كلّمه بما أحماه.

فقام و أتاهم، فقال: تزعمون [أنّ محمّدا مجنون، فهل رأيتموه يخنّق؟ و تقولون:

إنّه كاهن، فهل رأيتموه يتحدّث‏ (1) بما يتحدّث به الكهنة؟ و تزعمون‏] (2) أنّه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قطّ؟ و تزعمون أنّه كذّاب، فهل جرّبتم عليه شيئا [من الكذب‏] (3)؟

فقالوا في كلّ ذلك: اللّهمّ، لا.

قالوا له: فما هو؟

ففكّر، فقال: ما هو إلّا ساحر، أما رأيتموه يفرّق بين الرّجل و أهله [و ولده‏] (4) و مواليه؟ و ما يقوله‏ (5) سحر يؤثر عن أهل بابل، فتفرّقوا معجبين‏ (6) منه.

ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20): تكرير للمبالغة.

و «ثمّ» للدّلالة على أنّ الثّانية أبلغ من الأولى، و فيما بعد على أصلها.

ثُمَّ نَظَرَ (21)، أي: في أمر القرآن مرّة بعد أخرى.

ثُمَّ عَبَسَ‏: قطّب وجهه لمّا لم يجد فيه طعنا و لم يدر ما يقول. أو نظر إلى رسول اللّه و قطّب في وجهه.

وَ بَسَرَ (22): إتباع «لعبس».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)‏- في النّاقور- إلى قوله-: وحيدا» فإنّها نزلت في الوليد بن المغيرة (8)، و كان شيخا كبيرا مجرّبا من دهاة العرب، و كان من المستهزئين برسول اللّه، و كان رسول اللّه يقعد في الحجرة و يقرأ القرآن، فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة فقالوا: يا [أبا] (9) عبد شمس، ما هذا الّذي يقول محمّد، أشعر هو أم كهانة أم خطب؟

فقال: دعوني أسمع كلامه. فدنا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، أنشدني من شعرك.

____________

(1) ي، ر، المصدر: يحدّث.

(2) ليس في ن.

(3) يوجد في ي، المصدر.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بقوله.

(6) المصدر: متعجّبين.

(7) تفسير القمّي 2/ 393- 394.

(8) في ق زيادة: فقالوا: يا عبد شمس ما هذا الّذي.

(9) من المصدر.

21

قال: ما هو شعر، و لكنّه كلام اللّه الّذي ارتضاه لملائكته و أنبيائه و رسله.

فقال: اتل عليّ منه شيئا.

فقرأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حم السّجدة. فلمّا بلغ قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا يا محمّد، أعني‏ (1) قريشا فَقُلْ‏ لهم‏ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ.

قال: فاقشعرّ الوليد، و قامت كلّ شعرة في رأسه و لحيته، و مرّ إلى بيته و لم يرجع إلى قريش من ذلك، فمشوا إلى أبي جهل، فقالوا: يا أبا الحكم، إنّ أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد، أما تراه لم يرجع إلينا.

فغدا أبو جهل [إلى الوليد] (2)، فقال له: يا عمّ، نكّست رؤوسنا و فضحتنا و أشمتّ بنا عدوّنا و صبوت إلى دين محمّد.

فقال: ما صبوت إلى دينه، و لكنّي سمعت كلاما صعبا تقشعرّ منه الجلود.

فقال له أبو جهل: أخطب هو؟

قال: لا، إنّ الخطب كلام‏ (3) متّصل و هذا كلام منثور (4) و لا يشبه بعضه بعضا.

قال: أ فشعر هو؟

قال: لا، أما إنّي لقد سمعت أشعار العرب بسيطها و مديدها و رملها و رجزها (5) و ما هو بشعر.

قال: فما هو؟

قال: دعني أفكّر فيه.

فلمّا كان من الغد قالوا: يا أبا عبد شمس، ما تقول فيما قلناه؟

قال: قولوا: هو سحر، فإنّه أخذ بقلوب النّاس.

فأنزل اللّه على رسوله في ذلك: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. و إنّما سمّي:

وحيدا، لأنّه قال لقريش: أنا أتوحّد بكسوة البيت سنة و عليكم في جماعتكم سنة. و كان له مال كثير و حدائق، و كان له عشر بنين بمكّة، و كان له عشرة عبيد، عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها، و تلك القنطار في ذلك الزّمان، و يقال: إنّ القنطار جلد ثور مملوء ذهبا.

____________

(1) كذا في النسخ و المصدر. و الأظهر: عنى.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في ق.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منشور.

(5) في المصدر زيادة: قال.

22

فانزل اللّه: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً- إلى قوله-: صَعُوداً قال: جبل يسمّى صعودا إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: خلقه اللّه كيف سوّاه و عدله‏ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ قال‏ (1): عبس وجهه‏ وَ بَسَرَ قال: ألقى شدقه.

ثُمَّ أَدْبَرَ: عن الحقّ. أو الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ اسْتَكْبَرَ (23): عن اتّباعه.

فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24): يروى و يتعلّم.

و «الفاء» للدّلالة على أنّه لمّا خطرت هذه الكلمة بباله، تفوّه بها من غير تلبّث و تفكّر.

و قوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) كالتأكيد (2) للجملة الأولى، و ذلك لم يعطف عليها.

و في شرح الآيات الباهرة (3)، في الحديث السّابق: قال: يعني: تدبيره و نظره و فكرته، و استكباره في نفسه، و ادّعاءه الحقّ لنفسه دون أهله.

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26): بدل من‏ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثنا أبو العبّاس، قال: حدّثنا يحيى بن زكريا، عن عليّ بن حسّان، عن عمّه، عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً قال: «الوحيد» ولد الزّنا، و هو عمر (5).

وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً قال: أجلا إلى مدّة.

وَ بَنِينَ شُهُوداً قال: أصحابه الّذين شهودا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يورث.

وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ملّكته الّذي ملك‏ (6).

ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً قال: لولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- جاحدا، و معاندا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيها.

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) ليس في ق.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 6.

(4) تفسير القمّي 2/ 395.

(5) المصدر: زفر.

(6) المصدر: «ملكه الّذي ملكه مهّده له» بدل العبارة الأخيرة. و في ي، ر، زيادة: مهّدت له.

23

سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً، إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فكّر فيما امر به من الولاية، و قدّر، أي: إن مضى رسول ألّا يسلّم لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- البيعة الّتي بايعه بها على عهد رسول اللّه.

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قال: عذاب بعد عذاب يعذّبه القائم- (عليه السلام)-.

ثُمَّ نَظَرَ إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين ف عَبَسَ وَ بَسَرَ ممّا امر به.

ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ، فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ قال عمر (1): إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سحر النّاس بعليّ‏ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، أي: ليس هو وحيا من اللّه- عزّ و جلّ- سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (إلى آخر الآية) ففيه نزلت.

وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ (27): تفخيم لشأنها، و قوله: لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ (28): بيان لذلك. أو حال من «سقر» و العامل فيها معنى التّعظيم، و المعنى: و لا تبقي على شي‏ء يلقى فيها، و لا تدعه حتّى تهلكه.

[و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ في جهنّم لواديا (للمتكبّرين) (3) يقال له:

سقر. شكا إلى اللّه- عزّ و جلّ- شدّة حرّه و سأله أن يأذن له أن يتنفّس. فتنفّس فأحرق جهنّم‏] (4).

لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29): مسوّدة لأعالي الجلد. أو لائحة للنّاس.

و قرئت‏ (5) بالنّصب، على الاختصاص.

و في شرح الآيات الباهرة (6)، في الحديث السّابق: قال: يراه أهل الشّرق كما يراه أهل الغرب، إنّه إذا كان في سقر يراه أهل الشّرق و الغرب و يتبيّن حاله، و المعني في هذه الآيات جميعا: حبتر (7).

____________

(1) المصدر: زفر.

(2) الكافي 2/ 310، ح 10.

(3) من المصدر.

(4) من ي.

(5) أنوار التنزيل 2/ 518- 519.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 6.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: حسية.

24

عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30): ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون‏ (1) أمرها.

قيل‏ (2): المخصّص لهذا العدد، أنّ اختلال النّفوس البشريّة في النّظر و العمل بسبب القوى الحيوانيّة الاثني عشرة (3) و الطبيعيّة السّبع‏ (4).

أو أنّ لجهنّم سبع دركات، ست منها لأصناف الكفّار و كلّ صنف يعذّب بترك الاعتقاد و الإقرار و العمل أنواعا [من العذاب‏] (5) يناسبها و على كلّ نوع ملك أو صنف يتولّاه، و واحدة لعصاة الأمّة يعذّبون فيها بترك العمل نوعا يناسبه و يتولّاه ملك أو صنف.

أو أنّ السّاعات أربع‏ (6) و عشرون، خمسة (7) منها مصروفة في الصّلاة، فيبقى تسعة عشر (8) قد تصرّف فيما يؤاخذ به بأنواع من العذاب يتولّاها الزّبانية.

و قرئ‏ (9): «تسعة عشر» (10) بسكون العين، كراهة توالي حركات فيما هو كاسم واحد. و «تسعة أعشر» جمع عشير، كيمين و أيمن، أي: تسعة كلّ عشير جمع، يعني نقيبهم، أو جمع عشر (11) فتكون تسعين.

وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً: ليخالفوا جنس المعذّبين فلا يرقّون‏ (12) لهم، و لأنّه أقوى الخلق بأسا و أشدّهم غضبا للّه.

نقل‏ (13) أنّ أبا جهل لمّا سمع «عليها تسعة عشر» قال لقريش: أ يعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فنزلت‏ (14).

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 519. و في النسخ:

يكون.

(2) أنوار التنزيل 2/ 519.

(3) أي: الحواسّ العشر، و القوّتان الشهويّة و الغضبيّة.

(4) أي: الجاذبة، و الماسكة، و الهاضمة، و الغاذية، و الدافعة، و النافية، و المولّدة.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أربعة.

(7) كذا في النسخ و المصدر. و الظاهر الصحيح:

خمس.

(8) كذا في النسخ و المصدر. و الظاهر الصحيح:

تسع عشرة.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) في ي زيادة: ليكون.

(11) ليس في ق، م.

(12) كذا في أنوار التنزيل 2/ 519. و في النسخ:

فلا يرقّوا.

(13) نفس المصدر و الموضع.

(14) يعني: نزلت الآية لإفادة أنّ أصحاب النّار ملائكة.

25

وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا: و ما جعلنا عددهم إلّا العدد الّذي اقتضى فتنتهم، و هو التّسعة عشر، فعبّر بالأثر عن المؤثّر تنبيها على أنّه لا ينفكّ منه‏ (1).

و افتتانهم به استقلالهم له و استهزاؤهم [به و استبعادهم‏] (2) أن يتولّى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثّقلين.

و لعلّ المراد الجعل‏ (3) بالقول ليحسن‏ (4) تعليله بقوله: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏، أي: ليكتسبوا اليقين بنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صدق القرآن لمّا رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم.

وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً: بالإيمان‏ (5) به أو بتصديق أهل الكتاب له.

وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏، أي: في ذلك. و هو تأكيد للاستيقان، و زيادة الإيمان، و نفي لما يعرض المتيقّن‏ (6) حيثما عراه شبهة.

وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: شكّ أو نفاق، فيكون إخبارا بمكّة عمّا سيكون‏ (7) في المدينة بعد الهجرة.

وَ الْكافِرُونَ‏: الجازمون في التّكذيب.

ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، أيّ شي‏ء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل.

و قيل‏ (8): لمّا استبعدوه حسبوا أنّه مثل مضروب.

كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: مثل ذلك المذكور من الإضلال و الخذلان و الهدى و التّوفيق يضلّ الكافرين و يهدي المؤمنين.

وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ‏: جموع خلقه على ما هم عليه‏ إِلَّا هُوَ إذ لا سبيل‏

____________

(1) أي: لا ينفكّ المؤثر من أصحاب النّار الّتي هي الملائكة عن الأثر الّذي هو الفتنة.

(2) من نفس المصدر و الموضع.

(3) من ش.

(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

يحسن.

(5) ليس في ق، ش.

(6) ق، ش: المتّقين.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 519. و في النسخ:

يكون.

(8) نفس المصدر و الموضع.

26

لأحد إلى حصر الممكنات، و الاطّلاع على حقائقها و صفاتها و ما يوجب اختصاص‏ (1) كلّ منها بما يخصّه من كمّ و كيف و اعتبار و نسبة.

وَ ما هِيَ‏: و ما سقر، أو عدّة الخزنة، أو السّورة.

إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ (31): إلّا تذكره لهم.

كَلَّا: ردع لمن أنكرها، و إنكار لأن يتذكّروا بها.

وَ الْقَمَرِ (32) و الليل إذا أدبر (33)، أي: أدبر، كقبل بمعنى: أقبل.

و قرأ (2) نافع و حمزة و يعقوب و حفص: «إِذْ أَدْبَرَ» (3) على المضي‏ (4).

وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ: أضاء.

إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35): لإحدى البلايا (5) الكبر، أي: البلايا الكبر كثيرة و سقر واحدة منها.

و إنّما جمع «كبرى» على «كبر» إلحاقا لها بفعلة، تنزيلا للألف منزلة التّاء، كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع.

و الجملة جواب القسم. أو تعليل «لكلّا» و القسم معترض للتّأكيد.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل‏ (7)، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏.

قال: يستيقنون أن اللّه و رسوله و وصيّه حقّ.

قلت: وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً.

قال: يزدادون بولاية الوصي إيمانا.

قلت: وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏.

قال: بولاية عليّ.

قلت: ما هذا الارتياب؟

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) نفس المصدر/ 520.

(3) المصدر: «إذا دبر».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المعنى.

(5) ليس في ق، م.

(6) الكافي 1/ 434، ح 91.

(7) ي: الفضل.

27

قال: يعني بذلك: أهل الكتاب و المؤمنين الّذين ذكر اللّه، فقال: و لا يرتابون في الولاية.

قلت: وَ ما هِيَ إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ.

قال: نعم، ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

قلت: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ.

قال: الولاية.

نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36): تمييز، أي: لإحدى الكبر إنذارا. أو حال عمّا دلّت عليه الجملة، أي: كبرت منذرة.

و قرئ‏ (1)، بالرّفع خبرا ثانيا، أو خبرا لمحذوف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، بإسناده إلى أبي حمزة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ قال: يعني: فاطمة- (عليها السلام)-.

لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37): بدل من «للبشر»، أي:

نذيرا للمتمكّنين من السّبق إلى الخير و التّخلّف عنه. أو «لمن شاء» خبر ل «أن يتقدّم» فيكون في معنى قوله‏ (3): فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.

و في أصول الكافي‏ (4)، متّصلا بآخر ما نقلناه قريبا، أعني: قوله: قال: الولاية.

قلت: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.

قال: من تقدّم إلى ولايتنا أخّر عن سقر، و من تأخّر عنّا تقدّم إلى سقر.

كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38): مرهونة عند اللّه. مصدر، كالشّتيمة، أطلقت للمفعول، كالرّهن، و لو كانت صفة لقيل: رهين‏ (5).

و في أصول الكافي‏ (6): عنه، رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أقصر نفسك عمّا يضرّها من قبل أن تفارقك، و اسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإنّ نفسك رهينة بعملك.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 520.

(2) تفسير القمّي 2/ 396.

(3) الكهف/ 29.

(4) الكافي 1/ 434، ح 91.

(5) لأنّ الفعيل بمعنى المفعول يستوي فيه المذكّر و المؤنّث.

(6) الكافي 2/ 455، ح 8.

28

إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39): فإنّهم فكّوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم.

و قيل‏ (1): هم الملائكة، أو الأطفال.

و في أصول الكافي‏ (2)، متّصل بآخر ما نقلناه عنه من حديث محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)-، أعني: قوله: تقدّم إلى سقر. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ‏ قال: هم، و اللّه، شيعتنا.

فِي جَنَّاتٍ‏: لا يكتنه وصفها. و هي حال من‏ أَصْحابَ الْيَمِينِ‏، أو ضميرهم في قوله: يَتَساءَلُونَ‏ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)، أي: يسأل بعضهم بعضا. أو يسألون غيرهم عن حالهم، كقولك، تداعيناه، أي: دعوناه. و قوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) بجوابه حكاية لما جرى بين المسئولين و المجرمين أجابوا بها.

قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) قيل‏ (3): الصّلاة الواجبة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال عليّ بن إبراهيم في قوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ‏ قال: «اليمين» أمير المؤمنين، و أصحابه شيعته، فيقولون لأعداء آل محمّد: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ فيقولون: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏، أي:

لم نكن من أتباع الأئمّة.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏.

قال: إنّا لم نتولّ وصي محمّد و الأوصياء من بعده، و لا يصلّون عليهم.

عليّ بن محمّد (6)، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن القمّيّ، عن إدريس بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير هذه الآية: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 520.

(2) الكافي 1/ 434، ح 91.

(3) أنوار التنزيل 2/ 520.

(4) تفسير القمّي 2/ 395.

(5) الكافي 1/ 434، ح 91.

(6) نفس المصدر/ 419، ح 38.

29

قال: عنى به: لم نك من أتباع الأئمّة الّذين قال اللّه‏ (1) فيهم: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏. أما ترى النّاس يسمّون الّذي يلي السّابق في الحلبة:

مصلّيا (2)، فذلك الّذي عنى حيث قال: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏. لم نك من أتباع السّابقين.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ، أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين‏ (4) بكلمات، يقول: تعاهدوا الصّلاة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقرّبوا بها، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، و قد علم ذلك الكفّار حين سئلوا: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏. و قد عرف حقّها من طرقها (5). (الحديث)

و في نهج البلاغة (6): تعاهدوا أمر الصّلاة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقرّبوا بها، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حين سئلوا: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏.

وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44): ما يجب إعطاؤه‏ (7). و فيه دليل على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع.

وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45): نشرع في الباطل مع الشّارعين فيه.

وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46): أخّره لتعظيمه‏ (8)، أي: و كنّا بعد ذلك كلّه مكذّبين بالقيامة (9).

حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47): الموت و مقدّماته.

فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48): لو شفعوا لهم جميعا.

____________

(1) الواقعة/ 10- 11.

(2) المصدر: مصلى.

(3) نفس المصدر 5/ 36- 37، ح 1.

(4) المصدر: للمسلمين.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: طرفها.

و طرقها، أي: أتى بها ليلا. و قيل: أي: جعلها دأبه و صنعه.

(6) النهج/ 316، الخطبة 199.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 520. و في النسخ:

إعطائهم.

(8) أي: أخّره عن قوله: وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ‏.

(9) ليس في ق.

30

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ‏ قال: حقوق آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الخمس لذوي القربى و اليتامى [و المساكين‏] (2) و ابن السّبيل، و هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قوله: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ‏. قال: لو أنّ كلّ نبيّ مرسل و كلّ ملك مقرّب شفعوا في ناصب آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما شفعوا فيه.

و في مجمع البيان‏ (3): فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ‏، أي: شفاعة الملائكة و النبيّين، كما نفعت الموحّدين ... عن ابن عبّاس.

قال الحسن‏ (4): لم تنفعهم شفاعة ملك و لا شهيد و لا مؤمن، و يعضد هذا الإجماع، على أنّ عقاب الكفّار لا يسقط بالشّفاعة.

و عن الحسن‏ (5)، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يقول الرّجل من أهل الجنّة يوم القيامة: أي ربّ، عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدّنيا فشفّعني فيه.

فيقول: اذهب فأخرجه من النّار. فيذهب فيتجسّس في النّار حتّى يخرجه منها.

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ من أمّتي من سيدخل اللّه الجنّة بشفاعته أكثر من مضر.

فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)، أي: معرضين عن التّذكير.

قيل‏ (6): يعني: القرآن أو ما يعمّه.

و «معرضين» حال.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏.

قال: عن الولاية معرضين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): ثمّ قال: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏ قال:

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 395.

(2) ليس في ق، ش، م.

3 و 4- المجمع 5/ 392.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 520.

(7) الكافي 1/ 434، ح 91.

(8) تفسير القمّي 2/ 395- 396.

31

عمّا يذكر لهم من موالاة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50): شبّههم في إعراضهم و نفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة.

فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)، أي: أسد. فعولة، من القسر، و هو القهر.

و قرأ (1) نافع و ابن عامر، بفتح الفاء (2).

و في إرشاد المفيد (3)- (رحمه اللّه)-: من كلام أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّي استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا، و أسمعتكم فلم تجيبوا، و نصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا كالغيّب، أتلو (4) عليكم الحكمة فتعرضون عنها، و أعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ.

بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52): قراطيس تنشر و تقرأ.

و قيل‏ (5): و ذلك أنّهم قالوا للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لن نتّبعك حتّى تأتي كلامنا بكتاب من السّماء، فيه: من اللّه إلى فلان اتّبع محمّدا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: بَلْ يُرِيدُ (الآية) و ذلك أنّهم قالوا: يا محمّد، قد بلغنا أنّ الرّجل من بني إسرائيل كان يذنب الذّنب فيصبح و ذنبه مكتوب عند رأسه و كفّارته.

فنزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: يسألك قومك سنّة بني إسرائيل [في الذنوب، فإن شاءوا فعلنا بهم و أخذناهم بما كنّا نأخذ به بني إسرائيل‏] (7). فزعموا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كره ذلك لقومه.

كَلَّا: ردع عن اقتراحهم الآيات.

بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53): فلذلك أعرضوا عن التّذكرة، لا لامتناع إيتاء الصّحف.

____________

(1) مجمع البيان 5/ 389.

(2) أي الفاء في «مستنفرة».

(3) الإرشاد/ 132- 133.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أتل.

(5) أنوار التنزيل 2/ 520- 521.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

(7) من المصدر.

32

كَلَّا: ردع عن إعراضهم‏ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54): و أيّ تذكرة.

أقول: و في رواية محمّد بن الفضيل‏ (1)، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)‏- قلت: كَلَّا إِنَّهُ‏ (2) تَذْكِرَةٌ قال: الولاية.

فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55): فمن شاء أن يذكره.

وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: ذكرهم، أو مشيئتهم، كقوله: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏. و هو تصريح بأنّ فعل العبد بمشيئة اللّه.

و قرأ (3) نافع: «تذكرون» بالتّاء.

و قرئ‏ (4) بهما (5) مشدّدا.

هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏: حقيق بأن يتّقى عقابه.

وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56): حقيق بأن يغفر لعباده، سيما المتّقين منهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال: هو أهل أن يتّقى، و أهل أن يغفر.

و في كتاب التّوحيد (7)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال اللّه- تبارك و تعالى-: أنا أهل أنّ أتّقى و لا يشرك بي عبدي شيئا، و أنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن ادخله الجنّة.

و قال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه أقسم بعزّته و جلاله ألّا يعذّب أهل توحيده بالنّار (8).

____________

(1) الكافي 1/ 434، ح 91.

(2) ي، ر، المصدر: إنّها.

(3) أنوار التنزيل 2/ 521.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أي: بالياء و التّاء.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

(7) التوحيد/ 20، ح 6.

(8) في المصدر زيادة: أبدا.

33

سورة القيامة

مكّيّة.

و آيها تسع و ثلاثون أو أربعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أدمن قراءة لا أُقْسِمُ‏ و كان يعمل بها، بعثه اللّه مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قبره في أحسن صورة، و يبشّره و يضحك في وجهه حتّى يجوز على الصّراط و الميزان.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة القيامة، شهدت أنّا و جبرئيل له يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بيوم القيامة، و جاء و وجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة.

لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) إدخال «لا» النّافية على فعل القسم للتّأكيد شائع في كلامهم، كما قال امرؤ القيس:

لا و أبيك ابنة العامريّ‏* * * لا يدّعي القوم أنّي أفرّ

____________

(1) ثواب الأعمال/ 148، ح 1.

(2) المجمع 5/ 393.

34

و قد مرّ الكلام فيه في قوله‏ (1): فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ‏.

و قرأ (2) قنبل: «لا أقسم» بغير ألف بعد اللّام، و كذا روي عن البزّيّ.

وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) قيل: (3) بالنّفس المتّقية الّتي تلوم النّفوس المقصّرة في التّقوى يوم القيامة على تقصيرها.

أو الّتي تلوم نفسها أبدا و إن اجتهدت في الطّاعة.

أو النّفس المطمئنّة اللّائمة للنّفس الأمّارة.

أو بالجنس لما

روي أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ليس‏ (4) من نفس برّة و لا فاجرة إلّا و تلوم نفسها يوم القيامة، إن عملت خيرا قالت: كيف لم أزدد، و إن عملت شرا قالت: يا ليتني كنت قصّرت.

أو نفس [آدم- (عليه السلام)-] (5) فإنّها لم تزل تتلوّم على ما خرجت به من الجنّة.

فإنّها لم تزل تتلوّم على ما خرجت به من الجنّة.

و ضمّها إلى يوم القيامة لأنّ المقصود من إقامتها مجازاتها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني: أقسم [بيوم القيامة] (7) و أقسم‏ (8) بالنّفس اللّوّامة، قال: نفس آدم الّتي عصت فلامها اللّه.

أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ‏ قيل‏ (9): يعني: الجنس، و إسناد الفعل إليه لأنّ فيهم من يحسب. أو الّذي نزل فيه،

و هو عديّ بن ربيعة (10) سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن أمر القيامة، فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك، أو يجمع اللّه هذه العظام؟!

أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3): بعد تفرّقها.

و قرئ‏ (11): أن لن تجمع على البناء للمفعول.

____________

(1) الواقعة/ 75.

(2) أنوار التنزيل 2/ 521.

(3) أنوار التنزيل 2/ 521.

(4) ليس في ق.

(5) ليس في ق، م.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: لا أقسم.

(9) أنوار التنزيل 2/ 521.

(10) المصدر: أبي ربيعة.

(11) أنوار التنزيل 2/ 521.

35

«بَلى‏» نجمعها.

قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4): بجمع سلاميّاته و بضمّ بعضها إلى بعض، كما كانت مع صغرها و لطافتها، فكيف بكبار العظام. أو على أن نسوّي بنانه الّذي هو أطرافه، فكيف بغيرها.

و هو حال من فاعل الفعل المقدّر بعد «بلى».

و قرئ‏ (1)، بالرّفع، أي: نحن قادرون.

بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ‏: عطف على «أ يحسب» فيجوز أن يكون استفهاما، و أن يكون إيجابا لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم و عن الاستفهام.

لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5): ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزّمان.

و في شرح الآيات الباهرة (2): عن محمّد البرقيّ، عن خلف بن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقرأ: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ‏، أي:

يكذّبه.

و قال بعض أصحابنا (3)، عنهم- (عليهم السلام)‏-: إنّ قوله: بَلْ يُرِيدُ (الآية) قال: يريد (4) الإنسان أن يفجر أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، يعني: يكيده.

يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6): متى يكون، استبعادا و استهزاء.

فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7): تحيّر فزعا. من برق الرّجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره.

و قرأ نافع، بالفتح، و هو لغة.

أو من البريق، بمعنى: لمع من شدّة شخوصه.

و قرئ: «بلق» من بلق الباب، أي: انفتح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ‏ قال: يقدم الذّنب و يؤخّر التّوبة، و يقول: سوف أتوب.

فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ قال: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 739، ح 1.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) أنوار التنزيل 2/ 522.

(5) تفسير القمّي 2/ 396.

36

وَ خَسَفَ الْقَمَرُ (8): و ذهب ضوؤه.

و قرئ‏ (1) على بناء المفعول.

وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (9): في ذهاب الضّوء، أو الطلوع من المغرب.

و لا ينافيه الخسوف، فإنّه مستعار للمحاق. و لمن حمل حمل ذلك على أمارات الموت أن يفسّر الخسوف بذهاب ضوء البصر، و الجمع باستتباع الرّوح الحاسّة في الذّهاب.

و في كتاب الغيبة (2) لشيخ الطّائفة، بإسناده إلى عليّ بن مهزيار، حديث طويل‏ يذكر فيه دخوله على القائم و سؤاله إيّاه، و فيه: فقلت: يا سيّدي، متّى يكون هذا الأمر (3)؟

فقال: إذا حيل بينكم و بين سبيل الكعبة، و اجتمع‏ (4) الشّمس و القمر و استدار بهما الكواكب و النجوم.

فقلت: متى يا بن رسول اللّه؟

فقال لي: سنة كذا و كذا تخرج دابّة الأرض بين الصفا و المروة، معه عصا موسى و خاتم سليمان، يسوق النّاس إلى المحشر.

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)، أي: الفرار، يقوله قول الآيس من وجدانه المتمنّي.

و قرئ‏ (5) بالكسر، و هو المكان.

كَلَّا: ردع عن طلب المفرّ.

لا وَزَرَ (11): لا ملجأ. مستعار من الجبل، و اشتقاقه من الوزر، و هو الثّقل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): كَلَّا لا وَزَرَ، أي: لا ملجأ.

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12): إليه وحده استقرار العباد. أو إلى حكمة استقرار أمرهم. أو إلى مشيئة موضع قرارهم، يدخل من يشاء الجنّة، و من يشاء النّار.

يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (13): بما قدّم من عمل عمله، و بما

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 522.

(2) الغيبة/ 161.

(3) ليس في ق، ش، م.

(4) ق، ش، م: جمع بين.

(5) أنوار التنزيل 2/ 522.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

37

أخّر [منه لم يعمله. أو بما قدّم من عمل عمله،] (1) و بما أخّر عن سيّئة عمل بها بعده. أو بما قدّم من مال تصدّق به، و بما أخّر فخلّفه. أو بأوّل عمله و آخره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ قال:

يخبر بما قدّم و أخّر.

بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14): حجّة بيّنة على أعمالها، لأنّه شاهد بها، وصفها بالبصارة على المجاز. أو عين بصيرة بها، فلا يحتاج إلى الإنباء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ [وَ أَخَّرَ بما قدّم‏] (4) من خير و شرّ، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرّا كان عليه مثل وزرهم و لا ينقص من وزرهم شي‏ء (5)، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم و لا ينقص من أجورهم شي‏ء (6).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): روى ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما حدّ المرض الّذي يفطر فيه الرّجل و يدع الصّلاة من قيام؟

فقال: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ و هو أعلم بما يطيقه.

وي أصول الكافي‏ (8): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن فضل‏ (9) أبي العبّاس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسرّ سيّئا، أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أنّ ذلك ليس كذلك، و اللّه يقول: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. إنّ السّريرة إذا صحّت، قويت العلانية.

وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ (15): و لو جاء بكلّ ما يمكن أن يعتذر به. جمع معذار و هو العذر. أو جمع معذرة على غير قياس، كالمناكير في المنكر، فإنّ قياسه معاذر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10)- (رحمه اللّه)-: وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏ قال: يعلم ما صنع و إن اعتذر.

____________

(1) ليس في ن.

(2) تفسير القمّي 2/ 396.

(3) تفسير القمّي 2/ 397- 398.

(4) ليس في ق، ش، م.

5 و 6- كذا في المصدر. و في النسخ: شيئا.

(7) الفقيه 2/ 83، ح 369.

(8) الكافي 1/ 295، ح 11.

(9) في ق، ش، زيادة: بن.

(10) تفسير القمّي 2/ 396- 397.

38

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عمر (2) ابن يزيد قال: إنّي لأتعشّى عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ تلا هذه الآية:

بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏.

يا أبا حفص، ما يصنع الإنسان أن يتقرّب إلى اللّه بخلاف ما يعلم اللّه، إنّ رسول اللّه كان يقول: من أسرّ سريرة، ردّاه اللّه رداءها، إن خيرا فخير، و إن شرا فشرّ.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، [عن عليّ بن الحكم،] (4) عن عمر بن يزيد قال: إنّي لأتعشّى عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ تلا هذه الآية: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏.

يا أبا حفص، ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى النّاس بخلاف ما يعلم اللّه منه، إنّ رسول اللّه كان يقول: من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداءها، إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى العيّاشي، بإسناده، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسرّ سيّئا، أليس إذا رجع يعلم أنّه ليس كذلك؟ و اللّه يقول: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ إنّ السّريرة إذا صلحت، قويت العلانية.

لا تُحَرِّكْ‏: يا محمّد. بِهِ‏: بالقرآن‏ لِسانَكَ‏ قبل أن يتمّ الوحي به.

لِتَعْجَلَ بِهِ (16): لتأخذه على عجلة، مخافة أن ينفلت عنك.

و في مجمع البيان‏ (6): قال ابن عبّاس: كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه، لحبّه إيّاه و حرصه على أخذه و ضبطه مخافة أن ينساه، فنهاه اللّه عن ذلك.

و في رواية سعيد بن جبير (7)، عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- أنّه كان يعالج من التّنزيل شدّة، و كان يشتدّ عليه حفظه، فكان يحرّك لسانه و شفتيه قبل فراغ جبرئيل من قراءة الوحي، فقال- تعالى-: لا تُحَرِّكْ بِهِ‏، أي: بالوحي، أو بالقرآن‏ لِسانَكَ‏ يعني:

بالقراءة.

____________

(1) الكافي 2/ 294، ح 6.

(2) ليس في ق، ش.

(3) نفس المصدر/ 296، ح 15.

(4) من المصدر.

(5) المجمع 5/ 396.

6 و 7- المجمع 5/ 397.

39

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏: في صدرك‏ وَ قُرْآنَهُ (17): و إثبات قراءته في لسانك.

و هو تعليل للنّهي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): في قوله: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى‏ فإنّه كان سبب نزولها، أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا إلى بيعة عليّ- (عليه السلام)- يوم غدير خمّ.

فلمّا بلّغ النّاس و أخبرهم في عليّ- (عليه السلام)- ما أراد اللّه أن يخبرهم‏ (2) به رجعوا (3) النّاس، فاتّكأ معاوية على المغيرة بن شعبة و أبي موسى الأشعريّ، ثمّ أقبل يتمطّى نحو أهله و يقول: ما نقرّ لعليّ- (عليه السلام)- بالولاية (4) أبدا، و لا نصدّق محمّدا مقالته فيه. فأنزل اللّه‏ فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ وعيد (5) الفاسق.

فصعد رسول اللّه المنبر، و هو يريد البراءة منه، فأنزل اللّه: لا تُحَرِّكْ‏ (الآية).

فسكت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يسمّه.

قوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏ قال: على آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- جمع القرآن و قراءته‏ (6).

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدّام، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: ما ادّعى أحد من النّاس أنّه جمع القرآن كلّه، كما انزل، إلّا كذّاب. و ما جمعه و حفظه، كما نزّله اللّه، إلّا عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من بعده.

فَإِذا قَرَأْناهُ‏: بلسان جبرئيل عليك‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18): قراءته، و تكرّر فيه حتّى يرسخ في ذهنك.

و في مجمع البيان‏ (8): فَإِذا قَرَأْناهُ‏، أي: قرأ جبرئيل عليك بأمرنا فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ ... عن ابن عبّاس. و المعنى: اقراه إذا فرغ جبرئيل من قراءته.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 397. و فيه وردت الفقرة الثانية قبل هذه الفقرة.

(2) من المصدر: «أن يخبر» مكان «أن يخبرهم به».

(3) كذا في النسخ و المصدر. و الصحيح: رجع.

(4) في المصدر زيادة: (بالخلافة- خ. ل)

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ ند.

(6) المصدر: قرآنه.

(7) الكافي 1/ 228، ح 1.

(8) المجمع 5/ 397.

40

قال: فكان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد هذا إذا نزل عليه جبرئيل أطرق، فإذا ذهب قرأ.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19): بيان ما أشكل عليك من معانيه.

و هو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، و هو اعتراض بما يؤكّد التّوبيخ على حبّ العجلة، لأنّها إذا كانت مذمومة فيما هو أهمّ الأمور و أصل الدّين فكيف بها في غيره، أو بذكر ما اتّفق في أثناء نزول هذه الآيات.

و قيل‏ (1): الخطاب مع الإنسان المذكور و المعنى: أنّه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفا، فيقال له: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ‏ فإنّ علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك و قراءته‏ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ بالإقرار، أو بالتّأمّل فيه‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بيان أمره بالجزاء عليه.

كَلَّا: ردع للرّسول عن عادة العجلة، أو للإنسان عن الاغترار بالعاجل.

بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) تعميم للخطاب، إشعارا بأنّ بني آدم مطبوعون على الاستعجال.

و إن كان الخطاب للإنسان و المراد: الجنس، فجمع الضّمير باعتبار المعنى.

و يؤيّده قراءة (2) ابن كثير و ابن عامر و البصريّين، بالياء فيهما.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22): بهيئة متهلّلة.

إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (23): من نظر العين. أو الانتظار، أي: هي ناظرة إلى نعيم الجنّة حالا بعد حال، فيزداد بذلك سرورها. أو منتظرة متشوّقة إلى ثواب ربّها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ قال: الدّنيا الحاضرة.

وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ قال: تدعون.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، أي: مشرقة.

إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ قال: ينظرون إلى وجه اللّه، أي: رحمة اللّه و نعمته.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: قال عليّ بن موسى الرّضا- عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 523.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) العيون 1/ 93، ح 2.

41

السّلام‏- في قوله- تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ: يعني: مشرقة تنتظر ثواب ربّها.

و في كتاب التّوحيد (1)، حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه‏، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ فإنّ ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء اللّه، بعد ما يفرغ من الحساب، إلى نهر يسمّى:

الحيوان، فيغتسلون فيه و يشربون منه، فتنضر وجوههم إشراقا فيذهب عنهم كلّ قذى و وعث، ثمّ يؤمرون بدخول الجنّة. فمن هذا المقام ينظرون إلى ربّهم كيف يثيبهم و منه يدخلون الجنّة، فذلك قوله‏ (2)- عزّ و جلّ- في‏ (3) تسليم الملائكة عليهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ‏. فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنّة و النّظر إلى ما وعدهم [ربّهم‏] (4)، فذلك قوله: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ. و إنّما يعني بالنّظر إليه النظر (5) إلى ثوابه- تبارك و تعالى-.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسي- (رحمه اللّه)- مثله.

إلى قوله: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ دون: و إنّما يعني- إلى آخره.

و فيه بعد قوله: «ناظرة»: و «النّاظرة» في بعض اللّغة هي المنتظرة ألم تسمع إلى قوله‏ (7): فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏، أي: منتظرة بم يرجع المرسلون.

و في مجمع البيان‏ (8): و أمّا من حمل النّظر في الآية على الانتظار، فإنّهم اختلفوا في معناه على أقوال: أحدها،

أنّ المعنى: منتظرة لثواب ربّها ... عن مجاهد و الحسن و سعيد بن جبير و الضّحّاك، و هو المرويّ عن عليّ- (عليه السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (9): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن هاشم الصّيداويّ قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا هاشم، حدّثني أبي و هو خير منّي [عن جدّي‏] (10)، عن رسول‏

____________

(1) التوحيد/ 262، ح 5.

(2) الزمر/ 73.

(3) المصدر: من.

(4) من المصدر.

(5) يوجد في ي، المصدر.

(6) الاحتجاج/ 243.

(7) النمل/ 35.

(8) المجمع 5/ 398.

(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 739- 740، ح 4.

(10) من المصدر.

42

اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: ما من رجل من فقراء شيعتنا إلّا و ليس‏ (1) عليه تبعة (2).

قلت: جعلت فداك، و ما التبعة (3)؟

قال: من الإحدى و الخمسين ركعة، و من صوم ثلاثة أيّام من الشّهر، فإذا كان يوم القيامة خرجوا من قبورهم و وجوههم مثل القمر ليلة البدر، فيقال للرّجل منهم: سل تعط. فيقول: أسأل ربّي النّظر إلى وجه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فيأذن اللّه لأهل الجنّة أن يزوروا محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فينصب‏ (4) لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منبر [من نور] (5) على درنوك من درانيك الجنّة، له ألف مرقاة، بين المرقاة إلى المرقاة ركضة الفرس، فيصعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

[قال:] (6) فيحفّ ذلك المنبر شيعة آل محمّد- (عليهم السلام)-. فينظر اللّه إليهم، و هو قوله- تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ.

قال: فيلقى عليهم من النّور حتّى أنّ أحدهم إذا رجع لم تقدر الحوراء تملأ بصرها منه.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا هاشم، لمثل هذا فليعمل العاملون.

وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24): شديدة العبوس. و الباسل أبلغ من الباسر، لكنّه غلب في الشجاع إذا اشتدّ كلوحه.

تَظُنُ‏: تتوقّع أربابها.

أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25): داهية تكسر القفار] (7).

كَلَّا: ردع عن إيثار الدّنيا على الآخرة.

إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ‏ (26): إذا بلغت النّفس أعالي الصّدر. و إضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها.

____________

(1) كذا في المصدر. و في ن، ش: «إلّا و لنا» بدل «إلّا و ليس». و في سائر النسخ:

«الأولين».

2 و 3- كذا في المصدر. و في النسخ: بيعة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فنصب.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) لا توجد هذه الفقرات في النسخ و إنّما أوردناها من أنوار التنزيل 2/ 523 طبقا لمسلك المؤلّف- (رحمه اللّه). و نظرنا إلى نور الثقلين و مجمع البيان و الصافي فلم ترد حولها رواية و لذلك لم يكن إشكال غير تدوينها في المتن.

43

وَ قِيلَ مَنْ راقٍ‏ (27): و قال حاضر و صاحبها: من يرقيه ممّا به؟ من الرّقية.

أو قال ملائكة الموت: أيّكم يرقي بروحه، ملائكة الرّحمة أو ملائكة العذاب؟

من الرّقيّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ‏ قال: يعني:

النّفس إذا بلغت التّرقوة.

وَ قِيلَ مَنْ راقٍ‏ قال: يقال له: من يرقيك.

وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ‏ (28): و ظنّ المحتضر أنّ الّذي نزل‏ (2) به فراق الدّنيا و محابّها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ‏، أي: علم.

و في مجمع البيان‏ (4): و جاء في الحديث: أنّ العبد ليعالج كرب الموت و سكراته، و مفاصله يسلّم بعضها على بعض، يقول: عليك السّلام، تفارقني و أفارقك إلى يوم القيامة.

وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏ (29): و التوت ساقه بساقه فلا يقدر تحريكهما.

أو شدّة فراق الدّنيا بشدّة خوف الآخرة.

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏ (30): سوقه إلى اللّه.

و في الكافي‏ (5)، بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قِيلَ مَنْ راقٍ، وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ‏.

قال: فإنّ ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت، قال: هل من طبيب أنّه الفراق.

و أيقن بمفارقة الأحبّة.

قال: [وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏.

قال‏ (6):] التفّت الدّنيا بالآخرة.

ثمّ‏ إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏. قال: المصير إلى ربّ العالمين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏ قال: التفّت الدّنيا

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 397.

(2) ليس في ق، ش.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) المجمع 5/ 401.

(5) الكافي 3/ 259، ح 32.

(6) ليس في ن، ت، ي.

(7) تفسير القمي 2/ 397.

44

بالآخرة.

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏ قال: يساقون إلى اللّه.

فَلا صَدَّقَ‏ قيل‏ (1): ما يجب تصديقه. أو فلان صدّق ماله، أي: فلا زكّاه.

وَ لا صَلَّى‏ (31): ما فرض عليه. و الضّمير فيهما للإنسان المذكور في‏ أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ‏.

وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏ (32): عن الطّاعة.

ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏ (33): يتبختر افتخارا بذلك. من المطّ (2)، فإنّ المتبختر يمدّ خطاه، فيكون أصله: يتمطّط. أو من المطا، و هو الظّهر، فإنّه يلويه.

أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34): ويل لك. من الولي، و أصله: أولاك اللّه ما تكرهه، و «اللّام» مزيدة، كما في: رَدِفَ لَكُمْ‏. أو أولى لك الهلاك.

و قيل‏ (3): أفعل، من الويل، بعد القلب، كأدنى، من أدون. أو فعلى، من آل يؤول، بمعنى: عقباك النّار.

ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (35)، أي: يتكرّر ذلك عليك مرّة بعد أخرى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى‏ فإنّه كان سبب نزولها أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا إلى بيعة عليّ يوم غدير خمّ- و قد مرّ هذا الحديث عند قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ‏.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بهذا الإسناد: عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: سألت محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏.

قال: يقول اللّه: بعدا لك من خير الدّنيا، و بعدا لك من خير الآخرة.

و

في مجمع البيان‏ (6): و جاءت الرّواية: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخذ بيد أبي جهل ثمّ قال له: أَوْلى‏ لَكَ‏ (الآية).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 523.

(2) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: المطلوب.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 2/ 397.

(5) العيون 2/ 54- 55، ح 205.

(6) المجمع 5/ 401.

45

فقال أبو جهل: بأيّ شي‏ء تهدّدني؟ لا تستطيع أنت و لا ربّك أن تفعل بي شيئا، و إنّي لأعزّ أهل هذا الوادي.

فأنزل اللّه كما قال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (1).

أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏ (36): مهملا لا يكلّف و لا يجازى.

و هو يتضمّن تكرير إنكاره للحشر، و الدّلالة (2) عليه من حيث إنّ الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن و النّهي عن القبائح، و التّكليف لا يتحقّق إلّا بالمجازاة، و هي قد لا تكون في الدّنيا فتكون في الآخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في قوله: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏.

قال: لا يحاسب، و لا يعذّب، و لا يسأل عن شي‏ء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمارة: عن أبيه قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- فقلت: لم خلق اللّه الخلق؟

فقال: إنّ اللّه لم يخلق خلقه عبثا و لم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته و ليكلّفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، و ما خلقهم ليجلب منهم منفعة و لا ليدفع بهم مضرّة، بل خلقهم لينفعهم و يوصلهم إلى نعيمه‏ (5).

و بإسناده‏ (6) إلى مسعدة بن زياد قال: قال رجل للصّادق- (عليه السلام)-: يا أبا عبد اللّه، إنّا خلقنا للعجب.

قال: و ما ذلك، للّه أنت؟

قال: خلقنا للفناء.

____________

(1) في هامش ت:

و في كتاب سليم عن عليّ- (عليه السلام)- في حديثه قال: و هو صاحب يوم غدير خمّ قال: هو و صاحبه حيث نصبّني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بولايتي فقال: ما يزال يرفع بضبع ابن عمّه و قال لصاحبه: إنّ هذا لهو الكرامة فقطّب وجهه و قال و اللّه لا سمع و لا طاعة له أبدا ثم اتّكأ عليه و تمطّى و انصرفا فأنزل اللّه فيه فلا صدّق و لا صلّى الى قوله تعالى ثم أولى لك فأولى وعيدا من اللّه له و انتهارا الى آخره‏ (كتاب سليم/ 108 باختلاف في بعض الألفاظ).

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 524 و في النسخ:

للدلالة.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) العلل/ 9، ح 2.

(5) المصدر: نعيم الأبد.

(6) نفس المصدر/ 11، ح 5.

46

قال: مه، خلقنا للبقاء، و كيف [تفنى‏] (1) جنّة لا تبيد و نار لا تخمد، و لكن قل:

إنّما نتحوّل من دار إلى دار.

ا لم يك نطفة من مني تمنى (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى‏ (38):

فقدّره فعدله.

و قرأ (2) حفص: «يُمْنى‏» بالياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): ثمّ قال: أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ قال: إذا نكح أمناه.

فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ‏: الصّنفين‏ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39).

و هو استدلال آخر بالإبداء على الإعادة، على ما مرّ تقديره‏ (4) مرارا (5)، و لذلك رتّب عليه قوله: أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (40).

و في مجمع البيان‏ (6): و في الحديث، عن البراء بن عازب قال: لمّا نزلت هذه الآية: أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

سبحانك، اللّهمّ، و بلى. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و في عيون الأخبار (7)، في باب ذكر أخلاق الرّضا- (عليه السلام)- و وصف عبادته: و كان إذا قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال عند الفراغ منها (8): سبحانك، اللّهمّ، و بلى.

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 524.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 524. و في النسخ:

تقديره.

(5) ليس في ق.

(6) المجمع 5/ 402.

(7) العيون 2/ 181، ح 5.

(8) في ن، ش، زيادة: قال.

47

سورة الإنسان‏

و في مجمع البيان‏ (1): [و تسمّى سورة الدهر] (2). و تسمّى سورة الأبرار. و منهم من يسمّيها بفاتحتها.

و اختلفوا فيها:

فقيل‏ (3): مكّيّة كلّها.

و قيل‏ (4): مدنيّة كلّها.

و قيل‏ (5): إنّها مدنيّة، إلّا قوله: وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً فإنّه مكّيّ.

و قيل‏ (6): إنّ قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (إلى آخر السورة) مكّيّ، و الباقي مدنيّ.

و فيه‏ (7): حدّثنا السّيّد أبو الحمد، مهديّ بن بزاز (8) الحسيني‏ (9).

... إلى قوله: بإسناده عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أنّه قال: سألت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السّماء، فأوّل ما نزل عليه بمكّة فاتحة الكتاب ثمّ اقرأ باسم ربّك، ثمّ ...

إلى أن قال: و أوّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران ثمّ‏

____________

(1) المجمع 5/ 402.

(2) ليس في ق، ش.

3 و 4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر/ 405- 406.

(8) المصدر: نزار.

(9) ق، ش: الحسني.

48

الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ سورة محمّد، ثمّ الرعد، ثمّ الرحمن، ثم هل أتى- إلى قوله-: فهذا ما أنزل بالمدينة.

و في كتاب سعد السّعود (1) لابن طاوس: سورة الإنسان مكّيّة، في قول ابن عبّاس و الضّحّاك. و قال قوم: هي مدنيّة، و هي إحدى و ثلاثون آية بلا خلاف.

يقول عليّ بن موسى بن طاوس: و من العجب العجيب أنّهم رووا من طريق الفريقين أنّ المراد بنزول سورة هل أتى: مولانا عليّ- (عليه السلام)- و فاطمة- (عليها السلام)- و الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- و قد ذكرنا في كتابنا هذا بعض رواياتهم لذلك، و من المعلوم أنّ الحسن و الحسين كانت ولادتهما بالمدينة، و مع هذا فكأنّهم نسوا ما رووه على اليقين و أقدموا على القول: بأنّ هذه السّورة مكّيّة، و هو غلط عند العارفين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ في كلّ غداة خميس، زوّجه اللّه من الحور العين ثمانمائة عذراء و أربعة آلاف ثيّب و حوراء من الحور العين، و كان مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في مجمع البيان‏ (3): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: من قرأ سورة هل أتى في كلّ غداة خميس، زوّجه اللّه من الحور العين مائة عذراء و أربعة آلاف ثيّب، و كان مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

أبيّ بن كعب‏ (4)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على اللّه جنّة و حريرا.

و في أمالي شيخ الطائفة (5)، بإسناده إلى عليّ بن عمر (6) العطّار قال: دخلت على [أبي الحسن‏] (7) العسكريّ- (عليه السلام)- يوم الثّلاثاء- فقال: لم أرك أمس؟

قلت‏ (8): كرهت الحركة في يوم الاثنين.

____________

(1) سعد السعود/ 291.

(2) ثواب الأعمال/ 148- 149، ح 1.

3 و 4- المجمع 5/ 402.

(5) أمالي الطوسي 1/ 228.

(6) ق، ش: عمير.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) ن، ت، ي، ر، المصدر: قال.

49

قال: يا عليّ، من أحبّ أن يقيه اللّه شرّ يوم الاثنين فليقرأ في أوّل ركعة من صلاة الغداة هل أتى.

ثمّ قرأ [أبو الحسن‏] (1)- (عليه السلام)-: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً.

هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏: [استفهام تقرير و تقريب، و لذلك فسّر «بقد»، و أصله: أهل، كقوله:

أهل رأونا بفسح القاع ذي الأكم‏] (2) حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ: طائفة محدودة من الزّمان الممتدّ الغير المحدود.

لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1): بل كان شيئا منسيّا غير مذكور بالإنسانيّة، كالعنصر و النّطفة.

و الجملة حال من «الإنسان». أو وصف «لحين» بحذف الرّاجع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قال: لم يكن في العلم، و لا في الذّكر.

و في حديث آخر (4): كان في العلم، و لم يكن في الذّكر.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى العيّاشي، بإسناده، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.

قال‏ (6): في الخلق‏ (7).

و عن عبد الأعلى‏ (8)، مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

و عن حمران‏ (9) بن أعين‏ (10) قال: سألته.

فقال: كان شيئا مقدّرا، و لم يكن مكوّنا.

و في محاسن البرقيّ‏ (11)، بإسناده إلى حمران قال: سألت أبا عبد اللّه‏ (12)- (عليه السلام)-

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) ليس في ت.

3 و 4- تفسير القمّي 2/ 398.

(5) المجمع 5/ 406.

(6) ليس في ن، ت، ي، ر.

(7) المصدر: قال: كان شيئا و لم يكن مذكورا.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عمران.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) المحاسن/ 243، ح 234.

(12) المصدر: أبا جعفر.

50

عن قوله: هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.

قال: كان شيئا، و لم يكن مذكورا.

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لعليّ- (عليه السلام)-: قل ما أوّل نعمة أبلاك اللّه بها و أنعم عليك بها؟

قال: إذ خلقني- جلّ ثناؤه-، و لم أك شيئا مذكورا.

قال: صدقت.

و المراد بالإنسان: الجنس، لقوله: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ. أو آدم، بيّن أوّلا خلقه ثمّ بنيه.

أَمْشاجٍ‏: أخلاط. جمع مشج، أو مشيج. من مشجت الشّي‏ء: إذا خلطته، وصفت النّطفة به، لأنّ المراد بها: مجموع منّي الرّجل و المرأة، و كلّ منهما مختلف الأجزاء في الرّقّة و القوام و الخواصّ، و لذلك يصير كلّ جزء منهما مادّة عضو.

و قيل‏ (2): مفرد، كأعشار، و أكياش.

و قيل‏ (3): ألوان، فإنّ ماء (4) الرّجل أبيض و ماء المرأة أصفر، فإذا خلطا اخضرّا. أو أطوار، فإنّ النّطفة تصير علقة ثمّ مضغة إلى تمام الخلقة.

نَبْتَلِيهِ‏: في موضع الحال، أي: مبتلين له، بمعنى: مريدين اختباره. أو ناقلين له من حال إلى حال، فاستعار له الابتلاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ‏ قال: ماء الرّجل و المرأة اختلطا جميعا.

و في نهج البلاغة (6): عالم الغيب‏ (7)، من ضمائر المضمرين.

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و محطّ الأمشاج من مسارب الأصلاب‏ (8).

____________

(1) أمالي الطّوسي 2/ 106.

(2) أنوار التنزيل 2/ 524.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ق.

(5) تفسير القمّي 2/ 398.

(6) النّهج/ 134، الخطبة 91.

(7) المصدر: السرّ.

(8) مسارب الأصلاب- جمع مسرب-: و هي ما يتسرّب المنيّ فيها عند نزوله أو عند تكوّنه.

51

فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2): ليتمكّن من مشاهدة الدّلائل و استماع الآيات.

فهو كالمسبّب من الابتلاء، و لذلك عطف «بالفاء» على الفعل المقيّد به و رتّب عليه قوله:

إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ‏، أي: بنصب الدّلائل و إنزال الآيات.

إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3): حالان من «الهاء» و «إمّا» للتّفصيل أو التّقسيم، أي: هديناه في حالتيه جميعا، أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه. أو من «السّبيل» و وصفه بالشّكر و الكفر مجاز.

و قرئ‏ (1): «أمّا» بالفتح، على حذف الجواب.

و لعلّه لم يقل: «كافرا» ليطابق قسيمه، محافظة على الفواصل، و إشعارا بأنّ الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا، و إنّما المأخوذ به التّوغّل فيه.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى حمزة بن الطّيّار: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا هَدَيْناهُ‏ (الآية) قال: عرّفناه، إمّا آخذا و إمّا تاركا.

و في أصول الكافي‏ (3): بإسناده إلى حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا هَدَيْناهُ‏ (الآية) قال: إمّا آخذ فهو شاكر، و إمّا تارك فهو كافر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): أخبرنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً.

قال: إمّا آخذ فشاكر، و إمّا تارك فكافر.

إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ‏: بها يقادون‏ وَ أَغْلالًا: بها يقيّدون.

وَ سَعِيراً (4): بها يحرّقون.

و تقديم وعيدهم و قد تأخّر ذكرهم لأنّ الانذار أهمّ و أنفع، و تصدير الكلام و ختمه بذكر المؤمنين أحسن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 525.

(2) التوحيد/ 411، ح 4.

(3) الكافي 2/ 384، ح 4.

(4) تفسير القمّي 2/ 398.

52

و قرأ (1) نافع و الكسائي و أبو بكر (2): «سلاسلا» للمناسبة.

إِنَّ الْأَبْرارَ: جمع برّ، أو بارّ، كأشهاد.

يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ‏: من خمر. و هي في الأصل: القدح تكون فيه.

كانَ مِزاجُها: ما يمزج بها. كافُوراً (5): لبرده و عذوبته و طيب عرفه.

و قيل‏ (3): اسم ماء في الجنّة يشبه الكافور في رائحته و بياضه.

و قيل‏ (4): يخلق فيها كيفيّات الكافور فتكون‏ (5) كالممزوجة به.

عَيْناً: بدل من «كافورا» إن جعل اسم ماء، أو من محلّ «من كأس» على تقدير مضاف، أي: ماء عين، أو خمرها. أو نصب على الاختصاص، أو بفعل يفسّره ما بعدها.

يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ‏، أي: ملتذّا بها أو ممزوجا بها.

و قيل‏ (6): «الباء» مزيدة، أو بمعنى: «من» لأنّ الشّرب مبتدأ منها كما هو.

يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6): يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلا.

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ: استئناف ببيان ما رزقوه لأجله، كأنّه سئل عنه، فأجيب بذلك. و هو أبلغ في وصفهم بالتّوفّي على أداء الواجبات، لأنّ من وفى بما أوجبه على نفسه للّه- تعالى- كان أوفى بما أوجبه اللّه عليه.

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهرآشوب: و روى أبو صالح و مجاهد و الضّحّاك و الحسن و عطاء و قتادة و مقاتل و اللّيث و ابن عبّاس و ابن مسعود و ابن جبير و عمرو بن شعيب و الحسن بن مهران و النّقاش و القشيريّ و الثّعلبيّ و الواحديّ في تفاسيرهم، و صاحب أسباب النّزول، و الخطيب المكّيّ في الأربعين، و أبو بكر الشّيرازيّ في نزول القرآن في أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و الأشنهي‏ (8) في اعتقاد أهل السّنّة، و أبو بكر، محمّد بن أحمد بن الفضل النّحوي في العروس في الزّهد، و روى‏ (9) عن الأصبغ بن نباتة و غيرهم‏ (10) عن الباقر

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 525.

(2) ق، ش، م: أبو عمرو.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ق، م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المناقب 3/ 373- 375.

(8) كذا في المصدر. و في ق: الاستهني. و في م، ش: الاستهي. و في سائر النسخ: الاشهى.

(9) في المصدر زيادة: أهل البيت- (عليهم السلام)-.

(10) المصدر: غيره.

53

- (عليه السلام)‏- و اللّفظ له- في قوله-: هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أنّه‏ (1) مرض الحسن و الحسين فعادهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في جميع أصحابه.

و قال: يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذرا عافاهما اللّه.

فقال: أصوم ثلاثة أيّام. و كذلك قالت فاطمة- (عليها السلام)- و الحسن و الحسين و جاريتهما فضّة، فبرءا فأصبحوا صياما و ليس عندهم طعام.

فانطلق عليّ- (عليه السلام)- إلى يهوديّ يقال له: فنحاص‏ (2) بن الحلا (3)- و في رواية: شمعون بن حاريا (4) يستقرضه و كان يعالج الصّوف، فأعطاه جزّة من صوف و ثلاثة أصوع من شعير و قال: تغزلها ابنة محمّد.

فجاء بذلك فغزلت فاطمة (5) ثلث الصّوف، ثمّ طحنت صاعا من الشّعير و عجنته و خبزت منه خمسة أقراص، فلمّا جلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا مسكين على الباب يقول: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه عل موائد الجنّة.

فوضع اللّقمة من يده و قال:

فاطم ذات المجد و اليقين‏* * * يا بنت خير النّاس أجمعين‏

أما ترين البائس المسكين‏* * * قد قام بالباب له حنين‏

يشكو إلينا جائع حزين‏* * * كلّ امرئ بكسبه رهين‏

فقالت فاطمة:

أمرك سمع يا ابن عمّ و (6) طاعة* * * ما فيّ من لؤم و لا وضاعة

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أي.

(2) ت، ي، ر: فنحاص.

(3) ن، ت: الحرا. و في المصدر: الحارا.

(4) ن: حازيا.

(5) ليس في ق، ش، المصدر.

(6) ليس في المصدر.

54

أطعمه و لا أبالي السّاعة* * * أرجو إذا أشبعت ذا مجاعة

أن ألحق الأخيار [و الجماعة] (1)* * * و أدخل الخلد ولي شفاعة

و دفعت ما كان على الخوان إليه، و باتوا جياعا و أصبحوا صياما، و لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

فلمّا أصبحوا غزلت [الثلث‏] (2) الثّاني، و طحنت صاعا من الشّعير و عجنته و خبرت منه خمسة أقراص، فلمّا جلسوا خمستهم و كسر عليّ- (عليه السلام)- لقمة إذا يتيم على الباب يقول: السّلام عليكم، يا أهل بيت‏ (3) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه من موائد الجنّة. فوضع اللّقمة من يده و قال:

فاطم بنت السيّد الكريم‏* * * بنت نبيّ ليس بالذّميم‏

قد جاءنا اللّه بذا (4) اليتيم‏* * * من يرحم اليوم فهو رحيم‏

موعده في جنّة النّعيم‏* * * حرّمها اللّه على اللّئيم‏

فقالت فاطمة:

إنّي أعطيه و لا أبالي‏* * * و أؤثر اللّه على عيالي‏

أمسوا جياعا و هم أشبالي‏

ثمّ دفعت ما كان على الخوان إليه، و باتوا جياعا لا يذوقون إلّا الماء القراح.

فلمّا أصبحوا غزلت الثلث‏ (5) الباقي، و طحنت الصّاع الباقي و عجنته و خبزت منه‏

____________

(1) ليس في ق، م.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ق.

(4) أي: بهذا.

(5) ليس في ق، ش.

55

خمسة أقراص.

فلمّا جلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا أسير من أسراء المشركين على الباب يقول: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، تأسروننا و تشدّوننا و لا تطعموننا. فوضع عليّ- (عليه السلام)- اللّقمة من يده و قال:

فاطم يا بنت النّبيّ أحمد* * * بنت نبيّ سيّد مسدّد (1)

هذا أسير للنّبيّ المهتدي‏* * * مكبّل‏ (2) في غلّه مقيّد

يشكو إلينا الجوع قد تقدّد* * * من يطعم اليوم يجده في غد

عند العليّ الواحد الممجّد

فقالت فاطمة:

لم يبق ممّا كان غير صاع‏* * * قد دميت‏ (3) كفّي مع الذراع‏

و ما على رأسي من قناع‏* * * إلّا عباء نسجه‏ (4) بصاع‏

ابناي و اللّه من الجياع‏* * * يا ربّ لا تتركهما ضياع‏

أبوهما للخير ذو اصطناع‏* * * عبل الذّراعين شديد الباع‏ (5)

و أعطته ما كان على الخوان، و باتوا جياعا و أصبحوا مفطرين و ليس عندهم شي‏ء. فرآهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- جياعا، فنزل جبرئيل و معه صحفة (6) من الذّهب‏

____________

(1) المصدر: مسوّد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مكبد.

(3) كذا في المصدر. و في ق، ش: وصيت. و في سائر النسخ: رميت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نسجته.

(5) يقال: رجل عبل الذراعين، أي:

ضخمهما. و الباع: قدر مدّ اليدين. و ربما عبّر بالباع عن الشرف و الفضل و القدرة.

(6) الصّحفة: إناء من آنية الطّعام.

56

مرصّعة بالدّرّ و الياقوت، مملوءة من الثريد و عراقا (1) تفوح منه رائحة المسك و الكافور، فجلسوا و أكلوا حتّى شبعوا و لم ينقص منها لقمة (2) واحدة.

و خرج الحسين و معه قطعة عراق، فنادته امرأة يهوديّة (3): يا أهل بيت الجوع، من أين لكم هذا، أطعمنيها؟ فمدّ يده الحسين ليطعمها، فهبط جبرئيل و أخذها من يده، و رفع الصّحفة إلى السّماء.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو لا ما أراد الحسين من إطعام الجارية تلك القطعة، لتركت‏ (4) تلك الصّحفة في أهل بيتي يأكلون منها إلى يوم القيامة [لا تنقص لقمة] (5). و نزل: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ و كانت الصّدقة في ليلة خمس و عشرين من ذي الحجّة، و نزلت: هَلْ أَتى‏ في اليوم الخامس و العشرين منه.

و في أصول الكافي‏ (6): أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد (7)، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- [في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ الّذي أخذ عليهم من ولايتنا.

عليّ بن محمّد (8)، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن‏] (9) الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: قوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ؟

[قال: يوفون للّه بالنذر] (10) الّذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا.

وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ‏: شدائده.

مُسْتَطِيراً (7): فاشيا منتشرا غاية الانتشار. من استطار الحريق و الفجر، و هو أبلغ من طار.

و فيه إشعار بحسن عقيدتهم، و اجتنابهم عن المعاصي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): و قوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ- إلى قوله-: شَرُّهُ مُسْتَطِيراً

____________

(1) العراق: جمع العرق: العظم الّذي أخذ عنه اللّحم و بقيت عليه لحوم رقيقة طيّبة.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: نعمة.

(3) كذا في المصدر. و في ق: «عامرة اليهود» بدل «امرأة يهوديّة». و في سائر النسخ: «ما مرة اليهود».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و إلّا.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 1/ 413، ح 5.

(7) في ي زيادة: بن محمّد.

(8) نفس المصدر/ 434، ح 91.

(9) ليس في ق، ش.

(10) من المصدر.

(11) تفسير القمّي 2/ 398.

57

قال: المستطير العظيم.

و في أمالي الصّدوق‏ (1)- (رحمه اللّه)-: و قال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى دخل منزل فاطمة فرأى ما بهم، فجمعهم ثمّ انكبّ عليهم يبكي و يقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى و أنا غافل عنكم. فهبط جبرئيل بهذه الآيات:

إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ‏- إلى قوله-: تَفْجِيراً.

قال: هي عين في دار النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- تفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، يعني: عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و جاريتهم‏ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً يقول‏ (2): عابسا كلوحا.

و في كتاب الخصال‏ (3)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر قال: أنشدك باللّه، أنا صاحب الآية «يوفون» (الآية) أم أنت؟

قال: بل أنت.

وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ‏: حبّ اللّه، أو الطّعام [أو الإطعام‏] (4).

و في مجمع البيان‏ (5): أي: على حبّ الطّعام.

و في الحديث‏ (6)، عن أبي سعيد الخدري أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من مسلم أطعم مسلما على جوع، إلّا أطعمه اللّه من ثمار الجنّة. (الحديث)

و فيه‏ (7): و قال أهل التّحقيق: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف.

... إلى قوله: و أن يتصدّق و هو يحبّ المال و يرجو الحياة،

لقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا سئل عن [الصّدقة] (8): أفضل الصّدقة أن تعطيه و أنت صحيح شحيح تأمل العيش و تخشى الفقر، و لا تمهل حتّى إذا بلغت النّفس التّراقي قلت: لفلان كذا و لفلان كذا.

مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8).

و «الأسير» يتناول أسارى الكفّار و الأسير (9) المؤمن، و يدخل فيه المملوك و المسجون.

____________

(1) أمالي الصّدوق/ 215، ح 11.

(2) المصدر: يقولون.

(3) الخصال/ 550، ح 30.

(4) ليس في ق، ش، م.

5 و 6- المجمع 5/ 407- 408.

(7) نفس المصدر/ 335.

(8) من المصدر.

(9) ليس في ق، ش، م.

58

و في الحديث‏ (1): غريمك أسيرك، فأحسن إلى أسيرك.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم [عن أبيه‏] (3)، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة ابن أيّوب، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت:

قوله: وَ يُطْعِمُونَ‏ (الآية).

قال: ليس من الزّكاة. (الحديث)

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: ينبغي للرّجل أن يوسّع على عياله لئلّا يتمنّوا موته. و تلا هذه الآية: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً قال: الأسير عيال الرّجل، [ينبغي للرّجل‏] (5) إذا زيد في النّعمة أن يزيد أسراءه في السّعة عليهم.

ثمّ قال: إنّ فلانا أنعم اللّه عليه بنعمة فمنعها أسراءه و جعلها عند فلان، فذهب [اللّه‏] (6) بها.

قال معمّر: و كان فلان حاضرا.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن [ابن‏] (8) المنكدر، بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خيركم من أطعم الطّعام، [و أفشى السلام، و صلّى و الناس نيام‏] (9).

إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ‏: على إرادة القول بلسان الحال أو المقال، إزاحة لتوهّم المنّ و توقّع المكافأة المنقصة للأجر.

لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (9)، أي: شكرا.

و في كتاب الخصال‏ (10): عن أحمد بن عمران‏ (11) الحلبيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أي الخصال بالمرء أجمل؟

قال: وقار بلا مهابة، و سماح بلا طلب مكافأة، و تشاغل بغير متاع الدّنيا.

و في الكافي‏ (12): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 525.

(2) الكافي 3/ 499، ح 9.

(3) ليس في ق، ش.

(4) نفس المصدر 4/ 11، ح 3.

(5) ليس في ق.

(6) من المصدر.

(7) الخصال/ 91، ح 32.

(8) من المصدر.

(9) ليس في ق.

(10) الخصال/ 92- 93، ح 36.

(11) ق، ش: مهران. و في المصدر: عمر.

(12) الكافي 4/ 40، ح 8.

59

عليّ بن يحيى، عن أيّوب بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: احتجّ.

فيقول: يا ربّ، خلقتني و هديتني، فأوسعت عليّ، فلم أزل أوسع على خلقك و أيسر عليهم لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره.

فيقول الرّبّ: صدق عبدي، أدخلوه الجنّة.

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ ابن عيسى، رفعه قال: إنّ موسى ناجاه اللّه، فقال له في مناجاته:

يا موسى، لا تطوّل‏ (2) في الدّنيا أملك. و ذكر حديثا قدسيّا طويلا، و فيه يقول- تعالى-: فاعمل كأنّك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة.

و في نهج البلاغة (3): هذا ما أمر به عبد اللّه، عليّ بن‏ (4) أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه اللّه، ليولجه‏ (5) به الجنّة، و يعطيه به الأمنة.

إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا: فلذلك نحسن إليكم، و لا نطلب المكافاة منكم.

يَوْماً: عذاب اليوم.

عَبُوساً: تعبس فيه الوجوه. أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته.

قَمْطَرِيراً (10): شديد العبوس، كالذي يجمع ما بين عينيه. من اقمطرّت النّاقة: إذا رفعت ذنبها و جمعت قطريها. مشتقّ من القطر، و «الميم» مزيدة.

فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ‏: بسبب خوفهم و تحفّظهم عنه.

وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (11): بدل عبوس الفجّار و حزنهم.

وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا: بصبرهم على أداء الواجبات، و اجتناب المحرّمات، و إيثار الأموال.

جَنَّةً: بستانا يأكلون منه‏ وَ حَرِيراً (12): يلبسونه.

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ‏: حال من «هم» في «جزاهم»، أو صفة «لجنّة».

____________

(1) الكافي 8/ 46، ح 8.

(2) ر، المصدر: لا يطول.

(3) النهج/ 379، الكتاب 24.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تكرّر «عليّ ابن».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ليولجني.

60

لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً (13): يحتملهما، و أن يكون حالا من المستكنّ في «متّكئين» و المعنى: أنّه يمرّ عليهم فيها هواء معتدل لا حارّ محميّ، و لا بارد مؤذ.

و قيل‏ (1): «الزّمهرير» القمر في لغة طي‏ء، و المعنى: أنّ هواءها مضي‏ء بذاته لا يحتاج إلى شمس و لا قمر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و ليس في جنان الخلد و نيرانها شمس و لا قمر.

حدّثني‏ (3) أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّمس و القمر آيتان من آيات اللّه تجريان بأمره مطيعان له، ضوؤهما من نور عرشه، و حرّهما من جهنّم، فإذا كانت يوم القيامة عاد إلى العرش نورهما و عاد إلى النّار حرّهما فلا يكون شمس و لا قمر.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: في الشّمس‏ (5) أربع خصال: تغيّر اللّون، و نتن الرّيح، و تخلق الثياب، و تورث الدّاء.

وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها: حال. أو صفة أخرى معطوفة على ما قبلها. أو عطف على «جنّة»، أي: و جنّة أخرى دانية، على أنّهم و عدوا جنّتين لقوله: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏.

و قرئت‏ (6) بالرّفع، على أنّها خبر «ظلالها». و الجملة حال، أو صفة.

وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (14): معطوف على ما قبله. أو حال من «دانية».

و تذليل القطوف، أن تجعل سهلة التّناول و لا تمتنع على قطّافها كيف شاءوا.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، [عن محمّد ابن‏] (8) إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال: إنّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 526.

(2) تفسير القمّي 2/ 258.

(3) نفس المصدر/ 343.

(4) الخصال/ 248- 249، ح 111.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و القمر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 526.

(7) الكافي 8/ 99، ح 69.

(8) ليس في ق، ش.

61

و آله- سئل عن قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ‏- و نقل حديثا طويلا يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حاكيا حال أهل الجنّة: و الثمار دانية منهم، و هو قوله: وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا] (2) من قربها منهم، يتناول المؤمن من النّوع الّذي يشتهيه من الثّمار بفيه‏ (3) و هو متّكئ، و إنّ الأنواع من الفاكهة ليقلن لوليّ اللّه: [يا وليّ اللّه،] كلني قبل أن تأكل هذا قبليّ‏ (4).

وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ‏: [و أباريق‏] (5) بلا عروة.

كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ، أي: تكوّنت، جامعة بين صفاء الزّجاجة و شفيفها و بياض الفضّة و لينها.

و قد نوّن‏ (6) «قوارير» [كليهما] (7) من نوّن «سلاسل»، و ابن كثير الأولى لأنّها رأس الآية.

و قرئ‏ (8): قوارير من فضة على: هي قوارير.

و في مجمع البيان‏ (9): «كانت» تلك الأكواب‏ (10). «قوارير»، أي: زجاجا.

قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ

قال الصّادق- (عليه السلام)-: ينفذ البصر في فضّة الجنّة، كما ينفذ في الزّجاج.

قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16): أي: قدّروها في أنفسهم، فجاءت مقاديرها و أشكالها كما تمنّوه. أو قدّروها بأعمالهم الصّالحة، فجاءت على حسبها. أو قدّر الطّائفون بها المدلول عليهم بقوله: «يطاف» شرابها على قدر اشتهائهم.

و قد قرئ‏ (11): «قدّروها»، أي: جعلوا قادرين لها كما شاءوا. من قدر، منقولا من: قدرت الشّي‏ء.

وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (17): ما يشبه الزّنجبيل في‏

____________

(1) مريم/ 85.

(2) ليس في ق.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بغية.

(4) ليس في ق، ش.

(5) من ن، ت.

(6) أنوار التنزيل 2/ 526.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) المجمع 5/ 410.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الأبواب.

(11) أنوار التنزيل 2/ 526.

62

الطّعم. و كانت العرب يستلذّون الشّراب الممزوج به.

عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18): لسلاسة انحدارها في الحلق و سهولة مساغها. يقال: شراب سلسل و سلسال و سلسبيل. و لذلك حكم بزيادة «الباء»، و المراد به: أن ينفي عنها لذع الزّنجبيل و يصفها بنقيضه.

و قيل‏ (1): أصله: سل سبيلا، فسمّيت به، ك «تأبّط شرّا» (2) لأنّه لا يشرب منها إلّا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصّالح.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: أعطاني اللّه خمسا، و أعطى عليّا خمسا، أعطاني الكوثر و أعطاه السّلسبيل. (الحديث)

و في كتاب علل الشرائع‏ (4)، بإسناده إلى عبد اللّه بن مرّة: عن ثوبان قال: قال‏ (5) يهودي للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فما أوّل ما يأكل أهل الجنة إذا دخولها؟

قال: كبد الحوت.

قال: فما شرابهم على أثر ذلك؟

قال: السّلسبيل.

قال: صدقت.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ‏: دائمون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ‏ قال: مسوّرون‏ (7).

إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19): من صفاء ألوانهم، و انبثاثهم في مجالسهم، و انعكاس شعاع بعضهم إلى بعض.

وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَ‏ ليس له مفعول ملفوظ و لا مقدّر، لأنّه عامّ، معناه: أنّ بصرك أين ما وقع.

رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (20): واسعا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 527.

(2) هو اسم شاعر جاهليّ.

(3) الخصال/ 293، ح 57.

(4) العلل/ 96، ح 5.

(5) ليس في ن، ت، ي، ر.

(6) تفسير القمّي 2/ 399.

(7) كذا في تفسير الصّافي 5/ 264 عن القمّي.

و في النسخ: مستورون. و في المصدر: مستوون.

63

و في كتاب معاني الأخبار (1): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن يزيد بن إسحاق، عن عبّاس بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و كنت عنده ذات يوم: أخبرني عن قول اللّه- تعالى-: وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً ما هذا الملك الّذي كبّره اللّه حتّى سمّاه كبيرا؟

قال: فقال لي: إذا أدخل اللّه أهل الجنّة الجنّة أرسل رسولا إلى وليّ من أوليائه، فيجد الحجبة على بابه، فيقول له: قف حتّى نستأذن لك. فما يصل إليه رسول ربّه‏ (2) إلّا بإذن، فهو قوله: وَ إِذا رَأَيْتَ‏ (الآية).

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سئل‏ (4) عن قوله‏ (5)- تعالى-: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.

[فقال: يا عليّ، إنّ الوفد لا يكون إلّا ركبانا.

... إلى قوله: فقال عليّ- (عليه السلام)-: يا رسول اللّه أخبرنا عن قول اللّه‏ (6):

غرف مبنية من فوقها غرف بماذا بنيت يا رسول اللّه؟

فقال: يا عليّ، تلك غرف بناها اللّه لأوليائه بالدّر و الياقوت و الزّبرجد، سقوفها الذّهب محبوكة بالفضّة، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب، على كلّ باب منها ملك موكّل به، فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير و الدّيباج بألوان مختلفة، و حشوها [المسك و] (7) الكافور و العنبر، و ذلك قول اللّه‏ (8)- تعالى-: وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إذا ادخل المؤمن إلى منازله في الجنّة و وضع على رأسه تاج الملك و الكرامة، البس حلل الذّهب و الفضّة و الياقوت و الدّر المنظومة في الإكليل تحت التّاج.

قال: و ألبس سبعين حلّة حرير بألوان مختلفة [و ضروب مختلفة] (9)، منسوجة بالذّهب و الفضّة و اللّؤلؤ و الياقوت الأحمر، فذلك قوله‏ (10)- تعالى-:

____________

(1) معاني الأخبار/ 210، ح 1.

(2) ليس في ق، ش.

(3) الكافي 8/ 97- 98، ح 69.

(4) ليس في ق، م.

(5) مريم/ 85.

(6) الزمر/ 20: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ.

(7) من المصدر.

(8) الواقعة/ 34.

(9) ليس في ق، ش.

(10) الحجّ/ 23.

64

يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.

فإذا جلس المؤمن على سريره اهتزّ سريره فرحا، فإذا استقرّ (1) لوليّ اللّه منازله في الجنان استأذن عليه الملك‏ (2) الموكّل بجنانه ليهنّئه بكرامة اللّه إيّاه.

فيقول له خدّام المؤمن من الوصفاء و الوصائف: مكانك، فإنّ وليّ اللّه قد اتّكأ على أريكته و زوجته الحوراء تهيّأ له، فاصبر لوليّ اللّه.

قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها، تمشي مقبلة و حولها وصائفها، و عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و اللّؤلؤ و الزّبرجد هي من مسك و عنبر، و على رأسها تاج الكرامة، و عليها نعلان من ذهب مكلّلتان بالياقوت و اللّؤلؤ شراكهما ياقوت أحمر.

فإذا دنت من وليّ اللّه فهمّ أن يقوم إليها شوقا، فتقول له: يا وليّ اللّه، ليس هذا يوم تعب فلا تقم، أنا لك و أنت لي. فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدّنيا، لا يملّها و لا تملّه.

قال: فإذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها، فإذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر و سطحها لوح صفحته درّ، فيها مكتوب: أنت يا ولي اللّه حبيبي، و أنا الحوراء حبيبتك، إليك شاقت‏ (3) نفسي و إليّ شاقت‏ (4) نفسك.

ثمّ يبعث اللّه إليه ألف ملك يهنّئونه بالجنّة، و يزوّجونه بالحوراء.

قال: فينتهون إلى أوّل باب من جنانه، فيقولون للملك الموكّل بأبواب جنانه:

استأذن لنا على وليّ اللّه، فإنّ اللّه بعثنا إليه نهنّئه.

فيقول لهم الملك: حتّى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم.

قال: فيدخل الملك إلى الحاجب، و بينه و بين الحاجب ثلاث جنان، حتّى ينتهي إلى أوّل باب فيقول للحاجب:

إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين ليهنّئوا وليّ اللّه، و قد سألوني أن آذن لهم عليه.

فيقول الحاجب: إنّه ليعظم عليّ أن أستأذن لأحد على وليّ اللّه و هو مع زوجته الحوراء.

____________

(1) ليس في ق.

(2) ليس في ي، ر.

3 و 4- المصدر: تناهت.

65

قال: و بين الحاجب و بين وليّ اللّه جنّتان.

قال: فيدخل الحاجب إلى القيّم، فيقول له: إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العزّة (1) يهنّئون وليّ اللّه [فاستأذن لهم.

فيتقدّم القيّم إلى الخدّام فيقول لهم: إنّ سئل الجبّار على باب العرصة و هم ألف ملك أرسلهم اللّه يهنّئون وليّ اللّه‏] (2) فأعلموه بمكانهم.

قال: فيعلمونه، فيؤذن للملائكة فيدخلون على وليّ اللّه و هو في الغرفة، و لها ألف باب و على كلّ باب من أبوابها ملك موكّل به، فإذا اذن للملائكة بالدّخول على وليّ اللّه فتح كلّ ملك بابه الموكّل به.

قال: فيدخل القيّم كلّ ملك من باب [من أبواب‏] (3) الغرفة.

قال: فيبلّغونه رسالة الجبّار، و ذلك قول اللّه‏ (4)- تعالى-: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ‏ [من أبواب الغرفة] (5) سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ (إلى آخر الآية).

قال: و ذلك قوله- تعالى-: وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً يعني بذلك: وليّ اللّه و ما هو فيه من الكرامة و النعيم‏ (6) و الملك العظيم الكبير، إنّ الملائكة من رسل اللّه يستأذنون عليه فلا يدخلون عليه إلّا بأذنه، فذلك الملك العظيم [الكبير.

قال: و الأنهار تجري من تحت مساكنهم، و ذلك قول اللّه‏ (7)- عزّ و جلّ-: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ] (8). (الحديث)

و

في مجمع البيان‏ (9): وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً لا يزول و لا يفنى ... عن الصّادق- (عليه السلام)-.

و عن أبي الدّرداء (10) قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يذكّر النّاس، فذكر الجنّة و ما فيها من الأزواج و النّعيم و في القوم أعرابيّ، فجثا لركبتيه.

فقال: يا رسول اللّه، هل في الجنّة من سماع؟

____________

(1) ق، ش، م: العالمين.

2 و 3- من المصدر.

(4) الرّعد/ 23.

(5) ليس في ق، ش، ن، م.

(6) ق، ش: التعظيم.

(7) الكهف/ 31.

(8) ليس في ق، ش، م.

(9) المجمع 5/ 411.

(10) نفس المصدر 4/ 298.

66

قال: نعم، يا أعرابيّ، إنّ في الجنّة نهرا حافتاه الأبكار من كلّ بيضاء يتغنّين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قطّ، فذلك أفضل نعيم الجنّة.

عن أبي امامة الباهليّ‏ (1)، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من عبد يدخل الجنّة إلّا و يجلس عند رأسه و عند رجليه ثنتان من الحور العين تغنّيانه بأحسن صوت سمعه الإنس و الجنّ، و ليس بمزمار الشّيطان، و لكن بتمجيد اللّه و تقديسه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، يا ابن رسول اللّه، شوّقني.

فقال: يا أبا محمّد، إنّ من أدنى نعيم أهل الجنّة- أن يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدّنيا. (الحديث).

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسي: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه‏ قال السّائل: فكيف تنعم أهل الجنّة بما فيها من النّعيم، و ما منهم أحد إلّا و قد افتقد ابنه أو أباه أو حميمه أو أمّه، فإذا افتقدوهم في الجنّة لم يشكّوا في مصيرهم إلى النّار، فما يصنع بالنّعيم من يعلم أنّ حميمه في النّار يعذّب؟

قال- (عليه السلام)-: إن أهل العلم قالوا: إنّهم ينسون ذكرهم. و قال بعضهم:

انتظروا قدومهم رجوا (4) أن يكونوا بين الجنّة و النّار في أصحاب الأعراف.

عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ‏: يعلوهم ثياب الحرير الخضر ما رقّ منها و ما غلظ.

و نصبه على الحال من «هم» في «عليهم»، أو «حسبتهم»، أو «ملكا» على تقدير مضاف، أي: و أهل ملك كبير عاليهم.

و قرأ (5) نافع و حمزة، بالرّفع‏ (6)، على أنّه خبر «ثياب».

و قرأ (7) ابن كثير و أبو بكر: «خضر» بالجرّ [حملا على «سندس» بالمعنى‏ (8)، فإنّه‏

____________

(1) نفس المصدر 4/ 298.

(2) تفسير القمّي 2/ 81- 82.

(3) الاحتجاج/ 351.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: رجعوا.

(5) أنوار التنزيل 2/ 527.

(6) أي: في «عاليهم».

(7) أنوار التنزيل 2/ 527.

(8) لأنّ الخضر جمع و السندس مفرد، فجعله صفة لكون السندس جمعا في المعنى، لأنّه اسم جنس.

67

اسم جنس. و «إستبرق» بالرفع عطفا على «ثياب». و قرأ أبو عمرو و ابن عامر بالعكس، و قرأهما نافع و حفص بالرفع، و حمزة و الكسائي بالجرّ] (1).

و قرئ‏ (2): «و إستبرق» بوصل الهمزة و الفتح، على أنّه استفعل، من البريق، جعل علما لهذا النّوع من الثّياب.

و في مجمع البيان‏ (3): عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ

و روي عن الصّادق- (عليه السلام)‏- في معناه: تعلوهم الثّياب فيلبسونها (4).

وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ: عطف على «و يطوف عليهم». و لا يخالفه قوله‏ (5): أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏ لإمكان الجمع و المعاقبة و التّبعيض، فإنّ حليّ أهل الجنّة تختلف باختلاف أعمالهم، فلعلّه- تعالى- يفيض عليهم جزاء لما عملوه بأيديهم حليّا و أنوارا تتفاوت بتفاوت الذّهب و الفضّة.

أو حال من الضّمير في «عاليهم» بإضمار «قد»، و على هذا يجوز أن يكون هذا للخدم و ذلك للمخدومين.

وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21).

قيل‏ (6): يريد به نوعا آخر يفوق على النّوعين المتقدّمين، و لذلك أسند سقيه إلى اللّه.

و وصفه بالطّهوريّة فإنّه يطهّر شاربه عن الميل إلى اللّذّات الحسيّة و الرّكون إلى ما سوى الحقّ، فيتجرّد لمطالعة (7) جماله ملتذّا بلقائه باقيا ببقائه، و هي منتهى درجات الصّدّيقين، و لذلك ختم به ثواب الأبرار.

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سئل عن قول اللّه‏ (9)- عزّ و جلّ-: [يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المجمع 5/ 411.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فتلبسونها.

(5) الكهف/ 31، و الحجّ/ 23، و فاطر/ 33.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لمطالقة.

(8) الكافي 8/ 95- 96، ح 69.

(9) مريم/ 85.

68

فقال: يا عليّ، إنّ الوفد لا يكونون إلّا ركبانا، أولئك رجال‏] (1) اتّقوا اللّه فأحبّهم اللّه و اختصّهم و رضي أعمالهم فسمّاهم المتّقين.

ثمّ قال له: يا عليّ، أما و الّذي فلق‏ (2) الحبّة و برأ النّسمة، إنّهم ليخرجون من قبورهم و إنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ، عليها رحائل الذّهب مكلّلة بالدّرّ [و الياقوت‏] (3)، و جلائلها الإستبرق و السّندس، و خطمها (4) جذل‏ (5) الأرجوان تطير بهم إلى المحشر، مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدّامه و عن يمينه و عن شماله يزفّونهم زفّا حتّى ينتهوا بهم إلى باب الجنّة الأعظم، و على باب الجنّة شجرة أنّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من النّاس، و عن يمين الشّجرة عين مطهّرة (6) مزكية، قال: فيسقون منها شربة فيطهّر اللّه بها قلوبهم من الحسد، و يسقط عن أبشارهم الشّعر، و ذلك قوله اللّه- تعالى-:

وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [من تلك العين المطهّرة.

قال: ثمّ يصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها، و هي عين الحياة، فلا يموتون أبدا] (7). (الحديث)

إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً: على إضمار القول، و «الإشارة» إلى ما عدّ من ثوابهم.

وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22): مجازي عليه غير مضيّع.

و في مجمع البيان‏ (8): قد روى الخاصّ و العامّ‏ أنّ الآيات من هذه السّورة و هي قوله: إِنَّ الْأَبْرارَ- إلى قوله-: مَشْكُوراً نزلت في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و جارية لهم تسمّى فضّة- و هو المرويّ عن ابن عبّاس و مجاهد و أبي صالح- و القصّة طويلة، جملتها:

أنّهم قالوا: مرض الحسن و الحسين، فعادهما جدّهما و وجوه العرب، و قالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك نذرا.

____________

(1) ليس في ن.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فالق.

(3) من المصدر.

(4) الخطم: اللّجام.

(5) المصدر: جدل.

و الجذل: أصل الشجرة يقطع و قد يجعل العود جذلا. و الجدل: جمع الجديل: الزمام المقتول من أدم أو شعر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: ماء.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) المجمع 5/ 404- 405.

69

فنذر صوم ثلاثة أيّام إن شفاهما اللّه، و نذرت فاطمة [كذلك‏] (1) [و كذلك فضّة، فبرءا و ليس عندهم شي‏ء، فاستقرض عليّ- (عليه السلام)- ثلاثة أصوع من شعير من يهوديّ. و روي أنّه- (عليه السلام)- أخذها ليغزل له صوفا و جاء به إلى فاطمة، فطحنت صاعا] (2) منها فاختبزته، و صلّى عليّ المغرب، و قرّبته إليهم فأتاهم مسكين يدعو لهم و سألهم، فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء.

فلمّا كان اليوم الثّاني أخذت صاعا و طحنته و خبزته و قدّمته إلى عليّ- (عليه السلام)- فإذا يتيم بالباب يستطعم، فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء.

فلمّا كان اليوم الثّالث عمدت إلى الباقي فطحنته و اختبزته‏ (3) و قدّمته إلى عليّ- (عليه السلام)- فإذا أسير بالباب يستطعم، فأعطوه و لم يذوقوا إلّا الماء.

فلمّا كان اليوم الرّابع و قد قضوا نذورهم أتى عليّ- (عليه السلام)- و معه الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بهما ضعف، فبكى رسول اللّه و نزل جبرئيل بسورة هل أتى.

و في رواية عطاء (4)، عن ابن عبّاس: أنّ عليّا- (عليه السلام)- أجر نفسه ليسقي نخلا بشي‏ء من شعير ليلة (5) حتّى أصبح، فلمّا أصبح و قبض الشّعير طحن ثلثه، فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له: الحريرة، فلمّا تمّ إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطّعام.

ثمّ عمل الثّلث الثّاني، فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل‏ (6) فأطعموه.

ثمّ عمل الثّلث الثّالث، فلمّا تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه، و طووا يومهم ذلك. ذكره الواحديّ في تفسيره.

و ذكر عليّ بن إبراهيم‏ (7)، أنّ أباه حدّثه: عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عند فاطمة شعير فجعلوه عصيدة، فلمّا أنضجوها و وضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: رحمكم اللّه. فقام عليّ- (عليه السلام)- فأعطاه ثلثها، فلم يلبث أن جاء يتيم فقال: رحمكم اللّه. فقام عليّ- (عليه السلام)- فأعطاه ثلثها، فلم يلبث أن جاء

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في ق.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أخبزته.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ق، ش.

(6) ليس في ق، ش.

(7) نفس المصدر و الموضع.

70

يتيم فقال: رحمكم اللّه. فقام عليّ- (عليه السلام)- فأعطاه الثّلث، ثمّ جاء أسير فقال:

رحمكم اللّه. فأعطاه عليّ الثّلث الباقي و ما ذاقوها، فأنزل اللّه الآيات فيهم، و هي جارية في كلّ مؤمن فعل ذلك للّه‏ (1).

و في أمالي الصّدوق‏ (2)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)-: عن أبيه‏ في قوله:

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال- (عليه السلام)-: مرض الحسن و الحسين و هما صبيّان صغيران، فعادهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه رجلان.

فقال أحدهما: يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذرا إن اللّه عافاهما.

فقال: أصوم ثلاثة أيّام شكرا للّه. و كذلك قالت فاطمة، و قالت الصّبيّان:

و نحن- أيضا- نصوم ثلاثة أيّام. و كذلك قالت جاريتهم فضّة، فألبسهما اللّه عافية، فأصبحوا صياما و ليس عندهم طعام.

فانطلق عليّ- (عليه السلام)- إلى جار له من اليهود يقال له: شمعون، يعالج الصّوف، فقال له: هل لك أن تعطيني جزّة من صوف تغزلها لك ابنة محمّد بثلاثة أصوع من شعير؟

قال: نعم. فأعطاه، فجاء بالصّوف و الشّعير فأخبر فاطمة، فقبلت و أطاعته، ثمّ عمدت فغزلت ثلث الصّوف، ثمّ أخذت صاعا من الشّعير فطحنته و عجنته و خبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد قرصا، و صلّى [عليّ- (عليه السلام)-] (3) مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- المغرب، ثمّ أتى منزله فوضع الخوان فجلسوا خمسة، فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا مسكين قد وقف بالباب.

فقال: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه من موائد الجنّة. فوضع اللّقمة من يده ثمّ قال:

فاطم ذات المجد و اليقين‏* * * يا بنت خير النّاس أجمعين‏

أما ترين البائس المسكين‏* * * جاء إلى الباب له حنين‏

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) أمالي الصّدوق/ 212- 215.

(3) ليس في ق، ش.

71

يشكو إلى اللّه و يستكين‏* * * يشكو إلينا جائعا حزين‏

كلّ امرئ بكسبه رهين‏* * * من يفعل الخير يقف سمين‏

موعده‏ (1) في الجنّة رهين‏ (2)* * * حرّمها اللّه على الضّنين‏ (3)

و صاحب البخل يقف حزين‏* * * تهوى به النّار إلى سجّين‏

شرابه الحميم و الغسلين‏

فأقبلت فاطمة تقول:

أمرك سمع يا ابن عم و طاعة* * * ما بي من لؤم و لا ضراعة (4)

غذّيت باللّبّ و بالبراعة* * * أرجو إذا أشبعت من مجاعة

أن ألحق الأخيار و الجماعة* * * و أدخل الجنّة في شفاعة

و عمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، و باتوا جياعا و أصبحوا صياما لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

ثمّ عمدت إلى الثّلث الثاني من الصّوف فغزلته، ثمّ أخذت صاعا من الشّعير و طحنته و عجنته و خبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصا، و صلّى عليّ- (عليه السلام)- المغرب مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ أتى منزله، فلمّا وضع الخوان بين يديه و جلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب.

____________

(1) ق، ش: في موعده.

(2) البحار 35/ 238: موعده في جنّة دهين.

(3) أي: البخيل.

(4) الضراعة: الذلّ و الاستكانة و الضعف. و في المصدر: و لا وضاعة (و لا ضراعة)

72

فقال: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه على موائد الجنّة. فوضع عليّ- (عليه السلام)- اللّقمة من يده ثمّ قال:

فاطم بنت السّيّد الكريم‏* * * بنت نبيّ ليس بالزّنيم‏ (1)

قد جاءنا اللّه بذا (2) اليتيم‏* * * من يرحم اليوم فهو رحيم‏ (3)

موعده في الجنّة (4) النّعيم‏* * * حرّمها اللّه على اللّئيم‏

و صاحب البخل يقف ذميم‏* * * تهوي به النّار إلى الجحيم‏

شرابه الصّديد و الحميم‏

فأقبلت فاطمة و هي تقول:

فسوف أعطيه و لا أبالي‏* * * و أوثر اللّه على عيالي‏

أمسوا جياعا و هم أشبالي‏* * * أصغرهما يقتل في القتال‏

بكربلاء يقتل باغتيال‏* * * لقاتليه الويل مع وبال‏

يهوون في النّار إلى سفال‏* * * كبوله‏ (5) زادت على الأكبال‏] (6)

ثمّ عمدت فأعطته جميع ما على الخوان، و باتوا جياعا لم يذوقوا إلّا الماء القراح‏

____________

(1) الزنيم: اللّئيم الّذي يعرف بلؤمه.

(2) أي: بهذا.

(3) البحار 35/ 239: «هو الرحيم» مكان «فهو رحيم».

(4) نفس المصدر و الموضع: في جنّة.

(5) أي: قيوده.

(6) ليس في المصدر

73

و أصبحوا صياما.

و عمدت فاطمة فغزلت الثّلث الباقي من الصّوف، و طحنت الصّاع و عجنت منه خمسة أقراص لكلّ واحد قرصا، و صلّى عليّ- (عليه السلام)- المغرب مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ أتى منزله، فقرّب إليه الخوان و جلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا أسير من أسراء المشركين قد وقف بالباب.

فقال: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، تأسروننا و تشدّوننا و لا تطعموننا.

فوضع عليّ- (عليه السلام)- اللّقمة من يده ثمّ قال:

فاطم يا بنت النّبيّ أحمد* * * بنت نبيّ‏ (1) سيّد مسدّد

(2)

قد جاءك الأسير ليس يهتدي‏* * * مكبّلا في غلّه مقيّد

يشكو إلينا الجوع قد تقدّد* * * من يطعم اليوم يجده في غد

عند العليّ الواحد الموحّد* * * ما يزرع الزّارع سوف يحصد

فأطعمي من غير منّ نكد (3)

فأقبلت فاطمة و هي تقول:

لم يبق ممّا كان غير صاع‏* * * قد دبرت‏ (4) كفّي مع الذّراع‏

شبلاي و اللّه هما جياع‏* * * يا ربّ لا تتركهما ضياع‏

أبوهما للخير ذو اصطناع‏* * * عبل الذّارعين طويل الباع‏

____________

(1) المصدر: النبيّ.

(2) المصدر: مسوّد.

(3) البحار 35/ 239: فأعطيه لا تجعليه ينكد.

(4) الدّبر: الجرح.

74

و ما على رأسي من قناع‏* * * إلّا عبا نسجتها بصاع‏

و عمدوا إلى من كان على الخوان فأعطوه، و باتوا جياعا و أصبحوا مفطرين و ليس عندهم شي‏ء.

قال شعيب في حديثه: و أقبل عليّ- (عليه السلام)- بالحسن و الحسين نحو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هما يرتعشان، كالفراخ، من شدّة الجوع.

فلمّا أبصر بهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يا أبا الحسن، شدّ ما يسوؤني ما أرى بكم! انطلق إلى ابنتي فاطمة. فانطلقوا إليها و هي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع، و غارت عيناها.

فلمّا رآها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ضمّها إليه و قال: وا غوثاه [باللّه‏] (1)، أنتم منذ ثلاثة أيّام فيما أرى‏ (2).

فهبط جبرئيل فقال: يا محمّد، خذ ما هيّأ اللّه لك في أهل بيتك.

قال: و ما آخذ، يا جبرئيل؟

قال: هَلْ أَتى‏- إلى: مَشْكُوراً.

[و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن أحمد الكاتب، عن الحسن بن بهرام، عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع‏ (4)، عن المسعوديّ، عن عمرو بن مرّة، عن‏] (5) عبد اللّه بن الحارث المكتّب‏ (6)، عن أبي كثير الزّبيريّ‏ (7)، عن عبد اللّه بن العبّاس قال: مرض الحسن و الحسين فنذر عليّ- (عليه السلام)- و فاطمة و الجارية نذرا، إن برءا صاموا ثلاثة أيّام شكرا للّه، فبرءا فوفوا (8) بالنّذر و صاموا.

فلمّا كان أوّل يوم قامت الجارية و جرشت شعيرا لها فخبرت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرص، فلمّا كان وقت الفطور جاءت الجارية بالمائدة فوضعتها بين‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ي، ر، المصدر: أنتم منذ ثلاث فيما أرى.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 750- 752، ح 6.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: وليع.

(5) ليس في ق، ش.

(6) ق، ش: المحتسب.

(7) المصدر: الزبيديّ.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فوافوا.

75

أيديهم، فلمّا مدّوا أيديهم ليأكلوا، فإذا مسكين بالباب يقول: يا أهل بيت محمّد، مكسين‏ (1) من آل فلان بالباب.

فقال [عليّ- (عليه السلام)-] (2): لا تأكلوا و آثروا المسكين.

فلمّا كان اليوم الثّاني فعلت الجارية كما فعلت في اليوم الأوّل، فلمّا وضعت المائدة بين أيديهم ليأكلوا فإذا يتيم على الباب و هو يقول: يا أهل بيت النّبوّة [و معدن الرسالة] (3)، يتيم آل فلان بالباب.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: لا تأكلوا شيئا و أطعموه اليتيم.

قال: ففعلوا.

فلمّا كان اليوم الثّالث و فعلت الجارية كما فعلت في اليومين جاءت الجارية بالمائدة فوضعتها، فلمّا مدّوا أيديهم ليأكلوا و إذا شيخ كبير يصيح بالباب: يا أهل بيت محمّد، تأسرونا (4) و لا تطعمونا (5)؟! قال: فبكى- (عليه السلام)- بكاء شديدا، و قال: يا بنت محمّد، إنّي أحبّ أن يراك اللّه و قد آثرك هذا الأسير على نفسك و أشبالك.

فقالت: سبحان اللّه، ما أعجب ما نحن فيه معك! ألا ترجع إلى اللّه في هؤلاء الصّبية الذّين صنعت بهم ما صنعت، و هؤلاء إلى متى يصبرون صبرنا؟

فقال لها عليّ- (عليه السلام)-: فاللّه يصبّرك و يصبّرهم و يأجرنا (6)، و به نستعين و عليه نتوكّل و هو حسبنا و نعم الوكيل، اللّهمّ، بدّلنا بما فاتنا من طعامنا هذا ما هو خير منه، و اشكر لنا صبرنا و لا تنسه لنا، إنّك رحيم كريم. فأعطوه الطّعام.

و بكّر إليهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في اليوم الرّابع فقال: ما كان من خبركم‏ (7) في أيّامكم هذه؟

فأخبرته فاطمة بما كان، فحمد اللّه و شكره و أثنى عليه و ضحك إليهم، و قال:

خذوا (8) هنّاكم اللّه و بارك لكم و بارك عليكم، قد هبط عليّ جبرئيل من عند ربّي و هو

____________

1 و 2- ليس في ق، ش.

(3) ليس في ق، ش.

(4) ن، ت، ي، ر، المصدر: تأسرونا.

(5) كذا في النسخ و المصدر. و الصحيح:

و لا تطعموننا.

(6) في المصدر زيادة: إن شاء اللّه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «خير لكم» بدل «خبركم».

(8) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: ما.

76

يقرأ عليكم السّلام، و قد شكر ما كان منكم و أعطى فاطمة مسؤولها (1)، و أجاب دعوتها، و تلا عليهم: إِنَّ الْأَبْرارَ- إلى قوله-: مَشْكُوراً.

قال: و ضحك النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: إنّ اللّه- تعالى- قد أعطاكم نعيما لا ينفد، و قرّة عين أبد الآبدين، هنيئا لك يا بيت‏ (2) [النبيّ‏] (3) بالقرب من الرّحمن، يسكنكم معه في دار الجلال و الجمال، و يكسوكم من السّندس و الإستبرق و الأرجوان، و يسقيكم الرّحيق المختوم من الولدان، فأنتم أقرب الخلق إلى الرّحمن، تأمنون‏ (4) إذا فزع النّاس، و تفرحون إذا حزن النّاس، و تسعدون إذا شقى النّاس، فأنتم في روح و ريحان و في جوار الرّبّ العزيز الجبّار و هو راض عنكم غير غضبان، قد أمنتم العقاب و رضيتم الثّواب، تسألون فتعطون، و تخفون فترضون، و تشفعون فتشفّعون.

طوبى لمن كان معكم، و طوبى لمن أعزّكم إذا خذلكم النّاس، و أعانكم إذا جفاكم النّاس، و آواكم إذا طردكم النّاس، و نصركم إذا قتلكم النّاس، الويل لكم من أمّتي، و الويل لأمّتي من اللّه.

ثمّ قبّل فاطمة و بكى، و قبّل جبهة عليّ و بكى، و ضمّ الحسن و الحسين إلى صدره و بكى، و قال: اللّه خليفتي عليكم في المحيا و الممات، و أستودعكم اللّه و هو خير مستودع، حفظ اللّه من حفظكم، و وصل اللّه من وصلكم، و أعان اللّه من أعانكم، و خذل اللّه من خذلكم و أخافكم، أنا لكم سلف [و أنتم‏] (5) عن قليل بي لاحقون، و المصير إلى اللّه و الوقوف بين يدي اللّه، و الحساب على اللّه‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏.

و فيه‏ (6): نكتة:

ذكر ابن بابويه في أماليه قال: قال ابن عبّاس: فبينا أهل الجنّة في الجنّة إذا رأووا مثل الشّمس قد أشرقت لها الجنان.

فيقول أهل الجنّة: يا ربّ، إنّك قلت في كتابك: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً.

____________

(1) المصدر: سؤلها.

(2) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: بنتي.

و في سائر النسخ: بنت.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: آمنون.

(5) ليس في ق، ش.

(6) نفس المصدر/ 752، ح 7.

77

قال: فيرسل اللّه إليهم جبرئيل ليقول: ليس هذه بشمس، و لكنّ عليّا و فاطمة ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما. و نزلت فيهم‏ هَلْ أَتى‏- إلى قوله-:

مَشْكُوراً.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23): مفرّقا منجّما لحكمة اقتضته.

و تكرير الضّمير مع «إنّ» لمزيد اختصاص التّنزيل به.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا.

قال: نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏ بولاية عليّ- (عليه السلام)- تَنْزِيلًا.

قلت: هذا تنزيل؟

قال: لا (2)، تأويل له.

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ‏: بتأخير نصرك على كفّار مكّة [و غيرهم‏] (3).

وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24)، أي: كلّ واحد من مرتكب الإثم الدّاعي لك إليه، و من الغالي في الكفر الدّاعي لك إليه.

و «أو» للدّلالة على أنّهما سيّان في استحقاق العصيان و الاستقلال به.

و التقسيم باعتبار ما يدعونه إليه، فإنّ ترتّب النّهي على الوصفين مشعر بأنّه لهما، و ذلك يستدعي ألّا تكون المطاوعة في الإثم و الكفر، فإنّ مطاوعتهما فيما ليس بإثم و لا كفر غير محظور.

وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا (25): داوم على ذكره. أودم على صلاة الفجر و الظّهر و العصر، فإنّ الأصيل يتناول وقتيهما.

وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ‏: و بعض اللّيل فصلّ له. و لعلّ المراد به صلاة المغرب و العشاء.

و تقديم الظّرف، لما في صلاة اللّيل من مزيد كلفة و خلوص‏ (4).

وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26): و تهجّد له طائفة طويلة من اللّيل.

____________

(1) الكافي 1/ 435، ح 91.

(2) المصدر: نعم: ذا.

(3) ليس في ق.

(4) ن، ت، ي، ر: الكلفة و الخلوص.

78

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: بُكْرَةً وَ أَصِيلًا قال: الغداة و نصف النّهار.

وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ‏ (الآية) قال: صلاة اللّيل.

و في مجمع البيان‏ (2): [وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا و] (3)

روي، عن الرّضا (4)- (عليه السلام)‏- أنّه سأله أحمد بن محمّد عن هذه الآية، و قال: و ما ذلك التّسبيح؟

قال: صلاة اللّيل.

إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ‏: أمامهم. أو خلف ظهورهم.

يَوْماً ثَقِيلًا (27): شديدا، مستعار من الثّقل الباهظ للحامل. و هو كالتّعليل لما أمر به و نهي عنه‏ (5).

نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ‏: و أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب.

وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (28): و إذا شئنا أهلكناهم و بدّلنا أمثالهم في الخلقة و شدّة الأسر، يعني: النّشأة الثّانية، و لذلك جي‏ء «بإذا».

أو بدّلنا غيرهم ممّن يطيع، و «إذا» لتحقّق القدرة و القوّة الدّاعية.

إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ «الإشارة» إلى السّورة، أو الآيات القريبة.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.

قال- (عليه السلام)-: الولاية.

فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا (29): يقرّب إليه بالطّاعة.

وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: و ما تشاؤون ذلك إلّا وقت أن يشاء اللّه‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 399.

(2) المجمع 5/ 413.

(3) من ن، ت، ي، ر.

(4) ق: الصّادق.

(5) لأنّ الكلام يفيد تهديد محبّ العاجلة و التّرغيب إلى حبّ الآجل. و الأوّل علّة للنهي عن طاعة الآثم و الكفور، و الثاني علّة للأمر بالطّاعة.

(6) الكافي 1/ 435، ح 91.

79

مشيئتكم‏ (1).

و قرأ (2) ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر: «يشاءون» (3) بالياء.

و في الخرائج و الجرائح‏ (4): عن القائم- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه لكامل بن إبراهيم المدنيّ: و جئت تسأل عن مقالة المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية مشيئة اللّه، فإذا شاء شئنا، و اللّه يقول: وَ ما تَشاؤُنَ‏ (الآية).

و في الإحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لملك الموت أعوان من ملائكة الرّحمة و النّقمة يصدرون عن أمره، و فعلهم فعله، و كلّ ما يأتونه منسوب إليه، و إذا كان فعلهم فعل ملك الموت، و فعل ملك الموت فعل اللّه لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء، و يعطي و يمنع و يثيب و يعاقب على يد من يشاء، و إنّ فعل أمنائه فعله، كما قال: وَ ما تَشاؤُنَ‏ (الآية).

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً: [بما يستأهل كلّ أحد] (6).

حَكِيماً (30) [، أي: لا يشاء إلّا ما يقتضيه حكمته‏] (7).

يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ‏: بالهداية و التّوفيق للطّاعة.

و في نهج البلاغة (8) و إنّ اللّه سبحانه يدخل بصدق النّيّة و السّريرة الصّالحة من يشاء من عباده الجنّة.

وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31).

نصب «الظّالمين» بفعل يفسّره «أعدّ لهم»، مثل: أوعد، أو كافأ، ليطابق الجملة (9) المعطوف عليها.

و قرئ‏ (10)، بالرّفع، على الابتداء.

و في الكافي‏ (11): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن‏

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 528. و في ن، ت، م، ي، ر: مشيئتهم و لا توجد في ق، ش.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تشاؤون.

(4) الخرائج 1/ 459، ح 4.

(5) الإحتجاج/ 247.

6 و 7- من ن، ت، ي، ر.

(8) النهج/ 476، ح 42 و في ق، ش: «مجمع البيان» بدل «نهج البلاغة».

(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 528. و في النسخ:

الجمل.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) الكافي 1/ 435، ح 91.

80

الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ‏.

قال: في ولايتنا، قال: وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ (الآية) ألا ترى أنّ اللّه يقول: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ قال: إنّ اللّه أعزّ و أمنع من أن يظلم و أن‏ (1) ينسب نفسه إلى ظلم، و لكنّ اللّه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه و ولايتنا ولايته، ثمّ أنزل بذلك قرآنا على نبيّه [فقال‏] (2): وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏.

قلت: هذا تنزيل؟

قال: نعم.

____________

(1) في المصدر: «أو» مكان «و أن».

(2) من المصدر.

81

سورة المرسلات‏

مكّيّة.

و آيها خمسون بلا خلاف.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً عرّف اللّه بينه و بين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة و المرسلات كتب: أنّه ليس من المشركين.

و في الخصال‏ (3): عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال أبو بكر: أسرع الشّيب إليك، يا رسول اللّه؟

قال: شيّبتني هود، و الواقعة، و المرسلات، و عمّ يتساءلون.

وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (1) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (2) وَ النَّاشِراتِ نَشْراً (3) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (5).

قيل‏ (4): أقسم‏ (5) بطوائف من الملائكة أرسلهنّ [اللّه‏] (6) بأوامره متتابعة، فعصفن‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(2) المجمع 5/ 414.

(3) الخصال 1/ 199، ح 10.

(4) أنوار التنزيل 2/ 529.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قسم.

(6) من المصدر.

82

عصف الرّياح في امتثال أمره، و نشرن الشّرائع في الأرض أو نشرن النّفوس الموتى بالكفر أو بالجهل بما أو حين من العلم، ففرقن بين الحقّ و الباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكرا (1).

أو بآيات القرآن المرسلة بكلّ عرف إلى محمّد، فعصفن سائر الكتب و الأديان بالنّسخ، و نشرن آيات‏ (2) الهدى و الحكمة (3) في الشّرق و الغرب، و فرقن بين الحقّ و الباطل، فألقين ذكر الحقّ فيما بين العالمين.

أو بالنّفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحقّ، و نشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق [بذاته‏] (4) و الباطل في نفسه فيرون كلّ شي‏ء هالكا إلّا وجهه، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب و الألسنة إلّا ذكر اللّه.

أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، و رياح رحمة نشرن السّحاب في الجوّ ففرقن، فألقين ذكرا، أي: تسبّبن له، فإنّ العاقل إذا شاهد هبوبها و آثارها ذكر اللّه و تذكّر كمال قدرته.

و «عرفا» إمّا نقيض النّكر و انتصابه على العلّة، أي: أرسلن للإحسان و المعروف، أو بمعنى: المتتابعة، من عرف الفرس [و انتصابه على الحال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً قال: آيات أن يتبع بعضها بعضا.

و في مجمع البيان‏ (6): وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، يعني: الرّياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس‏] (7) عن ابن مسعود و ابن عبّاس إلى قوله: و قيل:

إنّها الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر اللّه و نهيه. و في رواية أخرى عن ابن مسعود و أبي حمزة الثمالي، عن أصحاب عليّ- (عليه السلام)- عنه.

عُذْراً أَوْ نُذْراً (6): مصدران لعذر إذا محا الإساءة، و أنذر إذا خوّف. أو جمعان لعذير بمعنى: المعذرة، و نذير بمعنى: الإنذار، أو بمعنى: العاذر و المنذر.

و نصبهما على الأوّلين بالعلّيّة، أي: «عذرا» للمحقّين «أو نذرا» للمبطلين، أو

____________

(1) في المصدر زيادة: «عذرا للمحقّين أو نذرا للمبطلين.

(2) المصدر: آثار.

(3) ن، ت، ي، ر، المصدر: الحكم.

(4) من المصدر.

(5) تفسير القمّي 2/ 400.

(6) المجمع 5/ 415.

(7) ليس في ق.

83

البدليّة من «ذكرا» على أنّ المراد به: الوحي، أو ما يعمّ التّوحيد و الشّرك و الإيمان و الكفر. و على الثّالث بالحاليّة.

و قرأهما (1) أبو عمرو و حمزة و الكسائي و حفص، بالتّخفيف.

إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ‏ (7): جواب القسم، و معناه: أنّ الّذي توعدون من مجي‏ء القيامة كائن لا محالة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً قال: القبر.

وَ النَّاشِراتِ نَشْراً قال: نشر الأموات.

فَالْفارِقاتِ فَرْقاً قال: الدّابّة.

فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً قال: الملائكة. عُذْراً أَوْ نُذْراً، أي: أعذركم و أنذركم بما أقول، و هو قسم و جوابه‏ إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ‏.

فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ‏ (8): محقت، أو ذهب نورها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ‏ قال: يذهب نورها و تسقط.

و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى عبد اللّه بن سلام، مولى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عنه حديث طويل، و فيه: فيأمر اللّه- عزّ و جلّ- (5) نارا يقال لها: الفلق، أشدّ شي‏ء في جهنّم عذابا، فتخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسّلاسل و الأغلال، فيأمرها اللّه أن تنفخ في وجوه الخلائق نفخة، فتنفخ فمن شدّة نفختها تنقطع السّماء و تنطمس النّجوم. (الحديث)

وَ إِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ‏ (9): صدعت.

وَ إِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ‏ (10): كالحبّ ينسف بالمنسف.

وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ‏ (11).

قيل‏ (6): عيّن لها وقتها الّذي يحضرون فيه للشّهادة على الأمم بحصوله، فإنّه لا يتعيّن لهم قبله. أو بلغت ميقاتها الّذي كانت تنتظره.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 529.

(2) تفسير القمّي 2/ 400.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) التوحيد/ 291، ح 1.

(5) كذا في النسخ. و في المصدر: امر اللّه.

(6) أنوار التنزيل 2/ 529.

84

و قرأ (1) أبو عمرو: «وقّتت» على الأصل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ‏ فطموسها ذهاب ضوئها.

وَ إِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ‏ قال: تفرج‏ (3) و تنشقّ.

وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ‏ قال: بعثت في أوقات مختلفة.

و في مجمع البيان‏ (4): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: أُقِّتَتْ‏، أي: بعثت في أوقات مختلفة.

لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ‏ (12)، أي: يقال: لأيّ يوم اخّرت.

و ضرب الأجل للجمع، و هو تعظيم «لليوم» و تعجيب عن هوله.

و يجوز أن يكون ثاني مفعولي «أقّتت» على معنى: أعلمت.

لِيَوْمِ الْفَصْلِ‏ (13): بيان ليوم التّأجيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ‏ قال: تأخّرت‏ (6) ليوم الفصل.

وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ‏ (14): و من أين تعلم كنهه و لم تر مثله.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (15)، أي: بذلك.

و «ويل» في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله، عدل به إلى الرّفع للدّلالة على ثبات الهلك للمدعو عليه، و «يومئذ» ظرفه، أو صفته.

أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ‏ (16)، كقوم نوح و عاد و ثمود.

و قرئ‏ (7): «نهلك» من هلكه، بمعنى: أهلكه.

ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ‏ (17)، أي: ثمّ نتبعهم نظراءهم، ككفّار مكّة.

و قرئ‏ (8)، بالجزم، عطفا على «نهلك» فيكون «الآخرين» المتأخّرين من المهلكين، كقوم لوط و شعيب و موسى.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك الفعل‏ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏ (18): بكلّ من أجرم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 2/ 400- 401.

(3) المصدر: تنفرج.

(4) المجمع 5/ 415.

(5) تفسير القمّي 2/ 400.

(6) المصدر: أخّرت.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 530.

85

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏.

قال‏ (2): [يقول:] (3) ويل للمكذّبين، يا محمّد، بما أوحيت إليك من ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ‏، قال: الأوّلين الّذين كذّبوا الرّسل في طاعة الأوصياء.

كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏ قال: من أجرم إلى آل محمّد و ركب من وصيّه ما ركب.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال عليّ بن إبراهيم: قوله: أَ لَمْ نُهْلِكِ‏ (الآية) قال: نهلك الأوّلين، أي: الأمم الماضية قبل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ‏، أي: الّذين خالفوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏، يعني: بني أميّة و بني فلان.

و روي‏ (5) بحذف الإسناد، مرفوعا إلى العبّاس بن إسماعيل: عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)‏- في قوله: أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ‏، يعني: الأوّل و الثّاني. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ‏ قال: الثّالث و الرّابع و الخامس. كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏ من بني أميّة.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (19): بآيات اللّه و أنبيائه و الأوصياء. فليس تكريرا، و كذلك إن اطلق التّكذيب أو علّق في الموضعين بواحد، لأنّ الويل الأوّل لعذاب‏ (6) الآخرة، و هذا للإهلاك في الدّنيا، مع أنّ التكرير للتّوكيد حسن شائع في كلام العرب.

أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ (20): نطفة قذرة ذليلة.

فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ (21): هو الرّحم.

____________

(1) الكافي 1/ 435، ح 91.

(2) ن، ت، م، ي، ر: يقول.

(3) من المصدر.

(4) تأويل الآيات 2/ 753- 754.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 1.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 530. و في النسخ:

العذاب.

86

إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ (22): إلى مقدار معلوم من الوقت، قدّره اللّه للولادة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله- تعالى-: أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏.

أي: منتن.

و قوله: فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ قال: في الرّحم. و أمّا قوله: إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ يقول:

منتهى الأجل.

و في نهج البلاغة (2): أيّها المخلوق السّويّ، و المنشأ المرعيّ‏ (3) في ظلمات الأرحام و مضاعفات الأستار، بدئت‏ (4) من سلالة من طين، و وضعت في قرار مكين إلى قدر معلوم و أجل مقسوم، تمور (5) في بطن أمّك جنينا، لا تحير (6) دعاء و لا تسمع نداء.

فَقَدَرْنا: فقدرنا على ذلك. أو فقدّرناه، و يدلّ عليه قراءة (7) نافع و الكسائي بالتّشديد.

فَنِعْمَ الْقادِرُونَ‏ (23): نحن.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (24): بقدرتنا على ذلك، أو على الإعادة.

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (25): كافتة (8)، اسم لما يكتف، أي: يضمّ و يجمع، كالضّمام و الجماع [اسم‏] (9) لما يضمّ و يجمع. أو مصدر نعت به. أو جمع، كافت، كصائم و صيام.

أو كفت، و هو الوعاء، أجري على الأرض باعتبار أقطارها.

أَحْياءً وَ أَمْواتاً (26): منتصبان على المفعوليّة، و تنكيرهما للتّفخيم، أو لأنّ أحياء الإنس و أمواتهم بعض الأحياء و الأموات. أو الحاليّة (10) من مفعوله المحذوف للعلم به، و هو الإنس. أو «بنجعل» على المفعوليّة (11) [ «و كفاتا» حال أو الحاليّة] (12) فيكون‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 400- 401.

(2) النهج/ 233 الخطبة 163.

(3) السّويّ: مستوي الخلقة لا نقص فيه. المنشأ:

المبتدع. و المرعيّ: المحفوظ المعنيّ بأمره.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هديت.

(5) تمور: تتحرّك.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تخبر.

و لا تحير: من قولهم: ما أحار جوابا، أي: لم يستطع ردّا.

(7) أنوار التنزيل 2/ 530.

(8) كذا في نفس المصدر و الموضع. و ف ش:

كافة. و في غيرها: كافية.

(9) من نفس المصدر و الموضع.

(10) أي: أو منتصبان على الحاليّة.

(11) أي: أو منتصبان «بنجعل» على المفعوليّة.

(12) ليس في ق، ش، م.

87

المعنى: بالأحياء ما ينبت، و بالأموات ما لا ينبت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: «الكفات» المساكن.

و قال: نظر أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [في رجوعه‏] (2) من صفّين إلى المقابر فقال:

هذه كفات الأموات، أي: مساكنهم. ثمّ نظر إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات الأحياء. ثمّ تلا: أَ لَمْ نَجْعَلِ‏ (الآية).

و في معاني الأخبار (3): حدّثنا أبي، عن سعد بن عبد اللّه، عن القاسم بن محمّد الاصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه نظر إلى المقابر فقال: يا حمّاد، هذه كفات الأموات. و نظر إلى بيوت الكوفة (4) فقال: هذه كفات الأحياء. ثمّ تلا: أَ لَمْ نَجْعَلِ‏ (الآية).

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن بعض أصحابه، عن أبي كهمس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: أَ لَمْ نَجْعَلِ‏ (الآية) قال: دفن الشّعر و الظّفر.

وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ‏: جبالا ثوابت طوالا.

و التّنكير للتّفخيم، أو الإشعار بأنّ فيها ما لم يعرف و لم ير.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قال: جبالا (7) مرتفعة.

وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (27): بخلق الأنهار و المنافع فيها.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (28): بأمثال هذه النّعم.

انْطَلِقُوا: يقال لهم: انطلقوا إِلى‏ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ (29): من العذاب.

انْطَلِقُوا: خصوصا.

و عن يعقوب‏ (8): «انطلقوا» (9) على الإخبار من امتثالهم للأمر اضطرارا.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 400.

(2) ليس في ق.

(3) المعاني/ 342، ح 1.

(4) ن، ت، ي، ر، المصدر: البيوت.

(5) الكافي 6/ 493، ح 1.

(6) تفسير القمّي 2/ 400.

(7) ي، ر، المصدر: جبال.

(8) أنوار التنزيل 2/ 530.

(9) ليس في ق، ش، م.

88

إِلى‏ ظِلٍ‏، يعني: ظلّ دخان جهنّم، كقوله: وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ‏.

ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ‏ (30): يتشعّب لعظمه، كما ترى الدّخان العظيم‏ (1) يتفرّق ذوائب.

قيل‏ (2): و خصوصيّة الثّلاث إمّا لأنّ حجاب النّفس عن أنوار القدس الحسّ و الخيال و الوهم، أو لأنّ المؤدّي إلى هذا العذاب هو القوّة الواهمة الحالّة في الدّماغ و الغضبيّة الّتي في يمين القلب و الشّهويّة الّتي في يساره، و لذلك قيل: شعبة تقف فوق الكافر، و شعبة عن يمينه، و شعبه عن يساره.

لا ظَلِيلٍ‏: تهكّم بهم، و ردّ لما أوهم لفظ الظّلّ.

وَ لا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ‏ (31): و غير مغن عنهم من حرّ اللّهب شيئا.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل في بيان الأيّام، و فيه: قال: قلت: فالثّلاثاء؟

قال: خلقت النّار فيه، و ذلك قوله: انْطَلِقُوا- إلى قوله-: مِنَ اللَّهَبِ‏.

قال: قلت: فالأربعاء؟

قال: بنيت [أربعة] (4) أركان النّار يوم الأربعاء.

و في شرح الآيات الباهرة (5): و روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ، عن أحمد بن يونس، عن أحمد بن سيّار، [عن بعض أصحابنا،] (6) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا لاذ النّاس من العطش قيل لهم: انْطَلِقُوا إِلى‏ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏، يعني: إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

قال: فإذا أتوه قال لهم: انْطَلِقُوا إِلى‏ ظِلٍ‏- إلى قوله-: مِنَ اللَّهَبِ‏، يعني:

من لهب العطش.

و روى محمّد بن العبّاس‏ (7)، عن أحمد بن القاسم، عن [أحمد بن‏] (8) محمّد بن‏

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الخصال/ 383- 3840، ح 61.

(4) من المصدر.

(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 754- 755، ح 3.

(6) من المصدر مع المعقوفتين.

(7) نفس المصدر/ 755، ح 4.

(8) من المصدر مع المعقوفتين.

89

سيّار، عن بعض أصحابنا، مرفوعا إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إذا لاذ النّاس من العطش قيل لهم: انْطَلِقُوا إِلى‏ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فيقول لهم: انْطَلِقُوا إِلى‏ ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ‏.

قال: يعني: الثّلاثة، فلان، و فلان، و فلان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا فبلغنا- و اللّه أعلم- أنّه إذا استوى أهل النّار إلى النّار لينطلق بهم قبل أن يدخلوا النّار، فيقال لهم: ادخلوا إلى ظلّ ذي ثلاث شعب من دخان النّار (2). فيحسبون أنّها الجنّة، ثمّ يدخلون النّار أفواجا، و ذلك نصف النّهار.

و فيه‏ (3): و قوله: انْطَلِقُوا إِلى‏ ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ‏. قال: فيه ثلاث‏ (4) شعب من النّار.

إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)، أي: كلّ شرارة كالقصر في عظمتها.

و يؤيّده: أنّه قرئ‏ (5): «بشرار».

و قيل‏ (6): هو جمع، قصرة، و هي الشّجرة الغليظة.

و قرئ‏ (7): «كالقصر» بمعنى: القصور، كرهن و رهن. و «كالقصر» جمع قصرة، كحاجة، و حوج.

و الهاء في «إنّها» «للشّعب».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (9). قال: شرر النّار مثل القصور و الجبال.

و في إرشاد المفيد (10)- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه يقول: تزفر (11) النّار بمثل الجبال شررا.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 113.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) نفس المصدر/ 400.

(4) ليس في ق، ش.

(5) أنوار التنزيل 2/ 531.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمّي 2/ 400.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تلقف.

(10) الإرشاد/ 73.

(11) المصدر: ترمي.

90

كأنه جمالات: جمع، جمال. أو جمالة، جمع جمل.

صُفْرٌ (33): فإنّ الشّرار لما فيها من النّاريّة يكون أصفر.

و قيل‏ (1): سود، فإنّ سواد الإبل تضرب إلى الصّفرة.

و الأوّل تشبيه في العظم، و هذا في اللّون و الكثرة و التّتابع و الاختلاط و سرعة الحركة.

و قرأ (2) حمزة و الكسائي و حفص: «جِمالَتٌ».

و عن يعقوب‏ (3): «جمالات» بالضّمّ، جمع جمالة، و قد قرئ بها، و هي الحبل الغليظ من حبال السّفينة، و شبّهه بها في امتداده و التفافه.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (34) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ‏ (35): بما يستحقّ، فإنّ النّطق بما لا ينفع كلا نطق. أو بشي‏ء من فرط الدّهشة و الحيرة، و هذا في بعض المواقف.

و قرئ‏ (4) بنصب «اليوم»، أي: هذا الّذي ذكر واقع يومئذ.

وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (37): عطف «فيعتذرون» على «يؤذن» ليدلّ على نفي الإذن و الاعتذار عقيبه مطلقا. و لو جعله جوابا لدلّ على أنّ عدم اعتذارهم لعدم الإذن، فأوهم ذلك أنّ لهم عذرا لكن لم يؤذن لهم فيه.

و في روضة الكافي‏ (5)، بإسناده إلى حمّاد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قول اللّه- تعالى-: وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏ فقال: إنّ اللّه أجلّ و أعدل و أعظم من أن يكون لعبده عذر لا يدعه يعتذر به، و لكنّه فلج فلم يكن له عذر.

هذا يَوْمُ الْفَصْلِ‏: بين المحقّ و المبطل.

جَمَعْناكُمْ وَ الْأَوَّلِينَ‏ (38): تقرير و بيان «للفصل».

فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ‏ (39): تقريع لهم على كيد المؤمنين في الدّنيا، و إظهار لعجزهم.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (40): إذ لا حيلة لهم في التّخلّص من العذاب.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ‏: من الشّرك، لأنّهم في مقابلة «المكذّبين».

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 531.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 8/ 178، ح 200.

91

فِي ظِلالٍ وَ عُيُونٍ‏ (41) وَ فَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ‏ (42): مستقرّون في أنواع التّرفّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَ عُيُونٍ‏ قال: في ظلال من نور أنور من الشّمس.

و في أصول الكافي‏ (2): [عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب،] (3) عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: إِنَّ الْمُتَّقِينَ‏.

قال: نحن، و اللّه، و شيعتنا ليس على ملّة إبراهيم غيرنا، و سائر النّاس منها برآء.

كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (43)، أي: مقولا لهم ذلك.

إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏ (44)، أي: في العقيدة و العمل.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (45): يمحض لهم العذاب المخلّد، و لخصومهم الثّواب المؤبّد.

كُلُوا وَ تَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ‏ (46): حال من «المكذّبين»، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم [ذلك، تذكيرا لهم‏] (4) بحالهم في الدّنيا و بما جنوا على أنفسهم أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النّعيم المقيم الجليل.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال عليّ بن إبراهيم في قوله: فِي ظِلالٍ وَ عُيُونٍ‏ قال: في ظلال من نور، و قال لهم: كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ من الأعمال الحسنة بعد المعرفة.

ثمّ عطف على أعداء آل محمّد، فقال لهم: كُلُوا وَ تَمَتَّعُوا قَلِيلًا في الدنيا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ‏.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (47): حيث عرّضوا أنفسهم للعذاب الدّائم بالتّمتّع القليل.

وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا: أطيعوا و اخضعوا له و صلّوا. أو اركعوا في الصّلاة،

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 400.

(2) الكافي 1/ 435، ح 91.

(3) ليس في ق، ش، م.

(4) ليس في ق.

(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 756.

92

إذ

روي‏ (1) أنّه نزل حين أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثقيفا بالصّلاة، فقالوا:

لا ننحني‏ (2) [، أي: لا نركع‏] (3) فإنّها مسبّة.

و قيل‏ (4): هو يوم القيامة حين‏ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ‏.

لا يَرْكَعُونَ‏ (48): لا يمتثلون. و استدلّ به على أنّ الأمر للوجوب، و أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع.

و في مجمع البيان‏ (5): قوله: لا يَرْكَعُونَ‏، أي: لا يصلّون.

قال مقاتل‏ (6): نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالصّلاة، فقالوا: لا ننحني، فإنّ ذلك مسبّة (7) علينا.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا خير في دين ليس فيه ركوع و لا سجود.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ‏ قال: إذا قيل لهم: تولّوا الإمام، لا يتولّونه.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ‏: بعد القرآن‏ يُؤْمِنُونَ‏ (50): إذا لم يؤمنوا به، و هو معجز في ذاته، مشتمل على الحجج الواضحة و المعاني الشّريفة.

و في شرح الآيات الباهرة (9): و روى الحسن بن عليّ الوشّاء، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-:

وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ‏.

قال: هي في بطن القرآن، و إذا قيل للنّصّاب: تولّوا عليّا- (عليه السلام)- لا يفعلون. لما سبق لهم من اللّه من الشّقاء، لمعاداتهم لسيّد الأوصياء وصيّ سيّد الأنبياء، أبي السّادة النّجباء- صلّى اللّه عليهم صلاة تملأ الأرض و السّماء ما اختلف الصّبح و المساء و الظّلام و الضّياء.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 532.

(2) ت، المصدر: نحني.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- المجمع 5/ 419.

(7) المصدر: سبّة.

(8) تفسير القمّي 2/ 401.

(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 756، ح 6.

93

سورة النّبأ

و تسمّى سورة المعصرات، [و منهم من يقول: سورة التّساؤل.

مكّيّة] (1).

و آيها أربعون، أو إحدى و أربعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏ لم تخرج سنته‏ (3) إذا كان يدمنها في كلّ يوم حتّى يزور بيت اللّه الحرام.

و في مجمع البيان‏ (4): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏ سقاه اللّه برد الشّراب يوم القيامة.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللّه، أسرع إليك الشيب! قال: شيّبتني هود و الواقعة و المرسلات و عمّ يتساءلون.

عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏ (1).

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: سنة.

(4) المجمع 5/ 420.

(5) الخصال/ 199، ح 10.

94

[أصله: عن ما حذف الألف لما مرّ. و معنى هذا الاستفهام: تفخيم شأن ما يتساءلون عنه، كأنّه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه.

قيل‏ (1): و الضّمير لأهل مكّة كانوا يتساءلون‏] (2) عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرّسول و المؤمنين عنه استهزاء، كقولهم: يتداعونهم، و يتراءونهم، أي: يدعونهم و يرونهم. أو للنّاس.

عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏ (2): بيان لشأن المفخّم. أو صلة «يتساءلون» و «عمّ» متعلّق بمضمر يفسر به، و يدلّ عليه قراءة (3) يعقوب: «عمه» (4).

و في كتاب الخصال‏ (5): الحسين‏ (6) بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أو رمة و محمّد بن عبد اللّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد اللّه بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏ قال: النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏ الولاية.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن أبي عمير أو غيره، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، إنّ الشّيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏.

قال: ذلك إليّ، إن شئت أخبرتهم، و إن شئت لم أخبرهم.

ثمّ قال: لكنّي أخبرك بتفسيرها. [قلت: «عمّ يتساءلون». قال:] (8) فقال:

هي في أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. [كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (9) يقول: ما للّه آية هي أكبر منّي، و لا للّه من نبأ أعظم منّي.

و في روضة الكافي‏ (10): خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، قال فيها: و إنّي النّبأ العظيم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 532.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ق.

و وجه الدلالة أنّ الهاء في «همه» هاء السكت، و هو علامة الوقف. و لو كان «عمّ» متعلّقا «يتساءلون» المذكور بعده، لم يكن محلّ الوقف.

(5) لم نعثر عليه في الخصال، و لكن رواه الكليني (ره) في الكافي 1/ 418، ح 34.

(6) كذا في الكافي. و في النسخ: الحسن.

(7) الكافي 1/ 207، ح 3.

(8) ليس في ق، ش، م.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 8/ 30، ح 4.

95

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما للّه نبأ أعظم منّي، و ما للّه آية أكبر منّي، و لقد عرض فضلي على الأمم الماضية على اختلاف ألسنتها فلم تقرّ بفضلي.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى ياسر الخادم: عن الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ: يا عليّ، أنت حجّة اللّه و أنت باب اللّه، و أنت الطريق إلى اللّه، و أنت النّبأ العظيم.

(الحديث)

الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏ (3): بجزم النّفي و الشّكّ فيه، أو بالإقرار و الإنكار.

و في تهذيب الأحكام‏ (3)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: شهدنا بمنّك و لطفك بأنّك أنت اللّه لا إله إلّا أنت ربّنا، و محمّد عبدك و رسولك نبيّنا، و عليّ أمير المؤمنين و الحجّة العظمى و آيتك الكبرى و النّبأ العظيم الّذي هم فيه مختلفون.

و في أمالي شيخ الطّائفة (4)، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: كنّا جلسوا مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ هبط عليه الأمين جبرئيل و معه جام من البلّور الأحمر مملوء مسكا و عنبرا، و كان إلى جنب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ بن أبي طالب و ولداه الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.

... إلى قوله: فلمّا صارت الجام‏ (5) في كفّ الحسن قالت‏ (6): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏. (الحديث)

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن أبان بن تغلب قال: سالت أبا

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 401.

(2) العيون 2/ 6، ح 13.

(3) التهذيب 3/ 146، ح 317.

(4) أمالي الطوسي 1/ 366.

(5) ليس في المصدر.

(6) يعني: الجام.

(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 758، ح 3.

96

عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏.

فقال: هو عليّ- (عليه السلام)-، لأنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليس فيه خلاف.

كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏ (4): ردع عن التّساؤل، و وعيد عليه.

ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏ (5): تكرير للمبالغة، و «ثمّ» للإشعار بأنّ الوعيد الثّاني أشدّ.

و قيل‏ (1): الأوّل عند النّزع، و الثّاني في القيامة. أو الأوّل للبعث، و الثّاني للجزاء.

و عن ابن عامر (2): «ستعلمون» بالتّاء، على تقدير: قل لهم: ستعلمون.

و في شرح الآيات الباهرة: (3) و ذكر صاحب «كتاب النّخب» حديثا مسندا، عن محمّد بن مؤمن الشّيرازيّ، بإسناده إلى السّديّ في تفسير: عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏ قال: أقبل صخر بن حرب حتّى جلس إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، هذا الأمر بعدك [لنا، أم‏] (4) لمن؟

قال: يا صخر، الأمر من بعدي لمن هو منّي بمنزلة هارون من موسى. فأنزل اللّه:

عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏- إلى قوله-: مُخْتَلِفُونَ‏، يعني: أهل مكّة يتساءلون‏ (5) [عن خلافة] (6) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏ منهم المصدّق بولايته و خلافته، و منهم المكذّب بهما.

ثمّ قال: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏ بعدك أنّ ولايته حقّ.

ثمّ قال توكيدا: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏ أنّ ولايته حقّ إذا سئلوا عنها في قبورهم، فلا يبقى ميّت في مشرق و لا في مغرب، و لا برّ و لا بحر إلّا و منكر و نكير يسألانه عن ولايته أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعد الموت، يقولان للميّت: من ربّك، و ما دينك، و من نبيّك،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 532.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 758- 759، ح 4.

(4) من المصدر.

(5) في ت، ر، زيادة: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ.

(6) من المصدر.

97

و من إمامك؟

و ذكر- أيضا- حديثا (1)، بإسناده إلى علقمة أنّه قال: خرج يوم صفّين رجل من عسكر الشّام و عليه سلاح و فوقه مصحف، و هو يقرأ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ‏ فأردت البراز إليه.

فقال لي عليّ- (عليه السلام)-: مكانك. و خرج بنفسه فقال له: أتعرف النّبأ العظيم الّذي هم فيه مختلفون؟

قال: لا.

فقال عليّ: أنا، و اللّه، النّبأ العظيم الّذي فيّ اختلفتم، و على ولايتي تنازعتم، و من ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم، و ببغيكم هلكتم بعد ما بسيفي نجوتم، و يوم الغدير قد علمتم، و يوم القيامة تعلمون ما عملتم. ثمّ علاه بسيفه فرمى برأسه و يده.

و في رواية الأصبغ بن نباته‏ (2)، أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: أنا، و اللّه‏ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏ حين أقف بين الجنّة و النّار و أقول: هذا لي و هذا لك.

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6) وَ الْجِبالَ أَوْتاداً (7):

تذكير ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه، الدّالّة على كمال قدرته، ليستدلّوا بذلك على صحّة البعث، كما مرّ تقريره مرارا.

و قرئ‏ (3): «مهدا»، أي: أنّها لهم كالمهد للصّبيّ. مصدر، سمّي به ما يمهّد لينوّم عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: يمهّد فيها الإنسان‏ (5) [مهدا] (6).

وَ الْجِبالَ أَوْتاداً، أي‏ (7): أوتاد الأرض.

و في نهج البلاغة (8): قال- (عليه السلام)-: وتّد بالصّخور ميدان أرضه.

وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (8): ذكرا و أنثى.

وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (9): قطعا (9) عن الإحساس و الحركة، استراحة للقوى‏

____________

(1) نفس المصدر/ 759، ح 5.

(2) نفس المصدر/ 759، ح 6.

(3) أنوار التنزيل 2/ 532.

(4) تفسير القمّي 2/ 401.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) من المصدر.

(7) ق، ش، م: قال.

(8) النهج/ 39، الخطبة 1.

(9) ليس في ق.

98

الحيوانيّة، و إزاحة لكلالها. أو موتا، لأنّه أحد التّوفّيين‏ (1)، و منه: المسبوت، للميت، و أصله: القطع- أيضا-.

وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (10): غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً قال: يلبس على النّهار.

وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (11): وقت معاش، تتقلّبون فيه لتحصيل ما تعيشون به. أو حياة تنبعثون فيها عن نومكم.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى عبد اللّه بن يزيد (4) بن سلام، أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أخبرني لم سمّي اللّيل ليلا؟

قال: لأنّه يلايل الرّجل من النّساء (5)، جعله اللّه ألفة و لباسا، و ذلك قوله- تعالى-: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً.

قال: صدقت، يا محمّد.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (12): سبع سماوات أقوياء محكمات، لا يؤثّر فيها مرور الدّهور.

وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (13): متلألئا وقّادا، من وهجت النّار: إذا أضاءت. أو بالغا في الحرارة، من الوهج، و هو الحرّ، و المراد: الشّمس.

وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ‏: من السّحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرّياح فتمطر، كقولك: أحصد الزّرع: إذا حان له أن يحصد، و منه: أعصرت الجارية: إذا دنت أن تحيض.

أو من الرّياح الّتي حان لها أن تعصر السّحاب‏ (6)، أو الرّياح ذوات الأعاصير (7).

و إنّما جعلت مبدأ للإنزال لأنّها تنشئ السّحاب و تدرّ أخلافه، و يؤيّده أنّه قرئ‏ (8): «بالمعصرات».

____________

(1) مأخوذ من قوله- تعالى-: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها (الزمر/ 42)

(2) تفسير القمّي 2/ 401.

(3) العلل/ 470، ح 33.

(4) ق، ش: بريد.

(5) لايله ملايله: استأجره لليلة.

(6) في ت زيادة: الأربع.

(7) جمع الإعصار، و هو: ريح ينثر الغبار و يرفع إلى السّماء.

(8) أنوار التنزيل 2/ 533.

99

ماءً ثَجَّاجاً (14): منصبّا بكثرة. يقال: ثجّه‏ (1)، و ثجّ بنفسه.

و في الحديث‏ (2): أفضل الحجّ العجّ.

و الثّجّ، أي: رفع الصّوت بالتّلبية، و صبّ دماء الهدي.

و قرئ‏ (3): «ثجاجا».

و مثاجج الماء: مصابّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله: وَهَّاجاً قال: الشّمس المضيئة.

و أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ‏ قال: من السّحاب‏ (5).

ماءً ثَجَّاجاً قال: صبّا على صبّ.

و فيه‏ (6): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قرأ رجل على عليّ: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ (7).

فقال: ويحك، أيّ شي‏ء يعصرون؟ [أ يعصرون‏] (8) الخمر؟! قال الرّجل: يا أمير المؤمنين، كيف أقرأها؟

فقال: إنّما نزلت: عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ أي: يمطرون‏ (9) بعد سني‏ (10) المجاعة، و الدليل على ذلك قوله- تعالى-: وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً.

و في تفسير العيّاشي‏ (11): عن محمّد بن عليّ الصّيرفي [عن رجل‏] (12)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ بضمّ الياء (13)، يمطرون.

ثمّ قال: [أما سمعت قوله:] (14) وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً.

عن عليّ بن معمّر (15)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- عن قوله:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ثجته.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمي 2/ 401.

(5) ق، ش، م: السحائب.

(6) نفس المصدر/ 346.

(7) يوسف/ 49.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ينظرون.

(10) المصدر: سنين.

(11) تفسير العياشي 2/ 180، ح 35.

(12) ليس في ق، ش، م.

(13) كذا في البحار/. و في النسخ و المصدر:

«بالياء» بدل «يضم الياء».

(14) ليس في ق، ش.

(15) نفس المصدر، ح 36.

100

فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ (1) مضمومة.

ثمّ قال: وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً.

لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً (15): ما يقتات به، و ما يعتلف من التّبن و الحشيش.

وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً (16): ملتفّة بعضها ببعض. جمع لفّ، كجذع، أو لفيف، كشريف، أو لفّ جمع لفّاء، كخضراء و خضر و أخضار، أو ملتفّة بحذف الزّوائد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله: وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً قال: بساتين ملتفّة الشّجر.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ‏: في علم اللّه، أو في حكمه‏ مِيقاتاً (17): حدّا تؤقّت به الدّنيا و تنتهي عنده. أو حدّا للخلائق ينتهون إليه.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ: بدل، أو بيان «ليوم الفصل».

فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (18): جماعات من القبور إلى المحشر.

و في مجمع البيان‏ (3): و في الحديث عن البراء بن عازب قال: كان معاذ بن جبل قريبا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في منزل أبي أيّوب الأنصاريّ، فقال معاذ: يا رسول اللّه، أ رأيت قول اللّه.- تعالى-: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (الآيات).

فقال: يا معاذ، سألت عن عظيم من الأمر. ثمّ أرسل عينيه، ثمّ قال: يحشر عشرة أصناف من أمّتي أشتاتا قد ميّزهم اللّه من المسلمين و بدّل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، و بعضهم على صورة الخنازير، و بعضهم منكّسون أرجلهم من فوق و وجوههم من تحت ثمّ يسحبون عليها، و بعضهم عمي يتردّدون فيه، و بعضهم صمّ بكم لا يعقلون، و بعضهم يمضغون ألسنتهم فيسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذّرهم أهل الجمع، و بعضهم مقطّعة أيديهم و أرجلهم، و بعضهم مصلّبون على جذوع من نار، و بعضهم أشدّ نتنا من الجيف، و بعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأمّا الّذين على صورة القردة فالقتّات‏ (4) من النّاس، و أمّا الذين على صورة الخنازير فأهل السّحت، و أمّا المنكّسون على رءوسهم فأكلة الرّبا، و العمي الجائرون في‏

____________

(1) ش: يمطرون.

(2) تفسير القمّي 2/ 401.

(3) المجمع 5/ 423- 424.

(4) أي: النمّام.

101

الحكم، و الصّمّ البكم المعجبون بأعمالهم، و الّذين يمضغون ألسنتهم العلماء و القضاة الّذين خالف أعمالهم أقوالهم، و المقطّعة أيديهم و أرجلهم الّذين يؤذون الجيران، و المصلّبون‏ (1) على جذوع من نار فالسّعاة بالنّاس إلى السّلطان، و الّذين هم أشدّ نتنا من الجيف فالّذين يتمتّعون بالشّهوات و اللّذّات و يمنعون حقّ اللّه في أموالهم، و الّذين هم يلبسون الجباب فأهل الفخر و الخيلاء.

وَ فُتِحَتِ السَّماءُ: و شقّت.

و قرأ (2) الكوفيّون، بالتّخفيف.

فَكانَتْ أَبْواباً (19): فصارت من كثرة الشّقوق كأنّ الكلّ أبواب. أو فصارت ذات أبواب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: وَ فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً قال: تفتح أبواب الجنان.

وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ‏، أي: في الهواء (4) كالهباء.

فَكانَتْ سَراباً (20): مثل سراب، إذ ترى على صورة الجبال و لم تبق على حقيقتها لتفتّت أجزائها و انبثاثها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً قال: تسيّر الجبال مثل السّراب الّذي يلمع في المفازة.

و في نهج البلاغة (6): و تدكّ‏ (7) الشّمّ الشّوامخ و الصّمّ الرّواسخ، فيصير صلدها سرابا و رقرقا (8) و معهدها قاعا سملقا (9).

إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (21): موضع رصد، يرصد فيه خزنة النّار الكفّار،

____________

(1) ليس في ق.

(2) أنوار التنزيل 2/ 533.

(3) تفسير القمّي 2/ 401.

(4) ليس في ق.

(5) تفسير القمّي 2/ 401.

(6) النّهج/ 310، الخطبة 195.

(7) المصدر: تذلّ.

(8) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: و قراقا.

و في سائر النسخ: رقراقا.

و الرقرق: المضطرب.

(9) «معهدها»، أي: المحلّ الّذي كان يعهد وجودها فيه. و القاع: ما اصمأنّ من الأرض.

و السّملق: الصّعصف المستوي.

102

أو خزنة الجنّة المؤمنين ليحرسوهم‏ (1) من فيها في مجازهم عليها، كالمضمار، فإنّه الموضع الّذي تضمر فيه الخيل. أو مجدة (2) في ترصّد الكفرة، لئلّا يشذّ منها واحد، كالمطعان.

و قرئ‏ (3): «أنّ» بالفتح، [على التعليل‏] (4) لقيام السّاعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال: قائمة.

لِلطَّاغِينَ مَآباً (22): مرجعا و مأوى.

لابِثِينَ‏ و قرأ (6) حمزة و روح: «لبثين» و هو أبلغ‏ (7).

فِيها أَحْقاباً (23): دهورا متتابعة. و ليس فيه ما يدلّ على خروجهم منها، إذ لو صحّ أنّ الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب، لجواز أن يكون المراد: أحقابا مترادفة، كلّما مضى حقب تبعه آخر، و إن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدّالّ على خلود الكفّار.

و لو جعل قوله: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَ لا شَراباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَ غَسَّاقاً (25): حالا من المستكنّ في «لابثين» و أن نصب «أحقابا» «بلا يذوقون» احتمل أن يلبثوا فيه أحقابا غير ذائقين إلّا حميما و غسّاقا، ثمّ يبدّلون جنسا آخر من العذاب.

و يجوز أن يكون جمع حقب، من حقب الرّجل: إذا أخطأه الرّزق، و حقب العام:

إذا قلّ مطره و خيره، فيكون حالا بمعنى: لابثين فيها حقبين، و قوله: لا يَذُوقُونَ‏ تفسير له.

و المراد بالبرد: ما يروّحهم و ينفّس عنهم حرّ النّار أو النّوم، و بالغسّاق:

ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم.

و قيل‏ (8): الزّمهرير، و هو مستثنى من البرد، إلّا أنّه اخّر ليتوافق رؤوس الآي.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 533، و في النسخ:

ليحرسهم.

(2) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: محددة.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) يوجد في ن، ش، المصدر.

(5) تفسير القمّي 2/ 401.

(6) أنوار التنزيل 2/ 534.

(7) لأنّ الصّفة المشبّهة تدلّ على الثبوت.

(8) أنوار التنزيل 2/ 534.

103

و قرأ (1) حمزة و الكسائي و حفص، بالتّشديد (2).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قال: «الأحقاب» السّنين، و الحقب سنة، و السّنة، عددها ثلاثمائة و ستّون يوما، و اليوم كألف سنة ممّا تعدّون.

أخبرنا (4) أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن الأحول، عن حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَ لا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَ غَسَّاقاً.

قال: هذه في الّذين لا (5) يخرجون من النّار.

و في كتاب معاني الأخبار (6): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن جعفر بن عقبة (7)، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قال: «الأحقاب» ثمانية أحقاب، و الحقب ثمانون سنة، و السّنة ثلاثمائة و ستّون يوما، و اليوم كألف سنة ممّا تعدّون.

و في مجمع البيان‏ (8): و روى نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا يخرج [من النار] (9) من دخلها حتّى يمكث فيها أحقابا، و الحقب بضع‏ (10) و ستّون سنة، و السّنة ثلاثمائة و ستّون يوما، و كلّ يوم كألف‏ (11) سنة ممّا تعدّون، فلا يتّكلنّ أحد على‏ (12) أن يخرج من النّار.

جَزاءً وِفاقاً (26)، أي: جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم. أو موافقا لها. أو وافقها وفاقا.

و قرئ‏ (13): «وفاقا» فعال، من وفقه كذا.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أي: بتشديد السّين في «غساقا».

3 و 4- تفسير القمّي 2/ 402.

(5) ليس في ق، ش.

(6) المعاني/ 220- 221، ح 1.

(7) المصدر: جعفر بن محمّد بن عقبة.

(8) المجمع 5/ 524.

(9) من المصدر.

(10) ق، ش: تسع.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: ألف.

(12) ليس في المصدر.

(13) أنوار التنزيل 2/ 534.

104

إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (17): بيان لما وافقه هذا الجزاء.

وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (28): تكذيبا. و فعّال بمعنى: تفعيل، مطرّد شائع في كلام الفصحاء.

و قرئ‏ (1) بالخفيف، و هو بمعنى: الكذب، كقوله:

فصدّقتها و كذّبتها* * * و المرء ينفعه كذابه‏

و إنّما أقيم مقام التّكذيب للدّلالة على أنّهم كذّبوا في تكذيبهم‏ (2).

أو المكاذبة، فإنّهم كانوا عند المسلمين كاذبين و كان المسلمون عندهم كاذبين، فكأنّ بينهم مكاذبة.

أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه.

و على المعنيين يجوز أن يكون حالا، بمعنى: كاذبين أو مكاذبين، و يؤيّده أنّه قرئ‏ (3): «كذّابا» و هو جمع كاذب.

و يجوز أن يكون للمبالغة، فيكون صفة للمصدر، أي: تكذيبا مفرطا كذبه.

و في مجمع البيان‏ (4): و روى العيّاشي بإسناده عن حمران قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية.

فقال: هذه في الّذين يخرجون من النّار.

و روى‏ (5)، عن الأحول، مثله.

و رووا (6)، عن عليّ- (عليه السلام)-: كذبوا باياتنا كذابا خفيفة. و القراءة المشهورة: وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً بالتّثقيل.

أقول: يحتمل أن يكون سقطت في تلك الرّواية لفظة «لا»، و على تقدير عدم السّقوط يحتمل أن يكون خرجت مخرج الإنكار

، كما أنّ الرّواية السّابقة المرويّة عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا يخرج من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا

على تقدير أن يكون بيانا لهذه الآية محمول على التّعليق بالمحال، كقوله‏ (7): حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 534.

(2) أي: إنّما أقيم الكذاب الّذي هو بمعنى الكذب ليدلّ على ما ذكر فيكون كذابا.

(3) نفس المصدر و الموضع.

4 و 5 و 6- المجمع 5/ 424.

(7) الأعراف/ 40.

105

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ‏ و قرئ‏ (1) بالرّفع، على الابتداء.

كِتاباً (29): مصدر «لأحصيناه» فإنّ الإحصاء و الكتبة يتشاركان في معنى الضّبط، أو لفعله المقدر. أو حال بمعنى: مكتوبا في اللّوح، أو صحف الحفظة. و الجملة اعتراض، و قوله: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (30): مسبّب عن كفرهم بالحساب و تكذيبهم بالآيات، و مجيئه على طريقة الالتفات المبالغة.

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (31): فوزا. أو موضع فوز.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً قال: يفوزون.

حَدائِقَ وَ أَعْناباً (32): بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة. بدل من «مفازا» بدل الاشتمال أو البعض.

وَ كَواعِبَ‏: نساء فلكت ثديهنّ.

أَتْراباً (33): لدات‏ (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله: وَ كَواعِبَ أَتْراباً قال: جوار و أتراب لأهل الجنّة.

و في رواية أبي الجارود (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏ في قوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً قال: هي الكرامات. وَ كَواعِبَ أَتْراباً، أي: الفتيات النّواهد (6).

وَ كَأْساً دِهاقاً (34): ملآنا، من أدهق الحوض: إذا ملأه.

لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا كِذَّاباً (35).

و قرأ الكسائي‏ (7)، بالتّخفيف، أي: كذبا، أو مكاذبة أو يكذب بعضهم بعضا.

جَزاءً مِنْ رَبِّكَ‏: بمقتضى وعده.

عَطاءً: تفضّلا منه. و هو بدل من «جزاء».

و قيل: منتصب به نصب المفعول به.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 534.

(2) تفسير القمّي 2/ 402.

(3) جمع لدة، أي: من ولد معك في وقت واحد.

4 و 5- تفسير القمّي 2/ 402.

(6) جمع الناهد، أي: البنت الّتي كعب ثديها و أشرف.

(7) أنوار التنزيل 2/ 534.

106

حِساباً (36): كافيا، من أحسبه الشّي‏ء: إذا كفاه حتّى قال: سبي. أو على حسب أعمالهم.

و قرئ‏ (1): «حسّابا»، أي: محسبا، كالدّرّاك، بمعنى: المدرك.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: حتّى إذا كان يوم القيامة حسب لهم حسناتهم، ثمّ أعطاهم بكلّ واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال اللّه: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً.

و قال‏ (3): فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا: بالجرّ بدل‏ مِنْ رَبِّكَ‏.

و قد رفعه‏ (4) الحجازيّان و أبو عمرو، على الابتداء.

الرَّحْمنِ‏: بالجرّ صفة له، إلّا في قراءة ابن عامر و عاصم [و يعقوب‏] (5).

و وافقهم حمزة و الكسائي في جرّ «ربّ» و رفع «الرّحمن» وحده، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره‏ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (37).

و «الواو» لأهل السّماوات و الأرض، أي: لا يملكون خطابه و الاعتراض عليه في ثواب أو عقاب، لأنّهم مملوكون له على الإطلاق، فلا يستحقّون عليه اعتراضا، و ذلك لا ينافي الشّفاعة بإذنه.

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً (38): تقرير و توكيد لقوله: «لا يملكون» فإنّ هؤلاء الّذين هم أفضل الخلائق‏ (6) و أقربهم من اللّه، إذا لم يقدروا أن يتكلّموا بما يكون صوابا، كالشّفاعة لمن ارتضى إلّا بإذنه، فكيف يملكه غيرهم؟

و «يوم» ظرف «للا يملكون» أو «ليتكلّمون».

و «الرّوح» قيل‏ (7): ملك موكّل‏ (8) على الأرواح أو جنسها. [أو جبرئيل‏] (9). أو

____________

(1) نفس المصدر/ 535.

(2) أمالي الطّوسي 1/ 25.

(3) سبأ/ 37.

(4) أنوار التنزيل 2/ 535.

(5) ليس في ق.

(6) ليس في ق.

(7) أنوار التنزيل 2/ 535.

(8) في ق زيادة: لم يقدروا أن يتكلّموا بما يكون صوابا لا.

(9) ليس في ق، ش، م.

107

خلق أعظم من الملائكة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا قال:

«الرّوح» ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل، و كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو مع الأئمة.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ‏ (الآية).

قال: نحن، و اللّه، المأذون لهم يوم القيامة، و القائلون صوابا.

قلت: ما تقولون إذا تكلّمتم؟

قال: نمجّد ربّنا، و نصلّي على نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نشفع لشيعتنا، و لا يردّنا ربّنا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (3): لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً

روى معاوية بن عمّار [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (4) قال: سئل عن هذه الآية.

فقال: نحن، و اللّه، المأذون لهم يوم القيامة، و القائلون صوابا.

قلت‏ (5): جعلت فداك، ما تقولون؟

قال: نحمّد (6) ربّنا، و نصلّي على نبيّنا، و نشفع لشيعتنا، فلا يردّنا ربّنا. رواه العيّاشيّ مرفوعا.

و في كتاب التّوحيد (7): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول حاكيا أحوال مواقف أهل المحشر: ثمّ يجتمعون في مواطن اخر (8) فيستنطقون فيفرّ بعضهم من بعض، فذلك قوله‏ (9): يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ، وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ‏ فسينطقون فلا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً فيقوم الرّسل فيشهدون في هذا

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 402.

(2) الكافي 1/ 435، ح 91.

(3) المجمع 5/ 427.

(4) ليس في ق.

(5) ن، ت، ي، ر، المصدر: قال.

(6) المصدر: نمجّد.

(7) التوحيد/ 261، ح 5.

(8) المصدر: ثم يجتمعون في موطن آخر.

(9) عبس/ 34- 36.

108

الموطن، [فذلك قوله‏ (1): فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً] (2).

و في شرح الآيات الباهرة (3): و روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن أبي خالد القمّاط، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه قال: قال: إذا كان يوم القيامة، و جمع اللّه الخلائق من الأوّلين و الآخرين في صعيد واحد، خلع قول «لا إله إلّا اللّه» من جميع الخلائق إلّا من أقرّ بولاية عليّ، و هو قوله- تعالى-: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ‏ (الآية).

ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ‏: الكائن لا محالة.

فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ‏: إلى ثوابه‏ مَآباً (39): بالإيمان و الطّاعة.

إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً، يعني: عذاب الآخرة. و قربه لتحقّق وقوعه، فإنّ كلّ ما هو آت قريب، و لأنّ مبدأه الموت.

يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ‏: يرى ما قدّمت من خير و شرّ.

و المرء عامّ.

و قيل‏ (4): هو الكافر، لقوله: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ‏ فيكون الكافر ظاهرا، وضع موضع الضّمير لزيادة الذّمّ.

و «ما» موصولة منصوبة «بينظر»، أو استفهاميّة منصوبة «بقدّمت»، أي:

ينظر أيّ شي‏ء قدّمت يداه.

وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (40): في الدّنيا فلم اخلق و لم اكلّف، أو في هذا اليوم فلم ابعث.

و قيل‏ (5): يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثمّ تردّ ترابا، فيودّ الكافر حالها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً قال: في النّار.

و قال: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً، أي: علويّا.

و

قال. إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: المكنّى أمير المؤمنين أبو تراب.

____________

(1) النساء/ 41.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 761، ح 9.

(4) أنوار التنزيل 2/ 535.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 2/ 402.

109

و في كتاب علل الشرائع‏ (1)، بإسناده إلى عباية (2) بن ربعي قال: قلت لعبد اللّه بن عبّاس: لم كنّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا أبا تراب؟

قال: لأنّه صاحب الأرض، و حجّة اللّه على أهلها بعده، و له بقاؤها و إليه سكونها، و لقد سمعت رسول اللّه يقول: إذا كان يوم القيامة و رأى الكافر ما أعدّ اللّه لشيعة عليّ من الثّواب و الزّلفى و الكرامة قال: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً، أي: من شيعة عليّ- (عليه السلام)-. و ذلك قول اللّه- تعالى-: و يوم يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا الحسين بن احمد (4)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن يونس بن يعقوب، [و] (5) عن خلف بن حمّاد، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن سعد (6) السّمّان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قوله: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ- إلى قوله-: كُنْتُ تُراباً، يعني:

علويّا يوالي أبا تراب.

و روى محمّد بن خالد البرقيّ‏ (7)، عن يحيى الحلبيّ، عن هارون بن خارجة و خلف بن حمّاد، عن أبي بصير، مثله.

____________

(1) العلل/ 156، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عناية.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 761، ح 10.

(4) ق، ش، م: محمّد.

(5) من المصدر مع المعقوفتين.

(6) المصدر: سعيد.

(7) نفس المصدر و الموضع.

111

سورة النّازعات‏

مكّيّة.

و آيها خمس، أو ستّ و أربعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ وَ النَّازِعاتِ‏ لم يمت إلّا ريّانا، و لم يبعثه اللّه إلّا ريّانا.

و في مجمع البيان‏ (2): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من قرأها لم يمت إلّا ريّانا (3)، و لم يدخل الجنّة إلّا ريّانا (4).

ابيّ بن كعب‏ (5)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة وَ النَّازِعاتِ‏ لم يكن حبسه‏ (6) أو حسابه يوم القيامة إلّا كقدر صلاة مكتوبة، حتّى يدخل الجنّة.

وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً (1) وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً (2) وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً (3) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (4) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (5)

____________

(1) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(2) المجمع 5/ 428.

(3) ت، ي، ر، المصدر: ريّان. و في المصدر زيادة: و لم يبعثه اللّه إلّا ريّان.

(4) ت، ي، ر، المصدر: ريّان.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حسبه.

112

قيل‏ (1): هذه صفات ملائكة الموت، فإنّهم ينزعون أرواح الكفّار من أبدانهم غرقا، أي: إغراقا في النّزع، فإنّهم ينزعونها من أقصى الأبدان، أو نفوسا غرقة في الأجساد. و ينشطون، أي: يخرجون أرواح المؤمنين برفق، من نشط الدّلو من البئر: إذا أخرجها. و يسبحون في إخراجها سبح الغوّاص الّذي يخرج الشّي‏ء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفّار إلى النّار و بأرواح المؤمنين إلى الجنّة.

فيدبّرون أمر عقابها و ثوابها، بأن يهيّئوها (2) لإدراك ما أعدّ لها من الآلام و اللّذّات.

أو الأوليان لهم و الباقيات لطوائف من الملائكة، يسبحون في مضيها، أي:

يسرعون فيه، فيسبقون إلى ما أمروا به، فيدبّرون أمره.

أو صفات النّجوم، فإنّها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقا في النّزع، بأن تقطع الفلك حتّى تنحطّ (3) في أقصى المغرب. و تنشط من برج إلى برج، أي: تخرج، من نشط الثّور: إذا خرج من بلد إلى بلد. يسبحن‏ (4) في الفلك فيسبق بعضها في السير، لكونه أسرع حركة. فيدبّر أمرا انيط بها، كاختلاف الفصول، و تقدير الأزمنة، و ظهور مواقيت العبادات، و لمّا كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسريّة و حركاتها من برج إلى برج ملائمة سمّي الأولى نزعا، و الثّانية نشطا.

أو صفات النّفوس الفاضلة حال المفارقة، فإنّها تنزع من الأبدان غرقا، أي:

نزعا شديدا، من إغراق النّازع في القوس، فتنشط إلى عالم الملكوت، و تسبح فيه‏ (5)، فتسبق إلى خطائر القدس، فتصير لشرفها و قوّتها من المدبّرات. أو حال سلوكها، فإنّها تنزع من الشّهوات، و تنشط إلى عالم القدس، و تسبح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات حتّى تصير من المكملات.

أو صفات أنفس الغزاة، أو (6) أيديهم تنزع القسيّ بإغراق السّهام، و ينشطون.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 536.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «و يهيّئونها».

بدل «بأن يهيّئوها».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تخطّ.

(4) المصدر: يسبحون. و في النسخ: سبح.

و الصحيح ما أثبتنا في المتن، كما ورد هكذا- أيضا- في طبعة أخرى من المصدر.

(5) المصدر: فيها.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إذ.

113

بالسّهم للرّمي، و يسبحون في البرّ و البحر، فيسبقون إلى حرب العدوّ، فيدبّرون أمرها.

أو صفات خيلهم، فإنّها تنزع في أعنّتها نزعا تغرق فيه الأعنّة لطول أعناقها و تخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، و تسبح في جريها، فتسبق إلى حرب العدوّ، فتدبّر أمر الظفر (1).

أقسم اللّه بها على قيام السّاعة، و إنّما حذف لدلالة ما بعده عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً قال: نزع الرّوح.

وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً قال: الكفّار ينشطون في الدّنيا.

و فيه: وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً قال: المؤمنون الّذين يسبّحون اللّه.

و في رواية أبي الجارود (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً، يعني: أرواح المؤمنين تسبق أرواحهم إلى الجنّة بمثل الدّنيا، و أرواح الكافرين بمثل ذلك إلى النّار.

و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه موسى بن جعفر قال: كان قوم من خواصّ الصّادق- (عليه السلام)- جلوسا بحضرته في ليلة مقمرة مصبحة (5)، فقالوا: يا ابن رسول اللّه، ما أحسن أديم هذه [السماء (6) و أنوار هذه‏] (7) النّجوم و الكواكب! فقال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّكم لتقولون هذا، و إنّ المدبّرات الأربعة:

جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت، ينظرون إلى الأرض فيرونكم و إخوانكم في أقطار الأرض و نوركم إلى السّماوات، و إليهم أحسن من نور هذه الكواكب، و إنّهم ليقولون كما تقولون: ما أحسن أنوار هؤلاء المؤمنين!

و في مجمع البيان‏ (8): وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً اختلف في معناه على وجوه: أحدها، أنّه يعني به:

الملائكة الّذين ينزعون أرواح الكفّار عن أبدانهم بالشّدّة، كما يغرق النّازع بالقوس‏ (9) فيبلغ بها غاية المدّ. و روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام)‏-.

____________

(1) ليس في ق.

(2) تفسير القمّي 2/ 402- 403.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) العيون 2/ 2، ح 2.

(5) المصدر: مضحية.

(6) أديم السماء: وجهها.

(7) من المصدر.

(8) المجمع 5/ 429.

(9) المصدر: في القوس.

114

و قيل‏ (1):

هو الموت ينزع النّفوس. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام)-.

و فيه‏ (2): وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً في معناه أقوال: [أحدها ما ذكرناه‏] (3). و ثانيها أنّها الملائكة تنشط أرواح الكفّار ما بين الجلد و الأظفار، حتّى تخرجها من أجوافهم بالكرب و الغمّ. عن عليّ- (عليه السلام)-.

يقال: نشط الجلد نشطا: نزعها.

وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً فيه أقوال: أحدها، أنّها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلّونها سلّا رفيقا ثمّ يدعونها حتّى تستريح، كالسّابح بالشّي‏ء في الماء يرمى به. عن عليّ- (عليه السلام)-.

و فيه‏ (4): «فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً» فيه أقوال- أيضا-:

أحدها، أنّها الملائكة لأنّها سبقت ابن آدم بالخير و الإيمان و العمل الصّالح. عن مجاهد.

و قيل‏ (5): إنّها تسبق الشّياطين بالوحي إلى الأنبياء- (عليهم السلام)-.

و قيل‏ (6): إنّها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنّة. عن عليّ- (عليه السلام)

- و مقاتل.

[و ثانيهما أنّها أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الّذين يقبضونها و قد عاينت السرور شوقا إلى رحمة اللّه و لقاء ثوابه و كرامته. عن ابن مسعود] (7).

و فيه: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً فيه أقوال- أيضا-:

أحدها،

أنّها الملائكة تدبّر أمر العباد من السّنة إلى السّنة. عن عليّ- (عليه السلام)-.

و ثالثها، أنّها الأفلاك يقع فيها أمر اللّه، فيجري به القضاء في الدّنيا. رواه عليّ بن إبراهيم. أقسم اللّه بهذه الأشياء الّتي عدّدها.

و قيل‏ (8): تقديره: و ربّ النّازعات و ما ذكر بعدها. و هذا ترك الظّاهر بغير دليل،

و قد قال الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-: إنّ للّه أن يقسم بما شاء من خلقه، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

4 و 5 و 6- نفس المصدر/ 430.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) نفس المصدر و الموضع.

115

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ (2) وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ (3) و ما أشبه ذلك.

قال: إنّ للّه أن يقسم من خلقه بما شاء، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4)، مثله.

يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6): و هو منصوب بمحذوف، أي: أنّه لتقوم السّاعة.

و المراد بالرّاجفة: الأجرام السّاكنة الّتي تشتدّ حركتها حينئذ، كالأرض و الجبال، لقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ‏. أو الواقعة الّتي ترجف الأجرام عندها، و هي النّفخة الأولى.

تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7): التّابعة، و هي السّماء و الكواكب تنشقّ و تنتشر. [أو النفخة الثانية] (5). و الجملة في موقع الحال.

و في شرح الآيات الباهرة (6): عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن القاسم بن إسماعيل، عن عليّ بن خالد العاقولي، عن عبد الكريم بن عمر الجعفي‏ (7)، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قال: «الرّاجفة» الحسين بن عليّ، و «الرّادفة» عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و أوّل من ينفض عن رأسه التّراب الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- في خمسة و سبعين ألفا، و هو قوله‏ (8)- تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.

[و هذا ممّا يدلّ على الرجعة إلى الدّنيا. و للّه الآخرة و الأولى‏] (9).

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (8): شديدة الاضطراب. من الوجيف‏ (10)، و هي‏

____________

(1) الكافي 7/ 449، ح 1.

(2) الليل/ 1.

(3) النجم/ 1.

(4) الفقيه 3/ 236، ح 1120.

(5) من ي، ر.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 762، ح 1.

(7) المصدر: عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي.

(8) غافر/ 51- 52.

(9) من المصدر.

(10) كذا في أنوار التنزيل 2/ 537. و في ت، ي، ر: الوجفة، و في سائر النسخ: الرجفة.

116

صفة القلوب.

أَبْصارُها خاشِعَةٌ (9)، أي: أبصار أصحابها ذليلة من الخوف، و لذلك أضافها إلى القلوب‏ (1).

يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (10): في الحالة الأولى، يعنون:

الحياة بعد الموت. من قولهم: رجع فلان في حافرته، أي: طريقه الّتي جاء فيها فحفرها، أي: أثّر فيها بمشيه، على النّسبة (2)، كقوله‏ (3): عِيشَةٍ راضِيَةٍ. أو تشبيه القابل بالفاعل.

و قرئ‏ (4): «في الحفرة» بمعنى: المحفورة. يقال: حفرت‏ (5) أسنانه فحفرت حفرا، و هي حفرة.

أَ إِذا كُنَّا و قرأ (6) نافع و ابن عامر و الكسائي: «إذا كنّا» على الخبر.

عِظاماً نَخِرَةً (11): بالية.

و قرأ (7) الحجازيّان و أبو عمرو و الشّاميّ و حفص و روح: «نخرة» و هي أبلغ.

قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (12): ذات خسران، أو خاسر أصحابها، و المعنى: أنّها إن صحّت، فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها، و هو استهزاء منهم.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أبو عبد اللّه، محمّد بن أحمد، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمّد بن سنان، عن سماعة بن مهران، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الكرّة المباركة النّافعة لأهلها يوم الحساب ولايتي و اتّباع أمري، و ولاية عليّ- (عليه السلام)- و الأوصياء من بعده و اتباع أمرهم، يدخلهم اللّه الجنّة بها مع و مع عليّ وصيّي‏ (9) و الأوصياء من بعده‏ (10). و الكرّة الخاسرة عداوتي و ترك أمري، و عداوة عليّ‏

____________

(1) أي لأنّ ذلّ الأبصار حاصل بسبب الخوف العارض للقلب، و لذلك أضاف الأبصار إليها.

(2) فيكون المعنى: الطريق ذو الحفر، كما أنّ «عيشة راضية» ذو رضا.

(3) القارعة/ 7.

(4) أنوار التنزيل 2/ 537.

(5) ليس في ق، م.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 762- 763، ح 2.

(9) ليس في ق، ش، م.

(10) ق، ش، م، ي، ت: بعدي.

117

و الأوصياء من بعده‏ (1)، يدخلهم اللّه بها النّار في أسفل السّافلين- و الحمد للّه ربّ العالمين.

فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (13): متعلّق بمحذوف، أي: لا تستصعبوها فما هي إلّا صيحة واحدة، يعني: النّفخة الثّانية.

فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14): فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في بطنها.

و «السّاهرة» الأرض البيضاء المستوية، سمّيت بذلك لأنّ السّراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة، للّتي يجري ماؤها. و في ضدّها نائمة. أو لأنّ سالكها يسهر خوفا.

و قيل‏ (2): اسم لجهنّم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قال: تنشقّ الأرض بأكلها. و «الرّادفة» الصّيحة.

[قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أي: خائفة. أَبْصارُها خاشِعَةٌ] (4). يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ.

قال: قالت قريش: أ نرجع بعد الموت؟ أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً، أي: بالية تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ قال: قالوا هذا على حدّ الاستهزاء.

فقال اللّه: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ قال: «الزّجرة» النّفخة الثّانية [في الصور] (5). و «السّاهرة» موضع بالشّام عند بيت المقدس.

و فيه‏ (6): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ قال: في الخلق الجديد.

و أمّا قوله: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ و السّاهرة: الأرض، كانوا في القبور فلمّا سمعوا الزّجرة خرجوا من قبورهم فاستووا على الأرض.

و في مجمع البيان‏ (7): روى أبو هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يوم تبدل‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عداوة عليّ و الأولياء من بعدي.

(2) أنوار التنزيل 2/ 537.

(3) تفسير القمّي 2/ 403.

(4) من المصدر.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المجمع 3/ 324.

118

الأرض غير الأرض و السّماوات، فيبسطها و يمدّها مدّ الأديم العكاظيّ، لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، ثمّ يزجر اللّه الخلق زجرة (1) فإذا هم في هذه المبدّلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها كان في بطنها و ما كان في ظهرها كان على ظهرها.

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ (15): أليس قد أتاك حديثه فيسلّيك على تكذيب قومك و تهدّدهم عليه، بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم.

إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏ (16).

قد مرّ بيانه في سورة طه.

اذْهَبْ إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ (17): على إرادة القول.

و قرئ‏ (2): «أن اذهب» لما في النّداء من معنى القول.

فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى‏ أَنْ تَزَكَّى‏ (18): هل لك ميل إلى أن تتطهّر (3) من الكفر و الطّغيان.

و قرأ (4) الحجازيّان و يعقوب: «تزكّى» بالتّشديد.

وَ أَهْدِيَكَ إِلى‏ رَبِّكَ‏: و أرشدك إلى معرفته.

فَتَخْشى‏ (19): بأداء الواجبات و ترك المحرّمات، إذ الخشية إنّما يكون بعد المعرفة. و هذا كالتّفصيل لقوله‏ (5): فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً.

فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى‏ (20)، أي: فذهب و بلّغ فأراه المعجزة الكبرى، و هي قلب العصا حيّة، فإنّها كان المقدّم و الأصل. أو مجموع معجزاته، فإنّها باعتبار دلالتها كالآية الواحدة.

فَكَذَّبَ وَ عَصى‏ (21): فكذّب موسى و عصى اللّه- تعالى- بعد ظهور الآية و تحقّق الأمر.

ثُمَّ أَدْبَرَ: عن الطّاعة يَسْعى‏ (22) ساعيا في إبطال أمره.

أو أدبر بعد ما رأى الثّعبان مرعوبا مسرعا في مشيته.

فَحَشَرَ: فجمع السّحرة، أو جنوده‏ فَنادى‏ (23): في المجمع بنفسه، أو

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: زحزة.

(2) أنوار التنزيل 2/ 537.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 537. و في النسخ:

تظهر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 537.

(5) طه/ 44.

119

مناد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله: «فحشر (2)، يعني:

فرعون [فَنادى‏ فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى‏ و النكال:

العقوبة. و «الآخرة» هو قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏. و «الأولى» قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ‏] (3) غَيْرِي‏ (4) فأهلكه اللّه بهذين القولين.

فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ (24): أعلى من كلّ من يلي أمركم.

فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى‏ (25): أخذا منكلا لمن رآه و سمعه، في الآخرة بالإحراق و في الدّنيا بالإغراق‏ (5). أو على كلمته الآخرة و هي هذه، و كلمته الأولى و هي قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏ (6). أو للتّنكيل فيهما، أو لهما.

و يجوز أن يكون مصدرا مؤكّدا مقدّرا بفعله.

و في كتاب سعد السّعود (7) لابن طاوس، فقال‏ (8) عن تفسير الكلبيّ: محمّد، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس‏، أنّ جبرئيل قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا محمّد، لو رأيتني و فرعون يدعو بكلمة الإخلاص: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (9) و أنا أدسّه في الماء و الطّين لشدّة غضبي عليه، مخافة أن يتوب فيتوب اللّه عليه.

قال له رسول اللّه: و ما كان شدة غضبك عليه، يا جبرئيل؟

قال: لقوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ و هي كلمته الآخرة منهما، و إنّما قالها (10) حين انتهى إلى البحر، و كلمته الأولى‏ (11): ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏ فان بين الأولى و الآخرة أربعون سنة، و إنّما قال ذلك لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ حين انتهى إلى البحر فرآه قد يبست فيه الطّريق، فقال لقومه: ترون البحر قد يبس من فرقي‏ (12). فصدّقوه لمّا

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 403.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: فنادى.

(3) من المصدر.

(4) القصص/ 38.

(5) ليس في ن.

(6) القصص/ 38.

(7) سعد السّعود/ 218.

(8) كذا في النسخ. و الأصحّ أن يقال: نقلا.

كما ورد في نور الثقلين 5/ 500، ح 25.

(9) يونس/ 90.

(10) ق، ش، ت، م، المصدر: قال.

(11) ليس في المصدر.

(12) أي: من خوفي.

120

رأوا ذلك، فذلك قوله‏ (1): وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أملى اللّه لفرعون ما بين الكلمتين أربعين سنة ثمّ أخذه اللّه نكال الآخرة و الأولى، فكان بين أن قال اللّه لموسى و هارون‏ (3): قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما و بين أن عرّفه الإجابة أربعين سنة.

ثمّ قال: قال جبرئيل: نازلت ربّي في فرعون منازلة شديدة، فقلت: يا ربّ، تدعه و قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏؟

فقال: إنّما يقول هذا عبد مثلك.

عن رجل من أصحاب أبي عبد اللّه‏ (4)- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة سبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه.

... إلى قوله: و فرعون الّذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏. (الحديث)

و في مجمع البيان‏ (5): فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى‏ بأن أغرقه في الدّنيا، و يعذّبه في الآخرة.

و قيل‏ (6): معناه: فعاقبه اللّه بكلمته الآخرة و كلمته الأولى، فالآخرة قوله‏ (7): أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ و الأولى قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏ فنكل به نكال هاتين الكلمتين.

و جاء في التّفسير (8) عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّه كان بين الكلمتين أربعون سنة.

و روى أبو بصير (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال جبرئيل: قلت: يا ربّ، تدع فرعون و قد قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏؟

فقال: إنّما يقول هذا مثلك من يخاف الفوت.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ (26): لمن كان من شأنه الخشية.

____________

(1) طه/ 79.

(2) الخصال/ 539- 540، ح 11.

(3) يونس/ 89.

(4) نفس المصدر/ 346، ح 15.

(5) المجمع 5/ 432.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «فالأخرى» بدل «فالآخرة قوله».

8 و 9 نفس المصدر و الموضع.

121

أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً: أصعب خلقا أَمِ السَّماءُ.

ثمّ بيّن كيف خلقها فقال: بَناها (27).

ثمّ بيّن البناء فقال: رَفَعَ سَمْكَها، أي: جعل مقدار ارتفاعها من الأرض، أو ثخنها الذّاهب في العلو رفيعا.

فَسَوَّاها (28): فعدلها. أو فجعلها مستوية. أو فتمّمها بما يتمّ به كمالها من الكواكب و التّداوير و غيرهما، من قولهم: سوى فلان أمره: إذا أصلحه.

وَ أَغْطَشَ لَيْلَها: أظلمه. منقول من غطش اللّيل: إذا أظلم. و إنّما أضافه إليها لأنّه يحدث بحركتها.

وَ أَخْرَجَ ضُحاها (29): و أبرز ضوء شمسها، كقوله: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها يريد: النّهار.

وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30): بسطها و مهّدها للسّكنى.

و في روضة الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن داود، عن محمّد بن عطيّة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال لرجل من أهل الشّام: و كان الخالق قبل المخلوق، و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشّي‏ء من الشّي‏ء إذا لم يكن له انقطاع أبدا، و لم يزل اللّه إذا و معه شي‏ء و ليس هو يتقدّمه، و لكنّه كان إذ لا شي‏ء غيره.

و خلق الشّي‏ء جميع الأشياء منه، و هو الماء، الّذي خلق الأشياء منه، فجعل نسب كلّ شي‏ء [إلى الماء] (2) و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه.

و خلق الرّيح من الماء، ثمّ سلّط الرّيح على الماء فشقّقت الرّيح متن الماء حتّى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور، فخلق من ذلك الزّبد أرضا بيضاء نقيّة، ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة، ثمّ طواها فوضعها فوق الماء.

ثمّ خلق النّار من الماء، فشقّقت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه أن يثور، فخلق من ذلك الدّخان سماء صافية نقيّة، ليس فيها صدع و لا ثقب، و ذلك قوله: السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها.

____________

(1) الكافي 8/ 94- 95، ح 67.

(2) ليس في ق، ش.

122

قال: و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب، ثمّ طواها فوضعها فوق الأرض، ثمّ نسب الخلقتين‏ (1) فرفع السّماء قبل [دحو] (2) الأرض، و ذلك قوله: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقول: بسطها.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (3)، كلام طويل يذكر فيه ابتداء خلق السّماوات السّبع، و فيه قال- (عليه السلام)-: جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا، و علياهنّ سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن الحسين بن عليّ بن مروان، عن عدّة من أصحابنا، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال و قد ذكر البيت العتيق: إنّ اللّه خلقه قبل الأرض، ثمّ خلق الأرض من بعده، فدحاها من تحته.

عليّ بن محمّد (5)، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العبّاس، عن صالح اللفائفي‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه دحا الأرض من تحت الكعبة إلى منى، ثمّ دحاها من منى إلى عرفات، ثمّ دحاها من عرفات إلى منى، فالأرض من عرفات، و عرفات من منى، و منى من الكعبة.

عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي زرارة التّميميّ، عن أبي حسّان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا أراد اللّه أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربن وجه الماء حتّى صار موجا ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعلت جبلا من زبد، ثمّ دحا الأرض من تحته، و هو قول اللّه‏ (8)- تعالى-: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً.

و رواه‏ (9)- أيضا-، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

____________

(1) المصدر: الخليقتين.

(2) لا يوجد في النسخ و المصدر، و إنّما أضفناه من نور الثقلين 5/ 501، ح 26.

(3) النهج/ 41، الخطبة 1.

(4) الكافي 4/ 189، ح 5.

(5) نفس المصدر: ح 3.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 408. و في ق، ش: صالح الكفائقي. و في سائر النسخ:

صالح الكفائفي.

(7) نفس المصدر، ح 7.

(8) آل عمران/ 96.

(9) نفس المصدر، ح 7.

123

محمّد بن أحمد (1)، عن الحسين بن عليّ بن مروان، عن عدّة من أصحابنا، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- في المسجد الحرام: لأيّ شي‏ء سمّاه اللّه العتيق؟

فقال: إنّه ليس من بيت وضعه اللّه على وجه الأرض إلّا له ربّ و سكّان يسكنونه، غير هذا البيت، فإنّه لا ربّ له إلّا اللّه، و هو الحرّ.

ثمّ قال: إنّ اللّه خلقه قبل الأرض، ثمّ خلق الأرض من بعده فدحاها من تحته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه قال: خرج‏ (3) هشام بن عبد الملك حاجّا و معه الأبرش الكلبيّ، فلقيا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في المسجد الحرام.

فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟

قال: لا.

قال: هذا الّذي تزعم الشّيعة أنّه نبيّ من كثرة علمه.

فقال الأبرش: لأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ.

فقال هشام: وددت أنّك فعلت ذلك.

فلقى الأبرش أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: يا أبا عبد اللّه، أخبرنا عن قول اللّه‏ (4): أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما بما كان رتقهما، و بما كان فتقهما؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أبرش، هو كما وصف نفسه: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (5)، و الماء على الهواء، و الهواء لا يحدّ، و لم يكن يومئذ (6) خلق غيرها، و الماء يومئذ عذب فرات.

فلمّا أراد أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربت الماء حتّى صار موجا، ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلا من زبد، ثمّ دحا الأرض من‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 5.

(2) تفسير القمّي 2/ 69- 70.

(3) ليس في ق، ش.

(4) الأنبياء/ 30.

(5) هود/ 7.

(6) ليس في ق، ش.

124

تحته، فقال‏ (1)- تعالى-: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ثمّ مكث الرّبّ- تبارك و تعالى- ما شاء.

فلمّا أراد أن يخلق السّماء أمر الرّياح فضربت البحور حتّى أزبدتها، فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السّماء، و جعل فيها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر و أجراها في الفلك، و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب. (الحديث)

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن عليّ‏ (3)- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال السّائل: فخلق النّهار قبل اللّيل؟

قال: نعم، خلق النّهار قبل اللّيل، و الشّمس و القمر و الأرض قبل السّماء.

أَخْرَجَ مِنْها ماءَها: بتفجير العيون.

وَ مَرْعاها (31): [و رعيها] (4) و هو في الأصل لموضع الرّعي. و تجريد الجملة عن العاطف لأنّها حال بإضمار «قد»، أو بيان للدّحو.

و في روضة الكافي‏ (5)، بإسناده إلى أبي الرّبيع: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول: إنّ اللّه أهبط آدم إلى الأرض، و كانت السّماء رتقا لا تمطر و كانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا، فلمّا تاب اللّه على آدم، أمر السّماء فتفطّرت‏ (6) بالغمام، ثمّ أمرها فأرخت عزاليها (7) [ثمّ أمر الأرض‏] (8) فأنبتت الأشجار و أثمرت الثّمار و تفهّقت‏ (9) بالأنهار، فكان ذلك رتقها و هذا فتقها.

و بإسناده‏ (10) إلى محمّد بن عطيّة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: فإنّ قول اللّه‏ (11)- تعالى-: كانَتا رَتْقاً يقول: كانت السّماء رتقا لا تنزل المطر و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ، فلمّا خلق اللّه الخلق و بثّ فيها من كلّ دابّة فتق‏

____________

(1) آل عمران/ 96.

(2) الاحتجاج/ 352.

(3) ن، ت، ي، ر: أبي عبد اللّه.

(4) ليس في ق، ش.

و الرعي: ما ترعاه الماشية.

(5) الكافي 8/ 121، ح 93.

(6) ن، ر، المصدر: فتقطّرت.

(7) كناية عن شدّة وقع المطر.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تفيّهت.

و فهق الإناء و الحوض: امتلأ حتّى تصبّب.

(10) نفس المصدر/ 95، ح 67.

(11) الأنبياء/ 30.

125

السّماء بالمطر و الأرض بنبات الحبّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، بإسناده إلى أبي بكر الحضرميّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- و قد ذكر السّماء و الأرض. مرتوقتين ليس لها أبواب-: و لم يكن للأرض أبواب و هو (2) النّبت، و لم تمطر [السّماء] (3) [عليها فتنبت‏] (4) ففتق السّماء بالمطر، و فتق الأرض بالنّبات.

وَ الْجِبالَ أَرْساها (32): أثبتها.

و قرئ‏ (5): «و الأرض» و «الجبال» بالرّفع على الابتداء. و هو مرجوح، لأنّ العطف على فعليّة (6).

مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ‏ (33): تمتيعا لكم و لمواشيكم.

فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ: [الداهية الّتي تطمّ، أي: تعلو على سائر الدواهي‏] (7). الْكُبْرى‏ (34): التي هي أكبر الطّامّات.

قيل‏ (8): هي القيامة. أو النّفخة الثّانية. أو السّاعة الّتي يساق فيها أهل الجنّة [إلى الجنّة] (9)، و أهل النّار إلى النّار.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (10)، بإسناده إلى النّزال بن سيارة (11): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ و قد ذكر الدّجّال و من يقتله و أين يقتله: ألا إنّ بعد ذلك الطّامّة الكبرى.

قلنا: و ما ذلك، يا أمير المؤمنين؟

قال: خروج دابّة (12) الأرض من عند الصّفا، معها خاتم سليمان و عصا موسى،

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 70.

(2) المصدر: هي.

(3) من المصدر.

(4) ليس في ق.

(5) أنوار التنزيل 2/ 538.

(6) لأنّه إذا كان منصوبين، كان عطف الفعليّة على الفعليّة، و هو قوله: وَ أَخْرَجَ ضُحاها. و إذا رفعا، لزم عطف الاسميّة على الفعليّة، و الأوّل أولى للتناسب.

(7) ليس في ق، ش.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) ليس في ق.

(10) كمال الدين/ 527، ح 1.

(11) المصدر: سيره‏

(12) في المصدر زيادة: [من‏].

126

تضع الخاتم على وجه كلّ مؤمن فينطبع فيه: هذا مؤمن حقّا. و تضعه على وجه كلّ كافر فيكتب‏ (1): هذا كافر حقّا. حتّى أنّ المؤمن لينادي‏ (2): الويل لك حقّا، يا كافر. و أنّ الكافر ينادي: طوبى لك، يا مؤمن، وددت أنّي [اليوم‏] (3) كنت مثلك فأفوز فوزا عظيما.

ثمّ ترفع الدّابّة رأسها فيرى ما بين الخافقين‏ (4) بإذن اللّه، و ذلك بعد طلوع الشّمس من مغربها، فعند ذلك ترفع التّوبة فلا تقبل توبة و لا عمل يرفع، و لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً (5).

ثمّ قال- (عليه السلام)-: لا تسألوني عمّا يكون بعد هذا، فإنّه عهد إليّ حبيبي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ألا أخبر به غير عترتي.

يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى‏ (35).

قيل‏ (6): بأن يراه مدوّنا في صحيفته و كان قد نسيه‏ (7) من فرط الغفلة أو طول المدّة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قال: يذكّر ما عمله كلّه.

و هو بدل من «إذا جاءت» و «ما» موصولة، أو مصدريّة.

وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ‏: و أظهرت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): قال: و أحضرت‏ (10).

لِمَنْ يَرى‏ (36): لكلّ راء، بحيث لا يخفى على أحد.

و قري‏ء (11): «و برزت». و «لمن رأى». و «لمن ترى» على أنّ فيه ضمير الجحيم، كقوله: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أو أنّه خطاب للرّسول، أي: لمن تراه من الكفّار.

و جواب‏ فَإِذا جاءَتِ‏ محذوف دلّ عليه‏ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ‏ أو ما بعده من التّفصيل.

فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ (37): حتّى كفر.

وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38): فانهمك فيها و لم يستعدّ للآخرة بالعبادة

____________

(1) ق، المصدر: فينكتب.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: فيراها من بين الخافقين.

(5) الأنعام/ 158.

(6) أنوار التنزيل 2/ 538.

(7) في جميع النسخ و المصدر: نسيها.

8 و 9 تفسير القمّي 2/ 403.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أحظرت.

(11) أنوار التنزيل 2/ 538.

127

و تهذيب النّفس.

فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى‏ (39): هي مأواه. و «اللّام» فيه سادّة مسدّ الإضافة، للعلم بأنّ صاحب المأوى هو الطّاغي.

و «هي» فصل‏ (1)، أو مبتدأ.

وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ‏، أي: مقامه بين يدي ربّه، لعلمه بالمبدأ و المعاد.

وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ (40): لعلمه بأنّه مردّ.

و في أصول الكافي‏ (2)، بإسناده إلى داود الرقّي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه‏ (3): وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏ قال: من علم أنّ اللّه يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمله من خير أو شرّ، فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الّذي‏ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏.

عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن [عبد الرحمن الأصمّ، عن‏] (5) عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: قال لي أبو الحسن- (عليه السلام)-: اتّق المرتقى السّهل إذا كان منحدرة و عرا.

قال: و كان أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا تدع النّفس و هواها، فإنّ هواها في رداها، و ترك النّفس و ما تهوى أذاها، و كفّ النفس عمّا تهوى دواؤها.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن بكير، عن حمزة بن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الجنّة محفوفة بالمكاره و الصّبر فمن صبر على المكاره في الدّنيا دخل الجنّة، و جهنّم محفوفة باللّذّات و الشّهوات فمن أعطى نفسه لذّاتها و شهواتها، دخل النّار.

و بإسناده‏ (7) إلى يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّما أخاف عليكم الاثنين: اتّباع الهوى، و طول الأمل. أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ، و أمّا طول الأمل فينسي الآخرة.

____________

(1) أي: ضمير فصل.

(2) الكافي 2/ 70- 71، ح 10.

(3) الرحمن/ 46.

(4) نفس المصدر/ 336، ح 4.

(5) ليس في ق، ش.

(6) نفس المصدر/ 89، ح 7.

(7) نفس المصدر/ 335، ح 3.

128

و بإسناده‏ (1) إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يقول اللّه: و عزّتي و جلالي و كبريائي و نوري و علويّ و ارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواه على هواي، إلّا شتّت عليه أمره، و لبّست عليه دنياه، و شغلت قلبه بها، و لم أؤته منها إلّا ما قدرت له.

و عزّتي و جلالي و عظمتي و نوري و علوّي و ارتفاع مكاني، لا يؤثر عبدي هواي على هواه، إلّا استحفظته ملائكتي، و كفلت السّماوات و الأرضين رزقه، و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر، و أتته الدّنيا و هي راغمة.

و بإسناده‏ (2) إلى أبي محمّد الوابشي‏ (3) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: احذروا أهواءكم، كما تحذرون أعداءكم، فليس شي‏ء أعدى للرّجال من اتّباع أهوائهم و حصائد ألسنتهم.

فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏ (41): ليس له مأوى سواها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏. قال: هو (5) العبد إذا وقف على معصية اللّه و قدر عليها، ثمّ تركها مخافة اللّه و نهى النّفس عنها، فمكانه الجنّة.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (42): متى ارساؤها، أي: إقامتها و إثباتها. أو منتهاها و مستقرّها، من مرسى السّفينة، و هو حيث تنتهي إليه و تستقرّ فيه.

فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43): في أيّ شي‏ء أنت من أن تذكر وقتها لهم، أي:

ما أنت من ذكرها لهم و تبيين وقتها في شي‏ء، فإنّ ذكرها لا يزيدهم إلّا غيّا و وقتها ممّا استأثره اللّه بعلمه.

و قيل‏ (6): «فيم» إنكار لسؤالهم، و أَنْتَ مِنْ ذِكْراها مستأنف معناه: أنت ذكر من ذكرها (7)، أي: علامة من أشراطها، فإنّ إرساله خاتما للأنبياء أمارة من أماراتها.

____________

(1) نفس المصدر/ 335، ح 2.

(2) نفس المصدر/ 335، ح 1.

(3) ق، ش: الوايشي.

(4) تفسير القمّي 2/ 404.

(5) المصدر: هوى.

(6) أنوار التنزيل 2/ 539.

(7) المصدر: ذكراها.

129

و قيل‏ (1): إنّه متّصل بسؤالهم، و الجواب‏ إِلى‏ رَبِّكَ مُنْتَهاها (44)، أي:

منتهى علمها.

إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (45): إنّما بعثت لإنذار من يخاف هولها، و هو لا يناسب تعيين الوقت.

و تخصيص «من يخشى» لأنّه المنتفع به.

و عن أبي عمرو (2): «منذر» بالتّنوين، و الإعمال على الأصل، لأنّه بمعنى الحال.

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا: في الدّنيا، أو في القبور إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46)، أي: عشيّة يوم أو ضحاه، كقوله: إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ و لذلك أضاف «الضّحى» إلى «العشيّة» لأنّهما من يوم واحد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قال: متى نقوم. فقال اللّه: إِلى‏ رَبِّكَ مُنْتَهاها، أي: علمها عند اللّه. قوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها قال: بعض يوم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 404.

131

سورة عبس‏

و تسمّى سورة السّفرة.

مكّيّة.

و آيها إحدى [أو اثنتان‏] (1) و أربعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة عَبَسَ وَ تَوَلَّى‏ و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏ كان تحت جناح اللّه‏ (3) من الجنّان‏ (4) و في ظلّ اللّه و كرامته، و في جنّاته، و لا يعظم ذلك على اللّه‏ (5)، [إنّ شاء اللّه‏] (6).

و في مجمع البيان‏ (7): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة و وجهه ضاحك مستبشر (8).

عَبَسَ وَ تَوَلَّى (1) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى‏ (2)

____________

(1) ليس في ش.

(2) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(3) أي: في كنف اللّه- تعالى- و رعايته.

(4) المصدر: الخيانة.

(5) المصدر: ربّه.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) المجمع 5/ 435.

(8) ليس في ق، ش.

132

و قرئ‏ (1): «عبّس» بالتّشديد للمبالغة، و «أن جاءه» علّة «لتولّى» أو «عبس».

و قرئ‏ (2): «أن» بهمزتين و بألف بينهما، بمعنى: أ لأن جاءه الأعمى فعل ذلك.

و

في مجمع البيان‏ (3): قيل: نزلت الآيات في عبد اللّه بن أمّ مكتوم، و هو عبد اللّه بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري‏ (4) من بني عامر بن لؤيّ، و ذلك أنّه أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يناجي عتبة بن ربيعة و أبا جهل بن هشام و العبّاس بن عبد المطّلب و ابيّا و أميّة ابني خلف، يدعوهم إلى اللّه و يرجوا إسلامهم.

فقال: يا رسول اللّه، أقرئني‏ (5) و علّمني ممّا علّمك اللّه. فجعل يناديه و كرّر النّداء و لا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره، حتّى ظهرت الكراهية في وجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لقطعه كلامه، و قال في نفسه: يقول‏ (6) هؤلاء الصّناديد: إنّما أتباعه العميان و العبيد. فأعرض عنه و أقبل على القوم الّذين يكلّمهم.

فنزلت الآيات، و كان رسول اللّه [بعد ذلك‏] (7) يكرمه، و إذا رآه قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي. و يقول له: هل لك من حاجة؟ و استخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين.

قال أنس بن مالك: فرأيته يوم القادسيّة و عليه درع، و معه راية سوداء.

و روي عن الصّادق‏ (8)- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا رأى [عبد اللّه بن‏] (9) أمّ مكتوم قال: مرحبا، لا و اللّه، لا يعاتبني اللّه فيك أبدا. و كان يصنع به من اللّطف حتّى كان يكفّ عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [ممّا يفعل به‏] (10).

قال المرتضى علم الهدى‏ (11): ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، بل هي‏ (12) خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه، و فيها ما يدلّ على أنّ‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 540.

(3) المجمع 5/ 437.

(4) ق، ش، م، ي: القهريّ.

(5) كذا في المصدر. و في النّسخ: اقربني.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

(10) ليس في ق، ش.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) المصدر: هو.

133

المعنيّ بها غيره، لأنّ العبوس ليس من صفات النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مع الأعداء المتباينين فضلا عن المؤمنين المسترشدين، ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء و يتلهّى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة، و يؤيّد هذا القول قوله‏ (1)- تعالى- في وصفه: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏. و قوله‏ (2): وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏. و الظّاهر أنّ قوله: عَبَسَ وَ تَوَلَّى‏ المراد به غيره.

و قد روي عن الصّادق‏ (3)- (عليه السلام)-: أنّها نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فجاءه ابن أمّ مكتوم، فلمّا رآه تقذّر منه و عبس و جمع نفسه و أعرض بوجهه عنه، فحكى اللّه ذلك و أنكره عليه.

وَ ما يُدْرِيكَ‏، أي: و أيّ شي‏ء جعلك داريا بحاله. و الخطاب للرّجل العابس المتولّي على سبيل الالتفات.

لَعَلَّهُ يَزَّكَّى‏ (3): لعلّه يكون طاهرا. أو يتطهّر بما يتلقّف عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى‏ (4): أو يتّعظ فتنفعه موعظة.

و قرأ (4) عاصم، بالنّصب‏ (5)، جوابا «للعلّ».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى‏ قال: نزلت في عثمان‏ (7) و ابن أمّ مكتوم، و كان ابن أمّ مكتوم مؤذّنا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كان أعمى، و جاء إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عنده أصحابه و عثمان‏ (8) عنده، فقدّمه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على عثمان‏ (9)، فعبس عثمان‏ (10) وجهه و تولّى عنه، فأنزل اللّه‏ عَبَسَ وَ تَوَلَّى‏، يعني: عثمان‏ (11) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى‏ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى‏، أي:

يكون طاهرا.

«أو يذكّر» قال: يذكّره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى‏.

____________

(1) القلم/ 4.

(2) آل عمران/ 159.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 540.

(5) أي: «فتنفعه».

(6) تفسير القمّي 2/ 404- 405.

7 و 8- المصدر: عثكن.

(9) المصدر: «عليه» بدل «علي عثمان».

(10) ليس في المصدر.

(11) المصدر: عثكن.

134

أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى‏ (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6): تتعرّض بالإقبال عليه. و أصله:

تتصدّى. و الخطاب للرّجل العابس المتولّي- أيضا-.

و قرأ (1) ابن كثير و نافع: «تصدّى» بالإدغام.

و قرئ‏ (2): «تصدّى»، أي: تعرّض و تدعى إلى التصدّي. فالخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى‏ (7).

قيل‏ (3): و ليس عليك بأس في أن لا يتزكّى بالإسلام حتّى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمّن أسلم، إن عليك إلّا البلاغ.

وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى‏ (8): يسرع طالبا للخير.

وَ هُوَ يَخْشى‏ (9): اللّه. أو أذيّة الكفّار في إتيانك. أو كبوة الطّريق، لأنّه أعمى لا قائد له.

فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى‏ (10): تتشاغل. يقال: لهى عنه، و التهى، و تلهّى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): ثمّ خاطب عثمان‏ (5) فقال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى‏، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى‏ قال: أنت إذا جاءك غنيّ تتصدّى له و ترفعه.

وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى‏، أي: لا تبالي زكيّا كان أو غير زكيّ إذا كان غنيّا.

وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى‏، يعني: ابن أمّ مكتوم‏ وَ هُوَ يَخْشى‏ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى‏، أي: تلهو عنه و لا تلتفت إليه.

و في مجمع البيان‏ (6): و في الشّواذّ قراءة الحسن: «آن جاءه». و

قراءة أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)-: «تصدّى» بضمّ التّاء و فتح الصّاد، «و تلهّى» بضمّ التّاء- أيضا-.

كَلَّا: ردع عن المعاتب عليه، أو عن معاودة مثله.

إِنَّها تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (12): حفظه، أو اتّعظ به.

و الضّميران للقرآن، أو العتاب المذكور. و تأنيث الأوّل لتأنيث خبره.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 540.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 2/ 405.

(5) المصدر: عثكن.

(6) المجمع 5/ 436.

135

فِي صُحُفٍ‏: مثبّتة فيها. صفة «لتذكرة»، أو خبر ثان، أو خبر محذوف.

مُكَرَّمَةٍ (13): عند اللّه.

مَرْفُوعَةٍ: القدر.

مُطَهَّرَةٍ (14): منزّهة عن أيدي الشّياطين.

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15): كتبة من الملائكة و الأنبياء، ينتسخون الكتب من اللّوح أو الوحي. أو سفراء يسفرون بالوحي بين اللّه و رسله. جمع سافر، من السّفر، أو السّفارة.

و التّركيب للكشف، يقال: سفرة المرأة: إذا كشفت وجهها.

كِرامٍ‏: أعزّاء على اللّه. أو متعطّفين على المؤمنين، يكلّمونهم و يستغفرون لهم.

بَرَرَةٍ (16): أتقياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ قال: القرآن.

فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ قال: عند اللّه‏ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال: بأيدي الأئمّة.

و في مجمع البيان‏ (2): كِرامٍ بَرَرَةٍ قال قتادة: هم القرّاء، يكتبونها و يقرءونها.

قال: و روى الفضيل بن يسار، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: الحافظ للقرآن العامل به مع السّفرة الكرام البررة. (انتهى).

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد العبّاس- (رحمه اللّه)- عن الحسين بن أحمد المالكيّ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن خلف بن حمّاد، عن أبي أيّوب الخزّار (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- قال في قوله: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ: هم الأئمّة.

قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏ (17).

قيل‏ (5): دعاء عليه بأشنع الدّعوات، و تعجّب من إفراطه في الكفران، و هو مع قصره يدلّ على سخط عظيم و ذمّ بليغ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏ قال: هو أمير المؤمنين‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 405.

(2) المجمع 5/ 438.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 763، ح 1.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الحذاء.

(5) أنوار التنزيل 2/ 540.

(6) تفسير القمّي 2/ 405- 406.

136

- (عليه السلام).

قال: ما أَكْفَرَهُ‏، أي: ما فعل و ذنب حتّى قتلوه.

أخبرنا (1) أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن أبي نصر (2)، عن جميل بن درّاج، عن أبي أسامة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏.

قال: نعم، نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. ما أَكْفَرَهُ‏، يعني: بقتلكم إيّاه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏، أي: لعن الإنسان.

مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏ (18): بيان لما أنعم عليه، خصوصا من مبدأ حدوثه.

و الاستفهام للتّحقير، و لذلك أجاب عنه بقوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ‏ (19): فهيّأه لما يصلح له من الأعضاء و الأشكال. أو فقدّره أطوارا إلى أن تمّ خلقه.

ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏ (20): ثمّ سهّل مخرجه من بطن أمّه، بأن فتح فوهة الرّحم و ألهمه أن ينتكس. أو ذلّل له سبيل الخير و الشّرّ.

و نصب «السّبيل» بفعل يفسّره الظّاهر للمبالغة في التّيسير، و تعريفه «باللّام» دون الإضافة للإشعار بأنّه سبيل عامّ.

و فيه على المعنى الأخير إيماء بأنّ الدّنيا طريق، و المقصد غيرها، و لذلك عقّبه بقوله: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) عدّ الإماتة و الإقبار في النّعم، لأنّ الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبديّة و اللّذّات الخالصة، و الأمر بالقبر تكرمة و صيانة عن السّباع.

و في‏ إِذا شاءَ إشعار بأنّ وقت النّشور غير متعيّن في نفسه، و إنّما هو موكول إلى مشيئته- تعالى-.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 405- 406.

(2) المصدر: عن ابن أبي نصر (أبي بصير- ط).

و لعلّ الصحيح: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر.

(3) الاحتجاج/ 250.

137

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصل بآخر ما نقلناه من الرّواية عنه- أعنى: قوله:

بقتلكم إيّاه-: ثمّ نسب أمير المؤمنين و نسب خلقه و ما أكرمه اللّه به، فقال: مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏ يقول: من طينة الأنبياء خلقه «فقدّره» للخير. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏، يعني: سبيل الهدى. ثُمَّ أَماتَهُ‏ ميتة الأنبياء ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏.

قلت: فما قوله: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏؟

قال: يمكث بعد قتله في الرّجعة فيقضي ما أمره.

فيه‏ (2)- أي: في تفسيره أيضا-: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏ قال: يسّر له طريق الخير.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، في العلل الّتي ذكرها الفضل بن شاذان أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام)‏-: فإن قال: فلم أمر بدفنه»؟

قيل: لئلّا يظهر النّاس على فساد جسده و قبح منظره و تغيّر ريحه، و لا يتأذى به الأحياء بريحه و بما يدخل عليه من الآفة و الدّنس و الفساد، و ليكون مستورا عن الأولياء و الأعداء، فلا يشمت عدوّ و لا يحزن صديق.

كَلَّا: ردع للإنسان عمّا هو عليه.

لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏ (23): لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره اللّه بأسره، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏، أي: لم يقض أمير المؤمنين ما قد أمره، و سيرجع حتّى يقضي ما أمره.

و في شرح الآيات الباهرة (5): تأويله ظاهر و باطن، فالظّاهر ظاهر، فأمّا الباطن فهو:

ما رواه محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن جميل بن درّاج، عن أبي أسامة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- تعالى-: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏ قلت له: جعلت فداك، متى ينبغي له أن يقضيه؟

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 406.

(2) نفس المصدر/ 405.

(3) العلل/ 268، ح 9.

(4) تفسير القمّي 2/ 405.

(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 764، ح 2.

138

قال: نعم، نزلت في أمير المؤمنين، فقوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ‏، يعني: أمير المؤمنين. ما أَكْفَرَهُ‏، يعني: قاتله بقتله إيّاه.

ثمّ نسب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فنسب خلقه و ما أكرم اللّه به، فقال: مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ الأنبياء خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ‏ للخير. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏، يعني:

سبيل الهدى‏ ثُمَّ أَماتَهُ‏ ميتة الأنبياء. ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏.

[قلت: ما معنى قوله: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏؟

قال: يمكث بعد قتله ما شاء اللّه، ثمّ يبعثه اللّه، و ذلك قوله: إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏] (1).

و قوله: لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏ في حياته بعد قتله في الرّجعة.

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِهِ‏ (24): إتباع للنّعم الذّاتيّة بالنّعم الخارجيّة.

أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25): استئناف مبيّن لكيفيّة إحداث الطّعام.

و قرأ (2) الكوفيون، بالفتح، على البدل منه بدل الاشتمال.

ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26)، أي: بالنّبات، أو بالكراب.

و أسند الشّقّ إلى نفسه إسناد الفعل إلى السّبب.

فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27): كالحنطة و الشّعير.

وَ عِنَباً وَ قَضْباً (28): يعني: الرّطبة. سمّيت بمصدر قضبه: إذا قطعه، لأنّها تقضب مرّة بعد أخرى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: «القضب» القتّ‏ (4).

وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا (29) وَ حَدائِقَ غُلْباً (30): عظاما. وصف به الحدائق لتكاثفها و كثرة أشجارها، أو لأنّها ذات أشجار غلاظ، مستعار من وصف الرّقاب.

وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (31): و مرعى. من أبّ: إذا امّ، لأنّه يؤمّ و ينتجع‏ (5). أو من أبّ لكذا: إذا تهيّأ له، لأنّه متهيّأ للرّعي. أو فاكهة يابسة تؤبّ للشّتاء.

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) أنوار التنزيل 2/ 541.

(3) تفسير القمّي 2/ 406.

(4) القتّ: الفصفصة، و هي الرّطبة من علف الدوابّ.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 541. و في النسخ:

ينتج.

139

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): «الأبّ» الحشيش للبهائم.

و في إرشاد المفيد (2)- (رحمه اللّه)-: و روي‏ أنّ أبا بكر سئل عن قوله: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا فلم يعرف معنى «الأبّ» من القرآن، و قال: أيّ سماء تظلّني أم أيّ أرض تقلّني أم كيف أصنع إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم؟! أمّا الفاكهة فنعرفها، و أمّا الأبّ فاللّه أعلم به.

فبلغ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- مقاله في ذلك، فقال: سبحان اللّه! أما علم أنّ «الأبّ» هو الكلأ و المرعى؟! و أنّ قوله: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا اعتداد من اللّه بإنعامه على خلقه في ما غذّاهم به و خلقه لهم و لأنعامهم بما تحيي به أنفسهم و تقوم به أجسادهم.

مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ‏ (32): فإنّ الأنواع المذكورة بعضها طعام، و بعضها علف.

فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33)، أي: النّفخة. وصفت بها مجازا، لأنّ النّاس يصخّون لها.

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ (35) وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ (36):

لاشتغاله بشأنه، و علمه بأنّهم لا ينفعونه. أو للحذر من مطالبتهم بما قصّر في حقّهم.

و تأخير الأحبّ فالأحبّ للمبالغة، كأنّه قيل: يفرّ من أخيه، بل من أبويه، بن من صاحبته و بنيه‏ (3).

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل، و فيه: و قام رجل يسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ‏ من هم؟

قال: الّذي يفرّ من أخيه قابيل، و الّذي يفرّ من أمّه موسى، و الّذي يفرّ من أبيه إبراهيم، يعني: الأب المربّي لا الوالد، و الّذي يفرّ من صاحبته لوط، و الّذي يفرّ من ابنه نوح، و ابنه كنعان.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 406.

(2) الإرشاد/ 95- 96.

(3) ق، ش، م: يفرّ من أخيه، بل من أمّه، بل من أبيه، بل من صاحبته، بل من بنيه.

(4) العيون 1/ 192، ح 1.

140

و في كتاب الخصال‏ (1): عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بالكوفة إذ قام إليه رجل من أهل الشّام فسأله عن مسائل، و كان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن قول اللّه- تعالى-: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ‏- و ذكر مثل ما في العيون سواء، إلّا أنّه ليس فيه: الأب المربّي لا الوالد.

و بعده قال مصنّف هذا الكتاب: إنّما يفرّ موسى من أمّه خشية أن يكون قصّر فيما وجب عليه من حقّها، و إبراهيم إنّما يفرّ من الأب المربّي المشرك لا من الأب الوالد و هو تارخ. (انتهى)

و في كتاب التوحيد (2). عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول عن أهل المحشر: ثمّ يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيفرّ بعضهم من بعض، فذلك قوله:

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ‏.

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏ (37): يكفيه في الاهتمام به.

و قرئ‏ (3): «يعنيه»، أي: يهمّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: شغل يشغله عن غيره.

و في مجمع البيان‏ (5): و روي، عن عطاء بن يسار (6)، عن سودة زوج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قالت: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يبعث النّاس حفاة عراة غرلا، يلجمهم العرق و يبلغ شحمة الآذان.

قالت: قلت: يا رسول اللّه، وا سوأتاه، ينظر بعضنا إلى بعض إذا جاء؟

قال: شغل النّاس عن ذلك. و تلا: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38): مضيئة. من إسفار الصّبح.

ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39): لما يرى من النّعيم.

و في محاسن البرقي‏ (7): عنه، عن الحسين بن يزيد النّوفليّ، عن السكونيّ، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: من وقّر مسجدا لقى اللّه يوم يلقاه ضاحكا

____________

(1) الخصال/ 318، ح 102.

(2) التوحيد 261، ح 5.

(3) أنوار التنزيل 2/ 541.

(4) المجمع 5/ 440.

(5) ت: سيار.

(6) ليس في ق، م.

(7) المحاسن/ 54، ح 83.

141

مستبشرا، و أعطاه كتابه بيمينه.

وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40): غبار و كدورة.

تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41): يغشاها سواد و ظلمة.

أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42): الّذين جمعوا إلى الكفر الفجور، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة.

143

سورة التّكوير

مكّيّة.

و آيها تسع و عشرون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ عَبَسَ وَ تَوَلَّى‏ و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏- و قد ذكر الحديث في أوّل سورة عبس.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏ أعاذه اللّه أن يفضحه حين تنشّر صحيفته.

ابن عمر قال‏ (3): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أحبّ أن ينظر إلى يوم القيامة، فليقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏.

و روى أبو بكر (4) قال: قلت [لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5): يا رسول اللّه، أسرع إليك الشّيب؟

قال: شيّبتني هود و الواقعة و المرسلات و عم يتساءلون و إذا الشمس كورت.

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏ (1): لفّت، من كوّرت العمامة: إذا لففتها،

____________

(1) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(2) المجمع 5/ 441.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

144

بمعنى: رفعت، لأنّ الثّوب إذا أريد رفعه لفّ.

أو لفّ ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق، و زال أثره.

أو ألقيت عن فلكها، من طعنه فكوّره: إذا ألقاه مجتمعا.

و التّركيب للإدارة و الجمع‏ (1).

و ارتفاع الشّمس بفعل يفسّره ما بعدها اولى، لأنّ «إذا» الشّرطية تطلب الفعل.

وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2): انقضت. قال:

أبصر خربان قضاء فانكدر أو أظلمت، من كدرت الماء فانكدر.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى أبي ذرّ الغفاريّ- (رحمه اللّه)- قال: كنت آخذا بيد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن نتماشى جميعا، فما زلنا ننظر إلى الشّمس حتّى غابت.

فقلت: يا رسول اللّه، أين تغيب؟

قال: في السّماء، ثمّ ترفع من سماء إلى سماء حتّى ترفع إلى السّماء السّابعة العليا حتّى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها، ثمّ تقول: يا ربّ، من أين أطلع أمن مغربي أم من مطلعي؟ فذلك قوله‏ (3): وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏، يعني بذلك: صنع الرّب العزيز في ملكه بخلقه.

قال: فيأتيها جبرئيل بحلّة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النّهار في طوله في الصّيف، و قصره في الشّتاء، و ما بين ذلك في الخريف و الرّبيع.

قال: فتلبس تلك الحلّة، كما يلبس أحدكم ثيابه، ثمّ تنطلق بها في جو السّماء حتّى تطلع من مطلعها.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فكأنّي بها قد حبست مقدار ثلاث ليال، ثمّ لا تكسى ضوءا، و تؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏.

و القمر كذلك من مطلعه و مجراه في أفق السّماء و مغربه [و ارتفاعه‏] (4) إلى السّماء

____________

(1) أي: تركيب كلمة من الكاف و الواو و الراء دالّ عليهما.

(2) التوحيد/ 280- 281، ح 7.

(3) يس/ 38.

(4) ليس في ق، ش، م.

145

السّابعة، و يسجد تحت العرش، ثمّ يأتيه جبرئيل بالحلّة من نور الكرسيّ، فذلك قوله‏ (1):

جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏ قال: تصير سوداء مظلمة.

وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏ قال: يذهب ضوؤها.

وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ‏ (3): عن وجه الأرض، أو في الجوّ.

وَ إِذَا الْعِشارُ: النّوق اللّواتي أتى على حملهنّ عشرة أشهر. جمع، عشراء.

عُطِّلَتْ‏ (4): تركت مهملة. أو السّحائب عطّلت عن المطر.

و قرئ بالتّخفيف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ‏ قال: تسير، كما قال‏ (4):

تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ‏.

قوله: وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ‏ قال: الإبل تتعطّل إذا مات الخلق، فلا يكون من يحلبها.

وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5): [جمعت من كلّ جانب و بعثت‏] (5).

وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ‏ (6): أحميت. أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتّى تعود بحرا واحدا، من سجر التّنور: إذا ملأه بالحطب ليحميه.

و قرأ (6) ابن كثير و أبو عمرو و روح، بالتّخفيف.

وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7): قرنت بالأبدان. أو كلّ منها بشكلها. أو بكتابها و عملها. أو نفوس المؤمنين بالحور، و نفوس الكافرين بالشّياطين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قوله: وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ‏ قال: تتحوّل البحار الّتي حول الدّنيا كلّها نيرانا.

وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ‏ قال: من الحور العين.

و في رواية أبي الجارود (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ‏

____________

(1) يونس/ 5.

(2) تفسير القمي 2/ 407.

(3) أنوار التنزيل 2/ 542.

(4) تفسير القمي 2/ 407.

(5) من ي.

(6) أنوار التنزيل 2/ 542.

(7) تفسير القمي 2/ 407.

(8) نفس المصدر و الموضع.

146

قال: أمّا أهل الجنّة فزوّجوا الخيرات الحسان، و أمّا أهل النّار فمع كلّ إنسان منهم شيطان، يعني: قرنت نفوس الكافرين و المنافقين بالشّياطين، فهم قرناؤهم.

وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ: المدفونة حيّة. و كانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لحوق العار بهم من أجلهنّ.

سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9): تبكيتا لوائدها كتبكيت النّصارى بقوله‏ (1) لعيسى: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ‏.

و قرئ‏ (2): «سألت»، أي: خاصمت عن نفسها. [و إنّما قيل:] (3) «قتلت» على الإخبار عنها.

و قرئ‏ (4): «قتلت» على الحكاية.

و في مجمع البيان‏ (5): و روي، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏-: و إذا المودة سئلت بفتح الميم و الواو.

و روي‏ (6) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

و فيه‏ (7): و من قرأ و إذا الموؤدة سألت بفتح السّين، جعل‏ الْمَوْؤُدَةُ موصوفة بالسّؤال، و بالقول‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

و يمكن أن يكون اللّه أكملها في تلك الحال و أقدرها على النّطق حتّى قالت ذلك القول، و يعضده:

ما روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: يجي‏ء المقتول ظلما يوم القيامة و أوداجه تشخب دما، اللّون لون الدّم و الرّيح ريح المسك، متعلّقا بقاتله يقول:

[يا ربّ،] (8) سل هذا فيم قتلني.

و أمّا من قرأ «الموءودة» بفتح الميم و الواو فالمراد بذلك: الرّحم و القرابة، و أنّه يسال قاطعها عن سبب قطعها.

و عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يعني: قرابة رسول اللّه، و من قتل في‏

____________

(1) المائدة/ 116.

(2) أنوار التنزيل 2/ 542.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 5/ 442.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) من المصدر.

147

جهاد (1).

و في رواية أخرى‏ (2)، قال هو من قتل في مودّتنا و ولايتنا.

و في كتاب المناقب‏ (3) لابن شهرآشوب: عن الباقر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ‏ يقول: أسألكم‏ (4) عن الموءودة (5) الّتي انزل عليكم، مودّة ذي القربى و حقّنا الواجب على النّاس و حبّنا الواجب على الخلق، قتلوا مؤدنا (6)، بأيّ ذنب قتلتمونا (7).

و في الكافي‏ (8): محمّد بن الحسين و غيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين، جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: ثمّ قال: و آت ذى القربى حقه فكان عليّ- (عليه السلام)- و كان حقّه الوصيّة الّتي جعل له و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة، فقال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.

ثمّ قال: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏ يقول: أسألك عن المودّة الّتي نزّلت عليكم فضلها، مودّة القربى، بأيّ ذنب قتلتموهم.

محمّد بن يحيى‏ (9)، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، [إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أرسل‏] (10) إليكم الرّسول.

... إلى أن قال: و دفنوا في التّراب الموءودة (11) بينهم من أولادهم، يختار (12) دونهم طيب العيش و رفاهية خفوض‏ (13) الدّنيا، لا يرجون من اللّه ثوابا و لا يخافون، و اللّه، منه‏

____________

(1) في ن، ي، ر، زيادة: و في رواية أخرى قال من قتل هو في جهاد.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المناقب 4/ 84.

(4) المصدر: يسألكم.

(5) في نور الثقلين 5/ 514، ح 10: المودّة.

(6) ن: مؤمنا. و في ت، ي، ر: مؤمنا. و في المصدر: مودّتنا.

(7) المصدر: قتلونا.

(8) الكافي 1/ 294- 295، ح 3.

(9) نفس المصدر/ 61، ح 7.

(10) ليس في ق.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: المودّة.

(12) المصدر: يجتاز. و في نور الثقلين 5/ 515، ح 12.

(13) كذا في المصدر. و في ق، م: حفوظ. و في غيرها: حضوض.

و الخفوض: جمع خفض: الدعة و سعة العيش.

148

عقابا، حيّهم أعمى نجس، و ميّتهم في النّار مبلس، فجاءهم بنسخة ما في الصّحف الأولى.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن عبد الرّحمن بن حمّاد، عن بعض أصحابه، رفعه قال: قال عليّ- (عليه السلام)-: و أمّا الذّنب الّذي لا يغفر فمظالم العباد بعضهم لبعض، إنّ اللّه إذا برز لخلقه أقسم قسما على نفسه فقال: و عزّتي و جلالي، لا يجوزني‏ (2) ظلم ظالم و لو كفّ بكفّ، و لو مسحة بكفّ، و لو نطحة ما بين القرناء إلى الجمّاء (3).

فيقتصّ‏ (4) للعباد [بعضهم من بعض‏] (5) حتّى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة، ثمّ يبعثهم للحساب.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أيمن بن محرز، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏. قال: من قتل في مودّتنا.

و في شرح الآيات الباهرة (7): روى سليمان بن سماعة (8)، عن عبد اللّه بن القاسم، عن أبي الحسن الأزديّ، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس، عن ابن عبّاس أنّه قال: هو من قتل في مودّتنا، أهل البيت.

و عن منصور بن حازم‏ (9)، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

قال: هي مودّتنا، و فينا نزلت.

قال محمّد بن العبّاس‏ (10): حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن حديد، عن منصور بن يونس، عن منصور بن حازم، عن زيد بن عليّ قال: قلت له: جعلت فداك قوله- تعالى-: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 443، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يجوز في.

(3) أي: الشاة لا قرن لها.

(4) كذا في المصدر و في النسخ: فيقضي.

(5) ليس في ق، ش.

(6) تفسير القمّي 2/ 407.

(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 766، ح 4.

(8) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 381. و في النسخ: سلمان بن سماعة.

(9) نفس المصدر، ح 5.

(10) نفس المصدر، ح 6.

149

قال: هي و اللّه مودّتنا، و هي و اللّه فينا خاصّة.

و قال‏ (1)- أيضا-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن إسماعيل بن يسار، عن عليّ بن جعفر الخدري‏ (2)، عن جابر الجعفيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

قال: من قتل في مودّتنا، [سئل قاتله عن قتله.

و قال‏ (3)- أيضا-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن عبد اللّه بن جعفر، عن محمّد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏ قال: من قتل في مودّتنا] (4).

و قال‏ (5)- أيضا-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن الحسين‏ (6) بن الحسين الأنصاريّ، عن عمرو بن ثابت، عن عليّ بن القاسم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

قال: شيعة آل محمّد تسأل‏ (7) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

و عن عليّ بن جمهور (8)، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: قوله: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

قال: يعني: الحسين- (عليه السلام)-. معناه: أنّ قاتله يسأل عن مودّة الحسين فلا يقبل منه الاعتذار، و يؤمر به إلى النّار و بئس القرار.

كما روي‏ (9)، عن عليّ بن محمّد بن مهرويه، عن داود بن سليمان قال: حدّثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)-، عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ موسى سأل ربّه: إن هارون مات فاغفر له.

فأوحى اللّه إليه: يا موسى، لو سألتني في الأوّلين و الآخرين لأجبتك، ما خلا

____________

(1) نفس المصدر/ 767، ح 7.

(2) المصدر: الحضرمي.

(3) نفس المصدر/ 767، ح 8.

(4) ليس في ق.

(5) نفس المصدر/ 767، ح 9.

(6) المصدر: الحسن.

(7) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: سأل.

و في سائر النسخ: سئل.

(8) نفس المصدر/ 767، ح 10.

(9) نفس المصدر/ 767، ح 11.

150

قاتل الحسين، فإنّي أنتقم من قاتله.

و به: قال رسول اللّه‏ (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حرّم اللّه الجنّة على من ظلم أهل بيتي، و قاتلهم، و المعين عليهم، و من سبّهم‏ أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (2).

و به: قال رسول اللّه‏ (3): الويل لظالمي أهل بيت محمّد، و عذابهم غدا مع المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار.

و روى صاحب عيون الأخبار (4)، بإسناده يرفعه إلى الصّادق- (عليه السلام)- قال:

إنّه قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ قاتل الحسين في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدّنيا، قد شدّت يداه و رجلاه بسلاسل من نار، منكّس في النّار حتى [لا] (5) يقع في قعر جهنّم، له ريح يتعوّذ أهل النّار إلى ربّهم من شدّة نتنه، و هو فيها خالد ذائق العذاب الأليم مع جميع من شايع على قتله، كلّما نضجت جلودهم، بدّل اللّه- عزّ و جلّ- عليهم جلودا غيرها (6) ليذوقوا العذاب الأليم لا يفتر عنهم ساعة، و يسقون من حميم جهنّم، فالويل لهم من عذاب اللّه في النّار.

وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ‏ (10)، يعني: صحف الأعمال، فإنّها تطوى عند الموت و تنشر وقت الحساب.

و قيل‏ (7): «نشرت» فرّقت بين أصحابها.

و قرأ (8) ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و الكسائي، بالتّشديد، للمبالغة في النّشر، أو لكثرة الصّحف، أو شدّة التّطاير.

وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ‏ (11): قلعت و أزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذّبيحة.

و قرئ‏ (9): «قشطت» و اعتقاب القاف و الكاف كثير.

____________

(1) نفس المصدر/ 767، ح 12.

(2) آل عمران/ 77.

(3) نفس المصدر/ 768، ح 13.

(4) نفس المصدر/ 768، ح 14. و العيون 2/ 46، ح 178.

(5) من المصدر مع المعقوفتين.

(6) اقتباس من الآية 56 من سورة النساء.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 542.

(9) أنوار التنزيل 2/ 542.

151

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) في قوله: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ‏ قال: صحف الأعمال.

قوله: وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ‏ قال: أبطلت.

وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12): أوقدت إيقادا شديدا.

و قرأ (2) نافع و ابن عامر و حفص و رويس، بالتّشديد.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و في رواية سليم‏ (4) بن قيس الهلاليّ، عن سلمان الفارسيّ، و ذكر حديثا طويلا، و فيه: قال عليّ- (عليه السلام)-: ويلك، يا ابن الخطّاب، أو تدري ممّا خرجت و فيما دخلت و ما ذا جنيت على نفسك و على صاحبك؟

فقال أبو بكر: يا عمر، أما إذا بايع و أمنّا شرّه و فتكه و غائلته فدعه يقول ما يشاء.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: لست بقائل غير شي‏ء واحد، أذكّركم باللّه أيّها الأربعة- يعنيني و الزّبير و أبا ذرّ و المقداد- أسمعتم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ تابوتا من نار فيه اثنا عشر رجلا، ستّة من الأوّلين و ستّة من الآخرين، في جبّ في قعر جهنّم، في تابوت مقفل، على [ذلك الجبّ صخرة إذا أراد اللّه أن يسعّر جهنّم، كشف تلك الصخرة عن‏] (5) ذلك الجبّ، فاستعاذت جهنّم من وهج ذلك الجبّ، فسألناه عنهم و أنتم شهود، فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّا الأوّلون فابن آدم الّذي قتل أخاه، و فرعون الفراعنة، و [نمرود] (6) الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و رجلان من بني إسرائيل بدّلا كتابهم و غيّرا سنّتهم، أمّا أحدهما فهوّد اليهود و الآخر نصّر النّصارى، و إبليس سادسهم، و الدّجّال‏ (7) في الآخرين و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الّذين تعاهدوا و تعاقدوا على عداوتك، يا أخي، و تظاهروا (8) عليك بعدي، هذا و هذا، حتّى عدّهم و سمّاهم؟

فقال سلمان: فقلنا (9): صدقت، نشهد أنّا سمعنا ذلك من رسول اللّه.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 407- 408.

(2) أنوار التنزيل 2/ 543.

(3) الاحتجاج/ 86.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: محمّد.

(5) ليس في ق، م.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: اسمه.

(8) المصدر: التظاهر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فقلت.

152

و عن سليم بن قيس الهلاليّ‏ (1) قال: قال عليّ- (عليه السلام)- للزّبير- و قد ادّعى أنّ سعيد بن عمرو بن نفيل سمع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول في العشرة: إنّهم من أهل الجنّة-: و اللّه، إنّ بعض من سمّيته لفي تابوت في شعب [في جبّ‏] (2) في أسفل درك من جهنّم، على ذلك الجبّ صخرة، فإذا أراد اللّه أن يسعّر جهنّم، رفع تلك الصّخرة.

سمعت ذلك من رسول اللّه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ‏ (13): قرّبت من المؤمنين.

عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ‏ (14): جواب: «إذا». و إنّما صحّ و المذكور في سياقها ثنتا عشرة خصلة: ستّ منها في مبادئ قيام السّاعة قبل فناء الدّنيا، و ستّ بعده، لأنّ المراد: زمان متّسع شامل لها و لمجازاة النّفوس على أعمالها (3).

و «نفس» في معنى العموم‏ (4)، كقولهم: تمرة خير من جرادة.

فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ‏ (15): بالكواكب الرواجع، من خنس: إذا تأخّر، و هي ما سوى النّيّرين من السّيّارات و لذلك وصفها بقوله: الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏ (16)، أي: السّيّارات الّتي تختفي تحت ضوء الشّمس، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه و هو بيته المتّخذ من أغصان الشّجر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ‏، [قال: أي أقسم بالخنّس،] (5) و هو اسم النّجوم. الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏ قال: النّجوم تكنس بالنّهار فلا تبين‏ (6).

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى إبراهيم بن عطيّة: عن أمّ هانئ الثّقفيّة قالت: غدوت على سيّدي محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- فقلت: يا سيّدي، آية من كتاب اللّه عرضت بقلبي فأقلقتني‏ (8) و أسهرت عيني.

____________

(1) نفس المصدر/ 162.

(2) ليس في ق.

(3) أي: الزّمان الّذي وقع فيه هذه الأمور الاثنا عشرة زمان واحد طويل وقع في بعض أجزائه علم النفوس لما أحضرت، فصح أنّ في ذلك الزّمان وقع العلم المذكور.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 543. و في النسخ:

النفوس.

(5) ليس في المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يتبين.

(7) كمال الدين/ 330، ح 14.

(8) كذا في المصدر. و في ن: أملتني. و في غيرها: قد أقلتني.

153

قال: سلي، يا أمّ هانئ.

فقلت: يا سيّدي، قول اللّه: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏.

قال: نعم المسألة سألتيني، يا أمّ هانئ، هذا مولود في آخر الزّمان. هو المهديّ من هذه العترة، يكون له حيرة و غيبة يضلّ فيها قوم و يهتدي فيها قوم. فيا طوبى لك إن أدركته. و يا طوبى لمن أدركه.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن موسى بن جعفر البغداديّ، عن وهب بن شاذان، عن الحسن بن أبي الرّبيع، عن محمّد بن إسحاق، عن أمّ هانئ قال: سألت الباقر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏.

قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستّين و مائتين، ثمّ يظهر كالشّهاب يتوقّد في اللّيلة الظّلماء، فان أدركت زمانه قرّت عينك.

عدّة من أصحابنا (2)، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن الحسن، عن عمر بن يزيد، عن الحسن بن الربيع الهمدانيّ قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن أسيد بن ثعلبة، عن أمّ هانئ قال: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- فسألته عن هذه الآية: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏.

قال: «الخنّس» إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند النّاس سنة ستّين و مائتين، ثمّ يبدو كالشّهاب الواقد في ظلمة اللّيل. فإن أدركت ذلك، قرّت عينك.

وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ‏ (17): أقبل ظلامه، أو أدبر. و هو من الأضداد، يقال: عسعس و سعسع اللّيل: إذا أدبر.

و

في مجمع البيان‏ (3): «بالخنّس» و هي النّجوم تخنس بالنّهار و تبدو باللّيل، و «الجوار» صفة لها لأنّها تجري في أفلاكها، «الكنّس» من صفتها- أيضا- لأنّها تكنس، أي: تتوارى في بروجها، كما تتوارى الضّباء في كناسها، و هي خمسة أنجم: زحل، و المشتري، و المرّيخ، و الزّهرة، و عطارد ... عن عليّ- (عليه السلام)-.

وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ‏، أي: إذا أدبر بظلامه ... عن عليّ- (عليه السلام)-.

____________

(1) الكافي 1/ 341، ح 22.

(2) نفس المصدر، ح 23.

(3) المجمع 5/ 446.

154

وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ‏ (18)، أي: أضاء غبرته عن إقبال روح و نسيم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ‏ قال: إذا أظلم.

وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ‏ قال: إذا ارتفع.

و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه عليّ- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل، و فيه: و سأله عن شي‏ء تنفس ليس له لحم و لا دم.

فقال: ذاك الصّبح إذا تنفّس.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا عبد اللّه بن العلا، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عثمان بن أبي شيبة، عن الحسين بن عبد اللّه الأرجانيّ، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: سأله ابن الكوّا عن قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ‏.

قال: إنّ اللّه لا يقسم بشي‏ء من خلقه، فأمّا قوله: «الخنّس» فإنّه ذكر قوما خنسوا علم الأوصياء و دعوا النّاس إلى غير مودّتهم، و معنى خنسوا (4): ستروا.

فقال له: الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏؟

قال: يعني: الملائكة، جرت بالقلم‏ (5) إلى رسول اللّه فكنسه‏ (6) عنه الأوصياء من أهل بيته، لا يعلمه أحد غيرهم‏ (7)، و معنى كنسه: رفعه و توارى به.

فقال: وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ‏؟

قال: يعني: ظلمة اللّيل، و هذا ضربه اللّه مثلا لمن ادّعى الولاية لنفسه و عدل عن ولاة الأمر.

قال: فقوله: وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ‏؟

قال: يعني بذلك: الأوصياء، يقول: إنّ علمهم أنور و أبين من الصّبح إذا تنفّس.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 408.

(2) العيون 1/ 192، ح 1.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 769، ح 15.

(4) ليس في ق.

(5) المصدر: بالعلم.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: كنس.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: غيره.

155

و قال محمّد بن العبّاس‏ (1)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن إسماعيل‏ (2) السّمّان، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن وهب بن شاذان، عن الحسن بن الربيع، عن محمّد بن إسحاق قال: حدّثتني أمّ هانئ‏ قالت: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏.

فقال: يا أمّ هانئ، إمام يخنس نفسه سنة ستّين و مائتين، ثمّ يظهر كالشّهاب الثّاقب في اللّيلة الظّلماء، فإن أدركت زمانه قرّت عينك، يا أمّ هانئ.

إِنَّهُ‏: إنّ القرآن‏ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ (19)، يعني: جبرئيل، فإنّه قال عن اللّه.

ذِي قُوَّةٍ، كقوله: «شديد القوى».

عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ‏ (20): عند اللّه ذي مكانة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثنا جعفر بن محمّد (4)، قال: حدّثنا عبد اللّه‏ (5) بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ‏ قال: يعني: جبرئيل.

مُطاعٍ‏: في ملائكته. ثَمَّ أَمِينٍ‏ (21): على الوحي.

و «ثمّ» يحتمل اتّصاله بما قبله و ما بعده‏ (6).

[و قرئ‏ (7):] (8) «ثمّ» تعظيما للأمانة، و تفضيلا لها على سائر الصّفات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)، متّصلا بقوله، يعني: جبرئيل. قلت: قوله:

مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏.

قال: يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هو المطاع عند ربّه، الأمين يوم القيامة.

____________

(1) نفس المصدر، ح 16.

(2) في المصدر زيادة: بن.

(3) تفسير القمّي 2/ 408.

(4) المصدر: أحمد (محمّد- ط)

(5) في المصدر زيادة: (عبيد اللّه- ط)

(6) أي: يحتمل أن يكون المراد أنّ جبريل مطاع ثمّ، أي: عند ذي العرش، و أمين صفة أخرى.

و يحتمل أن يكون المراد أنّ جبريل أمين ثمّ، أي عنده تعالى.

(7) أنوار التنزيل 2/ 543.

(8) ليس في ق، ش.

(9) تفسير القمّي 2/ 408.

156

و في مجمع البيان‏ (1): و في الحديث، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لجبرئيل: ما أحسن ما أثنى عليك ربّك‏ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏ فما كانت قوّتك، و ما كانت أمانتك؟

فقال: أمّا قوّني، فإنّي بعثت إلى مدائن لوط، [و هي أربع مدائن‏] (2) في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذّراري، فحملتهم من الأرض‏ (3) حتّى سمع أهل السماوات أصوات الدّجاج و نباح الكلاب، ثم هويت بهنّ فقلبتهن. و أمّا أمانتي، فإنّي لم أؤمر بشي‏ء فعدوته إلى غيره.

و فيه‏ (4) عند قوله‏ (5): وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏،

روي‏ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لجبرئيل لمّا نزلت هذه الآية: هل أصابك من هذه الرّحمة شي‏ء؟

قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك لمّا أثنى اللّه عليّ بقوله:

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا [محمّد بن‏] (7) عليّ بن العبّاس، عن حسين بن محمّد، عن أحمد بن الحسين، عن سعيد بن خيثم‏ (8)، عن مقاتل، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاس‏ في قوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏ قال: يعني‏ (9): رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ‏ عند رضوان خازن الجنّة و عند مالك خازن النّار، ثَمَّ أَمِينٍ‏ فيما استودعه اللّه إلى خلقه، و أخوه عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أيضا فيما استودعه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أمّته.

وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ‏ (22)، كما تبهته الكفرة.

و استدلّ بذلك على فضل جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيث عدّ فضائل جبرئيل، و اقتصر على نفي الجنون عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو ضعيف،

____________

(1) المجمع 5/ 446.

(2) ليس في ق، ش.

(3) في المصدر زيادة: السّفلى.

(4) نفس المصدر 4/ 67.

(5) الأنبياء/ 107.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 770، ح 17.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: خثيم.

(9) في ق، ش، م، ت، ي، ر، زيادة:

رسول كريم.

157

إذ المقصود منه نفي قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ (1) أَفْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (2) لا تعداد فضلهما و الموازنة بينهما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصلا بآخر ما نقلت عنه من الحديث، أعني:

قوله: يوم القيامة. قلت: وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ‏.

قال: يعني: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [ما هو مجنون‏] (4) في نصبه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- علما للنّاس.

وَ لَقَدْ رَآهُ‏: و لقد رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جبرئيل.

بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏ (23): بمطلع الشّمس الأعلى.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال: من‏] (6) قال في كلّ يوم من شعبان سبعين مرّة: أستغفر اللّه الّذي لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم الحيّ القيوم و أتوب إليه كتب في الأفق المبين. [قال: قلت: و ما الأفق المبين؟] (7) قال‏ (8): قاع بين يدي العرش، فيه أنهار تطّرد (9) فيه من القدحان عدد النّجوم.

وَ ما هُوَ: و ما محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

عَلَى الْغَيْبِ‏: على ما يخبر من الوحي إليه و غيره من الغيوب.

بِضَنِينٍ‏ (24): بمتّهم. من الظّنّة، و هي التّهمة.

و قرأ (10) نافع و عاصم و حمزة و ابن عامر: «بضنين» من الضّنّ، و هو البخل، أي:

لا يبخل بالتّبليغ و التعليم. [و الضاد من أصل حافّة اللّسان و ما يليها من الأضراس من يمين اللّسان أو يساره، و الضّاء من طرف اللسان و أصول الثنايا العليا] (11).

وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ‏ (25): بقول بعض المسترقة للسّمع. و هو نفي قولهم: إنّه لكهانة و سحر.

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ‏ (26): استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرّسول و القرآن،

____________

(1) النحل/ 103.

(2) سبأ/ 8.

(3) تفسير القمّي 2/ 408.

(4) من المصدر.

(5) الخصال/ 582، ح 5.

6 و 7- ليس في ق.

(8) ليس في م، ش.

(9) اطّرد النّهر: تتابع جريان مائه.

(10) أنوار التنزيل 2/ 543.

(11) ليس في ق، ش، م.

158

كقولك لتارك الجادّة: أين تذهب؟

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ‏ (27): تذكير لمن يعلم.

لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ‏ (28): بتحرّي الحقّ و ملازمة الصّواب.

و إبداله من «العالمين» لأنّهم المنتفعون بالتّذكير.

وَ ما تَشاؤُنَ‏: الاستقامة إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: إلّا وقت أن يشاء اللّه مشيئتكم، فله الفضل و الحقّ عليكم باستقامتكم.

رَبُّ الْعالَمِينَ‏ (29): مالك الخلق كلّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بآخر ما نقلت عنه قريبا، أعني: قوله:

علما للنّاس. قلت: وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ‏.

قال: ما هو- تبارك و تعالى- على نبيّه بغيبه بضنين عليه.

قلت: قوله: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ‏.

قال: يعني: الكهنة الّذين كانوا في قريش، فنسب كلامهم إلى كلام الشّياطين الّذين كانوا معهم يتكلّمون على ألسنتهم، فقال: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ‏ مثل أولئك.

قلت: قوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ‏.

قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ‏] (2) في عليّ، يعني: ولايته، أين تفرّون منها إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ‏ لمن أخذ اللّه ميثاقه على ولايته.

قلت: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ‏.

قال: في طاعة عليّ- (عليه السلام)- و الأئمّة من بعده.

قلت: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏.

قال: لأنّ المشيئة إليه- تبارك و تعالى- لا إلى النّاس.

حدّثنا (3) محمّد بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن أحمد بن محمّد السّياريّ، عن فلان، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه جعل قلوب الأئمّة موردا لإرادته، فإذا شاء اللّه شيئا، شاءوه، و هو قوله: وَ ما تَشاؤُنَ‏ (الآية).

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 408- 409.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر و الموضع.

159

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)‏- يذكر فيه جواب بعض الزّنادقة عمّا اعترض به على التّنزيل، أجاب عمّا توهّمه من التناقض بين قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و قوله: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ‏ و تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ. و الحديث قد ذكرناه في آخر سورة الدّهر.

____________

(1) الاحتجاج/ 247.

161

سورة الانفطار

مكّيّة.

و آيها تسع عشرة آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى الحسين بن أبي العلا قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من قرأ هاتين السّورتين، و جعلهما نصب عينيه في الفريضة و النّافلة إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ‏ و إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ لم يحجبه اللّه من حاجته، و لم يحجزه من اللّه حاجز، و لم يزل ينظر إلى اللّه و ينظر اللّه إليه حتّى يفرغ من حساب النّاس.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأها، أعطاه اللّه من الأجر بعدد كلّ قبر حسنة، و بعدد كلّ قطرة حسنة، و أصلح له شأنه يوم القيامة.

[و في الحديث ما رواه العامّة: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة الانفطار و الانشقاق في الفريضة و النّافلة، لم يكن له حاجة إلّا قضاها اللّه- تعالى- في خزائن عينه و كتبه، ألف ألف حسنة من حسنات الأبرار في صحيفة عمله، و اللّه‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(2) المجمع 5/ 447.

162

العالم‏] (1).

إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ‏ (1): انشقّت.

وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ‏ (2): تشاقطت متفرّقة.

و في مصباح شيخ الطّائفة (2)، في الدّعاء المرويّ، عن الصّادق- (عليه السلام)-: و أسألك باسمك الّذي وضعته على الجبال فنسفت و] (3) وضعته على السّماء فانشقّت، و على النّجوم فانتثرت‏ (4).

وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ‏ (3): فتح بعضها إلى بعض، فصار الكلّ بحرا واحدا.

وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ‏ (4): قلب ترابها و اخرج موتاها.

و قيل: إنّه مركّب من «بعث» و «راء» الإثارة، كبسمل‏ (5)، و نظيره بحثر لفظا و معنى.

عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ‏: من عمل، أو صدقة.

وَ أَخَّرَتْ‏ (5): من سنّة (6)، أو تركة.

و يجوز أن يراد بالتّأخير: التّضييع. و هو جواب «إذا».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ‏ قال: تنشقّ فيخرج النّاس منها. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ‏، أي: ما عملت من خير و شرّ.

و في مجمع البيان‏ (8): عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ‏ هذا كقوله‏ (9): يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ و قد مرّ ذكره.

و عن عبد اللّه بن مسعود (10) قال: ما قَدَّمَتْ‏ من خير أو شرّ، و ما أَخَّرَتْ‏ من سنّة حسنة استنّ بها بعده فله أجر من اتّبعه من غير أن ينقص من أجورهم [شي‏ء] (11)، أو

____________

(1) من ق. و لم نعثر على الحديث في مصادر العامّة أيضا.

(2) مصباح المتهجّد/ 299.

(3) ليس في ق، ش.

(4) المصدر: فانتشرت.

(5) أي: كما أنّ «بسمل» مركب من «بسم» و اللّام الّتي في الكلمات الباقية.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 544. و في النسخ:

سيّئة.

(7) تفسير القمّي 2/ 409.

(8) المجمع 5/ 449.

(9) القيامة/ 13.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) من المصدر.

163

سنّة سيّئة عمل بها بعده فعليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء.

و يؤيّد (1) هذا القول: بما

جاء في الحديث‏، أنّ سائلا قدم على عهد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأل، فسكت القوم، ثمّ إنّ رجلا أعطاه فأعطاه القوم.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من استنّ خيرا [فاستنّ به‏] (2)، فله أجره و مثل أجور من اتّبعه من غير منتقص من أجورهم. و من استنّ شرا، [فاستنّ به‏] (3) فعليه وزره و مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم‏ (4).

يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏ (6): أيّ شي‏ء خدعك و جرّأك على عصيانه؟

قيل‏ (5): و ذكر «الكريم» للمبالغة في المنع عن الاغترار، فإنّ محض الكرم لا يقتضي إهمال الظّالم و تسوية الموالي و المعادي و المطيع و العاصي فكيف إذا انضمّ إليه صفة القهر و الانتقام، و الإشعار بما به يغرّه‏ (6) الشّيطان، فإنّه يقول له: افعل ما شئت فربّك كريم لا يعذّب أحدا (7) و لا يعاجل بالعقوبة. و الدّلالة على أنّ كثرة كرمه تستدعي الجدّ في طاعته، لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه.

و في مجمع البيان‏ (8)، متّصلا بقوله: من اتّبعه غير منتقص من أوزارهم شي‏ء. قال:

فتلا حذيفة بن اليمان: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ، يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏، أي: أيّ شي‏ء غرّك بخالقك و خدعك و سوّل لك الباطل حتّى عصيته و خالفته.

و روي‏ (9) أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما تلا هذه الآية، قال: غرّه جهله.

و قال أمير المؤمنين‏ (10)- (عليه السلام)-: كم من مغرور بالسّتر عليه، و مستدرج بالإحسان إليه.

و في نهج البلاغة (11)، من كلامه- (عليه السلام)- قال عند تلاوته:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) في ق زيادة: شيئا و يؤيد هذا القول بما روي في الحديث أن سائلا قدم.

(5) أنوار التنزيل 2/ 544.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يغتره.

(7) ليس في ق، ش.

8 و 9 المجمع 5/ 449.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) النهج/ 344، الخطبة 223.

164

يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏:

أدحض‏ (1) مسؤول حجّة، و أقطع مغترّ (2) معذرة، لقد أبرح جهالة بنفسه‏ (3).

يا أيّها الإنسان، ما جرّأك على ذنبك، و ما غرّك بربّك، و ما أنّسك بهلكة نفسك؟ أما من دائك بلول‏ (4)، أم ليس من نومتك يقظة؟ أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك؟ فلربما ترى الضّاحي من حرّ (5) الشّمس فتظلّه، أو ترى المبتلى بألم‏ (6) يمضّ [جسده‏] (7) فتبكي رحمة له! و عزّاك عن البكاء على نفسك، و هي أعزّ الأنفس عليك! و كيف لا يوقظك خوف بيات‏ (8) نقمة، و قد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته!

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ‏ (7): صفة ثانية مقرّرة للرّبوبيّة، مبيّنة للكرم، منبّهة على أنّ من قدر على ذلك أوّلا قدر عليه ثانيا.

و «التّسوية» جعل الأعضاء سليمة مستوية معدّة لمنافعها.

«و التعديل» جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدلة بما تسعدها من القوى.

و قرأ (9) الكوفيّون: «فعدلك» (10) بالتّخفيف، أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتّى اعتدلت، أو فصرفك عن خلقة غيرك و ميّزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوانات.

فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ (8)، أي: ركّبك في أيّ صورة شاءها.

و «ما» مزيدة.

و قيل‏ (11): شرطيّة، و «ركّبك» جوابها، و الظّرف صلة «عدلك» (12). و إنّما لم تعطّف الجملة على ما قبلها لأنّها بيان «لعدلك».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (13): فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ قال: لو شاء

____________

(1) دحضت الحجّة: بطلت.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مفتر.

(3) أي: أعجبته نفسه بجهالتها.

(4) بلّ مرضه: حسنت حاله بعد هزال.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «لحرّ» بدل «من حرّ». و ضحا ضحوة: برز في الشمس.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بما لم.

(7) من المصدر. و يمضّ في جسده: يبالغ في نهكه.

(8) ليس في ق، م.

(9) أنوار التنزيل 2/ 544.

(10) في ق زيادة: أي عدل.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) اعترض بأنّ الاستفهام لا يعمل فيما قبله.

و أجيب بأنّ التقدير: فعدلك فيما يقال في حقّه في أيّ صورة ما شاء ركّبك.

(13) تفسير القمّي 2/ 409.

165

ركّبك‏ (1) على غير هذه الصّورة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روي عن الرّضا- (عليه السلام)-، عن آبائه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال لرجل: ما ولد لك؟

قال: يا رسول اللّه، و ما عسى أن يولد لي، إمّا غلام و إمّا جارية.

قال: فمن يشبه؟

قال: يشبه أمّه أو أباه.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تقل هكذا، إنّ النّطفة إذا استقرّت في الرّحم أحضرها اللّه كلّ نسب بينها و بين آدم، أما قرأت هذه الآية: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏، أي: فيما بينك و بين آدم- (عليه السلام)-.

و قال الصّادق‏ (3)- (عليه السلام)-: لو شاء ركّبك علي غير هذه الصّورة.

و في كتاب المناقب‏ (4) لابن شهر آشوب: الشيرازي‏ (5) في كتابه، بإسناده إلى الحسن- (عليه السلام)- ثمّ قال في قوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ قال: صوّر اللّه عليّا- (عليه السلام)- في ظهر أبي طالب على صورة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فكان عليّ بن أبي طالب أشبه النّاس برسول اللّه، و كان الحسين بن عليّ أشبه الناس‏ (6) بفاطمة- (عليها السلام)- و كنت أشبه النّاس بخديجة الكبرى.

و في أمالي شيخ الطّائفة (7)، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لعليّ- (عليه السلام)-: قل ما أوّل نعمة أبلاك اللّه و أنعم عليك بها؟

[قال: أن خلقني- جلّ ثناؤه- و لم أك شيئا مذكورا.

قال: صدقت‏] (8).

إلى قوله: فما الثّالثة؟

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ربّك.

(2) المجمع 5/ 449.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المناقب 4/ 2.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) أمالي الطّوسي 2/ 106.

(8) ليس في ق، ش، م.

166

قال‏ (1): أن أنشأني فله الحمد في أحسن صورة و أعدل تركيب.

قال: صدقت.

كَلَّا: ردع عن الاغترار بكرم اللّه- تعالى-. و قوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ‏ (9): إضراب إلى بيان ما هو السّبب الأصليّ في اغترارهم. و المراد بالدّين:

الجزاء، أو الإسلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ‏ قال: برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بعليّ- (عليه السلام)-.

وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِراماً كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ‏ (12): تحقيق لما يكذّبون به، و ردّ لما يتوقّعون من التّسامح و الإهمال.

و تعظيم الكتبة، بكونهم كراما عند اللّه، لتعظيم الجزاء.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول السائل: فما علّة الملائكة (4) الموكّلين بعباده يكتبون ما (5) عليهم و لهم و اللّه عالم السّرّ و ما هو أخفى؟

قال: استعبدهم بذلك، و جعلهم شهودا على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة اللّه مواظبة و عن معصيته أشدّ انقباضا، و كم من عبد يهمّ بمعصية فذكر مكانها (6) فارعوى و كفّ، فيقول: ربّي يراني، و حفظتي عليّ بذلك تشهد. و إنّ اللّه- تعالى- برأفته و لطفه و كلّهم بعباده يذبّون عنهم مردة الشّياطين و هو امّ الأرض و آفات كثيرة، من حيث لا يرون بإذن اللّه، إلى أن يجي‏ء أمر اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ‏ قال: الملكان الموكّلان بالإنسان.

و فيه‏ (8): حدثني أبي، عن النّضر بن سويد، محمّد بن قيس، عن ابن سنان‏ (9)،

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) تفسير القمّي 2/ 409.

(3) الاحتجاج/ 348.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الملكين.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: مكانهما.

(7) تفسير القمّي 2/ 409.

(8) نفس المصدر 1/ 364.

(9) المصدر: عن ابن أبي يسار.

167

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما واضعا يده على كتف العبّاس، فاستقبله أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فعانقه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قبّل ما بين عينيه، ثمّ سلّم العبّاس على عليّ- (عليه السلام)- فردّ عليه ردّا خفيّا، فغضب العبّاس.

فقال: يا رسول اللّه، لا يدع عليّ زهوة (1)؟

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تقل ذلك في عليّ- (عليه السلام)-، فإنّي لقيت جبرئيل آنفا فقال: لقيني الملكان الموكّلان بعليّ- (عليه السلام)- السّاعة فقالا: ما كتبنا عليه ذنبا منذ يوم ولد إلى هذا اليوم.

و في كتاب سعد السّعود (2) لابن طاوس، فصل فيما يذكر من كتاب «قصص القرآن و أسباب نزول آثار القرآن» تأليف الهيصم بن محمّد بن الهيصم النّيشابوريّ‏ (3)، فصل في ذكر الملكين الحافظين: دخل عثمان بن عفّان على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟

قال: ملك على يمينك على حسناتك و واحد على الشّمال، فإذا عملت حسنة كتب‏ (4) عشرا، و إذا عملت سيّئة قال الّذي على الشّمال للّذي على اليمين: أكتب‏ (5)؟

قال: لعلّه يستغفر اللّه و يتوب. فإذا قال ثلاثا، قال: نعم، أكتب أن أراحنا (6) اللّه منه فبئس القرين‏ (7)، ما أقلّ مراقبته للّه و أقلّ استحياءه منّا (8) يقول [اللّه- عزّ و جلّ-:] (9) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (10).

و ما ملكان بين يديك و من خلفك، [يقول‏ (11)- تعالى-:

____________

(1) الزهو: الكبر و الفخر.

(2) سعد السعود/ 225.

(3) المصدر: «قصص القرآن بأسباب نزول آيات القرآن» تأليف القيصم بن محمد القيصم النيشابوري.

(4) المصدر: كتبت.

(5) ليس في ق.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أجبنا.

(7) ليس في ق. و في المصدر: الصديق.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ما أقل مراقبة الله و أقل استحياء من (منه- ي)

(9) من المصدر.

(10) ق/ 18.

(11) الرعد/ 11.

168

لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ‏] (1).

و ملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت للّه رفعك، و إذا تجبّرت على اللّه‏ (2) [وضعك و] (3) فضحك.

و ملكان على شفتيك، ليس يحفظان عليك إلّا الصّلاة على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و ملك قائم على فيك، لا يدع أن تدبّ‏ (4) الحيّة في فيك.

و ملكان‏ (5) على عينيك. فهذه عشرة أملاك على كلّ آدميّ، [يعدان ملائكة اللّيل على ملائكة النّهار، لأنّ ملائكة اللّيل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملائكة على كلّ آدميّ‏] (6) و إبليس بالنّهار و ولده باللّيل، قال اللّه: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ‏ (الآية) و قال‏ (7)- عزّ و جلّ-: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ‏.

و في كتاب سعد السّعود (8)- أيضا- بعد أن ذكر ملكي اللّيل و ملكي النّهار: و في رواية، أنّهما يأتيان المؤمن عند حضور صلاة الفجر، فإذا هبطا صعد الملكان الموكّلان باللّيل‏ (9)، فإذا غربت الشّمس نزل إليه الموكّلان بكتابة اللّيل و يصعد الملكان الكاتبان بالنّهار بديوانه إلى اللّه، فلا يزال ذلك دأبهم إلى وقت حضور أجله، فإذا حضر أجله قالا للرّجل الصّالح: جزاك اللّه من صاحب عنّا خيرا، فكم من عمل صالح أريتناه، و كم من قول حسن أسمعتناه‏ (10)، و كم من مجلس خير أحضرتناه، فنحن اليوم على ما تحبّه شفعاء إلى ربّك. و إن كان عاصيا قالا له: جزاك اللّه من صاحب عنّا شرا، فلقد كنت تؤذينا، فكم من عمل سيّئ أريتناه، و كم من قول سيّئ أسمعناه‏ (11)، و كم من مجلس سوء أحضرتناه، و نحن اليوم لك على ما تكره و شهيدان عند ربّك.

و في أصول الكافي‏ (12)، بإسناده إلى عبد اللّه بن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: عن‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «للّه» بدل «على اللّه».

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تداف.

(5) المصدر: ملك.

(6) ليس في ق، ش.

(7) ق/ 17.

(8) نفس المصدر/ 225- 226.

(9) ليس في ق، ش.

(10) ق: سمّعتنا. و في المصدر: استمعناه.

(11) المصدر: استمعناه.

(12) الكافي 2/ 429، ح 3.

169

أبيه قال: سألته عن الملكين، هل يعلمان بالذّنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة؟

فقال: ريح الكنيف و [ريح‏] (1) الطّيب سواء؟

قلت: لا.

قال: إنّ العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيّب الرّيح، فقال صاحب اليمين لصاحب الشّمال: قم، فإنّه قد همّ بالحسنة. فإذا فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فأثبتها له، و إذا همّ بالسّيّئة خرج نفسه منتن الرّيح، فيقول صاحب الشّمال لصاحب اليمين: قف، فإنّه قد همّ بالسّيّئة. فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده و أثبتها عليه.

محمّد بن يحيى‏ (2)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن فضيل‏ (3) بن عثمان [المرادي‏] (4) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربع من كنّ فيه لم يهلك على اللّه بعدهنّ إلّا هالك، يهمّ‏ (5) العبد بالحسنة فيعملها، [فإن هو لم يعملها] (6) كتبت حسنة بحسن نيّته، و إن هو عملها، كتب اللّه له عشرا.

و يهمّ بالسّيّئة [أن يعملها] (7)، فإن لم يعملها، لم يكتب عليه شي‏ء، و إن هو عملها أجّل‏ (8) سبع ساعات و قال صاحب الحسنات لصاحب السّيّئات، و هو صاحب الشّمال: لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (9): إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ أو الاستغفار، فإن هو قال: أستغفر اللّه الّذي لا إله إلّا هو عالم الغيب و الشّهادة العزيز الحكيم الغفور الرّحيم ذو الجلال و الإكرام و أتوب إليه. عليه شي‏ء، لم يكتب عليه شي‏ء، و إن مضت سبع ساعات و لم يتبعها بحسنة و استغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السّيّئات: اكتب على الشّقيّ المحروم.

عليّ بن إبراهيم‏ (10)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن حمران، عن زرارة

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر، ح 4.

(3) المصدر: فضل.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لهم.

(6) ليس في ق.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) ن، ت، م، ر: أخّر

(9) هود/ 114.

(10) نفس المصدر/ 437، ح 1.

170

قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: [إنّ العبد] (1) إذا أذنب ذنبا اجّل من غدوّه إلى اللّيل، فإنّ استغفر اللّه لم يكتب عليه.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه و أبو عليّ الأشعريّ و محمّد بن يحيى، جميعا، عن الحسين بن إسحاق، عن عليّ بن‏ (3) مهزيار، عن فضالة بن أيّوب، عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العبد المؤمن إذا أذنب ذنبا أجّله اللّه‏ (4) سبع ساعات، فإن استغفر لم يكتب عليه شي‏ء، و إن مضت السّاعات و لم يستغفر كتبت عليه سيّئة، و إنّ المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتّى يستغفر ربّه فيغفر له، و إنّ الكافر لينساه من ساعته.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى [عن أحمد] (6) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن درست قال: سمعت أبا إبراهيم- (عليه السلام)- يقول: إذا مرض المؤمن أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى صاحب الشّمال: لا تكتب على عبدي ما دام في حبسي و وثاقي ذنبا.

و يوحي إلى صاحب اليمين: أن اكتب لعبدي ما كنت تكتب له في صحّته من الحسنات.

و بإسناده‏ (7) إلى سدير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أحبّ أن يمشي مشي الكرام الكاتبين، فليمش جنبي السّرير.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (8)، بإسناده إلى محمّد بن سنان: عن المفضّل [بن عمر] (9) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن العلّة الّتي من أجلها وجب التّسليم في الصّلاة.

قال: لأنّه تحليل الصّلاة.

قلت: فلأيّ علّة يسلّم على اليمين و لا يسلّم على اليسار؟

قال لأنّ الملك الموكّل الّذي يكتب الحسنات [على اليمين‏] (10)، و الّذي يكتب‏

____________

(1) ليس في ق.

(2) نفس المصدر/ 437، ح 3.

(3) في ق زيادة: مهران أو.

(4) ليس في ن.

(5) الكافي 3/ 114، ح 7.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر/ 170، ح 6.

(8) العلل/ 359، ح 1.

(9) من المصدر.

(10) يوجد في ت، ي، المصدر.

171

السّيّئات على اليسار، و الصّلاة حسنات ليس فيها سيّئات فلهذا يسلّم على اليمين دون اليسار.

قلت: فلم لا يقال: السّلام عليك، و الملك على اليمين واحد، و لكن يقال:

السّلام عليكم؟

قال: ليكون قد سلّم عليه و على من على اليسار، و فضل صاحب اليمين عليه بالإيماء إليه.

قلت: فلم لا يكون الإيماء في التّسليم بالوجه كلّه، و لكن كان بالأنف لمن يصلّي وحده و بالعين لمن يصلّي بقوم؟

قال: لأنّ مقعد الملكين من ابن آدم الشّدقين، فصاحب اليمين على الشّدق الأيمن، و تسليم المصلّي عليه ليثبت له صلاته في صحيفته.

قلت: فلم يسلّم المأموم ثلاثا؟

قال: تكون واحدة ردّا على الإمام و تكون عليه و على ملكيه‏ (1)، و تكون الثّانية على [من على‏] (2) يمينه و الملكين الموكّلين به، و تكون الثّالثة على من على يساره و ملكيه‏ (3) الموكّلين به. و من لم يكن على يساره أحد، لم يسلّم على يساره [إلّا أن يكون يمينه إلى الحائط و يساره إلى مصلّي معه خلف الإمام على يساره‏] (4).

قلت: فتسليم الإمام على من يقع؟

قال: على ملكيه‏ (5) و المأمومين، يقول لملائكته‏ (6): اكتبا سلامة صلاتي ممّا (7) يفسدها، و يقول لمن خلفه: سلمتم و أمنتم من عذاب اللّه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (8) إلى محمّد بن عمّار بن ياسر: عن أبيه قال: سمعت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ حافظي عليّ بن أبي طالب ليفتخران على جميع الحفظة، لكينونتهما مع عليّ- (عليه السلام)- و ذلك أنّهما لم يصعدا إلى اللّه بشي‏ء يسخط اللّه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ملائكته.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ملائكة.

(4) ليس في ق، ش، م.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الملائكة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الملائكة.

(7) المصدر: لما.

(8) نفس المصدر/ 8، ح 5.

172

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏ (14): بيان لما يكتبون لأجله.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن بعض أصحابه، عن الحسن بن عليّ بن أبي عثمان، عن واصل، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى أبي ذرّ فقال له: يا أبا ذرّ، كيف ترى حالنا عند اللّه؟

قال اعرضوا أعمالكم على الكتاب، إنّ اللّه يقول: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏.

قال: فقال الرّجل: فأين رحمة اللّه؟

قال: رحمة اللّه قريب من المحسنين.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (3) لابن شهر آشوب: الشيرازي في كتابه بالإسناد: عن الهذيل، عن مقاتل، عن محمّد بن الحنفيّة، عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- [كلّ ما] (4) قال: في كتاب اللّه من قوله: إِنَّ الْأَبْرارَ فو اللّه، ما أراد به إلّا عليّ بن أبي طالب و فاطمة و أنا و الحسين، لأنّا و نحن أبرار بآبائنا و أمهاتنا، و قلوبنا (5) عملت‏ (6) بالطّاعات [و البرّ] (7) و تبرّأت من الدّنيا و حبّها، و أطعنا اللّه في جميع فرائضه، و آمنّا بوحدانيّته، و صدّقنا برسوله.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏ قال: الأبرار نحن هم، و الفجّار هم عدوّنا.

____________

(1) الكافي 2/ 458، ح 20.

(2) كذا في المصدر. و في ق، ش: عن محمّد و أحمد. و في غيرهما: عن محمّد بن أحمد.

(3) المناقب 4/ 2.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قولبنا.

(6) المصدر: علت.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 771، ح 1.

173

يَصْلَوْنَها: يقاسون حرّها.

يَوْمَ الدِّينِ (15) وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ‏ (16): لخلودهم فيها.

و قيل‏ (1): معناه: و ما يغيبون عنها قبل ذلك، إذ (2) كانوا يجدون سمومها في القبور.

وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ‏ (18):

تعجيب و تفخيم لشأن اليوم، أي: كنه أمره، بحيث لا تدركه دراية دار (3).

يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏ (19): تقرير لشدّة هوله و فخامة أمره إجمالا.

و رفع‏ (4) ابن كثير و البصريّان: «يوم» على البدل من‏ يَوْمَ الدِّينِ‏، أو الخبر المحذوف.

و في مجمع البيان‏ (5): [وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏ وحده،] (6) أي: الحكم له في الجزاء و الثّواب و العفو و الانتقام.

و روى عمرو بن شمر (7)، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الأمر يومئذ للّه، و الأمر كلّه للّه‏ (8).

يا جابر، إذا كان يوم القيامة بادت الحكّام، فلم يبق حاكم إلّا اللّه- تبارك و تعالى-.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 545.

(2) المصدر: إن.

(3) ليس في ق.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 5/ 450.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) نفس المصدر و الموضع. و فيه: و روى عمر بن شمر.

(8) المصدر: قال إنّ الأمر يومئذ و اليوم كلّه للّه.

175

سورة المطفّفين‏

مختلف فيها.

و آيها ستّ و ثلاثون بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من قرأ في الفريضة وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏ أعطاه اللّه الأمن يوم القيامة من النّار، و لم تره و لم يراها، و لم يمرّ على جسر جهنّم، و لا يحاسب يوم القيامة.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، سقاه اللّه من الرّحيق المختوم يوم القيامة.

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏ (1).

«التّطفيف» البخس في الكيل و الوزن، لأنّ ما يبخس طفيف، أي: حقير.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏ قال: الذين يبخسون المكيال و الميزان‏] (4).

و في رواية أبي الجارود (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت على نبي اللّه‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(2) المجمع 5/ 451.

(3) تفسير القمّي 2/ 410.

(4) ليس في ق، ش، م.

(5) نفس المصدر و الموضع.

176

- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين قدم المدينة، و هم يومئذ أسوأ النّاس [كيلا] (1)، فأحسنوا الكيل. و أمّا «الويل» فبلغنا، و اللّه أعلم، أنّها بئر في جهنّم.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و أنزل في الكيل‏ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏ و لم يجعل الويل لأحد حتّى يسمّيه كافرا، قال اللّه‏ (3)- عزّ و جلّ-: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏.

الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ‏ (2)، أي، إذا اكتالوا من النّاس حقوقهم يأخذونها وافية. و إنّما أبدل «على يمين» «بمن» للدّلالة على أنّ اكتيالهم لما لهم على النّاس، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم‏ (4).

وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ، أي: إذا كالوا للنّاس، أو وزنوا لهم‏ يُخْسِرُونَ (3): فحذف الجارّ و أوصل الفعل، كقوله:

و لقد جنيتك اكمؤا و عساقلا

بمعنى: جنيت لك.

أو كالوا مكيلهم، فحذف [المضاف، و أقيم‏] (5) المضاف إليه مقامه.

و لا يحسن جعل المنفصل تأكيدا للمتّصل‏ (6)، لأنّه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله، إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ و الدّفع لا في المباشرة و عدمها، و يستدعي إثبات الألف بعد الواو، كما هو خطّ المصحف في نظائره.

و في شرح الآيات الباهرة (7): تأويله: ما رواه أحمد بن إبراهيم بن عبّاد، بإسناده إلى عبد اللّه بن بكير، يرفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- بن بكير، يرفعه إلى أبي‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 2/ 32، ح 1.

(3) مريم/ 37.

(4) يقال: تحامل على فلان: إذا لم يعدل.

(5) ليس في ق.

(6) أي: إنّما ألزمنا حذف الحرف أو المضاف، و لم نقل بأنّ «هم» تأكيد للواو في «كالوا» و «وزنوا» لأنّ الضمير المنفصل لا يحسن أن يجعل تأكيدا للمتّصل ها هنا، لأنّ المقصود بيان حالهم في الأخذ على الناس و الدفع إليهم، و ليس المقصود مجرّد مغايرة الكيل و الوزن.

(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 771، ح 1.

177

عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏، يعني: [الناقصين‏] (1) لخمسك، يا محمّد. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏، أي: إذا صاروا (2) إلى حقوقهم من الغنائم يستوفون، و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، أي: إذا سألوهم خمس آل محمّد نقصوهم.

أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ‏ (4).

قيل‏ (3): فإنّ من ظنّ ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقّنه! و فيه إنكار و تعجيب من حالهم.

لِيَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (5): عظّمه اللّه لعظم ما يكون فيه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و إنّه ربّ شي‏ء (5) من كتاب اللّه يكون تأويله على غير تنزيله، و لا يشبه تأويل كلام البشر (6)، و سأنبّئك بمثال لذلك تكتفي به- إن شاء اللّه.

... إلى قوله‏ (7): فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ فسمّى فعل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فعلا له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله؟

و مثل قوله‏ (8): بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ‏ فسمّى البعث لقاء، و كذلك قوله‏ (9):

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ‏، أي: يوقنون أنّهم مبعوثون. و مثله قوله: أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [لِيَوْمٍ عَظِيمٍ‏، أي: أ ليس يوقنون أنّهم مبعوثون؟!

و فيه‏ (10)- أيضا-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا قوله‏ (11): وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، يعني: تيقّنوا أنّهم داخلوها (12)] (13).

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ساروا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 546.

(4) الاحتجاج/ 250.

(5) المصدر: «ربّ كلّ شي‏ء و» بدل «ربّ شي‏ء».

(6) المصدر: و لا يشبه تأويله بكلام البشر و لا فعل البشر.

(7) الأنفال/ 17.

(8) السجدة/ 10.

(9) البقرة/ 46.

(10) نفس المصدر/ 244.

(11) الكهف/ 53.

(12) المصدر: يدخلونها.

(13) ليس في ق.

178

و كذلك قوله‏ (1): إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ‏. و أمّا قوله‏ (2) للمنافقين:

وَ تَظُنُّونَ‏ (3) بِاللَّهِ الظُّنُونَا فهو ظنّ شكّ، و ليس ظنّ يقين. و الظّنّ ظنّان: ظنّ شكّ و ظنّ يقين، فما كان من أمر المعاد من الظّن فهو ظنّ يقين، و ما كان من أمر الدّنيا، فهو على الشّكّ‏ (4).

يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ‏: نصب «بمبعوثون». أو بدل من الجارّ و المجرور، و يؤيّده القراءة (5) بالجرّ.

لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ (6): لحكمه.

و في هذا الإنكار، و التّعجّب، و ذكر الظّنّ، و وصف اليوم بالعظم، و قيام النّاس فيه للّه، و التّعبير عنه «بربّ العالمين» مبالغات في المنع عن التطفيف و عظم إثمه.

و في عوالي اللآلي‏ (6): و في الحديث‏ أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما قرأ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ قال: يقومون حتّى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.

[و في مجمع البيان‏ (7): يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ و

جاء في الحديث‏ أنّهم يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم‏] (8).

و في حديث آخر (9): يقومون حتّى يبلغ الرّشح إلى أطراف آذانهم.

و في الحديث‏ (10): عن سليم بن عامر، عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إذا كان يوم القيامة أدنيت الشّمس من العباد، حتّى تكون بمقدار ميل أو ميلين.

قال سليم: فلا أدري أ مسافة الأرض أم الميل الّذي يكحل به العين؟

ثمّ قال: صهرتهم الشّمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبه، و منهم من يلجمه إلجاما.

قال: فرأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يشير بيده إلى فيه، قال: يلجمه‏

____________

(1) الحاقّة/ 20.

(2) الأحزاب/ 10.

(3) المصدر: يظنّون.

(4) المصدر: فهو ظنّ شكّ.

(5) أنوار التنزيل 2/ 546.

(6) العوالي 1/ 150، ح 101.

(7) المجمع 5/ 452.

(8) ليس في ق، ش، م.

9 و 10 نفس المصدر و الموضع.

179

إلجاما. أورده مسلم في الصّحيح.

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد، جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود [المنقري‏] (2)، عن حفص، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: مثل النّاس يوم القيامة إذا قاموا لربّ العالمين مثل السّهم في القرب، ليس له من الأرض إلّا موضع قدمه، كالسّهم في الكنانة، لا يقدر أن يزول هاهنا و لا هاهنا.

كَلَّا: ردع عن التطفيف، و الغفلة عن البعث و الحساب.

إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ: ما يكتب من أعمالهم، أو كتابة أعمالهم‏ لَفِي سِجِّينٍ‏ (7).

قيل‏ (3): كتاب جامع لأعمال الفجرة الكفّار (4) من الثّقلين، كما قال: وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ‏ (8) كِتابٌ مَرْقُومٌ‏ (9)، أي: مسطور بيّن الكتابة، أو معلّم يعلم من رآه‏ (5) أنّه لا خير فيه.

فعيل، من السّجن، لقّب به الكتاب لأنّه سبب الحبس، أو لأنّه مطروح- كما قيل- تحت الأرضين في مكان وحش.

و قيل‏ (6): هو اسم مكان. و التقدير: ما كتاب السّجين. أو محلّ كتاب مرقوم، فحذف المضاف.

و في مجمع البيان‏ (7): عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سجّين أسفل سبع أرضين.

و قيل‏ (8): إنّ «سجّين» جبّ في جهنّم مفتوح، و «الفلق» جبّ في جهنّم مغطّى.

رواه أبو هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و روي‏ (9) عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: أمّا المؤمنون، فترفع أعمالهم و أرواحهم إلى السّماء فتفتح لهم أبوابها. و أمّا الكافر فيصعد بعمله و روحه حتّى إذا بلغ‏

____________

(1) الكافي 8/ 143، ح 110.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 546.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

وراءه.

(6) نفس المصدر و الموضع.

7 و 8- المجمع 5/ 453.

(9) روي عن نفس المصدر في نور الثقلين 5/ 530، ح 14.

180

إلى السّماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجّين. و هو واد بحضر موت يقال له: برهوت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ‏ قال: ما كتب اللّه لهم من العذاب لفي سجّين.

و في رواية أبي الجارود (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «السّجّين» الأرض السّابعة، [و «عليّون» السّماء السّابعة] (3).

و بإسناده‏ (4) إلى الكلبي: عن الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ‏ قال: هو فلان و فلان.

و فيه‏ (5): عن الإمام الحسن‏ (6) بن عليّ بن أبي طالب حديث طويل، يقول فيه: فيحشر النّاس عند صخرة بيت المقدس، فيحشر أهل الجنّة عن يمين الصّخرة و يزلف الميعاد (7)، و تصير جهنّم عن يسار الصّخرة في تخوم الأرضين السّابعة، و فيها الفلق و السّجّين.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ‏.

قال: هم الّذين فجروا في حقّ الأئمّة و اعتدوا عليهم.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، فإذا صعد بحسناته يقول اللّه- عزّ و جلّ-: اجعلوها في سجّين، إنّه ليس إيّاي أراد بها.

و بإسناده‏ (10) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: مرّ عيسى بن مريم على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابّها.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 410- 411.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في ق، ش.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر/ 272.

(6) ت: الحسين.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: المعتبر.

(8) الكافي 1/ 435، ح 91.

(9) نفس المصدر/ 294- 295، ح 7.

(10) نفس المصدر/ 318، ح 11.

181

فقال: أما إنّهم لم يموتوا إلّا بسخط، و لو ماتوا متفرّقين، لتدافنوا.

فقال الحواريّون: يا روح اللّه و كلمته، ادع اللّه أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنتجنّبها.

فدعا عيسى ربّه، فنودي من الجوّ: أن ناداهم.

فقام عيسى باللّيل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية.

فأجابه منهم مجيب: لبّيك، يا روح اللّه و كلمته.

فقال: ويحكم، ما كانت أعمالكم.

قال: عبادة الطّاغوت، و حبّ الدّنيا مع خوف قليل و أمل بعيد و غفلة في لهو و لعب.

فقال: كيف كان حبّكم للدّنيا؟

قال: كحبّ الصّبيّ لأمّه، إذا أقبلت علينا فرحنا و سررنا، و إذا أدبرت عنّا بكينا و حزنّا.

قال: كيف كان عبادتكم للطّاغوت؟

قال: الطّاعة لأهل المعاصي.

قال: كيف كان عاقبة أمركم؟

قال: بتنا ليلة في عافية و أصبحنا في الهاوية.

فقال: و ما الهاوية؟

قال: سجّين.

قال: و ما سجّين؟

قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة. (الحديث)

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (10): بالحقّ، أو بذلك.

الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ‏ (11): صفة مخصّصة أو موضّحة، أو ذامّة.

وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ: متجاوز عن النّظر، غال في التّقليد، حتّى يستقصر قدرة اللّه و علمه فاستحال منه الإعادة.

أَثِيمٍ‏ (12): منهمك في الشّهوات بحيث أشغلته عمّا وراءها، و حملته على الإنكار لما عداها.

إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ (13): من فرط جهله و إعراضه عن‏

182

الحقّ، فلا تنفعه شواهد النّقل، كما لم ينفعه دلائل العقل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بآخر ما نقلت عنه من الرّواية قريبا- أعني:

قوله: فلان و فلان-: وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ‏- إلى قوله-: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ‏ الأوّل و الثّاني‏ (2). وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ و هو الأوّل و الثّاني‏ (3) كانا يكذّبان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

كَلَّا: ردع عن هذا القول.

بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (14): ردّ لما قالوه، و بيان لما أدّى بهم إلى هذا القول، بأن غلب عليهم حبّ المعاصي بالانهماك فيه حتّى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمى عليهم معرفة الحقّ و الباطل، فإنّ كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات.

و في أصول الكافي‏ (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن عروة، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما من عبد إلّا و في قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النّكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السّواد، و إن تمادى في الذّنوب، زاد ذلك السّواد حتّى يغطّي البياض، [فإذا غطّى البياض‏] (5) لا يرجع صاحبه إلى خير أبدا، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:

كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد، عن عبد اللّه بن محمّد الحجّال، عن بعض أصحابه، رفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تذاكروا و تلاقوا و تحدّثوا، فإنّ الحديث جلاء للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يرين السّيف و جلاؤها الحديث‏ (7).

و في روضة الواعظين‏ (8) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الباقر- (عليه السلام)-: ما من شي‏ء أفسد للقلب من الخطيئة، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فما تزال‏ (9) به حتّى تغلب عليه، فيصير

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 411.

(2) المصدر: زريق و حبتر.

(3) المصدر: و هما زريق و حبتر.

(4) الكافي 2/ 273، ح 20.

(5) ليس في ق، ش.

(6) نفس المصدر 1/ 41، ح 8.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «جلاوة (حلاوة- ق، ت) الحديد» بدل «و جلاؤها الحديث».

(8) روضة الواعظين/ 414.

(9) المصدر: فما يزال.

183

أسفله أعلاه و أعلاه أسفله، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

إنّ المؤمن إذا أذنب كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب‏ (1) و استغفر صقل قلبه منه، و إن ازداد زادت فذلك الرّين الّذي ذكره اللّه في كتابه: كَلَّا بَلْ رانَ‏ (2) عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏.

و في كتاب المناقب‏ (3) لابن شهر آشوب: و قال الحسن- (عليه السلام)- لحبيب بن مسلمة الفهري: ربّ مسير لك في غير طاعة.

قال: أمّا مسيري إلى أبيك فلا.

قال: بلى، و لكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلئن [كان‏] (4) قام بك في دنياك، لقد قعد بك في آخرتك، فلو كنت إذا فعلت شرا قلت خيرا، كنت كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً و لكنّك كما قال: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏.

كَلَّا: ردع عن الكسب الرّائن.

إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ (15): فلا يرون رحمته، بخلاف المؤمنين، تقديره: عن رحمة ربّهم، أو قرب ربّهم.

و في عيون الأخبار (5)، بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن فضّال‏ (6): عن أبيه قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ فقال: إنّ اللّه لا يوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده، و لكنّه يعني: أنّهم عن ثواب ربّهم لمحجوبون.

و في كتاب التّوحيد (7)، حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه‏، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ فإنّما يعني بذلك: يوم القيامة أنّهم عن ثواب ربّهم لمحجوبون.

____________

(1) في المصدر زيادة: و نزع.

(2) كذا في المصدر. و في ق: الوان. و في سائر النسخ: الران.

(3) المناقب 4/ 24.

(4) من المصدر.

(5) العيون 1/ 103، ح 19.

(6) ي، ر، المصدر: إلى عليّ بن الحسن بن فضّال.

(7) التوحيد/ 265، ح 5.

184

ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ‏ (16): ليدخلون النّار فيصلون بها.

ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ (17): يقول لهم الزّبانية.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بما نقلناه من قوله: كانا يكذّبان رسول اللّه.

... إلى قوله: إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ‏ هما. ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ رسول اللّه، يعني: هما و من تبعهما.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏.

قال: يعني: أمير المؤمنين.

قلت: تنزيل؟

قال: نعم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

كَلَّا: تكرير للأوّل ليعقّب بوعد الأبرار، كما عقّب [الأوّل‏] (3) بوعيد الفجّار، إشعارا بأنّ التّطفيف فجور و الإيفاء برّ (4) أو ردع عن التّكذيب.

إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (9) كِتابٌ مَرْقُومٌ‏ (20).

الكلام فيه ما مرّ في نظيره.

يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏ (21): يحضرونه فيحفظونه. أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة.

و في أصول الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن أبي نهشل قال: حدّثني محمّد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه خلقنا من أعلى علّيّين و خلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا، و خلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إلينا لأنّها خلقت ما خلقنا، ثمّ تلا هذه الآية: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 411.

(2) الكافي 1/ 435، ح 91.

(3) من أنوار التنزيل 2/ 546.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تبر.

(5) الكافي 1/ 390، ح 4.

185

و خلق عدوّنا من سجّين، و خلق قلوب شيعتهم ممّا خلقهم منه، و أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إليهم لأنّها خلقت ممّا خلقوا منه، ثمّ تلا هذه الآية: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ‏.

محمّد بن يحيى‏ (1) و غيره [عن أحمد بن محمّد و غيره‏] (2)، عن محمّد بن خلف، عن أبي نهشل قال: حدّثني محمّد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه خلقنا من أعلى علّيّين، و خلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا منه، و خلق أبدانهم من دون ذلك. و ذكر إلى آخر ما سبق، و زاد: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (3).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل، رفعه إلى محمّد بن سنان: عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه خلقنا من نور مبتدع، من نور رسخ‏ (5) ذلك النّور في طينة من أعلى علّيّين، و خلق قلوب شيعتنا ممّا خلق منه أبداننا، و خلق أبدانهم من طينة دون ذلك، فقلوبهم تهوى إلينا لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه، ثمّ قرأ: إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏. (الحديث).

و في شرح الآيات الباهرة (6): روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه في» كتاب المعراج» [عن رجاله‏] (7) مرفوعا، عن عبد اللّه بن العبّاس قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يخاطب عليّا- (عليه السلام)- يقول: يا عليّ، إنّ اللّه كان و لا شي‏ء معه، فخلقني و خلقك روحين من نور جلاله، و كنّا أمام عرش ربّ العالمين نسبّح اللّه و نقدّسه و نحمّده و نهلّله، و ذلك قبل أن خلق السّماوات و الأرضين.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 4، ح 4.

(2) ليس في ق، ش.

(3) تكرّر في جميع النسخ هذا الحديث و الّذي قبله.

(4) العلل/ 117، ح 14.

(5) كذا في المصدر. و في ن، ت: سنح. و في غيرهما: سنخ.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 773- 774، ح 4.

(7) ليس في ق، ش، م، ر.

186

فلمّا أراد أن يخلق آدم خلقني و إيّاك من طينة واحدة، من طينة علّيّين و عجننا بذلك النّور، و غمسنا في جميع الأنوار و أنهار الجنّة، ثمّ خلق آدم و استودع صلبه‏ (1) تلك الطّينة و النّور، فلمّا خلقه استخرج ذرّيّته من ظهره فاستنطقهم و قرّرهم بربوبيّته.

فأوّل خلق أقرّ له بالرّبوبيّة أنا و أنت و النّبيّون على قدر منازلهم و قربهم من اللّه.

فقال اللّه: صدّقتما و أقررتما، يا محمّد و يا عليّ، و سبقتما خلقي إلى طاعتي، و كذلك كنتما في سابق علمي فيكما، فأنتما صفوتي من خلقي و الأئمّة من ذرّيّتكما و شيعتكما، و كذلك خلقتكم.

ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، فكانت فكانت الطّينة في صلب آدم و نوري و نورك بين عينيه، فما زال ذلك النّور ينتقل بين أعين النّبيّين و المنتجبين حتّى وصل النّور و الطّينة إلى صلب عبد المطّلب، فافترق نصفين، فخلقني اللّه من نصفه و اتّخذني نبّا و رسولا، و خلقك من النّصف الآخر فاتّخذك خليفة و وصيّا و وليّا.

فلمّا كنت من عظمة ربّي كقاب قوسين [أو أدنى‏] (2) قال لي: يا محمّد، من أطوع خلقي لك؟

فقلت: علي بن أبي طالب.

فقال- عزّ و جلّ-: فاتّخذه خليفة و وصيّا، فقد اتّخذته صفيّا و وليّا.

يا محمّد، كتبت اسمك و اسمه على عرشي من قبل أن أخلق (أحدا) (3) محبّة منّي لكما و لمن أحبّكما و تولّاكما و أطاعكما، فمن أحبّكما و أطاعكما و تولّاكما كان عندي من المقرّبين، و من جحد ولايتكما و عدل عنكما كان عندي من الكافرين الظّالّين.

ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، فمن ذا يلج بيني و بينك أنا و أنت من نور واحد و طينة واحدة؟ فأنت أحقّ النّاس بي في الدّنيا و الآخرة، و ولدك ولدي، و شيعتكم شيعتي، و أولياؤكم أوليائي، و أنتم معي غدا في الجنّة.

و روى محمّد بن العبّاس‏ (4)، عن عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن سعيد بن عثمان الخزّار قال: سمعت أبا سعيد المدائنيّ يقول: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ‏ بالخير، مرقوم بحبّ محمّد و آل محمّد.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عليه.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) من المصدر مع القوسين.

(4) نفس المصدر/ 775، ح 5.

187

و رواه‏ (1) أبو طاهر المقلّد بن غالب، عن رجاله، بإسناد متّصل إلى عليّ بن شعبة الوابلي‏ (2)، عن الحارث الهمدانيّ قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و هو ساجد يبكي حتّى علا نحيبه و ارتفع صوته بالبكاء.

فقلنا: يا أمير المؤمنين، لقد أمرضنا بكاؤك و أمضّنا (3) و أشجانا، و ما رأيناك قد فعلت مثل هذا الفعل قطّ! فقال: كنت ساجدا أدعو ربّي بدعاء الخيرة في سجدتي، فغلبتني عيني فرأيت رؤيا هالتني و أفظعتني، رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قائما و هو يقول: يا أبا الحسن، طالت غيبتك عنّي، و قد اشتقت إلى رؤيتك، قد أنجز لي ربّي ما وعدني فيك.

فقلت: يا رسول اللّه، و ما الّذي أنجز لك فيّ؟

قال: أنجز لي فيك و في زوجتك و ابنيك و ذرّيّتك في الدّرجات العلى في علّيّين.

قلت: بأبي أنت و أمّي، يا رسول اللّه، فشيعتنا؟

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: شيعتنا معنا، و قصورهم بحذاء قصورنا، و منازلهم مقابل منازلنا.

فقلت: يا رسول اللّه، فما لشيعتنا في الدّنيا؟

قال: الأمن و العافية.

قلت: فما لهم عند الموت؟

قال: يحكم الرّجل في نفسه، و يؤمر ملك [الموت‏] (4) بطاعته، و أيّ موتة شاء ماتها، و إن شيعتنا ليموتون على قدر حبّهم لنا.

قلت: فما بذلك حدّ يعرف؟

قال: بلى، إنّ أشدّ شيعتنا لنا حبّا، يكون خروج نفسه كشرب أحدكم في اليوم الصّائف الماء البارد (5) الّذي ينتفع منه القلوب، و إنّ سائرهم ليموت كما يغطّ أحدكم على فراشه، كأقرّ ما كانت عينه بموته.

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ‏ (22).

____________

(1) نفس المصدر/ 776- 777، ح 8.

(2) المصدر: الوالبيّ.

(3) يمضّ جسده: يبالغ في إنهاكه.

(4) من المصدر.

(5) ليس في ق، ش.

188

في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهرآشوب: الشيرازي في كتابه بالإسناد: عن الهذيل، عن مقاتل، عن محمّد بن الحنفيّة، عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: كلّما في كتاب اللّه من قول: إِنَّ الْأَبْرارَ فو اللّه ما أراد به إلّا عليّ بن أبي طالب و فاطمة و أنا و الحسين. و الحديث قد تقدّم في سورة الانفطار.

عَلَى الْأَرائِكِ‏: على الأسرّة في الحجال‏ (2).

يَنْظُرُونَ‏ (23): إلى ما يسرّهم من النّعم و المتفرّجات.

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ‏ (24): بهجة التّنعّم و بريقه.

و قرأ (3) يعقوب: «تعرف» على بناء المفعول، و «نضرة» بالرفع.

يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ‏: شراب خالص.

مَخْتُومٍ (25) خِتامُهُ مِسْكٌ‏، أي: مختوم، أو آنية بالمسك مكان الطّين، لعلّه تمثيل لنفاسته. أو الّذي له ختام، أي: مقطع، و هو رائحة المسك.

و قرأ (4) الكسائي: «خاتمه» بفتح التّاء، أي: ما يختم به و يقطع.

و في كتاب الخصّال‏ (5): عن عليّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّته له: يا عليّ، إنّ اللّه أعطاني فيك سبع خصال.

... إلى قوله: و أنت أوّل من يشرب [معي‏] (6) من الرّحيق المختوم الّذي ختامه مسك.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم [عن أبيه‏] (8)، عن حمّاد بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: من أطعم مؤمنا من جوع، أطعم اللّه من ثمار الجنّة. و من سقى مؤمنا من ظمأ، سقاه اللّه من الرّحيق المختوم.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن نعيم، عن‏

____________

(1) المناقب 4/ 2.

(2) الحجال: جمع الحجلة: ساتر كالقبّة يزيّن بالثياب و الستور للعروس. و ستر يضرب للعروس في جوف البيت.

(3) أنوار التنزيل 2/ 547.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الخصال/ 342، ح 5.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 2/ 201، ح 5.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر/ 199، ح 3.

189

مسمع‏ (1) أبي سيّار قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من نفّس عن مؤمن كربة ...- إلى قوله-: و من سقاه شربة، سقاه اللّه من الرّحيق المختوم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2)، في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، من ترك الخمر لغير اللّه سقاه اللّه من الرّحيق المختوم.

فقال عليّ: لغير اللّه؟

قال: نعم، و اللّه، صيانة لنفسه فيشكره اللّه على ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: «مسك» قال: ماء، إذا شربه المؤمن وجد رائحة المسك فيه.

و قال أبو عبد اللّه‏ (4)- (عليه السلام)-: من ترك الخمر لغير اللّه، سقاه اللّه من الرّحيق المختوم.

قال: يا ابن رسول اللّه، من تركه لغير اللّه؟! قال: نعم، صيانة لنفسه.

و في مجمع البيان‏ (5): و في الحديث: من صام للّه في يوم صائف، سقاه اللّه من الظّمأ من الرّحيق المختوم.

و في وصيّة النّبيّ‏ (6)- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا عليّ، من ترك الخمر للّه‏ (7)، سقاه اللّه من الرّحيق المختوم.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا أحمد بن محمّد، مولى بني هاشم، عن جعفر بن عنبسة (9) عن جعفر بن محمّد، عن الحسن بن بكر (10)، عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل، عن جابر عن عبد اللّه قال: قام فينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخذ بضبعي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- حتّى رئي بياض إبطيه و قال له: إنّ اللّه ابتدأني فيك بسبع خصال.

____________

(1) في ق، ش، زيادة: بن.

(2) الفقيه 4/ 255، ح 821.

(3) تفسير القمّي 2/ 411.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 5/ 456.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في ن.

(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 777، ح 9.

(9) ق، ش، م عيينة.

(10) ق: بكير.

190

... إلى أن قال: و أنا أوّل من يسقى من الرّحيق المختوم [الّذي ختامه مسك،] (1) و عليّ معي.

وَ فِي ذلِكَ‏، يعني: الرّحيق، أو النّعيم.

فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ‏ (26): فليرتغب المرتغبون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ‏ قال: في ما ذكرناه من الثّواب الّذي يطلبه المؤمن.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عنهم- (عليهم السلام)- قال: فيما وعظ اللّه به عيسى: يا ابن مريم، لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصّالحين، ذاب قلبك و زهقت نفسك شوقا إليه، فليس كدار الآخرة دار تجاور فيه الطيّبون‏ (4)، و يدخل عليهم فيها الملائكة المقرّبون، و هم ممّا يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار (5) لا يتغيّر فيها النّعيم و لا يزول عن أهلها.

يا ابن مريم، نافس فيها مع المتنافسين، فإنّها أمنيّة المتمنّين حسنة النّظر، طوبى لك، يا ابن مريم، إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم و إبراهيم في جنّات و نعيم، لا تبغي بها بدلا و لا تحويلا، كذلك أفعل بالمتّقين.

و في هذا الحديث‏ (6)- أيضا-: فنافس في الصّالحات جهدك.

و فيه‏ (7): فنافس في العمل الصالح.

وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ‏ (27): علم لعين بعينها، سمّيت: تسنيما، لارتفاع مكانها، أو رفعة شرابها.

عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏ (28): فإنّهم يشربونها صرفا لأنّهم لم يشتغلوا بغير اللّه، و تمزّج لسائر أهل الجنّة.

و انتصاب «عينا» على المدح، أو الحال من «تسنيم». و الكلام في «الباء» كما مرّ في «يشرب بها عباد اللّه».

____________

(1) يوجد في ي، ر، المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 411.

(3) الكافي 8/ 135- 136، ح 103.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الطيّبين.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) نفس المصدر/ 141.

(7) نفس المصدر/ 134.

191

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ‏. و هو مصدر سنمه: إذا رفعه، لأنّها أرفع شراب أهل الجنّة. أو لأنّها تأتيهم من فوق، قال: أشرف شراب أهل الجنّة يأتيهم من عالي تسنيم‏ (2)، و هي عين يشرب بها المقرّبون، و هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. يقول اللّه‏ (3): السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏ رسول اللّه و خديجة و عليّ بن أبي طالب، و ذرّيّاتهم تلحق بهم، يقول اللّه‏ (4): أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏. و المقرّبون يشربون من تسنيم بحتا صرفا، و سائر المؤمنين ممزوجا.

[و فيه‏ (5): كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ‏- إلى قوله-: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏ و هم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة- (عليهم السلام)-] (6).

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهرآشوب: عن الباقر- (عليه السلام)‏- في قوله: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ- إلى قوله-: الْمُقَرَّبُونَ‏ و هو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد بن الحسن قال: حدّثني أبي عن حسين‏ (9) بن مخارق، عن أبي حزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، عن أبيه، عليّ بن الحسين، عن جابر بن عبد اللّه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: قوله: وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ‏ قال: هو أشرف شراب في الجنّة، يشربه محمّد و آل محمّد، و هم المقرّبون السّابقون، رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ بن أبي طالب و الأئمّة و فاطمة و خديجة و ذرّيّتهم الّذين اتّبعوهم بإيمان، يتسنّم عليهم من أعالي دورهم.

و روي‏ (10) عنه أنّه قال: تَسْنِيمٍ‏ أشرف شراب في الجنّة يشربه محمّد و آل محمّد

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 411- 412.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: عليهم في منازلهم.

(3) الواقعة/ 10- 11.

(4) الطّور/ 21.

(5) نفس المصدر/ 411.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) المناقب 4/ 3.

(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 777- 778، ح 10.

(9) المصدر: حصين.

(10) نفس المصدر/ 779، ح 12.

192

صرفا، و يمزج لأصحاب اليمين و لسائر أهل الجنّة.

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا، يعني: رؤساء قريش.

كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ‏ (29): كانوا يستهزئون بفقراء المؤمنين.

وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ‏ (30): يغمز بعضهم بعضا و يشيرون بأعينهم.

و في مجمع البيان‏ (1): كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ‏ قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ذلك أنّه كان في نفر من المسلمين جاؤوا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسخر منهم المنافقون و ضحكوا و تغامزوا، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه. فنزلت الآية قبل أن يصل عليّ- (عليه السلام)- و أصحابه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [عن مقاتل‏] (2) و الكلبيّ.

و ذكر الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ في «كتاب شواهد التّنزيل لقواعد التّفضيل» بإسناده، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: «إنّ الّذين أجرموا» منافقوا قريش، و «الّذين آمنوا» عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و إذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين (31): متلذّذين بالسّخرية منهم.

و قرأ (3) حفص: «فَكِهِينَ».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا- إلى قوله-: فَكِهِينَ‏ قال:

يسخرون.

وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ‏ (32): و إذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضّلال.

وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ‏: على المؤمنين.

حافِظِينَ‏ (33): يحفظون عليهم أعمالهم، و يشهدون برشدهم و ضلالتهم.

فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ‏ (34): حين يرونهم أذلّاء مغلولين في النّار.

و قيل‏ (5): يفتح لهم باب إلى الجنّة، فيقال لهم: اخرجوا إليها. فإذا وصلوا إليه‏

____________

(1) المجمع 5/ 457.

(2) ليس في ق.

(3) أنوار التنزيل 2/ 547.

(4) تفسير القمّي 2/ 412.

(5) أنوار التنزيل 2/ 547.

193

أغلق دونهم، فيضحك المؤمنون منهم.

عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ‏ (35): حال من «يضحكون».

هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ: هل أثيبوا (1) ما كانُوا يَفْعَلُونَ‏ (36).

و قرأ (2) حمزة و الكسائي، بإدغام اللّام في الثّاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا الأوّل و الثّاني‏ (4) و من تابعهما كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ‏ برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. إلى آخر السورة [فيهما] (5).

و في شرح الآيات الباهرة (6): تأويله: ما رواه محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن حصين‏ (7) بن المخارق، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم، عن عباية (8) بن ربعي، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه كان يمرّ بالنّفر من قريش فيقولون: انظروا إلى هذا الّذي اصطفاه محمّد و اختاره من بين أهله.

و يتغامزون، فنزلت هذه الآيات: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ‏. (إلى آخر السورة).

و قال‏ (9)- أيضا-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد بن الثّقفيّ، عن الحكم بن سليمان، عن محمّد بن كثير عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس‏ في قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ‏ قال: ذاك هو الحارث بن قيس و أناس معه، كانوا إذا مرّ بهم عليّ- (عليه السلام)- قالوا: انظروا إلى هذا الّذي اصطفاه محمّد و اختاره من بين أهل بيته. فكانوا يسخرون و يضحكون.

فإذا كان يوم القيامة فتح بين الجنّة و النّار باب، فعليّ- (عليه السلام)- يومئذ على الأرائك متّكئ و يقول لهم: هلمّ لكم. فإذا جاؤوا سدّ بينهم الباب فهو كذلك يسخر منهم و يضحك، و هو قوله- تعالى-:

____________

(1) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ زيادة: الكفار.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 411.

(4) المصدر: زريق و حبتر.

(5) من المصدر.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 780، ح 13.

(7) ق، ش: حسين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عناية.

(9) نفس المصدر، ح 14.

194

فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ‏.

و قال‏ (1)- أيضا-: حدّثنا محمّد بن محمّد الواسطيّ، بإسناده إلى مجاهد، في قوله:

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا (الآية) قال: إنّ نفرا من قريش كانوا يقعدون بفناء الكعبة، فيتغامزون بأصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يسخرون منهم، فمرّ بهم يوما عليّ- (عليه السلام)- في نفر من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فضحكوا منهم و تغامزوا عليهم، و قالوا: هذا أخو (2) محمّد. فأنزل اللّه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا (الآية).

فإذا كان يوم القيامة دخل عليّ- (عليه السلام)- و من كان معه الجنّة، فأشرفوا على هؤلاء الكفّار و نظروا إليهم و سخروا منهم و ضحكوا، و ذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ‏.

و قال‏ (3)- أيضا-: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن يونس عن‏ (4) عبد الرّحمن بن مسلم‏ (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ‏ (إلى آخر السّورة). نزلت في عليّ و في الّذين استهزؤوا به من بني أميّة، [و ذلك أنّ عليّا- (عليه السلام)- مرّ على قوم من بني أميّة] (6) و المنافقين فسخروا منه.

و أحسن ما قيل في هذا التّأويل:

ما رواه‏ (7)- أيضا-، عن محمّد بن القاسم [بإسناده عن أبيه‏] (8)، بإسناده، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة أخرجت أريكتان من الجنّة فبسطتا على شفير جهنّم، ثمّ يجي‏ء عليّ- (عليه السلام)- حتّى يقعد عليها، فإذا قعد ضحك، [و إذا ضحك‏] (9) انقلبت جهنّم فصار عاليها سافلها، ثمّ يخرجان فيوقفان بين يديه، فيقولان: يا أمير المؤمنين، يا وصيّ رسول اللّه، ألا ترحمنا؟! ألا تشفع لنا عند ربّك؟! قال: فيضحك منها، ثمّ يقوم فيدخل (و ترفع) (10) الأريكتان و يعادان إلى‏

____________

(1) نفس المصدر/ 781، ح 10.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: حق.

(3) نفس المصدر/ 781، ح 16.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(5) المصدر: سالم.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر/ 781- 782، ح 17.

(8) من المصدر.

(9) ليس في ق.

(10) من المصدر مع القوسين.

195

موضعهما، فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ‏.

197

سورة الانشقاق‏

مكّيّة.

و آيها خمس، أو ثلاث و عشرون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى الحسين بن أبي العلا قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من قرأ هاتين السّورتين. و الحديث مذكور في أوّل‏ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ‏.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ أعاذه اللّه أن يعطيه كتابه وراء ظهره.

إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ (1)، أي: تصدّعت و انفرجت. و انشقاقها من علامات القيامة، و ذكر ذلك في مواضع من القرآن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ قال: يوم القيامة.

[و في مصباح شيخ الطائفة (4)- (قدّس سرّه)-: و في دعاء مرويّ عن الصادق- (عليه السلام)-: و أسألك باسمك الّذي وضعته على الجبال فنسفت و وضعته على السّماء فانشقّت‏] (5).

____________

(1) ثواب الأعمال/ 149، ح 1.

(2) المجمع 5/ 458.

(3) تفسير القمّي 2/ 412.

(4) مصباح المتهجّد/ 299.

(5) ليس في ق، ش، م.

198

وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها: و استمعت له، أي: انقادت لتأثير قدرته، حين أراد انشقاقها، انقياد المطواع الّذي يأذن للأمير و يذعن له.

و في جوامع الجامع‏ (1): و الإذن الاستماع. قال‏ (2) عدي:

في سماع يأذن الشّيخ له‏* * * و حديث مثل ما ذيّ‏ (3) مشار

(4)

و منه قوله- (عليه السلام)-: ما أذن اللّه لشي‏ء كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن.

وَ حُقَّتْ‏ (2): و جعلت حقيقة بالاستماع و الانقياد. يقال: حقّ بكذا، فهو محقوق و حقيق.

وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ‏ (4): بسطت، بأن تزال جبالها و آكامها.

وَ أَلْقَتْ ما فِيها: ما في جوفها من الكنوز و الأموات.

و في مجمع البيان‏ (5): روى أبو هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: تبدّل الأرض غير الأرض و السماوات، فيبسطها و يمدّها مدّ الأديم العكاظيّ، لا ترى فيها عوجا و لا أمتا.

وَ تَخَلَّتْ‏ (4): و تكلّفت في الخلوّ أقصى جهدها، حتّى لم يبق شي‏ء في باطنها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ‏ قال: تمدّ الأرض فتنشقّ، فيخرج النّاس منها.

وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها: في الإلقاء و التّخلّي.

وَ حُقَّتْ‏ (5): للإذن.

و تكرير «إذا» لاستقلال كلّ من الجملتين بنوع من القدرة، و جوابه محذوف للتّهويل بالإبهام. أو الاكتفاء بما مرّ في سورة التّكوير و الانفطار. أو لدلالة قوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ‏ (6): عليه، و تقديره: لاقى الإنسان كدحه، أي: جهدا يؤثّر فيه، من كدحه: إذا خدشه.

____________

(1) الجوامع/ 535.

(2) من هنا إلى موضع سنشير إليه بعد صفحات لا يوجد في ق.

(3) الماذيّ: العسل الأبيض الرقيق.

(4) المشار، بمعنى الأبيض.

(5) المجمع 5/ 324.

(6) تفسير القمّي 2/ 412.

199

أو فَمُلاقِيهِ‏ (1)، و يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ‏] (2) اعتراض.

و الكدح إليه: السّعي إلى لقاء جزائه.

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8): سهلا لا يناقش فيه.

و في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن ابن سنان‏ (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كلّ محاسب معذّب.

فقال له: قائل: يا رسول اللّه، فأين قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً؟

قال: ذلك العرض، يعني: التّصفّح.

و في مجمع البيان‏ (5): فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يريد: أنّه لا يناقش في الحساب، و [لا] (6) يواقف على ما عمل من الحسنات و ماله عليها من الثّواب، و ما حطّ عنه من الأوزار إمّا بالتّوبة أو بالعفو.

و قيل‏ (7): الحساب اليسير التّجاوز عن السّيّئات و الإثابة على الحسنات. و من نوقش في الحساب عذّب، في خبر مرفوع.

و في رواية أخرى‏ (8): يعرّف بعمله ثمّ يتجاوز عنه.

و في حديث آخر (9): ثلاث من كنّ فيه حاسبه اللّه حسابا يسيرا و أدخله الجنّة برحمته.

قالوا: و ما هي، يا رسول اللّه؟

قال: تعطي من حرمك، و تصل من قطعك، و تعفو عمّن ظلمك.

و في محاسن البرقيّ‏ (10): عنه، عن الحسن بن عليّ بن يقطين، عن محمّد بن سنان،

____________

(1) أي: الجواب «فملاقيه» و المعنى: فهو ملاقيه، أي الإنسان يلاقي جزاءه.

(2) ليس في م، ش.

(3) المعاني/ 262، ح 1.

(4) في المصدر زيادة: عن أبي الجارود.

(5) المجمع 5/ 461.

(6) من المصدر.

7 و 8 و 9- نفس المصدر و الموضع.

(10) المحاسن/ 195، ح 16.

200

عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدّنيا.

و في جوامع الجامع‏ (1): حِساباً يَسِيراً، أي: سهلا هيّنا لا يناقش فيه.

و روي‏ (2)، أنّ الحساب اليسير هو الإثابة على الحسنات و التّجاوز عن السّيّئات.

و من نوقش في الحساب عذّب.

وَ يَنْقَلِبُ إِلى‏ أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)، أي: عشيرته المؤمنين، أو فريق المؤمنين، أو أهله في الجنّة من الحور.

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصّيرفيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل: إذا بعث اللّه- عزّ و جلّ- المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه، كلّ ما رأى المؤمن هؤلا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تفزع و لا تحزن و أبشر بالسّرور و الكرامة من اللّه- جلّ و عزّ-. حتّى يقف بين يدي اللّه- جلّ و عزّ- فيحاسبه حسابا يسيرا و يأمر به إلى الجنّة و المثال أمامه.

فيقول له المؤمن: رحمك اللّه، نعم الخارج خرجت معي من قبري و ما زلت تبشّرني بالسّرور و الكرامة من ربّي حتّى رأيت ذلك، فيقول: من أنت؟

فيقول: أنا السّرور الّذي كنت أدخلته‏ (4) على أخيك المؤمن في الدّنيا، خلقني اللّه- جلّ و عزّ- منه لأبشّرك.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه أحوال أهل القيامة، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و النّاس يومئذ على طبقات و منازل فمنهم، من يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا، و منهم الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب لأنّهم لم يتلبّسوا من أمر الدّنيا بشي‏ء (6) و إنّما الحساب هناك على من تلبّس بها هاهنا، و منهم من يحاسب على النّقير و القطمير و يصير إلى عذاب السّعير.

____________

1 و 2- الجوامع/ 535.

(3) الكافي 2/ 190، ح 8.

(4) المصدر: أدخلت.

(5) الاحتجاج/ 244.

(6) ليس في المصدر.

201

و في شرح الآيات الباهرة (1): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-، عن الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [سألته عن‏] (2) قوله- تعالى-: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، وَ يَنْقَلِبُ إِلى‏ أَهْلِهِ مَسْرُوراً.

[فقال‏] (3): هو عليّ و شيعته يؤتون كتبهم بأيمانهم.

وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ‏ (10)، أي: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره.

و قيل‏ (4): تغلّ يمناه إلى عنقه، و تجعل يسراه وراء ظهره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ‏ فهو أبو سلمة، عبد اللّه بن عبد الأسود بن هلال المخزوميّ، و هو من بني مخزوم. وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ‏ فهو أخوه‏ (6)، الأسود بن عبد الأسود بن هلال المخزوميّ، قتله حمزة عن عبد المطلب يوم بدر.

فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (11): يتمنّى الثّبور، و يقول: يا ثبوراه، و هو الهلال. وَ يَصْلى‏ سَعِيراً (12).

و قرأ (7) الحجازيّان و الشّاميّ و الكسائي: «و يصلّى» لقوله‏ (8): وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ‏.

و قرئ‏ (9): و نصلى‏ (10) لقوله‏ (11): وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ‏.

إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ‏: في الدّنيا.

مَسْرُوراً (13): بطرا بالمال و الجاه، فارغا عن الآخرة.

إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14): لن يرجع إلى اللّه- تعالى-.

بَلى‏: إيجاب لما بعد «لن».

و في أصول الكافي‏ (12): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق،

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 782، ح 1.

2 و 3- من المصدر مع المعقوفتين.

(4) أنوار التنزيل 2/ 548.

(5) تفسير القمّي 2/ 412.

(6) ليس في المصدر.

(7) أنوار التنزيل 2/ 548.

(8) الواقعة/ 94.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في ش، و في باقي النسخ: يصلى.

(11) النساء/ 115.

(12) الكافي 2/ 30، ح 1.

202

عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن مسلم‏ (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و انزل في‏ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً، وَ يَصْلى‏ سَعِيراً، إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً، إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلى‏ فهذا مشرك.

و في قرب الإسناد (2) للحميريّ، بإسناده إلى صفوان: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لجبرئيل- (عليه السلام)-: يا جبرئيل، أرني كيف يبعث اللّه- تبارك و تعالى- العباد يوم القيامة.

قال: نعم. فخرج إلى مقبرة بني ساعدة، فأتى قبرا فقال له: اخرج بإذن اللّه.

فخرج رجل ينفض رأسه من التّراب و هو يقول: وا لهفاه. و «اللّهف» الثّبور. ثمّ قال:

ادخل. فدخل. (الحديث) و هو بتمامه مذكور في الحجّ عند قوله‏ (3)- تعالى-: يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله: فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً و «الثّبور» الويل. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ، بَلى‏ يقول: ظنّ أن لن يرجع بعد ما يموت.

إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (15): عالما بأعماله، فلا يهمله بل يرجعه و يجاز به.

فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ‏ (16): الحمرة الّتي ترى في أفق المغرب بعد الغروب.

و قيل‏ (5): البياض الّذي يليها، سمّي به لرقّته، من الشّفقة.

وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ (17): و ما جمعه و ستره من الدّوابّ و غيرها. يقال: وسقه، فاتسق و استوسق. قال:

مستوسقات لو* * * يجدن سائقا

أو طرده إلى أماكنه، من الوسيقة (6).

وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ‏ (18): اجتمع و تمّ بدرا.

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏ (19): حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشّدّة،

____________

(1) المصدر: سالم.

(2) قرب الإسناد/ 27- 28.

(3) الحجّ/ 7.

(4) تفسير القمّي 2/ 412.

(5) أنوار التنزيل 2/ 549.

(6) أي: مأخوذ من الوسيقة، أي: القطيع من الإبل و نحوها يطرده العدوّ.

203

و هو لما طابق غيره، فقيل للحال: المطابقة.

أو مراتب من الشّدّة بعد المراتب، و هي الموت و مواطن القيامة و أهوالها.

أو هي و ما قبلها من الدّواهي، على أنّه جمع، طبقة.

و قرأ (1) ابن كثير و حمزة و الكسائي: «لتركبنّ» بالفتح‏ (2)، على خطاب الإنسان باعتبار اللّفظ، أو الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- على معنى: لتركبن حالا شريفة و مرتبة عالية بعد حال و مرتبة، أو طبقا من أطباق السّماء بعد طبق ليلة المعراج. و بالكسر على خطاب النفس. و بالياء، على الغيب.

و «عن طبق» صفة «لطبقا»، أو حال من الضّمير، بمعنى: مجاوزا لطبق، أو مجاوزين له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ‏ الحمرة بعد غروب الشّمس. وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ‏ يقول: إذا ساق كلّ شي‏ء من الخلق إلى حيث يهلكوا بها.

وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ‏ إذا اجتمع. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏ يقول: حالا بعد حال.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (4): لتركبنّ سنّة من كان قبلكم حذو النّعل بالنّعل و القذّة بالقذّة، لا تخطون طريقهم و لا يخطى شبر بشبر و ذرعا بذراع و باع بباع، حتّى أن لو كان من قبلكم دخل‏ (5) جحر ضبّ لدخلتموه.

قالوا: اليهود و النّصارى تعني، يا رسول اللّه؟

قال: فمن أعني، لتنقض عرى الإسلام عروة (6) عروة، فيكون أوّل ما تنقضون من دينكم الإمامة (7) و آخره الصّلاة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ للقائم غيبة يطول أمدها.

فقلت له: و لم ذلك، يا ابن رسول اللّه؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أي: بفتح الباء.

(3) تفسير القمّي 2/ 413.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «يقول» بدل العبارة الأخيرة.

(5) إلى هنا من موضع أشرنا إليه قبل صفحات لا يوجد في ق.

(6) ليس في ق، ت.

(7) في المصدر زيادة: (الأمانة- خ ل)

(8) كمال الدين/ 480- 481، ح 6.

204

قال: لأنّ اللّه أبى إلّا أن يجري‏ (1) فيه سير (2) الأنبياء في غيباتهم، و إنّه لا بدّ له يا سدير من استيفاء مدد (3) غيباتهم، قال اللّه: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏، أي: سير (4) من كان قبلكم.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏ قال: يا زرارة، أو لم تركب هذه الأمّة بعد نبيّها طبقا عن طبق في أمر فلان و فلان و فلان؟

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول: و ليس كلّ من أقرّ- أيضا- من أهل القبلة بالشّهادتين كان مؤمنا، إنّ المنافقين كانوا يشهدون: أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، و يدفعون عهد رسول اللّه بما عهد به من دين اللّه و عزائمه و براهين نبوّته إلى وصيّه، و يضمرون من الكراهية لذلك، و النّقض لما أبرمه منه عند إمكان الأمر لهم فيما قد بيّنه اللّه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، مثل قوله: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏، أي: لتسلكنّ سبيل من كان قبلكم من الأمم من الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء و هذا كثير في كتاب اللّه.

و في جوامع الجامع‏ (7): و عن أبي عبيدة: لتركبنّ سنن من كان قبلكم من الأوّلين و أحوالهم. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام)-.

و في مجمع البيان‏ (8): لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏، أي لتركبنّ، يا محمّد، سماء بعد سماء تصعد فيها.

و قيل‏ (9): معناه: شدّة بعد [شدّة] (10)، حياة ثمّ موت، ثمّ جزاء.

فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (20): بيوم القيامة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لأنّ اللّه أبى أن لا يجري.

(2) المصدر: سنن.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «انتهاء مدّة» بدل «استيفاء مدد».

(4) المصدر: سنن.

(5) الكافي 1/ 415، ح 17.

(6) الاحتجاج/ 248.

(7) الجوامع/ 535.

(8) المجمع 5/ 461.

(9) نفس المصدر/ 462.

(10) من المصدر.

205

وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ‏ (21): لا يخضعون. أو لا يسجدون لتلاوته.

و في مجمع البيان‏ (1): و في خبر مرفوع، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ فسجد.

و في جوامع الجامع‏ (2): و روي‏ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قرأ ذات يوم:

وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ‏ فسجد هو و من معه من المؤمنين، و قريش نصفّق فوق رؤوسهم و تصفر، فنزلت.

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ‏ (22): بالقرآن.

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ‏ (23): بما يضمرون في صدورهم من الكفر و العداوة.

فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (24): استهزاء بهم.

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: استثناء منقطع. أو متّصل، و المراد:

من تاب و آمن منهم.

لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏ (25): مقطوع. أو ممنون به عليهم.

____________

(1) نفس المصدر/ 462.

(2) الجوامع/ 535.

207

سورة البروج‏

مكّيّة.

و آيها ثنتان و عشرون بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ‏ في فرائضه، فإنّها سورة النّبيّين، كان محشره و موقفه مع النّبيين و المرسلين و الصّالحين.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأها، أعطاه اللّه [من الأجر] (3) بعدد كلّ يوم جمعة و كلّ يوم عرفة يكون في دار الدّنيا عشر حسنات.

وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ‏ (1)، يعني: البروج الاثني عشر، شبّهت بالقصور لأنّها تنزلها السّيّارات و تكون فيها الثّوابت.

أو منازل القمر.

أو عظام الكواكب، سمّيت بروجا لظهورها.

أو أبواب السّماء، فإنّ النّوازل تخرج منها.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 150، ح 1.

(2) المجمع 5/ 463.

(3) ليس في ق، ش، م.

208

و أصل التّركيب للظّهور (1).

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة: عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و لقد سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنا عنده عن الأئمّة بعده.

فقال للسّائل: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ‏ إنّ عددهم بعدد البروج، و برّ اللّيالي و الأيّام و الشهور، إنّ عدّتهم كعدّة الشّهور.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ للشّمس ثلاثمائة و ستّين برجا، كلّ برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب، و تنزيل كلّ يوم على برج منها، فإذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثمّ تردّ إلى موضع مطلعها و معها [ملكان يهتفان معها] (4).

و في كتاب الخصال‏ (5): عن أبان بن تغلب قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذا دخل إليه رجل من أهل اليمن ...- إلى قوله-:

قال- (عليه السلام)-: يا أخا أهل اليمن، عندكم علماء؟

فقال اليمانيّ: نعم، جعلت فداك، إنّ في اليمن قوما ليسوا كأحد من النّاس في علمهم.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و ما يبلغ من علم عالمهم؟

فقال له اليمانيّ: إنّ علم عالمهم ليزجر الطّير، و يقفو الأثر في السّاعة الواحدة مسيرة شهر للرّاكب المجدّ.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فإن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن.

قال اليمانيّ: و ما بلغ من علم عالم المدينة؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ [علم‏] (6) عالم المدينة ينتهي إلى حيث لا يقفو

____________

(1) أي: التركيب من الباء و الجيم و الزاء يتضمّن لمعنى الظهور.

(2) كمال الدين/ 260، ح 5.

(3) الكافي 8/ 157، ح 148.

(4) ليس في ق.

(5) الخصال/ 489- 490، ح 68

(6) من المصدر.

209

الأثر و يزجر الطّير، و يعلم ما في اللّحظة الواحدة مسيرة الشّمس تقطع اثني عشر برجا (1)، و اثني عشر برّا، و اثني عشر بحرا، و اثني عشر عالما.

فقال له اليمانيّ: جعلت فداك، ما ظننت أنّ أحدا يعلم هذا أو يدري ما كنهه.

قال: ثمّ قام اليمانيّ و خرج.

وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2).

في مجمع البيان‏ (2): وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، يعني: يوم القيامة في قول جميع المفسّرين، و هو [اليوم‏] (3) الّذي تجازى فيه الخلائق و يفصل فيه القضاء.

وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ (3).

قيل‏ (4): و من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق، و ما أحضر فيه من العجائب.

و تنكيرهما للإبهام في الوصف، أي: و شاهد و مشهود لا يكتنه وصفهما. أو المبالغة في الكثرة، كأنّه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد و مشهود. أو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و [أمّته، أو] (5) أمّته و سائر الأمم. أو كلّ نبيّ و أمّته. أو الخالق و الخلق، أو عكسه، فإنّ الخالق مطّلع على خلقه و هو شاهد على وجوده. أو الملك الحفيظ و المكلّف.

أو يوم النّحر أو عرفة و الحجيج. أو يوم الجمعة و المجمع، فإنّه يشهد له. أو كلّ يوم و أهله.

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-:

وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قال: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في كتاب معاني الأخبار (7): سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ.

قال: الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم عرفة.

[و بإسناده‏ (8) إلى أبي عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم عرفة،] (9) و الموعود يوم القيامة.

____________

(1) المصدر: بروجا.

(2) المجمع 5/ 466.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 550.

(5) ليس في ق.

(6) الكافي 1/ 425، ح 69.

(7) المعاني/ 298- 299، ح 2.

(8) نفس المصدر/ 299، ح 3.

(9) ليس في ق، ش.

210

و بإسناده‏ (1) إلى يعقوب بن شعيب‏ (2) قال: سألت أبا عبد اللّه عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ.

قال: الشّاهد يوم عرفة.

و بإسناده‏ (3) إلى محمّد بن هاشم: عمّن روى، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سأله الأبرش الكلبيّ عن قوله: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و ما قيل لك؟

فقال: قالوا: الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم عرفة.

فقال- (عليه السلام)-: ليس كما قيل لك، الشّاهد يوم عرفة، و المشهود يوم القيامة، أما تقرأ القرآن؟ قال اللّه‏ (4)- عزّ و جلّ-: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.

عن الحسين بن سعيد (5)، عن فضّالة، عن أبان، عن أبي الجارود، عن أحدهما (6)- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قال: الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم عرفة، و الموعود يوم القيامة.

أبي‏ (7) قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن موسى الخشّاب [عن عليّ بن حسّان‏] (8)، عن عبد الرّحمن بن كثير الهاشميّ، مولى أبي جعفر- (عليه السلام)-، محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قال: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قال: الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم القيامة.

و في مجمع البيان‏ (10): وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ فيه أقوال:

أحدها، أنّ الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم عرفة ... عن ابن عبّاس و قتادة،

____________

(1) نفس المصدر/ 299، ح 4.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سعيد.

(3) نفس المصدر/ 299، ح 5.

(4) هود/ 103.

(5) نفس المصدر/ 299، ح 6.

(6) ق، ش، م: عن أبي جعفر.

(7) نفس المصدر/ 299، ح 7.

(8) ليس في ق، ش.

(9) تفسير القمّي 2/ 413.

(10) المجمع 5/ 466.

211

و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-. و روي ذلك عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

...- إلى قوله-: و ثالثها، أنّ الشّاهد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المشهود يوم القيامة ... عن ابن عبّاس [في رواية أخرى‏] (1) و سعيد بن المسيّب، و هو المرويّ عن الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-.

روي‏ (2) أنّ رجلا دخل مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإذا رجل يحدّث عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: فسألته عن الشّاهد و المشهود، فقال: نعم الشّاهد يوم الجمعة، و المشهود يوم عرفة.

فجزته إلى آخر يحدّث عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألته عن ذلك، فقال: أمّا الشّاهد فيوم الجمعة و أمّا المشهود يوم النّحر.

فجزتهما إلى غلام، كأنّ وجهه الدّينار، و هو يحدّث عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقلت: أخبرني عن شاهد و مشهود.

فقال: نعم، أمّا الشّاهد فمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعت اللّه يقول‏ (3): يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً. و قال‏ (4):

ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.

فسألت عن الأوّل، فقالوا: ابن عبّاس. و سألت عن الثّاني، فقالوا: ابن عمر.

و سألت عن الثّالث، فقالوا: الحسن بن عليّ- (عليه السلام)-.

و قيل‏ (5): الشّاهد الأيّام و اللّيالي، و المشهود بنو آدم، و ينشد للحسين بن عليّ- (عليه السلام)-:

مضى امسك الماضي شهيدا معدلا* * * و خلّفت‏ (6) في يوم عليك شهيد

فإن أنت بالأمس اقترفت إساءة* * * فقيّد بإحسان و أنت حميد

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الأحزاب/ 45.

(4) هود/ 103.

(5) نفس المصدر/ 467.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: خلف.

212

و لا ترج فعل الخير يوما إلى غد* * * لعلّ غدا يأتي و أنت فقيد

وي الصّحيفة السّجاديّة (1)، في دعائه عند الصّباح و المساء: هذا يوم حادث جديد، و هو علينا شاهد عتيد، إن أحسنّا ودّعنا بحمد (2)، و إنّ أسأنا فارقنا بذمّ.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: رسول اللّه الشّاهد علينا بما بلّغنا عن اللّه، و نحن الشّهداء [على الناس‏] (4).

قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4).

قيل‏ (5): إنّه جواب القسم، على تقدير: لقد قتل.

و قيل‏ (6): إنّه دليل جواب محذوف، كأنّه قيل: إنّهم ملعونون، يعني: كفّار مكّة، كما لعن أصحاب الأخدود، فإنّ السّورة وردت لتثبيت المؤمنين و تعبيرهم على أذاهم، و تذكيرهم بما جرى على من قبلهم.

و «الأخدود» جمع‏ (7) الخدّ، و هو الشّقّ في الأرض. و نحوهما بناء و معنى، الخقّ، و الأخقوق.

و في محاسن البرقيّ‏ (8): عنه، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن مفضّل بن صالح، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: بعث اللّه نبيّا حبشيّا إلى قومه فقاتلهم‏ (9)، فقتل أصحابه و أسروا، و أخّدوا لهم أخدودا من نار، ثمّ نادوا:

من كان من أهل ملّتنا فليعتزل، و من كان على دين هذا النّبيّ فليقتحم النّار.

فجعلوا يقتحمون النّار، و أتت امرأة معها صبيّ لها فهابت النّار، فقالت لها صبيّها: اقتحمي.

قال: فاقتحمت، و هم أصحاب الأخدود.

و في مجمع البيان‏ (10): روى مسلم في الصّحيح، عن هدية بن خالد، عن حمّاد بن‏

____________

(1) الصّحيفة السجاديّة/ 52، الدعاء 6.

(2) م، ش: بخير.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 783، ضمن ح 2.

(4) ليس في ق.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 550.

(7) ليس في المصدر.

(8) المحاسن/ 249- 250، ح 262.

(9) ليس في ق، ش، م.

(10) المجمع 5/ 464- 466.

213

سلمة، عن ثابت عن‏ (1) عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر، فلمّا مرض السّاحر قال: إنّي قد حضر أجلي، فادفع إليّ غلاما أعلّمه السّحر.

فدفع إليه غلاما، و كان يختلف إليه، و بين السّاحر و الملك راهب، فمرّ الغلام بالرّاهب فأعجبه كلامه و أمره، فكان يطيل عنده القعود، فإذا أبطأ عن السّاحر ضربه، و إذا أبطأ عن أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الرّاهب فقال:

يا بنيّ، إذا استبطأك السّاحر فقال: حبسني أهلي، و إذا استبطأك أهلك فقل:

حبسني السّاحر.

فبينما هو ذات يوم إذا بالنّاس قد غشيتهم‏ (2) دابّة [عظيمة] (3) فظيعة (4)، فقال:

اليوم أعلم أمر السّاحر أفضل، أم أمر (5) الرّاهب.

فأخذ حجرا فقال: اللّهمّ، إن كان أمر الرّاحب أحبّ إليك فاقتل هذه الدّابّة.

فرمى فقتلها و مضى النّاس، فأخبر بذلك الرّاهب فقال:

و جعل يداوي النّاس فيبرئ الأكمه و الأبرص، فبينما هو كذلك إذ عمي جليس للملك، فأتاه و حمل إليه مالا كثيرا، فقال:

اشفني، و لك ما هاهنا.

فقال: أنا لا أشفي أحدا و لكنّ اللّه يشفي، فإن آمنت باللّه دعوت اللّه فشفاك.

قال: فآمن، فدعا اللّه فشفاه، فجلس إلى الملك فقال:

يا فلان، من شفاك؟

فقال: ربّي.

قال: أنا؟

قال: لا، ربّي و ربّك، اللّه.

قال: أو أنّ لك ربّا غيري؟

قال: نعم، ربّي و ربّك، اللّه.

____________

(1) المصدر: بن.

(2) المصدر: حبستهم.

(3) من المصدر.

(4) ش: عظيمة.

(5) من ش و المصدر.

214

فأخذه، فلم يزل به حتّى دلّه على الغلام، فبعث إلى الغلام فقال: لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه و الأبرص.

قال: ما أشفي أحدا، و لكنّ اللّه يشفي.

قال: أو أنّ لك ربّا غيري؟

قال: نعم، ربّي و ربّك، اللّه.

فأخذه، فلم يزل به حتّى دلّه على الرّاهب، فوضع المنشار عليه فنشره حتّى وقع شقّتين.

فقال للغلام: ارجع عن دينك. فأبى، فأرسل معه نفرا و قال: اصعدوا به جبل و كذا و كذا، فإن رجل عن دينه و إلّا فدهدهوه‏ (1) منه.

قال: فعلّوا به الجبل.

فقال: اللّهمّ، أكفنيهم بما شئت. فرجف‏ (2) بهم الجبل، فتدهدهوا (3) أجمعون، و جاء إلى الملك.

فقال: ما صنع أصحابك؟

فقال: كفايتهم اللّه.

فأرسل به مرّة أخرى، قال: انطلقوا به فلجّجوه في البحر، فإن رجع و إلّا فغرّقوه.

فانطلقوا به في قرقور (4)، فلمّا توسّطوا به البحر فقال: اللّهمّ‏ (5) اكفنيهم بما شئت.

فانكفأت بهم السّفينة، و جاء حتى قام بين يدي الملك.

فقال: ما صنع أصحابك؟ فقال كفانيهم اللّه.

ثمّ قال: إنّك لست بقاتلي حتّى تفعل ما آمرك به، اجمع النّاس، ثمّ اصلبني على جذع، ثمّ خذ سهما من كنانتي، ثمّ ضعه على كبد القوس، ثمّ قل: باسم ربّ الغلام.

فإنّك ستقتلني.

قال: فجمع النّاس و صلبه، ثمّ أخذ سهما من كنانته فوضعه على كبد القوس، و قال: باسم ربّ الغلام. و رمى، فوقع [السّهم‏] (6) في صدغه و مات.

____________

(1) أي: دحرجوه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فرجعت.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فدهدهوا.

(4) القرقور: السفينة الطّويلة.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) من المصدر.

218

و يحملهم على اليهوديّة و يدخلهم فيها.

فسار حتّى قدم نجران، فجمع من كان بها على دين النّصرانيّة، ثمّ عرض عليهم دين اليهوديّة و الدّخول فيها، فأبوا عليه، فجادلهم و عرض عليهم و حرص الحرص كلّه، فأبوا عليه و امتنعوا من اليهوديّة و الدّخول فيها، و اختاروا القتل، فخدّ لهم أخدودا و جمع فيه الحطب و أشعل فيه النّار، فمنهم من احرق بالنّار، و منهم من قتل بالسّيف و مثّل بهم كلّ مثلة، فبلغ عدد من قتل و احرق بالنّار عشرين ألفا، و أفلت منهم رجل يدعى دوس‏ (1) ذو ثعلبان‏ (2) على فرس له، ركضه، و اتّبعوه حتّى أعجزهم في الرّمل، و رجع ذو نؤاس‏ (3) إلى ضيعته في جنوده، فقال اللّه: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ- إلى قوله-: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

و في روضة الكافي‏ (4): محمّد بن سالم بن أبي سلمة (5)، عن أحمد بن الريّان، عن أبيه، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قد كان قبلكم قوم يقتلون و يحرّقون و ينشرون بالمناشير و تضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردّهم عمّا هم عليه شي‏ء ممّا هم فيه من ترة و تروا (6) من فعل ذلك بهم و لا أذى‏ (7)، بل ما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد، فسلوا ربّكم درجاتهم، و اصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم.

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏: بلوهم بالأذى.

ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ‏: بكفرهم.

وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ‏ (10): العذاب الزّائد في الإحراق بفتنتهم.

و قيل‏ (8): المراد بالّذين فتنوا: أصحاب الأخدود [خاصّة] (9)، و بعذاب الحريق:

ما روي أنّ النّار انقلبت عليهم فأحرقتهم.

____________

(1) ق، ن، ت، ي، ر: روس.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ذوا تعليان (قعليان- ت)

(3) كذا في المصدر. و في ش: رانواس. و في ق:

دانوس.

و في غيرهما رانوس.

(4) الكافي 8/ 247- 248، ح 347.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 115. و في النسخ: محمّد بن سلم بن أبي سلمة.

(6) كذا في المصدر. و في ق، ش: «نزد و نزدا» و في غيرهما: «ترد و تردا» بدل «ترة و تروا».

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أدى.

(8) أنوار التنزيل 2/ 551.

(9) من المصدر.

221

اللّوح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ: قال: اللّوح المحفوظ له طرفان: طرف على يمين العرش و طرف على جبهة إسرافيل، فإذا تكلّم الربّ- جلّ ذكره- بالوحي، و ضرب اللّوح جبين‏ (2) إسرافيل، فنظر في اللّوح، فيوحي بما في اللّوح إلى جبرئيل.

و في أمالي الصّدوق‏ (3)، بإسناده إلى عليّ بن بلال: عن الرّضا- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللّوح [عن القلم‏] (4) قال: يقول اللّه: ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- حصني، فمن دخل حصني أمن ناري.

و في كتاب المناقب‏ (5) لابن شهرآشوب: كتب ملك الرّوح إلى عبد الملك: أكلت لحم الجمل الّذي هرب عليه أبوك من المدينة، لأغزونّك بجنود مائة ألف و مائة ألف [و مائة ألف‏] (6).

فكتب عبد الملك إلى الحجّاج، أن يبعث إلى زين العابدين و يتوعّده و يكتب إليه ما يقول، ففعل.

فقال عليّ بن الحسين: إنّ للّه لوحا محفوظا، يلحظه في كلّ يوم ثلاثمائة لحظة، ليس منها لحظة إلّا يحيي فيها و يميت، و يعزّ و يذلّ، و يفعل ما يشاء، و إنّي لأرجو أن يكفيك منها لحظة واحدة.

فكتب بها الحجّاج إلى عبد الملك، فكتب [عبد الملك بذلك‏] (7) إلى ملك الرّوم.

فلمّا قرأه قال: ما خرج هذا إلّا من كلام النّبوّة.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 414- 415.

(2) ن: جبهة.

(3) أمالي الصّدوق/ 195، ح 9.

(4) ليس في ق، ش، م.

(5) المناقب 4/ 161.

(6) ليس في ق، ش.

(7) ليس في ق، ش، م.

220

السّلام‏- في قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فهو اللّه الكريم المجيد.

حدّثني‏ (1) أبي، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللّه‏ (2)- (عليه السلام)- قال: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عنده جبرئيل إذ حانت من جبرئيل نضرة قبل السّماء.

... إلى أن قال: قال جبرئيل: إنّ هذا إسرافيل حاجب الرّبّ و أقرب خلق اللّه منه و اللّوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلّم الرّبّ- تبارك و تعالى- بالوحي، ضرب اللّوح جبينه فنظر فيه، ثمّ ألقاه إلينا نسعى به في السّماوات و الأرض.

فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16): لا يمتنع عليه مراد من أفعاله و أفعال غيره.

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ (18).

أبدلهما من «الجنود» لأنّ المراد بفرعون: هو و قومه، و المعنى: قد عرفت تكذيبهم للرّسل و ما حاق بهم، فتسلّ و اصبر على تكذيب قومك، و حذّرهم مثل ما أحاط بهم.

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ‏ (19): لا يرعوون‏ (3) عنه.

و معنى الإضراب: أنّ حالهم أعجب من حال هؤلاء، فإنّهم سمعوا قصّتهم و رأوا آثار هلاكهم و كذّبوا أشدّ من تكذيبهم.

وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20): لا يفوتونه، [كما لا يفوت‏] (4) المحاط المحيط.

بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21): بل هذا الّذي كذّبوا به كتاب شريف، وحيد في النّظم و المعنى.

و قرئ‏ (5): «قرآن مجيد» بالإضافة، أي: قرآن ربّ مجيد.

فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22): من التّحريف.

و قرأ (6) نافع محفوظ، بالرّفع، صفة «للقرآن».

و قرئ‏ (7): «في لوح» و هو الهواء، يعني: ما فوق السّماء السّابعة الذي فيه‏

____________

(1) نفس المصدر 2/ 27- 28.

(2) المصدر: عن أبي جعفر.

(3) أي: لا يكفّون و لا ينزجرون.

(4) ليس في ق، ش.

(5) أنوار التنزيل 2/ 551.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر/ 551- 552.

217

سألته عن النّيران.

[فقال: النيران‏] (1) أربعة: نار تأكل و تشرب، نار تأكل و لا تشرب، و نار تشرب و لا تأكل، و نار لا تأكل و لا تشرب، فالّتي تأكل و تشرب فنار ابن آدم و جميع الحيوان، و الّتي تأكل و لا تشرب فنار الوقود، و الّتي تشرب و لا تأكل فنار الشّجر، و الّتي لا تأكل و لا تشرب فهي نار القداحة و الحباحب‏ (2).

إِذْ هُمْ عَلَيْها: على حافّة النّار.

قُعُودٌ (6): قاعدون.

وَ هُمْ عَلى‏ ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7): يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأنّه لم يقصّر فيما أمره به. أو يشهدون على ما يفعلون يوم القيامة، حتّى تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم.

وَ ما نَقَمُوا: و ما أنكروا.

مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8): استثناء على طريقة قوله:

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم‏* * * بهنّ فلول من قراع الكتائب‏

و وصفه بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه، ميدا منعما يرجى ثوابه، و قرّر (3) ذلك بقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (9):

للإشعار بما يستحقّ أن يؤمن به و يعبد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ قال: كان سببهم أنّ الّذي هيّج الحبشة على غزوة اليمن ذو نؤاس، و هو آخر من ملك من حمير، تهوّد (5) و اجتمعت معه حمير على اليهوديّة، و سمّى نفسه: يوسف، و أقام على ذلك حينا من الدّهر، ثمّ أخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النّصرانيّة، و كانوا على دين عيسى و على حكم الإنجيل، و رأس‏ (6) ذلك الدّين عبد اللّه بن بريامن‏ (7)، فحمله‏ (8) أهل دينه على أن يسير إليهم‏

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) نار الحباحب: ما تطاير من شرر النّار في الهواء من تصادم الحجارة أو نحو ذلك.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 551. و في النسخ:

قرن.

(4) تفسير القمّي 2/ 413- 414.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يهود.

(6) ق، ش، م: رئيس.

(7) ش: برناس.

(8) كذا في المصدر. و في ق: ش: فجملة. و في غيرها: جملة.

216

رجلا حبشيّا نبيّا، و هم حبشة، فكذّبوه‏ (1) فقاتلهم فقتلوا أصحابه و أسروه و أسروا أصحابه، ثمّ بنوا له حيرا (2)، ثمّ ملأوه‏ (3) نارا، ثمّ جمعوا النّاس فقالوا: من كان على ديننا و أمرنا فليعتزل، و من كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النّار معه. فجعل أصحابه يتهافتون في النّار، فجاءت امرأة معها صبيّ لها ابن شهر، فلمّ هجمت [على النار] (4) هابت و رقّت على ابنها، فنادى الصّبيّ: لا تهابي، و ارميني و نفسك في النّار، فإنّ هذا، و اللّه، في اللّه قليل. فرمت بنفسها في النّار و صبيّها، و كان ممّن تكلّم في المهد.

و بإسناده‏ (5): عن ميثم التّمّار قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و ذكر أصحاب الأخدود، فقال: كانوا عشرة، و على مثالهم عشرة يقتلون في هذا السّوق.

النَّارِ: بدل من «الأخدود» بدل الاشتمال.

ذاتِ الْوَقُودِ (5): صفة لها بالعظمة و كثرة ما يرتفع به لهبها، و «اللّام» في «الوقود» للجنس.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ:

عمّن حدّثه، عن إسماعيل [بن أعبل‏] (7)، عن أبيه، عن‏ (8) أبي رافع، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه‏ و قد ذكر بخت نصر: و ملك بعده مهر فيه‏ (9) بن بخت نصر ستّ عشرة سنة و ستّة (10) و عشرين يوما، و أخذ عند ذلك دانيال، و حفر له جبّا في الأرض، و طرح فيه دانيال و أصحابه و شيعته من المؤمنين، فألقى عليهم النّيران، فلمّا رأى أنّ النّار ليست تقربهم و لا تحرقهم استودعهم الجبّ و فيه الأسد و السّباع، و عذّبهم بكلّ لون من العذاب حتّى خلّصهم اللّه- عزّ و جلّ- منه، و هم الّذين ذكرهم اللّه في كتابه فقال- جلّ و عزّ-: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ.

و في كتاب الخصال‏ (11) عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) ليس في ق.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جسرا.

و الحير: شبه الخطيرة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ملأه.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) كمال الدّين/ 226، ح 20.

(7) ليس في ق، ش. و في المصدر: بن أبي رافع.

(8) ليس في المصدر.

(9) المصدر: مهرقيه. و في نور الثقلين 5/ 543، ح 22: مهرويه.

(10) ليس في المصدر.

(11) الخصال/ 227، ح 62.

219

و في جوامع الجامع‏ (1): إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏، أي: أحرقوهم و عذّبوهم بالنّار، و هم أصحاب الأخدود، «فلهم» في الآخرة عَذابُ جَهَنَّمَ‏ بكفرهم‏ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ‏ (2) في الدّنيا، لما روي أنّ النّار انقلبت عليهم فأحرقتهم.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11): إذ الدّنيا و ما فيها تصغر دونه.

و في شرح الآيات الباهرة (3): روى محمّد بن العبّاس، عن الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن مقاتل، عن عبد اللّه بن بكير، عن صباح‏ (4) الأزرق قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا (الآية) هو أمير المؤمنين و شيعته- (صلوات اللّه عليه و عليهم و سلامه و رحمته) -.

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12): مضاعف عنفه، فإنّ البطش أخذ بعنف.

إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ (13): يبدئ الخلق و يعيده. أو يبدئ البطش بالكفرة في الدّنيا، و يعيده في الآخرة.

وَ هُوَ الْغَفُورُ: لمن تاب. الْوَدُودُ (14): المحبّ لمن أطاع.

ذُو الْعَرْشِ‏: خالقه.

و قيل‏ (5): المراد بالعرش، الملك.

و قرئ‏ (6): «ذي العرش» صفة «لربّك».

الْمَجِيدُ (15): العظيم في ذاته و صفاته، فانّه واجب الوجود، تامّ القدرة و الحكمة.

و جرّه‏ (7) حمزة و الكسائي صفة «لربّك»، أو «للعرش».

و «مجده» علوّه و عظمته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- عليه‏

____________

(1) الجوامع/ 536.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و هي نار أخرى عظيمة بإحراقهم المؤمنين و لهم عذاب جهنم في الآخرة «و لهم في ق هنا زيادة أخرى:

أحرقوهم و عذّبوهم بالنار و هم أصحاب الأخدود) عذاب الحريق».

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 784، ح 3.

(4) ن: صالح.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 551.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمّي 2/ 414.

215

فقال النّاس: آمنّا بربّ الغلام.

فقيل له: أ رأيت ما كنت تخاف قد نزل، و اللّه، بك آمن النّاس.

فأمر بالأخدود، فخدّدت على أفواه السّكك، ثمّ أضرمها نارا فقال: من رجع عن دينه فدعوه، و من أبى فاقحموه فيها.

فجعلوا يتقحّمونها، و جاءت امرأة بابن لها، فقال لها: يا امه، اصبري، فإنّك على الحقّ.

قال ابن المسيّب‏ (1): كنّا عند عمر بن الخطّاب إذ ورد عليه: أنّهم احتفروا فوجدوا ذلك الغلام و هو واضع يده على صدغه، كلّما مدّت يده عادت‏ (2) إلى صدغه: فكتب عمر: واروه حيث وجدتموه.

و روى سعيد بن جبير (3) قال: لما انهزم أهل إسفندهان‏ (4) قال عمر بن الخطّاب: ما هو يهود و لا نصارى، و لا لهم كتاب، و كانوا مجوسا.

فقال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: بلى، قد كان لهم كتاب و لكنّه رفع، و ذلك أنّ ملكا لهم سكر فوقع على ابنته، أو قال: على أخته.

فلمّا أفاق قال لها: كيف المخرج ممّا وقعت فيه؟

قالت: تجمع أهل مملكتك و تخبرهم أنّك ترى نكاح البنات، و تأمرهم أن يحلّوه.

فجمعهم فأخبرهم، فأبوا أن يتابعوه، فخدّ لهم أخدودا في الأرض و أوقد فيه النّيران و عرضهم عليها، فمن أبى قبول ذلك قذفه [في النار] (5)، و من أجاب خلّى سبيله.

و قال الحسن‏ (6): كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ ذكر عنده أصحاب الأخدود تعوّذ باللّه من جهد البلاء.

و روى العيّاشي‏ (7)، بإسناده: عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أرسل عليّ- (عليه السلام)- إلى أسقف نجران يسأله عن أصحاب الأخدود، فأخبره بشي‏ء.

فقال- (عليه السلام)-: ليس كما ذكرت، و لكن سأخبرك عنهم، إنّ اللّه بعث‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في المصدر. و في ن: السندهان. و في ت، ي، ر: استبدهان. و في ق، ش، م:

استدهان.

(5) يوجد في ن، ي، المصدر.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

223

سورة الطّارق‏

مكّيّة.

و آيها ستّ، أو سبع عشرة آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من كانت قراءته في فرائضه بالسّماء و الطّارق، كان‏ (2) له عند اللّه يوم القيامة جاه و منزلة، و كان من رفقاء النّبيّين و أصحابهم في الجنّة.

و في مجمع البيان‏ (3): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، أعطاه اللّه بعدد كلّ نجم في السّماء عشر حسنات.

وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ‏ (1): و الكوكب البادي باللّيل. هو في الأصل لسالك الطّريق، و اختصّ عرفا بالآتي ليلا، ثمّ استعمل للبادي فيه.

وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏ (3).

قيل‏ (4): أي: المضي‏ء، كأنّه يثقب الظّلام بضوئه فينفذ فيه، أو الأفلاك. و المراد:

الجنس، أو المعهود بالثّقب، و هو زحل‏ (5)، عبّر عنه أوّلا بوصف عامّ ثمّ فسّره بما يخصّه‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 150، ح 1.

(2) ن، ت، ي، ر، المصدر: كانت.

(3) المجمع 5/ 469.

(4) أنوار التنزيل 2/ 552.

(5) لأنّ الثاقب أحد معاينة: المرتفع العالي.

224

تفخيما لشأنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ‏ قال: «الطّارق» النّجم الثّاقب و هو نجم العذاب، و نجم القيامة و هو زحل في أعلى المنازل‏ (2).

حدّثنا (3) جعفر بن أحمد (4)، عن عبيد اللّه‏ (5) بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة (6)، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ‏ قال: «السّماء» في هذا الموضع أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و «الطّارق» الّذي يطرق الأئمّة من عند اللّه ممّا يحدث باللّيل و النّهار، و هو الرّوح الّذي مع الأئمّة يسدّدهم.

قلت: النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏؟

قال: ذاك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبان بن تغلب قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن، و ذكر حديثا طويلا، و فيه: فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

فما زحل عندكم في النّجوم؟

قال اليمانيّ: نجم نحس.

فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: [مه!] (8) لا تقولنّ هذا، فإنّه نجم أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و هو نجم الأوصياء، و هو النّجم الثّاقب الّذي قال اللّه في كتابه.

فقال له اليمانيّ: فما يعني بالثّاقب؟

قال: لأنّ مطلعه في السّماء السّابعة، و إنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء في السّماء الدّنيا، فمن ثمّ سمّاه اللّه النّجم الثّاقب.

إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها، أي: إن الشّأن كلّ نفس لعليها.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 415.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: المنزل.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ن: محمّد.

(5) ق، ش، المصدر: عبد اللّه.

(6) المصدر: «عن الحسين بن عليّ، عن ابن أبي حمزة» بدل «عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة».

(7) الخصال/ 489- 490، ح 68.

(8) من المصدر.

225

حافِظٌ (4): رقيب. «فإنّ» المخفّفة، و «اللّام» الفاصلة، و «ما» زائدة.

و قرأ (1) ابن عمر و عاصم و حمزة: «لمّا» على أنّها بمعنى: إلّا، و «إن» نافية، و الجملة على الوجهين جواب القسم.

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ‏ (5).

لمّا ذكر إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ أتبعه توصية الإنسان بالنّظر في بداءته ليعلم صحّة إعادته، فلا يملي على حافظه، إلّا ما يسرّه في عاقبته.

خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ‏ (6): جواب الاستفهام.

و ماءٍ دافِقٍ‏ بمعنى: ذي دفق، و هو صبّ فيه دفع، و المراد: الممتزج من الماءين في الرّحم لقوله: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ (7): من بين صلب الرّجل و ترائب المرأة، و هي عظام صدرها.

و لو صحّ أنّ النّطفة تتولّد من فضل الهضم الرّابع و تنفصل عن جميع الأعضاء حتّى تستعدّ لأن يتولّد منها مثل تلك الأعضاء، و مقرّها عروق ملتفّ بعضها بالبعض عند البيضتين، فلا شكّ أنّ الدّماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، و لذلك تشبهه و يسرع الإفراط بالجماع بالضّعف فيه، و له خليفة و هو النّخاع، و هو في‏ (2) الصّلب و شعبة كثيرة نازلة إلى التّرائب، و هما أقرب إلى أوعية المنيّ فلذلك خصّا بالذّكر.

و قرئ‏ (3): «الصّلب» بفتحتين. و «الصّلب» بضمّتين. و فيه لغة رابعة، و هي «صالب».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ قال: الملائكة.

قوله: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ‏ قال: النّطفة الّتي تخرج بقوّة. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قال: «الصّلب» الرّجل، و «التّرائب» المرأة، و هي صدرها.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ: قال أبو محمد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)-: سأل عبد اللّه بن صوريا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أخبرني، يا محمّد، الولد يكون من الرّجل أو المرأة؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 552.

(2) في ق، ش، م، زيادة: الأصل.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 2/ 415.

(5) الاحتجاج/ 43.

226

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّا العظام و العصب و العروق فمن الرّجل، و أمّا اللّحم و الدّم و الشّعر فمن المرأة.

قال: صدقت، يا محمّد.

ثمّ قال: فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شي‏ء، و يشبه أخواله و ليس فيه من شبه أعمامه شي‏ء؟

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشّبه له.

قال: صدقت، يا محمّد.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و عن ثوبان‏ (1) قال: إنّ يهوديّا قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أفلا أسألك عن شي‏ء لا يعلمه إلّا نبيّ؟

قال: و ما هو؟

قال: عن شبه الولد بأبيه و أمّه.

قال: ماء الرّجل أبيض غليظ و ماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ماء الرّجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن اللّه و من‏ (2) قبل ذلك يكون الشّبه، و إذا علا ماء المرأة ماء الرّجل خرج الولد أنثى بإذن اللّه و من‏ (3) قبل ذلك يكون الشّبه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده: عن أنس بن مالك، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه‏ لعبد اللّه بن سلام و قد سأله عن مسائل: و إذا سبق ماء الرّجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه.

و بإسناده‏ (5) إلى محمّد بن عبد اللّه بن زرارة: عن عليّ بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: تعتلج النّطفتان في الرّحم فأيّتهما كانت أكثر جاءت بشبهها (6)، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت بشبه‏ (7) [أخواله، و إن كانت نطفة

____________

(1) نفس المصدر/ 50.

(2) في المصدر زيادة: تشبه أباه.

(3) في المصدر زيادة: تشبه أمّه.

(4) العلل/ 95، ح 3.

(5) نفس المصدر، ح 4.

(6) المصدر تشبهها.

(7) المصدر: تشبه.

227

الرجل اكثر جاءت بشبه‏ (1)] (2) أعمامه.

و قال: تجول‏ (3) النّطفة في الرّحم أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو اللّه، ففي تلك الأربعين قبل أن تخلق. ثمّ يبعث اللّه ملك الأرحام فيأخذها فيصعد بها إلى اللّه- عزّ و جلّ- فيقف [منه‏] (4) ما شاء اللّه، فيقول: يا إلهي، أذكر أم أنثى؟ فيوحي اللّه ما يشاء، و يكتب الملك.

و بإسناده‏ (5) إلى داود بن القاسم الجعفريّ: عن أبي جعفر الثّاني، عن الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال‏ مجيبا للخضر بأمر (6) أمير المؤمنين، و قد سأل أمير المؤمنين عن مسائل: و أمّا ما ذكرت من أمر الرّجل يشبه [ولده‏] (7) أعمامه و أخواله، فإنّ الرّجل إذا أتى أهله بقلب ساكن و عروق هادئة و بدن غير مضطرب استكنت‏ (8) تلك النّطفة في تلك الرّحم فخرج الولد يشبه أباه و أمّه، و إن هو أتاها بقلب غير ساكن و عروق غير هادئة و بدن مضطرب اضطربت تلك النّطفة في جوف تلك الرّحم فوقعت على عرق [من العروق. فإن وقعت على عرق‏] (9) من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، فإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.

و بإسناده‏ (10) إلى عليّ بن أبي حمزة: عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت له: إن الرّجل ربّما أشبه أخواله، و ربّما أشبه أباه، و ربّما أشبه عمومته.

فقال- (عليه السلام)-: إنّ نطفة الرّجل بيضاء غليظة و نطفة المرأة صفراء رقيقة، فإن غلبت نطفة الرّجل [نطفة المرأة] (11) أشبه الرّجل أباه و عمومته، و إن غلبت نطفة المرأة [نطفة الرجل‏] (12) أشبه الرّجل أخواله.

و بإسناده‏ (13) إلى ابن بكير: عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: المولود يشبه أباه و عمّه.

____________

(1) المصدر: تشبه.

(2) ليس في ق.

(3) المصدر: تحول.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر/ 96- 97، ح 6.

(6) ليس في ق.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أسكنت.

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر/ 94، ح 1.

(11) من المصدر.

(12) ليس في ق، ش.

(13) نفس المصدر/ 94، ح 2، و قد ورد هذا الحديث مكرّرا في ن، ت، م، ي، ر.

228

قال: إذا سبق ماء الرّجل ماء المرأة فالولد يشبه أباه و عمّه، و إذا سبق ماء المرأة ماء الرّجل يشبه الولد (1) أمّه و أخواله.

إِنَّهُ عَلى‏ رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8): و الضّمير للخالق، و يدلّ عليه «خلق».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): إِنَّهُ عَلى‏ رَجْعِهِ لَقادِرٌ كما خلقه من نطفة يقدر أن يردّه إلى الدّنيا و إلى القيامة.

يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (9): تتعرّف و تميّز، بين ما طاب من الضّمائر و ما خفي من الأعمال و ما خبث منها. و هو ظرف «لرجعه».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)- (رحمه اللّه)-: و قوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ. قال:

يكشف عنها.

و في مجمع البيان‏ (4): و السَّرائِرُ أعمال ابن‏ (5) آدم و الفرائض الّتي أوجبت عليه، و هي سرائر بين اللّه و العبد. و «تبلى»، أي: تختبر تلك السّرائر يوم القيامة حتّى يظهر خيرها من شرّها، و مؤدّيها من مضيّعها.

روي‏ (6) ذلك مرفوعا: عن أبي الدّرداء، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ضمنّ اللّه خلقه أربع خصال: الصّلاة، و الزّكاة، و صوم شهر (7) رمضان، و الغسل من الجنابة، و هي السّرائر الّتي قال اللّه- تعالى-: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ.

و عن معاذ بن جبل‏ (8) قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما هذه السّرائر الّتي ابتلى اللّه بها العباد في الآخرة؟

فقال: سرائركم، هي أعمالكم من الصّلاة و الصّيام و الزّكاة و الوضوء و الغسل من الجنابة و كلّ مفروض، لأنّ الأعمال كلّها سرائر خفيّة، فإن شاء الرّجل قال:

صلّيت. و لم يضلّ، و إن شاء قال: توضّأت. و لم يتوضأ، فذلك قوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ.

و في مصباح شيخ الطّائفة (9)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- خطب بها يوم الغدير،

____________

(1) المصدر: الرجل.

2 و 3- تفسير القمّي 2/ 415.

(4) المجمع 5/ 471- 472.

(5) المصدر: بني.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) مصباح المتهجّد/ 700.

229

و فيها يقول: إنّ هذا يوم عظيم الشّأن.

... إلى قوله: و يوم كمال الدّين. هذا يوم إبلاء السّرائر.

فَما لَهُ‏: فما للإنسان.

مِنْ قُوَّةٍ: من منعة في نفسه يمتنع بها.

وَ لا ناصِرٍ (10): يمنعه‏ (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا جعفر، عن عبد اللّه‏ (3) بن موسى، عن الحسن بن عليّ، عن [ابن‏] (4) أبي حمزة، عن أبي بصير في قوله: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ قال:

ما له من قوّة يقوى بها على خالقه، و لا ناصر من اللّه ينصره إن أراد به سوءا.

وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ‏ (11).

قيل‏ (5): ترجع في كلّ دورة إلى الموضع الّذي تتحرّك عنه.

و قيل‏ (6) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الرّجع» المطر، سمّي به، كما سمّي أوبا، لأنّ اللّه يرجعه وقتا فوقتا.

أو لما قيل: من أنّ السّحاب يحمل الماء من البحار ثمّ يرجعه إلى الأرض، و على هذا يجوز أن يراد بالسّماء: السّحاب.

وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ‏ (12): ما يتصدّع عنه الأرض من النّبات، أو الشّقّ بالنّبات و العيون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ‏ قال: ذات المطر. وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ‏، أي: ذات النّبات.

إِنَّهُ‏، أي: القرآن.

لَقَوْلٌ فَصْلٌ‏ (13): فاصل بين الحقّ و الباطلّ.

و في مجمع البيان‏ (8): يعني: أنّ القرآن يفصل بين الحقّ و الباطل بالبيان عن كلّ واحد منهما. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام)-.

____________

(1) ليس في ق.

(2) تفسير القمّي 2/ 416.

(3) المصدر: عبيد اللّه.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 553.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمّي 2/ 416.

(8) المجمع 5/ 472.

230

وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ‏ (14): فإنّه جدّ كلّه.

إِنَّهُمْ‏: يعني: أهل مكّة.

يَكِيدُونَ كَيْداً (15): في إبطاله و إطفاء نوره.

وَ أَكِيدُ كَيْداً (16): و أقابلهم بكيدي في استدراجي لهم و انتقامي منهم، بحيث لا يحتسبون.

فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ‏: فلا تشتغل بالانتقام منهم. أو لا تستعجل بإهلاكهم.

أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17): إمهالا يسيرا. و التّكرير و تغيير البنية لزيادة التّسكين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بقوله: إن أراد به سوءا. قلت: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً.

قال: كادوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كادوا عليّا، و كادوا فاطمة، فقال اللّه: يا محمّد إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ‏ يا محمّد أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً لوقت‏ (2) بعث القائم فينتقم لي من الجبّارين و الطّواغيت، من قريش و بني أميّة و سائر النّاس.

[و فيه‏ (3): فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً قال: دعهم قليلا] (4).

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 416.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لو قد.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ق.

231

سورة الأعلى‏

مكّيّة.

و آيها تسع عشرة بلا خلاف.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ في فريضة أو نافلة [قيل له يوم القيامة: ادخل الجنّة من أي أبواب الجنّة شئت، إن شاء اللّه.

و بإسناده‏ (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الواجب على كلّ مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ (الحديث)] (3).

و في مجمع البيان‏ (4): أبيّ بن كعب قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، أعطاه اللّه من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ حرف أنزله اللّه على إبراهيم و موسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و عن عليّ بن أبي طالب‏ (5)- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحبّ هذه السّورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏، و أوّل من قال: سبحان ربّي‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 150، ح 1.

(2) نفس المصدر/ 146، ح 1.

(3) ليس في ق.

(4) المجمع 5/ 472- 473.

(5) نفس المصدر و الموضع.

232

الأعلى‏ (1)، ميكائيل.

و عن ابن عبّاس‏ (2): كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا قرأ سورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ قال: سبحان ربّي الأعلى. و كذلك عن عليّ- (عليه السلام)-.

و فيه‏ (3): قال الباقر- (عليه السلام)-: إذا قرأت‏ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ فقال:

سبحان ربّي الأعلى. و إن كنت‏ (4) [في الصّلاة، فقل‏] (5) فيما بينك و بين نفسك.

و روى العيّاشي‏ (6)، بإسناده: عن أبي حميضة (7)، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: صلّيت خلفه عشرين ليلة فليس يقرأ إلّا سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏.

و قال: لو تعلمون ما فيها، لقرأها الرّجل كلّ يوم عشرين مرّة، و إنّ من قرأها، فكأنّما قرأ صحف موسى و إبراهيم الّذي وفّى.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن الأصبغ بن نباتة قال: لمّا قدم عليّ- (عليه السلام)- الكوفة صلّى بهم أربعين صباحا يقرأ بهم‏ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏.

و عن عقبة بن عامر الجهنّي‏ (9) قال: لمّا نزلت‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏ قال رسول اللّه: اجعلوها في ركوعكم. و لمّا نزل‏ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ قال: اجعلوها في سجودكم.

و في الكافي‏ (10): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى‏ (11)، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏- اقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏.

و في عيون الأخبار (12)، في باب ذكر أخلاق الرّضا- (عليه السلام)- و وصف عبادته: فإذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ قال سرّا: سبحان ربّي الأعلى.

____________

(1) في ق زيادة: و بحمده.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر/ 474.

(4) المصدر: كان.

(5) ليس في المصدر.

(6) نفس المصدر/ 473.

(7) ق: أبي حفضة. و في ش: أبي حمزة. و في المصدر: أبي حميصة.

(8) تفسير العيّاشي 1/ 14، ح 1.

(9) مجمع البيان 5/ 473.

(10) الكافي 3/ 425، ح 2.

(11) في ق، ش، ي، ر، زيادة: عن سماعة بن عيسى.

(12) العيون 2/ 181، ح 5.

233

و في كتاب الخصال‏ (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: فإذا قرأتم من المسبّحات الأخيرة، فقولوا: سبحان اللّه الأعلى.

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ (1): نزّه اسمه عن الإلحاد فيه بالتّأويلات الزّائغة و إطلاقه على غيره، زاعما أنّهما فيه سواء، و ذكره لا على وجه التّعظيم.

و قرئ‏ (2): «سبحان ربّي الأعلى».

و في روضة الواعظين‏ (3) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و روى جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- أنّه قال: و إنّ للّه ملكا يقال له: حزقائيل‏ (4)، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، فخطر له خاطر هل فوق العرش شي‏ء، فزاده اللّه مثلها أجنحة أخرى، فكان له ستّة و ثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، ثمّ أوحى اللّه إليه: أيّها الملك طر. فطار مقدار عشرين ألف عام لم نيل قائمة من قوائم العرش. ثمّ ضاعف اللّه له في الجناح و القوّة و أمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف عام و لم ينل أيضا.

فأوحى اللّه إليه: أيّها الملك، لو طرت إلى نفخ الصّور مع أجنحتك و قوّتك، لم تبلغ إلى ساق عرشي.

فقال الملك: سبحان ربّي الأعلى. فأنزل اللّه‏ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اجعلوها في سجودكم. (الحديث)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أخبرنا الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد عن بسطام‏ (6) بن صرّة (7)، عن إسحاق بن حسّان، عن الهيثم بن واقد، عن عليّ بن الحسين العبديّ، عن سعد الإسكاف‏ (8)، عن الأصبغ بن نباتة، أنّه سأل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏.

فقال: مكتوب على قائمة العرش قبل أن يخلق اللّه السّماوات و الأرضين بألفي‏

____________

(1) الخصال/ 629.

(2) أنوار التنزيل 2/ 553.

(3) روضة الواعظين 1/ 47.

(4) ق، ش: حرقائيل.

(5) تفسير القمّي 2/ 417.

(6) ت، م: فسطام. و في ق، ش: فطام.

(7) المصدر: مرّة.

(8) المصدر: الإسكافي.

234

عام: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله فاشهدوا بهما، و أنّ عليّا وصيّ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى‏ (2): خلقه، بأن جعل له ما به يتأتّى كماله و يتمّ معاشه.

وَ الَّذِي قَدَّرَ، أي: قدّر أجناس الأشياء، و أنواعها، و أشخاصها، و مقاديرها، و صفاتها، و أفعالها، و آجالها.

و قرأ (1) الكسائي: «قدر» بالتّخفيف.

و في مجمع البيان‏ (2): قرأ الكسائي «قدر» بالتّخفيف، و هو قراءة عليّ- (عليه السلام)-. و الباقون، بالتّشديد.

فَهَدى‏ (3): فوجّهه إلى أفعاله طبعا و اختيارا، بخلق الميول و الإلهامات و نصب الدّلائل و إنزال الآيات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)- (رحمه اللّه)-: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏: قال: قدّر الأشياء بالتّقدير الأوّل، ثمّ هدى إليها من يشاء.

وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى‏ (4): أنبت ما ترعاه الدّوابّ.

فَجَعَلَهُ‏: بعد خضرته‏ غُثاءً أَحْوى‏ (5): يابسا أسود.

و قيل‏ (4): «أحوى» حال من «المرعى»، أي: أخرجه أحوى من شدّة خضرته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى‏ قال: أي:

النّبات.

فَجَعَلَهُ‏ بعد إخراجه‏ غُثاءً أَحْوى‏ قال: يصير هشيما بعد بلوغه و يسودّ.

سَنُقْرِئُكَ‏: على لسان جبرئيل، أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة فَلا تَنْسى‏ (6)، أي: أصلا، من قوّة الحفظ.

و قيل‏ (6): نهي، و «الألف» للفاصلة، كقوله: «السّبيلا».

و في مجمع البيان‏ (7): سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏ قال ابن عبّاس: كان النّبيّ- صلّى اللّه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 553.

(2) المجمع 5/ 473.

(3) تفسير القمّي 2/ 416.

(4) أنوار التنزيل 2/ 553.

(5) تفسير القمّي 2/ 416- 417.

(6) أنوار التنزيل 2/ 553.

(7) المجمع 5/ 475.

235

عليه و آله- إذا نزل عليه جبرئيل بالوحي يقرأ مخافة أن ينساه، فكان لا يفرغ جبرئيل من آخر الوحي حتّى يتكلّم هو بأوّله، فلمّا نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا.

إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ‏: نسيانه، بأن نسخه.

و قيل‏ (1): المراد به: القلّة [و الندرة] (2). أو نفي النّسيان رأسا، فإنّ القلّة تستعمل للنّفي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏، أي: نعلمك فلا تنسى. ثمّ استثنى فقال: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ‏ لأنّه لا يؤمن النّسيان اللّغويّ و هو التّرك، لأنّ الّذي لا ينسى هو اللّه.

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى‏ (7): ما ظهر من أحوالكم و ما بطن. أو جهرك بالقراءة مع جبرئيل و ما دعاك إليه من مخافة النّسيان، فيعلم ما فيه صلاحك من إبقاء و إنساء.

وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى‏ (8): و نعدّك للطّريقة اليسرى في حفظ الوحي أو التّديّن‏ (4)، و نوفّقك لها. و لهذه النّكتة قال: «نيسّرك» لا «نيسّر لك» (5) عطف على «سنقرئك» «و إنّه يعلم» اعتراض.

فَذَكِّرْ: بعد ما استتبّ لك الأمر.

إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى‏ (9).

لعلّ هذه الشّرطيّة إنّما جاءت بعد تكرير التّذكير أو حصول اليأس عن البعض، لئلّا يتعب نفسه و يتلهّف عليهم، كقوله: وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ (الآية). أو لذمّ المذكّرين، و استبعاد تأثير الذّكرى فيهم. أو للإشعار بأنّ التّذكير إنّما يجب إذا ظنّ نفعه، و لذلك أمر بالإعراض عمّن تولّى.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 553- 554.

(2) من المصدر.

(3) تفسير القمّي 2/ 417.

(4) و قيل: معناه: نسهّل لك من الألطاف و التأييد ما يثبّتك على أمرك، و يسهّل عليه المستصعب من تبليغ الرسالة و الصبر عليه. (مجمع البيان 5/ 476)

(5) أي: لإفادة أنّك موفّق لها قال: «نيسّرك» لا «نيئسّر لك».

236

سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى‏ (10): سيتّعظ و ينتفع بها من يخشى اللّه، فإنّه يتفكّر فيها ليعلم حقيقتها. و هو يتناول العارف و المتردّد.

وَ يَتَجَنَّبُهَا: و يتجنّب الذّكرى.

الْأَشْقَى‏ (11): الكافر، فإنّه أشقى من الفاسق. أو الأشقى من الكفرة، لتوغّله في الكفر.

الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى‏ (12): نار جهنّم،

فإنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنّم.

أو ما في الدّرك الأسفل منها.

ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها: فيستريح.

وَ لا يَحْيى‏ (13): حياة تنفعه.

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏ (14): تطهّر من الكفر و المعاصي. أو تكثّر من التّقوى، من الزّكاء. أو تطهّر للصّلاة. أو أدى الزّكاة.

و في مجمع البيان‏ (1): قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏، أي: قد فاز من تطهّر من الشّرك، و قال: لا إله إلّا اللّه.

... إلى قوله: و قيل: أراد صدقة الفطرة و صلاة العيد. و روي ذلك مرفوعا [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (2).

و متى قيل: على هذا القول، كيف يصحّ ذلك و السّورة مكّيّة، و لم يكن هناك صلاة العيد و لا زكاة و لا فطرة؟

قلنا: يحتمل أن يكون أوّلها بمكّة و ختمت بالمدينة.

وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ‏: بقلبه و لسانه.

فَصَلَّى‏ (15)، كقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏. و يجوز أن يراد بالذّكر تكبيرة الإحرام.

و قيل‏ (3): «تزكّى» تصدّق للفطر. وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ‏ كبّره يوم العيد. «فصلّى» صلاته.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد (5)، عن أحمد بن الحسين، عن عليّ بن الرّيّان،

____________

(1) المجمع 5/ 476.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 554.

(4) الكافي 2/ 494، ح 18.

(5) في ق، ش، زيادة: عن أحمد بن محمّد.

237

عن عبد اللّه‏ (1) بن عبد اللّه الدّهقان قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-.

فقال لي: ما معنى قوله: وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى‏؟

فقلت: كلّما ذكر اسم ربّه‏ (2) قام فصلّى.

فقال لي: لقد كلّف اللّه- عزّ و جلّ- هذا شططا.

فقلت: جعلت فداك، فكيف هو؟

فقال: كلّما ذكر اسم ربّه صلّى على محمّد و آل محمّد.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏.

قال: من أخرج الفطرة.

قيل له: وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى‏.

قال: خرج إلى الجبّانه‏ (4) فصلّى.

و روى حمّاد بن عيسى‏ (5)، عن حريز، عن أبي بصير و زرارة قالا: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ من إتمام‏ (6) الصّوم إعطاء الزّكاة، يعني: الفطرة، كما أنّ الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من تمام الصّلاة. لأنّه من صام و لم يؤدّ الزّكاة فلا صوم له إذا تركها متعمّدا، و لا صلاة له إذا ترك الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. إنّ اللّه قد بدأ بها قبل الصّلاة (7) قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏ قال: زكاة الفطرة، فإذا أخرجها قبل صلاة العيد. وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى‏ قال: صلاة الفطر و الأضحى.

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16): فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة.

و الخطاب للأشقياء على الالتفات، أو على إضمار «قل». أو للكلّ، فإنّ السّعي للدّنيا أكثر في الجملة.

____________

(1) المصدر: عبيد اللّه.

(2) في ق زيادة: الآية.

(3) الفقيه 1/ 323، ح 1378.

(4) الجبّانة: الصحراء، و المقبرة.

(5) نفس المصدر 2/ 119، ح 515.

(6) المصدر: تمام.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الصّوم.

(8) تفسير القمّي 2/ 417.

238

و قرأ (1) أبو عمرو، بالياء.

وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ (17): فإنّ نعيمها ملذّ بالذّات، خالص عن الغوائل، لا انقطاع له.

و في مجمع البيان‏ (2): في الحديث: من أحبّ آخرته أضرّ بدنياه، و من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته.

و في أصول الكافيّ‏ (3)، بإسناده إلى درست بن أبي منصور: عن رجل [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و هشام‏] (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: رأس كلّ خطيئة حبّ الدّنيا.

و بإسناده‏ (5) إلى مسلم بن عبيد اللّه‏ (6) قال: سئل عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-:

أيّ الأعمال أفضل عند اللّه؟

قال: ما من عمل بعد معرفة (7) اللّه و معرفة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أفضل من بغض الدّنيا، فإنّ لذلك لشعبا كثيرة و للمعاصي شعب.

فأوّل ما عصي اللّه به الكبر، معصية إبليس حين أبى و استكبر و كان من الكافرين.

ثمّ الحرص، و هي معصية آدم و حواء حين قال اللّه‏ (8)- تعالى- لهما: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ فأخذا ما لا حجة بهما إليه، فدخل ذلك على ذرّيّتهما إلى يوم القيامة، و ذلك أنّ أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه.

ثمّ الحسد، و هي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعّب من ذلك حبّ النّساء، و حبّ الدّنيا، و حبّ الرّئاسة، و حبّ الرّاحة، و حبّ الكلام، و حبّ العلوّ، و حبّ‏ (9) الثّروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلّهنّ في حبّ الدّنيا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 554.

(2) المجمع 5/ 476.

(3) الكافي 2/ 315، ح 1.

(4) ليس في ق.

(5) نفس المصدر/ 317، ح 8.

(6) ق، ش، م: عبد اللّه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: منزلة.

(8) الأعراف/ 19.

(9) ليس في المصدر.

239

فقالت الأنبياء و العلماء بعد معرفة ذلك: حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة. و الدّنيا دنياءان: دنيا بلاغ و دنيا ملعونة.

و بإسناده‏ (1) إلى ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من تعلّق قلبه بالدّنيا، تعلّق قلبه بثلاث خصال: همّ لا يفنى، و أمل لا يدرك، و رجاء لا ينال.

إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ (18).

الإشارة إلى ما سبق من قوله: قَدْ أَفْلَحَ‏ فإنّه جامع أمر الدّيانة و خلاصة الكتب المنزلة.

صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ (19): بدل من‏ الصُّحُفِ الْأُولى‏.

و في أصول الكافي‏ (2): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن عبد اللّه بن إدريس، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا.

قال: ولاية (3) شبويّه‏ (4). وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن عتبة (6) بن عمر (7) اللّيثيّ، عن أبي ذرّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه‏ قلت: يا رسول اللّه، فما في أيدينا ممّا أنزل اللّه عليك شي‏ء ممّا كان في صحف إبراهيم و موسى؟

قال: يا أبا ذرّ، قال: يا أبا ذرّ، اقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏ (إلى آخر السّورة).

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه‏

____________

(1) نفس المصدر/ 320، ح 17.

(2) الكافي 1/ 418، ح 30.

(3) المصدر: ولايتهم.

(4) ليس في المصدر.

و الشبوة: العقرب. و النسبة إليها: شبويّة. قال الفيض (ره): كأنّه شبّه الجائر بالعقرب.

(5) الخصال/ 525، ح 13.

(6) المصدر: عبيد.

(7) ي، ر، المصدر: عمير.

(8) الكافي 1/ 225، ح 5.

240

السّلام- قال: قال لي: يا أبا محمّد، إنّ اللّه لم يعط الأنبياء شيئا إلّا و قد أعطاه محمّدا.

و قال: و قد أعطى محمّدا جميع ما أعطى الأنبياء، و عندنا الصّحف الّتي قال اللّه:

صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏.

قلت: جعلت فداك، هي الألواح؟

قال: نعم.

و بإسناده‏ (1) إلى مسعدة بن صدقة: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّ اللّه أرسل إليكم الرّسول- إلى أن قال-: فجاءهم بنسخة ما في الصّحف الأولى، و تصديق الّذي بين يديه، و تفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم.

و بإسناده‏ (2) إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال، و قد ذكر المسيح- (عليه السلام)-: و جرت من بعده في الحواريّين في المستحفظين، و إنّما سمّاهم اللّه- تعالى- المستحفظين لأنّهم استحفظوا الاسم الأكبر، و هو الكتاب الّذي يعلّم به علم كلّ شي‏ء، الّذي كان مع الأنبياء. يقول اللّه‏ (3): لقد أرسلنا رسلا من قبلك‏ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ‏ و «الكتاب» الاسم‏ (4) الأكبر. و إنّما عرف ممّا يدعى الكتاب التوراة و الإنجيل و الفرقان، فيها كتاب نوح و فيها كتاب صالح و شعيب و إبراهيم. فأخبر اللّه: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ فأين صحف إبراهيم؟ إنّما صحف إبراهيم الاسم الأكبر، و صحف موسى الاسم الأكبر.

و في روضة الكافي‏ (5): أحمد بن محمّد بن أحمد الكوفيّ، عن عليّ بن الحسن التّيميّ، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن جعفر، قال: حدّثني معتب أو غيره قال: بعث عبد اللّه بن الحسن إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول لك أبو محمّد: أنا أشجع منك، و أنا أسخى منك، و أنا أعلم منك.

فقال لرسوله: أمّا الشّجاعة. [فو اللّه ما كان له موقف يعرف به جبنك من شجاعتك. و امّا السخيّ‏ (6)، فهو الّذي يأخذ الشي‏ء من جهته فيضعه في حقّه. و أمّا

____________

(1) نفس المصدر/ 60- 61، ح 7.

(2) نفس المصدر/ 293، ح 13.

(3) الحديد/ 25. و فيها: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ ....

(4) ليس في ق، ش.

(5) الكافي 8/ 363- 364، ح 553.

(6) المصدر: السخاء.

241

العلم، فقد أعتق أبوك عليّ بن أبي طالب ألف مملوك‏] (1)، فسمّ لنا خمسة منهم، و أنت عالم.

فعاد إليه، فأعلمه ثمّ عاد إليه، فقال له: يقول لك: إنّك رجل صحفيّ.

فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قل له: إي‏ (2) و اللّه، صحف إبراهيم و موسى و عيسى، ورثتها عن آبائي.

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى‏ (4) الحلبيّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: عندنا الصّحف الّتي قال اللّه: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏.

قلت: الصّحف هي الألواح؟

قال: نعم.

محمّد بن عيسى‏ (5) عمّن رواه، عن محمّد قال: حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الأنصاريّ الهمدانيّ، عن أبي خالد القمّاط، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: لنا ولادة من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- طهر، و عندنا صحف إبراهيم و موسى ورثناها من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

محمّد بن عبد الجبّار (6)، عن الحسين بن الحسن‏ (7)، عن أحمد بن الحسن التّيميّ‏ (8)، عن فيض بن المختار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أفضت‏ (9) إليه صحف إبراهيم و موسى، فأتمن عليها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا، و أتمن عليها عليّ‏ (10) الحسن، و أتمن عليها الحسن‏ (11) الحسين حتّى انتهت إلينا.

أحمد بن محمّد (12)، عن ابن سنان، عن عبد اللّه بن مسكان و شعيب الحداد، عن‏

____________

(1) ليس في ق.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: انّي.

(3) البصائر/ 157، ح 8.

(4) ليس في المصدر.

(5) نفس المصدر، ح 9. و في ن، ت، ي، ر يوجد هنا زيادة: أو.

(6) نفس المصدر، ح 10.

(7) المصدر: عن الحسن بن الحسين.

(8) المصدر: الميثمي.

(9) المصدر: أفيضت.

(10) ليس في المصدر.

(11) ليس في ق، المصدر.

(12) نفس المصدر، ح 11.

242

أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: عندي‏ (1) الصّحف الأولى، صحف إبراهيم و موسى.

قال ضريس: أ ليست هي الألواح؟

قال: نعم.

[إبراهيم بن هاشم‏ (2)، عن البرقيّ، عن ابن سنان و (3) غيره، عن بشر (4)، عن حمران ابن أعين قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: عندكم التوراة و الإنجيل و الزّبور و ما في الصحف الأولى، صحف إبراهيم و] (5) موسى؟

قال: نعم.

قلت: إنّ هذا لهو العلم الأكبر.

قال: يا حمران [لو لم يكن ما كان‏] (6)، و لكن ما يحدث باللّيل و النّهار علمه عندنا أعظم.

إبراهيم بن إسحاق‏ (7)، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن أبي خالد القمّاط، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: عندنا صحف إبراهيم و موسى ورثناها من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسي: روي عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-، عن أبيه، [عن آبائه‏] (9) عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)- لبعض أحبار اليهود، و قد ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و مناقبه: و اعطي سورة بني إسرائيل و براءة بصحف إبراهيم و موسى.

و في مجمع البيان: و في تفسير العيّاشي‏ (10)، عن الأصبغ بن نباتة قال: لمّا قدم أمير

____________

(1) المصدر: عندنا.

(2) نفس المصدر/ 160، ح 5.

(3) المصدر: أو.

(4) المصدر: بشران.

(5) ليس في ق.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر/ 158، ح 13.

(8) الاحتجاج/ 215.

(9) ليس في ق، ش، م.

(10) تفسير العيّاشي 1/ 14، ح 1. و لم نعثر عليه في المجمع.

243

المؤمنين- (عليه السلام)- الكوفة صلّى بهم أربعين صباحا يقرأ بهم‏ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏.

قال: فقال المنافقون: لا و اللّه، ما يحسن ابن أبي طالب- (عليه السلام)- أن يقرأ القرآن، [و لو أحسن أن يقرأ القرآن، لقرأ] (1) بنا غير هذه السّورة.

قال: فبلغه ذلك.

فقال: ويلهم، إنّي لأعرف ناسخه من منسوخه و محكمه من متشابهه و فصله من فصاله و حروفه من معانيه. و اللّه، ما من حرف نزل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا أنّي أعرف فيمن انزل و في أيّ يوم و في أيّ موضع، ويل لهم أما يقرءون‏ إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏؟! و اللّه، عندي، ورثتها من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. (الحديث)

و فيه‏ (2): و روي عن أبي ذرّ أنّه قال: قلت: يا رسول اللّه، كم الأنبياء؟

قال: مائة ألف نبيّ و أربعة و عشرون ألفا.

قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كم المرسلون منهم؟

فقال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و بقيّتهم أنبياء.

قلت: أ كان آدم نبيّا؟

قال: نعم، كلّمه اللّه و خلقه بيده. يا أبا ذرّ، أربعة من الأنبياء عرب: هود و صالح و شعيب و نبيّك.

قلت: يا رسول اللّه، كم أنزل اللّه من كتاب؟

قال: مائة و أربعة كتب، أنزل منها على آدم عشر صحف، و على شيث خمسين صحيفة، و على أخنوخ و هو إدريس ثلاثين صحيفة و هو أوّل من خطّ بالقلم، و على إبراهيم عشر صحائف، و التّوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان.

و في بصائر الدّرجات‏ (3): محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الأنصاريّ، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة المزنيّ، عن الأصبغ بن نباتة، نحو ما في تفسير العياشي.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن عبيد بن عمير اللّيثيّ‏ (5)، عن أبي ذرّ قال: دخلت على‏

____________

(1) من المصدر.

(2) مجمع البيان 5/ 476.

(3) البصائر/ 155، ح 3.

(4) الخصال/ 524- 525، ح 13.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن عتبه بن اللّيثي.

244

رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو في المسجد جالس وحده، فاغتنمت خلوته- إلى أن قال-:

قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كم أنزل اللّه من كتاب؟

قال: مائة كتاب و أربعة كتب، أنزل اللّه على شيث خمسين صحيفة، و على إدريس ثلاثين صحيفة، و على إبراهيم عشرين صحيفة، و أنزل اللّه التّوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان.

قلت: يا رسول اللّه، و ما كانت صحف إبراهيم؟

قال: كانت أمثالا كلّها. و كان فيها: أيّها الملك المبتلى المغرور، إنّي لم أبعثك لتجمع الدّنيا بعضها إلى بعض، و لكنّي بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها، و إن كانت من كافر.

و على العاقل، ما لم يكن مغلوبا [على عقله‏] (1)، أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة يتفكّر فيما صنع اللّه إليه، و ساعة يخلو فيها بحظّ نفسه من الحلال، فإنّ هذه السّاعة عون لتلك السّاعات و استجمام للقلوب‏ (2) و توديع‏ (3) لها.

و على العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، فإنّه من حسب كلامه من عمله، قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه.

و على العاقل أن يكون طالبا لثلاث: مرمّة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو تلذّذ في غير محرّم.

قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فما كانت صحف موسى؟

قال: كانت عبرا (4) كلّها. [و فيها] (5): عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، و لمن أيقن بالنّار كيف يضحك، و لمن يرى الدّنيا و تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها، و لمن يؤمن بالقدر كيف ينصب، و لمن أيقن بالحساب لم‏ (6) لا يعمل؟!

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: القلوب.

(3) المصدر: توزيع.

(4) المصدر: عبرانيّة.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ.

245

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ‏ (1): قال أبو ذرّ: قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فما كانت صحف إبراهيم؟

قال: كانت أمثالا كلّها: أيّها الملك المسلّط المبتلى المغرور، إنّي لم أبعثك لتجمع المال بعضه على بعض، و إنّما بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها و إن كانت من كافر، أو فاجر فجوره على نفسه.

و كان فيها أمثال: و على العاقل، ما لم يكن مغلوبا على عقله، أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، و ساعة يفكّر فيها في صنع اللّه، و ساعة يحاسب نفسه فيما تقدّم و أخّر، و ساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال و من المطعم و المشرب.

و على العاقل أن لا يكون ظاعنا (2) إلّا في ثلاث: تزوّد لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذّة في غير محرّم.

و على العاقل أن يكون بصيرا في زمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه.

و من حسب كلامه من عمله، قلّ كلامه، إلّا فيما يعنيه.

قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فما كانت صحف موسى؟

قال: كانت عبرا كلّها: عجبت لمن أيقن بالنّار ثمّ ضحك. عجبت لمن أيقن بالموت، كيف يفرح. عجبت لمن أبصر الدّنيا و تقلّبها بأهلها حالا بعد حال، كيف يطمئنّ إليها. عجبت لمن أيقن بالحساب، ثمّ لم يعمل.

قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هل في أيدينا شي‏ء ممّا كان في صحف إبراهيم و موسى فيما أنزل اللّه عليك؟

قال: اقرأ، يا أبا ذر قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏ (إلى آخر السّورة).

و في شرح الآيات الباهرة (3): محمّد بن يعقوب، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى ابن محمّد، عن عبد اللّه بن إدريس، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا.

قال: يعني: ولايتهم.

وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏.

____________

(1) نور الثقلين 5/ 561، ح 42.

(2) ش: طالبا.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 785، ح 1.

246

قال: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏.

و روى حميد بن زياد (1)، عن الحسن‏ (2) بن محمّد بن سماعة، عن ابن رباط (3)، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله‏ (4): وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

قال: يا أبا محمّد، إنّ عندنا الصّحف الّتي قال اللّه- سبحانه-: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏.

قال: قلت: جعلت فداك، و إنّ الصّحف هي الألواح؟

قال: نعم.

____________

(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 225. و في النسخ: الحسين.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 433. و في ن، ت، م، ي، ر: عن أبي زياط. و في ق، ش: عن أبي زياد.

(4) الحشر/ 7.

247

سورة الغاشية

مكّيّة.

و هي ستّ و عشرون بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أدمن قراءة هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (2) في فريضة أو نافلة، غشاه اللّه برحمته في الدّنيا و الآخرة، و آتاه الأمن يوم القيامة من عذاب النّار.

و في مجمع البيان‏ (3): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، حاسبه اللّه حسابا يسيرا.

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1): الدّاهية الّتي تغشى النّاس بشدائدها، يعني يوم القيامة. أو النّار، من قوله‏ (4): وَ تَغْشى‏ وُجُوهَهُمُ النَّارُ.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2): ذليلة.

عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3): [تعمل ما] (5) تتعب فيه، كجرّ السّلاسل، و خوضها في‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 150، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قال: من قرأ «هل ...».

(3) المجمع 5/ 477.

(4) إبراهيم/ 50.

(5) ليس في ق.

248

النّار خوض الإبل في الوحل، و الصّعود و الهبوط في قلالها (1) و و هادها. أو عملت و نصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ.

تَصْلى‏ ناراً: تدخلها.

و قرأ (2) أبو عمرو و يعقوب و أبو بكر: «تصلى» من أصلاه اللّه‏ (3).

و قرئ‏ (4): «تصلّى» بالتّشديد للمبالغة.

حامِيَةً (4): متناهية في الحرّ.

و في روضة الكافي‏ (5): سهل، عن محمّد، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ.

قال: يغشاهم القائم بالسّيف.

قال: قلت: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ.

قال: خاضعة، لا تطيق الامتناع.

قال: قلت: عامِلَةٌ.

قال: عملت بغير ما أنزل اللّه.

قال: قلت: ناصِبَةٌ.

قال: نصبت غير ولاة الأمر.

قال: قلت: تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً.

قال: تصلى نار الحرب في الدّنيا على عهد القائم، و في الآخرة نار جهنّم.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن عليّ بن الحسين، عن محمّد الكناسي، قال: حدّثنا من رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ.

قال: الّذين يغشون الإمام.

عدّة من أصحابنا (7)، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال‏ (8)، عن حنان، عن أبي‏

____________

(1) القلال: جمع القلّة: قمة كلّ شي‏ء و أعلاه.

و في ن، ي، ر: تلالها.

(2) أنوار التنزيل 2/ 555.

(3) يوجد في ي، ر، المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 8/ 50، ح 13.

(6) نفس المصدر. 178، ح 201.

(7) نفس المصدر/ 160- 161، ح 162.

(8) ق، ش: عن ابن أبي عمير.

249

عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا يبالي النّاصب صلّى أم زنى. و هذه الآية نزلت فيهم:

عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن ابن أبي عمير، عن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال أبي: قال أمير المؤمنين: كلّ ناصب و إن تعبّد و اجتهد منسوب إلى هذه الآية عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (2): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، قال: حدّثني أبو عبد اللّه الرّازيّ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن صالح بن سعيد، [عن أبي سعيد] (3) القمّاط، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كلّ ناصب و إن تعبّد و اجتهد يصير إلى هذه الغاية (4) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، حدّثنا جعفر بن محمّد (6)، عن عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: كلّ‏ (7) من خالفكم و إنّ تعبّد و اجتهد منسوب إلى هذه الآية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً.

و في مجمع البيان‏ (8): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كلّ ناصب لنا و إن تعبّد و اجتهد يصير إلى هذه الآية: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً.

تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5): بلغت أناها في الحرّ.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (9)، بإسناده إلى أبي إسحاق اللّيثيّ: عن الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل‏. يقول فيه أبو إسحاق- بعد أن قال: و أجد من أعدائكم و من ناصبيكم من يكثر من الصّلاة و من الصيام‏ (10)، و يخرج الزّكاة، و يتابع بين الحجّ و العمرة،

____________

(1) نفس المصدر/ 213، ح 259.

(2) ثواب الأعمال/ 247، ح 3.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: الآية.

(5) تفسير القمّي 2/ 419.

(6) المصدر: أحمد.

(7) ليس في المصدر.

(8) المجمع 5/ 479.

(9) العلل/ 606- 607، ح 81.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: القيام.

250

و يحضّ‏ (1) على الجهاد، و يأثر على البرّ و على صلة الأرحام، و يقضي حقوق إخوانه و يواسيهم من ماله، و يتجنّب شرب الخمر و الزّنا و اللّواط و سائر الفواحش: و إنّ النّاصب على ما هو عليه، ممّا و صفته من أفعالهم، لو اعطي أحد (2) ما بين المشرق و المغرب ذهبا و فضّة أن يزول عن محبّة الطّواغيت و موالاتهم إلى موالاتكم، ما فعل و لا زال، و لو ضربت خياشيمه بالسّيوف فيهم، [و لو قتل‏ (3) فيهم‏] (4)، ما ارتدع و لا رجع. و إذا سمع أحدهم منقبة لكم و فضلا، اشمأزّ من ذلك و تغيّر لونه، و رئي كراهة ذلك في وجهه بغضا لكم و محبّة لهم.

قال: فتبسّم الباقر- (عليه السلام)-. ثمّ قال: يا إبراهيم، هاهنا هلكت العاملة النّاصبة تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. و من أجل ذلك قال‏ (5)- تعالى-:

وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.

لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ‏ (6): يبيس الشّبرق‏ (6)، و هو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبا.

و قيل‏ (7): شجرة ناريّة تشبه الضّريع، و لعلّه طعام هؤلاء، و الزّقوم و الغسلين طعام غيرهم.

و في مجمع البيان‏ (8): عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «الضّريع» شي‏ء يكون في النّار يشبه الشّوك، أمرّ من الصّبر و أنتن من الجيفة و أشدّ حرّا من النّار، سمّاه اللّه الضّريع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: يا ابن رسول اللّه، خوّفني فإنّ قلبي قد قسا.

فقال: يا أبا محمّد، استعدّ للحياة الطّويلة، فإنّ جبرئيل جاء إلى رسول اللّه‏

____________

(1) المصدر: يحرص.

(2) المصدر: أحدكم.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فعل.

(4) ليس في ق، م.

(5) الفرقان/ 23.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 555. و في ق، ش:

الثبرق. و في غيرهما: الشرق.

(7) أنوار التنزيل 2/ 555.

(8) المجمع 5/ 479.

(9) تفسير القمّي 2/ 81.

251

- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو قاطب، و قد كان قبل ذلك يجيئ و هو متبسّم.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، جئتني اليوم قاطبا؟

فقال: يا محمّد، قد وضعت منافخ النّار.

فقال: و ما منافخ النّار، يا جبرئيل؟

فقال: يا محمّد، إنّ اللّه أمر بالنّار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضّت، ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى احمرّت، ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى اسودّت، فهي سوداء مظلمة.

لو أنّ قطرة من الضّريع قطرت في شراب أهل الدّنيا، لمات أهله من نتنها.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ‏ (7): و المقصود من الطّعام أحد الأمرين.

و في أمالي الصّدوق‏ (1): حدّثنا محمّد بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن الحسن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عليّ بن أبي حمزة، [عن أبي بصير] (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا. يقول فيه: كلّ ناصب و إن تعبّد و اجتهد فمنسوب إلى هذه الآية عامِلَةٌ ناصِبَةٌ- إلى قوله-: مِنْ جُوعٍ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسي- (رحمه اللّه)- حديث طويل: عن الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- يتكلّم فيه على جمع كثير في مجلس معاوية و على معاوية- أيضا-. و فيه: و أمّا أنت، يا عتبة (4) بن أبي سفيان، فو اللّه ما أنت بحصيف‏ (5) فأجاوبك، و لا عاقل فأعاتبك‏ (6)، و ما عندك خير يرجى [و لا شرّ يخشى‏] (7)، و ما كنت و لو سببت عليّا لأعير به عليك، لأنّك عندي لست بكفؤ لعبد عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فأردّ عليك و أعاتبك، و لكنّ اللّه لك و لأبيك و لأمّك و أخيك بالمرصاد، فأنت ذرّيّة آبائك الّذين ذكرهم اللّه في القرآن فقال: عامِلَةٌ- إلى قوله-: مِنْ جُوعٍ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (8): ذكر الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه في أماليه، في‏

____________

(1) أمالي الصّدوق/ 500- 501، ح 4.

(2) ليس في ق، ش.

(3) الاحتجاج/ 277.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عقبة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بخصيف.

و الحصيف: المحكم العقل.

(6) المصدر: فأعاقبك.

(7) ليس في المصدر.

(8) تأويل الآيات الباهرة 2/ 786، ح 1.

و رواه مسندا في الكافي 8/ 313، ح 259.

252

حديث يرفعه إلى أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)-: أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال لقنبر: يا قنبر، أبشر، [و بشّر] (1)، و استبشر، لقد مات رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو على أمّته ساخط إلّا الشّيعة. [ألا] (2) و إنّ لكلّ شي‏ء عروة، و عروة الإسلام الشّيعة.

[ألا و إنّ لكلّ شي‏ء دعامة، و دعامة الإسلام الشيعة] (3). ألا و إنّ لكلّ شي‏ء شرفا، و شرف الإسلام الشّيعة. ألا و إنّ لكلّ شي‏ء سيّدا، و سيّد المجالس مجلس‏ (4) الشّيعة. ألا و إنّ لكلّ شي‏ء إماما، و إمام الأرض [أرض‏] (5) يسكنها [الشيعة] (6). و اللّه لولا ما في الأرض [منكم‏] (7)، لما أنعم اللّه على أهل خلافكم و لا أصابوا الطّيّبات، ما لهم في الدّنيا و ما لهم في الآخرة من نصيب. و إنّ كلّ ناصب و إن تعبّد و اجتهد فمنسوب إلى هذه الآية عامِلَةٌ- إلى قوله-: مِنْ جُوعٍ‏ (الحديث).

و روى‏ (8) عن أهل البيت حديثا مسندا في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ أنّها الّتي نصبت العداوة لآل محمّد- (عليهم السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ و هم الّذين خالفوا دين اللّه، و صلّوا و صاموا و نصبوا لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و هو قوله: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ عملوا و نصبوا، فلا يقبل شي‏ء من أفعالهم‏ (10) تَصْلى‏ [وجوههم‏] (11) ناراً حامِيَةً تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ قال: لها أنين من شدّة حرّها. لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ‏.

قال: عرق أهل النّار، و ما يخرج من فروج الزّواني.

و في الكافي‏ (12): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير [عن سليمان بن جعفر] (13) عن هشام بن سالم، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سأله الأبرش الكلبيّ عن قول اللّه‏ (14)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏.

قال: تبدّل خبزة [نقيّة] (15) يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من الحساب.

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ق، ش.

(4) في ق زيادة: الإسلام.

5 و 6 و 7- من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 787، ح 2.

(9) تفسير القمّي 2/ 418.

(10) ق، ش، م: أعمالهم.

(11) من المصدر.

(12) الكافي 6/ 286، ح 1.

(13) من المصدر مع المعقوفتين.

(14) إبراهيم/ 48.

(15) من المصدر.

253

قال الأبرش: [فقلت:] (1) إنّ النّاس [يومئذ] (2) لفي شغل عن الأكل.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هم في النّار لا يشتغلون عن أكل الضّريع و شرب الحميم و هم في العذاب، فكيف يشتغلون عنه في الحساب؟

عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، [عن أبيه‏] (4)، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏.

قال: تبدّل خبزة نقيّة تأكل النّاس منها حتّى يفرغوا من الحساب.

فقال له قائل: إنّهم لفي شغل يومئذ عن الأكل و الشّرب.

فقال: إنّ اللّه خلق ابن آدم أجوف لا بدّ له من الطّعام و الشّراب، أهم أشدّ شغلا يومئذ أم في النّار؟ فقد استغاثوا، و اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (5): وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏.

قال: تبدّل خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من الحساب.

[فقال له قائل: إنّهم يومئذ في شغل عن الأكل و الشّرب‏] (7).

فقال له: إنّ ابن آدم خلق أجوف لا بدّ له من الطّعام و الشّراب، أهم أشدّ (8) شغلا أم هم في النّار؟ فقد استغاثوا، فقال: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ‏.

و فيه‏ (9)، بعد أن ذكر حديثا عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: و في خبر آخر عنه، فقال: و هم في النّار لا يشغلون عن أكل الضّريع و شرب الحميم، و هم في العذاب فكيف يشغلون عنه في الحساب؟

و في روضة الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن عليّ بن الحسين، عن محمّد الكناسي قال: حدّثنا من رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) نفس المصدر/ 287، ح 4.

(4) ليس في المصدر.

(5) الكهف/ 29.

(6) تفسير العياشي 2/ 238، ح 56

(7) من المصدر.

(8) ليس في ق.

(9) نفس المصدر/ 237، ح 55.

254

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ.

قال: الّذين يغشون الإمام- إلى قوله- عزّ و جلّ-: لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ‏ قال: لا ينفعهم و لا يغنيهم، لا ينفعهم الدّخول، و لا يغنيهم القعود.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8): ذات بهجة، أو متنعّمة.

لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9): رضيت بعملها لمّا رأت ثوابه.

فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10): عليّة المحلّ أو القدر.

لا تَسْمَعُ‏: أنت، يا مخاطب. أو الوجوه.

و قرأ (1) على بناء المفعول، بالياء، ابن كثير و أبو عمرو و رويس. و بالتّاء نافع.

فِيها لاغِيَةً (11): لغوا. أو كلمة ذات لغو. أو نفسا تلغو، فإنّ كلام أهل الجنّة الذّكر و الحكم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ثمّ ذكر أتباع أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال:

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ يرضى اللّه‏ (3) بما سعوا فيه. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً قال: الهزل و الكذب.

فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12): يجري ماؤها و لا ينقطع. و التّنكير للتّعظيم.

فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13): رفيعة السّمك و القدر.

وَ أَكْوابٌ‏: جمع كوب، و هو إناء لا عروة له.

مَوْضُوعَةٌ (14): بين أيديهم.

وَ نَمارِقُ‏: وسائد، جمع نمرقة، بالفتح و الضّمّ.

مَصْفُوفَةٌ (15): بعضها إلى بعض.

وَ زَرابِيُ‏: و بسط فاخرة، جمع زريبة.

مَبْثُوثَةٌ (16): مبسوطة.

و في مجمع البيان‏ (4): و عن عاصم بن ضمرة (5)، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه ذكر أهل الجنّة، فقال: يجيئون فيدخلون، فإذا أساس بيوتهم من جندل اللّؤلؤ

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 555.

(2) تفسير القمي 2/ 418.

(3) المصدر: «ترضى» بدل: «يرضى لله».

(4) المجمع 5/ 480.

(5) ق، ش: حمزة.

255

و سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ. و لولا أنّ اللّه قدّرها لهم، لالتمعت أبصارهم بما يرون، و يعانقون الأزواج، و يقعدون على السّرر و يقولون:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله: وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ.

قال: البسط و الوسائد. وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قال: كلّ شي‏ء خلقه اللّه في الجنّة له مثال في الدّنيا إلّا الزّرابيّ، فإنّه لا يدرى ما هي.

أَ فَلا يَنْظُرُونَ‏: نظر اعتبار.

إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ‏ (17): خلقا دالا على كمال قدرته و حسن تدبيره، حيث خلقها لجرّ الأثقال إلى البلاد النّائية (3)، فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل، منقادة لمن اقتادها، طوال الأعناق لتنوء بالأوقار (4)، و ترعى كلّ نابت، و تحتمل العطش إلى عشر (5) فصاعدا ليتأتّى لها قطع البراري و المفاوز، مع مالها من منافع اخر. و لذلك خصّت بالذّكر، لبيان الآيات المنبثّة في الحيوانات الّتي هي أشرف المركّبات و أكثرها صنعا، و لأنّها أعجب ما عند العرب من هذا النّوع.

و قيل‏ (6): المراد بها: السّحاب على الاستعارة (7).

وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ‏ (18): بلا عمد ترونها.

وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‏ (19): فهي راسخة لا تميل.

وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ‏ (20): بسطت حتّى صارت مهادا.

و قرئ‏ (8) الأفعال الأربعة، على بناء الفاعل المتكلّم و حذف الرّاجع المنصوب.

و المعنى: أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات من البسائط و المركّبات، ليتحقّقوا كمال قدرة الخالق، فلا ينكروا اقتداره على البعث.

و في مجمع البيان‏ (9): و روي عن عليّ- (عليه السلام)‏-

____________

(1) الأعراف/ 43.

(2) تفسير القمي 2/ 418.

(3) أي: البعيدة.

(4) جمع وقر: الحمل الثقيل.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 555. و في النسخ:

عشرة.

(6) أنوار التنزيل 2/ 555.

(7) أي: استعير الإبل للسحاب. و وجه الشبه سرعة السير و كثرة الحمل و المنافع و عظم الجرم.

(8) نفس المصدر/ 556.

(9) المجمع 5/ 477.

256

أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ‏ بفتح أوائل هذه الحروف كلّها و ضمّ التّاء.

و في كتاب التّوحيد (1): قام هشام: فكان من سؤال الزّنديق أن قال: فما الدّليل عليه؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: وجود الأفاعيل الّتي دلّت على أنّ صانعها صنعها، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أنّ له بانيا، و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده؟

و في أصول الكافي‏ (2)، مثله سواء.

و في كتاب الاهليلجة (3): المنقول عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- في الرّدّ على من أنكر وجود الصّانع، قال لمن كان منكر الصّانع‏ (4): و إذا رأيت بناء، أ تقرّ أنّ له بانيا؟ و إذا رأيت صورة، أ تقرّ أنّ لها مصوّرا؟

قال‏ (5): لا بدّ من ذلك.

فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21): فلا عليك إن لم ينظروا و يذّكّروا، إذ عليك إلّا البلاغ.

في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: جمع الخير كلّه في ثلاث خصال: النّظر و السّكوت و الكلام. فكلّ نظر ليس فيه اعتبار، فهو سهو. و كلّ سكوت [ليس فيه فكرة، فهو غفلة. و كلّ كلام‏] (7) ليس فيه ذكر، فهو لغو. فطوبى لمن كان نظره عبرا (8)، و سكوته فكرا، و كلامه ذكرا، و بكى على خطيئته، و أمن الناس شرّه.

[لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22):

قيل‏ (9): بمتسلّط.

____________

(1) التوحيد/ 244، ح 1.

(2) الكافي 1/ 81، ح 5.

(3) نور الثقلين 5/ 568.

(4) المصدر: منكرا للصّانع.

(5) ليس في ق، ش.

(6) الخصال/ 98، ح 47.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: عبرة.

(9) أنوار التنزيل 2/ 556.

257

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال عليّ بن إبراهيم في قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ قال: لست بحافظ و لا كاتب عليهم.

و عن الكسائي‏ (2) بالسّين على الأصل. و حمزة بالإشمام‏ (3)] (4).

إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَ كَفَرَ (23): لكن من تولّى و كفر.

فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24)، يعني: عذاب الآخرة.

و قيل‏ (5): الاستثناء متّصل، فإنّ جهاد الكفّار و قتلهم تسلّط، و كأنّه أوعدهم بالجهاد في الدّنيا و عذاب النّار في الآخرة.

و قيل‏ (6): هو استثناء من قوله: «فذكّر»، أي: فذكّر إلّا من تولّى و أصرّ فاستحقّ العذاب الأكبر، و ما بينهما اعتراض.

و يؤيّد الأوّل، أنّه قرئ: «ألا» على التّنبيه‏ (7).

إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ‏ (25): رجوعهم.

و قرئ‏ (8) بالتّشديد، على أنّه «فيعال» مصدر (9) «فيعل»، من الإياب. أو «فعال» من الأوب، قلبت‏ (10) واوه الأولى ياء قلبها في «ديوان» ثمّ الثّانية للإدغام.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ (26): في المحشر. و تقديم الخبر، للتّخصيص و المبالغة في الوعيد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَ كَفَرَ يريد: من لم يتّعظ و لم يصدّقك، و جحد ربوبيّتي و كفر نعمتي. فيعذبه العذاب الأكبر يريد (12) الغليظ الشّديد الدّائم. إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ‏ يريد: مصيرهم. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ يريد: جزاءهم.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 419.

(2) أنوار التنزيل 2/ 556. و فيه: عن هشام.

(3) الإشمام- عند جمهور النحاة و القرّاء-: صبغ الصوت اللّغوي بمسحة من صوت آخر، مثل نطق كثير من قيس و بني أسد لأمثال «قيل و بيع» بامالة نحو واو المدّ. و مثل إشمام الصّاد صوت الزاي في قراءة الكسائي بصفة خاصّة. (المعجم الوسيط 1/ 495)

4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) أي: يؤيّد كونه منقطعا، لأنّهما مشتركان في عدم الدلالة على كونه داخلا في العدم.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: أب أو.

(10) المصدر: قبلت.

(11) تفسير القمّي 2/ 419.

(12) ليس في ق.

258

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)، بإسناده إلى عبد اللّه بن سنان: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا، فما كان للّه سألنا اللّه‏ (2) أن يهبه فهو لهم، و ما كان لنا فهو لهم. ثمّ قرأ أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏.

و في روضة الكافي‏ (3): سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن سعدان، عن سماعة قال: كنت قاعدا مع أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- و النّاس في الطّواف في جوف اللّيل، فقال لي: يا سماعة، إنّ إلينا إياب‏ (4) هذا الخلق و علينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب بينهم و بين اللّه، حتمنا على اللّه في تركه لنا، فأجابنا إلى ذلك. و ما كان بينهم و بين النّاس، استوهبناه منهم، فأجابوا إلى ذلك، و عوّضهم اللّه.

عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سنان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال: يا جابر، إذا كان يوم القيامة و (6) جمع اللّه الأوّلين و الآخرين لفصل الخطاب، دعي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و دعي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فيكسى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حلّة خضراء تضي‏ء ما بين المشرق و المغرب، و يكسى عليّ- (عليه السلام)- مثلها، [و يكسى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حلّة و رديّة يضي‏ء لها ما بين المشرق و المغرب، و يكسى عليّ- (عليه السلام)- مثله،] (7) ثمّ يصعدان عندها، ثمّ يدعى بنا فيدفع إلينا حساب النّاس، فنحن و اللّه ندخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار. (الحديث)

و في بصائر الدّرجات‏ (8): الحسن بن عليّ، عن أبي‏ (9) صباح، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إلينا الصّراط و الميزان و حساب شيعتنا.

(الحديث)

و في من لا يحضره الفقيه‏ (10): في الزّيارة الجامعة المنقولة عن محمّد بن عليّ الجواد

____________

(1) أمالي الطوسي 2/ 20- 21.

(2) ليس في ق، ش، المصدر.

(3) الكافي 8/ 162، ح 167.

(4) ليس في ق.

(5) نفس المصدر/ 159، ح 154.

(6) ليس في ت، المصدر.

(7) ليس في المصدر.

(8) البصائر 5/ 285، ح 15.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ابن.

(10) الفقيه 2/ 372، ح 1625.

259

- (عليه السلام)-: و إياب الخلق إليكم، و حسابهم عليكم.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرّحمن بن حمّاد، عن بعض أصحابه، رفعه، قال: قال عليّ- (عليه السلام)-: و أمّا الذّنب الّذي لا يغفر، فمظالم العباد بعضهم لبعض. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا برز لخلقه، أقسم قسما على نفسه، فقال: و عزّتي و جلالي، لا يجوزني ظلم ظالم و لو كفّ بكفّ، و لو مسحة بكفّ، و لو نطحة ما بين الجمّاء (2) إلى القرناء. فيقضي‏ (3) للعباد بعضهم من بعض حتّى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة، ثمّ يبعثهم للحساب. (الحديث)

و في الاحتجاج‏ (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه أحوال أهل‏ (5) القيامة يقول فيه: و النّاس يومئذ على طبقات و منازل، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا، و منهم الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب، لأنّهم لم يتلبّسوا من أمر الدّنيا بشي‏ء (6) و إنّما الحساب هناك على من تلبّس بها هاهنا، و منهم من يحاسب على النّقير و القطمير (7) و يصير إلى عذاب السّعير.

و في نهج البلاغة (8): و سئل- (عليه السلام)-: كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم على كثرتهم.

قيل: فكيف يحاسبهم و لا يرونه؟

قال: كما يرزقهم و لا يرونه.

و في عيون الأخبار (9)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة بإسناده، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه يحاسب كلّ خلق إلّا من أشرك باللّه، فإنّه لا يحاسب و يؤمر به إلى النّار.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن‏

____________

(1) الكافي 2/ 443، ح 1.

(2) الجمّاء: الشاة لا قرن لها.

(3) المصدر: فيقتصّ.

(4) الاحتجاج/ 244.

(5) ق، المصدر: يوم.

(6) ليس في المصدر.

(7) النقير: ثقب دقيق في القصرة (غلاف البذرة) يوجد في العادة في الطرف الأماميّ للبذرة بالقرب من السرّة. و القطمير: القشرة الرقيقة على النواة كاللّفافة لها.

(8) النهج/ 528، الحكمة 300.

(9) العيون 2/ 33، ح 66.

(10) العلل/ 302، ح 1.

260

يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: أ رأيت الميّت إذا مات لم تجعل معه الجريدة؟

قال: تجافي عنه العذاب و الحساب ما دام العود رطبا، إنّما الحساب و العذاب كلّه‏ (1) في يوم واحد في ساعة واحدة قدر ما يدخل [القبر] (2) و يرجع النّاس عنه، فإنّما جعل السّعفتان‏ (3) لذلك، و لا عذاب و لا حساب بعد جفوفهما (4) [- إن شاء اللّه‏] (5).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن أبي‏ (7) جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة أوقف المؤمن بين يديه، فيكون هو الّذي يلي حسابه، فيعرض عليه عمله، فينظر في صحيفته فأوّل ما يرى سيّئاته، فيتغيّر لذلك لونه و ترتعد فرائصه و تفزع نفسه، ثمّ يرى حسناته فتقرّ عينه و تسرّ نفسه و تفرح روحه، ثمّ ينظر إلى ما أعطاه اللّه من الثّواب فيشتدّ فرحه.

ثمّ يقول اللّه للملائكة: هلمّوا بالصّحف‏ (8) الّتي فيها الأعمال الّتي لم يعملوها.

قال: فيقرءونها، فيقولون: و عزّتك، إنّك لتعلم أنّا لم نعمل منها شيئا.

فيقول: صدقتم، نويتموها فكتبناها لكم. ثمّ يثابون عليها.

و فيه‏ (9): قال الصّادق- (عليه السلام)-: كلّ أمّة يحاسبها إمام زمانها، و يعرف الأئمّة أولياءهم و أعداءهم بسيماهم‏ (10) و هو قوله‏ (11): وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ‏ [و هم الأئمّة] (12) يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ‏ فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم، فيمرّون إلى الجنّة بغير حساب. [و يعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم، فيمرّون إلى النّار بغير حساب‏] (13).

و في شرح الآيات الباهرة (14): روى محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، [عن عبد اللّه بن حمّاد] (15) عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه‏

____________

(1) في ق، ش، م، زيادة: إنّما هو.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: السّعفات.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: جفوفها.

(5) ليس في ق، ش، م، المصدر.

(6) تفسير القمّي 2/ 26.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: الصّحف.

(9) نفس المصدر/ 384.

(10) ليس في ق، ش.

(11) الأعراف/ 45.

(12) من المصدر.

(13) ليس في ق، ش.

(14) تأويل الآيات الباهرة 2/ 788، ح 4.

(15) ليس في ق، ش.

261

- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا، فما كان للّه سألنا اللّه‏ (1) أن يهبه لنا فهو لهم، و ما كان للآدميّين سألنا اللّه أن يعوّضهم بدله فهو لهم، و ما كان لنا فهو لهم. ثمّ قرأ: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏.

و بهذا الإسناد (2) إلى عبد اللّه بن حمّاد: عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)‏- في قوله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ قال: إذا كان يوم القيامة، وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا، فما كان للّه سألناه أن يهبه [لنا، فهو لهم‏] (3)، و ما كان لمخالفيهم فهو لهم، و ما كان لنا فهو لهم.

ثمّ قال: هم معنا حيث كنّا.

و روى‏ (4) عن الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ قال: إذا حشر اللّه النّاس في صعيد واحد، أجّل اللّه أشياعنا أن يناقشهم في الحساب.

فنقول: إلهنا، هؤلاء شيعتنا.

فيقول اللّه- تعالى-: قد جعلت أمرهم إليكم، و قد شفعتكم فيهم، و غفرت لسيّئاتهم‏ (5)، أدخلوهم الجنّة بغير حساب.

و قال محمّد بن العبّاس‏ (6): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن يعقوب، عن جميل بن درّاج قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: أحدّثهم بتفسير جابر؟

قال: لا تحدّث به السّفلة فيذيعوه، أما تقرأ إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏؟

قلت: بلى.

قال: إذا كان يوم القيامة و جمع اللّه الأوّلين و الآخرين و لّانا حساب شيعتنا، فما كان‏ (7) بينهم و بين اللّه حكمنا على اللّه فيه فأجاز حكومتنا، و ما كان بينهم و بين النّاس‏

____________

(1) ليس في ق.

(2) نفس المصدر، ح 5.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر، ح 6.

(5) المصدر: لمسيئهم.

(6) نفس المصدر، ح 7.

(7) في ق، ش، زيادة: بيننا و.

262

استوهبناه منهم فوهبوه لنا، و ما كان بيننا و بينهم، فنحن أحقّ من عفا و صفح.

و روي‏ (1) مسندا عن المفضّل بن عمر قال: قلت للإمام أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: لم صار أمير المؤمنين قسيم الجنّة و النّار؟

قال: لأنّ حبّه إيمان و بغضه كفر، و إنّما خلقت الجنّة لأهل الإيمان و النّار لأهل الكفر، فهو- (عليه السلام)- قسيم الجنّة و النّار لهذه العلّة، فالجنّة لا يدخلها إلّا أهل محبّته و النّار لا يدخلها إلّا أهل بغضه.

قال المفضّل: فقلت: يا ابن رسول اللّه، فالأنبياء و الأوصياء كانوا يحبّونه و أعداؤهم كانوا يبغضونه؟

قال: نعم.

قلت: و كيف ذاك؟

قال: أما علمت أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال يوم خيبر: لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله [و يحبّه اللّه و رسوله‏] (2)، لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه.

و دفع الرّاية إلى عليّ- (عليه السلام)- ففتح اللّه- عزّ و جلّ- على يديه؟

قلت: بلى.

فقال: أما علمت أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اتي بالطّائر المشويّ، قال:

اللّهمّ، ائتني بأحبّ خلقك إليك [و إليّ‏] (3) يأكل معي [من هذا الطّائر] (4) و عنى به:

عليّا؟

قلت: بلى.

قال: فهل يجوز أن لا يحبّ أنبياء اللّه و رسله و أوصياؤهم رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله؟

فقلت: لا.

قال: فهل يجوز أن يكون المؤمنون من أممهم لا يحبّون حبيب اللّه و حبيب رسوله و أنبيائه؟

قلت: لا.

____________

(1) نفس المصدر/ 790- 791، ح 10.

(2) من المصدر.

3 و 4- من المصدر مع المعقوفتين.

263

قال: فقد ثبت أنّ جميع أنبياء اللّه و رسله و جميع المؤمنين محبّون له، و ثبت أنّ أعداءهم و المخالفين لهم كانوا له و لجميع أهل بيته‏ (1) مبغضين؟

قلت: نعم.

قال: فلا يدخل الجنّة إلّا من أحبّه من الأوّلين و الآخرين، [و لا يدخل النّار إلّا من أبغضه من الأوّلين و الآخرين‏] (2)، فهو إذا قسيم الجنّة و النّار.

قال المفضّل: فقلت: يا ابن رسول اللّه، فرّجت عنّي، فرّج اللّه عنك.

____________

(1) المصدر: محبّته.

(2) من المصدر.

265

سورة الفجر

مكّيّة.

و آيها تسع و عشرون، أو ثلاثون، أو ثنتان و ثلاثون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اقرأوا سورة الفجر في فرائضكم و نوافلكم، فإنّها سورة الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-. من قرأها، كان مع الحسين- (عليه السلام)- يوم القيامة في درجته من الجنّة، إنّ اللّه عزيز حكيم.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأها في ليال عشر، غفر [اللّه‏] (3) له، و من قرأها سائر الأيّام، كانت له نورا يوم القيامة.

وَ الْفَجْرِ (1).

قيل‏ (4): أقسم بالصّبح، أو فلقه، كقوله‏ (5): وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ‏، [أو بصلاته‏] (6).

وَ لَيالٍ عَشْرٍ (2).

____________

(1) ثواب الأعمال/ 150، ح 1.

(2) المجمع 5/ 481.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 556.

(5) التكوير/ 18.

(6) ليس في ق، ش، م.

266

قيل‏ (1): عشر ذي الحجّة، و لذلك فسّر الفجر بفجر عرفة. أو النّحر. أو عشر رمضان الأخير. و تنكيرها للتّعظيم.

و قرئ‏ (2): وَ لَيالٍ عَشْرٍ بالإضافة، على أنّ المراد بالعشر: الأيّام.

و في مجمع البيان‏ (3): «و الفجر» أقسم اللّه بفجر النّهار- إلى قوله-: و قيل: أراد بالفجر النّهار كلّه. عن ابن عبّاس.

وَ لَيالٍ عَشْرٍ، يعني: العشر من ذي الحجّة. عن ابن عبّاس و الحسن و قتادة و مجاهد و الضّحّاك و السّدّيّ، و روي ذلك مرفوعا.

وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ (3): و الأشياء كلّها شفعها [و وترها] (4).

و قرأ (5) غير حمزة و الكسائيّ «و الوتر» بالفتح، و هما لغتان، كالحبر و الحبر.

و في مجمع البيان‏ (6): وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ. قيل: الشَّفْعِ‏ الخلق، لأنّه قال:

وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً. و الْوَتْرِ اللّه. عن ابن عبّاس، و هو رواية أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قيل: وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ الصّلاة، منها شفع و منها وتر. و هو رواية ابن حصين، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قيل: الشَّفْعِ‏ يوم النحر، و الْوَتْرِ يوم عرفة. [عن ابن عبّاس و عكرمة و الضحّاك. و هو رواية جابر عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قيل: الشَّفْعِ‏ يوم التروية و الْوَتْرِ يوم عرفة] (7). و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): وَ الْفَجْرِ قال: ليس فيها واو، إنّما هو الْفَجْرِ. وَ لَيالٍ عَشْرٍ قال: عشر ذي الحجّة. و الشَّفْعِ‏ قال: الشفع ركعتان، و الوتر ركعة.

و في حديث آخر (9) قال: الشَّفْعِ‏ الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-. و الْوَتْرِ أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) المجمع 5/ 484- 485.

(4) ليس في ق.

(5) أنوار التنزيل 2/ 556.

(6) المجمع 5/ 485.

(7) ليس في ق، ش، م.

8 و 9 تفسير القمّي 2/ 419.

267

و في شرح الآيات الباهرة (1): روي بالإسناد مرفوعا، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: وَ الْفَجْرِ الفجر (2) هو القائم. و الليالي العشر (3) الأئمّة من الحسن إلى الحسن. وَ الشَّفْعِ‏ أمير المؤمنين و فاطمة. وَ الْوَتْرِ هو اللّه وحده لا شريك له. وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هي دولة حبتر، فهي تسري إلى قيام القائم- (عليه السلام)-.

و روى محمّد بن العبّاس‏ (4)، عن الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الشَّفْعِ‏ هو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ. و الْوَتْرِ هو اللّه الواحد.

وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4): إذا يمضي، كقوله‏ (5): و الليل إذا أدبر. و التّقييد بذلك، لما في التّعاقب من قوّة الدّلالة على كمال القدرة و وفور النّعمة.

أو يسري فيه، من قولهم: صلّى المقام.

و حذف الياء للاكتفاء بالكسرة تخفيفا. و قد خصّه نافع و أبو عمرو بالوقف لمراعاة الفواصل، و لم يحذفها ابن كثير و يعقوب أصلا.

و قرئ‏ (6): «يسر» بالتّنوين المبدّل من حرف الإطلاق‏ (7).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ قال: هي ليلة جمع‏ (9).

هَلْ فِي ذلِكَ‏: القسم، أو المقسم به.

قسم: حلف، أو محلوف به.

لِذِي حِجْرٍ (5): يعتبره و يؤكّد به ما يريد تحقيقه.

و «الحجر» العقل، سمّي به، لأنّه يحجر عمّا لا ينبغي، كما يسمّى: عقلا، و نهية، و حصاة من الإحصاء و هو الضّبط.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): [و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- عليه‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 792، ح 1.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: «و ليال عشر».

(4) نفس المصدر/ 793، ح 3.

(5) المدّثّر/ 33.

(6) أنوار التنزيل 2/ 557.

(7) حرف الإطلاق الألف و الواو و الياء. و المراد هاهنا: الياء.

(8) تفسير القمّي 2/ 419.

(9) أي: ليلة عرفة.

(10) تفسير القمّي 2/ 419.

268

السّلام-] (1) في قوله: لِذِي حِجْرٍ يقول: لذي‏ (2) عقل.

و المقسم عليه محذوف، و هو: ليعذبنّ. يدلّ عليه:

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6)، يعني: أولاد عاد بن عوص بن [إرم بن‏] (3) سام بن نوح، قوم هود. سمّوا باسم أبيهم، كما سمّي بنو هاشم باسمه.

«إِرَمَ‏»: عطف بيان «لعاد» على تقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو أهل إرم، إن صحّ أنّه اسم بلدتهم.

و قيل‏ (4): سمّي أوائلهم، و هم عاد الأولى، باسم جدّهم.

و منع صرفه، للعلميّة و التّأنيث.

ذاتِ الْعِمادِ (7): ذات البناء الرّفيع. أو القدود (5) الطّوال. أو الرّفعة و الثّبات.

و قيل‏ (6): كان لعاد ابنان: شدّاد و شديد، فملكا و قهرا. ثمّ مات شديد، فخلص الأمر لشدّاد و ملك المعمورة و دانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنّة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنّة، و سمّاها: إرم. فلمّا تمّت سار إليها بأهله، فلمّا كان منها على مسيرة يوم و ليلة بعث اللّه عليهم صيحة من السّماء فهلكوا.

و عن عبد اللّه بن قلابة (7)، أنّه خرج في طلب إبله فوقع عليها.

الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8): صفة أخرى «لإرم». و الضّمير لها، سواء جعلت اسم القبيلة أو البلدة.

وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ: قطّعوه و اتّخذوه منازل، لقوله‏ (8): وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً.

بِالْوادِ (9): وادي القرى.

وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10): لكثرة جنوده و مضاربهم الّتي كانوا يضربونها

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: الّذي له.

(3) من أنوار التنزيل 2/ 557.

(4) أنوار التنزيل 2/ 557.

(5) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

القدور.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) الشعراء/ 149.

269

إذا نزلوا. أو لتعذيبه بالأوتاد.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبان الأحمر قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ لأيّ شي‏ء سمّي‏ (2) ذا الأوتاد؟

فقال: لأنّه كان إذا عذّب رجلا بسطه على الأرض على وجهه و مدّ يديه و رجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض، و ربّما بسطه على خشب منبسط فوتد رجليه و يديه بأربعة أوتاد، ثمّ تركه على حاله حتّى يموت، فسمّاه اللّه: ذا الأوتاد.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن رجل من أهل الشّام، عن أبيه قال: سمعت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: شرّ خلق اللّه خمسة: إبليس، و ابن آدم الّذي قتل أخاه، و فرعون ذو الأوتاد. (الحديث)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ عمل الأوتاد الّتي أراد أن يصعد بها إلى السّماء.

الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11): صفة للمذكورين، عاد و ثمود و فرعون. أو ذمّ مرفوع، أو منصوب.

فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12): بالكفر و الظّلم.

فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ‏ (13)، أي: ما خلط لهم من أنواع العذاب. و أصله الخلط، و إنّما سمّي به الجلد المضفور الّذي يضرب به، لكونه مخلوط الطّاقات بعضها ببعض.

و قيل‏ (5): شبّه بالسّوط ما أحلّ بهم في الدّنيا، إشعارا بأنّه بالقياس إلى ما أعدّ لهم في الآخرة من العذاب، كالسّوط إذا قيس إلى السّيف.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14): المكان الّذي يترقّب فيه الرّصد. مفعال، من رصده، كالميقات، من وقته. و هو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب.

و في روضة الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن‏

____________

(1) العلل/ 70، ح 1.

(2) ليس في ق، ش.

(3) الخصال/ 319، ح 104.

(4) تفسير القمّي 2/ 420. و يوجد في ن، ت، ي، ر، هاهنا زيادة: قالوا.

(5) أنوار التنزيل 2/ 557.

(6) الكافي 8/ 312، ح 486.

270

مفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخبرني الرّوح الأمين، أنّ اللّه لا إله غيره إذا وقف الخلائق و جمع الأوّلين و الآخرين اتي بجهنم، ثمّ وضع عليها صراط أدقّ من الشّعر و أحدّ من السّيف، عليه ثلاث قناطر: الأولى عليها الأمانة و الرّحمة، و الثّانية عليها الصّلاة، و الثّالثة عليها ربّ العالمين لا إله غيره. فيكلّفون الممرّ عليها فتحبسهم الرّحمة و الأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصّلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين- جلّ ذكره-. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. (الحديث)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، ستقف عليه مسندا قريبا عند قوله: وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏ في هذه السّورة. و فيه مثل ما في روضة الكافي سواء.

و في نهج البلاغة (2): و لئن أمهل اللّه‏ (3) الظّالم فلن يفوت أخذه، و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه‏ (4)، و بموضع الشّجا (5) من مساغ ريقه.

و في مجمع البيان‏ (6): إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ.

روي عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ معناه: أنّ ربّك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم.

و عن الصّادق‏ (7)- (عليه السلام)- أنّه قال: المرصاد قنطرة على الصّراط، لا يجوزها عبد بمظلمة عبد.

و في عوالي اللّئالي‏ (8): و قال الصّادق- (عليه السلام)‏- في تفسير قوله- تعالى-: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ قال: قنطرة على الصّراط، لا يجوزها عبد له مظلمة.

فَأَمَّا الْإِنْسانُ‏: متّصل بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، كأنّه قيل: إنّه لبالمرصاد من الآخرة فلا يريد إلّا السّعي لها، فأمّا الإنسان فلا يهمّه إلّا الدّنيا و لذّاتها.

إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ‏: اختبره بالغنى و اليسر.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 421.

(2) النهج/ 141، الخطبة 97.

(3) ليس في المصدر.

(4) أي: على مسلكه و موضع جوازه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الشحا.

و الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه.

و مساغ: موضع الإساغة.

6 و 7- المجمع 5/ 487.

(8) العوالي 1/ 364، ح 53.

271

فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ‏: بالجاه و المال.

فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ‏ (15): فضّلني بما أعطاني. و هو خبر المبتدأ الّذي هو «الإنسان»، و الفاء لما في «أمّا» من معنى الشّرط، و الظّرف المتوسّط في تقدير التّأخير، كأنّه قيل: فأمّا الإنسان فقائل: ربّي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام. و كذا قوله: وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏. إذ التّقدير: و أمّا الإنسان إذا ما ابتلاه، أي: بالفقر و التقتير، ليوازن قسيمه.

و في عيون الأخبار (1)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون مع أصحاب الملل و المقالات و ما أجاب به عليّ بن الجهم في عصمة الأنبياء حديث طويل، يقول فيه في قوله‏ (2): وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ إنّما ظنّ بمعنى‏ (3) استيقن أنّ اللّه لن يضيّق عليه رزقه. ألا تسمع قول اللّه- تعالى-: وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏، أي: ضيّق عليه.

و فيه‏ (4) في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء حديث طويل، يقول فيه‏ عند قوله: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَ‏ [بمعنى:

استيقن‏] (5) أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏، أي: لن نضيّق عليه رزقه. و منه قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏، أي: ضيّق عليه رزقه‏ (6).

فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ‏ (16): لقصور نظره و سوء فكره، فإنّ التّقتير قد يؤدّي إلى كرامة الدّارين، إذ التّوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء و الانهماك في حبّ الدّنيا، و لذلك ذمّه على قوليه و ردعه‏ (7) بقوله: كَلَّا (8). مع أنّ قوله الأوّل مطابق «لاكرمه».

و لم يقل: «فأهانه و قدر عليه»، كما قال: فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ‏ لأنّ التّوسعة تفضّل، و الإخلال به لا يكون إهانة.

و قرأ (9) ابن عامر و الكوفيّون: «أكرمن، و أهانن» بغير ياء في الوصل و الوقف.

____________

(1) العيون 1/ 153- 154، ح 1.

(2) الأنبياء/ 87.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بما.

(4) نفس المصدر/ 160، ح 1.

(5) ليس في ق، ش، م، المصدر.

(6) المصدر: أي ضيّق و قتر.

(7) كذا في أنوار التنزيل. و في النسخ زيادة:

عنه.

(8) في ق، ش، م، زيادة: ردع.

(9) أنوار التنزيل 2/ 558.

272

و عن أبي عمرو مثله، و وافقهم نافع في الوقف.

و قرأ (1) ابن عامر: «فقدّر» بالتّشديد.

بل لا يكرمون اليتيم (17) و لا يحضون على طعام المسكين (18)، أي: بل فعلهم أسوأ من قولهم و أدلّ على تهالكهم بالمال، و هو أنّهم لا يكرمون اليتيم بالتّفقّد بالنّفقة و المبرّة، و لا يحثّون أهلهم على طعام المسكين فضلا عن غيرهم.

و قرأ (2) الكوفيّون: «وَ لا تَحَاضُّونَ».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)- (رحمه اللّه)-: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى‏ طَعامِ الْمِسْكِينِ‏، أي: لا تدعون، و هم الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم و أكلوا مال أتباعهم‏ (4) و فقرائهم و أبناء سبيلهم.

و في مجمع البيان‏ (5): لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ‏ هو الطّفل الّذي لا أب له، أي:

لا تعطونهم ممّا أعطاكم اللّه حتّى تغنوهم عن ذلّ السؤال. و خصّ اليتيم لأنّهم لا كافل لهم يقوم [بأمرهم‏

و قد قال- (عليه السلام)-: أنا و كافل اليتيم كهاتين. و أشار بالسبّابة و الوسطى.

وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ‏: الميراث. و أصله: وراث. أَكْلًا لَمًّا (19):

ذا لمّ، أي جمع بين الحلال و الحرام،] (6) فإنّهم كانوا لا يورثون النّساء و الصّبيان و يأكلون أنصباءهم، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال و حرام عالمين بذلك.

وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20): كثيرا مع حرص و شره.

و قرأ (7) أبو عمرو و سهل و يعقوب: «لا يكرمون» إلى «و يحبّون» بالياء، و الباقون بالتّاء.

كَلَّا: ردع لهم عن ذلك و إنكار، و ما بعده وعيد عليه.

إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21): دكّا (8) بعد دكّ حتّى صارت منخفضة الجبال و التّلال، أو هباء منبثّا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 558.

(2) أنوار التنزيل 2/ 558.

(3) تفسير القمّي 2/ 420.

(4) المصدر: أكلوا أموال اليتامى.

(5) المجمع 5/ 488.

(6) ليس في ق.

(7) أنوار التنزيل 5582.

(8) ليس في ق.

273

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا قال: هي الزّلزلة.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)، بإسناده إلى داود بن سليمان قال: حدّثني عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل تدرون ما تفسير هذه الآية كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا؟ قال: إذا كان يوم القيامة تقاد جهنّم بسبعين ألف زمام بيد سبعين ألف ملك، فتشرد شردة (3)، لولا أنّ اللّه حبسها لأحرقت السّموات و الأرض.

وَ جاءَ رَبُّكَ‏، أي: ظهرت آيات قدرته و آثار قهره، مثل ذلك بما ظهر عند حضور السّلطان من آثار هيبته و سياسته.

وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22): بحسب منازلهم و مراتبهم.

و في عيون الأخبار (4): عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد، بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن.

قول اللّه: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا.

فقال: إنّ اللّه- تعالى- لا يوصف بالمجي‏ء و الذّهاب، تعالى عن الانتقال، و إنّما يعني بذلك: و جاء أمر ربّك. (الحديث)

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و أمّا قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و قوله‏ (6): هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ‏ فذلك كلّه حقّ، و ليست له جيئة كجيئة خلقه، فإنّه ربّ شي‏ء من كتاب اللّه‏ (7) يكون تأويله على غير تنزيله، و لا يشبه تأويل كلام البشر (8) و لا فعل البشر، و سأنبّئك بمثال لذلك تكتفي به‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 420.

(2) أمالي الطوسي 1/ 346.

(3) ق، ش: فتشرر شررة.

(4) العيون 1/ 103، ح 19.

(5) الاحتجاج/ 250.

(6) الأنعام/ 158.

(7) المصدر: فانّه ربّ كلّ شي‏ء، و من كتاب اللّه ...

(8) المصدر: و لا يشبه تأويله بكلام البشر.

274

- إن شاء اللّه- و هو حكاية اللّه- عزّ و جلّ- عن إبراهيم حيث قال: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّي‏ (1) فذهابه إلى ربّه توجيهه إليه [في‏] (2) عبادته و اجتهاده، أ لا ترى أنّ تأويله غير تنزيله.

و قال‏ (3): أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ‏ و قال‏ (4): وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ فإنزاله ذلك خلقه [إيّاه‏] (5)، و كذلك قوله‏ (6): إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ‏، أي: الجاحدين، فالتّأويل في هذا القول باطنه مضادّ لظاهره.

وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏، كقوله: «و برّزت الجحيم».

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ، بن أبي طالب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه‏ و قد سأله بعض اليهود عن مسائل: إنّ الشّمس عند الزّوال لها حلقة تدخل فيها، فإذا دخلت فيها زالت الشّمس، فيسبّح كلّ شي‏ء دون العرش بحمد ربّي، و هي السّاعة الّتي يصلّي [عليّ‏] (8) فيها ربّي، ففرض اللّه عليّ و على أمّتي فيها الصّلاة. و قال‏ (9): أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ و هي السّاعة الّتي يؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة، فما من مؤمن يوافق تلك السّاعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما، إلّا حرّم اللّه جسده على النّار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): حدّثني أبي، عن عمرو بن عثمان، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏ سئل عن ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال: بذلك أخبرني الرّوح الأمين، إنّ اللّه- لا إله غيره- إذا برز (11) الخلائق و جميع الأوّلين و الآخرين اتي بجهنّم تقاد بألف زمام [مع كلّ زمام‏] (12) مائة ألف [ملك‏] (13) تقودها (14) من الغلاظ الشّداد، لها هدّة (15) و غضب و زفير و شهيق، و أنّها لتزفر الزّفرة فلولا أنّ‏

____________

(1) الصّافّات/ 99.

(2) من المصدر.

(3) الزمر/ 6.

(4) الحديد/ 25.

(5) من المصدر.

(6) الزخرف/ 81.

(7) العلل/ 337، ح 1.

(8) من المصدر.

(9) الإسراء/ 78.

(10) تفسير القمّي 2/ 421.

(11) المصدر: أبرز.

12 و 13 من المصدر.

(14) ليس في المصدر.

(15) الهدّة: صوت وقع الحائط و نحوه.

275

اللّه أخّرهم للحساب لأهلكت الجمع.

ثمّ يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق البرّ منهم و الفاجر، فما خلق اللّه عبدا من عباد اللّه ملكا و لا نبيّا إلّا ينادي: ربّ، نفسي نفسي، و أنت يا نبيّ اللّه تنادي: أمّتي أمّتي.

ثمّ يوضع عليها الصّراط أدقّ من الشّعر و أحدّ من حدّ (1) السّيف، عليه ثلاثة قناطر: فأمّا واحدة فعليها الأمانة و الرّحم، و الثّانية فعليها الصّلاة، و أمّا الثّالثة فعليها [عدل‏] (2) ربّ العالمين لا إله غيره، فيكلّفون الممرّ عليها فيحبسهم الرّحم و الأمانة، فإن نجوا منهما (3) حبستهم الصّلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين، و هو قوله:

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ و النّاس على الصّراط فمتعلّق بيد و تزلّ‏ (4) قدم و تستمسك بقدم، و الملائكة حولها ينادون: يا حليم، اعف و اصفح و عد بفضلك و سلّم و سلم‏ (5). و النّاس يتهافتون في النّار، كالفراش فيها، فإذا نجا ناج برحمة اللّه مرّ بها، فقال: الحمد للّه و بنعمته تتمّ الصّالحات و تزكو الحسنات، و الحمد للّه الّذي نجّاني منك بعد إياس بمنّه و فضله، إنّ ربّنا لغفور شكور.

و في مجمع البيان‏ (6): وجي‏ء بجهنم. و

روي مرفوعا، عن أبي سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية، تغيّر وجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عرف في وجهه حتّى اشتدّ على أصحابه ما رأوه من حاله، و انطلق بعضهم إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فقالوا: يا عليّ، لقد حدث أمر قد رأيناه في نبيّ اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فجاء عليّ- (عليه السلام)- فاحتضنه‏ (7) من خلفه، و قبّل بين عاتقيه.

ثمّ قال: يا نبيّ اللّه بأبي أنت و أمّي، ما الّذي حدث اليوم؟

قال: جاء جبرئيل فأقرأني‏ وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏.

قال: فقلت: كيف يجاء بها؟

قال: يجي‏ء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة (8)، لو

____________

(1) ليس في ق.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: منها.

(4) المصدر: تزول.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و سلّم سلّم.

(6) المجمع 5/ 489.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فاحتضه.

(8) ق، ش: فتشرر شررة.

276

تركت لأحرقت أهل الجمع. ثمّ أتعرّض جهنّم، فتقول: ما لي و لك، يا محمّد، فقد حرّم اللّه لحمك عليّ. فلا يبقى أحد إلّا قال: نفسي نفسي، و إنّ محمّدا يقول: أمّتي أمّتي.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ‏ (1)، مثل ما في مجمع البيان.

يَوْمَئِذٍ: بدل من‏ إِذا دُكَّتِ‏، و العامل فيهما، يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ‏، أي: يتذكّر معاصيه. أو يتّعظ، لأنّه يعلم قبحها فيندم عليها.

وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى‏ (23)، أي: منفعة الذّكرى، لئلّا يناقض ما قبله.

يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي‏ (24)، أي: لحياتي هذه. أو وقت حياتي في الدّنيا أعمالا صالحة.

فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26).

«الهاء» للّه، أي: لا يتولّى عذاب اللّه و وثاقه يوم القيامة سواه، إذ الأمر كلّه له.

أو للإنسان، أي: لا يعذّب أحد من الزّبانية مثل ما يعذّبونه.

و قرأهما (2) الكسائيّ و يعقوب على بناء المفعول.

و في مجمع البيان‏ (3): و أمّا القراءة بفتح العين في «يعذّب» و «يوثق» فقد وردت الرّواية عن أبي قلابة قال: أقرأني من أقرأه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ. و المعنى: لا يعذّب أحد تعذيب هذا الكافر إن قلنا: إنّه كافر بعينه. أو تعذيب هذا الصّنف من الكفّار، و هم الّذي ذكروا في قوله:

لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ‏ (الآيات).

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: و في رواية سليم بن قيس الهلاليّ، عن سلمان الفارسي- (رحمه اللّه)- و نقل كلاما طويلا، و فيه قال‏ (5): قال لي عمر بن الخطّاب: قل ما شئت، أليس قد عزلها اللّه عن أهل هذا البيت الّذين قد اتّخذتموهم أربابا؟

قال: قلت: فإنّي أشهد أنّي سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: و قد سألته عن هذه الآية فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ، فقال: إنّك أنت‏

____________

(1) نور الثقلين 5/ 576، ح 24.

(2) أنوار التنزيل 2/ 558.

(3) المجمع 5/ 489.

(4) الاحتجاج/ 85.

(5) ليس في ق، ش.

277

هو.

فقال [عمر] (1): اسكت‏ (2) أسكت اللّه نامتك، أيّها العبد يا ابن اللّخناء (3).

فقال لي عليّ- (عليه السلام)-: اسكت، يا سلمان. فسكتّ، و اللّه، لولا أنّه أمرني بالسّكوت لأخبرته بكلّ شي‏ء نزل فيه و في صاحبه.

فلمّا رأى ذلك عمر أنّه قد سكت قال: إنّك له مطيع مسلّم.

في شرح الآيات الباهرة (4): جاء في تفسير عليّ بن إبراهيم أنّ «الإنسان»، يعني به: الثّاني.

و يؤيّده ما روي عن عمر بن أذينة، عن معروف بن خربوذ قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا ابن خربوذ، أ تدري ما تأويل هذه الآية فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ؟

قلت: لا.

قال: ذاك الثّاني، لا يعذّب‏ (5) اللّه، يوم القيامة عذابه أحدا (6).

يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27): على إرادة القول.

قيل‏ (7): هي الّتي اطمئنت بذكر اللّه، فإنّ النّفس تترقّى في سلسلة الأسباب و المسبّبات إلى الواجب لذاته- تعالى- فتستقرّ (8) دون معرفته و تستغني به عن غيره. أو إلى الحقّ بحيث لا يريبها (9) شكّ. أو الآمنة الّتي لا يستفزّها خوف و لا حزن.

ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ‏ قيل‏ (10): إلى أمره‏ (11). أو موعده [بالموت‏] (12) أو بالبعث.

راضِيَةً: بما أوتيت.

____________

(1) من المصدر.

(2) في المصدر زيادة: «قال: قلت».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أيّها العبد ابن اللخفا.

و اللخناء: النّتنة.

(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 795، ح 5.

(5) في المصدر زيادة: [و].

(6) ق، ش، ن، ت: أحد.

(7) أنوار التنزيل 2/ 559.

(8) ن، ت، ي، ر: فتسفرّ.

(9) المصدر: لا يريها.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) في ق زيادة: أو أمره.

(12) من المصدر.

278

مَرْضِيَّةً (28): عند اللّه.

فَادْخُلِي فِي عِبادِي‏ (29): في جملة عبادي الصالحين.

وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏ (30): معهم. أو في زمرة المقرّبين فتستضي‏ء بنورهم، فإنّ الجواهر القدسيّة كالمرايا المتقابلة. أو ادخلي في أجساد عبادي الّتي فارقت عنها. أو ادخلي دار ثوابي الّتي أعددت لك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: إذا حضر المؤمن الوفاة نادى مناد من عند اللّه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي‏ بولاية عليّ- (عليه السلام)-. مَرْضِيَّةً بالثّواب.

فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏ فلا يكون له همّة إلّا اللّحوق بالنّداء.

حدّثنا (2) جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد اللّه بن موسى‏ (3)، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (الآية)، يعني: الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)-.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن سدير الصّيرفيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، هل يكره المؤمن على قبض روحه؟

قال: لا، و اللّه، إنّه إذا أتاه ملك الموت ليقبض روحه، جزع عند ذلك.

فيقول له ملك الموت: يا وليّ اللّه، لا تجزع، فو الّذي بعث محمّدا، لأنا أبرّ بك و أشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر.

قال: و هو يمثّل له رسول اللّه و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ذرّيّتهم- (عليهم السلام)-. فيقال له: هذا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة رفقاؤك.

قال: فيفتح عينه فينظر، فينادي روحه مناد من قبل ربّ العزّة فيقول: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إلى محمّد و أهل بيته‏ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً بالولاية (5) مَرْضِيَّةً بالثّواب‏ فَادْخُلِي فِي عِبادِي‏، يعني: محمّدا و أهل بيته‏ وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏ فما من شي‏ء

____________

1 و 2- تفسير القمّي 2/ 422.

(3) ق، ش، م: حدّثنا جعفر بن محمّد بن عبد اللّه موسى.

(4) الكافي 3/ 127- 128، ح 2.

(5) ليس في ق.

279

أحبّ إليه من استلال‏ (1) روحه و اللّحوق بالمنادي.

و في محاسن البرقيّ‏ (2): عنه، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن مسلم، عن الخطّاب الكوفيّ و مصعب الكوفيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لسدير: و الّذي بعث محمّدا بالنّبوّة و عجّل روحه إلى الجنّة، ما بين أحدكم و بين أن يغتبط و يرى السّرور أو تبين‏ (3) له النّدامة [و الحسرة] (4) إلّا أن يعاين ما قال اللّه‏ (5) في كتابه: عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ و أتاه ملك الموت يقبض روحه، [فينادي روحه‏] (6) فتخرج من جسده.

فأمّا المؤمن فلا يحسّ بخروجها، و ذلك قول اللّه- تبارك و تعالى-: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏.

ثمّ قال: ذلك لمن كان ورعا مواسيا لإخوانه وصولا لهم، و إن كان غير ورع و لا وصول لإخوانه قيل له: ما منعك عن الورع و المواساة لإخوانك؟ أنت ممّن انتحل‏ (7) المحبّة بلسانه و لم يصدّق ذلك بفعله. و إذا لقى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لقيهما معرضين مغضبين‏ (8) في وجهه غير شافعين له.

قال سدير: من جدع‏ (9) [اللّه‏] (10) أنفه‏ (11).

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فهو ذلك.

و في شرح الآيات الباهرة (12): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، [عن يونس بن يعقوب،] (13) عن عبد الرّحمن بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏

____________

(1) ق، ش، م، ي، ر: انسلال.

(2) المحاسن/ 177، ح 161.

(3) كذا في المصدر. و في ن، ت، ي، ر:

«و يلتبس» بدل «أو تبين». و في سائر النسخ:

«و يلبس».

(4) من المصدر.

(5) ق/ 17.

(6) ليس في ق، ش.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: اتخذ.

(8) المصدر: مقطتبين.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: جذع.

(10) من المصدر.

(11) قال العلامة المجلسي (ره): جدع الأنف، أي: قطعه. كناية عن المذلة. أي: من أذلة الله، يكون كذلك. و يحتمل أن يكون «من» استفهاما، أي: من يكون كذلك؟ و قوله: «جدع الله أنفه» جملة دعائية، فأجاب- (عليه السلام)- بأنه هو الذي ذكرت لك سابقا (البحار 6/ 187)

(12) تأويل الآيات الباهرة 2/ 795، ح 6.

(13) من المصدر.

280

. قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و روى‏ (1) عن الحسن بن محبوب، بإسناده، عن صندل، عن داود بن فرقد قال:

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: اقرؤوا سورة الفجر في فرائضكم و نوافلكم، فإنّها سورة الحسين- (عليه السلام)- و ارغبوا فيها، رحمكم اللّه.

فقال له أبو أسامة، و كان حاضرا المجلس: كيف صارت هذه السّورة للحسين- (عليه السلام)- خاصّة؟ فقال: ألا تسمع إلى قوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏ إنّما يعني بها: الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- فهو ذو النّفس المطمئنّة الرّاضية المرضيّة، و أصحابه من آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- الرّاضون عن اللّه يوم القيامة، و هو راض عنهم، و هذه السّورة [نزلت‏] (2) في الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- و شيعته و شيعة آل محمّد (3) خاصّة. من أدمن قراءة الفجر، كان مع الحسين- (عليه السلام)- في درجته في الجنّة، إنّ اللّه عزيز حكيم.

و روى‏ (4) أبو جعفر محمّد بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن عبّاد بن سليمان، عن سدير الصّيرفيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، هل يكره المؤمن على قبض روحه؟

قال: لا، إذا أتاه ملك الموت بقبض روحه جزع لذلك.

فيقول له ملك الموت: يا وليّ اللّه لا تجزع، فو الّذي بعث محمّدا بالحقّ، لأنا أبرّ بك و أشفق عليك من الوالد البرّ الرّحيم بولده، افتح عينيك و انظر.

قال: فيتمثّل له رسول اللّه و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- و الأئمّة، فيقول (له) (5): هؤلاء رفقاؤك. فيفتح عينيه و ينظر إليهم، ثمّ تنادى نفسه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً بالولاية مَرْضِيَّةً بالثّواب‏ فَادْخُلِي فِي عِبادِي‏، يعني: محمّدا و أهل بيته‏ وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‏ فما من شي‏ء أحبّ إليه من انسلال روحه و اللّحوق بالمنادي.

____________

(1) نفس المصدر/ 796، ح 8.

(2) من المصدر مع المعقوفتين.

(3) ليس في ق، ش.

(4) نفس المصدر/ 797، ح 9.

(5) من المصدر مع القوسين.

281

سورة البلد

مكّيّة.

و آيها عشرون بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من كان قراءته في الفريضة لا أقسم بهذا البلد كان في الدّنيا معروفا [أنّه (كان) (2) من الصّالحين، و كان في الآخرة معروفا أنّ له‏] (3) من اللّه مكانا، و كان يوم القيامة من رفقاء النّبيّين و الشّهداء و الصّالحين.

و في مجمع البيان‏ (4): ابيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، أعطاه اللّه الأمن من غضبه يوم القيامة.

لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) قيل‏ (5): أقسم- سبحانه- بالبلد الحرام، و قيّده‏ (6) بحلول الرّسول فيه، إظهارا لمزيد فضله و إشعارا بأنّ شرف المكان بشرف أهله.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ق.

(4) المجمع 5/ 490.

(5) أنوار التنزيل 2/ 559.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قيل.

282

و قيل‏ (1): «حلّ» مستحلّ تعرّضك فيه، كما يستحلّ تعرّض الصّيد في غيره. أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النّهار، فهو وعد لما أحلّ له عام الفتح.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كانت الجاهليّة يعظّمون المحرّم، و لا يقسمون به، و لا بشهر رجب، و لا يعرضون فيهما لمن كان فيهما ذاهبا أو جائيا و إن كان قتل أباه، و لا لشي‏ء يخرج من الحرام دابّة أو شاة أو بعيرا أو غير ذلك، فقال اللّه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ.

قال: فبلغ من جهلهم أنّهم استحلّوا قتل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عظّموا أيّام الشّهر حيث يقسمون به [فيفون‏] (3).

و فيه‏ (4)- أيضا-: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار (5)، عن يونس، عن بعض أصحابنا قال: سألته عن قول اللّه‏ (6): فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ‏.

قال: أعظم إثم من يحلف بها.

قال: و كان أهل الجاهليّة يعظّمون الحرم و لا يقسمون به و (7) يستحلّون حرمة اللّه فيه، و لا يعرضون لمن كان فيه، و لا يخرجون منه دابّة، فقال اللّه- تبارك و تعالى-:

لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ.

قال: يعظّمون البلد أن يحلفوا به، و يستحلّون فيه حرمة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في مجمع البيان‏ (8): لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. أجمع المفسّرون على أنّ هذا قسم بالبلد الحرام، و هو مكّة. وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ، أي: و أنت، يا محمّد، مقيم به و هو محلّك. و هذا تنبيه على شرف البلد بشرف من حلّ به من الرّسول الدّاعي إلى توحيده و إخلاص عبادته.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 7/ 450، ح 4.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر، ح 5.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 103. و في النسخ: مراد.

(6) الواقعة/ 75.

(7) ليس في المصدر.

(8) المجمع 5/ 493.

283

... إلى قوله: و قيل: معناه: و أنت حلّ بهذا البلد، و هو ضدّ المحرّم، و المراد:

و أنت حلال لك قتل من رأيت به من الكفّار، و لك حين امر بالقتال يوم فتح مكّة فأحلّها اللّه له حتّى قاتل و قتل.

و قد قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لم‏ (1) يحلّ لأحد قبلي، و لا يحلّ لأحد بعدي، و لم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار. عن ابن عبّاس و مجاهد و قتادة و عطاء. و هذا وعد من اللّه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يحلّ له مكّة حتّى يقاتل فيها و يفتحها على يده، و يكون بها حلّا يصنع بها ما يريد من القتل و الأسر، و قد فعل- تعالى- ذلك، فدخلها- (عليه السلام)- [غلبة] (2) كرها و قتل ابن أخطل، و هو متعلّق بأستار الكعبة، و مقيس بن صبابة (3) و غيرهما.

و قيل‏ (4): معناه: لا أقسم بهذا البلد و أنت حلّ‏ (5) فيه، منتهك الحرمة، مستباح العرض لا تحترم، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك. عن أبي مسلم،

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كانت قريش تعظّم البلد و تستحلّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيه، فقال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يريد: أنّهم استحلّوك فيه [و كذّبوك‏] (6) و شتموك، و كانوا لا يأخذ الرّجل منهم فيه قاتل أبيه، و يتقلّدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليدهم إياه، فاستحلّوا من رسول اللّه ما لم يستحلّوا من غيره، فعاب اللّه ذلك عليهم.

وَ والِدٍ: عطف على‏ بِهذَا الْبَلَدِ.

قيل‏ (7): و الوالد آدم‏ (8)، أو إبراهيم.

وَ ما وَلَدَ (3): ذرّيّته، أو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و التّنكير للتّعظيم. و إيثار «ما» على «من» لمعنى التّعجّب، كما في قوله:

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏.

و في أصول الكافي‏ (9): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد

____________

(1) المصدر: لا.

(2) من المصدر.

(3) ق، ش: مسابة. و في المصدر: مقبس بن سبابة.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حلال.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) أنوار التنزيل 2/ 559.

(8) المصدر: دم. و في ق، ش، زيادة: نوح.

(9) الكافي 1/ 414، ح 11.

284

ابن عبد اللّه، رفعه‏ في قوله- تعالى-: لا أُقْسِمُ‏ إلى: وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ قال: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و ما ولد من الأئمّة.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ، يعني: آدم و ذرّيّته.

... إلى قوله: و قيل: آدم و ما ولد من الأنبياء و الأوصياء و أتباعهم. عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حضيرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ.

قال: يعني: عليّا- (عليه السلام)- و ما ولد من الأئمّة.

و روى‏ (3)- أيضا-، عن عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن‏ (4) إبراهيم بن صالح الأنماطيّ، عن منصور، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ قال: يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قلت: وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ.

قال: عليّ و ما ولد (5).

و روى‏ (6)- أيضا-، عن الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن يعقوب، عن عبد اللّه بن محمّد، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا أبا بكر، قول اللّه- تعالى-: وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و ما ولد (7) الحسن و الحسين.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4).

قيل‏ (8): في تعب و مشقّة. من كبد الرّجل كبدا: إذا رجعت كبده. و منه‏

____________

(1) المجمع 5/ 493.

(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 797- 798، ح 1.

(3) نفس المصدر/ 798، ح 2.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(5) في ق زيادة: و ما ولد هو عليّ- (عليه السلام)- و ما ولد.

(6) نفس المصدر/ 798، ح 3.

(7) في ق زيادة: هو عليّ- (عليه السلام)- و ما ولد.

(8) أنوار التنزيل 2/ 559.

285

المكابدة. و الإنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرّحم و مضيقة، و منتهاها الموت و ما بعده. و هو تسلية للرّسول بما كان يكابده من قريش.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ، أي: منتصبا.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّا نرى الدّوابّ في بطون أيديها الرّقعتين، مثل الكيّ، فمن أيّ شي‏ء ذلك؟

فقال: ذلك موضع منخريه في بطن أمّه، و ابن آدم منتصب في بطن أمّه، و ذلك قول اللّه- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ. و ما سوى ابن آدم، فرأسه في دبره و يداه بين يديه.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن محمّد، مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و هو قائم ليس على معنى انتصاب و قيام على ساق في كبد، كما قامت الأشياء، و لكن قائم يخبر أنّه حافظ، كقول الرّجل: القائم بأمر [نا] (4) فلان.

أَ يَحْسَبُ‏ قيل‏ (5): الضّمير فيه لبعضهم، الّذي كان يكابد منه‏ (6) أكثر. أو يغترّ بقوّته، كأبي الأشدّ بن كلدة، فإنّه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظيّ، و يجذبه عشرة، فيتقطّع و لا تزلّ قدماه. أو لكلّ أحد منهم. أو للإنسان.

أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5): فينتقم منه.

يَقُولُ‏، أي في ذلك الوقت.

أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (6): كثيرا (7) من تلبّد الشّي‏ء: إذا اجتمع و المراد: ما أنفقه سمعة و مفاخرة، أو معاداة للرّسول.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8)، بإسناده إلى الحسين بن أبي يعقوب: عن بعض‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 422.

(2) العلل/ 495، ح 1.

(3) الكافي 1/ 121، ح 2.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 559.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الّذي كان يكابده.

(7) ليس في ق، ش.

(8) تفسير القمّي 2/ 423.

286

أصحابه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، يعني: يقتل في قتله ابنة النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً، [يعني:

الّذي جهّز به النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في جيش العسرة (1).

و فيه‏ (2): يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً] (3) قال: اللبد المجتمع.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً قال هو عمرو بن عبد ودّ حين عرض عليه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- الإسلام يوم الخندق، و قال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا؟ و كان أنفق مالا في الصّدّ عن سبيل اللّه فقتله عليّ- (عليه السلام)-.

أَ يَحْسَبُ‏: الإنسان.

أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7): حين كان ينفق. أو بعد ذلك فيسأله عنه، يعني:

أنّ اللّه يراه فيجازيه، أو يجده فيحاسبه عليه.

ثمّ قرّر ذلك بقوله: أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ‏ (8): يبصر بهما.

وَ لِساناً: يترجم به عن ضمائره.

وَ شَفَتَيْنِ‏ (9): يستر بهما فاه، و يستعين بهما على النّطق و الأكل و الشّرب و غيرهما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قال: في فساد كان في نفسه. أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ‏ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. وَ لِساناً، يعني: أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. وَ شَفَتَيْنِ‏، يعني: الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.

و في مجمع البيان‏ (6): و روى عبد الحميد المدائنيّ، عن أبي حازم، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- تعالى- يقول: يا ابن آدم، إن نازعك لسانك فيما حرّمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق. (الحديث).

وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ (10).

____________

(1) المصدر: العشيرة.

و جيش العسرة: جيش المسلمين في غزوة تبوك.

(2) نفس المصدر/ 422.

(3) ليس في ت.

(4) نفس المصدر/ 422.

(5) تفسير القمّي 2/ 423.

(6) المجمع 5/ 494.

287

قيل‏ (1): طريقي‏ (2) الخير و الشّرّ، أو الثّديين. و أصله، المكان المرتفع.

و في مجمع البيان‏ (3): وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏، أي: سبيل الخير و سبيل‏ (4) الشّرّ. عن عليّ- (عليه السلام)-.

و روي‏ (5) أنّه قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ ناسا يقولون في قوله: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏: إنّهما الثّديان.

فقال: لا، هما الخير و الشّرّ.

و قال الحسن‏ (6)- (عليه السلام)-: بلغني أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أيّها النّاس، هما نجدان: نجد الخير و نجد الشّرّ، فما جعل نجد الشرّ (7) أحبّ إليكم من نجد الخير.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8)، متّصلا بآخر ما نقلت عنه قريبا، أعني: قوله:

الحسن و الحسين. وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ إلى ولايتهما.

و في أصول الكافي‏ (9)، بإسناده إلى حمزة بن محمّد: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏.

قال: نجد الخير و الشّرّ.

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)، أي: فلم يشكر تلك الأيادي‏ (10) باقتحام العقبة، و هو الدّخول في أمر شديد.

و «العقبة» الطّريق في الجبل، استعارها لما فسّرها به من الفكّ و الإطعام في قوله: وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16): لما فيهما من مجاهدة النّفس.

و لتعدّد المراد بها حسن وقوع «لا» موقع «لما» (11)، فإنّها لا تكاد تقع إلّا مكرّرة،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 560.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: طريق.

(3) المجمع 5/ 494.

(4) ليس في ق، ش، م.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) تفسير القمّي 2/ 423.

(9) الكافي 1/ 163، ح 4.

(10) الأيادي: النعم.

(11) كذا في أنوار التنزيل 2/ 560. و في ن: لهم.

و في غيرها: له.

288

إذ المعنى: فلا فكّ رقبة، و لا أطعم يتيما أو مسكينا.

و «المسغبة» و «المقربة» و «المتربة» مفعلات، من سغب: إذا جاع، و قرب في النّسب، و ترب: إذا افتقر.

و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو و الكسائيّ: «فكّ رقبة أو أطعم» على الإبدال من «اقتحم». و قوله: «و ما أدراك ما العقبة» اعتراض معناه: أنّك لم تدركنه صعوبتها [و ثوابها] (2).

و في أصول الكافي‏ (3): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن يونس، قال: أخبرني من رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ، يعني بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ: ولاية أمير المؤمنين، فإنّ ذلك فكّ رقبة.

عليّ بن محمّد (4)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن أبيه، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، قوله:

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ.

قال: من أكرمه اللّه بولايتنا فقد جاز العقبة، و نحن تلك العقبة الّتي من اقتحمها نجا.

قال: فسكت، فقال لي: فهلّا أفيدك حرفا خيرا لك من الدّنيا و ما فيها؟

قلت: بلى، جعلت فداك.

قال: قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ.

ثمّ قال: النّاس كلّهم عبيد النّار غيرك و أصحابك، فإنّ اللّه فكّ رقابكم من النّار بولايتنا، أهل البيت.

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (6)، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن عمر بن يزيد قال: أخبرت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّي أصبت بابنين‏ (7)

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 560.

(2) ليس في ق.

(3) الكافي 1/ 422، ح 49.

(4) نفس المصدر/ 430، ح 88.

(5) الكافي 4/ 4، ح 10.

(6) المصدر: عن أحمد بن أبي عبد اللّه.

(7) كذا في المصدر. و في ق: بابنتين. و في غيرها: بابنيّ.

289

و بقي لي بنيّ‏ (1) صغير.

قال: تصدّق عنه.

ثمّ قال حين حضر قيامي: مر الصّبيّ فليتصدّق بيده بالكسرة و القبضة و الشّي‏ء و إن قلّ، فإنّ كلّ شي‏ء يراد به اللّه، و إن قلّ، بعد أن تصدق النّية فيه عظيم. إنّ اللّه يقول‏ (2): فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ و قال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ علم اللّه أنّ كلّ أحد لا يقدر على فكّ رقبة، فجعل إطعام اليتيم و المسكين مثل ذلك، تصدّق عنه.

أحمد بن محمّد (3)، عن أبيه، عن معمّر بن خلّاد قال: كان أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- إذا أكل اتي بصحفة (4) فتوضع قرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطّعام ممّا يؤتى به، فيأخذ من كلّ شي‏ء شيئا فيضع في تلك الصّحفة، ثمّ يأمر بها للمساكين، ثمّ يتلو هذه الآية فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ثمّ يقول: علم اللّه أنّه ليس كلّ إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم السّبيل إلى الجنّة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ قال: «العقبة» الأئمّة، من صعدها فكّ رقبته من النّار.

و فيه‏ (6): فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ يقول: يعني‏ (7): ما أعلمك.

و كلّ شي‏ء في القرآن [وَ ما أَدْراكَ‏ فهو: ما أعلمك‏] (8).

حدّثنا (9) جعفر بن محمّد (10)، قال: حدّثنا عبد اللّه بن موسى، عن الحسن بن عليّ ابن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ قال: بنا تفكّ الرّقاب و بمعرفتنا، و نحن المطعمون في يوم الجوع و هو المسغبة.

و في مجمع البيان‏ (11): و أمّا المراد بالعقبة، ففيه وجوه: أحدها، أنّه مثل ضربه اللّه‏

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) الزلزلة/ 7- 8.

(3) نفس المصدر/ 52، ح 12.

(4) الصّحفة: إناء من آنية الطعام.

(5) تفسير القمّي 2/ 422.

(6) نفس المصدر/ 423.

(7) ليس في المصدر.

(8) ليس في ق، ش، م.

(9) نفس المصدر/ 423.

(10) المصدر: أحمد.

(11) المجمع 5/ 495.

290

لمجاهدة النّفس و الهوى و الشّيطان في أعمال الخير و الشّر- إلى قوله-: و ثانيها، أنّها عقبة حقيقة.

قال الحسن و قتادة (1): هي عقبة شديدة في النّار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة اللّه.

و روي‏ (2) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ أمامكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون، و أنا أريد أن أخفّف‏ (3) عنكم لتلك العقبة.

و روي‏ (4) مرفوعا، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابيّ إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، علّمني عملا يدخلني الجنّة.

قال: إن كنت أقصرت الخطبة (5) لقد أعرضت‏ (6) المسألة، أعتق النّسمة و فكّ الرّقبة.

فقال: ا و ليسا واحدا؟

قال: لا، عتق النّسمة أن تنفرد بعتقها، و فكّ الرّقبة أن تعين في ثمنها. و الفي‏ء على ذي الرّحم الظّالم، فإن لم يكن ذلك فأطعم الجائع و اسق الظّمآن و أمر بالمعروف و أنه عن المنكر، فإنّ لم تطق ذلك فكفّ لسانك إلّا من خير.

و روى‏ (7) محمّد بن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-:

إنّ لي ابنا شديد العلّة.

قال: مره يتصدّق بالقبضة من الطّعام بعد القبضة، فإنّ اللّه- تعالى- يقول:

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ و قرأ الآيات.

و في محاسن البرقيّ‏ (8): عنه، عن أبيه، عن معمّر بن خلّاد (9) قال: رأيت أبا الحسن‏

____________

(1) المجمع 5/ 495.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أتحفّف.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الخطيئة.

(6) المصدر: لقد عرضت. و في ق، ش، م.

زيادة: عن.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المحاسن/ 389، ح 20.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن سعدان ابن مسلم العامريّ، عن بعض أصحابه». و هذه العبارة يوجد في المصدر في سند الحديث المقدّم على حديث المتن.

291

الرّضا- (عليه السلام)- [يأكل‏] (1) فتلا هذه الآية فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ الآية.

ثمّ قال: علم اللّه أنّه ليس كلّ خلقه يقدر أن يعتق رقبة، فجعل لهم سبيلا إلى الجنّة بالطّعام‏ (2).

و في مجمع البيان‏ (3): فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ و

في الحديث عن معاذ بن جبل قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أشبع جائعا في يوم سغب، أدخله اللّه يوم القيامة من باب من أبواب الجنان‏ (4) لا يدخلها إلّا من فعل مثل ما فعل.

و عن جابر بن عبد اللّه‏ (5) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السّغبان‏ (6).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ، يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و المقربة أقرباؤه. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ، يعني: أمير المؤمنين متربا بالعلم.

و فيه‏ (8): أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قال: لا يقيه من التّراب شي‏ء.

و في أصول الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أطعم مؤمنا حتّى يشبعه، لم يدر أحد من خلق اللّه ما له من الأجر في الآخرة لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل إلّا اللّه ربّ العالمين.

ثمّ قال: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السّغبان، ثمّ تلا قول اللّه- تعالى-:

أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ.

و في المحاسن‏ (10)، مثله سواء

، مع زيادة «الجنّة» بعد «موجبات».

ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: عطف على «اقتحم» أو «فكّ» «بثمّ» لتباعد

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: باطعام الطّعام.

(3) المجمع 5/ 495.

(4) ق، المصدر: الجنّة.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أي الجائع.

(7) تفسير القمّي 2/ 423.

(8) نفس المصدر/ 422.

(9) الكافي 2/ 201، ح 6.

(10) المحاسن/ 389، ح 17.

292

الإيمان عن العتق و الإطعام في الرّتبة لاستقلاله و اشتراط سائر الطّاعات به.

وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ: و أوصى بعضهم بعضا بالصّبر على طاعة اللّه.

وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17): بالرّحمة على عباده. أو بموجبات رحمة اللّه.

أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (18): اليمين. أو اليمن.

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا: بما نصبنا دليلا على الحقّ من كتاب و حجة، أو بالقرآن.

هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (19): الشّمال، أو الشّوم.

و لتكرير ذكر المؤمنين باسم الإشارة، و الكفّار بالضّمير شأن‏ (1) لا يخفى.

عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20): مطبقة. من أوصدت الباب: إذا أطبقته و أغلقته.

و قرأ (2) أبو عمرو و حمزة و حفص بالهمزة، من آصدته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ قال: أصحاب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا قال: الّذين خالفوا أمير المؤمنين‏ هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ و قال: الْمَشْأَمَةِ أعداء آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ، أي: مطبقة.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 560. و في النسخ:

«بضمير الشأن» بدل «بالضمير شأن».

(2) أنوار التنزيل 2/ 560.

(3) تفسير القمّي 2/ 423.

293

سورة الشّمس‏

مكّيّة.

و آيها خمس، أو ستّ عشرة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أكثر قراءة و الشمس و و الليل إذا يغشى و الضحى و أ لم نشرح في يوم أو (2) ليلة، لم يبق شي‏ء بحضرته إلّا شهد له يوم القيامة، حتّى شعره و بشره و لحمه و دمه و عروقه و عصبه و عظامه و جميع ما أقلّت الأرض منه، و يقول الرّبّ: قبلت شهادتكم لعبدي و أجزتها له، انطلقوا به إلى جنّاتي حتّى يتخيّر منها ما أحبّ، فأعطوه [أيّاها] (3) من غير منّ، و لكن رحمة منّي و فضلا منّي عليه، [فهنيئا] (4) هنيئا (5) لعبدي.

و في مجمع البيان‏ (6): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها فكأنّما تصدّق بكلّ شي‏ء طلعت عليه الشّمس و القمر.

وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها (1).

قيل‏ (7): وضوئها إذا أشرقت.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

3 و 4- من المصدر.

(5) في ن، ي، زيادة: و هنيئا.

(6) المجمع 5/ 496.

(7) أنوار التنزيل 2/ 561.

294

و قيل‏ (1): «الضّحوة» ارتفاع النّهار، و «الضّحى» فوق ذلك، و «الضّحاء» بالفتح و المدّ: امتدّ النّهار و كاد أن ينتصف‏ (2).

وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها (2).

في‏ (3): تلا طلوعه طلوع الشّمس أوّل الشّهر، أو غروبها ليلة البدر، أو في الاستدارة و كمال النّور.

وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها (3).

قيل‏ (4): جلّى الشّمس، فإنّها تتجلّى: إذا انبسط النّهار. أو الظّلمة. أو الدّنيا أو الأرض، و إن لم يجر (5) ذكرها، للعلم بها.

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4): يغشى الشّمس فيغطّي ضوءها. أو الآفاق. أو الأرض.

و لمّا كانت واوات العطف نوائب للواو الأولى القسميّة الجارّة بنفسها النّائبة مناب فعل القسم، من حيث استلزمت طرحه معها، ربطن المجرورات و الظّروف بالمجرور و الظّرف المقدّمين ربط الواو لما بعدها في قولك: ضرب زيد عمرا، و بكر خالدا، على الفاعل و المفعول من غير عطف على عاملين مختلفين‏ (6).

و في روضة الكافي‏ (7): جماعة، عن سهل، عن محمّد، عن أبيه، عن أبي محمّد،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 561.

(2) أي: قرب أن تصل الشمس إلى نصف النّهار.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يجز.

(6) قوله: «و لمّا كانت واوات العطف» (الخ) جواب سؤال و هو أنّه يلزم من عطف هذه الجمل العطف على عاملين مختلفين، لأنّ قوله:

وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها في تقدير قوله: أقسم بالشمس و ضحاها. فلزم العطف على عاملين مختلفين و هو أقسم و الباء. و أجاب بأنّ الواو القسميّة نائبة عن الفعل و الباء، فها هنا عامل واحد، و هو الباء، و الواوات العاطفة نوائب تلك الواو صارت سببا لربط المجرورات الّتي هي القمر و النهار و اللّيل، و الظّروف‏ إِذا تَلاها و إِذا جَلَّاها و إِذا يَغْشاها بالمجرور و الظّرف المقدّمين اللّذين هما الشَّمْسِ وَ ضُحاها. و إنّما جعل الضّحى ظرفا- مع أنّه فسّره بالضّوء- لأنّ له وقتا مخصوصا، فكأنّه ظرف و لهما عامل واحد هو الواو، فلا يلزم العطف على عاملين مختلفين، كما أنّ بكر و خالد عطف على زيد و عمرو من غير عطف على عاملين مختلفين.

(7) الكافي 8/ 50، ح 12.

295

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها.

قال: الشّمس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- به أوضح اللّه للنّاس دينهم.

قال: قلت: وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها.

قال: ذلك أمير المؤمنين تلا رسول اللّه، و نفثه بالعلم نفثا.

قال: قلت: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها.

قال: ذلك أئمّة الجور الّذين استبدّوا بالأمر دون آل الرّسول أولى به منهم، فغشوا دين اللّه بالظّلم و الجور، فحكى اللّه فعلهم فقال: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها.

قال: قلت: وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها.

[قال: ذاك الإمام من ذرّيّة فاطمة- (عليها السلام)- يسأل عن دين رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيجلّيه لمن سأله، فحكى اللّه- عزّ و جلّ- قوله: فقال: وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها] (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أخبرني أبي، عن سليمان الدّيلميّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها و نقل نحو ما نقلنا عن الرّوضة.

وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (5): و من بناها.

و إنّما أوثرت «ما» على «من» لإرادة معنى الوصفيّة، كأنّه قيل: و الشّي‏ء القادر الّذي بناها و دلّ على وجوده و كمال قدرته بناها. و لذلك أفرد ذكره، و كذا الكلام في قوله: وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها (6) وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها (7).

و لا يجوز جعل الماءات مصدريّة، لأنّه يبقى الفعل مجرّدا عن الفاعل و يخلّ بنظم قوله: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها (8): بقوله: وَ ما سَوَّاها إلّا أنّ يضمر فيها اسم اللّه [للعلم به‏] (3).

و تنكير «نفس» للتّكثير كما في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ‏ أو للتّعظيم، و المراد:

نفس آدم.

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) تفسير القمّي 2/ 424.

(3) ليس في ق، ش، م.

296

و إلهام الفجور و التقوى: إفهامهما، و تعريف حالهما، و التّمكين من الإتيان بهما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بآخر ما نقل- أعني: إِذا جَلَّاها-:

و قوله: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها قال: خلقها و صوّرها. و قوله: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها، أي: عرّفها و ألهمها، ثمّ خيّرها فاختارت.

و في أصول الكافي‏ (2)، بإسناده إلى حمزة بن محمد الطّيار (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و قال: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها.

قال: بيّن لها ما تترك و ما تأتي.

[و في مجمع البيان‏ (4): و روى زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏- في قوله- فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قال: بيّن لها ما تأتي و تترك‏] (5).

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9): أنماها بالعلم و العمل.

جواب القسم. و حذف اللّام للطّول، و كأنّه لمّا أراد به الحثّ على تكميل النّفس و المبالغة فيه، أقسم عليه بما يدلّهم على العلم بوجود الصّانع- تعالى- و وجوب ذاته و كمال صفاته الّذي هو أقصى درجات القوة النّظريّة، و يذكّرهم عظائم آلائه ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه الّذي هو منتهى كمالات القوّة العمليّة.

و قيل‏ (6): استطراد بذكر بعض أحوال النّفس، و الجواب محذوف تقديره: ليدمدمنّ اللّه على كفّار مكّة لتكذيبهم رسوله، كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا.

وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10): نقصها و أخفاها بالجهالة و الفسوق. و أصل دسّى، دسس، كتقضّى و تقضّض.

و في مجمع البيان‏ (7): و في قوله: [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قال:] (8) قد أفلح من أطاع. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قد خاب من عصى.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 424.

(2) الكافي 1/ 163، ح 3.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 281. و في النسخ: إلى أبي حمزة بن محمّد الطيّار.

(4) المجمع 5/ 498.

(5) ليس في ق، ش.

(6) أنوار التنزيل 2/ 561.

(7) المجمع 5/ 498.

(8) من المصدر.

297

و جاءت الرّواية (1)، عن سعيد بن أبي هلال قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا قرأ هذه الآية قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [وقف ثمّ قال: اللّهمّ آت نفسي تقواها، أنت وليّها و مولاها، و زكّها و أنت خير من زكّاها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها] (3) يعني: نفسه طهّرها.

وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها، أي: أغواها.

حدّثنا (4) محمّد بن القاسم بن عبيد اللّه قال: حدّثنا الحسن بن جعفر قال: حدّثنا عثمان بن عبيد اللّه الفارسيّ قال: حدّثنا محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قال: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- زكّاه ربّه. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قال: هو الأوّل و الثّاني‏ (5) في بيعتهما (6) إيّاه حيث مسحا (7) على كفّه.

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11): بسبب طغيانها. أو بما أوعدت به من عذابها ذي الطّغوى، كقوله: فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. و أصله، طغياها. و إنّما قلبت ياؤه واوا، تفرقة بين الاسم و الصّفة.

و قرئ‏ (8) بالضّمّ، كالرّجعى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): و [في رواية أبي الجارود] (10)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها يقول: الطّغيان حملها على التّكذيب.

إِذِ انْبَعَثَ‏: حين قام، ظرف «لكذّبت» أو «طغوى».

أَشْقاها (12): أشقى ثمود، و هو قدار بن سالف. أو هو و من مالأه على قتل النّاقة، فإنّ أفعل التّفضيل إذا أضيف صالح للواحد و الجمع، و فضل شقاوتهم لتوليتهم العقر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: في قوله:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 2/ 424.

(3) ليس في ق.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: هو زريق و حبتر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بيعته.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: مسح.

(8) أنوار التنزيل 2/ 561.

(9) تفسير القمّي 2/ 424.

(10) ليس في المصدر.

(11) تفسير القمّي 2/ 424.

298

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها قال: الّذي عقر النّاقة.

و في مجمع البيان‏ (1): و «الأشقى» عاقر النّاقة، و هو أشقى الأوّلين على لسان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و اسمه قدار بن سالف.

و قد صحّت الرّواية، بالإسناد، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعلّي بن أبي طالب- (عليه السلام)-: من أشقى الأوّلين؟

قال: عاقر (2) النّاقة.

قال: صدقت، فمن أشقى الآخرين؟

قال: قلت: لا أعلم، يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: الّذي يضربك على هذه، و أشار إلى يافوخه‏ (3).

و عن عمّار بن ياسر (4) قال: كنت أنا و عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في غزوة العسرة (5) نائمين في صور من النّخل‏ (6) و دقعاء (7) من التراب، فو اللّه، ما أهبّنا إلّا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحرّكنا برجله و قد تترّبنا من تلك الدّقعاء (8).

فقال: ألا أحدّثكما بأشقى النّاس رجلين؟

قلنا: بلى يا رسول اللّه.

قال: أحيمر ثمود الّذي عقر النّاقة، و الّذي يضربك [بالسّيف‏] (9) يا عليّ على هذه- و وضع يده على قرنه- حتّى يبلّ منها هذه، و أخذ بلحيته.

و في كتاب المناقب‏ (10) لابن شهر آشوب: أبو بكر، ابن‏ (11) مردويه في «فضائل أمير المؤمنين» و أبو بكر الشّيرازيّ في «نزول القرآن» أنّه قال سعيد بن المسيّب: كان عليّ يقرأ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها قال: فو الّذي نفسي بيده، ليخضبنّ‏ (12) هذه من هذا، و أشار بيده‏

____________

(1) المجمع 5/ 499.

(2) ليس في ق.

(3) اليافوخ: الموضع الّذي يتحرّك من رأس الطّفل.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: العشيرة.

(6) الصّور: المجتمع من النّخل.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: وقعا.

و الدقعاء: التّراب الدقيق على وجه الأرض.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الرّقعاء.

(9) من المصدر.

(10) المناقب 3/ 309.

(11) من ش.

(12) المصدر: لتخضبنّ.

299

إلى لحيته و رأسه.

و روى الثّعلبيّ‏ (1) و الواحديّ، بإسنادهما: عن عمّار، عن عثمان بن صهيب و عن الضّحّاك. و روى ابن مردويه، بإسناده: عن جابر بن سمره و عن صهيب و عن عمّار.

و روى أحمد بن حنبل: عن الضّحّاك أنّه قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، أشقى الأوّلين عاقر النّاقة، و أشقى الآخرين قاتلك.

و في رواية: من يخضّب هذه من هذا.

فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ‏، أي: ذروا ناقة اللّه و احذروا عقرها.

وَ سُقْياها (13): فلا تذودوها عنها.

فَكَذَّبُوهُ‏: فيما حذّرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا.

فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ‏: فأطبق عليهم العذاب. و هو من تكرير قولهم: ناقة (2) مدمومة (3): إذا لبسها الشّحم.

بِذَنْبِهِمْ‏: بسببه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ‏ قال:

أخذهم بغتة و غفلة باللّيل.

فَسَوَّاها (14) وَ لا يَخافُ عُقْباها (15)، أي: عاقبة الدّمدمة بينهم. أو عاقبة هلاك‏ (5) ثمود و تبعتها، فيبقي بعض الإبقاء. و الواو، للحال.

و قرأ (6) نافع و ابن عامر: «فلا» على العطف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)، متّصلا بقوله: باللّيل. وَ لا يَخافُ عُقْباها قال من عبد هؤلاء الّذين أهلكناهم لا يخافون.

و في مجمع البيان‏ (8): قرأ أهل المدينة و ابن عامر: فلا يخاف بالفاء، و كذلك هو في مصاحف أهل المدينة و الشّام. و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (9): عليّ بن محمّد، عن أبي جميلة، عن الحلبيّ. و رواه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) في ق، زيادة: اللّه.

(3) ش: مدمدمة.

(4) تفسير القمّي 2/ 424- 425.

(5) ليس في ق، ش.

(6) أنوار التنزيل 2/ 562.

(7) تفسير القمّي 2/ 425.

(8) المجمع 5/ 497.

(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 803- 804، ح 1.

300

- أيضا- عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الفضل بن العبّاس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها الشّمس: أمير المؤمنين، و ضحاها: قيام القائم، لأنّ اللّه- سبحانه- قال: وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏.

وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها الحسن و الحسين.

وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها هو قيام القائم.

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها حبتر و دولته‏ (1) قد غشى عليه الحقّ.

و أما قوله: وَ السَّماءِ وَ ما بَناها قال: هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- هو السّماء الّذي يسمو إليه الخلف‏ (2) في العلم.

و قوله: وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها قال: الأرض الشّيعة.

وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها قال: هو المؤمن المستور و هو على الحقّ.

فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قال: عرّفه الحقّ من الباطل، فذلك قوله: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها.

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قال: قد أفلح نفس زكّاها اللّه. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [اللّه.

و قوله‏] (3): كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها قال: ثمود رهط من الشّيعة، فإنّ اللّه- سبحانه- يقول‏ (4): وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ‏ و هو السّيف إذا قام القائم.

و قوله: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ‏ هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ناقَةَ اللَّهِ وَ سُقْياها قال: الناقة الإمام الّذي فهّم عن اللّه [و فهّم عن رسوله‏ (5)] (6).

وَ سُقْياها، أي: عنده مستقى العلم.

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ‏ (الآية) قال: في الرّجعة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «حبة و دولة» بدل «حبتر و دولته».

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الخلق.

(3) ليس في ق، ش، م.

(4) فصّلت/ 17.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: اللّه.

(6) ليس في ق، ش، م، ت.

301

وَ لا يَخافُ عُقْباها قال: لا يخاف من مثلها إذا رجع.

و روى محمّد بن العبّاس‏ (1) في المعنى: عن محمّد بن القاسم، عن جعفر بن عبد اللّه، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن محمّد بن عبد اللّه، عن أبي جعفر القمّيّ، عن محمّد بن عمر، عن سليمان الدّيلميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها.

قال: الشَّمْسِ‏ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوضح للنّاس دينهم.

قلت: وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها.

قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- تلا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قلت: وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها.

قال: ذاك الإمام من ذرّيّة فاطمة نسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيجلّي‏ (2) ظلام الجور و الظلم، فحكى اللّه عنه فقال: وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها، يعني به: القائم- (عليه السلام)-.

قلت: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها.

قال: ذاك أئمّة الجور الّذين استبدّوا بالأمور دون آل الرّسول، [و جلسوا مجلسا كان آل الرسول‏] (3) أولى به منهم، فغشوا دين اللّه بالجور و الظّلم، فحكى اللّه فعلهم فقال:

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها.

و روى‏ (4)- أيضا-: عن محمّد بن أحمد الكاتب، عن الحسين بن بهرام، عن ليث عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مثلي فيكم مثل الشّمس، و مثل عليّ مثل القمر، فإذا غابت الشّمس، فاهتدوا بالقمر.

عن أحمد بن محمّد (5)، عن الحسن بن حمّاد، بإسناده إلى مجاهد، عن ابن عباس‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها قال: هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها قال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها قال: الحسن و الحسين.

____________

(1) نفس المصدر/ 805، ح 3.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتجلى.

(3) ليس في ق.

(4) نفس المصدر/ 806، ح 5.

(5) نفس المصدر/ 806، ح 6.

302

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها بنو أميّة.

ثمّ قال ابن عبّاس: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بعثني اللّه نبيّا، فأتيت بني أميّة فقلت: يا بني أميّة، إنّي رسول اللّه إليكم، قالوا: كذبت ما أنت برسول.

ثمّ أتيت بني هاشم فقلت: إنّي رسول اللّه إليكم، فآمن بي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- سرّا و جهرا، و حماني أبو طالب جهرا و آمن بي سرّا.

[ثمّ‏] (1) بعث اللّه جبرئيل بلوائه فوكزه في بني هاشم، و بعث إبليس بلوائه فوكزه في بني أميّة، فلا يزالون أعداءنا، و شيعتهم أعداء شيعتنا إلى يوم القيامة.

و في تهذيب الأحكام‏ (2) في «الموثق»: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الرّجل إذا قرأ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها فيختمها أن يقول: صدق اللّه و صدق رسوله.

قلت: فإن لم يقل الرّجل شيئا من هذا إذا قرأ؟

قال: ليس عليه شي‏ء. (الحديث).

____________

(1) من المصدر.

(2) التهذيب 2/ 297، ح 1195.

303

سورة اللّيل‏

[مكّيّة] (1).

و آيها إحدى و عشرون بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أكثر قراءة و الشمس و الليل. (الحديث) و قد تقدّم في سورة و الشمس.

و في مجمع البيان‏ (3): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها أعطاه اللّه حتّى يرضى، و عافاه من العسر و يسّر له اليسر.

وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ (1): إذا يغشى الشّمس، أو النّهار، أو كلّ ما يواريه بظلامه.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ و ما أشبه ذلك.

قال: إنّ للّه أن يقسم من خلقه بما شاء (5)، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به.

____________

(1) من مجمع البيان 5/ 499.

(2) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(3) المجمع 5/ 499.

(4) الكافي 7/ 449، ح 1.

(5) في ق زيادة: بما شاء.

304

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روى عليّ بن مهزيار قال: قلت لأبي جعفر الثاني- (عليه السلام)-: قوله: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ و قوله- عزّ و جلّ-: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ و ما أشبه هذا.

فقال: إنّ للّه أن يقسم من خلقه بما شاء (2)، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به.

وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ (2): ظهر بزوال ظلمة اللّيل، أو تبيّن بطلوع الشّمس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): أخبرنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏.

قال: اللّيل في هذا الموضع الثّاني‏ (4)، غشى أمير المؤمنين في دولته الّتي جرت له عليه، و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يصبر في دولتهم حتّى تنقضي.

قال: وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏.

قال: النّهار هو القائم منّا، أهل البيت، إذا قام غلب دولة الباطل. و القرآن ضربت‏ (5) فيه الأمثال للنّاس، و خاطب نبيّه به و نحن نعلم‏ (6) فليس يعلمه غيرنا.

وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (3): و القادر الّذي خلق صنفي الذّكر و الأنثى من كلّ نوع له توالد. أو آدم و حوّاء.

و قيل‏ (7): «ما» مصدريّة.

و في جوامع الجامع‏ (8): و في قراءة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- و ابن عبّاس: و الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏.

و في مجمع البيان‏ (9): في الشّواذّ قراءة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قراءة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: و النهار إذا تجلى و خلق الذكر و الأنثى بغير «ما». روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏-.

____________

(1) الفقيه 3/ 236، ح 1120.

(2) في ق زيادة: من خلقه بما شاء.

(3) تفسير القمّي 2/ 425.

(4) المصدر: فلان.

(5) المصدر: ضرب.

(6) ليس في ق، ش، م، المصدر.

(7) أنوار التنزيل 2/ 562.

(8) الجوامع/ 544.

(9) المجمع 5/ 500.

305

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى‏ (4)، أي: مساعيكم لأشتات مختلفة. جمع شتيت.

فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ (5) وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ (6): تفصيل مبيّن لتشتّت المساعي. و المعنى: من أعطى الطّاعة و اتّقى المعصية و صدّق بالكلمة الحسنى، و هي ما دلّت على حقّ، ككلمة التّوحيد.

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ (7): فسنهيّئه للخلّة الّتي تؤدّي إلى يسر و راحة، كدخول الجنّة. من يسّر الفرس: إذا هيّأه للرّكوب بالسّرج و اللّجام.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب: عن الباقر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ فالذّكر: أمير المؤمنين، و الأنثى: فاطمة. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى‏ لمختلف. فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ (2) بقوته، و صام حتّى و في بنذره، و تصدّق بخاتمه و هو راكع، و آثر المقداد بالدّينار على نفسه. و قال: وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ و هي الجنّة و الثّواب من اللّه. فَسَنُيَسِّرُهُ‏ لذلك، بأن جعله‏ (3) إماما في الخير و قدوة و أبا للأئمّة، يسّره اللّه‏ لِلْيُسْرى‏.

وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ‏: بما أمر به.

وَ اسْتَغْنى‏ (8): بشهوات الدّنيا عن نعيم العقبى.

وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ (9): بإنكار مدلولها.

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ (10): للخلّة المؤدّية إلى العسر و الشّدة، كدخول النّار.

وَ ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ‏: نفي، أو استفهام إنكار.

إِذا تَرَدَّى‏ (11): هلك. تفعّل، من الرّدى. أو تردّى في حفرة القبر، أو قعر جهنّم.

و في قرب الإسناد (4) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول‏ في تفسير وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ قال: إنّ رجلا من الأنصار كان لرجل في حائطه‏ (5) نخلة، فكان يضربّه، فشكا ذلك إلى رسول اللّه‏

____________

(1) المناقب 3/ 320.

(2) في ش زيادة: آثر.

(3) م، ش: نجعله. و في ق، ر: يجعله.

(4) قرب الإسناد/ 156.

(5) أي: بستانه.

306

- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنّة. فأبى، فسمع ذلك رجل‏ (1) من الأنصار يكنّى: أبا الدّحداح، فجاء إلى صاحب النّخلة فقال: بعني نخلتك بحائطي. فباعه، فجاء إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، قد اشتريت نخلة فلان بحائطي.

قال: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فلك بدلها نخلة في الجنّة. فأنزل اللّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏، يعني: النّخلة وَ اتَّقى‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ بموعد (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏- إلى قوله-: تَرَدَّى‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)‏- في قوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ قال: نزلت في رجل من الأنصار كانت له نخلة في دار رجل آخر، و كان يدخل عليه بغير إذن، فشكا ذلك إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال رسول اللّه لصاحب النّخلة: بعني نخلتك هذه بنخلة في الجنّة.

فقال: لا أفعل.

فقال: بعنيها بحديقة في الجنّة.

فقال: لا أفعل، و انصرف.

فمضى إليه أبو (4) الدّحداح و اشتراها منه، و أتى أبو (5) الدّحداح إلى النّبيّ فقال: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خذها و اجعل‏ (6) لي في الجنّة الحديقة الّتي قلت لهذا فلم يقبله.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لك في الجنّة حدائق و حدائق. فأنزل اللّه- تعالى- في ذلك‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏، يعني: أبا الدّحداح‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏- إلى قوله-: إِذا تَرَدَّى‏، يعني: إذا مات.

أخبرنا (7) أحمد بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن‏

____________

(1) المصدر: فبلغ ذلك رجلا.

(2) المصدر: بوعد.

(3) تفسير القمّي 2/ 425- 426.

(4) المصدر: ابن (أبو- ط)

(5) المصدر: ابن.

(6) في غير ش زيادة: حدائق.

(7) نفس المصدر 426.

307

محمّد بن الحسين‏ (1)، عن خالد بن يزيد، عن عبد الأعلى، عن أبي الخطّاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ قال: بالولاية فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏- إلى قوله-: وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ فقال: بالولاية فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن ضريس الكناسيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: مرّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- برجل يغرس غرسا في حائط له، فوقف له و قال: ألا ادلّك على غرس أثبت أصلا و أسرع إيناعا و أطيب ثمرا و أبقى؟

فقال: بلى فدلّني، يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال: إذا أصبحت و أمسيت فقلت: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فإنّ ذلك إن قلته أعطيت‏ (3) بكلّ تسبيحة عشر شجرات في الجنّة من أنواع الفاكهة، و هو من الباقيات الصّالحات.

قال: فقال الرّجل: إنّي أشهدك، يا رسول اللّه، انّ حائطي هذا صدقة مقبوضة على فقراء المسلمين أهل الصّدقة. فأنزل اللّه آيات من القرآن‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ (الآيات).

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مهران بن محمّد، عن سعد بن طريف‏ (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ بأنّ اللّه يعطي بالواحد عشرة إلى مائة ألف فما زاد فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ قال: لا يريد شيئا من الخير إلّا يسّره اللّه له.

وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏ قال: بخل بما آتاه اللّه‏ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ بأنّ اللّه يعطي بالواحد عشرة إلى مائة ألف فما زاد فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ قال: لا يريد شيئا من الشّرّ إلّا يسّره له.

وَ ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى‏ قال: أمّا، و اللّه، ما هو تردّى في بئر و لا من جبل و لا من حائط، و لكن تردّى في جهنّم.

____________

(1) المصدر: الحصيني.

(2) الكافي 2/ 506، ح 4.

(3) ليس في المصدر.

(4) الكافي 4/ 46- 47، ح 5.

(5) ت، ي: ظريف.

308

إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ (12)، أي: الدّلالة و الهداية. و أمّا الاهتداء فإليكم، و التّوفيق و الخذلان إلينا.

و في قرب الإسناد (1) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت: قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏.

قال: اللّه‏ (2) يهدي من يشاء، و يضلّ من يشاء.

فقلت له: أصلحك اللّه، إنّ قوما من أصحابنا يزعمون أنّ المعرفة مكتسبة، و أنّهم إن ينظروا من وجه النّظر أدركوه‏ (3).

فأنكر ذلك، فقال: فما لهؤلاء القوم لا يكتسبون الخير لأنفسهم، ليس أحد (4) من أناس إلّا و هو يحبّ أن يكون هو خيرا ممّن هو [خير] (5) منه، هؤلاء بنو هاشم‏ (6) موضعهم موضعهم‏ (7) و قرابتهم و هم أحقّ بهذا الأمر منكم، أ فترون أنّهم لا ينظرون لأنفسهم، و قد عرفتهم‏ (8) و لم يعرفوا؟ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: لو استطاع النّاس لأحبّونا.

وَ إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَ الْأُولى‏ (13): فنعطي في الدّارين ما نشاء لمن نشاء.

قيل‏ (9): أو ثواب الهداية للمهتدين. أو فلا يضرّنا ترككم الاهتداء.

فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى‏ (14): تتلهّب.

لا يَصْلاها: لا يلزمها مقاسيا شدّتها (10).

إِلَّا الْأَشْقَى‏ (15): إلّا الكافر، فإنّ الفاسق و إن دخلها لا يلزمها، و لذلك سمّاه أشقى و وصفه بقوله: الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏ (16)، أي: كذّب الحقّ و أعرض عن الطّاعة.

و في أصول الكافي‏ (11): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق،

____________

(1) قرب الإسناد/ 156- 157.

(2) المصدر: إنّ اللّه.

(3) المصدر: أدركوا.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لأحد.

(5) من المصدر.

(6) المصدر غ بني هاشم.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) المصدر: عرفتم.

(9) أنوار التنزيل 2/ 563.

(10) ليس في ق.

(11) الكافي 2/ 30، ح 1.

309

عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و أنزل في‏ وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏ فهذا مشرك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ قال: إنّ علينا أن نبيّن لهم.

قوله: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى‏، أي: تتلهّب عليهم.

حدّثنا (2) محمّد بن جعفر قال: حدّثنا يحيى بن زكرياء، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى، لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏.

قال: في جهنّم واد فيه نار لا يصلاها إلّا الأشقى، فلان‏ (3)، الّذي كذّب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عليّ- (عليه السلام)- و تولّى عن ولايته.

ثمّ قال: النّيران بعضها دون بعض، فما كان من نار لهذا الوادي فللنّصّاب.

وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى‏ (17): الّذي اتّقى الشّرك و المعاصي، فإنّه لا يدخلها فضلا عن أن يدخلها و يصلاها.

قيل‏ (4): و مفهوم ذلك، أنّ من اتّقى الشّرك دون المعصية لا يتجنّبها (5) و لا يلزم ذلك صلاها، فلا يخالف الحصر السّابق‏ (6).

الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ‏: فيصرفه في مصارف الخير لقوله: يَتَزَكَّى‏ (18): فإنّه بدل من «يؤتي»، أو حال من فاعله.

وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ (19): فيقصد بإتيانه مجازاتها.

إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏ (20): استثناء منقطع. أو متّصل عن محذوف، مثل لا يؤتي إلّا ابتغاء وجه ربّه، لا لمكافأة نعمة.

وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ (21): وعد بالثّواب الّذي يرضيه.

و في مجمع البيان‏ (7): و روى الواحديّ، بالإسناد المرفوع المتّصل، عن عكرمة،

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 426.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: (أي: فلان- ط)

(4) أنوار التنزيل 2/ 563.

(5) ن، ي، المصدر: لا يجنبها.

(6) قوله: «و يلزم ذلك صلاها»، أي: لزومها مقاسيا شدّتها. فعدم التجنّب لا يخالف الحصر السّابق، و هو أنّ صليّ النار لا يكون إلّا للكافر.

(7) المجمع 5/ 501.

310

عن ابن عبّاس‏، أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، و كان الرّجل إذا جاء فدخل الدّار و صعد النّخلة ليأخذ منها التّمر فربّما سقطت التّمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرّجل من النّخلة حتّى يأخذ التّمر من أيديهم، فإنّ وجدها في أحدهم‏ (1) أدخل أصبعه حتّى يأخذ التّمرة من فيه، فشكا ذلك الرّجل إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أخبره بما يلقي من صاحب النّخلة.

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اذهب، و لقي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صاحب النّخلة فقال: تعطيني نخلتك المائلة الّتي فرعها في دار فلان لك بها نخلة في الجنّة؟

فقال له الرّجل: إنّ لي نخلا كثيرا، و ما فيه نخلة أعجب إليّ تمرة منها.

قال: ثمّ ذهب الرّجل، فقال رجل كان يسمع‏ (2) [الكلام من‏] (3) رسول اللّه: يا رسول اللّه، أ تعطيني بما أعطيت الرّجل نخلة في الجنّة إن أنا أخذتها؟

قال: نعم.

فذهب الرّجل و لقي صاحب النّخلة، فساومها (4) منه.

فقال له: أشعرت أنّ محمّدا أعطاني بها نخلة في الجنّة، فقلت له: يعجبني تمرها، و إنّ لي نخلا كثيرا فما فيه نخلة أعجب إليّ تمرة منها؟

فقال له الآخر: أ تريد بيعها؟

فقال: لا، إلّا أن اعطي بها ما لا أظنّه اعطى.

قال: فما هناك؟

قال: أربعون نخلة.

فقال الرّجل: جئت بعظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة! ثمّ سكت عنه، فقال له: أنا أعطيك أربعين نخلة.

فقال له: اشهد إن كنت صادقا.

____________

(1) أي: في فم أحدهم.

(2) ليس في ق، ش.

(3) ليس في ش.

(4) ساوم السّلعة: غالى بها، أي: عرضها بثمن و دفع له المشتري أقلّ منه و هكذا إلى أن يتّفقا على ثمن متوسّط بين ما يطلبه البائع و يدفعه الشاري.

311

فمرّ إلى أناس فدعاهم فأشهدهم بأربعين نخلة، ثمّ ذهب إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، إنّ النّخلة قد صارت في ملكي فهي لك.

فذهب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى صاحب الدّار فقال له: النّخلة لك و لعيالك. فأنزل اللّه‏ وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ (السّورة).

و عن عطاء (1) قال: اسم الرّجل أبو الدّحداح. فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ هو أبو الدّحداح، و أمّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏ هو صاحب النّخلة. و قوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى‏ هو صاحب النّخلة. وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى‏ هو أبو الدّحداح. وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ إذا أدخله الجنّة.

قال: فكان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يمرّ بذلك الحشّ‏ (2) و عذوقه دانية، فيقول:

عذوق و عذوق لأبي الدّحداح في الجنّة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3) و قال اللّه: وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ قال:

ليس لأحد عند اللّه يدعى ربّه بما فعله لنفسه، و إن جازاه فبفضله يفعل، و هو قوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏، وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏، أي: يرضى عن أمير المؤمنين يرضى‏ (4) عنه.

و في شرح الآيات الباهرة (5): جاء مرفوعا، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ قال:

دولة إبليس إلى يوم القيامة، و هو يوم قيام القائم. وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ و هو القائم إذا قام.

و قوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏، أي: أعطى نفسه الحقّ و اتّقى الباطل.

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ [، أي الجنّة] (6).

وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏، يعني: بنفسه عن الحقّ، و استغنى بالباطل عن الحقّ‏ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ بولاية عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من بعده‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏، يعني: النّار.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الحشر.

و الحشّ: البستان، أو النخل المجتمع.

(3) تفسير القمّي 2/ 426.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يرضوا.

(5) تأويل الآيات الباهرة 2/ 807- 808، ح 1.

(6) ليس في ق، ش.

312

و أمّا قوله: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏، يعني: إنّ عليّا هو الهدى، و إنّ له الآخرة و الأولى.

فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى‏ قال: هو القائم إذا قام بالغضب‏ (1)، فيقتل من كلّ ألف تسعمائة و تسعة (2) و تسعين.

لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى‏ قال: هو عدوّ آل محمّد.

وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى‏ قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و شيعته.

و روي‏ (3) بإسناد متّصل إلى سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القاسم، عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ اللّه‏ خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ و لعليّ الآخرة و الأولى.

و روى محمّد بن خالد البرقيّ‏ (4)، عن يونس بن ظبيان، عن عليّ بن أبي حمزة، عن فيض بن مختار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قرأ: إن عليا للهدى و إن له الآخرة و الأولى.

عن محمّد بن أورمة (5)، عن الرّبيع بن بكر، عن يونس بن ظبيان قال: قرأ أبو عبد اللّه: و الليل إذا يغشى، و النهار إذا تجلى، الله خالق الزوجين الذكر و الأنثى، و لعلي الآخرة و الأولى.

إسماعيل بن مهران‏ (6)، عن أيمن‏ (7) بن محرز، عن سماعة، [عن أبي بصير] (8) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية هكذا [و اللّه‏] (9) الله خالق‏ (10) الزوجين الذكر و الأنثى، و لعلي الآخرة و الأولى.

و روى أحمد بن القاسم‏ (11)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أيمن بن محرز، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بالعقب.

(2) ليس في ق، ش.

(3) نفس المصدر/ 808، ح 2.

(4) نفس المصدر/ 808، ح 3.

(5) نفس المصدر/ 808، ح 4.

(6) نفس المصدر/ 808، ح 5.

(7) في غير ن: أمين.

(8) من المصدر مع المعقوفتين.

(9) ليس في ق، ش، م.

(10) ليس في ق.

(11) نفس المصدر/ 809، ح 7.

313

الخمس‏ وَ اتَّقى‏ ولاية الطّواغيت‏ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ بالولاية فَسَنُيَسِّرُهُ [لِلْيُسْرى‏ فلا يريد شيئا من الخير إلّا تيسّر له‏ وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ‏ بالخمس‏ وَ اسْتَغْنى‏ برأيه عن أولياء اللّه‏ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ بالولاية فَسَنُيَسِّرُهُ‏] (1) لِلْعُسْرى‏ فلا يريد شيئا من الشّر إلّا تيسّر له.

و أمّا قوله: وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى‏ قال رسول اللّه: و من تبعه.

و الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى‏ قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو قوله‏ (2)- تعالى-: وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏.

و قوله: وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ فهو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذي ليس‏ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ (مِنْ) (3) نِعْمَةٍ تُجْزى‏ و نعمته جارية على جميع الخلق- (صلوات اللّه عليه) و على أهل بيته و أولي الحقّ المبين- صلاة باقية إلى يوم الدّين.

____________

(1) ليس في ق.

(2) المائدة/ 55.

(3) من المصدر مع القوسين.

315

سورة الضّحى‏

مكّيّة.

و آيها إحدى عشرة بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أكثر قراءة و الشمس و الليل و الضحى (الحديث) و قد تقدّم في‏ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأها كان ممّن يرضاه اللّه، و لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يشفع له، و له عشر حسنات بعدد كلّ يتيم وسائل.

و روى العيّاشي‏ (3)، بإسناده: عن المفضّل بن صالح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: لا تجمع سورتين في ركعة واحدة إلّا الضحى و أ لم نشرح، و أ لم تر كيف و لإيلاف قريش.

و فيه‏ (4): و روى أصحابنا أن الضحى و ألم نشرح سورة واحدة، لتعلّق إحداهما بالأخرى.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(2) المجمع 5/ 503.

(3) نفس المصدر/ 544.

(4) نفس المصدر/ 507.

316

و في تهذيب الأحكام‏ (1): الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن العلا، عن زيد الشّحّام قال: صلّى بنا أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- [الفجر] (2) فقرأ: الضحى و أ لم نشرح في ركعة واحدة.

وَ الضُّحى‏ (1).

قيل: (3) و وقت ارتفاع الشّمس، و تخصيصه، لأنّ النّهار يقوى فيه. أو لأنّ فيه كلّم موسى ربّه، و ألقى السّحرة سجّدا. أو النّهار، و يؤيّده قوله‏ (4): أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى‏ في مقابلة «بياتا».

وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏ (2): سكن أهله، أو ركد ظلامه، من سجا البحر سجوا:

إذا سكنت أمواجه.

و تقديم «اللّيل» في السّورة المتقدّمة باعتبار الأصل، و تقديم «النّهار» هاهنا باعتبار الشّرف.

ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ‏: ما قطعك قطع المودّع.

و قرئ‏ (5) بالتّخفيف، بمعنى: ما تركك. و هو جواب القسم.

و في مجمع البيان‏ (6): في الشّواذّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما وَدَّعَكَ‏ بالتّخفيف، و القراءة المشهورة بالتّشديد.

وَ ما قَلى‏ (3): و ما أبغضك. و حذف المفعول استغناء بذكره من قبل، و مراعاة للفواصل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ و ذلك أنّ جبرئيل أبطأ على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنّه كانت أوّل سورة نزلت‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏، ثمّ أبطأ عليه، فقالت خديجة- رضي اللّه عنها-: لعلّ ربّك قد تركك فلا يرسل إليك. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏.

____________

(1) التهذيب 2/ 72، ح 266.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 563.

(4) الأعراف/ 98.

(5) أنوار التنزيل 2/ 564.

(6) المجمع 5/ 503.

(7) تفسير القمّي 2/ 428.

317

و في مجمع البيان‏ (1): و قيل: إنّ المسلمين قالوا: ما ينزل عليك الوحي، يا رسول اللّه.

قال: و كيف ينزل عليّ الوحي و أنتم لا تنقّون‏ (2) براجمكم‏ (3)، و لا تقلّون أظفاركم.

و لمّا نزلت السّورة قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لجبرئيل: ما جئت حتّى اشتقت إليك.

فقال جبرئيل: و أنا كنت أشدّ إليك شوقا، و لكنّي عبد مأمور و ما ننزل إلّا بأمر ربّك.

و في جوامع الجامع‏ (4): و روي أنّ الوحي كان قد احتبس عنه أيّاما، فقال المشركون: إنّ محمّدا ودّعه ربّه و قلاه، فنزلت.

وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏ (4): فإنّها باقية خالصة عن الشّوائب، و هذه فانية مشوبة بالمضارّ، كأنّه لمّا بيّن أنّه- تعالى- لا يزال يواصله بالوحي و الكرامة في الدّنيا، وعد له ما هو أعلى و أجلّ من ذلك‏ (5) في الآخرة. أو لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يزال يتصاعد في الرّفعة و الكمال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثنا [جعفر بن أحمد قال: حدّثنا] (7) عبد اللّه بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، [عن أبيه‏] (8) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏، يعني: الكرّة هي الآخرة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ (5): وعد شامل لما أعطاه اللّه من كمال النّفس و ظهور الأمر و إعلاء الدّين، و لما ادّخر له ممّا لا يعرف كنهه سواه.

و اللّام للابتداء، دخل الخبر بعد حذف المبتدأ، و التّقدير: و لأنت سوف يعطيك. لا للقسم، فإنّها لا تدخل على المضارع إلّا مع النّون المؤكّدة، و جمعها مع‏

____________

(1) المجمع 5/ 504.

(2) كذا في المصدر. و في ن: لا يتّقون. و في ق، ش: لا تنفون. و في سائر النسخ: تنفقون.

(3) البراجم: العقد الّتي تكون في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ.

(4) الجوامع/ 544.

(5) في ت، ي، ر، زيادة: قال.

(6) تفسير القمّي 2/ 427.

(7) ليس في ن.

(8) من المصدر.

318

«سوف» للدّلالة على أنّ العطاء كائن لا محال، و إن تأخّر لحكمة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) متّصلا بقوله: الآخرة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قلت: قوله: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏.

قال: يعطيك من الجنّة حتّى ترضى.

و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب‏ (2): تفسير الثّعلبي، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-. و تفسير القشيريّ، عن جابر الأنصاريّ‏ أنّه رأى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فاطمة- (عليها السلام)- و عليها كساء من أجلّة الإبل‏ (3) و هي تطحن بيديها و ترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال: يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة.

فقالت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الحمد للّه على نعمائه و الشّكر للّه على آلائه. فأنزل اللّه «و لسوف يرضى» (الآية).

و في مجمع البيان‏ (4)، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على فاطمة- (عليها السلام)- و عليها كساء من ثلّة (5) الإبل، و هي تطحن بيدها و ترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا أبصرها.

فقال: يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل اللّه عليّ‏ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏.

و قال الصّادق‏ (6)- (عليه السلام)-: رضا جدّي أن لا يبقى في النّار موحّد.

و روى‏ (7) حريث‏ (8) بن شريح، عن محمّد بن‏ (9) الحنفيّة أنّه قال: يا أهل العراق، تزعمون أنّ أرجى آية في كتاب اللّه‏ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ (10) و إنّا، أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب اللّه‏ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏. و هي و اللّه الشّفاعة ليعطينّها في أهل لا إله إلّا اللّه [حتّى يقول: ربّ رضيت.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 427.

(2) المناقب 3/ 342.

(3) ليس في ق، ت، م، ر.

(4) المجمع 5/ 505.

(5) الثّلّة- بفتح الثاء- الصّوف.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) ق، ش، م: جريث. و في المصدر: حرث.

(9) في ن و المصدر زيادة: عليّ بن.

(10) الزمر/ 53.

319

و في شرح الآيات الباهرة (1): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أبي داود، عن بكار، عن عبد الرحمن، عن إسماعيل بن عبيد اللّه، عن عليّ بن عبيد اللّه بن العبّاس قال: عرض على‏] (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما هو مفتوح على أمّته من بعده كفرا كفرا، فسرّ بذلك، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏، وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏.

قال: فأعطاه اللّه [- عزّ و جلّ- ألف قصر في الجنّة، ترابه المسك، و في كلّ قصر ما ينبغي له من الأزواج و الخدم.

و قوله: كفرا كفرا، أي: قرية قرية. و القرية تسمّى كفرا.

و روى‏ (3)- أيضا- عن محمّد بن أحمد بن الحكم‏] (4) عن محمّد بن يونس، عن حمّاد بن عيسى، عن الصّادق جعفر ابن محمّد- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللّه قال: دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على فاطمة- (عليها السلام)- و هي تطحن بالرّحى، و عليها كساء من أجلّة الإبل، فلمّا نظر إليها بكى و قال: يا فاطمة، تعجّلي مرارة الدّنيا لنعيم الآخرة غدا.

فأنزل اللّه‏ وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏، وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏.

و روى‏ (5)- أيضا-، عن أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن أحمد بن محمّد الكاتب، عن عيسى بن مهران، بإسناده، إلى زيد بن عليّ‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ قال: إنّ رضا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إدخال اللّه أهل بيته و شيعتهم الجنّة، و كيف لا، و إنّما خلقت الجنّة لهم و النّار لأعدائهم. فعلى أعدائهم لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين.

أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ (6): تعديد لما أنعم عليه، تنبيها على أنّه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل و إن تأخّر.

و «يجدك» من الوجود، بمعنى: العلم، و «يتيما» مفعوله الثّاني. أو المصادفة «و يتيما» حال.

وَ وَجَدَكَ ضَالًّا

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 810، ح 1.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) ليس في ق.

(5) نفس المصدر/ 811، ح 3.

320

قيل‏ (1): عن علم الحكم و الأحكام.

فَهَدى‏ (7): فعلّمك بالوحي و الإلهام و التّوفيق للنّظر.

و قيل‏ (2): «وجدك ضالّا» في الطّريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشّام. أو حين فطمتك حليمة و جاءت بك لتردّك على جدّك، فأزال ضلالك عن عمّك أو جدّك.

وَ وَجَدَكَ عائِلًا قيل‏ (3): فقيرا ذا عيال.

فَأَغْنى‏ (8): بما حصل لك من ربح التّجارة.

و في مجمع البيان‏ (4): و روى العيّاشي، بإسناده، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)‏- في قوله: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ قال: فردا لا مثل لك في المخلوقين، فآوى النّاس إليك. وَ وَجَدَكَ ضَالًّا، أي: ضالّة (5) في قومك لا يعرفون فضلك، فهداهم إليك‏ وَ وَجَدَكَ عائِلًا تعول أقواما بالعلم، فأغناهم اللّه بك.

و روي‏ (6) أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: منّ عليّ ربّي و هو أهل المنّ.

و سئل الصّادق‏ (7)- (عليه السلام)-: لم أوتم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن أبويه؟

فقال: لئلّا يكون لمخلوق عليه حقّ.

و فيه‏ (8): وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ قيل: في معناه أقوال- إلى قوله-: و ثانيها، أنّ المعنى: وجدك متحيّرا لا تعرف وجوه معاشك فهداك إلى وجوه معاشك، فإنّ الرّجل إذا لم يهتد طريق مكسبه و وجه معيشته يقال: إنّه ضالّ لا يدري إلى أين يذهب، و من أو وجه يكتسب.

و في الحديث‏ (9): نصرت بالرّعب، و جعل رزقي في ظل رمحي، يعني: الجهاد.

و روى سعيد بن جبير (10)، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد سألت ربّي مسألة وددت أنّي لم أسأله، قلت: أي ربّ، إنّه قد كانت أنبياء قبلي، منهم من سخّرت له الرّيح، و منهم من كان يحيي الموتى.

قال: فقال: ألم أجدك‏ (11) يتيما (12) فآويتك؟

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 564.

(4) المجمع 5/ 506.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ضالّا.

(6) نفس المصدر و الموضع.

7 و 8 و 9 و 10 نفس المصدر/ 505.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: ألم يجدك.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: فآوى.

321

قلت: بلى.

قال: ألم أجدك ضالّا فهديتك؟

قال: قلت: بلى، أي ربّ.

قال: ألم أشرح‏ (1) لك صدرك، و وضعت عنك وزرك؟

قال: قلت: بلى أي ربّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا عليّ بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن أبي الهيثم الواسطيّ، عن زرارة، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ فآوى إليك النّاس. وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏، أي: هدى إليك قوما لا يعرفونك حتّى عرفوك: وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏، أي: وجدك تعول أقواما فأغناهم بعلمك.

قال عليّ بن إبراهيم‏ (3): في قوله- تعالى-: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏: قال:

«اليتيم» الّذي لا مثل له، و لذلك سمّيت الدّرّة اليتيمة لأنّه لا مثل لها. وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏ [قال: فأغناك‏] (4) بالوحي، فلا تسأل عن شي‏ء أحدا. وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ قال: وجدك ضالّا (5) في قوم لا يعرفون فضل نبوّتك، فهداهم اللّه بك.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء حديث طويل، يقول فيه للمأمون: و قد قال اللّه- تعالى- لنبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك النّاس.

وَ وَجَدَكَ ضَالًّا، يعني: عند قومك. «فهدى»، أي: هداهم إلى معرفتك. وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏ يقول: بأن جعل دعاءك مستجابا.

قال المأمون: بارك اللّه فيك، يا ابن رسول اللّه.

و في روضة الكافي‏ (7)، بإسناده: عنهم- (عليهم السلام)-: فيما وعظ اللّه به عيسى- (عليه السلام)-: يا عيسى، أنا ربّك- إلى قوله- عزّ و جلّ- في صفة محمّد- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ألم نشرح.

(2) تفسير القمّي 2/ 427.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في المصدر.

(5) ليس في المصدر.

(6) العيون 1/ 158- 159، ح 1.

(7) الكافي 8/ 140، ح 103.

322

و آله:- النّور في صدره و الحقّ على لسانه، و هو على الحقّ حيثما كان أصله‏ (1)، يتيم ضالّ برهة من زمانه عمّا يراد به.

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9): فلا تغلبه على ماله لضعفه.

و قرئ‏ (2): «فلا تكهر»، أي: فلا تعبس في وجهه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3) أي: لا تظلم. و المخاطبة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى للنّاس.

و في مجمع البيان‏ (4): و كان النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحسن إلى اليتامى [و يبرّهم‏] (5) و يوصي بهم.

و جاء في الحديث‏ (6)، عن ابن أبي‏ (7) أوفى قال: كنّا جلوسا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأتاه غلام.

فقال: غلام يتيم، و أخت لي يتيمة، و أمّ لي أرملة، أطعمنا ممّا أطعمك اللّه، أعطاك [اللّه‏] (8) ممّا عنده حتى ترضى.

قال: ما أحسن ما قلت، يا غلام! اذهب، يا بلال، فأتنا بما كان عندنا.

فجاء بواحدة و عشرين تمرة، فقال سبعة لك، و سبع لأختك، و سبع لأمّك.

فقام إليه معاذ بن جبل فمسح رأسه. و قال: جبر اللّه يتمك و جعلك خلفا من أبيك، و كان من أبناء المهاجرين.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رأيتك، يا معاذ، و ما صنعت.

قال: رحمته.

قال: لا يلي [أحد] (9) منكم يتيما فيحسن ولايته و يضع يده على رأسه، إلّا كتب اللّه له بكلّ شعرة حسنة، [و محا عنه بكلّ شعرة سيّئة،] (10) [و رفع له بكل شعرة درجة.

و عن عبد اللّه بن مسعود (11) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من مسح‏

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) أنوار التنزيل 2/ 564.

(3) تفسير القمّي 2/ 427.

(4) المجمع 5/ 506.

(5) ليس في ق.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) يوجد في ن، المصدر.

(8) من المصدر.

(9) من المصدر.

(10) ليس في ن، ت.

(11) نفس المصدر و الموضع.

323

على رأس يتيم، كان له بكلّ شعرة] (1) تمرّ على يده نور (2) يوم القيامة.

و قال‏ (3)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنّة إذا اتّقى اللّه.

و أشار بالسّبابة و الوسطى.

وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10): فلا تزجر.

في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى أبي خالد الكابليّ قال: سمعت زين العابدين عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: الذّنوب الّتي تحبس غيث السّماء جور الحكّام في القضاء، و شهادة الزّور، و كتمان الشّهادة، و منع الزّكاة- إلى قوله-: و ظلم اليتيم [و الأرملة، و انتهار السائل و ردّه باللّيل‏] (5).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا طرقكم سائل ذكر بليل فلا تردّوه.

و سئل الصّادق‏ (7)- (عليه السلام)- عن السّائل يسأل، فلا يدرى ما هو.

فقال: أعط من وقعت في قلبك له الرّحمة.

و روى الوصافي‏ (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان فيما ناجى اللّه به موسى أن قال: يا موسى، أكرم السّائل ببذل يسير أو بردّ جميل، إنّه‏ (9) يأتيك من ليس بإنس و لا جانّ، ملائكة من ملائكة الرّحمن يبلونك فيما خوّلتك، و يسألونك ممّا نولتك، فانظر كيف أنت صانع، يا ابن عمران.

و قال‏ (10)- (عليه السلام)-: أعط (11) السّائل و لو على ظهر فرس.

و قال رسول اللّه‏ (12)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تقطعوا على السّائل مسألته، فلولا أنّ‏

____________

(1) يوجد في ن، ت.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المعاني/ 271، ح 2.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) الفقيه 2/ 38، ح 163.

(7) نفس المصدر/ 39، ح 169.

(8) نفس المصدر/ 39، ح 170.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: إنّك.

(10) نفس المصدر/ 39، ح 171.

(11) ق، ش: أعطوا.

(12) نفس المصدر/ 39، ح 172.

324

المساكين يكذبون ما أفلح من ردّهم.

و قال أبو جعفر (1)- (عليه السلام)-: لو يعلم السّائل ما في المسألة، ما سأل أحد أحدا. و لو يعلم المعطي ما في العطيّة، ما ردّ أحد أحدا.

و روي‏ (2) عن الوليد بن صبيح قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فجاء سائل فأعطاه، ثمّ جاء آخر فأعطاه، ثمّ جاء آخر فأعطاه، ثمّ جاء آخر فقال: وسّع اللّه عليك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، أي: لا تطرد.

وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏ (11)، فإنّ التّحدّث بها شكرها.

و قيل‏ (4): المراد بالنّعمة: النّبوّة. و التّحدّث بها: تبليغها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)- (رحمه اللّه)-: قوله: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏ قال:

بما أنزل اللّه عليك و أمرك به من الصّلاة و الزّكاة [و الصوم‏] (6) و الحجّ [و الجهاد] (7) و الولاية، و بما فضّلك اللّه به فحدّث.

و في كتاب الخصال‏ (8): فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب: البسوا ثياب القطن، فإنّها لباس رسول اللّه، و لم يكن يلبس الشّعر و الصّوف إلّا من علّة.

و قال: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، و يحبّ أن يرى أثر (9) نعمته على عبده.

و في كتاب معاني الأخبار (10)، بإسناده إلى عمرو بن شمر: عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بالكوفة بعد منصرفه من النّهروان، و بلغه أنّ معاوية يسبّه و يعيبه و يقتل أصحابه، فقام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله و ذكر ما أنعم اللّه على نبيّه و عليه.

____________

(1) نفس المصدر/ 41، ح 183.

(2) نفس المصدر/ 39، ح 173.

(3) تفسير القمّي 2/ 427.

(4) أنوار التنزيل 2/ 564.

(5) تفسير القمّي 2/ 427- 428.

(6) يوجد في ن، المصدر.

(7) ليس في م، ي، ر، المصدر.

(8) الخصال/ 613، ح 10.

(9) ليس في ق، ش، م.

(10) المعاني/ 58- 60، ح 9.

325

ثم قال: لولا آية من كتاب اللّه ما ذكرت ما أنا ذاكر في مقامي هذا، يقول- تعالى-: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏ اللّهمّ لك الحمد على نعمك‏ (1) الّتي لا تحصى، و فضلك الّذي لا ينسى.

يا أيّها النّاس، إنّه بلغني ما بلغني، و إنّي أراني قد اقترب أجلي، و كأنّي بكم و قد جهلتم أمري، و إنّي تارك فيكم ما تركه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، كتاب اللّه و عترتي، و هي عترة الهادي إلى النّجاة، خاتم الأنبياء و سيّد النّجباء و النّبيّ المصطفى.

يا أيّها النّاس، لعلّكم لا تسمعون قائلا يقول مثل قولي بعدي إلّا مفتر، أنا أخو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ابن عمّه و سيف نقمته و عماد نصرته و بأسه و شدّته، و أنا رحى جهنّم الدّائرة و أضراسها الطّاحنة، أنا مؤتم البنين و البنات، أنا قابض الأرواح و بأس اللّه الّذي لا يردّه عن القوم المجرمين، إنا مجدّل الأبطال و قاتل الفرسان و مبير من كفر بالرّحمن و صهر خير الأنام، أنا سيّد الأوصياء و وصيّ خير الأنبياء، أنا باب مدينة العلم و خازن علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و وارثه، و أنا زوج البتول سيّدة نساء العالمين، فاطمة التقيّة (2) النّقيّة (3) الزّكية البرّة المهذّبة (4)، حبيبة حبيب اللّه و خير بناته و سلالته، و ريحانة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و سبطاه خير الأسباط و ولداي خير الأولاد، هل أحد ينكر ما أقول؟

أين مسلمو أهل الكتاب؟ أنا اسمي في الإنجيل إليا، و في التّوراة بري‏ء، و في الزّبور أريّ، و عند الهند كبكر، و عند الرّوم بطريسا، و عند الفرس حبتر (5)، و عند التّرك بشير (6)، و عند الزّنج جبتر (7)، و عند الكهنة بوي‏ء، و عند الحبشة شتريك‏ (8)، و عند أمّي حيدرة، و عند ظئري ميمون، و عند العرب عليّ، و عند الأرمن فريق، و عند أبي ظهير.

ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء، احذروا أن تغلبوا عليها، فتضلّوا في دينكم، يقول اللّه- تعالى-: إن الله مع الصادقين‏ (9) أنا ذلك الصّادق. و أنا المؤذّن في‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: نعمتك.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) ليس في ن، ت، ي، ر.

(4) المصدر: المبرّة المهديّة.

(5) المصدر: جبتر.

(6) المصدر: بثير.

(7) المصدر: حيتر.

(8) المصدر: بثريك.

(9) لا يوجد في المصحف آية بهذه الصّورة. و فيه:

كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (التوبة/ 119)

326

الدّنيا و الآخرة قال‏ (1): فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ أنا ذلك المؤذّن، و قال‏ (2): وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ فأنا ذلك الأذان. و أنا المحسن، يقول اللّه‏ (3)- عزّ و جلّ-:

إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. و أنا ذو القلب، يقول اللّه‏ (4)- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ‏. و أما الذّاكر، يقول اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ‏.

و نحن أصحاب الأعراف، أنا و عمّي و أخي و ابن عمّي، و اللّه فالق الحبّ و النّوى، لا يلج النّار لنا محبّ و لا يدخل الجنّة لنا مبغض، يقول اللّه‏ (6)- تعالى-: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ‏. و أنا الصّهر، يقول‏ (7)- تعالى-: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً. و أنا الأذن الواعية، يقول اللّه‏ (8)- تعالى-: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ. و أنا السّلم لرسول اللّه، يقول‏ (9): وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ‏. و من ولدي مهديّ هذه الأمّة.

ألا و قد جعلت حجّتكم‏ (10)، ببغضي يعرف المنافقون، و بمحبّتي امتحن اللّه المؤمنين، هذا عهد النّبيّ الأمّيّ: ألا إنّه لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا (11) منافق. و أنا صاحب لواء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [في الدنيا و الآخرة] (12) [و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (13) فرطي و أنا فرط (14) شيعتي، و اللّه، لا عطش محبّي و لا خاف وليّي و (15) أنا وليّ المؤمنين، و اللّه وليّي، حسب‏ (16) محبّي أن يحبّوا ما أحبّ اللّه، و حسب‏ (17) مبغضي أن يبغضوا ما أحبّ اللّه.

____________

(1) الأعراف/ 43.

(2) التوبة/ 3.

(3) العنكبوت/ 69.

(4) ق/ 36.

(5) آل عمران/ 188.

(6) الأعراف/ 44.

(7) الفرقان/ 56.

(8) الحاقّة/ 12.

(9) الزمر/ 30.

(10) المصدر: محنتكم.

(11) في ق، ش، م، زيادة: كافر.

(12) يوجد في ن، المصدر.

(13) ليس في ق.

(14) الفرط: العلم المستقيم يهتدى به.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: «ولى» بدل «وليّي و».

(16) كذا في المصدر. و في النسخ: يحب و في ق زيادة: محبّ.

(17) كذا في المصدر. و في النسخ: يحب.

327

ألا و إنّه بلغني أنّ معاوية سبّني و لعنني، اللّهمّ اشدد وطأتك عليه و أنزل اللّعنة على المستحقّ، آمين ربّ العالمين ربّ إسماعيل و باعث إبراهيم، إنّك حميد مجيد.

ثمّ نزل- (عليه السلام)- عن أعوادها، فما عاد إليها حتّى قتله ابن ملجم- لعنه اللّه-.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و غيرهما، بأسانيد مختلفة، في احتجاج أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملاء، و شكاه أخوه الرّبيع بن زياد إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قد غمّ أهله و حزّن ولده بذلك.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عليّ‏ (2) بعاصم، فجي‏ء به.

فلمّا رآه عبّس في وجهه فقال له: أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك؟

أ ترى اللّه أحلّ لك الطّيّبات و هو يكره أخذك منها؟ أنت أهون على اللّه من ذلك، او ليس يقول‏ (3): وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ‏؟ أو ليس يقول‏ (4): مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏- إلى قوله-: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏؟ فباللّه، لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذاله لها بالمقال، و قد قال- تعالى-: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏.

فقال عاصم: يا أمير المؤمنين، فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة (5)، و في ملبسك على الخشونة؟

فقال: ويحك، إنّ اللّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس، كي لا يتبيّغ‏ (6) بالفقير فقره. فألقى عاصم بن زياد العباء (7) و لبس الملاء.

أحمد بن أبي عبد اللّه‏ (8)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن الحصين، عن فضل البقباق قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الكافي 1/ 410- 411، ح 3.

(2) ليس في ق، ش.

(3) الرحمن/ 11.

(4) الرحمن/ 19- 22.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الخشوبة.

و جشب الطعام: كان بلا إدام، أي: غلظ.

(6) التبيغ: الهيجان و الغلبة.

(7) ليس في ق.

(8) نفس المصدر 2/ 94، ح 5.

328

وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏.

قال: الّذي أنعم عليك بما فضّلك و أعطاك، ثمّ قال: فحدّث بدينه، و ما أعطاه اللّه، و ما أنعم به عليه.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏

قال الصّادق- (عليه السلام)-: معناه: فحدّث بما أعطاك اللّه و فضّلك و رزقك و أحسن إليك و هداك.

و في الحديث‏ (2): من لم يشكر النّاس، لم يشكر اللّه. و من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير.

و في الكافي‏ (3)، بإسناده إلى أبي بصير [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (4) قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ اللّه جميع يحبّ الجمال، و يحبّ أن يرى أثر النّعمة على عبده.

عليّ بن محمّد (5)، رفعه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أنعم اللّه على عبده بنعمة فظهرت عليه سمّي: حبيب اللّه محدّثا بنعمة اللّه، و إذا أنعم اللّه [على عبده‏] (6) بنعمة فلم تظهر عليه سمّي بغيض اللّه مكذّبا بنعمة اللّه.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّني لأكره للرّجل أن يكون عليه من اللّه نعمة فلا يظهرها.

و بإسناده‏ (8) إلى بريد بن معاوية قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لعبيد بن زياد: إظهار النّعمة أحبّ إلى اللّه من صيانتها. فإيّاك أن تزيّن إلّا في أحسن زيّ قومك.

قال: فما رئي‏ (9) عبيد إلّا في أحسن زيّ قومه حتّى مات.

و في محاسن البرقيّ‏ (10): عنه، عن الوشّاء، عن عاصم بن حميد، عن عمرو (11) بن أبي نصر، قال: حدّثني رجل من أهل البصرة قال: رأيت الحسين بن عليّ- (عليه السلام)-

____________

1 و 2- المجمع 5/ 507.

(3) الكافي 6/ 438، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر، ح 2.

(6) ليس في ق، ش.

(7) نفس المصدر/ 439، ح 9.

(8) نفس المصدر/ 440، ح 15.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: زيّ.

(10) المحاسن/ 218، ح 115.

(11) ق، المصدر: عمر.

329

و عبد اللّه‏ (1) بن عمر يطوفان‏ (2) بالبيت، فسألت ابن عمر فقلت: قول اللّه: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏.

قال: أمره أن يحدّث بما أنعم اللّه عليه.

ثمّ إنّي قلت للحسين بن عليّ- (عليه السلام)-: قول اللّه: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏.

قال: أمره أن يحدّث بما أنعم اللّه عليه من دينه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن جدّه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: إنّ أمير المؤمنين قال: أحسنوا صحبة النّعم قبل فراقها، فإنّها تزول و تشهد على صاحبها بما عمل فيها.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «عنده» بدل «عبد اللّه».

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بكر.

(3) العلل/ 464، ح 12.

331

سورة ألم نشرح‏

مكّيّة.

و آيها ثمان بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أكثر قراءة و الشمس و و الضحى و أ لم نشرح. (الحديث) و قد تقدّم في‏ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، اعطي من الأجر كمن لقي محمّدا (3) مغتمّا ففرّج عنه.

و روى‏ (4) أصحابنا: أنّ الضحى و أ لم نشرح سورة واحدة، لتعلّق إحداهما بالأخرى.

أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏ (1).

قيل‏ (5): ألم نفسّحه حتّى وسع مناجاة الحقّ و دعوة الخلق، فكان غائبا حاضرا. أو ألم نفسّحه بما أودعنا فيه من الحكم، و أزلنا عنه ضيق الجهل. أو بما يسّرنا لك تلقّي الوحي‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(2) المجمع 5/ 507.

(3) ليس في ق.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أنوار التنزيل 2/ 565.

332

بعد ما كان يشقّ عليك.

و قيل‏ (1): إنّه إشارة إلى ما

روي‏ أنّ جبرئيل أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في صباه، أو يوم الميثاق، فاستخرج قلبه فغسله، ثمّ ملأه إيمانا و علما.

و معنى الاستفهام: إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، و لذلك عطف عليه الفعل الّذي بعده.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد سألت ربّي مسألة وددت أنّي لم أسأله.

قلت: أي ربّ إنّه كان أنبياء قبلي، منهم من سخّرت له الرّيح، و منهم من كان يحيي الموتى.

قال: فقال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟

قال: قلت: بلى.

قال: ألم أجدك ضالّا فهديتك؟

قال: قلت: بلى أي ربّ.

قال: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏ [و وضعت عنك وزرك‏] (3)؟

قال: قلت: بلى، أي ربّي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏، قال: بعليّ- (عليه السلام)- فجعلناه وصيّك.

قال: و حين فتح مكّة و دخلت قريش في الإسلام، شرح اللّه صدره و سرّه‏ (5).

و عن ابن عبّاس‏ (6) قال: سئل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقيل: يا رسول اللّه، أ ينشرح الصّدر؟

قال: نعم.

قالوا: يا رسول اللّه، و هل لذلك علامة يعرف بها؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المجمع 5/ 508.

(3) ليس في ق، ش، م.

(4) تفسير القمّي 2/ 428. و في ت، ي: بتأخير هذا الحديث و تقديم الحديث التالي.

(5) المصدر: يسّره.

(6) أنوار التنزيل 2/ 508.

333

قال: نعم، التّجافي عن دار الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و الإعداد للموت قبل نزول الموت‏ (1). حلول الفوت.

و في بصائر الدّرجات‏ (2): أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن‏ (3) الحسن بن راشد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏ قال: بولاية أمير المؤمنين.

وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ‏ (2).

قيل‏ (4): عبأك الثّقيل.

الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‏ (3): الّذي حمله على النّقيض، و هو صوت الرّحل عند الانتقاض. من ثقل الحمل.

قيل‏ (5): و هو ما ثقل عليه من جهله بالحكم و الأحكام، أو حيرته، أو تلقّي الوحي‏ (6)، أو ما كان يرى من ضلال قومه مع العجز عن إرشادهم، أو من إصرارهم و تعدّيهم في إيذائه حين دعاهم إلى الإيمان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ‏ قال: بعليّ الحرب.

الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‏، [أي: أثقل ظهرك‏] (8).

وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ (4): بالنّبوّة و غيرها. و أيّ رفع، مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي الشّهادة، و جعل طاعته طاعته، و صلّى عليه في ملائكته، و أمر المؤمنين بالصّلاة عليه، و خاطبه بالألقاب. و إنّما زاد «لك» (9) ليكون إبهاما قبل إيضاح، فيفيد المبالغة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ قال: تذكر إذا ذكرت، و هو قول النّاس: هد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّد رسول اللّه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (11) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر- عليهما

____________

(1) ق: قبل حلول الفوت.

(2) البصائر/ 92- 93، ح 3.

(3) المصدر: و.

(4) أنوار التنزيل 2/ 565.

(5) أنوار التنزيل 2/ 565.

(6) ق، ش: الروح.

(7) تفسير القمّي 2/ 428.

(8) ليس في ق.

(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 565. و في النسخ:

(10) تفسير القمّي 2/ 428.

(11) الاحتجاج/ 211، 215- 216.

334

السّلام-، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لعليّ- (عليه السلام)-: هذا إدريس رفعه‏ (1) اللّه مكانا عليّا.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- اعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ اللّه- جلّ ثناؤه- قال فيه: و رفعنا له ذكرك فكفى بهذا من اللّه رفعة.

قال له اليهوديّ: فقد ألقى اللّه على موسى محبّة منه.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و قد أعطى اللّه محمّدا ما هو أفضل من هذا، لقد ألقى اللّه إليه محبّة منه، فمن هذا الّذي يشركه في هذا الاسم إذ تمّ من اللّه به الشّهادة، فلا تتمّ الشّهادة إلّا أن يقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّد رسول اللّه، ينادى به على المنابر، فلا يرفع صوت بذكر اللّه إلّا رفع ذكر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- معه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ، كضيق الصّدر، و الوزر المنقض للظّهر، و ضلال القوم و إيذائهم.

يُسْراً (5)، كالشّرح و الوضع و التّوفيق للاهتداء و الطّاعة، فلا تيأس من روح اللّه إذا عراك ما يغمّك. و تنكيره للتّعظيم، و المعنى: بما في «إنّ مع» من المصاحبة، المبالغة في معاقبة اليسر للعسر و اتّصاله به اتّصال المتقاربين.

إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6): تكرير للتأكيد. أو استئناف وعده بأنّ العسر مشفوع بيسر [آخر، كثواب‏] (2) الآخرة، كقولك: إنّ للصّائم فرحتين: فرحة عند الإفطار، و فرحة عند لقاء الربّ. [فعليه قوله‏ (3)- (عليه السلام)-: « (لن يغلب) (4) عسر يسرين». فإنّ العسر معرّف فلا يتعدّد سواء كان للعهد أو الجنس، و اليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد يغاير] (5) ما أريد بالأوّل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): ثمّ قال‏ (7): إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [قال: ما كنت‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أعطاه.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 565.

(3) أنوار التنزيل 2/ 565.

(4) ليس في ت، ي. و في سائر النسخ: لم يغلب. و ما أثبتنا في المتن موافق المصدر.

(5) ليس في ق، ش.

(6) تفسير القمّي 2/ 428.

(7) ليس في ق.

335

فيه من العسر، أتاك اليسر.

و في مجمع البيان‏ (1): و في الحديث، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في هذه الآية قال: قال لي جبرئيل: قال اللّه- عزّ و جلّ-: إذا ذكرت، ذكرت معي‏] (2).

إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً روى عطاء، عن ابن عبّاس قال: يقول اللّه: خلقت عسرا واحدا و خلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين.

و عن الزّجّاج‏ (3) قال: خرج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [يوما] (4) مسرورا فرحا و هو يضحك، و يقول: لن يغلب عسر يسرين‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.

قال الفرّاء: إنّ العرب تقول: إذا ذكرت نكرة ثمّ أعدتها نكرة مثلها صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهما، فالثّاني غير الأوّل. فإذا أعدتها معرفة فهي هي، كقولك: إذا كسبت الدرهم‏ (5)، فأنفق الدّرهم، فالثّاني هو الأوّل.

و نحو هذا ما قاله الزّجّاج: إنّه ذكر العسر مع الألف و اللّام ثمّ ثنّى ذكره، فصار المعنى: إنّ مع العسر يسرين.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، [عن أبيه،] (7) عن عبد اللّه بن المغيرة، عن السّكونيّ، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ- (عليه السلام)-: أنّ امرأة استعدت على زوجها أنّه لا ينفق عليها، و كان زوجها معسرا، فأبى أن يحبسه و قال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.

و في كتاب طبّ الأئمّة (8)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: إنّي لأعرف آيتين من كتاب اللّه المنزل تكتبان للمرأة إذا عسر عليها ولدها، تكتبان في رقّ ظبي و تعلّقه عليها في حقويها بسم اللّه و باللّه، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً سبع مرّات‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ‏- إلى قوله-:

____________

(1) المجمع 5/ 508.

(2) ليس في ق.

(3) المصدر: الحسن.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: درهما.

(6) التهذيب 6/ 299، ح 837.

(7) ليس في ق، ش.

(8) طبّ الأئمّة/ 35- 36.

336

عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (1).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2)، بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و أعلم أنّ مع الصّبر النّصر، و أنّ الفرج مع الكرب، و أنّ مع العسر يسرا أنّ مع العسر يسرا.

فَإِذا فَرَغْتَ‏: من التّبليغ.

فَانْصَبْ‏ (7): فاتعب في العبادة، شكرا لما عدّدنا عليك من النّعم السّابقة و وعدنا بالنّعم الآتية.

و قيل‏ (3): إذا فرغت من الغزو فانصب [في العبادة. أو فإذا فرغت من الصّلاة فانصب‏] (4) بالدّعاء.

وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ‏ (8): بالسّؤال و لا تسأل غيره، فإنّه القادر وحده على إسعافه.

و قرئ‏ (5): «فرغّب» (6)، أي: فرغّب النّاس إلى طلب ثوابه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ‏ قال: إذا فرغت من حجّة الوداع فانصب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

حدّثنا (8) محمّد بن جعفر، عن يحيى بن زكرياء، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فَإِذا فَرَغْتَ‏ من نبوّتك فانصب عليّا وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ‏ في ذلك.

و في أصول الكافي‏ (9): محمّد بن الحسين و غيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه حاكيا عن رسول اللّه: فاحتجّ عليهم حين اعلم بموته و نعيت إليه نفسه، فقال اللّه- جلّ ذكره-: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ‏ يقول: إذا فرغت فانصب علمك و أعلن وصيّك، فأعلمهم فضله علانية فقال: من كنت مولاه فعليّ‏ (10)

____________

(1) الحجّ/ 1- 2.

(2) الفقيه 4/ 296، ح 896.

(3) أنوار التنزيل 2/ 565.

(4) ليس في ق، ش.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فارغب.

7 و 8- تفسير القمّي 2/ 428- 429.

(9) الكافي 1/ 293- 294، ح 3.

(10) ق، ش، م: فهذا عليّ.

337

مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، ثلاث مرّات.

ثمّ قال: لأبعثنّ رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله ليس بفرّار، يعرّض بمن رجع يجبّن‏ (1) أصحابه و يجبّنونه‏ (2).

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عليّ سيّد المؤمنين.

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عليّ- (عليه السلام)- عمود الدّين.

و قال: هذا هو الّذي يضرب النّاس بالسّيف على الحقّ بعدي.

و قال: الحقّ مع عليّ- (عليه السلام)- أينما مال.

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا، كتاب اللّه و أهل بيتي عترتي. أيّها النّاس، اسمعوا و قد بلّغت، إنّكم ستردون عليّ الحوض فأسألكم عمّا فعلتم في الثّقلين، و الثّقلان: كتاب اللّه و أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتهلكوا، و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.

و في مجمع البيان‏ (3): فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ‏ معناه: فإذا فرغت [من الصّلاة المكتوبة] (4) فانصب إلى ربّك في الدّعاء، و ارغب إليه في المسألة يعطك. عن مجاهد و قتادة و الضّحّاك و مقاتل و الكلبيّ، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و قال الصّادق‏ (5)- (عليه السلام)-: هو الدّعاء في دبر الصّلا و أنت جالس.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همام، عن عبد اللّه بن جعفر، عن الحسن بن موسى، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال- تعالى-: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏ بعليّ- (عليه السلام)- وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‏ فَإِذا فَرَغْتَ‏ من نبوّتك فانصب عليّا- (عليه السلام)- وصيّا وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ‏ في ذلك.

و قال‏ (7)- أيضا-: حدّثنا محمّد بن همام، بإسناده، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في ق، ت: يحبّ. و في ن: يحبن. و في سائر النسخ: يجبر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يحبّونه.

(3) المجمع 5/ 509.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 811، ح 1.

(7) نفس المصدر/ 812، ح 3.

338

أبي عمير، عن المهلبي‏ (1)، عن سلمان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قوله:

أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏.

قال: بعليّ- (عليه السلام)- فاجعله وصيّا.

قلت: و قوله: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ‏.

قال: إنّ اللّه أمره بالصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ، ثمّ أمره إذا فعل ذلك أن ينصب عليّا وصيّه.

و قال‏ (2)- أيضا-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد ابن عليّ، عن أبي جميلة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قوله: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ‏ كان رسول اللّه حاجّا فنزلت‏ فَإِذا فَرَغْتَ‏ من حجّتك‏ فَانْصَبْ‏ عليّا للنّاس.

و قال‏ (3)- أيضا-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد، بإسناده إلى المفضّل ابن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ‏ عليّا بالولاية.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: اللّهبي.

(2) نفس المصدر/ 812، ح 4.

(3) نفس المصدر/ 812، ح 5.

339

سورة التّين‏

مكّيّة. و قيل: مدنيّة.

و آيها ثمان بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ و التين في فرائضه و نوافله، اعطي من الجنّة حيث يرضى‏ (2).

و في مجمع البيان‏ (3): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها أعطاه اللّه خصلتين: العافية و اليقين ما دام في الدّنيا، فإن مات أعطاه اللّه من الأجر بعدد من قرأ هذه السّورة صيام يوم.

و عن البراء بن عازب‏ (4) قال: سمعت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقرأ في المغرب‏ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ فما رأيت إنسانا أحسن قراءة منه. رواه‏ (5) مسلم في الصّحيح‏ (6).

قال عمر بن ميمون‏ (7): سمعت عمر بن الخطّاب يقرأ بمكّة في المغرب: و التين‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(2) في المصدر زيادة: إن شاء الله.

(3) المجمع 5/ 510.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: أبو.

(6) كذا في المصدر و في النسخ زيادة: عن مقاتل.

(7) نفس المصدر/ 511. و فيه: عمرو بن ميمون.

340

و الزيتون [و طور سيناء] (1) فظننت أنّه إنّما قرأها ليعلم حرمة البلد (2). و روي ذلك عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- أيضا.

وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ (1).

قيل‏ (3): خصّصهما من الثّمار بالقسم، لأنّ التّين فاكهة طيّبة لا فضلة له، و غذاء لطيف سريع الهضم، و دواء كثير النّفع، فإنّه يليّن الطّبع، و يحلّل البلغم، و يطهّر الكليتين، و يزيل رمل المثانة، و يفتح سدّة الكبد و الطّحال، و يسمن البدن.

و في الحديث: أنّه يقطع البواسير، و ينفع من النّقرس.

و الزّيتون فاكهة و أدام و دواء، و له دهن لطيف كثير المنافع، مع أنّه قد ينبت حيث لا دهنيّة فيه، كالجبال.

و قيل‏ (4): المراد بهما: جبلان من الأرض المقدّسة، أو مسجدا دمشق و بيت المقدس أو البلدان.

وَ طُورِ سِينِينَ‏ (2).

قيل‏ (5): يعني: الجبل الّذي ناجى عليه موسى ربّه‏ (6). و «سنين» و «سيناء» اسمان للموضع الّذي هو فيه.

وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (3)، أي: الآمن، من أمن الرّجل أمانة، فهو أمين. أو المأمون فيه، يأمن فيه من دخله.

قيل‏ (7): المراد به: مكّة.

و في كتاب الخصال‏ (8): عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فالتين المدينة، و الزَّيْتُونِ‏ بيت المقدس، و طُورِ سِينِينَ‏ الكوفة، و هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ مكّة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ قال: التِّينِ‏ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و الزَّيْتُونِ‏ أمير المؤمنين،

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) المصدر: قرأها حرمة ليعلم البلد.

(3) أنوار التنزيل 2/ 566.

(4) أنوار التنزيل 2/ 566.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في ق، ش، م، ن.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) الخصال/ 225، ح 58.

(9) تفسير القمي 2/ 429.

341

وَ طُورِ سِينِينَ‏ الحسن و الحسين، و هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ الأئمّة.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهرآشوب- بعد نقل قوله‏ (2): وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏، و أنّها نزلت في أمير المؤمنين خاصّة، و أنّ الأزواج فاطمة، و ذُرِّيَّاتِنا الحسن و الحسين،- (عليهما السلام)- قال: و

قد روي‏ أنّ‏ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ نزلت فيهم.

مقاتل بن مقاتل‏ (3)، عن مرازم، عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)‏- في قوله:

وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ قال: الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.

وَ طُورِ سِينِينَ‏ (4) قال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ قال: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في مجمع البيان‏ (5): و قد روى أبو ذرّ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال في التّين: لو قلت: إنّ فاكهة نزلت من الجنّة، لقلت: هذه هي، لأنّ فاكهة الجنّة بلا عجم، فكلوها فإنّها تقطع البواسير و تنفع من النّقرس.

و أمّا الزّيتون فإنّه يعتصر منه الزّيت يدور في أكثر الأطعمة، و هو إدام و التّين طعام، و فيه منافع كثيرة.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ‏: يريد به الجنس.

فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏ (4): تعديل، بأن خصّ بانتصاب القامة و حسن الصّورة و استجماع خواصّ الكائنات و نظائر سائر (6) الممكنات.

[و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قوام الإنسان و بقاؤه بأربعة: بالنّار و النّور و الرّيح و الماء. فبالنّار يأكل و يشرب، و بالنور يبصر و يعقل، و بالرّيح يسمع و يشمّ، و بالماء يجد لذّة الطّعام [و الشراب‏] (8). و لولا أنّ النّار في معدته، لما هضمت الطّعام و الشراب. و لولا أنّ النور في بصره، لما أبصر و لا عقل. و لولا الريح، لما

____________

(1) المناقب 3/ 380.

(2) الفرقان/ 74.

(3) نفس المصدر/ 393- 394.

(4) ن، ت، م، ي، ر: سيناء.

(5) المجمع 5/ 510.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) الخصال/ 227، ح 62.

(8) من المصدر.

342

التهبت نار المعدة. و لولا الماء، لما وجد (1) لذّة الطعام [و الشّراب‏] (2).

عن أبي عبد اللّه‏ (3)- (عليه السلام)- قال: بني الجسد على أربعة أشياء: على الرّوح و العقل و الدّم و النّفس. فإذا خرجت الروح، تبعهما العقل. و إذا رأت الرّوح شيئا، حفظه عليها العقل، و بقي الدّم‏ (4) و النفس‏] (5).

ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏ (5).

قيل‏ (6): بأن جعلناه من أهل النّار. أو إلى أسفل السافلين، و هو النّار.

و قيل‏ (7): هو أرذل العمر.

و في كتاب المناقب‏ (8) لابن شهرآشوب، متّصلا بآخر ما نقلنا- أعني: «محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-»-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏ قال: الأوّل. ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏ ببغضه أمير المؤمنين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏ قال:

نزلت في الأوّل‏ (10) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏.

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: استثناء متّصل على المعنى الأوّل، و منقطع على الثّاني.

فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏ (6): لا ينقطع، أو لا يمنّ به عليهم. و هو على الأوّل حكم مرتّب على الاستثناء مقرّر له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏، أي: لا يمنّ عليهم به.

و في كتاب المناقب‏ (12) لابن شهر آشوب، [- متّصلا بآخر ما نقلناه من قوله: «ببغضه أمير المؤمنين»-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ عليّ بن أبي طالب- عليه‏

____________

(1) المصدر: لم يجد.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر/ 226، ح 61.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الرّوح.

(5) ليس في ق، ش، م.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 566.

(8) المناقب 3/ 394.

(9) تفسير القمّي 2/ 429.

(10) المصدر: زريق.

(11) تفسير القمّي 2/ 430.

(12) المناقب 3/ 394.

343

السّلام-] (1).

فَما يُكَذِّبُكَ‏، أي: فأيّ شي‏ء يكذّبك، يا محمّد، دلالة أو نطقا. بَعْدُ بِالدِّينِ‏ (7): بالجزاء بعد ظهور هذه الدّلائل.

و قيل‏ (2): «ما» (3) بمعنى: من.

و قيل‏ (4): الخطاب للإنسان على الالتفات، و المعنى: فما الّذي يحملك على هذا الكذب.

و في كتاب المناقب‏ (5) لابن شهرآشوب- متّصلا بقوله: «عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-»-: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ‏ ولاية علي بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ‏ (8): تحقيق لما سبق، و المعنى: أليس الّذي فعل ذلك من الخلق و الرّدّ بأحكم الحاكمين صنعا و تدبيرا، و من كان كذلك كان قادرا على الإعادة و الجزاء، على ما مرّ مرارا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): ثمّ قال لنبيّه: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ‏ قال:

بأمير المؤمنين‏ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (7): و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا ختم هذه [السورة] (8) قال: بلى، و أنا على ذلك من الشّاهدين.

و في عيون الأخبار (9)، في باب ذكر أخلاق الرّضا- (عليه السلام)- و وصف عبادته: و إذا قرأ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ قال عند الفراغ منها: بلى، و أنا على ذلك من الشّاهدين.

و في كتاب الخصال‏ (10): فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب، ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: إذا قرأتم و التين فقولوا (11) في آخرها: و نحن على ذلك من الشّاهدين.

____________

(1) ليس في ق.

(2) أنوار التنزيل 2/ 566.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: با.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المناقب 3/ 394.

(6) تفسير القمّي 2/ 430.

(7) المجمع 5/ 512.

(8) من المصدر.

(9) العيون 2/ 181، ح 5.

(10) الخصال/ 629.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: فاقرؤوا.

344

و في شرح الآيات الباهرة (1): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن القاسم، عن محمّد بن زيد، عن إبراهيم بن محمّد بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل قال: قلت لأبي الحسن الرضا- (عليه السلام)-: أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ (إلى آخر السّورة).

فقال: التّين و الزّيتون: الحسن و الحسين.

قلت: وَ طُورِ سِينِينَ‏.

قال: هو ليس طور سينين، و لكنّه طور سيناء.

قال: فقلت: و طور سيناء؟

فقال: نعم، هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

قلت: وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمن النّاس به من النّار إذا أطاعوه.

قلت: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏.

قال ذاك: أبو فصيل حين أخذ اللّه ميثاقه له بالرّبوبيّة، و لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّبوّة، و لأوصيائه بالولاية (2)، فاقرّ و قال: نعم، ألا ترى أنّه قال: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏، يعني: الدّرك الأسفل حين نكص و فعل بآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- ما فعل.

قال: قلت: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏.

قال: و اللّه، هو أمير المؤمنين و شيعته. فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏.

قال: قلت: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ‏.

قال: مهلا مهلا، لا تقل هكذا، هذا هو الكفر باللّه، لا و اللّه، ما كذب رسول اللّه باللّه طرفة عين.

قال: قلت: فكيف هي؟

قال: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ‏ [و الدّين‏] (3) أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ‏.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 814- 815، ح 4.

(2) ق، ش، م، ن، ت: بالوصاية.

(3) ليس في ق، ش، م.

345

سورة العلق‏

مكّيّة.

و آيها تسع عشرة أو عشرون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ في يومه أو ليلته‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ ثمّ مات في يومه أو ليلته، مات شهيدا، و بعثه اللّه شهيدا، و أحياه شهيدا، و كان كمن ضرب بسيفه في سبيل اللّه مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

[و روي‏ (2) عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (3) قال: العزائم الم تنزيل و حم السجدة و اقرأ باسم ربك و ما عداها في جميع القرآن مسنون ليس بمفروض.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ العزائم اقرأ باسم ربك الذي خلق و النجم و تنزيل السجدة و حم السجدة.

و في عيون الأخبار (5)، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال: قال الرّضا- عليه‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 151، ح 1.

(2) مجمع البيان 5/ 516.

(3) من المصدر.

(4) الخصال/ 252، ح 124.

(5) العيون 2/ 5- 6، ح 12.

346

السّلام-: سمعت أبي يحدّث، عن أبيه‏ أنّ أوّل سورة نزلت‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ و آخر سورة نزلت‏ (1): إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ‏.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، و سهل بن زياد، عن منصور بن العبّاس، عن محمّد [بن الحسن‏] (3) بن السّريّ، عن عمّه، عليّ بن السّريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أوّل ما نزل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ و آخره: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: و إنّه كانت أوّل سورة نزلت‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ (الحديث).

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏، أي: اقرأ القرآن مفتتحا باسمه- تعالى-، أو مستعينا به.

الَّذِي خَلَقَ‏ (1)، أي: الّذي له الخلق، أو الّذي خلق كلّ شي‏ء، ثمّ أفرد ما هو أشرف و أظهر صنعا و تدبيرا، و أدلّ على وجوب العبادة المقصودة من القراءة، فقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ‏. أو الّذي خلق الإنسان. فأبهم أوّلا ثمّ فسّر، تفخيما لخلقه و دلالة على عجيب فطرته.

مِنْ عَلَقٍ‏ (2). جمعه‏ (5)، لأنّ الإنسان في معنى الجمع. و لمّا كان أوّل الواجبات معرفة اللّه نزّل أوّلا ما يدلّ على وجوده و فرط قدرته و كمال حكمته.

اقْرَأْ: تكرير للمبالغة. أو الأوّل مطلق، و الثّاني للتّبليغ أو في الصّلاة. و لعلّه لمّا قيل له: اقرأ باسم ربّك، قال: ما أنا بقارئ، فقيل له: اقرأ.

وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏ (3): الزّائد في الكرم على كلّ كريم، فإنّه ينعم بلا عوض و يحلم‏ (6) من غير تخوّف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة.

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏ (4)، أي: الخطّ بالقلم‏ (7)، و قد قرئ‏ (8) به، ليقيّد به العلم و يعلم به البعيد.

____________

(1) ليس في ق.

(2) الكافي 2/ 628، ح 5.

(3) ليس في ق.

(4) تفسير القمّي 2/ 428.

(5) يعني: جمع العلق الّذي هو مفرده: علقة.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 567. و في النسخ:

يحكم.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) أنوار التنزيل 2/ 567.

347

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال عليّ بن إبراهيم: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏ قال: علّم الإنسان بالكتابة، الّتي بها تتمّ أمور الدّنيا في مشارق الأرض و مغاربها.

عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (5): بخلق القوى و نصب الدّلائل و إنزال الآيات، فيعلّمك القراءة و إن لم تكن قارئا.

و قد عدّ- تعالى- مبدأ أمر الإنسان و منتهاه، إظهارا لما أنعم عليه، من أن نقله من أخسّ المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيّته و تحقيقا لأكرميّته، و أشار أوّلا إلى ما يدلّ على معرفته عقلا، ثمّ نبّه على ما يدلّ عليها سمعا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا أحمد بن محمّد الشّيباني قال: حدّثنا محمّد ابن أحمد قال: حدّثنا إسحاق بن محمّد قال: حدّثنا محمّد بن عليّ قال: حدّثنا عثمان بن يوسف، عن عبد اللّه بن كيسان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل جبرئيل على محمّد فقال: يا محمّد، اقرأ.

قال: و ما أنا أقرأ (3)؟! قال: اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏، يعني: خلق نورك القديم‏ (4) قبل الأشياء. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ‏، يعني: خلقك من نطفة و شقّ منك عليّا. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏، يعني: علّم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏، يعني: علّم عليّا من الكتابة ما لم يعلم قبل ذلك.

كَلَّا: ردع لمن كفر بنعمة اللّه لطغيانه و إن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.

إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (7)، أي: رأى نفسه.

و «استغنى» مفعوله الثّاني، لأنّه بمعنى: علم، و لذلك جاز أن يكون فاعله و مفعوله ضميرين لواحد.

و قرأ (5) قنبل، بقصر الهمزة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): ثمّ قال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ قال: إنّ الإنسان إن استغنى يكفر و يطغى و ينكر.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 430.

(2) تفسير القمّي 2/ 430.

(3) ق، ش، م: بقارئ.

(4) المصدر: الأقدم.

(5) أنوار التنزيل 2/ 567.

(6) تفسير القمّي 2/ 430.

348

إِنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الرُّجْعى‏ (8).

الخطاب للإنسان على الالتفات، تهديدا و تحذيرا من عاقبة الطّغيان.

و «الرّجعى» مصدر، كالبشرى.

أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى‏ (9) عَبْداً إِذا صَلَّى‏ (10).

قيل‏ (1): نزلت في أبي جهل، قال: لو رأيت محمّدا ساجدا لوطأت عنقه، فجاءه ثمّ نكص على عقبيه.

فقيل له: مالك؟

فقال: إنّ بيني و بينه لخندقا من نار، و هولا، و أجنحة. فنزلت.

و لفظ «العبد» و تنكيره للمبالغة في تقبيح النّهي، و الدّلالة على كمال عبوديّة المنهيّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى‏ عَبْداً إِذا صَلَّى‏ قال:

كان الوليد بن المغيرة ينهى النّاس عن الصّلاة و أن يطاع اللّه و رسوله، فقال: أَ رَأَيْتَ الَّذِي‏ (الآية).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): روى عبد الواحد بن المختار الأنصاريّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن صلاة الضّحى.

فقال: أوّل من صلّاها قومك، إنّهم كانوا من الغافلين، فيصلّونها و لم يصلّها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- مرّ برجل و هو يصلّيها، فقال عليّ- (عليه السلام)-:

ما هذه الصّلاة؟

قال: ادعها، يا أمير المؤمنين؟

فقال عليّ- (عليه السلام)-: أكون أنهى عبدا إذا صلّى.

أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى‏ (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى‏ (12).

«أ رأيت» تكرير للأوّل، و كذا الّذي في قوله: أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (13) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‏ (14)، و الشّرطيّة مفعوله الثّاني. و جواب الشّرط الأوّل محذوف‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 567.

(2) تفسير القمّي 2/ 430.

(3) الفقيه 1/ 357، ح 1566.

349

دلّ عليه جواب الشّرط الثّاني، الواقع موقع القسيم له.

و المعنى: أخبرني عمّن ينهى بعض عباد اللّه عن صلاته، إن كان ذلك النّاهي على هدى فيما ينهى عنه، أو آمرا [بالتقوى‏] (1) فيما يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقده. أو إن كان على التّكذيب للحقّ و التّولّي عن الصّواب، كما تقول: ألم يعلم بأنّ اللّه يرى و يطّلع على أحواله من هداه و ضلاله.

و قيل‏ (2): المعنى: أ رأيت الّذي ينهى عبدا (3) يصلّي، و المنهيّ على الهدى آمر بالتّقوى، و النّاهي مكذّب متولّ، فما أعجب من ذا (4)؟! و قيل‏ (5): الخطاب في الثّانية مع الكافر، فإنّه- تعالى- كالحاكم الّذي حضره الخصمان، يخاطب هذا مرّة و الآخر أخرى، و كأنّه قال: يا كافر، أخبرني إن كان صلاته هدى و (6) دعاؤه إلى اللّه أمرا بالتّقوى، أ تنهاه؟! و لعلّه ذكر الأمر بالتّقوى في التّعجّب و التّوبيخ و لم يتعرّض له في النّهي، لأنّ النّهي كان عن الصّلاة و الأمر بالتّقوى. و اقتصر على ذكر الصّلاة، لأنّه دعوة بالفعل، أو لأنّ نهي العبد إذا صلّى يحتمل أن يكون لها و لغيرها، و عامّة أحواله محصورة في تكميل نفسه بالعبادة و غيره بالدّعوة.

كَلَّا: ردع للنّاهي.

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ‏: عمّا هو فيه.

لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15): لنأخذنّ بناصيته و لنسحبنّه بها إلى النّار.

و «السّفع» القبض على الشّي‏ء و جذبه بشدّة.

و قرئ‏ (7): «لنسفعنّ» بنون مشدّدة، و «لأسفعنّ». و كتبته في المصحف «بالألف» على حكم الوقف و الاكتفاء «باللّام» عن الإضافة، للعلم بأنّ المراد ناصيته المذكورة.

ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16): بدل من «النّاصية». و إنّما جاز، لوصفها (8).

____________

(1) من أنوار التنزيل 2/ 568.

(2) أنوار التنزيل 2/ 568.

(3) ليس في ق.

(4) أي: هذا.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أي: إنّما جاز بدل النكرة من المعرفة، لوصف البدل.

350

و قرئت‏ (1) بالرّفع، على «هي ناصية». و النّصب، على الذّم. و وصفها بالكذب و الخطأ، و هما لصاحبها، على الإسناد المجازيّ للمبالغة.

فَلْيَدْعُ نادِيَهُ‏ (17)، أي: أهل ناديه ليعينوه، و هو المجلس الّذي ينتدي فيه القوم.

قيل‏ (2): إنّ أبا جهل مرّ برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يصلّي، فقال: ألم أنهك، فأغلظ له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فقال: أ تهدّدني و أنا أكثر أهل الوادي ناديا. فنزلت.

سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18): ليجرّوه إلى النّار. و هو في الأصل: الشّرط، واحدها زبنية، كعفرية، من الزّبن: و هو الدّفع. أو زبنيّ على النّسب، و أصلها: زباني، و التّاء معوّضة عن الياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ‏ قال: لمّا مات أبو طالب، فنادى أبو جهل و الوليد- عليهما لعائن اللّه-: هلمّ فاقتلوا محمّدا، فقد مات الّذي كان ناصره.

فقال اللّه- تعالى-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قال: كما دعا إلى قتل محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نحن، أيضا، ندع الزّبانية.

كَلَّا: ردع- أيضا- للنّاهي.

لا تُطِعْهُ‏، أي: اثبت أنت على طاعتك.

وَ اسْجُدْ: و دم على سجودك.

وَ اقْتَرِبْ‏ (19): و تقرّب إلى ربّك.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء من الأخبار المأثورة عن الرّضا- (عليه السلام)-: حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ الوشّاء قال: سمعت الرّضا يقول: أقرب ما يكون العبد من اللّه و هو ساجد، و ذلك قوله: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ‏.

[و في الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن الوشّاء قال: سمعت‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 431.

(4) العيون 2/ 6- 7، ح 15.

(5) الكافي 3/ 264، ح 3. و في ن هاهنا زيادة:

محمّد بن يحيى.

351

الرضا- (عليه السلام)- يقول: أقرب ما يكون العبد من اللّه و هو ساجد، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ‏] (1).

محمّد بن يحيى‏ (2)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا قرأ أحدكم السّجدة من العزائم، فليقل في سجوده: سجدت لك [يا ربّ،] (3) تعبّدا و رقّا، لا مستكبرا عن عبادتك و لا مستنكفا و لا مستعظما (4)، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: أقرب ما يكون العبد إلى اللّه و هو ساجد، قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ‏.

و قد روي‏ (6) أنّه يقول في سجدة العزائم: لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا، لا إله إلّا اللّه إيمانا و تصديقا، لا إله إلّا اللّه عبوديّة و رقا، سجدت لك، يا ربّ، تعبّدا و رقّا، لا مستنكفا و لا مستكبرا، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير، ثمّ يرفع رأسه، ثمّ يكبّر.

و في مجمع البيان‏ (7): و في الحديث عن عبد اللّه بن مسعود، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أقرب ما يكون العبد من اللّه إذا كان ساجدا.

و في عوالي اللّآلي‏ (8): و روى في الحديث، أنّه لمّا نزل قوله: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ‏ سجد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فقال في سجوده: أعوذ برضاك من سخطك، و بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) نفس المصدر/ 328، ح 23.

(3) يوجد في ق، ش.

(4) ن، المصدر: متعظّما.

(5) الفقيه 1/ 134، ح 628.

(6) نفس المصدر/ 201، ح 922.

(7) المجمع 5/ 516.

(8) العوالي 4/ 113- 114، ح 176.

353

سورة القدر

مختلف فيها.

و آيها خمس أو ستّ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن سيف بن عميرة، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فجهر بها صوته، كان كالشّاهر سيفه في سبيل اللّه. و من قرأها سرّا، كان كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه. و من قرأها عشر مرّات، محا اللّه‏ (2) عنه ألف ذنب من ذنوبه.

و في أصول الكافي‏ (3)، مثله، إلّا أنّ آخرها: و من قرأها عشر مرّات، غفرت له على نحو (4) ألف ذنب من ذنوبه.

و بإسناده‏ (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ إنا أنزلناه في فريضة من فرائض اللّه، نادى مناد: يا عبد اللّه، غفر اللّه لك ما مضى، فاستأنف العمل.

و في مجمع البيان‏ (6): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها

____________

(1) ثواب الأعمال/ 152، ح 1.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) الكافي 2/ 621، ح 6.

(4) كذا في المصدر. و في ق، ش، م: «له على محو» بدل «غفرت له على نحو». و في سائر النسخ: «مرت له على محو».

(5) ثواب الأعمال/ 152، ح 2.

(6) المجمع 5/ 516.

354

اعطي من الأجر، كمن صام رمضان و أحيى ليلة القدر.

و في مهج الدّعوات‏ (1) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: أنّه قيل للصّادق- (عليه السلام)- بما احترست من المنصور عند دخولك عليه؟

فقال: باللّه و بقراءة إنا أنزلناه، ثمّ قلت: يا اللّه يا اللّه، سبعا، إنّي أتشفّع إليك بمحمّد [و آله- (صلوات اللّه عليهم)-] (2) و أن تغلبه لي. فمن ابتلي بذلك، فليصنع مثل صنعي. و لولا أنّنا نقرأها و نأمر بقراءتها شيعتنا، لتخطّفهم النّاس و لكن هي، و اللّه، لهم كهف.

و في كتاب طبّ الأئمّة (3)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: شكا رجل من همدان إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- وجع الظّهر، و أنّه يسهر اللّيل.

فقال: ضع يدك على الموضع الّذي تشتكي منه و اقرأ ثلاثا: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ‏، و اقرأ سبع مرّات‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (إلى آخرها) فإنّك تعافى من العلّة (4) إن شاء اللّه- تعالى-.

و بإسناده‏ (5) إلى بكر بن محمّد الأزديّ‏ (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و أوصى أصحابه و أولياءه: من كانت به علّة فليأخذ قلّة (7) جديدة و ليجعل فيه الماء، و ليستقي الماء بنفسه، و ليقرأ [على الماء] (8) سورة إنا أنزلناه [على الترتيل‏] (9) ثلاثين مرّة، ثمّ ليشرب من ذلك الماء و ليتوضّأ به و ليمسح به، و كلّما نقص زاد فيه، فإنّه لا يظهر ذلك ثلاثة أيّام إلّا و يعافيه اللّه من ذلك الدّاء.

و في أصول الكافي‏ (10)، بإسناده إلى بكر (11) بن محمّد الأزديّ: عن رجل، عن أبي‏

____________

(1) مهج الدّعوات/ 186.

(2) ليس في ق، ش، م، المصدر. و في المصدر:

«(صلّى اللّه عليه و آله)» مكان ما بين المعقوفتين.

(3) طبّ الأئمّة/ 30- 31.

(4) المصدر: العلل.

(5) نفس المصدر/ 123.

(6) المصدر: محمّد بن بكر الأزدي.

(7) القلّة: الحبّ العظيم. و قيل: الكوز الصغير، ضدّ.

(8) ليس في ق، ش.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 2/ 624، ح 19.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي بكر.

355

عبد اللّه- (عليه السلام)- في العوذة، قال: تأخذ قلّة جديدة فتجعل فيها ماء، ثمّ تقرأ عليها إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ثلاثين مرّة، ثمّ تعلّق و تشرب منها و تتوضّأ و تزداد (1) فيها [ماء- إن شاء اللّه‏] (2).

محمّد بن يعقوب‏ (3)، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد بن يحيى قال: كنت بفيد (4) فمشيت مع عليّ بن بلال إلى قبر محمّد بن إسماعيل بن بزيع.

قال: فقال لي عليّ بن بلال: قال لي صاحب هذا القبر، عن الرّضا- (عليه السلام)-: من أتى قبر أخيه المؤمن من أيّ ناحية، يضع يده و يقرأ (5) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سبع مرّات أمن من الفزع الأكبر.

الحسن بن محبوب‏ (6)، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: مررت مع أبي جعفر- (عليه السلام)- بالبقيع، فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشّيعة.

فقلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: جعلت فداك، هذا قبر رجل من الشّيعة.

قال: فوقف عليه، ثمّ قال: اللّهمّ ارحم غربته، وصل وحدته، و آنس وحشته، و اسكن إليه من رحمته رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك، و ألحقه بمن كان يتولّاه، ثمّ قرأ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سبع مرّات.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): و قال- (عليه السلام)-: ما من عبد زار قبر مؤمن، فقرأ عنده‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سبع مرّات، إلّا غفر اللّه له و لصاحب القبر.

و في كتاب الخصال‏ (8): فيما علّم أمير المؤمنين أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه:

[من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ من قبل أن تطلع الشمس [إحدى عشرة مرّة] (9) (و مثلها إنا أنزلناه) (10) و مثلها آية الكرسي، منع ماله ممّا يخاف‏ (11)] (12). من قرأ قل هو الله‏

____________

(1) المصدر: يز [د] اد.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) التهذيب 6/ 104، ح 182.

(4) فيد: منزل بطريق مكة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قرأ.

(6) نفس المصدر/ 105، ح 183.

(7) الفقيه 1/ 115، ح 541.

(8) الخصال/ 622، 623، 624.

(9) من المصدر مع المعقوفتين.

(10) يوجد في ي، ر، المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: يخلف.

(12) ليس في ق، ش، م.

356

أحد و إنا أنزلناه قبل أن تطلع الشّمس، لم يصبه في ذلك اليوم ذنب و إن جهد إبليس.

إذا أراد أحدكم حاجة فليبكر في طلبها يوم الخميس، فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها يوم الخميس. و ليقرأ إذا خرج من بيته الآيات الآخرة من آل عمران و «إنّا أنزلناه» و آية الكرسيّ و أمّ الكتاب، فإنّ فيها قضاء حوائج الدّنيا و الآخرة.

إذا كسا اللّه مؤمنا ثوبا [جديدا] (1) فليتوضّأ و ليصلّ ركعتين، يقرأ فيهما أمّ الكتاب و آية الكرسيّ و قل هو الله أحد و إنا أنزلناه في ليلة القدر و ليحمد اللّه الّذي ستر عورته‏ (2) و زيّنه في النّاس‏ (3)، و ليكثر من قول: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، فإنّه لا يعصي اللّه فيه، و له بكلّ [سلك فيه‏] (4) ملك يقدّس له و يستغفر له و يترحّم عليه.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ إنا أنزلناه ثنتين‏ (6) و ثلاثين مرّة في إناء جديد و رشّ به ثوبه الجديد إذا لبسه، لم يزل يأكل في سعة ما بقي [منه سلك‏] (7).

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى حكيمة، عمّة أبي محمّد الحسن- (عليه السلام)- أنّه قالت: أمرني أبو محمّد بالمبيت عنده ليلة ولد القائم، فكنت مع نرجس، أمّ القائم، فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر و هي نائمة بين يديّ، لا تقلب جنبا عن جنب إلى جنب، حتّى إذا كان آخر اللّيل وقت الفجر و ثبت فزعة فضممتها إلى صدري و سمّيت عليها.

فصاح إليّ أبو محمّد و قال: اقرئي عليها إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

فأقبلت أقرأ عليها، و قلت لها: ما حالك؟

قالت: ظهر بي الأمر الّذي اخبرني به مولاي.

فأقبلت اقرأ عليها، كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ،

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في ق.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: اللّباس.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 6/ 459، ح 4.

(6) ق، ش: ثلاث.

(7) من المصدر.

(8) كمال الدين/ 427- 428.

357

و سلّم عليّ.

قالت حكيمة: ففزعت لمّا سمعت.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن عبدوس، عن محمّد بن زادية (2)، عن أبي عليّ بن راشد قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: جعلت فداك، إنّك كتبت إلى محمّد بن الفرج تعلمه أنّ أفضل ما يقرأ في الفرائض إنا أنزلناه و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إنّ صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر.

فقال- (عليه السلام)-: لا يضيقنّ صدرك بهما، فإنّ الفضل و اللّه فيهما.

سهل بن زياد (3)، عن منصور بن العبّاس، عن إسماعيل بن سهل قال: كتبت إلى أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّي قد لزمني دين فادح‏ (4).

فكتب إليّ: أكثر من الاستغفار، و رطّب لسانك بقراءة إنا أنزلناه.

عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن سليمان، عن أحمد بن الفضل، عن‏ (6) أبي عمرو الحذّاء قال: ساءت حالي، فكتبت إلى أبي جعفر- (عليه السلام)-.

فكتب إليّ: أدم قراءة إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ‏.

قال: فقرأتها حولا فلم أر شيئا، فكتبت إليه أخبره بسوء حالي، و إنّي قد قرأت [إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ‏ حولا] (7) كما أمرتني و لم أر شيئا.

قال: فكتب إليّ: قد و في لك الحول، فانتقل منها إلى قراءة إنا أنزلناه.

قال: ففعلت، فما كان إلّا يسيرا حتّى بعث [إليّ‏] (8) ابن داود فقضى عنّي ديني، و أجرى [عليّ و] (9) على عيالي، و وجّهني إلى البصرة في وكالته بباب كلّاء (10)

____________

(1) الكافي 3/ 315، ح 19.

(2) ت، ر: زاذية. و في المصدر: زاوية.

(3) نفس المصدر 5/ 317، ح 51.

(4) أفدحه الدّين: أثقله.

(5) نفس المصدر 5/ 316، ح 50.

(6) يوجد في ق، ش. و في المصدر ورد بين المعقوفتين.

(7) ليس في ق، ش.

(8) من المصدر.

(9) ليس في ق، ش، م.

(10) كذا في المصدر. و في ق: كلبا. و في غيرها:

كلتا.

358

و أجرى عليّ خمسمائة درهم، و كتبت من البصرة على يدي عليّ بن مهزيار إلى أبي الحسن: إنّي كنت سألت أباك عن كذا و شكوت كذا، و إنّي قد نلت الّذي أحببت، فأحببت أن تخبرني، يا مولاي، كيف أصنع في قراءة إنا أنزلناه أقتصر عليها وحدها في فرائضي و غيرها، أم أقرأ معها غيرها، أم لها حدّ أعمل به؟

فوقّع- (عليه السلام)- و قرأت التّوقيع: لا تدع من القرآن قصيرة و لا طويلة، و يجزئك من قراءة إنا أنزلناه يومك و ليلتك مائة مرّة.

عليّ بن محمّد (1)، رفعه، قال: الختم على طين قبر الحسين- (عليه السلام)- أن يقرأ عليه‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (2).

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1).

الضّمير للقرآن، فخّمه بإضماره من غير ذكر شهادة له بالنّباهة المغنية عن التّصريح، [كما عظّمه‏] (3) بأن أسند إنزاله إليه.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عمر (5) الشّاميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ [عدّة] (6) الشّهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السّموات و الأرض، فغرّة الشّهور شهر اللّه- عزّ ذكره- و هو شهر رمضان، [و قلب شهر رمضان‏] (7) ليلة القدر، و نزل القرآن في أول ليلة من شهر رمضان فاستقبل الشّهر بالقرآن.

و في كتاب الخصال‏ (8): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة (9) من شهر رمضان- إلى قوله-: و ليلة ثلاث و عشرين يرجى فيها ليلة القدر.

[عن حسّان بن مهران‏ (10)،] عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن ليلة

____________

و الكلاء- ككتّان-: موضع بالبصرة، و يقال لكلّ ساحل نهر.

(1) نفس المصدر 4/ 588، ح 7.

(2) ليس في ق.

(3) ليس في ق.

(4) الكافي 4/ 65- 66، ح 1.

(5) المصدر: عمرو.

(6) من المصدر مع المعقوفتين.

(7) ليس في ق.

(8) الخصال/ 508، ح 1.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ليلة سبعة و عشرين.

(10) نفس المصدر/ 519، ح 8. و لا يوجد اسم الراوي في النسخ.

359

القدر.

قال: التمسها ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين [من رمضان‏] (1).

عن جابر بن عبد اللّه‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- أنّه ذكر شهر رمضان، فقال رجل: فيه‏ (3) ليلة القدر، يا رسول اللّه؟

فقال: نعم‏ (4). (الحديث).

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا كان الرّجل على عمل فليدم عليه سنته ثمّ يتحوّل عنه، إن شاء اللّه، إلى غيره، و ذلك أنّ ليلة القدر يكون فيها في عامه ذلك ما شاء اللّه أن يكون.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى. و محمّد بن أبي عبد اللّه و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، جميعا، عن الحسن بن العبّاس بن الجريش‏ (7)، عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)-: أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، و إنّه ينزل في تلك اللّيلة أمر السّنة، و لذلك الأمر ولاة بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال ابن عبّاس: من هم؟

قال: أنا و أحد عشر من صلبي، أئمّة محدّثون.

و بهذا الإسناد (8) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأصحابه: آمنوا بليلة القدر، إنّها تكون لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و لولده الأحد عشر من بعدي.

و عن أبي عبد اللّه‏ (9)- (عليه السلام)- قال: قال أبي: قلت لابن عبّاس: أنشدك اللّه، هل في حكم اللّه اختلاف؟

قال: فقال: لا.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) نفس المصدر/ 318، ح 101.

(3) المصدر: في.

(4) ليس في المصدر.

(5) الكافي 2/ 82، ح 1.

(6) نفس المصدر 1/ 532، ح 11.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 205. و في النسخ: الحريش.

(8) نفس المصدر 1/ 533، ح 12.

(9) نفس المصدر 1/ 247- 248، ح 2.

360

فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسّيف حتّى سقطت، ثمّ ذهب و أتى رجل آخر إذ أطار كفّه، فأتي به إليك و أنت قاض، كيف أنت صانع؟

قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه، و أقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، و أبعث به إلى ذوي عدل.

قلت: جاء الاختلاف في حكم اللّه و نقضت القول الأوّل، أبى اللّه أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود و ليس من يفسّره‏ (1) في الأرض، اقطع قاطع الكفّ أصلا ثمّ أعطه دية الأصابع، هكذا حكم اللّه ليلة ينزل‏ (2) فيها أمره، أن جحدتها بعد ما سمعت من رسول اللّه فأدخلك اللّه‏ (3) النّار، كما أعمى بصرك يوم جحدتها عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

قال: فلذلك عمي بصري؟ قال: و ما علمك بذلك، فو اللّه، إن عمي بصري‏ (4) إلّا من صفقة جناح الملك.

قال: فاستضحكت، ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله، ثمّ لقيته فقلت: يا ابن عبّاس، ما تكلّمت بصدق مثل أمس، قال لك عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، و إنّه ينزل في تلك اللّيلة أمر السّنة، و إنّ لذلك الأمر ولاة بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقلت: من هم؟

فقال: أنا و أحد عشر من صلبي أئمّة (5) محدّثون.

فقلت: لا أراها كانت إلّا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فتبدّا لك الملك الّذي يحدّثه فقال: كذبت، يا عبد اللّه، رأت‏ (6) عيناي الّذي حدّثك به عليّ- و لم تره عيناه و لكن وعا قلبه و وقر في سمعه- (7) ثمّ صفقك بجناحه فعميت.

____________

(1) المصدر: «تفسيره» بدل «من يفسّره».

(2) المصدر: تنزّل.

(3) يوجد في ش، المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بصره.

(5) ليس في ق، ش.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: رأيت.

(7) ما بين الشارحين جملة معترضة من كلام أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- استدراكا لقول أبيه:

«فتبدّا لك الملك» حيث أوهم في قلوب السّامعين لهذا الحديث أنّ الملك ظهر على ابن عبّاس عيانا.

(من هامش المصدر)

361

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن أبي عبد اللّه‏ (1) و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان عليّ بن الحسين يقول: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ صدق اللّه أنزل القرآن في ليلة القدر.

... إلى أن قال: [ثمّ قال‏] (2) في بعض كتابه‏ (3): وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

و قال في بعض كتابه‏ (4): وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏.

يقول في الآية الأولى: إنّ محمّدا حين يموت يقول أهل الخلاف لأمر اللّه: مضت ليلة القدر مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هذه فتنة أصابتهم خاصّة، و بها ارتدّوا على أعقابهم، لأنّهم إن قالوا: لم تذهب، فلا بدّ أن يكون للّه فيها أمر و إذا أقرّوا بالأمر لم يكن له من صاحب بدّ (5).

و في مجمع البيان‏ (6): و جاءت الرّواية عن أبي ذرّ أنّه قال: قلت: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة القدر هي شي‏ء يكون على عهد الأنبياء ينزل فيها، فإذا قبضوا رفعت؟

قال: لا، بل هي إلى يوم القيامة.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل‏ (8) و زرارة و محمّد بن مسلم، عن حمران، أنّه سأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه‏ (9)- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ.

____________

(1) نفس المصدر/ 248- 249، ح 4.

(2) ليس في ق، ش.

(3) الأنفال/ 25.

(4) آل عمران/ 144.

(5) ليس في ق.

(6) المجمع 5/ 518.

(7) الكافي 4/ 157، ح 6.

(8) م، ش: الفضل. و في ق: المفضّل.

(9) الدّخان/ 3.

362

قال: نعم، ليلة القدر، و هي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر.

(الحديث) و سيأتي بتمامه- إن شاء اللّه-.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن محمّد بن أحمد، عن السّيّاريّ، عن بعض أصحابنا، عن داود بن فرقد، قال: حدّثني يعقوب قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لو رفعت [ليلة القدر] (2) لرفع القرآن.

وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3).

في الكافي‏ (3): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسين، عن محمّد بن الوليد و محمّد بن أحمد، عن يونس بن يعقوب، عن عليّ بن عيسى القمّاط، عن عمّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أري‏ (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في منامه [بني أميّة] (5) يصعدون على منبره من بعده، و يضلّون النّاس عن الصّراط القهقرى، فأصبح كئيبا حزينا.

قال: فهبط عليه جبرئيل فقال: يا رسول اللّه، ما لي أراك كئيبا حزينا؟

قال: يا جبرئيل، إنّي رأيت بني أميّة في ليلتي هذه يصعدون منبري‏ (6) من بعدي يضلون النّاس عن الصّراط القهقرى.

فقال: فقال: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا، إنّي‏ (7) ما اطّلعت عليه.

فعرج إلى السّماء، و لم يلبث أن نزل عليه بأي من القرآن يؤنسه بها قال‏ (8):

أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏. و أنزل عليه‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- إلى قوله-: مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ جعل اللّه ليلة القدر لنبيّه خيرا من ألف شهر ملك بني أميّة.

و في روضة الكافي‏ (9): سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن يونس، عن عليّ بن عيسى القمّاط، عن عمّه قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: هبط

____________

(1) نفس المصدر/ 158، ح 7.

(2) يوجد في ن، ي، المصدر.

(3) الكافي 4/ 159، ح 10.

(4) المصدر: رأى.

(5) ليس في ق، ش.

(6) ليس في ق.

(7) المصدر: إنّ هذا شي‏ء.

(8) الشعراء/ 205- 207.

(9) الكافي 8/ 222، ح 280.

363

جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كئيب [حزين‏] (1). فقال: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما لي أراك كئيبا حزينا؟

فقال: إنّي رأيت اللّيلة رؤيا.

قال: و ما الّذي رأيت؟

قال: رأيت بني أميّة يصعدون المنابر و ينزلون منها.

قال: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا، ما علمت بشي‏ء من هذا.

و صعد جبرئيل إلى السّماء، ثمّ أهبطه اللّه بآي من القرآن يعزيه بها، قوله‏ (2):

أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏. و أنزل اللّه‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏- إلى قوله-: مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ للقوم، فجعل اللّه ليلة القدر [لرسوله‏] (3) خيرا من ألف شهر.

و في سند الصّحيفة السّجّاديّة (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أبي حدّثني، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)-: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخذته نعسة و هو على منبره، فرأى في منامه رجالا ينزون‏ (5) على منبره نزو القردة يردّون النّاس على أعقابهم القهقهرى، فاستوى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- جالسا و الحزن يعرف في وجهه، فأتاه جبرئيل بهذه الآية (6) وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ‏ (7) إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً، يعني: بني أميّة.

قال: يا جبرئيل، أعلى عهدي يكونون و في زمني؟

قال: لا، و لكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشرا، ثمّ تدور رحى الإسلام على رأس خمسة و ثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا، ثمّ لا بدّ من رحى ضلالة و هي قائمة على قطبها، ثمّ ملك الفراعنة.

قال: و أنزل اللّه في ذلك‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏- إلى قوله-: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يملكها بنو

____________

(1) من المصدر.

(2) الشعراء/ 205- 207.

(3) من المصدر.

(4) الصحيفة السجّاديّة/ 14- 16.

(5) أي: يثبون.

(6) الإسراء/ 60.

(7) المصدر: فما يزيدهم.

364

أميّة ليس فيها ليلة القدر.

قال: فأطلع اللّه نبيّه أنّ بني أميّة تملك سلطان هذه الأمّة و ملكها طول هذه المدّة، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتّى يأذن اللّه بزوال ملكهم، و هم في ذلك يستشعرون عداوتنا، أهل البيت و بغضنا، أخبر اللّه نبيّه بما يلقي أهل بيت محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- و أهل مودّتهم و شيعتهم منهم في أيّامهم و ملكهم.

و في مجمع البيان‏ (1): و ذكر عطاء، عن ابن عبّاس قال: ذكر لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل من بني إسرائيل، أنّه حمل السّلاح على عاتقه في سبيل اللّه ألف شهر، فعجب من ذلك رسول اللّه عجبا شديدا و تمنّى أن يكون ذلك في أمّته، فقال: يا ربّ، جعلت أمّتي أقصر النّاس أعمارا و أقلّها أعمالا. فأعطاه اللّه ليلة القدر و قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ الّذي حمل الإسرائيلي السّلاح في سبيل اللّه، لك و لأمّتك من بعدك إلى يوم القيامة في كلّ رمضان.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه لمعاوية: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلا أخذوا مال اللّه بينهم دولا و عباده خولا و كتابه دغلا، فإذا بلغوا ثلاثمائة و عشرا حقّت اللّعنة عليهم و لهم، فإذا بلغوا أربعمائة و خمسة و سبعين‏ (3) كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، فأقبل الحكم بن أبي العاص، و هم في ذلك الذّكر و الكلام، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اخفضوا أصواتكم، فإنّ الوزغ تسمع. و ذلك حين رآهم رسول اللّه و من يملك بعده منهم هذه الأمّة، يعني: في المقام، فساءه ذلك و شقّ عليه، فأنزل اللّه في كتابه‏ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فأشهد لكم و أشهد عليكم ما سلطانكم بعد قتل عليّ إلّا ألف شهر الّتي أجّلها اللّه في كتابه.

تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏: بيان لما له فضّلت على ألف شهر.

مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4): من أجل كلّ أمر قدّر في تلك السّنة.

و قرئ‏ (4): «من كلّ امرئ»، أي: من أجل كلّ إنسان.

____________

(1) المجمع 5/ 520.

(2) الاحتجاج/ 275- 276.

(3) ق، ش، م: أربعمائة و خمسين.

(4) أنوار التنزيل 2/ 569.

365

و في أصول الكافي‏ (1): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ- (عليه السلام)- كثيرا ما يقول: اجتمع التّيميّ و العدويّ عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يقرأ إنا أنزلناه بتخشّع و بكاء.

فيقولان: ما أشدّ رقّتك لهذه السّورة! فيقول رسول اللّه: لما رأت عيني و وعى قلبي، و لما يرى قلب هذا من بعدي.

فيقولان: و ما الّذي رأيت، و ما الّذي يرى؟

قال: فيكتب لهما في التّراب: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ.

قال: ثمّ يقول: هل بقي شي‏ء بعد قوله: كُلِّ أَمْرٍ؟

فيقولان: لا.

فيقول: هل تعلمان من المنزّل عليه بذلك؟

فيقولان: أنت، يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فيقول: نعم، فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي؟

فيقولان: نعم.

فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها؟

فيقولان: نعم.

فيقول: فإلى من؟

فيقولان: لا ندري.

فيأخذ برأسي و يقول: إن لم تدريا فادريا، هو هذا من بعدي.

قال: فان كانا ليعرفان تلك اللّيلة بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من شدّة ما تداخلهما من الرّعب.

و بإسناده‏ (2) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ صدق اللّه أنزل [اللّه‏] (3) القرآن في ليلة القدر.

وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا أدري، قال اللّه:

____________

(1) الكافي 1/ 249، ح 5.

(2) نفس المصدر/ 248، ح 4.

(3) من المصدر.

366

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها ليلة القدر، قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و هل تدري لم هي خير من ألف شهر؟

قال: لأنّها تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها (1) بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ و إذا أذن اللّه بشي‏ء فقد رضيه.

... إلى قوله: ثمّ قال في بعض كتابه‏ (2): وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

و قال في بعض كتابه‏ (3): وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏.

يقول في الآية الأولى: إنّ محمّدا حين يموت يقول أهل الخلاف لأمر اللّه: مضت ليلة القدر مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فهذه فتنة أصابتهم خاصّة و بها ارتدوا على أعقابهم، لأنّهم إن قالوا: لم تذهب، فلا بدّ أن يكون للّه فيها أمر، و إذا أقرّوا بالأمر لم يكن له من صاحب بدّ.

و عن أبي جعفر (4)- (عليه السلام)- قال: يا معشر الشّيعة، خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا، فو اللّه، إنّها لحجّة اللّه على الخلق بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و إنّها لسيّدة دينكم، و إنّها لغاية علمنا.

يا معشر الشّيعة، خاصموا ب حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ‏ فإنّه لولاة الأمر خاصّة بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و عن أبي جعفر (5)- (عليه السلام)- قال: لقد خلق اللّه ليلة القدر أوّل ما خلق الدّنيا، و لقد خلق فيها أوّل نبيّ يكون و أوّل وصيّ يكون، و لقد قضى أن يكون في كلّ سنة (6) يهبط فيها بتفسير الأمور إلى مثلها من السّنة المقبلة. من جحد ذلك، فقد ردّ على اللّه علمه، لأنّه لا تقوم الأنبياء و الرّسل و المحدّثون إلّا أن يكون عليهم حجّة بما يأتيهم في تلك اللّيلة من الحجّة الّتي يأتيهم بها جبرئيل.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) الأنفال/ 25.

(3) آل عمران/ 144.

(4) نفس المصدر/ 249، ح 6.

(5) نفس المصدر/ 250- 251، ح 7.

(6) في ش، ي، زيادة: ليلة.

367

قلت: و المحدّثون- أيضا- يأتيهم جبرئيل أو غيره من الملائكة؟

قال: أمّا الأنبياء و الرّسل، فلا شكّ و لا بدّ لمن سواهم من أول يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدّنيا أن يكون على وجه الأرض حجّة، ينزل ذلك في تلك اللّيلة إلى من أحبّ من عباده. و أيم اللّه، لقد نزل الرّوح و الملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم. و أيم اللّه، ما مات آدم إلّا و له وصيّ، و كلّ من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها و وضع لوصيّه من بعده. و أيم اللّه، أن كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك اللّيلة من آدم إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن أوص إلى فلان.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فضل إيمان المؤمن بحمله إنا أنزلناه و تفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها، كفضل الإنسان على البهائم، و إن اللّه ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها في الدّنيا لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنّه لا يتوب منهم ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين، و لا أعلم أنّ في هذا الزّمان جهادا إلّا الحجّ و العمرة و الجوار.

قال‏ (1): و قال رجل لأبي جعفر- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللّه، لا تغضب عليّ.

قال: لما ذا؟

قال: لما أريد أن أسألك عنه.

قال: قل.

قال: و لا تغضب؟

قال: و لا أغضب.

قال: أ رأيت قولك في ليلة القدر: تنزّل الملائكة و الرّوح فيها إلى الأوصياء، يأتونهم بأمر لم يكن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد علمه، أو يأتونهم بأمر كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- علمه، و قد علمت أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مات و ليس شي‏ء من علمه إلّا و عليّ- (عليه السلام)- له واع؟

قال أبو جعفر: ما لي و لك، أيّها الرّجل، و من أدخلك عليّ؟

قال: أدخلني عليك القضاء لطلب الدّين.

قال: فافهم ما أقول لك، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به لم‏

____________

(1) نفس المصدر/ 251- 252، ح 8.

368

يهبط حتّى أعلمه اللّه‏ (1) ما قد كان و ما سيكون، و كان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر، و كذلك كان‏ (2) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قد علم جمل العلم و يأتي تفسيره في ليالي القدر، كما كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال السّائل: او ما كان في الجمل تفسير؟

قال: بلى، و لكنّه إنّما يأتي بالأمر من اللّه في ليالي القدر إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و إلى الأوصياء افعل كذا و كذا، لأمر (3) قد كانوا علموه أمروا كيف يعملون‏ (4) به.

قلت: فسّر لي هذا.

قال: لم يمت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا حافظا لجمل العلم و تفسيره.

قلت: فالّذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو؟

قال: الأمر و اليسر فيما كان قد علم.

قال السّائل: فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا؟

قال: هذا ممّا قد أمروا بكتمانه، و لا يعلم تفسير ما سألت عنه إلّا اللّه.

قال السّائل: فهل يعلم الأوصياء ما لم يعلم الأنبياء؟

قال: لا، و كيف يعلم وصيّ غير علم ما أوصى‏ (5) اللّه‏ (6) إليه؟! قال السّائل: فهل يسعنا (7) أن نقول: إنّ أحدا من الوصاة يعلم ما لا يعلم الآخر؟

قال: لا، لم يمت نبيّ إلّا و علمه في جوف وصيّه، و إنّما تنزّل الملائكة و الرّوح في ليلة القدر بالحكم الّذي يحكم به بين العباد.

قال السّائل: و ما كانوا علموا ذلك الحكم؟

قال: بلى، قد علموه، و لكنّهم لا يستطيعون إمضاء شي‏ء منه حتّى يؤمروا في ليالي القدر كيف يصنعون إلى السّنة المقبلة.

قال السّائل: يا أبا جعفر، لا أستطيع إنكار هذا؟

____________

(1) في المصدر زيادة: علم.

(2) كذا في المصدر. و ليس في ش. و في غيرها:

عن.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لأمر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يعلمون.

(5) ق: أوحى.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يسع.

369

[قال أبو جعفر: من أنكره، فليس منّا في شي‏ء (1).

قال السائل: يا أبا جعفر، أ رأيت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- هل كان يأتيه في ليالي القدر شي‏ء لم يكن علمه؟

قال: لا يحلّ لك أن تسأل عن هذا] (2). أمّا علم ما كان و ما سيكون فليس يموت‏ (3) نبيّ و لا وصيّ إلّا و الوصيّ الّذي بعده يعلمه، أمّا هذا العلم الّذي تسأل عنه فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- و علا- أبى أن يطلع الأوصياء عليه إلّا أنفسهم.

و قال‏ (4) قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ألا (5) ترون من بعثه اللّه للشّقاء (6) على أهل الضّلالة، من أجناد الشّياطين و أرواحهم‏ (7)، أكثر ممّا ترون [مع‏] (8) خليفة اللّه الّذي بعثه للعدل و الصّواب من الملائكة؟

قيل: يا أبا جعفر، و كيف يكون شي‏ء أكثر من الملائكة؟

قال: كما شاء اللّه.

قال السّائل: يا أبا جعفر، إنّي لو حدّثت بعض الشّيعة بهذا الحديث لأنكروه.

قال: و كيف ينكرونه؟

قال: يقولون: إنّ الملائكة أكثر من الشّياطين.

قال: صدقت، افهم عنّي ما أقول، إنّه ليس من يوم و لا ليلة إلّا و جميع الجنّ و الشّياطين يزورون أئمّة الضّلال، و يزور إمام الهدى عددهم من الملائكة، حتّى إذا أتت ليلة القدر فهبط فيها من الملائكة إلى وليّ الأمر خلق اللّه، أو قال: قيّض اللّه، من الشّياطين بعددهم ثمّ زاروا وليّ الضّلالة فأتوه بالإفك و الكذب، حتّى لعلّه يصبح فيقول:

رأيت كذا و كذا. فلو سأل وليّ الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك بكذا و بكذا، حتّى يفسّر له تفسيرا و يعلمه الضّلالة الّتي هو عليها.

و أيم اللّه، إنّ من صدّق بليلة القدر ليعلم أنّها لنا خاصّة، لقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- حين دنا (9) موته: هذا وليّكم من بعدي، فإن أطعتموه‏

____________

(1) لا يوجد «في شي‏ء» في المصدر.

(2) ليس في ق.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بموت.

(4) نفس المصدر. 252- 253، ح 9.

(5) ش، المصدر: لما.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: للشّفاء.

(7) المصدر: أزواجهم.

(8) من نور الثقلين 5/ 637، ح 102.

(9) ليس في ق، ش، م.

370

رشدتم. و لكن من لا يؤمن بما في ليلة القدر منكر، و من آمن بليلة القدر ممّن على غير رأينا فإنّه لا يسعه في الصّدق إلّا أن يقول: إنّها لنا. و من لم يقل فإنّه كاذب، إنّ اللّه أعظم من أن ينزّل الأمر مع الرّوح و الملائكة إلى كافر فاسق. فإن قال: إنّه ينزل إلى الخليفة الّذي هو عليها، فليس قولهم ذلك بشي‏ء. و إن قالوا: إنّه ليس ينزل إلى أحد، فلا يكون أن ينزل شي‏ء (1) إلى غير شي‏ء. و إن قالوا- و سيقولون-: ليس هذا بشي‏ء، فقد ضلّوا ضلالا بعيدا. و في الحديث يسير كلام حذفته لعدم مسيس الحاجة إليه.

محمّد (2)، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن أسلم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: ما من ملك يهبطه اللّه في أمر (3) إلّا بدأ بالإمام، فعرض ذلك عليه، و إنّ مختلف الملائكة من عند اللّه إلى صاحب هذا الأمر.

عليّ بن محمّد (4)، عن عبد اللّه بن إسحاق العلويّ، عن محمّد بن زيد الرزامي‏ (5)، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، و فيه‏ قلت: جعلت فداك، الرّوح ليس هو جبرئيل؟

قال: الرّوح أعظم من جبرئيل، و إنّ الرّوح هو خلق أعظم من الملائكة، أليس يقول اللّه: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ‏.

سَلامٌ هِيَ‏ قيل‏ (6): ما هي إلّا سلامة، أي: لا يقدّر اللّه فيها إلّا السّلامة، و يقضي‏ (7) في غيرها السّلامة و البلاء. أو ما هي إلّا سلام، لكثرة ما يسلّمون فيها على المؤمنين.

حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)، أي: وقت مطلعه‏ (8)، أي: طلوعه.

و قرأ (9) الكسائيّ، بالكسر، على أنّه كالمرجع. أو اسم زمان على غير قياس، كالمشرق‏ (10).

____________

(1) ليس في ق.

(2) نفس المصدر/ 394، ح 4.

(3) في المصدر زيادة: ما يهبطه.

(4) نفس المصدر/ 386، ح 1.

(5) ت، ر: الزرامي. و في ق، ش، م:

الزراى.

(6) أنوار التنزيل 2/ 569.

(7) المصدر: يقتضى.

(8) إنّما قدّر كذلك، لأنّ «المطلع» مصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) ليس في ق، ش، م.

371

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ‏ (1)، بإسناده إلى ابن عبّاس: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه: إذا كانت ليلة القدر يأمر اللّه جبرئيل، فهبط في كبكبة من الملائكة و معهم لواء أخضر، فيركن اللّواء على ظهر الكعبة، و له ستّمائة جناح، منها جناحان لا ينشرهما إلّا في ليلة القدر، قال: فينشرهما في تلك اللّيلة، فيجاوزان المشرق و المغرب. و يبثّ‏ (2) جبرئيل الملائكة في هذه الأمّة، فيسلّمون على كلّ قاعد و قائم و مصلّ و ذاكر، و يصافحونهم، و يؤمّنون على دعائهم حتّى مطلع الفجر. فإذا طلع الفجر نادى جبرئيل: معشر الملائكة، الرّحيل الرّحيل.

فيقولون: يا جبرئيل، ما صنع اللّه في حوائج المؤمنين من أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)

فيقول: إنّ اللّه نظر هذه اللّيلة إليهم فعفا عنهم و غفر لهم، إلّا أربعة.

فقيل لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من هذه الأربعة؟

قال: رجل مات مدمن خمر، و عاق لوالديه، و قاطع رحم، و مشاحن.

قيل: يا رسول اللّه، و ما المشاحن؟

قال: الصّارم.

و في الصّحيفة السّجاديّة (3)، في دعائه إذا دخل شهر رمضان: ثمّ فضّل ليلة واحدة من لياليه على ليالي ألف شهر، و سمّاها: ليلة القدر، تنزّل الملائكة و الرّوح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر، سلام دائم البركة إلى طلوع الفجر على من يشاء من عباده بما أحكم من قضائه.

و في أصول الكافي‏ (4)، بإسناده إلى أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- قال‏ (5): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: إنا أنزلناه في ليلة القدر صدق اللّه أنزل القرآن في ليلة القدر.

... إلى أن قال: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ يقول: تسلّم عليك، يا محمّد، ملائكتي و روحي بسلامي من أوّل ما يهبطون إلى مطلع الفجر.

____________

(1) نور الثقلين 5/ 614، ح 13.

(2) ق، ش، م: يثبت.

(3) الصحيفة السجّاديّة/ 226- 227، الدعاء 44.

(4) الكافي 1/ 248، ح 4.

(5) ليس في ق، ش.

372

و في شرح الآيات الباهرة (1): عن ابن عبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إذا كانت ليلة القدر تنزّل الملائكة الّذين هم سكان سدرة المنتهى، و فيهم جبرئيل، و معه ألوية، فينصب لواء منها على قبري و لواء في مسجد الحرام و لواء على بيت المقدس و لواء على طور سيناء، و لا يدع مؤمنا و لا مؤمنة إلّا و يسلّم عليه، إلّا مدمن الخمر و آكل لحم الخنزير المضمّخ‏ (2) بالزّعفران.

و روي‏ (3)، عن محمّد بن جمهور، عن صفوان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قوله: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ هو سلطان بني أميّة.

و قال: ليلة من إمام عدل، خير من ألف شهر (4) ملك بني أميّة.

و قال: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏، أي: من عند ربّهم على محمّد و آل محمّد بكلّ‏ (5) أمر سلام.

و روي‏ (6)، أيضا، عن محمّد بن جمهور، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عمّا يفرق في ليلة القدر، هل هو ما يقدّر اللّه فيها؟

قال: لا توصف قدرة اللّه، إلّا أنّه قال‏ (7): فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ فكيف يكون حكيما إلّا ما فرق، و لا توصف قدرة اللّه لانّه يحدث ما يشاء.

و أمّا قوله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، [يعني فاطمة- (عليها السلام)-] (8).

و قوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ و الملائكة في هذا الموضع المؤمنون الّذين يملكون علم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-. و الرُّوحُ‏ روح القدس، و هو في فاطمة.

مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ‏ يقول: من كلّ أمر مسلّمة حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ حتّى‏ (9) يقوم القائم- (عليه السلام)-.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 816، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في ق، ت: المضنفخ.

و في م، ش: المضفخ. و في ن، ي، ر: المضفح.

و المضمّخ: الملطّخ.

(3) نفس المصدر/ 817، ح 2.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: من.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لكلّ.

(6) نفس المصدر/ 818، ح 3.

(7) الدّخان/ 3.

(8) ليس في ق، ش، م.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يعني.

373

سورة لم يكن‏

مكّيّة. أو مدنيّة.

و آيها ثمان، أو تسع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة لم يكن كان بريئا من الشّرك، و ادخل في دين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بعثه اللّه مؤمنا، و حاسبه حسابا يسيرا.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأها كان يوم القيامة مع خير البريّة، مسافرا و مقيما.

و عن أبي الدّرداء (3) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو يعلم النّاس ما في‏ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا لعطّلوا الأهل و المال و تعلّموها.

فقال رجل من خزاعة: ما فيها من الأجر، يا رسول اللّه؟

فقال: لا يقرأها منافق أبدا و لا عبد في قلبه شكّ في اللّه، و اللّه، إنّ الملائكة المقرّبين ليقرءونها منذ خلق اللّه السّموات و الأرض لا يفترون من قراءتها، و ما من عبد يقرأها بليل إلّا بعث اللّه ملائكة يحفظونه في دينه و دنياه و يدعون له بالمغفرة و الرّحمة، فإنّ‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 152، ح 1.

(2) المجمع 5/ 521.

(3) نفس المصدر و الموضع.

374

قرأها نهارا أعطي عليها من الثّواب مثل ما أضاء عليه النّهار و أظلم عليه اللّيل.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: دفع إليّ أبو الحسن- (عليه السلام)- مصحفا و قال: لا تنظر فيه، ففتحته‏ (2) و قرأت فيه‏ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا فوجدت فيها اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم و أسماء آبائهم.

قال: فبعث إليّ: ابعث إليّ بالمصحف.

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ‏: اليهود و النّصارى، فإنّهم كفروا بالإلحاد في صفات اللّه.

و «من» للتّبيين.

وَ الْمُشْرِكِينَ‏: و عبدة الأصنام.

مُنْفَكِّينَ‏: عمّا كانوا عليه من دينهم. أو الوعد باتّباع الحقّ إذا جاءهم الرّسول.

حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1): الرّسول. أو القرآن، فإنّه مبيّن للحقّ. أو معجزة الرّسول بأخلاقه، و القرآن بإفحامه من تحدّى به.

و في تفسير العيّاشي‏ (3)، عن محمّد بن سابق بن طلحة الأنصاريّ قال: ممّا قال هارون لأبي الحسن موسى- (عليه السلام)- حين ادخل عليه: ما هذه الدّار، و دار من هي؟

قال: لشيعتنا فترة، و لغيرهم فتنة.

قال: فما بال صاحب الدّار لا يأخذها؟

قال: أخذت منه عامرة (4)، و لا يأخذها إلّا معمورة.

فقال: أين شيعتك؟

فقرأ أبو الحسن: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.

قال: فنحن كفّار؟

قال: لا، و لكن كما قال [اللّه‏] (5):

____________

(1) الكافي 2/ 631، ح 16.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ففتحه.

(3) تفسير العياشي 2/ 229- 230، ح 26.

(4) ليس في ق، ش، م.

(5) من المصدر.

375

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (1). فغضب عند ذلك و غلظ عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [وَ الْمُشْرِكِينَ‏] (3)، يعني: قريشا (4) مُنْفَكِّينَ‏ قال: هم في كفرهم‏ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.

و في رواية أبي الجارود (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الْبَيِّنَةُ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في مجمع البيان‏ (6): حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ اللّفظ لفظ الاستقبال، و معناه المضيّ.

و قوله: الْبَيِّنَةُ، يريد: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ‏: بدل من «البيّنة» بنفسه، أو بتقدير مضاف‏ (7). أو مبتدأ.

يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2): صفته، أو خبره.

قيل‏ (8): و الرّسول و إن كان امّيّا لكنّه لمّا تلا مثل ما في الصّحف كان كالتّالي لها.

و قيل‏ (9): المراد جبرئيل، و كون الصّحف مطهّرة لأنّ الباطل لا يأتي ما فيها، و أنّها لا يمسّها إلّا المطهّرون.

فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3): مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحقّ.

و في مجمع البيان‏ (10): و قوله: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ‏ بيان للبيّنة (11) و تفسير لها، أي: رسول من قبل اللّه. «يتلو» عليهم. صُحُفاً مُطَهَّرَةً، يعني: مطهّرة في السّماء، لا يمسّها إلّا الملائكة المطهّرون من الأنجاس. عن الحسن و الجبّائيّ. و هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-

____________

(1) إبراهيم/ 28.

(2) تفسير القمّي 2/ 432.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة:

و المشركين.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المجمع 5/ 523.

(7) أي: على أن يكون المراد من «البيّنة» القرآن، و التقدير: كتاب رسول من اللّه.

8 و 9 أنوار التنزيل 2/ 570.

(10) المجمع 5/ 523. و في جميع النسخ هنا زيادة: «عن ابن عبّاس و مقاتل». و الصّحيح ورود هذه العبارة بعد إتمام الفقر السابقة المنقولة عن المجمع.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: بيان لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله).

376

أتاهم بالقرآن و دعاهم إلى التّوحيد و الإيمان. فِيها، أي: في تلك الصّحف. كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، أي: مستقيمة عادلة غير ذات عوج، تبيّن الحقّ من الباطل.

و قيل‏ (1): مطهّرة عن الباطل و الكذب و الزّور، يريد: القرآن. عن قتادة. و يعني بالصّحف: ما تضمّنه الصّحف من المكتوب فيها، و يدلّ على ذلك أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب.

و قيل‏ (2): معناه: رسول من الملائكة يتلو صحفا من اللّوح المحفوظ. عن أبي مسلم.

وَ ما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏: عمّا كانوا عليه، بأن آمن بعضهم أو تردّد في دينه. أو عن وعدهم بالإصرار على الكفر.

إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4): فيكون كقوله: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ‏.

و إفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم و بين المشركين للدّلالة على شناعة حالهم، و أنّهم لمّا تفرّقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله: وَ ما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ قال: لمّا جاءهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالقرآن خالفوه و تفرّقوا من بعده.

وَ ما أُمِرُوا، أي: في كتبهم بما فيها.

إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏: لا يشركون به.

حُنَفاءَ: مائلين عن العقائد الزّائفة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله: حُنَفاءَ قال: طاهرين.

وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ: و لكنّهم حرّفوا و عصوا.

وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5): دين الملّة القيّمة (5).

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 432.

(4) تفسير القمي 2/ 432.

(5) إنما قدر ذلك، لأنه لو لم يقدر، كان إضافة الشي‏ء إلى صفته. و هو ممنوع عند البصريين.

377

، أي: في يوم القيامة، أو في الحال لملابستهم ما يوجب ذلك.

و اشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه، فلعلّه يختلف لتفاوت كفرهما.

أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)، أي: الخليقة.

و قرأ (1) نافع [و ابن ذكوان‏] (2): «البريئة» (3) بالهمزة على الأصل.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً: فيه مبالغات، تقديم المدح‏ (4)، و ذكر الجزاء المؤذن بأنّ ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به، و الحكم عليه بأنّه من عند ربّهم، و جمع جنّات و تقييدها إضافة و وصفا بما يزداد لها نعيما (5)، و تأكيد الخلود بالتأبيد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله: وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ، أي: دين قيّم. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ‏ قال: أنزل اللّه عليهم القرآن فارتدّوا و كفروا، و عصوا أمير المؤمنين‏ أُولئِكَ‏ (7) هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال: نزلت في آل محمّد- (عليهم السلام)-.

و في مجمع البيان‏ (8): و في كتاب «شواهد التّنزيل» للحاكم، أبي القاسم الحسكانيّ قال: أخبرنا عبد اللّه‏ (9) الحافظ بالإسناد المرفوع إلى يزيد بن شراحيل‏ (10) الأنصاريّ، كاتب عليّ- (عليه السلام)- قال: سمعت عليّا يقول: قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنا مسنده إلى صدري. فقال: يا عليّ، ألم تسمع قول اللّه- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ هم شيعتك، و موعدي و موعدكم الحوض إذا اجتمعت الأمم للحساب، يدعون غرّا محجّلين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 570.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في ق، ش: البرائة. و في غيرهما: البرئة.

(4) ليس في ق، م.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 570. و في ق تتميما. و في غيرها: تعميما.

(6) تفسير القمّي 2/ 432.

(7) ي، ر، ق، ش، م، المصدر: و قوله.

(8) المجمع 5/ 524.

(9) المصدر: أبو عبد اللّه.

(10) ق: شريح.

378

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)، بإسناده إلى جابر بن عبد اللّه قال: كنّا عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأقبل عليّ، فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قد أتاكم أخي.

ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: و الّذي نفسي بيده، إنّ هذا و شيعته لهم الفائزون يوم القيامة.

ثمّ قال: إنّه أوّلكم إيمانا معي، و أوفاكم بعهد اللّه، و أقومكم بأمر اللّه، و أعدلكم في الرّعيّة، و أقسمكم بالسّويّة، و أعظمكم عند اللّه مزيّة (2).

قال: فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.

قال: فكان أصحاب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا أقبل عليّ- (عليه السلام)- قالوا: جاء خير البريّة.

و بإسناده‏ (3) إلى المنذر بن محمّد بن محمّد، أنّ أباه أخبره: عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما من هدهد إلّا و في جناحه مكتوب بالسّريانيّة: آل محمّد خير البريّة.

و بإسناده‏ (4) إلى يعقوب بن ميثم التّمّار، مولى عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقلت له: جعلت فداك يا ابن رسول، إنّي وجدت في كتب أبي، أنّ عليّا قال لأبي ميثم: أحبب حبيب آل محمّد و إن كان فاسقا زانيا (5)، و ابغض مبغض آل محمد و إن كان صوّاما قوّاما، فإنّي سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. ثمّ التفت إليّ، و قال: هم‏ (6)، و اللّه، أنت و شيعتك يا عليّ، و ميعادهم الحوض غدا غرّا محجّلين [مكتحلين‏] متوّجين‏ (7).

فقال [أبو جعفر] (8): هكذا هو عيانا في كتاب عليّ- (عليه السلام)-.

____________

(1) أمالي الطوسي 1/ 257.

(2) ن: مرتبة.

(3) نفس المصدر/ 360.

(4) نفس المصدر 2/ 19- 20.

(5) كذا في المصدر. و في ق: زايقنا. و في غيرها:

زائغا.

(6) في ق زيادة: و أنت.

(7) من المصدر.

(8) يوجد في ي، ر، المصدر.

379

و في روضة الواعظين‏ (1) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و قال الباقر- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- مبتدئا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ هم أنت و شيعتك، [و ميعادي‏] (2) و ميعادكم الحوض، إذا حشر النّاس جئت‏ (3) أنت و شيعتك شباعا مرويّين غرّا محجّلين.

و في اعتقادات الإماميّة (4) للصّدوق: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا أفضل من جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و من جميع الملائكة المقرّبين، و أنا خير البريّة و سيّد ولد آدم.

و في أصول الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن طاهر (6) قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- فأقبل جعفر- (عليه السلام)- فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هذا خير البريّة (7).

[أحمد بن محمّد (8)، عن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن يونس بن يعقوب، عن طاهر (9) قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- فأقبل جعفر، فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هذا خير البريّة] (10).

أحمد بن مهران‏ (11)، عن محمّد بن عليّ، عن فضيل بن عثمان، عن طاهر (12) قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر- (عليه السلام)- فأقبل جعفر (13) بعض، فقال [أبو جعفر- (عليه السلام)-] (14): هذا خير البريّة.

و في روضة الكافي‏ (15): أحمد بن محمّد [بن أحمد] (16)، عن عليّ بن الحسن التّيميّ، عن محمّد بن عبد اللّه، عن زرارة، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا

____________

(1) روضة الواعظين/ 105.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: حيث.

(4) الاعتقادات/ 96.

(5) الكافي 1/ 306، ح 4.

(6) ن، ت، م، ر: ظاهر.

(7) في المصدر زيادة: أو أخير.

(8) نفس المصدر/ 307، ح 5.

(9) ن: ظاهر.

(10) ليس في ي.

(11) نفس المصدر/ 307، ح 6.

(12) ن، ت، م، ر: ظاهر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: بعض.

(14) ليس في ق، ش.

(15) الكافي 8/ 366، ح 556.

(16) من المصدر.

380

عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ لرجل من الشّيعة: أنتم أهل الرّضا عن اللّه برضاه عنكم، و الملائكة إخوانكم في الخير، فإذا اجتهدتم‏ (1) ادعوا، و إذا غفلتم اجهدوا، و أنتم خير البريّة، دياركم لكم جنّة، و قبوركم لكم جنّة، للجنّة خلقتم، و في الجنّة نعيمكم، و إلى الجنّة تصيرون. (الحديث)

و في محاسن البرقيّ‏ (2): عنه، عن يعقوب بن يزيد، عن بعض الكوفيّين، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال: هم شيعتنا، أهل البيت.

و في كتاب سعد السّعود (3) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: من كتاب محمّد بن العبّاس ابن مروان في تفسير قوله- تعالى-: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ و أنّها في مولانا عليّ- (عليه السلام)- و شيعته، رواه مصنّف الكتاب من نحو ستّة و عشرين طريقا أكثرها من رجال الجمهور، و نحن نذكر منها طريقا واحدة بلفظها:

حدّثنا أحمد بن محمّد (4) المحدو (5) قال: حدّثنا الحسن‏ (6) بن عبيد بن عبد الرّحمن الكندي، قال: حدّثني محمّد بن سكين‏ (7)، قال: حدّثني خالد بن السّري‏ (8) الأودي‏ (9) قال: حدّثني النّضر بن الياس، قال: حدّثني عامر بن واثلة قال: خطبنا أمير المؤمنين على منبر الكوفة، و هو اجيرات‏ (10) مجصّص، فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر اللّه بما (11) هو أهله و صلى على نبيّه.

ثمّ قال: يا أيّها النّاس، سلوني، فو اللّه‏ (12) لا تسألوني عن‏ (13) آية من كتاب اللّه إلّا حدّثتكم عنها، متى‏ (14) نزلت بليل أو بنهار أو في مقام [أو في سفر] (15) أم في سهل أم في‏

____________

(1) المصدر: جهدتم.

(2) المحاسن/ 171، ح 140.

(3) سعد السّعود/ 108- 109.

(4) في ن زيادة: بن.

(5) ق، م، المصدر: المحدود.

(6) ن: الحسين.

(7) المصدر: سليمان.

(8) المصدر: السّيري.

(9) ق، ش: الأوذي.

(10) المصدر: ...

(11) المصدر: لما.

(12) المصدر: فو اللّه فو اللّه.

(13) المصدر: من.

(14) المصدر: بمن.

(15) ليس في المصدر.

381

جبل، و في من نزلت أ في مؤمن أو منافق، و ما عني بها، أ خاصّ أم عامّ. و لئن فقدتموني، لا يحدّثكم أحد حديثي.

فقام إليه ابن الكوّاء، فلمّا بصر به قال: متعنّتا لا تسأل تعلّما، هات سل، فإذا سألت فاعقل ما تسأل عنه.

فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.

فسكت أمير المؤمنين، فأعادها عليه ابن الكوّاء، فسكت، فأعادها الثّالثة (1).

فقال عليّ- (عليه السلام)- و رفع صوته: ويحك يا ابن الكوّاء، أولئك نحن و أتباعنا، يوم القيامة غرّا محجّلين‏ (2)، روّاء (3) مرويّين يعرفون بسيماهم.

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ‏: استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم.

وَ رَضُوا عَنْهُ‏: لأنّه بلّغهم أقصى أمانيّهم.

ذلِكَ‏، أي: المذكور من الجزاء و الرّضوان.

لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏ (8): فإنّ الخشية ملاك الأمر، و الباعث على كلّ خير.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ‏، يريد (5) رضي‏ (6) أعمالهم.

وَ رَضُوا عَنْهُ‏ رضوا (7) بثواب اللّه. ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏، يريد: لمن خاف‏ (8) ربّه و تناهى عن معاصي اللّه.

و في روضة الكافي‏ (9): أحمد بن محمّد [بن أحمد] (10)، عن عليّ بن الحسن التّيميّ، عن محمّد بن عبد اللّه، عن زرارة، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول لرجل من الشّيعة: أنتم أهل الرّضاء عن اللّه برضاه عنكم، و الملائكة إخوانكم في الخير، فإذا اجتهدتم‏ (11) ادعوا، و إذا غفلتم اجهدوا، و أنتم خير

____________

(1) المصدر: ثلاثا.

(2) المصدر: غرّ المحجّلين.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: رواه.

(4) تفسير القمّي 2/ 432.

(5) ليس في ق.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: رضاء.

(7) ليس في ق، ش، ت، ن.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يخاف.

(9) الكافي 8/ 366، ح 556.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: جهدتم.

382

البريّة، دياركم لكم جنّة، و قبوركم لكم جنّة، للجنّة خلقتم، و في الجنّة نعيمكم، و إلى الجنّة تصيرون. (الحديث)

و في شرح الآيات الباهرة (1): و لهذا السّورة تأويل ظاهر و باطن، فالظّاهر ظاهر، و أمّا الباطن فهو ما رواه محمّد بن خالد البرقيّ، مرفوعا: عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏ في قوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ‏ قال: هم مكذّبو الشّيعة، لأنّ الكتاب هو الآيات و أهل الكتاب الشّيعة.

و قوله: وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ‏، يعني: المرجئة.

حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ قال: يتّضح لهم الحقّ.

و قوله: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ‏، يعني: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، يعني: يدلّ على أولي الأمر من بعده، و هم الأئمّة- (عليهم السلام)- و هم الصّحف المطهّرة.

و قوله: فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، أي: عندهم الحقّ المبين.

و قوله: وَ ما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏، يعني: مكذّبو الشّيعة.

و قوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ، أي: من بعد ما جاءهم الحقّ. وَ ما أُمِرُوا هؤلاء الأصناف. إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ و الإخلاص: الإيمان باللّه و رسوله و الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و قوله: وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ فالصّلاة و الزّكاة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ قال: هي فاطمة- (عليها السلام)-.

و قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ قال: الّذين آمنوا باللّه و رسوله و بأولي الأمر، و أطاعوهم بما أمروهم به، فذلك هو الإيمان و العمل الصّالح.

و قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

[اللّه‏] (2) راض عن المؤمن في الدّنيا و الآخرة، و المؤمن و إن كان راضيا عن اللّه فإنّ في قلبه ما فيه لما يرى في هذه الدّنيا من التّمحيص، فإذا عاين الثواب يوم القيامة رضي عن اللّه الحقّ‏ (3) حقّ الرّضا، و هو قوله: وَ رَضُوا عَنْهُ‏.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 829- 830، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) يوجد في ي، ر، المصدر.

383

و قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏، أي: أطاع ربّه‏ (1).

و قد روى ابن أسباط (2)، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ قال: إنّما هو و (3) ذلك دين القائم.

قال: و قد جاء في تأويل‏ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أحاديث:

منها (4): ما رواه محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن محمّد الورّاق، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن أبي عبد اللّه، عن مصعب بن سلام، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في مرضه الّذي قبض فيه لفاطمة: يا بنيّة بأبي أنت و أمّي، أرسلي إلى بعلك فادعيه لي.

فقالت فاطمة للحسن‏ (5)- (عليه السلام)-: انطلق إلى أبيك، فقال له: إنّ جدّي يدعوك.

فانطلق إليه الحسن فدعاه، فأقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حتّى دخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فاطمة عنده، و هي تقول: وا كرباه لكربك، يا أبتاه.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا كرب على أبيك بعد اليوم، يا فاطمة.

إنّ النّبيّ لا يشقّ عليه الجيب، و لا يخمّش عليه الوجه، و لا يدعى عليه بالويل، و لكن قولي، كما قال أبوك على إبراهيم: «تدمع العين و قد يوجع القلب، و لا نقول‏ (6) ما يسخط الرّبّ، و إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون» و لو عاش إبراهيم، لكان نبيّا.

ثمّ قال: يا عليّ، ادن منّي. فدنا منه، فقال: أدخل أذنك في فمي. ففعل، فقال: يا أخي، ألم تسمع قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ؟

قال: بلى، يا رسول اللّه.

قال: هم أنت و شيعتك، تجيئون‏ (7) غرّا محجّلين شباعا مرويّين. ألم تسمع قول اللّه في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا- إلى قوله-: هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ؟

____________

(1) ليس في ق.

(2) نفس المصدر/ 831، ح 2.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر/ 832- 833، ح 5.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: للحسين.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تقولي.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تجوز.

384

قال: بلى، يا رسول اللّه.

قال: هم أعداؤك و شيعتهم. يجيئون يوم القيامة مسودّة وجوههم ظماء مظمّئين أشقياء معذّبين كفّارا منافقين، ذاك لك و لشيعتك، و هذا لعدوّك‏ (1) و شيعتهم.

و منها (2): ما رواه: أيضا، عن جعفر بن محمّد الحسنيّ و محمّد بن أحمد الكاتب قالا: حدّثنا محمّد بن عليّ بن خلف، عن أحمد بن عبد اللّه، عن معاوية، عن عبد اللّه بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، أبي‏ (3) رافع، أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال لأهل الشورى‏ (4): أنشدكم باللّه، هل تعلمون يوم أتيتكم و أنتم جلوس مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: هذا أخي قد أتاكم، ثمّ التفت إلى الكعبة و قال: و ربّ الكعبة المبنيّة، إنّ هذا و شيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثمّ أقبل عليكم و قال: أما إنّه أوّلكم إيمانا، و أقومكم بأمر اللّه، و أوفاكم بعهد اللّه، و أقضاكم‏ (5) بحكم اللّه، و أعدلكم في الرّعيّة، و أقومكم و أقسمكم بالسّويّة، و أعظمكم عند اللّه مزيّة، فأنزل اللّه‏ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ فكبّر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كبّرتم و هنّأتموني بأجمعكم، فهل تعلمون أنّ ذلك كذلك؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

ثمّ قال: و لا شكّ أنّ من نظر بعين البصيرة رأى عين اليقين، أن محمّد و أهل بيته- صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين- هم خير البريّة أجمعين‏ (6)، و قد قامت بذلك الأدلّة الواضحة و البراهين، و لو لم يكن إلّا هذه الآية الكريمة لكفت فضلا، دع سائر الآيات المنزلة في الكتاب المبين.

هذا مع ما ورد من الأخبار في أنّهم أفضل الخلق ما لا يحصى كثرة، و لنورد الآن منها خبرا فيه كفاية عنها:

و هو ما رواه‏ (7) الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن بابويه، بإسناد يرفعه إلى أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: افتخر إسرافيل على‏

____________

(1) ق، ش، م: لعدوّهم.

(2) نفس المصدر/ 832، ح 6.

(3) ليس في ن.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ري.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أفضلكم.

(6) ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر/ 834، ح 7.

385

جبرئيل فقال: أنا خير منك.

فقال: و لم أنت خير منّي؟

قال: لأنّي صاحب الثّمانية حملة العرش، و أنا صاحب النّفخة في الصّور، و أنا أقرب الملائكة إلى اللّه.

فقال له جبرئيل: أنا خير منك.

فقال إسرافيل: و بماذا أنت خير منّي؟

قال: لأنّي أمين اللّه على وحيه و رسوله إلى الأنبياء و المرسلين، و أنا صاحب الخسوف و القرون، و ما أهلك اللّه أمّة من الأمم إلّا على يدي.

فاختصما إلى اللّه، فأوحى إليهما: اسكتا، فو عزّتي و جلالي، لقد خلقت من هو خير منكما.

قالا: يا ربّ، و تخلق من هو خير منّا و نحن خلقتنا من نور؟

فقال اللّه- تعالى-: نعم. و أوحى اللّه إلى حجب القدرة انكشفي. فانكشفت، فإذا على ساق العرش: لا إله إلّا اللّه، محمّد (1) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين خير خلق اللّه.

فقال جبرئيل: يا ربّ، فأسألك بحقّهم عليك أن تجعلني خادمهم.

فقال اللّه- تعالى-: قد فعلت. فجبرئيل من أهل البيت، و إنّه لخادمنا.

____________

(1) في المصدر زيادة: رسول اللّه.

387

سورة الزّلزلة

قيل: مدنيّة.

و قيل: مكّيّة.

و آيها ثمان أو تسع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تملّوا من قراءة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ‏ فإنّ من كانت قراءته في نوافله، لم يصبه اللّه بزلزلة أبدا و لم يمت بها، و لا بصاعقة، و لا بآفة من آفات الدّنيا. فإذا مات امر به إلى الجنّة، فيقول اللّه: عبدي أبحتك جنّتي، فاسكن منها حيث شئت و هويت، لا ممنوعا و لا مدفوعا.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، فكأنّما قرأ البقرة، و اعطي من الأجر كمن قرأ ربع القرآن.

و عن أنس بن مالك‏ (3) قال: سأل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجلا من أصحابه، فقال: يا فلان، هل تزوّجت؟

قال: لا، و ليس عندي ما أتزوّج به.

قال: أليس معك‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؟

____________

(1) ثواب الأعمال/ 152، ح 1.

2 و 3- المجمع 5/ 524.

388

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، قال: أليس معك‏ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ‏؟

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، قال: أليس معك إذا زلزلت؟

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، ثمّ قال: تزوّج تزوّج تزوّج.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لا تملّوا من قراءة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها فإنّه من كانت قراءته بها [في نوافله‏] (2) لم يصبه اللّه بزلزلة أبدا و لم يمت بها، و لا بصاعقة، و لا بآفة من آفات الدّنيا حتّى يموت. و إذا مات، نزل عليه ملك كريم من عند ربّه، فيقعد عند رأسه، فيقول: يا ملك الموت، ارفق بوليّ اللّه، فإنّه كان كثيرا ما يذكرني و يذكر تلاوة هذه السّورة. و تقول له السّورة مثل ذلك. و يقول ملك الموت: قد أمرني ربّي أن أسمع له و أطيع، و لا اخرج روحه حتّى يأمرني بذلك، فإذا أمرني أخرجت روحه. و لا يزال ملك الموت عنده حتّى يأمره بقبض روحه، إذا كشف له الغطاء فيرى منازله في الجنّة، فيخرج روحه في ألين ما يكون من العلاج، ثمّ يشيّع روحه إلى الجنّة سبعون ألف ملك يبتدرون بها إلى الجنّة.

إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (1): اضطرابها المقدّر لها عند النّفخة الأولى، أو الثّانية. أو الممكن لها. أو اللّائق بها في الحكمة.

و قري‏ء (3) بالفتح، و هو اسم الحركة. و ليس‏ (4) في الأبنيّة فعلال إلّا في المضاعف.

وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2): ما في جوفها من الدّفائن أو الأموات، جمع ثقل، و هو متاع البيت.

وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها (3).

قيل‏ (5): لما يبهرهم من الأمر الفظيع.

____________

(1) الكافي 2/ 626، ح 24.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) أنوار التنزيل 2/ 571.

(4) لا يوجد في ق.

(5) نفس المصدر و الموضع.

389

و قيل‏ (1): المراد بالإنسان: الكافر، فإنّ المؤمن يعلم مالها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها قال: من النّاس. وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها قال: ذلك أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى تميم بن حاتم‏ (4) قال: كنّا مع عليّ- (عليه السلام)- حيث توجّهنا إلى البصرة، قال: فبينما نحن نزول إذ اضطربت الأرض، فضربها عليّ- (عليه السلام)- بيده الشّريفة (5) و قال لها: مالك؟ ثمّ أقبل علينا بوجهه الكريم‏ (6)، ثمّ قال لنا: أما إنّها لو كانت الزّلزلة الّتي ذكرها اللّه في كتابه العزيز لأجابتني، و لكنّها ليست بتلك.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن صالح، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بكر الحضرميّ، عن تميم بن حاتم مثل ما في كتاب العلل بتغيير يسير غير مغيّر للمعنى المقصود.

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ‏ قيل‏ (8): تحدّث الخلق بلسان الحال.

أَخْبارَها (4): ما لأجله زلزالها، و إخراجها.

و قيل‏ (9): ينطقها اللّه فتخبر بما عمل عليها.

و «يومئذ» بدل من «إذا»، و ناصبها «تحدّث» أو أصل‏ (10)، و «إذا» منتصب بمضمر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (11)، بإسناده إلى هارون بن خارجة رفعه: عن فاطمة- (عليها السلام)- قالت‏ (12): أصاب النّاس زلزلة على عهد أبي بكر، ففزع النّاس إلى أبي بكر

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 2/ 433.

(3) العلل/ 555، ح 5.

(4) المصدر: جذيم. و قد اختلف في ضبطها بين حذيم، و خزيم و حذلم فراجع تنقيح المقال 1/ 186.

5 و 6- ليس في المصدر.

(7) الكافي 8/ 255- 256، ح 366.

8 و 9 أنوار التنزيل 2/ 571.

(10) أي: ليس «يومئذ» ببدل، فيكون العامل فيه غير العامل في «إذا». و إذا كان العامل في‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ‏ يحتاج «إذا» إلى عامل يكون جواب الشّرط، و هو من جنس المذكور أو مناسبة.

(11) العلل/ 556، ح 8.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

390

و عمر، فوجدوهما قد خرجا إلى عليّ- (عليه السلام)- فزعين، فتبعهما النّاس إلى أن انتهوا إلى باب عليّ- (عليه السلام)-، فخرج عليهم عليّ- (عليه السلام)- غير مكترث لما هم فيه، فمضى و اتّبعه النّاس حتّى انتهى إلى تلعة (1) فقعد عليها و قعدوا حوله، و هم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتج جائية و ذاهبة.

فقال لهم عليّ- (عليه السلام)-: كأنّكم قد هالكم ما ترون؟

قالوا: و كيف لا يهولنا و لم نر مثلها قطّ؟! قالت‏ (2): فحرّك شفتيه، ثمّ ضرب الأرض بيده الشريفة (3) ثمّ قال لها: مالك اسكني؟ فسكنت بإذن اللّه، فتعجّبوا من ذلك أكثر من تعجّبهم الأوّل حيث خرج إليهم.

قال لهم: فإنّكم قد عجبتم من صنعي؟

قالوا: نعم.

قال: أنا الرّجل الّذي قال اللّه: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها. فأنا الإنسان الّذي يقول لها: مالك‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها إيّاي تحدّث.

و في مجمع البيان‏ (4): و جاء في الحديث، أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أ تدرون ما أخبارها؟

قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

قال: أخبارها، أن تشهد على كلّ عبد و أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا و كذا، [و يوم كذا و كذا] (5). فهذا أخبارها.

و روى الواحديّ‏ (6)، بإسناده مرفوعا إلى ربيعة الحرشي‏ (7)، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حافظوا على الوضوء، و خير أعمالكم الصّلاة، و تحفّظوا من الأرض فإنّها أمّكم، و ليس فيها أحد يعمل خيرا أو شرّا إلّا و هي مخبرة به.

____________

(1) التلعة: التلّ.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(3) ليس في ق، المصدر.

(4) المجمع 5/ 526.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ق، ش، م: الحرثي.

391

و قال أبو سعيد الخدريّ‏ (1): إذا كنت بالبوادي فارفع صوتك بالأذان، فإنّي سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: لا يسمعه جنّ‏ (2) و لا إنس و لا حجر إلّا يشهد له.

و في الخرائج و الجرائح‏ (3): في روايات الخاصّة روى أبو حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قرأت عند أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إِذا زُلْزِلَتِ‏- إلى أن بلغ قوله-: وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها قال- (عليه السلام)-: أنا الإنسان، و إيّاي تحدّث أخبارها.

و في شرح الآيات الباهرة (4): جاء في معنى تأويلها أحاديث، يظهر منها فضل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و أنّه هو الإنسان الّذي قد يكلّم الأرض [إذا زلزلت‏] (5).

فمنها: ما

رواه محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن الصّباح المزنيّ، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا مع عليّ- (عليه السلام)- و هو يطوف في السّوق فيأمرهم بوفاء الكيل و الوزن، حتّى إذا انتهى إلى باب القصر ركض‏ (6) الأرض‏ (7) برجله فتزلزلت، فقال: هي هي الآن، مالك اسكني؟

و اللّه، إنّي أنا الإنسان الّذي تنبّئه الأرض أخبارها أو رجل منّي.

و روى‏ (8)- أيضا-، عن عليّ بن عبيد اللّه‏ (9) بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن عبيد اللّه‏ (10) بن سليمان النّخعيّ، عن محمّد الخرسانيّ‏ (11)، عن فضيل بن الزّبير قال: إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان جالسا في الرّحبة، فتزلزلت الأرض، فضربها عليّ- (عليه السلام)- [بيده‏] (12) ثمّ قال لها: قرّي، إنّه ما هو قيام، فلو كان ذلك لأخبرتني، و إنّي أنا الّذي تحدّثه الأرض أخبارها، ثمّ قرأ: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ لَها

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في ق.

(3) الخرائج/ 46.

(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 835، ح 1.

(5) ليس في ق، ش، م.

(6) أي: ضرب.

(7) ليس في ق، ش، م، ر.

(8) نفس المصدر/ 836، ح 2.

9 و 10 المصدر: عبد الله.

(11) المصدر: عن محمد بن الخراساني.

(12) من المصدر.

392

. أما ترون أنّها تحدّث عن ربّها.

و روى‏ (1)- أيضا-، عن الحسن بن عليّ بن مهزيار، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن سنان، عن يحيى الحلبيّ، عن عمر بن أبان، عن جابر الجعفيّ قال:

حدّثني تميم بن خزيم‏ (2) قال: كنّا مع عليّ- (عليه السلام)- حيث توجّهنا إلى البصرة، فبينا نحن نزول إذا اضطربت الأرض، فضربها عليّ- (عليه السلام)- بيده، ثمّ قال لها: مالك [اسكني‏] (3)؟ فسكنت، ثمّ أقبل علينا بوجهه [الشريف‏] (4) ثمّ قال لنا: أما إنّها لو كانت الزّلزلة الّتي ذكرها اللّه في كتابه لأجابتني، و لكنّها ليست تلك.

و روى‏ (5) أبو عليّ بن الحسن بن محمّد بن جمهور العمّيّ‏ (6) التميمي قال: حدّثني الحسن بن عبد الرّحيم التّمّار قال: انصرفت من مجلس بعض الفقهاء فمررت على سلمان الشاذكوني، فقال لي: من أين جئت؟

فقلت: جئت من مجلس فلان، يعني: أنا، واضع كتاب الواحدة.

فقال لي: ما ذا قوله‏ (7) فيه؟

قلت: شي‏ء من فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

فقال: و اللّه، لأحدّثنك بفضيلة حدثني بها قرشي [عن قرشيّ‏] (8) إلى أن بلغ ستّة نفر منهم، ثمّ قال: رجفت قبور البقيع على عهد عمر بن الخطّاب، فضجّ أهل المدينة من ذلك، فخرج عمر و أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يدعون لتسكن الرّجفة (9)، فما زالت تزيد إلى أن تعدّى ذلك إلى حيطان المدينة، و عزم أهلها على الخروج عنها.

فعند ذلك قال عمر: عليّ بأبي الحسن، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

فحضر، فقال: يا أبا الحسن، ألا ترى إلى قبور البقيع‏ (10) و رجفها حتّى تعدّى ذلك إلى حيطان المدينة، و قد همّ أهلها بالرّحلة عنها؟

فقال عليّ- (عليه السلام)-: عليّ‏ (11) بمائة من أصحاب رسول اللّه البدريّين. فاختار

____________

(1) نفس المصدر/ 836، ح 3.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 132. و في النسخ: حريم.

3 و 4- من المصدر مع المعقوفتين.

(5) نفس المصدر/ 837- 838، ح 5.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 87. و في ق، ي: التميمي. و في ن، ت: القمّي. و في سائر النسخ: بن القمّي.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تأمله.

8 و 9 ليس في ق، ش.

10 و 11 ليس في ق.

393

من المائة عشرة فجعلهم خلفه، و جعل التّسعين من ورائهم، و لم يبق بالمدينة سوى هؤلاء إلّا حضر حتّى لم يبق بالمدينة ثيّب‏ (1) و لا عاتق إلّا خرجت.

ثمّ دعا بأبي ذرّ و سلمان و مقداد و عمّار فقال لهم: كونوا بين يديّ، حتّى توسّط البقيع و النّاس محدقون به، فضرب الأرض برجله، ثمّ قال: مالك مالك [مالك‏] (2)؟

ثلاثا، فسكنت.

فقال: صدق اللّه و صدق رسوله‏ (3)، لقد أنبأني بهذا الخبر و هذا اليوم و هذه السّاعة و باجتماع النّاس له، إنّ اللّه يقول في كتابه: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها. أما لو كانت هي هي، لقالت مالها و أخرجت إليّ أثقالها. ثمّ انصرف و انصرف النّاس معه، و قد سكنت الرّجفة.

بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ لَها (5)، أي: تحدّث بسبب إيحاء ربّك لها بأن أحدث فيها ما دلّت على الأخبار، أو أنطقها بها.

و يجوز أن يكون بدلا من «أخبارها»، إذ يقال: حدّثته كذا و بكذا.

و اللّام بمعنى: «إلى» أو على أصلها، إذ لها في ذلك تشفّ من العصاة (4).

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ‏: من مخارجهم، من القبور إلى الموقف.

أَشْتاتاً: متفرّقين بحسب مراتبهم.

لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ‏ (6): جزاء أعمالهم‏ (5).

و قرئ‏ (6) بفتح الياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قوله: أَشْتاتاً قال: يجيئون أشتاتا مؤمنين و كافرين و منافقين. لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ‏ [قال: يقفوا] (8) على ما فعلوه.

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ (8):

تفصيل «ليروا» و لذلك قرئ‏ (9): «يره» بالضّمّ.

____________

(1) يوجد في ن، ي، المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في ق.

(4) أي: اللّام الّذي يدلّ على النّفع لأجل أن في ذلك تشفّيا لها من العصاة.

(5) ليس في ق.

(6) أنوار التنزيل 2/ 571.

(7) تفسير القمّي 2/ 433.

(8) ليس في ق، ش.

(9) أنوار التنزيل 2/ 571.

394

و قرأ (1) هشام بإسكان الهاء.

قيل‏ (2): و لعلّ حسنة الكافر [و سيّئة] (3) المجتنب عن الكبائر تؤثّران في نقص الثّواب و العقاب.

و قيل‏ (4): الآية مشروطة بعدم الإحباط و المغفرة. أو «من» الأولى مخصوصة بالسّعداء، و الثّانية بالأشقياء (5)، لقوله: «أشتاتا».

و «الذّرّة» النّملة الصّغيرة، أو الهباء.

و في توحيد المفضل بن عمر (6): عن جعفر بن محمّد في الرّدّ على منكري الصّانع:

الحمد للّه مدبر الأدوار و معيد الأكوار، طبقا عن طبق و عالما بعد عالم‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏ (7) عدلا منه- تقدّست أسماؤه، و جلّت آلاؤه- و لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏، يشهد بذلك قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ في نظائر لها في كتابه.

و في مجمع البيان‏ (8): في بعض الرّوايات، عن الكسائيّ‏ خيرا يره و شرا يره بضمّ الياء فيهما، و هو رواية أبان بن عاصم، أيضا، و هي قراءة عليّ- (عليه السلام)-.

و عن أبي عثمان المازنيّ‏ (9)، عن أبي عبيدة قال: قدم صعصعة بن ناجية، جدّ الفرزدق على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في وفد بني تميم، فقال: بأبي أنت و أمّي، يا رسول اللّه، أوصني خيرا.

قال: أوصيك بأمّك و أبيك و ادانيك‏ (10).

قال: زدني، يا رسول اللّه.

قال: احفظ ما بين لحييك و رجليك. ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما شي‏ء بلغني عنك فعلته؟

فقال: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأيت النّاس يموجون على غير وجه و لم‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 571.

(3) ليس في ق. و في م زيادة: الكافر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: للأشقياء.

(6) توحيد المفضّل/ 50.

(7) النجم/ 31.

(8) المجمع 5/ 525.

(9) نفس المصدر 527.

(10) أي: أقاربك.

395

أدر أين الصّواب، غير أنّي علمت أنّهم ليسوا عليه، فرأيتهم يئدون بناتهم، فعرفت أنّ اللّه لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون و فديت ما قدرت.

و في رواية أخرى: أنّه سمع‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ فقال: حسبي، ما أبالي أن [لا] (1) أسمع من القرآن غير هذا.

و قال عبد اللّه بن مسعود (2): أحكم آية في القرآن‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليسمّيها:

الجامعة.

و في روضة الكافي‏ (3)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليه السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا، يقول فيه: و اعلم يا ابن آدم، أنّ وراء هذا أعظم و أفظع و أوجع للقلوب يوم القيامة، يوم لا تقال فيه عثرة، و لا يؤخذ من أحد فدية، و لا تقبل من أحد معذرة، و لا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلّا الجزاء بالإحسان و الجزاء بالسّيّئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدّنيا مثقال ذرّة من خير وجده، و من كان من المؤمنين عمل في هذه الدّنيا مثقال ذرّة من شرّ وجده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏ [يقول: إن كان من أهل النّار، و قد كان عمل في الدّنيا مثقال ذرة خيرا، يره‏] (5) يوم القيامة حسرة أنّه كان عمله لغير اللّه.

وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ يقول: إن كان من أهل الجنّة، رأى ذلك الشرّ يوم القيامة ثمّ غفر [اللّه- تعالى-] (6) له.

و في الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (8)، [عن محمّد] (9) بن عليّ، عن محمّد بن عمر بن يزيد قال: أخبرت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّي أصبت بابنين و بقي لي بنيّ صغير.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 527.

(3) الكافي 8/ 73- 74، ح 29.

(4) تفسير القمّي 2/ 433- 434.

(5) ليس في ن.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 4/ 4، ح 10.

(8) المصدر: أبي عبد اللّه.

(9) ليس في ن.

396

فقال: تصدّق عنه، ثمّ قال حين حضر قيامي: مر الصبيّ فليتصدّق بيده بالكسرة و القبضة و الشي‏ء و إن قلّ، فإنّ كلّ شي‏ء يراد به اللّه و إن قلّ بعد أن تصدق النيّة فيه عظيم. إن اللّه- تعالى- يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (1)، بإسناده إلى مسمع بن عبد الملك: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه: إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، و أنّه لينظر إلى أزواجه في الجنّة يتنعّمن.

____________

(1) الكافي 2/ 272، ح 19.

397

سورة و العاديات‏

مكّيّة.

و آيها إحدى عشرة بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة العاديات و أدمن قراءتها، بعثه اللّه مع أمير المؤمنين يوم القيامة خاصّة، و كان في حجره و رفقائه.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، أعطي، من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة و شهد جمعا (3).

وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً (1).

قيل‏ (4): أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحا، و هو صوت أنفاسها عند العدو.

و نصبه بفعله المحذوف، أو بالعاديات، فإنّها تدلّ بالالتزام على الضّابحات. أو ضبحا حال، بمعنى: ضابحة.

فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (2): فالّتي توري النّار قدحا. و «الإيراء» إخراج النّار، يقال: قدح الزّند فأورى.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 152- 153، ح 1.

(2) المجمع 5/ 527.

(3) أي: عرفة.

(4) أنوار التنزيل 2/ 572.

398

فَالْمُغِيراتِ‏: يغير أهلها على العدوّ.

صُبْحاً (3)، أي: في وقته.

فَأَثَرْنَ بِهِ‏: فهيّجن بذلك الوقت.

نَقْعاً (4): غبارا. أو صياحا.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً قيل: هي الخيل في الغزو تعدو في سبيل اللّه- إلى قوله-: هي الإبل حين ذهبت‏ (2) إلى غزوة بدر تمدّ أعناقها في السّير، فهي تضبح، [أي تضبع‏ (3)] (4) روي‏ (5) ذلك عن عليّ- (عليه السلام)-.

و روي‏ (6)- أيضا- أنّها إبل الحاجّ تعدو من عرفة إلى المزدلفة، و من المزدلفة إلى منى.

اختلفت الرّوايات فيه، فروي عن أبي صالح أنّه قال: قاولت فيه عكرمة.

فقال [عكرمة] (7): قال ابن عبّاس: هي الخيل في القتال.

فقلت أنا: قال عليّ- (عليه السلام)-: هي الإبل في الحجّ. و قلت: مولاي أعلم من مولاك.

و في رواية أخرى‏ (8)، أنّ ابن عبّاس قال: هي الخيل. ألا تراه قال: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً. فهل تثيره‏ (9) إلّا بحوافرها، و هل تضبح الإبل؟ إنّما تضبح الخيل.

فقال عليّ‏ (10)- (عليه السلام)-: ليس كما قلت، لقد رأيتنا يوم بدر و ما معنا إلّا فرس أبلق للمقداد بن الأسود.

و في رواية أخرى‏ (11) لمرثد بن أبي مرثد الغنويّ: و روي عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّه قال: بينما أنا في الحجر (12) جالس، إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحا.

فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل اللّه، ثمّ تأوي إلى اللّيل فيصنعون طعامهم‏

____________

(1) المجمع 5/ 528.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ذهب.

(3) كذا في المصدر. و في ن، ت، م، ي، ر:

تصبغ.

(4) ليس في ق، ش.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) من المصدر.

(8) مجمع البيان 5/ 529.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ينشره.

(10) ليس في ق، ش، ن، ت.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) المصدر: الحجرة.

399

و يورون نارهم.

فانفتل‏ (1) عنّي و ذهب إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و هو تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحا.

فقال: سألت عنها أحدا قبلي؟

قال: نعم، سألت عنها ابن عبّاس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل اللّه.

قال: فاذهب، فادعه لي.

فلمّا وقف على رأسه قال: تفتي النّاس بما لا علم لك به، و اللّه، إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام بدر، و ما كان‏ (2) معنا إلّا فرسان: فرس للزّبير و فرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات الخيل؟! [بل‏] (3) العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى مزدلفة، [و من مزدلفة] (4) إلى منى.

قال ابن عبّاس‏ (5): فنزعت‏ (6) عن قولي و رجعت إلى الّذي قاله عليّ- (عليه السلام)-.

فَوَسَطْنَ بِهِ‏: فتوسّطن‏ (7) بذلك الوقت. أو بالعدوّ. أو بالنّقع، أي: متلبّسات به.

جَمْعاً (5): من جموع الأعداء.

و قيل‏ (8): يحتمل أن يكون القسم بالنّفوس العاديات‏ (9) أثر كما لهنّ، الموريات بأفكارهنّ أنوار المعارف، و المغيرات على الهوى و العادات إذا ظهر لهنّ مثل أنوار القدس‏ (10)، فأثرن به شوقا، فوسطن به جمعا [من جموع العلّييّن‏] (11).

____________

(1) انفتل: التوى و انصرف.

(2) المصدر: كانت.

3 و 4- من المصدر.

(5) في ق زيادة: قال.

(6) المصدر: فرغبت.

(7) ليس في ق.

(8) أنوار التنزيل 2/ 572.

(9) ن، ت، ي، ر، المصدر: العادية.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: مثل مبدأ أنوار القدس.

(11) من ت، ي، ن، ر. و فيها زيادة: و في مجمع البيان فأثرن به نقعا.

قال: يعني الخيل فآثرون بالوادي نقعا فوسطن به جمعا.

و لا يوجد في المجمع مثلها.

و في جميع النسخ: زيادة اخرى ليست في نفس المصدر و هي: قد شهدا جميعا وادي اليابس.

400

و في شرح الآيات الباهرة (1): روى محمّد بن العبّاس، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد، عن أبان بن عثمان، عن عمر بن دينار، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أقرع بين أهل الصّفّة، فبعث منهم ثمانين رجلا إلى بني سليم و أمّر عليهم أبا بكر، فسار إليهم فلقيهم قريبا من الحرّة، و كانت أرضهم أسنة (2) كثيرة (3) الحجارة و الشّجر (4) ببطن الوادي، و المنحدر إليهم صعب، فهزموه و قتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة. فلمّا قدموا على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عقد لعمر بن الخطّاب و بعثه، فكمن له بنو سليم بن الحجارة و تحت الشّجر (5)، فلمّا ذهب ليهبط خرجوا عليه ليلا فهزموه حتّى بلغ جنده سيف البحر، فرجع عمر منهزما.

فقام عمرو بن العاص إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أنا لهم، يا رسول اللّه، ابعثني إليهم. فقال له خذ في شأنك. فخرج إليهم، فهزموه‏ (6) و قتل من أصحابه [ما شاء اللّه‏] (7).

قال: و مكث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أيّاما يدعو عليهم‏ (8). ثمّ أرسل بلالا، و قال: ائتني ببردي النّجرانيّ و قبائي الخطّيّة. ثمّ دعا عليّا- (عليه السلام)- فعقد له. ثمّ قال: أرسلته كرّارا غير فرّار. ثمّ قال: اللّهمّ، إن كنت تعلم أنّي رسولك فاحفظني فيه، و افعل به و افعل، فقال له من ذلك ما شاء اللّه.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و كأنّي أنظر إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [شيّع عليّا- (عليه السلام)-] (9) عند مسجد الأحزاب، و عليّ- (عليه السلام)- على فرس أشقر مهلوب‏ (10)، و هو يوصيه.

قال: فسار و توجّه نحو العراق حتى ظنّوا أنّه يريد بهم [غير ذلك الوجه، فسار بهم‏] (11) حتّى استقبل الوادي من فمه، و جعل يسير [في‏] (12) اللّيل و يكمن النّهار حتّى إذا

____________

(1) تأويل الآيات 2/ 841- 843، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أشنة. و أسنة أي: ذات ماء آسن و هو الماء الّذي تغيّر لونه.

(3) ت، ي، ر: كثير.

4 و 5- ق، ش: الشجرة.

(6) ليس في ق، ش، م.

(7) ليس في ق، ش.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: إليهم.

(9) من المصدر.

(10) فرس مهلوب، أي: مستأصل شعر الذّنب.

(11) ليس في ق.

(12) من المصدر مع المعقوفتين.

401

دنا من القوم أمر أصحابه أن يطعموا (1) الخيل و أوقفهم مكانا، و قال: لا تبرحوا مكانكم.

ثمّ سار أمامهم.

فلمّا رأى عمرو بن العاص ما صنع و ظهرت‏ (2) آية الفتح قال لأبي بكر: إنّ هذا شابّ حدث، و أنا أعلم بهذه البلاد منه، و هاهنا عدوّ هو أشدّ علينا من بني سليم، الضّباع و الذّئاب‏ (3)، فإن خرجت علينا نفّرت بنا و خشيت أن تقطّعنا، فكلّمه يخلّي عنّا نعلو الوادي.

قال: فانطلق [أبو بكر] (4) و كلّمه و أطال، فلم يجبه حرفا، فرجع إليهم فقال: لا [و اللّه‏] (5) ما أجاب إليّ حرفا.

فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطّاب: انطلق إليه لعلّك أقوى عليه من أبي [بكر] (6).

قال: فانطلق عمر، فصنع به ما صنع بأبي بكر، [فرجع‏] (7) فأخبرهم أنّه لم يجبه حرفا.

فقال أبو بكر: لا و اللّه، لا نزول من مكاننا، أمرنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن نسمع لعليّ- (عليه السلام)- و نطيع.

قال: فلمّا أحسّ عليّ- (عليه السلام)- بالفجر أغار عليهم فأمكنه اللّه من ديارهم، فنزلت‏ وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً إلى قوله: جَمْعاً.

قال فخرج [رسول اللّه‏] (8)- (صلّى اللّه عليه و آله)- (9) و هو يقول: صبّح عليّ، و اللّه، جمع القوم. ثمّ صلّى و قرأ بها. فلمّا كان اليوم الثّالث قدم عليّ- (عليه السلام)- المدينة، و قد قتل من القوم عشرين و مائة فارس و سبي عشرين و مائة (10) ناهد (11).

إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6): لكفور. من كند النّعمة كنودا. أو لعاص،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أن يطعنوا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ظهر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الذّباب.

(4) من المصدر مع المعقوفتين.

5 و 6- ليس في ق.

(7) من المصدر.

(8) من المصدر.

(9) ق، ش: عليّ- (عليه السلام).

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «سبعمائة و عشرين.

(11) النّاهد: المرأة الّتي نهد ثديها.

402

بلغة كندة. أو لبخيل، بلغة بني مالك. و هو جواب القسم.

وَ إِنَّهُ عَلى‏ ذلِكَ‏: و إنّ الإنسان على كنوده‏ لَشَهِيدٌ (7): يشهد على نفسه لظهور أثره عليه. أو أنّ اللّه على كنوده لشهيد، فيكون وعيدا.

وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ: المال. من قوله: «إن ترك خيرا».

لَشَدِيدٌ (8): لبخيل. أو لقويّ مبالغ فيه.

و في شرح الآيات الباهرة (1): روى محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قوله- تعالى-: وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً. قال:

ركض الخيل في قتالها (2).

فَالْمُورِياتِ قَدْحاً. قال: توري و قد (3) النّار من حوافرها.

فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً. قال: أغار عليهم عليّ- (عليه السلام)- صباحا.

فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً. قال: أثّر بهم عليّ- (عليه السلام)- و أصحابه [الجراحات حتّى استنقعوا في دمائهم.

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً قال: توسّط عليّ- (عليه السلام)- و أصحابه‏] (4) ديارهم.

إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ قال: إنّ فلانا لربّه لكنود.

وَ إِنَّهُ عَلى‏ ذلِكَ لَشَهِيدٌ قال: إنّ اللّه شهيد على ذلك.