
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
الجزء الثاني
تأليف
محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
18
و قد توفّي موسى و هرون فيها، على ما مرّ سابقا. (1) سُجَّداً، اي: مخبتين. أو ساجدين للّه، شكرا على إخراجهم من التّيه.
وَ قُولُوا حِطَّةٌ، أي: مسألتنا. أو أمرت حطّة. و هي فعلة من الحطّ (2)، كالجلسة.
و قرئ بالنّصب، على الأصل، بمعنى: حطّ عنّا (3) ذنوبنا، حطّة.
قال البيضاويّ (4): أو على أنّه مفعول «قولوا»، أي: قولوا هذه الكلمة.
و فيه (5): أنّه لا يكون مفعول القول، إلّا جملة مفيدة، أو مفردا يفيد معناها (6). كقلت شعرا. فالصّواب أن يقال حينئذ: معناه «قولوا أمرا حاطّا لذنوبكم.» و قيل (7): معناه: أمرنا حطّة، أي: أن نحطّ في هذه القرية. و نقيم بها.
و في عيون الأخبار (8)، بإسناده إلى الحسن بن خالد، عن الرّضا، عليّ بن موسى- (عليهما السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لكلّ. أمّة صدّيق و فاروق. و صدّيق هذه الأمّة و فاروقها، عليّ بن أبي طالب. إنّ عليّا (9) سفينة نجاتها و باب حطّتها.
و في كتاب الخصال (10)، في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها، قال عليّ- (عليه السلام): و أمّا العشرون: فإنّي سمعت رسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول [لي] (11): مثلك في أمّتي، مثل باب حطّة في بني إسرائيل. فمن دخل [في] (12) ولايتك، فقد دخل الباب، كما أمره اللّه- عزّ و جلّ.
و فيه (13)، يقول أمير المؤمنين في حديث طويل و نحن باب حطّة.
و في كتاب التّوحيد (14)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبة: أنا باب حطّة.
____________
(1) يأتي عن تفسير القمي، في تفسير سورة المائدة- إن شاء اللّه.
(2) العبارة الأخيرة، ليس في أ.
(3) أ: منّا
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 58.
(6) يوجد في أ.
(7) نفس المصدر.
(8) عيون أخبار الرضا- 2/ 12، صدر ح 30.
(9) المصدر: إنّه.
(10) الخصال/ 574.
(11) يوجد في المصدر.
(12) يوجد في المصدر.
(13) نفس المصدر.
(14) التوحيد 164- 165، ضمن ح 2.
17
وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ أجمع (1) المفسرون على أنّ المراد بالقرية هاهنا، بيت المقدس. و يؤيّده قوله في موضع آخر: ادخلوا الأرض المقدّسة.
و قال ابن زيد: إنّها أريحا، قرية قريب بيت المقدس. و كان فيها بقايا من قوم عاد: و هم العمالقة. و رأسهم عوج بن عنق. (2) أمروا به بعد التّيه.
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا بما شئتم، من أنواع طعام القرية.
و قيل (3): إنّ هذه إباحة لهم منه، لغنائمها و تملّك أموالها، إتماما للنّعمة عليهم.
و نصبه على المصدر، أو على الحال من الواو.
وَ ادْخُلُوا الْبابَ؛ أي: باب القرية الّتي أمروا بدخولها.
و قيل (4): باب القبّة الّتي كانوا يصلّون إليها.
و قيل (5): باب حطّة، من بيت المقدس. و هو الباب الثّامن.
و رجّح البيضاويّ (6) الاحتمالين الأوّلين، بأنّهم لم يدخلوا بيت المقدس، في حياة موسى (عليه السلام).
و فيه (7): إنّهم أمروا بدخول الباب، بعد خروجهم من التّيه.
____________
(1) أ: جمع
(2) ر. مجمع البيان 1/ 118.
(3) نفس المصدر 1/ 119.
(4) أنوار التنزيل 1/ 58
(5) مجمع البيان 1/ 119.
6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 58.
23
«الانفجار»: الانشقاق. و الانبجاس أضيق منه. فيكون أوّلا انبجاس، ثمّ يصير انفجارا. أو الانبجاس عند الحاجة إليه. و الانفجار عند الاحتياج إليه. أو الانبجاس عند الحمل. و الانفجار عند الوضع. فلا منافاة بينه و بين ما ذكر في سورة الأعراف (1):
«فانبجست».
و الجملة جواب شرط محذوف. تقديره: فإن ضربت، فقد انفجرت. أو معطوفة على محذوفة. تقديره: فضرب، فانفجرت، كما مرّ في قوله فَتابَ عَلَيْكُمْ و قرئ عشرة (بكسر الشّين و فتحها). و هما لغتان.
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ: كلّ سبط، مَشْرَبَهُمْ: عينهم الّتي يشربون منها.
كُلُوا وَ اشْرَبُوا، على تقدير القول، أي: و قلنا لهم.
مِنْ رِزْقِ اللَّهِ: يريد به ما رزقهم اللّه، من المنّ و السّلوى و ماء العيون. و قيل: الماء وحده. لأنّه شرب. و يؤكل ما ينبت به (2).
[و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ (ره): (3) روى موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام). قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- في أثناء كلام طويل: فإنّ موسى- (عليه السلام)- قد أعطي الحجر: فانبجست منه أثنتا عشرة عينا.
قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل الحديبية و حاصره أهل مكّة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك. و ذلك أنّ أصحابه شكوا إليه الظّمأ و أصابهم ذلك حتّى التفّت خواصر الخيل. فذكروا ذلك له- (عليه السلام).
فدعا بركوة يمانيّة. ثمّ نصب يده المباركة فيها. فتفجّرت من بين أصابعه عيون الماء. فصدرنا و صدرت الخيل رواء. و ملأنا كلّ مزادة و سقاء. و لقد كنّا معه بالحديبية. و إذا ثمّ قليب جافّة. فأخرج- (صلّى اللّه عليه و آله)- سهما من كنانته. فناوله البراء بن عازب. فقال له: اذهب بهذا السّهم إلى تلك القليب الجافّة. فاغرسه فيها. ففعل ذلك. فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، من تحت السّهم. و لقد كان يوم الميضاة عبرة و علامة للمنكرين لنبوّته،
____________
(1) الأعراف/ 160
(2) أنوار التنزيل 1/ 59.
(3) الاحتجاج 1/ 325.
22
ينبع (1) من كلّ وجه ثلاث أعين. تسيل كلّ عين في جدول إلى سبط. و كانوا ستّمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا.
أو حجرا أهبطه آدم من الجنّة. فتوارثوه حتّى وقع إلى شعيب. فدفعه إليه مع العصا.
أو الحجر الّذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة. ففرّ (2) به. فقال له جبرئيل: يقول اللّه تعالى: ارفع هذا (3) الحجر. فإن لي فيه قدرة و لك معجزة. فحمله في مخلاته.
و قيل: كانت حجرة فيها اثنتا عشرة حفرة و كان الحجرة من الكران و هي حجارة رخوة كأنّها مدرة. و كان يخرج من كل حفرة عين ماء عذب فرات، فيأخذونه. فإذا فرغوا و أراد موسى حمله، ضربه بعصاه، فيذهب الماء.
أو للجنس، أي: اضرب الشيء الّذي يقال له الحجر.
قال الحسن: و هذا أظهر في الحجّة. و أبين في القدرة.
روى أنّهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة. فحمل حجرا في مخلاته. فحيثما نزلوا، ألقاه. و كان يضربه بعصاه، فينفجر. و يضربه بها، فييبس.
فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا.
فأوحى اللّه إليه: لا تقرع الحجارة. و كلّمها تعطك. لعلّهم يعتبرون.
و
روي أنّه كان ذراعا في ذراع.
و
روى أنّه كان على شكل رأس الإنسان. و العصا كانت عشرة أذرع على طول موسى، من آس الجنّة. و له شعبتان تتّقدان في الظّلمة (4).
[و في مجمع البيان: (5) و عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: ثلاثة أحجار من الجنّة: مقام إبراهيم و حجر بني إسرائيل و الحجر الأسود.] (6)
فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً:
____________
(1) أ: يتبع.
(2) أ: ففسر.
(3) أ: إليّ هذا.
(4) توجد الفقرات الماضية في الكشاف 1/ 144، مجمع البيان 1/ 120- 121 و أنوار التنزيل 1/ 58.
(5) مجمع البيان 1/ 203.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
15
الجزء الثاني
سورة البقرة من الآية 59 الى آخر السورة
20
آثامكم الماضية. وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ من كان فيكم لم (يقارف (1)) الذّنوب الّتي قارفها (2) من خالف الولاية و (ثبت) (3) على ما أعطى اللّه من نفسه، من عهد الولاية. فإنّا نزيد (4) بهذا الفعل، زيادة (5) درجات و مثوبات. [و] (6) ذلك قوله تعالى وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ] (7)
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، أي: فخالف الّذين عصوا. ففعلوا غير ما أمروا أن يفعلوه. و قالوا غير ما أمروا أن يقولوه. و اختلف في ذلك الغير:
فقيل: إنّهم قالوا بالسّريانيّة: هطا سمقاثا (8). و معناه حنطة حمراء فيها شعيرة و كان قصدهم في ذلك الاستهزاء و مخالفة الأمر (9) و قيل: إنّهم قالوا حنطة، تجاهلا و استهزاء. و كانوا قد أمروا أن يدخلوا الباب، سجّدا. و طؤطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك. فدخلوه زاحفين على أستاههم. فخالفوا في الدّخول، أيضا.
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا:
كرّره مبالغة في تقبيح أمرهم و إشعارا بأنّ الإنزال عليهم، لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه، أو على أنفسهم، بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها.
رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59): عذابا مقدّرا من السّماء، بسبب فسقهم.
و «الرّجز» في الأصل، ما يعاف عنه. و كذلك الرّجس. و قرئ بالضّمّ و هو لغة فيه. و المراد به الطّاعون. روى أنّه مات به في ساعة أربعة و عشرون ألفا من كبرائهم و شيوخهم. و بقي الأبناء. فانتقل عنهم العلم و العبادة. كأنّه يشير إلى أنّهم عوقبوا بإخراج
____________
(1) المصدر: يفارق.
(2) المصدر: فارقها.
(3) المصدر: تثبّت.
(4) المصدر: نزدهم.
(5) المصدر: بزيادة.
(6) يوجد في المصدر.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) ر: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هطا صمقاثا.
أ: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هطا سمقاثا. و قال بعضهم: حطا سمقاثا.
مجمع البيان 1/ 119: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هاطاسماقاتا. و قال بعضهم حطا سماقاتا.
(9) أ: الأمور.
21
الأفاضل من بينهم (1).
قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الطّاعون (2): إنّه رجز. عذّب به بعض الأمم الّذين قبلكم.
[و في أصول الكافي (3): أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه، عن محمّد بن الفضيل (4)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: نزل جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا: فبدّل الّذين ظلموا آل محمّد- (عليهم السلام)- حقّهم، قولا غير الّذي قيل لهم، فأنزلنا على الّذين ظلموا آل محمّد حقّهم، رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال الإمام- (عليه السلام): إنّهم لم يسجدوا كما أمروا.
و لا قالوا بما أمروا. و لكن دخلوها مستقبليها بأستاههم (6). و بدّلوا (7) حطّة. فقالوا: حنطة حمراء ينقّونها (8) أحبّ إلينا من هذا الفعل.
فأنزل اللّه على الّذين [ظلموا و] (9) بدّلوا ما قيل لهم و لم ينقادوا لولاية (10) محمّد و عليّ و آلهما الطّيبين الرّجز. قال اللّه تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أو غيّروا و بدّلوا، رِجْزاً مِنَ السَّماءِ، بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: يخرجون عن أمر اللّه و طاعته.
قال: و الرّجز الّذى أصابهم، أنّه مات منهم في بعض يوم مائة و عشرون ألفا. و هم من علم اللّه تعالى منهم أنّهم لا يؤمنون و لا يتوبون. و لم ينزل الرّجز على من علم اللّه أنّه يتوب أو يخرج من صلبه ذرّية طيّبة توحّد اللّه و تؤمن بمحمّد و تعرف موالاة عليّ وصيّه و أخيه.] (11)
وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ لمّا عطشوا في التّيه.
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ:
الّلام فيه، للعهد، على ما
روى أنّه كان حجرا طوريّا مربّعا حمله (12) معه.
و كان
____________
(1) ر. أنوار التنزيل 1/ 58، مجمع البيان 1/ 120
(2) تفسير الطبري 1/ 242.
(3) الكافي 1/ 423، ح 58.
(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: الفضل.
(5) شرح الآيات الباهرة/ 20.
(6) المصدر: مستقبلوها بسيئاتهم.
(7) كذا في المصدر و في الأصل ور: قالوا.
(8) المصدر: ينفقونها.
(9) ليس في المصدر.
(10) المصدر: بولاية.
(11) ما بين المعقوفتين، ليس في أ.
(12) أ: معمله.
19
و في روضة الكافي (1)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، قال فيها- (عليه السلام): ألا و إنّي فيكم، أيّها النّاس! كهارون في آل فرعون و كباب حطّة في بني إسرائيل.] (2)
[و في مجمع البيان] (3): و روي عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: نحن باب حطّتكم.
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ بسجودكم و دعائكم.
و قرئ بالياء (4). و ابن عامر بالتّاء، على البناء للمفعول.
و «خطايا» أصله خطائي، كخطائع.
فعند سيبويه أبدلت الياء الزّائدة، همزة، لوقوعها بعد الألف. و اجتمعت همزتان، فأبدلت الثّانية ياء. ثمّ قلبت ألفا و صارت الهمزة بين ألفين، فأبدلت ياء.
و عند الخليل، قدّمت الهمزة على الياء، ثمّ فعل بهما ما ذكر.
وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) ثوابا.
جعل الامتثال توبة (5) للمسيء و إحسانا. و أخرجه عن صورة الجواب، إشعارا بأنّ الزّيادة، تفضّل منه تعالى، كما قال تعالى (6): لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
[و في شرح الآيات الباهرة (7): قال الإمام- (عليه السلام): قال اللّه تعالى: و اذكروا، يا بني إسرائيل! إِذْ قُلْنَا لأسلافكم ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ و هي أريحا، من بلاد الشّام.
و ذلك حين خرجوا من التّيه. فَكُلُوا مِنْها، أي: من القرية، حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا، بلا تعب. وَ ادْخُلُوا الْبابَ- باب القرية- سُجَّداً. مثّل اللّه تعالى على الباب، مثال محمّد و عليّ. و أمرهم أن يسجدوا للّه، تعظيما لذلك المثال. و يجدّدوا على أنفسهم، بيعتهما و ذكر موالاتهما. و يذكروا العهد و الميثاق المأخوذين عليهم، لهما. وَ قُولُوا حِطَّةٌ، اي:
قولوا إنّ سجودنا للّه، تعظيما لشأن محمّد و عليّ. و اعتقادنا بولايتهما، حطّة لذنوبنا و محو لسيّئاتنا. قال اللّه- عزّ و جلّ: نَغْفِرْ لَكُمْ بهذا الفعل خَطاياكُمْ السّالفة و نزيل عنكم
____________
(1) الكافي 8/ 30.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ. و الحديث في مجمع البيان 1/ 119.
(4) قيل في أنوار التنزيل 1/ 58: و قرأ نافع بالياء.
(5) أ: توجّه.
(6) فاطر/ 30.
(7) شرح الآيات الباهرة/ 20.
24
كحجر موسى، حيث دعا بالميضاة. فنصب يده فيها. ففاضت بالماء. و ارتفع حتّى توضّأ منه ثمانية آلاف رجل. و شربوا حاجتهم. و سقوا دوابّهم. و حملوا ما أرادوا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى أبي الجارود، زياد بن المنذر. قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- إذا خرج القائم من مكّة، ينادي مناديه: ألا لا يحمل أحد (2) طعاما و لا شرابا و حمل معه حجر موسى بن عمران. و هو وقر بعير. فلا ينزل (3) منزلا إلا انفجرت منه عيون. فمن كان جائعا، شبع، و من كان ظمآنا، روي، و رويت دوابّهم، حتّى ينزلوا النّجف، من ظهر الكوفة.
و في الخرائج و الجرائح (4)، عن أبي سعيد الخراسانيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه- (عليهما السلام)- مثله. و زاد في آخره: فإذا نزلوا ظاهره انبعث منه الماء و اللّبن، دائما. فمن كان جائعا، شبع. و من كان ظمآنا، روي.
و في أصول الكافي (5)، عن أبي سعيد الخراسانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- و ذكر مثل ما في كمال الدّين و تمام النّعمة، إلّا قوله و رويت دوابّهم (الخ)] (6)
وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60): لا تعتدوا حال إفسادكم.
و إنّما قيّده و إن كان العثيّ لا يكون إلّا فسادا. لأنّه يجوز أن يكون فعل ظاهره الفساد، و باطنه المصلحة، كقتل الخضر الغلام و خرقه السّفينة. فبيّن أنّ فعلهم، هو الفساد، ظاهرا و باطنا. و يقرب منه العبث. غير أنّه يغلب فيما يدرك حسّا. (7) و جعل بعضهم الحال، مؤكّدة.
فإن قيل كيف يجتمع ذلك الماء الكثير في ذلك الحجر الصّغير؟
أجيب بأنّ ذلك من آيات اللّه الباهرة و الأعاجيب الظّاهرة الدّالّة على أنّه من فعل اللّه. فإنّه لمّا أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشّعر و ينفر الخلّ و يجذب الحديد،
____________
(1) كمال الدين و تمام النعمة/ 670- 671، ح 17.
(2) المصدر: أحدكم.
(3) كذا في المصدر. و في الأصل ور: و لا ينزل.
(4) تفسير نور الثقلين 1/ 84، نقلا عن الخرائج و الجرائح، مع اختلاف بسيط.
(5) الكافي 1/ 231، ح 3.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) أ: حيّا.
25
لم يمتنع أن يخلق في حجر، أو أحدث في كلّ حجر، قوّة بجذب الماء، من تحت الأرض، أو يجذب الهواء من الجوانب و يصير الماء بقوة التّبريد و نحو ذلك.
و لي هناك فائدة يجب أن ينبه عليها. فأقول: الممتنع إمّا ممتنع بأيّ اعتبار أخذ، أو باعتبار طبيعته، و حقيقته، مع قطع النّظر عن غيره، أو باعتبار العادات و الرّسوم. فالأوّل، كشريك البارئ. و الثّاني، ككون الكبير في الصّغير. و الثّالث، ككون الحنطة خلّا.
و الممتنع بالقياس إليه تعالى، هو الأوّل دون الثّانيين. فتأمّل! فإنّه يحتاج إلى لطف تأمّل.
[و في شرح الآيات الباهرة: (1) قال الإمام- (عليه السلام): و اذكروا، يا بني إسرائيل! إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ، طلب لهم السّقيا، لمّا لحقهم العطش في التّيه، و ضجّوا بالنّداء إلى موسى، و قالوا هلكنا بالعطش، فقال موسى: «إلهي بحقّ محمّد سيّد الأنبياء و بحقّ عليّ سيّد الأوصياء و بحقّ فاطمة سيّدة النّساء و بحقّ الحسن سيّد الأولياء و بحقّ الحسين سيّد الشّهداء و بحقّ عترتهم و خلفائهم الأزكياء لمّا سقيت عبادك هؤلاء الماء. اعتبار فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ.
فضربه بها. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ، أي: كلّ قبيلة، من بني أب، من أولاد يعقوب مَشْرَبَهُمْ فلا يزاحم الآخرين في مشربهم.
[قال اللّه تعالى:] (2) كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الّذى اتاكموه! وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، أي: و لا تعثوا (3) و أنتم مفسدون عاصون.
ثمّ قال- (عليه السلام): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من أقام على موالاتنا أهل البيت، سقاه اللّه من محبّته، كأسا لا يبغون به بدلا و لا يريدون سواه كافيا و لا كالئا و لا ناصرا. و من وطّن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا، جعله اللّه يوم القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كلّ من تضمّنته تلك العرصات أبصارهم عمّا يشاهدون من درجاته (4) و إن كلّ واحد منهم ليحيط بما له من درجاته كإحاطته في الدّنيا يتلقاه (5) بين يديه.
ثمّ يقول له: وطّنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمّد و آله الطّيّبين، قد جعل اللّه إليك و مكّنك في تخليص كلّ من يجب تخليصه من أهل الشّدائد في هذه العرصات. فيمدّ
____________
(1) شرح الآيات الباهرة/ 21.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: تسعوا.
(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: درجاتهم.
(5) المصدر: تتلقّاه.
26
بصره فيحيط به. ثمّ ينتقد (1) من أحسن إليه أو برّه في الدّنيا، بقول أو فعل أو ردّ غيبة أو حسن محضر أو إرفاق (2)، فينتقده (3) من بينهم، كما ينتقد الدّرهم الصّحيح من المكسور. يقال له: اجعل هؤلاء في الجنّة، حيث شئت. فينزلهم جنان ربّنا.
ثمّ يقال له: و قد جعلنا لك و مكّنّاك في إلقاء من تريد في نار جهنم. فيراهم.
فيحيط بهم. فينتقده (4) من بينهم، كما ينتقد الدّينار من القراضة. ثمّ يصيّره في النّار. [ثمّ يقال له: صيّرهم من النّار، حيث تشاء. فيصيّرهم إلى حيث يشاء من مضايق النّار.] (5) فقال اللّه تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان أسلافكم إنّما دعوا إلى موالاة محمّد و آله الطّيّبين، فأنتم يا من شاهدتموه، فقد وصلتم إلى الغرض و المطلب الأفضل، إلى مولاة محمّد و آله. ألا فتقرّبوا إلى اللّه- عزّ و جلّ- بالتّقرّب إلينا. و لا تتقرّبوا من سخطه، تباعدوا (6) من رحمته بالازورار (7) عنّا] (8)
وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ:
يريد به ما رزقوا في التّيه، من المنّ و السّلوى و بوحدته أنّه لا يتبدّل، كقولهم: طعام مائدة الأمير واحد. يريدون أنّه لا يتغيّر ألوانه. و لذلك أجموا، أو ضرب واحد. لأنّهما معا طعام أهل التّلذّذ. و هم كانوا فلاحة. فنزعوا إلى عكرهم. و اشتهوا إلى ما ألفوه. (9) و قيل (10): إنّه كان ينزل عليهم [المنّ وحده. فملّوه. فقالوا ذلك. فأنزل عليهم] (11) السّلوى، من بعد ذلك.
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ: سله، لأجلنا، بدعائك إيّاه.
يُخْرِجْ لَنا: يظهر لنا.
و جزمه، بأنّه جواب الأمر المذكور.
مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ: من إسناد الفعل إلى القابل. و «من» للتّبعيض. و العائد
____________
(1) المصدر: فينقذ.
(2) المصدر: إنفاق.
(3) المصدر: فينقده.
(4) المصدر: فينقده.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: و تتباعدوا.
(7) الأصل ور: بالازوراء.
(8) ما بين القوسين ليس في أ.
(9) أ: القوه.
(10) مجمع البيان 1/ 124.
(11) ليس في أ.
27
إلى الموصول، محذوف.
مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها:
بيان وقع موقع الحال. و قيل: بدل بإعادة الجار. و البقل ممّا أنبتته الأرض من الخضر. و المراد به أطائبه الّتي تؤكل. و الفوم، الحنطة. و يقال للخبز. و منه فوموا لنا، أي:
اخبزوا. و قيل: الثّوم. و يدلّ عليه قراءة ابن مسعود: و ثومها. و قرئ قثّائها. (بالضّمّ) و هو لغة فيه (1).
و اختلف في أنّ سؤالهم هذا، هل كان معصية؟
فقيل: لا لأنّ الأوّل كان مباحا. فسألوا مباحا آخر.
و قيل: بل كان معصية. لأنّهم لم يرضوا بما اختاره اللّه لهم. و بذلك ذمّهم على ذلك. و هو أوجه. (2) قالَ، أي: اللّه أو موسى.
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى: أقرب منزلة.
و أصل الدّنوّ، القرب في المكان. فاستعير للحسنة، كالعبد في الشّرف و الرّفعة.
فقيل: بعيد المحل، بعيد الهمّة.
و قرئ أدناء، من الدّناءة.
و حكى الأزهريّ، (3) عن أبي زيد: الدنيّ (بغير همزة الخسيس).
بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ:
يريد به المنّ و السّلوى. فإنّه خير في اللّذة و النّفع و عدم الحاجة إلى السّعي.
اهْبِطُوا:
و قرئ بالضّمّ، أي: انحدروا من التّيه. يقال: هبط الوادي، إذا نزل به. و هبط منه، إذا خرج منه.
مِصْراً:
أراد به مصرا من الأمصار. و هو البلد العظيم. و أصله القطع، لانقطاعه بالعمارة عمّا سواه. و قيل (4): أصله الحدّ بين الشّيئين.
____________
(1) يوجد الفقرات الماضية، في أنوار التنزيل 1/ 59.
(2) ر. مجمع البيان 1/ 124.
(3) ر. مجمع البيان 1/ 122.
(4) أنوار التنزيل 1/ 59.
28
قال الشّاعر (1):
و جاعل الشّمس مصرا لا خفاء به* * * بين النّهار و بين اللّيل قد فصلا
أو العلم. و صرفه لسكون وسطه، أو على تأويل البلد. و يؤيّده أنّه غير منوّن في مصحف ابن مسعود. و قيل: أصله مصرائيم. (2) فعرب. (3) فصرفه للتّصرّف في العجميّة، بالتّعريب (4).
فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ:
جعلت الذّلّة و المسكنة محيطتين بهم مشتملتين (5) عليهم. فهم كما يكون في القبّة من ضربت عليه أو الصقتا (6) بهم، حتّى لزمتاهم ضربة لازب، كما تضرب الطّين على الحائط، فيلزمه مجازاة فهم على كفران النّعمة، فاليهود أذلّاء أهل مسكنة: إمّا على الحقيقة، و إمّا لتصاغرهم و تفاقرهم مخافة أن تضاعف عليهم الجزية.
و المراد بالذّلّة، الهوان بأخذ الجزية، و بالمسكنة، كونهم بزيّ الفقراء. فترى المثريّ منهم يتمسكن مخافة أن تضاعف عليهم الجزية. أو المراد بالذّلّة، ما يشمل المعنيين، و بالمسكنة فقر القلب. لأنّه لا يوجد يهوديّ غنيّ النّفس. و
قال النّبيّ (7)- (صلّى اللّه عليه و آله): الغنى، غنى النّفس.
وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ:
رجعوا به من باء إذا رجع. أو صاروا أحقّاء بغضبه، من باء فلان بفلان، إذ كان حقيقا بأن يقتل به.
و أصل البوء، المساواة.
ذلِكَ: إشارة إلى ما سبق، من ضرب الذّلّة و المسكنة و البوء بالغضب، كائن لهم.
بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ بسبب كفرهم بالمعجزات، أو بالكتب المنزلة و آية الرّجم و الّتي فيها نعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الكتب و قتلهم الأنبياء، كزكريّا و يحيى و غيرهما- (عليهم السلام)- بغير حقّ عندهم، إذ
____________
(1) مجمع البيان 1/ 122. و الشاعر، عدي بن زيد، على ما ذكر في المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مصرائم.
(3) ر. أنوار التنزيل 1/ 59.
(4) أ: بالتعريف.
(5) أ: مشتملة.
(6) أ: التصقتا.
(7) مجمع البيان 1/ 124.
29
لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم. و إنّما حملهم على ذلك اتّباع الهوى. و هذا أشنع من أن يقتلوه بشيء يعتقدونه (1) جرما حقّا باعتقادهم الفاسد.
ذلِكَ، أي: الكفر بالآيات و قتل الأنبياء، صدر عنهم.
بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (61) بسبب عصيانهم و تماديهم فيه.
فإنّ التّمادي في ضعاف الذنوب، يؤدّي إلى شدادها، كما أنّ المواظبة على صغار الطّاعات، يؤدّي إلى تحرّي كبارها.
قال صاحب الكشّاف (2): كرّر الإشارة، للدّلالة على أنّ ما لحقهم، كما هو بسبب الكفر و القتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي و اعتدائهم حدود اللّه.
و فيه نظر (3). لأنّه لو كان التّكرير لذلك، لكفى فيه أن يقول و بما عصوا. و قال:
و على تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى الكفر و القتل، يجوز أن تكون «الباء» بمعنى مع، أي: ذلك الكفر و القتل، مع ما عصوا. و الأحسن ما قرّرناه، لرعاية اتّساق الكلام.
و إنّما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين، على تأويل ما ذكر، أو ما تقدّم، للاختصار. و نظيره في الضّمير قول رؤبة:
فيه خطوط من سواد و بلق* * * كأنّه في الجلد توليع البهق
فإن قيل كيف يجوز التّخلية بين الكفّار و قتل الأنبياء؟
أجيب بأنّه إنّما جاز ذلك، لينال أنبياء اللّه سبحانه من رفع المنازل و الدّرجات، ما لا ينالونه بغير القتل. قال الشّيخ الطّبرسيّ (4): و ليس ذلك بخذلان لهم، كما أنّ التّخلية بين المؤمنين و الأولياء و المطيعين و بين قاتليهم، ليست بخذلان لهم. (هذا كلامه.) و الأجود التّفصيل، بأنّه ليس بخذلان، بمعنى إنزال العذاب و سوء عاقبة الدّار و غير ذلك مما ينبئ عن خذلان الآخرة و حرمان المثوبة. و المرويّ عن الحسن أنّ من (5) قتل من الأنبياء، قد قتل بغير قتال. و أنّ اللّه لم يأمر نبيّا بالقتال، فقتل فيه.
و المذكور في مجمع البيان (6). «أنّ الصّحيح، أنّ النّبيّ إن كان لم يؤدّ الشّرع الّذي أمر بتأديته، لم يجز أن يمكّن اللّه سبحانه من قتله. لأنّه لو مكّن من ذلك، لأدّى إلى أن يكون
____________
(1) أ: يعتقدوه.
(2) الكشاف 1/ 146.
(3) أ: نظرا.
(4) مجمع البيان 1/ 125.
(5) كذا في أ. و في الأصل ور: ما
(6) مجمع البيان 1/ 125.
30
المكلّفون غير مزاحي العلّة في التّكليف و فيما لهم من الألطاف و المصالح. فأمّا إذا أدّى الشّرع، فحينئذ يجوز أن يخلّي اللّه بينه و بين قاتليه. و لم يجب عليه المنع من قتله» و الملازمة (1) الّتي ادّعاها، منع بأنّه يجوز أن يكون إزاحة العلل بإرسال النّبيّ و إظهار المعجزة على يده و قتله بسوء صنيعهم بعد ثبوت نبوّته و إعجازه ناشئ من تهاونهم في نصره و تآزرهم على دفعه. فهم مفوّتون تبليغه بسوء فعلهم. فهم غير معذورين بعدم تبليغه.
[و في أصول الكافي (2): يونس، عن ابن سنان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و تلا هذه الآية ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ قال: و اللّه ما قتلوهم بأيديهم.
و لا ضربوهم بأسيافهم. و لكنّهم سمعوا أحاديثهم، فأذاعوها. فأخذوا عليها. فقتلوا. فصار قتلا و اعتداء و معصية.] (3)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم. يريد به المتديّنين بدين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- المخلصين منهم و المنافقين.
و قال صاحب الكشّاف (4): «يريد المنافقين»، لانخراطهم في سلك الكفرة.
و الأوّل أولى، لعموم الفائدة.
وَ الَّذِينَ هادُوا:
تهوّدوا. يقال: هاد و تهوّد، إذا دخل في اليهوديّة. و «يهود» إمّا عربيّ من هاد، إذا تاب سمّوا بذلك، لمّا تابوا من عبادة العجل، أو من هاد إذا مال، لأنّهم مالوا عن الإسلام و عن دين موسى، أو من هاد إذا تحرّك، لأنّهم كانوا يتحرّكون عند قراءة التوراة، و إمّا معرّب يهوذا. و كأنّهم سمّوا باسم أكبر أولاد يعقوب- (عليه السلام).
و اليهود اسم جمع، واحده يهوديّ، كالزّنجيّ و الزّنج و الرّوميّ و الرّوم.
وَ النَّصارى:
قال سيبويه (5): جمع نصران كالنّدامى.
و قيل (6): جمع نصريّ، مثل مهريّ و مهارى.
____________
(1) أ: و على الملازمة.
(2) الكافي 1/ 371، ح 6.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) الكشاف 1/ 146.
(5) مجمع البيان 1/ 126، بتصرف في النقل.
(6) تفسير البحر المحيط 1/ 239.
31
و «الياء» في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ. سمّوا بذلك لأنّهم (1) نصروا المسيح، أو لأنّهم (2) كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة.
و على تقدير أن يكون اسم القرية نصران، يحتمل أن يكون الياء للنّسبة.
[و في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره قال: فقلت له: فلم سمّي النّصارى، نصارى؟
قال: لأنّهم من قرية اسمها النّاصرة (4)، من بلاد الشّام. نزلتها مريم و عيسى- (عليهما السلام)- بعد رجوعهما من (5) مصر.
و في كتاب ثواب (6) الأعمال (7)، بإسناده إلى حنان بن سدير. قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة، لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه- إلى قوله- و رجلان (8) من بني إسرائيل. هوّدا قومهما. و نصّراهما.
و بإسناده إلى إسحاق بن عمّار الصّيرفيّ (9)، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال «إنّ في النّار لواديا يقال له سقر. و إنّ في ذلك الوادي لجبلا. و إنّ في ذلك الجبل، لشعبا. و إنّ في ذلك الشّعب، لقليبا. و إنّ في ذلك القليب، لحيّة. و ذكر شدّة ما في الوادي و ما بعده من العذاب. و إنّ في جوف تلك الحيّة سبع (10) صناديق. فيها خمسة من الأمم السّالفة. و اثنان من هذه الأمّة»، قلت، جعلت فداك! و من الخمسة؟ و من الاثنان؟
قال: أمّا الخمسة: فقابيل الّذي قتل هابيل- إلى قوله- و يهودا (11) الّذي هوّد اليهود.
و بولس الّذي نصّر النّصارى.] (12)
وَ الصَّابِئِينَ:
____________
1 و 2- ليس في أ.
(3) عيون الأخبار 2/ 79، ذيل ح 10.
(4) المصدر: ناصرة.
(5) كذا في المصدر. و في الأصل ور: عن.
(6) الأصل ور: عقايد. و هو خطأ.
(7) ثواب الأعمال/ 255، ضمن ح 1.
(8) المصدر: اثنان.
(9) نفس المصدر/ 255- 256.
(10) المصدر: لسبع.
(11) كذا في المصدر و في الأصل ور: يهود.
(12) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
32
قيل: قوم بين النّصارى و المجوس. لا دين لهم.
و قيل (1): أصل دينهم، دين نوح.
و قيل (2): هم عبدة الملائكة.
و قيل (3): عبدة الكواكب من صبأ، إذا خرج. و قرأ نافع، بالياء- وحدها. إمّا لأنّه خفّف الهمزة. أو لأنّه من صبا، إذا مال. لأنّهم مالوا من سائر الأديان، إلى دينهم، أو من الحقّ إلى الباطل. (4) قال الشّيخ الطّبرسيّ (5): و الفقهاء، بأجمعهم، يجيزون أخذ الجزية [منهم.] (6) و عندنا لا يجوز ذلك. [لأنّهم ليسوا بأهل كتاب] (7)
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ قال: الصّابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى و لا مسلمين. و هم يعبدون الكواكب و النّجوم.] (9)
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً:
من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدّقا بقلبه بالمبدأ و المعاد، عاملا بمقتضى شرعه. و من تجدّد منه الإيمان و أخلصه.
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الّذي وعدهم، على إيمانهم و عملهم.
وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) حين يخاف الكفّار من العقاب و يحزن المقصرون على تضييع العمر و تفويت الثّواب.
و «من»، مبتدأ، خبره «فلهم أجرهم.» و الجملة خبر «إنّ»، أو بدل من اسم «إنّ» و خبرها «فلهم أجرهم.» و «الفاء» لتضمّن المسند إليه، معنى الشّرط. و قد منع سيبويه دخولها في خبر «إنّ»، من حيث أنّها لا تدخل الشّرطيّة. و ردّ بقوله تعالى (10): إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ.
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:
____________
1 و 2 و 3 و 4- أنوار التنزيل/ 60.
(5) مجمع البيان 1/ 126.
(6) يوجد في أور.
(7) يوجد في أ، فقط.
(8) تفسير القمي 1/ 48.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(10) الجمعة/ 8.
33
مفعال من الوثيقة. و هو ما يوثق به من يمين أو عهد أو غير ذلك. يريد به العهد، باتّباع موسى و العمل بالتّوراة.
وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ: حتّى قبلتم الميثاق.
و «الطّور» في اللّغة، الجبل.
قال العجّاج (1):
داني جناحيه من الطّور فمرّ* * * تقضّي البازي إذا البازي كسر
و قيل (2): إنّه اسم جبل بعينه. ناجى اللّه عليه موسى- (عليه السلام).
روي (3) أنّ موسى- (عليه السلام)- لمّا جاءهم بالتّوراة، فرأوا ما فيها من التّكاليف الشّاقّة، كبرت عليهم و أبوا قبولها. فأمر جبرئيل- (عليه السلام)- بقلع (4) الطّور. فظلّله فوقهم، حتّى قبلوا.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال الصّادق- (عليه السلام): لمّا أنزل اللّه التّورية على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع اللّه عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى- (عليه السلام)- إن لم تقبلوه وقع عليكم الجبل. فقبلوه. و طأطئوا رؤوسهم] (6)
خُذُوا على إرادة القول، ما آتَيْناكُمْ من الكتاب، بِقُوَّةٍ: بجدّ و عزيمة.
روى العيّاشيّ (7)، أنّه سئل عن (8) الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه تعالى خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، أبقوّة بالأبدان؟ أم بقوّة بالقلوب؟
فقال: بهما، جميعا.
وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ:
قيل (9): معناه ادرسوه و لا تنسوه. أو تفكّروا فيه، فإنّه ذكر بالقلب (10). أو اعملوا به.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 127.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) تفسير القمي 1/ 49 الكشاف 1/ 147، مجمع البيان 1/ 128، أنوار التنزيل 1/ 61.
(4) أ: بقطع.
(5) تفسير القمي 1/ 48.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) تفسير العياشي 1/ 45، ح 52.
(8) كذا في المصدر و في النسخ. و لعلها زائدة.
(9) أنوار التنزيل 1/ 61.
(10) كذا في المصدر و في النسخ. و الظاهر: للقلب.
34
و المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (1) أنّ معناه: اذكروا ما في تركه من العقوبة.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63):
متعلّق «بخذوا»، أي: لكي تتّقوا، أو «باذكروا»، أي: رجاء منكم أن تكونوا متّقين، أو «بقلنا المقدّر»، أي: قلنا خذوا. و اذكروا إرادة أن تتّقوا.
[و في شرح الآيات الباهرة (2): قال الإمام- (عليه السلام): قال اللّه- عزّ و جلّ- لهم: و اذكروا إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ و عهودكم، أن تعملوا بما في التّوراة و ما في الفرقان الّذى أعطيته موسى مع الكتاب المخصوص بذكر محمّد و عليّ و الطّيّبين من آلهما، أنّهم أفضل الخلق و القوّامون بالحقّ، و أخذنا ميثاقكم لهم أن تقرّوا به و أن تؤدّوه إلى أخلافكم و تأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم، ليؤمننّ بمحمّد نبيّ اللّه و يسلمون له ما يأمرهم به في عليّ وليّ اللّه عن اللّه و ما يخبرهم به من أحوال خلفائه بعده القوّامون بحقّ اللّه، فأبيتم قبول ذلك و استكبرتموه، «فرفعنا فوقكم الطور» الجبل. أمرنا جبرئيل أن يقطع منه قطعة، على قدر معسكر أسلافكم. فجاء بها، فرفعها (3) فوق رؤوسهم.
فقال موسى- (عليه السلام)- لهم: إمّا أن تأخذوا بما أمرتم به فيه و إلا ألقى عليكم هذا الجبل؟
فالجئوا إلى قبوله كارهين، إلّا من عصمه اللّه من العباد. فإنّه قبله طائعا مختارا.
ثمّ لمّا قبلوه سجدوا للّه عفروا. و كثير منهم عفّر خدّيه لا إرادة الخضوع للّه و لكن نظرا إلى الجبل، هل يقع أم لا؟ و آخرون سجدوا طائعين مختارين.
ثمّ قال- (عليه السلام): فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): احمدوا اللّه معاشر شيعتنا على توفيقه إيّاكم. فإنّكم تعفّرون في سجودكم، لا كما عفّره كفرة بني إسرائيل، و لكن كما عفّره خيارهم. و قال- عزّ و جلّ: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ، أي: ما آتيناكم (من) هذه الأوامر و النّواهي، من هذا الأمر الجليل، من ذكر محمّد و عليّ و آلهما الطّيّبين بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ (4) ممّا آتيناكم. و اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به و شديد عقابنا على
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 45، ح 53، مجمع البيان 1/ 128.
(2) شرح الآيات الباهرة/ 22.
(3) المصدر: فرفعنا.
(4) كذا في المصدر و في هامش الأصل. و في الأصل ور: فيما.
35
إبائكم، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المخالفة الموجبة للعقاب (1)، فتستحقّوا بذلك جزيل الثّواب] (2)
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ: أعرضتم عن الوفاء بالميثاق، بعد أخذه.
فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالتّوبة، بعد نكثكم الميثاق الّذي و واثقتموه، وَ رَحْمَتُهُ بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يدعوكم إلى الحقّ و يهديكم إليه، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط و الضّلال في فترة من الرّسل، أو بهما و «و لو» في الأصل، لامتناع الشيء، لامتناع غيره.
فإذا أدخل على لا أفاد إثباتا و هو امتناع الشيء لثبوت غيره. و الاسم الواقع بعده عند سيبويه، مبتدأ، خبره واجب الحذف، لدلالة الكلام عليه و سدّ الجواب مسدّه، و عند الكوفيّين، فاعل فعل محذوف.
وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ لمّا اصطادوا السّموك فيه.
و «السّبت» مصدر. سبتت اليهود، إذا عظّمت يوم السّبت. و أصله: القطع. أمروا بأن يجرّدوه للعبادة فاعتدى ناس منهم في زمن داود. و اشتغلوا بالصّيد.
فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65): مبعدين عن كلّ خير.
و الخساء، هو الصّغار و الطّرد.
و قرئ قردة. (بفتح القاف و كسر الرّاء) و خاسين (بغير همزة).
[و في أصول الكافي: (3) عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام): و كان من السّبيل و السّنّة الّتي أمر اللّه- عزّ و جلّ- بها موسى- (عليه السلام)- أن جعل عليهم السّبت فكان من أعظم السّبت. و لم يستحلّ أن يفعل فيه (4). ذلك من خشية اللّه. أدخله [اللّه] (5) الجنّة. و من استخفّ بحقّه و استحلّ ما حرّم اللّه عليه، من العمل الّذي نهاه اللّه عنه فيه، أدخله اللّه- عزّ و جلّ- النّار. و ذلك حيث استحلّوا الحيتان، و احتبسوها، و أكلوها يوم السّبت، غضب اللّه عليهم، من غير أن يكونوا أشركوا بالرّحمن، و لا شكّوا في شيء ممّا جاء به موسى
____________
(1) المصدر: العقاب.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) الكافي 2/ 28- 29، مقطع من ح 1.
(4) ليس في المصدر.
(5) يوجد في المصدر.
36
- (عليه السلام). قال اللّه- عزّ و جلّ: لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ. فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): سيكون قوم يعيشون على لهو و شرب الخمر و الغناء. فبينما هم كذلك، إذ مسخوا من ليلتهم و أصبحوا قردة و خنازير. و هو قوله: و احذروا أن تعتدوا، كما اعتدى أصحاب السّبت، فقد كان أملى لهم، حتّى أشروا. و قالوا: إنّ السّبت لنا حلال. و إنّما كان حرّم على أوّلينا. و كانوا يعاقبون على استحلالهم السّبت. فأمّا نحن فليس علينا حرام. و ما زلنا بخير منذ استحللناه.
و قد كثرت أموالنا. و صحّت أجسامنا. ثمّ أخذهم اللّه ليلا و هم غافلون. فهو قوله:
و احذروا أن يحلّ بكم مثل ما حلّ بمن تعدّى و عصى.
و في كتاب الخصال (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام). قال: المسوخ من بني آدم، ثلاثة عشر صنفا- إلى أن قال- فأمّا القردة، فكانوا قوما [من بني إسرائيل كانوا] (3) ينزلون على شاطى البحر اعتدوا في السّبت. فصادوا الحيتان. فمسخهم اللّه قردة.
و فيه (4) أيضا- عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام). قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المسوخ.
فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل- إلى أن قال- و أمّا القردة، فقوم اعتدوا في السّبت.
و فيه (5)- أيضا- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل في بيان الأيّام.
و في آخره قال بعض مواليه: قلت: فالسّبت؟
قال: سبتت الملائكة لربّها (6) يوم السّبت فوحّدته (7) لم يزل واحدا أحدا (8).
و في عيون الأخبار (9)، عن محمّد بن سنان، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث
____________
(1) تفسير القمي.
(2) الخصال/ 493، مقطع من ح 1.
(3) يوجد في المصدر.
(4) نفس المصدر/ 494، مقطع من ح 2.
(5) نفس المصدر/ 384، ذيل ح 61.
(6) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بربّها.
(7) المصدر: فوجدته.
(8) ليس في المصدر.
(9) عيون الأخبار 2/ 94.
37
طويل، يقول فيه: و كذلك حرّم القرد. لأنّه مسخ مثل الخنزير و جعل عظة و عبرة للخلق، دليلا على ما مسخ على خلقته و صورته. و جعل فيه شبه (1) من الإنسان، ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه. (2)
و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى عليّ بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ اليهود أمروا بالإمساك يوم الجمعة. فتركوا يوم الجمعة. و أمسكوا يوم السّبت. فحرّم عليهم الصّيد يوم السّبت.
و بإسناده (4) إلى عبد اللّه بن يزيد بن سلام، أنّه قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد سأله عن الأيّام الأسبوع: فالسّبت؟
قال: يوم مسبوت. و ذلك قوله- عزّ و جلّ- في القرآن: (5) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فمن الأحد إلى [يوم] (6) الجمعة، ستّة أيّام. و السّبت معطّل.
قال: صدقت يا محمّد. (7) و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة] (8)
فَجَعَلْناها، أي: المسخة و العقوبة.
و عن الباقر- (عليه السلام) (9): فجعلنا الأمّة.
[و في مجمع البيان (10): «فجعلناها»: الضّمير يعود إلى الأمّة الّتي مسخت. و هم أهل أيلة، قرية على شاطئ البحر. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).] (11)
نَكالًا: عبرة، تنكل المعتبر بها، أي: تمنعه. و منه النّكل، للقيد.
لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها:
لما قبلها من الأمم و ما بعدها، إذ ذكرت حالهم، في زبر الأوّلين، و اشتهرت قصّتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم و من بعدهم، أو لما يحضرها من القرى و ما تباعد عنها، أو لأهل
____________
(1) المصدر: شبها.
(2) المصدر: عليهم.
(3) علل الشرائع/ 69، ح 1.
(4) نفس المصدر/ 471.
(5) ق/ 38.
(6) يوجد في المصدر.
(7) المصدر: يا رسول اللّه.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(9) مجمع البيان 1/ 130.
(10) نفس المصدر و نفس الموضع.
(11) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
38
ملك القرية و ما حواليها، أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم و ما تأخّر منها.
وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) من قومهم، أو لكلّ من سمعها.
وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً:
سمّيت بقرة، لبقرها الأرض. و الهاء ليست للتّأنيث. و إنّما هي لتدلّ على الوحدة، كالبطّة و الدّجاجة و الإوزّة و الحمامة.
و أوّل هذه القصّة، قوله تعالى (1): وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ. و إنّما فكّت عنه و قدّمت عليه، لاستقلاله بنوع آخر من مساوئهم. و هو الاستهزاء بالأمر و الاستقصاء في السّؤال و ترك المسارعة في الامتثال.
و قصّته على
ما رواه العيّاشيّ، (2) مرفوعا إلى الرّضا- (عليه السلام): أنّ رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له. ثمّ أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل.
ثمّ جاء يطلب بدمه. فقال (3) لموسى- (عليه السلام): إنّ سبط آل فلان قتل. (4) فأخبرنا من قتله.
قال: آتوني ببقرة.
و المرويّ عن الصّادق- (عليه السلام)- (5) في سبب قتله: أنّه قتله ليتزوّج بنته. و قد خطبها. فلم ينعم له. و قد خطبها غيره من خيار بني إسرائيل. فأنعم له فحسده ابن عمّه الّذي لم ينعم له. فعقد له قتله. ثمّ حمله إلى موسى- إلى آخر الحديث.
و المذكور في الكشّاف (6) و غيره (7)، أنّه كان فيهم شيخ موسر. فقتل ابنه بنو أخيه، طمعا في ميراثه. و طرحوه على باب المدينة. ثمّ جاؤوا بدمه. فأمرهم أن يذبحوا بقرة و يضربوه ببعضها، ليحيى فيخبّرهم بقاتله.
قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً: مكان هزء، أو أهله، أو مهزوء بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء، استبعادا لما قاله، أو استخفافا به.
و قرئ هزء (بضمّتين و بسكون الزاء، بالهمزة في الصّورتين و بضمّتين و الواو.)
____________
(1) البقرة/ 72.
(2) تفسير العياشي 1/ 46، ح 57.
(3) المصدر: فقالوا.
(4) المصدر: قتل فلانا.
(5) تفسير القمي 1/ 49.
(6) الكشاف 1/ 148.
(7) مجمع البيان 1/ 134.
39
قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. (67):
لأنّ الهزء في مقام الإرشاد، جهل و سفه.
و العياذ و اللّياذ، من واد واحد.
قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ:
لمّا رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته، فسألوا عنها بما المطلوبة بها الحقيقة. و إلّا، فالمقصود، بيان الحال و الصّفة.
قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ: لا مسنّة و لا فتيّة.
يقال فرضت البقرة فروضا، من الفرض و هو القطع، كأنّها فرضت سنّها.
و تركيب البكر للأوّليّة. و منه البكرة و الباكورة.
عَوانٌ: نصف.
قال الطّرمّاح:
طوال مثل أعناق الهوادي* * * نواعم بين أبكار و عون
بَيْنَ ذلِكَ، أي: ما ذكر من الفارض و البكر. و لذلك أضيف إليه البين. فإنّه لا يضاف إلّا إلى متعدّد.
و في رواية العيّاشيّ، (1) مرفوعا إلى الرّضا- (عليه السلام): أنّهم لو ذبحوا أي بقرة أرادوا، لأجزأتهم. و لكن شدّدوا على أنفسهم، فشدّد اللّه عليهم.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة. فلا يلزمه تأخير البيان، عن وقت الحاجة.
قيل (2): و يلزمه النّسخ، قبل الفعل. فإنّ التّخصيص، أو التّقييد، إبطال للتّخيير الثّابت بالنّصّ. و فيه نظر. لأنّ كون التّخيير فيه، حكما شرعيّا ممنوع، إذ الأمر بالمطلق لا يدلّ إلّا على إيجاب ماهيّته من حيث هي بلا شرط. لكن لمّا لم تتحقّق الماهيّة من حيث هي، إلا في ضمن فرد معيّن، جاء التّخيير، عقلا من غير دلالة النّصّ عليه.
فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) أي: ما تؤمرونه، يعني: ما تؤمرون به. فحذف الجار.
و أوصل الفعل. ثمّ حذف العائد المنصوب من قوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به* * * فقد تركتك ذا مال و ذا نسب
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 46، ح 57.
(2) أنوار التنزيل 1/ 62.
40
أو أمركم بمعنى: مأموركم.
قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟ قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها:
الفقوع، أشدّ ما يكون من الصّفرة و أنصعه. يقال في التّأكيد: أصفر فاقع و وارس، كما يقال: أسود حالك و حانك. (1) و في إسناده إلى اللّون و هو صفة صفراء لملابسته بها، فضل تأكيد. كأنّه قيل:
صفراء شديدة الصّفرة صفرتها. فانتزع من الصّفرة، صفرة و أسند الفقوع إليها. فهو من قبيل جدّ جدّه و جنونك مجنون.
و عن الحسن (2): سوداء شديدة السّواد. و به فسّر قوله تعالى (3): جِمالَتٌ صُفْرٌ.
و قال الأعشى (4):
تلك خيلي منه و تلك ركابي* * * هنّ صفر أولادها كالزّبيب
و لعلّه عبّر بالصّفرة عن السّواد، لأنّها من مقدّماته، أو لأنّ سواد الإبل يعلوه صفرة.
و فيه أنّ الصّفرة بهذا المعنى، لا يؤكّد بالفقوع. و أنّ الإبل و إن وصفت به، فلا يوصف به البقر.
تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)، أي: يوقعهم في السّرور (بالفتح) و هو لذّة في القلب، عند حصول نفع، أو توقعه من السّرّ (بالضّمّ) كأنّه يحصل لهم من رؤيتها نفع، أو توقعه.
و روي عن الصّادق- (عليه السلام) (5)- أنّه قال: من لبس نعلا صفراء، لم يزل مسرورا حتّى يبليهما، كما قال اللّه تعالى صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.»
و عن أمير المؤمنين (6)- (عليه السلام): أنّ من لبس نعلا صفراء، قلّ همّه لقوله تعالى تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟:
كرّر السّؤال الأول، لزيادة الاستكشاف. و قوله:
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا: اعتذار عنه، أي: إنّ البقر الموصوف بالتّعوين و فقوع الصّفرة، كثير. فاشتبه علينا.
____________
(1) أ: حافك. ر: حائك.
(2) أنوار التنزيل 1/ 62.
(3) المرسلات/ 33.
(4) أنوار التنزيل 1/ 62.
(5) الكافي 6/ 466، ح 5- 6 مجمع البيان 1/ 135.
(6) الكشاف 1/ 150.
41
و قرئ الباقر. و هو اسم لجماعة البقرة، و الأباقر و البواقر (1).
و «يتشابه» (بالياء و التّاء)، و «يشابه» (بالياء و التّاء) و تشديد الشّين، بإدغام تاء التّفاعل فيها.
و «تشابهت» (مخفّفا و مشدّدا) إمّا بزيادة الألف في باب التّفعيل، أو بإلحاق التّاء السّاكنة بالمضارع، إلحاقا له بالماضي.
و «تشبه» بحذف إحدى التّائين، من مضارع تفعل. و «يشبه» بالتّذكير، و متشابه و متشابهة و مشتبه و متشبّه و مشتبهة.
وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل.
روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- (2) أنّه قال: و أيم اللّه! لو لم يستثنوا، ما بيّنت لهم آخر الأبد.
و احتجّ به الأشاعرة، على أنّ الحوادث، بإرادة اللّه تعالى. و أن الأمر قد ينفكّ عن الإرادة. و إلّا لم يكن للشّرط بعد الامر معنى! و الكراميّة و المعتزلة على حدوث الإرادة. (3) و يردّ عليهم: أنّ هذا إنّما يمكن الاستدلال به، إذا كان من كلامه تعالى، لا على سبيل الحكاية. و ليس كذلك. فإنّه حكاية لما يقولونه. و يحتمل أن لا يكون حقّا في نفس الأمر. و إذا قام ذلك الاحتمال، لم يمكن الاستدلال. و لو سلم، فيردّ على الأشاعرة، وجوه من النّظر:
الأوّل: أنّ الآية يحتمل أن يكون المراد بها أنّه إن شاء اللّه هدايتنا. لكنّا مهتدين على سبيل الجزم. و لو لم يشأ، يحتمل الاهتداء و عدمه.
[الثّاني: أنّه إنّما يتمّ لو كان الإرادة و المشيئة بمعنى واحد. و هو ممنوع. فلو دلّت الآية على أنّ الحوادث بمشيّة اللّه، فلم تدلّ على أنّها بإرادته.] (4) الثّالث: (5) أنّ قولهم: دلّت الآية على أنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة، ممنوع.
و الملازمة الّتي ادّعوها في بيانه، ممنوعة. لأنّ معنى الشّرط بعد الأمر، أنّه تعالى لو شاء هدايتهم، لهداهم، أي: لو لم يشأ، لم يهدهم. و ذلك لا ينافي أنّه شاء أمرهم، فأمرهم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 62.
(2) الكشاف 1/ 151.
(3) أنوار التنزيل 1/ 63.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) أ: الثاني.
42
و الحاصل أنّ الأمر لا ينفكّ عن الإرادة بمعنى أنّه لا يجوز أن يأمر و لا يريد. و الآية لم تدلّ على الجواز بهذا المعنى، كما قرّرنا. بل التّحقيق أنّ أمره كاشف عن إرادته. و أمّا أنّ مراده هل ينفكّ عن إرادته أم لا؟ فشيء آخر يستحقّ في موضعه.
و على المعتزلة و الكراميّة: أنّه يحتمل أن يكون التّعليق باعتبار التّعلّق، أو كان المعنى لو كان شاء اللّه هدايتنا الآن، لنهتدي. و الحقّ أنّ الأمر لا ينفك عن الإرادة، بالمعنى الّذي حقّقته. و أنّ الإرادة حاثّة من صفات الفعل. و سنحقّق ذلك في موضع آخر- ان شاء اللّه.
قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ، أي: لم تذلّل للكراب و سقي الحرث.
و «لا ذلول» صفة البقرة، بمعنى غير ذلول.
و «لا» الثّانية. مزيدة (1) لتأكيد الأولى.
و الفعلان، صفتا «ذلول»، كأنّه قيل: لا ذلول مثيرة و ساقية.
و قرئ لا ذلول (بالفتح)، أي: هناك، أي: حيث هي: كقولك: مررت برجل لا بخيل و لا جبان، أي: هناك، أي: حيث هو.
و «تسقي» من السّقي.
مُسَلَّمَةٌ:
سلّمها اللّه من العيوب، أو أهلها من العمل، أو خلص لونها من سلم له كذا إذا خلص له، أي: لم يشب صفرتها شيء من الألوان.
لا شِيَةَ فِيها: لا لون فيها يخالف لون جلدها. فهي صفراء كلّها. حتّى قرنها و ظلفها.
و هي في الأصل، مصدر و شاه و شيا و شية، إذا خلط بلونه لون آخر.
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ، أي: الحقّ البيّن الّذي لا يشتبه علينا.
و قرئ الآن (بالمدّ) على الاستفهام، و لآن (بحذف الهمزة و إلقاء حركتها على اللّام.) (2) فَذَبَحُوها:
____________
(1) أ: تزايدة.
(2) أنوار التنزيل 1/ 63.
43
فيه اختصار. و التّقدير: فحصلوا البقرة المنعوتة، فذبحوها.
وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) لتطويلهم في السّؤال و كثرة مراجعاتهم.
و
روي (1) أنّهم كانوا يطلبون البقرة الموصوفة، أربعين سنة
، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها إذ روي أنّه كان في بني إسرائيل شيخ صالح، له عجلة. فأتى بها الغيضة. و قال: اللّهمّ إنّي أستودعكها لابني حتّى تكبر. و كان برّا بوالديه. فثبت. و كانت من أحسن البقرة و أسمنها. و وحيدة بتلك الصّفات. فساوموها اليتيم و أمّه حتّى اشتروها بملء مسكها ذهبا. و كانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير.
و في رواية العيّاشيّ: (2) أنّه قال الرّضا- (عليه السلام): قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعض أصحابه: إنّ هذه البقرة ما شأنها؟
فقال: إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّا بأبيه. و إنّه اشترى سلعة، فجاء إلى أبيه. فوجده نائما و الإقليد تحت رأسه. فكره أن يوقظه. فترك ذلك. و استيقظ أبوه.
فأخبره. فقال له: أحسنت! خذ هذه البقرة. فهي لك عوض لما فاتك.
قال: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): انظروا إلى البرّ ما بلغ بأهله.
و روي أنّ ذلك الشّابّ من بني إسرائيل، قد رأى محمّدا و عليّا في منامه و أحبّهما.
و قالا له: لأنّك تحبّنا نجزيك ببعض جزائك في الدّنيا. فإذا جاءك بنو إسرائيل يريدون شراء البقرة منك، فلا تبعها إلّا برضى من أمّك.
فلّمّا أرادوا شراءها، كلّما زادوا في ثمنها، لم ترض أمّه، حتّى شرطوا على أن يملئوا ثور (3) بقرة عظيمة في ثمنها، فرضيت.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و الحديث بتمامه مذكور في شرح الآيات الباهرة، منقولا عن التّفسير المنسوب إلى الحسن العسكريّ- (عليه السلام). (4) و قد ذكرته بتمامه في تفسيرنا الموسوم بالتّبيان. و على اللّه التّكلان.
و «كاد» من أفعال المقاربة. وضع لدنوّ الخبر، حصولا فإذا دخل عليه النّفي، قيل معناه الإثبات، مطلقا. و قيل ماضيا. و الحقّ أنّه كسائر الأفعال. و لا ينافي قوله تعالى
____________
(1) الكشاف 1/ 153.
(2) تفسير العياشي 1/ 46، ح 57، بتفاوت+ مجمع البيان 1/ 136.
(3) الظاهر: مسك.
(4) تفسير العسكري/ 131.
44
وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ، قوله فَذَبَحُوها لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى أنّهم ما قاربوا أن يفعلوا حتّى انتهت سؤالاتهم. و انقطعت تعلّلاتهم. ففعلوا كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل. (1) وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً:
خاطب الجمع، لوجود القتل فيهم.
فَادَّارَأْتُمْ فِيها: اختصمتم في شأنها، إذ الخصمان يدفع بعضهم بعضا.
و أصل الدّرء: الدّفع. و منه الحديث ادرؤوا الحدود بالشّبهات، و قول رؤبة.
أدركتها قدّام كلّ مدرة* * * بالدّفع عنّي درء كلّ غنجة (2)
فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى تدافعتم بأن طرح قتلها كلّ عن نفسه إلى صاحبه.
و قيل (3): الدّرء: العوج. و منه قول الشّاعر:
فنكّب عنهم درء الأعادي* * * و داووا بالجنون من الجنون
و أصله: تدارأتم. فأدغمت التّاء في الدّال. و اجتلبت لها همزة الوصل.
وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72):
مظهره و أعمل مخرج، لأنّه حكاية مستقبل، كما أعمل باسط ذراعيه. لأنّه حكاية حال ماضية.
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ:
عطف على «ادّارأتم» و ما بينهما اعتراض.
و الضّمير للنّفس. و تذكيره على تأويل الشّخص، أو القتيل.
بِبَعْضِها، أي: بعض كان. (4) [و قيل (5): بأصغريها.
و قيل (6): بلسانها.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 63.
(2) هو الظاهر. و في الأصل ور: غنيجة. و في أ: عيجة. و في المصدر (مجمع البيان 1/ 137): عنجه.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) يوجد في أبعد هذه العبارة: و فيه أقول أخذ مستندها غير معلوم.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 63.
45
و قيل (1): بفخذها اليمنى.
و قيل (2): بالاذن.
و قيل (3): بالعجب. و هو اصل الذنب و في الأحاديث الآتية: أنّ الضرب بذنبها.] (4) نقل (5) أنّه لما ضرب ببعضها قام حيا و أوداجه تشخب دما. قال: قتلني فلان ابن عمّي. ثم قبض.
[و فيما يأتي من الخبر، أنّه عاش بعد ذلك سبعين سنة.] (6) كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى: يدلّ على ما حذف، أي: فضربوه، فحيى.
و الخطاب مع من حضر حياة القتيل، أو نزول الآية.
وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73): لكي بكمل عقلكم و تعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس، قدر على إحياء الأنفس.
و في الآية مع ما ذكر في بيانه من الأحاديث الدّلالة على انّ التّموّل و الغنى من عند اللّه، ينبغي أن يطلب منه، لا بمخالفة أمره، كما ناله الفتى من بني إسرائيل و لم ينله القاتل ابن عمّه.
[و في عيون الأخبار (7): حدّثني (8) أبي- رضي اللّه عنه. قال: حدّثني (9) عليّ بن موسى بن جعفر بن أبي جعفر الكميدانيّ و محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ. قال: سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: إنّ رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له. ثمّ أخذه فطرحه (10) على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل. ثمّ جاء يطلب بدمه.
فقالوا لموسى- (عليه السلام): إنّ سبط آل فلان قتلوا فلانا. فأخبرنا من قتله؟
قال: ائتوني ببقرة.
قالُوا: أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً؟
قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ.
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 63.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) الكشاف 1/ 153+ مجمع البيان 1/ 137.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) عيون الأخبار 2/ 13- 14، ح 31.
8 و 9- المصدر: حدّثنا.
(10) المصدر: و طرحه.
46
و لو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، أجزأتهم. و لكن شدّدوا، فشدّد اللّه عليهم.
قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟
قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ، يعني: لا صغيرة و لا كبيرة، عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ».
و لو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، أجزأتهم. و لكن شدّدوا، فشدّد اللّه عليهم.
قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟
قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.
و لو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، لأجزأتهم. و لكن شدّدوا، فشدّد اللّه عليهم.
قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا. وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ.
قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها. قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ.
فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل.
فقال: لا أبيعها إلّا بملء مسكها ذهبا.
فجاءوا إلى موسى- (عليه السلام). فقالوا له ذلك. فقال: اشتروها. فاشتروها.
و جاؤوا بها. فأمر بذبحها. ثمّ أمروا بأن يضربوا (1) الميّت، بذنبها. فلمّا فعلوا ذلك، حيي المقتول. و قال: يا رسول اللّه! إنّ ابن عمّي قتلني دون من يدّعي عليه قتلي. فعلموا بذلك قاتله.
فقال: رسول (2) اللّه، موسى [بن عمران] (3)- (عليه السلام)- لبعض (4) أصحابه: إنّ هذه البقرة لهابنا.
فقال: و ما هو؟
فقال: إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّا بأبيه و [إنّه] (5) اشترى تبيعا (6). فجاء إلى أبيه. و الأقاليد (7) تحت رأسه. فكره أن يوقظه. فترك ذلك البيع. فاستيقظ أبوه. فأخبره.
____________
(1) المصدر: أن يضرب.
(2) كذا في المصدر. و في الأصل ور: لرسول.
(3) يوجد في المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بعض.
(5) يوجد في المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بيعا.
(7) المصدر: و رأى أنّ المقاليد.
47
فقال له: أحسنت! خذ هذه البقرة. فهي لك عوضا لما فاتك.
قال: فقال له رسول اللّه، موسى [بن عمران] (1)- (عليه السلام). انظروا إلى البرّ، ما يبلغ (2) بأهله.
و في كتاب الخصال، مثله سواء. (3)
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ رجلا من خيار بني إسرائيل و علمائهم، خطب امرأة منهم. فأنعمت له. و خطبها ابن عمّ لذلك الرّجل. و كان فاسقا رديئا. فلم ينعموا له.
فحسد ابن عمّه الّذي أنعموا له. فقعد له. فقتله غيلة. ثمّ حمله إلى موسى- (عليه السلام).
فقال: يا نبيّ اللّه! هذا ابن عمّى. قد قتل.
فقال موسى: من قتله؟
قال: لا أدري.
و كان القتل في بني إسرائيل، عظيما جدّا. فعظم ذلك على موسى. فاجتمع إليه بنوا إسرائيل.
فقالوا: ما ترى؟ يا نبيّ اللّه! و كان في بني إسرائيل رجل له بقرة. و كان له ابن بارّ. و كان عند ابنه، سلعة.
فجاء قوم يطلبون سلعته. و كان مفتاح بيته تحت رأس أبيه. و كان نائما و كره ابنه أن ينبّهه و ينغّص عليه نومه. فانصرف القوم: فلم يشتروا سلعته.
فلمّا انتبه أبوه قال له: يا بنيّ! ما صنعت في سلعتك؟
قال: هي قائمة. لم أبعها. لأنّ المفتاح كان تحت رأسك، فكرهت أن أنبّهك و أنغّص عليك نومك.
قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عمّا فاتك من ربح سلعتك.
و شكر اللّه لابنه ما فعل بأبيه. و أمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) المصدر: بلغ.
(3) بل في تفسير العياشي 1/ 46، ح 57، و كذلك عنه في البحار 13/ 263، بعد نقله الحديث عن عيون الأخبار. و الظاهر أنّ هذا سهو من صاحب تفسير نور الثقلين، كما يبدو من ملاحظة تفسيره 1/ 88 (!)
(4) تفسير القمي 1/ 49- 50.
(5) المصدر: رجالهم.
48
فلمّا اجتمعوا إلى موسى و بكوا و ضجّوا قال لهم موسى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.» فتعجّبوا. و قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً؟» إنا نأتيك بقتيل. فتقول اذبحوا بقرة! فقال لهم موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ.
فعلموا أنّهم قد أخطأوا. فقالوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا، ما هِيَ؟» قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ (الفارض الّتي قد ضربها الفحل. و لم تحمل. و البكر الّتي لم يضربها.) قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، أي: لونها شديد الصّفرة (1)، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إليها.
قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا. وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي، لم تذلّل وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ، أي: لا تسقي الزّرع. مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها، أي، لا نقط فيها إلّا الصّفرة.
قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ (2) هي بقرة فلان. فذهبوا يشتروها.
فقال: لا أبيعها إلّا بملء جلدها ذهبا.
فرجعوا إلى موسى. فأخبروه.
فقال لهم موسى: لا بدّ لكم من ذبحها بعينها. فاشتروها (3) بملء جلدها ذهبا، فذبحوها.
ثمّ قالوا: ما تأمرنا؟ يا نبيّ اللّه! فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- إليه: قل لهم: اضربوه ببعضها. و قولوا من قتلك.
فأخذوا الذّنب، فضربوه به. و قالوا: من قتلك؟ يا فلان! فقال: فلان بن فلان. (ابن عمّه (4) الّذي جاء به.) و هو قوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى. وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
____________
(1) المصدر: شديدة الصفرة.
(2) يوجد في المصدر بعدها: فذبحوها. و ما كادوا يفعلون.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: ابن عمى.
49
و في شرح الآيات الباهرة (1): قال الإمام- (عليه السلام): فألزم موسى- (عليه السلام)- أهل القبيلة (2) بأمر اللّه، أن يخلف خمسون رجلا من أماثلهم باللّه القويّ الشّديد، إله بني إسرائيل مفضّل محمّد و آله الطّيّبين على البرايا أجمعين، إنّا ما قتلنا.
و لا علمنا له قاتلا. ثمّ بعد ذلك أجمع (3) بنو إسرائيل (4) على أنّ موسى- (عليه السلام)- يسأل اللّه- عزّ و جلّ- أن يحييّ المقتول، ليسألوه من قتله. و اقترحوا عليه ذلك.
قال الإمام- (عليه السلام): فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا موسى! أجبهم إلى ما اقترحوه. و سلني أن أبيّن لهم القاتل، ليقتل و يسلم غيره من التّهمة و الغرامة. فإنّي أريد إجابتهم إلى ما اقترحوه، توسعة الرّزق (5) على رجل من خيار أمّتك دينه الصّلاة على محمّد و آله الطّيّبين و التّفضيل لمحمّد و عليّ بعده على سائر البرايا، أن أغنيه في الدّنيا ليكون ذلك بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمّد و آله.
فقال موسى- (عليه السلام): يا ربّ! بيّن لنا قاتله.
فأوحى اللّه تعالى إليه: قل لبني إسرائيل: إنّ اللّه يبيّن لكم ذلك بأن أمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوا ببعضها المقتول، فيحيى. أ فتسلمون (6) لربّ العالمين ذلك؟
ثمّ قال الإمام- (عليه السلام): فلمّا استقرّ الأمر، طلبوا هذه البقرة. فلم يجدوها، إلّا عند شابّ من بني إسرائيل، أراه اللّه تعالى في منامه محمّدا و عليّا، فقالا: إنّك كنت لنا محبّا و مفضّلا. و نحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدّنيا. فإذا راموا منك شراء بقرتك، فلا تبعها، إلّا بأمر أمّك.
ثمّ قال- (عليه السلام): فما زالوا يطلبون على النّصف ممّا تقول أمّه و يرجع إلى أمّه، فتضعف الثّمن، حتّى بلغ ملء مسك ثور أكبر ما يكون دنانير. فأوجبت لهم البيع.
فذبحوها. و أخذوا قطعة منها. فضربوه بها. و قالوا: اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطّيّبين لمّا أحييت هذا الميّت. و أنطقته ليخبرنا عن قاتله. فقام سالما سويّا.
فقال: يا نبيّ اللّه! قتلني هذان ابنا عمّي. حسداني على ابنة عمّي. فقتلاني.
____________
(1) شرح الآيات الباهرة/ 22- 23.
(2) المصدر: القتلة.
(3) المصدر: امر.
(4) المصدر: بني إسرائيل.
(5) المصدر: للرزق.
(6) المصدر: فتسلموا.
50
فقال بعض بني إسرائيل لموسى- (عليه السلام): لا ندري أيّهما أعجب: إحياء اللّه هذا و إنطاقه بما نطق، أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟
فأوحى اللّه إليه: يا موسى! قل لبني إسرائيل: من أحبّ منكم أن أطيّب في الدّنيا عيشه و أعظّم في جناني محلّه و أجعل لمحمّد و آله الطّيّبين فيها منادمته، فليفعل كما فعل هذا الفتى: إنّه كان قد سمع من موسى ابن عمران ذكر محمّد و عليّ و آلهما الطّيّبين فكان عليهم مصلّيا، و لهم على جميع الخلائق من الملائكة و الجنّ و الإنس مفضّلا. فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم.
ثمّ قال- (عليه السلام): فقال الفتى: يا نبيّ اللّه! كيف أحفظ هذه الأموال؟ و كيف لا أحذر عداوة من يعاديني فيها و حسد من يحسدني من أجلها؟
فقال له: قل عليه (1) من الصّلاة على محمّد و آله الطيبين ما كنت تقول، قبل أن تنالها.
فقالها الفتى. فما رامها حاسد، أو لصّ، أو غاصب، إلّا دفعه اللّه- عزّ و جلّ- بلطفه.
فلمّا قال موسى- (عليه السلام)- للفتى ذلك، قال المقتول المنشور: اللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به هذا الفتى، من الصّلاة على محمّد و آله الطيّبين و التّوسّل بهم، أن تبقيني في الدّنيا متمتّعا بابنة عمّي و تخزي أعدائي و حسّادي و ترزقني منها كثيرا (2) طيّبا.
قال: فأوحى اللّه إليه: يا موسى! إنّه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل، ستّون سنة. و قد وهبت له بمسألته و توسّله بمحمّد و آله الطّيّبين، سبعين سنة تمام. مائة و ثلاثين سنة صحيحه حواسّه، ثابتة فيها جنانه و قوّته و شهواته. يتمتّع بحلال هذه الدّنيا. و يعيش.
و لا يفارقها. و لا تفارقه. فإذا حان حينه، حان حينها. و ماتا جميعا. فصارا إلى جناني. و كانا زوجين فيها ناعمين.
ثمّ قال- (عليه السلام): فضجّوا إلى موسى- (عليه السلام)- و قالوا: افتقرت القبيلة و دفعت إلى التّلف و أسلخنا بلجاجنا عن قليلنا و كثيرنا؟ فادع اللّه تعالى لنا بسعة الرّزق.
فقال موسى- (عليه السلام): يا ويحكم! ما أعمى قلوبكم! أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة و ما رزقه اللّه تعالى من الغنى! أو ما سمعتم دعاء (3) المقتول المنشور و ما أثمر
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: أولادا كثيرا.
(3) ليس في المصدر.
51
له من العمر الطّويل و السّعادة و التّنعّم و التّمتّع بحواسّه و ساير بدنه و عقله؟ لم لا تدعون اللّه تعالى بمثل دعائهما و تتوسّلون إلى اللّه تعالى بمثل وسيلتهما؟ ليسدّ فاقتكم و يجبر كسركم و يسدّ خلّتكم.
فقالوا: اللّهمّ إليك التجأنا و على فضلك اعتمدنا. فأزل فقرنا، و سدّ خلّتنا، بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطّيّبين من آلهم.
فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى! قل لهم: ليذهب رؤساؤكم إلى خربة بني فلان، و يكشفوا في موضع كذا وجه الأرض قليلا، و يستخرجوا ما هناك، فإنّه عشرة آلاف ألف دينار، ليردّوا على كلّ من دفع من (1) ثمن البقرة ما دفع، لتعود أموالهم. ثمّ ليتقاسموا بعد ذلك ما فضل، و هو خمسة آلاف ألف دينار. على قدر ما دفع كلّ واحد منهم في هذه المحنة، لتتضاعف أموالهم، جزاء على توسّلهم بمحمّد و آله الطّيّبين و اعتقادهم لتفضيلهم.
ثمّ قال- عزّ و جلّ: وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، أي: يريكم سائر آياته، سوى هذه من الدّلالات على توحيده و نبوّة موسى- (عليه السلام)- نبيّه و فضل محمّد على الخلائق سيّد إمائه و عبيده و تثبيت (2) فضله و فضل آله الطّيّبين، على سائر خلق اللّه أجمعين، لعلّكم تعقلون و تتفكّرون أن الّذي يفعل هذه العجائب، لا يأمر الخلق إلّا بالحكمة. و لا يختار محمّدا و آله إلّا لأنّهم أفضل ذوي الألباب.] (3).
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ:
القساوة: الغلظ مع الصّلابة، كما في الحجر.
و قساوة القلب، مثل في نبوه (4) عن الاعتبار، و أنّ المواعظ لا تؤثّر فيه. ثمّ لاستبعاد القسوة و نحوه. ثمّ أنتم تمترون.
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، يعني: إحياء القتيل، أو جميع ما عدّد من الآيات. فإنّها ممّا توجب لين القلب.
فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في قسوتها.
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً: منها، يعني: أنّها في القساوة مثل الحجارة [أو زائدة عليها، أو أنّها
____________
(1) المصدر: في.
(2) المصدر: ثبت.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) أ: بثوه.
52
مثلها، أو مثل ما هو أشدّ منها قسوة، كالحديد. فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.
و يعضده قراءة الحجرّ بالفتح، عطفا على الحجارة] (1).
و إنّما لم يقل أقسى، لما في أشدّ من المبالغة. و الدّلالة على اشتداد القوتين و اشتمال المفضّل على زيادة واو للتخيير أو للتّرديد، بمعنى أنّ من عرف حالها شبّهها بالحجارة، أو بما هو أقسى منها.
وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ. وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ. وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ:
تعليل للتّفضيل. فإنّ الحجارة ينفعل. فإنّ منها لما يتفجّر منه الأنهار.
و التّفجر: الفتح بسعة. و منها ما ينبع منه الماء. و منها ما يتردّى من أعلى الجبل انقيادا لما أراد اللّه تعالى به. و قلوب هؤلاء لا تتأثّر عن أمر اللّه تعالى.
و الخشية مجاز من الانقياد.
وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74):
وعيد على ذلك.
و قرأ ابن كثير و نافع و يعقوب و خلف و أبو بكر، بالياء و الباقون، بالتّاء (2).
و قد ورد عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: (3) لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر اللّه يقسي القلب. و إنّ أبعد النّاس من اللّه، القاسي القلب.
[و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ: (4) و قال أبو محمّد العسكريّ- (عليه السلام): لمّا نزلت هذه الآية ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً في حقّ اليهود و النّواصب، فغلظ ما (5) وبّخهم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال جماعة من رؤسائهم و ذوي الألسن و البيان منهم. يا محمّد! إنّك لمجنون. فتدّعي (6) على قلوبنا ما اللّه يعلم منها خلافه إنّ فيها خيرا كثيرا نصوم و نتصدّق و نواسي الفقراء.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّما الخير ما أريد به وجه اللّه و عمل على ما أمر اللّه تعالى. فأمّا ما أريد به الرّياء و السّمعة و معاندة رسول اللّه- صلّى اللّه عليه
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) مجمع البيان 1/ 139.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) الاحتجاج 1/ 50.
(5) المصدر: على اليهود ما.
(6) المصدر: إنّك تهجونا و تدّعي.
53
و آله- و إظهار الغنى له و التّمالك و الشّرف، فليس بخير. بل هو الشّرّ الخاصّ. (1) و وبال على صاحبه. يعذّبه اللّه به أشدّ العذاب.
فقالوا له: يا محمّد! أنت تقول هذا و نحن نقول: بل ما ننفقه إلّا لإبطال أمرك و دفع رئاستك و لتفريق أصحابك عنك. و هو الجهاد الأعظم. نؤمل به من اللّه الثّواب الأجلّ الأجسم. (2)
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و فيه إلزامهم على الوجه الأعظم.
و في الخرائج و الجرائح، (3) روي عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- في قوله تعالى ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً: قال إنّه يقول: يبست قلوبكم، معاشر اليهود! كالحجارة اليابسة. لا ترشح برطوبة، أي: أنّكم لا حقّ اللّه تؤدّون، و لا بأموالكم تتصدّقون، و لا بالمعروف تتكرّمون، و لا للضّيف تقرون، و لا مكروبا تغيثون، و لا بشيء من الإنسانية تعاشرون، و تواصلون. أو أَشَدُّ قَسْوَةً: أبهم على السّامعين. و لم يبيّن لهم كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما، و هو لا يريد به أنّه لا أدري ما أكلت، بل يريد أن يبهم على السّامع حتّى لا يعلم ما ذا أكل. و إن يعلم أن قد أكل أيّهما.
وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، أي: قلوبكم في القساوة بحيث لا يجيء منها خير، يا يهود! في الحجارة ما يتفجّر الأنهار، فيجيء بالخير و النّبات لبني آدم. و إِنَّ مِنْها، أي: من الحجارة لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ دون الأنهار. و قلوبكم لا يجيء منها الكثير من الخير و لا القليل. وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ، أي: من الحجارة، إن أقسم عليها باسم اللّه تهبط. و ليس في قلوبكم شيء منه.
فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّ الحجارة ألين من قلوبنا؟ و هذه الجبال بحضرتنا.
فاستشهدها على تصديقك. فإن نطقت بتصديقك، فأنت المحقّ.
فخرجوا إلى أوعر جبل. فقالوا: استشهده.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أسألك يا جبل! بجاه محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف اللّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه.
____________
(1) كذا في المصدر و في الأصل ور. و لعله: الخالص.
(2) المصدر: العظيم.
(3) تفسير نور الثقلين 1/ 90، ح 245، نقلا الخرائج و الجرائح.
54
فتحرّك الجبل. و فاض الماء. و نادى: أشهد أنّك رسول اللّه. و أنّ قلوب هؤلاء اليهود، كما وصفت، أقسى من الحجارة.
فقال اليهود: علينا تلبس. أجلست أصحابك خلف هذا الجبل، ينطقون بمثل هذا؟ فإن كنت صادقا، فتنحّ من موضعك إلى ذي القرار. و مر هذا الجبل، يسير إليك.
و مره أن ينقطع بنصفين، ترتفع السّفلى و تنخفض العليا.
فأشار إلى حجر مد حرج. فتدحرج. ثمّ قال لمخاطبه: خذه. فقرّبه. فسيعيد عليك ما سمعت. فإنّ هذا جزء من ذلك الجبل.
فأخذه الرّجل. فأدناه من أذنه. فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل.
قال: فإنّني بما اقترحت.
قال: فتباعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فضاء واسع، ثمّ نادى: أيّها الجبل! بحقّ محمّد و آله الطّيّبين، لمّا اقتلعت من مكانك بإذن اللّه وجئت إلى حضرتي.
فتزلزل الجبل. و صار (1) مثل الفرس الهملاج. فنادى: أنا سامع لك، و مطيع أمرك.
فقال: هؤلاء اقترحوا على أن أمرك إن تنقطع من أصلك، فتصير نصفين، فينحطّ أعلاك و يرتفع أسفلك.
فانقطع نصفين. و ارتفع أسفله. و انخفض أعلاه. فصار فرعه أصله.
ثمّ نادى الجبل: أ هذا الّذي ترون دون معجزات موسى الّذي تزعمون أنّكم به تؤمنون؟
فقال رجل منهم: هذا رجل تتأتّى له العجائب. فنادى الجبل: يا عدوّ اللّه! أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى حيث كان وقوف الجبل فوقهم كالظّلل فيقال هو رجل تتأتّى له العجائب. فلزمتهم الحجّة و لم يسلموا؟
و في مجمع البيان (2): و روى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ حجرا كان يسلّم عليّ في الجاهليّة، و إنّي لأعرفه الآن.
و في كتاب الخصال (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: كان فيما أوصى
____________
(1) المصدر: سار. و هو الظاهر.
(2) مجمع البيان: 1/ 140- 141.
(3) الخصال 125- 126، مقطع من ح 122.
55
به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام): يا عليّ! ثلاث يقسين القلب:
استماع اللّهو، و طلب الصّيد، و إتيان باب السّلطان.
و فيه (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: و لا يطول عليكم الأمل (2)، فتقسو قلوبكم.
عن أبي عبد اللّه، عن أبيه (3)- (عليهما السلام). قال: أوحى اللّه- تبارك و تعالى- إلى موسى- (عليه السلام): لا تفرح بكثرة المال- إلى قوله- و ترك ذكري يقسي القلوب.
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة. قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): ما جفّت الدّموع إلّا لقسوة القلوب. و ما قست القلوب إلّا لكثرة الذّنوب.
و في أصول الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عمرو ابن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه. قال: فيما ناجى اللّه- عزّ و جلّ- به موسى- (عليه السلام): يا موسى! لا يطول في الدّنيا أملك، فيقسو قلبك. و القاسي القلب، منّي بعيد.
و في شرح الآيات الباهرة (6): قال الإمام- (عليه السلام)- في تأويل ذلك: و قلوبهم لا يتفجّر (7) منها الخيرات و لا تنشقّ فيخرج منها قليل من الخيرات و إن لم يكن كثيرا.
ثمّ قال- عزّ و جلّ: وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إذا أقسم عليها باسم اللّه و بأسماء أوليائه، محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطّيّبين من آلهم- صلّى اللّه عليهم. و ليس في قلوبكم شيء من هذه الخيرات.
ثمّ قال- (عليه السلام): و هذا التّقريع من اللّه تعالى لليهود و النّواصب. و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين. فغلظ على اليهود ما وبّخهم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و قال جماعة من رؤسائهم: يا محمّد! إنّك مجنون. تدّعي على قلوبنا ما اللّه (8) يعلم منها خلافه. و إن فيها خيرا كثيرا، نصوم و نتصدّق و نواسي الفقراء.
ثمّ قال- (عليه السلام): فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّه ما في قلوبنا شيء من مواساة الفقراء و معاونة الضّعفاء؟ و إنّ الأحجار ألين من قلوبنا. و أطوع للّه منّا. و هذه الجبال
____________
(1) نفس المصدر: 622.
(2) المصدر: الأمد.
(3) نفس المصدر/ 39، ح 23.
(4) علل الشرائع/ 81، ح 1.
(5) الكافي 2/ 329، ح 1.
(6) تأويل الآيات الباهرة/ 24- 25.
(7) المصدر: لا تنفجر.
(8) المصدر: فاللّه.
56
بحضرتنا، هلمّ بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك و تكذيبنا؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): نعم. فهلمّوا بنا إلى أيّها شئتم استشهده ليشهد لي عليكم.
قال: فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه.
فقالوا: يا محمّد! هذا الجبل. فاستشهده! فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أيّها الجبل! إنّي أسألك بجاه محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف اللّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه و هم خلق كثير لا يعرف عددهم إلّا اللّه- عزّ و جلّ-، و بحقّ محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم تاب اللّه تعالى على آدم و غفر خطيئته و أعاده إلى مرتبته، و بحقّ محمّد و آله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم و سؤال اللّه بهم رفع إدريس في الجنّة مكانا عليّا، لمّا شهدت لمحمّد بما أودعك اللّه بتصديقه على هؤلاء اليهود، في ذكر (1) قساوة قلوبهم و تكذيبهم في جحودهم لقول محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
قال: فتحرّك الجبل. فتزلزل. (2) و فاض عنه الماء. و نادى: يا محمّد! أشهد أنّك رسول اللّه ربّ العالمين، و سيّد الخلائق أجمعين صلّى اللّه عليك و آلك إلى العالمين و الخلائق أجمعين. و أشهد أن قلوب هؤلاء اليهود أقسى من الحجارة. لا يخرج منها خير. و قد يخرج من الحجارة الماء سيلا و تفجيرا. و أشهد أنّ هؤلاء الكاذبون عليك بما به قذفوك من الفرية على ربّ العالمين.
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): و أسألك، أيّها الجبل! أمرك اللّه بطاعتي فيما التمسه (3) منك بجاه محمّد و آله الطّيّبين الّذين بهم نجّى اللّه تعالى نوحا من الكرب العظيم و بهم برّد اللّه النار على إبراهيم و جعلها عليه سلاما و مكّنه في جوف النّار على سرير و فراش و برد (4) و أنبت مواليه من الأشجار الخضرة النّضرة الزهرة (5) و عمّر ما حوله من انواع ما لا يوجد إلّا في الفصول الأربعة من جميع السّنة.
قال: فقال الجبل: بلى. أشهد، يا محمّد! لك بذلك. و أشهد أنّك لو اقترحت على
____________
(1) المصدر: ذكره في.
(2) المصدر: و تزلزل.
(3) كذا في المصدر. و في الأصل ور: التمسته.
(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: بئر.
(5) المصدر: آنس هيئة.
57
ربّك أن يجعل رجال الدّنيا قرودا و خنازير، لفعل. و أن يجعلهم ملائكة، لفعل و أن يقلب النّيران جليدا و الجليد نيرانا، لفعل. و أن يهبط السّماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السّماء، لفعل. و أن يصيّر أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلّها ضرب طرف الكبش (1)، لفعل. و أنّه قد جعل الأرض و السّماء طوعك و البحار و الجبال تنصرف (2) بأمرك. و سائر ما خلق اللّه من الرّياح و الصّواعق و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة. و ما أمرتها به من شيء ائتمرت.
تمّ كلامه (صلوات اللّه عليه). فقالت اليهود بعد: أنت تلبس علينا و اقترحوا عليه أشياء أن يفعلها الجبل المشار إليها فأجابهم إليها.
قال الإمام- (عليه السلام): فتباعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فضاء واسع. ثمّ نادى الجبل: يا أيّها الجبل! بحقّ محمّد و آله الطّيّبين الّذين بجاههم و مسألة عباد اللّه بهم أرسل اللّه على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية تنزع النّاس كأنّهم أعجاز نخل خاوية، و أمر جبرئيل أن يصيح صيحة واحدة في قوم صالح حتّى صاروا كالهشيم المحتضر، لمّا انقلعت من مكانك بإذن اللّه و جئت إلى حضرتي.
قال: فتزلزل (3) الجبل، و صار كالقدح الهملاج، حتّى دنى من إصبعه. فلصق بها.
و وقف. و نادى: ها أنا سامع لك مطيع، يا رسول اللّه! و إن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين، فمرني بأمرك.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ هؤلاء المعاندين اقترحوا عليّ أن أمرك أن تنقلع (4) من أصلك، فتصير نصفين، ثمّ ينحطّ أعلاك، و يرتفع أسفلك، و تصير ذروتك أصلك، و أصلك ذروتك.
فقال الجبل: أ فتأمرنى بذلك، يا رسول اللّه؟
قال: بلى.
قال: فانقطع الجبل نصفين. و انحطّ أعلاه إلى الأرض. و ارتفع أسفله فوق أعلاه.
____________
(1) المصدر: ظرف الكيش. و في هامش المصدر: صرة كصرة الكيس (خ ل). و كذلك في تفسير البرهان 1/ 114.
(2) المصدر: تتصرّف.
(3) المصدر: فتحرّك.
(4) المصدر: تنقطع.
58
فصار فرعه أصله، و أصله فرعه.
ثمّ نادى الجبل: معاشر اليهود! هذا الّذي ترون دون معجزات موسى الّذي تزعمون أنّكم به مؤمنون.
فنظر اليهود بعضهم إلى بعض. فقال بعضهم: ما عن هذا محيص. و قال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت. و مبخوت (1) تتأتّى له (2) العجائب. فلا يغرّنّكم ما تشاهدون منه.
فناداهم الجبل: يا أعداء اللّه! أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى؟ هلّا قلتم لموسى إذا قلب العصا ثعبانا و انفلق له البحر طرقا و وقف الجبل كالظّلّة فوقكم: إنّك تؤتى لك العجائب. فلا يغرّنا ما نشاهده منك؟
فألقمهم الجبل بمقالة الصّخور و ألزمهم (3) حجّة ربّ العالمين. (انتهى)] (4)
أَ فَتَطْمَعُونَ:
الخطاب لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المؤمنين.
أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ، أي: اليهود.
وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: من أسلافهم، يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ، أي: التوراة، أو حين كلّم موسى، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ: يغيّرونه أو يأوّلونه بما يشتهون، مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ: و لم يبق لهم فيه ريبة.
وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (75) أنّهم مبطلون.
فإذا كان أخبار هؤلاء و أسلافهم بهذه الحالة، فما طمعكم بجهّالهم و سفلتهم؟
وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، أي: اليهود.
قالُوا: آمَنَّا، أي: قال منافقوهم: آمنّا بأنّكم على الحقّ، و رسولكم هو المبشّر به في التوراة.
وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا، أي: الّذين لم ينافقوا عاتبين على من نافق.
أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ و بيّنه في التوراة، من نعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو الّذين نافقوا لأعقابهم إظهارا، للتّصلّب في اليهوديّة و منعا لهم عن إبداء ما
____________
(1) المصدر: فوتآله
(2) المصدر: لك.
(3) المصدر: فالقاهم الجبل بمقالتهم الزور و لزومهم.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
59
و جدوا في كتابهم، فيتناول الفريقين.
فالاستفهام على الأوّل، تقريع، و على الثّاني، إنكار و نهي.
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ليحتجّوا بما فتح اللّه عليكم، حال كونه ثابتا عند ربّكم، أي: من جملة ما ثبت عند ربّكم، أي: من جملة ما أنزل اللّه في كتابه.
أَ فَلا تَعْقِلُونَ (76)، إمّا من كلام اللائمين، و تقديره «أفلا تعقلون أنّهم يحاجّوكم فيغلبون به عليكم»، أو متّصل بقوله أ فتطمعون.
و المعنى: أفلا تعقلون حالهم. و أن لا مطمع لكم في إيمانهم.
[و في مجمع البيان (1): تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. (الآية) و
روي عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين. إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التّوراة من صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فنهاهم كبراؤهم عن ذلك. و قالوا: لا تخبروهم بما في التّوراة من صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فيحاجّوكم به عند ربّكم. فنزلت هذه الآية.] (2)
أَ وَ لا يَعْلَمُونَ هؤلاء أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من الكفر و ما فتح اللّه و تحريف الكلم و غيره؟
وَ ما يُعْلِنُونَ (77) من الإيمان و غير ما فتح اللّه و تأويلاتهم و تحريفاتهم؟
وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ، اي: التّوراة إِلَّا أَمانِيَ:
استثناء منقطع.
و الأمانيّ، جمع أمنيّة. و هي في الأصل: ما يقدّره الإنسان في نفسه.
وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78): لا علم لهم.
روي أنّ رجلا قال للصّادق (3)- (عليه السلام): إذا كان هؤلاء العوامّ (4) من اليهود (5)، لا يعرفون الكتاب إلا ما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم
____________
(1) مجمع البيان 1/ 142.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) الاحتجاج 2/ 263.
(4) ليس في ر.
(5) ر: اليهود من العوامّ.
60
بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوامّ اليهود إلّا كعوامّنا؟ يقلّدون علماءهم. فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم.
فقال- (عليه السلام): بين عوامّنا و علمائنا و بين عوامّ اليهود و علمائهم، فرق من جهة و تسوية من جهة: أمّا من حيث استووا، فإنّ اللّه قد ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذمّ عوامّهم. و أمّا من حيث افترقوا، فلا.
قال: بيّن لي ذلك، يا بن رسول اللّه! قال- (عليه السلام): إنّ عوامّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصّراح و بأكل الحرام و الرّشاء و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشّفاعات و العنايات و المضايقات. (1) و عرفوهم بالتّعصّب الشّديد الّذي يفارقون به أديانهم. و أنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه و أعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم و ظلموهم من أجلهم.
و عرفوهم يقارفون المحرّمات و اضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى أنّ من فعل ما يفعلونه، فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه. فلذلك ذمّهم لمّا قلّدوا من قد عرفوا و من قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته و لا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لم يشاهدوه. و وجب عليهم النّظر بأنفسهم، في أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ كانت دلالته أوضح من أن تخفى و أشهر من أن لا تظهر (ص) لهم. و كذلك عوامّ أمّتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظّاهر و العصبية الشّديدة و التّكالب على حطام الدّنيا و حرامها و إهلاك من يتعصّبون عليه. و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا. و بالرّفق (2) و البر و الإحسان على من تعصّبوا له. و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا. فمن قلّد من عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الّذين ذمّهم اللّه تعالى بالتّقليد لفسقة فقهائهم.
و أمّا من كان من الفقهاء، صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلدوه. و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم. فأنّ من يركب (3) من القبائح و الفواحش، مراكب فسقة فقهاء (4) العامّة، فلا تقبلوا منهم عنّا (5) شيئا.
و لا كرامة لهم. (6)
____________
(1) المصدر: المضانعات.
(2) المصدر: بالزخرف.
(3) المصدر: فانّه من ركب.
(4) ليس في المصدر.
(5) المصدر: منّا عنه.
(6) ليس في المصدر.
61
فَوَيْلٌ، أي: تحسر و هلك.
مصدر. لا فعل له.
لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ، أي: المحرّف.
بِأَيْدِيهِمْ: تأكيد.
ثُمَّ يَقُولُونَ: هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، أي: يحصلوا غرضا من أغراض الدّنيا. فإنّه قليل بالنّسبة إلى عقابهم.
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المحرّف.
وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) من الرّشى.
[و في كتاب الاحتجاج، (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أبي محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- في قوله تعالى وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ: إن الأمّيّ، منسوب إلى أمّه، أي: كما هو خرج من بطن أمّه لا يقرأ و لا يكتب. لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ المنزل من السّماء، و لا المتكلّم (2) به. و لا يميّزون بينهما، إِلَّا أَمانِيَ، أي: إلّا أن يقرأ عليهم.
و يقال لهم: إنّ هذا كتاب اللّه و كلامه. لا يعرفون إن قرئ من الكتاب، خلاف ما هم فيه. وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، أي: ما يقرأ عليهم رؤساؤهم، من تكذيب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نبوّته و إمامة عليّ، سيّد عترته. و هم يقلّدونهم. مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا.
قال- (عليه السلام): قال اللّه تعالى: هذا القوم من اليهود، كتبوا صفة، زعموا أنّها صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و هي خلاف صفته. و قالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النّبيّ المبعوث في آخر الزّمان، أنّه طويل عظيم البدن و البطن، أهدف، أصهب الشّعر.
و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بخلافه. و هو يجيء بعد هذا الزّمان، بخمسمائة سنة. و إنّما أرادوا بذلك، لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم. و تدوم لهم إصاباتهم. و يكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خدمة عليّ- (عليه السلام)- و أهل خاصّته.
فقال اللّه- عزّ و جلّ: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ. وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» من هذه الصّفات المحرّمات المخالفات، لصفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- الشّدة لهم من العذاب، في أسوء بقاع جهنم. و ويل لهم الشّدّة من العذاب، ثانية مضافة
____________
(1) الاحتجاج 2/ 261.
(2) المصدر: لا المتكذّب.
62
إلى الأولى، ممّا يكسبونه من الأموال الّتي يأخذونها إذا ثبتوا (1) أعوانهم على الكفر بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الجحد لوصيّه و أخيه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- وليّ اللّه.
و الحديث طويل. أخذت منه ما به كفاية. و تركت الباقي، خوف الإطالة.
و في مجمع البيان (2): و روى الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): أنّه واد في جهنم. يهوي فيه الكافر، أربعين خريفا، قبل أن يبلغ قعره.
و فيه (3): و قيل كتابتهم بأيديهم، أنّهم عمدوا إلى التّوراة. و حرّفوا صفة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليوقعوا الشّك بذلك للمستضعفين من اليهود.
و هو المرويّ عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام).] (4)
وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً محصورة قليلة.
روي أنّ بعضهم قالوا: نُعذّب بعدد أيّام عبادة العجل، أربعين يوما. و بعضهم قالوا: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة. و إنّما نعذّب مكان كل ألف سنة، يوما (5).
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً: وعدا.
فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ؟:
جواب شرط محذوف، أي: إن اتّخذتم عند اللّه عهدا. فلن يخلف اللّه عهده.
و قيل: لا تقدير في مثله. و لكن ضمن الاستفهام معنى الشّرط، فأجيب بالفاء.
أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟ (80):
«أم» معادلة لهمزة الاستفهام، بمعنى: كلا الأمرين كائن على سبيل التّقرير، للعلم بوقوع أحدهما، أو منقطعة، بمعنى: بل تقولون.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قوله وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قال (7):
قال بنو إسرائيل: لن تمسّنا النّار. و لن نعذّب إلّا الأيّام المعدودات الّتي عبدنا فيها العجل.
فردّ اللّه عليهم (8): قل يا محمّد لهم:
____________
(1) كذا في الأصل ور. و لعله: إذا ثبتوا، أو إذ أثبتوا، أو إذا أثبتوا. (كما في تفسير البرهان 1/ 119.)
(2) مجمع البيان 1/ 146.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) الكشاف 1/ 158+ أنوار التنزيل 1/ 65- 66.
(6) تفسير القمي 1/ 51.
(7) ليس في المصدر.
(8) المصدر: فرد الله عليهم فقال: و قالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة. قل ...
63
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ؟ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟»] (1)
بَلى: إثبات لما نفوه من مساس النّار لهم، زمانا مديدا و دهرا طويلا، على وجه أعمّ، ليكون كالبرهان على بطلان قولهم. و يختصّ بجواب النّفي.
مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً:
و الفرق بينها و بين «الخطيئة»، أنّها قد يقال فيما يقصد بالذّات. و «الخطيئة» تغلب فيما يقصد بالعرض. لأنّها من الخطأ.
و «الكسب»: استجلاب النّفع و تعليقه بالسّيّئة، على طريق التّهكّم.
وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ:
و المراد بها الشّرك. لأنّه ما عداه لا يستحقّ به الخلود في النّار، عندنا.
فالمراد بالإحاطة، الاستيلاء عليه، حتّى لا يخلو عنها شيء من جوانبه، كما هو شأن المشرك. فانّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق القلب و الإقرار باللسان، فلم تحط الخطيئة به.
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ: ملازموها في الآخرة، كما أنّهم ملازمو أسبابها في الدنيا.
هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) لأن نيّاتهم في الدنيا أنّهم لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا. فبالنيات خلّدوا.
[و في اصول الكافي: (2) محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبد اللّه بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس، عن صالح (3) المزني، عن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه (4)- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: (5) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قال:
إذا جحد امامة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
و في كتاب التوحيد (6): حدثنا احمد بن زياد بن حفص الهمداني- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا علي بن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير قال: سمعت موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول:] (7) لا يخلد اللّه في النار إلّا أهل الكفر و الجحود
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 1/ 429، ح 82.
(3) المصدر: صباح.
(4) عن أحدهما.
(5) البقرة/ 81.
(6) التوحيد/ 407، ح 6.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
64
و أهل الضلال و الشرك.
[و في الكافي (1)، عن أحدهما- (عليهما السلام). قال: إذا جحد إمامة أمير المؤمنين، فأولئك أصحاب النّار، هم فيها خالدون.] (2)
و قوله:
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82):
بناء على ما جرت عادته سبحانه، على أن يقرن الوعد بالوعيد، لترجى رحمته، و يخشى عذابه. و لمّا جاز أن يكون عطف العمل على الإيمان (3)، لزيادة الاهتمام، و الإشعار بأنّه أدخل أجزاءه، لم يدلّ على خروجه من مسمّاه، مع أنّه معارض بقوله تعالى (4): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ. فإنّه لا نزاع في أنّ إقامة الصّلاة و إيتاء الزكاة، داخلان تحت العمل الصّالح.
[و في أصول الكافي (5)، بإسناده إلى أبي هاشم. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّما خلّد أهل النّار في النّار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا، أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا. و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا، أن لو أبقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا. فبالنّيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء. ثمّ تلا قوله تعالى (6) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قال: على نيّته.] (7)
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ:
إخبار في معنى النّهي. و هو أبلغ من التصريح، لما فيه من إيهام أنّ المنهيّ سارع إلى الانتهاء. فهو يخبر عنه. و تنصره قراءة «لا تعبدوا». و عطف قولوا عليه، فيكون على إرادة القول.
و قيل (8): معنان «أن تعبدوا». فلمّا حذفت، أن رفع كقوله (9):
____________
(1) الكافي 1/ 429، ح 82.
(2) ما بين المعقوفتين، يوجد في أ، فقط.
(3) في هامش النسخة الأصل: فيه رد على البيضاوي (منه)
(4) البقرة/ 277.
(5) الكافي 2/ 85، ح 5.
(6) الإسراء/ 84
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) أنوار التنزيل 1/ 66.
(9) هذا البيت من معلقة طرفة بن العبد البكري، و يوجد في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، الشاهد 333 (2/ 362)
65
ألا أيّهذا الزّاجرى أحضر الواغى (1)* * * و أن أشهد اللّذّات، هل أنت
مخلدي؟
و تنصره قراءة «أن لا تعبدوا» و يحتمل أن تكون «أن»، مفسّرة. و أن تكون مع الفعل، بدلا من الميثاق. أو معمولا له بحذف الجارّ. و إن ادّعى في حذف حرف التّفسير، أنّ فيه نظرا.
و قيل (2): إنّه جواب قسم، دلّ عليه المعنى، كأنّه قيل: و إذ أقسمنا عليهم (3) لا تعبدون و قرئ «بالتّاء» (4)، حكاية لما خوطبوا به، و «بالياء» لأنّهم غيّب.
وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، متعلّق بمضمر. تقديره: و تحسنون، أو أحسنوا.
و الإحسان الّذي أخذ عليهم الميثاق، هو ما فرض على أمّتنا، أيضا، من فعل المعروف بهما و القول الجميل و خفض جناح الذّلّ لهما و التّحنّن (5) عليهما و الرّأفة بهما و الدّعاء بالخير لهما و ما أشبه ذلك.
و في الكافي (6): سئل الصّادق- (عليه السلام): ما هذا الإحسان؟
قال: أن تحسن صحبتهما. و أن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئا ممّا يحتاجان إليه، و إن كانا مستغنيين. أليس اللّه يقول (7): لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ، حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ؟
و في التّفسير المنسوب إلى الإمام- (عليه السلام): (8) قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أفضل والديكم و أحقّهما ببرّكم (9)، محمّد و على.
و قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام): (10) سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: أنا و عليّ، أبوا هذه الأمّة. و لحقّنا عليهم، أعظم من حقّ أبوي ولادتهم. فإنّا ننقذهم إن أطاعونا من النّار، إلى دار القرار. و نلحقهم من العبوديّة، بخيار (11) الأحرار.
____________
(1) كذا في كلا المصدرين. و في النسخ: ألا أيّهذا اللائمي أحظر الوغى.
(2) أنوار التنزيل 1/ 66.
(3) المصدر: قال حلّقناهم.
(4) المصدر: و قرأ نافع و ابن عامر و ابو عمرو و عاصم و يعقوب «بالتاء».
(5) أ: التحسّن.
(6) الكافي 2/ 157، ح 1.
(7) آل عمران/ 92.
(8) تفسير العسكري/ 154.
(9) المصدر: لشكركم.
(10) نفس المصدر و نفس الموضع.
(11) أ: لخيار.
66
وَ ذِي الْقُرْبى من آبائكم و أمّهاتكم.
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): (1) من رعى حقّ قرابات أبويه، أعطي في الجنّة ألف ألف درجة.
ثمّ فسّر الدّرجات. ثمّ قال: و من رعى حقّ قرابة (2) محمّد و عليّ، أوتي من فضائل الدّرجات و زيادة المثوبات، على قدر زيادة (3) فضل محمّد و عليّ، على أبوي نسبه. (4)
وَ الْيَتامى:
جمع يتيم، كندامى، جمع نديم. و هم الّذين فقدوا آباءهم المتكفّلين بأمورهم.
و روي (5) أنّ (6) أشدّ من يتم هذا اليتيم، يتم يتيم غاب عن إمامه (7). لا يقدر على الوصول إليه. و لا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به، من شرائع دينه. ألا فمن كان من شيعتنا، عالما بعلومنا، و هذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا، يتيم في حجره، ألا فمن هداه و أرشده و علّمه شريعتنا، كان معنا في الرّفيق الأعلى.
وَ الْمَساكِينِ:
جمع مسكين (8). و المسكين، مفعيل من السّكون، كأنّ الفقّر، أسكنه.
وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، أي: قولا حسنا.
و سمّاه «حسنا»، للمبالغة.
و قرئ حسنا (بفتحتين) و حسنا (بضمّتين)- و هو لغة الحجاز- و حسنى.
[قيل على أنّه مصدر. (9) و فيه نظر، إذ كون فعلى مصدرا سماعيا (10) و لم ينقل من العرب «حسنى»، مصدر «حسن»، كما قال أبو حيّان: و «الأحسن»، أنّه صفة لموصوف محذوف، أي: كلمة حسنى، أو: مقالة حسنى.] (11) قيل على أنّه اسم تفضيل (12)، وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، أي: معروفا.
____________
(1) نفس المصدر/ 155.
(2) المصدر: قربى.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: نفسه.
(5) نفس المصدر/ 157.
(6) المصدر: و.
(7) المصدر: يتيم ينقطع عن إمامه.
(8) ليس في أ.
(9) مجمع البيان 1/ 149.
(10) الأصل ور: سماعي.
(11) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(12) نفس المصدر و نفس الموضع.
67
روى جابر، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- في قوله تعالى قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قال (1): قولوا للنّاس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم. فإنّ اللّه يبغض اللّعّان السّبّاب الطّعّان على المؤمنين الفاحش المتفحّش السّائل الملحف. و يحب الحليم العفيف المتعفّف.
و اختلف أنّه هل هو عامّ في المؤمن و الكافر؟ أو هو خاصّ في المؤمن:
و الأوّل مرويّ عن الصّادق- (عليه السلام). (2)
[و في كتاب الخصال (3)، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه- (عليهما السلام)- في قول اللّه تعالى وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» قال: نزلت في أهل الذّمّة. ثمّ نسخها قوله تعالى (4) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. (الآية)
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تهذيب الأحكام (5): أحمد بن محمّد [بن عيسى]، (6) عن الحسين بن سعيد، عن أبي عليّ. قال: كنّا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فقال رجل: جعلت فداك! قول اللّه- عزّ و جلّ- قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً هو الناس (7) جميعا.
فضحك. و قال: لا! عنى: قولوا محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على أهل بيته- (عليهم السلام).
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير العيّاشيّ (8)، عن حريز عن سدير (9). قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): أطعم رجلا سائلا لا أعرفه مسلما؟
قال: نعم! أطعمه ما لم تعرفه بولاية و لا بعداوة. أنّ اللّه يقول: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 150.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) عنه في تفسير الصافي 1/ 152.
(4) التوبة/ 29.
(5) تهذيب الأحكام 3/ 55، ذيل ح 190.
(6) يوجد في المصدر.
(7) المصدر: للناس.
(8) تفسير العياشي 1/ 48، ح 64 و له تتمة.
(9) المصدر: برير. و الظاهر هي خطأ. و يحتمل أن يكون: بريد. لأن سدير و بريد، كلاهما من أصحاب الصادق- (عليه السلام). و برير من أصحاب أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- (ر. رجال النجاشي/ 112+ تنقيح المقال 1/ 164- 166، 167)
68
عن عبد اللّه بن سنان (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سمعته يقول: اتقوا اللّه. و لا تحملوا النّاس على أكتافكم. إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
و في أصول الكافي (2)، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيرىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: (حديث طويل) إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم. و قسّمه عليها. و فرّقه فيها. و فرض اللّه على اللّسان القول و التّعبير عن القلب، بما عقد عليه. و أقرّ به. قال اللّه- تبارك و تعالى- وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً.
و بإسناده (3) إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قال: قولوا للنّاس حسنا. و لا تقولوا إلّا خيرا، حتّى تعلموا ما هو.
و في مصباح الشّريعة (4): قال الصّادق- (عليه السلام): و لا تدع النّصيحة في كلّ حال. قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً.»] (5)
وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ:
يريد بهما، ما فرض عليهم في ملّتهم.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ:
يريد به من أقام اليهوديّة على وجهها، و من أسلم منهم.
وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)، أي: عادتكم الإعراض عن الوفاء و الطّاعة.
و في هذه الآية، دلالة على ترتيب الحقوق. فبدأ اللّه سبحانه بذكر حقه و قدمه، على كلّ حقّ. لأنّه المنعم بأصول النّعم. ثمّ ثنّى بحقّ الوالدين. و خصّهما بالمزيّة. لكونهما سببا للوجود. و إنعامهما بالتّربية. ثمّ ذكر ذوي القربى. لأنّهم أقرب إلى المكلّف من غيرهم. ثمّ ذكر حقّ اليتامى لضعفهم، و الفقراء لفقرهم.
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، على نحو ما سبق.
و «السفك»: الصّبّ.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 65 و له تتمة.
(2) الكافي 2/ 33- 35، مقاطع من ح 1.
(3) نفس المصدر 2/ 164، ح 9.
(4) شرح فارسى مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة 1/ 257.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
69
وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ:
و المراد به، أن لا يتعرّض بعضهم بعضا بالقتل و الإجلاء عن الوطن.
و جعل قتل الرّجل غيره قتل نفسه، لاتّصاله به نسبا أو دينا، أو لأنّه يوجبه قصاصا.
و قيل (1): المراد به أن لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم و إخراجكم من دياركم.
و قيل (2): لا تفعلوا ما يصرفكم (3) عن الحياة الأبديّة. فإنّه القتل في الحقيقة.
و لا تقترفوا ما يمنعكم (4) عن الجنّة الّتي هي داركم. فإنّه الجلاء الحقيقيّ.
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بالميثاق. و اعترفتم بلزومه.
وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84):
توكيد قولك (5) أقرّ فلان شاهدا على نفسه.
و قيل (6) معناه: و أنتم تحضرون سفك دمائكم [و إخراج أنفسكم من دياركم.] (7) و قيل (8): يشهد كلّ واحد على إقرار غيره.
و قيل (9): معناه: و أنتم، أيّها الموجودون! تشهدون على إقرار أسلافكم. فيكون إسناد الإقرار إليهم، مجازا.
قال بعض المفسّرين (10): نزلت الآية، في بني قريظة. و قيل: نزلت في أسلاف اليهود.
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ:
استبعادا لما أسند إليهم، من القتل و الإجلاء و العدوان، بعد أخذ الميثاق عنهم و إقرارهم و شهادتهم.
و «أنتم»، مبتدأ و «هؤلاء»، خبره، على معنى «أنتم بعد ذلك هؤلاء الشّاهدون»، يعني: أنّكم قوم آخرون، غير أولئك المقرّين. تنزيلا لتغيّر الصّفة، منزلة تغيّر
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 67.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) المصدر: ما بردّكم و يصرفكم.
(4) المصدر: ما يمنعون به.
(5) أ: لقولك.
(6) مجمع البيان 1/ 152.
(7) ليس في أ.
(8) نفس المصدر و نفس الموضع، باختلاف في اللفظ.
(9) أنوار التنزيل 1/ 67.
(10) مجمع البيان 1/ 152.
70
الذّات، كما تقول: «رجعت بغير الوجه الّذي خرجت به» وعدهم باعتبار ما أسند إليهم، حضورا و باعتبار ما سيحكى عنهم، غيبا.
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ:
إمّا حال، و العامل معنى الإشارة. أو بيان لهذه الجملة.
و قيل (1): هؤلاء، تأكيد أو بدل (2). و الخبر، هو الجملة.
و قيل (3): بمعنى «الّذين» و الجملة صلة و المجموع، هو الخبر، كقوله (4):
عدس ما لعباد عليك إمارة* * * نجوت و هذا تحملين طليق
و قرئ «تقتلون» (على التّفعيل، للتّكثير.) تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ:
حال من فاعل «تخرجون»، أو من مفعوله، أو كليهما. و يحتمل أن يكون اعتراضا لبيان أنّ إخراجهم ظلم و عدوان.
و التّظاهر: التّعاون و الظّهير: المعين.
و الإثم: الفعل القبيح الّذي يستحقّ به اللّوم. و قيل (5): هو ما تنفّر منه النّفس.
و لم يطمئنّ إليه القلب. و منه
قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لنواس بن سمعان، حين سأله عن البرّ و الإثم، فقال: «البرّ»، ما اطمأنّت إليه نفسك. «و الإثم» ما حكّ في صدرك. و «العدوان»، الإفراط في الظّلم.
و قريء بحذف إحدى التّائين و بإثباتهما.
و «تظهرون»، بمعنى تتظهّرون.
وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ:
روي (6) أنّ قريظة، من اليهود. كانوا حلفاء الأوس، من المشركين. و النّضير، من اليهود. كانوا حلفاء الخزرج، من المشركين. و كانت قريظة و النّضير، أخوين، كالأوس و الخزرج. فافترقوا. فكانت الخزرج مع النّضير و قريظة مع الأوس. فإذا اقتتل (7) الحلفاء،
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 67.
(2) ليس في المصدر.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) مجمع البيان 1/ 153.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) الكشاف 1/ 161+ مجمع البيان 1/ 153.
(7) أ: أقتل.
71
عاون كلّ فريق حلفاءه، في القتل و تخريب الدّيار و إجلاء أهلها. و إذا أسر أحد من الفريقين، جمعوا الأسراء حتّى يفدوهم بمثلهم ممّن أسره الفريق الآخر منهم، تصديقا لما في التوراة. فالأوس و الخزرج، أهل شرك. يعبدون الأوثان. لا يعرفون جنّة و لا نار و لا قيامة و لا كتابا. فأنّب اللّه اليهود، بما فعلوه من مخالفة التوراة، في القتل و الإجلاء و الموافقة في المفاداة.
و قيل (1): معناه: و إن يأتوكم أسارى في أيدي الشّياطين، تتصدّون لإنقاذهم بالإرشاد و الوعظ، مع تضييعكم أنفسكم، كقوله تعالى: (2) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ.
و الأوّل أقرب، بحسب اللّفظ، و سياق الكلام.
و قرأ حمزة (3): أسرى. و هو جمع أسير، كجريح و جرحى. و أسارى جمعه، كسكرى و سكارى. و قيل: هو- أيضا- جمع أسير. و كأنّه شبّه بالكسلان و جمع جمعه.
و وجه الشّبه: أنّ كّلا منهما، محبوس عن كثير من تصرّفه.
و قيل (4): الأسارى: الّذين هم في الوثاق. و الأسرى: الّذين هم في اليد. و إن لم يكونوا في الوثاق.
و قرئ (5): تفدوهم.
وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ:
متعلّق بقوله وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تعلّق الحال بعاملها، أو صاحبها.
و النكتة في إعادة تحريم الإخراج. و قد أفاده لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ بأبلغ وجه. و في تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل، أنّهم انقادوا حكما في باب المخرج. و هو الفداء. و خالفوا حكما. و هو الإخراج. فجمع مع الفداء، معرفة الإخراج، ليتّصل به قوله «أ فتؤمنون» (إلى آخره)، أشدّ اتصال. و يتّضح كفرهم بالبعض، و إيمانهم بالبعض، كمال الاتّضاح، حيث وقع في حقّ شخص واحد.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 67.
(2) البقرة/ 44.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) مجمع البيان 1/ 153.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
72
و الضّمير، للشّأن، كما في قوله (1) هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أو مبهم، ليفسّره إخراجهم، كقوله (2): إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا، أو راجع إلى ما دلّ عليه تخرجون من المصدر.
و «إخراجهم»، تأكيد. و يحتمل أن يكون راجعا إلى إخراجهم. لأنّه مبتدأ، قدّم عليه الخبر. فالمرجع مقدّم رتبة.
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ، كالفداء.
وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، كحركة القتل و الإجلاء.
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، كقتل قريظة و سبيهم و إجلاء النضير.
و أصل الخزي: ذلّ يستحى منه. و لذلك يستعمل في كلّ منهما.
وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، من عذاب غيرهم، من نظائرهم. لأنّ عصيانهم أشدّ من عصيانهم.
وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85):
تأكيد للوعيد: أي: اللّه تعالى بالمرصاد. لا يغفل عن أفعالهم.
[و في أصول الكافي (3)، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). أنّه قال: الوجه الرّابع من الكفر: ترك ما أمر اللّه- عزّ و جلّ- به. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ. ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ. وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ. وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ. تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ. وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ. فكفرهم بترك ما أمر اللّه- عزّ و جلّ- به. و نسبهم إلى الإيمان. و لم يقبل (4) منهم.
و لم ينفعهم عنده. فقال: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشرايع (5)، بإسناده إلى عبد اللّه بن يزيد بن سلام (6). أنّه سأل
____________
(1) الإخلاص/ 1.
(2) المؤمنون/ 37.
(3) الكافي 2/ 390.
(4) المصدر: لم يقبله.
(5) علل الشرائع/ 470.
(6) المصدر: أبي عبد اللّه بن يزيد.
73
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أخبرني عن القيامة، لم سمّيت القيامة؟
قال: لأنّ فيها قيام الخلق للحساب.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (الآية) (2) فإنّها نزلت في أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- و عثمان بن عفّان. و كان سبب ذلك، لمّا أمر عثمان بنفي أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- إلى الرّبذة، دخل عليه أبو ذرّ- رضى اللّه عنه. و كان عليلا متوكّئا على عصاه، و بين يدي عثمان، مائة ألف درهم، قد حملت إليه من بعض النّواحي، و أصحابه حوله ينظرون إليه، و يطمعون أن يقسّمها فيهم.
فقال أبو ذرّ لعثمان: ما هذا المال؟
فقال عثمان: مائة ألف درهم حملت إلىّ من بعض النّواحي. أريد أن أضمّ إليها مثلها. ثمّ أرى فيها رأيي.
قال أبو ذرّ: يا عثمان! أيّما أكثر؟ مائة ألف درهم، أو أربعة دنانير؟
فقال عثمان: بل مائة ألف درهم.
فقال أبو ذر: أما تذكر أنا و أنت قد دخلنا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عشاء (3)، فرأيناه كئيبا حزينا. فسلّمنا عليه. فلم يردّ علينا السّلام. فلمّا أصبحنا أتيناه.
فرأيناه ضاحكا مستبشرا. فقلنا له: بآبائنا و أمّهاتنا! دخلنا عليك (4) البارحة، فرأيناك كئيبا حزينا. ثمّ عدنا إليك اليوم، فرأيناك ضاحكا (5) مستبشرا.
فقال: نعم! كان قد بقي عندي من فيء المسلمين، أربعة دنانير، لم أكن قسّمتها.
خفت أن يدركني الموت، و هي عندي. و قد قسّمتها اليوم. و استرحت منها.
فنظر عثمان إلى كعب الأحبار. و قال له: يا أبا إسحاق! ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء؟
____________
(1) تفسير القمي 1/ 51- 54.
(2) يوجد في المصدر.
(3) المصدر: عشيّا.
(4) المصدر: إليك.
(5) المصدر: فرحا.
74
فقال لا! و لو اتخذ لبنة من ذهب و لبنة من فضة، ما وجب عليه شيء.
فرفع أبو ذرّ عصاه، فضرب بها رأس كعب. ثمّ قال له: يا ابن اليهوديّة الكافرة! ما أنت و النّظر في أحكام المسلمين؟ قول اللّه أصدق من قولك، حيث قال (1): وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ. هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
فقال عثمان: يا أبا ذرّ! إنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك. و لو لا صحبتك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لقتلتك.
فقال كذبت، يا عثمان! أخبرني حبيبي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: «لا يفتنونك يا أبا ذرّ! و لا يقتلونك» و أمّا عقلي فقد بقي منه ما أحفظ (2) حديثا سمعته من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيك و في قومك.
قال: و ما سمعته (3) من رسول اللّه فيّ و في قومي؟
قال: سمعته (4) يقول حديثا سمعته من رسول اللّه إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا، صيّروا مال اللّه دولا، و كتاب اللّه دغلا، و عباده خولا، و الفاسقين حزبا، و الصّالحين حربا.
فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمّد! هل سمع أحد منكم هذا من رسول اللّه؟
فقالوا: لا! ما سمعنا هذا من رسول اللّه.
فقال عثمان: ادع عليّا.
فجاء أمير المؤمنين- (عليه السلام). فقال له عثمان: يا أبا الحسن! انظر ما يقول هذا الشّيخ الكذّاب.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام): مه، يا عثمان! لا تقل كذّاب. فإنّي سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ.
فقال أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): صدق أبو ذرّ. فقد سمعنا هذا من
____________
(1) التوبة/ 34.
(2) المصدر: أحفظه.
(3) المصدر: فقال: و ما سمعت.
(4) المصدر: سمعت.
75
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
فبكى أبو ذرّ، عند ذلك. فقال: ويلكم! كلّكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال، ظننتم أنّى أكذب على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
ثمّ نظر إليهم. فقال: من خيركم (1)؟
فقالوا: أنت تقول إنّك خيرنا.
قال نعم! خلّفت حبيبي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في هذه الجبّة، و هي عليّ بعد. (2) و أنتم قد أحدثتم أحداثا كثيرة. و اللّه سائلكم عن ذلك. و لا يسألنى.
فقال عثمان: يا أبا ذر! أسألك بحقّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلا ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه.
فقال أبو ذر: و اللّه لو لم تسألني بحقّ محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أيضا، لأخبرتك.
فقال: أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها؟
فقال: مكّة حرم اللّه و حرم رسوله. أعبد اللّه فيها، حتّى يأتينى الموت.
فقال: لا! و لا كرامة لك.
قال: المدينة حرم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
قال: لا. و لا كرامة لك.
قال (3): فسكت أبو ذرّ.
فقال عثمان: أيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟
قال: الرّبذة الّتي كنت فيها على غير دين الإسلام.
فقال عثمان: سر إليها.
فقال أبو ذرّ: قد سألتني، فصدقتك. و أنا أسألك، فأصدقني.
قال: نعم! قال: أخبرني لو بعثتني في بعث من أصحابك إلى المشركين، فأسروني، فقالوا لا نفديه إلّا بثلث ما تملك.
____________
(1) المصدر: فقال من خيركم؟ فقالوا: من خيرنا؟ فقال: أنا.
(2) المصدر: و هو عنّي راض.
(3) ليس في المصدر.
76
قال: كنت أفديك.
قال: فإن قالوا لا نفديه إلّا بنصف ما تملك.
قال: كنت أفديك.
قال: فإن قالوا لا نفديه إلّا بكلّ ما تملك؟
قال: كنت أفديك.
قال: أبو ذرّ: اللّه أكبر! قال لي حبيبي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما: يا أبا ذرّ! كيف أنت إذا قيل لك أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها، فتقول مكّه حرم اللّه و حرم رسوله، أعبد اللّه فيها حتى يأتيني الموت، فيقال لك لا و لا كرامة لك، فتقول فالمدينة حرم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيقال لك لا و لا كرامة لك، ثمّ يقال فأيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها، فتقول الربذة الّتي كنت فيها على غير دين الإسلام، فيقال لك سر إليها؟
فقلت: إنّ هذا لكائن؟ يا رسول اللّه! قال: إي! و الّذي نفسي بيده إنّه لكائن.
فقلت: يا رسول اللّه! أ فلا أضع سيفي (1) على عاتقي، فأضرب به قدما قدما؟
قال: لا اسمع، و اسكت، و لو لعبد حبشيّ. و قد أنزل اللّه فيك و في عثمان آية.
فقلت: و ما هي. يا رسول اللّه! قال: قوله- تبارك و تعالى- وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ. ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ. وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى، تُفادُوهُمْ. وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.] (2)
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ بأن يهون عليهم.
«و اختلف في الخفّة و الثّقل:
____________
(1) المصدر: سيفي هذا.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
77
فقيل: إنّه يرجع إلى تناقص الجواهر و تزايدها.
و قيل: إنّ الاعتماد اللازم سفلا، يسمّى ثقلا، و الاعتقاد اللازم المختصّ بجهة العول، يسمّى خفّة.» (1) و المراد به في الآية، المعنى الشّامل للخفّة، بحسب تناقض الأجزاء، و بحسب انتقاص الكيفيّة.
[و للنّقص، الجزية في الدّنيا و التّعذيب في الآخرة.] (2) وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) بدفعهما عنهم (3).
و في الآية، دلالة على أنّ من آمن ببعض أحكام اللّه و كفر ببعض آخر، مع معرفته (4) بأنّهما حكم اللّه، كافر خالد في العذاب لا تخفيف في عذابه و لا نصر له فيه.
و لا شكّ أنّ النّواصب، أكثرهم بهذه الصّفة. فهم أجدر بأن ينصب لهم علم الكفر.
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، أي: أرسلنا على أثره الرّسل (5)، يتبع الآخر الأوّل، في الدّعاء إلى ما دعا الأوّل. لأنّ كلّ نبيّ بعث من بعد موسى، إلى زمن عيسى، فإنّما بعث على إقامة التوراة.
من قفّاه، إذا أتبعه. و قفّاه به: أتبعه إيّاه من القفا، نحو ذنبه من الذّنب.
و الرّسل على ما ذكره صاحب الكشّاف (6) و غيره هم: يوشع و إشمويل و شمعون و داود و سليمان و شعيا و أرميا و عزيز و حزقيل و إلياس و اليسع و يونس و زكريّا و يحيى و غيرهم.
وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و الإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل.
و «عيسى» بالعبريّة: إيشوع. و «مريم» بمعنى الخادم. و هو بالعربيّة من النّساء، كالزّير من الرّجال. قال رؤبة:
قلت لزير لم تصله مريمه* * * ضليل أهواء الصّبيّ تندمه
____________
(1) مجمع البيان 1/ 154.
(2) ليس في أ.
(3) أ: عنه.
(4) أ: معرفة.
(5) ليس في أ.
(6) الكشاف 1/ 161.
78
و الزّير (بكسر الزّاي) من الرّجال، الّذي يحبّ محادثة النّساء و مجالستهنّ. و وزنه مفعل، إذ لم يثبت فعيل.
وَ أَيَّدْناهُ: قوّيناه.
قيل (1): قرئ آيدناه، على وزن أفعلناه.
بِرُوحِ الْقُدُسِ: «بالرّوح المقدّسة، كقولك: حاتم الجود. و رجل صدق.
و المراد، جبرئيل- (عليه السلام). و قيل: روح عيسى- عليه الصلاة و السّلام.
و وصفها به، لطهارته عن مسّ الشّيطان، أو لكرامته على اللّه تعالى. و لذلك أضافه إلى نفسه تعالى، أو لأنّه لم تضمّه الأصلاب و لا الأرحام الطّوامث، أو الإنجيل، أو اسم اللّه الأعظم الّذي كان به يحيي الموتى.
و قرا ابن كثير: القدس (بالإسكان)، في جميع القرآن.» (2)
[و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين ابن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن جابر الجعفيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. ذكرناه بتمامه أوّل الواقعة. و فيه يقول: هم رسل اللّه- (عليهم السلام)- و خاصّة اللّه من خلقه. جعل فيهم خمسة أرواح. أيّدهم بروح القدس.
فبه عرفوا الأشياء.
و بإسناده (4) إلى المنخّل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: سألته عن علم العالم.
فقال لي: يا جابر! إنّ في الأنبياء و الأوصياء، خمسة أرواح: روح القدس و روح الإيمان و روح الحياة و روح القوّة و روح الشّهوة. فبروح القدس، يا جابر! عرفوا ما تحت العرش، إلى ما تحت الثّرى.
ثمّ قال: يا جابر! إنّ هذه الأربعة الأرواح، يصيبها الحدثان، إلّا روح القدس.
فإنّها لا تلهو و لا تلعب.
و بإسناده (5) إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) مجمع البيان 1/ 155+ أنوار التنزيل 1/ 68.
(2) أنوار التنزيل 1/ 68.
(3) الكافي 1/ 271- 272، ضمن ح 1.
(4) نفس المصدر 1/ 272، ح 2.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
79
- (عليه السلام). قال: سألته عن علم الإمام، بما في أقطار الأرض و هو في بيته، مرخى عليه ستره؟
فقال: يا مفضّل! إنّ اللّه- تبارك و تعالى- جعل في النّبيّ- (عليه السلام)- خمسة أرواح: روح الحياة. فبه دبّ و درج، و روح القوّة. فبه نهض و جاهد، و روح الشّهوة. فبه أكل و شرب و آتى النّساء من الحلال، و روح الإيمان. فبه آمن و عدل، و روح القدس. فبه حمل النّبوّة. فإذا قبض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- انتقل روح القدس. فصار إلى الإمام. و روح القدس، لا ينام و لا يغفل و لا يلهو و لا يزهو و لا يلعب. (1) و الأربعة الأرواح، تنام و تغفل و تلهو و تزهو. و روح القدس كان يرى به.] (2)
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ: بما لا تحبّه.
و وسطت الهمزة، بين الفاء و ما تعلّقت به، توبيخا لهم، على تعقيبهم ذلك بهذا، و تعجيبا من شأنهم. و يتحمل أن يكون استئنافا.
و «الفاء» للعطف، على مقدّر.
اسْتَكْبَرْتُمْ عن الإيمان و اتباع الرّسل؟
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ، كموسى و عيسى.
وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)، كزكريّا و يحيى.
و في التّعبير بالمضارع، استحضار للحال الماضية في النّفوس، و رعاية للفواضل، و دلالة على أنّهم بعد فيه. فإنّهم يحومون حول محمّد، لو لا أنّي أعصمه منهم.
[و في أصول الكافي، (3) بإسناده إلى منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام).
قال: « [ا فكلّما] (4) جاءكم» محمّد بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ بموالاة عليّ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً من آل محمّد كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ؟»
و في تفسير العيّاشيّ (5)، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: أمّا قوله أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ (الآية)، قال أبو جعفر- (عليه السلام): ذلك مثل موسى و الرّسل من بعده و عيسى. ضرب مثلا لأمّة محمّد. و قال (6) اللّه لهم: فإن
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) الكافي 1/ 418، ح 31.
(4) يوجد في المصدر.
(5) تفسير العياشي 1/ 49، ح 68.
(6) المصدر: ضرب لأمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثلا. فقال.
80
جاءَكُمْ محمّد بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ بموالاة عليّ اسْتَكْبَرْتُمْ (1) فَفَرِيقاً من آل محمّد كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ فذلك تفسيرها، في الباطن.
و في شرح الآيات الباهرة (2): روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن عليّ، عن عمّار بن مروان، عن منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ (3)»، محمّد، بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ بموالاة عليّ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً [من آل محمّد] (4) كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ.] (5)
وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ: جمع أغلف، أي: هي خلقة و جبلة مغشّاة بأغطية. لا يصل إليها ما جاء به محمّد. و لا تفقّهه. مستعار من الأغلف الّذي لم يختن.
و قيل (6): أصله [غلف] (7) جمع غلاف، [ككتب و كتاب و حمر و حمار] (8) فخفّف.
و المعنى: أنّها أوعية العلم. لا تسمع علما إلّا وعته و لا تعي ما يقول (9) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو نحن مستغنون بما فيها، عن غيره.
و روي (10) في الشّواذّ، غلف (بضمّ اللّام) عن أبي عمرو.
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ:
ردّ لما قالوا، يعني: أنّها خلقت على الفطرة، و التّمكّن من قبول الحقّ. و لكنّ اللّه خذلهم بسبب كفرهم. فهم الّذين غلفوا قلوبهم، بما أحدثوا من الكفر الزّائغ عن الفطرة. و تسبّبوا بذلك، لمنع الألطاف، أو هم كفرة ملعونون، فمن أين لهم دعوى العلم و الاستغناء عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)؟
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88): فإيمانا قليلا يؤمنون.
و «ما» مزيدة للمبالغة في التّقليل. و هو إيمانهم ببعض الكتاب، كالمفاداة.
____________
(1) المصدر: استكبرتم بموالاة عليّ.
(2) تاويل الآيات الباهرة/ 25.
(3) ليس في المصدر.
(4) يوجد في المصدر.
(5) ما بين القوسين ليس في أ.
(6) أنوار التنزيل 1/ 68- 69.
(7) يوجد في المصدر.
(8) ليس في المصدر.
(9) المصدر و أ: تقول.
(10) مجمع البيان 1/ 157.
81
و قيل (1): معناه «و يؤمنون و هم قليل.» و قيل (2): يجوز أن يكون القلّة، بمعنى العدم.
وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: هو القرآن.
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من كتابهم، لا يخالفه.
و قرئ «مصدّقا»، على الحال، لتخصيصه بالوصف. و هو من عند اللّه. و جواب «لمّا» محذوف. و هو، «كذّبوا به و استهانوا بمجيئه.» وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي: يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم. قالوا: اللّهمّ انصرنا بالنّبيّ المبعوث في آخر الزّمان الّذي نجد نعته في التوراة.
و يقولون لاعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا. فنقتلكم معه، أو يفتحون عليهم. و يعرّفونهم أنّ نبيّا يبعث منهم. و قد قرب زمانه.
و «السّين»، للمبالغة كما في استعجب و استحجر، أي: يسألون أنفسهم الفتح عليهم، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم. و الشيء بعد الطّلب، أبلغ، كقولهم: مر مستجلا، أي: مر طالبا للعجلة من نفسه. [فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا: من نعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- كَفَرُوا بِهِ حسدا و خوفا على الرّئاسة. فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89).
اللّعن، هو الإقصاء و الابعاد. و أتى بالمظهر للدّلالة على أنّهم لعنوا لكفرهم.
فيكون اللّام، للعهد. و يجوز أن يكون للجنس. و يدخل فيه دخولا أوليّا.] (3)
روى العيّاشي (4)، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): [في قوله وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا] (5) قال: كانت اليهود تجد في كتبها، أنّ مهاجر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما بين عير و أحد. فخرجوا يطلبون المواضع فمرّوا بجبل، يقال له «حدّاد». فقالوا: «حدّاد و أحد سواء». فتفرّقوا عنده.
فنزل بعضهم بتيماء و بعضهم بفدك و بعضهم بخيبر. فاشتاق الّذين بتيماء إلى بعض إخوانهم.
فمرّ بهم أعرابي من قيس. فتكاروا منه. و قال لهم: أمرّ بكم ما بين عير و أحد؟
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع.
(2) أنوار التنزيل 1/ 69، باختلاف بسيط في اللفظ.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) تفسير العياشي 1/ 49، ح 69.
(5) ليس في أ.
82
فقالوا له: إذا مررت بهما فآذنّا بها (1).
فلمّا توسّط بهم أرض المدينة، قال لهم: ذلك عير. و هذا أحد.
فنزلوا عن ظهر إبله. و قالوا له: قد أصبنا بغيتنا. فلا حاجة لنا إلى إبلك. (2) فاذهب حيث شئت. و كتبوا إلى إخوانهم الّذين بفدك و خيبر، إنّا أصبنا الموضع. فهلمّوا إلينا.
فكتبوا إليهم، إنّا قد استقرّت بنا الدّار، و اتّخذنا بها (3) الأموال، و ما أقربنا منكم. فإذا كان ذلك، فما أسرعنا إليكم.
و اتّخذوا بأرض المدينة أموالا. (4) فلمّا كثرت أموالهم بلغ ذلك تبّع. فغزاهم.
فتحصّنوا منهم. (5) فحاصرهم. [و كانوا يرقّون للضّعفاء أصحاب تبّع و يلقون إليهم باللّيل التّمر و الشّعير. فبلغ ذلك تبّع. فرّق لهم.] (6) و آمنهم فنزلوا عليه.
فقال لهم: إنّي قد استطبت بلادكم، و لا أراني إلّا مقيما فيكم.
فقالوا له: (7) [إنّه] ليس ذلك لك. إنّها مهاجر نبيّ. و ليس ذلك لأحد حتّى يكون ذلك.
فقال لهم: فإنّي مخلّف فيكم من أسرتي، من إذا كان ذلك، ساعده و نصره.
فخلّف [فيهم] (8) حيّين الأوس و الخزرج. فلمّا كثروا بها، كانوا يتناولون أموال اليهود. فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لنخرجنّكم من ديارنا و أموالنا.
فلمّا بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- آمنت به الأنصار و كفرت به اليهود.
و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ، ما عَرَفُوا [من نعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (9) كَفَرُوا بِهِ [حسدا و خوفا على الرئاسة] (10) فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.
[و في روضة الكافي (11)، مثله، سواء.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (12): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن
____________
(1) المصدر: فارنا.
(2) المصدر: بغتينا فلا حاجة لنا في إبلك.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: الأموال.
(5) المصدر: منه. و هو الظاهر.
(6) ليس في أ.
7 و 8- يوجد في المصدر.
9 و 10- يوجد في أ، فقط.
(11) الكافي 8/ 308، ح 481.
(12) تفسير القمي 1/ 32- 33.
83
أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: نزلت هذه الآية في اليهود و النّصارى. يقول اللّه- تبارك و تعالى- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، يَعْرِفُونَهُ، يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أنزل عليهم في التّوراة و الإنجيل و الزّبور، صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صفة أصحابه و مبعثه و مهاجرته. و هو قوله تعالى (1):
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً. سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ. فهذه صفة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في التوراة و الإنجيل و صفة أصحابه.
فلمّا بعثه اللّه- عزّ و جلّ- عرفه أهل الكتاب، كما قال- جلّ جلاله: فَلَمَّا جاءَهُمْ، ما عَرَفُوا. كَفَرُوا بِهِ.
فكانت اليهود، يقولون للعرب، قبل مجيء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): أيّها العرب! هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة. و يكون مهاجرته بالمدينة. و هو آخر الأنبياء.
و أفضلهم. في عينيه حمرة. و بين كتفيه خاتم النّبوّة الشّملة. و يجتزئ بالكسرة و التّمرات.
و يركب الحمار العريّ. و هو الضّحوك القتّال. يضع سيفه على عاتقه و لا يبالي من لاقى.
يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر. لنقتلنّكم به، يا معشر العرب! قتل عاد.
فلمّا بعث اللّه نبيّه بهذه الصّفة، حسدوه و كفروا به، كما قال اللّه: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا. كَفَرُوا بِهِ.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ، يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا. كَفَرُوا بِهِ.
قال: كان قوم فيما بين محمّد و عيسى- صلّى اللّه عليهما. و كانوا يتوعّدون أهل الأصنام، بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و يقولون: ليخرجنّ نبيّ. فليكسرنّ أصنامكم.
و ليفعلنّ بكم و ليفعلن. فلمّا خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كفروا به.
و في أصول الكافي (3)، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) الفتح/ 29.
(2) الكافي 8/ 310، ح 482.
(3) الكافي 2/ 389- 360.
84
- (عليه السلام). قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر، في كتاب اللّه- عزّ و جلّ.
قال: الكفر في كتاب اللّه، على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود. [و الجحود] (1) على وجهين- إلى قوله- أمّا الوجه الآخر من الجحود، على معرفة. و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- (2) وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا. و قال اللّه- عزّ و جلّ- وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ. فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.] (3)
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ:
«ما» نكرة، موصوفة بالجملة الّتي بعده. مميّز لفاعل «بئس» المستكنّ فيه.
و معناه: بئس شيء باعوا به أنفسهم، أو شروا به أنفسهم، بحسب ظنّهم، فإنّهم ظنّوا أنّهم أخلصوا أنفسهم من العقاب، بما فعلوا.
أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ: هو المخصوص بالذّمّ.
بَغْياً: طلبا لما ليس لهم و حسدا، تعليل للكفر.
أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أي: لأن ينزّل اللّه، أي: حسدوا لذلك.
مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ: على من اختاره للرّسالة.
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ: فصاروا أحقّاء بغضب مترادف.
وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) لهم، بخلاف عذاب العاصي فانّه طهرة لذنوبه.
[و في شرح الآيات الباهرة (4): روى محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)- عن عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ في عليّ بَغْياً. (الآية).
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن جابر. قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية، (6) من قول اللّه فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ، قال: تفسيرها في الباطن: لما
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) النمل/ 14.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) تأويل الآيات الباهرة/ 25.
(5) تفسير العياشي 1/ 50، ح 70.
(6) المصدر: عن.
85
جاءهم ما عرفوا في عليّ كفروا به فقال اللّه [فيهم: «فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ في باطن القرآن.
قال أبو جعفر] (1) فيه: يعني بني أميّة. هم الكافرون في باطن القرآن.
قال أبو جعفر- (عليه السلام): نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ في عليّ «بَغْياً. و قال اللّه في عليّ: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، يعني: عليّا. قال اللّه:
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، يعني: بني أميّة. و لِلْكافِرِينَ، يعني: بني أميّة، «عَذابٌ مُهِينٌ.] (2)
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ: يعمّ جميع ما جاء به أنبياء اللّه.
قالُوا: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، أي: بالتوراة.
وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ:
قال ابن الأنباريّ (3): تمّ الكلام عند قوله بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا: ثمّ ابتدأ بالإخبار عنهم.
و صاحب الكشّاف (4)، على أنّه حال عن الضّمير في «قالوا»، أي: قالوا ذلك و الحال أنّهم يكفرون بما وراء التوراة.
و الأوّل، أقرب.
و «وراء»، في الأصل، مصدر. جعل ظرفا. و يضاف إلى الفاعل. فيراد ما يتوارى به، و هو خلفه. و إلى المفعول، فيراد به، ما يواريه، و هو قدّامه. و لذلك عدّ من الأضداد.
و قال الفرّاء: معنى وراءه، سواه، كما يقال للرّجل: «يتكلّم بالكلام الحسن، ما وراء هذا الكلام»، شيء يراد، ليس عند المتكلّم به شيء، سوى ذلك الكلام.
وَ هُوَ الْحَقُ، أي: ما وراءه. أي: القرآن الحقّ.
مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ، أي: التوراة.
[و في تفسير العيّاشيّ: (5) قال جابر: قال أبو جعفر- (عليه السلام): نزلت هذه الآية على
____________
(1) يوجد في المصدر: و هاهنا- أيضا- موجود بين المعقوفتين.
(2) ما بين المعقوفتين، ليس في أ.
(3) مجمع البيان 1/ 161.
(4) الكشاف 1/ 165.
(5) تفسير العياشي 1/ 51، ح 71.
86
محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا، و اللّه: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (1)» في عليّ، يعني: بني أميّة، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، يعني: في قلوبهم بما أنزل اللّه عليه.
وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ بما أنزل اللّه في عليّ. وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ، يعني: عليّا.] (2)
و مُصَدِّقاً، حال مؤكدة يتضمّن ردّ مقالتهم. فإنّهم لمّا كفروا بما يوافق التوراة، فقد كفروا بها. ثمّ اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء، مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة. و التوراة لا تسوغه بقوله:
قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91):
و إسناد القتل إليهم، مع أنّه فعل آبائهم، لأنّهم راضون به، عازمون عليه.
[و في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
قال: قال اللّه في كتابه، يحكي قول اليهود، إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ. (الآية) فقال: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.» و إنّما أنزل هذا، في قوم من (4) اليهود، و كانوا على عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يقتلوا الأنبياء بأيديهم، و لا كانوا في زمانهم. و إنّما قتل (5) الّذين كانوا من قبلهم. فجعلهم اللّه منهم.
و أضاف إليهم، فعل أوائلهم، بما تبعوهم و تولّوهم.] (6)
وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ. ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ. وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (92):
وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ، يجوز أن يكون حالا، أي: عبدتم العجل، و أنتم واضعون العبادة غير موضعها. و أن يكون اعتراضا، بمعنى: و أنتم قوم عادتكم الظّلم.
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا، أي:
قلنا لهم. خذوا ما أمرتم به في التوراة بجدّ. و اسمعوا، سماع طاعة.
قالُوا سَمِعْنا قولك. وَ عَصَيْنا أمرك.
____________
(1) المصدر: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ (النحل/ 24)
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) تفسير العياشي 1/ 51.
(4) ليس في المصدر.
(5) المصدر: إنّما قتل أوائلهم الذين كانوا من قبلهم. فنزلوا بهم أولئك القتلة.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
87
وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: تداخلهم حبّه. و رسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم فيه، كما يتداخل الصّبغ، الثّوب و الشّرب أعماق البدن.
و فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الإشراب.
بِكُفْرِهِمْ: بسبب كفرهم. لأنّهم كانوا مجسّمة، أو حلوليّة. و لم يروا جسما أعجب منه. فتمكّن في قلوبهم، ما سوّل لهم السّامريّ.
[و في تفسير العيّاشيّ: (1) عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ... قال: فعمد موسى. فرد (2) العجل من أنفه إلى طرف ذنبه.
ثمّ أحرقه بالنّار فذرّه في اليمّ.
قال: فكان أحدهم ليقع في الماء و ما به إليه من حاجة، فيتعرّض لذلك الرّماد، فيشربه. و هو قول اللّه وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ.] (3)
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتوراة. لأنّه ليس فيها عبادة العجاجيل.
و إضافة الأمر إلى إيمانهم، تهكّم، كما قال قوم شعيب (4): أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ.
و كذلك إضافة الإيمان إليهم.
و المخصوص بالذّمّ، محذوف، أي: هذا الأمر، أو ما يعمّه و غيره، من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث، إلزاما (5) عليهم.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93):
تشكيك في إيمانهم. و قدح في صحّة دعواهم له.
و كرّر رفع الطّور، لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى. و تلك الزّيادة التّنبيه على أنّ طريقهم مع الرّسول، طريقة أسلافهم مع موسى- (عليه السلام).
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً:
و المراد بالدّار الآخرة، الجنّة. و خالصة منصوب على الحال، من الدّار، أي:
خاصّة بكم كما قلتم لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودا.
مِنْ دُونِ النَّاسِ، أي: سائر النّاس، أو المسلمين.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 51، ح 73.
(2) المصدر: فبرّد.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) هود/ 87.
(5) أ: التزاما.
88
و «اللّام»، للعهد.
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94).
لأنّ من أيقن أنّه من أهل الجنّة، اشتاق إليها، و تمنّى سرعة الوصول إلى النّعيم، و التّخلّص من الدّار ذات النّوائب، كما
قال أمير المؤمنين و يعسوب الدّين (1)، و هو يطوف بين الصّفين في غلالة، فقال ابنه الحسن- (عليه السلام): ما هذا بزيّ المحاربين؟ يا بنيّ! إنّ أباك لا يبالي وقع على الموت، أو وقع الموت عليه.
و قال عمّار- رضي اللّه عنه- بصفّين (2): الآن ألاقي محمّدا و حزبه.
و قال حذيفة، حين احتضر (3): جاء حبيب على فاقة. لا أفلح من ندم، أي:
التّمنّي.
[و في كتاب الخصال (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه- (عليهما السلام): أنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: يا أمير المؤمنين! بما عرفت ربّك؟
قال: بفسخ العزائم.
إلى أن قال: فبما ذا أحببت لقاءه؟
قال لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته و رسله و أنبيائه، علمت بأنّ الّذى أكرمني بهذا ليس ينساني، فأحببت لقاءه.
عن جعفر بن محمّد (5)، عن أبيه- (عليهما السلام). قال: أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل فقال له: مالي لا أحبّ الموت؟
فقال له: أ لك مال؟
قال: نعم.
قال: فقدّمته؟
قال: لا.
قال: فمن ثمّ لا تحبّ الموت.] (6)
____________
(1) الكشاف 1/ 166+ مجمع البيان 1/ 164.
(2) الكشاف 1/ 167.
(3) نفس المصدر 1/ 166.
(4) الخصال 1/ 33، ح 1.
(5) نفس المصدر 1/ 13، ح 47.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
95
من بعدهما من الأئمّة، بأنّهم أولياء اللّه حقّا، إذا ماتوا على موالاتهم لمحمّد و عليّ و آلهما الطّيّبين.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى أنس بن مالك، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، قال فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعبد اللّه بن سلام، و قد سأله عن مسائل: أخبرني بهنّ جبرئيل- (عليه السلام)- آنفا.
قال: هل خبّرك جبرئيل.
قال: نعم.
قال: ذلك عدوّ اليهود من الملائكة.
قال: ثمّ قرأ هذه الآية: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ] (2)
و في «جبرئيل»، ثمان لغات: قرئ بهنّ أربع في المشهورات: جبرئيل، كسلسبيل، قراءة حمزة و الكسّائيّ. و جبرئيل (بكسر الرّاء و حذف الهمزة)، قراءة ابن كثير. و جبرئيل، كحجمرش، قراءة عاصم برواية أبي بكر. و جبرئيل، كقنديل، قراءة الباقين.
و أربع في الشّواذّ. جبرائيل و جبرائيل، جبرال و جبرين.
و منع صرفه للعجمة و التّعريف. و معناه عبد اللّه.
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، أي: جبرئيل نزّل القرآن.
و الإرجاع إلى غير المذكور، يدلّ على فخامة شأنه. كأنّه لتعيّنه و فرط شهرته، لم يحتجّ إلى سبق ذكره.
عَلى قَلْبِكَ:
فإنّه القابل الأوّل للوحي. و محلّ الفهم و الحفظ. و كان حقّه على قلبي. لكنّه جاء على حكاية كلام اللّه تعالى. كأنّه قال: قل ما تكلّمت به من قولي. مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ.
بِإِذْنِ اللَّهِ: بأمره.
____________
(1) علل الشرائع 94- 95، ح 3.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
90
و إفرادهم بالذّكر، للمبالغة. فإنّ حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلّا الحياة العاجلة، و الزّيادة في التّوبيخ و التّقريع. فإنّه لمّا زاد حرصهم و هو مقرون بالجزاء على حرص المنكرين، دلّ ذلك على علمهم بأنّهم صائرون إلى النّار.
و يجوز أن يراد: و أحرص من الّذين أشركوا. فحذف، لدلالة الأوّل عليه. و أن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته.
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ على أنّه أريد بالّذين أشركوا اليهود. لأنّهم قالوا: عزير بن اللّه، أي: و منهم ناس يودّ أحدهم. و هو على الأوّلين، بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف.
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ:
حكاية لودادتهم.
و «لو» بمعنى ليت. و كأنّ أصله «لو عمّر». فأجرى على الغيبة، لقوله تعالى «يود»، كقولك: حلف باللّه، ليفعلنّ.
وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ:
الضّمير لأحدهم.
و «أن يعمّر»، فاعل «مزحزحه»، و ما أحدهم ممّن يزحزحه من النّار تعميره، أو لما دلّ عليه يعمّر. و «أن يعمّر» بدل، أو مبهم. و «أن يعمّر»، موضّحه.
و أصل «سنة» سنوة. لقولهم: سنوات. و قيل: سنهة، كجبهة. لقولهم: سانهة و تسنّهت النّحل، إذا أتت عليها السّنوات.
و «الزّحزحة»: التّبعيد.
وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)، فيجازيهم.
و في هذه الآية، دلالة على أنّ الحرص على طول البقاء، لطلب الدّنيا و نحوه، مذموم. و إنّما المحمود، طلب البقاء للازدياد في الطّاعة، و تلافي الفائت بالتّوبة و الإنابة، و درك السّعادة بالإخلاص في العبادة. و إلى هذا المعنى
أشار أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (1) في قوله: بقيّة عمر المؤمن، لا قيمة له. يدرك بها ما فات. و يحيي بها ما أمات.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 166.
91
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ:
قال ابن عبّاس (1): سبب نزول هذه الآية، ما روى أنّ ابن صوريا و جماعة من اليهود أهل فدك، لمّا قدم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- المدينة، سألوه. فقالوا: يا محمّد! كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النّبيّ الّذي يأتي في آخر الزّمان.
فقال: تنام عيناي. و قلبي يقظان.
قالوا: صدقت، يا محمّد! فأخبرنا عن الولد يكون من الرّجل و المرأة.
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله): أمّا العظام و العصب و العروق، فمن الرّجل. و أمّا اللّحم و الدّم و الشّعر و الظّفر، فمن المرأة.
قالوا: صدقت، يا محمّد! فما بال الولد يشبه أعمامه و ليس فيه من شبه أخواله شيء؟ أو يشبه أخواله و ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟
فقال: أيّهما علا ماؤه، كان الشّبه له.
قالوا: صدقت، يا محمّد! قالوا: أخبرنا عن ربّك، ما هو؟
فأنزل اللّه سبحانه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (إلى آخره.) فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة، إن قلتها آمنت بك و اتّبعتك. أيّ ملك يأتيك بما ينزل اللّه عليك؟
فقال: جبرئيل.
قال: ذاك عدوّنا. ينزل بالقتال و الشّدّة و الحرب. و ميكائيل ينزل باليسر و الرخاء. فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك، لآمنّا بك.
[و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه) (2): و قال أبو محمّد- (عليه السلام)- قال جابر بن عبد اللّه: سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عبد اللّه بن صوريا، غلام أعور يهوديّ- تزعم اليهود أنّه أعلم يهوديّ بكتاب اللّه و علوم أنبيائه- عن مسائل كثيره.
تعنّت فيها فأجابه عنها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما لم يجد إلى إنكار شيء منها سبيلا.
فقال له: يا محمّد! من يأتيك بهذه الأخبار عن اللّه تعالى؟
____________
(1) نفس المصدر 1/ 167.
(2) الاحتجاج 1/ 46.
92
قال: جبرئيل.
قال: لو كان غيره يأتيك بها، لآمنت بك. و لكن جبرئيل عدوّنا من بين الملائكة. فلو كان ميكائيل، أو غيره سوى جبرئيل يأتيك بها، لآمنت بك.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): و لم اتّخذتم جبرئيل عدوّا؟
قال: لأنّه ينزل بالبلاء و الشّدّة على بني إسرائيل. و دفع دانيال عن قتل بخت نصر، حتّى قوى أمره و أهلك بني إسرائيل. و كذلك كلّ بأس و شدّة لا ينزلها إلّا جبرئيل و ميكائيل يأتينا بالرّحمة.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ويحك! أجهلت أمر اللّه؟ و ما ذنب جبرئيل إن أطاع اللّه، فيما يريده اللّه بكم. أرأيتم ملك الموت أ هو عدوّكم؟ و قد وكّله اللّه تعالى بقبض أرواح الخلق. أرأيتم الآباء و الأمّهات إذا وجروا الأولاد الدّواء الكريه لمصالحهم، يجب أن يتّخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك؟ لا! و لكنّكم باللّه جاهلون.
و عن حكمته غافلون. و أشهد أنّ جبرئيل و ميكائيل بأمر اللّه عاملان. و له مطيعان. و أنّه لا يعادي أحدهما إلّا من عادى الآخر. و أنّه من زعم أنّه يحبّ أحدهما و يبغض الآخر، فقد كذب. و كذلك محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ، أخوان، كما أنّ جبرئيل و ميكائيل، أخوان. فمن أحبّهما، فهو من أولياء اللّه. و من أبغضهما، فهو من أعداء اللّه. و من أبغض أحدهما و زعم أنّه يحبّ الآخر، فقد كذب و هما منه بريئان. و اللّه تعالى و ملائكته و خيار خلقه منه براء.
و قال أبو محمّد- (عليه السلام): كان سبب نزول قوله تعالى قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ (الآيتين)، ما كان من اليهود أعداء اللّه من قوله من قول السيّئ، في جبرئيل و ميكائيل، و من كان من أعداء اللّه النّصّاب، من قول أسوء منه، في اللّه و في جبرئيل و ميكائيل و سائر ملائكة اللّه. أمّا ما كان من النّصّاب، فهو أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا كان لا يزال يقول في عليّ- (عليه السلام)- الفضائل الّتى خصّه اللّه- عزّ و جلّ- بها و الشّرف الّذي أهّله اللّه تعالى له. و كان في كلّ ذلك يقول: أخبرني به جبرئيل، عن اللّه. و يقول في بعض ذلك، جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل، عن يساره. يفتخر جبرئيل على ميكائيل، في أنّه عن يمين عليّ- (عليه السلام)- الّذي هو أفضل من اليسار، كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدّنيا يجلسه الملك عن يمينه، على النّديم الآخر الّذي يجلسه عن يساره. و يفتخران على إسرافيل الّذي خلفه بالخدمة، و ملك الموت الّذي أمامه بالخدمة.
93
و أنّ اليمين و الشّمال، أشرف من ذلك، كافتخار حاشية الملك، على زيادة قرب محلّهم من ملكهم.
و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول في بعض أحاديثه: إنّ الملائكة أشرفها عند اللّه، أشدّها لعليّ بن أبي طالب حبّا. و إنّه قسم (1) الملائكة فيما بينهما، و الّذي يشرّف (2) عليّا على جميع الورى بعد محمّد المصطفى.
و يقول مرّة: إنّ ملائكة السّماوات و الحجب ليشتاقون إلى رؤية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كما تشتاق الوالدة الشّفيقة إلى ولدها البارّ الشّفيق، آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم.
فكان هؤلاء النّصّاب يقولون: إلى متى يقول محمّد: جبرئيل و ميكائيل و الملائكة؟
و كلّ ذلك تفخيم لعليّ، و تعظيم لشأنه. و يقول اللّه تعالى لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- خاصّ من سائر الخلق. برئنا من ربّ و من ملائكة و من جبرئيل و ميكائيل هم لعلىّ بعد محمّد، مفضّلون. و برئنا من رسل اللّه الّذين هم لعليّ بعد محمّد، مفضّلون.
و أمّا ما قاله اليهود. فهو أنّ اليهود، أعداء اللّه. لمّا قدم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- المدينة، أتوا بعبد اللّه بن صوريا. فسأله عن أشياء. فأجابه إلى أن قال: بقيت خصلة، إن قلتها، آمنت بك و اتّبعتك. أيّ ملك يأتيك بما تقوله عن اللّه؟
قال: جبرئيل.
قال ابن صوريا: ذلك عدوّنا من بين الملائكة. ينزل بالقتل و الشّدّة و الحرب.
و رسولنا ميكائيل. يأتي بالسّرور و الرّخاء. فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك، آمنا بك. لأنّ ميكائيل كان يشدّ ملكنا. و جبرئيل كان يهلك ملكنا. فهو عدوّنا لذلك.
فقال سلمان الفارسيّ- رضى اللّه عنه: فما بدوّ عداوته لكم؟
قال: نعم، يا سلمان! عادانا مرارا كثيرة. و كان من أشدّ ذلك علينا، أنّ اللّه أنزل على أنبيائه أنّ بيت المقدس يخرّب على يد رجل، يقال له «بخت نصر» و في زمانه. و أخبرنا بالحين الّذي يخرّب فيه. و اللّه يحدث الأمر بعد الأمر. فيمحو ما يشاء. و يثبت. فلمّا بلغنا ذلك الحين الّذى يكون فيه هلاك بيت المقدس، بعث أوائلنا رجلا من أقرباء بني إسرائيل و أفاضلهم، نبيّا كان يعدّ من أنبيائهم، يقال له «دانيال»، في طلب بخت نصر، ليقتله.
____________
(1) ر: قسيم.
(2) ر: شرّف.
94
فحمل معه وقر مال لينفقه في ذلك. فلمّا انطلق في طلبه، لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوّة و لا منعة. فأخذه صاحبنا ليقتله. فدفع عنه جبرئيل. و قال لصاحبنا:
إن كان ربّكم هو الّذي أمر بهلاككم، فإنّه لا يسلّطك عليه. و إن لم يكن هذا، فعلى أيّ شيء تقتله؟
فصدّقه صاحبنا. و تركه. و رجع إلينا. و أخبرنا بذلك. و قوى بخت نصر. و ملك قرانا. و خرّب بيت المقدس. فلهذا نتّخذه عدوّا. و ميكائيل عدوّ لجبرئيل.
فقال سلمان: يا بن صوريا! بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم. أرأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر؟ و قد أخبر اللّه تعالى، في كتبه، على ألسنة رسله، أنّه يملك و يخرّب بيت المقدس. أرادوا بذلك تكذيب أنبياء اللّه في أخبارهم؟ أو اتّهموهم في إخبارهم؟ و صدّقوهم في الخبر عن اللّه؟ و مع ذلك أرادوا مغالبة اللّه؟ هل كان هؤلاء و من وجوه، إلا كفّار باللّه؟ و أيّ عداوة يجوز أن تعتقد لجبرئيل و هو يصدّ به عن مغالبة اللّه- عزّ و جلّ- و ينهى عن تكذيب خبر اللّه تعالى؟
فقال ابن صوريا: قد كان اللّه أخبر بذلك على ألسن أنبيائه. و لكنّه يمحو ما يشاء و يثبت.
قال سلمان: فإذا لا يتّقنوا بشيء ممّا في التّوراة، من الأخبار عمّا مضى و ما يستأنف، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت. و إذا لعلّ اللّه قد كان عزل موسى و هارون عن النّبوّة. و أبطلا في دعواهما؟ لأنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت. و لعلّ كلّما أخبراكم أنّه يكون، لا يكون. و ما أخبراكم أنّه لا يكون، يكون. و كذلك ما أخبراكم عمّا كان، لعلّه لم يكن.
و ما أخبراكم أنّه لم يكن، لعلّه كان. و لعلّ ما وعده من الثّواب، يمحوه. و لعلّ ما توعّد به من العقاب، يمحوه. فإنّه يمحو ما يشاء و يثبت. إنّكم جهلتم معنى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ فلذلك أنتم باللّه كافرون. و لإخباره عن الغيوب مكذّبون و عن دين اللّه منسلخون.
ثم قال سلمان: إنّي أشهد أنّ من كان عدوّا لجبرئيل، فإنّه عدوّ لميكائيل. و إنّهما جميعا عدوّان لمن عادهما. سلمان لمن سالمهما.
فأنزل اللّه تعالى عند ذلك موافقا لقول سلمان: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ» في مظاهرته لأولياء اللّه على أعداء اللّه، و نزوله بفضائل عليّ وليّ اللّه من عند اللّه، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، فإن جبرئيل نزّل هذا القرآن عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، بأمره، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من سائر كتب اللّه، «و هدى» من الضلالة، وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بنبوّة محمّد و ولاية عليّ و
89
و أمّا ما روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال (1): «لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ، نزل به. و لكن ليقل: اللّهمّ أحيني ما دامت الحيوة خيرا لي. و توفّني إذا كانت الوفاة، خيرا لي»
، فإنّما نهى عن التّمنّي للضّرّ. لأنّه يدلّ على الجزع. و المأمور به الصّبر و تفويض الأمور إليه.
وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95):
و المراد بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، ما أسلفوا من موجبات النّار، من الكفر بمحمّد، و ما جاء به، و تحريف كتاب اللّه، و سائر أنواع الكفر و العصيان. و لمّا كانت اليد العاملة، مختصّة بالإنسان، آلة لقدرته. بها عامّة صنائعه (2) و منها أكثر منافعه، عبّر بها عن النّفس، تارة، و القدر، أخرى.
و قوله وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً من المعجزات. لأنّه إخبار بالغيب.
و روى الكلبيّ (3)، عن ابن عبّاس، أنّه قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول لهم (4): إن كنتم صادقين في مقالتكم، فقولوا «اللّهمّ أمتنا». فو الّذي نفسي بيده! لا يقولها رجل إلّا غصّ بريقه. فمات مكانه.
و روي عنه- (عليه السلام)- (5) أيضا- أنّه [قال:] (6) لو أنّ اليهود تمنّوا الموت، لماتوا، و لرأوا مقاعدهم من النّار.
وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ:
من وجد، بمعنى علم. المتعدّي إلى مفعولين، في قولهم: وجدت زيدا ذا انخفاض. (7) و مفعولاه، هم أحرص.
و تنكير «حياة»، لأنّه أريد فرد من أفرادها. و هي الحياة المتطاولة. و قرئ باللام.
وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:
محمول على المعنى. فكأنّه قال: أحرص من النّاس و من الّذين أشركوا
____________
(1) مجمع البيان 1/ 164.
(2) ر: على صنايعه.
(3) مجمع البيان 1/ 164.
(4) ر: لكم.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) يوجد في المصدر.
(7) أ: انخفظاظ. الأصل ور: انخفاظ.
96
حال من فاعل «نزّل».
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97):
أحوال من مفعوله. و جواب الشّرط.
فإنّه نزّله على وجهين:
أحدهما: أنّ من عادى منهم جبرئيل، فلا وجه له. فإنّه نزّل (1) كتابا مصدّقا لما بين يديه من الكتب. فلو أنصفوا، لأحبّوه، و شكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم و يصحّح المنزل عليهم.
و الثّاني: أنّ من عاداه، فالسّبب في عداوته أنّه نزل عليك بالوحي، و هم كارهون له.
و قيل (2): جواب الشّرط محذوف، مثل: فليمت غيظا، أو فهو عدوّ لي. و أنا عدو له، كما قال:
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98)، أي: من كان معاديا للّه، أي: يفعل فعل المعادي، من المخالفة و العصيان، فإنّ حقيقة العداوة، طلب الإضرار به، و هذا يستحيل على اللّه تعالى.
و قيل: (3) المراد به معاداة أوليائه.
صدر الكلام بذكره، تفخيما لشأنهم. و إفراد الملكين بالذّكر، لفضلهما. كأنّهما من جنس آخر.
و وضع الظّاهر، موضع الضّمير، للدّلالة على أنّه تعالى عاداهم لكفرهم. و أنّ عداوة الملائكة و الرّسل، كفر. فكيف بعداوة أمير المؤمنين و يعسوب الدّين و إمام المتّقين؟
قرأ نافع، ميكائيل، كميكاعل. و أبو عمرو و يعقوب و عاصم برواية حفص، ميكال، كميعاد. و قرئ ميكئيل و ميكائيل و ميكال.
وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (99)، أي: المتمرّدون من الكفرة.
و «الفسق» إذا استعمل في نوع من المعاصي، دلّ على أعظمه. كأنّه متجاوز عن
____________
(1) أ: نزّله.
(2) أنوار التنزيل 1/ 72.
(3) مجمع البيان 1/ 167.
97
حدّه.
قال ابن عبّاس (1): إنّ ابن صوريا قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): يا محمّد! ما جئتنا بشيء نعرفه. و ما أنزل عليك بآية بيّنة فنتّبعك لها. فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً:
الهمزة حرف استفهام للإنكار. و يحتمل أن تكون للتّقرير.
و قال بعضهم (2): يحتمل أن تكون زائدة، كزيادة الفاء، في قولك: أ فاللّه لتفعلنّ.
و الأوّل أصحّ.
و الواو للعطف، على محذوف تقديره «أكفروا بالآيات و كلّما عاهدوا.» و قرئ بسكون الواو، على أنّ التّقدير «إلّا الّذين فسقوا»، أو «كلّما عاهدوا» و قرئ عوهدوا و عهدوا (3).
نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: نقضه.
و أصل النّبذ: الطّرح. لكنّه يغلب فيما ينسى.
و إنّما قال «فريق»، لإنّ بعضهم لم ينقض.
و قرئ نقضه.
[و في روضة الكافي (4)، في رسالة أبي جعفر- (عليه السلام)- إلى سعد الخير: و كلّ أمّة قد رفع اللّه عنهم علم الكتاب، حين نبذوه. و ولّاهم عدوّهم، حين تولّوه. و كان من نبذهم الكتاب، أن أقاموا حروفه، و حرّفوا حدوده. فهم يروونه و لا يرعونه. و الجّهال يعجبهم للرّواية. و العلماء يحزنهم تركهم للرّعاية. و كان من نبذهم الكتاب، أن ولّوه الّذين لا يعلمون. فأوردوهم الهوى. و أصدروهم إلى الرّدى. و غيّروا عرى الدّين- إلى إن قال- (عليه السلام): ثمّ اعرف أشباههم، من هذه الأمّة الّذين أقاموا حروف الكتاب و حرّفوا حدوده. فهم مع السّادة و الكبرة. فإذا تفرّقت قادة الأهواء، كانوا مع أكثرهم دنيا. و ذلك مبلغهم من العلم. لا يزالون كذلك في طمع و طبع. لا يزال يسمع صوت إبليس، على ألسنتهم، بأباطل كثيرة (5).
____________
(1) مجمع البيان 1/ 168.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) ر. أنوار التنزيل 1/ 72.
(4) الكافي 8/ 52- 54، مقاطع من ح 16.
(5) المصدر: بباطل كثير.
98
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة] (1)
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100):
ردّ لما يتوهّم أنّ الفريق هم الأقلّون، أو أنّ من لم ينبذ جهارا، فهم يؤمنون به خفاء.
وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: كعيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة، نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ، أي: التوراة. لأنّ كفرهم بالرّسول المصدّق لها، كفر بها فيما تصدّقه.
و قيل (2): المراد بكتاب اللّه، القرآن.
وَراءَ ظُهُورِهِمْ:
مثل لإعراضهم عنه، بالإعراض عمّا يرمى به وراء الظّهر، لعدم الالتفات إليه.
كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) أنّه كتاب اللّه، يعني: أنّ علمهم به رصين (3). و لكن يتجاهلون عنادا.
قال الشّعبيّ: (4) هو بين أيديهم يقرءونه. و لكن نبذوا العمل به.
قال سفيان بن عيينة: (5) أدرجوه في الحرير و الدّيباج و حلّوه بالذّهب و الفضّة.
و لم يحلّوا حلاله. و لم يحرّموا حرامه. فذلك النّبذ. هذا إذا حمل الكتاب على التوراة. و أمّا إذا حمل على القرآن، فإنّه لما جاءهم الرّسول بهذا الكتاب، فلم يقبلوه، صاروا نابذين له.
و اعلم: أنّه تعالى دلّ بالآيتين، على أنّ جلّ اليهود، أربع فرق:
فرقة آمنوا بالتوراة و قاموا بحقوقها، كمؤمني أهل الكتاب. و هم الأقلّون المدلول عليهم بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
و فرقة جاهروا بنبذ عهودها و تخطّي حدودها، تمرّدا و فسوقا. و هم المعنيّون بقوله:
نبذ فريق منهم.
و فرقة لم يجاهروا بنبذها، لكن نبذوا لجهلهم بها. و هم الأكثرون.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) مجمع البيان 1/ 169+ أنوار التنزيل 1/ 72.
(3) أ: رزين. و هو الظاهر. و ما في المتن، موافق أنوار التنزيل.
4 و 5- مجمع البيان 169/ 1.
99
و فرقة تمسّكوا بها ظاهرا، و نبذوها خفية، عالمين بالحال، بغيا و عنادا. و هم المتجاهلون.
وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ: معطوف على «نبذ»، أي: نبذوا كتاب اللّه. و اتّبعوا كتب السّحر الّتي تقرؤها، او تتبعها الشّياطين من الجنّ، أو الإنس، أو منها.
عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد سليمان.
قيل (1): كانوا يسترقون السّمع، و يضمّون إلى ما سمعوا أكاذيب، و يلقونها إلى الكهنة، و هم يدوّنونها، و يعلّمون النّاس. و فشى ذلك في عهد سليمان، حتّى قيل: إنّ الجنّ يعلم الغيب. و إن ملك سليمان تمّ بهذا العلم. و إنّه تسخّر به الإنس و الجنّ و الرّيح له.
و روى العيّاشيّ، (2) بإسناده، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: لمّا هلك سليمان، وضع إبليس السّحر. ثمّ كتبه في كتاب. و طواه. و كتب على ظهره:
«هذا ما وضع آصف بن برخيا، من ملك سليمان بن داود، من ذخائر كنوز العلم. من أراد كذا و كذا فليقل كذا و كذا.» ثمّ دفنه تحت السّرير. ثمّ استأثره لهم. فقال الكافرون:
ما كان يغلبنا سليمان إلّا بهذا. و قال المؤمنون: هو عبد اللّه و نبيّه. فقال اللّه في كتابه:
وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا. (إلى آخره.)
وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ: تكذيب لمن زعم ذلك.
و عبّر عن السّحر، بالكفر، ليدلّ على أنّه كفر. و أنّ من كان نبيّا، كان معصوما عنه.
وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعماله.
و قيل (3): بما نسبوا إلى سليمان من السّحر.
و قيل (4): عبّر عن السّحر، بالكفر.
و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي (5): و لكن (بالتّخفيف)، و رفع الشّياطين.
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ إغواء و إضلالا.
و الجملة حال عن الضّمير في «كفروا.»
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 73.
(2) تفسير العياشي 1/ 52، ح 74.
3 و 4- مجمع البيان 1/ 174.
(5) نفس المصدر 1/ 170.
100
و المراد بالسّحر، ما يستعان في تحصيله بالتّقرّب إلى الشّيطان، ممّا لا يستقلّ به الإنسان. و ذلك لا يستتبّ إلّا لمن يناسبه في الشّرارة و خبث النّفس. فإنّ التّناسب شرط في التّضامّ و التّعاون. و بهذا يتبيّن (1) السّاحر عن النّبيّ.
و أمّا ما يتعجّب منه كما يفعله أصحاب الحيل، بمعونة الآلات و الأدوية، أو يريك صاحب خفّة اليه، فليس بسحر. و تسميته سحرا، على التّجوّز، أو لما فيه من الدّقّة. لأنّه في الأصل لما خفي سببه.
وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ:
عطف على السّحر. و المراد بها واحد. و العطف لتغاير الاعتبار. أو لأنّه أقوى منه.
أو على ما تتلوا.
قيل (2): هما ملكان أنزلا لتعليم السّحر، ابتلاء من اللّه تعالى للنّاس، و تمييزا بينه و بين المعجزة.
و قيل (3): رجلان سمّيا ملكين، باعتبار صلاحهما. و يؤيّده قراءة الملكين.
(بالكسر) و ما روي (4) أنّهما مثّلا بشرين. و ركّب فيهما الشّهوة. فتعرّضا لامرأة يقال لها زهرة. فحملتهما على المعاصي و الشرك. ثمّ صعدت إلى السّماء بما تعلّمت منهما. فمحكيّ عن اليهود.
و قيل (5): «ما أنزل» نفي معطوف على «ما كفر [سليمان] (6)»، تكذيب لليهود في هذه القصّة.
بِبابِلَ: ظرف، أو حال من الملكين، أو من الضّمير في أنزل. و المشهور أنّه بلد من سواد كوفة.
هارُوتَ وَ مارُوتَ: عطف بيان للملكين. وضع صرفهما، للعجمة و العلمية.
و لو كانا من الهرت و المرت و هو الكسر- كما زعم بعضهم- لانصرفا.
و من جعل «ما» نافية، أبدلهما من «الشّياطين»، بدله البعض. و ما بينهما اعتراض. و قرئ بالرّفع، على تقدير «هما هاروت و ماروت».
____________
(1) أ: تبيّن.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 73.
(4) عيون أخبار الرضا 1/ 211، ح 2+ تفسير نور الثقلين 1/ 190+ أنوار التنزيل 1/ 73.
(5) أنوار التنزيل 1/ 73.
(6) يوجد في المصدر.
101
وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَلا تَكْفُرْ:
فمعناه على الأوّل: ما يعلّمان أحدا حتّى ينهياه و يقولا له: إنّما نحن ابتلاء من اللّه.
فمن تعلّم منّا و عمل به كفر. و من تعلّم و توقّى عمله ثبت على الإيمان. فلا تكفر باعتقاد جوازه و العمل به.
و على الثّاني: ما يعلّمانه حتّى يقولا إنّا مفتونان. فلا تكن مثلنا.
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ، أي: من السّحر، ما يكون سبب تفريقهما.
وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ:
لأنّ الأسباب كلّها مؤثّرة بأمره تعالى.
وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا:
قيل (1) أي: اليهود.
لَمَنِ اشْتَراهُ، أي: استبدله بكتاب اللّه، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ: نصيب.
وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ باعوا أو اشتروا، على ما مرّ.
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) قبحه (2) على اليقين (3).
و المثبت لهم، أوّلا على التّوكيد القسميّ العقل الغريزيّ، أو العلم الإجماليّ بقبح الفعل، أو ترتّب لعقاب من غير تحقيق. فلا منافاة بين ما سبق و بين هذا.
[و في عيون الأخبار (4): حدّثنا محمّد بن القسم المفسّر المعروف بأبي الحسن الجرجاني- رضى اللّه عنه. قال: حدّثنا يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهم السلام)- في قول اللّه تعالى وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ، قال: «اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا كفرة «الشّياطين» من السّحر و النّيرنجات عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ الّذين يزعمون أنّ سليمان به ملك و نحن- أيضا- به نظهر (5) العجائب، حتّى ينقاد لنا النّاس. و قالوا: كان
____________
(1) ليس في المصدر: و القول يوجد في أنوار التنزيل 1/ 74.
(2) ليس في ر.
(3) أ: التعيين.
(4) عيون الأخبار 1/ 266- 271، ح 1.
(5) المصدر: فظهر.
102
سليمان كافرا ساحرا ماهرا. بسحره ملك ما ملك، و قدر على (1) ما قدر. فرد اللّه- عزّ و جلّ- عليهم. فقال: وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ. و لا استعمل السّحر [، كما قال هؤلاء الكافرون. وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا. يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ] (2) الذي نسبوه إلى سليمان و إلى ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت.
و كان بعد نوح- (عليه السلام)- قد كثر السّحرة المموّهون (3). فبعث اللّه تعالى ملكين إلى نبيّ ذلك الزّمان، يذكر ما يسحر به السحرة. و ذكر ما يبطل به سحرهم، و يردّ به كيدهم. فتلقّاه النّبيّ، عن الملكين. و أدّاه إلى عباد اللّه، بأمر اللّه- عزّ و جلّ- و أمرهم (4) أن يقفوا به على السّحرة. و ان يبطلوه. و نهاهم أن يسحروا به النّاس. و هذا كما يدلّ على السّمّ ما هو، و على ما يدفع به غائلة السّمّ.
ثمّ قال- عزّ و جلّ: وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ، حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَلا تَكْفُرْ، يعني: أنّ ذلك النّبيّ- (عليه السلام)- أمر الملكين، أن يظهرا للنّاس بصورة بشرين، و يعلّماهم ما علّمهما (5) اللّه من ذلك. فقال اللّه- عزّ و جلّ: وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ذلك السّحر و إبطاله، حَتَّى يَقُولا للمتعلّم: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ و امتحان للبلاء (6)، ليطيعوا اللّه فيما يتعلّمون من هذا، و يبطلوا به كيد السّحرة. و لا يسحروهم. «فلا تكفر» باستعمال هذا السّحر و طلب الإضرار به و دعاء النّاس إلى أن يعتقدوا أنّك به تحيي و تميت و تفعل ما لا يقدر عليه إلّا اللّه- عزّ و جلّ. فأنّ ذلك كفر. قال اللّه تعالى: «فيتعلّمون»، يعني:
طالبي السّحر، «منهما»، يعني: ممّا كتبت الشّياطين على ملك سليمان، من النّيرنجات و ما (7) أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت، «يتعلّمون من» هذين الصّنفين، ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ. هذا من يتعلّم للإضرار (8) بالناس. يتعلّمون التضريب بضروب الحيل و التمائم و الإيهام، و أنّه قد دفن في موضع كذا، و عمل كذا لتحبّب المرأة إلى
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: و المموّهون.
(4) المصدر: فأمرهم.
(5) الأصل ور: علّمهم.
(6) المصدر: للعباد. و هو الظاهر.
(7) المصدر: مما.
(8) المصدر: من يتعلّم الإضرار.
و أشار في الهامش إلى أنّه في بعض النسخ كما موجود في المتن هنا.
103
الرّجل و الرّجل إلى المرأة، أو (1) يؤدي إلى الفراق بينهما.
ثمّ قال- عزّ و جلّ: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، أي: ما المتعلّمون لذلك (2) بضارّين به من أحد، إلّا بإذن اللّه، يعني: بتخلية اللّه و علمه. و إنّه لو شاء، لمنعهم بالجبر و القهر.
ثمّ قال: وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ. إذا تعلّموا ذلك السّحر، ليسحروا به، و يضرّوا، قد تعلّموا ما يضرّهم في دينهم و لا ينفعهم فيه. بل ينسلخون عن دين اللّه بذلك. و لقد علّم هؤلاء المتعلّمون لمن اشتراه بدينه الّذي ينسلخ عنه بتعلّمه، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، أي: من نصيب في ثواب الجنّة.
ثمّ قال تعالى: وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. و رهنوا (3) بالعذاب، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنّهم قد باعوا الآخرة، و تركوا نصيبهم من الجنّة. لأنّ المتعلّمين لهذا السّحر الّذين يعتقدون أنّ لا رسول و لا إله و لا بعث و لا نشور. فقال: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. لأنّهم يعتقدون (4) أنّها إذا لم تكن آخرة، فلا خلاق لهم في دار بعد الدّنيا. و إن كان بعد الدّنيا، آخرة. فهم مع كفرهم بها، لا خلاق لهم فيها.
ثمّ قال: وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (5)» إذ باعوا الآخرة بالدّنيا و رهنوا بالعذاب الدّائم أنفسهم، لَوْ [كانُوا] (6) يَعْلَمُونَ أنّهم قد باعوا أنفسهم بالعذاب. و لكن لا يعلمون ذلك، لكفرهم به، فلمّا تركوا النّظر في حجج اللّه، حتّى يعلموا أنّهم عذّبهم على اعتقادهم الباطل و جحدهم الحقّ.
قال يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما: إنّهما قالا: فقلنا للحسن، أبي القائم- (عليه السلام) (7): فإنّ قوما عندنا، يزعمون أنّ هاروت و ماروت ملكان اختارتهما (8) الملائكة لمّا كثر عصيان بني آدم، و أنزلهما مع ثالث لهما، إلى الدّنيا (9)، و إنّهما قد افتتنا بالزّهرة، و أرادا الزّنا بها، و شربا الخمر، و قتلا النّفس المحرّمة، و إنّ اللّه- عزّ
____________
(1) المصدر: و.
(2) المصدر: بذلك. و هو الظاهر.
(3) المصدر: رهنوها. و هو الظاهر.
(4) المصدر: لأنّهم يعتقدون أنّ لا آخرة فهم يعتقدون.
(5) المصدر: أنفسهم بالعذاب.
(6) يوجد في المصدر.
(7) المصدر: للحسن بن عليّ.
(8) المصدر: اختارهما اللّه.
(9) المصدر: دار الدنيا.
104
و جلّ- يعذّبهما ببابل، و إنّ السّحرة منهما يتعلّمون السّحر، و إنّ اللّه تعالى مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الّذي هو الزّهرة.
فقال الإمام- (عليه السلام): معاذ اللّه من ذلك. إن (الملائكة) (1) معصومون محفوظون من الكفر و القبائح، بألطاف اللّه تعالى. قال اللّه تعالى فيهم (2): «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ. وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. و قال- عزّ و جلّ (3): وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. وَ مَنْ عِنْدَهُ، يعني: الملائكة، «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. و قال اللّه تعالى (4) في الملائكة- أيضا: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ. وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ. وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى. وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.
ثمّ قال- (عليه السلام): لو كان كما يقولون، كان اللّه قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاءه على (5) الأرض. و كانوا كالأنبياء في الدنيا و (6) كالأئمّة. فيكون من الأنبياء و الأئمّة- (عليهم السلام)- قتل النّفس و الزّنا.
ثمّ قال- (عليه السلام): أو لست تعلم أنّ اللّه تعالى لم يخل الدّنيا قطّ من نبيّ (7) أو إمام من البشر؟ أو ليس اللّه يقول (8): وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ (9)، يعنى: إلى الخلق، إِلَّا رِجالًا (نُوحِي) (10) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى؟ فأخبر أنّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض، ليكونوا أئمّة و حكّاما. و إنّما (11) أرسلوا إلى أنبياء اللّه.
قالا: فقلنا: فعلى هذا (12)، لم يكن إبليس- أيضا- ملكا؟
فقال: لا! بل كان من الجنّ. أما تسمعان اللّه- عزّ و جلّ- يقول (13):
____________
(1) المصدر: ملائكة الله.
(2) التحريم/ 6.
(3) الأنبياء/ 19.
(4) الأنبياء/ 28- 26.
(5) المصدر: في.
(6) المصدر: أو.
(7) المصدر: من بني قط.
(8) النحل 43 و يوسف/ 109 و الأنبياء/ 25 و الحج/ 52.
(9) المصدر: قبلك من رسول.
(10) المصدر: يوحي.
(11) المصدر: إنما كانوا.
(12) المصدر: هذا أيضا.
(13) الكهف/ 50.
105
وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، كانَ مِنَ الْجِنِ؟ فأخبر- عزّ و جلّ- أنّه كان من الجنّ. و هو الّذي قال اللّه تعالى (1): وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ.
قال الإمام الحسن بن عليّ- (عليه السلام): حدّثني أبي، عن جدّي، عن الرّضا، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- اختارنا معاشر آل محمد و اختار النّبيّين و اختار الملائكة المقرّبين. و ما اختارهم إلّا على علم منه بهم، أنّهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته، و ينقطعون به عن عصمته، و ينتهون به إلى المستخفّين بعذابه (2) و نقمته.
قالا: فقلنا له: فقد روى (3) أنّ عليّا- (عليه السلام)- لمّا نصّ عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالإمامة، عرض اللّه تعالى ولايته في السّماوات على فئام من النّاس و فئام من الملائكة، فأبوها. فمسخهم اللّه ضفادع.
فقال- (عليه السلام): معاذ اللّه! هؤلاء المكذّبون لنا المفترون علينا الملائكة هم رسل اللّه. فهم كسائر أنبيائه (4) و رسله، إلى الخلق. أ فيكون منهم الكفر باللّه؟
قلنا (5): لا قال: فكذلك الملائكة. إنّ شأن الملائكة لعظيم و إنّ خطبهم لجليل.
حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ- رضي اللّه عنه (6)- قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم. قال: سمعت المأمون يسأل الرّضا- (عليه السلام)- عمّا يرويه النّاس من أمر الزّهرة، و إنّها امرأة، فتن بها هاروت و ماروت.
و ما يروونه من أمر سهيل. و إنّه كان عشّارا باليمن.
فقال الرّضا- (عليه السلام): كذبوا في قولهم إنّهما كوكبان، و إنّما كانتا دابّتين من دوابّ البحر. فغلط النّاس. و ظنّوا أنّهما كوكبان. و ما كان اللّه تعالى ليمسخ أعداءه أنوار مضيئة، ثمّ يبقيها ما بقيت السّماوات و الأرض. و إنّ المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيام، حتّى ماتت. و ما يتناسل منها شيء. و ما على وجه الأرض مسخ اليوم. و انّ التي وقع عليها اسم المسوخة (7) مثل القرد و الخنزير و الدّبّ و أشباهها، إنّما هي مثل ما مسخ اللّه تعالى على
____________
(1) الحجر/ 27.
(2) المصدر: لعذابه.
(3) المصدر: روي لنا.
(4) المصدر: أنبياء اللّه.
(5) كذا في المصدر. و في الأصل ور: قلت.
(6) نفس المصدر 1/ 271، ح 2.
(7) المصدر: المسوخيّة.
106
صورها قوما غضب اللّه عليهم و لعنهم بإنكارهم توحيد اللّه و تكذيبهم (رسل اللّه). و أمّا هاروت و ماروت، فكانا ملكين علّما النّاس [السحر] (1) ليحترزوا به من سحر السّحرة و يبطلوا به كيدهم. و ما علّما أحدا من ذلك شيئا إلّا قالا له إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَلا تَكْفُرْ فكفر قوم باستعمالهم لمّا أمروا بالاحتراز منه. و جعلوا يفرّقون بما يعملون (2) بين المرء و زوجه. قال اللّه تعالى: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، يعني: بعلمه.
عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. في تعداد الكبائر و بيانها، من كتاب اللّه. و فيه (3): يقول الصّادق- (عليه السلام): و السّحر، لأنّه تعالى يقول: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: إنّ سليمان بن داود- (عليهما السلام)- أمر الجنّ (5). فبنوا له بيتا من قوارير. فبينما هو (متّك) (6) على عصاه ينظر إلى الشّياطين كيف يعملون و ينظرون إليه إذ حانت منه التفاتة، فإذا هو برجل معه في القبّة. ففزع منه. و قال:
من أنت؟
فقال: أنا الّذي لا أقبل الرّشا. و لا أهاب الملوك. أنا ملك الموت. فقبضه و هو متك (7) على عصاه. فمكثوا سنة يبنون و ينظرون إليه. و يد أبون (8) له، و يعملون، حتّى بعث اللّه الإرضة. فأكلت منسأته. و هي العصا. فلمّا خرّ تبيّنت الإنس، أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب، ما لبثوا سنة في العذاب المهين. فالجنّ تشكر الإرضة بما عملت بعصا سليمان.
قال: فلا تكاد تراها في مكان إلّا وجد عندها ماء و طين. فلمّا هلك سليمان، وضع إبليس السّحر. و كتبه في كتاب. ثمّ طواه. و كتب على ظهره: «هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود، من ذخائر كنوز العلم. من أراد كذا و كذا، فليفعل كذا و كذا.» ثمّ دفنه تحت سريره. ثمّ استأثره لهم. فقرأه. فقال الكافرون: ما كان
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) المصدر: تعلّموه.
(3) نفس المصدر 1/ 286، مقطع من ح 33.
(4) تفسير القمي 1/ 54- 55.
(5) المصدر: الجنّ و الانس.
(6) المصدر: متكئ. و هو الظاهر.
(7) المصدر: متكئ.
(8) المصدر: يدانون.
107
سليمان يغلبنا إلّا بهذا. و قال المؤمنون: بل هو عبد اللّه و نبيّه. فقال اللّه- جلّ ذكره:
وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ. وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ.
و ما روى في كتاب الخصال (1)، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام). قال: إنّ المسوخ من بني آدم، ثلاثة عشر- إلى أن قال- و أمّا الزهرة، فكانت امرأة فتنت هاروت و ماروت. فمسخها [اللّه] (2) كوكبا (3).
و عن جعفر بن محمّد (4)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المسوخ. فقال: هي (5) ثلاثة عشر- إلى أن قال (عليه السلام)- و أمّا الزّهرة، فكانت امرأة نصرانيّة. و كانت لبعض ملوك بني إسرائيل. و هي الّتي فتن بها هاروت و ماروت. و كان اسمها ناهيد (6).
و في كتاب علل الشّرائع (7)، بإسناده إلى محمّد بن الحسن بن علان، عن أبي الحسن- (عليه السلام). حديث طويل. يقول فيه: و مسخت الزّهرة. لأنّها كانت امرأة، فتن بها هاروت و ماروت.
بإسناده (8) إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمّد- (عليهم السلام). حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام): و أمّا الزّهرة. فإنها كانت امرأة تسمّى ناهيد. و هي الّتي تقول النّاس إنّه افتتن بها هاروت و ماروت.
و بإسناده (9) إلى عليّ بن جعفر، عن مغيرة، عن أبي عبد اللّه- عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام). حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام): و أمّا الزّهرة، فكانت امرأة فتنت (10) هاروت و ماروت. فمسخها اللّه- عزّ و جلّ- زهرة (11).
و في تفسير عليّ بن ابراهيم (12)، حدّثنى أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن
____________
(1) الخصال/ 493.
(2) يوجد في ر و المصدر.
(3) ليس في المصدر.
(4) نفس المصدر/ 494.
(5) المصدر: هم.
(6) المصدر: و كان اسمها ناهيل و الناس يقولون ناهيد.
(7) علل الشرائع: 485- 486، مقطع من ح 1.
(8) نفس المصدر/ 486، ذيل ح 2.
(9) نفس المصدر/ 488- 477.
(10) المصدر: فتن بها.
(11) متقدم على حديث تفسير على بن إبراهيم السابق.
(12) تفسير القمي/ 54- 58.
108
رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: سأله عطاء و نحن بمكة، عن هاروت و ماروت. فقال أبو جعفر- (عليه السلام): إنّ الملائكة كانوا ينزلون من السّماء إلى الأرض، في كلّ يوم و ليلة، يحفظون أعمال (1) أوساط أهل الأرض، من ولد آدم و الجن، فيكتبون (2) أعمالهم. [و] يعرجون بها إلى السّماء.
قال: فضجّ أهل السماء، من معاصي أهل الأرض. (3) فتؤامروا (4) فيما بينهم ممّا يسمعون و يرون من افترائهم الكذب على اللّه- تبارك و تعالى- و جرأتهم عليه. و نزّهوا اللّه ممّا يقول فيه خلقه و يصفون. فقال طائفة من الملائكة: يا ربّنا! أمّا (5) تغضب ممّا يعمل خلقك في أرضك و ممّا يصفون فيك الكذب و يقولون الزّور و يرتكبون المعاصي؟ و قد نهيتهم عنها. ثمّ أنت تحلم عنهم و هم في قبضتك و قدرتك و خلال عافيتك.
قال أبو جعفر- (عليه السلام): فأحبّ اللّه أن يري الملائكة القدرة، و نفاد أمره في جمع خلقه، و يعرّف الملائكة ما منّ به عليهم ممّا (6) عدله عنهم من صنع خلقه، و ما طبعهم عليه من الطّاعة، و عصمهم من الذّنوب.
قال: فأوحى اللّه إلى الملائكة، ان انتدبوا (7) منكم ملكين، حتّى أهبطهما إلى الأرض. ثمّ أجعل فيهما من طبائع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأمل، مثل ما جعلته في ولد آدم. ثمّ أختبرهما في الطّاعة لي.
قال (8): فندبوا لذلك هاروت و ماروت. و كانا أشدّ (9) الملائكة قولا في الغيب لولد آدم و استئثار غضب اللّه عليهم.
[قال:] (10) فأوحى اللّه إليهما، أن «اهبطا إلى الأرض. فقد جعلت فيكما من طبائع
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: و يكتبون.
(3) كذا في المصدر. و في الأصل ور: أهل أوساط الأرض. و كذا في تفسير العياشي 1/ 52 و تفسير الصافي 1/ 127.
(4) كذا و الظاهر: فتآمروا.
(5) المصدر و تفسير العياشي: ما.
(6) المصدر: و ممّا.
(7) المصدر: انتحبوا. تفسير العياشي: اندبوا. و قيل في هامشه: ... و في بعض النسخ «انتدابوا» و هو بمعناه.
و استظهره المجلسي- ره- في البحار.
(8) ليس في المصدر و يوجد في العياشي.
(9) المصدر و العياشي: من أشدّ.
(10) يوجد في المصدر و في العياشي- أيضا.
109
المطعم و المشرب (1) و الشّهوة و الحرص و الأمل، مثل ما جعلت في ولد آدم (2).» قال: ثمّ أوحى اللّه إليهما: «انظرا أن لا تشركا بي شيئا. و لا تقتلا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحق (3). و لا تزنيا. و لا تشربا الخمر.» قال: ثمّ كشط عن السّماوات السّبع، ليريهما قدرته. ثمّ أهبطهما إلى الأرض، في صورة البشر و لباسهم. فهبطا ناحية بابل. فرفع (4) لهما بناء مشرف (5). فأقبلا نحوه. فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء متزيّنة عطرة مسفرة مقبلة (6) نحوهما.
قال: فلمّا نظرا إليها و ناطقاها و تأمّلاها (7)، وقعت في قلوبهما موقعا شديدا، لموضع الشّهوة الّتي جعلت فيهما. فرجعا إليها، رجوع فتنة و خذلان. و راوداها عن نفسها.
فقالت لهما: إنّ لي دينا أدين به. و ليس أقدر في ديني على أن أجيبكما، إلى ما تريدان، إلّا أن تدخلا في ديني الّذي أدين به.
فقالا لها: و ما دينك؟
قالت: لي إله من عبده و سجد له، كان علىّ (8) السّبيل، إلى أن أجيبه، إلى كلّ ما سألني.
فقالا لها: و ما إلهك؟
قالت: إلهي هذا الصّنم.
قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: «هاتان خصلتان ممّا نهينا عنه (9)، الشّرك و الزّنا. لأنّا إن سجدنا لهذا الصّنم و عبدناه، أشركنا باللّه. و إنّما نشرك باللّه لنصل إلى الزّنا.
و هو ذا نحن نطلب الزّنا. فليس نخطأ إلّا بالشّرك.» فائتمرا بينهما. فغلبتهما الشّهوة الّتي جعلت فيهما.
فقالا لها: فإنّا نجيبك إلى ما سألت.
____________
(1) المصدر: الطعام و الشراب.
(2) الفقرة الأخيرة، ليس في العياشي.
(3) «إلّا بالحق»، ليس في المصدر.
(4) كذا في الأصل و ر و العياشي. و في المصدر: فوقع.
(5) كذا في الأصل و رو العياشي. و في المصدر: مشرق
(6) كذا في الأصل و رو العياشي. و في المصدر: مقبلة مسفرة.
(7) ر: فلمّا نظر إليهما و ناطقاهما و تأمّلاهما.
(8) المصدر: لي.
(9) المصدر: نهانا عنهما.
110
فقالت: فدونكما. فاشربا هذا الخمر. فإنّه قربان لكما عنه (1) و به تصلون إلى ما تريدان.
فائتمرا بينهما. فقالا: هذه ثلاث خصال ممّا نهانا عنها ربّنا، الشرك و الزّنا و شرب الخمر. و إنّما ندخل في شرب الخمر و الشّرك، حتّى نصل إلى الزّنا.
فائتمرا بينهما. فقالا: ما أعظم بليتنا (2) بك. و قد أجبناك إلى ما سألت.
قالت: فدونكما. فاشربا من هذا الخمر. و اعبدا هذا الصّنم. و اسجدا له.
فشربا الخمر. و عبدا الصّنم. ثمّ راوداها عن نفسها. فلمّا تهيّأت لهما، و تهيّئا لها، دخل عليهما سائل يسأل. فلمّا أن رآهما و رأياه، ذعرا منه.
فقال لهما: إنّكما لمريبان (3) ذعران. فقد خلوتما (4) بهذه المرأة العطرة الحسناء. إنّكما لرجلا سوء.
و خرج عنهما. فقالت لهما: لا و إلهي! ما تصلان الآن إليّ. و قد اطّلع هذا الرّجل على حالكما. و عرف مكانكما. و يخرج الآن و يخبر بخبركما. و لكن بادرا إلى هذا الرّجل.
فاقتلاه قبل أن يفضحكما و يفضحني. ثمّ دونكما فاقضيا حاجتكما. و أنتم مطمئنّان آمنان.
قال: فقاما إلى الرّجل. فأدركاه. فقتلاه. ثمّ رجعا إليها. فلم برياها. و بدت لهما سوآتهما. و نزع عنهما رياشهما. و أسقط في أيديهما.
قال: فأوحى اللّه إليهما: إنّما أهبطتكما إلى الأرض، مع خلقي ساعة من النّهار.
فعصيتماني بأربع من معاصي كلّها قد نهيتكما عنها. [و تقدّمت إليكما فيها.] (5) فلم تراقباني.
و لم تستحيا منّي. و قد كنتما أشدّ من نقم على أهل الأرض بالمعاصي. و استجرّ (6) غضبي و أسفي عليهم. و لمّا جعلت فيكما من طبع خلقي و عصمتي إيّاكما من المعاصي، فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما اختارا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة؟
فقال أحدهما لصاحبه: نتمتّع من شهواتنا (7) في الدّنيا، إذ صرنا إليها إلى نصير، إلى عذاب الآخرة.
____________
(1) المصدر: عنده.
(2) المصدر: البلية.
(3) المصدر: لامرآن.
(4) المصدر: فدخلتما.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: للمعاصي. و استنجر.
(7) المصدر: شهواتها.
111
فقال الآخر: إنّ عذاب الدّنيا، له مدّة و انقطاع. و عذاب الآخرة، قائم لا انقضاء له. فلسنا نختار عذاب الآخرة الدّائم الشّديد، على عذاب الدّنيا المنقطع الفاني.
قال: فاختارا عذاب الدّنيا. و كانا يعلّمان النّاس السّحر، في أرض بابل. ثمّ لمّا علّما النّاس السّحر، رفعا من الأرض إلى الهواء. فهما معذّبان منكّسان معلّقان في الهواء، إلى يوم القيامة.
فهو موافق لمذهب العامّة.
و في روضة الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ بولاية الشّياطين، عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.
و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه) (2)- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل له- (عليه السلام): فمن أين علم الشّياطين السّحر؟
قال: من حيث عرف الأطباء الطّب، بعضه تجربة و بعضه علاج.
قال: فما تقول في الملكين هاروت و ماروت؟ و ما يقول النّاس بأنهما يعلّمان النّاس السّحر؟
قال: إنّهما موضع ابتلاء و موقف فتنة بتسبيحهما اليوم، لو فعل الإنسان كذا و كذا، لكان كذا و كذا. و لو يعالج بكذا و كذا، لصار كذا أصناف السّحر فيتعلّمون منهما ما يخرج عنهما. فيقولان لهم: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ. فلا تأخذوا عنها ما يضرّكم و لا ينفعكم.
قال: أفيقدر السّاحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب و الحمار، أو غير ذلك؟
قال: هو أعجز من ذلك. و أضعف من أن يغيّر خلق اللّه. إنّ من أبطل ما ركّبه اللّه و صوّره و غيّره، فهو شريك اللّه في خلقه. تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.] (3)
وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بالرّسول و ما جاء به، وَ اتَّقَوْا بترك المخالفة، لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) جهلهم، لترك التّدبّر، أو (4) العمل
____________
(1) الكافي 8/ 290، ح 440.
(2) الاحتجاج 2/ 82، مع اختلاف قليل.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) ر: و.
112
بالعلم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:
[في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه الطّيّار (2)، عن ابن أبي عمير، عن جميل. قال: كان الطّيّار يقول لي: إبليس ليس من الملائكة. و إنّما أمرت الملائكة بالسّجود لآدم.
فقال: إبليس لا اسجد فما لإبليس يعصي حين لم يسجد، و ليس هو من الملائكة؟
قال: فدخلت أنا و هو، على أبي عبد اللّه- (عليه السلام): قال: فأحسن و اللّه في المسألة.
فقال: جعلت فداك! أ رأيت ما ندب اللّه- عزّ و جلّ- إليه المؤمنين من قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، أدخل في ذلك المنافقون معهم؟
قال: نعم. و الضّلّال و كلّ من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة. و كان إبليس ممّن أقرّ بالدّعوة الظّاهرة، معهم.
و في روضة الكافي (3): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن عليّ بن حديد، عن جميل بن درّاج. قال سأل الطّيّار أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا عنده. فقال له: جعلت فداك! أ رأيت (4) قوله- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في غير مكان من مخاطبة المؤمنين؟ أ يدخل في هذا المنافقون؟
قال: نعم. يدخل في هذا المنافقون و الضّلّال و كل من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة.
و قد تقدّم هذان الحديثان] (5)
لا تَقُولُوا راعِنا. وَ قُولُوا انْظُرْنا:
كان المسلمون يقولون لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا (6)، يا رسول اللّه!، أي: راقبنا. و تأنّ بنا حتّى نفهمه و نحفظه
. و كانت لليهود كلمة (7) يتسابّون بها عبرانيّة، كما قال الباقر- (عليه السلام)
(8)- و هي راعينا. فلمّا سمعوا
____________
(1) الكافي 2/ 412، ح 1.
(2) ليس في المصدر.
(3) الكافي 8/ 274، ح 413. مع تلخيص في أوائل الحديث.
(4) المصدر: رأيت.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(6) أ: راعنا، افترصوه و خاطبوا به الرسول و هم يعنون.
(7) ر. مجمع البيان 1/ 178.
(8) ليس في ر.
113
بقول (1) المؤمنين راعنا افترصوه و خاطبوا به الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هم يعنون به تلك المسبّة، فنهي المؤمنون عنها. و أمروا بما هو في معناها. و هو انظرنا بمعنى انظر إلينا، و انتظرنا من نظره إذا انتظره.
و قرئ «أنظرنا»، من الإنظار، بمعنى الإمهال، و «راعونا» على لفظ الجمع، للتّوقير، و «راعنا» (بالتّنوين)، أي: قولا ذا رعن، نسبة إلى الرّعن. و هو الهوج (2)، لمشابهة قولهم راعينا.
وَ اسْمَعُوا، أي: أحسنوا الاستماع لما يكلّمكم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يلقي عليكم من المسائل بآذان (3) واعية و أذهان حاضرة، حتّى لا تحتاجوا إلى الاستعارة و طلب المراعاة.
أو: و اسمعوا، سماع (4) قبول و طاعة. لا يكن مثل سماع اليهود، حيث قالوا: سمعنا و عصينا.
او: و اسمعوا ما أمرتم به بجدّ، حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه.
وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104)، يعني: للّذين تهاونوا بالرّسول، عذاب موجع مؤلم.
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لَا الْمُشْرِكِينَ:
نزلت تكذيبا لجمع من الكافرين يظهرون مودّة المؤمنين و يزعمون أنّهم يودّون لهم الخير.
و المودة: محبّة الشيء، مع تمنّيه. و لذلك يستعمل في كلّ منهما.
و «من»، للتّبيين. لأنّ الَّذِينَ كَفَرُوا جنس، تحته نوعان أهل الكتاب و المشركون.
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ:
مفعول «يودّ».
و «من» الأولى، مزيدة للاستغراق، و الثّانية، للابتداء.
و المراد بالخير، ما يعمّ الوحي و العلم و النّصرة.
____________
(1) ليس في ر. و أ: يقول.
(2) أ: الهرج.
(3) ر: بإذن.
(4) ر: إسماع.
114
وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ:
روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام) (1): أنّ المراد برحمته هاهنا، النّبوّة.
و في شرح الآيات الباهرة (2): روى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ- (رحمه اللّه)- عمّن رواه، بإسناده عن أبيّ بن صالح، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي الحسن الرّضا، عن أبيه موسى، ان أبيه جعفر- (صلوات اللّه عليهم)- في قوله تعالى يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، قال: المختصّون (3) بالرّحمة، نبيّ اللّه و وصيّه و عترتهما. إنّ اللّه تعالى خلق مائة رحمة:
فتسع و تسعون رحمة عنده مذخورة لمحمّد و عليّ و عترتهما. و رحمة واحدة، مبسوطة على سائر الموجودين.] (4)
وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105):
فيه إشعار بأنّ النّبوّة من فضله، و أنّ كلّ خير نال عباده في دينهم أو دنياهم، فإنّه من عنده، ابتداء منه، إليهم، و تفضّلا عليهم، من غير استحقاق منهم لذلك عليه. فهو عظيم الفضل ذو المنّ و الطّول.
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها:
نزلت لمّا قال المشركون، أو اليهود: ألا ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر، ثمّ ينهاهم عنه. و يأمرهم بخلافه؟
و النّسخ»، في اللّغة، إزالة الصّورة عن الشيء و إثباتها في غيره، كنسخ الظّلّ للشّمس. و منه التّناسخ. ثمّ استعمل في كلّ منهما، كقولك: نسخت الرّيح الأثر. و نسخت الكتاب.
و نسخ الآية، بيان انتهاء التّعبّد بها:
إمّا بقراءتها فقط، كآية الرّجم. فقد قيل: إنّها كانت منزلة فرفع لفظها (5). فقط، دون حكمها.
أو بالعكس، كقوله (6): إِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 179.
(2) تأويل الآيات الباهرة/ 25- 26.
(3) المصدر: المختصّ.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) مجمع البيان 1/ 180.
(6) الممتحنة/ 11.
115
(الاية) فهذه الاية ثابتة في الخطّ، مرتفعة الحكم.
أو بهما، كما روي عن أبي بكر، قال: كنّا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم. فإنّه كفر بكم.» فرفع و إنساؤها إذهابها، عن القلوب.
و «ما»، شرطيّة جازمة، لننسخ. منتصبة به على المفعوليّة.
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، أي: بما هو خير للعباد في النّفع و الثّواب، أو مثلها في الثّواب.
[و قرأ ابو عمرو (1) بقلب الهمزة ألفا.] (2)
[و في أصول الكافي (3): عليّ بن محمّد، عن إسحاق بن محمّد، عن شاهويه بن عبد اللّه الجلاب. قال: كتب إليّ أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر. و قلقت لذلك. فلا تغتمّ. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. و صاحبك بعدك أبو محمّد ابني. و عنده ما تحتاجون إليه. يقدّم ما يشاء اللّه و يؤخّر ما يشاء. (4) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها و قد كتبت بما فيه بيان و قناع لذي عقل يقظان.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن عمر بن يزيد. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها».
فقال: كذبوا. ما هكذا هي إذا كان ينسخها. نأت بمثلها ينسخها (6).
قلت: هكذا قال اللّه؟
قال: ليس هكذا قال اللّه- تبارك و تعالى.
قلت: فكيف قال؟
قال: ليس فيها ألف و لا واو. قال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. يقول: ما نميت من إمام، أو ننسه ذكره، نأت بخير منه من صلبه مثله.
و فيه (7): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله تعالى
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 75.
(2) ليس في أ.
(3) الكافي 1/ 328، ح 12.
(4) المصدر: ما يشاء الله.
(5) تفسير العياشي 1/ 56، ح 78.
(6) المصدر: «فعال: كذبوا ما هي إذا كان ينسى و ينسخها أو يأت بمثلها لم ينسخها.» و هو الظاهر.
(7) نفس المصدر 1/ 55، ح 77.
116
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها قال: النّاسخ ما حوّل. و ما ينسيها، مثل الغيب الّذي لم يكن بعد، كقوله (1): يمحو اللّه ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب.
قال: فيفعل اللّه ما يشاء. و ما يحوّل ما يشاء، مثل قوم يونس إذ بدا له. فرحمهم.
و مثل قوله (2): فتولّ عنهم فما أنت بملوم.
قال: أدركتهم رحمته.] (3)
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106). فهو يقدر على النّسخ و الإتيان، بمثل المنسوخ، و بما هو خير منه؟
أَ لَمْ تَعْلَمْ:
الخطاب للنّبيّ. و المراد هو و أمّته، لقوله:
أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: يملك أموركم. و يدبّرها على حسب ما يصلحكم. و هو أعلم بما يتعبّدكم به من ناسخ أو منسوخ؟
وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (107) الفرق بين «الوليّ» و «النّصير»، أنّ «الوليّ» قد يضعف عن النصرة.
و «النّصير» قد يكون أجنبيّا عن المنصور.
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؟:
لمّا بيّن لهم أنّه مالك أمورهم، و مدبّرها على حسب مصالحهم، من نسخ الآيات و غيره، و قرّدهم على ذلك بقوله «ألم تعلم»، أراد أن يوصيهم بالثّقة به فيما هو أصلح لهم، ممّا يتعبّدهم به و ينزل عليهم، و أن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحته آباء اليهود على موسى، من الأشياء الّتي كانت عاقبتها و بالا عليهم.
قيل (4): نزلت في أهل الكتاب، حين سألوا أن ينزّل [اللّه] (5) عليهم كتابا من السّماء. و قيل: في المشركين، لمّا قالوا لن نؤمن لرقيّك حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه.
وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ و من ترك الثّقة بالآيات المنزلة و شكّ فيها و اقترح غيرها.
____________
(1) الرعد/ 39.
(2) الذاريات/ 54.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) أنوار التنزيل 1/ 76.
(5) يوجد في المصدر.
117
فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108)، أي: الطّريق المستقيم حتّى وقع في الكفر، بعد الإيمان.
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً:
روى (1) أنّ فنحاص بن عازورا و زيد بن قيس و نفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان و عمّار بن ياسر، بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم؟ و لو كنتم على حقّ ما هزمتم. فارجعوا إلى ديننا. فهو خير لكم، و أفضل. و نحن أهدى منكم سبيلا.
فقال عمّار: كيف نقض العهد فيكم؟
قالوا: شديد.
قال: فإنّي عاهدت أن لا أكفر بمحمّد ما عشت.
فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبا.
قال حذيفة: و أمّا أنا فقد رضيت باللّه ربّا، و بالإسلام دينا، و بمحمّد نبيّا، و بالقرآن اماما، و بالكعبة قبلة، و بالمؤمنين إخوانا.
ثمّ أتيا رسول اللّه. و أخبراه. فقال: أصبتما خيرا. و أفلحتما، فنزلت.
و عن ابن عبّاس (2): أنّها نزلت في حيّ بن أخطب و أخيه أبي ياسر بن أخطب.
و قد دخلا على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين قدم المدينة. فلمّا خرجا قيل لحيّ: هو نبيّ.
قال: هو هو.
فقيل: فما له عندك؟
قال: العداوة إلى الموت.
و هو الّذي نقض العهد. و أثار الحرب يوم الأحزاب.
و قيل (3): نزلت في كعب بن الأشرف.
حَسَداً: علّة ود (4).
مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ:
امّا متعلّق بودّ، أي: تمنّوا ذلك من عند أنفسهم، و تشبيههم لا من قبل التّديّن و الميل مع الحقّ، أو بحسدا، أي: حسدا منبعثا من أصل نفوسهم.
____________
(1) الكشاف 1/ 176.
(2) مجمع البيان 1/ 184.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) ليس في أ.
118
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ بالمعجزات و النّعوت المذكورة في التوراة.
فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا:
«العفو»: ترك عقوبة المذنب. و «الصّفح»: ترك تثريبه.
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الّذي هو الإذن في قتالهم، و ضرب الجزية عليهم، أو قتل قريظة، و إجلاء بني النضير.
قيل (1): إنّ هذه الآية، منسوخة. فقال بعضهم: بقوله (2): قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، و بعضهم: بآية السّيف. و هو قوله (3): فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ».
و المرويّ عن الباقر- (عليه السلام)، أنّه قال (4): لم يؤمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بقتال، و لا أذن له فيه، حتّى نزل جبرئيل بهذه الآية (5): أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا و قلّده سيفا.
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)، فيقدر على الانتقام منهم.
وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ: عطف على «فاعفوا». كأنّه أمرهم بالصّبر و الالتجاء إلى اللّه، بالعبادة و البرّ.
وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ، كصلاة، أو صدقة. و قرئ (6) [تقدموا] (7) من أقدم، تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، أي: ثوابه.
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110): لا يضيع عنده عمل عامل.
و قرئ (8) بالياء. فيكون و عيدا. «وَ قالوا» عطف على «ودّ» و الضّمير لأهل الكتاب.
وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً: جمع هائد، كعوذ و عائذ و باذل و هو جمع للمذكّر و المؤنّث، على لفظ واحد.
و الهائد: التّائب الرّاجع إلى الحقّ.
____________
(1) ر. أنوار التنزيل 1/ 76.
(2) التوبة/ 29.
(3) التوبة/ 5.
(4) مجمع البيان 1/ 185.
(5) الحج/ 39.
(6) أنوار التنزيل 1/ 76.
(7) يوجد في المصدر.
(8) نفس المصدر و نفس الموضع.
119
و قيل (1): مصدر. يصلح للواحد و الجمع، كما يقال: رجل صوم و قوم صوم.
و قيل (2): أصله يهود: فحذفت الياء الزّائدة.
و على ما قلنا، فتوحيد الاسم المضمر و جمع الخبر، لاعتبار اللّفظ و المعنى.
أَوْ نَصارى: سبق تحقيقه. و الكلام على اللّفّ بين قولي الفريقين. و التّقدير:
و قالت اليهود: لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودا. و النّصارى لن يدخل الجنّة، إلّا من كان نصارى، ثقة بأن السامع يرد إلى كلّ فريق قوله، و أمنا من الالتباس، لما علم من التّعادي بين الفريقين و تضليل كلّ واحد منهما، صاحبه.
تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ:
إشارة إلى الأمانيّ المذكورة. و هي أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربّهم و أن يردّوهم كفّارا. و أن لا يدخل الجنّة غيرهم.
أو إلى ما في الآية على حذف مضاف، أي: أمثال تلك الأمنيّة المذكورة في الآية، أمانيّهم.
و الجملة اعتراض.
و الأمنيّة: أفعولة من التّمنّي، كالأضحوكة و الأعجوبة و الجمع الأضاحيك و الأعاجيب.
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على اختصاصكم بدخول الجنّة.
و البرهان و الحجّة و الدّلالة و البيان، بمعنى واحد. و قد فرّق عليّ بن عيسى، بين الدّلالة و البرهان، بأن قال: «الدّلالة» قد ينبئ عن معنى فقط. لا يشهد لمعنى آخر. و «البرهان» ليس كذلك. لأنّه بيان عن معنى ينبئ عن معنى آخر. و قد نوزع في هذا الفرق. و قيل: «إنّه محض الدّعوى (3)».
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) في دعواكم. فإنّ كلّ قول لا دليل عليه غير ثابت.
و في هذه الآية، دلالة على فساد التّقليد في الأصول. الا ترى أنّه لو جاز التقليد لما أمروا بأن يأتوا فيما قالوا ببرهان؟
و فيها- أيضا- دلالة على جواز المحاجّة في الدّين.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 186.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) مجمع البيان 1/ 186.
120
و فيها- أيضا- دلالة على أنّه لا حجّة في إجماع يخلو عن معصوم. و إلّا لجاز لهم أن يقولوا البرهان. إنّا أجمعنا على ما قلنا. فالمتمسّكون بالإجماع المذكور، أضلّون من محرّفي أهل الكتاب.
بَلى: اثبات لما نفوه، من دخول غيرهم الجنّة.
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ:
من (1) أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، أو قصده و توجّهه له، وَ هُوَ مُحْسِنٌ في عمله، فَلَهُ أَجْرُهُ الّذي يستوجبه ثابتا، عِنْدَ رَبِّهِ: لا يضيع و لا ينقص.
و الجملة جواب «من»، إن كانت شرطيّة، و خبرها، إن كانت موصولة.
و «الفاء» لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط. فيكون الرّدّ بقوله «بلى» وحده، أو يكون «من أسلم»، فاعلا لفعل محذوف، أي: بلى يدخلها من أسلم.
و يكون قوله «فله أجره»، كلاما معطوفا على يدخلها «من أسلم».
وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) في الآخرة.
و هذا ظاهر على قول من يقول: أنّه لا يكون على أهل الجنّة خوف و لا حزن في الآخرة. و أمّا على قول من قال: بعضهم يخاف ثمّ يأمن، فمعناه أنّهم لا يخافون فوت جزاء أعمالهم. لأنّهم يكونون على ثقة، بأنّ ذلك لا يفوتهم.
[و في كتاب الاحتجاج (2)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- حديث طويل، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله). و فيه: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأصحابه: قولوا إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي: نعبد واحدا. لا نقول كما قال الدّهريّة: «إنّ الأشياء لا بدو لها و هي دائمة.» و لا كما قال الثّنويّة الّذين قالوا: «إنّ النّور و الظّلمة هما المدبّران.» و لا كما قال مشركوا العرب: «إنّ أوثاننا آلهة.» فلا نشرك بك شيئا. و لا ندعو من دونك إلها، يقول هؤلاء الكفّار. و لا نقول كما تقول النّصارى و اليهود: «إنّ لك ولدا.» تعاليت عن ذلك علوّا كبيرا.
قال: فذلك قوله.: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى.
____________
(1) ليس في أ.
(2) الاحتجاج 1/ 25.
121
و قالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفّار: ما قالوا؟
قال اللّه: يا محمّد! تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ الّتي يمنّونها بلا حجّة. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ و حجّتكم على دعواكم، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ كما أتى محمّد ببراهينه الّتي سمعتموها.
ثمّ قال: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، يعني: كما فعل هؤلاء الّذين آمنوا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا سمعوا براهينه و حجّته وَ هُوَ مُحْسِنٌ في عمله للّه، فَلَهُ أَجْرُهُ، ثوابه عِنْدَ رَبِّهِ، يوم فصل القضاء، وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف الكافرون بما يشاهدونه من العقاب، وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ عند الموت. لأنّ البشارة بالجنان، تأتيهم.
و فيه (1)، عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فالجدال بالّتي هي أحسن: قد قرنه العلماء بالدّين و الجدال بغير الّتي هي أحسن، محرّم و حرّمه اللّه على شيعتنا.
و كيف يحرّم (2) الجدال جملة و هو يقول: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى.، قال اللّه تعالى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟» فجعل (3) علم الصّدق و الإيمان بالبرهان و هل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالّتي هي أحسن و الّتي ليست بأحسن؟
و في كتاب الخصال (4)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على النّاس، يوم الشورى. قال: نشدتكم باللّه! هل فيكم أحد قال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثل ما قال لي؟: أهل ولايتك يخرجون يوم القيامة من قبورهم، على نوق بيض شراك نعالهم نور يتلألأ. قد سهلت عليهم الموارد. و فرجت عليهم (5) الشّدائد. و اعطوا الأمان.
و انقطعت عنهم الأحزان، حتّى ينطلق بهم إلى ظلّ عرش الرّحمن. فوضع (6) بين أيديهم مائدة. يأكلون منها حتّى يفرغ من الحساب يخاف النّاس و لا يخافون و يحزن النّاس و لا يحزنون غيري.» قالوا: اللّهمّ لا!] (7)
وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، أي: أمر يصحّ و يعتدّ به. و هذه
____________
(1) نفس المصدر 1/ 14.
(2) المصدر: يحرّم اللّه.
(3) المصدر: فجعل اللّه.
(4) الخصال/ 558- 559.
(5) المصدر و ر: عنهم.
(6) المصدر: توضع.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
122
مبالغة عظيمة. لأنّ المحال و المعدوم، يقع عليهما اسم الشيء. فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه، فقد بولغ في ترك الاعتداد به، إلى ما ليس بعده. و هذا كقولهم أقلّ من لا شيء.
وَ قالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ:
قال ابن عبّاس (1): لمّا قدم و فد نجران من النّصارى على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتتهم أحبار اليهود. فتنازعوا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال رافع بن حرملة: «ما أنتم على شيء.» و جحد نبوّة عيسى. و كفر بالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران: «ليست اليهود على شيء.» و جحد نبوّة موسى. و كفر بالتّوراة. فأنزل اللّه هذه الآية.
وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ:
الواو للحال. و الكتاب للجنس، أي: قالوا ذلك، و الحال أنّهم من أهل العلم و التّلاوة للكتب.
و حقّ من حمل التوراة، أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب اللّه، أو آية، أن لا يكفر بالباقي. لأنّ كلّ واحد من الكتابين، مصدّق للثّاني، شاهد بصحته. و كذلك كتب اللّه جميعا، متواردة في تصديق بعضها بعضا.
كَذلِكَ، مثل ذلك الّذي سمعت به على ذلك المنهاج.
قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، كعبدة الأصنام و المعطّلة، قالوا لكلّ أهل دين:
«ليسوا على شيء» و هذا توبيخ عظيم لهم، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم، في سلك من لا يعلم.
و مِثْلَ قَوْلِهِمْ، يحتمل احتمالين: أحدهما أنّه مفعول مطلق لقال و الآخر أنّه مفعوله، يعني: أنّ قولهم، مثل قولهم في الفساد، و مقولهم مثل مقولهم في الدّلالة على أنّ ما عدا دينهم، ليس بشيء.
فان قيل: لم وبّخهم؟ و قد صدقوا فإنّ كلا الدّينين بعد النّسخ ليس بشيء.
قلت: لم يصدقوا ذلك. و إنّما قصد كل فريق، إبطال دين الآخر، من أصله و الكفر بنبيّه و كتابه، مع أن ما لم ينسخ منهما، حقّ واجب القبول و العمل به، مع الإيمان بالنّاسخ.
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ: بين الفريقين،
____________
(1) مجمع البيان 1/ 188.
123
يَوْمَ الْقِيامَةِ:
هي مصدر. إلّا أنّه صار كالعلم، على وقت، بعينه. و هو الوقت الّذي يبعث اللّه- عزّ و جلّ- فيه الخلق. فيقومون من قبورهم، إلى محشرهم. تقول: قام يقوم قياما و قيامة، مثل: عاذ يعوذ عياذا و عياذة.
فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) بما يقسم لكلّ فريق، ما يليق به من العذاب.
و قيل (1): بأن يكذّبهم، و أن يدخلهم النّار.
و قيل (2): بأن يريهم من يدخل الجنّة عيانا، و من يدخل النّار عيانا.
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ:
الآية عامّة لكلّ من خرّب مسجدا، أو سعى في تعطيل مكان مرشّح للصّلاة. و إن نزلت في الرّوم، لما غزوا بيت المقدس و خرّبوه و قتلوا أهله حتّى، كانت أيّام عمر، و أظهر المسلمين عليهم، و صاروا لا يدخلونها (3) إلّا خائفين، على ما روى عن ابن عبّاس (4).
و قيل (5): خرّب بخت نصر بيت المقدس. و أعانه عليه (6) النّصارى.
و المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (7): أنّها نزلت في قريش، حين منعوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دخول مكّة و المسجد الحرام.
[و روى عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام) (8): أنّه أراد جميع الأرض لقول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا.] (9)
أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ:
ثاني مفعولي «منع» لأنّك تقول: منعته كذا.
و يجوز أن يحذف حرف الجرّ، مع «أن.» و لك أن تنصبه مفعولا له (10)، بمعنى: منعها كراهة أن يذكر.
وَ سَعى فِي خَرابِها بالهدم، أو التّعطيل.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 77.
(2) مجمع البيان 1/ 188.
(3) أ: لن يدخلونها.
(4) مجمع البيان 1/ 189.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) ر: على ذلك. و هو الظاهر.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع.
(8) نفس المصدر 1/ 190.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(10) ليس في أ.
124
أُولئِكَ، أي: المانعون، ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ، أي:
ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها، إلّا بخشية و خضوع، فضلا عن أن يجرءوا على تخريبها.
أو ما كان الحقّ أن يدخلوها، إلّا خائفين من المؤمنين، أن يبطشوهم، فضلا عن أن يمنعوهم منها.
أو ما كان لهم في علم اللّه تعالى، أو قضائه، فيكون وعدا للمؤمنين بالنّصرة و استخلاص المساجد منهم. و قد أنجز وعده.
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:
قال قتادة (1): المراد بالخزي، أن يعطوا الجزية عن يد، و هم صاغرون.
و قال الزّجّاج (2): المراد به السبّي و القتل، إن كانوا حربا، و إعطاء الجزية، إن كانوا ذمّة.
و قال أبو عليّ (3): المراد به، طردهم عن المساجد.
و قال السّديّ (4): المراد به خزيهم إذا قام المهديّ و فتح قسطنطنيّة. فحينئذ يقتلهم.
و الكلّ محتمل. و اللّفظ بإطلاقه يتناوله.
وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) بظلمهم و كفرهم.
وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ:
«اللّام»، للملك. و «المشرق» و «المغرب»، اسمان لمطلع الشّمس و مغربها.
و المراد بهما ناحيتا (5) الأرض، أي: له الأرض، كلّها. لا يختص به مكان دون مكان (6). فإن منعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام و الأقصى، فقد جعلت لكم الأرض مسجدا.
فَأَيْنَما تُوَلُّوا: ففي أي مكان فعلتم التّولية، أي: تولية وجوهكم، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، أي: جهته الّتي أمر بها، أو فثمّ ذاته، أي: عالم مطّلع بما يفعل فيه.
____________
(1) ر. مجمع البيان 1/ 190.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع.
(5) أ: ناحيتي.
(6) أ: آخر.
125
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ بإحاطته بالأشياء، أو برحمته، عَلِيمٌ (115) بمصالحهم و أعمالهم في الأماكن، كلّها.
قيل (1): إنّ اليهود أنكروا تحويل القبلة عن بيت المقدس. فنزلت الآية ردّا عليهم.
و قيل (2): كان للمسلمين التّوجّه حيث شاءوا، في صلاتهم. و فيه نزلت الآية. ثمّ نسخ بقوله (3) فَوَلِّ وَجْهَكَ (إلى آخره).
و قيل (4): نزلت الآية في صلاة التّطوّع على الرّاحلة، تصلّيها حيثما توجّهت، إذا كنت في سفر. و أمّا الفرائض، فقوله: وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، يعني: أنّ الفرائض لا تصلّيها إلّا إلى القبلة. و هو المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام). قالوا: و صلّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إيماء على راحلته أينما توجّهت به، حيث خرج إلى خيبر، و حين رجع من مكّة، و جعل الكعبة خلف ظهره.
و
روى عن جابر (5)، قال: بعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سريّة كنت فيها. فأصبتنا ظلمة. فلم نعرف القبلة. فقال طائفة منّا: «قد عرفنا القبلة، هي هاهنا، قبل الشّمال.» فصلّوا. و خطّوا خطوطا. و قال بعضنا: «القبلة هاهنا. قبل الجنوب.» فخطّوا خطوطا. فلمّا أصبحوا و طلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلمّا قفلنا (6) من سفرنا، سألنا النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ذلك. فسكت. فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
[في كتاب الخصال (7)، في سؤال بعض اليهود عليّا- (عليه السلام)- عن الواحد إلى المائة: قال له اليهوديّ. فأين (8) وجه ربّك؟
فقال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام) (9): يا بن عبّاس! ائتني بنار و حطب.
فأتيته بنار و حطب. فأضرمها. ثمّ قال: يا يهوديّ! أين يكون وجه هذه النّار؟
فقال: لا أقف لها على وجه.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 191.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) البقرة/ 144 و/ 149 و/ 150.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) النسخ: غفلنا.
(7) الخصال/ 597.
(8) المصدر: فأين يكون.
(9) المصدر: فقال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- لي.
126
قال: ربيّ (1) عزّ و جلّ على (2) هذا المثل.
وَ لِلَّهِ (3) الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
و فيه (4)، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ، في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة، مع مائة من النّصارى، بعد وفاة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثمّ أرشد إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فسأله عنها، فأجابه. فكان فيما سأله، أن قال له: أخبرني عن وجه الرّبّ- تبارك و تعالى.
فدعا- (عليه السلام)- بنار و حطب. فأضرمه. فلمّا اشتعلت قال عليّ- (عليه السلام): أين وجه هذه النّار؟
قال (5): هي وجه من جميع حدودها.
قال عليّ- (عليه السلام): هذه النّار مدبّرة مصنوعة، لا يعرف وجهها. و خالقها لا يشبهها. وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. لا يخفى على ربّنا خافية.
و في كتاب علل الشرائع (6): حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور (رحمه اللّه)؟ قال:
حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمّه عبد اللّه بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سألته عن الرّجل يقرأ السّجدة و هو على ظهر دابّته.
قال: يسجد حيث توجّهت به. فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يصلّي على ناقته، و هو مستقبل المدينة. يقول اللّه- عزّ و جلّ: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
و في من لا يحضره الفقيه (7): و سأله معاوية بن عمّار، عن الرّجل يقوم في الصّلاة، ثمّ ينظر بعد ما فرغ، فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة، يمينا أو شمالا.
فقال له: قد مضت صلاته. و ما بين المشرق و المغرب قبلة. و نزلت هذا الآية في قبلة المتحيّر: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
و في كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه) (8): قال أبو محمّد- (عليه السلام): قال
____________
(1) المصدر: فإنّ ربّي.
(2) المصدر: عن.
(3) المصدر: له.
(4) نفس المصدر/ 182.
(5) المصدر: قال النصراني.
(6) علل الشرائع/ 358- 359، ح 1.
(7) من لا يحضره الفقيه 1/ 179.
(8) الاحتجاج 1/ 45.
127
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لقوم من اليهود: أو ليس قد ألزمكم في الشّتاء أن تحترزوا من البرد بالثّياب الغليظة، و ألزمكم في الصّيف أن تحترزوا من الحرّ. فبدا له في الصّيف حين أمركم، بخلاف ما كان أمركم به في الشّتاء؟
فقالوا: لا فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): و كذلك اللّه تعبّدكم في وقت، لصلاح يعلمه بشيء، ثمّ بعّده في وقت آخر، لصلاح آخر، يعلمه بشيء آخر. فإذا أطعتم اللّه في الحالين، استحققتم ثوابه.
فأنزل اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ، يعني: إذا توجّهتم بأمره، فثمّ الوجه الّذي تقصدون منه اللّه و تأملون ثوابه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه (1): قال السّائل: من هؤلاء الحجج! قال: هم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من حلّ محلّه من أصفياء اللّه الّذين قال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ الّذين قرنهم اللّه بنفسه و برسوله و فرض على العباد من طاعتهم، مثل الّذي فرض عليهم منها لنفسه.
و فيه (2): قال- (عليه السلام)- أيضا- في الحجج: و هم وجه اللّه الّذي قال: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
و في كتاب المناقب، لابن شهر آشوب (3): أبو المضاء، عن الرّضا- (عليه السلام)- قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال: عليّ- (عليه السلام).] (4)
وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً:
نزلت لمّا قالت اليهود: «عزير بن اللّه»، و النّصارى: «المسيح بن اللّه»، و مشركوا العرب: «الملائكة بنات اللّه.» و عطفه على «قالت اليهود»، أو «منع»، أو مفهوم قوله «و من أظلم» و قرأ ابن عامر بغير واو، و الباقون بالواو (5).
____________
(1) نفس المصدر 1/ 375.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) المناقب 3/ 272.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) مجمع البيان 1/ 192.
128
[و في كتاب علل الشرائع (1)، بإسناده إلى سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لم يخلق اللّه شجرة إلّا و لها ثمرة تؤكل. فلمّا قال النّاس: «اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً»، ذهب نصف ثمرها. فلمّا اتخذوا مع اللّه إلها، شاك الشّجر.] (2)
سُبْحانَهُ:
روى عن طلحة بن عبيد اللّه (3)، أنّه سأل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن معنى قوله «سبحانه» فقال: «تنزيها له عن كلّ سوء».
بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ:
ردّ لما قالوا، أو استدلال على فساده بأنّه خالق ما في السّموات و ما في الأرض الّذي من جملته الملائكة و عزير و المسيح.
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116)، مطيعون. لا يمتنعون عن مشيئته. و كلّ من كان بهذه الصّفة، لم يجانس مكوّنه الواجب لذاته. و من حقّ الولد أن يجانس والده. فلا يكون له ولد.
و إنّما جاء بما الّذي لغير أولي العلم، تحقيرا لشأنهم.
و تنوين «كلّ»، عوض عن المضاف إليه، أي: كلّ ما فيهما، أو كلّ من جعلوه ولدا له.
و في الآية، دلالة على أنّ من ملك ولده أو والده، انعتق عليه. لأنّه تعالى نفى الولد، بإثبات الملك. و ذلك يقتضي تنافيهما. و هو المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام). (4)
بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ:
يقال: بدع الشيء، فهو بديع، كقولك: برع الشيء، فهو بريع. و بَدِيعُ السَّماواتِ من إضافة الصّفة المشبّهة، إلى فاعلها، أي: بديع سماواته و أرضه.
و قيل (5): البديع بمعنى المبدع، كما أنّ السّميع، في قول الشّاعر:
«أمن ريحانة* * * الدّاعي السّميع»
، بمعنى المسمع.
و هو دليل آخر على نفي الولد.
____________
(1) علل الشرائع 2/ 573.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) مجمع البيان 1/ 192.
(4) ر. وسائل الشيعة/ 16، باب 7 من أبواب العتق، ح 1- 9.
(5) ر. أنوار التنزيل 1/ 78.
129
و تقريره: أنّ الوالد، عنصر الولد المنفعلة بانفصال مادّته عنه. و اللّه سبحانه، مبدع الأشياء كلّها. فاعله على الإطلاق. منزّه عن الانفعال. فلا يكون والدا. و هذا التّقرير يصحّ على التّقديرين. لأنّ كونه تعالى مبدعا، يلزمه كون مخلوقه بديعا و بالعكس.
و الإبداع اختراع الشيء، لا عن شيء، دفعة. و هو أليق بهذا الموضع من الصّنع الّذي هو تركيب الصّورة بالعنصر و التّكوين الّذي يكون بتغيّر و في زمان غالبا.
و قرئ بديع، مجرورا على البدل، من الضّمير في «له»، و منصوبا، على المدح.
[و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن سدير الصّيرفيّ. قال: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فقال (2) أبو جعفر- (عليه السلام): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- ابتدع الأشياء كلّها بعلمه، على غير مثال كان قبله. فابتدع السّماوات و الأرض (3)، و لم يكن قبلهنّ سماوات و لا أرضون. أما تسمع لقوله تعالى (4) وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ؟
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة] (5) وَ إِذا قَضى أَمْراً: إذا أراد إحداث أمر، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117):
من كان التّامّة، أي، أحدث، فيحدث. و ليس المراد به حقيقة أمر و امتثال. بل حصول ما تعلّقت به إرادته، بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع، بلا توقّف.
و فيه تقرير لمعنى الإبداع. و إيماء إلى دليل آخر. و هو أنّ اتخاذ الولد ممّا يكون بأطوار. و فعله تعالى مستغن عن ذلك.
قيل (6): كان سبب ضلالتهم، أنّ أرباب الشّرائع المتقدّمة، كانوا يطلقون الأب على اللّه تعالى، باعتبار أنّه السّبب الأوّل، حين (7) قالوا: «إنّ الأب، هو الرّبّ الأصغر.
و اللّه سبحانه و تعالى هو الأب الأكبر.» ظنّت الجهلة منهم، أنّ المراد به معنى الولادة.
____________
(1) الكافي 1/ 256، صدر ح 2.
(2) المصدر: قال.
(3) المصدر: الأرضين.
(4) هود/ 7
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(6) أنوار التنزيل 1/ 79.
(7) المصدر: حتى.
130
فاعتقدوا ذلك تقليدا. و لذلك كفر قائله. و منع منه مطلقا جسما، لمادّة الفاسد.
[و في كتاب نهج البلاغة (1): يقول لما (2) أراد كونه، قال (3): «كُنْ فَيَكُونُ» لا بصوت يفزع (4) و لا نداء يسمع. و إنّما كلامه سبحانه، فعل منه، إنشاء (5). و مثله لم يكن من قبل ذلك كائنا. و لو كان قديما، لكان إلها ثانيا.
و فيه (6): يقول و لا يلفظ (7). و يريد و لا يضمر.
و في كتاب الاحتجاج (8)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- أنّه قال: و لا أجده يلفظ بشقّ فم (9). و لكن كما قال اللّه- عزّ و جلّ- إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. بمشيئة، من غير تردّد في نفس.
و في كتاب الإهليلجة (10): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: فالإرادة للفعل، إحداثه، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بلا تعب و كيف.
و في عيون الأخبار (11)، بإسناده إلى صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه. فإرادة اللّه، هي الفعل. لا غير ذلك. يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همّة و لا تفكّر و لا كيف. لذلك (12)، كما أنّه بلا كيف.
و فيه (13) حديث طويل، عن الرّضا- (عليه السلام)- أيضا- يقول فيه: و «كن» منه صنع. و ما يكون به المصنوع.] (14)
وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، أي: جهلة المشركين، أو المتجاهلون من أهل الكتاب.
لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ كما يكلّم الملائكة، أو يوحي إلينا بأنّك رسوله. و هذا استكبار منهم.
____________
(1) نهج البلاغة/ 274، ضمن خطبه 186.
(2) المصدر: لمن.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: يقرع.
(5) المصدر: أنشاه.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع.
(7) المصدر: يقول و لا يلفظ. و يحفظ و لا يتحفّظ.
(8) الاحتجاج 2/ 156.
(9) ر: و لا احمده بلفظ. لشق فم. المصدر: و لا اخذه بلفظ شق فم.
(10) بحار الأنوار 3/ 196.
(11) عيون الأخبار 1/ 119، ذيل ح 11.
(12) المصدر: كذلك.
(13) نفس المصدر 1/ 173- 174.
(14) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
131
أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ و حجّة على صدقك. و هذا جحود لأن ما أتاهم آيات استهانة.
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الماضية، مِثْلَ قَوْلِهِمْ:
فقالوا: «أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» و غير ذلك.
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، أي: قلوب هؤلاء و من قبلهم، في العمى و العناد.
و قرئ بتشديد الشّين.
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118): اي: يطلبون اليقين، أو يوقنون. الحقائق لا يعتريهم شبهة و لا عناد.
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ، مؤيّدا به، بَشِيراً وَ نَذِيراً: فلا عليك إن كابروا.
وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119)، أنّهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت.
و قرأ نافع و يعقوب «و لا تسأل»، على لفظ النّهي، مبيّنا للفاعل. و هو المرويّ عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام) (1)
و فيه، حينئذ، إشارة إلى تعظيم عقوبة الكفّار. كأنّها لا يقدر أن يخبر عنها، أو السّامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السّؤال.
و «الجحيم»: المتأجّج من النّار. من جحمت النّار يجحم جحما، إذا اضطرمت.
وَ لَنْ تَرْضى، و إن بالغت في إرضائهم، عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصارى، حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ:
كأنّهم قالوا: «لن نرضى عنك حتّى تتّبع ملّتنا»، إقناطا منهم لرسول اللّه، عن دخولهم في الإسلام. فحكى اللّه- عزّ و جلّ- كلامهم. و لذلك قال تعالى:
قُلْ تعليما للجواب، إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى. لا ما تدعون إليه.
وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ، أي: أقوالهم الّتي هي أهواء و بدع، بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ: من الوحي، أو الدّين المعلوم صحّته بالبراهين الصّحيحة،
____________
(1) ر. مجمع البيان 1/ 196.
132
ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (120) يدفع عنك عقابه.
و في هذه الآية، دلالة على ان من علم اللّه تعالى منه، أنّه لا يعصي يصحّ وعيده.
لأنّه علم أنّ نبيّه- (عليه السلام)- لا يتّبع أهواءهم. و المقصود منه التّنبيه على أنّ حال أمّته فيه، اغلظ من حاله. لأن منزلتهم، دون منزلته.
و قيل (1): الخطاب للنّبيّ و المراد أمّته.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:
قيل (2): يريد مؤمني أهل الكتاب، أو مطلقهم.
[و في أصول الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد بن محمّد (4)، عن ابن محبوب، عن أبي ولّاد. قال: سألت أبا عبد اللّه عن قول اللّه- عزّ و جلّ- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.
قال: هم الأئمّة- (عليهم السلام)
. و في شرح الآيات الباهرة (5): روى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد. قال:
سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ قال: هم الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم). و الكتاب، القرآن المجيد. و إن لم يكونوا هم، و إلّا فمن سواهم؟] (6)
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، بمراعاة اللّفظ عن التّحريف، و التدبّر في معناه، و العمل بمقتضاه.
و روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (7) أنّ حقّ تلاوته هو الوقوف عند ذكر الجنّة و النّار. يسأل في الأولى و يستعيذ من الأخرى.
و الجملة خبر للموصول، على التّقدير الأوّل (8)، و حال مقدّرة على التّقدير الثّاني [لأهل الكتاب و التّقدير الثّالث.] (9)
____________
(1) مجمع البيان 1/ 198.
(2) أنوار التنزيل 1/ 80.
(3) الكافي 1/ 215، ح 4.
(4) المصدر: أحمد بن محمد.
(5) شرح الآيات الباهرة، مخطوط/ 23.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) مجمع البيان 1/ 198.
(8) أ: الاوّل لأهل الكتاب.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
133
أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ: بكتابهم، دون المحرّفين.
وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ: بالكتاب. و هم أكثر اليهود. و قيل (1): هم جميع الكفّار.
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121)، حيث اشتروا الضّلالة بالهدى.
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (123):
مضى تفسيرها.
و قيل في سبب تكريرها ثلثة أقوال (2):
الأوّل: أنّ نعم اللّه سبحانه لمّا كانت أصول كلّ نعمة، كرّر التّذكير بها، مبالغة في استدعائهم، إلى ما لزمهم (3) من شكرها، ليقبلوا إلى طاعة ربّهم المظاهر عليهم.
و الثّاني: أنّه لمّا باعد بين الكلامين، حسن التّنبيه و التّذكير، إبلاغا في الحجّة، و تأكيدا للتّذكرة.
و الثّالث: أنّه لمّا ذكر التوراة و فيها الدّلالة على شأن عيسى- (عليه السلام)- و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في النّبوّة، و البشارة بهما، ذكّرهم نعمته عليهم بذلك و ما فضّلهم به، كما عدّد النّعم في سورة الرّحمن و كرّر قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
فكلّ تقريع جاء بعد تقريع، فإنّما هو موصول بتذكير نعمة غير الأولى.
وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ: كلّفه بأوامر و نواه.
و «الابتلاء» في الأصل، التّكليف بالأمر الشّاقّ، من البلاء، لكنّه لمّا استلزم الاختيار بالنّسبة إلى من يجهل العواقب، ظنّ ترادفهما.
و الضّمير لإبراهيم. و حسن لتقدّمه لفظا. و إنّ تأخّر رتبة. لأنّ الشّرط أحد التقدمين (4).
و «الكلمات» قد يطلق على المعاني. فلذلك فسّرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة عشرة منها في قوله (5) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ و عشرة في قوله (6): إِنَّ الْمُسْلِمِينَ (إلى
____________
(1) مجمع البيان 1/ 198.
(2) مجمع البيان 1/ 198- 199.
(3) أ: لزم.
(4) ر: التقديرين.
(5) التّوبة/ 112.
(6) المؤمنون/ 10- 1.
134
آخر الآيتين) و عشرة في قوله (1): قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (إلى قوله) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ و روى عشرة في سورة سَأَلَ سائِلٌ (إلى قوله) وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ. فجعلت أربعين.
و بالعشر الّتي هي من سنّته: خمسة منها في الرّأس، و خمسة منها في البدن.
فأمّا الّتي في الرّأس: فأخذ الشّارب، و إعفاء اللّحى، و طمّ الشعر، و السّواك، و الخلال.
و أمّا الّتي في البدن: فحلق الشّعر من البدن، و الختان، و تقليم الأظفار، و الغسل من الجنابة، و الطهور بالماء.
فهذه الحنفيّة الظّاهرة الّتي جاء بها إبراهيم- (عليه السلام). فلم تنسخ، و لا تنسخ، إلى يوم القيامة. و بمناسك الحجّ، و بالكوكب، و القمرين، و ذبح الولد، و النّار، و الهجرة، و بالآيات الّتي بعدها. و هي قوله إِنِّي جاعِلُكَ (إلى آخره) (2).
و كان سعيد بن المسيّب يقول (3): كان إبراهيم أوّل النّاس أضاف (4) الضّيف، و أوّل النّاس قصّ شاربه و استحدّ، و أوّل (5) النّاس رأى الشّيب (6).
فلمّا رآه قال: يا ربّ! ما هذا؟
قال: هذا الوقار.
قال: يا ربّ! فزدني وقارا.
و هذا أيضا
رواه السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) و لم يذكر أوّل من قصّ شاربه، و استحدّ. و زاد فيه: و أوّل من قاتل في سبيل اللّه، إبراهيم. و أوّل من أخرج الخمس، إبراهيم. و أوّل من اتّخذ النّعلين، إبراهيم. و أوّل من اتّخذ الرّايات، إبراهيم.
و قرئ إبراهيم ربّه على أنّه دعا ربّه بكلمات، مثل: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً، ليرى هل يجيبه؟
و روى الشّيخ أبو جعفر بن بابويه- (رحمه اللّه)- في كتاب النّبوّة (7)، بإسناده،
____________
(1) الأحزاب/ 35.
(2) ر. تفسير القمي 1/ 59+ مجمع 1/ 200.
(3) مجمع البيان 1/ 200.
(4) أ: أصناف.
(5) ليس في أ.
(6) أ: الشهب.
(7) مجمع البيان 1/ 200.
135
مرفوعا إلى المفضّل بن عمر، عن الصّادق- (عليه السلام). قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات الّتي تلقاها آدم- (عليه السلام)- من ربّه.
فتاب عليه. و هو أنّه قال: «يا ربّ! أسألك بحقّ محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين، إلّا تبت عليّ.» فتاب اللّه عليه. إنّه هو التّوّاب الرّحيم.
فقلت: يا بن رسول اللّه! فما يعني بقوله «فأتمّهنّ»؟
فقال: أتمّهنّ إلى القائم، اثنى عشر إماما، تسعة من ولد الحسين (عليهم السلام).
قال المفضّل: فقلت له: يا بن رسول اللّه! فأخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ؟
قال: يعني بذلك الإمامة. جعلها اللّه في عقب الحسين- (عليه السلام)- إلى يوم القيامة.
فقلت له: يا بن رسول اللّه! فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين، دون ولد الحسن، و هما جميعا ولدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سبطاه و سيّدا شباب أهل الجنّة؟
فقال: إنّ موسى و هارون نبيّان مرسلان أخوان، فجعل اللّه النّبوّة في صلب هارون، دون صلب موسى. و لم يكن لأحد أن يقول: «لم فعل اللّه ذلك؟» و إنّ الإمامة خلافة اللّه- عزّ و جلّ. ليس لأحد أن يقول: «لم جعلها اللّه في صلب الحسين دون صلب الحسن؟» لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- هو الحكيم في أفعاله. لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» (1)
فَأَتَمَّهُنَ: فأدّاهنّ كملا و قام بهنّ حقّ القيام.
و في القراءة (2) الأخيرة الضّمير المستتر لربّه، أي: أعطاه جميع ما سأل.
[و في تفسير العيّاشيّ (3)، رواه بأسانيد عن صفوان الجمّال، قال: كنّا بمكّة فجرى الحديث في قول اللّه وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.
قال: أتمّهنّ بمحمّد و عليّ و الأئمّة من ولد عليّ- صلّى اللّه عليهم- في قول اللّه
____________
(1) الأنبياء/ 23.
(2) أ: و في القراءة لم جعلها اللّه في صلب الحسين دون صلب الحسن. (!)
(3) تفسير العيّاشي 1/ 57، ح 88.
136
«ذرّية بعضها من بعض. و اللّه سميع عليم»] (1) قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً:
جملة مستأنفة، إن أضمر ناصب «إذ».
و التّقدير: فما ذا قال له ربّه حين أتمّهنّ. فأجيب بأنّه قال: إنّي (إلى آخره.) أو بيان للابتلاء. فيكون الكلمات، ما ذكره من الإمامة و تطهير البيت و غير ذلك. و إن كان ناصبه «قال»، فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها.
و «جاعل» من جعل المتعدّي إلى مفعولين.
و «الإمام»، اسم لمن يؤتمّ به في أقواله و أفعاله و يقوم بتدبير الإمامة و سياستها و القيام بأمورها و تأديب جنايتها و توليد ولايتها و إقامة الحدود على مستحقّها و محاربة من يكيدها و يعاديها. و قد يطلق على المقتدى به في أقواله و أفعاله.
قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي:
عطف على الكاف، عطف تلقين، أي: و بعض ذرّيّتي، كما تقول: «و زيدا»، في جواب: «سأكرمك.» و الذّرّيّة: نسل الرّجل. فعليّة أو فعلولة، من الذّرّ، بمعنى التّفريق و الأصل ذرّيّة، على الأوّل. و على الثّاني، ذرورة. قلبت راؤها الثّالثة ياء، كما في تقضيّت. ثمّ أبدلت الواو و الضّمّة. أو فعليّة أو فعولة من الذّرء، بمعنى الخلق. فخفّفت الهمزة.
و قرئ ذرّيّتي (بالكسر) و هي لغة. و بعض العرب، بفتح الذّال.
قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124):
و العهد و الإمامة، كما روي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)
(2)-، أي: لا يكون الظّالم إماما للنّاس. و استدلّ أصحابنا بهذه الآية، على أنّ الإمام لا يكون إلّا معصوما عن القبائح. لأنّ اللّه سبحانه نفى أن ينال عهده الّذي هو الإمامة، ظالم. و من ليس بمعصوم، فقد يكون ظالما. إمّا لنفسه، أو لغيره.
لا يقال: إنّما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب لا يسمّى ظالما، فيصحّ أن يناله، لأنّا نقول: إنّ الظّالم و إن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالما. و قد حكم عليه بأنّه لا ينالها. و الآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت. فيجب أن تكون محمولة على الأوقات، كلّها. فلا ينالها الظّالم، و إن تاب فيما بعد.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) مجمع البيان 1/ 202.
137
[و في عيون الأخبار (1)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام): إنّ الإمامة خصّ اللّه- عزّ و جلّ- بها إبراهيم الخليل- (صلوات اللّه عليه و آله)- بعد النّبوّة و الخلّة، مرتبة ثالثة، و فضيلة شرّفه بها و أشاد بها (2) و ذكره. فقال- عزّ و جلّ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.
فقال الخليل- (عليه السلام)- مسرورا (3) بها: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟» قال اللّه- عزّ و جلّ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
فأبطلت هذه الآية، إمامة كلّ ظالم، إلى يوم القيامة. و صارت في الصّفوة.
و في أصول الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام بن سالم، و درست بن أبي منصور عنه. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): و قد كان إبراهيم- (عليه السلام)- نبيّا، و ليس بإمام، حتّى قال اللّه: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟» فقال اللّه: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، من عبد صنما أو وثنا، لا يكون إماما.
محمّد ابن الحسن (5)، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام. قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اتّخذ إبراهيم عبدا، قبل أن يتّخذه نبيّا، و إنّ اللّه اتّخذه نبيّا، قبل أن يتّخذه رسولا. و إنّ اللّه اتّخذه رسولا، قبل أن يتّخذه خليلا. و إنّ اللّه اتّخذه خليلا، قبل أن يجعله إماما. فلمّا جمع له الأشياء، قال: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.
قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.» قال: لا يكون السّفيه، إمام التّقي.
عليّ بن محمّد (6)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن إسحاق بن عبد العزيز أبي السّفاتج، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: سمعته يقول: إنّ اللّه اتّخذ إبراهيم عبدا، قبل أن يتّخذه نبيّا. و اتّخذه نبيّا، قبل أن يتّخذه رسولا. و اتّخذه
____________
(1) عيون الأخبار 1/ 217.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: سرورا.
(4) الكافي 1/ 175.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.
138
رسولا، قبل أن يتّخذه خليلا. و اتّخذه خليلا، قبل أن يتّخذه إماما. فلمّا جمع له هذه الأشياء و قبض يده، «قال» له: يا إبراهيم! إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.» فمن عظمها في عين إبراهيم «قال»: يا ربّ! وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.»
و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: قد حظر على من ماسّه الكفر تقلّد ما فوّضه إلى أنبيائه و أوليائه، بقوله لإبراهيم لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما بقوله (2):
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.» فلمّا علم إبراهيم أنّ عهد اللّه تبارك اسمه بالإمامة، لا ينال عبدة الأصنام، قال (3): وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ.»
و في مجمع البيان (4): لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال مجاهد: العهد الإمامة. و هو المرويّ عن الباقر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).
و في تفسير العيّاشيّ (5)، رواه بأسانيد عن صفوان الجّمال. قال: كنّا بمكّة، فجرى الحديث في قول اللّه [وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ.» قال: أتمهنّ بمحمّد و عليّ و الأئمة من ولد عليّ- صلّى اللّه عليهم- في قول اللّه ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.»] (6).
ثمّ قال: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.
قال: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟
قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.» قال: يا ربّ! و يكون من ذرّيّتي ظالم؟
قال: نعم! فلان و فلان و فلان و من اتّبعهم.
قال: يا ربّ! فعجّل لمحمّد و عليّ ما وعدتني فيهما. و عجّل نصرك لهما.
[و إليه أشار] (7) بقوله (8):
____________
(1) تفسير نور الثقلين 1/ 121، ح 344، نقلا عن الاحتجاج.
(2) لقمان/ 13.
(3) إبراهيم/ 35.
(4) مجمع البيان 1/ 202.
(5) تفسير العياشي 1/ 57- 58.
(6) يوجد في المصدر.
(7) يوجد في المصدر.
(8) البقرة/ 130.
139
وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.» فالمّلة، (الإمام) (1). فلمّا أسكن ذرّيّته بمكّة قال (2): رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إلى (قوله) مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ (3).» فاستثنى «من آمن» خوفا بقوله (4) «لا»، كما قال له في الدّعوة الأولى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.»
و فيه (5): عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، أى: لا يكون إماما ظالما.
و فيه (6): عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قال: فقال لو علم اللّه أنّ اسما أفضل (منه)، لسمّانا به.
و في شرح الآيات الباهرة (7): و جاء في التّأويل ما رواه الفقيه ابن المغازليّ، بإسناده عن رجاله، عن عبد اللّه بن مسعود. قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أنا دعوة أبي إبراهيم.
قال: قلت كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟
قال: إنّ اللّه أوحى إلى إبراهيم إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.» فاستخفّ به الفرح.
فقال: يا ربّ! وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي أئمّة مثلي؟
فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا إبراهيم! إنّي لا أعطيك عهدا لا أفي لك به.
قال: يا ربّ! و ما العهد الّذي لا تفي به؟
قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك عهدا.
فقال إبراهيم عندها: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ.» ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): فانتهت الدّعوة إليّ و إلى عليّ. لم يسجد أحدنا لصنم. فاتّخذني نبيّا. و اتّخذ عليّا، وصيّا. و في معنى هذه الدّعوة قوله تعالى، حكاية
____________
(1) المصدر: الامامة. و هو الظاهر.
(2) إبراهيم/ 37.
(3) البقرة/ 126.
(4) المصدر: أن يقول به. و هو الظاهر.
(5) نفس المصدر 1/ 58، ح 89.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 90.
(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 26.
140
عن قول إبراهيم- (عليه السلام)- رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.»] (1)
وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ، أي: الكعبة، غلب عليها، كالنّجم على الثّريّا.
مَثابَةً لِلنَّاسِ، أي: مرجعا يثوب إليه أعيان الزّوّار و أمثالهم. أو موضع ثواب يثابون بحجته و اعتماره. أو موضع لا ينصرف منه أحد إلّا و ينبغي أن يكون على قصد الرّجوع إليه. و قد ورد في الخبر أنّ من رجع من مكّة و هو ينوى الحجّ، من قابل زيد في عمره. و من خرج من مكّة و هو لا ينوي العود إليها، فقد قرب أجله (2).
وَ أَمْناً، أي: موضع أمن. و الحمل للمبالغة. و ذلك لأنّه لا يتعرّض لأهله. أو يأمن حاجّه من عذاب الآخرة. لأنّ الحجّ يجبّ ما قبله. أو لا يؤاخذ الجاني الملتجئ إليه.
و الحمل على العموم أولى.
[و في تهذيب الأحكام (3): محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، و ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: فإذا دخلت المسجد، فارفع يديك، و استقبل البيت، و قل اللّهمّ (إلى قوله) اللّهمّ إنّي أشهدك أنّ هذا بيتك الحرام الّذي جعلته مثابة للنّاس و أمنا مباركا و هدى للعالمين.] (4)
وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى: على إرادة القول، أو عطف على المقدّر العامل في «إذا» و اعتراض معطوف على مضمر تقديره «توبوا اليه و اتخذوا» و «مقام إبراهيم»: الحجر الّذي فيها اثر قدميه.
و المراد باتّخاذه مصلّى، الصّلاة فيه، بعد الصّلاة،
كما روى عن الصّادق- (عليه السلام) (5)- أنّه سئل عن الرّجل يطوف بالبيت طواف الفريضة و نسي أن يصلّي ركعتين عند مقام إبراهيم.
فقال: يصلّيهما. و لو بعد أيّام. إنّ اللّه تعالى قال: و اتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) ر. من لا يحضره الفقيه 2/ 141، ح 614+ مجمع البيان 1/ 203.
(3) تهذيب الأحكام 5/ 100، ضمن ح 327.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) مجمع البيان 1/ 203+ وسائل الشيعة 9/ 485، ح 19.
141
و روى عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام) (1)- أنّه قال: نزلت ثلاثة أحجار من الجنّة: مقام إبراهيم، و حجر بني إسرائيل، و الحجر الأسود، استودعه اللّه إبراهيم- (عليه السلام)- حجرا أبيض. و كان أشدّ بياضا من القراطيس. فاسودّ من خطايا بني آدم.
[و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفيّ.
قال: قال محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام): يا جابر! ما أعظم فرية أهل الشّام، على اللّه- عزّ و جلّ؟ يزعمون أنّ اللّه- تبارك و تعالى- حيث صعد إلى السّماء، وضع قدمه على صخرة بيت المقدس. و لقد وضع عبد من عباد اللّه، قدمه على صخرة (3). فأمرنا اللّه تعالى أن نتّخذه مصلّى.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضل، عن أبي الصّباح الكنانيّ. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل نسي أن يصلّي الرّكعتين عند مقام إبراهيم- صلّى اللّه عليه- في طواف الحجّ و العمرة.
فقال: إن كان بالبلد، صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.» و إن كان قد ارتحل، فلا آمره أن يرجع.
و في تهذيب الأحكام (5): روى موسى بن القسم، عن محمّد بن سنان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه الأبزاريّ. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل نسي فصلّى ركعتي طّواف الفريضة في الحجر.
قال: يعيدهما خلف المقام. لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، يعني بذلك: ركعتي طواف الفريضة.
موسى بن القسم (6)، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي بصير.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 59، ح 93+ مجمع البيان 1/ 203.
(2) التوحيد/ 179، صدر ح 13.
(3) المصدر: حجرة.
(4) الكافي 4/ 425، ح 1.
(5) تهذيب الأحكام 5/ 138، ح 454.
(6) نفس المصدر 5/ 140، ح 461، و فيه: موسى بن القاسم.
142
قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة، خلف المقام. و قد قال اللّه تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى حتى ارتحل.
فقال: و إن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه. و لا آمره أن يرجع. و لكن يصلّي حيث ما (1) يذكر.
موسى بن القاسم (2)، عن صفوان بن يحيى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة، إلّا خلف المقام، لقول اللّه- عزّ و جلّ- وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.» فإن صلّيتهما في غيره، فعليك إعادة الصّلاة.] (3)
و روى في سبب النّزول، عن ابن عبّاس (4) و عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان عن الصّادق- (عليه السلام)- أيضا: أنّه لمّا أتى إبراهيم بإسماعيل و هاجر، فوضعهما بمكّة، و أتت على ذلك مدّة، و نزلها الجرهميّون، و تزوّج إسماعيل امرأة منهم، و ماتت هاجر، فاستأذن إبراهيم سارة أن يزور إسماعيل. فأذنت له. و شرطت عليه أن لا ينزل. فقدم إبراهيم- (عليه السلام)- إذ قد ماتت هاجر. فذهب إلى بيت إسماعيل.
فقال لامرأته. أين صاحبك؟ قالت: ليس هاهنا. ذهب يتصيّد.
و كان إسماعيل يخرج من الحرم. فيصيد. ثمّ يرجع.
فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة؟
قالت: ليس عندي شيء. و ما عندي أحد.
فقال لها إبراهيم- (عليه السلام): إذ جاء زوجك، فاقرئيه السّلام، و قولي له فليغيّر عتبة بابه.
و ذهب إبراهيم- (عليه السلام). فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه. فقال لامرأته:
هل جاءك أحد؟
قالت: جاءني شيخ، صفته كذا و كذا. (كالمستخفّة بشأنه).
قال: فما قال لك؟
قالت: قال لي اقرئي زوجك السّلام و قولي له فليغيّر (5) عتبة بابه.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) نفس المصدر 5/ 137، ح 451.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) مجمع البيان 1/ 203- 204.
(5) ر: و قولوا فليغيّرنّ.
143
فطلّقها. و تزوّج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء أن يلبث. ثمّ استأذن أن يزور إسماعيل. فأذنت له و اشترطت عليه أن لا ينزل. فجاء ابراهيم حتّى انتهى إلى باب إسماعيل.
فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيّد. و هو يجيء الآن إن شاء اللّه.
فانزل يرحمك اللّه.
قال لها: هل عندك ضيافة؟
قالت: نعم.
فجاءت باللّبن و اللّحم. فدعا لهما (1) بالبركة. فلو جاءت يومئذ بخبز أو برّ أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض اللّه برّا و شعيرا و تمرا (2).
فقالت: انزل حتّى أغسل رأسك.
فلم ينزل. فجاءت بالمقام. فوضعته على شقّه الأيمن. فوضع قدمه عليه فبقى أثر قدمه عليه. فغسلت شقّ رأسه الأيمن. ثمّ حولت المقام إلى شقّه الأيسر. فغسلت شقّ رأسه الأيسر. فبقى أثر قدمه عليه.
فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السّلام. و قولي له: قد استقامت عتبة بابك.
فلمّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه. فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟
قالت: نعم. شيخ أحسن النّاس و أطيبهم ريحا. فقال لي كذا و كذا. و قلت له كذا. و غسلت رأسه. و هذا موضع قدميه على المقام.
فقال لها إسماعيل ذاك إبراهيم.
و في رواية أخرى، عنه- (عليه السلام) (3)- أنّ إبراهيم استأذن سارة أن يزور إسماعيل. فأذنت له على أن لا يلبث عنها، و أن لا ينزل من حماره.
فقيل له، فكيف كان ذلك! فقال: إنّ الأرض طويت له.
و روى عبد اللّه بن عمر (4)، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: الرّكن
____________
(1) أ: لهم.
(2) ر: كان أكثر أرض اللّه برّا او شعيرا او تمرا.
(3) مجمع البيان 1/ 203- 204+ بحار الأنوار 12/ 111، ح 38، نقلا عن قصص الأنبياء.
(4) مجمع البيان 1/ 204.
144
و المقام، ياقوتتان من ياقوت الجنّة. طمس اللّه نورهما. و لو لا أنّ نورهما طمس، لأضاء ما بين المشرق و المغرب.
و استدلّ أصحابنا بهذه الآية، على أنّ صلاة الطّواف فريضة، مثل الطّواف، بأنّ اللّه تعالى أمر بذلك. و ظاهر الأمر، يقتضي الوجوب. و لا صلاة واجبة عند مقام إبراهيم، غير صلاة الطّواف، بلا خلاف. و الاستدلال بها، معاضد بالرّوايات الواردة، عن الأئمّة- (عليهم السلام).
وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ: أمرناهما، أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ: بأن طهّرا.
و يجوز أن يكون «أن» مفسّرة، لتضمّن العهد معنى القول، يريد طهّراه من الأوثان و الأنجاس و ما لا يليق به، أو أخلصاه.
لِلطَّائِفِينَ حوله، وَ الْعاكِفِينَ المقيمين عنده، أو المعتكفين فيه.
وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)، أي: المصلّين، جمع راكع و ساجد.
[و في كتاب علل الشّرائع (1): حدّثنا محمّد بن الحسن- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد و عبد اللّه، ابني محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد اللّه بن عليّ الحلبيّ. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- أ تغتسل (2) النّساء إذا أتين البيت؟
قال: نعم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.» فينبغي للعبد أن لا يدخل (إلّا) و هو طاهر. قد غسل عنه العرق و الأذى.
و تطهّر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و قوله طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ قال الصادق- (عليه السلام): يعني نحّ عنه (4) المشركين.
و قال: لمّا بني إبراهيم- (عليه السلام)- البيت و حجّ النّاس، شكت الكعبة إلى
____________
(1) علل الشرائع/ 411، ح 1.
(2) كذا في المصدر و في الأصل: أ يغتسلن.
(3) تفسير القمي 1/ 59.
(4) المصدر: نحّيا عن.
145
اللّه- تبارك و تعالى- ما تلقى من أنفاس المشركين (1). فأوحى اللّه إليها قرّي كعبتي. فإنّي أبعث في آخر الزّمان قوما يتنظّفون بقضبان الشّجر و يتخلّلون.
و في مجمع البيان (2): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ للّه- عزّ و جلّ- في كلّ يوم و ليلة، عشرين و مائة رحمة، ينزل على هذا البيت: ستّون منها للطّائفين، و أربعون للمصلّين (3)، و عشرون للنّاظرين.] (4)
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا: معطوف على «إذ جعلنا.» و الإشارة إلى «البلد» أو المكان.
بَلَداً آمِناً: ذا أمن، كقوله تعالى (5) فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، أ و أمنا أهله، كقوله:
ليله نائم.
و المراد بالبلد، مكّة.
و المراد بكونه «آمنا»، أنّه لا يصاد (6) طيره، و لا يقطع شجره، و لا يختلى خلاه، كما
روى عن الصّادق- (عليه السلام) (7)- أنّه قال: من دخل الحرم، مستجيرا به (8)، فهو آمن من سخط اللّه- عزّ و جلّ. و من دخله من الوحش و الطير، كان آمنا من أن يهاج، أو يؤذى، حتّى يخرج من الحرم.
و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم فتح مكّة (9): إنّ اللّه تعالى حرّم مكّة يوم خلق السّموات و الأرض. فهي حرام إلى أن تقوم السّاعة. لم تحلّ لأحد قبلي. و لا تحلّ لأحد بعدي. و لم تحلّ لي إلّا ساعة من النّهار.
فهذا الخبر و أمثاله المشهورة في روايات أصحابنا، يدلّ على أنّ الحرم كان آمنا قبل دعوة إبراهيم. و إنّما تأكّدت حرمته بدعائه- (عليه السلام) (10). و بعضهم قالوا (11): إنّما صار حرما بدعاء إبراهيم. و كان قبل ذلك كسائر البلاد. و استدلّوا عليه
بقول النّبيّ- صلّى اللّه عليه
____________
(1) المصدر: أيدي المشركين و أنفاسهم.
(2) مجمع البيان 1/ 204.
(3) المصدر: للعاكفين. و أشار في هامش المصدر أنّه في بعض النسخ «للمصلين.»
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) الحاقة/ 21 و القارعة/ 7.
(6) أ: يصار.
(7) الكافي 4/ 226، ح 1+ مجمع البيان 1/ 206.
(8) أ: باللّه.
(9) الكافي 4/ 226، ح 4+ مجمع البيان 1/ 206.
(10) ر. مجمع البيان 1/ 206.
(11) نفس المصدر و نفس الموضع.
146
و آله- إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- حرّم مكّة. و إنّي حرّمت المدينة.
و الجواب: أنّه يحتمل أنّه (1) يكون حرّمه بغير الوجه الّذي كانت حراما قبله، لجواز كونها حراما قبل، بمعنى كونها ممنوعا من الاصطلام (2) و الانتقاك، كما لحق غيرها من البلاد. و صارت حراما بعد دعاء إبراهيم- (عليه السلام)- بتعظيمه على ألسنة الرّسل (3) و غير ذلك.
وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ:
«من آمن» بدل من أهله، بدل البعض.
قالَ وَ مَنْ كَفَرَ: مبتدأ متضمّن معنى الشّرط.
فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [خبره. و الجملة معطوفة على محذوف، أي: من آمن مرزوق. و من كفر فأمتّعه قليلا.] (4) ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ (5): أدفعه و أسوقه إليها في الآخرة.
وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (126):
المخصوص محذوف، أي: العذاب.
و «قليلا» منصوب على المصدر، أو الظّرف.
و قرئ بلفظ الأمر، في «فأمتّعه» و «أضطرّه»، على أنّه من دعاء إبراهيم.
و الضّمير في «قال» راجع إليه (6).
[و في كتاب علل الشّرائع (7): أبي- رضى اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ، بإسناده. قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)- في الطّائف: أ تدري لم سمّي الطّائف؟
قلت: لا!
____________
(1) أ: أن. و هو الظاهر.
(2) كذا في ر. و في الأصل: الاضطلام.
(3) ر: الرجل.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) يوجد في أبعد ذكر الآية: و بئس خبره و الجملة معطوفة على محذوف، أي: من آمن مرزوق. و من كفر، فأمتّعه قليلا. ثمّ أضطرّه إلى عذاب النار.
(6) ر: إليها.
(7) علل الشرائع/ 442، ح 1.
147
قال: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- دعا ربّه أن يرزق (1) أهله من كلّ الثّمرات.
فقطع له (2) قطعة من الأردنّ.
فأقبلت، حتّى طافت بالبيت سبعا. ثمّ أقرّها اللّه في موضعها. فإنّما سمّيت الطّائف للطّواف (3) بالبيت.
و بإسناده (4) إلى أحمد بن محمّد. قال: قال الرّضا- (عليه السلام): أ تدري لم سمّي الطّائف الطّائف (5)؟
قلت: لا! قال: لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا دعاه إبراهيم- (عليه السلام)- أن يرزق أهله من الثّمرات (6)، أمر بقطعة من الأردنّ، فسارت بثمارها، حتّى طافت بالبيت. ثمّ أمرها أن تنصرف إلى هذا الموضع الّذي سمّي بالطّائف (7). فلذلك سمّي الطّائف.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): حدّثني أبي عن النّضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- كان نازلا في بادية الشّام.
(إلى أن قال) فقال إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا فرغ من بناء البيت و الحجّ (9): رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً (10) آمِناً. وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ».
قال: ثمرات القلوب، أي: حبّبهم إلى النّاس، ليأتوا (11) و يعودوا إليهم.
و في تفسير العيّاشى (12): عن عبد اللّه بن غالب، عن أبيه عن رجل، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في (13) قول إبراهيم- (عليه السلام)- رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ: إيّانا عنى بذلك و أولياءه و شيعة وصيّه.
____________
(1) ر: يرزقه.
(2) المصدر: لهم.
(3) المصدر: لطوفه.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(5) المصدر: طائفا.
(6) المصدر: من كلّ الثمرات.
(7) المصدر: الطائف.
(8) تفسير القمي 1/ 60 و 62.
(9) ليس في المصدر.
(10) كذا في المصدر. و في الأصل ور و تفسير البرهان 1/ 155: البلد.
(11) المصدر: لينتابوا إليهم.
(12) تفسير العياشي 1/ 59، ح 96.
(13) ليس في المصدر.
148
قال: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ قال: عنى بذلك من جحد وصيّه و لم يتّبعه من أمّته. و كذلك و اللّه هذه (1) الأمّة] (2)
وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ:
حكاية حال ماضية، تقديره: و اذكر إذ يرفع.
و «القواعد»، جمع قاعدة. و هي الأساس. صفة غالبة. و معناها الثّابتة. و منه قعدك اللّه، أي: أسأل اللّه أن يقعدك، أي: يثبتك. و رفعها البناء عليها. لأنّها إذا بني عليها، نقلت عن هيئة الانخفاض، إلى هيئة الارتفاع. و تطاولت بعد التّقاصر. و يحتمل أن يراد بها ساقات البناء. فإنّ كلّ ساق قاعدة، يوضع فوقه، و يرفعها بناؤها. لأنّه إذا وضع ساق فوق ساق، فقد رفع السّاقات.
و يجوز أن يكون المعنى: و إذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت، أي: استوطأ، يعني:
جعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء.
و قيل (3): المراد، رفع مكانته، و إظهار شرفه بتعظيمه، و دعاء النّاس إلى حجّه.
روى عن أئمّتنا- (عليهم السلام)- أنّه قد كان آدم بناه. ثمّ عفا أثره. فجدّده إبراهيم- (عليه السلام) (4).
و قال مجاهد (5): بل انشأه إبراهيم- (عليه السلام)- بأمر اللّه- عزّ و جلّ.
و كان الحسن (6) يقول (7): أوّل من حجّ البيت إبراهيم.
و في أكثر الرّوايات، أنّ أوّل من حجّ البيت آدم- (عليه السلام) (8).
و يمكن الجمع، بأنّه كان مطاف آدم البيت المعمور و مطاف إبراهيم الكعبة: كما روى أنّ اللّه تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنّة له بابان من زمرد شرقيّ و غربيّ.
و قال لآدم أهبطت لك ما يطاف به، كما يطاف حول عرشي. فتوجّه آدم من أرض الهند
____________
(1) المصدر: حال هذه.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) أنوار التنزيل 1/ 82.
(4) ر. الكافي 4/ 190- 212+ مجمع البيان 1/ 207.
(5) مجمع البيان 1/ 207.
(6) النسخ: الحسن- (عليه السلام). و الظاهر يراد به الحسن المجتبى- (صلوات اللّه عليه)- و لكن مستظهر من ظاهر الكلام، في المصدر، هو الحسن البصري.
(7) مجمع البيان 1/ 207.
(8) ر. علل الشرائع 1/ 400 و 420.
149
إليه ماشيا. و تلقّته الملائكة. فقالوا: برّ حجّك، يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك، بالفي عام.
و حجّ آدم أربعين حجّة من أرض الهند، إلى مكّة، على رجليه. فكان على ذلك إلى أن رفعه اللّه أيّام الطّوفان إلى السّماء الرّابعة. فهو البيت المعمور. ثمّ أنّ اللّه تعالى أمر إبراهيم ببنائه. و عرّفه جبرئيل مكانه. أو كان بناه آدم أولا، ثمّ زال أثره، ثمّ أمر إبراهيم- (عليه السلام)- بالبناء و رفع القواعد.
و إسماعيل كان يناوله الحجارة. و لكّنه لمّا كان له مدخل في البناء، عطف عليه (1).
و قيل (2): كانا يبنيان في طرفين، أو على التّناوب، يقولان:
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا:
على تقدير الحال. و قرئ بإظهار «يقولان.» إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا.
الْعَلِيمُ (127) بنيّاتنا.
و قصّة مهاجرة إسماعيل و هاجر
، على ما رواه الشّيخ الطّبرسيّ، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام، عن الصّادق- (عليه السلام) (3). قال: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- كان نازلا في بادية الشّام. فلمّا ولد له من هاجر إسماعيل اغتمّت سارّة من ذلك غمّا شديدا. لأنّه لم يكن له منها ولد. فكانت تؤذي إبراهيم في هاجر و تغمّه. فشكا ذلك إبراهيم إلى اللّه- عزّ و جلّ. فأوحى اللّه إليه إنّما مثل المرأة، مثل الضّلع المعوج. إن تركته استمتعت به. و إن رمت أن تقيمه كسرته. و قد قال القائل في ذلك.
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها* * * ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها
ثمّ أمره أن يخرج إسماعيل و أمّه عنها.
فقال: أي ربّ إلى أيّ مكان؟
____________
(1) علل الشرائع 2/ 400، ح 1 و 407، ح 2 و 421، ح 3+ البحار 99/ 54، ح 6 و 61، ح 31+ الكشاف 1/ 187.
(2) أنوار التنزيل 1/ 82.
(3) مجمع البيان 1/ 207.
150
قال: إلى حرمي و أمني و أوّل بقعة خلقتها من أرضي. و هي مكّة.
و أنزل عليه جبرئيل، بالبراق. فحمل عليه هاجر و إسماعيل و إبراهيم. فكان إبراهيم لا يمرّ بموضع حسن فيه شجر و نخل و زرع، إلّا قال: يا جبرئيل! إلى هاهنا (1)! فيقول جبرئيل: لا! امض (2) حتّى وافى مكّة.
فوضعه في موضع البيت. و قد كان إبراهيم عاهد سارة أن لا ينزل حتّى يرجع إليها.
فلمّا نزلوا في ذلك المكان، كان فيه شجر. فألقت هاجر على ذلك الشّجر، كساء كان معها. فاستظلّت تحته. فلمّا سرّحهم إبراهيم و وضعهم و أراد الانصراف عنهم إلى سارة، قالت له هاجر: لم تدعنا في هذا الموضع الّذي ليس فيه أنيس و لا ماء و لا زرع؟
فقال إبراهيم- (عليه السلام): ربّي الّذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان.
ثمّ انصرف عنهم. فلمّا بلغ كدى و هو جبل بذي طوى، التفت إليهم إبراهيم.
فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ (إلى قوله) لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.» ثمّ مضى. و بقيت هاجر. فلمّا ارتفع النّهار عطش إسماعيل. فقامت هاجر في الوادي، حتّى صارت في موضع المسعى. فنادت: هل في الوادي من أنيس؟
فغاب عنها إسماعيل فصعدت على الصّفا. و لمع لها السّراب في الوادي. و ظنّت أنّه ماء. فنزلت في بطن الوادي. وسعت. فلمّا بلغت المروة، غاب عنها إسماعيل. ثمّ لمع لها السّراب، في ناحية الصّفا. و هبطت إلى الوادي، تطلب الماء. فلمّا غاب عنها إسماعيل، عادت حتّى بلغت الصّفا. فنظرت إلى إسماعيل، حتّى فعلت ذلك سبع مرّات. فلمّا كان في الشّوط السّابع و هي على المروة، نظرت إلى إسماعيل، و قد ظهر الماء من تحت رجليه.
قعدت حتّى جمعت حوله رملا. و إنّه كان سائلا. فزمّته بما جعلت حوله. فلذلك سمّيت زمزم. و كانت جرهم نازلة بذي المجاز و عرفات. فلمّا ظهر الماء بمكّة، عكفت الطّيور و الوحوش على الماء. فنظرت جرهم إلى تعكّف الطّير، على ذلك المكان. فاتّبعوها حتّى نظروا إلى امرأة و صبيّ نزلا في ذلك الموضع، قد استظّلا بشجرة قد ظهر لهم الماء.
فقال لهم (3) جرهم: من أنت؟ و ما شأنك و شأن هذا الصّبيّ؟
قالت: أنا أمّ ولد إبراهيم خليل الرّحمن. و هذا ابنه. أمره اللّه أن ينزلنا هاهنا.
____________
(1) المصدر: إلى هاهنا؟ إلى هاهنا؟
(2) المصدر: لا امض! لا امض!
(3) المصدر: لها. و هو الظاهر.
151
فقالوا لها: أ تأذنين أن نكون بالقرب منكم؟
فقالت: حتّى أسأل إبراهيم.
قال: فزارهما إبراهيم، يوم الثّالث. فقالت له هاجر: يا خليل اللّه! إنّ هاهنا قوم من جرهم. يسألونك أن تأذن لهم حتّى يكونوا بالقرب منّا. أ فتأذن لهم في ذلك؟
فقال إبراهيم: نعم.
فأذنت هاجر لجرهم. فنزلوا بالقرب منهم. و ضربوا خيامهم. و أنست هاجر و إسماعيل بهم.
فلمّا زارهم إبراهيم في المرّة الثّانية، و نظر إلى كثرة النّاس حولهم، سرّ بذلك سرورا شديدا. فلمّا تحرّك إسماعيل و كانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كلّ واحد منهم شاة و شاتين. فكانت هاجر و إسماعيل يعيشان بها. فلمّا بلغ مبلغ الرّجال، أمر اللّه تعالى إبراهيم أن يبني البيت.
فقال: يا ربّ! في أيّ بقعة؟
قال في البقعة الّتي أنزلت على آدم القبّة.
فأضأت الحرم.
قال: و لم تزل القبّة (1) الّتي أنزلها على آدم قائمة، حتّى كان أيّام الطّوفان، في زمن نوح. فلمّا غرقت الدّنيا، رفع اللّه تلك القبّة و غرقت الدّنيا، و لم تغرق مكّة. فسميّ البيت العتيق. لأنّه أعتق من الغرق.
فلمّا أمر اللّه- عزّ و جلّ- إبراهيم أن يبني البيت، لم يدر في أيّ مكان يبنيه.
فبعث اللّه جبرئيل- (عليه السلام)- فخطّ له موضع البيت. و أنزل عليه القواعد من الجنّة.
و كان الحجر الّذي أنزله اللّه على آدم، أشدّ بياضا من الثّلج. فلمّا مسّته أيدى الكفّار، اسودّ.
قال: فبنى إبراهيم البيت. و نقل إبراهيم الحجر من ذى طوى. فرفعه في السّماء، تسعة أذرع. ثمّ دلّه على موضع الحجر. فاستخرجه إبراهيم. و وضعه في موضعه الّذي هو فيه. و جعل له بابين: بابا إلى المشرق، و بابا الى المغرب. فالباب الّذي إلى المغرب، يسمّى المستجار. ثمّ ألقى عليه الشجر (2) و الإذخر. و علّقت هاجر على بابه كساء كان معها.
____________
(1) أ: القّبة الّتي أنزل القبة المصدر: القبّة الّذي أنزلها.
(2) كذا في الأصل. و في المصدر: الشيخ. أ: الشيخ. ر: الشبح.
152
فكانوا يكونون (1) تحته. فلمّا بناه و فرغ، حجّ إبراهيم و إسماعيل. و نزل عليهما جبرائيل، يوم التّروية، لثمان خلت من ذي الحجّة. فقال: قم يا إبراهيم! فارتو من الماء. لأنّه لم يكن بمنى و عرفات.
فسمّيت التّروية لذلك. ثمّ أخرجه إلى منى. فبات بها. ففعل به ما فعل بآدم.
فقال إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا فرغ من بناء البيت: رَبِّ اجْعَلْ (إلى آخر الآية.)
[و في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أنزل الحجر الأسود لآدم من الجنّة. و كان البيت، درّة بيضاء. فرفعه اللّه- عزّ و جلّ- إلى السّماء. و بقي أسّه، فهو بحيال هذا البيت.
يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون إليه أبدا. فأمر اللّه إبراهيم و إسماعيل ببنيان (3) البيت، على القواعد.
و بإسناده (4)، إلى محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن آبائه- (عليهم السلام): أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى جبرئيل- (عليه السلام): أنا اللّه الرّحمن الرّحيم. إنّي قد رحمت آدم و حوّاء لمّا شكيا إليّ ما شكيا. فاهبط عليهما بخيمة من خيم الجنّة. فإنّي قد رحمتهما لبكائهما و وحشتهما و وحدتهما. فاضرب الخيمة على التّرعة الّتي بين جبال مكّة.
قال: و التّرعة مكان البيت و قواعده الّتي رفعتها الملائكة، قبل آدم. فهبط جبرئيل على آدم- (عليه السلام)- بالخيمة على مقدار مكان البيت و قواعده. فنصبها.
قال: و أنزل جبرئيل- (عليه السلام)- آدم من الصّفا. و أنزل حوّاء من المروة.
و جمع بينهما في الخيمة. (إلى أن قال) ثمّ أنّ اللّه- تبارك و تعالى- أوحى إلى جبرئيل- (عليه السلام)- بعد ذلك: أن اهبط إلى آدم و حوّاء. فنحّهما عن موضع قواعد بيتي. و ارفع قواعد بيتي لملائكتي و خلقي، من ولد آدم.
فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- على آدم و حوّاء. فأخرجهما من الخيمة. و نحّاهما عن ترعة البيت. و نحّى الخيمة عن موضع التّرعة. (إلى أن قال) فرفع قواعد البيت الحرام،
____________
(1) كذا في المصدر و في جميع النسخ. و لعل الصواب: يكنّون.
(2) علل الشرائع/ 339، ضمن ح 1.
(3) المصدر: يبنيان.
(4) نفس المصدر/ 420- 422، مقاطع من ح 3.
153
بحجر من الصّفا و حجر من المروة. و حجر من طور سيناء و حجر من جبل السّلام. و هو ظهر الكوفة. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى جبرئيل- (عليه السلام): أن ابنه و أتمّه.
فاقتلع جبرئيل- (عليه السلام)- الأحجار الأربعة، بأمر اللّه- عزّ و جلّ- من موضعها (1)، بجناحه. فوضعها حيث أمره اللّه تعالى، في أركان البيت، على قواعده (2) الّتى قدّرها الجّبار- عزّ و جلّ جلاله. و نصب أعلامها.
ثمّ أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى جبرئيل: ابنه و أتمّه من حجارة من أبي قبيس.
و اجعل له بابين، بابا شرقا و بابا غربا.
[قال:] (3) فأتمّه جبرئيل- (عليه السلام). فلمّا فرغ، طافت الملائكة حوله. فلمّا نظر آدم و حوّاء إلى الملائكة يطوفون حول البيت، انطلقا. فطافا سبعة أشواط. ثمّ خرجا يطلبان ما يأكلان.
و في تفسير العيّاشي (4): عن أبي الورقاء (5). قال: قلت لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام): ما أوّل شيء نزل من السّماء (6)؟
قال: أوّل شيء نزل من السّماء إلى الأرض، فهو البيت الّذي بمكّة. أنزله اللّه ياقوتة حمراء. ففسق قوم نوح في الأرض. فرفعه اللّه (7) حيث يقول: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ.»
و في الكافي (8): بإسناده إلى أبي الحسن- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: السّكينة ريح تخرج من الجنّة. لها صورة كصورة وجه (9) الإنسان، و رائحة طيّبة. و هي الّتي نزلت على إبراهيم. فأقبلت تدور حول أركان البيت، و هو يضع الأساطين.
و بإسناده (10) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: أمر اللّه تعالى إبراهيم- (عليه السلام)- أن يحجّ، و يحجّ بإسماعيل (11) معه، و يسكنه الحرم.
____________
(1) المصدر: مواضعها. و هو الظاهر.
(2) المصدر: قواعدها.
(3) يوجد في المصدر.
(4) تفسير العياشي 1/ 60، ح 100.
(5) كذا في المصدر و في الأصل ور: أبي الورد.
(6) المصدر: أوّل شيء نزل من السماء ما هو؟
(7) ليس في المصدر.
(8) الكافي 3/ 471- 472، ضمن ح 5.
(9) ليس في المصدر.
(10) نفس المصدر 4/ 202- 203، ضمن ح 3.
(11) المصدر: إسماعيل. و هو الظاهر.
154
فحجّا على جمل أحمر و ما معهما، إلّا جبرئيل- (عليه السلام)- (إلى قوله) فلمّا كان من قابل أذن اللّه لإبراهيم- (عليه السلام)- في الحجّ و بناء الكعبة. و كانت العرب تحجّ إليه. و إنّما كان ردما، إلّا أنّ قواعده معروفه. فلمّا صدر النّاس، جمع إسماعيل الحجارة و طرحها في جوف الكعبة.
فلمّا أذن اللّه له في البناء، قدم إبراهيم- (عليه السلام). فقال: يا بنيّ! أمرنا اللّه ببناء الكعبة و كشفا عنها.
فإذا هو حجر واحد أحمر. فأوحى اللّه تعالى إليه: ضع بناءها عليه.
و أنزل اللّه أربعة أملاك، يجمعون إليه الحجارة. فكان إبراهيم و إسماعيل يضعان الحجارة و الملائكة تناولهما، حتّى تمّت اثني عشر ذراعا، و هيّئا له بابين بابا يدخل منه و بابا يخرج منه. و وضعا عليه عينا و سرحا (1) من حديد على أبوابه.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، خوف الإطالة.
و بإسناده (2) إلى عقبة بن بشير، عن أحدهما- (عليهما السلام). قال: إنّ اللّه تعالى أمر إبراهيم ببناء الكعبة، و أن يرفع قواعدها، و يري النّاس مناسكهم. فبنى إبراهيم و إسماعيل البيت، كلّ يوم ساقا (3)، حتّى انتهى إلى موضع الحجر الأسود.
قال أبو جعفر- (عليه السلام): فنادى أبو قبيس إبراهيم- (عليه السلام): «إنّ لك عندي وديعة.» فأعطاه الحجر. فوضعه موضعه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (4) إلى سعيد بن جناح، عن عدّة من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: كانت الكعبة على عهد إبراهيم- (عليه السلام)- تسعة أذرع. و كان لها بابان. فبناها عبد اللّه بن الزّبير. فرفعها ثمانية عشر ذراعا. فهدمها الحجّاج. و بناها (5) سبعة و عشرين ذراعا.
و روى عن ابن أبي نصر (6)، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
____________
(1) المصدر: عتبا و شرحا. و في هامش الأصل: عتبا و شريحا- خ ل.
(2) نفس المصدر 4/ 205، صدر ح 4.
(3) المصدر: ساقا.
(4) نفس المصدر 4/ 207، ح 7.
(5) المصدر: فبناها.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 8.
155
قال: كان طول الكعبة يومئذ تسعة أذرع. و لم يكن لها سقف. فسقّفها قريش، ثمانية عشر ذراعا. فلم تزل ثمّ كسرها الحجّاج على ابن الزّبير. فبناها سبعة و عشرين ذراعا (1).
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن سعيد بن عبد اللّه الأعرج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ قريشا في الجاهليّة هدموا البيت. فلمّا أرادوا بناءه، حيل بينهم و بينه، و القى في روعهم الرّعب، حتّى قال قائل منهم: ليأتي كلّ رجل منكم بأطيب ماله. و لا تأتوا بما اكتسبتموه من قطيعة رحم أو حرام.
ففعلوا. و خلّي (3) بينهم و بين بنائه. فبنوه حتّى انتهوا إلى موضع الحجر الأسود.
فتشاجروا فيه أيّهم يضع الحجر الأسود في موضعه، حتّى كاد أن يكون بينهم شرّ. فحكموا أوّل من يدخل باب المسجد. فدخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فلمّا أتاهم، أمر بثوب فبسط. ثمّ وضع الحجر في وسطه. ثمّ أخذت القبائل بجوانب الثّوب. فرفعوه. ثمّ تناوله- (صلّى اللّه عليه و آله). فوضعه في موضعه فخصّه اللّه به.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ساهم قريشا في بناء البيت. فصار لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من باب الكعبة إلى النّصف ما بين الرّكن اليمانيّ إلى الحجر الأسود.
و في رواية أخرى (5) كان لبني هاشم من الحجر الأسود، إلى الرّكن الشّاميّ.
و بإسناده إلى أبان بن تغلب (6). قال: لمّا هدم الحجّاج الكعبة، فرّق الناس ترابها. فلمّا صاروا إلى بنائها، فأرادوا أن يبنوها، خرجت عليهم حيّة، فمنعت النّاس البناء، حتّى هربوا. فأتوا الحجّاج. فأخبروه. فخاف أن يكون قد منع بناءها. فصعد المنبر.
ثم أنشد (7) النّاس. و قال: أنشد اللّه عبدا عنده ممّا ابتلينا به علم لمّا أخبرنا به.
قال: فقام إليه شيخ. فقال: إن يكن عند رجل (8)، فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة. فأخذ مقدارها ثمّ مضى.
____________
(1) المصدر: و جعلها سبعة و عشرين ذراعا.
(2) نفس المصدر 4/ 217، ح 3.
(3) المصدر: فخلّي.
(4) نفس المصدر 4/ 218، ح 5.
(5) نفس المصدر 4/ 219.
(6) نفس المصدر 4/ 222، ح 8.
(7) المصدر: نشد.
(8) المصدر: أحد علم.
156
فقال الحجّاج: من هو؟
قال: عليّ بن الحسين.
فقال: معدن ذلك.
فبعث إلى عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)- فأتاه. فأخبره ما كان من منع اللّه إيّاه البناء.
فقال له عليّ بن الحسين: يا حجّاج! عمدت إلى بناء إبراهيم و إسماعيل. فألقيته في الطّريق. و أنهيته (1). كأنّك ترى أنّه تراث لك اصعد المنبر و انشد النّاس أن لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئا إلّا ردّه.
قال: ففعل و انشد (2) النّاس، الّا يبقى منهم أحد عنده شيء، إلّا ردّه.
قال: فردّوه.
فلمّا رأى جمع التّراب، أتى على بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)- فوضع الأساس. و أمرهم أن يحضروا.
قال: فتغيّبت عنهم الحيّة. و حضروا، حتّى انتهوا إلى موضع القواعد.
قال لهم عليّ بن الحسين- (عليه السلام): تنحّوا.
فتنحّوا. فدنا منها. فغطّاها بثوبه. ثمّ بكا. ثمّ غطّاها بالتّراب، بيد نفسه. ثمّ دعا الفعلة.
فقال: ضعوا بناءكم.
فوضعوا البناء. فلمّا ارتفعت حيطانها، أمر بالتّراب. فقلب. فألقى في جوفه.
فلذلك صار البيت، مرتفعا يصعد إليه بالدّرج.
و بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (3). قال: إنّ قريشا لمّا هدموا الكعبة، وجدوا في قواعده حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته، حتّى دعوا رجلا، فقرأه. فإذا فيه: «أنا اللّه ذو بكّة. حرّمتها يوم خلقت السّماوات و الأرض. و وضعتها بين هذين الجبلين. و حففتها بسبعة أملاك حفّا.»
محمّد بن يحيى (4)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب،
____________
(1) المصدر: انتهبته. و هو الظاهر.
(2) المصدر: فأنشد.
(3) نفس المصدر 4/ 225، ح 1.
(4) نفس المصدر 4/ 210، ح 15.
157
عن معاوية بن عمّار. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الحجر: أمن البيت هو؟ أو فيه شيء من البيت؟
فقال: لا! و لا قلامة ظفر. و لكن إسماعيل دفن أمّه فيه، فكره أن يوطى (1).
فحجر عليه حجرا. و فيه قبور أنبياء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثنى أبي عن النّضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: لمّا بلغ إسماعيل، مبلغ الرّجال، أمر اللّه إبراهيم- (عليه السلام)- أن يبني البيت.
فقال: يا ربّ! في أي بقعة؟
قال: في البقعة الّتي أنزلت على آدم القبّة.
فأضاء لها الحرم. فلم تزل القبّة الّتي أنزلها اللّه على آدم، قائمة، حتّى كان أيّام الطّوفان، أيّام نوح- (عليه السلام). فلمّا غرقت الدّنيا، رفع اللّه تلك القبّة. و غرقت الدّنيا، إلّا موضع البيت. فسمّى (3) البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق.
فلمّا أمر اللّه- عزّ و جلّ- إبراهيم- (عليه السلام)- أن يبني البيت، لم يدر (4) في أيّ مكان يبنيه. فبعث اللّه جبرئيل- (عليه السلام)- فخطّ له موضع البيت. فأنزل [اللّه] (5) عليه القواعد من الجنّة. و كان الحجر الّذي أنزله اللّه على آدم، أشدّ بياضا من الثّلج. فلمّا مسّته (6) أيدي الكفّار، اسودّ.
فبنى إبراهيم البيت. و نقل إسماعيل الحجر، من ذي طوى. فرفعه في السماء (7)، تسعة أذرع. ثمّ دلّه على موضع الحجر. فاستخرجه إبراهيم- (عليه السلام). و وضعه في موضعه الّذي هو فيه الآن (8). فلمّا بنى، جعل له بابين: بابا إلى المشرق، و بابا إلى المغرب.
و الباب الّذي إلى المغرب يسمّى المستجار. ثمّ ألقى عليه الشّجر و الإذخر. و علّقت هاجر على بابه كساء كان معها. و كانوا يكنّون تحته.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
____________
(1) المصدر: توطأ.
(2) تفسير القمي 1/ 60- 62.
(3) المصدر: فسميّت.
(4) المصدر: و لم يدر.
(5) يوجد في المصدر.
(6) المصدر: لمسته.
(7) المصدر: إلى السماء.
(8) المصدر: الاوّل.
158
و في مجمع البيان (1): و روي عن الباقر- (عليه السلام)- أنّ إسماعيل أوّل من شقّ لسانه بالعربيّة. و كان أبوه يقول له، و هما يبنيان البيت: يا إسماعيل! هاى (2) ابن، أي:
أعطني حجرا.
يقول له إسماعيل بالعربيّة. يا أبة! هاك حجرا.
فإبراهيم يبني. و إسماعيل يناوله الحجارة.] (3)
رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ: مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم، إذا استسلم و انقاد.
و قرئ على لفظ الجمع، على أنّ المراد أنفسهما و هاجر، أو أنّ التّثنية من مراتب الجمع.
وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، أي: و اجعل بعض ذرّيّتنا.
و التّخصيص بالدّعاء. لأنّهم أحقّ بالشّفقة. و لأنّهم إذا صلحوا، صلح بهم الأتباع. و خصّا بعضهم، لما أعلما أنّ في ذرّيّتهما ظلمة، و علما أنّ الحكمة الإلهيّة لا تقتضي الاتّفاق على الإخلاص و الإقبال على اللّه تعالى. فإنّه ممّا يشوش المعاش. و لذلك قيل:
لو لا الحمقى، لخربت الدّنيا.
و قيل (4): المراد بالأمّة، أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و يحتمل أن يكون «من» للتّبيين.
و روي عن الصّادق- (عليه السلام) (5). أنّ المراد بالأمّة، بنو هاشم، خاصّة.
[و في الكافي (6)، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام): ثمّ ذكر من أذن له في الدّعاء إليه بعده و بعد رسوله في كتابه، فقال (7) وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ثمّ أخبر عن هذه الأمّة و ممّن هي. و إنّها من ذرّيّة إبراهيم، و من ذرّيّة إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير اللّه قطّ، الّذين وجبت لهم الدّعوة،
____________
(1) مجمع البيان 1/ 207.
(2) المصدر: هات.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أور.
(4) أنوار التنزيل 1/ 82.
(5) مجمع البيان 1/ 210.
(6) الكافي 5/ 13- 14، ح 1.
(7) آل عمران/ 104.
159
دعوة إبراهيم و إسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه، أنّه أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.] (1)
وَ أَرِنا:
رأى، بمعنى أبصر، أو عرف. و لذلك لم يتجاوز مفعولين.
مَناسِكَنا:
المواضع الّتي تتعلّق النّسك بها، لنفعله عندها و نقضي عباداتنا فيها، على حدّ ما يقتضيه توفيقنا عليها.
و قال عطاء و مجاهد: معنى مناسكنا: مذابحنا. و الأوّل أقوى.
و «النّسك»، في الأصل، غاية العبادة. و شاع في الحجّ لما فيه من الكلفة و البعد عن العادة. و قرأ ابن كثير و يعقوب، «أرنا» قياسا على فخذ في فخذ.
وَ تُبْ عَلَيْنا:
قالا تلك الكلمة على وجه التّسبيح و التّعبّد و الانقطاع إلى اللّه، ليقتدي بهما النّاس فيها (2).
و قيل (3): إنّهما سألا التّوبة على ظلمة ذرّيّتهما.
و قيل (4): معناه ارجع علينا بالرّحمة. فليس فيها دلالة على جواز الصّغيرة عليهم- كما لا يخفى.
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ: القابل للتّوبة عن عظائم الذّنوب، أو الكثير القبول للتّوبة، مرّة بعد أخرى.
الرَّحِيمُ (128): بعباده، المنعم عليهم بالنّعم العظام و تكفير الآثام.
و في هذه الآية دلالة على أنّه يحسن الدّعاء، بما يعلم الدّاعي، أنّه يكون لا محالة.
[و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
قال: قلت: أخبرني عن أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من هم؟
قال: أمّة محمّد، بنو هاشم خاصّة.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) أور: فيهما.
(3) مجمع البيان 1/ 210.
(4) نفس المصدر، ببعض الاختلاف.
(5) تفسير العياشي 1/ 60، ح 101.
160
قلت: فما الحجّة في أمّة محمّد أنهم أهل بيته الّذين ذكرت دون غيرهم؟
قال: قال اللّه وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فلمّا أجاب اللّه إبراهيم و إسماعيل، و جعل من ذرّيّتهما أمّة مسلمة، و بعث فيها رسولا منها، يعنى: من تلك الأمّة، يتلوا عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة، ردف إبراهيم دعوته الأولى، بدعوته الأخرى. فسأل لهم تطهيرا من الشّرك و من عبادة الأصنام، ليصحّ أمره فيهم و لا يتّبعوا غيرهم.
فقال: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ. فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي. وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فهذه دلالة على أنّه لا يكون الأئمّة و الأمّة المسلمة الّتي بعث فيها محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا من ذرّيّة إبراهيم، لقوله وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ.] (1)
رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ: في الأمّة المسلمة، رَسُولًا مِنْهُمْ و لم يبعث من ذرّيّتهما غير محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فهو المجاب به، دعوتهما، كما
قال- (صلّى اللّه عليه و آله) (2): أنا دعوة أبي إبراهيم- (عليه السلام)، و بشرى عيسى- (عليه السلام)- يعني: قوله (3) وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) و رؤيا أمّي و هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة. رأت في المنام أنّها وضعت نورا، ضاء به قصور الشّام من بصرى.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و أمّا قوله رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (الآية) فأنّه يعني ولد إسماعيل- (عليه السلام). و لذلك قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: أنا دعوة أبي إبراهيم.
و في الخصال (5)، عن أبي أمامة. قال: قلت: يا رسول اللّه! ما كان بدء أمرك؟
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) تفسير القمي 1/ 62+ مجمع البيان 1/ 210+ الكشاف 1/ 188+ بحار الأنوار 15/ 256، ح 8 و 271، ح 16.
(3) الصّف/ 6.
(4) تفسير القمي 1/ 62.
(5) الخصال/ 177، ح 236.
161
قال: دعوة إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمّي أنّه خرج منها شيء، أضاءت منه قصور الشّام] (1)
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ: يقرأ عليهم آياتك الّتي توحى بها إليه، وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ، أي: القران، وَ الْحِكْمَةَ: ما يكمل به نفوسهم، من المعارف و الأحكام.
وَ يُزَكِّيهِمْ عن الشّرك و المعاصي.
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الّذي لا يغلب على ما يريد.
الْحَكِيمُ (129): المحكم له.
وَ مَنْ يَرْغَبُ، أي: لا يرغب، عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ:
إنكار لأنّ يكون أحد يرغب عن ملّته الواضحة الغرّاء.
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ: إلّا من أذلّها و استخفّ بها.
قال المبرّد (2): و تغلب «سفه» بالكسر، متعدّ و بالضّمّ، لازم.
و قيل (3): أصله سفه نفسه (بالرّفع.) فنصب على التّمييز، نحو: غبن رأيه، أو سفه في نفسه. فنصب بنزع الخافض. و المستثنى في محلّ الرّفع، بدلا من الضّمير في «يرغب». لأنّه في معنى النّفي.
روى (4) ان عبد اللّه بن سلام، دعا ابني أخيه سلمة و مهاجر إلى الإسلام. فقال: لقد علمنا صفة محمّد في التوراة. فأسلم سلمة. و أبى مهاجر أن يسلم. فأنزل اللّه هذه الآية.
وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ: اخترناه بالرّسالة.
فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130):
قيل (5): و إنّما خصّ الآخرة بالذّكر و إن كان في الدّنيا كذلك، لأنّ المعنى من الّذين يستوجبون على اللّه سبحانه الكرامة و حسن الثّواب. فلمّا كان خلوص ذلك (6) في الآخرة دون الدّنيا، وصفه بما ينبئ عن ذلك.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) مجمع البيان 1/ 212.
3 و 4- نفس المصدر و نفس الموضع.
(5) مجمع البيان 1/ 212.
(6) «ذلك» ليس في أ و في المصدر: خلوص الصواب.
162
إِذْ قالَ:
ظرف لاصطفيناه، أي: اخترناه في ذلك الوقت، أو انتصب بإضمار «اذكر»، استشهادا على ما ذكر، من حاله. كأنّه قيل: اذكر ذلك الوقت، لتعلم أنّه المصطفى الصّالح الّذي لا يرغب عن ملّة مثله.
لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ: اخطر ببالك النّظر في الدّلالة المؤدّية إلى المعرفة.
قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131)، أي: فنظر و عرف.
و قيل: أسلم، أي: أذعن و أطع (1).
و قيل: يحتمل (2) أن يكون المراد: أثبت على الانقياد.
وَ وَصَّى بِها، أي: بالملّة، أو الكلمة. و هي أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
و قرئ: و أوصى.
إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ:
عطف على إبراهيم. داخل في حكمه.
و المعنى: و وصّى بها يعقوب بنيه- أيضا.
و قرئ بالنّصب، عطفا على بنيه.
و المعنى: و وصّى بها إبراهيم بنيه و نافلته يعقوب.
[و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: كان يعقوب و عيص توأمين. فولد عيص، ثمّ ولد يعقوب. فسمّي يعقوب، لأنّه خرج بعقب أخيه عيص.
و الحديث طويل. أخذت منه موضوع الحاجة.] (4)
يا بَنِيَ:
على إضمار القول، عند البصريّين، و عند الكوفيّين، يتعلّق بوصيّ. لأنّه في معنى القول.
و في قراءة أبيّ و ابن مسعود: أن يا بنيّ.
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ: أعطاكم الدّين الّذي هو صفوة الأديان. و هو دين
____________
1 و 2- ليس في أ.
(3) علل الشرائع 1/ 43، ح 1.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
163
الإسلام. و وفّقكم الأخذ به، فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132): لا يكن موتكم على حال إلّا على حال كونكم ثابتين على الإسلام.
فالنّهي راجع إلى كونهم على خلاف الإسلام، في حال الموت. و النّكتة في إدخال النّهي على الموت، إظهار أنّ الموت على غير الإسلام، كلا موت. و الموت الحقيقيّ هو موت السّعداء. و هو الموت على الإسلام.
[و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ أبي استودعني ما هناك. فلمّا حضرته الوفاة، قال لي: «ادع لي شهودا.» فدعوت له أربعة من قريش.
فيهم نافع مولى عبد اللّه بن عمر.
قال: اكتب! هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: يا بنيّ إنّ اللّه اصطفى لكم الدّين.
فلا تموتنّ إلّا و أنتم مسلمون. و أوصى محمّد بن عليّ، إلى جعفر بن محمّد أمره، أن يكفّنه في برده الّذي كان يصلّي فيه الجمعة. (الحديث).
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام). حديث طويل. ذكره في باب اتّصال الوصيّة من لدن آدم- (عليه السلام). يقول فيه- (عليه السلام): و قال اللّه- عزّ و جلّ (3): وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ و قوله (4): وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا لنجعلها في أهل بيته وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ لنجعلها في أهل بيته.
و في شرح الآيات الباهرة (5): روي صاحب شرح الأخبار، بإسناد يرفعه. قال:
قال أبو جعفر الباقر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ، يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ. فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ بولاية عليّ- (عليه السلام).
و يؤيّده ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب الكليني- (رحمه اللّه) (6)- عن أحمد بن
____________
(1) الكافي 1/ 307، ح 8.
(2) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 216، ح 2.
(3) البقرة/ 127.
(4) الانعام/ 84.
(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 23.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع.
164
محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام).
قال: ولاية عليّ مكتوبة في صحف الأنبياء. و لم يبعث اللّه نبيّا إلّا عرّفه نبوّة محمّد و وصيّه عليّ- (صلوات اللّه عليهما).] (1)
أَمْ كُنْتُمْ:
«أم» هي المنقطعة. و معنى الهمزة فيها الإنكار، أي: ما كنتم.
شُهَداءَ: جمع شهيد. بمعنى الحاضر.
قيل (2): إنّ اليهود قالوا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أ لست تعلم أنّ يعقوب أوصى بنيه باليهوديّة يوم مات؟ فنزلت ردّا عليهم، أي: ما كنتم حاضرين.
إِذْ حَضَرَ:
و قرئ حضر (بكسر الضّاد.) و هي لغة.
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ. فالخطاب لليهود.
و قيل (3): الخطاب للمؤمنين، يعني: ما شاهدتم ذلك.
و إنّ ما حصل لكم العلم به، من طريق الوحي.
إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي:
تقريرا لهم على التوحيد و الإسلام.
و «ما» عامّ في كلّ شيء. فإذا علم، فرّق «بما» و «من» و يمكن أن يقال: ما تَعْبُدُونَ سؤال عن صفة المعبود، كما تقول: ما زيد تريد؟ أ فقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصّفات؟
قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ:
و قرأ أبيّ بطرح آبائك. و قرئ أبيك، إمّا بالإفراد و كون إبراهيم وحده عطف بيان له، أو بالجمع بالياء و النّون.
إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ:
عطف بيان لآبائك.
و عدّ إسماعيل من ابائه. لأنّ العرب تسمّي العمّ، أبا، كما تسمّي الخالة، أمّا،
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) أنوار التنزيل 1/ 83، باختلاف في بعض الألفاظ.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
165
لانخراطهم (1) في سلك واحد. و هو الأخوّة، و وجوب تعظيمها. و في الحديث (2): عمّ الرّجل صنو أبيه، أي: لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النّخلة.
إِلهاً واحِداً:
بدل من «إله آبائك»، كقوله (3): بِالنَّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ، أو على الاختصاص، أي: نريد بإله آبائك إلها واحدا.
وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133):
حال من فاعل «نعبد»، أو من مفعوله، لرجوع الهاء إليه في له.
و يجوز أن يكون جملة معطوفة على «نعبد»، و أن يكون جملة اعتراضيّة مؤكّدة إن جاز وقوع الاعتراض في الآخر، كما هو مذهب البعض، أي: و من حالنا إنّا له مسلمون مخلصون بالتّوحيد، أو مذعنون.
و روى العيّاشيّ (4)، عن الباقر- (عليه السلام): أنّها جرت في القائم- (عليه السلام).
و قال بعضهم (5) في توجيه الحديث: لعلّ مراده- (عليه السلام)- إنها جارية في قائم آل محمّد: فكل قائم منهم يقول حين موته ذلك لبنيه و يجيبونه بما أجابوا به.
أقول: و يمكن أن يكون مراده- (عليه السلام)- بكون الآية جارية في القائم- (عليه السلام)- كون الوصيّة و التّقرير بالقائم- (عليه السلام)- داخلين في وصيّة يعقوب و تقريره لبنيه، أي: وصّى بنيه و قرّرهم بالإقرار بالقائم- (عليه السلام)- فيما أوصاه و قرّره.
و يؤيّد هذا التّوجيه ما كتبه
صاحب نهج الإمامة، قال: روى صاحب شرح الأخبار، بإسناده يرفعه. قال: قال أبو جعفر الباقر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- و وصّى بها إبراهيم بنيه و يعقوب يا بنيّ إنّ اللّه اصطفى لكم الدّين فلا تموتنّ إلّا و أنتم مسلمون بولاية عليّ- (عليه السلام). [على ما مرّ في شرح الآيات الباهرة.] (6)
تِلْكَ أي: الأمّة المذكورة الّتي هي إبراهيم و يعقوب و بنوهما و الموحّدون، أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ: قد مضت.
لَها ما كَسَبَتْ: لا ينفعهم إلّا ما كسبوا من أعمال الخير.
____________
(1) أ: لانحزاطهما. و هو الظاهر.
(2) الكشاف 1/ 193.
(3) العلق/ 16.
(4) تفسير العياشي 1/ 61، ح 102.
(5) هو الفيض الكاشاني في تفسير الصافي 1/ 192.
(6) ليس في أ.
166
وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ: لا ينفعكم إلّا ما كسبتم منها.
وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134): لا تؤاخذون بسيّئاتهم (1)، كما لا تثابون بحسناتهم.
و المقصود نفي الافتخار (2) بالأوائل و نحو
قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) (3): يا بني هاشم! لا يأتي النّاس بأعمالهم و تأتوني (4) بأنسابكم.
وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا، أي: قالت اليهود: كونوا هودا، تهتدوا.
و قالت النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا.
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ، اي: بل نكون (5) ملّة إبراهيم، أي: أهل ملّته.
و قيل (6): بل نتّبع ملّة إبراهيم. و قرئ بالرّفع، أي: ملّته ملّتنا، أو أمرنا ملّته، أو نحن ملّته، بمعنى أهل ملّته.
حَنِيفاً: حال من المضاف إليه، كقولك: رأيت وجه هند قائمة.
«و الحنيف»: المائل من كلّ دين باطل، إلى دين الحقّ. و «الحنف»: الميل في القدمين. و «تحنّف»، إذا مال.
روى العيّاشيّ (7)، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: الحنيفيّة، هي الإسلام.
و عن الباقر- (عليه السلام) (8)- قال: ما أبقت الحنيفيّة شيئا حتّى أنّ منها قصّ الشّارب و قلم الأظفار و الختان.
وَ ما كانَ إبراهيم، مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135): تعريض بأهل الكتاب و غيرهم. لأنّ كلّا منهم يدّعي اتّباع إبراهيم. و هو على الشّرك.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ: خطاب بالكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحقّ. و إلّا فأنتم على الباطل. و كذا قوله بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يجوز أن يكون على معنى «بل اتّبعوا أنتم ملّة إبراهيم و كونوا أهل ملّته». و الأظهر أنّ الخطاب للمؤمنين.
____________
(1) أ: بشأنهم.
(2) أ: الأنهار.
(3) الكشاف 1/ 194.
(4) أ: فأتونا. ر: تأتونا.
(5) أ: تكون.
(6) أنوار التنزيل 1/ 84.
(7) تفسير العياشي 1/ 61، ح 103.
(8) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 104.
167
و يؤيّده ما نرويه في تأويله. و هو
ما رواه محمّد بن يعقوب (1)، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان، عن سلام بن عمرة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ (2)- قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا قال:
إنّما عنى بذلك عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام). و جرت بعدهم في الأئمّة.
ثمّ رجع (3) القول من اللّه في النّاس. فقال: فَإِنْ آمَنُوا، يعني: النّاس بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، يعني: عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- و الأئمّة، فَقَدِ اهْتَدَوْا. وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، يعني: النّاس. (انتهى).
و معناه أنّ اللّه سبحانه أمر الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- أن يقولوا آمنا بالله (و ما بعدها) لأنّهم المؤمنون بما أمروا به حقّا و صدقا. ثمّ قال مخاطبا للأئمّة، يعني: النّاس:
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا بكم و بما آمنتم به. وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ و منازعة و محاربة لك، يا محمّد! فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا و هو القرآن.
وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ: جمع سبط. و هو الحافد. و هم حفدة يعقوب، ذراريّ أبنائه الاثني عشر.
روى العيّاشيّ (4)، عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل: هل كان ولد يعقوب أنبياء؟
قال: لا! و لكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء (5). لم (6) يكونوا يفارقوا (7) الدّنيا إلّا سعداء. تابوا و تذكّروا ما صنعوا.
و المراد بما أنزل على هؤلاء الصّحف.
وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى: التوراة و الإنجيل، وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ: جملة المذكورين و غيرهم، مِنْ رَبِّهِمْ: متعلّق بالإيتاء. و كلمة «من»، ابتدائيّة.
____________
(1) الكافي 1/ 415، ح 19.
(2) البقرة/ 136.
(3) المصدر: يرجع.
(4) تفسير العياشي 1/ 62، ح 106.
(5) أ: الأبناء.
(6) أ: كم.
(7) أ: يشارع.
168
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ: لا نؤمن ببعض و نكفر ببعض، كما فعلت اليهود و النّصارى، و لوقوع أحد في سياق النّفي و عمومه أضيف إليه «بين». و قيل (1): لأنّه في معنى الجماعة.
وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136): منقادون في جميع ما أمر به و نهى عنه.
و في الخصال (2)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: إذا قرأتم «قُولُوا آمَنَّا فقولوا: أمنا «إلى قوله» مسلمون.
و في الفقيه (3)، في وصاياه لابنه محمّد بن الحنفيّة: و فرض على اللّسان الإقرار و التعبير [عن القلب] (4) بما عقد عليه. فقال- عزّ و جلّ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا.
(الآية.) فَإِنْ آمَنُوا، أي: سائر النّاس، بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ من باب التّبكيت. لأنّ دين الحقّ واحد. لا مثل له. و لو فرض أنّهم حصلوا دينا آخر، مثل دينكم في الصّحّة و السّداد، فقد اهتدوا. و نظيره قولك للرّجل الّذي تشير عليه: هذا هو الرّأي الصّواب. فإن كان عندك رأي أصوب منه. فاعمل به. و قد علمت أنّه لا أصوب من رأيك. و المراد تبكيته.
و يجوز أن يكون الباء، للاستعانة، أي: فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم الّتي آمنتم بها، أو المثل مقحم كما في قوله (5): وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، أي: عليه.
و قرئ بحذفه. و قرأ أبيّ: بالّذي آمنتم به.
فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الحقّ.
وَ إِنْ تَوَلَّوْا عمّا أنتم عليه،
فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ: في كفر، على ما رواه الطّبرسيّ، عن الصّادق- (عليه السلام) (6).
و أصله المخالفة و المناوأة. فإنّ كلّ واحد من المتخالفين، في شقّ غير شقّ الآخر.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 217.
(2) الخصال 2/ 629، ح 400.
(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 382.
(4) يوجد في المصدر.
(5) الأحقاف/ 10.
(6) مجمع البيان 1/ 218.
169
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ: تسلية للمؤمنين. و وعد لهم بالحفظ و النّصر.
وَ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم، الْعَلِيمُ (137) بنيّاتكم.
صِبْغَةَ اللَّهِ:
مصدر منتصب عن قوله «آمنا به». و هي فعلة من صبغ، كالجلسة من جلس.
و هي الحالة الّتي يقع عليها الصّبغ.
و المعنى: تطهير اللّه. لأنّ الإيمان يطهّر النّفوس.
و الأصل فيه أنّ النّصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر. يسمّونه المعموديّة. (1) و يقولون هو تطهير لهم. فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك، قال الآن صار نصرانيّا حقّا. فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا. و صبغنا اللّه بالإيمان، صبغة لا مثل صبغتنا. و طهّرنا به لا مثل تطهيرنا، أو يقولوا أصبغنا اللّه بالإيمان صبغته و لم يصبغ صبغتكم.
فهو من باب المشاكلة. كما تقول لمن يغرس الأشجار: أغرس كما يغرس فلان. تريد رجلا يصطنع الكرام. (2) [وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً: لا أحسن من صبغته.
و في كتاب معاني الأخبار (3): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن فضالة، عن أبان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، فقال: هي الإسلام.
و في اصول الكافي (4)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، قال: صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق.
و بإسناده. إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (5)- في الحسن، في قول اللّه- عزّ و جلّ- صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، قال: الإسلام.
____________
(1) كذا في أ. و في الأصل ور: العمودية.
(2) يوجد في أ: بعد هذه العبارة: «و فسّرها الصادق- (عليه السلام)- بالإسلام.» و هي مشطوب في الأصل.
(3) معاني الأخبار/ 181، ح 1.
(4) الكافي 1/ 422، ح 53.
(5) نفس المصدر 2/ 14، ح 1.
170
حميد بن زياد (1)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قال: الصّبغة هي الإسلام.
و الحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.
و بإسناده (2) إلى حمران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قال: الصّبغة هي الإسلام.] (3)
و في شرح الآيات الباهرة: و روى الشيخ محمّد بن يعقوب (4)، عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قال صبغ المؤمنين (5) بالولاية في الميثاق.
و أقول: يظهر من تلك الأخبار (6)، أنّ الإسلام لا يتحقّق بدون الولاية. و قد ذكرنا لك مرارا، ما يدلّك على هذا.
وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138):
معطوف على آمَنَّا بِاللَّهِ و تعريض بهم، أي: لا نشرك به كشرككم.
و قيل (7): صِبْغَةَ اللَّهِ، بدل من مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، أو نصب على الإغراء. بمعنى:
عليكم صبغة اللّه. و يردّهما هذا العطف، للزوم فكّ (8) النّظم و إخراج الكلام عن التئامه.
قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ:
قرئ: أ تحاجّونا (بإدغام النّون)، يعني: تحاجّونا في شأن اللّه و اصطفائه النّبيّ من العرب دونكم؟ و تقولون لو أنزل اللّه على أحد، لأنزل علينا. لأنّا أهل الكتاب و العرب عبدة الأوثان. و نحن أسبق في النّبوّة. لأنّ الأنبياء كلّهم كانوا منّا.
وَ هُوَ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ لا اختصاص له بقوم دون قوم. يصيب برحمته من يشاء.
وَ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) الكافي 1/ 422، ح 53.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المؤمنون.
(6) أ: الخبرين.
(7) مجمع البيان 1/ 219، باختلاف في اللفظ.
(8) أ: قلت.
171
وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139): موحّدون. نخلصه بالإيمان و الطّاعة، دونكم.
و الحاصل، أنّ إعطاء الكرامة إمّا بالتّفضّل و كونه ربا، أو بالعمل، أو بالإخلاص. و الأوّلان مشتركان بيننا و بينكم. و الأخير مختصّ بنا. فدعواكم الأحقّيّة، ساقطة. لا وجه لها. بل نحن أحقّ.
أَمْ تَقُولُونَ: يحتمل على قراءة التّاء، أن تكون «أم»، معادلة للهمزة، في «أ تحاجّوننا» بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجّة في حكم اللّه؟ أم ادّعاء اليهوديّة و النّصرانيّة على الأنبياء؟ و المقصود إنكارهما و التّوبيخ عليهما معا. و أن تكون منقطعة بمعنى «بل أ تقولون».
و الهمزة على قراءة الياء، لا تكون إلّا منقطعة.
إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى و لم يكونوا مسلمين؟
قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ و أنّه شهد لهم بالإسلام، في قوله (1) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً.
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، أي: شهادة اللّه لإبراهيم بالحنيفيّة.
و «من» فيه، كما في قولك: «هذه شهادة منّي لفلان»، إذا شهدت له.
و المعنى أنّ أهل الكتاب، لا أحد أظلم منهم. لأنّهم كتموا هذه الشّهادة و هم عالمون بها. أو أنّا لو كتمنا هذه الشّهادة، لم يكن أحد أظلم منّا. فلا نكتمها. أو الأعمّ من المعنيين. و في الأخيرين تعريض بكتمانهم شهادة اللّه لمحمّد- (عليه السلام)- بالنّبوّة، في كتبهم.
و الآية تدلّ على كفر من كتم شهادة اللّه بالولاية، و على كفر أهل الخلاف.
تقريره أنّ نصّ النّبيّ على شيء، شهادة اللّه عليه. فكتمان نصّ النّبيّ، كتمان شهادة اللّه و كتمان شهادة اللّه، أشدّ الظّلم. فهو إمّا الكفر، أو أشدّ منه. و على كلا التّقديرين، يلزم المدّعي. و يدلّ عليه- أيضا
- ما رواه في الفقيه (2)، عن الحسن بن محبوب [عن أبى أيّوب،] (3) عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في أثناء خبر. قال:
____________
(1) آل عمران/ 67.
(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 76، ح 236.
(3) يوجد في المصدر.
172
فقلت له: أ رأيت من جحد الإمام منكم ما له (1)؟
فقال: من جحد اماما من اللّه (2) و برئ منه و من دينه، فهو كافر مرتدّ عن الإسلام.
لأنّ الإمام من اللّه و دينه دين اللّه. و من برئ من دين اللّه، فهو كافر. و دمه مباح في تلك الحال، إلّا أن يرجع و يتوب إلى اللّه- عزّ و جلّ- ممّا قال.
[و في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و إن سئلت عن الشّهادة فأدّها. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها. و قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ.] (4)
وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140): وعيد لهم. و قرئ بالتّاء.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141):
قيل (5): التّكرير للمبالغة في التّحذير، و الزّجر عمّا استحكم في الطّبائع، من الافتخار بالآباء و الاتّكال عليهم، أو الخطاب فيما سبق لهم. و في هذه الآية لنا، تحذيرا عن الاقتداء بهم، أو المراد بالأمّة في الأوّل، الأنبياء، و في الثّاني، أسلاف اليهود و النّصارى.
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الّذين خفّ أحلامهم و استمهنوها بالتّقليد و الإعراض عن النّظر- يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين و اليهود و المشركين.
و فائدة تقديم الإخبار، توطين النّفس و إعداد الجواب. و في المثل قبل الرّمي يراش السّهم.
ما وَلَّاهُمْ: ما صرفهم، عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها و هي بيت المقدس.
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ: بلاد المشرق و المغرب (6)، أو الأرض كلّها.
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142): و هي ما توجبه الحكمة و المصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس و أخرى إلى الكعبة.
____________
(1) المصدر: ما حاله له. أ: ما حاله.
(2) المصدر: برئ من اللّه.
(3) عيون أخبار الرضا 1/ 25،
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) أنوار التنزيل 1/ 86.
(6) أ: الشرق و الغرب.
173
و في تفسير الإمام- (عليه السلام) (1)- عند قوله- عزّ و جلّ- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها و في الاحتجاج (2) عنه- (عليه السلام)- أيضا. قال: لمّا كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمكّة، أمره اللّه- عزّ و جلّ- أن يتوجّه نحو بيت المقدس، في صلاته و يجعل الكعبة بينه و بينها، إذا أمكن، و إذا لم يمكن، استقبل بيت المقدس، كيف كان. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يفعل ذلك، طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة. فلمّا كان بالمدينة و كان متعبّدا (3) باستقبال بيت المقدس استقبله و انحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا (4).
و جعل قوم من مردة اليهود يقولون: و اللّه ما يدري (5) محمّد كيف صلّى (6) حتّى يتوجّه (7) إلى قبلتنا في صلاته بهدينا و نسكنا؟
فاشتدّ ذلك على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما اتّصل به عنهم. و كره قبلتهم. و أحبّ الكعبة. فجاءه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): يا جبرئيل! لوددت لو صرفني اللّه عن بيت المقدس، إلى الكعبة. و لقد (8) تأذّيت (9) بما يتّصل بي من قبل اليهود، من قبلتهم.
فقال جبرئيل- (عليه السلام): فسل (10) ربّك أن يحوّلك إليها. فإنّه لا يردّك عن طلبتك، و لا يخيّبك من بغيتك.
فلمّا استتمّ (11) دعاءه، صعد جبرئيل- (عليه السلام). ثمّ عاد من ساعته. فقال:
اقرأ، يا محمّد! قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. (الآيات).
فقالت اليهود عند ذلك: ما ولّاهم عن قبلتهم الّتي كانوا عليها؟
فأجابهم اللّه بأحسن جواب. فقال: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ و هو يملكهما.
و تكليفه التّحوّل (12) إلى جانب، كتحويله لكم إلى جانب آخر.
____________
(1) ر: تفسير العسكري/ 225- 227.
(2) الاحتجاج 1/ 43.
(3) «و كان متعبدا» ليس في أ.
(4) أ: و كان متعبدا سبعة عشر شهرا. المصدر: سبعة عشر شهرا أو سنة عشر شهرا.
(5) المصدر: درى.
(6) المصدر: يصلى. و هو الظاهر.
(7) أ: حتى صار يتوجه.
(8) المصدر: فقد. و هو الظاهر.
(9) أ: ناديت.
(10) المصدر فاسأل.
(11) أ: استقيم.
(12) المصدر: التحويل. و هو الظاهر.
174
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو مصلحهم (1) و مؤدّيهم بطاعته (2) إلى جنّات النعيم.
و جاء (3) قوم من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا محمّد! هذه القبلة بيت المقدس. قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة. ثمّ تركتها (4). أ فحقّا كان ما كنت عليه، فقد تركته إلى باطل؟ فإنّ ما يخالف الحق فهو (5) باطل. أو كان (6) باطلا (7)، فقد كنت عليه طول [هذه] (8) المدّة؟ فما (9) يؤمننا أن تكون الآن على باطل.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): بل ذلك كان حقّا. و هذا حقّ يقول اللّه تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ. يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و إذا عرف صلاحكم، يا أيّها العباد! في استقبال (10) المشرق أمركم به، و إذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، و إن (11) عرف صلاحكم في غيرهما، أمركم به. فلا تنكروا تدبير اللّه تعالى في عباده و قصده إلى مصالحكم.
ثمّ قال لهم (12) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لقد تركتم العمل يوم السّبت. ثمّ عملتم به في سائر الأيام (13). ثمّ تركتموه في السّبت. ثمّ عملتم بعده. أ فتركتم الحقّ إلى باطل؟
أو الباطل إلى حقّ؟ او الباطل إلى باطل؟ أو الحقّ إلى الحقّ؟ قولوا: كيف شئتم؟ فهو قول محمّد و جوابه لكم.
قالوا: بل ترك العمل في السّبت، حقّ. و العمل بعده، حقّ.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته، حقّ.
ثمّ قبلة الكعبة في وقتها، حقّ.
فقالوا: يا محمّد! فبدا (14) لربّك فيما كان أمرك به بزعمك من الصّلاة إلى بيت المقدس، حين نقلك إلى الكعبة؟
____________
(1) أ و ر: مصلحتهم.
(2) المصدر: و هو أعلم بمصلحتهم و تؤدّيهم طاعتهم.
(3) المصدر: قال أبو محمد: و جاء.
(4) المصدر: تركتها الآن.
5 و 6- ليس في المصدر.
(7) المصدر: باطلا كان ذلك.
(8) يوجد في المصدر.
(9) أ: فلا يؤمننا.
(10) المصدر: استقبالكم.
(11) ر: و إذا.
(12) ليس في المصدر.
(13) المصدر: ثم عملتم بعده سائر الأيّام.
(14) المصدر: أ فبدا. و هو الظاهر.
175
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ما بدا له عن ذلك. فإنّه العالم بالعواقب و القادر على المصالح. لا يستدرك على نفسه. غلطا. و لا يستحدث رأيا، بخلاف المتقدّم.
جلّ عن ذلك. و لا يقع عليه- أيضا- مانع يمنعه عن (1) مراده. و ليس يبدو إلّا لمن كان هذا صفته (2). و هو- عزّ و جلّ- يتعالى عن هذه الصّفات، علوّا كبيرا.
ثمّ قال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أيها اليهود! أخبروني عن اللّه، أليس يمرض ثمّ يصحّ و يصحّ ثمّ يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أليس يحيي و يميت؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟
قالوا: لا! قال: فكذلك اللّه تعبّد نبيّه محمّدا بالصّلاة إلى الكعبة، بعد أن كان تعبّد بالصّلاة إلى بيت المقدس. و ما بدا له في الأوّل.
[ثم] (3) قال: أليس اللّه يأتي بالشّتاء في أثر الصّيف و الصّيف بعد الشّتاء (4)؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟
قالوا: لا! قال: فكذلك لم يبد له في القبلة.
ثمّ قال: أليس قد ألزمكم في الشّتاء أن تحترزوا من البرد بالثّياب الغليظة، و ألزمكم في الصّيف [أن تحترزوا من الحرّ. فبدا له في الصّيف] (5) حتى (6) أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشّتاء؟
قالوا: لا! فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): فكذلكم اللّه في (7) تعبّدكم في وقت، لصلاح يعلمه بشيء. ثم تعبده (8) في وقت آخر، لصلاح آخر (9)، يعلمه بشيء اخر فإذا أطعتم اللّه في الحالين استحققتم ثوابه. و أنزل (10) اللّه وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
____________
(1) المصدر: من.
(2) أ: صفته. المصدر: وصفه.
(3) يوجد في المصدر.
(4) و الصيف في أثر الشتاء.
(5) ليس في أ.
(6) المصدر: حين. و هو الظاهر.
(7) ليس في ر و المصدر.
(8) المصدر: تعبّدكم. و هو الظاهر.
(9) ليس في المصدر.
(10) المصدر: فأنزل.
176
إذا (1) توجّهتم بأمره، فثمّ الوجه الّذي تقصدون منه اللّه و تأملون ثوابه.
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): يا عباد اللّه! أنتم المرضى (2) و اللّه ربّ العالمين كالطّبيب. و صلاح المريض (3) فيما يعلمه الطّبيب و يدبّره. لا فيما يشتهيه (4) و يقترحه.
ألا فسلّموا للّه أمره، تكونوا من الفائزين (انتهى)
و هذا الخبر، كما تراه، يدل على نفي البداء للّه تعالى.
و قد روى محمّد بن يعقوب (5)، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيّان بن الصّلت. قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: ما بعث اللّه نبيّا إلّا بتحريم الخمر و أن يقرّ للّه بالبداء.
فوقع (6) التّنافي بين الخبرين.
و قد روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال (7): «لو علم النّاس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا (8) عن الكلام فيه.»
فينبغي التّكلّم في الجمع بين الخبرين:
فأقول: البداء له معنيان:
الأوّل- أن يبدو له رأي غير الرّأي الأوّل لمفسدة في الرّأي الأوّل، أو لمحمدة في الرّأي الثّاني، لم يعلم به سابقا. و هو بهذا المعنى، منفيّ عنه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
و هو المراد في الخبر الأوّل.
و الثّاني- أن يكون في علمه السّابق أنّ الصّلاح في وقت معيّن، في الفعل الفلانيّ. و إذا جاز ذلك الوقت، فالمصلحة في الشيء الفلاني. و كان في علمه السّابق تغيير (9) ذلك الشيء، إذا جاء وقته. أو كان مقرّرا في علمه السّابق أنّ زيدا (10) إن لم يعمل بالخيرات، مات في وقت كذا، و إن عمل، مات في وقت بعده، مع علمه بوقوع أحدهما. لكن كان ذلك العلم مخزونا عنده، لا يبديه لأحد من ملائكته و أنبيائه و أئمّته. و البداء انّما يكون بهذا المعنى.
____________
(1) المصدر: يعنى إذا.
(2) المصدر: كالمرضى. و هو الظاهر.
(3) المصدر: فصلاح المرضى.
(4) المصدر: و يدّبره به. لا فيما يشتهيه المريض.
(5) الكافي 1/ 148، ح 15.
(6) أ: فرفع.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 12.
(8) أ: ما قروا ر: و ما مروا.
(9) بغير.
(10) أ: أنّ الصلاح في وقت معيّن في الفعل الفلاني أنّ زيدا.
177
فالبداء في الحقيقة في علم الملك أو النّبيّ أو الإمام، بمعنى الظّهور، لأحدهم، غير ما ظهر لهم أوّلا، لا في علمه تعالى بذلك المعنى. و هو المراد حيث أثبت له البداء- تعالى اللّه عمّا يقول الظّالمون.
يؤيّد هذا المعنى ما
رواه محمّد بن يعقوب (1)، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل بن يسار. قال:
سمعت أبو جعفر- (عليه السلام)- يقول: العلم علمان: فعلم عند اللّه مخزون. لم يطّلع عليه أحد من خلقه. و علم علّمه ملائكته و رسله. فما علّمه ملائكته و رسله، فإنّه سيكون لا يكذّب نفسه و لا ملائكته و لا رسله. و علم عنده مخزون، يقدّم منه ما يشاء و يثبت ما يشاء.
و أيضا، قد روى عن الصّادق- (عليه السلام) (2)- أنّه قال: إنّ للّه علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو. من ذلك يكون البداء و علم علّمه ملائكته و رسله و أنبياءه فنحن نعلمه.
وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً، أي: مثل ذلك الجعل العجيب، جعلناكم أمّة.
و روى الصّدوق، يعني: أئمّة (3).
وَسَطاً، أي: خيارا.
و قيل (4). للخيار وسط. لأنّ الاطراف يتسارع إليها الخلل.
و قال الصّدوق (5): أي: عدلا و واسطة بين الرّسول و النّاس.
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يعني: يوم القيامة.
وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً:
روى في التفاسير (6): أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء. فيطالب اللّه الأنبياء بالبيّنة على أنّهم قد بلغوا و هو أعلم. فيؤتى بأمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
فيشهدون. فتقول الأمم: من أين عرفتم؟
فيقول علمنا ذلك بإخبار اللّه، في كتابه النّاطق، على لسان نبيّه الصّادق.
____________
(1) الكافي 1/ 147، ح 6.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 8.
(3) بل القمي في تفسيره 1/ 63.
(4) الكشاف 1/ 198.
(5) بل القمي في تفسيره 1/ 63.
(6) ر. تفسير القمي 1/ 191+ الكشاف 1/ 199+ نور الثقلين 1/ 482.
178
فيؤتى بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فيسأل عن حال أمّته. فيزكيّهم. و يشهد بعدالتهم. و ذلك قوله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً.
[و في كتاب بصائر الدّرجات (1): عبد اللّه بن محمّد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ.
قال: في كتاب بندار بن عاصم، عن الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى- وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ قال: نحن الشّهداء على النّاس، بما عندهم من الحلال و الحرام، و بما صنعوا (2) منه.
و في أصول الكافي (3): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن (4) بن عليّ الوشا، عن أحمد بن عائذ، عن عمر بن أذينة، عن يزيد العجليّ. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ. فقال: نحن الأمّة الوسط. و نحن شهداء اللّه على خلقه و حجّته في أرضه.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن يزيد العجليّ. قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك و تعالى- وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
قال: نحن الأمّة الوسط.] (6) و نحن شهداء اللّه- تبارك و تعالى- على خلقه و حجته في أرضه و سمائه.
[و الحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.
و بإسناده الى أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام) (7):] (8)
____________
(1) بصائر الدرجات/ 82، ح 1.
(2) المصدر: ضيعوا.
(3) الكافي 1/ 190، ح 2.
(4) كذا في المصدر. و في الأصل ور: الحسين.
(5) نفس المصدر 1/ 191، ح 4.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) الكافي 1/ 251، ح 7.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ. و فيه بعد «(عليه السلام)» توجد عبارة. و الظاهر زائدة. و هي: و في حديث ليلة القدر عنه- (عليه السلام).
179
لقد قضى (1) أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف. و لذلك جعلهم شهداء على الناس.
ليشهد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- علينا. و لنشهد على شيعتنا. و ليشهد شيعتنا على الناس.
[و في مجمع البيان (2)، بعد ان نقل رواية يزيد بن معاويه، قال و في رواية أخرى قال: إلينا يرجع الغالي. و بنا يلحق المقصر.
و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني (3)، في كتاب شواهد التنزيل بقواعد التفضيل.
بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي، عن عليّ- (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى إيّانا عنى بقوله:
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [و يكون الرسول عليكم شهيدا] (4) فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شاهد علينا و نحن شهداء اللّه على خلقه. و حجّته في أرضه. و نحن الّذين قال اللّه تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي بصير. قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: نحن نمط الحجاز.
فقلت: و ما نمط الحجاز؟
قال: أوسط الأنماط. إنّ اللّه يقول: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً.» ثمّ قال: إلينا يرجع الغالي. و بنا يلحق المقصّر.
عن أبي عمرو الزّبيريّ (6) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: قال اللّه: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى. إنّ من لا يجوز شهادته في الدّنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة و يقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية؟ كلا لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه، يعني: الأمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. و هم الأمّة الوسطى. و هم خير أمّة أخرجت للنّاس] (7)
[و في كتاب المناقب، لابن شهر آشوب (8): أبو الورد، عن أبي جعفر
____________
(1) أ: قضى الأمر.
(2) مجمع البيان 1/ 224.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) يوجد في أ.
(5) تفسير العياشي 1/ 63، ح 111.
(6) نفس المصدر، ح 114.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) المناقب 4/ 179.
180
- (عليه السلام)-] (1) لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [قال: نحن.
و في رواية حمدان بن أعين (2)، عنه- (عليه السلام): إنّما أنزل اللّه: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، يعني: عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ] (3) و يكون الرسول شهيدا عليكم.» قال: و لا يكون شهداء على النّاس إلّا الأئمة- (عليهم السلام)- و الرسول. فاما الأمّة فانّه غير جائز أن يستشهدها اللّه و فيهم من لا تجوز شهادته في الدنيا على حزمة بقل.
[و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (4)، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ. قال: حدّثنا الحسن بن جعفر بن إسماعيل الأفطس. قال: حدّثنا أبو موسى المسرقانيّ (5) عمران بن عبد اللّه. قال: حدّثنا عبد اللّه بن عبيد (6) القادسيّ. قال حدّثنا: محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، قال: نحن الأمّة الوسط. و نحن شهداء اللّه على خلقه و حجّته في أرضه.] (7)
وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها: هي بيت المقدس، أي: غيّرناه إلى الكعبة.
و قيل (8): هي الكعبة. لأنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يصلّي بمكّة إلى الكعبة. ثمّ أمر بالصّلاة إلى صخرة بيت المقدس، بعد الهجرة، تآلفا لليهود. ثمّ حوّل الى الكعبة. و ينافيه ما رويناه سابقا، من أنّه- (عليه السلام)- كان يصلّي بمكّة إلى بيت المقدس.
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ: يرتدّ عن دينه، إلفا لقبلة آبائه.
و ذلك أنّ هوى أهل المدينة كان في بيت المقدس. فأمرهم بمخالفه (9) ليبيّن من يوافق محمّدا فيما يكرهه؟ و قال: «لنعلم.» و لم يزل عالما بذلك؟ إمّا لأنّ المراد ليعلم رسول اللّه
____________
(1) ليس في أ.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ليس في أ.
(4) تفسير الفرات/ 13.
(5) المصدر: المرقانىّ.
(6) المصدر: جيد.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) تفسير البحر المحيط 1/ 423.
(9) أ: بمخالفة. و لعل الصواب: بمخالفته.
181
و المؤمنون و الإسناد إلى ذاته لأنّهم خواصّه. أو لأنّ المراد ليتميّز التّابع من النّاكص، بوضع العلم موضع التّميّز. لأنّ العلم يقع به التّميّز. أو لأنّ المراد لنعلم علما يتعلّق به الجزاء. و هو (1) أن يعلمه موجودا حاصلا. و الأخير روى في التّفسير المنسوب إلى الإمام- (عليه السلام) (2)- و في الاحتجاج (3)- أيضا.
[و في تهذيب الأحكام (4): الطّاطريّ، عن محمّد بن أبي حمزة، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سألته عن قوله- عزّ و جلّ- وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، أمره به؟
قال: نعم! إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يتقلّب (5) وجهه في السّماء.
فعلم اللّه- عزّ و جلّ.- ما في نفسه. فقال: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها] (6)
وَ إِنْ كانَتْ:
«إن» هي المخفّفة الّتي تلزمها الّلام الفارقة. و الضّمير في «كانت» للصّلاة إلى بيت المقدس، أو لما دلّ عليه قوله «و ما جعلنا القبلة» من الرّدّة، أو التّحويلة، أو الجعلة.
لَكَبِيرَةً لثقلية شاقّة، إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ و عرف أن اللّه يتعبّد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلى طاعته في مخالفة هواه.
و في الكشّاف (7)، أنّه يحكى عن الحجّاج، أنّه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟
فقرأ قوله.
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ثمّ قال: و عليّ منهم و هو ابن عمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و ختنه على ابنته. و أقرب النّاس إليه، و أحبّهم.
[و في كتاب الاحتجاج (8)، للطّبرسيّ- ره- متّصلا باخر الكلام السّابق، أعني:
قوله- (عليه السلام)- «و قصده إلى مصالحكم» فقيل: يا بن رسول اللّه! فلم أمر بالقبلة
____________
(1) أ: الخبر او هو.
(2) تفسير العسكري/ 227.
(3) الاحتجاج 1/ 45.
(4) تهذيب الأحكام 2/ 43.
(5) ر: تقلّب. المصدر: ينقلب.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) الكشاف 1/ 201.
(8) الاحتجاج 1/ 46.
182
الأولى؟
فقال: لما قال- عزّ و جلّ: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها و هي بيت المقدّس، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، إلّا لنعلم ذلك منه وجودا، بعد أن علّمناه، سيوجد ذلك إنّ هوى أهل مكّة كان في الكعبة. فأراد اللّه أن يبيّن متّبع محمّد، فمن خالفه باتّباع القبلة الّتي كرهها. و محمّد يأمر بها. و لمّا كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس، أمره بمخالفتها و التّوجّه إلى الكعبة، ليبيّن من يوافق محمّد فيما يكرهه فهو يصدّقه و يوافقه. ثمّ قال: وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ إنّما كان التّوجّه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت، كبيرة إلّا على من يهدي اللّه. نعرف أنّ اللّه يتعبّد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلي طاعته في مخالفة هواه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.] (1) وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، أي: صلاتكم.
روى العيّاشيّ (2)، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن الإيمان، أقول هو و عمل؟ أم قول بلا عمل؟
فقال: الإيمان عمل كلّه، و القول بعض ذلك العمل المفترض من اللّه، مبيّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد لها الكتاب. و يدعو إليه. و لمّا أن صرف نبيّه إلى الكعبة، عن بيت المقدس، قال المسلمون للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): أ رأيت صلاتنا الّتي كنّا نصلّي إلى بيت المقدس، ما حالنا فيها و حال من مضى من أمواتنا؟ و هم يصلّون إلى بيت المقدس.
فأنزل اللّه: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. فسمّى الصّلاة إيمانا. فمن لقى اللّه حافظا لجوارحه، موقنا (3) كلّ جارحة من جوارحه ما فرض اللّه عليه لقى اللّه مستكملا لإيمانه. و هو (4) من أهل الجنّة. و من خان في شيء منها و تعدّى ما أمر اللّه فيها، لقى اللّه ناقص الإيمان.
و قرئ ليضيّع (بالتّشديد).
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ: لا يضيع أجورهم.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) تفسير العياشي 1/ 63.
(3) المصدر: موفيا. و هو الظاهر.
(4) ليس في المصدر.
183
رَحِيمٌ (143): لا يترك ما يصلحهم.
[و في تهذيب الأحكام (1): عنه عن وهب (2)، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قوله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ، مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فقلت له: اللّه أمره أن يصلّي إلى بيت المقدس؟
قال: نعم ألا ترى أن اللّه يقول: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ؟
قال: إنّ بني عبد الأشهل أتوهم و هم في الصّلاة و قد صلّوا ركعتين إلى بيت المقدس. فقيل لهم: «إنّ نبيّكم قد صرف إلى الكعبة.» فتحوّل النّساء مكان الرّجال و الرّجال مكان النّساء. و صلّوا الرّكعتين الباقيتين إلى الكعبة. فصلّوا صلاة واحدة إلى قبلتين. فلذلك سمّي مسجدهم مسجد القبلتين.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح عن القسم بن يزيد. قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). و ذكر حديثا طويلا يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم. و قسّمه عليها. و فرّقه فيها. و قال فيما فرض على الجوارح من الطّهور و الصّلاة بها. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا صرف نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الكعبة عن بيت المقدس، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. فسمّى الصّلاة، إيمانا] (4)
قَدْ نَرى: ربّما و أصل الرّؤية، إدراك الشيء بالبصر. و يستعمل بمعنى العلم.
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ: تردّده تطلّعا على الوحي، في موضعي مفعولي نرى، أو مفعولاه أو هو ممّا لمفعول واحد.
و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقع في روعه و يتوقّع من ربّه أن يحوّله
____________
(1) تهذيب الأحكام 2/ 43، ح 138.
(2) المصدر: وهيب.
(3) الكافي 2/ 34- 37، ح 1.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
184
إلى الكعبة، قبلة إبراهيم- (عليه السلام)- و أقدم القبلتين. و أدعى للعرب إلى الإيمان و لمخالفته اليهود. و ذلك يدلّ على كمال أدبه، حيث انتظر و لم يسأل.
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً: فلنمكّننّك من استقبالها، من قولك: ولّيته كذا، إذا صيّرته واليا له، أو فلنحوّلنّك تلى (1) جهتها.
تَرْضاها: تحبّها. و تتشوّق إليها، لمقاصد دينيّه، وافقت مشيئة اللّه تعالى و حكمه.
و الرّضا و المحبّة، نظيران. و يظهر الفرق بأنّ ضدّ المحبّة، البغض. و ضدّ الرّضا، السّخط.
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي: نحوه.
قال الشّاعر (2):
و قد أظلّكم من شطر ثغركم* * * هول له ظلم يغشاكم قطعا
أي: من نحو ثغركم و تلقاءه.
و قيل (3). جانبه. لأنّ الشّطر في الأصل، لما انفصل عن الشيء من شطر، إذا انفصل. و دار شطوره (4): أي: منفصلة عن الدّور. ثمّ استعمل جانبه و إن لم ينفصل كالقطر.
و قيل (5): شطر الشيء (6)، نصفه من شطرت الشيء، جعلته نصفين.
و الحرام: المحرّم، كالكتاب، بمعنى المكتوب و الحساب، بمعنى المحسوب، أي: محرّم فيه القتال، أو ممنوع من الظّلم أن يتعرّضوه.
و ذكر المسجد دون الكعبة، لأنّ البعيد يكفيه مراعاة الجهة، بخلاف القريب.
و النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان حينئذ في المدينة، بعد أن صلّى إلى بيت المقدس ستّة عشر شهرا. ثمّ وجّه إلى الكعبة، في رجب، بعد الزّوال، قبل قتال بدر، بشهرين، و قد صلّى بأصحابه في مسجد بني سلمة، ركعتين من الظّهر. فتحول في الصّلاة. و استقبل الميزاب. و تبادل الرّجال و النّساء صفوفهم. فسمى المسجد، مسجد القبلتين.
وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ في الأرض، في بر، أو بحر، أو سهل، أو جبل، في بيت المقدس،
____________
(1) أ: إلى. ر: يلي.
(2) مجمع البيان 1/ 226.
(3) أنوار التنزيل 1/ 88.
(4) المصدر: شطور.
(5) مجمع البيان 1/ 226.
(6) المصدر: شطر كلّ شيء.
185
و في غيره.
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:
تخصيص الخطاب بالنّبيّ، أوّلا، و تعميمه، ثانيا، لتعظيمه- (عليه السلام)- و التّصريح بعموم الحكم.
و فيه تأكيد لأمر القبلة، و تخصيص للامة على المتابعة، و سلوك طريق الاستدراج، رفق بالمأمورين.
[و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: إذا استقبلت القبلة بوجهك، فلا تقلّب وجهك عن القبلة، فتفسد صلاتك. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الفريضة: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
و في من لا يحضره الفقيه (2): و صلّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى البيت المقدّس، بعد النّبوّة، ثلاث عشرة سنة بمكّة و تسعة عشر شهرا بالمدينة. ثمّ عيّرته اليهود.
فقالوا له: إنّك مانع لقبلتنا.
فاغتم لذلك غمّا شديدا. فلمّا كان في بعض اللّيل، يخرج- (عليه السلام)- يقلّب وجهه في آفاق السّماء. فلمّا أصبح صلّى الغداة. فلمّا صلّى من الظّهر، ركعتين، جاء جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. (الآية) ثمّ أخذ بيد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فحوّل وجهه إلى الكعبة. و حوّل من خلفه وجوههم، حتّى قام الرّجال مقام النّساء و النّساء مقام الرّجال. فكان آخر صلاته إلى بيت المقدس (3). و بلغ الخبر مسجدا بالمدينة، و قد صلّى أهله من العصر، ركعتين. فحوّلوا نحو القبلة. فكانت آخر صلاتهم إلى بيت المقدس و أوّلها إلى الكعبة (4). فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
فقال المسلمون: صلاتنا إلى بيت المقدس تضيع، يا رسول اللّه؟
فأنزل اللّه- عزّ و جلّ: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، يعني: صلاتكم إلى
____________
(1) الكافي 3/ 300، ح 6.
(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 178، ح 843.
(3) المصدر: فكان أول صلاته إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة.
(4) المصدر: فكانت أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة.
186
بيت المقدس- و قد أخرجت الخبر في ذلك على وجهه، في كتاب النّبوّة.
و روى زرارة (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: لا صلاة إلّا إلى القبلة.
قال: قلت: أين حدّ القبلة؟
قال: ما بين المشرق و المغرب، قبلة كلّه.
قال: قلت: فمن صلّى لغير القبلة، أو في يوم غيم في غير الوقت؟
قال: يعيد.
قال: في حديث آخر ذكره له (2): ثمّ استقبل بوجهك إلى القبلة. و لا تقلّب وجهك عن القبلة. و ذكر كما نقلنا عن الكافي] (3)
وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: علماء اليهود. و قيل: هم و النصارى. (4) لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ، أي: التّحويل، أو التّوجيه، الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. لأنّه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبيّ في صفاته كذا و كذا و كان في صفاته، أنّه يصلي إلى القبلتين.
وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144): وعد للمطيعين و وعيد لغيرهم.
و قرئ بالتاء.
قال ابن عبّاس (5): أوّل ما نسخ من القرآن، فيما ذكر لنا، من شأن القبلة.
و قال قتادة (6): نسخت هذه الآية ما قبلها.
و الأقوى أنّه ممّا نسخ السّنّة بالقرآن. كما قاله جعفر بن مبشر (7). لأنّه ليس في القرآن ما يدلّ على التّعبّد بالتّوجّه إلى بيت المقدس.
و من قال (8): إنّها نسخت قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ففيه أنّ هذه الآية عندنا مخصوصة بالنّوافل في حال السّفر. روى ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام) (9).
و ليست منسوخة.
____________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) ر. مجمع البيان 1/ 227.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع.
(8) نفس المصدر و نفس الموضع.
(9) ر: تفسير العياشي 1/ 56- 57، ح 80- 82.
187
و اختلف في صلاة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى بيت المقدس:
فقال قوم: كانت صلاته- (عليه السلام)- بمكّة إلى الكعبة. فلمّا هاجر إلى المدينة، أمر بالصّلاة إليه. ثمّ حوّل إلى الكعبة- أيضا.
و قال آخرون: كانت صلاته بمكّة- أيضا- إلى بيت المقدس. إلّا أنّه يجعل الكعبة بينه و بينها. و لا يصلّي في مكان لا يمكن هذا فيه.
و قال آخرون: كان يصلّي بمكّة و بعد قدومه المدينة، إلى بيت المقدس. و لم يكن عليه أن يجعل الكعبة بينه و بينهما، ثمّ أمر بالتّوجّه إلى الكعبة (1) وَ لَئِنْ أَتَيْتَ: الّلام موطّئة للقسم، أي: و اللّه.
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من علماء اليهود و النّصارى. و قيل (2): جميع أهل الكتاب.
بِكُلِّ آيَةٍ برهان و حجّة على أنّ الكعبة قبلة، ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ: جواب القسم المضمر. سادّ مسدّ الشّرط. سواء قدّر القسم مقدّما على الشّرط، فتعيّن كون الجواب له. و لا يصحّ جعله جزاء للشّرط أو مؤخّرا عنه فيسوغ الأمران بقرينة ترك الفاء. و هو لازم في الماضي المنفيّ. و فيه من القطع بعدم المتابعة، ما ليس في جعله جزاء للشرط و إن أكّد بالقسم.
و المعنى: ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها (3) بحجّة. و إنّما خالفوك عنادا.
وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ: قطع لطمّعهم. فإنّهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا، لكنّا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريرا له و طمعا في رجوعه و قبلتهم و إن تعدّدت، لكنّها تتّحد بالاتصاف بالبطلان و مخالفة الحقّ، أو (4) الافراد للاشعار بأنّ الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- لو تبع، لا يمكن له المتابعة إلّا لواحد.
وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ:
فانّ اليهود يستقبل بيت المقدس و النّصارى مطلع الشّمس. لا يرجى توافقهم، لتصلّب كلّ حزب فيما هو. و فيه تسلية للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأنّ عنادهم لا يخصّه، و ردّ لاعتلالهم، لأنّه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب فيما ورثوه عن أنبياء اللّه، و أنّ
____________
(1) ر: الكشاف 1/ 220+ مجمع البيان 1/ 227- 228.
(2) مجمع البيان 1/ 228.
(3) أ: لشبهته تنزيلها.
(4) ر: و.
188
بيت المقدس لم يزل كان قبلة الأنبياء، فهو أولى بأن يكون قبلة، أي: فكما جاز أن يخالف بين جهتيهم للاستصلاح، [جاز أن يخالف بجهة ثالثة في زمان آخر للاستصلاح.] (1) وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ على سبيل الفرض و التّقدير.
إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145): أكّد تهديده و بالغ فيه من سبعة أوجه، تعظيما للحقّ المعلوم، و تحريضا على اقتفائه، و تحذيرا عن متابعة الهوى، و تأكيدا للاجتناب عنه.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، يعني: علماءهم.
يَعْرِفُونَهُ:
قيل (2): الضّمير لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو للعلم، أو القرآن، أو التّحويل.
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، أي: يعرفون بأوصافه، كمعرفة أبنائهم. لا يلتبسون عليهم بغيرهم.
و في أصول الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن محمّد بن داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل. فيه يقول- (عليه السلام): فأمّا أصحاب المشئمة، فهم اليهود و النّصارى.
يقول اللّه- عزّ و جلّ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ. يعرفون محمّدا و الولاية في التوراة و الإنجيل، كما يعرفونه أبناءهم في منازلهم. وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أنّك الرّسول إليهم. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: نزلت هذه الآية في اليهود و النّصارى يقول اللّه- تبارك و تعالى- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ، يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- [قد] (5) أنزل عليهم في التوراة
____________
(1) ليس في ر.
(2) ر. أنوار التنزيل 1/ 89.
(3) الكافي 2/ 283، ح 16.
(4) تفسير القمي 1/ 32- 33.
(5) يوجد في المصدر.
189
و الإنجيل و الزّبور، صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صفة أصحابه و مبعثه و مهاجرته (1).
و هو قوله تعالى (2): مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. تراهم ركعا سجّدا يبتغون فضلا من اللّه و رضوانا. سيماهم في وجوههم من أثر السّجود. ذلك مثلهم في التّوراة و مثلهم في الإنجيل» فهذه صفة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في التوراة و الإنجيل و صفة أصحابه، فلمّا بعثه اللّه- عزّ و جلّ- عرفه أهل الكتاب، كما قال- جلّ جلاله (3): فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ.
وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (146): تخصيص لمن عاند.
و استثناء لمن آمن.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ: كلام مستأنف.
و «الحقّ» إمّا مبتدأ، خبره «من ربّك»، و الّلام للعهد، و الإشارة إلى ما عليه الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله).
أو «الحقّ» الّذي يكتمونه، أو للجنس، و المعنى: أنّ الحقّ ما ثبت أنّه من اللّه تعالى، كالّذي أنت عليه، لا ما لم يثبت، كالّذي عليه أهل الكتاب.
و إمّا خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق و من ربّك، حال، أو خبر بعد خبر.
و قرئ بالنّصب، على أنّه بدل من الأوّل، أو مفعول يعلمون.
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)، أي: الشّاكّين في أنّه من ربّك، أو في كتمانهم الحقّ عالمين به.
و المراد إمّا تحقيق الأمر، و أنّه بحيث لا يشك فيه ناظر، أوامر الأمّة باكتساب المعارف المزيحة للشّكّ على الوجه الأبلغ. و إلّا فالشّكّ غير متوقّع من الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله). و لا يكون بقصد و اختيار في غيره.
وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ، أي: و لكلّ أمّة قبلة، أو لكلّ قوم جهة و جانب من الكعبة.
و التّنوين بدل الإضافة.
هُوَ مُوَلِّيها: أحد المعفولين محذوف، أي: هو مولّيها وجهه، أو اللّه تعالى مولّيها وجهه.
____________
(1) المصدر: هجرته.
(2) الفتح/ 29.
(3) البقرة/ 89.
190
و قرئ «لكلّ وجهة» (بالإضافة).
و المعنى: و كلّ وجهة اللّه تعالى مولّيها أهلها.
و الّلام مزيدة للتّأكيد، جبر الضّعف العامل.
و قرأ ابن عامر «مولّا»، هو مولّا تلك الجهة قد وليها.
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ من أمر القبلة و غيره، ممّا يوجب السّعادة. و أعظمها الولاية.
بل ينحصر فيها. كما يأتي في الخبر.
أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً، أي: يجمعكم للحساب، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يجعل صلاتكم كأنّها إلى جهة واحدة، أو الخطاب لأصحاب القائم- (عليه السلام)
- على ما رواه أبو جعفر محمّد بن بابويه- (رحمه اللّه)- في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى سهل بن زياد، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ.
قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى- (عليهم السلام). إنّي لأرجو أن تكون (2) القائم من أهل بيت محمّد الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما (3) فقال- (عليه السلام)- يا أبا القاسم ما منّا الا و هو قائم بأمر اللّه عزّ و جلّ و هاد إلى دين اللّه. و لكن القائم الذي يطهّر اللّه- عزّ و جلّ- به الأرض من اهل الكفر و الجحود و يملؤها عدلا و قسطا، هو الّذي تخفى على النّاس ولادته و يغيب عنهم شخصه و يحرم عليهم تسميته. و هو سمي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كنيّه. و هو الّذي تطوى له الأرض و يذلّ به كلّ صعب.
يجتمع إليه أصحابه (4) عدّة أهل بدر، ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض. ذلك (5) قول اللّه- عزّ و جلّ: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص، أظهر اللّه أمره.
فإن أكمل له العقد و هو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن اللّه- عزّ و جلّ. فلا يزال يقتل أعداء اللّه، حتّى يرضى اللّه تعالى.
قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيّدي! كيف يعلم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد رضى؟
قال: يلقي في قلبه الرّحمة. فإذا دخل المدينة، أخرج الّلات و العزّى. فأحرقهما.
____________
(1) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 377- 378، ح 2.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يكون.
(3) ر: ظلما و جورا.
(4) المصدر: و يجتمع إليه من أصحابه.
(5) المصدر: و ذلك.
191
و بإسناده (1) إلى أبي خالد الكابليّ، عن سيّد العابدين، عليّ بن الحسين- (عليهما السلام). قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، عدّة أهل بدر.
فيصبحون بمكّة. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. و هم أصحاب القائم- (عليه السلام).
و بإسناده (2) إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): لقد نزلت هذه الآية، في المفتقدين من أصحاب القائم- (عليه السلام)- قوله- عزّ و جلّ: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. إنّهم ليفتقدون من (3) فرشهم (4) ليلا.
فيصبحون بمكّة. و بعضهم يسير في السّحاب. يعرف اسمه (5) و اسم أبيه و حليته و نسبه.
قال: فقلت: جعلت فداك! أيّهم أعظم إيمانا؟
قال: الّذي يسير في السّحاب نهارا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس (7)، عن أبي خالد الكابليّ. قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام). و اللّه لكأنّي أنظر إلى القائم و قد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد (8) حقّه.
(إلى أن قال) هو و اللّه المضطرّ في كتاب اللّه، في قوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ. فيكون أوّل من يبايعه جبرئيل، ثمّ الثلاثمائة و الثلاثة عشر رجلا. فمن كان ابتلي بالمسير [وافى. و من لم يبتل بالمسير] (9) فقد عن فراشه. و هو قول أمير المؤمنين- (عليه السلام): «هم المفقودون عن فرشهم.» و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال: الخيرات: الولاية.
[و في روضة الكافي (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر عن أبي خالد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول
____________
(1) نفس المصدر 2/ 654، ح 21.
(2) نفس المصدر 2/ 672، ح 24.
(3) المصدر: عن. و هو الظاهر.
(4) أ: المفتقدون عن عرشهم.
(5) المصدر: باسمه. و هو الظاهر.
(6) تفسير القمي 2/ 205.
(7) ر: يونس بن مالك.
(8) المصدر: ينشد اللّه.
(9) ليس في ر.
(10) الكافي 8/ 313، ح 487.
192
اللّه- عزّ و جلّ- فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال: الخيرات:
الولاية. و قوله- تبارك و تعالى- أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً، يعني: أصحاب القائم، الثّلاثمائة و البضعة عشر رجلا.
قال: و هم، و اللّه! الأمة المعدودة.
قال: يجتمعون، و اللّه! في ساعة واحدة. قزع كقزع الخريف.
و في مجمع البيان (1): قال الرّضا- (عليه السلام): و ذلك، و اللّه! أن لو قام قائمنا، يجمع اللّه إليه جميع شيعتنا، من جميع البلدان.
و في شرح الآيات الباهرة:] (2) و ذكر الشّيخ المفيد، في كتاب الغيبة (3)، بإسناده، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام). أنّه قال: المعنى بهذا الخطاب، أصحاب القائم- (عليه السلام).
قال بعد ذكر علامات ظهوره: ثمّ يجمع اللّه له (4) أصحابه و هم ثلاثمائة و ثلاثة رجلا، عدّة أهل بدر. يجمعهم اللّه له على غير ميعاد. قزعا كقزع الخريف. و هي، يا جابر! الآية الّتي ذكرها اللّه في كتابه: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. [إن اللّه على كلّ شيء قدير] (5)».
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148): فيقدر على الإماتة و الإحياء و الجمع.
وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ للسّفر.
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا صلّيت.
وَ إِنَّهُ، اي: هذا الامر، لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149): و قرأ أبو عمرو بالياء.
وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:
____________
(1) مجمع البيان 1/ 231.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) بل غيبة النعماني/ 282 و كذلك عنه في البحار 52/ 239، ضمن ح 105+ تفسير البرهان 1/ 162، ح 4. و لم نجده في غيبة المفيد. و قد ورد في البحار 51/ 139، ح 13، هكذا: غيبة النعماني: روى الشيخ المفيد في كتاب الغيبة عن ...
(4) المصدر: فيجمع اللّه عليه.
(5) يوجد في المصدر.
193
تكرير هذا الحكم، لتعدّد علله. فإنّه ذكر للتّحويل، ثلاث علل: تعظيم الرّسول بابتغاء مرضاته، و جري العادة الإلهيّة على أن يولّي كلّ صاحب دعوة جهة يستقبلها، و دفع حجج المخالفين. و قرن بكلّ علّة معلولها. كما يقرن المدلول بكلّ واحد من دلائله، تقريرا و للتّأكيد. لأنّ القبلة لها شأن. و النسخ من مظانّ الفتنة.
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ: علّة لولّوا.
و المعنى: أنّ التّولية عن الصّخرة إلى الكعبة، تدفع احتجاج اليهود بأنّ المنعوت في التوراة، قبلة الكعبة و المشركين بأنّه يدّعي ملّة إبراهيم و يخالف قبلته.
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا: استثناء من «النّاس»، أي: لا يكون لأحد حجّة إلّا للمعاندين.
مِنْهُمْ: فإنّهم يقولون: ما تحوّل إلى الكعبة إلّا ميلا إلى دين قومه و حبّا لبلده.
و بدا له. فرجع إلى قبلة آبائه. و يوشك إلى دينهم أن يرجع. و سمّى هذه حجّة. لأنّهم يسوقونها مساقها. كقوله تعالى (1): حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ.
قيل (2): الحجّة بمعنى الاحتجاج.
و قيل (3): الاستثناء للمبالغة في نفي الحجّة، رأسا، كقوله:
و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفيهم* * * بهنّ فلول من قراع الكتائب
للعلم بأنّ الظالم لا حجّة له. و قرئ (4): «ألا الّذين ظلموا منهم»، على أنّه استيناف بحرف التّنبيه.
فَلا تَخْشَوْهُمْ فإنّ مطاعنهم لا تضرّكم.
وَ اخْشَوْنِي: و لا تخالفوني في ما أمرتكم به.
وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150):
إمّا علّة لمحذوف، أي: أمرتكم لإتمام نعمتي عليكم و إرادتي اهتداءكم، أو معطوف على علّة مقدّرة، أي: اخشوني لأحفظكم عنهم و لأتمّ نعمتي عليكم، أو على لئلّا يكون.
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ
____________
(1) الشورى/ 16.
(2) أنوار التنزيل 1/ 90.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع.
194
إمّا متّصل بما قبله، أي: و لأتمّ نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة، كما أتممّها بإرسال الرّسل، أو بما بعده، أي: كما ذكرتكم بالإرسال. فاذكروني.
يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ: يحملكم على ما به تصيرون أزكياء.
وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) بالفكر و النّظر. و لا طريق له سوى الوحي.
و تكرير الفعل للدّلالة على أنّه جنس آخر.
فَاذْكُرُونِي بالطّاعة.
أَذْكُرْكُمْ بالثّواب.
وَ اشْكُرُوا لِي ما أنعمت به عليكم.
وَ لا تَكْفُرُونِ (152) بجحد النّعم و عصيان الأمر.
و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى أبي الصّباح بن نعيم العابديّ (2)، عن محمّد بن مسلم. قال- في حديث طويل يقول في آخره: تسبيح فاطمة الزّهراء، من ذكر اللّه الكثير الّذي قال اللّه- عزّ و جلّ- فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القسم (4) بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال- في حديث طويل:
الوجه الثّالث من الكفر، كفر النّعم. قال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله (6) وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يقول: ذكر اللّه لأهل الصّلاة، أكبر من ذكرهم إيّاه. ألا ترى أنّه يقول فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ؟
و في روضة الكافي (7)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل.
____________
(1) معاني الأخبار/ 194، ذيل ح 5.
(2) المصدر: العائذيّ.
(3) الكافي 2/ 391، ح 1.
(4) أور: القاسم.
(5) تفسير القمي 2/ 150.
(6) العنكبوت/ 45.
(7) الكافي 8/ 7، ح 1.
195
يقول فيه- (عليه السلام): و اللّه ذاكر لمن ذكره من المؤمنين. و اعلموا أنّ اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين، إلّا ذكره بخير. فأعطوا اللّه من أنفسكم الاجتهاد في طاعته.
و في مجمع البيان (1): و روي عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام). قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ الملك ينزل الصّحيفة من أوّل النّهار و أوّل اللّيل. يكتب فيها عمل ابن آدم. فاملوا في أوّلها خيرا و في آخرها. فإنّ اللّه يغفر لكم ما بين ذلك- إن شاء اللّه. فإنّه يقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.
و في كتاب الخصال (2)، فيما أوصى به النّبيّ، عليا- (عليه السلام): ثلاث لا تطيقها هذه الأمّة: المواساة للأخ في ماله، و انصاف النّاس من نفسه، و ذكره اللّه على كلّ حال. و ليس هو «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر.» و لكن إذا ورد على ما يحرّم اللّه عليه، خاف اللّه عنده و تركه.
و عن أبي حمزة الثّماليّ (3). قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: بلاء و قضاء و نعمة. فعليه في البلاء من اللّه الصّبر، فريضة. و عليه في القضاء من اللّه التّسليم، فريضة. و عليه في النّعمة من اللّه الشّكر، فريضة.
و عن أبي حمزة الثّماليّ، (4) عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام): و من قال الحمد للّه، فقد أدّى شكر كلّ نعم اللّه تعالى.
و فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه (5): اذكروا اللّه في كلّ مكان. فإنّه معكم.
و عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث (6): و شكر كلّ نعمة، الورع عمّا حرّم اللّه تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عن المعاصي و حظوظ النّفس.
وَ الصَّلاةِ الّتي هي عماد الدّين.
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) بالنّصرة و إجابة الدّعوة.
و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: و من
____________
(1) مجمع البيان 1/ 234.
(2) الخصال 1/ 125.
(3) نفس المصدر 1/ 86، ح 17.
(4) الخصال 1/ 299، ح 72.
(5) نفس المصدر 2/ 613، ضمن ح أربعمائة.
(6) نفس المصدر 1/ 14، ح 50.
(7) شرح فارسى لمصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 502- 503.
196
استقبل البلايا (1) بالرّحب، و صبر على سكينة و وقار، فهو من الخاصّ. و نصيبه ما قال اللّه- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن الفضيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: قال: يا فضيل! بلّغ من لقيت من موالينا عنّا السّلام. و قل لهم: إنّي أقول إنّي لا أغني عنكم من اللّه شيئا إلّا بورع. فاحفظوا ألسنتكم. و كفّوا أيديكم. و عليكم بالصّبر و الصّلاة. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ، أي: هم أموات.
بَلْ أَحْياءٌ، أي: بل هم أحياء.
وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) ما حالهم.
و الآية نزلت في شهداء بدر، كانوا أربعة عشر.
و في مجمع البيان (3): بل أحياء. قيل فيه أقوال:
الرّابع- أنّ المراد، أحياء لما نالوا من جميل الذّكر و الثّناء، كما روي عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- من قوله: هلك خزّان الأموال. و العلماء باقون ما بقي الدّهر.
أعيانهم مفقودة. و آثارهم في القلوب موجودة.
و فيه (4): روى الشّيخ أبو جعفر في كتاب تهذيب الأحكام، مستندا إلى عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن محمّد، عن الحسين بن أحمد، عن يونس بن ظبيان. قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- جالسا. فقال: ما يقول النّاس في أرواح المؤمنين؟
قلت: يقولون تكون في حواصل طيور خضر، في قناديل تحت العرش.
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): سبحان اللّه! المؤمن أكرم على اللّه من (5) أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر. يا يونس! المؤمن إذا قبضه اللّه تعالى، صيّر روحه في قالب
____________
(1) المصدر: البلاء.
(2) تفسير العياشي 1/ 68، ح 123.
(3) مجمع البيان 1/ 236.
(4) نفس المصدر 1/ 236+ تهذيب الأحكام 1/ 466، ح 171.
(5) المصدر: من ذلك.
197
كقالبه في الدّنيا. فيأكلون و يشربون. فإذا قدم عليهم القادم، عرفوه بتلك الصّورة الّتي كانت في الدّنيا.
و عنه (1)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أرواح المؤمنين. فقال: في الجنّة على صور أبدانهم. لو رأيته لقلت فلان.
و في حديث (2): أنّه يفسح له مدّ بصره. و يقال له: نم، نومة العروس.
وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ، أي: و لنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم، هل تصبرون على البلاء و تستسلمون للقضاء؟
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ، أي: بقليل من ذلك بالقياس إلى ما وقاهم عنه، أو بالنّسبة إلى ما يصيب معانديهم في الآخرة و الإخبار به قبل الوقوع للتّوطين.
وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ:
عطف على «شيء» أو «الخوف»
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم. قال:
سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ لقيام (4) القائم- (عليه السلام)- علامات تكون من اللّه- عزّ و جلّ- للمؤمنين.
قلت: فما هي؟ جعلني اللّه فداك.
قال: ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ، يعني: المؤمنين قبل خروج القائم- (عليه السلام)- بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ. وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
قال: لَنَبْلُوَنَّكُمْ (5) بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ من ملوك بني فلان، في آخر سلطانهم.
«و الجوع» بغلاء أسعارهم. وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ قال: كساد (6) التّجارات و قلّة الفضل.
و نقص من الأنفس قال: موت ذريع. و نقص من الثمرات لقلّة (7) ريع ما يزرع.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع.
(2) مجمع البيان 1/ 236.
(3) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 649- 650، ح 03
(4) المصدر: قدّام.
(5) المصدر: يبلوهم.
(6) أ: فساد.
(7) المصدر: قال قلة. (ظ.)
198
وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ عند ذلك بتعجيل خروج القائم- (عليه السلام).
[ثمّ] (1) قال لي: يا محمّد! هذا تأويله. إنّ اللّه- عزّ و جلّ.- يقول (2): وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن الثّماليّ، قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- لَنَبْلُوَنَّكُمْ (4) بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ قال: ذلك جوع خاصّ و جوع عامّ. فأمّا بالشّام، فإنّه عامّ. و أمّا الخاصّ، بالكوفة. يخصّ. و لا يعمّ. و لكنّه يخصّ بالكوفة، أعداء آل محمد- عليه الصّلاة و السّلام- فيهلكهم اللّه بالجوع. و أمّا الخوف فإنّه عامّ بالشّام. و ذلك الخوف إذا قام القائم- (عليه السلام). و أمّا الجوع فقبل قيام القائم- (عليه السلام). و ذلك قوله: لَنَبْلُوَنَّكُمْ (5) بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ
و في كتاب علل الشرائع، بإسناده إلى سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ في كتاب عليّ- (عليه السلام)- إنّ أشدّ النّاس بلاء النّبيّون، ثمّ الوصيّون، ثمّ الأمثل فالأمثل. و إنّما ابتلي (6) المؤمن على قدر أعماله الحسنة. فمن صحّ دينه و صحّ عمله، اشتدّ بلاؤه. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يجعل الدّنيا ثواب المؤمن (7)، و لا عقوبة الكافر. و من سخف دينه و ضعف عمله، فقد قلّ بلاؤه. و البلاء أسرع إلى المؤمن المتّقي، من المطر إلى قرار الأرض.
و في نهج البلاغة (8). إنّ اللّه يبتلي عباده عند الأعمال السّيّئة، بنقص الثّمرات و حبس البركات و إغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب و يقلع مقلع و يتذكّر متذكّر و يزدجر مزدجر.
وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156):
الخطاب للرّسول، أو لمن يتأتّى منه البشارة.
و «المصيبة» تعمّ ما يصيب الإنسان من مكروه.
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) آل عمران/ 7.
(3) تفسير العياشي 1/ 68، ح 125.
4 و 5- كذا في المصدر. و في النسخ: ليبلونّكم اللّه.
(6) المصدر: يبتلى. (ظ)
(7) المصدر: توابا لمولمن.
(8) نهج البلاغة/ 199.
199
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ: «الصّلاة» في الأصل، الدّعاء، و من اللّه التّزكية و المغفرة. و جمعها للتّنبيه على كثرتها و تنّوعها.
و المراد بالرّحمة، اللّطف و الإحسان.
[وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) للحقّ و الصّواب، حيث استرجعوا و استسلموا لقضاء اللّه تعالى] (1)
و في كتاب الخصال (2)، عن عبد اللّه بن سنان. قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): قال اللّه تعالى: «إنّي أعطيت الدّنيا بين عبادي فيضا فمن أقرضني قرضا، أعطيته بكلّ واحدة منها عشرة إلى سبعمائة ضعف و ما شئت من ذلك. و من لم يقرضني منها قرضا، فأخذت (3) منه قسرا أعطيته.
ثلاث خصال لو أعطيت (4) واحدة منهنّ ملائكتي، لرضوا: الصّلاة، و الهداية، و الرّحمة.» إنّ اللّه تعالى يقول: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ. واحدة من الثلاث و رحمة اثنتين وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ثلاث.
ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): هذا لمن أخذ اللّه منه شيئا قسرا.
و عن أبي عبد اللّه (5)، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أربع خصال من كنّ فيه كان في نور اللّه الأعظم: من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أني رسول اللّه، و من إذا أصابته مصيبة قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
(الحديث)
و في أصول الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن أبي المفضّل الشيباني (7)، عن هارون بن فضل. قال: رأيت أبا الحسن عليّ بن محمّد، في اليوم الّذي توفّى فيه أبو جعفر- (عليه السلام). فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. مضى أبو جعفر- (عليه السلام).
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الخصال 1/ 130، ح 135.
(3) أ: قد أخذت.
(4) ر: لو أعطيت منها.
(5) نفس المصدر: 1/ 222، ح 49.
(6) الكافي 1/ 381، ح 5.
(7) أ: المنشائيّ. المصدر: الشهبانيّ.
200
فقيل له: و كيف عرفت؟
قال: لأنّه قد دخلني ذلّة (1) لم أكن اعرفها.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: ما من عبد يصاب بمصيبة، فيسترجع عند ذكر المصيبة و يصبر حين تفاجئه إلا غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه. و كلّما ذكر مصيبة فاسترجع عند ذكر المصيبة، غفر اللّه له كلّ ذنب فيما بينهما.
عليّ (3)، عن أبيه (4)، عن ابن أبي عمير، عن داود بن رزين، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: من ذكر مصيبة و لو بعد حين، فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و الحمد للّه ربّ العالمين. اللّهمّ أجرني على مصيبتي. و أخلف عليّ أفضل منها» كان له من الأجر، مثل ما كان عند أوّل صدمته.
عليّ بن محمّد عن صالح (5) بن أبي حمّاد، رفعه. قال: جاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى الأشعث بن قيس، يعزّيه بأخ له. فقال له (6): إن جزعت فحقّ الرّحم أتيت، و إن صبرت فحقّ اللّه أديت، على أنّك إن صبرت جرى عليك القضاء، و أنت محمود، و إن جزعت جرى عليك القضاء و أنت مذموم.
فقال له الأشعث: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام): أ تدري ما تأويلها؟
فقال الأشعث: لا. أنت غاية العلم و منتهاه.
فقال له: أمّا قولك إِنَّا لِلَّهِ فإقرار منك بالملك. و أمّا قولك وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فإقرار منك بالهلاك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): و سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام): ما بلغ من حزن يعقوب؟
____________
(1) المصدر: لأنّه تداخلني ذلة للّه.
(2) الكافي 3/ 224، ح 5.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 6.
(4) ليس في أور.
(5) نفس المصدر 3/ 261، ح 40.
(6) المصدر: يعزّيه بأخ له يقال له عبد الرحمن. فقال له أمير المؤمنين.
(7) تفسير القمي 1/ 350.
201
قال: حزن سبعين ثكلى على أولادها.
و قال: إنّ يعقوب لم يعرف الاسترجاع. فمنها قال وا أسفا على يوسف.
و في نهج البلاغة (1): و قال- (عليه السلام)- و قد سمع رجلا يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- فقال: انّ قولنا إِنَّا لِلَّهِ، إقرار على أنفسنا بالملك. و قولنا وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، إقرار على أنفسنا بالهلاك.
و في مجمع البيان (2): و في الحديث: من استرجع عند المصيبة، جبر اللّه مصيبته، و أحسن عقباه، و جعل له خلفا صالحا يرضاه.
و قال- (عليه السلام) (3): من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا و إن تقادم (4) عهدها، كتب اللّه له من الأجر مثل يوم أصيب.
[و في شرح الآيات الباهرة (5):] (6) و ذكر الشّيخ جمال الدّين- (قدس اللّه روحه)- في كتاب نهج الحقّ (7)، عن ابن مردويه، من طريق العامّة، بإسناده إلى ابن عبّاس. قال: إنّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- لمّا وصل إليه ذكر قتل عمّه حمزة قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. فنزلت هذه الآية: بَشِّرِ الصَّابِرِينَ. (الآية) و هو القائل عند تلاوتها: إِنَّا لِلَّهِ إقرار بالملك. وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار بالهلاك.
إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ: علما جبلين بمكّة.
و في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: سمّي الصّفا صفا، لان المصطفى آدم، هبط عليه. فقطع للجبل اسم
____________
(1) نهج البلاغة/ 485، ح 99.
(2) مجمع البيان 1/ 238.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) ر: تقدّم.
(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 28.
(6) ليس في أ.
(7) هو أبو منصور جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي- (قدس اللّه روحه)- الملقب بالعلامة، الذي جمع من العلوم ما تفرق في جميع الناس، و أحاط من الفنون بما لا يحاط بقياس، مروج المذهب و الشريعة في المائة السابعة و رئيس العلماء الشيعة من غير مدافعة. صنف في كلّ علم كتبا و منها «نهج الحق و كشف الصدق.» مرتبا على مسائل في التوحيد و العدل و النبوة و الامامة.
(8) علل الشرائع 1/ 431- 432، ح 1.
202
من اسم آدم- (عليه السلام). يقول اللّه- عزّ و جلّ (1): إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. و قد هبطت حوّاء على المروة. و إنّما سمّيت المروة مروة لأنّ المرأة هبطت عليها. فقطع للجبل اسم من اسم المرأة.
مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: أعلام مناسكه. جمع شعيرة. و هي العلامة.
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ:
«الحجّ» لغة، القصد و الاعتمار الزّيارة. فغلبا شرعا على قصد البيت و زيارته على الوجهين المخصوصين.
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما:
قيل (2): كان أساف على الصّفا و نائلة على المروة. و كان أهل الجاهليّة إذا سعوا، مسحوهما. فلمّا جاء الإسلام و كسرت الأصنام، تحرّج المسلمون أن يطوفوا (بهما) (3) لذلك.
فنزلت و الإجماع على أنّه مشروع في الحجّ و العمرة. و الخلاف في وجوبه.
و ذهب بعض العامة إلى عدم وجوبه.
و في من لا يحضره الفقيه (4)، روى عن زرارة و محمّد بن مسلم، أنّهما قالا: قلنا لأبي جعفر- (عليه السلام): ما تقول في الصّلاة في السّفر، كيف هي؟ و كم هي؟
فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول (5): وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ. فصار التّقصير في السّفر، واجبا، كوجوب التّمام في الحضر.
[قالا: قلنا: إنّما قال اللّه- عزّ و جلّ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ و لم يقل: «افعلوا» فكيف أوجب (6) ذلك كما أوجب التّمام في الحضر؟] (7) فقال- (عليه السلام): أو ليس قد قال اللّه- عزّ و جلّ- في الصّفا و المروة: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. ألّا ترون أنّ الطّواف بهما واجب مفروض؟ لأنّ اللّه- عزّ و جلّ.- ذكره في كتابه و صنعه نبيّه- (عليه السلام). و كذلك التّقصير في السّفر. شيء صنعه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذكره اللّه- تعالى ذكره-
____________
(1) آل عمران/ 33.
(2) أنوار التنزيل 1/ 92.
(3) المصدر: بينهما.
(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 278، ح 1266.
(5) النساء/ 101.
(6) ر: وجب.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
203
في كتابه.
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن معاوية بن حكيم، عن محمّد بن أبي عمير، عن الحسن بن عليّ الصّيرفيّ، عن بعض أصحابنا. قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن السّعي بين الصّفا و المروة، فريضة أم سنّة؟
فقال: فريضة.
قلت: أو ليس قال اللّه- عزّ و جلّ- فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما؟
قال: كان ذلك في عمرة القضاء. إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصّفا و المروة. فسئل عن رجل (2) ترك السّعي حتّى انقضت الأيّام و أعيدت الأصنام.
فجاءوا إليه. فقالوا: يا رسول اللّه! إنّ فلانا لم يسع بين الصّفا و المروة. و قد أعيدت الأصنام. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، أي: و عليهما الأصنام.
و في علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا خلّف (4) إسماعيل بمكّة، عطش الصّبيّ. و كان فيما بين الصّفا و المروة، شجرة. فخرجت أمّه حتّى قامت على الصّفا.
فقالت: هل بالوادي من أنيس؟
فلم يجبها أحد. فمضيت حتّى انتهت إلى المروة. فقالت: هل بالوادي من أنيس؟
فلم تجب (5). ثمّ رجعت إلى الصّفا. فقالت كذلك. حتّى صنعت ذلك سبعا.
فأجرى اللّه سنّته (6).
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (7) إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: صار السّعي بين الصّفا و المروة، لأنّ إبراهيم- (عليه السلام)- عرض له إبليس، فأمره جبرئيل
____________
(1) الكافي 4/ 435، ح 8.
(2) المصدر: ... من الصفا و المروة. فتشاغل رجل. (ظ)
(3) علل الشرائع 2/ 432، ح 1.
(4) أ: خلّفت.
(5) المصدر: فلم يجبها.
(6) المصدر: ذلك سنّته.
(7) نفس المصدر 2/ 432، ح 1.
204
- (عليه السلام). فشدّ عليه. فهرب منه. فجرت به السّنّة، يعني: الهرولة.
و بإسناده (1) إلى حمّاد، عن الحلبيّ. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام): لم جعل السّعي بين الصّفا و المروة؟
قال: لأنّ الشيطان تراءى لإبراهيم- (عليه السلام)- في الوادي. فسعى. و هو منازل الشيطان.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أقام بالمدينة، عشر سنين، لم يحجّ. ثمّ أنزل اللّه تعالى (3) عليه: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
فأمر المؤذّنين أن يؤذّنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحجّ في عامه هذا. فعلم به من حضر في المدينة و أهل العوالي و الأعراب. و اجتمعوا لحجّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و إنّما كانوا تابعين ينتظرون (4) ما يؤمرون. و يتبعونه. أو يصنع شيئا، فيصنعونه.
فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أربع بقين من ذي القعدة. فلمّا انتهى إلى ذي الحليفة، زالت الشّمس. فاغتسل. ثمّ خرج حتّى أتى المسجد الّذي عند الشجرة. فصلّى فيه الظّهر. و عزم بالحجّ مفردا. و خرج حتّى انتهى إلى البيداء، عند الميل الأوّل. فصفّ له سمطان (5). فلبّى بالحجّ مفردا. و ساق الهدي ستّا و ستّين، أو أربعا و ستّين، حتّى انتهى إلى مكّة، في سلخ أربع من ذي الحجّة. فطاف بالبيت سبعة أشواط.
ثمّ صلّى ركعتين، خلف مقام إبراهيم- (عليه السلام). ثمّ عاد إلى الحجر. فاستلمه. و قد كان استلمه في أوّل طوافه. ثمّ قال: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. فابدأ بما بدأ اللّه تعالى (6)
____________
(1) نفس المصدر 2/ 433، ح 2.
(2) الكافي 4/ 245، ح 4.
(3) الحج/ 27.
(4) المصدر: ينظرون.
(5) المصدر: سماطان.
(6) يوجد في أ بعد: ثم صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم- (عليه السلام)- ثم عاد.
205
و انّ المسلمين كانوا يظنّون [أنّ] (1) السّعي بين الصّفا و المروة، شيء صنعه المشركون.
فانزل اللّه تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال في حديث طويل: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أبدأ بما بدأ اللّه تعالى به. فأتى الصفا. فبدأ بها.
عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّ رسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ابدأ بما بدأ اللّه.
ثمّ صعد على الصّفا. فقام عليه مقدار ما يقرأ الإنسان (4) سورة البقرة.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
ابن محبوب (5)، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبيد بن زرارة. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل طاف بالبيت أسبوعا طواف الفريضة، ثمّ سعى بين الصّفا و المروة أربعة أشواط ثمّ غمزه بطنه، فخرج، و قضى حاجته، ثمّ غشى أهله.
قال: يغتسل، ثمّ يعود، فيطوف ثلاثة أشواط، و يستغفر ربّه، و لا شيء عليه.
قلت: فإن كان طاف بالبيت طواف الفريضة، فطاف أربعة أشواط، ثمّ غمزه بطنه، فخرج فقضى حاجته، فغشى أهله؟
فقال: أفسد حجّة. و عليه بدنة، و يغتسل، ثمّ يرجع، فيطوف أسبوعا، ثمّ يسعى و يستغفر ربّه.
قلت: كيف لم تجعل عليه حين غشى أهله قبل أن يفرغ من سعيه، كما جعلت عليه هديا حين غشى أهله قبل أن يفرغ من طوافه؟
قال: إنّ الطّواف فريضة. و فيه صلاة و السّعي سنّة من رسول اللّه- صلّى اللّه
____________
(1) المصدر: عن.
(2) نفس المصدر 4/ 248، ح 6.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 7.
(4) ليس في أ.
(5) نفس المصدر 4/ 379، ح 7.
206
عليه و آله.
قلت: أليس اللّه يقول: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ؟
قال: بلى. و لكن قد قال فيهما: وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ فلو كان السّعي فريضة، لم يقل وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً.
قوله- (عليه السلام): و السعي سنة، أي: ليس وجوبه كوجوب الطّواف، و إن كان هو واجبا من سنّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن ابن أبي عمير، عن معاويه بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين فرغ من طوافه و ركعتيه قال:
ابدأ بما بدأ اللّه- عزّ و جلّ- به من إتيان الصّفا. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، رفعه. قال: ليس للّه منسك أحبّ إليه من السّعي. و ذلك أنّه يذلّ فيه الجبّارين.
أحمد بن محمّد (3)، عن التّيمليّ، عن الحسين بن أحمد الحلبيّ، عن أبيه، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: قال: جعل السّعي بين الصّفا و المروة، مذلّة للجبّارين.
وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، أي: فعل طاعة فرضا كان أو نفلا.
و «خيرا» نصب على أنّه صفة مصدر محذوف، أو بحذف الجار و إيصال الفعل إليه، أو بتعدية الفعل لتضمّنه معنى أتى.
و قرأ يعقوب و الكسائيّ و حمزة «يطّوّع». و أصله يتطوّع. فأدغم مثل يطّوّف.
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ: مثيب على الطّاعة، عَلِيمٌ (158): لا تخفى عليه طاعة.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، كأحبار اليهود،
____________
(1) نفس المصدر 4/ 431، ح 1.
(2) نفس المصدر 4/ 434، ح 4.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 5.
207
ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ، كالآيات الشّاهدة على أمر محمّد- (عليه السلام).
وَ الْهُدى: و ما يهدي إلى وجوب اتّباعه و الإيمان به.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى في عليّ.
و عن حمران (2) بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، يعني بذلك نحن، و اللّه المستعان.
عن بعض أصحابنا (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: قلت له: أخبرني عن قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ.
قال: نحن يعني بها. و اللّه المستعان. إنّ الرّجل منّا إذا صارت إليه لم يكن له، أو لم يسعه، إلّا أن يبيّن للنّاس من يكون بعده.
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ: لخّصناه لهم.
فِي الْكِتابِ: في التوراة.
على ما سبق في الحديث، يشمل القرآن- أيضا.
أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)، أي: الّذين يتأتّى منهم اللّعن عليهم، من الملائكة و الثّقلين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال:
كلّ من قد لعنه اللّه من الجنّ و الإنس، نلعنهم.
و في كتاب الاحتجاج (5)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أبي محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- حديث طويل. فيه: قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام): من خير خلق اللّه بعد أئمة الهدى و مصابيح الدّجى؟
قال: العلماء، إذا صلحوا.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 71، ح 136.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 137.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 139.
(4) تفسير القمي 1/ 64.
(5) الاحتجاج 2/ 264.
208
قيل: فمن شرّ خلق اللّه بعد إبليس و فرعون و ثمود و بعد المتسمّين بأسمائكم و بعد المتلقّبين بألقابكم و الآخذين لأمكنتكم و المتآمرين (1) في ممالككم.
قال: العماء، إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل الكاتمون للحقائق. و فيهم قال اللّه- عزّ و جلّ: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. (الآية)
و في مجمع البيان (2): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار.
[و في تفسير العيّاشيّ (3): عن عبد اللّه بن بكير، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال: نحن هم. و قد قالوا (4) هو امّ الأرض] (5)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن الكتمان و سائر ما يجب أن يتاب عنه، وَ أَصْلَحُوا ما أفسدوا بالتّدارك، وَ بَيَّنُوا ما بيّنه اللّه في كتابهم، لتتمّ توبتهم.
و قيل (6): ما أحدثوه من التّوبة ليمحو به سمة الكفر، عن أنفسهم، و يقتدي بهم أضرابهم، فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ بالقبول و المغفرة.
وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160): المبالغ في قبول التّوبة و إفاضة الرّحمة.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ، أي: و من لم يتب من الكاتمين حتّى مات، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)، يعني: استقرّ عليهم لعنة اللّه و لعنة من يعتدّ بلعنه من خلقه.
و قيل (7): الأوّل لعنهم أحياء، و الثّاني لعنهم أمواتا.
____________
(1) أ: المتأخرين.
(2) مجمع البيان 1/ 241.
(3) تفسير العياشي 1/ 72، ح 141.
(4) قيل في هامش المصدر: و قال المجلسي- ره- (البحار 1/ 89): ضمير «هم» راجع إلى «اللاعنين».
قوله: «و قد قالوا»، إمّا كلامه- (عليه السلام). فضمير الجمع راجع إلى العامّة، أو كلام المؤلف، أو الرواة.
فيحتمل إرجاعه إلى أهل بيت- (عليهم السلام)- أيضا.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(6) أنوار التنزيل 1/ 92.
(7) أنوار التنزيل 1/ 92- 93.
209
و قرئ (1) برفع الملائكة و النّاس و أجمعون، عطفا على محلّ اسم «اللّه». لأنّه فاعل في المعنى، كقولك: اعجبني ضرب زيد و عمرو، أو فاعلا لفعل مقدّر، أي: و يلعنهم الملائكة.
خالِدِينَ فِيها: أي: في اللّعنة، أو النّار. و إضمارها قبل الذّكر، تفخيما لشأنها و تهويلا، أو اكتفاء بدلالة اللّعن عليها.
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (162): أي: لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة.
و في الآية، دلالة على كفر من كتم ما أنزل في عليّ- (عليه السلام)- بناء على ما سبق من الخبر.
وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:
خطاب عامّ، اي: المستحقّ للعبادة منكم، واحد لا شريك له. يصحّ أن يعبد و يسمّى إلها.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، تقرير للواحدانيّة. و إزاحة لأن يتوهّم أنّ في الوجود إلها و لكنّه لا يستحقّ العبادة منهم.
الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) كالحجّة عليها. فإنّه لمّا كان مولى النّعم كلّها، أصولها و فروعها و ما بسواه، إمّا نعمة، أو منعم عليه، لم يستحقّ العبادة أحد غيره. و هما خبران آخران لقوله «إلهكم» أو لمبتدأ محذوف.
قيل (2): لمّا سمعه المشركون، تعجّبوا. و قالوا: إن كنت صادقا، فأت بآية نعرف بها صدقك. فنزلت.
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ:
و إنّما جمع السّموات و أفرد الأرض، لأنّها طبقات متفاصلة بالذّات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف الأرضين.
وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ: تعاقبهما، كقوله (3): جعل اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع.
(2) أنوار التنزيل 1/ 93.
(3) الفرقان/ 62.
210
وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، أي: ينفعهم، أو بالّذي ينفعهم.
و القصد به إلى الاستدلال بالبحر و أحواله و تخصيص الفلك بالذّكر، لأنّه سبب الخوض فيه و الاطّلاع على عجائبه. و لذلك قدّمه على ذكر المطر و السّحاب. لأن منشأهما البحر، في غالب الأمر. و تأنيث الفلك، لأنّه بمعنى السّفينة.
و قرئ بضمّتين، على الأصل، أو الجمع. و ضمّة الجمع، غير ضمّة الواحد، عند المحققين.
وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ:
من الأولى، للابتداء. و الثّانية، للبيان.
و «السّماء» يحتمل الفلك و السّحاب و جهة العلو.
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بالنبات.
وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ عطف على «أنزل». كأنّه استدلّ بنزول المطر و تكوّن النّبات به و بثّ الحيوانات في الأرض، أو على أحياء. فإنّ الدّوابّ ينمون بالخصب و يعيشون بالماء.
و «البثّ»: النّشر و التّفريق.
وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ في مهابّها و أحوالها.
و قرأ حمزة و الكسائيّ على الإفراد.
وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ: لا ينزل و لا يتقشّع، مع أنّ الطّبع يقتضي أحدهما حتّى يأتي أمر اللّه.
و قيل (1): المسخّر (2) للرّياح تقلّبه في الجوّ، بمشيئة اللّه تعالى. و اشتقاقه من السّحب.
لأنّ بعضه يجرّ بعضا.
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)، يتفكّرون فيها. و ينظرون إليها، بعيون عقولهم.
و الكلام المجمل، في الاستدلال بهذه الأمور، إنّها ممكنة وجد كلّ منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة و أنحاء مختلفة، إذ كان من الجائز، مثلا: أن لا تتحرّك السّموات، أو بعضها كالأرض، و أن تتحرّك بعكس حركتها، و بحيث تصير المنطقة دائرة مارّة بالقطبين، و أن لا يكون لها أوج و حضيض أصلا، أو على هذا الوجه لبساطتها
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 93.
(2) المصدر: مسخّر.
211
و تساوى أجزائها، فلا بدّ لها من موجد قادر حكيم، يوجدها على ما تستدعيه حكمته و تقتضيه مشيئته، متعاليا عن معارضة غيره، إذ لو (1) كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه، فإن توافقت إرادتهما، فالفعل إن كان لهما، لزم اجتماع المؤثّرين على أثر واحد، و إن كان لأحدهما، لزم ترجيح الفاعل بلا مرجّح و عجز الآخر المنافي للإلهيّة، و إن اختلفت، لزم التّمانع و التّطارد، كما أشار إليه بقوله (2): لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
و في أصول الكافي (3): بعض أصحابنا، رفعه عمّن رفعه، عن هشام بن الحكم.
قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام): يا هشام! إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أكمل للنّاس الحجج بالعقول، و نصر النبيّين بالبيان، و دلّهم على ربوبيّته بالأدلة. فقال: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ، لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
و في كتاب الإهليلجة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: ثمّ نظرت العين إلى العظيم مثل السّحاب المسخّر بين السّماء و الأرض و الجبال. يتخلّل الشّجر فلا يحرّك منها شيئا و لا يقصّر منها غصنا و لا يتعلّق منها يعترض الرّكبان فيحول بين بعضهم و بين بعض من ظلمته و كثافته يحمل من ثقل الماء و كثرته ما لا يقدر على صفته مع ما فيه من الصّواعق الصّارعة و البروق اللّامعة و الرّعد و الثّلج و البرد (5) ما لا يبلغ الأوهام نعته و لا تهتدي القلوب إليه. فخرج مستقّلا في الهواء يجتمع بعد تفرّقه و ينفجر بعد تمسّكه- إلى ان قال (عليه السلام)- و لو أنّ ذلك السّحاب و الثّقل من الماء هو الّذي يرسل نفسه بعد احتماله، لما مضى به ألف فرسخ و أكثر و أقرب من ذلك و أبعد ليرسله قطرة بعد قطرة بلا هزّة و لا فساد و لا ضار به إلى بلدة و ترك أخرى.
و في عيون الأخبار (6)، عن الرّضا- (عليه السلام)- في حديث طويل. يقول فيه: إنّي لمّا نظرت إلى جسدي، فلم يمكنني فيه زيادة و لا نقصان في العرض أو الطّول و دفع
____________
(1) ليس في ر.
(2) الأنبياء/ 22.
(3) الكافي 1/ 13، ح 12.
(4) بحار الأنوار 3/ 164، مع اختلاف في النقل.
(5) المصدر: البرد و الجليد.
(6) عيون الاخبار 1/ 108، ح 28.
212
المكاره عنه و جرّ المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا. فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته و إنشاء السّحاب و تصريف الرّياح و مجرى الشّمس و القمر و النّجوم و غير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا و منشئا.
و في كتاب التوحيد (1): قال هشام فكان من سؤال الزّنديق أن قال: فما الدّليل عليه؟
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): وجود الأفاعيل التي (2) دلّت على أنّ صانعا صنعها.
ألا ترى انّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد (3) علمت أنّ له بانيا؟ و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده.
و في اصول الكافي، مثله، سواء (4).
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً من الرّؤساء الّذين كانوا يطيعونهم، أو الأعمّ منهم، و من كلّ ما يتّخذونهم أندادا.
يُحِبُّونَهُمْ: يعظّمونهم. و يطيعونهم.
كَحُبِّ اللَّهِ: كتعظيمه (5) و الميل إلى طاعته.
أي: يسوّون بينه و بينهم في المحبّة و الطّاعة، أو يحبّونهم كما ينبغي أن يحبّ اللّه، من المصدر المبنيّ للمفعول. و أصله من الحبّ. استعير لحبّة القلب. ثمّ اشتقّ منه الحبّ.
لأنّه أصابها و رسخ فيها.
و محبّة العبد للّه، إرادة طاعته و الاعتناء بتحصيل مرضاته. و محبّته للعبد، إرادة إكرامه و استعماله و صونه عن المعاصي.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ: لأنّه لا تنقطع محبّتهم للّه بخلاف محبّة الأنداد. فإنّها لأغراض فاسدة موهومة، تزول بأدنى سبب.
وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: و لو يعلم هؤلاء الّذين ظلموا باتّخاذهم الأنداد، إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ: إذا عاينوه يوم القيامة.
و أجرى المستقبل مجرى الماضي، لتحقّقه، كقوله (6): و نادى أصحاب الجنّة.
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً:
____________
(1) التوحيد/ 244.
(2) ليس في الكافي.
(3) المصدر: مشيّد مبنيّ.
(4) الكافي 1/ 81، ح 5.
(5) أ: لتعظيمه.
(6) الأعراف/ 44.
213
سادّ مسدّ مفعولي «يرى» و جواب «لو» محذوف، أي: لندموا أشدّ النّدم.
و قيل (1): هو متعلّق الجواب. و المفعولان محذوفان. و التقدير: «و لو يرى الّذين ظلموا أندادهم لا تنفع، لعلموا أنّ القوّة للّه كلّها. لا ينفع و لا يضرّ غيره.» و قرأ ابن عامر و نافع و يعقوب (2): «و لو ترى» على أنّه خطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أي: و لو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما.
و ابن عامر (3): «إذ يُرون» على البناء للمفعول.
و يعقوب (4): «إنّ» (بالكسر) و كذا.
وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165):
على الاستئناف، أو إضمار القول.
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا:
بدل من «إذ يرون»، أي: إذ تبرّأ المتّبعون، من الأتباع. و قرئ بالعكس، أي:
تبرّأ الاتباع من الرّؤساء.
وَ رَأَوُا الْعَذابَ، أي: رائين له.
و الواو للحال. و قد مضمرة. و قيل: عطف على تبرّأ.
وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166):
يحتمل العطف على «تبرّأ» و «رأوا» و «الحال» و «الأسباب» الوصل الّتي كانت بينهم من الاتّباع و الاتّفاق، على الدين و الأغراض الدّاعية إلى ذلك.
و أصل السّبب، الحبل الّذي يرتقى به الشّجر.
و قرئ «تقطّعت»، على البناء للمفعول.
وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا:
«لو» للتّمنّي. و لذلك أجيب بالفاء، أي: ليت لنا كرّة إلى الدّنيا، فنتبرّأ منهم.
كَذلِكَ: مثل ذلك الأداء الفظيع، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ندمات.
و هي ثالث مفاعيل يرى، إن كان من رؤية القلب. و إلّا فحال.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 94.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع.
214
وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167):
أصله «و ما يخرجون». فعدل به إلى هذه العبارة، للمبالغة في الخلود و الإقناط عن الخلاص و الرّجوع إلى الدّنيا.
و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه) (1)- بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من بطنان العرش: أين خليفة اللّه في أرضه؟ فيقوم داود (2)- (عليه السلام). فيأتي النّداء من عند اللّه- عزّ و جلّ: لسنا إيّاك أردنا. و إن كنت للّه خليفة.
ثمّ ينادى ثانية (3): أين خليفة اللّه في أرضه؟ فيقوم أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). فيأتي النّداء من قبل اللّه- عزّ و جلّ: يا معشر الخلائق! هذا عليّ بن أبي طالب خليفة اللّه في أرضه و حجّته على عباده. فمن تعلّق بحبله في دار الدّنيا، فليتعلّق بحبله في هذا اليوم يستضيء (4) بنوره و يتبعه (5) إلى الدّرجات العلى من الجنّات.
قال: فيقوم النّاس (6) الّذين قد تعلّقوا بحبله في الدّنيا. فيتّبعونه إلى الجنّة.
ثمّ يأتي النّداء من عند اللّه- جلّ جلاله: ألا من أئتمّ (7) بإمام في دار الدّنيا، فليتّبعه إلى حيث يذهب (8).
فحينئذ يتبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا. و رأوا العذاب. و تقطّعت بهم الأسباب. و قال الّذين اتّبعوا: لو أنّ لنا كرّة فنتبرأ منهم كما تبرّؤوا منّا. كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم. و ما هم بخارجين من النّار.
و في أصول الكافي (9): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن ثابت، عن جابر، قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ.
قال: [هم] (10) و اللّه أولياء فلان و فلان. اتخذوهم أئمّة من دون الإمام الّذي جعله
____________
(1) أمالي الشيخ الطوسي 1/ 61 و 97.
(2) المصدر: داود النبيّ- (عليه السلام).
(3) المصدر: مناد ثانية.
(4) أو المصدر: ليستضيء.
(5) المصدر: ليتبعه.
(6) المصدر: أناس.
(7) المصدر: ائتمّ.
(8) المصدر: يذهب به.
(9) الكافي 1/ 374، ح 11.
(10) يوجد في المصدر.
215
اللّه للنّاس إماما. و لذلك قال: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام): هم، و اللّه، يا جابر! أئمّة الضّلال و أشياعهم.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- في قوله وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، قال: هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
و عن منصور بن حازم (2). قال قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ؟
قال: أعداء عليّ- (عليه السلام). هم المخلّدون في النّار، أبد الآبدين و دهر الدّاهرين.
و في الكافي (3): أحمد بن أبي عبد اللّه عن عثمان بن عيسى، عمّن حدثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ قال: هو الرّجل يدع ماله لا ينفعه (4) في طاعة اللّه، بخلا. ثمّ يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة اللّه، أو معصية اللّه. فإن عمل به في طاعة اللّه، رآه في ميزان غيره. فرآه حسرة، و قد كان المال له. و إن عمل به في معصية اللّه، قوّاه بذلك المال، حتّى عمل به في معصية اللّه.
و في نهج البلاغة (5): و قال- (عليه السلام): إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة، حسرة رجل كسب مالا في غير طاعة اللّه. فورثه رجلا (6). فأنفقه في طاعة اللّه سبحانه. فدخل به الجنّة. و دخل به الأوّل النّار.
و في مجمع البيان (7): أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ فيه أقوال: (إلى قوله) و الثّالث
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 72، ح 143.
(2) نفس المصدر/ 73، ح 145.
(3) الكافي 4/ 42، ح 2.
(4) المصدر: ينفقه. (ظ)
(5) نهج البلاغة 552، حكمة 429.
(6) المصدر: رجل.
(7) مجمع البيان 1/ 251.
216
ما رواه أصحابنا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: هو الرّجل يكسب (1) المال.
و لا يعمل فيه (2) خيرا. فيرثه من يعمل فيه عملا صالحا. فيرى الأوّل ما كسبه، حسرة في ميزان غيره.
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا:
نزلت في قوم، حرّموا على أنفسهم رفيع الأطعمة و الملابس (3).
و «حلالا»، مفعول «كلوا»، أو صفته مصدر محذوف، أو حال من مِمَّا فِي الْأَرْضِ.
و «من» للتّبعيض، إذ لا يؤكل كلّ ما في الأرض.
طَيِّباً: يستطيبه الشّرع، أو الشّهوة المستقيمة، أي: لا تأكلوا على امتلاء المعدة و الشّهوة الكاذبة.
وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ: لا تقتدوا به في اتّباع الهوى، فتحرّموا الحلال و تحللوا الحرام.
[و في مجمع البيان (4):] (5) و روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام): أنّ من خطوات الشّيطان، الحلف بالطّلاق، و النّذور في المعاصي، و كلّ يمين بغير اللّه تعالى.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قال: يحلّ (7) يمين بغير (8) اللّه، فهي من خطوات الشّيطان.
و قرأ نافع و أبو عمرو و حمزة، بتسكين الطّاء. و هما لغتان في جمع خطوة. و هي ما بين قدمي الخاطي.
و قرئ بضمّتين و همزة، جعلت ضمّة الطّاء، كأنّها عليها. و بفتحتين على أنّه جمع خطوة. و هي المرة من الخطو.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168): ظاهر العداوة، عند ذوي البصيرة، و إن كان
____________
(1) المصدر: يكتسب.
(2) أ: به.
(3) مجمع البيان 1/ 252.
(4) مجمع البيان 1/ 252.
(5) ليس في أ.
(6) تفسير العيّاشيّ 1/ 74، ح 150.
(7) ليس في أ.
(8) أ: غير.
217
يظهر الموالاة لمن يغويه. و لذلك سمّاه وليّا في قوله (1): أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ.
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ:
بيان لعداوته و وجوب التّحرّز عن متابعته. و استعير الأمر لتزيينه و بعثه لهم على الشّرّ، تسفيها لرأيهم و تحقيرا لشأنهم.
و «السّوء» و «الفحشاء» ما أنكره العقل و استقبحه الشّرع. و العطف لاختلاف الوصفين. فإنّه سوء لاغتمام العاقل به و فحشاء باستقباحه إيّاه.
و قيل (2): «السوء» يعمّ القبائح، و «الفحشاء» ما تجاوز الحدّ في القبح من الكبائر.
و قيل (3): الأوّل ما لا حدّ فيه. و الثّاني ما شرّع فيه الحدّ.
وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169)، كاتّخاذ الأنداد و تحليل المحرّمات و تحريم المحلّلات.
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ:
الضّمير للنّاس. و عدل عن الخطاب معهم للنّداء على ضلالتهم. كأنّه التفت إلى العقلاء. و قال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ما ذا يجيبون.
قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا: وجدنا، عَلَيْهِ آباءَنا:
نزلت في المشركين. أمروا باتّباع القرآن و سائر ما أنزل اللّه من الحجج و الآيات فجنحوا إلى التّقليد.
و قيل (4): في طائفة من اليهود. دعاهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الإسلام. فقالوا ذلك. و قالوا: إنّ آباءنا كانوا خيرا منّا.
أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (170):
الواو للحال، أو العطف. و الهمزة للرّدّ و التّعجيب. و جواب «لو» محذوف، أي:
لو كان آباؤهم جهلة لاتّبعوهم.
وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً على حذف مضاف. تقديره: و مثل داعي الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق، أو مثل الّذين كفروا،
____________
(1) البقرة/ 257.
(2) أنوار التنزيل 1/ 95.
(3) مجمع البيان 1/ 353+ أنوار التنزيل 1/ 95.
(4) أنوار التنزيل 1/ 95.
218
كمثل بهائم الّذي ينعق.
و المعنى: أنّ مثل الّذين كفروا في دعائك إيّاهم، أي: مثل الدّاعي لهم إلى الإيمان، كمثل النّاعق في دعائه المنعوق به من البهائم الّتي لا تفهم. و إنّما تسمع الصّوت.
و كما أنّ الأنعام لا يحصل لها من دعاء الدّاعي إلّا السّماع دون تفهّم المعنى، فكذلك الكفّار لا يحصل لهم من دعائك إيّاهم إلى الإيمان إلّا السّماع دون تفهّم المعنى. لأنّهم يعرضون عن قبول قولك. و ينصرفون عن تأمّله. فيكونون بمنزلة من لم يعقله و لم يفهمه. و هذا كما تقول العرب فلان يخافك كخوف الأسد، و المعنى كخوفه من الأسد. و أضاف الخوف إلى الأسد، و هو في المعنى مضاف إلى الرّجل.
قال (1):
فلست مسلّما ما دمت حيّا* * * على زيد بتسليم الأمير
يراد بتسليمي على الأمير.
قيل (2): هو تمثيلهم في اتّباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصّوت و لا تفهم ما تحته، أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالنّاعق في نعقه و هو التّصويت على البهائم.
و الأوّل- هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)- على ما في مجمع البيان (3).
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ: رفع على الذّمّ.
فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)، أي: بالفعل للإخلال بالنّظر.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ لمّا وسع الأمر على النّاس كافّة و أباح لهم ما في الأرض، سوى ما حرّم عليهم أمير المؤمنين منهم أن يتحرّوا طيّبات ما رزقوا و يقوموا بحقوقها. فقال:
وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ على ما رزقكم و حلّل (4) لكم، إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)، إن صحّ أنّكم تخصّونه بالعبادة و تقرّون أنّه مولى النّعم. فإنّ عبادته لا تتمّ إلّا بالشّكر. فالمعلّق بفعل العبادة، هو الأمر بالشّكر، لإتمامه. و هو عدم عند عدمه.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 255.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) أ: أحلّ.
219
و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله) (1): يقول اللّه تعالى: أنّي و الإنس و الجنّ في نبأ عظيم، أخلق. و يعبد غيري و أرزق. و يشكر غيري.
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أكلها و الانتفاع بها. و هي الّتي ماتت من غير ذكاة.
و الحرمة المضافة إلى العين، تفيد عرفا حرمة التّصرّف فيها مطلقا، إلّا ما استثني، كما سيجيء.
وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ:
إنّما خصّ اللّحم بالذّكر، لأنّه معظم ما يؤكل من الحيوان و سائر أجزائه كالتّابع له.
وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، أي: رفع به الصّوت عند ذبحه للصّنم.
و الإهلال، أصله، رؤية الهلال. لكن لما جرت العادة أن يرفع الصّوت بالتّكبير، إذ رئي، سمّي ذلك إهلالا. ثمّ قيل لرفع الصّوت، و إن كان لغيره.
و في كتاب عيون أخبار الرّضا- (عليه السلام) (2)- في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله من العلل: و حرّم الميتة لما فيها من فساد الأبدان و الآفة. و لمّا أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن يجعل سبب التّحليل (3) و فرقا بين الحلال و الحرام.
و حرّم اللّه الدّم، كتحريم الميتة، لما فيه من فساد الأبدان. و لأنّه يورث الماء الأصفر و يبخر الفم و ينتن الرّيح و يسيء الخلق و يورث القسوة للقلب و قلّة الرّأفة و الرّحمة، حتّى لا يؤمن أن يقتل ولده و والده و صاحبه.
و حرّم الخنزير لأنّه مشوّه جعله اللّه تعالى عظة للخلق و غيره و تخويفا و دليلا على ما مسخ على (4) خلقته لأنّ غذاءه أقذر الأقذار، مع علل كثيرة. و كذلك حرّم القرد (5). لأنّه مسخ مثل الخنزير. و جعل عظة و عبرة للخلق، دليلا على ما مسخ على خلقته و صورته.
و جعل فيه شبها من الإنسان ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه.
و حرّم ما أهل به لغير اللّه للّذي أوجب اللّه- عزّ و جلّ- على خلقه من الإقرار به
____________
(1) الكشاف 1/ 214+ أنوار التنزيل 1/ 96.
(2) عيون أخبار الرضا 2/ 91- 92، ح 1.
(3) المصدر: سببا للتحليل. (ظ)
(4) ر: من.
(5) النسخ: القردة.
220
و ذكر اسمه على الذّبائح المحلّلة. و لئلا يسوّي (1) بين ما تقرب به إليه و بين ما جعل عبادة للشّياطين و الأوثان. لأنّ في تسمية اللّه- عزّ و جلّ- الإقرار بربوبيّته و توحيده. و ما في الإهلال لغير اللّه من الشّرك (2) و التّقرّب به إلى غيره، ليكون ذكر اللّه تعالى و تسميته على الذّبيحة فرقا بين ما أحلّ اللّه و بين ما حرّم اللّه.
و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده الى محمّد بن عذافر، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له لم حرّم اللّه- عزّ و جلّ- الخمر و الميتة و الدّم و لحم الخنزير؟
فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يحرّم ذلك على عباده و أحلّ لهم ما سوى ذلك من رغبة فيما أحلّ لهم و لا زهد فيما حرّم (4) عليهم. و لكنّه- عزّ و جلّ- خلق الخلق، فعلم ما تقوم (5) به أبدانهم و ما يصلحهم. فأحلّه لهم. و أباحه. و علم ما يضرّهم. فنهاهم عنه.
و حرّمه عليهم. ثمّ أحلّه للمضطرّ في الوقت الّذي لا يقوّم بدنه إلّا به. فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك. ثمّ قال: أمّا الميتة فإنّه لم ينل أحد منها إلّا أضعف (6) بدنه (7) و أوهنت قوّته و انقطع نسله. و لا يموت آكل الميتة إلّا فجأة.
و أمّا الدم، فإنه يورث اكله الماء الأصفر. و يورث الكلب و قساوة القلب و قلّة الرّأفة و الرّحمة، حتّى لا يؤمن على حميمه. و لا يؤمن على من صحبه.
و أمّا الخنزير، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- مسخ قوما في صور شتّى، مثل الخنزير و القرد و الدّبّ. ثمّ نهى عن أكل المثلة لكي ما ينتفع بها و لا يستحفّ بعقوبته.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الخصال (8): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: عشرة أشياء من الميتة: ذكيّة العظم و الشّعر و الصّوف و الرّيش و القرن و الحافر و البيض و الإنفحة و اللّبن و السّنّ.
و في الكافي (9): محمّد بن يحيى و غيره، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن
____________
(1) المصدر: يساري.
(2) المصدر: من الشرك به.
(3) علل الشرائع 2/ 484، ح 1.
(4) المصدر: حرّمه.
(5) المصدر: يقوّم. (ظ)
(6) المصدر: لضعف.
(7) المصدر: أو.
(8) الخصال 2/ 434، ح 19.
(9) الكافي 6/ 259، ح 7.
221
عاصم بن حميد، عن عليّ بن المغيرة (1) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): جعلت فداك، الميتة ينتفع بشيء منها؟
قال (2): لا.
قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مرّ بشاة ميتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشّاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها.
[قال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة، زوجة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
و كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها. فتركوها، ماتت. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها.] (3)، أي: تذكى (4).
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ:
قيل (5): «الباغي»: المستأثر على مضطرّ آخر. و «العادي»: المتجاوز سدّ الرّمق.
و في كتاب معاني الأخبار (6)، بإسناده إلى البزنطيّ عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ قال: الباغي الّذي يخرج على الإمام العادل. و العادي الّذي يقطع الطّريق لا تحلّ لهما الميتة.
و في الكافي (7): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ قال: الباغي، باغي الصّيد. و العادي، السّارق. ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها. هي حرام عليهما. ليس هي عليهما كما هي على المسلمين.
و في من لا يحضره الفقيه (8): روى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام). قال: قلت يا بن رسول اللّه! فما معنى قوله- عزّ و جلّ- فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ؟ قال:
العادي، السّارق. و الباغي، الّذي يبغي الصّيد بطرا و لهوا. لا ليعود به على عياله.
____________
(1) أ: أبي المغيرة.
(2) المصدر: فقال.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) النسخ: تزكّى.
(5) أنوار التنزيل 1/ 96.
(6) معاني الأخبار/ 213، ح 1.
(7) الكافي 3/ 438، ح 7، و له تتمة.
(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 217، ح 1007.
225
و قرأ نافع و ابن عامر: و لكن (بالتّخفيف.) و رفع البرّ.
وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ، على حبّ المال، أو على حبّ اللّه، أو على حبّ الإيتاء.
و الجارّ و المجرور، في موضع الحال.
ذَوِي الْقُرْبى:
قدّمه لأنّه أفضل. كما روى عنه- (عليه السلام) (1): صدقتك على المسكين، صدقة، و على ذي رحمك، اثنتان صدقة و صلة.
و في مجمع البيان (2): ذوي القربى، يحتمل أن يكون المراد (3) قرابة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [كما في قوله (4): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.] (5) و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).
وَ الْيَتامى: جمع يتيم. و هو من الأطفال من فقد أبوه.
وَ الْمَساكِينَ: جمع المسكين. و هو الّذي أسكنته الخلّة. و أصله دائم السّكون، كالمسكير: دائم السّكر.
وَ ابْنَ السَّبِيلِ: المسافر. سمّي به لملازمته السّبيل، كما سمّي القاطع، ابن الطّريق. و قيل (6): الضّيف.
وَ السَّائِلِينَ: الّذين ألجأتهم (7) الحاجة إلى السّؤال.
قال- (عليه السلام): للسّائل حقّ و إن جاء على فرسه.
و في من لا يحضره الفقيه (8)، في الحقوق المرويّة، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام): و حقّ السّائل إعطاؤه على قدر حاجته. و حقّ (9) المسئول إن أعطى فاقبل منه بالشّكر و المعرفة بفضله. و إن منع فاقبل عذره.
وَ فِي الرِّقابِ: في تخليصها، كمعاونة المكاتبين و فكّ الأسارى و ابتياع الرّقاب
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 97.
(2) مجمع البيان 1/ 263.
(3) المصدر: أراد.
(4) الشورى/ 23.
(5) ليس في أ.
(6) أنوار التنزيل 1/ 98.
(7) النسخ: ألجاهم.
(8) من لا يحضره الفقيه 2/ 380- 381.
(9) المصدر: و أمّا حقّ.
224
و الثّاني- ما أعملهم بأعمال أهل النّار. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
ذلِكَ، أي: العذاب، بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ، أي: بسبب أنّ اللّه نزّل الكتاب بالحقّ، فرفضوه بالكتمان و التّكذيب.
وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ:
الّلام فيه إمّا للجنس و اختلافهم إيمانهم ببعض و كفرهم ببعض آخر، أو للعهد.
و الإشارة، إمّا إلى التوراة، و «اختلفوا» بمعنى تخلّفوا. عن المنهج المستقيم، في تأويلها، أو خلّفوا خلاف ما أنزل اللّه مكانه، أي: حرّفوا فيها، أو «اختلفوا» بمعنى أنّ بعضهم آمنوا به و بعضهم حرّفوه عن مواضعه، و إمّا إلى القرآن. و اختلافهم قولهم سحر و تقوّل و كلام علّمه بشر و أساطير الأوّلين.
لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176): لفي خلاف بعيد عن الحق (1).
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ:
«البرّ»، كلّ فعل مرضيّ.
و الخطاب لأهل الكتاب. فإنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة، حين حوّلت.
و ادّعى كلّ طائفة أنّ البرّ هو التّوجّه إلى قبلته. فردّ اللّه عليهم. و قال ليس البرّ ما أنتم عليه.
فإنّه منسوخ. و لكن البرّ ما نبيّنه و اتّبعه المؤمنون.
و قيل (2): عامّ لهم و للمسلمين، أي: ليس البرّ مقصورا بأمر القبلة، أو ليس البرّ العظيم الّذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها. و قرأ حمزة و حفص: ليس البرّ (بالنّصب (3).) وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ، أي: و لكنّ البرّ الّذي ينبغي أن يهتمّ به، برّ من آمن، أو لكنّ ذا البرّ من آمن. و يؤيّده قراءة: و لكنّ البارّ.
و المراد بالكتاب، الجنس، أو القرآن.
____________
(1) «عن الحق»، ليس في أ.
(2) أنوار التنزيل 1/ 97.
(3) «البرّ» هو منصوب. فعلى أيّ شيء نصبه حمزة و حفص. و هل المقصود في النصب، الإقامة و الرفع؟
223
رَحِيمٌ (173)، بالرّخصة فيه.
فإن قلت: إنّما يفيد القصر على ما ذكر، و كم من محرّم لم يذكر.
قلت: المراد، قصر الحرمة على ما ذكر ممّا استحلّوه، لا مطلقا، أو قصر حرمته على حال الاختيار. كأنّه قيل: إنّما حرّم عليكم هذه الأشياء، ما لم تضطرّوا إليها.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا: عوضا حقيرا، أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ: إمّا في الحال، لأنّه أكلوا ما يتسبّب إلى النّار. أو في المآل، أي: يوم القيامة.
و معنى «في بطونهم» ملئ بطونهم. يقال: أكل في بطنه، و أكل في بعض بطنه.
وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ: عبارة عن غضبه عليهم.
وَ لا يُزَكِّيهِمْ: و لا يثني عليهم.
وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى في الدّنيا.
وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ في الآخرة، بكتمان الحقّ.
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175):
تعجّب من حالهم، في الالتباس بموجبات النّار، من غير مبالاة.
و «ما» تامّة مرفوعة بالابتداء. و تخصيصها كتخصيص شرّ أهرّ ذا ناب، أو استفهاميّة و ما بعدها الخبر، أو موصولة و ما بعدها صلة. و الخبر محذوف.
و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عبد اللّه بن مسكان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فقال: ما أصبرهم على فعل ما يعملون أنّه يصيّرهم إلى النّار.
و في مجمع البيان (2): قول اللّه- عزّ و جلّ- فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فيه أقوال:
أحدها- أنّ معناه ما أجرأهم على النّار، رواه عليّ بن إبراهيم بإسناده، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
____________
(1) الكافي 2/ 268، ح 2.
(2) مجمع البيان 1/ 259.
222
ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا. هي حرام عليهما في حال الاضطرار. كما هي حرام عليهما في حال الاختيار.
و بالاضطرار يحلّ عموم المحرّمات، يدلّ عليه ما رواه.
في الكافي (1): عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل و المرأة يذهب بصره، فيأتيه الأطبّاء، فيقولون: نداويك شهرا، أو أربعين ليلة مستقليا. كذلك يصلّي.
فرخّص في ذلك. و قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
و في من لا يحضره الفقيه (2): و في رواية محمّد بن عمرو بن سعيد، رفعه، عن امرأة أتت عمر. فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّى فجرت. فأقم عليّ (3) حدّ اللّه- عزّ و جلّ.
فأمر برجمها. و كان [عليّ] (4) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حاضرا. فقال: سلها كيف فجرت؟
فسألها. فقالت: كنت في فلاة من الأرض. فأصابني عطش شديد. فرفعت لي خيمة. فأتيتها. فأصبت فيها رجلا أعرابيّا فسألته ماء. فأبى عليّ أن يسقيني إلّا أكون (5) أن أمكّنه من نفسي. فولّيت منه (6) هاربة. فاشتدّ بي العطش، حتّى غارت عيناي و ذهب لساني. فلمّا بلغ منّي العطش، أتيته فسقاني و وقع عليّ.
فقال عليّ- (عليه السلام): هي الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ. هذه غير باغية و لا عادية. فخلّى سبيلها.
فقال عمر: لو لا عليّ لهلك عمر.
و يجب تناول المحرّم، عند الاضطرار.
قال الصّادق- (عليه السلام) (7): من اضطرّ إلى الميتة و الدّم و لحم الخنزير، فلم يأكل من ذلك حتّى يموت، فهو كافر.
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تناوله.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فعل،
____________
(1) الكافي 3/ 410، ح 4.
(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 25، ح 60.
(3) المصدر: فيّ.
(4) يوجد في المصدر.
(5) ليس في المصدر. و عدم وجودها أبلغ.
(6) المصدر: عنه. (ظ)
(7) نفس المصدر 3/ 218، ح 1008.
226
لعتقها.
وَ أَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَ آتَى الزَّكاةَ:
المراد منها الزكاة المفروضة. و الغرض من الأوّل، إمّا بيان مصارفها، أو نوافل الصّدقات.
وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا: عطف على مَنْ آمَنَ.
وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ: نصب على المدح. و لم يعطف لفضل الصّبر على سائر الأعمال.
و عن الأزهريّ (1): «البأساء» في الأموال، كالفقر. و «الضّرّاء» في الأنفس، كالمرض.
في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى الحارث بن الدّلهاث، مولى الرّضا- (عليه السلام)- قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، و سنّة من نبيّه، و سنّة من وليّه- إلى قوله- و أمّا السّنّة من وليّه، فالصّبر (3) على البأساء و الضّرّاء. فإنّ اللّه يقول: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ قال: في الجوع و الخوف و العطش و المرض.
وَ حِينَ الْبَأْسِ قال (5): عند القتل.
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدّين و اتّباع الحقّ و طلب البرّ.
وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) عن الكفر و سائر الرّذائل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- لأنّ هذه الشّروط، شروط الإيمان و صفات الكمال. و هي لا توجد إلّا فيه و في ذرّيّته الطّيّبين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 98.
(2) عيون أخبار الرضا 1/ 200، ح 9.
(3) المصدر: في.
(4) تفسير القمي 1/ 64.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) نفس المصدر 2/ 249.
227
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى.:
كان في الجاهليّة بين حيّين. من أحياء العرب دماء. و كان لأحدهما طول على الآخر. فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد و الذّكر بالأنثى. فلمّا جاء الإسلام، تحاكموا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فنزلت. و أمرهم ان يتباوؤا.
[و في تفسير العيّاشيّ (1): محمّد بن خالد البرقيّ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ: هي لجماعة المسلمين. ما هي للمؤمنين خاصّة (2)] (3).
و عن سماعة بن مهران (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فقال: لا يقتل حرّ بعبد. و لكن يضرب ضربا شديدا، و يغرّم دية العبد. و إن قتل رجل امرأة. فأراد (5) اولياء المقتول أن يقتلوا، أدّوا نصف ديته إلى أهل الرّجل.
و في تهذيب الأحكام (6): صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت: قول اللّه تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى.
قال: قال: لا يقتل حرّ بعبد. و لكن يضرب ضربا شديدا. و يغرّم ثمن العبد.
و في مجمع البيان (7): نفس الرّجل، لا تساوي نفس المرأة. بل هي على النّصف منها. فيجب إذا أخذت النّفس الكاملة بالنّاقصة، أن يردّ فضل ما بينهما.
و كذلك رواه الطّبريّ في تفسيره (8)، عن عليّ- (عليه السلام).
و فيه (9): قال الصّادق- (عليه السلام)- لا يقتل حرّ بعبد. و لكن يضرب ضربا
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 57، ح 159.
(2) المصدر: ا هي جماعة المسلمين؟ قال: هي للمؤمنين خاصّة.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 157.
(5) ر: فأرادوا.
(6) تهذيب الأحكام 10/ 191، ح 754.
(7) مجمع البيان 1/ 265.
(8) تفسير الطبري 2/ 62، باختلاف في اللفظ.
(9) مجمع البيان 1/ 265.
228
شديدا، و يغرّم دية العبد.
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، أي: شيء من العفو. لأنّ «عفا» (1) لازم. و فائدته الإشعار بأنّ بعض العفو كالعفو التّامّ، في إسقاط القصاص.
و قيل (2): «عفا» بمعنى ترك و شيء مفعول به. و هو ضعيف إذ لم يثبت. «عفا الشيء» بمعنى تركه. بل إعفاءه و عفا، يعدّى بعن الى الجاني و الى الذّنب. قال اللّه تعالى (3): عَفَا اللَّهُ عَنْكَ و قال عفا [اللّه] (4) عنها. و إذا عدّي به إلى الذّنب، عدّي إلى الجاني باللّام. و عليه ما في الآية. كأنّه قيل: فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه، يعني:
وليّ الدّم. و ذكره بلفظ الأخوّة الثّابتة بينهما، من الجنسيّة و الإسلام، ليرقّ له و يعطف عليه.
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، أي: فليكن اتّباع أو فالأمر اتّباع.
و المراد: وصيّة العافي بأن يطالب الدّية بالمعروف، فلا يعنف. و المعفوّ عنه، بأن يؤدّيها بإحسان. و هو أن لا يمطل و لا يبخس.
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم عن أبيه (6)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.
قال: ينبغي للّذي له الحقّ، أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه على دية.
و ينبغي للّذي عليه الحقّ، أن لا يمطل (7) أخاه إذا قدر على ما يعطيه. و يؤدّي إليه بإحسان.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في (8) قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.
قال: هو الرّجل يقبل الدّية. فينبغي للطّالب أن يرفق به و لا يعسره. و ينبغي للمطلوب أن يؤدّي إليه بإحسان (9) و لا يمطله، إذا قدر.
____________
(1) ر: العفو.
(2) أنوار التنزيل 1/ 99.
(3) التوبة/ 43.
(4) يوجد في المصدر.
(5) الكافي 7/ 358، ح 1.
(6) ليس في الأصل.
(7) ر: لا يمطل عليه.
(8) المصدر: عن.
(9) «إليه بإحسان»، ليس في أ.
229
أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن سماعة (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، ما ذلك الشيء؟
فقال: هو الرجل يقبل الدّية. فأمر اللّه- عزّ و جلّ- الرجل الّذي له الحقّ، أن يتّبعه بمعروف، و لا يعسره. و أمر الّذي عليه الحقّ، أي يؤدّي إليه بإحسان، إذا أيسر.
ذلِكَ، أي: الحكم المذكور في العفو و الدّية، تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ لما فيه من التّسهيل و النّفع.
و قيل (2): كتب على اليهود القصاص، وحده، و على النّصارى العفو، مطلقا.
و خيّرت هذه الأمّة بينهما، و بين الدّية، تيسيرا عليهم.
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178):
و في الحديث السّابق (3): قال سماعة: قلت: أ رأيت قوله- عزّ و جلّ- فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ.
قال: هو الرّجل، يقبل الدّية، أو يصالح، ثمّ يجيء بعد، فيمثّل، أو يقتل. فوعده اللّه عذابا أليما.
عليّ بن ابراهيم (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ.
فقال: هو الرّجل يقبل الدّية، أو يعفو، أو يصالح، ثمّ يعتدي، فيقتل. فله عذاب أليم، كما قال اللّه- عزّ و جلّ.
وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ:
كلام في غاية الفصاحة و البلاغة. من حيث جعل الشيء محلّ ضدّه. و عرّف القصاص و نكّر الحياة، ليدلّ على أنّ في هذا الجنس من الحكم، نوعا من الحياة عظيما.
وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ يحتمل أن يكونا خبرين «لحياة»، و أن يكون أحدهما خبرا
____________
(1) نفس المصدر 7/ 359، ح 3.
(2) أنوار التنزيل 1/ 99.
(3) الكافي 7/ 359، ح 3.
(4) نفس المصدر 7/ 358، ح 1.
230
و الآخر صلة له، أو حالا عن الضّمير المستكنّ فيه.
و قرئ «في القصص»، أي: فيما قصّ عليكم من حكم القتل حياة، أو في القرآن حياة القلوب.
يا أُولِي الْأَلْبابِ: ذوي العقول الكاملة.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) في المحافظة على القصاص و الحكم به و الإذعان له، أو عن القصاص، فتكفّوا عن القتل.
و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في تفسير قوله تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (الآية): و لكم، يا أمّة محمّد! في القصاص حياة. لأنّ من همّ بالقتل، يعرف (2) أنّه يقتصّ منه، فكفّ لذلك عن القتل، كان حياة للّذي (3) كان همّ بقتله، و حياة لهذا الجانيّ الّذي أراد أن يقتل، و حياة لغيرهما من النّاس، إذا علموا أنّ القصاص واجب لا يجسرون على القتل، مخافة القصاص، يا أُولِي الْأَلْبابِ، أولي العقول لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ، قال: يعني: لو لا القصاص، لقتل بعضكم بعضا.
و في نهج البلاغة (5): فرض اللّه الإيمان تطهيرا من الشّرك، و القصاص حقنا للدّماء.
و في أمالي شيخ الطّائفة (6)، بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). قال:
قلت: أربعا أنزل اللّه تعالى تصديقي (7) بها في كتابه- إلى قوله (عليه السلام)- قلت: القتل يقلّ القتل. فأنزل اللّه وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، أي: أسبابه و أمارته، إِنْ تَرَكَ خَيْراً، أي: مالا كثيرا،
لما روى عن عليّ- (عليه السلام) (8): أنّه دخل على مولى له في مرضه. و له سبعمائة درهم، أو ستّمائة.
____________
(1) الاحتجاج 2/ 50.
(2) المصدر: فعرف. (ظ)
(3) ليس في المصدر. (ظ)
(4) تفسير القمي 1/ 65.
(5) نهج البلاغة/ 512، قطعتان من كلمه 252.
(6) أمالي الشيخ 2/ 108.
(7) أ: تصديقا.
(8) ر. مجمع البيان 1/ 267.
231
فقال: ألا أوصي؟
فقال: إنّما قال اللّه سبحانه إِنْ تَرَكَ خَيْراً و ليس لك مال كثير.
الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ:
مرفوع «بكتب» و تذكير فعلها للفصل، أو على تأويل أن يوصي، أو الإيصاء.
و لذلك ذكر الرّاجع في قوله «فمن بدّله».
و العامل في «إذا» مدلول «كتب» لا «الوصيّة» لتقدّمه عليها.
و قيل (1): مبتدأ، خبره «للوالدين». و الجملة جواب الشّرط، بإضمار الفاء، كقوله:
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها.
و ردّ بأنّه لو صحّ، فمن ضرورات الشّعر. و كان هذا الحكم، أي: وجوب الوصيّة، في بدء الإسلام. فنسخ بآية المواريث.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قوله كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ قال: هي منسوخة. نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث. و يجوز الوصيّة للوارث (3).
قال الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهيل بن زيادة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر (5)، عن ابن بكير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن الوصيّة للوارث.
فقال: تجوز.
ثمّ تلا هذه الآية: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ.
و في من لا يحضره الفقيه (6): روى محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى (7)، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 100.
(2) تفسير العياشي 1/ 77، ح 167.
(3) المصدر: نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث. فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما إثمه على الّذين يبدّلونه، يعني: بذلك الوصية.
(4) الكافي 7/ 10، ح 5.
(5) أ: أبي نصير.
(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 175، ح 615.
(7) «عن محمد بن عيسى»، ليس في ر.
232
- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، قال: هو الشيء جعله اللّه- عزّ و جلّ- لصاحب هذا الأمر.
قال: قلت: فهل لذلك حدّ؟
قال: نعم.
قلت: و ما هو؟
قال: أدنى ما يكون، ثلث الثّلث.
و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن الزّهراء- (عليها السلام)- في حديث طويل. تقول فيه للقوم: و قد منعوها ما منعوها. و قال: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (2). و قال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. (3) و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.
و زعمتم أن لا حظ [لي] (4) و لا إرث [من أبي] (5) و لا رحم بيننا. أ فخصّكم اللّه بآية أخرج منها (6) آل رسول اللّه (7)- (صلّى اللّه عليه و آله)؟
[و في مجمع البيان (8): روى أصحابنا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه سئل: هل يجوز (9) الوصية للوارث؟
فقال: نعم. و تلا هذه الآية.
و روى السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). قال: من لم يوص عند موته لذي قرابته، ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصيته.
و فيه: اختلف في المقدار الّذي تجب الوصيّة عنده. قال ابن عبّاس: ثمانمائة درهم.
و روي عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه دخل على مولا له فيه مرضه و له سبعمائة درهم، أو ستّمائة. فقال: ألا أوصي؟
____________
(1) الاحتجاج 1/ 138.
(2) النساء/ 11.
(3) البقرة/ 180.
4 و 5- يوجد في المصدر.
(6) المصدر: أبي منها.
(7) «آل رسول اللّه» ليس في المصدر.
(8) مجمع البيان 1/ 267.
(9) المصدر: تجوز (ظ)
233
فقال: لا. إنّما قال اللّه سبحانه: إِنْ تَرَكَ خَيْراً. و ليس لك مال كثير.
و هذا هو المأخوذ به عندنا] (1)
بِالْمَعْرُوفِ: بالعدل. فلا يفضل الغنى. و لا يتجاوز الثّلث.
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180):
مصدر مؤكّد، أي: حقّ ذلك حقّا.
فَمَنْ بَدَّلَهُ غيره من الأوصياء و الشّهود، بَعْدَ ما سَمِعَهُ، وصل إليه و تحقّق عنده.
فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: فما إثم التّبديل، إلّا على مبدّله. لأنّه هو الّذي خالف الشّرع.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181): وعيد للمبدّل.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل أوصى بماله في سبيل اللّه.
فقال: أعطه لمن أوصى به له. و إن كان يهوديّا أو نصرانيّا. إنّ اللّه تعالى يقول:
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
محمّد بن يحيى (3)، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في رجل أوصى بما له في سبيل اللّه.
قال: أعطه لمن أوصى (4) به له و إن كان يهوديّا أو نصرانيّا. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن مهزيار، قال: كتب أبو جعفر- (عليه السلام)- إلى جعفر و موسى: و فيما أمرتكما به من الإشهاد بكذا و كذا، نجاة لكما، في آخرتكما، و إنفاذ (6) لما أوصى به أبواكما، و برّ (7) منكما لهما. و احذرا أن لا تكونا بدّلتما وصيّتهما و لا غيّرتماها. عن حالها و قد خرجا (8) من ذلك رضي اللّه عنهما، و صار ذلك في
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 7/ 14، ح 1.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(4) المصدر: أوصى له.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(6) المصدر: إنفاذا.
(7) المصدر: برّا.
(8) المصدر: عن حالهما لانّهما قد خرجا.
234
رقابكما. و قد قال (1) اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه، في الوصيّة: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب: أنّ رجلا كان بهمدان. ذكر أنّ أباه مات. و كان لا يعرف هذا الأمر. فأوصى بوصيّته (3) عند الموت. و أوصى أن يعطى شيء في سبيل اللّه.
فسئل عنه أبو عبد اللّه- (عليه السلام): كيف يفعل به؟ فأخبرناه أنّه كان لا يعرف هذا الأمر.
فقال: لو أنّ رجلا أوصى إلىّ أن أضع في يهوديّ أو نصرانيّ، لوضعته فيهما. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. فانظروا (4) إلى من يخرج إلى هذا الوجه، يعني: الثّغور. فابعثوا [به] (5) إليه.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن حجاج الخشّاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن امرأة أوصت إليّ بمال أن يجعل في سبيل اللّه. فقيل: لها يحجّ (7) به. فقالت: اجعله في سبيل اللّه. فقالوا لها: نعطيه (8) آل محمّد. قلت: اجعله في سبيله اللّه.
[فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): اجعله في سبيل اللّه،] (9) كما أمرت.
قلت: مرني كيف أجعله.
قال: اجعله كما أمرتك. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أ رأيتك لو أمرتك أن تعطيه يهوديّا، كنت تعطيه نصرانيّا؟
قال: فمكثت بعد ذلك ثلاث سنين: ثمّ دخلت عليه. ثمّ قلت (10) له مثل الّذي قلت له (11) أوّل مرّة. فسكت هنيئة.
____________
(1) أ: نزّل.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.
(3) المصدر: بوصية. (ظ)
(4) أ: فانظر.
(5) يوجد في المصدر.
(6) نفس المصدر 7/ 15، ح 1.
(7) المصدر: تحجّ.
(8) أ: فقال: تعطيه. المصدر: فنعطيه.
(9) ليس في ر.
(10) المصدر: فقلت. (ظ)
(11) ليس في المصدر.
235
ثمّ قال: هاتها.
قلت: من أعطيها؟
قال: عيسى شلقان.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن الرّيّان بن شبيب قال: أوصت ماردة لقوم نصارى (2) بوصيّة. فقال أصحابنا: أقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك. فسألت الرّضا- (عليه السلام). فقلت: إنّ أختي أوصت بوصيّة لقوم نصارى. و أردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا المسلمين (3).
فقال: أمض الوصيّة على ما أوصت به. قال اللّه تعالى: فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
محمّد بن يحيى (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي سعيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن رجل أوصى بحجّة. فجعلها وصيه في نسمة (5).
فقال: يغرمها وصيّه. و يجعلها في حجّة، كما أوصى به. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ، أي: توقّع و علم من قولهم، أخاف أن ترسل السّماء.
جَنَفاً: ميلا بالخطإ في الوصيّة، أَوْ إِثْماً: تعمّدا للحيف، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ: بين الموصى لهم بإجرائهم على نهج الشّرع.
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في هذا التّبديل. لأنّه تبديل باطل إلى حقّ، بخلاف الأوّل.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182): وعد للمصلح. و ذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم، و كون الفعل من جنس ما يؤثم به.
و في كتاب علل الشّرائع (6): حدّثنا محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن الحسن
____________
(1) نفس المصدر 7/ 16، ح 2.
(2) المصدر: نصارى فراشين.
(3) المصدر: مسلمين.
(4) نفس المصدر 7/ 22، ح 2.
(5) أ: وصية في نسمه.
(6) علل الشرائع 2/ 567، ح 4.
236
الصّفار، عن أبي طالب عبد اللّه بن الصّلت القميّ، عن يونس بن عبد الرّحمان. رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً (1) أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
قال: يعني: إذا اعتدى في الوصيّة. يعني (2): إذا زاد عن الثّلث.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال الصّادق- (عليه السلام): إذا وصّى الرّجل بوصيّته، فلا يحلّ للوصيّ أن يغيّر وصيّة يوصيها. بل يمضيها على ما أوصى. إلّا أن يوصي بغير ما أمر اللّه. فيعصى في الوصيّة و يظلم. فالموصى إليه جائز له أن يردّها (4) إلى الحقّ.
[مثل رجل يكون له ورثة يجعل (5) المال كلّه لبعض ورثة و يحرم بعضا. فالوصي جائز له أن يردّها (6) إلى الحقّ.] (7) و هو قوله: جَنَفاً أَوْ إِثْماً. «فالجنف» الميل إلى بعض ورثتك (8) دون بعض. و «الإثم» أن تأمر (9) بعمارة بيوت النّيران و اتّخاذ المسكر. فيحلّ للوصيّ أن لا يعمل بشيء من ذلك.
و في الكافي (10): عليّ بن إبراهيم، عن رجاله قال: قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أطلق للموصى إليه، أن يغيّر الوصيّة، إذا لم تكن (11) بالمعروف و كان فيها جنف (12). و يردّها إلى المعروف، لقوله تعالى فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
محمّد بن يحيى (13)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن سوقة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك و تعالى- فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
قال: نسختها الآية الّتي بعدها، قوله- عزّ و جلّ- فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
____________
(1) المصدر: حيفا.
(2) ليس في المصدر.
(3) تفسير القمي 1/ 65.
(4) المصدر: يردّه.
(5) المصدر: فيجعل.
(6) المصدر: يردّه.
(7) ليس في أ.
(8) المصدر: ورثته.
(9) المصدر: يأمر.
(10) الكافي 7/ 20، ح 1.
(11) المصدر: لم يكن.
(12) المصدر: حيف.
(13) نفس المصدر 7/ 21، ح 2.
237
قال: يعني: الموصى إليه إن خاف جنفا (1) فيما أوصى به إليه فيما (2) لا يرضى اللّه به، من خلاف الحقّ، فلا إثم على الموصى (3) إليه أن يردّه (4) إلى الحقّ و إلى ما يرضى اللّه به من سبيل الخير.
[و في مجمع البيان (5): فإن قيل: كيف قال فمن خاف لما قد وقع. و الخوف إنّما يكون لما لم يقع؟
قيل: إنّ فيه قولين:
أحدهما- أنّه خاف أن يكون قد زلّ في وصيّة. و الخوف يكون للمستقبل. و هو من أن يظهر ما يدلّ على أنّه قد زلّ لأنّه من جهة غالب الظّن.
الثّاني- أنّه لمّا اشتمل على الواقع و على ما لم يقع، جاز فيه (إلى قوله) إنّ الأوّل عليه أكثر المفسّرين. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام). و قوله أَوْ إِثْماً، الإثم أن تميل (6) عن الحق، على وجه العمد. و الجنف أن يكون على جهة الخطأ من حيث لا يدري أنّه يجوز. و هو معنى قول ابن عبّاس و الحسن. و روي ذلك عن أبي جعفر- (عليه السلام).] (7)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني: الأنبياء دون الأمم. فإنّ الأمم كان عليهم صوم، أكثر من ذلك، في غير ذلك الشّهر.
يدلّ عليه
ما في الصّحيفة الكاملة (8): ثمّ آثرتنا به على سائر الأمم. و اصطفيتنا بفضله دون أهل الملل. فصمنا بأمرك نهاره. و قمنا بعونك ليله.
و ما رواه في من لا يحضره الفقيه (9)، قال: روى سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث النّخعيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ شهر رمضان
____________
(1) المصدر: جنفا من الموصى.
(2) المصدر: ممّا.
(3) المصدر: فلا إثم عليه: أي: على الموصى.
(4) المصدر: يبدّله.
(5) مجمع البيان 1/ 269.
(6) المصدر: ان يكون الميل.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) الصحيفة الكاملة، في ضمن دعائه- (عليه السلام)- في وداع شهر رمضان (دعاء 45)
(9) من لا يحضره الفقيه 2/ 61، ح 267.
238
لم يفرض اللّه صيامه على أحد من الأمم قبلنا.
فقلت له: فقول اللّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
قال: فرض اللّه (1) شهر رمضان على الأنبياء، دون الأمم. ففضّل (2) اللّه به هذه الأمّة. و جعل صيامه فرضا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على أمّته.
و «الصّوم» في اللّغة، الإمساك عمّا تنازع النّفس إليه. و في الشّرع، الإمساك عن المفطرات. فإنّها معظم ما تشتهيه الأنفس. و الخطاب في عليكم عامّ.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ.
قال: فقال: هذه كلّها تجمع (4) أهل (5) الضّلال و المنافقين و كلّ من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة.
و أمّا ما رواه البرقيّ (6)، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، قال: «هي للمؤمنين خاصّة»، فمعناه أنّ المؤمنين هم المنتفعون بها.
و في كتاب الخصال (7)، عن عليّ- (عليه السلام). قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فسأله أعلمهم عن مسائل. فكان فيما سأله أن قال: لأي شيء فرض اللّه الصّوم على أمّتك بالنّهار، ثلاثين يوما و فرض على الأمم أكثر من ذلك؟
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ آدم- (عليه السلام)- لمّا أكل من الشّجرة، بقي في بطنه ثلاثين يوما. ففرض على ذرّيّته ثلاثين يوما الجوع و العطش. و الّذين يأكلونه تفضّل من اللّه عليهم. و كذلك كان على آدم. ففرض اللّه تعالى ذلك على أمّتي.
ثمّ تلا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أيّاما معدودات.
____________
(1) المصدر: إنّما فرض اللّه صيام:
(2) النسخ: فضّل.
(3) تفسير العياشي 1/ 78.
(4) المصدر: يجمع.
(5) ليس في المصدر. و عند وجودها فتكون الكلمة بعدها «الضّلال». و عند عدمها تكون «الضّلال».
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 174.
(7) الخصال 2/ 530، ح 6.
239
قال اليهوديّ: صدقت يا محمّد!
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا. عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن يوسف بن عميرة، عن عبد اللّه بن عبد اللّه، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا حضر شهر رمضان و ذلك في ثلاث بقين من شعبان- قال لبلال: ناد في النّاس. فجمع النّاس. ثمّ صعد المنبر. فحمد اللّه. و أثنى عليه. ثمّ قال: يا أيّها النّاس! إنّ هذا الشّهر قد خصّكم به. و هو حضركم. و هو سيّد الشّهور.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) المعاصي. فإنّ الصّوم يكسر الشّهوة الّتي هي مبدؤها.
و في عيون الأخبار (2)، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، في آخرها: أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام): فإن قال فلم أمر بالصّوم؟
قيل: لكي يعرفوا ألم الجوع و العطش. فيستدلّوا على فقر الآخرة. و ليكون الصّائم خاشعا ذليلا مستكينا موجودا محتسبا عارفا صابرا (3) لما أصابه من الجوع و العطش.
فيستوجب الثّواب مع ما فيه من الانكسار عن الشّهوات. و ليكون ذلك واعظا لهم في العاجل و رائضا لهم على أداء ما كلّفهم و دليلا في الآجل. و ليعرفوا شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر و المسكنة في الدّنيا، فيؤدّوا إليهم ما افترض اللّه تعالى لهم في أموالهم.
فإن قيل: فلم جعل الصّوم في شهر رمضان دون سائر الشّهور؟
قيل: لأنّ شهر رمضان هو الشّهر الّذي أنزل اللّه تعالى فيه القرآن هدى (4) للنّاس و بيّنات من الهدى و الفرقان و فيه نبّئ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و فيه ليلة القدر الّتي هي خير من ألف شهر. و فيها يفرق كلّ أمر حكيم. و فيه (5) رأس السّنة. يقدّر فيها ما يكون في السّنة من خير أو شرّ أو مضرّة أو منفعة أو رزق أو أجل. و لذلك سمّيت ليلة القدر.
____________
(1) الكافي 4/ 67، ح 5.
(2) عيون أخبار الرضا 2/ 115.
(3) المصدر: على ما.
(4) المصدر: انزل اللّه تعالى فيه القرآن و فيه فرق بين الحق و الباطل، كما قال اللّه- عزّ و جلّ: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ...
(5) المصدر: هو. (ظ)
240
فإن قال: فلم أمروا بصوم شهر رمضان لا أقلّ من ذلك و لا أكثر؟
قيل: لأنّه قوّة العباد (1) الّذي يعمّ في القويّ و الضّعيف. و إنّما أوجب اللّه تعالى الفرائض على اغلب الأشياء و أعظم (2) القوى. ثمّ رخّص (3) لأهل الضّعف. و رغّب أهل القوّة في الفضل. و لو كانوا يصلحون على أقلّ من ذلك، لنقصهم. و لو احتاجوا إلى أكثر من ذلك، لزادهم.
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ مؤقّتات بعدد معلوم و وقت معيّن، أو قلائل. فإنّ القليل من المال يعدّ عدّا. و الكثرة يهال هيلا.
و نصبها بإضمار «صوموا» أو ب «كما كتب» على الظّرفيّة،. أو بأنّه مفعول ثان على السّعة. و ليس بالصّيام للفصل بينهما.
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً مرضا يضرّه الصّوم، أَوْ عَلى سَفَرٍ: أو راكب سفر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أي: فعليه صوم عدد أيّام المرض و السّفر، من أيّام أخر.
و هذا على الوجوب.
في من لا يحضره الفقيه (4)، روي عن الزّهريّ. أنّه قال: قال لي عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- و نقل حديثا طويلا، يقول فيه- (عليه السلام): و أمّا صوم السّفر و المرض، فانّ العامّة اختلفت فيه. فقال قوم: يصوم. و قال قوم: لا يصوم. و قال قوم: إن شاء صام، و إن شاء أفطر. و أمّا نحن فنقول: يفطر في الحالتين- جميعا. فإن صام في السّفر أو في حال المرض، فعليه القضاء في ذلك. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن حدّ المرض الّذي يجب على صاحبه في الإفطار، كما يجب عليه في السّفر [في] (6) قوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ.
قال: هو مؤتمن عليه. مفوّض اليه. فإن وجد ضعفا. فليفطر. و إن وجد قوّة
____________
(1) المصدر: العبادة.
(2) المصدر: و أعم. (ظ)
(3) كذا في المصدر: و في النسخ: خصّ.
(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 48، ح 208.
(5) تفسير العياشي 1/ 81، ح 188.
(6) يوجد في المصدر.
241
فليصم. كان المريض على ما كان.
عن محمّد بن مسلم (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لم يكن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يصوم في السّفر تطوّعا و لا فريضة. يكذبون على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). نزلت هذه الآية و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بكراع الغميم، عند صلاة الفجر. فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بإناء. فشرب. فأمر (2) النّاس أن يفطروا. و قال قوم: قد توجّه النّهار. و لو صمنا يومنا هذا. فسمّاهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- العصاة. فلم يزالوا يسمّون بذلك الاسم، حتّى قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و في كتاب الخصال (3)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أهدى إليّ و إلى أمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأمم، كرامة من اللّه لنا.
قالوا: و ما ذلك يا رسول اللّه! قال: الإفطار في السّفر. و التّقصير في الصلوة. فمن لم يفعل ذلك، فقد ردّ على اللّه هديّته.
و في الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: رجل صام في السّفر.
فقال: إذا (5) كان بلغه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن ذلك، فعليه القضاء. و ان لم يكن بلغه (6)، فلا شيء عليه.
أبو عليّ الأشعريّ (7)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن [صفوان بن يحيى، عن عيص (8) بن القسم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من صام في السفر بجهالة، لم يقضه.] (9)
عن عبد اللّه بن مسكان (10)، عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 190.
(2) المصدر: و أمر. (ظ)
(3) الخصال 1/ 12، ح 43.
(4) الكافي 4/ 128، ح 1.
(5) المصدر: إن. (ظ)
(6) أ: يبلغه.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(8) كذا في المصدر و في الأصل ور: العيص.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(10) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
242
قال: إذا سافر الرّجل في شهر رمضان، أفطر. و إن صامه بجهالة لم يقضه.
و في من لا يحضره الفقيه (1): روى ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- ما حدّ المرض الّذي يفطر فيه الرّجل (2) و يدع الصّلاة من قيام؟
قال: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. هو أعلم بما يطيقه.
و روى جميل بن درّاج (3)، عن الوليد بن صبيح، قال: حممت بالمدينة يوما في شهر رمضان. فبعث إليّ أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- بقصعة. فيها خلّ و زيت. و قال لي: أفطر.
و صلّ، و أنت قاعد.
و في رواية حريز (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الصّائم إذا خاف على عينيه من الرّمد، أفطر.
وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، أي: على الّذين كانوا يطيقون الصّوم، فلم يطيقوه الآن لمرض، كعطاش (5) أو كبر أو أفطروا لمرض أو سفر، ثمّ زال عذرهم و أطاقوا و لم يقضوا حتّى دخل رمضان آخر، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ: بمدّ من كلّ يوم.
في الكافي (6): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قال: الشّيخ الكبير (7) و الّذي يأخذه العطاش.
أحمد بن محمّد (8)، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (9)»، قال: الّذين كانوا يطيقون الصّوم فأصابهم كبر أو عطاش (10) أو شبه ذلك، فعليهم بكل (11) يوم مدّ.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 83، ح 369.
(2) المصدر: الصائم. (ظ)
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 370.
(4) نفس المصدر 2/ 84، ح 373.
(5) أ: العطاش.
(6) الكافي 4/ 116، ح 1.
(7) أ: قال: الذين كانوا يطيقون الصوم الشيخ الكبير.
(8) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 5.
(9) أ: مسكين.
(10) ر: كبرا أو عطاشا.
(11) المصدر: لكلّ.
243
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (2)، قال: من مرض في شهر رمضان، فأفطر، ثمّ صحّ، فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر، فعليه ان يقضي و يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من الطّعام.
و قرأ نافع و ابن عامر بإضافة الفدية إلى «الطّعام» و جمع «المساكين (3).» فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً: فزاد في الفدية.
فَهُوَ، أي: التّطوّع أو الخير، خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا، أي: صومكم على تقدير عدم المانع، و تكلف الصّوم على تقدير وجوده.
خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية، أو تطوّع الخير، أو منهما، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) ما في الصّوم من الفضيلة.
و جوابه محذوف، أي اخترتموه، أو إن كنتم من أهل العلم و التّدبّر، علمتم أنّ الصّوم خير لكم من ذلك.
شَهْرُ رَمَضانَ:
مبتدأ. خبره ما بعده. أو خبر مبتدأ محذوف. تقديره «ذلكم شهر رمضان.» أو بدل من الصّيام، على حذف المضاف، أي: كتب عليكم الصّيام، صيام شهر رمضان.
و قرئ بالنّصب على إضمار صوموا أو على أنّه بدل من أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أو مفعول وَ أَنْ تَصُومُوا. و فيه ضعف.
و «رمضان» مصدر رمض، إذا احترق. فأضيف إليه الشّهر. و جعل علما له.
و منع من الصّرف للعلميّة و الألف و النّون.
و في أصول الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى الخثعمىّ، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): لا تقولوا «رمضان». و لكن قولوا «شهر رمضان». فانّكم لا تدرون ما رمضان؟
____________
(1) تفسير القميّ 1/ 66.
(2) أ: مسكين.
(3) مجمع البيان 1/ 272.
(4) بل في فروع الكافي، ر. الكافي 4/ 69، ح 1.
244
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن سعد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كنّا عنده ثمانية رجال. فذكرنا رمضان. فقال: لا تقولوا «هذا رمضان» و لا «ذهب رمضان» و لا «جاء رمضان». فإنّ «رمضان» اسم من أسماء اللّه- عزّ و جلّ. لا يجيء و لا يذهب. و إنّما يجيء و يذهب الزّائل.
و لكن قولوا «شهر رمضان». فالشّهر (2) مضاف إلى الاسم. و الاسم اسم اللّه عزّ ذكره. و هو الشّهر الّذي أنزل فيه القرآن. جعله مثلا وعيدا (3).
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، الموصول بصلته خبر لمبتدأ او صفته و الخبر «فمن شهد». أي:
أنزل في شأنه القرآن. و هو قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، أو أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثمّ نزل منجّما.
و في أصول الكافي (4)، عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. و محمّد بن القاسم، عن محمّد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. و إنّما أنزل في عشرين سنة بين أوّله و آخره. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام):
نزل القرآن جملة واحدة في جملة شهر رمضان، إلى البيت المعمور. ثمّ نزل في طول عشرين سنة.
ثمّ قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان. و أنزلت التوراة لستّ مضين من شهر رمضان. و أنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. و انزل الزّبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان. و انزل القرآن في ثلاث و عشرين من شهر رمضان.
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عمرو الشّاميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: و نزل القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان. و استقبل الشّهر بالقرآن.
و يمكن الجمع بين الخبرين، بحمل الإنزال جملة واحدة في ثلاث و عشرين
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(2) المصدر: فأن الشهر.
(3) ليس في أ.
(4) الكافي 2/ 628، ح 6.
(5) نفس المصدر 4/ 65، ح 1.
245
إلى البيت المعمور. و حمل الإنزال في أوّل اللّيلة، على ابتداء إنزاله منجّما إلى الدّنيا.
عدّة من أصحابنا (1)، عن سهيل بن زياد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه- جميعا- عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام.
و في أصول الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن عليّ بن عقبة، عن داود بن فرقد، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، و ربع حرام، و ربع سنن و أحكام، و ربع خبر ما كان قبلكم و نبأ ما يكون بعدكم و فصل ما يكون بينكم.
أبو عليّ الأشعريّ، (3) عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام.
و الجمع بين الخبر الأوّل و الثّاني، أنّ المراد بالخبر الأوّل، أنّ ثلث القرآن فينا و في عدوّنا، بحسب بطونه، و إن كان بحسب ظاهر ألفاظه في شيء من السّنن و الأحكام و القصص و غير ذلك. و ثلثاه الآخران، ليسا كذلك.
و الجمع بينه و بين الثّالث، بأن قائله أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و له لاختصاص ببعض الآيات لم يشركه فيها باقي الأئمّة- (عليهم السلام). و قائل الخبر الثّالث، أبو جعفر- (عليه السلام). و مراده- (عليه السلام)- أنّ الرّبع يشترك فيه كلّنا.
و روى عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، قال: قلت: إنّ النّاس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
فقال: كذبوا أعداء اللّه. و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد.
هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ:
حالان من القرآن، أي: أنزل و هو هداية للنّاس، باعجازه، و آيات واضحات ممّا يهدي إلى الحقّ، و يفرق به بينه و بين الباطل بما فيه من الحكم و الأحكام.
____________
(1) نفس المصدر 2/ 627، ح 2.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(3) نفس المصدر 2/ 628، ح 4.
(4) نفس المصدر 2/ 630، ح 13.
246
و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى ابن سنان و غيره، عمّن ذكره قال:
سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن «القرآن» و «الفرقان» أ هما شيئان؟ أم شيء واحد؟
قال: فقال: «القرآن» جملة الكتاب. و «الفرقان» المحكم الواجب العمل به.
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ:
في الفاء إشعار بأنّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصّوم فيه.
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فيه.
وضع المظهر، موضع المضمر، للتّعظيم. نصب على الظّرف. و حذف الجارّ.
و نصب الضّمير على الاتّساع.
و قيل (2): من شهد منكم هلال الشّهر، فليصمه على أنّه مفعول به، كقولك شهدت يوم الجمعة، أي: صلاتها.
في كتاب الخصال (3)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا حضر شهر رمضان، لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
و في من لا يحضره الفقيه (4): و سأل عبيد بن زرارة، أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
[قال: ما أبينها من شهد فليصمه.] (5) و من سافر، فلا يصمه.
و روى الحلبيّ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحا. ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر.
فسكت. فسألته غير مرّة.
فقال: يقيم أفضل إلّا أن تكون له حاجة لا بدّ له من الخروج فيها، أو يتخوّف على ماله.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن الصّباح بن سيابة، قال: قلت لأبي عبد اللّه
____________
(1) معاني الاخبار/ 189، ح 1.
(2) أنوار التنزيل 1/ 102.
(3) الخصال 2/ 614.
(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 91، ح 404.
(5) ليس في أ.
(6) الكافي 4/ 126، ح 2.
(7) تفسير العياشي 1/ 80، ح 186.
247
- (عليه السلام): إن ابن يعقوب (1) أمرني أن أسألك عن مسائل.
فقال: و ما هي؟
قال: يقول لك: إذا دخل شهر رمضان و أنا في منزلي إليّ أن أسافر؟
قال: إنّ اللّه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. فمن دخل عليه شهر رمضان و هو في أهله، فليس له أن يسافر، إلّا إلى الحج (2)، أو عمرة، أو في طلب مال يخاف تلفه.
وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ:
مخصّص لسابقه. لأنّ المسافر و المريض ممّن شهد الشّهر. و لعلّ تكريره لذلك.
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، أي: يريد أن ييسّر عليكم، و لا يعسّر عليكم. و لذلك أوجب الفطر للسّفر و المرض.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، قال: «اليسر» عليّ.
وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185):
علل لفعل محذوف. دلّ عليه ما سبق، أي: شرع جملة ما ذكر من أمر الشّاهد بالصّوم و المسافر و المريض بالإفطار و مراعاة عدّة ما أفطر فيه، لتكملوا العدّة إلى آخرها، على سبيل اللّفّ. فإنّ قوله «و لتكملوا» علّة الأمر بمراعاة العدّة. وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ علّة أمر الشّاهد بالصّوم. وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علّة أمر المسافر و المريض بالإفطار، أو لأفعال كلّ لفعله، أو معطوفة على علّة مقدّرة، مثل: ليسهّل عليكم، أو لتعملوا ما تعملون، و لتكملوا. و يجوز أن يعطف على «اليسر»، أي: يريد لكم لتكملوا، كقوله (4): يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا.
و المعنى بالتّكبير و تعظيم اللّه، بالحمد و الثّناء عليه. و لذلك عدّي بعلى. و من جملته تكبير يوم الفطر.
و قيل (5): المراد التّكبير عند الإهلال. و «ما» يحتمل المصدر و الخبر، أي: الّذي
____________
(1) المصدر: ابن أبي يعفور. (ظ)
(2) المصدر: لحج.
(3) تفسير العياشي 1/ 82، ح 191.
(4) الصف/ 8.
(5) أنوار التنزيل 1/ 102.
248
هداكم إليه. و عن عاصم: و لتكملوا بالتّشديد.
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهيل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: انّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق الدّنيا في ستّة أيّام ثمّ اختزلها عن ايّام السّنة. و السّنة ثلاثمائة و أربعة (2) و خمسون يوما.
شعبان لا يتمّ أبدا. و رمضان لا ينقص، و اللّه أبدا. و لا تكون فريضة ناقصة. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. و شوّال تسعة و عشرون يوما.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك! ما نتحدث (4) به عندنا أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- صام تسعة و عشرين أكثر ممّا صام ثلاثين. أحقّ هذا؟
قال: ما خلق اللّه من هذا حرفا. ما صامه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا ثلاثين. لأنّ اللّه يقول: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ينقصه؟
و في الكافي (5): عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن سعيد النّقّاش. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لي: أما إنّ في الفطر تكبيرا و لكنّه مسنون (6).
قال: قلت: و أين هو؟
قال: في ليلة الفطر، في المغرب و العشاء الآخرة، و في صلاة الفجر، و في صلاة العيد. ثمّ يقطع.
قال: قلت: كيف أقول؟
قال: تقول «اللّه أكبر. اللّه أكبر. لا إله إلّا اللّه. و اللّه أكبر. اللّه أكبر. و للّه الحمد.
اللّه أكبر على ما هدانا.» و هو قول اللّه تعالى: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، يعني: الصّيام. و لتكبّروا اللّه على ما هداكم.
و في محاسن البرقيّ (7)، عنه عن بعض أصحابنا، رفعه، في قول اللّه
____________
(1) الكافي 4/ 78، ح 2.
(2) المصدر: و أربع.
(3) تفسير العياشي 1/ 82، ح 194.
(4) المصدر: يتحدث.
(5) الكافي 4/ 166، ح 1.
(6) المصدر: مستور.
(7) المحاسن/ 142، ح 36.
249
وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ، [قال: التكبير، التّعظيم للّه و الهداية الولاية.
عنه (1)، عن بعض أصحابنا، رفعه، في قول اللّه وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، قال: التّكبير، التّعظيم للّه و الهداية الولاية.
عنه (2)، عن بعض أصحابنا، في قول اللّه- تبارك و تعالى- وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (3)] وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، قال: الشّكر المعرفة.
و في من لا يحضره الفقيه (4)، و في العلل الّتي تروى عن الفضل بن شاذان النّيشابوريّ- رضي اللّه عنه. و يذكر أنّه سمعها عن الرّضا- (عليه السلام)- إنّه إنّما جعل يوم الفطر العيد- إلى أن قال-: و إنّما جعل التّكبير فيها أكثر منه في غيرها من الصّلوات. لأنّ التّكبير إنّما هو تعظيم اللّه و تمجيد على ما هدى و عافى، كما قال- عزّ و جلّ: وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ: فقل لهم إنّي قريب.
و هو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد و أقوالهم و اطّلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم.
روى (5) أنّ أعرابيّا قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أ قريب ربّنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فنزلت.
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ:
تقرير للقرب و وعد للدّاعي بالإجابة.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي إذا دعوتهم للإيمان و الطّاعة، كما أجيبهم إذا دعوني لمهمّاتهم.
وَ لْيُؤْمِنُوا بِي: أمر بالدّوام و الثّبات.
____________
1 و 2- نفس المصدر/ 149، ح 65، هكذا:
عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه في قول اللّه- تبارك و تعالى- وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ قال: الشكر المعرفة، و في قوله وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ فقال: الكفر، هاهنا، الخلاف. و الشكر، الولاية و المعرفة.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 330، ح 1488.
(5) مجمع البيان 1/ 278.
250
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186): راجين إصابة الرّشد. و هو إصابة الحقّ.
و قرئ بفتح الشّين و كسرها.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال لي أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام): أخبرني عنك، لو أنّي قلت لك قولا، أ كنت تثق به؟
فقلت له: جعلت فداك! إذا لم أثق بقولك فبمن أثق؟ و أنت حجّة اللّه على خلقه.
قال فكن باللّه أوثق. فإنّك على موعد من اللّه. أ ليس اللّه- عزّ و جلّ- يقول:
وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. و قال (2): لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ و قال (3): و اللّه يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا. فكن باللّه- عزّ و جلّ- أوثق منك بغيره. و لا تجعلوا في أنفسكم إلّا خيرا. فإنّه مغفور لكم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في روضة الكافي (4)، خطبة طويلة مسندة لأمير المؤمنين- (عليه السلام). يقول- (عليه السلام) فيها: فاحترسوا من اللّه- عزّ و جلّ- بكثرة الذّكر. و اخشوا منه بالتّقى و تقرّبوا إليه بالطّاعة فإنّه قريب مجيب. قال اللّه تعالى: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
و في نهج البلاغة (5): قال- (عليه السلام): ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه، من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمه. و استمطرت شآبيب رحمته. فلا يقنطك إبطاء إجابته. فإنّ العطيّة على قدر النّيّة. و ربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل و أجزل لعطاء الآمل. و ربّما سألته (6) الشيء فلا تؤتاه و أوتيت خيرا منه عاجلا (7) و آجلا. (8) و صرف عنك لما هو خير لك. فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله و ينفى عنك و باله. فالحال لا يبقى لك و لا تبقى له.
____________
(1) الكافي 2/ 1.
(2) الزمر/ 53.
(3) البقرة/ 268.
(4) الكافي 8/ 390، ح 586.
(5) نهج البلاغة/ 399، ضمن رسائله 31.
(6) المصدر: سألت.
7 و 8- المصدر: أو. (ظ)
251
و فيه (1): قال- (عليه السلام): إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه حاجة، فابدأ بمسألة الصلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ سل حاجتك. فإنّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين، فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى.
و في مجمع البيان (2): روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ لْيُؤْمِنُوا بِي»، أي: و ليتحقّقوا أنّي قادر على إعطائهم ما سألوه، لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»، أي: لعلّهم يصيبون الحقّ و يهتدون إليه.
و روى (3) عن جابر بن عبد اللّه. قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ العبد ليدعو اللّه و هو يحبّه. فيقول: يا جبرائيل! لا تقض (4) لعبدي هذا حاجته. و أخّرها. فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته. و إنّ العبد ليدعو اللّه و هو مبغضه (5) فيقول: يا جبرئيل! اقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه و عجّلها. فإنّي أكره أن أسمع صوته.
ثمّ بيّن أحكام الصّوم، فقال:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ:
لَيْلَةَ الصِّيامِ»، اللّيلة الّتي يصبح منها صائما.
و «الرّفث» كناية عن الجماع لأنّه لا يكاد يخلو من رفث. و هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى عنه. و عدّي بإلى، لتضمّنه معنى الإفضاء و إيثاره، هاهنا، لتقبيح ما ارتكبوه.
و لذلك سمّاه خيانة. و قرئ الرّفوث.
و في كتاب الخصال (6)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب. قال- (عليه السلام): يستحبّ للرّجل أن يأتي أهله أوّل ليلة من شهر رمضان، لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ.» و الرّفث، المجامعة.
و في الكافي (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن القسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه- (عليهم السلام): أنّ عليّا- (صلوات اللّه عليه)- قال: يستحبّ للرّجل أن
____________
(1) نفس المصدر/ 538، حكمة 361.
(2) مجمع البيان 1/ 278.
(3) نفس المصدر 1/ 279.
(4) النسخ: اقض.
(5) المصدر: يبغضه.
(6) الخصال 2/ 612.
(7) الكافي 4/ 180، ح 3.
252
يأتي أهله (و ذكر كما في كتاب الخصال، سواء).
و في مجمع البيان (1): و روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- كراهية الجماع في أوّل ليلة من كلّ شهر، ألا أوّل ليلة من شهر رمضان. فإنّه يستحبّ ذلك، لمكان الآية.
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ:
استئناف يبين سبب الإحلال، و هو قلّة الصّبر عنهنّ و صعوبة اجتنابهنّ، لكثرة المخالطة و شدّة الملابسة، و لما كان الرّجل و المرأة يعتنقان، و يشتمل كلّ منهما على صاحبه شبّه باللّباس، أو لأنّ كلّ واحد منهما يستر صاحبه و يمنعه عن الفجور.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ: تظلمونها بتعريضها للعقاب و تنقيص حظّها من الثّواب.
و الاختيان أبلغ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب.
فَتابَ عَلَيْكُمْ لمّا تبتم ما اقترفتموه.
وَ عَفا عَنْكُمْ: و محى عنكم أثره.
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ: نسخ عنكم التّحريم و المباشرة.
إلزاق البشرة بالبشرة، كنّى به عن الجماع.
وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ:
و اطلبوا ما قدّره لكم. و أثبته في اللّوح من الولد.
وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ:
شبّه أوّل ما يبدو في الفجر المعترض في الأفق و ما يمتدّ معه من غلس اللّيل، بخيطين أبيض و أسود. و اكتفى ببيان الخيط الأبيض، لقوله «من الفجر» عن بيان الخيط الأسود، لدلالته عليه. و بذلك خرجا عن الاستعارة إلى التّمثيل. و يجوز أن يكون «من» للتّبعيض. فإنّ ما يبدو بعض الفجر.
و في الكافي (2): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، و أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن
____________
(1) مجمع البيان 1/ 280.
(2) الكافي 4/ 98، ح 4.
253
أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ.» الآية. فقال: نزلت في خوات بين جبير الأنصاري. و كان مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الخندق. و هو صائم. فأمسى، و هو على تلك الحال. و كانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم، حرّم عليه الطّعام و الشّراب. فجاء خوات إلى أهله حين أمسى.
فقال: هل عندكم طعام؟
قالوا (1): لا تنم حتى نصلح لك طعاما. فاتكا فنام.
فقالوا له: قد فعلت.
قال: نعم.
فبات على تلك الحال. فأصبح. ثمّ غدا إلى الخندق فجعل يغشى عليه فمرّ به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فلمّا رأى الّذي أخبره به كيف كان أمره، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- فيه الآية: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.»
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي- رفعه (3). قال: قال الصّادق- (عليه السلام): كان النّكاح و الأكل، محرّمان (4) في شهر رمضان، باللّيل بعد النّوم، يعني: كلّ من صلّى العشاء و نام و لم يفطر ثمّ انتبه، حرّم عليه الإفطار. و كان النّكاح حراما باللّيل و النّهار، في شهر رمضان. و كان رجل من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقال له خوات بن جبير، أخو عبد اللّه بن جبير الّذي كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وكّله بفم الشّعب، يوم أحد، في خمسين من الرّماة، ففارقه أصحابه، بقي في اثني عشر رجلا، فقتل على باب الشّعب. و كان أخوه هذا، خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا. و كان صائما.
فأبطأت عليه أهله بالطّعام. فنام قبل أن يفطر. فلمّا انتبه قال لأهله: «قد حرّم عليّ الأكل في هذه اللّيلة.» فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه. فرآه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرّق له. و كان قوم من الشبّان ينكحون باللّيل، سرّا في شهر رمضان فأنزل اللّه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ. فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ
____________
(1) المصدر: فقالوا: لا.
(2) تفسير القمي 1/ 66، بتفاوت.
(3) أ: رفعة.
(4) كذا في أور و في المصدر و في الأصل: محرما.
254
وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.» فأحلّ اللّه- تبارك و تعالى- النّكاح باللّيل، في شهر رمضان، و الأكل بعد النّوم إلى طلوع الفجر لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ».
قال: هو بياض النّهار من سواد اللّيل.
و في من لا يحضره الفقيه (1): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
فقال: بياض النّهار من سواد اللّيل.
و قال في خبر آخر (2): هو الفجر الّذي لا شكّ فيه.
و في الكافي (3): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن مهزيار قال: كتب أبو الحسن بن الحسين (4) إلى أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- معي: جعلت فداك! قد اختلف مواليك (5) في صلاة الفجر. فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأوّل المستطيل في السّماء.
و منهم من يصلّي إذا اعترض مع أسفل الأفق و استبان. و لست أعرف أفضل الوقتين، فأصلّي فيه. فإن رأيت أن تعلّمنى أفضل الوقتين. و تحدّه لي. و كيف أصنع مع القمر و الفجر؟ لأتبيّن معه حتّى يحمرّ و يصبح؟ و كيف أصنع مع الغيم؟ و ما حدّ ذلك في السّفر و الحضر؟ فعلت- إن شاء اللّه.
فكتب- (عليه السلام)- بخطه و قراءته: الفجر- يرحمك اللّه- هو الخيط الأبيض المعترض، ليس هو الأبيض صعدا. فلا تصلّ في سفر و لا حضر، حتّى تتبيّنه. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يجعل خلقه في شبهة من هذا. فقال وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.» فالخيط الأبيض، هو المعترض الّذي يحرم به الأكل و الشّرب في الصّوم. و كذلك هو الّذي يوجب به الصّلاة.
محمّد بن يحيى (6)، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران و قال: سألته عن رجلين قاما فنظرا إلى الفجر. فقال أحدهما: هو ذا.» و قال الآخر: «ما
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 82، ح 363.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 364.
(3) الكافي 3/ 282، ح 1.
(4) المصدر: الحصين.
(5) المصدر: مواليك. (ظ)
(6) نفس المصدر 4/ 97، ح 7.
255
أرى شيئا.» قال: فليأكل الّذي لم يتبيّن له الفجر. و قد حرّم على الّذي زعم أنّه رأى الفجر. إنّ اللّه يقول: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.» من الفجر.
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ:
بيان آخر وقته. و إخراج اللّيل عنه. فينفى صوم الوصال.
و في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشّمس، فظنّوا أنّه ليل، فأفطروا. ثمّ أنّ السّحاب انجلى. فإذا الشّمس.
فقال: على الّذي أفطر، صيام ذلك اليوم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول (2) ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.» فمن أكل قبل أن يدخل اللّيل، فعليه قضاؤه. لأنّه أكل متعمّدا.
[عليّ بن إبراهيم (3)، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن أبي بصير و سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشّمس، فرأوا أنّه اللّيل، فأفطر بعضهم، ثمّ أنّ السّحاب انجلى، فإذا الشّمس، قال: على الّذي أفطر، صيام ذلك اليوم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول (4): و أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.» فمن أكل قبل أن يدخل اللّيل، فعليه قضاؤه. لأنّه أكل متعمّدا.] (5)
و في تفسير العيّاشيّ (6): القاسم بن سليمان، عن جراح، عنه (7) قال: قال اللّه: ثُمَ (8) أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ»، يعني: صوم (9) رمضان فمن رأى الهلال (10) بالنّهار، فليتمّ صيامه.
وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ: معتكفون فيها.
و الاعتكاف، هو اللّبث في المسجد، لقصد القربة.
او المراد بالمباشرة، الوطء.
و عن قتادة (11): كان الرّجل يعتكف، فيخرج إلى امرأته، فيباشرها، ثمّ يرجع فنهوا
____________
(1) الكافي 4/ 100، ح 1.
(2) الأصل و ر و المصدر: و.
(3) الكافي 4/ 100، ح 2.
(4) ثم. (ظ)
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(6) تفسير العياشي 1/ 84، ح 201.
(7) المصدر: عن الصادق- (عليه السلام).
(8) كذا في أ. و في المصدر و الأصل ور: و.
(9) المصدر: صيام.
(10) المصدر: هلال الشوال.
(11) أنوار التنزيل 1/ 103.
256
عن ذلك.
و في كتاب الخصال (1)، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: سئل أبي عمّا حرّم اللّه تعالى من الفروج في القرآن، و عمّا حرّمه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سنّته (2).
فقال: الّذي حرّم اللّه من ذلك، أربعة و ثلاثين وجها: سبعة عشر في القرآن، و سبعة عشر في السّنّة. و أمّا الّتي في القرآن: فالزّنا- إلى قوله (عليه السلام)- و النّكاح في الاعتكاف، لقوله تعالى: وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ.»
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد، في بعض مساجدها؟
فقال: لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام عدل بصلاة جماعة.
و لا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة و مسجد المدينة و مسجد مكّة.
سهل بن زياد (4)، عن أحمد بن محمّد، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا اعتكاف إلّا في العشرين من شهر رمضان.
و قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان يقول لا أرى الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام، أو مسجد الرّسول، أو مسجد جامع. و لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد، إلّا لحاجة لا بدّ منها. ثمّ لا يجلس حتّى يرجع (5). و المرأة مثل ذلك.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن الاعتكاف.
قال: لا يصلح الاعتكاف الّا في مسجد الحرام، أو مسجد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة. و تصوم ما دمت معتكفا.
و اعلم أنّه ينبغي حمل مسجد الجماعة في الأخبار الّتي وقع فيها، على مسجد جمع فيه
____________
(1) الخصال 2/ 532، ح 10.
(2) أور: سنة.
(3) الكافي 4/ 176، ح 1.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(5) ر: ثم لا يجلس يرجع حتى لا يرجع.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
257
الإمام العدل، ليطابق الخبر الأوّل.
تِلْكَ، أي: الأحكام الّتي ذكرت، حُدُودُ اللَّهِ: حدود قرّرها اللّه.
فَلا تَقْرَبُوها: نهى أن يقرَب الحدّ الحاجز بين الحقّ و الباطل، لئلّا يدانى الباطل، فضلا على أن يتخطّى
، كما قال- (عليه السلام) (1): إنّ لكلّ ملك حمى. و إن حمى اللّه محارمه. فمن رتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه.
و هو أبلغ من قوله: «فلا تعتدوها.» و يجوز أن يريد بحدود اللّه، محارمه و مناهيه.
كَذلِكَ: مثل ذلك التّبيين، يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) مخالفة الأوامر و النّواهي.
وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، أي: و لا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الّذي لم يبحه اللّه.
و «بين» نصب على الظّرف، أو الحال من «الأموال.» وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: عطف على النّهي، أو نصب بإضمار «أن.» و الإدلاء: الإلقاء، أي: و لا تلقوا حكومتها إلى حكّام الجور، لِتَأْكُلُوا بالتّحاكم، فَرِيقاً: طائفة، مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ: بما يوجب إثما، كشهادة الزّور، أو اليمين الكاذبة، أو متلبّسين بالإثم، وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188): أنّكم مبطلون. فإنّ ارتكاب المعصية مع العلم بها أقبح.
و في الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن زياد بن عيسى قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.» فقال: كانت قريش يتغامز (3) الرّجل بأهله و ماله فنهاهم اللّه عن ذلك.
محمّد بن يحيى (4)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد اللّه بن بحر، عن
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 104.
(2) الكافي 5/ 122، ح 1.
(3) كذا في الأصل ور. و في المصدر: تقامر. و الظاهر: تتقامر.
(4) نفس المصدر 7/ 411، ح 3.
258
عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام):
قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ.» فقال: يا أبا بصير! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد علم أنّ في الأمّة حكّاما يجورون. أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل و لكنّه عنى حكّام أهل الجور.
و في تفسير العيّاشى (1): عن الحسن بن عليّ قال: قرأت في كتاب أبي الأسد.
إلى أبي الحسن الثاني (2)- (عليه السلام)- و جوابه بخطّه سأل: ما تفسير قوله وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ»؟
قال: فكتب إليه الحكّام القضاة.
قال: ثمّ كتب تحته: هو أن يعلم الرّجل، أنّه ظالم عاص. هو غير معذور في أخذه ذلك الّذي حكم له به، إذا كان قد علم أنّه ظالم.
في من لا يحضره الفقيه (3): روى سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): الرّجل منّا يكون عنده الشّيء يتبلّغ به و عليه الدّين. أ يطعمه عياله حتّى يأتيه اللّه- عزّ و جلّ- بميسرة، فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في خبث الزّمان و شدّة المكاسبة؟ أو يقبل الصّدقة؟
فقال: يقضي بما عنده دينه. و لا يأكل أموال النّاس إلّا و عنده ما يؤدّي إليهم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.»
و في مجمع البيان (4): و روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه يعنى بالباطل:
اليمين الكاذبة، يقطع بها (5) الأموال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قوله وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» (الآية) فإنّه قال العالم- (عليه السلام): قد علم اللّه أنّه يكون حكّام (7) يحكمون بغير الحقّ. فنهى أن يحاكم (8) إليهم لأنّهم (9) لا يحاكمون بالحقّ، فتبطل الأموال.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 85، ح 206.
(2) كذا في المصدر و في تفسير البرهان 1/ 188. و في النسخ: الثالث.
(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 112.
(4) مجمع البيان 1/ 282.
(5) المصدر: يقتطع به. (ظ)
(6) تفسير القمي 1/ 67.
(7) المصدر: حكاما.
(8) المصدر: يتحاكم.
(9) المصدر: فانّهم.
259
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ:
سأله معاذ بن جبل و ثعلبة بن غنم (1) فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثمّ يزيد حتّى يستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ؟
قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ:
إنّهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر، و تبدّل أمره. فأمره اللّه أن يجيب بأنّ الحكمة الظّاهرة في ذلك أن يكون معالم للنّاس. يؤقّتون بها أمورهم و معالم للعبادات المؤقّتة. يعرف بها أوقاتها. و خصوصا الحجّ. فإنّ الوقت مراعى فيه، أداء و قضاء.
و المواقيت، جمع ميقات، من الوقت. و الفرق بينه و بين المدّة و الزّمان، أنّ المدّة المطلقة، امتداد حركة الفلك، من مبدئها إلى منتهاها. و الزّمان مدّة مقسومة. و الوقت، الزّمان المفروض لأمر.
و في تهذيب الأحكام (2): عليّ بن حسن بن فضّال قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن زرارة، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد اللّه بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الأهلّة.
قال: هي أهلّة الشّهور. فإذا رأيت الهلال، فصم. و إذا رأيته، فأفطر.
عليّ بن الحسن بن فضّال (3)، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر العبديّ قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- يقول: صم حين يصوم الناس. و أفطر حين يفطر النّاس. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل الأهلّة مواقيت.
أبو الحسن محمّد بن أحمد بن داود (4) قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن سعيد عن الحسين (5) بن القسم، عن عليّ بن إبراهيم. قال: حدّثني أحمد بن عيسى بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عليّ بن الحسن، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ»، قال: لصومهم و فطرهم و حجهم.
وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها. وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى:
وجه اتّصاله بما قبله أنّهم سألوا عن الأمرين، أو أنّه (6) لمّا سألوا عمّا لا يعنونه، و لا
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 104.
(2) تهذيب الأحكام 4/ 161، ح 455.
(3) نفس المصدر 4/ 164، ح 462.
(4) نفس المصدر 4/ 166، ح 473.
(5) المصدر: الحسن.
(6) أ: أو أنّه لمّا سألوا عن الأمرين، أو انّه.
260
يتعلّق بعلم النّبوّة، و تركوا السّؤال عمّا يعنونه، و يختصّ بعلم النّبوّة، عقّب بذكره جواب ما سألوه، تنبيها على أنّ اللائق لهم أن يسألوا أمثال ذلك و يهتمّوا بالعلم بها. أو أنّ المراد به التّنبيه على تعكيسهم السّؤال و تمثيلهم بحال من ترك باب البيت و دخل من ورائه.
و المعنى: و ليس البرّ أن تعكسوا في مسائلكم و لكنّ البرّ من اتّقى ذلك، و لم يجسر على مثله.
وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، إذ ليس في العدول برّ.
في مجمع البيان (1): فيه وجوه:
أحدها- أنّه كان المجرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها. و لكنّهم كانوا يتنقّبون (2) في ظهور بيوتهم، أي: في مؤخّرها نقبا يدخلون و يخرجون منه. فنهوا عن التّديّن بذلك. رواه أبو الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام).
و ثانيها- أنّ معناه ليس البرّ بأن تأتوا الأمور (3) من غير جهاتها. و ينبغي أن تؤتى (4) الأمور من جهاتها، أيّ الأمور كان. و هو المرويّ عن جابر عن أبي جعفر- (عليه السلام).
و ثالثها- و قال أبو جعفر- (عليه السلام)- آل محمّد أبواب اللّه و سبله و الدّعاة إلى الجنّة و القادة إليها و الأدلاء عليها، إلى يوم القيامة، و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): أنا مدينة العلم. و علىّ بابها. و لا تؤتى المدينة إلّا من بابها و يروى: أنا مدينة الحكمة.
و في كتاب الاحتجاج (5)، للطبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن الأصبغ بن نباتة. قال: كنت عند أمير المؤمنين- (عليه السلام). فجاءه ابن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين! قول اللّه- عزّ و جلّ- لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها».
فقال- (عليه السلام): نحن البيوت الّتي أمر اللّه أن تؤتى من أبوابها. نحن باب اللّه و بيوته الّتي يؤتى منها (6). فمن بايعنا و أقرّ بولايتنا، فقد أتى البيوت من أبوابها. و من خالفنا و فضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لو شاء عرّف النّاس
____________
(1) مجمع البيان 1/ 284.
(2) كذا في النسخ. و في المصدر: ينقبون. (ظ)
(3) المصدر: البيوت.
(4) المصدر: تأتوا.
(5) الاحتجاج 1/ 338.
(6) المصدر: منه.
261
نفسه حتّى يعرفوه وحده و يأتوه (1) من بابه و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله و بابه الّذي يؤتى منه.
قال: فمن (2) عدل عن ولايتنا و فضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها.
و إنّهم عن الصّراط لنا كبون.
و عن أمير المؤمنين- (عليه السلام) (3)- في حديث طويل و فيه: و قد جعل اللّه للعلم أهلا. و فرض على العباد طاعتهم بقوله: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. و البيوت هي بيوت العلم الّذي استودعته الأنبياء. و أبوابها أوصياؤهم.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن سعد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.
فقال: آل محمّد أبواب اللّه و سبله و الدّعاة الى الجنّة و القادة إليها و الادلّاء عليها، إلى يوم القيامة.
[و في شرح الآيات الباهرة (5):] (6) و يؤيّده ما رواه محمّد بن يعقوب- ره- عن عليّ (7) بن (8) محمّد بن جمهور، عن سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القسم (9)، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): الأوصياء هم أبواب اللّه- عزّ و جلّ- التي يؤتى منها.
و لولاهم ما عرف اللّه- عزّ و جلّ. و بهم احتجّ على خلقه.
و روى في معنى «من يأتى البيوت من غير أبوابها» ما رواه أبو عمرو الزّاهد (10)، في كتابه، بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت له: إنّا نرى الرّجل من المخالفين عليكم له عبادة و اجتهاد و خشوع. فهل ينفعه ذلك؟
فقال: يا أبا محمّد! إنّما مثلهم كمثل أهل بيت في بني إسرائيل. كان إذا اجتهد أحد منهم أربعين ليلة، و دعا اللّه أجيب. و إنّ رجلا منهم اجتهد أربعين ليلة، ثم دعا اللّه،
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يعرفونه و يأتونه.
(2) المصدر: فقال فيمن.
(3) نفس المصدر 1/ 369.
(4) تفسير العياشي 1/ 86، ح 210.
(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 29- 30.
(6) ليس في أ.
(7) المصدر: معلّى.
(8) المصدر و أ: عن.
(9) المصدر و ر و أ: القاسم.
(10) نفس المصدر و نفس الموضع.
262
فلم يستجب له فأتى عيسى بن مريم- (عليه السلام)- يشكو إليه ما هو فيه. و يسأله الدّعاء له.
قال: فتظهّر عيسى- (عليه السلام). ثمّ دعا اللّه. فأوحى اللّه إليه. يا عيسى! إنّه أتانى من غير الباب الّذي يؤتى (1) منه. إنّه دعاني و في قلبه شكّ منك. فلو دعاني حتّى ينقطع عنقه و تنتشر أنامله، ما استجبت له.
قال: فالتفت عيسى- (عليه السلام)- [اليه.] (2) و قال [له]: (3) تدعو ربك و في قلبك شكّ من نبيّه؟
فقال: يا روح اللّه و كلمته! قد كان ما قلت. فأسال اللّه أن يذهب به عنّي.
فدعا له عيسى- (عليه السلام). فتقبّل اللّه فيه (4). و صار الرّجل من جملة اهل بيته. و كذلك نحن أهل البيت. لا يقبل اللّه عمل عبد (5)، و هو يشك فينا.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ في تغيير أحكامه، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189): لكي تظفروا بالهدى و البرّ.
وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: جاهدوا لإعلاء كلمته و إعزاز دينه.
الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ:
قيل (6): كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافّة المقاتل منهم و المحاجز.
و قيل (7): معناه الّذين يناصبونكم القتال و يتوقّع منهم القتال، دون غيرهم، من المشايخ و الصبيان و الرهبان و النّساء، او الكفرة كلهم. فإنّهم بصدد قتال المسلمين و على قصده.
و في مجمع البيان (8): المرويّ عن أئمتنا- (عليهم السلام)- أنّ هذه الآية ناسخة (9) لقوله تعالى (10): كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ. و كذلك قوله (11): وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، ناسخ لقوله (12):
____________
(1) النسخ: اتوى.
2 و 3- يوجد في المصدر.
(4) المصدر: منه.
(5) المصدر: عبده.
(6) أنوار التنزيل 1/ 105.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع.
(8) مجمع البيان 1/ 285.
(9) ر: منسوخة.
(10) النساء/ 77.
(11) البقرة/ 130.
(12) الأحزاب/ 48.
263
وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ.
وَ لا تَعْتَدُوا بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد، أو المفاجأة، من غير دعوة، أو المثلة، أو قتل من نهيتم عن قتله من النّساء و الصّبيان.
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190): لا يريد بهم الخير.
وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ: حيث وجدتموهم، في حلّ أو حرم.
و أصل الثّقف، الحذق في إدراك الشّيء، علما كان أو عملا. فهو يتضمّن معنى الغلبة. و لذلك استعمل فيها.
قال (1):
فأمّا تثقفوني فاقتلوني* * * فمن أثقف فليس إلى خلود
وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، أي: مكّة. و قد فعل ذلك لمن لم يؤمن يوم الفتح.
وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، أي: المحنة الّتي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن، أصعب من القتل، لدوام تعبها و تألّم النّفس بها.
و قيل (2): معناه شركهم في الحرم، و صدّهم إيّاكم عنه، أشدّ من قتلكم إيّاهم فيه.
وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي: لا تفاتحوهم بالقتال و هتك حرمة المسجد.
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ: فلا تبالوا بقتالهم ثمّة. فإنّهم الّذين هتكوا حرمته.
و قرأ حمزة و الكسائيّ (3): و لا تقتلوهم حتّى يقتلوكم فإن قتلوكم. و المعنى: حتّى يقتلوا بعضكم (4).
كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191): مثل ذلك جزاؤهم. يفعل بهم، مثل ما فعلوا.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال و الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192): يغفر لهم ما قد سلف.
وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: شرك.
وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ خالصا ليس للشّيطان فيه نصيب.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 105.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
(4) أ: بعضهم.
264
و في مجمع البيان (1): و في الآية دلالة على وجوب إخراج الكفّار من مكّة، لقوله:
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. و السّنّة، أيضا، قد وردت بذلك. و هو قوله- (عليه السلام): لا يجتمع في جزيرة العرب دينان.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك، فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) أي: لا تعتدوا عليهم إذ لا يحسن الظّلم، إلّا على من ظلم. فوضع العلّة موضع الحكم. و سمّى جزاء الظّلم باسمه، للمشاكلة. أو إنّكم إن تعرّضتم للمنتهين، صرتم ظالمين و يحسن العدوان عليكم.
و «الفاء» الأولى، للتّعقيب، و الثّانية، للجزاء.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن الحسن بياع (3) الهرويّ، يرفعه عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قوله: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، قال: إلّا على ذرّيّة قتلة الحسين- (عليه السلام).
عليّ بن ابراهيم (4) قال: أخبر من رواه عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت:
لا عدوان إلّا على الظّالمين.
قال: لا يعتدي اللّه على أحد إلّا على نسل (5) ولد قتلة الحسين- (عليه السلام).
و في هذا الخبر، إشكال بحسب المعنى. لأنّه إن أريد بالاعتداء الزّيادة في العذاب.
على قدر (6) العمل، لا يجوز إسناده إلى اللّه- عزّ و جلّ. لأنّه عدل. لا يجوز. و إن أريد مجازاة العمل القبيح، لا يختصّ بذرّيّة قتلة الحسين- (عليه السلام). و أيضا الإشكال في مؤاخذة ذرّيّة قتلة الحسين- (عليه السلام)- بأعمال آبائهم.
و يمكن أن يقال: المراد بالاعتداء، العذاب الغليظ المتجاوز عمّا يحيط به العقل.
و ذلك بسبب شدّة قبح أعمال آبائهم. و القبيح منهم الرّضا بفعال أسلافهم. و عدم (7) اللّعن عليهم في ليلهم و نهارهم و قبيح عمل غيرهم ليس بهذه المثابة و إن كان ملحقا بهم و من جملتهم. فيحسن الاعتداء بهذا المعنى عليه، أيضا.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 286.
(2) تفسير العيّاشي 1/ 86، ح 214.
(3) كذا في المصدر و في النسخ. و الظاهر أنّه «البياع».
(4) نفس المصدر 1/ 87، ح 216.
(5) ليس في أ.
(6) ر: بقدر.
(7) أ: وعدهم.
265
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ:
قيل (1): قاتلهم المشركون عام الحديبية، في ذي القعدة. و اتّفق خروجهم لعمرة القضاء فيه. فكرهوا أن يقاتلوهم فيه، لحرمته. فقيل لهم: هذا الشّهر بذاك. و هتكه بهتكه.
فلا تبالوا به.
وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ، أي: كلّ حرمة يجرى فيها القصاص: فلمّا هتكوا حرمة شهركم بالصّدّ، فافعلوا مثله.
و في مجمع البيان (2): و الحرمات قصاص، قيل (3): [فيه قولان: أحدهما- أنّ الحرمات قصاص بالمراغمة] (4) بدخول البيت في الشّهر الحرام.
قال (5) مجاهد: لأنّ قريشا فخرت بردّها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عام الحديبية، محرما في ذي القعدة، عن البلد الحرام. فأدخله اللّه- عزّ و جلّ- مكّة في العام المقبل، في ذي القعدة. فقضى عمرته. و اقتصّه (6) بما حيل بينه و بينه.
قال (7): و روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.
و في تفسير العيّاشيّ (8): عن العلا بن فضيل قال: سألته عن المشركين، أ يبتدئهم (9) المسلمون بالقتال في الشّهر الحرام؟
فقال: إذا كان المشركون ابتدؤوهم باستحلالهم، ثمّ رأى المسلمون انّهم يظهرون عليهم فيه. و ذلك قوله الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ.
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ في الحرم، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ في الحرم.
و في تهذيب الأحكام (10): موسى بن القسم، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: رجل قتل رجلا في الحرم. و سرق في الحرم.
فقال: يقام عليه الحدّ و صغار له. لأنّه لم ير للحرم حرمة. و قد قال اللّه تعالى:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 106.
(2) مجمع البيان 1/ 287- 288.
(3) ليس في ر.
(4) ليس في أ.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) أ: أقتضاه. المصدر: أقصه.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع.
(8) تفسير العياشي 1/ 86، ح 215.
(9) أو المصدر: أ يبتدء بهم.
(10) تهذيب الأحكام 5/ 419، ح 1456.
266
[فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ] (1) فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ، يعني: في الحرم. و قال: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ في الانتصار. و لا تعتدوا إلى (2) ما لم يرخّص لكم.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. (194): فيحرسهم و يصلح شأنهم.
وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. و لا تمسكوا كلّ الإمساك.
وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالإسراف و تضييع وجه المعاش، أو بالكفّ عن الغزو و الإنفاق فيه. فإنّه يقوّي العدوّ و يسلّطهم على إهلاككم، أو بالإمساك و حبّ المال. فإنّه يؤدّى إلى الهلاك المؤبّد. و لذلك سمّي البخل، هلاكا. و هو في الأصل انتهاء الشّيء في الفساد و الإلقاء طرح الشّيء.
و عدّي بإلى، لتضمّن معنى الانتهاء.
و الباء مزيدة.
و المراد بالأيدي، الأنفس.
و التّهلكة و الهلاك و الهلك، واحد فهي مصدر، كالتّضرّة و التّسرّة، أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك.
و قيل (3): معناه لا تجعلوها أخذة بأيديكم. أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها. فحذف المفعول.
[وَ أَحْسِنُوا أعمالكم و أخلاقكم. و تفضّلوا على المحاويج.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) و يجازيهم أحسن جزاء على الإحسان.] (4)
و في الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن يونس بن يعقوب، عن حمّاد اللّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لو أنّ رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل اللّه، ما كان أحسن و لا أوفق. أ ليس يقول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ؟ يعني:
المقتصدين.
____________
(1) ليس في أ.
(2) الظاهر: على.
(3) أنوار التنزيل 1/ 106.
(4) ما بين المعقوفتين يوجد في أ، فقط.
(5) الكافي 4/ 53، ح 7.
267
و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مولد الرّضا- (عليه السلام): ملك عبد اللّه المأمون عشرين (2) سنة و ثلث و عشرين يوما. فأخذ في (3) البيعة في ملكه لعليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- بعهد المسلمين من غبر رضاه. و ذلك بعد أن تهدّده (4) بالقتل و ألحّ عليه مرّة بعد أخرى، في كلّها يأتى (5) عليه من (6) يأتيه (7) حتى أشرف على الهلاك. فقال- (عليه السلام):
اللّهمّ إنّك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التّهلكة. و قد أكرهت و اضطررت كما أشرفت من قبل عبد اللّه المأمون على القتل متى (8) لم أقبل ولاية عهده. و قد أكرهت و اضطررت كما اضطرّ يوسف و دانيال- (عليهما السلام)- إذ قبل كلّ واحد منهما الولاية من طاغية زمانه.
اللّهمّ لا عهد إلّا عهدك و لا ولاية (9) إلّا من قبلك. فوفّقني لإقامة دينك و إحياء سنّة نبيّك.
فإنّك أنت المولى (10) و النّصير. و نعم المولى أنت و نعم النّصير.
ثمّ قبل ولاية العهد من المأمون و هو باك حزين على أن لا يوالي أحدا، و لا يعزل أحدا، و لا يغيّر رسما (11) و لا سنّة. و أن يكون في الأمر مشيرا (12) من بعيد.
و في خبر آخر طويل (13)، قال له المأمون، بعد أن أبى من قبول العهد: فباللّه أقسم، لئن قبلت ولاية العهد. و إلّا أجبرتك على ذلك. فإن فعلت و إلّا ضربت عنقك.
فقال الرّضا- (عليه السلام): قد نهاني اللّه- عزّ و جلّ- أن ألقي بيدي الى التّهلكة.
فإن كان الأمر على هذا، فافعل ما بدأك. فأنا (14) أقبل على أن (15) لا أوالي أحدا و لا أعزل أحدا و لا أنقض رسما و لا سنّة. و أكون في الأمر من بعيد مشيرا.
فرضي منه بذلك فجعله (16) وليّ عهده على كراهة منه- (عليه السلام)- لذلك (17).
____________
(1) عيون أخبار الرضا 1/ 16، ح 1.
(2) ليس في ر.
(3) ليس في المصدر. (ظ)
(4) المصدر: هدّده.
(5) المصدر: يأبي. (ظ)
(6) المصدر: حتّى أشرف من.
(7) المصدر: تأبيه.
(8) المصدر: منى إن.
(9) المصدر: ولاية لي.
(10) المصدر: و أنت.
(11) ر: رسم.
(12) ر: بشير.
(13) نفس المصدر و نفس الموضع.
(14) المصدر: و إنّا. (ظ)
(15) المصدر: أنّي.
(16) المصدر: و جعله. (ظ)
(17) المصدر: بذلك.
268
و في من لا يحضره الفقيه (1)، في الحقوق المرويّة عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام): و حقّ السّلطان، أن تعلم أنّك جعلت له فتنة. و أنّه مبتلى فيك بما جعله اللّه- عزّ و جلّ- له عليك من السّلطان. و أنّ عليك أن لا تتعرّض لسخطه، فتلقى بيدك إلى التّهلكة. و تكون شريكا له فيما يأتي إليك من سوء.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ- (رحمه اللّه)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل. يقول فيه لعليّ- (عليه السلام): يا أخي! أنت سيفي (3) من بعدي و ستلقى من قريش شدّة. و من تظاهرهم عليك و ظلمهم لك. فإن وجدت عليهم أعوانا، فجاهدهم و قاتل من خالفك بمن وافقك.
و إن لم تجد أعوانا، فاصبر و كفّ يدك و لسانك. و لا تلق بها إلى التّهلكة.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرّضا- (عليه السلام): أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قد عرف قاتله و اللّيلة التي يقتل فيها و الموضع الّذي يقتل فيه. و قوله لمّا سمع صياح الإوزّ في الدّار: «صوائح تتبعها نوائح.» و قول أمّ كلثوم: «لو صلّيت اللّيلة داخل الدّار. و أمرت غيرك يصلّي بالنّاس.» فأبى عليها. و كثر دخوله و خروجه تلك اللّيلة بلا سلاح. و قد عرف- (عليه السلام)- أنّ ابن ملجم- لعنه اللّه- قاتله بالسّيف. كان هذا ممّا لا يحسن (5) تعرّضه.
فقال: ذلك كان و لكنّه جبن (6) في تلك اللّيلة لتمضي مقادير اللّه- عزّ و جلّ.
و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه) (7)- بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: طاعة السّلطان، واجبة. و من ترك طاعة السّلطان، فقد ترك طاعة اللّه. و دخل في نهيه. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
[و أحسنوا أعمالكم و أخلاقكم. و تفضّلوا على المحاويج. إنّ اللّه يحبّ المحسنين.
و يجازيهم أحسن جزاء على الإحسان.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 377، ح 1626.
(2) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 264، ح 10.
(3) المصدر: ستبقى. (ظ)
(4) الكافي 1/ 259، ح 4.
(5) المصدر: لم يجز.
(6) المصدر: خيّر. (ظ)
(7) أمالى الصدوق/ 277، مجلس 54، ح 20.
269
و في محاسن البرقيّ (1)، عنه، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد. قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إذا أحسن المؤمن عمله، ضاعف اللّه عمله بكلّ حسنة سبعمائة. و ذلك قول اللّه- تبارك و تعالى: يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ. فأحسنوا أعمالكم الّتي يعملونها لثواب اللّه.
فقلت له: و ما الإحسان؟
قال: فقال: إذا صلّيت، فأحسن ركوعك و سجودك. و إذا صمت، فتوقّ كلّ ما فيه فساد صومك. و إذا حججت، فتوقّ ما يحرم عليك في حجّك و عمرتك.
قال: و كلّ عمل يعمله للّه، فليكن نقيّا من الدّنس (2).]
وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ، أي ائتوا بهما تأمين لوجه اللّه. و هو يدلّ على وجوبهما.
و في مجمع البيان (3): وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ، أي: أتمّوهما بمناسكهما و حدودهما و تأدية كلّ ما فيهما.
و قيل: أقيموهما إلى آخر ما فيهما. و هو المرويّ عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و علي بن الحسين- (عليهما السلام).
و الظّاهر أنّ ما ذكره من المعنيين، مع ما أوردنا، متّحد.
و في عيون الأخبار (4)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون، من محض الإسلام و شرائع الدّين: و لا يجوز القرآن و الإفراد الّذي يستعمله العامّة إلّا لأهل مكّة و حاضريها. و لا يجوز الإحرام دون الميقات. قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ.
و في كتاب الخصال (5): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الدّين- إلى أن قال (عليه السلام)- و لا يجوز القرآن و الإفراد إلّا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام. و لا يجوز الإحرام قبل بلوغ الميقات و لا يجوز تأخيره عن الميقات إلّا لمرض أو تقيّة. و قد قال اللّه تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. و تمامهما اجتناب الرّفث و الفسوق و الجدال، في الحجّ.
و في كتاب علل الشّرائع (6): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضى اللّه
____________
(1) المحاسن/ 254، ح 283.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) مجمع البيان 1/ 290.
(4) عيون أخبار الرضا 2/ 122، ح 1.
(5) الخصال 2/ 606، ح 9.
(6) علل الشرائع 2/ 408، ح 1.
270
عنه. قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن العبّاس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير. و حمّاد و صفوان بن يحيى و فضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: العمرة واجبة على الخلق، بمنزلة الحجّ من استطاع. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. و إنّما نزلت العمرة بالمدينة. و أفضل العمرة، عمرة رجب.
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضى اللّه عنه (1)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن حمّاد بن عيسى، عن أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: لم سمّي الحجّ، حجّا؟
قال: حجّ فلان، أي: أفلح فلان.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة.
قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- بمسائل بعضها مع ابن بكير و بعضها مع أبي العبّاس فجاء الجواب بإملائه:
سألت عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، يعني به: الحجّ و العمرة، جميعا. لأنّهما مفروضان.
و سألته عن قول اللّه تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. قال: يعني بتمامهما أداءهما و اتّقاء ما يتّقى المحرم فبهما.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
الحسين بن محمّد (3) عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ، عن أبان (4)، عن الفضل [بن شاذان، عن] (5) أبي العبّاس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قال: هما مفروضان.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان، في قول اللّه تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قال: إتمامهما أن لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحجّ.
____________
(1) نفس المصدر 2/ 411، ح 1.
(2) الكافي 4/ 264، ح 1.
(3) نفس المصدر 4/ 265، ح 2.
(4) المصدر: أبان بن عثمان.
(5) ليس في المصدر.
(6) نفس المصدر 4/ 377، ح 2.
271
ابن أبي عمير (1)، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ على من استطاع. لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. و إنّما نزلت العمرة بالمدينة.
قال: قلت له: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ أ يجزي ذلك عنه؟
قال: نعم.
و في تهذيب الأحكام (2): روى موسى بن القسم، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام). قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ. لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. و إنّما نزلت العمرة بالمدينة.
و في الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن جابر، عن أبي جعفر (4)- (عليه السلام)- قال: تمام الحجّ لقاء الإمام.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى. و ابن أبي عمير، جميعا، عن معاوية بن عمّار- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إذا أحرمت فعليك بتقوى اللّه، و ذكر اللّه كثيرا، و قلّة الكلام، إلّا بخير. فإنّ من تمام الحجّ و العمرة أن يحفظ المرء لسانه، إلّا من خير، كما قال اللّه تعالى. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ. (الحديث).
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى إسماعيل بن مهران، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: إذا حجّ أحدكم، فليختم حجّه بزيارتنا. لأنّ ذلك من تمام الحجّ.
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ: منعتم.
يقال: حصره العدوّ، و أحصره، إذا حبسه و منعه عن المضيّ، مثل: صدّ و أصدّ.
قيل (7): المراد حصر العدوّ، لقوله تعالى فَإِذا أَمِنْتُمْ، و لنزوله في الحديبية، و لقول
____________
(1) نفس المصدر 4/ 265، ح 4.
(2) تهذيب الأحكام 5/ 433، ح 1502.
(3) الكافي 4/ 549، ح 2.
(4) ر: أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
(5) نفس المصدر 4/ 337، ح 3.
(6) عيون أخبار الرضا 2/ 262، ح 28.
(7) مجمع البيان/ 290.
272
ابن عبّاس: لا حصر إلّا حصر العدوّ.
و قيل (1): و كلّ من منع من عدوّ و مرض. أو غيرهما لما روي عنه- (عليه السلام) (2)- من كسر أو عرج، فقد حلّ. فعليه الحجّ من قابل.
و التّحقيق: أنّ المحصور، هو المحصور بالمرض. و المصدود بالعدوّ. و إن كان المراد بالحصر بالقرينة، هو العموم هنا.
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أي: فعليكم ما استيسر، فالواجب ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر.
و المعنى: إن أحصر المحرم و أراد أن يتحلّل، تحلّل بذبح هدي يسر عليه من بدنة، أو بقرة، أو شاة.
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن عبد اللّه بن فرقد، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين صدّ بالحديبية، قصّر و أحلّ و نحر. ثمّ انصرف منها. و لم يجب عليه الحلق حتّى يقضي النّسك. فأمّا المحصور، فإنّما يكون عليه التقصير.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن ابن أبى عمير. و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، و صفوان، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: المحصور غير المصدود المحصور المريض. و المصدود الّذي يصدّه المشركون، كما رووا عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (5) ليس من مرض. و المصدود تحلّ له النّساء. و المحصور لا تحلّ له النّساء.
قال: و سألته عن رجل أحصر و بعث بالهدى.
قال: يواعد أصحابه ميعادا، إن كان في الحجّ، فمحلّ الهدي يوم النّحر. فإذا كان يوم (6) النّحر، فليقصّ من رأسه. و لا يجب عليه الحلق، حتّى يقضي المناسك. و إن كان في عمرة، فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكّة و السّاعة الّتي يعدهم فيها. فإذا كان تلك
____________
(1) مجمع البيان 1/ 290.
(2) ر. أنوار التنزيل 1/ 106.
(3) الكافي 4/ 368، ح 1.
(4) نفس المصدر 4/ 369، ح 3.
(5) المصدر: كما ردّوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه. (ظ)
(6) «فإذا كان يوم النحر» ليس في ر.
273
السّاعة، قصّر و أحلّ. و إن كان مرض في الطّريق، بعد ما يخرج (1) فأراد الرّجوع رجع إلى أهله و نحر بدنة أو أقام مكانه، حتّى يبرأ إذا كان في عمرة. و إذا برئ، فعليه العمرة واجبة.
و إن كان عليه الحجّ، رجع أو أقام (2) ففاته الحجّ، فإنّ عليه الحجّ من قابل. فإنّ الحسين بن عليّ- (صلوات اللّه عليه)- خرج معتمرا. فمرض في الطّريق. فبلغ عليّا- (عليه السلام)- ذلك و هو في المدينة. فخرج في طلبه. فأدركه بالسّقيا (3). و هو مريض بها.
فقال: يا بنيّ! ما تشكي؟
فقال: أشتكي رأسي.
فدعا عليّ- (عليه السلام)- ببدنة. فنحرها. و حلق رأسه. و ردّه إلى المدينة. فلمّا برئ من وجعه، اعتمر.
قلت: أ رأيت حين برئ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حلّ له النّساء؟
قال: لا تحلّ له النّساء حتّى يطوف بالبيت و بالصّفا و المروة.
قلّت: فما بال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين رجع من الحديبية حلّت له النّساء و لم يطف بالبيت؟
قال: ليسا سواء كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مصدودا و الحسين- (عليه السلام)- محصورا.
عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد. و سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب (5)، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا أحصر الرّجل بعث بهديه.
فإذا أفاق و وجد من نفسه خفّة، فليمض إن ظنّ أنّه يدرك النّاس. فإن قدم مكّة قبل أن ينحر الهدي، فليقم على إحرامه، حتّى يفرغ من جميع المناسك و لينحر هديه. و لا شيء عليه.
و إن قدم مكّة و قد نحر هديه، فإنّ عليه الحجّ من قابل أو (6) العمرة.
قلت: فإن مات و هو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة؟
قال: يحجّ عنه، إن كانت حجّة الإسلام. و يعتمر. إنّما هو شيء عليه.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن
____________
(1) المصدر: أحرم. (ظ)
(2) أ: و أقام. ر: أو قام.
(3) أ: بالسفيار. ر: بالسقيار.
(4) نفس المصدر 4/ 370، ح 4.
(5) أ: ابن رقاب.
(6) أ: و.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 5.
274
أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في المحصور و لم يسق الهدي، قال: ينسّك. و يرجع. فإن لم يجد ثمن هدي، صام.
عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن مثنّى، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أحصر الرّجل، فبعث بهديه، فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فإنّه يذبح ستّة مساكين. الّذي أحصر (2) فيه، أو يصوم، أو يتصدّق. و الصّوم ثلاثة أيّام. و الصّدقة (3) على ستّة مساكين. و نصف صاع لكلّ مسكين.
سهل (4)، عن ابن أبي نضر، عن رفاعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال:
سألته عن الرّجل يشترط و هو ينوي المتعة، فيحصر، هل يجزئه أن لا يحجّ من قابل؟
قال: يحجّ من قابل. و الحاجّ مثل ذلك إذا أحصر.
قلت: رجل ساق الهدى ثمّ أحصر.
قال: يبعث بهديه.
قلت: هل يتمتّع (5) من قابل؟
قال: لا. و لكن يدخل في مثل ما خرج منه.
حميد بن زياد (6)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن المثنّى، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المصدود (7) يذبح حيث صدّ. و يرجع صاحبه. فيأتي النّساء. او المحصور: يبعث بهديه. و يعدهم يوما. فإذا بلغ الهدي، أحلّ هذا في مكانه.
قلت له: أ رأيت أن ردوا (8) عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه و قد أحكّ فأتى النّساء؟
قال: فليعد و ليس عليه شيء. و ليمسك العام عن النّساء، إذا بعث.
و في عيون الأخبار (9)، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام): فإن قال فلم أمروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك؟ قيل له: لأنّ اللّه
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 6.
(2) أ: حصر.
(3) أ: أو صدقة.
(4) نفس المصدر 4/ 371، ح 7.
(5) المصدر: يستمتع. (ظ)
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 9.
(7) ليس في ر.
(8) ليس في ر.
(9) عيون أخبار الرضا 2/ 118، ح 1.
275
تعالى وضع الفرائض على أدنى القوم قوّة (1). كما قال- عزّ و جلّ: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني: بشاة ليسع القويّ و الضّعيف. و كذلك سائر الفرائض. إنّها وضعت على أدنى القوم قوّة (2).
وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.، أي: لا تحلقوا حتّى تعلموا أنّ الهدي المبعوث بلغ محلّه، أي: حيث يحلّ ذبحه فيه.
و المحلّ (بالكسر) يطلق للمكان و الزّمان.
و الهدي، جمع هدية، كجدي و جدية و قرئ الهدي جمع هديّة، كمطيّ و مطيّة.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين حجّ حجّة الوداع (4)، خرج في أربع بقين من ذي القعدة، حتّى أتى الشّجرة. فصلّى بها. ثمّ قاد راحلته حتّى أتى البيداء. فأحرم منها.
و أهلّ بالحجّ و ساق مائة بدنة. و أحرم (5) النّاس كلّهم بالحجّ، لا ينوون عمرة (6)، و لا يدرون ما المتعة، حتّى إذا قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مكّة، طاف بالبيت. و طاف النّاس معه. ثمّ صلّى ركعتين عند المقام. و استلم الحجر ثم قال: «أبدأ بما بدأ اللّه به.
فأتى الصّفا. فبدأ بها ثمّ طاف بين الصّفا و المروة، سبعا. فلمّا قضى طوافه عند المروة، قام خطيبا. فأمرهم أن يحلّوا و يجعلوها عمرة. و هو شيء أمر اللّه تعالى به. فأحلّ النّاس.
و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لو كنت استقبلت من أمري، ما استدبرت لفعلت كمّا أمرتكم. و لم يكن (7) يستطيع ان (8) يحلّ من أجل الهدي الّذي معه (9).
إنّ اللّه تعالى يقول: وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
فقال سراقة بن مالك بن خثعم (10): يا رسول اللّه! علّمنا ديننا. كأنّنا خلقنا اليوم.
____________
(1) ليس في أور. و في المصدر: مرّة.
(2) ليس في ر.
(3) الكافي 4/ 248، ح 6.
(4) المصدر: الإسلام.
(5) ر: إحرام.
(6) أ: لا ينوون عمرة و لا يدرون عمرة.
(7) «يكن» ليس في أ.
(8) ر: من أن.
(9) المصدر: كان معه.
(10) المصدر: جعشم.
276
أ رأيت هذا الّذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لكلّ عام؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): بل (1) لأبد الأبد.
و إنّ رجلا قام. فقال: يا رسول اللّه! نخرج حجّاجا و رؤوسنا تقصر.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): انك (2) لن تؤمن بها أبدا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب علل الشرائع (3): حدّثنا محمّد بن الحسن- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، و صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حجّة الوداع، لمّا فرغ من السّعي، قام عند المروة، فخطب النّاس، فحمد اللّه، و أثنى عليه. ثمّ قال: يا معشر النّاس! هذا جبرئيل- و أشار بيده إلى خلفه- يأمرني أن آمر من لم يسق هديا، أن يحلّ. و لو استقبلت من أمري ما استدبرت. لفعلت كما أمرتكم.
و لكنّي سقت الهدي. و ليس لسائق الهدي أن يحلّ، حتّى يبلغ الهدى محلّه.
فقام إليه سراقة بن مالك بن خثعم (4) الكنانيّ. فقال: يا رسول اللّه! علّمنا ديننا.
فكأنّنا خلقنا اليوم. أ رأيت هذا الّذي أمرتنا به لعامنا (5)؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لا بل لأبد الأبد.
و إنّ رجلا قام. فقال: يا رسول اللّه! نخرج حجّاجا و رؤوسنا تقصر.
فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّك لن تؤمن بها أبدا.
حدّثنا أبي (6) و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضى اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه عن القسم بن محمّد الأصفهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن فضيل بن عياض قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن اختلاف النّاس في الحجّ.
فبعضهم يقول: خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- محلّا بالحجّ، و قال بعضهم: محلّا بالعمرة، و قال بعضهم: خرج قارنا، و قال بعضهم: خرج ينتظر أمر اللّه- عزّ و جلّ.
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): علم اللّه- عزّ و جلّ- أنّها حجّة لا يحجّ رسول اللّه-
____________
(1) المصدر: لا بل.
(2) أ: بل إنّك.
(3) علل الشرائع 2/ 413، ح 2.
(4) المصدر: جشعم.
(5) المصدر: لعامنا أو لكلّ عام.
(6) نفس المصدر 2/ 414، ح 3.
277
(صلّى اللّه عليه و آله)- بعدها أبدا. فجمع اللّه- عزّ و جلّ- له ذلك كلّه في سفرة واحدة، ليكون جميع ذلك سنّة لأمّته فلمّا طاف بالبيت و بالصّفا و المروة، أمره جبرئيل- (عليه السلام)- أن يجعلها عمرة إلّا من كان معه هدى، فهو محبوس على هديه، لا يحلّ قوله (1)- عزّ و جلّ:
حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فجمعت له العمرة و الحجّ. و كان خرج على خروج العرب الأوّل. لأنّ العرب كانت لا تعرف الا الحجّ. و هو في ذلك ينتظر أمر اللّه- عزّ و جلّ.
و هو يقول- (عليه السلام): النّاس على أمر جهالتهم (2)، إلّا ما غيّره الإسلام. و كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحجّ. فشقّ على أصحابه حين قال: «اجعلوها عمرة.» لأنّهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجّ. و هذا الكلام من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّما كان في الوقت الّذي أمرهم فيه بفسخ الحجّ. و قال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة.» و شبك بين أصابعه، يعني: في أشهر الحجّ (3).
قلت: فيتعبّا (4) بشيء من امر الجاهليّة؟
قال إنّ الجاهليّة (5) ضيّعوا كلّ شيء من دين (6) ابراهيم- (عليه السلام)- إلّا الختان و التّزويج و الحجّ. فإنّهم تمسّكوا به. و لم يضيّعوها.
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً مرضا يحوجه إلى الحق، أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ من جراحة و قمل.
فَفِدْيَةٌ: فعليه فدية إن حلق، مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ: بيان لجنس الفدية.
و أمّا قدرها،
ففي الكافي (7): عليّ عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: مرّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على كعب بن عجرة و القمل يتناثر من رأسه و هو محرم. فقال له: أ تؤذيك هو امّك؟ فقال: نعم.
فأنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.
____________
(1) المصدر: لقوله. (ظ)
(2) كذا في النسخ. و في المصدر: جاهليتهم. (ظ)
(3) بعد هذه العبارة توجد في أ: و هذا الكلام من رسول الله- صلى الله عليه و آله.
(4) المصدر: أ فيعتد.
(5) فقال: إن أهل الجاهلية.
(6) المصدر و أ: دون.
(7) الكافي 4/ 358، ح 2.
278
فأمره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يحلق و جعل الصّيام ثلاثة أيّام. و الصّدقة على ستّة مساكين، لكلّ مسكين مدّين. و النّسك، شاة.
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): و كلّ شيء من القرآن أو فصاحبه بالخيار. يختار ما شاء. و كلّ شيء (1) في القرآن. فمن لم يجد كذا، فعليه كذا. فالأولى بالخيار.
عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن مثنّى، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أحصر الرّجل، فبعث بهديه، فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فإنّه يذبح شاة في المكان الّذي أحصر فيه، أو يصوم، أو يتصدّق. و الصّوم ثلاثة أيّام. و الصّدقة على ستّة مساكين، نصف صاع لكلّ مسكين.
و في من لا يحضره الفقيه (3): و مرّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- على كعب بن عجرة الأنصاريّ و هو محرم و قد أكل القمل رأسه و حاجبيه و عينيه. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ما كنت أرى أنّ الأمر يبلغ ما أرى.
فأمره. فنسك عنه، نسكا. و حلق رأسه. يقول اللّه: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. فالصّيام ثلاثة أيّام. و الصّدقة على ستّة مساكين، لكلّ مسكين صاع من تمر و النّسك، شاة. لا يطعم (4) منها أحد إلّا المساكين.
و ما وقع في الأحاديث الثّلاثة من الاختلاف في إعطاء المسكين، فإنّه في الأوّل مدّان، و في الثّاني نصف صاع، و في الثّالث صاع، فإنّه لا اختلاف بين الأوّلين في المعنى.
فإن نصف الصّاع، هو المدّان. فإنّ الصّاع أربعة أمداد. و يحتمل في الخبر الأخير أن يكون سقط لفظ «نصف.» و أن يكون محمولا على الأفضل.
فَإِذا أَمِنْتُمْ الإحصار، أو كنتم في حال أمن وسعة، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ:
الحاجّ على ثلاثة وجوه:
المتمتّع. و هو الّذي يحجّ في أشهر الحجّ. و يقطع التّلبية إذا نظر إلى بيوت مكّة. فإذا دخل مكّة طاف بالبيت سبعا، و صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم- (عليه السلام)- و سعى بين الصّفا و المروة سبعا، و قصّر، و أحلّ فهذه عمرة يتمتّع بها من الثّياب و الجماع و الطّيب
____________
(1) المصدر: من.
(2) نفس المصدر 4/ 370، ح 6.
(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 228، ح 1083.
(4) أ: لا يطعمها.
279
و كلّ شيء يحرم على المحرم، إلّا الصّيد. لأنّه حرام على المحلّ في الحرم و على المحرم في الحلّ و الحرم. و يتمتّع بما سوى ذلك إلى الحجّ.
و الحجّ ما يكون بعد يوم التّروية، من عقد الإحرام الثّاني بالحجّ المفرد و الخروج إلى منى، و منها إلى عرفات، و قطع التّلبية عند زوال الشّمس يوم عرفة. و يجمع فيها بين الظّهر و العصر، بأذان واحد و إقامتين و البيتوتة بها إلى غروب الشّمس و الإفاضة إلى المشعر الحرام و الجمع بين المغرب و العشاء بها بأذان واحد و إقامتين و البيتوتة بها و الوقوف بها بعد الصّبح، إلى أن تطلع الشّمس على جبل ثبير، و الرّجوع إلى منى و الذّبح و الحلق و الرّمي و دخول المسجد الحصباء و الاستلقاء فيه على القفا و زيارة البيت و طواف الحجّ- و هو طواف الزّيارة- و طواف النّساء. فهذه صفة المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ. و المتمتّع عليه، ثلاثة أطواف بالبيت: طواف العمرة، و طواف للحجّ، و طواف للنّساء، و سعيان بين الصّفا و المروة، كما ذكرناه.
و على القارن و المفرد طوافان بالبيت و سعيان بين الصّفا و المروة. و لا يحلّان بعد العمرة يمضيان على إحرامهما الأوّل و لا يقطعان التّلبية، إذا نظرا إلى بيوت مكّة، كما يفعل المتمتّع. و لكنّهما يقطعان التّلبية يوم عرفة، عند زوال الشّمس. و القارن و المفرد صفتهما واحدة، إلّا أنّ القارن يفضّل على المفرد بسياق الهدي.
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: فعليه ما استيسر من الهدي بسبب التّمتّع و هو هدي التّمتّع.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، في العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، أنّه سمعها عن الرّضا- (عليه السلام): فإن قال (2): فلم أمروا بالتّمتّع في الحجّ؟
قيل: ذلك تخفيف من ربّكم و رحمة لأن يسلم النّاس (3) من إحرامهم. و لا يطول ذلك عليهم فيدخل عليهم الفساد. و أن يكون الحجّ و العمرة واجبتين (4)، جميعا. فلا تعطّل العمرة و تبطل. فلا يكون (5) الحجّ مفردا من العمرة. و يكون بينهما فصل و تمييز. و أن لا يكون الطّواف بالبيت محظورا. لان المحرم إذا طاف بالبيت قد أحل إلا لعلّة. فلو لا التّمتّع، لم يكن
____________
(1) علل الشرائع 1/ 274.
(2) المصدر: قيل.
(3) المصدر: في.
(4) أو المصدر: واجبين. (ظ)
(5) المصدر: و لا يكون. (ظ)
280
للحاجّ أن يطوف. لأنّه إذا طاف أحلّ و فسد إحرامه. و يخرج منه قبل أداء الحجّ. و لأن يجب على النّاس الهدي و الكفّارة، فيذبحون و ينحرون و يتقرّبون إلى اللّه- جلّ جلاله. فلا تبطل هراقة الدّماء و الصّدقة على المساكين (1).
حدّثنا أبي- رضى اللّه (2)- قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد اللّه بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الحجّ متّصل بالعمرة. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. فليس ينبغي لأحد إلّا أن يتمتّع. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- أنزل ذلك في كتابه و سنّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قال: شاة (4).
محمّد بن يحيى (5) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن سعيد الأعرج قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): من (6) تمتّع في أشهر الحجّ، ثمّ أقام بمكّة، حتّى يحضر الحجّ، من قابل، فعليه شاة. و من تمتّع في غير أشهر الحجّ، ثمّ جاوز حتّى يحضر الحجّ، فليس عليه دم. إنّما هي حجّة مفردة. و إنّما الأضحيّة (7) على أهل الأمصار.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: أي: الهدى.
و روى في معنى عدم الوجدان [في التهذيب (8)، عن] (9) أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر. قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن المتمتّع يكون له فضول من الكسوة بعد الّذي يحتاج إليه، فتستوي (10) تلك الفضول بمائة درهم، يكون ممّن يجب عليه.
فقال: له بدّ من كراء و نفقة؟
____________
(1) أو المصدر: المسلمين.
(2) نفس المصدر 2/ 411، ح 1.
(3) الكافي 4/ 487، ح 2.
(4) أ: ابن رقاب. ر: ابن رباب. الأصل و المصدر: ابن رئات.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: في من.
(7) المصدر: الأضحى.
(8) تهذيب الأحكام 5/ 486، ح 1735.
(9) ليس في أ.
(10) أور: فيستوى. المصدر: فتسوّى. (ظ)
281
قلت: له كراء و ما يحتاج إليه بعد هذا الفضل من الكسوة.
قال: و أي شيء بمائة درهم؟ هذا ممّن قال اللّه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ.
[و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام). قال: قلت له: رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ في عيبة ثياب له يبيع من ثيابه و يشتري هديه.
قال: لا. هذا يتزيّن المؤمن (2). يصوم و لا يأخذ شيئا من ثيابه.] (3)
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ: في أيّام الاشتغال به.
في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد، جميعا، عن رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن المتمتّع لا يجد الهدى.
قال: يصوم قبل التّروية بيوم، و يوم التّروية و يوم عرفة.
قلت: فإنّه قدم يوم التّروية.
قال: يصوم ثلاثة أيّام بعد التّشريق.
قلت: لم يقم عليه جماله.
قال: يصوم يوم الحصبة و بعده يومين.
قال: قلت: و ما الحصبة؟
قال: يوم نفره.
قلت: يصوم و هو مسافر؟
قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا (5)؟ إنّا أهل بيت نقول ذلك لقول (6) اللّه تعالى:
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ. يقول: في ذي الحجّة.
أحمد بن محمّد بن أبي نصر (7)، عن عبد الكريم بن عمرو، عن زرارة، عن أحدهما- (عليهما السلام)- أنّه قال: من لم يجد هديا و أحبّ أن يقدّم الثّلاثة أيّام (8) في أوّل العشر،
____________
(1) الكافي 4/ 508، ح 5.
(2) المصدر: به المؤمن.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) الكافي 4/ 506، ح 1.
(5) ر: مسافر.
(6) أ: بقول.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(8) المصدر و النسخ: الأيام.
282
فلا بأس.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى و ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن متمتّع لم يجد هديا.
قال: يصوم ثلاثة أيّام في الحجّ: يوم قبل التّروية، و يوم التّروية، و يوم عرفة.
قال: قلت: فإن فاته ذلك؟
قال: يتسحّر ليلة (2) الحصبة و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده.
قلت: فإن لم يقم عليه جماله، أ يصومها (3) في الطّريق؟
قال: إن شاء صامها في الطّريق. فإن (4) شاء إذا رجع إلى أهله (5). (6)
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في متمتّع يجد الثّمن و لا يجد الغنم.
قال: يخلف الثّمن عند بعض أهل مكّة. و يأمر من يشترى له. و يذبح عنه.
و هو يجزي (8) عنه. فإن مضى ذو الحجّة، أخّر ذلك إلى قابل من ذي الحجّة.
أبو عليّ الأشعريّ (9)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن يحيى الأزرق قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن متمتّع كان معه ثمن هدي، و هو يجد بمثل ذلك الّذي معه هديا، فلم يزل يتوانى (10)، و يؤخّر ذلك حتّى إذا كان آخر النّهار غلت الغنم، فلم يقدر أن (11) يشتري بالّذي معه هديا.
____________
(1) نفس المصدر 4/ 507- 508، ح 3.
(2) ر: يوم ليلة.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يصومها.
(4) المصدر: و ان. (ظ)
(5) نفس المصدر 4/ 508، ح 5.
(6) يوجد في أ- فقط- بعد هذا الحديث، حديث الآتي:
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قلت له رجل: تمتع بالعمرة إلى الحج في عيبة (المصدر: عيبته) ثياب له يبيع من ثيابه و يشتري هديه؟ قال: لا. هذا يتزيّن به المؤمن يصوم و لا يأخذ شيئا من ثيابه.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 6.
(8) أو: يجزئ.
(9) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 7.
(10) أور: يتوانا.
(11) أ: بأن.
283
قال: يصوم ثلاثة أيّام بعد التّشريق.
و أمّا ما رواه.
في الكافي: (1) «عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن عبد اللّه الكوفيّ (2)، قال: قلت للرّضا- (عليه السلام): المتمتّع يقدم و ليس معه هدي، أ يصوم ما لم يجب عليه؟ قال: يصبر إلى يوم النّحر. فإن لم يصب، فهو ممّن لم يجده»، فهو محمول على من لم يكن معه هدي، و لكنّه يتوقّع المكنة. فهذا يجب عليه الصبر. و أمّا من لم يكن معه، و لم يتوقّع المكنة، فعليه ما تقدّم من صوم اليوم السّابع و الثّامن و التّاسع و مع التّأخير بعد أيّام التّشريق.
و يجب فيه التّتابع.
روى في الكافي (3)، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى] (4)، عن الحسن (5) بن عليّ الوشاء، عن أبان، عن الحسين بن زيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: السّبعة الأيّام و الثّلاثة. الأيّام في الحجّ، لا تفرّق (6). إنّما هي بمنزلة الثّلاثة الأيّام في اليمين.
وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إلى أهليكم.
و قرئ سبعة (بالنّصب) عطفا على محلّ «ثلاثة أيّام» و إذا أقام بمكّة صبر. فإذا ظنّ أنّ رفقاءه و صلوا إلى بلده، صام السّبعة.
روى في الكافي (7)، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن أبي بصير قال: سألته عن رجل تمتّع فلم يجد هديا، فصام الثّلاثة الأيّام، فلمّا قضى نسكه بدا له أن يقيم بمكّة.
قال: ينظر (8) مقدم أهل بلاده. فإذا ظنّ أنّهم قد دخلوا، فليصم السّبعة الأيّام.
و إذا صام الثّلاثة و مات قبل وصوله إلى بلده، لم يقض عنه وليّه إلّا استحبابا.
روى في الكافي (9)، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد،
____________
(1) نفس المصدر 4/ 501، ح 16.
(2) كذا في النسخ. و في المصدر: الكوفي. و هما شخص واحد، (ر. معجم رجال الحديث 2/ 142)
(3) نفس المصدر 4/ 140، ح 3.
(4) ليس في المصدر.
(5) النسخ: الحسين. و ما في المتن موافق المصدر.
(6) المصدر: يفرق.
(7) نفس المصدر 4/ 509، ح 8.
(8) المصدر: ينتظر.
(9) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 13.
284
عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن رجل يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، و لم يكن له هدي، فصام ثلاثة أيّام في الحجّ، ثمّ مات بعد ما رجع إلى أهله قبل أن يصوم السّبعة الأيّام، أعلى وليّه أن يقضي عنه؟
قال: ما أرى عليه قضاء.
و أمّا ما رواه فيه (1) عن «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، قال: من مات و لم يكن له هدى لمتعته، فليصم عنه وليّه»، فحمله في الفقيه (2) على الاستحباب. و يمكن حمله على أنّه إذا ما تمكّن و لم يصم حتّى مات و إذا صام الثّلاثة الأيّام ثمّ وجد الهدي، وجب.
روى في الكافي (3)، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل تمتّع و ليس معه ما يشتري به هديا.
فلمّا أن صام ثلاثة أيّام في الحجّ، أيسر ان يشترى هديا فينحره؟ أو يدع ذلك و يصوم سبعة أيّام إذا رجع إلى أهله؟
قال: يشتري هديا فينحره. و يكون صيامه الّذي صامه نافلة له.
و لا ينافيه
ما رواه عن «أحمد بن محمّد (4) بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن رجل تمتّع. فلم يجد هديا (5). إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة. أ يذبح؟ أو يصوم؟.
قال: بل يصوم فإنّ أيّام الذّبح قد مضت.»
فإنه محمول على ما إذا صام الأيّام الثّلاثة و مضى وقت الذّبح. و أمّا إذا لم يصم الثّلاثة، فعليه الذّبح. و كذا إذا لم يصم الثّلاثة حتّى انقضى ذو الحجّة. يدلّ على ذلك
ما رواه عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ، عن منصور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: من لم يصم في ذي الحجّة حتّى يهلّ هلال المحرّم، فعليه دم شاة. فليس له صوم و يذبح بمنى.
تِلْكَ عَشَرَةٌ: فذلكة الحساب. و فائدتها أن لا يتوهّم أنّ «الواو» بمعنى «او»،
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 12.
(2) من لا يحضره الفقيه 2/ 303، ذيل ح 1505.
(3) الكافي 4/ 510، ح 14.
(4) نفس المصدر 4/ 509، ح 9.
(5) المصدر: ما يهدي به حتى.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 10.
285
نحو: جالس الحسن و ابن سرين و أن يعلم (1) العدد جملة، كما علم تفصيلا. فإنّ أكثر العرب لم يحسنوا الحساب.
و أنّ المراد بالسّبعة، هو العدد دون الكثرة. فإنّه يطلق لهما.
كامِلَةٌ:
صفة مؤكّدة تفيد المبالغة في محافظة العدد، او مبينة كمال العشرة. فإنّه أوّل عدد كامل. إذ به تنتهي الآحاد و تتمّ مراتبها، أو مقيّدة تفيد كمال بدليّتها من «الهدى.»
في تهذيب الأحكام (2): موسى بن القسم (3)، عن محمّد عن زكريّا المؤمن، عن عبد الرّحمن بن عتبة، عن عبد اللّه بن سليمان الصّيرفيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لسفيان الثّوريّ: ما تقول في قول اللّه تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ، إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ؟ أيّ شيء يعني بكاملة؟
قال: سبعة و ثلاثة.
قال: و يختل ذا على ذي حجا أنّ سبعة و ثلاثة، عشرة.
قال: فأيّ شيء هو؟ أصلحك اللّه! قال: انظر! قال: لا علم لي. فأيّ شيء هو؟ أصلحك اللّه.
قال: الكاملة (4)، كما لها، كمال الاضحيّة، سواء أتيت بها، أو لم تأت، فالاضحيّة تمامها كمال الأضحيّة.
ذلِكَ، أي: التّمتّع [لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام،] (5) إذ لا متعة لحاضري المسجد الحرام.
في الكافي (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: لأهل مكّة متعة (7)؟
____________
(1) أ: لم يعلم.
(2) تهذيب الأحكام 5/ 40، ح 120.
(3) أو المصدر: القاسم.
(4) المصدر: الكامل.
(5) ليس في أ.
(6) الكافي 4/ 299، ح 2.
(7) أ: هل متعت.
286
قال: لا. و لا لأهل بستان. و لا لأهل ذات عرق. و لا لأهل عسفان، و نحوها.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ليس لأهل سرف و لا لأهل مرّ (1) و لا لأهل مكّة متعة، لقول اللّه- عزّ و جلّ:
لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: (2)
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال: من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها (4) و ثمانية عشر ميلا من خلفها و ثمانية عشر ميلا عن يمينها و ثمانية عشر ميلا عن يسارها، فلا متعة له مثل مرّ و أشباهها.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن داود، عن حمّاد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أهل مكّة، أ يتمتّعون؟
قال: ليس لهم متعة.
قلت: فالقاطن بها؟
قال: إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع ما (6) يصنع (7) اهل مكّة.
قلت: فان مكث الشّهر؟
قال: يتمتّع.
قلت: من أين؟
قال: يخرج من الحرم.
قلت: أين يهلّ بالحجّ؟
قال من مكّة نحوا ممّا يقول النّاس.
____________
(1) أ: مرو.
(2) يوجد في أ، بعد ذكر الآية: أي: لم يكن منزله في أطراف مكّة. في الكافي: روى» و شطب عليه في الأصل و غير موجود في ر.
(3) نفس المصدر 4/ 300، ح 3.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يديه.
(5) نفس المصدر، نفس الموضع، ح 4.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: صنع. (ظ)
287
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- في السّنة الّتي حجّ فيها. و ذلك في سنة اثنتي عشرة و مائتين. فقلت: جعلت فداك! بأيّ شيء دخلت مكّة مفردا أو متمتّعا؟
فقال: متمتّعا.
فقلت له: أيّما (2) أفضل؟ المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، أو من أفرد و ساق الهدي؟
فقال: كان أبو جعفر- (عليه السلام)- يقول: المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ أفضل من المفرد السّائق للهدي. و كان يقول: ليس يدخل الحاجّ بشيء أفضل من المتعة.
[و في كتاب الخصال (3)، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: هذه شرائع الدّين- إلى أن قال (عليه السلام)- و لا يجوز القران و الافراد إلّا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام.] (4)
وَ اتَّقُوا اللَّهَ في المحافظة على أوامره و نواهيه مطلقا و خصوصا في الحجّ.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) لمن لم يتّقه ليصدّكم العلم به عن العصيان.
الْحَجُ أو وقته، كقولك: البرد شهران.
أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ: معروفات. و هي شوّال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجّة.
و سمّي شهرين. و بعض شهر أشهرا إقامة البعض مقام الكلّ، أو إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، أو الكلام بمعنى أن ليس لأحد أن يحجّ فيما سواهنّ كما في الخبر.
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ: فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهنّ، فَلا رَفَثَ: فلا جماع، وَ لا فُسُوقَ:
و الفسوق: الكذب.
وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ:
و الجدال، قول «لا و اللّه» و «بلى و اللّه.»
في الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر،
____________
(1) نفس المصدر 4/ 292، ح 11.
(2) النسخ: أيّها.
(3) الخصال 2/ 606، ح 9.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) الكافي 4/ 289، ح 1.
288
عن مثنّى الحناط، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الحجّ أشهر معلومات:
شوّال و ذو القعدة و ذو الحجّة. ليس لأحد أن يحجّ فيما سواهن.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ. و الفرض التّلبية و الإشعار و التّقليد فأيّ ذلك فعل فقد فرض الحجّ. و لا يفرض الحجّ إلّا في هذه الشّهور الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ. و هو شوّال و ذو القعدة و ذو الحجّة.
عليّ بن إبراهيم (2)، بإسناده قال: أشهر الحجّ شوّال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجّة.
و في من لا يحضره الفقيه (3): روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحجّ أشهر معلومات: شوّال و ذو القعدة و ذو الحجّة فمن أراد الحجّ وفر شعره إذا نظر إلى هلال ذو القعدة. و من أراد العمرة وفر شعره شهرا.
و في مجمع البيان (4): و أشهر الحجّ عندنا: شوّال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجّة، على ما روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)
و قيل: هي شوّال و ذو القعدة و ذو الحجّة (عن عطاء و الرّبيع و طاوس و روى ذلك في أخبارنا.)
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أشهر الحجّ: شوّال و ذو القعدة و ذو الحجّة.
و الحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): من أحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ، فلا حج له.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ،
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(2) نفس المصدر 4/ 290، ح 3.
(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 197، ح 1.
(4) مجمع البيان 1/ 293.
(5) الكافي 4/ 303، قطعة من ح 10.
(6) نفس المصدر 4/ 322، ح 4.
(7) نفس المصدر 4/ 337، ح 1.
289
عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- سبحانه و تعالى- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ فقال: إنّ اللّه اشترط على النّاس شرطا. و شرط لهم شرطا.
قلت: فما الّذي اشترط عليهم؟ و ما الّذي شرط لهم؟
فقال: أمّا الّذي شرط عليهم فإنّه قال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ. و أمّا ما شرط لهم، فإنّه قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى. قال: يرجع لا ذنب له.
قال قلت له: أ رأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟
قال: لم يجعل اللّه له حدّا. يستغفر اللّه. و يلبّي.
قلت: فمن ابتلى بالجدال ما عليه؟
قال: إذا جادل فوق مرّتين، فعلى المصيب دم يهريقه، و على المخطئ بقرة.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى. و ابن أبي عمير، جميعا، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- إذا أحرمت، فعليك بتقوى اللّه و ذكر اللّه كثيرا و قلّة الكلام إلّا بخير. فإنّ من تمام الحجّ و العمرة أن يحفظ المرء لسانه إلّا من خير، كما قال اللّه تعالى. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ.
و الرّفث الجماع و الفسوق الكذب و السّباب. و الجدال قول الرّجل «لا و اللّه» و «بلى و اللّه.» و اعلم أنّ الرّجل إذا حلف بثلاث (2) أيمان و لاء في مقام واحد و هو محرم، فقد جادل. فعليه دم يهريقه و يتصدّق به. و إذا حلف يمينا واحدة كاذبة، فقد جادل. و عليه دم يهريقه و يتصدّق به.
و قال: سألته عن الرّجل يقول: «لا لعمري» و «بلى لعمري.» قال: ليس هذا من الجدال. إنّما الجدال «لا و اللّه» و «بلى و اللّه.»
الحسين بن محمّد (3)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين (4) بن عليّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: إذا حلف ثلاث أيمان
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بثلاثة.
(3) نفس المصدر 4/ 338، ح 4.
(4) المصدر: الحسن.
290
متتابعات صادقا فقد جادل. و عليه دم. و إذا حلف بيمين واحدة كاذبة، فقد جادل و عليه دم.
أبو عليّ الأشعريّ (1) عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير. قال: سألته عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول لصاحبه (2):
«و اللّه لا تعمله.» فيقول: «و اللّه لأعملنّه». فيحالفه مرارا أ يلزمه ما يلزم الجدال؟
قال: لا. إنما أراد بهذا إكرام أخيه. إنّما ذلك ما كان فيه معصية.
عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: في الجدال شاة. و في السّباب و الفسوق بقرة. و الرّفث فساد الحجّ.
وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ: حثّ على الخير عقيب النّهي عن الشّرّ، يستبدل به، و يستعمل مكانه.
وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى: و تزوّدوا لمعادكم التّقوى. فإنّه خير زاد.
و قيل (4): نزلت في أهل اليمن. كانوا يحجّون و لا يتزّودون و يقولون: نحن متوكّلون.
فيكونون كلّا على النّاس. فأمروا أن يتزوّدوا و يتّقوا الإبرام في السّؤال و التّثقيل على النّاس.
و في نهج البلاغة (5): أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّتي هي الزّاد و بها المعاد (6)
وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197): فإنّ قضيّة اللّبّ خشية و تقوى، حثّهم على التّقوى. ثمّ أمرهم بأن يكون المقصود بها هو اللّه، فيتبرّؤوا عن كلّ شيء سواه. و هو مقتضى العقل المعرّى (7) عن شوائب الهوى. فلذا خصّ أولي الألباب، بهذا الخطاب.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا: في أن تطلبوا.
فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ: عطاء و رزقا منه يريد به الرّبح في التّجارة.
في مجمع البيان (8): لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، قيل: كانوا يتأثمون بالتّجارة في الحجّ.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 5.
(2) أو المصدر: له صاحبه.
(3) نفس المصدر 4/ 339، ح 6.
(4) الكشاف 1/ 244+ أنوار التنزيل 1/ 108.
(5) نهج البلاغة/ 169، ضمن خطبة 114.
(6) المصدر: المعاذ.
(7) أ: العريّ.
(8) مجمع البيان 1/ 295.
291
فرفع سبحانه بهذا اللّفظ (1) الإثم عمّن يتّجر في الحجّ.- عن ابن عبّاس و [هو] (2) المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام)
- و قيل: [معناه] (3)
لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربّكم- رواه جابر عن أبي جعفر- (عليه السلام).
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ: دفعتم منها بكثرة- من أفضت الماء إذا صببته بكثرة.
و أصله أفضتم أنفسكم. فحذف المفعول، كما حذف في دفعت من البصرة.
و عرفات، جمع سمّي به، كأذرعات. و إنّما نوّن و كسر. و فيه العلميّة و التأنيث.
لأنّ تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التّمكّن. و لذلك يجتمع مع اللام و ذهاب الكسرة يتبع ذهاب التّنوين من غير عوض لعدم الصّرف و هاهنا ليس كذلك. أو لأنّ التأنيث إمّا أن يكون بالتّاء المذكورة و هي ليست تاء تأنيث و إنّما هي مع الألف الّتي قبلها علامة جمع المؤنّث، أو بتاء مقدّرة كما في سعاد. و لا يصحّ تقديرها. لأنّ المذكورة تمنعه من حيث أنّها كالبدل لها، لاختصاصها بالمؤنّث، كتاء بنت.
و إنّما سمّي الموقف عرفة لأنّه نعت لإبراهيم- (عليه السلام)- فلمّا أبصره عرفه- روى ذلك عن علىّ (عليه السلام)
(4)- أو لأنّ جبرئيل كان يدور به في المشاعر. فلمّا أراه قال: قد عرفت.
أو لأنّ آدم و حوّاء التقيا فيه، فتعارفا- رواه أصحابنا أيضا (5). أو لأنّ النّاس يتعارفون فيه (6).
و في كتاب علل الشّرائع (7)، بإسناده إلى معاوية بن عمّار و قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن عرفات: لم سمّيت عرفات؟
فقال: إنّ جبرئيل- (عليه السلام)- خرج بإبراهيم- (صلوات اللّه عليه)- يوم عرفة. فلمّا زالت الشّمس قال له جبرئيل- (عليه السلام): «يا إبراهيم! اعترف بذنبك. و اعرف مناسكك.» فسمّيت عرفات لقول جبرئيل- (عليه السلام)- له: «اعترف (8).» فاعترف.
و في الكافي (9)، بإسناده إلى أبي بصير، أنّه سمع أبا جعفر و أبا عبد اللّه- (عليهما السلام)- يذكران أنّه قال جبرئيل- (عليه السلام)- لإبراهيم- (عليه السلام): «هذه عرفات.
____________
(1) المصدر: فرفع اللّه بهذه اللفظة.
2 و 3- يوجد في المصدر.
(4) مجمع البيان 1/ 295.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) الكشاف 1/ 246+ أنوار التنزيل 1/ 109.
(7) علل الشرائع 2/ 436، ح 1.
(8) المصدر: اعترف. اعترف.
(9) الكافي 4/ 207، ح 9.
292
فاعرف بها مناسكك. و اعترف بذنبك.» فسمّي عرفات.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتّلبيه و التّهليل و الدّعاء. [و قيل (1): بصلاة العشاءين] عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ:
قيل (2): جبل. و يسمّى قزح. و قيل: ما بين مأزمي عرفة و وادي محسّر. و [إنّما] سمّى (3) مشعرا لأنّه معلم العبادة. و وصف بالحرام لحرمته. و معنى عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، ممّا يليه و يقرب منه. فإنّه أفضل.
وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ: كما علّمكم. و «ما» مصدريّة أو كافّة.
وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ، أي: الهدى.
لَمِنَ الضَّالِّينَ (198): الجاهلين بالإيمان و الطّاعة. و «إن» هي المخفّفة. و «اللّام» هي الفارقة.
و قيل (4): «إن» نافية. و «اللّام» بمعنى «إلّا»، كقوله (5)، و إن نظنّك لمن الكاذبين.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ:
في مجمع البيان (6): مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ قيل فيه قولان:
أحدهما أنّ المراد به الإفاضة من عرفات (7). فإنّه امر لقريش و حلفائهم و هو الخمس لأنّهم كانوا لا يقفون مع النّاس بعرفة، و لا يفيضون منها. و يقولون: نحن أهل حرم اللّه. فلا نخرج منه. و كانوا يقفون بالمزدلفة، و يفيضون منها. فأمرهم اللّه بالوقوف بعرفة و الإفاضة منها، كما يفيض النّاس. و أراد (8) بالنّاس سائر العرب. و هو المروىّ عن الباقر- (عليه السلام).
و الثّاني أنّ المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى، يوم النّحر، قبل طلوع الشّمس، للرّمي و النّحر.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 109.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) يوجد في المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 109.
(5) الشعراء/ 186.
(6) مجمع البيان 1/ 296.
(7) يوجد بعد هذه الكلمة في النسخ: و أراد بالناس سائر العرب.
(8) المصدر: المراد.
293
قال: و ممّا يسأل على القول الأوّل أن يقال: إذا كان «ثمّ» للتّرتيب، فما معنى التّرتيب هاهنا؟ و قد روى أصحابنا في جوابه: أنّ هاهنا تقديما و تأخيرا. و تقديره: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ قال: أولئك قريش. كانوا يقولون نحن أولى النّاس بالبيت. و لا يفيضون إلّا (2) من المزدلفة: فأمرهم اللّه أن يفيضوا من عرفة.
و عن رفاعة (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال سألته عن قول اللّه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ. قال: إنّ أهل الحرم كانوا يقفون على المشعر الحرام و يقف النّاس بعرفة و لا يفيضون حتّى يطلع عليهم أهل عرفة. و كان رجل يكنّى أبا سيّار. و كان له حمار فاره. و كان يسبق أهل عرفة. فإذا طلع عليهم قالوا: هذا أبو سيّار. ثمّ أفاضوا. فأمرهم اللّه (4) أن يقفوا بعرفة و أن يفيضوا منه.
و عن معاوية بن عمّار (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ. قال: هم أهل اليمن.
و في روضة الكافي (6): ابن محبوب، عن عبد اللّه بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أخبرني إن كنت عالما، عن النّاس و عن أشباه النّاس و عن النّسناس.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام): يا حسين! أجب الرّجل.
فقال الحسين- (عليه السلام): أمّا قولك أخبرني عن النّاس، فنحن النّاس.
و لذلك قال اللّه- تبارك و تعالى ذكره- في كتابه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.
فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذي أفاض بالنّاس. و أمّا قولك عن (7) أشباه النّاس،
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 96، ح 263.
(2) ليس في ر.
(3) نفس المصدر 1/ 97، ح 264.
(4) «قالوا هذا أبو سيّار ثم أفاضوا فأمرهم اللّه» ليس في ر.
(5) نفس المصدر 1/ 98، ح 269. و فيه جابر بدل معاوية بن عمار.
(6) الكافي 8/ 244، ح 339.
(7) ليس في المصدر.
294
فهم شيعتنا. و هم موالينا. و هم منّا. و لذلك قال إبراهيم- (عليه السلام): فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي. و أمّا قولك عن (1) النّسناس، فهم السّواد الأعظم. و أشار بيده إلى جماعة النّاس. ثمّ قال: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. (2)
وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من جاهليّتكم في تغيير المناسك.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199): يغفر ذنب المستغفر و ينعم عليه.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: و نزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمكّة بالبطحا، هو و أصحابه. و لم ينزلوا الدّور. فلمّا كان يوم التّروية عند زوال الشّمس، أمر النّاس أن يغتسلوا و يهلّوا بالحجّ. و هو قول اللّه تعالى الّذي أنزل اللّه تعالى على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله) (4): فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ. فخرج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه مهلّين بالحجّ، حتّى أتى منّى. فصلّى الظّهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر ثمّ غدا و النّاس معه.
و كانت قريش تفيض من المزدلفة. و هي جمع. و يمنعون النّاس أن يفيضوا منها. فأقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قريش ترجو أن يكون (5) إفاضته من حيث كانوا يفيضون. فأنزل اللّه تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ، يعني:
إبراهيم و إسماعيل و إسحاق في إفاضتهم منها و من كان بعدهم.
فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد مضت كأنّه دخل في أنفسهم شيء للّذي كانوا يرجون من الإفاضة (6) من مكانهم حتّى انتهى إلى نمرة و هي بطن عرنة بحيال الأراك. فضربت قبّته. و ضرب النّاس أخبيتهم عندها. فلمّا زالت الشّمس خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه قريش و قد اغتسل و قطع التّلبية حتّى وقف بالمسجد. فوعظ النّاس. و أمرهم. و نهاهم ثمّ صلّى الظّهر و العصر بأذان و إقامتين. ثمّ مضى إلى الموقف. فوقف به. فجعل النّاس يبتدرون (7) أخفاف ناقته يقفون إلى
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) الفرقان/ 44.
(3) نفس المصدر 4/ 247، ح 4.
(4) آل عمران/ 95.
(5) ر: تكون. (ظ)
(6) أ: إفاضته.
(7) أ: يتدبّرون.
295
جانبها. فنحّاها. ففعلوا مثل ذلك. فقال: أيّها النّاس! ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف.
و لكن هذا كلّه.
و أو مأبيده إلى الموقف. فتفرّق النّاس. و فعل مثل ذلك بالمزدلفة. فوقف النّاس حتّى وقع قرص الشّمس. ثمّ أفاض. و أمر النّاس بالدّعة حتّى انتهى إلى المزدلفة. و هي المشعر الحرام.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّ المشركين كانوا يفيضون من قبل أن تغيب الشّمس. فخالفهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و أفاض (2) بعد غروب الشّمس.
قال: و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إذا غربت الشّمس فأفض مع النّاس.
و عليك السّكينة و الوقار. و أفض بالاستغفار. فان اللّه- عزّ و جلّ- يقول: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ: فإَذا أدّيتم العبادات الحجّيّة و فرغتم منها، فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ:
فأكثروا ذكره. و بالغوا فيه، كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة.
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً:
إمّا مجرور معطوف على «الذّكر» بجعل الذّكر ذاكرا على المجاز. و المعنى: فاذكروا اللّه ذكرا، كذكركم آبائكم، أو كذكر أشدّ منه و أبلغ.
أو على ما أضيف إليه بمعنى: أو كذكر قوم أشدّ منكم ذكرا، و إمّا منصوب بالعطف على آبائكم. و ذكر من فعل المذكور بمعنى: أو كذكركم أشدّ مذكورا من آبائكم.
أو بمضمر دلّ عليه المعنى، تقديره: أو كونوا أشدّ ذكرا للّه منكم لآبائكم.
في الكافي (3): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(2) المصدر: فأفاض.
(3) نفس المصدر 4/ 516، ح 3.
296
منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- سبحانه و تعالى: وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ قال: هي أيّام التّشريق. كانوا إذا أقاموا بمنى بعد النّحر تفاخروا.
فقال الرّجل منهم: كان أبي يفعل كذا و كذا. فقال اللّه تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ ... فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.
قال: و التّكبير، اللّه أكبر. اللّه أكبر. لا إله إلّا اللّه. و اللّه أكبر.
اللّه أكبر. و للّه الحمد. اللّه أكبر على ما هدانا. اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام.»
و في مجمع البيان (1): كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ معناه ما روى عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّهم كانوا إذا فرغوا من الحجّ يجتمعون (2) هناك. و يعدّون مفاخر آبائهم و مآثرهم. و يذكرون أيّامهم القديمة و أياديهم الجسيمة. فأمرهم اللّه سبحانه أن يذكروه مكان ذكر آبائهم في هذا الموضع أو أشدّ ذكرا و يزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم اللّه سبحانه و يعدّوا آلاءه و يشكروا نعمائه. لأنّ آباءهم و إن كانت لهم عليهم أياد و نعم.
فنعم اللّه سبحانه عليهم أعظم و أياديه عندهم أفخم. و لأنّه سبحانه المنعم. لتلك المآثر و المفاخر على آبائهم و عليهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً قال:
كانت العرب إذا وقفوا بالمشعر يتفاخرون بآبائهم فيقول: «لا و أبيك. لا و أبي.» فأمرهم (4) اللّه لأن يقولوا: «لا و اللّه. و بلى و اللّه.»
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله، بدون لفظ «يتفاخرون بآبائهم.»
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: تفصيل للذّاكرين إلى مقلّ لا يطلب بذكر اللّه إلّا الدّنيا و مكثر يطلب به خير الدّارين. أريد به الحثّ على الإكثار و الإرشاد إليه.
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا: اجعل ايتاءنا في الدّنيا.
وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)، أي: نصيب و حظّ. لأنّ همّه مقصور
____________
(1) مجمع البيان 1/ 297.
(2) ر: اجتمعوا.
(3) تفسير القمي 1/ 70.
(4) المصدر: و أمرهم اللّه.
(5) تفسير العياشي 1/ 98، ح 972.
297
بالدّنيا، أو من طلب خلاق.
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً: السّعة في الرّزق و المعاش و حسن، الخلق.
وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: برضوان اللّه و الجنّة.
وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (201): بالعفو و المغفرة.
أُولئِكَ: إشارة إلى الفريق الثّاني أو إليهما.
لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا، أي من جنسه. و هو جزاؤه، أو من أجله، كقوله: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا، أو ممّا دعوا به نعطيهم منه، ما قدرنا. فسمّى الدّعاء كسبا، لأنّه من الأعمال.
وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202): يحاسب العباد على كثرتهم و كثرة أعمالهم في مقدار لمحة، أو يوشك أن يقيم القيامة و يحاسب النّاس، فبادروا إلى الطّاعات و اكتساب الحسنات.
في كتاب معاني الأخبار (1): حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل- (رحمه اللّه)- قال حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً قال: رضوان اللّه و الجنّة في الآخرة. و السّعة في الرّزق و المعاش و حسن الخلق في الدّنيا.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: طف البيت سبعة أشواط. و تقول في الطّواف: اللّهمّ إنّي أسألك- إلى أن قال (عليه السلام)- و تقول فيما بين الرّكن اليمانيّ و الحجر الأسود: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ.
عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يستحبّ أن تقول بين
____________
(1) معاني الأخبار/ 174، ح 1.
(2) الكافي 4/ 406- 407، ح 1.
(3) نفس المصدر 4/ 408، ح 7.
298
الرّكن و الحجر: اللّهمّ آتنا في الدّنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النّار.
و قال: إنّ ملكا موكّلا يقول آمين.
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: رضوان اللّه في الجنّة في الآخرة. و المعاش و حسن الخلق في الدّنيا.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاساني، جميعا عن القسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف. فقال: أ ترى يخيّب اللّه هذا الخلق كلّه؟
فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلّا غفر اللّه له، مؤمنا كان أو كافرا، إلّا أنّهم في مغفرتهم، على ثلاث منازل مؤمن غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر. و أعتقه اللّه من النّار.
و ذلك قوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
و سنذكر تتمّة الحديث إن شاء اللّه.
و في كتاب الاحتجاج (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روى عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه- (عليهم السلام)- قال: بينما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس إذ سأل عن رجل من أصحابه. فقالوا: يا رسول اللّه! إنّه قد صار في البلاء كهيئة الفرخ. لا ريش (4) عليه.
فأتاه- (عليه السلام). فإذا هو كهيئة الفرخ. لا ريش عليه (5) من شدّة البلاء.
فقال له: قد كنت تدعو في صحّتك دعاء.
قال: نعم كنت أقول: يا ربّ أيّما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة، فعجّلها لي في الدّنيا.
فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): ألا قلت: اللّهمّ آتنا في الدّنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النّار؟.
____________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر 4/ 521، ح 10، قطعة منه.
(3) الاحتجاج 1/ 332.
(4) المصدر: الّذي لا ريش.
(5) «لا ريش عليه» ليس في المصدر.
299
فقالها الرجل (1). فكأنّما نشط من عقال. و قام صحيحا. و خرج معنا.
و الحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (2): وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ. ورد في الخبر أنّه سبحانه يحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر، و روي روي بقدر حلب شاة. و روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: معناه أنّه يحاسب الخلائق دفعة كما يرزقهم دفعة.
وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ. في أدبار الصّلوات في أيّام التّشريق.
في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ، قال: التّكبير في أيّام التّشريق من صلاة الظّهر، من يوم النّحر، إلى صلاة الفجر من يوم الثّالث. و في الأمصار عشر صلوات. فإذا نفر بعد الأولى أمسك أهل الأمصار. و من أقام بمنى فصلّى بها الظّهر و العصر، فليكبّر.
و في كتاب معاني الأخبار (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن الصّلت، عن عبد اللّه بن الصّلت، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن المفضّل بن صالح، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ قال: المعلومات و المعدودات، واحدة. و هو أيّام التّشريق.
و قد سبق من الأخبار ما يدلّ على صورة التّكبير.
فَمَنْ تَعَجَّلَ النّفر، فِي يَوْمَيْنِ، أي: نفر في ثاني أيّام التّشريق، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ باستعجاله.
وَ مَنْ تَأَخَّرَ في النّفر حتّى رمى اليوم الثّالث، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بتأخيره.
و معنى نفي الإثم بالتّعجيل و التّأخير، التّخيير بينهما و الرّدّ على أهل الجاهليّة. فإنّ منهم من أثّم المستعجل، و منهم من أثّم المتأخّر.
لِمَنِ اتَّقى، أي: الّذي ذكر من التّخيير لمن اتّقى الصّيد. فإنّ من لم يتّق الصّيد
____________
(1) النسخ: فقال.
(2) مجمع البيان 1/ 298.
(3) الكافي 4/ 516، ح 1.
(4) معاني الأخبار/ 297، ح 3.
300
ليس له التّخيير. بل يتعيّن عليه التّأخير.
في تهذيب الأحكام (1): محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى، عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أصاب المحرم الصّيد فليس له أن ينفر في النّفر الأوّل. و من نفر في النّفر الأوّل، فليس له أن يصيب الصّيد، حتّى ينفر النّاس. و هو قول اللّه:
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ... لِمَنِ اتَّقى. قال: اتّقى الصّيد.
عن محمّد بن عيسى (2)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ، عن أحدهما- (عليهما السلام)- أنّه قال في رجل بعث بثقله يوم النّفر الأول و أقام هو إلى الأخير قال: هو ممّن تعجّل في يومين.
و في من لا يحضره الفقيه (3): و روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى، فقال: يتّقي الصّيد حتّى ينفر أهل منى في النّفر الأخير.
و في رواية ابن محبوب (4)، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: لِمَنِ اتَّقى الرّفث و الفسوق و الجدال و ما حرّم اللّه في إحرامه.
و في رواية عليّ بن عطيّة (5)، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لِمَنِ اتَّقى اللّه- عزّ و جلّ.
و روى (6) أنّه يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه.
و روى من وفى وفى اللّه له (7).
و في الكافي (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا، عن القسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقرىّ، عن سفيان ابن عيينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف. فقال: أ ترى يخيّب اللّه هذا الخلق كلّه؟
____________
(1) تهذيب الأحكام 5/ 490، ح 1758.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1757.
(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 288، ح 1415.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1416.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1418.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1419.
(7) أور: من وقى وقى اللّه له.
(8) الكافي 4/ 521، ح 10.
301
فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلّا غفر اللّه له، مؤمنا كان أو كافرا، إلّا أنّهم في مغفرتهم على ثلاث منازل- إلى قوله- و منهم من غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه، و قيل له أحسن فيما بقي من عمرك. و ذلك قوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، يعني: من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه. و من تأخّر فلا إثم عليه لمن اتّقى الكبائر.
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن داود بن النّعمان، عن أبي أيّوب قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): إنّا نريد أن نتعجّل السّير و كانت ليلة النّفر حين سألته، فأي ساعة ننفر؟
فقال لي: أمّا اليوم الثّاني فلا تنفر حتّى تزول الشّمس و كانت ليلة النّفر. و أمّا اليوم الثّالث، فإذا ابيضّت الشّمس فانفر على بركة اللّه. فإنّ اللّه تعالى يقول: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. فلو سكت لم يبق أحد إلّا تعجّل. و لكنّه قال: وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
حميد بن زياد (2)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن معاوية بن وهب، عن إسماعيل بن نجيح (3) الرّماح قال كنّا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- بمنى ليلة من اللّيالي. فقال: ما يقول هؤلاء؟ فيمن (4) تعجّل في يومين فلا إثم عليه و من تأخّر فلا إثم عليه.
قلنا: ما ندري.
قال: بلى. يقولون: من تعجّل من أهل البادية، فلا إثم عليه. و من تأخّر من أهل الحضر، فلا إثم عليه. و ليس كما يقولون. قال اللّه- جلّ ثناؤه- فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. ألا لا إثم عليه. وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. ألا لا إثم عليه. لِمَنِ اتَّقى. إنّما هي لكم. و النّاس سواد. و أنتم الحاجّ.
عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الأعلى قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): كان أبي يقول: «من أمّ هذا
____________
(1) نفس المصدر 4/ 519، ح 1.
(2) نفس المصدر 4/ 523، ح 12.
(3) ر: النجيح.
(4) أ: فمن.
(5) نفس المصدر 4/ 252، ح 2.
302
البيت حاجّا أو معتمرا مبرّا من الكبر، رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه.» ثمّ قرأ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى.
قلت: ما الكبر؟
قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ أعظم الكبر غمص الخلق و سفه الحقّ.
قلت: ما غمص الخلق و سفه الحقّ؟
قال: يجهل الحقّ و يطعن على أهله. فمن فعل ذلك نازع اللّه رداءه.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قال: يرجع لا ذنب له.
و في كتاب معاني الأخبار (2): حدّثنا أبى- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن عامر، عن أبي عبد اللّه بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد اللّه بن عليّ [الحلبيّ] (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قال: يرجع و لا ذنب له.
و الحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العبد المؤمن حين يخرج من بيته حاجّا لا يخطو خطوة و لا تخطو به راحلته إلّا كتب اللّه له بها حسنة و محى عنه سيّئة و رفع له بها درجة. فإذا وقف بعرفات، فلو كانت ذنوبه عدد الثّرى، رجع كما ولدته أمّه.
فقال له: استأنف العمل. يقول اللّه: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى.
عن أبي حمزة الثّماليّ (5) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. (الآية) قال: أنتم، و اللّه! هم. إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-
____________
(1) نفس المصدر 4/ 337، ضمن ح 1.
(2) معاني الأخبار/ 294، ح 1.
(3) يوجد في المصدر.
(4) تفسير العياشي 1/ 100، ح 283.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 285.
303
قال: لا يثبت على ولاية عليّ- (عليه السلام)- إلّا المتّقون.
عن حمّاد، عنه، في قوله: لِمَنِ اتَّقى الصّيد. فإن ابتلى بشيء من الصّيد، ففداه، فليس له أن ينفر في يومين.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ في مجامع أموركم ليعبأ بكم.
وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) للجزاء بعد الإحياء.
و أصل الحشر، الجمع. و هو ضمّ المتفرّق.
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ: يروقك و يعظم في نفسك.
و «التعجب» حيرة تعرض الإنسان لجهله بسبب المتعجّب منه.
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:
متعلّق بالقول، أي: ما يقول في أمور الدّنيا و أسباب المعاش و في معنى الدّنيا. فإنّها مرادة من ادّعاء المحبّة و إظهار الإيمان، أو يعجبك، أي: يعجبك قوله في الدّنيا حلاوة و فصاحة. و لا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدّهشة و الحبسة، أو لأنّه لا يؤذن له في الكلام.
وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ: يحلف. و يشهد اللّه على أنّ ما في قلبه موافق لكلامه.
وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204): شديد العداوة و الجدال للمسلمين.
و «الخصام»، المخاصمة. و يجوز أن يكون جمع خصم، كصعب و صعاب، بمعنى أشدّ الخصوم خصومة.
[قيل (1): نزلت في الأخنس بن شريف الثّقفيّ. و كان حسن المنظر، حلو المنطق.
يوالي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و يدّعي الإسلام.
و قيل (2): في المنافقين كلّهم.
وَ إِذا تَوَلَّى: أدبر و انصرف عنك.
و قيل (3): إذا غلب و صار واليا.
سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ كما فعل الأخنس بثقيف،
____________
(1) مجمع البيان 1/ 300.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) أنوار التنزيل 1/ 111.
304
إذ بيّتهم و أحرق ذروعهم و أهلك مواشيهم، أو كما يفعله ولاة السّوء بالقتل و الإتلاف، أو بالظّلم حتّى يمنع. بشؤمتهم القطر، فيهلك الحرث و النّسل.
وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205): لا يرتضيه. فاحذروا غضبه عليه.
«النسل»، الذّرّيّة. و «الحرث»، الزرع.
عن سعد الإسكاف (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه يقول في كتابه:
وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ بل هم يختصمون.
قال: قلت: و ما ألدّ؟
قال: [شديد] (2) الخصومة.
عن زرارة (3)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: سألتهما عن قوله وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ (إلى آخر الآية).
فقال: «النّسل»، الولد و «الحرث»، الأرض.
و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): «الحرث»، الذّرّية.
و في روضة الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن محمّد بن سليمان الأزديّ، عن أبي الجارود، عن أبي إسحاق، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام): و إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ بظلمه و سوء سيرته. وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ.
و في مجمع البيان (5): روى عن الصّادق- (عليه السلام): أنّ «الحرث» في هذا الموضع، الدّين و «النّسل»، النّاس.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قال: «الحرث» في هذا الموضع الدّين و «النّسل»، النّاس. و نزلت في معاوية.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 101، ح 288.
(2) يوجد في المصدر.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 289.
(4) الكافي 8/ 289، ح 435.
(5) مجمع البيان 1/ 300.
(6) تفسير القمي 1/ 71.
305
وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ: حملته الأنفة على الإثم. و ألزمته إيّاه، من قولك: أخذته بكذا، حملته عليه.
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ كفته جزاء و عذابا.
و «جهنم» علم لدار العقاب، غير متصرّف للتّأنيث و العلميّة. و هو في الأصل مرادف للنّار. و قيل (1): معرب.
وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ (206):
جواب قسم مقدّر. و المخصوص بالذّمّ، محذوف للعلم به.
و «المهاد»، الفراش. و قيل (2): ما يوطأ للجنب.
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ: طلبا لرضاه.
[و في شرح الآيات الباهرة (3):] (4) روى الثّعلبيّ في تفسيره، قال: لمّا أراد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- الهجرة، خلّف عليّا- (عليه السلام)- لقضاء ديونه و ردّ الودائع الّتي كانت عنده. و أمره ليلة خروجه إلى الغار و قد أحاط المشركون بالدّار، أن ينام على فراشه.
و قال له: يا عليّ! اتّشح ببردي الحضرميّ. ثمّ نم على فراشي. فإنّه لا يخلص (5) إليك منهم مكروه- إن شاء اللّه.
ففعل ما أمره به. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى جبرئيل و ميكائيل: انّي قد آخيت بينكما. و جعلت (6) عمر أحدكما أطول من الآخر. فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
فاختار كلّ منهما الحياة. فأوصى اللّه- عزّ و جلّ- إليهما: ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب. آخيت بينه و بين محمّد. فبات على فراشه يفديه بنفسه و يؤثره بالحياة. اهبطا إلى الأرض. فاحفظاه من عدوّه.
فنزلا. فكان جبرئيل عند رأسه، و ميكائيل عند رجليه. و جبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يا عليّ بن أبي طالب. يباهى اللّه بك ملائكته.
فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو متوجّه إلى المدينة، في شأن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام): وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي. (الآية).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 111.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 31.
(4) ليس في أ.
(5) المصدر: يلحق.
(6) المصدر: جعل.
306
و روى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): نزل عليّ (1) جبرئيل- (عليه السلام)- صبيحة يوم الغار.
فقلت: حبيبي جبرئيل! أراك فرحا؟
فقال: يا محمّد! و كيف لا أكون كذلك. و قد قرّت عيني بما أكرم اللّه به أخاك و وصيّك و إمام أمّتك عليّ بن أبي طالب.
فقلت: و بماذا أكرمه اللّه؟
قال: باهى بعباده (2) البارحة ملائكته و قال: ملائكتي انظروا إلى حجّتي في أرضي بعد نبيّي. و قد بذل نفسه. و عفّر خدّه في التّراب، تواضعا لعظمتي أشهدكم أنّه إمام خلقي و مولى برّيتى.
و في أمالي شيخ الطّائفة- (رحمه اللّه)- (3) بإسناده إلى حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، قال: نزلت في عليّ- (عليه السلام)- حين بات على فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و بإسناده (4) إلى سعيد بن أوس، قال: كان أبو عمرو بن العلا إذا قرأ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ قال: كرّم اللّه عليّا- (عليه السلام)- فيه، نزلت هذه الآية.
و بإسناده (5) إلى أنس بن مالك، قال: لمّا توجّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الغار و معه أبو بكر، أمر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- أن ينام على فراشه و يتغشّى ببرده (6). فبات عليّ- (عليه السلام)- موطّنا نفسه على القتل. و جاءت رجال قريش من بطونها، يريدون قتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلمّا أرادوا أن يضعوا عليه أسيافهم لا يشكّون أنّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فقالوا: أيقظوه ليجد ألم القتل (7).
____________
(1) المصدر: إليّ.
(2) المصدر: بعبادته. (ظ)
(3) أمالى الشيخ 2/ 61، ح 2.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.
(6) المصدر: و يتوشّح ببردته.
(7) المصدر: ليجد ألم القتل و يرى السيوف تأخذه.
307
فلمّا أيقظوه فرأوه (1) عليّا، تركوه. فتفرّقوا في طلب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
فأنزل اللّه- عزّ و جلّ: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قوله وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام). و معنى يَشْرِي نَفْسَهُ، يبذلها.
و في مجمع البيان (3): روى السّديّ، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- حين هرب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المشركين إلى الغار و نام [عليّ] (4) (ع) على فراش النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و نزلت الآية بين مكّة و المدينة.
و روى (5) أنّه لمّا نام على فراشه، قام (جبرئيل) عند رأسه و ميكائيل عند رجليه.
و جبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا عليّ بن ابى طالب (6). يباهي اللّه تعالى الملائكة بك.
و ما روى عن عليّ- (عليه السلام)- من أنّ المراد (7) بالآية الرّجل [الّذي] (8) يقتل على الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر
، فلا ينافي ما سبق من الأخبار. لأنّ ما ذكر في الأخبار، سبب نزوله أوّلا، ثمّ جرى فيمن يشاركه في بعض أوصافه ممّن ذكر في هذا الخبر.
و قد روى في كتاب الخصال (9)، عن الحسن بن عليّ الدّيلميّ مولى الرّضا- (عليه السلام)- قال سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: من حجّ بثلاثة نفر من المؤمنين فقد اشترى نفسه من اللّه- عزّ و جلّ- بالثّمن. و لم يسأله من اين كسب ماله؟ من حلال أو حرام؟
وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشّراء و يجازيهم عليه الجزاء.
____________
(1) المصدر: و رأه.
(2) تفسير القمي 1/ 71.
(3) مجمع البيان 1/ 301.
(4) يوجد في المصدر.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) المصدر: يا ابن أبي طالب.
(7) المصدر: عن عليّ- (عليه السلام)- و ابن عباس أنّ المراد.
(8) يوجد في المصدر.
(9) الخصال 1/ 118، ح 103.
308
و ورد في تفسير الامام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ- (صلوات اللّه عليهما) (1)- قال- (عليه السلام): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): معاشر عباد اللّه! عليكم بخدمة من أكرمه اللّه بالارتضاء و اجتباه بالاصطفاء و جعله أفضل أهل الأرض و السّماء، بعد محمّد سيّد الأنبياء، علىّ بن أبي طالب و بموالاة أوليائه و معاداة أعدائه و قضاء حقوق إخوانكم الّذين هم في موالاته و معاداة أعدائه شركاؤكم. فإنّ رعاية عليّ أحسن من رعاية هؤلاء التّجّار الخارجين بصاحبكم الّذي ذكرتموه إلى الصّين الّذي عرضوه للغناء و أعانوه بالشّراء. أما إنّ من الشّيعة عليّ لمن يأتي يوم القيامة و قد وضع له في كفّة الميزان، سيّئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرّواسي و البحار السّيّارة، يقول الخلائق: «قد هلك هذا العبد»، فلا يشكّون في أنّه من الهالكين و في عذاب اللّه تعالى من الخالدين.
فيأتيه النّداء من قبل اللّه تعالى- عزّ و جلّ: أيّها العبد الجاني هذه الذّنوب الموبقات! فهل لك بإزائها حسنات تكافئها فتدخل جنّة اللّه برحمة اللّه أو تزيد عليها فتدخلها بوعد اللّه؟
فيقول العبد: لا أدري.
فيقول منادي: ربّنا عزّ و جلّ. فإنّ ربّي يقول: نار في عرصات القيمة، ألا و إنّي فلان بن فلان من أهل بلد كذا و كذا و قرية كذا و كذا قد رهنت بسيّئاتي كأمثال الجبال و البحار و لا حسنات لي بإزائها. فأيّ أهل المحشر كان لي عنده يد او عارفة فليغثني بمجازاتي عنها فهذا أوان شدّة حاجتي إليها؟
فينادي الرّجل بذلك.
فأوّل من يجيبه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام): لبيك! لبيك! أيّها الممتحن في محبّتي المظلوم بعد، أوتي! ثمّ يأتي هو و معه عدد كثير و جمّ غفير و إن كانوا أقل عدد من خصمائه الّذين لهم قبله الظّلامات. فيقول العدد: يا أمير المؤمنين! نحن إخوانه المؤمنون. و قد كان بنا بارّا و لنا مكرما و في معاشرته إيّانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعا و قد بذلنا (2) له عن جميع طاعتنا.
و بذلناها له.
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 31، نقلا عن تفسير العسكري.
(2) أ: نزلنا.
309
فيقول عليّ- (عليه السلام): فبما ذا تدخلون جنّة ربّكم؟
فيقولون: برحمة اللّه الواسعة الّتي لا يعدمها من والاك و والى وليّك، يا أخا رسول اللّه! فيأتي النّداء من قبل اللّه تعالى: يا أخا رسول اللّه! هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له. فأنت ما ذا تبذل له. فإنّي أنا الحكم أمّا ما بيني و بينه من الذنوب، فقد غفرتها له بموالاته إيّاك. و ما بينه و بين عبادي من الظّلامات، فلا بدّ من فصل الحكم بينه و بينهم.
فيقول عليّ- (عليه السلام): يا ربّ! افعل ما تأمرني.
فيقول اللّه تعالى: يا عليّ! اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله.
فيضمن لهم عليّ- (عليه السلام)- ذلك. و يقول لهم اقترحوا عليّ. ما شئتم أعطيكم عوضا عن ظلاماتكم.
فيقولون: يا أخا رسول اللّه! تجعل لنا بإزاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتتك على فراش محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
فيقول عليّ- (عليه السلام): قد وهبت ذلك لكم.
فيقول اللّه- عزّ و جلّ: فانظروا عبادي الآن إلى ما نلتموه من عليّ فداء لصاحبه من ظلاماتكم و يظهر لهم ثواب نفس واحد في الجنان من عجائب قصورها و خيراتها.
فيكون ذلك ما يرضي اللّه- عزّ و جلّ- به خصماءه المؤمنين. ثمّ يريهم بعد ذلك من الدّرجات و المنازل ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر.
فيقولون: يا ربّنا! هل بقي من جنتك شيء إذا كان هذا كلّه لنا؟ فأين يحل سائر عبادك المؤمنين و الأنبياء و الصّدّيقين و الشّهداء و الصّالحين؟
و يخيّل إليهم عند ذلك أنّ الجنّة بأسرها قد جعلت لهم.
فيأتي النّداء من قبل اللّه تعالى: يا عبادي! هذا ثواب نفس من أنفاس علىّ الّذي اقترحتموه عليه جعلته لكم. فخذوه و انظروا.
فيصيّرونهم (1) و هذا المؤمن الّذي عوض عليّ- (عليه السلام)- عنه، إلى تلك الجنان ثمّ يرون ما يضيفه اللّه- عزّ و جلّ- إلى ممالك عليّ- (عليه السلام)- في الجنان ما هو أضعاف ما بذله عن وليّه وليّ الموالي ممّا شاء اللّه- عزّ و جلّ- من الأضعاف الّتي لا يعرفها غيره.
____________
(1) أ: فيبصرونهم.
310
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (1) المعدّة لمخالفي أخي و وصيّي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً:
«السلم» (بالكسر و الفتح): الاستسلام و الطاعة. و لذلك يطلق في الصّلح و الإسلام.
فتحه ابن كثير و نافع و الكسائيّ. و الباقون كسروه (2).
«كافّة» اسم للجملة. لأنّها تكفّ الأجزاء عن التفرّق. حال من الضّمير، أو السّلم. لأنّها تؤنّث كالحرب.
و المراد بها ولاية أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- كما سيجيء. و الخطاب للمؤمنين باللّه و الرّسول.
وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بالتّفرّق و التّفريق.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208): ظاهر العداوة.
في أصول الكافي (3): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ الوشّاء، عن مثنّى الخياط، عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ قال: في ولايتنا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، قال: في ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام).
و في أمالي شيخ الطّائفة، بإسناده إلى محمّد بن إبراهيم، قال: سمعت الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- يقول في قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، قال: في ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [قال لا تتّبعوا غيره.
و في تفسير العيّاشيّ (5). عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-
____________
(1) الصافات/ 62.
(2) أنوار التنزيل 1/ 111.
(3) الكافي 1/ 417، ح 29.
(4) تفسير القمي 1/ 71.
(5) تفسير العيّاشي 1/ 102، ح 294.
311
يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (1) وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قال:
أ تدري ما السّلم؟
قال: قلت: لا أعلم (2).
قال: ولاية عليّ و الأئمّة الأوصياء من بعده.
عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم (3)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالوا: سألناهما عن قول اللّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
قالا: أمروا بمعرفتنا.
عن جابر (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قال: «السّلم»، هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). أمر اللّه بالدّخول فيه (5).
عن أبي بكر الكلبيّ، عن أبي جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- في قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، هو ولايتنا.
عن سعدة بن صدقة (6)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): و قد ذكر عترة خاتم النّبيّين و المرسلين و هم باب السّلم فادخلوا في السلم و لا تتّبعوا خطوات الشّيطان.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و روى الشّيخ أبو جعفر بن بابويه- ره- في أماليه (7)، عن محمّد بن القطّان، بإسناده عن عليّ بن بلال، عن الإمام عليّ بن موسى، عن موسى بن جعفر عن جعفر بن محمّد، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب، عن النّبيّ- (عليهم السلام)- عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللّوح عن القلم قال: يقول اللّه- تبارك و تعالى: ولاية عليّ بن أبي طالب حصني. و من
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) المصدر: أنت أعلم.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 295.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 296.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 297.
(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 300.
(7) أمالي الصدوق/ 195، المجلس 41، ح 9.
312
دخل حصني أمن من ناري.
[و في شرح الآيات الباهرة (1): ذكر الحسن بن الحسن الدّيلميّ (2)- (رحمه اللّه)- بإسناده عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال: «السّلم»، ولاية أمير المؤمنين و ولاية أولاده- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).] (3)
فَإِنْ زَلَلْتُمْ عن الدّخول في السّلم، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ: الآيات و الحجج على أنّه الحقّ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه الانتقام، حَكِيمٌ (209) لا ينتقم إلا على الحقّ.
هَلْ يَنْظُرُونَ: استفهام في معنى النّفي. و لذلك جاء بعده.
إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، أي: يأتيهم أمره، أو بأسه، أو يأتيهم اللّه بأمره، أو بأسه.
فحذف المأتيّ به للقرينة.
فِي ظُلَلٍ: جمع ظلّة، كقلّة و قلل. و هي ما أظلّك. و قرئ ظلال، كقلال.
مِنَ الْغَمامِ: السّحاب الأبيض.
و إنّما يأتيهم العذاب فيه، لأنّه مظنّة الرّحمة. فإذا جاء منه العذاب، كان أفظع.
لأنّ الشّرّ إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب. فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير.
وَ الْمَلائِكَةُ فإنّهم الواسطة في إتيان أمره و الآتون على الحقيقة ببأسه.
و قرئ بالجرّ عطفا على ظلل، أو الغمام.
و في عيون الأخبار (4): محمّد بن أحمد بن إبراهيم المعاذي (5)، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي الهمدانيّ، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- إلى أن قال: و سألته عن قول اللّه تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ.
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 28.
(2) المصدر: الحسن بن أبي الحسن الديلمي.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) عيون أخبار الرضا 1/ 125- 126، مقطع من ح 19.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المعادى.
313
قال: يقول: هل ينظرون إلى أن يأتيهم [اللّه] (1) بالملئكة في ظلل من الغمام.
و هكذا نزلت.
و أمّا ما روى [في تفسير العيّاشيّ (2)] (3) عن جابر قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في قوله تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ قال: «ينزل في سبع قباب (4) من نور لا يعلم في ايّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل»، فيمكن أن يكون المراد منه بيان كيفيّة نزول أمره حينئذ. و يكون فاعل «نزل» الملك الموكّل بالأمر.
وَ قُضِيَ الْأَمْرُ: اتمّ أمر إهلاكهم و فرغ منه.
وضع الماضي موضع المستقبل، لدنوّه و تيقّن وقوعه.
و قرئ «و قضاء الأمر» عطفا على الملائكة
[و في تفسير العيّاشي (5):] (6) عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث طويل و في آخره: و أمّا قضاء الأمر فهو الوسم على الخرطوم، يوم يوسم الكافر.
وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210):
قراءة ابن كثير و نافع و أبي عمر و عاصم بالبناء للمفعول. و على أنّه من الرّجع. و قرأ الباقون على البناء للفاعل بالتّأنيث، غير يعقوب، على أنّه من الرّجوع. و قرئ، أيضا.
بالتّذكير و بناء المفعول.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو بن شيبة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول ابتداء منه: إنّ اللّه إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بدّ منه، أمر مناديا ينادي. فاجتمع الجنّ و الإنس في أسرع من طرفة عين. ثمّ أذن لسماء الدّنيا. فتنزل. و كان من وراء النّاس. و أذن للسّماء الثّانية. فتنزل. و هي ضعف الّتي تليها.
فإذا رآها أهل سماء الدّنيا قالوا: جاء ربّنا.
قالوا: لا. و هوآت، يعني: أمره. حتّى تنزل. كلّ سماء يكون كلّ واحدة منها من
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) تفسير العياشي 1/ 103، ح 301.
(3) ليس في أ.
(4) أ: قبّات.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 303.
(6) ليس في أ.
(7) تفسير القمي 2/ 77.
314
وراء الأخرى. و هي ضعف الّتي يليها. ثمّ ينزل أمر اللّه في ظلل من الغمام و الملائكة و قضي الأمر و إلى ربّكم ترجع الأمور.
ثمّ يأمر اللّه مناديا ينادي: يا معشر الجنّ و الإنس! إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (1).
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ:
أمر للرّسول، أو لكلّ أحد. و المراد بهذا السّؤال تقريعهم.
كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ: معجزة ظاهرة، أو آية في الكتب شاهدة على الحقّ و الصّواب على أيدي الأنبياء.
و «كم» خبريّة أو استفهاميّة مقرّرة. و محلها النّصب على المفعوليّة، أو الرّفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر و آية مميّزها.
و «من» للفصل.
وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ، أي: آياته. فإنّها سبب الهدى الّذي هو أجلّ النّعم بجعلها سبب الضّلالة و ازدياد الرّجس، أو بالتّحريف و التّأويل الزّائغ.
و من جملة نعم اللّه العظمى، ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة الأوصياء من بعده.
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ: من بعد ما وصلت إليه و تمكّن من معرفتها.
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211): فيعاقبه أشدّ عقوبة. لأنّه ارتكب أشدّ جريمة.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ بولاية الشّياطين عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. و يقرأ ايضا،: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فمنهم من آمن و منهم من جحد و منهم من أقرّ و منهم من بدّل. وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا: حسنت في أعينهم و أشربت (3) محبّتها في قلوبهم
____________
(1) الرحمن/ 33.
(2) الكافي 8/ 290، ح 440.
(3) ر: شربت.
315
حتّى تهالكوا عليها و أعرضوا عن غيرها.
و في وصفهم بالكفر، إشعار بأنّ لذلك الوصف دخلا في التّزيين. و هو كذلك لأنّهم بسبب دين الكفر و قساوته صارت طبائعهم أميل إلى ما تشتهيه القوّة الحيوانيّة و غفلوا عن المثوبات الأخرويّة.
[و في مجمع البيان (1): زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا، فإنّ الإنسان إنّما يكلّف بأن يدعى إلى شيء تنفر نفسه عنه، أو يزجر عن تتوق شيء نفسه إليه. و هذا معنى
قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): حفّت الجنّة بالمكاره. و حفّت النّار بالشّهوات.] (2)
وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: يريد فقراء المؤمنين، كبلال و عمّار و صهيب، أي:
يسترذلونهم، أو يستهزؤن بهم على رفضهم الدّنيا و إقبالهم على العقبى.
و «من» للابتداء. كأنّهم جعلوا السّخرية مبتدئة منهم.
وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. لأنّهم في أعلى علّييّن و هم في أسفل السّافلين. أو لأنّهم في كرامة و هم في مذلّة. أو لأنّهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدّنيا. و إنّما قال: وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا، بعد قوله: الَّذِينَ آمَنُوا ليدلّ على أنّهم متّقون. و أنّ استعلاءهم للتّقوى.
وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ في الدّارين، بِغَيْرِ حِسابٍ (212): بغير تقدير. فيوسع في الدّنيا استدراجا، تارة، و ابتلاء أخرى.
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً: كلّهم ضلّالا، قبل نوح.
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ:
عن كعب (3): الّذي علمته من عدد الأنبياء، مائة و أربعة و عشرون ألفا. و المرسل منهم، ثلاثمائة و ثلاثة عشر. و المذكور في القرآن باسم العلم، ثمانية و عشرون.
وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ: يريد به الجنس. و لا يريد به أنّه أنزل مع كلّ واحد كتابا يخصّه. فإنّ أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصّهم. و إنّما يأخذون بكتاب من قبلهم.
بِالْحَقِ: حال من الكتاب، أي: متلبّسا بالحقّ، شاهرا به.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 305.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) أنوار التنزيل 1/ 113.
316
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، أي: اللّه، أو النّبيّ المبعوث، أو الكتاب.
فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أي: فيما التبس عليهم. و تخلّفوا فيه عن الحقّ.
وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ، أي: ما اختلف في الكتاب أو الحقّ بعد إتيانه إلّا الّذين أوتوه. و صار مبدأ الخلاف ناشئا عنهم و تبعهم فيه من بعدهم، أي: عكسوا الامر فجعلوا ما أنزل، مزيحا للالتباس، سببا لاستحكامه.
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ: حسدا بينهم و ظلما لحرصهم على الدّنيا.
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أي: للحقّ الّذي اختلف فيه من اختلف.
مِنَ الْحَقِ: بيان لما اختلفوا فيه.
بِإِذْنِهِ: بأمره و لطفه.
وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213): لا يضلّ سالكه.
و في روضة الكافي (1): حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن عديس (2)، عن يعقوب بن شعيب أنّه سأل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فقال: كان (3) قبل نوح أمّة ضلال فبدا للّه (4) فبعث المرّسلين. و ليس كما يقولون. و لم يزل. و كذبوا.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال:
كان هذا قبل نوح أمّة واحدة. فبدا للّه. فأرسل الرّسل قبل نوح. قلت: أعلى هدى كانوا أم على ضلالة؟
قال: بل كانوا (6) ضلالا (7) لا مؤمنين و لا كافرين و لا مشركين.
و عن مسعدة (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه (9):
____________
(1) الكافي 8/ 82، ح 40، و له تتمة. و في ر: روضة الكافي: علي بن إبراهيم.
(2) المصدر: أحمد بن عيسى عن أبان.
(3) المصدر: كان الناس.
(4) النسخ: عند الله. و ما في المتن موافق المصدر.
(5) تفسير العياشي 1/ 104، ح 306.
(6) ليس في ر.
(7) المصدر: ضلالا كانوا.
(8) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 309.
(9) «في قول اللّه» ليس في ر.
317
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ فقال: كان ذلك قبل نوح.
قيل: فعلى هدى كانوا؟
قال: لا. كانوا ضلّالا (1). و ذلك أنّه لمّا انقرض آدم و صالح (2) ذرّيّته بقي شيث وصيّه لا يقدر على إظهار دين اللّه الّذي كان عليه آدم و صالح ذرّيّته و ذلك أنّ قابيل توعّده (3) بالقتل كما قتل أخاه هابيل. فسار فيهم بالتّقيّة و الكتمان. فازداد و أكل يوم ضلالا حتّى لم يبق على الأرض معهم إلّا من هو سلف. و لحق الوصيّ بجزيرة في البحر يعبد اللّه. فبدا للّه- تبارك و تعالى- أن يبعث الرّسل. و لو سئل هؤلاء الجهّال لقالوا: «قد فرغ من الأمر.» و كذبوا. إنّما (4) هو شيء يحكم به اللّه في كلّ عام- ثمّ قرأ (5): فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.
- فيحكم اللّه- تبارك و تعالى- ما يكون في تلك السّنة، من شدّة، أو رخاء، أو مطر، أو غير ذلك.
قلت: أ فضلالا (6) كانوا قبل النّبيّين، أم على هدى؟
قال: لم يكونوا على هدى. كانوا على فطرة اللّه الّتي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللّه (7). و لم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللّه. أما تسمع يقول إبراهيم (8): لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، أي: ناسيا (9) للميثاق.
و أمّا ما رواه في مجمع البيان (10)، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: «كانوا قبل نوح أمّة واحدة على فطرة اللّه، لا مهتدين و لا ضالّين (11). فبعث اللّه النّبيّين»
فالمراد من الضّالّ، الكافر. و المراد به في الأخبار السّابقة الّذي على الفطرة لم يهتد إلى الحقّ بالبرهان، فلا منافاة.
____________
(1) ر: اضلالا.
(2) المصدر: صلح.
(3) المصدر: تواعده.
(4) المصدر: هي.
(5) الدخان/ 4.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أ فضلّال.
(7) إشاره الى آية.
(8) الأنعام/ 77.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ثابتا.
(10) مجمع البيان 1/ 307.
(11) المصدر: لا ضلّالا.
318
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال: قبل نوح- (عليه السلام)- على مذهب واحد. فاختلفوا. فبعث اللّه النّبيّين مبشّرين و منذرين. و أنزل معهم الكتاب بالحقّ، ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه.] (2) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ:
خاطب به النّبيّ و المؤمنين، بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجيء الآيات، تشجيعا لهم على الثّبات، مع مخالفيهم.
و «أم منقطعة». و معناها الإنكار.
وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ: و لم يأتكم.
قيل (3): و أصل «لمّا»، لم. زيدت عليها «ما.» و فيها توقّع. و لذلك جعل مقابل «قد.» مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، أي: حالهم الّتي هي مثل في الشّدّة.
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ: بيان له على الاستئناف.
وَ زُلْزِلُوا، أي: أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشّدائد.
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لتناهى الشّدّة و استطالة المدّة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر.
و قرأ نافع يقول (بالرّفع) على أنّها حكاية حال ماضية، كقولك: مرض فلان حتّى لا يرجونه.
مَتى نَصْرُ اللَّهِ: استبطاء له لتأخّره.
أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214): استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم ذلك إسعافا لهم إلى طلبتهم من عاجل النّصر.
في الخرائج و الجرائح، (4) عن زين العابدين، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: فما تمدّون أعينكم. ألستم آمنين؟ لقد كان من قبلكم ممّن هو على ما أنتم عليه. يؤخذ. فتقطع يده و رجله. و يصلب. ثمّ تلا (5): أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 71.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) أنوار التنزيل 1/ 113.
(4) تفسير نور الثقلين 1/ 209، ح 786، نقلا عن الخرائج و الجرائح.
(5) البقرة/ 214.
319
(الآية).
و في روضة الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي بكر بن محمّد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقرأ: و زلزلوا ثمّ زلزلوا حتّى يقول الرّسول.
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ:
عن ابن عبّاس (1): أنّ عمرو بن الجموح الأنصاريّ كان همّا ذا مال عظيم. فقال:
يا رسول اللّه! ما ذا ننفق من أموالنا؟ و أين نضعها؟ فنزلت:
قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ:
سئل عن المنفق، فأجيب ببيان المصرف. لأنّه أهم. فإنّ اعتداد النّفقة باعتباره.
و لأنّه كان في سؤال عمرو و إن لم يكن مذكورا في الآية. ذكر بعض المصارف. ثمّ عمّم بقوله:
وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ:
«ما»، شرطيّة.
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)، جوابه، أي: إن تفعلوا خيرا فإنّ اللّه يعلمه و يجازي عليه.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ: مكروه طبعا.
و هو مصدر نعت به للمبالغة، أو فعل بمعنى المفعول كالخبر.
و قرئ بالفتح، على أنّه لغة فيه كالضّعف، أو بمعنى الإكراه، على المجاز.
وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ: حفّت الجنّة بالمكاره.
وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ: حفّت النّار بالشّهوات.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خير لكم.
وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) ذلك، أو لستم من أهل العلم.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ:
قال البيضاوىّ (2): روى أنّه- عليه الصلاة و السّلام- بعث عبد اللّه بن جحش،
____________
(1) مجمع البيان 1/ 308.
(2) أنوار التنزيل 1/ 114.
320
ابن عمّته، على سريّة، في جمادي الآخرة، قبل بدر، بشهرين، يترصّد عيرا لقريش، فيهم عمرو بن عبد اللّه الحضرميّ و ثلاثة معه. فقتلوه. و أسروا اثنين و استاقوا العير. و فيها تجار الطّايف. و كان ذلك غرّة رجب و هم يظنّونه من جمادي الآخرة.
فقالت قريش: استحلّ محمّد الشّهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف (1).
و شقّ ذلك على أصحاب السّريّة. و قالوا: ما نبرح حتّى تنزل توبتنا.
و ردّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- العير و الأسارى.
و عن ابن عبّاس: لمّا نزلت، أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الغنيمة.
و هي أوّل غنيمة في الإسلام. و السّائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعا و تعييرا.
و قيل: أصحاب السّريّة.
قِتالٍ فِيهِ:
بدل اشتمال.
و قرئ: عن قتال.
قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، أي: كبير لو لم يكن يعارضه ما هو أكبر منه.
وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أي: المنع و الصّرف عن الإسلام و ما يوصل إلى اللّه.
وَ كُفْرٌ بِهِ، أي: باللّه.
وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي: و صدّ عن المسجد الحرام.
وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ: و هم النّبيّ و المؤمنون.
أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ممّا فعلته السّريّة، خطأ بناء على الظّنّ. و هو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة. و إفراده بناء على تنكيره.
وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أي: ما ارتكبوه من الإخراج و الشّرك، أفظع ممّا ارتكبوه من قتل الحضرميّ.
وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ: إخبار عن دوام عداوة الكفّار لهم و أنّهم لا ينفكّون عنها، حتّى يردّوهم عن دينهم.
و «حتّى»، للتّعليل.
إِنِ اسْتَطاعُوا: و هو استبعاد لاستطاعتهم، كقول الواثق بقوّته على قرنه: «إن
____________
(1) المصدر: يأمن فيه الخائف و يذعر فيه الناس إلى معايشهم.
321
ظفرت بي فلا تبق علىّ» و إيذان بأنّهم لا يردّونهم.
وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:
و قرئ: «حبطت» (بالفتح) و هو لغة فيه.
فِي الدُّنْيا، لبطلان ما تخيّلوه و فوات ما للإسلام من الفوائد الدّنيويّة وَ الْآخِرَةِ، بسقوط الثّواب.
وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217)، كسائر الكفرة.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا:
قيل (1): نزلت في السّريّة، لما ظنّ بهم أنّهم إن سلموا من الإثم، فليس لهم أجر.
وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ:
كرّر الموصول لتعظيم الهجرة و الجهاد. فكأنّهما مستقلّان في تحقيق الرّجاء.
أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ: ثوابه. أثبت لهم الرّجاء، اشعارا بأنّ العمل غير موجب و لا قاطع في الدّلالة، سيّما و العبرة بالخواتيم.
وَ اللَّهُ غَفُورٌ للكبير الّذي عارضه أكبر، رَحِيمٌ (218) بإجزال الأجر و الثّواب.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ:
«الخمر» في الأصل، مصدر خمرة، إذا ستره سمّي بها. لأنّه يخمر العقل.
في مجمع البيان (2): «الخمر» كلّ شراب مسكر مخالط للعقل مغطّ عليه. و ما أسكر كثيره فقليله، خمر. هذا هو الظّاهر في روايات أصحابنا.
و «الميسر»، أيضا، مصدر كالموعد سمّي به القمار. لأنّه أخذ مال الغير بيسر، أو سلب يساره.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن حمدوية، عن محمّد بن عيسى قال: سمعته يقول: كتب إليه إبراهيم بن عتبه (4)، يعني: إلى عليّ بن محمّد- (عليهما السلام): إن رأى سيدي و مولاي أن يخبرني عن الخمر و الميسر الآية. فما الميسر (5)؟ جعلت فداك!
____________
(1) مجمع البيان 1/ 313.
(2) مجمع البيان 1/ 316.
(3) تفسير العياشي 1/ 105- 106، ح 311.
(4) هكذا في النسخ. و في المصدر: عنبسة. و لعلم: عتبة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المنفعة.
322
فكتب: كلّ ما قومر به فهو الميسر. و كلّ مسكر حرام.
و عن عامر بن السبط (1)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: الخمر من ستّة أشياء: التّمر و الزّبيب و الحنطة و الشّعير و العسل و الذرة.
و في الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: النّرد و الشّطرنج، بمنزلة واحدة. و كل ما قومر عليه فهو ميسر.
عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن مثنى الحنّاط (4)، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): الشّطرنج و النّرد هما الميسر.
محمّد بن يحيى (5) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عبد الملك القمي قال: كنت أنا و إدريس أخي عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فقال إدريس: جعلنا اللّه فداك! ما الميسر؟
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام). هي الشّطرنج.
قال: فقلت عندهم (6) يقولون: إنّها النّرد.
قال: و النّرد أيضا.
قال البيضاويّ (7): روى أنّه نزل بمكّة، قوله (8) وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً. (9) فأخذ المسلمون يشربونها. ثمّ أنّ عمر و معاذا في نفر من الصّحابة، قالوا: أفتنا، يا رسول اللّه! في الخمر؟ فإنّها مذهبة للعقل (10) فنزلت هذه الآية. فشربها قوم و تركها آخرون. [ثمّ دعا عبد الرّحمن بن عوف ناسا منهم. فشربوا. فسكروا. فأمّ أحدهم.
فقرأ: «أعبد ما تعبدون.» فنزلت: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى (11). فقلّ من
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 313.
(2) الكافي 6/ 435، ح 1.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(4) أ: الخيّاط.
(5) نفس المصدر 6/ 436، ح 8.
(6) المصدر: أما أنتم.
(7) أنوار التنزيل 1/ 115- 116.
(8) النحل/ 67.
(9) المصدر: سكرا و رزقا حسنا.
(10) مذهبة للعقل مسلبة للمال.
(11) النساء/ 43.
323
يشربها.] (1) ثمّ دعا عتبان بن مالك، سعد بن أبي وقّاص في نفر. فلمّا سكروا افتخروا و تناشدوا. فأنشد سعد شعرا، فيه هجاء الأنصار. فضربه أنصاريّ بلحى بعير. فشجّه.
فشكى إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عمر: «اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا.» فنزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ- إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. فقال عمر: انتهينا يا ربّ.
و هذا النّقل منه يدلّ على عدم حرمة الخمر في أوّل الإسلام و عدم انتهاء عمر عن الخمر قبل نزول «إنّما الخمر» (إلى آخره.) و الصّحيح أنّ الخمر كان حراما و هذا أوّل آية نزلت في التّحريم.
روى في الكافي (2): عن بعض أصحابنا- مرسلا- قال: إنّ أوّل ما نزل في تحريم الخمر، قول اللّه- عزّ و جلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. فلمّا نزلت الآية أحسّ القوم بتحريم الخمر. و علموا أنّ الإثم ينبغي (3) اجتنابه. و لا يحمل اللّه- عزّ و جلّ- عليهم من كلّ طريق. لأنه قال: وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ. ثمّ أنزل- عزّ و جلّ- آية أخرى. (الحديث).
و يدلّ عليه أيضا الأخبار السّابقة و قوله:
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ من حيث أنّه يؤدّي إلى الانتكاب عن المأمور به و ارتكاب المنهيّ عنه.
وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ من كسب المال و الطّرب و الالتّذاذ و مصادفة الفتيان.
وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، أي: المفاسد الّتي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقّعة منهما. و المفسدة إذا ترجّحت على المصلحة، اقتضت تحريم الفعل.
[و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيّان بن الصّلت قال:
سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: ما بعث اللّه نبيّا إلّا بتحريم الخمر، و أن يقرّ للّه بالبداء.
وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قيل: سائله عمرو بن الجموح. سأل أوّلا عن المنفق و المسرف، و ثانيا عن كيفيّة
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 6/ 406، ح 2.
(3) المصدر: فما ينبغي.
(4) الكافي 1/ 148، ح 15.
324
الإنفاق.
قُلِ الْعَفْوَ، أي: الوسط، لا إقتار و لا إسراف. و العفو» ضدّ الجهد. و منه يقال للأرض السّهلة: العفو.] (1)
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير (3)، عن رجل (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال: العفو، الوسط.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال:
لا إقتار و لا إسراف.
و في مجمع البيان (6): قُلِ الْعَفْوَ فيه أقوال- إلى قوله- و ثالثها أنّ العفو ما فضل عن قوت السّنة
- عن الباقر- (عليه السلام). قال: و نسخ ذلك بآية الزّكاة.
كَذلِكَ، أي: مثل ما بيّن أنّ العفو أصلح، أو ما ذكر من الأحكام.
و الكاف في موضع النّصب، صفة لمصدر محذوف، أي: تبيينا مثل هذا التّبيين. و وحدّ العلامة. و المخاطب جمع على تأويل القبيل و الجمع.
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدّالّة على ما فيه إرشادكم.
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) في الدّلائل و الأحكام.
فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ: في أمور الدّارين، فتأخذون بالأصلح و تتركون المضرّ.
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى:
في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثني أبي، عن صفوان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنّه لمّا أنزلت (8) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً أخرج كلّ من كان عنده يتيم، و سألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في إخراجهم. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 4/ 52، ح 3.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابن أبي بصير.
(4) المصدر: عن بعض أصحابه.
(5) تفسير القمي 1/ 72.
(6) مجمع البيان 1/ 316.
(7) تفسير القمي 1/ 72.
(8) المصدر: أنزلت. (ظ)
325
و في مجمع البيان (1)، عند قوله وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ (الآية):
روى أنّه لمّا نزلت هذه الآية، كرهوا مخالطة اليتامى. فشقّ ذلك عليهم فشكوا ذلك إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فأنزل اللّه سبحانه و تعالى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. (الآية)- عن الحسن. و هو المرويّ عن السّيدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام).
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، أي: مداخلتهم لإصلاحهم خير من مجانبتهم.
قال الصّادق- (عليه السلام) (2): لا بأس بأن تخالط طعامك بطعام اليتيم. فإنّ الصّغير يوشك أن يأكل كما يأكل الكبير.
و أمّا الكسوة و غيره، فيحسب على رأس كلّ صغير و كبير و كم يحتاج إليه.
وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ: حثّ على المخالطة، أي: أنّهم إخوانكم في الدّين.
و من حقّ الأخ أن يخالط الأخ.
و قيل (3): المراد بالمخالطة المصاهرة.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ: وعيد و وعد لمن خالطهم لإفساد و إصلاح، أي: يعلم أمره فيجازيه عليه.
و في الكافي (4): عثمان، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ.
قال: يعني اليتامى. إذا كان الرّجل يلي الأيتام» (5). في حجره، فليخرج من ماله على قدر ما يخرج لكلّ إنسان منهم. فيخالطهم. و يأكلون جميعا. و لا يرز أنّ من أموالهم شيئا. إنّما هي النّار.
أحمد بن محمّد (6)، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: أ رأيت قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ؟
قال: تخرج من أموالهم بقدر ما يكفيهم. و تخرج من مالك قدر ما يكفيك. ثمّ شفّعه (7).
____________
(1) مجمع البيان 2/ 3- 4.
(2) تفسير القمي 1/ 72.
(3) أنوار التنزيل 1/ 116- 117.
(4) الكافي 5/ 129، ح 2.
(5) المصدر: لا يتام.
(6) الكافي 5/ 130، ح 5.
(7) المصدر: تنفقه. (ظ)
326
قلت: أ رأيت إن كانوا يتامى صغارا و كبارا و بعضهم أعلى كسوة من (بعضهم (1)) و بعضهم آكل من بعض و ما لهم جميعا؟
فقال: أمّا الكسوة، فعلى كلّ إنسان منهم ثمن كسوته. و أمّا الطّعام (2) فاجعلوه [جميعا.] (3) فإنّ الصّغير يوشك أن يأكل مثل الكبير.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى (4)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ قال: قيل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام، و معهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم، و نشرب من مائهم، و يخد منا خادمهم. و ربّما طعمنا فيه الطّعام من غير صاحبنا. و فيه من طعامهم. فما ترى في ذلك؟ فقال:
إن كان في دخولكم عليه (5) منفعة لهم، فلا بأس. و إن كان فيه ضرر، فلا.
و قال- (عليه السلام): بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. (6) فأنتم لا يخفى عليكم.
و قد قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (7).
و في تفسير العيّاشي (8): عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه! إنّ أخي هلك و ترك أيتاما و لهم ماشية. فما يحلّ لي منها؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إن كنت تليط حوضها و ترد نادتها (9) و تقوم على رعيتها، فاشرب من ألبانها غير مجتهد للحلب و لا ضارّ بالولد. وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
عن عليّ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه في اليتامى:
وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
____________
(1) المصدر: بعض. (ظ)
(2) المصدر: أكل الطعام.
(3) يوجد في المصدر.
(4) الكافي 5/ 129، ح 4.
(5) المصدر: عليهم.
(6) القيامة/ 14.
(7) المصدر: و قد قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ في الدين وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
(8) تفسير العيّاشي 1/ 107- 108، ح 321.
(9) المصدر: فاديتها.
(10) نفس المصدر 1/ 108، ح 324.
327
قال: يكون له التّمر و اللّبن. و يكون لك مثله على قدر ما يكفيك و يكفيهم.
و لا يخفى على اللّه المفسد من المصلح.
عنه (1)، عن عبد اللّه بن حجّاج، عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- قال: قلت له: يكون لليتيم عندي الشّيء. و هو في حجري، أنفق عليه منه. و ربّما أصيب بما (2) يكون له من طعام (3). و ما يكون منّى إليه أكثر.
فقال: لا بأس بذلك. وَ اللَّهُ (4) يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أي: و لو شاء اللّه إعناتكم لأعنتكم، أي: كلّفكم ما يشقّ عليكم من العنت و هي المشقّة و لم يجوز (5) لكم مداخلتهم.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: غالب يقدر على الإعنات.
حَكِيمٌ (220): يحكم ما تقتضيه الحكمة و يتّسع له الطّاقة.
وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ، أي: و لا تتزوجهنّ.
و قرئ بالضّمّ، أي: و لا تزوجوهنّ من المسلمين.
روى (6) أنّه- (عليه السلام)- بعث مرشد الغنويّ إلى مكّة، ليخرج أناسا من المسلمين. فأتته عناق. و كان يهوديّا في الجاهليّة.
فقالت: ألا تخلو؟
فقال: إنّ الإسلام حال بيننا.
فقالت: لك أن تتزوّج بي؟
فقال: نعم. و لكن أستأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
فاستأمره. فنزلت. و المشركات تعمّ الكتابيّات و غيرهم.
و في مجمع البيان (7)، عند قوله: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: روى أبو الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه منسوخ بقوله: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ و بقوله (8): وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 325.
(2) المصدر: ربّما أصبت ممّا.
(3) المصدر: الطعام.
(4) المصدر: إن اللّه.
(5) كذا في أ. و في الأصل ور: لم تجوز.
(6) مجمع البيان 1/ 317.
(7) نفس المصدر 2/ 162.
(8) الممتحنة/ 10.
328
و في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام): يا أبا محمّد! ما تقول في رجل يتزوّج نصرانيّة على مسلمة؟
قلت: جعلت فداك! و ما قولي بين يديك؟
قال: لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي.
قلت: لا يجوز تزويج النّصرانيّة على مسلمة و لا غير مسلمة.
قال: لم؟
قلت: لقول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ؟
قال: فما تقول في هذه الآية: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؟
قلت: قوله وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ نسخت هذه الآية.
فتبسّم ثمّ سكت.
و المراد بالنّكاح، العقد الدّائم.
و روى جواز التّمتّع باليهوديّة و النّصرانيّة، في من لا يحضره الفقيه (2): و سأل الحسن التّفليسيّ الرّضا- (عليه السلام): يتمتّع الرّجل من اليهوديّة و النّصرانيّة؟
قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام): يتمتّع من الحرة المؤمنة. و هي أعظم حرمة منها.
وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ، أي: لأمرأة مؤمنة حرّة كانت، أو مملوكة. فإنّ النّاس عبيد اللّه و إماؤه.
وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ بحسنها و شمائلها.
و «الواو» للحال. و «لو» بمعنى «إن» و «هو» كثير.
وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا: و لا تزوّجوا منهم المؤمنات حتّى يؤمنوا. و هو على عمومه.
وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ: تعليل للنّهي عن مواصلتهم. و ترغيب في مواصلة المؤمنين.
أُولئِكَ: إشارة إلى المذكورين من المشركين و المشركات.
____________
(1) الكافي 5/ 357، ح 6.
(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 293، ح 1390.
329
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ: إلى الكفر المؤدّي إلى النّار. فلا يجوز مصاهرتهم.
وَ اللَّهُ، أي: أولياؤه المؤمنون. حذف المضاف. و أقيم المضاف إليه مقامه، تفخيما لشأنهم، أو اللّه.
يَدْعُوا بهذا التّكليف.
إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ، أي: أسبابهما من الاعتقاد و العمل الموصلين إليهما.
بِإِذْنِهِ: بتوقيفه أو بقضائه.
وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)، أي: لكي يتذكّروا، أو ليكونوا بحيث يرجى منهم التّذكّر لما ركز (1) في العقول من ميل الخير و مخالفة الهوى.
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ: هو مصدر كالمجيء و المبيت.
قيل: و لعلّه سبحانه إنّما ذكر يسألونك بغير واو ثلاثا ثمّ بها ثلاثا، لان السؤالات الاول كانت في أوقات متفرّقة و الثلاث الأخيرة كانت في وقت واحد. فلذلك ذكرها بحرف الجمع.
في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- قال: الحيض من النّساء نجاسة. رماهنّ اللّه بها.
قال: و قد كنّ النّساء في زمان نوح إنّما تحيض المرأة في كلّ سنة حيضة حتّى خرجن نسوة من حجابهن. و هنّ سبعمائة امرأة. فانطلقن. فلبسن المعصفر (3) من الثّياب.
و تحلّين و تعطّرن. ثمّ خرجن. فتفرّقن في البلاد. فجلسن مع الرّجال. و شهدن الأعياد معهم و جلسن في صفوفهم. فرماهنّ اللّه بالحيض، عند ذلك، في كلّ شهر. أولئك النسّوة بأعيانهنّ. فسالت دماؤهنّ من بين الرّجال. و كنّ يحضن في كلّ شهر حيضة.
قال: فأشغلهنّ اللّه- تبارك و تعالى- بالحيض. و كسر (4) شهوتهنّ.
قال: و كان غير حضّ من النّساء اللّواتي، لم يفعلن مثل فعلهنّ. يحضن (5) في كلّ سنة حيضة.
قال: فتزّوج بنو اللّاتي يحضن في كلّ شهر حيضة، بنات اللّاتي يحضن في كلّ سنة حيضة.
____________
(1) ر: ذكر.
(2) علل الشرائع 1/ 290، ح 2.
(3) هكذا في النسخ. و في المصدر: المعصفرات.
(4) المصدر: كثر.
(5) المصدر: كنّ يحضن.
330
قال: فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء و هؤلاء في كلّ شهر حيضة.
قال: و كثر أولاد اللّاتي (1) يحضن في كلّ شهر حيضة، لاستقامة الحيض. و قلّ أولاد اللّاتي (2). لا يحضن في السّنة إلّا حيضة لفساد الدّم.
قال: و كثر نسل هؤلاء. و قلّ نسل أولئك.
روى (3) أنّ أهل الجاهليّة كانوا لم يساكنوا الحيّض و لم يؤاكلوها كفعل اليهود و المجوس. و استمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدّحداء، في نفر من الصّحابة عن ذلك، فنزلت.
قُلْ هُوَ أَذىً، أي: المحيض مستقذر مؤذ من يقربه.
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، أي: فاجتنبوا مجامعتهن. و هو الاقتصاد بين إفراط اليهود و إخراجهنّ من البيوت، و تفريط النّصارى و مجامعتهنّ في المحيض. و إنّما وصف بأنّه «أذى» و رتّب الحكم عليه بالفاء، إشعارا بأنّه العلّة.
في الكافي (4): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن بريد، عن الحسن بن عليّ، عن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه لمّا أصاب آدم و زوجته الخطيئة، أخرجهما من الجنّة و أهبطهما إلى الأرض. فأهبط آدم على الصّفا. و أهبطت حوّاء على المروة.
فقال آدم: ما فرّق بيني و بينها، إلّا أنّها لا تحلّ لي. و لو كانت تحلّ لي هبطت معي على الصّفا. و لكنّها حرّمت عليّ من أجل ذلك و فرّق بيني و بينها.
فمكث آدم معتزلا حوّاء. فكان يأتيها نهارا. فيحدّث عندها على المروة. فإذا كان اللّيل و خاف أن تغلبه نفسه، يرجع إلى الصّفا. فيبيت عليه. و لم يكن لآدم أنس غيرها و لذلك سمّين «النّساء» من أجل أنّ حوّاء كانت أنسا لآدم. لا يكلّمه اللّه. و لا يرسل إليه رسولا.
عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد القلانسيّ، عن عليّ بن حسّان، عن عمّه عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى عذافر الصّيرفيّ قال أبو عبد اللّه
____________
1 و 2- كذا في المصدر. و في الأصل ور: الذين.
(3) الكشاف 1/ 265+ أنوار التنزيل 1/ 117.
(4) الكافي 4/ 190، ح 1. و له تتمة.
(5) نفس المصدر 4/ 191، ح 1. و له تتمة.
(6) علل الشرائع 1/ 82، ح 1.
331
- (عليه السلام): ترى هؤلاء المشوّهين (1)؟
قال: نعم (2).
قال: هؤلاء (3) الذين يأتي آباؤهم نساءهم في الطّمث.
وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ: تأكيد للحكم و بيان لغايته.
و في رواية بن عبّاس (4): يطّهرن بتشديد الطّاء، أي: يتطهّرن.
و المراد به: إن كان انقطاع الدّم.
فالنّهي، نهي تحريم. و إن كان الغسل بعد الانقطاع، فنهي تنزيه. يدلّ عليه الأخبار.
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أي: المأتيّ الّذي حلّله لكم.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذّنوب.
وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)، أي: المتنزّهين عن الفواحش و الأقذار، كمجامعة الحائض.
في كتاب الخصال (5)، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: سئل أبي عمّا حرّم اللّه تعالى من الفروج في القرآن و عمّا حرمّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في السّنّة (6).
فقال: الّذي حرّم اللّه تعالى من ذلك (7) أربعة و ثلاثين وجها: سبعة عشر في القرآن و سبعة عشر في السّنّة. فأمّا الّتي في القرآن: فالزّنى- إلى قوله- و الحائض، حتّى تطهر، لقوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ.
عن جعفر بن محمّد (8) عن أبيه، عن عليّ- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه كرّه لكم، أيتها الأمّة! أربعا و عشرين خصلة، و نهاكم عنها كرّه لكم: العبث في الصّلاة- إلى أن قال- و كرّه للرّجل أن يغشى امرأته و هي حائض.
فإن غشيها فخرج الولد مجذوما (9) أو أبرص (10)، فلا يلومنّ إلّا نفسه.
____________
(1) المصدر: المشوّهين في خلقهم.
(2) المصدر: قال: قلت: نعم.
(3) المصدر: قال: هم هؤلاء.
(4) أنوار التنزيل: 1/ 118.
(5) الخصال 2/ 532، ح 10.
(6) المصدر: سنّته.
(7) «من ذلك» ليس في المصدر.
(8) نفس المصدر/ 520، ح 9.
(9) أ: مخروما.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أبرصا.
332
عن بعض أصحابنا (1)، قال: دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ.
- (عليه السلام)- يوم الأربعاء. و هو يحتجم، قلت (2) له: إنّ أهل الحرمين يروون عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من احتجم يوم الأربعاء فأصابه بياض، فلا يلومنّ إلّا نفسه.
فقال: كذبوا. إنّما يصيب ذلك من حملته أمّه في طمث.
و في كتاب علل الشرائع (3)، بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان النّاس يستنجون بثلاثة أحجار لأنّهم كانوا يأكلون البرّ (4).
فكانوا يبعرون بعرا. فأكل رجل من الأنصار الدبا فلان بطنه. و استنجى بالماء (5).
فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): هل عملت في يومك هذا شيئا؟
فقال: يا رسول اللّه! ما حملني (6) على الاستنجاء بالماء إلّا أنّي أكلت طعاما فلان بطني. فلم تغن عنّى الأحجار (7) شيئا. فاستنجيت بالماء.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): هنيا لك. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أنزل فيك آية فابشر إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.
فكنت أنت أوّل من صنع هذا أوّل التّوّابين و أوّل المتطهّرين.
و في أصول الكافي (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأصحابه في حديث طويل: و لو لا أنكم تذنبون فتستغفرون اللّه، لخلق اللّه خلقا حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا اللّه. فيغفر لهم. إنّ المؤمن مفتن توّاب. أما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ و قال (9): استغفروا ربكم
____________
(1) نفس المصدر/ 386، ح 70.
(2) المصدر: فقلت. (ظ)
(3) علل الشرائع/ 286، ح 1.
(4) المصدر: البسر.
(5) المصدر: و استنجى بالماء. بعث [فبعث. ظ] إليه النبي- صلى الله عليه و آله- قال: فجاء الرجل و هو خائف- يظن أن يكون قد نزل فيه أمر سوؤه في استنجائه بالماء.
(6) المصدر: فقال: نعم، يا رسول الله. إني، و الله ما حملني.
(7) المصدر الحجارة.
(8) الكافي 2/ 423- 424، ح 1.
(9) هود/ 90.
333
ثم توبوا إليه.
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن عبد اللّه بن عثمان، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّ اللّه يحبّ المفتن التّوّاب. و من لا يكون ذلك منه، كان أفضل.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، رفعه، قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى التّائبين ثلاث خصال، لو أعطى خصلة منها جميع أهل السّماوات و الأرض لنجوا بها: قوله- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.
فمن أحبّه اللّه لم يعذّبه.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه تعالى أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته و مزاده (4) في ليلة ظلماء، فوجدها. فاللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده، من ذلك الرّجل براحلته حين وجدها.
و في الكافي (5): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج قال: قال في قول اللّه- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، قال: و كان النّاس يستنجون بالكرسف و الأحجار. ثمّ أحدث الوضوء. و هو خلق كريم. فأمر به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صنعه. فأنزل اللّه في كتابه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.
و في كتاب الخصال (6)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: توبوا إلى اللّه- عزّ و جلّ. و ادخلوا في محبّته. ف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. و المؤمن توّاب.
و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام): خلق القلب طاهرا صافيا.
____________
(1) نفس المصدر 2/ 435، ح 9.
(2) نفس المصدر 2/ 432، ح 5.
(3) نفس المصدر 2/ 435، ح 8.
(4) المصدر: و زاده.
(5) نفس المصدر 3/ 18، ح 13.
(6) الخصال 2/ 623، ح 10.
(7) شرح فارسى لمصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 69.
334
و جعل (غذاءه) الذّكر و الفكر و الهيبة و التّعظيم. فإذا شيب القلب الصّافي في التّغذية (1) بالغفلة و الكدر، صقل بمصقل (2) التوبة [و نظّف] (3) بماء الإنابة، ليعود على حالته الأولى و جوهريّته الأصليّة الصّافية. قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ: مواضع حرث لكم. شبّهن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهنّ من النّطف بالبذور.
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ، أي: فأتوهنّ كما تأتون المحارث. و هو كالبيان لقوله (4): فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ.
أَنَّى شِئْتُمْ: من أي جهة شئتم.
روى (5) أنّ اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان ولدها أحول. فذكر ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فنزلت.
وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ:
قيل (6): ما يدّخر لكم الثّواب.
و قيل (7): هو طلب الولد.
و قيل (8): التّسمية على الوطء.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن معاصيه، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: فتزوّدوا ممّا لا تفضحون به عنده.
وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)، الكاملين في الإيمان (9) بالكرامة و النّعيم الدّائم.
أمر الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يبشّر من صدّقه و امتثل أمره.
و اعلم! أنّ الوطء في دبر المرأة جائزة إذا رضى (10). مكروه. و ليس بحرام. و في الآية دلالة عليهما.
و في تهذيب الأحكام (11): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن
____________
(1) المصدر: تغذيته.
(2) المصدر: بمصقلة. (ظ)
(3) يوجد في المصدر.
(4) البقرة/ 222.
(5) مجمع البيان 1/ 320.
6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 118.
(9) ر: بالايمان. (ظ)
(10) هكذا في جميع النسخ. و لعله الصواب: جائز إذا رضيت.
(11) تهذيب الأحكام 7/ 414، ح 1657.
335
حمران، عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يأتى المرأة في دبرها.
قال: لا بأس إذا رضيت. [قلت:] (1) فأين قول اللّه: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ؟
قال: هذا في طلب الولد. فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللّه. إنّ اللّه يقول:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن إتيان النّساء في أعجازهنّ.
قال: لا بأس. ثمّ تلا هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
و عن زرارة (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قال: حيث شاءوا
و أمّا ما رواه:
عن صفوان بن يحيى (4)، عن بعض أصحابنا قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. فقال: من قدامها و من خلفها في القبل.
و عن معمر بن خلّاد (5)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: أي شيء تقولون في إتيان النّساء في أعجازهن؟
قلت: بلغني أنّ أهل المدينة لا يرون به بأسا.
قال: إنّ اليهود كانت تقول: «إذا أتى الرّجل من خلفها خرج ولده أحول.» فأنزل اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، يعني: من قدّام و خلف (6)، خلافا لقول اليهود. و لم يعن في أدبارهنّ.
و عن الحسن بن عليّ (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) تفسير العياشي 1/ 110، ح 330.
(3) نفس المصدر 1/ 111، ح 331.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 332.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 333.
(6) المصدر: خلف أو قدّام.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع.
336
و عن زرارة (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال سألته عن قول اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
قال: من قبل.
عن أبي بصير (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).] (3) قال: سألته عن الرجل يأتي اهله في دبرها. فكره ذلك. و قال: و إيّاكم و محاش النّساء.
قال: إنّما معنى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، أي: ساعة شئتم.
و عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ (4) قال: كتبت إلى الرّضا- (عليه السلام)- في مسألة (5) فورد منه الجواب: سألت عمّن أتى جاريته في دبرها و المرأة: لعبه (6) لا تؤذي. و هي حرث كما قال اللّه.
محمولة على الكراهية، بقرينة الأخبار السّابقة. و في بعض ألفاظ تلك الأخبار، أيضا، دلالة على ذلك.
وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ:
«العرضة»، فعله بمعنى المفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض. يطلق لما يعرض دون الشيء و للمعرض للأمر.
و معنى الآية على الأوّل: لا تجعلوا اللّه حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير. فيكون المراد بالإيمان الأمور المحلوف عليها، يعني: إن حلفتم على الأمور الّتي تركها مرجوح شرعا، لا ينعقد يمينكم. فأتوا بما هو الرّاجح شرعا منها. و حينئذ أن مع صلتها عطف بيان «للإيمان.» و «اللّام» صلة «عرضة»، لما فيها من معنى الاعتراض. و يجوز أن يكون للتّعليل، و يتعلّق «أن» بالفعل، أو بعرضة، أي: و لا تجعلوا اللّه عرضة لأنّ تبرّوا لأجل: أيمانكم به.
و على الثّاني: و لا تجعلوه متعرّضا لأيمانكم. فتتبدّلوه بكثرة الحلف به. و «أن تبرّوا» علّة النّهي، أي: أنهاكم عنه إرادة برّكم تقواكم و إصلاحكم بين النّاس. فإنّ الحلّاف مجترئ على السرّ. و المجترئ عليه لا يكون برّا متّقيا و لا موثوقا به في إصلاح ذات البين.
و الآية- قيل (7)- نزلت في أبي بكر، لمّا حلف أن لا ينفق على مسطح لافترائه على
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 334.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 335.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 336.
(5) المصدر: مثله.
(6) المصدر: لعبة الرجل.
(7) أنوار التنزيل 1/ 118.
337
عائشة.
و قيل (1): في عبد اللّه بن رواحة حين حلف أن لا يكلّم ختنة بشير بن النعمان و لا يصلح بينه و بين أخته (2).
في أصول الكافي (3): عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن إسماعيل، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين، فلا تقل: عليّ يمين أن لا أفعل (4).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قوله: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ قال: هو قول الرّجل في كلّ حالة «لا و اللّه» و «بلى و اللّه.»
و في الكافي (6): عدّة من أصحابنا [عن سهل بن زياد] (7)، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا تحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين. فإن اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.
عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلام المتعبّد، أنّه سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول لسدير: يا سدير! من حلف باللّه كاذبا، كفر. و من حلف باللّه صادقا، أثم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.
و في تفسير العيّاشيّ (9): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام): وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ قالا: هو الرجل يصلح [بين الرجل.] (10) فيحمل ما بينهما من الإثم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 118.
(2) يوجد في أ، بعد هذه الفقرة: «و اللّه سميع لايمانكم، عليم بنياتكم.» و هو مشطوب في الأصل.
(3) الكافي 2/ 210، ح 6.
(4) المصدر: ألّا أفعل.
(5) تفسير القمي 1/ 73.
(6) نفس المصدر 7/ 434، ح 1.
(7) ليس في المصدر.
(8) نفس المصدر 7/ 434- 435، ح 4.
(9) تفسير العياشي 1/ 112، ح 338.
(10) يوجد في المصدر.
338
عن منصور بن حازم (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [في قول اللّه: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.] (2) قال: يعني الرّجل يحلف أن لا يكلّم أخاه. و ما أشبه ذلك. و لا يكلّم أمّه.
و عن أيّوب (3): قال سمعته يقول: لا تحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين. فإنّ اللّه يقول:
وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ قال: إذا استعان رجل برجل على صلح بينه و بين رجل، فلا يقولن (4) «إنّ عليّ يمينا أن لا أفعل.» و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ.
و في من لا يحضره الفقيه (5): و روى محمّد بن إسماعيل، عن سلام بن سهم الشّيخ المتعبّد، أنّه سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول- و ذكر مثله.
[وَ اللَّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم، عَلِيمٌ (224) بنيّاتكم.] (6) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ:
«اللّغو»: السّاقط، الّذي لا يعتدّ به من كلام و غيره. و لغو اليمين، ما لا عقد معه كما سبق به اللّسان، أو تكلّم به جاهلا بمعناه.
وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، أي: بما قصدتم من الأيمان و واطأت فيها قلوبكم ألسنتكم.
وَ اللَّهُ غَفُورٌ حيث لا يؤاخذكم باللّغو، حَلِيمٌ (225) حيث لم يعاجل بالمواخذة على يمين الجدّ، تربّصا للتّوبة.
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ، أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنّ مطلقا، أو مقيّدا بالدّوام، أو بأكثر من أربعة أشهر، إذا كنّ مدخولا بهنّ.
و «الإيلاء»: الحلف. و تعديته بعلى و لكن لمّا ضمّن هذا القسم معنى البعد، عدّى بمن.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 339.
(2) ليس في أ.
(3) ر: عن أبي. و الحديث في نفس المصدر و نفس الموضع، ح 340.
(4) المصدر: تقولنّ.
(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 234- 235، ح 1108.
(6) ليس في أ.
339
تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ:
مبتدأ، ما قبله خبره، أو فاعل الظّرف.
و «التّربّص»: التّوقف. أضيف إلى الظّرف، على الاتّساع، أي: للمولى حقّ التّربّص في هذه المدّة، لا يطالب بفيء، و لا طلاق.
فَإِنْ فاؤُ، أي: رجعوا في اليمين بالحنث و الكفّارة، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226): للمولى إثم حنثه إذا كفّر، أو ما توخّى بالإيلاء من إضرار المرأة.
وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي: همّموا (1) قصده، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم، عَلِيمٌ (227) بغرضهم و نيّاتهم.
في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى أبي خالد (3) الهيثم قال: سألت أبا الحسن الثّاني- (عليه السلام): كيف صار (4) عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر و عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرة أيّام (5)؟
قال: أمّا عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر فلاستبراء الرّحم من الولد.
و أمّا عدة (6) المتوفى عنها زوجها، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- شرط للنّساء شرطا، فلم يكملهن (7) فيه.
و فيما شرط عليهنّ، بل شرط عليهنّ مثل ما شرط لهم فأمّا ما شرط لهنّ: فإنّه جعل لهنّ في الإيلاء أربعة أشهر. لأنّه علم أنّ ذلك غاية صبر النّساء. فقال- عزّ و جلّ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فلا يجوز (8) للرّجل.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «الإيلاء» هو أن يحلف الرّجل على امرأته
____________
(1) أور: صمّموا.
(2) علل الشرائع/ 507- 508، ح 1.
(3) «خالد» ليس في المصدر.
(4) المصدر: صارت.
(5) المصدر: أربعة أشهر و عشرا.
(6) ليس في أو في المصدر.
(7) المصدر: فلم يحلّهن. (ظ)
(8) المصدر: فلم يجز.
(9) تفسير القمي 1/ 73.
340
أن لا يجامعها. فإن صبرت عليه فلها أن تصبر. و إن (1) رفعته إلى الإمام، أنظره أربعة أشهر.
ثمّ يقول له بعد ذلك: إمّا أن ترجع إلى المناكحة، و إمّا أن تطلقه. فان أبى جئته أبدا (2).
و روى عن أمير المؤمنين- (عليه السلام) (3)- أنّه من (4) بنى حظيرة من قصب. و جعل فيها رجلا آلى من امرأته بعد أربعة أشهر. فقال (5): إمّا أن ترجع إلى المناكحة، و إمّا أن تطلّق و إلا أحرقت عليك الحظيرة.
و في الكافي (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، و أبو العبّاس محمّد بن جعفر، عن أيّوب بن نوح، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، و حميد بن زياد، عن ابن سماعة، جميعا، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الإيلاء، ما هو؟
قال: هو أن يقول الرّجل لامرأته: «و اللّه لا أجامعك كذا و كذا.» و يقول: «و اللّه لأغيظنّك.» فيتربّص بها أربعة أشهر. ثمّ يؤخذ فيوقف بعد الأربعة أشهر. فإن فاءوا. و هو أن يصالح أهله. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و إن لم يفئ جبر على أن يطلق و لا يقع طلاق فيما بينهما، و لو كان بعد الأربعة الأشهر، ما لم ترفعه (7) إلى الإمام.
عليّ (8)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينه، عن بكر بن أعين، و بريد بن معاوية، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- أنّهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته، فليس لها قول و لا حقّ في الأربعة الأشهر. و لا إثم عليه في كفّه عنها في الأربعة الأشهر. فإن مضت الأربعة الأشهر قبل ان يمسّها فسكنت (9) و رضيت، فهو في حلّ وسعة. فإن رفعت أمرها قيل له: إمّا أن تفيء فتمسّها، و إمّا أن تطلّق. و عزم الطّلاق أن يخلّى عنها. فإذا حاضت و طهرت طلّقها و هو أحقّ برجعتها، ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الإيلاء الّذي أنزل (10) اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه و سنّة رسول اللّه (11)- (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) المصدر: فان.
(2) المصدر: و إمّا أن تطلق و إلّا جئتك أبدا.
(3) نفس المصدر 1/ 74.
(4) ليس في ر. (ظ)
(5) المصدر: و قال له: (ظ)
(6) الكافي 6/ 132، ح 9.
(7) المصدر: لم يرفعه.
(8) نفس المصدر 6/ 131، ح 4.
(9) المصدر: فسكتت.
(10) المصدر: أنزله. (ظ)
(11) المصدر: سنة.
341
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل آلى من امرأته بعدها دخل بها.
قال (2): إذا مضت أربعة أشهر وقف، و إن كان بعد حين. فإن فاء فليس بشيء.
فهي امرأته. و إن عزم الطّلاق، فقد عزم.
و قال: «الإيلاء» أن يقول الرّجل لامرأته: «و اللّه لأغيظنك (3) و لأسوءنك.» ثمّ يهجرها و لا يجامعها، حتّى تمضى أربعة أشهر. فإذا مضت أربعة أشهر، فقد وقع الإيلاء و ينبغي للإمام أن يجبره على أن يفيء أو يطلّق. فإن فاء فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و إن عزم الطّلاق، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. و هو قول اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه.
وَ الْمُطَلَّقاتُ: يريد بها المدخول بهنّ، من ذوات الأقراء، لما دلّت الآيات و الأخبار على أنّ حكم غيرهنّ خلاف ما ذكر.
يَتَرَبَّصْنَ:
خبر، صورة. و أمر، معنى.
و تغيير العبارة للتأكيد و الإشعار بأنّه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله. و كأنّ المخاطب قصد أن يمتثل الأمر فيخبر عنه.
و بناؤه على المبتدأ، يفيد فضل تأكيد.
بِأَنْفُسِهِنَ: تهييج (4) و بعث لهنّ على التّربّص. فإنّ نفوس النّساء طوامح إلى الرّجال. فأمرن بأن يقمعنها و يحملنها على التّربّص.
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ: نصب على الظّرف، أو المفعول به، أي: يتربّصن مضيّها.
و «القروء»، جمع قرء. كأنّ القياس أن يذكر بصيغة القلّة الّتي هي الأقراء. و لكنّهم يتّسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر.
و لعلّ الحكم لمّا عمّ المطلّقات ذوات الأقراء، تضمّن معنى الكثرة. فحسن بناؤها.
و «القرء» يطلق للحيض، و للطهر الفاصل بين حيضتين. و هو المراد هاهنا.
____________
(1) نفس المصدر 6/ 132، ح 7.
(2) المصدر: فقال.
(3) المصدر: لأغيضنّك.
(4) ر: يهتج.
342
في الكافي (1): عنه، عن صفوان، عن موسى بن بكر، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام): إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: «إذا رأت الدّم من الحيضة الثّالثة، بانت منه. و إنّما القرء ما بين الحيضتين.» و زعم أنّه انما أخذ ذلك برأيه.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): كذب، لعمري! ما قال ذلك برأيه. و لكنّه أخذه عن عليّ- (عليه السلام).
قال: قلت له: و ما قال فيها عليّ- (عليه السلام)؟
قال: كان يقول: إذا رأت الدّم من الحيضة الثّالثة، فقد انقضت عدّتها. و لا سبيل له عليها. و إنّما القرء ما بين الحيضتين. و ليس لها أن تتزوّج حتّى تغتسل من الحيضة الثّالثة.
عليّ بن إبراهيم (2) [عن أبيه،] (3) عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: سمعت ربيعة الرّاي (4) يقول: من رأيي (5) أنّ الأقراء الّتي سمّى اللّه- عزّ و جلّ- في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين.
فقال: كذب لم يقله برأيه. و لكنّه إنّما بلغه عن عليّ- (عليه السلام).
فقلت له (6): أصلحك اللّه! أ كان عليّ- (عليه السلام)- يقول ذلك؟
قال (7): نعم إنما القرء الطّهر. يقري فيه الدّم. فيجمعه. فإذا جاء المحيض دفعه (8).
عليّ بن إبراهيم (9)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، جميعا، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: القرء ما بين (10) الحيضتين.
عليّ عن أبيه (11)، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: القرء ما بين (12) الحيضتين.
____________
(1) نفس المصدر 6/ 88، ح 9.
(2) نفس المصدر 6/ 89، ح 1.
(3) يوجد في المصدر.
(4) المصدر: الرأي. (ظ)
(5) النسخ: رأى. و ما في المتن موافق المصدر.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: فقال.
(8) المصدر: دفعة.
(9) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(10) المصدر: هو ما بين.
(11) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(12) المصدر: هو ما بين.
343
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الأقراء هي الأطهار.
سهل (2)، عن أحمد، عن عبد الكريم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: عدّة الّتي لم تحض و المستحاضة الّتي لا تطهر، ثلاثة أشهر. و عدّة الّتي تحيض و يستقيم حيضها، ثلاثة قروء و القرء (3) جمع الدّم بين الحيضتين.
و أمّا ما رواه في كتاب الخصال (4).
قال: حدّثنا أبي- رضى اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمران أيّهما سبق (5) إليها (6)، بانت به المطلّقة: المسترابة الّتي تستريب الحيض، إن مرّت بها ثلاثة أشهر بيض، ليس بها دم بانت بها. و إن مرّت بها ثلاث حيض، ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض.
و أمّا ما رواه في كتاب علل الشّرايع (7) بإسناده إلى أبي خالد الهيثم:
قال: سألت أبا الحسن الثاني (8)- (عليه السلام): كيف صار عدّة المطلّقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر و عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرة أيّام (9)؟
قال: أمّا عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، فلاستبراء الرّحم من الولد
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
فيمكن أن يحمل على التّقيّة. لأنّه موافق لمذهب أكثر العامّة.
وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ من الولد و الحيض، استعجالا في العدّة، و إبطالا لحقّ الرّجعة. و فيه دليل على أنّ قولها مقبول في ذلك.
إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ: ليس المراد منه تقييد نفي الحلّ بإيمانهم. بل تنبيه على أنّه ينافي الإيمان. و أنّ المؤمن لا يجترئ عليه. و لا ينبغي له أن يفعل.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.
(2) نفس المصدر 6/ 99، ح 3. و فيه: سهل بن زياد.
(3) المصدر: القروء.
(4) الخصال 1/ 47- 48، ح 51.
(5) أور: أسبق.
(6) ليس في ر.
(7) علل الشرائع 2/ 507، ح 1.
(8) أ: الثالث.
(9) ليس في المصدر.
344
و في تفسير العيّاشي (1): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله:
وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ، يعني: لا يحلّ (2) لها أن تكتم الحمل إذا طلّقت. و هي حبلى. و الزّوج لا يعلم بالحمل. فلا يحلّ لها أن تكتم حملها. و هو أحقّ بها في ذلك الحمل، ما لم تصنع.
وَ بُعُولَتُهُنَ، أي: أزواج المطلّقات جمع بعل. و «التّاء» لتأنيث الجمع، كالعمومة و الخؤولة. او مصدر من قولك: بعل حسن البعولة نعت به. و أقيم مقام المضاف المحذوف، أي: و أهل بعولتهنّ.
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ إلى النّكاح و الرّجعة إليهنّ. و أفعل بمعنى الفاعل.
فِي ذلِكَ، أي: في زمان التّربّص.
إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً بالرّجعة، لا ضرر المرأة. و المراد فيه، التّحريض عليه، و المنع من قصد الإضرار لا شريطة قصد الإصلاح للرّجعة.
وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أي: لهن حقوق على الرّجال، مثل حقوقهم عليهنّ في الوجوب و استحقاق المطالبة.
وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ: زيادة في الحقّ و فضل.
وَ اللَّهُ عَزِيزٌ: يقدر على الانتقام، ممّن خالف الأحكام.
حَكِيمٌ (228): يشرعها لمصالح و حكم.
في من لا يحضره الفقيه (3): و سأل إسحاق بن عمّار، أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن حقّ المرأة على زوجها.
قال: يشبع بطنها. و يكسو جثتها. و إن جهلت غفر لها.
و روى الحسن بن محبوب (4)، عن مالك بن عطيّة، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاءت امرأة إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالت: يا رسول اللّه! ما حقّ الزّوج على المرأة؟
فقال لها: تطيعه. و لا تعصيه. و لا تتصدق (5) من بيتها بشيء إلّا بإذنه. و لا تصوم
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 115، ح 356.
(2) ليس في ر.
(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 279، ح 1327.
(4) نفس المصدر 3/ 276- 277، ح 1314.
(5) المصدر: تصدّق.
345
تطوعا الا باذنه. و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب. و لا تخرج من بيتها إلّا بإذنه.
فإن خرجت بغير إذنه، لعنتها ملائكة السّماء و ملائكة الأرض و ملائكة الغضب و ملائكة الرّحمة، حتّى ترجع إلى بيتها.
فقالت: يا رسول اللّه! من أعظم النّاس حقّا على الرّجل؟
قال: والداه.
قالت: فمن أعظم النّاس حقّا على المرأة؟
قال: زوجها.
قالت: فما لي من الحقّ عليه بمثل (1) ما له عليّ؟
قال: لا. و لا من كلّ مائة واحدة.
فقالت: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا! لا يملك رقبتي رجل (2) أبدا.
الطَّلاقُ، أي: الطّلاق الّذي عهد سابقا و هو ما يجوز معه الرّجوع في مدّة التّربّص.
مَرَّتانِ بأن طلّق أوّلا، ثمّ رجع، ثمّ طلّق ثانيا. فإن رجع، فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ: بحسن المعاشرة، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ بالطّلقة الثّالثة. و لا يجوز له الرّجوع، أصلا، حتّى تنكح زوجا غيره.
في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- في حديث طويل: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إنّما أذن في الطّلاق مرّتين. فقال- عزّ و جلّ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعنى: في التّطليقة الثّالثة.
و في الكافي (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، و محمّد بن جعفر أبو العبّاس الرّزّاز، عن أيّوب بن نوح، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: طلاق السّنّة يطلّقها تطليقة، يعني: على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين. ثمّ يدعها حتّى تمضي أقراؤها. فإذا مضت أقراؤها، فقد بانت منه. و هو خاطب من الخطّاب، إن شاء [ت] نكحته. و إن شاءت فلا. و إن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضي أقراؤها،
____________
(1) المصدر: مثل.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلا.
(3) عيون أخبار الرضا 2/ 85.
(4) الكافي 6/ 64، ح 1.
346
فتكون عنده على التّطليقة الماضية.
قال: و قال أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): هو قول اللّه- عزّ و جلّ:
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.
وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من الصّداق و الهبة.
في تهذيب الأحكام (1): أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و لا يرجع الرّجل فيما يهب لامرأته. و لا المرأة فيما (تهب) (2) لزوجها (حيز أو لم يحز). أليس اللّه تعالى يقول: و لا تأخذوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً؟ و قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً؟ و هذا يدخل في الصّداق و الهبة.
و في الكافي (3)، مثله سواء.
و هذا الحكم بعمومه، يشمل صور الطّلاق، أي: لا يحلّ لكم إذا طلّقتم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا. و الخطاب للحكّام. لأنّهم الآمرون، أو للأزواج.
إِلَّا أَنْ يَخافا، أي: الزّوجان.
و قرئ: يظنّا.
أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: و قرأ حمزة و يعقوب، على البناء للمفعول و إبدال «أن» بصلته عن الضّمير بدل الاشتمال.
و قرئ: تخافا و تقيما (بتاء الخطاب.) فَإِنْ خِفْتُمْ أيّها الحكّام، أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ: على الرّجل في أخذ ما افتدت به نفسها. و على المرأة في إعطائه، حتّى يخالعها.
في مجمع البيان (4): «فيما افتدت به» قيل: إنّه يجوز الزّيادة على المهر. و قيل:
المهر فقط. و رووه عن عليّ- (عليه السلام).
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته
____________
(1) تهذيب الأحكام 7/ 152- 153، ذيل ح 624.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: وهب.
(3) الكافي 7/ 30، ذيل ح 3.
(4) مجمع البيان 1/ 329، بتفاوت.
(5) تفسير العياشي 1/ 117، ح 367.
347
عن المختلعة، كيف يكون خلعها؟
فقال: لا يحلّ خلعها حتّى تقول: «و اللّه! أبرّ لك قسما، و لا أطيع لك أمرا، و لأواطئنّ فراشك، و لأدخلنّ عليك بغير إذنك.» فإذا قالت هي (1) ذلك، حلّ خلعها.
و حل له ما أخذ منها من مهرها و ما زاد. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. و إذا فعلت (2) ذلك، فقد بانت منه بتطليقه. و هي أملك بنفسها، إن شاءت نكحته. و إلّا فلا. فإن نكحته فهي عنده بثنتين.
تِلْكَ: إشارة إلى الأحكام الّتي حدّت.
حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها بالمخالفة.
وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229):
عقب النّهى بالوعيد، مبالغة في التّهديد.
و اعلم أنّ كلّ ما حدّ اللّه تعالى الإفراط فيه و التّفريط، كلاهما تعدّ. و كذلك كلّ ما يفعله أهل الوسوسة فما ليس له في الشّرع مآخذ و يسمّونه احتياطا و تقوى، تعدّ عن حدود اللّه. و من يفعله ظالم. يدلّ على ذلك
ما رواه العيّاشيّ في تفسيره (3)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله اللّه- تبارك و تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
فقال: إنّ اللّه غضب على الزّاني. فجعل له جلد (4) مائة. فمن غضب عليه فزاد. فأنا إلى اللّه منه بريء. فذلك قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها.
فَإِنْ طَلَّقَها:
متعلّق بقوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ. تفسير لقوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. اعترض بينهما ذكر الخلع، دلالة على أنّ الطّلاق يقع مجّانا تارة، و بعوض أخرى.
و المعنى: فإن طلّقها بعد الثّنتين.
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك الطّلاق، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ: حتّى تزوّج غيره بالعقد الدّائم، و يدخل بها. و النّكاح يسند إلى كلّ منهما.
____________
(1) المصدر: فإذا هي قالت.
(2) المصدر: فعل. (ظ)
(3) تفسير العياشي 1/ 117، ح 368.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: جلدة.
348
في عيون الأخبار (1): حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطّالقاني- ره- قال:
حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن العلّة الّتي من أجلها لا تحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجا غيره.
فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إنّما أذن في الطّلاق مرّتين. فقال- عزّ و جلّ:
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني: في التّطليقة الثّالثة. و لدخوله فيما كره اللّه- عزّ و جلّ- [من الطّلاق الثّالث،] (2) حرّمها عليه. فلا تحلّ من بعد حتّى تنكح زوجا غيره، لئلا يوقع النّاس الاستخفاف بالطلاق [و لا يضارّوا النّساء.] (3)
و في الكافي (4): سهل (بن زياد)، عن احمد بن محمّد، عن مثنّى، عن أبي حاتم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يطلّق امرأته الطّلاق الّذي لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، ثمّ تزوّج رجلا (5)، و لم يدخل بها.
قال: لا. حتّى يذوق عسيلتها.
و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل و علّة الطّلاق ثلاث، لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث، لرغبة تحدث، أو سكون غضبه إن كان. و ليكون ذلك تخويفا و تأديبا للنّساء و زجرا لهنّ عن معصية أزواجهنّ.
و في الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة، ثمّ تركها حتّى انقضت عدّتها، ثمّ تزوّجها رجل غيره، ثمّ إنّ الرّجل مات أو طلّقها، فراجعها الأوّل.
قال: هي عنده على تطليقتين تامتين (8).
محمّد بن يحيى (9)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن مهزيار قال: كتب عبد اللّه بن محمّد
____________
(1) عيون أخبار الرضا 2/ 83، ح 27.
2 و 3- ليس في أ.
(4) الكافي 5/ 425، ح 4.
(5) المصدر: رجل آخر.
(6) عيون أخبار الرضا 2/ 93، ح 1.
(7) الكافي 5/ 426، ح 5.
(8) المصدر: باقيتين.
(9) نفس المصدر 5/ 426، ح 6.
349
إلى أبي الحسن- (عليه السلام): روى بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل يطلّق امرأته على الكتاب و السّنّة، فتبين منه (واحدة) (1)، فتزوج زوجا غيره، فيموت عنها، أو يطلّقها فترجع الى زوجها الأوّل، أنّها تكون عنده على تطليقتين (تامّتين (2).
و واحدة قد مضت.
فوقّع- (عليه السلام)- بخطّه: صدقوا.
و روى بعضهم أنّها تكون عنده على ثلاث مستقبلات. و أنّ تلك الّتي طلّقت (3) ليس بشيء. لأنها قد تزوّجت زوجا غيره.
فوقّع- (عليه السلام)- بخطّه: لا.
سهل (4)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن المثنى، عن (إسحاق) بن عمار قال:
سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل طلّق امرأته (5) لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فتزوّجها عبد، ثمّ طلّقها، هل يهدم الطّلاق؟
قال: نعم، لقول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. و قال:
هو أحد الأزواج.
فَإِنْ طَلَّقَها الزّوج الثّاني، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا، أي: يرجع كلّ منهما إلى الآخر بالزّواج، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي: ما حدّده اللّه.
وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230): يفهمون.
في تفسير العيّاشيّ (6). عن الحسن بن زياد قال: سألته عن رجل طلق امرأته.
فتزوّجت بالمتعة. أ تحلّ لزوجها الأوّل؟
[قال: لا.] (7) لا تحلّ له حتّى تدخل (8) في مثل الّذي خرجت من عنده. و ذلك قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ.
____________
(1) المصدر: بواحدة. (ظ)
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: طلقها.
(4) نفس المصدر 5/ 425، ح 3. و فيه: سهل بن زياد.
(5) المصدر: امرأته طلاقا.
(6) تفسير العياشي 1/ 118، ح 371.
(7) ليس في المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يدخل.
350
و المتعة ليس فيها طلاق.
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن الحسن الصّيقل قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل طلّق امرأته طلاقا، لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره؟ و (تزوّجها (2)) رجل متعة. أ يحل له أن ينكحها؟
قال: لا حتّى تدخل في مثل ما خرجت منه.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن رجل طلّق امرأته (ثلاثا). ثمّ تمتع فيها رجل آخر. هل تحلّ للأوّل؟
قال: لا.
وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ:
«الأجل» يطلق للمدّة و لمنتهاها.
و «البلوغ» هو الوصول إلى الشيء. و قد يقال للدنوّ منه على الاتّساع. فإن حمل الأجل على المعنى الأوّل، فالبلوغ على أصله. و إن حمل على الثّاني، فالبلوغ على الاتّساع، ليترتّب عليه.
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ:
و هو إعادة الحكم في بعض صوره، للاهتمام به.
وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً: نصب على العلّة، أو الحال، أي: لا تراجعوهنّ إرادة الإضرار، أو مضارّين. كان المطلّق يترك المعتدّة، حتّى يشارف الأجل، ثمّ يراجع ليطوّل العدّة عليها. فنهى عنه بعد الأمر بضدّه، مبالغة.
لِتَعْتَدُوا: لتظلموهنّ بالتّطويل و الإلجاء إلى الافتداء.
و «اللّام» متعلّقة بالضّرار، إذ المراد تقييده.
في من لا يحضره الفقيه (4) روى المفضل بن صالح، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا.
____________
(1) الكافي 5/ 425، ح 2.
(2) المصدر: يزوّجها.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1.
(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 323، ح 1567.
351
قال: الرّجل يطلّق حتّى إذا كادت (1) أن يخلو أجلها راجعها (2)، ثمّ طلّقها، يفعل ذلك ثلاث مرّات. فنهى اللّه- عزّ و جلّ- عن ذلك.
و روى البزنطيّ (3)، عن عبد الكريم بن (عمرو)، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا ينبغي للرّجل أن يطلّق امرأته، ثمّ يراجعها، و ليس له فيها حاجة. ثمّ يطلّقها. فهذا الضّرار الّذي نهى اللّه عنه. إلّا أن يطلّق ثمّ (يراجعها (4). و هو ينوي الإمساك.
وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها للعقاب.
وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً بالإعراض عنها، و التّهاون في العمل بما فيها.
و في نهج البلاغة: (5) قال- (عليه السلام): من قرأ القرآن، فمات، فدخل النّار، فهو ممن كان يتّخذ آيات اللّه هزوا.
وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الّتي من جملتها نبوّة محمّد و ولاية عليّ و الأئمّة من بعده، بالشّكر و القيام بحقوقها.
وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ: القرآن و السّنّة. أفردهما بالذّكر، إظهارا لشرفهما.
يَعِظُكُمْ بِهِ: بما أنزل عليكم.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231): تأكيد و تهديد.
وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ: انقضت عدّتهنّ، فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ:
«العضل»: الحبس و التّضييق.
إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ:
ظرف لأن ينكحن، أو لا تعضلوهنّ.
بِالْمَعْرُوفِ: بما يعرفه الشّرع. حال من الضّمير المرفوع، أو صفة مصدر محذوف،
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: كانت.
(2) يوجد في أبعد هذه الكلمة: و ليس له فيها حاجة ثمّ يطلّقها فهذا الضرار لاملا.
(3) نفس المصدر 3/ 323- 324، ح 1568.
(4) المصدر: يراجع.
(5) نهج البلاغة/ 508، مقطع من حكمة 228.
352
أي: تراضيا كائنا بالمعروف.
ذلِكَ: إشارة إلى ما مضى ذكره. و الخطاب للجمع، على تأويل القبيل، أو كلّ واحد، أو للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).
يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ. لأنّه المنتفع به.
ذلِكُمْ، أي: العمل بمقتضى ما ذكر، أَزْكى لَكُمْ: أنفع، وَ أَطْهَرُ من دنس الآثام.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ: ما فيه من النّفع، وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) ما فيه، أو لستم من أهل العلم.
وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ:
قال البيضاويّ (1): أمر عبّر عنه بالخير، للمبالغة. و معناه النّدب، أو الوجوب.
فيختصّ بما إذا لم يرتضع الصّبيّ إلّا من أمّه، أو لم يوجد له ظئر، أو عجز الوالد عن الاستئجار.
و «الوالدات» (تعمّ) المطلّقات و غيرهنّ.
[و الوجه أنّه خبر معنى، أيضا، و الوالدات المطلقات. و المقصود بيان أنّ الوالدات أحقّ برضاع الأولاد، من غيرهنّ.] (2) و ليس للوالد أن يأخذهم منهم و يجعل غيرهنّ مرضعة، إذا تبرّعن، أو رضين بما رضى به غيرهنّ.
حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ:
أكّده بصفة الكمال. لأنّه ممّا يتسامح فيه.
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ: بيان للمتوجّه إليه الحكم، أي: ذلك لمن أراد إتمام الرّضاعة، أو متعلّق بيرضعن. فإنّ الأب يجب عليه الإرضاع و الأمّ ترضع. و فيه دلالة على أنّ مدّة الإرضاع حولان و لا عبرة (3) بعدهما. و أنّه يجوز أن ينقص عنه.
وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ، أي: الوالد. فإنّ الولد يولد له.
و تغيير العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضى للإرضاع و مؤن المرضعة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 123.
(2) ليس في أ.
(3) أ: لا عبرة به.
353
رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَ: أجرة لهنّ.
بِالْمَعْرُوفِ: حسب ما يراه أهل الشّرع.
لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها: تعليل لإيجاب المؤن.
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، أي: لا يضارّ كلّ واحد منهما الآخر، بسبب الولد، بأن يكلّفه ما ليس في وسعه، أو يترك مجامعته بسبب الولد.
في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، و الحسين بن سعيد، جميعا، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ.
فقال: كانت المراضع ممّا يدفع إحداهن الرّجل، إذا أراد الجماع. تقول (2): «لا أدعك. إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي.» هذا الّذي أرضعه. و كان الرّجل تدعوه (3) المرأة. فيقول: «أخاف أن أجامعك، فأقتل ولدي.» فيدعها. فلا (4) يجامعها. فنهى اللّه- عزّ و جلّ- عن ذلك، بأن يضارّ الرّجل المرأة و المرأة الرّجل.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- نحوه.
و في مجمع البيان (6): لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ قيل: معناه لا تضار والدة الزّوج بولدها. و لو قيل «في ولدها» لجاز في المعنى.
و روى عن السّيّدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام): لا تضارّ والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لأجل ولدها المرتضع. و لا مولود له بولده، أي لا تمنع نفسها من الأب، خوف الحمل. فيضرّ ذلك بالأب.
و في الكافي (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
____________
(1) الكافي 6/ 41، ح 6.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.
(3) كذا في المصدر و أ. في الأصل ور: يدعوه.
(4) المصدر و أ: و لا.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) مجمع البيان 1/ 335.
(7) الكافي 6/ 103، ح 2.
354
إذا طلّق الرّجل المرأة و هي حبلى، أنفق عليها حتّى تضع حملها. و إذا (1) وضعته أعطاها أجرها. و لا يضارّها إلّا أن يجد من هو أرخص أجرا منها. فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه.
عليّ، عن أبيه (2)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحبلى المطلقة ينفق عليها، حتّى تضع حملها. و هي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أخرى. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ.
قال: كانت المرأة منّا ترفع (3) يدها إلى زوجها إذا أراد مجامعتها، فتقول (4): «لا أدعك. إنّي أخاف أن أحمل على ولدي»، أو يقول الرّجل: «لا أجامعك. أنّي أخاف أن تعلقي، فأقتل ولدي.» فنهى اللّه- عزّ و جلّ- أن تضارّ المرأة الرجل، (5) أو يضارّ الرّجل المرأة و أمّا قوله: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ. فإنّه نهى أن يضارّ بالصّبيّ، أو (تضار (6)) أمّه في رضاعه. و ليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. و إن أرادا فصالا عن تراض منهما قبل ذلك كان حسنا. و الفصال هو الفطام.
وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ:
عطف على قوله: وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ. و ما بينهما معترض. و المراد بالوارث الباقي من أبويه.
قال في مجمع البيان (7): و هو الصّحيح عندنا. و
قد روى، أيضا، في أخبارنا على الوارث كائنا من كان النّفقة.
و هذا يوافق الظّاهر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): قوله: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ قال: لا تضارّ المرأة الّتي لها ولد و قد توفّى زوجها. فلا يحلّ للوارث أن يضارّ أمّ الولد في النّفقة. فيضيّق عليها.
و في تفسير العيّاشيّ (9): عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما
____________
(1) المصدر: فإذا. (ظ)
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «يرتفع» أو «ترتفع».
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.
(5) المصدر: و أن.
(6) المصدر: يضارّ.
(7) مجمع البيان 1/ 335.
(8) تفسير القمي 1/ 77.
(9) تفسير العياشي 1/ 121، ح 383.
355
- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قوله: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ.
قال: هو في النّفقة على الوارث، مثل ما على الوالد.
و قيل (1): المراد بالوارث، وارث الأب. و هو الصّبيّ، أي: مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب.
و الأحسن أن يقال: المراد بالوارث، الباقي من أبويه. و عليه مثل ذلك، أي: عدم المضارّة بأنّه إن كان للمولود له مال عنده، لا يقتّر عليه و لا يمنع الولد من أن يأتي أمّه (2). و إن لم يكن له مال و كان ممّن يجب نفقته عليه، أنفق عليه، و غير ذلك.
و الأخبار الّتي استدلّ بها الشّيخ الطّبرسيّ، كلّها تحمل على ذلك. يدلّ على هذا الحمل
، ما رواه أبو الصّباح (3): قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ.
قال: ليس (4) للوارث أن يضارّ المرأة. فيقول: لا. أدع ولدها يأتيها، و يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء. و لا ينبغي أن يقترّ عليهم.
و في من لا يحضره الفقيه (5): و قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في رجل توفّي، و ترك صبيّا، و استرضع له، أنّ أجر رضاع الصّبيّ ممّا يرث من أبيه و أمّه.
فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ، أي: فصالا صادرا عن التّراضي منهما و التّشاور قبل الحولين.
و التّشاور و المشاورة و المشورة و المشورة، استخراج الرّأي من شرت العسل إذا استخرجته.
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك و اعتبار التّراضي، لمصلحة الطّفل.
وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، أي: تسترضعوا المراضع أولادكم، من استرضعتها إياه. فحذف المفعول الأوّل، للقرينة.
فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ: فيه و في نفي الجناح، إشعار بأنّ لبن أمّه أولى.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 123.
(2) النسخ: أمّها.
(3) تفسير العياشي 1/ 121، ح 384.
(4) المصدر: لا.
(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 309، ح 1487.
356
و في كتاب عيون الأخبار (1)، بإسناده، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ليس للصّبيّ لبن خير من لبن امه.
إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع.
ما آتَيْتُمْ، أي: أردتم إيتاءه، كقوله تعالى (2): إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.
و قرء ابن كثير: «ما أتيتم» من أتى عليه إليه إحسانا إذا فعله.
و قرئ: أوتيتم، أي: ما أتاكم اللّه.
بِالْمَعْرُوفِ: صلة «سلّمتهم»، أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعا.
و جواب الشّرط محذوف. دلّ عليه ما قبله، أي: فلا جناح عليه، أو الشّرط في موضع الحال. فلا يحتاج إلى الجواب.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ:
مبالغة في أمر الأطفال و المراضع. و من جملة التّقوى في أمر الأطفال، اختيار المراضع الخيار لاولادكم. فإنّ اللّبن يعدى.
و في كتاب عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لا تسترضعوا الحمقاء و لا العمشاء. فإنّ اللّبن يعدى.
و في كتاب الخصال (4)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: و توقّوا أولادكم من لبن البغيّ من النّساء و المجنون. فإنّ اللّبن يعدى.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233):
حثّ و تهديد و في إيراد البصير، مكان العليم، زيادة مبالغة.
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً، أي:
أزواج الّذين، أو يتربّصن بعدهم الأزواج المتروكة.
و قرئ: يتوفّون (بفتح الياء)، أي: يستوفون آجالهم.
و تأنيث العشر، باعتبار اللّيالي لأنّها غرر الشّهور و الأيّام.
قيل (5): و لعلّ المقتضى لهذا التّقدير، أنّ الجنين في غالب الأمر يتحرّك لثلاثة أشهر إن
____________
(1) عيون أخبار الرضا 2/ 34، ح 69.
(2) المائدة/ 6.
(3) عيون أخبار الرضا 2/ 34، ح 67.
(4) الخصال 2/ 615، ح 10.
(5) أنوار التنزيل 1/ 124.
357
كان ذكرا، و لأربعة، إن كان أنثى. فاعتبر أقصى الأجلين، و زيد عليه العشر، استظهارا إذ ربّما تضعف حركته في المبادي فلا يحسن بها.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً جئن النّساء اتجاه (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و قلن: لا نصير.
فقال لهنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): كانت إحداكن إذا مات زوجها أخذت بعرة. فألقتها خلفها في دويرها في خدرها. ثمّ قعدت. فإذا كان مثل ذلك اليوم من الحول، أخذتها، ففتّتها، ثمّ اكتحلت منها، ثمّ تزوّجت. فوضع اللّه عنكنّ ثمانية أشهر.
و في الكافي (3): حميد عن [ابن] (4) سماعة، عن محمّد بن أبي حمزة، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: جاءت امرأة إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- تستفتيه في المبيت في غير بيتها. و قد مات زوجها.
فقال: إنّ أهل الجاهليّة كان إذا مات زوج المرأة، أحدّت عليه امرأته اثني عشر شهرا.
فلمّا بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- رحم ضعفهنّ. فجعل عدّتهنّ أربعة أشهر و عشرا.
و أنتنّ لا تصبرن (5).
و عموم اللّفظ يقتضي تساوى الحرّة و الأمة، زوجة كانت أو ملك يمين، و المسلمة و الكتابيّة، و الدّائمة و المتعة، و الحائل و الحامل، إن وضع الحمل قبل تلك المدة.
و في تهذيب الأحكام (6): (احمد بن محمّد بن عيسى (7))، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام): ما عدّة المتعة إذا مات عنها الّذي (يتمتّع) (8) بها؟
قال: أربعة أشهر و عشرا.
(قال): ثمّ قال: يا زرارة! كلّ النّكاح إذا مات الزّوج فعلى المرأة حرّة كانت، أو أمة، أو على أي وجه كان النّكاح منه، متعة، أو تزويجا، أو ملك يمين، فالعدّة أربعة أشهر و عشرا.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 121، ح 386.
(2) المصدر: يخاصمن. (ظ)
(3) الكافي 6/ 117، ح 10.
(4) يوجد في المصدر.
(5) المصدر: لا تصبرن على هذا.
(6) تهذيب الأحكام 8/ 157، ح 545، و له تتمة.
(7) المصدر: محمد بن أحمد بن يحيى.
(8) المصدر: تمتع.
358
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ: انقضت عدّتهنّ.
فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ: أيّها الائمة و المسلمون! فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ من التّعرّض للخطّاب (1) و سائر ما حرّم عليهنّ للعدّة، بِالْمَعْرُوفِ: بالوجه الّذي يعرفه الشّرع. و إن فعلن ما ينكره الشّرع. فعليهم أن يكفوهنّ.
وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. (234) فيجازيكم عليه إن خيرا فخير. و إن شرّا فشرّ.
وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ:
التّعريض إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة و لا مجاز، كقول السّائل: جئتك لأسلّم عليك.
و «الخطبة» بالكسر و الضّم، اسم. غير أنّ المضمومة خصّت بالموعظة، و المكسورة بطلب المرأة.
و المراد «بالنّساء»: المعتدّات للوفاة.
و تعريض خطبتها، أن يقول لها: إنّك جميلة، أو نافقة، أو لا تحدثي حدثا، أو نحو ذلك.
أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، أي: أضمرتم في أنفسكم. و لم تذكروه تصريحا و تعريضا.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ: و لا تصبرون على السّكوت.
وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا:
استدراك عن محذوف، أي: فاذكروهنّ. و لكن لا تواعدوهنّ سرّا، أي: نكاحا، أو جماعا. عبّر بالسّر، عن الوطء. لأنّه يسرّ. ثمّ عن العقد. لأنّه سبب فيه.
و قيل (2): معناه لا تواعدوهنّ في السّرّ بما يستهجن.
إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً: و هو التّعريض بالخطبة. و المستثنى منه محذوف، أي:
لا تواعدوهنّ مواعدة إلّا مواعدة معروفة، بقول معروف.
و قيل (3): إنّه استثناء منقطع من «سرّا». و فيه أنه يؤدى إلى قولك: «لا تواعدوهنّ إلّا التّعريض.» و هو غير موعود. و في الآية دلالة على حرمة تصريح خطبة المعتدّة، و جواز تعريضها، إن كانت معتدّة وفاة.
____________
(1) ر: في الخطّاب.
(2) أنوار التنزيل 1/ 125.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
359
وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ:
قيل (1): ذكر العزم، مبالغة في النّهي عن العقد.
و قيل: معناه: لا تقطعوا عقدة النّكاح. فإنّ أصل العزم القطع.
و يحتمل أن يكون المراد: لا تقصدوا عقد النّكاح قبل انقضاء العدّة. فإنّ قصد الحرام، حرام. و يكون قوله:
حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: متعلّقا بالنّكاح، لا بالعزم، يعنى: حتّى ينتهي ما كتب من العدّة.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز و ما يجوز.
فَاحْذَرُوهُ و لا تعزموا على ما لا يجوز.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب، حَلِيمٌ (235): لا يعاجلكم بالعقوبة، لعلكم تتوبون.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً.
قال: هو الرّجل يقول للمرأة، قبل أن تنقضي عدّتها: «أواعدك بيت آل فلان» ليعرّض لها بالخطبة. و يعنى. بقوله إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً، التعريض بالخطبة عقدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب اجله.
عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن أبي (4) نصر، عن عبد اللّه بن سنان قال: سالت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ.
فقال: السّرّ أن يقول الرّجل: «موعدك بيت آل فلان.» ثمّ يطلب إليها أن لا تسبقه بنفسه (5) إذا انقضت عدّتها.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع.
(2) الكافي 5/ 434، ح 1.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.
(4) المصدر: «أحمد بن محمد.» و هو أحمد بن محمد بن أبي نصر. (معجم الرجال 2/ 36)
(5) المصدر: بنفسها. (ظ)
360
قلت: (قوله) (1): إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً.
قال: هو طلب الحلال في غير أن يعزم عقدة النّكاح، حتّى يبلغ الكتاب اجله.
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا.
فقال: يقول الرّجل: «أو أعدك بيت آل فلان.» يعرّض لها بالرّفث. و يرفث.
يقول اللّه- عزّ و جلّ: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً. و القول المعروف، التّعريض بالخطبة (3)، و حلّها. وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ.
حميد بن زياد (4)، عن الحسن بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان، عن عبد الرّحمن (5) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قال:
يلقاها، فيقول: «إنّي فيك لراغب. و إنّي للنّساء لمكرم. فلا تسبقيني بنفسك.» و «السّرّ»: لا يخلو معها حيث وجدها (6).
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ (لكِنْ) لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً. قال: المراة في عدتها تقول لها قولا جميلا، ترغّبها في نفسك. و لا تقول: «إنّى أصنع كذا. و أصنع القبيح من الأمر في البضع. و كلّ أمر قبيح.»
عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قال: يقول الرّجل للمرأة، و هي في عدّتها: «يا هذه ما أحبّ (8) إلّا ما أسرّك (9). و لو قد مضى عدّتك لا تفوتني إن شاء اللّه. فلا تسبقيني بنفسك.» و هذا كلّه من غير أن يعزموا عقدة (10) النّكاح.
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ: لا تبعة من مهر و وزر،
____________
(1) المصدر: فقوله.
(2) نفس المصدر 5/ 435، ح 3.
(3) المصدر: بالخطبة على وجها.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.
(5) المصدر: عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.
(6) المصدر: وعدها.
(7) تفسير العياشي 1/ 123، ح 394.
(8) أ: أجب.
(9) أ: أمرك.
(10) ر: من عقدة.
361
إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ، أى: تجامعوهنّ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أى: قبل تحقّق أحد الأمرين: المجامعة (1)، و تعيين الفريضة، أي: المهر. و هي فعيلة بمعنى المفعول.
و «الفرض»: التّقدير. نصب على المفعول. فإنّه على تقدير تحقّق الأوّل، إمّا يجب المسمّى، أو مهر المثل. و على تقدير تحقق الثّاني، يجب المسمّى، أو نصفه. فعدم شيء، إنّما هو على تقدير عدم تحقّق أحدهما.
وَ مَتِّعُوهُنَ: عطف على مقدّر، أي: فطلّقوهنّ. و متّعوهنّ.
و الحكمة في إيجاب المتعة جبرا، إيحاش الطّلاق.
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، أى: على كلّ من الّذي له سعة.
و «المقتر»: الضيّق الحال ما يطيقه و يليق به.
[في تفسير العيّاشيّ: (2)] (3) عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، و ما قدر الموسع و المقتر؟
قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يمتّع براحلته، يعني: حملها الّذي عليها.
[عن محمّد بن مسلم (4) قال: سألته عن الرّجل يريد أن يطلّق امرأته.
قال: يمتّعها قبل أن يطلّقها. قال اللّه في كتابه: وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
و في الكافي (5): أحمد بن محمّد بن عليّ (6)، عن] (7) محمّد بن سنان، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال: «القوام» هو المعروف:
على الموسع قدره، و على المقتر قدره على قدر عياله، و مؤنتهم الّتي هي صلاح له و لهم. و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (8)
و في من لا يحضره الفقيه (9): روى محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن
____________
(1) ر: الجامعة.
(2) تفسير العياشي 1/ 124، ح 400.
(3) ليس في أ.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 401.
(5) الكافي 4/ 56، ح 8، مقطع منه.
(6) المصدر: أحمد بن محمد عن محمد بن على.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) الطلاق/ 7.
(9) من لا يحضره الفقيه 3/ 326، ح 1579.
362
أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا طلّق الرّجل امرأته قبل أن يدخل بها، فلها نصف مهرها. و إن لم يكن سمّى لها مهرا، فمتاع بالمعروف عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
و ليس لها عدّة (1). تتزوّج من شاءت من ساعتها.
و في رواية البزنطي (2): ان متعة المطلّقة، فريضة.
و روى (3): أنّ الغنيّ، يمتّع بدار أو خادم. و الوسط، يمتّع بثوب. و الفقير، بدرهم أو خاتم.
و روى (4): أنّ أدناه الخمار و شبهه.
و في مجمع البيان (5): عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ و المتعة خادم، أو كسوة، أو ورق. و هو المرويّ عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام). ثمّ اختلف في ذلك فقيل: إنّما يجب المتعة للّتي لم يسمّ لها صداق خاصّة. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام). و قيل: المتعة لكلّ مطلّقة سوى المطلّقة المفروض لها إذا طلّقت قبل الدّخول. فإنّما لها نصف الصّداق. و لا متعة لها. و هو رواه أصحابنا- أيضا.
و ذلك محمول على الاستحباب.
و في الكافي (6)، بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن عبد الكريم، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تمتّع المختلعة.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تمتع المختلعة (8).
مَتاعاً، أي: تمتيعا، بِالْمَعْرُوفِ: بالوجه الّذي يستحسنه الشّرع، كما سبق في الأخبار، حَقًّا: صفة لمتاعا، أو مصدر مؤكّد، أي: حقّ حقّا.
عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236): الّذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال و بالتّقوى (9) و الاجتناب عمّا يسخط الرّبّ، أو (10) إلى المطلقات بالتّمتيع.
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أن.
(2) نفس المصدر 3/ 327، ح 1581.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1582.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1583.
(5) مجمع البيان 1/ 340.
(6) الكافي 6/ 144، ح 2.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(8) المصدر: المختلعة لا تمتّع.
(9) ر: التقوى.
(10) ليس في ر.
363
و سمّاهم «محسنين» للمشارفة، ترغيبا و تحريصا.
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن النجرىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل يطلّق امرأته أ يمتّعها؟
قال: نعم. أما يحبّ أن يكون من المحسنين؟ أما يحبّ أن يكون من المتّقين؟
وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، أي: فلهنّ نصف ما فرضتم لهن، أو فالواجب.
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، أي: المطلّقات. فلا يأخذن شيئا.
أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ:
في مجمع البيان (2): قيل: هو الوليّ. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام). و قيل: الزّوج، و رواه أصحابنا.
غير أنّ الأوّل أظهر، و عليه المذهب. (انتهى)
[و في تفسير العيّاشيّ (3):] (4) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ قال: هو الأخ و الأب و الرّجل (5) يوصى إليه و الّذي يجوز أمره في مال (6) يتيمة.
قلت: أ رأيت إن قالت: «لا أجيز» ما يصنع؟
قال: ليس لها ذلك. أ تجيز بيعه في مالها و لا تجيز هذا؟
و عن إسحاق بن عمّار (7) قال: سألت جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه:
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ قال: المراة تعفو عن نصف الصّداق.
قلت: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ.
قال: أبوها، إذا عفا، جاز له. و أخوها إذا كان يقيم بها. و هو القائم عليها. فهو بمنزلة الأب. يجوز له، و إذا كان الأخ لا (8) يهتمّ و لا يقيم (9) عليها، لم يجز عليها أمره.
و عن رفاعة (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ و هو
____________
(1) نفس المصدر 6/ 104- 105، ح 1.
(2) مجمع البيان 1/ 341- 342.
(3) تفسير العياشي 1/ 125، ح 408.
(4) ليس في أ.
(5) ليس في ر.
(6) المصدر: ماله.
(7) نفس المصدر 1/ 126، ح 410.
(8) المصدر: لا يهتمّ بها.
(9) المصدر: لا يقوم.
(10) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 409.
364
الوليّ الّذي أنكح. يأخذ بعضا و يدع بعضا. و ليس له أن يدع كلّه.
و في تهذيب الأحكام (1): روى ابن أبي عمير (2)، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و متى طلّقها قبل الدّخول بها، فلأبيها أن يعفو عن بعض الصّداق، و يأخذ بعضا. و ليس له أن يدع كلّه. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، يعني: الأب و الّذي توكّله المراة و توليه أمرها، من أخ أو قرابة و غيرهما.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، جميعا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ قال: هو الأب، أو الأخ، أو الرّجل الّذي يوصى إليه. و الّذي يجوز أمره في مال المرأة. فيبتاع لها. فيتّجر (4). فإذا عفا، فقد جاز.
و ممّا يدلّ على أنّ المراد من الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ الزّوج ما رواه في من لا يحضره الفقيه (5)، عن الحسن بن محبوب، عن حمّاد النّاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة على بستان له معروف. و له غلّة كثيرة. ثمّ مكث سنين لم يدخل بها. ثمّ طلقها.
قال: ينظر إلى ما صار إليه من غلّة البستان من يوم تزوجها. فيعطيها نصفه. و يعطيها نصف البستان، إلّا أن يعفو، فيقبل (6)، و (يصلحا (7)) [ن] على شيء يرضى (8) به منه. فهو (9) أقرب للتّقوى.
و يمكن حمل عبارة الآية، على إرادة كلا المعنيين. فإنّ الزّوج و الوليّ كليهما بيدهما عقدة النّكاح، للجمع بين الأخبار.
____________
(1) تهذيب الأحكام 6/ 215- 216، ذيل ح 507.
(2) المصدر: محمد بن أبي عمير.
(3) الكافي 6/ 106، ح 2. و فيه: صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، و عليّ، عن أبيه و عدة من أصحابنا ...
(4) المصدر: فتجيز. (ظ)
(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 272، ح 1292.
(6) المصدر: تعفو فتقبل. (ظ)
(7) كذا في المصدر و في النسخ.
(8) المصدر: ترضى. (ظ)
(9) المصدر: فانّه. (ظ)
365
فالمراد بعفو الزّوج، العفو عن استرداد النّصف، و بعفو الوليّ، العفو عن بعض ما تستحقّه المرأة من النّصف.
وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، أي: عفوكم عن الاسترداد، أقرب إلى التقوى.
و في الكافي (1): محمّد [بن يحيى] (2)، عن أحمد بن محمّد، عن (القسم) بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن نجيّة العطّار قال: سافرت مع أبي جعفر- (عليه السلام)- إلى مكّة فأمر غلامه بشيء. فخالفه إلى غيره.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): و اللّه لأضربنّك، يا غلام! قال: فلم أره ضربه؟
فقلت: جعلت فداك! إنّك حلفت لتضربنّ غلامك. فلم أرك ضربته.
قال: أليس اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى.
وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، أي: لا تتركوا أن يتفضّل بعضكم على بعض.
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237): لا يضيع تفضّلكم (3).
و في: الكافي (4) عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن معاوية بن وهب، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: يأتي على النّاس زمان عضوض، يعضّ كلّ امرئ على ما في يديه. و ينسى الفضل. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ:
وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. ينبري في ذلك الزّمان قوم يعاملون المضطرّين. هم شرار الخلق.
و في نهج البلاغة (5). قال- (عليه السلام): يأتي على النّاس زمان عضوض. يعضّ المؤمن (6) فيه على ما في يديه. و لم يؤمر بذلك، قال اللّه سبحانه: وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ.
تنهدّ فيه الأشرار. و تستذلّ الأخيار. و يباع المضطرّون. و قد نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن بيع المضطرين.
و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار
____________
(1) الكافي 7/ 460، ح 4.
(2) يوجد في المصدر و أ.
(3) أ: لفضلكم.
(4) نفس المصدر 5/ 310، ح 28.
(5) نهج البلاغة/ 557، حكمة 468.
(6) المصدر: الموسر.
(7) عيون أخبار الرضا 2/ 45، ح 168.
366
المجموعة، و بإسناده عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: خطبنا أمير المؤمنين- (عليه السلام). فقال: سيأتي على النّاس زمان عضوض. يعضّ المؤمن على ما في يده. و لم يؤمر (1) بذلك. قال تعالى: وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. [إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن بعض بني عطيّة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في مال اليتيم، يعمل به الرّجل (3).
قال: يقبله من الرّبح شيئا. إنّ اللّه يقول: وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ.] (4)
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ بالأداء لوقتها و المداومة عليها. و لعلّ الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد و الأزواج، لئلّا يلهيهم الاشتغال بها عنها.
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبان بن تغلب قال: كنت صلّيت خلف أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- بالمزدلفة. فلمّا انصرف التفت إليّ. فقال: يا أبان! الصّلوات الخمس المفروضات. من أقام حدودهنّ و حافظ على مواقيتهنّ، لقى اللّه يوم القيامة و له عنده عهده (6)، يدخله به الجنّة. و من لم يقم حدودهنّ و لم يحافظ على مواقيتهنّ، لقى اللّه و لا عهد له. إن شاء عذّبه. و إن شاء غفر له.
عليّ بن محمّد (7)، عن سهل بن زياد، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لا يزال الشّيطان ذعرا من المؤمن، ما حافظ على الصّلوات الخمس. فإذا ضيّعهنّ، تجرأ عليه. فأدخله في العظائم.
جماعة (8)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ الصّلوة إذا ارتفعت في وقتها (9)، رجعت إلى صاحبها، و هي بيضاء مشرقة، تقول: «حفظتني.
حفظك اللّه.» و إذا ارتفعت في غير وقتها، بغير حدودها، رجعت إلى صاحبها، و هي سوداء
____________
(1) كذا في النسخ. و في المصدر: لم يؤمن.
(2) تفسير العيّاشي 1/ 126، ح 413.
(3) ر: الرجال.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) الكافي 3/ 267، ح 1.
(6) المصدر: عهد. (ظ)
(7) نفس المصدر 3/ 269، ح 8.
(8) نفس المصدر 3/ 268، ح 4.
(9) المصدر: في أوّل وقتها.
367
مظلمة. تقول: «ضيّعتني ضيّعك اللّه.»
وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى، أي: الوسطى بينها. و هي صلاة الظّهر، كما في بعض الأخبار، أو العصر، كما في بعض آخر. و يمكن الحمل على الكلّ، جمعا بين الأخبار.
و قرئ بالنّصب، على الاختصاص.
في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام): و قال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى. و هي صلاة الظهر. و هي أوّل صلاة صلّاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و هي وسط النّهار. و وسط صلاتين بالنهار، صلاة الغداة و صلاة العصر.
و في بعض القراءة: حافظوا على الصلوات و الصّلوة الوسطى صلاة العصر. و قوموا للّه قانتين.
قال: و نزلت هذه الآية يوم الجمعة، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سفر، فقنئت (2) فيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و تركها على حالها في السّفر و الحضر. و أضاف للمقيم ركعتين. و إنّما وضعت الرّكعتان اللّتان أضافهما النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم.
الجمعة للمقيم، لمكان الخطبتين مع الإمام. فمن صلّى الجمعة (3) في غير جماعة، فليصلّها أربع ركعات، كصلاة الظّهر في سائر الأيّام.
و في تهذيب الأحكام (4): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قرأ: حافظوا على الصّلوات و الصّلوة الوسطى صلاة العصر.
و قوموا للّه قانتين.
و قوله: قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال: إقبال الرّجل على صلاته. و محافظته حتّى لا يلهيه و لا يشغله عنها شيء.
____________
(1) نفس المصدر 3/ 271- 272، ضمن ح 1.
(2) المصدر: في سفره فقنت.
(3) المصدر: يوم الجمعة.
(4) تهذيب الأحكام 2/ 241، ح 954.
(5) تفسير القمي 1/ 79.
368
و في تفسير العيّاشيّ: عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: الصلاة الوسطى.
فقال: حافظوا على الصّلوات و الصّلاة الوسطى. [و صلاة العصر و قوموا للّه قانتين.
و الوسطى هي الظّهر. و كذلك كان يقرؤها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
عن زرارة و محمّد بن مسلم (1)، أنّهما سألا أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى.
قال: صلاة الظّهر.] (2)
عن محمّد بن مسلم (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الصّلاة الوسطى، هي الوسطى من صلاة النّهار. و هي الظّهر، و إنّما يحافظ أصحابنا على الزّوال، من أجلها.
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللّه، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله): و قد سأله بعض اليهود عن مسائل: و أما صلاة العصر فهي السّاعة الّتي أكل آدم فيها من الشّجرة. فأخرجه اللّه من الجنّة. فأمر اللّه- عزّ و جلّ- ذرّيّته بهذه الصّلاة، إلى يوم القيامة. و اختارها لأمتي. فهي من أحب الصّلوات (5) إلى اللّه- عزّ و جلّ. و أوصاني أن أحفظها من بين الصّلوات (6).
و بإسناده (7) إلى عبيد اللّه بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: الموتور أهله و ماله من ضيّع صلاة العصر.
قلت: ما الموتور أهله و ماله؟
قال: لا يكون له في الجنّة أهل و لا مال. يضيّعها. فيدعها (8) متعمّدا، حتّى تصفرّ الشّمس و تغيب.
[وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238)، أي: في الصّلاة قانتين، أي: ذاكرين داعين في القيام.
و روى سماعة (9)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنّ القنوت هو الدّعاء.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 417.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) تفسير العياشي 1/ 128، ح 419.
(4) علل الشرائع 2/ 337، ح 1.
5 و 6- ر: الصلاة.
(7) نفس المصدر 2/ 356، ح 4.
(8) ليس في المصدر.
(9) تفسير العياشي 1/ 128، ح 420.
369
و في تفسير العيّاشيّ (1):] (2)، عن عبد الرّحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ.
قال: الصّلوات رسول اللّه و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام). و الوسطى أمير المؤمنين- (عليه السلام). وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ طائعين للأئمة. و قد سبق، أيضا، أنّ المراد به طائعين الأئمة.
فَإِنْ خِفْتُمْ من عدوّ أو غيره، فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً: فصلّوا رجالا أو ركبانا.
«رجال»: جمع راجل، كقيام و قائم.
و «ركبان»: جمع راكبا، كشابّ و شبّان.
و في الكافي (3): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً كيف يصلّي (4)؟ و ما يقول إذا خاف من سبع أو لصّ، كيف يصلّي؟
قال: يكبّر. و يؤمئ إيماء برأسه.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له:
[أخبرني عن] (6) صلاة المواقفة.
فقال: إذا لم يكن (7) الضّعف من عدوّك، صلّيت إيماء، راجلا كنت، أو راكبا.
فإنّ اللّه يقول: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً. تقول في الرّكوع: «لك ركعت و أنت ربّي.» و في السّجود: «لك سجدت و أنت ربّي» أينما توجّهت بك دابّتك، غير أنّك تتوجّه (8) حين تكبّر أوّل تكبيرة.
[و عن أبان (9)،] (10) عن منصور (11)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: فات أمير المؤمنين
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 421.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) الكافي 3/ 457، ح 6.
(4) أ: أصلّى. ر: نصلّى.
(5) تفسير العياشي 1/ 128، ح 422.
(6) يوجد في المصدر.
(7) المصدر: لم نكن.
(8) المصدر: توجّه.
(9) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 423.
(10) ليس في أ.
(11) في المصدر: «أبان بن منصور» بدل أبان عن منصور.
370
- (عليه السلام)- و النّاس يوم صفّين (1) صلاة الظّهر (2) و العصر و المغرب و العشاء. فأمرهم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أن يسبّحوا و يكبّروا و يهلّلوا.
قال: و قال اللّه: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً. فأمرهم عليّ- (عليه السلام)- فصنعوا ذلك ركبانا و رجالا.
و في مجمع البيان (3): و يروى أنّ عليّا- (عليه السلام)- صلّى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء. و قيل: بالتّكبير. و أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- صلّى يوم الأحزاب بايماء (4).
و في من لا يحضره الفقيه: (5) روى عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، عن الصّادق- (عليه السلام)- في صلاة الزّحف قال: تكبير و تهليل (6).
يقول اللّه- عزّ و جلّ: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً.
و روى (7) عن أبي بصير أنّه قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إن كنت في أرض مخوفة، فخشيت لصّا أو سبعا (في الفريضة، فصلّ (8)) و أنت على دابّتك.
و في رواية زرارة (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الّذي يخاف اللّصوص، يصلّي إيماء على دابته.
فَإِذا أَمِنْتُمْ من الخوف، فَاذْكُرُوا اللَّهَ: صلّوا صلاة الأمن، أو اشكروه على الأمن.
كَما عَلَّمَكُمْ ذكرا مثل ما علّمكم.
و «ما» مصدريّة، أو موصولة، أو موصوفة.
ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239): مفعول علّمكم.
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ:
التّقدير على قراءة النّصب: «ليوصوا وصيّة»، أو «كتب اللّه عليهم وصيّة»، أو
____________
(1) المصدر: يوما بصفين. (ظ)
(2) المصدر: يعنى صلاة الظهر.
(3) مجمع البيان 1/ 344.
(4) المصدر: إيماء. (ظ)
(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 295، ح 1344.
(6) المصدر: تكبّر و تهلّل.
(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1345.
(8) المصدر و ر: فصلّ الفريضة. (ظ)
(9) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1346.
371
«ألزموا وصيّة»، و على قراءة الرّفع: «وصيّة الّذين»، أو «حكمهم»، أو «هم أهل وصيّة»، أو «كتب عليهم وصيّة»، أو «عليهم وصيّة.» و قرئ «متاع» بدلها مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ، نصب بليوصوا، إن أضمرت، و إلّا فبالوصيّة، أو بمتاع على قراءة من قرأ. لأنّه بمعنى التّمتيع.
غَيْرَ إِخْراجٍ: بدل منه، أو مصدر مؤكّد، كقولك: «هذا القول غير ما تقول»، أو حال من «أزواجهم»، أي: غير مخرجات.
و المعنى: أنّه يجب على الّذين يتوفّون أن يوصّوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتّعن بعدهم حولا بالسّكنى.
و كان ذلك أوّل الإسلام. فنسخت المدّة بقوله: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً. لأنّه متأخّر عنه في النّزول.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قوله: مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ.
قال: منسوخة. نسختها آية يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً، أو نسختها آيات الميراث.
عن ابن أبي عمير (2)، عن معاوية بن عمّار قال: سألته عن قول اللّه: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ قال: منسوخة- و ذكر كما سبق، سواء.
فَإِنْ خَرَجْنَ عن منزل الأزواج، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ممّا لم ينكره الشّرع غير الخروج. و أمّا فيه، فعليكم الجناح في ترك كفّهنّ.
وَ اللَّهُ عَزِيزٌ: غالب على الانتقام ممّن خالفه. حَكِيمٌ (240): بمصالحهم.
وَ لِلْمُطَلَّقاتِ، سواء المفوّضة و غيرها، سوى المختلعة، كما مرّ إلّا أنّ للمفوّضة على سبيل الوجوب و لغيرها على الاستحباب.
مَتاعٌ: متعة، بِالْمَعْرُوفِ: بما يعرفه الشّرع،
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 129، ح 427.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 426.
372
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241): الكاملين الّذين يتّقون في ترك الواجبات و المندوبات. و قال قوم: المراد بالمتاع، نفقة العدّة.
و في الكافي (1): أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن عبد الكريم، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ قال: متاعها بعد ما تنقضي عدّتها عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ. و كيف يمتّعها (2) و هي في عدّتها ترجوه و يرجوها؟ و يحدث اللّه- عزّ و جلّ- بينهما ما يشاء.
و قال: إذا كان الرّجل موسعا، عليه متّع امرأته بالعبد و الأمة. و المقتر يمتّع بالحنطة (3) و الزّبيب و الثّوب و الدّراهم. و إنّ الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- متّع امرأة له بأمة. و لم يطلّق امرأة إلّا متّعها.
حميد بن زياد (4)، عن ابن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن عبد اللّه بن سنان، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى (5)، عن سماعة، جميعا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ قال: متاعا (6) بعد ما تنقضي عدّتها عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
قال: فكيف يمتّعها في عدّتها؟ و هي ترجوه. و يرجوها. و يحدث اللّه ما يشاء. أما إنّ الرّجل الموسر يمتّع المرأة بالعبد و الأمة. و يمتّع الفقير بالحنطة (7) و الزّبيب و الثّوب و الدّراهم، و إنّ الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- متّع امرأة طلقها بأمة. و لم يكن يطلّق امرأة إلّا متّعها.
حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله، إلّا أنّه قال: و كان الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- يمتّع نساءه، بالأمة.
عدّة من أصحابنا (8)، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام): أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ:
____________
(1) الكافي 6/ 105، ح 3.
(2) المصدر: لا يمتّعها.
(3) المصدر: بالحنطة و الشعير.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.
(5) هكذا في النسخ. و في المصدر: عثمان بن عيسى.
(6) المصدر: متاعها.
(7) المصدر: بالحنطة و التمر.
(8) نفس المصدر 6/ 105- 106، ح 5.
373
وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، ما أدنى ذلك، المتاع إذا كان معسرا لا يجد؟
قال: خمار و شبهه.
كَذلِكَ: إشارة إلى ما سبق من أحكام الطّلاق و العدد.
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ:
وعد بأنّه سيبيّن لعباده ما يحتاجون إليه في المعاش و المعاد.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)، أي: تستعملون العقل في فهمها.
أَ لَمْ تَرَ:
تعجيب و تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب و أرباب التّواريخ. و قد يخاطب به من لم ير و لم يسمع، فإنّه صار مثلا في التّعجيب.
إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ:
قيل (1): يريد أهل داوردان قرية قبل واسط.
و سيجيء في الحديث: أنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشّام.
وَ هُمْ أُلُوفٌ، أي: ألوف كثيرة. أعني سبعين ألف بيت.
و قيل (2): متآلفون جمع ألف و ألف، كقاعد و قعود.
و الأوّل هو الصّحيح.
و «الواو»، للحال.
حَذَرَ الْمَوْتِ: مفعول له.
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا:
قال لهم: موتوا. فماتوا، كقوله: كن فيكون.
و المعنى: أنّهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علّة بمشيئة اللّه و أمره.
ثُمَّ أَحْياهُمْ حين مرّ عليهم حزقيل.
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أحياهم للاعتبار و الفوز بالسّعادات.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)، اي: لا يشكرونه كما ينبغي، أو لا يعتبرون.
و في عيون الأخبار (3)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان
____________
(1) مجمع البيان 1/ 347.
(2) نفس المصدر 1/ 346.
(3) عيون أخبار الرضا/ 131، ح 1.
374
و المقالات في التّوحيد، في كلام للرّضا- (عليه السلام)- مع النّصارى. قال- (عليه السلام):
فمتى اتّخذتم عيسى ربّا، لجاز لكم أن تتّخذوا اليسع و حزقيل. لأنّهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم- (عليهما السلام)- من إحياء الموتى و غيره. إنّ قوما من بني إسرائيل أخرجوا (1) من بلادهم من الطّاعون و هم ألوف حذر الموت. فأماتهم اللّه في ساعة واحدة. فعمد أهل تلك القرية. فحظروا عليهم حظيرة. و لم يزالوا فيها حتّى نخرت عظامهم. و صاروا رميما.
فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل. فتعجّب منهم و من كثرة العظام البالية.
فأوحى اللّه إليه: أ تحبّ أن أحييهم لك فتنذرهم؟
قال: نعم. يا ربّ! فأوحى اللّه إليه أن نادهم.
فقال: أيّتها العظام البالية! قومي بإذن اللّه تعالى.
فقاموا أحياء أجمعون. ينفضون (2) التّراب عن رؤوسهم.
و في هذا المجلس، يقول الرّضا- (عليه السلام): و لقد صنع حزقيل النّبي- (عليه السلام)- مثل ما صنع عيسى بن مريم: فأحيى خمسة و ثلاثين ألف رجل بعد موتهم، بستّين سنة. ثمّ التفت إلى رأس الجالوت. فقال له: يا رأس الجالوت! أ تجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة اختارهم بخت نصر من بني إسرائيل (3) حين غزا بيت المقدس؟
ثمّ انصرف بهم إلى بابل. فأرسله اللّه- عزّ و جلّ- إليهم. فأحياهم. هذا في التوراة.
لا يدفعه إلّا كافر منكم.
و في روضة الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد و غيره، عن بعضهم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و بعضهم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ فقال: إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشّام.
و كانوا سبعين ألف بيت. و كان الطّاعون يقع فيهم في كلّ أوان. فكانوا إذا أحسّوا به خرج من المدينة الأغنياء لقوّتهم و بقي فيها الفقراء لضعفهم. فكان الموت يكثر في الّذين أقاموا و يقلّ في الّذين خرجوا.
____________
(1) ر: خرجوا. (ظ)
(2) أ: ينقضون.
(3) المصدر: صبي بني إسرائيل.
(4) الكافي 8/ 198، ح 237.
375
فيقول الّذين خرجوا: لو كنّا أقمنا لكثر فينا الموت.
و يقول الّذين أقاموا: لو كنّا خرجنا لقلّ فينا الموت.
قال: فاجتمع رأيهم جميعا أنّه إذا وقع الطّاعون فيهم و أحسّوا به، خرجوا كلّهم من المدينة. فلمّا أحسّوا بالطّاعون خرجوا جميعا. و تنحّوا عن الطّاعون حذر الموت. فساروا في البلاد ما شاء اللّه. ثمّ أنّهم مرّوا بمدينة خربة قد خلا أهلها عنها و أفناهم الطّاعون. فنزلوا بها.
فلمّا حطّوا رحالهم فاطمأنّوا [بها] (1) قال لهم اللّه- عزّ و جلّ: موتوا جميعا.
فماتوا من ساعتهم. و صاروا رميما يلوح إذ ماتوا على طريق المارّة. فكنستهم المارّة.
فنحّوهم و جمعوهم في موضع. فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، يقال له حزقيل.
فلمّا رأى تلك العظام، بكى و استعبر. و قال: يا ربّ! لو شئت لأحييتهم السّاعة، كما أمتّهم. فعمروا بلادك و ولدوا عبادك و عبدوك مع من يعبدك من خلقك.
فأوحى اللّه تعالى إليه: أ فتحبّ ذلك؟
قال: نعم، يا ربّ! فأحياهم اللّه.
قال: فأوحى اللّه أن: قل كذا و كذا.» فقال الّذي أمر اللّه- عزّ و جلّ- أن يقوله.
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): و هو الاسم الأعظم، فلمّا قال حزقيل ذلك الكلام، نظر إلى العظام: يطير بعضها إلى بعض. فعادوا أحياء. ينظر بعضهم إلى بعض.
يسبّحون اللّه عزّ ذكره. و يكبّرونه. و يهلّلونه. فقال حزقيل عند ذلك: أشهد أنّ اللّه على كلّ شيء قدير.
قال عمر بن يزيد: فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): فيهم نزلت هذه الآية (2).
و في مجمع البيان (3) و سأل زرارة بن أعين (4) أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هؤلاء القوم الّذين قال لهم اللّه موتوا ثمّ أحياهم. فقال: أحياهم حتّى نظر النّاس إليهم، ثمّ أماتهم، أم ردّهم إلى الدّنيا حتّى سكنوا الدّور و أكلوا الطّعام؟
قال: لا. بل ردّهم اللّه حتّى سكنوا الدّور و أكلوا الطّعام و نكحوا النّساء و مكثوا
____________
(1) يوجد في المصدر.
(2) المصدر: فأحيهم. بدل «فأحياهم اللّه.»
(3) مجمع البيان 1/ 343.
(4) المصدر: حمران. و أيضا في هامش الأصل (خ ل.)
376
بذلك ما شاء اللّه ثمّ ماتوا بآجالهم.
و في غوالي اللّئالئ (1)، عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه نيروز الفرس. و فيه: ثمّ أنّ نبيّا من أنبياء بني إسرائيل، سأل ربّه أن يحيي القوم الّذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت. فأماتهم اللّه. فأوحى إليه أن صبّ الماء في مضاجعهم. فصبّ عليهم الماء في هذا اليوم. فعاشوا. و هم ثلاثون ألفا. فصار صبّ الماء في اليوم النّيروز سنّة ماضية. لا يعرف سببها إلّا الرّاسخون في العلم.
وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ:
لمّا بيّن أنّ الفرار من الموت غير منج، أمرهم بالقتال، إذ لو جاء أجلهم ففي سبيل اللّه، و إلّا فبالنّصر (2) و الثّواب.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقول المتخلّف و السّابق، عَلِيمٌ (244) بما يضمرانه و مجاز عليهما.
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ:
«من»، استفهاميّة مرفوعة المحلّ بالابتداء. و «ذا»، خبره و «الّذي» صفة «ذا»، أو بدله. و «إقراض اللّه» مثل لتقديم العمل الّذي يطلب به ثوابه.
قَرْضاً حَسَناً: مقرونا بالإخلاص و طيب النّفس، أو مقرضا حلالا طيّبا.
و قيل (3): القرض الحسن، المجاهدة و الإنفاق في سبيل اللّه. [و
في الخبر أنّه صلة الإمام (4)
،] (5)
و في من لا يحضره الفقيه (6): سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ:
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال: نزلت في صلة الإمام- (عليه السلام).
فَيُضاعِفَهُ لَهُ: فيضاعف جزاءه له أخرجه على صورة المغالبة للمبالغة.
و قرأ عاصم بالنّصب، على جواب الاستفهام، حملا على المعنى. فإنّ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ في معنى «أ يقرض اللّه أحد.» و قرأ ابن كثير يضعفه (بالرّفع.) و ابن عامر و يعقوب، بالنّصب.
____________
(1) غوالي اللئالى 3/ 41، ح 116.
(2) هكذا في النسخ. و الظاهر: النصر.
(3) أنوار التنزيل 1/ 128.
(4) ر تفسير العياشي 1/ 131.
(5) يوجد في أ، فقط.
(6) من لا يحضره الفقيه 2/ 42، ح 189.
377
أَضْعافاً كَثِيرَةً:
أضعاف، جمع ضعف. و نصبه على الحال من الضّمير المنصوب، أو المفعول الثّاني لتضمّن المضاعفة معنى التّصيير، أو المصدر على أنّ الضّعف اسم المصدر و جمع للتّنويع.
و الكثرة من اللّه. لا يقدّرها إلّا اللّه.
في كتاب معاني الأخبار (1) حدّثنا [محمد بن] (2) موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن أيّوب الخزّاز قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لمّا نزلت (3) هذه [الآية] (4) على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): (5) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها. قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): اللّهمّ زدني.
فأنزل اللّه- عزّ و جل (6). مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): اللّهمّ زدني.
فأنزل اللّه- عزّ و جلّ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً. فعلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ الكثير من اللّه لا يحصى و ليس له منتهى.
و في أصول الكافي (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن عيسى بن سليمان النّخّاس، عن المفضّل بن عمر، عن الخيبريّ و يونس بن ظبيان قالا:
سمعنا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: ما من شيء أحبّ إلى اللّه من إخراج الدّراهم إلى الإمام. و أنّ اللّه ليجعل له الدّرهم في الجنّة مثل جبل أحد. ثمّ قال: إنّ اللّه يقول في كتابه: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً. قال: هو و اللّه في صلة الإمام، خاصّة.
عدّة من أصحابنا (8)، عن سهل بن زياد، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-
____________
(1) معاني الأخبار/ 397- 398، ح 54.
(2) يوجد في المصدر.
(3) المصدر: إنّما أنزلت.
(4) يوجد في المصدر.
(5) النمل/ 89.
(6) الأنعام/ 160.
(7) الكافي 1/ 537، ح 2.
(8) نفس المصدر 2/ 26، ح 5.
378
قال: قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك؟
فقال: لا. هما يجريان في ذلك مجرى واحد. و لكنّ للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما و ما يتقرّبان به إلى اللّه- عزّ و جلّ.
قلت: أليس اللّه- عزّ و جلّ- يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها؟
و زعمت أنّهم مجتمعون على الصّلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ مع المؤمن.
قال: أليس قد قال اللّه- عزّ و جلّ: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً؟ فالمؤمنون هم الّذين يضاعف اللّه- عزّ و جلّ- لهم حسناتهم، لكلّ حسنة سبعون ضعفا. فهذا فضل المؤمن. و يزيده اللّه في حسناته على قدر صحّة إيمانه، أضعافا كثيرة. و يفعل اللّه بالمؤمنين ما يشاء من الخير.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و المسلم و المؤمن (1)، كلاهما من أهل الولاية. لكنّ المؤمن أعلى مرتبة. و هو من دخل الإيمان في قلبه بالبرهان. و اعتقاده أكمل. و إخلاصه أوفر.
و في كتاب ثواب الأعمال (2): أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن عمران (3) بن موسى، عن يعقوب بن يزيد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت للصّادق- (عليه السلام): ما معنى قول اللّه- تبارك و تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً؟
قال: صلة الإمام.
أبي- (رحمه اللّه)- قال (4): حدّثنا محمّد بن أحمد، عن عليّ بن الفضل، عن أبي طالب عبد اللّه بن الصّلت، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.
وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ، أي: يقتر على بعض و يوسع على بعض، حسب ما اقتضته حكمته.
و قرئ «يبسط»، بالصّاد.
____________
(1) ر: و المسلم و المؤمن و الكافر. (!؟)
(2) ثواب الأعمال/ 124، ح 1.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: حمران.
(4) نفس المصدر/ 125، ذيل ح 1.
379
وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) فيجازيكم على ما قدّمتم.
في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى سليمان بن مهران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل، يقول- (عليه السلام): و القبض من اللّه تعالى، في موضع آخر المنع. و البسط منه، الإعطاء و التّوسّع (2)، كما قال- عزّ و جلّ: وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، يعني: يعطي. و يوسّع. و يمنع. و يقبض (3).
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ: «الملأ»: جماعة يجتمعون للتّشاور، لا واحد له، كالقوم.
و «من»، للتّبعيض.
مِنْ بَعْدِ مُوسى، أي: من بعد وفاته.
و «من»، للابتداء.
إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ:
قيل (4): هو يوشع. و قيل (5): شمعون.
و في مجمع البيان (6): اختلف فيه فقيل: إشمويل. و هو بالعربيّة: إسماعيل. (عن أكثر المفسّرين. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).)
ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: أقم لنا أميرا لننهض معه للقتال.
و «نقاتل» مجزوم على الجواب.
و قرئ بالرّفع، على أنّه حال، أي: مقدّرين القتال. و يقاتل (بالياء) مجزوما على الجواب، و مرفوعا على الوصف لملكا.
قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا:
و قرأ نافع: عسيتم. (بالكسر) و «ألّا تقاتلوا» خبر «عسى.» فصل بينه و بين خبره بالشّرط.
و إدخال «هل» على الفعل المتوقّع، للتّقرير و التّثبيت.
قالُوا وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا، أي: أيّ
____________
(1) التوحيد/ 161، ح 2.
(2) المصدر: التوسيع.
(3) المصدر: يضيق. (ظ)
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 129.
(6) مجمع البيان 1/ 350.
380
غرض لنا في التّخلف عن القتال و قد عرض ما يوجبه من الإخراج عن الأوطان و الإفراد عن الأولاد؟ و ذلك أنّ جالوت و من معه من العمالقة، كانوا يسكنون ساحل بحر الرّوم، بين مصر و فلسطين. فظهروا على بني إسرائيل. فأخذوا ديارهم. و سبوا أولادهم.
قيل (1): و أسروا من أبناء الملوك، أربعمائة و أربعين.
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ:
في كتاب معاني الأخبار (2): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ قال: كان القليل ستّين ألفا.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246): وعيد لهم بترك الجهاد.
وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً:
«طالوت» علم عبريّ، كداود. و جعله فعلوتا من الطّول، يدفعه منع صرفه.
نقل (3) أنّ نبيّهم- (عليه السلام)- لمّا دعى اللّه أن يملّكهم، أتى بعصى يقاس بها من يملك عليهم. فلم يساوها إلّا طالوت.
قالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا. [و كانت النّبوّة في ولد لاوي ابن يعقوب و الملك في ولد يوسف. و كان طالوت] من ولد بنيامين (4)، أخي يوسف لأمّه لم يكن من بيت النبوّة و لا من بيت المملكة.
وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ: وراثة.
وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ لأنّ طالوت كان فقيرا. فنحن أحقّ بالملك منه.
قالَ: النّبيّ- (عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247):
الأوّل أنّ المعتبر اصطفاء اللّه. و قد اصطفاه عليكم، الثّاني- أنّ الشّرط فيه و فور العلم، ليتمكّن من السّياسة و جسامة البدن، ليكون
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 129.
(2) معاني الأخبار 151، ح 1.
(3) أنوار التنزيل 1/ 129.
(4) النسخ: ابن يامين.
381
له خطر في القلوب و قوّة على مقاومة العدوّ. و قد زاده اللّه فيهما.
الثّالث- أنّ اللّه مالك الملك، يؤتي ملكه من يشاء.
الرّابع- أنّه واسع الفضل. فيغني الفقير عليم بمن يليق بالملك.
و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسيّ- ره- من كلام لأمير المؤمنين- (عليه السلام): اسمعوا ما أتلو عليكم من كتابه المنزل على نبيّه المرسل، لتتّعظوا. فإنّه، و اللّه! [أبلغ] (2) عظة لكم. فانتفعوا بمواعظ اللّه. و انزجروا عن معاصي اللّه. فقد وعظكم اللّه بغيركم، فقال لنبيّه- (عليه السلام): أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ- إلى قوله- وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. أيّها النّاس! إنّ لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أنّ اللّه جعل الخلافة و الأمر من بعد الأنبياء في أعقابهم. و أنّه فضّل طالوت، و قدّمه على الجماعة باصطفائه إيّاه و زيادة بسطة في العلم و الجسم. فهل تجدون [أنّ] (3) اللّه اصطفى بني أميّة على بني هاشم و زاد معاوية عليّ بسطة في العلم و الجسم؟
و في أمالي شيخ الطّائفة (4)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قلت أربع أنزل اللّه تعالى تصديقي بها في كتابه- إلى قوله (عليه السلام)- و قلت: قدرا. و قال: قيمة كلّ امرئ ما يحسن. فأنزل اللّه تعالى في قصّة طالوت: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ.
و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في وصف الإمامة و الإمام: أنّ الأنبياء و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- يوفّقهم اللّه و يؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم. فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم، في قوله عزّ و جلّ (6):
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (7)، و قوله- عزّ و جلّ (8)- في طالوت: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
____________
(1) الاحتجاج 1/ 253.
(2) يوجد في المصدر.
(3) يوجد في المصدر.
(4) أمالي الشيخ 2/ 108.
(5) عيون أخبار الرّضا 1/ 174، ح 1.
(6) يونس/ 35.
(7) يوجد في المصدر بعد ذكر هذه الآية: و قوله- عزّ و جلّ: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.
(البقرة/ 269)
(8) البقرة/ 247.
382
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام): أنّ بني إسرائيل بعد موسى عملوا بالمعاصي (2) و غيّروا دين اللّه و عتوا عن أمر ربّهم. و كان فيهم نبيّ يأمرهم و ينهاهم. فلم يطيعوه. و روى أنّه إرميا النّبيّ فسلّط اللّه عليهم جالوت. و هو من القبط.
فاذلّهم. و قتل رجالهم. و أخرجهم من ديارهم و أموالهم. و استعبد نساءهم. ففزعوا إلى نبيّهم. و قالوا: سل أن اللّه (3) يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل اللّه.
و كانت النّبوّة في بني إسرائيل في بيت، و الملك و السّلطان في بيت آخر. لم يجمع اللّه لهم (النّبوّة و الملك) في بيت واحد. فمن ذلك قالوا: ابْعَثْ لَنا [مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فقال لهم نبيّهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا. قالُوا: وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا.
و كان كما قال اللّه- تبارك و تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.] (4) فقال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً. فغضبوا من ذلك.
و قالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا. وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ. وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ.
و كانت النّبوّة في ولد لاوي و الملك في ولد يوسف. و كان طالوت من ولد بنيامين (5) أخي (6) يوسف لأمّه. لم يكن من بيت النّبوّة و لا من بيت المملكة.
فقال لهم نبيّهم: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. و كان أعظمهم جسما. و كان شجاعا قويّا. و كان أعلمهم. إلّا أنّه كان فقيرا. فعابوه بالفقر. فقالوا: لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ.
فقال لهم نبيّهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ. و كان التّابوت الذي أنزل (7) على موسى،
____________
(1) تفسير القمي 1/ 81- 82.
(2) المصدر: المعاصي.
(3) المصدر: سل اللّه. (ظ)
(4) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(5) النسخ و المصدر: ابن يامين.
(6) النسخ: أخو.
(7) المصدر: أنزل اللّه.
383
فوضعته فيه أمّه، فألقته (1) في اليمّ. فكان في بني إسرائيل [معظّما.] (2) يتبرّكون به. فلمّا حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح و درعه (3) و ما كان عنده من آيات النّبوّة. و أودعه يوشع، وصيّه. فلم يزل التّابوت بينهم استخفّوا (4). و كان الصّبيان يلعبون به في الطّرقات. فلم يزل بنو إسرائيل في عزّ و شرف ما دام التّابوت عندهم. فلمّا عملوا بالمعاصي و استخفّوا بالتّابوت، رفعه اللّه عنهم.
فلمّا سألوا النّبيّ بعث اللّه طالوت إليهم ملكا يقاتل (5) معهم، ردّ اللّه عليهم التّابوت، كما قال اللّه: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قال: البقيّة ذرّيّة الأنبياء قوله فيه سكينة من ربّكم. فإنّ التّابوت كان يوضع بين يدي العدوّ و بين المسلمين، فيخرج منه ريح طيّبة، لها وجه كوجه الإنسان.
و ما في هذا الخبر من أنّ ذلك النّبيّ إرميا، ينافي ما نقل
في مجمع البيان (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه اسمويل. و يمكن الجمع بأنّهما واحد. و الاختلاف من النّقلة، أو من اختلاف التّسمية، بأن عبّر عنه باسمين عند أهل زمانه. و قوله في آخر الخبر «البقيّة ذرّيّة الأنبياء» معناه أنّ البقيّة ممّا تركه ذرّيّة الأنبياء
، كما يشرح في خبر آخر سيجيء.
وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ:
الصّندوق، فعلوت من التّوب. فإنّه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه،
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن العبّاس بن هلال، قال: سأل عليّ بن أسباط أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- فقال: أي شيء التّابوت الّذي كان في بني إسرائيل؟
قال: كان فيه ألواح موسى التي تكسّرت و الطست الّتي تغسل فيها قلوب الأنبياء.
و في كتاب معاني الأخبار (8): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصّفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي الحسن- (عليه السلام) قال: سألته (9) ما كان تابوت موسى؟ و كم كان سعته؟
____________
(1) المصدر: و ألقته. (ظ)
(2) يوجد في المصدر.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: حتّى استخفّوا به.
(5) المصدر: بعث اللّه طالوت عليهم يقاتل.
(6) مجمع البيان 1/ 350.
(7) تفسير العياشي 1/ 133، ح 442.
(8) معاني الأخبار/ 284- 285، ح 2.
(9) المصدر: قال: سألته فقلت: جعلت فداك.
384
قال: ثلاثة (1) أذرع في ذراعين.
قلت: ما كان فيه؟
قال: عصى موسى و السّكينة.
قلت: و ما السّكينة؟
قال: روح اللّه يتكلم. كانوا إذا اختلفوا في شيء كلّمهم و أخبرهم ببيان ما يريدون.
و لا ينافيه ما يأتي في الخبر (2) من أنّه ريح كذا، لاحتمال أن يكون الرّيح و الرّوح واحدا.
و في أصول الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن سعيد السّمّان قال: سمعت عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه يقول: إنّما مثل السّلاح فينا، مثل التّابوت في بني إسرائيل. كانت بنو إسرائيل أيّ أهل بيت وجد التّابوت على بابهم أوتوا النّبوّة. فمن صار إليه السّلاح منّا أوتي الإمامة.
و بهذا المعنى من الأخبار، كثيرة (4).
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ:
قيل (5): أي في إيتاء التّابوت، أو في التّابوت ما تسكنون إليه. و هو التّوراة. و كان موسى إذا قاتل، قدّمه، فتسكن نفوس بني إسرائيل و لا يفرّون.
و قيل (6): صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت. لها رأس و ذنب كرأس الهرّة.
و ذنبها و جناحان فتئن. فيزفّ التّابوت نحو العدوّ. و هم يتبعونه. فإذا استقرّ ثبتوا و سكنوا و نزل النّصر.
قال في مجمع البيان (7): روى ذلك في أخبارنا.
و قيل (8): صور الأنبياء من آدم إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).
و قيل (9): «التّابوت»: القلب. و السّكينة ما فيه من العلم و الإخلاص. و إتيانه
____________
(1) المصدر: ثلاث.
(2) ر. تفسير القمي 1/ 82. و سيأتى- إن شاء اللّه.
(3) الكافي 1/ 238، ح 1.
(4) ر. نفس المصدر و الموضع.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 130.
(7) مجمع البيان 1/ 353.
8 و 9- أنوار التنزيل 1/ 130.
385
تصيير قلبه مقرّ العلم و الوقار، بعد أن لم يكن.
و الصّحيح ما ذكر في الخبر السّالف، من أنّه ريح طيّبة تخرج من التّابوت له وجه كوجه الإنسان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن الحسن بن خالد، عن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: السّكينة ريح من الجنّة. لها وجه كوجه الإنسان.
وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ، أي: ذرّيّة الأنبياء. و هما موسى و هارون و الآل لتفخيم مفخّم، أو أنبياء بني إسرائيل لأنّهم أبناء عمّهما.
في تفسير العيّاشي (2): عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه: يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، فقال: رضاض الألواح. فيها العلم و الحكمة. العلم جاء من السّماء. فكتب في الألواح. و جعل في التّابوت.
تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ:
قيل (3): رفعه اللّه بعد موسى، فنزلت به الملائكة و هم ينظرون.
و قيل (4): كان مع أنبيائهم، يستفتحون به حتّى أفسدوا. فغلبهم الكفّار عليه. و كان في أرض جالوت إلى أن ملّك اللّه طالوت. فأصابهم ببلاء حتّى هلكت خمس مدائن.
فتشاءموا بالتّابوت. فوضعوه على ثورين. فساقهما الملائكة إلى طالوت.
و في كتاب المناقب (5)، لابن شهر آشوب: و في حديث جابر بن يزيد الجعفيّ: أنّه لمّا شكت الشّيعة إلى زين العابدين- (عليه السلام)- ممّا يلقونه من بني أميّة. دعا الباقر- (عليه السلام). و أمر أن يأخذ الخيط الّذي نزل به جبرئيل إلى النّبيّ- (عليه السلام).
و يحركه تحريكا خفيفا (6).
قال: فمضى إلى المسجد، فصلّى فيه ركعتين. ثمّ وضع خدّه على الثّرى (7). و تكلّم بكلمات. ثمّ رفع رأسه. فأخرج من كمّه خيطا رقيقا (8) يفوح منه رائحة المسك. و أعطاني
____________
(1) تفسير القمي 1/ 82.
(2) تفسير العياشي 1/ 133، ح 440.
3 و 4- الكشاف 1/ 293+ أنوار التنزيل 1/ 130.
(5) المناقب 4/ 183.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: التراب.
(8) المصدر: دقيقا.
386
طرفا منه. فمشيت رويدا.
فقال: قف، يا جابر! فحرّك الخيط تحريكا ليّنا خفيفا.
ثمّ قال: اخرج! فانظر ما حال النّاس؟
فخرجت من المسجد. فإذا صياح و صراخ و ولولة من كلّ ناحية. و إذا زلزلة شديدة و هدّة و رجفة قد أخربت عامّة دور المدينة و هلك تحتها أكثر من ثلاثين ألف إنسان- إلى قوله- سألته عن الخيط.
قال: هذا من البقيّة.
قلت: و ما البقيّة؟ يا ابن رسول اللّه! قال: يا جابر «بقيّة ممّا ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة» و يضعه جبرئيل الدنيا (1).
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248):
يحتمل أن يكون من تمام كلام النّبيّ، و أن يكون ابتداء خطاب من اللّه تعالى.
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ: [انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة. و أصله فصل نفسه عنه. و لكن لمّا كثر حذف مفعوله صار كاللازم.
قيل (2): إنّه قال لهم: «لا يخرج معي إلّا الشّابّ النّشيط الفارغ.» فاجتمع إليه ممّن اختاره ثمانون ألفا.
و الأظهر أنّه اجتمع إليه ستّون ألفا و ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا. لما سيأتي من أنّ من شرب ستّون ألفا، و من لم يشرب ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا. و كان الوقت قيظا.
فسلكوا مفازة. و سألوا أن يجري اللّه لهم نهرا.
قالَ، أي: نبيّهم.
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ: يعاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه.
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي: فليس من أشياعي، أو بمتّحد معي.
وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، أي: من لم يذقه من طعم الشيء إذا أذاقه (3)، مأكولا أو مشروبا.
____________
(1) هكذا في المصدر و النسخ. و الظاهر: لدينا.
(2) الكشاف 1/ 294+ أنوار التنزيل 1/ 130.
(3) كذا في النسخ. و لعله: ذاقه.
387
إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ:
استثناء من قوله «فشرب.» و قدّم عليه الجملة الثّانية، للعناية بها.
و المعنى: الرّخصة في القليل، دون الكثير.
و قرئ بفتح الغين.
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، أي: فكرعوا فيه إذا الأصل في الشّرب منه أن لا يكون بوسط، أو أفرطوا في الشّرب إلّا قليلا منهم.
و قرئ بالرّفع، حملا على المعنى، أي: لم يطيعوه.
و روى أنّ الّذين شربوا منه كانوا ستّين ألفا (1).
و روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (2)- أنّه قال: القليل الّذي لم يشربوا و لم يغترفوا، ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا.
فَلَمَّا جاوَزَهُ، أي: طالوت النّهر إلى جنود جالوت، هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، أي: القليل الّذين لم يخالفوه، قالُوا، أي: الّذين شربوا منه، لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ لكثرتهم و قوّتهم. هذا اعتذار منهم في التّخلّف و تحذير للقليل.
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، أي: الخلّص منهم الّذين تيقّنوا لقاء اللّه و ثوابه بالموت. و سمّاه ظنّا لشبه اليقين بالموت بالظّنّ و الشّكّ، كما ورد في الخبر: أنّه ما من يقين لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت.
و هم القليل الّذين لم يشربوا.
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ: بتيسيره و توفيقه.
و «كم»، يحتمل الخبر و الاستفهام.
و «من»، مبنيّة، أو مزيدة.
و «الفئة»: الفرقة من النّاس، من فأوت رأسه، أي: شققته، أو من فاء إذا رجع فوزنها فعة، أو فلة. و لا ينافي إطلاق الفئة هنا على أقلّ من عشرة آلاف
، ما رواه العيّاشيّ (3)
____________
(1) تفسير القمي 1/ 83.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) تفسير العياشي 1/ 134، ح 444.
388
«عن حمّاد بن عثمان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): لا يخرج القائم- (عليه السلام)- في أقلّ من الفئة. و لا تكون الفئة أقلّ من عشرة آلاف.» من وجهين:
الأوّل: أنّ الإطلاق على الأقلّ هنا للفئة الموصوفة بالقلّة، لا الفئة المطلق. و في الخبر، مطلقة.
و الثّاني: أنّ المراد بالفئة في الخبر المعهودة المذكورة سابقا، بأنّها يكون مع القائم- (عليه السلام)- لا مطلق الفئة.
وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249): بالنّصر و الإثابة.
وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ، أي: ظهروا لهم، و دنوا منهم، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250): سألوا- أوّلا- إفراغ الصّبر في قلوبهم. و هو الّذي ملاك الأمر. و ثانيا: ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه.
و ثالثا: النّصر على العدوّ المترتّب عليهما.
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ: فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إيّاهم إجابة لدعائهم.
روى في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، عن الرّضا- (عليه السلام): لمّا تأذّى بنو إسرائيل من جالوت، أوحى اللّه إلى نبيّهم: أنّ جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى- (عليه السلام). و هو رجل من ولد لاوي بن يعقوب- (عليه السلام)- اسمه داود بن أسى.
و كان أسى راعيا. و كان له عشر بنين، أصغرهم داود. فلمّا بعث طالوت إلى بني إسرائيل و جمعهم لحرب جالوت، بعث إلى أسى أن احضر ولدك فلمّا حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فألبسه درع موسى- (عليه السلام)- فمنهم من طالت عليه و منهم من قصرت عنه.
فقال لأسى: هل خلّفت من ولدك أحدا؟
قال: نعم. أصغرهم. تركته في الغنم راعيا (2).
فبعث إليه [ابنه.] (3) فجاء به فلمّا دعي أقبل و معه مقلاع. فناداه (4) ثلاث صخرات في طريقه. فقالت (5): «خذنا.» فأخذها في مخلاته. و كان شديد البطش، قويّا في
____________
(1) تفسير القمي 1/ 82.
(2) المصدر: يرعاها.
(3) يوجد في المصدر.
(4) المصدر: قال: فنادته. (ظ)
(5) المصدر: فقالت: يا داود.
389
بدنه، شجاعا، فلمّا جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى. فاستوت عليه. ففصل طالوت بالجنود حتّى برزوا لجالوت و جنوده. فجاء داود (1) و وقف بحذاء جالوت. و كان جالوت على الفيل و على رأسه التّاج و في جبهته ياقوتة يلمع نورها (2) و جنوده من بين يديه. فأخذ داود من تلك الأحجار حجرا. فرمى به ميمنة جالوت فمر في الهواء. و وقع عليهم. فانهزموا. و أخذ حجرا آخر. فرمى به في ميسرة جالوت. فوقع عليهم. فانهزموا. و رمى جالوت بحجر. فصكّ الياقوتة في جبهته. و وصلت إلى دماغه. و وقع إلى الأرض ميّتا. و هو (3) قوله: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ.
وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ بالوجه الّذى روي.
وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، أي ملك: بني إسرائيل.
قيل (4): و لم يجتمعوا قبل داود على ملك.
وَ الْحِكْمَةَ: النّبوّة. و أنزل عليه الزّبور.
وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ: و علمه صنعة الحديد و ليّنه له.
في كتاب الخصال (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يبعث أنبياء ملوكا (6) إلّا أربعة بعد نوح: ذا القرنين (7) و اسمه عياش، و داود و سليمان و يوسف- (عليهم السلام). فأمّا عياش فملك ما بين المشرق و المغرب. و أمّا داود فملك ما بين الشّامات إلى بلاد إصطخر. و كذلك كان ملك سليمان. و أمّا يوسف فملك مصر و براريها (8) و لم يتجاوزها إلى غيرها.
و عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام) (9)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اختار من كلّ شيء أربعة. اختار من الأنبياء للسّيف، إبراهيم و داود و موسى و أنا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (10)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد، عن أبيه،
____________
(1) المصدر: حتّى.
(2) المصدر: نوره.
(3) المصدر: فهو.
(4) أنوار التنزيل 1/ 131.
(5) الخصال 1/ 248.
(6) المصدر: الأنبياء ملوكا في الأرض.
(7) المصدر: ذو القرنين.
(8) كذا في المصدر و في النسخ. و لعله: بواديها.
(9) نفس المصدر 1/ 225، ح 58.
(10) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 524، ح 3.
390
عن جدّه، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: عاش داود- (عليه السلام)- مائة سنة. منها أربعين سنة في ملكه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قال: و كان بين موسى و بين داود، خمسمائة سنة، و بين داود و عيسى ألف سنة و خمسمائة سنة.
وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ:
و قرأ نافع هنا و في الحجّ دفاع اللّه.
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251):
قيل (2): أي: لو لا أنّه تعالى يدفع بعض النّاس ببعض و ينصر المسلمين على الكفّار، لغلبوا و أفسدوا في الأرض، أو فسدت الأرض بشؤمتهم.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن سعيد (4)، عن عبد اللّه بن القسم، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: انّ اللّه ليدفع بمن يصلّي من شيعتنا عمّن لا يصلّي من شيعتنا. و لو اجتمعوا (5) على ترك الصلاة لهلكوا. و إنّ اللّه ليدفع بمن يزكّي من شيعتنا عمّن لا يزكّي. و لو اجتمعوا (6) على ترك الزّكاة لهلكوا. و انّ اللّه ليدفع بمن يحجّ من شيعتنا عمّن لا يحجّ. و لو اجتمعوا (7) على ترك الحجّ لهلكوا. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. فو اللّه ما نزلت إلّا فيكم. و لا عنى بها غيركم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّ اللّه ليدفع- و ذكر مثله إلّا قوله: فو اللّه ما أنزلت (الخ.)
و في مجمع البيان (9): وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ (الآية) فيه ثلاثة أقوال. الثّاني: أنّ معناه يدفع اللّه بالبرّ عن الفاجر الهلاك- عن عليّ- (عليه السلام). و قريب منه ما روى
____________
(1) تفسير القمي 1/ 165.
(2) أنوار التنزيل 1/ 131.
(3) الكافي 2/ 451، ح 1.
(4) «على بن سعيد» ليس في ر. و في المصدر: عليّ بن معبد.
5 و 6 و 7- المصدر: أجمعوا. (ظ)
(8) تفسير القمي 1/ 83.
(9) مجمع البيان 1/ 357.
391
عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لو لا عباد ركّع و صبيان رضّع و بهائم رتّع، لصبّ عليهم العذاب صبّا.
و روى جابر بن عبد اللّه (1)، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه يصلح بصلاح الرّجل السلم ولده و ولد ولده و أهل دويرته. و دويرات حوله لا يزالون في حفظ اللّه ما دام فيهم.
تِلْكَ إشارة إلى ما قصّ من القصص السّالفة.
آياتُ اللَّهِ: دلائله على قدرته و إرسالك رسولا.
نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ: بالوجه المطابق الّذي لا يشكّ فيه أهل الكتاب و أرباب التّواريخ.
وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) لما أخبرت بها من غير تعرّف و استماع.
تِلْكَ الرُّسُلُ، أي: الجماعة المذكورة قصصهم، أو المعلومة لك أيّها النّبيّ، أو جماعة الرّسل.
و «اللّام»، للاستغراق.
فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن خصّصناه بما ليس لغيره.
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ:
قيل (2): هو موسى.
و قيل (3): موسى ليلة الخيرة في الطّور، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة المعراج.
و قرئ: كلّم اللّه و كالم اللّه. (بنصب لفظ الجلالة.) وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ، يعني: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله).
دَرَجاتٍ [بأن فضّله على غيره. قيل (4): و هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فإنّه فضّل] (5) بأن فضّله على غيره من وجوه متعدّدة: فإنّه خصّ بالدّعوة العامّة و الحجج المتكاثرة و المعجزات المستمرّة و الفضائل العمليّة و العمليّة الفائتة للحصر.
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى عليّ بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ما خلق اللّه خلقا
____________
(1) نفس المصدر نفس الموضع.
2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 132.
(5) يوجد في أ، فقط.
(6) عيون أخبار الرضا 1/ 204.
392
أفضل منّي. و لا أكرم عليه منّي.
قال عليّ- (عليه السلام): فقلت: يا رسول اللّه! أ فأنت أفضل أم جبرئيل؟
فقال- (عليه السلام): إنّ اللّه (1) تعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين.
و فضّلني على جميع النّبيّين و المرسلين. و الفضل بعدي لك يا عليّ و للائمّة من بعدك. و إنّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و قيل (2): إبراهيم خصّصه بالخلّة الّتي هي أعلى المراتب.
و قيل (3): إدريس لقوله تعالى (4): وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا و قيل (5): أولو العزم من الرّسل.
و الإبهام في جميع تلك الاحتمالات، للتّفخيم. و يحتمل الحمل على الكلّ. و الإبهام لعدم التّعيين. يدلّ عليه
ما رواه العيّاشيّ في تفسيره (6)، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: بالزّيادة بالإيمان يفضّل (7) المؤمنون بالدّرجات عند اللّه.
قلت: و إنّ للإيمان درجات و منازل يتفاضل بها المؤمنون عند اللّه؟
فقال: نعم.
قلت: صف لي ذلك- رحمك اللّه- حتّى أفهمه.
فقال: ما فضّل اللّه أولياءه (8) بعضهم على بعض. فقال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ. وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ. (إلى آخر الآية.) و قال (9):
وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ. و قال (10): انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ. و قال (11): هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ. فهذا ذكر اللّه درجات الإيمان و منازله عند اللّه.
[و في أصول الكافي (12): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم
____________
(1) المصدر: يا عليّ إنّ اللّه.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 132.
(4) مريم/ 57.
(5) أنوار التنزيل 1/ 132.
(6) تفسير العياشي 1/ 135، ح 447.
(7) المصدر: تتفاضل.
(8) المصدر: به أولياءه.
(9) البقرة/ 253.
(10) الإسراء/ 21.
(11) آل عمران/ 163.
(12) الكافي 2/ 41، ح 1.
393
بن يزيد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا. و فيه يقول- (عليه السلام): ثمّ ذكر ما فضّل اللّه- عزّ و جلّ- به أولياءه بعضهم على بعض. فقال- عزّ و جلّ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ. وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ فوق بعض درجات. (إلى آخر الآية.)] (1)
وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ: المعجزات. أفرده لإفراط اليهود و النّصارى في تحقيره و تعظيمه. و جعل معجزاته مخصوصة بالذّكر. لأنّها آيات واضحة، أو معجزات عظيمة. لم يستجمعها غيره.
وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:
في أصول الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن محمّد بن داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام): فأمّا ما ذكر من أمر السّابقين، فإنّهم أنبياء مرسلون و غير مرسلين. جعل اللّه فيهم خمسة أرواح: روح القدس و روح الإيمان و روح القوّة و روح الشّهوة و روح البدن. فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين و غير مرسلين. و بها علّموا الأشياء. و بروح الإيمان عبدوا اللّه و لم يشركوا به شيئا. و بروح القوّة جاهدوا (3) عدوّهم و عالجوا معاشهم. و بروح الشّهوة أصابوا لذيذ الطّعام و نكحوا الحلال (4) من شباب النّساء.
و بروح البدن دبّوا و درجوا. فهؤلاء مغفور مصفوح عن ذنوبهم.
ثمّ قال: قال اللّه- عزّ و جلّ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ. وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ. وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.
ثمّ قال في جماعتهم (5): وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. يقول: أكرمهم ففضّلهم على من سواهم.
فهؤلاء مغفور لهم. مصفوح عن ذنوبهم.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ إلزام النّاس على طريقة واحدة، مشيئة حتم، مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ: من بعد الرّسل، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ: المعجزات.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 2/ 281- 282، ح 16.
(3) أ: جاهدوهم.
(4) أ: النكاح.
(5) المجادلة/ 22.
394
وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا. لأنّه لم يجبرهم على الاهتداء للابتلاء.
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بتوفيقه.
وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ لإعراضه عنه بخذلانه.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا: التّكرار للتّوكيد.
وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253): فيوفّق من يشاء فضلا و يخذل من يشاء عدلا.
و في هذه الآية دلالة على أنّ المختلفين بعد الرّسل، بين مؤمن و كافر، لا ثالث لهما.
و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسي- (رحمه اللّه): و عن الأصبع بن نباتة قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوم الجمل. فجاء رجل حتّى توقّف بين يديه. فقال:
يا أمير المؤمنين! كبّر القوم و كبّرنا. و هلّل القوم و هلّلنا. و صلّى القوم و صلّينا. فعلام (2) نقاتلهم؟
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام): على ما أنزل اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه.
فقال: يا امير المؤمنين! ليس كلّ ما أنزل اللّه في كتابه أعلمه فعلّمنيه؟
فقال عليّ- (عليه السلام): لمّا (3) أنزل اللّه في سورة البقرة.
فقال: يا أمير المؤمنين! ليس كلّ ما أنزل اللّه في سورة البقرة أعلمه فعلّمنيه؟
فقال عليّ- (عليه السلام): هذه الآية: تِلْكَ الرُّسُلُ.- و قرأ الى يَفْعَلُ ما يُرِيدُ- فنحن الّذين آمنا. و هم الّذين كفروا.
فقال الرّجل: كفر القوم و ربّ الكعبة! ثمّ حمل، فقاتل حتّى قتل- (رحمه اللّه).
و في أمالي شيخ الطّائفة (4)، شبهه مع تغيير غير مغيّر للمعنى.
و في آخره بعد قوله: و منهم من كفر. فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه- عزّ و جلّ- و بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بالكتاب و بالحقّ. فنحن الّذين آمنوا. و هم الّذين كفروا. و شاء اللّه قتالهم بمشيئته و إرادته.
و في روضة الكافي (5): ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام): انّ العامّة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع النّاس كانت
____________
(1) الاحتجاج 1/ 248.
(2) المصدر: فعلى ما.
(3) المصدر: ما.
(4) أمالي الشيخ 1/ 200.
(5) الكافي 8/ 270، ح 398.
395
رضا للّه- عزّ ذكره. و ما كان اللّه ليفتن أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بعده.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): او ما يقرءون كتاب اللّه؟ أو ليس اللّه يقول (1): وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ؟
قال: قلت: إنّهم يفسّرون على وجه آخر.
قال: أو ليس من أخبر اللّه- عزّ و جلّ- عن الّذين من قبلهم من الأمم، أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات، [حيث قال: وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ. وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ.] (2) وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ. وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا. وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ؟ في هذا يستدلّ به على أنّ أصحاب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد اختلفوا من بعده. فمنهم من آمن. و منهم من كفر.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ: ما أوجب عليكم إنفاقه، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ: و هو يوم القيامة الّذي لا بيع فيه، فيحصل ما ينفق بالبيع، أو يفتدى النّفس و يخلص من العذاب، بإعطاء شيء و شرائها، و لا خلّة حتّى يستغنى بالأخلّاء، و لا شفاعة إلا لمن رضى له قولا حتّى يتّكل على الشّفعاء.
وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254): يريد التّاركون للزكاة الّذين ظلموا أنفسهم، أو (3) وضعوا المال في غير موضعه و صرفوه على غير وجهه. فوضع الكافرون موضعه تغليظا و تهديدا، كقوله: «وَ مَنْ كَفَرَ، مكان من لم يحجّ، و إيذانا بأن ترك الزّكاة من صفات الكفّار لقوله: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ.
و في من لا يحضره الفقيه (4): و في رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن و لا مسلم. و هو قوله- عزّ و جلّ (5). حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ.
و اعلم! أنّ الأخبار في فضل آية الكرسيّ كثيرة. فمنها ما مرّ في صدر الكتاب. و منها
____________
(1) آل عمران/ 144.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) ر: و. (ظ)
(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 7، ح 21.
(5) المؤمنون/ 99.
396
ما رواه في الخرايج و الجرائح (1)، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إذا لقيت السّبع ما ذا تقول؟
قلت: لا أدري.
قال: إذا لقيته فاقرأ في وجهه آية الكرسيّ و قل: «عزمت عليك بعزيمة اللّه و عزيمة رسوله و عزيمة سليمان بن داود و عزيمة عليّ أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده.» فإنّه ينصرف عنك.
قال عبد اللّه: فقدمت الكوفة. فخرجت مع ابن عمّ لي إلى قرية. فإذا سبع قد اعترض لنا في الطّريق. فقرأت في وجهه آية الكرسيّ و قلت: عزمت عليك بعزيمة اللّه (إلى آخرها) إلّا تنحّيت عن طريقنا. و لم تؤذنا. فإنّا لا نؤذيك.
و منها ما رواه في الكافي (2)، عن عليّ بن إبراهيم [عن محمّد بن عيسى] (3) و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه و سهل بن زياد، جميعا، عن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الأنصاريّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: شكا إليه رجل عبث أهل الأرض بأهل بيته و بعياله. فقال: كم سقف بيتك؟
قال (4): عشرة أذرع.
فقال اذرع ثمانية أذرع ثمّ اكتب آية الكرسيّ فيما بين الثمانية إلى العشرة كما تدور. فإنّ كلّ بيت سمكه أكثر من ثمانية أذرع، فهو محتضر تحضره الجنّ، يكون فيه مسكنه (5)
و عن عليّ بن إبراهيم، (6) عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، و أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، جميعا، عن يونس، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في سمك البيت: إذا رفع ثمانية أذرع، كان مسكونا. فإذا زاد على ثمان فليكتب على رأس (الثّمانية) (7) آية الكرسيّ.
و بإسناده (8) إلى محمّد بن إسماعيل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان
____________
(1) بحار الأنوار 47/ 95، ح 108، نقلا عن الخرايج و الجرائح.
(2) الكافي 6/ 529، ح 3.
(3) ليس في أو في المصدر.
(4) المصدر: فقال. (ظ)
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تكون فيه تسكنه.
(6) نفس المصدر نفس الموضع، ح 4.
(7) المصدر: الثمان.
(8) نفس المصدر 6/ 629، ح 7.
397
البيت فوق ثمانية أذرع، فاكتب في أعلاه آية الكرسيّ.
و منها ما رواه في من لا يحضره الفقيه (1)، في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام): يا عليّ! و من كان في بطنه ماء أصفر فليكتب على بطنه آية الكرسيّ و يشربه. فإنّه يبرأ بإذن اللّه- عزّ و جلّ.
و منها ما رواه في كتاب الخصال (2)، عن عتبة بن عمير الليثي، عن أبي ذرّ- ره- قال: دخلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو في المسجد جالس وحده (إلى أن قال) قلت له: فأي آية أنزلها اللّه عليك أعظم؟
قال: آية الكرسيّ. ثمّ قال: يا أبا ذرّ! ما السّموات السّبع في الكرسيّ إلّا كحلقة ملقاة في أرض فلاة.
و فيه (3)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: و إذا اشتكى أحدكم عينه فليقرأ آية الكرسيّ. و ليضمر في نفسه أنّها تبرء. فإنّه يعافى- إن شاء اللّه تعالى.
و منها ما رواه في أصول الكافي (4)، عن محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ في بطني ماء أصفر. فهل من شفاء؟
فقال: نعم بلا درهم و لا دينار. و لكن اكتب على بطنك آية الكرسيّ.
و تغسلها. و تشربها. و تجعلها ذخيرة في بطنك. فتبرأ بإذن اللّه- عزّ و جلّ.
ففعل الرّجل. فبرئ بإذن اللّه- عزّ و جلّ.
و منها ما رواه في كتاب ثواب الأعمال (5)، بإسناده عن رجل سمع أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: من قرأ آية الكرسيّ عند منامه، لم يخف الفالج- إن شاء اللّه. و من قرأها بعد كلّ صلاة لم يضرّه ذو حمّة.
و منها ما رواه في عيون الأخبار (6)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، بإسناده عن عليّ- (عليه السلام). قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله):
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 4/ 269.
(2) الخصال 2/ 524، ح 13.
(3) نفس المصدر 2/ 616، ح 10.
(4) الكافي 2/ 625، ح 21.
(5) ثواب الأعمال/ 131، ح 1.
(6) عيون أخبار الرضا 2/ 65، ح 289.
398
من قرأ آية الكرسيّ مائة مرّة، كان كمن عبد اللّه طول حياته.
[و في مجمع البيان (1): روى جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لمّا أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن ينزل «فاتحة الكتاب» و «آية الكرسيّ» و «شهد اللّه» و قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ (إلى قوله) بِغَيْرِ حِسابٍ، تعلّقن بالعرش. و ليس بينهنّ و بين اللّه حجاب. و قلن: يا ربّ! تهبطنا دار الذّنوب (2) و إلى من يعصينّك. و نحن معلّقات بالطّهور و بالقدس.
فقال: و عزّتي و جلالي! ما من عبد قرأ كنّ في دبر كلّ صلاة (3) إلّا أسكنته حضيرة القدس، على ما كان فيه، و إلّا نظرت إليه بعيني المكنونة في كلّ يوم سبعين نظرة، و إلّا قضيت له في كلّ يوم سبعين حاجة أدناه المغفرة، و إلّا أعذته من كلّ عدوّ و نصرته عليه و لا يمنعه دخول الجنّة إلّا أن يموت. و قد مرّ في أوّل الفاتحة] (4)
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: مبتدا و خبر. و للنّحاة خلاف في أنّه هل يضمر للأخير مثل في الوجود، أو يصحّ، أو يوجد؟ و إلّا صحّ أنّ إلّا هو خبره.
و المعنى: أنّ اللّه انتفى مستحقّ للعبادة غيره بحسب الإمكان و الوجود، يعني:
لا يمكن و لا يوجد مستحقّ للعبادة غيره.
الْحَيُ:
قيل (5): الحيّ الّذي له صفة يقتضي الحسّ و الحركة الإراديّة و يقتضي صحّة العلم و القدرة. و المراد به في صفة اللّه تعالى أنّه غير مرتبط الوجود بغيره، بطريق المعلوليّة، مع كونه قديرا عالما.
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث طويل يذكر فيه صفة الرّبّ- عزّ و جلّ- و فيه يقول: لم يزل حيّا بلا حياة. [كان حيّا بلا حياة حادثة.
و بإسناده (7) إلى عبد الأعلى، عن العبد الصّالح، يعني: موسى بن جعفر
____________
(1) مجمع البيان 1/ 426.
(2) المصدر: إلى دار الذنوب.
(3) كلّ صلاة مكتوبة.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) ر. تفسير صدر المتألهين 4/ 79- 80.
(6) التوحيد/ 173، ح 2.
(7) نفس المصدر/ 138، ح 13.
399
- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: كان حيّا بلا كيف و لا أين. حيّا بلا حياة حادثة.
بل حيّ لنفسه.
و بإسناده (1) إلى جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّه نور لا ظلمة فيه، و علم لا جهل فيه، و حياة لا موت فيه.] (2)
الْقَيُّومُ: الدّائم القيام بتدبير الخلق و حفظه. فيعول من قام الأمر، إذا حفظه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3). حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن العبّاس، عن جعفر بن محمّد، عن الحسين بن أسد، عن يعقوب بن جعفر قال سمعت موسى بن جعفر- (عليهم السلام)- يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل على عبده محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم. و يسمّى بهذه الأسماء الرّحمن الرّحيم العزيز الجبّار العليّ العظيم. فتاهت هنا لك عقولهم. و استخفّت أحلامهم. فضربوا له الأمثال. و جعلوا له أندادا. و شبّهوه بالأمثال. و مثّلوه أشباها. و جعلوه يزول و يحول. فتاهوا في بحر عميق لا يدرون ما غوره، و لا يدركون بكيفيّته بعده.
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ:
«السّنة»: فتور يتقدّم النّوم.
و «النّوم»: حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدّماغ، من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسّ الظّاهرة عن الإحساس، رأسا. و هنا إشكال مشهور. و هو تقديم السّنة عليه. و قياس المبالغة عكسه. و أجيب بأنّه قدّمه على ترتيب الوجود، و بأنّه على القياس. و هو التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى. [لأنّ عدم الأخذ من النّوم، أعلى لقوّته من عدم أخذ السّنة الضعيفة. ففي ترتيبهما التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى.
و في أصول الكافي (4): أبو عبد اللّه الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان قال: جلس أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- متورّكا رجله اليمنى على فخذه اليسرى. فقال له رجل: جعلت فداك! هذه جلسة مكروهة.
فقال: لا. إنّما هو شيء قالته اليهود: لمّا أن فرغ اللّه- عزّ و جلّ- من خلق السّماوات و الأرض و استوى على العرش، جلس هذه الجلسة، ليستريح. فأنزل اللّه عزّ
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) تفسير القمي 2/ 361.
(4) الكافي 2/ 661، ح 5.
400
و جلّ: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ.
و بقي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- متورّكا كما هو.] (1)
و الجملة تأكيد لما قبله. و لذلك ترك العاطف. فإنّ عدم أخذ السّنة و النّوم يؤكّد كونه قيّوما. و كذا في قوله:
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ. لأنّه تقرير لقيّوميّته و احتجاج على تفرّده في الإلهيّة. و ما فيهما أعمّ من أن يكون داخلا في حقيقتهما، أو خارجا عنهما، متمكّنا فيهما.
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ: «من»، استفهاميّة. مبتدأ. و «ذا» موصول خبره. و الموصول صفته. و الاستفهام على سبيل الإنكار. و هو بيان لكبرياء شأنه، أي: لا أحد يساويه، أو يداينه. يستقلّ بدفع ما يريد شفاعة فضلا عن أن يقاومه (2) عنادا.
و من يشفع، يشفع بإذنه. و له مكانه عنده.
و في محاسن البرقيّ (3)، بإسناده، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام):
قوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ. [أي من هم؟] (4) قال: نحن أولئك الشّافعون.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و أمّا آية الكرسيّ، فإنّه حدّثني أبي، عن الحسن بن خالد أنّه قرأ أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ، أي: نعاس له ما في السّموات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثّرى. عالم الغيب و الشّهادة. هو الرّحمن الرّحيم. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
و في روضة الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (7)، عن أحمد بن محمّد بن خالد (8)، عن محمّد بن سنان، عن أبي جرير القميّ، و هو محمّد بن عبيد اللّه، و في نسخة: عبد اللّه، عن أبي الحسن- (عليه السلام): لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ و ما بينهما و ما تحت الثّرى.
عالم الغيب و الشّهادة (9). هو الرّحمن الرّحيم. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. (10)]
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) هكذا في أ. و في الأصل ور: يعاوقه.
(3) المحاسن/ 140، ح 174.
(4) يوجد في المصدر.
(5) تفسير القمي 1/ 84.
(6) الكافي 8/ 29، ح 438.
(7) ليس في المصدر.
(8) المصدر: أحمد بن محمد عن محمد بن خالد.
(9) ليس في المصدر.
(10) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
401
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ: ما قبلهم و ما بعدهم، أو بالعكس. لأنّك مستقبل المستقبل و مستدبر الماضي، أو أمور الدّنيا و أمور الآخرة، أو عكسه، أو ما يحسّونه و ما يعقلونه، أو ما يدركونه و ما لا يدركونه.
و الضّمير لما في السّموات و الأرض. لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دلّ عليه.
«من ذا» من الملائكة و الأنبياء و الأئمّة.
وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ: من معلوماته، إِلَّا بِما شاءَ: أن يعلموا.
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ:
«الكرسيّ» في الأصل، اسم لما يقعد عليه. و لا يفضل عن مقعد القاعد. و كأنّه منسوب إلى الكرس. و هو الملبد. مجاز عن علمه تعالى.
في كتاب التّوحيد (1)، قال: حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن القسم بن محمّد، عن سليمان بن داود (2)، عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ.
قال: علمه.
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- (رحمه اللّه) (3)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن (4) قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، فقال: يا فضيل! السّموات و الأرض و كلّ شيء في الكرسيّ.
و في الكافي (5)، مثله، سواء.
و كذا «العرش» مجاز عن علم له تعالى أعلى من الأوّل، كما
رواه في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه: ثمّ العرش في الوصل منفرد (7) من الكرسيّ. لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب.
____________
(1) التوحيد/ 327، ح 1.
(2) المصدر: سليمان بن داود المنقريّ.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.
(4) المصدر: محمد بن الحسن الصفّار.
(5) الكافي 1/ 132، ح 5- 3.
(6) التوحيد/ 321، ح 1.
(7) المصدر: متفرّد.
402
و هما جميعا غيبان. و هما في الغيب مقرونان. لأنّ «الكرسيّ» هو الباب الظّاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدع و منه الأشياء كلّها. و «العرش» هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحدّ و الأين و المشيئة و صفة الإرادة و علم الألفاظ و الحركات و التّرك و علم العود و البداء (1). فهما في العلم بابان مقرونان. لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسيّ. و علمه أغيب من علم الكرسيّ. فمن ذلك قال (2): رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أي:
صفته أعظم من صفة الكرسيّ. و هما في ذلك مقرونان.
و قيل (3): «الكرسيّ جسم بين يدي العرش. و لذلك سمّي كرسيّا. محيط بالسّموات السّبع»، لما
رواه في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل، يذكر فيه عظمة اللّه- جلّ جلاله- يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن ذكر الأرضين السّبع ثمّ السّموات السّبع و البحر المكفوف و جبال البرد: و هذه السّبع و البحر المكفوف و الحجب (5) عند الهواء الّذي تحار فيه القلوب، كحلقة في فلاة قيّ. و السّبع و البحر المكفوف و جبال البرد (و الهواء و الحجب) في الكرسيّ، كحلقة في فلاة قيّ. ثمّ تلا هذه الآية: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ. وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
و في روضة الكافي (6)، بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثله.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثني أبي، عن بن سويد، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، أيّما أوسع، الكرسيّ أو السّموات؟
قال: لا بل الكرسيّ وسع السّموات و الأرض و العرش. و كلّ شيء خلق اللّه في الكرسيّ.
حدّثني أبي (8)، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف، عن] (9) الأصبغ بن
____________
(1) المصدر: البدء.
(2) التوبة/ 129.
(3) أنوار التنزيل 1/ 133.
(4) التوحيد/ 277، ح 1.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: الهواء و الحجب.
(6) الكافي 8/ 153، ح 143.
(7) تفسير القمي 1/ 85.
(8) نفس المصدر نفس الموضع.
(9) بين المعقوفتين ليس في أ.
403
نباتة: أنّ عليّا- (صلوات اللّه عليه)- سئل عن قول اللّه- تبارك و تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، قال: السّموات و الأرض و ما بينهما من مخلوق في جوف الكرسيّ: و له أربعة أملاك يحملونه بإذن اللّه.
فأمّا ملك منهم في صورة الآدميّين. و هي أكبر الصّور على اللّه. و هو يدعو اللّه.
و يتضرّع إليه. و يطلب السّعة في الرّزق لبني آدم:
و الملك الثّاني في صورة الثّور. و هو سيّد البهائم. و يطلب إلى اللّه. و يتضرّع إليه.
و يطلب السّعة و الرّزق للبهائم.
و الملك الثّالث في صورة النّسر. و هو سيّد الطيّور. و هو يطلب إلى اللّه- تبارك و تعالى. و يتضرّع إليه. و يطلب السّعة و الرّزق لجميع الطّيور.
و الملك الرّابع في صورة الأسد. و هو سيّد السّباع. و هو يرغب إلى اللّه. و يتضرّع إليه. و يطلب السّعة و الرّزق لجميع السباع.
و لم يكن في هذه الصّور، أحسن من الثّور (1). و لا أشدّ انتصابا منه حتّى اتّخذ الملأ من بني إسرائيل العجل. فلمّا عكفوا عليه و عبدوه من دون اللّه، خفض الملك الّذي في صورة الثّور رأسه، استحياء من اللّه أن عبد من دون اللّه شيء يشبهه. و تخوّف أن ينزل به العذاب.
و على هذا العرش جسم- أيضا.
روى في كتاب التّوحيد (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل و فيه: قال السّائل: فقوله (3): الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): بذلك وصف نفسه. و كذلك هو مستول على العرش، بائن من خلقه من [غير] (4) أن يكون العرش حاملا، و لا أن يكون العرش حاويا له، و لا أن يكون العرش مختارا له. و لكنّا نقول: هو حامل العرش، و ممسك العرش.
و نقول: من ذلك ما قال: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ. فثبتّنا من العرش و الكرسيّ، ما ثبّته. و نفينا أن يكون العرش و الكرسيّ حاويا له، أو أن (5) يكون- عزّ و جلّ-
____________
(1) أ: الصور.
(2) التوحيد/ 248، ح 1.
(3) طه/ 5.
(4) يوجد في المصدر.
(5) ليس في المصدر.
404
محتاجا إلى مكان، أو إلى شيء ممّا خلق. بل خلقه محتاجون إليه.
[و فيه (1)- أيضا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حجّال عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، و سعن الكرسيّ؟ أم الكرسيّ وسع السّماوات و الأرض؟
فقال: بل الكرسيّ وسع السّماوات و الأرض و العرش. و كلّ شيء في الكرسي.
و فيه (2)، بإسناده إلى عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: الكرسيّ جزء من سبعين جزء من نور العرش.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.] (3) و قيل (4): إنّه الفلك المشهور بفلك البروج. كما أنّ العرش الفلك المشهور بالفلك الأطلس و الأعظم.
و قيل (5): تصوير لعظمته. و تمثيل مجرّد. و لا كرسيّ في الحقيقة.
وَ لا يَؤُدُهُ: لا يثقله. من الأود. و هو الاعوجاج.
حِفْظُهُما، أي: حفظه السّموات و الأرض.
فحذف الفاعل. و هو أحد المواضع الأربعة الّتي حذف الفاعل. فيه قياس.
[و أضيف المصدر إلى المفعول.
وَ هُوَ الْعَلِيُ: المتعالي عن الأنداد و الأشباه، الْعَظِيمُ (255): المستحقر بالإضافة إليه كلّ ما سواه.
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى محمّد بن سفيان قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام): هل كان اللّه عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟
قال: نعم.
قلت: يراها و يسمعها؟
قال: ما كان يحتاج (7) إلى ذلك. لأنّه لم يكن يسألها و لا يطلب منها. هو نفسه.
____________
(1) نفس المصدر/ 327، ح 4.
(2) نفس المصدر/ 108، ح 3.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) أنوار التنزيل 1/ 133.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) عيون أخبار الرضا 1/ 106.
(7) المصدر: محتاجا.
405
و نفسه هو. قدرة نافذة. فليس يحتاج إلى أن يسمّى نفسه. و لكنّه اختار لنفسه اسما لغيره يدعوه بها. لأنّه إذا لم يدع باسمه، لم يعرف. فأوّل ما اختار لنفسه الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. لأنّه أعلى الأشياء كلّها. فمعناه، اللّه. و اسمه العليّ العظيم. هو أوّل أسمائه. لأنّه علا كلّ شيء.
و اعلم! أنّ المشهور أنّ آية الكرسيّ هي هذه. و ما رواه في أصول الكافي (1)، مثله،
و في روضة الكافي (2)، عن محمّد بن خالد، عن حمزة بن عبيد (3)، عن إسماعيل بن عباد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ و آخرها: وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، و الحمد للّه ربّ العالمين،
و آيتين بعدها، بظاهره يدلّ عليه. لأنّ الظّاهر رجوع الضّمير في آخرها، إلى آية الكرسيّ.
و روى عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن الحسين بن خالد: أنّه قرأ عليّ بن موسى- (صلوات اللّه عليهما)- على التّنزيل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى. عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ. هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ. وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
و ذكر محمّد بن يعقوب الكلينيّ- رضي اللّه عنه (5)- بإسناده أنّه يقرأ بعدها:
«و الحمد للّه ربّ العالمين.» و في الرّواية الأولى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى. لَا انْفِصامَ لَها. وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ هم الظّالمون لآل محمّد يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. و الحمد للّه ربّ العالمين. كذا نزلت.
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. إذ الإكراه إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا. و لكن:
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ: تميّز كلّ ما هو رشد، عن كلّ ما هو غيّ، إذ يجب
____________
(1) الكافي 1/ 113، ح 2.
(2) نفس المصدر 8/ 290، ح 438.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: حميد.
(4) تفسير القمي 1/ 84.
(5) الكافي 8/ 290، ح 438+ تفسير القمي 1/ 84- 85، مع بعض الاختلاف.
406
حمل اللام على الاستغراق، لعدم قرينة التّخصيص، في المقام الخطابيّ. و تبيّن الرّشد من الغيّ، لا تخصيص فيه بزمان دون زمان، و بأحد دون أحد. فيفيد تبيّن الرّشد، في كلّ زمان، لكلّ أحد. فيدلّ على وجود معصوم في كلّ زمان اتّباعه هو الرّشد و عدم اتّباعه هو الغيّ.
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ: فعلوة من الطّغيان.
قلب عينه و لامه. و هم ظالمو حقّ آل محمّد.
روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ (1)، بإسناده إلى الفضل بن شاذان، عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنتم الصلاة في كتاب اللّه- عزّ و جلّ؟ و أنتم الزكاة؟ و أنتم الحجّ؟
فقال: يا داود! نحن الصّلاة في كتاب اللّه- عزّ و جلّ. و نحن الزكاة. و نحن الصّيام.
و نحن الحجّ. [و نحن الشّهر الحرام.] (2) و نحن البلد الحرام. و نحن كعبة اللّه. و نحن قبلة اللّه.
و نحن وجه اللّه. قال اللّه تعالى (3): فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. و نحن الآيات و نحن البيّنات.
و عدوّنا في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- الفحشاء و المنكر و البغي و الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الأصنام و الأوثان و الجبت و الطّاغوت و الميتة و الدّم و لحم الخنزير.
يا داود! إنّ اللّه خلقنا. فأكرم خلقنا. و جعلنا أمناءه و حفظته و خزّانه على ما في السّموات و ما في الأرض. و جعل لنا أضدادا و أعداء. فسمّانا في كتابه. و كنّى عن أسمائنا بأحسن الأسماء و أحبّها اليه تكنية عن العدد. و سمّى أضدادنا و أعداءنا في كتابه. و كنّى عن أسمائهم. و ضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه و إلى عباده المتّقين.
و في مجمع البيان (4): في «الطّاغوت» خمسة أقوال: أحدها- أنّه الشّيطان. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ: بالتّوحيد و التّصديق للرّسل، في كلّ ما جاءوا به. و من جملتها بل عمدتها ولاية الائمّة من آل محمّد- (عليهم السلام).
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى: طلب الإمساك من نفسه بالعروة الوثقى، من
____________
(1) لم نعثر عليه في أمالي الطوسي. و هو موجود في تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 3، نقلا عن أمالى الطوسي.
(2) ليس في المصدر.
(3) البقرة/ 115.
(4) مجمع البيان 1/ 364.
407
الحبل الوثيق و هي مستعارة لمستمسك المحقّ من الرّأي القويم. أطلق هنا على الإيمان باللّه.
و هو يلازم ولاية الأئمّة- (عليهم السلام).
في أصول الكافي (1): حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد (2)، عن غير واحد، عن أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، قال: هي الإيمان.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في قوله- عزّ و جلّ:
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها. قال: هي الإيمان باللّه، وحده لا شريك له.
و الحديثان طويلان. أخذنا منهما موضع الحاجة.
و في محاسن البرقيّ (4)، عنه، عن محسن بن أحمد، عن أبان الأحمر، عن أبي جعفر الأحول، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: عروة اللّه الوثقى، التّوحيد. و الصبغة، الإسلام.
و في كتاب المناقب (5)، لابن شهر آشوب: موسى بن جعفر، عن آبائه- (عليهما السلام)- و أبو الجارود عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، قال: مودّتنا أهل البيت.
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من أحبّ أن يركب سفينة النّجاة و يستمسك بالعروة الوثقى و يعتصم بحبل اللّه المتين، فليوال عليّا بعدي، و ليعادي عدوّه، و ليأتمّ بالأئمّة الهداة من ولده.
و فيه (7)، فيما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، بإسناده قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): [من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى، فليستمسك بحبّ عليّ و أهل بيتي.
____________
(1) الكافي 2/ 14، ح 3.
(2) المصدر: الحسن بن محمد بن سماعة.
(3) نفس المصدر 2/ 14، ح 1.
(4) المحاسن/ 188، ح 221.
(5) تفسير نور الثقلين 1/ 263، ح 1054، نقلا عن المناقب+ بحار الأنوار 24/ 84.
(6) عيون أخبار الرضا 1/ 227، ح 43.
(7) نفس المصدر 2/ 58، ح 216.
408
و بإسناده (1) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله):] (2) و الأئمّة من ولد الحسين- (عليهم السلام). من أطاعهم فقد أطاع اللّه. و من عصاهم فقد عصى اللّه. هم العروة الوثقى. و هم الوسيلة إلى اللّه تعالى.
و في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين (3): أنّ الأرض لا تخلوا من حجّة اللّه تعالى على خلقه في كلّ عصر و أوان. و أنّهم العروة الوثقى و أئمّة الهدى و الحجّة على أهل الدّنيا، إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها.
و في كتاب الخصال (4)، عن عبد اللّه بن العبّاس قال: قام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فينا خطيبا. فقال في آخر خطبته: نحن كلمة التّقوى و سبيل الهدى و المثل الأعلى و الحجّة العظمى و العروة الوثقى.
و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبته: أنا حبل اللّه المتين. و أنا عروة اللّه الوثقى.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرّضا- (عليه السلام)- في حديث طويل: نحن حجج اللّه في أرضه و كلمة التّقوى و العروة الوثقى.
و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى عبد اللّه بن عبّاس قال: قال رسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى الّتي لا انفصام لها، فليستمسك (8) بولاية أخي و وصيّي عليّ بن أبي طالب. فإنّه لا يهلك من أحبّه و تولاه.
و لا ينجو من أبغضه و عاداه.
في شرح الآيات الباهرة (9): ذكر صاحب نهج الإيمان في معنى هذه الآية، ما هذا لفظه: روى أبو عبد اللّه الحسين بن جبير- (رحمه اللّه)- في كتاب نخب المناقب لآل
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 217.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) نفس المصدر 2/ 121، ح 1.
(4) الخصال 2/ 432، ح 14.
(5) التوحيد/ 165، ح 2.
(6) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 202، ح 6.
(7) معاني الأخبار/ 368.
(8) المصدر: فليتمسّك.
(9) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 34.
409
أبي طالب، حديثا مسندا إلى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى، فليستمسك بحبّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).
و اعلم! أنّ ما ذكر من الأخبار من تفسير العروة الوثقى، تارة بحبّ أهل البيت، و تارة بالأئمّة، و تارة بولاية الأئمّة، و تارة بالنّبيّ، و تارة بأمير المؤمنين، مؤدّاه واحد. و كذا
ما رواه في عيون الأخبار (1)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- أنّه ذكر القرآن يوما، و عظّم الحجّة فيه و الآية المعجزة في نظمه، فقال: «هو حبل اللّه المتين و عروته الوثقى و طريقته المثلى»
، لا ينافي ما سبق من الأخبار. لأنّ كلا منها يستلزم الآخر. إذ المراد بالمحبّة و الولاية ما هو بالطّريق المقرّر من اللّه في القرآن.
لَا انْفِصامَ لَها: لا انقطاع لها. يقال: فصمته، فانفصم، إذا كسرته.
وَ اللَّهُ سَمِيعٌ بالأقوال، عَلِيمٌ (256) بالنّيّات و سائر الأعمال. و هو وعد للكافر بالطّاغوت، و تهديد لغيره.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا: محبّهم أو متولّي أمرهم.
و المراد بالّذين آمنوا، الّذين كفروا بالطّاغوت و آمنوا باللّه، بمعنى ذكرناه.
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ، أي: ظلمات الذّنوب.
إِلَى النُّورِ، إلى نور التّوبة و المغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل كما يأتي في الخبر، أو يخرجهم بالإيمان من الظّلمات الّتي فيه غيرهم إلى نور الإيمان، أي: يجعل لهم نورا ليس لغيرهم.
و في كتاب الخصال (2)، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: المؤمن يتقلّب في خمسة من النّور: مدخله نور، و مخرجه نور، و علمه نور، و كلامه نور، و منظره يوم القيامة إلى النّور.
أو يخرجهم من ظلمات الجهل و اتّباع الهوى و الوساوس و الشّبهة المؤدّية إلى الكفر، إلى النّور، إلى الهدى الموصل إلى الإيمان.
و الجملة خبر بعد خبر، أو حال من المستكنّ في الخبر، أو من الموصول، أو منهما، أو
____________
(1) عيون أخبار الرضا 2/ 128، ح 9.
(2) الخصال 1/ 277، ح 20.
410
استئناف مبيّن، أو مقرّر للولاية.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ:
في روضة الكافي (1): سهل، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام): و الّذين كفروا أولياؤهم الطّواغيت.
قيل (2): الشّياطين، أو المضلات من الهوى و الشّياطين و غيرهما.
و على الخبر الّذي سبق: الظّالمون لآل محمّد حقّهم، و الّذين كفروا: أشياعهم.
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ: من النّور الّذي منحوه بالفطرة، إلى الكفر و فساد الاستعداد، أو من نور البيّنات، إلى ظلمات الشّكوك و الشّبهات.
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257): وعيد و تحذير.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن مسعدة بن صدقة قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): قصّة الفريقين جميعا في الميثاق، حتّى بلغ الاستثناء من اللّه في الفريقين.
فقال: إنّ الخير و الشّرّ خلقان من خلق اللّه. له فيهما المشيئة، في تحويل ما شاء اللّه، فيما قدّر فيهما (4)، حال عن حال. و المشيئة فيما خلق (لهما) (5) من خلقه، في منتهى ما قسم لهم من الخير و الشّرّ. و ذلك أنّ اللّه قال في كتابه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. فالنّور هم آل محمّد- (عليهم السلام). و الظّلمات، عدوّهم.
عن مهزم الأسديّ (6) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال اللّه- تبارك و تعالى: لأعذّبنّ كلّ رعيّة دانت بإمام ليس من اللّه، و إن كانت الرّعية في أعمالها برّة تقيّة. و لأغفرنّ عن كلّ رعيّة دانت بكلّ إمام من اللّه، و إن كانت الرّعيّة في أعمالها سيئة.
قلت: فيعفو عن هؤلاء، و يعذّب هؤلاء؟
قال: نعم. إنّ اللّه تعالى يقول: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.
____________
(1) الكافي 8/ 289، ح 436.
(2) أنوار التنزيل 1/ 134.
(3) تفسير العياشي 1/ 138، ح 461.
(4) المصدر: فيها.
(5) المصدر: لها.
(6) نفس المصدر 1/ 139، ح 462.
411
ثمّ ذكر (1) حديث ابن أبي يعفور، رواية محمّد بن الحسين. و يزاد (2) فيه: «فأعداء عليّ أمير المؤمنين هم الخالدون في النّار، و إن كانوا في أديانهم على غاية الورع و الزّهد و العبادة.»
و في أصول الكافي (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، في طينة المؤمن و الكافر. و فيه: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (4) فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر. فكان حياته حين فرّق اللّه بينهما بكلمته. كذلك يخرج اللّه- جلّ و عزّ- المؤمن في الميلاد من الظّلمة، بعد دخوله فيها إلى النّور. و يخرج الكافر من النّور إلى الظّلمة، بعد دخوله إلى النّور.
و بإسناده (5) إلى الباقر- (عليه السلام)- في حديث طويل، في شأن إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر نزول الملائكة بالعلم: فإن قالوا: من سماء إلى سماء. فليس في السّماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية. و إن قالوا: من سماء إلى أرض، و أهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك، فقل لهم: فهل بدّ من سيّد يتحاكمون إليه؟
فإن قالوا: فإنّ الخليفة هو حكمهم.
فقل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (إلى قوله) هُمْ فِيها خالِدُونَ. لعمري ما في الأرض و لا في السّماء وليّ للّه- عزّ ذكره- إلّا و هو مؤيّد. و من أيّده (6) للّه لم يخط (7). و ما في الأرض عدوّ للّه عزّ ذكره- إلّا و هو مخذول. و من خذل لم يصب. كما أنّ الأمر لا بدّ من تنزيله من السّماء، يحكم به أهل الأرض. كذلك لا بدّ من وال.
عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): إنّي أخالط النّاس. فيكثر عجبي من أقوام لا يتولّونكم و يتولّون فلانا و فلانا، لهم أمانة و صدق و وفاء.
و أقوام يتولّونكم ليس لهم تلك الأمانة و لا الوفاء و الصّدق.
____________
(1) المصدر: ثم ذكر حديث الأوّل.
(2) المصدر: زاد.
(3) الكافي 2/ 5، ح 7.
(4) الأنعام/ 122.
(5) نفس المصدر 1/ 245، ح 1.
(6) المصدر: أيّد.
(7) كذا في النسخ و المصدر. و لعله: لم يحطّ.
(8) نفس المصدر 1/ 375، ح 3.
412
قال: فاستوى أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- جالسا. فأقبل عليّ كالغضبان. ثمّ قال: لا دين لمن دان اللّه بولاية إمام جائر. ليس من اللّه. و لا عتب على من دان اللّه بولاية إمام عادل من اللّه.
قلت: لا دين لأولئك؟ و لا عتب على هؤلاء؟
قال: نعم. لا دين لأولئك. و لا عتب على هؤلاء.
ثمّ قال: ألا تسمع لقول اللّه- عزّ و جلّ: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، يعني: ظلمات الذّنوب إلى نور التّوبة و المغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من اللّه- عزّ و جلّ. و قال: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ. يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [قال: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
قال: فقال: و أي نور للكافر و هو كافر فأخرج من الظّلمات؟ إنّما عنى الحجج (1):
(كذا في تفسير العيّاشيّ) إنّما عنى [اللّه] (2) بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام. فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر. ليس من اللّه، خرجوا بولايتهم (3) من نور الإسلام، إلى ظلمات الكفر.
فأوجب اللّه (4) لهم النّار، مع الكفّار. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. (5)] [و في شرح الآيات الباهرة، مثلة، سواء (6).] (7)
و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه) (8)- بإسناده إلى عليّ- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه تلا هذه الآية: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قيل: يا رسول اللّه! من أصحاب النّار؟
قال: من قاتل عليّا بعدي. فأولئك أصحاب النّار مع الكفّار. فقد كفروا بالحقّ لمّا جاءهم.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9)، متّصلا بما سبق.
____________
(1) «إنّما عنى الحجج» ليس في المصدر.
(2) يوجد في المصدر.
(3) المصدر: بولايتهم إيّاهم.
(4) ليس في المصدر.
(5) ما بين المعقوفتين يوجد في تفسير العياشي 1/ 138، ح 460 و ليس في الكافي.
(6) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 34.
(7) ليس في أ.
(8) أمالي الشيخ 1/ 374.
(9) تفسير القمي 1/ 84- 85.
413
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ قال: ما بين أيديهم من أمور الأنبياء و ما كان و ما خلفهم لم يكن بعد.
إِلَّا بِما شاءَ، أي: بما يوحى إليهم.
وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما، أي: لا يثقل عليه حفظهما في السّماوات و ما في الأرض.
قوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، أي: لا يكره أحد على دينه إلّا بعد أن تبيّن له و تبيّن له الرّشد من الغيّ.
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم.
قوله: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، يعني: الولاية.
لَا انْفِصامَ لَها، أي: حبل لا انقطاع له.
قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام).
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا و هم الظّالمون آل محمّد.
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ. و هم الّذين تبعوا من غصبهم.
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
و الحمد للّه ربّ العالمين. كذا نزلت.] (1)
أَ لَمْ تَرَ: تعجيب.
إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، و هو نمرود.
أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ: لأن أتاه، أي: أبطره إيتاء الملك و حمله على المحاجّة، أو حاجّ لأجله شكرا له على طريق العكس، كقولك: عاديتني لأن أحسنت إليك، أو وقت أن أتاه الملك.
قيل (2): و هو حجّة على من منع إيتاء اللّه الملك الكافر.
و فيه احتمال كون معنى الإيتاء التّخلية، فلا يكون حجّة عليه.
و في كتاب الخصال (3)، عن محمّد بن خالد، بإسناده رفعه قال: ملك الأرض كلّها أربعة مؤمنان و كافران. فأمّا المؤمنان: فسليمان بن داود، و ذو القرنين. و أمّا الكافران: نمرود و بخت نصر.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) أنوار التنزيل 1/ 135.
(3) الخصال 1/ 255، ح 130.
414
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن أبي بصير قال: لمّا دخل يوسف على الملك قال له:
كيف أنت يا إبراهيم؟
قال: إنّي لست بإبراهيم. أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
قال: و هو صاحب إبراهيم الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه.
قال: و كان أربعة مائة سنة شابّا.
و في مجمع البيان (2): و اختلف في وقت المحاجّة. قيل: بعد إلقائه في النّار، و جعلها بردا و سلاما- عن الصّادق (عليه السلام).
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ:
ظرف لحاجّ، أو بدل من أتاه على الوجه الثّاني.
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ: يخلق الحياة و الموت في الأجساد. و قرأ حمزة: ربّ.
(بحذف الياء).
قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ: بالعفو عن القتل و القتل.
و قرأ نافع: انا (بالألف.) قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ:
أعرض إبراهيم عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه، على نحو هذا التّمويه، دفعا للمشاغبة. فهو في الحقيقة عدول عن مثال خفيّ إلى مثال جليّ، من مقدوراته الّتي يعجز عن الإتيان بها غيره، لا من حجّة إلى أخرى. و لعلّ نمرود زعم أنّه يقدر أن يفعل كلّ جنس (3) يفعله اللّه. فنقضه إبراهيم- (عليه السلام)- بذلك. و إنّما حمله عليه بطر الملك و حماقته.
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ: فصار مبهوتا.
و قرئ فبهت، أي: فغلب إبراهيم الكافر.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258): الّذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية.
و قيل (4): لا يهديهم محجّة الاحتجاج، أو سبيل النّجاة، أو طريق النّجاة يوم القيمة.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 139، ح 463.
(2) مجمع البيان 1/ 367.
(3) أ: فعل. (ظ)
(4) أنوار التنزيل 1/ 135.
415
في روضة الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حجر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خالف إبراهيم- (صلّى اللّه عليه و آله)- قومه، و عاب آلهتهم حتّى أدخل على نمرود. فخاصمهم. فقال إبراهيم: «ربّي الّذي (إلى آخر الآية.)
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب ثواب الأعمال (2)، بإسناده إلى حنان بن سدير قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه.
الحديث يأتي بقيّته.
و فيه بإسناده (3) إلى إسحاق بن عمّار الصّيرفيّ، عن أبي الحسن الماضي، في حديث طويل يقول في آخره: و إنّ في جوف تلك الحيّة، لسبع صناديق، فيها خمسة من الأمم السّالفة و اثنان من هذه الأمّة.
قال: قلت: جعلت فداك! و من الخمسة؟ و من الاثنان؟
قال: أمّا الخمسة: فقابيل الّذي قتل هابيل، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، قال: أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ.، و فرعون الّذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى.، و يهود الّذي هوّد اليهود، و بولس الّذي نصر النّصارى. و من هذه الأمة، أعرابيّان.
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ: تقديره: «أو رأيت.» فحذف لدلالة «ألم تر عليه. و تخصيصه بحرف التّشبيه، لأنّ المنكر للإحياء كثير و الجاهل بكيفيّته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدّعي الرّبوبيّة.
و قيل (4): الكاف مزيدة. و تقدير الكلام: «ألم تر إلى الّذي مرّ.» و قيل (5): إنّه عطف محمول على المعنى. كأنّه قيل: أ لم تر كالّذي حاجّ، أو كالّذي مرّ.
و قيل (6): إنّه من كلام إبراهيم ذكره جواب المعارضة (7)، تقديره: «أو إن كنت
____________
(1) الكافي 8/ 268، ح 559.
(2) ثواب الأعمال/ 255، ح 1.
(3) ثواب الأعمال/ 256.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 135.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) أ: جوابا لمعارضته. (ظ)
416
تحيى فأحي كإحياء اللّه.» و يؤيّده
ما روى عن الصّادق- (عليه السلام) (1): أنّ إبراهيم قال له: أحي من قتلته، إن كنت صادقا.
قال البيضاويّ (2): الّذي مرّ، عزيز بن شرحيا، أو الخضر، أو كافر بالبعث. و يؤيّده نظمه مع نمرود.
و في مجمع البيان (3): «أو كالّذي مرّ» هو عزير. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
و قيل (4): هو إرميا. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).
أقول: أمّا ما يدلّ على أنّه عزير:
فما روى- أيضا- عن عليّ- (عليه السلام) (5). أنّ عزيرا خرج من أهله و امرأته حبلى. و له خمسون سنة. فأماته اللّه مائة سنة. ثمّ بعثه. فرجع إلى أهله ابن خمسين. و له ابن. له مائة سنة. فكان ابنه أكبر منه. فذلك من آيات اللّه.
و ما رواه في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل، و قد ذكر بخت نصر، و أنّه قتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريا (7)- (عليهما السلام)- و خرّب بيت المقدس، و تفرّقت اليهود في البلدان، و في سبع (8) و أربعين سنة من ملكه، بعث اللّه- عزّ و جلّ- العزير نبيّا إلى أهل القرى الّتي أمات اللّه- عزّ و جلّ- أهلها، ثمّ بعثهم له و كانوا من قرى شتّى، فهربوا فرقا من الموت، فنزلوا في جوار عزير و كانوا مؤمنين، و كان عزير يختلف إليهم، و يسمع كلامهم و إيمانهم، و أحبّهم على ذلك، و آخاهم عليه، فغاب عنهم يوما واحدا، ثمّ أتاهم فوجدهم موتى صرعى، فحزن عليهم، و قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها تعجّبا منه حيث أصابهم، و قد ماتوا أجمعين في يوم واحد، فأماته اللّه- عزّ و جلّ- عند ذلك مائة عام، و هي (9) مائة سنة،
____________
(1) مجمع البيان 1/ 367.
(2) أنوار التنزيل 1/ 135.
3 و 4- مجمع البيان 1/ 370.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
(6) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 226، ح 20.
(7) كذا في أ. و في الأصل ور: زكريا بن يحيى.
(8) النسخ: سبعة. و ما في المتن موافق المصدر.
(9) المصدر: فلبث و هم. (ظ)
417
ثمّ بعثه اللّه و ايّاهم، و كانوا مائة ألف مقاتل، ثمّ قتلهم اللّه أجمعين، لم يفلت منهم أحد على يدي بخت نصر.
و ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره (1): قال: حدّثني أبي، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد اللّه الثّقفيّ قال: أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر- (عليه السلام)- من المدينة إلى الشّام، و كان ينزله (2) معه، و كان يقعد مع النّاس في مجالسهم. فبينا هو قاعد، و عنده جماعة من النّاس، يسألونه إذ نظر إلى النّصارى يدخلون في جبل هناك. فقال: ما لهؤلاء؟ ألهم عيد اليوم؟
فقالوا: لا يا ابن رسول اللّه! لكنّهم يأتون عالما في هذا الجبل، في كلّ سنة في [مثل] (3) هذا اليوم. فيخرجونه. فيسألونه عمّا يريدون، و عمّا يكون في عامهم.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): و له علم؟
فقالوا: هو من أعلم النّاس. قد أدرك أصحاب الحواريّين من أصحاب عيسى- (عليه السلام).
قال: فهل (4) نذهب إليه؟
قالوا: ذاك إليك، يا ابن رسول اللّه! قال: فقنّع أبو جعفر- (عليه السلام)- رأسه بثوبه. و مضى هو و أصحابه. فاختلطوا بالنّاس حتّى أتوا الجبل. فقعد أبو جعفر- (عليه السلام)- وسط النصارى هو و أصحابه.
و أخرج النّصارى بساطا. ثمّ وضعوا الوسائد. ثمّ دخلوا. فأخرجوه. ثمّ ربطوا عينيه. فقلب عينيه. كأنّهما عينا افعى. ثمّ قصد أبا جعفر- (عليه السلام).
فقال: يا شيخ (5)! أمنّا أنت أم من الأمّة المرحومة؟
فقال: أبو جعفر- (عليه السلام): بل (6) من الأمّة المرحومة.
فقال: أ فمن علمائهم أنت أم من جهّالهم؟
قال: لست من جهّالهم.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 98.
(2) أ: فأنزله. ر: ما ينزله. و ما في المتن موافق المصدر. و الكلمة في الأصل غير واضحة.
(3) يوجد في المصدر.
(4) المصدر: لهم.
5 و 6- ليس في المصدر.
418
فقال النّصرانيّ: أسألك أم تسألني؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): سلني.
فقال النّصراني: يا معشر النّصارى! رجل من أمّة محمّد يقول سلني (1). إنّ هذا لعالم بالمسائل.
ثمّ قال: يا عبد اللّه! أخبرني عن ساعة ما هي من اللّيل و لا هي من النّهار، أي ساعة هي؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس.
(إلى أن قال النّصرانيّ:) فأسالك أو تسألني؟
قال أبو جعفر- (عليه السلام): سلني.
فقال: يا معشر النّصارى! و اللّه لأسألنّه مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل.
فقال له: سل.
فقال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت باثنين (2)، حملتهما جميعا في ساعة واحدة، و ولدتهما (3) في ساعة واحدة، و ماتا في ساعة واحدة، و دفنا (4) في قبر واحد، عاش أحدهما خمسين و مائة سنة، و عاش الآخر خمسين سنة، من هما؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): هما عزير و عزرة: كانا (5) حملت أمّهما على ما وصفت، و وضعتهما على ما و صفت. و عاش عزير و عزرة كذا و كذا (6) سنة. ثمّ أمات اللّه- تبارك و تعالى- عزيرا مائة سنة (7). ثمّ بعث اللّه عزيرا فعاش مع عزرة هذه الخمسين سنة (8). و ماتا كلاهما (9) في ساعة واحدة (10).
فقال النّصرانيّ: يا معشر النّصارى! ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرّجل.
لا تسألوني عن حرف و هذا بالشّام. ردّوني [إلى كهفي] (11).
____________
(1) المصدر: أسألني.
(2) المصدر: فحملت منه بابنين.
(3) المصدر: و وضعتها.
(4) المصدر: و دفنا في ساعة واحدة.
(5) المصدر: كانت.
(6) المصدر: ثلاثين، بدل «كذا و كذا.»
(7) يوجد في المصدر بعد هذه الجملة: و بقي غررة يحيى.
(8) المصدر: عشرين سنه، بدل «هذه الخمسين سنه.»
(9) المصدر: جميعا.
(10) يوجد في المصدر بعد هذه الفقرة: فدفنا في قبر واحد.
(11) يوجد في المصدر.
419
فقال (1): فردّوه إلى كهفه. و رجع النّصارى مع أبي جعفر- (صلوات اللّه عليه).
و ما رواه العيّاشيّ (2) في تفسيره: [أبو طاهر العلويّ،] (3) عن عليّ بن محمّد العلويّ، عن عليّ بن مرزوق، عن إبراهيم بن محمّد قال: ذكر جماعة من أهل العلم: أنّ ابن الكوّاء قال لعليّ- (عليه السلام): يا أمير المؤمنين! ما ولد أكبر من أبيه من أهل الدّنيا؟
قال [نعم.] (4) أولئك ولد عزير، حين مرّ على قرية خربة، و قد جاء من ضيعة له تحته حمار و معه سلّة (5)، فيها تين و كوز، فيه عصير. فمرّ على قرية خربة. فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها. فأماته اللّه مائة عام. فتوالد ولده. و تناسلوا. ثمّ بعث اللّه إليه. فأحياه في المولد (6) الّذي أماته فيه. فأولئك ولد (7) أكبر من أبيه.
و أمّا ما يدلّ على أنّه إرميا:
فما رواه العيّاشيّ، أيضا، في تفسيره (8): عن أبي بصير (9)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، قالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها، فقال: إنّ اللّه بعث على بني إسرائيل نبيّا، يقال له: إرميا.
فقال (10) لهم: ما بلد تنقيته من كرائم البلدان، و غرس فيه من كرائم الغرس. و تنقيته من كلّ غرس. (11) فأخلف. فأنبت خرنوبا.
قال: فضحكوا. و استهزؤا به. فشكاهم إلى اللّه.
قال: فأوحى اللّه إليه أن: قل لهم: إنّ البلد بيت المقدس، و الغرس بنو إسرائيل، تنقيته من كلّ غرس (12). و نحيّت عنهم كلّ جبّار. فأخلفوا. فعملوا المعاصي. فلا سلّطنّ عليهم في بلدهم من يسفك دماءهم، و يأخذ أموالهم. فإن بكوا (13) لي، لم أرحم (14) بكاءهم.
و إن دعوا، لم أستجب دعاءهم. فشلتهم. و فشلت. ثمّ لأخرّبنّها مائة عام. ثمّ لأعمّرنّها.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) تفسير العياشي 1/ 141، ح 467.
(3) يوجد في المصدر.
(4) يوجد في المصدر.
(5) المصدر: شنّة.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ. الموتى.
(7) هكذا في أ. و في الأصل ور: ولده.
(8) نفس المصدر 1/ 140، ح 466.
(9) يوجد في أ، فقط.
(10) المصدر: فقال: قل.
11 و 12- المصدر: غريبة.
(13) المصدر: إلىّ.
(14) المصدر: فلم ارحم.
420
فلمّا حدّثهم، جزعت العلماء. فقالوا: يا رسول اللّه! ما ذنبنا نحن؟ و لم نكن نعمل بعملهم. فعاود لنا ربّك.
فصام سبعا. فلم يوح إليه شيء. فأكل أكلة. ثمّ صام سبعا. فلم يوح إليه شيء.
فأكل أكلة. ثمّ صام سبعا. فلمّا أن كان اليوم الواحد و العشرين، أوحى اللّه إليه:
لترجعنّ عمّا تصنع. أ تراجعني في أمر قضيته، أو لأردّنّ وجهك على دبرك.
ثمّ أوحى اللّه إليه: قل لهم: لأنّكم رأيتكم المنكر. فلم تنكروه.
فسلّط اللّه عليهم. بخت نصر. فصنع بهم ما قد بلغك. ثمّ بعث بخت نصر إلى النبيّ. فقال: إنّك قد نبّئت عن ربّك. و حدّثتهم بما أصنع بهم. فإن شئت فأقم عندي فيمن شئت. و إن شئت فاخرج.
فقال: لا بل أخرج.
فتزوّد عصيرا و تينا. و خرج. فلمّا أن غاب مدّ البصر، التفت إليها. فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ.
أماته غدوة. و بعثه عشيّة قبل أن تغيب الشّمس. و كان أوّل شيء خلق منه عيناه في مثل غرقئ البيض.
ثمّ قيل له: كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً.
فلمّا نظر إلى الشّمس، لم تغب، قال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ، لَمْ يَتَسَنَّهْ. وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ. وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً؟
قال: فجعل ينظر إلى عظامه، كيف يصل بعضها إلى بعض. و يرى العروق كيف تجري. فلمّا استوى قائما قالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
و في رواية هارون: فتزوّد عصيرا و لبنا.
عن جابر (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هكذا: ألم تر إلى العظام كيف ننشزها ثمّ نكسوها لحما. فلمّا تبيّن له.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 141، ح 467.
421
قال: ما تبيّن لرسول اللّه أنّها في السّموات، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله):
أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للرّب. و آمن بقول اللّه فلمّا تبيّن له. قال: أعلم أنّ اللّه على كلّ شيء قدير.
و ما رواه الشّيخ الطبرسيّ، في احتجاجه (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام): و أمات اللّه إرمياء النّبيّ- (عليه السلام)- الّذي نظر إلى خراب بيت المقدس و ما حوله حين غزاه بخت نصر، فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَ أحياه. و نظر إلى أعضائه [كيف يلتئم و كيف يلبس اللّحم، و إلى مفاصله و عروقه كيف توصل. فلمّا استوى قاعدا قال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
و ما رواه عليّ بن إبراهيم، في تفسيره (2): قال حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا عملت بنو إسرائيل المعاصي و عتوا عن أمر ربّهم، أراد اللّه أن يسلّط عليهم من يذلّهم و يقتلهم. فأوحى اللّه إلى إرميا: يا إرميا! ما بلد انتخبته من بين البلدان، و غرست فيه من كرائم الشّجر؟ فأخلف. فأنبت خرنوبا.
فأخبر إرميا أخيار بني إسرائيل. فقالوا له: راجع ربّك ليخبرنا ما معنى هذا المثل.
فصام إرميا سبعا. فأوحى اللّه إليه: يا إرميا! أمّا البلد، فبيت المقدس. [و أمّا الغرس، فإسرائيل و كرام ولده.] (3) و أمّا ما أنبت فيها، فبنو إسرائيل الّذين أسكنتهم فيه.
فعملوا بالمعاصي. و غيّروا ديني. و بدّلوا نعمتي كفرا. فبي حلفت لأمتحنّهم بفتنة يضلّ الحكيم منها (4) حيرانا. و لأسلّطنّ عليهم شرّ عبادي ولادة. و شرّهم مطعما (5). و ليتسلّطنّ عليهم بالجبريّة. فيقتل مقاتليهم. و يسبي حريمهم. و يخرّب بيتهم (6) الّذي يعتزّون (7) به. و يلقى حجرهم الّذي يفتخرون به على النّاس في المزابل مائة سنة.
و أخبر إرميا أخيار (8) بني إسرائيل. فقالوا له: راجع ربّك فقل له: ما ذنب الفقراء
____________
(1) الاحتجاج 2/ 88.
(2) تفسير القمي 1/ 86- 91.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: فيها.
(5) المصدر: طعاما.
(6) المصدر: ديارهم.
(7) المصدر: يفترون.
(8) المصدر: أحبار.
422
و المساكين و الضّعفاء؟
فصام إرميا سبعا. ثمّ أكل أكلة. فلم يوح إليه شيء. ثمّ صام (1) سبعا. فأوحى اللّه إليه: يا إرميا! لتكفّنّ عن هذا أو لأردّنّ وجهك إلى (2) قفاك.
قال: ثمّ أوحى اللّه إليه: قل لهم: لأنّكم رأيتم المنكر، فلم تنكروه.
فقال إرميا: ربّ! أعلمني من هو حتّى آتيه. و أخذ لنفسي و أهل بيتي منه أمانا.
فقال: ائت موضع كذا و كذا. فانظر إلى غلام أشدّهم زمنا (3)، و أخبثهم ولادة، و أضعفهم جسما، و أشرّهم غذاء. فهو ذاك.
فأتى إرميا ذلك البلد. فإذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان.
و إذا له أمّ تزبي بالكسر. و تفتّ الكسر بالقصعة. و تحلب عليه لبن (4) خنزيرة لها. ثمّ تدنيه من ذلك الغلام. فيأكله.
فقال إرميا: إن كان في الدّنيا الّذي وصفه (5) اللّه، فهو هذا.
فدنا منه. فقال له: ما اسمك؟
فقال: بخت نصر.
فعرف أنّه هو. فعالجه حتّى برئ. ثمّ قال له: أ تعرفني؟
قال: لا. أنت رجل صالح.
قال: أنا إرميا، نبيّ بني إسرائيل. أخبرني اللّه أنّه سيسلّطك على بني إسرائيل.
فتقتل رجالهم. و تفعل بهم كذا و كذا.
فتاه الغلام في نفسه في ذلك الوقت.
ثمّ قال إرميا: اكتب لي كتابا بأمان منك.
فكتب له كتابا. و كان يخرج إلى (6) الجبل. و يحتطب. و يدخل المدينة. و يبيعه.
فدعا إلى حرب بني إسرائيل (7). و كان مسكنهم في بيت المقدس. فأجابوه (8). و أقبل بخت نصر
____________
(1) يوجد في المصدر بعد هذه الفقرة: و أكل أكلة و لم يوح إليه. ثم صام سبعا.
(2) المصدر: في.
(3) المصدر: زمانا.
(4) ليس في المصدر.
(5) وضعه.
(6) المصدر: في.
(7) المصدر: إلى حرب بني إسرائيل و أجابوه.
(8) ليس في المصدر.
423
فيمن أجابه (1) نحو بيت المقدس، و قد اجتمع إليه بشر كثير. فلمّا بلغ إرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له، و معه الأمان الّذي كتبه له بخت نصر. فلم يصل إليه إرميا من كثرة جنوده و أصحابه. فصير الأمان على خشبة (2). و رفعها.
فقال: من أنت؟
فقال: أنا إرميا النّبيّ الّذي بشّرتك بأنّك سيسلّطك اللّه على بني إسرائيل. و هذا أمانك لي.
قال: أمّا أنت فقد آمنتك. و أمّا أهل بيتك فإنّي أرمي من هاهنا إلى بيت المقدس.
فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس، فلا أمان لهم عندي. و إن لم تصل، فهم آمنون.
و انتزع قوسه. و رمى نحو بيت المقدس. فحملت الرّيح النّشابة حتّى علقتها في بيت المقدس.
فقال: لا أمان لهم عندي.
فلمّا وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة، و إذا دم يغلي وسطه. كلّما ألقي عليه التّراب خرج و هو يغلي.
فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا دم نبيّ كان للّه. فقتله ملوك بني إسرائيل. و دمه يغلي. كلّما ألقينا عليه التّراب، خرج يغلي.
فقال بخت نصر: لأقتلنّ بني إسرائيل أبدا حتّى يسكن هذا الدّم.
و كان ذلك الدّم، دم يحيى بن زكريا- (عليهما السلام). و كان في زمانه ملك جبّار يزني بنساء بني إسرائيل. و كان يمرّ بيحيى بن زكريا، فقال له يحيى: اتّق اللّه، أيّها الملك! لا يحلّ لك هذا.
فقالت له امرأة من اللّواتي كان يزنى بهنّ حين سكر: أيّها الملك! اقتل يحيى.
فأمر أن يؤتى برأسه. فأتي رأس يحيى- (عليه السلام)- في طشت. و كان الرّأس يكلّمه. و يقول: «يا هذا! اتّق اللّه. لا يحلّ لك هذا.» ثمّ غلا الدّم في الطّشت، حتّى فاض إلى الأرض. فخرج يغلي. و لا يسكن. و كان بين قتل يحيى و بين خروج بخت نصر، مائة سنة. فلم يزل بخت نصر يقتلهم. و كان يدخل قرية قرية، فيقتل الرّجال و النّساء
____________
(1) «فيمن أجابه» ليس في المصدر.
(2) المصدر: قصبة.
424
و الصّبيان و كلّ حيوان. و الدّم يغلي. و لا يسكن. حتّى أفنى (1) من بقي منهم.
ثمّ قال: بقي أحد في هذه البلاد؟
قالوا: عجوز في موضع كذا و كذا.
فبعث إليها. فضرب عنقها على الدّم. فسكن. و كانت آخر من بقي. ثمّ أتى بابل فبنى بها مدينة. و أقام. و حفر بئرا. فألقى فيها دانيال. و ألقى معه اللّبوة. فجعلت اللّبوة تأكل طين البئر و يشرب دانيال لبنها. فلبث بذلك زمانا. فأوحى اللّه إلى النّبيّ الّذي كان في بيت المقدس أن: اذهب بهذا الطّعام و الشّراب إلى دانيال. و اقرأه منّي السّلام.
قال: و أين هو يا ربّ؟
قال: هو في بئر بابل. في موضع كذا و كذا.
قال: فأتاه. فاطّلع في البئر.
فقال: يا دانيال! قال: لبّيك صوت غريب.
قال: إنّ ربّك يقرئك السّلام. و قد بعث إليك بالطّعام و الشّراب.
فدلّاه (2) إليه.
قال: فقال دانيال: [الحمد للّه الّذي لا ينسى من ذكره.] (3) الحمد للّه الّذي لا يخيب من دعاه. الحمد للّه الّذي من توكّل عليه كفاه (4). الحمد للّه الّذي من وثق به لم يكله إلى غيره. الحمد للّه الّذي يجزي بالإحسان إحسانا. الحمد للّه الّذي يجزي بالصّبر نجاة. الحمد للّه الّذي يكشف ضرّنا عند كربتنا. (و) الحمد للّه الّذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منّا.
الحمد للّه الّذي هو رجاؤنا حين ساء ظنّنا بأعمالنا.
قال: فأري بخت نصر في نومه كانّ رأسه من حديد، و رجليه من نحاس، و صدره من ذهب.
قال: فدعا المنجّمين. فقال لهم: ما رأيت في المنام (5)؟
____________
(1) المصدر: أفناهم.
(2) المصدر: فأدلاه.
(3) ليس في المصدر.
(4) يوجد في المصدر بعد هذه الفقرة: الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره. الحمد للّه الذي لا يخيّب من دعاه.
(5) ليس في المصدر.
425
قالوا: لا ندري (1). و لكن قصّ علينا ما رأيت.
فقال: و أنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا و كذا و لا تدرون ما رأيت في المنام.
فأمر بهم. فقتلوا.
قال: فقال له بعض من كان عنده: إن كان عند احد شيء، فعند صاحب الجبّ.
فإنّ اللّبوة لم تعرض له. و هي تأكل الطّين. و ترضعه.
فبعث إلى دانيال. [و أحضره عنده.] (2) فقال: ما رأيت في المنام؟
فقال: رأيت كأنّ رأسك من كذا (3)، و رجليك من كذا (4)، و صدرك من كذا (5).
قال: هكذا رأيت. فما ذاك؟
قال: قد ذهب ملكك. و أنت مقتول إلى ثلاثة أيّام. يقتلك رجل من ولد فارس.
قال: فقال له: إنّ عليّ لسبع مدائن، على باب كلّ مدينة حرس. و ما رضيت بذلك حتّى وضعت بطّة من نحاس على باب كلّ مدينة. لا يدخل عليه غريب إلّا صاحت عليه، حتّى يؤخذ.
قال: فقال له: إنّ الأمر كما قلت لك.
قال: فبثّ الخيل. و قال: لا تلقون أحدا من الخلق إلّا قتلتموه، كائنا ما كان.
و كان دانيال جالسا عنده. و قال: لا تفارقني هذه الثّلاثة الأيّام فإن مضت قتلتك.
فلمّا كان في اليوم الثّالث ممسيّا أخذه الغمّ. فخرج. فتلقّاه] (6) غلام كان يخدم ابنا له من أهل فارس. و هو لا يعلم أنّه من أهل فارس. فرفع (7) إليه سيفه. و قال له: يا غلام! لا تلق أحدا من الخلق إلّا و قتلته و إن لقيتني.
فأخذ الغلام سيفه، فضرب به بخت نصر. فقتله. و خرج إرميا على حماره. و معه تين قد تزوّده و شيء من عصير. فنظر إلى سباع البرّ، و سباع البحر، و سباع الجوّ تأكل تلك
____________
(1) المصدر: ما ندري.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: حديد.
(4) المصدر: نحاس.
(5) المصدر: ذهب.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) لعله الصواب: فدفع.
426
الجيف. ففكّر في نفسه ساعة. ثمّ قال: أنّى يحيى اللّه هؤلاء. و قد أكلتهم السّباع.
فأماته اللّه مكانه. و هو قول اللّه تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، أي: أحياه.
فلمّا رحم اللّه بني إسرائيل و أهلك بخت نصر، ردّ بني إسرائيل إلى الدّنيا. و كان عزير لمّا سلّط اللّه بخت نصر على بني إسرائيل، هرب و دخل في عين. و غاب فيها. و بقي إرميا ميّتا مائة سنة. ثمّ أحياه اللّه. فأوّل ما أحيى منه عينيه في مثل غرقئ البيض. فنظر.
فأوحى اللّه إليه: كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً.
ثمّ نظر إلى الشّمس قد ارتفعت. فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
فقال اللّه تبارك و تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي: لم يتغيّر. وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ. وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ. وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً.
فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، و إلى اللّحم الّذي قد أكلته السّباع يتآلف إلى العظام، من هاهنا و هاهنا، و يلتزق بها حتّى قام و قام بها حماره.
فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فقد ظهر لك من تلك الأخبار، أنّ تلك الحكاية وقعت بالنّظر إلى عزير و إرميا، كليهما. و يمكن أن يكون قوله: «أو كالّذي مرّ على قرية إشارة إلى كليهما على سبيل البدل.
و القرية بيت المقدس حين خرّبه بخت نصر.
و قيل (1): القرية التي خرج منها الألوف.
و قيل (2): غيرهما.
و اشتقاقها من القرى. و هو الجمع.
وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها: خالية ساقطة حيطانها على سقوفها.
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: اعتراف بالقصور عن معرفة طريق الإحياء و استعظام، لقدرة المحيي.
و «أنّى» في موضع نصب، على الظّرف، بمعنى متى، أو على الحال، بمعنى كيف.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 135.
427
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ: فألبثه ميّتا مائة عام.
ثُمَّ بَعَثَهُ بالإحياء.
قالَ، أي: اللّه.
و قيل (1): ملك أو نبىّ آخر.
كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ:
قال: قبل النّظر إلى الشّمس: «يوما.» ثمّ التفت فرأى بقيّة منها، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، على الإضراب.
قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم يتغيّر بمرور الزّمان.
و اشتقاقه من «السّنه» و «الهاء»، أصليّة إن قدّر «لام» السّنه «هاء»، و «هاء» سكت إن قدّرت «واوا.» و قيل (2): أصله لم يتسنّن، من الحمأ المسنون. فأبدل النّون الثّالثة حرف علّة، كتقضّى البازي. و إنّما أفرد الضّمير، لأنّ الطّعام و الشّراب كالجنس الواحد. و قد سبق في الخبر أنّ طعامه كان تينا، و شرابه عصيرا و لبنا. و كان الكلّ على حاله.
و قرأ حمزة و الكسائيّ (3): لم يتسنّ (بغير الهاء في الوصل.) وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرّقت عظامه، أو انظر إليه سالما في مكانه، كما ربطته.
وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، أي: و فعلنا ذلك لنجعلك آية.
وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ، يعني: عظام الحمار، أو عظام الموتى التي تعجّب من إحيائها، أو عظامه.
كَيْفَ نُنْشِزُها: كيف نحييها، أو نرفع بعضها إلى بعض.
و «كيف» منصوب «بننشزها.» و الجملة حال من العظام، أي: انظر إليها محياة.
____________
(1) نفس المصدر: 1/ 136.
(2) نفس المصدر و نفس الموضع.
(3) نفس المصدر و نفس الموضع.
428
و قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو و يعقوب: ننشزها، من انشز اللّه الموتى.
و قرئ: ننشزها، من نشزهم، بمعنى: أنشزهم.
ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ:
فاعل «تبيّن» مضمر. يفسّره ما بعده. تقديره: فلمّا تبيّن له أنّ اللّه على كلّ شيء قدير.
قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259):
فحذف الأوّل، لدلالة الثّاني عليه، أو ما قبله، أي: فلمّا تبيّن له ما أشكل عليه.
و قرأ حمزة و الكسائيّ: قال اعلم على الأمر.
و الأمر مخاطبه، أو هو نفسه خاطبها به، على طريقة التّبكيت.
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى:
قيل (1): إنّما سأل ذلك ليصير علمه عيانا.
و قيل (2): لمّا قال نمرود: «انا احي و أميت»، قال له: «إنّ إحياء اللّه تعالى برد الرّوح إلى بدنها»، فقال نمرود: «هل عاينته؟» فلم يقدر أن يقول «نعم.» و انتقل إلى تقدير آخر. ثمّ سأل ربّه أن يريه ليطمئنّ قلبه، على الجواب إن سئل عنه مرّة أخرى.
قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ بأنّي قادر على الإحياء.
قال ذلك له. و قد علم أنّه آمن ليجيب بما أجاب به. فيعلم السّامعون غرضه.
قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي: بلى آمنت. و لكن سألته لأزيد بصيرة بمضامّة العيان إلى الوحي.
و في محاسن البرقيّ (3): عنه، عن محمّد بن عبد الحميد، عن صفوان بن يحيى قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه لإبراهيم: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ: بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أ كان في قلبه شكّ؟
قال: لا. كان على يقين. و لكنّه أراد من اللّه الزّيادة في يقينه.
و في تفسير العيّاشيّ (4) عن عليّ بن أسباط: أنّ أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ: قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أ كان في قلبه شكّ؟
قال: لا و لكنّه أراد من اللّه الزّيادة في يقينه.
____________
(1) مجمع البيان 1/ 372.
(2) أنوار التنزيل 1/ 136.
(3) المحاسن/ 194، ح 249.
(4) تفسير العياشي 1/ 143، ح 472.
429
قال: و الجزء واحد من عشرة.
و في روضة الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا رأى إبراهيم- (عليه السلام)- ملكوت السّماوات و الأرض، التفت. فرأى جيفة على ساحل البحر، نصفها في الماء و نصفها في البرّ. تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء. ثمّ ترجع. فيشدّ بعضها على بعض. فيأكل بعضها بعضا. و تجيء سباع البرّ، فتأكل منها. فيشدّ بعضها على بعض. فيأكل بعضها بعضا. فعند ذلك تعجّب إبراهيم- (عليه السلام)- ممّا رأى: فقال: رَبِّ! أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قال: كيف تخرج ما تناسل الّتي أكل بعضها بعضا؟
قالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، يعنى: حتّى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلّها.
قالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً.
فقطّعهنّ. و أخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السّباع الّتي أكل بعضها بعضا. فخلط ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا. ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً.
فلمّا دعاهنّ أجبنه. و كانت الجبال عشرة.
[و في أصول الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبيه، عن نصر بن قابوس قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إذا أحببت أحدا من إخوانك فاعلمه ذلك. فإنّ إبراهيم- (عليه السلام)- قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى. وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.] (3)
قالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ: نسرا و بطّا و طاوسا و ديكا.
و روي (4): الطّاووس و الحمامة و الدّيك و الهدهد.
و روى (5): الدّيك و الحمامة و الطّاووس و الغراب.
____________
(1) الكافي 8/ 305، ح 473.
(2) الكافي 2/ 644، ح 1.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) مجمع البيان 1/ 373.
(5) نفس المصدر و نفس الموضع.
430
و خصّ الطّير لأنّه أقرب إلى الإنسان، و أجمع لخواصّ الحيوان. و الطير سمّى به، أو جمع، كصحب.
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ: و اضممهنّ إليك لتتأمّلها و تتعرّف شأنها، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء.
و قرأ حمزة و يعقوب: فصرهنّ (بالكسر.) و هما لغتان.
و قرئ: فصرّهنّ (بضمّ الصّاد و كسرها، مشدّدة الرّاء) من صرّه يصرّه، إذا جمعه.
و فصرهنّ من التّصرية. و هي الجمع، أيضا.
ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً:
و قرأ أبو بكر: جزءا (بضمّ الزّاي) حيث وقع، أي: ثمّ جزئهنّ.
و فرّق أجزاءهنّ على الجبال الّتي بحضرتك.
ثُمَّ ادْعُهُنَ: بأسمائهن.
يَأْتِينَكَ سَعْياً: مسرعات طيرانا.
وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجز عمّا يريد.
حَكِيمٌ (260) ذو حكمة بالغة في كلّ ما يفعله و يذره.
و في عيون الأخبار (1): حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ- رض- قال:
حدّثني أبي، عن حمدان بن سليمان النّيسابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام). فقال له المأمون: يا بن رسول اللّه! أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ: و عَصى آدَمُ رَبَّهُ (إلى أن قال) فأخبرني عن قول إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
قال الرّضا- (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى كان أوحى إلى إبراهيم- (عليه السلام):
«إنّي متّخذ من عبادي خليلا. إن سألني إحياء الموتى، أجبته.» فوقع في نفس إبراهيم- (عليه السلام)- أنّه ذلك الخليل. فقال:
____________
(1) عيون أخبار الرضا 1/ 155، ح 1.
431
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على الخلّة.
قالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً. ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً. وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
فأخذ إبراهيم- (عليه السلام)- نسرا و بطّا (1) و طاوسا و ديكا. فقطّعهنّ. و خلطهنّ.
ثمّ جعل على كلّ جبل من الجبال الّتي (2) حوله. و كانت عشرة منهنّ جزء. و جعل مناقيرهنّ بين أصابعه. ثمّ دعاهنّ بأسمائهنّ. و وضع عنده حبّا و ماء. فتطايرت تلك الأجزاء، بعضها إلى بعض، حتّى استوت الأبدان. و جاء كلّ بدن حتّى انضمّ إلى رقبته و رأسه.
فخلّى إبراهيم عن مناقيرهنّ. فطرن. ثمّ وقعن. فشربن من ذلك الماء. و التقطن من ذلك الحبّ. و قلن: يا نبيّ اللّه! أحييتنا، أحياك اللّه.
فقال إبراهيم- (عليه السلام): بل اللّه يحيي و يميت. و هو على كلّ شيء قدير.
قال المأمون: بارك اللّه فيك، يا أبا الحسن!
و فيه (3)، في باب استسقاء المأمون بالرّضا- (عليه السلام)- بعد جرى كلام بين الرّضا- (عليه السلام)- و بعض أهل النّصب، من حجّاب المأمون- لعنهم اللّه:
فغضب الحاجب عند ذلك فقال: يا ابن موسى! لقد عدوت طورك و تجاوزت قدرك. إن بعث اللّه تعالى بمطر يقدر (4) وقته، لا يتقدّم و لا يتأخّر، جعلته آية تستطيل بها، و صولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا أخذ رؤوس الطّير بيده، و دعا أعضاءها الّتي كان فرّقها على الجبال، فأتينه سعيا، و تركبن على الرّؤوس، و خفقن و طرن بإذن اللّه- عزّ و جلّ. فإن كنت صادقا فيما توهّم، فأحي هذين و سلّطهما عليّ. فإنّ ذلك يكون حينئذ آية معجزة. فأمّا ماء المطر المعتاد، فلست أنت أحقّ بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الّذى دعا كما دعوت.
و كان الحاجب أشار إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون الذي كان مستندا إليه. و كانا متقابلين على المسند.
فغضب عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام). و صاح بالصّورتين: دونكما الفاجر.
____________
(1) ليس في المصدر. و في أ: بطّا و طائرا.
(2) هكذا في أو المصدر. و في الأصل ور: حولها.
(3) عيون أخبار الرضا 2/ 168، ح 1.
(4) المصدر: مقدّر.
432
فافترساه. و لا تبقيا له عينا و لا أثرا.
فوثبت الصّورتان. و قد عادت أسدين. فتناولا الحاجب. و رضّاه. و هشّماه.
و أكلاه. و لحسا دمه. و القوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون. فلمّا فرغا أقبلا على الرّضا- (عليه السلام)- و قالا له: يا وليّ اللّه في أرضه! ما ذا تأمرنا أن نفعل بهذا. أ نفعل به ما فعلنا بهذا؟- يشير ان إلى المأمون.
فغشي على المأمون ممّا سمع منهما. فقال الرّضا- (عليه السلام): قفا.
فوقفا. ثمّ قال الرّضا- (عليه السلام): صبّوا عليه ماء ورد. و طيّبوه.
ففعل ذلك به. و عاد الأسدان يقولان: أ تأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الّذي أفنيناه؟
قال: الى مقرّكما (1). فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- فيه تدبيرا هو ممضيه.
فقالا: ما ذا تأمرنا؟
فقال: عودا إلى مقرّكما، كما كنتما.
فعادا (2) الى المسند. و صارا صورتين كما كانتا.
فقال المأمون: الحمد للّه الّذي كفاني شرّ حميد بن مهران، يعني: الرّجل المفترس.
ثمّ قال للرّضا- (عليه السلام): يا بن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذا الأمر لجدّكم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ لكم. و لو شئت لنزلت عنه لك.
فقال الرّضا- (عليه السلام): لو شئت لما ناظرتك و لم أسألك. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصّورتين، إلّا جهّال بني آدم. فإنّهم و إن خسروا حظوظهم فللّه- عزّ و جلّ- فيه تدبير. و قد أمرني يترك الاعتراض عليك و إظهار ما أظهر من العمل من تحت يدك، كما أمر يوسف (3) من تحت يد فرعون مصر.
قال: فما زال المأمون ضئيلا إلى أن قضى في عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- ما قضى.
و في كتاب الخصال (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً (الآية) قال: أخذ
____________
(1) «إلى مقركما» ليس في أ. و في المصدر: لا. (ظ)
(2) المصدر: فصاروا.
(3) أ: كما أمر يوسف بالعمل.
(4) الخصال 1/ 264، ح 146.
433
الهدهد و الصّرد و الطّاووس و الغراب. فذبحهنّ. و عزل رؤوسهنّ. ثمّ نحز أبدانهنّ في المنحاز بريشهنّ و لحومهنّ و عظامهنّ حتّى اختلطت. ثمّ جزّأهنّ عشرة أجزاء، على عشرة أجبل.
ثمّ وضع عنده حبّا و ماء. ثمّ جعل مناقيرهنّ بين أصابعه.
ثمّ قال: ائتين سعيا بإذن اللّه.
فتطاير بعضها إلى بعض اللّحوم و الرّيش و العظام، حتّى استوت الأبدان، كما كانت. و جاء كلّ بدن حتّى التزق برقبته الّتي فيها رأسه و المنقار. فخلّى إبراهيم عن مناقيرهنّ. فوقفن. فشربن من ذلك الماء. و التقطن من ذلك الحبّ.
ثمّ قلن: يا نبيّ اللّه! أحييتنا أحياك اللّه.
فقال إبراهيم: بل اللّه يحيي و يميت.
فهذا تفسيره الظّاهر (1).
قال عليّ- (عليه السلام): و تفسيره في الباطن: خذ أربعة ممّن يحتمل الكلام.
فاستودعهن (2) علمك. ثمّ ابعثهن (3) في أطراف الأرضين حججا لك على النّاس. و إذا أردت أن يأتوك دعوتهم بالاسم الأكبر، يأتوك سعيا بإذن اللّه تعالى.
و في هذا الكتاب (4): و روى أنّ الطيّور الّتي أمر بأخذها: الطاووس و النّسر و الدّيك و البطّ.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن عبد الصّمد قال: جمع لأبي جعفر المنصور القضاة. فقال لهم: رجل أوصى بجزء من ماله. فكم الجزء؟ فلم يعلموا كم الجزء. و شكّوا فيه. فأبرد بريدا إلى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمّد- (عليهما السلام): رجل أوصى بجزء من ماله. فكم الجزء؟ فقد أشكل ذلك على القضاة، فلم يعلموا كم الجزء. فإن هو أخبرك به.
و إلّا فاحمله على البريد. و وجّهه إليّ.
فأتى صاحب المدينة أبا عبد اللّه- (عليه السلام). فقال له: إنّ أبا جعفر بعث إليّ أن أسألك عن رجل أوصى بجزء من ماله. و سأل من قبله من القضاة. فلم يخبروه ما هو.
و قد كتب إليّ إن فسّرت ذلك له و إلّا حملتك على البريد إليه.
____________
(1) أ: تفسير الظاهر.
(2) المصدر: فاستودعهم. (ظ)
(3) المصدر: ابعثهم. (ظ)
(4) نفس المصدر و نفس الموضع.
(5) تفسير العياشي 1/ 143، ح 473.
434
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): هذا في كتاب اللّه بيّن. إنّ اللّه يقول ممّا قال ابراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (إلى قوله) عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً. و كانت الطيّر أربعة و الجبال عشرة. يخرج الرّجل من كلّ عشرة أجزاء جزءا واحدا. و إنّ إبراهيم دعي بمهراس. فدقّ فيه الطّير جميعا. و حبس الرّؤوس عنده. ثمّ أنّه دعا بالّذي أمر به. فجعل ينظر إلى الرّيش كيف يخرج و إلى العروق عرقا عرقا حتّى ثمّ جناحه مستويا فأهوى نحو إبراهيم. فقال (1) ابراهيم ببعض الرؤوس. فاستقبله به. فلم يكن الرّأس الّذي استقبله لذلك البدن حتّى انتقل إليه غيره، فكان موافقا للرّأس. فتمّت العدّة. و تمّت الأبدان.
و في الخرايج و الجرائح (2): و روى عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند الصّادق- (عليه السلام)- مع جماعة. فقلت: قول اللّه لإبراهيم: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، أ كانت (3) أربعة من أجناس مختلفة؟ أو من جنس واحد؟
قال: أ تحبّون أن أريكم مثله؟
قلنا: بلى.
قال: يا طاوس! فإذا طاوس طار إلى حضرته.
ثمّ قال: يا غراب! فإذا غراب بين يديه.
ثمّ قال: يا بازي! فإذا بازي بين يديه (4).
ثمّ قال: يا حمامة! فإذا حمامة بين يديه. ثمّ أمر بذبحها، كلّها، و تقطيعها، و نتف ريشها، و أن يخلط ذلك كلّه بعضه ببعض.
ثم أخذ رأس الطاووس. فقال: يا طاوس! فرأيت لحمه و عظامه و ريشه تتميّز عن غيرها، حتّى التصق ذلك كلّه برأسه، و قام
____________
(1) لعله: فمال.
(2) الخرائج و الجرائح 264+ تفسير نور الثقلين 1/ 281، نقلا عن الخرايج و الجرائح.
(3) المصدر: و كانت.
(4) المصدر: يديها.
435
الطاووس بين يديه حيّا.
ثمّ صاح بالغراب كذلك. و بالبازي و الحمامة كذلك. فقامت كلّها أحياء بين يديه.
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ:
على تقدير مضاف، أي: مثل نفقتهم كمثل حبّة، أو مثلهم كمثل باذر حبّة.
و إسناد الإنبات إلى الحبّة، مجاز.
و المعنى أنّه: يخرج منها ساق. ينشعب منها سبع شعب. لكلّ منها سنبلة. فيها مائة حبّة. و هو تمثيل لا يقتضي وقوعه. و قد يكون في الذّرة و الدّخن و في البرّ في الأراضي المغلة.
وَ اللَّهُ يُضاعِفُ تلك المضاعفة، لِمَنْ يَشاءُ بفضله، و على حسب حال المنفق من إخلاصه و تعبه.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه.
و في كتاب ثواب الأعمال (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أحسن العبد المؤمن، ضاعف اللّه له عمله، بكلّ حسنة سبعمائة ضعف. و ذلك قول اللّه تعالى:
وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ.
وَ اللَّهُ واسِعٌ: لا يضيق عليه ما يتفضل به.
عَلِيمٌ (261) بنيّة المنفق و إخلاصه.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن المفضّل بن محمّد الجعفيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه تعالى: حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ قال: «الحبّة»، فاطمة- صلّى اللّه عليها. و «السبع (4) السنابل»، سبعة من ولدها. سابعها (5) قائمهم.
قلت: الحسن.
قال: إنّ الحسن إمام من اللّه. مفترض طاعته. و لكن ليس من السّنابل السّبعة.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 92.
(2) ثواب الأعمال/ 201، ح 1.
(3) تفسير العياشي 1/ 147، ح 480.
(4) كذا في ر و المصدر. في الأصل و أ: السبعة.
(5) المصدر: سابعهم. (ظ)
436
أوّلهم الحسين و آخرهم القائم.
فقلت: قوله: فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.
فقال: يولد الرّجل منهم في الكوفة مائة من صلبه و ليس ذاك إلّا هؤلاء السّبعة.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (262):
«المنّ» أن يعتدّ بإحسانه على من أحسن إليه.
و «الأذى» أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه.
و «ثمّ» للتّفاوت بين الإنفاق و ترك المنّ و الأذى. و لعلّه لم تدخل الفاء فيه. و قد تضمّن ما أسند إليه معنى الشّرط، إيهاما بأنّهم أهل لذلك. و إن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟
و في كتاب الخصال (1)، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه كرّه لكم، أيّتها الأمّة! أربعا و عشرين خصلة. و نهاكم عنها (إلى قوله- (عليه السلام)-) و كرّه المنّ في الصّدقة.
عن أبي ذرّ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ثلاثة لا يكلمهم اللّه: المنّان الّذي لا يعطي شيئا إلّا يمنّه، و المسبل إزاره، و المنفق سلعته بالحلف الفاجر.
عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (3)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه تعالى كرّه لي ستّ خصال و كرّهتهنّ (4) للأوصياء من ولدي و أتباعهم من بعدي: العبث في الصلاة، و الرّفث في الصّوم، و المنّ بعد الصّدقة ... (الحديث.)
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و قال الصّادق- (عليه السلام): ما شيء أحبّ إليّ من رجل سلفت (6) منّي إليه يد أتبعها (7) أختها و أحسنت بها له. لأنّي رأيت منع الأواخر يقطع (8) لسان شكر الأوائل.] (9)
____________
(1) الخصال 2/ 520، ح 9.
(2) نفس المصدر 1/ 184، ح 253.
(3) نفس المصدر 1/ 327، ح 19.
(4) المصدر: كرههنّ.
(5) تفسير القمي 1/ 92.
(6) المصدر: سلف.
(7) المصدر: أتبعة.
(8) المصدر: فقطع.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
437
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ: ردّ جميل، وَ مَغْفِرَةٌ: تجاوز عن السّائل الحاجة، أو نيل مغفرة من اللّه بالرّدّ الجميل، أو عفو عن السّائل بأن يعذره و يغتفر ردّه، خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً:
خبر عنهما. و الابتداء بالنّكرة المخصّصة بالصّفة.
وَ اللَّهُ غَنِيٌ عن الإنفاق بمنّ و أذى، حَلِيمٌ (263) عن معاجلة من يمنّ و يؤذى.
و قد روى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إذا سأل السّائل، فلا تقطعوا عليه مسألته، حتّى يفرغ منها. ثمّ ردّوا عليه بوقار و لين، إمّا بذل يسير، أو ردّ جميل.
فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس و لا جانّ. ينظر كيف صنيعكم فيما خوّلكم اللّه تعالى؟
(رواه في مجمع البيان (1).)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى: لا تبطلوا أجرها بكلّ واحد منهما.
و في مجمع البيان (2): روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من أسدى إلى مؤمن معروفا، ثمّ آذاه بالكلام، أو منّ عليه، فقد أبطل اللّه صدقته.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن جعفر بن محمّد، و أبي جعفر- (عليهما السلام)- في قول اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى (إلى آخر الآية) قال: نزلت في عثمان. [و جرى في معاوية و أتباعهما.
و عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (4)- فهو قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى لمحمّد و آل محمّد- (عليهما السلام). هذا تأويل.
قال: نزلت في عثمان.] (5)
____________
(1) مجمع البيان 1/ 375.
(2) نفس المصدر 1/ 377.
(3) تفسير العياشي 1/ 147، ح 482.
(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 483.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
438
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، كإبطال المنافق الّذي يرائي بإنفاقه و لا يريد به رضاء اللّه و لا ثواب الآخرة، أو مماثلين الّذي ينفق رئاء.
فالكاف في محل النّصب على المصدر، أو الحال.
و «رئاء» نصب على المفعول له، أو الحال بمعنى مرائيا، أو المصدر، أي:
إنفاقا رئاء.
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ: كمثل حجر أملس، عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ: مطر عظيم القطر، فَتَرَكَهُ صَلْداً: أملس نقيّا من التّراب، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا: لا ينتفعون بما فعلوا رياء، و لا يجدون ثوابه.
و الضّمير للّذي ينفق، باعتبار المعنى، كقوله: إنّ الّذي حانت بفلج دمائهم.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) إلى الخير و الرّشاد.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): ثمّ ضرب اللّه مثلا فيه. فقال: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا. وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ، قال: من كثر امتنانه و أذاه لمن يتصدّق عليه، بطلت صدقته، كما يبطل التّراب الّذي يكون على الصّفوان. و «الصّفوان»: الصّخرة الكبيرة الّتي يكون في مفازة، فيجيء المطر، فيغسل التّراب عنها، و يذهب به. فيضرب اللّه هذا المثل لمن اصطنع المعروف، ثمّ أتبعه بالمنّ و الأذى.] (2)
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ:
في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، قال: عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام):
أفضلهم. و هو ممّن ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 91، بتفاوت.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) تفسير العياشي 1/ 148، ح 486.
439
[و عن سلام عن المسيّب (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ قال: أنزلت في عليّ- (عليه السلام).] (2)
وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ: و تثبيتا بعض أنفسهم على الإيمان. فإنّ المال شقيق الرّوح. فمن بذل ما له لوجه اللّه، ثبت بعض نفسه. و من بذل ماله و روحه، ثبتها كلّها، أو تصديقا للإسلام و تحقيقا للجزاء. مبتدأ من أصل أنفسهم (3).
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ، أي: و مثل نفقة هؤلاء في الزّكاة كمثل بستان بموضع مرتفع.
فإنّ شجره يكون أحسن منظرا و أزكى ثمرا. و قرأ ابن عامر و عاصم: بربوة (بالفتح.) و قرئ بالكسر. و ثلاثها لغات فيها.
أَصابَها وابِلٌ: مطر عظيم القطر.
فَآتَتْ أُكُلَها: ثمرتها.
و قرئ بالسّكون للتّخفيف.
ضِعْفَيْنِ: نصب على الحال، أي: مضاعفا.
و «الضّعف»: المثل، أي: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل.
و قيل (4): أربعة أمثاله.
و قيل (5): مثل الّذي كانت تثمر كما أريد بالزّوج الواحد، في قوله (6): مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فطلّ، اي: فيصيبها طلّ، أو فالّذي يصيبها.
فَطَلٌ أو فطلّ يكفيها لكرم منبتها و برودة هوائها، لارتفاع مكانها.
و «الطّلّ» ما يقع باللّيل على الشّجر و النّبات.
و المعنى: أنّ نفقات هؤلاء زاكية عند اللّه. لا تضيع بحال، و إن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضمّ إليها من أحوالها.
____________
(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 485.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) يوجد في أ، بعد هذه الفقرة:
أو تثبيتا من أنفسهم عن المنّ و الأذى، كما رواه العياشي عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [تفسير العياشي 1/ 148] و قال: نزلت في عليّ- (عليه السلام).»
و هو مشطوب في المتن و ليس في ر.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 138- 139.
(6) هود/ 40.
440
وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265): تحذير عن الرياء. و ترغيب في الإخلاص.
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ: الهمزة للإنكار.
أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:
جعل الجنّة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار، تغليبا لها لشرفهما و كثرة منافعهما. ثمّ ذكر أنّ فيها من كلّ الثّمرات، ليدلّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار.
قيل (1): و يجوز أن يكون المراد بالثّمرات المنافع.
وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ، أي: كبر السّنّ. فإنّ الفاقة في الشّيخوخة أصعب.
و «الواو»، للحال، أو للعطف، حملا على المعنى. فكأنّه قيل (2): أ يودّ أحدكم لو كانت له جنّة و أصابه الكبر.
وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ لا قدرة لهم على الكسب.
فَأَصابَها إِعْصارٌ
في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام): إِعْصارٌ فِيهِ، نارٌ، قال: ريح.
فِيهِ نارٌ: صفة «إعصار.» فَاحْتَرَقَتْ: عطف على «أصابه»، أو تكون باعتبار المعنى (4).
كَذلِكَ، أي: مثل هذا التّبيين، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266): فيها فتعتبرون.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ من حلاله أو جياده.
و في الكافي (5) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ، فقال: كان القوم قد كسبوا مكاسب في الجاهليّة. فلمّا أسلموا
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 139.
(3) تفسير العياشي 1/ 148، ح 487.
(4) يوجد في أبعد هذه الفقرة:
و في تفسير العياشي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الرياح. فمن امتنّ على تصدّق عليه كان كمن كانت له جنّة كثيرة الثمار و هو شيخ ضعيف له أولاد ضعفاء. فتجيء نار فتحترق [فتحرق، ظ.] ماله كلّه.
(5) الكافي 4/ 48، ح 10.
441
أرادوا أن يخرجوها من أموالهم، ليتصدّقوا بها. فأبى اللّه- تبارك و تعالى- إلّا أن يخرجوا من أطيب ما كسبوا.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: كان أهل المدينة يأتون بصدقة الفطر إلى مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيه عرق (2) يسمّى الجعرور (3) و عرق يسمّى معافارة. كانا عظيم نواهما، رقيق لحاهما في طعمهما مرارة.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للخارص: لا تخارص عليهم هاتين (4) اللّونين. لعلّهم يستحيون لا يأتون بهما.
فأنزل اللّه- تبارك و تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ (إلى قوله) تُنْفِقُونَ.
و في مجمع البيان (5): و قيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف. فيدخلونه في تمر الصدقة- عن عليّ- (عليه السلام).
و قد روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله) (6)- أنّه قال: إنّ اللّه يقبل الصّدقات.
و لا يقبل منها إلّا الطّيّب.
وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، أي: من طيّباته. فحذف المضاف، لدلالة ما تقدّم.
وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ: و لا تقصدوا الرّديء، مِنْهُ، أي: من المال.
و قرئ بضمّ التّاء و بكسر الميم.
تُنْفِقُونَ: حال مقدّرة من فاعل «تيمّموا». و يجوز أن يتعلّق به منه. و يكون الضمير للخبيث. و الجملة حالا منه.
و قيل: يجوز أن يكون الضّمير لمّا أخرجنا و تخصيصه بذلك. لأنّ التّفاوت فيه أكثر.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 150، ح 493.
(2) المصدر: غدق.
(3) المصدر: الجعرود.
(4) المصدر: هذين. (ظ)
5 و 6- مجمع البيان 1/ 380.
442
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إذا زنى الرّجل فارقه روح الإيمان.
قال: فقال: هذا مثل قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. ثمّ قال غير هذا، أبين منه. ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ (2): وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. هو الّذي فارقه.
وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ، أي: و حالكم أنّكم لا تأخذونه في حقوقكم.
إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ: إلّا أن تتسامحوا فيه. مجاز من أغمض بصره، إذا غضّه (3).
و قرئ من باب التّفعيل، أي: تحملوا على الإغماض، أو توجدوا مغمضين.
و في الكافي (4): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ، قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا أمر بالنّخل أن يزكّى، يجيء قوم بألوان من التّمر. و هو من أردأ التّمر يؤدّونه من زكاتهم تمرا. يقال له «الجعرور» و «المعافارة» قليلة اللّحا، عظيمة النّوى. و كان بعضهم يجيء بها عن التّمر الجيّد. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لا تخرصوا هاتين التّمرتين. و لا تجيئوا منهما بشيء.
و في ذلك نزل: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا.
و الإغماض أن يأخذ هاتين التّمرتين.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عن إنفاقكم. و إنّما يأمركم به لانتفاعكم.
حَمِيدٌ (267) بقبوله و إثابته.
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الإنفاق. و الوعد في الأصل شائع في الخير و الشّرّ.
و قرئ الفقر، بالضّمّ و السّكون و بضمّتين و فتحتين.
وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ: و يغريكم على البخل. و العرف يسمّي البخيل فاحشا.
و قيل (5): المعاصي.
____________
(1) الكافي 2/ 284، ح 17.
(2) المجادلة/ 22.
(3) أ: إذ لفضه.
(4) الكافي 4/ 48، ح 9.
(5) أنوار التنزيل 1/ 140.
443
وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ، أي: في الإنفاق.
وَ فَضْلًا: خلفا أفضل ممّا أنفقتم.
وَ اللَّهُ واسِعٌ: الفضل لمن أنفق و غيره.
عَلِيمٌ (268) بالإنفاق و غيره.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، قال: الشّيطان يقول: «لا تنفق مالك. فإنّك تفتقر.» و اللّه يعدكم مغفرة منه و فضلا، أي:
يغفر لكم إن أنفقتم للّه. و «فضلا»، قال: يخلف عليكم.
و في كتاب علل الشّرائع (2): أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ، عن [ابن] (3) عبّاس، عن أسباط، عن عبد الرّحمن قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): إنّي ربّما حزنت. فلا أعرف في حال و لا مال و لا ولد. و ربّما فرحت. فلا أعرف في أهل و لا مال و لا ولد.
فقال: إنّه ليس من أحد إلّا و معه ملك و شيطان. فإذا كان فرحه، كان دنّو الملك منه. فإذا كان حزنه، كان دنوّ الشّيطان منه. و ذلك قول اللّه- تبارك و تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ. وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ. وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا. وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ:
[مفعول أوّل آخر للاهتمام بالمفعول الثّاني.
وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ:
بناءه للمفعول. لأنّه المقصود. و قرأ يعقوب بالكسر، أي: و من يؤته اللّه.
فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً:
و المراد بالحكمة، طاعة اللّه، و معرفة الإسلام، و معرفة الإمام الّتي هي العمدة في كلتا المعرفتين الأوّلتين.
و في محاسن البرقيّ (4): عنه، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن الحلبيّ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه تبارك و تعالى:
____________
(1) تفسير القمي 1/ 92.
(2) علل الشرائع 1/ 93، ح 1.
(3) يوجد في المصدر.
(4) المحاسن/ 148، ح 60.
444
وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً قال: هي طاعة اللّه و معرفة الإسلام (1).
و في مجمع البيان (2): و يروى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أتاني القرآن، و أتاني من الحكمة مثل القرآن. و ما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلّا كان خرابا. ألا فتفقّهوا، و تعلّموا، و لا تموتوا (3) جهّالا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً قال: الخير الكثير: معرفة أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام). و
فيه (5)، خطبة له- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيها: رأس الحكمة، مخافة اللّه.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه تعالى: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فقال: إنّ الحكمة المعرفة و التّفقّة في الدّين. فمن فقّه منكم، فهو حكيم. و ما [من] (7) أحد يموت من المؤمنين أحبّ إلى إبليس، من فقيه.
وفي كتاب الخصال (8)، عن الزّهريّ عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: كان آخر ما أوصى به الخضر، موسى بن عمران- (عليهما السلام)- أن قال [له]: (9) لا تعيرنّ أحدا- إلى قوله- و رأس الحكمة مخافة اللّه- تبارك و تعالى.
عن محمّد بن أحمد بن محمّد (10) بن أبي نصر (11) قال أبو الحسن- (عليه السلام): من علامات الفقه: الحلم، و العلم، و الصّمت. إنّ الصّمت باب من أبواب الحكمة. و إنّ الصّمت يكسب المحبّة. و إنّه دليل على كلّ خير.
عن أبي جعفر- (عليه السلام) (12)- قال بينما (13) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات
____________
(1) المصدر: الإمام.
(2) مجمع البيان 1/ 382.
(3) المصدر: فلا تموتوا.
(4) تفسير القمي 1/ 92.
(5) نفس المصدر 1/ 291.
(6) تفسير العياشي 1/ 151، ح 498.
(7) يوجد في المصدر.
(8) الخصال/ 111، ح 83.
(9) يوجد في المصدر.
(10) نفس المصدر/ 158، ح 202. و فيه: عن أحمد بن محمّد.
(11) المصدر: محمد بن أبي نصر البزنطي.
(12) نفس المصدر/ 146، ح 175.
(13) المصدر: بينا. (ظ)
445
يوم، في بعض أسفاره، إذ لقيه ركب. فقالوا: السّلام عليك، يا رسول اللّه! فالتفت إليهم. و قال (1): ما أنتم؟ فقالوا (2): مؤمنون.
قال: فما حقيقة إيمانكم؟
قالوا: الرّضا بقضاء اللّه، و التّسليم لأمر اللّه، و التّفويض إلى اللّه.
فقال رسول اللّه: علماء حكماء و كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء. فإن كنتم صادقين، فلا تبنوا ما لا تسكنون، و لا تجمعوا ما لا تأكلون، و اتّقوا اللّه الّذي إليه ترجعون.
و في أصول الكافي (3) عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أيّوب ابن الحرّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فقال: طاعة اللّه، و معرفة الإمام.
يونس (4)، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
سمعته يقول: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً قال: معرفة الإمام، و اجتناب الكبائر الّتي أوجب اللّه عليها النّار.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر القرآن: لا تحصى عجائبه. و لا تبلى غرائبه. مصابيح الهدى (6). و منار الحكمة.
و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام): الحكمة ضياء المعرفة، و (ميزان) (8) التّقوى، و ثمرة الصّدق.
و لو قلت: ما أنعم اللّه على عباده (9) بنعمة أنعم و أعظم (10) و أرفع و أجزل و أبهى من الحكمة، لقلت: [صادقا] (11) قال اللّه- عزّ و جلّ: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ. وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ، أي: لا يعلم ما أودعت و هيّأت في
____________
(1) المصدر: فقال.
(2) المصدر: قالوا.
(3) الكافي 1/ 185، ح 11.
(4) نفس المصدر 2/ 284، ح 20.
(5) نفس المصدر 2/ 598- 599، ضمن ح 2.
(6) المصدر: فيه مصابيح الهدى.
(7) شرح فارسى لمصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 533- 535.
(8) المصدر و هامش الأصل (خ ل): ميراث.
(9) المصدر: على عبد من عباده.
(10) المصدر: أعظم و أنعم.
(11) يوجد في المصدر.
446
الحكمة إلّا من استخلصته لنفسي و خصصته بها.
و الحكمة هي النجاة. و صفة الحكيم، الثّبات عند أوائل الأمور، و الوقوف عند عواقبها، و هو هادي خلق اللّه إلى اللّه.
وَ ما يَذَّكَّرُ: و ما يتّعض بما قصّ من الآيات، أو ما يتفكّرون. فإنّ المتفكّر كالمتذكّر لما أودع اللّه في قلبه من العلوم، بالقوّة.
إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (269): ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم، و الرّكون إلى متابعة الهوى.
و في أصول الكافي (1): بعض أصحابنا (2)- رفعه- عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام): يا هشام: إنّ اللّه (3) ذكر أولي الألباب بأحسن الذّكر، و حلاهم بأحسن الحلية. فقال: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ. وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ: قليلة أو كثيرة، سرّا أو علانية، في حقّ أو باطل، أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ: في طاعة، أو معصية.
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ. فيجازيكم عليه.
و دخول «الفاء»، إمّا في خبر المبتدأ، لتضمّنه معنى الشّرط، أو في الشّرط لكون كلمة، ما من أداة الشّرط.
وَ ما لِلظَّالِمِينَ الّذين يضعون الشيء في غير موضعه، فينفقون في المعاصي، و ينذرون فيها، أو يمنعون الصّدقات، و لا يوفون بالنّذور.
مِنْ أَنْصارٍ (270) ينصرهم من اللّه و يمنعهم من عقابه. جمع ناصر، كأصحاب:
جمع صاحب.
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ: فنعم شيئا أبداها.
كلمة «ما» تمييز. و المضاف محذوف.
و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائيّ، بفتح النّون و كسر العين، على الأصل. و قرأ أبو بكر و قالون بكسر النّون و سكون العين. و روي بكسر النّون و إخفاء حركة العين.
____________
(1) الكافي 1/ 15، ضمن ح 12.
(2) المصدر: أبو عبد اللّه الأشعري عن بعض أصحابنا.
(3) المصدر: «ثم» بدل «إن اللّه».
447
وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:
و المراد بالصّدقات، سوى الزّكاة. و صلة قرابتك الواجبة، من الصّدقات النّافلة.
فإنّ الإعلان بالزّكاة و الأمور المفروضة، أفضل.
روي في الكافي (1)، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت:
قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ. وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
قال: ليس من الزّكاة وصلتك قرابتك. ليس من الزّكاة.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ] (3) فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (4) قال: هي سوى الزّكاة. إنّ الزّكاة علانية غير سرّ.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللّه بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كلّ (6) ما فرض اللّه عليك، فإعلانه أفضل من إسراره. و كلّما كان تطوّعا، فإسراره أفضل من إعلانه. و لو أنّ رجلا حمل (7) زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية، كان ذلك حسنا جميلا.
عليّ بن إبراهيم (8)، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ قال: يعني الزّكاة المفروضة.
قلت (9): وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ.
قال: يعني النّافلة. إنّهم كانوا يستحبّون إظهار الفرائض و كتمان النّوافل.
الحسين بن محمّد (10)، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن مرداس، عن صفوان بن
____________
(1) الكافي 3/ 499، ذيل ح 9.
(2) نفس المصدر 3/ 502، ح 17.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) المصدر: فقال. و في أ: قال: ليس من الزكاة لا.
(5) نفس المصدر 3/ 501، ح 16، و للحديث صدر.
(6) المصدر: فكلّ.
(7) المصدر: يحمل.
(8) نفس المصدر 4/ 60، ح 1.
(9) المصدر: قال: قلت.
(10) نفس المصدر 4/ 8، ح 2.
448
يحيى، و الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار السّاباطيّ قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا عمّار! الصّدقة، و اللّه! في السّرّ، أفضل من الصّدقة في العلانية.
و كذلك و اللّه العبادة في السّرّ، أفضل منها في العلانية.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
قال: ليس تلك الزّكاة. و لكنّه الرّجل يتصدّق لنفسه الزّكاة (2)، علانية، ليس بسرّ.
و اعلم! أنّ بعض تلك الأحاديث، يدلّ على أنّ في الآية استخداما، و المراد بالصّدقات، الصّدقات الواجبة، و بضميرها المندوبة. و يمكن حمل البعض الآخر عليه- أيضا- إلّا الخبر الأوّل. و يمكن أن يقال أيضا إنّه تفسير لقوله: «و إن تخفوها»- إلى آخره.
وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ:
قرأ ابن عامر و عاصم، في رواية حفص، بالياء، أي: و اللّه يكفّر أو الإخفاء.
و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم، في رواية ابن عيّاش و يعقوب، بالنّون، مرفوعا على أنّه جملة فعليّة، مبتدأة، أو اسميّة، معطوفة على ما بعد الفاء، أي: و نحن نكفّر.
و قرأ نافع و حمزة و الكسائيّ به، مجزوما على محلّ الفاء و ما بعده.
و قرئ مرفوعا و مجزوما.
و الفعل للصّدقات.
وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271): ترغيب في الإسرار.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ: ليس عليك أن تجعل كلّ النّاس مهديّين، بمعنى الإلزام على الحقّ. لأنّك لا تتمكّن منه. و إنّما عليك إراءة الحقّ، و الحثّ عليه.
وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. لأنّه يقدر عليه.
وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ، من نفقة معروفة، فَلِأَنْفُسِكُمْ: فهو لأنفسكم. لا ينتفع به غيركم. فلا تمنّوا عليه. و لا تنفقوا الخبيث.
وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، أي: حال كونكم غير متقين إلّا لابتغاء وجهه.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 151، ح 499.
(2) المصدر: و الزكاة.
449
و قيل (1): نفي في معنى النّهي.
وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه، أضعافا مضاعفة. فهو تأكيد للشّرطيّة السّابقة، أو ما يخلف المنفق استجابة،
لقوله- (عليه السلام) (2): اللّهمّ اجعل لمنفق خلفا، و لممسك تلفا.
وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272): بتنقيص ثواب نفقتكم، أو إذهاب ثوابها.
لِلْفُقَراءِ: متعلق بمحذوف، أي: اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه لهم، أو صدقاتكم للفقراء.
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي: أحصرهم الاشتغال بالعبادة، لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم، ضَرْباً فِي الْأَرْضِ: ذهابا فيها للكسب.
في مجمع البيان (3): قال أبو جعفر- (عليه السلام): نزلت الآية في أصحاب الصّفّة.
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم.
و قرأ ابن عامر و عاصم و حمزة، بفتح السّين.
أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ: من أجل تعفّفهم عن السّؤال.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال العالم- (عليه السلام): الفقراء هم الّذين لا يسألون (5) لقول اللّه تعالى في سورة البقرة: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ- إلى قوله- إِلْحافاً.
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ من الضّعف، و رثاثة الحال. و الخطاب للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو لكلّ أحد.
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً: إلحاحا. و هو أن يلازم المسئول حتّى يعطيه شيئا، من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده.
قيل (6): «المعنى: أنّهم لا يسألون. و إن سألوا عن ضرورة، لم يلحّوا.» و الخبر الذي
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 141.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) مجمع البيان 1/ 387.
(4) تفسير القمي 1/ 298.
(5) يوجد في المصدر، بعد هذه الفقرة: و عليهم مؤنات من عيالهم. و الدليل على أنّهم هم الذين لا يسألون قول اللّه تعالى ...
(6) أنوار التنزيل 1/ 141.
450
رواه عليّ بن إبراهيم عن العالم- (عليه السلام)- يردّه: بل هو نفي للأمرين، كقوله على لاحب: لا يهتدي بمناره.
و نصبه على المصدر. فإنّه نوع من السّؤال، أو على الحال.
و في مجمع البيان (1): و في الحديث: إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، و يكره البؤس و التبوّس، و يحب الحليم المتعفّف من عباده، و يبغض الفاحش البذيء السائل الملحف.
و عنه- (عليه السلام) (2)- قال: إنّ اللّه كرّه لكم ثلاثا.
قيل: و ما هنّ (3)؟ قال: كثرة السّؤال، و إضاعة المال، و نهى عن عقوق الأمّهات و وأد البنات (4).
و قال- (عليه السلام) (5): الأيدي ثلاث: فيد اللّه العليا، و يد المعطي الّتي تليها (6)، و يد السائل السّفلى إلى يوم القيامة. و من سأل و له ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا، أو خموشا، أو خدوشا في وجهه.
قيل: و ما غناه؟
قال: خمسون درهما أو عدلها من الذّهب.
وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273): ترغيب في الإنفاق، و خصوصا على هؤلاء.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً، أي: يعمّون الأوقات و الأحوال بالخير.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن أبي إسحاق قال: كان لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أربعة دراهم. لم يملك غيرها. فتصدّق بدرهم ليلا، و بدرهم نهارا، و بدرهم سرّا، و بدرهم علانية. فبلغ ذلك النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال: يا عليّ! ما حملك على ما صنعت؟
____________
(1) مجمع البيان 1/ 387.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) «و ما هنّ» ليس في المصدر.
(4) المصدر: و وأد البنات و منع وهات.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) المصدر: تليه.
(7) تفسير العياشي 1/ 151، ح 502.
451
قال: إنجاز موعود اللّه.
فأنزل اللّه: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً (إلى آخر (1) الآية)
و في الكافي (2) عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له (3): قوله- عزّ و جلّ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً.
قال: ليس من الزّكاة.
و الحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن الوليد الوصافيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): صدقة السّرّ، تطفئ غضب الرّبّ- تبارك و تعالى.
و في من لا يحضره الفقيه (5): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قول اللّه تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ قال: نزلت في النّفقة على الخيل.
قال مصنّف هذا الكتاب (6): روي (7) أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). و كان سبب نزولها أنّه كان معه أربعة دراهم فتصدّق بدرهم منها باللّيل، و بدرهم بالنّهار، و بدرهم في السّرّ، و بدرهم في العلانية. فنزلت هذه الآية. و الآية إذا نزلت في شيء، فهي منزلة في كلّ ما يجري فيه. فالاعتقاد في تفسيرها أنّها نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و جرت في النّفقة على الخيل و أشباه ذلك. (انتهى).
و في مجمع البيان (8): قال ابن عبّاس نزلت (هذه) الآية في عليّ- (عليه السلام).
كانت معه أربعة دراهم فتصدّق بواحد ليلا، و بواحد نهارا، و بواحد سرّا، و بواحد علانية.
و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (274): خبر الّذين
____________
(1) «إلى آخر» ليس في المصدر.
(2) الكافي 3/ 499، ح 9. و للحديث صدر و ذيل.
(3) المصدر: «قلت»، بدل: «قال قلت له.»
(4) نفس المصدر 4/ 8، ح 3.
(5) من لا يحضره الفقيه 2/ 188، ح 852.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) المصدر: هذه الآية روى.
(8) مجمع البيان 1/ 388.
452
ينفقون.
و الفاء للسّببيّة. و قيل (1): للعطف.
و الخبر محذوف، أي: و منهم الّذين ينفقون. و لذلك جوّز الوقف على «و علانية.» الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، أي: الآخذون للرّبا. و إنّما ذكر الأكل، لأنّه معظم منافع المال. و هو بيع جنس بما يجانسه، مع الزّيادة، بشرط كونه مكيلا، أو موزونا، و القرض مع اشتراط النّفع.
و إنّما كتب بالواو، كالصّلوة، للتّفخيم على لغة من يفخّم. و زيدت الألف بعدها، تشبيها بألف الجمع.
لا يَقُومُونَ إذا بُعثوا من قبورهم، أو في المحشر، أو في الدّنيا، يؤول عاقبة أمرهم إلى ذلك.
في تفسير العيّاشيّ (2): عن شهاب بن عبد ربّه قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: آكل الرّبا لا يخرج من الدّنيا حتّى يتخبّطه الشّيطان.
و في الأخبار ما يدلّ على الأوّلين. و يمكن الجمع بأنّ ابتداء حصول هذه الحالة في الدّنيا.
إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ: قياما كقيام المصروع، بناء على ما يزعم النّاس أنّ الشّيطان يمسّ الإنسان، فيصرع.
و «الخبط»: صرع على غير اتّساق، كالعشواء، أو الإفساد.
مِنَ الْمَسِ: متعلّق بلا يقومون، أي: «لا يقومون من المسّ الّذي بهم، بسبب أكل الربا»، أو بيقوم، أو بيتخبطه. فيكون نهوضهم و سقوطهم كالمصروعين، لا لاختلال عقلهم. و لكن لأنّ اللّه أربى ما في بطونهم ما أكلوه من الربا، فأثقلهم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لمّا أسري بي إلى السّماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم، فلا يقدر أن يقوم، من عظم بطنه.
فقلت: من هؤلاء؟ يا جبرئيل!
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 142.
(2) تفسير العيّاشي 1/ 152 ح 503.
(3) تفسير القمي 1/ 93.
453
قال: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ.
ذلِكَ العقاب، بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا: بسبب أنّهم نظّموا البيع و الربا في سلك واحد، لافضائهما إلى الرّبح. فاستحلّوه استحلاله. و هو من باب القلب. و الأصل إنّما الربا مثل البيع. عكس للمبالغة. كأنّهم جعلوا الربا أصلا، و قاسوا البيع به.
وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا: في موضع الحال.
في عيون الأخبار (1)، في باب ما كتب الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله في العلل و علّة تحريم الربا: انّما نهى اللّه لما فيه من فساد الأموال. لأنّ الإنسان إذا اشترى الدّرهم بالدّرهمين، كان ثمن الدّرهم درهما، و ثمن الآخر باطلا، فيقع (2) الربا، و اشتراءه (3) و كسا (4) على كلّ حال على المشتري و على البائع. فحظر (5) اللّه تعالى الربا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السّفيه أن يدفع إليه ماله، لمّا يتخوّف عليه من إفساده، حتّى يؤنس منه رشد (6). فلهذه العلّة حرّم اللّه تعالى الرّبا، و بيع الدّرهم بالدّرهمين، يدا بيد. و علّة تحريم الربا بعد البيّنة، لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم. و هي كبيرة بعد البيان و تحريم اللّه لها. و لم يكن ذلك منه إلّا استخفافا بالمحرّم الحرم (7). و الاستخفاف بذلك دخول في الكفر.
و علّة تحريم الربا بالنسيئة، لعلّة ذهاب المعروف، و تلف الأموال، و رغبة النّاس في الرّبح، و تركهم الفرض، و صنائع المعروف، و ما في (8) ذلك من الفساد و الظّلم و فناء الأموال.
و في الكافي (9) عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عثمان بن عيسى،
____________
(1) عيون أخبار الرضا 2/ 93- 94.
(2) المصدر: فبيع.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: «و كس» و الفقرة الأخيرة في المصدر هكذا: فبيع الربا و كس.
(5) المصدر: فحرّم.
(6) المصدر: رشده.
(7) المصدر: إلّا استخفاف بالتحريم للحرام.
(8) المصدر: لما.
(9) الكافي 5/ 146، ح 7.
454
عن سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): إنّي رأيت اللّه تعالى قد ذكر الربا في غير آية و كرّره.
فقال: أ و تدري لم ذاك؟
قلت: لا. قال: لئلّا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّما حرّم اللّه- عزّ و جلّ الرّبا لئلّا (2) يمتنع النّاس من اصطناع المعروف.
روى عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: درهم ربا (4)، أعظم عند اللّه، من سبعين زنية بذات محرم، في بيت اللّه الحرام.
و قال: الربا سبعون (5) جزءا، أيسره أن ينكح الرّجل أمّه في بيت اللّه الحرام.
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ، أي: وعظ و توبة.
في تفسير العيّاشيّ (6): عن محمّد بن مسلم: أنّ رجلا سأل أبا جعفر- (عليه السلام)- و قد عمل بالربا حتّى كثر ماله، بعد أن سأل غيره من الفقهاء، فقالوا: ليس يقبل (7) منك شيء، إلّا أن تردّه إلى أصحابه.
فلمّا قصّ على أبي جعفر (8)- (عليه السلام)- قال له أبو جعفر- (عليه السلام): مخرجك في كتاب اللّه، قوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ. وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ.
و الموعظة التّوبة.
و في أصول الكافي (9): عليّ بن إبراهيم [عن أبيه] (10)، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ:
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 8.
(2) المصدر: لكيلا.
(3) تفسير القمي 1/ 93- 94.
(4) المصدر: من ربا.
(5) المصدر: قال: إن للربا سبعين.
(6) تفسير العياشي 1/ 152، ح 506.
(7) المصدر: يقبل.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: فلمّا قصّ أبا جعفر- (عليه السلام).
(9) الكافي 2/ 431، ح 2.
(10) يوجد في المصدر.
455
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ قال: الموعظة التّوبة.
مِنْ رَبِّهِ، أي: بلغه النّهي عن الربا من ربّه.
فَانْتَهى عن أخذه. و تاب عنه.
فَلَهُ ما سَلَفَ: ما تقدّم من أخذه. و لا يستردّ منه.
و «ما» في موضع الرّفع بالظّرف إن جعلت «من» موصولة، و بالابتداء إن جعلت شرطيّة على رأي سيبويه.
«إذا» الظّرف معتمد على ما قبله.
وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، أي: يجازيه على انتهائه، أو يحكم في شأنه. و لا اعتراض لكم عليه.
في الكافي (1): أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبي المغرا [، عن الحلبيّ] (2) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): كلّ ربا أكله النّاس بجهالة، ثمّ تابوا عنه، فإنّه يقبل منهم، إذا عرف منهم التّوبة. و أيّما رجل أفاد مالا كثيرا قد أكثر فيه من الرّبا، فجهل ذلك، ثمّ عرفه بعد، فأراد أن ينزعه، فما مضى فله، و يدعه فيما يستأنف.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه: إنّ (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد وضع ما مضى من الرّبا. و حرّم عليهم ما بقي. فمن جهله، وسع له جهله، حتّى يعرفه. فإذا عرف تحريمه، حرّم عليه، و وجب عليه فيه العقوبة، إذا ركنه (5)، كما يجب على من يأكل الرّبا.
عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد، و أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل أربى بجهالة، ثمّ أراد أن يتركه.
قال: قال: أمّا ما مضى فله. و ليتركه فيما يستقبل.
____________
(1) الكافي 5/ 145، ح 5. و للحديث صدر.
(2) يوجد في المصدر.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 4. و قد أسقط قطعة من وسط الحديث.
(4) المصدر: فانّ.
(5) المصدر: ركبه. (ظ)
(6) نفس المصدر 5/ 146، ح 9. و للحديث تتمة طويلة.
456
وَ مَنْ عادَ إلى تحليل الربا إذا الكلام فيه، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) لأنّهم كفروا به، كما مرّ في حديث العيون.
و في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن عيسى، عن منصور، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يأكل الربا، و هو يرى أنّه له حلال.
قال: لا يضرّه حتّى يصيبه متعمّدا. فإذا أصابه متعمّدا، فهو بالمنزل (2) الّذي قال اللّه- عزّ و جلّ.
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا: يذهب بركته. و يهلك المال الّذي فيه.
في من لا يحضره الفقيه (3): و سأل رجل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ. و قد أرى من يأكل الربا، يربو ماله.
قال: فأيّ محق أمحق من درهم ربا يمحق الدّين و إن تاب منه، ذهب ماله و افتقر.
وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ: يضاعف ثوابها. و يبارك فيما أخرجت منه.
في تفسير العيّاشيّ (4): عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه يقول: ليس من شيء إلّا وكلت به من يقبضه غيري إلّا الصّدقة. فإنّي أتلقّفها بيدي تلقّفا، حتّى أنّ الرّجل و المرأة يتصدّق (5) بالتّمرة و بشقّ تمرة فأربيها (6)، كما يربي الرّجل فلوه و فصيله، فيلقى في يوم القيامة (7) و هو مثل أحد و أعظم من أحد.
و عن أبي حمزة (8) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال اللّه- تبارك و تعالى: أنا خالق كلّ شيء. وكلت بالأشياء غيري إلّا الصّدقة- و ذكر نحو ما سبق.
و عن عليّ بن جعفر (9)، عن أخيه موسى- (عليه السلام)- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أنه ليس شيء إلّا و قد وكل به
____________
(1) الكافي 5/ 144، ح 2.
(2) المصدر: بالمنزلة.
(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 176، ح 795.
(4) تفسير العياشي 1/ 152، ح 507.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: تصدّق.
(6) المصدر: فأربيها له.
(7) المصدر: فيلقاني يوم القيامة.
(8) نفس المصدر 1/ 153، ح 509.
(9) نفس المصدر و الموضع، ح 510.
457
ملك غير الصّدقة. فإنّ اللّه يأخذه (1) بيده، و يربيه كما يربي أحدكم ولده، حتّى تلقاه (2) يوم القيامة و هي مثل أحد.
و في مجمع البيان (3): روى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- انه قال: [إنّ اللّه تعالى] (4) يقبل الصّدقات. و لا يقبل منها إلّا الطّيّب. و يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، حتّى أنّ اللّقمة لتصير مثل أحد.
و في أمالي الصّدوق (5)- ره- بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: من تصدّق بصدقة في شعبان، ربّاها- جلّ و عزّ (6)- كما يربّي أحدكم فصيله، حتّى يوافي يوم القيامة و قد صارت (7) مثل أحد.
وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ: لا يرضاه.
أَثِيمٍ (276): منهمك في الإثم.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا باللّه و رسله و أوصياء رسله، وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ: عطف على «آمنوا» و لا يدلّ على خروج العمل عن الإيمان، كما لا يدلّ عطف.
وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ عليه، على خروجه عنه.
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ على آت.
وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) على فائت.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا: و اتركوا بقايا ما شرطتم على النّاس من الرّبا.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) بقلوبكم. فإنّ دليله امتثال ما أمرتم به.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): أنّ سبب (9) نزولها أنّه لمّا أنزل اللّه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ فقام خالد بن الوليد إلى
____________
(1) المصدر: يأخذ.
(2) المصدر: يلقاه.
(3) مجمع البيان 1/ 390.
(4) يوجد في المصدر.
(5) أمالي الصدوق/ 501، ح 7.
(6) المصدر: ربّاها- جلّ و عزّ- له.
(7) المصدر: صارت له.
(8) تفسير القمي 1/ 93.
(9) المصدر: فانّه كان سبب.
458
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه! ربا أبي في ثقيف. و قد أوصاني عند موته بأخذه.
فأنزل اللّه- تبارك و تعالى- الآية (1).
قال: من أخذ الرّبا وجب عليه القتل [و كلّ من اربى وجب عليه القتل] (2).
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا: فاعلموا. من أذن بالشيء، إذا علم به.
و قرأ حمزة و عاصم في رواية ابن عبّاس: فآذنوا، أي: فأعلموا بها غيركم، من الإذن و هو الاستماع. فإنّه من طرق العلم.
بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، أى: فاعلموا بها.
و تنكير «حرب»، للتّعظيم، أي: حرب عظيم. و ذلك يقتضي أن يقاتل المربي (3) بعد الاستتابة، حتّى يفيء إلى أمر اللّه. و ذلك يقتضي كفره.
وَ إِنْ تُبْتُمْ: رجعتم من الإيتاء و اعتقاد حلّه، فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ: فيه دلالة على أنّ المربي لو لم يتب لم يكن له رأس ماله. و هو كذلك. لأنّ المصرّ على التّحليل مرتدّ و ماله فيء.
لا تَظْلِمُونَ بأخذ الزّيادة.
وَ لا تُظْلَمُونَ (279) بالمطل و النّقصان من رأس المال.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن أبي عمرو الزّبيرىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ التّوبة مطهّرة من دنس الخطيئة. قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- إلى قوله- لا تَظْلِمُونَ. فهذا ما دعى اللّه إليه [عباده] (5) من التّوبة، و وعدهم (6) عليها من ثوابه. فمن خالف ما أمره اللّه به من التّوبة، سخط اللّه عليه، و كانت النّار أولى به و أحقّ.
و في الكافي (7): أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبي المغرا، عن الحلبيّ قال: قال
____________
(1) يوجد في المصدر بدل «الآية» متن الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ.
(2) ليس في أ.
(3) أ: الحربي.
(4) تفسير العياشي 1/ 153، ح 512.
(5) يوجد في المصدر.
(6) المصدر: وعد.
(7) الكافي 5/ 145، ح 4. و للحديث صدر و ذيل.
459
أبو عبد اللّه- (عليه السلام): لو أنّ رجلا ورث من أبيه مالا و قد عرف أنّ في ذلك المال ربا و لكن قد اختلط في التّجارة (بغير) حلال كان حلالا طيّبا. فليأكله. و إن عرف منه شيئا أنّه ربا. فليأخذ رأس ماله. و ليردّ الربا.
[عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن الرّجل يكون له دين إلى أجل مسمّى. فيأتيه غريمه. يقول: أنقدني كذا و كذا. و أضع عنك بقيّته. أو يقول: أنقدني بعضه. و أمدّ لك في الأجل فيما بقي عليك.
قال: لا أرى به بأسا. إنّه لم يزدد على رأس ماله. قال اللّه- عزّ و جلّ: فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ. لا تَظْلِمُونَ. وَ لا تُظْلَمُونَ.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أتى رجل أبي. فقال: إنّي ورثت مالا. و قد علمت أنّ صاحبه الّذي ورثته منه قد كان يربي (3). و قد أعرف أنّ فيه ربا. و أستيقن ذلك. و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه. و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز. فقالوا: لا يحلّ أكله.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام): إن كنت تعلم بأنّ فيه مالا معروفا ربا، و تعرف أهله، فخذ رأس مالك، و ردّ ما سوى ذلك. و إن كان مختلطا، فكله هنيئا [مريئا.] (4) فإنّ المال مالك. و اجتنب ما كان يصنع صاحبه.] (5)
وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ، أي: إن وقع غريم ذو عسر.
و قرئ: ذا عسرة.
و «المعسر»: من لم يقدر على ما يفضل عن قوته و قوت عياله على الاقتصاد.
قال في مجمع البيان (6) روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
و الظّاهر أنّ المراد، ما فضل عن قوت اليوم و اللّيلة.
فَنَظِرَةٌ، أي: فالحكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فليكن نظرة. و هي الإنظار.
____________
(1) نفس المصدر 5/ 259، ح 4.
(2) نفس المصدر 5/ 145، ح 5.
(3) المصدر: يربو.
(4) يوجد في المصدر.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(6) ر. مجمع البيان 1/ 393.
460
و قرئ: فناظره، على لفظ الخبر، على معنى فالمستحقّ ناظره، أي: منتظره، أو صاحب نظريّة على طريق النّسب، أو على لفظ الأمر، أي: فسامحه بالنّظرة.
و على كلّ تقدير، فإنظار المعسر واجب في كلّ دين. قال في مجمع البيان (1): و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).
إِلى مَيْسَرَةٍ: يسار.
و قرأ نافع و حمزة بضمّ السّين. و هما لغتان، كمشرقة و مشرفة.
و قرئ بهما مضافين، بحذف التّاء عند الإضافة، كقوله: و أخلفوك عند الأمر الّذي وعدوا.
و في الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمّد قال: سأل الرّضا- (عليه السلام)- رجل و أنا أسمع، فقال له: جعلت فداك! إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ، أخبرني عن هذه النّظرة الّتي ذكرها اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه. لها حدّ يعرف إذا صار هذا المعسر (3)، لا بدّ له من أن ينظر، و قد أخذ مال هذا الرّجل، و أنفقه على عياله، و ليس له غلّة ينتظر إدراكها، و لا دين ينتظر محلّه، و لا مال غائب ينتظر قدومه؟
قال: نعم. ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام. فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين، إذا كان أنفقه في طاعة اللّه. فإن كان أنفقه في معصية اللّه، فلا شيء له على الإمام.
قلت: فما لهذا الرّجل (4) ائتمنه و هو لا يعلم فيما أنفقه: في طاعة اللّه أم في (معصية اللّه)؟
قال: يسعى له في ماله، فيردّه (5)، و هو صاغرا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن السّكونيّ، عن مالك بن مغيرة، عن حمّاد بن سلمة، عن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة أنّها قالت: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) الكافي 5/ 93، ح 5.
(3) المصدر: المعسر إليه.
(4) المصدر: الرجل الّذى.
(5) المصدر: فيردّه عليه.
(6) تفسير القمي 1/ 94.
461
المسلمين [و استبان للوالي عسرته إلّا برئ هذا المعسر من دينه، و صار دينه على والي المسلمين] (1) فيما في يديه من أموال المسلمين.
قال: و من كان له على رجل مال أخذه و لم ينفقه في إسراف أو معصية فعسر عليه أن يقضيه فعلى من له المال أن ينظره حتّى يرزقه اللّه فيقضيه. و إذا (2) كان الإمام العادل قائما، فعليه أن يقضى عنه دينه، لقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من ترك مالا فلورثته. و من ترك دينا أو ضياعا فعلى والي المسلمين و على (3) الإمام ما ضمّنه الرّسول.
وَ أَنْ تَصَدَّقُوا: بالإبراء.
و قرأ عاصم بتخفيف الصّاد.
خَيْرٌ لَكُمْ: أكثر ثوابا من الإنظار، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) أنّه معسر.
في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: صعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المنبر ذات يوم. فحمد اللّه. و أثنى عليه. و صلّى على أنبيائه- صلّى اللّه عليهم. ثمّ قال: أيّها النّاس! ليبلغ الشّاهد منكم الغائب: ألا و من أنظر معسرا، كان له على اللّه في كلّ يوم صدقة بمثل ماله، حتّى يستوفيه.
ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنّه معسر. فتصدّقوا عليه بما لكم (عليه). فهو خير لكم.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أراد أن يظلّه اللّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه؟
قالها ثلاثا. فهابه النّاس أن يسألوه.
فقال: فلينظر معسرا (6)، أو ليدع له من حقّه.
محمّد بن (7) يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان،
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) المصدر: و إن.
(3) «والي المسلمين و على» ليس في المصدر.
(4) الكافي 4/ 35، ح 4.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 1.
(6) أ: و.
(7) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
462
عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال في يوم حارّ، حنا (1) كفّه: من أحبّ أن يستظلّ من فور جهنّم؟
قالها ثلاث مرّات.
فقال النّاس في كلّ مرّة: نحن، يا رسول اللّه! فقال: من أنظر غريما، أو ترك لمعسر.
ثمّ قال لي أبو عبد اللّه [- (عليه السلام)- قال لي عبد اللّه] (2) بن كعب بن مالك: إنّ أبي أخبرني أنّه لزم غريما له في المسجد. فجاء (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فدخل بيته، و نحن جالسان. ثمّ خرج في الهاجرة. فكشف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ستره.
فقال له: يا كعب! ما زلتما جالسين؟
قال: نعم. بأبي و أمّي! قال: فأشار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بكفّه: خذ النّصف.
قال: قلت: بأبي و أمّي.
ثمّ قال له: أتبعه ببقيّة حقّك.
قال: فأخذت النّصف. و وضعت [له] (4) النّصف.
[عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن يعقوب بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خلّوا سبيل المعسر، كما خلّاه اللّه.] (6)
وَ اتَّقُوا يَوْماً: نصب على المفعول به على الاتّساع، أي: ما فيه.
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ: يوم القيامة، أو يوم الموت، أو الأعمّ. فتأهّبوا لمصيركم إليه.
و قرأ أبو عمرو و يعقوب، بفتح التّاء و كسر الجيم.
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ: جزاء ما عملت، من خير أو شرّ.
وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) بنقص ثواب و تضعيف عذاب.
قال البيضاويّ (7): و عن ابن عبّاس: أنّها آخر آية نزل بها جبرئيل [على رسول اللّه
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و حشي.
(2) ليس في أ.
(3) المصدر: فأقبل.
(4) يوجد في المصدر.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) أنوار التنزيل 1/ 143.
463
- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) و قال ضعها في رأس المائتين و الثّمانين من البقرة. و عاش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعدها أحدا و عشرين يوما. و قيل: أحدا و ثمانين. و قيل:
سبعة أيّام. و قيل: ثلاث ساعات.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ: إذا داين بعضكم بعضا.
و «التّداين» و «المداينة»: المعاملة نسيئة، معطيا أو آخذا.
و ذكر الدّين لدفع توهّم أنّه من التّداين، بمعنى المجازاة.
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى: معلوم بالأيّام و الأشهر. فإنّه معلوم. لا بالحصاد و قدوم الحاجّ.
فإنّه لا يجوز. لأنّه غير معلوم.
فَاكْتُبُوهُ. لأنّه أوثق و أدفع للنّزاع. و الأمر بها للاستحباب.
في كتاب علل الشّرائع (2)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال] (3): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- عرض على آدم أسماء الأنبياء و أعمارهم.
قال: فمرّ (4) آدم باسم داود [النّبيّ- (عليه السلام).] (5) فإذا عمره في العالم أربعون سنة.
فقال آدم: يا ربّ! ما أقلّ عمر داود. و ما أكثر عمري! يا ربّ! إن أنا زدت داود [من عمرى] (6) ثلاثين سنة. أتثبت (7) ذلك له؟
قال: نعم، يا آدم! قال: فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة. فأنفذ ذلك له. و أثبتها له عندك.
و اطرحها من عمري.
قال أبو جعفر- (عليه السلام): فأثبت اللّه- عزّ و جلّ- لداود في عمره ثلاثين سنة.
و كانت له عند اللّه مثبتة. (فذلك قوله (8)- عزّ و جلّ (9): يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) علل الشرائع/ 553، ح 1.
(3) يوجد في المصدر.
(4) ليس في المصدر. و الظاهر أنها سقطت منه.
(5) ليس في أ.
(6) ليس في أ.
(7) المصدر: أثبت.
(8) المصدر: فلذلك قول اللّه.
(9) الرعد/ 39.
464
قال: فمحا اللّه ما كان [عنده] (1) مثبتا لآدم. و أثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا.
قال: فمضى عمر آدم. فهبط [عليه] (2) ملك الموت، لقبض روحه.
فقال له آدم: يا ملك الموت! إنّه قد بقي من عمري ثلاثون (3) سنة.
فقال له ملك الموت: يا آدم! ألم تجعلها لابنك داود النّبيّ، و طرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذرّيّتك، و عرضت عليك أعمارهم، و أنت يومئذ بوادي الدخيا (4)؟
فقال له آدم: ما أذكر هذا؟
قال: فقال له ملك الموت: يا آدم! لا تجحد. ألم تسأل اللّه- عزّ و جلّ- أن يثبته (5) لداود و يمحوها من عمرك؟ فأثبتها لداود في الزّبور. و محاها من عمرك في الذّكر.
قال آدم حتّى أعلم ذلك.
قال أبو جعفر- (عليه السلام): و كان آدم صادقا. لم يذكر. و لم يجحد. فمن ذلك اليوم أمر اللّه- تبارك و تعالى- العباد (6) أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا و تعاملوا إلى أجل [مسمّى] (7)، لنسيان آدم و جحوده ما جعل على نفسه.
و في الكافي (8): أبو عليّ الأشعريّ، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا عرض على آدم ولده، نظر إلى داود. فأعجبه. فزاده خمسين سنة من عمره.
[قال: و نزل عليه جبرائيل و ميكائيل. فكتب عليه ملك الموت صكّا بالخمسين سنة. فلمّا حضرته الوفاة، أنزل عليه ملك الموت.
فقال آدم: قد بقي من عمري خمسون سنة] (9) قال: فأين الخمسون سنة (10) الّتي جعلتها لابنك داود؟
قال: فأمّا أن يكون نسيها، أو أنكرها. فنزل جبرئيل و ميكائيل فشهدا عليه.
و قبضه ملك الموت.
____________
1 و 2- يوجد في المصدر.
(3) المصدر: ثلاثين.
(4) المصدر: الدخياء.
(5) المصدر: يثبتها.
(6) ليس في أ.
(7) يوجد في المصدر.
(8) الكافي 7/ 379، ح 2.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(10) ليس في المصدر.
465
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): كان أوّل صكّ كتب في الدّنيا. و فيه حديث آخر طويل نحوه (1)، غير أنّ فيه: أنّ عمر داود كان أربعين سنة. فزاده آدم ستّين تمام المائة.
وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ: بالسّويّة. لا يزيد و لا ينقص. و هو للاستحباب، أيضا.
وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ: لا يمتنع أحد من الكتّاب. و هو للاستحباب، أيضا.
أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ من كتبة الوثائق. و هو أن يكتب بالعدل، أو لا يأب أن ينتفع النّاس بكتابته، كما نفعه اللّه بتعليمها.
فَلْيَكْتُبْ تلك المعلمة. أمر بها بعد النّهي عن الإباء، تأكيدا.
و قيل (2): «يجوز أن تتعلّق الكاف بالأمر. فيكون النّهي عن الامتناع [منها، مطلقة،] (3) ثمّ الأمر بها مقيّدة.» و هو ضعيف.
وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ. لأنّه المقرّ.
و الإملال و الإملاء، واحد.
وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، أي: المملي أو الكاتب.
وَ لا يَبْخَسْ: لا ينقص، مِنْهُ شَيْئاً، أي: من الحقّ، أو ممّا أملي عليه.
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً: ناقص العقل، أَوْ ضَعِيفاً: صبيّا.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن ابن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): متى يدفع إلى الغلام ماله؟
قال: إذا بلغ و أونس منه رشد، و لم يكن سفيها أو ضعيفا.
قال: قلت: فإنّ منهم من يبلغ خمس عشرة (5) سنة و ستّ عشرة (6) سنة و لم يبلغ.
قال: إذا بلغ ثلاث عشرة سنة جاز أمره، إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.
____________
(1) نفس المصدر 7/ 378، ح 1، مع بعض التصرف في النقل.
(2) أنوار التنزيل 1/ 144.
(3) يوجد في المصدر.
(4) تفسير العياشي 1/ 155، ح 522.
(5) المصدر: خمس عشر.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: ستة عشرة.
466
قال: قلت: و ما السّفيه و الضّعيف؟
قال: السّفيه، الشّارب الخمر. و الضّعيف الّذي يأخذ واحدا باثنين.
و في تهذيب الأحكام (1): عليّ بن (الحسين (2)، عن أحمد و محمّد)، ابني الحسن، عن أبيهما، عن أحمد بن عمر الحلبيّ، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأله أبي، و أنا حاضر، عن قول اللّه- عزّ و جلّ: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ.
قال: الاحتلام.
قال: فقال: يحتلم في ستّ عشرة و سبع عشرة (3) سنة (4) و نحوها.
فقال: إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة (5) [و نحوها.
فقال: لا. إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة،] (6) كتبت له الحسنات [و كتبت عليه السّيّئات.] (7) و جاز أمره. إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.
فقال: و ما السّفيه؟
فقال: الّذي يشتري الدّرهم بأضعافه.
فقال: و ما الضّعيف؟
قال: الأبله.
[و في كتاب الخصال، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأله أبي، و أنا حاضر، عن اليتيم متى يجوز أمره؟
قال: حتّى يبلغ أشدّه.
قال: قلت (8): و ما أشدّه؟
قال: احتلامه (9).
قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة (10) سنة، أو أقلّ، أو أكثر و لا يحتلم.
____________
(1) تهذيب الأحكام 9/ 182، ح 731.
(2) المصدر: الحسن.
(3) المصدر: ست عشرة و سبعة عشر. النسخ: ستة عشر و سبع عشر.
(4) ليس في المصدر.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: ثلاث عشر سنة.
6 و 7- يوجد في المصدر.
(8) ليس في المصدر.
(9) المصدر: الاحتلام.
(10) المصدر: ثمان عشر. الأصل ور: ثمانية عشر.
467
قال: فإذا بلغ و كتب عليه الشيء، جاز أمره. إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.] (1)
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس أو جهل باللّغة.
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، أي: الّذي يلي أمره، و يقوم مقامه، من الوليّ الشّرعيّ للصّبيّ و المختلّ العقل، و الوكيل المترجم المعتبر، على الوجه الّذي اعتبره الشرع من كونه عدلين خبيرين بقصده.
وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ:
و اطلبوا أن يشهد على الدّين شاهدان، مِنْ رِجالِكُمْ المؤمنين.
فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ، أي: فليشهدوا. فالمستشهد، رجل و امرأتان.
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لعلمكم بعدالتهم.
في الكافي (2): أحمد بن محمّد العاصميّ، عن عليّ بن الحسن التميميّ، عن ابن بقاح، عن أبي عبد اللّه المؤمن، عن عمّار بن أبي عاصم قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): أربعة لا يستجاب لهم دعوة. أحدهم (3): رجل كان له مال. فأدانه بغير بيّنة. يقول (4) اللّه- عزّ و جلّ: ألم آمرك بالشّهادة.
عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن عليّ، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القسم، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من ذهب حقّه على غير بيّنة لم يؤجر.
محمّد بن يحيى (6)، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القسم، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.
و في تهذيب الأحكام (7): سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن خالد (8)، و عليّ بن
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 5/ 298، ح 2.
(3) المصدر: «فذكر الرابع»، بدل «دعوة أحدهم»
(4) المصدر: فيقول.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) تهذيب الأحكام 6/ 281، ح 774.
(8) المصدر: «أحمد بن محمد عن محمد بن خالد» بدل «أحمد بن محمد بن خالد.»
468
حديد، عن عليّ بن النّعمان، عن داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
سألته عن شهادة النّساء في النّكاح بلا رجل معهنّ، إذا كانت المرأة منكرة.
فقال: لا بأس به،- إلى قوله- و كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يجيز شهادة امرأتين في النّكاح، عند الإنكار. و لا يجيز في الطّلاق، إلّا شاهدين عدلين.
قلت: فأنّى ذكر اللّه تعالى؟ و قوله فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ.
فقال: ذلك في الدّين، إذا لم يكن رجلان، فرجل و امرأتان. و رجل واحد و يمين المدّعي، إذا لم يكن (1) امرأتان (2). قضى بذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعده عندكم.
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما، أي: تضلّ إحدى المرأتين، أي: نسيت الشّهادة.
فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى، أي: إنّما اعتبر التّعدّد في المرأة، لإرادة أن تذكّر إحداهما الأخرى، إن ضلّت و نسيت الشّهادة. و ذلك لنقصان عقولهنّ و قلّة ضبطهنّ. و العلّة في الحقيقة التّذكير، وضع سببه مقامه.
و قرأ حمزة: «أن تضلّ» (على الشّرط) «فتذكّر» (بالرّفع.) و ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب: «فتذكّر» (من الإذكار.) وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا.، لتحمّل الشّهادة.
و سمّوا «شهداء»، تنزيلا لما يشارف منزلة الواقع و ما مزيدة.
و قيل (3): لأداء الشّهادة أو التّحمّل.
و في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا قال (5). لا ينبغي لأحد إذا دعي للشّهادة (6)، يشهد عليها أن يقول لا أشهد لكم.
[محمد بن يحيى (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله. و قال: فذلك قبل الكتاب.] (8)
____________
(1) المصدر: لم تكن.
(2) يوجد في أبعد هذه الجملة: و رجل واحد و يمين لا.
(3) أنوار التنزيل 1/ 144.
(4) الكافي 7/ 379، ح 1.
(5) المصدر: فقال.
(6) المصدر: إلى الشهادة.
(7) نفس المصدر 7/ 379- 380، ح 2.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
469
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا فقال: إذا دعاك الرّجل لتشهد (2) له على دين أو حق، لم ينبغ لك أن نقاعس عنه.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا، قال: قبل الشّهادة.
عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا يأب الشّهداء أن تجيب (5) حين تدعى (6) قبل الكتاب.
لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ: و لا تملّوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدّين.
و قيل (7): كنّى بالسّأمة عن الكسل.
صَغِيراً أَوْ كَبِيراً: كان الحقّ صغيرا أو كبيرا، أو الكتاب مختصرا أو مشبعا.
إِلى أَجَلِهِ: متعلّق بتكتبوه، أي: وقت حلوله الّذي أقرّ به المديون.
ذلِكُمْ: إشارة إلى أَنْ تَكْتُبُوهُ.
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ: أكثر قسطا.
وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ: و أثبت لها.
و هما مبنيّان من أقسط و أقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط و قويم.
و إنّما صحّت الواو في «أقوم» كما صحّت في التّعجّب، لجموده.
وَ أَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا: و أقرب في أن لا تشكّوا في جنس الدّين و قدره و أجله و الشّهود و نحو ذلك.
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً:
استثناء عن مفعول فاكتبوه الرّاجع إلى دين، باعتبار تعلّق الكتابة به و تعلّقه
____________
(1) نفس المصدر 7/ 380، ح 3.
(2) النسخ: «تشهد.» و ما في المتن، موافق المصدر.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 4.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 6.
5 و 6- هكذا في المصدر. و في النسخ: يجيب ... يدعى.
(7) أنوار التنزيل 1/ 144.
470
بالتّداين. و ما بينهما اعتراض، أي: اكتبوا الدّين المتداين به، إلّا أن يكون تجارة.
و نصب عاصم «تجارة»، على أنّه الخبر، و الاسم مضمر تقديره: «إلّا أن يكون الدّين المتداين به تجارة.» و قرأ الباقون بالرّفع، على أنّ الخبر تُدِيرُونَها، أو على كان التّامّة.
حاضِرَةً: و التّجارة الحاضرة تكون بدين و عين.
تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها: و إدارة التّجارة تعاطيهم إيّاها يدا بيد. فهو على تقدير كونه صفة مخصّصة، أي: فلا بأس بعدم الكتابة حينئذ.
وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ مطلقا. لأنّه أحوط.
و قيل (1): المراد هذا التّبايع.
و الأوامر الّتي في هذه الآية، للاستحباب. و قيل (2): للوجوب. فمن قائل بالإحكام و قائل بالنّسخ.
وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ: يحتمل البنائين. و يدلّ عليه قراءة: و لا يضارّ (بالكسر و الفتح.) فعلى البناء للفاعل، نهي لهما عن ترك الإجابة و التّحريف و التّغيير في الكتبة و الشّهادة. و على البناء للمفعول، نهى للمستكتب و المستشهد، من أن يضارّهما بالتّكليف لهما، ما لا يسوغ لهما، من حبس جعل الكاتب و حبس الشّهيد و غير ذلك.
وَ إِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ: خروج عن الطّاعة.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة نهيه.
وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ أحكامه المتضمّنة لمصالحكم.
وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. (282) كرّر لفظ «اللّه» في الجمل الثّلاث، للمبالغة.
فإنّه لمّا كان موضوعا للذّات الكاملة مع جميع صفات الكمال على الكمال، فيكون عقابه في النّهاية و الكمال. فيقتضي الاتّقاء منه، أشدّ اقتضاء. و يكون تعليمه للأحكام في نهاية الإفضال. فلا يجوز مخالفة حكمه بحال. و يكون علمه بقدر الجزاء، شاملا أتمّ شمول. فلا يسوغ إغفال العمل بالذّهول.
و قيل (3): كرّر لاستقلالها. فإنّ الأولى، حثّ على التّقوى. و الثّانية، وعد بإنعامه.
و الثّالثة، تعظيم لشأنه. و لأنّه أدخل في التّعظيم من الكناية.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 145.
(3) أنوار التنزيل 1/ 145.
471
و الوجه الأوّل من تعليليه ضعيف. لأنّ الإضمار لا يقتضي عدم الاستقلال.
فتأمّل.
وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ: راكب سفر، أي: مسافرين، وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً، فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ، أي: فالّذي يستوثق رهان، أو فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان.
و ظنّ مجاهد و الضّحّاك، أنّ هذا التّعليق لاشتراط السّفر في الارتهان. [و ليس كما ظنّا. بل الظّاهر أنّه لإقامة التّوثّق بالارتهان] (1) مقام التّوثّق بالكتب في السّفر الّذي هو مظنّة الإعواز.
و بعضهم استدلّ بالآية، على أنّ القبض بالمعنى الأخصّ، معتبر في الرّهن. و فيه أنّه يحتمل أن يكون ذكر القبض واردا في الآية، على ما هو اكثر موارده، على أنّه يحتمل أن يكون المراد بالقبض، ما يشمل عدم جواز تصرّف الرّاهن، بدون إذن المرتهن فيه.
و ما رواه العيّاشيّ (2): في تفسيره «عن محمّد بن عيسى، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لا رهن إلّا مقبوض (3)»
محمول على هذا المعنى.
و قرأ ابن كثير و أبو عمرو: فرهن، كسقف. و كلاهما جمع رهن، بمعنى مرهون، و قرئ بإسكان الهاء، على التّخفيف.
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أي: عدّ بعضكم البعض الآخر أمينا، و استغنى بأمانته عن الكتبة و الارتهان، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ، أي: دينه.
سمّاه «أمانة»، لائتمانه عليه بترك الارتهان. و يحتمل أن يكون المراد بالائتمان، الاستيداع.
و قرئ بالّذيّتمن (بقلب الهمزة ياء) و الّذتمن (بإدغام الياء في التّاء).
قيل (4): [و هو خطأ. لأنّ المنقلبة عن الهمزة في حكمها. فلا تدغم.
وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في الخيانة.
و في ذكر الرّبّ و الإضافة إلى المؤتمن بعد ذكر الاسم الدّالّ على الذّات
____________
(1) ليس في أ.
(2) تفسير العياشي 1/ 156، ح 525.
(3) المصدر: مقبوضا.
(4) أنوار التنزيل 1/ 146.
472
المستجمع لجميع الصّفات المقتضية للاتّقاء عنه، زيادة اقتضاء للاتّقاء، على وجه اللّطف و المرحمة، لإشعاره بأنّه تعالى مربّيه. فيجب أن لا يرتكب ما فيه، مناقضة بكمال تربيته. فإنّ فيه كسر للمربّي ظاهرا. ففيه نهاية الإعطاف و الإفضال و إظهار الملاطفة و الإشعار.
فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ، أيّها الشّهود! و قيل (1): أو المديونون. و الشّهادة، شهادتهم على أنفسهم.
وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ، اي: يأثم قلبه، أو قلبه يأثم. و على الثّاني، الجملة خبر «إنّ» و إسناد الإثم إلى القلب. لأنّ الكتمان يقترفه، أو للمبالغة. فإنّه رئيس الأعضاء. و أفعاله أعظم الأفعال.
و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام): و بما في الصّدور يجازى (3) العباد.
و قرئ: قلبه (بالنّصب، كحسن وجهه.)
و في من لا يحضره الفقيه (4): روى جابر (5)، عن أبي جعفر (6)- (عليه السلام)- قال في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ قال: كافر قلبه.] (7)
وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283): تهديد.
في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه) (8)- في مناهي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): و نهى- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن كتمان الشّهادة. و قال: من كتمها (9) أطعمه اللّه لحمه على رؤوس الخلائق. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ. وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
و في الكافي (10): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، و محمّد بن عليّ، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): من كتم شهادة، أو شهد بها، ليهدر بها دم امرئ مسلم،
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 146.
(2) نهج البلاغة/ 103، في خطبة 75.
(3) المصدر: تجازى.
(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 35، ح 115.
(5) «روى جابر» ليس في المصدر.
(6) المصدر: و قال- (عليه السلام)- أي: أبي جعفر- (عليه السلام).
(7) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(8) أمالي الصدوق/ 348- 349.
(9) أو المصدر: يكتمها.
(10) الكافي 7/ 380، ح 1. و للحديث ذيل.
473
أو ليزوي مال امرئ مسلم، أتى يوم القيامة و لوجهه ظلمة، مدّ البصر و في وجهه كدوح.
تعرفه الخلائق باسمه و نسبه.
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ: خلقا و ملكا.
وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ: ما استقرّ في أنفسكم من السّوء حتّى تعزموا عليه.
لا ما خطر فيه. فإنّه موضوع عنكم. فإن تبدوه بالعمل أو باللّسان.
أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يوم القيمة.
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته.
وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه.
و قد رفعهما عامر و عاصم و يعقوب، على الاستئناف. و جزمهما الباقون، عطفا على جواب الشّرط. و من جزم بغير فاء، جعلهما بدلا عنه، بدل البعض من الكلّ أو الاشتمال، كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا* * * تجد حطبا جزلا و نارا تأجّجا
و إدغام الرّاء في اللّام، لحن، إذ الرّاء لا يدغم إلّا في مثله.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ قال: حقيق على اللّه أن لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما.
و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (3)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): رفع عن أمّتي تسعة أشياء (4):
الخطأ، و النّسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و ما لا يعلمون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطّيرة، و التّفكّر في الوسوسة في الخلق، ما لم ينطق بشفة.
و بإسناده (5) إلى حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الاستطاعة. فلم يجبني. فدخلت عليه دخلة أخرى. فقلت: أصلحك اللّه! إنّه قد وضع (6) في قلبي منها شيء، و لا يخرجه إلّا شيء أسمعه منك.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 156، ح 528.
(2) التوحيد/ 353، ح 24.
(3) المصدر: أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).
(4) ليس في المصدر.
(5) نفس المصدر/ 346، ح 3.
(6) المصدر: وقع. (ظ)
474
قال: فإنّه لا يضرّك ما كان في قلبك.
و سيأتي تمام الحديث- إن شاء اللّه.
وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284). فيقدر على الإحياء و المحاسبة و المغفرة و التّعذيب.
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ: شهادة. تنصيص من اللّه تعالى، على صحّة إيمانه و الاعتداد به. و إنّه جازم في أمره، غير شاكّ فيه.
في كتاب الغيبة، لشيخ الطّائفة- (قدّس سرّه) (1)- بإسناده إلى سلام قال: سمعت أبا سلمى راعي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: ليلة (2) أسري بي إلى السّماء، قال العزيز- جلّ ثناؤه: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
قلت: وَ الْمُؤْمِنُونَ.
قال: صدقت يا محمّد.
[و في شرح الآيات الباهرة (3):] (4) و روى المقلّد بن غالب- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن رهبان، عن محمّد بن أحمد، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن جابر قال: سمعت أبا سلمى راعي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول:
سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: ليلة أسري بي إلى السّماء، قال الرّبّ- عزّ و جلّ: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
قلت: وَ الْمُؤْمِنُونَ.
قال: صدقت يا محمّد. من خلّفت على أمّتك؟
قلت: خيرها.
قال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)؟
قلت: نعم، يا ربّ! فقال: يا محمّد! إنّي اطّلعت إلى الأرض، اطلاعة. فاخترتك منها. فشققت لك اسما من أسمائي. فلا أذكر (5) في موضع إلّا ذكرت معي. فأنا المحمود و أنت محمّد. ثمّ
____________
(1) غيبة الطوسي/ 95.
(2) المصدر: سمعت ليلة.
(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 29- 30.
(4) ليس في أ.
(5) ر: إنّي فلا أذكر.
475
اطّلعت ثانية. و اخترت عليّا. فشققت له اسما من أسمائي. فأنا الأعلى. و هو عليّ.
يا محمّد! إنّي خلقتك و خلقت عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولد الحسين، من نوري.
يا محمّد! إنّي عرضت ولايتكم على أهل السّماوات و الأرضين. فمن قبلها كان عندي من المؤمنين. و من جحدها كان عندي من الظّالمين.
يا محمّد! تحبّ أن تراهم؟
قلت: نعم. يا ربّ! قال: التفت.
فالتفت عن يمين العرش. فإذا أنا باسم عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ و محمّد و جعفر و موسى و عليّ و محمّد و عليّ و الحسن و المهديّ في وسطهم، كأنّه كوكب درّيّ.
فقال: يا محمّد! هؤلاء حججي على خلقي. و هذا القائم من ولدك بالسّيف، و المنتقم من أعدائك.
فعلى هذين الخبرين، قوله وَ الْمُؤْمِنُونَ معطوف على «الرّسول» عطف تلقين.
و قوله:
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ، مبتدأ و خبر. و الضّمير الّذي ناب عنه التّنوين في كلّ، للرّسول و للمؤمنين.
و جوّز البيضاويّ (1) كون «المؤمنون» مبتدأ أولا، و كون الضّمير لهم، «و كلّ» مبتدأ ثانيا مع خبره. و هو مع خبره خبر للأوّل.
قال: و يكون إفراد الرّسول لتعظيمه، أو لأنّ إيمانه عن مشاهدة و عيان، و إيمانهم عن نظر و استدلال.
و قرأ حمزة و الكسائيّ: «و كتابه»، يعني: القرآن أو الجنس. و الفرق بينه و بين الجمع أنّه شائع في وحدان الجنس و الجمع في جموعه. و لذلك قيل: الكتاب أكثر من الكتب.
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ بالتّصديق لبعضهم و التّكذيب لبعض آخر، أي:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 146.
476
يقولون لا نفرّق.
و يحتمل عدم تقدير القول بجعله حالا من الفاعل. و هو الرّسول و المؤمنون. و يكون العدول عن الغيبة، لتعظيمهم و ذلك أوجه.
و قرأ يعقوب بالياء، على أنّ الفعل لكلّ.
و قرئ «لا يفرّقون»، حملا على المعنى.
وَ قالُوا سَمِعْنا قولك.
وَ أَطَعْنا أمرك.
غُفْرانَكَ رَبَّنا، أي: اغفر غفرانك، أو نطلب غفرانك.
و يحتمل بعيدا كونه معمول «أطعنا و سمعنا» على سبيل التّنازع، أي: غفرانك، أي: موجبه. و هو الإيمان. سمعناه. و أطعناه. فآمنّا.
وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) بعد الموت. و هو إقرار منهم بالبعث.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- ره- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل، و فيه خطبة الغدير، و فيها: معاشر النّاس! قولوا الّذي قلت لكم. و سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين. و قولوا: سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها: إلّا ما يسعه قدرتها، أو مادون مدى طاقتها.
و يكون يسيرا عليها لقوله (2): يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. و فيه تصريح بعدم وقوع التّكليف بالمحال.
و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما أمر العباد إلّا بدون سعتهم. و كل (4) شيء أمر النّاس بأخذه، فهم متّسعون له. و ما لا يتّسعون له، فهو موضوع عنهم. و لكنّ النّاس لا خير فيهم.
و بإسناده (5) إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول: من قال بالجبر، فلا تعطوه من الزّكاة، و لا تقبلوا له
____________
(1) الاحتجاج 1/ 83.
(2) البقرة/ 185.
(3) التوحيد/ 347، ح 6.
(4) المصدر: فكلّ. أ: و في كلّ.
(5) نفس المصدر/ 362، ح 9.
477
شهادة. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول (1): لا يُكَلِّفُ اللَّهُ (2) نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. و لا يحمل (3) فوق طاقتها. وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها. وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. (4)
و بإسناده (5) إلى حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الاستطاعة- إلى قوله- قلت: أصلحك اللّه! فإنّي أقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يكلّف العباد إلّا ما يستطيعون و إلّا ما يطيقون. فإنّهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلّا بإرادة اللّه و مشيئته و قضائه و قدره.
قال: و هذا دين اللّه الّذي أنا عليه و آبائي.
لَها ما كَسَبَتْ من خير.
وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من شرّ. لا ينتفع بطاعتها. و لا يتضرّر بمعصيتها غيرها.
و تخصيص الكسب بالخير، و الاكتساب بالشّرّ. لأنّ الاكتساب فيه اعتمال.
و الشّرّ تشتهيه الأنفس و تنجذب إليه. فكانت أجدّ في تحصيله و أعمل، بخلاف الخير.
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، أي: لا تؤاخذنا بما أدّى بنا إلى نسيان، أو خطأ، أو بما يؤدّي الخطأ و النّسيان إليه بالآخرة من عمل آخر. فإنّهما يمكن أن يؤدّي كثرتهما و اعتيادهما إلى عمل قبيح.
و قيل: أو بأنفسهما إذ لا يمتنع المؤاخذة بهما عقلا. فإنّ الذّنوب كالسّموم. فكما أنّ تناولها يؤدّي إلى الهلاك، و إن كان خطأ. فتعاطي الذّنوب لا يبعد أن يفضى إلى العقاب، و إن لم يكن عزيمة. لكنّه تعالى وعد التّجاوز عنه، رحمة و فضلا. فيجوز أن يدعو الإنسان به، استدامة و اعتدادا بالنّعمة فيه.
و في أصول الكافي (6): الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن أبي داود المسترق قال: حدّثني عمرو بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): رفع عن أمّتي أربع خصال: خطأها، و نسيانها، و ما أكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا. رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
____________
1، 2- ليس في المصدر.
(3) المصدر: يحملّها.
(4) نفس المصدر/ 346، ذيل ح 3.
(5) أنوار التنزيل 1/ 147.
(6) الكافي 2/ 462، ح 1.
478
و قوله (1). إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.
و يحتمل أن يكون هذا دعوة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- قبل رفع الخطأ و النّسيان. و بعدها رفع، كما يجيء في الخبر.
و الغرض من الدّعاء به، التّأسّي به، و تذكّر ما أنعم اللّه تعالى بسبب دعوته- (عليه السلام).
رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً. ثقيلا يأصر صاحبه، أي: يحبسه في مكانه. و المراد به التّكاليف الشّاقّة.
و قرئ: و لا تحمّل (بالتّشديد، للمبالغة.) كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا: حملا مثل حملك إيّاه عليهم، أو مثل الّذي حملته إيّاهم. فيكون صفة لإصرا، أو المراد به ما كلّف به بنو إسرائيل، من الأمور الّتي ذكر في الخبر الّذي ينقل عن الاحتجاج (2).
رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من البلاء و العقوبة، أو من التّكاليف الّتي لا تفي بها القوّة البشريّة. و هو لا يدلّ على جواز التّكليف بما لا يطاق، بناء على احتمال كون المراد ممّا لا طاقة لنا العقوبة لا التّكاليف.
و التّشديد هنا، لتعدية الفعل إلى مفعول ثان.
وَ اعْفُ عَنَّا: و امح ذنوبنا.
وَ اغْفِرْ لَنا: و استر عيوبنا. و لا تفضحنا بالمؤاخذة.
وَ ارْحَمْنا: و تعطّف بنا. و تفضّل علينا.
أَنْتَ مَوْلانا: سيّدنا و ناصرنا.
فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286): و المراد بهم عامّة الكفرة.
و في كتاب الاحتجاج (3)، للطبرسيّ- (رحمه اللّه): روى عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل، يقول فيه- و قد ذكر مناقب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): فدنى بالقلم (4). فتدلّى فدنى له (5) من الجنّة رفرف أخضر. و غشى النّور بصره. فرأى عظمة ربّه
____________
(1) النحل/ 106.
(2) سيأتي الخبر في الصفحات التالية.
(3) الاحتجاج 1/ 327- 33.
(4) أو المصدر: بالعلم.
(5) «فدنى له» ليس في المصدر.
479
- عزّ و جلّ- بفؤاده. و لم يرها بعينه. فكان كقاب قوسين بينها و بينه (1)، أو أدنى. فأوحى [اللّه] (2) إلى عبده ما أوحى. و كان في ما أوحى إليه الآية الّتي في سورة البقرة، قوله تعالى:
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ. وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ. وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. و كانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم- (عليه السلام)- إلى أن بعث اللّه- تبارك و تعالى- محمّدا.
و عرضت على الأمم. فأبوا أن يقبلوا (3) من ثقلها. و قبلها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).
و عرضها على أمّته. فقبلوها. فلمّا رأى اللّه- تبارك و تعالى- منهم القبول، علم أنهم لا يطيقونها.
فلمّا أن سار إلى ساق العرش، كرّر عليه الكلام، ليفهمه. فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
فأجاب- (صلّى اللّه عليه و آله)- مجيبا عنه: و عن (4) أمّته؟
فقال: وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
فقال- جلّ ذكره: لهم الجنّة و المغفرة على أن فعلوا ذلك.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): [أمّا] (5) إذا فعلت ذلك ربّنا (6)، فغفرانك ربّنا.
و إليك المصير، يعنى: المرجع في الآخرة.
قال: فأجابه اللّه جلّ ثناؤه: و قد فعلت ذلك بك و بأمّتك؟
ثمّ قال- عزّ و جلّ: أمّا إذا قبلت الآية بتشديدها و عظم ما فيها و قد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها و قبلتها أمّتك، فحقّ عليّ أن أرفعها. عن أمّتك.
و قال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. لَها ما كَسَبَتْ من خير. وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من شرّ.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا سمع ذلك: أمّا إذا فعلت ذلك بي و بأمّتي، فزدني.
____________
(1) المصدر: بينه و بينها. (ظ)
(2) يوجد في المصدر.
(3) المصدر: يقبلوها. (ظ)
(4) و لعله: عن.
(5) يوجد في المصدر.
(6) المصدر: بنا.
480
قال: سل.
قال: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.
قال اللّه- عزّ و جلّ: لست أؤاخذ أمّتك بالنّسيان أو الخطأ، لكرامتك عليّ.
و كانت الأمم السّالفة إذا نسوا ما ذكّروا به، فتحت عليهم أبواب العذاب. و قد رفعت (1) ذلك عن أمّتك. و كانت الأمّة السّالفة إذا أخطأوا، أخذوا بالخطإ و عوقبوا عليه (2). و قد رفعت ذلك عن أمّتك، لكرامتك عليّ.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): [أللهمّ] (3) إذا أعطيتني ذلك، فزدني.
فقال اللّه تعالى له: سل.
قال: رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، يعني: بالإصر، الشّدائد الّتي كانت على من كان قبلنا.
فأجابه اللّه إلى ذلك. فقال- تبارك اسمه: قد رفعت عن أمّتك الآصار الّتي كانت على الأمم السّالفة:
كنت لا أقبل صلاتهم إلّا في بقاع من الأرض معلومة (4) اخترتها لهم. و إن بعدت.
و قد جعلت الأرض لأمّتك كلها (5) مسجدا و طهورا. فهذه من الآصار الّتي كانت على الأمم قبلك. فرفعتها عن أمّتك.
و كانت الأمّة السّالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوه من أجسادهم. و قد جعلت الماء لأمّتك طهورا. فهذه (6) من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك.
و كانت الأمم السّالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس. فمن قبلت ذلك منه، أرسلت اليه (7) نارا، فأكلته. فرجع مسرورا. و من لم أقبل ذلك (8)، رجع مثبورا.
و قد جعلت قربان أمّتك في بطون فقرائها و مساكينها. فمن قبلت ذلك منه، أضعفت له (9)
____________
(1) المصدر: دفعت.
(2) ليس في المصدر.
(3) يوجد في المصدر.
(4) المصدر: «معلومة من الأرض» بدل «من الأرض معلومة.»
(5) المصدر: كلّها لأمّتك. (ظ)
(6) المصدر: فهذا.
(7) المصدر: عليه. (ظ)
(8) المصدر: منه ذلك. (ظ)
(9) أو المصدر: ذلك له.
481
أضعافا مضاعفة. و من لم أقبل ذلك منه، رفعت عنه عقوبات الدّنيا. و قد رفعت ذلك عن أمّتك و هي من الآصار الّتي كانت على الأمم قبلك (1).
و كانت الأمم السّالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم اللّيل و أنصاف النّهار. و هي من الشّدائد الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك. و فرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل و النهار، في أوقات (2) نشاطهم. و كانت الأمم السّالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة، في خمسين وقتا. و هي من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك. و جعلتها خمسا في خمسة أوقات. و هي إحدى و خمسون ركعة. و جعلت لهم أجر خمسين صلاة.
و كانت الأمم السّالفة حسنتهم بحسنة و سيّئتهم بسيّئة. و هي من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها (3) من أمّتك. و جعلت الحسنة بعشر (4) و السّيّئة بواحدة.
و كانت الأمم السّالفة إذا نوى أحدهم بحسنة (5)، ثمّ لم يعملها، لم تكتب له، و إن عملها كتبت له حسنة. و إنّ أمّتك إذا همّ أحدهم بحسنة، و لم يعملها (6) كتبت له حسنة.
و إن عملها كتبت له عشرا (7). و هي من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك.
و كانت الأمم السّالفة إذا همّ أحدهم بسيّئة، فلم يعملها، لم تكتب عليه. و إن عملها، كتبت عليه سيّئة. و إنّ أمّتك إذا همّ أحدهم بسيّئة، ثمّ لم يعملها، كتبت له حسنة. و هذه من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعت (8) ذلك عن أمّتك.
و كانت الأمم السّالفة إذا أذنبوا، كتبت ذنوبهم على أبوابهم. و جعلت توبتهم من الذّنوب أن حرّمت عليهم بعد التّوبة أحبّ الطّعام إليهم. و قد رفعت ذلك عن أمّتك.
و جعلت ذنوبهم فيما بيني و بينهم. و جعلت عليهم ستورا كثيفة. و قبلت توبتهم بلا عقوبة. و لا أعاقبهم بأن أحرّم عليهم أحبّ الطّعام إليهم.
و كانت الأمم السّالفة يتوب أحدهم (9) من الذّنب الواحد، مائة سنة و ثمانين سنة، أو خمسين سنة. ثمّ لا أقبل توبته دون أن أعاقبهم (10) في الدّنيا بعقوبة. و هي من الآصار الّتي
____________
(1) المصدر: من كان من قبلك.
(2) المصدر: و في أو مات.
(3) المصدر: عن. (ظ)
(4) المصدر: بعشرة.
(5) المصدر: حسنة. (ظ)
(6) المصدر: فلم يعملها.
(7) المصدر: عشرة.
(8) المصدر: فرفعتها. (ظ)
(9) المصدر: يتوب أحدهم إلى اللّه.
(10) المصدر: أعاقبه. (ظ)
482
كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك.
و إنّ الرّجل من أمّتك ليذنب عشرين سنة، أو ثلاثين، أو أربعين سنة، أو مائة سنة، ثمّ يتوب و يندم طرفة عين، فأغفر ذلك كلّه.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): إذا أعطيتني ذلك كلّه، فزدني.
قال: سل.
قال: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
قال- تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمّتك. و قد رفعت عنهم عظم بلايا الأمم.
و ذلك حكمي في جميع الأمم: ألّا أكلّف خلقا فوق طاقتهم.
قال- (صلّى اللّه عليه و آله): وَ اعْفُ عَنَّا. وَ اغْفِرْ لَنا. وَ ارْحَمْنا. أَنْتَ مَوْلانا.
قال اللّه- عزّ و جلّ: قد فعلت بتائبي أمّتك.
ثم قال- (صلّى اللّه عليه و آله): فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
قال اللّه- جلّ اسمه: إنّ أمّتك في الأرض، كالشّامة البيضاء في الثّور الأسود.
هم القادرون، هم القاهرون (1)، يستخدمون، و لا يستخدمون لكرامتك عليّ. و حقّ عليّ أن أظهر دينك على الأديان، حتّى لا يبقى في شرق الأرض و غربها دين إلّا دينك، أو (2) يؤدّون إلى أهل دينك الجزية.
و في كتاب بصائر الدّرجات (3): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الصّمد بن بشير قال: ذكر أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- بدوّ الأذان و قصّة الأذان في إسراء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى انتهى إلى سدرة المنتهى.
قال: فقالت السّدرة: ما جاز بي مخلوق قبل.
قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. (4) قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال. فأخذ كتاب (5) أصحاب اليمين بيمينه. و فتحه (6) فنظر إليه. فإذا فيه أسماء أهل الجنة و أسماء آبائهم و قبائلهم.
قال: فقال له: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
____________
(1) المصدر: و هم القاهرون.
(2) المصدر: و.
(3) بصائر الدرجات/ 210- 211. و له تتمة.
(4) النجم/ 108.
(5) المصدر: «قال: و أخذ» بدل «فأخذ كتاب.»
(6) المصدر: و فتحه.
483
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ. فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.
فقال اللّه: قد فعلت.
[فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.
قال اللّه: قد فعلت (1).] قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا. [وَ اغْفِرْ لَنا. (وَ ارْحَمْنا. أَنْتَ مَوْلانا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.) (2)] (3) إلى اخر السّورة. كلّ ذلك يقول اللّه- عزّ و جلّ: قد فعلت.
ثمّ قال: طوى الصّحيفة. فأمسكها بيمينه. و فتح صحيفة أصحاب الشّمال. فإذا فيها أسماء أهل النّار و أسماء آبائهم و قبائلهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): أمّا قوله آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ فإنّه
حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنّ هذه الآية مشافهة اللّه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله) (5)- لمّا أسرى به إلى السّماء. قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: انتهيت إلى محلّ سدرة المنتهى. و إذا الورقة (6) منها تظلّ أمّة من الأمم.
فكنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى، كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-. فناداني ربّي- تبارك و تعالى-: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
فقلت أنا مجيبه (7) عني و عن أمّتي: وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ [لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ] (8) فقلت (9): سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
فقال اللّه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(2) ما بين القوسين يوجد في أ. فقط.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(4) تفسير القمي 1/ 95.
(5) المصدر: «ليلة».
(6) المصدر: بورقة.
(7) المصدر: فيجب. (ظ)
(8) يوجد في أ، فقط.
(9) المصدر: و قالوا.
484
فقلت: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.
فقال اللّه: لا أؤاخذك.
فقلت: رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.
فقال اللّه: لا أحملك.
فقلت: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. وَ اعْفُ عَنَّا. وَ اغْفِرْ لَنا. وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
فقال اللّه- تبارك و تعالى: قد أعطيت ذلك لك و لأمّتك.
فقال الصّادق- (صلوات اللّه عليه)-: ما وفد إلى اللّه- تبارك و تعالى-: أحد أكرم من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين (1) سأل لأمّته هذه الخصال.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن عبد الصّمد بن بشير (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل و فيه نحو ما في تفسير عليّ بن إبراهيم معنى، إلّا قوله: فقال الصّادق- (صلوات اللّه عليه)-، إلخ- في فضل قوله آمَنَ الرَّسُولُ- إلى آخر السّورة.
روي عن قتادة (4) قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا قرأ هذه الآية:
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، حتّى يختمها، قال: و حقّ اللّه! إنّ للّه كتابا قبل أن يخلق السّماوات و الأرض، بألفي سنة، فوضعه عنده فوق العرش. فأنزل آيتين. فختم بهما البقرة. فأيما بيت قرئ فيه، لم يدخله شيطان.
و في كتاب ثواب الأعمال (5)، عن عمرو بن جميع، رفعه إلى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ أربع آيات من أوّل البقرة، و آية الكرسيّ، و آيتين بعدها و ثلاث آيات من آخرها، لم ير في نفسه و في ماله شيئا يكرهه، و لم يقربه شيطان، و لا ينسى القرآن.
و عن جابر بن عبد اللّه (6)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل يقول
____________
(1) المصدر: حيث.
(2) تفسير العياشي 1/ 158، ضمن ح 530+ 2/ 160، ضمن ح 531.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: شيبة.
(4) تفسير العياشي 1/ 160، ح 532.
(5) ثواب الأعمال/ 131.
(6) لم نعثر عليه في «ثواب الأعمال» و لكن عنه في:
485
- (عليه السلام). فيه: قال لي اللّه تعالى: و أعطيت لك و لأمّتك كنزا من كنوز العرش، فاتحة الكتاب و خاتمة سورة البقرة.
____________
تفسير نور الثقلين 1/ 308، ح 1229. تفسير الصافي 1/ 314. و يوجد نصا في معاني الأخبار/ 51.
