
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
الجزء الرابع
تأليف
محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
21
سورة المائدة (مدنيّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة المائدة في كلّ خميس، لم يلبس إيمانه بظلم و لم يشرك به أبدا.
و في مجمع البيان (2)، أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال من قرأ سورة المائدة، أعطي من الأجر بعدد كلّ يهوديّ و نصرانيّ يتنفّس في دار الدّنيا عشر حسنات، و محي عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات.
و روى العيّاشي (3)، بإسناده عن عيسى بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا. و إنّما يؤخذ من أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بآخره. و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شيء. و لقد نزلت عليه و هو على بغلة شهباء، و ثقل عليها الوحي حتّى وقفت و تدلّى بطنها حتّى رأيت سرتّها تكاد تمسّ الأرض، و أغمي على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحيّ، ثمّ رفع ذلك عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عملنا.
____________
(1) ثواب الأعمال/ 131.
(2) مجمع البيان 2/ 150.
(3) تفسير العياشي 1/ 288، ح 2.
19
الجزء الرّابع
سورة المائدة
22
[و بإسناده عن أبي حمزة الثّمالي (1) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول:
نزلت المائدة كملا و نزل معها سبعون ألف ملك (2).] (3).
و في تهذيب الأحكام (4): الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل: سبق الكتاب الخفّين، إنّما نزلت (5) المائدة قبل أن يقبض بشهرين (6).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: الوفاء بالعقد، هو القيام بمقتضاه.
و كذلك الإيفاء. و العقد، العهد الموثق. قال الحطيئة (7):
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم* * * شدّوا العناج و شدّوا فوقه الكربا
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: أي: بالعهود.
و أصله، الجمع بين الشّيئين بحيث يعسر الانفصال. و المراد بالعقود هاهنا، كلّ ما عقد اللّه على عباده و ألزمهم إيّاه من الإيمان به و بملائكته و كتبه و رسله و أوصياء رسله و تحليل حلاله و تحريم حرامه و الإتيان بفرائضه و رعاية حدوده و أوامره و نواهيه، و كلّ ما يعقده المؤمنون على أنفسهم للّه و فيما بينهم من عقود الأمانات و المعاملات الغير المحظورة.
و يحتمل أن يعمّ بحيث يشمل السّنن، إن حمل الأمر على المشترك بين الوجوب و النّدب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9) [: عن سماعة،] (10) عن إسماعيل بن زياد الكوفي (11)،
____________
(1) لم نعثر عليه في تفسير العياشي. و لكن رواه مجمع البيان 2/ 150 نقلا عن تفسير العياشي مع حديثين آخرين.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: سبعون ألف ألف
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) تهذيب الأحكام 1/ 361 ذيل حديث 1091، إلّا أنّ سنده في المصدر: «الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر.
- (عليه السلام)- ثم عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.» و السند المذكور في المتن هو سند الحديث رقم 1090 من نفس الموضع في المصدر.
(5) المصدر: أنزلت.
(6) المصدر: بشهرين أو ثلاثة.
(7) أنوار التنزيل 1/ 260.
(8) تفسير القمي 1/ 160.
(9) بل تفسير العياشي 1/ 289، ح 4.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: «إسماعيل بن أبي زياد السكونيّ» و يمكن أن يكون كلّ منهما صحيح. ر. تنقيح المقال 1/ 127- 129، رقم 797 و ص 134، رقم 810.
و اللّه العالم.
25
وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ: حال عمّا استكنّ في «محلّي». و «الحرم»، جمع حرام. و هو المحرّم.
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1): من تحليل و تحريم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ؛ أي لا تتهاونوا بحدودها الّتي حدّها للعباد، و جعلها شعائر الدّين و علامته، من أعمال الحجّ و غيره.
و قيل (1): فرائضه. و قيل: دينه. و قيل: مناسك الحجّ. جمع شعيرة. و هي اسم ما أشعر؛ أي: جعل شعارا.
وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ: بالقتال فيه. أو بالنّسيء.
في مجمع البيان (2): قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة، يقال له: الحطم.
و قال السّديّ (3): أقبل الحطم بن هند البكريّ حتّى أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وحده، و خلّف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو؟ و قد كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من ربيعة، يتكلّم بلسان شيطان. فلمّا أجابه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أنظرني لعلّي أسلم ولي من أشاوره. فخرج من عنده. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد دخل بوجه كافر و خرج بعقب غادر. فمرّ بسرح من سروح المدينة، فساقه و انطلق به و هو يرتجز، ثمّ أقبل من عام قابل حاجّا قد قلّد هديا، فأراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يبعث إليه فنزلت.
و فيه (4): و اختلف في هذا. فقيل: هو منسوخ بقوله (5): فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
و المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّه لم ينسخ من هذه السّورة شيء و لا من هذه الآية. لأنّه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في الأشهر الحرم بالقتال إلّا إذا قاتلوا.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) مجمع البيان 2/ 153.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر 2/ 155.
(5) التوبة/ 5.
26
وَ لَا الْهَدْيَ: ما أهدي إلى الكعبة. جمع، هدية. كجدي، جمع جدية السّرج.
وَ لَا الْقَلائِدَ: أي ذوات القلائد من الهدي. و عطفها على الهدي للاختصاص، فإنّه أشرف الهدي. أو القلائد أنفسها. و النّهي عن إحلالها، مبالغة في النّهي عن التّعرّض للهدي. و نظيره: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ. و «القلائد» جمع، قلادة.
و هي ما قلّد به الهدي، من نعل و غيره، ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له.
[في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: يقلّدها النّعل الّذي قد صلّى فيه.
] (2).
وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: عطف على «القلائد». و «لا» زائدة للتّأكيد؛ أي: قاصدين زيارته، يبتغون فضلا من ربّهم و رضوانا أن يثيبهم و يرضى عنهم.
و الجملة في موضع الحال من المستكنّ في «آمّين» و ليست صفة له. لأنّه عامل. و المختار أنّ اسم الفاعل الموصوف لا يعمل. و فائدته استنكار تعرّض من هذا شأنه، و التّنبيه على المانع له.
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً:
قيل (3): معناه: يبتغون من اللّه رزقا بالتّجارة، و رضوانا بزعمهم. إذ
قد روي:
أنّ الآية نزلت عام القضيّة في حجّاج اليمامة لمّا همّ المسلمون أن يتعرّضوا لهم، بسبب أنّه كان فيهم الحطيم بن شريح بن ضبيعة، و كان قد استاق سرح المدينة (4).
و قرئ: «تبتغون» على خطاب المؤمنين (5).
وَ إِذا حَلَلْتُمْ: من الإحرام.
فَاصْطادُوا: إذن في الاصطياد بعد زوال الإحرام للقرينة، و لا يلزم منه دلالة الأمر الآتي بعد الحظر على الإباحة مطلقا. و القرينة هنا، ما سبق في الآية من أنّ المانع عنه الإحرام.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 161.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ
(3) أنوار التنزيل 1/ 261.
(4) الرواية توجد أيضا في الدر المنثور 3/ 7.
(5) أنوار التنزيل 1/ 261.
24
و في من لا يحضره الفقيه (1): عن عمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- مثله، إلّا قوله: «فذلك» إلى آخره.
و في تفسير العيّاشي (2): عن زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هي الأجنّة الّتي في بطون الأنعام (3)، و قد كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يأمر ببيع الأجنّة فمحمول على أنّه أحد معانيها. أو على أنّه تحديد لأوّل تسميتها بالبهيمة. أو على أنّه بيان لحلّها، فلا ينافي تعميمها مع أنّه نصّ في حلّ الأمّ.
و يؤيّده
ما رواه العيّاشي (4): عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه أنّ عليّا- (عليه السلام)- سئل عن أكل لحم الفيل و الدّبّ و القرد.
فقال: ليس هذا من بهيمة الأنعام الّتي تؤكل.
و أمّا
ما رواه «عن المفضّل (5) قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
قال: البهيمة، الوليّ. و الأنعام، المؤمنون.»
فهو تأويل، و الأوّل تفسير.
و البهيمة حينئذ من البهيم؛ بمعنى: الخالص الّذي لم يشبه غيره.
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ: تحريمه في حرمة عليكم، الميتة و غيره. أو إلّا محرّم ما يتلى عليكم.
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: حال من الضّمير في «لكم».
و قيل (6): من واو «أوفوا» و هو ضعيف.
و قيل (7): استثناء. و فيه تعسّف.
و «الصّيد» يحتمل المصدر، و المفعول.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 209، ح 966.
(2) تفسير العياشي 1/ 289، ح 10.
(3) ر: الأمّهات.
(4) نفس المصدر 1/ 290، ح 12.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 13.
(6) أنوار التنزيل 1/ 260.
(7) نفس المصدر و الموضع.
23
عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)-، [عن عليّ- (عليه السلام)-] (1) قال:
ليس في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا و في التّوراة «يا أيّها المساكين».
و فيه (2) بطريق آخر، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- مثله.
و فيه (3): حدّثني الحسين بن محمّد بن عامر، عن المعلّى بن محمّد البصريّ، عن ابن أبي عمير، عن أبي جعفر الثّاني- (صلوات اللّه عليه)- [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال:] (4) إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عقد عليهم لعليّ- (صلوات اللّه عليه)- بالخلافة في عشرة مواطن، ثمّ أنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الّتي عقدت عليكم لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ: تفصيل للعقود.
و «البهيمة» فعلية، مشترك مع الإبهام؛ بمعنى: الاشتباه في المادّة. و هو كلّ حيّ لا يميّز.
و قيل (5): كلّ ذات أربع. و إضافتها إلى الأنعام للبيان، كقولك: ثوب خزّ.
و قيل (6): معناه: البهيمة من الأنعام. و هي الأزواج الثّمانية، و ألحق بها الظّباء و بقر الوحش و نحوهما ممّا يماثل الأنعام في الاجترار و عدم الأنياب. و إضافتها إلى الأنعام لملابسة الشّبه.
و أمّا ما رواه في الكافي (7): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أحدهما- (عليهما السلام)- عن هذه الآية. فقال: الجنين في بطن أمّه إذا أشعر و أوبر، فذكاته ذكاة أمّه، فذلك الّذي عنى اللّه- عزّ و جلّ-.
____________
(1) من المصدر.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 8.
(3) تفسير القمي 1/ 160.
(4) من المصدر.
(5) أنوار التنزيل 1/ 260.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) الكافي 6/ 234، ح 1.
27
و قرئ، بكسر الفاء، على إلقاء حركة همزة الوصل عليها.
[و قرئ:] (1) و أحللتم (2).
وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ: لا يحملنّكم. أو لا يكسبنّكم.
شَنَآنُ قَوْمٍ: شدّة بغضهم و عداوتهم. و هو مصدر، أضيف إلى الفاعل، أو المفعول.
و قرأ ابن كثير و إسماعيل: عن نافع، و ابن عيّاش: عن عاصم، بسكون النّون.
و هو أيضا مصدر، كليان. أو نعت؛ بمعنى: بغيض قوم. و فعلان في النّعت أكثر (3).
أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: لأن صدّوكم عام الحديبية.
و قرأ ابن كثير و أبو عمرو، بكسر الهمزة، على أنّه شرط معترض أغنى عن جوابه لا يَجْرِمَنَّكُمْ (4).
أَنْ تَعْتَدُوا: بالانتقام. ثاني مفعولي «لا يجرمنّكم» فإنّه يتعدّى إلى واحد و إلى اثنين، ككسب.
و من قرأ: «يجرمنّكم» بضمّ الياء، جعله منقولا من المتعدّي إلى مفعول بالهمزة، إلى مفعولين (5).
وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى: على العفو و الإغضاء، و متابعة الأمر و مجانبة الهوى.
وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ: للتّشفّي و الانتقام.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2): فانتقامه أشدّ.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ: بيان ما يتلى عليكم.
و «الميتة» ما فارقه الرّوح، من غير تذكية.
وَ الدَّمُ؛ أي: المسفوح. لقوله- تعالى-: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً.
____________
(1) من المصدر.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر و الموضع.
28
قيل (1): و كان أهل الجاهليّة يصبّونه في الأمعاء، و يشوونها.
وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ: و إن ذكّي. و إنّما خصّ بالذّكر دون الكلب و غيرهم، لاعتيادهم أكله دون غيره.
وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ أي: رفع الصّوت لغير اللّه به. كقولهم: باسم الّلات و العزّى، عند ذبحه.
وَ الْمُنْخَنِقَةُ: الّتي ماتت بالخنق.
وَ الْمَوْقُوذَةُ: المضروبة بنحو خشب أو حجر حتّى تموت. من وقذته، إذا ضربته.
وَ الْمُتَرَدِّيَةُ: الّتي تردّت من علو، أو في بئر، فماتت.
وَ النَّطِيحَةُ: الّتي نطحتها أخرى، فماتت. و التّاء فيها، للنّقل.
وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ؛ أي: و ما أكل منها السّبع حتّى مات.
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ:
إلّا ما أدركتم ذكاته، و فيه حياة مستقرّة من ذلك. كذا في مجمع البيان (2) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشي (3): عن الرّضا- (عليه السلام)-: المتردّية و النّطيحة و ما أكل السّبع إذا أدركت ذكاته، فكله.
و في الكافي (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- في كتاب عليّ- (عليه السلام)-: إذا طرفت العين أو ركضت الرّجل أو تحرك الذّنب، فكل منه فقد أدركت ذكاته.
و قيل (5): الاستثناء مخصوص بما أكل السّبع.
و في الخبر الآتي إيماء إليه: «و الذّكاة» في الشّرع، قطع الأعضاء الأربعة:
المريء و هو مجرى الطّعام و الشّراب؛ و الحلقوم و هو مجرى النّفس؛ و الودجان و هما عرفان محيطان بالحلقوم. بالحديد أو بمحدّد عند عدمه.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) مجمع البيان 2/ 157- 158.
(3) تفسير العياشي 1/ 292، ح 17.
(4) الكافي 6/ 232، ح 3.
(5) أنوار التنزيل 1/ 262.
29
وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ:
«النّصب» واحد الأنصاب. و هي أحجار كانت منصوبة حول بيوت النّيران، و يعدّون ذلك قربة و ما يعبدونه لأصنامهم.
و «على»؛ بمعنى: الّلام. أو على أصلها؛ بتقدير: و ما ذبح مسمّى على الأصنام.
و قيل (1): هو جمع. و الواحد، نصاب.
وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ: و هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة. و واحد الأزلام، زلم. كحمل.
في عيون الأخبار (2): عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- أنّه قال في تفسيرها (3) [قال:] (4)، الميتة و الدّم و لحم الخنزير معروف.
وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ يعني: ما ذبح للأصنام. و أمّا المنخنقة، فإنّ المجوس كانوا لا يأكلون الذّبائح و لا يأكلون (5) الميتة، و كانوا يخنقون البقر و الغنم، فإذا انخنقت (6) و ماتت أكلوها.
[و الموقوذة، كانوا يشدّون أرجلها و يضربونها حتّى تموت، فإذا ماتت أكلوها.] (7).
و المتردّية، كانوا يشدّون عينها و يلقونها من السّطح، فإذا ماتت أكلوها.
و النّطيحة، كانوا يناطحون بالكباش، فإذا مات (8) أحدها أكلوه (9).
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) بل في الخصال/ 451- 452، ح 57. و لا يوجد هكذا حديث في العيون.
(3) المصدر: «قوله- عزّ و جلّ-: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ (الآية)» بدل «تفسيرها».
(4) من المصدر.
(5) المصدر و أ: يأكلون.
(6) المصدر: اختنقت.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(8) المصدر و أ: ماتت.
(9) المصدر و أ: أكلوها.
30
وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ فكانوا يأكلون ما قتله (1) الذّئب و الأسد، فحرّم اللّه- عزّ و جلّ- ذلك.
وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ كانوا يذبحون لبيوت النّيران، و قريش كانوا يعبدون الشّجر و الصّخر فيذبحون لهما.
وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، ذلِكُمْ فِسْقٌ قال: كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه عشرة أجزاء، ثمّ يجتمعون عليه فيخرجون السّهام و يدفعونها (2) إلى رجل، و هي (3) عشرة، سبعة لها أنصباء و ثلاثة لا أنصباء لها. فالّتي لها أنصباء الفذّ (4) و التّوأم و المسبل و النّافس و الحلس و الرّقيب و المعلى. فالفذّ (5) له سهم، و التوأم له سهمان، و المسبل له ثلاثة أسهم، و النّافس له أربعة أسهم، و الحلس له خمسة أسهم، و الرّقيب له ستّة أسهم، و المعلى له سبعة أسهم. و الّتي لا أنصباء لها، فالسّفيح و المنيح و الوغد. و ثمن الجزور على من لا يخرج (6) له من الأنصباء شيء، و هو القمار، فحرّمه اللّه- تعالى-.
و في تفسير علي بن إبراهيم (7) مثله.
و في من لا يحضره الفقيه و التّهذيب (8) عن الجواد- (عليه السلام)- ما يقرب منه، إلّا قال: وَ الْمَوْقُوذَةُ الّتي مرضت و قذّها المرض حتّى لم يكن بها حركة.
قال: و كانوا في الجاهليّة يشترون بعيرا فيما بين عشرة أنفس و يستقسمون عليه بالأقداح- ثمّ ذكر أسماءها السّبعة و الثّلاثة كما ذكر- قال: فكانوا يجيلون السّهام بين عشرة، فمن خرج باسمه سهم من الّتي لا أنصباء لها الزم ثلث ثمن البعير، فلا يزالون كذلك حتّى تقع السّهام الثّلاثة الّتي لا أنصباء لها إلى ثلاثة منهم فيلزمونهم ثمن البعير، ثمّ ينحرونه و يأكل السّبعة الّذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا و لم يطعموا منه الثّلاثة الّذين
____________
(1) المصدر: يقتله. أ: يأكله.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فيدفعونها.
(3) المصدر: السهام.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فالقذ.
(5) المصدر: و الفذ. أ: فالقذ.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم يخرج.
(7) تفسير القمي 1/ 161.
(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 216، ح 1007 و تهذيب الأحكام 9/ 83، ح 354.
31
أنقدوا (1) [ثمنه] (2) شيئا. فمّا جاء الإسلام حرّم اللّه- تعالى ذكره- ذلك فيما حرّم، فقال- عزّ و جلّ-: وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ.
ذلِكُمْ فِسْقٌ؛ يعني: حرام.
و معنى تجزئته عشرة أجزاء: اشتراؤه فيما بين عشرة أنفس. كما ذكر
في حديث الجواد- (عليه السلام)- (3) لا تجزئة لحمه.
و الفذّ، بالفاء و الذّال المعجمة المشدّدة. و التّوأم، بالتّاء المثنّاة الفوقانيّة و الهمزة.
و المسبل، كمحسن، بالسّين المهملة و الباء الموحّدة. و النّافس، بالنّون و الفاء و السّين المهملة. و الحلس، بكسر الحاء و سكون الّلام و السّين المهملة، و قد يحرّك. و الرّقيب، بالرّاء و القاف، على وزن فعيل. و المعلى بضمّ الميم و سكون العين و فتح الّلام.
و السّفيح، بالسّين المهملة و الفاء و الحاء المهملة، على وزن فعيل. كالمنيح (4)، بالنّون و الحاء المهملة. و الوغد، بالواو و الغين المعجمة و الدّال المهملة.
و قيل (5): معنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قسّم لهم بالأقداح، يعني:
السهام. و ذلك أنّهم إذا قصدوا فعلا، ضربوا ثلاثة أقدام مكتوب على أحدها: أمرني ربّي. و على الآخر: نهاني عنه. و على الثّالث: غفل. فإن خرج الأمر مضوا على ذلك، و إن خرج النّاهي تجنّبوا عنه، و إن خرج الغفل أجالوها ثانيا (6).
و في بعض الأخبار إيماء إلى ذلك، كما يأتي في أواخر السّورة. و يمكن التّوفيق بالتّعميم.
الْيَوْمَ، أي: الآن. و لم يرد به يوما معيّنا، و إنّما أراد الحاضر و ما يتّصل به من الأزمنة الآتية.
و قيل (7): أراد يوم نزولها. و قد نزلت بعد عصر يوم الجمعة، عرفة حجّة الوداع.
____________
(1) هكذا في الفقيه: و في أ: «نقدوا».
و في سائر النسخ و التهذيب: وفروا.
(2) من كلا المصدرين.
(3) مرّ آنفا عن الفقيه و التهذيب.
(4) كذا في النسخ و الظاهر أنّه: و المنيح.
(5) أنوار التنزيل 1/ 262.
(6) أنظر مجمع البيان 2/ 158.
(7) أنوار التنزيل 1/ 262.
32
يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ: انقطع طمعهم من دينكم، أن تتركوه و ترجعوا منه إلى الشّرك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: ذلك لمّا نزلت: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشي (2): عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: يوم يقوم القائم- (عليه السلام)- ييأس بنو اميّة. فهم الّذين كفروا يئسوا من آل محمّد- (عليهم السلام)-.
فَلا تَخْشَوْهُمْ: أن يظهروا على دين الإسلام، و يردّوكم عن دينكم.
وَ اخْشَوْنِ: إنْ خالفتم أمري، أن تحلّ بكم عقوبتي.
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً:
في مجمع البيان (3)، عنهما- (عليهما السلام)-: إنّما نزل بعد أن نصّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- علما للأنام يوم غدير خمّ عند منصرفه عن حجّة الوداع. قالا: و هي آخر فريضة أنزلها اللّه- تعالى- ثمّ لم ينزل بعدها فريضة.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة و الفضيل بن يسار و بكير بن أعين و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية قالوا جميعا: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، و كانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يقول اللّه- عزّ و جلّ-: لا انزل عليكم بعد هذه الفريضة، قد أكملت لكم الفرائض.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (5) و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن
____________
(1) تفسير القمي 1/ 162.
(2) تفسير العياشي 1/ 292، ح 19.
(3) مجمع البيان 2/ 159.
(4) الكافي 1/ 289، ح 4.
(5) نفس المصدر 1/ 290، ح 6.
33
إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: فرض اللّه- عزّ و جلّ- إلى قوله: ثمّ نزلت الآية، و إنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.
و كان كمال الدّين بولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال عند ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّتي حديثو عهد بالجاهليّة.
و متى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل و يقول قائل؟ فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني. فأتتني عزيمة من اللّه- عزّ و جلّ- بتلة أوعدني إن لم أبلّغ أن يعذّبني.
فنزلت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد عليّ- (عليه السلام)- فقال: يا أيّها النّاس، إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلّا و قد عمّره اللّه ثمّ دعاه فأجابه، فأوشك أن أدعى فأجيب. و أنا مسؤول و أنتم مسؤولون، فما ذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك.
فجزاك اللّه أفضل جزاء المرسلين.
فقال: اللّهمّ اشهد- ثلاث مرّات- ثمّ قال: يا معشر المسلمين، هذا وليّكم من بعدي. فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب.
و في روضة الكافي (1)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، يقول فيها- (عليه السلام)- بعد أن ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين تكلّمت طائفة، فقالوا: نحن موالي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى حجّة الوداع، ثمّ صار إلى غدير خمّ فأمر. فأصلح له شبه المنبر. ثمّ علاه و أخذ بعضدي حتّى رئي (2) بياض إبطيه، رافعا صوته قائلا في محفله:
من كنت مولاه فعليّ مولاه. اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه. و كانت على ولايتي ولاية اللّه و على عداوتي عداوة اللّه. و أنزل اللّه- عزّ و جلّ- في ذلك اليوم الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. فكانت ولايتي كمال
____________
(1) نفس المصدر 8/ 27، ح 4.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: رأى.
34
الدّين و رضا الرّب- جلّ ذكره-.
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى إسحاق بن إسماعيل النّيسابوري: أنّ العالم كتب إليه، يعني: الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بمنّه و رحمته لمّا فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمة منه إليكم لا إله إلّا هو، ليميز الخبيث من الطّيّب، و ليبتلي ما في صدوركم، و ليمحص ما في قلوبكم، و لتتسابقوا (2) إلى رحمته، و لتتفاضل (3) منازلكم في جنّته. ففرض عليكم الحجّ و العمرة و إقام الصّلاة و إيتاء الزّكاة و الصّوم و الولاية، و جعل لكم بابا لتفتحوا به أبواب الفرائض و مفتاحا إلى سبيله. و لو لا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأوصياء من ولده كنتم (4) حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضا من الفرائض. و هل تدخل قرية إلّا من بابها؟
فلمّا منّ اللّه عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال اللّه- عزّ و جلّ-:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: آخر فريضة أنزلها (6) اللّه- تعالى- الولاية، ثمّ لم ينزل بعدها فريضة، ثمّ أنزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بكراع الغميم (7). فأقامها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالجحفة (8). فلم ينزل بعدها فريضة.
و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (9) بإسناده إلى الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
يوم غدير خمّ أفضل أعياد أمّتي، و هو اليوم الّذي أمرني اللّه- تعالى ذكره- فيه بنصب
____________
(1) علل الشرائع 1/ 249، ح 6.
(2) ر: لتسابقوا.
(3) روأ: لتفاضل.
(4) من المصدر و أ.
(5) تفسير القمي 1/ 162.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنزل.
(7) المصدر: «الغنم» و أشار إلى أنّه في خ. ل.
: الغميم.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: بالحجة.
(9) أمالي الصدوق/ 109، صدر حديث 8.
35
أخي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- علما لأمّتي يهتدون به من بعدي، و هو اليوم الّذي أكمل اللّه فيه الدّين و أتمّ على أمّتي فيه النّعمة و رضي لهم الإسلام دينا.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده إلى الحسن بن عليّ- (عليهما السلام) (1)-، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و حب أهل بيتي و ذرّيّتي استكمال الدّين، و تلا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً إلى آخر الآية.
و في تهذيب الأحكام (2)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق: شهادة الإخلاص (3) لك بالوحدانيّة بأنّك أنت اللّه الّذي لا إله إلّا أنت، و أنّ محمّدا عبدك و رسولك، و عليّا أمير المؤمنين، و أنّ الإقرار بولايته تمام توحيدك و الإخلاص بوحدانيتك و كمال دينك و تمام نعمتك و فضلك على جميع خلقك و بريّتك. فإنّك قلت و قولك الحقّ:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. اللّهمّ فلك الحمد على ما مننت به علينا من الإخلاص لك بوحدانيّتك، إذ هديتنا لموالاة وليّك الهادي من بعد نبيّك النّبيّ المنذر، و رضيت لنا الإسلام دينا بموالاته.
و في عيون الاخبار (4)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أنزل في حجّة الوداع و هي في آخر عمره- (صلّى اللّه عليه و آله)- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و أمر (5) الإمامة من تمام الدّين.
و في كتاب الخصال (6): عن يزداد بن إبراهيم، عمّن حدّثه من أصحابنا، عن أبي
____________
(1) تهذيب الأحكام 3/ 145، ضمن حديث 317.
(2) نفس المصدر/ 161، ضمن حديث.
(3) المصدر: بالإخلاص.
(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 216، ضمن حديث 1.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأمر.
(6) الخصال/ 415، ذيل حديث 4، و أوّله في ص 414.
36
عبد اللّه- (عليه السلام)- عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه في آخره: و إنّ بولايتي أكمل (1) لهذه الأمة دينهم و أتمّ عليهم النّعمة (2) و رضي إسلامهم، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخبرهم يا محمّد (3)، أكملت لهم اليوم دينهم و أتممت عليهم نعمتي و رضيت لهم الإسلام دينا (4). كلّ ذلك من منّ اللّه به (5) عليّ، فله الحمد.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي (6) قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعنا، عن جعفر- (عليه السلام)-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال: بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في شرح الآيات الباهرة (7): و روى أبو نعيم: عن رجاله، عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا النّاس إلى عليّ يوم غدير خمّ، و أمر بقلع ما تحت الشّجر من الشّوك، و قام فدعا [عليّا-] (8) (عليه السلام)- فأخذ بضبعيه حتّى نظر [النّاس] (9) إلى إبطيه و قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله. ثمّ لم يفترقا حتّى أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (فقام) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: اللّه أكبر على إكمال الدّين و إتمام النّعمة، و رضا الرّبّ برسالتي و بولاية عليّ من بعدي.] (10).
فَمَنِ اضْطُرَّ: متّصل بذكر المحرّمات، و ما بينهما اعتراض، و المعنى: فمن اضطرّ إلى تناول شيء من هذه المحرّمات.
فِي مَخْمَصَةٍ: مجاعة.
____________
(1) المصدر: أكمل اللّه.
(2) المصدر: النعم.
(3) المصدر: «يا محمّد أخبرهم أنّي» بدل «أخبرهم يا محمّد».
(4) المصدر: «رضيت لهم الإسلام دينا و أتممت عليهم نعمتي» بدل أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.
(5) ليس في المصدر.
(6) تفسير فرات/ 37.
(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 53.
8 و 9- من المصدر.
(10) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
37
غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ: غير مائل للإثم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: غير متعمّد لإثم
(انتهى) و ذلك بأن يأكلها تلذّذا. أو مجاوزا حدّ الرّخصة. و هذا كقوله: غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ و قد مرّ تفسيرهما في سورة البقرة.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3): لا يؤاخذه بأكله.
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ: لما تضمّن السّؤال معنى القول أوقع على الجملة.
و قد سبق الكلام في «ما ذا». و إنّما قال: «لهم» و لم يقل: «لنا» على الحكاية، لأنّ «يسألونك» بلفظ الغيبة. و كلا الوجهين شائع في أمثاله. و المسئول. ما احلّ لهم من المطاعم لمّا تلا ما حرّم عليهم منها.
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: ما لم تستخبثه الطّبائع السّليمة، و لم تتنفّر عنه.
و فيه دلالة على حرمة مستخبثات الطّبائع السّليمة بالمفهوم، و دلالة صريحة على أنّ ما لم ينصّ الشّرع على حرمته و لم تستخبثه الطّبائع حلال، لا يحتاج في تناوله إلى نصّ عليه بخصوصه، و المحتاج إلى النّصّ إنّما هو المحرّم.
وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ: عطف على «الطّيّبات» إن جعلت «ما» موصولة، على تقدير: و صيد ما علّمتم. و جملة شرطيّة إن جعلت شرطا، و جوابها «فكلوا». و «الجوارح» كواسب الصّيد على أهلها، من السّباع ذوات الأربع و الطّير.
مُكَلِّبِينَ: معلّمين إيّاه الصّيد. و «المكلّب» مؤدّب الكلب، و مغريها بالصّيد. مشتقّ، من الكلب. و انتصابه على الحال من «علّمتم». و فائدتها، المبالغة في التّعليم.
و في الكافي (2): حدّثنا أبو محمّد هارون بن موسى التّلعكبريّ قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبين و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: في كتاب عليّ- (عليه السلام)- في قول اللّه
____________
(1) تفسير القمي 1/ 162.
(2) الكافي 6/ 202، ح 1.
38
- عزّ و جلّ-: وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قال: هي الكلاب.
و في من لا يحضره الفقيه (1): و روي عن موسى بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في صيد الكلب: إن أرسله صاحبه و سمّى فليأكل كلّ ما أمسك عليه و إن قتل، و إن أكل فكل ما بقي. و إن كان غير معلّم فعلّمه ساعته حين يرسله فليأكل منه، فإنّه معلّم. فأمّا ما خلا الكلاب ممّا تصيده الفهود و الصّقور و أشباهه فلا تأكل من صيده إلّا ما أدركت ذكاته، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال: مُكَلِّبِينَ فما خلا الكلاب، فليس صيده بالّذي يؤكل إلّا أن تدرك ذكاته.
و بهذا المعنى أخبار كثيرة. و الأخبار الّتي وردت بخلاف ذلك محمولة على التّقيّة، يدلّ على ذلك
ما رواه في الكافي (2): عن أبي عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن الحلبيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان أبي- (عليه السلام)- يفتي و كان يتّقي و نحن نخاف في صيد البزاة و الصّقور، فأمّا الآن فإنّا لا نخاف و لا يحلّ صيدها إلّا أن تدرك ذكاتها، فإنّه في كتاب عليّ- (عليه السلام)- إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال:
وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ في الكلاب.
تُعَلِّمُونَهُنَ: حال ثانية. أو استئناف.
مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ: من طرق التّأديب، فإنّ العلم إلهام من اللّه أو مكتسب بالعقل الّذي هو منحة منه. أو ممّا علّمكم اللّه أن تعلّموه، باتّباعه الصّيد بإرسال صاحبه و ينزجر بزجره و ينصرف بدعائه. و بمسك عليه الصّيد و لا يأكل [منه.] (3).
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ:
قيل (4): هو ما لم تأكل منه.
و الظّاهر، أنّه ما احتسبه عليكم و إن أكل بعضه. كما دلّ عليه الخبر السّابق.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 201، ح 911.
(2) الكافي 6/ 207، ح 1.
(3) من أنوار التنزيل 1/ 263.
(4) نفس المصدر و الموضع.
39
و أمّا
ما رواه في تهذيب الأحكام (1): «عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته عمّا أمسك الكلب المعلّم للصّيد و هو قول اللّه- تعالى-: وَ ما عَلَّمْتُمْ (الآية).
قال: لا بأس أن تأكلوا ممّا أمسك الكلب ممّا لم يأكل الكلب منه، فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه»
فمحمول على التّقيّة، لأنّه موافق لمذاهب أكثر العامّة.
يدلّ على ذلك
ما رواه في الكافي (2): عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن جميل بن درّاج قال: حدّثني حكم بن حكيم الصّيرفي (3) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما تقول في الكلب يصيد الصّيد فيقتله؟
قال: لا بأس بأكله.
قال: قلت: فإنّهم يقولون: إنّه إذا قتله و أكل منه، فإنّما أمسك على نفسه فلا تأكله.
فقال: كل، أو ليس قد جامعوكم على أنّ قتله ذكاته؟
قال: قلت: بلى.
قال: فما يقولون في شاة ذبحها رجل، أذكّاها؟
قال: قلت: نعم.
قال: فإنّ السّبع جاء بعد ما ذكّاها فأكل منها بعضها، أ تؤكل (4) البقيّة؟
قلت: نعم. قال: فإذا أجابوك إلى هذا، فقل لهم: كيف تقولون: إذا ذكّى ذلك فأكل منها لم يأكلوا و إذا ذكّى (5) هذا و أكل أكلتم؟
وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: الضّمير «لما علّمتم»، و المعنى: سمّوا عليه عند
____________
(1) تهذيب الأحكام 9/ 27، ح 110.
(2) الكافي 6/ 203، ح 6.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «حكيم بن حكيم الصيرفي». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 1/ 357، رقم 3221.
(4) المصدر: أ يؤكل.
(5) المصدر: ذكّاها.
40
إرساله.
في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن كلب أفلت و لم يرسله صاحبه فصاد و أدركه صاحبه و قد قتله، أ يأكل منه؟
فقال: لا. و قال- (عليه السلام)-: إذا صاد و سمّى فليأكل، و إذا صاد و لم يسمّ فلا يأكل، و هذا ممّا علّمتم من الجوارح مكلّبين.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ: في محرّماته.
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4): فيؤاخذكم بما جلّ و دقّ.
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ:
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) قال: عنى بطعامهم هاهنا: الحبوب و الفاكهة غير الذّبائح الّتي يذبحونها، فإنّهم لا يذكرون اسم اللّه خالصا على ذبائحهم. ثمّ [قال:] (3) و اللّه ما استحلّوا ذبائحكم فكيف تستحلّون ذبائحهم.
و في الكافي (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن قتيبة الأعشى قال: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا عنده، فقال: الغنم يرسل فيها اليهوديّ و النّصرانيّ فتعرض فيها العارضة فتذبح، أ نأكل ذبيحته؟
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا تدخل ثمنها مالك، و لا تأكلها فإنّما هو الاسم، و لا يؤمن عليها إلّا مسلم.
فقال الرّجل: قال اللّه- تعالى-: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان أبي- (صلوات اللّه عليه)- يقول:
إنّما هو الحبوب و أشباهها.
____________
(1) نفس المصدر 6/ 206، ح 16.
(2) تفسير القمي 1/ 163.
(3) من المصدر.
(4) الكافي 6/ 240، ح 10.
41
[عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (1)، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن طعام أهل الكتاب و ما يحلّ منه؟
قال: الحبوب.]
(2).
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (3)، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ طَعامُ (الآية) قال: الحبوب و البقول.
أبو عليّ الأشعريّ: عن محمّد بن عبد الجبّار (4)، عن صفوان بن يحيى، عن إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله. ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: لا تأكله. ثمّ سكت هنيئة و قال:
لا تأكله، و لا تتركه تقول: إنّه حرام. و لكن تتركه تنزّها عنه، إنّ في آنيتهم الخمر و لحم الخنزير.
و في تفسير العيّاشي (5): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ قال: العدس و الحبوب و أشباه ذلك، يعني: أهل الكتاب.
وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ: فلا عليكم أن تبيعوه منهم و تطعموهم.
وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ: و أحلّ لكم العقد على العفائف من المؤمنات.
و في تفسير العيّاشي (6): عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ قال: هنّ المسلمات.
وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ:
____________
(1) نفس المصدر 6/ 263، ح 1.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) نفس المصدر 6/ 264، ح 6.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 9.
(5) تفسير العياشي 1/ 295، ح 36.
(6) نفس المصدر 1/ 235، ح 92.
42
في من لا يحضره الفقيه (1) و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.
قال: هنّ ذوات الأزواج.
قال: قلت: و ما الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؟
قال: هنّ العفائف.
و في تفسير العيّاشي (2): عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. قال: نسختها وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.
و في الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: يا أبا محمّد، ما تقول في رجل تزوّج نصرانيّة على مسلمة؟
قلت: جعلت فداك، و ما قولي بين يديك؟
قال: تقولنّ، فإنّ ذلك يعلم به قولي. قلت: لا يجوز تزويج النّصرانيّة على مسلمة و لا غير مسلمة.
قال: لم؟
قلت: لقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ.
قال: فما تقول في هذه الآية: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
قلت: فقوله (4): وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ نسخت هذه الآية. فتبسّم ثمّ سكت.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 276، ح 1313.
(2) لم نعثر على هذا الحديث في العياشي. و لكن عنه في تفسير البرهان 1/ 449، ح 12. و الظاهر أنّه ساقط من نسخة العياشي.
(3) الكافي 5/ 357، ح 6.
(4) البقرة/ 221.
43
عليّ بن إبراهيم: عن ابن محبوب (1)، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟ فقال: هذه منسوخة بقوله (2): وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.
و في الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أحمد بن عمر، عن درست الواسطيّ، عن علي بن رئاب، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب.
قلت: جعلت فداك، و أين تحريمه؟
قال: قوله (4): وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (5)، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل المؤمن يتزوّج اليهوديّة و النّصرانيّة؟
قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهوديّة و النّصرانيّة.
فقلت له: يكون له فيها هوى.
فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم أنّ عليه في دينه غضاضة.
و الجمع بين تلك الأخبار، الدّالّ بعضها على نسخ نكاح أهل الكتاب، و الدّالّ بعضها على عدم ابتغاء نكاحها، و الدّالّ بعضها على الجواز إذا كان له فيها هوى، حمل النّسخ على نسخ الإباحة و بقاء الجواز بالمعنى الأعمّ، فيجتمع مع عدم الانبغاء و الجواز مع الهوى. و ينبغي حمل الجواز على جواز النّكاح بالمتعة دون العقد الدّائم، كما يدلّ عليه الخبر الأخير بالفحوى. لأنّ منع الخمر من الكافرة لا يكون دائما. و هذا طريق آخر للجميع. فالمنسوخ عقدهنّ دواما. و الجائز نكاحهنّ متعة.
و في قوله: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ: دلالة على هذا الأخير، لأنّ المتبادر من الأجور مهر المتعة، لأنّهنّ مستأجرات كما في الخبر.
____________
(1) نفس المصدر 5/ 358، ح 8.
(2) الممتحنة/ 10.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 7.
(4) الممتحنة/ 10.
(5) نفس المصدر 5/ 356، ح 1.
44
مُحْصِنِينَ: أعفّاء.
غَيْرَ مُسافِحِينَ: غير مجاهرين بالزّنا.
وَ لا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ: مسرّين به.
و «الخدن» الصدّيق. يقع على الذّكر و الأنثى.
وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5):
يريد بالإيمان، شرائع الإسلام. و بالكفر به، إنكاره.
في أصول الكافي (1): الحسين بن محمّد بن معلى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟ قال: ترك العمل الّذي أقرّ به، من ذلك أن يترك الصّلاة من غير سقم و لا شغل.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟
فقال: [من] (3) ترك العمل الّذي أقرّ به.
قلت: فما موضع ترك العمل حتّى يدعه أجمع؟
قال: منه الّذي يدع الصّلاة متعمّدا لا من سكر و لا من علّة.
[و أمّا
ما رواه في أصول الكافي (4): «عن عليّ بن إبراهيم، عن ابن محبوب و غيره، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من كان مؤمنا فعمل خيرا في إيمانه فأصابته (5) فتنة فكفر ثمّ تاب بعد كفره، كتب له و حسب بكلّ شيء عمله في إيمانه و لا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره»
فالمراد بالكفر المذكور فيه، هو شعب الإيمان المذكور في الجزء الأوّل، على أنّ الزّاني لا يزني و هو مؤمن و السّارق لا يسرق و هو مؤمن، و هو لا يقتضي حبط باقي الأعمال، و يزول بالتّوبة و الشّرك.] (6)
____________
(1) نفس المصدر 2/ 384، ح 5.
(2) نفس المصدر 2/ 387، ح 12.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر 2/ 461، ح 1.
(5) المصدر: ثم أصابته.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
45
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: من آمن ثمّ أطاع أهل الشّرك، فقد حبط عمله و كفر بالإيمان و هو في الآخرة من الخاسرين.
و في تفسير العيّاشي (2): عن أبان بن عبد الرّحمن قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: أدنى ما يخرج به الرّجل من الإسلام، أن يرى الرّأي بخلاف الحقّ فيقيم عليه. قال: و من يكفر بالإيمان، فقد حبط عمله. و قال: الّذي يكفر بالإيمان، الّذي لا يعمل بما أمر اللّه و لا يرضى به.
عن محمّد بن مسلم (3)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في هذه الآية قال: هو ترك العمل حتّى يدعه أجمع. قال: منه الّذي يدع الصّلاة متعمّدا لا من شغل و لا من سكر، يعني: النّوم.
عن جابر (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يعني: ولاية عليّ- (عليه السلام)-.
عن هارون بن خارجة (5) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟
قال: فقال: من ذلك ما اشتقّ فيه زرارة [بن أعين] (6) و أبو حنيفة.
و في بصائر الدّرجات (7): عن عبد اللّه بن عامر، عن أبي عبد اللّه البرقي (8)، عن الحسين بن عثمان (9)، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟
قال: تفسيرها في بطن القرآن: من يكفر بولاية عليّ، و عليّ هو الإيمان.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ:
____________
(1) تفسير القمي 1/ 163.
(2) تفسير العياشي 1/ 297، ح 42.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 43.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 44.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 45.
(6) ليس في المصدر.
(7) بصائر الدرجات 2/ 77، ح 5.
(8) هكذا في أ. و في سائر النسخ: «أبي عبد اللّه الرقي». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 113، رقم 10659.
(9) هكذا في المصدر و في النسخ: «الحسن بن عثمان». و هو وهم. ر. تنقيح المقال 1/ 335.
46
قال المفسّرون (1): أي: أردتم القيام، كقوله (2): فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. عبّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبّب عنها للإيجاز و التّنبيه، على أنّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكّ الفعل من الإرادة. أو إذا قصدتم الصّلاة، لأنّ التّوجّه إلى الشّيء و القيام إليه قصد له.
ثمّ قالوا: و ظاهر الآية يوجب الوضوء على كلّ قائم إلى الصّلاة و إن لم يكن محدثا، و الإجماع على خلافه.
فقيل (3): مطلق أريد به التّقييد، و المعنى (4): إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين.
و قيل (5): الأمر فيه للنّدب.
و قيل (6): كان ذلك أوّل الأمر ثمّ نسخ، و هو ضعيف.
لقوله- (عليه السلام) (7)- المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها و حرّموا حرامها.
و في تهذيب الأحكام، و في تفسير العيّاشي (8): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل، ما معنى إِذا قُمْتُمْ؟
قال: إذا قمتم من النّوم.
و العيّاشي (9): عن الباقر- (عليه السلام)- سئل، ما عنى بها؟
قال: من النّوم.
فلا حاجة إلى ما تكلّفوه و أضمروه. و أمّا وجوب الوضوء بغير حدث النّوم، فمستفاد من الأخبار، كما أنّ وجوب الغسل لغير الجنابة مستفاد من محلّ
____________
(1) أنظر مجمع البيان 2/ 163 و أنوار التنزيل 1/ 264. ضعيف لقوله- (عليه السلام)-».
(2) النحل/ 98.
(3) أنوار التنزيل 1/ 264.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «المقيّد يعني» بدل «التقييد و المعنى».
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فنسخ و ضعف ذلك بقوله- (عليه السلام)-» بدل «ثمّ نسخ و هو
(8) تهذيب الأحكام 1/ 7، ح 9، و تفسير العياشي.
1/ 297، ح 48.
(9) تفسير العياشي 1/ 298، ح.
47
آخر. و كلّ مجملات القرآن إنّما يتبيّن بتفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- و هم أدرى بما نزل في البيت من غيرهم.
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ: أمرّوا الماء عليه. و المراد بالوجه، ما يواجه به. فلا يجب تخليل الشّعر الكثيف، أعني: الّذي لا يرى بشرة خلاله في التّخاطب. إذ المواجهة حينئذ إنّما يكون بالشعر لا بما تحته، كما
روي عن الباقر- (عليه السلام)-: كلّما أحاط به الشّعر، فليس على العباد (1) أن يطلبوا (2) و لا أن يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء. رواه في التّهذيب (3).
و فيه و في الكافي (4): عن أحدهما- (عليهما السلام)- عن الرّجل يتوضّأ: أ يبطّن لحيته؟
قال: لا.
أمّا حدّ الوجه،
ففي من لا يحضره الفقيه و الكافي و العيّاشي (5): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: الوجه الّذي أمر اللّه بغسله- الّذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر و إن نقص منه أثم- ما دارت عليه السّبّابة و الوسطى و الإبهام من قصاص شعر (6) الرّأس إلى الذّقن، و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا. فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه.
قيل: الصّدغ ليس من الوجه؟
قال: لا.
وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ: لمّا كانت اليد تطلق على ما تحت [الزّند و على ما تحت] (7) المرافق و على ما تحت المنكب، بيّن اللّه- تعالى- غاية المغسول منهما. كما تقول:
أخضب يدك إلى الزّند. و للصّيقل: صقّل سيفي إلى القبضة. فلا دلالة في الآية على
____________
(1) المصدر: «للعباد» بدل «على العباد».
(2) المصدر: يعلوه.
(3) تهذيب الأحكام 1/ 364، ح 36.
(4) تهذيب الأحكام 1/ 360، ح 14، و الكافي 3/ 28، ح 2.
(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 28، ح 88، و الكافي 3/ 27، و تفسير العياشي 1/ 299، ح 52.
(6) ليس في الكافي.
(7) ليس في أ.
48
ابتداء الغسل بالأصابع و انتهائه إلى المرافق، كما أنّه ليس في هاتين العبارتين دلالة على ابتداء الخضاب و التّصقيل بأصابع اليد و رفع رأس السّيف. فهي مجملة في هذا المعنى يحتاج إلى تبيين أهل البيت- (عليهم السلام)-.
و المرفق- بكسر أوّله و فتح ثالثه، أو بالعكس- مجمع عظمي الذّراع و العضد. و لا دلالة في الآية على إدخاله في غسل اليد، لخروج الغاية تارة و دخولها أخرى. فهي في هذا المعنى مجملة- أيضا- يتبيّن بتفسيرهم- (عليهم السلام)- و الأخبار تدلّ على أنّ الابتداء في الغسل من المرفق- و «إلى» لانتهاء المغسول، لا لانتهاء الغسل. كما بيّنّا و بعضها يأتي- و ليس في الأخبار ما يدلّ على إدخال المرفق و إخراجه، لكن يجب إدخال جزء من باب المقدّمة لا المغسول بالأصالة.
[و في الكافي (1): محمّد بن الحسن و غيره، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن الحكم، عن الهيثم بن عروة التّميميّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ فقلت: هكذا، و مسحت من ظهر كفّي إلى المرفق؟ فقال: ليس هكذا تنزيلها، إنّما هي «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم من المرافق» ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه] (2).
وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ: و «الباء» مزيدة لإفادة التّبعيض، لا للتّبعيض. كما مرّ بيانه منّا سابقا، فلا ينافيه إنكار سيبويه مجيئها له في سبعة عشر موضعا من كتابه.
و الواجب فيه، ما يقع عليه اسم المسح.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ألا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرّأس و بعض الرّجلين؟ فضحك، ثمّ قال: يا زرارة، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نزل به الكتاب عن اللّه، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرفنا أنّ الوجه كلّه
____________
(1) الكافي 3/ 28، ح 5.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) نفس المصدر 3/ 30، ح 4.
49
ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ثمّ فصل بين الكلامين (1) فقال:
وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال: بِرُؤُسِكُمْ أنّ المسح ببعض الرّأسّ لمكان الباء، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلها بالرّأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك للنّاس فضيّعوه.
و للحديث تتمّة، أخذت منه موضع الحاجة.
و
قوله- (عليه السلام)-: «فعرفنا أنّ المسح ببعض الرّأس لمكان الباء»
، معناه: أنّ الفعل متعدّ إلى المفعول بنفسه، فإذا زيد الباء أفاد التّبعيض، لا أنّ الباء للتّبعيض.
وَ أَرْجُلَكُمْ: نصبه نافع و ابن عامر و حفص و يعقوب، و جرّه الباقون.
فالنّصب على العطف على محلّ «رؤوسكم» كقولك: مررت بزيد و عمرو. و الجرّ على العطف على لفظه (2).
و في كتاب التّهذيب (3): عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ على الخفض هي أم على النّصب؟
قال: بل هي على الخفض.
و العطف على الوجوه على تقدير النّصب، و على الجواز على تقدير الجرّ- كما ذهب إليه العامّة- عربيّ رديء فلا يصار إليه. و العامّة ذهبوا إلى وجوب غسل الرّجلين إذا لم يكن عليهما شيء، و المسح على ما عليهما من الخفّ و غيره إذا كان عليه.
و في كتاب التّهذيب (4): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: جمع عمر بن الخطّاب أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيهم عليّ- (عليه السلام)- فقال: ما تقولون في المسح على الخفّين؟
فقام المغيرة بن شعبة و قال: رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يمسح على الخفّين.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: قبل المائدة أو بعد المائدة؟
____________
(1) المصدر: الكلام.
(2) أنوار التنزيل 1/ 264.
(3) تهذيب الأحكام 1/ 70، ح 37.
(4) نفس المصدر 1/ 361، ح 21.
50
فقال: لا أدري.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: سبق الكتاب الخفّين، إنّما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة.
و المغيرة بن شعبة، هو أحد رؤساء المنافقين من أصحاب العقبة و السّقيفة.
و في من لا يحضره الفقيه (1): روت عائشة عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: أشدّ النّاس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره.
و روي عنها (2) أنّها قالت: لإن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحبّ إليّ من أن أمسح على خفّي. و لم يعرف للنّبي خفّ إلّا خفّ أهداه له النّجاشي، و كان موضع ظهر القدمين منه مشقوقا، فمسح النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- على رجليه و عليه خفّاه. فقال النّاس: إنّه مسح على خفّيه.
و على أنّ الحديث في ذلك غير صحيح الإسناد. (انتهى كلام الفقيه.).
و في التّهذيب (3): عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن مسح الرّجلين؟
فقال: هو الّذي نزل به جبرئيل.
و في الكافي (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه يأتي على الرّجل ستّون و سبعون سنة ما قبل منه صلاة.
فقيل: و كيف ذلك؟
قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه.
و في من لا يحضره الفقيه (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ الرّجل ليعبد اللّه أربعين سنة ما يطيعه في الوضوء، لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه.
و قرئ، بالرّفع. على تقدير: و أرجلكم ممسوحة (6).
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 30، ح 9.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 10.
(3) تهذيب الأحكام 1/ 63، ح 26.
(4) الكافي 3/ 31، ح 9.
(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 24، ح 5.
(6) أنوار التنزيل 1/ 264- 265. و فيه: «مغسولة» بدل «ممسوحة».
51
إِلَى الْكَعْبَيْنِ:
«الكعب» عظم مائل إلى الاستدارة، واقع في ملتقى السّاق و القدم، نات عن ظهره، يدخل نتوه في طرف السّاق، كالّذي في أرجل البقر و الغنم و ربّما يلعب به الأطفال. و قد يعبّر عنه بالمفصل، لمجاورته له. و لمّا كانت [الرّجل] (1) تطلق (2) على القدم و على ما تحت الرّكبة و على ما يشمل الفخذ، بيّن اللّه- سبحانه- غاية الممسوح بعضها.
و في الكافي (3): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه وصف الكعب في ظهر القدم.
و فيه (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة و بكير أنّهما سألا أبا جعفر- (عليه السلام)- عن وضوء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدعا بطشت أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبّها على وجهه فغسل بها وجهه، ثمّ غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردّها إلى المرفق، ثمّ غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق و صنع بها مثل ما صنع باليمنى (5)، ثمّ مسح رأسه و قدمه ببلل كفّه لم يحدث لهما ماء جديدا، ثمّ قال: و لا يدخل أصابعه تحت الشّراك.
قال: ثمّ قال: إنّ اللّه- تعالى- يقول: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلّا غسله، و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلّا غسله، لأنّ اللّه- تعالى- يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ثمّ قال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.
قال: فقلنا (6): أين الكعبان؟
____________
(1) ليس في أ.
(2) هكذا في أ. و في سائر النسخ: يطلق.
(3) الكافي 3/ 26، ح 7.
(4) نفس المصدر 3/ 25، ح 5.
(5) أ: باليسرى.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قيل» بدل «قال فقلنا».
52
قال: هاهنا، يعني: المفصل، دون عظم السّاق.
قال (1): هذا ما هو؟
فقال: هذا من عظم السّاق، و الكعب أسفل من ذلك.
فقلنا (2): أصلحك اللّه، فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه و غرفة للذّراع؟ قال: نعم، إذا بالغت فيها. و الثّنتان تأتيان على ذلك كلّه.
و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه عن مسائل، فكان فيما سألوه: أخبرنا يا محمّد، لأيّ علّة توضّأ هذه الجوارح الأربع، و هي أنظف المواضع في الجسد؟ فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا أن وسوس الشّيطان إلى آدم دنا من الشّجرة و نظر إليها فذهب ماء وجهه، ثمّ قام و مشى إليها و هي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة، ثمّ تناول بيده (4) منها ممّا عليها فأكل فطار الحليّ و الحلل عن جسده، فوضع آدم يده على أمّ رأسه و بكى، فلمّا تاب اللّه عليه فرض (5) عليه و على ذرّيّته غسل هذه الجوارح الأربع. و أمره بغسل الوجه لمّا نظر إلى الشّجرة، و أمره بغسل اليدين إلى المرفقين لمّا تناول منها، و أمره بمسح الرّاس لمّا وضع يده على أمّ رأسه، و أمره بمسح القدمين لمّا مشى بها إلى الخطيئة.
وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا:
قيل (6): عطف على جزاء الشّرط الأوّل، أعني: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، يعني:
إذا قمتم من النّوم إلى الصّلاة فتوضّئوا، و إن كنتم جنبا فاغتسلوا.
قال (7): يدلّ عليه قوله- تعالى (8) وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى فإنّه مندرج تحت الشّرط البتّة. فلو كان قوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ معطوفا على قوله: إِذا قُمْتُمْ أو كان مستأنفا، لم
____________
(1) أ: قيل.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: قيل.
(3) علل الشرائع 1/ 280.
(4) ليس في ر.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فرض اللّه.
(6) تفسير الصافي 2/ 18.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) النساء/ 43.
53
يتناسق المتعاطفان و للزم أن لا يستفاد الارتباط بين الغسل و الصّلاة من الآية، و لم يحسن لفظة «إن» بل ينبغي أن يقال: و إذا كنتم جنبا. كما هو غير خاف على من تتبّع أساليب الكلام.
و مقصوده من ذلك، أنّ وجوب الغسل للجنب ليس لنفس الجنابة بل للصّلاة.
و قال (1): يدلّ عليه
ما في الكافي (2): عن الباقر- (عليه السلام)- عن المرأة يجامعها الرّجل فتحيض و هي في المغتسل.
قال: جاءها ما يفسد الصّلاة فلا تغتسل.
و في التّهذيب (3): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن غسل الجنابة؟
فقال: تبدأ فتغسل كفيك، ثمّ تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك و مرافقك، ثمّ تمضمض و استنشق، ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك ليس بعده و لا قبله وضوء، و كلّ شيء أمسسته الماء فقد أنقيته، و لو أنّ رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده.
و في الكافي (4)، مقطوعا: إن لم يكن أصاب كفّه شيء غمسها في الماء، ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء أجزأه.
(انتهى كلامه.).
و فيه: أنّ الظّاهر المتناسق، عطفه على مجموع الشّرطيّة، لا على الجزاء.
و ما ذكره من اندراج قوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تحت الشّرط في محلّ المنع، إذ من المحتمل أن يكون معطوفا على مجموع الشّرطيّة أو على ما عطف عليها، إذ معنى الآية:
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا (إلخ) إن لم يمنع مانع وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا كذلك إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى و منعكم مانع المرض أو غيره فَتَيَمَّمُوا.
و ما ذكره من أنّه يلزم أن لا يستفاد الارتباط بين الغسل و الصّلاة من الآية، ففيه:
أنّه إذا فهم من الآية وجوب الغسل للجنابة مطلقا فهم وجوبه للصّلاة، لا لأنّه واجب لها بخصوصها، بل لأنّ وقتها من مجمله أوقات وجوب الغسل. و إن أراد الارتباط بالمعنى
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) الكافي 3/ 83، ح 1.
(3) تهذيب الأحكام 1/ 148، ح 113.
(4) الكافي 3/ 43، ح 3.
54
الأوّل. فلا ضير في عدم استفادته من الآية بل يكفي استفادة وجوب الغسل من الآية، ففي الصّلاة لو ترك الغسل ارتكب النّهي الّذي في ضمن الوجوب، و النّهي مفسد في العبادات فيبطل الصّلاة بدونه.
و ما ذكره من أنّه ينبغي أن يقال: حينئذ «و إذا كنتم» كما هو غير خاف- إلخ- ففيه: أنّه إن كان المراد إذا كنتم جنبا في مدّة العمر، أو في زمان ما، بمعنى: الفرد و المنتشر «فاطّهّروا» لكان المنبغي استعمال «إذا» دون «إذ» كونه جنبا في مدّة العمر، أو في زمان ما مقطوع به أو مظنون. و أمّا إذا كان المراد كونه جنبا في أيّ زمان معيّن من الأزمنة المعيّنة، أي: إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً في أوّل النّهار أو أوسطه أو آخره و كذلك في اللّيل، فالواجب استعمال «إن» إذ كونه جنبا في أحدها متساوي الطّرفين غير مقطوع أو مظنون بأحدهما. نعم، في بعض ما ذكر من الأخبار دلالة على ذلك، فإن لم يعارضه غيره من الأخبار فيحتمل أن تكون الآية مجملة مبيّنة بالخبر، فلا دلالة فيها على ما ذكره من طريق العطف.
و في الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته، متى يجب الغسل على الرّجل و المرأة؟
فقال: إذا أدخله، فقد وجب الغسل و المهر و الرّجم.
فإنّ قوله: «إذا أدخله» و إن لم يفد العموم مطلقا، أفاده إذا ضمّ إليه القرينة.
و هي هنا وقوعه موقع «متى» و في جوابه. و- أيضا- ترتيب وجوب الغسل و المهر و الرّجم على مجرّد الإدخال مع عدم توقّف الأخيرين على ما يجعل الأوّل متوقّفا عليه، يدلّ على وجوبه بمجرّد الإدخال.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (1)، عن محمّد بن عيسى عن محمّد بن إسماعيل قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن الرّجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟
____________
(1) نفس المصدر 3/ 46، ح 2.
55
فقال: إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟
قال: نعم.
و في هذا الخبر- أيضا- دلالة على وجوب الغسل لنفسه، فيمكن أن يحمل قوله- (عليه السلام)- في الخبر الأوّل: «فجاءها ما يفسد الصّلاة» على أنّ وقت وجوب الغسل هو وقت لا ينافيه شيء، فإنّ وقت الوجوب على المنزل وقت تمام إنزاله، و إن صار جنبا بأوّل الإنزال فلا يغتسل حتّى يتمّ إنزاله، فكذا الجنب الّذي جاءها الحيض وقت وجوبه عليها إنّما هو وقت عدم طريان المنافي، و طريان الحيض مناف.
و يمكن أن يحمل قوله في الخبر الثّاني: «ليس بعده و لا قبله وضوء» على أنّه إن أراد الصّلاة يصلّي بالغسل، و لا يحتاج إلى الوضوء فيه بخلاف باقي الأغسال. و ليس في الخبر الأخير دلالة حتى يحتاج إلى الحمل.
و في من لا يحضره الفقيه (1): جاء نفر من اليهود إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أن قال: لأيّ شيء أمر اللّه- تعالى- بالاغتسال من الجنابة و لم يأمر بالغسل من الغائط و البول؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ آدم لمّا أكل من الشّجرة، دبّ ذلك في عروقه و شعره و بشره. فإذا جامع الرّجل أهله خرج الماء من كلّ عرق و شعرة في جسده، فأوجب اللّه- عزّ و جلّ- على ذرّيّته الاغتسال من الجنابة إلى يوم القيامة.
و البول يخرج من فضلة الشّراب الّذي يشربه الإنسان، و الغائط يخرج (2) من فضلة الطّعام الّذي يأكله الإنسان، فعليه في ذلك الوضوء.
قال اليهوديّ: صدقت، يا محمّد.
وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ: قد مضى تفسيره، و لعلّ تكريره ليتّصل الكلام في بيان أنواع الطّهارة.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 43، ح 1.
(2) ليس في المصدر.
56
و في من لا يحضره الفقيه (1)، في حديث زرارة السّابق آنفا متّصلا بآخره، ثمّ قال:
فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ فلمّا وضع الوضوء إن لم يجدوا الماء أثبت بعض الغسل مسحا. لأنّه قال: «بوجوهكم» ثمّ وصل بها «و أيديكم» ثمّ قال (2): «منه»، أي: من ذلك التّيمّم. لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجر على الوجه. لأنّه يعلق من ذلك الصّعيد ببعض الكفّ و لا يعلق ببعضها.
و في تفسير العيّاشي (3): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: فرض اللّه الغسل على الوجه و الذّراعين و المسح على الرّأس و القدمين، فلمّا جاء حال السّفر و المرض و الضّرورة وضع اللّه الغسل و أثبت الغسل مسحا فقال: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ إلى وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ.
و في الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ملامسة النّساء، هو الإيقاع بهنّ.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (5)، عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن التّيمّم؟ فتلا هذه الآية (6): وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما و قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ قال: فامسح على كفّيك من حيث موضع القطع. و قال (7): وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ: أي: ما يريد الأمر بالطّهارة للصّلاة، أو الأمر بالتّيمّم تضييقا عليكم.
وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ: من الأحداث و الذّنوب. فإنّ الطّهارة كفّارة للذّنوب، كما هي رافعة للأحداث. فمفعول «يريد» في الموضعين محذوف. و «الّلام» للعلّة.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 57، ح 1.
(2) «ثم قال» ليس في المصدر.
(3) تفسير العياشي 1/ 302، ح 64.
(4) الكافي 6/ 109، ح 4.
(5) نفس المصدر 3/ 62، ح 2.
(6) المائدة/ 38.
(7) مريم/ 64.
57
و قيل (1): مزيدة. و المعنى: ما يريد اللّه أن يجعل عليكم من حرج حتّى لا يرخّص لكم في التّيمّم، و لكن يريد أن يطهّركم. و هو ضعيف، لأنّ «أن» لا تقدّر بعد المزيدة.
وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ: ليتمّ بشرعه ما هو مطهّر لأبدانكم و مكفّر لذنوبكم نعمته عليكم في الدّين.
قيل (2): أو ليتمّ برخصة إنعامه عليكم بعزائمه. و هو بعيد.
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6): نعمته.
قيل (3): و الآية مشتملة على سبعة أمور كلّها مثنى: طهارتان أصل و بدل، و الأصل اثنان مستوعب و غير مستوعب، و غير المستوعب باعتبار الفعل غسل و مسح و باعتبار المحل للعدول (4) محدود و غير محدود، و أن آلتهما (5) مائع و جامد، و موجبها حدث أصغر أو أكبر، و أنّ المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، و أنّ الموعود عليهما تطهير الذّنوب و إتمام النّعمة.
وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: بالإسلام. لتذكّركم المنعم، و ترغّبكم في شكره.
وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ:
قيل (6): يعني: الميثاق الّذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على السّمع و الطّاعة في العسر و اليسر و المنشط و المكره. أو ميثاق ليلة العقبة. أو بيعة الرّضوان.
و في مجمع البيان (7): عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ المراد بالميثاق، ما بيّن لهم في حجّة الوداع من تحريم المحرّمات و كيفيّة الطّهارة و فرض الولاية و غير ذلك.
____________
(1) أنوار التنزيل/ 1/ 265.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) ليس في المصدر. و الأظهر زائدة.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: آلتها.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) مجمع البيان 2/ 168.
58
و في تهذيب الأحكام (1)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: و ليكن من قولك إذا التقيتم أن تقولوا: الحمد للّه الّذي أكرمنا بهذا اليوم، و جعلنا من الموفين بعهده إلينا و ميثاقه الّذي واثقنا به من ولاية ولاة أمره و القوّام بقسطه.
إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا:
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) قال: لمّا أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الميثاق عليهم بالولاية قالوا: سمعنا و أطعنا. ثمّ نقضوا ميثاقه (3).
وَ اتَّقُوا اللَّهَ: في إنساء نعمته، و نقض ميثاقه.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7): بخفيّاتها. فيجازيكم عليها، فضلا عن جليّات أعمالكم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ: قد مرّ تفسيره.
وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا:
عدّاه «بعلى» لتضمّنه معنى الحمل، و المعنى: لا يحملنّكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحلّ كمثله و قذف و قتل نساء و صبية و نقض عهد، تشفيّا ممّا في قلوبكم.
اعْدِلُوا: في الأولياء و الأعداء.
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى: أي: العدل أقرب إلى التّقوى. صرّح لهم الأمر بالعدل و بيّن أنّه بمكان من التّقوى، بعد ما نهاهم عن الجور و بيّن أنّه مقتضى الهوى. و إذا كان هنا العدل مع الكفّار، فما ظنّك من العدل بالمؤمنين؟! وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8): فيجازيكم به.
قيل (4): و تكرير هذا الحكم، إمّا لاختلاف السّبب، كما قيل: إنّ الأولى نزلت
____________
(1) تهذيب الأحكام 3/ 144، ح 1.
(2) تفسير القمي 1/ 163.
(3) المصدر: ميثاقهم.
(4) أنوار التنزيل 1/ 265.
59
في المشركين و هذه في اليهود. أو لمزيد الاهتمام بالعدل، و [المبالغة في] (1) إطفاء ثائرة (2) الغيظ.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (9):
قيل (3): إنّما حذف ثاني مفعول وعد، استغناء بقوله: «لهم مغفرة» فإنّه استئناف يبيّنه.
و قيل (4): الجملة في موقع المفعول (5). فإنّ الوعد ضرب من القول. فكأنّه قال:
وعدهم هذا القول.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10): قابل الوعد بالوعيد، وفاء بحقّ الدّعوة. و فيه مزيد وعد للمؤمنين و تطييب لقلوبهم، و زيادة عقوبة للكافرين و تحسير لهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ: بالقتل و الإهلاك.
يقال: بسط إليه يده، إذا بطش به. و بسط إليه لسانه، إذا شتمه.
فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ: منعها أن تمدّ إليكم، و ردّ مضرتّها عنكم.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11): فإنّه الكافي لإيصال الخير، و دفع الشّرّ.
قيل (6): إنّ المشركين رأوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه بعسفان قاموا إلى الظّهر معا، فلمّا صلّوا ندموا ألّا [كانوا] (7) أكبّوا عليهم و همّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فردّ اللّه [عليهم] (8) كيدهم بأن أنزل [عليهم] (9) صلاة الخوف. و الآية، إشارة
____________
(1) من المصدر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: نائرة.
(3) نفس المصدر 1/ 266.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: المفعول الثاني.
(6) نفس المصدر و الموضع و فيه: «روي» بدل «قيل».
7 و 8 و 9- من المصدر.
60
إلى ذلك.
و قيل (1): هو إشارة إلى ما روي أنّه- (عليه السلام)- أتى قريظة و معه عليّ- (عليه السلام)- و أبو بكر و عمر و عثمان يستقرضهم لدية مسلمين، [أي: يطلب منهم الدّية] (2). قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلس حتّى نطعمك و نقرضك. فأجلسوه و همّوا بقتله، فعهد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك اللّه يده، فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- فأخبره فخرج.
و قيل: نزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منزلا و علّق سلاحه بشجرة و تفرّق النّاس عنه، فجاء أعرابيّ فسل سيفه، فقال: من يمنعك؟
فقال: اللّه. فأسقطه جبرئيل- (عليه السلام)- من يده، فأخذه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: من يمنعك منّي؟
فقال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه. فنزلت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): يعني: أهل مكّة من قبل فتحها، فكفّ أيديهم بالصّلح يوم الحديبية.
وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً:
شاهدا من كلّ سبط، ينقّب عن أحوال قومه، و يفتّش عنها. أو كفيلا، يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به.
قيل (4): إنّ بني إسرائيل لمّا فرغوا من فرعون و استقرّوا بمصر، أمرهم اللّه بالمسير إلى أريحا من أرض الشّام، و كان يسكنها الجبابرة الكنعانيّون، و قال: إنّي كتبتها لكم دارا و قرارا، فاخرجوا إليها و جاهدوا من فيها، فإنّي ناصركم. و أمر موسى أن يأخذ من كلّ سبط كفيلا عليهم بالوفاء بما أمروا به، فأخذ عليهم الميثاق و اختار منهم النّقباء و سار بهم، فلمّا دنا من أرض كنعان بعث النّقباء يتجسّسون الأخبار و نهاهم أن يحدّثوا قومهم،
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في المصدر.
(3) تفسير القمي 1/ 163.
(4) أنوار التنزيل 1/ 266. و فيه «روي» بدل «قيل».
61
فرأوا أجراما عظيمة و بأسا شديدا فهابوا، فرجعوا و حدّثوا قومهم [فنكثوا الميثاق] (1) إلّا كالب بن يوفنا (2) من سبط يهوذا، و يوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف (3).
وَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ بالنّصرة.
لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ، أي:
نصرتموهم و قوّيتموهم. و أصله، الذّبّ. و منه: التّعزير.
وَ أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً: بالإنفاق في سبيل الخير.
و «قرضا» يحتمل المصدر، و المفعول.
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ: جواب للقسم، المدلول عليه بالّلام في «لئن»، سادّ مسدّ جواب الشّرط.
وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ، بعد ذلك الشّرط المؤكّد، المعلّق به الوعد العظيم.
مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12): ضلالا لا شبهة فيه و لا عذر معه، بخلاف من كفر قبل ذلك، إذ قد يمكن أن يكون لهم شبهة و يتوهّم له معذرة.
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ:
في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): يعني: نقض عهد أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
لَعَنَّاهُمْ: طردناهم من رحمتنا. أو مسخناهم. أو ضربنا عليهم الجزية.
وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً: لا تنفعل عن الآيات و النّذر.
و قرأ حمزة و الكسائيّ: «قسيّة» و هي إمّا مبالغة قاسية. أو بمعنى: رديئة. من قولهم: درهم قسيّ، إذا كان مغشوشا. و هو- أيضا- من القسوة، فإنّ المغشوش فيه يبس و صلابة (5).
و قرئ: «قسية» باتّباع القاف السّين (6).
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: كالب بن يوقنا.
(3) المصدر: إفراثيم بن يوسف.
(4) تفسير القمي 1/ 163.
(5) أنوار التنزيل 1/ 267.
(6) نفس المصدر و الموضع.
62
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ: استئناف لبيان قسوة قلوبهم، فإنّه لا قسوة أشدّ من تغيير كلام اللّه- تعالى- و الافتراء عليه. و يجوز أن يكون حالا من مفعول «لعنّاهم» لا من «القلوب» إذ لا ضمير له فيه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: من نحّى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن موضعه. و الدّليل على (2) أنّ الكلمة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قوله: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، يعني به: الولاية.
وَ نَسُوا حَظًّا: و تركوا نصيبا وافيا.
مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ: من التّوراة. أو من اتّباع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى: أنّهم حرّفوا التّوراة و تركوا حظّهم ممّا أنزل عليهم، فلم ينالوه.
و قيس (3): معناه: أنّهم حرّفوها، فزلّت (4) بشؤمه أشياء منها عن حفظهم، لما روي أنّ ابن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. و تلا هذه الآية.
وَ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ: خيانة. أو فرقة خائنة. أو خائن منهم.
و «التّاء» للمبالغة، و المعنى: أنّ الخيانة و الغدر من عادتهم و عادة أسلافهم، لا تزال ترى ذلك منهم.
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ: لم يخونوا. و هم الّذين آمنوا منهم.
و قيل (5): استثناء من قوله: «و جعلنا قلوبهم قاسية».
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ: قيل (6): إن تابوا و آمنوا. أو إن عاهدوا و التزموا الجزية.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (7) قال: منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13): تعليل للأمر بالصّفح، و حثّ عليه، و تنبيه
____________
(1) تفسير القمي 1/ 163- 164.
(2) المصدر: على ذلك.
(3) أنوار التنزيل 1/ 267.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فذلّت.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير القمي 1/ 164.
63
على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره.
وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ: أي: و أخذنا من النّصارى ميثاقهم، كما أخذنا ممّن قبلهم.
و قيل (1): تقديره: و من الّذين قالوا إنّا نصارى قوم أخذنا. و إنّما قالوا: إنّا نصارى، ليدلّ على أنّهم سمّوا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة اللّه.
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ: بالأفعال.
وَ الْبَغْضاءَ: بالقلوب.
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ: فألزمنا. من غرى الشّيء: إذا لصق به. بين فرق النّصارى و هم نسطوريّة و يعقوبيّة و ملكائية. أو بينهم و بين اليهود.
وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14): بالجزاء و العقاب.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ (3)، عن عليّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن الحسين بن خالد، عمّن ذكره، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لا تشتر من السّودان أحدا، فإن كان لا بدّ فمن النّوبة، فإنّهم من الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أما إنّهم سيتذكّرون ذلك الحظّ، و سيخرج مع القائم- (عليه السلام)- منّا عصابة منهم. و لا تنكحوا من الأكراد أحدا، فإنّهم جنس من الجنّ كشف عنهم الغطاء.
يا أَهْلَ الْكِتابِ: يعني: اليهود و النّصارى. و وحّد الكتاب، لأنّه للجنس.
قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 267.
(2) الكافي 5/ 352، ح 2.
(3) المصدر: «إسماعيل بن محمد المكي» و هو إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن هلال المخزومي أبو محمد. ر. تنقيح المقال 1/ 142، رقم 876.
و إما بالنسبة إلى «محمد بن إسماعيل البرمكي» راجع نفس المصدر 2/ 81، رقم 10389.
64
: كنعت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و آية الرّجم في التّوراة، و بشارة عيسى بأحمد في الإنجيل.
وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: ممّا تخفونه، لا يخبر به إذا لم يضطرّ إليه أمر دينيّ. أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: يبيّن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كثيرا ممّا أخفيتموه ممّا في التّوراة من إخباره و يدع كثيرا لا يبيّنه.
و في مجمع البيان (2): عن الباقر- (عليه السلام)- عند تفسير يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ (3) من هذه السّورة: أنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم و هما محصنان، فكرهوا رجمهما، فأرسلوا إلى يهود المدينة و كتبوا إليهم أن يسألوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة، فانطلق قوم، منهم كعب بن الأشرف و كعب بن أسيد و شعبة بن عمرو و مالك بن الضّيف و كنانة بن أبي الحقيق و غيرهم فقالوا! يا محمّد، أخبرنا عن الزّاني و الزّانية إذا أحصنا ما حدّهما؟
فقال: و هل ترضون بقضائي في ذلك؟
قالوا: نعم. فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- بالرّجم فأخبرهم بذلك، فأبوا أن يأخذوا به.
فقال جبرئيل- (عليه السلام)-: اجعل بينك و بينهم ابن صوريا. و وصفه له.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل تعرفون شابّا أمرد أبيض أعور يسكن فدك، يقال له: ابن صوريا؟
قالوا: نعم.
قال: فأيّ رجل هو فيكم؟
قالوا: هو أعلم يهوديّ بقي على ظهر الأرض بما أنزل اللّه على موسى- (عليه السلام)-.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 164.
(2) مجمع البيان 2/ 193.
(3) المائدة/ 41.
65
قال: فأرسلوا إليه. ففعلوا، فأتاهم عبد اللّه بن صوريا.
فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي أنشدك اللّه الّذي لا إله إلّا هو، الّذي أنزل التّوراة على موسى و فلق لكم البحر فأنجاكم و أغرق آل فرعون و ظلّل عليكم الغمام و أنزل عليكم المنّ و السّلوى، هل تجدون في كتابكم الرّجم على من أحصن؟
قال ابن صوريا: نعم، و الّذي ذكّرتني به لو لا خشية أن يحرقني ربّ التّوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت لك، و لكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمّد؟
قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنّه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة، وجب عليه الرّجم. فقال ابن صوريا: هكذا نزل في التّوراة على موسى.
فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فما ذا كان أوّل ما ترخّصتم به أمر اللّه؟
قال: كنّا إذا زنا الشّريف تركناه و إذا أخذنا الضّعيف (1) أقمنا عليه الحدّ، فكثر الزّنا في أشرافنا حتّى زنا ابن عمّ ملك لنا فلم نرجمه، ثمّ زنا رجل آخر فأراد الملك رجمه.
فقال له قومه: لا، حتّى ترجم فلانا، يعنون: ابن عمّه. فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرّجم يكون على الشّريف و الوضيع. فوضعنا الجلد و التّحميم. و هو أن يجلد أربعين جلدة ثمّ يسوّد وجوههما ثمّ يحملان على حمارين و يجعل وجوههما من قبل دبر الحمار و يطاف بهما. فجعلوا هذا مكان الرّجم.
فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به! و ما كنت (2) لما أثنينا عليك بأهل و لكنّك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك.
فقال: إنّه أنشدني بالتّوراة، و لو لا ذلك ما أخبرته به.
فأمر بهما النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرجما عند باب مسجده، و قال: أنا أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأنزل اللّه- سبحانه- فيه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فقام ابن صوريا فوضع يده على ركبتي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ قال: هذا مقام العائذ باللّه و بك أن تذكر
____________
(1) المصدر: «إذا زنا الضعيف» بدل «إذا أخذنا الضعيف».
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: و ما كنت لنا.
66
لنا الكثير الّذي أمرت أن تعفو عنه. فأعرض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ذلك.
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ (15):
قيل (1): النّور، محمّد. و الكتاب، القرآن.
و قيل (2): كلاهما من القرآن. و أيّد بتوحيد الضّمير في «به».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3) قال: يعني: بالنّور أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)-.
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ: توحيد الضّمير إمّا لأنّ المراد بهما واحد، أو لأنّهما في الحكم كواحد.
مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ: [من اتّبع موجب رضاه. و هو الإيمان] (4).
سُبُلَ السَّلامِ: طرق السّلامة من العذاب. أو سبل اللّه.
وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ: من أنواع الكفر إلى الإسلام.
بِإِذْنِهِ: بإرادته و توفيقه.
وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16): طريق هو أقرب الطّرق إلى اللّه.
و إلى جنّته.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ:
قيل (5): هم الّذين قالوا بالاتّحاد منهم.
و قيل (6): لم يصرّح به أحد منهم، و لكن لمّا زعموا أنّ فيه لاهوتا و قالوا: لا إله إلّا واحد، لزمهم أن يكون هو المسيح، فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم و تفضيحا لمعتقدهم.
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً: فمن يمنع من قدرته و إرادته شيئا.
إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً:
____________
1 و 2- التفسير الكبير، للفخر الرازي 11/ 189- 190، باختلاف بسيط في بعض الألفاظ.
(3) تفسير القمي 1/ 164.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) أنوار التنزيل 1/ 268.
(6) نفس المصدر و الموضع.
67
استدلّ به على فساد قولهم.
و تقريره: أنّ المسيح مقدور و مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، و من كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهيّة.
وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17): إزاحة لما عرض لهم في أمره من الشّبهة. و المعنى: أنّه- تعالى- قادر على الإطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السّماوات و الأرض، و من أصل كخلق ما بينهما. فينشئ من أصل ليس من جنسه كآدم و حوّاء و كثير من الحيوان. أو من أصل يجانسه من أنثى وحدها كعيسى. أو منهما كسائر النّاس.
وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ:
قيل (1): أشياع ابنيه: عزير و المسيح. كما قيل لأشياع [خبيب عبد اللّه] (2) بن الزّبير: الخبيبون. أو المقربون عنده، قرب الأولاد من الآباء (3).
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ: في الدّنيا، بالقتل و المسخ و الأسر. و اعترفتم أنّه سيعذّبكم بالنّار «أيّاماً معدودة» فلا يصحّ ما زعمتم.
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ: ممّن خلقه اللّه.
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ: منكم. و هو من آمن به و برسله.
وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ: و هو من كفر.
و المعنى: أنّه يعاملكم معاملة سائر النّاس، لا مزيّة لكم عليهم.
وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما: كلّها، سواء في كونه خلقا و ملكا.
وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18): فيجازي المحسن بإحسانه، و المسيء بإساءته.
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ:
قيل (4): أي: الدّين، و حذف لظهوره. أو ما كتمتم، و حذف لتقدّم ذكره.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: «و الدهم» و هو الظاهر.
(4) نفس المصدر و الموضع.
68
و قيل: ما يحتاج إلى البيان، و هو أولى. و يجوز أن لا يقدّر مفعول، على معنى:
يبذل لكم البيان. و الجملة في موضع الحال، أي: جاءكم رسولنا مبيّنا لكم.
عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ: متعلّق «بجاءكم»، أي: جاءكم على حين فتور من الإرسال و انقطاع من الوحي.
قيل (1): أو يبيّن حال من الضّمير فيه (2).
قال الصّدوق- (رحمه اللّه)- في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3): معنى الفترة:
أن لا يكون نبيّ و لا وصيّ ظاهر مشهور، و قد كان بين نبيّنا و بين عيسى- (عليهما السلام)- أنبياء و أئمّة مستورون خائفون، منهم خالد بن سنان العبسي لا يدفعه دافع و لا ينكره منكر، و كان بين مبعثه و مبعث نبيّنا خمسون سنة. (انتهى كلامه).
و تصديق ذلك،
قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (4): لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، إمّا ظاهر مشهور و إمّا خائف مغمور.
و في أصول الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن علي بن عمرو بن أيمن جميعا، عن محسن بن أحمد بن معاذ، عن أبان بن عثمان، عن بشير النّبّال، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالسا، إذ جاءته امرأة، فرحّب بها و أخذ بيدها و أقعدها، ثمّ قال: ابنة نبيّ ضيّعه قومه، خالد بن سنان دعاهم فأبوا أن يؤمنوا.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا محمّد بن الوليد الخزّاز و السّنديّ بن محمّد البزّاز جميعا، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن
____________
(1) نفس المصدر 1/ 269.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أو حال من الضمير في يبيّن.
(3) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 659، بتفاوت في النقل.
(4) نهج البلاغة/ 497، حكمة 147.
(5) الكافي 8/ 282، ح 540.
(6) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 659- 660، ح 3.
69
بشير النّبّال، عن أبي جعفر الباقر و أبي عبد اللّه الصّادق- (عليهما السلام)- قال: جاءت ابنة خالد بن سنان العبسي إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال لها: مرحبا بابنة أخي (1). و صافحها و أدناها و بسط لها رداءه، ثمّ أجلسها عليه إلى جنبه، ثمّ قال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه، خالد بن سنان [العبسيّ.] (2) و كان اسمها محياة ابنة خالد بن سنان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي الرّبيع قال: سأل نافع الأزرق أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- فقال: أخبرني كم بين عيسى و محمّد من سنة؟
فقال: أخبرك بقولك أم بقولي (4)؟
قال: أخبرني بالقولين جميعا.
قال: أمّا بقولي (5) فخمسمائة [سنة،] (6) و أمّا بقولك (7) فستّمائة [سنة.] (8) و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[و في أصول الكافي (9): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثّماليّ، و أبو منصور عن أبي الرّبيع، مثله.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (10)- أيضا- بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ [، عمّن حدّثه.] (11)، عن إسماعيل بن أبي رافع [، عن أبيه أبي رافع] (12)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد أن ذكر عيسى ثمّ يحيى ثمّ العزير ثمّ دانيال- (عليهم السلام)-
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: بابنتي.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمي 1/ 232.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بقولي و بقولك»، بدل «بقولك أم بقولي».
(5) المصدر: في قولي.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: في قولك.
(8) من المصدر.
(9) بل في روضة الكافي، 8/ 120- 121، ضمن حديث 93.
(10) كمال الدين و تمام النعمة/ 226- 227، ضمن حديث 20 و أوّله في ص 224.
11 و 12- من المصدر.
70
و ملوك زمانهم: فلمّا أراد اللّه أن يقبض دانيال أمره أن يستودع (1) نور اللّه و حكمته مكيخابن دانيال ففعل، و عند ذلك ملك هرمز ثلاثة و ستّين سنة و ثلاثة أشهر و أربعة أيّام، و ملك بعده بهرم [بن بهرام (2) ستّا و عشرين سنة، و ولي أمر اللّه مكيخابن دانيال و أصحابه المؤمنون و شيعته الصّدّيقون غير أنّهم لا يستطيعون أن يظهروا الإيمان في ذلك الزّمان و لا أن ينطقوا به، و عند ذلك ملك بهرام بن بهرام سبع سنين و في زمانه انقطعت الرّسل و كانت الفترة، و ولي أمر اللّه يومئذ مكيخابن دانيال و أصحابه المؤمنون، فلمّا أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن يقبضه أوحى إليه في منامه: أن يستودع (3) نور اللّه و حكمته ابنه أنشوا بن مكيخا، و كانت الفترة بين عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أربعمائة سنة و ثمانين سنة، و أولياء اللّه في الأرض ذرّيّة أنشوا بن مكيخا يرث ذلك منهم واحد بعد واحد. ممّن يختاره الجبّار- عزّ و جلّ-.
و بإسناده إلى مقاتل بن سليمان بن دوال دوز (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديثا طويلا، و في آخره يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أوصى عيسى إلى شمعون بن حمّون الصّفا، و أوصى شمعون إلى يحيى بن زكريّا، و أوصى يحيى بن زكريّا إلى منذر، و أوصى منذر إلى سليمة، و أوصى سليمة إلى بردة. ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و دفعها بردة إلي (5). و أنا أدفعها إليك يا عليّ.
و في كتاب التّوحيد (6)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أصحاب الملل و المقالات، قال الرّضا- (عليه السلام)- لرأس الجالوت: و قد قال داود في زبوره و أنت
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: استودع.
(2) ليس في المصدر.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: استودع.
(4) نفس المصدر 1/ 213، ضمن حديث 1. و في النسخ: «مقاتل بن سليمان بن داود» و هي خطأ.
و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر. ر. تنقيح المقال 3/ 244، رقم 12094.
(5) المصدر: «إليّ بردة» بدل «بردة إليّ».
(6) التوحيد/ 428- 429.
71
تقرأه (1): اللّهمّ ابعث مقيم السّنة بعد الفترة. فهل تعرف نبيّا أقام السّنّة بعد الفترة غير محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه و لا ننكره، و لكن عنى بذلك: عيسى، و أيّامه هي الفترة.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: جهلت أنّ عيسى لم يخالف السّنّة، و قد كان موافقا لسنّة التّوراة حتّى رفعه اللّه إليه. و في الإنجيل مكتوب: إنّ ابن البرّة ذاهب و الفار قليطا جاء من بعده، و هو الّذي يخفّف الآصار و يفسّر لكم كلّ شيء و يشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال و هو يأتيكم بالتّأويل. أ تؤمن بهذا في الإنجيل؟ قال:
نعم، لا أنكره.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته، هل سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الأطفال؟
فقال: قد سئل، فقال: اللّه أعلم بما كانوا عاملين. ثمّ قال: يا زرارة، و هل تدري قوله: «اللّه أعلم بما كانوا عاملين»؟
قلت (3): لا.
قال: للّه فيهم المشيئة، إنّه إذا كان يوم القيامة جمع اللّه- عزّ و جلّ- الأطفال و الّذي مات من النّاس في الفترة و الشّيخ الكبير الّذي أدرك النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو لا يعقل و الأصمّ و الأبكم الّذي لا يعقل و المجنون و الأبله الّذي لا يعقل و كلّ واحد منهم يحتج على اللّه- عزّ و جلّ- فيبعث اللّه إليهم ملكا من الملائكة فيؤجّج لهم نارا، ثمّ يبعث اللّه إليهم ملكا فيقول لهم: إنّ ربّكم يأمركم أن تثبوا فيها. فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما و أدخل الجنّة، و من تخلّف عنها دخل النّار.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (4)، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) المصدر: تقرأ.
(2) الكافي 3/ 248، ح 1.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(4) نفس المصدر 3/ 249، ح 6.
72
- (عليه السلام)- أنّه سئل عمّن مات في الفترة و عمّن لم يدرك الحنث و المعتوه؟
فقال: يحتجّ اللّه عليهم، يرفع لهم نارا فيقول لهم: ادخلوها. فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما، و من أبى قال: ها أنتم قد أمرتكم، فعصيتموني.
و بهذا الإسناد قال (1): ثلاثة يحتجّون عليهم: الأبكم و الطّفل و من مات في الفترة، فترفع (2) لهم نار (3) فيقال لهم: ادخلوها. فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما، و من أبى قال اللّه- تبارك و تعالى-: هذا قد أمرتكم فعصيتموني] (4).
و في كتاب الخصال (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: رنّ إبليس أربع رنّات: أوّلهنّ يوم لعن، و حين أهبط إلى الأرض، و حين بعث محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- على حين فترة من الرسل.
(الحديث).
أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ: كراهة أن تقولوا ذلك، و تعتذروا به.
فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ: متعلّق بمحذوف، أي: فلا تعتذروا فقد جاءكم.
وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19):
قيل (6): فيقدر على الإرسال تترى كما فعل بين موسى و عيسى- (عليهما السلام)- إذ كان بينهما ألف و سبعمائة سنة و ألف نبيّ، و على الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى و محمّد- (عليهما السلام)- إذ كان بينهما ستّمائة أو خمسمائة و تسع و ستّون سنة و أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل و واحد من العرب خالد بن سنان العبسي.
و في الآية امتنان عليهم، بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي و كانوا أحوج ما يكونون إليه.
و قد سبق في الخبر: أنّ بين عيسى و نبيّنا خمسمائة سنة.
و انطماس آثار الوحي، بمعنى: عدم ظهوره للنّاس، و كون النّبيّ خافيا مقهورا.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 7.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فيرفع.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: نارا.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) الخصال 1/ 263، ح 141.
(6) أنوار التنزيل 1/ 269.
73
[و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه أحوال يوم القيامة، و فيه فيقام الرّسل، فيسألون عن تأدية الرّسالات (2) الّتي حملوها إلى أممهم [فأخبروا أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم] (3) و تسأل الأمم فتجحد (4) كما قال (5): فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فيقولون: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ (6) فتشهد الرّسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيشهد بصدق الرّسل و تكذيب من جحدها من الأمم، فيقول لكل أمّة منهم: بلى فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (7)، أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرّسل إليكم رسالاتهم. و كذلك قال اللّه لنبيّه: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. فلا يستطيعون ردّ شهادته خوفا من أن يختم اللّه على أفواههم و أن تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون] (8).
وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: فأرشدكم و شرفكم بهم. و لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.
وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً، أي: جعل منكم، أو فيكم. و قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتّى قتلوا يحيى، و همّوا بقتل عيسى.
و قيل (9): لمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم و جعلهم مالكين لأنفسهم و أمورهم، سمّاهم ملوكا.
وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20): من فلق البحر، و تظليل الغمام، و إنزال المنّ و السّلوى، و نحوها ممّا أتاهم.
____________
(1) الاحتجاج 1/ 360- 361.
(2) المصدر: الرسالة.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فيجحدون.
(5) الأعراف/ 6.
(6) المائدة/ 19.
(7) النساء/ 41.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(9) أنوار التنزيل 1/ 269.
74
و قيل (1): المراد بالعالمين، عالمي زمانهم.
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ:
قيل (2): أرض بيت المقدس. سمّيت بذلك، لأنّها قرار الأنبياء و مسكن المؤمنين.
و قيل: الطّور و ما حوله.
و قيل: دمشق و فلسطين و بعض الأردنّ.
و قيل:
الشّام. و هو المرويّ في تفسير العيّاشي (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: في اللّوح المحفوظ، أن تكون مسكنا لكم إن أطعتم و آمنتم، لقوله لهم بعد ما عصوا: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ.
و في تفسير العيّاشي (4): عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ بني إسرائيل قال [اللّه] (5) لهم: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فلم يدخلوها حتّى حرّمها عليهم و على أتباعهم و على أبنائهم، و إنّما دخلها أبناء الأبناء.
و عن إسماعيل الجعفي (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له:
أصلحك اللّه ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أ كان كتبها لهم؟
قال: أي و اللّه كتبها لهم، ثمّ بدا له لا يدخلوها.
قال: ثمّ ابتدأ هو فقال: إنّ الصّلاة كانت ركعتين عند اللّه، فجعلها (7) للمسافر و زاد للمقيم ركعتين فجعلها أربعا.
و عن مسعدة بن صدقة (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
قال: كتبها لهم ثمّ محاها، ثمّ كتبها لأبنائهم فدخلوها، و اللّه يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب.
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير العياشي 1/ 306، ضمن حديث 75.
(4) نفس المصدر 1/ 304، ح 72.
(5) ليس في المصدر.
(6) نفس المصدر و الموضع، ح 71.
(7) المصدر: «فجعلهما». و كلا اللفظين صحيحان.
(8) نفس المصدر و الموضع، ح 72.
75
[و عن أبي بصير (1)، عن أحدهما- (عليهما السلام)-: أنّ رأس المهديّ يهدى إلى موسى بن عيسى على طبق.
قلت: فقد مات هذا و هذا.
قال: فقد قال اللّه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فلم يدخلوها و دخلها الأبناء، أو قال: أبناء الأبناء. فكان ذلك دخولهم (2).
فقلت: لو ترى أنّ الّذي قال في المهديّ و [في] (3) ابن عيسى يكون مثل هذا؟
فقال: نعم يكون في أولادهم. فقلت: ما تنكر أن يكون [ما] (4) قال في ابن الحسن يكون في ولده؟
قال: [نعم] (5) ليس ذلك مثل ذاك.
و عن زرارة (6)، عن حمران، و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- عن قوله: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
قال: كتبها لهم ثمّ محاها.
] (7) وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ: و لا ترجعوا مدبرين، خوفا من الجبابرة.
قيل (8): لمّا سمعوا حالهم من النّقباء بكوا و قالوا: ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر أو لا ترتدّوا عن دينكم بالعصيان و عدم الوثوق على اللّه.
فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21): ثواب الدّارين.
و يجوز في «فتنقلبوا» الجزم على العطف، و النّصب على الجواب.
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ: متغلّبين، لا يتأتى لنا مقاومتهم.
و «الجبار» فعّال. من جبره على الأمر، بمعنى: أجبره. و هو الّذي يجبر النّاس على ما يريده.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 303، ح 67.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: دخول.
3 و 4 و 5- من المصدر.
(6) نفس المصدر 1/ 304، ح 69.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) أنوار التنزيل 1/ 269.
76
وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22): إذ لا طاقة لنا بهم.
قالَ رَجُلانِ:
هما يوشع بن نون، و كالب بن يوفنا. و هما ابنا عمّه. كذا رواه العيّاشي (1)، عن الباقر- (عليه السلام)-.
مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ: أي: يخافون اللّه و يتّقونه.
و قيل (2): كانا رجلين من الجبابرة أسلما و سارا إلى موسى- (عليه السلام)-. فعلى هذا الواو لبني إسرائيل، و الرّاجع إلى الموصول محذوف، أي: من الّذين يخافهم بنو إسرائيل. و يشهد له أنّه قرئ: «الّذين (3) يخافون» بالضّمّ، أي: المخوّفين. و هو مردود بما ذكر في الخبر. و على المعنى الّذي ذكر في الخبر يكون هذا من الإخافة، أي: الّذين يخوّفون من اللّه، بالتّذكير. أو يخوّفهم الوعيد.
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا: بالإيمان و التّثبّت. و هو صفة ثانية «لرجلين»، أو اعتراض.
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ: باب قريتهم، أي: باغتوهم و ضاغطوهم في المضيق و امنعوهم من الإصحار.
فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ: لتعسّر الكرّ عليهم في المضايق من عظم أجسامهم، و لأنّهم أجسام لا قلوب فيها. و يجوز أن يكون علمهما بذلك من أخبار موسى، و قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. أو ممّا علما من عادته- تعالى- في نصرة رسله و ما عهدا من صنعه لموسى في قهر أعدائه.
وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23): أي: مؤمنين به و مصدقين لوعده.
[و في مصباح الشّريعة (4) قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: و قال
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 303، ح 68.
(2) أنوار التنزيل 1/ 269.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و أيّده بقراءة» بدل «و يشهد له أنّه قرئ الذين».
(4) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 415، مع إسقاط في أوّله.
77
- عزّ و جلّ-: وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جعل التّوكل مفتاح الإيمان، و الإيمان قفل التّوكّل، و حقيقة التّوكل الإيثار، و أصل الإيثار تقديم الشّيء بحقّه.
و لا ينفك المتوكّل في توكّله من إثبات أحد الإيثارين، فإن آثر معلول التّوكّل و هو الكون حجب به، و إن آثر [معلّل] (1) علّة التّوكّل و هو الباري- سبحانه- بقي معه] (2).
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها: بدل من «أبدا» بدل البعض.
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24): قالوا ذلك، استهانة باللّه و رسوله، و عدم مبالاة بهما.
و قيل (3): تقديره: اذهب أنت و ربّك يعينك.
[و في كتاب الاحتجاج (4)، للطّبرسيّ، و عن أبان بن تغلب، عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال: قال عليّ- (عليه السلام)- لعمر بن الخطّاب في أوّل جلوس أبي بكر: يا بن صهاك الحبشيّة، لو لا كتاب من اللّه سبق و عهد من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تقدّم لأريتك أيّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا. ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم اللّه. فو اللّه لا دخلت المسجد إلّا كما دخل أخواي موسى و هارون إذ قال له أصحابه: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ و اللّه لا دخلته إلّا لزيارة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو لقضيّة أقضيها. فإنّه لا يجوز لحجّة (5) أقامها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يترك النّاس في حيرة] (6).
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي: يشكو حزنه إلى اللّه لمّا خالفه قومه و أيس منهم، و لم يبق معه موافق يثق به غير هارون- (عليه السلام)- و الرّجلان المذكوران. و إن كانا يوافقانه، لم يثق عليهما، لما كابد من تلوّن قومه.
و يجوز أن يريد «بأخي» من يؤاخيني في الدّين، فيدخلان فيه.
____________
(1) من المصدر.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) أنوار التنزيل 1/ 270.
(4) الاحتجاج 1/ 104- 105.
(5) المصدر: بحجّة.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
78
و «أخي» إمّا منصوب، معطوف على «نفسي»، أو على اسم «إنّ». مرفوع، معطوف على الضّمير في «لا أملك»، أو على محلّ «إنّ» و اسمها. و إمّا مجرور معطوف على الضّمير في «نفسي» عند الكوفيّين (1).
فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25): بأن تحكم علينا بما نستحقّه، و عليهم بما يستحقّونه. أو بالتّبعيد بيننا و بينهم، و تخليصنا من صحبتهم.
قالَ فَإِنَّها، أي: الأرض المقدّسة.
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ: لا يدخلونها و لا يملكونها، بسبب عصيانهم.
أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ: متعلّق «بيتيهون» لا «بمحرّمة»، لأنّه ما دخل أحد منهم الأرض المقدّسة، بل دخلها أبناء أبنائهم كما مرّ في الخبر، أي: يسيرون فيها متحيّرين لا يرون طريقا.
نقل: أنّهم لبثوا أربعين سنة في ستّة فراسخ، يسيرون من الصّباح إلى المساء فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه، و كان الغمام يظلّهم من الشّمس و عمود من نور يطلع باللّيل فيضيء لهم، و كان طعامهم المنّ و السّلوى و ماؤهم من الحجر الّذي يحملونه (2).
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26): خاطب به موسى- (عليه السلام)- لمّا ندم على الدّعاء عليهم، و بيّن أنّهم أحقّاء بذلك لفسقهم.
و في تفسير العيّاشي (3): عن حريز، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و الّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنّعل، و القذّة بالقذّة، حتّى لا تخطئون طريقهم و لا تخطئكم سنّة بني إسرائيل.
ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قال موسى لقومه: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فردّوا عليه، و كانوا ستّمائة ألف فقالوا: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ. (الآيات).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 270.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير العياشي 1/ 303، ح 68.
79
قال: فعصى أربعون ألفا (1)، و سلم هارون و ابناه و يوشع بن نون و كالب بن يوفنا، فسمّاهم اللّه فاسقين فقال: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. فتاهوا أربعين سنة. لأنّهم عصوا. فكانوا حذو النّعل بالنّعل. إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا قبض لم يكن على أمر اللّه إلّا عليّ و الحسن و الحسين و سلمان و المقداد و أبو ذرّ، فمكثوا أربعين حتّى قام عليّ فقاتل من خالفه.
و عن داود الرّقي (2) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- [يقول:] (3) كان أبو جعفر- (عليه السلام)- يقول: نعم الأرض الشّام. و بئس القوم أهلها. و بئس البلاد مصر. أما إنّها سجن من سخط اللّه عليه. و لم يكن دخول بني إسرائيل [مصر] (4) إلّا [من سخطه و] (5) معصية منهم للّه. لأنّ اللّه قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني: الشّام. فأبوا أن يدخلوها فتاهوا في الأرض أربعين سنة في مصر و فيافيها، ثمّ دخلوها بعد أربعين سنة. قال: و ما خروجهم من مصر و دخولهم الشّام، إلّا بعد توبتهم و رضا اللّه عنهم.
و في قرب الإسناد (6)، للحميريّ: أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلنا له: إنّ أهل مصر يزعمون أنّ بلادهم مقدّسة.
قال: و كيف ذلك؟
قلت: جعلت فداك، يزعمون أنّه يحشر من جبلهم سبعون ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب.
قال: لا، لعمري ما ذاك كذلك، و ما غضب [اللّه] (7) على بني إسرائيل إلّا أدخلهم مصر (8) و لا رضى عنهم إلّا أخرجهم منها إلى غيرها، و لقد أوحى اللّه- تبارك و تعالى- إلى موسى أن يخرج عظام يوسف منها، و لقد قال رسول اللّه- صلّى
____________
(1) المصدر: أربعون ألف.
(2) نفس المصدر 1/ 305، ح 75.
3 و 4 و 5- ليس في أ.
(6) قرب الاسناد/ 165- 166.
(7) من أ.
(8) هكذا في أ. و في سائر النسخ: مصرا.
80
اللّه عليه و آله-: لا تغسلوا رؤوسكم بطينها و لا تأكلوا في فخارها. فإنّها تورث الذّلّة.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[في تفسير العيّاشي (1):] (2) عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [ذكر أهل مصر] (3) و ذكر قوم موسى و قولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. قال: فحرّمها اللّه عليهم أربعين سنة و تيّههم، فكان إذا كان العشاء و أخذوا في الرّحيل نادوا: الرّحيل الرّحيل، الوحا الوحا. فلم يزالوا كذلك حتّى تغيب الشّمس، حتّى إذا ارتحلوا و استوت بهم الأرض قال اللّه- تعالى- للأرض:
ديري بهم. فلم يزالوا كذلك حتّى إذا أسحروا و قارب الصّبح قالوا: إنّ هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا. فإذا أصبحوا إذا هم في منازلهم الّتي كانوا فيها بالأمس، فيقول بعضهم لبعض: يا قوم لقد ظللتم و أخطأتم الطّريق. فلم يزالوا كذلك حتّى أذن اللّه لهم فدخلوها.
و قد كان كتبها لهم.
قوله- (عليه السلام)-: حتّى أذن اللّه، أي: في أبناء الأبناء. كما مرّ في الخبر السّابق.
و في الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن ابن فضّال، عن محمّد بن الحصين، عن محمّد بن الفضيل، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مات داود النّبيّ- صلّى اللّه عليه- يوم السّبت [مفجوءا، فأظلّته الطّير بأجنحتها.] (5) و مات موسى كليم اللّه في التّيه، فصاح صائح من السّماء، مات موسى. و أيّ نفس لا تموت؟
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): عن الباقر- (عليه السلام)-: مات هارون قبل موسى، و ماتا جميعا في التّيه.
و فيه: لمّا أراد موسى أن يفارقهم فزعوا و قالوا: إن خرج موسى من بيننا ينزل
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 305، ح 74.
(2) ليس في أ.
(3) ليس في ر.
(4) الكافي 3/ 111- 112، ح 4.
(5) ليس في أ.
(6) تفسير القمي 2/ 137.
81
علينا العذاب. ففزعوا إليه (1) و سألوه أن يقيم معهم، و يسأل اللّه أن يتوب عليهم.
[و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديثا طويلا، يقول فيه: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أرسل يوشع بن نون إلى بني إسرائيل من بعد موسى، فنبوّته بدؤها (3) في البرّيّة الّتي تاه فيها بنو إسرائيل.] (4)
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ: قابيل و هابيل. و قيل (5): لم يرد بهما ابني آدم من صلبه (6)، و إنّهما رجلان من بني إسرائيل. و لذلك قال (7): كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ. و الأوّل أصحّ و أشهر.
بِالْحَقِ: صفة مصدر محذوف، أي: تلاوة متلبّسة بالحقّ. أو حال من الضّمير في «اتل»، أو من «نبأ»، أي: متلبّسا بالصّدق، موافقا لما في كتب الأوّلين.
إِذْ قَرَّبا قُرْباناً: ظرف «لنبأ». أو حال منه. أو بدل على حذف المضاف، أي: و اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت.
و «القربان» اسم ما يتقرّب به إلى اللّه من ذبيحة أو غيرها. كما أنّ الحلوان اسم لما يحلى، أي: يعطى. و هو في الأصل مصدر، و لذلك لم يثنّ.
و قيل (8): تقديره: إذ قرّب كلّ واحد منهما قربانا.
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ: لأنّه سخط حكم اللّه، و لم يخلص النّية في قربانه، و قصد إلى أخسّ ما عنده. كما يجيء في الخبر.
قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ: توعّده بالقتل، لفرط حسده على تقبّل قربانه.
قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27): في جوابه، أي: أوتيت من
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 220، ضمن حديث 1.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بنبوّته يبدؤها» بدل «فبنبوّته بدؤها».
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) أنوار التنزيل 1/ 271.
(6) المصدر: لصلبه.
(7) المائدة/ 32.
(8) نفس المصدر و الموضع.
82
قبل نفسك بترك التّقوى لا من قبلي، فلم تقتلني؟
و فيه إشارة، إلى أنّ الجاهل ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، و يجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محفوظا لا في إزالة حظّه. فإنّ ذلك ممّا يضرّه و لا ينفعه، و إنّ الطّاعة لا تقبل إلّا من مؤمن متّق.
و في كتاب معاني الأخبار (1): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المفسّر قال:
حدّثني يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سنان، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ من اتّبع هواه و أعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامّة تعظّمه و تصفه (2)، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره و محلّه، فرأيته قد أحدق به كثير خلق من غثاء العامّة، فوقفت منتبذا عنهم متغشيّا بلثام أنظر إليه و إليهم، فما زال يراوغهم حتّى خالف طريقهم و فارقهم و لم يقرّ، فتفرّقت (3) القوم لحوائجهم و تبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فغفله فأخذ من دكّانه رغيفين، فتعجّبت ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معامله. ثمّ مرّ بعده بصاحب رمّان فما زال به حتّى تغفّله (4) فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة، فتعجّبت منه ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معامله. ثمّ أقول: و ما (5) حاجته إذا إلى المسارقة؟ ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض فوضع الرّغيفين و الرّمّانتين بين يديه و مضى، و تبعته حتّى استقرّ في بقعة من الصّحراء.
فقلت له: يا عبد اللّه، لقد سمعت بك خيرا (6) و أحببت لقاءك فلقيتك، و لكنّي رأيت منك ما شغل قلبي، و إنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي.
قال: ما هو؟
قلت: رأيت مررت بخبّاز و سرقت منه رغيفين، ثمّ بصاحب الرّمّان و سرقت منه
____________
(1) معاني الأخبار/ 33، ح 4.
(2) المصدر: تسفه.
(3) هكذا في المصدر و النسخ. و الظاهر: فتفرّق.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يغفّله.
(5) هكذا في روأ. و في المصدر و سائر النسخ: فما.
(6) ليس في المصدر.
83
رمّانتين.
قال: فقال لي: قبل كلّ شيء حدّثني من أنت؟
قلت: رجل و من ولد آدم من أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال حدّثني من أنت؟
قلت: رجل من أهل بيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: أين بلدك؟
قلت: المدينة.
قال: لعلّك جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليهم)-.
قلت: بلى.
فقال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به، و تركك علم جدّك و أبيك لئّلا تنكر ما يجب أن يحمّد و يمدّح عليه فاعله.
قلت: و ما هو؟
قال: القرآن، كتاب اللّه.
قلت: و ما الّذي جهلت منه؟
قال: قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها و إنّي لمّا سرقت الرّغيفين كانت سيّئتين و لمّا سرقت الرّمّانتين كانت سيّئتين فهذه أربع سيّئات، فلمّا تصدّقت بكلّ واحدة منها كان لي بها أربعون حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع بأربع بقي لي ستّ و ثلاثون حسنة.
قلت: ثكلتك أمّك، أنت الجاهل بكتاب اللّه، أما سمعت اللّه يقول: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ إنّك لمّا سرقت الرّغيفين كانت سيّئتين و لمّا سرقت الرّمانتين (1) كانت- أيضا- سيّئتين، فلمّا (2) دفعتها إلى غير صاحبيهما (3) بغير أمر صاحبيهما (4) كنت إنّما
____________
(1) المصدر: رمانتين.
(2) المصدر: و لمّا.
3 و 4- هكذا في المصدر. و في النسخ: «صاحبها» بدل «صاحبيهما».
84
أضفت أربع سيّئات إلى أربع سيّئات فلم تضف (1) أربعين حسنة إلى أربع سيّئات.
فجعل يلاحظني، فانصرفت و تركته.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28):
قيل (2): كان هابيل أقوى منه، و لكن تحرّج عن قتله و استسلم له خوفا من اللّه، لأنّ الدّفع لم يبح بعد. أو تحرّيا لما هو الأفضل.
[و روي في فضل التّحرّي أنّه] (3) قال- (عليه السلام)-: كن عبد اللّه المقتول و لا تكن عبد اللّه القاتل.
و إنّما قال: ما أَنَا بِباسِطٍ في جواب لَئِنْ بَسَطْتَ للتّبرّي عن هذا الفعل الشّنيع رأسا، و التّحرّز من أن يوصف به و يطلق عليه. و لذلك أكّد النّفي «بالباء».
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ: ترجع.
بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29): تعليل ثان للامتناع عن المعارضة و المقاومة.
و قيل (4): و المعنى: إنّما أستسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي، و إثمك ببسطك (5) يدك إليّ. و نحوه: المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم.
على أنّ البادئ عليه إثم سبّه و مثل إثم سبّ صاحبه، لأنّه كان سببا فيه. إلّا أنّ الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه، لأنّه مكافئ رافع عن عرضه. ألا ترى إلى قوله: «ما لم يعتد المظلوم» لأنّه إذا خرج عن حدّ المكافأة و اعتدى عليه لم يسلم.
و قيل (6): معنى بإثمي: بإثم قتلي. و بإثمك: الّذي لم يتقبّل من أجله قربانك.
____________
(1) المصدر: و لم تضف.
(2) أنوار التنزيل 1/ 271.
(3) ليس في المصدر.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) المصدر: يبسط.
(6) نفس المصدر و الموضع.
85
و في كتاب ثواب الأعمال (1): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني محمّد بن القاسم (2)، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن محمّد بن (3) مسلم الجبليّ، عن عبد الرّحمن بن مسلم (4)، عن أبيه قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: من قتل مؤمنا متعمّدا أثبت اللّه على قاتله (5) جميع الذّنوب و بريء المقتول منها، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ.
و كلاهما متعلق بمحذوف في موضع الحال من فاعل «تبوء»، أي: متلبّسا بالإثمين، حاملا لهما.
قيل (6): و لعلّه لم يرد معصية أخيه و شقاوته، بل قصده بهذا الكلام إلى أنّ ذلك إن كان لا محالة واقعا، فأريد أن يكون [الإثم] (7) لك لا لي. فالمراد بالذّات أن لا يكون له، لا أن يكون لأخيه. و يجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته. و إرادة (8) عقاب العاصي جائزة.
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ: فسهّلته له، و وسعته. من طاع له المرتع:
إذا اتّسع.
و قرئ: «فطاوعت» على أنّه فاعل، بمعنى: فعل. أو على أنّ قتله أخيه كأنّه دعاه إلى الإقدام عليه، فطاوعته.
و «له» لزيادة الرّبط، كقولك: حفظت لزيد ماله (9).
فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30): دينا و دنيا. إذ بقي مدّة عمره مطرودا محزونا.
قيل: قتل هابيل، و هو ابن عشرين سنة، عند عقبة حراء.
____________
(1) ثواب الأعمال/ 328، ح 9.
(2) المصدر: «محمد بن أبي القاسم» و كلاهما واحد و هو ابن المفسر الأسترآباديّ. ر. تنقيح المقال 3/ 175، رقم 11271 و 2/ 64، رقم 10274.
(3) المصدر: محمد بن أسلم.
(4) المصدر: عبد الرحمن بن أسلم.
(5) المصدر: «عليه» بدل «على قاتله».
(6) أنوار التنزيل 1/ 271.
(7) من المصدر.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: عقوبة.
(9) نفس المصدر و الموضع.
86
و قيل (1): بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
في تفسير العيّاشي (2): عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، إنّ النّاس يزعمون أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه؟
فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قد قال النّاس في ذلك. و لكن يا سليمان، أما علمت أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لو علمت أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه لزوّج زينب من القاسم، و ما كنت لأرغب عن دين آدم.
فقلت: جعلت فداك، إنّهم يزعمون أنّ قابيل إنّما قتل هابيل لأنّهما تغايرا على أختهما؟
فقال له: يا سليمان، تقول هذا، أما تستحي أن تروي هذا على نبيّ اللّه آدم؟
فقلت: جعلت فداك، ففيم (3) قتل قابيل هابيل؟
فقال: في الوصيّة. ثمّ قال لي: يا سليمان، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أوحى إلى آدم أن يدفع الوصيّة و اسم اللّه الأعظم إلى هابيل، و كان قابيل أكبر منه. فبلغ ذلك قابيل، فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة و الوصيّة. فأمرهما أن يقرّبا قربانا بوحي من اللّه إليه، ففعلا. فقبل اللّه قربان هابيل. فحسده قابيل. فقتله.
و أمّا
ما رواه في مجمع البيان (4): «عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّ حوّاء امرأة آدم كانت تلد في كلّ بطن غلاما و جارية، فولدت في أوّل بطن قابيل و قيل: قابين و توأمته إقليما بنت آدم، و البطن الثّاني هابيل و توأمته ليوذا، فلمّا أدركوا جميعا أمر اللّه- تعالى- آدم أن ينكح قابيل أخت هابيل و هابيل أخت قابيل، فرضي هابيل و أبى قابيل لأنّ أخته كانت أحسنهما و قال: ما أمر اللّه [- سبحانه-] (5) بهذا و لكن هذا من رأيك. فأمرهما [آدم] (6) أن يقرّبا قربانا فرضيا بذلك، فغدا (7) هابيل و كان صاحب ماشية فأخذ من خير غنمه و زبدا و لبنا، و كان قابيل صاحب زرع فأخذ من شرّ زرعه، ثمّ صعدا
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير العياشي 1/ 312، ح 83.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: فبم.
(4) مجمع البيان 2/ 183.
5 و 6- من المصدر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فعمد.
87
فوضعا القربان على الجبل، فأتت النّار فأكلت قربان هابيل و تجنّبت قربان قابيل، و كان آدم غائبا بمكّة خرج إليها ليزور البيت بأمر ربّه.
فقال قابيل: لا عشت يا هابيل في الدّنيا و قد تقبّل قربانك و لم يتقبّل قرباني، و تريد أن تأخذ أختي الحسناء و آخذ أختك القبيحة.
فقال له هابيل ما حكاه اللّه- تعالى- فشدخه بحجر فقتله».
فمحمول على التّقية، لأنّه موافق لمذاهب العامّة.
و [كذا ما روي] (1) في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى محمّد بن الفضل (3)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- أنّه قال: لمّا أكل آدم من الشّجرة أهبط إلى الأرض فولد له هابيل و أخته توأم و ولد له قابيل و أخته توأم، ثمّ أنّ آدم أمر قابيل و هابيل أن يقرّبا قربانا و كان هابيل صاحب غنم و كان قابيل صاحب زرع، فقرّب هابيل كبشا و قرّب قابيل من زرعه ما لم ينق، و كان كبش هابيل من أفضل غنمه و كان زرع قابيل غير منقى، فتقبّل قربان هابيل و لم يتقبّل قربان قابيل. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ (الآية) و كان القربان إذا قبل تأكله النّار.
فعمد قابيل [إلى النّار] (4) فبنى لها بيتا- و هو أوّل من بنى للنّار البيوت- و قال:
لأعبدنّ هذه النّار حتّى يتقبّل قرباني. ثمّ أنّ عدوّ اللّه إبليس قال لقابيل: إنّه قد تقبّل قربان هابيل و لم يتقبّل قربانك، و إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك. فقتله قابيل.
فلمّا رجع آدم- (عليه السلام)- قال له: يا قابيل، أين هابيل؟
فقال: ما أدري، و ما بعثتني راعيا له.
فانطلق آدم فوجد هابيل مقتولا فقال: لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل.
فبكى آدم- (عليه السلام)- على هابيل أربعين ليلة. ثمّ أنّ آدم- (عليه السلام)- سأل ربّه
____________
(1) ليس في روأ.
(2) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 213، ح 2.
(3) المصدر: محمد بن الفضيل.
(4) من المصدر.
88
- عزّ و جلّ- أن يهب له ولدا، فولد له غلام فسمّاه هبة اللّه. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- وهبه له فأحبّه [آدم] (1) حبّا شديدا. فلمّا انقضت نبوّة آدم- (عليه السلام) (2)- و استكملت أيّامه أوحى اللّه إليه، أن يا آدم إنّه قد انقضت نبوّتك و استكملت أيّامك، فاجعل العلم الّذي عندك و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة في العقب من ذرّيّتك عند ابنك هبة اللّه.
و قال- (عليه السلام)- في هذا الحديث- أيضا-: ثمّ أنّ هبة اللّه لمّا دفن آدم [أباه] (3) أتاه قابيل فقال له: يا هبة اللّه، إنّي قد رأيت آدم أبي قد (4) خصّك من العلم بما لم أخصّ به، و هو العلم الّذي دعا به أخوك هابيل فتقبّل قربانه، و إنّما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي، فيقولون: نحن أبناء الّذي تقبّل قربانه و أنتم أبناء الّذي لم يتقبّل قربانه، فإنّك إن أظهرت من العلم الّذي اختصّك به أبوك شيئا قتلتك كما قتلت أخاك هابيل. فلبث هبة اللّه و العقب منه مستخفين بما عندهم من الإيمان و العلم و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة حتّى بعث نوح- (عليه السلام)-.
و الحدث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و في روضة الكافي (5)، عنه- (عليه السلام)- مثله.
من غير تغيير مخلّ بالمعنى المقصود.
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، و كرام بن عمرو (7) عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
إنّ قابيل لمّا رأى النّار قد قبلت قربان هابيل قال له إبليس: إنّ هابيل كان يعبد تلك النّار.
____________
(1) من المصدر.
(2) يوجد في الأصل و أبعد هذه العبارة: «و آثار علم النبوة في العقب إلى من». و الظاهر هي زائدة.
لأنّ لا علاقة لها بما قبلها و بعدها.
(3) من المصدر.
(4) ليس في المصدر.
(5) الكافي 8/ 113، ح 92.
(6) علل الشرائع 1/ 3، ح 1.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: الدارم بن عمر.
89
فقال قابيل: لا أعبد النّار الّتي عبدها هابيل و لكن أعبد نارا أخرى و أقرّب قربانا لها فتقبل قرباني. فبنى بيوت النّيران، فقرّب و لم يكن له علم بربّه- عزّ و جلّ- و لم يرث منه ولده إلّا عبادة النّيران.
و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل و فيه: و سأله عن أوّل من قال الشّعر؟
فقال: آدم- (عليه السلام)-.
قال: و ما كان شعره؟
قال: لمّا أنزل إلى الأرض من السّماء فرأى تربتها وسعتها (2) و هواها و قتل قابيل هابيل فقال آدم- (عليه السلام)-:
تغيّرت البلاد و من عليها* * * فوجه الأرض مغبّر قبيح
تغيّر كلّ ذي لون و طعم* * * و قلّ بشاشة الوجه المليح (3)
فاجابه إبليس- لعنه اللّه-:
تنحّ عن البلاد و ساكنيها* * * فبي في الخلد ضاق بك الفسيح (4)
و كنت بها و زوجك في قرار* * * و قلبك من أذى الدّنيا مريح
فلم تنفكّ من كيدي و مكري* * * إلى أن فاتك الثّمن الرّبيح
فلولا رحمة الجبّار أضحى* * * بكفّك من جنان الخلد ريح
____________
(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 242.
248، ضمن حديث 1.
(2) في هامش الأصل: «و شمسها، خ. ل.» و هو الظاهر.
(3) يوجد في المصدر بعد هذين البيتين، أبيات الآتي:
أرى طول الحياة علي غما* * * و هل أنا من حياتي مستريح؟
و مالي لا أجود بسكب دمع* * * و هابيل تضمّنه الضريح
قتل قابيل هابيلا أخاه* * * فوا حزني لقد فقد المليح
و قيل في هامشه: و لم يذكر بعض هذه الأبيات في البحار. فراجع.
(4) هكذا في ر و المصدر. و في سائر النسخ: القبيح.
90
و فيه: ثمّ قام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و تطيّرنا منه و ثقله، و أي أربعاء هو؟
قال: آخر أربعاء في الشّهر و هو محاق. و فيه قتل قابيل هابيل أخاه.
و في كتاب الخصال (1): عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: كان عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشّام فقال:
يا أمير المؤمنين، إنّي أسألك عن أشياء.
فقال: سل تفقّها و لا تسأل تعنّتا. فسأله عن أشياء، فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن أوّل من قال الشّعر؟ و ذكر كما في عيون الأخبار، إلّا أنّه زاد لآدم بيتا ثالثا بعد البيتين و هو:
قتل قابيل هابيل أخاه* * * فوا أسفا على الوجه المليح (2)
و أبدل المصراع الثّاني من البيت الأوّل لإبليس- لعنه اللّه- بهذا المصراع:
و بالفردوس ضاق بك الفسيح (3)
و عن جابر الجعفي (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول في آخره: و أسلم رأس الجالوت (5) على يد عليّ- (عليه السلام)- من ساعته، و لم يزل مقيما حتّى قتل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أخذ ابن ملجم- لعنه اللّه- فأقبل رأس الجالوت (6) حتّى وقف على الحسن- (عليه السلام)- و النّاس حوله و ابن ملجم- لعنه اللّه- بين يديه فقال له: يا أبا محمّد، اقتله- قتله اللّه-. فإنّي رأيت في الكتب الّتي أنزلت على موسى أنّ هذا أعظم عند اللّه جرما من ابن آدم قاتل أخيه، و من القدار عاقر ناقة ثمود.
و عن جعيد همدان (7) قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ في التّابوت
____________
(1) الخصال 1/ 208، ح 30.
(2) هذا البيت ليس في المصدر.
(3) المصدر: فبي في الخلد ضاق بك الفسيح.
(4) نفس المصدر 2/ 382، ح 58، و أوّله في ص 364.
5 و 6- المصدر: رأس اليهود.
(7) نفس المصدر 2/ 485، ح 59.
91
الأسفل [من النّار اثني عشر] (1) ستّة من الأوّلين و ستّة من الآخرين. ثمّ سمّى السّتّة من الأوّلين ابن آدم الّذي قتل أخاه و فرعون و هامان.
(الحديث).
و في من لا يحضره الفقيه (2): روي عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أوّل ما يحكم اللّه- عزّ و جلّ- فيه يوم القيامة الدّماء، فيوقف ابنا آدم فيفصل بينهما، ثمّ الّذين يلونهما من أصحاب الدّماء حتّى لا يبقى منهم أحد من النّاس بعد ذلك حتّى يأتي المقتول بقاتله، فيشخب دمه في وجهه فيقول: أنت قتلته. فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا.
و في علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كانت الوحوش و الطّير و السّباع و كلّ شيء خلق اللّه- عزّ و جلّ- مختلطا (4) بعضه ببعض، فلمّا قتل ابن آدم أخاه نفرت و فزعت، فذهب كلّ إلى شكله.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: أنّه لمّا طوّعت له نفسه قتل أخيه، لم يدر (6) كيف يقتله حتّى جاء إبليس فعلّمه فقال: ضع رأسه بين حجرين ثمّ أشدخه.
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ:
«كيف» حال من الضّمير في «يواري». و الجملة ثاني مفعولي «يرى». و المراد بسوأة أخيه، جسده الميّت. فإنّه ممّا يستقبح أن يرى.
قالَ يا وَيْلَتى: كلمة جزع و تحسّر. و الألف فيها بدل من ياء المتكلّم، و المعنى: يا ويلتي أحضري فهذا أوانك.
و الويل و الويلة: الهلكة.
أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي: لا أهتدي إلى ما اهتدى إليه.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 69، ح 16.
(3) علل الشرائع 1/ 4، باب 5، ح 1.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يختلط.
(5) تفسير القمي 1/ 165.
(6) المصدر: فلم يدر.
92
و قوله: «فأواري» عطف على «أكون» و ليس جواب الاستفهام. إذ ليس المعنى هاهنا: لو عجزت لواريت.
و قرئ، بالسّكون، على معنى: فأنا أواري. أو على تسكين المنصوب، تخفيفا (1).
و في كتاب الخصال (2)، عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث طويل له مع ملك الرّوم، و قد سأله عن سبعة أشياء خلقها اللّه لم تخرج من رحم آدم و حوّاء: و الغراب الّذي بعثه اللّه يبحث في الأرض.
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31): على قتله. لما كابد به من التّخيّر في أمره، و حمله على رقبته سنة أو أكثر على ما قيل، و تلمذه للغراب، و اسوداد لونه، و تبرّؤ أبويه منه، و عدم الظّفر بما فعله لأجله.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يحدّث رجلا من قريش، و ذكر حتّى بلغ قوله: فلمّا قتله لم يدر ما يصنع به، فجاء غرابان فأقبلا يتضاربان حتّى اقتتلا، فقتل (4) أحدهما صاحبه، ثمّ حفر الّذي بقي الأرض بمخالبه و دفن فيها صاحبه. قال قابيل: يا وَيْلَتى (الآية) فحفر له حفيرة فدفنه فيها فصارت سنّة يدفنون الموتى. فرجع قابيل إلى أبيه فلم ير معه هابيل.
فقال له آدم: أين تركت ابني؟
قال له قابيل: أرسلتني عليه راعيا؟
فقال آدم: انطلق معي إلى مكان القربان. و أوجس قلب آدم بالّذي فعل قابيل، فلما بلغ مكان القربان (5) استبان قتله، فلعن آدم الأرض الّتي قبلت دم هابيل
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 272.
(2) الخصال 2/ 353، ح 34، و فيه: عن الحسن بن علي بن أبي طالب- (عليهما السلام)-.
(3) تفسير القمي 1/ 165- 166.
(4) المصدر: «قتل» بدل «اقتتلا فقتل».
(5) المصدر: المكان القربان.
93
و أمر آدم أن يلعن قابيل، و نودي قابيل من السّماء: لعنت كما قتلت أخاك، و لذلك لا تشرب الأرض الدّم.
فانصرف آدم. فبكى على هابيل أربعين يوما و ليلة. فلمّا جزع عليه شكا ذلك إلى اللّه. فأوحى اللّه إليه: إنّي واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل. فولدت حوّاء غلاما زكيّا مباركا. فلمّا كان اليوم السّابع أوحى اللّه إليه: يا آدم، إنّ هذا الغلام هبة منّي لك. فسمّه هبة اللّه. فسمّاه هبة اللّه.
و في مجمع البيان (1): روت العامّة، عن الصّادق- (عليه السلام)-: قتل قابيل هابيل و تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به. فقصده السّباع فحمله في جراب على ظهره حتى أروح، و عكفت عليه الطّير و السّباع تنتظر (2) متى يرمي به فتأكله. فبعث اللّه غرابين فاقتتلا. فقتل أحدهما صاحبه. ثمّ حفر له بمنقاره و برجليه. ثمّ ألقاه في الحفيرة. و واراه و قابيل ينظر إليه. فدفن أخاه.
و في تفسير العيّاشي (3): عن الباقر- (عليه السلام)-: إنّ قابيل بن آدم معلّق بقرونه في عين الشّمس، تدور به حيث دارت في زمهريرها و حميمها إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة صيّره اللّه إلى النّار.
و عنه- (عليه السلام) (4)- و ذكر ابن آدم القاتل، فقيل له: ما حاله، أمن أهل النّار هو؟
فقال: سبحان اللّه، اللّه أعدل من ذلك أن يجمع عليه عقوبة الدّنيا و عقوبة الآخرة.
و في الاحتجاج (5) [: عن أبان بن تغلب قال:] (6) قال طاوس اليمانيّ لأبي جعفر- (عليه السلام)-: هل تعلم أيّ يوم مات ثلث الناس؟
فقال: يا أبا عبد الرّحمن، لم يمت ثلث النّاس قطّ. إنّما أردت ربع النّاس.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 185.
(2) ليس في المصدر.
(3) تفسير العياشي 1/ 311، ح 80.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 81.
(5) الاحتجاج 2/ 61.
(6) ليس في أ.
94
و كيف ذلك؟
قال: كان آدم و حوّاء و قابيل و هابيل. [فقتل قابيل هابيل.] (1) فذلك ربع النّاس.
قال: صدقت.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هل تدري ما صنع بقابيل؟
قال: لا.
قال: علّق بالشّمس، ينضح بالماء الحارّ إلى أن تقوم السّاعة.
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ: بسببه قضينا عليهم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): لفظ الآية خاصّ في بني إسرائيل، و معناها جار في النّاس كلّهم.
«و أجل» في الأصل، مصدر أجل شرّا: إذا جناه. استعمل في تعليل الجنايات، كقولهم: من جراك فعلته، أي: من أن جررته، أي: جنيته. ثمّ اتّسع فيه، فاستعمل في كلّ تعليل.
و «من» ابتدائيّة، متعلّقة «بكتبنا»، أي: ابتداء الكتب و نشؤه من أجل ذلك.
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ: بغير قتل يوجب الاقتصاص.
أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ: أو بغير فساد فيها. كالشّرك، و قطع الطّريق.
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً: من حيث هتك حرمة الدّماء من القتل، و جرّأ النّاس عليه. أو من حيث أنّ قتل الواحد و الجميع سواء في استجلاب العذاب و غضب اللّه.
في من لا يحضره الفقيه (3): و روى حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هو واد في جهنّم، لو قتل النّاس جميعا كان فيه، و لو قتل نفسا واحدة كان فيه.
____________
(1) ليس في أ.
(2) تفسير القمي 1/ 167.
(3) من لا يحضره الفقيه.
95
و في الكافي (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها لو قتل النّاس جميعا [إنّما كان] (2) يدخل ذلك المكان.
قلت: فإنّه (3) قتل آخر؟
قال: يضاعف عليه.
و في رواية أخرى (4): له في النّار مقعد لو قتل النّاس جميعا لم يرد إلّا إلى (5) ذلك المقعد.
وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً: و من تسبّب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة، فكأنّما فعل ذلك بالنّاس جميعا.
و الغرض منه، تعظيم قتل النّفس و إحيائها في القلوب، و ترهيبا عن التّعرّض لها، و ترغيبا في المحاماة عليها.
في أصول الكافي (6): صالح بن عقبة، عن نصر بن قابوس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لإطعام مؤمن أحبّ إليّ من عتق عشر رقاب و عشر حجج.
قال: قلت: عشر رقاب و عشر حجج؟
قال: فقال: يا نصر، إن لم تطعموه مات، أو تذلّونه فيجيء إلى ناصب فيسأله و الموت خير له من مسألة النّاصب. يا نصر، من أحيا مؤمنا فكأنّما أحيا النّاس جميعا.
فإن لم تطعموه فقد أمتّموه، و إن أطعمتموه فقد أحييتموه.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد (7)، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ (أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ) فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.
قال: من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنّما أحياها، و من أخرجها من هدى
____________
(1) الكافي 7/ 271، ضمن حديث 1.
(2) من المصدر.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: قيل فإن.
(4) نفس المصدر 7/ 272، ح 6.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «لم يزدد على» بدل «لم يرد إلّا إلى».
(6) الكافي 2/ 204، ح 20.
(7) نفس المصدر 2/ 210، ح 1.
96
إلى ضلال فقد قتلها.
عنه (1)، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.
قال: من حرق أو غرق.
قلت: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟
قال: ذاك تأويلها الأعظم.
محمّد بن يحيى، عن أحمد (2) و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان مثله.
محمّد بن يحيى: عن أحمد بن محمّد (3)، عن محمّد بن خالد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن أبي خالد القمّاط، عن حمران قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. قال: من حرق أو غرق. ثمّ سكت. ثمّ قال: تأويلها الأعظم، إن دعاها فاستجابت له.
و الحديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة.
[و في كتاب الاحتجاج (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و من استنّ بسنّة حقّ كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة [و من استنّ بسنّة باطل كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة.] (5) و لهذا القول من النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- شاهد من كتاب (6) اللّه، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- في قصّة قابيل قاتل أخيه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
____________
(1) نفس المصدر 2/ 210- 211، ح 2.
(2) نفس المصدر 2/ 211، ذيل الحديث آنف الذكر
(3) نفس المصدر و الموضع، ضمن حديث 3.
(4) الاحتجاج 1/ 374.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: قول.
97
] (1).
و في من لا يحضره الفقيه (2) و روى معاوية بن عمّار: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء، كان كمن أعتق رقبة.
و من سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء، كان كمن أحيا نفسا. و من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا.
و في الكافي (3) عليّ بن إبراهيم، عن أبيه قال: أخبرني بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أتي أمير المؤمنين- (عليه السلام)- برجل وجد في خربة و بيده سكّين ملطّخ بالدّم و إذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه.
فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما تقول؟
قال: يا أمير المؤمنين، أنا قتلته.
قال: اذهبوا به فاقتلوه به. فلمّا ذهبوا به ليقتلوه به أقبل رجل مسرعا فقال: لا تعجلوه و ردّوه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فردّوه.
فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك [و لم تفعل؟] (4).
فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنت أستطيع أن أقول و قد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرّجال فأخذوني (5) و بيدي سكّين ملطّخ بالدّم و الرّجل يتشحّط في دمه و أنا قائم عليه، و خفت الضّرب، فأقررت، و أنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة و أخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرّجل يتشحّط في دمه فقمت متعجّبا. فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني.
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) من لا يحضره الفقيه 2/ 36، ح 151.
(3) الكافي 7/ 289، ح 2.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: و أخذوني.
98
- (عليه السلام)- [و قصّوا عليه قصّتهما، (1) و قولوا له: ما الحكم فيهما؟
قال: فذهبوا إلى الحسن- (عليه السلام)- و قصّوا عليه قصّتهما.
فقال الحسن- (عليه السلام)-: قولوا لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ هذا إن كان ذبح ذلك فقد أحيا هذا. و قد قال اللّه: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.
يخلّى عنهما و تخرج دية المذبوح من بيت المال.
[و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعنا، عن سليمان بن دينار البارقيّ قال: سألت زيد بن عليّ- (عليه السلام)- عن هذه الآية: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.
قال: فقال لي: هذا الرّجل من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخرج و يدعو إلى إقامة الكتاب و السّنّة، فمن أعانه حتّى يظهر أمره فكأنّما أحيا النّاس جميعا، و من خذله حتّى يقتل (2) فكأنّما قتل النّاس جميعا] (3).
وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ: بعد ما كتبنا عليهم هذا التّشديد العظيم، تأكيدا و تجديدا للعهد كي يتحاموا عن أمثال هذه الجنايات.
ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32): مجاوزون عن الحقّ، و يقتلون و لا يبالون به و بغيره من المحرّمات.
و في مجمع البيان (4): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: المسرفون، هم الّذين يستحلّون المحارم و يسفكون الدّماء.
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ: أي: يحاربون أولياءهما. جعل محاربتهم محاربتهما، تعظيما. و أصل الحرب، السّلب.
قيل (5): المراد به هاهنا قطع الطّريق. و قيل (6): المكابرة باللّصوصيّة و إن كانت في مصر. و الأخبار تدلّ على العموم.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: قتله.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) مجمع البيان 2/ 187.
(5) أنوار التنزيل 1/ 273.
(6) نفس المصدر و الموضع.
99
وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً، أي: مفسدين. و يجوز نصبه على العلّة، أو المصدر لأنّ سعيهم كان فسادا، فكأنّه قيل (1): و يفسدون في الأرض فسادا.
أَنْ يُقَتَّلُوا، أي: من غير صلب قصاصا، إن أفردوا القتل.
أَوْ يُصَلَّبُوا، أي: يصلبوا مع القتل، إن قتلوا و أخذوا المال.
أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ: أي: تقطّع أيديهم اليمنى و أرجلهم اليسرى، إن أخذوا و لم يقتلوا.
أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: إن قطعوا الطّريق و لم يأخذوا مالا و لم يقتلوا. و «أو» للتّفصيل.
ففي الكافي (2): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن الحسن التّميميّ، عن عليّ بن أسباط، عن داود بن أبي يزيد، عن أبي عبيدة بن بشر الخثعميّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قاطع الطّريق و قلت: إنّ النّاس يقولون: إنّ الإمام فيه مخيّر أيّ شيء شاء صنع؟ قال: ليس أيّ شيء شاء صنع و لكنّه (3) يصنع بهم على قدر جنايتهم (4)، من قطع الطّريق فقتل و أخذ المال قطعت يده و رجله و صلب، و من قطع الطّريق فقتل و لم يأخذ المال قتل، و من قطع الطّريق فأخذ (5) المال و لم يقتل قطعت يده و رجله (6)، و من قطع الطّريق و لم يأخذ المال و لم يقتل نفي من الأرض.
و في حديث آخر (7)، أنّه سئل عن هذه الآية؟
فقال: ذلك إلى الإمام يفعل به ما شاء.
قيل (8): فمفوّض ذلك إليه؟
قال: لا، و لكن نحو الجناية.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) الكافي 7/ 247، ح 11.
(3) هكذا في أو المصدر. و في سائر النسخ: لكنّ.
(4) المصدر: جناياتهم.
(5) المصدر: و أخذ.
(6) المصدر: «قطعت يده و رجله [من خلافه].» و لعل الصواب: من خلاف.
(7) نفس المصدر 7/ 246، ح 5.
(8) المصدر: قلت.
100
و في معناه أخبار أخر (1).
و
ما روي مطلقا من «أنّ الإمام مخيّر»
محمول على هذا المعنى. و كذا
ما روي «أنّ كلّ شيء في القرآن أو فصاحبه بالخيار (2)»
فمعناه: أنّ الإمام فيه بالخيار على قدر جنايته. فإنّ الخيار فيه بالقياس إلى الإمام، لأنّه لم يتعيّن عليه أحدها لم يمكنه التّجاوز و لو في مادّة، و إن يجز التّجاوز بالنّظر إلى خصوص المادّة. و فيه دقّة، فتأمّل.
و عن الرّضا- (عليه السلام) (3)- ما يقرب منه، و أنّه سئل: كيف ينفى، و ما حدّ نفيه؟
فقال: ينفى من المصر الّذي فعل فيه ما فعل إلى مصر آخر غيره، و يكتب إلى أهل ذلك [المصر:] (4) بأنّه منفيّ، فلا تجالسوه و لا تبايعوه و لا تناكحوه و لا تؤاكلوه و لا تشاربوه. فيفعل ذلك به سنة، فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتّى تتمّ السّنة.
و في خبر آخر (5): فإنّه سيتوب قبل ذلك و هو صاغر.
قيل: فإن توجّه إلى أرض الشّرك ليدخلها؟
قال: إن توجّه إلى أرض الشّرك ليدخلها قوتل أهلها.
و في رواية أخرى للعيّاشي (6): يضرب عنقه إن أراد الدّخول في أرض الشّرك.
و في رواية، عن الجواد- (عليه السلام) (7)- في جماعة قطعوا الطّريق؟ قال: فإن
____________
(1) أنظر نفس المصدر 7/ 245، باب حدّ المحارب.
(2) نفس المصدر 4/ 358، ح 2.
(3) نفس المصدر 7/ 246، ح 8.
(4) من المصدر.
(5) نفس المصدر 7/ 246- 247، ح 8 و 9.
و المفسر خلط بين الحديثين. قيل في حديث 8:
«قلت: فان توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها؟ قال:
إن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها.» و قيل في حديث 9:
«... قال في آخره (أبي الحسن الرضا، في آخر الحديث الذي مثله): يفعل به ذلك سنة فانّه سيتوب قبل ذلك و هو صاغر. قال: قلت: فان أمّ أرض الشرك يدخلها؟ قال: يقتل».
(6) تفسير العياشي 1/ 317، ح 98.
(7) نفس المصدر 1/ 315، ضمن حديث 91.
101
كانوا أخافوا السّبيل فقط و لم يقتلوا أحدا و لم يأخذوا مالا أمر بإيداعهم الحبس. فإنّ ذلك معنى نفيهم من الأرض.
و مراده- (عليه السلام)- أنّ ذلك في معناه و قائم مقامه.
و في رواية في الكافي (1): أنّ معنى نفي المحارب: أن يقذف في البحر، ليكون عدلا للقتل و الصّلب. و معناه: أنّ المحارب إذا قتل و أخذ المال يقوم ذلك مقام جزائه.
و عن الباقر- (عليه السلام) (2)-: من حمل السّلاح باللّيل فهو محارب، إلّا أن يكون رجلا ليس من أهل الرّيبة.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن طلحة النّهديّ (4)، عن سورة بن كليب قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: رجل يخرج من منزله يريد المسجد أو يريد الحاجة، فيلقاه رجل أو (5) يستقفيه فيضربه و يأخذ ثوبه؟
قال: أيّ شيء يقول فيه من قبلكم؟
قلت: يقولون: هذه دغارة معلنة، و إنّما المحارب في قرى مشركيّة.
فقال: أيّهما أعظم حرمة دار الإسلام أو دار الشّرك؟
قال: فقلت: دار الإسلام.
فقال: هؤلاء من أهل هذه الآية: إِنَّما جَزاءُ (إلى آخر الآية.).
[محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (6)، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد ابن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من شهر السّلاح في مصر من الأمصار فعقر، اقتصّ منه و نفي من تلك البلدة. و من شهر السّلاح في غير الأمصار و ضرب و عقر و أخذ المال و لم يقتل، فهو محارب. فجزاؤه جزاء المحارب و أمره إلى الإمام، إن شاء
____________
(1) الكافي 7/ 247، ح 10. و ما في المتن هو مضمون الرواية. فراجع.
(2) نفس المصدر 7/ 246، ح 6.
(3) نفس المصدر 7/ 245، ح 2.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الهنديّ.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: و.
(6) نفس المصدر 7/ 248، ح 12.
102
قتله، و إن شاء صلبه، و إن شاء قطع يده و رجله.
قال: و إن ضرب و قتل و أخذ المال، فعلى الإمام أن يقطع يده اليمنى بالسّرقة، ثمّ يدفعه (1) إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثمّ يقتلونه.
قال: فقال له أبو عبيدة: أصلحك اللّه، أ رأيت إن عفا عنه أولياء المقتول؟ قال:
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إن عفوا عنه فإنّ على الإمام أن يقتله، لأنّه قد حارب و قتل و سرق.
قال: فقال أبو عبيدة: أ رأيت إن [أراد] (2) أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدّية و يدعونه، ألهم ذلك؟
قال [فقال:] (3) لا، عليه القتل.] (4)
و في مجمع البيان (5): المرويّ عن أهل البيت- (عليهم السلام)-: أنّ المحارب، هو كلّ من شهر السّلاح و أخاف الطّريق، سواء كان في المصر أو خارج المصر.
ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا: فضيحة.
وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33): لعظم ذنوبهم.
في الكافي (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، و حميد بن زياد عن ابن سماعة، عن غير واحد من أصحابه جميعا، عن أبان بن عثمان، عن أبي صالح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قدم على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قوم من بني ضبّة مرضى.
فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أقيموا عندي، فإذا برئتم بعثتكم في سريّة.
فقالوا: أخرجنا من المدينة. فبعث بهم إلى إبل الصّدقة يشربون من أبوالها و يأكلون من ألبانها، فلمّا برئوا و اشتدّوا قتلوا ثلاثة ممّن كانوا في الإبل [و ساقوا الإبل] (7) فبلغ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الخبر (8). فبعث إليهم عليّا- (عليه السلام)- و هم في
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يدفع.
2 و 3- من المصدر.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) مجمع البيان 2/ 188.
(6) الكافي 7/ 245، ح 1.
7 و 8- ليس في المصدر.
103
واد قد تحيّروا ليسوا (1) يقدرون أن يخرجوا منه قريبا من أرض اليمن. فأسرهم و جاء بهم إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فنزلت عليه هذه الآية. فاختار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- القطع. فقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف.
[محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة [بن زيد] (3) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: كان أبي- (عليه السلام)- يقول: إنّ للحرب حكمين، إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها و لم يثخن أهلها فكلّ أسير أخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار، إن شاء ضرب عنقه، و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف بغير حسم و تركه يتشحّط في دمه حتّى يموت. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. ألا ترى أن المخيّر الّذي خيّره اللّه الإمام على شيء واحد و هو الكفر، و ليس هو على أشياء مختلفة.
فقلت لأبي عبد اللّه- (صلوات اللّه عليه)-: قول اللّه- تعالى-: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.
قال: ذلك الطّلب أن تطلبه الخيل حتّى يهرب، فإنّ أخذته الخيل حكم عليه ببعض الأحكام الّتي وصفت لكم.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (4)، عن حنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (إلى آخر الآية).
قال: لا يبايع و لا يؤوى و لا يتصدّق عليه] (5)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ:
قيل (6): استثناء مخصوص بما هو حقّ اللّه- تعالى- و يدلّ عليه قوله:
____________
(1) المصدر: ليس.
(2) نفس المصدر 5/ 32، ح 1. و له تتمّة.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر 7/ 246، ح 4.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(6) أنوار التنزيل 1/ 273.
104
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34): أمّا القتل قصاصا، فإلى الأولياء.
و يسقط بالتّوبة وجوبه، أي: عن الإمام. لا جوازه، أي: للأولياء.
و تقييد التّوبة بالتّقدّم على القدرة، يدلّ على أنّها بعد القدرة لا تسقط الحدّ و إن أسقطت عذاب الآخرة. و أنّ الآية في قطّاع المسلمين، لأنّ توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة و بعدها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن عليّ بن حسّان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من حارب اللّه و أخذ المال و قتل، كان عليه أن يقتل و يصلب.
و من حارب و قتل و لم يأخذ المال، كان عليه أن يقتل و لا يصلب. و من حارب فأخذ المال و لم يقتل، كان عليه أن تقطع يده و رجله من خلاف. و من حارب و لم يأخذ المال و لم يقتل، كان عليه أن ينفى. ثمّ استثنى- عزّ و جلّ- فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، يعني: يتوب من قبل أن يأخذه (2) الإمام.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، أي: ما تتوسّلون به إلى ثوابه و الزّلفى منه، من فعل الطّاعات و ترك المعاصي، و هو معرفة الإمام و اتّباعه.
من وسل إلى كذا: تقرّب إليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3) قال: تقرّبوا إليه بالإمام.
و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الأئمّة من ولد الحسين من أطاعهم فقد أطاع اللّه، و من عصاهم فقد عصى اللّه. هم العروة الوثقى. و هم الوسيلة إلى اللّه- تعالى-.
و في مجمع البيان (5): و روى سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: في الجنّة لؤلؤتان إلى بطنان العرش، أحدهما بيضاء و الأخرى
____________
(1) تفسير القمي 1/ 167- 168.
(2) المصدر: يأخذهم.
(3) نفس المصدر/ 168.
(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 58، ح 217.
(5) مجمع البيان 2/ 189.
105
صفراء، في كلّ واحدة منهما سبعون ألف غرفة أبوابهما و أكوابهما من عرق واحد، فالبيضاء الوسيلة لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أهل بيته، و الصّفراء لإبراهيم و أهل بيته.
و في كتاب علل الشّرائع (1) بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ قال: كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إذا سألتم اللّه لي فاسألوه الوسيلة.
فسألنا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الوسيلة؟
فقال: هي درجتي في الجنّة. و هي ألف مرقاة. ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس فرس الجواد شهرا. و هي ما بين مرقاة جوهر إلى مرقاة زبرجد إلى مرقاة ياقوت إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة فضّة. فيؤتى بها يوم القيامة حتّى تنصب مع درجة النّبيّين.
فهي في درج (2) النّبيّين كالقمر بين الكواكب. فلا يبقى يومئذ نبيّ و لا صدّيق و لا شهيد إلّا قال: طوبى لمن كانت هذه الدّرجة (3) درجته. فيأتي النّداء من عند اللّه- عزّ و جلّ- فيسمع النّبيين و جميع الخلق (4). هذه درجة محمّد.
[قال] (5) رسول اللّه: فأقبل (6) أنا يومئذ متّزرا (7) بريطة من نور، عليّ تاج الملك و إكليل الكرامة [و الملائكة الكرام (8) و أخي (9) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أمامي و بيده لوائي و هو لواء الحمد، مكتوب عليه: لا إله إلّا اللّه محمّد و عليّ هم المفلحون الفائزون باللّه. فإذا مررنا بالنّبيّين قالوا: هذان (10) ملكان مقرّبان (11) [لم نعرفهما و لم
____________
(1) علل الشرائع 1/ 164- 166، ح 6.
(2) أ: «بين درج». و سائر النسخ: «في درجة».
و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: لدرجات.
(4) المصدر: «فينادي مناد يسمع النداء جميع النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و المؤمنين» بدل «فيأتي النداء ... و جميع الخلق». و ما في المصدر أظهر.
(5) من المصدر.
(6) أ: «و أقبل» و سائر النسخ: «فأقبلت». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: منوّر.
(8) من المصدر.
9 و 10- ليس في المصدر.
(11) المصدر: ملكين مقربين.
106
نرهما.] (1) و إذا مررنا بالملائكة قالوا: [هذان ملكان و لم نعرفهما و لم نرهما. و إذا مررنا بالمؤمنين قالوا:] (2) هذان نبيّان مرسلان. حتّى أعلو الدّرجة (3) و عليّ يتبعني، حتّى إذا صرت في أعلى درجة منها (4) و عليّ أسفل منّي بدرجة [و بيده لوائي] (5) فلا يبقى يومئذ نبيّ [و لا صدّيق و لا شهيد إلّا قال:] (6) طوبى لهذين العبدين (7)، ما أكرمهما على اللّه! فيأتي النّداء من قبل (8) اللّه يسمع النّبيّين و [الصّدّيقين و الشّهداء و الصّالحين:] (9) هذا حبيبي محمّد و هذا وليّي عليّ، طوبى لمن أحبّه. و ويل لمن أبغضه و كذب عليه. ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [لعليّ: يا عليّ،] (10) فلا يبقى يومئذ [في مشهد القيامة] (11) أحد يحبّك (12)، إلّا استروح إلى هذا الكلام و ابيضّ وجهه و فرح قلبه. و لا يبقى يومئذ (13) أحد عاداك (14) أو نصب لك حدبا أو جحد لك حقّا إلّا اسودّ وجهه و اضطرب قلبه (15). [ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (16) فبينا أنا كذلك إذا ملكان قد أقبلا إلي (17)، أمّا أحدهما فرضوان خازن الجنّة و أمّا الآخر فمالك خازن النّار. فيدنو رضوان [فيسلّم عليّ] (18) فيقول: السّلام عليك يا احمد (19).
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) من المصدر.
(3) هكذا في المصدر و في النسخ: «علوت درجتي» بدل: «أعلو الدرجة».
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «درجتي» بدل «درجة منها».
(5) من المصدر.
(6) ليس في المصدر. و بدله فيه: و لا وصيّ و لا مؤمن إلّا رفعوا رؤوسهم إليّ يقولون:
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: غلامين.
(8) المصدر: عند.
(9) ليس في المصدر. و بدله فيه: جميع الخلق.
10 و 11- من المصدر.
(12) هكذا في المصدر. و في النسخ: أحبّك يا عليّ.
(13) ليس في المصدر.
(14) هكذا في المصدر. و في النسخ: و.
(15) أ: «و اضطرب قدمه». المصدر: «و اضطربت قدماه».
(16) من المصدر.
(17) هكذا في المصدر. و في النسخ: عليّ.
(18) من المصدر.
(19) المصدر: فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه: فأرد (عليه السلام).
107
و أقول: و عليك السّلام أيّها الملك (1)، من أنت [فما أحسن وجهك و أطيب ريحك؟!] (2).
فيقول: أنا رضوان خازن الجنّة [و هذه مفاتيح (3) الجنّة بعث بها ربّ العزّة،] (4) فخذها يا أحمد.
فأقول: قد قبلت ذلك من ربّي. فله الحمد على ما فضّلني به. (5) [فآخذها.] (6) فأدفعها إلى علي (7). ثمّ (8) يرجع رضوان فيدنو (9) مالك فيقول: السّلام عليك يا أحمد.
فأقول: السّلام عليك أيّها الملك. من أنت؟ فما أقبح وجهك و أنكر رؤيتك؟! فيقول: أنا مالك خازن النّار. [و هذه مقاليد النّار بعث بها اليك ربّ العزّة، فخذها يا أحمد.] (10) فأقول: قد قبلت ذلك من ربّي. فله الحمد على ما فضّلني به. [فآخذها فأدفعها إلى عليّ.] (11) ثمّ يرجع مالك. فيقبل عليّ يومئذ (12). و معه مفاتيح الجنّة و مقاليد النّار حتّى يقف على عجزة (13) جهنّم (14) و قد تطاير شرارها و علا زفيرها و اشتدّ حرّها [و عليّ آخذ بزمامها.] (15).
فتقول (16) جهنّم: جزني يا عليّ. [فقد] (17) أطفأ نورك لهبي.
____________
(1) المصدر: أيّها الملك الطيب الريح الحسن الوجه الكريم على ربّه.
(2) ليس في المصدر.
(3) هكذا في أ. و في سائر النسخ: مفتاح.
(4) المصدر: «أمرني ربّي أن آتيك بمفاتيح الجنّة فأدفعها إليك».
(5) المصدر: أنعم به عليّ.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: إلى أخي عليّ بن أبي طالب. فيدفعها إليّ عليّ.
(8) المصدر: و.
(9) المصدر: ثم يدنو.
(10) بدله في المصدر: أمرني ربّي أن آتيك بمقاليد النار.
(11) بدله في المصدر: أدفعها إلى أخي عليّ بن أبي طالب. فيدفعها إليه.
(12) ليس في المصدر.
(13) هكذا في المصدر. و في النسخ: حجرة.
(14) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: فيأخذ زمامها بيده.
(15) ليس في المصدر.
(16) المصدر: فتنادي.
(17) ليس في المصدر و أ.
108
فيقول [لها] (1) عليّ: قرّي، قرّي يا جهنّم. [خذي هذا و اتركي هذا،] (2) خذي هذا عدوّي و اتركي هذا وليّي. فلجهنّم يومئذ أشدّ مطاوعة لعليّ من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهبها يمنة و إن شاء يذهبها يسرة، فهي (3) مطاوعة لعليّ فيما يأمرها به من جميع الخلائق.
و في روضة الكافي (4)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، قال فيها- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- وعد نبيّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- الوسيلة. و وعده الحقّ. و لن يخلف اللّه وعده ألا و إنّ الوسيلة أعلى درج الجنّة.
و قد مرّ تتمّة الحديث في تفسير قوله (5): وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ.
(الآية).
وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ: بمحاربة أعدائه.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35): بالوصول إلى كرامته.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ: من صنوف الأموال.
جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ: ليجعلوه فدية لأنفسهم.
مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ:
و «اللّام» متعلّق بمحذوف، يستدعيه «لو» إذ التّقدير: لو ثبت أنّ لهم ما في الأرض. و توحيد الضّمير في «به» و المذكور شيئان، إمّا لإجرائه مجرى اسم الإشارة في قوله- تعالى-: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أو لأنّ الواو في مثله بمعنى: مع.
ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ: جواب «لو». و لو بما في حيّزه خبر «إنّ». و الجملة تمثيل للزوم العذاب لهم، و أنّه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه.
وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36): تصريح بالمقصود منه.
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) المصدر: فلجهنّم يومئذ أشدّ.
(4) الكافي 8/ 24، ح 4.
(5) آل عمران/ 107.
109
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ:
و قرئ: «يخرجوا» من أخرج (1).
وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37):
في تفسير العيّاشي (2): عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول:
عدوّ عليّ- (عليه السلام)- هم المخلّدون في النّار. قال اللّه- تعالى-: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها.
عن منصور بن حازم (3) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
قال: أعداء عليّ- (عليه السلام)- هم المخلّدون في النّار، أبد الآبدين و دهر الدّاهرين.
[و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي (4) قال: حدّثني عليّ بن يزداد القمّي معنعنا، عن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى-:
وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
قال: كأنّك تريد الآدميّين؟
قال (5): قلت: نعم.
قال: كانوا حوسبوا و عذّبوا، و أنتم المخلّدون في الجنّة. قال اللّه: «إنّ أعداء عليّ هم المخلّدون في النّار أبد الآبدين و دهر الدّاهرين» هكذا تنزيلها، صدق اللّه و صدق رسوله (6) و صدق الوصيّ الولي (7).] (8)
و إنّما قال: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ بدل و ما يخرجون للمبالغة باسميّة الجملة، و التّأكيد للنّفي بالباء.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 273- 274.
(2) تفسير العياشي 1/ 317، ح 100.
(3) نفس المصدر 1/ 317- 318، ح 101.
(4) تفسير فرات/ 41.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: النبي.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و اللّه» بدل «الوصيّ الوليّ».
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
110
وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما: جملتان، عند سيبويه. إذ التّقدير:
فيما يتلى عليكم السّارق و السّارقة، أي: حكمهما. و جملة، عند المبرّد.
و «الفاء» للسّببيّة، دخل الخبر لتضمّنها معنى الشّرط. إذا المعنى: و الّذي سرق و الّتي سرقت.
و قرئ، بالنّصب. و هو المختار في أمثاله. لأنّ الإنشاء لا يقع خبرا إلّا بإضمار و تأويل (1).
و السّرقة: أخذ مال الغير خفية. و إنّما توجب القطع إذا كان من حرز، و المأخوذ ربع دينار أو ما يساويه (2).
قيل (3): و المراد بالأيدي، الأيمان. و يؤيّده قراءة ابن مسعود: «أيمانهما» و لذلك جاز وضع الجمع موضع المثنى، كما في قوله- تعالى-: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما اكتفاء بتثنية المضاف إليه. و «اليد» اسم يطلق (4) لتمام العضو [و لبعضه. و موضع القطع، من وسط الكفّ، و لا يقطع الإبهام.] (5) و [لذلك] (6) ذهب الخوارج [إلى] (7) أنّ المقطع هو المنكب، ذهابا إلى ظاهر إطلاق اليد.
و في الكافي (8): [عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن التّيمّم؟ فتلا هذه الآية:
وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما و قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ قال: فامسح على كفيّك من حيث موضع القطع. قال (9): وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (10)، و محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: من
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 274.
(2) أنوار التنزيل 1/ 274.
(3) نفس المصدر و الموضع.
4 و 5- ليس في المصدر.
6 و 7- من المصدر.
(8) الكافي 3/ 62، ح 2.
(9) مريم/ 64.
(10) نفس المصدر 7/ 222، ح 1.
111
أين يجب القطع؟ فبسط أصابعه و قال: من هاهنا، يعني: من مفصل الكفّ.] (1).
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: القطع من وسط الكفّ، و لا يقطع الإبهام. و إذا قطعت الرّجل، ترك العقب و لم يقطع.
محمّد بن يحيى: عن محمّد بن الحسين (3)، عن محمّد بن [عليّ، عن] (4) عبد اللّه بن هلال، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: أخبرني عن السّارق، لم تقطع يده اليمنى و رجله اليسرى و لا تقطع يده اليمنى و رجله اليمنى؟
فقال- (عليه السلام)-: ما أحسن ما سألت! إذا قطعت يده اليمنى و رجله اليمنى سقط على جانبه الأيسر و لم يقدر على القيام، فإذا قطعت يده اليمنى و رجله اليسرى اعتدل و استوى قائما. قلت له: جعلت فداك، و كيف يقوم و قد قطعت رجله؟
قال: إنّ القطع ليس من حيث رأيت يقطع، إنّما يقطع الرّجل من الكعب و يترك له (5) من قدمه ما يقوم عليه يصلّي و يعبد اللّه. قلت له: من أين تقطع اليد؟ قال:
تقطع الأربع أصابع. و تترك الإبهام يعتمد عليها في الصّلاة و يغسل بها وجهه للصّلاة.
فقلت: فهذا القطع من أوّل من قطع (6)؟
قال: قد كان عثمان بن عفّان حسّن ذلك لمعاوية.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (7)، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: في كم يقطع السّارق؟
قال: في ربع دينار. قال: قلت له: في درهمين؟
قال: في ربع دينار [بلغ الدّينار ما بلغ. قال: فقلت له: أ رأيت من سرق أقلّ من
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(3) نفس المصدر 7/ 225، ح 17.
(4) ليس في المصدر.
(5) ليس في المصدر.
(6) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ: يقطع.
(7) نفس المصدر 7/ 221، ح 6.
112
ربع دينار] (1) هل يقع عليه حين سرق اسم السّارق، و هل هو سارق عند اللّه في تلك الحال؟
قال: كلّ من سرق من مسلم شيئا قد حواه و أحرزه فهو يقع عليه اسم السّارق، و هو عند اللّه سارق. و لكن لا يقطع إلّا في ربع دينار أو أكثر. و لو قطعت أيدي السّرّاق فيما هو أقل من ربع دينار لألفيت عامّة النّاس مقطعين.
و في تفسير العيّاشي (2): عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- أنّه سأله المعتصم عن السّارق، من أيّ موضع يجب أن يقطع؟
فقال- (عليه السلام)-: إنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول (3) الأصابع، فيترك الكفّ.
قال: و ما الحجّة في ذلك؟ قال: قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: السّجود على سبعة أعضاء: الوجه، و اليدين (4)، و الرّكبتين، و الرّجلين. فإذا قطعت يده من الكرسوع (5) أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها. و قال اللّه: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ، يعني به: هذه الأعضاء السّبعة الّتي يسجد عليها فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (6) و ما كان للّه فلا يقطع (7).
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و فيه (8): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه كان إذا قطع يد السّارق ترك له الإبهام و الرّاحة. فقيل له: يا أمير المؤمنين، تركت عامّة يده.
فقال لهم: فإن تاب فبأيّ شيء يتوضّأ؟ يقول اللّه: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ ف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
____________
(1) ليس في ر. و «بلغ الدينار ما بلغ» في المصدر بين المعقوفتين.
(2) تفسير العياشي 1/ 319، ح 109.
(3) أ: رؤوس.
(4) ر: الكفين.
(5) هكذا في المصدر. و في أ: «الكرموع». و في سائر النسخ: الكربوع.
(6) الجنّ/ 18.
(7) المصدر: لم يقطع.
(8) نفس المصدر 1/ 318، ح 103. و فيه ذكر الآية بطولها.
113
و في الكافي (1): عن الباقر- (عليه السلام)- قال: قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في السّارق إذا سرق قطعت يمينه، فإذا سرق مرّة أخرى قطعت رجله اليسرى، ثمّ إذا سرق مرّة أخرى سجنته و تركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط و يده اليسرى يأكل بها و يستنجي بها.
و قال: إنّي لأستحي من اللّه أن أتركه لا ينتفع بشيء. و لكنّي أسجنه حتّى يموت في السّجن.
و قال: ما قطع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من سارق بعد يده و رجله.
و في العيّاشي (2) ما يقرب منه.
و في عيون الأخبار (3)، في ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله: و حرّم اللّه السّرقة لما فيه من فساد الأموال و قتل النّفس لو كانت مباحة، و لما يأتي في التّغاصب من القتل و التّنازع و التّحاسد، و ما يدعو إلى ترك التّجارات و الصّناعات في المكاسب، و اقتناء الأموال إذا كان الشّيء المقتنى لا يكون أحد أحقّ به من أحد. و علّة قطع اليمين من السّارق، لأنّه يباشر الأشياء بيمينه و هي أفضل أعضائه و أنفعها له، فجعل قطعها نكالا و عبرة للخلق لئلّا يبتغوا أخذ الأموال من غير حلّها. و لأنّه أكثر ما يباشر السّرقة بيمينه.
و بإسناده إلى محمّد بن عيسى بن عبيد (4)، رفعه إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: لا يزال العبد يسرق، حتّى إذا استوفى ثمن يده أظهره اللّه عليه.
جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ: منصوبان على المفعول له، أو المصدر.
دلّ على فعلهما «فاقطعوا».
وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38).
فَمَنْ تابَ: من السّرّاق.
____________
(1) الكافي 7/ 222، ح 4.
(2) تفسير العياشي 1/ 319، ح 106.
(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 94- 95، ح 1.
(4) نفس المصدر 1/ 225، ح 36.
114
مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ: أي: سرقته.
وَ أَصْلَحَ: أمره، بردّ المال و التّفصّي عن التّبعات و العزم على أن لا يعود إليها.
فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39): يقبل توبته، فلا يعذّبه في الآخرة و لا يقطع. إلّا إذا كانت توبته بعد أن يقع في يد الإمام، فلا يسقط حينئذ و إن عفا عنه صاحبه.
ففي الكافي (1)، بإسناده عن أحدهما- (عليهما السلام)- في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنا، فلم يعلم ذلك منه و لم يؤخذ حتّى تاب و صلح؟
فقال: إذا صلح و عرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ.
و عن الصّادق- (عليه السلام) (2)-: من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له، فإذا (3) رفع إلى الإمام قطعه. فإن قال الّذي سرق منه: «أنا أهب له»، لم يدعه الإمام حتّى يقطعه إذا رفعه (4) إليه. و إنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام. و ذلك قول اللّه- تعالى- (5):
وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ فإذا انتهى إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه.
و في كتاب الخصال (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جرت في صفوان بن أميّة الجمحيّ ثلاث من السّنن- إلى أن قال- (عليه السلام)-: و كان راقدا في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تحت رأسه رداؤه، فخرج يبول [فرجع (7)] و قد سرق رداؤه، فقال: من ذهب بردائي. فخرج (8) في طلبه فوجده في يد رجل، فرفعه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: اقطعوا يده.
فقال: أ تقطع [يده] (9) من أجل ردائي يا رسول اللّه؟ فأنا أهبه له.
____________
(1) الكافي 7/ 250، ح 1.
(2) نفس المصدر 7/ 251، ح 1.
(3) المصدر: فان.
(4) المصدر: رفع.
(5) التوبة/ 112.
(6) الخصال 1/ 193، ح 268.
(7) من أ و ليس في سائر النسخ. و في المصدر: فجاء.
(8) المصدر: و خرج.
(9) من المصدر.
115
فقال: ألا كان هذا قبل أن تأتيني به. فقطعت يده.
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: الخطاب للنّبيّ- (عليه السلام)- أو لكلّ أحد.
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40): قدّم التّعذيب على المغفرة، إيتاء على ترتيب ما سبق. أو لأنّ استحقاق التّعذيب مقدّم على المغفرة. أو لأنّ المراد به القطع، و هو في الدّنيا.
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، أي: صنع الّذين يقعون في الكفر سريعا إذا وجدوا منه فرصة.
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، أي: من المنافقين. و «الباء» متعلّقة «بقالوا». و «الواو» تحتمل الحال، و العطف.
[و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (2) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل: فأمّا ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار و المعرفة، و العقد و الرّضا، و التّسليم بأنّ لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه من نبي أو كتاب: فذلك ما فرض اللّه على القلب من الإقرار و المعرفة و هو عمله. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- (3): إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً. و قال (4): أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. و قال (5): الذين آمنوا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ. و قال (6):
____________
(1) الكافي 2/ 34- 35، ضمن حديث.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «القاسم بن يزيد». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 18، رقم 9555.
(3) النحل/ 106.
(4) الرعد/ 30.
(5) المائدة/ 41. و الآية هكذا: من الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم.
(6) البقرة/ 284.
116
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. فذلك ما فرض اللّه- عزّ و جلّ- على القلب من الإقرار، و هو عمله، و هو رأس الإيمان.
و في من لا يحضره الفقيه (1): قال أمير المؤمنين في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة: و فرض على القلب و هو أمير الجوارح الّذي به تعقل و تفهم و تصدر عن أمره و رأيه فقال- إلى قوله- و قال- عزّ و جلّ- حين أخبر عن قوم أعطوا الإيمان بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم فقال- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ.
و في كتاب الاحتجاج (2)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و ليس كلّ من وقع عليه اسم الإيمان كان حقيقا بالنّجاة ممّا هلك به الغواة، و لو كان كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتّوحيد و إقرارها باللّه، و نجا سائر المقرّين بالوحدانيّة من إبليس فمن دونه في الكفر، و قد بيّن اللّه ذلك بقوله: الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ. فالإيمان بالقلب هو التّسليم للرّب و من سلّم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره.] (3).
وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا: عطف على مِنَ الَّذِينَ قالُوا.
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم سمّاعون [. و الضّمير للفريقين. أو «للّذين يسارعون».
و يجوز أن يكون مبتدأ «و من الّذين» خبره، أي: و من اليهود قوم سمّاعون.] (4) و الّلام في «للكذب» إمّا مزيدة للتّأكيد، أو لتضمّن السّماع معنى القبول، أي: قابلون لما تفتريه الأحبار. أو للعلّة و المفعول محذوف، أي: سمّاعون كلامك ليكذبوا عليك.
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، أي: لقوم آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك، و تجافوا عنك تكبّرا و إفراطا في البغضاء، و المعنى على الوجهين: أنّهم يصغون لهم، قابلون كلامهم. أو سمّاعون منك لأجلهم و الإنهاء إليهم.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 382، ضمن حديث.
(2) الاحتجاج 1/ 368، مع إسقاط بعض الجمل من آخره.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
117
و يجوز أن تتعلّق الّلام «بالكذب»، لأن «سمّاعون» الثّاني مكرر للتّأكيد، أي: سمّاعون ليكذبوا لقوم آخرين.
[و في مجمع البيان (1): سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ أرسلوهم في قصّة زان محصن، فقالوا [لهم] (2): إن أفتاكم محمّد بالجلد فخذوه، و إن أفتاكم بالرّجم فلا تقبلوه. لأنّهم كانوا حرّفوا [حكم] (3) الرّجم الّذي في التّوراة.
عن ابن عبّاس و جابر و سعيد بن المسيّب و السّديّ (4).
و قال أبو جعفر- (عليه السلام) (5)-: و كان ذلك في أمر بني النّضير و بني قريظة.] (6).
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ: أي: يميلونه عن مواضعه الّتي وضعه اللّه فيها. إمّا لفظا بإهماله، أو تغيير وضعه. و إمّا معنى بحمله على غير المراد، و إجرائه في غير مورده.
و الجملة، صفة أخرى «لقوم»، أو صفة «لسمّاعون»، أو حال من الضّمير فيه، أو استئناف لا موضع له، أو في موضع الرّفع خبر المحذوف، أي: هم يحرّفون. و كذلك يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ، أي: إن أوتيتم هذا المحرّف، أو ما اتّفق عليه رأيكم فاقبلوه و اعلموا به.
وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ: بل أفتاكم محمّد بخلافه.
فَاحْذَرُوا: قبول ما أفتاكم به.
قال البيضاويّ (7): روي أنّ شريفا من خيبر زنى بشريفة و كانا محصنين. فكرهوا رجمهما، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عنه، و قالوا: إن أمركم بالجلد و التّحميم فاقبلوه، و إن أمركم بالرّجم فلا. فأمرهم بالرّجم فأبوا عنه. فجعل ابن صوريا حكما بينه و بينهم، و قال له: أنشدك باللّه الّذي لا
____________
(1) مجمع البيان 2/ 194.
2 و 3- من المصدر.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: السنديّ
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) أنوار التنزيل 1/ 275.
118
إله إلّا هو، الّذي فلق البحر لموسى- (عليه السلام)- و رفع فوقكم الطّور و أنجاكم و أغرق [آل] (1) فرعون، و الّذي أنزل عليكم كتابه و حلاله و حرامه، هل تجد فيه الرّجم على من أحصن؟
قال: نعم. فوثبوا عليه فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.
فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالزّانيين فرجما عند باب المسجد.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): كان سبب نزولها: أنّه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون و هم النّضير و قريظة. و كانت قريضة سبعمائة و النّضير ألفا.
و كانت النّضير أكثر مالا و أحسن حالا من قريظة. و كانوا حلفاء لعبد اللّه بن أبيّ. فكان إذا وقع بين قريظة و النّضير قتيل (3) و كان القتيل (4) من بني النّضير قالوا لبني قريظة: لا نرضى أن يكون قتيل منّا بقتيل منكم.
فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتّى كادوا أن يقتتلوا (5)، حتّى رضيت قريظة و كتبوا بينهم كتابا على أنّه: أيّ رجل من اليهود من النّضير قتل رجلا من بني قريظة أن يحينه (6) و يحمّم- و التّحينة، أن يقعد على جمل و يولى وجهه إلى ذنب الجمل و يلطّخ وجهه (7) بالحمأة- و يدفع نصف الدّية، و أيّما رجل من بني قريظة قتل رجلا من النّضير أن يدفع إليه الدّية كاملة و يقتل به.
فلمّا هاجر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المدينة و دخل الأوس و الخزرج في الإسلام ضعف أمر اليهود، فقتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النّضير. فبعثوا (8) إليهم بنو النّضير: ابعثوا إلينا بدية المقتول و بالقاتل حتّى نقتله.
فقالت قريظة. ليس هذا حكم التّوراة و إنّما هو شيء غلبتمونا عليه، فأمّا الدّية و أمّا القتل، و إلّا فهذا محمّد بيننا و بينكم فهلمّوا نتحاكم إليه.
____________
(1) من المصدر و أ.
(2) تفسير القمي 1/ 168- 169.
(3) المصدر: قتل.
(4) المصدر: القاتل.
(5) رأوا: يقتلوا.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يجنب.
(7) ليس في المصدر.
(8) الظاهر: فبعث.
119
فمشت بنو النّضير إلى عبد اللّه بن أبيّ فقالوا: سل محمّدا أن لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الّذي بيننا و بين بني قريظة في القتل.
فقال عبد اللّه بن أبيّ: ابعثوا معي رجلا يسمع كلامي و كلامه. فإن حكم لكم بما تريدون و إلّا فلا ترضوا به.
فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، إنّ هؤلاء القوم قريظة و النّضير، قد كتبوا بينهم كتابا و عهدا وثيقا تراضوا به، و الآن في قدومك يريدون نقضه، و قد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض كتابهم عليهم و شرطهم. فإنّ بني النّضير لهم القوّة و السّلاح و الكراع و نحن نخاف [الغوائل و] (1) الدّوائر.
فاغتمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من ذلك (2) و لم يجبه (3) بشيء، فنزل جبرئيل بهذه الآيات.
قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، يعني: عبد اللّه بن أبيّ و بني النّضير.
وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا، يعني: عبد اللّه [بن أبيّ حيث] (4) قال لبني النّضير: إن لم يحكم (5) بما تريدون فلا تقبلوا.
و في مجمع البيان (6): قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان ذلك في أمر بني النّضير و بني قريظة.
وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ: اختباره.
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً: فلن تستطيع له من اللّه شيئا في دفعها.
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ: من العقوبات المترتّبة على الكفر، كالختم و الطّبع و الضّيق.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: فاغتمّ لذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بدل «فاغتمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من ذلك».
(3) المصدر: فلم يجبه.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: لم يحكم لكم.
(6) مجمع البيان 2/ 196.
120
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ: هوان، بإلزام الجزية على اليهود، و إجلاء بني النّضير منهم، و إظهار كذبهم في كتمان الحقّ، و ظهور كفر المنافقين، و خوفهم جميعا من المنافقين.
وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41): و هو الخلود في النّار. و الضّمير «للّذين هادوا» إن استأنفت بقوله: وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا و إلّا فللفريقين.
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ: تكريره للتّأكيد.
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ، أي: الحرام، كالرّشا. من سحته: إذا استأصله. لأنّه مسحوت البركة.
و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و الكسائيّ و يعقوب، بضمّتين. و هما لغتان. كالعنق، و العنق.
و قرئ، بفتح السّين. على لفظ المصدر (1).
في عيون الأخبار (2)، عن الرّضا- (عليه السلام)- بإسناده عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال: هو الرّجل الّذي يقضي لأخيه الحاجة ثمّ يقبل هديّته.
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و أحمد بن محمّد عن ابن محبوب، عن عمّار بن مروان قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الغلول؟ فقال كلّ شيء غلّ من الإمام فهو سحت: و أكل مال اليتيم و شبهه سحت. و السّحت أنواع كثيرة، منها أجور الفواجر و ثمن الخمر و النّبيذ المسكر و الرّبا بعد البيّنة. فأمّا الرّشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم و برسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (4)، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: السّحت، ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغيّ و الرّشوة في الحكم و أجر الكاهن.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 275.
(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 28، ح 16.
(3) الكافي 5/ 126، ح 1.
(4) نفس المصدر 5/ 126- 127، ح 2.
121
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه (1). عن الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن زرعة، عن سماعة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:
السّحت أنواع، منها كسب الحجّام إذا شارط و أجر الزّانية و ثمن الخمر. فأمّا الرّشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن يزيد بن فرقد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن السّحت؟ فقال: الرّشا في الحكم.
عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه (3)، عن محمّد بن عليّ، عن عبد الرّحمن بن أبي هاشم (4)، عن القاسم بن الوليد [العمّاريّ،] (5) عن عبد الرّحمن الأصمّ، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه القمّاري (6) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن ثمن الكلب الّذي لا يصيد؟
فقال: سحت، و أمّا الصّيود فلا بأس.
و بإسناده عن مسمع بن عبد الملك (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الصّنّاع إذا سهروا اللّيل كلّه، فهو سحت.
و في كتاب الخصال (8): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: السّحت أنواع كثيرة، منها ما أصيب من أعمال الولاة الظّلمة.
و في من لا يحضره الفقيه (9): روى الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قاض بين قريتين يأخذ من السّلطان على القضاء الرّزق؟
____________
(1) نفس المصدر 5/ 127، ح 3.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 4.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 5. و في أ: «عن أبي عبد ربّه» بدل «عن أحمد بن أبي عبد اللّه».
(4) أ: عبد الرحمن بن عبد اللّه.
(5) من المصدر. و في نور الثقلين: «القماريّ». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 26، رقم 9615.
(6) المصدر: العامريّ.
(7) نفس المصدر و الموضع، ح 7.
(8) الخصال 1/ 329، ح 26.
(9) من لا يحضره الفقيه 3/ 4، ح 1.
122
قال: ذلك سحت.
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ: تخيير له- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
في تهذيب الأحكام (1): سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب (2)، عن سويد بن سعيد القّلاء (3)، عن أبي أيّوب (4)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إن الحاكم إذا أتاه أهل التّوراة و أهل الإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه، إن شاء حكم بينهم و إن شاء تركهم.
و في مجمع البيان (5): و الظّاهر في روايات أصحابنا، إنّ هذا لتخيير ثابت في الشّرع للأئمّة و الحكّام.
وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً: بأن يعادوك لإعراضك (6) عنهم، فإنّ اللّه يعصمك من النّاس.
وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: بالعدل الّذي أمر اللّه به.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42): فيحفظهم، و يعظّم شأنهم.
وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ: تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، و الحال أنّ الحكم منصوص عليه في الكتاب الّذي عندهم.
و تنبيه على أنّهم ما قصدوا بالتّحكيم معرفة الحقّ و إقامة الشّرع، و إنّما طلبوا به ما يكون أهون عليهم و إن لم يكن حكم اللّه في زعمهم.
و فِيها حُكْمُ اللَّهِ حال من «التّوراة» إن رفعتها بالظّرف، و إن جعلتها مبتدأ
____________
(1) تهذيب الأحكام 6/ 300، ح 46.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «محمد بن.
الحسن بن أبي الخطّاب». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 3/ 101، رقم 10583.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «سعد بن سعيد». ر. تنقيح المقال 2/ 72، رقم 5357.
(4) المصدر: أيّوب.
(5) مجمع البيان 2/ 196.
(6) ر: باعراضك.
123
فمن ضميرها المستكنّ فيه. و تأنيثها لكونها نظيرة المؤنّث في كلامهم لفظا، كموماة و دوداة.
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ: ثمّ يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التّحكيم. و هو عطف على «يحكّمونك» داخل في حكم التّعجيب.
وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43): بكتابهم. لإعراضهم عنه أوّلا، و عمّا يوافقه ثانيا. أو بك و به.
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً: يهدي إلى الحقّ.
وَ نُورٌ: يكشف ما اشتبه عليهم من الأحكام.
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا: وصف النّبيّين به مدحا لهم، و تنويها لشأن المسلمين، و تعريضا باليهود. و أنّهم بمعزل عن دين الأنبياء، و اقتفاء هديهم.
لِلَّذِينَ هادُوا: متعلّق «بأنزل» أو «بيحكم»، أي: يحكمون بها في تحاكمهم.
وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ: عطف على «النّبيّون».
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ: بسبب أمر اللّه إيّاهم أن يحفظوا كتابه من التّغيير و التّحريف. و الرّاجع إلى «ما» محذوف. و «من» للتّبيين.
وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ: رقباء، لا يتركون أن يغيّر. أو شهداء يبيّنون ما يخفى منه.
قيل (1): هم علماؤهم و زهادهم، السّالكون طريقة أنبيائهم.
و في تفسير العيّاشي (2): عن مالك الجهنيّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال في هذه الآية. فينا نزلت.
و عن أبي عمرو الزّبيريّ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ ممّا استحقّت
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 276.
(2) تفسير العياشي 1/ 322، ح 118. و فيه ذكر نفس
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 119.
124
به الإمامة التّطهير و الطّهارة من الذّنوب و المعاصي الموبقة الّتي توجب النّار، ثمّ العلم النّور (1) بجميع ما يحتاج إليه الأمّة (2) من حلالها و حرامها، و العلم بكتابها خاصّة و عامّة و المحكم و المتشابه و دقائق علمه و غرائب تأويله و ناسخه و منسوخه.
قلت: و ما الحجّة بأنّ الإمام لا يكون إلّا عالما بهذه الأشياء الّتي ذكرت؟
قال: قول اللّه في من أذن [اللّه] (3) لهم في الحكومة (4) و جعلهم أهلها: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ فهذه الأئمّة دون الأنبياء الّذين يربّون النّاس بعلمهم، و أمّا الأحبار فهم العلماء دون الرّبّانيّين. ثمّ أخبرنا (5) فقال: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ. و لم يقل: بما حملوا منه.
[و في كتاب التّوحيد (6)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أصحاب المقالات و الأديان. قال الرّضا- (عليه السلام)- لرأس الجالوت: و قد قال داود في زبوره و أنت تقرأه: اللّهمّ ابعث مقيم السّنّة بعد الفترة. فهل تعرف نبيّا أقام السّنّة بعد الفترة غير محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه و لا ننكره. و لكن عنى بذلك: عيسى، و أيّامه هي الفترة.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: جهلت أنّ عيسى لم يخالف السّنّة، و قد كان موافقا لسنّة التّوراة حتّى رفعه اللّه إليه.] (7)
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ: قيل (8): نهي للحكّام أن يخشوا غير اللّه في حكوماتهم، و يداهنوا فيها خشية ظالم أو مراقبة كبير.
____________
(1) المصدر: «المنور». تفسير البرهان 1/ 475، ح 2: «المنور و في نسخة المكنون.» و لعله الأظهر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: الأمر.
(3) من المصدر.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: بالحكومة.
(5) المصدر: أخبر.
(6) التوحيد/ 428، ضمن حديث 1.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) أنوار التنزيل 1/ 276.
125
[و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن صالح بن حمزة رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ من العبادة شدّة الخوف من اللّه، يقول اللّه- عزّ و جلّ- (2): إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.
و قال- جلّ ثناؤه-: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.] (3).
وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا: و لا تستبدلوا بأحكامي الّتي أنزلتها ثمنا قليلا. و هو الرّشوة، و الجاه.
وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44): ظاهر الآية عموم من حكم بغير ما أنزل اللّه، للاستهانة أو غيره.
و في تفسير العيّاشي (4): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه فقد كفر. و من حكم في درهمين فأخطأ كفر.
و عن بعض أصحابه (5) قال: سمعت عمّارا يقول على منبر الكوفة: ثلاثة يشهدون على عثمان أنّه كافر و أنا الرّابع، و أنا أسمّي الأربعة. ثمّ قرأ هذه الآيات في المائدة:
[ «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و الظّالمون و الفاسقون».
و عن أبي العبّاس (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من حكم في درهمين بغير ما أنزل فقد كفر. قلت: كفر بما أنزل اللّه] (7) أو بما أنزل اللّه على محمّد؟
قال: ويلك إذا كفر بما أنزل اللّه على محمّد أليس قد كفر بما أنزل اللّه؟
و عن أبي بصير (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)-: من قضى في درهمين بغير ما أنزل اللّه فقد كفر.
____________
(1) الكافي 2/ 69، صدر حديث 7.
(2) فاطر/ 28.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) تفسير العياشي 1/ 323، ح 121.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 123.
(6) نفس المصدر 1/ 324، ح 127.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) نفس المصدر 1/ 323، ح 124.
126
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن كثير، عن عبد اللّه بن مسكان رفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من حكم في درهمين بحكم جور ثمّ جبر عليه كان من أهل هذه الآية: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.
فقلت: و كيف يجبر عليه؟
فقال: يكون له سوط و سجن فيحكم عليه. فإن (2) رضى بحكمه (3) و إلّا ضربه بسوطه و حبسه في سجنه.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن ثعلبة، عن صالح الأزرق، عن حكم الحنّاط (5)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و حكم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قالا: من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه- عزّ و جلّ- ممّن له سوط أو عصا، فهو كافر بما أنزل اللّه على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ: فرضنا على اليهود.
فِيها: في التّوراة.
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ: أي: أنّ النّفس تقتل بالنّفس.
وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِ: رفعها الكسائي، على أنّها جمل معطوفة على «أنّ» و ما في حيّزها باعتبار المعنى، و كأنّه قيل:
كتبنا عليهم النّفس بالنّفس و العين بالعين. فإنّ الكتابة و القراءة يقعان على الجمل كالقول.
أو جملة مستأنفة، و معناها: و كذلك العين مفقودة بالعين، و الأنف مجدوعة بالأنف، و الأذن مصلومة بالأذن، و السّنّ مقلوعة بالسّنّ. أو على أنّ المرفوع منها
____________
(1) الكافي 7/ 408، ح 3.
(2) المصدر: فإذا.
(3) المصدر: بحكومته.
(4) نفس المصدر 7/ 407، ح 1.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: حكيم الخيّاط. ر. تنقيح المقال 1/ 356، رقم 3214.
127
معطوف على المستكنّ في قوله: «بالنّفس»، و إنّما ساغ لأنّه في الأصل مفصول عنه بالظّرف. و الجارّ و المجرور، حال، مبيّنة للمعنى (1).
و قرأ نافع: «و الأذن بالأذن» و في «أذنيه» بإسكان الذّال حيث وقع (2).
[و في كتاب الخصال (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل أبي (4) عن حروب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كان السّائل من محبّينا.
فقال له أبي (5): إنّ اللّه- تعالى- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بخمسة أسياف: ثلاثة فيها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها [، فإذا طلعت الشّمس من مغربها آمن النّاس كلّهم في ذلك اليوم فيومئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً (6)] (7) و سيف منها ملفوف، و سيف منها مغمد سلّه إلى غيرنا و حكمه إلينا- إلى أن قال-: و أمّا السّيف المغمود فالّذي (8) يقام به القصاص، قال اللّه- تعالى-:
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فسلّه إلى أولياء المقتول و حكمه إلينا.] (9).
وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ، أي: ذات قصاص. و قرأه الكسائيّ- أيضا- بالرّفع.
و وافقه ابن كثير و أبو عمرو. و على كلّ تقدير إجمال للحكم بعد التّفصيل (10).
[و في الكافي (11): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن أعور فقأ عين صحيح متعمّدا؟
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 276.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) الخصال/ 274 و 276، ضمن حديث 18. و فيه: عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.
(4) المصدر: أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-.
(5) المصدر: أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-.
(6) الأنعام/ 158.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: فالسيف الذي.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(10) أنوار التنزيل 1/ 277.
(11) الكافي 7/ 321، ح 9.
128
قال: تفقأ عينه.
قلت: يكون أعمى.
قال: الحقّ أعماه.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (1)، عن ابن أبي عمير، و عليّ بن حديد جميعا، عن جميل بن درّاج، عن بعض أصحابه، عن أحدهما- (عليه السلام)- أنّه قال: في سنّ الصّبيّ يضربها الرّجل فتسقط ثمّ تنبت؟
قال: ليس عليه القصاص، و عليه الأرش.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
سألته عن السّنّ و الذّراع يكسران عمدا، أ لهما أرش أو قود؟
فقال: قود.
قلت: فإن أضعفوا الدّية؟
قال: إن أرضوه بما شاء فهو له.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (3)، عن ابن محبوب [، عن إسحاق بن عمّار،] (4) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فيما كان من جراحات الجسد، أنّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة [فيعطاها.] (5).
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (6)، عن عليّ بن حديد، عن جميل بن درّاج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في رجل كسر يد رجل ثمّ برئت يد الرّجل؟ قال: ليس في هذا قصاص، لكن يعطى الأرش.] (7).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): أنّه منسوخ بقوله:
____________
(1) نفس المصدر 7/ 320- 321، صدر حديث 8.
(2) نفس المصدر 7/ 320، ح 7.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 5.
4 و 5- من المصدر.
(6) نفس المصدر و الموضع، ح 6.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(8) تفسير القمي 1/ 169.
129
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى: و قوله: وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ لم ينسخ.
و في تهذيب الأحكام (1): الحسين بن سعيد، عن فضّالة، عن أبان، عن زرارة، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ. (الآية) قال: هي محكمة.
و الجمع بين الخبرين، إمّا بأنّ المراد بقوله: «محكمة» أنّ الجروح قصاص محكمة. و إمّا بأنّ المراد بالمنسوخة، ما ظاهره منسوخ، أي: عمومه. و إن كان في الحقيقة، تخصيصا بالنّفس المساوي لها.
فَمَنْ تَصَدَّقَ: من المستحقّين.
بِهِ: بالقصاص، أي فمن عفا عنه.
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ: للتّصدّق، فيكفّر اللّه به ذنوبه.
و قيل (2): الجاني يسقط عنه ما لزمه.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ.
فقال: يكفّر عنه من ذنوبه، بقدر ما عفا.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (4)، عن عليّ بن الحكم، عن [عليّ بن] (5) أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ.
قال: يكفّر عنه من ذنوبه، بقدر ما عفا من جراح أو غيره.
و في من لا يحضره الفقيه (6): و روى جعفر بن بشير، عن معلى بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) تهذيب الأحكام 10/ 183- 184، ح 15.
(2) أنوار التنزيل 1/ 277.
(3) الكافي 7/ 358، ح 1.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(5) من المصدر.
(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 80، ح 14.
130
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. قال: يكفّر عنه من ذنوبه على قدر ما عفا عن العمد.
وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ: من القصاص و غيره.
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45):
[في روضة الكافي (1): أبان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ دخلت علينا (2) أمّ خالد، الّتي كان قطعها يوسف بن عمر، تستأذن عليه. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ يسرّك أن تسمع كلامها؟
قال: قلت: نعم.
قال: فأذن لها [. قال:] (3) و أجلسني معه على الطّنفسة. قال: ثمّ دخلت فتكلّمت، فإذا امرأة بليغة. فسألته عنهما؟ فقال [لها:] (4) تولّيهما؟
قالت: فأقول لربيّ إذا لقيته إنّك أمرتني بولايتهما.
قال: نعم.
قالت: فإنّ هذا الّذي معك على الطّنفسة يأمرني بالبراءة منهما و كثير النّوا يأمرني بولايتهما، فأيّهما خير و أحبّ إليك؟
قال: هذا و اللّه أحبّ إليّ من كثير النّوا و أصحابه، إنّ هذا يخاصم (5) فيقول وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن [محمّد (6)، عن] (7) معلى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير مثله سواء.] (8).
وَ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ: أي: و أتبعناهم على آثارهم. فحذف المفعول، لدلالة الجارّ و المجرور عليه. و الضّمير، للتّبيين.
____________
(1) الكافي 8/ 101، ح 71.
(2) هكذا في المصدر، و في النسخ: عليه.
3 و 4- من المصدر.
(5) المصدر: تخاصم.
(6) نفس المصدر 8/ 237، ح 319.
(7) ليس في المصدر.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
131
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: مفعول ثان، عدّى إليه الفعل بالباء.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ:
و قرئ: بفتح الهمزة (1).
فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ: في موضع النّصب بالحال.
وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ: عطف عليه. و كذا قوله.
وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46): و يجوز نصبهما على المفعول له، عطفا على محذوف. أو تعلّقا به، و عطف.
وَ لْيَحْكُمْ [أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: عليه، في قراءة حمزة. و على الأوّل الّلام متعلّقة بمحذوف، أي: و آتيناه ليحكم. و قرئ: و أن (2) ليحكم.] (3) على أنّ «أن» موصولة بالأمر. كقوله: أمرتك بأن قم، أي: و أمرنا بأن ليحكم.
وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47): عن الإيمان.
ففي مجمع البيان (4): و روى البراء بن عازب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ قوله: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ و بعده فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ كلّ ذلك في الكفّار خاصّة. أورده مسلم في الصّحيح.
و في تفسير العيّاشي (5): عن أبي جميلة، عن بعض أصحابه، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قد فرض اللّه في الخمس نصيبا لآل محمد، فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم حسدا و عداوة. و قد قال اللّه: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. و كان أبو بكر أوّل من منع آل محمد- (عليهم السلام)- حقّهم و ظلمهم و حمل الناس على رقابهم.
و لمّا قبض أبو بكر استخلفه عمر على غير شورى من المسلمين و لا رضى من آل
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 277.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(4) مجمع البيان 2/ 198.
(5) تفسير العياشي 1/ 325، ح 130.
132
محمّد، فعاش عمر بذلك لم يعط آل محمد حقّهم و صنع ما صنع أبو بكر.
وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ: أي: القرآن.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ: من جنس الكتب المنزلة. فالّلام الأولى للعهد، و الثّانية للجنس.
وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ: و رقيبا على سائر الكتب، يحفظه عن التّغيير، و يشهد لها بالصّحّة و الثّبات.
و قرئ: على بنية المفعول، أي: هو من عليه، و حوفظ من التّحريف. و الحافظ له هو اللّه- تعالى- أو الحفّاظ في كلّ عصر (1).
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه قال: إنّ موسى- (صلّى اللّه عليه و آله)- ناجاه ربّه- تبارك و تعالى- فقال له في مناجاته: أوصيك يا موسى وصيّة الشّفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم و من بعده بصاحب الجمل الأحمر الطّيّب الطّاهر المطهّر، فمثله في كتابك أنّه مؤمن مهيمن على الكتب كلّها.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن سعد الإسكاف قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعطيت السّور الطّوال مكان التّوراة. و أعطيت المئين مكان الإنجيل و أعطيت المثاني مكان الزّبور. و فضّلت بالمفصّل ثمان و ستّون سورة. و هو مهيمن على سائر الكتب. فالتّوراة (4) لموسى. و الإنجيل لعيسى. و الزّبور لداود- (عليهم السلام)-.
و في كتاب الاحتجاج (5)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و عن معمّر بن راشد قال:
سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر الأنبياء- (عليهم السلام)-: و أنّ اللّه جعل كتابي المهيمن على كتبهم، النّاسخ لها.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 277.
(2) الكافي 8/ 43، ح 8.
(3) نفس المصدر 2/ 601، ح 10.
(4) المصدر: و التوراة.
(5) الاحتجاج 1/ 57.
133
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.] (1).
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، أي: بما أنزل إليك.
وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ: بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه.
«فعن» صلة ل «لا تتّبع» لتضّمنه معنى الانحراف. أو حال من فاعله، أي:
لا تتّبع أهواءهم مسائلا عمّا جاءك.
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ: أيّها النّاس.
شِرْعَةً: و هي الطّريقة إلى الماء. شبّه بها الدّين، لأنّه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبديّة.
و قرئ، بفتح الشّين (2).
وَ مِنْهاجاً: واضحا في الدّين. من نهج الأمر: إذا وضح.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3) قال: لكلّ نبيّ شرعة و طريق.
و في كتاب علل الشّرائع (4)، بإسناده إلى حنان بن سدير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: لأيّ علّة لم يسعنا (5) إلّا أن نعرف كلّ إمام بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يسعنا أن لا نعرف كلّ إمام قبل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: لاختلاف الشّرائع.] (6).
و في أصول الكافي (7): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: فلمّا استجاب لكلّ نبيّ من استجاب له من قومه من المؤمنين جعل لكلّ منهم شرعة و منهاجا. و الشّرعة و المنهاج سبيل
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) أنوار التنزيل 1/ 277.
(3) تفسير القمي 1/ 170.
(4) علل الشرائع/ 210، ح 1.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: لا يسعنا.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) الكافي 2/ 29، ح 1.
134
و سنّة. و قال اللّه- تعالى-: لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) (1)-: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ و أمر كلّ نبيّ بالأخذ بالسّبيل و السّنّة. و كان من السّبيل و السّنّة الّتي أمر اللّه- عزّ و جلّ- بها موسى أن جعل اللّه عليهم السّبت.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً: جماعة متّفقة على دين واحد في جميع الأعصار، من غير نسخ و تحويل. و مفعول «لو شاء» محذوف، دلّ عليه الجواب.
و قيل (2): المعنى: لو شاء اللّه اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه.
وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ: من الشّرائع المختلفة، المناسبة لكلّ عصر و قرن. هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أنّ اختلافها بمقتضى الحكمة الإلهيّة، أم تزيغون من الحقّ و تفرّطون في العمل.
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ: فابتدروها، انتهازا للفرصة، و حيازة لفضل السّبق و التّقدّم.
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً: استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق، و وعد و وعيد للمبادرين و المقصّرين.
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48): بالجزاء، الفاصل بين المحقّ و المبطل و العامل و المقصّر.
وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ: عطف على الكتاب، أي: أنزلنا إليك الكتاب و الحكم. أو على الحقّ، أي: أنزلناه بالحقّ و بأن احكم.
و يجوز أن يكون جملة بتقدير: و أمرنا أن احكم.
و في مجمع البيان (3): عن الباقر- (عليه السلام)- إنّما كرّر الأمر بالحكم بينهم.
لأنّهما حكمان أمر بهما جميعا. لأنّهم احتكموا إليه في زنا المحصن ثمّ احتكموا إليه في قتل كان بينهم.
وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
____________
(1) النساء/ 163.
(2) أنوار التنزيل 1/ 278.
(3) مجمع البيان 2/ 204.
135
، أي: يضلّوك و يصرفوك عنه.
و «أن» بصلته بدل من «هم» بدل الاشتمال، أي احذرهم فتنتهم. أو مفعول له: أي: احذرهم مخافة أن يفتنوك. نزلت في قريظة و النّضير في الحكاية السّالفة عنهم.
قيل (1): روي أنّ أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمّد لعلّنا نفتنه عن دينه.
فقالوا: يا محمّد، قد عرفت أنّا أحبار اليهود، و أنّا إن اتّبعناك اتّبعنا اليهود كلّهم، و أنّ بيننا و بين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، و نحن نؤمن بك و نصدّقك.
فأبى ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنزلت.
فَإِنْ تَوَلَّوْا: عن الحكم المنزل، و أرادوا غيره.
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ: يعني: ذنب التّولّي عن حكم اللّه. فعبّر عنه بذلك، تنبيها على أنّ لهم ذنوبا كثيرة، و هذا مع عظمه واحد منها معدود من جملتها.
و في لفظ «بعض» دلالة على التّعظيم، كما في التّنكير، و نظيره قول لبيد (2):
أو يرتبط بعض النّفوس حمامها
وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49): المتمرّدون في الكفر، المعتدّون فيه.
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: الّذي فيه الميل و المداهنة في الحكم. و المراد بالجاهليّة، الملّة الجاهليّة الّتي هي متابعة الهوى.
و قرئ، برفع الحكم. على أنّه مبتدأ و «يبغون» خبره. و الرّاجع محذوف، حذفه في الصّلة في قوله: أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا. و استضعف ذلك في غير الشّعر (3).
و قرئ: «أ فحكم الجاهليّة»، أي: يبغون حاكما كحكّام الجاهليّة يحكم
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 278.
(2) أنوار التنزيل 1/ 278.
(3) نفس المصدر و الموضع.
136
بحسب تشهيهم (1).
و قرأ ابن عامر: «تبغون» بالتّاء. على معنى قل لهم: أ فحكم الجاهليّة تبغون (2).
وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50): أي: عندهم.
و «الّلام» للبيان، كما في قوله: هَيْتَ لَكَ، أي: هذا الاستفهام لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. فإنّهم هم الّذين يبتدرون الأمور و يتحقّقون الأشياء بأنظارهم، فيعلمون أنّ لا أحسن حكما من اللّه.
و في الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهلية. فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية.
أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار (4)، عن ابن فضّال (5)، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهليّة. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ-: و مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ و أشهد (6) على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليّة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ: فلا تعتمدوا عليهم، و لا تعاشروهم معاشرة الأحباب.
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: إيماء إلى علّة النّهي، أي: فإنّهم متّفقون على خلافكم، يوالي بعضهم بعضا لاتّحادهم في الدّين و اجتماعهم على مضادّتكم.
[و في مجمع البيان (7): عن الصّادق- (عليه السلام)-: لا يتوارث (8) أهل ملّتين،
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) الكافي 7/ 407، ح 1.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(5) المصدر: «ابن فضالة» و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال، ج 3، فصل الكنى، ص 44.
(6) المصدر: أشهدوا.
(7) مجمع البيان 2/ 206.
(8) المصدر: تتوارث.
137
نحن نرثهم و لا يرثونا. (1)] (2).
وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، أي: من استنصر بهم فإنّه كافر مثلهم.
في تفسير العيّاشي (3): عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من تولّى آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قدّمهم على جميع النّاس بما قدّمهم من قرابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهو من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا أنّه من القوم بأعيانهم، و إنّما هو منهم بتولّيه إليهم و اتّباعه إيّاهم. و كذلك حكم اللّه في كتابه:
وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ و قول إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي.
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)، أي: الّذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفّار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم.
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني: ابن أبيّ و أضرابه.
يُسارِعُونَ فِيهِمْ، أي: في موالاتهم و معاونتهم.
يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: يعتذرون بأنّهم يخافون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزّمان، بأن ينقلب الأمر و تكون الدّولة للكفّار.
روي أنّ عبادة بن الصّامت قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ لي موالي من اليهود كثيرا عددهم، و إنّي أبرأ إلى اللّه و رسوله من ولايتهم، و أوالي اللّه و رسوله.
فقال ابن أبيّ: إنّي رجل أخاف الدّوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فنزلت (4).
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ: لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على أعدائه و إظهار المسلمين.
أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ: يقطع شأفة اليهود، من القتل و الإجلاء. أو الأمر، بإظهار أسرار المنافقين و قتلهم.
فَيُصْبِحُوا: أي: هؤلاء المنافقين.
عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52): على ما استبطنوه من الكفر
____________
(1) المصدر: يورثوننا.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) تفسير العياشي 2/ 231، ج 34.
(4) مجمع البيان 2/ 206، و أنوار التنزيل 1/ 279.
138
و الشّكّ في أمر رسول اللّه، فضلا ممّا أظهروه ممّا أشعر على نفاقهم.
و في تفسير العيّاشي (1): عن داود الرّقيّ قال: سأل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- رجل و أنا حاضر عن قول اللّه: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ.
قال: أذن في هلاك بني أميّة بعد إحراق زيد بسبعة أيّام.
وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا:
بالرّفع، قراءة عاصم و حمزة و الكسائيّ. على أنّه كلام مبتدأ. و يؤيّده قراءة ابن كثير و نافع و ابن عامر، مرفوعا بغير واو، على أنّه جواب قائل يقول: فإذا يقول المؤمنون حينئذ (2) و قرأه بالنّصب أبو عمرو و يعقوب، عطفا على «أن يأتي» باعتبار المعنى، و كأنّه قال: عسى أن يأتي اللّه بالفتح و يقول: آمنوا. أو يجعله بدلا من اسم «اللّه» داخلا في اسم «عسى» مغنيا عن الخبر بما تضمّنه من الحدث. أو على الفتح، بمعنى: عسى اللّه أن يأتي بالفتح و بقول المؤمنين. فإنّ الإتيان بما يوجبه، كالإتيان به (3).
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ: يقوله المؤمنون بعضهم لبعض، تعجّبا من حال المنافقين حلفوا لهم بالمعارضة، و تبجّحا بما من اللّه عليهم من الإخلاص. أو يقولون لليهود، فإنّ المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى اللّه عنهم (4). وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ.
و جهد الأيمان، أغلظها. و هو في الأصل مصدر. و نصبه على الحال، على تقدير:
و أقسموا باللّه يجتهدون جهد أيمانهم. فحذف الفعل و أقيم المصدر و نصبه مقامه، و لذلك ساغ كونها معرفة. أو على المصدر، لأنّه بمعنى: أقسموا.
«حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53): إمّا من جملة المقولين. أو من
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 325، ج 133.
(2) أنوار التنزيل 1/ 279.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) الحشر/ 11.
139
قول اللّه، شهادة لهم بحبوط أعمالهم. و فيه معنى التّعجّب، كأنّه قيل (1): ما أحبط أعمالهم و ما أخسرهم!
و في تفسير العيّاشي (2): عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام) (3)- يقول: إنّ الحكم بن عتيبة و كثير النّوا (4) و سلمة و أبا المقدام و التّمّار، يعني: سالما، أضلّوا كثيرا ممّن ضلّ من هؤلاء النّاس. و إنّهم ممّن قال اللّه (5): وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ و إنّهم ممّن قال اللّه: أَقْسَمُوا (6) بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [يحلفون باللّه] (7) إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ:
و قرئ: «يرتدد» بدالين. و جوابه محذوف، يعني: فلن يضرّوا اللّه شيئا، فإن اللّه لا يخلي دينه من أنصار يحمونه. و هذا من الكائنات الّتي أخبر اللّه عنها قبل وقوعها.
قيل (8): و قد ارتدّ من العرب في أواخر عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثلاث فرق: بنو مدلج. و كان رئيسهم ذا الخمار الأسود العنسي: تنبّا باليمن و استولى على بلاده. ثمّ قتله فيروز الدّيلميّ ليلة قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن غدها.
و أخبر الرّسول في تلك اللّيلة فسرّ المسلمون. و أتى الخبر في أواخر ربيع الأوّل، و بنو حنيفة أصحاب مسيلمة، تنبّأ و كتب إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «من مسيلمة رسول اللّه إلى محمّد رسول اللّه، أمّا بعد فإنّ الأرض نصفها لي و نصفها لك.» فأجاب: «من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب، أمّا بعد فإنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين.» فحاربه أبو بكر بجند من المسلمين و قتله وحشي قاتل حمزة، و بنو أسد قوم طليحة بن خويلد. تنبّأ فبعث إليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خالدا.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير العياشي 1/ 326، ج 134.
(3) المصدر: «قال أبو جعفر- (عليه السلام)- بدل «سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول».
(4) المصدر و النسخ: «كثير بن النوا» و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 36، رقم 9842.
(5) البقرة/ 8.
(6) المصدر و النسخ: و أقسموا.
(7) من المصدر.
(8) أنوار التنزيل 1/ 280.
140
فهرب بعد القتال إلى الشّام. ثمّ أسلم و حسن إسلامه.
و في عهد أبي بكر سبع: فزارة قوم عيينة بن حصين، و غطفان قوم قرّة بن سلمة، و بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، و بنو يربوع قوم مالك بن نويرة، و بعض تميم قوم سجاح بنت المنذر و المتنبّئة زوجة مسيلمة، و كندة قوم الأشعث بن قيس، و بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم [بن زيد.] (1) و كفى اللّه أمرهم على يده.
و في أمرة (2) عمر: غسّان قوم جبلة بن الأيهم. تنصّر و سار إلى الشّام.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه) (3)- قال: هو مخاطبة لأصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذين غصبوا آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حقّهم و ارتدّوا عن دين اللّه.
و في مجمع البيان (4): و روى أبو إسحاق الثّعلبيّ في تفسيره بالإسناد، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال:
يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي.
فيقال: إنّك لا علم لك بما أحدثوا من بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ:
قيل (5): هم اليمن. لما
روي أنّه- (عليه السلام)- أشار إلى أبي موسى [الأشعريّ] و قال [: هم] قوم هذا.
و قيل (6): الّذين جاهدوا يوم القادسيّة [، ألفان] من النّخع و خمسة آلاف من كندة و بجيلة و ثلاثة آلاف من أفناء النّاس.
و قيل (7): الفرس.
لأنّه- (عليه السلام)- سئل عنهم؟ فضرب يده على عاتق سلمان و قال هذا و ذووه.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: إمارة.
(3) تفسير القمي 1/ 170.
(4) مجمع البيان 2/ 208.
(5) مجمع البيان 2/ 208 و أنوار التنزيل 1/ 280.
(6) أنوار التنزيل 1/ 280.
(7) مجمع البيان 2/ 208 و أنوار التنزيل 1/ 280.
143
الكنديّ الكوفيّ قال الفضل بن شاذان: و من التّابعين الكبار و رؤسائهم و زهّادهم حجر بن عديّ.
و روي كتاب عن الحسين- (عليه السلام)- إلى معاوية فيه: أ لست القاتل حجر بن عديّ أخا كندة (1)، و المصلّين العابدين الّذين كانوا ينكرون الظّلم و يستعظمون البدع و لا يخافون في اللّه لومة لائم؟
و في كتاب الاحتجاج (2): قال عليّ- (عليه السلام)- في خطبة له: إنّ اللّه ذا الجلال و الإكرام، لمّا خلق الخلق و اختار خيرة من خلقه و اصطفى صفوة من عباده و أرسل رسولا منهم و أنزل عليه كتابه و شرّع له دينه و فرض فرائضه، و كانت الجملة قول اللّه- جلّ ذكره- حيث أمر فقال (3): أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فهو لنا أهل البيت خاصّة دون غيرنا، فانقلبتم على أعقابكم و رددتم و نقضتم الأمر و نكثتم العهد و لم تضرّوا اللّه شيئا. و قد أمركم اللّه، أن تردّوا الأمر إلى اللّه و إلى رسوله و إلى أولي الأمر [منكم] (4) المستنبطين للعلم، فأقررتم و جحدتم.
و بإسناده إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام) (5)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه يقول و قد ذكر عليّا- (عليه السلام)-: فهو الّذي يهدي إلى الحقّ و يعمل به، و يزهق الباطل و ينهى عنه، و لا يأخذه في اللّه لومة لائم.
و في كتاب الخصال (6): عن أبي بريدة، عن أبيه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أمرني بحبّ أربعة.
فقلنا: يا رسول اللّه، من هم، سمّهم لنا؟
فقال: عليّ- (عليه السلام)- منهم و سلمان و أبو ذرّ و المقداد. و أمرني بحبّهم.
____________
(1) النسخ: «كنديّ» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(2) الاحتجاج 1/ 233.
(3) النساء/ 59.
(4) من المصدر.
(5) نفس المصدر 1/ 74.
(6) الخصال 1/ 253، ح 126.
144
و أخبرني أنّه يحبّهم.
و عن أبي بريدة (1)، عن أبيه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه أمرني بحبّ أربعة من أصحابي و أخبرني أنّه يحبّهم.
فقلنا: يا رسول اللّه، من هم، فكلّنا يحبّ أن يكون (2) منهم؟
فقال: ألا إنّ عليّا منهم. ثمّ سكت، ثمّ قال: ألا إنّ عليّا منهم. ثمّ سكت، ثمّ قال: ألا إنّ عليّا منهم و أبو ذرّ و سلمان الفارسيّ و المقداد بن الأسود الكنديّ. (3)
عن عبد اللّه بن الصّامت (4)، عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- قال: أوصاني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بسبع: أوصاني أن لا أخاف في اللّه لومة لائم.
(الحديث).
ذلِكَ إشارة إلى ما تقدّم من الأوصاف.
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ: يمنحه و يوفّق له.
وَ اللَّهُ واسِعٌ: كثير الفضل.
عَلِيمٌ (54): بمن هو أهله.
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا: لمّا نهى عن موالاة الكفرة، ذكر عقيبه من هو حقيق بها. و إنّما قال: «وليّكم»، و لم يقل: «أولياؤكم»، للتّنبيه على أنّ الولاية للَّه و لرسوله (5) و للمؤمنين واحدة. و المراد بالوليّ، المتولّي للأمور و المستحقّ للتّصرّف فيهم.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ: صفة «للّذين آمنوا»، لأنّه جرى مجرى الأسماء. أو بدل منه. و يجوز رفعه و نصبه، على المدح.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 154، ح 127.
(2) المصدر: «فمن هم فكلّنا نحبّ أن نكون» بدل «من هم فكلّنا يحبّ أن يكون».
(3) نفس المصدر 2/ 345، ح 12.
(4) هكذا في المصدر. و هو ابن أخي أبي ذرّ. و في النسخ: «عبد اللّه بن الصلت». و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 189، رقم 6409 و 6907.
(5) هكذا في أ، و في سائر النسخ: للرسول.
148
ثمّ بهم، و قرن سهمهم بسهم اللّه (1) و سهم رسوله، و كذلك في الطّاعة فقال (2): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فبدأ بنفسه ثمّ برسوله ثمّ بأهل بيته. و كذلك آية الولاية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا [الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ] (3) فجعل طاعتهم (4) مع طاعة الرّسول مقرونة بطاعته [كذلك ولايتهم مع ولاية رسول اللّه مقرونة بطاعته] (5) كما جعل سهمهم مع سهم الرّسول بسهمه في الغنيمة و الفيء، فتبارك اللّه و تعالى ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي (6) قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن سعيد، عن المنهال قال: سألت عليّ بن الحسن (7) و عبد اللّه بن محمّد عن قول اللّه- تعالى-: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا. قال: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. (8)
و قال (9): حدّثني محمّد بن عيسى بن زكريّا الدّهقان معنعنا، عن [أمير المؤمنين] (10).
عليّ [بن أبي طالب-] (11) (عليه السلام)- دخلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يقرأ سورة المائدة، فقال: اكتب. فكتبت حتّى انتهى (12) إلى هذه الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ثمّ أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخفق برأسه كأنّه نائم و هو يملي عليّ بلسانه (13) حتّى فرغ من آخر سورة المائدة، ثمّ انتبه فقال لي: اكتب. فأملى عليّ من الموضع الّذي (14) خفق عند (15).
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: بسهمه.
(2) النساء/ 59.
(3) من المصدر.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: ولايتهم.
(5) من المصدر.
(6) تفسير فرات/ 37.
(7) المصدر: عليّ بن المحسن.
(8) المصدر: في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
(9) نفس المصدر و الموضع.
10 و 11- ليس في المصدر.
(12) المصدر: انتهيت.
(13) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بلسان» بدل «عليّ بلسانه».
(14) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فأملأ على عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- من موضع التي» بدل «فأملى عليّ من الموضع الذي».
(15) المصدر: «عندها» و النسخ: «غيرها».
141
و في مجمع البيان (1): عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-: هم أمير المؤمنين و أصحابه، حين قاتل من قاتله من النّاكثين و القاسطين و المارقين.
قال: و يؤيّد هذا،
أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وصفه بهذه الصّفات [المذكورة في الآية، فقال فيه و قد ندبه] (2) حين ندبه لفتح خيبر بعد أن ردّ عنها حامل الرّاية إليه مرّة بعد أخرى و هو يجبّن النّاس و يجبّنونه: لأعطيّن الرّاية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله كرّارا غير فرّار حتّى يفتح اللّه على يديه، ثمّ أعطاها إيّاه.
و عن عليّ- (عليه السلام) (3)- أنّه قال يوم البصرة: و اللّه ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم.
و تلا هذه الآية.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): [أنّها نزلت في مهديّ الأمّة و أصحابه.] (5).
[قال (6): هو مخاطبة لأصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم و ارتدّوا عن دين اللّه فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ نزلت في القائم و أصحابه، الّذين يجاهدون في سبيل اللّه و لا يخافون لومة لائم.
و
في تفسير العيّاشي (7): [عن ابن سنان،] (8) عن سليمان بن هارون قال: قال:
و اللّه، لو أنّ أهل السّماء و الأرض اجتمعوا على أن يحوّلوا هذا الأمر من موضعه (9) الّذي وضعه اللّه فيه ما استطاعوا. و لو أنّ النّاس كفروا جميعا حتّى لا يبقى أحد لجاء اللّه لهذا الأمر بأهل يكونون هم أهله. ثمّ قال: أما تسمع اللّه يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ قال الموالي (10)] (11).
____________
(1) مجمع البيان 2/ 208.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «حين ندبه» بدلا
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمي 1/ 170.
(5) ليس في ر.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير العياشي 1/ 326، ضمن حديث 135.
(8) ليس في المصدر.
(9) المصدر: مواضعه.
(10) «قال: الموالي» ليس في المصدر.
(11) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
146
فقالوا: قد علمنا أنّ محمّدا صادق فيما يقول، و لكنّا نتولّاه و لا نطيع عليّا فيما أمرنا. قال: فنزلت هذه الآية (1): يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها يعرفون، يعني، ولاية عليّ وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ بالولاية.
[و فيه (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة و الفضيل بن يسار و بكير بن أعين و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية و أبي الجارود جميعا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمر اللّه- عزّ و جلّ- رسوله بولاية عليّ، و أنزل عليه إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و فرض اللّه ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي، فأمر اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ، فلمّا أتاه ذلك من اللَّه ضاق بذلك صدر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تخوّف عن أن يرتدّوا عن دينهم و أن يكذّبوه، فضاق صدره و راجع ربّه- عزّ و جلّ- فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه (3): يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فصدع بأمر اللّه- تعالى ذكره- فقام بولاية عليّ- (عليه السلام)- يوم غدير خمّ، فنادى الصّلاة جامعة و أمر النّاس أن يبلّغ الشّاهد الغائب.
قال عمر بن أذينة: قالوا جميعا غير أبي الجارود قال أبو جعفر: و كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى و كانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يقول اللّه- عزّ و جلّ-: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم دينكم الفرائض.
بعض أصحابنا، عن محمّد بن أبي عبد اللّه (4)، عن عبد الوهّاب بن بشير (5)، عن
____________
(1) النحل/ 83.
(2) نفس المصدر 1/ 289، ح 4.
(3) المائدة/ 67.
(4) نفس المصدر 1/ 146، ح 11. و فيه: عن محمد بن عبد اللّه.
(5) المصدر: عبد الوهاب بن بشر.
145
وَ هُمْ راكِعُونَ (55): حال من فاعل «يؤتون»، أي: يؤتون الزّكاة في حال ركوعهم في الصّلاة، حرصا على الإحسان و مسارعة إليه.
في أصول الكافي (1): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن محمّد الهاشميّ، عن أبيه، عن أحمد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في تفسير هذه الآية، يعني: أولى بكم، أي: أحقّ بكم و بأموركم من أنفسكم و أموالكم، اللَّه و رسوله و الّذين آمنوا، يعني عليّا و أولاده الأئمّة- (عليهم السلام)- إلى يوم القيامة. ثمّ وصفهم اللّه- عزّ و جلّ- فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في صلاة الظّهر و قد صلّى ركعتين و هو راكع و عليه حلّة قيمتها ألف دينار، و كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطاه إيّاها، و كان النّجاشي أهداها له، فجاء سائل فقال:
السّلام عليك يا وليّ اللَّه و أولى بالمؤمنين من أنفسهم، تصدّق على مسكين. فطرح الحلّة إليه و أومأ بيده إليه أن احملها، فأنزل اللّه فيه هذه الآية، و صيّر نعمة أولاده بنعمته. فكلّ من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النّعمة مثله، فيتصدّقون و هم راكعون.
و السّائل الّذي سأل أمير المؤمنين، هو من الملائكة. و الّذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة.
الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد (2)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محمّد الهاشميّ قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن عيسى قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها قال:
لمّا نزلت إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ اجتمع نفر من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في مسجد المدينة، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية؟
فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها، و إن آمنّا فإنّ هذا ذلّ حين يسلّط علينا عليّ بن أبي طالب.
____________
(1) الكافي 1/ 289، ح 3.
(2) نفس المصدر 1/ 427، ح 77.
147
موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
قال: إنّ اللّه أعظم و أعزّ و أجلّ و أمنع من أن يظلم و لكنّه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه و ولايتنا ولايته حيث يقول: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: الأئمّة منّا. ثمّ قال في موضع (1): وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثمّ ذكر مثله.
أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم (2)، عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد اللّه قولنا في الأوصياء، إنّ طاعتهم مفترضة؟
قال: فقال: نعم، هم الّذين قال اللّه- تعالى-: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و هم الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى (3)، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن القاسم الجوهريّ، عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الأوصياء طاعتهم مفترضة؟
قال: نعم هم الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و هم الّذين قال اللّه- تعالى (4)-: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.
و في عيون الأخبار (5)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة، له- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)- في شأن ذي القربى: فما رضيه لنفسه و لرسوله رضيه لهم، و كذلك الفيء ما رضيه منه لنفسه و لنبيّه رضيه لذي القربى، كما أجراهم في الغنيمة فبدأ بنفسه- جلّ جلاله- ثمّ برسوله
____________
(1) البقرة/ 57.
(2) نفس المصدر 1/ 187، ح 7.
(3) نفس المصدر 1/ 189، ح 16.
(4) النساء/ 59.
(5) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 238.
142
و لا منافاة بين الرّوايتين، بناء على جواز التّعميم. و الرّاجع إلى «من» محذوف، تقديره: فسوف يأتي اللّه بقوم مكانهم. و معنى محبة اللّه للعباد، إرادة الهدى و التّوفيق لهم في الدّنيا و حسن الثّواب في الآخرة. و محبّة العباد، إرادة طاعته و الاجتناب عن معاصيه.
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: عاطفين عليهم، متذلّلين لهم. جمع «ذليل» لا «ذلول». فإنّ جمعه، ذلل. و استعماله مع «على» إمّا لتضمين معنى العطف و الحنّو، أو للتّنبيه على أنّهم مع علو طبقتهم و فضلهم على المؤمنين خاضعون لهم، أو للمقابلة.
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ: شداد متغلّبين عليهم. من عزّه: إذا غلبه.
و قرئ، بالنّصب، على الحال (1).
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: صفة أخرى «لقوم». أو حال من الضّمير في «أعزّة».
وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: عطف على «يجاهدون»، بمعنى: أنّهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل اللّه، و التّصلّب في دينه. أو حال، بمعنى: أنّهم يجاهدون و حالهم خلاف حال المنافقين. فإنّهم يخرجون في جيش المسلمين خائفين ملامة أوليائهم من اليهود، فلا يعلمون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم.
و اللّومة، المرّة من اللّوم. و فيها و في تنكير «لائم» مبالغتان.
و في كتاب تلخيص الأقوال في تحقيق أحوال الرّجال (2) و في ق (3) حجر بن عديّ
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 280
(2) لعل الصواب «تلخيص الأقوال في معرفة الرجال» الذي ألّفه السيد ميرزا محمد بن عليّ بن ابراهيم الحسيني الأسترآبادي مؤلّف «منهج المقال» و هو كتاب الرجال الوسيط للسيد المؤلّف، فرغ من جزئه الثاني في مشهد أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في 986 ه. ثم أنّه بعد ذلك جاور بيت اللّه الحرام إلى أن دفن هناك في مقبرة المعلّى في 1028 كما أرّخه في «السلافة». و الظاهر أنّه ألّفه بمكة. (ر. الذريعة إلى تصانيف الشيعة 4/ 420، رقم 1852) و لم يطبع هذا الكتاب. و أمّا الأقوال الّتي نقل في المتن توجد في «اختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشي» لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي- (رحمه اللّه)-، ص 49، رقم 99، ضمن ترجمة «عمرو بن الحمق» و ص 69، رقم 124، ضمن ترجمة «جندب بن زهير و عبد اللّه بن بديل و غيرهما».
(3) كذا في جميع النسخ.
149
فقلت: ألم تملي عليّ حتى ختمتها؟
فقال: اللّه أكبر، ذلك الّذي أملى (1) عليك جبرئيل- (عليه السلام)- ثمّ قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: فأملأ عليّ منها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سبعين (2) آية، و أملأ عليّ جبرئيل- (عليه السلام)- أربعا و ستّين آية (3).
و قال (4): حدّثني الحسين بن سعيد معنعنا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان [يصلّي] (5) ذات يوم في مسجد فمرّ به فقير (6)، فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل (7) تصدّق عليك [أحد] (8) بشيء؟
قال: نعم، مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه. و أشار بيده فإذا هو عليّ بن أبي طالب، فنزلت هذه الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ [وَ الَّذِينَ آمَنُوا] (9) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هو وليّكم من بعدي.
و قال ابن عبّاس (10): نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- خاصّة.
و قال (11): حدّثني زيد بن حمزة بن محمّد بن عليّ بن زياد القصّار (12) معنعنا، عن [أمير المؤمنين] (13) عليّ [بن أبي طالب-] (14) (عليه السلام)- أنّه كان يقول: من أحبّ اللّه أحبّ النّبيّ، و من أحبّ النّبيّ أحبّنا، و من أحبّنا أحبّ شيعتنا، فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن و شيعتنا من طينة واحدة، و نحن في الجنّة و لا نبغض من يحبّنا (15)، و لا
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أملاه» بدل «الذي أملى».
(2) المصدر ستّين.
(3) المصدر و النسخ: أربع و ستّين آية.
(4) نفس المصدر/ 38.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: مسكين.
(7) المصدر: لعليّ.
(8) ليس في المصدر.
(9) ليس في المصدر و النسخ.
(10) نفس المصدر و الموضع.
(11) نفس المصدر/ 41.
(12) المصدر: القصّان.
13 و 14- ليس في المصدر.
(15) المصدر: أحبّنا.
150
نحبّ من أبغضنا، اقرؤوا إن شئتم: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (إلى آخر الآية).
قال الحارث: صدق و صدق (1) اللّه، ما نزلت إلّا فيه.
و في شرح الآيات الباهرة (2): ذكر أبو عليّ الطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- بحذف الإسناد: عن الأعمش بن غيابة بن ربعي (3) قال: بينا عبد اللّه بن عبّاس جالس على شفير زمزم و هو يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ أقبل رجل معمّم بعمامة، فجعل ابن عبّاس لا يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا قال ذلك الرّجل قال: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال ابن عبّاس: سألت باللّه من أنت (4)؟
فكشف العمامة عن وجهه و قال: أيّها النّاس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدريّ أبو ذرّ الغفاريّ، سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهاتين و إلّا صمّتا، و رأيته بهاتين و إلّا فعميتا يقول: عليّ قائد البررة، قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. أما إنّي صلّيت مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما من الأيّام صلاة الظّهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السّائل يده إلى السّماء و قال: اللّهمّ، إنّي سألت في مسجد رسول اللّه فلم يعطني أحد شيئا. و كان عليّ راكعا فأومى بخنصره اليمنى و كان مختّم فيها. فأقبل السّائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره. و ذلك بعين (5) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فلمّا فرغ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من صلاته رفع رأسه إلى السّماء و قال: اللّهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال (6): رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 55- 56.
(3) هكذا في مجمع البيان الذي نقل عنه في تأويل الآيات. و في النسخ: «عتبة بن ربعي». و في المصدر: «عباية بن ربيعي».
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: كنت.
(5) هكذا في النسخ و مصدر المصدر. و في المصدر:
«بعيني» و هو الظاهر.
(6) طه/ 25.
151
فأنزلت عليه قرآنا ناطقا، سنشدّ عضدك بأخيك و نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما. اللّهمّ و أنا محمّد صفيّك و نبيّك، فاشرح لي صدري و يسّر لي أمري و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أخي أشدد به أزري.
قال أبو ذرّ: فو اللّه ما استتمّ الكلام حتّى نزل عليه جبرئيل من عند اللّه- تعالى-.
فقال: يا محمّد، اقرأ.
قال: و ما أقرأ؟
قال: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.] (1)
و في كتاب الاحتجاج (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: فقال المنافقون: هل بقي لربّك علينا بعد الّذي فرضه علينا شيء آخر يفترضه فتذكره، و لتسكن أنفسنا إلى أنّه لم يبق غيره؟ فأنزل اللّه- تعالى- في ذلك (3): قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ، يعني: الولاية. و أنزل (4) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.
و ليس بين الأمّة خلاف أنّه لم يؤت الزّكاة يومئذ أحد منهم و هو راكع [غيره. ظ.] (5) و لو ذكر اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط.
و بإسناده إلى محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام) (6) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قد أنزل اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. و عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أقام الصّلاة و أتى الزّكاة و هو راكع، يريد اللّه- عزّ و جلّ- في كلّ حال.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الاحتجاج 1/ 137.
(3) سبأ/ 46.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأنزل اللّه.
(5) من هامش الأصل. و في المصدر: غير الرجل.
(6) نفس المصدر 1/ 73.
152
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين و الأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: فأنشدكم اللّه- عزّ و جلّ- أ تعلمون حيث نزلت (2): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و حيث نزلت: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و حيث نزلت (3):
وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً دونهم (4).
قال النّاس: يا رسول اللّه هذه خاصّة في بعض (5) المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يعلّمهم ولاة أمرهم، و أن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم و زكاتهم و صومهم و حجّهم. فنصبني للنّاس بغدير خم [.
ثم خطب] (6) فقال: يا أيّها النّاس، إنّ اللّه [أرسلني برسالة ضاق بها صدري. و ظننت أن النّاس يفتتنون بها. فأوعدني لأبلّغنّها أو ليعذّبني.] (7) ثمّ أمر فنودي الصّلاة جامعة. ثمّ خطب النّاس فقال: أيّها النّاس، أ تعلمون أنّ اللّه- عزّ و جلّ- مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه.
قال: قم يا عليّ، فقمت.
فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه [، و انصر من نصره، و اخذل من خذله.] (8).
فقام سلمان الفارسيّ فقال: يا رسول اللّه، ولاؤه كما ذا؟
فقال- (عليه السلام)-: ولاؤه كولائي. من كنت أولى به من نفسه [فعليّ أولى به من نفسه.] (9) فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
____________
(1) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 276، ج 25.
(2) النساء/ 59.
(3) التوبة/ 16.
(4) ليس في المصدر.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: لبعض.
6 و 7- من أ.
(8) من أ.
(9) ليس في أ.
153
فكبّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: اللّه أكبر، تمام نبوّتي و تمام ديني (1) دين اللّه- عزّ و جلّ- و ولاية عليّ بعدي.
فقام أبو بكر و عمر فقالا: يا رسول اللّه، هذه الآيات خاصّة [لعليّ- (عليه السلام)-؟] (2).
قال: بلى [خاصّة] (3) فيه و في أوصيائي إلى يوم القيامة.
قالا: يا رسول اللّه، بيّنهم لنا.
قال: عليّ أخي و وزيري و وارثي و وصيّي و خليفتي في أمّتي و وليّ كلّ مؤمن بعدي، ثمّ ابني الحسن [، ثمّ ابني الحسين،] (4) ثمّ تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد. القرآن معهم و هم مع القرآن. لا يفارقونه و لا يفارقهم حتّى يردوا عليّ الحوض (5).
قالوا: اللّهمّ نعم، قد سمعنا ذلك، و شهدنا كما قلت سواء.
و قال بعضهم: قد حفظنا ما قلت و لم نحفظه كلّه. و هؤلاء الّذين حفظوا أخيارنا و أفاضلنا.
فقال- (عليه السلام)-: صدقتم، ليس كلّ النّاس يتساوون في الحفظ.
و في كتاب الخصال (6)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر قال:
فأنشدك باللّه، إليّ الولاية من اللّه مع ولاية رسوله في آية زكاة الخاتم أم لك؟
قال: بل لك.
و فيه (7)، في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها قال- (عليه السلام)-:
و أمّا الخامسة و السّتّون، فإنّي كنت أصلّي في المسجد، فجاء سائل فسأل و أنا راكع، فأوليته خاتمي من إصبعي. و أنزل اللّه بعد فيّ. إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ (الآية).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): عن الباقر- (عليه السلام)- قال: بينما رسول اللّه
____________
(1) المصدر: «بتمام النعمة و كمال نبوتي» بدل «تمام نبوتي و تمام ديني».
2 و 3- من أ.
(4) ليس في أ.
(5) المصدر. حوضي.
(6) الخصال 2/ 549، ح 30.
(7) نفس المصدر 2/ 580، ح 1.
(8) تفسير القمي 1/ 170.
154
- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس و عنده قوم من اليهود و فيهم عبد اللّه بن سلام، إذ أنزلت (1) عليه هذه الآية، فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المسجد، فاستقبله سائل فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟
قال: نعم، ذلك المصلّي. فجاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإذا هو أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-.
و الأخبار ممّا روته العامّة و الخاصّة في أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كثيرة جدّا.
و نقل في مجمع البيان (2): عن جمهور المفسّرين، أنّها نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حين تصدّق بخاتمه في ركوعه. و ذكر قصّته عن ابن عبّاس و غيره.
قيل (3): و التّوفيق بين ما رواه في الكافي (4) أنّ التّصدّق به كان حلّة، و بين ما رواه غيره و اشتهر بين العامّة و الخاصّة أنّه كان خاتما، بأنّه- (عليه السلام)- لعلّه تصدّق في ركوعه مرّة بالحلّة و الأخرى بالخاتم.
و الآية نزلت بعد الثّانية.
و في قوله- تعالى-: «و يؤتون» إشعار بذلك، لتضمّنه التّكرار و التّعدّد. كما أنّ فيه إشعار بفعل أولاده- أيضا-.
وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56)، أي: فإنّهم الغالبون. و لكن وضع الظّاهر موضع المضمر، تنبيها على البرهان عليه و كأنّه قيل: و من يتولّ هؤلاء فهم حزب اللّه، و حزب اللّه هم الغالبون. و تنويها بذكرهم، و تعظيما لشأنهم، و تشريفا لهم بهذا الاسم، و تعريضا بموالي غير هؤلاء بأنّه حزب الشّيطان. و أصل الحزب: القوم يجتمعون لأمر حزبهم.
[و في شرح الآيات الباهرة (5): روى الشّيخ الصّدوق محمّد بن بابويه القمّيّ، عن
____________
(1) هكذا في أ. و في سائر النسخ و المصدر: نزلت.
(2) مجمع البيان 2/ 210.
(3) تفسير الصافي 2/ 46.
(4) الكافي 1/ 288، ح 3.
(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 56.
155
عليّ بن حاتم، عن أحمد بن محمّد قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه قال: حدّثنا كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (1) في قول اللّه- عزّ و جلّ-:
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ (الآية) قال: إنّ رهطا من اليهود أسلموا، منهم عبد اللّه بن سلام و أسيد بن ثعلبة (2) و ابن يامين و ابن صوريا (3)، فأتوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا نبيّ اللّه، إنّ موسى- (عليه السلام)- أوصى إلى يوشع بن نون. فمن وصيّك يا رسول اللّه؟ و من وليّنا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ. (الآية).
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قوموا. فقاموا. فأتوا المسجد. فإذا سائل خارج. فقال: يا سائل، أما أعطاك أحد شيئا؟
قال: نعم، هذا الخاتم. قال: من أعطاكه؟
قال: أعطانيه ذلك الرّجل الّذي يصلّي.
قال: على أيّ حال أعطاك؟
قال: كان راكعا. فكبّر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كبّر أهل المسجد.
فقال: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عليّ بن أبي طالب وليّكم بعدي.
قالوا: رضينا باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بمحمّد نبيّا و بعليّ بن أبي طالب إماما و وليّا. فأنزل اللّه- تعالى-: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
و روي عن عمر بن الخطّاب (4) أنّه قال: و اللّه لقد تصدّقت بأربعين خاتما و أنا راكع لينزل فيّ ما نزل في عليّ بن أبي طالب، فما نزل.
[و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- مثله سواء (5).] (6).
____________
(1) ليس في «أ».
(2) هكذا في تفسير البرهان 1/ 480، ح 6.
و هو الصحيح ر. تنقيح المقال 1/ 148، رقم 983.
و في المصدر: «أسد و ثعلبة.» و في النسخ: «أسد و ثعلبة».
(3) المصدر: ابن طوريا.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) أمالي الصدوق/ 107- 108، ح 4.
(6) ليس في أ.
156
و في كتاب الاحتجاج (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و الَّذِينَ آمَنُوا في هذا الموضع، هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج و الأوصياء في عصر بعد عصر.
و في كتاب التّوحيد (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: يجيء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم القيامة آخذا بحجزة ربّه، و نحن آخذون بحجزة نبيّنا، و شيعتنا آخذون بحجزتنا، و نحن و شيعتنا حزب اللّه و حزب اللّه هم الغالبون. و اللّه ما يزعم أنّها حجزة الإزار، و لكنّها أعظم من ذلك: يجيء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- آخذا بدين اللّه، و نحن نجيء آخذين بدين نبيّنا، و يجيء شيعتنا آخذين بديننا.
[و في تفسير العيّاشي (3): عن صفوان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لقد حضر الغدير اثنا عشر ألف رجل يشهدون لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فما قدر على أخذ حقّه، و إنّ أحدكم يكون له المال و له شاهدان فيأخذ حقّه فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ في عليّ- (عليه السلام)-.] (4).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ: نزلت في رفاعة بن زيد و سويد بن الحارث، أظهرا الإسلام ثمّ نافقا، و كان رجال من المسلمين يوادّونهما.
و قد رتّب النّهي عن موالاتهم على اتّخاذهم دينهم هزوا و لعبا، إيماء إلى (5) العلّة، و تنبيها على أنّ من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة [و البغضاء.] (6).
و فصل المستهزئين بأهل الكتاب و الكفّار، على قراءة من جرّه، و هم أبو عمرو و الكسائيّ و يعقوب. و الكفّار و إن عمّ أهل الكتاب، يطلق على المشركين خاصّة، لتضاعف كفرهم. و من نصبه، عطفه «على الّذين اتّخذوا» على أنّ النّهي عن موالاة من ليس على الحقّ رأسا. سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى و حرّفه عن الصّواب كأهل
____________
(1) الاحتجاج 1/ 369.
(2) التوحيد/ 166، ح 3.
(3) تفسير العياشي 1/ 329، ذيل حديث 143.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: على.
(6) من المصدر.
157
الكتاب، و من لم يكن كالمشركين (1).
وَ اتَّقُوا اللَّهَ: بترك المناهي.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57): لأنّ الإيمان حقّا يقتضي ذلك.
و قيل (2): إن كنتم مؤمنين بوعده و وعيده.
وَ إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَ لَعِباً: أي: اتّخذوا الصّلاة أو المناداة. و فيه دليل، على أنّ الأذان مشروع للصّلاة.
روي (3): أنّ نصرانيّا بالمدينة، كان إذا سمع المؤذّن يقول: أشهد أنّ محمّدا رسول اللَّه. قال: أحرق اللّه الكاذب. فدخل خادمه ذات ليلة بنار و أهله نيام، فتطاير شررها في البيت، فأحرقه و أهله.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58): فإنّ السّفه يؤدّي الى الجهل بالحقّ، و الهزء به. و العقل يمنع منه.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا: هل تنكرون منّا، و تعيبون.
يقال: نقم منه كذا: إذا أنكره. و انتقم: إذا كافأه.
و قرئ: «تنقمون» بفتح القاف. و هي لغة (4).
إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ: الإيمان بالكتب المنزلة كلّها.
وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59): عطف على «أن آمنّا» فكأنّ المستثنى لازم الأمرين، و هو المخالفة، أي: ما تنكرون منا إلّا مخالفتكم، حيث دخلنا الإيمان و أنتم خارجون منه. أو كان الأصل: و اعتقاد أنّ أكثركم فاسقون، فحذف المضاعف. أو على «ما»، أي: و ما تنقمون منّا إلّا الإيمان باللّه و ما أنزل، و بأنّ أكثركم. أو على علّة محذوفة، و التّقدير: هل تنقمون منّا إلّا أن آمنّا لقلّة إنصافكم و فسقكم. أو نصب بإضمار فعل، دلّ عليه «هل تنقمون»، أي: و لا تنقمون أنّ أكثركم فاسقون. أو رفع على
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 281.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) أنوار التنزيل 1/ 281.
158
الابتداء، و الخبر محذوف، أي: و فسقكم ثابت معلوم عندكم، و لكنّ حبّ الرّئاسة و المال يمنعكم من الإنصاف.
و الآية خطاب ليهود سألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عمّن يؤمن به؟
فقال: أؤمن باللّه و ما أنزل إلينا [إلى قوله، و نحن له مسلمون.
فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى: لا نعلم دينا شرّا من دينكم.
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ، أي: ذلك المنقوم.
مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ: جزاء ثابتا عند اللّه. و المثوبة مختصّة بالخير، كالعقوبة بالشّرّ. فوضعت هاهنا موضعها، على طريقة قولهم: تحيّة بينهم ضرب وجيع.
و نصبها على التّميز عن «بشرّ».
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ: بدل من «شرّ» على حذف مضاف، أي: بشرّ من أهل ذلك من لعنه اللّه. أو بشرّ من ذلك دين من لعنه اللّه. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو من لعنه اللّه. و هم اليهود، أبعدهم اللّه من رحمته، و سخط عليهم بكفرهم و انهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات، و مسخ بعضهم قردة و هم أصحاب السّبت، و بعضهم خنازير و هم كفّار أهل مائدة عيسى- (عليه السلام)-.
و قيل (1): كلا المسخين في أصحاب السّبت: مسخت شبابهم قردة و مشايخهم خنازير.
وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ: عطف على صلة «من». و كذا عبد الطّاغوت، على البناء للمفعول و رفع الطّاغوت.
و «عبد»، بمعنى: صار الطّاغوت معبودا. فيكون الرّاجع محذوفا، أي: فيهم، أو بينهم.
و من قرأ: و «عابد الطّاغوت» أو «عبد» على أنّه نعت. كفطن. أو «عبدة» أو «عبد الطّاغوت» على أنّه جمع، كخدم. أو انّ أصله: عبدة، فحذف التّاء للإضافة عطفه على القردة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 282.
159
و من قرأ: «و عبد الطاغوت» بالجرّ، عطفه على «من».
و المراد من الطاغوت، العجل.
و قيل (1): الكهنة، و كلّ من أطاعوه في معصية اللّه.
و قرأ حمزة «عبدة الطّاغوت» بضمّ الباء، و جرّ التّاء. و الباقون، بفتح الباء و نصب التّاء (2).
أُولئِكَ: الملعونون.
شَرٌّ مَكاناً: جعل مكانهم شرًّا، ليكون أبلغ في الدّلالة على شرارتهم.
و قيل (3): مكانا منصرفا.
وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60): قصد الطّريق المتوسّط، بين غلوّ النّصارى و قدح اليهود.
و المراد من صيغتي التّفضيل، الزّيادة مطلقا، لا بالإضافة إلى المؤمنين في الشّرارة و الضّلالة.
وَ إِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا: نزلت في يهود نافقوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو في عامّة المنافقين (4).
وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ، أي: يخرجون من عندك كما دخلوا، و لم يؤثّر فيهم ما سمعوا منك. و الجملتان حالان من فاعل «قالوا».
و «بالكفر» و «به» حالان من فاعلي «دخلوا» و «خرجوا». و «قد» و إن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصحّ أن يقع حالا، أفادت- أيضا- لما فيها من التّوقّع أنّ أمارة النّفاق [كانت لائحة عليهم، و كان الرسول يظنّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، قوله: وَ إِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا [قال:] (6) نزلت في
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) مجمع البيان 2/ 214.
(3) أنوار التنزيل 1/ 282.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير القمي 1/ 170.
(6) من المصدر.
160
عبد اللّه ابن أبيّ لمّا أظهر الإسلام وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ (1) قال: «و خرجوا به» من الإيمان.
وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61): أي: من الكفر. و فيه وعيد لهم.
وَ تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ، أي: من اليهود و المنافقين] (2).
يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ: أي: في الحرام و قيل الكذب (3)، لقوله عن قولهم الإثم.
وَ الْعُدْوانِ الظّلم، و مجاوزة الحدّ في المعاصي.
و قيل (4): الإثم، ما يختصّ بهم. و العدوان، ما يتعدّى إلى غيرهم.
وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ، أي: الحرام. خصّه في الذّكر، للمبالغة.
لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62): لبئس شيئا عملوه.
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ:
تحضيض لعلمائهم على النّهي عن ذلك. فإنّ «لو لا» إذا دخل على الماضي، أفاد التّوبيخ.
و إذا دخل على المستقبل، أفاد التّحضيض.
لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63): أبلغ من قوله: لبئس ما كانوا يعملون. من حيث أنّ الصّنع، عمل الإنسان بعد تدرّب فيه و تروّ و تحرّي إجادة. و لذلك ذمّ به خواصّهم. و لأنّ ترك الحسنة أقبح من مواقعة المعصية. لأنّ النّفس تلتذّ بها و تميل إليها.
و لا كذلك ترك الإنكار عليها، فكان جديرا بأبلغ الذّمّ.
عن ابن عبّاس (5): هي أشدّ آية في القرآن.
و في الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، عن حسن قال: خطب أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أمّا بعد، فأنّه إنّما هلك
____________
(1) المصدر: في الكفر.
(2) من ر.
(3) أنوار التنزيل 1/ 283.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير الدّرّ المنثور 3/ 112.
(6) الكافي 5/ 57، ح 6.
161
من كان قبلكم حيث ما عملوا من المعاصي و لم ينههم الرّبّانيّون و الأحبار عن ذلك.
و أنّهم لمّا تمادوا في المعاصي و لم ينههم الرّبّانيّون [و الأحبار] (1) عن ذلك نزلت بهم العقوبات. فأمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر.
و الحديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (2)، و عليّ بن إبراهيم [، عن أبيه] (3) جميعا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر [، عن أبان، عن أبي بصير،] (4) عن عمرو بن رياح عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: بلغني أنّك تقول: من طلّق لغير السنّة أنّك لا ترى طلاقه شيئا؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ما أقوله بل اللّه يقوله. أما و اللّه لو كنّا نفتيكم بالجور كنّا شرّا منكم، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ. (الآية).
«و في نهج البلاغة (5) قال- (عليه السلام)- في خطبة له، و هي من خطب الملاحم:
أين تذهب بكم المذاهب، و تتيه (6) بكم الغياهب، و تخدعكم الكواذب؟ و من أين تؤتون، و أنّى تؤفكون؟ فلكلّ أجل كتاب، و لكلّ غيبة إياب، فاستمعوا (7) ربّانيكم، و أحضروه قلوبكم، و استيقظوا أن يهتف بكم». (8)
وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ: قيل (9): أي: هو ممسك يقتر بالرّزق.
و غلّ اليد و بسطها، مجاز عن البخل و الجود. و لا قصد فيه إلى إثبات يد، و غلّ، و بسط. و لذلك يستعمل حيث لا يتصوّر ذلك، كقوله:
جاد الحمى بسط اليدين بوابل* * * شكرت نداه تلاعه و وهاده
و نظيره من المجازات المركّبة: شابت لمّة اللّيل.
____________
(1) من ر.
(2) نفس المصدر 6/ 57- 58، ح 1.
3 و 4- من المصدر.
(5) نهج البلاغة/ 157، ضمن خطبة 108.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخة: يستر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخة: فاسمعوا.
(8) من ر.
(9) أنوار التنزيل 1/ 283.
162
و قيل: معناه: أنّه «فقير لقوله- تعالى-: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ» (1) فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ.
و في عيون الأخبار (2)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ، بعد كلام طويل له- (عليه السلام)- في إثبات البداء، و قد كان سليمان ينكر، ثمّ التفت إلى سليمان فقال: أحسبك (3) ضاهيت [اليهود في هذا الباب.
قال: أعوذ باللّه من ذلك، و ما قالت اليهود] (4).
قال: قالت اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، يعنون: أنّ اللّه قد فرغ من الأمر، فليس يحدث شيئا. فقال- عزّ و جلّ-: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا..
و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى إسحاق بن عمّار، عمّن سمعه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ لم يعنوا: أنّه هكذا. و لكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا يزيد و لا ينقص. و قال اللّه- جلّ جلاله- تكذيبا لقولهم: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ. ألم تسمع اللّه- عزّ و جلّ- يقول: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا: دعاء عليهم بالبخل و النّكد. أو بالفقر و المسكنة. أو بغلّ الأيدي حقيقة، يغلّون أسارى في الدّنيا و مسحبين إلى النّار في الآخرة.
فتكون المطابقة، من حيث اللّفظ و ملاحظة الأصل. كقولك: سبّني، سبّ اللّه دابره.
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ: ثنّى اليد مبالغة في الرّدّ، و نفى البخل عنه، و إثباتا لغاية الجود فإنّ غاية ما يبذله السّخيّ من ماله أن يعطيه بيديه، و تنبيها على منح الدّنيا و الآخرة و على ما يعطى للاستدراج و ما يعطى للإكرام.
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه بن قيس، عن أبي الحسن الرّضا
____________
(1) ليس في أ.
(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 146، ح 1.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: أمسك.
(4) ليس في ر.
(5) التوحيد/ 167، ح 1.
(6) نفس المصدر/ 168، ح 2.
163
- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ.
فقلت له: يدان هكذا- و أشرت بيدي إلى يديه-؟ فقال: لا،] (1) لو كان هكذا كان مخلوقا.
و بإسناده إلى حنان بن سدير (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قوم وصفوه [باليدين، و قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.
و قوم وصفوه] (3) بالرّجلين، فقالوا: وضع رجله (4) على صخرة بيت المقدس، فمنها ارتقى إلى السّماء. و وصفوه بالأنامل، فقالوا: إنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّي وجدت برد أنامله على قلبي. فلمثل هذه الصّفات قال: رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.
يقول: رب المثل الأعلى عمّا به مثّلوه. و للّه المثل الأعلى. الّذي لا يشبهه شيء، و لا يوصف، و لا يتوهّم. فذلك المثل الأعلى.
و بإسناده إلى أبي بصير (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنا يد اللّه المبسوطة على عباده بالمرحمة و المغفرة.
و الحديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة.
و بإسناده إلى مروان بن صباح (6) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلقنا فأحسن خلقنا، و صوّرنا فأحسن صورنا. و جعلنا عينه في عباده، و لسانه النّاطق في خلقه، و يده المبسوطة على عباده بالرّأفة و الرّحمة.
و الحديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة.
[و في تفسير العيّاشي (7): عن حمّاد، عنه في قول اللّه: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، يعنون:
أنّه قد فرغ ممّا هو كائن لُعِنُوا بِما قالُوا قال اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ.] (8).
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل.
(2) نفس المصدر/ 323، ح 5.
(3) ليس في أ.
(4) أ: يده.
(5) نفس المصدر/ 165، ح 2.
(6) نفس المصدر/ 151، ح 8.
(7) تفسير العياشي 1/ 330، ح 147.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
164
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ: على ما تقتضيه الحكمة و الصّلاح.
وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً: على طغيانهم و كفرهم. كما يزداد المريض مرضا من تناول غذاء الأصحّاء.
وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ: فكلماتهم مختلفة، و قلوبهم شتّى. فلا يقع بينهم موافقة.
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ: كلّما أرادوا محاربة غلبوا.
قيل (1): كانوا في أشدّ بأس و أمنع دار، حتّى أنّ قريشا كانت تعتضد بهم، و كان الأوس و الخزرج تتكثّر بمظاهرتهم. فذلّوا و قهروا. و قتل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بني قريظة، و أجلى بني النّضير، و غلب على خيبر وفدك. فاستأصل اللّه شأفتهم، حتّى أنّ اليوم تجد اليهود في كلّ بلدة أذلّ النّاس.
وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً: للفساد. بمخالفة أمر اللّه، و الاجتهاد في محو ذكر الرّسول من كتبهم.
و قيل (2): لمّا خالفوا حكم التّوراة سلّط اللّه عليهم بخت نصر [، ثم أفسدوا فسلّط عليهم فطرس الروميّ.] (3) ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المجوس، ثمّ أفسدوا فسلّط [اللّه] (4) عليهم المسلمين.
وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64): فلا يجازيهم إلّا شرّا.
و في تفسير العيّاشي (5): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن قوله:
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ كلّما أراد جبّار من الجبابرة هلكة آل محمّد- (عليه السلام)- قصمه [اللّه.] (6)
وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا: بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بما جاء به.
وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ: الّتي فعلوها. و لم يؤاخذهم بها.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 221، ببعض الاختلاف.
(2) أنوار التنزيل 1/ 283- 284.
3 و 4- من المصدر.
(5) تفسير العياشي 1/ 330، ح 148.
(6) من المصدر.
165
وَ لَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65): فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله، و إن جلّ.
وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ: بإذاعة ما فيها، و القيام بأحكامها.
وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ:
في الكافي و العيّاشيّ (1): عن الباقر- (عليه السلام)- يعني: الولاية.
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ: لوسّع عليهم أرزاقهم، و أفيض عليهم بركات من السّماء و الأرض.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) قال: مِنْ فَوْقِهِمْ المطر. وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ النّبات.
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ: قد دخلوا في الإسلام.
في تفسير علىّ بن إبراهيم (3): قوم من اليهود دخلوا في الإسلام، فسمّاهم اللَّه مقتصدة.
وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66): و فيه معنى التّعجّب، أي: ما أسوأ عملهم. و هم الّذين أقاموا على الجحود و الكفر.
[و في تفسير العيّاشي (4): عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: تفرّقت أمّة موسى على إحدى و سبعين ملّة، سبعون منها في النّار و واحدة في الجنّة. و تفرّقت أمّة عيسى على اثنتين (5) و سبعين فرقة، إحدى و سبعون فرقة في النّار و واحدة في الجنّة. و تعلو أمّتي على الفرقتين جميعا بملّة، واحدة في الجنّة و ثنتان و سبعون في النّار.
قالوا: من هم يا رسول اللّه؟
____________
(1) الكافي 1/ 413، ح 5، و تفسير العياشي 1/ 330، ح 149.
(2) تفسير القمي 1/ 171.
(3) نفس المصدر 1/ 171.
(4) تفسير العياشي 1/ 331، ح 151.
(5) المصدر: اثنين.
166
قال: الجماعات. [الجماعات] (1).
قال يعقوب بن يزيد (2): كان عليّ بن أبي طالب إذا حدّث هذا الحديث عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تلا فيه قرآنا: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ إلى قوله: ساءَ ما يَعْمَلُونَ. و تلا- أيضا-: وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (3)، يعني: أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في شرح الآيات الباهرة (4): روى [الشّيخ الصّدوق] (5) محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن أحمد، عن سلمة بن الخطّاب، عن عليّ بن يوسف (6)، عن العبّاس بن عامر، عن أحمد بن زريق الغمشاني (7)، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ولايتنا ولاية اللّه- عزّ و جلّ- لم يبعث اللّه نبيّا إلّا بها.
و روى- أيضا- عن أحمد بن محمّد (8) عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: ولاية عليّ- (عليه السلام)- مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، و لم يبعث الأنبياء إلّا بنبوّة محمّد و وصيّه عليّ- (صلوات اللّه عليهما)- و قوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ بإرسال السّماء عليهم مدرارا وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ بإعطاء الأرض خيراتها و بركاتها. و مثله: وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً] (9).
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، يعني: في عليّ- (عليه السلام)- فعنهم- (عليهم السلام)- كذا نزلت.
وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، أي: إن تركت تبليغ ما انزل إليك في
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: يعقوب بن زيد.
(3) الأعراف/ 181.
(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 57- 58.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: علي بن سيف.
(7) المصدر: «أحمد بن زرقا الغمشاني» و لعل الصواب: «احمد بن رزق الغشاني» ر. تنقيح المقال 1/ 61، رقم 361.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
167
ولاية عليّ- (عليه السلام)- و كتمته، كنت كأنّك لم تبلّغ شيئا من رسالات ربّك في استحقاق العقوبة.
و قرئ: «رسالته» على التّوحيد (1).
وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ: يمنعك من أن ينالوك بسوء.
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67):
في الجوامع (2): عن ابن عبّاس و جابر بن عبد اللّه: أنّ اللّه أمر نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن ينصّب عليّا- (عليه السلام)- للنّاس و يخبرهم بولايته، فتخوّف- (عليه السلام)- أن يقولوا: حابى ابن عمّه. و أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه، فنزلت هذه الآية. فأخذه بيده يوم غدير خمّ و قال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه.
[و العياشي، عنهما، ما في معناه (3)] (4).
و رواه في المجمع (5)، عن الثعلبيّ و الحسكانيّ و غيرهما من العامّة.
و في أصول الكافي (6): [محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، و فيه يقول- (عليه السلام)-:] (7) ثمّ نزلت الولاية، و إنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل اللّه- تعالى-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي. و كان كمال الدّين بولاية عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.
فقال عند ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّتي حديثو عهد بالجاهليّة، و متى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل و يقول قائل، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني، فأتتني عزيمة من اللّه بتلة أوعدني إن لم أبلّغ أن يعذّبني، فنزلت:
____________
(1) مجمع البيان 1/ 222.
(2) جوامع الجامع/ 114.
(3) تفسير العياشي 1/ 331، ح 152.
(4) من أ.
(5) مجمع البيان 2/ 223.
(6) الكافي 1/ 290، ح 6.
(7) ليس في أ. و فيه: «عن الباقر- (عليه السلام)- في حديث» بدلا.
168
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ (الآية).
فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد عليّ فقال: يا أيّها النّاس، إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلّا و قد عمّره اللّه، ثمّ دعاه فأجابه. فأوشك أن أدعى، فأجيب. و أنا مسؤول، و أنتم مسؤولون. فما ذا أنتم قائلون؟
فقالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك، فجزاك اللّه أفضل جزاء المرسلين.
فقال: اللّهمّ اشهد- ثلاث مرّات- ثمّ قال: يا معشر المسلمين، هذا وليّكم من بعدي، فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان و اللّه عليّ أمين اللّه على خلقه، و غيبه، و دينه الّذي ارتضاه لنفسه.
[عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (1)، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة و الفضيل بن يسار و بكير بن أعين و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية و أبي الجارود جميعا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (2) قال: أمر اللّه- عزّ و جلّ- رسوله (3) بولاية عليّ- (عليه السلام)- و أنزل عليه: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ (الآية) و فرض ولاية أولي الأمر، فلم يدروا ما هي. فأمر اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يفسّر لهم الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ. فلمّا أتاه ذلك من اللّه، ضاق بذلك صدر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تخوّف أن يرتدّوا عن دينهم، و أن يكذّبوه. فضاق صدره و راجع ربّه- عزّ و جلّ- فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ (الآية) فصدع بأمر اللّه- تعالى ذكره- فقام بولاية عليّ- (عليه السلام)- يوم غدير خمّ فنادى الصّلاة جامعة. و أمر النّاس أن يبلّغ الشّاهد الغائب.
قال- (عليه السلام)-: و كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، و كان الولاية آخر الفرائض. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
____________
(1) نفس المصدر 1/ 289، ح 4.
(2) ليس في «أ».
(3) ليس في المصدر.
169
. قال: يقول اللّه- عزّ و جلّ-: لا أنزل عليكم بعدها فريضة، قد أكملت لكم الفرائض.
[محمّد بن الحسين و غيره، عن سهل (1)، عن محمّد بن عيسى و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين جميعا عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: فلمّا رجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من حجّة الوداع نزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ فنادى النّاس، فاجتمعوا. و أمر بسمرات فقمّ شوكهنّ. ثمّ قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أيّها النّاس، من وليّكم و أولى النّاس بكم من أنفسكم؟
فقالوا: اللّه و رسوله.
فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه- ثلاث مرّات- فوقعت حسكة النّفاق في قلوب القوم و قالوا: و ما أنزل اللّه- جلّ ذكره- هذا على محمّد قطّ، و ما يريد إلّا أن يرفع بضبع ابن عمّه.] (2).
و في كتاب الاحتجاج (3) [للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى محمّد بن عليّ الباقر-] (4) (عليه السلام)- أنّه قال: حجّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المدينة، و قد بلّغ جميع الشّرائع قومه غير الحجّ و الولاية. فأتاه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له: يا محمّد، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقرئك السّلام و يقول لك: إنّي لم أقبض نبيّا من أنبيائي و لا رسولا من رسلي، إلّا بعد إكمال ديني و تأكيد حجّتي، و قد بقي عليك من ذلك فريضتان ممّا يحتاج أن تبلّغهما قومك: فريضة الحجّ و فريضة الولاية و الخلافة من بعدك. فإنّي لم أخل أرضي من حجّة و لن أخليها أبدا. فإنّ اللّه يأمرك أن تبلّغ قومك الحجّ، تحجّ و يحجّ معك
____________
(1) نفس المصدر 1/ 295، ضمن حديث أوّله في ص 293.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) الاحتجاج 1/ 66- 86.
(4) ليس في أ. و فيه: «عنه» بدلا.
170
كلّ (1) من استطاع إليه سبيلا من أهل الحضر و الأطراف و الأعراب، و تعلّمهم من معالم حجتهم مثل ما علّمتهم من صلاتهم و زكاتهم و صيامهم، و توقفهم من ذلك على مثال الّذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلّغتهم من الشّرائع.
فنادى منادي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في النّاس: ألا إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يريد الحجّ، و أن يعلّمكم من ذلك مثل الّذي علّمكم من شرائع دينكم، و يوقفكم من ذلك على ما أوقفكم عليه من غيره. فخرج [رسول اللّه] (2)- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خرج معه النّاس، و أصغوا إليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله، فحجّ بهم. و بلغ من حجّ مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أهل المدينة و أهل الأطراف و الأعراب، سبعين ألف إنسان أو يزيدون، على نحو عدد أصحاب موسى- (عليه السلام)- السّبعين ألف الّذين أخذ عليهم بيعة هارون- (عليه السلام)- فنكثوا و اتّبعوا العجل و السّامريّ. و كذلك [أخذ] (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- البيعة (4) لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بالخلافة على عدد أصحاب موسى- (عليه السلام)- فنكثوا البيعة و اتّبعوا العجل [السّامريّ] (5) سنّة بسنّة، و مثلا بمثل. و اتّصلت التّلبية ما بين مكّة و المدينة.
فلمّا وقف بالموقف أتاه جبرئيل- (عليه السلام)- عن اللّه- تعالى- فقال:
يا محمّد إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقرئك السّلام، و يقول لك: إنّه قد دنا أجلك و مدّتك و أنا مستقدمك على ما لا بدّ منه و لا عنه محيص. فاعهد عهدك، و قدّم وصيّتك، و اعمد إلى ما عندك من العلم و ميراث علوم الأنبياء من قبلك و السّلاح و التّابوت و جميع ما عندك من آيات الأنبياء- (عليهم السلام)- فسلّمها (6) إلى وصيّك و خليفتك من بعدك حجّتي البالغة على خلقي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فأقمه للنّاس علما. و جدّد عهده و ميثاقه و بيعته. و ذكّرهم ما أخذت عليهم من بيعتي و ميثاقي الّذي واثقتهم به و عهدي الّذي
____________
1 و 2- ليس في المصدر.
(3) من المصدر.
(4) النسخ: أخذ البيعة.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: فسلّمه.
171
عهدت إليهم من ولاية وليّي و مولاهم و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فإنّي لم أقبض نبيّا من الأنبياء، إلّا من بعد إكمال ديني (1) و إتمام نعمتي بولاية أوليائي و معاداة أعدائي. و ذلك كمال توحيدي و ديني و إتمام نعمتي على خلقي، باتّباع وليّي و طاعته. و ذلك أنّي لا أترك أرضي بغير [وليّ و لا] (2) قيّم، ليكون حجّة لي على خلقي. ف الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (الآية) (3) بولاية وليّي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة. عليّ عبدي، و وصي نّبييّ، و الخليفة من بعده، و حجّتي البالغة على خلقي مقرون طاعته بطاعة محمّد نبيّي و مقرون طاعته مع طاعة محمّد بطاعتي. من أطاعه فقد أطاعني، و من عصاه فقد عصاني. جعلته علما بيني و بين خلقي، من عرفه كان مؤمنا، و من أنكره كان كافرا، و من أشرك ببيعته كان مشركا، و من لقيني بولايته دخل الجنّة، و من لقيني بعداوته دخل النّار. فأقم يا محمّد عليّا علما، و خذ عليهم البيعة، و جدد عليهم (4) عهدي و ميثاقي لهم الّذي واثقتهم عليه. فإنّي قابضك إليّ و مستقدمك عليّ.
فخشي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قومه و أهل النّفاق و الشّقاق، أن يتفرّقوا و يرجعوا جاهليّة (5) لما عرف من عداوتهم و لما تنطوي عليه أنفسهم لعليّ- (عليه السلام)- من العداوة و البغضاء (6). و سأل جبرئيل- (عليه السلام)- أن يسأل ربّه العصمة من النّاس، و انتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة من النّاس عن اللّه- جلّ اسمه- فأخّر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف. فأتاه جبرئيل- (عليه السلام)- في مسجد الخيف. فأمره أن يعهد عهده، و يقيم عليّا [علما] (7) للنّاس [يهتدون به.] (8) و لم يأته بالعصمة من اللّه- جلّ جلاله- بالذي أراد، حتّى بلغ (9) كراع الغميم بين مكّة و المدينة. فأتاه جبرئيل- عليه
____________
(1) المصدر: إكمال ديني و حجتي.
(2) من المصدر.
(3) ذكر في المصدر الآية بطولها بدل «الآية.»
(4) ليس في المصدر.
(5) المصدر: إلى جاهلية.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «البغضة» بدل «العداوة و البغضاء».
7 و 8- من المصدر.
(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: أتى.
172
السلام- و أمره بالّذي أتاه به من قبل اللّه (1)، و لم يأته بالعصمة.
فقال: يا جبرئيل، إنّي أخشى قومي أن يكذّبوني، و لا يقبلوا قولي في علي (2).
فرحل، فلمّا بلغ غدير خمّ قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبريل- (عليه السلام)- على خمس ساعات مضت من النّهار بالزّجر و الانتهار (3) و العصمة من الناس.
فقال: يا محمّد، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقرئك السّلام، و يقول لك: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في عليّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
و كان أوائلهم قريب (4) من الجحفة. فأمر (5) بأن يردّ من تقدّم منهم، و يحبس (6) من تأخّر عنهم في ذلك المكان، ليقيم عليا للنّاس (7)، و يبلّغهم ما أنزل اللّه- تعالى- في عليّ- (عليه السلام)- و أخبره بأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد عصمه من النّاس.
فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند ما جاءته العصمة مناديا ينادي في النّاس بالصّلاة جامعة، و يرد من تقدّم منهم، و يحبس من تأخّر. فتنحّى عن يمين الطّريق إلى جنب مسجد الغدير، أمره بذلك جبرئيل- (عليه السلام)- عن اللّه- عزّ و جلّ- و [كان] في الموضع سلمات، فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يقمّ ما تحتهنّ و ينصب له أحجار كهيئة المنبر ليشرف على النّاس. فتراجع النّاس، و احتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون.
فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فوق تلك الأحجار. ثمّ حمد اللّه- تعالى- و أثنى عليه. فقال: الحمد للّه الّذي علا في توحّده، و دنا في تفرّده، و جلّ في سلطانه،
____________
(1) المصدر: «أتاه فيه قبل اللّه» بدل «أتاه به من قبل اللّه.»
(2) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: [فسأل جبرئيل كما سأل بنزول آية العصمة فأخّره ذلك.]
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: الانتهاء.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: قربت.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأمره.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: علما للناس.
173
و يحيي، و يفقر و يغني، و يضحك و يبكي [و يدني و يقصي] (1) و يمنع و يؤتي. له الملك و له الحمد، بيده الخير، و هو على كلّ شيء قدير. يولج اللّيل في النّهار، و يولج النّهار في اللّيل. لا إله إلّا هو العزيز الغفّار. مجيب الدّعاء (2)، و مجزل العطاء. محصي الأنفاس، و ربّ الجنّة و النّاس. لا يشتكل عليه شيء، و لا يضجره صراخ المستصرخين، و لا يبرمه إلحاح الملحّين. العاصم للصّالحين، و الموفّق للمفلحين، و مولى العالمين. الّذي استحقّ من كلّ [من] (3) خلق أن يشكره و يحمده.
[أحمده] (4) على السّرّاء و الضّرّاء و الشّدّة و الرّخاء. و أؤمن به و بملائكته و كتبه و رسله. أسمع أمره. و أطيع و أبادر إلى كلّ ما يرضاه، و أستسلم لقضائه رغبة في طاعته و خوفا من عقوبته لأنّه اللّه الّذي لا يؤمن مكره و لا يخاف جوره. [و] (5) أقرّ له على نفسي بالعبوديّة، و أشهد له بالرّبوبيّة. و أؤدّي ما أوحي إليّ، حذرا من أن أفعل فتحلّ بي منه قارعة، لا يدفعها عنّي أحد و إن عظمت حيلته. لا إله إلّا هو، لأنّه قد أعلمني أنّي إن لم أبلّغ ما أنزل إليّ فما بلّغت رسالته. و قد ضمن لي- تبارك و تعالى- العصمة. و هو [اللّه] (6) الكافي الكريم. فأوحى إليّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في علي (7) وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
معاشر النّاس، ما قصّرت في تبليغ ما أنزل اللّه- تعالى- إلي (8). و أنا مبيّن لكم سبب نزول هذه الآية: إنّ جبرئيل- (عليه السلام)- هبط إليّ مرارا ثلاثا يأمرني عن السّلام ربّي و هو السّلام، أن أقوم في هذا المشهد، فأعلم كلّ أبيض و أسود، أنّ عليّ بن أبي طالب أخي و وصيّي و خليفتي و الإمام من بعدي، الّذي محلّه منّي محلّ هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، و هو وليّكم بعد اللّه و رسوله. و قد أنزل اللّه- تبارك و تعالى-
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: مستجيب الدعاء.
3 و 4 و 5- من المصدر.
(6) من المصدر.
(7) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: [يعني في الخلافة لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.]
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أنزله» بدل «أنزل اللّه تعالى إليّ.»
174
و عظم في أركانه، و أحاط بكلّ شيء علما و هو في مكانه، و قهر جميع الخلق بقدرته و برهانه، مجيدا لم يزل محمودا، لا يزال بارئ المسموكات، و داحي المدحوّات، و جبّار الأرضين و السّموات. سبّوح قدّوس (1) ربّ الملائكة و الرّوح. متفضّل على جميع من برأه، متطوّل على من أنشأه. (2) يلحظ كلّ عين، و العيون لا تراه. كريم حليم ذو أناة. قد وسع كلّ شيء برحمته (3)، و منّ عليهم بنعمته. لا يعجل بانتقامه، و لا يبادر إليهم بما استحقّوا من عذابه. قد فهم السّرائر، و علم الضّمائر، و لم تخف عليه المكنونات، و لا اشتبهت عليه الخفيّات. له الإحاطة بكلّ شيء، و الغلبة على كلّ شيء، و القوّة في كلّ شيء، و القدرة على كلّ شيء. ليس مثله شيء، و هو منشئ الشيء حين لا شيء. دائم قائم بالقسط، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم. جلّ عن أن تدركه الأبصار، و هو يدرك الأبصار، و هو اللّطيف الخبير. لا يلحق أحد وصفه من معاينة، و لا يجد أحد كيف هو من سرّ و علانية إلّا بما دلّ- عزّ و جلّ- على نفسه.
و أشهد أنّه اللّه الّذي ملأ الدّهر قدسه، و الّذي يغشى الأبد نوره، و الّذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير و لا معه شريك في تقدير و لا تفاوت في تدبير. صوّر ما أبدع على غير مثال، و خلق ما خلق بلا معونة من أحد و لا تكلّف و لا احتيال. أنشأها فكانت، و برأها فبانت. فهو اللّه الّذي لا إله إلّا هو، المتقن الصّنعة، الحسن الصّنيعة، العدل الّذي لا يجور، و الأكرم الّذي ترجع إليه الأمور.
و أشهد أنّه الّذي تواضع كلّ شيء لقدرته، و خضع كلّ شيء لهيبته. مالك الأملاك (4)، و مفلك الأفلاك، و مسخّر الشّمس و القمر كلّ يجري لأجل مسمّى. يكوّر اللّيل على النّهار و يكوّر النّهار على اللّيل، يطلبه حثيثا. قاصم كلّ جبّار عنيد، و مهلك كلّ شيطان مريد. لم يكن معه ضدّ و لا ندّ. أحد صمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد. إله واحد، و ربّ ماجد. يشاء فيمضي، و يريد فيقضي، و يعلم فيحصي، و يميت
____________
(1) المصدر: قدّوس سبّوح.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أدناه.
(3) المصدر: رحمته.
(4) المصدر: ملك الأملاك.
175
عليّ بذلك آية من كتابه (1): إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و عليّ بن أبي طالب أقام الصّلاة و آتى الزّكاة و هو راكع، يريد اللّه- عزّ و جلّ- في كلّ حال.
و سألت جبرئيل- (عليه السلام)- أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم- أيّها النّاس- لعلمي بقلّة المتّقين، و كثرة المنافقين، و إدغال الآثمين، و ختل المستهزئين بالإسلام. الّذين وصفهم اللَّه في كتابه، بأنّهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم و يحسبونه هيّنا و هو عند اللّه عظيم. و كثرة أذاهم لي في غير مرّة حتّى سمّوني: أذنا.
و زعموا أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي و إقبالي عليه، حتّى أنزل اللّه- عزّ و جلّ- في ذلك قرآنا (2): وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ على الّذين يزعمون أنّه أذن خَيْرٌ لَكُمْ. (الآية) و لو شئت أن أسمّي بأسمائهم لسمّيت، و أن أومئ إليهم بأعيانهم لأومأت، و أن أدلّ عليهم لدللت. و لكنّي- و اللّه- في أمورهم قد تكرّمت. و كلّ ذلك لا يرضى اللّه منّي إلّا أن أبلغ ما أنزل إليّ. ثمّ تلا- (عليه السلام)-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ- في علي- وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
فاعلموا معاشر النّاس، أنّ اللّه قد نصّبه لكم وليّا و إماما. مفترضا طاعته، على المهاجرين و الأنصار، و على التّابعين لهم بإحسان، و على البادي و الحاضر، و على الأعجميّ و العربيّ و الحر و المملوك و الصّغير و الكبير، و على الأبيض و الأسود، و على كلّ موحّد ماض حكمه جائز قوله نافذ أمره. ملعون من خالفه، مرحوم من تبعه. و من صدّقه (3) فقد غفر اللّه له و لمن سمع منه و أطاع له.
معاشر النّاس، إنّه آخر مقام أقومه في هذا المشهد. فاسمعوا و أطيعوا، و انقادوا لأمر ربّكم. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- هو ربّكم و وليّكم (4) و إلهكم، ثمّ من دونه محمّد
____________
(1) المائدة/ 55.
(2) التوبة/ 61.
(3) المصدر: «مؤمن من صدّقه» بدل «و من صدّقه.»
(4) المصدر: «مولاكم» بدل «ربّكم و وليّكم.»
176
وليكم (1) القائم المخاطب لكم، ثمّ من بعدي عليّ وليّكم و إمامكم بأمر اللّه (2) ربّكم، ثم الإمامة في ذريّتي من ولده إلى يوم [القيامة، يوم] (3) تلقون اللّه و رسوله. لا حلال إلّا ما أحلّه اللّه، و لا حرام إلّا ما حرّمه اللّه. عرّفني الحلال و الحرام، و أنا أمضيت بما علّمني ربّي من كتابه و حلاله و حرامه إليه.
معاشر النّاس، ما من علم إلّا و قد أحصاه اللّه فيّ، و كلّ علم علمته (4) فقد أحصيته في علي (5) إمام المتّقين. ما من علم، إلّا [و قد] (6) علّمته عليّا. و هو الإمام المبين.
معاشر النّاس، لا تضلّوا عنه، و لا تنفروا منه، و لا تستنكفوا (7) من ولايته. فهو الّذي يهدي إلى الحقّ و يعمل به، و يزهق الباطل و ينهى عنه، و لا تأخذه في اللّه لومة لائم. ثمّ أنّه أوّل من آمن باللّه و رسوله، و [هو] (8) الذي فدى رسول اللّه (9) بنفسه، و [هو] (10) الّذي كان مع رسول اللّه و لا أحد يعبد اللّه مع رسوله من الرّجال غيره.
معاشر النّاس، فضّلوه فقد فضّله اللّه، و اقبلوه فقد نصّبه اللّه.
معاشر النّاس، إنّه إمام من اللّه. و لن يتوب اللّه على أحد أنكر ولايته، و لن يغفر اللّه له حتما، على اللّه أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه، و أن يعذبه عذابا نكرا (11) أبد الآباد و دهر الدّهور «فاحذروا أن تخالفوه فتصلوا نارا وقودها الناس و الحجارة اعدّت للكافرين». (12) أيّها النّاس، بي- و اللّه- بشّر الأوّلون من النّبيّين و المرسلين. و أنا خاتم الأنبياء و المرسلين، و الحجّة على جميع المخلوقين من أهل السّماوات و الأرضين. فمن شكّ في ذلك فهو كافر، كفر الجاهليّة الأولى. و من شكّ في شيء من قولي هذا فقد شك في الكلّ منه،
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «رسوله محمد ولي» بدل «محمد وليكم.»
2 و 3- ليس في المصدر.
(4) المصدر: علمت.
5 و 6- ليس في المصدر.
(7) المصدر: و لا تستكبروا.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: رسوله.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: عذابا شديدا نكرا.
(12) إشارة إلى آية 24، من سورة البقرة.
177
و الشّاكّ في الكلّ (1) فله النّار.
[معاشر النّاس، حباني اللّه بهذه الفضيلة منّا منه عليّ، و إحسانا منه إليّ. و لا إله إلّا هو له الحمد منّي أبد الآبدين و دهر الدّاهرين على كلّ حال.] (2).
معاشر النّاس، فضّلوا عليّا، فإنّه أفضل النّاس بعدي من ذكر و أنثى، بنا أنزل اللّه الرّزق و بقي الخلق، ملعون ملعون، مغضوب مغضوب من ردّ قولي هذا و لم يوافقه. ألا إنّ جبرئيل خبّرني عن اللّه- تعالى- بذلك و يقول: من عادى عليّا و لم يتولّه، فعليه لعنتي و غضبي وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ (3) و اتّقوا اللّه أن تخالفوه، فتزلّ قدم بعد ثبوتها، إنّ اللّه خبير بما تعلمون.
معاشر النّاس، إنّه جنب اللّه الّذي نزل (4) في كتابه [فقال تعالى (5): أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ] (6) يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ..
معاشر النّاس، تدبّروا القرآن، و افهموا آياته، و انظروا إلى محكماته، و لا تتّبعوا متشابهه. فو اللّه لن يبيّن (7) لكم زواجره و لا يوضّح لكم تفسيره، إلّا الّذي أنا آخذ بيده و مصعده إليّ و شائل بعضده و معلمكم: ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. و هو عليّ بن أبي طالب أخي و وصيّي. و موالاته من اللّه- عزّ و جلّ- أنزلها عليّ.
معاشر النّاس، إنّ عليّا و الطّيّبين من ولدي هم الثّقل الأصغر، و القرآن هو الثّقل الأكبر: فكلّ واحد منبئ عن صاحبه و موافق له. لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. هم أمناء اللّه في خلقه، و حكّامه (8) في أرضه. [ألا و قد أدّيت، ألا و قد بلّغت،] (9) ألا و قد أسمعت، ألا و قد أوضحت، ألا و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال و أنا قلت عن اللّه- عزّ و جلّ- ألا إنّه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا، و لا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره. ثمّ ضرب
____________
(1) المصدر: في ذلك.
(2) ليس في أ.
(3) الحشر/ 18.
(4) المصدر: ذكر.
(5) الزمر/ 56.
(6) ليس في ر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: لئن يبيّن.
(8) المصدر: حكمائه.
(9) ليس في أ.
178
بيده إلى عضده، فرفعه. و كان منذ أوّل ما صعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثال عليّا حتّى صارت رجله مع ركبة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
ثمّ قال: معاشر النّاس، هذا عليّ أخي و وصيّي و واعي علمي، و خليفتي على أمّتي و على تفسير كتاب اللّه- عزّ و جلّ- و الدّاعي إليه، و العامل بما يرضاه، و المحارب لأعدائه، و الموالي على طاعته، و النّاهي عن معصيته. خليفة رسول اللّه، و أمير المؤمنين، و الإمام الهادي، و قاتل النّاكثين و القاسطين و المارقين بأمر اللّه. أقول: ما يبدّل القول لديّ [بأمر اللّه (1) ربّي. أقول: اللّهمّ، وال من والاه، و عاد من عاداه، و العن من أنكره، و اغضب] (2) على من جحد حقّه. اللّهمّ، إنّك أنزلت عليّ أنّ الإمامة [بعدي] (3) لعليّ وليّك، عند تبياني ذلك و نصبي إيّاه، بما أكملت لعبادك من دينهم و أتممت عليهم نعمتك (4) و رضيت لهم الإسلام دينا، فقلت (5): وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ. اللّهمّ إنّي أشهدك [و كفى بك شهيدا] (6) أنّي قد بلّغت.
معاشر النّاس، إنّما أكمل اللّه- عزّ و جلّ- (7) دينكم بإمامته. فمن لم يأتمّ به و بمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة و العرض على اللّه- عزّ و جلّ- فأولئك الّذين حبطت أعمالهم و في النّار هم [فيها] (8) خالدون لا يخفّف اللّه (9) عنهم العذاب و لا هم ينظرون.
معاشر النّاس، هذا عليّ أنصركم لي، و أحقّكم بي، و أقربكم إليّ، و أعزّكم عليّ. و اللّه- عزّ و جلّ- و أنا عنه راضيان. و ما نزلت آية رضى إلّا فيه، و ما خاطب اللّه الّذين آمنوا إلّا بدأ به، و لا نزلت آية مدح في القرآن إلّا فيه. و لا شهد اللّه (10) بالجنّة في
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) ليس في أ.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: بنعمتك.
(5) آل عمران/ 85.
(6) من المصدر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: اللّه- عزّ و جلّ- أكمل.
(8) من المصدر.
9 و 10- ليس في المصدر.
179
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ. (1) إلّا له، و لا أنزلها في سواه [، و لا مدح بها غيره.
معاشر النّاس، هو ناصر دين اللّه، و المجادل عن رسول اللّه، و هو التّقي النّقي الهادي المهديّ] (2) نبيّكم خير نبيّ، و وصيّكم خير وصيّ، و بنوه خير الأوصياء.
معاشر النّاس، ذرّيّة كلّ نبيّ من صلبه، و ذرّيّتي من صلب عليّ.
معاشر النّاس، إنّ إبليس أخرج آدم من الجنّة بالحسد، فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم و تزلّ أقدامكم. فإنّ آدم- (عليه السلام)- أهبط إلى الأرض بخطيئة واحدة و هو صفوة اللّه- عزّ و جلّ- فكيف بكم و أنتم أنتم؟ و منكم أعداء اللّه. ألا إنّه لا يبعض عليّا إلّا شقي، و لا يتولّى عليّا إلّا نقيّ، و لا يؤمن به إلّا مؤمن مخلص. و في عليّ- و اللّه- أنزلت سورة العصر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَ الْعَصْرِ إلى آخره.
معاشر النّاس، قد استشهدت اللّه و بلّغتكم رسالتي وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (3)..
معاشر النّاس، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (4)..
معاشر النّاس، «آمنوا باللّه و رسوله و النّور الّذي أنزل معه (5)». «من قبل أن نطمس وجوها فنردّها على أدبارها (6)».
معاشر النّاس، النّور من اللّه- عزّ و جلّ- فيّ، ثمّ مسلوك (7) في عليّ- (عليه السلام)- ثمّ في النّسل منه إلى القائم المهديّ، الّذي يأخذ بحقّ اللّه و بكلّ حقّ هو لنا. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد جعلنا حجّة على المقصّرين و المعاندين و المخالفين و الخائنين و الآثمين و الظّالمين من جميع العالمين.
معاشر النّاس، إنّي أنذركم «أنّي رسول اللّه إليكم قد خلت من قبلي الرّسل أ فإن متّ أو قتلت انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا
____________
(1) و هي سورة الإنسان (76)
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) المائدة/ 99.
(4) آل عمران/ 102.
(5) إشارة إلى آية 8، من سورة التغابن.
(6) إشارة إلى آية 47، من سورة النساء
(7) المصدر: مسلوك ثم.
180
و سيجزي اللّه الشّاكرين (1).» ألا و إنّ عليّا [هو] (2) الموصوف بالصّبر و الشّكر، ثمّ من بعده ولدي من صلبه.
معاشر النّاس، «لا تمنّوا على اللّه تعالى إسلامكم (3)» فيسخط عليكم و يصيبكم بعذاب من عنده «إنّه لبالمرصاد (4)».
معاشر النّاس، [، إنّه] سيكون من بعدي أئمّة يدعون إلى النّار، و يوم القيامة لا ينصرون.
معاشر النّاس، إنّ اللّه و أنا بريئان منهم.
معاشر النّاس، إنّهم و أشياعهم و أتباعهم و أنصارهم في الدّرك الأسفل من النّار، و لبئس مثوى المتكبّرين. ألا إنّهم أصحاب الصّحيفة، فلينظر أحدكم في صحيفته.
قال: فذهب على النّاس- إلّا شر ذمة منهم- أمر الصّحيفة.
معاشر النّاس، إنّي أدعها إمامة و وراثة في عقبي إلى يوم القيامة. و قد بلّغت ما أمرت بتبليغه حجّة على كلّ حاضر و غائب، و على كلّ أحد، و ممّن شهد أو لم يشهد، ولد أو لم يولد. فليبلّغ الحاضر الغائب، و الوالد الولد إلى يوم القيامة. و سيجعلونها ملكا و اغتصابا. ألا لعن اللّه الغاصبين و المغتصبين. و عندها سنفرغ لكم أيّها الثّقلان فيرسل عليكما شواظ من نار و نحاس فلا تنتصران.
معاشر النّاس، «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يكن يذركم على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطّيّب و ما كان اللّه ليطلعكم على الغيب (5).».
معاشر النّاس، «إنّه ما من قرية إلّا و اللّه مهلكها بتكذيبها (6)» «و كذلك يهلك القرى و هي ظالمة» (7) كما ذكر اللّه- تعالى- و هذا إمامكم و وليّكم. و هو مواعيد اللّه.
____________
(1) إشارة إلى آية 144، من سورة آل عمران.
(2) من المصدر.
(3) إشارة إلى آية 17، من سورة الحجرات.
(4) إشاره إلى آية 14، من سورة الفجر.
(5) إشارة إلى آية 179، من سورة آل عمران.
(6) إشارة إلى آية 208، من سورة الشعراء.
(7) إشارة إلى آية 11، من سورة الأنبياء و آية 45، من سورة الحج.
181
و اللّه يصدق ما وعده.
معاشر النّاس، قد ضلّ قبلكم أكثر الأوّلين. و اللّه لقد أهلك الأوّلين، و هو مهلك الآخرين [. قال اللّه تعالى (1): أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.] (2).
معاشر النّاس، إنّ اللّه قد أمرني و نهاني، و قد أمرت عليّا و نهيته فعلم الأمر و النّهي من ربّه- عزّ و جلّ- فاسمعوا لأمره تسلموا، و أطيعوه تهتدوا، و انتهوا لنهيه ترشدوا، و صيروا إلى مراده و لا تتفرّق بكم السّبل عن سبيله.
[معاشر النّاس،] (3) أنا صراط اللّه المستقيم الّذي أمركم باتّباعه، ثمّ عليّ من بعدي، ثمّ ولدي من صلبه. أئمّة يهدون بالحقّ (4) و به يعدلون. ثمّ قرأ- (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخرها. و قال: فيّ نزلت، و فيهم نزلت، و لهم عمّت، و إيّاهم خصّت، أولئك «أولياء اللّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون (5).» ألا إن حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (6). ألا إنّ أعداء عليّ هم أهل الشّقاق [و النّفاق و الحادون، و هم] (7) العادون و إخوان الشّياطين الّذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (8).
ألا إنّ أولياءهم المؤمنون، الّذين ذكرهم اللّه في كتابه فقال- عزّ و جلّ- (9): لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (إلى آخر الآية.) ألا إنّ أولياءهم الّذين وصفهم اللّه- عزّ و جلّ- فقال (10): الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ. ألا إنّ [الّذين وصفهم اللّه- عزّ و جلّ- فقال (11):] (12) الّذين يدخلون
____________
(1) المرسلات/ 16- 19.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: إلى الحق.
(5) إشارة إلى آية 62، من سورة يونس.
(6) المجادلة/ 22.
(7) من المصدر.
(8) إشارة إلى آية 112، من سورة الانعام.
(9) المجادلة/ 22.
(10) الأنعام/ 82.
(11) إشارة إلى آية 46، من سورة الحجر.
(12) من المصدر.
182
الجنّة آمنين «و تتلقّاهم الملائكة بالتّسليم أن طبتم فادخلوها خالدين (1)» ألا إنّ أولياءهم الّذين قال [لهم] (2)- عزّ و جلّ- (3): يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [يُرْزَقُونَ فِيها] (4) بِغَيْرِ حِسابٍ ألا إنّ أعداءهم الّذين يصلون سعيرا (5). ألا إنّ أعداءهم الّذين يسمعون «لجهنم شهيقا و هي تفور (6)» «و لها زفير» (7) [ألا إن أعداءهم الذين قال الله فيهم (8):] (9) كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها (الآية) ألا إنّ أعداءهم الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ- (10). كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (11) (الآية) إنّ أولياءهم الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (12)..
معاشر النّاس شتّان ما بين السّعير و الجنّة. عدوّنا من ذمّه اللّه و لعنه، و وليّنا من أحبّه اللّه و مدحه.
معاشر النّاس، ألا «و إنّي منذر، و عليّ هاد (13)».
معاشر النّاس، إنّي نبيّ و عليّ وصيّي. ألا أنّ خاتم الأئمّة منّا القائم المهديّ [(صلوات اللّه عليه).] (14) ألا إنّه الظّاهر على الدّين. ألا إنّه المنتقم من الظّالمين. ألا إنّه فاتح الحصون و هادمها. ألا إنّه قاتل كلّ قبيلة من أهل الشّرك. ألا أنّه مدرك بكلّ ثأر لأولياء اللّه- عزّ و جلّ-. ألا إنّه ناصر دين اللّه- عزّ و جلّ- (15). ألا إنّه الغرّاف في بحر عميق.
ألا إنّه يسم كلّ ذي فضل بفضله، و كلّ ذي جهل بجهله. ألا إنّه خيرة اللّه و مختاره. ألا
____________
(1) إشارة إلى آية 102- 103، من سورة الأنبياء.
(2) من المصدر.
(3) الزمر/ 40.
(4) من القرآن المجيد.
(5) لعل إشارته- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى آية 12، من سورة الانشقاق.
(6) إشارة إلى آية 7، من سورة الملك.
(7) إشارة إلى آية 106، من سورة هود.
(8) الأعراف/ 38.
(9) من المصدر.
(10) الملك/ 8.
(11) المصدر: إلى قوله تعالى «في ضلال مبين.»
(12) الملك/ 12.
(13) إشارة إلى آية 7، من سورة الرعد.
(14) ليس في المصدر.
(15) المصدر: الناصر لدين دين اللّه- عزّ و جلّ-.
183
إنّه وارث كلّ علم، و المحيط به. ألا إنّه المخبر عن ربّه- عزّ و جلّ- المنبّه بأمر إيمانه. ألا إنّه الرّشيد السّديد. ألا إنّه المفوّض إليه. ألا إنّه قد بشّر به من سلف بين يديه. ألا إنّه الباقي حجّة و لا حجّة بعده، و لا حقّ إلّا معه، و لا نور إلّا عنده. ألا إنّه لا غالب له، و لا منصور عليه. ألا إنّه وليّ اللّه في أرضه، و حكمه في خلقه، و أمينه في سرّه و علانيته.
معاشر النّاس، قد بيّنت لكم و أفهمتكم، و هذا عليّ يفهمكم بعدي. ألا و إنّي عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافحتي على بيعته و الإقرار به، ثمّ مصافحته من بعدي. ألا و إنّي قد بايعت اللّه، و عليّ قد بايعني، و أنا آخذكم بالبيعة له عن اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (1) (الآية).
معاشر النّاس إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ (2) مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ (3) (الآية).
معاشر النّاس، حجوا البيت، فما ورده أهل بيت (4) إلّا استغنوا، و لا تخلّفوا عنه إلّا افتقروا.
معاشر النّاس، ما وقف بالموقف مؤمن إلّا غفر اللّه له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك، فإذا انقضت حجّته استؤنف عمله.
معاشر النّاس، الحجّاج معانون و نفقاتهم مختلفة، و اللّه لا يضيع أجر المحسنين.
معاشر النّاس، حجّوا البيت بكمال الدّين و التّفقّه، و لا تنصرفوا عن المشاهد إلّا بتوبة و إقلاع.
معاشر النّاس، أقيموا الصّلاة و آتوا الزّكاة كما أمركم اللّه- عزّ و جلّ- لئن طال عليكم الأمد فقصّرتم أو نسيتم، فعليّ وليّكم و مبيّن لكم. الّذي نصّبه اللّه- عزّ و جلّ- بعدي، و من خلّفه اللّه منّي و أنا منه، يخبركم بما تسألون منه و يبيّن لكم ما لا تعلمون. ألا إنّ الحلال و الحرام أكثر من أن أحصيهما أو أعرّفهما، فآمر بالحلال و أنهى
____________
(1) الفتح/ 10.
(2) المصدر و النسخ: المروة و العمرة.
(3) البقرة/ 158.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أهل البيت.
184
عن الحرام في مقام واحد. فأمرت أن آخذ البيعة منكم (1) و الصّفقة لكم بقبول ما جئت به عن اللّه- عزّ و جلّ- في علي أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده، الّذين هم منّي. و منه أئمّة قائمة منهم المهديّ إلى يوم القيامة، الّذي يقضي بالحقّ.
معاشر النّاس، و كلّ حلال دللتكم عليه و كلّ (2) حرام نهيتكم عنه، فإني لم أرجع عن ذلك و لم أبدّل. ألا فاذكروا ذلك، و احفظوه، و تواصوا به، و لا تبدّلوه و لا تغيّروه. ألا و إنّي أجدّد القول، ألا فأقيموا الصّلاة و آتوا الزّكاة و أمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر. ألا و إنّ رأس الأمر بالمعروف [و النّهي عن المنكر،] (3) أن تنتهوا إلى قولي و تبلّغوه من لم يحضره و تأمروه بقبوله و تنهوه عن مخالفته، فإنّه أمر من اللّه- عزّ و جلّ- و منّي. و لا أمر بمعروف و لا نهي عن منكر. إلّا مع إمام معصوم.
معاشر النّاس، القرآن يعرّفكم أنّ الأئمّة من بعده ولده، و عرّفتكم أنّهم (4) منّي و منه. حيث يقول اللّه- عزّ و جلّ- [في كتابه (5):] (6) وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ.
و قلت: لن تضلّوا ما إن تمسكتم بهما.
معاشر النّاس، التّقوى. التّقوى. احذروا السّاعة كما قال اللّه- تعالى- (7):
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. اذكروا الممات و الحساب، و الموازين و المحاسبة بين يدي ربّ العالمين، و الثّواب و العقاب. فمن جاء بالحسنة أثيب، و من جاء بالسّيّئة فليس له في الجنان نصيب.
معاشر النّاس، إنّكم أكثر من أن تصافقوني بكفّ واحدة، و قد أمرني اللّه- عزّ و جلّ- أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعليّ من إمرة المؤمنين و من جاء بعده من الأئمّة منّي و منه، على ما أعلمتكم أنّ ذرّيّتي من صلبه. فقولوا بأجمعكم: إنّا سامعون مطيعون، راضون منقادون لما (8) بلّغت عن ربّنا و ربّك في أمر عليّ- (صلوات اللّه عليه)-
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: عليكم.
(2) المصدر: «أو» بدل «و كلّ».
(3) من المصدر.
(4) المصدر: أنّه.
(5) الزخرف/ 28.
(6) من المصدر.
(7) الحج/ 1.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: بما.
185
و أمر ولده من صلبه من الأئمّة، نبايعك على ذلك بقلوبنا و أنفسنا و ألسنتنا و أيدينا، على ذلك نحيى و نموت و نبعث، و لا نغيّر و لا نبدّل و لا نشكّ و لا نرتاب، و لا نرجع عن عهد، و لا ننقض الميثاق، و نطيع اللّه و نطيعك و عليا أمير المؤمنين و ولده الأئمّة الّذين ذكرتهم من ذرّيّتك من صلبه بعد الحسن و الحسين، اللّذين قد عرّفتكم مكانهما منّي و محلّهما عندي و منزلتهما من ربّي- عزّ و جلّ- فقد أدّيت ذلك إليكم، و أنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، و أنّهما الإمامان بعد أبيهما عليّ، و أنا أبوهما قبله. و قولوا: أطعنا اللّه بذلك و إيّاك و عليّا و الحسن و الحسين و الأئمّة الّذين ذكرت عهدا و ميثاقا، مأخوذا لأمير المؤمنين من قلوبنا و أنفسنا و ألسنتنا و مصافقة أيدينا من أدركهما بيده و أقرّ بهما بلسانه و لا نبتغي بذلك بدلا و لا نرى من أنفسنا عنه حولا أبدا. أشهدنا اللّه و كفى باللّه شهيدا، و أنت علينا به شهيد، و كلّ من أطاع ممّن ظهر و استتر، و ملائكة اللّه و جنوده و عبيده، و اللّه أكبر من كلّ شهيد.
معاشر النّاس، ما تقولون؟ فإنّ اللّه يعلم كلّ صوت، و خافية كلّ نفس فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها (1) «و من بايع فإنّما يبايع اللّه- عزّ و جلّ- يد اللّه فوق أيديهم (2).».
معاشر النّاس، فاتّقوا اللّه و بايعوا عليّا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و الأئمّة، كلمة [طيّبة] (3) باقية. يهلك اللّه من غدر، و يرحم اللّه من و في فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. (4) (الآية).
معاشر النّاس، قولوا الّذي قلت لكم، و سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين و قولوا:
سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (5) و قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ. (6).
[معاشر النّاس، إنّ فضائل عليّ بن أبي طالب عند اللّه- عزّ و جلّ- و قد أنزلها
____________
(1) الزمر/ 39.
(2) إشارة إلى آية 10، من سورة الفتح.
(3) من المصدر.
(4) الفتح/ 10.
(5) البقرة/ 285.
(6) الأعراف/ 43.
186
في القرآن أكثر من أن أحصيها في مكان واحد، فمن أبناكم بها و عرّفها فصدّقوه.] (1).
معاشر النّاس، «من يطع اللّه و رسوله و عليّا و الأئمّة الّذين ذكرتهم فقد فاز فوزا عظيما (2)» (3).
معاشر النّاس، السّابقون (4) إلى مبايعته و موالاته و التّسليم عليه بإمرة المؤمنين «أولئك هم الفائزون في جنّات النّعيم (5)».
معاشر النّاس، قولوا ما يرضى اللّه به عنكم من القول «فإن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فلن يضرّوا اللّه شيئا.» (6) اللّهمّ اغفر للمؤمنين [و المؤمنات] (7) و اغضب على الكافرين [و الكافرات] (8) و الحمد للّه ربّ العالمين.
فناداه القوم: نعم (9)، سمعنا و أطعنا على أمر اللّه و أمر رسوله بقلوبنا و ألسنتنا و أيدينا. و تداكّوا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على عليّ فصافقوا بأيديهم. فكان أوّل من صافق رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الأوّل و الثّاني و الثّالث و الرّابع و الخامس، و باقي المهاجرين و الأنصار، و باقي النّاس على طبقاتهم و قدر منازلهم إلى أن صلّيت المغرب (10) و العتمة في وقت واحد. و واصلوا (11) البيعة و المصافقة ثلاثا، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول كلّما بايع قوم: الحمد اللّه الّذي فضّلنا على جميع العالمين. و صارت المصافقة سنّة و رسما. و ربّما يستعملها من ليس له حقّ فيها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (12) قال: نزلت هذه الآية في منصرف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من حجّة الوداع. و حجّ رسول اللّه حجّة الوداع لتمام عشر حجج من
____________
(1) ليس في أ.
(2) هكذا في ر و هامش الأصل بدلا. و في سائر النسخ و المصدر: مبينا.
(3) إشارة إلى آية 72، من سورة النساء.
(4) المصدر: السابقون السابقون.
(5) إشارة إلى آيتي 20- 21، من سورة التوبة.
(6) إشارة إلى آيتي 176- 177، من سورة آل عمران.
7 و 8 و 9- ليس في المصدر.
(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: العشاء.
(11) المصدر: وصلوا.
(12) تفسير القمي 1/ 171- 175.
187
مقدمه المدينة. و كان من قوله [في خطبته] (1) بمنى، أن حمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس، اسمعوا قولي و اعقلوه عنّي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا.
ثمّ قال: هل تعلمون أيّ يوم أعظم حرمة؟
قال النّاس: هذا اليوم.
قال: فأيّ شهر؟
قال النّاس: هذا الشّهر (2).
قال: و أيّ بلد أعظم حرمة؟
قالوا: بلدنا هذا.
قال: فإنّ دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا إلى يوم تلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم. ألا هل بلّغت أيّها النّاس؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهمّ أشهد. ثمّ قال: ألا و كلّ مأثرة أو بدعة (3) كانت في الجاهليّة أو دم أو مال، فهو تحت قدمي هاتين. ليس أحدكم أكرم من أحد إلّا بالتّقوى. ألا هل بلّغت؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهمّ اشهد. ثمّ قال: ألا و كلّ ربا كان في الجاهليّة فهو موضوع، و أوّل موضوع منه ربا العبّاس بن عبد المطلب. ألا و كلّ دم كان في الجاهليّة فهو موضوع، و أول موضوع منه دم ربيعة. ألا هل بلّغت؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهمّ اشهد. ثمّ قال: ألا و إنّ الشّيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، و لكنّه راض بما تحتقرون من أعمالكم. ألا و إنّه إذا أطيع فقد عبد. ألا أيّها النّاس، إنّ المسلم أخ المسلم حقّا، و لا يحلّ لامرئ مسلم دم امرئ مسلم و ماله إلّا ما أعطاه بطيبة نفس منه. و إنّي أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه. فإذا قالوها فقد
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) ليس في المصدر.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: بدع.
188
عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها، و حسابهم على اللّه ألا هل بلّغت أيّها النّاس؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهمّ أشهد. ثمّ قال: أيّها النّاس، احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي، و افقهوه (1) تنتعشوا. لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسّيف على الدّنيا، فإن أنتم (2) فعلتم ذلك- و لتفعلنّ- لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل و ميكائيل أضرب وجوهكم بالسّيف. ثمّ التفت عن يمينه و سكت ساعة. ثمّ قال: إن شاء اللّه، أو عليّ بن أبي طالب.
ثمّ قال: ألا و إنّي قد تركت فيكم أمرين. إن أخذتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي. فإنّه نبّأني اللّطيف الخبير، أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا، و من خالفهما فقد هلك ألا هل بلّغت؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهمّ اشهد. ثمّ قال: ألا و إنّه سيرد عليّ الحوض منكم رجال فيعرفون (3) فيدفعون عنّي، فأقول: يا ربّ أصحابي. فيقال: يا محمّد، إنّهم قد أحدثوا بعدك و غيّروا سنّتك. فأقول: سحقا سحقا.
فلمّا كان آخر يوم من أيّام التّشريق، أنزل اللّه- تعالى-: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نعيت إليّ نفسي. ثمّ نادى الصّلاة جامعة في مسجد الخيف، فاجتمع النّاس. فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: نصر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، و بلغها من (4) لم يسمعها. فربّ حامل فقه غير فقيه، و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل للّه، و النّصيحة لأئمّة المسلمين، و لزوم جماعتهم فإنّ دعوته محيطة من ورائهم. المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، و هم يد على من سواهم.
أيّها النّاس، إنّي تارك فيكم الثّقلين.
____________
(1) المصدر: و افهموه.
(2) ليس في المصدر.
(3) ليس في المصدر.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: لمن.
189
قالوا: يا رسول اللّه، و ما الثّقلان؟
فقال: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي. فإنّه قد نبّأني اللّطيف الخبير، أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، كاصبعيّ هاتين- و جمع بين سبّابتيه- و لا أقول: كهاتين- و جمع بين سبّابته و الوسطى- فيتفضّل هذه على هذه.
فاجتمع قوم من أصحابه و قالوا: يريد محمّد أن يجل الإمامة في أهل بيته. فخرج منهم أربعة نفر إلى مكّة، و دخلوا الكعبة و تعاهدوا و تعاقدوا، و كتبوا فيما بينهم كتابا:
إن أمات اللّه محمّدا أو قتله (1)، أن لا يردّوا هذا الأمر في أهل بيته أبدا. فأنزل اللّه على نبيّه في ذلك (2): أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ. فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من مكّة يريد المدينة، حتّى نزل منزلا يقال له: غدير خمّ. و قد علّم النّاس مناسكهم و أو عز إليهم وصيّته، إذ أنزل اللّه عليه هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (الآية) فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: تهديد و وعيد. فحمد اللّه (3) و أثنى عليه، ثمّ قال:
أيّها النّاس، هل تعلمون من وليّكم؟
قالوا: نعم و اللّه و رسوله.
قال: ألستم تعلمون أنّي أولى بكم من أنفسكم؟
قالوا: بلى.
قال: اللّهمّ أشهد. فأعاد ذلك عليهم ثلاثا. كلّ ذلك يقول مثل قوله الأوّل، و يقول النّاس كذلك، و يقول: اللّهمّ اشهد.
ثمّ أخذ بيد أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فرفعه حتّى بدا للنّاس بياض إبطيه. ثمّ قال: ألا من كنت مولاه [فهذا عليّ مولاه.] (4) اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أحبّ من أحبّه. ثمّ [رفع رأسه إلى السّماء] (5)
____________
(1) المصدر: «مات محمّد أو قتل» بدل «أمات اللّه محمدا أو قتله.»
(2) الزخرف/ 79- 80.
(3) المصدر: «بعد أن حمد اللّه» بدل «تهديد و وعيد فحمد اللّه.»
4 و 5- ليس في أ.
190
فقال: اللّهمّ أشهد عليهم، و أنا من الشاهدين.
فاستفهمه عمر من بين أصحابه (1)، فقال: يا رسول اللّه، هذا من اللّه أو (2) من رسوله؟
فقال رسول اللّه: نعم، من اللّه و من رسوله. إنّه أمير المؤمنين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، يقعده اللّه يوم القيامة على الصّراط فيدخل أولياءه الجنة و أعداءه النّار.
فقال أصحابه الّذين ارتدّوا بعده: قد قال محمّد في مسجد الخيف ما قال و قال هاهنا ما قال. و إن رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له. فاجتمع أربعة عشر نفرا و تآمروا على قتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قعدوا له في العقبة- و هي عقبة حرشي (3) بين الجحفة و الأبواء- فقعدوا، سبعة عن يمين العقبة و سبعة عن يسارها، لينفّروا ناقة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلما جنّ اللّيل تقدّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في تلك اللّيلة العسكر فأقبل ينعس على ناقته، فلمّا دنا من العقبة ناداه جبرئيل: يا محمّد، إنّ فلانا و فلانا و فلانا (4) قد قعدوا لك. فنظر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: من هذا خلفي؟
فقال حذيفة بن اليمان: أنا حذيفة بن اليمان، يا رسول اللّه.
قال: سمعت ما سمعت؟
قال: بلى.
قال: فاكتم. ثمّ دنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منهم فناداهم بأسمائهم، فلمّا سمعوا نداء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرّوا و دخلوا في غمار النّاس، و قد كانوا عقلوا رواحلهم فتركوها، و لحق النّاس برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و طلبوهم، و انتهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى رواحلهم
____________
(1) المصدر: فقام من بين أصحابه.
(2) المصدر: «و» بدل «أو».
(3) النسخ و المصدر: هرشي.
(4) ليس في المصدر.
191
فعرفهم (1). فلمّا نزل قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة «إن أمات اللّه محمّدا (2) أو قتله (3) أن لا يردّوا هذا الأمر في أهل بيته أبدا.».
فجاءوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فحلفوا، أنّهم لم يقولوا من ذلك شيئا و لم يريدوه و لم يهمّوا بشيء في رسول اللّه (4). فأنزل اللّه (5): يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا أن لا يردّوا هذا الأمر في أهل بيت رسول اللّه وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا (6) من قتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ. (7).
فرجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المدينة، و بقي فيها المحرّم (8) و النّصف من صفر لا يشتكي شيئا: ثمّ ابتدأ به الوجع الّذي توفّي فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
[فحدثني أبي (9)، عن مسلم بن خالد، عن محمّد بن جابر، عن ابن مسعود قال:
قال لي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا رجع من حجّة الوداع: يا ابن مسعود، قد قرب الأجل و نعيت إليّ نفسي، فمن لذلك بعدي؟ فأقبلت أعدّ عليه رجلا رجلا، فبكى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ قال: ثكلتك الثّواكل، فأين أنت [عن] (10) عليّ بن أبي طالب، لم [لا] (11) تقدمه على الخلق أجمعين؟ يا ابن مسعود، إنّه إذا كان يوم القيامة رفعت لهذه الأمّة أعلام، فأوّل الأعلام لوائي الأعظم مع عليّ ابن أبي طالب و النّاس جميعا تحت لوائي، ينادي مناد، هذا الفضل يا ابن أبي طالب.
حدّثني أبي (12) عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) المصدر: «فعرفهم» أ: فعرفها.
هكذا في المصدر. و في أ: «فعرفها.» و في سائر النسخ: فوقها.
(2) المصدر: مات محمد.
(3) المصدر: قتل.
(4) المصدر: «و لم يكتموا شيئا من رسول اللّه» بدل «و لم يهمّوا بشيء في رسول اللّه».
5 و 6- التوبة/ 74.
(7) التوبة/ 74.
(8) المصدر: و بقي بها محرم.
(9) نفس المصدر 1/ 175.
10 و 11- من المصدر.
(12) نفس المصدر 2/ 201.
192
- (عليه السلام)- قال: لمّا أمر اللّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن ينصّب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للنّاس في قوله: «يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك في عليّ.» بغدير خمّ، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه. فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر و حثّوا التّراب على رؤوسهم.
فقال [لهم] (1) إبليس: ما لكم؟ فقالوا: إنّ هذا الرّجل [قد] (2) عقد اليوم عقدة لا يحلّها شيء إلى يوم القيامة. فقال لهم إبليس: كلا، إنّ الّذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني. فأنزل اللّه على نبيّه (3): وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ (الآية).
و في عيون الأخبار (4): حدّثنا الحاكم أبو عليّ الحسين بن أحمد البيهقيّ قال:
حدّثني محمّد بن يحيى الصّوليّ قال: حدّثني سهل بن القاسم النّوشجانيّ قال: قال رجل للرّضا- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللّه، إنّه يروى عن عروة بن الزّبير أنّه قال: توفّي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو في تقيّة.
فقال: أمّا بعد قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فإنّه أزال كلّ تقيّة بضمان اللّه- عزّ و جلّ- و بيّن أمر اللّه، و لكنّ قريش فعلت ما اشتهت بعده. و أمّا قبل نزول هذه الآية، فلعلّه.
و في تهذيب الأحكام (5)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير، المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: ربّنا، إنّنا سمعنا بالنّداء (6)، و صدّقنا المنادي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [إذ] (7) نادى بنداء عنك بالّذي أمرته به، أن يبلّغ ما أنزلت إليه من ولاية وليّ أمرك، فحذّرته و أنذرته إن لم يبلّغ أن تسخط عليه، و إنّه إن بلّغ رسالاتك عصمته من النّاس. فنادى مبلّغا وحيك و رسالاتك: ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه، و من كنت وليّه فعليّ وليّه، و من كنت نبيّه فعليّ أميره.
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) سبأ/ 20.
(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 130، ح 10.
(5) تهذيب الأحكام 3/ 144.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: بالمنادي.
(7) من المصدر.
193
و في أمالي الصّدوق (1)، بإسناده إلي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه لعليّ- (عليه السلام)-: و لقد أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، يعني: في ولايتك يا عليّ. وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ و لو لم أبلّغ ما أمرت به من ولايتك لحبط عملي.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي (2) قال: حدّثنا الحسين بن الحكم معنعنا، عن عبد اللّه بن عطا قال: كنت جالسا عند أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أوحى اللّه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قل للنّاس: من كنت مولاه فعليّ مولاه. فأبلغ بذلك و خاف النّاس، فأوحى اللّه إليه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فأخذ يد عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يوم الغدير و قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه.
و في شرح الآيات الباهرة (3): روى الشّيخ الصّدوق محمّد بن بابويه القمّي- (رحمه اللّه)- في أماليه حديثا صحيحا لطيفا يتضمّن قصّة الغدير مختصرة (4) قال: حدّثني أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن عبد اللّه البرقيّ، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد (5)، عن أبي الحسن العبديّ، عن سليمان الأعمش، عن عباءة بن ربعي (6)، عن عبد اللّه بن عبّاس [قال:] (7) إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به إلى السّماء انتهى به [جبرئيل إلى نهر يقال له: النّور. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ. فلمّا انتهى به] (8) إلى ذلك النّهر فقال له جبرئيل: يا محمّد، أعبر على بركة اللّه- عزّ و جلّ- فقد نوّر اللّه لك بصرك، و مدّ لك
____________
(1) أمالي الصدوق/ 400، في ذيل حديث.
(2) تفسير فرات/ 36.
(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 58- 59.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: مختصرا.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: الخلف بن حمّاد.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عناية بن ربيع» و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 125، رقم 6190 و نفس المصدر و المجلد، ص 131، رقم 6252.
(7) من المصدر.
(8) ليس في المصدر.
194
أمامك. فإنّ هذا نهر لم يعبره أحد لا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل، غير أنّ لي في كلّ [يوم] (1) اغتماسة فيه فأخرج (2) منه فأنفض أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلّا خلق اللّه- تبارك و تعالى- منها ملكا مقرّبا، له عشرون ألف وجه و أربعون ألف لسان، كلّ لسان بلفظ و لغة لا يفقهها اللّسان الآخر. فعبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى انتهى إلى الحجب. و الحجب خمسمائة حجاب. من الحجاب إلى الحجاب سيرة خمسمائة عام. ثمّ قال له جبرئيل: تقدّم يا محمّد.
فقال له: يا جبرئيل، و لم لا تكون معي؟
قال: ليس لي أن أجوز [هذا] (3) المكان. فتقدّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما شاء اللّه أن يتقدّم، حتّى سمع ما قال الرّب- تبارك و تعالى- أنا المحمود، و أنت محمّد. شققت أسمك من اسمي. فمن وصلك وصلته. و من قطعك بتتّه. انزل إلى عبادي، فأخبرهم بكرامتي إيّاك. و إنّي لم ابعث نبيّا إلّا جعلت له وزيرا. و إنّك رسولي، و إنّ عليّا وزيرك.
فهبط رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فكره أن يحدّث النّاس بشيء كراهة أن يتهموه. لأنّهم كانوا حديثي عهد بالجاهليّة. حتّى مضى لذلك ستّة أيّام، فأنزل اللّه- تبارك و تعالى (4)-: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ. فاحتمل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك حتّى كان اليوم الثامن، فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ..
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تهديد بعد وعيد، لأمضينّ (5) أمر ربّي.
فإنّ يتّهموني و يكذّبوني، أهون عليّ من أن يعاقبني العقوبة الموجعة في الدّنيا و الآخرة.
____________
(1) من المصدر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «اغتمس فيه اغتماسه أخرج» بدل «اغتماسه فيه فأخرج.»
(3) من المصدر.
(4) هود/ 12.
(5) المصدر: لأمضي.
195
قال: و سلّم جبرئيل على عليّ- (عليه السلام)- بإمرة المؤمنين.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: يا رسول اللّه، أسمع الكلام و لا أحسّ الرّؤية.
فقال: يا عليّ، هذا جبرئيل أتاني من قبل ربّي بتصديق ما وعدني. ثمّ أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجلا فرجلا من أصحابه، أن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ثمّ قال: يا بلال، ناد في النّاس أن لا يبقى أحد إلّا عليل إلّا خرج إلى غدير خمّ.
فلمّا كان من الغد، خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بجماعة من أصحابه. فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أرسلني إليكم برسالة. و إنّي ضقت بها ذرعا، مخافة أن تتّهموني و تكذّبوني (1). فأنزل اللّه- تعالى- وعيدا بعد وعيد. فكان تكذيبكم إيّاي، أيسر عليّ من عقوبة اللّه إيّاي. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أسرى بي و أسمعني، و قال: يا محمّد، أنا المحمود، و أنت محمّد.
شققت اسمك من اسمي. فمن وصلك وصلته. و من قطعك بتتّه. انزل إلى عبادي، فأخبرهم بكرامتي إيّاك. و إنّي لم أبعث نبيّا إلّا جعلت له وزيرا. و إنّك رسولي، و إنّ عليّا وزيرك.
ثمّ أخذ- (عليه السلام)- بيد عليّ- (عليه السلام)- فرفعها حتّى نظر النّاس بياض إبطيهما، و لم ير قبل ذلك. ثمّ قال: أيّها النّاس، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- مولاي و أنا مولى المؤمنين. من كنت مولاه فعليّ مولاه. اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله.
فقال الشّكّاك و المنافقون الّذين في قلوبهم مرض: نبرأ إلى اللّه من مقاله ليس بحتم (2)، و لا نرضى أن يكون عليّ وزيره، و هذه منه عصبيّة.
فقال سلمان و المقداد و أبو ذرّ و عمّار بن ياسر: و اللّه ما برحنا العرصة حتّى نزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. فكرّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثلاثا، ثمّ قال: إنّ كمال الدّين و تمام
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يتّهموني و يكذّبوني.
(2) المصدر: «مقالته لم تختم» بدل «مقاله ليس بحتم.»
196
النّعمة و رضى الرّبّ برسالتي إليكم، و بالولاية بعدي لعليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليهما و على ذرّيّتهما) - ما دامت المشارق و المغارب وهبت الجنوب [و الشّمال] (1) و ثارت السّحاب.] (2).
و في مجمع البيان (3): روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزلت هذه الآية قال لحرّاس من أصحابه يحرسونه: الحقوا بملاحقكم، فإنّ اللّه- تعالى- عصمني من النّاس.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، أي دين يعتدّ به، و يصحّ أن يسمّى شيئا، لبطلانه و فساده.
حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ: و من إقامتهما الإيمان. بمحمّد، الإذعان لحكمه. و المراد، إقامة أصولها، و ما لم ينسخ من فروعها.
في مجمع البيان (4): قال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: أ لست (5) تقول التّوراة من عند اللّه؟ قال: بلى. قالوا: نؤمن بها و لا نؤمن بما عداها. فنزلت الآية.
و في تفسير العيّاشي (6): عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
هو ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68): فلا تحزن عليهم، لزيادة طغيانهم و كفرهم بما تبلّغه إليهم.
فإنّ ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطّاهم، و في المؤمنين مندوحة عنهم.
____________
(1) من المصدر.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) مجمع البيان 2/ 224.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) هكذا في أو المصدر. و في سائر النسخ: أنت.
(6) تفسير العياشي 1/ 334، ح 156. و فيه ذكر نفس الآية بين «عن أبي جعفر- (عليه السلام)-» و «قال»، مصدّراً ب «في قول اللّه».
197
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى: سبق تفسيره في سورة البقرة.
«و الصّائبون» رفع على الابتداء، و خبره محذوف. و النّيّة به، التّأخير عمّا في حيّز «إنّ». و التّقدير: إنّ الّذين آمنوا و الّذين هادوا و النّصارى حكمهم كذا، و الصّابئون كذلك، كقوله:
فإنّي وقيا ربها لغريب
و قوله:
و إلّا فاعلموا أنّا و أنتم* * * بغاة ما بقينا في شقاق
و هو كاعتراض، دلّ به على أنّه لمّا كان الصّابئون مع ظهور ضلالهم و ميلهم عن الأديان كلّها يتاب عليهم- إن صحّ منهم الإيمان و العمل الصّالح- كان غيرهم أولى بذلك. و يجوز أن يكون «و النّصارى» معطوفا عليه، و «من آمن» خبرهما و خبر «إنّ» مقدّر، دلّ عليه ما بعده. كقوله:
نحن بما عندنا و أنت بما* * * عندك راض و الرّأي مختلف
و لا يجوز عطفه على محلّ «إنّ» و اسمها، فإنّه مشروط بالفراغ من الخبر. إذ لو عطف عليه قبله، كان الخبر خبر المبتدأ و خبر «إنّ» معا، فيجتمع عليه عاملان. و لا على الضّمير في «هادوا» لعدم التّأكيد و الفصل. و لا يوجب كون الصّابئين هودا.
و قيل (1): «إن»، بمعنى: نعم. و ما بعد ما في موضع الرّفع، بالابتداء. و قيل:
«و الصّابئون» منصوب بالفتحة. و ذلك كما جوّز بالياء، جوّز بالواو.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً: في محلّ الرّفع، بالابتداء.
و خبره.
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (69):
و الجملة، خبر «إنّ». أو خبر المبتدأ، كما مرّ. و الرّاجع محذوف، أي: من آمن منهم. أو النّصب على البدل من اسم «إنّ» و ما عطف عليه.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 285.
198
و قرئ: «و الصّابئين». و هو الظّاهر. «و الصّابيون» بقلب الهمزة ياء.
«و الصّابون» بحذفها. من صبأ، بإبدال الهمزة ألفا. أو من صبوت، لأنّهم صبوا إلى اتّباع الشّهوات و لم يتّبعوا شرعا و لا عقلا (1).
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا: ليذكّروهم، و ليبيّنوا لهم أمر دينهم.
كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ: بما يخالف هواهم من الشّرائع، و ميثاق التّكاليف.
فَرِيقاً كَذَّبُوا وَ فَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70): جواب الشّرط. و الجملة صفة «رسلا». و الرّاجع محذوف، أي: رسول منهم.
و قيل (2): الجواب محذوف، دلّ عليه ذلك. و هو استئناف. و إنّما جيء «بيقتلون» موضع «قتلوا» على حكاية الحال الماضية، استحضارا لها، و استفظاعا للقتل، و تنبيها على أنّ ذلك من ديدنهم ماضيا و مستقبلا، و محافظة على رؤوس الآي.
وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ، أي: و حسب بنو إسرائيل، أن لا يصيبهم بلاء و عذاب بقتل الأنبياء و تكذيبهم.
و قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائيّ و يعقوب: «لا تكون» بالرّفع، على أنّ «أن» هي المخفّفة من الثّقيلة. و أصله: أنّه لا تكون فتنة. و إدخال فعل الحسبان عليها و هي للتّحقيق، تنزيل له منزلة العلم لتمكّنه في قلوبهم. أو «أن» بما في حيّزها، سادّ مسدّ مفعولية (3).
فَعَمُوا: عن الدّين، و الدّلائل، و الهدى.
وَ صَمُّوا: عن استماع الحقّ. كما فعلوا حين عبدوا العجل.
ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أي: ثمّ تابوا فتاب اللّه عليهم.
ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا: كرّة أخرى.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر 1/ 285- 286.
(3) نفس المصدر 1/ 286.
199
و قرئ، بالضّمّ فيهما، على أنّ اللّه أعماهم و صمّهم، أي: رماهم بالعمى و الصّمّ. و هو قليل. و اللّغة الفاشية: أعمى و أصمّ. (1) كَثِيرٌ مِنْهُمْ: بدل من الضّمير. أو فاعل، و الواو علامة الجمع، كقولهم:
أكلوني البراغيث. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: العمى و الصّمّ كثير منهم.
و قيل (2): مبتدأ، و الجملة قبله خبره. و هو ضعيف. لأنّ تقديم الخبر في مثله ممتنع.
وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71): فيجازيهم وفق أعمالهم.
و في روضة الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الحصين، عن خالد بن يزيد القمّي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قال:
حيث كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بين أظهرهم، فعموا و صمّوا حيث قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ تاب اللّه عليهم حيث قام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ثمّ عموا (4) و صمّوا إلى السّاعة.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ، أي: إنّي عبد مربوب مثلكم، فاعبدوا خالقي و خالقكم.
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ: في عبادته. أو فيما يختصّ به من الصّفات و الأفعال.
فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ: يمنع دخولها، كما يمنع المحرّم عليه من المحرّم. فإنّها دار الموحّدين.
و في تفسير العيّاشي (5): عن زرارة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مع بعض أصحابنا فيما يروي النّاس عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّه من أشرك باللّه
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) الكافي 8/ 199، ح 239.
(4) المصدر: قال: ثم عموا.
(5) تفسير العياشي 1/ 335، ح 158.
200
فقد وجبت له النّار. و أنّ من لم يشرك باللّه فقد وجبت له الجنّة.
أمّا من أشرك باللّه، فهذا الشّرك البيّن. و هو قول اللّه: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. و أمّا قوله: «من لم يشرك باللّه فقد وجبت له الجنّة» قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: هاهنا النّظر، هو من لم يعص اللّه.
وَ مَأْواهُ النَّارُ: فإنّها المعدّة للمشركين.
وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72)، أي: و ما لهم أحد ينصرهم من النّار.
فوضع الظّاهر موضع المضمر، تسجيلا على أنّهم ظلموا بالإشراك. و عدلوا عن طريق الحقّ. و هو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى، و أن يكون من كلام اللّه. نبّه على أنّهم قالوا ذلك، تعظيما لعيسى و تقرّبا إليه. و هو معاديهم بذلك و مخاصمهم فيه، فما ظنّك بغيره.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: قيل (1): القائلون بذلك (2) جمهور النّصارى [، من الماكانيّة و اليعقوبيّة و النّسطوريّة. لأنّهم] (3) يقولون: ثلاثة أقانيم جوهر واحد. أب، و ابن، و روح القدس إله واحد. و لا يقولون: ثلاثة آلهة. و يمنعون من هذه العبارة. و إن كان يلزمهم [أن يقولوا: ثلاثة آلهة، فصحّ أن يحكى عنهم بالعبارة الّلازمة. و إنّما قلنا: إنّه يلزمهم] (4) ذلك. لأنّهم يقولون: الابن إله، و الأب إله، و روح القدس إله، و الابن ليس هو الأب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث: أمّا المسيح فعصوه و عظّموه في أنفسهم، حتّى زعموا أنّه إله و أنّه ابن اللّه. و طائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة. و طائفة منهم قالوا: هو اللّه.
وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ: و ما في الوجود ذات واجب مستحقّ للعبادة- من حيث أنّه مبدأ جميع الموجودات- إلّا إله واحد. موصوف بالوحدانيّة، متعال عن قبول
____________
(1) مجمع البيان 2/ 228.
(2) المصدر: بهذه المقالة.
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) تفسير القمي 1/ 289.
201
الشّركة. و «من» مزيدة، للاستغراق.
وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ: و لم يوحّدوا.
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73)، أي: ليمسّنّ الّذين بقوا منهم على الكفر. أو ليمسّنّ الّذين كفروا من النّصارى. وضعه موضع «ليمسّنّهم» تكريرا للشّهادة على كفرهم، و تنبيها على أنّ العذاب على من أدام على الكفر و لم ينقلع عنه. و لذلك عقّبه بقوله:
أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ، أي: ألا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد و الأقوال الزّائغة، و يستغفرون بالتّوحيد و التّنزيه عن الاتّحاد و الحلول بعد هذا التّقرير و التّهديد.
وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74): يغفر لهم، و يمنحهم من فضله إن تابوا. و في هذا الاستفهام، تعجّب من إصرارهم.
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أي: ما هو إلّا رسول كالرّسل قبله. خصّه اللّه بآيات كما خصّهم بها. فإن أحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا و جعلها حيّة تسعى على يد موسى. و هو أعجب. و إن خلقه من غير أب، فقد خلق آدم من غير أب و أمّ. و هو أغرب.
وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ: كسائر النّساء، الّلاتي يلازمن الصّدق.
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ: و يفتقران إليه افتقار الحيوانات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: يعني: كانا يحدثان، فكنّى عن الحدث.
و كلّ من أكل الطّعام يحدث.
و في كتاب الاحتجاج (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جواب الزّنديق الّذي قال له: لو لا ما في القرآن من الاختلاف و التّناقض لدخلت في دينكم. ثمّ ذكر من ذلك، أنّ اللّه شهر هفوات أنبيائه، و كنّى عن أسماء أعدائه.
قال- (عليه السلام)-: و أمّا هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما بيّنه اللّه في
____________
(1) نفس المصدر 1/ 176.
(2) الاحتجاج 1/ 370.
202
كتابه، فإنّ ذلك، من أدلّ الدّلائل على حكمة اللّه- عزّ و جلّ- الباهرة و قدرته القاهرة و عزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء- (عليه السلام)- تكبر في صدور أممهم، و أنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذكرها، دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي تفرّد (1) به- عزّ و جلّ- ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى، حيث قال فيه و في أمّه: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ، يعني: من أكل الطّعام كان له ثقل. و من كان له ثقل فهو بعيد ممّا ادعته النّصارى لابن مريم.
و اعلم، أنّه- تعالى- بيّن أوّلا أقصى ما لهما من كمال. و دلّ على أنّه لا يوجب لهما الألوهيّة، لأنّ كثيرا من النّاس يشاركهما في مثله. ثمّ نبّه على نقصهما، و ذكر ما ينافي الرّبوبيّة و يقتضي أن يكونا من عداد المركّبات الكائنة الفاسدة. ثمّ عجب ممّن يدّعي الرّبوبيّة لهما مع أمثال هذه الأدلّة الظّاهرة، فقال:
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75): كيف يصرفون عن استماع الحقّ و تأمّله.
و «ثم» لتفاوت ما بين العجبين، أي: إنّ بياننا للآيات عجب. و إعراضهم عنها أعجب.
«قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً، يعني: عيسى.
و هو و إن ملك ذلك بتمليك اللّه إيّاه، لا يملكه من ذاته. و لا يملك مثل ما يضر اللّه به من البلايا و المصائب، و ما ينفع به من الصّحّة و السّعة.
و إنّما قال: «ما» نظرا إلى ما هو عليه في ذاته، توطئة لنفي القدرة عنه رأسا، و تنبيها على أنّه من هذا الجنس. و من كان له حقيقة تقبل المجانسة و المشاركة، فبمعزل عن الألوهيّة.
و إنّما قدّم الضّرّ، لأنّ التّحرّز عنه أهمّ من تحرّي النّفع.
وَ اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76): بالأقوال و العقائد. فيجازي عليها، إن خيرا فخير، و إن شرا فشرّ.
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: انفرد.
203
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِ، أي: غلوّا باطلا.
فترفعوا عيسى إلى أن تدعوا له الألوهيّة، أو تضعوه و تزعموا أنّه لغير رشده. و قيل (1):
الخطاب للنّصارى خاصّة.
وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، يعني: أسلافهم و أئمّتهم، الّذين ضلّوا قبل مبعث محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في شريعتهم.
وَ أَضَلُّوا كَثِيراً: ممّن شايعهم على بدعهم و ضلالهم.
وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77): عن قصد السّبيل- الّذي هو الإسلام- بعد مبعثه إلى أن كذّبوه و بغوا عليه.
و قيل (2): الأوّل، إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل. و الثّاني، إشارة إلى ضلالهم عمّا جاء به الشّرع.
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ:
في روضة الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب (4)، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
قال: الخنازير، على لسان داود. و القردة، على لسان عيسى بن مريم- (عليه السلام)-.
و رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره (5) بطريق آخر عن الصّادق- (عليه السلام)-.
في مجمع البيان (6): عن الباقر- (عليه السلام)-: أمّا داود، فإنّه لعن أهل أيلة لمّا اعتدوا في سبتهم. و كان اعتداؤهم في زمانه. فقال: اللّهمّ، ألبسهم اللّعنة مثل الرّداء، و مثل المنطقة على الحقوين. فمسخهم اللّه قردة. و أمّا عيسى، فإنّه لعن الّذين أنزلت عليهم المائدة، ثمّ كفروا بعد ذلك.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 287.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) الكافي 8/ 200، 240.
(4) ر: ابن رباب.
(5) تفسير القمي 1/ 176.
(6) مجمع البيان 2/ 231.
204
و رواه في الجوامع (1) مقطوعا و زاد: فقال عيسى- (عليه السلام)-: اللّهمّ، عذّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لا تعذّبه أحدا من العالمين، و العنهم كما لعنت أصحاب السّبت. فصاروا خنازير. و كانوا خمسة آلاف رجل.
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (78)، أي: ذلك اللّعن الشّنيع المقتضي للمسخ، بسبب عصيانهم و اعتدائهم ما حرّم عليهم.
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ: هذا بيان عصيانهم و اعتدائهم، يعني: أي: لا ينهى بعضهم بعضا عن معاودة منكر فعلوه. أو عن مثل منكر فعلوه. أو عن منكر أرادوا فعله. و تهيّؤوا له. أو لا ينتهون عنه، من قولهم: تناهى عن الأمر و انتهى عنه:
إذا امتنع.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير و يشربون الخمور و يأتون النّساء أيّام حيضهنّ.
و في ثواب الأعمال (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لمّا وقع التّقصير في بني إسرائيل، جعل الرّجل منهم يرى أخاه على الذّنب (4) فينهاه، فلا ينتهي. فلا يمنعه ذلك من (5) أن يكون أكيله و جليسه و شريبه، حتّى ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض. و نزل فيهم القرآن، حيث يقول- جلّ و عزّ-: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا (الآية).
و [في تفسير] (6) العيّاشي (7): [عن محمد بن الهيثم التّميميّ،] (8) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أما أنّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم و لا يجلسون مجالسهم، و لكن كانوا إذا لقوهم [ضحكوا في وجوههم و] (9) آنسوا بهم.
لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79): تعجيب من سوء فعلهم، مؤكّد بالقسم.
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ: من أهل الكتاب.
____________
(1) جوامع الجامع/ 116.
(2) تفسير القمي 1/ 176.
(3) ثواب الأعمال/ 311، ح 3.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: في الذنب.
(5) ليس في المصدر.
6 و 8- ليس في أ.
(7) تفسير العياشي 1/ 335، ح 161.
(9) من المصدر.
205
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: يوالون المشركين، بغضا لرسول اللّه و المؤمنين.
و في تفسير علي بن إبراهيم (1): حدّثني [أبي قال: حدّثني] (2) [هارون] (3) ابن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوم من الشّيعة يدخلون في أعمال السّلطان و يعملون لهم و يحبّونهم (4) و يوالونهم؟
قال: ليس هم من الشّيعة، لكنّهم من أولئك. ثمّ قرأ- (عليه السلام)-: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ] (5) (الآية).
و في مجمع البيان (6): عن الباقر- (عليه السلام)-: يتولّون الملوك الجبّارين و يزيّنون لهم أهواءهم، ليصيبوا من دنياهم.
لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ، أي: لبئس شيئا قدّموه، ليردوا عليه يوم القيامة.
أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80): هو المخصوص بالذّمّ، و المعنى: موجب سخط اللّه و الخلود في العذاب. أو علّة الذّمّ و المخصوص محذوف، أي: لبئس شيئا ذلك، لأنّه كسبهم السّخط و الخلود.
وَ لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ النَّبِيِ، يعني: نبيّهم. و إن كانت الآية في المنافقين، فالمراد نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ: إذ الإيمان يمنع ذلك.
وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81): خارجون عن دينهم. أو متمرّدون في نفاقهم.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7) متّصلا بقوله: وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ- إلى قوله-:
وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ. قال الخنازير، على لسان داود. و القردة، على لسان
____________
(1) تفسير القمي 1/ 176.
(2) ليس في أ.
(3) من المصدر.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يحبّون لهم.
(5) ليس في أ.
(6) مجمع البيان 2/ 232.
(7) تفسير القمي 1/ 176.
206
عيسى.
حدّثني الحسين بن عبد اللّه السّكيني (1)، عن أبي سعيد البجلّي، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (2) قال: لمّا بلغ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أمر معاوية و أنّه في مائة ألف.
قال: من أيّ القوم؟
قالوا: من أهل الشّام.
قال: لا تقولوا: من أهل الشّام، و لكن قولوا: من أهل الشّؤم. هم من أبناء مصر (3). لعنوا على لسان داود، فجعل اللّه منهم القردة و الخنازير.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.] (4).
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لشدّة شكّهم، و تضاعف كفرهم، و انهماكهم في اتّباع الهوى، و ركونهم إلى التّقليد، و بعدهم عن التّحقيق، و تمرّنهم على تكذيب الأنبياء و معاداتهم.
وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: للين جانبهم، و رقّة قلوبهم، و قلّة حرصهم على الدّنيا، و كثرة اهتمامهم بالعلم و العمل.
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82): عن قبول الحقّ إذا فهموه. أو يتواضعون و لا يتكبّرون.
و في تفسير العيّاشي (5): عن مروان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ذكر النّصارى و عداوتهم، فقال: قول اللّه: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. قال: أولئك كانوا بين عيسى- (عليه السلام)- و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ينتظرون مجيء محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ: عطف
____________
(1) نفس المصدر 2/ 268.
(2) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: عن آبائه- (عليهم السلام).
(3) المصدر: مضر.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) تفسير العياشي 1/ 335- 336، ح 162.
207
على «لا يستكبرون.» و هو بيان لرقّة قلوبهم، و شدّة خشيتهم، و مسارعتهم إلى قبول الحقّ، و عدم تأبّيهم عنه.
و الفيض: انصباب عن امتلاء. فوضع موضع الامتلاء، للمبالغة. أو جعلت أعينهم من فرط البكاء، كأنّها تفيض بأنفسها.
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ: «من» الأولى، للابتداء.
و الثّانية، لتبين «ما عرفوا». أو للتّبعيض، فإنّه بعض الحقّ، و المعنى بأنّهم عرفوا بعض الحقّ فأبكاهم، فكيف إذا عرفوا كلّه.
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا: بذلك. أو بمحمّد.
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83): من الّذين شهدوا بأنّه حقّ. أو بنبوّته. أو من أمّته، الّذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة.
وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84): استفهام إنكار و استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام الدّاعي، و هو الطّمع في الانخراط مع الصّالحين و الدّخول مداخلهم. أو جواب سائل قال: لم آمنتم و لا نؤمن؟ حال من الضّمير.
و العامل ما في «الّلام» من معنى الفعل، أي: أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين باللّه، أي: بوحدانيّته- فإنّهم كانوا مثلّثين- أو بكتابه و رسوله، فإنّ الإيمان بهما إيمان به حقيقة. و ذكره توطئة و تعظيما.
«و نطمع» عطف على «نؤمن». أو خبر محذوف، و الواو للحال، أي: و نحن نطمع. و العامل فيها، عامل الأولى مقيّدا بها. أو «نؤمن».
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا أي: من اعتقاد. من قولك: هذا قول فلان، أي:
معتقده.
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85): الّذين أحسنوا النّظر و العمل. أو الّذين اعتادوا الإحسان في الأمور.
208
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): [كان سبب نزولها] (2) أنّه لمّا اشتدّت قريش في أذى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه الّذين آمنوا به بمكّة قبل الهجرة، أمرهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يخرجوا إلى الحبشة. و أمر جعفر بن أبي طالب أن يخرج معهم. فخرج جعفر و معه سبعون رجلا من المسلمين، حتّى ركبوا البحر. فلمّا بلغ قريشا (3) خروجهم، بعثوا عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد إلى النّجاشي ليردّهم (4) إليهم. و كان عمرو و عمارة متعاديين، فقالت قريش: كيف نبعث رجلين متعاديين؟ فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة و برئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص. فخرج عمارة و كان حسن الوجه شابّا مترفا، فأخرج عمرو بن العاص أهله معه. فلمّا ركبوا السّفينة، شربوا الخمر.
فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبّلني.
فقال عمرو: أ يجوز هذا، سبحان اللّه؟ فسكت عمارة.
فلمّا انتشى (5) عمرو و كان على صدر السّفينة دفعه عمارة و ألقاه في البحر. فتشبّث عمرو بصدر السّفينة، و أدركوه فأخرجوه. فوردوا على النّجاشيّ، و قد كانوا حملوا إليه هدايا، فقبلها منهم.
فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك، إنّ قوما منّا خالفونا في ديننا و سبّوا آلهتنا و صاروا إليك، فردّهم إلينا.
فبعث النّجاشي إلى جعفر فجاءه (6)، فقال: يا جعفر، ما يقول هؤلاء؟
فقال جعفر: أيّها الملك، و ما يقولون؟
قال: يسألون أن أردّكم إليهم.
قال: أيّها الملك، سلهم، أ عبيد نحن لهم؟
فقال: عمرو: لا، بل أحرار كرام.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 176.
(2) ليس في أ.
(3) المصدر: قريش.
(4) روأ: يردّهم.
(5) المصدر: انتشأ.
(6) المصدر: فجاءوا به.
209
فقال: فسلهم، ألهم علينا ديون يطالبوننا (1) بها؟
فقال: لا، ما لنا عليكم ديون.
قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟
فقال عمرو: لا.
قال: فما تريدون منّا؟ آذيتمونا فخرجنا من بلادكم.
فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك، خالفونا في ديننا و سبّوا آلهتنا و أفسدوا شبابنا و فرّقوا جماعتنا، فردّهم إلينا لنجمع أمرنا.
فقال جعفر: نعم أيّها الملك، خالفناهم. بعث اللّه فينا نبيّا، أمر بخلع الأنداد و ترك الاستقسام بالأزلام، و أمرنا بالصّلاة و الزّكاة، و حرّم الظّلم و الجور و سفك الدّماء بغير حقّها و الزّنا و الرّبا و الميتة و الدّم [و لحم الخنزير،] (2) و أمرنا بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي.
فقال النّجاشيّ: بهذا بعث اللّه عيسى بن مريم. ثمّ قال النّجاشيّ: يا جعفر، هل تحفظ ممّا أنزل اللّه على نبيّك شيئا؟
قال: نعم. فقرأ عليه سورة مريم، فلمّا بلغ قوله: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً. (3) فلمّا سمع النّجاشيّ بهذا، بكى بكاء شديدا و قال: هذا و اللّه هو الحقّ.
فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك، إنّ هذا مخالف لنا (4)، فردّه إلينا. فرفع النّجاشيّ يده فضرب بها وجه عمرو، ثمّ قال: اسكت، و اللّه لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك.
فقام عمرو بن العاص من عنده و الدّماء تسيل على وجهه، و هو يقول: إن كان هذا كما تقول أيّها الملك، فإنّا لا نتعرّض له.
____________
(1) هكذا في أ. و في سائر النسخ و المصدر: يطالبون.
(2) ليس في المصدر.
(3) مريم/ 25.
(4) المصدر: مخالفنا.
210
و كانت على رأس النّجاشيّ و صيفة له، تذبّ عنه. فنظرت إلى عمارة بن الوليد- و كان فتى جميلا- فأحبّته. فلمّا رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة: لو راسلت (1) جارية الملك. فراسلها، فأجابته. فقال عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا. فقال لها، فبعثت إليه. فأخذ عمرو من ذلك الطّيب- و كان الّذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر- فأدخل الطّيب على النّجاشيّ، فقال: أيّها الملك، إنّ حرمة الملك عندنا، و طاعته علينا. و ما يكرمنا (2) إذ دخلناه بلاده و نأمن فيه، أن لا نغشّه و لا نريبه. و إنّ صاحبي هذا الّذي معي قد راسل (3) حرمتك (4) و خدعها، و بعثت إليه من طيبك. ثمّ وضع الطّيب بين يديه.
فغضب النّجاشيّ، و همّ بقتل عمارة. ثمّ قال: لا يجوز قتله، فإنّهم دخلوا بلادي بأمان (5). فدعا النّجاشي السّحرة فقال لهم: اعملوا به شيئا أشدّ عليه من القتل. فأخذوه و نفخوا في إحليله الزّئبق، فصار مع الوحوش يغدو و يروح. و كان لا يأنس بالنّاس.
فبعثت قريش بعد ذلك، فكمنوا له في موضع حتّى ورد الماء مع الوحش فأخذوه. فما زال يضطرب في أيديهم و يصيح، حتّى مات.
و رجع عمرو إلى قريش، فأخبرهم أنّ جعفر في أرض الحبشة في أكرم كرامة.
فلم يزل بها حتّى هادن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قريشا و صالحهم، و فتح خيبر، فوافى بجميع من معه.
و ولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد اللّه بن جعفر. و ولد للنّجاشي ابن، فسمّاه النّجاشيّ محمّدا.
و كانت أمّ حبيبة بنت أبي سفيان تحت عبد اللّه، فكتب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى النّجاشي يخطب أمّ حبيب. فبعث إليها النّجاشيّ فخطبها لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأجابته. فزوّجها منه، و أصدقها أربعمائة دينار،
____________
(1) أ: أرسلت.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: ما يلزمنا.
(3) روأ: أرسل.
(4) المصدر: إلى حرمتك.
(5) المصدر: فأمان لهم.
211
و ساقها عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بعث إليها بثياب و طيب كثير، و جهّزها، و بعثها إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بعث إليها بمارية القبطيّة، أمّ إبراهيم.
و بعث إليه بثياب و طيب و فرس. و بعث ثلاثين رجلا من القسّيسين فقال لهم: انظروا إلى كلامه، و إلى مقعده و مشربه و مصلاه.
فلمّا وافوا المدينة، دعاهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الإسلام. و قرأ عليهم القرآن و إذ قال اللّه (1): يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي [التي أنعمت] (2) عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ- إلى قوله- فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ فلمّا سمعوا ذلك من رسول اللّه بكوا، و آمنوا. و رجعوا إلى النّجاشيّ، فأخبروه خبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكى النّجاشيّ و بكى القسّيسون. و أسلم النّجاشيّ، و لم يظهر للحبشة إسلامه و خافهم على نفسه. و خرج من بلاد الحبشة يريد (3) النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلمّا عبر البحر، توفّي. فأنزل اللّه على رسوله لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ إلى قوله: وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ..
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86):
عطف التّكذيب بآيات اللّه على الكفر. و هو ضرب منه. لأنّ القصد إلى بيان حال المكذّبين و ذكرهم في معرض المصدّقين بها جمعا، بين التّرغيب و التّرهيب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا: لا تمنعوا أنفسكم.
طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ: ما طاب منه و لذّ.
قيل (4): كأنّه لمّا تضمّن ما قبله مدح النّصارى على ترهّبهم و الحثّ على كسر النّفس و رفض الشّهوات، عقّبه بالنّهي عن الإفراط في ذلك و الاعتداء عمّا حدّ اللّه بجعل الحلال حراما. فقال:
وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87):
____________
(1) المائدة/ 110.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: إلى.
(4) أنوار التنزيل 1/ 289.
212
قيل (1): و يجوز أن يراد به: و لا تعتدوا ما أحلّ اللّه لكم إلى ما حرّم عليكم. فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحلّ و تحليل ما حرّم، داعية إلى القصد بينهما.
و فيه: أنّه ينافيه ما روي في سبب نزوله. فإنّه
قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره (2):
حدّثني ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و بلال و عثمان بن مظعون. فأمّا أمير المؤمنين، فحلف أن لا ينام باللّيل أبدا. و أمّا بلال، فحلف أن لا يفطر بالنّهار أبدا. و أمّا عثمان بن مظعون، فإنّه حلف أن لا ينكح أبدا. فدخلت امرأة عثمان على عائشة [و كانت امرأة (3) جميلة.] (4).
فقالت عائشة: ما لي أراك متعطّلة؟
فقالت: و لمن أتزيّن؟ فو اللّه، ما قربني زوجي منذ كذا و كذا. فإنّه قد ترهّب، و لبس المسوح، و زهد في الدّنيا.
فلمّا دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخبرته عائشة بذلك. فخرج، فنادى: الصّلاة جامعة. فاجتمع النّاس. و صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه. ثمّ قال:
ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطّيّبات، إنّي أنام باللّيل و أنكح و أفطر بالنّهار. فمن رغب عن سنّتي، فليس منّي.
فقام هؤلاء، فقالوا: يا رسول اللّه، فقد حلفنا على ذلك. فأنزل اللّه لا يُؤاخِذُكُمُ (الآية).
و اعلم، أنّه ليس في هذا الخطاب منقصة على المخاطب. و نظيره قوله (5): يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. لأنّه من البيّن، أنّ منع النّفس عن النّوم باللّيل عبادة شريفة محبوبة عند اللّه، فالمنع منه لكمال الرّأفة و الشّفقة، و إن كان المنع على سبيل المعاتبة.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير القمي 1/ 179.
(3) هكذا في المصدر، و في النسخ: امرأته.
(4) من المصدر.
(5) التحريم/ 1.
213
و في كتاب الاحتجاج (1): عن الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال لمعاوية و أصحابه: أنشدكم باللّه، أ تعلمون أنّ عليّا- (عليه السلام)- أوّل من حرّم الشّهوات على نفسه من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ..
وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً، أي: و كلوا ما حلّ لكم و طاب، ممّا رزقكم اللّه. فيكون «حلالا» مفعول «كلوا». و «ممّا» حال منه تقدّمت عليه، لأنّه نكرة. و يجوز أن تكون «من» ابتدائيّة، متعلّقة «بكلوا».
و يجوز أن تكون مفعولا، و «حلالا» حالا من الموصول، أو العائد المحذوف. أو صفة لمصدر محذوف، لأنّ «من» لا تزاد في الإثبات.
و في مجمع البيان (2): و قد روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يأكل الدّجاج و الفالوذ. و كان يعجبه الحلواء و العسل. و قال: إنّ المؤمن حلو يحبّ الحلاوة. و قال: إنّ المؤمن حلو يحبّ الحلاوة. و قال: في بطن المؤمن زاوية، لا يملؤها إلّا الحلواء.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88): استدعاء إلى التّقوى بألطف الوجوه.
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ: هو ما يبدو من المرء بلا قصد.
كقول الرّجل: لا و اللّه، و بلى و اللّه.
و في من لا يحضره الفقيه (3): روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: هو، لا و اللّه. و بلى و اللّه.
[و في تفسير العيّاشي (4): عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية؟
____________
(1) الاحتجاج 1/ 407.
(2) مجمع البيان 2/ 236.
(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 228، ح 7.
(4) تفسير العياشي 1/ 336، ح 163.
و فيه: عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال قول اللّه: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال: هو قول الرجل «لا و اللّه» و «بلى و اللّه» و لا يعقد قلبه على شيء.
214
قال: هو، لا و اللّه. و بلى و اللّه. و كلا و اللّه و لا يعقد عليها] (1) و لا يعقد على شيء.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول في هذه الآية: قول الرّجل: لا و اللّه، و بلى و اللّه. و لا يعقد على شيء.
أبو عليّ الأشعريّ (3): عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن النّعمان، عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يحلف على اليمين، فيرى ان تركها أفضل، و إن لم يتركها خشي أن يأثم. أ يتركها؟
قال: أما سمعت قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها.
[محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (4)، عن محمّد بن سنان، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فأتى ذلك، فهو كفّارة يمينه و له حسنة. (5)] (6).
و يمكن أن يراد باللّغو، ما يشمل هذا الأخير. و يكون جريانه فيما نقل، باعتبار هذا المعنى، و «في أيمانكم» صلة «يؤاخذكم»، أو «اللّغو». لأنّه مصدر، أو حال منه.
وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ: بما وثّقتم الأيمان عليه بالقصد و النّيّة. و المعنى: و لكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم. أو بنكث ما عقّدتم. فحذف للعلم به.
و قرأ حمزة و الكسائيّ و ابن عيّاش [عن عاصم: «] (7) عقدتم» بالتّخفيف. و ابن عامر برواية ابن ذكوان: «عاقدتم» و هو من فاعل، بمعنى: فعل (8).
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) الكافي 7/ 443، ح 1.
(3) نفس المصدر 7/ 444، ح 3.
(4) نفس المصدر 7/ 443، ح 2.
(5) «و له حسنة» من المصدر.
(6) ليس في أ.
(7) من المصدر.
(8) أنوار التنزيل 1/ 290.
215
فَكَفَّارَتُهُ: فكفّارة نكثه، أي: الفعل الّذي يذهب إثمه و يستره.
إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ: من أقصده في النّوع، أو القدر.
في مجمع البيان (1): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «أهاليكم.».
و محلّه النّصب، لأنّه صفة مفعول محذوف. تقديره: أن تطعموا عشرة مساكين طعاما من أوسط ما تطعمون. أو الرّفع على البدل من «إطعام».
و أهلون، كأرضون.
و في الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الإيمان ثلاث: يمين ليس فيها كفّارة [و يمين فيها كفّارة] (3) و يمين غموس (4) توجب النّار. فاليمين الّتي ليس فيها كفّارة، الرّجل يحلف على باب برّ أن لا يفعله، فكفّارته أن يفعله. و اليمين الّتي تجب فيها الكفّارة، الرّجل يحلف على باب معصية أن لا يفعله فيفعله، فتجب عليه الكفّارة. و اليمين الغموس الّتي توجب النّار، الرّجل يحلف على حقّ امرئ مسلم [على حبس ماله.] (5).
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (6)، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن ابن مسكان، عن حمزة بن حمران، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّ شيء الّذي فيه الكفّارة من الأيمان؟
فقال: ما حلفت عليه ممّا فيه البرّ، فعليه (7) الكفّارة إذا لم تف به. و ما حلفت عليه ممّا فيه المعصية، فليس عليك (8) فيه الكفّارة إذا رجعت عنه. و ما كان سوى ذلك ممّا ليس فيه برّ و لا معصية، فليس بشيء.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (9)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي جميلة، عن
____________
(1) مجمع البيان 2/ 237.
(2) الكافي 7/ 438- 439، ح 1.
(3) ليس في ر.
(4) ليس في أ.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر 7/ 446، ح 5.
(7) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ: فعليك.
(8) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ: عليه.
(9) نفس المصدر 7/ 452، ح 5.
216
أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: في كفّارة اليمين عتق رقبة. أو إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم. أو كسوتهم. و الوسط، الخلّ و الزّيت (1). و أرفعه، الخبز و اللّحم. و الصّدقة، مدّ من حنطة لكلّ مسكين. و الكسوة، ثوبان. فمن لم يجد فعليه الصّيام. يقول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ..
عليّ، عن أبيه (2)، عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: و كلّ شيء في القرآن، (3) أو فصاحبه بالخيار يختار ما يشاء (4).
أَوْ كِسْوَتُهُمْ: عطف على «إطعام». أو «من أوسط» إن جعل بدلا. و هو ثوب يغطي العورة.
و قيل (5): ثوب جامع قميص. أو رداء. أو إزار.
و قرئ، بضمّ الكاف. و هو لغة. [كقدوة في قدوة.] (6) و كأسوتهم، بمعنى: أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافا أو تقتيرا، تواسون بينهم و بينهم إن لم تطعموهم [الأوسط. و «الكاف» في محلّ رفع. و تقديره: أو إطعامهم] (7) كأسوتهم (8).
و في مجمع البيان (9): أَوْ كِسْوَتُهُمْ الذي رواه أصحابنا: أنّ لكلّ واحد ثوبين، مئزرا و قميصا و عند الضّرورة، يجزئ قميص واحد.
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ: أو إعتاق إنسان.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: واحدا منها.
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ: فكفّارته صيام ثلاثة أيّام.
في الكافي (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: الزيتون.
(2) نفس المصدر 4/ 358، ح 2، قطعة منه.
(3) المصدر: «من القرآن». و قيل في هامشه: في بعض النسخ «في القرآن.»
(4) المصدر: ما شاء.
(5) أنوار التنزيل 1/ 290.
(6) ليس في أ. و في سائر النسخ: «كقدره في قدره.» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(7) ليس في أ.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) مجمع البيان 2/ 238.
(10) الكافي 7/ 452، ح 2.
217
عمّار، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- قال: سألته عن كفّارة اليمين في قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ما حدّ من لم يجد، و أنّ الرّجل يسأل في كفّه و هو يجد؟
فقال: إذا لم يكن عنده فضل عن قوت عياله، فهو ممّن لم يجد.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (1)، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كلّ صوم يفرّق فيه، إلّا ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين.
و عنه، عن أبيه (2)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين متتابعات، لا يفصل بينهنّ.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (3)، عن الحسن بن عليّ الوشّاء [، عن أبان، عن الحسين بن زيد،] (4) عن الحسن بن يزيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: السّبعة الأيّام و الثّلاثة الأيّام في الحجّ لا تفرّق. إنّما هي بمنزلة الثّلاثة الأيّام في اليمين.
ذلِكَ، أي: المذكورة.
كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ: و حنثتم.
في كتاب الخصال (5): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال:
لا حنث و لا كفّارة على من حلف تقيّة، يدفع بذلك ظلما عن نفسه.
و عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (6) قال: لا يمين لولد مع والده، و لا للمرأة مع زوجها.
وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ: بأن تضنّوا بها، و لا تبذلوها لكلّ أمر. أو بأنّ تبرّوا فيها ما استطعتم، و لم يفت فيها خير. أو بأن تكفّروها إذا حنثتم.
كَذلِكَ، أي: مثل ذلك البيان.
____________
(1) نفس المصدر 4/ 140، ح 1.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 2.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(4) هكذا في المصدر. و في أ: «الحسن بن زيد».
و في سائر النسخ: الحسين بن يزيد.
(5) الخصال 2/ 607، ح 9.
(6) نفس المصدر 2/ 621، من حديث أربعمائة.
218
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ: أعلام شرائعه.
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89): نعمة التّعليم. أو نعمة الواجب شكرها. فإنّ مثل هذا التّبيين يسهّل لكم المخرج.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ، أي: الأصنام الّتي نصبت للعبادة.
وَ الْأَزْلامُ: سبق تفسيرها في أوّل السّورة.
رِجْسٌ: قذر، تعاف عنه العقول. و أفرده (1)، لأنّه خبر «للخمر» و خبر المعطوف محذوف. أو لمضاف محذوف، كأنّه قال: إنّما تعاطي الخمر و الميسر رجس.
في الكافي (2): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا أنزل اللّه- عزّ و جلّ- على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية قيل: يا رسول اللّه، ما الميسر؟
فقال: كلّ ما تقومر به، حتّى الكعاب و الجوز.
قيل: فما الأنصاب؟
قال: ما ذبحوه لآلهتهم.
قيل: فما الأزلام؟
قال: قداحهم الّتي يستقسمون بها.
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ: لأنّه مسبّب عن تسويله و تزيينه.
فَاجْتَنِبُوهُ: الضّمير «للرّجس». أو لما ذكر. أو للتعاطي.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90): لكي تفلحوا بالاجتناب عنه. و في تحريم الخمر و الميسر في الآية ضروب من التّأكيد: تصدير الجملة بإنّما، و قرنهما بالأنصاب و الأزلام، و تسميتهما رجسا، و جعلهما من عمل الشّيطان.
____________
(1) النسخ: «إفراده.» و ما أثبتناه في المتن موافق أنوار التنزيل 1/ 290.
(2) الكافي 5/ 122، ح 2.
219
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: أمّا الخمر، فكلّ مسكر من الشّراب إذا خمّر (2) فهو خمر (3).
و ما أسكر (4) كثيره فقليله (5) حرام. و ذلك، أنّ أبا بكر شرب قبل أن يحرّم الخمر، فسكر.
فجعل يقول الشّعر، و يبكي على قتلى المشركين من أهل بدر. فسمع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: اللّهمّ، أمسك على لسانه. فأمسك على لسانه، فلم يتكلّم حتّى ذهب عنه السّكر. فأنزل اللّه تحريمها بعد ذلك. و إنّما كانت الخمر يوم حرّمت بالمدينة فضيخ البسر و التّمر. فلمّا نزل تحريمها، خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقعد في المسجد (6). ثمّ دعا بآنيتهم الّتي كانوا ينبذون فيها، فكفأها (7) كلّها و قال: هذه كلّها خمر، و قد حرّمها اللّه. فكان أكثر شيء كفئ من ذلك يومئذ من الأشربة، الفضيخ. و لا أعلم أكفئ يومئذ من خمر العنب بشيء، إلّا إناء واحدا كان فيه زبيب و تمر جميعا. فأمّا عصير العنب، فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شيء. حرّم اللّه الخمر قليلها و كثيرها، و بيعها و شراءها و الانتفاع بها.
و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من شرب الخمر، فاجلدوه. فإن (8) عاد، فاجلدوه. فإن (9) عاد، فاجلدوه. فإن (10) عاد في الرّابعة، فاقتلوه. و قال: حقّ على اللّه أن يسقي من شرب الخمر، ممّا يخرج من فروج المومسات. و المومسات: الزّواني، يخرج من فروجهنّ صديد. و الصّديد: قيح و دم غليظ مختلط، يؤذي أهل النّار حرّه و نتنه.
و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من شرب الخمر، لم تقبل منه (11) صلاة أربعين ليلة. فإن عاد، فأربعين ليلة من يوم شربها. فإن مات في تلك الأربعين ليلة من غير توبة، سقاه اللّه يوم القيامة من طينة خبال. و سمّي المسجد الّذي قعد فيه رسول اللّه
____________
(1) تفسير القمي 1/ 180.
(2) المصدر: أخمر.
(3) المصدر: حرام.
(4) المصدر: المسكر.
(5) المصدر: و قليله.
(6) هكذا في أ. و في سائر النسخ و المصدر: بالمسجد.
(7) المصدر: فأكفأها.
8 و 9 و 10- المصدر: و من.
(11) المصدر: له.
220
- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم أكفئت الأشربة: مسجد الفضيخ يومئذ. لأنّه كان أكثر شيء أكفئ من الأشربة، الفضيخ.
و أمّا الميسر، فالنّرد و الشّطرنج. و كلّ قمار ميسر.
و أمّا الأنصاب، فالأوثان الّتي كان يعبدها المشركون.
و أمّا الأزلام، فالقداح الّتي كان (1) يستقسم بها مشركو العرب [في الأمور] (2) في الجاهليّة. كلّ هذا، بيعه و شراؤه و الانتفاع بشيء من هذا حرام من اللّه محرّم. و هو رجس من عمل الشّيطان. فقرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان.
و في مجمع البيان (3): و قال الباقر- (عليه السلام)-: يدخل في الميسر، اللّعب بالشّطرنج و النّرد و غير ذلك من أنواع القمار. حتّى أنّ لعب الصّبيان بالجوز، من القمار.
و قال ابن عبّاس (4): يريد بالخمر، جميع الأشربة الّتي تسكر.
و قد قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الخمر من تسع (5): من البتع (6) و هو العسل، و من العنب، و من الزّبيب، و من التّمر، و من الحنطة، و من الذّرة، و من الشّعير، و السّلت.
و قال: في الميسر، يريد القمار. و هو في أشياء كثيرة (7) (انتهى كلام ابن عباس).
و في من لا يحضره الفقيه (8)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل، في تعداد الكبائر و بيانها من كتاب اللّه: و شرب الخمر، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- عدل بها عبادة الأوثان.
و في عيون الأخبار (9)، بإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: ما بعث اللّه- عزّ و جلّ- نبيّا إلّا بتحريم الخمر.
____________
(1) المصدر و النسخ: كانت.
(2) ليس في المصدر.
(3) مجمع البيان 2/ 239.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) قيل «تسع» و ذكر «ثمانية».
(6) المصدر: «التّبع». و في النسخ: «التبغ». و هو نبات من الفصيلة الباذنجانية يستعمل تدخينا و سعوطا و مضغا. و منه نوع للزينة. (المعجم الوسيط) و أمّا «التبع» هو نبيذ العسل. (ر. نفس المصدر)
(7) النسخ: «و نهى عن أشياء كثيره» بدل «و هو في أشياء كثيرة.»
(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 369، ح 2.
(9) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 14.
221
و في كتاب الخصال (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لعن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الخمر عشرة: غارسها، و حارسها، و عاصرها، و شاربها، و ساقيها، و حاملها، و المحمول إليه، و بائعها، و مشتريها، و آكل ثمنها.
و عن الأعمش (2)، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث: و البراءة من الأنصاب و الأزلام و أئمّة الضّلال و قادة الجور كلّهم أوّلهم و آخرهم، واجبة.
و في كتاب عيون الأخبار (3) في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدين: و البراءة من الأنصاب. «و الأزلام» أئمّة الضّلالة.
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91):
قيل (4): إنّما خصّ الخمر و الميسر (5) بإعادة الذّكر و شرح ما فيهما من الوبال، تنبيها على أنّهما المقصود من البيان. و ذكر الأنصاب و الأزلام، للدّلالة على أنّهما مثلهما في الحرمة و الشّرارة
لقوله (6)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: شارب الخمر كعابد الوثن.
و خصّ الصّلاة من الذّكر بالإفراد، للتّعظيم و الإشعار. بأنّ الصّادّ عنها كالصّادّ عن الإيمان، من حيث أنّها عماده و الفارق بينه و بين الكفر. ثم أعاد (7) الحثّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتّبا على ما تقدّم من أنواع الصّوارف، إيذانا بأنّ الأمر في المنع و التّحذير بلغ الغاية، و أنّ الأعذار قد انقطعت.
[و في الكافي (8): بعض أصحابنا مرسلا قال: إنّ أوّل ما نزل في تحريم الخمر قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ (الآية) ثمّ أنزل اللّه آية أخرى:
____________
(1) الخصال 2/ 444، ح 41.
(2) نفس المصدر 2/ 607، ح 9.
(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 126، ضمن حديث 1 الذي اوله في ص 121.
(4) أنوار التنزيل 1/ 291.
(5) المصدر: خصهما.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: كقول النبي- صلى الله عليه و آله-.
(7) المصدر: أعار.
(8) الكافي 6/ 406- 407، صدر حديث 2، مع إسقاط جملة من وسطه.
222
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. و كانت هذه الآية أشدّ من الأولى، و أغلظ في التّحريم. ثمّ ثلّث بآية أخرى، فكانت أغلظ من الأولى و الثّانية و أشدّ فقال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. فأمر اللّه- عزّ و جلّ- باجتنابها، و فسّر عللها الّتي لها و من أجلها حرّمها.] (1).
وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ: فيما أمرا به.
وَ احْذَرُوا: ما نهيا عنه. أو عن مخالفتهما.
[و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّه سيكون قوم يبيتون و هم على اللّه و شرب الخمر و الغناء، فبيناهم كذلك إذ مسخوا من ليلتهم و أصبحوا قردة و خنازير. و هو قوله: و احذروا أن تعتدوا كما اعتدى أصحاب السّبت. فقد كان أملي لهم حتّى آثروا، و (3) قالوا: إنّ السّبت لنا حلال، و إنّما كان حرام على أوّلينا و كانوا (4) يعاقبون على استحلالهم السّبت، فأمّا نحن فليس علينا حرام، و ما زلنا بخير منذ استحللناه و قد كثرت أموالنا و صحّت أجسامنا. ثمّ أخذهم اللّه ليلا و هم غافلون. فهو قوله: احذروا أن يحلّ بكم مثل ما حلّ بمن تعدّى و عصى.] (5).
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92): فاعلموا أنّكم لا تضرّون الرّسول بتولّيكم، فإنّما عليه البلاغ و قد أدّى، و إنّما ضررتم به أنفسكم.
و في أصول الكافي (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصّحّاف قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟
فقال: أما و اللّه، ما هلك من كان قبلكم و ما هلك من هلك حتّى يقوم قائمنا، إلّا في ترك ولايتنا و جحود حقّنا. و ما خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الدّنيا
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) تفسير القمي 1/ 181.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يزداد» بدل «آثروا و.»
(4) النسخ: و كانوا كما اعتدى أصحاب السبت.
(5) ما بين المعقوفتين. ليس في أ.
(6) الكافي 1/ 426، ح 74.
223
حتّى ألزم رقاب هذه الأمّة حقّنا. و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا: من المستلذّات، أكلا كان أو شربا. فإنّ الطّعم يعمّهما.
و في مجمع البيان (1): في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)-: فيما طعموا من الحلال.
إِذا مَا اتَّقَوْا: المحرّم.
وَ آمَنُوا: باللّه.
وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا: الإشراك في العمل.
وَ آمَنُوا: إيمانا خالصا.
ثُمَّ اتَّقَوْا: ثمّ ثبتوا (2) على اتّقاء المعاصي.
وَ أَحْسَنُوا: و تحرّوا الأعمال الجميلة، و اشتغلوا بها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): لمّا نزل تحريم الخمر و الميسر و التّشديد في أمرهما، قال النّاس من المهاجرين و الأنصار: يا رسول اللّه، قتل أصحابنا و هم يشربون الخمر، و قد سمّاه اللّه رجسا و جعله من عمل الشّيطان، و قد قلت ما قلت، أ فيضرّ أصحابنا ذلك شيئا بعد ما ماتوا؟ فأنزل اللّه هذه الآية. فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر. و «الجناح» هو الإثم على من شربها بعد التّحريم.
و قيل (4): فِيما طَعِمُوا، أي: ممّا لم يحرّم عليهم. إِذا مَا اتَّقَوْا، أي:
المحرّم. وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أي: ثبتوا على الإيمان، و الأعمال الصّالحة. ثُمَّ اتَّقَوْا، أي: ما حرّم عليهم بعد، كالخمر وَ آمَنُوا بتحريمه. ثُمَّ اتَّقَوْا، أي: استمرّوا و ثبتوا على اتّقاء المعاصي. وَ أَحْسَنُوا، أي: و تحرّوا الأعمال الجميلة و اشتغلوا بها.
و ما ذكره عليّ بن إبراهيم موافق لهذا القول. و هما موافقان لمذهب العامّة. و قد سبق ما يدلّ على تحريم الخمر دائما، فإن ورد من طريق الخاصّة ما يدلّ على ما قاله
____________
(1) مجمع البيان 2/ 240.
(2) هكذا في أ. و في سائر النسخ: تثبّتوا.
(3) تفسير القمي 1/ 181- 182.
(4) أنوار التنزيل 1/ 291، ببعض الاختلافات.
224
عليّ بن إبراهيم كان محمولا على التّقيّة. قيل (1): و يحتمل أن يكون هذا التّكرير، باعتبار الأوقات الثّلاثة. أو باعتبار الحالات الثّلاث: استعمال الإنسان التقوى و الإيمان بينه و بين نفسه [، و بينه] (2) و بين النّاس، و بينه و بين اللّه. و لذلك بدّل الإيمان و الإحسان في الكرّة الثّالثة، إشارة إلى ما قاله- (عليه السلام)- في تفسيره. أو باعتبار المراتب الثّلاث:
المبدأ، و الوسط، و المنتهى. أو باعتبار ما يتّقى، فإنّه ينبغي أن يترك المحرّمات توقّيا من العذاب (3)، و الشّبهات تحرّزا عن الوقوع في الحرام، و بعض المباحات تحفّظا للنّفس عن الخمسّة و تهذيبا لها عن دنس الطّبيعة.
و اعلم، أنّه لمّا كان لكلّ من الإيمان و التّقوى درجات و منازل كما ورد عنهم- (عليهم السلام)- لم يبعد أن يكون تكريرهما في الآية إشارة إلى تلك الدّرجات و المنازل.
ففي الكافي (4): عن الصّادق- (عليه السلام)-: للإيمان حالات و درجات و طبقات و منازل. فمنه التّامّ المنتهى تمامه، و منه النّاقص البيّن نقصانه، و منه الرّاجح الزّائد رجحانه.
و عن الباقر- (عليه السلام)-: إنّ المؤمنين على منازل. منهم على واحدة، و منهم على اثنتين، و منهم على ثلاث، و منهم على أربع، و منهم على خمس، و منهم على ستّ، و منهم على سبع. فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو، و على صاحب الثّنتين ثلاثا لم يقو. و ساق الحديث، ثمّ قال: و على هذه الدّرجات.
و في مصباح الشّريعة (5)، عنه- (عليه السلام)-: التّقوى على ثلاثة أوجه: تقوى [باللّه] (6) في اللّه، و هو (7) ترك الحلال فضلا عن الشّبهة، و هو (8) تقوى خاصّ الخاصّ. و تقوى من اللّه، و هو (9) ترك الشّبهات فضلا عن الحرام، و هي تقوى الخاصّ. و تقوى من خوف
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: العقاب.
(4) الكافي 2/ 34، ح 1.
(5) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 450- 453.
(6) من المصدر.
7 و 8 و 9- هكذا في المصدر. و في النسخ: هي.
225
النّار و العقاب، و هو (1) ترك الحرام، و هو (2) تقوى العامّ.
و مثل التّقوى، كماء يجري في نهر. و مثل هذه الطّبقات الثّلاث في معنى التّقوى، كأشجار مغروسة على حافّة ذلك النّهر [من] كلّ لون و جنس، و كلّ شجر (3) منها يستمصّ الماء من ذلك النّهر على قدر جوهره و طبعه (4) و لطافته و كثافته، ثمّ منافع الخلق من تلك الأشجار و الثّمار على قدرها و قيمتها. قال اللّه- تعالى (5)-: صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ..
فالتّقوى للطّاعات، كالماء للأشجار. و مثل طبائع الأشجار [و الثّمار] (6) في لونها و طعمها، مثل مقادير الإيمان. فمن كان أعلى درجة (7) في الإيمان و أصفى جوهرا بالروح، كان أتقى. [و من كان أتقى،] (8) كانت عبادته أخلص و أطهر. و من كان كذلك، كان من اللّه أقرب. و كلّ عبادة غير مؤسّسة على التّقوى، فهي هباء منثور. قال اللّه- تعالى (9)-: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ. (انتهى كلامه- (صلوات اللّه عليه و سلامه)-.).
بيان ذلك: أنّ أوائل درجات الإيمان تصديقا، مشوبة بالشّبهة و الشّكوك على اختلاف مراتبها. و يمكن معها الشّرك، كما قال- سبحانه- (10): وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ. و يعبّر عنها بالإسلام، كما قال اللّه- عزّ و جلّ- (11): قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ..
و التّقوى المتقدّمة عليها، هي تقوى العامّ. و أوسطها تصديقات، لا يشوبها شكّ و لا شبهة كما قال- عزّ و جلّ- (12): الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا و أكثر
____________
1 و 2- هكذا في المصدر. و في النسخ: هي.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: كلّ شجرة.
(4) المصدر: طعمه.
(5) الرعد/ 4.
(6) من المصدر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: على درجة.
(8) ليس في أ.
(9) التوبة/ 109.
(10) يوسف/ 106.
(11) الحجرات/ 14.
(12) الحجرات/ 15.
226
إطلاق الإيمان عليها خاصّة، كما قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ..
و التّقوى المتقدّمة عليها، هي تقوى الخاصّ. و أواخرها (1)، تصديقات. كذلك مع إيقان كامل و محبة كاملة للّه- عزّ و جلّ- كما قال (2): يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و يعبّر عنها تارة بالإحسان،
كما ورد في الحديث النّبويّ (3): الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه.
و الأخرى بالإيقان، كما قال (4): وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ..
و التّقوى المقدّمة عليها، هي تقوى خاصّ الخاصّ. و إنّما قدّمت التّقوى على الإيمان، لأنّ الإيمان إنّما يتحصّل و يتقوّى بالتّقوى. لأنّها كلّما ازدادت، ازداد الإيمان بحسب ازديادها. و هذا لا ينافي تقدّم أصل الإيمان على التّقوى، بل ازديادها بحسب ازدياده- أيضا- لأنّ الدّرجة المتقدّمة لكلّ منها غير الدّرجة المتأخّرة. و مثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمة، فكلّما أضاء له من الطّريق قطعة مشى فيها. فيصير ذلك المشي سببا لإضاءة قطعة أخرى منه، و هكذا.
و في الكافي (5) [: يونس، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الحدّ في الخمر، إن شرب قليلا أو كثيرا.
قال: ثمّ] (6) قال: أتي عمر بقدامة بن مظعون، و قد شرب الخمر، و قامت عليه البيّنة. فسأل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فأمره أن يجلد ثمانين.
فقال قدامة: يا أمير المؤمنين، ليس عليّ حدّ. أنا من أهل هذه الآية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا..
قال: فقال عليّ- (عليه السلام)-: لست من أهلها. إنّ طعام أهلها لهم حلال.
ليس يأكلون و لا يشربون إلّا ما أحلّه اللّه لهم. ثمّ قال عليّ- (عليه السلام)-: إنّ الشّارب
____________
(1) أ: آخرها.
(2) المائدة/ 54.
(3) مسند أحمد 4/ 129.
(4) البقرة/ 4.
(5) الكافي 7/ 215، ح 10.
(6) ليس في أ. و فيه: «عن الصادق- (عليه السلام)-» بدلا.
227
إذا شرب، لم يدر ما يأكل و لا ما يشرب. فأجلدوه ثمانين جلدة.
[وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93): و يجازيهم أحسن جزاء.] (1).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ، يعني: في حال إحرامكم.
و في تحقير «شيء» بالتّنكير، تنبيه على أنّه ليس من العظام الّتي تدحي الإقدام، كالابتلاء ببذل الأنفس و الأموال. فمن لم يثبت عنده، فكيف يثبت عند ما هو أشدّ منه.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) قال: نزلت في غزوة الحديبية، جمع اللّه عليهم الصّيد فدخلوا بين رحالهم.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟
قال: حشر عليهم الصّيد في كلّ مكان حتّى دنا منهم، ليبلوهم به.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (4)، عن حمّاد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حشرت لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عمرة الحديبية (5) الوحوش، حتّى نالتها أيديهم و رماحهم.
و في رواية (6): ما تناله الأيدي: البيض و الفراخ. و ما تناله الرّماح: فهو ما لا تصل إليه الأيدي.
و في مجمع البيان (7): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الّذي تناله الأيدي:
فراخ الطّير، و صغار الوحش، و البيض. و الّذي تناله الرّماح: الكبار من الصّيد.
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ: ليتميّز الخائف من عقابه و هو غائب منتظر
____________
(1) ليس في أ.
(2) تفسير القمي 1/ 182.
(3) الكافي 4/ 396، ح 2.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 1.
(5) أ: غزوة الحديبية.
(6) نفس المصدر 4/ 397، ح 4.
(7) مجمع البيان 2/ 244.
228
لقوّة إيمانه، ممّن لا يخافه لضعف قلبه و قلّة إيمانه. فذكر العلم، و أراد وقوع المعلوم و ظهوره.
أو تعلّق العلم.
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ: الابتلاء.
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94):
فإنّ من لا يملك نفسه في مثل ذلك و لا يراعي حكم اللّه فيه، فكيف به فيما تكون النّفس أميل إليه و أحرص عليه؟!
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ، أي: محرمون. جمع، حرام. كرداح، و ردح. فذكر القتل دون الذّبح و الذّكاة، للتّعميم.
و في الكافي (1): عليّ، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير و صفوان، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أحرمت فاتّق قتل الدّوابّ كلّها، إلّا الأفعى و العقرب و الفأرة. [فأمّا الفأرة،] (2) فإنّها توهي السّقاء و تضرم على أهل البيت. و أمّا العقرب، فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مدّ يده إلى الجحر فلسعته عقرب فقال: لعنك اللّه لا برّا تدعين (3) و لا فاجرا. و الحيّة إذا أرادتك فاقتلها، و إن لم تردك فلا تردها. و الكلب العقور و السّبع إذا أراداك فاقتلهما، فإن لم يريداك فلا تردهما. و الأسود الغدر فاقتله على كلّ حال. و ارم الغراب رميّا و الحدأة على ظهر بعيرك.
و في التّهذيب، مثله (4).
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (5)، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في المحرم يصيد الطّير. قال: عليه الكفّارة في كلّ ما أصاب.
عليّ، عن أبيه (6)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه
____________
(1) الكافي 4/ 363، ح 2.
(2) ليس في المصدر.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: لا تدعين برّا.
(4) تهذيب الأحكام 5/ 365، ح 186.
(5) الكافي 4/ 394، ح 1.
(6) نفس المصدر 4/ 363، ح 3.
229
- (عليه السلام)- قال: يقتل في الحرم و الإحرام، الأفعى و الأسود الغدر و كلّ حيّة سوء و العقرب و الفأرة و هي الفويسقة. و يرجم الغراب و الحدأة رجما. فإن عرض لك لصوص، امتنعت منهم.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن يحيى (1)، عن غياث بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يقتل المحرم الزّنبور و النّسر و الأسود الغدر و الذّئب و ما خاف أن يعدو عليه. و قال: الكلب العقور: هو الذّئب.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (2)، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: كلّما خاف المحرم على نفسه من السّباع و الحيّات و غيرها، فليقتله. فان لم يردك، فلا ترده.
وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً: و التّقييد به، لأنّ الآية نزلت فيمن تعمّد على ما نقل (3): أنّه عنّ (4) لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله. فنزلت.
و ليترتّب عليه قوله: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ... وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ لا لتقييد وجوب الجزاء. فإنّ إتلاف العامد و المخطئ و النّاسي، واحد في إيجاب الكفّارة.
في مجمع البيان (5): فأمّا إذا قتل الصّيد خطأ أو ناسيا، فهو كالمتعمّد في وجوب الجزاء عليه. و هو مذهب عامّة أهل التّفسير و العلم. و هو المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام)-
و كذا ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره (6)، و سيأتي.
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ:
قرأ الكوفيّون و يعقوب، برفع «الجزاء» و «المثل»، بمعنى: فعليه، أي: فواجبه جزاء يماثل ما قتل من النّعم. و على هذا، لا يتعلّق الجارّ «بجزاء» للفصل بينهما بالصّفة. فإنّ متعلّق المصدر كالصّلة له. فلا يوصف ما لم يتمّ بها، و إنّما يكون صفته.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4- و فيه: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 1.
(3) أنوار التنزيل 1/ 292.
(4) عنّ: ظهر.
(5) مجمع البيان 2/ 244.
(6) تفسير القمّي 1/ 182، باختلاف في اللفظ.
230
و قرأ الباقون، على الإضافة إلى المفعول. و إقحام «مثل» كما في قولهم: مثلي لا يقول كذا، و المعنى: فعليه أن يجزئ مثل ما قتل. و قرئ: «فجزاء مثل ما قتل» بنصبهما على: فليجزئ جزاء. أو فعليه أن يجزئ جزاء يماثل ما قتل (1).
في مجمع البيان (2): اختلف في هذه المماثلة، أ هي في القيمة أو الخلقة؟ و الّذي عليه معظم أهل التّفسير، أنّ المماثلة معتبرة في الخلقة. ففي النّعامة، بدنة. و في حمار الوحش و شبهه، بقرة. و في الظّبى و الأرنب، شاة. و هو المرويّ عن أهل البيت- (عليهم السلام)-.
و في تفسير العيّاشي (3): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية. قال: من أصاب نعامة، فبدنة. و من أصاب حمارا أو شبهه، فعليه بقرة. و من أصاب ظبيا، فعليه شاة.
و في تهذيب الأحكام (4): الحسين بن سعيد، عن أبي الفضيل، عن أبي الصّباح قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية؟
قال: في الظّبي، شاة. و في حمار وحش، بقرة، و في النّعامة، جزور.
و روي عنه (5)، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: في النّعامة، بدنة. و في حمار وحش، بقرة. [و في الظّبي، شاة.] (6) و في البقرة، بقرة.
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ: صفة «جزاء».
و يحتمل أن يكون حالا من الضّمير في «جزاء». أو منه إذا أضفته، أو وصفته و رفعته بخبر مقدّر: لمن.
و في مجمع البيان (7): عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-: «ذو عدل.».
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 292.
(2) مجمع البيان 2/ 245.
(3) تفسير العياشي 1/ 343، ح 195.
(4) تهذيب الأحكام 5/ 341، ح 93.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 91.
(6) ليس في أ.
(7) مجمع البيان 2/ 243، و القطعة الأخيرة بلفظ آخر في ص 242، في ذيل فقرة «القراءة.»
231
و في الكافي (1)، عنهما، و في روضته (2)، عن أبي عبد اللّه، و في تفسير العيّاشي (3)، عن أبي جعفر- (عليهما السلام)-: العدل: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الإمام من بعده. ثمّ قالا: هذا ممّا أخطأت به الكتّاب.
و زاد العيّاشيّ في رواية (4): يعني: رجلا وحدا، يعني: الإمام- (عليه السلام)-.
و معنى قوله- (عليه السلام)-: «هذا ممّا أخطأت به الكتّاب» أنّ رسم الألف في «ذوا عدل» من تصرّف نسّاخ القرآن و خطأ. و الصّواب عدم نسخها. و ذلك، لأنّه يفيد أنّ الحاكم اثنان. و الحال، أنّه واحد. و هو الرّسول في زمانه. ثمّ كلّ إمام في زمانه، على سبيل البدل.
و في تهذيب الأحكام (5): محمّد بن الحسن الصّفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: العدل: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الإمام من بعده يحكم به. و هو ذو عدل. فإذا علمت ما حكم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الإمام، فحسبك و لا تسأل عنه.
و الوجه في الرّجوع إلى ذي العدل، أنّ الأنواع تتشابه كثيرا. فيحتاج تحقيق الماثلة الرّجوع إليه.
هَدْياً: حال من الهاء في «به». أو من «جزاء» و إن نوّن، لتخصّصه بالصّلة. أو بدل عن «مثل» باعتبار محلّه، أو لفظه فيمن نصبه.
بالِغَ الْكَعْبَةِ: وصف به «هديا» لأنّ إضافته لفظيّة.
و في الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من وجب عليه هدي في إحرامه، فله أن ينحره حيث شاء. إلّا فداء الصّيد، فإنّ اللّه- تعالى- يقول:
____________
(1) الكافي 4/ 396، ح 3.
(2) نفس المصدر 8/ 205، ح 247.
(3) تفسير العياشي 1/ 344، ح 197.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 198.
(5) تهذيب الأحكام 6/ 314، ح 867.
(6) الكافي 4/ 384، ح 2.
232
هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ..
أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار (1)، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من وجب عليه فداء صيد أصابه و هو محرم، فإن كان حاجّا نحر هديه الّذي يجب عليه بمنى، و إن كان معتمرا نحر بمكّة قبالة الكعبة.
و عن أبي جعفر- (عليه السلام)- (2) مثله. و زاد: و إن شاء تركه إلى أن يقدم فيشتريه، فإنّه يجزئ عنه.
أَوْ كَفَّارَةٌ: عطف على «جزاء» إن رفعته. و إن نصبته، فخبر محذوف.
طَعامُ مَساكِينَ: عطف بيان. أو بدل منه. أو خبر مبتدأ محذوف، أي:
هي طعام.
و قرأ نافع و ابن عامر، بالإضافة، للتّبيين (3).
أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً، أي: ما ساواه من الصّوم. و هو في الأصل مصدر، أطلق للمفعول.
و قرئ، بكسر العين. و هو ما عدل بالشيء في المقدار، كعدلي الحمل. و ذلك، إشارة إلى الطّعام. و «صياما» تمييز «للعدل».
و في الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في محرم قتل نعامة. قال: عليه بدنة.
فإن لم يجد فإطعام ستّين مسكينا. و إن كان قيمة البدنة أقل من إطعام ستّين مسكينا، لم يكن عليه إلّا قيمة البدنة.
أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال (5)، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 4.
(3) أنوار التنزيل 1/ 292.
(4) الكافي 4/ 386، ح 5، قطعة منه.
(5) نفس المصدر.
233
قال: يثمّن (1) قيمة الهدي طعاما، ثمّ يصوم لكلّ مدّ يوما. فإن (2) زادت الأمداد على شهرين، فليس عليه أكثر.
و فيه (3)، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش؟
قال: عليه بدنة.
قيل (4): فإن لم يقدر على بدنة؟
قال: فيطعم ستّين مسكينا.
قيل (5): فإن لم يقدر على أن يتصدّق؟
قال: فليصم ثمانية عشر يوما، و الصّدقة مدّ على كلّ مسكين.
و سئل (6) عن محرم أصاب بقرة؟
قال: عليه بقرة.
قيل (7): فإن لم يقدر على بقرة؟
قال: فليطعم ثلاثين مسكينا.
قيل (8): فإن لم يقدر على أن يتصدّق؟
قال: فليصم تسعة أيّام.
قيل (9): فإن أصاب ظبيا؟
قال: عليه شاة.
قيل (10): فإن لم يقدر؟
[قال: فإطعام عشرة مساكين. فإن لم يجد ما يتصدّق به، فعليه صيام ثلاثة أيّام.
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ثمن.
(2) المصدر: فإذا.
(3) نفس المصدر 4/ 385، ح 1.
4 و 5- المصدر: قلت.
(6) المصدر: قال: و سألته.
7 و 8 و 9 و 10- المصدر: قلت.
234
و ما ذكر في هذا الخبر: «أنّه يصوم ثمانية عشر إن لم يقدر] (1) على التّصدّق» محمول على أنّه، إذا لم يقدر على التّصدّق فصيام شهرين. أو الزّيادة على الثّمانية عشر على الاستحباب. حتّى يوافق ما في الخبر الأوّل من أنّه: يصوم شهرين.
و في من لا يحضره الفقيه، و تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، عن السّجّاد في حديث الزّهريّ: أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما، يا زهريّ؟
قال: لا أدري.
قال: يقوّم الصّيد قيمة، ثمّ تفضّ تلك القيمة على البرّ، ثمّ يكال ذلك البرّ أصواعا، فيصوم لكلّ نصف صاع يوما.
و ما يتراءى من المنافاة بين ما ذكر في هذا الخبر، الّذي ذكر فيه: «أنّه يصوم لكلّ مدّ يوما» محمول على أنّه يصوم شهرين. فربّما يساوي مدّا من البرّ من قيمة البدنة. و ربّما يساوي مدّين.
و في مجمع البيان (3): و اختلفوا في هذه الكفّارات الثّلاث، فقيل: إنّها مرتّبة.
و قيل: إنّها على التّخيير. و كلا القولين رواه أصحابنا.
و في تفسير العيّاشي (4): عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كلّ شيء في القرآن، أو فصاحبه فيه بالخيار.
و في الكافي (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله. و زاد فيه: يختار ما يشاء.
فوقع المنافاة، فمن ثمّ ذهب إلى كلّ قوم. و يمكن أن يقال في الجمع: إنّ المراد:
أنّ كلّ ما في القرآن، أو فصاحبه بالخيار فيما لم يكن بيان من السّنّة. و أمّا ما كان فيه بيان، فمستثنى منه. فتأمّل.
لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: متعلّق بالمحذوف، أي: فعليه الجزاء، أو الطّعام ليذوق ثقل فعله و سوء عاقبة هتكه بحرمة الإحرام. أو الثّقل الشّديد على مخالفة أمر اللّه.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(2) من لا يحضره الفقيه 2/ 47، ضمن حديث 208، تفسير القمي 1/ 186.
(3) مجمع البيان 2/ 245.
(4) تفسير العياشي 1/ 338، ح 175.
(5) الكافي 4/ 358، ح 2.
235
و أصل الوبل: الثّقل. و منه: الطّعام الوبيل.
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ: من قتل الصّيد في الجاهليّة. أو قبل التّحريم. أو في هذه المرّة.
وَ مَنْ عادَ: إلى مثل هذا.
فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ: فليس عليه كفّارة. فهو ممّن ينتقم اللّه منه.
وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95): ممّن أصرّ على عصيانه.
في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في محرم أصاب صيدا.
قال: عليه الكفّارة.
قلت: فإن أصاب آخر؟
قال: إذا أصاب آخر، فليس عليه كفّارة. و هو ممّن قال اللّه- تعالى-: وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ..
هذا إذا أصاب متعمّدا. و أمّا إذا أصاب خطأ، فدائما عليه الكفّارة. كما
رواه في التّهذيب (2): عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه [، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أصاب المحرم الصّيد خطأ، فعليه الكفّارة. فإن أصابه ثانية خطأ، فعليه الكفّارة أبدا إذا كان خطأ. فإن أصابه متعمّدا، كان عليه الكفّارة.
فإن أصابه ثانية متعمّدا، فهو ممّن ينتقم اللّه منه و لم يكن عليه الكفّارة.
و في الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابه،] (4) عن أبي جميلة، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ قال: إنّ رجلا انطلق و هو محرم. فأخذ ثعلبا، فجعل يقرّب النّار إلى (5) وجهه، و جعل الثّعلب يصيح و يحدث من أسته، و جعل
____________
(1) نفس المصدر 4/ 394، ح 2.
(2) تهذيب الأحكام 5/ 372- 373، ح 1298.
(3) الكافي 4/ 397، ح 6.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: إلى النار.
236
أصحابه ينهونه عمّا يصنع. ثمّ أرسله بعد ذلك، فبينا (1) الرّجل نائم إذ جاءته حيّة فدخلت في فيه، فلم تدعه حتّى جعل يحدث كما أحدث الثّعلب ثمّ خلت عنه.
و الخبر الّذي وعدنا [به] سابقا، هو
ما ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره (2) قال:
حدّثني محمّد بن الحسين (3)، عن محمّد بن عون النّصيبيّ قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج أبا جعفر محمّد بن عليّ بن موسى- (عليهم السلام)- ابنته أم الفضل، اجتمع إليه أهل بيته الأدنين منه فقالوا: يا أمير المؤمنين، ننشدك اللّه أن تخرج (4) عنّا أمرا قد ملكناه، و تنزع عنّا عزّا قد ألبسنا اللّه. فقد عرفت الأمر الّذي بيننا و بين آل عليّ قديما و حديثا.
فقال المأمون: اسكتوا، فو اللّه لا قبلت من أحد منكم (5) في أمره.
فقالوا: يا أمير المؤمنين، أ فتزوّج (6) قرّة عينك صبيّا لم يتفقّه في دين اللّه، و لا يعرف فريضة و لا سنّة، و لا يميّز بين الحقّ و الباطل- و لأبي جعفر يومئذ عشر سنين، أو إحدى عشرة (7) سنة- فلو صبرت عليه حتّى يتأدّب و يقرأ القرآن، و يعرف فرضا من سنّة.
فقال لهم المأمون: و اللّه إنّه لأفقه منكم، و أعلم باللّه و رسوله و فرائضه و سننه و أحكامه، و أقرأ لكتاب اللّه، و أعلم بمحكمه و متشابهه و خاصّه و عامّه و ناسخه و منسوخه و تنزيله و تأويله منكم. فاسألوه، فإن كان الأمر كما قلتم قبلت منكم في أمره، و إن كان كما قلت علمتم أنّ الرّجل خير منكم. فخرجوا من عنده، و بعثوا إلى يحيى بن أكثم، و أطمعوه في هداياهم بأن (8) يحتال على أبي جعفر بمسألة لا يدري كيف الجواب فيها عند المأمون إذا اجتمعوا للتّزويج. فلمّا حضروا و حضر أبو جعفر- (عليه السلام)- قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يحيى بن أكثم، إن أذنت له أن يسأل أبا
____________
(1) هكذا في أ. و في المصدر: «فبينما» و هو الصحيح أيضا. و في سائر النسخ: فبين.
(2) تفسير القمي 1/ 182.
(3) المصدر: محمد بن الحسن.
(4) هكذا في ر. و في الأصل: «نخرج.» و في أ:
«يخرج.»
(5) المصدر: أحدكم.
(6) هكذا في أ. و في سائر النسخ و المصدر: تزوّج.
(7) المصدر: أحد عشر.
(8) هكذا في أ. و سائر النسخ: «هذا أن» بدل «هداياهم بان.»
237
جعفر عن مسألة.
فقال المأمون: يا يحيى، سل أبا جعفر عن مسألة في الفقه، لننظر كيف فقهه.
فقال يحيى: يا أبا جعفر، أصلحك اللّه، ما تقول في محرم قتل صيدا؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قتله في حلّ أو حرم، عالما أو جاهلا، عمدا أو خطأ، عبدا أو حرّا، صغيرا أو كبيرا، مبتدئا أو معيدا، من ذوات الطّير أو من غيرها، من صغار الطّير أو كبارها، مصرّا عليه (1) أو نادما، باللّيل في وكرها أو في النّهار (2) عيانا، محرما للعمرة أو للحجّ؟
قال: فانقطع يحيى بن أكثم انقطاعا لم يخف على أهل المجلس. و أكثر (3) النّاس تعجّبا من جوابه. و نشط المأمون فقال: نخطب (4) يا أبا جعفر؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال المأمون: الحمد للّه إقرارا بنعمته، و لا إله إلّا اللّه إخلاصا لعظمته، و صلّى اللّه على محمّد عند ذكره. و قد كان من (5) فضل اللّه على الأنام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام. فقال (6): وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. ثمّ أنّ محمّد بن عليّ ذكر أم الفضل بنت عبد اللّه، و بذل لها من الصّداق خمسمائة درهم، و قد زوّجتك (7). فهل قبلت، يا أبا جعفر؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نعم يا أمير المؤمنين، قد قبلت هذا التّزويج بهذا الصّداق. ثمّ أو لم عليه المأمون. و جاء النّاس على مراتبهم، الخاصّ و العامّ.
قال: فبينما نحن كذلك، إذ سمعنا كلاما كأنّه من كلام الملاحين في محاوراتهم. فإذا نحن بالخدم يجرّون سفينة من فضّة، و فيها نسائج من إبريسم مكان
____________
(1) هكذا في أ. و سائر النسخ و المصدر: عليها.
(2) المصدر: بالنهار.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: كثرة.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: تخطب.
(5) هكذا في أ. و في سائر النسخ: يصلّي.
(6) النور/ 32.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: زوجته.
238
القلوس، مملوءة غالية. فخضّبوا لحاء أهل الخاصّ بها، ثمّ مرّوا بها (1) إلى دار العامّة فطيّبوهم. فلمّا تفرّق النّاس قال المأمون: يا أبا جعفر، إن رأيت أن تبيّن لنا ما الّذي يجب على كلّ صنف من هذه الأصناف، الّتي ذكرت في قتل الصّيد.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نعم يا أمير المؤمنين، إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحلّ و الصّيد من ذوات الطّير من كبارها، فعليه شاة. و إذا أصابه في الحرم، فعليه الجزاء مضاعفا.
و إذا قتل فرخا في الحلّ، فعليه حمل قد فطم. و ليس عليه قيمته، لأنّه ليس في الحرم. و إذا قتله في الحرم، فعليه الحمل و قيمته لأنّه في الحرم.
و إذا كان من الوحوش (2)، فعليه في حمار الوحش بدنة. و كذلك في النّعامة. و إن لم يقدر، فإطعام (3) ستّين مسكينا. فإن لم يقدر، فصيام ثمانية عشر يوما.
و إن كانت بقرة، فعليه بقرة. فإن لم يقدر، فعليه إطعام ثلاثين مسكينا فإن (4) لم يقدر، فيضم تسعة أيّام.
و إن كان ظبيا، فعليه شاة. فإن لم يقدر، فإطعام عشرة مساكين. فإن لم يقدر، فصيام ثلاثة أيّام.
و إن كان في الحرم، فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة حقّا واجبا عليه أن ينحره [حيث ينحر النّاس.] (5) [فإن كان في حجّ بمنى] (6) و إن كان في عمرة، ينحره بمكة و يتصدّق بمثل ثمنه حتّى يكون مضاعفا.
و كذلك إذا أصاب أرنبا، فعليه شاة.
و إذا قتل الحمامة، تصدّق بدرهم. أو يشتري به طعاما لحمام [الحرم.] (7) و في الفرخ نصف درهم. و في البيضة ربع درهم.
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: مدّوها.
(2) المصدر: الوحش.
(3) المصدر: فعليه إطعام.
(4) المصدر: فمن.
(5) من ر.
(6) ليس في ر.
(7) المصدر: «لحمامة الحرم». و الزيادة من المصدر.
239
و كلّما أتى به المحرم بجهالة، فلا شيء عليه فيه. إلّا الصّيد، فإنّ عليه الفداء بجهالة كان أو بعلم، بخطإ كان أو بعمد.
و كلّما أتى به العبد، فكفارته على صاحبه بمثل ما يلزم صاحبه. و كلّما أتى به الصّغير الّذي ليس ببالغ، فلا شيء عليه فيه.
و إن كان ممّن عاد، فهو ممّن ينتقم اللّه منه ليس عليه كفّارة و النّقمة في الآخرة.
[و إن دلّ على الصّيد و هو محرم فقتل، فعليه الفداء. و المصر عليه يلزمه بعد الفداء عقوبة الآخرة.] (1).
و النّادم عليه، لا شيء عليه بعد الفداء.
و إذا أصاب ليلا في وكرها خطأ، فلا شيء عليه إلّا أن يتعمّده. فإن تعمّد بليل أو نهار، فعليه الفداء.
و المحرم بالحجّ، ينحر الفداء (2) بمنى حيث ينحر النّاس. و المحرم بالعمرة، (3) ينحر بمكّة. فأمر المأمون، أن يكتب ذلك كلّه عن أبي جعفر- (عليه السلام)-
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الاحتجاج (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- كلام لعلي- (عليه السلام)- فيه: و أمّا قولكم، إنّي حكمت في دين الرّجال، فما حكمت الرّجال. و إنّما حكمت كلام ربّي، الّذي جعله اللّه حكما بين أهله. و قد حكم اللّه الرّجال كما في طائر فقال: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ.
فدماء المسلمين أعظم من دم طائر.
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ: في حال الإحرام.
قيل (5): هو ما صيد منه، ممّا لا يعيش إلّا في الماء.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فداءه.
(3) المصدر: للعمرة.
(4) الاحتجاج 1/ 278.
(5) أنوار التنزيل 1/ 293.
240
وَ طَعامُهُ:
قيل (1): ما قذفه، أو نضب عنه.
و قيل: الضّمير «للصّيد». و «طعامه» أكله.
و في تفسير العيّاشي (2): عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
سألته عن قول اللّه: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ..
قال: هي الحيتان، المالح و ما تزوّدت منه- أيضا- و إن لم يكن مالحا، فهو طعام.
و في الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا بأس بأن يصيد المحرم السّمك، و يأكل مالحه و طريّه و يتزوّد. و قال: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ. قال:
مالحه، الّذي يأكلون. و فصل ما بينهما: كلّ طير يكون في الآجام يبيض في البرّ و يفرخ في البرّ، فهو من صيد البرّ. و ما كان من صيد البرّ يكون في البرّ و يبيض في البحر [و يفرخ في البحر،] (3) فهو من صيد البحر.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه (4)، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كلّ شيء يكون أصله في البحر و يكون في البرّ و البحر، فلا ينبغي للمحرم أن يقتله. فإن قتله، فعليه الجزاء كما قال اللّه- سبحانه و تعالى-.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (5)، عن عليّ بن الحكم، عن العلاء بن رزين [، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: مرّ عليّ- (عليه السلام)- على قوم يأكلون جرادا فقال: سبحان اللّه و أنتم محرمون؟ فقالوا: إنّما هو من صيد البحر. فقال: ارمسوه (6) في الماء إذا.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير العياشي 1/ 346، ح 210.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر 4/ 393، ح 2.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 6.
(6) المصدر: «ارموه» و هو نفس المعنى.
241
أحمد بن زياد، عن الحسن بن محمّد (1) بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن الطّيّار، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: لا يأكل المحرم طير الماء.
مَتاعاً لَكُمْ: تمتيعا لكم. نصب على الغرض.
وَ لِلسَّيَّارَةِ: و لسيّارتكم. يتزودونه قديدا.
وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ، أي: ما صيد فيه. و إن صاده المحلّ في الحلّ.
ما دُمْتُمْ حُرُماً: محرمين. و قرئ، بكسر الدّال. من دام، يدام (2).
وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96): لأنّه إذا حشرتم إليه، جازاكم على أعمالكم. فيجب اتّقاؤه فيما نهى عنه.
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ: صيّرها.
في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى الحسن بن عبد (عليه السلام)، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه عن أشياء. فكان فيما سألوه عنه، أنّه قال له أحدهم:
لأيّ شيء سمّيت الكعبة كعبة؟
[فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لأنّها وسط الدّنيا.
و روي عن الصادق- (عليه السلام)- أنّه سئل: لم سمّيت الكعبة كعبة؟] (4).
قال: لأنّها مربّعة. فقيل له: و لم صارت مربّعة؟
قال: لأنّها بحذاء البيت المعمور، و هو مربّع.
فقيل له: و لم صار البيت المعمور مربّعا؟
قال: لأنّه بحذاء العرش [و هو مربّع.] (5).
فقيل له: و لم صار العرش مربّعا.؟
قال: لأنّ الكلمات الّتي بني عليها [الإسلام] (6) أربع [و هي:] (7) سبحان اللّه،
____________
(1) نفس المصدر 4/ 394، ح 9. و فيه: حميد بن زياد عن الحسن بن محمد.
(2) أنوار التنزيل 1/ 293.
(3) علل الشرائع/ 398، ح 1.
4 و 5 و 6 و 7- من المصدر.
242
و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر.
الْبَيْتَ الْحَرامَ: عطف بيان، على جهة المدح. أو المفعول الثّاني.
و في العلل (1)، بإسناده إلى حنان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- لم سمّي بيت اللّه الحرام (2)؟ قال: لأنّه حرام على المشركين أن يدخلوه.
قِياماً لِلنَّاسِ: انتعاشا لهم، أي: سبب انتعاشهم في أمر معاشهم و معادهم.
يلوذ به الخائف، و يأمن فيه الضّعيف، و يربح فيه التّجّار، و يتوجّه إليه الحجّاج و العمّار. أو ما يقوم به أمر دينهم و دنياهم.
في تفسير العيّاشي (3): عن [أبان] (4) بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ قال: جعلها اللّه لدينهم و دنياهم (5).
و في مجمع البيان (6): عن الصّادق- (عليه السلام)-: من أتى هذا البيت يريد شيئا للدّنيا و الآخرة، أصابه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7) قال: ما دامت الكعبة قائمة و يحجّ النّاس إليها، لم يهلكوا. فإذا هدمت و تركوا الحجّ، هلكوا.
و قرأ ابن عامر: «قيما» على أنّه مصدر على فعل، كالشبع. اعلّ عينه، كما أعلّت في فعله. و نصبه على المصدر. أو الحال (8).
وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ: مضى تفسيرها. و المراد بالشّهر، الشّهر الّذي يؤدّى فيه الحجّ، لأنّه المناسب لقرنائه. و قيل (9): الجنس.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم سمّيت البيت الحرام.
(3) تفسير العياشي 1/ 346، ح 211.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: معايشهم.
(6) مجمع البيان 2/ 247.
(7) تفسير القمي 1/ 187- 188.
(8) أنوار التنزيل 1/ 293.
(9) نفس المصدر و الموضع.
243
ذلِكَ: إشارة إلى الجعل. أو إلى ما ذكر من الأمر، بحفظ حرمة الإحرام و غيره.
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ: فإنّ شرع الأحكام لدفع المضارّ قبل وقوعها و جلب المنافع المترتّبة عليها، يدلّ على حكمة الشّارع لها و كمال علمه.
وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97): تعميم بعد تخصيص. و مبالغة بعد إطلاق.
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98): وعد و وعيد لمن انتهك محارمه، و لمن حافظ عليها. أو لمن أصرّ عليها، و لمن انقلع عنها.
في كتاب التوحيد (1): حدّثنا أبي (رحمه اللّه) قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاذ الجوهريّ، عن جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- عن آبائه- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن جبرئيل قال: قال اللّه- جلّ جلاله-: من أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا و هو لا يعلم أنّ لي أن أعذّبه [به] (2) أو أعفو عنه، لا غفرت له ذلك الذّنب أبدا.
و من أذنب ذنبا صغيرا [كان] (3) أو كبيرا و هو يعلم أنّ لي أن أعذبه و أن أعفو عنه، عفوت عنه.
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ: تشديد في إيجاب القيام بما أمر، أي: الرّسول أتى بما أمر به من التّبليغ، و لم يبق لكم عذر في التّفريط.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ (99): من تصديق و تكذيب، و فعل و عزيمة.
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ: حكم عامّ في نفي المساواة عند اللّه، بين الرديء من الأشخاص و الأعمال و الأموال و جيّدها. رغّب به في صالح العمل و الحلال
____________
(1) التوحيد/ 410، ح 10.
2 و 3- من المصدر.
244
من المال.
وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ: فإنّ العبرة بالجودة و الرّداءة، دون القلّة و الكثرة. فإنّ المحمود القليل، خير من المذموم الكثير.
و الخطاب لكلّ معتبر. و لذلك قال:
فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ، أي: فاتَّقوه في تحرّي الخبيث و إن كثر، و آثروا الطّيّب و إن قلّ.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100): راجين أن تبلغوا الفلاح.
نقل: أنّها نزلت في حجّاج اليمامة، لمّا همّ المسلمون أن يوقعوا بهم. فنهوا عنه و إن كانوا مشركين (1).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ:
الشّرطيّة و ما عطف عليها، صفتان «لأشياء». و المعنى: لا تسألوا رسول اللّه عن أشياء، إن تظهر لكم تغمّكم، و إن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم.
و هما كمقدّمتين، تنتجان ما يمنع السّؤال. و هو، أنّه ممّا يغمّهم. و العاقل لا يفعل ما يغمّه.
«و أشياء» اسم جمع. كطرفاء. غير أنّه قلبت لامه، فجعلت لفعاء.
و قيل (2): أفعلاء، حذفت لامه. جمع، لشيء. على أنّ أصله: شيء، كهين.
أو شيء، كصديق، مخفّف.
و قيل: أفعال. جمع له من غير تغيير، كبيت و أبيات. و يردّه منع صرفه.
في روضة الكافي: عن الباقر- (عليه السلام)-: «لا تسألوا عن أشياء لم تبد لكم إن تبد لكم تسؤكم».
و في تفسير العيّاشي (3): عن أحمد بن محمّد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 294.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير العياشي 1/ 346- 347، ح 212.
245
- (عليه السلام)- و كتب في آخره: أو لم تنتهوا عن كثرة المسائل، فأبيتم أن تنتهوا.
إيّاكم و ذلك، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم. فقال اللّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إلى قوله: كافِرِينَ.
و في المجمع (1)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: خطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إنّ اللّه كتب عليكم الحجّ. فقام عكاشة بن محصن، و يروى سراقة بن مالك [فقال:] (2) أفي كلّ عام يا رسول اللّه؟ فأعرض عنه حتّى عاد مرّتين أو ثلاثا.
فقال رسول اللّه: ويحك، و ما يؤمنك أن أقول: نعم. و اللّه لو قلت: نعم، لوجبت. و لو وجبت ما استطعتم. و لو تركتم لكفرتم. فاتركوني كما تركتكم. فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، و اختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم. و إذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها. فأقبلت فقال لها عمر: غطّي قرطك، فإن قرابتك من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا تنفعك شيئا.
فقالت له: هل رأيت لي قرطا يا بن اللّخناء؟ ثمّ دخلت على رسول اللّه، فأخبرته بذلك و بكت. فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنادى: الصّلاة جامعة. فاجتمع النّاس.
فقال: ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع. لو قد قربت (4) المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم (5). لا يسألني اليوم أحد من أبوه (6) إلّا أخبرته.
فقام إليه رجل فقال: من أبي يا رسول اللّه؟] (7).
فقال: أبوك غير الّذي تدّعي له. أبوك فلان بن فلان.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 250.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمي 1/ 88.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: قمت.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: خارجكم.
(6) المصدر: أبواه.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
246
فقام آخر: قال: من أبي يا رسول اللّه؟
فقال: أبوك الّذي تدّعي له. ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما بال الّذي يزعم أنّ قرابتي لا تنفع لا يسألني عن أبيه؟
فقام إليه عمر، فقال له: أعوذ باللّه- يا رسول اللّه- من غضب اللّه و غضب رسوله (1). اعف عنّي عفا اللّه عنك. فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (الآية).
و في مجمع البيان: (2) و قيل: إنّ تقديره: لا تسألوا (3) عن أشياء عفا اللّه عنها، إن تبد لكم تسؤكم. فقدّم و أخّر. فعلى هذا يكون قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْها صفة «لأشياء» (4) أيضا. و معناه: كفّ (5) اللّه عن ذكرها و (6) لم يوجب فيها حكما. و إلى هذا [المعنى] (7) أشار
أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [في قوله:] (8) إنّ اللّه فرض (9) عليكم فرائض، فلا تضيّعوها.
و حدّ لكم حدودا، فلا تعتدوها. و نهاكم عن أشياء، فلا تنتهكوها. و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا، فلا تتكلّفوها.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (10): حدّثنا محمّد بن [محمد بن] (11) عصام الكلينيّ- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكلينيّ، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ- رضي اللّه عنه- أن يوصل لي كتابا، قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ. فورد في التّوقيع بخطّ مولانا صاحب الزّمان: و أمّا ما وقع من الغيبة، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
____________
(1) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ: رسول الله.
(2) مجمع البيان 2/ 250، مع إسقاط عبارة من وسطه.
و في أ: و في الكافي.
(3) المصدر: تسألوه.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: للأشياء.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: كفى.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أو.
7 و 8- من المصدر.
(9) المصدر: افترض.
(10) كمال الدين و تمام النعمة/ 485، ح 4.
(11) من المصدر، و هو الصحيح. ر. تنقيح المقال 3/ 179، رقم 11331.
247
إنّه لم يكن أحد (1) من آبائي، إلّا و قد وقعت (2) في عنقه بيعة لطاغية زمانه.
و إنّي أخرج حين أخرج، و لا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي.
[و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم]، عن أبيه،] (4) عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إذا حدّثتكم بشيء، فسألوني من كتاب اللّه [ثمّ] (5) قال في بعض حديثه: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن القليل و القال، و فساد المال، و كثرة السّؤال.
فقيل له: يا بن رسول اللّه، أين هذا من كتاب اللّه؟
قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. (6) و قال (7): وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً. و قال: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ..
و في الكافي (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن عيسى، عن يونس و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه جميعا عن عبد اللّه بن سنان و ابن مسكان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إذا حدّثتكم بشيء، فسألوني من كتاب اللّه. ثمّ قال في حديثه: إنّ اللّه نهى عن القيل و القال. و ذكر مثله.] (9).
عَفَا اللَّهُ عَنْها: صفة أخرى «لأشياء»، يعني: أشياء عفا اللّه عنها، و لم يكلّف بها. و يؤيّده ما روي سابقا عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
أو استئناف، أي: عفا اللّه عمّا سلف من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها.
____________
(1) المصدر: لأحد.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أوقعت.
(3) الكافي 1/ 60، ح 5.
4 و 5- من المصدر.
(6) النساء/ 114.
(7) النساء/ 5.
(8) نفس المصدر 5/ 300، ح 2. و فيه: علي بن إبراهيم، [عن أبيه.]
(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
248
وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101): لا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم، و يعفو عن كثير.
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ:
الضّمير للمسألة، الّتي دلّ عليها «تسألوا». و لذلك لم يعدّ «بعن». أو «لأشياء» بحذف الجارّ.
مِنْ قَبْلِكُمْ: متعلّق «يسألها».
قيل (1): و ليست صفة «لقوم». فإنّ ظرف الزّمان، لا يكون صفة للجثّة، و لا حالا منها، و لا خبرا عنها. و فيه نظر (2).
ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102): حيث لم يأتمروا بما سألوا، و جحدوا.
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ: ردّ و إنكار لما ابتدعه أهل الجاهليّة.
في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا ولدت النّاقة ولدين في بطن واحد، قالوا: وصلت، فلا يستحلّون ذبحها و لا أكلها. و إذا ولدت عشرا، جعلوها سائبة، و لا يستحلّون ظهرها و لا أكلها.
و «الحام» فحل الإبل. لم يكونوا يستحلّونه. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- إنّه لم يكن يحرّم شيئا من ذلك.
و فيه: (4) و قد روي أنّ «البحيرة» النّاقة إذا أنتجت خمسة أبطن. فإن كان
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 294.
(2) يوجد في هامش الأصل: القائل البيضاوي. و وجه النظر أنّ الاخبار بظرف الزمان عن الجثة واقع حيث يفيد. و قد قال ابن مالك:
و لا يكون اسم زمان خبرا* * * عن جثّة و إن يفد فأخبرا.
(منه سلّمه اللّه تعالى)
(3) معاني الأخبار/ 148، ح 1.
(4) نفس المصدر و الموضع.
249
الخامس ذكرا، نحروه فأكله الرّجال و النّساء. و إن كان الخامس أنثى، بحروا (1) أذنها، أي: شقّوه. (2) و كانت حراما على النّساء [و الرّجال] (3) لحمها و لبنها. فإذا ماتت (4) حلّت للنّساء. و «السّائبة» البعير يسيب بنذر يكون على الرّجل إن سلّمه اللّه- عزّ و جلّ- من مرض أو بلغه منزلة أن يفعل ذلك. و «الوصيلة» من الغنم. كانوا إذا ولدت الشّاة سبعة أبطن، فإن كان السّابع ذكرا ذبح فأكل منه الرّجال و النّساء. و إن كانت أنثى تركت في الغنم. و إن كانت ذكرا و أنثى قالوا: وصلت أخاها. فلم تذبح. و كان لحومها حراما على النّساء، إلّا أن يموت منها شيء فيحل أكلها للرّجال و النّساء. و «الحام» الفحل، إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره. و قد يروى «الحام» هو من الإبل. إذا أنتج عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره. فلا يركب و لا يمنع من كلأ و لا ماء.
(انتهى).
[و في تفسير العيّاشي (5): قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: البحيرة، إذا ولدت و ولد ولدها بحرت.
و] (6) المعنى «ما جعل»: ما شرّع و وضع اللّه ذلك. و لذلك تعدّى إلى مفعول، و هو «بحيرة». و «من» مزيدة.
وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ: بتحريم ذلك، و نسبته إليه.
وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103)، أي: الحلال من الحرام، و المبيح من المحرّم. أو الآمر من النّاهي. و أنّ ذلك افتراء. بل يقلّدون في تحريمها رؤساءهم، الّذين يمنعهم حبّ الرّئاسة عن الاعتراف به.
في مجمع البيان (7): عن ابن عبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّ عمر بن يحيى بن قمعة بن جندب (8) كان قد ملك مكّة. و كان أوّل من غير دين إسماعيل.
فاتخذ الأصنام، و نصب الأوثان، و بحر البحيرة، و سيّب السّائبة، و وصل الوصيلة،
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: جزّوا.
(2) كذا في المصدر و النسخ. و الظاهر: شقّوها.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: و إذا مات.
(5) تفسير العياشي 1/ 348، ذيل حديث 215.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(7) مجمع البيان 2/ 252.
(8) المصدر: عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف.
250
و حمى الحامي. قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فلقد رأيته في النّار تؤذي أهل النّار ريح قصبته. و روي: بحر قصبته في النّار.
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: بيان لقصور عقلهم، و انهماكهم في التّقليد. و أن لا سند لهم سواه.
أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (104): الواو، للحال.
و الهمزة دخلت عليها، لإنكار الفعل على هذه الحال، أي: أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم و لو كانوا جهلة ضالّين.
و المعنى: أنّ الاقتداء، إنّما يصحّ بمن علم أنّه عالم مهتد. و ذلك لا يعرف إلّا بالحجّة، فلا يكفي التّقليد.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، أي: احفظوها و الزموا إصلاحها.
و الجارّ و المجرور جعل اسما «لألزموا». و لذلك نصب «أنفسكم».
و قرئ، بالرّفع، على الابتداء.
لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ: لا يضرّكم الضّالّ إذا كنتم مهتدين.
قيل (1): نزلت، لمّا كان المؤمنون يتحسّرون على الكفرة و يتمنّون إيمانهم.
و قيل: كان الرّجل إذا أسلم، قالوا له: سفّهت آباءك [أو لاموه.] (2) فنزلت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): أصلحوا أنفسكم، و لا تتّبعوا عورات النّاس، و لا تذكروهم. فإنّه لا يضركم ضلالتهم إذا كنتم صالحين.
و في مجمع البيان (4): [روي أنّ] (5) أبا ثعلبة سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن هذه الآية؟
فقال: ائتمروا بالمعروف، و تناهوا عن المنكر. فإذا رأيت دنيا مؤثرة و شحّا مطاعا.
و هوى متّبعا و إعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك و ذر عوامّهم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 295.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمي 1/ 188.
(4) مجمع البيان 2/ 254.
(5) من المصدر.
251
و «لا يضركم» يحتمل الرّفع، على أنّه مستأنف. و يؤيّده، أنّه قرئ: «لا يضيركم». و الجزم، على الجواب. أو النّهي. لكنّه ضمّت الرّاء، اتّباعا لضمّة الضّاد المنقولة إليها من الرّاء المدغمة. و تنصره قراءة من قرأ: «لا يضركم» بفتح الرّاء. و «لا يضرّكم» بكسر الضّاد و ضمّها. من ضاره، يضيره. و يضوره.
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105): وعد و وعيد للفريقين. و تنبيه، على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، أي: فيما أمرتم شهادة بينكم.
و المراد بالشّهادة، الإشهاد. و إضافتها إلى الظرف، على الاتّساع.
و قرئ: «شهادة» بالنّصب و التّنوين، على ليقم. (1) إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: إذا شارفه، و ظهرت أماراته. و هو ظرف «للشّهادة».
حِينَ الْوَصِيَّةِ: بدل منه. و في الإبدال تنبيه، على أنّ الوصيّة ممّا ينبغي أن لا يتهاون فيها. أو ظرف «حضر».
اثْنانِ: فاعل «شهادة». و يجوز أن يكون خبرها، على حذف المضاف.
ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ: من المسلمين. أو من أقاربكم. و هما صفتان «لاثنان».
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ: عطف على «اثنان»، أي: من أهل الكتاب و المجوس.
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ: سافرتم فيها.
فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ، أي: قاربتم الأجل.
تَحْبِسُونَهُما: تقفونهما و تصبّرونهما. صفة «الآخران».
و الشّرط بجوابه المحذوف، المدلول عليه بقوله: «أو آخران من غيركم» اعتراض فائدته، الدّلالة على أنّه ينبغي أن يشهد اثنان منكم، فإنّ تعذّر كما في السّفر فمن
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 295.
252
غيركم. أو استئناف، كأنّه قيل (1): كيف نعمل إن ارتبنا بالشّاهدين؟ فقال:
تحبسونهما.
مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ: لتغليظ اليمين بشرف الوقت. و لأنّه وقت اجتماع النّاس.
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ، أي: الآخران.
إِنِ ارْتَبْتُمْ، أي: ارتاب الوارث منكم. و هو اعتراض.
لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً: مقسم عليه. و المعنى: لا نستبدل بالقسم أو باللّه عرضا من الدّنيا، أي: لا نحلف باللّه كاذبا لطمع.
وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى: و لو كان المقسم له قريبا منّا. و جوابه- أيضا- محذوف، أي: لا نشتري.
وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أي: الشّهادة الّتي أمرنا بإقامتها.
و عن الشّعبي (2): أنّه وقف على «شهادة»، ثمّ ابتدأ «اللّه» بالمدّ، على حذف القسم و تعويض حرف الاستفهام. و روي عنه بغيره، كقولهم: آللَّه لأفعلنّ.
إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)، أي: إن كتمنا.
و قرئ: «لملاثمين» بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على الّلام، و إدغام النّون فيها (3).
فَإِنْ عُثِرَ: فإن اطّلع.
عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً، أي: فعلا ما أوجبا إثما، بسبب تحريف الشّهادة.
فَآخَرانِ: فشاهدان آخران.
يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ: من الّذين جنى عليهم. و هم الورثة.
و قرأ حفص: «استحقّ» على البناء للفاعل. و هو الأوليان.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 296.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
253
الْأَوْلَيانِ: الأحقّان بالشّهادة لقرابتهما و معرفتهما. و هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هما الأوليان. أو خبر «آخران». أو مبتدأ، خبره «آخران». أو بدل منهما، أو من الضّمير في «يقومان».
و قرأ حمزة و يعقوب و أبو بكر، عن عاصم: «الأولين» على أنّه صفة «للّذين».
أو بدل منه، أي: من الأولين الّذين استحقّ عليهم.
و قرئ: «الأوّلين» على التّثنية، و انتصابه على المدح. و «الأولان» و إعرابه إعراب «الأوليان» (1).
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما: أصدق منهما، و أولى بأن تقبل. سمّى اليمين شهادة، لوقوعها موقعها. كما في اللّعان.
وَ مَا اعْتَدَيْنا: ما تجاوزنا فيها الحقّ.
إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107): الواضعين الباطل موضع الحقّ. أو الظّالمين أنفسهم إن اعتدينا.
ذلِكَ، أي: الحكم الّذي تقدّم. أو تحليف الشّاهدين.
أَدْنى: أقرب.
أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها: على نحو ما حملوها، من غير تحريف و خيانة فيها.
أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ: أن تردّ اليمين على المدّعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة و اليمين الكاذبة.
قيل (2): و إنّما جمع الضّمير، لأنّه حكم يعمّ الشّهود كلّهم.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْمَعُوا: ما توصون به سمع إجابة.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108): الخارجين عن الحقّ بالخيانة في الشّهادة إلى حجّة، أو إلى طريق الجنّة.
و معنى الآيتين: أنّ المحتضر إذا أراد الوصيّة، ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر 1/ 297.
254
نسبه أو دينه على وصيّته. أو يوصي إليهما احتياطا. فإن لم يجدهما بأن كان سفر، فآخران من غيرهم. ثمّ إن وقع نزاع و ارتياب، أقسما على صدق ما يقولان بالتّغليظ في الوقت. فإن اطّلع على أنّهما كذبا بأمارة و مظنّة، حلف آخران من أولياء الميّت.
و في الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التّهذيب (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: اللّذان منكم، مسلمان. و اللّذان من غيركم، من أهل الكتاب.
فإن لم تجدوا من أهل الكتاب، فمن المجوس. لأنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سنّ في المجوس سنّة أهل الكتاب في الجزية. و ذلك إذا مات الرّجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين، أشهد رجلين من أهل الكتاب يحبسان بعد الصّلاة (2) فيقسمان باللّه- تعالى- لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ..
قال: و ذلك، إن ارتاب (3) وليّ الميّت في شهادتهما. فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا شهدا بالباطل، فليس له أن ينقض شهادتهما حتّى يجيء بشاهدين فيقومان مقام الشّاهدين الأوّلين فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
فإذا فعل ذلك، نقض شهادة الأوّلين و جازت شهادة الآخرين. يقول اللّه- تعالى-:
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا (الآية).
و في الكافي (4) مرفوعا: [خرج] (5) تميم الدّاريّ و ابن بيدي و ابن أبي مارية في سفر.
و كان تميم الدّاريّ مسلما، و ابن بيدي و ابن أبي مارية نصرانيّين. و كان مع تميم الدّاريّ خرج له فيه متاع و آنية منقوشة بالذّهب و قلادة، أخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع. فاعتلّ تميم الدّاريّ علّة شديدة. فلمّا حضره الموت، دفع ما كان معه إلى ابن بيدي و ابن أبي مارية و أمرهما أن يوصلاه إلى ورثته. فقدما المدينة، و قد أخذا من المتاع الآنية و القلادة، و أوصلا سائر ذلك إلى ورثته. فافتقد القوم الآنية و القلادة، فقال
____________
(1) الكافي 7/ 4- 5، ح 6، من لا يحضره الفقيه 4/ 142، ح 487، ببعض الاختلاف، تهذيب الأحكام 9/ 178- 179، ح 715، ايضا.
(2) هكذا في الكافي. و في النسخ: بعد العصر.
(3) الكافي: إذا ارتاب.
(4) الكافي 7/ 5، ح 7.
(5) من المصدر و أ.
255
أهل تميم لهما: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا، أنفق فيه نفقة كثيرة؟
فقالا: لا، ما مرض إلّا أيّاما قلائل.
قالوا: فهل سرق منه شيء في سفره هذا؟
قالا: لا.
قالوا: فهل اتّجر تجارة خسر فيها؟
قالا: لا.
قالوا: فقد افتقدنا أفضل شيء كان معه آنية منقوشة بالذّهب مكلّلة بالجوهر و قلادة.
فقال: ما دفع إلينا، فقد أدّيناه إليكم. فقدّموهما إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأوجب [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) عليهما اليمين. فحلفا، فخلّى عنهما. ثمّ ظهرت تلك الآنية و القلادة عليهما. فجاء أولياء تميم إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا رسول اللّه، قد ظهر على ابن بيدي و ابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما، فانتظر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من اللّه- تعالى- الحكم في ذلك. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ. (الآية).
فأطلق اللّه- تعالى- شهادة أهل الكتاب على الوصيّة فقط إذا كان في سفر و لم يجد المسلمين فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ. فهذه الشّهادة الأولى الّتي جعلها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً، أي: أنّهما حلفا على كذب فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، يعني: من أولياء المدّعي. مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يحلفان باللّه، إنّهما أحقّ بهذه الدّعوى منهما. و إنّهما قد كذبا فيما حلفا باللّه لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ..
فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أولياء تميم الدّاريّ، أن يحلفوا باللّه على ما
____________
(1) من المصدر.
256
أمرهم به، فحلفوا. فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- القلادة و الآنية من ابن بيدي و ابن أبي مارية، و ردّهما إلى أولياء تميم الدّاريّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، ما يقرب منه.
و في الكافي (2)، في عدّة أخبار، عن الصّادق- (عليه السلام)-: إذا كان الرّجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم، جاز شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة.
و اعلم، أنّه ينبغي أن يحمل الإحلاف على ما إذا كانا وصيّين. و أمّا إذا كانا شاهدين على الوصيّة، فلا يحلف الشّاهد و إن كان ذمّيّا بالإجماع.
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ:
قيل (3): ظرف «للا يهدي».
و قيل (4): بدل من مفعول «و اتّقوا» بدل اشتمال. أو مفعول «و اسمعوا» على حذف المضاف، أي: اسمعوا خبر يوم جمعهم. أو منصوب بإضمار «اذكر».
فَيَقُولُ: للرّسل.
ما ذا أُجِبْتُمْ، أي: أيّ إجابة أجبتم؟ على أنّ «ما ذا» في موضع المصدر. أو بأيّ شيء أجبتم؟ فحذف الجارّ. و هذا السّؤال لتوبيخ قومهم، كما أنّ سؤال «الموؤدة» لتوبيخ الوائد. و لذلك:
قالُوا لا عِلْمَ لَنا، أي: لا علم لنا بما كنت تعلمه.
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109):
قيل (5): فتعلم ما نعلمه ممّا أجابونا و أظهروا لنا، و ما لم نعلم ممّا أضمروا في قلوبهم. و فيه التّشكّي منهم، و ردّ الأمر إلى علمه بما كابدوا منهم.
و قيل (6): المعنى: لا علم لنا إلى جنب علمك. أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا،
____________
(1) تفسير القمي 1/ 189.
(2) الكافي 7/ 3.
(3) أنوار التنزيل 1/ 297. و فيه: «ظرف له» بدل «ظرف للا يهدي».
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نفس المصدر 1/ 297- 298.
(6) نفس المصدر. 1/ 298.
257
و إنّما الحكم للخاتمة.
و قرئ: «علّام» بالنّصب. على أنّ الكلام قد تمّ بقوله: «إنّك أنت»، أي:
إنّك الموصوف بصفاتك المعروفة. و «علّام» منصوب على الاختصاص. أو النّداء (1).
و قرأ حمزة و أبو بكر: «الغيوب» بكسر الغين حيث وقع (2).
و في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبد العزيز (4) المقريّ قال:
[قال: حدّثنا أبو عمرو محمّد بن جعفر المقريّ الجرجانيّ،] (5) حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن الموصليّ ببغداد قال: حدّثنا محمّد بن عاصم الطّريقي (6) قال: حدّثنا أبو زيد بن عبّاس (7) بن يزيد بن الحسن بن عليّ الكحّال مولى زيد بن عليّ قال: حدّثنا أبي زيد (8) بن الحسن قال: حدّثني موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: قال الصّادق- (عليه السلام)-: يقولون: لا علم لنا بسواك. و قال: القرآن كلّه تقريع، و باطنه تقريب.
و في روضة الكافي (9): عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن بريد الكناسي [قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا. قال: فقال:] (10) إنّ لهذا تأويلا «يقول ما ذا أجبتم» في أوصيائكم الّذين خلّفتموهم على أممكم؟ قال: فيقولون: «لا علم لنا» بما فعلوا من بعدنا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): عنه- (عليه السلام)- مثله.
من دون أن يسمّيه تأويلا.
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) معاني الأخبار/ 231، ح 1.
(4) المصدر: عبد الرحمن.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: الطريفي.
(7) المصدر: «عياش». و قيل في هامشه: في بعض النسخ «عباس.»
(8) المصدر: «حدّثني أبي يزيد.» و في أ «حدثنا محمد بن أبي زيد.»
(9) الكافي 8/ 338، ح 535.
(10) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(11) تفسير القمي 1/ 190.
258
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي: الّتي أنعمت.
عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ: بدل من «يوم يجمع». و هو على طريقة «و نادى أصحاب الجنّة».
و المعنى: أنّه- تعالى- يوبّخ الكفرة يومئذ بسؤال الرّسل عن إجابتهم و تعديد ما أظهر عليهم من الآيات، فكذّبهم طائفة و سمّوهم: سحرة. و غلا آخرون، فاتّخذوهم آلهة.
أو نصب بإضمار «اذكر».
إِذْ أَيَّدْتُكَ: قوّيتك. و هو ظرف «لنعمتي». أو حال منه.
و قرئ: «آيدتك» (1).
بِرُوحِ الْقُدُسِ: بجبرئيل- (عليه السلام)- أو بالكلام، الّذي به يحيا الدّين أو النّفس حياة أبديّة، و يطهر من الآثام.
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا، أي: كائنا في المهد و كهلا. و المعنى:
تكلّمهم في الطّفوليّة و الكهولة على سواء. و المعنى: إلحاق حاله في الطفوليّة بحال الكهولة في كمال العقل، و التّكلّم و به استدل على أنّه سينزل، فإنّه رفع قبل أن يكتهل.
وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي: سبق تفسيره في آل عمران.
و قرأ نافع و يعقوب: «طائرا». و يحتمل الإفراد و الجمع، كالباقر (2).
[و في عيون الأخبار (3) في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان و أصحاب المقالات في التّوحيد: قال الرّضا- (عليه السلام)-: يا نصرانيّ، أسألك عن مسألة.
قال: سل. فإن كان عندي علمها، أجبتك.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 298.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) عيون اخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 159.
259
قال الرّضا- (عليه السلام)-: ما أنكرت أنّ عيسى- (عليه السلام)- كان يحيي الموتى بإذن اللّه- عزّ و جلّ-؟
قال الجاثليق: أنكرت ذلك، من أجل أنّ من أحيا الموتى و أبرأ الأكمه و الأبرص، فهو ربّ مستحقّ لأن يعبد.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى- (عليه السلام)- مشى على الماء، و أحياء الموتى، و أبرأ الأكمه و الأبرص. فلم تتّخذه أمّته ربّا، و لم يعبده أحد من دون اللّه- عزّ و جلّ- و لقد صنع حزقيل النّبيّ- (عليه السلام)- مثل ما صنع عيسى بن مريم. فأحيا خمسة و ثلاثين ألف رجل من بعد موتهم، بستّين سنة. ثمّ التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت، أ تجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التّوراة، اختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثمّ انصرف بهم إلى بابل، فأرسله اللّه- عزّ و جلّ- إليهم فأحياهم؟ هذا في التّوراة لا يدفعه إلّا كافر منكم.
قال رأس الجالوت: قد سمعنا به و عرفناه.
قال: صدقت. ثمّ قال: يا يهوديّ، خذ على هذا السّفر من التّوراة. فتلا- (عليه السلام)- علينا من التّوراة آيات، فأقبل اليهوديّ يترجّح لقرائته و يتعجّب. ثمّ أقبل على النّصرانيّ فقال: يا نصرانيّ، أ فهؤلاء كانوا قبل عيسى، أم عيسى كان قبلهم؟
قال: بل كانوا قبله.
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: لقد اجتمعت قريش على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه أن يحيي لهم موتاهم. فوجّه معهم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال له: اذهب إلى الجبّانة، فناد بأسماء هؤلاء الرّهط الّذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان و يا فلان و يا فلان، يقول لكم محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قوموا بإذن اللّه- عزّ و جلّ- فقاموا ينفضون التّراب عن رؤوسهم. فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم. ثمّ أخبروهم أنّ محمّدا قد بعث نبيّا، فقالوا: وددنا أنّا أدركناه فنؤمن
260
به. و لقد أبرأ الأكمه و الأبرص و المجانين، و كلّمه البهائم و الطّير و الجنّ و الشّياطين، و لم نتّخذه ربّا من دون اللّه- عزّ و جلّ- و لم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم.
و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.] (1).
وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ، يعني: اليهود حين همّوا بقتله.
إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ: ظرف «لكففت».
فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)، أي: ما هذا الّذي جئت به إلّا سحر.
و قرأ حمزة و الكسائيّ: «إلّا ساحر». فالإشارة إلى عيسى- (عليه السلام)- (2).
وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ، أي: أمرتهم على ألسنة رسلي.
[و في تفسير العيّاشي (3): محمّد بن يوسف الصّنعانيّ، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)-: إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ..
قال: ألهموا.] (4).
أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي: يجوز أن تكون «أن» مصدريّة، و أن تكون مفسّرة.
قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111): مخلصون.
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ: منصوب «باذكر».
[و في كتاب التّوحيد (5)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أصحاب المقالات و الأديان: قال الرّضا- (عليه السلام)- للجاثليق: سل عمّا بدا لك.
قال الجاثليق: أخبرني عن حواريّ عيسى بن مريم كم كان عدّتهم، و عن علماء الإنجيل كم كانوا؟
قال الرّضا- (عليه السلام)-: على الخبير سقطت. أمّا الحواريّون، فكانوا اثني عشر رجلا. و كان أفضلهم و أعلمهم ألوقا. و أمّا علماء النّصارى، فكانوا ثلاثة رجال:
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في روأ.
(2) أنوار التنزيل 1/ 298.
(3) تفسير العياشي 1/ 350، ح 221.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(5) التوحيد/ 421، ح 1، و أوله في ص 417.
261
يوحنّا الأكبر بأجّ، و يوحنّا بقرقيسا، و يوحنا الدّيلميّ بزجّان (1). و عنده كان ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذكر أهل بيته و أمّته. و هو الّذي بشّر أمّة عيسى و بني إسرائيل به.
و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: لم سمّي الحواريّون الحواريّين؟
قال: أمّا عند النّاس، فإنّهم سمّوا: حواريّين، لأنّهم كانوا قصّارين يخلّصون الثّياب من الوسخ بالغسل. و هو اسم مشتقّ من الخبز الحوار. و أمّا عندنا، فسمّي الحواريّون: الحواريّين، لأنّهم كانوا مخلصين في أنفسهم و مخلصين لغيرهم من أوساخ الذّنوب بالوعظ و التّذكير.] (3).
و قيل (4): «إذ» ظرف «لقالوا» تنبيها على أنّ ادّعاءهم الإخلاص مع قولهم.
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ: لم يكن بعد عن تحقيق و استحكام معرفة.
[و في تفسير العيّاشي (5) عن يحيى الحلبيّ في قوله: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ. قال:
قراءتها: «هل تستطيع ربّك»، يعني: هل تستطيع أن تدعو ربّك.] (6).
و قيل (7): هذه الاستطاعة، على ما تقتضيه الحكمة و الإرادة. لا على ما تقتضيه القدرة.
و قيل: المعنى: هل يطيع ربّك، أي: هل يجيبك. و استطاع، بمعنى: أطاع.
كاستجاب، و أجاب.
و قرأ الكسائيّ: «تستطيع ربّك» أي: سؤال ربّك. و المعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف. و «المائدة» الخوان، إذا كان عليه الطّعام. من ماد [الماء،] (8) يميد: إذا
____________
(1) المصدر: بزجار.
(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 79، ح 10.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في روأ.
(4) أنوار التنزيل 1/ 298.
(5) تفسير العياشي 1/ 350، ح 222.
(6) أنوار التنزيل 1/ 298.
7 و 8- من المصدر.
262
تحرّك. أو مادة: إذا أعطاه. و كأنّها تميد من تقدّم إليها. و نظيرها [قولهم:] شجرة مطعمة (1).
قالَ اتَّقُوا اللَّهَ: من أمثال هذا السّؤال.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112): بكمال قدرته، و صحّة نبوّتي. أو صدقتم في ادّعائكم الإيمان.
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها: تمهيد عذر، و بيان لما دعاهم إلى السّؤال. و هو أن يتمتّعوا بالأكل منها.
وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا: بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته.
وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا: في ادّعاء النّبوّة. أو أنّ اللّه يجيب دعوتنا.
وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113): إذا استشهدتنا للعين، دون السّامعين للخبر.
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: لمّا رأى أنّ لهم غرضا صحيحا في ذلك. أو أنّهم لا يقلعون عنه. و أراد إلزامهم الحجّة بكمالها.
اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً:
قيل (2): أي: يكون يوم نزولها عيدا نعظّمه. و كان يوم الأحد. و لهذا اتّخذه النّصاري عيدا.
و قيل (3): العيد، السّرور العائد. و لذلك سمّي يوم العيد: عيدا.
و قرئ: «تكن» على جواب الأمر (4).
لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا: بدل من «لنا» بإعادة العامل، أي: عيدا لمتقدمينا و متأخّرينا.
و قيل (5): يأكل منها أوّلنا و آخرنا.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر 1/ 299.
3 و 4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
263
و قرئ: «لأولانا و أخرانا» بمعنى: الأمّة. أو الطّائفة (1).
وَ آيَةً: عطف على «عيدا».
مِنْكَ: صفة لها، أي: و آية كائنة منك على كمال قدرتك، و صحّة نبوّتي.
وَ ارْزُقْنا: المائدة. أو الشّكر عليها.
وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114): خير من يرزق. لأنّك خالق الرّزق، و معطيه بلا عوض.
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ: إجابة إلى سؤالكم.
و قرأ نافع و ابن عامر، بالتّشديد (2).
فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً، أي: تعذيبا. و يجوز أن يجعل مفعولا به، على السّعة.
لا أُعَذِّبُهُ:
الضّمير، للمصدر، أو «للعذاب» إن أريد به ما يعذّب به، على حذف حرف الجرّ.
أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115)، أي: من عالمي زمانهم.
قيل (3): أو العالمين مطلقا. فإنّهم مسخوا قردة و خنازير. و لم يعذّب بمثل ذلك غيرهم.
في مجمع البيان (4): اختلفت العلماء في المائدة، هل نزلت أم لا؟ و الصّحيح، أنّها نزلت لقوله- سبحانه-: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فلا يجوز أن يقع في خبره الخلف. و لأنّ الأخبار قد استفاضت عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه التّابعين أنّها نزلت.
و عن الباقر- (عليه السلام)- (5): أنّ عيسى بن مريم- (عليه السلام)- قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما، ثمّ سلوا اللّه ما شئتم يعطكموه. فصاموا ثلاثين يوما، فلمّا
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) مجمع البيان 2/ 266.
(5) نفس المصدر و الموضع.
264
فرغوا قالوا [: يا عيسى،] (1) إنّا لو عملنا لأحد من النّاس فقضينا عمله، لأطعمنا طعاما.
و إنّا صمنا و جعنا. فادع اللّه أن ينزّل علينا مائدة من السّماء. فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة و سبعة أحوات حتّى وضعتها (2) بين أيديهم. فأكل منها آخر النّاس كما أكل أوّلهم.
و عن عمّار بن ياسر (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: نزلت المائدة خبزا و لحما. و ذلك لأنّهم سألوا عيسى طعاما لا ينفد يأكلون منه. قال: فقيل لهم: فإنّها مقيمة لكم ما لم تخونوا، أو تخبّئوا، أو ترفعوا. فإن فعلتم ذلك عذبتكم. قال: فما مضى يومهم حتّى خبّؤوا و رفعوا و خانوا.
و عن سلمان الفارسيّ- رضي اللّه عنه (4)- أنّه قال: و اللّه، ما تبع عيسى شيئا من المساوئ قطّ، و لا انتهر يتيما، و لا قهقه ضحكا، و لا ذبّ ذبابا عن وجهه، و لا أخذ عن أنفه من شيء نتن (5) قطّ، و لا عبث قطّ. و لمّا سأله الحواريّون أن ينزّل عليهم المائدة، لبس صوفا و بكى و قال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (الآية) فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، و هم ينظرون إليها و هي تهوي منقضّة حتّى سقطت بين أيديهم.
فبكى عيسى- (عليه السلام)- و قال: اللّهمّ، اجعلني من الشّاكرين. اللّهمّ، اجعلها رحمة و لا تجعلها مثلة و عقوبة. و اليهود ينظرون إليها. ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قطّ، و لم يجدوا ريحا أطيب من ريحه.
فقام عيسى- (عليه السلام)- و توضّأ، و صلّى صلاة طويلة، ثمّ كشف المنديل عنها و قال: بسم اللّه خير الرّازقين. فإذا هو سمكة مشويّة ليس عليها فلوس، تسيل سيلا من الدّسم. و عند رأسها ملح. و عند ذنبها خلّ. و حولها من ألوان (6) البقول، ما عدا الكرّاث. و إذا خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، و على الثّاني عسل، و على الثّالث سمن، و على الرّابع جبن، و على الخامس قديد.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: وضعوها.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر 2/ 266- 267.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: نتن شيء.
(6) المصدر و أ: أنواع.
265
فقال شمعون: يا روح اللّه، أمن طعام الدّنيا هذا أم من طعام الآخرة؟
فقال عيسى: ليس شيء ممّا ترون من طعام الدّنيا، و لا من طعام الآخرة.
و لكنّه شيء افتعله اللّه- تعالى- بالقدرة الغالبة. كلوا ممّا سألتم، يمدكم و يزدكم (1) من فضله.
فقال الحواريّون: يا روح اللّه، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى.
فقال عيسى- (عليه السلام)- يا سمكة، أحيي بإذن اللّه- تعالى- فاضطربت السّمكة و عاد عليها فلوسها و شوكها، ففزعوا (2) منها. فقال: ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها. ما أخوفني عليكم أن تعذّبوا؟ يا سمكة، عودي كما كنت بإذن اللّه- تعالى- فعادت السّمكة مشويّة كما كانت.
فقالوا: يا روح اللّه، كن أوّل من يأكل منها ثمّ نأكل نحن.
فقال عيسى- (عليه السلام)-: معاذ اللّه أن آكل منها، و لكن يأكل منها من سألها. فخافوا أن يأكلوا منها. فدعا لها عيسى- (عليه السلام)- أهل الفاقة و الزّمنى و المرضى و المبتلين، فقال: كلوا منها جميعا و لكن الهناء، و لغيركم البلاء. فأكل منها ألف و ثلاثمائة رجل و امرأة، من فقير و مريض و مبتلى و كلّهم شبعان يتجشّأ. ثمّ نظر عيسى إلى السّمكة، فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السّماء. ثمّ طارت المائدة صعدا، و هم ينظرون إليها حتّى توارت عنهم. فلم يأكل يومئذ منها زمن إلّا صحّ، و لا مريض إلّا بريء، و لا فقير إلّا استغنى و لم يزل غنيّا حتّى مات. و ندم الحواريّون، و من لم يأكل منها.
و كانت إذا نزلت، اجتمع الأغنياء و الفقراء و الصغار و الكبار يتزاحمون عليها.
فلمّا رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم. فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى. فلا تزال منصوبة يؤكل منها، حتّى إذا فاء الفيء طارت صعدا و هم ينظرون في ظلّها حتّى توارت عنهم.
و كانت تنزل غبّا، يوما و يوما لا. فأوحى اللّه- تعالى- إلى عيسى
____________
(1) هكذا في المصدر و أ. و في سائر النسخ: يرزقكم.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: و فرقوا.
266
- (عليه السلام)-: اجعل مائدتي للفقراء دون الأغنياء. فعظم ذلك على الأغنياء، حتّى شكّوا و شكّكوا النّاس فيها. فأوحى اللّه إلى عيسى- (عليه السلام)-: إنّي شرطت على المكذّبين شرطا، إنّ من كفر بعد نزولها أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ..
فقال عيسى- (عليه السلام)-: «إن تعذّبهم فإنّهم عبادك و إن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم.» فمسخ منهم ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون رجلا، باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم في ديارهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطّرقات و الكناسات و يأكلون العذرة في الحشوش. فلمّا رأى النّاس ذلك، فزعوا إلى عيسى- (عليه السلام)- و بكوا و بكى على الممسوخين أهلوهم. فعاشوا ثلاثة أيّام، ثمّ هلكوا.
و في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام) (1)-: كانت المائدة تنزل عليهم، فيجتمعون عليها و يأكلون منها ثمّ ترفع. فقال كبراؤهم و مترفوهم: لا ندع سفلتنا يأكلون منها. فرفع اللّه المائدة ببغيهم، و مسخوا قردة و خنازير.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و اقتصر على ما نسبه إلى تفسير أهل البيت مقطوعا.
[و في تفسير العيّاشي (3): عن عيسى العلويّ، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المائدة الّتي نزلت على بني إسرائيل مدلّاة بسلاسل من ذهب.
. عليها تسعة ألوان (4) [و تسعة] (5) أرغفة.
الفضيل بن يسار، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- (6) قال: إنّ الخنازير من قوم عيسى. سألوا نزول المائدة فلم يؤمنوا بها، فمسخهم اللّه خنازير.
عن عبد الصّمد بن بندار (7) قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول:
كانت الخنازير قوما من القصّارين. كذّبوا بالمائدة، فمسخوا خنازير.
____________
(1) نفس المصدر 1/ 267.
(2) تفسير القمي 1/ 190.
(3) تفسير العياشي 1/ 350، ح 223.
(4) المصدر: أخونة.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر 1/ 351، ح 226.
(7) نفس المصدر و الموضع، ح 227.
267
و في تهذيب الأحكام (1): أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن الأشعريّ، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: الفيل مسخ- إلى قوله-: و الجرّيث و الضّبّ قوم (2) من بني إسرائيل، حيث نزلت المائدة على عيسى بن مريم- (عليه السلام)- لم يؤمنوا فتاهوا. فوقعت فرقة في البحر، و فرقة في البرّ.
و في كتاب الخصال (3): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المسوخ؟
فقال: هي (4) ثلاثة عشر: الفيل [و الدّبّ] (5) و الخنزير- إلى قوله-: و أمّا الخنازير، فكانوا قوما (6) نصارى سألوا ربّهم- تعالى- إنزال المائدة عليهم. فلمّا أنزلت عليهم، كانوا أشدّ ما كانوا كفرا و أشدّ تكذيبا.] (7).
وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ: يريد به توبيخ الكفرة و تبكيتهم. «و من دون اللّه» صفة «لإلهين». أو صلة «اتّخذوني». و معنى «دون»: إمّا المغايرة. فيكون فيه تنبيه على أنّ عبادة اللّه- تعالى- مع عبادة غيره كلا عبادة. فمن عبده مع عبادتهما، كأنّه عبدهما و لم يعبده. أو القصور. فإنّهم لم يعتقدوا أنّهما مستقّلان باستحقاق العبادة، و إنّما زعموا أنّ عبادتهما توصل إلى عبادة اللّه- تعالى- فكأنّه قيل: اتّخذوني و أمّي متوصّلين بنا إلى اللّه.
و في تفسير العيّاشي (8): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لم يقله، و سيقوله.
إنّ اللّه إذا علم أنّ شيئا كائن، أخبر عنه خبر ما قد كان.
____________
(1) تهذيب الأحكام 9/ 39، ضمن حديث 166.
(2) المصدر: فرقة.
(3) الخصال/ 494، ضمن حديث 2.
(4) المصدر: هم.
(5) من المصدر.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فقوم» بدل «فكانوا قوما.»
(7) ما بين المعقوفتين موجود في أ و لكن باختصار.
(8) تفسير العياشي 1/ 351، ح 228.
268
و عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (1) مثله.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و ذلك أنّ النّصارى زعموا، أنّ عيسى قال:
اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فإذا كان يوم القيامة يجمع اللّه بين النّصارى و بين عيسى فيقول: أَ أَنْتَ قُلْتَ (الآية).
قالَ سُبْحانَكَ، أي: أنزّهك تنزيها، من أن يكون لك شريك.
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ: ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحقّ لي.
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ: تعلم ما أخفيته في نفسي، كما تعلم ما أعلنته، و لا أعلم ما تخفيه من معلومات. و قوله: «في نفسك» للمشاكلة.
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116): تقرير للجملتين، باعتبار منطوقه و مفهومه.
و في تفسير العيّاشي (3): عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في تفسير هذه الآية: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ..
قال: إنّ الاسم الأكبر ثلاثة و سبعون حرفا. فاحتجب الرّبّ- تعالى- منها بحرف. فمن ثمّ لا يعلم أحد ما في نفسه- عزّ و جلّ- أعطى آدم اثنين و سبعين حرفا.
فتوارثتها الأنبياء حتّى صارت إلى عيسى- (عليه السلام)- فذلك قول عيسى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي، يعني: اثنين و سبعين حرفا من الاسم الأكبر. يقول: أنت علّمتنيها، فأنت تعلمها و لا أعلم ما في نفسك. يقول: لأنّك احتجبت من خلقك بذلك الحرف، فلا يعلم أحد ما في نفسك.
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ: تصريح بنفي المستفهم عنه، بعد تقديم ما يدلّ عليه.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 229.
(2) تفسير القمي 1/ 191.
(3) تفسير العياشي 1/ 351، ح 230.
269
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ: عطف بيان للضّمير في «به». أو بدل منه.
و ليس من شرط البدل جواز إسقاط المبدل منه مطلقا، حتّى يلزم منه بقاء الموصول بلا عائد. أو خبر مضمر. أو مفعوله، مثل: هو. أو أعني. و لا يجوز إبداله من «ما أمرتني به» لأنّ المصدر لا يكون مقول القول. و لا أن تكون «أن» مفسّرة، لأنّ الأمر مسند إلى اللّه. و هو لا يقول: اعبدوا اللّه ربّي و ربّكم. و القول لا يفسّر، بل الجملة تحكي بعده.
إلّا أن يؤوّل القول بالأمر، فكأنّ مثل ما أمرتهم «إلّا بما أمرتني به أن اعبدوا اللّه.».
وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ، أي: رقيبا عليهم، أمنعهم أن يقولوا ذلك و يعتقدوا. أو شاهدا لأحوالهم من كفر و إيمان.
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي:
قيل (1): بالرّفع إلى السّماء لقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ.
[و على ما سبق في الخبر «من أنّه قبض روحه بين السّماء و الأرض ثمّ ردّت إليه» لا حاجة إلى هذا التّوجيه] (2) (فقط في المتن و. ر.).
و التّوفّي: أخذ الشيء وافيا. و الموت نوع منه. قال اللّه- تعالى-: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها.
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ: المراقب لأحوالهم. فتمنع من أردت عصمته من القول به، بالإشارة بالدّلائل و التّنبيه بإرسال الرّسل و إنزال الآيات.
وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117): مطّلع مراقب له.
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ: تملكهم و تطلع على جرائمهم. فيه تنبيه على أنّهم استحقّوا ذلك، لأنّهم عبادك و قد عبدوا غيرك.
وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118): فلا عجز و لا استقباح.
فإنّك القادر القويّ على الثّواب و العقاب، الّذي لا يثيب و لا يعاقب إلّا عن حكمة و صواب. فإنّ المغفرة مستحسنة (3) لكلّ مجرم. فإن عذّبت فعدل، و إن غفرت تفضّل.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 300.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) هكذا في أنوار التنزيل. و في النسخ: ممتحنة.
270
و عدم غفران الشّرك بمقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع التّرديد و التّعليق «بإن».
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ:
قرأ نافع: «يوم» بالنّصب، على أنّه ظرف «لقال». و خبر «هذا» محذوف. أو ظرف مستقرّ وقع خبرا، و المعنى: هذا الّذي مرّ من كلام عيسى واقع يوم ينفع (1).
و قيل (2): إنّه خبر، و لكن مبنيّ على الفتح بإضافته إلى الفعل.
و [هو غير صحيح] (3) لأنّ المضاف إليه معرب. و المراد بالصّدق، الصّدق في الدّنيا. فإنّ النّافع ما كان في حال التّكليف.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان، عن ضريس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
قال: إذا كان يوم القيامة و حشر النّاس للحساب، فيمّرون بأحوال يوم القيامة.
فلا ينتهون إلى العرصة حتّى يجهدوا جهدا شديدا.
قال: فيقفون بفناء العرصة، و يشرف الجبّار عليهم و هو على عرشه. فأوّل من يدعى بنداء يسمع الخلائق أجمعين، أن يهتف باسم محمّد بن عبد اللّه النّبيّ القرشيّ العربيّ.
قال: فيتقدّم حتّى يقف على يمين العرش.
قال: ثمّ يدعى بصاحبكم عليّ، فيتقدّم حتّى يقف على يسار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ يدعى بأمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيقفون على يسار عليّ- (عليه السلام)- ثمّ يدعى بنبيّ نبيّ و أمّته معه من أوّل النّبيّين إلى آخرهم و أمّتهم معهم، فيقفون عن يسار العرش.
قال: ثمّ أوّل من يدعى للمساءلة القلم.
قال: فيتقدّم فيقف بين يدي اللّه في صورة الآدميّين.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 301.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) ليس في المصدر.
(4) تفسير القمي 1/ 191- 193.
271
فيقول اللّه: هل سطّرت في اللّوح ما ألهمتك و أمرتك به من الوحي؟
فيقول القلم: نعم يا ربّ، قد علمت أنّي قد سطّرت في اللّوح ما أمرتني و ألهمتني به من وحيك.
فيقول اللّه: فمن يشهد لك بذلك؟
فيقول: يا ربّ، و هل اطّلع على مكنون سرّك خلق غيرك؟
قال: فيقول له اللّه: أفلحت حجّتك.
قال: ثمّ يدعى باللّوح، فيتقدّم في صورة الآدميّين حتّى يقف مع القلم. فيقول له: هل سطّر فيك القلم ما ألهمته و أمرته به من وحي؟
فيقول اللّوح: نعم يا ربّ، و بلّغته إسرافيل (1). [فيتقدّم مع القلم و اللّوح في صورة الآدميين، فيقول اللّه: هل بلّغك اللّوح ما سطر فيه القلم من وحي؟
فيقول: نعم يا ربّ، و بلّغته جبرئيل.] (2) فيدعى بجبرئيل فيتقدّم حتّى يقف مع إسرافيل، فيقول اللّه له: هل بلّغك إسرافيل ما بلّغ؟
فيقول: نعم يا ربّ، و بلّغته جميع أنبيائك، و أنفذت إليهم جميع ما انتهى إليّ من أمرك، و أدّيت رسالاتك إلى نبيّ نبيّ و رسول رسول و بلّغتهم كلّ وحيك و حكمتك و كتبك، و أنّ آخر من بلّغته رسالاتك و وحيك و حكمتك و علمك و كتابك و كلامك محمّد بن عبد اللّه العربيّ القرشيّ الحرميّ حبيبك.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فانّ أوّل من يدعى من ولد آدم للمساءلة محمّد بن عبد اللّه. فيدنيه اللّه حتّى لا يكون خلق أقرب إلى اللّه يومئذ منه. فيقول اللّه: يا محمّد، هل بلّغك جبرئيل ما أوحيت إليك و أرسلته به إليك من كتابي و حكمتي و علمي، و هل أوحى ذلك إليك [يا محمّد؟] (3).
فيقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نعم [يا ربّ.] (4) قد بلّغني جبرائيل جميع
____________
(1) أ: جبرئيل.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(3) ليس في المصدر و أ.
(4) من المصدر و أ.
272
ما أوحيته إليه و أرسلته به من كتابك و حكمتك (1) و علمك، و أوحاه إليّ.
فيقول اللّه لمحمّد: هل بلّغت أمتك- يا محمّد- ما بلّغك جبرئيل من كتابي و حكمتي و علمي؟
فيقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نعم يا ربّ. قد بلّغت أمّتي جميع ما أوحيت (2) إليّ من كتابك و حكمتك و علمك، و جاهدت في سبيلك.
فيقول اللّه لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فمن يشهد لك بذلك؟
فيقول محمّد: يا ربّ، إنّك أنت الشّاهد لي في تبليغ (3) الرّسالة و ملائكتك و الأبرار من أمّتي، و كفى بك شهيدا. فيدعى بالملائكة فيشهدون لمحمّد بتبليغ الرّسالة. ثمّ يدعى بأمّة محمّد فيسألون: هل بلّغكم محمّد رسالتي و كتابي و حكمتي و علمي و علّمكم ذلك؟ فيشهدون لمحمّد بتبليغ الرّسالة و الحكمة و العلم.
فيقول اللّه لمحمّد: فهل استخلفت في أمّتك من بعدك من يقوم فيهم بحكمتي و علمي، و يفسّر لهم كتابي، و يبيّن لهم ما يختلفون فيه من بعدك حجّة لي و خليفة في الأرض؟
فيقول محمّد: نعم يا ربّ. قد خلّفت فيهم عليّ بن أبي طالب أخي و وزيري [و وصيّي] (4) و خير أمّتي، و نصبّته لهم علما في حياتي، و دعوتهم إلى طاعته، و جعلته خليفتي في أمّتي و إماما تقتدي به الأمّة بعدي (5) إلى يوم القيامة.
فيدعى بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فيقال له: هل أوصى إليك محمّد و استخلفك في أمّته و نصبّك علما لأمّته في حياته، و هل قمت فيهم من بعده مقامه؟
فيقول له عليّ- (عليه السلام)-: نعم يا ربّ. قد أوصى إليّ محمّد، و خلّفني في
____________
(1) هنا تمّ نسخة أ.
(2) المصدر: «ما أحي» بدل «جميع ما أوحيت.»
(3) المصدر: بتبليغ.
(4) ليس في المصدر.
(5) المصدر: «الأئمة من بعدي» بدل «الأمة بعدي.»
273
أمّته، و نصّبني لهم علما في حياته. فلمّا قبضت محمّدا إليك، جحدتني أمّته، و مكروا بي، و استضعفوني، و كادوا يقتلونني، و قدّموا قدّامي من أخّرت، و أخّروا من قدّمت، و لم يسمعوا منّي و لم يطيعوا أمري. فقاتلتهم في سبيلك حتّى قتلوني.
فيقال لعليّ: هل خلّفت من بعدك في أمّة محمّد حجّة و خليفة في الأرض، يدعو عبادي إلى ديني و إلى سبيلي؟
فيقول عليّ- (عليه السلام)-: نعم يا ربّ. قد خلّفت فيهم الحسن ابني و ابن بنت نبيّك. فيدعى بالحسن بن عليّ فيسأل عمّا سئل عنه عليّ بن أبي طالب.
قال: ثمّ يدعى بإمام إمام و بأهل عالمه، فيحتجّون. بحجّتهم. فيقبل اللّه عذرهم، و يجيز حجّتهم.
قال: ثمّ يقول اللّه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
و في مصباح الشّريعة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)- في حديث طويل: و حقيقة الصّدق، ما يقتضي تزكية اللّه- تعالى- لعبده. كما ذكر عن صدق عيسى بن مريم- (عليهما السلام)- في القيامة، بسبب ما أشار إليه من صدقة براءة (2) للصّادقين من رجال أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال- عزّ و جلّ-: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119): بيان النّفع.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120): فيه تنبيه على كذب النّصارى، و فساد دعواهم في المسيح و أمّه. و إنّما لم يقل: «من» تغليبا للعقلاء. لأنّ «ما» يطلق متناولا للأجناس كلّها، فهو أولى بإرادة العموم.
____________
(1) شرح فارسي مصباح الشريعة/ 409.
(2) المصدر: و هو مرآة.
274
تمّ الرّبع الأوّل، من كتاب كنز الدّقائق و بحر الغرائب، بحمد اللّه و حسن توفيقه. على يد مؤلّفه- الفقير إلى اللّه الغنيّ- ميرزا محمّد بن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدّين القّميّ. في مشهد ثامن الأئمّة. يوم الخميس، السّابع من جمادى الأخرى. بعد مضي أربع و تسعين سنة بعد الألف من الهجرة النّبويّة. و يتلوه تفسير سورة الأنعام في الرّبع الثّاني. و الحمد للّه أوّلا و آخرا. (1) [راقمه، العبد المحتاج إلى رحمة ربّه الغافر ابن محمّد تقيّ شهمرزاديّ محمّد باقر. غفر اللّه لكاتبه و لمصنّفه و لوالديهما. و الحمد للّه في الأوّل و الآخر. و كان الفراغ من تنميقه سلخ شهر رمضان المبارك للسّنة المذكورة.] (2).
____________
(1) هنا آخر نسخة مجلس الشورى الإسلامي «أ».
(2) نهاية نسخة الأصل. و نهاية نسخة ر هكذا: تمّ تنميقه على يد أحقر عباد اللّه و أفقرهم إلى اللّه الغني ابن عسكري محمد تقي السبزواري في سنة أربع و مائة بعد الألف. أللهم اغفر لمن ألّفه و كاتبه و قارئه و ناظره و والديهم و جميع المؤمنين و المؤمنات.
275
سورة الانعام
277
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* و به نستعين الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة على محمّد و آله المعصومين.
أمّا بعد، فيقول الفقير إلى اللّه الغنيّ، ميرزا محمّد بن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدّين القميّ: هذا الرّبع الثّاني من كتاب كنز الدّقائق و بحر الغرائب (1). شرعت فيه بتوفيق اللّه، سائلا منه التّأييد لإتمامه، ضارعا تسديد إتقانه، و هو المستعان، و عليه التّكلان.
____________
(1) ب، ج و ر: كنز الغرائب و بحر الدقائق.
278
سورة الأنعام مكّيّة، مائة و خمس و ستّون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (1)، بإسناده، عن ابن عبّاس قال: من قرأ سورة الأنعام في كلّ ليلة، كان من الآمنين يوم القيامة، و لم ير بعينه مقدم النّار (2).
و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- (3): نزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيّعها (4)، سبعون ألف ملك، حتّى أنزلت (5) على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فعظّموها و بجّلوها، فإنّ اسم اللّه فيها في سبعين موضعا، و لو علم النّاس ما فيها ما تركوها.
و في أصول الكافيّ (6)، بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن أبي حمزة رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ سورة الأنعام نزلت جملة [واحدة] (7).- و ذكر كما في كتاب
____________
(1) ثواب الأعمال 134.
(2) المصدر: «النار بعينه أبدا» بدل «بعينه مقدم النار».
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المصدر: شيّعها.
(5) هكذا في المصدر. و في ب: «نزل». و في سائر النسخ: نزلت.
(6) الكافي: 2/ 622، ح 12.
(7) ليس في المصدر و ر.
279
ثواب الأعمال سواء، إلّا أنّ في آخر الحديث: و لو يعلم النّاس ما في قراءتها ما تركوها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن الحسن (2) بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: نزلت الأنعام جملة واحدة يشيّعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتّسبيح و التّهليل و التّكبير، فمن قرأها سبّحوا له إلى يوم القيامة.
و في مجمع البيان (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: نزلت (4) عليّ الأنعام جملة واحدة يشيّعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتّسبيح و التّحميد، فمن قرأها صلّى عليه أولئك السّبعون ألف ملك بعدد كلّ آية من الأنعام يوما و ليلة.
و روى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ (5)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ ثلاث آيات من أوّل سورة الأنعام إلى قوله وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكّل اللّه به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة، و ينزل ملك من السّماء السّابعة و معه مرزبة (6) من حديد فإذا أراد الشّيطان أن يوسوس (7) أو يرمي (8) في قلبه شيئا، ضربه بها ضربة (9).
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ: أخبر بأنّه- تعالى- حقيق بالحمد، و نبّه على أنّه المستحقّ له على هذه النّعم الجسام حمد أو لم يحمد، ليكون حجّة على الّذين هم «بربّهم يعدلون».
و جمع «السموات» دون «الأرض» و هي مثلهنّ، لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة الآثار و الحركات، و قدّمها لشرفها و علو مكانها و تقدّم وجودها.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 193.
(2) المصدر: «الحسين» و كما قال الأردبيلي في جامع الرواة 1/ 196:
الحسن بن خالد: في بعض النسخ و بعضها «الحسين» كما يأتي البرقي ...
(3) مجمع البيان: 2/ 271.
(4) المصدر: أنزلت.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) المرزبة: عصاة كبيرة من حديد تتخذ لتكسير المدر.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يوسوسه.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: يوحي.
(9) ليس في المصدر.
280
وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ: أنشأهما.
و الفرق بين «خلق» و «جعل» الّذي له مفعول واحد، أنّ الخلق فيه معنى التّقدير، و الجعل فيه معنى التّضمّين. و لذلك عبّر عن إحداث النّور و الظّلمة بالجعل، تنبيها على أنّهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت الثّنويّة (1).
و جمع «الظّلمات» لكثرة أسبابها و الأجرام الحاملة لها، أو لأنّ المراد بالظّلمة الضّلالة و بالنّور الهدى و الهدى واحد و الضّلال متعدّد. و تقديمها، لتقدّم (2) الإعدام على الملكات. و من زعم أنّ الظّلمة عرض يضادّ النّور، احتجّ بهذه الآية و لم يعلم أنّ عدم الملكة كالعمى، ليس صرف العدم حتّى لا يتعلّق به الجعل.
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1): عطف على قوله: «الحمد للّه» على معنى: أنّ اللّه حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد «ثمّ الّذين كفروا به يعدلون» فيكفرون نعمته. و يكون «بربّهم» للتّنبيه على أنّه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكوّنهم و تربّيهم، فمن حقّه أن يحمد عليها و لا يكفر. أو على قوله: «خلق» على معنى: أنّه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه (3)، ثمّ هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه.
و معنى «ثمّ» استبعاد عدولهم بعد هذا البيان.
و الباء على الأوّل متعلّق ب «كفروا» و جملة «يعدلون» محذوفة، أي: يعدلون عنه، ليقع الإنكار على نفس الفعل. و على الثّاني متعلّقة ب «يعدلون» و المعنى: أنّ الكفّار يعدلون بربّهم الأوثان، أي: يسوّونها به.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- قال أبو محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)-: ذكر عند الصّادق- (عليه السلام)- الجدال في الدّين، و أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- قد نهوا عنه.
فقال الصّادق- (عليه السلام)-: لم ينه عنه مطلقا و لكن نهى عن الجدال بغير الّتي
____________
(1) و يكمل فيه معنى التضمين إنشاء و تصييرا و نقلا من التغير المغني. (هكذا في هامش ج)
(2) من ج و ر.
(3) هنا زيادة في النسخ سوى ج. و هي: «متعلّقة يعدلون».
(4) الاحتجاج 1/ 14- 25.
281
هي أحسن، أما تسمعون قول اللّه (1)- تعالى-: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و قوله- تعالى-: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلى أن قال الصّادق- (عليه السلام)-: و لقد حدّثني أبي الباقر، عن جدّى عليّ بن الحسين [عن أبيه الحسين] (2) بن علىّ سيّد الشّهداء، عن [أبيه] (3) أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهم)- أنّه اجتمع يوما عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أهل [خمسة] (4) أديان، اليهود و النّصارى و الدّهريّة و الثّنويّة و مشركوا العرب. إلى أن قال- (عليه السلام)-:
ثمّ أقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الدّهريّة.
فقال: و أنتم، فما الّذي دعاكم إلى القول: بأنّ الأشياء لا بدء لها و هي دائمة لم تزل و لا تزال؟
فقالوا: لأنّا لا نحكم إلّا بما نشاهده، و لم نجد للأشياء محدثا (5) فحكمنا بأنّها لم تزل، و لم نجد لها انقضاء و فناء فحكمنا بأنّها لا تزال.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ وجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء أبد الآبد؟ فإن قلتم إنّكم وجدتم ذلك، أنهضتم لأنفسكم أنّكم لم تزالوا على [الّذين يشاهدون على أنفسكم] (6) و عقولكم بلا نهاية و لا تزالون كذلك. و لئن قلتم هذا، دفعتم العيان و كذّبكم (7) العالمون الّذين (8) يشاهدونكم.
قالوا: بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الآبد.
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما، لأنّكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضاءها أولى من تارك التّميّز لها مثلكم فيحكم لها بالحدوث و الانقضاء و الانقطاع، لأنّه لم يشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الآبد، أو لستم تشاهدون اللّيل و النّهار و أحدهما بعد الآخر؟
فقالوا: نعم.
____________
(1) المصدر: أما تسمعون اللّه يقول.
2 و 3 و 4- من المصدر.
(5) المصدر: حدثا.
(6) ليس في المصدر. و فيه: «هيئتكم» بدلا منها.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: لكذّبكم.
(8) المصدر: و الذين.
282
فقال: أ ترونهما (1) لم يزالا و لا يزالان؟
فقالوا: نعم.
قال: أ فيجوز عندكم اجتماع اللّيل و النّهار؟
فقالوا: لا.
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فإذا ينقطع (2) أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما و يكون الثّاني جاريا بعده؟
قالوا: كذلك هو.
فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل و نهار و لم تشاهدوهما، فلا تنكروا للّه قدرته (3).
ثمّ قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ تقولون ما قبلكم من اللّيل و النّهار متناه أم غير متناه؟ فإن قلتم: غير متناه، فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوّله. و إن قلتم: إنّه متناه، فقد كان و لا شيء منهما.
قالوا: نعم.
قال لهم أقلتم: إنّ العالم قديم غير محدث و أنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به و بمعنى ما جحدتموه؟
قالوا: نعم.
قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فهذا الّذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر لأنّه لا قوام للبعض إلّا بما يتّصل به، ألا ترى (4) البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض و إلّا لم يتّسق و لم يستحكم و كذلك سائر ما نرى.
قال: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوّته و تمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون [ربّا] (5) و ما ذا كانت تكون صفته؟
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أ ترونها.
(2) المصدر: منقطع.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: اللّه قدرة.
(4) المصدر: كما نرى. ح: أ ترى.
(5) ليس في المصدر.
283
قال: فبهتوا، و علموا أنّهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلّا و هي موجودة في هذا الّذي زعموا أنّه قديم [فوجموا] (1) و قالوا: سننظر في أمرنا.
ثمّ أقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الثّنويّة الّذين قالوا: إنّ النّور و الظّلمة هما المدبّران.
فقال: و أنتم فما الّذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟
فقالوا: لأنّا وجدنا العالم صنفين، خيرا و شرّا. و وجدنا الخير ضدّا للشّرّ، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشّيء و ضدّه، بل لكلّ واحد منهما فاعل. ألا ترى أنّ الثّلج محال أن يسخن، كما أنّ النّار محال أن تبرد، فأثبتنا لذلك صانعين قديمين، ظلمة و نورا.
فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ فلستم [قد وجدتم] (2) سوادا و بياضا و حمرة و صفرة و خضرة و زرقة، و كلّ واحد ضدّ لسائرها لاستحالة اجتماع اثنين منها (3) في محلّ واحد، كما كان الحرّ و البرد ضدّين لاستحالة اجتماعهما في محلّ واحد؟
قالوا: نعم.
قال: فهلا أثبتم بعدد كلّ لون صانعا قديما، ليكون فاعل كلّ ضدّ من هذه الألوان غير فاعل الضّدّ الآخر؟
قال: فسكتوا.
ثمّ قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و كيف اختلط النّور و الظّلمة و هذا من طبعه الصّعود و هذا من طبعه (4) النزول؟ أرأيتم لو أنّ رجلا أخذ شرقا يمشي إليه و الآخر غربا أ كان يجوز عندكم أن يلتقيا ما داما سائرين على وجوههما (5)؟
قالوا: لا.
قال- (عليه السلام)-: فوجب أن لا يختلط النّور و الظّلمة لذهاب كلّ واحد منهما في غير جهة الآخر، فكيف وجدتم حدث هذا العالم من امتزاج ما لا مجال (6) أن يمتزج بل
____________
(1) من المصدر. و «وجم» سكت و عجز عن التكلّم.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: اجتماع مثلين منهما.
(4) المصدر: و هذه من طبعها.
(5) المصدر: وجههما.
(6) المصدر: «ما هو محال» بدل «ما لا مجال».
284
هما مدبّران جميعا مخلوقان؟
فقالوا: سننظر في أمرنا.
ثمّ أقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على مشركي العرب فقال: و أنتم فلم عبدتم الأصنام من دون اللّه- تعالى-؟
فقالوا: نتقرّب بذلك إلى اللّه- تعالى-.
فقال لهم: أو هي سامعة مطيعة لربّها عابدة له حتّى تتقرّبوا بتعظيمها إلى اللّه- عزّ و جلّ-؟
قالوا: لا.
قال: فأنتم الّذين نحتّموها (1) بأيديكم؟
[قالوا: نعم.
قال:] (2) فلئن تعبدكم هي- لو كان يجوز منها العبادة- أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم و الحكيم فيما يكلّفكم.
قال: فلمّا قال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذا اختلفوا.
فقال بعضهم: إنّ اللّه قد حلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصّورة، فصوّرنا هذه الصّور نعظّمها لتعظيمنا تلك الصّورة الّتي حلّ فيها [ربّنا] (3).
و قال آخرون منهم: إنّ هذه صور أقوام سلفوا كانوا بها (4) مطيعين للّه قبلنا، فمثّلنا صورهم و عبدناها تعظيما للّه.
و قال آخرون منهم: إنّ اللّه لمّا خلق آدم و أمر الملائكة بالسّجود له [فسجدوه تقرّبا للّه] (5) كنّا نحن أحقّ بالسّجود لآدم من الملائكة، ففاتنا ذلك، فصوّرنا صورته، فسجدنا لها [تقرّبا] (6) إلى اللّه، كما تقرّبت الملائكة بالسّجود لآدم إلى اللّه، و كما أمرتم بالسّجود بزعمكم إلى جهة مكّة ففعلتم، ثمّ نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب
____________
(1) ر: يختموها.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) كذا و لكن وجودها ضعيف.
(5) ليس في المصدر.
(6) من ج و ر.
285
سجدتم إليها و قصدتم الكعبة لا محاريبكم، و قصدكم (1) بالكعبة إلى اللّه لا إليها.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخطأتم الطّريق و ضللتم، أمّا أنتم- و هو (صلّى اللّه عليه و آله) يخاطب الّذين قالوا: إنّ اللّه يحلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصّورة الّتي صوّرناها، فصوّرنا هذه الصّور نعظّمها (2) لتعظيمنا لتلك الصّور الّتي حلّ فيها ربّنا- فقد وصفتم ربّكم بصفة المخلوقات، أو يحلّ ربّكم في شيء حتّى يحيط به ذلك الشّيء؟! فأيّ فرق بينه إذا و بين سائر ما يحلّ فيه من لونه و طعمه و رائحته و لينه و خشونته و ثقله و خفته؟ و لم صار هذا المحلول فيه محدثا و ذلك قديما دون أن يكون ذلك محدثا و هذا قديما؟ و كيف يحتاج إلى المحلّ (3) من لم يزل قبل المحلّ (4) و هو- عزّ و جلّ- كان (5) لم يزل.
و إذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول، فقد لزمكم أن تصفوه بالزّوال و ما وصفتموه بالزّوال و الحدوث فصفوه بالفناء. لأنّ ذلك أجمع من صفات الحالّ و المحلول (6) فيه، و جميع ذلك متغيّر الذّات. فإن كان لم يتغيّر ذات الباري- تعالى- بحلوله في شيء، جاز أن لا يتغيّر، بأن يتحرّك و يسكن و يسودّ و يبيضّ و يحمرّ و يصفرّ و تحلّه (7) الصّفات الّتي تتعاقب على الموصوف بها حتّى يكون فيه جميع صفات المحدثين و يكون محدثا تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا. (8) ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فإذا بطل ما ظننتموه من أنّ اللّه- تعالى- يحلّ في شيء، فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم.
قال: فسكت القوم و قالوا: سننظر في أمورنا.
ثمّ أقبل [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (9) على الفريق الثّاني فقال: أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد اللّه فسجدتم لها و صلّيتم فوضعتم الوجوه الكريمة على
____________
(1) المصدر: قصدتم.
(2) هكذا في المصدر. و في أ و ب: «تعظيما». و في ج و ر: «تعظّمها».
3 و 4- المصدر: المحالّ.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: كما.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: الحلول.
(7) أ، ب و ج: تحمله.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عزّ اللّه تعالى عن ذلك» بدل «تعالى ... كبيرا».
(9) من المصدر.
286
التّراب بالسّجود لها، فما الّذي أبقيتم لربّ العالمين؟ أما علمتم أنّ من حقّ من يلزم تعظيمه و عبادته أن لا يساوى به عبده؟ أرأيتم ملكا أو عظيما إذا سوّيتموه بعبيده (1) في التّعظيم و الخشوع و الخضوع أ يكون في ذلك وضع من الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصّغير؟
فقالوا: نعم.
قال: أفلا تعلمون أنّكم من حيث تعظّمون اللّه بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على ربّ العالمين.
قال: فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمرنا.
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للفريق الثّالث لقد ضربتم لنا مثلا و شبّهتمونا بأنفسكم و لسنا سواء، و ذلك أنّا عباد اللّه مخلوقون مربوبون، نأتمر فيما أمرنا و ننزجر عمّا زجرنا و نعبده من حيث يريده منّا. فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه و لم نتعدّ إلى غيره ممّا لم يأمرنا اللّه به و لم يأذن لنا، لأنّا لا ندري لعلّه و إن أراد منّا الأوّل فهو يكره الثّاني و قد نهانا أن نتقدّم بين يديه. فلمّا أمرنا أن نعبده بأن نتوجّه (2) إلى الكعبة أطعناه، ثمّ أمرنا بعبادته بالتّوجّه نحوها في سائر البلدان الّتي نكون بها فأطعناه. فلم نخرج في شيء من ذلك من اتّباع أمره، و اللّه- عزّ و جلّ- حيث أمر (3) بالسّجود لآدم لم يأمر (4) بالسّجود لصورته الّتي هي غيره، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه لأنّكم لا تدرون لعلّه يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به.
ثمّ قال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول داره يوما بعينه، أ لكم أن [تدخلوها بعد ذلك بغير أمره، أو لكم أن] (5) تدخلوا دارا له أخرى مثلها بغير أمره؟ أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه أو عبدا من عبيده أو دابّة من دوابّه، أ لكم أن تأخذوا ذلك؟
____________
(1) المصدر: بعبده.
(2) المصدر: «بالتوجّه» بدل «بأن نتوجّه».
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: أمرنا.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم يأمرنا.
(5) من المصدر.
287
[قالوا: نعم.
قال:] (1) فإن لم تأخذوه ألكم أخذ (2) آخر مثله؟
قالوا: لا، لأنّه لم يأذن لنا في الثّاني، كما أذن في الأوّل.
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فأخبروني اللّه أولى بأن لا يتقدّم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين؟
قالوا: بل اللّه أولى بأن لا يتصرّف في ملكه بغير إذنه (3).
قال: فلم عملتم (4) و متى أمركم (5) أن تسجدوا لهذه الصّور؟
قال: فقال القوم: سننظر في أمرنا (6)، ثمّ سكتوا.
و قال الصّادق- (عليه السلام)-: و الّذي بعثه بالحقّ نبيّا، ما أتت على جماعتهم إلّا ثلاثة أيّام حتّى أتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأسلموا، و كانوا خمسة و عشرين رجلا، من كلّ فرقة خمسة، و قالوا: ما رأينا مثل حجّتك، يا محمّد، نشهد أنّك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و قال الصّادق- (عليه السلام)-: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فأنزل اللّه- تعالى- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و كان في هذه الآية ردّ على ثلاثة أصناف منهم، لما قال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كان ردّا على الدّهريّة الّذين قالوا: إنّ الأشياء لا بدء لها و هي دائمة. ثمّ قال: [وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ فكان ردّا على الثنويّة الّذين قالوا:
إنّ النور و الظلمة هما المدبّران. ثم قال: ثُمَ] (7) الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فكان ردّا على مشركي العرب الّذين قالوا: إنّ أوثاننا آلهة.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
____________
(1) من المصدر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فإن لم تأخذوا أخذتم» بدل «فان ... أخذ».
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: أمره.
(4) المصدر: فعلتم.
(5) المصدر: أمركم بالسجود.
(6) المصدر: أمورنا.
(7) من ج و المصدر.
288
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن جعفر بن أحمد، عن العمركيّ بن عليّ، عن العبيديّ، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن جعفر، عن أبي إبراهيم قال: لكلّ صلاة وقتان، وقت يوم الجمعة زوال الشّمس. ثمّ تلا هذه الآية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [قال: يعدلون] (2) بين الظّلمات و النّور و بين الجور و العدل.
و في كتاب التّوحيد (3)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يقول فيها: فمن ساوى ربّنا بشيء فقد عدل به، و العادل به الكافر بما تنزّلت (4) به محكمات آياته و نطقت به شواهد حجج بيّناته. لأنّه اللّه الّذي لم يتناه في العقول، فيكون في نهب (5) فكرها مكيفا و في حواصل رويّات همم النّفوس محدودا مصرّفا. المنشئ أصناف الأشياء بلا رويّة احتاج إليها، و لا قريحة غريزة أضمر عليها، و لا تجربة أفادها من مرّ حوادث (6) الدّهور، و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور.
و فيها- أيضا-: كذب العادلون باللّه إذ شبّهوه بمثل أصنافهم، و حلّوه حلية المخلوقين بأوهامهم و جزّوه (7) بتقديره منتج (8) خواطرهم و قدّروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم.
و في تهذيب الأحكام (9): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا قرأتم الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ينبغي (10) أن تقول: كذب العادلون باللّه.
قلت له: فإن لم يقل الرّجل شيئا من هذا إذا قرأ؟
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 354، ح 4.
(2) من المصدر. و في النسخ: «يعدل». و هي ليس في ج.
(3) التوحيد/ 51- 54، ح 13.
(4) المصدر: نزلت.
(5) المصدر: مهبّ.
(6) النسخ و هامش المصدر، نقلا عن بعض النسخ: موجودات.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: جبروه.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: شبح.
(9) تهذيب الأحكام 2/ 297، ح 51.
(10) ليس في المصدر.
289
قال: ليس عليه شيء.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ: ابتدأ خلقكم منه، فإنّه المادة الأولى. أو أنّ آدم الّذي هو أصل البشر خلق منه.
قيل (1): أو خلق آباءكم، فحذف المضاف.
و في أصول الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن رجل، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق النّبيّين من طينة علّيّين قلوبهم و أبدانهم و خلق قلوب المؤمنين من تلك الطّينة، و جعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك. و خلق الكفّار من طينة سجّين [قلوبهم و أبدانهم،] (3) فخلط بين الطّينتين. فمن هذا يلد المؤمن الكافر و يلد الكافر المؤمن، و من هاهنا يصيب المؤمن السّيّئة و من هاهنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه و قلوب الكفّار تحنّ إلى ما خلقوا منه.
محمّد بن عيسى (4)، عن محمّد بن الحسين (5)، عن النّضر بن شعيب، عن عبد الغفّار الجازيّ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الطّينات ثلاثة: طينة الأنبياء و المؤمن من تلك الطّينة، إلّا أنّ الأنبياء من صفوتها، هم الأصل و لهم فضلهم، و المؤمنون الفرع من طيب لازب، لا يفرّق اللّه- تعالى- بينهم و بين شيعتهم.
و قال: طينة النّاصب من حمأ مسنون. و أمّا المستضعفون فمن تراب لا يتحوّل مؤمن من إيمانه و لا ناصب عن نصبه، و للّه المشيئة فيهم.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل قال: قلت
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 302.
(2) الكافي 2/ 2، ح 1.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر 2/ 3، ح 2. و فيه: محمد بن يحيى.
(5) المصدر: الحسن.
(6) النسخ: «الجمازي». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر. و هو الصحيح.
أنظر: جامع الرواة 2/ 461.
(7) نفس المصدر و المجلد، ص 3، ح 3.
290
لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، من أيّ شيء خلق اللّه- عزّ و جلّ- طينة المؤمن؟
فقال: من طينة الأنبياء، فلن تنجس (1) أبدا.
عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد و غير واحد، عن الحسين بن الحسن جميعا، عن محمّد بن أورمة، عن محمّد بن عليّ، عن إسماعيل بن يسار، عن عثمان بن يوسف قال: أخبرني عبد اللّه بن كيسان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له:
جعلت فداك، مولاك عبد اللّه بن كيسان.
قال: أمّا النسب فأعرفه، و أمّا أنت فلست أعرفك.
قال: قلت له: إنّي ولدت بالجبل و نشأت في أرض فارس. و إنّني أخالط [النّاس في التجارات و غير ذلك، فأخالط] (3) الرّجل فأرى له حسن السّمت (4) و حسن الخلق و كثرة أمانة، ثمّ أفتّشه [فأفتّشه عن عداوتكم. و أخالط الرّجل فأرى منه سوء الخلق و قلّة أمانة و دعارة (5)، ثمّ أفتّشه] (6) فأفتّشه (7) عن ولايتكم. فكيف يكون ذلك؟
قال: فقال لي: أما علمت، يا بن كيسان، أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أخذ طينة من الجنّة و طينة من النّار فخلطهما جميعا ثمّ نزع (8) هذه من هذه و هذه من هذه، فما رأيت من أولئك من الأمانة و حسن الخلق و حسن السّمت فممّا مسّهم من طينة الجنّة و هم يعودون إلى ما خلقوا منه، و ما رأيت من هؤلاء من قلّة الأمانة و سواء الخلق و الدعارة (9) فممّا مسّهم من طينة النّار و هم يعودون إلى ما خلقوا.
ثُمَّ قَضى أَجَلًا: كتب غير مسمّى، يمحوه و يثبت غيره للصّدقة و الدّعاء و صلة الرّحم و غيرها. و فيه البداء.
____________
(1) المصدر: فلم تنجس.
(2) نفس المصدر و المجلد، ص 5- 4، ح 5.
(3) من المصدر.
(4) السمت: هيئة أهل الخير.
(5) الدعارة: الفسوق و الفساد و الفجور.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: فأتبيّنه.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: فرع.
(9) المصدر: الزعارة.
291
وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ: لا يتقدّم و لا يتأخّر، و هو المحتوم». و الأوّل يسمّى موقوفا. و قد أطلق في بعض الأخبار «المسمّى» في مقابل «المحتوم» عليه، و سيأتي.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال: الأجل الّذي غير مسمّى موقوف يقدّم منه ما يشاء (2)، و أمّا الأجل المسمّى فهو الّذي ينزل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها [من قابل] (3). قال: فذلك قول اللّه- تعالى-: إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (4).
عن حمران (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى.
قال: المسمّى عنده (6) ما يسمّى (7) لملك الموت في تلك اللّيلة، و هو الّذي قال اللّه- تعالى-: إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ و هو الّذي يسمّي (8) لملك الموت في ليلة القدر. و الآخر له فيه المشيئة، إن شاء قدّمه، و إن شاء أخّره.
و في رواية حمران عنه (9): و أمّا الأجل الّذي غير مسمّى عنده، فهو أجل موقوف يقدّم فيه ما يشاء و يؤخر فيه ما يشاء. و أمّا الأجل المسمّى، فهو الّذي سمّي في ليلة القدر.
عن حصين (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال: [ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-] (11) الأجل الأوّل هو ما نبذه إلى الملائكة و الرّسل و الأنبياء، و الأجل المسمّى عنده هو الّذي ستره عن الخلائق.
و في أصول الكافي (12): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 354، ح 5.
(2) المصدر: ما شاء (و يؤخر منه ما شاء)
(3) من المصدر.
(4) يونس/ 49.
(5) نفس المصدر 1/ 345، ح 6.
(6) ليس في المصدر.
7 و 8- المصدر: سمّي.
(9) نفس المصدر و المجلد، ص 355، ح 8.
(10) نفس المصدر و الموضع، ح 9.
(11) ليس في المصدر.
(12) الكافي 1/ 147، ح 4.
292
ابن بكير، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال هما أجلان: أجل محتوم و أجل موقوف.
و أمّا
ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره (1) قال: «حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد (2)، عن عبد اللّه بن مسكان، عن الحلبيّ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
الأجل المقضيّ [هو] (4) المحتوم الّذي قضاه [اللّه] (5) و حتمه، و المسمّى (6) هو الّذي فيه البداء، يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء. و المحتوم ليس فيه تقديم و لا تأخير (7)»
فمعناه: أنّ الأجل المقضيّ و أمّا محتوم أو غير محتوم. و المقضيّ المحتوم هو ما ليس فيه البداء. [و المقضيّ الغير المحتوم فيه البداء] (8) و يطلق عليه المسمّى لكن بالقرينة، كما في الخبر.
لا أنّ المراد في الآية بالمسمّى ذلك حتّى ينافي الأخبار الأوّلة. و الدّليل على ما ذكرنا أنّ المقضيّ في الخبر موصوف بالمحتوم، فلو كان المقضيّ هو المحتوم لم يفد التّوصيف.
ثمّ
قال (9): و حدّثني ياسر، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: ما بعث اللّه نبيّا إلّا بتحريم الخمر، و أن يقرّ له بالبداء أن يفعل اللّه ما يشاء، و أن يكون في تراثه الكندر (10).
وَ أَجَلٌ: نكرة خصّت بالصّفة، و لذلك استغنى عن تقديم الخبر و الاستئناف به لتعظيمه، و لذلك نكّر و وصف بأنّه «مسمّى».
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2): استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنّه خالقهم و خالق أصولهم و محييهم (11) إلى آجالهم. فإنّ من قدر على خلق الموادّ و جمعها و إبداع الحياة فيها و إبقائها ما شاء، كان أقدر على جمع تلك الموادّ و إحيائها ثانيا. فالآية الأولى دليل
____________
(1) تفسير القمي 1/ 194.
(2) المصدر: النضر بن سويد، عن الحلبي ...
(3) ليس في المصدر.
4 و 5- من المصدر.
(6) ر، ب و أ: المعنى.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: تقدّم و لا تأخّر.
(8) ليس في ب و أ.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) الكندر: اللّبان، نبات من الفصيلة البخوريّة يفرز صمغا.
(11) هكذا في ج. و في سائر النسخ: مجيئهم.
293
التّوحيد، و الثّانية دليل البعث.
و الامتراء: الشّكّ. و أصله، المري، و هو استخراج اللّبن من الضّرع.
وَ هُوَ اللَّهُ: الضّمير للّه، و «اللّه» خبره.
فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ: متعلّق باسم اللّه. و المعنى: هو المستحقّ للعبادة فيهما لا غير، كقوله: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ. أو بقوله:
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ: خبر ثان. أو هي الخبر و «اللّه» بدل. و يكفي لصحّة الظّرفيّة [كون المعلوم فيهما، كقولك: رميت الصيد في الحرم، إذا كنت خارجه و الصيد فيه] (1) أو ظرف مستقرّ وقع خبرا، بمعنى: أنّه- تعالى- لكمال علمه بما فيهما [كأنّه فيهما] (2) و يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ بيان و تقرير له و ليس متعلّقا بالمصدر، لأنّ صفته لا تتقدّم عليه.
في كتاب التّوحيد (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: كذلك هو في كلّ مكان.
قلت (4): بذاته؟
قال: ويحك، إنّ الأماكن أقدار. فإذا قلت في مكان بذاته، لزمك أن تقول في أقدار و غير ذلك. و لكن هو بائن من خلقه، محيط بما خلق علما و قدرة [و إحاطة] (5) و سلطانا [و ملكا.] (6) و ليس علمه بما في الأرض بأقل ممّا في السّماء، و لا يبعد منه شيء، و الأشياء عنده (7) سواء علما و قدرة و سلطانا و ملكا و إحاطة.
وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3): من خير أو شرّ.
قيل (8): و لعلّه أريد بالسّرّ و الجهر ما يخفى و ما يظهر من أحوال الأنفس، و بالمكتسب أعمال الجوارح.
____________
(1) من ج و ر.
(2) من ج.
(3) التوحيد/ 132، ح 15.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: قيل.
5 و 6- من المصدر.
(7) المصدر: له.
(8) أنوار التنزيل 1/ 302.
294
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) قال: السّرّ، ما أسرّ في نفسه. و الجهر، ما أظهره.
و الكتمان (2)، ما عرض بقلبه ثمّ نسيه.
وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ:
«من» الأولى زائدة للاستغراق. و الثّانية للتّبعيض، أي: ما يظهر لهم دليل قطّ من الأدلّة، أو معجزة من المعجزات، أو آية من آيات القرآن.
إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4): تاركين النّظر فيه غير ملتفتين.
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ:
قيل (3): يعني: القرآن. و هو كالّلازم لما قبله، كأنّه قيل: إنّهم لمّا كانوا معرضين عن الآيات كلّها، كذّبوا به لمّا جاءهم. أو كالدّليل عليه، على معنى: أنّهم لمّا أعرضوا عن القرآن و كذّبوا له و هو أعظم الآيات، فكيف لا يعرضون عن غيره و لذلك رتّب عليه، بالفاء.
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5):
قيل (4): أي: ما يخبرهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أحوال استهزائهم.
و قيل (5): أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزءون عند نزول العذاب بهم في الدّنيا و الآخرة. أو عند ظهور الإسلام و ارتفاع أمره.
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، أي: من أهل زمانهم.
قيل (6): القرن: مدّة أغلب أعمار النّاس، و هي سبعون سنة.
و قيل (7): ثمانون.
و قيل (8): القرن: أهل عصر فيه نبيّ أو فائق قلّت المدّة أو كثرت.
و في مجمع البيان (9): أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ. قال الزّجّاج:
____________
(1) تفسير القمي 1/ 194.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: و الكسب.
(3) أنوار التنزيل 1/ 302- 303.
(4) يوجد ما في معناه في مجمع البيان 2/ 274.
5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 303.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) مجمع البيان 2/ 275.
295
و الّذي يقع عندي، أنّ القرن أهل كلّ مدّة كان فيها نبيّ، أو كان فيها طبقة من أهل العلم قلّت السّنون أو كثرت. و الدّليل عليه
قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خيركم قرني ثمّ الّذين يلونكم.
مأخوذ من قرنت (1) لاجتماعهم (2) في العصر.
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ: جعلنا لهم فيها مكانا، و قررناهم فيها. أو أعطيناهم من القوى و الآلات ما تمكّنوا من أنواع التّصرّف فيها.
ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ: ما لم نجعل لهم في السّعة و طول المقام، يا أهل مكّة. أو ما لم نعطكم من القوّة و السّعة في المال و الاستظهار بالعدد و الأسباب.
وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ: أي: المطر و السّحاب، أو المظلّة. فإنّ مبدأ المطر منها.
مِدْراراً: مغزارا.
وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ: فعاشوا في الخصب بين الأنهار و الأثمار.
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، أي: لم يغن ذلك عنهم شيئا.
وَ أَنْشَأْنا: و أحدثنا.
مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6): بدلا منهم.
و المعنى: أنّه- تعالى- كما قدر أن يهلك من قبلكم كعاد و ثمود و ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، يقدر أن يفعل ذلك بكم.
وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ: مكتوبا في ورق.
فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ فمسّوه. و تخصيص اللّمس، لأنّ التّزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا: إنّما سكّرت أبصارنا. و لأنّه يتقدّمه الإبصار حيث لا مانع. و تقييده بالأيدي، لرفع التّجوّز. فإنّه قد يتجوّز به للفحص، كقوله: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ.
لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7): تعنّتا و عنادا.
وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ: يكلّمنا أنّه نبيّ.
وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ: جواب لقولهم، و بيان لما هو المانع ممّا
____________
(1) المصدر: إقرانهم.
(2) ليس في المصدر.
296
اقترحوه، يعني: أنّ الملك لو أنزل بحيث عاينوه، كما اقترحوا، لحقّ إهلاكهم. فإنّ سنة اللّه جرت بذلك فيمن قبلهم.
ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8): بعد نزوله طرفة عين.
وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا: جواب ثان، إن جعل الهاء للمطلوب. و إن جعل للرّسول، فإنّه جواب اقتراح ثان. فإنّهم تارة ينتحلون لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ و تارة يقولون: لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة، يعني: و لو جعل قرينا لك ملكا يعاينونه. أو الرّسول ملكا لمثّلناه رجلا، كما مثّلنا جبرئيل في صورة دحية. فإنّ القوى البشريّة لا تقوى على رؤية الملك في صورته.
وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9):
قيل (1): جواب محذوف، أي: و لو جعلناه رجلا للبسنا، أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، فيقولون: ما هذا إلّا بشر مثلكم.
و الظّاهر، أنّه جواب للشّرط المذكور بعد اعتبار تقييده بالجواب الأوّل، فحينئذ لا احتياج إلى تقدير.
و قرئ (2): «لبسنا» بلا «لام» و «لبّسنا» بالتّشديد، للمبالغة.
في كتاب الاحتجاج (3): عن أبي محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال: قلت لأبي عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)-: هل كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يناظر اليهود و المشركين إذا عاتبوه، و يحاجّهم (4)؟
قال: بلى، مرارا كثيرة. إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة ... إذ ابتدأه عبد اللّه بن أبي أميّة المخزوميّ.
فقال: يا محمّد، فقد ادّعيت دعوى عظيمة و قلت مقالا هائلا، زعمت أنّك رسول ربّ العالمين، [و ما ينبغي لربّ العالمين] (5) و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله ...
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 303- 304.
(2) نفس المصدر و المجلد، ص 304.
(3) الاحتجاج 1/ 26- 30، بتقطيع للرواية.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يناظرهم.
(5) من ج و المصدر.
297
و لو كنت نبيّا، لكان معك ملك يصدّقك و نشاهده، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا. ما أنت، يا محمّد، إلّا رجلا مسحورا و لست بنبيّ.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهمّ أنت السّامع لكلّ صوت و العالم بكلّ شيء، تعلم ما قاله عبادك ... فأنزل عليه يا محمّد: وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ- إلى قوله- وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ.
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ... و أمّا قولك لي: «و لو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك و نشاهده، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا» فالملك لا تشاهده حواسّكم، لأنّه من جنس هذا الهواء لا عيان منه.
و لو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم، لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر. لأنّه إنّما كان يظهر لكم بصورة البشر الّذي ألفتموه، لتفهموا عنه مقالته و تعرفوا خطابه و مراده.
فكيف كنتم تعلمون صدق الملك و أنّ ما يقوله حقّ، بل إنّما بعث اللّه بشرا و أظهر على يده المعجزات الّتي ليست في طبائع البشر الّذين قد علمتم (1) ضمائر قلوبهم، فتعلمون بعجزكم عمّا جاء به أنّه معجزة، و أنّ ذلك شهادة من اللّه بالصّدق له. و لو ظهر لكم ملك و ظهر على يده ما يعجز عنه البشر، لم يكن في ذلك ما يدلّكم أنّ ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتّى يصير ذلك معجزا، ألا ترون أنّ الطّيور الّتي تطير ليس ذلك منها بمعجز، لأنّ لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها. و لو أنّ آدميًّا طار كطيرانها، كان ذلك معجزا. فاللّه- عزّ و جلّ- سهّل عليكم الأمر و جعل مثلكم، بحيث يقوم عليكم حجّته و أنتم تقترحون عمل الصعب الّذي لا حجّة فيه.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ: تسلية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ما يرى من قومه.
فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10): فأحاط بهم الّذي كانوا يستهزئون به، حيث أهلكوا لأجله. أو فنزل بهم و بال استهزائهم.
____________
(1) المصدر: علمتهم.
298
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)، أي: كيف أهلكهم اللّه بعذاب الاستئصال، كي تعتبروا.
قيل (1): و الفرق بينه و بين قوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا أنّ السّير ثمّة (2) لأجل النّظر، و لا كذلك هاهنا. و لذلك قيل: معناه، إباحة السّير للتّجارة و غيرها و إيجاب النّظر في آثار الهالكين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، أي: انظروا في القرآن و أخبار الأنبياء فانظروا.
و قد مضى نظيره عن الصّادق- (عليه السلام)- في سورة آل عمران.
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: خلقا و ملكا. و هو سؤال تبكيت.
قُلْ لِلَّهِ: تقرير لهم، و تنبيه على أنّه المتعيّن للجواب بالاتّفاق بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره.
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: التزمها تفضّلا و إحسانا.
و المراد بالرّحمة، ما يعمّ الدّارين. و من ذلك الهداية إلى معرفته، و العلم بتوحيده بنصب الأدلّة، و إنزال الكتب، و الإمهال على الكفر و الذّنوب لتدارك ما فرط.
و في روضة الكافي (4)، في رسالة أبي جعفر- (عليه السلام)- إلى سعد الخير: فكتب على نفسه الرّحمة، فسبقت قبل الغضب فتمّت صدقا و عدلا. فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه، و ذلك من علم اليقين و علم التّقوى.
لَيَجْمَعَنَّكُمْ: قرنا بعد قرن.
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:
قيل (5): استئناف، و قسم للوعيد على إشراكهم و إغفالهم النّظر، أي: ليجمعنّكم في القبور [مبعوثين] (6) إلى يوم القيامة فيجازيكم على شرككم. أو في يوم القيامة.
و «إلى» بمعنى: «في».
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 304.
(2) ثمّة: هناك.
(3) تفسير القمي 1/ 194.
(4) الكافي 8/ 53، ضمن ح 16.
(5) أنوار التنزيل 1/ 304.
(6) من ج و ر.
299
و قيل (1): بدل من الرّحمة، بدل البعض. فإنّ من رحمته بعثه إياكم و إنعامه عليكم.
لا رَيْبَ فِيهِ: في اليوم، أو الجمع.
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ: بتضييع رأس مالهم، و هو الفطرة الأصليّة و العقل السّليم.
و محلّ «الّذين» نصب على الذّمّ [أو رفع على الخبر، أي: و أنتم الذين] (2) أو رفع على الابتداء و الخبر فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12): و الفاء للدّلالة على أنّ عدم إيمانهم مسبّب عن خسرانهم. فإنّ إبطال العقل باتّباع الحواسّ و الوهم و الانهماك في التّقليد و إغفال النّظر، أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر و الامتناع عن الإيمان.
وَ لَهُ: عطف على «اللّه».
ما سَكَنَ: فاعل الظّرف، لاعتماده على المعطوف عليه.
فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ:
و «سكن» إمّا من السكنى و التّعدية ب «في»، كما في قوله: وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، يعني: ما اشتملا عليه. أو من السّكون، أي: ما سكن فيهما و تحرّك.
فاكتفى بأحد الضّدّين عن الآخر.
ذكر في الأوّل السّموات و الأرض المشتملين على الأمكنة جميعا، و هنا اللّيل و النّهار المشتملين على الأزمنة جميعا، ليعمّ الموجودات الّتي تستدرج تحت الظّرفين.
وَ هُوَ السَّمِيعُ: لكلّ مسموع.
الْعَلِيمُ (13): بكلّ معلوم، فلا يخفى عليه شيء. و يجوز أن يكون وعيدا للمشركين على أقوالهم و أفعالهم.
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا: إنكار لاتّخاذ غير اللّه وليّا، لا لاتخاذ الوليّ.
فلذلك قدّم الولي. و أولى الهمزة.
و المراد بالوليّ: المعبود. لأنّه ردّ لمن دعاه إلى الشّرك.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 304.
(2) من نفس المصدر.
300
فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: مبدعهما. ابتدأ بقدرته و حكمته من غير احتذاء مثال.
و عن ابن عبّاس (1): ما عرفت معنى الفاطر حتّى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. و جرّه على الصّفة «للّه». فإنّه بمعنى الماضي، و لذلك قرئ: فطر.
و قرئ (2)، بالرّفع و النّصب، على المدح.
وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ: يرزق و لا يرزق، يعني: المنافع كلّها من عنده، و لا يجوز عليه الانتفاع. و تخصيص الطّعام، لشدّة الحاجة إليه.
و قرئ (3): «و لا يطعم» بفتح الياء، و بعكس الأوّل، على أنّ الضّمير لغير اللّه.
و المعنى: كيف أشرك بمن هو فاطر السّموات و الأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانات.
و بناؤهما للفاعل، على أنّ الثّاني من أطعم، بمعنى: استطعم. أو على معنى:
أنّه يطعم تارة و لا يطعم أخرى، كقوله: يقبض و يبسط (4).
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ: لأنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- سابق أمّته في الدّين.
وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14): و قيل لي: و لا تكوننّ. و يجوز عطفه على «قل».
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15): مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، و تعريض لهم بأنّهم عصاة مستوجبون للعذاب. و الشّرط معترض بين الفعل و المفعول به، و جوابه محذوف دلّ عليه الجملة.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 304.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 120- 121، ح 12.
301
لم يزل (1) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ حتّى نزلت سورة الفتح، فلم يعد إلى ذلك الكلام.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ، أي: يصرف العذاب عنه.
و قرأ (2) حمزة و الكسائيّ و أبو بكر عن عاصم: «يصرف» على أنّ الضمير فيه للّه.
و قرئ (3)، بإظهاره، و المفعول به محذوف. أو «يومئذ» بحذف المضاف، أي:
عذاب يومئذ.
فَقَدْ رَحِمَهُ: نجّاه و أنعم عليه.
في مجمع البيان (4): روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و الّذي نفسي بيده، ما من النّاس أحد يدخل الجنّة بعمله.
قالوا: و لا أنت، يا رسول اللّه؟
قال: و لا أنا، الّا أن يتغمّدني اللّه برحمة منه و فضل.
وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)، أي: الصّرف. أو الرّحم.
وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ: ببليّة، كمرض و فقر.
فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ: فلا قادر على كشفه إلّا هو.
وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ: بنعمة، كصحّة و غنى.
فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17): فلا يقدر غيره على دفعه. لأنّ اللّه على كلّ شيء قدير، فلا يقاوم معه أحد. و أقيم علّة الجزاء مقامه.
وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ: تصوير لقهره و علوّه بالقدرة و الغلبة، يعني: أنّهم تحت تسخيره و تذليله.
وَ هُوَ الْحَكِيمُ، أي: في أمره و تدبيره.
الْخَبِيرُ (18): بالعباد و خفايا أحوالهم، و بكلّ شيء.
و في كتاب التوحيد (5): عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- عليه
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ما ترك.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 305.
(4) مجمع البيان 2/ 280.
(5) التوحيد/ 190، ذيل ح 2.
302
السّلام: و أمّا القاهر، فإنّه ليس على معنى علاج و نصب و احتيال و مداراة و مكر، كما يقهر العباد بعضهم بعضا، فالمقهور منهم يعود قاهرا و القاهر يعود مقهورا، و لكن كلّ ذلك من اللّه- تبارك و تعالى- على أنّ جميع ما خلق متلبّس بالذّل لفاعله و قلّة الامتناع لما أراد به فلم يخرج منه طرفة عين إنّه يقول له: كن فيكون. و القاهر منّا على ما ذكرت (1)، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً:
الشّيء يقع على كلّ موجود. و جاز إطلاقه على اللّه- تعالى- لإخراجه عن حدّ التّعطيل، و لكنّه شيء بخلاف الأشياء، كما في الكافيّ (2) عن الصّادق- (عليه السلام)-.
و قد سبق في سورة البقرة، أي: قل: أيّ موجود أعظم و أصدق شهادة؟
قُلِ اللَّهُ، أي: اللّه أكبر شهادة. ثمّ ابتدأ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ، أي: هو شهيد.
و يجوز أن يكون «اللّه شهيد» هو الجواب. لأنّه- تعالى- إذا كان شهيدا، كان أكبر شيء شهادة.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، في رواية أبي الجارود: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: أن مشركي أهل مكّة قالوا: يا محمّد، ما وجد اللّه رسولا يرسله غيرك، ما نرى أحدا يصدّقك بالّذي تقول- و ذلك في أوّل ما دعاهم يومئذ بمكّة- قالوا: و لقد سألنا عنك اليهود و النّصارى، فزعموا أنّه ليس لك ذكر عندهم، فائتنا من أمر يشهد أنّك رسول اللّه.
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ.
و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى محمّد بن عيسى بن عبيد قال: قال لي أبو الحسن- (عليه السلام)-: ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن اللّه- عزّ و جلّ- أ شيء هو أم لا؟
____________
(1) المصدر: ما ذكرته و وصفت.
(2) الكافي 1/ 83.
(3) تفسير القمي 1/ 195.
(4) التوحيد/ 107.
303
قال: فقلت له: قد أثبت- عزّ و جلّ- نفسه شيئا حيث يقول: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئيّة عنه إبطاله و نفيه.
قال لي: صدقت و أصبت.
وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، أي: بالقرآن. و اكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة.
وَ مَنْ بَلَغَ: عطف على ضمير المخاطبين، أي: لأنذركم به، يا أهل مكّة، و سائر من بلغه من الأسود و الأحمر أو من الثّقلين. أو لأنذركم، أيّها الموجودون، و من بلغه إلى يوم القيامة (1).
في كتاب علل الشّرائع (2): حدّثني محمّد بن يحيى العطّار- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا عبد اللّه بن عبّاس، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ.
قال: لكلّ إنسان (3).
و فيه دلالة على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله و من بعدهم، و أنّه لا يؤخذ به من لم يبلغه. و لا ينافي ذلك
ما رواه في أصول الكافي (4): عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عائد (5)، عن ابن أذينة، عن مالك الجهنيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية.
قال: من بلغ أن يكون إماما من آل محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهو ينذر بالقرآن، كما أنذر به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
أحمد بن عبد العظيم (6)، عن ابن أذينة، عن مالك الجهنيّ قال: قلت لأبي
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 305.
(2) علل الشرايع/ 125.
(3) المصدر: «بكلّ لسان» بدل «لكلّ إنسان».
(4) الكافي 1/ 416.
(5) المصدر، ج و ر: عائذ.
(6) الكافي 1/ 424.
304
عبد اللّه- (عليه السلام)-: وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ (الآية).
قال: من بلغ أن يكون إماما من آل محمّد ينذر بالقرآن، كما ينذر به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
لأنّه ليس في الخبر أنّ معنى الآية هذا، بل أنّ الإمام من آل محمّد ينذر به، كما ينذر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، لا أنّه معنى الآية. و على تقدير أن يكون المراد أنّه معنى الآية بأن يكون «من بلغ» عطفا على الضّمير في «لأنذركم» و يكون مفعول «بلغ» محذوفا، أي: ينذر من بلغ الإمامة به. فلا ينافيه- أيضا- لأنّ للقرآن ظهرا و بطنا و لبطنه بطن، كما سبق الخبر الدّالّ عليه.
و أمّا
ما في مجمع البيان و في تفسير العيّاشيّ (1): «قال أبو جعفر و أبو عبد اللّه- (عليهما السلام)-: و من بلغ أن يكون إماما من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهو ينذر بالقرآن، كما أنذر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-»
فمحمول على الوجه الأخير.
أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى: تقرير لهم مع إنكار و استبعاد.
في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: لم يزل اللّه- عزّ و جلّ- عليما قادرا حيّا قديما سميعا بصيرا.
فقلت له: يا ابن رسول اللّه، إنّ قوما يقولون لم يزل اللّه عالما بعلم و قادرا بقدرة و حيّا بحياة [قديما بقدم] (3) و سميعا بسمع و بصيرا ببصر.
فقال- (عليه السلام)-: من قال ذلك و دان به (4)، فقد اتّخذ مع اللّه آلهة أخرى و ليس من ولايتنا على شيء.
ثمّ قال- (عليه السلام)-: لم يزل اللّه عليما قادرا حيّا قديما سميعا بصيرا لذاته، تعالى عمّا يقول المشركون و المشبّهون علوّا كبيرا.
قُلْ لا أَشْهَدُ: بما تشهدون.
قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، أي: بل أشهد أن لا إله إلّا هو.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 282، و تفسير العياشي 1/ 356 ح 12 مع اختلاف يسير.
(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 119.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: «ذان و ذان» بدل «ذلك و دان به».
305
و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى الفضل بن شاذان قال: سأل رجل من الثّنويّة أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- و أنا حاضر فقال: إنّي أقول: إنّ صانع العالم اثنان، فما الدّليل على أنّه واحد؟
فقال: قولك: إنّه اثنان، دليل على أنّه واحد. لأنّك لم تدع الثّاني إلّا بعد إثباتك الواحد. فالواحد مجمع عليه، و الأكثر من واحد مختلف فيه.
و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام)-: يا بنيّ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه، و لعرفت أحواله و صفاته، و لكنّه إله واحد، كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه أحد و لا يزول أبدا.
وَ إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)، يعني: الأصنام.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ، أي: يعرفون رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بحليته المذكورة في التّوراة و الإنجيل.
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ: بحلاهم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في اليهود و النّصارى. يقول اللّه- تبارك و تعالى-: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، [يعني: التوراة و الإنجيل] (4) يَعْرِفُونَهُ، يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أنزل عليهم في التّوراة و الإنجيل و الزّبور صفة محمّد بن عبد اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صفة أصحابه و مبعثه و هجرته (5). و هو قوله- تعالى-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ. فهذه صفة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في التّوراة و الإنجيل، و صفة أصحابه. فلمّا بعثه اللّه
____________
(1) التوحيد/ 269 ح 6.
(2) نهج البلاغة/ 396، كتاب 31.
(3) تفسير القمّي 1/ 32.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: مهاجره.
306
- عزّ و جلّ- عرفه أهل الكتاب كما قال- جلّ جلاله-: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ: من أهل الكتاب و المشركين. فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20): لتضييعهم ما يكتسب به الإيمان.
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، كقولهم: الملائكة بنات اللّه.
و هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه.
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ، كأن كذّبوا بالقرآن و المعجزات، و سمّوها سحرا. و إنّما ذكر «أو» و هم قد جمعوا بين الأمرين، تنبيها على أنّ كّلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظّلم على النّفس.
إِنَّهُ: الضّمير للشّأن.
لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21): فضلا عمّن لا أحد أظلم منه.
وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً: منصوب بمضمر، تهويلا للأمر.
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ، أي: آلهتكم الّتي جعلتموها شركاء للّه. و يأتي ما ورد فيه، و أنّ المراد شركاؤهم في الولاية.
و قرأ (1) يعقوب: «يحشر» و «يقول» بالياء.
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)، أي: تزعمونهم شركاء. فحذف المفعولان.
و المراد بالاستفهام التّوبيخ.
قيل (2): و لعلّه يحال بينهم و بين آلهتهم- حينئذ- ليفقدوها في السّاعة الّتي علّقوا بها الرّجاء فيها. و يحتمل أن يشاهدوهم، و لكن لمّا لم ينفعوهم (3) فكأنّهم غيّب عنهم.
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا:
قيل (4): أي: كفرهم، و المراد عاقبته.
و قيل (5): جوابهم. و إنّما سمّاها «فتنة» لأنّه كذب. أو لأنّهم قصدوا به الخلاص.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 306.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: لم ينفعهم.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 306.
307
و في مجمع البيان (1): المرويّ عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّ المراد لم يكن معذرتهم إِلَّا أَنْ قالُوا.
و على هذا سمّاه «فتنة» لأنّهم يتوهّمون أنّه بها يتخلّصون من العذاب. من فتنت الذّهب: إذا خلصته.
و قرأ (2) ابن كثير و ابن عامر و حفص: «لم تكن» بالتّاء و رفع «فتنة» على أنّه الاسم. و نافع و أبو عمرو و أبو بكر عنه، بالتّاء و النّصب، على أنّ الاسم «أن قالوا».
و التأنيث للخبر، كقولهم: من كانت أمّك. و الباقون، بالياء و النّصب.
وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23): يكذبون و يحلفون عليه، مع علمهم بأنّه من فرط الحسرة و الدّهشة، كما يقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها (3) و قد أيقنوا بالخلود.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): أخبرنا الحسين بن محمّد [عن المعلّى بن محمد] (5)، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ بولاية عليّ.
و في روضة الكافي (6): عن عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين (7) بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: [وَ اللَّهِ] (8) رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
قال: يعنون بولاية عليّ- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشيّ (9): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
إنّ اللّه يعفو يوم القيامة عفوا (10) لا يخطر على بال أحد، حتّى يقول أهل الشّرك: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
____________
(1) المجمع 2/ 284.
(2) أنوار التنزيل 1/ 306.
(3) المؤمنون/ 107.
(4) تفسير القمّي 1/ 199.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 8/ 287، ضمن ح 432.
(7) المصدر: الحسن.
(8) من المصدر.
(9) تفسير العياشي 1/ 357، ح 15.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: يعلو يوم القيامة علوا.
308
و قرأ (1) الكسائيّ: «ربّنا» بالنّصب، على النّداء أو المدح.
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ: بنفي الشّرك عنها.
وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24): من الشّركاء.
في كتاب التّوحيد (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، ذكر فيه أحوال أهل المحشر. و فيه يقول- (عليه السلام)-: ثمّ يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. فيختم اللّه- تبارك و تعالى- على أفواههم و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود فتشهد بكلّ معصية كانت منهم، ثم يرفع (3) عن ألسنتهم الختم فيقولون: لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيء.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ (4)- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه أحوال أهل القيامة، و فيه: ثمّ يجتمعون في موطن (5) آخر فيستنطقون فيه، فيقولون: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. و هؤلاء خاصّة هم المقرّون في دار الدّنيا بالتّوحيد، فلم ينفعهم إيمانهم باللّه- تعالى- لمخالفتهم (6) رسله و شكّهم فيما أتوا به عن ربّهم و نقضهم عهودهم في أوصيائهم و استبدالهم الّذي هو أدنى بالّذي هو خير. فكذّبهم اللّه فيما انتحلوه من الإيمان بقوله: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثنا أحمد بن محمّد قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه قال: حدّثنا كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله:
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ. يقول: صمّ عن الهدى و بكم لا يتكلّمون بخير فِي الظُّلُماتِ، يعني: ظلمات الكفر. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فهو ردّ على قدريّة هذه الأمّة، يحشرهم اللّه يوم القيامة مع الصّابئين و النّصارى
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 306.
(2) التوحيد/ 261، ضمن ح 5.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: يزيغ.
(4) الاحتجاج 1/ 360.
(5) المصدر: مواطن.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: مع مخالفتهم.
(7) تفسير القمّي 1/ 198.
309
و المجوس فيقولون: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. يقول: [اللّه] (1) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
قال: و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ لكلّ أمّة مجوسا، و مجوس هذه الأمة الّذين يقولون: لا قدر. و يزعمون أنّ المشيئة و القدرة إليهم و لهم.
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ: حين تتلو القرآن.
قيل (2): المراد أبو سفيان و الوليد و النّضر و عتبة و شيبة و أبو جهل و أضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقرأ.
فقالوا للنّضر: ما يقول؟
فقال: و الّذي جعلها بيته، ما أدري ما يقول، إنّه يحرّك لسانه و يقول أساطير الأوّلين، مثل ما حدّثتكم.
وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً: أغطية. جمع، كنان: و هو ما يستر الشّيء.
أَنْ يَفْقَهُوهُ: كراهة أن يفقهوه.
وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً: يمنع من استماعه. كناية عن نبوّ (3) قلوبهم و أسماعهم عن القبول.
وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها: لفرط عنادهم و استحكام التّقليد فيهم.
حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ، أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنّهم جاؤوك يجادلونك.
و «حتّى» هي الّتي تقع بعدها الجمل لا عمل لها، و الجهلة «إذا جاؤوك» و جوابه و هو يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25): فإنّ جعل أصدق الحديث خرافات الأوّلين غاية التكذيب. «و يجادلونك» حال لمجيئهم.
و يجوز أن تكون جارّة «و إذا جاؤوك» في موضع الجرّ و «يجادلونك» في موضع جواب و «يقول» تفسير له.
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 1/ 306.
(3) نبا السيف: كلّ و رجع من غير قطع.
310
و الأساطير، جمع أسطورة، كالأراجيف، جمع أرجوفة. أو إسطارة أو أسطار، جمع سطر. و أصله السّطر بمعنى: الخطّ.
وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ:
قيل (1): أي: ينهون النّاس عن القرآن، أو الرّسول و الإيمان به.
وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ: بأنفسهم، أي: مع أنّهم أنفسهم لا يؤمنون يمنعون النّاس عن الإيمان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) قال: بنو هاشم كانوا ينصرون رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يمنعون قريشا عنه. وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ، أي [يباعدون عنه و] (3) يساعدونه و لا يؤمنون به.
وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، أي: بذلك الفعل.
وَ ما يَشْعُرُونَ (26): إنّ ضررهم لا يتعدّاهم الى غيرهم.
وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ: جوابه محذوف، أي: لو تراهم حين يقفون على النّار حتّى يعاينوها أو يطّلعون عليها أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها، لرأيت أمرا شنيعا.
و قرئ (4): «وقفوا» على البناء للفاعل. من وقف عليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، قال: نزلت في بني أميّة.
فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ: تمنّيا للرّجوع إلى الدّنيا.
وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27): استئناف كلام منهم على وجه الإثبات، كقولهم: دعني و لا أعود، أي: أنا لا أعود تركتني أو لم تتركني. أو عطف على «نردّ». أو حال من الضّمير فيه فيكون في حكم التّمنّي. و قوله: وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ راجع إلى ما تضمّنه التّمنيّ من الوعد. و نصبهما حمزة و يعقوب و حفص على الجواب بإضمار أن بعد الواو إجراء لها مجرى الفاء.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 306- 307.
(2) تفسير القمّي 1/ 196.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 307.
(5) تفسير القمّي 1/ 196.
311
و قرأ (1) ابن عامر، برفع الأوّل على العطف، و نصب الثّاني على الجواب.
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ: الإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التّمنّي.
و المعنى: أنّه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم أو قبائح أعمالهم، فتمنّوا ذلك ضجرا لا عزما على أنّهم لو ردّوا لآمنوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، قال: من عداوة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
وَ لَوْ رُدُّوا: إلى الدّنيا بعد الوقوف و الظّهور.
لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ: من الكفر و المعاصي.
وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28): فيما وعدوا من أنفسهم، لا يفون به.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن محمّد بن مسلم، عن جعفر، عن محمّد، عن جدّه قال:
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبته: فلمّا وقفوا عليها فَقالُوا يا لَيْتَنا- إلى قوله- إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
عن عثمان بن عيسى (4)، عن بعض أصحابه عنه- (عليه السلام)- إنّ اللّه قال لماء:
كن عذبا فراتا أخلق منك جنّتي و أهل طاعتي، و قال لماء: كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي. فأجرى الماءين على الطّين ثمّ قبض قبضة بهذه [، و هي يمين] (5) فخلقهم [خلقا] (6) كالذّرّ ثمّ أشهدهم على أنفسهم: أ لست بربّكم و عليكم طاعتي.
قالوا: بلى. قال: فقال للنّار: كوني نارا (7)، فإذا نار تأجّج و قال لهم: قعوا، فمنهم من أسرع و منهم من أبطأ في السّعي و منهم من لم يبرح (8) مجلسه. فلمّا وجدوا حرّها، رجعوا فلم يدخلها منهم أحد.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 307.
(2) تفسير القمّي 1/ 196.
(3) تفسير العيّاشي 1/ 358، ح 17.
(4) تفسير العياشي 1/ 358، ح 18.
5 و 6- من المصدر.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: «بردا و سلاما» بدل «نارا».
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: لم يرم.
312
ثمّ قبض قبضة بهذه فخلقهم خلقا، مثل الذّرّ، مثل أولئك، ثمّ أشهدهم على أنفسهم، مثل ما أشهد الآخرين، ثمّ قال لهم: قعوا في هذه النّار. فمنهم من أبطأ و منهم من أسرع و منهم من مرّ بطرف (1) العين فوقعوا فيها كلّهم. فقال: اخرجوا منها سالمين، فخرجوا لم يصبهم شيء. و قال الآخرون: [يا ربّنا] (2) أقلنا أن (3) نفعل، كما فعلوا. قال:
قد أقلتكم، فمنهم من أسرع في السّعي و منهم من أبطأ و منهم من لم يبرح (4) مجلسه، مثل ما صنعوا في المرّة الأولى. و ذلك قوله: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
عن خالد (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ إنّهم ملعونون في الأصل.
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى الحسن بن بشّار: عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال: سألته أ يعلم اللّه الشّيء الّذي لم يكن أن لو كان كيف كان (7).
فقال: إنّ اللّه- تعالى- هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء. و قال- عزّ و جلّ-:
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. و قال لأهل النّار: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. فقد علم- عزّ و جلّ- أنّه لو ردّهم لعادوا لما نهوا عنه.
و في كتاب التّوحيد (8)، بإسناده إلى الفتح بن يزيد الجرجانيّ: عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره قلت: جعلت فداك، بقيت مسألة.
قال: هات، للّه أبوك.
قلت: يعلم القديم الشّيء لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟
قال: ويحك، إنّ مسائلك لصعبة، أما سمعت اللّه يقول: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا و قوله: وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ. و قال يحكي قول أهل النّار:
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: «من مطرف» بدل «من مر بطرف».
(2) من المصدر.
(3) ليس في المصدر: أن.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: لم يرم.
(5) تفسير العياشي 1/ 359، ح 19.
(6) العيون 1/ 118، ح 8.
(7) المصدر: «كيف كان يكون» بدل «كيف كان».
(8) التوحيد/ 65، ذيل ح 18.
313
أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ. و قال: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فقد علم الشّيء لم يكن أن لو كان كيف كان يكون.
و في شرح الآيات الباهرة (1)، بحذف الإسناد: روي (2) عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنه- قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و هو خارج من الكوفة فتبعته من ورائه حتّى صار إلى جبّانة اليهود و وقف في وسطها و نادى: يا يهود.
فأجابوه من جوف القبور لبّيك لبّيك مطاع (3)، يعنون ذلك: يا سيّدنا.
فقال: كيف ترون العذاب؟
فقالوا: بعصياننا لك، كهارون. فنحن و من عصاك في العذاب إلى يوم القيامة.
ثمّ صاح صيحة كادت السّموات ينقلبن فوقعت مغشيّا على وجهي من هول ما رأيت، فلمّا أفقت رأيت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على سرير من ياقوت حمراء، على رأسه إكليل من الجوهر، و عليه حلل خضر و صفر، و وجهه كدائرة (4) القمر. فقلت:
يا سيّدي، هذا ملك عظيم.
قال: نعم، يا جابر، إنّ ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود و سلطاننا أعظم من سلطانه.
ثمّ رجع و دخلنا الكوفة و دخلت خلفه إلى المسجد، فجعل يخطو خطوات و هو يقول: لا و اللّه لا فعلت (5)، لا و اللّه لا كان ذلك أبدا.
فقلت: يا مولاي، لمن تكلّم و لمن تخاطب و ليس أرى أحدا؟
فقال: يا جابر، كشف لي عن برهوت فرأيت شنبونة (6) و صير (7) و هما يعذّبان في جوف تابوت في برهوت فنادياني: يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين، ردّنا إلى الدّنيا نقرّ
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة/ 60.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: مطلاع.
(4) المصدر: كدارة.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فقلت.
(6) المصدر: ستونة، و «ج» و «ر» شبنونة.
(7) المصدر: حبتر، و «ج»: وجتر، و «ر»: حتر.
314
بفصلك و نقرّ بالولاية لك. فقلت: لا و اللّه، [لا فقلت لا و اللّه لا و اللّه] (1) لا كان ذلك أبدا (2). ثمّ قرأ هذه الآية: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. يا جابر، و ما من أحد يخالف وصيّ نبيّ إلّا حشر أعمى يتكبكب (3) في عرصات القيامة.
وَ قالُوا: عطف على «عادوا»، أو على «إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ»، أو على «نهوا». أو استئناف بذكر ما قالوه في الدّنيا.
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا: الضّمير للحياة.
وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29): من القبور أبدا.
وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:
قيل (4): مجاز عن الحبس للسّؤال و التّوبيخ.
و قيل (5): معناه: وقفوا على قضاء ربّهم، أو جزائه، أو عرفوه حقّ التّعريف.
قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِ: كأنّه جواب قائل قال: ما ذا قال ربّهم حينئذ؟
و الهمزة للتّقريع على التّكذيب. و الإشارة إلى البعث و ما يتبعه من الثّواب و العقاب.
قالُوا بَلى وَ رَبِّنا: إقرار مؤكّد باليمين لانجلاء الأمر غاية الانجلاء.
قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30): بسبب كفركم، أو ببدله.
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ: إذ فاتهم النّعيم و استوجبوا العذاب المقيم.
و «لقاء اللّه» البعث و ما يتبعه.
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ: غاية «لكذّبوا» لا «لخسر». لأنّ خسرانهم لا غاية له.
بَغْتَةً: فجأة. و نصبها على الحال، أو المصدر. فإنّها نوع من المجيء.
قالُوا يا حَسْرَتَنا، أي: تعالي، فهذا أوانك.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) «ج» و «ر»: فقلت: لا و اللّه، لا فقلت لا و اللّه لا كان ذلك ابدا.
(3) كذا في المصدر، في النسخ: ينتكب.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 307.
315
عَلى ما فَرَّطْنا: قصّرنا.
فِيها: في الحياة الدّنيا، أضمرت و إن لم يجر ذكرها للعلم بها. أو في السّاعة، يعني: في شأنها و الإيمان بها. أو في الجنّة، يعني: في طلبها و العمل لها.
وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ: تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام.
و في مجمع البيان (1): روى الأعمش، عن أبي صالح، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في هذه الآية قال: يرى أهل النّار منازلهم من الجنّة فيقولون: يا حسرتنا. وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ، أي: هي [عَلى ظُهُورِهِمْ] (2).
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31): بئس شيئا يزرونه وزرهم.
وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ، أي: و ما أعمالها، إلّا لعب و لهو يلهي النّاس و يشغلهم عمّا يعقب منفعة دائمة و لذّة حقيقيّة. و هو جواب لقولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا.
وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ: لدوامها و خلود منافعها و لذّاتها.
و قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ تنبيه على أنّ ما ليس من أعمال المتّقين لعب و لهو.
و قرأ (3) ابن عامر: «و لدار الآخرة».
أَ فَلا تَعْقِلُونَ (32)، أيّ: الأمرين خير.
و قرأ (4) نافع و ابن عامر و يعقوب، بالتّاء، على خطاب المنافقين به. أو تغليب الحاضرين على الغائبين.
و في أصول الكافي (5): [أبو عبد اللّه الأشعري، عن] (6) بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، إنّ اللّه
____________
(1) مجمع البيان 2/ 292.
(2) هذه الزيادة نقلت عند نقل حديث المجمع بواسطة نور الثقلين أو الصافي.
و يأتي بعدها- في الصافي و نور الثقلين- تفسير. فلا مورد لذكرها هنا.
3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 308. و فيه أورد الآية بالياء، و لذلك قال: و قرأ نافع الخ.
(5) الكافي 1/ 14، ضمن ح 12.
(6) من المصدر.
316
وعظ أهل العقل و رغّبهم في الآخرة فقال: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ- إلى- أَ فَلا تَعْقِلُونَ.
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ:
معنى «قد» زيادة الفعل و كثرته، كما في قوله:
و لكنّه قد يهلك المال نائله
و «الهاء» في «إنّه» للشّأن.
و قرئ (1): «يحزنك» من أحزن.
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ: في الحقيقة.
و قرأ (2) نافع و الكسائيّ: «لا يكذبونك». من أكذبه: إذا وجده كاذبا، أو نسبه إلى الكذب.
وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33): و لكنّهم يجحدون آيات اللّه و يكذّبونها. فوضع «الظّالمين» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّهم ظلموا بجحودهم أو لتمرّنهم على الظّلم.
و «الباء» لتضمّن الجحود معنى التّكذيب.
نقل (3): أنّ أبا جهل كان يقول: ما نكذّبك و إنّك عندنا لصادق، و إنّما نكذّب بما جئتنا به. فنزلت.
و في روضة الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن محمّد بن أبي حمزة، عن يعقوب بن الشّعيب، عن عمران بن ميثم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قرأ رجل على أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
فقال: بلى و اللّه لقد كذّبوه أشدّ التّكذيب، و لكنّها مخفّفة «لا يكذبونك» لا يأتون (5) بباطل يكذبون به حقّك.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 308.
(3) أنوار التنزيل 1/ 308.
(4) الكافي 8/ 200، ح 241.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: لا يأتونك.
317
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن الحسين بن بندار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قال: لا يستطيعون إبطال قولك.
و نسبه عليّ بن إبراهيم في تفسيره (2) إلى الصّادق- (عليه السلام)- إلّا أنّه قال: لا يأتون بحقّ يبطلون حقّك.
وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ: لتسلية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا: على تكذّيبهم و إيذائهم، فتأسّ بهم و اصبر.
حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا: فيه إيماء بوعد النّصر للصّابرين.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ (4) جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصفهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّ من صبر صبر قليلا، و إنّ من جزع جزع قليلا. ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمره بالصّبر و الرّفق.
قال: فصبر- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى نالوه بالفطائم (5) بالعظام و رموه بها، فضاق صدره، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. ثمّ كذّبوه و رموه، فحزن لذلك، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. فألزم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفسه الصّبر.
محمّد (6) بن الحسن (7) و غيره، عن سهل (8) [عن محمد بن عيسى] (9) و محمّد بن يحيى
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 359، ح 21.
(2) تفسير القمّي 1/ 196.
(3) الكافي 2/ 88، صدر ج 3.
(4) ج: محمد بن علي بن محمد القاسانيّ.
(5) كذا في المصدر، ج و ر، و في سائر النسخ: بالعظام.
(6) الكافي 1/ 294، ضمن ح 3.
(7) المصدر: محمد بن الحسين.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: سهل بن محمد.
(9) من المصدر.
318
و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل.
يقول فيه حاكيا عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فذكر من فضل وصيّه ذكرا، فوقع النّفاق في قلوبهم، فعلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك و ما يقولون. فقال اللّه- جلّ ذكره-: يا محمّد وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ لكنّهم يجحدون بغير حجّة لهم.
و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتألّفهم و يستعين ببعضهم على بعض، و لا يزال يخرج لهم شيئا في فضل وصيّه حتّى نزلت هذه السّورة. فاحتجّ عليهم حين أعلم بموته، و نعيت إليه نفسه.
و في روضة الكافي (1): حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن فضّال، عن حفص المؤذّن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في رسالة طويلة إلى أصحابه: إنّه لا يتمّ الأمر حتّى يدخل عليكم مثل الّذي دخل على الصّالحين قبلكم، و حتّى تبتلوا في أنفسكم و أموالكم، و حتّى تسمعوا من أعداء اللّه أذى كثيرا فتصبروا و تعركوا بجنوبكم، و حتّى يستذلّوكم و يبغضوكم، و حتّى تحملوا الضّيم (2) فتحتملوه (3) منهم تلتمسون بذلك وجه اللّه و الدّار الآخرة، و حتّى تكظموا الغيظ الشّديد في الأذى في اللّه- جلّ و عزّ- يجترمونه إليكم، و حتّى يكذّبوكم بالحقّ و يعادوكم فيه و يبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم. و مصداق ذلك كلّه في كتاب اللّه الّذي أنزله جبرئيل على نبيّكم، سمعتم قول اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّكم- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ.
ثمّ قال: و إن يكذبوك فقد كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا (4). فقد كذّب نبيّ اللّه و الرّسل من قبله «و أوذوا» مع التّكذيب بالحقّ.
____________
(1) الكافي 8/ 4- 5، ضمن ح 1.
(2) المصدر: تحملوا [عليكم] الضيم.
(3) المصدر: فتحملوا.
(4) الأنعام/ 34: «و لقد كذّبت رسل» بدل «و إن يكذّبوك فقد كذّبت رسل».
319
و في أمالي الصّدوق (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لعلقمة: إنّ رضى النّاس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط. و كيف يسلمون ممّا لم يسلم منه أنبياء اللّه و رسله و حجج اللّه- (عليهم السلام)-. ألم ينسبوه إلى الكذب في قوله: إنّه رسول من اللّه إليهم، حتّى أنزل اللّه- عزّ و جلّ- عليه وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ:
قيل (2): لمواعيده. من قوله: « [و لقد] (3) سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين» (الآيات).
وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)، أي: من قصصهم، و ما كابدوا من قومهم.
وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ: عظم و شقّ.
إِعْراضُهُمْ: عنك و عن الإيمان بما جئت به.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم- يحبّ إسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. دعاه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و جهد به (5) أن يسلم، فغلب عليه الشّقاء، فشقّ ذلك على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأنزل اللّه هذه الآية.
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ: منفذا تنفذ فيه إلى الأرض فتطلع لهم آية، أو مصعدا تصعد به إلى السّماء فتنزل منها آية.
و «في الأرض» صفة «لنفقا». و «في السّماء» صفة «لسلّما».
و يجوز أن يكونا متعلّقين «بتبتغي»، أو حالين من المستكنّ.
____________
(1) أمالي الصدوق/ 91- 92، ح 3.
(2) أنوار التنزيل 1/ 308.
(3) من المصدر.
(4) تفسير القمّي 1/ 197.
(5) ليس في المصدر: «و جهد به».
320
و جواب الشّرط الثّاني محذوف، أي: فافعل. و الجملة جواب الأوّل.
و المقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، و أنّه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السّماء لأتى بها، رجاء إيمانهم.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، أي: لو شاء اللّه جمعهم على الهدى لجمعهم، بأن يأتيهم آية يخضعوا لها و لكن لا يفعل لخروجه عن الحكمة.
في كتاب المناقب (1) لابن شهر آشوب، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، إنّ اللّه قد قضى الفرقة و الاختلاف على هذه الأمّة. و لو شاء اللّه، لجمعهم على الهدى، حتّى لا يختلف اثنان من هذه الأمّة و لا ينازع في شيء من أمره، و لا يجحد المفضول لذي الفضل فضله.
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35): بالحرص على ما لا يكون و الجزع في مواطن الصّبر. فإنّ ذلك من دأب الجهلة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): مخاطبة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى للنّاس.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل.
و فيه يقول- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: و أجده يقول قد بيّن فضل نبيّه على سائر الأنبياء، ثمّ خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه و انتقاص (4) محلّه و غير ذلك من تهجينه و تأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء، مثل قوله:
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ-: و الّذي بدا في الكتاب من الإزراء على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من فرية (5) الملحدين.
و هنا كلام طويل مفصّل يطلب عند قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ: بفهم و تأمّل، يعني: إنّ الّذين تحرص على
____________
(1) لم نعثر عليه في المناقب، و لكن يوجد في كمال الدين/ 264، ضمن ح 10. و تفسير الصافي 2/ 117 عنه، و نور الثقلين 1/ 714، ح 63 عن المناقب و لعلّه سهو.
(2) تفسير القمّي 1/ 198.
(3) الإحتجاج 1/ 366 و 383.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: و انخفاض.
(5) المصدر: فرقة.
321
إيمانهم بمنزلة الموتى الّذين لا يسمعون.
وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: فيعلمهم حين لا ينفعهم الإيمان.
ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36): للجزاء.
وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، أي: آية ممّا اقترحوه. أو آية أخرى سوى ما أنزل من الآيات المتكاثرة لعدم اعتدادهم بها عنادا.
قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً: ممّا اقترحوه. أو آية تضطرّهم إلى الإيمان، كنتق الجبل. أو آية إن جحدوها هلكوا.
و قرئ (1): «ينزل» بالتّخفيف. و المعنى واحد.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37): إنّ اللّه قادر على إنزالها، و إنّ إنزالها يستجلب عليهم البلاء، و إنّ لهم مندوحة فيما أنزل عن غيره.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) قال: [لا يعلمون] (3) أنّ الآية إذا جاءت و لم يؤمنوا بها يهلكوا.
و في رواية أبي الجارود (4) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: سيريكم في آخر الزّمان آيات، منها دابّة الأرض و الدّجّال و نزول عيسى بن مريم و طلوع الشّمس من مغربها.
وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ: تدبّ على وجهها.
وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ: في الهواء.
قيل (5): وصفه به قطعا، لمجاز السّرعة و نحوها.
إذ كثيرا ما يقال: طار، بمعنى: أسرع. و الأولى أنّ الوصف بما هو من خصائص الجنس، لإفادة زيادة التّعميم.
و قرئ (6): «طائر» بالرّفع، عطفا على المحلّ.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 309.
(2) تفسير القمّي 1/ 198.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) أنوار التنزيل 1/ 309.
(6) نفس المصدر و الموضع.
322
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ: محفوظة أحوالها، مقدّرة أرزاقها و آجالها، مخلوقة أبدانها، مربوبة أرواحها، كما أنتم كذلك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، يعني: خلق مثلكم. قال (2) و قال: كلّ شيء ممّا خلق خلق مثلكم.
قيل (3): المقصود من ذلك الدّلالة على كمال قدرته و شمول علمه و سعة تدبيره، ليكون كالدّليل على أنّه قادر على أن ينزّل آية. و جمع الأمم، للحمل على المعنى.
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ:
قيل (4): يعني: اللّوح المحفوظ. فإنّه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل و دقيق لم يهمل فيه أمر حيوان و لا جماد.
و ما يستفاد من الأخبار، أنّه القرآن.
في نهج البلاغة (5)، في كلام له- (عليه السلام)- في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا: أم أنزل اللّه- سبحانه- دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى (6)، أم أنزل [اللّه- سبحانه-] (7) دينا تامّا فقصّر الرّسول عن تبليغه و أدائه، و اللّه يقول: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ. و فيه تبيان كلّ شيء.
و في حديث وصف الإمامة (8) عن الرّضا- (عليه السلام)- في العيون و غيره: جهل القوم و خدعوا عن أديانهم. إنّ اللّه لم يقبض نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى أكمل له الدّين و أنزل عليه القرآن. فيه تفصيل كلّ شيء، بيّن فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج إليه كملا. فقال- عزّ و جلّ-:
____________
(1) تفسير القمي 1/ 198.
(2) ليس في المصدر.
(3) أنوار التنزيل 1/ 309.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) نهج البلاغة/ 61، خطبة 18.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: فعليهم أن يقولوا و عليه أو أن يرضى.
(7) من المصدر.
(8) العيون 1/ 216، ح 1. و الكافي 1/ 199، صدر ح 1.
323
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.
و «من» مزيدة. و «شيء» في موضع المصدر لا المفعول به. لأنّ «فرط» لا يعدّى بنفسه، و قد يعدّى «بفي» إلى الكتاب.
و قرئ (1): «ما فرطنا» بالتّخفيف.
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)، يعني: الأمم كلّها، فينتصف بعضها عن بعض.
و في من لا يحضره الفقيه (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: أيّ بعير حجّ عليه ثلاث سنين (3)، جعل من نعم الجنّة.
و روي (4): سبع سنين.
و روى (5) السّكوني، بإسناده أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبصر ناقة معقولة و عليها جهازها فقال: أين صاحبها؟ [مروه] (6) فليستعد غدا للخصومة.
و في مجمع البيان (7): و عن أبي ذرّ قال: بينا أنا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا انتطحت (8) عنزان.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ تدرون فيما انتطحا؟
فقالوا لا ندري.
قال: لا و (9) لكنّ اللّه يدري، و سيقضي (10) بينهما.
و في كتاب ثواب الأعمال (11): عن الصّادق- (عليه السلام)-: قال، قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- لابنه محمّد حين حضرته الوفاة: إنّي قد حججت على ناقتي هذه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 309.
(2) الفقيه 2/ 191، ح 867.
(3) المصدر: «حجج» بدل «سنين».
(4) نفس المصدر و الصفحة، ح 873.
(5) نفس المصدر و الصفحة، ح 867.
(6) من المصدر.
(7) المجمع 2/ 298.
(8) المصدر: إذ نطحت.
(9) ليس في المصدر: لا و.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: يستقضي.
(11) ثواب الأعمال/ 74، ح 1.
324
عشرين حجّة فلم أقرعها بسوط قرعة، فإذا توفّت (1) فادفنها لا يأكل لحمها السّباع. فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من بعير يوقف (2) موقف عرفة سبع حجج، إلّا جعله اللّه من نعم الجنّة و بارك في نسله. فلمّا توفّت (3)، حفر لها أبو جعفر- (عليه السلام)- و دفنها.
و في كتاب الخصال (4): عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّه لن يركب يومئذ إلّا أربعة، أنا و عليّ و فاطمة و صالح نبي اللّه.
فأمّا أنا فعلى البراق، و أمّا فاطمة ابنتي فعلى ناقتي العضباء، فأمّا صالح فعلى ناقة اللّه الّتي عقرت، و أمّا عليّ فعلى ناقة من نوق الجنّة (5) زمامها من ياقوت عليها حلّتان خضراوان.
(الحديث).
و في أصول الكافي (6): الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن محمّد بن عليّ قال: أخبرني سماعة بن مهران قال: أخبرني الكلبيّ النّسّابة قال: قلت لجعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: ما تقول في المسح على الخفّين؟
فتبسّم ثمّ قال: إذا كان يوم القيامة و ردّ اللّه كلّ شيء إلى شيئه و ردّ الجلد إلى الغنم (7)، فيرى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): حدّثني أبي، عن الحسن بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: أنّه قد أعطي بلعم بن باعور الاسم الأعظم، و كان يدعو به فيستجاب (9) له. فمال إلى فرعون. فلمّا أمر فرعون في طلب موسى و أصحابه، قال فرعون
____________
(1) المصدر: نفقت.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: توقّف.
(3) المصدر: نفقت.
(4) الخصال/ 204، ح 20.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: فعلى ناقة اللّه من نور.
(6) الكافي 1/ 350، ضمن ح 6.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: إلى سيّده ردّ بكذا إلى العتم.
(8) تفسير القمّي 1/ 248.
(9) كذا في المصدر، و في «ج»: فيجيب، و في سائر النسخ: فيستجيب.
325
لبلعم: ادع (1) اللّه على موسى و أصحابه ليحبسه علينا. فركب على حمارته، ليمرّ في طلب موسى [و أصحابه] (2) فامتنعت عليها حمارته. فأقبل يضربها، فأنطقها اللّه- عزّ و جلّ-.
فقالت: ويلك، على ما تضربني، أ تريد أن أجيء معك فتدعو على نبيّ اللّه و قوم مؤمنين؟ فلم يزل يضربها حتّى قتلها، و انسلخ الاسم [الأعظم] (3) من لسانه. و هو قوله: فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.
- و هو مثل ضربه-.
فقال الرّضا- (صلوات اللّه عليه)-: فلا يدخل الجنّة من البهائم إلّا ثلاث: حمارة بلعم، و كلب أصحاب الكهف، و الذّئب. و كان سبب الذّئب أنّه بعث ملك ظالم رجلا شرطيّا ليحشر قوما من المؤمنين و يعذّبهم، و كان للشّرطيّ ابن يحبّه، فجاء ذئب فأكل ابنه، فحزن الشّرطيّ عليه، فأدخل اللّه ذلك الذّئب الجنّة لمّا أحزن الشّرطيّ.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌ: لا يسمعون مثل هذه الآيات الدّالّة على ربوبيّته، و كمال علمه، و عظم قدرته، سماعا تتأثّر به نفوسهم.
وَ بُكْمٌ: لا يتكلّمون بخير و حقّ.
فِي الظُّلُماتِ: خبر ثالث، أو حال من المستكنّ في الخبر. و المراد إمّا ظلمات الكفر، أو ظلمات الجهل و العناد (4) و التّقليد.
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ: خذلانه بمعاصيه.
يُضْلِلْهُ: يخذله، فيضلّ. لأنّه ليس من أهل الهدى.
وَ مَنْ يَشَأْ: توفيقه.
يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39): يرشده إلى الهدى بلطفه، و يحمله عليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثنا أحمد بن محمّد قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه
____________
(1) المصدر: ادعو.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) «ر»: و الفساد.
(5) تفسير القمّي 1/ 198- 199.
326
قال: حدّثنا كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: صُمٌ عن الهدى. و بُكْمٌ لا يتكلّمون بخير. فِي الظُّلُماتِ، يعني: ظلمات الكفر. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و هو ردّ على قدريّة هذه الأمّة، يحشرهم اللّه يوم القيامة مع الصّابئين و النّصارى و المجوس.
فيقولون: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
يقول اللّه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
قال: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا إنّ لكلّ أمّة مجوسا، و مجوس هذه الأمّة الّذين يقولون: لا قدر. و يزعمون أنّ المشيئة و القدرة إليهم و لهم (1).
حدّثنا جعفر بن أحمد (2) قال: حدّثنا عبد الكريم قال: حدّثنا محمّد بن عليّ قال:
حدّثنا محمّد بن الفضيل عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه:
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ- إلى قوله- صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أنزلت في الّذين كذّبوا الأوصياء هم صُمٌّ وَ بُكْمٌ، كما قال اللّه: فِي الظُّلُماتِ من كان من ولد إبليس، فإنّه لا يصدّق بالأوصياء و لا يؤمن بهم أبدا، و هم الّذين أضلّهم اللّه. و من كان من ولد آدم، آمن بالأوصياء، و هم على صراط مستقيم.
قال: و سمعته يقول: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها في بطن القرآن، أن كذّبوا بالأوصياء كلّهم.
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ: استفهام تعجيب.
و «الكاف» حرف خطاب، أكّد به الضّمير للتّأكيد، لا محلّ له من الإعراب.
لأنّك تقول: أ رأيتك زيدا ما شأنه. فلو جعلت الكاف مفعولا، كما قاله الكوفيّون، لعدّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، و للزم في الآية أن يقال: أ رأيتموكم. بل الفعل معلّق، أو المفعول محذوف تقديره: أ رأيتكم [أي أخبروني] (3) آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: ليست إليهم و لا لهم.
(2) تفسير القمّي 1/ 198- 199.
(3) ليس في أنوار التنزيل 1/ 309.
327
و قرأ (1) نافع فيه و في «أ رأيت» و «أ فرأيت» و «أرأيتم» و شبهه إذا كان قبل الرّاء همزة، بتسهيل الهمزة الّتي بعد الرّاء. و الكسائي بحذفها أصلا. و الباقون يخفّفونها. و حمزة إذا وقف، وافق نافعا.
إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ: في الدنيا كما أتى من قبلكم.
أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ: القيامة و هولها.
أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ: هو تبكيت لهم.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40): أنّ الأصنام آلهة. و جوابه محذوف، أي: فادعوه.
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ: بل تخصّونه بالدّعاء، كما حكي عنهم في مواضع. و تقديم المفعول، لإفادة التّخصيص.
فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ: كشفه.
إِنْ شاءَ: إن شاء أن يتفضّل عليكم بكشفه.
وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41): و تنسون آلهتكم في ذلك الوقت، لما ركز في العقول أنّه القادر على كشف الضّرّ دون غيره. أو تنسونه من شدّة الأمر و هوله.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): ثمّ ردّ عليهم فقال: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ.
قال: تدعون اللّه إذا أصابكم ضرّ ثمّ إذا كشف عنكم ذلك تنسون ما تشركون، أي: تشركون تتركون (3) الأصنام.
و في كتاب التّوحيد (4): حدّثنا محمّد بن القاسم الجرجانيّ- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد و أبو الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار- و كانا من الشّيعة الإماميّة-، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ [بن محمد] (5)- (عليهما السلام)-، عن عليّ أمير المؤمنين أنّه قال له رجل فما تفسير قوله «اللّه».
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
(2) تفسير القمّي 1/ 199.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: تشركون.
(4) التوحيد/ 231- 232، ضمن ح 5.
(5) من المصدر.
328
فقال: هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشّدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرّجاء من جميع من هو دونه، و تقطّع الأسباب من كلّ من سواه. و ذلك أنّ كلّ مترئس في هذه الدّنيا و متعظم فيها و إن عظم غناه و طغيانه و كثرت حوائج من دونه إليه، فإنّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم. و كذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع (1) إلى اللّه عند ضرورته و حاجته (2)، حتّى إذا كفى همّه عاد إلى شركه. أما تسمع اللّه- عزّ و جلّ- يقول: قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ، أي: قبلك.
و «من» مزيدة، أي: الرّسل فكذّبوهم.
فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ: بالشّدة و الفقر.
وَ الضَّرَّاءِ: و الضّرّ و الآفات، كنقصان الأنفس و الأموال. و هما صيغتا تأنيث لا مذكّر لهما.
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42): يتذلّلون، و يتوبون عن ذنوبهم.
في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: لو أنّ النّاس حين تنزل بهم النّقم و تزول عنهم النّعم فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم و وله من قلوبهم، لردّ عليهم كلّ شارد و أصلح لهم كلّ فاسد.
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا:
معناه: نفي تضرّعهم في ذلك الوقت مع قيام الدّاعي. وبّخهم على ترك التضرّع، لأنّه لا عذر لهم في ذلك إلّا عنادهم و قسوة قلوبهم.
و في أصول الكافي (4)، بإسناده إلى مروك بيّاع اللّؤلؤ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: و هكذا التّضرّع. و حرّك أصابعه يمينا
____________
(1) كذا في المصدر، ج و ر، و في سائر النسخ: فيقع.
(2) المصدر: فاقته.
(3) نهج البلاغة/ 257، خطبة 178.
(4) الكافي 2/ 480، ضمن ح 3.
329
و شمالا.
و عن أبي عبد اللّه (1)- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: أن تحرّك إصبعك السّبابة ممّا يلي وجهك. و هو دعاء الخيفة (2).
محمّد بن يحيى (3)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و التّضرّع رفع اليدين، و التّضرّع بهما.
ثمّ قال:
وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43): استدراكا على المعنى، و بيانا للصّارف لهم من التّضرّع، و أنّه لا مانع لهم إلّا القساوة و الإعجاب بالأعمال الّتي زينها الشّيطان لهم.
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ: من البأساء و الضّرّاء، و لم يتّعظوا به.
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ: من الصّحّة و التّوسعة في الرّزق. إمّا امتحانا لهم بالشّدة و الرّخاء، أو مكرا بهم استدراجا لهم.
و قرأ (4) ابن عامر: «فتّحنا» بالتّشديد في جميع القرآن، و وافقه يعقوب فيما عدا هذا و الّذي في الأعراف.
حَتَّى إِذا فَرِحُوا: عجبوا.
بِما أُوتُوا: من النّعم. و لم يزيدوا إلّا على البطر و الاشتغال بالنّعمة من المنعم و القيام بحقّه.
أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً: مفاجأة.
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44): متحيّرون آيسون.
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: آخرهم، بحيث لم يبق منهم أحد.
من دبره دبرا و دبورا: إذا تبعه.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45): على إهلاكهم. فإنّ إهلاك أعداء اللّه
____________
(1) الكافي 2/ 481، ذيل ح 5.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: الخفية.
(3) الكافي 2/ 481، ذيل ح 6.
(4) أنوار التنزيل 1/ 310.
330
و إعلاء كلمته من حيث أنّه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم و أعمالهم، نعمة جليلة يحقّ أن يحمد عليها.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثنا جعفر بن محمّد (2) قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحمن (3)، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ.
قال: أمّا قوله: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، يعني: فلمّا تركوا ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و قد أمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، يعني: دولتهم في الدّنيا و ما بسط لهم فيها. و أمّا قوله: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ، يعني بذلك: قيام القائم- (عليه السلام)- حتّى كأنهم لم يكن لهم سلطان قطّ.
فذلك قوله: بَغْتَةً فنزل آخر هذه الآية على محمد.
حدّثني (4) أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي جعفر (5)- (عليه السلام)- قال: كان في مناجاة اللّه لموسى- (عليه السلام)-:
يا موسى، إذا رأيت الفقر مقبلا، فقل مرحبا بشعار الصّالحين. و إذا رأيت الغنى مقبلا، فقل ذنب عجّلت عقوبته.
و في مجمع البيان (6): فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا (الآية). و
روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إذا رأيت اللّه- تعالى- يعطي على المعاصي، فإنّ ذلك استدراج منه. ثمّ تلا هذه الآية.
و نحوه ما روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: يا بن آدم، إذا رأيت ربّك يتابع عليك نعمة، فاحذره.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 200.
(2) المصدر: جعفر بن أحمد.
(3) كما في جامع الرواة 1/ 463. و في المصدر: عبد الكريم بن عبد الرحيم.
(4) تفسير القمّي 1/ 200.
(5) المصدر و «ر»: أبي عبد اللّه.
(6) المجمع 2/ 302.
331
و في كتاب تلخيص الأقوال في تحقيق أحوال الرّجال (1): عن الكشّيّ، بإسناده إلى أبي الحسن صاحب العسكريّ: أنّ قنبرا مولى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أدخل على الحجّاج.
فقال له: ما الّذي كنت تلي من عليّ بن أبي طالب؟
قال: كنت أوضّئه.
فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟
فقال: كان يتلوا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
فقال الحجّاج: أظنّه كان يتلوها علينا؟
قال: نعم.
و في تفسير العيّاشيّ (2)، مثله سواء.
و في التّفسير (3)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا.
قال: لمّا تركوا ولاية عليّ- (عليه السلام)- و قد أمروا بها أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
قال: نزلت في ولد العبّاس.
و في كتاب معاني الأخبار (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن فضيل بن عياض، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: من أحبّ بقاء الظّالمين فقد أحبّ أن يعصى اللّه. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- حمد نفسه بهلاك (5) الظّلمة، فقال: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
____________
(1) اختيار معرفة الرجال/ 74، الرقم 130.
(2) تفسير العيّاشي 1/ 359، ح 22.
(3) نفس المصدر/ 360.
(4) معاني الأخبار/ 252.
(5) المصدر: على إهلاك.
332
و في الكافيّ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن الفضيل بن عياض، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ: أصمّكم و أعماكم.
وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ: بأن يغطّي عليها ما يزول به عقلكم و فهمكم.
مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ، أي: بذلك. أو بما أخذ و ختم عليه. أو بأحد هذه المذكورات.
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: فكرّرها تارة من جهة المقدّمات العقليّة، و تارة من جهة التّرغيب و التّرهيب، و تارة بالتّنبيه و التّذكير بأحوال المتقدّمين.
ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46): يعرضون عنها.
و «ثمّ» لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات و ظهورها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2) في هذه الآية قال: قل لقريش: إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ من يردّه (3) عليكم إلّا اللّه. و قوله: ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ، أي: يكذّبون.
و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية يقول: إن أخذ اللّه منكم الهدى مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. يقول: يعرضون (5).
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً: من غير مقدّمة، و ظهور أمارة.
أَوْ جَهْرَةً: تتقدّمها أمارة تؤذن بحلولها. قابل البغتة بالجهرة، لما في البغتة من معنى الخفية.
____________
(1) الكافي 5/ 108، ح 11.
(2) تفسير القمّي 1/ 201.
(3) المصدر: يردّ ذلكم عليكم.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) المصدر: يعترضون.
333
و قيل (1): ليلا أو نهارا.
و قرئ (2): «بغتة» و «جهرة». [بكسر الفاء] (3).
هَلْ يُهْلَكُ، أي: ما يهلك هلاك تعذيب و سخط.
إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47): و لأنّه بمعنى النّفي، صحّ الاستثناء المفرغ منه.
و قرئ (4): «يهلك» بفتح الياء.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن منصور بن يونس، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أخذ بني أميّة بغتة، و بني العبّاس جهرة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): [نزلت] (7) لمّا هاجر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المدينة و أصاب أصحابه الجهد و العلل و المرض، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأنزل اللّه قل لهم يا محمّد: أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ، يعني: لا يصيبكم إلّا الجهد و الضّرّ في الدّنيا. فأمّا العذاب الأليم الّذي فيه الهلاك، فلا يصيب إلّا القوم الظّالمون.
وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ: بالثّواب و الجنّة.
وَ مُنْذِرِينَ: بالعقاب (8) و النّار. و لم نرسلهم ليقترح عليهم.
فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ: بما يجب إصلاحه من العمل و الاعتقاد.
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: من العذاب.
وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (48): بفوت الثّواب.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ:
جعل العذاب ماسّا لهم كأنّه الطّالب للوصل إليهم، و استغنى بتعريفه عن التّوصيف.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 311.
(3) ليس في المصدر.
(4) نفس المصدر، و المصدر.
(5) تفسير العيّاشي 1/ 360.
(6) تفسير القمّي 1/ 201.
(7) من المصدر.
(8) ج: العذاب.
334
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49): بسبب خروجهم عن التّصديق و الطّاعة.
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ: مقدوراته. أو خزائن رزقه.
في كتاب التّوحيد و المعاني و الأمالي (1): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّه لمّا صعد موسى إلى الطّور فنادى ربّه- عزّ و جلّ- قال: يا ربّ أرني خزائنك.
فقال: يا موسى، إنّما خزائني إذا أردت شيئا أن أقول له: كن، فيكون.
وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ: ما لم يوح إليّ. و هو من جملة المقول.
وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ: من جنس الملائكة. أو أقدر على ما يقدرون عليه.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ: لا أتّبع شيّئا آخر غير الوحي. تبرّأ عن دعوى الألوهيّة و الملكيّة، و ادّعى النّبوّة الّتي هي من كمالات البشر ردّا لاستبعادهم دعواه و جزمهم على فساد مدّعاه. و لا يلزم منه كون الملائكة أفضل منه، كما أنّه لا يلزم كون من تبع غير الوحي أفضل منه.
و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى أحمد بن محمّد الميثميّ- رضي اللّه عنه- أنّه سأل الرّضا- (عليه السلام)- يوما و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه، و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الشّيء الواحد.
فقال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه حرّم حراما و أحلّ حلالا و فرض فرائض. فما جاء في تحليل ما حرّم اللّه و تحريم ما أحلّ اللّه أو دفع فريضة في كتاب اللّه رسمها بين قائم بلا ناسخ (3) نسخ ذلك. فذلك شيء لا يسع الأخذ به. لأنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللّه، و لا ليحلّل ما حرّم اللّه، و لا ليغيّر فرائض اللّه و أحكامه. و كان في ذلك كلّه متّبعا مسلّما مؤدّيا عن اللّه- عزّ و جلّ-. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) التوحيد/ 133، ح 17، و أمالي الصدوق/ 413، ح 4، و المعاني/ 402، ح 65.
(2) لا يوجد في التوحيد، و لكن في العيون 2/ 20، صدر ح 45، و تفسير الصافي 2/ 122 عنه، و نور الثقلين 1/ 720، ح 91 عن التوحيد، و لعله سهو.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: نسخ.
335
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ. فكان متّبعا للّه، مؤدّيا عن اللّه ما أمره به من تبليغ الرّسالة.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ:
إمّا مثل الجاهل و العالم قاله عليّ بن إبراهيم في تفسيره (1) و نسبه في مجمع البيان (2) إلى أهل البيت- (عليهم السلام)-.
أو للضّالّ و المهتدي أو لمدّعي المستحيل، كالألوهيّة و الملكيّة، و مدعي المستقيم، كالنّبوة. قاله البيضاوي و غيره (3).
أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ (50): فتهتدوا. أو فتميّزوا بين ادّعاء الحقّ و الباطل. أو فتعلموا أنّ اتّباع الوحي ممّا لا محيص عنه.
وَ أَنْذِرْ بِهِ:
الضّمير لما يوحى إلي و هو القرآن و غيره، بحسب المفهوم. و المراد هنا القرآن، كما يأتي في الخبر.
الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ:
قيل (4): هم المؤمنون المفرّطون في العمل. أو المجوزون للحشر، مؤمنا كان أو كافرا، مقرّا به أو متردّدا فيه. فإنّ الإنذار ينفع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته.
و في مجمع البيان (5): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربّهم ترغبهم فيما عنده. فإنّ القرآن شافع مشفّع.
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ: في موضع الحال من مرفوع «يحشروا». فإنّ المخوّف هو الحشر على هذه الحال.
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51): لكي يتّقوا.
وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ: يعبدونه على الدّوام.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 201.
(2) المجمع 2/ 304.
(3) أنوار التنزيل 1/ 311، و الكشاف 2/ 20.
(4) أنوار التنزيل 1/ 311.
(5) المجمع 2/ 304.
336
و قيل (1): المراد صلاة الصّبح و العصر.
و قرأ ابن عامر: «بالغدوة» هاهنا و في الكهف.
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ: حال من فاعل «يدعون»، أي: يدعون ربّهم مخلصين فيه.
قيّد الدّعاء بالإخلاص، تنبيها على أنّه ملاك الأمر. و رتّب النّهي عليه، إشعارا بأنّه يقتضي إكرامهم و ينافي إبعادهم.
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ: أي ليس عليك حساب إيمانهم، أي: إيمان الّذين يدعون ربّهم بالغداة و العشي. فإنّ إيمانهم عند اللّه أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم، و هم المشركون، نسبوا إلى هؤلاء أنّ باطنهم غير مرضيّ و طعنوا في إيمانهم. فإنّهم لمّا اتّسموا بسيرة المتّقين، وجب عليك إكرامهم.
لأنّ حساب إيمانهم في الباطن عليهم لا يتعدّاهم إليك، كما أنّ حسابك لا يتعدّاك عليهم.
و قيل (2): ما عليك من حساب رزقهم، أي: من فقرهم.
و قيل (3): الضّمير للمشركين. و المعنى: لا تؤاخذ بحسابهم و لا هم بحسابك حتّى يهمّك إيمانهم، بحيث تطرد المؤمنين طمعا فيه.
فَتَطْرُدَهُمْ: فتصدّهم. و هو جواب النّفي.
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52): جواب النّهي.
و في الكشّاف (4): و يجوز أن يكون عطفا على «فتطردهم» على وجه التّسبّب. لأنّ كونه ظالما مسبّب عن طردهم.
و اعترض عليه، بأنّ الطّرد المسبّب عن كون حسابهم عليه لا يصير سببا لكونه فيه من الظّالمين. لأنّه لدفع الضرر عن نفسه.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): أنّه كان سبب نزولها، أنّه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمّون أصحاب الصّفّة. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمرهم أن يكونوا في
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 311.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 312.
(4) الكشاف 2/ 22.
(5) تفسير القمّي 1/ 202.
337
الصفّة يأوون إليها. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتعاهدهم بنفسه، و ربّما حمل إليهم ما يأكلون. و كانوا يختلفون إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيقرّبهم و يقعد معهم و يؤنسهم. و كان إذا جاء الأغنياء و المترفون من أصحابه أنكروا عليه ذلك، و يقولون له: اطردهم عنك. فجاء يوما رجل من الأنصار إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عنده [رجل] (1) من أصحاب الصّفة قد لزق برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحدّثه. فقعد الأنصاريّ بالبعد عنهما. فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تقدّم.
فلم يفعل.
فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لعلّك خفت أن يلزق فقره بك.
فقال الأنصاريّ: اطرد هؤلاء عنك. فأنزل اللّه الآية.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن الأصبع بن نباتة قال: بينما عليّ- (عليه السلام)- يخطب يوم الجمعة على المنبر، فجاء الأشعث بن قيس (3) يتخطّى (4) رقاب النّاس.
فقال: يا أمير المؤمنين، حالت الحمد (5) بيني و بين وجهك.
و قال: فقال عليّ- (عليه السلام)-: مالي و للضّياطرة (6)، أطرد قوما غدوا أوّل النّهار يطلبون رزق اللّه و آخر النّهار ذكروا اللّه، فأطردهم فأكون من الظّالمين.
وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ: و مثل ذلك الفتن و هو اختلاف أحوال النّاس في امور الدّنيا.
«فتّنا»، أي: ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدّين. فقدّمنا هؤلاء الضّعفاء على أشراف قريش بالسّبق إلى الإيمان.
____________
(1) من المصدر.
(2) تفسير العياشي 1/ 360، ح 26.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: عقيل.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: يخطا.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ:
حالت الحدا. و كلاهما لا يخلوان عن التصحيف.
هامش نور الثقلين 1/ 721، ح 95.
(6) الضياطرة: العظيم من الرجال لا غناء عندهم.
338
لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أي: أ هؤلاء من أنعم اللّه عليهم بالهداية و التّوفيق لما يسعدهم دوننا، و نحن الأكابر و الرّؤساء، و هم المساكين و الضّعفاء.
و هو إنكار، لأن يخصّ هؤلاء من بينهم بإصابة الحقّ و السّبق إلى الخير.
و «اللام» للعاقبة، أو للتّعليل. على أنّ «فتنّا» متضمّن معنى: خذلنا.
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53): بمن يقع منه الإيمان و الشّكر فيوفّقه، و بمن لا يقع منه فيخذله.
و في مجمع البيان (1): روى الثّعلبيّ، بإسناده: عن عبد اللّه بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عنده صهيب و خبّاب و بلال و عمّار و غيرهم من ضعفاء المسلمين.
فقالوا: يا محمّد، أرضيت بهؤلاء من قومك، أ فنحن نكون لهم تبعا لهم «أ هؤلاء الّذين منّ اللّه عليهم»؟ اطردهم عنك فلعلّك إن طردتهم اتّبعناك فأنزل اللّه- تعالى-:
وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ (الخ).
و قال سلمان و خبّاب: فينا نزلت هذه الآية. جاء الأقرع بن حابس التميميّ و عيينة بن حصين (2) حصن الفزاري و ذووهم من المؤلّفة قلوبهم فوجدوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاعدا مع بلال و صهيب و عمّار و خبّاب، في ناس من ضعفاء المؤمنين فحقروهم.
فقالوا: يا رسول اللّه، لو نحّيت هؤلاء عنك حتّى نخلوا بك، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرونا مع هؤلاء الأعبد، ثمّ إذا انصرفنا فإن شئت فأعدهم إلى مجلسك. فأجابهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى ذلك.
فقالوا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابا.
فدعا بصحيفة و أحضر عليّا (3)- (عليه السلام)- ليكتب قال: و نحن قعود في ناحية، إذ نزل جبرائيل- (عليه السلام)- بقوله: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ- إلى قوله
____________
(1) المجمع 2/ 305- 306.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: حصن.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: «علي» بدل «و أحضر عليا».
339
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ فنحّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الصّحيفة و أقبل علينا و دنونا منه.
و هو يقول: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
و في تفاسير العامّة (1)، نقل سبب النّزول على هذا الوجه و زيد فيه: و روي أنّ عمر قال له: لو فعلت حتّى ننظر إلى ما ذا يصيرون.
وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ:
قيل (2): نزلت في الّذين نهى اللّه عن طردهم. و
كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا بدأهم بالسّلام.
و قيل (3): نزلت في حمزة و جعفر و عمّار و مصعب بن عمير [و عمّار] (4) و غيرهم.
و قيل (5): إنّ جماعة أتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: إنّا أصبنا ذنوبا كثيرة. فسكت عنهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنزلت.
و في مجمع البيان (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-
[بعد قوله و قيل] (7) و قيل: نزلت في التّائبين.
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً: استئناف بتفسير الرحمة.
و قرأ (8) نافع و ابن عامر و عاصم و يعقوب، بالفتح، على البدل منها.
بِجَهالَةٍ: في موضع الحال، أي: من عمل ذنبا جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضارّ و المفاسد، أو متلبّسا بفعل الجهلة. فإنّ ارتكاب ما يؤدّي إلى الضّرر، من أفعال أهل السّفه و الجهل.
ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ: بعد العمل، أو السوء.
وَ أَصْلَحَ: بالتّدارك و العزم على أن لا يعود إليه.
____________
(1) تفسير الكبير 12/ 234، و الدرّ المنثور 3/ 13 باختلاف يسير.
(2) المجمع 2/ 307.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) من المصدر.
5 و 6- نفس المصدر، و الموضع.
(7) ليس في المصدر.
(8) أنوار التنزيل 1/ 312.
340
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54): فتحه من فتح الأوّل غير نافع على إضمار مبتدأ، أو خبر، أي: فأمره أو فله غفرانه.
في تفسير العياشيّ (1): عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: رحم اللّه عبدا تاب إلى اللّه قبل الموت. فإنّ التّوبة مطهّرة من دنس الخطيئة، و منقذة من شقاء الهلكة، فرض اللّه بها على نفسه لعباده الصّالحين فقال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً.
وَ كَذلِكَ، مثل ذلك التّفضيل الواضح.
نُفَصِّلُ الْآياتِ: آيات القرآن، في صفة المطيعين و المجرمين المصرّين منهم و الأوّابين.
وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55):
قرأ (2) نافع، بالتّاء، و نصب «السّبيل» على معنى: و لتستوضح، يا محمّد، سبيلهم فتعامل كلّا منهم بما يحقّ له فصّلنا هذا التّفصيل.
و ابن عامر (3) و يعقوب و حفص عن عاصم، برفعه، على معنى: و لتبيّن.
و الباقون، بالياء و الرّفع، على تذكير السّبيل، فإنّه يذكّر و يؤنّث.
و يحتمل أن يعطف على علّة مقدّرة، أي: نفصّل الآيات ليظهر الحقّ و ليستبين.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ: صرفت و زجرت بما نصب لي من الأدلّة و أنزل عليّ من الآيات في أمر التّوحيد.
أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي: تعبدونه. أو ما تسمّونه آلهة من دونه.
قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ: تأكيد لقطع أطماعهم، و إشارة إلى الموجّب للنّهي، و علّة الامتناع عن مشايعتهم و استجهال و بيان لمبدإ ضلالهم و أنّ ما هم عليه هوى و ليس
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 361، ح 27.
(2) أنوار التنزيل 1/ 312.
(3) نفس المصدر و الموضع.
341
بهدى، و تنبيه لمن تحرّى الحقّ على أن يتّبع الحجّة و لا يقلّد.
قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً، أي: إن اتّبعت أهواءكم، فقد ضللت.
وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)، أي: في شيء من الهدى حتّى أكون من عدادهم. و فيه تعريض بأنّهم كذلك.
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ: تنبيه على ما يجب اتّباعه، بعد ما بيّن ما لا يجوز اتّباعه.
قيل (1): «البيّنة» الدّلالة الواضحة، الّتي تفصل الحقّ من الباطل.
و قيل (2): المراد بها، القرآن و الوحي. أو الحجج العقليّة، أو ما يعمّها.
مِنْ رَبِّي: من معرفته، و أنّه لا معبود سواه. و يجوز أن يكون صفة «لبيّنة».
وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ:
الضّمير «لربّي»، أي: كذّبتم بربّي حيث أشركتم به سواه. أو للتّنبيه، باعتبار المعنى.
ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، يعني: العذاب الّذي استعجلوه بقولهم: «فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم».
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: في تعجيل العذاب و تأخيره.
يَقُصُّ الْحَقَ، أي: القضاء الحقّ. أو يصنع الحقّ و يدبّره من قولهم: قضى الدّرع: إذا صنعها، فيما يقضي من تعجيل و تأخير.
و أصل القضاء، الفصل بتمام الأمر.
و قرأ (3) ابن كثير و نافع و عاصم: «يقص» من قصّ الأثر، أو قصّ الخبر.
وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57): القاضين.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي، أي: في قدرتي و مكنتي.
ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ: من العذاب.
لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ: لأهلكتكم (4) عاجلا غضبا لربّي، و انقطع ما
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 313.
(3) أنوار التنزيل 1/ 313.
(4) «ب»: لأهلكنكم.
342
بيني و بينكم.
وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58): في معنى الاستدراك، كأنّه قال: و لكنّ الأمر إلى اللّه، و هو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ بمن ينبغي أن يمهل منهم.
و في روضة الكافي (1): عن عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: قال اللّه- عزّ و جلّ- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ.
قال: لو أنّي أمرت أن أعلمكم الّذي أخفيتم في صدوركم من استعجالكم بموتي، لتظلموا أهل بيتي من بعدي. فكان مثلكم، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ.
يقول: أضاءت الأرض بنور محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، كما تضيء الشّمس.
وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ: خزائنه. جمع، مفتح، بفتح الميم. و هو المخزن، أو ما يتوصّل به إلى المغيبات. مستعار من المفاتح، الّذي هو جمع، مفتح، بالكسر و هو المفتاح. و يؤيّده أن قرئ (2): «مفاتيح». و المعنى: أنّه المتوصّل إلى المغيبات المحيط عمله بها.
لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ: فيعلم أوقاتها و ما في تعجيلها و تأخيرها من الحكم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته و تعلّقت به مشيئته.
و فيه دليل على أنّه يعلم الأشياء قبل وقوعها.
وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ: عطف للإخبار عن تعلّق علمه بالمشاهدات، على الإخبار عن اختصاص العلم بالمغيبات به.
وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها: مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات.
وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59): معطوفات على «ورقة». و قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ بدل من الاستثناء
____________
(1) الكافي 8/ 380، ذيل ح 574.
(2) أنوار التنزيل 1/ 313.
343
الأوّل بدل الكلّ، على أنّ «الكتاب المبين» علم اللّه. أو بدل الاشتمال إن أريد به اللّوح.
و قرئت (1)، بالرّفع، للعطف على محلّ «من ورقة». أو الابتداء، و الخبر فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده إلى أبي بصير قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
قال: فقال: «الورقة» السّقط. و «الحبّة» الولد. و «ظلمات الأرض» الأرحام. و «الرّطب» ما يحيى. و «اليابس» ما يقبض (3). و كلّ ذلك في كتاب مبين.
و في روضة الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد (5) جميعا، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زيد بن الوليد الخثعميّ، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
قال: فقال: «الورقة» السّقط. و «الحبّة» الولد. و «ظلمات الأرض» الأرحام.
و «الرّطب» ما يحيى النّاس. و «اليابس» ما يقبض. و كلّ ذلك في كتاب (6) مبين.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن الحسين بن خالد (8) قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 313.
(2) المعاني/ 215، ح 1.
(3) المصدر: يغيض.
(4) الكافي 8/ 248، ح 349.
(5) كذا في المصدر، ج و ر. و في سائر النسخ: سيد.
(6) المصدر: إمام.
(7) تفسير العياشي 1/ 361، ح 29.
(8) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 238. و في النسخ:
الحسين بن خلف.
344
وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
فقال: «الورقة» السّقط، يسقط من بطن أمّه من قبل أن يهلّ الولد.
قال: فقلت: و قوله: «و لا حبّة»؟
قال: يعني: الولد في بطن أمّه إذا أهلّ (1) و يسقط من قبل الولادة.
قال: قلت: قوله: «و لا رطب»؟
قال: يعني المضغة إذا أسكنت في الرّحم قبل أن يتمّ خلقها قبل أن ينتقل.
قال: قلت: قوله: «و لا يابس»؟
قال: الولد التّامّ.
قال: قلت: «في كتاب مبين»؟
قال: في إمام مبين.
و في من لا يحضره الفقيه (2)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: و ما تسقط من ورقة من شجرة و لا حبّة في ظلمة الأرض (3) إلّا يعلمها، لا إله إلّا هو، و لا رطب و لا يابس إلّا في كتاب مبين.
و في الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و قال لصاحبكم أمير المؤمنين: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. و قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
و علم هذا الكتاب عنده.
وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ: يميتكم و يراقبكم. استعير التّوفيّ من الموت للنّوم، لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس و التّميّز. فإنّ أصله، قبض الشّيء بتمامه.
وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ: كسبتم فيه. خصّ اللّيل بالنّوم و النّهار بالتّكسّب، جريا على المعتاد.
____________
(1) المصدر: هلّ.
(2) الفقيه 1/ 336، ذيل ح 30.
(3) ليس في المصدر.
(4) الإحتجاج 2/ 140.
345
ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ: يوقظكم. أطلق البعث، ترشيحا للتّوقي.
فِيهِ: في النّهار.
لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى: ليبلغ المتيقّظ آخر أجله المسمّى له في الدّنيا.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، في رواية أبي الجارود: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هو الموت.
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ: بالموت.
ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60): بالمجازاة عليه.
وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً: ملائكة يحفظونكم و يحفظون أعمالكم، يذبّون عنكم مردة الشّياطين و هوامّ الأرض و سائر الآفات، و يكتبون ما تفعلون.
و قيل (2): المراد الكرام الكاتبون. و الحكمة فيه أنّ العبد (3) إذا علم أنّ أعماله تكتب عليه و تعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر عن المعاصي. و أنّ العبد إذا وثق بلطف سيّده و اعتمد على عفوه و ستره، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين (4) عليه.
و سيأتي ما يقرب منه عن الصّادق- (عليه السلام)- في سورة الانفطار إن شاء اللّه- تعالى-.
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا: ملك الموت و أعوانه.
و قرأ (5) حمزة: «توفّاه» بألف ممالة.
وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61): بالتّواني و التّأخير.
و قرئ (6)، بالتّخفيف. و المعنى: لا يجاوزون ما حدّ لهم بزيادة و لا نقصان.
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ: إلى حكمه و جزائه.
مَوْلاهُمُ: الّذي يتولّى أمرهم.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 203.
(2) أنوار التنزيل 1/ 314.
(3) المصدر: المكلّف.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: خدمة المتطلعين.
(5) أنوار التنزيل 1/ 314.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
346
الْحَقِ: العدل الّذي لا يحكم إلّا بالحقّ.
و قرئ (1)، بالنّصب، على المدح.
أَلا لَهُ الْحُكْمُ: يومئذ لا حكم لغيره فيه.
وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62):
روي (2): أنّه- سبحانه- يحاسب جميع عباده على مقدار حلب شاة.
و روي (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه سئل، كيف يحاسب اللّه- سبحانه- و الخلق و لا يرونه؟
قال: كما يرزقهم و لا يرونه.
و في الاعتقادات (4): أنّ اللّه- تعالى- يخاطب عباده من الأوّلين و الآخرين يوم القيامة بمجمل حساب عملهم مخاطبة واحدة. فيسمع منها كلّ واحد قضيّته دون غيره، و يظنّ أنه المخاطب دون غيره لا يشغله- عزّ و جلّ- مخاطبة عن مخاطبة، و يفرغ من حساب الأوّلين و الآخرين في مقدار نصف ساعة من ساعات الدّنيا.
و روي (5) بعضهم: أنّه يحاسب الخلائق في مقدار لمح البصر.
و لا منافاة بينها، لأنّها كلّها تقريب. و المراد إسراع المحاسبة في زمان أقلّ ما يكون. و المراد بكلّ التّعبيرات واحد، و هو نصف ساعة من ساعات الدّنيا تقريبا.
و يقرب منه زمان حلب الشّاة و لمح البصر.
و في تفسير العياشيّ (6): عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
دخل مروان بن الحكم المدينة، فاستلقى على السّرير و ثمّ (7) مولى للحسين- عليه الصّلاة و السّلام-.
فقال: رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ- إلى قوله- أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ.
قال: فقال الحسين- (عليه السلام)- لمولاه: ما ذا قال هذا حين دخل؟
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
2 و 3- المجمع 2/ 313.
(4) تفسير الصافي 2/ 127.
(5) نفس المصدر، و الموضع.
(6) تفسير العيّاشي 1/ 362، ح 30.
(7) ثمّ: هناك.
347
قال: استلقى على السّرير فقرأ: رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ- إلى قوله- أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ.
قال: فقال الحسين- (عليه السلام)-: نعم و اللّه، رددت أنا و أصحابي إلى الجنّة و ردّ هو و أصحابه إلى النّار.
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ: من شدائدهما. استعيرت الظّلمة للشّدّة، لمشاركتهما في الهول و إبطال الإبصار. فقيل لليوم الشّديد: يوم مظلم، و يوم ذو كواكب. أو من الخسف في البرّ، و الغرق في البحر.
و قرأ (1) يعقوب: «ينجيكم» بالتّخفيف. و المعنى واحد.
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً: متضرّعين بألسنتكم، و مسرّين في أنفسكم. أو إعلانا و إسرارا.
و قرئ: «خفية» بالكسر.
لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63): على إرادة القول، أي:
يقولون: لئن أنجيتنا.
و قرأ (2) الكوفيّون: «لئن أنجانا» ليوافق قوله: «تدعونه». و هذه إشارة إلى الظّلمة.
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها:
شدّده الكوفيّون و هشام، و خفّفه الباقون.
وَ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ: غمّ سواها.
ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64): تعودون إلى الشّرك، و لا توفون بالعهد. و إنّما وضع «تشركون» موضع «لا تشكرون»، تنبيها على أنّ من أشرك في عبادة اللّه فكأنّه لم يعبده رأسا.
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ، كما فعل بقوم نوح و لوط و أصحاب الفيل.
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، كما أغرق فرعون و خسف بقارون.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 314.
(2) أنوار التنزيل 1/ 314.
348
أَوْ يَلْبِسَكُمْ: يخلطكم.
شِيَعاً: فرقا، مختلفي الأهواء. كلّ فرقة منكم شايعة لإمام، فينشب القتال بينكم.
وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ: يقاتل بعضكم بعضا.
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: بالوعد و الوعيد.
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65):
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، و في رواية أبي الجارود: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ: هو الدّخان و الصّيحة.
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ هو الخسف. أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً هو الاختلاف في الدّين و طعن بعضكم على بعض. وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ و هو أن يقتل بعضكم بعضا. و كلّ هذا في أهل القبلة. يقول اللّه: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ.
و في مجمع البيان (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: مِنْ فَوْقِكُمْ من السّلاطين الظّلمة. أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ العبيد السّوء و من لا خير فيه. أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يضرب بعضكم ببعض ممّا يلقيه بينكم من العداوة و العصبيّة وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ هو سوء الجوار.
و فيه (3): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سألت ربّي أن لا يظهر على أمّتي أهل دين غيرهم، فأعطاني. و سألته أن لا يهلكهم جوعا، فأعطاني. و سألته أن لا يجمعهم على الضّلال، فأعطاني. و سألته أن لا يلبسهم شيعا، فمنعني.
قال (4) و في تفسير الكلبيّ: أنّه لمّا نزلت هذه الآية، قام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فتوضّأ و أسبغ وضوءه. ثمّ قام و صلّى، فأحسن صلاته. ثمّ سأل اللّه- سبحانه- على (5) أن لا يبعث على أمّته عذابا من فوقهم، و لا من تحت أرجلهم، و لا يلبسهم شيعا، و لا
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 204.
(2) المجمع 2/ 315.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) المجمع 2/ 315.
(5) ليس في المصدر.
349
يذيق بعضهم بأس بعض.
فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، اللّه- تعالى- سمع مقالتك، و أنّه قد أجارهم من خصلتين و لم يجرهم من خصلتين، أجارهم من أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم و لم يجرهم من الخصلتين الأخريين (1).
فقال- (عليه السلام)-: يا جبرئيل، ما بقاء أمّتي (2) مع قتل بعضهم بعضا.
فقام و عاد إلى الدّعاء، فنزل الم، أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا (الآيتين) فقال:
لا بدّ من فتنة تبتلى بها الأمّة بعد نبيّها، ليتبيّن لها الصّادق من الكاذب. لأنّ الوحي قد انقطع، و بقي السّيف و افتراق الكلمة إلى يوم القيامة.
قال و في الخبر: أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إذا وضع السّيف في امّتي، لم يرفع (3) عنها إلى يوم القيامة.
وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ:
قيل (4): أي بالعذاب. أو بالقرآن.
وَ هُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66): حفيظ و كلّ إليّ أمركم، فأمنعكم أو أجازيكم. إنّما أنا منذر و اللّه الحفيظ.
لِكُلِّ نَبَإٍ: خبر. يريد أنباء العذاب، أو الإيعاد به.
مُسْتَقَرٌّ: وقت استقرار و وقوع.
وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (67): عند وقوعه في الدّنيا، أو في الآخرة.
وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا: بالتّكذيب و الاستهزاء بها، و الطّعن فيها.
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ: فلا تحاسبهم، و قم عنهم.
و في تفسير العياشي (5): عن ربعي بن عبد اللّه، عمّن ذكره، عن أبي جعفر- عليه
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: الأخيرتين.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: ما بقي من أمّتي.
(3) كذا في المصدر و «ج» و «ر». و في النسخ: لم يدفع.
(4) أنوار التنزيل 1/ 315.
(5) تفسير العيّاشي 1/ 362، ح 31.
350
السّلام- في هذه الآية، قال: الكلام في اللّه و الجدال في القرآن.
قال: و منه القصّاص.
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ: غير ذلك.
قيل (1): أعاد الضّمير على معنى الآيات، لأنّها القرآن.
وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ: النّهي. بأن تشتغل بأمر يذهب النّهي عن نظرك.
و قرأ (2) ابن عامر: «ينسينّك» بالتّشديد.
و لمّا كان أكثر مخاطبات النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في القرآن على سبيل التّعريض بالامّة، ليس في الآية دلالة على عروض النّسيان له- (عليه السلام)-. مع أنّ في استعمال «إن» دون «إذا» إشعارا بأنّ عروضه له على سبيل الفرض و التّقدير.
فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى: بعد أن تذكره.
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)، أي: معهم. فوضع الظّاهر موضعه، دلالة على أنّهم ظلموا، بوضع التّكذيب و الاستهزاء موضع التّصديق و الاستعظام.
في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني قال:
حدّثني عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: ليس لك أن تقعد مع من شئت. لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ (الآية).
و في هذا الخبر دلالة على أنّه لو لم يقل اللّه ذلك، لجاز القعود مع من شاء المكلّف. و فيه دلالة على أنّ كلّما ليس فيه نهي، يجوز ارتكابه إذا شاء و لم يستخبثه الطّبع السّليم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن سيف بن عميرة، عن عبد الأعلى بن أعين قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر، فلا يجلس في
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 315.
(3) العلل/ 605، ح 80.
(4) تفسير القمّي 1/ 204.
351
مجلس يسبّ فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم. إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ (الآية).
و في أصول الكافي (1): الحسين بن محمّد و محمّد بن يحيى جميعا، عن عليّ بن محمّد بن سعد (2)، عن محمّد بن مسلم، عن أحمد بن زكريّاء، عن محمّد بن خالد بن ميمون، عن عبد اللّه بن سنان، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال] (3) ما اجتمع ثلاثة من الجاحدين، إلّا حضرهم عشرة أضعافهم من الشّياطين. فإن تكلّموا، تكلّم الشّياطين بنحو كلامهم. و إذا ضحكوا، ضحكوا معهم. و إذا نالوا من أولياء اللّه، نالوا معهم. فمن ابتلى من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك، فليقم و لا يكن شرك شيطان و لا جليسه. فإنّ غضب اللّه- عزّ و جلّ- لا يقوم له شيء، و لعنة (4) اللّه لا يردّها شيء.
ثم قال: فإن لم يستطع، فلينكر بقلبه و ليقم و لو حلب شاة أو فواق ناقة.
و فيه (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (6) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها. و فرض على السّمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم اللّه، و أن يعرض عمّا لا يحلّ له ممّا نهى اللّه- عزّ و جلّ- عنه، و الإصغاء إلى ما أسخط اللّه- عزّ و جلّ-. فقال في ذلك: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
ثمّ استثنى- عزّ و جلّ- موضع النّسيان فقال:
____________
(1) الكافي 2/ 187- 188، ح 6.
(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 598. و في النسخ: سعيد.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: لعنته.
(5) الكافي 2/ 34- 35، ضمن ح 1.
(6) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: يزيد.
352
وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أبي زياد النّهديّ، عن عبد اللّه بن صالح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى اللّه فيه و لا يقدر على تغييره (2).
عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد، عن بكر بن محمّد، عن الجعفريّ قال:
سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: ما لي رأيتك عند عبد الرّحمن بن يعقوب؟
فقال: إنّه خالي.
فقال: إنّه يقول في اللّه قولا عظيما، يصف اللّه و لا يوصف. فإمّا جلست معه و تركتنا، و إمّا جلست معنا و تركته.
فقلت: هو يقول ما شاء، أيّ شيء عليّ منه إذا لم أقل ما يقول؟
فقال: أبو الحسن- (عليه السلام)-: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا.
و فيه (4): الحسين بن محمّد، عن عليّ بن محمّد بن سعد (5)، عن محمّد بن مسلم، عن إسحاق بن موسى قال: حدّثني أخي و عمّي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ثلاثة مجالس يمقتها اللّه و يرسل نقمته على أهلها، فلا تقاعدوهم و لا تجالسوهم: مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه، و مجلسا ذكر أعدائنا فيه جديد و ذكرنا فيه رثّ، و مجلسا فيه من يصدّ عنّا و أنت تعلم.
قال: ثمّ تلا أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- ثلاث آيات من كتاب اللّه، كأنّما كنّ في فيه، أو قال: في كفّه (6): وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (7). وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
____________
(1) الكافي 2/ 374، ح 1.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: غيره.
(3) نفس المصدر/ 374- 375، صدر ح 2.
(4) نفس المصدر و المجلد/ 378، ح 12.
(5) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 598. و في النسخ: سعيد.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «كيف» بدل «في كفه».
(7) الأنعام/ 108.
353
. وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ (1).
و في من لا يحضره الفقيه (2): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّة لابنه محمّد بن الحنفيّة: ففرض على السّمع أن لا تصغي به إلى المعاصي، فقال- عزّ و جلّ-: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. ثمّ استثنى- جلّ و عزّ- موضع النّسيان، فقال: وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
و روى محمّد بن مسلم (3) قال: مرّ بي أبو جعفر- (عليه السلام)- و أنا جالس عند القاضي بالمدينة، فدخلت عليه من الغد.
فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟
قال: قلت له: جعلت فداك، إنّ هذا القاضي لي مكرم، فربّما جلست إليه.
فقال لي: و ما يؤمنك أن تنزل اللّعنة (4) [فتعمّ من في المجلس] (5) فتعمّك معه.
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ: يا ابن رسول اللّه، حدّثني بحديث آبائك- (عليهم السلام)-.
قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: مجالسة الأشرار تورث سوء الظّنّ بالأخيار.
و في نهج البلاغة (7): قال- (عليه السلام)-: و إيّاك و مصاحبة الفسّاق، فإنّ الشّرّ بالشّرّ ملحق.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى داود بن القاسم الجعفريّ:
عن محمّد بن عليّ الثّانيّ- (عليه السلام)- قال: أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ذات يوم و معه الحسن بن عليّ و سلمان الفارسيّ، و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- متّكئ على يد
____________
(1) النحل/ 116.
(2) الفقيه 2/ 382، ذيل ح 1.
(3) الفقيه 3/ 4، ح 1.
(4) كذا في المصدر. و في «ج» و «ر»: النقمة.
(5) من المصدر.
(6) العيون 2/ 53، ح 204.
(7) نهج البلاغة/ 460، ذيل كتاب 69.
(8) كمال الدين/ 313، ح 1.
354
سلمان (رحمه اللّه)، فدخل المسجد الحرام، فجلس إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللّباس فسلّم على أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، فردّ (عليه السلام)، فجلس.
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهنّ علمت أنّ القوم ارتكبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم و لا في آخرتهم، و إن تكن الأخرى علمت أنّك و هم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: سلني عمّا بدا لك.
قال: أخبرني عن الرّجل إذا نام، أين تذهب روحه؟ و عن الرّجل، كيف يذكر و ينسى؟ و عن الرّجل، كيف يشبه [ولده] (1) الأعمام و الأخوال.
قال: فالتفت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى أبي محمّد الحسن ولده، فقال:
يا أبا محمّد، أجبه.
فقال- (عليه السلام)-: أمّا ما ذكرت من أمر الذّكر و النّسيان، فإنّ قلب الرّجل في حقّ و على الحقّ طبق. فإن صلّى الرّجل عند ذلك على محمّد و آل محمّد صلاة تامّة، انكشف ذلك الطّبق عن ذلك الحقّ فأضاء القلب و ذكر الرّجل ما كان نسيه. و إن لم يصلّ على محمّد و آله أو نقص من الصّلاة عليهم، انطبق ذلك الطّبق على ذلك الحقّ فأظلم القلب و نسى الرّجل ما كان ذكر.
وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ: و ما يلزم المتّقين من قبائح أعمالهم و أقوالهم.
مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ: ممّا يحاسبون عليه.
وَ لكِنْ ذِكْرى: و لكن عليهم أن يذكّروهم ذكرى، و يمنعوهم عن الخوض في القبائح، و يظهروا كراهتها.
و هو يحتمل النّصب على المصدر، و الرّفع على «و لكن عليهم ذكرى».
و لا يجوز عطفه على محلّ «من شيء»، لأنّ من حسابهم يأباه و لا على «شيء» لذلك. و لأنّ «من» لا تزاد في الإثبات.
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69): يجتنبون ذلك حياء أو كراهة، لمساءتهم.
____________
(1) من المصدر.
355
و يحتمل أن يكون الضّمير «الّذين يتّقون». و المعنى: لعلّهم يثبتون على تقواهم، و لا تنثلم بمجالستهم.
و في مجمع البيان (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: فلمّا نزل فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قال المسلمون: كيف نصنع إن كان كلّما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا و تركناهم، فلا ندخل إذا المسجد الحرام و لا نطوف بالبيت الحرام.
فأنزل اللّه- تعالى-: وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. أمرهم بتذكيرهم و تبصيرهم ما استطاعوا.
وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً: حيث سخروا به و استهزؤوا منه. أو بنوا أمر دينهم على التّشهّي. أو جعلوا عيدهم الّذي جعل ميقات عبادتهم زمان لعب و لهو.
و المعنى: أعرض عنهم و لا تبال بأفعالهم و أقوالهم.
و يجوز أن يكون تهديدا لهم، كقوله: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً.
و من حمله على الأمر بالكفّ عنهم و ترك التّعرّض لهم، جعله منسوخا بآية السّيف.
وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا: فألهتهم عن الآخرة.
وَ ذَكِّرْ بِهِ، أي: بالقرآن.
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ: مخافة أن تسلم إلى الهلاك، و ترتهن بسوء عملها.
و أصل الإبسال و البسل، المنع. و منه: أسد باسل، لأنّ فريسته لا تفلت منه.
و الباسل، الشّجاع لامتناعه من قرنه. و هذا بسل عليك، أي: حرام.
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ: يدفع عنها العذاب.
وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ: و إن تفد كلّ فداء.
و العدل، الفدية. و هاهنا الفداء.
و «كلّ» نصب على المصدر.
____________
(1) المجمع 2/ 316.
356
لا يُؤْخَذْ مِنْها:
الفعل مسند إلى «منها» لا إلى ضميره، بخلاف قوله: و لا يؤخذ منها عدل.
فإنّه المفدى به.
أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا، أي: سلموا إلى العذاب، بسبب أعمالهم القبيحة و عقائدهم الزّائغة.
لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70): تأكيد و تفصيل لذلك.
و المعنى: هم بين ماء يغلي يتجرجر في بطونهم و نار تشتعل بأبدانهم، بسبب كفرهم.
قُلْ أَ نَدْعُوا: أ نعبد.
مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا: ما لا يقدر على نفعنا و ضرّنا.
وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: و نرجع إلى الشّرك.
بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ: فأنقذنا منه و رزقنا الإسلام.
كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ: كالّذي ذهب به مردة الجنّ في المهامة.
استفعال من هوى يهوي هويا: إذا ذهب.
و قرأ (1) حمزة: «استهواه» بألف ممالة.
و محلّ «الكاف» النّصب على الحال من مرفوع «نردّ»، أي: مشبّهين الّذي استهوته. أو على المصدر، أي: ردّا، مثل ردّ الّذي استهوته.
فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ: متحيّرا ضالّا عن الطّريق.
لَهُ أَصْحابٌ: لهذا المستهوى رفقة.
يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى: إلى أن يهدوه الطّريق المستقيم، أو إلى الطّريق المستقيم. و سمّاه هدى، تسمية المفعول به بالمصدر.
ائْتِنا: يقولون له: ائتنا. و قد اعتسف التّيه تابعا للجنّ، لا يجيبهم و لا يأتيهم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 316.
357
و هذا مبنيّ على ما تزعمه العرب: أنّ الجنّ تستهوي الإنسان.
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ: الّذي هو الإسلام.
هُوَ الْهُدى: وحده. و ما عداه ضلال.
وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71): من جملة المقول، عطف على «إنّ هدى اللّه».
و «اللام» لتعليل الأمر، أي: أمرنا بذلك لنسلم.
و قيل (1): بمعنى الباء.
و قيل (2): زائدة.
وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ اتَّقُوهُ: عطف على «نسلم»، أي: للإسلام و لإقامة الصّلاة. أو على «لنسلم» بزيادة الّلام، كأنّه قيل: و أمرنا أن نسلم، و أن أقيموا.
وَ هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72): يوم القيامة. فيجازي كلّ عامل منكم بعمله.
وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ: قائما بالحقّ و الحكمة. حال من الفاعل.
و يحتمل كونه من المفعول، أي: متلبّسا بالحقّ و الصّواب.
وَ يَوْمَ يَقُولُ: له.
كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ: مبتدأ، و صفته و خبره «يوم» قدّم عليه، أي: قوله الحقّ نافذ في الكائنات يوم يقول.
و قيل (3): «يوم» منصوب بالعطف على «السّموات»، أو «الهاء» في «و اتّقوه»، أو بمحذوف دلّ عليه بالحقّ. «و قوله الحقّ» مبتدأ و خبر، أو فاعل «يكون» على معنى:
و حين يقول [لقوله الحق، أي:] (4) لقضائه كن فيكون. «قوله الحقّ» أي: قضاؤه.
و المراد حين يكوّن الأشياء و يحدثها، أو حين تقوم القيامة فيكون التّكوين حشر
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 316.
(3) نفس المصدر، و الصفحة.
(4) من المصدر.
358
الأموات و إحياءها.
وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، كقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
و «الصّور» قرن من نور التقمه إسرافيل، فينفخ فيه. كذا عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- (1).
و روي (2): أنّ فيه بعدد كلّ إنسان ثقبة فيها روحه، و وصف بالسّعة و الضّيق، و اختلف في أنّ أعلاه ضيّق و أسفله واسع أو بالعكس.
و في مجمع البيان (3): قيل فيه أنّه قرن ينفخ فيه إسرافيل- (عليه السلام)- نفختين، فتفنى الخلائق كلّهم بالنّفخة الأولى و يحيون بالنّفخة الثّانية.
و قال الحسن (4): هو جمع صورة.
و يؤيد القول الأوّل
ما رواه أبو سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: و كيف أنعم و قد التقم صاحب القرن القرن و حنا جنبيه (5) و أصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ.
قالوا: فكيف نقول، يا رسول اللّه؟
قال: قولوا: حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ، أي: هو عالم كلّ غيب و كلّ شهادة.
وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73): و هذا كالفذلكة للآية. لأنّ «الحكيم» جامع يجمع أفعاله الموافقة للمصلحة، و «الخبير» جامع للعلم بالغيب و الشّهادة.
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ: عطف بيان «لأبيه».
في كتب التّواريخ (6): أنّ اسم أبيه تارخ. فقيل (7): هما علمان له، كإسرائيل و يعقوب. و قيل (8): العلم تارخ، و آزر وصف، معناه: الشّيخ [أو] المعوجّ.
و الصّحيح (9): أنّ تارخ أبوه، و آزر عمّه أو جدّه لأمّه. و العرب تسمّي الجدّ و العمّ:
____________
1 و 2- تفسير الصافي 2/ 130.
3 و 4- المجمع 2/ 321.
(5) المصدر: جبينه.
6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 317.
(9) المجمع 2/ 322.
359
أبا. لإجماع الطّائفة على أنّ آباء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى آدم- (عليه السلام)- كانوا كلّهم موحّدين، و روايتهم
عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: لم يزل ينقلني اللّه- تعالى- من أصلاب الطّاهرين إلى أرحام المطهّرات حتّى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنّسني بدنس الجاهليّة.
و لو كان في آبائه كافر، لم يصف جميعهم بالطّهارة مع قوله:
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.
في أصول الكافي (1): أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد اللّه الصغير (2)، عن محمّد بن إبراهيم الجعفريّ، عن أحمد بن عليّ بن محمّد بن عبد اللّه بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه كان إذ لا كان، فخلق الكان و المكان.
و خلق نور الأنوار الّذي نوّرت منه الأنوار، و أجرى فيه من نوره الّذي نوّرت منه الأنوار.
و هو النّور الّذي خلق منه محمّدا و عليّا، و لم يزالا نورين أوّلين إذ لا شيء كوّن قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهّرين في الأصلاب الطّاهرة حتّى افترقا في أطهر طاهرين، في عبد اللّه و أبي طالب- (عليهما السلام)-.
أمّا
ما رواه في روضة الكافيّ (3): «عن عليّ بن إبراهيم [عن أبيه] (4)، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ آزر أبا إبراهيم- (عليه السلام)- كان منجّما لنمرود و لم يكن يصدر إلّا عن أمره، فنظر ليلة في النّجوم، فأصبح و هو يقول لنمرود: لقد رأيت عجبا.
قال: و ما هو؟
قال: رأيت مولودا يولد في أرضنا يكون هلاكنا على يديه، و لا يلبث إلّا قليلا حتّى يحمل به.
قال: فتعجّب من ذلك، و قال: و هل حملت به النّساء؟
قال: لا.
قال: فحجب النّساء عن الرّجال، فلم يدع امرأة إلّا جعلها في المدينة لا يخلص
____________
(1) الكافي 1/ 441- 442، ح 9.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: الصفير.
(3) الكافي 8/ 366، ح 558.
(4) من المصدر.
360
إليها. و وقع آزر بأهله، فعلقت بإبراهيم- (عليه السلام)-. فظنّ أنّه صاحبه، فأرسل إلى نساء من القوابل في ذلك الزّمان لا يكون في الرّحم شيء إلّا علمن (1) به. فنظرن، فألزم اللّه- عزّ و جلّ- ما في الرّحم الظّهر. فقلن: ما نرى في بطنها شيئا. و كان فيما أوتي من العلم أنّه سيحرق بالنّار، و لم يؤت علم أنّ اللّه- تبارك و تعالى- سينجّيه.
قال: فلمّا وضعت أمّ إبراهيم، أراد آزر أن يذهب به إلى نمرود ليقتله.
فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله، دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتّى يأتي عليه أجله، و لا تكون أنت الذي تقتل ابنك.
فقال لها: فامضي به.
قال: فذهبت به إلى غار، ثم أرضعته، ثمّ جعلت على باب الغار صخرة، ثمّ انصرفت عنه.
قال: فجعل اللّه- تبارك و تعالى- رزقه في إبهامه، فجعل يمصّها فيشخب (2) لبنها.
و جعل يشبّ في اليوم، كما يشبّ غيره في الجمعة. و يشبّ في الجمعة، كما يشبّ غيره في الشّهر. و يشبّ في الشّهر، كما يشبّ غيره في السّنة. فمكث ما شاء اللّه أن يمكث.
ثمّ أنّ أمّه قالت لأبيه: لو أذنت لي حتّى أذهب إلى ذلك الصَّبي فعلت.
قال: فافعلي (3) ففعل.
فذهبت، فإذا هي بإبراهيم- (صلّى اللّه عليه و آله)- و إذا عيناه تزهران كأنّهما (4) سراجان.
قال: فأخذته فضمّته إلى صدرها و أرضعته، ثمّ انصرفت عنه.
فسألها آزر عنه.
فقالت: قد واريته في التّراب.
فمكثت تفعل، فتخرج في الحاجة فتذهب إلى إبراهيم- (عليه السلام)- فتضمّه
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: علموا.
(2) يشخب: أي يسيل.
(3) كذا في المصدر. و في «ج»: نفعل. و في سائر النسخ: ففعل.
(4) المصدر: كأنّها.
361
إلى صدرها و ترضعه ثمّ تنصرف. فلمّا تحرّك أتته، كما كانت تأتيه فصنعت به، كما [كانت] (1) تصنع. فلمّا أرادت الانصراف، أخذ بثوبها.
فقالت له: مالك؟
فقال لها: اذهبي بي معك.
فقالت له: حتّى أستأمر أباك.
فجاءت (2) أمّ إبراهيم- (عليه السلام)- إلى آزر فأعلمته القصّة.
فقال لها: ائتني به، فأقعديه على الطّريق. فإذا (3) مرّ به إخوته، دخل معهم و لا يعرف.
قال: و كان إخوة إبراهيم- (عليه السلام)- يعملون الأصنام و يذهبون بها إلى الأسواق و يبيعونها.
قال: فذهبت إليه، فجاءت به حتّى أقعدته على الطّريق. و مرّ إخوته، فدخل معهم. فلمّا رآه أبوه، وقعت عليه المحبّة منه، فمكث ما شاء اللّه. فبينا إخوته يعملون يوما من الأيّام الأصنام، إذ أخذ إبراهيم القدّوم و أخذ خشبة فنحت (4) منها صنما لم يروا قطّ مثله.
فقال آزر لأمّه: إنّي لأرجو أن نصيب خيرا ببركة ابنك هذا.
قال: فبيناهم كذلك، إذ أخذ إبراهيم- (عليه السلام)- القدّوم فكسّر الصّنم الّذي عمله. ففزع أبوه من ذلك فزعا شديدا.
فقال له: أيّ شيء عملت؟
فقال إبراهيم- (عليه السلام)-: و ما تصنعون به؟
فقال آزر: نعبده.
فقال إبراهيم- (عليه السلام)-: أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: فأتت.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: فإنّه.
(4) المصدر و ج: فنجر.
362
فقال آزر [لأمه] (1): هذا الّذي يكون ذهاب ملكنا على يديه.
و في تفسير العياشيّ (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قوله- تعالى-:
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ.
قال: كان اسم أبيه آزر.
فوردا موافقا لمذاهب العامّة، و العلم عند اللّه.
و منع صرف «آزر» قيل (3): لأنّه أعجميّ حمل على موازنه، أو نعت مشتقّ من الأزر أو الوزر.
و قيل (4): إنّه علم أعجميّ على فاعل كغابر و شالخ (5).
و قيل (6): اسم لصنم يعبده، يلقّب (7) به للزوم عبادته. أو أطلق عليه بحذف المضاف.
و قيل (8): المراد به الصّنم. و نصبه بفعل مضمر يفسّره ما بعده، أي: أتعبد آزر؟
ثمّ قال: أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً: تفسيرا و تقريرا. و يدلّ عليه أن قرئ (9):
«أأزر أ تتّخذ أصناما» بفتح همزة «آزر» و كسرها. و هو اسم صنم.
و قرأ (10) يعقوب: «آزر» بالضّمّ على النّداء. و هو يدلّ على أنّه علم.
إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74): ظاهر الضّلالة.
وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ: و مثل هذا التّبصير نبصّره. و هو حكاية حال ماضية.
و قرئ (11): «ترى» بالتّاء، و رفع «ملكوت». و معناه: تبصّره دلائل الرّبوبيّة.
مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: ربوبيّتها و ملكها.
و قيل (12): عجائبها و بدائعها.
____________
(1) من المصدر و توجد المعقوفتان في المصدر أيضا.
(2) تفسير العياشي 1/ 392، ح 32.
3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 317.
(5) كذا في المصدر، و في «ج»: كعابر و شالخ. و في «ر»: كعامر و سانح. و في سائر النسخ: كعامر و شائخ.
(6) نفس المصدر، و الصفحة.
(7) المصدر: فلقب به.
8 و 9- نفس المصدر، و الصفحة.
(10) أنوار التنزيل 1/ 317.
(11) نفس المصدر، و الصفحة.
(12) نفس المصدر، و الصفحة.
363
و «الملكوت» أعظم للملك. و التّاء فيه، للمبالغة.
وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)، أي: ليستدلّ و ليكون. أو و فعلنا ذلك ليكون.
في كتاب المناقب (1) لابن شهر آشوب: جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
فرفع أبو جعفر- (عليه السلام)- بيده و قال: ارفع رأسك.
فرفعته، فوجدت السّقف متفرّقا. و رمق ناظري في ثلمة حتّى رأيت نورا حاز عنه بصري.
فقال: هكذا رأى إبراهيم ملكوت السّموات و الأرض. و انظر إلى الأرض ثمّ ارفع رأسك.
فلمّا رفعته، رأيت السّقف كما كان. ثمّ أخذ بيدي و أخرجني من الدّار و ألبسني ثوبا.
و قال: غمّض عينيك ساعة. ثمّ قال: أنت في الظّلمات الّتي رأى ذو القرنين.
ففتحت عيني، فلم أر شيئا. ثمّ تخطّا خطا فقال: أنت على رأس عين الحياة للخضر.
ثمّ خرجنا من ذلك العالم حتّى تجاوزنا خمسة فقال: هذا ملكوت الأرض.
ثمّ قال: غمّض عينيك. و أخذ بيدي، فإذا نحن بالدّار الّتي كنّا فيها. و خلع عنّي ما كان ألبسنيه.
فقلت: جعلت فداك، كم ذهب من اليوم؟ فقال: ثلاث ساعات.
و في بصائر الدّرجات (2): و عنه، عن محمّد المثنّى (3) [عن أبيه] (4) الميثميّ، عن عثمان بن يزيد (5)، عن جابر بن عبد اللّه [عن أبي جعفر] (6) قال: سألته عن قول اللّه
____________
(1) المناقب/ 194.
(2) البصائر/ 424، ح 4.
(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 187. و في النسخ: الميثمي.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: يزيد. قال الأردبيلي في جامع الرواة 1/ 533: الظاهر أنّ ابن يزيد اشتباه لعدم وجوده في كتب الرجال و اللّه أعلم.
(6) من المصدر.
364
- عزّ و جلّ-: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. قال: و كنت مطرقا إلى الأرض.
فرفع يده إلى فوق. ثمّ قال لي: ارفع رأسك.
فرفعت رأسي و نظرت إلى السّقف قد انفجر حتّى خلص بصري إلى نور (1) ساطع حار بصري دونه.
قال: ثم قال لي (2): رأى إبراهيم ملكوت السّموات و الأرض هكذا.
ثمّ قال لي: أطرق. فأطرقت. ثمّ قال: ارفع رأسك.
فرفعت رأسي، فإذا السّقف على حاله.
ثمّ أخذ بيدي، و قام و أخرجني من البيت الّذي كنت فيه، و أدخلني بيتا آخر.
فخلع الثّياب الّتي كانت عليه، و لبس ثيابا غيرها. ثمّ قال: غضّ بصرك.
فغضضت بصري (3).
و قال لي: لا تفتح عينيك. فلبثت ساعة.
ثمّ قال لي: أ تدري أين أنت؟
قلت: لا، جعلت فداك.
قال: أنت في الظّلمة الّتي سلكها ذو القرنين.
فقلت له: جعلت فداك، أ تأذن لي فأفتح (4) عيني؟
فقال: فافتح، فإنّك لا ترى شيئا.
ففتحت [عيني] (5)، فإذا أنا في ظلمة لا أبصر فيها موضع قدمي.
قال: ثمّ سار (6) قليلا و وقف، فقال: هل تدري أين أنت؟
____________
(1) كذا في المصدر. و في «ج»: «ثقب» بدل «إلى نور». و في سائر النسخ: «لهب» بدل «إلى نور».
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: «جاز بعدي منه ثمّ قال» بدل «حار ... ثم قال لي».
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: بعده.
(4) المصدر: أن أفتح.
(5) من المصدر.
(6) كذا في هامش المصدر. و في متن المصدر، و النسخ: صار.
365
فقلت: لا.
فقال: أنت واقف على عين الحياة الّتي شرب منها الخضر.
و شرب (1) و خرجنا من ذلك العالم إلى عالم آخر فسلكناه، فرأيناه كهيئة عالمنا في بنيانه و مساكنه و أهله. ثمّ خرجنا إلى عالم ثالث، كهيئة الأوّل و الثّاني حتّى وردنا خمسة عوالم.
قال: ثمّ قال لي: هذه ملكوت الأرض و لم يرها إبراهيم، و إنّما رأي ملكوت السّموات. و هي اثنا عشر عالما، كهيئة ما رأيت. كلّما مضى منّا إمام، سكن احد (2) هذه العوالم حتّى يكون آخرهم القائم في عالمنا الّذي نحن ساكنوه.
قال: ثم قال: غضّ بصرك.
فغضضت بصري [ثم أخذ بيدي] (3)، فإذا نحن بالبيت الذي (4) خرجنا منه. فنزع تلك الثّياب و لبس الثّياب الّتي كانت عليه وعدنا (5) إلى مجلسنا.
فقلت: جعلت فداك، كم مضى من النّهار؟
قال: ثلاث ساعات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قوله: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فإنّه
حدّثني أبي، عن إسماعيل بن مراد، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كشط له عن الأرض و من عليها، و عن السماء و من فيها، و الملك الّذي يحملها، و العرش و من عليه. و فعل ذلك كلّه برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و حدثني (7) أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزاز عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا رأى إبراهيم ملكوت السّموات و الأرض، التفت فرأى
____________
(1) ليس في المصدر: و شرب. و في نور الثقلين 1/ 731، ح 131: توجد بين المعقوفتين.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: آخر.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: الّتي.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: و عندها.
(6) تفسير القمّي 1/ 205.
(7) نفس المصدر، و المجلّد/ 205- 206.
366
رجلا يزني، فدعا عليه فمات. ثمّ رأى آخر، فدعا عليه فمات، ثمّ رأى ثلاثة، فدعا عليهم فماتوا.
فأوحى اللّه إليه: يا إبراهيم، إنّ دعوتك مستجابة، فلا تدع على عبادي، فإنّي لو شئت لم أخلقهم. إنّي خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: صنف يعبدني و لا يشرك بي شيئا، فأثيبه. و صنف يعبد (1) غيري، فليس يفوتني. و صنف يعبد غيري، فأخرج من صلبه من يعبدني.
و في روضة الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. مثله
و في أصول الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقيّ رفعه قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال له: أخبرني عن قوله: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ. فكيف قال ذلك، و قلت: إنّه يحمل العرش و السّموات و الأرض؟
فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ العرش خلقه اللّه من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرّت الحمرة، و نور أخضر منه اخضرّت الخضرة، و نور أصفر منه اصفرّت الصّفرة، و نور أبيض منه [ابيضّ] (4) البياض. و هو العلم الّذي حمّله اللّه الحملة. و ذلك نور من عظمته. فبعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين، و بعظمته و نوره عاداه الجاهلون، و بعظمته و نوره ابتغى من في السّموات و الأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة و الأديان المشتبهة (5). فكلّ محمول يحمله اللّه بنوره و عظمته و قدرته، لا يستطيع لنفسه ضرّا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا.
فكلّ شيء محمول و اللّه- تبارك و تعالى- الممسك لهما أن تزولا و المحيط بهما من
____________
(1) المصدر: يعبدون.
(2) الكافي 8/ 305، ح 473.
(3) الكافي 1/ 129- 130، ح 1.
(4) كذا في المصدر. و توجد المعقوفتان فيه أيضا. و في أ، ب: «نور أبيض ابيضّ منها» بدل «نور أبيض منه [بيضّ]. و في «ج» و «ر»: نور ابيض منه.
(5) «ج» و «ر» المشبّهة.
367
شيء. و هو حياة كلّ شيء و نور كلّ شيء، سبحانه و تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا.
فالّذين يحملون العرش، هم العلماء الّذين حمّلهم اللّه علمه. و ليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلقه اللّه في ملكوته، و هو الملكوت (1) الّذي أراه اللّه أصفياءه و أراه خليله- (عليه السلام)- فقال: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. و كيف يحمل حملة العرش اللّه، و بحياته حييت قلوبهم و بنوره اهتدوا إلى معرفته.
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد، عن صفوان بن يحيى، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين، أطعمه اللّه من ثلاث جنان في ملكوت السّموات، الفردوس، و جنّة عدن، و طوبى و هي شجرة تخرج في جنّة عدن غرسها ربّنا بيده.
عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: طوبى للمساكين بالصّبر، و هم الّذين يرون ملكوت السّموات و الأرض.
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- حديث طويل، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. يقول فيه- (عليه السلام)-: يا أبا جهل، أما علمت قصّة إبراهيم الخليل لما رفع في الملكوت؟ و ذلك قول ربّي: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. قوّى اللّه بصره لما رفعه دون السّماء، حتّى أبصر الأرض و من عليها ظاهرين و مستترين.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
____________
(1) ليس في المصدر: و هو الملكوت.
(2) الكافي 2/ 200- 201، ح 3.
(3) الكافي 2/ 263، ح 13.
(4) الاحتجاج 1/ 36.
(5) تفسير العياشي 1/ 364، ح 36.
368
قال: أعطي بصره من القوّة ما نفذ السّموات و الأرض (1)، فرأى السّموات و (2) ما فيها، و رأى العرش و ما فوقه، و رأى ما في الأرض و ما تحتها.
و في بصائر الدّرجات (3): [أحمد بن محمّد، عن محمّد بن] (4) محمّد بن عبد اللّه بن محمّد الحجّال، عن ثعلبة، عن عبد الرّحيم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
قال: كشط اللّه عن الأرض حتّى رآها و من فيها [و عن السّماء حتى رآها و من فيها] (5)، و الملك الّذي يحملها (6)، و العرش و من عليه، و كذلك أرى صاحبكم.
و في الخرائج و الجرائح (7): عن أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عبد اللّه بن مسكان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
قال: كشط اللّه لإبراهيم السّموات حتّى نظر إلى ما فوق العرش، و كشطت له الأرض حتّى رأى ما تحت تخومها و ما فوق الهواء. و فعل بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثل ذلك، و إنّي لأرى صاحبكم. و الأئمة من بعده فعل بهم مثل ذلك.
و سأله أبو بصير: هل رأى محمّد ملكوت السّموات و الأرض، كما رأى ذلك إبراهيم- (عليه السلام)-؟
قال: نعم، و صاحبكم و الأئمة من بعده.
و قال أبو جعفر (8)- (عليه السلام)- في ذلك: كشط له السّموات [السبع] (9)- حتّى نظر إلى السّماء السّابعة و ما فيها، و الأرضون السّبع حتّى نظر إليهنّ و ما فيهنّ. و فعل بمحمّد، كما فعل بإبراهيم- (عليه السلام)-. و إنّي لأرى صاحبكم قد فعل به مثل ذلك و الأئمّة من
____________
(1) ليس في المصدر: و الأرض.
(2) ليس في المصدر: السموات و.
(3) البصائر/ 126، ح 1.
(4) ما بين المعقوفتين لا يوجد في المصدر.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: يحملونها.
(7) نور الثقلين 1/ 734، ح 141 عنه.
(8) نفس المصدر، و الموضع.
(9) من المصدر.
369
بعده بمثل ذلك.
و بإسناده (1) إلى بريدة الأسلميّ، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أنّه قال] (2) يا عليّ، إنّ اللّه أشهدك معي سبع مواطن. فذكرها حتّى ذكر الموطن الثّاني، فقال: أتاني جبرئيل فأسرى بي إلى السّماء.
فقال: أين أخوك؟
قلت: ودّعته خلفي.
فقال: ادع اللّه يأتيك به.
فدعوت اللّه، فإذا أنت معي. كشط لي عن السّموات السّبع و الأرضين السّبع حتّى رأيت سكانها و عمّارها و موضع كلّ ملك فيها، لم أر (3) من ذلك شيئا إلّا و قد رأيته.
و في كتاب الخصال (4): عن يزداد بن إبراهيم، عمّن حدّثنا من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و اللّه لقد أعطاني اللّه- تبارك و تعالى- تسعة أشياء لم يعطها أحدا قبلي خلا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، لقد فتحت لي السبل، و علّمت الأنساب (5)، و أجري لي السّحاب، و علّمت المنايا و البلايا و فصل الخطاب، و لقد نظرت في الملكوت بإذن ربّي- جلّ جلاله- فما غاب عنّي ما كان قبلي و ما يأتي بعدي.
(الحديث).
و في عوالي اللئالي (6): و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو لا أنّ الشّياطين يحومون حول قلب ابن آدم، لنظر إلى الملكوت.
و في كتاب علل الشّرائع (7)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- عن اللّه- جلّ جلاله- هل يوصف بمكان؟
____________
(1) نفس المصدر، و الصفحة، ح 142.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: لا أرى.
(4) الخصال/ 414، ح 4.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: الأسباب.
(6) عوالي اللئالي 4/ 113، ح 174.
(7) العلل/ 131، ح 1.
370
فقال: تعالى عن ذلك.
قلت: فلم أسرى بنبيه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى السّماء؟
قال: ليريه ملكوت السماوات و الأرض (1) و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه.
قلت: فقول اللّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى.
قال: ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دنا (2) من حجب النّور فرأى ملكوت السّموات. ثمّ تدلّى- (عليه السلام)- فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتّى ظن أنّه دنى في القرب [من الأرض] (3)، كقاب قوسين أو أدنى.
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي: تفصيل و بيان «كذلك».
و قيل (4): عطف على «قال إبراهيم».
وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ اعتراض. فإنّ أباه و قومه كانوا يعبدون الأصنام و الكواكب، فأراد أن ينبّههم على ضلالالتهم و يرشدهم إلى الحقّ من طريق النّظر و الاستدلال.
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ستره بظلامه.
و «الكواكب» الزّهرة. و قيل (5) المشتري.
و قوله: «هذا ربّي» على سبيل الوضع. فإنّ المستدلّ على فساد قول يحكيه على ما يقول الخصم، ثمّ يكرّ (6) عليه بالإفساد.
قيل (7): أو على وجه النّظر و الاستدلال. و إنّما قال زمان مراهقته، أو أوّل أوان بلوغه.
فَلَمَّا أَفَلَ، أي: غاب.
____________
(1) ليس في المصدر: و الأرض.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: أدنى.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 317.
(5) نفس المصدر، و الصفحة.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: ينكر.
(7) نفس المصدر، و الصفحة.
371
قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76): فضلا عن عبادتهم. فإنّ الانتقال و الاحتجاب بالاستتار، يقتضي الإمكان و الحدوث و ينافي الألوهيّة.
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً: مبتدئا في الطّلوع.
قالَ هذا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77): استعجز نفسه و استعان بربّه في درك الحقّ. فإنّه لا يهتدي إليه إلّا بتوفيقه، إرشادا لقومه، و تنبيها لهم على أنّ القمر- أيضا- لتغيّر حاله لا يصلح للألوهيّة، و أنّ من أتّخذه إلها فهو ضال.
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي: ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر، و صيانة للرّبّ عن شبهة التّأنيث.
هذا أَكْبَرُ: كبّره، استدلالا و إظهارا لشبهة الخصم.
فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78): من الأجرام المحدّثة المحتاجة إلى محدث يحدثها، و مخصّص يخصّصها بما يختصّ به و ثمّ تبرّأ عنها، و توجّه إلى موجدها و مبدعها الّذي دلّت عليه هذه الممكنات، و قال:
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً: مسلما. وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79).
قيل (1): إنّما احتجّ بالأفول دون البزوغ مع أنّه- أيضا- انتقال، لتعدّد دلالته، و لأنّه رأى الكوكب الّذي يعبدونه في وسط السّماء حين حاول الاستدلال.
و في عيون الأخبار (2)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)-: حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ- رضي اللّه عنه- قال: حدّثني أبي، عن حمدان بن سليمان النيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-.
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فأخبرني عن قول اللّه- تعالى- في حق إبراهيم:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 318.
(2) العيون 1/ 197.
372
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي.
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ إبراهيم- صلّى اللّه عليه- وقع على ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزّهرة، و صنف يعبد القمر، و صنف يعبد الشّمس. و ذلك حين خرج من السّرب (1) الّذي أخفي فيه «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» رأى- (عليه السلام)- الزّهرة «قالَ هذا رَبِّي» على الإنكار و الاستخبار. «فَلَمَّا أَفَلَ» الكوكب «قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ». لأنّ الأفول من صفات المحدث، لا من صفات القديم. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي على الإنكار و الاستخبار. فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. يقول: لئن (2) لم يهدني ربّي لكنت من القوم الضّالّين.
فلمّا أصبح رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ من الزّهرة و القمر على الإنكار و الاستخبار، لا على الإخبار و الإقرار. «فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ» للأصناف الثّلاثة من عبدة الزّهرة و القمر و الشّمس يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. و إنّما أراد إبراهيم- (عليه السلام)- بما قال أن يبيّن لهم بطلان دينهم، و يثبت عندهم أنّ العبادة لا تحقّ لمن كان بصفة الزّهرة و القمر و الشّمس، و إنّما تحقّ العبادة لخالقها و خالق السّموات و الأرض. و كان ما احتجّ به على قومه ممّا ألهمه اللّه و آتاه، كما قال اللّه- تعالى-: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ.
فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي عبيدة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول إبراهيم- (صلوات اللّه عليه)-: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، أي: ناس للميثاق.
عن مسعدة (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه:
____________
(1) السرب- بالتحريك-: الكهف.
(2) المصدر: «لو» بدل «لئن».
(3) تفسير العياشي 1/ 364، ح 39.
(4) تفسير العياشي 1/ 105، ذيل ح 309.
373
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً (الآية). حديث طويل و في آخره: قلت: أ فضلالا (1) كانوا قبل النبيين (2) أم على هدى؟
قال: لم يكونوا على الهدى، كانوا على فطرة الله التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق الله. و لم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم بهم اللّه. أما تسمع لقول (3) إبراهيم: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، أي: ناسيا للميثاق.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ، [أي: غاب] (5) «قال لا أحبّ الآفلين». فإنّه
حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ آزر أبا إبراهيم كان منجّما لنمرود بن كنعان.
فقال له: إنّي أرى في حساب النّجوم أنّ هذا الزّمان يحدث رجلا، فينسخ هذا الدّين و يدعو إلى دين آخر.
فقال له نمرود: في أيّ بلاد يكون؟
قال: في هذه البلاد. و كان منزل نمرود بكوثىريا.
فقال له نمرود: قد خرج إلى الدّنيا؟
قال آزر: لا.
قال: فينبغي أن يفرّق بين الرّجال و النّساء.
ففرّق بين الرّجال و النّساء. فحملت أمّ إبراهيم بإبراهيم- (عليه السلام)- و لم يتبيّن حملها. فلمّا حان ولادتها قالت: يا آزر، انّي قد اعتللت و أريد أن أعتزل عنك.
و كان في ذلك الزّمان، المرأة إذا اعتلّت اعتزلت عن زوجها. فخرجت (6) و اعتزلت في غار، و وضعت إبراهيم- (عليه السلام)-. فهيّئته و قمّطته و رجعت إلى منزلها،
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: أفضال.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: النبيّ.
(3) المصدر: يقول.
(4) تفسير القمّي 1/ 206- 208.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: فخرجت و اعتزلت عن زوجها و اعتزلت في غار.
374
و سدّت باب الغار بالحجارة. فأجرى اللّه لإبراهيم- (عليه السلام)- لبنا من إبهامه. و كانت أمّه تأتيه.
و وكّل نمرود بكلّ امرأة حامل، و كان يذبح كلّ ولد ذكر. فهربت أمّ إبراهيم بإبراهيم من الذّبح. و كان يشبّ إبراهيم- (عليه السلام)- في الغار يوما، كما يشبّ غيره في الشّهر، حتّى أتى له في الغار ثلاثة عشر سنة.
فلمّا كان بعد ذلك، زارته أمّه. فلمّا أرادت أن تفارقه، تشبّث بها فقال:
يا أمّي، أخرجيني.
فقالت له: يا بنيّ، إنّ الملك إن علم أنّك ولدت في هذا الزّمان، قتلك.
فلمّا خرجت أمّه من الغار و قد غابت الشّمس، نظر إلى الزّهرة في السّماء.
فقال: «هذا ربّي». فلمّا غابت الزّهرة (1) قال: لو كان هذا ربّي ما تحرّك و لا برح. ثمّ قال: «لا أحبّ الآفلين». و الآفل: الغائب. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً (2) قالَ هذا رَبِّي هذا أكبر و أحسن. فلمّا تحرّك و زال قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.
فلمّا أصبح و طلع الشّمس و رأى ضوءها و قد أضاءت الدّنيا لطلوعها قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ و أحسن. فلمّا تحرّكت و زالت، كشط (3) اللّه له عن السّموات حتّى رأى العرش و من عليه، و أراه ملكوت السّموات و الأرض. فعند ذلك قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فجاء إلى أمّه و أدخلته دارها و جعلته بين أولادها.
قال (4): و سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول إبراهيم: «هذا ربّي» أشرك في قوله: هذا ربّي؟
فقال: لا، بل من قال هذا اليوم، فهو مشرك. و لم يكن من إبراهيم شرك، و إنّما كان في طلب ربّه و هو من غيره شرك.
____________
(1) المصدر: «فلمّا أفلت» بدل «فلما غابت الزهرة».
(2) المصدر: فلمّا نظر إلى المشرق رأى و قد طلع القمر قال: «هذا ربّي».
(3) المصدر: كشف.
(4) نفس المصدر، و الصفحات.
375
فلمّا أدخلت أمّ إبراهيم إبراهيم دارها، نظر إليه آزر فقال: من هذا الّذي قد بقي في سلطان الملك، و الملك يقتل أولاد النّاس؟
فقالت: هذا ابنك ولدته في وقت كذا و كذا حين اعتزلت عنك.
قال: ويحك، إن علم الملك بهذا زالت (1) منزلتنا عنده.
و كان آزر صاحب أمر نمرود و وزيره. و كان يتّخذ الأصنام له و للنّاس، و يدفعها إلى ولده فيبيعونها. [و كان على دار الأصنام] (2).
فقالت أمّ إبراهيم لآذر: لا عليك إن لم يشعر الملك به يبقى لنا ولدنا، و إن شعر به كفيتك (3) الاحتجاج عنه.
و كان آزر كلّما نظر إلى إبراهيم، أحبّه حبّا [شديدا] (4) و كان (5) يدفع إليه الأصنام ليبيعها، كما يبيع إخوته. فكان يعلّق في أعناقها الخيوط و يجرّها على الأرض و يقول: من يشتري ما لا يضرّه و ما لا ينفعه. و يغرقها في الماء و الحمأة و يقول لها: [كلي و] (6) اشربي و تكلّمي. فذكر ذلك إخوته لأبيه، فنهاه فلم ينته، فحبسه في منزله و لم يدعه يخرج. «و حاجّه قومه».
فقال إبراهيم: أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ، أي: بيّن لي. وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ.
ثمّ قال لهم: وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، أي: أنا أحقّ بالأمن من حيث أعبد اللّه، أو أنتم الّذين تعبدون الأصنام.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)-. قال في إبراهيم- (عليه السلام)- إذا رأى كوكبا.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «لزال» بدل «بهذا زالت».
(2) ليس في المصدر.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: كفيك.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: و كلّما.
(6) من المصدر.
(7) تفسير العياشي 1/ 364، ح 38.
376
قال: إنّما كان طالبا لربّه، و لم يبلغ كفرا. و إنّه من فكّر (1) من النّاس في مثل ذلك، فإنّه بمنزلته.
عن حجر (2) قال: أرسل العلاء بن سيابة يسأل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول إبراهيم- (عليه السلام)-: «هذا ربّي». قال (3) إنّه من قال هذا اليوم، فهو عندنا مشرك.
قال: لم يكن من إبراهيم شرك، إنّما كان في طلب ربّه [و هو من غيره شرك] (4).
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- يجيب لبعض الزّنادقة و قد قال: و أجده قد شهر هفوات أنبيائه بوصف إبراهيم- (عليه السلام)- أنّه عبد كوكبا مرّة و مرّة قمرا و مرّة شمسا-:
و أما هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما يثبته (6) اللّه في كتابه، فإنّ ذلك من أدلّ الدلائل (7) على حكمة اللّه- عزّ و جلّ- الباهرة و قدرته القاهرة و عزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء- (عليهم السلام)- تكبر في صدور أممهم، و أنّ منهم من اتخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذكرها دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي انفرد به- عزّ و جلّ-.
و في من لا يحضره الفقيه (8): روى بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سأل سائل عن وقت المغرب.
فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول في كتابه لإبراهيم- (عليه السلام)-: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فهذا أوّل الوقت، و آخره ذلك غيبوبة الشّفق.
و في روضة الكافيّ (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: كفر.
(2) تفسير العياشي 1/ 365، ح 41.
(3) ليس في المصدر.
(4) من المصدر.
(5) الاحتجاج 1/ 364 و 365 و 370.
(6) المصدر: بيّنه.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: الدلالة.
(8) الفقيه 1/ 141، ح 12.
(9) الكافي 8/ 291، ح 445.
377
أذينة، أنّ رجلا دخل على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: رأيت كأنّ الشّمس طالعة على رأسي دون جسدي؟
فقال: تنال أمرا جسيما، و نورا ساطعا، و دينا شاملا. فلو غطتك، فانغمست (1) فيه و لكنّها غطّت رأسك. أما قرأت فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي «فلمّا أفلت» تبرّأ منها إبراهيم- (عليه السلام)-.
قلت: جعلت فداك، إنّهم يقولون: إنّ الشّمس خليفة، أو ملك.
فقال: ما أراك تنال الخلافة، و لم يكن في آبائك و أجدادك ملك. و أيّ خلافة و ملكوت أكثر (2) من الدّين و النّور ترجو به دخول الجنّة؟ إنّهم يغلطون.
قلت: صدقت، جعلت فداك.
وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ: و خاصموه في التّوحيد.
قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ: في وحدانيّته.
و قرأ (3) نافع و ابن عامر، بتخفيف النّون.
وَ قَدْ هَدانِ: إلى التّوحيد.
وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، أي: لا أخاف معبوداتكم في وقت. لأنّها لا تضرّ بأنفسهم و لا تنفع.
إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً: أن يصيبني بمكروه من جهتها. و لعلّه جواب لتخويفهم إيّاه من آلهتهم و تهديد لهم بعذاب اللّه.
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً: كأنّه علّة الاستثناء، أي: أحاط به علما. فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحق بي مكروه من جهتهم.
أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (80): فتميّزوا بين الصّحيح و الفاسد، و القادر و العاجز.
وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ: و لا يتعلّق به ضرّ.
وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ: و هو حقيق بأن يخاف منه كلّ الخوف.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: لأنعمت.
(2) المصدر: أكبر.
(3) أنوار التنزيل 1/ 318.
378
لأنّه إشراك للمصنوع بالصّانع، و تسوية بين المقدور العاجز بالقادر الضّارّ النّافع.
ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً: ما لم ينزّل بإشراكه كتابا. أو لم ينصب عليه دليلا.
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، أي: الموّحدون أو المشركون. و إنّما لم يقل:
أيّنا، أنا أم أنتم. احترازا عن تزكية نفسه.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81): ما يحقّ أن يخاف منه.
الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (82).
قيل (1): استئناف منه، أو من اللّه بالجواب عمّا استفهم عنه. و المراد بالظّلم هنا، الشّرك. لما روي أنّ الآية لمّا نزلت، شقّ ذلك على الصّحابة.
و قالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟
فقال- (عليه السلام)-: ليس ما تظنّون، إنّما هو ما قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. و ليس الإيمان به أن تصدّق بوجود الصّانع الحكيم، و يخلط بهذا التّصديق الإشراك به. و قيل (2): المعصية.
في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ الزّنا منه؟
قال: أعوذ باللّه من أولئك، لا و لكنّه ذنب إذا تاب تاب اللّه عليه.
و قال: مدمن الزّنا و السّرقة و شارب الخمر، كعابد الوثن.
يعقوب بن شعيب (4)، عنه في قوله: وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ.
قال: الظّلال فما فوقه.
و في مجمع البيان (5): الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (الآية).
و روي عن
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 318- 319.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) تفسير العياشي 1/ 366، ح 46.
(4) نفس المصدر، و الصفحة، ح 47.
(5) المجمع 2/ 327.
379
عبد اللّه بن مسعود قال: لمّا نزلت هذه الآية، شقّ على النّاس.
و قالوا: يا رسول اللّه، و أيّنا لم يظلم نفسه؟
فقال- (عليه السلام)-: إنّه ليس الّذي تعنون. ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصّالح: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
و اختلف في هذه الآية فقيل: إنّه من تمام قول إبراهيم- (عليه السلام)-. و روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام)-.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زهراء، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. في قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ.
قال: آمنوا بما جاء به محمّد من الولاية، و لم يخلطوها بولاية فلان و فلان [فهو الملبّس بالظّلم] (2).
و بإسناده (3) إلى أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ.
قال: بشكّ.
و في شرح الآيات الباهرة (4)، مثله.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و في خطبة الغدير و فيها قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد أن ذكر عليّا- (عليه السلام)- و أولاده: ألا إنّ أولياءهم الذين وصفهم اللّه- عزّ و جلّ- فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ.
و عن أمير المؤمنين (6)- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله:
____________
(1) الكافي 1/ 413، ح 3.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 2/ 399، ح 4.
(4) تأويل الآيات الظاهرة/ 60.
(5) الإحتجاج 1/ 79.
(6) نفس المصدر/ 368.
380
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ و قوله: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى. فإنّ ذلك كلّه لا يغني إلّا مع الاهتداء. و ليس كلّ من وقع عليه اسم الإيمان، كان حقيقا بالنّجاة ممّا هلك به الغواة. و لو كان ذلك كذلك، لنجت اليهود مع اعترافها بالتّوحيد و إقرارها باللّه، و نجى سائر المقرّين بالوحدانيّة من إبليس فمن دونه في الكفر. و قد بيّن اللّه ذلك بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ. و بقوله: الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ.
و في الخرائج و الجرائح (1): و في روايات الخاصّة (2) روي أنّ أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يسير في بعض مسيره.
فقال لأصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له عهد بأنيس منذ ثلاثة أيّام.
فما لبثوا أن (3) أقبل أعرابيّ قد يبس جلده على عظمه، و غارت عيناه برأسه، و اخضرّت شفتاه من أكل البقل. فسأل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الزّقاق، حتّى لقيه.
فقال له أعرض عليّ الإسلام.
فقال: قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه.
قال: أقررت.
قال: تصلّي الخمس، و تصوم شهر رمضان.
قال: أقررت.
قال: تحجّ البيت، و تؤدّي الزّكاة، و تغتسل من الجنابة.
قال: أقررت.
فتخلّف بعير الأعرابيّ، و وقف النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأل عنه. فرجع النّاس في طلبه، فوجدوه في آخر العسكر قد سقط حتّى (4) بعيره في حفرة من حفر الجرذان،
____________
(1) نور الثقلين 1/ 740- 741، ح 162 عنه.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: العامّة.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: إذا.
(4) ليس في المصدر.
381
فسقط فانقذفت عنق الأعرابيّ و عنق البعير و هما ميّتان.
فأمر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فضربت خيمة، فغسّل فيها. ثمّ دخل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فكفّنه. فسمعوا للنّبيّ حركة. فخرج و جبينه يرشح عرقا و قال: إنّ هذا الأعرابيّ مات و هو جائع، و هو ممّن آمن و لم يلبس إيمانه بظلم، فابتدره الحور العين بثمار من الجنّة يحشون بها شدقه، و هذه تقول: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- اجعلني من أزواجه.
و في تفسير فرات بن إبراهيم (1) الكوفيّ معنعنا: عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا أبان، أنتم تقولون: هو الشّرك باللّه، و نحن نقول: هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أهل بيته- (عليهم السلام)- لأنّهم لم يشركوا (2) باللّه طرفة عين و لم يعبد (3) الّلات و العزّى. و هو أوّل من صلّى مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى القبلة. و هو أوّل من صدّقه فهذه الآية نزلت فيه.
و أيضا:
حدّثني الحسين بن سعيد معنعنا، عن أبي مريم قال: سألت جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ.
قال: يا أبا مريم، هذه و اللّه نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- خاصّة.
ما ألبس إيمانه بشرك، و لا ظلم، و لا كذب، و لا سرقة، و لا خيانة.
وَ تِلْكَ: إشارة إلى ما احتجّ به إبراهيم على قومه من قوله: «فلمّا جنّ» إلى قوله: «و هم مهتدون». أو من قوله: «أو تحاجّونّي في اللّه».
حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ: أرشدناه إليها، و علّمناه إيّاها.
عَلى قَوْمِهِ: متعلّق «بحجّتنا» إن جعل خبر «تلك». و بمحذوف إن جعل
____________
(1) تفسير فرات الكوفي/ 41.
(2) المصدر: لأنّه لم يشرك.
(3) ج و ر: لم يعبدوا.
382
بدله، أي: آتيناها إبراهيم حجّة على قومه.
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ: في العلم و الحكمة.
و قرأ (1) الكوفيّون و يعقوب، بالتّنوين.
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ: في رفعه و خفضه.
عَلِيمٌ (83): بحال من يرفعه و استعداده له.
وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا، أي: كلّ منهما.
وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ: إبراهيم- (عليه السلام)- هداه نعمة على إبراهيم. من حيث أنّه كان أباه، و شرف الوالد يتعدّى إلى الولد.
في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى محمّد بن الفضل: عن أبي حمزة الثّماليّ، عن الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل ذكره في باب اتّصال الوصية (3) من لدن آدم- (عليه السلام)-. يقول فيه- (عليه السلام)-: يعني هديناهم لنجعل الوصيّة في أهل بيتهم.
و في الكافي (4) و في تفسير العيّاشيّ (5)، مثله.
وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ:
الضّمير لإبراهيم- (عليه السلام)-. لأنّ الكلام فيه.
و قيل (6): لنوح. لأنّه أقرب، و لأنّ يونس و لوطا ليسا من ذريّة إبراهيم. فلو كان لإبراهيم، اختصّ البيان بالمعدودين في تلك الآية و الّتي بعدها. و المذكورون في الآية الثّالثة عطف على «نوحا».
داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ: بن أموص من أسباط (7) عيسى (8) بن إسحاق.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 319.
(2) كمال الدين/ 216، ضمن ح 2.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: التوحيد.
(4) الكافي 8/ 116، ضمن ح 92.
(5) تفسير العياشي 1/ 167، ضمن ح 51.
(6) أنوار التنزيل 1/ 319.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «بن أسباط بن» بدل «من أسباط».
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: عيص.
383
وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)، أي: نجزي المحسنين جزاء، مثل ما جزينا إبراهيم برفع درجاته و كثرة أولاده و النّبوّة فيهم.
وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى
في تفسير العيّاشيّ (1): عن بشير الدهان (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: و اللّه، لقد نسب اللّه عيسى بن مريم في القرآن إلى إبراهيم من قبل النّساء. ثمّ تلا هذه الآية.
و في عيون الأخبار (3)، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر- (عليه السلام)- مع هارون الرّشيد و مع موسى بن المهديّ، حديث طويل بينه و بين هارون. و فيه ثمّ قال:
كيف قلتم: إنّا ذرّيّة النّبيّ- (عليه السلام)- و النّبيّ- (عليه السلام)- لم يعقب، و إنّما العقب للذّكر لا للأنثى، و أنتم ولد لابنته (4) و لا يكون لها عقب؟
فقلت: أسألك بحقّ القرابة و القبر و من فيه، إلّا ما أعفيتني من هذه المسألة.
فقال: لا، أو تخبرني بحجّتكم فيه، يا ولد عليّ، و أنت يا موسى يعسوبهم و إمام زمانهم، كذا أنهي إليّ. و لست أعفيك في كلّ ما أسألك عنه حتّى تأتيني فيه بحجّة من كتاب اللّه. و أنتم تدّعون، معشر ولد عليّ، أنّه لا يسقط عنكم منه شيء لا ألف و لا واو إلّا و تأويله عندكم، و احتججتم بقوله- عزّ و جلّ-: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.
و قد استغنيتم عن رأي العلماء و قياسهم.
فقلت: تأذن لي في الجواب؟
قال: هات.
قلت: أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ. من أبو عيسى النّبيّ، يا أمير المؤمنين؟
قال: ليس لعيسى أب.
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 367، ح 52.
(2) أ، ب: «الدهقان». أنظر: جامع الرواة 1/ 123.
(3) العيون 1/ 84، ذيل ح 9.
(4) المصدر: البنت.
384
فقلت: إنّما ألحقناه (1) بذراريّ الأنبياء- (عليهم السلام)- من طريق مريم- (عليها السلام)- و كذلك ألحقنا بذراريّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قبل أمّنا فاطمة- (عليها السلام)-.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: و كان بين موسى و بين داود خمسمائة سنة، و بين داود و عيسى ألف سنة.
و حدّثني (3) أبي، عن ظريف بن ناصح، عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا أبا الجارود، ما يقولون في الحسن و الحسين؟
قلت: ينكرون علينا أنّهما ابنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: فبأيّ شيء احتججتم عليهم؟ قال: قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه- عزّ و جلّ- في عيسى بن مريم: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ- إلى قوله-: وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. فجعل عيسى بن مريم من ذرّيّة إبراهيم.
قال: فأيّ شيء قالوا لكم؟
قال: قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد و لا يكون من الصّلب.
قال: فبأيّ شيء احتججتم عليهم؟
قال: قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه- عزّ و جلّ-: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ (الآية). قال: فأيّ شيء قالوا لكم؟
قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب أبناء رجل و الآخر يقول أبناؤنا (4). [و إنّما هو ابن واحد] (5).
____________
(1) كذا في المصدر، و النسخ، و الظاهر: ألحق.
(2) نور الثقلين 1/ 741- 742، ح 164، عنه.
(3) تفسير القمّي 1/ 209.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: في كلام العرب ابني رجل واحد فيقول: أبناؤنا.
(5) ليس في المصدر.
385
قال: فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و اللّه يا أبا الجارود، لأعطينّكها (1) من كتاب اللّه أنهما من صلب (2) رسول اللّه و لا يردّها إلّا كافر.
قال: قلت: جعلت فداك، و أين؟
قال: حيث قال اللّه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ- إلى قوله-: وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ. فسلهم يا أبا الجارود، هل يحلّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نكاح حليلتهما (3)؟ فإن قالوا: نعم، فكذبوا و اللّه و فجروا. و إن قالوا: لا، فهما و اللّه ابناه لصلبه و ما حرمت (4) عليه إلّا للصّلب.
و في روضة الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن ظريف، عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا أبا الجارود، ما يقولون لكم في الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-؟
قلت: ينكرون علينا أنّهما ابنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: فأيّ شيء احتججتم عليهم؟
قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه- عزّ و جلّ- في عيسى بن مريم- (عليه السلام)-:
وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى فجعل عيسى بن مريم من ذرّيّة نوح. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة. [إنّما ألحق عيسى بذراريّ الأنبياء من طريق مريم، و كذلك ألحقنا بذراريّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قبل أمّنا فاطمة- (عليها السلام)-] (6).
وَ إِلْياسَ.
____________
(1) كذا في نور الثقلين 1/ 742، ح 165، و في «ج» و «ر»: و لأعطيتم. و في سائر النسخ: أعطيتم.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: «مسمّى لصلب» بدل «أنهما من صلب».
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: شيء من حليلتهما.
(4) المصدر: حرّمتا.
(5) الكافي 8/ 317، ح 501.
(6) ليس في المصدر. و الظاهر أنه زائد.
386
قيل (1): هو إدريس جدّ نوح. فيكون البيان مخصوصا بمن في الآية الأولى.
و قيل (2): هو من أسباط هارون أخي موسى.
كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85): الكاملين في الصّلاح. و هو الإتيان بما ينبغي، و التّحرّز عمّا لا ينبغي.
وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ قيل (3): هو اليسع بن أخطوب.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ: «و الليسع». [بفتح الّلام و سكون الياء و فتح السين] (5) و على القراءتين علم أعجمي أدخل عليه الّلام، كما أدخل على يزيد في قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا* * * شديدا بأعباء الخلافة كاهله
وَ يُونُسَ: بن متّي.
وَ لُوطاً.
قيل (6): ابن هاران (7)، أي: أخي إبراهيم.
وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86): بالنّبوّة.
وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ: عطف على «كلّا» أو «نوحا»، أي:
فضّلنا كّلا منهم، أو هدينا هؤلاء و بعض آبائهم و ذرّيّاتهم و إخوانهم. فإنّ منهم من لم يكن نبيّا و لا مهديّا.
وَ اجْتَبَيْناهُمْ: عطف على «فضّلنا» أو «هدينا».
وَ هَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87): تكرير لبيان ما هدوا إليه.
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ: إشارة إلى الهدى إلى صراط مستقيم.
يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ: يدلّ على أنّه متفضّل بالهداية، بمعنى
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 319.
3 و 4- نفس المصدر، و الموضع.
(5) ليس في المصدر.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: جازان.
387
الإيصال.
وَ لَوْ أَشْرَكُوا، أي: هؤلاء الأنبياء مع فضلهم و علوّ شأنهم.
لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88): كانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، بسقوط ثوابها.
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ: يريد به الجنس.
وَ الْحُكْمَ: الحكمة، أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحقّ.
وَ النُّبُوَّةَ: و الرّسالة.
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها، أي: بهذه الثّلاثة.
هؤُلاءِ، يعني: قريشا.
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها، أي: بمراعاتها.
قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89).
قيل (1): هم الأنبياء المذكورون و متابعوهم.
و قيل (2): هم الأنصار، أو أصحاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو كلّ من آمن به، أو الفرس (3).
و قيل (4): الملائكة.
و في محاسن البرقيّ (5): عنه، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن ابن عيينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ قوما وسّع اللّه عليهم في أرزاقهم حتّى طغوا، فاستخشنوا الحجارة، فغدوا (6) إلى النّقيّ (7) فصنعوا منه كهيئة الأفهار (8)، فجعلوه في مذاهبهم (9)، فأخذهم اللّه بالسّنين. فغدوا (10) إلى أطعمتهم (11)، فجعلوها في الخزائن، فبعث
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 320.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: القريش.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) المحاسن/ 588، ح 88.
(6) المصدر: فعمدوا.
(7) النقيّ: الخبز المعمول من لباب الدقيق.
(8) الفهر: الحجر قدر ما يدقّ به الجوز أو يملأ به الكفّ.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: فجعلوا منه أصنامهم.
(10) المصدر: فعمدوا.
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: أطعمة.
388
اللّه على ما في الخزائن (1) ما أفسده حتّى احتاجوا إلى ما كانوا يستطيبون به في مذاهبهم (2)، فجعلوا يغسلونه و يأكلونه.
ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و لقد دخلت على أبي العبّاس و قد أخذ القوم المجلس، فمدّ يده إليّ (3) و السّفرة بين يديه موضوعة، فأخذ بيدي، فذهبت لأخطو إليه فوقعت رجلي على طرف (4) السّفرة، فدخلني من ذلك ما شاء اللّه أن يدخلني. إنّ اللّه- تعالى- يقول: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. قال (5) قوما يقيمون الصّلاة و يؤتون الزّكاة و يذكرون اللّه كثيرا.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن محمّد بن حمران قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. فجاءه رجل و قال: يا أبا عبد اللّه، أما تتعجّب من عيسى بن زي بن عليّ يزعم أنّه ما يتولّى عليّا- (عليه السلام)- الّا على الظّاهر؟ و ما تدري لعلّه كان يعبد سبعين إلها من دون اللّه.
قال: فقال: و ما أصنع. قال اللّه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. و أومأ بيده إلينا.
فقلت: نعقلها (7)، و اللّه.
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ: يريد به الأنبياء المتقدّم ذكرهم.
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ: فاختصّ طريقهم بالاقتداء. و المراد «بهداهم»: ما توافقوا عليه من التّوحيد و أصول الدّين، دون الفروع المختلف فيها. فإنّها [ليست] (8) هدى مضافا إلى الكلّ، و لا يمكن التّأسّي بهم جميعا.
و في مصباح الشّريعة (9): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لا طريق للأكياس من
____________
(1) المصدر: خزائنهم.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: مذابلهم.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: «في زبداني» بدل «فمدّ يده إليّ».
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: طوق.
(5) ليس في المصدر.
(6) تفسير العياشي 1/ 367، ح 54.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: نفعلها.
(8) من المصدر.
(9) مصباح الشّريعة/ 332- 333.
389
المؤمنين أسلم من الاقتداء. لأنّه المنهج الأوضح و المقصد الأصحّ. قال اللّه- تعالى- لأعزّ خلقه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. فلو كان لدين اللّه مسلك أقوم من الاقتداء، لندب أولياءه و أنبياءه إليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، خطبة له- (عليه السلام)-. و فيها: و أحسن الهدى هدى الأنبياء.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن العبّاس بن هلال، عن الرّضا- (عليه السلام)-: أنّ رجلا أتى عبد اللّه بن الحسن، فسأله عن الحجّ.
فقال له: هذاك جعفر بن محمّد قد نصب نفسه لهذا، فاسأله.
فأقبل الرّجل إلى جعفر- (عليه السلام)- فسأله.
فقال له: قد رأيتك واقفا على عبد اللّه بن الحسن، فما قال لك؟
قال: سألته فأمرني أن آتيك، و قال: هذا جعفر بن محمّد قد نصب نفسه لهذا.
فقال جعفر- (عليه السلام)-: نعم، أنا من الّذين قال اللّه في كتابه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. سل عمّا شئت.
فسأله الرّجل، فأنبأه عن جميع مسائله.
و في نهج البلاغة (3): فاقتدوا بهدى نبيّكم، فإنّه أفضل الهدى.
و «الهاء» في «اقتده» للوقف.
و من أثبتها في الدّرج ساكنة، كابن كثير و نافع و أبي عمرو و عاصم، أجرى الوصل مجرى الوقت.
و يحذف الهاء في الوصل خاصّة، حمزة و الكسائيّ.
و أشبعها ابن عامر، لرواية ابن ذكوان، على أنّها كناية المصدر. و يكسر «الهاء» بغير إشباع، لرواية هشام.
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ، أي: على التّبليغ.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 291.
(2) تفسير العياشي 1/ 368، ح 55.
(3) نهج البلاغة/ 163، خطبة 110.
390
و قيل (1): أو على القرآن.
أَجْراً: جعلا من جهتكم، كما لم يسأل من قبلي من النّبيّين. و هذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه.
إِنْ هُوَ، أي: التّبليغ.
[و قيل (2): أو على القرآن، أو الغرض] (3).
إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90): إلّا تذكير و عظة لهم.
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: و ما عرفوه حقّ معرفته في الرّحمة و الإنعام على العباد.
في أصول الكافي (4): محمّد بن إسماعيل، عن فضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه لا يوصف. و كيف يوصف، و قد قال في كتابه: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. فلا يوصف [بقدر] (5)، إلّا كان أعظم من ذلك.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن حمّاد، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، مثل الحديث السّابق سواء.
الحسين بن محمّد (7)، عن أحمد بن إسحاق بن بكر، بن محمّد عن إسحاق بن محمد قال (8): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يقدر أحد قدره.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ: حين أنكروا الوحي و بعثة الرّسل.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 320.
(2) أنوار التنزيل 1/ 320.
(3) ليس في «ج» و «ر».
(4) الكافي 1/ 103، ح 11.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 2/ 182، صدر ح 16.
(7) الكافي 2/ 183، صدر ح 20.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ السند هكذا:
الحسين بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن إسحاق بن بكر، عن إسحاق بن محمد قال.
391
و ذلك من عظائم (1) رحمته، و جلائل نعمته، و في السّخط على الكفّار و شدّة البطش بهم حين جروا على هذه المقالة. و القائلون، هم اليهود و قريش. على ما في تفسير عليّ بن إبراهيم (2).
قالوا ذلك، مبالغة في إنكار إنزال القرآن. بدليل نقض كلامهم و إلزامهم بقوله (3): قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ.
و قرأ (4) الجمهور في قوله: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً: بالتّاء.
و إنّما قرأ، بالياء، ابن كثير و أبو عمرو حملا على «قالوا»، «و ما قدروا». و تضمين ذلك، توبيخهم على سوء حملهم التّوراة (5)، و ذمّهم على تجزئتها، بابداء بعض انتخبوه و كتبوه في ورقات متفرّقة، و إخفاء بعض لا يشتهونه.
نقل (6): أنّ مالك بن الصّيف قال (7) لمّا أغضبه الرّسول- (عليه السلام)- بقوله:
أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى، هل تجد فيها أنّ اللّه يبغض الحبر السّمين.
[قال: نعم. قال:] (8) فأنت الحبر السّمين.
و قيل (9): هم المشركون. و إلزامهم بإنزال التّوراة، لأنّه كان من المشهورات (10) الذائعة عندهم. و لذلك كانوا يقولون: لو أنّا أنزلنا عليك الكتاب، لكنّا أهدى منهم.
و في تفسير العيّاشي (11): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن هذه الآية.
قال: كانوا يكتمون ما شاءوا، و يبدون ما شاءوا.
و في رواية [اخرى (12) عنه- (عليه السلام)- قال] (13): كانوا يكتبونه في القراطيس، ثم
____________
(1) كذا في «ج» و «ر»، و في سائر النسخ: عظيم.
(2) تفسير القمي 1/ 210.
(3) ليس في «ب».
(4) أنوار التنزيل 1/ 320.
(5) ج و ر: للتوراة.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
(7) المصدر و ج و ر: قاله.
(8) من المصدر.
(9) أنوار التنزيل 1/ 320.
(10) «ج»: المشهودات.
(11) تفسير العيّاشي 1/ 369، ضمن ح 58.
(12) نفس المصدر.
(13) من المصدر.
392
يبدون ما شاءوا و يخفون ما شاءوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1) [و تخفون كثيرا] (2). يعني: من أخبار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَ عُلِّمْتُمْ: على لسان محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ: زيادة على ما في التّوراة، و بيانا لما التبس عليكم و على آبائكم الّذين كانوا أعلم منكم. و نظيره: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
و قيل (3): إنّ (4) الخطاب لمن آمن من قريش.
قُلِ اللَّهُ، أي: أنزله اللّه، أو اللّه أنزله أمره. بأن يجيب عنهم، إشعارا بأنّ الجواب متعيّن لا يمكن غيره، و تنبيها على أنّهم بهتوا بحيث لا يقدرون على الجواب.
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ: في أباطيلهم. فلا عليك بعد التّبليغ و إلزامهم الحجّة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، يعني: فيما (6) خاضوا فيه من التّكذيب.
يَلْعَبُونَ (91): حال من «هم» الأوّل. و الظّرف صلة «ذرهم»، أو «يلعبون». أو حال من مفعوله. أو فاعل «يلعبون»، أو من «هم» الثّاني. و الظّرف متّصل بالأوّل.
وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ: كثير الفائدة و النّفع.
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، يعني: التّوراة و الكتب الّتي قبله.
وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى: عطف على ما دلّ عليه «مبارك»، أي: للمبرّكات و لتنذر. أو علّة محذوف، أي: و لتنذر أهل أمّ القرى أنزلناه.
و إنّما سمّيت: مكّة بذلك. لأنّها قبلة أهل القرى و محجّهم و مجتمعهم، و أعظم القرى شأنا.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 210.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: تخفون.
(3) أنوار التنزيل 1/ 321.
(4) ليس في المصدر و «ج» و «ر».
(5) تفسير القمي 1/ 210.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: ما.
393
و قيل (1): لأنّ الأرض دحيت من تحتها. [أو] (2) لأنها مكان أوّل بيت وضع للنّاس.
و قرأ (3) أبو بكر عن عاصم، بالياء، أي: و لينذر الكتاب.
وَ مَنْ حَوْلَها: أهل الشّرق و الغرب.
وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92):
فإنّ من صدّق بالآخرة، خاف العاقبة. و لا يزال الخوف يحمله على النّظر و التدبّر، حتّى يؤمن بالنّبيّ و الكتاب. و الضّمير يحتملهما. و يحافظ على الطّاعة. و تخصيص الصّلاة، لأنّها عماد الدّين و علم الإيمان.
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً: فزعم أنّه بعثه نبيّا، كمسيلمة و الأسود العنسيّ. أو اختلف عليه أحكاما (4)، كعمرو بن لحي و متابعيه.
أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كعبد اللّه بن أبي سرح، كان يكتب لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فلمّا نزلت وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فلمّا بلغ قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال عبد اللّه: فتبارك اللّه أحسن الخالقين. تعجّبا من تفصيل خلق الإنسان.
فقال- (عليه السلام)-: اكتبها، فكذلك نزلت.
فشكّ عبد اللّه و قال: لئن كان محمّد صادقا، لقد أوحي إليَّ، كما أوحي إليه.
و لئن كان كاذبا، لقد قلت، كما قال.
و في روضة الكافي (5): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 321.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) كذا في أنوار التنزيل 1/ 321، و في النسخ: أحكامه.
(5) الكافي 8/ 200- 201، ح 242.
394
. قال: نزلت في ابن أبي سرح، الّذي كان عثمان استعمله على مصر. و هو ممّن كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم فتح مكّة هدر دمه. و كان يكتب لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فإذا أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [كتب: إنّ اللّه عليم حكيم] (1) فيقول له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: دعها فإنّ اللّه عليم حكيم.
و كان ابن أبي سرح يقول للمنافقين: إنّي لأقول من نفسي، مثل ما يجيء [به] (2)، فما يغيّر (3) عليّ. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى- فيه الّذي أنزل فيه (4) و في تفسير العيّاشي (5)، مثله.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح- أخو عثمان [بن عفان] (7) من الرّضاعة- و قدم المدينة و أسلم (8). و كان له خطّ حسن. و كان إذا نزل الوحي على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعاه [ليكتب، فيكتب] (9) ما يمليه عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [من الوحي] (10) فكان (11) إذا قال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «سميع بصير». يكتب «سميع عليم». و إذا قال: «و اللّه بما تعملون خبير».
يكتب: «بصير». و يفرّق بين التّاء و الياء.
و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: هو واحد.
فارتدّ كافرا و رجع إلى مكّة، و قال لقريش: و اللّه، ما يدري محمّد ما يقول. أنا
____________
(1) من المصدر و «ج».
(2) من المصدر.
(3) المصدر: يتغيّر، و في «ج» و «ر»: يعز.
(4) ليس في المصدر و «ج».
(5) تفسير العيّاشي 1/ 369- 370، ح 60.
(6) تفسير القمّي 1/ 210- 211.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: أسلم و قدم المدينة.
(9) كذا في النسخ، و في المصدر: فكتب.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: و كان.
395
أقول، مثل ما يقول فلا ينكر عليّ ذلك. فأنا (1) أنزل، مثل ما ينزل (2).
فأنزل اللّه على نبيّه في ذلك وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ.
فلمّا فتح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مكّة، أمر (3) بقتله. فجاء به عثمان قد أخذ بيده و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في المسجد.
فقال: يا رسول اللّه اعف عنه. فسكت [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (4) ثمّ أعاد، [فسكت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثم أعاد] (5).
فقال: هو لك.
فلمّا مرّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألم أقل: من رآه فليقتله؟
فقال رجل كانت عيني إليك، يا رسول اللّه أن تشير إليّ فأقتله.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ الأنبياء لا يقتلون بالإشارة.
فكان من الطّلقاء.
و في تفسير العيّاشي (6): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في تأويله، قال: من ادّعى الإمامة دون الإمام.
وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، كالّذين قالوا: لو نشاء، لقلنا مثل هذا.
وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ: حذف مفعوله لدلالة الظّرف عليه، أي: و لو ترى الظّالمين.
فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ: شدائده من غمره (7) الماء: إذا غشيه.
وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ: لقبض أرواحهم، كالمتقاضي المتسلّط. أو
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: فإنّما.
(2) المصدر: أنزل اللّه.
(3) المصدر: أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
(4) من المصدر و «ج» و «ر».
(5) يوجد في «ج» و «ر»، المصدر.
(6) تفسير العياشيّ 1/ 370 ح 61.
(7) كذا في أنوار التنزيل 1/ 321، و في النسخ: غمر.
396
بالعذاب.
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، أي: يقولون لهم: أخرجوها من العذاب، و خلّصوها من أيدينا.
الْيَوْمَ: يريد به وقت الإماتة، أو الوقت الممتدّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له.
تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ، أي: الهوان. يريد العذاب المتضمّن لشدّة و إهانة.
و إضافته إلى الهون، لعراقته و تمكّنه فيه.
و في تفسير العيّاشي (1): عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: العطش يوم القيامة (2).
بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِ، كادعاء الولد، و الشّريك له، و دعوى النّبوّة و الوحي كاذبا.
وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93): فلا تتأمّلون فيها، و لا تؤمنون.
وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا: للحساب و الجزاء.
فُرادى: منفردين عن الأموال و الأولاد و سائر ما آثرتموه من الدّنيا. أو عن الأعوان و الأوثان، الّتي زعمتم أنّها شفعاؤكم. و هو جمع فرد. و الألف (3) للتّأنيث، ككسالى.
و قرئ (4): فرادا، كرخال. و فردا، كثلاث. و فردي، كسكرى.
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: بدل منه، أي: على الهيئة الّتي ولدتم عليها في الانفراد. أو حال ثانية، إن جوّز التّعدّد فيها. أو حال من الضّمير في «فرادى»، أي:
مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلا (5) بهما. أو صفة مصدر «جئتمونا»، أي: مجيئا، كخلقنا إيّاكم.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 370، ح 63.
(2) ليس في المصدر: يوم القيامة.
(3) «ر»: الألف.
(4) أنوار التنزيل 1/ 322.
(5) غرل الصّبيّ غرلا: عظمت غرلته. و الغرلة:
جلدة الصبيّ الّتي تقطع في الختان. (ج): غرل.
397
في الخرائج و الجرائح (1): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قرأ على فاطمة بنت أسد هذه الآية.
فقالت: و ما فرادى؟
فقال: عراة.
فقالت: وا سوأتاه.
فسأل اللّه، أن لا يبدي عورتها و أن يحشرها بأكفانها.
و في معناه حديث في الكافي (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-.
و عنه (3)- (عليه السلام)-: تنوّقوا (4) في الأكفان، فإنّكم تبعثون بها.
و في كتاب الاحتجاج (5): عنه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن النّاس: [أ يحشرون] (6) عراة؟
قال: بل يحشرون في أكفانهم. قيل (7): أنى لهم بالأكفان و قد بليت! قال: إنّ الّذي أحيى أبدانهم جدّد أكفانهم.
قال: فمن مات بلا كفن؟
قال: ستر اللّه عورته بما يشاء من عنده.
قال: أ فيعرضون صفوفا؟
قال: نعم، هم يومئذ عشرون و مائة ألف صفّ في عرض الأرض.
وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ: ما تفضّلنا به عليكم في الدّنيا، فشغلتم به عن الآخرة.
____________
(1) تفسير نور الثقلين 1/ 747، ح 188، عنه.
(2) الكافي 1/ 453- 454، ضمن ح 2.
(3) الكافي 3/ 149 ح 6.
(4) تنوّق فيه: بالغ في تجويده. يقال: تنوّق في منطقه، و تنوّق في ملبسه.
(5) الاحتجاج 2/ 98.
(6) ما بين المعقوفتين موافق النسخ، و في المصدر: يحشرون يوم القيامة.
(7) المصدر: قال.
398
وَراءَ ظُهُورِكُمْ: ما قدّمتم منه شيئا و لم تحتملوا نقيرا (1).
وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ، أي: شركاء اللّه في ربوبيّتهم و استحقاق عبادتكم.
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، أي: تقطّع وصلكم و تشتتّ جمعكم. و البين من الأضداد، يستعمل للوصل و الفصل.
و قيل (2): هو الظّرف أسند إليه الفعل [على الاتّساع] (3) و المعنى: وقع التّقطّع بينكم. و يشهد له قراءة نافع و الكسائيّ و حفص عن عاصم، بالنّصب، على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه. أو أقيم مقام موصوفه. و أصله: لقد تقطّع ما بينكم. و قد قرئ به.
وَ ضَلَّ عَنْكُمْ: ضاع و بطل.
ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94): أنّها شفعاؤكم، و أنّ لا بعث و لا جزاء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: [أنّه قال] (5) نزلت هذه الآية في معاوية و بني أميّة، و «شركاؤهم» و أئمّتهم.
«لقد (6) تقطّع بينكم»، يعني: المودّة.
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى: بالنّبات و الشّجر.
و قيل (7): المراد به، الشّقاق الّذي في الحنطة و النّواة.
يُخْرِجُ الْحَيَ: يريد به ما ينمو من الحيوان و النّبات، [ليطابق ما قبله.
مِنَ الْمَيِّتِ: ممّا لا ينمو، كالنّطف و الحبّ.
وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ: و مخرج ذلك من الحيوان و النّبات] (8). ذكره بلفظ
____________
(1) النقير: ثقب دقيق في القصرة- غلاف البذرة- يوجد في العادة في الطرف الأماميّ للبذرة بالقرب من السّرّة.
(2) أنوار التنزيل 1/ 321.
(3) المصدر: اتساعا.
(4) تفسير القمّي 1/ 211 مسندا.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
(7) أنوار التنزيل 1/ 322.
(8) ما بين المعقوفتين يوجد في «ج» و «ر».
399
الاسم، حملا على «فالق الحبّ و النّوى». فإنّ قوله: «يخرج الحيّ» واقع موقع البيان له.
و في أصول الكافي (1): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن زيد (2)، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن [إبراهيم عن] (3) أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في حديث الطينة: فالحبّ طينة المؤمنين (4) [الّتي] (5) ألقى اللّه عليها محبّته. و النّوى طينة الكافرين الّذين نأوا عن كلّ خير. و إنّما سمّي «النّوى» من أجل أنّه نأى عن كلّ خير و تباعد عنه. و قال اللّه- عزّ و جلّ-: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ.
فالحيّ، المؤمن الّذي تخرج طينته من طينة الكافر. و الميّت الّذي يخرج [من الحيّ هو الكافر الذي يخرج] (6) من طينة المؤمن.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): قال: الحبّ [ما أحبّه] (8) و النّوى، ما نأى (9) عن الحقّ.
و قال- أيضا-: [الحبّ] (10) [في قوله: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِ قال] (11): أن يفلق العلم من الأئمّة. و النّوى ما بعد عنه.
و في تفسير العيّاشي (12): عن المفضّل قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى.
قال: الحبّ، المؤمن. و ذلك قوله: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (13). و النّوى هو (14) الكافر الّذي نأى عن الحقّ فلم يقبله.
ذلِكُمُ اللَّهُ، أي: ذلكم المحيي المميت هو الّذي يحقّ له العبادة.
____________
(1) الكافي 2/ 5 ضمن ح 7.
(2) في بعض نسخ المصدر: يزيد بدل زيد.
(3) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: طينة المؤمن.
(5) من المصدر.
(6) من المصدر، و «ج» و «ر».
(7) تفسير القمي 1/ 211.
(8) من المصدر و «ج» و «ر».
(9) المصدر: ناء.
(10) من المصدر.
(11) ليس في المصدر.
(12) تفسير العيّاشي 1/ 370 ح 65.
(13) طه: 39.
(14) كذا في المصدر، و ليس في «ج» و «ر».
400
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95): تصرفون عنه إلى غيره.
فالِقُ الْإِصْباحِ: شاقّ عمود الصّبح عن ظلمة اللّيل، أو عن بياض النّهار. أو شاقّ ظلمة الإصباح، و هو الغبش الّذي يليه.
و الإصباح في الأصل مصدر، أصبح: إذا دخل في الصّبح. سمّي به الصّبح.
و قرئ، بفتح الهمزة، على الجمع. و قرئ: «فالق» بالنّصب، على المدح.
وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً: يسكن إليه التّعب في النّهار، لاستراحته فيه. من سكن إليه: إذا اطمأنّ إليه، استئناسا به. أو يسكن فيه الخلق من قوله: لِتَسْكُنُوا فِيهِ (1).
و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام)-: و (3) لا تسر أوّل اللّيل. فإنّ اللّه جعله سكنا، و قدّره مقاما لا ضعنا. فأرح فيه بدنك، و روّح (4) ظهرك.
و في الكافي (5): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: [يا ميسر] (6) تزوّج (7) في اللّيل. فإنّ اللّه جعله سكنا.
و في تفسير العيّاشي (8): عن عبد اللّه بن الفضل، عن (9) النّوفليّ [عمن] (10) رفعه إلى أبي جعفر- (عليه السلام)-: فإن (11) طلبتم الحوائج، فاطلبوها (12) بالنّهار. فإنّ اللّه جعل الحياء في العينين. فإذا (13) تزوّجتم، فتزوّجوا باللّيل فإنّ (14) اللّه جعل اللّيل سكنا.
عن عليّ بن عقبة (15)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: تزوّجوا باللّيل، فإنّ اللّه جعل اللّيل (16) سكنا. و لا تطلبوا الحوائج باللّيل، فإنّه مظلم.
____________
(1) يونس: 67، القصص: 73، غافر: 61.
(2) نهج البلاغة/ 372 ضمن كتاب 12.
(3) ليس في «ب».
(4) «ب»: ر ح.
(5) الكافي 3/ 367.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر، و النسخ: تروح.
(8) تفسير العيّاشي 1/ 370، ح 66.
(9) ليس في المصدر.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: قال إذا.
(12) «ج» و «ر»: فأتوها.
(13) المصدر: و إذا.
(14) المصدر: قال.
(15) تفسير العياشي 1/ 371 ح 68.
(16) المصدر: جعله بدل جعل الليل.
401
و في كتاب الإهليلجة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)- بعد أن ذكر اللّيل و النّهار:
و لو جعل أحدهما سرمدا، ما قام لهم معاش أبدا (2). فجعل مدّبر هذه الأشياء و خالقها، النّهار مبصرا و اللّيل سكنا.
و في تهذيب الأحكام (3)، بإسناده إلى أبان بن تغلب: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال] (4): كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يأمر غلمانه (5) أن لا يذبحوا حتّى يطلع الفجر. و يقول: إنّ اللّه جعل اللّيل سكنا لكلّ شيء.
قال: قلت: جعلت فداك، فإن خفنا؟
فقال (6): إن كنت تخاف الموت، فاذبح.
و في الكافي (7): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: في التزويج (8) [قال] (9) من السّنّة التّزويج باللّيل. لأنّ اللّه جعل اللّيل سكنا.
محمّد بن يحيى (10)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر بن (11) عبد العزيز، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال:
يا ميسر (12)، تزوّج باللّيل فإنّ اللّه جعله سكنا.
و نصبه بفعل دلّ عليه «جاعل» في معنى الماضي. و يدلّ عليه قراءة الكوفيّين:
«و جعل اللّيل» حملا على معنى المعطوف عليه. فإنّ «فالق» بمعنى: فلق. و لذلك قرئ
____________
(1) البحار 3/ 191.
(2) المصدر: و لو كان كل واحد منهما سرمدا على العباد لما قامت لهم معايش أبدا.
(3) التهذيب 9/ 60، ح 254.
(4) من المصدر و «ج» و «ر».
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: غلمته.
(6) المصدر: قال.
(7) الكافي 5/ 366 ح 1.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: الشرع.
(9) من المصدر.
(10) الكافي 5/ 366- 367 صدر ح 3.
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: ميسرة عن عبد العزيز.
(12) كذا في المصدر، و في النسخ: ميسرة.
402
به. على أنّ المراد منه جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة. و على هذا يجوز أن يكون وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ: عطفا على محلّ «اللّيل». و يشهد له قراءتهما، بالجرّ. و الأحسن نصبهما «بجعل» مقدّرا.
و قرئ (1)، بالرّفع، على الابتداء. و الخبر محذوف، أي: مجعولان.
حُسْباناً، أي: على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات، و يكونان على الحسبان. و هو مصدر «حسب» بالكسر.
و قيل (2): جمع، حساب، كشهاب و شهبان.
ذلِكَ، أي: جعلهما حسبانا. أو ذلك التّسيير بالحساب المعلوم.
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ: الّذي قهرهما و سيّرهما على الوجه المخصوص.
الْعَلِيمِ (96): بتدبيرهما، و الأنفع من الأوضاع الممكنة لهما.
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ: خلقها لكم.
لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ: في ظلمات اللّيل في البرّ و البحر.
و اضافتها إليهما، للملابسة. أو في مشتبهات الطّرق و الأمور. و سمّاها «ظلمات» على الاستعارة. و هو إفراد لبعض منافعها بالذّكر بعد ما أجملها بقوله: «لكم».
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ: بيّناها فصلا فصلا.
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97): فإنّهم المنتفعون (3) به.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال: «النّجوم» آل محمّد.
و في شرح الآيات الباهرة (5): قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره: إنّ «النّجوم» هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. لأنّ الاهتداء لا يحصل إلّا بهم، و
لقول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: مثل آل محمّد، كمثل النّجوم إذا هوى (6) نجم طلع نجم. و إنّ (7) هدى النّجوم من
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 322.
(2) أنوار التنزيل 1/ 323.
(3) كذا في المصدر و «ج»، و في سائر النسخ: المتقون.
(4) تفسير القمي 1/ 211.
(5) تأويل الآيات الباهرة/ 60- 61.
(6) المصدر: حقي.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: أين.
403
هداهم (1)، و هو الهدى الّذي يوصل إلى جنّات النّعيم. و هدى النّجوم لمن لا يهتدي بهداهم (2) يوصل إلى دركات الجحيم. فعلى محمّد و آله من ربّنا الكريم أكمل (3) الصّلاة و أفضل التّسليم.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: و هو آدم- (عليه السلام)-.
فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ.
قيل (4): أي: فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض. و استيداع في الأرحام، أو تحت الأرض. أو موضع استقرار و استيداع.
و قرأ ابن (5) كثير و البصريّان، بكسر القاف، على أنّه اسم فاعل. و المستودع [اسم] (6) مفعول، أي: فمنكم قارّ و منكم مستودع. لأنّ الاستقرار منّا دون الاستيداع.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): قال: «المستقرّ» الإيمان الّذي يثبت في قلب الرّجل إلى أن يموت. و «المستودع» هو المسلوب منه الإيمان.
و
في تهذيب الأحكام (8)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: اللّهم، إنّي أسألك بالحقّ الّذي جعلته عندهم و بالّذي فضلّتهم على العالمين جميعا، أن تبارك لنا في يومنا هذا الّذي أكرمتنا فيه، و أن (9) تتمّ علينا نعمتك، و تجعله عندنا مستقرّا، و لا تسلبناه (10) أبدا، و لا تجعله مستودعا. فإنّك مستقرّ و مستودع. فاجعله مستقرّا و لا تجعله مستودعا.
و في تفسير العيّاشي (11): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت:
هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: هدايتهم.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: بهدايتهم.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: أجمل.
(4) أنوار التنزيل 1/ 323.
(5) أنوار التنزيل 1/ 323.
(6) من المصدر.
(7) تفسير القمّي 1/ 212.
(8) التهذيب 3/ 147.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: بأن.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: لا تسلبنا.
(11) تفسير العياشي 1/ 371، ح 69.
404
قال: ما يقول أهل بلدك الّذي أنت فيه؟
قال: قلت: يقولون: مستقرّ في الرّحم و مستودع في الصلب.
فقال: كذبوا، المستقرّ ما استقرّ الإيمان في قلبه، فلا ينزع منه أبدا. و المستودع الّذي يستودع الإيمان زمانا ثمّ يسلبه و قد كان الزّبير منهم.
و عن سعيد بن أبي الأصبغ (1) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و هو سئل (2) عن «مستقرّ و مستودع».
قال: «مستقرّ» في الرّحم. و «مستودع» في الصّلب. و قد يكون مستودع الإيمان ثمّ ينزع منه. و لقد مشى الزّبير في ضوء الإيمان و نوره حين قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى مشى بالسّيف و هو يقول: لا نبايع إلّا (3) عليّا.
محمّد بن الفضل (4)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- [في قوله] (5) هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ.
قال: ما كان من الإيمان المستقرّ، فمستقرّ إلى يوم القيامة [أو] (6) أبدا. و ما كان مستودعا، سلبه اللّه قبل الممات.
عن صفوان (7) قال: سألني أبو الحسن- (عليه السلام)- و محمّد بن خلف جالس، فقال لي: مات يحيى بن القاسم الحذّاء؟
فقلت [له] (8): نعم، و مات زرعة.
فقال: كان جعفر- (عليه السلام)- يقول: «فمستقرّ و مستودع». فالمستقرّ، قوم
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 371، ح 71.
(2) المصدر: يسأل.
(3) ليس في «ج»، و هو الصحيح.
(4) تفسير العياشي 1/ 371- 372، ح 72 و فيه:
«الفضيل» بدل «الفضل».
(5) من المصدر.
(6) من المصدر، و ذكر في الهامش بأنّه ترديد من الراوي و كذلك في حاشية نور الثقلين 1/ 751، ح 207.
(7) تفسير العياشي 1/ 372، ح 73.
(8) من المصدر.
405
يعطون الإيمان و يستقر في قلوبهم. و المستودع، قوم يعطون الإيمان ثمّ يسلبونه (1).
و عن أبي الحسن الأوّل (2)- (عليه السلام)- قال: المستقرّ، الإيمان الثّابت.
و المستودع، المعار.
و عن أبي عبد اللّه (3)- (عليه السلام)- مثله.
و في الكافيّ (4): عنه (5)- (عليه السلام)-: إنّ اللّه خلق النّبيّين على النّبوّة، فلا يكونون إلّا أنبياء. و خلق المؤمنين على الإيمان، فلا يكونون إلّا مؤمنين. و أعار قوما إيمانا، فإن شاء تمّمه لهم و إن شاء سلبهم (6) إيّاه.
قال: و فيهم جرت «فمستقرّ و مستودع».
و قال [لي] (7): إنّ فلانا كان مستودعا إيمانه، فلمّا كذب علينا سلب إيمانه ذلك.
و كنّى بفلان. عن أبي الخطّاب محمّد بن قلاص (8)، كما يستفاد من حديث آخر (9).
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98):
ذكر مع ذكر «النّجوم» «يعلمون» لأنّ أمرها ظاهر، و مع ذكر تخليق بني آدم «يفقهون» لأنّ إنشاءهم من نفس واحدة و تصريفهم بين أحوال مختلفة، دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة و تدقيق نظر.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: من السّحاب، أو من جانب السّماء.
فَأَخْرَجْنا: على تلوين الخطاب.
بِهِ: بالماء.
____________
(1) كذا في المصدر، و النسخ: يسلبون.
(2) تفسير العياشي 1/ 372، ح 74.
(3) تفسير العياشي 1/ 373، ذيل ح 75.
(4) الكافي 2/ 418 ح 4.
(5) المصدر: عن أبي الحسن.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: يسلبهم.
(7) من المصدر.
(8) «ج» و «ر»: مقلاص الغالي كما في جامع الرواة 2/ 203.
(9) الكافي 2/ 418، ح 3.
406
نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ: نبت كلّ صنف من النّبات. و المعنى: إظهار القدرة في إنبات الأنواع المتفننة بماء واحد، و تفضّل بعضها على بعض في الأكل.
فَأَخْرَجْنا مِنْهُ: من النّبات، أو الماء.
خَضِراً: شيئا أخضر (1).
يقال: أخضر و خضراء، كأعور و عوراء. و هو الخارج من الحبّة المتشعّب.
نُخْرِجُ مِنْهُ: من الخضر.
حَبًّا مُتَراكِباً: قد ركب بعضه بعضا. و هو السّنبل.
وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ، أي: و أخرجنا من النّخل نخلا من طلعها قنوان. أو من النّخل شيئا من طلعها قنوان.
و يجوز أن يكون «من النّخل» خبر «قنوان». و «من طلعها» بدلا منه.
و المعنى: و حاصله من طلع النّخل قنوان. و هو الأعذاق، جمع قنو، كصنوان، جمع صنو.
و قرئ (2): بضمّ القاف كذئب و ذئاب. و بفتحها، على أنّه اسم جمع. إذ ليس «فعلان» من أبنية الجمع.
دانِيَةٌ: قريبة من المتناول (3)، أو ملتفّة قريب بعضها من بعض. و إنّما اقتصر على ذكرها عن مقابلها، لدلالتها عليه و زيادة النّعمة فيها.
وَ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ: عطف على «نبات كلّ شيء».
و قرئ (4)، بالرّفع و في مجمع البيان (5): أنّه قراءة أمير المؤمنين،- (عليه السلام)- على الابتداء، أي: و لكم، أو ثمّ جنّات، أو من الكرام جنّات.
و لا يجوز عطفه على «قنوان» إذ العنب لا يخرج من النّخل.
وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ: أيضا عطف على «نبات». أو نصب على الاختصاص،
____________
(1) كذا في «ج» و «ر»، و في سائر النسخ: أشياء خضر.
(2) أنوار التنزيل 1/ 323.
(3) كذا في «ج»، و في سائر النسخ: التناول.
(4) أنوار التنزيل 1/ 323.
(5) مجمع البيان 2/ 340.
407
لعزّة هذين الصّنفين عندهم.
مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ: حال من «الرّمّان». أو من الجميع، أي: بعض ذلك متشابه و بعضه غير متشابه في الهيئة و القدر و الطّعم.
انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ: إلى ثمر كلّ واحد من ذلك.
و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ، بضمّ الثّاء. و هو جمع، ثمرة، كخشبة و خشب. أو ثمار، ككتاب و كتب.
إِذا أَثْمَرَ: إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلا لا يكاد ينتفع به.
وَ يَنْعِهِ: و إلى حال نضجه، أو إلى نضجه كيف يعود ضخيما ذا نفع و لذّة.
و هو في الأصل مصدر، ينعت الثّمرة: إذا أدركت.
و قيل (2): جمع، يانع، كتاجر و تجر.
و قرئ (3)، بالضّمّ، و هو لغة فيه. و يانعة.
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)، أي: لآيات على وجود القادر الحكيم و توحيده. فإنّ حدوث الأجناس المختلفة و الأنواع المفنّنة من أصل واحد و نقلها من حال إلى حال، لا يكون إلّا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها و يرجّح ما تقتضيه حكمته ممّا يمكن من أحوالها، و لا يعوقه من فعله ندّ يعارضه أو ضدّ يعانده.
و لذلك عقّبه بتوبيخ من أشرك به و الرّد عليه، فقال: وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ، أي: الملائكة. بأن عبدوهم و قالوا: الملائكة بنات اللّه. سمّاهم: جنّا، لاجتنانهم تحقيرا لشأنهم.
أو الشّياطين، لأنّهم أطاعوهم، كما يطاع اللّه. أو عبدوا الأوثان بتسويلهم و تحريضهم.
أو قالوا: اللّه خالق الخير و كلّ نافع، و الشّيطان خالق الشّر و كلّ ضارّ، كما رأى الثّنويّة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 324.
(2) أنوار التنزيل 1/ 324.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
408
و مفعولا «جعلوا للّه» «شركاء»، و «الجنّ» بدل من «شركاء». أو «شركاء الجنّ» و «للّه» متعلّق «بشركاء»، أو حال منه.
و قرئ (1): «الجنّ» بالرّفع، كأنّه قيل: من هم؟
فقيل: «الجنّ». و بالجرّ، على الإضافة، للتّبيين. وَ خَلَقَهُمْ: حال بتقدير «قد». و المعنى: و قد علموا أنّ اللّه خالقهم دون الجنّ، و ليس من يخلق كمن لا يخلق.
و قرئ (2): «و خلقهم» عطفا على «الجنّ»، أي: و ما يخلقونه من الأصنام. أو على «شركاء»، أي: و جعلوا له اختلاقهم للإفك حيث نسبوه إليه.
وَ خَرَقُوا لَهُ: افتعلوا و افتروا له (3).
و قرأ (4) نافع، بتشديد الرّاء، للتّكثير.
و قرئ (5): «و حرّفوا»، أي: و زوّروا.
بَنِينَ وَ بَناتٍ.
فقالت اليهود: عزير بن اللّه. و قالت النّصارى: المسيح بن اللّه و قالت العرب:
الملائكة بنات اللّه.
بِغَيْرِ عِلْمٍ: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا، و يروا عليه دليلا، بل جهلا منهم بعظمة اللّه. و هو في موضع الحال من «الواو». أو المصدر، أي: خرقا بغير علم.
سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100): و هو أنّ له شريكا و ولدا.
بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: من إضافة الصّفة المشبّهة إلى فاعلها. أو إلى الظّرف، كقولهم: ثبت الغدر. بمعنى: أنّه عديم النّظير فيهما.
و قيل (6): معناه: المبدع. و قد سبق الكلام فيه.
و ما رواه
في مجمع البيان (7): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: «أنّ معناه: أنّه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 324.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) ليس في «ج».
(4) أنوار التنزيل 1/ 324.
(5) نفس المصدر، و الموضع.
(6) أنوار التنزيل 1/ 324.
(7) مجمع البيان 2/ 343.
409
مبدعهما و منشئهما (1) [بعلمه] (2) ابتداء. لا من شيء و لا على مثال سبق»
فمحمول على أنّه حاصل المعنى.
و رفعه على الخبر، و المبتدأ محذوف. أو على الابتداء و خبره أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، أي: من أين، أو كيف يكون له ولد؟
وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ: يكون منها الولد.
و قرئ (3)، بالياء، للفصل. أو لأنّ الاسم ضمير اللّه، أو ضمير الشّأن.
وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101): لا تخفى عليه خافية.
و إنّما لم يقل: به، لتطرّق التّخصيص إلى الأوّل.
و قيل (4): في الآية استدلال على نفي الولد من وجوه:
الأوّل، اللّه (5) من مبدعاته السّموات و الأرضون. و هي مع أنّها من جنس ما يوصف بالولادة، مبرّأة عنها لاستمرارها و طول مدّتها، فهو أولى بأن يتعالى عنها [أو أن ولد] (6) الشيء نظيره و لا نظير له فلا ولد.
و الثّاني، أنّ المعقول من الولد ما يتولّد من ذكر و أنثى متجانسين. و اللّه تعالى منزّه عن المجانسة.
و الثّالث، أنّ الولد كفؤ الوالد. و لا كفؤ له لوجهين:
الأوّل، أنّ كلّ ما عداه مخلوق فلا يكافئه.
و الثّاني، أنّه [سبحانه و تعالى] (7) لذاته عالم بكلّ المعلومات و لا كذلك غيره بالإجماع.
ذلِكُمُ: إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصّفات. و هو مبتدأ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: أخبار مترادفة.
____________
(1) كذا في المصدر، و النسخ: مبدعها و منشئها.
(2) من المصدر.
(3) أنوار التنزيل 1/ 324.
(4) أنوار التنزيل 1/ 324- 325.
(5) المصدر: أنّ.
(6) ليس في المصدر.
(7) من المصدر.
410
و يجوز أن يكون البعض بدلا أو صفة، و البعض خبرا.
و في كتاب الخصال (1): عن أبي جعفر (2)- (عليه السلام)-. و في العيون (3): عن الرّضا- (عليه السلام)-: أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين. و اللّه خالق كلّ شيء.
و لا نقول بالجبر و التّفويض.
و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى الحسين بن خالد: عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: اعلم، علّمك اللّه الخير، أنّ (5) اللّه- تبارك و تعالى- قديم. و القدم (6) صفة دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله و لا شيء معه (7) في ديموميّته. فقد بان لنا بإقرار العامّة مع معجزة الصّفة، أنّه لا شيء قبل اللّه و لا شيء مع اللّه [في بقائه] (8). و بطل قول من زعم، أنّه كان قبله أو كان معه شيء. و ذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه، لم يجز أن يكون خالقا له. لأنّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه. و لو كان قبله شيء، كان الأوّل ذلك الشّيء لا هذا. و كان الأوّل أولى بأن يكون خالقا للثّاني (9).
و في أصول الكافي (10): عليّ بن محمّد مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- مثله سواء.
فَاعْبُدُوهُ: حكم مسبّب عن مضمونها. فإنّ من استجمع هذه الصّفات، استحقّ العبادة.
وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)، أي: هو مع تلك الصّفات متولّي أموركم. فكلوها إليه و توسّلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم.
____________
(1) الخصال/ 608.
(2) المصدر: جعفر بن محمد.
(3) العيون 2/ 125.
(4) العيون 1/ 145 صدر ح 50.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: و.
(6) كذا في المصدر، «ر»، و في سائر النسخ: القديم.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: بعده.
(8) من المصدر.
(9) في نسخة من المصدر: خالقا للاوّل و في أخرى منه: خالقا للاوّل الثاني.
(10) الكافي 1/ 120، صدر ح 2.
411
و [قيل: أي: حفيظ مدبّر] (1)، [رقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها] (2)
لا تُدْرِكُهُ: لا تحيط به.
الْأَبْصارُ: جمع، بصر. و هي حاسّة النّظر. و قد يقال للعين، من حيث أنّها محلّها.
وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ: يحيط بها علمه.
وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103): فيدرك ما لا تدركه الأبصار، كالأبصار.
و يجوز أن يكون من باب اللّفّ، أي: لا تدركه الأبصار لأنّه اللّطيف، و هو يدرك الأبصار لأنّه الخبير. فيكون «اللّطيف» مستعارا من مقابل «الكثيف» لما لا يدرك بالحاسّة و لا ينطبع فيها.
و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على (4) أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-. فاستأذنته في ذلك، فأذن لي، فدخل عليه. فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام، حتّى بلغ سؤاله التّوحيد.
فقال أبو قرّة: إنّا روينا، أنّ اللّه- عزّ و جلّ- قسّم الرّؤية و الكلام بين نبيّين (5).
فقسم لموسى- (عليه السلام)- الكلام، و لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الرّؤية.
فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: فمن المبلغ عن اللّه- عزّ و جلّ- إلى الثّقلين، الإنس و الجنّ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (6) و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (7) أليس محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: بلى.
[قال- ظ] (8) فكيف (9) يجيء رجل إلى الخلق جميعا، فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه
____________
(1) ليس في أنوار التنزيل 1/ 325.
(2) يوجد في نفس المصدر، و الموضع.
(3) التوحيد/ 110- 111 صدر ح 9.
(4) كذا في المصدر، و النسخ: إلى.
(5) المصدر: إثنين.
(6) طه: 110.
(7) الشورى: 11.
(8) من نور الثقلين 1/ 752، ح 215.
(9) كذا في المصدر، و النسخ: كيف.
412
و أنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه و يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ و لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، و أحطت به علما، و هو على صورة البشر. أما تستحيون (1) ما قدرت الزّنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر؟
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (2) إلى [عبد اللّه بن سنان عن] (3) أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ.
قال: إحاطة الوهم. ألا ترى إلى قوله: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ليس يعني: بصر العيون. فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ليس يعني: من أبصر (4) بعينه. وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها لم يعن: عمى العيون. إنّما عنى إحاطة الوهم، كما يقال: فلان بصير بالشّعر، و فلان بصير بالفقه، و فلان بصير بالدّراهم، و فلان بصير بالثّياب. اللّه أعظم من أن يرى بالعين.
و بإسناده (5) إلى أبي هاشم الجعفريّ: عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال:
سألته عن اللّه- عزّ و جلّ- هل يوصف؟
فقال: أمّا تقرأ القرآن؟
قلت: بلى.
قال: أما تقرأ قوله- عزّ و جلّ-: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ؟
قلت: بلى.
قال: فتعرفون الأبصار؟
قلت: نعم (6).
قال: و ما هي؟
قلت: أبصار العيون.
____________
(1) كذا في المصدر، و النسخ: يستحيون.
(2) التوحيد/ 112، ح 10.
(3) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(4) المصدر: البصر.
(5) التوحيد/ 112- 113، ح 11.
(6) المصدر: بلى.
413
فقال: إنّ أوهام القلوب أكبر (1) من أبصار العيون. فهو لا تدركه الأوهام، و هو يدرك الأوهام.
و بإسناده (2) إلى أبي هاشم [الجعفري، قال: قلت لأبي جعفر ابن الرضا- (عليه السلام)-: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ.
فقال: يا أبا هاشم] (3): أوهام القلوب أدق من أبصار العيون. أنت قد تدرك بوهمك السّند و الهند و البلدان الّتي لم تدخلها، و لم (4) تدركها ببصرك. فأوهام (5) القلوب لا تدركه، فكيف أبصار العيون؟!
و في أصول الكافي (6)، هذه الأحاديث الأربعة إسنادا و متنا سواء.
و في أمالي الصدّوق (7)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل بن بزيغ قال:
قال أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ.
قال: لا تدركه أوهام القلوب، فكيف تدركه أبصار العيون؟!
و بإسناده (8) إلى إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- عن اللّه- تبارك و تعالى- هل يرى في المعاد؟
فقال: سبحان اللّه و تعالى [عن ذلك] (9) علوّا كبيرا. يا ابن الفضل، إنّ الأبصار لا تدرك إلّا ما [له] (10) لون و كيفيّة. و اللّه تعالى خالق الألوان و الكيفيّة.
____________
(1) المصدر: أكثر.
(2) التوحيد/ 113، ح 12.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: لا.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: و أوهام.
(6) الحديث الاول في الكافي 1/ 95- 96، صدر ح 2.
الحديث الثاني في الكافي 1/ 98، ح 9.
الحديث الثالث في الكافي 1/ 98- 99، ح 10.
الحديث الرابع في الكافي 1/ 99، ح 11.
(7) أمالي الصدوق/ 334، ح 3.
(8) أمالي الصدوق/ 334، ح 3.
(9) ليس في المصدر.
(10) من المصدر و «ج».
414
و بإسناده (1) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إيّاكم و التّفكّر في اللّه [و النّظر في اللّه] (2)، فإنّ التّفكّر في اللّه لا يزيد إلّا تيها. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا تدركه الأبصار، و لا يوصف بمقدار.
و في كتاب التّوحيد (3)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)-. يقول فيها: و لم تدركه الأبصار، فيكون بعد انتقالها حائلا.
و خطبة أخرى (4) له- (عليه السلام)-. و فيها: و انحسرت الأبصار عن أن تناله، فيكون بالعيان موصوفا، و بالذّات الّتي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا.
و فيه (5) حديث طويل، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. يقول فيه- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات-: و أما قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فهو، كما قال: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يعني (6): لا تحيط به الأوهام. وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، يعني: يحيط بها.
و في مجمع البيان (7): روى العيّاشيّ، بإسناده المتّصل: أن المفضّل (8) بن سهل ذا الرّئاستين سأل أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- فقال: أخبرني عمّا اختلف فيه النّاس من الرّؤية.
فقال: من وصف اللّه- سبحانه- بخلاف ما وصف به نفسه، فقد أعظم الفرية على اللّه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ. و هذه الأبصار ليست هذه (9) الأعين، إنّما هي الأبصار الّتي في القلوب. و لا يقع عليه الأوهام و لا يدرك كيف هو.
و في عيون الأخبار (10)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد. حديث طويل عنه- (عليه السلام)-. و فيه قال: قال السّائل: رحمك اللّه،
____________
(1) أمالي الصدوق/ 340، ح 3.
(2) ليس في المصدر.
(3) التوحيد/ 31، ضمن ح 1.
(4) التوحيد/ 50، ضمن ح 13.
(5) التوحيد/ 262.
(6) كذا في المصدر، و النسخ: و.
(7) مجمع البيان 2/ 344.
(8) المصدر: الفضل.
(9) المصدر: هي.
(10) العيون 1/ 131- 132، ضمن ح 28.
415
فأوجدني (1) كيف هو و أين هو؟
قال: ويلك، إنّ الّذي ذهبت إليه غلط. و هو أين الأين، و كان و لا أين. هو (2) كيّف الكيف، و كان و لا كيف. فلا يعرف بكيفوفيّة، و لا بأينونيّة، و لا [يدرك] (3) بحاسّة، و لا يقاس بشيء.
قال الرّجل: فإذا (4) أنّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسّة من الحواسّ.
فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: ويلك، لمّا عجزت حواسّك عن إدراكه، أنكرت ربوبيّته. و نحن إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه أيقنا أنّه ربّنا، و أنّه [شيء] (5) بخلاف الأشياء.
و فيه بعد سطور قال الرّجل: فلم احتجب؟
فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ الحجاب عن (6) الخلق لكثرة ذنوبهم. فأمّا هو، فلا تخفى عليه خافية في آناء اللّيل و النّهار.
قال: فلم لا تدركه (7) حاسّة البصر (8)؟
قال: للفرق بينه و بين خلقه الّذين تدركهم حاسّة الأبصار منهم و من غيرهم.
[ثم] (9) هو أجلّ من أن يدركه بصر (10)، أو يحيط (11) به وهم.
و في أصول الكافي (12): أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن سيف، عن محمّد بن عبيد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أسأله عن الرّؤية، و ما ترويه العامّة و الخاصّة. و سألته أن يشرح لي ذلك.
____________
(1) كذا في المصدر و «ج»: فأوجد لي، و في سائر النسخ: فما وجدني.
(2) المصدر: و.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: فإذن له.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: على.
(7) المصدر: يدركه.
(8) المصدر: الأبصار.
(9) من المصدر.
(10) هكذا في المصدر، و النسخ: البصر.
(11) المصدر: يحيطه.
(12) الكافي 1/ 96- 97، ح 3.
416
فكتب بخطّه: اتّفق الجميع لا تمانع بينهم، أنّ المعرفة من جهة الرّؤية ضرورة.
فإذا جاز أن يرى اللّه بالعين، وقعت المعرفة ضرورة. ثمّ لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيمانا، أو ليست بإيمان.
فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرّؤية إيمانا، فالمعرفة الّتي في دار الدّنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان، لأنّها ضدّه. فلا يكون في الدّنيا مؤمن، لأنّهم لم يروا اللّه- عزّ ذكره-.
و إن لم تكن (1) تلك المعرفة الّتي من جهة الرّؤية إيمانا، لم تخل هذه المعرفة الّتي من جهة الاكتساب أن تزول، و لا تزول في المعاد. فهذا دليل على أنّ اللّه- تعالى عزّ ذكره- لا يرى بالعين، إذ العين تؤدّي إلى ما وصفناه.
عليّ بن إبراهيم (2): عن المختار [بن محمد بن المختار] (3) الهمدانيّ و محمّد بن الحسن، عن عبد اللّه بن الحسن العلويّ جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه فقولك: اللّطيف الخبير. فسّره لي، كما فسّرت الواحد. فإنّي أعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل (4)، غير أنّي أحبّ أن تشرح لي ذلك.
فقال: يا فتح، إنّما قلنا: «اللّطيف» للخلق اللّطيف، [و] (5) لعلمه بالشّيء اللّطيف. أو لا ترى- وفّقك اللّه و ثبّتك- إلى أثر صنعه في النّبات اللّطيف و غير اللّطيف، و من الخلق اللّطيف، و من الحيوان الصّغار، و من البعوض و الجرجس (6) و ما هو أصغر منها، ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد يستبان لصغره الذّكر من الأنثى، و الحدث (7) المولود من القديم. فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه و اهتدائه للسّفاد (8) و الهرب من الموت و الجمع لما
____________
(1) كذا في المصدر، و النسخ: لم يكن.
(2) الكافي 1/ 119- 120، ضمن ح 1.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: الخلق المفضل.
(5) من المصدر.
(6) الجرجس: البعوض الصغار.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: الحديث.
(8) سفد ذكر الحيوان أنثاه، و على أنثاه: نزا عليها.
417
يصلحه و ما في لجج البحار و ما في لحاء الأشجار و المفاوز و القفار و افهام (1) بعضها عن بعض منطقها و ما يفهم به أولادها عنها و نقلها الغذاء إليها ثمّ تأليف ألوانها حمرة مع صفرة و بياض مع حمرة [و أنّه] (2) ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة (3) خلقها لا تراه عيوننا و لا تلمسه أيدينا، علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطيف لطف بخلق ما سمّيناه بلا علاج و لا أداة و لا آلة. و أنّ كلّ صانع [شيء] (4) فمن شيء صنع، و اللّه الخالق اللّطيف الجليل خلق و صنع لا من شيء.
عليّ بن محمّد (5) مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل.
و فيه: و أمّا اللّطيف، فليس على قلّة و قضافة (6) و صغر (7). و لكنّ ذلك على النّفاذ في الأشياء و الامتناع من أن يدرك، كقولك للرّجل: لطف عنّي هذا الأمر، و لطف فلان في مذهبه.
و قوله يخبرك: أنّه غمض فيه العقل، وفات الطلب (8)، و عاد متعمّقا متلطّفا لا يدركه الوهم. فكذلك لطف اللّه- تبارك و تعالى- عن أن يدرك بحدّ أو يحدّ بوصف. و اللّطافة منّا الصّغر و القلّة، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.
محمّد بن أبي عبد اللّه (9)، رفعه إلى أبي هاشم الجعفريّ: عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)-: [و كذلك] (10) سمّيناه لطيفا، لعلمه بالشّيء اللّطيف، مثل البعوضة و أخفى من ذلك، و موضع النشوء (11) منها، و العقل، و الشّهوة للسّفاد (12)، و الحدب (13) على نسلها، و إقام (14) بعضها على بعض، و نقلها الطّعام
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: إفهامه.
(2) من المصدر.
(3) الدميم: الحقير، يقال: رجل دميم و به دمامة: إذا كان قصير الجثّة حقير الجثمان.
(4) من المصدر.
(5) الكافي 1/ 122، ضمن ح 2.
(6) قضف قضافة: نحف و دقّ.
(7) كذا في المصدر، و «ج» و «ر»: صفر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: اللّطف.
(9) الكافي 1/ 117، ضمن ح 7.
(10) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: النفس.
(12) كذا في المصدر، و في النسخ: و السّفاد.
(13) الحدب: العطف، و الشفقة.
(14) كذا في المصدر، و في النسخ: إقامة.
418
و الشّراب إلى أولادها في الجبال و المفاوز و الأودية و القفار. فعلمنا أنّ خالقها لطيف بلا كيف. و إنّما الكيفيّة للمخلوق المكيف.
و في كتاب الإهليلجة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّما سمّيناه لطيفا للخلق اللّطيف و لعلمه بالشّيء اللّطيف، ممّا خلق من البعوض (2) للبعوضة و الذّرّة و ما (3) أصغر منها.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن محمّد مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و أمّا الخبير، فالّذي لا يعزب (5) عنه شيء و لا يفوته. ليس للتّجربة و لا للاعتبار (6) بالأشياء، فعند التّجربة و الاعتبار علمان و لولاهما ما علم. لأنّ من كان كذلك، كان جاهلا. و اللّه لم يزل خبيرا بما يخلق. و الخبير من النّاس، المستخبر عن جهل المتعلّم. فقد (7) جمعنا الاسم و اختلف المعنى.
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ:
«البصائر» جمع، بصيرة. و هي للنّفس، كالبصر للبدن. سمّيت بها الدّلالة، لأنّها تجلي لها الحقّ و تبصرها به.
فَمَنْ أَبْصَرَ، أي: أبصر الحقّ و آمن به.
فَلِنَفْسِهِ: أبصر. لأنّ نفعه لها.
وَ مَنْ عَمِيَ: عن الحقّ و ضلّ.
فَعَلَيْها: و باله.
وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104): و إنّما أنا منذر. و اللّه هو الحفيظ عليكم، يحفظ أعمالكم و يجازيكم عليها. و هذا كلام ورد على لسان الرّسول- (عليه السلام)-.
وَ كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: و مثل ذلك التّصريف نصرّف الآيات. و هو إجراء
____________
(1) البحار 3/ 194- 195.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: للبعوضة.
(3) المصدر: ممّا.
(4) الكافي 1/ 122، ضمن ح 2.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: لا يغرب.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: الاعتبار.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: و قد.
419
المعنى الدّائر في المعاني المتعاقبة. من الصّرف: و هو نقل الشّيء من حال إلى حال.
وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ، أي: و ليقولوا: درست صرفنا. و «الّلام» لام العاقبة.
و الدّرس: القراءة و التّعلّم.
و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو: «دارست»، أي: دارست أهل الكتاب و ذاكرتهم.
و ابن عامر و يعقوب: «درست» من الدّروس، أي: قدّمت هذه الآيات و عفت، كقولهم:
أساطير الأوّلين.
و قرئ (2): «درست» بضمّ الرّاء، مبالغة في «درست» و «درست» على البناء للمفعول. بمعنى: قرئت، أو عفيت. و دارست بمعنى: درست، أو دارست اليهود محمّدا- (عليه السلام)-. و دارسات، أي: قديمات، أو ذوات درس، كقوله: «عيشة راضية».
و في تفسير علي بن إبراهيم (3): كانت قريش تقول لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [إنّ] (4) الّذي تخبرنا به من الأخبار تتعلّمه من علماء اليهود و تدرسه (5).
وَ لِنُبَيِّنَهُ.
«الّلام» على أصله، لأنّ التّبيين مقصود التّصريف.
و الضّمير للآيات، باعتبار المعنى. أو للقرآن، و إن لم يذكر لكونه معلوما. أو للمصدر.
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105): فإنّهم المنتفعون به.
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ: بالتّديّن به.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: اعتراض، أكّد به إيجاب الاتّباع. أو حال مؤكّدة، بمعنى:
منفردا في الألوهيّة.
وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106): و لا تحتفل بأقوالهم، و لا تلتفت إلى رأيهم. و من جعله منسوخا بآية السّيف، حمل الإعراض على ما يعمّ الكفّ عنهم.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ: توحيدهم و عدم إشراكهم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 325.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) تفسير القمّي 1/ 212.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: تدارسه.
420
ما أَشْرَكُوا.
و في مجمع البيان (1): في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)-: و لو شاء اللّه أن يجعلهم كلّهم مؤمنين معصومين حتّى كان لا يعصيه أحد، لما كان يحتاج إلى جنّة و لا إلى نار.
و لكنّه أمرهم و نهاهم و امتحنهم و أعطاهم ما له عليهم به الحجّة [من] (2) الآلة و الاستطاعة، ليستحقّوا الثّواب و العقاب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، ما يقرب منه.
وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً: رقيبا.
وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107): تقوم بأمورهم.
وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: و لا تذكروا آلهتهم الّتي يعبدونها بما فيها من القبائح.
فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً: تجاوزا عن الحقّ إلى الباطل.
بِغَيْرِ عِلْمٍ: جهالة باللّه، و بما يجب أن يذكر به.
و قرأ (4) يعقوب: «عدوّا». يقال: عدا فلان عدوا و عدوّا و عداء و عدوانا.
نقل أنّه- (عليه السلام)- كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهينّ عن سبّ آلهتنا أو لنهجونّ إلهك. فنزلت.
و قيل (5): كان المسلمون يسبّونها، فنهوا. لئلّا يكون سبّهم سببا لسبّ اللّه.
قيل (6): و فيه دليل على، أن الطّاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها.
فإنّ ما يؤدّي إلى الشّرّ، شرّ.
و في أصول الكافي (7): الحسن بن محمّد، عن عليّ بن محمّد بن سعد، عن محمّد بن مسلم، عن إسحاق بن موسى قال: حدّثني أخي و عمّي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-
____________
(1) مجمع البيان 2/ 346.
(2) من المصدر و «ج» و «ر».
(3) تفسير القمّي 1/ 212.
(4) أنوار التنزيل 1/ 326.
(5) أنوار التنزيل 1/ 326.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
(7) الكافي 2/ 378، ح 12.
421
قال: ثلاثة مجالس يمقتها اللّه و يرسل نقمته على أهلها، فلا تقاعدوهم و لا تجالسوهم:
مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه، و مجلسا ذكر أعدائنا فيه جديد و ذكرنا فيه رثّ، و مجلسا فيه من يصدّ عنّا و أنت تعلم.
قال: ثمّ تلا أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- ثلاث آيات من كتاب اللّه كأنّما كنّ [في] (1) فيه، أو قال [في] (2) كفّه: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (3). وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ (4).
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السّجستانيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: في التّوراة مكتوب فيما ناجى اللّه- عزّ و جلّ- به موسى بن عمران- (عليه السلام)-: يا موسى، أكتم مكتوم سري في سريرتك، و أظهر في علانيتك المداراة عنّي (6) لعدوّي و عدوّك من خلقي، و لا تستسبّ (7) لي عندهم بإظهار مكتوم سرّي فتشرك عدوّي و عدوّك في سبّي.
و في تفسير العيّاشي (8): عن عمر الطّيالسي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قال: فقال: يا عمر، أ رأيت (9) أحدا يسبّ اللّه؟
قال: فقلت: جعلني اللّه فداك، فكيف؟
قال: من سبّ ولي اللّه، فقد سبّ اللّه.
____________
(1) من المصدر و «ج» و «ر»
(2) من المصدر.
(3) الأنعام: 68.
(4) النحل: 116.
(5) الكافي 2/ 117، ح 3.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: أعني.
(7) «ج» تسبّب، و «ب»: تسنب.
(8) تفسير العياشي 1/ 373- 374، ح 80.
(9) المصدر: هل رأيت.
422
و في الاعتقادات (1): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قيل له: إنّا (2) نرى في المسجد رجلا يعلن يسبّ أعدائكم و يسبهم (3).
فقال: ما له، لعنه اللّه، تعرّض بنا. قال اللّه- تعالى-: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ (الآية).
قال: و قال الصّادق- (عليه السلام)- في تفسير هذه الآية: لا تسبّوهم، فإنّهم يسبّون عليكم.
و قال: من سبّ ولي اللّه، فقد سبّ اللّه.
و قال: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: من سبّك، فقد سبّني.
و من سبّني، فقد سبّ اللّه. و من سبّ اللّه، فقد كبّه اللّه على منخريه في نار جهنّم.
و في روضة الكافي (4)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل.
يقول فيه- (عليه السلام)-: و إيّاكم و سبّ أعداء اللّه حيث يسمعونكم فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثني أبي، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [إنّه] (6) سئل عن قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ الشّرك أخفى من دبيب النّمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء.
فقال: كان المؤمنون (7) يسبّون ما يعبد المشركون من دون اللّه، و كان (8) المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون. فنهى اللّه عن سب آلهتهم، لكي لا يسبّ (9) الكفّار إله المؤمنين فيكون (10) المؤمنون قد أشركوا باللّه من حيث لا يعلمون. فقال: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ.
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 147- 148، عنه.
(2) كذا في المصدر و «ج» و «ر»، و في سائر النسخ. أما.
(3) كذا في المصدر و «ج» و «ر»: يبهم.
(4) الكافي 8/ 7، ضمن ح 1.
(5) تفسير القمّي 1/ 213.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: للمؤمنين.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: فكانوا.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: لا يسبّوا.
(10) المصدر: فيكونوا.
423
و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المتفرّقة. حديث طويل. و في آخره قال- (عليه السلام)-: إنّ مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا و جعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلوّ، و ثانيها التّقصير [في أمرنا] (2)، و ثالثها التّصريح بمثالب أعدائنا. فإذا سمع النّاس الغلوّ [فينا] (3)، كفّروا شيعتنا و نسبوهم إلى القول بربوبيّتنا. و إذا سمعوا التّقصير، اعتقدوه فينا. و إذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم، سبّونا (4) بأسمائنا. و قد قال اللّه- تعالى-: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ.
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: من الخير و الشّرّ بإحداث ما يمكنهم منه و يحملهم عليه، توفيقا و تخذيلا.
قيل (5): و يجوز تخصيص العمل بالشّر. و «كلّ أمّة» بالكفرة، لأنّ الكلام فيهم.
و المشبّه به تزيين سبّ اللّه لهم.
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108): بالمحاسبة و المجازاة عليه.
وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: مصدر في موقع الحال. و الدّاعي لهم إلى هذا القسم و التّأكيد فيه، التّحكم على رسول اللّه في طلب الآيات و استحقار ما رأوا منها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)، يعني: قريشا.
لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ: من مقترحاتهم.
لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ: هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء، و ليس شيء منها بقدرتي و إرادتي.
وَ ما يُشْعِرُكُمْ: ما يدريكم. استفهام إنكار.
أَنَّها: الآية المقترحة.
____________
(1) العيون 1/ 304، ذيل ح 63.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: ثلبونا.
(5) أنوار التنزيل 1/ 326.
(6) تفسير القمّي 1/ 213.
424
إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109)، أي: لا تدرون أنّهم لا يؤمنون. و أنا أعلم أنّها إذا جاءت، لا يؤمنون بها. أنكر السّبب، مبالغة في المسبّب.
قيل (1): و ذلك أنّ المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم عند مجيء الآية و يتمنّون مجيئها، فأخبرهم اللّه- سبحانه- أنّهم ما يدرون ما سبق علمه (2) به من أنّهم لا يؤمنون.
و قيل (3): «لا» مزيدة.
و قيل (4): «إنّ» بمعنى: لعلّ. إذ قرئ: لعلّها.
و قرأ (5) ابن كثير و أبو عمرو و أبو بكر عن عاصم و يعقوب: «إنّها» بالكسر. كأنه (6) قال: و ما يشعركم ما يكون (7) منهم. ثمّ أخبرهم بما علم منهم.
و قرأ (8) ابن عامر و حمزة: «لا تؤمنون» بالتّاء، على أنّ الخطاب للمشركين.
و قرئ (9): «و ما يشعرهم أنّها إذا جاءتهم» فيكون إنكارا لهم على حلفهم، أي:
و ما يشعرهم أنّ قلوبهم حينئذ لم تكن مطبوعة، كما كانت عند نزول القرآن و غيره من الآيات، فيؤمنون بها.
وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ قيل (10): عطف على «لا يؤمنون»، أي: و ما يشعركم إنّا حينئذ نقلّب أفئدتهم عن الحقّ فلا يفقهونه، و أبصارهم فلا يبصرونه فلا يؤمنون بها.
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ: بما أنزل من الآيات أَوَّلَ مَرَّةٍ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11)، يعني: في الذّرّ و الميثاق.
وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110): و ندعهم متحيّرين، لا نهديهم هداية
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 148.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: في علمه.
(3) أنوار التنزيل 1/ 326.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) أنوار التنزيل 1/ 326.
(6) يوجد في «ج» و «ر».
(7) يوجد في «ج» و «ر».
(8) أنوار التنزيل 1/ 326.
(9) نفس المصدر، و الموضع.
(10) أنوار التنزيل 1/ 326.
(11) تفسير القمي 1/ 213.
425
المؤمنين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية يقول: ننكّس قلوبهم، فيكون أسفل قلوبهم أعلاها. و نعمي أبصارهم، فلا يبصرون الهدى (2).
و قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: إنّ أوّل ما يقلبون (3) عليه من الجهاد [الجهاد] (4) بأيديكم، ثمّ الجهاد بألسنتكم، ثمّ الجهاد بقلوبكم. فمن لم يعرف قلبه معروفا و لم ينكر منكرا، نكس قلبه فجعل أسفله أعلاه فلا (5) يقبل خيرا أبدا.
و قرئ: «و يقلّب» و «يذرهم» على الغيبة، و «تقلّب» على البناء للمفعول، و الإسناد إلى الأفئدة.
وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا، كما اقترحوه، فقالوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ (6). فَأْتُوا بِآبائِنا (7). أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (8).
و «قبلا» جمع، قبيل، بمعنى: كفيل، أي: كفلاء بما بشّروا به و أنذروا. أو جمع، قبيل، الّذي هو جمع، قبيلة، بمعنى: جماعات. أو مصدر، بمعنى: مقابلة، كقبلا.
و هو قراءة (9) نافع و ابن عامر، أي: عيانا. و هو على الوجوه حال من «كلّ». و إنّما جاز ذلك لعمومه.
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا: إخبار بعدم إيمانهم، لعلمه- تعالى- بعدم إيمانهم، و هو لا يوجب امتناع إيمانهم.
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ:
إيمانهم مشيئة حتم، و يجبرهم على الإيمان.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 213.
(2) المصدر: بالهدى.
(3) نسخة من المصدر: يغلبون.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: و جعل أعلاه أسفله فلم.
(6) الفرقان: 21.
(7) الدخان: 36 و الجاثية: 25.
(8) الاسراء: 92.
(9) أنوار التنزيل 1/ 327.
426
و في مجمع البيان (1): أنّه المرويّ عن أهل البيت- (عليهم السلام)-.
و هو استثناء من أعمّ الأحوال.
و قيل (2): منقطع.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111): أنّهم لو أتوا بكلّ آية لم يؤمنوا، فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يشعرون. و لذلك أسند الجهل إلى أكثرهم، مع أنّ مطلق الجهل يعمّهم. أو لكنّ أكثر المسلمين يجهلون أنّهم لا يؤمنون، فيتمنّون نزول الآية طمعا في إيمانهم.
وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، أي: كما جعلنا لك عدوّا، جعلنا لكلّ نبيّ سبقك عدوّا، بمعنى: التّخلية بينهم و بين أعدائهم للامتحان.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن الحسين بن سعيد، عن [عليّ بن أبي حمزة] (4) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما بعث اللّه نبيّا، إلّا و في أمّته شيطانان يؤذيانه و يضلان النّاس بعده. فأمّا صاحبا نوح فقنطيقوس (5) و خزامة (6)، و أمّا صاحبا إبراهيم فمكثل و رزام، و أمّا صاحبا موسى فالسّامريّ و مر عقيبا، و أمّا صاحبا عيسى فبولس و مرسون (7)، و أمّا صاحبا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فحبتر (8) و زريق.
بتقديم الزّاء على الرّاء، مصغر أزرق. و «الحبتر» بالمهملة ثمّ الموحدة ثمّ المثنّاة من فوق ثمّ الرّاء، على وزن جعفر، الثّعلب. و إنّما كنّى عنهما بهما، لزرقة عين أحدهما و تشبّه الآخر بالثّعلب في الحيلة.
و في تفسير فرات (9) بن إبراهيم الكوفيّ: [فرات] (10) قال: حدّثني الحسين بن الحكم
____________
(1) مجمع البيان 2/ 351.
(2) أنوار التنزيل 1/ 327.
(3) تفسير القمي 1/ 214.
(4) المصدر: بعض رجاله.
(5) المصدر: فغنطيغوص.
(6) المصدر: خرام.
(7) المصدر: مريتون.
(8) كذا في المصدر، و النسخ: فجتر.
(9) تفسير فرات/ 42.
(10) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
427
معنعنا، عن ابن عبّاس [- رضي اللّه عنه- في قوله- تعالى- في كتابه] (1): وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
قال: نزلت الآية (2) في عليّ بن أبي طالب و حمزة و زيد. و في قوله: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا نزلت في النّبيّ و أبي جهل.
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ: مردة الفريقين.
و هو بدل من «عدوّا». أو أوّل مفعولي «جعلنا»، و «عدوّا» مفعوله الثّاني.
و «لكلّ» متعلّق به، أو حال منه.
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ: يوسوس شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس. أو بعض الجنّ إلى بعض، و بعض الإنس إلى بعض.
زُخْرُفَ الْقَوْلِ: الأباطيل المموّهة. من زخرفه: إذا زيّنه.
غُرُوراً: مفعول له. أو مصدر في موضع (3) الحال.
و في روضة الكافي (4)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل.
يقول فيه- (عليه السلام)- فإنّ من لم يجعله (5) اللّه من أهل صفة الحقّ، فأولئك هم شياطين الإنس و الجن.
و في كتاب الخصال (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الإنس على ثلاثة أجزاء: فجزء تحت ظلّ العرش يوم لا ظل إلّا ظله، و جزء عليهم الحساب و العذاب، و جزء وجوههم وجوه الآدميّين و قلوبهم قلوب الشّياطين.
و في كتاب الاحتجاج (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه خطبة الغدير. و فيها: ألا إنّ أعداء
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) ليس في المصدر.
(3) «ج»: موقع.
(4) الكافي 8/ 11، ضمن ح 1.
(5) المصدر: لم يجعل.
(6) الخصال/ 154، ذيل ح 192.
(7) الاحتجاج 1/ 79.
428
عليّ هم [أهل] (1) الشّقاق [و النفاق، و الحادون و] (2) هم العادون و إخوان الشّياطين الّذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
و في مجمع البيان (3): و روي عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّياطين يأتي (4) بعضهم بعضا، فيلقي إليه ما يغوي به الخلق حتّى يتعلّم بعضهم من بعض.
وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ: إيمانهم.
ما فَعَلُوهُ، أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء و إيحاء الزّخارف.
و يجوز أن يكون الضّمير للإيخاء، أو الزّخرف، أو الغرور.
و في كتاب الخصال (5)، مرفوعا إلى علي- (عليه السلام)- قال: الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض و فضائل و معاصي- إلى قوله (عليه السلام)-: و أمّا المعاصي فليست بأمر اللّه، و لكن بقضاء اللّه و بقدره (6) و بمشيئته و علمه، ثمّ يعاقب عليها.
فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (112): من كفرهم.
وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قيل (7): عطف على «غرورا» إن جعل علّة. أو متعلّق بمحذوف، أي: و ليكون ذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوا.
و الأظهر أنّ «اللام» لام العاقبة، أو لام القسم كسرت لمّا لم يؤكد الفعل بالنّون، أو لام الأمر.
و الصّغو: الميل. و الضّمير لماله الضّمير في «فعلوه».
وَ لِيَرْضَوْهُ: لأنفسهم.
وَ لِيَقْتَرِفُوا: و ليكتسبوا.
ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113): من الآثام.
____________
(1) من المصدر.
(2) من المصدر.
(3) مجمع البيان 2/ 352.
(4) المصدر و «ج»: يلقي.
(5) الخصال/ 168، ح 221 مسندا.
(6) المصدر: بقدر اللّه.
(7) أنوار التنزيل 1/ 327.
429
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً: على إرادة القول، أي: قل لهم يا محمّد: أ فغير اللّه أطلب من يحكم بيني و بينكم، و يفصل (1) و بينهم و نفصل المحقّ منّا من المبطل.
و «غير» مفعول «أبتغي»، و «حكما» حال منه و يحتمل عكسه. و «حكما» أبلغ من «حاكم»، و لذلك لا يوصف به غير العادل.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ: القرآن المعجز.
مُفَصَّلًا: مبيّنا فيه الحقّ و الباطل، بحيث ينفي التّخليط و الالتباس.
و فيه تنبيه على أنّ القرآن بإعجازه و تقريره مغن عن سائر الآيات.
وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ: تأكيد لدلالة الإعجاز على أنّ القرآن حقّ منزّل من عند اللّه- تعالى- يعلم أهل الكتاب به لتصديقه ما عندهم، مع أنّه- (عليه السلام)- لم يمارس كتبهم و لم يخالط علماءهم. و إنّما وصف جميعهم بالعلم، لأنّ أكثرهم يعلمونه. و من لم يعلم، فهو متمكّن منه بأدنى تأمّل.
و قيل (2): المراد، مؤمنو أهل الكتاب.
و قرأ (3) ابن عامر و حفص [عن عاصم] (4): «منزّل» بالتشديد (5).
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114): في أنّهم يعلمون ذلك. أو في أنّه منزّل بجحود أكثرهم و كفرهم به. فيكون من باب التّهييج، كقوله: وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، و من قبيل: إيّاك أعني و اسمعي يا جارة. أو خطاب الرّسول كخطاب الأمّة.
و قيل (6): الخطاب لكلّ أحد، على معنى: أنّ الأدلّة لمّا تعاضدت على صحّته، فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه.
وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ: بلغت الغاية أخباره و أحكامه و مواعيده.
____________
(1) كذا في «ج» و «ر»، و في سائر النسخ: و بينهم و نفصل.
(2) أنوار التنزيل 1/ 328.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) من المصدر.
(5) لا يخفى أنّ منزّل بالتشديد يوجد في متن القرآن و على هذا فلا داعي لذكره.
(6) أنوار التنزيل 1/ 328.
430
صِدْقاً: في الأخبار و المواعيد.
وَ عَدْلًا: في الأقضية و الأحكام. و نصبهما يحتمل التّمييز و الحال و المفعول له.
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: لا أحد يبدّل شيئا منها بما هو أصدق أو أعدل، و لا أحد يقدر أن يحرّفها تحريفا شائعا ذائعا، كما فعل بالتّوراة. على أنّ المراد بها القرآن، فيكون ضمانا من اللّه بالحفظ، كقوله: وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. أو لا نبيّ و لا كتاب بعدها ينسخها و يبدّل أحكامها.
و قرأ (1) الكوفيّون و يعقوب: «كلمة ربّك»، أي: ما تكلم به، أو القرآن.
وَ هُوَ السَّمِيعُ: لما يقولون.
الْعَلِيمُ (115): بما يضمرون، فلا يهملهم.
و في أصول الكافي (2): عليّ بن محمّد، عن عبد اللّه بن إسحاق العلوي، عن محمّد بن زيد الرّزامي (3)، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يذكر فيه- (عليه السلام)- مواليد الأئمة و مبدأ النّطفة الّتي يكونون منها و أحوالهم. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و (4) إنّ نطفة الإمام ممّا أخبرتك. و إذا سكنت النّطفة في الرّحم أربعة أشهر و أنشئ فيها الرّوح، بعث اللّه- تبارك و تعالى- ملكا يقال له: حيوان، فكتب على عضده الأيمن: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
محمّد بن يحيى (5)، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان (6) عن عبد اللّه بن القاسم، عن الحسن بن راشد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا أحبّ أن يخلق الإمام، أمر ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش فيسقيها أباه، فمن ذلك يخلق الإمام. فيمكث أربعين يوما و ليلة في بطن أمّه لا يسمع
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 328.
(2) الكافي 1/ 386، ضمن ح 1.
(3) كما في جامع الرواة 2/ 115، و في «ر»: الرزاحي.
(4) ليس في المصدر.
(5) الكافي 1/ 387 ح 2.
(6) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 277، و في النسخ: سعد.
431
الصّوت، ثمّ يسمع بعد ذلك الكلام. فإذا ولد، بعث ذلك الملك فيكتب بين عينيه:
وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فإذا مضى الإمام الّذي كان قبله، رفع لهذا منار من نور ينظر به إلى أعمال الخلائق. فبهذا يحتجّ اللّه على خلقه.
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن منصور بن يونس، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إن اللّه- عزّ و جلّ- إذا أراد أن يخلق الإمام من الإمام بعث ملكا، فأخذ شربة ماء من تحت العرش ثمّ أوقعها (2) أو دفعها إلى الإمام فشربها. فتمكث (3) في الرّحم أربعين يوما لا يسمع الكلام، ثمّ يسمع الكلام بعد ذلك. فإذا وضعته أمّه، بعث [اللّه] (4) إليه ذلك الملك الّذي أخذ الشّربة فكتب على عضده الأيمن: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فإذا قام بهذا الأمر، رفع اللّه [له] (5) في كلّ بلدة منارا ينظر به إلى العباد.
عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن الرّبيع بن محمّد المسلمي (7)، عن محمّد بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ الإمام يسمع (8) في بطن أمّه. فإذا ولد، خطّ بين كتفيه وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فإذا صار الأمر إليه، جعل اللّه له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كلّ بلدة.
و يمكن حمل الأخبار على تعدّد الكتب، و على عدم التّعيّن بوقت و موضع.
و في روضة الكافي (9): عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، عن
____________
(1) الكافي 1/ 387، ح 3.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: أوقفها.
(3) المصدر: فيمكث.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
(6) كما في المصدر و «ج»، و جامع الرواة 1/ 317،
(7) و في سائر النسخ: المسلمي.
(8) المصدر: ليسمع.
(9) الكافي 8/ 205- 206 ح 249.
432
أبيه، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن مروان قال: تلا (1) أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:
«و تمّت كلمة ربّك الحسنى صدقا و عدلا».
فقلت: جعلت فداك، إنا نقرأها: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا.
فقال: إنّ فيها «الحسنى».
وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ، أي: أكثر النّاس. يريد الكفّار، أو الجهال، أو أتباع الهوى.
و قيل (2): الأرض، مكّة.
يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: عن الطّريق الموصل إليه. لأنّ الضّالّ في غالب الأمر لا يأمر إلّا بما فيه ضلال.
و في أصول الكافي (3): [أبو عبد اللّه الاشعري عن] (4) بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال [لي] (5) موسى بن جعفر أبو الحسن- (عليه السلام)-: يا هشام، ثمّ ذمّ الكثرة فقال: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ: و هو ظنّهم أنّ آباءهم كانوا على الحقّ، أو جهالاتهم و آراؤهم الفاسدة. فإنّ الظّنّ يطلق على ما يقابل العلم.
وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116): يكذبون على اللّه فيما ينسبون إليه، كاتّخاذ الولد، و جعل عبادة الأوثان وسيلة إليه، و تحليل الميتة، و تحريم البحائر. أو يقدّرون أنّهم على شيء، و حقيقته ما يقال عن ظنّ و تخمين.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)، أي:
أعلم بالفريقين.
و «من» موصولة، أو موصوفة، في محلّ النّصب بفعل دلّ عليه «أعلم» لا به. فإنّ «أفعل» لا ينصب الظّاهر في مثل ذلك. أو استفهامية مرفوعة بالابتداء، و الخبر يضلّ.
____________
(1) كذا في المصدر و «ج»، و في سائر النسخ: قال.
(2) أنوار التنزيل 1/ 328.
(3) الكافي 1/ 15.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
433
و الجملة معلّق عنها الفعل المقدّر.
و قرئ (1): «من يضلّه»، أي: يضلّه اللّه. فيكون «من» منصوبة- أيضا- بالفعل المقدّر، أو مجرورة بإضافة «أعلم» إليه، أي: اعلم المضلّين. من قوله: «من يضلل اللّه».
أو من أضللته: إذا وجدته ضالّا. و التّفضيل في العلم بكثرته و إحاطته بالوجوه الّتي يمكن تعلّق العلم بها و لزومه، و كونه بالذّات لا بالغير.
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: مسبّب عن إنكار اتّباع المضلّين الّذين يحرّمون الحلال (2) و يحلّون الحرام.
و المعنى: كلوا ممّا ذكر اسم اللّه على ذبحه، لا ممّا ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه.
إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118): فإنّ الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحلّ اللّه و اجتناب ما حرّمه.
وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: و أيّ غرض لكم في أن تتحرّجوا عن أكله، و ما يمنعكم عنه؟
وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: ممّا لم يحرم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ.
و قرأ (3) ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر: «فصّل» على البناء للمفعول، و نافع و يعقوب و حفص: على البناء للفاعل.
إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ: ممّا حرّم عليكم. فإنّه- أيضا- حلال حال الضّرورة.
وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ: بتحليل الحرام و تحريم الحلال.
و قرأه (4) الكوفيّون، بضمّ الياء. و الباقون، بالفتح.
بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ: بتشهّيهم من غير تعلّق بدليل يفيد العلم.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119): المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، و الحلال إلى الحرام.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 328.
(2) يوجد في «ج».
(3) أنوار التنزيل 1/ 328.
(4) أنوار التنزيل 1/ 329.
434
وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ: ما يعلن و ما يسرّ. أو ما بالجوارح و ما بالقلب.
و قيل (1): الزّنا في الحوانيت، و اتخاذ الأخدان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: الظّاهر من الإثم، المعاصي. و الباطن، الشّرك و الشّك في القلب.
و في روضة الكافي (3)، رسالة طويلة لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. يقول- (عليه السلام)- فيها: و اعلموا أنّ اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين، إلّا ذكره بخير. فأعطوا اللّه (4) من أنفسكم الاجتهاد في طاعته. فإنّ اللّه لا يدرك شيء من الخير عنده، إلّا بطاعته و اجتناب محارمه الّتي حرّم اللّه في ظاهر القرآن و باطنه. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال في كتابه و قوله الحقّ: وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120): يكسبون.
وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
في من لا يحضره الفقيه (5): روى أبو بكر الحضرميّ، عن الورد (6) بن زيد قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: حدّثني حديثا و أمله عليّ حتّى أكتبه.
قال (7): أين حفظكم، يا أهل الكوفة؟
قلت: حتّى لا يردّه عليّ أحد. ما تقول في مجوسي قال: بسم اللّه و ذبح؟
فقال: كل.
فقلت: مسلم ذبح و لم يسمّ؟
فقال: لا تأكل. إنّ اللّه يقول: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. و يقول:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 329.
(2) تفسير القمي 1/ 215.
(3) الكافي 8/ 7.
(4) كذا في المصدر، «ج» و «ر»، و في سائر النسخ:
للّه.
(5) الفقيه 3/ 210 ح 973.
(6) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 299، و في النسخ: المورد.
(7) المصدر: فقال.
435
وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قال: [من ذبائح] (2) اليهود و النّصارى، و ما يذبح على [غير] (3) الإسلام.
و فيه (4)- أيضا-: و قوله: وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ.
قال: طعامهم هاهنا الحبوب و الفاكهة، غير الذّبائح التي يذبحونها. فإنّهم لا يذكرون اسم اللّه [عليها خالصا] (5) على ذبائحهم.
و في الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه] (7) عن حنان بن سدير قال: دخلنا على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنا و أبي فقلنا له: فديناك (8): إنّ لنا خلطاء من النّصارى، و إنا نأتيهم فيذبحون [لنا] (9) الدّجاج و الفراخ و الجداء. [أ] (10) فنأكلها؟
قال: فقال: لا (11) تأكلوها و لا تقربوها. فإنّهم يقولون على ذبائحهم ما لا أحبّ لكم أكلها.
قال: فلمّا قدمنا (12) الكوفة دعانا بعضهم، فأبينا أن نذهب.
فقال: ما بالكم كنتم تأتونا ثمّ تركتموه اليوم؟
قال: فقلنا: إنّ عالما لنا- (عليه السلام)- نهانا، و زعم أنّكم تقولون على ذبائحكم شيئا (13) لا يحبّ لنا أكلها.
فقال: من هذا العالم؟ هذا و اللّه أعلم النّاس و أعلم من خلق اللّه، صدق و اللّه،
____________
(1) تفسير القمي 1/ 163.
(2) كذا في المصدر، و النسخ: ذابح.
(3) من المصدر.
(4) تفسير القمّي 1/ 163.
(5) ليس في المصدر.
(6) الكافي 6/ 241، ح 15.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: جعلنا اللّه فداك.
(9) من المصدر.
(10) من المصدر.
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: فلا.
(12) كذا في المصدر، و في النسخ: قدمت.
(13) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
436
إنّا لنقول باسم المسيح- (عليه السلام)-.
و في تهذيب الأحكام (1): الحسين بن سعيد، عن فضال (2)، عن أبي المغرا، عن سماعة، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- قال: سألته عن ذبيحة اليهوديّ و النّصرانيّ.
فقال: لا تقربها (3).
عنه، (4) عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا عنده.
فقال: الغنم نرسل معها اليهوديّ و النّصرانيّ، فتعرض فيها العارضة، فتذبح (5).
أ نأكل ذبيحته؟
فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا تدخل ثمنها مالك، و لا تأكل. فإنّما هو الاسم، و لا يؤمن عليها إلّا المسلم.
فقال له الرّجل: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ.
فقال: كان أبي- (عليه السلام)- يقول: إنما هو الحبوب و أشباهها.
محمّد بن أحمد بن يحيى (6)، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن بشير، عن أبي عقيلة (7) الحسن بن أيّوب، عن داود بن كثير الرّقيّ، عن بشير (8) بن أبي غيلان (9) الشّيبانيّ قال:
سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن ذبائح اليهود و النّصارى [و النصاب] (10).
____________
(1) التهذيب 9/ 63، ح 266.
(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 2، و في النسخ: فضال.
(3) المصدر: قال لا تقربنها.
(4) التهذيب 9/ 64، ح 270.
(5) المصدر: فيذبح.
(6) التهذيب 9/ 70- 71 ح 299.
(7) بعض نسخ الاستبصار موافق المتن، و لكن في المصدر: «أبي عقيلة»، و في جامع الرواة 1/ 190:
«عفيلة»، و في بعض نسخ الاستبصار: «عقيل».
(8) المصدر و جامع الرّواة 1/ 121 بشر.
(9) كذا في المصدر و جامع الرّواة 1/ 121 و في النسخ: عقيلان.
(10) من المصدر.
437
قال: فلوى شدقه، و قال: كلها إلى يوم ما.
الحسن بن محبوب (1)، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم قال: سألته عن رجل ذبح فسبّح أو كبر أو هلّل أو حمّد اللّه.
فقال (2) هذا كلّه من أسماء اللّه، و لا بأس به.
و في مجمع البيان (3): وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. و قيل: يحلّ أكلها، إذا ترك التّسمية ناسيا بعد أن يكون معتقدا لوجوبها. و يحرم أكلها، إذا تركها متعمّدا.
عن أبي حنيفة و أصحابه، و هو المرويّ عن ائمّتنا- (عليهم السلام)-.
وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ: فإنّ الفسق ما أهلّ لغير اللّه به.
و الضّمير «لما». و يجوز أن يكون للأكل الّذي دلّ عليه «لا تأكلوا».
وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ: ليوسوسون.
إِلى أَوْلِيائِهِمْ: من الكفّار.
لِيُجادِلُوكُمْ: بقولهم، تأكلون ما قتلتم أنتم و جوارحكم و تدعون ما قتله اللّه.
وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ: في استحلال ما حرّم.
إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121): فإنّ من ترك طاعة اللّه إلى طاعة غيره و اتّبعه في دينه، فقد أشرك. و إنّما حسن حذف الفاء فيه، لأنّ الشّرط بلفظ الماضي.
و في كتاب تلخيص الأقوال في تحقيق أحوال الرّجال، و في كشّي (4): محمّد بن مسعود قال: حدّثني عبد اللّه بن محمّد قال: حدّثني الوشّاء، عن عليّ بن عقبة، عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، [كنت] (5) أصلّي عند القبر و إذا رجل خلفي يقول: أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا (6).
____________
(1) التهذيب 9/ 59، ح 249.
(2) المصدر: قال.
(3) مجمع البيان 2/ 358.
(4) الكشي/ 345، ح 640.
(5) من المصدر.
(6) النساء: 88 بتقديم و تأخير.
438
قال: فالتفت إليه و قد تأوّل [عليّ] (1) هذه الآية و ما أدري من هو، و أنا أقول:
وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. فإذا هو هارون بن سعد (2).
قال: فضحك أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-. ثمّ قال: إذا (3) أصبت (4) الجواب قبل (5) الكلام بإذن اللّه.
حمدويه (6) قال: حدّثني (7) أيّوب قال: حدّثني صفوان، عن داود بن فرقد قال:
قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ رجلا خلفي حين صلّيت المغرب في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقال: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ (8). فعلمت أنّه يعنيني، فالتفت اليه فقلت: إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ. و ذكر مثله إلى آخر الحديث.
أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ: مثّل به من هداه اللّه- تعالى- و أنقذه من الضّلال، و جعل له نورا يحتجّ به و آيات يتأمّل بها في الأشياء، فيميّز بين الحقّ و الباطل و المحقّ و المبطل.
و قرأ (9) نافع و يعقوب: «ميّتا» على الأصل.
كَمَنْ مَثَلُهُ: صفته. و هو مبتدأ خبره فِي الظُّلُماتِ. و قوله: لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها: حال من المستكنّ في الظّرف، لا من الهاء في «مثله» للفصل. و هو مثل لمن بقي على الضّلالة لا يفارقها بحال.
كَذلِكَ، كما زيّن للمؤمنين إيمانهم.
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 306، و في النسخ: جعفر.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: و بدل إذا.
(4) في نسخة المصدر: أصيب الجواب قبل.
(5) المصدر: قل.
(6) الكشي/ 345- 346، ح 641.
(7) المصدر: حدّثنا.
(8) النساء: 88.
(9) أنوار التنزيل 1/ 329.
439
زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122).
قيل (1): الآية نزلت (2) في حمزة و أبي جهل.
و في مجمع البيان (3): عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّ الآية نزلت في عمّار بن ياسر [حين آمن] (4) و أبي جهل.
و في أصول الكافي (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن [محمد عن] (6) محمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن بريد قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول في هذه الآية: «ميتا» لا يعرف شيئا. و نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ إماما يؤتمّ به. كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها قال:] (7) الّذي لا يعرف الإمام.
و في تفسير العيّاشي (8)، مثله.
و فيه (9) عن بريد العجليّ (10) قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
قال: الميت، الّذي لا يعرف هذا الشّأن، يعني: هذا الأمر. وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً إماما يأتمّ به، يعني: عليّ بن أبي طالب. [قلت: فقوله] (11) كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها] (12) قال (13) بيده هكذا: هذا الخلق الّذين (14) لا يعرفون شيئا.
و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب (15): قال الصّادق- (عليه السلام)-: كان ميتا عنّا فأحييناه بنا.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 329.
(2) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(3) مجمع البيان 2/ 359.
(4) من المصدر.
(5) الكافي 1/ 185، ح 13.
(6) من المصدر.
(7) من المصدر.
(8) تفسير العياشي 1/ 375- 376، ح 89.
(9) يوجد في «ج» و «ر».
(10) تفسير العياشي 1/ 376، ح 90.
(11) من المصدر.
(12) من المصدر.
(13) المصدر: فقال.
(14) المصدر: الّذي.
(15) عنه تفسير الصافي 2/ 153، و نور الثقلين 1/ 764، ح 273.
440
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قال: جاهلا عن (2) الحقّ و الولاية، فهديناه إليها.
و جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ قال: النّور، الولاية. كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها، يعني: [في] (3) ولاية غير الأئمّة- (عليهم السلام)-.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد عن الحسين بن زيد (5)، عن الحسين بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي (6) إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. قال في حديث طويل: و قال اللّه- عزّ و جلّ-: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ. فالحيّ، المؤمن الّذي تخرج طينته من طينة الكافر. و الميّت الّذي يخرج من الحيّ [هو] (7) الكافر الّذي يخرج من طينة المؤمن.
فالحيّ، المؤمن، و الميّت، الكافر. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ. فكان موته اختلاط طينته مع طينة (8) الكافر. و كان حياته حين فرق اللّه- عزّ و جلّ- بينهما بكلمة (9). كذلك يخرج اللّه- عزّ و جلّ- المؤمن في الميلاد من الظّلمة بعد دخوله فيها إلى النّور، و يخرج الكافر من النّور إلى الظّلمة بعد دخوله الى (10) النّور. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (11).
وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها، أي: كما جعلنا في مكّة أكابر مجرميها ليمكروا فيها.
و «جعلنا» بمعنى: صيّرنا. و مفعولاه «أكابر مجرميها»، على تقديم المفعول الثّاني. أو «في كلّ قرية أكابر» «مجرميها» بدل. و يجوز أن يكون مضافا إليه.
و معنى «صيّرنا» خلّيناهم و شأنهم و لم نكفهم عن المكر.
و أفعل التّفضيل إذا أضيف، جاز فيه الإفراد و المطابقة. و لذلك قرئ: «أكبر
____________
(1) تفسير القمي 1/ 215- 216.
(2) بعض النسخ: من.
(3) من المصدر.
(4) الكافي 2/ 5- 6، ذيل ح 7.
(5) نسخة المصدر: يزيد.
(6) ليس في المصدر.
(7) من المصدر.
(8) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(9) هكذا في المصدر، و في النسخ: بكلمة.
(10) هكذا في المصدر، و في النسخ: في.
(11) يس: 70.
441
مجرميها».
و تخصيص الأكابر، لأنّهم أقوى على استتباع النّاس و المكر بهم.
وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ: لأنّ وباله يحيق بهم.
وَ ما يَشْعُرُونَ (123): ذلك.
وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا، أي: الأكابر.
لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ.
روي (1) أنّ أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشّرف حتّى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منّا نبيّ يوحى إليه. و اللّه (2) و لا نرضى به إلّا أن يأتينا وحي، كما يأتيه.
فنزلت.
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ: استئناف للرّدّ عليهم بأنّ النّبوّة ليست بالنّسب و لا بالمال، و إنّما هي بفضائل نفسانيّة يخصّ اللّه بها من يشاء من عباده، فيجتبي لرسالته من علم أنّه يصلح لها. و هو- تعالى- أعلم بالمكان الّذي فيه يضعها.
و قرأ (3) ابن كثير و حفص عن عاصم: «رسالته (4)».
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ: ذلّ و حقارة بعد كبرهم.
عِنْدَ اللَّهِ: يوم القيامة.
و قيل (5): تقديره: من عند اللّه.
وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124): بسبب مكرهم، أو جزاء على مكرهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): يعصون اللّه في السّرّ.
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ: يعرّفه طريق الحقّ، و يوفّقه للإيمان.
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ: فيتّسع له، و يتفسّح فيه مجاله. و هو كناية عن جعل
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 330.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: اللّه و، و ليس في «ج».
(3) أنوار التنزيل 1/ 330.
(4) لا يخفى انّ متن الآية في المصدر: رسالاته.
(5) أنوار التنزيل 1/ 330.
(6) تفسير القمّي 1/ 216.
442
النّفس قابلة للحقّ، مهيّأة لحلوله فيها، مصفّاة عمّا يمنعه و ينافيه.
و في مجمع البيان (1): و قد وردت الرّواية الصّحيحة، أنّه لمّا نزلت هذه الآية سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن شرح الصّدر، ما هو؟
فقال: نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن، فينشرح له [صدره] (2) و ينفسح.
فقالوا: هل (3) لذلك أمارة (4) يعرف بها؟
قال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود و التّجافي عن دار الغرور و الاستعداد للموت قبل نزوله (5).
و في كتاب الاحتجاج (6) للطبرسيّ: روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: ثمّ (7) إنّ اللّه- جلّ ذكره- لسعة رحمته و رأفته بخلفه و علمه بما يحدثه (8) المبدّلون من تغيير كلامه (9)، قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تمييزه ممّن شرح اللّه صدره للإسلام، [و قسما: لا يعرفه الّا اللّه، و أمناؤه، و الراسخون في العلم] (10).
وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً: بحيث ينبو عن قبول الحقّ، فلا يدخله الإيمان.
و قرأ (11) ابن كثير: «ضيقا» بالتّخفيف. و نافع و أبو بكر عن عاصم: «حرجا» بالكسر، أي: شديد الضّيق. و الباقون، بالفتح وصفا بالمصدر.
و في كتاب معاني الأخبار (12): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن
____________
(1) مجمع البيان 2/ 363.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: قالوا: فهل.
(4) المصدر: من أمارة.
(5) المصدر: نزول الموت.
(6) الاحتجاج 1/ 376.
(7) يوجد في المصدر، «ر».
(8) «ج» و «ر»: جرته.
(9) المصدر: كتابه.
(10) من المصدر.
(11) أنوار التنزيل 1/ 330.
(12) المعاني/ 145، ح 1، و نور الثقلين 1/ 765، ح 276 عن الخصال. و فيه: اللثام بدل الملتأم.
443
عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن عبد الخالق بن عبد ربّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً.
فقال: قد يكون ضيّقا و له منفذ يسمع منه و يبصر. و الحرج: هو الملتأم الّذي لا منفذ له، يسمع به (1) و لا يبصر منه.
و في تفسير العيّاشي (2): عنه- (عليه السلام)- أنّه قال لموسى بن أشيم (3): أ تدري ما الحرج؟
قال: قلت: لا.
فقال بيده و ضمّ أصابعه، كالشّيء المصمت (4)، الّذي لا يدخل فيه شيء و لا يخرج منه شيء.
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ: شبّهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه. فإنّ صعود السّماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة. و نبّه به على أنّ الإيمان يمتنع منه، كما يمتنع عليه الصّعود إلى السّماء.
و قيل (5): معناه: كأنّما يتصاعد الى (6) السّماء، نبوا به (7) عن الحقّ، و تباعدا في الهرب منه.
و أصل: «يصّعّد» يتصعّد، و قد قرئ به. و قرأ (8) ابن كثير: «يصعد». و أبو بكر عن عاصم: «يصاعد»، بمعنى: يتصاعد.
كَذلِكَ، أي: كما يضيق صدره و يبعد قلبه عن الحقّ.
يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125): يجعل العذاب و الخذلان عليهم. و وضع الظّاهر موضع المضمر، للتّعليل
____________
(1) المصدر: [به].
(2) تفسير العيّاشي 1/ 377 ذيل ح 95.
(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 271.
(4) المصمت: الذي لا جوف له.
(5) أنوار التنزيل 1/ 330.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: يصّعّد في.
(7) ليس في المصدر: به.
(8) أنوار التنزيل 1/ 330.
444
في تفسير العيّاشي (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: هو الشّكّ.
و في أصول الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: [قال] (3) إنّ القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحقّ. فإذا أصابه، اطمأنّ و قرّ. ثمّ تلا (4): فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ (الآية).
و في تفسير العيّاشي (5): عن أبي بصير، عن أبي جهينة (6) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ القلب ينقلب من [لدن] (7) موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحقّ. فإذا أصاب الحقّ، قرّ. [ثم ضمّ أصابعه] (8) ثمّ تلا (9) هذه الآية: [فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً] (10).
و في أصول الكافي (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: [قال] (12) إنّ اللّه- عزّ و جلّ- إذا أراد بعبد خيرا، نكت في قلبه نكتة من نور فأضاء لها [سمعه و] (13) قلبه، حتّى يكون أحرص على ما في أيديكم [منكم] (14). و إذا أراد بعبد سوءا، نكت في قلبه نكتة سوداء و أظلم لها سمعه و قلبه. ثمّ تلا: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ (الآية).
و في كتاب التّوحيد (15). حدّثني أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم
____________
(1) تفسير العيّاشي 1/ 377، ح 96.
(2) الكافي 2/ 421، ح 5.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: تلا أبو عبد اللّه هذه الآية.
(5) تفسير العيّاشي 1/ 377 ح 95.
(6) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 383، و في النسخ: أبي جهينة.
(7) من المصدر.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: قرأ.
(10) من المصدر.
(11) الكافي 2/ 214، ح 6.
(12) من المصدر.
(13) من المصدر.
(14) من المصدر.
(15) التوحيد/ 415 ح 14.
445
بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن حمران، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا أراد بعبد خيرا، نكت في قلبه نكتة من نور و فتح مسامع قلبه و وكّل به ملكا يسدّده. و إذا أراد بعبد سوء، نكت في قلبه نكتة سوداء و سدّ مسامع قلبه و وكّل به شيطانا يضلّه. ثمّ تلا هذه الآية [فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ] (1).
و في روضة الكافي (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل: و اعلموا أن اللّه إذا أراد بعبد خيرا، يشرح (3) صدره للإسلام (4) فإذا (5) أعطاه ذلك، نطق (6) لسانه بالحقّ و عقد قلبه عليه فعمل (7) به. فإذا جمع اللّه له ذلك تمّ إسلامه، و كان عند اللّه إن مات على تلك الحال من المسلمين حقّا. و إذا لم يرد اللّه بعبد خيرا، وكلّه إلى نفسه فكان صدره ضيّقا حرجا. فإن جرى على لسانه حقّ، لم يعقد قلبه عليه. و إذا لم يعقد قلبه عليه، لم يعطه اللّه العمل به. فإذا اجتمع ذلك عليه حتّى يموت و هو على تلك الحال، و (8) كان عند اللّه من المنافقين. و صار ما جرى على لسانه من الحقّ الّذي لم يعطه اللّه، أن يعقد قلبه عليه و لم يعطه العمل به حجّة عليه. فاتّقوا اللّه و اسألوه (9) أن يشرح صدوركم للإسلام، و أن يجعل ألسنتكم تنطق بالحقّ (10) بالحكمة حتّى يتوفّاكم و أنتم على ذلك.
و في عيون الأخبار (11)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في التّوحيد:
حدّثنا عبد الواحد (12) بن محمّد بن عبدوس العطّار- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا عليّ [بن
____________
(1) من المصدر.
(2) الكافي 8/ 13- 14، ضمن ح 1.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: يشرح.
(4) يوجد في المصدر و «ج».
(5) بعض النسخ: و إذا.
(6) المصدر: أنطق.
(7) كذا في المصدر: و في النسخ: و يحمل.
(8) ليس في المصدر.
(9) المصدر: سلوه.
(10) كذا في المصدر، و في «ج»: للحكمة، و في سائر النسخ: بالحكمة.
(11) العيون 1/ 131، ح 27.
(12) كذا في المصدر، و في النسخ: أبو أحمد.
446
محمّد] (1) بن قتيبة النّيشابوريّ [عن حمدان بن سليمان بن النيسابوري] (2) قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
فقال: من يرد اللّه أن يهديه بإيمانه في الدّنيا و (3) إلى جنّته و إلى (4) دار كرامته في الآخرة، يشرح صدره للتّسليم (5) للّه و الثّقة به و السّكون إلى ما وعده من ثوابه حتّى يطمأنّ إليه. و من يرد أن يضلّه عن جنّته و دار كرامته في الآخرة لكفره به و عصيانه له في الدّنيا، يجعل صدره ضيّقا حرجا حتّى يشكّ في كفره و يضطرب من (6) اعتقاد (7) قلبه حتّى يصير، كأنّما يصّعّد في السّماء كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.
وَ هذا: إشارة إلى البيان الّذي جاء به القرآن، أو إلى الإسلام، أو إلى ما سبق من التّوفيق و الخذلان.
صِراطُ رَبِّكَ: الطّريق الّذي ارتضاه، أو عادته. أو طريقه الّذي اقتضته حكمته.
مُسْتَقِيماً: لا عوج فيه، أو عادلا مطّردا. و هو حال مؤكّدة، كقوله- تعالى-:
وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً. أو مقيّدة، و العامل فيها معنى الإشارة.
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126): فيعلمون أنّ القادر هو اللّه- تعالى-، و أنّ كلّ ما يحدث من خير أو شرّ بقضائه و خلقه، و أنّه- تعالى- عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم.
لَهُمْ دارُ السَّلامِ: دار اللّه. أضاف الجنّة إلى نفسه، تعظيما لها. أو دار السّلامة من المكاره. أو دار تحيّتهم فيها سلام.
عِنْدَ رَبِّهِمْ: في ضمانه، أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره.
وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ: مولاهم، أو ناصرهم.
____________
(1) من المصدر.
(2) من المصدر.
(3) ليس في المصدر.
(4) ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: بالتسليم.
(6) بعض النسخ: عن.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: اعتقاده.
447
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127): بسبب أعمالهم. أو متولّيهم بجزائها، فيتولّى إيصاله إليهم.
وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً: نصب بإضمار «اذكر»، أو «نقول». و الضّمير لمن يحشر من الثّقلين.
و قرأ (1) حفص عن عاصم و روح عن يعقوب، بالياء.
يا مَعْشَرَ الْجِنِ، يعني: الشّياطين.
قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، أي: من إغوائهم و إضلالهم. أو منهم، بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم، كقولهم: استكثر الأمير من الجنود.
وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ: الّذين أطاعوهم.
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع (2) الإنس بالجنّ بأن دلّوهم على الشّهوات و ما يتوصّل به إليها، و الجنّ بالإنس بأن أطاعوهم (3) و حصّلوا مرادهم.
و قيل (4): استمتاع الإنس بهم، أنّهم كانوا يعوذون بهم (5) في المفاوز [و] (6) عند المخاوف. و استمتاعهم بالإنس اعترافهم، بأنّهم يقدرون على إجارتهم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): في هذه الآية قال: كلّ من والى قوما، فهو منهم و إن لم يكن من جنسهم.
وَ بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا، أي: البعث. و هو اعتراف بما فعلوا من إطاعة الشّيطان و اتّباع الهوى و تكذيب البعث، و تحسّر على حالهم.
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ: منزلكم، أو ذات مثواكم.
خالِدِينَ فِيها: حال. و العامل فيها «مثواكم» إن جعل مصدرا، و معنى الإضافة إن جعل مكانا.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 331.
(2) «ب»: اشفع.
(3) كذا في أنوار التنزيل 1/ 331، و في النسخ: أطاعوه.
(4) أنوار التنزيل 1/ 331.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: إليهم.
(6) من المصدر.
(7) تفسير القمّي 1/ 216.
448
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.
قيل (1): إلّا الأوقات الّتي ينقلون فيها من النّار إلى الزّمهرير.
و قيل (2): إلّا ما شاء اللّه قبل الدّخول، كأنّه قيل (3): النّار مثواكم أبدا إلّا ما أمهلكم.
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ: في أفعاله.
عَلِيمٌ (128): بأفعال الثّقلين و أحوالهم.
وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً: نكل (4) بعضهم إلى بعض. أو نجعل بعضهم يتولّى بعضا، فيغويهم. أو أولياء بعض و قرناءهم في العذاب، كما كانوا في الدّنيا. كذا في تفسير عليّ بن إبراهيم (5).
و في أصول الكافي (6)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
قال: ما انتصر اللّه من ظالم إلّا بظالم. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً.
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129): من الكفر و المعاصي.
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ الرّسل من الإنس خاصّة، لكن لما جمعوا مع الجنّ في الخطاب صحّ ذلك. و نظيره:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ. و المرجان يخرج من الملح دون العذب. و تعلّق بظاهره قوم و قالوا: بعث إلى كلّ من الثّقلين رسل من جنسهم.
و قيل (7): الرّسل من الجنّ، رسل الرّسل إليهم بقوله- تعالى-: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 331.
2 و 3- نفس المصدر، و الموضع.
(4) كذا في «ج» و «ر»، و في سائر النسخ: وكّل.
(5) لا يوجد شيء ممّا ذكر في تفسير القمي 1/ 216، و الموجود هكذا: قال نولي كل من تولّى أولياءهم فيكونون معهم يوم القيمة.
(6) الكافي 2/ 334، ح 19.
(7) أنوار التنزيل 1/ 331.
449
و في كتاب العيون (1)، في خبر الشّاميّ: أنّه سأل أمير المؤمنين، هل بعث اللّه- تعالى- نبيّا إلى الجنّ؟
فقال: نعم، بعث إليهم نبيّا يقال له: يوسف. فدعاهم إلى اللّه- عزّ و جلّ-، فقتلوه.
و عن الباقر (2)- (عليه السلام)- في حديث: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أرسل محمّدا إلى الجنّ و الإنس.
و في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: هو الّذي أسكن الدّنيا خلقه. و بعث إلى الجنّ و الإنس رسله، ليكشفوا لهم عن (4) غطائها، و ليحذروهم من (5) ضرّائها، و ليضربوا لهم أمثالها، و ليبصّروهم عيوبها، و لينهجوا (6) عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها (7) و أسقامها و حلالها و حرامها (8) و ما أعدّ اللّه- سبحانه- للمطيعين منهم و العصاة من [جنّة و نار و كرامة] (9) و هوان.
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا: يوم القيامة.
قالُوا: جوابا.
شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا: بالجرم و العصيان. و هو اعتراف منهم بالكفر و استيجاب العذاب.
وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130):
ذمّ لهم على سوء نظرهم و خطأ رأيهم. فإنّهم اغترّوا بالحياة الدّنياويّة و اللّذات المخدجة (10)،
____________
(1) العيون 1/ 242.
(2) العيون 1/ 56، صدر ح 21. و من هنا لا يوجد في نسخة «ج» إلى موضع سيأتي.
(3) نهج البلاغة/ 265، صدر خطبة 183.
(4) بعض النسخ: من.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: و ليحذروا عن.
(6) المصدر: ليهجموا.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: مصاحبها و المصاحّ- جمع مصحّة-: بمعنى الصّحّة و العافية.
(8) كذا في المصدر، و «ر»: صرفها، و في سائر النسخ: نصرفها.
(9) لذا في المصدر، و في النسخ: جنّته و مكرمته بدل ما بين المعقوفتين.
(10) المخدجة: الناقصة.
450
و أعرضوا عن الآخرة بالكلّيّة حتّى كان عاقبة أمرهم أن اضطرّوا إلى الشّهادة على أنفسهم بالكفر و الاستسلام للعذاب، تحذيرا للسّامعين من مثل حالهم.
ذلِكَ: إشارة إلى إرسال الرّسل. و هو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك.
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ (131): تعليل للحكم.
و «أن» مصدريّة، أو مخفّفة من الثقيلة (1)، أي: الأمر ذلك، لانتفاء كون ربّك أو لأنّ الشّأن لم يكن ربّك مهلك القرى بسبب ظلم فعلوه. أو ملتبسين (2) بظلم. أو ظالما و هم غافلون لم ينبّهوا برسول. أو بدل من «ذلك».
وَ لِكُلٍ: من المكلّفين.
دَرَجاتٌ: مراتب.
مِمَّا عَمِلُوا: من أعمالهم، أو من جزائها، أو من أجلها.
وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132): فيخفى عليه عمل، أو قدر ما يستحقّ به من ثواب أو عقاب.
و قرأ (3) ابن عامر، بالتّاء، على تغليب الخطاب على الغيبة.
وَ رَبُّكَ الْغَنِيُ: عن العبادة.
ذُو الرَّحْمَةِ: يترحّم عليهم بالتكلّيف، تكميلا لهم و يمهلهم على المعاصي.
و فيه تنبيه على، أنّ ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحّمه على العباد، و تأسيس لما بعده و هو قوله- تعالى-: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، أي: ما به إليكم حاجتي (4). «إن يشأ يذهبكم»، أيها (5) العصاة.
وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ: من الخلق.
كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)، أي: قرنا بعد قرن. لكنّه
____________
(1) كذا في «ر»، و سائر النسخ: المثقّلة.
(2) «ر»: متلبّسين.
(3) أنوار التنزيل 1/ 332.
(4) أنوار التنزيل 1/ 332: حاجة.
(5) كذا في أنوار التنزيل 1/ 332، و الصافي 2/ 59، و في النسخ: أي.
451
أبقاكم ترحّما عليكم.
إِنَّ ما تُوعَدُونَ: من البعث و أحواله.
لَآتٍ: لكائن لا محالة.
وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134): طالبكم به.
و قيل (1): بخارجين من (2) ملكه.
يقال: أعجزني كذا، أي: فاتني و سبقني.
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: في غاية تمكّنكم و استطاعتكم. يقال:
مكن مكانة: إذا تمكّن أبلغ التّمكّن. أو على ناحيتكم وجهتكم الّتي أنتم عليها. من قولهم: مكان و مكانة، لمقام و مقامة.
و قرأ (3) أبو بكر عن عاصم: «مكاناتكم» بالجمع في كلّ القرآن، و هو أمر تهديد.
و المعنى: اثبتوا على كفركم و عداوتكم.
إِنِّي عامِلٌ: على ما كنت عليه من المصابرة و الثّبات على الإسلام.
و التّهديد بصيغة (4) الأمر، مبالغة في الوعيد كأنّ المهدّد يريد تعذيبه مجمعا عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي إليه، و تسجيل بأنّ المهدّد لا يتأتّى منه إلّا الشّرّ، كالمأمور به الّذي لا يقدر أن يتفصّى (5) عنه.
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ.
إن جعل «من» استفهاميّة بمعنى: أيّنا تكون له العاقبة الحسنى الّتي خلق اللّه لها هذه الدّار، فمحلّها الرّفع، و فعل العلم معلّق عنه. و إن جعلت خبريّة، فالنّصب «بتعلمون»، أي: فسوف تعرفون الّذي يكون له العاقبة.
و فيه مع الإنذار، إنصاف في المقال و حسن الأدب، و تنبيه على وثوق المنذر بأنّه محقّ.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 369 و فيه: يقال.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: عن.
(3) أنوار التنزيل 1/ 332.
(4) كذا في «ر»، و في سائر النسخ: بصفة.
(5) تفصّى من الشيء و عنه: تخلّص منه.
452
و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ: «يكون» بالياء. لأنّ تأنيث العاقبة غير حقيقيّ.
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135): وضع الظّالمين موضع الكافرين، لأنّه أعمّ و أكثر فائدة.
وَ جَعَلُوا، أي: مشركو العرب.
لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ: خلق اللّه.
مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ: من غير أن يؤمروا به.
وَ هذا لِشُرَكائِنا: أصنامهم الّتي أشركوها في أموالهم.
فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ.
و في قوله: «بزعمهم» تنبيه على أنّ ذلك ممّا اخترعوه، لم يأمرهم اللّه به.
و قرأ (2) الكسائيّ، بالضّمّ، في الموضعين. و هو لغة فيه. و قد جاء فيه الكسر- أيضا-.
ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136): حكمهم هذا.
روي (3): أنّهم كانوا يعيّنون شيئا من حرث و نتاج للّه و يصرفونه إلى الضّيفان و المساكين، و شيئا منهما لآلهتهم و ينفقونه (4) على سدنتها و يذبحون عندها. ثمّ إن رأوا ما عيّنوا للّه أزكى، بدّلوه بما لآلهتهم. و إن رأوا ما لآلهتهم أزكى، تركوه لها حبّا لآلهتهم.
و اعتلّوا لذلك، بأنّ اللّه غنيّ.
و في مجمع البيان (5): عن أئمّتنا- (عليهم السلام)-: [إنّه] (6) كان إذا (7) اختلط ما جعل للأصنام بما جعل للّه، ردّوه. و إذا اختلط ما جعل للّه بما جعلوه (8) للأصنام، تركوه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 332.
(2) أنوار التنزيل 1/ 333.
(3) أنوار التنزيل 1/ 333.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: ينفقون.
(5) مجمع البيان 2/ 370.
(6) من المصدر.
(7) إلى هنا لا يوجد في «ج».
(8) المصدر: جعل.
453
و قالوا: اللّه غنيّ (1). و إذا انخرق (2) الماء من الّذي للّه في الّذي للأصنام، لم يسدّوه. و إذا انخرق (3) من الّذي للأصنام في الّذي للّه، سدّوه و قالوا: اللّه غنيّ (4).
قيل (5): و في قوله: «ممّا ذرأ» تنبيه على فرط جهالتهم. فإنّهم أشركوا الخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء، ثمّ رجّحوه عليه بأن جعلوا الزّاكي له.
وَ كَذلِكَ، مثل ذلك التّزيين في قسمة القربات.
زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ: بالوأد، خيفة العيلة أو العار. أو نحرهم لآلهتهم.
شُرَكاؤُهُمْ: من الجنّ، أو من السّدنة. و هو فاعل «زيّن».
و قرأ (6) ابن عامر: «زيّن» على البناء للمفعول الّذي هو القتل، و نصب الأولاد، و جرّ الشّركاء بإضافة القتل إليه مفصولا بينهما بمفعوله. و هو ضعيف في العربيّة، معدود من ضرورات الشّعر.
و قرئ (7)، بالبناء للمفعول، و جرّ «أولادهم» و رفع «شركاؤهم» بإضمار فعل دلّ عليه «زيّن».
لِيُرْدُوهُمْ: ليهلكوهم بالإغواء.
وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ: و ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل- (عليه السلام)-. أو ما وجب عليهم أن يتديّنوا به.
و «الّلام» للتعلّيل إن كان التّزيين من الشّياطين، و للعاقبة إن كان من السّدنة.
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ: ما فعل المشركون ما زيّن لهم، أو الشّركاء التّزيين، أو الفريقان جميع ذلك.
فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (137): افتراءهم. أو ما يفترونه من الإفك.
____________
(1) المصدر: أغنى.
(2) المصدر: تخرّق.
(3) المصدر: تخرّق.
(4) المصدر: أغنى.
(5) أنوار التنزيل 1/ 333.
(6) أنوار التنزيل 1/ 333.
(7) نفس المصدر، و الموضع.
454
وَ قالُوا هذِهِ: إشارة إلى ما جعل لآلهتهم.
أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ: حرام. فعل بمعنى: مفعول، كالذّبح يستوي فيه الواحد و الكثير و الذّكر و الأنثى.
و قرئ (1): «حجر» بالضّمّ. و حرج، أي: مضيق.
لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ: من خدم الأوثان و الرّجال دون النّساء.
بِزَعْمِهِمْ: من غير حجّة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: كانوا يحرمون على قوم.
وَ أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها، يعني: البحائر و السّوائب و الحوامي.
وَ أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا: في الذّبح. و إنّما يذكرون أسماء الأصنام عليها.
و قيل (3): لا يحجّون على ظهورها.
افْتِراءً عَلَيْهِ: نصب على المصدر، لأنّ ما قالوا تقوّل على اللّه- تعالى-. و الجارّ متعلّق «بقالوا»، أو بمحذوف هو صفة له.
أو على الحال، أو المفعول له. و الجار متعلّق به، أو بالمحذوف.
سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138): بسببه أو بدله.
وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ، يعنون: أجنّة البحائر و السّوائب.
خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا: حلال للذّكور خاصّة دون الإناث إن ولد حيًّا، لقوله: وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ: فالذّكور و الإناث فيه سواء.
و تأنيث «الخالصة» للمعنى، فإنّ «ما» في معنى: الأجنّة. و لذلك وافق عاصم في رواية أبي بكر ابن عامر في «تكن» بالتّاء، و خالفه هو و ابن كثير في «ميتة» فنصب كغيرهم. أو التّاء فيه للمبالغة، كما في رواية الشّعر. و هو مصدر، كالعافية وقع موقع الخالص.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 333.
(2) تفسير القمّي 1/ 217.
(3) أنوار التنزيل 1/ 333.
455
و قرئ (1)، بالنّصب، على أنّه مصدر مؤكّد و الخبر «لذكورنا». أو حال من الضّمير الّذي هو في الظّرف، لا من الّذي في «ذكورنا»، و لا من الذّكور. لأنّها لا تتقدّم على العامل المعنويّ و لا على صاحبها المجرور.
و قرئ (2): «خالص» بالرّفع و النّصب. و «خالصة» بالرّفع و الإضافة إلى الضّمير، على أنّه بدل من «ما»، أو مبتدأ ثان. و المراد به ما كان حيّا. و التّذكير في «فيه»، لأنّ المراد بالميتة ما يعمّ الذكور و الأنثى، فغلّب الذّكر.
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ، أي: جزّاء وصفهم الكذب على اللّه- تعالى- في التّحريم و التّحليل. من قوله- تعالى-: وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ.
إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً: يريد بهم العرب الّذين كانوا يقتلون بناتهم، مخافة السّبي و الفقر.
و قرأ (3) ابن كثير و ابن عامر: «قتّلوا» بالتّشديد، بمعنى: التّكثير.
بِغَيْرِ عِلْمٍ: لخفّة عقلهم، و جهلهم بأنّ اللّه رازق أولادهم.
و يجوز نصبه على الحال، أو المصدر.
وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ: من البحائر و السّبائب و نحوها.
افْتِراءً عَلَى اللَّهِ: يحتمل الوجوه المذكورة في مثله.
قَدْ ضَلُّوا وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (140): إلى الحقّ و الصّواب.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ: من الكروم. مَعْرُوشاتٍ: مرفوعات على ما يحملها.
وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ: ملقيات على وجه الأرض.
و قيل (4): «المعروشات» ما غرسه النّاس فعرشوه. «و غير معروشات» ما نبت في البراري و الجبال.
وَ النَّخْلَ.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 334.
(2) أنوار التنزيل 1/ 334.
(3) أنوار التنزيل 1/ 334.
(4) أنوار التنزيل 1/ 334.
456
في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا خلق آدم من طينة، فضل (2) من تلك الطّينة فضل (3) فخلق اللّه منها النّخلة. فمن أجل ذلك إذا قطع رأسها، لم تنبت و هي تحتاج إلى اللقّاح.
أي الكفّاح (4).
وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ: ثمره الّذي يؤكل في الهيئة و الكيفيّة.
و الضّمير «للزّرع» و الباقي مقيس عليه، إذ النّخل و الزّرع داخل في حكمه لأنّه معطوف عليه. أو للجميع، على تقدير أكل ذلك، أو كلّ واحد منهما.
«و مختلفا» حال مقدّرة، لأنّه لم يكن كذلك عند الإنشاء.
وَ الزَّيْتُونَ.
في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى أبي الطّفيل عامر بن واثلة (6)، عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه لبعض اليهود و قد سأله عن مسائل: و أمّا أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض، فإنّ اليهود يزعمون أنّها الزّيتون، و كذبوا و لكنّها النّخلة من العجوة نزل بها آدم- (عليه السلام)- معه من الجنّة بالفحل (7). و أصل النّخلة كلّه من العجوة.
قال له اليهوديّ: أشهد باللّه لقد (8) صدقت.
وَ الرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ: يتشابه بعض أفرادهما في اللّون و الطّعم، و لا يتشابه بعضها.
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: من ثمر كلّ واحد من ذلك.
____________
(1) العلل/ 575 ح 1.
(2) المصدر: فضلت.
(3) المصدر: فضلة.
(4) الظاهر أنّه تصحيف النكاح، و الزيادة ليست من الحديث.
(5) كمال الدين/ 295- 296 ضمن ح 3.
(6) «ب»: واعلة.
(7) كذا في المصدر، و في «ج»: فالفحل، و في سائر النسخ: فالفجل.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: قد.
457
إِذا أَثْمَرَ: و إن لم يدرك و لم يينع بعد.
و قيل (1): فائدته رخصة المالك في الأكل و منه قبل أداء حقّ اللّه- تعالى-.
و إنّما يصحّ ذلك إذا خرص ما يأكل.
وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
في تفسير العيّاشي (2): عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّه كان يكره أن يصرم (3) النّخل باللّيل و أن يحصد الزّرع باللّيل. لأنّ اللّه يقول: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
قيل: يا نبيّ اللّه، و ما حقّه؟
قال: ناول منه (4) المسكين و السّائل.
و عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (5)- في قوله: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ كيف يعطى؟
قال: تقبض بيدك الضّغث (6).
في حديث آخر (7)، عن الحلبيّ (8): فسمّاه اللّه: حقا (9).
قال: قلت: و ما حقّه يوم حصاده؟
قال: الضغث تناوله من حضرك من أهل الحاجة (10).
أبو الجارود (11) [زياد بن المنذر] (12) قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 334.
(2) تفسير العياشي 1/ 379، ح 108.
(3) صرام النّخل: قطع ثمرتها.
(4) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(5) تفسير العيّاشي 1/ 380 صدر ح 112 و 113.
(6) الضغث: قبضة الحشيش المختلط رطبها و يابسها.
(7) تفسير العياشي 1/ 380، تتمة ح 112.
(8) المصدر: أبي بصير.
(9) بعض النسخ: حقّه.
(10) المصدر: أهل الخاصّة.
(11) تفسير العيّاشي 1/ 380 ح 114.
(12) من المصدر.
458
قال: الضّغث تناوله (1) من المكان بعد المكان تعطي المسكين (2).
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن شريح قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: في الزّرع حقّان: حقّ تؤخذ به، و حقّ تعطيه.
قلت: [و] (4) ما الّذي أؤخذ به، و ما الّذي أعطيه؟
قال: أمّا الّذي تؤخذ به، فالعشر و نصف العشر. و أمّا الّذي تعطيه، فقول (5) اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ، يعني: من حصدك الشّيء بعد الشّيء. و لا أعلمه إلّا قال: الضّغث ثمّ الضّغث حتّى يفرغ (6).
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
فقالوا جميعا: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هذا من الصّدقة، تعطي (8) المسكين القبضة بعد القبضة. و من الجذاذ الحفنة (9) بعد الحفنة حتّى يفرغ (10). و يعطى الحارث (11) أجرا معلوما، و يترك (12) من النّخل معا فارة و أمّ جعرور (13). و يترك للحارس (14) يكون في الحائط العذق (15) و العذقان و الثلاثة، لحفظه إيّاه.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: المساكين.
(3) الكافي 3/ 564، ح 1.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: فيقول.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: تفرغ.
(7) الكافي 3/ 565، ح 2.
(8) المصدر: يعطي.
(9) الجذاذ: ما تكسر من الشيء، و الحفنة: ملء الكف.
(10) كذا في المصدر، و النسخ: تفرغ.
(11) المصدر: الحارس.
(12) كذا في المصدر، و النسخ: فيترك.
(13) معافارة و امّ جعرور: ضربان رديئان من التمر.
(14) كذا في المصدر، و النسخ: للحارسين.
(15) العذق: النخلة بحملها، و العذق: كلّ غصن له شعب، و قنو النخلة، و عنقود العنب.
459
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تصرم باللّيل، و لا تحصد باللّيل، و لا تضحّ باللّيل، و لا تبذر باللّيل. فإنّك إن تفعل، لم يأتك القانع و المعترّ.
فقلت: و ما القانع و المعترّ؟
قال: القانع (2) الّذي يقنع بما أعطيته. و «المعترّ» الّذي يمرّ بك فيسألك. و إن حصدت باللّيل، لم يأتك السّؤال. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ عند الحصاد، يعني: القبضة بعد القبضة إذا حصدته. و إذا خرج، فالحفنة بعد الحفنة.
و كذلك عند الصّرام. و كذلك [عند] (3) البذر. [و] (4) لا تبذر باللّيل لأنّك تعطي من البذر، كما تعطي من (5) الحصاد.
الحسين بن محمّد (6)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن أبان، عن أبي مريم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [قال: تعطي المسكين يوم حصادك، الضغث ثمّ إذا وقع في البيدر ثمّ إذا وقع في الصاع العشر و نصف العشر.
محمد بن يحيى (7)، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن- (عليه السلام)-، قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ] (8) وَ لا تُسْرِفُوا قال: كان أبي- (عليه السلام)- يقول: من الإسراف في الحصاد و الجذاذ (9) أن يتصدّق (10) الرجل بكفّيه جميعا، و كان أبي إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدّق بكفّيه صاح به أعط بيد واحدة القبضة [بعد القبضة] (11)، و الضغث بعد الضغث من
____________
(1) الكافي 3/ 565، ح 3.
(2) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: في.
(6) الكافي 3/ 565، ح 4.
(7) الكافي 3/ 566 ح 6.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: الجداد.
(10) المصدر: أن يصدّق.
(11) من المصدر.
460
السنبل.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنّى قال: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
فقال: كان فلان بن فلان الأنصاريّ- و (2) سمّاه- و كان له حرث، و كان إذا أخذ يتصدّق به و يبقى هو و عياله بغير شيء. فجعل اللّه- عزّ و جلّ- ذلك سرفا (3).
عليّ بن إبراهيم (4)، [عن أبيه] (5)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدّقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و في غير آية من كتاب اللّه يقول: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. فنهاهم عن الإسراف و نهاهم عن التّقتير (6).
لكن أمر بين أمرين، لا يعطي جميع ما عنده ثمّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له.
و في قرب الإسناد للحميريّ (7): أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا [أيّ شيء الإسراف] (8)؟
قال: هكذا يقرأها من قبلكم؟
قلت: نعم.
قال: افتح (9) الفم بالحاء.
[قلت: حصاده] (10) [قال- (عليه السلام)-] (11): و كان أبي يقول: من الإسراف و ذكر إلى آخر ما نقلناه عنه- (عليه السلام)- من الكافي سواء.
____________
(1) الكافي 4/ 55، ح 5.
(2) ليس في المصدر.
(3) كذا في المصدر، و النسخ: مسرفا.
(4) الكافي 5/ 67، ضمن ح 1.
(5) ليس في المصدر.
(6) التقتير: التضييق في النفقة.
(7) قرب الاسناد/ 162.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: افتتح.
(10) من المصدر.
(11) أنّ ما بين المعقوفتين ساقطة من المصدر، و النسخ.
461
و في تفسير علي بن إبراهيم (1) قوله: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
قال: يوم حصاد (2) [و] (3) كذا نزلت.
قال: فرض اللّه يوم الحصاد من كل قطعة أرض قبضة للمساكين، و كذا في جذاذ (4) النّخل و في الثمرة (5) كذا عند البذر (6).
[أخبرنا] (7) أحمد بن إدريس (8) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن شعيب العقرقوفيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
قال: الضّغث من السّنبل و الكفّ من التّمر إذا خرص.
قال: و سألته (9) هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله؟
قال: لا، هو أسخى لنفسه قبل أن يدخله بيته.
و عنه (10)، عن أحمد البرقيّ، عن سعد بن سعد، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال:
قلت: فإن (11) لم يحضر المساكين و هو يحصد (12)، كيف يصنع؟
قال: ليس عليه شيء.
قيل (13): يريد بالحقّ ما [كان] (14) يتصدّق به يوم الحصاد، لا الزّكاة المقدّرة لأنّ الزّكاة (15) فرضت بالمدينة و الآية مكّيّة. و قيل (16): [بل هو] (17) الزّكاة.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 218.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: حصاده.
(3) من المصدر.
(4) نسخة من المصدر: جزاز.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: التمر.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: البذار.
(7) من المصدر.
(8) تفسير القمّي 1/ 218.
(9) المصدر: سألت.
(10) تفسير القمّي 1/ 218.
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: إن.
(12) كذا في المصدر، و في النسخ: يحضر.
(13) أنوار التنزيل 1/ 334.
(14) من المصدر.
(15) المصدر: «لأنّها» بدل «لأنّ الزكاة».
(16) نفس المصدر، و الموضع.
(17) ليس في المصدر.
462
أي: لا تؤخّره عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء. و الآية مدنيّة. و ما سبق من الأخبار يدلل على أنّه غير الزّكاة، و أنّ إيتاءه على الاستحباب المؤكّد دون الوجوب.
وَ لا تُسْرِفُوا: في التّصدّق، كقوله: «و لا تبسطها كلّ البسط».
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141): لا يرتضي فعلهم.
في الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيغ، عن صالح بن عقبة، عن سليمان بن صالح قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أدنى ما يجيئ من حدّ الإسراف.
فقال: إبدالك ثوب يصونك، و إهراقك فضل إنائك، و أكلك التّمر و رميك بالنّوى (2) هاهنا و هاهنا.
و في كتاب الخصال (3): عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعريّ، بإسناده يرفعه (4) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ليس في الطّعام من (5) سرف.
عن (6) أبي عبد اللّه (7)- (عليه السلام)- قال: للمسرف ثلاث علامات: يشتري (8) ما ليس له، و يلبس ما ليس له، و يأكل (9) ما ليس له.
وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً: عطف على «جنّات»، أي: و أنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال و ما يفرش للذّبح. أو ما يفرش المنسوج من شعره و صوفه و وبره.
و قيل (10): الكبار الصّالحة للحمل، و الصّغار الدّانية من الأرض، مثل الفرش المفروش عليها.
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ: كلوا ممّا أحلّ لكم منه.
وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ: في التّحليل و التّحريم من عند أنفسكم.
____________
(1) الكافي 4/ 56، ح 10.
(2) المصدر: النّوى.
(3) الخصال/ 93، ذيل ح 37.
(4) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(5) ليس في المصدر.
(6) الخصال/ 98، ح 45.
(7) المصدر: أمير المؤمنين.
(8) المصدر: يأكل.
(9) المصدر: يشتري.
(10) أنوار التنزيل 1/ 334.
463
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: [أما] (2) إنّ أصحاب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قالوا: يا رسول اللّه، نخاف علينا النّفاق.
قال: فقال: و لم تخافون ذلك؟
قالوا: إذا كنّا عندك فذكّرتنا و رغّبتنا، وجلنا و نسينا الدّنيا و زهدنا حتّى كأنّا نعاين الآخرة و الجنّة و النّار و نحن عندك. فإذا خرجنا من عندك و دخلنا هذه البيوت و شممنا الأولاد و رأينا [الأهل و العيال] (3)، نحوّل عن الحال الّتي كنّا عليها عندك و حتّى كأنّا لم نكن على شيء. أ فتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟
فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كلا، إنّ هذه خطوات الشّيطان فيرغّبكم في الدّنيا.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142): ظاهر العداوة.
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ: بدل من «حمولة» و «فرشا». أو مفعول «كلوا» «و لا تتّبعوا» معترض بينهما، أو فعل دلّ عليه. أو حال من «ما» بمعنى: مختلفة أو متعدّدة. و الزّوج:
ما معه آخر من جنسه يزاوجه، و قد يقال لمجموعهما. و المراد الأوّل.
مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ: زوجين اثنين، الأهليّ و الوحشيّ.
و قيل (4): الكبش و النّعجة. و هو بدل من «ثمانية».
و قرئ (5): «اثنان» على الابتداء.
و «الضّأن» اسم جنس، كالإبل. و جمعه، ضئين. أو ضائن، كتاجر و تجر.
و قرئ (6)، بفتح الهمزة. و هو لغة فيه.
وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ: الأهليّ و الوحشيّ.
____________
(1) الكافي 1/ 423، ضمن ح 1.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: العيال و الأهل يكاد أن.
(4) أنوار التنزيل 1/ 335.
(5) نفس المصدر، و الموضع.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
464
و قيل (1): التّيس و العنز.
و قرأ (2) ابن كثير و ابن عامر و يعقوب، بالفتح. و هو جمع، ماعز، كصاحب و صحب، و حارس و حرس.
و قرئ (3): معزى.
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ: ذكر الضّأن و ذكر المعز.
حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ: أم أنثييهما. و نصب «الذّكرين» «و الأنثيين» «بحرّم».
أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ: و ما حملت أناث الجنسين، ذكرا كان أو أنثى.
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ: بأمر معلوم يدلّ على أنّ اللّه- تعالى- حرّم شيئا من ذلك.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143): في دعوى التّحريم عليه.
وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، كما سبق.
و المعنى إنكار أنّ اللّه- تعالى- حرّم من الأجناس الأربعة ذكرا أو أنثى أو ما يحمل أناثها، ردّا عليهم. فإنّهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة، [و إناثها تارة] (4) و أولادها كيف كانت تارة، زاعمين (5) أنّ اللّه- تعالى- حرّمها.
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ: أ (6) كنتم حاضرين شاهدين.
إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا: حين وصّاكم بهذا التّحريم. إذ أنتم لا تؤمنون بنبيّ، و لا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلّا المشاهدة و السّماع.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً: فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 335.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) يوجد في «ج» و «ر».
(5) كذا في «ج» و «ر» و في سائر النسخ: داعين.
(6) كذا في «ج» و «ر» و في سائر النسخ: «بل» بدل «أ».
465
و المراد، كبراؤهم المقرّرون لذلك. أو عمرو بن لحيّ (1) المؤسّس له، الّذي بحر البحائر و سيّب السّوائب.
لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144).
في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمّد، عن السلمي (3) عن داود الرّقيّ قال: سألني بعض الخوارج عن هذه الآية مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ. ما الّذي أحلّ اللَّه من ذلك و ما الّذي حرّم؟ فلم يكن عندي فيه (4) شيء.
فدخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا حاجّ، فأخبرته بما (5) كان. فقال: إنّ اللّه- تعالى- أحلّ في الأضحيّة [بمنى الضأن و المعز (6) الأهليّة، و حرّم أن يضحّى بالجبليّة.
و أمّا قوله: وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ فإنّ اللّه- تعالى- أحلّ في الأضحيّة] (7) الإبل العراب (8)، و حرّم فيها البخاتيّ، و أحلّ البقر الأهليّة أن يضحّى بها، و حرّم الجبليّة.
فانصرفت إلى الرّجل، فأخبرته بهذا الجواب. فقال: هذا شيء حملته الإبل من الحجاز.
و في روضة الكافي (9): محمد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل الجعفيّ و عبد الكريم بن عمرو و عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حمل نوح- صلّى اللّه عليه- في السّفينة الأزواج الثّمانية [الّتي] (10) قال اللّه- عزّ و جلّ-: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ- وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ. فكان من الضّأن اثنين زوج داجنة يربّيها النّاس، و الزّوج الآخر
____________
(1) كذا في المصدر و «ج» و «ر» و في سائر النسخ: يحيى.
(2) الكافي 4/ 492، ح 17.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: المسلميّ.
(4) ليس في المصدر.
(5) بعض النسخ: عمّا.
(6) المعز: ذوات الشعر و الأذناب من الغنم. و الضأن خلافه.
(7) يوجد في المصدر، «ج».
(8) إبل عراب: كرائم سالمة من العيب. و البخاتي- جمع البخت- الإبل الخراسانيّة طويل العنق.
(9) الكافي 8/ 283- 284، ح 427.
(10) من المصدر.
466
الضّأن الّتي يكون في الجبال الوحشيّة أحلّ لهم صيدها. و من المعز اثنين زوج داجنة يربّيها النّاس، و الزّوج الآخر الظّباء (1) الّتي [تكون في المفاوز] (2) و من الإبل اثنين، البخاتيّ و العراب. و من البقر اثنين زوج داجنة للنّاس، و الزّوج الآخر البقرة الوحشيّة.
و كلّ طير طيّب وحشي و (3) انسيّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قوله: «من الضّأن اثنين»، عنى: الأهليّ و الجبليّ. «و من المعز اثنين»، عنى: الأهليّ و الوحشيّ الجبليّ.
«و من البقر اثنين»، يعني: الأهليّ و الوحشيّ الجبليّ. «و من الإبل اثنين»، يعني:
البخاتيّ و العراب. فهذه أحلّها اللّه.
و في تفسير العيّاشي (5): عن أيّوب بن نوح بن درّاج قال: سألت أبا الحسن الثّالث- (عليه السلام)- عن الجاموس، و أعلمته أنّ أهل العراق يقولون: إنّه مسخ.
فقال: أو ما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ.
و كتبت إلى أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- بعد مقدمي من خراسان أسأله عما حدّثني [به] (6) أيّوب في الجاموس.
فكتب: هو كما (7) قال لك.
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ، أي: في القرآن. أو فيما أوحي إليّ مطلقا.
و فيه تنبيه على، أنّ التّحريم إنّما يعلم بالوحي لا بالهوى. و أنّ الأصل في كل شيء لم يوح تحريمه، تحليله.
مُحَرَّماً: طعاما محرّما.
عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ: الطّعام «ميتة».
____________
(1) المصدر: الظبي.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: يكون في الجبال الوحشيّة احلّ لهم صيدها.
(3) المصدر: [أ] و.
(4) تفسير القمي 1/ 219.
(5) تفسير العياشي 1/ 380- 381، ح 115.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: ما.
467
و قرأ (1) ابن كثير و حمزة: «تكون» بالتّاء، لتأنيث الخبر.
و قرأ (2) ابن عامر، بالتّاء، و رفع «ميتة». على أنّ «كان» هي التّامّة.
أَوْ دَماً مَسْفُوحاً: عطف على «أن» مع ما في حيّزه، أي: إلّا وجوده ميتة، أو دما مسفوحا، أي: مصبوبا، كالدّم في العروق. لا كالكبد و الطّحال و المختلط باللحم بحيث لا يمكن تخليصه.
أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ: فإنّ الخنزير أو لحمه قذر، لتعوّده أكل النّجاسة.
أو خبيث مخبث.
أَوْ فِسْقاً: عطف على «لحم خنزير». و ما بينهما اعتراض للتّعليل.
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: صفة له موضّحة. و إنّما سمّي ما ذبح على اسم الصنم «فسقا»، لتوغّله في الفسق.
و يجوز أن يكون «فسقا» مفعولا له من «أهلّ»، و هو عطف على «يكون».
و المستكنّ فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكنّ في «يكون».
فَمَنِ اضْطُرَّ: فمن دعته الضّرورة إلى تناول شيء من ذلك.
غَيْرَ باغٍ: على مضطرّ آخر مثله.
وَ لا عادٍ: قدر الضّرورة.
فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145): لا يؤاخذه بأكله. و قد مضى تفسير الباغي و العادي.
فإن قيل: لم خصّ هذه الأشياء الأربعة هنا بذكر التّحريم، مع أنّ غيرها محرم- أيضا-. فإنّه- سبحانه- ذكر في المائدة تحريم المنخنقة و الموقوذة و المتردّية و غيرها. و قد ورد الأخبار الصّحيحة بتحريم كلّ ذي (3) مخلب من الطّير و كلّ ذي ناب من الوحش و ما لا قشر له من السّمك، إلى غير ذلك؟
قلنا: أمّا المذكورات في المائدة، فكلّها يقع عليها (4) اسم الميتة فيكون في حكمها.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 335.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) كذا في «ج»، و في سائر النسخ: ذات.
(4) «ج» و «ر»: عليه.
468
فأجمل هاهنا و فصّل هناك. و أمّا غيرها، فليس بهذه المثابة في الحرمة. فخصّ هذه الأشياء بالتّحريم، تعظيما لحرمتها. و بيّن تحريم ما عداها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ورد أنّه ممّا يعاف عنه.
ففي التّهذيب (1): الحسين بن سعيد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الجرّيّ و [المارماهي و ما ليس] (2) له قشر من السّمك، حرام هو؟
فقال لي: يا محمّد، اقرأ هذه الآية الّتي في الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ.
فقال (3): فقرأتها حتّى فرغت منها.
فقال: إنّما الحرام، ما حرم اللّه و رسوله في كتابه. و لكنّهم قد كانوا يعافون أشياء، فنحن نعافها.
الحسين بن سعيد (4)، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن سباع الطّير و الوحش، حتّى ذكر له (5) القنافذ و الوطواط و الحمير و البغال و الخيل.
فقال: ليس الحرام، إلّا ما حرّم اللّه في كتابه. و قد نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم خيبر عن أكل لحم (6) الحمير. و إنّما نهاهم من أجل ظهورهم [أن يفنوه] (7)، فليست (8) الحمير بحرام.
ثم قال: اقرأ هذه الآية قُلْ لا أَجِدُ (الآية).
الحسين بن سعيد (9)، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة قال:
____________
(1) التهذيب 9/ 6، ح 16.
(2) المصدر: المارماهي و الزمير و ما.
(3) المصدر: قال.
(4) التهذيب 9/ 42، ح 176.
(5) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(6) المصدر و «ج» و «ر»: لحوم.
(7) يوجد في المصدر و «ج» و «ر»: يفنوه.
(8) المصدر: و ليست.
(9) التهذيب 9/ 5- 6 ح 15.
469
سألت أبا الحسن (1) عن الجريث.
فقال: و ما الجريث؟
فنعته (2) له.
فقال: لا أَجِدُ (الآية).
ثمّ قال: لم يحرّم اللّه شيئا من الحيوان في القرآن، إلّا الخنزير بعينه. و يكره كلّ شيء من البحر ليس له قشر، مثل الورق. و ليس بحرام، إنّما هو مكروه.
و عن أحدهما (3)- (عليهما السلام)-: أنّ أكل الغراب ليس بحرام. إنّما الحرام ما حرّمه (4) اللّه في كتابه، و لكنّ الأنفس تتنزّه عن كثير من ذلك تقزّزا.
قال صاحب التّهذيب (5): قوله: «ليس الحرام إلّا ما حرّم اللّه في كتابه». المعنى فيه: أنّه ليس الحرام المخصوص المغلّظ الشّديد الحظر، إلّا ما ذكره اللّه في القرآن. و إن (6) كان فيما عداه- أيضا- محرّمات كثيرة، إلّا أنّها دونه في التّغليظ.
و في تفسير العيّاشي (7): عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن سباع الطّير و الوحش (8) حتّى ذكر القنافذ و الوطواط و الحمير و البغال و الخيل.
فقال: ليس الحرام، إلّا ما حرّم اللّه في كتابه. و قد نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير. و إنّما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه، و ليس (9) الحمير بحرام.
ثمّ (10) قال: اقرأ هذه الآية (11) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (12).
____________
(1) المصدر و «ج» و «ر»: أبا جعفر.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: فنعت.
(3) التهذيب 9/ 18، ح 72.
(4) كذا في المصدر، و النسخ: حرّم.
(5) التهذيب 9/ 42.
(6) «ج» و «ر»: فإن.
(7) تفسير العيّاشي 1/ 382، ح 118.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: الوحشيّ.
(9) «ج»، «ر»: ليست.
(10) المصدر: و.
(11) المصدر: قرأ هذه الآيات.
(12) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
470
عن محمّد بن مسلم (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قد كان أصحاب المغيرة يكتبون إليّ أن أسأله عن (2) الجرّيّ و المارماهي و الزّمّير و ما ليس له قشر من السّمك، أ (3) حرام هو أم لا؟
قال: فسألته عن ذلك.
فقال: يا محمّد، اقرأ هذه الآية الّتي في الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ.
قال: فقرأتها حتّى فرغت منها.
فقال: إنّما الحرام ما حرّم اللّه في كتابه، و لكنّهم كانوا يعافون أشياء و نحن (4) نعافها.
عن زرارة (5) قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الجرّيّ.
فقال: [و] (6) ما الجرّيّ؟
فنعته له.
فقال: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ (الآية).
ثمّ قال: لم يحرّم اللّه شيئا من الحيوان في القرآن إلّا الخنزير [بعينه] (7). و يكره كلّ شيء من البحر ليس فيه قشر.
قال: قلت: و ما القشر؟
قال: [و هو] (8) الّذي مثل الورق. و ليس هو بحرام، إنّما هو مكروه.
وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ: كلّ ما له إصبع، كالإبل و السّباع و الطّيور.
____________
(1) تفسير العياشيّ 1/ 382، ح 119.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: من.
(3) ليس في المصدر: أ.
(4) المصدر: فنحن.
(5) تفسير العياشيّ 1/ 383، ح 120.
(6) من المصدر.
(7) من المصدر.
(8) ليس في المصدر.
471
و قيل (1): كلّ ذي مخلب و حافر. و سمّي الحافر: ظفرا، مجازا. و لعلّ المسبّب عن الظّلم تعميم التّحريم.
و في عيون الأخبار (2): عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)- قال: [أبو عبد اللّه] (3)- (عليه السلام)-: كلّ ذي ناب من السّباع و ذي مخلب من الطّير حرام.
و فيه (4)- أيضا-: و حرّم الأرنب، لأنّها بمنزلة السّنّور و لها مخالب كمخالب (5) السّنّور. و سباع الوحش (6).
و في باب ما كتبه الرّضا (7)- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و يحرّم (8) كلّ ذي ناب من السّباع، و كلّ ذي مخلب من الطّير.
و في كتاب الخصال (9): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث طويل: و كلّ ذي ناب من السّباع و [ذي] (10) مخلب من الطّير، [فأكله] (11) حرام.
وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما: الثّروب و شحوم الكلى.
و الإضافة، لزيادة الرّبط.
إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما: إلّا ما علقت بظهورهما.
أَوِ الْحَوايا: أو ما اشتمل على الأمعاء. جمع، حاوية، أو حاوياء، كقاصعاء و قواصع. أو حوية، كسفينة و سفائن.
و قيل (12). هو عطف على «شحومهما». و «أو» بمعنى: الواو.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 336.
(2) العيون 2/ 93.
(3) المصدر: أبى.
(4) العيون 2/ 93.
(5) المصدر: مخاليب كمخاليب.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: الوحشيّ.
(7) العيون 2/ 126.
(8) المصدر: تحريم.
(9) الخصال/ 609.
(10) من المصدر.
(11) من المصدر.
(12) أنوار التنزيل 1/ 336.
472
أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ: و هو شحم الإلية، لاتصالها بالعصعص.
و في تفسير العيّاشي (1): عن [محمّد] (2) الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حرّم على بني إسرائيل كلّ ذي ظفر و الشّحوم إلّا ما حملت ظهورهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (4)، [يعني: لحوم الإبل و البقر و الغنم] (5). هكذا أنزلها الله فاقرأوها هكذا. و ما كان الله ليحلّ شيئا في كتابه ثمّ [يحرّمه من] (6) بعد ما أحلّه، و لا يحرّم شيئا [ثمّ يحلّه] (7) [من] (8) بعد ما حرّمه.
قلت: و كذلك- أيضا- [قوله] (9) وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما؟
قال: نعم.
ذلِكَ: التّحريم، أو الجزاء.
جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ: بسبب ظلمهم.
وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (146): في الإخبار و الوعد و الوعيد.
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ: يمهلكم على التّكذيب. فلا تغتروا بإمهاله، فإنّه يمهل.
وَ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147): حين ينزل. أو ذو رحمة واسعة للمطيعين و ذو بأس شديد للمجرمين. فأقام مقامه «و لا يردّ بأسه»، لتضمّنه التّنبيه على إنزال البأس عليهم، مع الدّلالة على أنه لازب بهم لا يمكن ردّه عنهم.
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 1/ 383، ح 121.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القميّ 2/ 158.
(4) النساء: 160.
(5) ليس في المصدر.
(6) كذا في المصدر، و النسخ: يحرّم.
(7) يوجد في «ج» و المصدر.
(8) من المصدر.
(9) من المصدر.
473
و في كتاب معاني الأخبار (1)، خطبة طويلة لعليّ- (عليه السلام)-. و فيها يقول- (عليه السلام)-: أنا قابض الأرواح و بأس اللّه الّذي لا يردّه عن القوم المجرمين.
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: إخبار عن مستقبل. و وقوع مخبره يدلّ على إعجازه.
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ، أي: لو شاء الله خلاف ذلك مشيئة ارتضاء، كقوله: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ لما فعلنا نحن و لا آباؤنا.
و لمّا احتمل أنّهم أرادوا بذلك أنّهم على الحقّ المشروع المرضيّ عند اللّه لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة اللّه- تعالى- إيّاها منهم، انتهض ذمّهم به دليلا للمعتزلة.
و عطف «آباؤنا» على الضّمير في «أشركنا» من غير تأكيد، للفصل «بلا».
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أي: مثل هذا التّكذيب لك في أنّ اللّه منع من الشّرك و لم يحرّم ما حرّموه، كذّب الّذين من قبلهم الرّسل.
حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: الّذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم.
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ: من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به على ما زعمتم.
فَتُخْرِجُوهُ لَنا: فتظهروه لنا.
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ: ما تتّبعون في ذلك إلّا الظّنّ.
وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148): تكذبون على اللّه.
قيل (2): و فيه دليل على المنع من اتّباع الظّنّ، سيّما في الأصول. و لعلّ ذلك حيث يعارضه قاطع، إذ الآية فيه.
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ: البيّنة الواضحة، الّتي بلغت غاية المتانة و القوّة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحّة دعواه. و هي من الحجّ، بمعنى: القصد، كأنّها تقصد إثبات الحكم و تطلبه.
و في تفسير العيّاشي (3): الحسين قال: سمعت أبا طالب القمّيّ يروي، عن سدير، عن أبى عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نحن الحجّة البالغة على من دون السّماء و فوق
____________
(1) المعاني/ 58، ضمن ح 9.
(2) أنوار التنزيل 1/ 336.
(3) تفسير العيّاشيّ 1/ 383، ح 122.
474
الأرض.
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149): بالتّوفيق لها و الحمل عليها.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.
قال: لو شاء لجعلكم كلّكم على أمر واحد، و لكن جعلكم على الاختلاف.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسي (2)- (رحمه اللّه)-، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و لو علم المنافقون، لعنهم اللّه، ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه. و لكنّ الله- تبارك اسمه- ماض حكمه بإيجاب الحجّة على خلقه، كما قال: [اللّه- تعالى-] (3) فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ. أغشى أبصارهم، و جعل على قلوبهم أكنّة عن (4) تأمّل ذلك، فتركوه (5) بحاله و حجبوا عن تأكيده الملتبس (6) بإبطاله. فالسّعداء يتنبهون (7) عليه، و الأشقياء يعمون (8) عنه.
و في أمالي شيخ الطائفة (9)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى مسعدة بن صدقة (10) قال:
سمعت جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- و قد سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ.
فقال: إن اللّه- تعالى- يقول للعبد يوم القيامة: عبدي، أ كنت عالما؟
فإن قال: نعم.
قال له: أفلا عملت بما علمت؟
و إن قال: كنت جاهلا.
قال له: أفلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه. فتلك الحجّة البالغة.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 220.
(2) الإحتجاج 1/ 376.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و النسخ: على.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: فتركوها.
(6) كذا في المصدر، و النسخ: تأكيد الملبس.
(7) المصدر: ينهون.
(8) كذا في المصدر، و النسخ: يعمهون.
(9) أمالي الطوسي 1/ 8- 9.
(10) المصدر: زياد بدل صدقة.
475
و في أصول الكافيّ (1): [أبو عبد اللّه الاشعري عن] (2) بعض أصحابنا رفعه (3)، عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، إنّ اللّه على النّاس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة. فأمّا الظّاهرة، فالرسل و الأنبياء و الأئمّة- (عليهم السلام)-. و أمّا الباطنة، فالعقول.
محمّد بن يحيى العطّار (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن محبوب، عن داود الرّقيّ، عن العبد الصّالح- (عليه السلام)- قال: إنّ الحجّة لا تقوم للّه على خلقه إلّا بإمام حتّى يعرف.
عليّ بن موسى (5)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن (6) محمد بن خالد البرقيّ، عن النّضر بن سويد رفعه، عن سدير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
قلت له: جعلت فداك، ما أنتم؟
قال: نحن خزّان علم اللّه، و نحن تراجمة وحي الله. نحن الحجّة البالغة على من دون السّماء و [من] (7) فوق الأرض.
أحمد بن مهران (8)، عن محمّد بن عليّ و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- باب اللّه الّذي لا يؤتى إلّا منه، و سبيله الّذي من سلك بغيره هلك. و كذلك «نجزي (9) المحسنين» الأئمّة (10) الهدى واحد بعد واحد، جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بأهلها و حجّته (11) البالغة على من فوق الأرض و من تحت الثّرى.
____________
(1) الكافي 1/ 16، ضمن ح 12.
(2) من المصدر.
(3) يوجد في «ج» و «ر»، المصدر.
(4) الكافي 1/ 177، ح 1.
(5) الكافي 1/ 192، ح 3.
(6) المصدر: و.
(7) من المصدر.
(8) الكافي 1/ 196، ضمن ح 1.
(9) المصدر، «ج»: يجزي.
(10) المصدر: لائمّة.
(11) كذا في المصدر، و النسخ: حجّتها.
476
محمّد بن يحيى (1) و محمّد بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن جعفر، عن الحسن بن ظريف و عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن بكر بن صالح، عن عبد الرّحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه (2) قال: في اللّوح الّذي أنزله اللّه و فيه أسماء الأئمة- (عليهم السلام)-: و جعلت حسينا خازن وحيي، و أكرمته بالشّهادة، و ختمت له بالسّعادة. فهو أفضل من استشهد، و أرفع الشّهداء درجة. جعلت كلمتي التّامّة معه و حجّتي البالغة عنده.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن أبي عبد اللّه (3) و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن الحسن بن العبّاس بن الجريش (4)، عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: سأل إلياس- (عليه السلام)- (5) [أبي- (عليه السلام)-] (6) فقال: يا ابن رسول اللّه، باب غامض، أ رأيت إن قالوا حجّة اللّه القرآن؟
قال: إذن أقول لهم: إنّ القرآن ليس بناطق يأمر و ينهى، و لكن للقرآن أهل يأمرون و ينهون. و أقول لهم (7): قد عرضت لبعض أهل الأرض مصيبة ما هي في السّنّة و الحكم الّذي ليس فيه اختلاف و ليست في القرآن، أبى اللّه لعلمه بتلك الفتنة أن تظهر في الأرض و ليس في حكمه رادّ لها و لا (8) مفرّج عن أهلها.
قال (9): فقال: هاهنا تفلجون (10)، يا ابن رسول اللّه، أشهد أنّ اللّه- عزّ ذكره- قد علم بما يصيب من مصيبة في الأرض أو في أنفسهم من الدّين أو غيره فوضع القرآن دليلا.
قال: فقال: هل تدري، يا ابن رسول اللّه، دليل ما هو؟
____________
(1) الكافي 1/ 528، ضمن ح 3.
(2) يوجد في «ج» و «ر».
(3) الكافي 1/ 246.
(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 205، و في المصدر: حريش.
(5) لا يوجد في نور الثقلين 1/ 777 ح 336:- (عليه السلام)-.
(6) يوجد في «ج» و «ر»، المصدر.
(7) ليس في المصدر.
(8) ليس في المصدر.
(9) ليس في المصدر.
(10) فلج بحجّته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه.
477
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نعم، فيه جمل (1) الحدود (2) و تفسيرها عند الحكم.
فقال: أبى اللّه أن يصيب عبدا بمصيبة في دينه، أو في نفسه، و (3) ماله و ليس في أرضه من حكمه قاض بالصّواب في تلك المصيبة.
قال: فقال: أما في هذا الباب، فقد فلجتم (4) بحجّته إلّا أن يفتري خصمكم على الله فيقول: ليس للّه- جلّ ذكره- حجّة.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ: أحضروهم.
اسم فعل لا يتصرّف، عند أهل الحجاز.
و فعل يؤنّث و يجمع، عند بني تميم.
و أصله عند البصريّين «هالمّ» من لمّ: إذا قصد. حذفت الألف التقدير السّكون في اللام، فإنّه الأصل.
و عند الكوفيّين «هل أمّ» فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام. و هو بعيد، لأنّ «هل» لا تدخل الأمر و يكون متعدّيا، كما في الآية. و لازما، كما في قوله- تعالى-:
هَلُمَّ إِلَيْنا.
الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا، يعني: قدوتهم فيه. استحضرهم ليلزمهم الحجّة، و يظهر بانقطاعهم ضلالتهم، و أنه لا متمسّك (5) لهم، كمن يقلّدهم. و لذلك قيّد الشّهداء بالإضافة، و وصفهم بما يقتضي العهد بهم.
فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ: فلا تصدّقهم فيه و بيّن لهم فساده. فإنّ تسليمهم موافقة لهم في الشّهادة الباطلة.
وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا: من وضع المظهر موضع المضمر. للدّلالة على أنّ مكذّب الآيات متّبع الهوى لا غير، و أنّ متّبع الحجّة لا يكون إلّا مصدّقا بها.
وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ: كعبدة الأوثان.
____________
(1) «ب»: جلّ.
(2) «ر» و «ب»: للحدود.
(3) المصدر: أو [في].
(4) المصدر: فلجتهم.
(5) «ج»: ممسك.
478
وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150): يجعلون له عديلا.
قُلْ تَعالَوْا: أمر من التّعالي. و أصله، أن يقول من كان في علو لمن كان في سفل. فاتّسع فيه للتّعميم.
أَتْلُ: أقرأ.
ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ: منصوب «بأتل».
و «ما» يحتمل الخبريّة و المصدريّة. و يجوز أن تكون استفهامية منصوبة «بحرّم».
و الجملة مفعول «أتل» [لأنّه بمعنى: أقل] (1) أيّ شيء حرّم ربّكم.
عَلَيْكُمْ: متعلّقة «بحرّم»، أو «أتل».
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ، أي: لا تشركوا، ليصحّ عطف الأمر عليه. و لا يمنعه تعليق الفعل المفسّر بما حرم، فإنّ التّحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها.
و من جعل «أن» ناصبة، فمحلّها النّصب «بعليكم». على أنّه للإغراء، أو بالبدل من «ما»، أو من عائده المحذوف على «أن لا» زائدة، أو الجرّ بتقدير اللام، أو الرّفع على التّقدير المتلوّ «أن لا تشركوا» أو المحرّم أن لا تشركوا به شَيْئاً: يحتمل المصدر، و المفعول.
وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، أي: و أحسنوا بهما إحسانا.
وضعه موضع النّهي عن الإساءة إليهما، للمبالغة، و للدّلالة على أنّ ترك الإساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: الوالدان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ: من أجل فقر أو من خشيته، كقوله:
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ: منع لموجبيّة ما كانوا يفعلون لأجله، و احتجاج عليه.
وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ: كبائر الذّنوب، أو الزّنا.
____________
(1) يوجد في المصدر و «ج» و فيه: «أتل» بدل «أقل».
(2) تفسير القمي 1/ 220.
479
ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ: بدل منه. و هو مثل قوله- تعالى-: ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ.
في الكافي (1)، و (2) في تفسير العيّاشيّ: عن السّجاد- (عليه السلام)-: «ما ظهر» نكاح امرأة الأب. «و ما بطن» الزّنا.
و في تفسير العيّاشيّ: عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)-: «ما ظهر» نكاح امرأة الأب. «و ما بطن» الزّنا.
و في مجمع البيان (3): عن الباقر- (عليه السلام)-: «ما ظهر» هو الزّنا. «و ما بطن» [هو المخالّة (4)] (5).
و في الكافي (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الله- تبارك و تعالى- غيور [يحبّ كلّ غيور] (7). و لغيرته حرّم الفواحش ظاهرها و باطنها.
وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ، كالقود، و قتل المرتدّ، و رجم المحصن.
ذلِكُمْ: إشارة إلى ما ذكر مفصّلا.
وَصَّاكُمْ بِهِ، أي: بحفظه.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151): ترشدون. فإنّ كمال العقل هو الرّشد.
وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: إلّا بالفعلة الّتي هي أحسن ما (8) يفعل بماله كحفظه (9) و تميّزه.
____________
(1) الكافي 5/ 567، ح 47، و تفسير العياشي 1/ 383، ح 124 ملخّصا في بعض العبارات فيهما.
(2) الظاهر من «و» إلى آخر الحديث زائد لأن هذا نفس الحديث الآتي.
(3) مجمع البيان 2/ 382.
(4) المخالّة: من الخلّة، يعني: اتخاذ الخليل.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: المحالة.
(6) الكافي 5/ 535- 536، ح 1.
(7) من المصدر.
(8) يوجد في «ج» و «ر».
(9) كذا في «ج» و «ر»، و في سائر النسخ: لحفظه.
480
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ: حتّى يصير بالغا.
و هو جمع، شدّة، كنعمة و أنعم. أو شدّ، كصرّ و أصرّ.
و قيل (1): مفرد [كآنك] (2).
في من لا يحضره الفقيه، و التّهذيب (3): عن الصّادق- (عليه السلام)-: [قال] (4) انقطاع يتم اليتيم، الاحتلام. و هو أشدّه. و إن احتلم و لم يؤنس منه (5) رشد و كان سفيها أو ضعيفا، فليمسك عنه وليّه ماله.
و فيهما، و في الكافيّ (6) عنه [قال] (7): إذا بلغ [الغلام] (8) أشدّه ثلاث عشرة سنة و دخل في الأربع عشرة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم.
و (9) كتبت عليه السّيئات، و كتبت له الحسنات، و جاز له كلّ شيء إلّا أن يكون ضعيفا أو (10) سفيها.
و في كتاب الخصال (11): عن عبد اللّه بن سنان، عنه- (عليه السلام)- مثله.
و فيه (12): عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم، متى يجوز أمره؟
قال: حتّى يبلغ أشدّه.
قال: قلت (13): و ما أشدّه؟
قال: احتلامه (14).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 337.
(2) من المصدر.
(3) الفقيه 4/ 163 ح 569، و التهذيب 9/ 183 ح 737، و الكافي 7/ 68 ح 2.
(4) من المصادر.
(5) بعض النسخ: عنه.
(6) الفقيه 4/ 164 ح 571، و التهذيب 9/ 183- 184 ح 739، و الكافي 7/ 69 ح 7.
(7) من المصادر.
(8) من التهذيب، الفقيه.
(9) ليس في التهذيب، و الكافي.
(10) التهذيب: و.
(11) الخصال/ 495، ح 4.
(12) الخصال/ 495، ح 3.
(13) ليس في المصدر.
(14) المصدر: الاحتلام.
481
قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر و لا يحتلم.
قال: إذا بلغ و كتب عليه الشّيء، جاز أمره إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.
وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ: بالعدل و السّويّة.
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها: إلّا ما يسعها، و لا يعسر عليها.
و في اتّباع إيفاء الكيل و الوزن بذلك، تنبيه على تعسّره. و أن ما وراء الوسع فيه، معفوّ.
وَ إِذا قُلْتُمْ: في حكومة و نحوها.
فَاعْدِلُوا: فيه.
وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى: و لو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم.
وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، يعني: ما عهد إليكم من ملازمة العدل و تأدية أحكام الشّرع.
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152): تتّعظون به.
و قرأ (1) حمزة و حفص و الكسائيّ: «تذكرون» بتخفيف الذّال حيث وقع في القرآن.
و الباقون، بتشديدها.
و في تفسير العيّاشي (2): عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي جعفر- (عليه السلام)- و هو متّك على فراشه، إذ (3) قرأ الآيات المحكمات الّتي لم ينسخهنّ شيء من الأنعام.
فقال (4): شيّعهنّ سبعون ألف ملك قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (الآيات).
و في مجمع البيان (5)، عن ابن عبّاس: أنّ (6) هذه الآيات محكمات، لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب. و هي محرّمات على بني آدم كلّهم. و هنّ أمّ الكتاب. من عمل
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 338.
(2) تفسير العيّاشيّ 1/ 383، ح 123.
(3) بعض النسخ: إذا.
(4) المصدر: قال.
(5) مجمع البيان 2/ 384- 385.
(6) ليس في المصدر.
482
بهنّ، دخل الجنّة. و من تركهنّ، دخل النّار.
وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً قيل (1): الإشارة فيه إلى ما ذكر في السّورة. فإنّها بأسرها في إثبات التّوحيد و النّبوّة، و بيان الشّريعة.
و قرأ (2) حمزة و الكسائيّ «إنّ» بالكسر، على الاستئناف. و ابن عامر و يعقوب، بالفتح، و التّخفيف. و الباقون به مشدّدة، بتقدير «اللّام» على أنّه علّة لقوله:
فَاتَّبِعُوهُ.
و قرأ (3) ابن عامر: «صراطي» بفتح الياء.
و قرئ (4): «هذا صراطي». و «هذا صراط ربّكم». و «هذا صراط ربّك».
وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ: الأديان المختلفة المشعّبة عن الأهوية المتباينة. فإنّ مقتضى الحجّة واحد، و مقتضى الهوى متعدّد، لاختلاف الطّبائع و العادات.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ: فتفرّقكم و تزيلكم.
عَنْ سَبِيلِهِ: الّذي هو اتّباع الوحي و اقتضاء البرهان.
ذلِكُمْ: الاتّباع.
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153): الضّلال، و التّفرّق عن الحقّ.
و في تفسير العيّاشي (5): عن بريد العجليّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
[أ] (6) تدري ما يعني ب «صراطي مستقيما»؟
قلت: لا.
قال: ولاية عليّ و الأوصياء.
قال: و تدري ما يعني «فاتّبعوه»؟
قلت: لا.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 338.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) أنوار التنزيل 1/ 338.
(5) تفسير العياشي 1/ 383- 384، ح 125.
(6) من المصدر.
483
قال: يعني: عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.
قال: و تدري ما يعني وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ؟
قلت: لا.
قال: ولاية فلان و فلان، و اللّه. قال: و تدري ما يعني «فتفرّق» بكم عن سبيله؟
قال: يعني: سبيل عليّ- (عليه السلام)-.
عن سعد (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ.
قال: آل محمّد- (عليهم السلام)- الصّراط الّذي دلّ عليه.
و في روضة الواعظين (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [فَتَفَرَّقَ بِكُمْ.
قال:] (3) سألت اللّه أن يجعلها لعليّ، ففعل.
و في شرح الآيات الباهرة (4): و ذكر عليّ بن يوسف بن جبير (5) في كتاب نهج الإيمان قال: «الصّراط (6) المستقيم» هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في هذه الآية [ل] (7) ما رواه إبراهيم الثّقفيّ في كتابه بإسناده إلى أبي (8) بريدة الأسلميّ قال: قال رسول اللّه- صلّى الله عليه و آله-: أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ قد سألت اللّه أن يجعلها لعليّ، ففعل. فقوله: «يجعلها لعليّ- (عليه السلام)-»، أي (9): سبيله الّتي هي الصّراط (10) المستقيم، و سبيله القويم الهادي إلى جنّات النّعيم.
____________
(1) تفسير العياشي 1/ 384، ح 126.
(2) روضة الواعظين/ 106.
(3) من المصدر.
(4) تأويل الآيات الباهرة/ 61- 62.
(5) المصدر: حبر.
(6) المصدر: صراط.
(7) من المصدر.
(8) ليس في المصدر: أبى كما في جامع الرواة 1/ 119.
(9) المصدر: أن.
(10) المصدر: صراط.
484
و في بصائر الدرجات (1): عمران بن موسى [عن موسى] (2) بن جعفر، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
سألته عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ.
قال: هو، و اللّه، عليّ (3) [هو، و اللّه] (4) الميزان و الصّراط.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): أخبرنا الحسن بن الحسن بن عليّ بن عليّ، عن أبيه، عن الحسن (6) بن سعيد، عن محمّد بن سنان، عن أبي خالد القمّاط-، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: نحن السّبل (7) فمن أتى فهذه السّبل (8).
و في كتاب الاحتجاج (9) للطّبرسيّ، بإسناده إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه خطبة الغدير، و فيها: معاشر النّاس، إنّ الله قد أمرني و نهاني و قد نهاني و قد أمرت عليّا و نهيته، فعلم الأمر و النّهي من ربّه. فاسمعوا لأمره تسلموا، و أطيعوه (10) تهتدوا، و انتهوا لنهيه ترشدوا، و صيروا إلى مراده و لا تتفرّق بكم السّبل عن سبيله. معاشر النّاس، أنا الصّراط (11) المستقيم الّذي أمركم باتّباعه، ثمّ عليّ من بعدي، ثمّ ولدي من صلبه أئمّة يهدون بالحقّ (12) و به يعدلون.
و في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (13): فرات قال: حدّثني جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا، عن أبي مالك الأسديّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قول اللّه
____________
(1) البصائر/ 99، ح 9.
(2) من المصدر.
(3) يوجد في المصدر و «ج» و «ر».
(4) يوجد في «ج» و «ر».
(5) تفسير القميّ 1/ 221.
(6) المصدر و «ج» و «ر»: الحسين.
(7) المصدر: السبيل.
(8) المصدر: فمن أبى فهذه السبل فقد كفر، و نور الثقلين 1/ 779 ح 347 نسخة منه موافقة للمتن و في نسخته المصحّحة: فمن أبى فهذه السبل.
(9) الاحتجاج/ 78- 79.
(10) المصدر: أطيعوا.
(11) المصدر: صراط اللّه.
(12) إلى الحقّ.
(13) تفسير الفرات/ 44.
485
- تعالى-: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [إلى آخر الآية] (1).
فبسط أبو جعفر- (عليه السلام)- يده اليسرى (2)، ثمّ دوّر فيها يده اليمنى، ثمّ قال:
نحن صراط (3) المستقيم. فاتّبعوه و لا تتّبعوا السّبل، فتفرّق بكم عن سبيله يمينا و شمالا.
[ثمّ خطّ] (4) بيده.
فرات (5) قال: حدّثني جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا، عن حمران قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول في قول اللّه- تعالى-: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ.
قال: عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من ولد فاطمة- (عليهما السلام)-. هم [صراط اللّه] (6). فمن أتاه سلك السّبل (7).
فرات (8) قال: حدّثني محمّد بن القاسم بن عبيد (9) معنعنا، عن حمران قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- [يقول] (10) في قول اللّه- تعالى-: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ.
قال: عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من ولد فاطمة- (عليهما السلام)-. هم صراط اللّه. فمن أتاه، سلك السّبل (11).
فرات (12) قال: حدّثني محمّد بن الحسن بن إبراهيم (13) معنعنا، عن أبي جعفر قال:
حدّثنا أبو برزة قال: بينما نحن عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم- إذ قال، و أشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: و أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
____________
(1) المصدر: فتفرق بكم عن سبيله، قال.
(2) كذا في المصدر، و النسخ: اليسار.
(3) «ج» و «ر»: صراطه.
(4) كذا في المصدر، و النسخ: خطه.
(5) تفسير فرات/ 44- 45.
(6) المصدر: صراطه.
(7) المصدر: السبيل.
(8) تفسير فرات/ 41.
(9) المصدر: «جعفر بن محمد الفزاري» بدل «محمد بن القاسم بن عبيد».
(10) من المصدر.
(11) المصدر: السبيل.
(12) تفسير فرات/ 43.
(13) المصدر: محمد بن الحسين بن إبراهيم.
486
(إلى آخر الآية).
فقال رجل: أليس إنّما يعني اللّه: فضل هذا الصّراط على ما سواه؟
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هذا جفاء بك (1)، يا فلان. أمّا قولك: «فضّل الإسلام على ما سواه» كذلك (2).
و أمّا قول اللّه: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ فإنّي (3) قال قلت لربّي مقبل من (4) غزوة تبوك الأولى: اللّهم، إنّي جعلت عليا منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة له من بعدي. فصدّق كلامي، و أنجز وعدي. و اذكر عليّا [بالقرآن كما ذكرت] (5) هارون، فإنّك قد ذكرت اسمي في القرآن. فقرأ آية، فأنزل تصديق قولي، فرسخ حسده (6) من أهل هذه القبلة، و تكذيب المشركين حتّى شكّوا في منزلة (7) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فنزل «هذا صراط عليّ مستقيم» و هو هذا (8) جالس عندي. فاقبلوا نصيحته (9)، و اتّبعوا (10) قوله. فإنّه من [سبّني، فقد سبّ] (11) اللّه. و من سبّ عليّا، فقد سبّني.
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: عطف على «وصّاكم». و «ثمّ» للتّراخي في الأخبار، أو للتّفاوت في الرّتبة، كأنّه قيل: ذلكم وصّاكم به قديما و حديثا، ثمّ أعظم من ذلك إنّا آتينا موسى الكتاب.
تَماماً: للكرامة و النّعمة.
عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ: على من أحسن القيام. و يؤيّده أن قرئ: «على الّذين
____________
(1) المصدر: جفاؤك.
(2) المصدر: فكذلك.
(3) كذا في المصدر، و النسخ: قال.
(4) المصدر: عن.
(5) كذا في المصدر، و النسخ: بالقلب كما ذكر.
(6) كذا في المصدر، و في «ج»: حيله، و في سائر النسخ: جسده.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: منزل.
(8) ليس في المصدر.
(9) كذا في المصدر، و في ج و ر: لنصيحته، و في سائر النسخ: النصيحة.
(10) المصدر: و أقبلوا.
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: يسبّني يسبّ.
487
أحسنوا»، «أو على الّذي أحسن تبليغه» (1) و هو موسى- (عليه السلام)- أو تماما على ما أحسنه، أي: أحاده من العلم و الشّرائع، أي: زيادة على علمه إتماما له.
و قرئ (2): بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: على الدّين الّذي هو أحسن. أو على الوجه الّذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب.
وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ: بيانا مفصّلا لكل ما يحتاج إليه في الدّين. و هو عطف على تماما. و نصبهما يحتمل العلّة، و الحال، و المصدر.
وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ: لعلّ بني إسرائيل.
بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)، أي: بلقاء الجزاء.
وَ هذا كِتابٌ، يعني: القرآن.
أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ: كثير النّفع.
فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155): بواسطة اتّباعه. و هو العمل بما فيه.
أَنْ تَقُولُوا: كراهة أن تقولوا. علّة «لأنزلناه».
إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، أي: اليهود و النّصارى.
قيل (3): و لعلّ الاختصاص في «إنّما»، لأنّ الباقي المشهور حينئذ من الكتب السّماويّة لم يكن غير كتبهم.
وَ إِنْ كُنَّا.
«إن» هي المخفّفة. و لذلك دخلت اللام الفارقة على خبر كان، أي: و إنّه كنّا.
عَنْ دِراسَتِهِمْ: قراءتهم.
لَغافِلِينَ (156): لا ندري ما هي. أو لا نعرف مثلها.
أَوْ تَقُولُوا: عطف على الأوّل.
لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ: لحدّة أذهاننا و ثقابة أفهامنا.
____________
(1) «ج»: بتبليغه.
(2) أنوار التنزيل 1/ 338.
(3) أنوار التنزيل 1/ 338.
488
و لذلك تلقّفنا من العلم، كالقصص و الأشعار (1) و الخطب، على أنّا أمّيّون.
فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ: حجّة واضحة تعرفونها.
وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ: لمن تأمّل فيه و عمل به.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ: بعد أن عرف صحّتها، أو تمكّن من معرفتها.
وَ صَدَفَ: و أعرض، أو صدّ.
عَنْها: فضلّ و أضلّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، أي (3): دفع عنها. [فضلّ و أضلّ] (4).
سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ: لشدّته.
بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157): بإعراضهم، أو صدّهم، أو دفعهم.
في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى الحسين بن المختار قال:
دخل حيّان (6) السّراج على الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- فقال له: يا حيان (7)، ما يقول أصحابك في محمّد بن الحنفيّة؟
قال: يقولون: إنّه حيّ يرزق.
فقال الصّادق- (عليه السلام)-: حدّثني أبي أنّه كان في من عاده في مرضه، و في من أغمضه، و أدخله حفرته، و زوّج نسائه، و قسم ميراثه.
فقال: يا أبا عبد اللّه، إنّما مثل محمّد بن الحنفيّة في هذه الأمّة، كمثل عيسى بن مريم- (عليه السلام)- شبّه أمره للنّاس.
فقال الصّادق- (عليه السلام)-: شبّه أمره على أوليائه أو على أعدائه؟
____________
(1) كذا في المصدر، و في ر: الألقان، و في سائر النسخ: الألغاز.
(2) تفسير القمي 1/ 221.
(3) المصدر: يعني.
(4) ما بين المعقوفتين لا يوجد في المصدر.
(5) كمال الدّين/ 36.
(6) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 288، و في «ج»: حنان.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: حنان.
489
قال: [بل] (1) على أعدائه.
فقال: أ تزعم أنّ أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- عدوّ عمّه محمّد بن الحنفيّة؟
فقال: لا.
فقال الصّادق- (عليه السلام)-: يا حيان (2)، إنّكم صدفتم عن آيات اللّه، و قد قال اللّه- تبارك و تعالى- سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ.
هَلْ يَنْظُرُونَ: إنكار، أي: ما ينتظرون، يعني: أهل مكّة. و هم ما كانوا منتظرين لذلك، و لكن لمّا كان يلحقهم ما يلحق المنتظر من الإعراض و الصّد شبّهوا بالمنتظرين.
إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ: ملائكة الموت، أو العذاب.
و قرأ (3) حمزة و الكسائي، بالياء.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، أي: أمره بالعذاب. أو كلّ آياته، يعني: آيات القيامة و الهلاك الكلّيّ، لقوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ.
قيل (4): يعني: أشراط السّاعة.
و في كتاب الاحتجاج (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في معنى هذه الآية:
فإنّما خاطب نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- هل ينتظر (6) المنافقون و المشركون إلّا أن تأتيهم الملائكة، فيعاينوهم (7). أو يأتي ربّك. أو يأتي بعض آيات ربّك، يعني بذلك: أمر ربّك. و الآيات هي العذاب في دار الدّنيا، كما عذّب الأمم السّالفة و القرون الخالية.
و فيه، و في كتاب التّوحيد (8): عنه- (عليه السلام)-: يخبر محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن المشركين و المنافقين الّذين لم يستجيبوا للّه و لرسوله، فقال:
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: حنان.
(3) أنوار التنزيل 1/ 339.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) الإحتجاج 1/ 372.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: ينظرون.
(7) المصدر: فيعاينونهم.
(8) الإحتجاج 1/ 362- 363، و التوحيد/ 266.
490
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ. و حيث لم يستجيبوا للّه و لرسوله أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، يعني بذلك: العذاب يأتيهم في دار الدّنيا، كما عذّب القرون الأولى.
و في رواية العامّة (1)، عن حذيفة و البراء بن عازب: كنّا نتذاكر السّاعة، إذ أشرف علينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال: ما تتذاكرون؟
قلنا: نتذاكر السّاعة.
قال: إنّها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر [آيات: الدخان] (2)، و دابّة الأرض، و خسفا بالمشرق، و خسفا بالمغرب، و خسفا بجزيرة العرب، و الدّجّال، و طلوع الشّمس من مغربها، و يأجوج و مأجوج، و نزول عيسى، و نارا تخرج من عدن.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها، كالمحتضر، إذا صار الأمر عيانا و الإيمان برهانيّ.
و قرئ (3): «تنفع» بالتّاء. لإضافة الإيمان إلى ضمير المؤنّث.
لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: صفة «نفسا».
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً: عطف على «آمنت».
و المعنى: أنّه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدّمة إيمانها. أو مقدمة إيمانها، غير كاسبة في إيمانها خيرا.
و في كتاب التّوحيد (4)، في الحديث السّابق: «من قبل»، يعني: من قبل أن تجيء هذه الآية. و هذه الآية طلوع الشّمس من مغربها.
و في كتاب الخصال (5): عن [حفص بن غياث عن] (6) أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل أبي (7)- (عليه السلام)- عن حروب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و كان
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 339.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: آيات اللّه دخان.
(3) أنوار التنزيل 1/ 339.
(4) التوحيد/ 266.
(5) الخصال/ 274، صدر ح 18.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: أبا عبد اللّه.
491
السّائل من محبّينا.
فقال له أبي (1): إنّ اللّه- تعالى- بعث محمّدا بخمسة أسياف، [ثلاثة] (2) منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها. فإذا طلعت الشّمس من مغربها، آمن النّاس كلّهم في ذلك اليوم.
فيومئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (3)، مثله.
و في تفسير العيّاشي (4): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- في قوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها.
قال: طلوع الشّمس من المغرب، و خروج الدّابّة، و الدّجّال، و الرّجل يكون مصرّا و لم يعمل (5) عمل (6) الإيمان. ثمّ تجيء الآيات، فلا ينفعه إيمانه.
عن عمرو بن شمر (7)، عن أحدهما- (عليه السلام)- في قوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. قال: المؤمن العاصي حالت بينه و بين إيمانه كثرة ذنوبه و قلّة حسناته، فلم يكسب في إيمانه خيرا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في هذه الآية: «الآيات» هم الأئمّة- (عليهم السلام)-. و الآية المنتظرة، القائم- (عليه السلام)-. فيومئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ قيامه بالسّيف، و إن آمنت بمن تقدّمه من آبائه- (عليهم السلام)-.
____________
(1) المصدر: أبو عبد اللّه.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 5/ 10، صدر ح 2.
(4) تفسير العياشي 1/ 384- 385، ح 128.
(5) كذا في المصدر و ج و ر. و في سائر النسخ: لم يحمل.
(6) المصدر: على.
(7) تفسير العيّاشيّ 1/ 385، ح 130.
(8) كمال الدين/ 336، ح 8.
492
و بإسناده (1) إلى عليّ بن أبي حمزة: عن أبي بصير قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً، يعني: خروج القائم المنتظر منّا.
و بإسناده (2) إلى إنزال بن سيّارة (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه خروج الدّجال و قاتله. و في آخره يقول: ألا إنّ بعد ذلك الطّامّة الكبرى.
قيل (4): و ما ذلك، يا أمير المؤمنين؟
قال: خروج دابّة [من] (5) الأرض عند الصّفا معها خاتم سليمان و عصا موسى- (عليهما السلام)-. تضع (6) الخاتم على وجه كلّ مؤمن فينطبع فيه: هذا مؤمن حقّا.
و تضعه (7) على وجه كلّ كافر فيكتب (8): هذا كافر حقّا. حتّى أنّ المؤمن لينادي: الويل لك، يا كافر. و أنّ الكافر لينادي: طوبى لك، يا مؤمن، وددت أنّي [اليوم] (9) كنت مثلك فأفوز فوزا عظيما. ثمّ ترفع الدّابّة رأسها فيراها من بين الخافقين بإذن اللّه- جلّ جلاله-. و ذلك بعد طلوع الشّمس من مغربها. فعند ذلك ترفع التّوبة، فلا توبة تقبل (10) و لا عمل يرفع و لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً.
ثمّ قال- (عليه السلام)-: لا تسألوني عمّا يكون بعد هذا، فإنّه [عهده] (11) إليّ حبيبي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن لا أخبر به غير عترتي.
و بإسناده (12) إلى [الربيع بن] محمّد بن المسلى (13) عن (14) عبد اللّه بن سليمان العامريّ:
____________
(1) كمال الدين/ 357، صدر ح 54.
(2) كمال الدين/ 527.
(3) المصدر: النزال بن سبرة.
(4) المصدر: قلنا.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: يضع.
(7) المصدر: يضعه.
(8) المصدر: فتنكتب.
(9) من المصدر.
(10) المصدر: فلا تقبل توبة.
(11) من المصدر.
(12) كمال الدين/ 229 ح 24.
(13) كذا في المصدر، و في جامع الرواة 1/ 486:
ربيع بن محمد المسليّ، و في النسخ: «محمد بن مسلم» بدل «الربيع بن محمد بن المسلىّ».
(14) كذا في المصدر، و في النسخ: و.
493
عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما زالت الأرض و للّه- تعالى ذكره- فيها حجّة، يعرف الحلال و الحرام و يدعو إلى سبيل اللّه- جلّ و عزّ-. و لا ينقطع الحجّة من الأرض إلّا أربعين يوما قبل يوم القيامة. فإذا رفعت الحجّة، أغلقت أبواب التّوبة. و لن ينفع نفسا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أن ترفع الحجّة. أولئك شرار من (1) خلق اللّه. و هم الّذين تقوم عليهم القيامة.
و في أصول الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبد اللّه بن محمّد اليمانيّ، عن منيع بن الحجّاج، عن يونس، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، يعني: في الميثاق. أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. قال: الإقرار بالأنبياء و الأوصياء، و أمير المؤمنين خاصّة. قال: لا ينفع إيمانها لأنّها سلبت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا طلعت الشّمس من مغربها، فكلّ من آمن في ذلك اليوم لا (4) ينفعه إيمانه.
و اعلم أنّه من لم يعتبر الإيمان المجرّد عن العمل، استدلّ بهذه الآية و بعض الأخبار السّالفة. و للمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم. و حمل التّرديد على اشتراط عدم النّفع بأحد الأمرين على معنى: لا ينفع نفسا خلت عنها إيمانها. و العطف على «لم تكن» بمعنى: لا ينفع نفسا إيمانها الّذي أحدثته حينئذ و إن كسبت فيه خيرا. و حمل بعض الأخبار على ما إذا حالت معاصيه بينه و بين إيمانه، أي: صار قساوة المعاصي سبب زوال إيمانه و اعتقاده.
قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158): وعيد لهم، أي: انتظروا إتيان أحد الأمور الثّلاثة فإنّا منتظرون، و حينئذ لنا الفوز و عليكم الويل.
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ: بدّدوه. فآمنوا ببعض و كفروا ببعض، و افترقوا فيه.
____________
(1) المصدر: [من].
(2) الكافي 1/ 428، ج 81.
(3) تفسير القمي 1/ 221.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: لم.
494
و قرأ (1) حمزة و الكسّائيّ: «فارقوا»، أي:
باينوا.
و نسبها في مجمع البيان إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشي (2): عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: كان عليّ- (عليه السلام)- يقرأها: «فارقوا دينهم».
ثمّ قال: فارق و اللّه القوم [دينهم] (3).
وَ كانُوا شِيَعاً: فرقا، يتشيّع كلّ فرقة إماما.
و في مجمع البيان (4): عن الباقر- (عليه السلام)-: إنّهم أهل الضلالة (5) و أصحاب الشّبهات و البدع من هذه الأمّة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قال: فارقوا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و صاروا أحزابا.
و عن الصّادق- (عليه السلام) (7)- في هذه الآية: فارق القوم [و اللّه] (8) دينهم.
و عن النّبيّ (9)- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: افترقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلّا واحدة. و افترقت النّصارى على ثنتين و سبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلّا واحدة. و ستفترق (10) أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة، كلّها في الهاوية (11) إلّا واحدة.
و في رواية أخرى (12) عنه- (عليه السلام)-: ستفترق أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة، كلّها في النّار إلّا واحدة، و هي الّتي تتبع وصيّي عليّا.
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 388.
(2) تفسير العياشي 1/ 385 ح 131.
(3) من المصدر.
(4) مجمع البيان 2/ 389.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: الضلال.
(6) تفسير القمي 1/ 222.
(7) نفس المصدر، و الموضع.
(8) من المصدر.
(9) أنوار التنزيل 1/ 339.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: تفرق.
(11) كذا في المصدر، و في النسخ: النّار.
(12) تفسير الصافي 2/ 174.
495
قيل (1): أي: [في شيء] (2) من السّؤال عنهم و عن تفرّقهم. أو من عقابهم. أو أنت بريء منهم.
و قيل (3): معناه: أنّك على المباعدة التّامّة من الاجتماع معهم في شيء (4) من مذاهبهم الفاسدة.
و الحمل على العموم، أولى.
و قيل (5): هو نهي عن التّعرض لهم، و هو منسوخ بآية السيف.
إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ: يتولّى جزاءهم.
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159): بالعقاب.
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، أي: عشر حسنات أمثالها فضلا من اللّه.
و قرأ (6) يعقوب: «عشر» بالتّنوين، «و أمثالها» بالرّفع على الوصف. و هذا أقلّ ما وعد من الأضعاف. و قد جاء الوعد بسبعين و بسبعمائة و بغير حساب. و لذلك قيل: المراد بالعشرة، الكثرة دون العدد.
و في مجمع البيان (7): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [أنه قال] (8): لمّا نزلت هذه الآية: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها (9) قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ربّ زدني فأنزل اللّه- سبحانه- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (الحديث).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (10): فهذه ناسخة لقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.
و أقول: إنّما تكون ناسخة إذا كان بينهما منافاة و لبس، فليس بل هي تفصيل
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 339.
(2) من المصدر.
(3) المجمع 2/ 389.
(4) المصدر: معنى.
(5) أنوار التنزيل 1/ 339.
(6) أنوار التنزيل 1/ 340.
(7) المجمع 1/ 349.
(8) من المصدر.
(9) النحل: 89، و القصص: 84.
(10) تفسير القمي 1/ 222.
496
لها.
و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: هل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك؟
فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد. و لكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما و ما يتقرّبان به إلى اللّه- عزّ و جلّ-.
قلت (2): أليس اللّه- عزّ و جلّ- يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها و زعمت أنهم مجتمعون على الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ مع المؤمن؟
قال: أليس قد قال اللّه- عزّ و جلّ-: [فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (3)؟ فالمؤمنون هم الذين] (4) يضاعف اللّه- عزّ و جلّ- لهم حسناتهم، لكلّ حسنة سبعون ضعفا. فهذا فضل المؤمن. و يزيده الله في حسناته على قدر صحّة إيمانه أضعافا كثيرة، و يفعل اللّه بالمؤمنين ما يشاء من الخير. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): حدّثنا محمّد بن سلمة قال: حدّثنا [محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا] (6) يحيى بن زكريا اللّؤلؤيّ، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية: [قال] (7) هي للمسلمين عامّة.
و الحسنة الولاية. فمن عمل حسنة، كتب له عشرا (8).
قال: فإن لم تكن له ولاية، دفع (9) عنه بما عمل من حسنة في الدّنيا و ماله في الآخرة من خلاق.
____________
(1) الكافي 2/ 26- 27، ضمن ح 5.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: قيل.
(3) البقرة: 245.
(4) من المصدر.
(5) تفسير القمّي 2/ 131.
(6) من المصدر.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: عشرة.
(9) المصدر: رفع.
497
وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها: قضيّة للعدل.
وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (160): بنقص الثّواب و زيادة العقاب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لما أعطى اللّه- تعالى- إبليس ما أعطاه من القوّة (2) قال آدم: يا ربّ، سلّطته على ولدي و أجريته فيهم (3) مجرى الدّم في العروق، و أعطيته ما أعطيته. فما لي و لولدي؟
فقال: لك و لولدك السّيّئة بواحدة و الحسنة بعشر (4) أمثالها.
قال: ربّ، زدني.
قال: التّوبة مبسوطة إلى [أن تبلغ] (5) النّفس الحلقوم.
فقال: يا ربّ، زدني.
قال: أغفر و لا أبالي.
قال: حسبي.
و في كتاب معاني الأخبار (6): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: ويل لمن غلبت آحاده [أعشاره] (7).
فقلت له: و كيف هذا؟ فقال: أما سمعت الله- عزّ و جلّ- يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها. فالحسنة الواحدة إذا عملها كتبت له عشرا، و السّيّئة الواحدة إذا عملها كتبت له واحدة. فنعوذ باللّه [ممن يرتكب] (8) في يوم واحد عشر سيّئات و لا يكون له حسنة واحدة، فتغلب حسناته سيّئاته.
____________
(1) تفسير القميّ 1/ 42.
(2) «ج» و «ر»: الحياة.
(3) ليس في المصدر: فيهم.
(4) المصدر: بعشرة.
(5) المصدر: حين يبلغ.
(6) المعاني/ 248، ح 1.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: من يركب.
498
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن البرقيّ، عن القاسم بن محمّد، عن العيص، عن نجم بن حطيم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من نوى الصّوم ثمّ دخل على أخيه، فسأله أن يفطر عنده، فليفطر و ليدخل عليه السّرور. فإنه يحسب له بذلك اليوم عشرة أيّام. و هو قول اللّه- تعالى-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن الصّوم في الحضر.
فقال: ثلاثة أيّام في كلّ شهر، الخميس من جمعة، و الأربعاء من جمعة، و الخميس من جمعة أخرى.
و قال: [قال] (3) أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: صيام شهر الصّبر [و ثلاثة أيّام من كلّ شهر يذهبن ببلابل الصدور] (4) و صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر صيام الدهر (5). إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها.
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى زيد بن عليّ- (عليه السلام)- قال: سألت أبي سيّد العابدين- (عليه السلام)- فقلت: يا أبة، أخبرني عن جدّنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما عرج به إلى السّماء و أمره ربّه- عزّ و جلّ- بخمسين صلاة، كيف لم يسأله التّخفيف عن أمّته حتّى قال له موسى بن عمران: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك؟
فقال: يا بنيّ، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [كان] (7) لا يقترح على ربّه- عزّ و جلّ- و لا يراجعه في شيء يأمره به. فلمّا سأله موسى- (عليه السلام)- ذلك و صار شفيعا لأمّته إليه، لم يجز له ردّ شفاعة أخيه موسى- (عليه السلام)-. فرجع إلى ربّه فسأله التّخفيف إلى أن ردّها (8) إلى خمس صلوات.
____________
(1) الكافي 4/ 150، ح 2.
(2) الكافي 4/ 92- 93، ح 6.
3 و 4- من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: الشهر.
(6) التوحيد/ 176- 177، صدر ح 8.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: يردّها.
499
قال: فقلت له: يا أبة، فلم لم يرجع إلى ربّه- عزّ و جلّ- و لم يسأله التّخفيف بعد (1) خمس صلوات؟
فقال: يا بنيّ، أراد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يحصل لأمّته التّخفيف مع أجر خمسين صلاة. لقول (2) اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير فرات بن إبراهيم (3) الكوفيّ: [فرات] (4) قال: حدّثني محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قوله (5): مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فإذا جاء بها مع الولاية، فله عشر أمثالها. وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ (6) في نار جهنّم لا يخرج منها و لا يخفّف عنها العذاب. وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ من غيرهم فَلا يُجْزى (7) إِلَّا مِثْلَها.
قوله: [مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ] (8) أمن من فزع يوم القيامة. قال: الحسنة ولايتنا و حبّنا. وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ و لم يقبل لهم عدلا و لا صرفا و لا عملا، فهو بغضنا أهل البيت. هل يجزون إلّا ما كانوا يعملون»؟
قال بعض الموافقين (9): لعلّ السّر في كون الحسنة بعشر أمثالها و السّيّئة مثلها، أنّ الجوهر الإنسانيّ المؤمن [بطبعه مائل] (10) إلى العالم العلويّ، لأنه مقتبس عنه. و هبوطه إلى القالب الجسمانيّ، غريب من طبيعته. و الحسنة [إنّما] (11) ترتقى إلى ما يوافق طبيعة ذلك الجوهر، لأنها من جنسه. و القوّة الّتي تحرّك الحجر إلى [ما] (12) فوق ذراعا واحدا [هي] (13) بعينها إن استعملت في تحريكه إلى أسفل حرّكته عشرة أذرع و زيادة. فلذلك (14) كانت
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: عن.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: يقول.
(3) تفسير فرات/ 45.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: قرأ.
(6) النحل: 90.
(7) المصدر و «ج»: لا يجازى.
(8) من المصدر.
(9) هو المولى الفيض الكاشاني كما في تفسير الصافي 2/ 176.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: لطيفة مائلة.
11 و 12 و 13- من المصدر.
(14) كذا في المصدر، و في النسخ: فكذلك.
500
الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، و منها ما يوفى (1) بغير حساب. و الحسنة الّتي لا يدفع تأثيرها سمعة أو رياء أو عجب، كالحجر الّذي يدور من شاهق لا يصادفه دافع.
لأنّه (2) لا يتقدّر مقدار هويته (3) بحساب حتّى تبلغ الغاية. (انتهى كلامه).
و لا يخفى أنّه لو تمّ، لناسب ادعاء كون النّفس إلى ارتكاب الحسنة أميل و عليه من ارتكاب السّيّئة أقدر. و لا يخفى كذب ذلك الادعاء كلّيّا و عدم ادّعائه هاهنا جزئيّا.
فهذا خبط في أمانة السّرّ، و على اللّه التّكلان في التّوفيق للبرّ.
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: بالوحي و الإرشاد إلى ما نصب من الحجج.
و في أمالي شيخ الطّائفة (4)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. فيه يقول لعليّ- (عليه السلام)-: من أحبّك لدينك (5) و أخذ بسبيلك، فهو ممّن هدي إلى صراط مستقيم.
دِيناً: يدل من محلّ «إلى صراط»، إذ المعنى: هداني صراطا. أو مفعول فعل مضمر، دلّ عليه الملفوظ.
قِيَماً: فيعل، من قام، كسيّد من ساد، و هيّن من هان. و هو أبلغ من المستقيم باعتبار الزّنة، و المستقيم باعتبار الصّيغة.
و قرأ (6) ابن عامر و حمزة و الكسائيّ: «قيما»، على أنّه مصدر نعت به. و كان قياسه «قوما» كعوض فاعل لإعلال فعله، كالقيام.
مِلَّةَ إِبْراهِيمَ: عطف بيان ل «دينا».
حَنِيفاً: حال من «إبراهيم». و هو أحد المواضع الثّلاثة الّتي يجوز فيها الحال عن المضاف إليه.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: يؤتى.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: فإنّه.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: هويه.
(4) أمالي الطوسي 2/ 106.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: «ثم يأتيك» بدل «لدينك».
(6) أنوار التنزيل 1/ 340.
501
وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161).
في كتاب الخصال (1): عن زرارة قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بني الإسلام على عشرة أسهم: على شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و هي الملّة و الصلاة (2) و هي الفريضة. (الحديث)
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي عبد الرّحمن، عن أبي كلدة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر إبراهيم- (عليه السلام)-: دينه ديني و ديني دينه، و سنّته سنّتي و سنّتي سنّته، و فضلي فضله و أنا أفضل منه.
و عن زرارة (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما أبقت الحنيفية (5) شيئا، حتّى أنّ منها قصّ الأظفار و الأخذ من الشّارب و الختان.
و عن جابر الجعفيّ (6)، عن محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- قال: ما من أحد من هذه الامّة (7) يدين بدين إبراهيم- (عليه السلام)- غيرنا، و غير (8) شيعتنا.
و عن طلحة بن زيد (9)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه بعث خليله بالحنيفية (10) و أمره بأخذ الشّارب، و قصّ الأظفار، و نتف الإبط، و حلق العانة، و الختان.
و عن (11) عمر بن أبي تميم قال: سمعت عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)- يقول:
ما من (12) أحد على ملّة إبراهيم إلّا نحن و شيعتنا، و سائر النّاس منها براء.
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي: عبادتي كلّها، أو قرباني، أو حجّي.
____________
(1) الخصال/ 447، صدر ح 47.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: الصلة.
(3) تفسير العياشي 1/ 169، ضمن ح 33.
(4) تفسير العياشي 1/ 388 ح 143.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: الحنفيّة.
(6) تفسير العياشي 1/ 388 ح 144.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: الآية.
(8) ليس في المصدر.
(9) تفسير العيّاشي 1/ 388، ح 145.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: بالحنفيّة.
(11) تفسير العيّاشي 1/ 388، ح 146.
(12) ليس في المصدر.
502
وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي: و ما أنا عليه في حياتي و أموت عليه من الإيمان و الطّاعة. أو طاعات الحياة و خيرات الممات، كالوصيّة و التّدبير. أو الحياة و الممات أنفسهما.
و قرأ (1) نافع: «محياي» بإسكان الياء، إجراء للوصل مجرى الوقف.
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162): خالصة.
لا شَرِيكَ لَهُ: لا أشرك فيها غيره.
وَ بِذلِكَ، أي: القول، أو الإخلاص، أو الأعمّ.
أُمِرْتُ: من اللّه.
وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163).
قيل (2): لأنّ إسلام كلّ نبيّ متقدّم على إسلام أمّته.
و قيل (3): بل لأنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوّل من أجاب في الميثاق في عالم الذّرّ، كما ورد عنهم- (عليهم السلام)-.
فإسلامه متقدّم على إسلام الخلائق كلّهم.
و يمكن إرجاع القولين إلى شيء واحد، إذ قال القائل الأوّل: بأنّ الأنبياء السّابق من أمّته- أيضا-، كما ورد ذلك في بعض الأخبار.
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا: فأشركه في عبادتي. و هو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم.
وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: حال في موضع العلّة للإنكار و الدّليل له، إذ كلّ ما سواه مربوب مثلي لا يصحّ للرّبوبيّة.
وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ: جزاء عمل من طاعة أو معصية.
إِلَّا عَلَيْها: فعليها عقاب معصيتها و لها ثواب طاعتها.
وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. جواب عن قولهم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ.
في كتاب الخصال (4): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 340.
(2) أنوار التنزيل 1/ 340.
(3) تفسير الصافي 2/ 177.
(4) الخصال/ 608.
503
هذه شرائع الدّين- إلى أن قال-: و لا يأخذ اللّه- عزّ و جلّ- البريء بالسّقيم، و لا يعذّب اللّه- عزّ و جلّ- الأطفال بذنوب الآباء. فإنّه (1) قال في محكم كتابه: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.
و في مجمع البيان (2): روى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: لا تجن (3) يمينك على شمالك.
و في عيون الأخبار (4): حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ- رضي اللّه عنه- قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللّه ما تقول في حديث روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين- (عليه السلام)- بفعال آبائهم (5)؟
فقال- (عليه السلام)-: هو كذلك.
فقلت: قول اللّه- تعالى-: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ما معناه؟
قال: صدق اللّه في جميع أقواله، و لكن ذراري قتلة الحسين- (عليه السلام)- يرضون بفعال (6) آبائهم و يفتخرون بها. و من رضي شيئا، كان كمن أتاه. و لو أن رجلا قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب، لكان الرّاضي عند اللّه- عزّ و جلّ- شريك القاتل.
و إنّما يقتلهم القائم- (عليه السلام)- إذا خرج، لرضاهم بفعل آبائهم.
و فيه (7)، و في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و لا يأخذ اللّه- تعالى- البريء بالسّقيم، و لا يعذّب اللّه- تعالى- الأطفال بذنوب الآباء وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.
و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ (8)، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- حديث
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: لأنّه.
(2) المجمع 3/ 404.
(3) المصدر: تحنّ.
(4) العيون 1/ 273، ح 5.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: آبائها.
(6) نسخة من المصدر: أفعال.
(7) العيون 2/ 125.
(8) الإحتجاج 2/ 41.
504
طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّ عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- لمّا حدّث بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا ابن رسول اللّه، كيف يعاتب (1) اللّه و يوبّخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتاها أسلافهم و هو يقول: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟
فقال زين العابدين- (عليه السلام)-: إنّ القرآن نزل بلغة العرب، فهو يخاطب فيه أهل اللّسان بلغتهم. يقول الرّجل لتميميّ (2) قد أغار قومه على بلد و قتلوا من فيه: أغرتم على بلد كذا، أو فعلتم كذا. و يقول العربيّ: و نحن فعلنا ببني فلان، و نحن سبينا آل فلان، و نحن خرّبنا بلد كذا. لا يريد أنّهم باشروا ذلك، و لكن يريد هؤلاء بالعذل و أولئك بالافتخار (3) أنّ قومهم فعلوا كذا. و قول اللّه- عزّ و جلّ- في هذه الآيات إنّما هو توبيخ لأسلافهم و توبيخ العذل على هؤلاء الموجودين. لأنّ (4) ذلك هو اللّغة الّتي نزل بها القرآن، و لأنّ (5) هؤلاء الأخلاف [أيضا] (6) راضون بما فعل أسلافهم مصوّبون ذلك (7) لهم.
فجاز أن يقال أنتم: فعلتم [أي] (8): إذا رضيتم قبيح فعلهم.
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ: يوم القيامة.
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164): فيبيّن الرّشد من الغّي، و يميّز المحقّ من المبطل.
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ: يخلف بعضكم بعضا. أو خلفاء اللّه في أرضه تتصرفّون فيها، على أنّ الخطاب عامّ. أو خلفاء الأمم السّابقة، على أنّ الخطاب للمؤمنين.
وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: في الشّرف و الغنى.
لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ: من الجاه و المال كيف تشكرون نعمه.
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ: لأنّ ما هو آت قريب. و لأنّه يسرع إذا أراده.
____________
(1) كذا في «ر»، و في سائر النسخ: يعاقب.
(2) المصدر: التميميّ.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: بالامتحان.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: فإنّ.
(5) المصدر: الآن.
(6) من المصدر.
(7) ليس في المصدر.
(8) من المصدر.
505
وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165).
وصف العقاب، و لم يضفه إلى نفسه. و وصف ذاته بالمغفرة، و ضمّ إليه الوصف بالرّحمة. و أتى ببناء المبالغة و اللام المؤكّدة، تنبيها على أنّه- تعالى- غفور بالذّات، معاقب بالعرض، كثير الرّحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قوله: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ قال: في القدر و المال. «ليبلوكم»، أي: يختبركم. فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 222.
