
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
الجزء الخامس
تأليف
محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
33
سورة الأعراف قيل (1): مكّيّة إلّا ثمان آيات من قوله- تعالى-: وَ سْئَلْهُمْ (2) إلى قوله- تعالى-:
وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ (3).
و قيل (4): و كلّها محكم.
و قيل (5): إلّا قوله: وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (6).
و آيها مائتان و خمس [أو ست] (7) آيات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في كتاب ثواب الأعمال (8): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: من قرأ سورة الأعراف في كلّ شهر، كان يوم القيامة من الّذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. فإن قرأها في كلّ جمعة، كان ممّن لا يحاسب يوم القيامة. أما إنّ فيها محكما فلا تدعوا قراءتها، فإنّها تشهد يوم القيامة لمن قرأها.
و في مصباح الكفعميّ (9): عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، جعل اللّه بينه و بين إبليس سترا (10). و كان آدم- (عليه السلام)- شفيعا له يوم القيامة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 341.
(2) الأعراف/ 163.
(3) الأعراف/ 171.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 341.
(6) الأعراف/ 199.
(7) من المصدر.
(8) ثواب الأعمال/ 132، ح 1.
(9) مصباح الكفعمي/ 439.
(10) ب: سدا.
38
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ: يعمّ القرآن و السّنّة، لقوله- تعالى-: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ: يضلّونكم (1) من الجنّ و الإنس.
و قيل (2): الضّمير في «من دونه» «لما أنزل»، أي: و لا تتّبعوا من دون دين اللّه دين أولياء.
و قرئ (3): «و لا تبتغوا (4)».
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (3)، أي: تذكّرا (5) قليلا. أو زمانا قليلا تذكّرون، حيث تتركون دين اللّه و تتّبعون غيره.
و «ما» مزيدة لتأكيد القلّة. و إن جعلت مصدريّة، لم ينتصب «قليلا» «بتذكّرون».
و قرأ (6) حمزة و الكسائيّ و حفص، عن عاصم: «تذكّرون» بحذف التّاء. و ابن عامر «يتذكّرون» بالياء، على أنّ الخطاب بعد مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبة: قال اللّه: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ. ففي اتّباع ما جاءكم من اللّه الفوز العظيم، و في تركه الخطأ المبين.
وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ: و كثيرا من القرى.
أَهْلَكْناها: أردنا إهلاك أهلها. أو أهلكناها بالخذلان.
فَجاءَها: فجاء أهلها.
بَأْسُنا: عذابنا.
بَياتاً: بائتين، كقوم لوط. مصدر وقع موقع الحال.
أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4): عطف عليه، أي: قائلين نصف النّهار، كقوم شعيب.
و إنّما حذفت «واو» الحال استثقالا، لاجتماع حرفي عطف. فإنّها «واو»
____________
(1) ب: يضلّوكم.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 341.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: و لا تتبعوا.
(5) ب: تذكّروا.
(6) أنوار التنزيل 1/ 341.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 9، ح 4.
37
ثمّ قال أبو ياسر لحيّ (1) أخيه: و ما يدريك لعلّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد جمع هذا كلّه و أكثر منه.
فقال أبو جعفر- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ هذه الآيات أنزلت فيهم «منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب و أخر متشابهات». و هي تجري في وجوه أخر على غير ما تأوّل (2) به حيّ (3) و أبو ياسر و أصحابه.
كِتابٌ: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب. أو خبر «المص». و المراد به، السّورة أو القرآن.
أُنْزِلَ إِلَيْكَ: صفة.
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ، أي: شكّ، فإنّ الشّكّ حرج الصّدر. أو ضيق قلب من تبليغه، مخافة أن تكذّب فيه أو تقصّر في القيام بحقّه.
و توجيه النّهي إليه، للمبالغة، كقولهم: لا أرينّك ها هنا.
و «الفاء» تحتمل العطف و الجواب، فكأنّه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به، فلا يحرج صدرك.
و في مجمع البيان (4): و قد روي في الخبر: أنّ اللّه- تعالى- لمّا أنزل القرآن إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّي أخشى أن يكذّبني النّاس و يقطعوا (5) رأسي، فيتركوه كالجزّة (6). فأزال اللّه- تعالى- الخوف عنه.
لِتُنْذِرَ بِهِ: متعلّق «بأنزل إليك»، أو ب «لا يكن». لأنّه إذا أيقن أنّه من عند اللّه، جسر على الإنذار. و كذا إذا لم يخف منهم، أو علم أنّه موفّق للقيام بتبليغه.
وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2): يحتمل النّصب بإضمار فعلها، أي: لتنذر به و تذكّر ذكرى. فإنّها بمعنى التّذكير.
و الجرّ، عطفا على محلّ «تنذر».
و الرّفع، عطفا على «كتاب»، أو خبرا لمحذوف.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: ليحيى.
(2) من بداية تفسير سورة الأنعام إلى هنا لا يوجد في نسخة «أ».
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: يحيى.
(4) مجمع البيان 2/ 395.
(5) المصدر: يثلغوا. ثلغ رأسه: شدخه و كسره.
(6) المصدر: كالخبزة.
36
قال: فأقبل حيّ (1) بن أخطب على أصحابه فقال لهم: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، فهذه إحدى و سبعون سنة. فعجّب ممّن يدخل في دين مدّة ملكه و أجل (2) أمّته إحدى و سبعون سنة! قال: ثمّ أقبل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: يا محمّد، هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: «المص».
قال: إنّها أثقل و أطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون، فهذه مائة و إحدى و ستّون سنة.
ثمّ قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: «الر».
قال: هذا أثقل و أطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الرّاء» مائتان. فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: «المر».
قال: هذا أثقل و أطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الرّاء» مائتان.
ثمّ قال: هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قالوا: قد التبس علينا أمرك، فما ندري ما أعطيت. ثمّ قاموا عنه.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: يحيى.
(2) المصدر: أكل.
35
سيرتهم. منهم الفويسق (1) الملقّب بالهادي و النّاطق و الغاوي (2) و المعادي.
يا أبا لبيد، إنّ لي في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل «الم، ذلك الكتاب» فقام محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. حتّى ظهر نوره و تبتت كلمته و ولد يوم ولد، و قد مضى من الألف السّابع مائة سنة و ثلاث سنين.
ثمّ قال: و تبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطّعة إذا أعددتها (3) من غير تكرار.
و ليس من حروف مقطّعة حرف ينقضي أيّامه، إلّا و قائم من بني هاشم عند انقضائه.
ثمّ قال: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون. فذلك مائة و إحدى و ستّون. ثمّ كان بدء (4) خروج الحسين- (عليه السلام)- «الم، اللّه». فلمّا بلغت مدّته، قام قائم ولد العبّاس عند «المص». و يقوم قائمنا عند انقضائها [ «بالر»] (5). فافهم ذلك و عه (6) و اكتمه (7).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ حيّ (9) بن أخطب و أبا ياسر بن أخطب و نفرا من اليهود من أهل نجران أتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقالوا له: أ ليس تذكر فيما أنزل إليك «الم»؟
قال: بلى.
قالوا: أتاك (10) بها جبرئيل من عند اللّه؟
قال: نعم.
قالوا: لقد بعث أنبياء قبلك، ما نعلم نبيّا منهم أخبرنا (11) مدّة ملكه و ما أحلّ اللّه (12) غيرك.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: الغويسق.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: المعادي.
(3) المصدر: عدّدتها.
(4) كذا في المصدر، و في ب: عدد. و في سائر النسخ: مدد.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر، و في ب: و اعلم و في سائر النسخ: وعد.
(7) كذا في المصدر و في ر: و التمس. و في سائر النسخ: و اكتم.
(8) تفسير القمّي 1/ 223.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: يحيى.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: أتى.
(11) المصدر: «أخبر ما» بدل «أخبرنا».
(12) المصدر: «ما أكل أمّته» بدل «ما أحلّ اللّه».
31
الجزء الخامس
تفسير سورة الأعراف
39
عطف استعيرت للوصل، لا اكتفاء بالضّمير فإنّه غير فصيح.
و في التّعبيرين مبالغة في غفلتهم و أمنهم عن العذاب، و لذلك خصّ الوقتين.
و لأنّهما وقت دعة و استراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.
فَما كانَ دَعْواهُمْ، أي: دعاؤهم و استغاثتهم. أو ما كانوا يدّعونه من دينهم.
إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5): إلّا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه و بطلانه، تحسّرا عليه.
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ: عن قبول الرّسالة و إجابتهم الرّسل.
وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6): عن تأدية ما حمّلوا من الرّسالة. و المراد من هذا السّؤال، توبيخ الكفرة و تقريعهم.
و المنفيّ في قوله: وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ سؤال الاستعلام. أو الأوّل في موقف الحساب، و هذا عند حصولهم على العقوبة.
في كتاب الاحتياج (1) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث: فيقام الرّسل، فيسألون عن تأدية الرّسالات (2) الّتي حملوها إلى أممهم. [فيخبرون أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم] (3). و تسأل الأمم، فيجحدون (4)، كما قال اللّه: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. (الحديث).
و قد مضى تمامه في سورة النّساء عند تفسير فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ (5).
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ: على الرّسل، حين يقولون: لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. أو على الرّسل و المرسل إليهم ما كانوا عليهم.
بِعِلْمٍ: عالمين بظاهرهم و بواطنهم. أو بمعلومنا منهم.
وَ ما كُنَّا غائِبِينَ (7): عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
____________
(1) الإحتجاج 1/ 360.
(2) المصدر: الرسالة.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: فتجحد.
(5) النساء/ 41.
(6) تفسير القمي 1/ 224.
34
المص (1): قد سبق الكلام في تأويله في أوّل سورة البقرة.
و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل: «و المص» معناه: أنا (2) اللّه المقتدر الصّادق.
و بإسناده (3) إلى سليمان بن الخضيب (4) قال: حدّثني ثقة قال: حدّثني أبو (5) جمعة (6) [رحمة] (7) بن صدقة قال: أتى رجل من بني أميّة- و كان زنديقا- جعفر بن محمّد فقال له:
قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: المص. أيّ شيء أراد بهذا، و أيّ شيء فيه من الحلال و الحرام، و أيّ شيء فيه ممّا ينتفع به النّاس؟
قال: فاغتاظ (8)- (عليه السلام)- من ذلك فقال: أمسك، ويحك، «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون. كم معك؟
فقال الرّجل: مائة و إحدى و ستّون (9).
فقال- (عليه السلام)-: إذا انقضت سنة إحدى و ستّون (10) و مائة، ينقضي ملك أصحابك.
قال: فنظر، فلمّا انقضت إحدى و ستّون (11) و مائة يوم عاشوراء دخل المسوّدة (12) الكوفة و ذهب ملكهم.
و في تفسير العيّاشيّ (13). خيثمة الجعفي (14)، عن أبي لبيد (15) المخزوميّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا أبا لبيد، إنّه يملك من ولد عبّاس إثنا عشر. و يقتل بعد الثّامن منهم أربعة، فتصيب أحدهم الذّبيحة (16)، هم فئة قصيرة أعمارهم، قليلة مدّتهم، خبيثة
____________
(1) المعاني/ 22، ضمن ح 1.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: أنّ.
(3) نفس المصدر/ 28، ح 5.
(4) المصدر: الخصيب. ب: الخضب.
(5) ب، ر: أبي.
(6) ب: حميدة.
(7) من المصدر.
(8) ب: فاغتلظ.
(9) المصدر: أحد و ثلاثون و مائة.
10 و 11- المصدر: ثلاثين.
(12) المسوّدة، أي: لابسي سواد. و المراد أصحاب الدّعوة العباسيّة. لأنّهم كانوا يلبسون ثيابا سوداء.
(13) تفسير العياشي 2/ 3، ح 3.
(14) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 299. و في النسخ: الجعفريّ.
(15) كذا في المصدر، و في النسخ: «حدثني أبو وليد» بدل «عن أبي لبيد».
(16) المصدر: «الذبحة فتذبحه» بدل «الذبيحة».
40
. قال: الأنبياء عمّا حمّلوا من الرّسالة. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ ما كُنَّا غائِبِينَ. قال: لم نغب عن أفعالهم.
وَ الْوَزْنُ، أي: القضاء. أو وزن الأعمال، و هو مقابلتها بالجزاء.
و الجمهور، على أنّ صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان و كفّتان ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، و قطعا للمعذرة، كما هو يسألهم عن أعمالهم فتعترّف بها ألسنتهم و يشهد لها جوارحهم.
و يؤيّده ما روي: أنّ الرّجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة و تسعين سجّلا. كلّ سجّل مدّ البصر. فتخرج له بطاقة فيها كلمتا الشّهادة. فيوضع السّجلات في كفّة و البطاقة في كفّة، فطاشت السّجلّات و ثقلت البطاقة.
و قيل (1): توزن الأشخاص، لما روي عنه- (عليه السلام)- أنّه قال: ليأتي العظيم السّمين يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة.
يَوْمَئِذٍ: خبر المبتدأ الّذي هو «الوزن».
الْحَقُ: صفة، أو خبر مبتدأ محذوف. و معناه: العدل السّويّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): المجازاة بالأعمال، إن خيرا فخير و إن شرا فشرّ.
قال و هو قوله: «فمن ثقلت» (الآية).
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ: حسناته، أو ما يوزن به حسناته. و جمعه، باعتبار اختلاف الموزونات و تعدّد الوزن. فهو جمع موزون، أو ميزان.
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8): الفائزون بالنّجاة و الثّواب.
وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ: بتضييع الفطرة السّليمة الّتي فطرت عليها، و اقتراف ما عرّضها للعذاب.
بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9): فيكذّبون بدل التّصديق.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: بالأئمّة يجحدون.
و في كتاب الاحتجاج (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل: أو ليس توزن الأعمال؟
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 342.
(2) تفسير القمّي 1/ 224.
(3) تفسير القميّ 1/ 224
(4) الاحتجاج 2/ 98- 99.
42
معناك بدعواك، ثبت لك الصّدق.
و في كتاب الخصال (1): عن محمّد بن موسى (2) قال: سمعت [أبا عبد اللّه (3)- (عليه السلام)- يقول: إنّ الخير ثقل على أهل الدّنيا على قدر ثقله في موازينهم يوم القيامة، و إنّ الشّرّ خفّ على أهل الدّنيا على قدر خفّته في موازينهم يوم القيامة.
عن أبي مسلم (4) راعي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5) يقول: خمس ما أثقلهنّ في الميزان: سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر، و الولد الصالح يتوفّى لمسلم فيصبر و يحتسب.
وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ، أي: مكّنّاكم من سكناها و زرعها و التّصرّف فيها.
وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ: أسبابا تعيشون بها. جمع، معيشة.
و عن نافع (6)، أنّه همّزه تشبيها بما «الياء» فيه زائدة، كصحائف.
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (10): فيما صنعت إليكم.
وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ:
قيل (7): أي: خلقنا أباكم آدم- (عليه السلام)- طينا غير مصوّر، ثمّ صوّرناه. نزّل خلقه و تصويره، منزلة خلق الكلّ و تصويره. أو ابتدأنا خلقكم ثمّ تصويركم، بأن خلقنا آدم- (عليه السلام)- ثمّ صوّرناه.
و الحامل على هذا التّخصيص قوله: «ثمّ قلنا» (الخ). و لا حاجة إليه، إذ يمكن أن يكون كلّمه.
«ثمّ» لتأخير الإخبار.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): خَلَقْناكُمْ، أي: في أصلاب الرّجال.
و صَوَّرْناكُمْ، أي: في أرحام النّساء.
ثمّ قال: و صوّر ابن مريم في الرّحم دون الصّلب، و إن كان مخلوقا في أصلاب
____________
(1) الخصال/ 17، ح 61.
(2) المصدر: محمد بن مسلم.
(3) المصدر: أبا جعفر.
(4) الخصال/ 267، ح 1. و فيه: أبي سالم.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في «ب».
6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 342.
(8) تفسير القمّي 1/ 224.
41
قال: لا. لأنّ الأعمال ليست أجساما، و إنّما هي صفة ما عملوا. و إنّما يحتاج إلى وزن الشّيء من جهل عدد الأشياء و لا يعرف ثقلها و خفّتها. و إنّ اللّه لا يخفى عليه شيء.
قيل: فما معنى الميزان؟
قال: العدل.
قيل: فما معناه في كتابه فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ؟
قال: فمن رجح عمله.
قيل (1): و سرّ ذلك، أنّ ميزان كلّ شيء هو المعيار الّذي به يعرف قدر ذلك الشّيء. فميزان النّاس يوم القيامة، ما يوزن به قدر كلّ إنسان و قيمته على حسب عقيدته و خلقه و عمله، لتجزى كلّ نفس بما كسبت. و ليس ذلك إلّا الأنبياء و الأوصياء، إذ بهم و باتّباع شرائعهم و اقتفاء آثارهم و ترك ذلك و بالقرب من سيرتهم و البعد عنها يعرف مقدار النّاس و قدر حسناتهم و سيّئاتهم. فميزان كلّ أمّة، هو (2) نبيّ تلك الأمّة و وصيّ نبيّها و الشّريعة الّتي أتى بها. فمن ثقلت حسناته و كثرت فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (3) فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم للأنبياء و الأوصياء و عدم اتّباعهم.
و في الكافي (4)، و في معاني الأخبار (5)، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ.
قال: هم الأنبياء و الأوصياء.
و في رواية أخرى (6): نحن الموازين القسط.
و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: فإذا أردت أن تعلم أ صادق أنت أم كاذب، فانظر في قصد معناك و غور دعواك و عيّرهما (8) بقسطاس من اللّه- عزّ و جلّ-، كأنّك في القيامة. قال اللّه- تعالى-: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ. فإذا اعتدل
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 181.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: هي.
(3) المصدر: «و قلّت» بدل «موازينه».
(4) الكافي 1/ 419، ح 36.
(5) المعاني/ 31- 32، ح 1.
(6) تفسير الصّافي 2/ 182.
(7) مصباح الشريعة/ 410.
(8) كذا في المصدر. و في ب: عيّر. و في سائر النسخ: عيّرهما.
43
الأنبياء، و رفع و عليه مدرعة من صوف.
حدّثنا (1) أحمد بن محمّد عن جعفر بن عبد اللّه المحمّديّ قال: حدّثنا كثير بن عيّاش (2)، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمّا خَلَقْناكُمْ، فنطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظما ثمّ لحما. و أمّا صَوَّرْناكُمْ، فالعين و الأنف و الأذنين و الفم و اليدين و الرّجلين. صوّر هذا و نحوه، ثمّ جعل الدّميم (3) و الوسيم (4) و الجسيم (5) و الطّويل و القصير و أشباه هذا.
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11): ممّن سجد لآدم.
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ، أي: أن تسجد.
و «لا» صلة مثلها في لئلّا يعلم، مؤكّدة معنى الفعل الّذي دخلت عليه، و منبّهة على أنّ الموبّخ عليه ترك السّجود.
و قيل (6): الممنوع من الشّيء مضطرّ إلى خلافه، فكأنّه قيل: ما اضطرّك إلى أن لا تسجد.
إِذْ أَمَرْتُكَ: دليل على أنّ مطلق الأمر للوجوب و الفور.
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ: جواب من حيث المعنى استأنف به، استبعادا لأن يكون مثله مأمور بالسّجدة، كأنّه قال: المانع أنّي خير منه، و لا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به. فهو الّذي سن القياس أوّلا، و تبعه فيه غيره.
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12): تعليل لفضله (7) تفضّله عليه. و قد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كلّه باعتبار العنصر، و غفل مّا يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله- تعالى-: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ بغير واسطة. و باعتبار الصّورة، كما نبّه بقوله- تعالى-: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. و باعتبار
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 27. و في النسخ: كثير بن عبّاس.
(3) الدميم: القبيح المنظر، و الوسيم خلافه.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الدسيم.
(5) ليس في المصدر: و الجسيم.
(6) أنوار التنزيل 1/ 343.
(7) كذا في ب، أ، ر. و في سائر النسخ:
«تفضّله» بدل «لفضله».
44
الغاية، و هو ملاكه. و لذلك أمر الملائكة بسجوده له لما بيّن لهم أنّه أعلم منهم، و أنّ له خواصّ ليست لغيره.
و قيل (1): الآية دليل الكون و الفساد، و أنّ الشّياطين أجسام كائنة. و فيه نظر، لأنّها إنّما تدلّ على الكون و الفساد لو كان حدوث المركّبات بزوال صور البسائط، و ليس كذلك، كما حقّق في موضعه. و لعلّ إضافة خلق الإنسان إلى الطّين و الشّيطان إلى النّار، باعتبار الجزء الغالب.
و في أصول الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن [الحسن بن] (3) عليّ بن يقطين، عن الحسين بن ميّاح (4)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. فلو قاس الجوهر الّذي خلق اللّه منه آدم- (عليه السلام)- بالنّار، كان ذلك أكثر نورا و ضياء من النّار.
و بإسناده (5) إلى داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ الملائكة كانوا يحسبون أنّ إبليس منهم، و كان في علم اللّه أنّه ليس منهم. فاستخرج ما في نفسه من الحميّة فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
و في كتاب علل الشّرائع (6)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمارة (7) القرشيّ رفع الحديث قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.
فقال له: يا أبا حنيفة، بلغني أنّك تقيس. قال: نعم، أنا أقيس.
قال: لا تقس، فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. فقاس ما بين النّار و الطّين. و لو قاس نوريّة آدم- (عليه السلام)- بنوريّة النّار،
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 343.
(2) الكافي 1/ 58، ح 18.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 257.
و في النسخ: «صباح» بدل «مياح». و في «ب»: «الحسن» بدل «الحسين».
قال الأردبيلي في جامع الرواة: الظاهر أنّ الحسن مكبرا سهو لعدم وجوده في كتب الرجال- و اللّه أعلم-.
(5) الكافي 2/ 308، ح 6.
(6) العلل/ 86، ح 1.
(7) المصدر: «عيسى بن عبد اللّه» بدل «جعفر بن محمد بن عمارة».
45
من (1) عرف الفضل ما بين النّورين و صفاء أحدهما على الآخر. و لكن قس لي رأسك (2)، أخبرني عن أذنيك ما لهما مرّتان؟
قال: لا أدري.
قال: فأنت لا تحسن أن تقيس رأسك، [فكيف] (3) تقيس الحلال و الحرام.
قال: يا ابن رسول اللّه، أخبرني ما هو؟
قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل الأذنين مرّتين لئلّا يدخلهما شيء إلّا مات، و لو لا ذلك لقتل ابن آدم الهوامّ. و جعل الشّفتين عذبتين (4) ليجد ابن آدم طعم الحلو و المرّ. و جعل العينين مالحتين لأنّهما شحمتان، و لولا ملوحتهما لذابتا. و جعل الأنف باردا سائلا لئلّا يدع في الرّأس داء إلّا أخرجه، و لولا ذلك لثقل الدّماغ و تدوّد.
و بإسناده (5) إلى ابن شبرمة قال: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- فقال لأبي حنيفة: اتّق اللّه و لا تقس الدّين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس.
أمره اللّه- عزّ و جلّ- بالسّجود لآدم، فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (6) إلى ابن أبي ليلى قال: دخلت أنا و النّعمان على جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- فرحّب بنا.
فقال: يا ابن أبي ليلى، من هذا الرّجل؟
قلت: جعلت فداك، هذا رجل من أهل الكوفة له رأي و نظر و نقاد.
قال: فلعلّه الّذي يقيس الأشياء برأيه. ثمّ قال: يا نعمان، إيّاك و القياس. فإنّ أبي حدّثني عن آبائه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قاس شيئا في (7) الدّين برأيه، قرنه اللّه مع إبليس في النّار فإنّه أوّل من قاس حين قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: «ما سألت» بدل «رأسك».
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: عند تبيين.
(5) العلل/ 86، صدر ح 2.
(6) نفس المصدر/ 88- 89، ح 4.
(7) المصدر: من.
46
و بإسناده (1) إلى أبي زهير (2) شيب بن أنس (3)، عن بعض أصحاب (4) أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، إذا ورد (5) عليك شيء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السّنّة، كيف تصنع؟
قال: أصلحك اللّه، أقيس و أعمل فيه برأيي.
قال: يا أبا حنيفة، إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا- تبارك و تعالى- فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
فسكت أبو حنيفة.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (6) إلى جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول- (عليه السلام)- في آخره: إنّ أمر اللّه- تعالى ذكره- لا يحمل على المقاييس. و من حمل أمر اللّه على المقاييس، هلك و أهلك. إنّ أوّل معصية ظهرت، الأنانيّة من إبليس اللّعين حين أمر اللّه ملائكته بالسّجود لآدم فسجدوا و أبي [إبليس] (7) اللّعين أن يسجد. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. فكان أوّل كفره قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ثم قياسه بقوله:
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.] (8). فطرده اللّه- عزّ و جلّ- عن جواره و لعنه و سمّاه رجيما. و أقسم بعزّته لا يقيس أحد في دينه، إلّا قرنه مع عدوّه إبليس في أسفل درك من النّار.
أبي (9)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، [عن أحمد بن محمد] (10) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ القبضة الّتي قبضها اللّه من الطّين الّذي خلق منه آدم- (عليه السلام)- أرسل إليها جبرئيل- (عليه السلام)- أن يقبضها.
____________
(1) العلل/ 90، ضمن ح 5.
(2) ب: ابن أبي زهير.
(3) المصدر: أبي زهير بن شبيب بن أنس.
(4) المصدر: عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه
(5) ب: أورد.
(6) العلل/ 62، ضمن ح 1.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: «الآية» بدل ما بين المعقوفتين.
(9) العلل/ 579، ح 9.
(10) من المصدر.
47
فقالت الأرض: أعوذ باللّه أن تأخذ منّي شيئا.
فرجع إلى ربّه، فقال: يا ربّ، تعوّذت بك منّي.
فأرسل إليها إسرافيل، فقالت له مثل ذلك.
فأرسل إليها ميكائيل، فقالت له مثل ذلك.
فأرسل إليها ملك (1) الموت، فتعوّذت باللّه منه أن يسبي (2) منها شيئا.
فقال ملك الموت: و أنا أعوذ باللّه أن أرجع إليه حتّى أقبض منك.
قال: و إنّما سمّي آدم: آدم، لأنّه خلق من أديم الأرض.
و بإسناده (3) إلى [عبد اللّه بن] (4) يزيد بن سلام، أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: آدم خلق من الطّين كلّه أو من طين واحد؟
فقال: بل من الطين كلّه. و لو خلق من طين واحد، لما عرف النّاس بعضهم بعضا و كانوا على صورة واحدة.
قال: فلهم في الدّنيا مثل؟
قال (5): التّراب فيه أبيض، و فيه أخضر، و فيه أشقر، و فيه أغبر، و فيه أحمر، و فيه أزرق، و فيه عذب، و فيه ملح، و فيه خشن، و فيه ليّن، و فيه أصهب. فلذلك صار النّاس فيهم ليّن، و فيهم خشن، و فيهم أبيض، و فيهم أصفر و أحمر و أصهب و أسود على ألوان التّراب.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسن بن زيد (7)، عن الحسن (8) بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا أراد أن يخلق آدم- (عليه السلام)- بعث جبرئيل- (عليه السلام)- في أوّل ساعة من يوم الجمعة. فقبض بيمينه قبضة [بلغت قبضته] (9) من السّماء السّابعة إلى
____________
(1) كذا في أ، ب، ر، المصدر. و في غيرها ملكوت.
(2) المصدر: يأخذ.
(3) العلل/ 471، ضمن ح 33.
(4) ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: «ألوان» بدل «قال».
(6) الكافي 2/ 5، صدر ح 7.
(7) بعض نسخ المصدر: الحسن بن يزيد. قال الأردبيلي في جامع الرواة 1/ 201: الظاهر أنّ ابن يزيد فيه اشتباه لعدم وجوده في كتب الرجال.
(8) كذا في أ، ب، ر، المصدر، و جامع الرواة 1/ 208. و في غيرها: الحسين.
(9) من المصدر.
48
السّماء الدّنيا و أخذ من كلّ سماء تربة، و قبض قبضة أخرى من الأرض السّابعة العليا إلى الأرض السّابعة القصوى.
فأمر اللّه- عزّ و جلّ- كلمته (1)، فأمسك القبضة الأولى بيمينه و القبضة الأخرى بشماله. ففلق الطّين فلقتين، فذرا من الأرض ذروا (2) و من السّموات ذروا. فقال للّذي بيمينه: منك الرّسل و الأنبياء و الأوصياء و الصّدّيقون و المؤمنون و السّعداء و من أريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال. و قال للّذي بشماله: منك الجبّارون و المشركون و الكافرون و الطّواغيت و من أريد هوانه و شقوته، فوجب لهم ما قال كما قال. ثمّ أنّ الطّينتين خلطتا جميعا.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، عنه- (عليه السلام)-: كذب إبليس [لعنه اللّه يا إسحاق] (4) ما خلقه اللّه [إلّا] (5) من طين. قال اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً (6) قد خلقه اللّه من تلك النّار، و [النار] (7) من تلك الشّجرة، و الشّجرة أصلها من طين.
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها: من السّماء، أو الجنّة، أو من المنزلة الّتي أنت عليها.
فَما يَكُونُ لَكَ: فما يصحّ.
أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها: و تعصي، فإنّها مكان الخاشع المطيع. و فيه تنبيه على أنّ التّكبّر لا يليق بأهل الجنّة، و أنّه- تعالى- إنّما طرده و أهبطه لتكبّره لا لمجرّد عصيانه.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13): ممن أهانه اللّه- تعالى- لتكبّره.
قال (8) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من تواضع للّه، رفعه اللّه، و من تكبّر، وضعه اللّه.
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14): أمهلني إلى يوم القيامة. فلا تمتني، و لا تعجّل عقوبتي.
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15): يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهرا، لكنّه
____________
(1) أ، ر: كلمة.
(2) الذرو: الاذهاب و التفريق.
(3) تفسير القمّي 2/ 244- 245.
4 و 5- من المصدر.
(6) يس/ 80.
(7) من المصدر.
(8) أنوار التنزيل 1/ 343.
49
محمول على ما جاء مقيّدا بقوله- تعالى-: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ و هو النّفخة الأولى.
و يوم البعث و القيامة، هو النّفخة الثّانية.
في كتاب العلل (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: يموت إبليس ما بين النّفخة الأولى و الثّانية.
و في- تفسير العيّاشي (2): عنه- (عليه السلام)-: أنظره (3) إلى يوم يبعث فيه قائمنا.
و في إسعافه إليه، ابتلاء للعباد و تعريضهم للثّواب بمخالفته.
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي، أي: بعد أن أمهلتني لأجهدن (4) في اغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب اغوائك إيّاي بواسطتهم، تسمية أو حملا على المعنى أو تكليفا بما غويت لأجله.
و «الباء» متعلّقة بفعل القسم المحذوف لا «بأقعدنّ»، فإن «اللّام» تصدّ عنه.
و قيل (5): «الباء» للقسم.
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ: ترصّدا بهم، كما يقعد القطّاع للسّابلة.
صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16):
قيل (6): طريق الإسلام. و نصبه على الظّرف، كقوله:
كما عسل الطّريق الثّعلب
و قيل (7): تقديره: على صراطك، كقولهم: ضرب زيد الظّهر و البطن.
و في تفسير العيّاشي (8): عن الصّادق- (عليه السلام)-: الصّراط هنا (9) عليّ- (عليه السلام)-.
و في الكافي (10): عن الباقر- (عليه السلام)-: يا زرارة، إنّما عمد (11) لك و لأصحابك.
فأمّا الآخرون، فقد فرغ منهم.
____________
(1) العلل/ 402، ضمن ح 2.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 242، ضمن ح 14.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: النظرة.
(4) ب، ر: لأجتهدنّ.
(5) أنوار التنزيل 1/ 343.
6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 343.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 9، ح 6.
(9) المصدر: هو.
(10) الكافي 8/ 145، ح 118.
(11) المصدر: صمد.
50
و في رواية العيّاشيّ (1): إنّما صمد (2).
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ، أي:
من جميع الجهات، مثل قصده إيّاهم بالتّسويل و الإضلال من أيّ وجه يمكنه بإتيان العدوّ من الجهات الأربع. و لذلك لم يقل: من فوقهم و من تحت أرجلهم.
و قيل (3): لم يقل: من فوقهم، لأنّ الرّحمة تنزل (4) منه. و لم يقل: من تحتهم، لأن الإتيان (5) منه يوحش [الناس] (6).
و عن ابن عبّاس (7) مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل الآخرة. وَ مِنْ خَلْفِهِمْ من قبل الدّنيا. وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ من جميع جهة حسناتهم و سيّئاتهم.
و قيل (8): يحتمل أن يقال: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من حيث يعلمون و يقدرون على التّحرّز عنه. وَ مِنْ خَلْفِهِمْ من حيث لا يعلمون و لا يقدرون. وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ من حيث يتيسّر (9) لهم أن يعلموا و يتحرّزوا، و لكن لم يفعلوا لعدم تيقّظهم و احتياطهم.
و إنّما عديّ الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء، لأنّه منهما متوجّه إليهم. و إلى الأخيرين بحرف المجاوزة، فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عرضهم. و نظيره قولهم: جلست عن يمينه.
و في مجمع البيان (10): عن الباقر- (عليه السلام)-: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ.
معناه: أهوّن عليهم أمر الآخرة. وَ مِنْ خَلْفِهِمْ آمرهم بجمع الأموال و البخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم. وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضّلالة و تحسين الشّبهة. وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ بتحبيب اللّذّات إليهم، و تغليب (11) الشّهوات على قلوبهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (12)، ما يقرب منه ببيان أبسط.
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 9، ح 7.
(2) بعض نسخ المصدر: عمد.
(3) أنوار التنزيل 1/ 343.
(4) المصدر: تنزيل.
(5) ب: الإيمان.
(6) من المصدر.
(7) نفس المصدر، و الموضع.
(8) أنوار التنزيل 1/ 343- 344.
(9) ب: يتسنّى.
(10) مجمع البيان 2/ 404.
(11) أ: تغلب.
(12) تفسير القمّي 1/ 224.
51
و في نهج البلاغة (1)، من كتاب له- (عليه السلام)- إلى زياد بن أبيه و قد بلغه أنّ معاوية قد كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: و قد عرفت أنّ معاوية كتب إليك يستزلّ (2) لبّك و يستفلّ غربك (3) فاحذره، فإنّما هو الشّيطان يأتي المرء من (4) بين يديه و من خلفه و عن (5) يمينه و عن (6) شماله ليقتحم غفلته و يستلب غرّته.
وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17): مطيعين. و إنّما قاله ظنّا لقوله- تعالى-:
وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ لمّا رأى فيهم (7) مبدأ الشّرّ متعدّدا، و مبدأ الخير واحدا.
و قيل (8): سمعه من الملائكة.
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً: مذموما. من ذأمه: إذا ذمّه.
و قرئ (9): «مذوما» (10)، كمسول، في مسؤول. أو كمكول (11)، في مكيل. من ذامه يذيمه (12) ذيما.
مَدْحُوراً: مطرودا.
لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ:
«اللّام» فيه لتوطئة القسم. و جوابه لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18).
و هو سادّ مسدّ جواب الشّرط.
و قرئ (13): «لمن» بكسر اللّام، على أنّه خبر «لأملأنّ» على معنى: لمن تبعك هذا الوعيد. أو علّة «لأخرج»، و «لأملأنّ» جواب قسم محذوف. و معنى «منكم»:
منك و منهم، فغلّب المخاطب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (14): عن الصّادق- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-:
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ.
____________
(1) نهج البلاغة/ 415- 416، صدر كتاب 44
(2) ب، ر: يتنزّل.
(3) ب: غيرتك. و الغرب: الحدّة و النشاط.
(4) كذا في المصدر. و في أ، ر، ب: المؤمن من. و في غيرها: المؤمنين.
5 و 6- أ: من.
(7) أنوار التنزيل 1/ 344: لمّا رأوا فيه.
8 و 9- أنوار التنزيل 1/ 344.
(10) المصدر: مذموما.
(11) المصدر: ككول.
(12) المصدر: يمذيمه.
(13) نفس المصدر، و الموضع.
(14) تفسير القمّي 1/ 42.
52
فقال إبليس: يا ربّ، فكيف و أنت العدل الّذي لا تجور، فثواب عملي (1) بطل؟
قال: لا، و لكن سلني من أمر الدّنيا ما شئت ثوابا لعملك أعطك.
فأوّل ما سأل البقاء إلى يوم الدّين.
فقال اللّه: قد أعطيتك.
قال: سلّطني على ولد آدم.
قال: سلّطتك.
قال: أجرني فيهم مجرى الدّم في العروق.
قال: قد أجريتك.
قال: لا يولد (2) لهم واحد إلّا ولد (3) لي اثنان، و أراهم و لا يروني، و أتصوّر لهم في كلّ صورة شئت.
قال: قد أعطيتك.
قال: يا ربّ، زدني.
قال: قد جعلت لك [و لذريّتك] (4) صدورهم أوطانا.
قال: ربّ، حسبي. قال إبليس عند ذلك: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (5). ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ- إلى قوله-: شاكِرِينَ.
قال (6):
و حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أعطى اللّه- تعالى- إبليس ما أعطاه من القوّة، قال آدم- (عليه السلام)-: يا ربّ، سلّطت إبليس على ولدي و أجريته فيهم مجرى الدّم في العروق و أعطيته ما أعطيته، فما لي و لولدي؟
فقال: لك و لولدك السّيّئة بواحدة، و الحسنة بعشر أمثالها.
قال: يا ربّ، زدني.
قال: التّوبة مبسوطة إلى أن تبلغ النّفس الحلقوم.
فقال: يا ربّ، زدني.
____________
(1) ب: عبادتي.
(2) المصدر: و لا يلد.
(3) المصدر: و يلد.
(4) ليس في المصدر.
(5) ص/ 82.
(6) تفسير القمّي 1/ 42.
53
قال: أغفر و لا أبالي.
قال: حسبي.
قال: قلت له: جعلت فداك، بماذا استوجب إبليس من اللّه أن أعطاه ما أعطاه؟
فقال: بشيء (1) كان منه شكره اللّه عليه.
قلت: و ما كان منه، جعلت فداك.
قال: ركعتين ركعهما في السّماء في أربعة آلاف سنة.
وَ يا آدَمُ، أي: و قلنا: يا آدم.
اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ.
و قرئ (2): «هذي» (3). و هو الأصل، لتصغيره على «ذيا». و «الهاء» بدل من الياء.
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19): فتصيرا من الّذين ظلموا أنفسهم.
«فتكونا» يحتمل الجزم، على العطف. و النّصب، على الجواب.
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ، أي: فعل الوسوسة لأجلهما. و هي في الأصل:
الصّوت الخفيّ، كالهينمة (4) و الخشخشة (5). و منه: وسوس الحليّ وسوسة. و قد سبق في البقرة كيفيّة وسوسته.
و الفرق بين وسوسه و وسوس له، أنّ الأوّل بمعنى: ألقى إلى قلبه المعنى و بصوت خفيّ. و الثّاني، أنّه أوهمه النّصيحة له بذلك.
لِيُبْدِيَ لَهُما: ليظهر لهما.
و «اللّام» للعاقبة. أو للغرض على أنّه أراد- أيضا- بوسوسته أن يسوأهما بانكشاف عورتيهما، و لذلك عبّر عنهما بالسّوءة. و فيه دليل على أنّ كشف العورة في الخلوة و عند الزّوج من غير حاجة، قبيح مستهجن في الطّباع.
ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما: ما غطّي عنهما من عوراتهما. و كانا لا
____________
(1) ب، أ: لشيء.
(2) أنوار التنزيل 1/ 344.
(3) المصدر: هذه.
(4) كذا في أنوار التنزيل 1/ 344. و في ب:
كالهنيمة، و في سائر النسخ: كالهيمنة.
(5) ب: الحشحشة.
54
يريانها من أنفسهما، و لا أحدهما من الآخر. و إنّما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور، كما قلبت الواو في «أو يصل» تصغير «واصل» لأنّ الثّانية مدّة.
و قرئ (1): «سوآتهما» بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على الواو، و بقلبها واوا، و إدغام الواو السّاكنة فيها.
وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا: إلّا كراهة أن تكونا.
مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20): الّذين لا يموتون، أو يخلدون في الجنّة.
و استدلّ به على فضل الملائكة على الأنبياء- (عليهم السلام)-.
و جوابه: أنّه كان من المعلوم أنّ الحقائق لا تنقلب، و إنّما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما- أيضا- ما للملائكة من الكمالات الفطريّة و الاستغناء عن الأطعمة و الأشربة. و ذلك لا يدلّ على فضلهم مطلقا.
وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)، أي: أقسم لهما على ذلك.
و أخرجه على زنة المفاعلة، للمبالغة.
و قيل (2): أقسما له بالقبول.
و قيل (3): أقسما عليه باللّه أنّه لمن النّاصحين، فأقسم لهما. فجعل ذلك مقاسمة.
فَدَلَّاهُما: فنزّلهما إلى الأكل من الشّجرة. نبه به على أنّه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة. فإنّ التّدلية و الإدلاء: إرسال الشّيء من أعلى إلى أسفل.
بِغُرُورٍ: بما غرّهما به من القسم، فإنّهما ظنّا أنّ أحدا لا يحلف باللّه كاذبا. أو ملتبسين بغرور.
و في عيون الأخبار (4)، في ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في قصّة الأنبياء- (عليهم السلام)-: حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ قال: حدّثني أبي، عن حمدان بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-.
قال: فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 344.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 344.
(4) العيون 1/ 195- 196، صدر ح 1.
55
قال: بلى.
قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (1)؟
فقال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تعالى- قال لآدم- (عليه السلام)-: اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. و أشار لهما إلى شجرة الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (2). و لم يقل: و لا تأكلا من هذه الشّجرة و لا ممّا كان من جنسها. فلم يقربا تلك الشّجرة [و لم يأكلا منها] (3). و إنّما أكلا من غيرها لمّا أن وسوس الشّيطان إليهما، و قال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ و إنّما نهاكما أن تقربا غيرها، [و لم ينهكما] (4) عن الأكل منها إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ.
و لم يكن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف باللّه كاذبا. فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فأكلا منها ثقة بيمينه باللّه. و كان ذلك من آدم قبل النّبوّة. و لم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، و إنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلمّا اجتباه اللّه- تعالى- و جعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة. قال اللّه- تعالى-: وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى (5).
و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (6).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): و روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أخرج اللّه آدم من الجنّة، نزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا آدم، أليس اللّه خلقك بيده و نفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته و زوّجك أمته حوّاء و أسكنك الجنّة و أباحها لك و نهاك مشافهة أن تأكل (8) من هذه الشّجرة، فأكلت منها و عصيت اللّه؟
فقال آدم- (عليه السلام)-: يا جبرئيل، إنّ إبليس حلف باللّه أنّه لي ناصح، فما ظننت أنّ أحدا من الخلق يحلف باللّه كاذبا.
____________
(1) طه/ 121.
(2) البقرة/ 35.
3 و 4- من المصدر.
(5) طه/ 121- 122.
(6) آل عمران/ 34.
(7) تفسير القمّي 1/ 225.
(8) المصدر: ألّا تأكل.
61
في تفسير العياشيّ (1)، عنهما- (عليهما السلام)- قالا: هي عامّة.
قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً، أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماويّة و أسباب نازلة. و نظيره قوله- تعالى-: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ. و قوله: وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ.
يُوارِي سَوْآتِكُمْ: الّتي قصد الشّيطان إبداءها، و يغنيكم عن خصف الورق.
قيل (2): روي أنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، و يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا اللّه فيها. فنزلت. و لعلّه ذكر قصّة آدم تقدمة لذلك، حتّى يعلم أنّ انكشاف العورة أوّل سوء أصاب الإنسان من الشّيطان، و أنّه أغواهم في ذلك، كما أغوى أبويهم.
وَ رِيشاً: و لباسا تتجمّلون به.
و «الرّيش» الجمال.
و قيل (3): مالا. و منه، ترّيش الرّجل: إذا تموّل.
و قرئ (4): «رياشا». و هو جمع، ريش، كشعب و شعاب.
وَ لِباسُ التَّقْوى: خشية اللّه.
و قيل (5): الإيمان. الحسن (6).
و قيل (7): السّمت الحسن.
و قيل (8): لباس الحرب.
و رفعه بالابتداء، و خبره ذلِكَ خَيْرٌ. أو «خير»، و «ذلك» صفته، كأنّه قيل: وَ لِباسُ التَّقْوى المشار إليه «خير».
و قرأ (9) نافع و ابن عامر و الكسائيّ: وَ لِباسُ التَّقْوى بالنّصب، عطفا على «ريشا» (10).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (11): قال: لِباسُ التَّقْوى الثّياب البيض.
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 11، ح 13.
(2) أنوار التنزيل 1/ 345.
3 و 4- نفس المصدر، و الموضع.
(5) نفس المصدر، و الموضع.
(6) ليس في المصدر: الحسن.
7 و 8- نفس المصدر، و الموضع.
(9) أنوار التنزيل 1/ 345.
(10) المصدر: لباسا.
(11) تفسير القمّي 1/ 225.
57
و حلف باللّه كاذبا أنّه «لمن النّاصحين». و لم أظنّ، يا موسى، أنّ أحدا يحلف باللّه كاذبا. فوثقت بيمينه. فهذا عذري. فأخبرني، يا بنيّ، هل تجد فيما أنزل اللّه إليك أنّ خطيئتي كائنة من قبل أن أخلق.
قال له موسى: بدهر طويل (1).
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فحجّ آدم موسى- (عليه السلام)-. قال ذلك ثلاثا.
عن عبد اللّه بن سنان (2) قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا حاضر: كم لبث آدم و زوجته في الجنّة حتّى أخرجهما منها بخطيئتهما؟
فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا (3) نفخ في آدم من روحه بعد زوال الشّمس من يوم الجمعة، برأ (4) زوجته من أسفل أضلاعه. ثمّ أسجد له ملائكته، و اسكنه جنّته من يومه ذلك. فو اللّه، ما استقرّ فيها إلّا ستّ ساعات في يومه ذلك حتّى عصى اللّه، فأخرجهما اللّه منها بعد غروب الشّمس. و ما باتا فيها و صيّرا بفناء الجنّة حتّى أصبحا فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ. فاستحى آدم من ربّه و خضع، و قال: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا و اعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا. قال اللّه لهما: اهبطا من سمواتي إلى الأرض، فإنّه لا يجاورني في جنّتي عاص و لا في سمواتي.
ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ آدم لمّا أكل من الشّجرة ذكر ما نهاه اللّه عنها، فندم. فذهب ليتنحّى (5) من الشّجرة، فأخذت الشّجرة برأسه فجرّته إليها و قالت له: أفلا كان فراقي (6) من قبل أن تأكل منّي.
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، أي: فلمّا وجدا طعمها آخذين في الأكل منها، أخذتهما العقوبة فتهافت عنهما لباسهما فظهرت لهما عوراتهما.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)، و العيّاشيّ (8)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: كانت
____________
(1) كذا في المصدر. و في ب، ر: بمدّة طويلة.
(2) تفسير العياشي 2/ 10- 11، ح 11.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: ثمّ برأ.
(5) ج: يتنحى. أ: ليضحي. ب: لتضحى.
(6) المصدر: فرارك.
(7) تفسير القمّي 1/ 225.
(8) تفسير العيّاشي 1/ 11، ح 12.
58
سوءاتهما لا تبدو لهما فبدت (1)، يعني: كانت من داخل.
و اختلف في أنّ الشّجرة كانت السّنبلة أو الكرم أو غيرهما، و قد مرّ في سورة البقرة توجيهه، و أنّ اللّباس كان نورا أو حلّة أو ظفرا.
وَ طَفِقا يَخْصِفانِ: أخذا يرقعان و يلزقان ورقة فوق ورقة.
عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ: يغطّيان سوءاتهما به.
قيل (2): كان ورق التّين.
و قرئ (3): «يخصفان» من أخصف، أي: يخصفان أنفسهما. و «يخصفان» من خصّف. و «يخصفان» أصله: يختصفان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدّثني أبي- (رحمه اللّه)- رفعه قال: سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن جنّة آدم: أمن جنان الدّنيا كانت أم من جنان الآخرة؟
فقال: كانت من جنان الدّنيا تطلع فيها الشّمس و القمر. و لو كانت من جنان الآخرة، ما اخرج (5) منها أبدا لمّا أسكنه اللّه الجنّة و أباحها له إلّا الشّجرة لأنّه خلق خلقه لا يبقى إلّا بالأمر و النّهي و الغذاء و اللّباس و الأكنان (6) و التّناكح. و لا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتّوقيف. فجاءه إبليس فقال له إن أكلتما من هذه الشّجرة الّتي نهاكما اللّه عنها، صرتما ملكين و بقيتما (7) في الجنّة أبدا. و إن لم تأكلا منها، أخرجكما من الجنّة. و حلف لهما، أنّه لهما ناصح. فقبل آدم قوله، فأكلا من الشّجرة. و كان، كما حكى اللّه بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما. و سقط عنهما ما ألبسهما اللّه من لباس الجنّة، و أقبلا يستتران من ورق الجنّة.
وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22): عتاب على مخالفة النّهي، و توبيخ على الاغترار بقول العدوّ.
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا: أضررناها بالمخالفة، و التّعريض للإخراج عن الجنّة.
وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23): إنّما قالا ذلك،
____________
(1) ليس في تفسير القمّي.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 345.
(4) تفسير القمّي 1/ 43 باختلاف في بعض الألفاظ.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: خرج.
(6) الأكنان- جمع الكنّ-: البيت.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: تقيما.
59
على عادة المقرّبين في استعظام الصّغير من العثرات، و استحقار العظيم من الحسنات.
و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)-: فلمّا أسكن اللّه- عزّ و جلّ- آدم و زوجته الجنّة قال لهما: كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، يعني: شجرة الحنطة (2). فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. فنظرا (3) إلى منزلة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة بعدهم- (عليهم السلام)- فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة.
فقالا: ربّنا، لمن هذه المنزلة؟
فقال اللّه- جلّ جلاله-: ارفعا رأسكما (4) إلى ساق العرش (5).
فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة [بعدهم] (6)- (عليهم السلام)- مكتوبة على ساق العرش بنور من نور اللّه الجبّار- جلّ جلاله-. [فقالا: يا ربنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، و ما أحبّهم إليك، و ما أشرفهم لديك؟ فقال اللّه- جلّ جلاله-:] (7) لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي و أمنائي على سرّي. إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد و تتمنّيا (8) منزلتهم عندي و محلّهم من كرامتي، فتدخلا (9) بذلك في نهيي و عصياني فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ.
قالا: ربّنا، و من الظّالمون؟
قال: المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ.
قالا: ربّنا، فأرنا منزلة ظالميهم في نارك حتّى نراها، كما رأينا منزلتهم في جنّتك.
فأمر اللّه- تبارك و تعالى- النّار، فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النّكال و العذاب.
و قال- عزّ و جلّ-: مكان الظّالمين لهم المدّعين لمنزلتهم في أسفل درك منها
____________
(1) المعاني/ 109- 110، ضمن ح 1.
(2) ب: الحنة.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: فنظر.
(4) المصدر: رءوسكما.
(5) المصدر: ساق عرشي.
(6) من المصدر.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: تمنى.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: فتدخلان.
60
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها و كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدّلناها (1) سواها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ الأليم. يا آدم و يا حوّاء، لا (2) تنظرا إلى أنواري و حججي بعين الحسد فأهبطكما عن جواري و أحلّ بكما هواني.
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ، و حملهما على تمنّي منزلتهم. فنظرا إليهم بعين الحسد، فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة. فعاد مكان ما أكلا شعيرا. فأصل الحنطة كلّها ممّا لم يأكلاه. و أصل الشّعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه.
فلمّا أكلا من الشّجرة طار الحلي و الحلل عن أجسادهما، و بقيا عريانين وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.
قال: اهبطا من جواري، فلا يجاورني في جنّتي من يعصيني. فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش.
قالَ اهْبِطُوا: الخطاب لآدم و حوّاء و ذرّيّتهما، أو لهما و لإبليس. كرّر الأمر له تبعا، ليعلم أنّهم قرناء أبدا. و أخبر عمّا قال لهم متفرّقا.
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ: في موضع الحال، أي: متعادين.
وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ: استقرارا، أو موضع استقرار.
وَ مَتاعٌ: و تمتّع.
إِلى حِينٍ (24): إلى أن تنقضي آجالكم.
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ وَ مِنْها تُخْرَجُونَ (25): للجزاء.
و قرأ (3) حمزة و الكسائيّ و ابن ذكوان: «و منها تخرجون». و في الزّخرف «كذلك تخرجون» (4) بفتح التّاء و ضمّ الرّاء.
يا بَنِي آدَمَ
____________
(1) المصدر: «بدّلوا» بدل «بدّلناها».
(2) أ: ألا تنظرا.
(3) أنوار التنزيل 1/ 345.
(4) الزخرف/ 11.
56
و في تفسير العياشيّ (1): عن جميل بن درّاج (2)، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته: كيف أخذ اللّه آدم بالنّسيان؟
فقال: إنّه لم ينس، و كيف ينسى و هو يذكّره و يقول له إبليس: ما نهاكما عن تلكما الشّجرة إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ.
عن مسعدة بن صدقة (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- رفعه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّ موسى- (عليه السلام)- سأل ربّه أن يجمع بينه و بين آدم حيث عرج إلى السّماء في أمر الصّلاة، ففعل.
فقال له موسى- (عليه السلام)-: [يا آدم] (4) أنت الّذي خلقك اللّه بيده، و نفخ فيك من روحه، و أسجد لك ملائكته، و أباح لك جنّته، و أسكنك جواره، و كلّمك قبلا.
ثمّ نهاك عن شجرة واحدة، فلم تصبر عنها حتّى أهبطت إلى الأرض بسببها. فلم تستطع أن تضبط نفسك عنها حتّى أغراك (5) إبليس، فأطعته. فأنت الّذي أخرجتنا من الجنّة بمعصيتك.
فقال له آدم: ارفق بأبيك، أي بنيّ، محنة ما لقي في أمر هذه الشّجرة. يا بنيّ، إنّ عدوّي أتاني من وجه المكر و الخديعة، فحلف لي باللّه أنّ مشورته عليّ «لمن النّاصحين». و ذلك أنّه قال مستنصحا (6): إنّي لشأنك، يا آدم، لمغموم.
قلت: و كيف؟
قال: قد كنت أنست بك و بقربك منّي، و أنت تخرج ممّا أنت فيه إلى ما ستكرهه (7).
فقلت: و ما الحيلة؟
فقال: إنّ الحيلة هو ذا معك، قال (8) أفلا أدلّك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى؟
فكلا منها أنت و زوجك فتصيرا معي في الجنّة أبدا «من الخالدين».
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 9- 10، ح 9.
(2) كذا في المصدر. و في ب: أحمد بن حميد بن درّاج. و في سائر النسخ: حميد بن درّاج.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 10، ح 10.
(4) من المصدر.
(5) ب: أغواك.
(6) ب، ر: منتصحا. أ: منتضجا.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: ما استكرهه.
(8) ليس في المصدر.
62
و عن الباقر- (عليه السلام)- (1): فأمّا اللّباس، فالثّياب الّتي تلبسون. و أمّا الرّياش، فالمتاع و المال. و أمّا «لباس التّقوى»، فالعفاف. لأنّ العفيف لا تبدو له عورة و إن كان عاريا من الثّياب، و الفاجر بادي العورة و إن كان لابسا (2) من الثّياب. «ذلك خير» يقول: العفاف (3) خير.
و في كتاب الخصال (4)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب: البسوا ثياب القطن، فإنّها لباس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و هو لباسنا] (5). و لم نكن نلبس (6) الشّعر و الصّوف إلّا من علّة.
و قال: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، و يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.
عن أمّ الدّرداء قالت (7): قال (8) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أصبح معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا. يا ابن آدم (9)، يكفيك من الدّنيا ما سدّ جوعتك و وارى عورتك. فإن لكن لك بيت يكنّك، فذاك. و إن يكن لك دابّة تركبها، فبخ. بخ و الخير و ما الخير (10) و ما بعد ذلك حساب عليك و عذاب.
عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي (11)، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [يكره السواد إلّا في ثلاثة: العمامة و الخفّ و الكساء.
عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (12) قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (13) خمس لا أدعهنّ حتّى
____________
(1) نفس المصدر و المجلّد/ 226.
(2) المصدر: كاسيا.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: العقاب.
(4) الخصال/ 413.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: لم يكن يلبس.
(7) الخصال/ 161- 162، ح 211.
(8) المصدر: عن امّ الدرداء عن أبي الدرداء قال.
(9) المصدر: يا ابن خثعم. و قد أشير في هامشه إلى أن الصواب: يا ابن آدم جفينة.
(10) المصدر: فبخ فلق الخبز و ماء الجرّ. و قد أشير في هامشه إلى أنّه في النسخ المطبوعة «بخ و الخير و ماء الخير» و لكنّه تصحيف من النساخ انتهى.
(11) الخصال/ 148، ح 179.
(12) نفس المصدر/ 271، ح 12.
(13) من المصدر.
63
الممات: الأكل على الحضيض (1) مع العبيد، و ركوب الحمار مردفا (2)، و حلب العنز بيدي، و لبس الصوف، و التسليم على الصّبيان لتكون سنّة [من] (3) بعدي.
و في الكافي (4): أحمد بن محمّد بن سعيد، عن جعفر بن عبد اللّه العلويّ و أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن العبّاس، عن إسماعيل بن إسحاق جميعا، عن أبي روح فرج بن قرّة، عن مسعدة (5) بن صدقة قال: حدّثني ابن أبي ليلى، عن عبد الرّحمن السّلميّ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، و منحهم (6) كرامة منه لهم و نعمة ذخرها. و الجهاد لباس التّقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنّته الواقية
(7). و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في نهج البلاغة (8)، نحوه من غير حذف مغيّر للمعنى.
ذلِكَ، أي: إنزال اللّباس.
مِنْ آياتِ اللَّهِ: الدّالّة على فضله و رحمته.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26): فيعرفون نعمته. أو يتّعظون، فيتورّعون عن القبائح.
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ: لا يمحننّكم، بأن يمنعكم من دخول الجنّة بإغوائكم.
كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، كما محن أبويكم، بأن أخرجهما منها.
و النّهي في اللّفظ للشّيطان. و المعنى: نهاهم عن اتّباعه و الافتتان به.
يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما: حال من «أبويكم». أو من فاعل «أخرج». و إسناد النّزع إليه، للتّسبّب.
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ: تعليل للنّهي، و تأكيد للتّحذير من فتنته.
«و قبيله» جنوده.
____________
(1) الحضيض: القرار من الأرض.
(2) المصدر: مؤكفا.
(3) من المصدر.
(4) الكافي 5/ 4، صدر ح 6.
(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 228. و في النسخ: سعد بن صدقة.
(6) المصدر: سوغهم.
(7) المصدر: جنّته الوثيقة.
(8) نهج البلاغة/ 69، صدر خطبة 27.
64
و رؤيتهم إيّانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم و تمثّلهم لنا.
و في الحديث (1): إنّ الشّيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم منه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): عن العالم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه ذكر طلب إبليس من اللّه و إجابته. و من جملة الطّلب قال: قال: و أراهم و لا يروني، و أتصوّر لهم في كلّ صورة شئت.
فقال: قد أعطيتك.
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27): بما أوجدنا بينهم من التّناسب. أو بإرسالهم عليهم، و تمكينهم من خذلانهم، و حملهم على ما سوّلوا لهم.
و الآية مقصود القصّة، و فذلكة الحكاية.
وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً: فعلة متناهية في القبح، كعبادة الأصنام، و الائتمام بإمامة الجور، و كشف العورة في الطّواف.
قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها: اعتذروا و احتجّوا بأمرين: تقليد الآباء، و الافتراء على اللّه. فأعرض عن الأوّل، لظهور فساده. و ردّ الثّاني بقوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ: لأنّ عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، و الحثّ على مكارم الخصال.
قيل (3): و لا دلالة فيه على أنّ قبح الفعل، بمعنى ترتّب الذّمّ عليه [عاجلا و العقاب] (4) آجلا، عقليّ. فإنّ المراد بالفاحشة، ما ينفر عنه الطّبع السّليم و يستنقصه (5) العقل المستقيم.
و فيه: أنّه يدلّ على أنّ قبح الفعل، بمعنى أنّ فيه شيئا يقتضي النّهي عنه و ترتّب الذّمّ آجلا، عقليّ. و هو المدعى.
و قيل (6): هما جوابا سؤالين مترتّبين، كأنّه قيل لهم لمّا فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا:
وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا. فقيل: و من أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: اللَّهُ أَمَرَنا بِها. و على
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 187.
(2) تفسير القمّي 1/ 42.
(3) أنوار التنزيل 1/ 346.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: و سيتبغضه.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
65
الوجهين يمنع التّقليد مطلقا إلّا ما دلّ دليل على جوازه.
و في الكافيّ (1) مضمرا، و في تفسير العيّاشي (2): عن عبد صالح قال: هل رأيت أحدا زعم، أنّ اللّه أمر بالزّنا و شرب الخمر و شيء من هذه المحارم؟
فقيل: لا.
قال: ما هذه الفاحشة الّتي يدّعون أنّ اللّه أمرهم بها؟
قيل: اللّه أعلم و وليّه.
فقال: فإنّ هذا في أئمّة الجور، ادّعوا أنّ اللّه أمرهم بالائتمام [بقوم لم يأمرهم اللّه بالائتمام] (3) بهم. فردّ اللّه ذلك عليهم. فأخبر أنّهم قد قالوا عليه الكذب، و يسمّى ذلك منهم فاحشة.
و في أصول الكافي: (4) الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من زعم أنّ اللّه أمر بالفحشاء، فقد كذب على اللّه. و من زعم أنّ الخير و الشّرّ إليه، فقد كذب على اللّه.
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28): إنكار يتضمّن النّهي عن الافتراء.
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ: بالعدل. و هو الوسط من كلّ أمر، للتّجافي عن طرفي الإفراط و التّفريط.
وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ: و توجّهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها. أو أقيموها نحو القبلة.
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ: في كلّ وقت سجود. أو مكانه، و هو الصلاة. أو في أيّ مسجد حضرتكم الصلاة. و لا تؤخّروها حتّى تعودوا إلى مساجدكم.
و في كتاب تهذيب الأحكام (5): علي بن الحسن (6) الطاطريّ، عن [ابن] (7)
____________
(1) الكافي 1/ 373، ح 9.
(2) تفسير العياشي 2/ 12، ح 15 ببعض الاختلاف.
(3) من الكافي.
(4) الكافي 1/ 156- 157، ح 2.
(5) التهذيب 2/ 43، ح 134.
(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 568. و في النسخ: علي بن الحسين. قال الأردبيلي: الظاهر ان علي بن الحسين مصغرا سهو.
(7) من المصدر.
66
أبي حمزة، عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هذه في (1) القبلة.
و عنه (2)- (عليه السلام)-: مساجد محدثة، فأمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام.
و في تفسير العياشي (3) مثل الحديثين و زاد في الاوّل: ليس فيها عبادة الأوثان خالصا مخلصا.
و عنه (4)- (عليه السلام)-: «كلّ مسجد»، يعني: الأئمّة- (عليهم السلام)-.
وَ ادْعُوهُ: و اعبدوه.
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، أي: الطّاعة. فإنّ إليه مصيركم.
كَما بَدَأَكُمْ، كما أنشأكم ابتداء.
تَعُودُونَ (29): بإعادته، فيجازيكم على أعمالكم. و إنّما شبّه الإعادة بالإبداء (5). تقريرا لإمكانها و القدرة عليها.
و قيل (6): كَما بَدَأَكُمْ من التّراب. «تعودون» إليه.
و قيل (7): كَما بَدَأَكُمْ حفاة عراة غرلا (8). «تعودون».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): عن الباقر- (عليه السلام)- في هذه الآية: خلقهم من طينتهم (10) مؤمنا و كافرا و شقيّا و سعيدا. و كذلك يعودون يوم القيامة مهتد و ضالّ.
فَرِيقاً هَدى: بأن وفّقهم للإيمان.
وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أي: الخذلان، إذ لم يقبل الهدى. و انتصابه بفعل يفسّره ما بعده، أي: و خذل فريقا.
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: تعليل لخذلانهم، أو تحقيق
____________
(1) ليس في المصدر: في.
(2) التهذيب 2/ 43، ح 136.
(3) تفسير العياشي 2/ 12، ح 19 و 20.
(4) نفس المصدر و المجلّد/ 13، ح 22.
(5) ب: بالابتداء.
6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 346.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: عزلا. و العزل جمل الأغرل-: و هو الأقلف.
(9) تفسير القمّي 1/ 226.
(10) المصدر: «حين خلقهم» بدل «من طينتهم»
67
لضلالتهم.
وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30): يدلّ على أنّ الكافر المخطئ و المعاند سواء في استحقاق الذّمّ. و للفارق أن يحمله على المقصّر في النّظر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و هم القدريّة، الّذين يقولون: لا قدر. و يزعمون أنّهم قادرون (2) على الهدى و الضّلال. و ذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا، و إن شاءوا ضلّوا.
و هم مجوس هذه الأمّة. و كذب أعداء اللّه، المشيئة و القدرة للّه كما بدأهم يعودون من خلقه اللّه شقيّا يوم خلقه، كذلك يعود إليه [شقيّا] (3) و من خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا.
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الشّقيّ، من شقي في بطن أمّه. و السّعيد، من سعد في بطن أمّه.
و
في العلل (4)، عنه- (عليه السلام)-: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: أئمّة [الجور] (5) دون أئمّة الحقّ.
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ: ثيابكم لمواراة عوراتكم.
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ: لصلاة أو طواف.
قيل (6): كانوا يطوفون عراة بالبيت، الرّجال بالنّهار و النّساء باللّيل، فأمرهم اللّه بلبس الثّياب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): قال: في العيدين و الجمعة يغتسل و يلبس ثيابا بيضا (8).
و روي (9)- أيضا-: المشط عند كلّ صلاة.
و في الكافي (10): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 226- 227.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: قاصرون.
(3) من المصدر.
(4) علل الشرائع/ 60، ذيل ح 81.
(5) من المصدر.
(6) تفسير القمّي 1/ 229.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: بياضا.
(9) نفس المصدر و الموضع.
(10) الكافي 3/ 424، ح 8.
68
سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.
قال: في العيدين و الجمعة.
و في مجمع البيان (1): عن الباقر- (عليه السلام)-: أي: خذوا ثيابكم الّتي تتزيّنون بها للصّلاة في الجمعات و الأعياد.
و في تفسير العيّاشي (2): عن محمّد بن الفضل (3)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: الثّياب.
و عن الصّادق- (عليه السلام)- (4): هي الأردية في العيدين و الجمعة.
و في الجوامع (5) و في تفسير العيّاشيّ (6): كان الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- إذا قام إلى الصّلاة، لبس أجود ثيابه.
فقيل له في ذلك.
فقال: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، فأتجمّل لربّي. و قرأ الآية.
و في من لا يحضره الفقيه (7)، عن الرّضا- (عليه السلام)-: من ذلك التّمشّط عند كلّ صلاة.
و في تفسير العيّاشيّ (8)، عن الصّادق- (عليه السلام)- مثله.
و في كتاب الخصال (9)، عنه- (عليه السلام)- في هذه الآية: تمشّط، فإنّ التّمشّط يجلب الرّزق و يحسن الشّعر و ينجز الحاجة و يزيد في ماء الصّلب و يقطع البلغم. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يسرح لحيته أربعين مرّة و يمرّ (10) فوقها سبع مرّات، و يقول:
إنّه يزيد في الذّهن و يقطع البلغم.
____________
(1) المجمع 2/ 412.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 12، ح 21.
(3) المصدر: محمد بن الفضيل.
(4) نفس المصدر و المجلد/ 13، ح 27.
(5) جوامع الجامع/ 144.
(6) تفسير العياشي 2/ 14، ح 29 ببعض الاختلاف.
(7) الفقيه 1/ 75، ح 319.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 13، ح 25.
(9) الخصال/ 268، ح 3.
(10) المصدر: «من» بدل «يمرّ».
69
و في تهذيب الأحكام (1)، عنه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: الغسل عند لقاء كلّ إمام.
و في تفسير العيّاشيّ (2)، عنه- (عليه السلام)-: يعني: الأئمّة.
و في أصول الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وصل (4) اللّه طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله، و [طاعة رسوله] (5) بطاعته.
فمن ترك طاعة ولاة الأمر، لم يطع اللّه و لا رسوله. و هو الإقرار بما أنزل من عند اللّه- عزّ و جلّ-: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ. و التمسوا (6) البيوت الّتي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (7). فإنّه أخبركم أنّهم رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ، يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا: ما طاب لكم.
نقل (8): أنّ بني عامر في أيّام حجّهم كانوا لا يأكلون الطّعام إلّا قوتا، و لا يأكلون دسما. يعظّمون بذلك حجّهم، فهم المسلمون به. فنزلت.
وَ لا تُسْرِفُوا: بالإفراط و الإتلاف و التّعدّي إلى الحرام، و بتحريم الحلال و غير ذلك.
قال عليّ بن الحسين بن واقد (9): قد جمع اللّه- تعالى- الطّبّ في نصف آية، فقال:
كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا.
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)، أي: لا يرضى فعلهم.
و في تفسير العيّاشي (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أ ترى اللّه أعطى من
____________
(1) التهذيب 6/ 110، ح 197.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 13، ح 22.
(3) الكافي 2/ 47- 48، ضمن ح 1.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: وسل.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: و التمس.
(7) النور/ 36.
(8) أنوار التنزيل 1/ 347. و فيه «روى» بدل «نقل».
(9) أنوار التنزيل 1/ 347.
(10) تفسير العيّاشي 1/ 13، ح 23.
70
أعطى من كرامته (1) عليه، و منع من منع من هوان به عليه؟ لا، و لكنّ المال مال اللّه يضعه عند الرّجل ودائع. و جوّز لهم أن يأكلوا قصدا، و يشربوا قصدا، و يلبسوا قصدا، و ينكحوا قصدا، و يركبوا قصدا، و يعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين و يلمّوا به شعثهم. فمن فعل ذلك، كان ما يأكل حلالا و يشرب حلالا و يركب [حلالا] (2) و ينكح حلالا. و من عدا ذلك كان عليه حراما. ثمّ قال: وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. أ ترى اللّه ائتمن رجلا على ما (3) خوّل له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم و يجزئه فرس بعشرين درهما، و يشتري جاريته (4) بألف دينار و يجزئه [جارية] (5) بعشرين دينارا؟ و قال: وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
و في عيون أخبار الرّضا (6)- (عليه السلام)- بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس شيء أبغض على اللّه من بطن ملآن (7).
و بإسناده (8) قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: أتى أبو جحيفة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يتجشّأ.
فقال: اكفف جشأك، فإنّ أكثر النّاس في الدّنيا شبعا أكثرهم يوم القيامة جوعا.
قال: فما ملأ أبو حنيفة بطنه من طعام حتّى لحق باللّه- تعالى-.
و في كتاب الخصال (9)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: أبعد ما يكون العبد من اللّه إذا كان همّه فرجه و بطنه.
عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام) (10)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: المؤمن يأكل في معاء واحد، و الكافر يأكل في سبعة أمعاء.
و في كتاب علل الشّرائع (11)، بإسناده إلى عمر بن عليّ، عن أبيه، عن (12) عليّ بن
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: كرامة.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: «مال» بدل «ما».
(4) المصدر: جارية.
(5) من المصدر.
(6) العيون 2/ 36، ح 89.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: فلان.
(8) نفس المصدر و المجلّد/ 38- 39، ح 113.
(9) نور الثقلين 2/ 20، ح 73 عن الخصال.
(10) الخصال/ 351، ح 29.
(11) العلل/ 497، ح 1.
(12) ليس في المصدر.
71
أبي طالب- (عليه السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: مرّ أخي عيسى (1)- (عليه السلام)- بمدينة فيها رجل و امرأة يتصايحان (2).
فقال: ما شأنكما؟
فقال: يا نبيّ اللّه، هذه امرأتي و ليس بها بأس صالحة، و لكنّي أحبّ فراقها.
قال: فأخبرني على كلّ حال، ما شأنها؟
قال: هي خلقة الوجه من غير كبر.
قال لها: يا امرأة، أ تحبّين أن يعود ماء وجهك طريّا؟
قالت: نعم.
قال لها: إذا أكلت، فإيّاك أن تشبعي (3). لأنّ الطّعام إذا تكاثر على الصّدر فزاد في القدر، ذهب ماء الوجه.
ففعلت ذلك، فعاد وجهها طريّا.
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ: من الثّياب، و سائر ما يتجمّل به.
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ: من الأرض، كالقطن و الكتّان و الأبريسم و الصّوف و المعادن و الجواهر.
وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ: المستلذّات من المآكل و المشارب. و فيه دلالة على أنّ الأصل في المطاعم و الملابس و أنواع التّجمّلات، الإباحة، لأنّ الاستفهام في «من» للإنكار. و كذا في قوله- تعالى-: كُلُوا وَ اشْرَبُوا، دلالة على أنّ الأصل في كلّ المأكولات و المشروبات الإباحة إلّا ما أخرجه الدّليل.
و في الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد عن (5) عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: بعث أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عبد اللّه بن عبّاس إلى ابن الكوّاء و أصحابه و عليه قميص رقيق و حلّة. فلمّا نظروا إليه، قالوا: يا ابن عبّاس، أنت خيرنا في أنفسنا و أنت تلبس هذا
____________
(1) كذا في ب و المصدر. و في سائر النسخ:
موسى.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يتصاحبان.
(3) المصدر: أن تشبعين.
(4) الكافي 6/ 441- 442، ح 6.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: «عن» بدل «بن».
72
اللّباس! فقال: و هذا أوّل ما أخاصمكم فيه قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ (1). و قال اللّه: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.
و في تفسير العيّاشي (2)، عنه- (عليه السلام)- ما في معناه.
و في الكافي (3): عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن عليّ [رفعه] (4) قال: مرّ سفيان الثّوريّ في المسجد الحرام، فرأى أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و عليه ثياب كثيرة القيمة حسان.
فقال: و اللّه، لآتينّه و لأوبّخنّه.
فدنا منه فقال: يا ابن [رسول اللّه، ما لبس] (5) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثل هذا اللّباس و لا عليّ و لا أحد من آبائك.
فقال- (عليه السلام)-: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في زمان قتر مقتر، و كان يأخذ لقتره و إقتاره (6). و أنّ الدّنيا بعد ذلك أرخت عزاليها (7)، فأحقّ أهلها بها أبرارها. ثمّ تلا: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي (الآية) فنحن أحقّ من أخذ منها ما أعطاه اللّه. غير أنّي، يا ثوريّ، ما ترى عليّ من ثوب إنّما لبسته للنّاس.
ثمّ اجتذب (8) يد سفيان، فجرّها إليه. ثمّ رفع الثّوب الأعلى، و أخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا فقال: هذا لبسته لنفسي، و ما رأيته للنّاس.
ثمّ اجتذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ خشن و داخل ذلك ثوب ليّن، فقال:
لبست هذا الأعلى للنّاس، و لبست هذا لنفسك تسرّها.
عدّة من أصحابنا (9)، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح قال: كان أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- متّكئا على بعض أصحابه، فلقيه عبّاد بن
____________
(1) الأعراف/ 31.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 15، ذيل ح 32.
(3) الكافي 6/ 442- 443، ح 8.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: اقتداره.
(7) كذا في المصدر. و في ب: غزالتها. و في سائر النسخ: غزاليها.
يقال: أرخت الدّنيا عزاليها: كثرت نعيمها.
(8) ب: أجذب.
(9) الكافي 6/ 443، ح 13.
73
كثير و عليه ثياب مزيّنة (1) حسان.
فقال: يا أبا عبد اللّه، إنّك من أهل بيت النبوّة و كان أبوك و كان. فما لهذه الثياب المزيّنة (2) عليك؟ فلو لبست دون هذه الثّياب.
فقال له- (عليه السلام)-: ويلك، يا عبّاد، مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- إذا أنعم على عبد نعمة، أحبّ أن يراها عليه ليس بها بأس. ويلك، يا عبّاد، إنّما أنا بضعة من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلا تؤذني (3).
و كان عباد يلبس ثوبين من قطن (4).
و عنه- (عليه السلام) (5)- أنّه قيل له: أصلحك اللّه، ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، و نرى عليك اللّباس الجيّد.
فقال له- (عليه السلام)-: إنّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر. و لو لبس مثل ذلك اليوم، لشهّر به. فخير لباس كلّ زمان لباس أهله. غير أنّ قائمنا- (عليه السلام)- إذا قام، لبس لباس عليّ و سار بسيرته.
سهل بن زياد (6)، عن محمّد بن عيسى، عن العبّاس بن هلال الشّامي مولى أبي الحسن- (عليه السلام)-، عنه قال: قلت: جعلت فداك، ما أعجب إلى النّاس من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يتخشّع.
فقال: أما علمت أنّ يوسف النّبيّ- (عليه السلام)- [نبي ابن نبي] (7) كان يلبس أقبية الدّيباج مزرورة (8) بالذّهب، و يجلس في مجالس آل فرعون و يحكم. فلم يحتج النّاس إلى لباسه، و إنّما احتاجوا إلى قسطه. و إنّما يحتاج من الإمام إلى أن إذا قال صدق، و إذا وعد أنجز، و إذا حكم عدل. إنّ اللّه لم يحرّم طعاما و لا شرابا من حلال، و إنّما
____________
(1) المصدر: مرويّة. يعني المنسوب إلى مرو.
(2) المصدر: المرويّة.
(3) كذا في المصدر: و في النسخ: فلا تؤذوني.
(4) المصدر: «قطريّين» بدل «من قطن».
(5) الكافي 6/ 444، ح 15 باختصار سنده.
(6) الكافي 6/ 453- 454، ح 5. و في بعض نسخ المصدر: حميد بن زياد.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مزورة.
74
حرّم الحرام قلّ أو كثر. و قد قال- عزّ و جلّ-: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): عن الحكم بن عيينة قال: رأيت أبا جعفر- (عليه السلام)- و عليه إزار أحمر. قال: فأحددت (2) النّظر إليه.
فقال: يا أبا محمّد، إنّ هذا ليس به بأس. ثمّ تلا: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.
عن الوشّاء (3)، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يلبس الجبّة و المطرف و الخزّ و القلنسوة، و يبيع المطرف و يتصدّق بثمنه و يقول:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.
عن يوسف بن إبراهيم (4) قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و عليّ جبّة خزّ و طيلسان خزّ، فنظر إليّ.
فقلت: جعلت فداك، عليّ جبّة خزّ و طيلسان خزّ، ما تقول فيه؟
قال: و لا بأس بالخزّ.
قلت: و سداه أبريسم.
فقال: [لا بأس به، فقد] (5) أصيب الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- و عليه جبّة خزّ.
عن أحمد بن محمّد (6)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يلبس الثّوب بخمسمائة [دينار] (7) و المطرف بخمسين دينارا يشتو (8) فيه. فإذا ذهب الشّتاء، باعه و تصدّق بثمنه.
و في خبر (9) عمر بن عليّ (10)، عن أبيه، عليّ بن الحسين (11) أنّه كان يشتري الكساء
____________
(1) بل في تفسير العيّاشي 2/ 14، ح 30.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فأجدت.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 14، ح 31.
(4) نفس المصدر و المجلّد/ 15، صدر ح 32.
(5) من المصدر.
(6) نفس المصدر و المجلّد/ 16، ح 34.
(7) من المصدر.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يشتي.
(9) نفس المصدر و الصفحة، ح 35.
(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 636. و في النسخ: عمير بن عليّ.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن الحسين»
75
الحسن بخمسين دينارا، فإذا صاف تصدّق به. و لا يرى بذلك بأسا و يقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: بالأصالة. و الكفرة و إن شاركوهم، فتبع.
خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ: لا يشاركهم فيها غيرهم. و انتصابها، على الحال.
و قرأ (1) نافع، بالرّفع، على أنّها خبر بعد خبر.
و في أمالي الصّدوق (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث: و اعلموا، يا عباد اللّه، إنّ المتّقين حازوا عاجل الخير و آجله. شاركوا أهل الدّنيا في دنياهم، و لم يشاركهم أهل الدّنيا في آخرتهم. أباحهم اللّه في الدّنيا ما كفاهم به و أغناهم. قال اللّه- عزّ و جلّ-:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ (إلى آخر الآية). سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت، و أكلوها (3) بأفضل ما أكلت. شاركوا أهل الدّنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيّبات ما يأكلون، و شربوا من طيّبات ما يشربون، و لبسوا من أفضل ما يلبسون، و سكنوا من أفضل ما يسكنون، و تزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون، و ركبوا من أفضل ما يركبون. و أصابوا لذّة الدّنيا مع أهل الدّنيا، و هم غدا جيران اللّه، يتمنّون عليه فيعطيهم ما يتمنّون، لا تردّ لهم دعوة و لا ينقص لهم نصيب من اللّذّة. فإلى هذا، يا عباد اللّه، يشتاق إليه من كان له عقل.
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)، أي: كتفصيلنا هذا الحكم نفصّل سائر الأحكام لهم.
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ: [ما تزايد قبحه.
و قيل (4): ما يتعلّق بالفروج.] (5) ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ: [جهرها و سرّها.
____________
بدل «علي بن الحسين».
(1) أنوار التنزيل 1/ 347.
(2) بل في أمالي الطوسي 1/ 25- 26.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أكلوه.
(4) أنوار التنزيل 1/ 347.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
76
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ.] (2) قال: من ذلك أئمّة الجور.
وَ الْإِثْمَ: و ما يوجب الإثم. تعميم بعد تخصيص.
و قيل (3): شرب الخمر.
وَ الْبَغْيَ: الظّلم، أو الكبر. أفرده بالذّكر، للمبالغة.
بِغَيْرِ الْحَقِ: متعلّق «بالبغي» مؤكّد له معنى.
وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً: تهكّم بالمشركين، و تنبيه على حرمة اتّباع ما لا يدلّ عليه برهان.
وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33): بالإلحاد في صفاته و الافتراء عليه، كقولهم: وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها.
و في الكافي (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن بعض أصحابنا و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن عليّ بن يقطين قال: سأل المهديّ أبا الحسن- (عليه السلام)- عن الخمر: هل محرّمة في كتاب اللّه- جلّ اسمه-؟
فقال: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال له: في أيّ موضع محرّمة في كتاب اللّه- جلّ اسمه- يا أبا الحسن؟
فقال: قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ. و أمّا قوله: ما ظهر منها، يعني: الزّنا المعلن، و نصب الرّايات الّتي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهليّة. و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: «و ما بطن»، يعني: ما نكح من أزواج الآباء. لأنّ النّاس كانوا قبل أن يبعث النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا كان للرّجل زوجة و مات عنها، تزوّجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمّه، فحرّم اللّه- عزّ و جلّ- ذلك. و أمّا «الإثم» فإنّها الخمر بعينها و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- في
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 230.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(3) أنوار التنزيل 1/ 347.
(4) الكافي 6/ 406، ح 1. لخصّ المؤلف صدر الخبر و له تتمّة.
77
موضع آخر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ (1). فأمّا «الإثم» في كتاب اللّه، فهي الخمر و الميسر.
و في تفسير العيّاشيّ (2)، مثله سواء.
إلّا أنّه بعد قوله: «و الميسر» أخيرا: فهي النّرد فقال: [و الشطرنج] (3) و إثمهما كبير [كما قال اللّه] (4) و أمّا قوله: «و البغي»، فهو الزّنا سرا.
و في الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي وهب، عن محمّد بن منصور قال: سألت [أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-] (6) عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ.
قال: فقال: إنّ القرآن له ظهر و بطن. فجميع ما حرّم اللّه في القرآن هو الظّاهر، و الباطن من ذلك أئمّة الجور. و جميع ما أحلّ اللّه في الكتاب هو الظّاهر، و الباطن من ذلك أئمّة الحقّ.
[وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي تتقوّلوا و تفتروا فيه] (7).
و في كتاب الخصال (8)، عن مفضّل بن يزيد (9) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرّجال: أن تدين اللّه بالباطل، و تفتي النّاس بما لا تعلم.
عن عبد الرّحمن بن الحجّاج (10) قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إيّاك و خصلتين فيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي النّاس برأيك، و تدين بما لا تعلم.
و في كتاب التّوحيد (11)، بإسناده إلى جعفر بن [محمّد: عن] (12) سماعة، عن غير واحد، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)-: ما حجّة اللّه على العباد؟
____________
(1) البقرة/ 216.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 17، ح 38.
(3) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(4) من المصدر.
(5) الكافي 1/ 374، ح 10.
(6) المصدر: «عبدا صالحا» بدل ما بين المعقوفتين.
(7) الظاهر أنّ ما بين المعقوفتين زائد لأنّ الآية مرّت آنفا. و يوجد هذه الفقرة في تفسير الصافي ذيل الحديث السابق.
(8) الخصال/ 52، ح 65.
(9) المصدر: المفضّل بن مزيد.
(10) نفس المصدر و الصفحة، ح 66.
(11) التوحيد/ 459، ح 27.
(12) ليس في المصدر.
78
فقال: أن يقولوا ما يعلمون، و يقفوا عند ما لا يعلمون.
و في من لا يحضره الفقيه (1)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّته لابنه محمّد ابن الحنفيّة: يا بنيّ، لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم.
و في عيون الأخبار (2)، بإسناده، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أفتى النّاس بغير علم، لعنته ملائكة السّموات و الأرض.
و في نهج البلاغة (3): و قال- (عليه السلام)- علامة الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، و أن لا يكون في حديثك فضل عن علمك (4)، و أن تتّقي اللّه في حديث غيرك.
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ: مدّة، أو وقت لنزول العذاب بهم.
قيل (5): و هو وعيد لأهل مكّة.
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ: انقرضت مدّتهم، أو حان وقتهم.
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (34)، أي: لا يتأخّرون و لا يتقدّمون أقصر وقت. أو لا يطلبون التّأخّر و التّقدّم، لشدّة الهول.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قوله:
ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال: الأجل الّذي غير مسمّى موقوف، يقدّم منه ما شاء و يؤخّر ما شاء. و أمّا الأجل المسمّى، فهو الّذي ينزل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل.
فذلك قول اللّه: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ.
عن حمران (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال: المسمّى، ما يسمّى لملك الموت في تلك اللّيلة. و هو الّذي قال اللّه:
____________
(1) نور الثقلين 2/ 26، ح 92 عنه.
(2) العيون 2/ 46، ح 173.
(3) نهج البلاغة/ 556 حكمة 458.
(4) بعض نسخ المصدر: عن عملك.
(5) أنوار التنزيل 1/ 347.
(6) تفسير العياشي 1/ 354، ح 5.
(7) تفسير العياشي 1/ 354، ح 6. و له تتمة.
79
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ. و هو الّذي سمّي لملك الموت في ليلة القدر.
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ إلى قوله:
«تعملون» (2). قال: تعد (3) السّنين، ثمّ تعد (4) الشّهور، ثمّ تعد الأيّام، ثمّ تعد النّفس فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ.
و في كتاب التّوحيد (5): حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا عليّ بن زياد قال:
حدّثنا مروان بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي حسّان (6) التّيميّ، عن أبيه، و كان مع عليّ- (عليه السلام)- يوم صفّين، و فيما بعد ذلك قال: بينما عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يعبّأ الكتائب يوم صفّين و معاوية مستقبله على فرس له يتأكّل له (7) تحته تأكّلا و عليّ- (عليه السلام)- على فرس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المرتجز و بيده حربة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو متقلّد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه:
احترس، يا أمير المؤمنين. فإنّا نخشى أن يغتالك هذا الملعون.
فقال- (عليه السلام)-: لئن قلت ذلك إنّه غير مأمون على دينه، و أنّه لأشقى (8) القاسطين و ألعن الخارجين على الأئمّة المهتدين، و لكن كفى بالأجل حارسا. إنّه ليس أحد من النّاس إلّا و معه ملائكة حفظة، يحفظونه من أن يتردّى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء. فإذا جاء (9) أجله، خلّوا بينه و بين ما يصيبه. و كذا إذا حان أجلي، انبعث أشقاها فخضّب هذه من هذا- و أشار إلى لحيته و رأسه- عهدا معهودا و وعدا غير مكذوب.
و بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة (10) قال: إنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر.
____________
(1) الكافي 3/ 262، ح 44.
(2) الجمعة/ 8.
3 و 4- كذا في المصدر. و في النسخ: بعد.
(5) التوحيد/ 367- 368، ح 5.
(6) المصدر: أبي حيّان.
(7) ليس في المصدر: له.
(8) كذا في المصدر: و في ب: لأتقى. و في سائر النسخ: لا يتقى.
(9) المصدر: حان.
(10) التوحيد/ 369، ح 8.
80
فقيل له: يا أمير المؤمنين، أ تفرّ من قضاء اللّه.
قال: [أفرّ من قضاء اللّه] (1) إلى قدر اللّه- عزّ و جلّ-.
و بإسناده إلى عمرو بن جميع (2)، عن جعفر بن محمّد قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه- (عليهما السلام)- قال: دخل الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- على معاوية.
فقال له: ما حمل أباك على أن قتل أهل البصرة ثمّ دار عشيا (3) في طرقهم في ثوبين؟
فقال- (عليه السلام)-: حمله على ذلك علمه أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، و أنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال: صدقت.
قال: و قيل لأمير المؤمنين لمّا أراد قتال الخوارج: لو احترزت يا أمير المؤمنين.
فقال- (عليه السلام)-:
أيّ يوميّ من الموت أفرّ* * * يوم لم يقدر أو يوم قدر
يوم لم يقدر لا أخشى الرّدى* * * و إذا قدّر لم يغن الحذر
و بإسناده (4) إلى يحيى بن [أبي] (5) كثير قال: قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ألا نحرسك؟
قال: كلّ (6) حرس كلّ امرئ أجله.
و بإسناده إلى سعيد بن وهب (7) قال: كنّا مع سعيد بن قيس بصفّين ليلا، و الصّفان ينظر كلّ واحد منهما إلى صاحبه حتّى جاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فنزلنا على فنائه (8).
فقال له سعيد بن قيس: أ في هذه السّاعة، يا أمير المؤمنين، أما خفت شيئا؟
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(2) التوحيد/ 374- 375، ح 19.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عيشا.
(4) التوحيد/ 379، ح 25.
(5) من المصدر.
(6) ليس في المصدر: كلّ.
(7) نفس المصدر و الصفحة، ح 26.
(8) كذا في المصدر. و في ب: فناه. و في سائر النسخ: قفاه.
81
قال: و أيّ شيء أخاف؟ إنّه ليس من أحد إلّا و معه ملكان موكّلان به، أن يقع في بئر أو تضربه دابّة أو يتردّى من جبل حتّى يأتيه القدر. فإذا أتى القدر، خلّوا بينه و بينه.
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي قيل (1): شرط ذكره بحرف الشّكّ، للتّنبيه على أنّ إتيان الرّسل أمر جائز غير واجب، كما يظنّه أهل التّعليم.
و فيه، أنّ الإتيان بحرف الشّكّ إنّما هو بالنّظر إلى كون الرّسل كثيرة، كما يدلّ عليه الجمع. و كونهم منكم، كما يدلّ عليه تقييده به. فلا تنبيه فيه على ما ادّعاه.
و ضمّت إليها «ما»، لتأكيد معنى الشّرط. و لذلك أكّد فعلها بالنّون. و جوابه فَمَنِ اتَّقى: التّكذيب.
وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (35). وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36).
و المعنى: فمن اتّقى التّكذيب و أصلح عمله منكم، و الّذين كذّبوا بآياتنا منكم.
و إدخال «الفاء» في الخبر الأوّل دون الثّاني، للمبالغة في الوعد و المسامحة في الوعيد.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: ممّن تقوّل على.
اللّه- تعالى- ما لم يقله، أو كذّب ما قاله.
أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ: ممّا كتب (2) لهم من الأرزاق و الآجال.
و قيل (3): «الكتاب» اللّوح، أي: ما أثبت لهم فيه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)، أي: ينالهم ما في كتابنا من عقوبات المعاصي.
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ، أي: يتوفّون أرواحهم.
و هو حال من الرّسل.
و «حتّى» غاية نيلهم. و هي الّتي يبتدأ بعدها الكلام.
قالُوا: جواب «إذا».
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 347.
(2) ب: كسبت.
(3) أنوار التنزيل 1/ 348.
(4) تفسير القمّي 1/ 230.
82
أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: أين الآلهة الّتي كنتم تعبدونها؟
و «ما» وصلت «بأين» في خطّ المصحف (1)، و حقّها الفصل. لأنّها موصولة.
قالُوا ضَلُّوا عَنَّا: غابوا عنّا.
وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37): اعترفوا بأنّهم كانوا ضالّين فيما كانوا عليه.
قالَ ادْخُلُوا، أي: قال اللّه لهم يوم القيامة. أو واحد من الملائكة.
فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ، أي: كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم يوم القيامة.
مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، يعني: كفّار الأمم الماضية من النّوعين.
فِي النَّارِ: متعلّق «بادخلوا».
كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ، أي: في النّار.
لَعَنَتْ أُخْتَها: الّتي ضلّت بالاقتداء بها.
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً، أي: تداركوا و تلاقوا في النّار.
في أصول الكافي (2): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (3)، يعنون:
المشركون (4) الّذين اقتدوا بهم هؤلاء، فاتّبعوهم على شركهم. و هم قوم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ليس فيهم من اليهود و النّصارى. و تصديق ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (5). و كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ (6). كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (7). ليس فيهم (8) اليهود الّذين قالوا: عزيز ابن اللّه. و لا النّصارى الّذين قالوا: المسيح ابن اللّه.
و سيدخل اللّه اليهود و النّصارى النّار، و يدخل [كلّ] (9) قوم بأعمالهم.
____________
(1) أي المصحف الّذي هو متن أنوار التنزيل و إلّا جاءت في غيره مفصولة.
(2) الكافي 2/ 31.
(3) الشعراء/ 99.
(4) المصدر: يعني المشركين.
(5) ص/ 12.
(6) الشعراء/ 176.
(7) الشعراء/ 160.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: هم.
(9) من المصدر.
83
و قولهم: وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ إذ دعونا إلى سبيلهم. ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- فيهم حين جمعهم إلى النّار: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ. و قوله: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً بريء بعضهم من بعض و لعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحجّ بعضا رجاء (1) الفلج فيفلتوا (2) من عظيم ما نزل بهم. و ليس بأوان بلوى و لا اختبار (3) و لا قبول معذرة.
و لات حين نجاة.
قالَتْ أُخْراهُمْ: دخولا و منزلة.
لِأُولاهُمْ، أي: لأجل أولاهم. إذ الخطاب مع اللّه، لا معهم. و هم القادة و الرّؤساء.
و في مجمع البيان (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: يعني: أئمّة الجور.
رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا: سنّوا لنا الضّلال، فاقتدينا بهم.
فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ: مضاعفا، لأنّهم ضلّوا و أضلّوا.
قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ: أمّا القادة، فبكفرهم و تضليلهم. أمّا الأتباع، فبكفرهم و تقليدهم.
وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38): ما لكم، أو لكلّ فريق.
و قرأ (5) عاصم برواية أبي بكر، بالياء، على الانفصال.
وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ: عطفوا كلامهم على جواب اللّه لأخراهم و رتّبوه عليه، أي: فقد ثبت أن لا فضل علينا، إنّا و إيّاكم متساوون في الضّلال و استحقاق العذاب.
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39): من قول القادة. أو من قول اللّه للفريقين. أو من قول الفريقين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): قال: شماتة بهم.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و جاء.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فيغلبوا.
(3) كذا في ب و المصدر. و في سائر النسخ: و لا اختيار.
(4) المجمع 2/ 417.
(5) أنوار التنزيل 1/ 348.
(6) تفسير القمّي 1/ 230.
84
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها، أي: عن الإيمان بها.
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ: لأدعيتهم و أعمالهم أو لأرواحهم، كما تفتّح لأعمال المؤمنين و أرواحهم لتتّصل بالملائكة.
و في مجمع البيان (1): عن الباقر- (عليه السلام)-: أمّا المؤمنون، فترفع أعمالهم و أرواحهم إلى السّماء فتفتح لهم أبوابها. و أمّا الكافر (2)، فيصعد بعمله و روحه حتّى إذا بلغ السّماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجّين. و هو واد بحضرموت يقال له: برهوت.
و «التّاء» في «تفتّح» لتأنيث الأبواب، و التّشديد لكثرتها.
و قرأ (3) أبو عمرو، بالتّخفيف. و حمزة و الكسائي، به و بالياء. لأنّ التّأنيث غير حقيقيّ، و الفعل مقدّمة.
و قرئ (4)، على البناء للفاعل، و نصب «الأبواب» على أنّ الفعل «للآيات».
و بالتّاء، على أنّ الفعل للّه- تعالى-.
وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ، أي: حتّى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم و هو البعير، فيما هو مثل في ضيق المسلك و هو ثقبة الإبرة. و ذلك ممّا لا يكون، فكذا ما نوقف عليه.
و قرئ (5): «الجمّل» كالقمّل. و «الجمل»، كالقفل. و «الجمل»، كالنّصب. و «الجمل»، كالحبل. و هي الحبل الغليظ من القنب. و قيل (6): حبل السّفينة.
و «سمّ» بالضّمّ و الكسر.
و «في سمّ المخيط». و هو «الخياط» ما يخاط به، كالحزام و المحزم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدّثني أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن ضريس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في أهل الجمل (8)، طلحة و زبير. و «الجمل» جملهم.
____________
(1) المجمع 2/ 418.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الكافرون.
3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 348.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 349.
(7) تفسير القمّي 1/ 230.
(8) ليس في المصدر: أهل الجمل.
85
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن منصور بن يونس، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ: نزلت في طلحة و الزّبير. و «الجمل» جملهم.
و في كتاب الخصال (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: تفتح أبواب السّماء في خمس مواقيت: عند نزول الغيث، و عند الزّحف، و عند الأذان، و عند قراءة القرآن مع زوال الشّمس، و عند طلوع الفجر.
و عن عليّ- (عليه السلام)- (3) و قد سأله بعض اليهود عن مسائل: أمّا أقفال السّموات، فالشّرك باللّه. و مفاتيحها، قول: لا إله إلّا اللّه.
و في شرح الآيات الباهرة (4): في بيان ذلك، أنّ أهل الجمل هم الّذين كذّبوا بآياته، و أعظم آياته أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-. «و استكبروا عنها» و بغوا عليها (5).
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ، أي: لأرواحهم الخبيثة و أعمالهم القبيحة. [فهي الّتي لا تفتح لها أبواب السّماء] (6).
كما
جاء في تفسير مولانا الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد حكى لأصحابه عن حال من يبخل بالزّكاة.
فقالوا له: ما أسوء حال هذا! فقال قال (7) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أو لا أنبّئكم بأسوإ حالا من هذا؟
فقالوا: بلى، يا رسول اللّه.
قال: رجل حضر الجهاد في سبيل اللّه، فقتل مقبلا غير مدبر. و حور العين يطّلعن إليه، و خزّان الجنان يتطّلعون ورود روحه عليهم، و أملاك الأرض يتطّلعون نزول حور العين إليه و الملائكة و خزّان الجنان فلا يأتونه.
فتقول ملائكة الأرض حوالي ذلك المقتول: ما بال الحور العين (8) لا ينزلن، و ما
____________
(1) العيّاشي 2/ 17، ح 40.
(2) الخصال/ 303.
(3) نفس المصدر/ 456، ضمن ح 1.
(4) تأويل الآيات الباهرة/ 63- 64.
(5) المصدر: عنها.
(6) ليس في المصدر.
(7) ليس في المصدر.
(8) ليس في المصدر: العين.
86
بال خزّان الجنان لا يردون؟
فينادون من فوق السّماء السّابعة: أيّتها الملائكة، انظروا إلى آفاق السّماء دوينها.
فينظرون، فإذا توحيد هذا العبد و إيمانه برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صلاته و زكاته و صدقته و أعمال برّه كلّها محبوسات دوين السّماء. قد أطبقت آفاق السّماء كلّها، كالقافلة العظيمة، قد ملأت ما بين أقصى المشارق و المغارب و مهابّ الشّمال و الجنوب.
و تنادي أملاك تلك الأفعال الحاملون لها الواردون بها: ما بالنا لا تفتّح لنا أبواب السّماء، فندخل إليها أعمال هذا الشّهيد؟
فيأمر اللّه- عزّ و جلّ- بفتح أبواب السّماء، فتفتّح. ثمّ ينادى هؤلاء الأملاك:
ادخلوها إن قدرتم.
فلم تقلّها أجنحتهم، و لا يقدرون على الارتفاع بتلك الأعمال. فيقولون:
يا ربّنا، لا نقدر على الارتفاع بهذه الأعمال.
فيناديهم منادي ربّنا- عزّ و جلّ-: يا أيّتها الملائكة، لستم حمّالي هذه الأثقال الصّاعدين بها. إذ حملتها الصّاعدون بها مطاياها الّتي ترفعها إلى دوين العرش، ثمّ تقرّها في درجات الجنان.
فتقول الملائكة: يا ربّنا، و ما مطاياها؟
فيقول اللّه- تعالى-: و ما الّذي حملتم من عنده؟
فيقولون: توحيده لك و إيمانه بنبيّك.
فيقول اللّه- تعالى-: فمطاياها موالاة عليّ أخ نبيّي و موالاة الأئمّة الطّاهرين.
فإن أوتيت، فهي الحاملة الرّافعة الواضعة (1) لها في الجنان.
فينظرون، فإذا الرّجل مع ماله من هذه الأشياء ليس له موالاة عليّ و الطّيّبين من آله و معاداة أعدائهم.
فيقول اللّه- تبارك و تعالى- للأملاك الّذين كانوا حامليها: اعتزلوها و الحقوا بمراكزكم من ملكوتي، ليأتيها من هو أحقّ بحملها و وضعها في موضع استحقاقها.
____________
(1) المصدر: الواصفة.
87
فتلحق تلك الأملاك بمراكزها المجعولة لها.
ثمّ ينادي منادي ربّنا- عزّ و جلّ-: يا أيّتها الزّبانية، تناوليها و حطّيها إلى سواء الجحيم. لأنّ صاحبها لم يجعل لها [مطايا] (1) من مطايا موالاة عليّ و الطّيّبين من آله.
قال: فتنادى تلك الأملاك، و يقلب (2) اللّه- عزّ و جلّ- تلك الأثقال أوزارا و بلايا على باعثها (3) لما فارقتها مطاياها من موالاة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و نوديت تلك الأملاك إلى مخالفته لعليّ و موالاته لأعدائه. فيسلّطها (4) اللّه- عزّ و جلّ- و هي في صورة الأسد على تلك الأعمال و هي كالقربان و القوقس (5). فيخرج من أفواه تلك الأسد نيران تحرقها، و لا يبقى له عمل إلّا حبط، و يبقى عليه موالاة أعداء عليّ و جحد ولايته فيقرّ ذلك في سواء الجحيم. فإذا هو قد حبطت أعماله و عظمت أوزاره و أثقاله. فهذا أسوأ حالا من مانع الزّكاة.
وَ كَذلِكَ: و مثل ذلك الجزاء القطيع.
نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ: فراش.
وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ: أغطية.
و التّنوين فيه، للبدل عن الإعلال، عند سيبويه. و للصّرف، عند غيره.
و قرئ (6): «غواش» على إلغاء المحذوف.
وَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41): عبّر عنهم بالمجرمين تارة و بالظّالمين أخرى، إشعارا بأنّهم بتكذيبهم الآيات اتّصفوا بهذه الأوصاف الذّميمة. و ذكر الجرم مع الحرمان من الجنّة و الظّلم مع التّعذيب بالنّار، تنبيها على أنّه أعظم الإجرام.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42): جرى على عادته- سبحانه- في أن يشفع الوعيد بالوعد.
و لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اعتراض بين المبتدأ و خبره، للتّرغيب في اكتساب النّعيم المقيم بما يسعه طاقتهم و يسهل عليهم.
____________
(1) من المصدر.
(2) ب: و يقلب الأملاك و يقلب اللّه- عزّ و جلّ-
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: باغيها.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيسلّطهما.
(5) المصدر: القرقيس.
(6) أنوار التنزيل 1/ 349.
88
و قرئ (1): «لا تكلّف نفس».
وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ، أي: نخرج من قلوبهم أسباب الغلّ. أو يطهّروا منه، حتّى لا يكون بينهم إلّا التّوادّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): عن الباقر- (عليه السلام)-: العداوة تنزع منهم، أي:
من المؤمنين في الجنّة.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ: زيادة في لذّتهم و سرورهم.
وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا: لما جزاؤه هذا.
وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ: لو لا هداية اللّه و توفيقه.
و «اللّام» لتأكيد النّفي. و جواب «لولا» محذوف دلّ عليه ما قبله.
و قرأ ابن عامر: «ما كنّا» بغير واو، على أنّها مبيّنة للأولى.
و في أصول الكافي (3): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن ابن هلال، عن أبيه، عن أبي الصّباح (4)، عن أبي يعقوب (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية: إذا كان يوم القيامة دعي بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و بالأئمّة من ولده- (عليهم السلام)- فينصبون للنّاس. فإذا رأتهم شيعتهم قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا (الآية)، يعني: هدانا اللّه- تعالى- في ولاية أمير المؤمنين و الأئمّة من ولده- (عليهم السلام)-.
و في كتاب الاحتجاج (6)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في خطبة الغدير. و فيها: معاشر النّاس، سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، و قولوا (7) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ.
و في مجمع البيان (8): عن عاصم بن ضمرة (9)، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه ذكر أهل الجنّة، فقال: يجيئون و يدخلون، فإذا أساس بيوتهم من جندل الّلؤلؤ و سرر مرفوعة
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 349.
(2) تفسير القمّي 1/ 231.
(3) الكافي 1/ 418، ح 33.
(4) المصدر: أبي السفاتج.
(5) المصدر: أبي بصير.
(6) الاحتجاج 1/ 83.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: قوله.
(8) المجمع 5/ 480.
(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 426. و في النسخ: عاصم بن حمزة.
89
و أكواب موضوعة و نمارق مصفوفة و زرابيّ مبثوثة. و لو لا أنّ اللّه قدّرها لهم، لالتمعت أبصارهم بما يرون. يعانقون الأزواج و يقعدون على السّرر، و يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن الدّهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قال إذا ركب الدّابّة: بسم اللّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ (الآية) سبحان اللّه (2) سُبْحانَ (3) الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (4)، إلّا (5) حفظت له دابّته و نفسه [حتّى ينزل] (6).
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ: فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك اغتباطا و تبجّحا، بأنّ ما علموه يقينا في الدّنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة.
وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ: إذا رأوها من بعيد، أو بعد دخولها و المنادى له بالذّات.
أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43).
قيل (7): أي: أعطيتموها بسبب أعمالكم.
و في مجمع البيان (8): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما من أحد إلّا و له منزل في الجنّة و منزل في النّار. فأمّا الكافر، فيرث المؤمن منزله في النّار. و المؤمن يرث الكافر منزله من الجنّة. فذلك قوله: أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
و هو حال من «الجنّة»، و العامل فيها معنى الإشارة. أو خبر، و الجملة صفة «تلكم». و «أن» في المواقع الخمسة هي المخفّفة، أو المفسّرة. لأنّ المناداة و التّأذين من القول.
وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا: إنّما قالوه، تبجّحا بحالهم و شماتة بأصحاب النّار و تحسيرا
____________
(1) الكافي 6/ 540، ذيل ح 17.
(2) المصدر: «و» بدل «سبحان اللّه».
(3) ليس في ب.
(4) الزخرف/ 13.
(5) ليس في المصدر: إلّا.
(6) من المصدر.
(7) أنوار التنزيل 1/ 349.
(8) المجمع 2/ 420.
90
لهم. و إنّما لم يقل: ما وعدكم، كما قال: «ما وعدنا»، لأنّ ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم، كالبعث و الحساب و نعيم أهل الجنّة لأهلها.
قالُوا نَعَمْ.
و قرأ (1) الكسائيّ حيث وقع، بكسر العين. و هما لغتان.
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ.
قيل (2): هو صاحب الصّور.
و في أصول الكافي (3): الحسن بن محمّد (4)، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر (5) الحلّال قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
قال: «المؤذن» أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في مجمع البيان (6): روى الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ، بإسناده، عن محمّد بن الحنفيّة، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: أنا ذلك المؤذّن.
و في كتاب معاني الأخبار (7)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يذكر فيها نعم اللّه- عزّ و جلّ- عليه. و فيها يقول- (عليه السلام)-: ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء، احذروا أن تغلبوا عليها فتضلّوا في دينكم. و أنا المؤذّن في الدّنيا و الاخرة. قال اللّه- عزّ و جلّ- فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. أنا ذلك المؤذن. و قال اللّه:
وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (8) فأنا ذلك الأذان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضل (10)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- و في تفسير العياشي (11). عن الرّضا- (عليه السلام)-: المؤذن (12)
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 349.
(3) الكافي 1/ 426، ح 70.
(4) المصدر: الحسين.
(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 57. و في النسخ: عبد اللّه بن عمر.
(6) المجمع 2/ 422.
(7) المعاني/ 59.
(8) التوبة/ 3.
(9) تفسير القمّي 1/ 231.
(10) المصدر: محمّد بن الفضيل.
(11) تفسير العيّاشي 2/ 17، ح 41.
(12) كذا في المصدر و تفسير القمّي. و في النسخ:
الأذان.
91
أمير المؤمنين. يؤذّن أذانا يسمع الخلائق.
و في مجمع البيان (1)- أيضا- بإسناده: عن أبي صالح، عن ابن عبّاس أنّه قال:
لعليّ- (عليه السلام)- في كتاب اللّه أسماء لا يعرفونها النّاس. قوله- تعالى-: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ. و هو المؤذّن أن لعنة اللّه على الظّالمين (2).
بَيْنَهُمْ: بين الفريقين.
أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44).
و قرأ (3) ابن كثير، برواية البزّيّ، و ابن عامر و حمزة و الكسائيّ: «أنّ لعنة اللّه» بالتّشديد و النّصب.
و قرئ (4)، بالكسر، على إرادة القول. أو أجراء «أذّن» مجرى قال.
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صفة للظّالمين مقرّرة. أو ذمّ مرفوع أو منصوب.
وَ يَبْغُونَها عِوَجاً: زيغا و ميلا عمّا هو عليه.
و «العوج» بالكسر، في المعاني و الأعيان، ما لم تكن منتصبة. و بالفتح في المنتصبة، كالحائط و الرّمح.
وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) وَ بَيْنَهُما حِجابٌ، أي: بين الفريقين، لقوله- تعالى-: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ. أو بين الجنّة و النّار، ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الاخرى.
وَ عَلَى الْأَعْرافِ، أي: على أعراف الحجاب، أي: أعاليه. و هو السّور المضروب بينهما. جمع، عرف. مستعار من عرف الفرس.
و قيل (5): العرف، ما ارتفع من الشّيء. فإنّه يكون بظهوره أعرف من غيره.
رِجالٌ: من الموحّدين العارفين المعروفين، كالأنبياء و الأوصياء و خيار المؤمنين.
و قيل (6): طائفة من الموحّدين قصّروا في العمل، فيحبسون بين الجنّة و النّار حتّى
____________
(1) المجمع 2/ 422.
(2) المصدر: فهو المؤذن بينهم، يقول ألا لعنة اللّه على الّذين كذّبوا بولايتي و استخفّوا بحقّي.
3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 349.
(5) أنوار التنزيل 1/ 350.
(6) نفس المصدر و الموضع.
92
يقضي اللّه فيهم ما يشاء.
و قيل (1): أو ملائكة يرون في صورة الرّجال.
يَعْرِفُونَ كُلًّا: من أهل الجنّة و النّار.
بِسِيماهُمْ: بعلامتهم الّتي أعلمهم اللّه بها. لأنّهم من المتوسّمين أهل الفراسة.
في كتاب معاني الأخبار (2)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يذكر فيها نعم اللّه- عزّ و جلّ- عليه. و فيها يقول- (عليه السلام)-: و نحن أصحاب الأعراف، أنا و عمّي و أخي و ابن عمّي. و اللّه فالق الحبّ و النّوى، لا يلج النّار لنا محبّ و لا يدخل الجنّة لنا مبغض.
لقول اللّه- عزّ و جلّ-: عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.
و في مصباح الشّريعة (3): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و لأهل التّواضع سيماء يعرفه أهل السّماء من الملائكة، و أهل الأرض من العارفين. قال اللّه- تعالى-: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.
و في مجمع البيان (4) و الجوامع (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة و النّار. فمن نصرنا، عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة. و من أبغضنا، عرفناه بسيماه فأدخلناه النّار.
و فيهما (6)، و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): عن الصّادق- (عليه السلام)-: «الأعراف» كثبان بين الجنّة و النّار. و «الرّجال» الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)-. و يأتي تمام الحديث.
و في الكافي (8)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في هذه الآية: نحن على الأعراف، نعرف أنصارنا بسيماهم. و نحن الأعراف الّذين لا يعرف اللّه- عزّ و جلّ- إلّا بسبيل معرفتنا. و نحن الأعراف يوقفنا (9) اللّه- عزّ و جلّ- يوم القيامة على الصّراط. فلا يدخل الجنّة
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المعاني/ 59.
(3) مصباح الشريعة/ 323.
(4) المجمع 2/ 423.
(5) جوامع الجامع/ 146.
(6) المجمع 2/ 423، و جوامع الجامع/ 146.
(7) تفسير القمّي 1/ 231.
(8) الكافي 1/ 184، ح 9.
(9) المصدر: يعرّفنا.
93
إلّا من عرفنا و عرفناه، و لا يدخل النّار إلّا من أنكرنا و أنكرناه.
و مثله في بصائر الدّرجات (1).
و في كتاب الاحتجاج (2)، إلّا أنّه قال: نوقف (3) يوم القيامة بين الجنّة و النّار. فلا يدخل الجنّة (الحديث). و زاد في آخره: و ذلك بأنّ اللّه- تبارك و تعالى- لو شاء، عرّف للنّاس نفسه حتّى يعرفوه وحده (4) و يأتوه من بابه. و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله و بابه الّذي (5) يؤتى منه.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: أنا يعسوب المؤمنين. و أنا أوّل السّابقين، و خليفة رسول اللّه ربّ العالمين. و أنا قسيم الجنّة و النّار. و أنا صاحب الأعراف.
عن هشام (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ ما يعني بقوله: وَ عَلَى الْأَعْرافِ.
قال: ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم، لتعرفون من فيها من صالح أو طالح؟
قلت: بلى.
قال: فنحن أولئك الرّجال الّذين يعرفون كلّا بسيماهم.
عن زاذان (8)، عن سلمان قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول لعليّ- (عليه السلام)- أكثر من عشر مرّات: يا عليّ، إنّك و الأوصياء من بعدك أعراف بين الجنّة و النّار. و لا يدخل الجنّة إلّا من عرفكم و عرفتموه، و لا يدخل النّار إلّا من أنكركم و أنكرتموه.
عن سعد بن طريف (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية
____________
(1) البصائر/ 517، ضمن ح 8.
(2) الاحتجاج 1/ 338.
(3) المصدر: «و نحن الاعراف» بدل «نوقف»
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حتى يعرفوا جده.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الذين.
(6) تفسير العياشي 2/ 17- 18، ح 42.
(7) نفس المصدر و المجلد/ 18، ح 43، و فيه:
«هلقام» بدل «هشام».
(8) تفسير العياشي 2/ 18، ح 44.
(9) نفس المصدر و الصفحة، ح 45.
94
وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.
قال: يا سعد، هم آل محمّد. لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم و عرفوه، و لا يدخل النّار إلّا من أنكرهم و أنكروه.
و عن الثّماليّ (1) قال: سئل أبو جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نحن على (2) الأعراف الّذين لا يعرف اللّه إلّا بسبب معرفتنا. و نحن الأعراف الّذين لا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا و عرفناه، و لا يدخل النّار إلّا من أنكرنا و أنكرناه. و ذلك بأنّ اللّه لو شاء أن يعرّف النّاس نفسه، لعرّفهم.
و لكن جعلنا سببه و سبيله و بابه الّذي يؤتى منه.
و في بصائر الدّرجات (3)، عنه- (عليه السلام)-: «الرّجال» هم الأئمّة من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و «الأعراف» صراط بين الجنّة و النّار. فمن شفع له الأئمّة منّا من المؤمنين المذنبين، نجا. و من لم يشفعوا له، هوى.
و عنه (4)- (عليه السلام)- قال: نحن أولئك الرّجال. الأئمّة منّا يعرفون من يدخل الجنّة و من يدخل النّار، كما تعرفون في قبائلكم. الرّجل منكم يعرف من فيها من صالح أو طالح.
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة. و زاد في بعضها (5): لأنّهم عرفاء العباد، عرّفهم اللّه إيّاهم عند أخذ المواثيق عليهم بالطّاعة لهم. فوصفهم في كتابة فقال: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. و هم الشّهداء على النّاس، و النّبيّون شهداء لهم بأخذهم (6) لهم مواثيق العباد بالطّاعة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: كلّ أمّة يحاسبها إمام زمانها، و يعرف الأئمّة أولياءهم و أعداءهم بسيماهم. و هو قوله: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم، فيمرّون إلى الجنّة بلا
____________
(1) نفس المصدر/ 19، ح 48.
(2) ليس في المصدر: على.
(3) البصائر/ 516، ذيل ح 5.
(4) نفس المصدر/ 515- 516، ح 1.
(5) نفس المصدر/ 518، ضمن ح 9. و كشف المحجّة/ 190- 191.
(6) المصدر: بأخذه.
(7) تفسير القمّي 2/ 384.
95
حساب. و يعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم، فيمرّون إلى النّار بلا حساب.
و روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ (1)، عن رجاله، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و قد سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ بَيْنَهُما حِجابٌ.
فقال: سور بين الجنّة و النّار قائم عليه محمّد و عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة و خديجة- (عليهم السلام)- فينادون: أين محبّونا، و أين شيعتنا؟ فيقبلون إليهم، فيعرفونهم بأسمائهم و أسماء آبائهم. و ذلك قوله: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. فيأخذون بأيديهم، فيجوزون بهم على الصّراط و يدخلونهم الجنّة.
و في بصائر الدّرجات، و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن أصحاب الأعراف.
فقال: إنّهم قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم، فقصرت بهم الأعمال. و إنّهم لكما قال اللّه- عزّ و جلّ-.
و في الكافي (3)، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عنهم.
فقال: قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم. فإن أدخلهم النّار، فبذنوبهم. و إن أدخلهم الجنّة، فبرحمته.
و في رواية العيّاشي (4): فإن أدخلهم اللّه الجنّة، فبرحمته. و إن عذّبهم، لم يظلمهم.
قيل (5): لا منافاة بين هاتين الرّوايتين و بين ما تقدّمهما من الأخبار، كما زعمه الأكثرون. لأنّ هؤلاء القوم يكونون مع الرّجال الّذين على الأعراف، و كلاهما أصحاب الأعراف. يدلّ على ما قلناه صريحا حديث الجوامع.
وَ نادَوْا، يعني: و نادى أصحاب الأعراف. أريد بهم من كان مع الأئمّة على الأعراف من مذنبي شيعتهم، الّذين استوت حسناتهم و سيّئاتهم.
أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، أي: إذا نظروا عليهم، سلّموا عليهم.
لَمْ يَدْخُلُوها: استئناف لا محلّ له. كأنّ سائلا سأل عن دخولهم الجنّة.
____________
(1) تأويل الآيات الباهرة/ 65.
(2) تفسير الصافي 2/ 199 عنهما.
(3) الكافي 2/ 381، ذيل ح 1.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 18، ذيل ح 46.
(5) تفسير الصافي 2/ 200.
96
فقيل: «لم يدخلوها».
وَ هُمْ يَطْمَعُونَ (46): حال من «الواو»، أو من «الأصحاب».
و في تفسير العيّاشي (1): عن كرام قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إذا كان يوم القيامة، أقبل سبع قباب من نور يواقيت خضر و بيض. في كلّ قبّة إمام دهره، قد أحفّ (2) به أهل دهره برّها و فاجرها حتّى يقفون بباب الجنّة (3). فيطّلع أوّلها [صاحب] (4) قبّة اطّلاعة، فيميّز أهل ولايته من عدوّه. ثمّ يقبل على عدوّه فيقول: أنتم الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ اليوم. [يقوله] (5) لأصحابه، فتسوّد وجوه الظّالمين. فيصير (6) أصحابه إلى الجنّة، و هم يقولون: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
فإذا نظر أهل القبّة الثّانية إلى قلّة من يدخل الجنّة و كثرة من يدخل النّار، خافوا أن لا يدخلوها. و ذلك قوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ.
وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا: تعوّذا باللّه.
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)، أي: في النّار.
و في مجمع البيان (7): أنّ في قراءة الصّادق- (عليه السلام)-: قالوا ربنا عائذا بك أن لا (8) تجعلنا مع القوم الظالمين.
وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ، أي: الأئمّة منهم. و الإسناد، كما في قولهم:
بنو تميم قتلوا زيدا. و إنّما قتلوه بعضهم.
رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ: من رؤساء الكفرة.
قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ: كثرتكم، أو جمع المال.
وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48): عن الحقّ، أو على الخلق.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 18- 19، ح 47.
(2) المصدر: احتفّ.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى تغيب عن باب الجنّة.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(6) المصدر: فيسودّ وجه الظالم فيميز أصحابه إلى الجنّة.
(7) المجمع 2/ 424.
(8) ليس في المصدر: لا.
97
و قرئ (1): «تستكثرون» من الكثرة.
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ: من تتمّة قولهم للرّجال.
و الإشارة إلى شيعتهم الّذين كانوا معهم على الأعراف، الّذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدّنيا و يحلفون أنّ اللّه لا يدخلهم الجنّة.
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)، أي: فالتفتوا إلى أصحاب الجنّة و قالوا لهم: «ادخلوا». و هو أوفق.
و قيل (2): فقيل لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بفضل اللّه، بعد أن حبسوا حتّى أبصروا الفريقين و عرفوهم و قالوا لهم ما قالوا.
و قيل (3): لمّا عيّروا أصحاب النّار، أقسموا أنّ أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة. فقال اللّه أو بعض الملائكة: أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ.
و قرئ (4): «ادخلوا» أو «دخلوا» على الاستئناف و تقديره: دخلوا الجنّة مقولا لهم: «لا خوف عليكم».
في الجوامع (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-: «الأعراف» كثبان بين الجنّة و النّار.
يوقف عليها كلّ نبيّ و كلّ خليفة نبيّ مع المذنبين من أهل زمانه، كما يقف صاحب الجيش مع الضّعفاء من جنده، و قد سبق المحسنون إلى الجنّة.
فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه: انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا (6) إلى الجنّة.
فيسلّم عليهم المذنبون. و ذلك قوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ.
أن يدخلهم اللّه إيّاها بشفاعة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الإمام. و ينظر هؤلاء إلى أهل النّار فيقولون: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
و ينادي «أصحاب الأعراف» و هم الأنبياء و الخلفاء. «رجالا» من أهل النّار و رؤساء الكفّار، يقولون لهم مقرّعين: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ و استكباركم. أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ. إشارة إلى أهل الجنّة الّذين كان الرّؤساء
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 350.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) جوامع الجامع/ 146.
(6) المصدر: سيقوا.
98
يستضعفونهم و يحتقرونهم بفقرهم، و يستطيلون عليهم بدنياهم، و يقسمون أنّ اللّه لا يدخلهم الجنّة. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ يقول أصحاب الأعراف لهؤلاء المستضعفين عن أمر من اللّه- عزّ و جلّ- لهم بذلك: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، أي: لا خائفين و لا محزونين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، [عن أبي أيوب] (2) عن بريد (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: «الأعراف» كثبان (4) بين الجنّة و النّار. و «الرّجال» الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- يقفون على الأعراف مع شيعتهم، و قد سبق (5) المؤمنون إلى الجنّة. [بلا حساب] (6) فيقول الأئمّة لشيعتهم من أصحاب الذّنوب:
انظروا إلى إخوانكم في الجنّة قد سبقوا (7) إليها بلا حساب. و هو قول اللّه- تعالى-: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ.
ثمّ يقال لهم: انظروا إلى أعدائكم في النّار. و هو قوله: وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ في النّار. قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ في الدّنيا. وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.
ثمّ يقولون لمن في النّار من أعدائهم: هؤلاء شيعتي و إخواني الّذين كنتم أنتم تحلفون في الدّنيا لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ.
ثمّ يقول الأئمّة لشيعتهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا، أي: صبّوا. و هو دليل على أنّ الجنّة فوق النّار.
مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ: من سائر الأشربة، ليلائم الإفاضة. أو من المطاعم، كقوله:
علفتها تبنا و ماء باردا
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 231- 232.
(2) من المصدر.
(3) ب: يزيد.
(4) ب: كثيبان.
(5) المصدر: سيق.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: سيقوا.
99
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: إنّ أهل النّار يموتون عطاشا [، و يدخلون قبورهم عطاشا (، و يحشرون عطاشا)] (2) و يدخلون جهنّم عطاشا. فيرفع لهم قراباتهم من الجنّة، فيقولون: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
عن الزّهريّ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: يوم التّناد، يوم ينادي أهل النّار أهل الجنّة أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ.
و في كتاب الاحتجاج (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه الزّهريّ قال: حجّ هشام بن عبد الملك. فدخل المسجد الحرام متّكئا على يد سالم مولاه، و محمّد بن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- جالس في المسجد.
فقال له سالم: يا أمير المؤمنين هذا محمّد بن عليّ بن الحسين.
فقال هشام: المفتون به أهل العراق؟
فقال: نعم.
قال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الّذي يأكل النّاس و يشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يحشر النّاس على مثل قرصة البرّ النّقي (5)، فيها أنهار مفجّرة، يأكلون و يشربون حتّى يفرغ النّاس من الحساب.
قال: فرأى هشام أنه ظفر به، فقال: اللّه أكبر، اذهب (6) إليه فقل له: ما أشغلهم عن الأكل و الشّرب يومئذ! فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هم في النّار أشغل [و لم يشغلوا] (7) عن أن قالوا:
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
فسكت هشام لا يرجع كلاما.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 19، ح 49.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر و الصفحة، ح 50.
(4) الاحتجاج 2/ 57.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «نقيّ» بدل «البرّ النقيّ».
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ادخل.
(7) من المصدر.
100
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1). حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي الربيع قال: سأل نافع مولى عمر بن الخطّاب أبا جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)-.
فقال: يا أبا جعفر، أخبرني عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ. أي أرض تبدّل؟
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بخبزة (2) بيضاء، يأكلون منها حتّى يفرغ اللّه من حساب الخلائق.
فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أ هم حينئذ أشغل أم هم في النّار؟
فقال نافع: بل و هم في النّار.
قال: فقد قال اللّه: وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. ما شغلهم إذ دعوا الطّعام، فأطعموا الزّقّوم. و دعوا الشّراب، فسقوا الحميم.
فقال: صدقت، يا ابن رسول اللّه.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50): منعهما عنهم، منع المحرّم عن المكلّف.
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً:
و «اللّهو» صرف الهمّ بما لا يحسن أن يصرف به. و «اللّعب» طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به.
وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ: نفعل بهم فعل النّاسين، فنتركهم في النّار.
كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا: فلم يخطروه ببالهم، و لم يستعدّوا له.
في عيون الأخبار (3)، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و إنّما يجازي من نسيه و نسي لقاء يومه بأن ينسيهم (4) أنفسهم، كما قال- تعالى-:
____________
(1) تفسير القمي 1/ 232- 235.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بحر بيضاء.
(3) العيون 1/ 125، ضمن ح 18.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ينسيه.
101
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (1). و قال- عزّ و جلّ-: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا، أي: نتركهم، كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.
و في كتاب التّوحيد (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في تفسيره: يعني بالنّسيان:
أنّه لم يثبهم، كما يثيب أولياءه الّذين كانوا في دار الدّنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به و برسله و خافوه بالغيب. و قد يقول العرب في باب النّسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا، أي: أنّه لا يأمر لهم بخير و لا يذكرهم به.
وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51): و لما كانوا منكرين أنّها من عند اللّه.
وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ: بيّنّا معانيه من العقائد و الأحكام و المواعظ مفصّلة.
عَلى عِلْمٍ: عالمين بوجه تفصيله حتّى جاء حكيما. و فيه دليل على أنّه- تعالى- عالم بعلمه. أو مشتملا على علم، فيكون حالا من المفعول.
و قرئ (3): «فضّلناه»، أي: على سائر الكتب، عالمين بأنّه حقيق بذلك.
هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52): حال من «الهاء».
هَلْ يَنْظُرُونَ: هل ينتظرون.
إِلَّا تَأْوِيلَهُ: إلّا ما يؤول إليه أمره، من تبيين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد و الوعيد.
يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ: قبل يوم القيامة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): ذلك في قيام القائم- (عليه السلام)-.
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ: تركوه ترك النّاسي.
قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ، أي: قد تبيّن أنّهم جاؤوا بالحقّ.
فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا: اليوم.
أَوْ نُرَدُّ: أو هل نردّ إلى الدّنيا؟
____________
(1) الحشر/ 19.
(2) التوحيد/ 259- 260. أسقط المؤلف جملة من وسطه.
(3) أنوار التنزيل 1/ 351.
(4) تفسير القمّي 1/ 235- 236.
102
و قرئ (1)، بالنّصب، عطفا على «فيشفعوا». أو لأنّ «أو» بمعنى: «إلى أن».
فعلى الأوّل المسئول أحد الأمرين. و على الثّاني المسئول أن يكون لهم شفعاء، إمّا لأحد الأمرين أو لأمر واحد و هو الرّدّ.
فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ: جواب الاستفهام الثّانيّ.
و قرئ (2)، بالرّفع، أي: فنحن نعمل.
قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ: بصرف أعمارهم في الكفر.
وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53): بطل عنهم، فلم ينفعهم.
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، أي: في ستّة أوقات، كقوله وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ. أو في مقدار ستّة أيّام، فإنّ المتعارف في اليوم زمان طلوع الشّمس إلى غروبها و لم تكن حينئذ. و في خلق الأشياء مدرجا مع القدرة على إيجادها دفعة، دليل الاختيار و اعتبار النّظام (3) و حثّ على التأنيّ في الأمور.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال: في ستّة أوقات.
و في الاحتجاج (5) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ (6) فإنّ اللّه- عزّ و جلّ ذكره- أنزل عزائم الشّرائع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة، كما خلق السّموات و الأرض في ستّة أيّام. و لو شاء أن يخلقهما في أقلّ من لمح البصر، لخلق. و لكنّه جعل الأناة و المداراة أمثالا (7) لأنبيائه و إيجابا للحجّة على خلقه.
و في عيون الأخبار (8): عن الرّضا- (عليه السلام)-: و كان قادرا على أن يخلقهما في طرفة عين. و لكنّه- عزّ و جلّ- خلقها في ستّة أيّام، ليظهر على الملائكة (9) ما يخلقه منها شيئا بعد شيء، فيستدلّ بحدوث ما يحدث على اللّه- تعالى- مرّة بعد مرّة.
و في روضة الواعظين (10)، للمفيد- (رحمه اللّه)- و روى أنّ اليهود أتت النّبيّ- صلّى اللّه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 351.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) ب: للنّظار.
(4) تفسير القمّي 1/ 236.
(5) الاحتجاج 1/ 379.
(6) سبأ/ 46.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: مثالا.
(8) العيون 1/ 134- 135، ضمن ح 33.
(9) المصدر: للملائكة.
(10) روضة الواعظين/ 394.
103
عليه و آله-. فسألته عن خلق السّموات و الأرض.
قال: خلق اللّه الأرض يوم الأحد و الإثنين. و خلق الجبال و ما فيهنّ يوم الثّلاثاء. و خلق يوم الأربعاء الشّجر و الماء و المدائن و العمران و الخراب. و خلق يوم الخميس السّماء.
[و خلق يوم الجمعة النّجوم و الشّمس و القمر و] (1) الملائكة.
قالت اليهود: ثمّ ما ذا يا محمّد؟
قال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
و فيها (2) قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خلق اللّه الجنه يوم الخميس، و سمّاه مؤنسا.
و في الكافي (3)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّ اللّه خلق الخير يوم الأحد، و ما كان ليخلق الشّرّ قبل الخير. و في [يوم] (4) الأحد و الإثنين خلق الأرضين، و خلق أقواتها يوم الثّلاثاء. و خلق السّموات يوم الأربعاء و يوم الخميس، و خلق أقواتها يوم الجمعة.
و ذلك قوله- تعالى-: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
قيل (5): هذه الآية المشتملة على قوله: «و ما بينهما» إنّما هي في سورة الفرقان و في سورة السّجدة التّالية للقمان. و يستفاد منها و من هذا الحديث و أمثاله ممّا ورد من هذا القبيل، أنّ «ما بينهما»- أيضا- داخل في المقصود من الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها.
و في الكافي (6)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق الدّنيا في ستّة أيّام، ثمّ اختزلها عن أيّام السّنة. و السنّة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما.
و في من لا يحضره الفقيه (7) و التّهذيب (8)، عنه- (عليه السلام)-: أنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق السنّة ثلاثمائة و ستّين يوما، و خلق السّموات و الأرض في ستّة أيّام، فحجزها من ثلاثمائة و ستّين يوما. فالسّنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما. (الحديث).
____________
(1) من الهامش.
(2) روضة الواعظين/ 394.
(3) الكافي 8/ 145، ح 117.
(4) من المصدر.
(5) تفسير الصافي 2/ 203- 204.
(6) الكافي 4/ 78، صدر ح 2.
(7) الفقيه 2/ 111، ضمن ح 472.
(8) التهذيب 4/ 171- 172، ضمن ح 484.
104
و في كتاب الخصال (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تعالى- خلق الشهور اثني عشر شهرا. و هو ثلاثمائة و ستّون يوما. فحجز (2) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات و الأرض، فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.
عن بكر بن عليّ (3) بن عبد العزيز (4)، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن السّنة، كم يوما هي؟
قال: هي ثلاثمائة و ستّون يوما. منها ستّة أيّام خلق اللّه فيها السّموات و الأرض، فطرحت من أصل السنّة، فصارت السنّة ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما.
و في تفسير العيّاشيّ (5)، عن الباقر- (عليه السلام)- ما يقرب منه.
قيل (6): فإن قيل: إنّ الأيّام إنّما تتقدّر و تتمايز بحركة الفلك، فكيف خلقت السّموات و الأرض في الأيّام المتمايزة قبل تمايزها؟ قلنا: مناط تمايز الأيّام و تقدّرها، إنّما هو حركة الفلك الأعلى دون السّموات السّبع [و المخلوق في الأيّام المتمايزة، إنّما هو السموات السبع] (7) و الأرض و ما بينهما [دون ما فوقها] (8) و لا يلزم من ذلك خلاء لتقدّم الماء الّذي خلق منه الجميع على الجميع.
و فيه نظر. لأنّ مناط تقدّر الزّمان، إنّما هو الفلك الأعلى. و أمّا مناط تقدّر الأيّام، فإنّما هو الشّمس المنوط بغيره من الأفلاك. فافهم. و ليعلم أنّ هذه الآية و أمثال هذه الأخبار من المتشابهات، الّتي تأويلها عند الرّاسخين في العلم.
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
في كتاب الاحتجاج (9)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: استوى تدبيره و علا أمره.
و عن أبي الحسن موسى (10)- (عليه السلام)-: استولى على ما رقّ (11) و جلّ.
____________
(1) الخصال/ 486، ح 62.
(2) المصدر: فحجر.
(3) نفس المصدر/ 602، صدر ح 7.
(4) المصدر، أ، ب، ر: عن بكر بن عليّ بن عبد العزيز.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 120، ح 7.
(6) تفسير الصافي 2/ 204.
7 و 8- من المصدر.
(9) الاحتجاج 1/ 373.
(10) نفس المصدر 2/ 157.
(11) المصدر: دقّ.
105
و في الكافي (1)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: ثمّ استوى على كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء.
و في رواية أخرى (2): استوى في كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء. لم يبعد منه بعيد و لم يقرب منه قريب، استوى (3) في كلّ شيء.
قيل (4): قد يراد «بالعرش» الجسم المحيط بجميع الأجسام. و قد يراد به ذلك الجسم مع جميع ما فيه من الأجسام، أعني: العالم الجسمانيّ بتمامه. و قد يراد به ذلك المجموع مع جميع ما يتوسّط بينه و بين اللّه- سبحانه- من الأرواح الّتي لا تتقوّم الأجسام إلّا بها، أعني: العوالم كلّها بتمامها بملكها و ملكوتها و جبروتها، و بالجملة ما سوى اللّه- عزّ و جلّ-. و قد يراد علم اللّه- سبحانه- المتعلّق بما سواه. و قد يراد به علم اللّه الّذي اطّلع عليه أنبياؤه و رسله و حججه- (صلوات اللّه عليهم)-. و قد وقعت الإشارة إلى كلّ منها في كلامهم- (عليهم السلام)-. و ربّما يفسّر بالملك. و «الاستواء» بالاحتواء، كما يأتي في سورة «طه» و يرجع إلى ما ذكر.
ثمّ قال (5): أقول: فسّر الصّادق- (عليه السلام)- «الاستواء» في روايات الكافي باستواء النّسبة، و «العرش» بمجموع الأشياء.
ضمّن الاستواء [في الرواية الأولى] (6) ما يتعدّى «بعلى»، كالاستيلاء و الإشراف و نحوهما لموافقة القرآن. فيصير المعنى: استوى نسبته إلى كلّ شيء حال كونه مستوليا على الكلّ. ففي الآية دلالة على نفي المكان عنه- سبحانه- خلاف ما يفهمه الجمهور منها.
و فيها- أيضا- إشارة إلى معيّته (7) القيّوميّة و اتّصاله المعنويّ بكلّ شيء على السّواء، على الوجه الّذي لا ينافي أحديّته و قدس جلاله. و إلى إفاضة الرّحمة العامّة على الجميع على نسبة واحدة، و إحاطة علمه بالكلّ على نحو واحد، و قربه من كلّ شيء على نهج سواء.
و أتى بلفظة «من» في الرّواية الثّانية، تحقيقا لمعنى الاستواء في القرب و البعد.
و بلفظة «في» في الثّالثة، تحقيقا لمعنى ما يستوي فيه.
____________
(1) الكافي 1/ 127- 128، ح 6 و 7.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 128، ح 8.
(3) ب: استولى.
(4) تفسير الصافي 2/ 204- 205.
(5) يعني صاحب الصافي.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في ب: معيّة. و في سائر النسخ: معنى.
106
و أمّا اختلاف المقرّبين، كالأنبياء و الأولياء مع المبعدين، كالشّياطين و الكفّار في القرب و البعد، فليس ذلك من قبله- سبحانه- بل من جهة تفاوت أرواحهم في ذواتها.
و في التّوحيد (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث الجاثليق قال: إنّ الملائكة تحمل العرش. و ليس العرش كما تظنّ كهيئة السّرير، و لكنّه شيء [محدود] (2) مخلوق مدبّر و ربّك- عزّ و جلّ- مالكه. لا أنّه عليه، ككون الشّيء على الشّيء.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ: يغطّيه به. و لم يذكر عكسه للعلم به، أو لأنّ اللّفظ يحتملها. و لذلك قرئ (3) بنصب «اللّيل» و برفع «النّهار».
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ و يعقوب و أبو بكر عن عاصم، بالتّشديد، فيه و في الرّعد للدّلالة على التّكرار. و الجملة في موضع الحال من فاعل «خلق». و يحتمل كونها خبرا بعد خبر ل «إنّ».
و إيراد الخبرين مختلفين بالمضيّ و المضارعة، للتّنبيه على تقدّم أحدهما على الآخر.
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً: يعقبه سريعا، كالطّالب له لا يفصل بينهما شيء.
و «الحثيث» فعيل، من الحثّ. و هو صفة مصدر محذوف. أو حال من الفاعل بمعنى: حاثّا. أو المفعول بمعنى: محثوثا.
وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ: بقضائه و تصريفه. و نصبها بالعطف على «السّموات». و نصب «مسخرات» على الحال.
و قرأ (5) ابن عامر كلّها، بالرّفع، على الابتداء و الخبر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)، بإسناده إلى عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره: و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: الأرض مسيرة خمسمائة سنة، الخراب منها مسيرة أربعمائة عام و العمران منها مسيرة مائة عام. و الشّمس ستّون فرسخا في ستّين فرسخا. و القمر أربعون فرسخا في أربعين فرسخا. بطونهما يضيئان لأهل السّماء، و ظهورهما لأهل الأرض. و الكواكب، كأعظم جبل على الأرض. و خلق
____________
(1) التوحيد/ 316، ضمن ح 3.
(2) من المصدر.
(3) أنوار التنزيل 1/ 351.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) أنوار التنزيل 1/ 352.
(6) تفسير القمّي 2/ 17.
107
الشّمس قبل القمر.
و قال سلام بن المستنير: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: لم صارت الشّمس أحرّ من القمر؟
قال: إنّ اللّه خلق الشّمس من نور النّار و صفو الماء، طبق من هذا و طبق من هذا، حتّى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار. فمن هنالك صارت [الشّمس] (1) أحرّ من القمر.
قلت: فالقمر.
قال: إنّ اللّه خلق القمر من ضوء نور النّار و صفو الماء، طبق من هذا و طبق من هذا، حتّى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء. فمن هنالك صار القمر أبرد من الشّمس.
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ: فإنّه الموجد و المتصرّف، إذ له عالم الأجسام و عالم الأرواح.
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54): تعالى بالوحدانيّة في الألوهيّة، و تعظّم بالتّفرّد في الرّبوبيّة، لكونه- تعالى- متباركا بكلّ ما هو من لوازم الألوهيّة و خصائص الرّبوبيّة. فإنّه خلق العالم على ترتيب قويم و تدبير حكيم، كما فصّله أوّلا و أجمله ثانيا في قوله- تعالى-: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ.
و في الخرائج و الجرائح (2): قال أبو همام: سأل محمّد بن صالح أبا محمّد- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ (3).
فقال: له الأمر من قبل أن يأمر به، و له الأمر من بعد أن يأمر به ممّا يشاء.
فقلت في نفسي: هذا قول اللّه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
فأقبل عليّ و قال: هو كما أسررت في نفسك أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
و في أصول الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن
____________
(1) من المصدر.
(2) نور الثقلين 2/ 40، ح 161 عنه.
(3) الروم/ 4.
(4) الكافي 2/ 625- 626، ضمن ح 21.
108
محمّد بن بكر (1)، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ إلى قوله: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، حرسته الملائكة و تباعدت عنه الشّياطين.
قال: فمضى الرّجل، فإذا هو بقرية خراب فبات فيها و لم يقرأ هذه الآية.
فتغشّاه الشّيطان (2)، فإذا هو آخذ بخطمه (3). فقال له صاحبه: أنظره. و استيقظ الرّجل، فقرأ الآية. فقال الشّيطان لصاحبه: أرغم اللّه أنفك و احرسه الآن حتّى يصبح.
فلمّا أصبح رجع إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أخبره، و قال له: رأيت في كلامك الشّفاء و الصّدق. و مضى بعد طلوع الشّمس، فإذا هو بأثر (4) شعر الشّيطان مجتمعا في الأرض.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في من لا يحضره الفقيه (5)، في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، من يخاف ساحرا أو شيطانا، فليقرأ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (الآية).
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً، أي: ذوي تضرّع و خفية. فإنّ الإخفاء أدعى إلى الإخلاص.
و يجوز أن يكون التّقدير: دعوة تضرّع و خفية.
و في أصول الكافي (6)، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: دعاء التّضرّع، أن تحرّك أصبعك السّبّابة ممّا يلي وجهك. و هو دعاء الخفية
(7) و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55): المجاوزين ما أمروا به في الدّعاء و غيره.
و في مجمع البيان (8): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه كان في غزاة، فأشرف (9)
____________
(1) ج: محمد بن كثير.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الشياطين.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بعظمه.
و الخطم من كل دابّة: مقدّم أنفه و فمه.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: باشر.
(5) الفقيه 4/ 269.
(6) الكافي 2/ 481، ذيل ح 5.
(7) المصدر: الخيفة.
(8) المجمع 2/ 429.
(9) المصدر: فأشرفوا.
109
على واد. فجعل النّاس يهلّلون و يكبّرون و يرفعون أصواتهم.
فقال: أيّها النّاس، أربعوا (1) على أنفسكم. أما إنّكم لا تدعون أصمّ و لا غائبا، إنّكم تدعون سميعا قريبا، إنّه معكم.
و في مصباح الشّريعة (2)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: استعن باللّه في جميع أمورك متضرّعا إليه آناء اللّيل و النّهار. قال اللّه- تعالى-: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
و لا يخفى دلالة الآية و الخبر. على أنّ الإجهار المفرط بالدّعاء و غيره، اعتداء لا يحبّه اللّه. و الّذي يحبّه هو الإخفاء و التّضرّع. فالّذين ينتحبون إلى اللّه بالتّرنّم بالأصوات و الإجهار بالأشعار و الأبيات، عن الصّراط لناكبون، و لطريق الاعتداء سالكون.
وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ: بالكفر و المعاصي.
بَعْدَ إِصْلاحِها: ببعث الأنبياء، و نصب الأوصياء، و شرع الأحكام.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): أصلحها برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فأفسدوها حين تركوا أمير المؤمنين [و ذريته- (عليهم السلام)-] (4).
وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً: ذوي خوف من الرّدّ لقصور أعمالكم و عدم استحقاقكم، و طمع في إجابته تفضّلا و إحسانا لفرط رحمته.
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56): ترجيح للطّمع، و تنبيه على ما يتوصّل به إلى الإجابة، و تذكير قريب، لأنّ الرّحمة، بمعنى: الرّحم. أو لأنّه صفة محذوف، أي: أمر قريب. أو على تشبيهه بفعيل، الّذي بمعنى: المفعول. أو الّذي هو مصدر، كالنّقيض. أو للفرق بين القريب من النّسب و القريب من غيره.
وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ و قرأ (5) ابن كثير و حمزة و الكسائيّ: «الرّيح» على الوحدة.
بُشْراً: جمع، بشور، بمعنى: باشر.
____________
(1) أربع على نفسك أي: توقّف.
(2) مصباح الشريعة/ 374- 375.
(3) تفسير القمّي 1/ 236.
(4) من المصدر.
(5) أنوار التنزيل 1/ 352.
110
و قرأ (1) ابن عامر: «نشرا» بالتّخفيف حيث وقع. و حمزة و الكسائيّ: «نشرا» بفتح النّون حيث وقع، على أنّه مصدر في موضع الحال، بمعنى: ناشرات. أو مفعول مطلق، فإنّ الإرسال و النّشر متقاربان.
و عاصم: «بشرا». و هو تخفيف «بشر». جمع، بشير. و قد قرئ به. و «بشرا» بفتح الباء مصدر، بشره، أي: باشرات. أو للبشارة.
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ: قدّام رحمته، يعني: المطر. فإنّ الصّبا تثير السّحاب، و الشّمال تجمعه، و الجنوب تحلبه، و الدّبور تفرّقه.
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ، أي: حملت. و اشتقاقه من القلّة، فإنّ المقلّ للشّيء يستقلّه.
سَحاباً ثِقالًا: بالماء.
و «السّحاب» اسم جمع، بمعنى: السّحائب.
سُقْناهُ، أي: السّحاب. و إفراد الضّمير، باعتبار اللّفظ. و فيه تلوين الخطاب.
لِبَلَدٍ مَيِّتٍ: لأجله و لإحيائه، أو لسقيه.
و قرئ (2): «ميت».
فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ: بالبلد، أو بالسّحاب، أو بالسّوق، أو بالرّيح. و كذلك فَأَخْرَجْنا بِهِ.
و يحتمل فيه عود الضّمير إلى الماء. و إذا كان للبلد، فالباء للإلصاق في الأوّل، و للظّرفيّة في الثّاني. و إذا كان لغيره، فهي للسّببية.
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ: من كلّ أنواعها.
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى: الإشارة فيه إلى إخراج الثّمرات، أو إلى إحياء البلد الميّت، أي: كما نحييه بإحداث القوّة النّباتيّة (3) فيه و تطرئتها بأنواع النّبات و الثّمرات، نخرج الموتى من الأجداث و نحييها بردّ النّفوس إلى موادّ أبدانها بعد جمعها و تجزءتها بالقوى و الحواسّ.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) أنوار التنزيل 1/ 353: القوّة النامية.
111
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57): فتعلمون أنّ من قدر على ذلك، قدر على هذا.
وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ: الأرض الكريمة التّربة.
يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ: بأمره و تيسيره. عبّر به عن كثرة النّبات و حسنه و غزارة نفعه، بقرينة المقابلة.
وَ الَّذِي خَبُثَ، كالحرّة (1) و السّبخة.
لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً: قليلا، عديم النّفع. و نصبه على الحال.
و تقدير الكلام: و البلد الّذي خبث لا يخرج نباته إلّا نكدا. فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه، فصار مرفوعا مستترا.
و قرئ (2): «يخرج»، أي: يخرجه البلد. فيكون «إلّا نكدا» مفعولا. و نكدا على المصدر، أي: ذا نكد. أو بالإسكان، للتّخفيف.
كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: نردّدها و نكررّها.
لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58): نعمة اللّه. فيتفكّرون فيها، و يعتبرون بها.
قيل (3): و الآية مثل لمن تدبّر في الآيات و انتفع بها، و لمن لم يرفع إليها رأسا و لم يتأثّر بها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): [و هو] (5) مثل للأئمّة- (عليهم السلام)- يخرج علمهم بإذن ربّهم. «و [الذي خبث» مثل] (6) لأعدائهم. «لا يخرج» علمهم إلّا «نكدا» كذبا (7) فاسدا.
و في كتاب المناقب (8) لابن شهر آشوب قال عمرو بن العاص للحسين- (عليه السلام)- ما بال لحاكم أوقر من لحانا (9)؟
فقرأ هذه الآية.
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ: جواب قسم محذوف. و لا تكاد تطلق هذه
____________
(1) الحرّة: أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت.
(2) أنوار التنزيل 1/ 353.
(3) أنوار التنزيل 1/ 353.
(4) تفسير القمّي 1/ 236.
5 و 6- من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «كدرا» بدل نكدا كذبا.
(8) المناقب 4/ 67.
(9) المصدر: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا؟
112
«اللّام» إلّا مع «قد»، لأنّها مظنّة التّوقّع. فإن المخاطب إذا سمعها، توقّع وقوع ما صدر بها.
قيل (1): هو نوح بن لمك بن متوشلخ بن إدريس. أوّل نبيّ بعث بعده. و هو ابن خمسين سنة، أو أربعين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): روي في الخبر، أنّ اسم نوح عبد الغفّار. و إنّما سمّي: نوحا، لأنّه كان ينوح على نفسه.
و في علل الشّرائع (3): عن الصّادق- (عليه السلام)- مثله.
قال (4): و في رواية اسمه عبد الأعلى.
و في (5) أخرى: عبد الملك.
و في رواية (6): إنّما سمّي: نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.
و في روضة الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل (8)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (9)- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و بشّر آدم بنوح- (عليه السلام)-. فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- باعث نبيّا اسمه نوح، و أنّه يدعو إلى اللّه- عزّ و جلّ-. و يكذّبه قومه، فيهلكهم اللّه بالطّوفان. و كان بين آدم و بين نوح- (عليه السلام)- عشرة آباء، أنبياء و أوصياء كلّهم. و أوصى آدم- (عليه السلام)- إلى هبة اللّه: أنّ من أدركه منكم فليؤمن به و ليتّبعه و ليصدّق به، فإنّه ينجو من الغرق. ثمّ أنّ آدم- (عليه السلام)- مرض المرضة الّتي مات فيها- إلى قوله: ثمّ أنّ هبة اللّه لمّا دفن أباه، أتاه قابيل.
فقال: يا هبة اللّه، إنّي قد رأيت أبي آدم قد خصّك من العلم ما لم أخصّ به أنا. و هو العلم الّذي دعا به أخوك هابيل فقبل قربانه. و إنّما قتلته، لكي لا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي، فيقولون: نحن أبناء الّذي تقبّل قربانه، و أنتم أبناء الّذي
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 353.
(2) تفسير القمّي 1/ 328.
(3) العلل/ 28، ح 1.
(4) نفس المصدر و الصفحة، ح 3.
(5) نفس المصدر و الصفحة، صدر ح 2.
(6) نفس المصدر و الصفحة، تتمة ح 2 و أيضا تتمة ح 3.
(7) الكافي 8/ 114- 115، ضمن ح 92.
(8) ب: محمد بن الفضل.
(9) ب: أبي عبد اللّه.
113
ترك قربانه. فإنّك إن أظهرت من العلم الّذي اختصّك به أبوك شيئا قتلتك، كما قتلت أخاك هابيل.
فلبث هبة اللّه و العقب منه مستخفين بما عندهم من العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث النّبوّة و آثار علم النّبوّة، حتّى بعث اللّه نوحا- (عليه السلام)- و ظهرت وصيّة هبة اللّه حين نظروا في وصيّة آدم، فوجدوا نوحا- (عليه السلام)- نبيّا قد بشر به آدم- (عليه السلام)-. فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه.
و كان آدم- (عليه السلام)- وصّى هبة اللّه أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة فيكون يوم عيدهم، و يتعاهدون نوحا و زمانه الّذي يخرج فيه. و كذلك جاء في وصيّة كلّ نبيّ حتّى بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و إنّما عرفوا نوحا بالعلم الّذي عندهم.
و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (إلى آخر الآية). و كان من بين آدم و نوح من الأنبياء مستخفين. و لذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسمّوا، كما سمّي من استعلن من الأنبياء- (عليهم السلام)-.
و في مجمع البيان (1): روى الشّيخ أبو جعفر بن بابويه، بإسناده في كتاب النّبوّة، مرفوعا إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أن بعث اللّه- عزّ و جلّ- نوحا، دعا قومه علانية. فلمّا سمع عقب هبة اللّه من نوح تصديق ما في أيديهم من العلم و عرفوا أنّ العلم الّذي في أيديهم هو العلم الّذي جاء به نوح، صدّقوه و سلّموا له. فأمّا ولد قابيل فإنّهم كذّبوه، و قالوا: إنّ الجنّ كانت قبلنا، فبعث اللّه إليهم ملكا. فلو أراد اللّه أن يبعث إلينا، لبعث إلينا ملكا من الملائكة.
و في تفسير العسكري- (عليه السلام)-: كانت شريعة نوح، أن يعبد اللّه بالتّوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد. و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها. و أخذ اللّه ميثاقه على نوح و النّبيّين أن يعبدوا اللّه، و لا يشركوا به شيئا. و أمر بالصّلاة و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر و الحلال و الحرام، و لم يفرض عليهم أحكام حدود و لا فرض مواريث.
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ، أي: اعبدوه وحده، لقوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.
____________
(1) المجمع 2/ 434.
114
و قرأ (1) الكسائي: «غيره» بالجرّ [نعتا أو بدلا] (2) على اللّفظ.
و قرئ (3)، بالنّصب، على الاستثناء.
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59): إن لم تؤمنوا. و هو وعيد و بيان للدّاعي إلى عبادته- تعالى-.
و «اليوم» يوم القيامة، أو يوم نزول الطّوفان.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ، أي: الأشراف. فإنّهم يملئون العيون رواء.
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ: زوال عن الحقّ و الصّواب.
مُبِينٍ (60): بيّن.
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ: بالغ في النّفي، كما بالغوا في الإثبات، و عرّض لهم به.
وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61): استدرك باعتبار ما يلزمه و هو كونه على هدى، كأنّه قال: و لكنّي على هدى في الغاية، لأنّي رسول من اللّه.
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62):
صفات لرسول، أو استئناف. و مساقها على الوجهين، لبيان كونه رسولا.
و قرأ (4) أبو عمرو: «أبلغكم» بالتّخفيف.
و جمع «الرّسالات» لاختلاف أوقاتها، أو لتنوّع معانيها، كالعقائد و المواعظ و الأحكام. أو لأنّ المراد بها ما أوحى إليه و إلى الأنبياء قبله، كصحف شيث و إدريس.
و زيادة «اللّام» للدّلالة على إمحاض النّصح لهم.
و في أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ تقرير لما أوعدهم به. فإنّ معناه: أعلم من قدرته و شدّة بطشه، أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها.
أَ وَ عَجِبْتُمْ «الهمزة» للإنكار. و «الواو» للعطف على محذوف، أي: أ كذّبتم و عجبتم.
أَنْ جاءَكُمْ: من أن جاءكم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 353.
(2) من المصدر.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) أنوار التنزيل 1/ 354.
115
ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ: رسالة، أو موعظة.
عَلى رَجُلٍ: على لسان رجل.
مِنْكُمْ: من جملتكم، أو من جنسكم. فإنّهم كانوا يتعجّبون من إرسال البشر، و يقولون: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ.
لِيُنْذِرَكُمْ: ليحذّركم عاقبة الكفر و المعاصي.
وَ لِتَتَّقُوا: منهما، بسبب إنذاره.
وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63): بالتّقوى.
و في إيراد حرف التّرجّي، تنبيه على أنّ التّقوى غير موجب، و أن المتّقي لا ينبغي أن يعتمد على تقواه و لا يأمن سوء العاقبة.
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ: و هم من آمن به.
قيل (1): كانوا أربعين رجلا، و أربعين امرأة.
و قيل (2): تسعة، بنو سام و حام و يافث، و ستّة ممّن آمن به.
فِي الْفُلْكِ: متعلّق «بمعه»، أو «بأنجينا». أو حال من الموصول، أو الضّمير في «معه».
وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا: بالطّوفان.
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64): عمي القلب، غير مستبصرين. و أصله «عميين»، فخفّف.
و قرئ: «عامين». و الأوّل أبلغ، لدلالته على الثّبات. و يأتي تمام قصّة نوح- على نبيّنا و (عليه السلام)- في سورة هود إن شاء اللّه- تعالى-.
وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ: عطف على «نوحا إلى قومه».
هُوداً: عطف بيان «لأخاهم». و المراد به الواحد منهم، كقولهم: يا أخا العرب. و إنّما جعل منهم، لأنّهم أفهم لقوله و أعرف بحاله و أرغب في اقتفائه (3).
و في تفسير العيّاشي (4): عن يحيى بن المساور (5) الهمدانيّ، عن أبيه: جاء رجل من
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 354.
(3) ب: اقتضائه.
(4) تفسير العياشي 2/ 20، ح 53.
(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 339. و في النسخ: يحيى بن المثاور.
116
أهل الشّام [إلى عليّ بن الحسين] (1) فقال: أنت عليّ بن الحسين؟
قال: نعم.
قال: جدّك الّذي قتل المؤمنين؟
فبكى عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- ثمّ مسح عينه، فقال: ويلك، كيف قطعت على جدّي أنّه قتل المؤمنين؟
قال: إخواننا قد بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم.
فقال: ويلك، أما تقرأ القرآن؟
قال: بلى.
قال: فقد قال اللّه: وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً (2). وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً.
وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً. فكانوا إخوانهم في دينهم، أو إخوانهم في عشيرتهم؟
فقال الرّجل: لا بل في عشيرتهم.
قال: فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم، و ليسوا إخوانهم في دينهم.
قال: فرّجت عنّي، فرّج اللّه عنك.
و في رواية أخرى (3) قال: فأهلك اللّه عادا، و أنجى هودا. و أهلك ثمودا، و أنجى صالحا.
و في كتاب الاحتجاج (4)، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- حديث طويل.
و فيه: لقد علمت صاحبة الحرب (5) و المستحفظون من آل محمّد، أنّ أصحاب الجمل و أصحاب صفّين و أصحاب النّهروان لعنوا على لسان النّبيّ الأمّيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و قد خاب من افترى.
فقال شيخ من أهل الكوفة: يا عليّ بن الحسين، إنّ جدّك كان يقول: لإخواننا بغوا علينا.
فقال علي بن الحسين- (عليه السلام)-: أما تقرأ كتاب اللّه
____________
(1) من المصدر.
(2) الآية ليست في المصدر.
(3) تفسير العياشي 2/ 152، ذيل ح 43 ببعض التصرف.
(4) الاحتجاج 2/ 40.
(5) المصدر: الجدب. كذا في النسخ و المصدر.
و لعله كناية
117
وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً. أنّهم مثله نجّى اللّه (1)- عزّ و جلّ- هودا و الّذين معه، و أهلك عادا بالرّيح العقيم.
قيل (2): إنّه هود بن عبد اللّه بن رياح (3) بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام [بن نوح] (4).
و قيل (5): هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.
[و قيل (6): هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام] (7) بن عمّ أبي عاد.
و في روضة الكافي (8): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول: و بشّر نوح ساما بهود. فكان فيما بين نوح و هود أنبياء. و قال نوح: إنّ اللّه باعث نبيّا يقال له: هود. و إنّه يدعو قومه إلى اللّه- عزّ و جلّ- فيكذّبونه. و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يهلكهم بالرّيح. فمن أدركه منكم، فليؤمن به و ليتّبعه. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- ينجيه من عذاب الرّيح.
و أمر نوح- (عليه السلام)- ابنه ساما أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة، فيكون حينئذ عيدا لهم. فيتعاهدون فيه ما عندهم من العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و مواريث العلم و [آثار] (9) علم النّبوّة. فوجدوا هودا نبيّا- (عليه السلام)- قد بشرّ به إبراهيم و (10) نوح- (عليه السلام)-. فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه، فنجوا من عذاب الرّيح. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً. و قوله- عزّ و جلّ-: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ (11).
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (12)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: لمّا حضرت نوحا (13) الوفاة، دعا الشّيعة. فقال لهم: اعلموا أنّه سيكون من بعدي غيبة يظهر فيها الطّواغيت. و أنّ اللّه
____________
(1) المصدر: فهم مثلهم، أنجى اللّه.
(2) أنوار التنزيل 1/ 354.
(3) المصدر: رباح.
(4) من المصدر.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) من المصدر.
(8) الكافي 8/ 115- 116، ضمن ح 92.
(9) من المصدر.
(10) المصدر: «أبوهم» بدل «إبراهيم و».
(11) الشعراء/ 123- 124.
(12) كمال الدين/ 135، صدر ح 4.
(13) ليس في «ب»: نوحا.
118
- عزّ و جلّ- سيفرّج عنكم بالقائم من ولدي اسمه هود، له سمت و سكينة و وقار، يشبهني في خلقي و خلقي.
و بإسناده (1) إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن الصّادق أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: أنّ هودا لمّا بعثه اللّه- عزّ و جلّ- سلّم له العقب من ولد سام. و أمّا الآخرون فقالوا: من أشدّ منّا قوّة، فأهلكوا بالرّيح العقيم. و أوصاهم هود و بشّرهم بصالح.
و فيه (2)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل. فيه: أنّ الأنبياء (3) بعثوا خاصّة و عامّة.
أمّا هود، فإنّه أرسل إلى عاد بنبوّة خاصّة.
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ: استأنف به و لم يعطف، كما في قصّة نوح. كأنّه جواب سائل قال: فما قال لهم حين أرسل؟ و كذلك جوابهم في القصّتين.
أَ فَلا تَتَّقُونَ (65): عذاب اللّه.
و وصف الملأ في قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: إذ كان من أشرافهم من آمن به، كمرثد بن سعد. على ما نقل.
إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ: متمكّنا في خفّة عقل راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك.
وَ إِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66): فيما تقوله.
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67).
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ: فيما أدعوكم من توحيد اللّه و طاعته.
أَمِينٌ (68): ثقة مأمون في تأدية الرّسالة، فلا أكذب و لا أغيّر.
و في تفسير العيّاشي (4): و قال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما يجوز (5) أن يزكّي الرّجل نفسه؟
قال: نعم، إذا اضطر إليه. أما سمعت قول يوسف:
____________
(1) كمال الدين/ 136، ح 5.
(2) نفس المصدر/ 219- 220.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الأوصياء.
(4) تفسير العياشي 2/ 181، ح 40.
(5) ب: أ يجوز.
119
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (1). و قول العبد الصّالح: وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ.
أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ: مرّ تفسيره.
و في إجابة الأنبياء- (عليهم السلام)- الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا و الإعراض عن مقابلتهم بمثلها، مع علمهم بأنّهم أضلّ الخلق و أسفههم، أدب حسن.
و حكاية اللّه ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السّفهاء و يدارونهم. و في قوله وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ، تنبيه على أنّهم عرفوه بالأمرين.
وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ.
قيل (2): أي: في مساكنهم [من رمل عالج إلى شجر عمّان] (3). أو في الأرض، بأن جعلكم ملوكا. فإنّ شدّاد بن عاد ممّن ملك معمورة الأرض (4).
و قيل (5): أو خلّفتموهم في الأرض بعد هلاكهم بالعصيان.
خوّفهم من عقاب اللّه، ثمّ ذكّرهم بإنعامه.
وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً: قامة و قوّة.
و في مجمع البيان (6): عن الباقر- (عليه السلام)-: كانوا كالنّخل الطّوال. و كان الرّجل منهم ينحو الجبل بيده، فيهدم منه قطعة.
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69): لكي يفضي ذكر النّعم إلى الشّكر، المؤدّي إلى الفلاح.
و في أصول الكافي (7): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن الهيثم بن واقد، عن أبي يوسف (8) البزّاز قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية: أو تدري ما «آلاء اللَّه»؟
قلت: لا.
____________
(1) يوسف/ 55.
(2) أنوار التنزيل 1/ 354.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: ممّن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى بحر عمان.
(5) تفسير الصافي 2/ 210.
(6) المجمع 2/ 437.
(7) الكافي 1/ 217، ح 3.
(8) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 426. و في النسخ: ابن يوسف.
120
قال: هي أعظم نعم اللّه على خلقه، و هي ولايتنا.
قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا: استبعدوا اختصاص اللّه بالعبادة و الإعراض عمّا أشرك آباؤهم، انهماكا في التّقليد و حبّا لما ألفوه.
و معنى «المجيء» في «أ جئتنا»: إمّا المجيء من مكان اعتزل به عن قومه، أو من السّماء. على التّهكّم، أو القصد على المجاز، كقولهم: ذهب يسبّني.
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: من العذاب، المدلول عليه بقوله: «أفلا تتّقون».
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70): فيه.
قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ: وجب و حقّ عليكم، أو نزل عليكم. على أنّ المتوقّع، كالواقع.
مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ: عذاب. من الارتجاس: و هو الاضطراب.
وَ غَضَبٌ: إرادة انتقام.
أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ، أي: في أشياء سمّيتموها آلهة، و ليس فيها معنى الإلهيّة. لأنّ المستحقّ للعبادة بالذّات، هو الموجد للكلّ. و أنّها لو استحقّت، كان استحقاقها بجعله- تعالى- إمّا بإنزال آية، أو نصب حجّة.
ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ: من آية و نصب حجّة.
و منتهى حجّتهم و سندهم، أنّ الأصنام تسمّى آلهة من غير دليل يدلّ على تحقّق المسمّى، و إسناد الإطلاق إلى من يؤبه بقوله. و استدلّ به على أنّ الاسم عين المسمّى، إذ المجادلة في المسمّيات لا في الأسماء. و أنّ اللّغات توقيفيّة، إذ لو لم يكن كذلك لم يتوجّه الذّمّ و الإبطال بأنّها أسماء مخترعة لم ينزل بها سلطان. و هو ضعيف، إذ الذّمّ للمجادلة في المسمّيات و لإطلاق أسماء الآله و المعبود عليها و اتّباع معاني تلك الأسماء فيها، لا لمجرد المجادلة في الأسماء و إطلاقها عليها.
فَانْتَظِرُوا: لمّا وضح الحقّ، و أنتم مصرّون على العناد نزول العذاب.
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71).
في تفسير العيّاشيّ (1): عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: ما أحسن الصّبر و انتظار الفرج. أما سمعت قول العبد الصّالح:
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 20، ح 52.
121
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ: في الدّين.
بِرَحْمَةٍ مِنَّا: عليهم.
وَ قَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا: استأصلناهم.
وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72): تعريض بمن آمن منهم، و تنبيه على أنّ الفارق بين من نجا و بين من هلك هو الإيمان.
نقل (1): أنّهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث اللّه إليهم هودا فكذّبوه و ازدادوا عتوّا. فأمسك اللّه القطر عنهم ثلاث سنين، حتّى جهدهم. و كان النّاس حينئذ مسلمهم و مشركهم إذا نزل بهم بلاء، توجّهوا إلى البيت الحرام و طلبوا من اللّه الفرج. فجهّزوا إليه قيل بن عثر (2) و مرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم. و كان إذ ذاك بمكّة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام، و سيّدهم معاوية بن بكر.
فلمّا قدموا عليه، و هو بظاهر مكّة، أنزلهم و أكرمهم. و كانوا أخواله و أصهاره.
فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر و تغنّيهم الجرادتان (3) فيبشان (4) له. فلمّا رأى ذهولهم باللّهو عمّا بعثوا له، أهمّه ذلك. و استحيا أن يكلّمهم فيه، مخافة أن يظنّوا به ثقل مقامهم. فعلّم المغنّيتين (5):
ألا يا قيل ويحك قم فهينم* * * لعلّ اللّه يسقينا الغماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادا* * * قد أمسوا ما يبينون الكلاما
[و في تفسير المغنيّ بعد هذا الكلام:
من العطش الشّديد ليس يرجو* * * به الشّيخ الكبير و لا الغلاما
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 355- 356. و فيه «روى» بدل «نقل».
(2) المصدر: قيل بن عنز.
(3) أ: جاريتان. ب: الجوارتان.
(4) كذا في المصدر. و في ب، ر: بنتان. و في سائر النسخ: فيشبان.
(5) المصدر القينتين.
122
و أنّ الوحش تأتيهم جهارا* * * فلا تخشى لعاديّ سهاما
و أنتم ها هنا فيما اشتهيتم* * * نهاركم و ليلكم تماما
فقبّح وفدكم من وفد قوم* * * و لالقوا التّحيّة و السّلاما] (1)
حتّى غنّتا به. فأزعجهم ذلك.
فقال مرثد: و اللّه، لا تسقون بدعائكم. و لكن إن أطعتم نبيّكم و تبتم إلى اللّه، سقيتم.
فقالوا لمعاوية: أحبسه عنّا، لا يقدمنّ معنا مكّة. فإنّه قد تبع (2) دين هود، و ترك ديننا.
ثمّ دخلوا مكّة.
فقال قيل: اللّهمّ، اسق عادا ما كنت تسقيهم.
فأنشا اللّه- سبحانه- سحابات ثلاثا، بيضاء و حمراء و سوداء. ثمّ نادى مناد من السّماء: يا قيل، اختر لنفسك و لقومك.
فاخترت السّوداء، فإنّها أكثرهنّ ماء.
فخرجت السّحابة على عاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها و قالوا: هذا عارض ممطرنا. فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم. و نجا هود و المؤمنون معه، فأتوا مكّة و عبدوا اللّه فيها حتّى ماتوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: الرّيح العقيم تخرج من تحت الأرضين السّبع. و ما [خرجت منها ريح على قوم (4) قطّ، إلّا على قوم عاد حين غضب اللّه عليهم. فأمر الخزّان أن يخرجوا منها مثل سعة الخاتم، فقست على الخزّان (5)
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.
(2) المصدر: اتّبع.
(3) تفسير القمّي 1/ 330.
(4) المصدر: «يخرج منها شيء» بدل «خرجت منها ريح على قوم».
(5) المصدر: «فعصت على الخزنة» بدل «فقست على الخزّان».
123
فخرج منها على مقدار منخر الثّور تغيّظا منها على قوم عاد. فضجّ الخزنة (1) إلى اللّه- تعالى- من ذلك.
فقالوا: يا ربّنا، إنّها قد عتت عن أمرنا. و نحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك و عمّار بلادك.
فبعث اللّه إليها جبرئيل، فردّها بجناحه. و قال لها: اخرجي على ما أمرت به.
فخرجت على ما أمرت به، و أهلكت قوم عاد و من كان بحضرتهم.
و في مجمع البيان (2): و روى أبو حمزة الثّماليّ، عن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ للّه- تبارك و تعالى- بيت ريح مقفّل عليه. لو فتح، لأذرت (3) ما بين السّماء و الأرض. ما أرسل على قوم عاد، إلّا قدر الخاتم.
قال: و كان هود و صالح و شعيب و إسماعيل و نبيّنا- (عليهم السلام)- يتكلّمون بالعربيّة.
وَ إِلى ثَمُودَ: قبيلة أخرى من العرب سمّوا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم (4) بن سام.
و قيل: سمّوا به، لقلّة مائهم. من الثّمد: و هو الماء القليل.
و قرئ (5)، مصروفا، بتأويل الحيّ. أو باعتبار الأصل.
قيل (6): كانت مساكنهم الحجر، بين الشّام و الحجاز إلى وادي القرى.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى محمّد بن الفضل (8): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل: أمّا صالح، فإنّه أرسل إلى ثمود. و هي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر (9) صغيرة.
أَخاهُمْ صالِحاً: صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الخزانة.
(2) المجمع 2/ 439.
(3) أذرته الريح إذراءا: أطارته و أذهبته.
(4) أ، ر: آدم.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 356.
(7) كمال الدين/ 220.
(8) المصدر، ب: محمد بن الفضيل.
(9) ب: «ماحل بحر» بدل «ساحل البحر».
124
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ:
معجزة ظاهرة الدّلالة على صحّة نبوّتي.
هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ: استئناف لبيان البيّنة.
آيَةً: نصب على الحال، و العامل فيها معنى الإشارة. و «لكم» بيان لمن هي له آية.
و يجوز أن تكون «ناقة اللّه» أن يكون (1) بدلا، أو عطف بيان. و «لكم» خبرا عاملا في «آية».
و إضافة النّاقة إلى اللّه، لتعظيمها، و لأنّها جاءت من عنده بلا وسائط و أسباب معهودة. و لذلك كانت آية.
فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ: العشب.
وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ: نهي عن المسّ، الّذي هو مقدّمة الإصابة بالسّوء الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في الأمر و إزاحة للعذر.
فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73): جواب للنّهي.
وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً: تبنون في سهولها. أو من سهولة الأرض بما تعملون منها، كاللّبن و الآجر.
وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً.
و قرئ (2): «تنحتون» بالفتح. و «تنحاتون» بالإشباع.
و انتصاب «بيوتا» على الحال المقدّرة، أو المفعول. على أنّ التّقدير: بيوتا من الجبال. أو «تنحتون»، بمعنى: تتّخذون.
و في مجمع البيان (3): يروى أنّهم لطول أعمارهم، كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا في الجبال بيوتا، لأنّ السّقوف و الأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم.
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)، أي: و لا تبالغوا في الفساد.
____________
(1) ليس في ب: أن يكون.
(2) أنوار التنزيل 1/ 356.
(3) المجمع 2/ 440.
125
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، أي: عن الإيمان.
لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا: للّذين استضعفوهم و استذلّوهم.
لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ: بدل من «للّذين استضعفوا» بدل الكلّ، إن كان الضّمير «لقومه». و بدل البعض، إن كان «للّذين».
أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ: قالوه على الاستهزاء.
قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75): عدلوا به عن الجواب السّويّ، الّذي هو «نعم»، تنبيها على أنّ إرساله أظهر من أن يشكّ فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي.
و إنّما الكلام فيمن آمن به و من كفر. فلذلك قال: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76): على المبالغة. و وضعوا «آمنتم به» موضع «أرسل به» ردّا لما جعلوه معلوما مسلّما.
في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى زيد الشّحّام: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ صالحا- (عليه السلام)- غاب عن قومه زمانا. و كان يوم غاب عنهم كهلا، مبدّح البطن (2)، حسن الجسم، وافر اللّحية، خميص البطن، خفيف العارضين، مجتمعا ربعة (3) من الرّجال. فلمّا رجع إلى قومه، لم يعرفوه بصورته. فرجع إليهم و هم على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبدا، و أخرى شاكّة فيه، و أخرى على يقين.
فبدأ- (عليه السلام)- حين رجع بالطّبقة الشّاكّة فقال لهم: أنا صالح. فكذّبوه و شتموه و زجروه، و قالوا: بريء (4) اللّه منك، إنّ صالحا كان في غير صورتك.
قال: فأتى الجحّاد، فلم يسمعوا منه القول و نفروا منه أشدّ النّفور.
ثمّ انطلق إلى الطّبقة الثّالثة، و هم أهل اليقين. فقال لهم: أنا صالح.
فقالوا: أخبرتنا خبرا لا نشكّ فيه معك أنّك صالح. فإنّا لا نمتري. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- ينقل و يحوّل في أيّ صورة شاء. و قد أخبرنا و تدارسنا فيما بيننا بعلامات القائم إذا جاء. و إنّما يصحّ عندنا إذا أتى الخبر من السّماء.
____________
(1) كمال الدين/ 136- 137، ح 6.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مبذح البطن.
و المبدّح: بمعنى الموسّع، أو واسع البطن.
(3) ربعة، أي: لا بالطويل و لا بالقصير.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نبرأ.
126
فقال لهم: أنا صالح، الّذي أتيتكم بالنّاقة.
فقالوا: صدقت، و هي الّتي نتدارس، فما علامتها؟
فقال: لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
قالوا: آمنا باللّه و بما جئتنا به.
فعند ذلك قال- تبارك و تعالى-: أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ.
فقال أهل اليقين: إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا و هم الشّكّاك [و الجحّاد] (1) إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
قلت: هل كان فيهم ذلك اليوم عالم به؟
فإنّ اللّه أعدل من أن يترك الأرض بلا عالم يدلّ على اللّه- عزّ و جلّ-. و لقد مكث القوم بعد خروج صالح- (عليه السلام)- سبعة أيّام على فترة لا يعرفون إماما، غير أنّهم على ما في أيديهم من دين اللّه- عزّ و جلّ- كلمتهم واحدة. فلمّا ظهر صالح- (عليه السلام)- اجتمعوا عليه. و إنّما مثل القائم- (عليه السلام)- مثل صالح.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (3).
يقول: مصدّق و مكذّب. قال الكافرون منهم: أ تشهدون أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ. قال المؤمنون: إنا بالذي أرسل به مؤمنون. قال الكافرون: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
و في كتاب الاحتجاج (4)، للطّبرسي- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا صالح أخرج اللّه له ناقة جعلها لقومه عبرة.
قال عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من ذلك. إنّ ناقة صالح لم تكلّم صالحا و لم تناطقه و لم تشهد له بالنّبوّة،
____________
(1) من المصدر.
(2) تفسير القمّي 2/ 132.
(3) النمل/ 45.
(4) الاحتجاج 1/ 317.
127
و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بينا نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قد دنا ثمّ رغا، فأنطقه اللّه- عزّ و جلّ-. ثمّ قال: يا رسول اللّه، إنّ فلانا استعملني حتّى كبرت و يريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه. فأرسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى صاحبه، فاستوهبه منه، فوهبه له و خلّاه.
و لقد كنّا معه، فإذا نحن بأعرابيّ معه ناقة يسوقها، و قد استسلم للقطع لما زوّر عليه من الشّهود، فنطقت النّاقة فقالت: يا رسول اللّه، إنّ فلانا منّي بريء، و إنّ الشّهود يشهدون عليه بالزّور، و إنّ سارقي فلان اليهوديّ.
و في كتاب الخصال (1): عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: خرج (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم و هو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و هو يقول:
يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطّلب، أنا محمّد رسول اللّه. ألا إنّي خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا و عليّ و حمزة و جعفر.
فقال قائل: يا رسول اللّه، هؤلاء معك ركبان يوم القيامة؟
فقال: ثكلتك أمّك، إنّه لن يركب يومئذ إلّا أربعة: أنا و عليّ و فاطمة و صالح، نبيّ اللّه. فأمّا أنا، فعلى البراق. و أمّا فاطمة ابنتي، فعلى ناقتي العضباء. و أمّا صالح، فعلى ناقة اللّه الّتي عقرت. و أمّا عليّ، فعلى ناقة من نور (3) زمامها من ياقوت عليه حلّتان خضراوان.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: بني الكفر على أربع دعائم- إلى أن قال-:
و من عتا عن أمر اللّه، شكّ. و من شكّ، تعالى اللّه عليه فأذلّه بسلطانه و صغره بجلاله، كما اغترّ بربّه الكريم و فرط في أمره.
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ: فنحروها. أسند إلى جميعهم فعل بعضهم للملابسة، أو لأنّه كان برضاهم.
وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ: و استكبروا عن امتثاله. و هو ما بلّغهم صالح بقوله:
____________
(1) الخصال/ 204- 205 ح 20.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(3) المصدر: «نوق الجنّة» بدل «نور».
(4) الكافي 2/ 391 و 392.
128
«فذروها».
وَ قالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ: الزّلزلة.
و في سورة هود وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (1).
و في الحجر فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ (2). و لعلّها كانت من مبادئها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): فبعث اللّه عليهم صيحة و زلزلة، فهلكوا.
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78): خامدين ميّتين، لا يتحرّكون.
يقال: النّاس جثم، أي: قعود لا حراك بهم.
و أصل الجثوم: اللّزوم في المكان.
في روضة الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سأل جبرئيل- (عليه السلام)-: كيف كان مهلك قوم صالح- (عليه السلام)-؟
فقال: يا محمّد، إنّ صالحا بعث إلى قومه و هو ابن ستّ عشرة سنة. فلبث فيهم حتّى بلغ عشرين و مائة سنة، لا يجيبونه إلى خير.
قال: و كان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون اللّه.
فلمّا رأى ذلك منهم قال: يا قوم بعثت إليكم و أنا ابن ستّ عشرة سنة، و قد بلغت عشرين و مائة سنة. و أنا أعرض عليكم أمرين: إن شئتم فاسألوني، حتّى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني السّاعة. و إن شئتم سألت آلهتكم، فإن أجابتني بالّذي أسألها خرجت عنكم فقد سأمتكم و سأمتموني.
فقالوا: قد أنصفت، يا صالح.
فاتّعدوا ليوم يخرجون فيه.
فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم، ثمّ قرّبوا طعامهم و شرابهم فأكلوا و شربوا. فلمّا أن فرغوا، دعوه.
فقالوا: يا صالح، سل.
____________
(1) هود: 67.
(2) الحجر: 73.
(3) تفسير القمّي 1/ 332.
(4) الكافي 8/ 185- 187، ح 313.
129
فقال لكبيرهم: ما اسم هذا؟
قالوا: فلان.
فقال له صالح: يا فلان، أجب.
فلم يجبه.
فقال صالح: ما له لا يجيب؟
قالوا: ادع غيره.
قال: فدعاها كلّها بأسمائها، فلم يجبه منها شيء.
فاقبلوا على أصنامهم، فقالوا لها: ما لك لا تجيبين صالحا؟
فلم تجب.
فقالوا: تنحّ عنّا، و دعنا و آلهتنا ساعة.
ثمّ نحّوا بسطهم و فرشهم، و نحّوا ثيابهم، و تمرّغوا على التّراب، و طرحوا التّراب على رؤوسهم و قالوا لأصنامهم: لئن لم تجبن صالحا اليوم لتفضحنّ (1) قال: ثمّ دعوه.
فقالوا: يا صالح، ادعها.
فدعاها، فلم تجبه.
فقال لهم: يا قوم، قد ذهب صدر النّهار و لا أرى آلهتكم تجيبني، فاسألوني حتّى ادعوا إلهي يجيبكم السّاعة.
فانتدب له منهم سبعون رجلا من كبرائهم و المنظور إليهم منهم، فقالوا:
يا صالح، نحن نسألك. فإن أجابك ربّك، اتّبعناك و أجبناك و يبايعك جميع أهل قريتنا.
فقال لهم صالح: سلوني ما شئتم.
فقالوا: تقدّم بنا إلى هذا الجبل.
و كان الجبل قريبا منهم. فانطلق معهم صالح. فلمّا انتهوا إلى الجبل، قالوا:
يا صالح، ادع لنا ربّك يخرج لنا من هذا الجبل السّاعة ناقة حمراء شقراء و براء عشراء، بين جبينها ميل.
فقال لهم صالح: لقد سألتموني شيئا يعظم عليّ و يهون على ربّي- تعالى-.
قال: فسأل اللّه- تعالى- صالح ذلك، فانصدع الجبل صدعا كادت تطير منه
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لنفضحنّ.
130
عقولهم لمّا سمعوا ذلك. ثمّ اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا، كالمرأة إذا أخذها المخاض. ثمّ لم يفجأهم إلّا رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصّدع، فما استتمّت رقبتها حتّى اجترّت. ثمّ خرج سائر جسدها. ثمّ استوت قائمة على الأرض.
فلمّا رأوا ذلك، قالوا: يا صالح، ما أسرع ما أجابك ربّك! ادع لنا [ربّك] (1) يخرج لنا فصيلها.
فسأل اللّه- تعالى- ذلك، فرمت به، فدبّ حولها.
فقال لهم: يا قوم، أ بقي شيء؟
قالوا: لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا و يؤمنون بك.
قال: فرجعوا. فلم يبلغ السّبعون إليهم حتّى ارتدّ منهم أربعة و ستّون رجلا، و قالوا: سحر و كذب.
قال: فانتهوا إلى الجميع، فقال السّتّة: حقّ. و قال الجميع: سحر و كذب.
قال: فانصرفوا على ذلك. ثمّ ارتاب من السّتّة واحد، فكان فيمن عقرها.
قال ابن محبوب: فحدّثت بهذا الحديث رجلا من أصحابنا يقال له: سعيد بن يزيد.
فأخبرني، أنّه رأى الجبل الّذي منه خرجت بالشّام. قال: فرأيت جنبها قد حكّ الجبل، فأثّر جنبها فيه. و جبل آخر بينه و بين هذا ميل.
و عن الصّادق (2)- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ. هذا فيما كذّبوا صالحا (3). و ما أهلك اللّه- تعالى- قطّ قوما، حتّى يبعث إليهم قبل ذلك الرّسل فيحتجّوا عليهم. فبعث اللّه إليهم صالحا. فدعاهم إلى اللّه، فلم يجيبوا و عتوا عليه و قالوا:
لن نؤمن لك حتّى تخرج لنا من هذه الصّخرة ناقة عشراء. و كانت الصّخرة يعظّمونها و يعبدونها، و يذبحون عندها في رأس كلّ سنة و يجتمعون عندها.
فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيّا رسولا، فادع لنا إلهك حتّى يخرج لنا من هذه الصّخرة الصّمّاء ناقة عشراء.
فأخرجها اللّه، كما طلبوا منه.
____________
(1) من المصدر.
(2) الكافي 8/ 187- 189، ح 214.
(3) المصدر: قال: هذا كان بما كذّبوا به صالحا.
131
ثمّ أوحى اللّه- تعالى- إليه أن يا صالح، قل لهم: إنّ اللّه قد جعل لهذه النّاقة من الماء شرب يوم و لكم شرب يوم.
فكانت النّاقة إذا كان يوم شربها، شربت ذلك اليوم الماء. فيحلبونها، فلا يبقى صغير و لا كبير إلّا شرب من لبنها يومهم ذلك. فإذا كان اللّيل و أصبحوا، غدوا (1) إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم و لم تشرب النّاقة ذلك اليوم.
فمكثوا بذلك ما شاء اللّه. ثمّ أنّهم عتوا على اللّه، و مشى بعضهم إلى بعض و قالوا: اعقروا هذه النّاقة و استريحوا منها. لا نرضى أن يكون لها شرب يوم، و لنا شرب يوم.
ثمّ قالوا: من الّذي يلي قتلها، و نجعل له جعلا ما أحبّ؟
فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق [ولد زنا] (2)، لا يعرف له أب. يقال له: قدار.
شقيّ من الأشقياء مشؤوم عليهم. فجعلوا له جعلا.
فلمّا توجّهت النّاقة إلى الماء الّذي كانت ترده، تركها حتّى شربت ذلك الماء و أقبلت راجعة. فقعد لها في طريقها. فضربها بالسّيف ضربة، فلم تعمل شيئا. فضربها ضربة أخرى، فقتلها و خرّت (3) إلى الأرض على جنبها. و هرب فصيلها حتّى صعد إلى الجبل، فرغا ثلاث مرّات إلى السّماء. و أقبل قوم صالح، فلم يبق أحد منهم إلّا شركه في ضربته. و اقتسموا لحمها فيما بينهم، فلم يبق منهم صغير و لا كبير إلا أكل منها.
فلمّا رأى ذلك صالح، أقبل إليهم فقال: يا قوم، ما دعاكم إلى ما صنعتم، أعصيتم ربّكم؟
فأوحى اللّه- تعالى- إلى صالح- (عليه السلام)-: إنّ قومك قد طغوا و بغوا، و قتلوا ناقة بعثتها إليهم حجّة عليهم، و لم يكن عليهم منها ضرر، و كان لهم فيها أعظم المنفعة.
فقل لهم: إنّي مرسل إليكم (4) عذابي إلى ثلاثة أيّام. فإن هم تابوا و رجعوا، قبلت توبتهم و صددت عنهم. و إن هم لم يتوبوا فيها و لم يرجعوا، بعثت عليهم عذابي في اليوم الثّالث.
____________
(1) ب: عمدوا.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «جرت» بدل.
«و خرّت».
(4) المصدر: عليكم.
132
فأتاهم صالح- (عليه السلام)-. فقال لهم: يا قوم، إنّي رسول ربّكم إليكم. و هو يقول لكم: إن أنتم تبتم و رجعتم و استغفرتم، غفرت لكم و تبت عليكم.
فلمّا قال لهم ذلك، كانوا أعتا ما كانوا و أخبث. و قالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصّادقين.
قال: يا قوم، إنّكم تصبحون غدا و وجوهكم مصفرّة، و اليوم الثّاني وجوهكم محمرّة، و اليوم الثّالث وجوهكم مسودّة.
فلمّا أن كانوا (1) أوّل يوم، أصبحوا و وجوههم مصفرّة. فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح و لا نقبل قوله، و إن كان عظيما.
فلمّا كان اليوم الثّاني، أصبحت وجوههم محمرّة. فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم، قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا، ما سمعنا قول صالح، و لا تركنا آلهتنا الّتي كان آباؤنا يعبدونها. و لم يتوبوا و لم يرجعوا.
فلمّا كان اليوم الثّالث، أصبحوا و وجوههم مسودّة. فمشى بعضهم إلى بعض و قالوا: يا قوم، قد أتاكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح.
فلمّا كان نصف اللّيل، أتاهم جبرئيل، فصرخ بهم صرخة، خرقت تلك الصّرخة أسماعهم و فلقت قلوبهم و صدعت أكبادهم. و قد كانوا في تلك الثّلاثة الأيّام قد تحنّطوا و تكفّنوا، و علموا أنّ العذاب نازل بهم. فماتوا أجمعون في طرفة عين، صغيرهم و كبيرهم. فلم يبق لهم ثاغية (2) و لا راغية (3) و لا شيء إلّا أهلكه اللّه، فأصبحوا في ديارهم و مضاجعهم موتى أجمعين. ثمّ أرسل اللّه عليهم مع الصّيحة النّار من السّماء فأحرقتهم أجمعين و كانت هذه قصّتهم
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)، ما يقرب من بعض ما في الحديثين في سورة هود.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا
____________
(1) المصدر: كان.
(2) المصدر: ناعقة.
(3) ب: باعية.
(4) تفسير القمّي 1/ 330- 332.
133
تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79): ظاهره أنّ تولّيه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين. و لعلّه خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أهل قليب بدر.
و قال: إنّا وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا. أو ذكر ذلك على سبيل التّحسّر عليهم.
وَ لُوطاً، أي: و أرسلنا لوطا.
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: وقت قوله لهم. أو اذكر لوطا. و «إذ» بدل منه
في الكافي (1) عن الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ (2) أمّ إبراهيم- (عليه السلام)- و أمّ لوط- (عليه السلام)- كانتا (3) أختين. و هما ابنتان للاحج. و كان اللّاحج نبيّا منذرا، و لم يكن رسولا.
و في علل الشّرائع (4)، و في تفسير العيّاشي (5)، عن الباقر- (عليه السلام)-: و كان لوطا ابن خالة إبراهيم و كانت سارة امرأة إبراهيم [اخت لوط. و كان لوط و ابراهيم نبيين مرسلين منذرين.] (6)
[و في الكافي (7)، عن الصّادق- (عليه السلام)- إنّ إبراهيم] (8) خرج من بلاد نمرود و معه لوط لا يفارقه و جاءت (9) سارة. إلى أن نزل بأعلى الشّامات، و خلّف لوطا بأدنى الشّامات.
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ: توبيخ و تقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح.
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80): ما فعلها أحد قبلكم قطّ.
و «الباء» للتّعدية. و «من» الأولى لتأكيد النّفي و الاستغراق، و الثّانية للتّبعيض. و الجملة استئناف مقرّرة للإنكار، كأنّه وبّخهم أولا بإتيان الفاحشة، ثمّ باختراعها فإنّه أسوء.
____________
(1) الكافي 8/ 370، صدر ح 560.
(2) المصدر: «كانت» بدل «إنّ».
(3) المصدر: «سارة و ورقة- و في نسخة- رقية» بدل «كانتا».
(4) العلل/ 549، ضمن ح 4.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 245، ضمن ح 26.
(6) من المصدرين.
(7) الكافي 8/ 371 و 373، ح 560.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.
(9) ليس في المصدر.
134
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى أبي حمزة (2)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قوم لوط: أنّ إبليس أتاهم في صورة حسنة، فيها تأنيث، عليه ثياب حسنة. فجاء إلى شبّان منهم، فأمرهم أن يقعوا به. و لو طلب إليهم أن يقع بهم، لأبوا عليه و لكن طلب إليهم أن يقعوا به. فلمّا وقعوا به، التذّوه. ثمّ ذهب عنهم و تركهم، و أحال بعضهم على بعض.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قوم لوط: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ. و ذكر كما في علل الشّرائع سواء.
و في تفسير العيّاشي (4): عن بريد بن ثابت (5) قال: سأل رجل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أن يؤتى النّساء في أدبارهنّ؟
فقال: سفلت سفل اللّه بك. أما سمعت اللّه يقول: أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ.
و في عيون الأخبار (6)، عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: و سأله عن أوّل من عمل عمل قوم لوط.
قال: إبليس، فإنّه (7) أمكن من نفسه.
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ: بيان لقوله: أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ. و هو أبلغ في الإنكار و التّوبيخ.
و قرأ (8) نافع و حفص: «إنّكم» على الإخبار المستأنف. و «شهوة» مفعول له، أو مصدر وقع موقع الحال. و في التّقييد بها، وصفهم بالبهيمة الصّرفة، و تنبيه على أنّ العاقل ينبغي أن يكون الدّاعي له إلى المباشرة طلب الولد و بقاء النّوع لا قضاء الوطر.
____________
(1) العلل/ 548، ح 3. لخّص المؤلف صدر الخبر.
(2) المصدر: أبي بصير.
(3) الكافي 5/ 544، ح 4.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 22، ح 55.
(5) المصدر، أ، ب: يزيد بن ثابت.
(6) العيون 1/ 246.
(7) المصدر: لأنّه.
(8) أنوار التنزيل 1/ 357.
135
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81): إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم الّتي أدّت بهم إلى ارتكاب أمثالها، و هي اعتياد الإسراف في كلّ شيء. أو عن الإنكار عليها إلى الذّم على جميع معايبهم. أو عن محذوف، مثل لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف.
و في عيون الأخبار (1)، في باب ما كتب الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة تحريم الذّكران [للذكران] (2) و الإناث للإناث، لما ركّب في الإناث و ما طبع عليه الذّكران. و لما في إتيان الذّكران [الذّكران] (3) و الإناث [الإناث] (4) من انقطاع النّسل و فساد التّدبير و خراب الدّنيا.
و في تفسير العيّاشي (5)، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- ذكر عنده إتيان النّساء في أدبارهنّ.
قال: ما أعلم آية في القرآن أحلّت ذلك إلّا واحدة إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ (الآية).
و في كتاب الخصال (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: فما كان من شيعتنا، فلا يكون فيهم ثلاثة- إلى قوله-: فلا يكون فيهم من يؤتى في دبره.
وَ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، أي: ما جاؤوا بما يكون جوابا عن كلامه، و لكنهم قابلوا النّصيحة بالأمر بإخراجه فيمن معه من المؤمنين من قريتهم و الاستهزاء بهم. فقالوا: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)، أي: من الفواحش.
فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ، أي: من آمن به.
إِلَّا امْرَأَتَهُ: واهلة (7). فإنّها كانت تسرّ الكفر.
كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83): من الّذين بقوا في ديارهم، فهلكوا. و التّذكير، لتغليب الذّكور.
وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً، أي: نوعا من المطر عجيبا. و هو مبيّن بقوله:
وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
____________
(1) العيون 2/ 97.
(2) من المصدر.
3 و 4- من المصدر.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 22، ح 56.
(6) الخصال/ 131، ح 137.
(7) واهلة: اسم زوجة لوط.
136
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84).
نقل (1): أنّ لوط بن هاران بن تارخ لما هاجر مع عمّه إبراهيم إلى الشّام، نزل بالأردنّ. فأرسله اللّه إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى اللّه و ينهاهم عمّا اخترعوه من الفاحشة. و لم ينتهوا عنها. فأمطر اللّه عليهم الحجارة، فهلكوا.
و قيل (2): خسف اللّه بالمقيمين منهم، و أمطرت الحجارة على مسافريهم.
و في مجمع البيان (3)، قصّة لوط- (عليه السلام)- على ما روي، عن أبي حمزة الثّماليّ و أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة، و كان نازلا فيهم و لم يكن منهم، يدعوهم إلى اللّه و ينهاهم عن الفواحش و يحثّهم على الطّاعة. فلم يجيبوه، و لم يطيعوه. و كانوا لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحّاء على الطّعام، فأعقبهم البخل الدّاء الّذي لا دواء له في فروجهم. و ذلك لأنّهم على طريق السّيّارة إلى الشّام و مصر، و كان ينزل بهم الضّيفان. فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضّيف، فضحوه. و إنّما فعلوا ذلك، لينكل النّازلة عليهم من غير شهوة بهم إلى ذلك. فأوردهم البخل هذا الدّاء، حتّى صاروا يطلبونه من الرّجال و يعطون عليه الجعل. و كان لوط سخيا كريما يقري الضيف إذا نزل به. [فنهوه عن ذلك و قالوا: لا تقرينّ ضيفا جاء ينزل بك، فإنّك إن فعلت فضحنا ضيفك. فكان لوط إذا نزل به] (4) الضيف كتم أمره، مخافة أن يفضحه قومه و ذلك أنه لم يكن للوط عشيرة فيهم.
و في علل الشرايع (5)، و تفسير العيّاشي (6)، عنه- (عليه السلام)- مثله.
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، أي: و أرسلنا إليهم. و هم أولاد مدين بن إبراهيم [بن شعيب بن ميكيل بن بشخر بن مدين. و كان يقال له: خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه. و كان شعيب منهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7):] (8) قال: بعث اللّه شعيبا إلى مدين، و هي قرية على طريق الشّام، فلم يؤمنوا به.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 358.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) المجمع 2/ 445.
(4) من المصدر.
(5) العلل/ 548- 549، ضمن ح 4.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 245- 246، ضمن ح 26
(7) تفسير القمّي 1/ 337.
(8) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
137
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل (2): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول في آخره: و إنّ الأنبياء بعثوا خاصّة و عامّة. أمّا شعيب، فإنّه أرسل إلى مدين و هي لا تكمل (3) أربعين بيتا.
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ:
يريد المعجزة الّتي كانت له، و ليس في القرآن أنّها ما هي. و ما روي من محاربة عصا موسى التّنين حين دفع إليه غنمه، و ولادة الغنم الّتي دفعها إليه، الدّرع خاصّة و كانت الموعودة له من أولادها، و وقوع عصا آدم على يده في المرّات السّبع، متأخّر عن هذه المقاولة. و يحتمل أن تكون كرامة لموسى، أو إرهاصا لنبوّته.
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ، أي: آلة الكيل على الإضمار. أو إطلاق الكيل على المكيال، كالعيش على المعاش لقوله: وَ الْمِيزانَ. أو الكيل و وزن الميزان.
و يجوز أن يكون «الميزان» مصدرا، كالميعاد.
وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ: و لا تنقصوهم حقوقهم. و إنّما قال:
«أشياءهم»، للتّعميم. تنبيها على أنّهم كانوا يبخسون الجليل و الحقير، و القليل و الكثير.
و قيل (4): كانوا مكّاسين، لا يدعون شيئا إلّا مكسوة.
وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ: بالكفر و الحيف.
بَعْدَ إِصْلاحِها: بعد ما أصلح أمرها و أهلها الأنبياء و أتباعهم بالشّرائع و أصلحوا فيها. و الإضافة إليها، كالإضافة في بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ.
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85): إشارة على العمل، بما أمرهم به و نهاهم عنه.
و معنى الخيريّة: إمّا الزّيادة مطلقا، أو في الإنسانيّة و حسن الأحدوثة و جمع المال.
وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ: بكلّ طريق من طريق الدّين، كالشّيطان.
و صراط الحقّ و إن كان واحدا، لكنّه يتشعّب إلى معارف و حدود و أحكام
____________
(1) كمال الدين 219 و 220، ح 1.
(2) أ: محمد بن الفضل.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: هؤلاء يكمل.
(4) أنوار التنزيل 1/ 358.
138
و كانوا إذا رأوا أحدا يسعى في شيء منها، منعوه.
و قيل (1): كانوا يجلسون على المراصد، فيقولون لمن يريد شعيبا: إنّه كذّاب، فلا يفتننّك عن دينك. و يوعدون من آمن به.
و قيل (2): كانوا يقطعون الطّريق.
وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: الّذي قعدوا عليه.
وضع الظّاهر موضع المضمر، بيانا لكلّ صراط، و دلالة على عظم ما يصدّون عنه، و تقبيحا لما كانوا عليه. أو الإيمان، أي: باللّه.
مَنْ آمَنَ بِهِ، أي: باللّه. أو بكلّ صراط، على الأوّل.
و «من» مفعول «تصدّون»، على إعمال الأقرب. و لو كان مفعول «توعدون» لقال: و تصدّونهم و توعدون، بما عطف عليه في موقع الحال من الضّمير في «لا تقعدوا».
وَ تَبْغُونَها عِوَجاً: و تطلبون لسبيل اللّه عوجا بإلقاء الشّبهة. أو وصفها للنّاس بأنّها معوجّة.
وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا: عددكم.
فَكَثَّرَكُمْ: بالبركة في النّسل و المال.
قيل (3): إنّ مدين بن إبراهيم الخليل تزوّج بنت لوط، فولدت له. فرمى اللّه في نسلها بالبركة و النّماء (4) و البقاء، فكثروا.
وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86): من الأمم قبلكم، كقوم نوح و هود و صالح و لوط، و كانوا قريبي العهد بهم.
وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا:
فتربّصوا.
حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، أي: بين الفريقين بنصر المحقّين على المبطلين. فهو وعد للمؤمنين، و وعيد للكافرين.
وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87): إذ لا معقّب لحكمه، و لا حيف فيه.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 358.
(3) تفسير الصافي 2/ 219.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «و البقاء» بدل «و النماء».
139
مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا، أي: ليكوننّ أحد الأمرين: إمّا إخراجكم عن القرية، أو عودكم في الكفر.
و شعيب لم يكن في ملّتهم قطّ، لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقا. لكن غلّبوا الجماعة على الواحد، فخوطب هو و قومه بخطابهم. و على ذلك أجري الجواب في قوله: قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88)، أي: و كيف نعود فيها و نحن كارهون لها، أو أ تعيدوننا في حال كراهتنا؟
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً: قد اختلقنا عليه.
إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها: شرط جوابه محذوف، دل عليه «قد افترينا». و هو بمعنى المستقبل، لأنّه لم يقع. لكنّه جعل كالواقع، للمبالغة. و أدخل عليه «قد»، ليقرّبه من الحال، أي: قد افترينا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها، حيث نزعم أنّ للّه ندّا. و أنّه قد بيّن لنا أنّ ما كنّا عليه باطل، و ما أنتم عليه حقّ.
و قيل (1): إنّه جواب قسم، تقديره: و اللّه لقد افترينا.
وَ ما يَكُونُ لَنا: و ما يصحّ لنا.
أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا: خذلاننا و منعنا الإلطاف، بأن يعلم أنّه لا ينفع فينا. أو أراد به حسم طمعهم في العود، بالتّعليق على ما لا يكون.
وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً، أي: أحاط علمه بكلّ شيء ممّا كان و ما يكون منّا و منكم.
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا: في أن يثبّتنا على الإيمان، و يخلّصنا من الأشرار.
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ: أحكم بيننا. و الفتّاح، القاضي.
و الفتّاحة، الحكومة. أو أظهر أمرنا حتّى ينكشف ما بيننا و بينهم، و تمييز المحقّ من المبطل. من فتح المشكل: إذا بيّنه.
وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89): على المعنيين.
وَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً: و تركتم دينكم.
إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90): لاستبدالكم ضلالته بهداكم. أو لفوات ما يحصل لكم بالبخس و التّطفيف. و هو سادّ مسدّ جواب الشّرط، و القسم الموطّأ باللّام.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 359.
140
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ: الزّلزلة.
و في سورة الحجر فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ. و لعلّها كانت من مبادئها.
في مجمع البيان (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: بعث اللّه عليهم صيحة واحدة، فماتوا.
و قد سبق نظيره.
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91)، أي: في مدينتهم.
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً: مبتدأ خبره كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، أي: استؤصلوا، كأن لم يقيموا.
و المغني: المنزل.
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92): دينا و دنيا. لا الّذين صدّقوه و اتّبعوه، كما زعموا، فإنّهم الرّابحون في الدّارين. و للتّنبيه على هذا و المبالغة فيه، كرّر الموصول و استأنف بالجملتين و أتى بهما اسميّتين.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ: قاله تأسّفا بهم، لشدّة حزنه عليهم.
ثمّ أنكر على نفسه فقال: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93): ليسوا أهل حزن، لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم. و قاله اعتذارا عن عدم شدّة حزنه عليهم.
و المعنى: لقد بالغت في الإبلاغ و الإنذار و بذلت وسعي في النّصح و الإشفاق، فلم تصدّقوا قولي «فكيف آسى» عليكم.
و قرئ (2): «فكيف آيسي» بإمالتين.
وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ: بالبؤس و الضّرّ.
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94): كي يتضرّعوا و يتذلّلوا.
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الشّدّة السّلامة و السّعة، ابتلاء لهم بالأمرين.
حَتَّى عَفَوْا: كثروا عددا، فلم ينتقلوا عمّا كانوا عليه.
____________
(1) المجمع 2/ 450.
(2) أنوار التنزيل 1/ 360.
141
يقال: عفا النّبات: إذا كثر. و منه: إعفاء اللّحى.
وَ قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَ السَّرَّاءُ: كفرانا لنعمة اللّه، و نسيانا لذكره، و اعتقادا بأنّه من عادة الدّهر يعاقب في النّاس بين السّرّاء و الضّرّاء. و قد مسّ آباءنا منه، مثل ما مسّنا.
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً: فجأة.
وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (95): بنزول العذاب.
وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى، يعني: المدلول عليها بقوله: ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ.
و قيل (1): مكّة و ما حولها.
آمَنُوا وَ اتَّقَوْا: مكان كفرهم و عصيانهم.
لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ: لوسّعنا عليهم الخير، و يسرّناه لهم من كلّ جانب.
و قيل (2): المراد: المطر و النّبات.
و قرأ (3) ابن عامر: «لفتّحنا» بالتّشديد.
وَ لكِنْ كَذَّبُوا: الرّسل.
فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96): من الكفر و المعاصي.
و في الخرائج و الجرائح (4)، عن الحسن بن عليّ (5)- (عليه السلام)- حديث طويل في الرّجعة. و فيه: و لتنزلنّ البركة من السّماء و الأرض، حتّى أنّ الشّجرة لتصيف بما يريد اللّه فيها من الثّمرة، و ليؤكل ثمرة الشّتاء في الصّيف و ثمرة الصّيف في الشّتاء. و ذلك قوله: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا.
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى: عطف على قوله: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ.
و ما بينهما اعتراض.
و المعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى.
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 360.
(4) تفسير نور الثقلين 2/ 52، ح 199.
(5) المصدر: الحسين بن عليّ.
142
أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً: تبييتا، أو وقت بيات، أو مبيتا، أو مبيتين. و هو في الأصل مصدر، بمعنى: البيتوتة. و يجيء بمعنى: التّبييت، كالسّلام بمعنى: التّسليم.
وَ هُمْ نائِمُونَ (97): حال من ضميرهم البارز، أو المستتر في «بياتا».
أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى و قرأ (1) ابن كثير و نافع و ابن عامر: «أو» بالسّكون على التّرديد.
أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى: ضحوة النّهار. و هو في الأصل ضوء الشّمس إذا ارتفعت.
وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (98): يلهون من فرط الغفلة. أو يشتغلون بما لا ينفعهم.
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ: تقدير لقوله: أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى.
و «مكر اللّه» استعارة، لاستدراج العبد و أخذه من حيث لا يحتسب.
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99): الّذين خسروا بالكفر، و ترك النّظر و الاعتبار. و فيه تنبيه على ما يجب أن يكون عليه العبد من الخوف لعقاب اللّه و اجتناب معصيته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قوله: أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ.
قال: المكر من اللّه، العذاب.
و في نهج البلاغة (3): و قال- (عليه السلام)-: لا تأمننّ على خير هذه الأمّة عذاب اللّه، لقوله- سبحانه-: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ.
و فيه (4): قال- (عليه السلام)-: الفقيه كلّ الفقيه، من لم يقنّط النّاس من رحمة اللّه، و لم يؤيسهم من روح اللّه، و لم يؤمنهم من مكر اللّه.
و في تفسير العيّاشيّ (5)، عن صفوان الجمّال قال: جلست خلف أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. ثمّ قال: اللّهم، لا تؤمنّي مكرك. ثمّ جهم فقال: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ.
أَ وَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها، أي: يخلفون من خلا قبلهم
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 360.
(2) تفسير القمّي 1/ 236.
(3) نهج البلاغة/ 542- 543، صدر حكمة 377.
(4) نفس المصدر/ 483، حكمة 90.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يؤمنهم.
143
و يرثون ديارهم. و إنّما عدّي «يهدي» باللّام، لأنّه بمعنى: يبيّن.
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ: أن الشّأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم، كما أصبنا من قبلهم. و هو فاعل «يهد».
و من قرأه بالنّون، جعله مفعولا.
وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ: عطف على ما دلّ عليه «أو لم يهد»، أي: يغفلون عن الهداية. أو منقطع عنه، بمعنى: و نحن نطبع. و لا يجوز عطفه على «أصبناهم» على أنّه بمعنى: و طبعنا. لأنّه في سياقه جواب «لو» لإفضائه إلى نفي الطّبع عنهم.
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100): سماع تفهّم و اعتبار.
تِلْكَ الْقُرى: قرى الأمم المارّ ذكرهم.
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها: حال، إن جعل «القرى» خبرا، و يكون إفادته بالتّقييد. و خبر، إن جعلت صفته. و يجوز أن يكونا خبرين.
و «من» للتّبعيض، أي: نقصّ بعض أنبائها، و لها أنباء غيرها لا نقصّها.
وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ: بالمعجزات.
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا: عند مجيئهم بها.
بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ: بما كذّبوه من قبل (1) الرّسل، بل كانوا مستمرّين على التّكذيب. أو فما كانوا ليؤمنوا مدّة عمرهم بما كذّبوا به أوّلا حين جاءتهم الرّسل، و لم يؤثّر فيهم قطّ دعوتهم المتطاولة و الآيات المتتالية (2).
و «اللّام» لتأكيد النّفي، و الدّلالة على أنّهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالهم في التّصميم على الكفر و الطّبع على قلوبهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: لا يؤمنون في الدّنيا بما كذّبوا في الذّرّ. و هو ردّ على من أنكر الميثاق في الذّرّ الأوّل.
قال: حدّثني أبي (4)، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. قلت معاينة كان هذا؟
____________
(1) ليس في ب: بما كذّبوه من قبل.
(2) ب: المتتابعة.
(3) تفسير القمّي 1/ 236.
(4) نفس المصدر و المجلّد/ 248.
144
قال: نعم، فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه. و لولا ذلك، لم يدر أحد من خالقه و رازقه. فمنهم من أقرّ بلسانه في الذّرّ و لم يؤمن بقلبه، فقال اللّه: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد اللّه بن محمّد الجعفريّ، عن حفص (2).
و عن عقبة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه خلق الخلق. فخلق من (3) أحبّ ممّا أحبّ، و كان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة. و خلق من (4) بغض ممّا أبغض، و كان ما أبغض أن خلقه من طينة السّجين. ثمّ بعثهم في الظّلال.
فقلت: و أيّ شيء الظّلال؟
قال: ألم تر إلى ظلّك في الشّمس، شيء و ليس بشيء؟ ثمّ بعث اللّه فيهم (5) النّبيّين، فدعوهم إلى الإقرار باللّه. و هو قوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (6).
ثمّ دعاهم إلى الإقرار بالنّبيّين، فأقرّ بعضهم و أنكر بعض. ثمّ دعوهم إلى ولايتنا، فأقرّ بها- و اللّه- من أحبّ و أنكرها من أبغض. و هو قوله: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.
ثمّ قال- (عليه السلام)-: كان التّكذيب [ثمّ] (7).
و في تفسير العيّاشي (8): إنّ اللّه خلق الخلق و هم أظلّة. فأرسل إليهم رسوله محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فمنهم من آمن به، و منهم من كذّبه. ثمّ بعثه في الخلق الآخر، فآمن به من آمن به في الأظلّة و جحده من جحده يومئذ. فقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.
و عن الصّادق (9)- (عليه السلام)- في هذه الآية: بعث اللّه الرّسل إلى الخلق، و هم في أصلاب الرّجال و أرحام النّساء. فمن صدّق حينئذ، صدّق بعد ذلك. و من كذّب
____________
(1) الكافي 1/ 436- 437، ح 2.
(2) المصدر: «أبي جعفر» بدل «حفص».
3 و 4- المصدر: «ما» بدل «من».
(5) كذا في المصدر. و في ب: بعثه فيهم. و في أ، ر: بعث فمنهم. و في سائر النسخ: بعثهم منهم.
(6) الزخرف/ 87.
(7) من المصدر. ثمّ: هناك.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 126، ح 35.
(9) نفس المصدر و الصفحة، ح 36.
145
حينئذ، كذّب بعد ذلك.
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101): فلا تدين شكيمتهم بالآيات و النّذر.
وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ: لأكثر النّاس. و الآية اعتراض. أو لأكثر الأمم المذكورين.
مِنْ عَهْدٍ: وفاء عهد، فإن أكثرهم نقضوا ما عهد اللّه إليهم في الإيمان و التّقوى بإنزال الآيات و نصب الحجج. أو ما عهدوا إليه حين كانوا في ضرّ و مخافة، مثل لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ، أي: علمناهم.
لَفاسِقِينَ (102): من وجدت زيدا ذا الحفاظ. لدخول «أن» المخفّفة و «اللّام» الفارقة. و ذلك لا يجوز إلّا في المبتدأ و الخبر و الأفعال الدّاخلة عليهما.
و عند الكوفيّين «إن» للنّفي، و «اللّام» بمعنى: «إلا».
في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصّالح- (عليه السلام)- أخبره أنّي شاكّ، و قد قال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (2). و أنا أحبّ أن تريني شيئا.
فكتب- (عليه السلام)- إليه: إنّ إبراهيم كان مؤمنا، و أحبّ أن يزداد إيمانه.
و أنت شاكّ، و الشّاكّ لا خير فيه. و إنّما الشّك، ما لم يأت اليقين. فإذا جاء اليقين، لم يجز (3) الشّكّ.
و كتب: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ. قال: نزلت في الشّاكّ.
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى:
الضّمير للرّسل، في قوله: وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ. أو للأمم.
بِآياتِنا، يعني: المعجزات.
إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها: بأن كفروا بها مكان الإيمان الّذي هو من
____________
(1) الكافي 2/ 399، ح 1.
(2) البقرة/ 260.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يخبر.
146
حقّها لوضوحها. و لهذا المعنى وضع «ظلموا» موضع «كفروا».
«و فرعون» لقب لمن ملك مصر، ككسرى لملك فارس، و قيصر لمن ملك الروم، و كان اسمه قابوس.
و قيل (1): الوليد بن مصعب بن الرّيّان.
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103).
في كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: ثمّ أنّ اللّه- تبارك و تعالى- أرسل الأسباط أثني عشر بعد يوسف. ثمّ موسى و هارون إلى فرعون و ملائه إلى مصر و حدّها (3).
و في تفسير العيّاشي (4)، عن عاصم المصريّ رفعه قال: إنّ فرعون بنى سبع مدائن يتحصّن فيها من موسى- (عليه السلام)- و جعل فيما بينها آجاما و غياظا (5)، و جعل فيها الأسد ليتحصّن (6) بها من موسى.
قال: فلمّا بعث اللّه موسى إلى فرعون فدخل المدينة، فلمّا رآه الأسد تبصبصت (7) و ولت مدبرة.
قال: ثمّ لم يأت مدينة، إلّا انفتح له بابها حتّى انتهى إلى قصر فرعون الّذي هو فيه.
قال: فقعد على بابه، و عليه مدرعة من صوف و معه عصاه. فلمّا خرج الآذن قال له موسى: استأذن لي على فرعون. فلم يلتفت إليه.
[قال: فقال له موسى: إنّي رسول ربّ العالمين.
قال: فلم يلتفت إليه] (8).
قال: فمكث بذلك ما شاء اللّه، يسأله أن يستأذن له.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 361.
(2) كمال الدين/ 220، ضمن ح 1.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و حدودها.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 23- 24، ح 61.
(5) الآجام: الشجر الملتفّ. و الغياض- جمع غيضة-: مجتمع الشجر في مغيص ماء.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لتحصّن.
(7) بصبص الكلب: حرّك ذنبه. و التبصبص:
التملّق.
(8) من المصدر.
147
قال: فلمّا أكثر عليه، قال له: أما وجد ربّ العالمين من يرسله غيرك؟
قال: فغضب موسى. فضرب الباب بعصاه، فلم يبق بينه و بين فرعون باب إلّا انفتح حتّى نظر إليه فرعون و هو في مجلسه.
فقال: أدخلوه.
قال: فدخل عليه و هو في قبّة له مرتفعة كثيرة الارتفاع ثمانون ذراعا.
قال: فقال: إنّي رسول ربّ العالمين إليك.
قال: فقال: فأت بآية إن كنت من الصّادقين.
قال: فألقى عصاه، و كان لها شعبتان.
قال: فإذا هي حيّة، قد وقع إحدى الشّعبتين في الأرض و الشّعبة الأخرى في أعلى القبّة.
قال: فنظر فرعون إلى جوفها و هو يلتهب نيرانا.
قال: و أهوت إليه، فأحدث و صاح: يا موسى، خذها.
وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104): إليك.
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ، كأنّه جواب لتكذيبه إيّاه في دعوى الرّسالة، كأنّ أصله: حقيق عليّ أن لا أقول. فقلب «لا» من الالتباس. أو لأنّ ما لزمك، فقد لزمته. أو للإغراق في الوصف بالصّدق، يعني: أنّه حقّ واجب عليّ القول الحقّ أن أكون أنا قائله، لا يرضى إلّا بمثلي ناطقا به. أو ضمّن حقيق معنى: حريص. أو وضع على مكان الباء، كقولهم: رميت على القوس.
و قرئ: «عليّ» على الأصل.
و عن ابن أبيّ، أنّه قرأ: بالباء.
و قرئ، بحذف «على».
قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105): فخلّهم، حتّى يرجعوا معي إلى الأرض المقدّسة الّتي هي وطن آبائهم. و كان قد استعبدهم و استخدمهم في الأعمال الشّاقّة.
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ: من عند من أرسلك.
فَأْتِ بِها: فأحضرها عندي، ليثبت بها صدقك.
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106): في الدّعوى.
148
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107): ظاهر أمره لا يشكّ في أنّه ثعبان. و هو الحيّة العظيمة.
وَ نَزَعَ يَدَهُ: من جيبه، أو من تحت إبطه.
فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)، أي: عليه يغلب نوره شعاع الشّمس. أو بيضاء للنّظّار، لا أنّها كانت بيضاء في جبلتها.
نقل (1): أنّ موسى كان [آدم] (2) شديد الأدمة. فأدخل [يده] (3) في جيبه أو تحت إبطه ثمّ نزعها، فإذا هي بيضاء نورانيّة غلب شعاعها شعاع الشّمس.
و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى [أبي] (5) يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السّكيت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: لما ذا بعث اللّه- تعالى- موسى بن عمران بيده البيضاء و العصاء و آلة السّحر، و بعث عيسى بالطّبّ، و بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالكلام و الخطب؟
فقال له أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللّه لمّا بعث موسى- (عليه السلام)-، كان الأغلب على أهل عصره السّحر. فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن من عند القوم و في وسعهم مثله، و بما أبطل به سحرهم و أثبت به الحجّة عليهم. (الحديث).
و قد مضى عند قوله- تعالى-: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (6).
و في باب (7) ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة. حديث طويل. و فيه: و سأله عن شيء شرب و هو حيّ، و أكل و هو ميّت.
فقال: تلك عصا موسى.
و فيه (8) و قال: أخبرنا عن أوّل شجرة غرست في الأرض.
فقال: العوسجة، و منها عصا موسى- (عليه السلام)-.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 362.
2 و 3- من المصدر.
(4) العيون 2/ 79- 80، صدر ح 12.
(5) من المصدر.
(6) البقرة/ 23.
(7) العيون 1/ 245.
(8) نفس المصدر/ 244.
149
قيل (1). قاله هو و أشراف قومه على سبيل التّشاور في أمره، فحكي عنه في سورة الشّعراء [بقوله: «قال للملإ حوله» و عنهم ها هنا.] (2) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (110): تشيرون في أن نفعل.
قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ: أخّرهما و أصدرهما عنك، حتّى نرى رأيك فيهما.
و «الإرجاء» التّأخير. و أصله: أرجئه، كما قرأ أبو عمرو و أبو بكر و يعقوب.
و قرأ (3) حمزة و حفص: «أرجه» بسكون الهاء.
و قرأ (4) بن كثير و هشام، عن ابن عامر: «أرجئهوه».
و قرأ (5) نافع في رواية ورش و إسماعيل و الكسائيّ: «أرجهي».
و قرأ (6) ابن عامر: «أرجئه» بالهمزة و كسر الهاء.
و في تفسير العيّاشيّ (7): يونس بن ظبيان قال: قال: إنّ موسى و هارون حين دخلا إلى فرعون، لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح. كانوا ولد نكاح كلّهم. و لو كان [فيهم ولد سفاح] (8)، لأمر بقتلهما. فقالوا: «أرجه و أخاه». و أمروه بالتّأنّي و النّظر. ثمّ وضع يده على صدره و قال: و كذلك نحن لا يسرع (9) إلينا إلّا كلّ خبيث الولادة.
وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112).
و قرأ (10) حمزة و الكسائيّ: «بكلّ سحّار» فيه و يونس. و يؤيّده اتّفاقهم عليه في الشّعراء.
وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ: بعد ما أرسل في طلبهم حاشرين.
قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113): استئناف، كأنّه جواب سؤال قال: ما قالوا إذ جاؤوا؟
و قرأ (11) ابن كثير و نافع و حفص عن عاصم: إِنَّ لَنا لَأَجْراً على الإخبار و إيجاب الأجر، كأنّهم قالوا: لا بدّ لنا من الأجر. فالتّنكير، للتّعظيم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 362.
(2) ليس في المصدر.
3 و 4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 24، ح 62.
(8) من الهامش.
(9) المصدر: لا ينزع.
(10) أنوار التنزيل 1/ 362.
(11) نفس المصدر و الموضع.
150
قالَ نَعَمْ: إنّ لكم أجرا.
وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114): عطف على ما سدّ مسدّه «نعم»، و زيادة على الجواب لتحريضهم.
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115): خيّروا موسى مراعاة للأدب، أو إظهارا للجلادة. و لكن كان رغبتهم في أن يلقوا قبله. فنبهّوا عليها بتغيير النّظم إلى ما هو أبلغ، و تعريف الخبر و توسيط الفصل أو توكيد الضّمير المتّصل بالمنفصل. فلذلك قالَ أَلْقُوا: إكراما و تسامحا. أو ازدراء بهم، و وثوقا على شأنه.
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: بأن خيّلوا إليها ما الحقيقة بخلافه بالحيل و الشّعبذة.
وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ: و أرهبوهم إرهابا شديدا، كأنّهم طلبوا رهبتهم.
وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116): في فنّه.
نقل (1): أنّهم ألقوا حبالا غلاظا و خشبا طوالا، كأنّها حيّات، ملأت الوادي و ركب بعضها بعضا.
وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ: فألقاها، فصارت حيّة عظيمة.
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117): ما يزوّرونه. من الإفك: و هو الصّرف و قلب الشّيء عن وجهه.
و يجوز أن يكون «ما» مصدريّة. و هي مع الفعل بمعنى: المفعول.
نقل (2): أنّها لمّا تلقّفت حبالهم و عصيّهم و ابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين. فهربوا و ازدحموا، حتّى هلك جمع عظيم. ثمّ أخذها موسى، فصارت عصا، كما كانت. فقالت السّحرة: لو كان هذا سحر، لبقيت حبالنا و عصيّنا.
و قرأ (3) حفص: «تلقف» هنا و في طه (4) و في الشّعراء.
و في أصول الكافي (5)، بإسناده إلى محمّد بن العيص: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانت عصا موسى- (عليه السلام)- لآدم- (عليه السلام)-. فصارت إلى شعيب- عليه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 363.
(2) أنوار التنزيل 1/ 363.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) من هنا يوجد في الهامش إلى موضع سيأتي.
(5) الكافي 1/ 231، ح 1.
151
السّلام- ثمّ صارت إلى موسى- (عليه السلام)-. و إنّها لعندنا. و إنّ عهدي بها آنفا و هي خضراء، كهيئتها حين انتزعت من شجرتها. و إنّها لتنطق إذا استنطقت. أعدّت لقائمنا، يصنع بها ما كان يصنع موسى. [و إنّها] (1) لتروع و تلقف بها ما يأفكون، و تصنع ما تؤمر به. إنّها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون. يتشج (2) لها شعبتان: إحداهما في الأرض و الأخرى في السّقف، و بينهما أربعون ذراعا تلقف ما يأفكون [بلسانها] (3).
فَوَقَعَ الْحَقُ: فحصل و ثبت، لظهور أمره.
وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118): من السّحر و المعارضة. فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119): صاروا أذلّاء مبهوتين. أو رجعوا إلى المدينة أذلّاء مقهورين.
و الضّمير لفرعون و قومه.
وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120): جعلهم ملقين على وجوههم، تنبيها على أنّ الحقّ بهرهم و اضطرهم إلى السّجود بحيث لم يبق لهم تمالك. أو أنّ اللّه ألهمهم ذلك و حملهم عليه، حتّى ينكسر فرعون بالّذين أراد بهم كسر موسى- (عليه السلام)-. و ينقلب الأمر عليه. أو مبالغة في سرعة خرورهم و شدّته.
قالُوا آمَنَّا: في موضع الحال من ضمير «ساجدين»، أو من «السّحرة».
بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (122): أبدلوا الثّاني من الأوّل، لئلّا يتوهّم أرادوا به فرعون.
في الكافي (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عمّن ذكره، عن عبد اللّه بن القاسم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن جدّه قال: قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. إلى أن قال: و خرجت سحرة فرعون يطلبون العزّة لفرعون، فرجعوا مؤمنين.
و في روضة الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [و علي
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يتشج.
(3) من المصدر.
(4) الكافي 5/ 83- 84، ح 3.
(5) الكافي 8/ 128، ح 98.
152
بن محمد، عن القاسم بن محمد] (1) عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: و من ذهب يرى أنّ له على الآخر فضلا، فهو من المستكبرين.
فقلت له: إنّما يرى [أنّ] (2) له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا للمعاصي.
فقال: هيهات هيهات، فلعلّه أن يكون قد غفر له (3) ما أتى و أنت موقوف محاسب. أما تلوت قصّة سحرة موسى- (عليه السلام)-. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ، أي: باللّه و بموسى. أو الاستفهام فيه للإنكار.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ و أبو بكر عن عاصم، و روح عن يعقوب و هشام، بتخفيف الهمزتين، على الأصل.
و قرأ (5) حفص: «آمنتم به»، على الإخبار.
و قرأ قنبل: قال فرعون و آمنتم. يبدل في حال الوصل من همزة الاستفهام واوا مفتوحة، و يمدّ بعدها مدّة، في تقدير ألفين. و قرأ في طه على الخبر، بهمزة و ألف. و قرأ في الشّعراء على الاستفهام بهمزة و مدّة مطوّلة، في تقدير ألفين.
و قرأ الباقون، بتخفيف الهمزة الأولى و تليين الثّانية.
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ، أي: أنّ هذا الصّنع لحيلة احتلتموها أنتم و موسى.
فِي الْمَدِينَةِ: في مصر، قبل أن تخرجوا منها للميعاد إلى هذه الصّحراء و تواطأتم.
لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها، يعني: القبط، و تخلص لكم و لبني إسرائيل. و كان هذا الكلام من فرعون تمويها على النّاس، لئلّا يتّبعوا السّحرة في الإيمان.
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123): عاقبة ما فعلتم. و هو تهديد مجمل تفصيله.
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ: من كلّ شقّ طرفا.
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «غفر أن يكون» بدل: «أن يكون قد غفر له».
(4) أنوار التنزيل 1/ 363.
(5) نفس المصدر، و الموضع.
153
ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124): تفضيحا لكم، و تنكيلا لأمثالكم.
قيل (1): إنّه أوّل من سنّ ذلك. فشرعه اللّه للقطّاع، تعظيما لجرمهم. و لذلك سمّاه محاربة اللّه و رسوله، و لكن على التّعاقب لفرط رحمته.
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125): بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك. أو إنّا لمنقلبون إلى ربّنا و ثوابه إن فعلت بنا ذلك، كأنّهم استطابوه شغفا على لقاء اللّه. أو مصيرك و مصيرنا إلى ربّنا، فيحكم بيننا.
وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا: و ما تنكر منّا و تعيب.
إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا: و هو خير الأعمال و أصل المناقب، ليس ممّا يأتي لنا العدول عنه، طلبا لمرضاتك.
ثمّ فزعوا إلى اللّه فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أفض علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء. أو صبّ علينا ما يطهّرنا من الآثام، و هو الصّبر على وعيد فرعون.
وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126): ثابتين على الإسلام.
و قيل (2): إنّه فعل بهم ما أوعدهم به.
و قيل (3): لم يقدر عليهم، لقوله- تعالى-: أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.
وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ: بتغيير النّاس عليك، و دعوتهم إلى مخالفتك.
وَ يَذَرَكَ: عطفا على «يفسدوا». أو جواب للاستفهام بالواو، كقول الحطيئة:
ألم أك جاركم و يكون بيني* * * و بينكم المودّة و الإخاء
على معنى: أ يكون منك ترك موسى، و يكون تركه إيّاك.
و قرئ (4)، بالرّفع، على أنّه عطف على «أ تذر». أو استئناف. أو حال.
و قرئ (5)، بالسّكون، كأنّه قيل: يفسدوا و يذرك، كقوله: فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ.
وَ آلِهَتَكَ: معبوداتك.
قيل (6): كان يعبد الكواكب.
و قيل (7): صنع لقومه أصناما و أمرهم أن يعبدوها، تقرّبا إليه. و لذلك
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 363.
(2) أنوار التنزيل 1/ 364.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) أنوار التنزيل 1/ 364.
5، 6، 7- نفس المصدر، و الموضع.
154
فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): كان [فرعون] (2) يعبد الأصنام، ثمّ ادّعى بعد ذلك الرّبوبيّة.
و في مجمع البيان (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قرأ: وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ (4)، يعني: عبادتك.
و روي (5): أنّه كان يأمرهم- أيضا- بعبادة البقر. و لذلك أخرج السّامريّ لهم عجلا جسدا له خوار، و قال: هذا إلهكم و إله موسى.
قالَ: فرعون.
سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ، كما كنّا نفعل من قبل. ليعلم إنّا على ما كنّا عليه من القهر و الغلبة، و لا يتوهّم أنّه المولود الّذي حكم المنجّمون و الكهنة بذهاب ملكنا على يده.
و قرأ (6) ابن كثير و نافع: «سنقتل» بالتّخفيف.
وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127): غالبون. و هم مقهورون تحت أيدينا.
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا: لمّا سمعوا قول فرعون و تضجّروا منه، تسكينا لهم.
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ: تسلية لهم، و تقرير للأمر بالاستعانة باللّه، و التّثبّت في الأمر.
وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128): وعد لهم بالنّصرة، و تذكير لما وعدهم من إهلاك القبط و توريثهم ديارهم، و تحقيق له.
و قرئ (7): «و العاقبة» عطفا على اسم «إنّ».
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 237.
(2) من المصدر.
(3) مجمع البيان 2/ 464.
(4) كذا في المصدر لكن الظاهر أنها اشتباه من النساخ أو المطبعة و الموجود في جوامع الجامع/ 152، و تفسير الصافي 2/ 227 نقلا عن المجمع: إلاهتك. و في أنوار التنزيل 1/ 364 قال:
قرئ إلاهتك أي عبادتك.
(5) نفس المصدر 2/ 464- 465.
(6) أنوار التنزيل 1/ 364.
(7) أنوار التنزيل 1/ 364.
155
و «اللّام» في «الأرض» يحتمل العهد و الجنس.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن عمّار السّاباطيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.
قال: فما كان للّه، فهو لرسوله، و ما كان لرسوله، فهو للإمام بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى] (3) عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: وجدنا في كتاب عليّ- (عليه السلام)- إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
... أنا و أهل بيتي، الّذين أورثنا اللّه الأرض. و نحن المتّقون. و الأرض كلّها لنا. فمن أحيى أرضا من المسلمين، فليعمرها و ليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي و له ما أكل منها. فإن تركها أو أخربها بعد ما عمرها (4) فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها، فهو أحقّ بها من الّذي تركها، فليؤدّ (5) خراجها إلى الإمام من أهل بيتي. و له ما أكل منها حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسّيف، فيحويها (6) و يمنعها و يخرجهم منها، كما حواها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و منعها. إلّا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنّه يقاطعهم [على ما في أيديهم] (7) و يترك الأرض في أيديهم.
و في أصول الكافي (8): الحسين بن محمّد، [عن معلّى بن محمّد] (9) عن عليّ بن أسباط، عن صالح بن حمزة، عن أبيه، عن أبي بكر الحضرميّ قال: لمّا حمل أبو جعفر- (عليه السلام)- إلى الشّام، إلى هشام بن عبد الملك و صار ببابه، قال لأصحابه و من كان بحضرته من بني أميّة: إذا رأيتموني قد وبّخت محمّد بن عليّ ثمّ رأيتموني قد سكت، فليقبل عليه كلّ رجل منكم و ليوبخّه. ثمّ أمر أن يؤذن له.
فلمّا دخل أبو جعفر- (عليه السلام)- قال بيده: السّلام عليكم. فعمّهم جميعا
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 25، ح 65.
(2) الكافي 1/ 407- 408، ح 1.
(3) من المصدر.
(4) ليس في المصدر: «بعد ما عمرها».
(5) المصدر: يؤدي.
(6) ب، ح: فيحوزها.
(7) من المصدر.
(8) الكافي 1/ 471، ح 5.
(9) من المصدر.
156
بالسّلام، ثمّ جلس.
فازداد هشام عليه حنقا بتركه السّلام عليه بالخلافة، و جلوسه بغير إذن. فأقبل يوبّخه، و يقول فيما يقول له: يا محمّد بن عليّ، لا يزال الرّجل منكم قد شقّ عصا المسلمين، و دعا إلى نفسه، و زعم أنّه الإمام سفها و قلّة علم. و وبّخه بما أراد أن يوبّخه.
فلمّا سكت، أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبّخه حتّى انقضى آخرهم.
فلمّا سكت القوم، نهض- (عليه السلام)- قائما، ثمّ قال: أيّها النّاس، أين تذهبون، و أين يراد بكم!؟ بنا هدى اللّه أوّلكم، و بنا يختم (1) آخركم. فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكا مؤجّلا. و ليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة. يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
فأمر به إلى الحبس.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
قالُوا، أي: بنو إسرائيل.
أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا: بالرّسالة، بقتل الأبناء.
وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا، أي: بإعادته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: قال الّذين آمنوا لموسى (3): قد «أوذينا» قبل مجيئك- يا موسى (4)- بقتل أولادنا. وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا لمّا حبسهم فرعون لإيمانهم بموسى.
قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ: تصريحا بما كنّى عنه أوّلا، لمّا رأى أنّهم لم يتسلّوا بذلك. و لعلّه أتى بفعل الطّمع، لعدم جزمه بأنّهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم.
و قد روي (5): أنّ مصرا إنّما فتح لهم في زمن داود- (عليه السلام)-.
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129): فيرى ما تعملون من شكر و كفران و طاعة و عصيان، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم.
وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ: بالجدب، لقلّة الأمطار و المياه. و السّنة.
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يحكم.
(2) تفسير القمّي 1/ 237.
(3) المصدر: يا موسى.
(4) ليس في المصدر.
(5) أنوار التنزيل 1/ 364.
157
غلبت على عام القحط، لكثرة ما يذكر عنه و يؤرّخ به ثمّ اشتقّ منها. فقيل (1): أسنت (2) القوم: إذا قحطوا.
وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ: بكثرة العاهات.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130): لكي يتنبّهوا على أنّ ذلك بشؤم كفرهم و معاصيهم، فيتّعظوا. أو لترقّ قلوبهم بالشّدائد، فيفزعوا إلى اللّه و يرغبوا فيما عنده.
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ: من الخصب و السّعة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: «الحسنة» ها هنا، الصّحة و السّلامة و الأمن و السّعة.
قالُوا لَنا هذِهِ: لأجلنا، و نحن مستحقّوها وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب و بلاء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال: «السّيِّئة» هنا، الجوع و الخوف و المرض.
يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ: يتشأموا بهم، و يقولوا: ما أصابتنا إلّا بشؤمهم.
و هذا إغراق في وصفهم بالغباوة و القساوة. فإنّ الشّدائد ترقّق القلوب و تذلّل العرائك و تزيل التّماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، و هي لم تؤثّر فيهم بل زادوا عندها عتوّا و انهماكا في الغيّ.
و إنّما عرّف «الحسنة» و ذكرها مع أداة التّحقيق، لكثرة وقوعها و تعلّق الإرادة بإحداثها بالّذات، و نكّر «السّيئة» و أتى بها مع حرف الشّكّ، لندورها و عدم القصد بها إلّا بالتّبع.
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، أي: سبب خيرهم و شرّهم عنده، و هو حكمه و مشيئته. أو سبب شؤمهم عند اللّه، و هو أعمالهم المكتوبة عنده. فإنّها الّتي ساقت إليهم ما يسوءهم.
و قرئ (5): «إنّما طيرهم». و هو اسم الجمع.
و قيل: هو جمع.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131): أنّ ما يصيبهم من اللّه- تعالى-. أو من
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 364.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: آمنت.
3 و 4- تفسير القمّي 1/ 237.
(5) أنوار التنزيل 1/ 365.
158
شؤم أعمالهم.
وَ قالُوا مَهْما أصلها «ما» الشّرطيّة، ضمّت إليها «ما» المزيدة للتّأكيد، ثمّ قلبت ألفها هاء استثقالا للتّكرير.
و قيل (1): مركّبة من «مه» الّذي يصوت به الكاف، و «ما» الجزائيّة.
و محلّها الرّفع على الابتداء، أو النّصب بفعل يفسّره تَأْتِنا بِهِ، أي: أيّما شيء تحضرنا و تأتنا به.
مِنْ آيَةٍ: بيان «لمهما». و إنّما سمّوها: آية، على زعم موسى لا لاعتقادهم.
و لذلك قالوا: لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)، أي: لتسحر بها أعيننا و تشبه علينا.
و الضّمير في «به» و «بها» «لمهما». ذكّره قبل التّبيين، باعتبار اللّفظ. و أنّثه بعده، باعتبار المعنى.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ: ماء طاف بهم و غشى أماكنهم و حروثهم، من مطر أو سيل.
و قيل (2): الجدري.
و قيل (3): الموتان.
و قيل (4): الطّاعون.
و في تفسير العيّاشيّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل: ما الطّوفان؟
فقال: هو طوفان الماء و الطّاعون.
وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ.
قيل (5): هو كبار القردان.
و قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ.
نقل (6): أنّهم مطروا ثمانية أيّام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته.
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
(2) أنوار التنزيل 1/ 365.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 365.
159
و دخل الماء بيوتهم، حتّى قاموا فيه إلى تراقيهم. و كانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم، و لم تدخل فيها قطرة ماء (1). و ركد على أراضيهم، فمنعهم من الحرث و التّصرف فيها و دام ذلك عليهم أسبوعا.
فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك يكشف عنّا و نحن نؤمن بك.
فدعا، فكشف عنهم و نبت لهم من الكلأ و الزّرع ما لم يعهد مثله و لم يؤمنوا.
فبعث اللّه عليهم الجراد، فأكلت زروعهم و ثمارهم ثمّ أخذت تأكل الأبواب و السّقوف و الثّياب. ففزعوا إليه ثانيا. فدعا، و خرج إلى الصّحراء و أشار بعصاه نحو المشرق و المغرب، فرجعت إلى النّواحي الّتي جاءت منها، فلم يؤمنوا.
فسلّط اللّه عليهم القمّل، فأكل ما أبقاه الجراد. و كان يقع في أطعمتهم و يدخل بين أثوابهم و جلودهم، فيمصّها. ففزعوا إليه، فرفع عنهم.
فقالوا: قد تحقّقنا الآن أنّك ساحر.
ثمّ أرسل اللّه عليهم الضّفادع، بحيث لا يكشف ثوب و لا طعام إلّا وجدت فيه.
و كانت تمتلى منها مضاجعهم، و تثب إلى قدورهم و هي تغلي، و إلى (2) أفواههم عند التّكلم. ففزعوا إليه و تضرّعوا. فأخذ عليهم العهود، و دعا. فكشف اللّه عنهم. فنقضوا العهود.
ثمّ أرسل اللّه عليهم الدّم، فصارت مياههم دماء (3). حتّى كان يجتمع القبطيّ مع الإسرائيليّ على إناء، فيكون ما [يلي القبطي] (4) دما و ما يلي الإسرائيليّ ماء. و يمصّ الماء من فم الإسرائيليّ، فيصير دما في فيه.
و قيل (5): سلّط اللّه عليهم الرّعاف.
آياتٍ مُفَصَّلاتٍ: مبيّنات، لا يشكل على عاقل أنّها آيات اللّه و نعمته عليهم، أو منفصلات.
قيل (6): لامتحان أحوالهم، إذ كان بين كلّ اثنتين (7) منها شهر. و كان امتداد كلّ
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) سقطت من المصدر.
(3) المصدر: دما.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يليه.
(5) أنوار التنزيل 1/ 365.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
(7) المصدر: آيتين.
160
واحدة أسبوعا.
و قيل (1): إنّ موسى لبث فيهم، بعد ما غلب السّحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل.
و الّذي في الخبر الآتي: أنّ المهلة بين أكثر الآيات سنة.
فَاسْتَكْبَرُوا: على الإيمان.
وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قيل (2): يعني: العذاب المفصّل. أو الطّاعون، أرسله اللّه عليهم بعد ذلك.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن الرّضا- (عليه السلام)-: «الرّجز» هو الثّلج. ثمّ قال:
خراسان بلاد رجز.
و في مجمع البيان (4): عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّه أصابهم ثلج أحمر لم يروه قبل ذلك، فماتوا فيه و جزعوا. و أصابهم ما لم يعهدوه قبله.
قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ: بعهدك عندك، و هو النّبوّة أو بالّذي عهده إليك، أن تدعو فيجيبك، كما أجابك لآياتك.
و هو صلة «لادع»، أو حال من الضّمير فيه. بمعنى: ادع اللّه متوسّلا إليه بما عهد عندك.
أو متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه التماسهم، مثل أسعفنا إلى ما نطلب منك بحقّ ما عهد عندك.
أو قسم مجاب بقوله: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134)، أي: أقسمنا بعهد اللّه عندك «لئن كشفت عنّا الرّجز لنؤمننّ لك و لنرسلنّ».
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ، أي: حدّ من الزّمان هم بالغوه، فمعذّبون فيه. أو مهلكون، و هو وقت الغرق أو الموت.
و قيل (5): إلى أجل عيّنوه لإيمانهم.
____________
(1) نفس المصدر، و الموضع.
(2) أنوار التنزيل 1/ 366.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 25، ح 68.
(4) مجمع البيان 2/ 469.
(5) أنوار التنزيل 1/ 366.
161
إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135): جواب «لما»، أي: فلمّا كشفنا عنهم، فاجئوا النّكث من غير توقّف و تأمّل فيه.
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ: فأردنا الانتقام.
فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِ: أي: البحر الّذي لا يدرك قعره.
و قيل (1): لجّة البحر، و معظم مائه.
و اشتقاقه من التّيمّم، لأنّ المنتفعين به يقصدونه.
بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (136)، أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات و عدم فكرهم فيها، حتّى صاروا كالغافلين عنها.
و قيل (2): الضّمير للنّقمة، المدلول عليها بقوله: «فانتقمنا».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، مقطوعا. و نسب حديثه في مجمع البيان (4) إلى الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)- قال: لمّا سجد السّحرة و [من] (5) آمن به [من] (6) النّاس، قال هامان لفرعون: إنّ النّاس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه.
فحبس كلّ من آمن به من بني إسرائيل. فتابع اللّه عليهم بالآيات، و أخذهم بالسّنين و نقص من الثّمرات.
ثمّ بعث عليهم الطّوفان، فخرّب دورهم و مساكنهم حتّى خرجوا إلى البريّة و ضربوا الخيام. و امتلأت بيوت القبط ماء، و لم يدخل بيوت بني إسرائيل الماء قطرة.
و أقام الماء على وجه أرضهم لا يقدروه على أن يحرثوا. [فجاء إليه موسى] (7).
فقال فرعون لموسى: ادع لنا ربّك، حتّى يكشف (8) عنّا الطّوفان، حتّى أخلّي عن بني إسرائيل و أصحابك.
فدعا موسى ربّه، فكشف (9) عنهم الطّوفان. و همّ فرعون أن يخلّي عن
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 366 ببعض التصرّف.
(2) أنوار التنزيل 1/ 366.
(3) تفسير القمّي 1/ 237- 238 و لا يخفى أنّ المؤلّف أورده خلطا من المصدرين و لكن أكثر نقلها من تفسير القمّي و ما نقل من مجمع البيان فهو قليل.
(4) المجمع 2/ 468- 469.
5، 6- من تفسير القمّي.
(7) العبارة لا توجد في المصدرين.
(8) المصدر: يكفّ.
(9) المصدر: كفّ.
162
بني إسرائيل، فقال له هامان: إن خلّيت عن بني إسرائيل، غلبك موسى و أزال ملكك.
فقبل منه، و لم يخلّ عن بني إسرائيل.
فأنزل اللّه عليهم في السنّة الثّانية الجراد. فجردت كلّ شيء كان لهم من النّبت (1) و الشّجر، حتّى كانت تجرد شعر لحيتهم (2).
فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا، و قال: يا موسى، ادع لنا (3) ربّك أن يكشف (4) عنّا الجراد حتّى أخلّي عن بني إسرائيل و أصحابك.
فدعا موسى ربّه، فكشف (5) عنهم الجراد. فلم يدعه هامان أن يخلّي عن بني إسرائيل.
فأنزل اللّه عليهم في السّنة الثّالثة القمّل. فذهبت زروعهم، فأصابتهم المجاعة.
فقال فرعون لموسى: إن دفعت عنّا القمّل، كففت عن بني إسرائيل.
فدعا موسى ربّه حتّى ذهب عنهم القمّل.
و قال: أوّل ما خلق اللّه القمّل في ذلك الزّمان. فلم يخلّ عن بني إسرائيل.
فأرسل اللّه عليهم بعد ذلك الضّفادع، فكانت تكون في طعامهم و شرابهم.
و يقال: إنّها تخرج من أدبارهم و آذانهم و أنافهم.
فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فجاءوا إلى موسى فقالوا: ادع اللّه أن يذهب عنّا الضّفادع، فإنّا نؤمن بك، و نرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربّه. فرفع اللّه عنهم ذلك.
فلمّا أبوا أن يخلّوا عن بني إسرائيل، حوّل اللّه ماء النّيل دما. فكان القبطيّ يراه دما و الإسرائيليّ يراه ماء. فإذا شربه الإسرائيليّ، كان ماء. و إذا شربه القبطيّ، كان دما. فكان القبطيّ يقول للإسرائيليّ: خذ الماء في فمك وصبّه في فمي. [فكان إذا] (6) صبّه في فم القبطيّ، يحوّل دما.
فجزعوا [من ذلك] (7) جزعا شديدا، فقالوا لموسى: لئن رفع [اللّه] (8) عنّا الدّم،
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: البيت.
(2) المصدر: شعرهم و لحيتهم.
(3) ليس في المصدرين: لنا.
(4) المصدر: يكفّ.
(5) المصدر: فكفّ.
(6) تفسير القمّي: فإذا.
(7) ليس في المصدرين.
(8) من تفسير القمّي.
163
لنرسلنّ معك بني إسرائيل.
فلمّا رفع اللّه عنهم الدّم، غدروا و لم يخلّوا عن بني إسرائيل.
فأرسل اللّه عليهم الرّجز، و هو الثّلج، و لم يروه قبل ذلك. فماتوا فيه و جزعوا [جزعا شديدا] (1)، و أصابهم ما لم يعهدوه (2) قبله.
فقالوا: يا مُوسَى (3) ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ (4) عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ.
فدعا ربه، فكشف عنهم الثّلج، فخلّى عن بني إسرائيل.
فلمّا خلّى عنهم، اجتمعوا إلى موسى- (عليه السلام)-. و خرج موسى من مصر، و اجتمع إليه من كان هرب من فرعون. و بلغ فرعون ذلك. فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلّي بني إسرائيل، فقد اجتمعوا (5) إليه. فجزع فرعون و بعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (6) و خرج في طلب موسى.
وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ، أي: بالاستبعاد و ذبح الأبناء من مستضعفيهم.
مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا، يعني: أرض الشّام. ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة و العمالقة، و تمكّنوا في نواحيها.
الَّتِي بارَكْنا فِيها: بالخصب و سعة العيش.
وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ: و مضت عليهم، و اتّصلت بالإنجاز عدته إيّاهم بالنّصرة و التّمكين. و هو قوله: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَ- إلى قوله-: ما كانُوا يَحْذَرُونَ. (7) و قرئ (8): «كلمات ربّك» لمتعدّد المواعيد.
بِما صَبَرُوا: بسبب صبرهم على الشّدائد.
وَ دَمَّرْنا: و خرّبنا.
____________
(1) من تفسير القمّي.
(2) تفسير القمّي: لم يعهدوا.
(3) ليس في تفسير القمّي.
(4) تفسير القمّي: كشفت.
(5) كذا في تفسير القمّي، و في النسخ: استجمعوا.
(6) الأعراف/ 111.
(7) القصص/ 5- 6.
(8) أنوار التنزيل 1/ 366.
164
ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ: من القصور و العمارات.
وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ (137): من الجنّات. أو ما كانوا يرفعون من البنيان، كصرح هامان.
و قرأ (1) ابن عامر و أبو بكر، هنا و في النّحل: «يعرشون» بالضّمّ.
و هذا آخر قصّة فرعون و قومه.
و في أصول الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّه من صبر، صبر قليلا، إلى قوله- (عليه السلام)-: ثمّ بشّر في عترته بالأئمّة و وصفوا بالصّبر، فقال- جل ثناؤه-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (3).
فعند ذلك قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الصّبر من الإيمان، كالرّأس من الجسد.
فشكر اللّه- عزّ و جلّ- ذلك له، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ. [فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (4) إنّه بشرى و انتقام.
وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ: هذا و ما بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشّنيعة، بعد أن منّ اللّه عليهم بالنّعم الجسام و أراهم من الآيات العظام، تسلية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ممّا رأى منهم بالمدينة، و إيقاظا للمؤمنين حتّى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم و مراقبة أحوالهم.
نقل (5): أنّ موسى- (عليه السلام)- عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون و قومه، فصاموه شكرا.
فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ: فمرّوا عليهم.
يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ: يقيمون على عبادتها.
قيل (6): كانت تماثيل بقر، و ذلك أوّل شأن العجل. و القوم كانوا من العمالقة
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 366.
(2) الكافي 2/ 88- 89، ح 3.
(3) السجدة/ 24.
(4) من المصدر.
(5) أنوار التنزيل 1/ 366.
(6) أنوار التنزيل 1/ 366.
165
الّذين أمر موسى بقتالهم.
و قيل: من لخم.
و قرأ حمزة و الكسائي: «يعكفون» بالكسر.
قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً: مثالا نعبده.
كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: يعبدونها.
و «ما» كافّة «للكاف».
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138): وصفهم بالجهل المطلق و أكّده لبعد ما صدر عنهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى، عن العقل.
و في نهج البلاغة (1): و قال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه.
فقال: نرى (2) إنّما اختلفنا عنه، لا فيه. و لكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر، حتّى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
إِنَّ هؤُلاءِ: إشارة إلى القوم.
مُتَبَّرٌ: مكسّر.
ما هُمْ فِيهِ، يعني: إنّ اللَّه يهدم دينهم الّذي هم عليه، و يحطّم أصنامهم هذه، و يجعلها رضاضا.
وَ باطِلٌ: مضمحلّ.
ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139): من عبادتها، و إن قصدوا بها التّقرّب إلى اللّه- تعالى-.
و إنّما بالغ في هذا الكلام بجعل «هؤلاء» اسم «إنّ»، و الإخبار عمّا هم فيه بالتّبار و عمّا فعلوا بالبطلان، و تقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبرا «لأنّ»، للتّنبيه على أنّ الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة، و أنّ الإحباط الكلّيّ لازب لما مضى عنهم، تنفيرا و تحذيرا عمّا طلبوا.
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً: أطلب لكم معبودا.
وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140): و الحال أنّه خصّكم بنعم لم يعطها غيركم.
____________
(1) نهج البلاغة/ 531، الحكمة 317.
(2) ليس في المصدر.
166
و فيه تنبيه على سوء مقابلتهم. حيث قابلوا تخصيص اللّه إيّاهم من أمثالهم بما لم يستحقّوه، تفضّلا بأن قصدوا أن يشركوا به أخسّ شيء من مخلوقاته.
وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: و اذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت.
و قرأ (1) ابن عامر: «أنجاكم».
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ: استئناف لبيان ما أنجاهم. أو حال من المخاطبين. أو من آل فرعون، أو منهما، أي: يبغونكم و يكلّفونكم شدّة العذاب.
يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ: بدل مبيّن منه.
و قرأ نافع: «يقتلون» بفتح الياء، و إسكان القاف، و ضمّ التّاء، مخفّفا.
وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141): و في الإنجاء أو العذاب، نعمة أو محنة عظيمة.
وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً: ذا العقدة.
و قرأ (2) أبو عمرو و يعقوب: «و وعدنا».
وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ: من ذي الحجّة.
و في مجمع البيان (3): وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ و لم يقل:
أربعين [ليلة، كما قاله في سورة البقرة لفائدة] (4) زائدة ذكر فيها وجوه- إلى قوله-:
و ثالثها، أنّ موسى- (عليه السلام)- قال لقومه: إنّي أتأخّر عنكم ثلاثين يوما، ليسهّل عليكم. ثمّ زاد عليهم عشرا (5) و ليس في ذلك خلف، لأنّه إذا تأخّر عنهم أربعين [ليلة] (6) فقد تأخّر ثلاثين قبلها. عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن محمّد بن عليّ (8) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله:
وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ.
قال: بعشر ذي الحجّة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 367.
(2) أنوار التنزيل 1/ 367.
(3) مجمع البيان 2/ 473.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «عشرة» بدل «عليهم عشرا».
(6) من المصدر.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 25، ح 69.
(8) في المصدر: «الحلبيّ» بدل «بن عليّ».
167
فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً: بالغا أربعين.
نقل (1): أنّه- (عليه السلام)- وعد بني إسرائيل بمصر، أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من اللّه، فيه بيان ما يؤتون و ما يذرون. فلمّا هلك، سأل ربّه. فأمره بصوم ثلاثين. فلمّا أتمّ، أنكر خلوف (2) فيه فتسوّك.
فقالت الملائكة: كنّا نشمّ منك رائحة المسك، فأفسدته بالسّواك. فأمره اللّه أن يزيد عليها عشرا.
و قيل (3): أمره بتخلّي (4) ثلاثين بالصّوم و العبادة. ثمّ أنزل اللّه عليه التّوراة في العشر، و كلّمه فيها.
في أصول الكافي (5): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الخزّاز، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعميّ، عن الفضيل (6) بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: لهذا الأمر وقت؟
فقال: كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون. كذب الوقّاتون. إنّ موسى- (عليه السلام)- لمّا خرج وافدا إلى ربّه، واعدهم ثلاثين يوما، فلمّا زاده اللّه على الثّلاثين عشرا، قال قومه: قد أخلفنا موسى. فضيعوا بما صنعوا (7) فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على ما حدّثناكم [به]، فقولوا: صدق اللّه [و رسوله] (8). و إذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به، فقولوا: صدق اللّه. تؤجروا (9) مرّتين.
و في كتاب معاني الأخبار (10)، بإسناده إلى [محمّد بن يعقوب بن] (11) شعيب: عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ذو القعدة ثلاثون يوما، لقول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 367.
(2) خلف الشيء خلوفا: تغيّر و فسد. يقال:
خلف الطعام، و خلف فم الصائم. و في الحديث «لخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك».
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) المصدر: بأن يتخلّى.
(5) الكافي 1/ 368- 369، ح 5.
(6) المصدر: الفضل. و هو غلط.
(7) المصدر: «فصنعوا ما صنعوا» بدل: «فضيعوا بما صنعوا».
(8) ليس في المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تؤجرون.
(10) معاني الأخبار/ 383، ضمن ح 14.
(11) من المصدر.
168
وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. في حديث طويل نحوه.
وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي: كن خليفتي فيهم.
وَ أَصْلِحْ: ما يجب أن يصلح من أمورهم.
وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142): و لا تتّبع من سلك الإفساد، و لا تطع من دعاك إليه.
و في أمالي شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في غزوة تبوك: اخلفني في أهلي.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: يا رسول اللّه، إنّي أكره أن تقول العرب: خذل ابن عمّه و تخلّف عنه.
فقال: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟
قال: بلى.
قال: فاخلفني.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-. و ذكر حديثا طويلا فيه ذكر موسى و هارون- (عليهما السلام)-. و فيه: فقلت له: أخبرني عن الأحكام و القضايا (4) و الأمر و النّهي، [أ] (5) كان ذلك إليهما؟
قال: كان موسى الّذي يناجي ربّه و يكتب العلم و يقضي بين بني إسرائيل، و هارون يخلفه إذا غاب من قومه للمناجاة.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين و الأنصار في
____________
(1) الكافي 4/ 79، ضمن ح 2.
(2) أمالي الطوسي 1/ 267.
(3) تفسير القمّي 2/ 137.
(4) المصدر: القضاء.
(5) من المصدر.
(6) كمال الدين/ 278، ضمن ح 25.
169
المسجد أيّام خلافة عثمان: أنشدكم باللّه (1)، أ تعلمون أنّي قلت لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في غزوة تبوك: لم خلّفتني [مع الصبيان و النساء] (2)؟
فقال: إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك. و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟
قالوا: اللّهم، نعم.
و في روضة الكافي (3)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و هي خطبة الوسيلة.
يقول- (عليه السلام)- فيها بعد أن ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و اختصّني بوصيّته، و اصطفاني بخلافته في أمّته. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد حشده المهاجرون و الأنصار و انعصّت بهم المحافل: أيّها النّاس، إنّ عليّا منّي، كهارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. فعقل المؤمنون عن اللّه نطق الرّسول. إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه و أمّه، كما كان هارون أخا موسى لأبيه و أمّه. و لا كنت نبيّا، فاقتضى نبوّة. و لكن كان ذلك منه استخلافا لي، كما استخلف موسى هارون- (عليه السلام)- حيث يقول:
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ.
وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا: لوقتنا الّذي وقّتناه.
و «اللّام» للاختصاص، أي: اختصّ بميقاتنا.
وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ: من غير وسط، كما يكلّم الملائكة.
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ: بأن تمكّنني من رؤيتك. أو تتجلّى لي، فأنظر إليك و أراك.
قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ: لمّا تجلّيت عليه.
فَسَوْفَ تَرانِي: استدراك، يريد أن يبيّن به أنّه لا يطيقه.
و استدلّت الأشاعرة بهذه الآية على جواز الرّؤية من وجهين:
الأوّل، أنّ موسى طلب الرّؤية. و طلب المستحيل من الأنبياء محال، خصوصا ما يقتضي الجهل باللّه.
و الثّاني، أنّه- تعالى- علّق الرّؤية باستقرار الجبل، و هو ممكن. و المعلّق على
____________
(1) المصدر: اللّه.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 8/ 26- 27.
170
الممكن، يكون ممكنا.
و ردّ الأوّل، بأنّ سؤال موسى لقومه، و إتمام الحجّة عليهم فإنّهم اقترحوا منه أن يسأل الرّؤية، فسأل لتمام الحجّة، كما قال في الخبر.
و الثّاني، بأن المعلّق عليه استقرار الجبل بعد التّجلّي. و كونه ممكنا، غير ممكن.
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: ظهر له عظمته، و تصدّى له اقتداره و أمره.
و في مجمع البيان (1): و قيل: إنّ «تجلّى» بمعنى: جلّى، كقولهم: حدّث و تحدّث.
في تقديره: جلّى ربّه أمره للجبل، أي: أبرزه من (2) ملكوته للجبل ما تدكدكه به. و يؤيّده ما جاء في الخبر: أنّ اللّه- تعالى- أبرز من العرش مقدار الخنصر (3)، فتدكدك به الجبل.
و في علل الشرائع (4)، بإسناده إلى إسحاق بن غالب: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- كلام طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى، و هو يرى.
جَعَلَهُ دَكًّا: مدكوكا مفتّتا.
و الدّكّ و الدّق أخوان، كالشّكّ و الشّقّ.
و قرأ (5) حمزة و الكسائي: «دكّا»، أي: أرضا مستوية. و منه: ناقة دكّاء، للّتي لا سنام لها.
و قرئ: «دكّا» أي: قطعا. و «دكّا» جمع، دكّاء.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول في قوله: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً.
قال: ساخ الجبل في البحر، فهو يهوي حتّى السّاعة.
و في مجمع البيان (7): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: صار الجبل ستّة أجبل.
وقعت ثلاثة بالمدينة، و هي أحد ورقان (8) و رضوى. و ثلاثة بمكّة، و هي ثور و ثبير و حراء.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 475.
(2) المصدر: في.
(3) هكذا في المصدر. و في أ و ب و ر: الخصف.
(4) علل الشرائع/ 119، ضمن ح 1، و عنه تفسير نور الثقلين 2/ 66 ح 251.
(5) أنوار التنزيل 1/ 368.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 27، ح 75.
(7) مجمع البيان 2/ 475.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: قار.
171
و في علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى عمر بن عليّ: عن أبيه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. أنّه سئل: ممّا خلق اللّه- عزّ و جلّ- الذّرّ الّذي يدخل في كوّة البيت؟
فقال: إنّ موسى- (عليه السلام)- لمّا قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال اللّه- عزّ و جلّ-: إن استقرّ الجبل لنوري، فإنّك ستقوى (2) على أن تنظر إليّ. و إن لم يستقرّ، فلا تطيق إبصاري لضعفك. فلمّا تجلّى اللّه للجبل تقطّع ثلاث قطع: قطعة ارتفعت في السّماء، و قطعة ساخت في (3) تحت الأرض، و قطعة تفتّت (4). فهذا الذرّ من ذاك الغبار، غبار الجبل.
و يأتي، أنّه تقطّع فصار رميما.
وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً: مغشيا عليه من هول ما رأى.
فَلَمَّا أَفاقَ قالَ: تعظيما لما رأى.
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ: من الجرأة، و الإقدام على مثل هذا السّؤال.
وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143): بأنّك لا ترى.
و في مجمع البيان (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-: معناه: أنا أوّل من آمن بك (6)، و صدّق بأنّك لا ترى.
و في عيون الأخبار (7)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)-: حدّثنا الحسين بن عبد اللّه القرشيّ (8) قال: حدّثني أبي، عن أحمد (9) بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ [بن محمد] (10) بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون، و عنده الرّضا- (عليه السلام)-.
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ- إلى أن قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) علل الشرائع/ 497، ح 1.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تقوى.
(3) المصدر: غاصت في.
(4) هكذا في المصدر، و في النسخ: بقيت.
(5) مجمع البيان 2/ 479.
(6) ليس في المصدر: يك.
(7) عيون الأخبار 1/ 200- 201 ضمن ح 1.
(8) المصدر، جامع الرواة 1/ 133: تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ.
(9) المصدر: حمدان.
(10) من المصدر.
172
وَ لَمَّا (1) جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي (الآية).
كيف يجوز أن يكون كليم اللّه، موسى بن عمران أن (2) لا يعلم أنّ اللّه- تعالى ذكره- لا يجوز عليه الرّؤية حتّى يسأله هذا السّؤال؟
فقال- (عليه السلام)-: إنّ كليم اللّه، موسى بن عمران علم أنّ اللّه منزّه عن أن يرى بالأبصار. و لكنّه لمّا كلّمه اللّه- عزّ و جلّ- و قرّبه نجيّا، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ اللّه كلّمه و قرّبه و ناجاه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه، كما سمعته.
و كان القوم سبعمائة ألف رجل. فاختار منهم سبعين ألفا، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائة، ثمّ اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربّه.
فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل. و صعد موسى- (عليه السلام)- إلى الطّور، و سأل اللّه- عزّ و جلّ- أن يكلّمه و يسمعهم كلامه. فكلّمه (3) اللّه، و سمعوا كلامه من فوق و من (4) أسفل و يمين و شمال و وراء و أمام. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- أحدثه في الشّجرة، ثمّ (5) جعله منبعثا منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه.
فقالوا: لن نؤمن بأنّ هذا الّذي سمعناه كلام اللّه، حتّى نرى اللّه جهرة.
فلمّا قالوا هذا القول العظيم و استكبروا و عتوا، بعث اللّه عليهم صاعقة.
فأخذتهم الصّاعقة بظلمهم، فماتوا.
فقال موسى: يا ربّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم و قالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم، لأنّك لم تك صادقا فيما ادّعيت من مناجاة اللّه- عزّ و جلّ- إيّاك؟
فأحياهم و بعثهم معه.
فقالوا: إنّك لو سألت اللّه أن يريك تنظر (6) إليه، لأجابك. فتخبرنا (7) كيف هو، و نعرفه حقّ معرفته.
فقال موسى: يا قوم، إنّ اللّه لا يرى بالأبصار، و لا كيفيّة له. و إنّما يعرف
____________
(1) هكذا في المصحف أيضا، و لكن في المصدر:
فلمّا.
(2) ليس في المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و كلّمهم.
(4) ليس في المصدر.
(5) المصدر: و.
(6) المصدر: ننظر.
(7) المصدر: و كنت تخبرنا.
173
بآياته، و يعلم بأعلامه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله.
فقال موسى: يا ربّ، إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، و أنت أعلم بصلاحهم.
فأوحى اللّه إليه: يا موسى، سلني ما سألوك، فلن أؤاخذك بجهلهم.
فعند ذلك قال موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ (1) فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ بآية من آياته جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ منهم بأنّك لا ترى.
قال المأمون: للّه درك، يا أبا الحسن.
و في كتاب التّوحيد (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل. يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و سأل موسى- (عليه السلام)- و جرى على لسانه من حمد اللّه- عزّ و جلّ- رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. فكانت مسألته تلك أمرا عظيما و سأل أمرا جسيما، فعوقب.
فقال اللّه- تبارك و تعالى-: لَنْ تَرانِي في الدّنيا حتّى تموت فتراني في الآخرة.
و لكن إن أردت أن تراني في الّدنيا، فانظر إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي.
فأبدى اللّه- سبحانه- بعض آياته، و تجلّى ربّنا للجبل، فتقطّع الجبل فصار رميما. وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً [يعني ميّتا، فكان عقوبته الموت] (3) ثمّ أحياه اللّه و بعثه [و تاب عليه] (4). فقال: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: أوّل من آمن بك منهم أنّه لن يراك.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ موسى بن عمران لمّا سأل ربّه النّظر إليه، وعده اللّه أن يقعد في موضع. ثمّ أمر
____________
(1) هنا يوجد زيادة في المصدر هكذا: «و هو يهوي».
(2) التوحيد/ 262- 263.
3 و 4- من المصدر.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 27، ح 74.
174
الملائكة أن تمرّ عليه موكبا موكبا، بالبرق و الرّعد و الرّيح و الصّواعق. فكلّما مرّ به موكب من المواكب، ارتعدت فرائصه. فيرفع رأسه، فيسأل: أ فيكم ربّي؟
فيجاب: هو آت، و قد سألت عظيما، يا ابن عمران.
عن أبي بصير (1)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: لمّا سأل موسى ربّه- تبارك و تعالى-: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي.
فلمّا صعد موسى على (2) الجبل، فتحت أبواب السّماء، و أقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد، و في رأسها النّور، يمرّون به فوجا بعد فوج. يقولون: يا ابن عمران، أثبت فقد سألت أمرا عظيما.
قال: فلم يزل موسى واقفا حتّى تجلّى ربّنا- جلّ جلاله-. فجعل الجبل دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً. فلمّا أن ردّ اللّه إليه روحه و أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.
و في رواية (3): أنّ النّار أحاطت بموسى، لئلّا يهرب لهول ما رأى.
و قال: لمّا خَرَّ مُوسى صَعِقاً مات. فلمّا أن ردّ اللّه إليه روحه، أفاق فقال:
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): في قوله: وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ.
قال: فرفع اللّه الحجاب و نظر إلى الجبل، فساخ الجبل في البحر. فهو يهوي حتّى السّاعة. و نزلت الملائكة، و فتحت أبواب السّماء.
فأوحى اللّه إلى الملائكة: أدركوا موسى لا يهرب.
فنزلت الملائكة و أحاطت بموسى، و قالت تب (5)، يا ابن عمران، فقد سألت اللّه عظيما.
فلمّا نظر موسى إلى الجبل قد ساخ و الملائكة قد نزلت، وقع على وجهه. فمات من خشية اللّه، و هول ما رأى. فردّ اللّه- عزّ و جلّ- عليه روحه. فرفع رأسه و أفاق و
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 26- 27، ح 72.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: إلى.
(3) تفسير العياشي 2/ 27، ح 76.
(4) تفسير القمي 1/ 239- 240.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أتيت.
175
قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي: أوّل من صدّق أنّك لا ترى.
و في بصائر الدّرجات (1): بعض أصحابنا، عن أحمد بن محمّد السّياريّ قال: و قد سمعت أنا من أحمد بن محمّد قال: حدّثني أبو محمّد، عبيد بن أبي عبد اللّه القاري أو (2) غيره، رفعوه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الكرّوبين قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل، جعلهم اللّه خلف العرش. لو قسّم نور واحد منهم على أهل الأرض، لكفاهم.
ثمّ قال: إنّ موسى- (عليه السلام)- لمّا سأل ربّه ما سأل، أمر واحدا من الكروبيّين فتجلّى للجبل فجعله دكّا.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة، و قد قال: و أجده قد شهر هفوات أنبيائه بتهجينه موسى حيث قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي (الآية):
و أما هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما بيّنه اللّه في كتابه، فإنّ ذلك من أدلّ (4) الدلائل على حكمته- عزّ و جلّ- الباهرة و قدرته القاهرة و عزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء- (عليهم السلام)- تكبر في صدور أممهم، و أنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذلك دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي انفرد به- عزّ و جلّ-.
قال في الجوامع: و قيل (5): في الآية وجه آخر، و هو أن يكون المراد بقوله: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ: عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليّا، بإظهار بعض الآيات الأخر الّتي تضطرّ الخلق إلى معرفتك. «أنظر إليك»: أعرفك معرفة ضروريّة، كأنّي أنظر إليك، كما جاء في الحديث: سترون ربّكم، كما ترون القمر ليلة البدر، بمعنى: ستعرفونه معرفة جليّة.
و هي في الجلاء، مثل إبصاركم القمر إذا امتلأ و استوى بدرا. قالَ لَنْ تَرانِي: لن تطيق معرفتي على هذه الطّريقة، و لن تحتمل قوّتك تلك الآية. لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فإنّي أورد عليه آية من تلك الآيات. فإن ثبتت (6) لتجلّيها و استقرّ مكانه، فسوف تثبت
____________
(1) بصائر الدرجات/ 89، ح 2.
(2) المصدر: أبي عبد اللّه الفارسي و.
(3) الاحتجاج 1/ 364 و 365 و 370.
(4) هكذا في المصدر، و في النسخ: أوّل.
(5) جوامع الجامع/ 156.
(6) المصدر: ثبتّ.
176
بها (1) و تطيقها. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ: فلمّا ظهرت للجبل آية من آيات ربّه، جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً لعظم ما رأى. فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ممّا اقترحت.
وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بعظمتك و جلالك.
و عن أمير المؤمنين (2)- (عليه السلام)-: لم تره العيون بمشاهدة الأبصار (3)، و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. لا يعرف بالقياس، و لا يدرك بالحواسّ، و لا يشبه بالنّاس.
موصوف بالآيات، معروف بالعلامات.
و قال (4)- (عليه السلام)-: لم أعبد (5) ربّا لم أره.
و في كتاب التّوحيد (6): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن اللّه- عزّ و جلّ-:
هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟
قال: نعم، و قد رأوه قبل يوم القيامة.
فقيل: متى؟
قال: حين قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى.
ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: و إنّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة. أ لست تراه في وقتك هذا؟
قيل: فأحدّث بهذا عنك؟
فقال: لا. فإنّك إذا حدّثت به، فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه، كفر. و ليست الرّؤية بالقلب كالرّؤية بالعين. تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهون و الملحدون.
أقول: و من هذا ظهر معنى
قوله- (عليه السلام)- في الحديث المنقول عنه- (عليه السلام)- من كتاب التّوحيد: لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة
، أي: ما تراني بنهاية عظمتي في الدّنيا، ممّا يمكنك أن تراني به في الآخرة.
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ: اخترتك.
____________
(1) المصدر: لها.
(2) التوحيد/ 108، ح 5. و الظاهر أنّ المؤلّف نقل هذا الحديث و ما بعده من تفسير الصافي 2/ 235- 236.
(3) المصدر: العيان.
(4) التوحيد/ 109.
(5) المصدر: ما كنت أعبد.
(6) التوحيد/ 117، ح 20.
177
عَلَى النَّاسِ، أي: الموجودين في زمانك. و هارون، و إن كان نبيّا، كان مأمورا باتّباعه. و لم يكن كليما، و لا صاحب شرع.
بِرِسالاتِي، يعني: أسفار التّوراة.
و قرأ (1) ابن كثير و نافع: «برسالتي».
وَ بِكَلامِي: إيّاك.
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ: أعطيتك من الرّسالة.
وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (114): على النّعمة فيه.
نقل (2): أنّ سؤال الرّؤية كان يوم عرفة، و إعطاء التّوراة يوم النّحر.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن يقطين، عن زرارة (4)، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى موسى: أن، يا موسى، أ تدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟
قال: يا ربّ، و لم ذاك؟
قال: فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- إليه: يا موسى، إنّي قلّبت عبادي ظهرا لبطن، فلم أجد فيهم أحدا أذلّ لي نفسا منك. يا موسى، إنّك إذا صلّيت وضعت حدّك على التّراب. أو قال: على الأرض.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى محمّد بن سنان: عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الّله- (عليه السلام)- يقول: إنّ موسى- (عليه السلام)- احتبس عنه الوحي أربعين أو ثلاثين صباحا.
قال: فصعد على جبل بالشّام، يقال له: أريحا.
فقال: يا ربّ، إن كنت حبست عنّي وحيك و كلامك لذنوب بني إسرائيل، فغفرانك القديم.
قال: فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه أن: يا موسى بن عمران، أ تدري لم اصطفيتك لوحيي و كلامي دون خلقي؟
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 368.
(2) أنوار التنزيل 1/ 368.
(3) الكافي 2/ 122.
(4) المصدر: عمن رواه بدل زرارة.
(5) علل الشرائع/ 56- 57، ح 2، و عنه تفسير نور الثقلين 2/ 67 ح 255.
178
فقال: لا علم لي، يا ربّ.
فقال: يا موسى، إنّي اطّلعت إلى خلقي اطّلاعة، فلم أجد في خلقي أشدّ تواضعا لي منك، فمن ثمّ خصصتك بوحيي و كلامي من بين خلقي.
قال: و كان موسى- (عليه السلام)- إذا صلّى، لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض و الأيسر.
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: ممّا يحتاجون إليه في أمر الدّين.
مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ: بدل من الجار و المجرور، أي: كتبنا كلّ شيء من المواعظ و تفصيل الأحكام.
و اختلف في أنّ الألواح كانت عشرة، أو سبعة. و كانت من زمرّد، أو زبرجد، أو ياقوت أحمر، أو صخرة صمّاء لينّها اللّه لموسى فقطعها بيده أو شقّها بأصابعه و كان فيها التّوراة، أو غيرها.
و في تفسير العيّاشي (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّها كانت زبرجدة من الجنّة.
و في بصائر الدّرجات (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنّها كانت [ألواح موسى] (3) من زمرّد أخضر.
و يمكن الجمع بين الرّوايتين، بأنّهما واحدة. أو كان بعضها من زبرجدة، و بعضها من زمرّد.
فَخُذْها: على إضمار القول عطفا على «كتبنا». أو بدل من قوله: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ. و «الهاء» للألواح، أو لكلّ شيء. فإنّه بمعنى: الأشياء. أو للرّسالات.
بِقُوَّةٍ: بجد و عزيمة، أي: قوّة القلب.
وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها، أي: بأحسن ما فيها، كالصّبر و العفو.
بالإضافة إلى الانتصار و الاقتصاص، على طريقة النّدب و الحثّ على الأفضل، كقوله- تعالى-: وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. أو بواجباتها، فإنّ الواجب أحسن من غيره.
و يجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقا، لا بالإضافة. و هو المأمور به،
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 28، ح 77.
(2) بصائر الدرجات/ 161، ضمن ح 6.
(3) من المصدر.
179
كقولهم: الصّيف أحرّ من الشّتاء.
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145): دار فرعون و قومه بمصر خاوية على عروشها. أو منازل عاد و ثمود و أضرابهم، لتعتبروا و لا تفسقوا. أو دارهم في الآخرة، و هي جهنّم.
و قرئ (1): «سأريكم»، بمعنى: سأبيّن لكم. من: أوريت الزّند.
و «سأورثكم». و يؤيّده قوله: «و أورثنا القوم».
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال] (3) في الجفر، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا أنزل الألواح على موسى- (عليه السلام)- أنزلها عليه و فيها تبيان كلّ شيء كان، أو هو كائن إلى أن تقوم السّاعة.
فلمّا انقضت أيّام موسى- (عليه السلام)-، أوحى اللّه إليه: أن استودع الألواح، و هي زبرجدة من الجنّة، جبلا يقال له: زينة.
فأتى موسى الجبل، فانشقّ له الجبل، فجعل فيه الألواح ملفوفة. فلمّا جعلها فيه، انطبق الجبل عليها. فلم تزل في الجبل حتّى بعث اللّه نبيّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فأقبل ركب من اليمن يريدون الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فلمّا انتهوا إلى الجبل، انفرج الجبل و خرجت الألواح ملفوفة، كما وضعها موسى- (عليه السلام)-.
فأخذها القوم. فلمّا وقعت في أيديهم، ألقى [اللّه] (4) في قلوبهم [الرعب] (5) أن لا ينظروا إليها و هابوها حتّى يأتوا بها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأنزل جبرئيل على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبره بأمر القوم و بالّذي أصابوه.
فلمّا قدموا على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و سلّموا عليه] (6) ابتدأهم فسألهم عمّا وجدوا.
فقالوا: و ما علمك بما وجدنا؟
قال: أخبرني به ربّي، و هو الألواح.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 369.
(2) تفسير العياشي 2/ 28، ح 77.
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر و يوجد فيه بين المعقوفتين أيضا.
(6) ليس في المصدر.
180
قالوا: نشهد أنّك لرسول اللّه.
فأخرجوها، فوضعوها إليه. فنظر إليها و قرأها، و كانت بالعبرانيّ. ثمّ دعا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: دونك هذه، ففيها علم الأوّلين و الآخرين. و هي ألواح موسى. و قد أمرني ربّي أن أدفعها إليك.
فقال: [يا رسول اللّه] (1) لست أحسن قراءتها.
فقال: إنّ جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه. فإنّك تصبح و قد علمت قراءتها.
فقال: فجعلها تحت رأسه. فأصبح و قد علّمه اللّه كلّ شيء فيها. فأمره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بنسخها في جلد [شاة] (2). و هو الجفر. و فيه علم الأوّلين و الآخرين.
و هو عندنا، و الألواح عندنا، و عصا موسى عندنا. و نحن ورثنا النّبيّين- صلّى اللّه عليهم أجمعين-.
قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: تلك الصّخرة الّتي حفظت ألواح موسى تحت شجرة في واد، يعرف بكذا.
و في بصائر الدّرجات (3): أنّ الباقر- (عليه السلام)- عرّف تلك الصّخرة ليمانيّ دخل عليه.
و فيه (4): محمّد بن عيسى بن عبيد (5)، عن محمّد بن عمرو (6)، عن عبد اللّه بن الوليد السّمان (7) قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا عبد اللّه ما تقول الشّيعة في عليّ و موسى و عيسى؟
قلت: جعلت فداك، و عن أيّ حالات تسألني؟
قال: سألتك عن العلم. [فامّا الفضل، فهم سواء.
____________
(1) من المصدر.
(2) من المصدر.
(3) بصائر الدرجات/ 157، ح 7.
(4) بصائر الدرجات/ 248، ح 3.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: جعفر بن محمد بن عيسى بن عبيد.
(6) المصدر: عمر.
(7) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 515، و في النسخ: السمانيّ.
181
قال: قلت: جعلت فداك، فما عسى أقول فيهم؟] (1).
قال: هو [- و اللّه-] (2) أعلم منهما.
ثمّ قال: يا عبد اللّه، أليس يقولون: إنّ لعليّ ما لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من العلم؟
قلت: نعم.
فقال: فخاصمهم فيه، أنّ اللّه قال لموسى: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. و علّمنا (3) أنّه لم يبيّن له الأمر كلّه. و قال- تبارك و تعالى- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ (4).
عليّ (5) بن إسماعيل (6)، عن محمّد بن عمر الزّيّات، عن عبد اللّه بن الوليد قال:
قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّ شيء يقول الشّيعة في عيسى و موسى و أمير المؤمنين؟
قلت: يقولون: إنّ عيسى و موسى أفضل من أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
فقال: أ تزعمون أنّ أمير المؤمنين قد علم ما علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قلت: نعم، و لكن لا يقدّمون على أولي العزم من الرّسل أحدا.
قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فخاصمهم بكتاب اللّه.
قلت: في أيّ موضع منه أخاصمهم؟
قال: قال اللّه [لموسى] (7) وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ علمنا (8) أنّه لم يكتب لموسى كلّ شيء. و قال اللّه- تعالى- لعيسى: وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ (9). و قال- تبارك و تعالى- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
و في كتاب الاحتجاج (10): محمّد بن أبي عمير الكوفيّ، عن عبد اللّه بن الوليد
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) المصدر- فأعلمنا.
(4) النحل: 89.
(5) المصدر: محمد.
(6) بصائر الدرجات/ 247، ح 1.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: علما.
(9) الزخرف/ 63.
(10) الاحتجاج 2/ 137- 138.
182
السّمانّ (1) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما تقول الشّيعة (2) في أولي العزم و صاحبكم أمير المؤمنين؟
قال: قلت: ما يقدّمون على أولي العزم أحدا.
قال: فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال لموسى:
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً و لم يقل: كلّ شيء. و قال لعيسى (3)- (عليه السلام)-: وَ لِأُبَيِّنَ (4) لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ (5) و لم يقل: كلّ شيء. و قال لصاحبكم أمير المؤمنين: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (6).
و قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (7). و علم هذا الكتاب عنده.
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ: المنصوبة في الآفاق و الأنفس.
الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ: بالطّبع على قلوبهم. فلا يتفكّرون فيها، و لا يعتبرون بها.
و قيل (8): سأصرفهم عن إبطالها و إن اجتهدوا، كما فعل فرعون، فعاد عليه بإعلائها أو بإهلاكهم.
بِغَيْرِ الْحَقِ: [صلة «يتكبّرون»] (9): أي: يتكبّرون بما ليس بحقّ، و هو دينهم الباطل. أو حال من فاعله.
وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ: منزلة، أو معجزة.
لا يُؤْمِنُوا بِها: لعنادهم أو اختلال عقلهم، بسبب انهماكهم في الهوى و التّقليد. و هو يؤيّد الوجه الأوّل.
في الحديث (10): إذا عظّمت أمّتي الدّنيا، نزعت عنها سنة (11) الإسلام. و إذا تركوا
____________
(1) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 515، و في النسخ: السّمانيّ.
(2) المصدر: ما يقول الناس ....
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عيسى.
(4) المصدر: ليبيّن.
(5) الزخرف/ 63.
(6) الرعد/ 43.
(7) الأنعام/ 59.
(8) أنوار التنزيل 1/ 369.
(9) من المصدر.
(10) تفسير الصّافي 2/ 238.
(11) المصدر: هيبة.
183
الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، حرمت بركة الوحي.
وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا: لاستيلاء الشّيطنة عليهم.
و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ: «الرّشد» بفتحتين.
و قرئ (2): «الرّشاد». و ثلاثتها لغات، كالسّقم و السّقم و السّقام.
وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: إذا رأوا الإيمان و الصّدق و الوفاء و العمل الصّالح، لا يتّخذوه سبيلا. و إن يروا الشّرك و الزّنا و المعاصي، يأخذوا بها و يعملوا بها.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (146)، أي: ذلك الصّرف، لسبب تكذيبهم و عدم تدبّرهم للآيات.
و يجوز أن ينتصب «ذلك» على المصدر، أي: سأصرف ذلك الصّرف بسببها.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ، أي: و لقائهم الدّار الآخرة، أو ما وعد اللّه في الآخرة.
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: لا ينتفعون بها.
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147): إلّا جزاء أعمالهم.
وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ، أي: بعد ذهابه للميقات.
مِنْ حُلِيِّهِمْ: الّتي استعاروا من القبط حين همّوا بالخروج من مصر.
و إضافتها إليهم، لأنّها كانت في أيديهم أو ملكوها بعد هلاكهم. و هو جمع، حلي، كثدي و ثديّ.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ، بالكسر، بالاتباع، كدلي. و يعقوب، على الإفراد.
عِجْلًا جَسَداً: بدنا ذا لحم و دم. أو جسدا من الذّهب خاليا من الرّوح.
و نصبه، على البدل.
لَهُ خُوارٌ: صوت البقر.
____________
1، 2- أنوار التنزيل 1/ 369.
(3) تفسير القمّي 1/ 240.
(4) أنوار التنزيل 1/ 369.
184
نقل (1): أنّ السّامريّ لمّا صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبرئيل، فصار حيّا.
و قيل (2): صاغه بنوع من الحيل، فتدخل الرّيح جوفه و تصوّت. و إنّما نسب الاتّخاذ إليهم، و هو فعله، إمّا لأنّهم رضوا به. أو لأنّ المراد اتّخاذهم إيّاه إلها.
و قرئ: «جؤار»، أي: صياح.
و في تفسير العيّاشي (3): عن ابن مسكان، عن [الوصاف] (4) الباقر- (عليه السلام)-: إنّ فيما ناجى موسى ربّه، أن قال: يا ربّ، هذا السّامريّ صنع العجل، فالخوار من صنعه؟
قال: فأوحى اللّه إليه: يا موسى، إن تلك فتنتي. فلا تفحّص (5) عنها.
و عن محمّد بن أبي حمزة (6)، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: يا ربّ، و من أخار الصّنم؟
فقال اللّه- تعالى-: يا موسى، أنا (7) أخرته.
فقال موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ.
و في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى جميل بن أنس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أكرموا البقرة، فإنّها سيّد البهائم. ما رفعت طرفها إلى السّماء حياء من اللّه- عزّ و جلّ- منذ عبد العجل.
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا: تقريع على فرط ضلالتهم و إخلالهم بالنّظر.
و المعنى: أ لم يروا حين اتّخذوه إلها أنّه لا يقدر على كلام و لا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر؟ حتّى حسبوا أنّه خالق الأجسام و القوى و القدر.
اتَّخَذُوهُ: تكرير للّذمّ، أي: اتّخذوه إلها.
وَ كانُوا ظالِمِينَ (148): واضعين الأشياء في غير موضعها. فلم يكن اتّخاذ
____________
1، 2- أنوار التنزيل 1/ 369.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 29، ح 80.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: تفصّحني.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 29، ح 79.
(7) ليس في المصدر.
(8) علل الشرائع/ 494، ح 2.
185
العجل بدعا منهم.
وَ لَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ: كناية من أن اشتدّ ندمهم. فإنّ النّادم المتحسّر يعضّ يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها.
و قرئ (1): «سقط» على بناء الفاعل، بمعنى: وقع العضّ فيها.
و قيل (2): معناه: سقط النّدم في أنفسهم.
وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا: باتّخاذ العجل.
قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا: بإنزال التّوراة.
وَ يَغْفِرْ لَنا: بالتّجاوز عن الخطيئة.
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149).
و قرأهما (3) حمزة و الكسائي: ترحمنا و تغفر لنا بالتّاء. و «ربّنا» على النّداء.
وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً: شديد الغضب.
و قيل (4): حزينا.
قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي: فعلتم من بعدي، حيث عبدتم العجل.
و الخطاب للعبدة. أو قمتم مقامي، فلم تكفّوا العبدة. و الخطاب لهارون و المؤمنين معه.
و «ما» نكرة موصوفة تفسّر المستكنّ في «بئس». و المخصوص بالذّمّ محذوف، تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها بعدي خلافتكم.
و معنى «من بعدي»: من بعد انطلاقي. أو من بعد ما رأيتم منّي من التّوحيد، و التّنزيه، و الحمل عليه، و الكفّ عمّا ينافيه.
أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ: أ تركتموه غير تامّ، كأنّه ضمّن «عجل» معنى: سبق، فعدّى تعديته. أو أ عجلتم وعد ربّكم الّذي وعدنيه من الأربعين و قدّرتم موتي و غيّرتم بعدي، كما غيّرت الأمم بعد أنبيائهم.
وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ: طرحها من شدّة الغضب و فرط الضّجر، حميّة للدّين.
نقل (5): أنّ التّوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح. فلمّا ألقاها، انكسرت.
فرفعت ستّة أسباعها، و كان فيها تفصيل كلّ شيء. و بقي سبع، كان فيه المواعظ
____________
1، 2- أنوار التنزيل 1/ 370.
3، 4- أنوار التنزيل 1/ 370.
(5) أنوار التنزيل 1/ 370.
186
و الأحكام.
و في بصائر الدّرجات (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنّ منها ما تكسّر، و منها ما بقي، و منها ما ارتفع.
و عن الباقر (2)- (عليه السلام)-: أنّه عرّف يمانيّا صخرة باليمن، ثمّ قال: تلك الصّخرة الّتي [التقمت ما ذهب من التّوراة حين ألقى موسى الألواح] (3). فلمّا بعث اللّه رسوله، ردّته إليه. و هي عندنا.
و في مجمع البيان (4): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رحم اللّه أخي، موسى.
ليس المخبر، كالمعاين. لقد أخبره اللّه بفتنة قومه. و لقد عرف أنّ ما أخبره ربّه حقّ، و أنّه على ذلك لمتمسّك (5) بما في يديه. فرجع إلى قومه و رآهم، فغضب و ألقى الألواح.
و في تفسير العيّاشي (6): عن الصّادق- (عليه السلام)- ما في معناه.
وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ: بشعر رأسه.
يَجُرُّهُ إِلَيْهِ.
قيل (7): توهّما بأنّه قصّر في كفّهم. و هارون كان أكبر منه بثلاث سنين، و كان حمولا ليّنا. و لذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل.
قالَ ابْنَ أُمَ: ذكر الأمّ ليرفقه عليه، و إلّا كانا من أب و أمّ.
في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أخبرني عن هارون، لم قال لموسى: يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي. و لم يقل: يا ابن أبي؟
فقال: إنّ العدوان (9) بين الإخوة أكثرها تكون إذا كانوا بني علّات (10) يكون بني
____________
(1) بصائر الدرجات/ 161، ح 6.
(2) بصائر الدرجات/ 157، ح 7.
(3) المصدر: حيث غضب موسى فألقى الألواح فما ذهب من التورية التقمته الصخرة.
(4) مجمع البيان 2/ 482.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لتمسّك.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 29، ح 81.
(7) أنوار التنزيل 1/ 370.
(8) علل الشرائع/ 68، ح 1.
(9) المصدر: العداوات.
(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يكون بني أمّهات» بدل: «تكون إذا كانوا بني علّات».
و بنو علّات: أي أولاد أمّهات شتّى من أب واحد.
187
أمّهات. و متى كانوا بني أمّ، قلّت العداوة بينهم، إلّا أن ينزغ الشّيطان بينهم فيطيعوه.
فقال هارون لأخيه موسى: يا أخي الّذي ولدته أمّي و لم تلدني غير أمّه، لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي. و لم يقل: يا ابن أبي. لأنّ بني الأب إذا كانت [من أمّهات] (1) شتّى، لم تستبعد (2) العداوة بينهم إلّا من عصمه اللّه منهم. و إنّما تستبعد (3) العداوة بين بني أمّ واحدة.
قال: قلت له: فلم أخذ برأسه يجرّه إليه و بلحيته، و لم يكن (4) في اتّخاذهم العجل و عبادته له ذنب؟ فقال: إنّما فعل ذلك، لأنّه لم يفارقهم لمّا فعلوا ذلك و لم يلحق بموسى. و كان إذا فارقهم، نزل بهم العذاب. ألا ترى أنّه قال لهارون: ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي. قال هارون: لو فعلت ذلك لتفرّقوا و إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي.
و في روضة الكافي (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبة الوسيلة: أنّه كان أخاه لأبيه و أمّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)، مثله عن الباقر و عن الصّادق- (عليهما السلام)-.
و عن الباقر (7)- (عليه السلام)-: أنّ الوحي ينزل على موسى، و موسى يوحيه إلى هارون. و كان موسى الّذي يناجي ربّه، و يكتب العلم، و يقضي بين بني إسرائيل.
قال: و لم يكن لموسى ولد، و كان الولد لهارون.
و قرأ (8) ابن عامر و حمزة و الكسائي و أبو بكر، عن عاصم، هنا و في طه: «قال ابن أمّ» بالكسر. و أصله: يا ابن أمّي. فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا، كالمنادى المضاف إلى الياء. و الباقون، بالفتح، زيادة في التّخفيف لطوله. أو تشبيها بخمسة عشر.
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي: إزالة لتوهّم التّقصير في حقّه.
و المعنى: بذلت وسعي في كفّهم، حتّى قهروني و استضعفوني، و قاربوا قتلي.
____________
(1) المصدر: أمهاتهم.
2 و 3- المصدر: تستبدع.
(4) المصدر: لم يكن له.
(5) الكافي 8/ 27 ببعض التصرّف.
(6) عنه تفسير الصافي 2/ 240.
(7) تفسير القمّي 2/ 137 ببعض التصرّف في آخره.
(8) أنوار التنزيل 1/ 370.
188
في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى ابن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة، فقالوا: ما لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة و الزّبير و عائشة و معاوية.
فبلغ ذلك عليّا- (عليه السلام)-. فنادى: الصّلاة الصّلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر. فحمد اللّه و أثنى عليه. فقال: معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا و كذا.
قالوا: صدق أمير المؤمنين، قد قلنا ذلك.
قال: إنّ لي بسنّة الأنبياء أسوة فيما فعلت. قال اللّه- تعالى- في محكم كتابه:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (2).
قالوا: و من هم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أوّلهم إبراهيم- (عليه السلام)- إلى أن قال: و لي بأخي هارون- (عليه السلام)- إسوة، إذ قال لأخيه: يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي. فإن قلتم لم يستضعفوه و لم يشرفوا على قتله، فقد كفرتم. و إن قلتم: استضعفوه و أشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم، فالوصيّ أعذر.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه لعليّ- (عليه السلام)-: يا أخي، إنّك ستبقى بعدي. و ستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك، و ظلمهم لك. فإن وجدت عليهم أعوانا، فجاهدهم و قاتل من خالفك بمن وافقك. و إن لم تجد أعوانا، فاصبر و كفّ يدك و لا تلق بها إلى التّهلكة. فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى. و لك بهارون إسوة حسنة، إذ استضعفه قومه و كادوا يقتلونه. فاصبر لظلم قريش إيّاك و تظاهرهم عليك. فإنّك بمنزلة هارون من موسى (4) و من تبعه، و هم بمنزلة العجل و من تبعه.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و في رواية سليم بن قيس الهلاليّ:
عن سلمان الفارسيّ حديث طويل. و فيه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لأبي بكر
____________
(1) علل الشرائع/ 148- 149، ح 7.
(2) الأحزاب/ 21.
(3) كمال الدّين/ 264، ح 10.
(4) ليس في المصدر: «من موسى».
(5) الاحتجاج 1/ 110.
189
و أصحابه: أما و اللّه، لو أنّ أولئك الأربعين رجلا الّذين بايعوني وفوا لجاهدتكم (1) في اللّه حقّ جهاده. أما و اللّه، لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة. ثمّ نادى [قبل أن يبايع] (2) يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي.
و بإسناده (3) إلى محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- قال: حجّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المدينة. و بلغ من حجّ مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أهل المدينة و أهل الأطراف و الأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون، على نحو عدد أصحاب موسى- (عليه السلام)- السّبعين ألف الّذين أخذ عليهم بيعة هارون- (عليه السلام)-. فنكثوا، و اتّبعوا العجل و السّامريّ. [و كذلك أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- البيعة لعليّ- (عليه السلام)- بالخلافة على عدد أصحاب موسى- (عليه السلام)-. فنكثوا البيعة، و اتّبعوا العجل و السّامريّ،] (4) سنّة بسنّة، و مثلا بمثل. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ: فلا تفعل بين ما يشمتون بي لأجله.
وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150): معدودا في عدادهم بالمؤاخذة عليّ، أو نسبة التّقصير إليّ.
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي: ما صنعت بأخي.
وَ لِأَخِي: إن فرّط في كفّهم. ضمّ إليه نفسه بالاستغفار ترضية له و دفعا للشّماتة عنه.
وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ: بمزيد الإنعام علينا.
وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151): فأنت أرحم بنا منّا على أنفسنا.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ قيل (5): هو ما أمرهم به من قتل أنفسهم.
وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
قيل (6): هي خروجهم من ديارهم.
____________
(1) هكذا في المصدر، و في النسخ: وفوا إلى الجهاد لكم ....
(2) من المصدر.
(3) الاحتجاج 1/ 68 بتصرّف.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(5) أنوار التنزيل 1/ 370.
(6) أنوار التنزيل 1/ 371.
190
و قيل: الجزية.
وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152): على اللّه. و لا فرية أعظم من فريتهم هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى. و لعلّه لم يفتر مثلها أحد قبلهم و لا بعدهم.
في الكافي (1): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن السّديّ (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما أخلص عبد الإيمان للّه (3) أربعين صباحا.
أو قال: و ما أجلّ (4) عبد ذكر اللّه أربعين يوما، إلّا أن هداه (5) اللّه في الدّنيا، و بصّره داءها و دواءها، و أثبت (6) الحكمة في قلبه و أنطق بها لسانه.
ثمّ تلا هذه الآية، فقال: فلا ترى صاحب بدعة إلّا ذليلا، و لا مفتريا (7) على اللّه و على رسوله و أهل بيته- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا ذليلا.
و في تفسير العيّاشيّ (8): عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: عرضت لي (9) إلى اللّه حاجة، فهجّرت (10) فيها إلى المسجد. و بينا أنا أصلّي في الرّوضة، إذا رجل على رأسي.
قال: قلت: ممّن الرّجل؟
فقال: من أهل الكوفة.
قال: قلت: ممّن الرّجل؟
قال: من أسلم.
قال: قلت: ممّن الرّجل؟
قال: من الزيديّة. (11)
____________
(1) الكافي 2/ 16، ح 6.
(2) المصدر: السندي، و كلاهما وردا في جامع الرواة 2/ 446.
(3) المصدر: باللّه.
(4) المصدر: ما أجمل.
(5) المصدر غ «زهّره» بدل: «أن هداه».
(6) المصدر: فأثبت.
(7) المصدر ع «و مفتريا» بحذف «لا».
(8) تفسير العيّاشي 2/ 29- 30، ح 82.
(9) ليس «لي» في المصدر.
(10) هجّرت، أي: خرجت وقت المهاجرة، و هي شدّة الحرّ.
(11) هكذا في المصدر: و في النسخ: الزهريّة.
191
قال: قلت: يا أخا أسلم، من تعرف منهم؟
قال: أعرف صبورهم (1) و رشيدهم و أفضلهم، هارون بن سعد.
قلت: يا أخا أسلم، ذاك من (2) العجليّة. أما (3) سمعت اللّه يقول: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ: من الكفر و المعاصي.
ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها: من بعد السّيّئات.
وَ آمَنُوا: و اشتغلوا بالإيمان، و ما هو مقتضاه من الأعمال الصّالحة.
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها: من بعد التّوبة.
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153): و إن عظم الذّنب، كجريمة عبدة العجل. و كثر، كجرائم بني إسرائيل.
وَ لَمَّا سَكَتَ: سكن. و قد قرئ (4) به.
عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ: باعتذار هارون، أو بتوبتهم. و في هذا الكلام مبالغة و بلاغة، من حيث أنّه جعل الغضب الحامل له على ما فعل، كالآمر به و المغري عليه.
حتّى عبّر عن سكونه بالسّكوت.
و قرئ (5): «سكت» و «أسكت». على أنّ المسكّت هو اللّه، أو أخوه، أو الّذين تابوا.
أَخَذَ الْأَلْواحَ: الّتي ألقاها.
وَ فِي نُسْخَتِها: و فيما نسخ فيها، أي: كتب. فعلة، بمعنى: مفعول، كالخطبة.
و قيل (6): فيما نسخ منها، أي: من الألواح المنكسرة.
هُدىً: بيان للحقّ.
وَ رَحْمَةٌ: إرشاد إلى الصّلاح و الخير.
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154):
____________
(1) المصدر: خيرهم و سيّدهم.
(2) المصدر: رأس.
(3) المصدر: كما.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 371.
(6) أنوار التنزيل 1/ 371.
192
دخلت اللّام على المفعول، لضعف الفعل بالتّأخير. أو حذف المفعول و اللّام للتّعليل. و التقدير: يرهبون معاصي اللّه لربّهم.
و في بصائر الدّرجات (1): محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة، عن حبّة [بن جوين] (2) العرنيّ قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول: إنّ يوشع بن نون كان وصيّ موسى بن عمران، و كانت ألواح موسى من زمرّد أخضر. فلمّا غضب موسى- على نبيّنا و (عليه السلام)- ألقى (3) الألواح من يده. فمنها ما تكسّر، و منها ما بقي، و منها ما ارتفع.
فلمّا ذهب عن موسى الغضب، قال يوشع بن نون: عندك تبيان ما في الألواح؟
قال: نعم.
فلم يزل يتوارثها (4) رهط بعد رهط، حتّى وقعت في أيدي أربعة رهط من اليمن.
و بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- [بتهامة] (5) و بلغهم الخبر.
فقالوا: ما يقول هذا النّبيّ؟
قيل: ينهى عن الخمر و الزّنا، و يأمر بمحاسن الأخلاق و كرم الجوار.
فقالوا: هذا أولى بما في أيدينا منّا.
فاتّفقوا أن يأتوه شهر كذا و كذا.
فأوحى اللّه إلى جبرئيل- (عليه السلام)-: أن ائت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبره الخبر.
فأتاه، فقال: إنّ فلانا و فلانا و فلانا و فلانا ورثوا ما كان في (6) ألواح موسى- (عليه السلام)-. و هم يأتونك (7) في شهر كذا و كذا، في ليلة كذا و كذا.
فسهر لهم تلك اللّيلة.
فجاء الرّكب. فدقّوا عليه الباب، و هم يقولون: يا محمّد.
____________
(1) بصائر الدرجات/ 161، ح 6.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: أخذ.
(4) هكذا في المصدر، و في النسخ: «نزل كذا توارثها» بدل: «فلم يزل يتوارثها».
(5) من المصدر.
(6) ليس في المصدر: «ما كان في».
(7) المصدر: يأتوك.
193
قال: نعم، يا فلان بن فلان. [و] (1) يا فلان بن فلان. [و] (2) يا فلان بن فلان.
[و] (3) يا فلان بن فلان. أين الكتاب الّذي توارثتموه من يوشع بن نون وصيّ موسى بن عمران؟
قالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّك رسول اللّه. و اللّه، ما علم به أحد قطّ منذ وقع عندنا أحد (4) قبلك.
قال: فأخذه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و إذا هو كتاب بالعبرانيّة دقيق، فدفعه إليّ. و وضعته عند رأسي، فأصبحت بالكتاب (5) و هو كتاب بالعربيّة (6) جليل. فيه علم ما خلق اللّه منذ قامت السّموات و الأرض إلى أن تقوم السّاعة، فعلمت ذلك.
وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ: أي: من قومه. فحذف الجار، و أوصل الفعل إليه.
سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا: سبقت قصّتهم عند سؤال الرّؤية.
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ.
نقل (7): أنّه- تعالى- أمره بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل. فاختار من كلّ بني سبط ستّة، فزاد اثنان.
فقال: ليتخلّف منكم رجلان. فتشاحّوا (8).
فقال: إنّ لمن قعد أجر من خرج.
فقعد كالب و يوشع، و ذهب مع الباقين. فلمّا دنوا من الجبل، غشيه غمام.
فدخل موسى بهم [الغمام] (9) و خرّوا سجّدا. فسمعوه يكلّم موسى، يأمره و ينهاه، ثمّ انكشف الغمام. فأقبلوا إليه و قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، أي: الصّاعقة. أو رجفة الجبل، فصعقوا منها.
قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ: تمنّى هلاكهم و هلاكه قبل أن يرى ما رأى، أو بسبب آخر. أو عنى به: أنّك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم، أو بإغراقهم في البحر و غيرها، فترّحمت عليهم بالإنقاذ. فإن
____________
1 و 2 و 3- من المصدر.
(4) ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: بالغداة.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: بالعبرانيّة.
(7) أنوار التنزيل 1/ 371.
(8) المصدر: فتشاجروا.
(9) من المصدر.
194
ترّحمت عليهم مرّة أخرى، لم يبعد من عميم إحسانك.
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا: من العناد و التّجاسر على طلب الرّؤية.
و كأنّ ذلك قاله بعضهم.
و قيل (1): المراد بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ: عبادة العجل.
في كتاب التّوحيد (2): عن الرّضا (3)- (عليه السلام)-: أنّ السّبعين لمّا صاروا معه إلى الجبل، قالوا له: إنّك قد رأيت اللّه- سبحانه-. فأرناه، كما رأيته.
فقال: إنّي لم أره.
فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ. و احترقوا عن آخرهم و بقي موسى وحيدا.
فقال: يا ربّ، اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم و أرجع وحدي.
فكيف يصدّقني قومي بما أخبرتهم (4)؟ فلو شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا. فأحياهم اللّه بعد موتهم.
و في عيون الأخبار (5)، ما يقرب منه، كما مرّ.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى سعد بن عبد اللّه القمّي: عن الحجّة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم.
قال: مصلح، أم مفسد؟
قلت: مصلح.
قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟
قلت: بلى.
قال: فهي العلّة. و أوردها لك ببرهان ينقاد له (7) عقلك.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 371.
(2) التوحيد/ 424.
(3) أ، ب، ر: الصادق.
(4) المصدر: أخبرهم به.
(5) العيون 1/ 160- 161.
(6) كمال الدين/ 461- 462.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: ذلك.
195
[ثمّ قال- (عليه السلام)-:] (1) أخبرني عن الرّسل الّذين اصطفاهم اللّه- عزّ و جلّ- و أنزل عليهم الكتب (2) و أيّدهم بالوحي و العصمة، إذ هم أعلام الأمّم و أهدى إلى الاختيار منهم، مثل موسى و عيسى- (عليهما السلام)-. هل يجوز مع وفور عقلهما و كمال علمهما، إذ همّا بالاختيار، أن تقع خيرتهما على المنافق و هما يظنّان أنه مؤمن؟
قلت: لا.
فقال: هذا موسى كليم اللّه، مع وفور عقله و كمال علمه و نزول الوحي عليه، اختار من أعيان [قومه و وجوه] (3) عسكره لميقات ربّه- عزّ و جلّ- سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم و إخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا- إلى قوله-: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ. فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه- عزّ و جلّ- بالنّبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح، و هو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن [لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور و ما تكنّ الضمائر و تتصرّف عليه السرائر، و أن لا خطر لاختيار] (4) المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصّلاح.
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ: ابتلاؤك، حين أسمعتهم كلامك حتّى طمعوا في الرّؤية. أو أوجدت في العجل خوارا، فزاغوا به.
تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ: ضلاله بالتّجاوز عن حدّه، أو باتّباع المخايل.
وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ: هداه، فيقوى بها إيمانه.
و في تفسير العيّاشي (5): عن محمّد بن أبي حمزة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ.
فقال موسى- (عليه السلام)-: يا ربّ، و من أخار الصّنم؟
فقال اللّه: أنا يا موسى (6)، أخرته.
فقال موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: الكتاب.
(3) من المصدر. و في النسخ: قوم.
(4) من المصدر. و في النسخ: اختيار.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 29، ح 79.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يا موسى أنا.
196
عن أبي بصير (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا ناجى موسى ربّه، أوحى اللّه إليه: أن يا موسى، فتنت قومك.
قال: و بماذا، يا ربّ؟
قال: بالسّامريّ، صاغ لهم من حليّهم عجلا.
قال: ربّ، إنّ حليّهم لا تحتمل أن يصاغ منها غزال [أ] (2) و تمثال [أ] (3) و عجل.
فكيف فتنتهم؟
قال: صاغ لهم عجلا، فخار.
قال: يا ربّ، و من أخاره؟
قال: أنا.
قال موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ.
أَنْتَ وَلِيُّنا: القائم بأمرنا.
فَاغْفِرْ لَنا: بمغفرة ما قارفنا.
وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155): تغفر السّيّئة، و تبدّلها بالحسنة.
وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً: حسن معيشة، و توفيق طاعة.
وَ فِي الْآخِرَةِ: الجنّة.
إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ: تبنا إليك. من هاد يهود: إذا رجع.
و قرئ (4)، بالكسرة. من هاده يهيده: إذا أماله.
و يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل و للمفعول، [بمعنى: أملنا أنفسنا، أو أملنا إليك و يجوز أن يكون المضموم- أيضا- مبنيّا للمفعول] (5) منه. على لغة من يقول: عود المريض.
قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ: تعذيبه.
وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ: في الدّنيا، المؤمن و الكافر، بل المكلّف و غيره.
____________
(1) العياشي 2/ 31، ح 85.
2 و 3- من المصدر. و يوجدان هكذا بين المعقوفتين.
(4) أنوار التنزيل 1/ 372.
(5) ليس في أ، ب، ر.
197
و في روضة الواعظين (1) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أوحى اللّه إلى داود- (عليه السلام)-: يا داود، كما لا تضيق الشّمس على من جلس فيها، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها.
و في مجمع البيان (2): و في الحديث: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قام في الصّلاة.
فقال أعرابيّ، و هو في الصّلاة: اللّهم، ارحمني و محمّدا، [و لا ترحم معنا أحدا] (3).
فلمّا سلّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: مهلا لك، يا أعرابيّ، تحجّرت (4) واسعا، يريد: رحمة اللّه- عزّ و جلّ-. أورده البخاريّ في الصّحيح.
فَسَأَكْتُبُها: فسأثبتها في الآخرة. أو فاكتبها كتبة خاصّة منكم، يا بني إسرائيل.
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ: الكفر و المعاصي.
وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ: خصّها بالذّكر، لأنافتها. و لأنّها كانت أشقّ عليهم.
وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156): فلا يكفرون بشيء منها.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَ: مبتدأ خبره «يأمرهم». أو خبر مبتدأ، تقديره:
هم الّذين. أو بدل من «الّذين يتّقون» بدل البعض أو الكلّ. و المراد: من آمن بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و إنّما سمّاه: رسولا، بالإضافة إلى اللّه- تعالى-. و نبيًّا، بالإضافة إلى العباد.
في الكافي (5) عنهما- (عليهما السلام)-: «الرّسول» الّذي يظهر له الملك، فيكلّمه. و «النّبيّ» هو الّذي يرى في منامه. و ربّما اجتمعت النّبوّة و الرّسالة لواحد.
الْأُمِّيَ، أي: المنسوب إلى أمّ القرى، و هي مكّة. [كذا] (6) في مجمع البيان (7)، عن الباقر- (عليه السلام)-.
____________
(1) روضة الواعظين/ 382.
(2) مجمع البيان 2/ 486.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: قال للأعرابي: لقد تحجّرت ...
و تحجّر ما وسعه اللّه: ضيّقه على نفسه.
(5) الكافي 1/ 177، ح 4.
(6) ما بين المعقوفتين منّا.
(7) مجمع البيان 2/ 487.
198
و في تفسير العيّاشي (1): عنه- (عليه السلام)- أنّه سئل: لم سمّي النّبيّ: الأمّيّ؟
قال: نسب إلى مكّة. و ذلك من قول اللّه: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها (2). و أمّ القرى مكّة، فقيل: أمّيّ، لذلك.
و في علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد الصّوفيّ قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر (4)- (عليه السلام)- فقلت: يا ابن رسول اللّه، لم سمّي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الأمّيّ؟
فقال: ما يقول النّاس؟
قلت: يزعمون أنّه إنّما سمّي: الأمّيّ، لأنّه لم يحسن أن يكتب.
فقال: كذبوا، عليهم لعنة اللّه. أنّى ذلك و اللّه يقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ (5). فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟ و اللّه، لقد كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقرأ و يكتب باثنين و سبعين- أو قال: بثلاثة و سبعين- لسانا. و إنّما سمّي: الأمّيّ، لأنّه كان من أهل مكّة، [و مكّة] (6) من أمّهات القرى. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- لِتُنْذِرَ (7) أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها.
و بإسناده (8) إلى عليّ بن حسّان و عليّ بن أسباط و غيره، رفعوه: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: إنّ النّاس يزعمون أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يكتب و لا يقرأ.
فقال: كذبوا، لعنهم اللّه. أنّى ذلك، و قد قال- عزّ و جلّ-: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ.
[أ فيكون] (9) يعلّمهم الكتاب و الحكمة و ليس يحسن أن يقرأ و يكتب!؟
قال: قلت: فلم سمّي النّبيّ الأمّيّ؟
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 31، ح 68 ببعض التصرّف.
(2) الأنعام/ 92.
(3) علل الشرائع/ 124- 125، ح 1.
(4) المصدر: الرضا.
(5) الجمعة/ 2.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: لينذر.
(8) العلل/ 125، ح 2.
(9) المصدر: فكيف.
199
قال: لأنّه نسب إلى مكّة. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها. فأمّ القرى مكّة، فقيل: أمّيّ، لذلك.
و بإسناده (1) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر: عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان ممّا منّ اللّه- عزّ و جلّ- على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه كان يقرأ و لا يكتب. فلمّا توجّه أبو سفيان إلى أحد، كتب العبّاس إلى النّبيّ. فجاءه الكتاب و هو في بعض حيطان المدينة، فقرأه و لم يخبر أصحابه، و أمرهم أن يدخلوا المدينة.
فلمّا دخلوا المدينة، أخبرهم.
و حدّثنا (2) محمّد بن الحسن الصّفّار- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد و محمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقرأ الكتاب، و لا يكتب.
أبي (3)- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن زياد الصّيقل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: كان ممّا منّ اللّه- عزّ و جلّ- به على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أنّه كان] (4) أمّيّا لا يكتب و لا يقرأ الكتاب.
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ: اسما و صفة.
في تفسير العيّاشيّ (5): عن الباقر- (عليه السلام)- [في قوله: «يجدونه»] (6) يعني:
اليهود و النّصارى صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و اسمه.
و في أمالي الصّدوق (7): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل. قال يهوديّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي قرأت نعتك (8) في التّوراة: محمّد بن عبد اللّه،
____________
(1) العلل/ 125- 126، ح 5.
(2) العلل/ 126، ح 6.
(3) العلل/ 126، ح 7.
(4) من المصدر.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 31، ح 87.
(6) من المصدر.
(7) الأمالي/ 376- 377، ح 6.
(8) ليس في المصدر.
200
مولده بمكّة، و مهاجره بطيبة. ليس بفظّ و لا غليظ و لا سخاب (1) و لا مترنّن (2) بالفحش و لا قول الخنا. و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّك رسول اللّه. و هذا مالي، فاحكم فيه بما أنزل اللّه.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- عهد إلى آدم.
- إلى أن قال-: فلمّا أنزلت (4) لتّوراة على موسى- (عليه السلام)-، بشّر بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: فلم تزل الأنبياء تبشّر به، حتّى بعث اللّه المسيح عيسى بن مريم فبشّر بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك قوله- تعالى-: «يجدونه»، يعني: اليهود و النّصاري.
«مكتوبا»، يعني: صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. «عندهم»، يعني: في التّوراة و الإنجيل (5). و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- يخبر عن عيسى: «و مبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» (6). و بشّر موسى و عيسى بمحمّد، كما بشّر الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم)- بعضهم ببعض.
و فيه (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان (8)، عن عليّ بن عيسى رفعه، قال: إنّ موسى- (عليه السلام)- ناجاه ربّه- تبارك و تعالى-.
فقال له في مناجاته: أوصيك، يا موسى، وصيّة الشّفيق المشفق بابن البتول، عيسى بن مريم (9). و من بعده بصاحب الجمل الأحمر، الطيّب الطّاهر المطهّر. فمثله في كتابك، أنّه [مؤمن] (10) مهيمن على الكتب كلّها، و أنّه راكع ساجد راغب راهب. إخوانه
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: سحاب، يقال: وجدته مارث السخاب، أي: وجدته مثل الطّفل لا علم له جمع سخب.
(2) المصدر: متزيّن (متزيّن- خ ل)
(3) الكافي 8/ 117، ضمن ح 92.
(4) المصدر: نزلت.
(5) في المصدر بعدها: «يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر».
(6) الصفّ/ 6.
(7) الكافي 8/ 42 و 43، ضمن ح 8.
(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: عمر بن سمان. و هو غلط.
(9) المصدر: عيسى بن مريم صاحب الأتان و البرنس و الزيت و الزيتون و المحراب.
(10) من المصدر.
201
المساكين، و أنصاره قوم آخرون. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في الخرائج و الجرائح (1): عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه، فقال الرّضا- (عليه السلام)-: أنت، يا جاثليق، آمن في ذمّة اللّه و ذمّة رسوله. لأنّك لا يبدأك منّا شيئا يكره ممّا تخافه و تحذره.
فقال: أنا إذا آمنتني، فإنّ هذا النّبيّ اسمه أحمد. و هذا الوصيّ الّذي اسمه عليّ. و هذا البنت الّتي اسمها فاطمة. و هذان السّبطان اللّذان اسمهما الحسن و الحسين، في التّوراة و الإنجيل و الزّبور.
و في كتاب التّوحيد، و عيون الأخبار (2)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أصحاب الملل و المقالات. قال الرّضا- (عليه السلام)- لرأس الجالوت: لتسألني أو أسألك؟
فقال: بل أسألك. و لست أقبل منك حجّة إلّا من التّوراة، أو من الإنجيل، أو من زبور داود، أو ممّا في صحف إبراهيم و موسى.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: لا تقبل منّي حجّة إلّا بما تنطق به التّوراة على لسان موسى بن عمران، و الإنجيل على لسان عيسى بن مريم، و الزّبور على لسان داود.
فقال رأس الجالوت: من أين تثبت (3) نبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال الرّضا- (عليه السلام)-: بنبوّة موسى (4) بن عمران، و عيسى بن مريم، و داود خليفة اللّه في الأرض.
فقال له: أثبت (5) قول موسى بن عمران.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: هل تعلم- يا يهوديّ- أنّ موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنّه سيأتيكم نبيّ هو من إخوانكم، فبه فصدّقوا، و منه فاسمعوا؟ فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل و النّسب الّذي بينهما من قبل إبراهيم- (عليه السلام)-؟
فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى، لا ندفعه.
فقال له الرّضا- (عليه السلام)-: هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبيّ غير محمّد
____________
(1) عنه تفسير نور الثقلين 2/ 79، ح 295.
(2) التوحيد/ 427- 429، و العيون 1/ 164- 166.
(3) هكذا في المصدرين. و في النسخ: ثبت.
(4) المصدران: شهد بنبوّته.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: ثبت.
202
- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: لا.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: أ فليس قد صحّ هذا عندكم؟
قال: نعم، و لكنّي أحبّ أن تصحّحه (1) لي من التّوراة.
فقال له الرّضا- (عليه السلام)-: هل تنكر أنّ التّوراة تقول لكم: جاء النّور من جبل طور سيناء، و أضاء للنّاس (2) من جبل ساعير، و استعلن علينا من جبل فاران؟
قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات، و ما أعرف تفسيرها.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: أنا أخبرك به. أمّا قوله: جاء النور منا جبل طور سيناء فذلك وحي اللّه- تبارك و تعالى- الّذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء.
و أمّا قوله: و أضاء للناس (3) منك جبل ساعير فهو الجبل الّذي أوحى اللّه- تعالى- إلى عيسى بن مريم، و هو عليه. و أمّا قوله: و استعلن علينا من جبل فاران فذلك جبل من جبال مكّة، بينه و بينها يوم.
و قال شعياء (4) النّبيّ فيما تقول أنت و أصحابك في التّوراة: رأيت راكبين أضاء لهما (5) الأرض: أحدهما [راكب] (6) على حمار، و الآخر على جمل. فمن راكب الحمار، و من راكب الجمل؟
قال رأس الجالوت: لا أعرفهما، فأخبرني بهما.
قال: أمّا راكب الحمار، فعيسى. و أمّا راكب الجمل، فمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أ تنكر هذا من التّوراة؟
قال: لا، ما أنكره.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: هل تعرف حيقوق النّبيّ؟
قال: نعم، إنّي به لعارف.
[قال- (عليه السلام)-: فإنّه] (7) قال و كتابكم ينطق به: جاء اللّه بالبيّنات (8) من
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: تصحّه.
(2) المصدر: لنا.
(3) المصدر: لنا.
(4) أ: شعيا، و ر: شعيبا.
(5) العيون: لهم.
(6) من التوحيد.
(7) من المصدرين. و في النسخ: له و.
(8) المصدران: بالبيان.
203
جبل فاران، و امتلأت السّموات من تسبيح أحمد و أمّته. تحمل خيله في البحر، كما تحمل في البرّ. يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس. يعني بالكتاب: القرآن.
أتعرف هذا و تؤمن به؟
قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق [النبيّ] (1)، و لا ننكر قوله.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: و قد قال داود في زبوره، و أنت تقرأه: اللّهم ابعث مقيم السّنّة بعد الفترة. فهل تعرف نبيّا أمّام السّنّة بعد الفترة غير محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه و لا ننكره. و لكن عنى بذلك: عيسى.
و أيّامه هي الفترة.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: جهلت. إنّ عيسى لم يخالف السّنّة، و قد كان موافقا لسنّة التّوراة حتّى رفعه اللّه إليه. و في الإنجيل مكتوب: إنّ ابن البرّة لذاهب، و الفارقليطا جاء من بعده. و هو الّذي [يخفّف الآصار] (2) و يفسّر لكم كلّ شيء و يشهد لي، كما شهدت له. أنا جئتكم بالأمثال، و هو يأتيكم بالتّأويل. أ تؤمن بهذا في الإنجيل؟
قال: نعم، لا أنكره.
و في كتاب التوحيد (3)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن الأسود: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليه السلام)- قال: كان لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صديقان يهوديّان، قد آمنا بموسى رسول اللّه- صلّى اللّه على نبيّنا و عليه-. و أتيا محمّدا [رسول اللّه] (4)- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سمعا منه. و قد كانا قرءا التّوراة و صحف إبراهيم و موسى- (عليهما السلام)-. و علما علم الكتب الأولى.
فلما قبض اللّه- تبارك و تعالى- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أقبلا يسألان عن صاحب الأمر بعده.
و قالا: إنّه لم يمت نبيّ قطّ إلّا و له خليفة يقوم بالأمر في أمّته من بعده، قريب القرابة إليه، من أهل بيته، عظيم القدر، جليل الشّأن.
فقال أحدهما لصاحبه: هل تعرف صاحب هذا الأمر من بعد هذا النّبيّ؟
____________
(1) من العيون.
(2) من المصدرين. و في النسخ: يحقّق الأخبار.
(3) التوحيد/ 180- 181.
(4) من المصدر.
204
قال الآخر: لا أعلمه إلّا بالصّفة الّتي أجدها في التّوراة. و هو الأصلع المصفّر (1).
فإنّه كان أقرب القوم من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فلمّا دخلا المدينة و سألا عن الخليفة، أرشدا إلى أبي بكر.
فلمّا نظرا إليه، قالا: ليس هذا صاحبنا. ثمّ قالا له: ما قرابتك من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: إنّي رجل من عشيرته، و هو زوج ابنتي عائشة.
قالا: هل غير هذا؟
قال: لا.
قالا: ليست هذه بقرابة. فأخبرنا أين ربّك؟
قال: فوق سبع سموات.
قالا: هل غير هذا؟
قال: لا.
قالا: دلّنا على من هو أعلم منك. فإنّك لست بالرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة، إنّه وصيّ هذا النّبيّ و خليفته.
[قال: فتغيّظ من قولهما و همّ بهما] (2). ثمّ أرشدهما إلى عمر. [و ذلك أنّه عرف من عمر أنّهما إن استقبلاه بشيء، بطش بهما] (3).
فلمّا أتياه، قالا: ما قرابتك من هذا النّبيّ؟
قال: أنا من عشيرته، و هو زوج ابنتي حفصة.
قالا: هل غير ذلك؟
قال: لا.
قالا: ليست بقرابة، و ليست هذه الصّفة الّتي نجدها في التّوراة.
ثمّ قالا له: فأين ربّك؟
قال: فوق سبع سموات.
قالا: هل غير هذا؟
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: الأضلع المصقر.
2 و 3- من المصدر.
205
قال: لا.
قالا: دلّنا على من هو أعلم منك.
فأرشدهما إلى عليّ- (عليه السلام)-.
فلمّا جاءاه فنظرا إليه، قال أحدهما لصاحبه: إنّه الرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة. إنّه وصيّ هذا النّبيّ، و خليفته، و زوج بنته، و أبو السّبطين، و القائم بالحقّ من بعده.
ثمّ قالا لعليّ- (عليه السلام)-: أيّها الرّجل، ما قرابتك من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: هو أخي، و أنا وارثه و وصيّه، أوّل من آمن به، و زوج ابنته فاطمة.
قالا له: هذه القرابة الفاخرة، و المنزلة القريبة. و هذه الصّفة الّتي نجدها في التّوراة.
قال اليهوديّان: فما منع صاحبيك أن يكونا جعلاك في موضعك الّذي أنت أهله؟ فو الّذي أنزل التّوراة على موسى، إنّك لأنت الخليفة حقّا. نجد صفتك في كتبنا، و نقرأه في كنائسنا (1).
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في اليهود و النّصارى. يقول اللّه- تبارك و تعالى-: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ، يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ (3) لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أنزل عليهم في التّوراة و الإنجيل و الزّبور صفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و صفة أصحابه، و مبعثه، و مهاجره.
و هو قوله- تعالى-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ (4). فهذه صفة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في التّوراة و الإنجيل، و صفة أصحابه.
فلمّا بعثه اللّه- عزّ و جلّ- عرفه أهل الكتاب، كما قال- جلّ جلاله-:
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: كتابنا.
(2) عنه تفسير نور الثقلين 2/ 84- 85 ح 303.
(3) البقرة/ 146.
(4) الفتح/ 29.
206
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (1).
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ: ممّا حرّم عليهم، كالشّحوم.
وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، كالدّم و لحم الخنزير. أو، كالرّبا و الرّشوة.
وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ: و يخفّف عليهم ما كلّفوا به من التّكاليف الشّاقة، كتعيين القصاص في العمد و الخطأ، و قطع الأعضاء الخاطئة، و قرض موضع النّجاسة.
و أصل الإصر: الثّقل الّذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله.
و قرأ (2) ابن عامر: «إصارهم».
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ: عظّموه بالتّقوى.
و قرئ (3)، بالتّخفيف. و أصله: المنع. و منه: التّعزير.
وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، أي: مع نبوّته.
قيل (4): يعني: القرآن. و إنّما سمّاه: نورا، لأنّه بإعجازه ظاهر أمره مظهر غيره.
أو لأنّه كاشف الحقائق مظهر لها.
و يجوز أن يكون معه متعلّقا «باتّبعوا»، أي: و اتّبعوا النّور المنزل مع اتّباع النّبيّ.
فيكون إشارة إلى اتّباع الكتاب و السّنّة.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن أبي بصير، عن الباقر- (عليه السلام)-: «النّور» عليّ- (عليه السلام)-.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «النّور» في هذا الموضع عليّ [أمير المؤمنين] (7) و الأئمّة- (عليهم السلام)-.
أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157): الفائزون بالرّحمة الأبديّة. و مضمون الآية جواب دعاء موسى- (عليه السلام)-.
____________
(1) البقرة/ 89.
(2) أنوار التنزيل 1/ 372.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) أنوار التنزيل 1/ 372.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 31، ح 88.
(6) الكافي 1/ 194، ح 2.
(7) من المصدر.
207
و في تأويل هذه الآية،
روى في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الاستطاعة و قول النّاس. فقال- و تلا هذه الآية وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (2)-: يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول و كلّهم هالك.
قال: قلت: قوله إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ؟
قال: هم شيعتنا و لرحمته خلقهم. و هو قوله وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ، يقول: لطاعة الامام، الرحمة التي يقول: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، يقول: علم الإمام و وسع علمه الذي هو من علمه كلّ شيء هم شيعتنا.
ثمّ قال: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، يعني: ولاية غير الامام و طاعته.
ثمّ قال: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ، يعني: النّبيّ و الوصيّ و القائم. يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ إذا قام. وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ. [و المنكر] (3) من أنكر فضل الإمام و جحده. وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أخذ العلم من أهله. وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ و الخبائث، قول من خالف. وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ و هي الذّنوب الّتي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام. وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ و الأغلال، ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام. فلمّا عرفوا فضل الإمام، وضع عنهم إصرهم. و الإصر: الذّنب. و هي الإصار.
ثمّ نسبهم فقال: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، يعني: النّبيّ (4). وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ و هو أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- (5). أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
محمّد بن يحيى (6) و محمّد بن عبد اللّه [عن عبد اللّه] (7) بن جعفر، عن الحسن بن
____________
(1) الكافي 1/ 429، ح 83.
(2) هود/ 118.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: الإمام.
(5) هذه العبارة الموجودة وسط الآية ليست في المصدر.
(6) الكافي 1/ 528.
(7) من المصدر.
208
ظريف (1) و عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن بكر بن صالح، عن عبد الرّحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ أبا جعفر- (عليه السلام)- قرأ اللّوح الّذي أهداه اللّه إلى رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-. الّذي فيه اسم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أسماء الأئمّة- (عليهم السلام)-.
في آخره، بعد أن ذكر عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)-: أخرج منه الدّاعي إلى سبيلي، و الخازن لعلمي الحسن، و أكمل ذلك بابنه «م ح م د» رحمة للعالمين. عليه كمال موسى، و بهاء عيسى، و صبر أيّوب. فيذلّ أوليائي في زمانه، و تتهادى رؤوسهم، كما تتهادى رؤوس الدّيلم و التّرك. فيقتلون و يحرّقون، و يكونون خائفين مرعوبين وجلين.
تصبغ الأرض بدمائهم، و يفشوا الويل و الرّنّة (2) في نسائهم. أولئك أوليائي حقّا. بهم أدفع (3) كلّ فتنة عمياء حندس (4)، (5) و بهم أكشف الزّلازل و أرفع (6) الآصار و الأغلال.
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ، وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (7).
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ: الخطاب عام. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مبعوثا إلى كافّة الثّقلين، و سائر الرّسل إلى أقوامهم.
جَمِيعاً: حال من «إليكم».
في أمالي الصّدوق (8): عن الحسن المجتبى- (عليه السلام)- قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقالوا: يا محمّد، أنت الّذي تزعم أنّك رسول اللّه، و أنّك الّذي يوحى إليك، كما أوحي (9) إلى موسى.
فسكت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ساعة. ثمّ قال: نعم، أنا سيّد ولد آدم و لا فخر. و أنا خاتم النّبيّين، و إمام المتّقين، و رسول ربّ العالمين.
قالوا: إلى من، إلى العرب أم إلى العجم أم إلينا؟
____________
(1) المصدر: طريف. و هو غلط.
(2) الرنّة: الصيحة.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: أرفع.
(4) الحندس: المظلم.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: مرّ.
(6) المصدر: أدفع.
(7) البقرة/ 157.
(8) الأمالي/ 157، ح 1.
(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: يوحى.
209
فأنزل اللّه هذه الآية.
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: صفة للّه، و إن حيل بينهما بما هو متعلّق المضاف إليه، لأنّه، كالمتقدّم عليه.
أو مدح منصوب، أو مرفوع.
أو مبتدأ خبره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
و هو على الوجوه الأول بيان لما قبله. فإنّ من ملك العالم، كان هو الإله لا غيره.
و في يُحيِي وَ يُمِيتُ: مزيد تقدير لاختصاصه بالألوهيّة.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ: ما أنزل عليه، و على سائر الرّسل من كتبه و وحيه.
و قرئ (1) «و كلمته» على إرادة الجنس أو القرآن، أو عيسى. تعريضا لليهود، و تنبيها على أنّ من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه. و إنّما عدل عن التّكلم إلى الغيبة، لإجراء هذه الصّفات الدّاعية إلى الإيمان و الاتّباع له.
وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158): جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، تنبيها على أنّ من صدّقه و لم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعدّ في خطط الضّلالة.
وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى، يعني: بني إسرائيل.
أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ: يهدون النّاس محقّين، أو بكلمة الحقّ.
وَ بِهِ: و بالحقّ.
يَعْدِلُونَ (159): بينهم في الحكم.
قيل (2): هم مؤمنو أهل الكتاب.
و قيل: المراد بها: الثّابتون على الإيمان، القائمون بالحقّ من أهل زمانه. أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن، تنبيها على أنّ تعارض الخير و الشّرّ و تزاحم أهل الحقّ و الباطل أمر مستمرّ.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن عبد اللّه بن سنان، عن الصّادق- (عليه السلام)- في هذه الآية: قوم موسى، هم أهل الإسلام.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 373.
(2) أنوار التنزيل 1/ 373.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 31- 32، ح 89.
210
و قيل (1): قوم وراء الصّين. رآهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة المعراج، فآمنوا به.
عن المفضّل بن عمر (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا قام قائم آل محمّد، استخرج من ظهر الكعبة سبعة و عشرين رجلا، خمسة عشر من القوم الّذين يهدون (3) بالحقّ و به يعدلون، و سبعة من أصحاب الكهف، و يوشع وصيّ موسى، و مؤمن آل فرعون، و سلمان الفارسيّ- رضي اللّه عنه-، و أبا دجانة الأنصاريّ، و مالك الأشتر.
عن أبي الصّهبان (4) البكريّ (5) قال: سمعت عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و دعا رأس الجالوت و أسقف النّصارى فقال: إنّي سائلكما (6) عن أمر و أنا أعلم به منكما [فلا تكتماني] (7). يا رأس الجالوت، بالّذي أنزل التّوراة على موسى، و أطعمكم المنّ و السّلوى، و ضرب لكم في البحر طريقا [يبسا] (8)، و فجّر لكم من الحجر الطّوريّ أثنتي عشرة (9) عينا لكلّ سبط من بني إسرائيل عينا، إلّا ما أخبرتني، على كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟
فقال: [لا و] (10) فرقة واحدة.
فقال: كذبت. و الّذي لا إله غيره، لقد افترقت على إحدى و سبعين فرقة، كلّها في النّار إلّا واحدة. فإنّ اللّه يقول: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ [فهذه الّتي تنجو] (11).
و في الكافي (12): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. و قال بعده، و بهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول و سئل عن الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، أ واجب هو على الأمّة
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 373.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 32، ح 90.
(3) المصدر: من قوم موسى الّذين يقضون ...
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أبي الصهباء و هو غلط.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 91.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قال:
سألتكما» بدل «فقال إنّي سائلكما».
7 و 8- من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: حجر الطور اثنتي عشر.
(10) ليس في المصدر.
(11) من المصدر.
(12) الكافي 5/ 59- 60، ح 16.
211
جميعا؟
فقال: لا.
فقلت له: و لم؟
قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر. لا على الضّعيف الّذي لا يهتدي سبيلا إلى أيّ من أيّ، يقول من الحقّ إلى الباطل. و الدّليل على ذلك كتاب اللّه- تعالى- [قوله: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (1). فهذا خاصّ غير عامّ، كما قال اللّه- تعالى-:] (2) وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ. و لم يقل: على أمّة موسى، و لا على كلّ قوم. و هم يومئذ أمم مختلفة. و الأمّة واحدة فصاعدا، كما قال اللّه- تعالى-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ (3). يقول: مطيعا للّه و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (4): عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّ هذه الأمّة قوم من وراء الصّين.
بينهم و بين الصّين واد جار من الرّمل، لم يغيّروا و لم يبدّلوا.
[قالوا و] (5) ليس لأحد منهم مال دون صاحبه. يمطرون باللّيل، و يضحون بالنّهار، و يزرعون. لا يصل إليهم منّا أحد، و لا منهم إلينا. و هم على الحقّ.
قال (6): و قيل (7): إنّ جبرئيل انطلق بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة المعراج إليهم. فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكّة، فآمنوا به و صدّقوه. و أمرهم أن يقيموا مكانهم، و يتركوا السّبت. و أمرهم بالصّلاة و الزّكاة، و لم يكن نزلت فريضة غيرهما، ففعلوا.
قال (8): و روى أصحابنا، أنّهم يخرجون مع قائم آل محمّد- (عليهم السلام)-.
و روي: أنّ ذا القرنين رآهم. قال: لو أمرت بالمقام، ليسرّني أن أقيم بين أظهركم».
____________
(1) آل عمران/ 104.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(3) النحل/ 119.
(4) مجمع البيان 2/ 489.
(5) من المصدر.
(6) أي صاحب مجمع البيان.
(7) مجمع البيان 2/ 489.
(8) نفس المصدر و الموضع.
212
و يمكن الجمع بين الرّوايتين، بالحمل على عموم الفريقين.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في خطبة الغدير.
و فيها: معاشر النّاس، أنا الصّراط المستقيم، الّذي أمركم اللّه باتّباعه. ثمّ عليّ من بعدي. ثمّ ولدي من صلبه، أئمّة يهدون بالحقّ و به يعدلون.
و فيه (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: لم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه و معلّم (3) على سبيل النّجاة. أولئك هم الأقلّون عددا. و قد بيّن اللّه ذلك من أمم الأنبياء، و جعلهم مثلا لمن تأخّر، مثل قوله فيمن آمن من قوم (4) موسى:
وَ مِنْ قَوْمِ (5) مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ.
وَ قَطَّعْناهُمُ: و صيّرناهم قطعا متميّزا، بعضهم عن بعض.
اثْنَتَيْ عَشْرَةَ: مفعول ثان «لقطّع»، فإنّه متضمّن معنى: صيّر. أو حال، و تأنيثه للحمل على الأمّة أو القطعة.
أَسْباطاً: بدل منه، و لذلك جمع. أو تمييز له، على أنّ كلّ واحدة من اثنتي عشرة أسباط. أو كأنّه قيل: اثنتي عشرة قبيلة.
و قرئ (6): بكسر السّين (7). و إسكانها.
و الأسباط: أولاد الأولاد.
و الأسباط في ولد يعقوب، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل.
و في كتاب التّوحيد (8): عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن الحسن بن جعفر بن الحسن [بن الحسن] (9) بن عليّ قال: سألت عليّ بن موسى بن جعفر- (عليهم السلام)- عمّا يقال في بني الأفطس.
فقال: إنّ اللّه أخرج من بني إسرائيل، و هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- (عليه السلام)- اثني عشر سبطا، [و جعل فيهم النّبوّة و الكتاب] (10). و أنشر من الحسن و الحسين
____________
(1) الاحتجاج 1/ 78- 79.
(2) الاحتجاج 1/ 368.
(3) هكذا في ر. و في المصدر: متعلّم. و في سائر النسخ: معمّا.
(4) المصدر: امّة.
(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أمّة.
(6) أنوار التنزيل 1/ 373.
(7) المصدر: الشين.
(8) بل في الخصال 465- 466 ح 5، و عنه تفسير نور الثقلين 2/ 87 ح 313.
9 و 10- من المصدر.
213
ابني أمير المؤمنين لفاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- اثني عشر سبطا.
ثمّ عدّد الاثني عشر من ولد إسرائيل فقال: زيلون (1) بن يعقوب، و شمعون بن يعقوب، و يهودا بن يعقوب، [و يشاجر بن يعقوب] (2) و ريكون (3) بن يعقوب، و يوسف بن يعقوب، و بنيامين بن يعقوب، و نشاحن (4) بن يعقوب، و تفشال بن يعقوب (5)، و داني (6) بن يعقوب. و سقط عن [أبي] (7) الحسن النّسابة ثلاثة منهم.
ثمّ عدّد الاثني عشر من ولد الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- فقال: و أمّا الحسن، فانتشر منه ستّة أبطن: بنو الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، و بنو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ، و بنو إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ، و بنو الحسن بن الحسن بن عليّ، و بنو داود بن الحسن بن الحسن بن عليّ، و بنو جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ. فعقب الحسن- (عليه السلام)- من هذه السّتّة الأبطن.
ثمّ عدّ بني الحسين- (عليه السلام)- فقال: بنو محمّد بن عليّ الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ (8)، و بنو عبد اللّه الباهر (9) بن عليّ، و بنو زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، و بنو الحسين (10) بن عليّ بن الحسين بن [عليّ، و بنو عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ، و بنو عليّ [بن عليّ] (11) بن الحسين بن] (12) عليّ. فهؤلاء السّتّة الأبطن نشر اللّه منهم ولد الحسين (13) بن عليّ- (عليهما السلام)-.
____________
(1) المصدر: روبيل.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: زيلون. قال مصحّح المصدر في الهامش: الصواب: زبولون.
(4) المصدر: نفتالي.
(5) ليس في المصدر.
(6) المصدر: دان.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: «بطن» بدل «بن عليّ».
(9) المصدر: بنو عبد اللّه بن الباهر. و هو غلط.
(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: الحسن.
(11) من المصدر.
(12) من الهامش.
(13) المصدر: نشر اللّه من الحسين ...
214
أُمَماً: على الأوّل، بدل بعد بدل، أو نعت «أسباط». و على الثّاني، بدل من «أسباط».
وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ: في التّيه.
أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ، أي: فضرب، فانبجست. [و حذفه للايماء على] (1) أنّ موسى لم يتوقّف في الامتثال، و أنّ ضربه لم يكن مؤثّرا يتوقّف عليه الفعل في ذاته.
مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ: سبط.
مَشْرَبَهُمْ، وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ: ليقيهم حرّ الشّمس.
وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى كُلُوا، أي: و قلنا لهم: كلوا.
مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160):
مضى تفسيره في سورة البقرة.
و في أصول الكافي (2): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- أنّه قال في قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
فقال: إنّ اللّه أعزّ و أمنع من أن يظلم، أو ينسب نفسه إلى ظلم. و لكنّ اللّه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، و ولايتنا ولايته. ثمّ أنزل بذلك قرآنا على نبيّه، فقال: وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
بعض أصحابنا (3)، عن محمّد بن أبي عبد اللّه، عن عبد الوهّاب بن بشر، عن موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
قال: إنّ اللّه أعظم و أعزّ و أجلّ و أمنع من أن يظلم. و لكنّه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، و ولايتنا ولايته. حيث يقول: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا
(4)
____________
(1) هكذا في أنوار التنزيل 3/ 30. و في النسخ:
و في الحديث إيماء إلى.
(2) الكافي 1/ 435.
(3) الكافي 1/ 146، ح 11.
(4) المائدة/ 55.
215
[يعني الأئمّة منّا] (1). و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الاحتجاج (2) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فهو- تبارك و تعالى اسمه- أجلّ و أعظم من أن يظلم. و لكنّه قرن أمناءه على خلقه بنفسه، و عرّف الخليقة جلالة قدرهم عنده، و أنّ ظلمهم ظلمه [بقوله:] (3) «و ما ظلمونا» ببغضهم أولياءنا و بمعونة أعدائهم عليهم وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، إذ حرموها الجنّة و أوجبوا عليها خلود النّار.
وَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ: بإضمار «اذكر».
و «القرية» بيت المقدس.
وَ كُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً.
قيل (4): معناه مثل ما [مرّ] (5) في البقرة. غير أنّ قوله: «فكلوا منها» بالفاء، أفاد تسبّب سكناهم للأكل منها. و لم يتعرّض له ها هنا اكتفاء بذكره ثمّة، أو بدلالة الحال عليه. و أمّا تقديم «قولوا» على «و ادخلوا» فلا أثر له في المعنى، لأنّه لا يوجب التّرتيب.
و كذا «الواو» العاطفة بينهما.
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ، سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161): وعد بالغفران، و الزّيادة عليه بالإثابة. و إنّما أخرج الثّاني مخرج الاستئناف، للدّلالة على أنّه تفضّل محض ليس في مقابلة ما أمروا به.
و قرأ (6) نافع و ابن عامر و يعقوب: «تغفر» بالتّاء و البناء للمفعول. و «خطيئاتكم» بالرّفع و الجمع. غير ابن عامر، فإنّه وحّد.
و قرأ (7) أبو عمر: «و خطاياكم».
____________
(1) من المصدر.
(2) الاحتجاج 1/ 379.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 373.
(5) من المصدر.
(6) أنوار التنزيل 1/ 373.
(7) أنوار التنزيل 1/ 373.
216
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162): مرّ تفسيرها فيها.
وَ سْئَلْهُمْ: سؤال تقريع بتقديم كفرهم و عصيانهم، إعلاما بما هو من علومهم الّتي لا تعلم إلّا بتعليم أو وحي. ليكون ذلك معجزة عليهم.
عَنِ الْقَرْيَةِ: عن خبرها، و ما وقع بأهلها.
الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ: قريبة منه.
قيل (1): هي إيلة، قرية بين مدين و الطّور على شاطى البحر.
و قيل (2): مدين.
و قيل (3): طبريّة.
إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ: يتجاوزون حدود اللّه، بالصّيد يوم السّبت.
و «إذ» ظرف «لكانت» أو «حاضرة». أو للمضاف المحذوف، أو بدل منه بدل الاشتمال.
إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ: ظرف «ليعدون»، أو بدل منه.
و قرئ (4) «يعدون». و أصله: يعتدون. و يعدّون من الإعداد، أي: يعدّون آلات الصّيد يوم السّبت، و قد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة.
يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً: يوم تعظيمهم أمر سبتهم. مصدر سبتت اليهود: إذا عظّمت سبتها بالتّجرّد للعبادة.
و «الشرع» جمع، شارع. من شرع عليه: إذا دنا منه و أشرف، أي: ظاهره على وجه الماء.
و قيل (5): السّبت اسم لليوم، و الإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه. و يؤكد الأوّل أن قرئ: «يوم إسباتهم». و قوله: وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.
و قرئ (6): «لا يسبتون» من أسبت. و «لا يسبتون» على البناء للمفعول، بمعنى:
لا يدخلون في السّبت.
كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163)، أي: مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم.
____________
1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 374.
(4) أنوار التنزيل 1/ 374.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 374.
217
و قيل (1): «كذلك» متّصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل إتيانهم يوم السّبت.
و الباء متعلّقه «بيعدون».
وَ إِذْ قالَتْ: عطف على «إذ يعدون».
أُمَّةٌ مِنْهُمْ: جماعة من أهل القرية، يعني: صلحاءهم الّذين اجتهدوا في موعظتهم، حتّى أيسوا من إيقاظهم.
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ: محترمهم في الدّنيا.
أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً: في الآخرة، لتماديهم في العصيان. قالوه مبالغة في أنّ الموعظة لا تنفع فيهم، أو سؤالا عن علّة الوعظ و نفعه و كأنّه تقاول بينهم، أو قول من ارعوى (2) من الوعظ لمن لم يرعو منهم.
و قيل (3): المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعّاظهم ردّا عليهم، و تهكّما بهم.
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ: جواب للسّؤال، أي: موعظتنا إنهاء عذر إلى اللّه- تعالى- حتّى لا تنسب إلى تفريط في النّهي عن المنكر.
و قرأ (4) حفص: «معذرة» بالنّصب على المصدر أو العلّة، أي: اعتذرنا به معذرة أو وعظهم معذرة.
وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164): إذ اليأس لا يحصل إلّا بالهلاك.
فَلَمَّا نَسُوا: تركوا ترك النّاسي.
ما ذُكِّرُوا بِهِ: ما ذكّرهم به الواعظون.
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا: بالاعتداء و مخالفة أمر اللّه.
بِعَذابٍ بَئِيسٍ: شديد. فعيل، من بؤس يبأس بأسا: إذا اشتدّ.
و قرأ (5) أبو بكر: «بيئس» على فيعل، كضيغم.
و ابن عامر: «بئس» بكسر الباء و سكون الهمزة، على أنّه «بيس»، كحذر،
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 374.
(2) رعا عنه يرعو رعوا، و رعوى: كفّ و ارتدع.
ارعَوى عنه: رعا.
(3) أنوار التنزيل 1/ 374.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) أنوار التنزيل 1/ 374.
218
كما قرئ به، فخفّف عينه بنقل حركتها إلى الفاء، ككبد في كبد.
و نافع: «بيس» على قلب الهمزة ياء، كما قلبت في ذئب. أو على أنّه فعل الذّم وصف به، فجعل اسما.
و قرئ (1): «بيّس»، كريّس، على قلب الهمزة ياء ثمّ إدغامها. و «بيس» على التّخفيف للبيس، كهين، و بائس.
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165): بسبب فسقهم.
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ: تكبّروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: «و عتوا عن أمر ربّهم». أو تكبّروا عن النّهي.
قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166): مطرودين مبعدين من كلّ خير، كقوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
قيل (2): الظّاهر يقتضي أنّ اللّه- تعالى- عذّبهم أوّلا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم.
و يجوز أن تكون الآية الثّانية تقريرا و تفصيلا للأولى.
و عن مجاهد: مسخت قلوبهم، لا أبدانهم.
و في تفسير الإمام (3) في سورة البقرة عند قوله: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.
قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: كان هؤلاء قوم يسكنون على شاطئ بحر، نهاهم اللّه و أنبياؤه عن اصطياد السّمك في يوم السّبت. فتوصّلوا إلى حيلة، ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرّم اللّه. فخدّوا أخاديد و عملوا طرقا تؤدّي إلى حياض تتهيّأ للحيتان الدّخول فيها من تلك الطّرق، و لا يتهيّأ لها الخروج إذا همّت بالرّجوع [منها إلى اللّجج] (4) فجاءت الحيتان يوم السّبت جارية على أمان لها، فدخلت الأخاديد و حصلت في الحياض و الغدران.
فلمّا كانت عشيّة اليوم، همّت بالرّجوع منها إلى اللّجج لتأمن من صائدها.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 374.
(2) أنوار التنزيل 1/ 375.
(3) تفسير العسكري/ 107- 108 و عنه تفسير البرهان 2/ 42، ح 3.
(4) من المصدر.
219
فرامت الرّجوع فلم تقدر. و بقيت ليلها في مكان يتهيّأ أخذها [يوم الأحد] (1) بلا اصطياد، لاسترسالها فيه و عجزها عن الامتناع لمنع المكان لها. فكانوا يأخذونها يوم الأحد، و يقولون: ما اصطدنا في السّبت، بل اصطدنا في الأحد. و كذب أعداء اللّه، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم الّتي عملوها يوم السّبت. حتّى كثر من ذلك مالهم و شراؤهم، و تنعّموا (2) بالنّساء و غيرهم لاتّساع أيديهم به.
و كانوا في المدينة نيفا و ثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا و أنكر عليهم الباقون، كما قصّ اللّه: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ (الآية).
و ذلك أنّ طائفة منهم وعظوهم و زجروهم، و من عذاب اللّه- تعالى- خوّفوهم، و من انتقامه و شدائد بأسه حذّروهم.
فأجابوهم عن وعظهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ بذنوبهم هلاك الاصطلام، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً. أجابوا القائلين لهم هذا: مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ.
هذا القول منا لهم معذرة إلى ربّكم، إذ كلّفنا الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر. فنحن ننهى عن المنكر، ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم و كراهتنا لفعلهم. قالوا: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
و نعظهم (3)- أيضا- لعلّهم تنجع فيهم المواعظ، فيتّقوا هذه الموبقة و يحذروها عقوبتها.
قال اللّه- عزّ و جلّ-: «فلمّا عتوا» حادوا و أعرضوا و تكبّروا عن قبول الزّجر عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. مبعدين من الخير، مقصين (4).
فلمّا نظر العشرة آلاف و النّيف أنّ السّبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم و لا يخافون بتخويفهم إيّاهم و تحذيرهم لهم، اعتزلوهم إلى قرية [أخرى قريبة] (5) من قريتهم. و قالوا:
نكره أن ينزل بهم عذاب و نحن في خلالهم.
فأمسوا ليلة، فمسخهم اللّه كلّهم قردة. و بقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منه أحد، و لا يدخله أحد. و تسامع بذلك أهل القرى، فقصدوهم و تسلّقوا حيطان البلد.
فاطّلعوا عليهم، فإذا هم كلّهم رجالهم و نساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض. يعرف هؤلاء النّاظرين معارفهم و قراباتهم و خلطاءهم، يقول المطّلع لبعضهم: أنت فلان، أنت فلانة.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: تمتّعوا.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تعظهم.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: مبغضين.
(5) من المصدر. و في النسخ: أخر [أخسر- أو ب] و انتقلوا إلى قرية.
220
فتدمع عينه و يؤمئ برأسه، أو بفمه (1) بلا و نعم. فما زالوا كذلك ثلاثة أيّام، ثمّ بعث اللّه- تعالى- عليهم مطرا و ريحا فجرفهم إلى البحر. و ما بقي مسخ بعد ثلاثة أيّام. و إنّما الّذين ترون من هذه المصوّرات بصورها، فإنّما هي أشباهها لا هي بأعيانها و لا من نسلها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: وجدنا في كتاب عليّ- (عليه السلام)- أنّ قوما من أهل إيلة من ثمود، و أنّ الحيتان كانت سيقت إليهم يوم السّبت ليختبر اللّه طاعتهم في ذلك. فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم و قدّام أبوابهم في أنهارهم و سواقيهم، فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها.
فلبثوا في ذلك ما شاء اللّه، لا ينهاهم عنها الأحبار و لا يمنعهم العلماء من صيدها. ثمّ إنّ الشّيطان أوحى إلى طائفة منهم: إنّما نهيتم عن أكلها يوم السّبت و لم تنهوا عن صيدها. فاصطادوها يوم السّبت، و أكلوها فيما سوى ذلك من الأيّام.
فقالت طائفة منهم: الآن نصطادها. فعتت.
و انحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين، فقالوا: ننهاكم من عقوبة اللّه أن تتعرّضوا لخلاف أمره.
و اعتزلت طائفة منهم ذات الشّمال (3)، فسكتت فلم تعظهم، فقالت للطّائفة الّتي وعظتهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.
فقالت الطّائفة الّتي وعظتهم: مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَ (4) لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
قال: فقال اللّه- تعالى-: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، يعني: لمّا تركوا ما وعظوا به، مضوا على الخطيئة.
فقالت الطّائفة الّتي وعظتهم: لا و اللّه، لا نجامعكم و لا نبايتكم اللّيلة في مدينتكم هذه الّتي عصيتم اللّه فيها، مخافة أن ينزل بكم البلاء فيعمّنا معكم.
قال: فخرجوا عنهم من المدينة، مخافة أن يصيبهم البلاء. فنزلوا قريبا من المدينة، فباتوا تحت السّماء. فلمّا أصبح أولياء اللّه المطيعون لأمر اللّه- تعالى-، غدوا
____________
(1) ليس في المصدر: أو بفمه.
(2) تفسير القمّي 1/ 244- 245.
(3) المصدر: اليسار.
(4) سقط الواو من المصدر.
221
لينظروا ما حال أهل المعصية. فأتوا باب المدينة، فإذا هو مصمت. فدقّوه، فلم يجابوا و لم يسمعوا منها حسّ أحد (1). فوضعوا سلّما على سور المدينة، ثمّ أصعدوا رجلا منهم.
فأشرف على المدينة فنظر، فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون، [لها أذناب] (2).
فقال الرّجل لأصحابه: يا قوم، [أرى و اللّه] (3) عجبا.
قالوا: و ما ترى؟
قالوا: أرى القوم [قد صاروا] (4) قردة [يتعاوون لها أذناب] (5).
فكسروا الباب و دخلوا المدينة (6).
قال: فعرفت القردة أنسابها من الإنس، و لم تعرف الإنس أنسابها من القردة.
فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟
قال: فقال عليّ- (عليه السلام)-: و اللّه الّذي خلق الحبّة و برأ النّسمة، إنّي لأعرف أنسابها من هذه الأمّة. لا ينكرون و لا يغيّرون، بل تركوا ما أمروا به فتفرّقوا. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فقال اللّه: أَنْجَيْنَا (7) الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ.
و في تفسير العيّاشي (8): عن عليّ بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اليهود أمروا بالإمساك يوم الجمعة. فتركوا يوم الجمعة، و أمسكوا (9) يوم السّبت.
عن (10) هارون بن [عبيد، رفعه] (11) إلى أحدهم قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالكوفة، و قالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ هذه الجراري تباع في أسواقنا.
قال: فتبسّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ضاحكا. ثمّ قال: قوموا لأريكم عجبا.
و لا تقولوا في وصيّكم إلّا خيرا.
فقاموا معه، فأتوا بشاطئ. فتفل فيه تفلة و تكلّم بكلمات، فإذا بجرّيّة رافعة
____________
(1) المصدر: «خبر أحد» بدل «حسّ أحد».
(2) ليس في المصدر.
3 و 4 و 5- من المصدر.
(6) سقط من المصدر: و دخلوا المدينة.
(7) في المصدر: «و أنجينا» و الواو زائدة.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 34، ح 94.
(9) المصدر: فأمسكوا.
(10) تفسير العيّاشي 2/ 35، ح 96.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللّه.
222
رأسها فاتحة فاها.
فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من أنت؟ الويل لك و لقومك.
فقال: نحن من أهل القرية الّتي كانت حاضرة البحر. إذ يقول اللّه في كتابه:
إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً (الآية). فعرض اللّه علينا ولايتك، فقعدنا عنها، فمسخنا اللّه. فبعضنا في البرّ، و بعضنا في البحر. فأمّا الّذين في البحر، فنحن الجراري.
و أمّا الّذين في البرّ، فالضّبّ و اليربوع.
قال: ثمّ التفت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلينا فقال: أسمعتم مقالتها؟
قلنا: اللّهم، نعم.
قال: و الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-، لتحيض، كما تحيض نساؤكم.
عن طلحة بن زيد (1)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليه السلام)- في قول اللّه:
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا (2) أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ (3).
قال: افترق القوم ثلاث فرق: فرقة نهت (4) و اعتزلت، و فرقة أقامت و لم تقارف الذّنوب، و فرقة قارفت الذّنوب. فلم تنج من العذاب إلّا من نهى (5).
قال جعفر: قلت لأبي جعفر: ما صنع بالّذين أقاموا و لم يقارفوا الذّنوب؟
قال: بلغني أنّهم صاروا ذرّا.
و في روضة الكافي (6): سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا و أمروا، فنجوا و صنف ائتمروا و لم يأمروا، فمسخوا ذرّا، و صنف لم يأتمروا و لم يأمروا، فهلكوا.
و في كتاب الخصال (7): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 35، ح 97.
(2) هود/ 62.
(3) الأعراف/ 165.
(4) المصدر: انتهت.
(5) المصدر: انتهت.
(6) الكافي 8/ 158، ح 151.
(7) الخصال/ 100، ح 54.
223
قال: كانوا ثلاثة أصناف: فصنف ائتمروا و أمروا، [فنجوا] (1)، و صنف ائتمروا و لم يأمروا، [فمسخوا ذرّا] (2) و صنف لم يأمروا و لم يأتمروا، فهلكوا.
و في مجمع البيان (3): وردت الرّواية عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تعالى- لم يمسخ (4) شيئا فجعل له نسلا و عقبا.
و في من لا يحضره الفقيه (5): و قد روي أنّ المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيّام. و أنّ هذه مثلها (6)، فنهى اللّه- عزّ و جلّ- عن أكلها.
وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ: أي: أعلم. تفعّل، من الإيذان بمعناه، كالتّوعّد و الإيعاد.
أو عزم، لأنّ العازم على الشّيء يؤذن نفسه بفعله. فأجري مجرى فعل القسم، كعلم اللّه، و شهد اللّه. و لذلك أجيب بجوابه، و هو: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
و المعنى: و إذ أوجب ربّك على نفسه ليسلطنّ على اليهود.
مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ: كالإذلال و ضرب الجزية.
بعث اللّه (7) عليهم بعد سليمان- (عليه السلام)- بخت نصّر. فقتل مقاتليهم، و خرّب ديارهم، و سبى نساءهم و ذراريّهم، و ضرب الجزية على من بقي منهم. و كانوا يؤدّونها إلى المجوس حتّى بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- ففعل ما فعل بهم، ثمّ ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدّهر.
و في مجمع البيان (8): عن الباقر- (عليه السلام)-: إنّ المعنيّ بهم: أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ: عاقبهم في الدّنيا.
وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167): لمن تاب و آمن.
وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً: و فرّقناهم فيها، بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمّة لأدبارهم حتّى لا يكون لهم شوكة قطّ.
و «أمما» مفعول ثان، أو حال.
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) مجمع البيان 2/ 493.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: لم ينسخ.
(5) الفقيه 3/ 213، ح 989.
(6) المصدر: مثل لها.
(7) أنوار التنزيل 1/ 375.
(8) مجمع البيان 2/ 494.
224
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ: صفة، أو بدل منه. و هم الّذين آمنوا بالمدينة، و نظراؤهم.
وَ مِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ:
تقديره: و منهم ناس دون ذلك منحطّون عن الصّلاح، و هم كفرتهم و فسقتهم.
وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ: بالنّعم و النّقم.
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168): ينتهون، فيرجعون عمّا كانوا عليه.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ: من بعد المذكورين.
خَلْفٌ: بدل سوء. مصدر نعت به و لذلك يقع على الواحد و الجمع.
و قيل (1): جمع. و هو، بالتّسكين، شائع في الشّرّ. و بالفتح في الخير. و المراد به:
الّذين كانوا في عصر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَرِثُوا الْكِتابَ: التّوراة من أسلافهم، يقرءونها و يقفون على ما فيها.
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى: حطام هذا الشّيء الأدنى، يعني: الدّنيا. و هو من الدّنو، أو الدّناءة.
قيل (2): هو ما كانوا يأخذون من الرّشا في الحكومة، و على تحريف الكلم.
[للتّسهيل على العامّة] (3) و الجملة حال من «الواو».
وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا، أي: لا يؤاخذنا اللّه بذلك و يتجاوز عنه.
و هو يحتمل العطف و الحال على تقدير المبتدأ، أي: و هم يقولون. و الفعل مسند إلى الجارّ و المجرور، أو مصدر «يأخذون».
وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ: حال من الضّمير في «لنا»، أي: يرجون المغفرة، مصرّين على الذّنب، عائدين إلى مثله، غير تائبين عنه.
أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ، أي: في الكتاب.
أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ: عطف بيان «للميثاق». أو متعلّق به، أي: بأن لا يقولوا.
و المراد: توبيخهم على البتّ بالمغفرة مع عدم التّوبة، و الدّلالة على أنّه افتراء
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 375.
(3) ليس في المصدر.
225
على اللّه و خروج عن ميثاق الكتاب.
وَ دَرَسُوا ما فِيهِ: عطف على «ألم يؤخذ» من حيث المعنى، فإنّه تقرير. أو على «ورثوا» و هو اعتراض.
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس [بن عبد الرحمن] (2)، عن أبي يعقوب، إسحاق بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه خصّ عباده بآيتين من كتابه. أن لا يقولوا حتّى يعلموا و لا يردّوا ما لم يعلموا. قال- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ. و قال: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ (3).
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: خصّ اللّه هذه الأمّة بآيتين من كتابه، أن لا يقولوا ما لا يعلمون [و ألّا يردّوا ما لا يعلمون] (5). ثمّ قرأ: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ (الآية). و قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ- الى قوله-: الظَّالِمِينَ.
عن أبي السفاتج (6) قال (7): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: آيتان (8) في كتاب اللّه خصّ اللّه النّاس، ألّا يقولوا ما لا يعلمون. قول اللّه: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ. و قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
و في نهج البلاغة (9): و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذي [نقضه، و لن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذي نبذه] (10) فالتمسوا ذلك عند أهله، فإنّهم عيش العلم و موت الجهل. هم الّذين يخبركم حكمهم عن علمهم، و صمتهم عن منطقهم، و ظاهرهم عن باطنهم. لا يخالفون الدّين و لا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صدق و صامت ناطق.
وَ الدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ: محارم اللّه ممّا يأخذ هؤلاء.
____________
(1) الكافي 1/ 43، ح 8.
(2) من المصدر.
(3) يونس/ 40.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 123، ح 22.
(5) من المصدر.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أبي الفاتح.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 122، ح 21.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: آيتين.
(9) نهج البلاغة/ 206.
(10) من المصدر. و في النسخ: «بعده» بدل هذه العبارة.
226
أَ فَلا تَعْقِلُونَ (169): فيعلموا ذلك، و لا يستبدلوا الأدنى الدّنيء المؤدّي إلى العقاب بالنّعيم المخلّد.
و قرأ (1) نافع و ابن عامر و حفص و يعقوب، بالتّاء، على التّلوين.
وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ: عطف على «الّذين يتّقون».
و قوله: «أفلا تعقلون» اعتراض، أو مبتدأ خبره إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)، على تقدير منهم. أو وضع الظّاهر موضع المضمر، تنبيها على أنّ الإصلاح، كالمانع من التّضييع.
و قرأ (2) أبو بكر: «يمسكون» بالتّخفيف. و إفراد الإقامة، لأنافتها على سائر أنواع التّمسّكات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: نزلت في آل محمّد و أشياعهم.
وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ، أي: قلعناه و رفعناه فوقهم.
و أصل النّتق: الجذب.
كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ: سقيفة. و هي كلّ ما أظلّك.
وَ ظَنُّوا: و تيقّنوا.
أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ: ساقط عليهم. لأنّ الجبل لا يثبت في الجوّ، و لأنّهم كانوا يوعدون به.
و إنّما أطلق الظّنّ، لأنّه لم يقع متعلّقه. و ذلك أنّهم أبوا أن يقبلوا أحكام التّوراة لثقلها، فرفع اللّه الطّور فوقهم. و قيل لهم: إن قبلتم ما فيها و إلّا ليقعنّ عليكم.
خُذُوا: على إضمار القول، و قلنا: خذوا. أو قائلين: خذوا.
ما آتَيْناكُمْ: من الكتاب.
بِقُوَّةٍ: بجدّ و عزم على تحمّل مشاقّه. و هو حال من «الواو».
و في تفسير العيّاشي (4): و في رواية إسحاق بن عمّار، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن هذه الآية: أ قوّة في الأبدان أم قوّة في القلوب؟
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 376.
(3) تفسير القمّي 1/ 246.
(4) تفسير العياشي 2/ 37، ح 10.
227
قال: فيهما جميعا.
عن محمّد بن أبي حمزة (1)، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ.
قال: السّجود، و وضع [اليدين على] (2) الركبتين في الصّلاة.
وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ: بالعمل به، و لا تتركوه، كالمنسيّ.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171): قبائح الأعمال و رذائل الأخلاق.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): عن الصّادق- (عليه السلام)-: لمّا أنزل اللّه التّوراة على بني إسرائيل، لم يقبلوه. فرفع اللّه عليهم جبل طور سيناء، فقال لهم موسى- (عليه السلام)-: إن لم تقبلوا، وقع عليكم الجبل. فقبلوه و طأطئوا (4) رؤوسهم.
و في كتاب الاحتجاج (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه (6)- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: أخبرني عن طائر طار مرّة و لم يطر قبلها و لا بعدها ذكره اللّه في القرآن، ما هو؟
فقال: طور سيناء، أطاره اللّه- عزّ و جلّ- على بني إسرائيل حين أظلّهم بجناح منه فيه ألوان العذاب حتّى قبلوا التّوراة. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ (الآية).
وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قيل (7): أي: أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن.
و «من ظهورهم» بدل من «بني آدم» بدل البعض.
و قرأ نافع و أبو عمرو و ابن عامر و يعقوب: «ذرّيّاتهم».
وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ.
قيل (8): أي: نصب لهم دلائل ربوبيّته و ركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها، حتّى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. فنزّل تمكينهم من العلم
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 102.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمّي 1/ 246.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ طأطأ.
(5) الاحتجاج 2/ 65.
(6) المصدر عن الباقر.
7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 376.
228
بها و تمكنّهم منه بمنزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التّمثيل. و يدلّ عليه قالُوا بَلى شَهِدْنا.
و قيل (1): لا يبعد أن يكون ذلك النّطق باللّسان الملكوتيّ في العالم المثاليّ، الّذي دون عالم العقل. فإنّ لكلّ شيء ملكوتا في ذلك العالم، كما أشير إليه بقوله- سبحانه-:
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. و الملكوت باطن الملك، و هو كلّه حياة. و لكلّ ذرّة لسان ملكوتي ناطق بالتّسبيح و التّمجيد و التّوحيد و التّحميد. و بهذا اللّسان نطق الحصى في كفّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و به تنطق الأرض يوم القيامة يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها، و به تنطق الجوارح. أنطقنا اللّه، الّذي أنطق كلّ شيء.
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي: كراهة أن تقولوا.
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172): لم ننبّه عليه.
أَوْ تَقُولُوا: عطف على «أن تقولوا».
و قرأ أبو عمرو (2) كليهما، بالياء. لأنّ أوّل الكلام على الغيبة.
إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ: فاقتدينا بهم. لأنّ التّقليد عند قيام الدّليل و التّمكّن من العلم به لا يصلح عذرا.
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشّرك.
و قيل (3): لمّا خلق اللّه آدم، أخرج من ظهره ذرّيّة، كالذّرّ. و أحياهم و جعل لهم العقل و النّطق، و ألهمهم ذلك.
و على هذا تدلّ صريحا الأحاديث الإماميّة.
و المقصود من إيراد هذا الكلام- ها هنا- إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العامّ بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، و الاحتجاج عليهم بالحجج السّمعيّة و العقليّة، و منعهم عن التّقليد، و حملهم على النّظر و الاستدلال، كما قال:
وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174): عن التّقليد و اتّباع الباطل.
و في كتاب التّوحيد (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن إبراهيم
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 251.
(2) أنوار التنزيل 1/ 376.
(3) أنوار التنزيل 1/ 377.
(4) التوحيد/ 330- 331.
229
بن هاشم و محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب و يعقوب بن يزيد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية.
فقال: أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة، فخرجوا، كالذّرّ. فعرّفهم نفسه، و أراهم صنعه. و لو لا ذلك، لم يعرف أحد ربّه.
أبي (1)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-:
أصلحك اللّه، قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.
قال: فطرهم على التّوحيد عند الميثاق، و على معرفة (2) أنّه ربّهم.
قلت: و خاطبوه؟
قال: فطأطأ رأسه. ثمّ قال: لولا ذلك، لم يعلموا من ربّهم و لا من رازقهم.
و فيه (3)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له:
أخبرني عن اللّه- عزّ و جلّ- هل يراه المؤمنون (4) يوم القيامة؟
قال: نعم، و قد رأوه (5) قبل يوم القيامة.
فقلت متى؟
قال: حين قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى.
ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: و إنّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة. أ لست تراه في وقتك هذا!؟
قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فأحدّث بهذا عنك؟
فقال: لا. فإنّك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقول، ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه، كفر. و ليست الرّؤية بالقلب كالرّؤية بالعين. تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهون و الملحدون.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة: أنّ رجلا سأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
____________
(1) التّوحيد/ 330، ح 7.
(2) المصدر: معرفته.
(3) التوحيد/ 117، ح 20.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: المؤمن.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: رآه.
(6) الكافي 2/ 7، ح 2.
230
فقال، و أبوه يسمع: حدّثني أبي، أنّ اللّه- عزّ و جلّ- قبض قبضة من تراب التربة الّتي خلق منها آدم- (عليه السلام)-. فصبّ عليها الماء العذب الفرات، ثمّ تركها أربعين صباحا. ثمّ صبّ عليها الماء المالح الأجاج، فتركها أربعين صباحا. فلمّا اختمرت الطّينة أخذها فعركها عركا شديدا. فخرجوا، كالذّرّ من يمينه و شماله. و أمرهم جميعا أن يقعوا في النّار. فدخل أصحاب اليمين، فصارت عليهم بردا و سلاما. و أبى أصحاب الشّمال أن يدخلوها.
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: كيف أجابوا و هم ذرّ؟
فقال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه، يعني: في الميثاق.
محمّد بن الحسن (2)، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن داود الرّقيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لمّا أراد اللّه أن يخلق الخلق، نثرهم (3) بين يديه.
فقال لهم: من ربّكم؟
فأول من نطق رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة- (عليهم السلام)-، فقالوا: أنت ربّنا.
فحمّلهم العلم و الدّين.
ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني و علمي، و أمنائي في خلقي، و هم المسئولون.
ثمّ قال لبني آدم: أقرّوا للّه بالربوبيّة (4)، و لهؤلاء النّفر بالولاية و الطّاعة.
فقالوا: نعم، ربّنا، أقررنا.
فقال اللّه للملائكة: اشهدوا.
قال الملائكة: شهدنا.
قال: على أن لا يقولوا غدا: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا (الآية).
____________
(1) الكافي 2/ 12، ح 1.
(2) الكافي 1/ 133.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: نشرهم.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أقرّوا باللّه بالعبوديّة.
231
يا داود، ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق.
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بكير بن أعين قال: كان أبو جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا، و هم ذرّ، يوم أخذ الميثاق على الذّرّ. بالإقرار له بالرّبوبيّة، و لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّبوّة. و عرض اللّه- عزّ و جلّ- على محمّد أمّته في الطّين، و هم أظلّة. و خلقهم من الطّينة الّتي خلق منها آدم. و خلق اللّه أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، و عرضهم عليهم (2)، و عرّفهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و عرّفهم عليّا. و نحن نعرفهم في لحن القول.
عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ بعض قريش قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
بأيّ شيء سبقت الأنبياء، و أنت بعثت آخرهم و خاتمهم؟
قال: إنّي كنت أوّل من آمن بربّي، و أوّل من أجاب حين أخذ اللّه ميثاق.
النّبيّين وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. فكنت أنا أوّل نبيّ قال:
بلى. فسبقتهم بالإقرار باللّه.
محمّد بن يحيى (4)، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن إسماعيل، عن سعدان بن مسلم، عن صالح بن سهيل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بأيّ شيء سبقت ولد آدم؟
قال: إنّني أوّل من أقرّ بربّي. إنّ اللّه أخذ ميثاق النّبيّين وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. فكنت أوّل من أجاب.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن داود العجليّ، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- حيث خلق الخلق، خلق ماء عذبا و ماء مالحا [أجاجا] (6)، فامتزج الماءان. فأخذ طينا من أديم الأرض، فعركه عركا شديدا.
فقال لأصحاب اليمين، و هم كالذّرّ يدبّون: إلى الجنّة بسلام. و قال لأصحاب
____________
(1) الكافي 1/ 437- 438، ح 9.
(2) المصدر: عليه.
(3) الكافي 1/ 441، ح 6.
(4) الكافي 2/ 12، ح 3.
(5) الكافي 2/ 8، ح 1.
(6) من المصدر.
232
الشّمال: إلى النّار. و لا أبالي.
ثمّ قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى شَهِدْنا، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
ثمّ أخذ الميثاق على النّبيّين فقال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، و أنّ (1) هذا محمّد رسولي، و أنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟
قالُوا بَلى.
فثبتت لهم النّبوّة. و أخذ الميثاق على أولي العزم، إنّي ربّكم و محمّد رسولي و عليّ أمير المؤمنين. و أوصياؤه من بعده ولاة أمري، و خزّان علمي- (عليهم السلام)-. و أنّ المهديّ أنتصر به لديني، و أظهر به دولتي، و أنتقم به من أعدائي، و أعبد به طوعا و كرها.
قالوا: أقررنا به، يا ربّ، و شهدنا.
و لم يجحد آدم و لم يعزم (2)، فثبت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهديّ. و لم يكن لآدم عزم على الإقرار به، و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (3).
قال: إنّما هو فترك.
ثمّ أمر نارا فأجّجت، فقال لأصحاب الشّمال: ادخلوها.
فهابوها.
فقال لأصحاب اليمين: ادخلوها.
فدخلوها، فكانت عليهم بردا و سلاما.
فقال أصحاب الشّمال: يا ربّ، أقلنا.
فقال: قد أقلتكم، اذهبوا فادخلوها.
فهابوها. فثمّ (4) ثبتت الطّاعة و الولاية و المعصية.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فان.
(2) المصدر: لم يقر.
(3) طه/ 115.
(4) ثم: هناك.
(5) الكافي 2/ 12، ح 2.
233
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها. ما تلك الفطرة؟
قال: هي الإسلام. فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التّوحيد، قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ. و فيه المؤمن و الكافر.
محمّد بن يحيى، (1) عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ رجلا جاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو مع أصحابه، فسلّم عليهم. ثمّ قال له: أنا، و اللّه، أحبّك و أتولّاك.
[فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: كذبت. قال: بلى، و اللّه إني أحبّك و أتولّاك. فكرّر ثلاثا.] (2) فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: كذبت، ما أنت كما قلت. إنّ اللّه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام. ثمّ عرض علينا المحبّ لنا. فو اللّه، ما رأيت روحك فيمن عرض. فأين كنت!؟ فسكت الرّجل عند ذلك، و لم يراجعه.
و في رواية أخرى: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان في النّار.
و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى حبيب قال: حدّثني الثّقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أخذ ميثاق العباد و هم أظلّة قبل الميلاد. فما تعارف من الأرواح، ائتلف. و ما تناكر منها، اختلف.
و بإسناده (4) إلى حبيب، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما تقول في [الأرواح] (5) أنّها جنود مجنّدة. فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف.
اختلف.
قال: فقلت: إنّا نقول ذلك.
قال (6): فإنّه كذلك. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أخذ من العباد ميثاقهم، و هم أظلّة قبل الميلاد. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ (إلى آخر الآية).
قال: فمن أقرّ به يومئذ، جاءت إلفته (7) ها هنا. و من أنكره يومئذ [جاء] (8) خلافه
____________
(1) الكافي 1/ 438، ح 1.
(2) من المصدر.
(3) العلل/ 84، ح 1.
(4) العلل/ 84- 85، ح 2.
(5) من المصدر.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: الألفة.
(8) من المصدر.
234
ها هنا.
أبي (1)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى.
قال: ثبتت المعرفة و نسوا الوقت (2)، و سيذكرونه يوما. و لولا ذلك، لم يدر أحد من خالقه و لا من رازقه.
و في أمالي (3) شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)-: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لعليّ- (عليه السلام)-: أنت الّذي احتجّ اللّه بك في ابتدائه الخلق، حيث أقامهم أشباحا.
فقال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟
قالُوا بَلى.
قال و محمّد رسولي؟
قالوا: بلى.
قال: و عليّ أمير المؤمنين (4) فأبى الخلق جميعا إلّا استكبارا، و عتوّا عن ولايتك إلّا نفر قليل. و هم أقلّ القليل. و هم أصحاب اليمين.
و في عوالي اللئالي (5): و قال- (عليه السلام)- أخذ اللّه الميثاق من ظهر آدم بنعمان (6)، يعني: عرفه. فأخرج من صلبه كلّ ذرّيّة ذرأها، فنشرهم بين يديه كالذّرّ. ثمّ كلّمهم.
و تلا: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى.
و في تهذيب الأحكام (7)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: و مننت علينا بشهادة الإخلاص لك بموالاة أوليائك الهداة المهديّين (8) من بعد
____________
(1) العلل/ 117- 118، ح 2.
(2) المصدر: الموقت، و في نسخة: «الموقف» كما في البحار 5/ 243.
(3) أمالي الطوسي 1/ 238.
(4) المصدر: و عليّ بن أبي طالب وصيّي؟
(5) عوالي اللئالي 1/ 182- 183، ح 247.
(6) قال الجوهريّ في الصحاح: نعمان- بالفتح-:
واد في طريق الطائف، يخرج إلى عرفات.
(7) التهذيب 3/ 146.
(8) ليس في المصدر.
235
النّذير المنذر و السّراج المنير، و أكملت الدّين بموالاتهم و البراءة من عدوّهم، و أتممت علينا النّعمة الّتي جدّدت لنا عهدك و ذكّرتنا ميثاقك المأخوذ منّا في مبدأ خلقك إيّانا، و جعلتنا من أهل الإجابة، و ذكّرتنا العهد و الميثاق و لم تنسنا ذكرك. فإنّك قلت: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى (1) شَهِدْنا بمنّك و لطفك، بأنّك أنت اللّه لا إله إلّا أنت ربّنا، و محمّد عبدك و رسولك نبيّنا، و عليّ أمير المؤمنين و الحجّة العظمى و آيتك الكبرى و النّبأ العظيم الّذي هم فيه مختلفون.
و في تفسير العيّاشي (2): عن جابر قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا جابر، لو يعلم الجهّال متى سمّي أمير المؤمنين عليّ لم ينكروا حقّه.
قال: قلت: جعلت فداك، متى سمّي؟
فقال لي: قوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ أنّي (3) أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، و أنّ محمّدا (4) رسول اللّه، و أنّ عليّا أمير المؤمنين.
قال: ثمّ قال لي: يا جابر، هكذا و اللّه جاء بها محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
عن ابن مسكان (5)، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أمّتي عرضت عليّ في الميثاق. فكان أوّل من آمن بي عليّ، و هو أوّل من صدّقني حين بعثت. و هو الصّدّيق الأكبر و الفاروق، يفرق بين الحقّ و الباطل.
عن أبي بصير (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. قالوا بألسنتهم؟
قال: نعم، و قالوا بقلوبهم.
فقلت: و أيّ شيء كانوا يومئذ؟
قال: صنع منهم ما اكتفى به.
____________
(1) المصدر: بلى، اللّهم بلى ....
(2) تفسير العيّاشي 2/ 41، ح 114.
(3) المصدر: إلى.
(4) المصدر: محمّدا [نبيّكم].
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 115.
(6) نفس المصدر 2/ 40، ح 110.
236
عن جابر (1) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: من (2) سمّي أمير المؤمنين [أمير المؤمنين] (3)؟
قال: قال: اللّه (4)، أنزلت هذه الآية على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و أن محمدا رسول الله (5) و أن عليا أمير المؤمنين.
فسمّاه اللّه- و اللّه- أمير المؤمنين.
عن الأصبغ بن نباتة (6)، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: أتاه ابن الكواء، فقال:
يا أمير المؤمنين، أخبرني عن اللّه- تبارك و تعالى-. هل كلّم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟
فقال عليّ- (عليه السلام)-: قد كلّم اللّه جميع خلقه، برّهم و فاجرهم، و ردّوا عليه الجواب.
فثقل ذلك على ابن الكواء و لم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟
فقال له: أو ما تقرأ كتاب اللّه إذ يقول (7) لنبيّه: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى؟ فقد أسمعهم كلامه.
و ردّوا عليه الجواب، كما تسمع في قول اللّه- يا ابن الكواء- قالُوا بَلى. فقال لهم: إنّي أنا اللّه. لا إله إلّا أنا. و أنا الرّحمن [الرحيم] (8). فأقرّوا له بالطّاعة و الرّبوبيّة. و ميّز الرّسل و الأنبياء و الأوصياء، و أمر الخلق بطاعتهم، و أقرّوا بذلك في الميثاق (9). فقالت الملائكة عند إقرارهم [بذلك] (10): شهدنا عليكم يا بني آدم أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
عن رفاعة (11) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.
____________
(1) نفس المصدر 2/ 41، ح 113.
(2) المصدر: متى. و الصحيح ما في المتن بقرينة الجواب.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: و اللّه.
(5) المصدر: رسول اللّه [نبيّكم].
(6) نفس المصدر 2/ 41- 42، ح 116.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و قال.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ذلك.
(10) من المصدر.
(11) نفس المصدر 2/ 37، ح 103.
237
قال: نعم (1)، للّه الحجّة على جميع خلقه يوم الميثاق هكذا. و قبض يده.
و في الكافي (2): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن الحذّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- لا يرى بالعزل بأسا. فقرأ (3) هذه الآية: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. فكلّ شيء أخذ اللّه منه الميثاق، فهو خارج، و إن كان على صخرة صمّاء.
محمّد بن يحيى (4) و غيره، عن أحمد، عن موسى بن عمر، عن ابن سنان، عن أبي سعيد القمّاط، عن بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-: لأيّ علّة وضع (5) الحجر في الرّكن الّذي هو فيه و لم يوضع في غيره، و لأيّ علّة يقبّل (6)، و لأيّ علّة أخرج من الجنّة، و [لأيّ علّة] (7) وضع ميثاق العباد و العهد فيه و لم يوضع في غيره، و كيف السّبب في ذلك؟ تخبرني، جعلني اللّه فداك. فإنّ تفكّري فيه لعجب (8).
قال: فقال: سألت و أعضلت في المسألة (9) و استقصيت، فافهم الجواب، و فرّغ قلبك، و أصغ سمعك، أخبرك إن شاء اللّه. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- وضع الحجر الأسود، و هي جوهرة، أخرجت من الجنّة إلى آدم- (عليه السلام)- فوضعت في ذلك الرّكن لعلّة الميثاق. و ذلك أنّه لمّا أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم، حين أخذ اللّه عليهم الميثاق، في ذلك المكان. [و في ذلك المكان] (10) تراءى لهم. و في (11) ذلك المكان يهبط الطّير على القائم- (عليه السلام)-. فأوّل من يبايعه ذلك الطّير. و هو- و اللّه- جبرئيل- (عليه السلام)-. و إلى ذلك المكان يسند القائم ظهره. و هو الحجّة و الدّليل على القائم. و هو الشّاهد لمن وافى (12) في ذلك المكان، و الشّاهد على من أدّى إليه الميثاق و العهد الّذي أخذ اللّه- عزّ و جلّ- على العباد.
____________
(1) المصدر: أخذ.
(2) الكافي 5/ 504، ح 4.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أ تقرأ.
(4) الكافي 4/ 184- 186، ح 3.
(5) المصدر: وضع اللّه الحجر ...
(6) المصدر: تقبّل.
(7) من المصدر.
(8) ب: لعجيب.
(9) أي جئت بمسألة معضلة مشكلة.
(10) من المصدر.
(11) المصدر: من.
(12) المصدر: وافا [ه].
238
فأمّا القبلة و الالتماس، فلعلّة العهد، تجديدا لذلك العهد و الميثاق، و تجديدا للبيعة، ليؤدّوا إليه العهد الّذي أخذ اللّه عليهم في الميثاق، فيأتوه في كلّ سنة و يؤدّوا إليه ذلك العهد و الأمانة اللّذين أخذ اللّه عليهم. أ لا ترى أنّك تقول: أمانتي أدّيتها و ميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة. و اللّه، ما يؤدّي ذلك أحد غير شيعتنا. و لا حفظ ذلك العهد و الميثاق أحد غير شيعتنا. و إنّهم ليأتوه، فيعرفهم [و يصدّقهم] (1). و يأتيه غيرهم، فينكرهم و يكذّبهم. و ذلك أنّه لم يحفظ ذلك غيركم. فلكم- و اللّه- يشهد، و عليهم- و اللّه- يشهد بالخفر (2) و الجحود و الكفر.
و هو الحجّة البالغة من اللّه عليهم يوم القيامة. يجيء و له لسان ناطق و عينان في صورته الأولى، يعرفه الخلق و لا ينكره. يشهد لمن وافاه، و جدّد العهد و الميثاق عنده، بحفظ العهد و الميثاق و أداء الأمانة. و يشهد على كلّ من أنكر و جحد و نسى الميثاق، بالكفر و الإنكار.
فأمّا علّة ما أخرجه اللّه من الجنّة، فهل تدري ما كان الحجر؟
قلت: لا.
قال: كان ملكا من عظماء الملائكة عند اللّه. فلمّا أخذ اللّه من الملائكة الميثاق، كان أوّل من آمن به، و أقرّ ذلك الملك. فاتّخذه اللّه أمينا على جميع خلقه. فألقمه الميثاق و أودعه عنده، و استعبد (3) الخلق أن يجدّدوا عنده في كلّ سنة الإقرار بالميثاق و العهد الّذي خذ اللّه- عزّ و جلّ- عليهم. ثمّ جعله اللّه مع آدم في الجنّة يذكّره الميثاق، و يجدّد عنده الإقرار في كلّ سنة.
فلمّا عصى آدم و أخرج من الجنّة، أنساه اللّه العهد و الميثاق الّذي أخذ اللّه عليه و على ولده لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لوصيّه- (عليه السلام)-، و جعله تائها حيرانا.
فلمّا تاب اللّه على آدم، حوّل ذلك الملك في صورة درّة بيضاء. فرماه من الجنّة إلى آدم، و هو بأرض الهند. فلمّا نظر إليه، أنس إليه. و هو لا يعرفه بأكثر من أنّه جوهرة.
و أنطقه اللّه- عزّ و جلّ- فقال له: يا آدم، أ تعرفني؟
قال: لا.
____________
(1) من المصدر.
(2) الخفر: نقض العهد، و الغدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: استقيد.
239
قال: أجل، استحوذ عليك الشّيطان، فأنساك ذكر ربّك.
ثمّ تحوّل إلى صورته الّتي كان مع آدم في الجنّة، فقال لآدم: أين العهد و الميثاق؟
فوثب آدم إليه، و ذكر الميثاق، و بكى و خضع و قبّله، و جدّد الإقرار بالعهد و الميثاق. ثمّ حولّه اللّه- عزّ و جلّ- إلى جوهرة الحجر، درّة بيضاء صافية تضيء. فحمله آدم- (عليه السلام)- على عاتقه، إجلالا له و تعظيما. فكان إذا أعيا، حمله عنه جبرئيل- (عليه السلام)- حتّى وافى به مكّة. فما زال يأنس به بمكّة، و يجدّد الإقرار له كلّ يوم و ليلة.
ثمّ إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا بنى الكعبة، وضع الحجر في ذلك المكان. لأنّه- تبارك و تعالى- حين أخذ الميثاق من ولد آدم، أخذه في ذلك المكان. و في ذلك [المكان] (1) ألقم اللّه الملك الميثاق، و لذلك وضع في ذلك الرّكن. و نحّى (2) آدم من مكان البيت إلى الصّفا، و حوّاء إلى المروة و وضع الحجر في ذلك الرّكن.
فلمّا نظر آدم من الصّفا، و قد وضع الحجر في الرّكن، كبّر اللّه و هلّله و مجّده.
فلذلك جرت السّنّة بالتّكبير و استقبال الرّكن الّذي فيه الحجر من الصّفا. فإنّ اللّه أودعه الميثاق و العهد دون غيره من الملائكة. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا أخذ الميثاق له بالرّبوبيّة، و لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّبوّة، و لعليّ- (عليه السلام)- بالوصيّة، اصطكّت (3) فرائص (4) الملائكة. فأوّل من أسرع إلى الإقرار ذلك الملك، و لم يكن فيهم أشدّ حبّا لمحمّد و آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- منه. فلذلك اختاره اللّه من بينهم، و ألقمه الميثاق. و هو يجيء يوم القيامة و له لسان ناطق و عين ناظرة، ليشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك المكان و حفظ الميثاق.
محمّد بن يحيى (5)، عن محمّد بن موسى، عن العبّاس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن عبد اللّه بن سنان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال له رجل: كيف سمّيت الجمعة؟
قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جمع فيها خلقه لولاية محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و وصيّه في الميثاق. فسمّاه يوم الجمعة، لجمعه فيه خلقه.
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يجيء.
(3) أي: ارتعدت.
(4) جمع فريصة: لحمة بين الجنب و الكتف.
(5) الكافي 3/ 415، ح 7.
240
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أوّل من سبق (2) إلى «بلى» رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك أنّه كان أقرب الخلق إلى اللّه- تبارك و تعالى-. و كان بالمكان الّذي قال له جبرئيل- (عليه السلام)- لمّا أسري به إلى السّماء:
تقدّم، يا محمّد. فقد وطئت موطنا لم يطأه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل. و لولا أنّ روحه و نفسه كانت من ذلك المكان، لما قدر أن يبلغه. فكان من اللّه- عزّ و جلّ-، كما قال:
قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، أي: بل أدنى.
و حدّثني (3) أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية. قلت: معاينة كان هذا؟
قال: نعم فثبتت المعرفة و نسوا الموقف، و سيذكرونه. و لو لا ذلك، لم يدر أحد من خالقه و رازقه. فمنهم من أقرّ بلسانه في الذّر و لم يؤمن بقلبه، فقال اللّه: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ (4).
و في شرح الآيات الباهرة (5): و في تفسير عليّ بن إبراهيم قال: قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ اللّه أخذ الميثاق على النّاس للّه (6) بالرّبوبيّة، و لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّبوّة، و لعليّ أمير المؤمنين (7) و الأئمّة- (عليهم السلام)- بالإمامة. ثمّ قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و محمّد نبيّكم و عليّ أميركم و الأئمّة الهادون أولياؤكم؟ قالُوا بَلى. فمنهم من أقرّ باللّسان، و منهم من أقرّ بالقلب (8).
و روى (9) من طريق العامّة، في كتاب الفردوس لابن شيرويه حديثا، يرفعه إلى حذيفة اليمانيّ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو يعلم النّاس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين، ما أنكروا فضله. سمّي أمير المؤمنين، و آدم بين الرّوح و الجسد. [و قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
____________
(1) تفسير القمي 1/ 246- 247.
(2) المصدر: سبق من الرسل ....
(3) نفس المصدر 1/ 248.
(4) الأعراف/ 101.
(5) تأويل الآيات الباهرة/ 67- 69.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: و لأمير المؤمنين ....
(8) المصدر: فمنهم إقرار باللسان، و منهم تصديق بالقلب.
(9) المصدر: ورد.
241
و قالت الملائكة: بلى. فقال- تبارك و تعالى-: أنا ربّكم و] (1) محمّد نبيّكم و عليّ أميركم.
و روى الشّيخ محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)-: عن عليّ بن إبراهيم، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي الرّبيع الفرّاز، عن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: لم سمّي عليّ- (عليه السلام)-: أمير المؤمنين؟
قال: اللّه سمّاه، و هكذا أنزل اللّه في كتابه. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: «و إذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربّكم و أنّ محمّدا نبيّكم رسولي و أنّ عليّا أمير المؤمنين قالوا بلى».
و ممّا ورد في تسميته بأمير المؤمنين- صلّى اللّه عليه و على ذرّيته الطّيبين- ما روى الشّيخ المفيد- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى أنس بن مالك قال: كنت خادم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فلمّا كانت ليلة أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، أتيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بوضوء.
فقال: يا أنس، يدخل عليك السّاعة من هذا الباب أمير المؤمنين و خير الوصيّين، أقدم النّاس إسلاما (2) و أكثرهم علما و أرجحهم حلما.
فقلت: اللّهمّ اجعله من قومي. [قال] (3) فلم ألبث أن دخل عليّ بن أبي طالب من الباب، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتوضّأ. فرمى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الماء على وجهه حتّى امتلأت عيناه منه.
فقال: يا رسول اللّه، أحدث فيّ حدث؟
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما حدث فيك إلّا خير. أنت منّي، و أنا منك. تؤدّي عنّي [أمانتي] (4)، و تفي بذمّتي، و تغسّلني، و تواريني في لحدي، و تسمع النّاس عنّي، و تبيّن لهم ما يختلفون فيه بعدي.
و ذكر- أيضا- حديثا أسنده إلى ابن عبّاس: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لأمّ سلمة: اسمعي و اشهدي، هذا عليّ أمير المؤمنين (5) و سيّد المسلمين (6).
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: سلما.
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: هذا عليّ بن أبي طالب.
(6) المصدر: الوصيّين.
242
و روى- أيضا- حديثا مسندا إلى معاوية بن ثعلبة (1) قال: قيل لأبي ذرّ- رضي اللّه عنه-: أوص.
قال: أوصيت.
قيل: إلى من؟
قال: إلى أمير المؤمنين.
قيل: عثمان؟
قال: لا، و لكنّه أمير المؤمنين حقّا، عليّ بن أبي طالب. [إنّه لربّ هذه الأرض و ربّ هذه الأمّة] (2). لو فقدتموه، لأنكرتكم (3) الأرض و من عليها.
و روى حديثا مسندا، [عن أبي بريدة بن الخصيب] (4). الأسلميّ- و هو المشهور بين العلماء- قال: قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمرني في سابع سبعة، فيهم أبو بكر و عمر و طلحة و الزّبير، فقال: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين. فسلّمنا عليه بذلك و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيّ بين أظهرنا.
و في تفسير مجاهد، من طريق العامّة قال: ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا و لعليّ- (عليه السلام)- سابقة في ذلك. لأنّه سبقهم إلى الإسلام. فسمّاه اللّه- سبحانه- في تسعة و ثمانين موضعا: أمير المؤمنين، و سيّد المخاطبين إلى يوم الدّين.
و روى الحسين بن جبير (5)، صاحب كتاب النخب (6)، في كتابه حديثا مسندا إلى الباقر- (عليه السلام)- [قال: سئل الباقر- (عليه السلام)-] (7) عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ من هؤلاء؟
فقال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا أسري بي إلى السّماء الرّابعة،
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تغلب.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و في النسخ:
بربّ هذه الأرض و ربّ هذه الآية.
(3) لأنكرتم.
(4) من المصدر، و في النسخ: أنّ الحصب.
(5) المصدر: الحسين بن حبر.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: البخت.
(7) ليس في المصدر.
243
أذّن جبرئيل و أقام، و جمع النّبيّين و الصّدّيقين و الشّهداء و الملائكة، و تقدّمت و صلّيت بهم.
فلمّا انصرفت، قال جبرئيل: قل لهم: بم تشهدون؟
قالوا: نشهد، أن لا إله إلّا اللّه، و أنّك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و أنّ عليّا أمير المؤمنين.
و روى أخطب خوارزم حديثا مسندا، يرفعه إلى سعيد بن جبير: عن ابن عبّاس قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بيته، فغدا عليه عليّ بن أبي طالب بالغداة، و كان يحبّ أن لا يسبقه إليه أحد. فدخل، فإذا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في صحن الدّار، و إذا رأسه في حجر دحية.
فقال: السّلام عليك، كيف أصبح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال له دحية: و عليك السّلام، أصبح بخير، يا أخا رسول اللّه.
فقال له عليّ: جزاك اللّه عنّا أهل البيت خيرا.
فقال له دحية: إنّي أحيّيك (1) و إن لك عندي مدحة أزفّها إليك، أنت أمير المؤمنين، و قائد الغرّ المحجّلين. و أنت سيّد ولد آدم ما خلا النّبيّين و المرسلين. لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزفّ أنت و شيعتك مع محمّد و حزبه إلى الجنان. قد أفلح من تولّاك، و خسر من قلاك (2). محبّو محمّد محبّوك، و مبغضوه مبغضوك. لن تنالهم شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ادن منّي- يا (3) صفوة اللّه- و خذ رأس ابن عمّك، فأنت أحقّ به منّي.
فأخذ رأس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فانتبه، و قال: ما هذه الهمهمة؟
فأخبره الخبر.
فقال: لم يكن دحية، و إنّما كان جبرئيل. سمّاك باسم سمّاك اللّه. و هو الّذي ألقى محبّتك في صدور المؤمنين، و رهبتك في صدور الكافرين.
و روى الشّيخ الفقيه محمّد بن جعفر- (رحمه اللّه)- حديثا مسندا: عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، طوبى لمن أحبّك
____________
(1) المصدر: أحبّك.
(2) المصدر: تخّلاك.
(3) ليس في المصدر.
244
و ويل لمن أبغضك و كذّب بك. يا عليّ، أنت العلم (1) لهذه الأمّة. من أحبّك، فاز. و من أبغضك، هلك. يا عليّ، أنا مدينة العلم، و أنت الباب. يا عليّ، أنت أمير المؤمنين، و قائد الغرّ المحجّلين. يا عليّ، ذكرك في التّوراة و ذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكلّ خير، و كذلك ذكرك في الإنجيل، و ما أعطاك اللّه من علم الكتاب. فإنّ أهل الإنجيل [يعظّمون عليّا] (2) و شيعته، و ما يعرفونهم، و أنت و شيعتك مذكورون في كتبهم. يا عليّ، خبّر أصحابك، أنّ ذكرهم في السّماء أفضل و أعظم من ذكرهم في الأرض. فليفرحوا بذلك، و ليزدادوا اجتهادا. فإنّ شيعتك على (3) منهاج الحقّ و الاستقامة. (الحديث).
و في كتاب [حلية الأولياء لأبي نعيم] (4)، من الجمهور، روى حديثا رفعه إلى أنس بن مالك قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أنس، اسكب لي (5) وضوء. ثمّ صلّى ركعتين. ثمّ قال: يا أنس، يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين و سيّد المسلمين و قائد الغرّ المحجّلين و خاتم الوصيّين.
قال أنس: فقلت: اللّهم، اجعله رجلا من الأنصار. و كتمته إذ جاء عليّ- (عليه السلام)-.
فقال: من هذا، يا أنس؟
قلت: عليّ.
فقام مستبشرا، و اعتنقه. ثمّ جعل يمسح عرق وجه عليّ بوجهه.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: يا رسول اللّه، رأيتك صنعت شيئا لم تصنعه من قبل.
قال: و ما يمنعني و أنت تؤدّي عنّي، و تسمعهم صوتي، و تبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي.
و روى الشّيخ الفقيه محمّد بن جعفر- (رحمه اللّه)- حديثا مسندا إلى أنس بن مالك و عبد اللّه بن عبّاس. قال: قالا جميعا: كنّا جلوسا مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ جاء عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال: السّلام عليك، يا رسول اللّه.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تعلم.
(2) من المصدر. و في النسخ: يفرطون.
(3) ليس في المصدر.
(4) من المصدر. و في النسخ: جيد الأولياء لأبي تميم.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يا أنس ائت في.
245
قال: و (1) عليك السّلام، يا أمير المؤمنين، و رحمة اللّه و بركاته.
فقال عليّ: و أنت حيّ، يا رسول اللّه؟
قال: نعم، و أنا حيّ. إنّك، يا عليّ، مررت بنا أمس يومنا و أنا و جبرئيل في حديث و لم تسلّم. فقال جبرئيل: ما بال أمير المؤمنين مرّ بنا و لم يسلّم؟ أما و اللّه لو سلّم، لسررنا و رددنا عليه.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: يا رسول اللّه، لقد (2) رأيتك و دحية قد استخليتما في حديث، فكرهت أن أقطعه عليكما.
فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّه لم يكن دحية، و إنّما كان جبرئيل.
فقلت: يا جبرئيل، كيف سمّيته أمير المؤمنين؟
فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إليّ في غزاة بدر أن اهبط إلى محمّد، فمره أن يأمر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يجول بين الصّفّين. فإنّ الملائكة يحبّون أن ينظروا إليه (3) و هو يجول بين الصّفين. فسمّاه اللّه في السّماء أمير المؤمنين.
فأنت (4)، يا عليّ، أمير من في السّماء، و أمير من في الأرض، [و أمير من مضى] (5)، و أمير من بقي. و لا أمير قبلك، و لا أمير بعدك. إنّه لا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم من لم يسمّه اللّه- تعالى- به.
و روى الشّيخ محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)-: عن محمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد، بإسناده إلى عمر بن أبي نصر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال، و قد سأله رجل عن القائم- (عليه السلام)-: يسلّم عليه بإمرة المؤمنين؟
قال: لا. ذاك اسم سمّى اللّه به أمير المؤمنين، و لم يتسمّ (6) به أحد قبله، و لم (7) يتسمّ (8) به أحد (9) بعده [إلّا كافر] (10).
قال: قلت: فكيف نسلّم على القائم- (عليه السلام)-؟
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: و.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: و أنت.
(5) ليس في المصدر.
6 و 7- كذا في المصدر: و في النسخ: يسمّ.
(8) المصدر: من.
(9) ليس في المصدر.
(10) من المصدر.
246
قال: تقول: السّلام عليك، يا بقيّة اللّه.
قال: ثمّ قرأ: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1).
و روى- أيضا- عن (2) سهل بن زياد، بإسناده: عن سنان بن ظريف، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّا أهل بيت نوّه اللّه بأسمائنا لمّا خلق السّموات و الأرض، و أمر مناديا ينادي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، ثلاثا. [أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، ثلاثا.
أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين حقّا، ثلاثا.] (3)
و روى الكراجكيّ- (رحمه اللّه)- في كنز الفوائد حديثا مسندا إلى ابن عبّاس قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و الّذي بعثني بالحقّ مبشّرا (4) و نذيرا، ما استقرّ الكرسيّ و العرش و لا دار الفلك و لا قامت السّموات و الأرض إلّا بأن كتب عليها: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ أمير المؤمنين. إنّ اللّه- تعالى- لمّا عرج بي إلى السّماء و اختصّني بلطيف ندائه قال: يا محمّد.
قلت: لبيّك و سعديك.
قال: أنا المحمود، و أنت محمّد. شققت اسمك من اسمي، و فضّلتك على جميع بريّتي، فانصب أخاك عليّا [علما] (5) لعبادي يهديهم إلى ديني. يا محمّد، إنّي قد جعلت عليّا أمير المؤمنين. فمن تأمّر عليه، لعنته. و من خالفه، عذّبته. و من أطاعه، قرّبته.
يا محمّد، إنّي قد جعلت عليّا إمام المسلمين. فمن تقدّم عليه، أخّرته، و من عصاه، استخففته (6). إنّ عليّا سيّد الوصيّين، و قائد الغرّ المحجّلين، و حجّتي على الخلائق أجمعين. انتهى ما في شرح الآيات الباهرة.
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ، أي اليهود.
نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.
قيل (7): هو أحد علماء بني إسرائيل. أو أميّة بن أبي الصّلت. فإنّه كان قد قرأ الكتب، و علم أنّ اللّه- تعالى- يرسل رسولا في ذلك الزّمان، و رجا أن يكون هو. فلمّا
____________
(1) هود/ 86.
(2) ليس في المصدر.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: بشيرا.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: استخفته.
(7) أنوار التنزيل 1/ 377.
247
أوتي علم بعض كتب اللّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): نزلت في بلعم بن باعوراء، و كان من بني إسرائيل.
[أوتي علم بعض كتب اللّه] (2).
و في مجمع البيان (3): عن الباقر- (عليه السلام)-: الأصل فيه بلعم. ثمّ ضربه اللّه مثلا لكلّ مؤثر هواه على هدى اللّه من أهل القبلة.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن سليمان النّبّال قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أ تدري ما مثل المغيرة بن سعيد (5) مثل؟
قال: [قلت:] (6) لا.
قال: مثله، مثل بلعم الّذي أوتي الاسم الأعظم، الّذي قال اللّه- تعالى-:
آتَيْناهُ آياتِنا.
فَانْسَلَخَ مِنْها: من الآيات، بأن كفر بها، و أعرض عنها.
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ: حتّى لحقه.
و قيل (7): استتبعه.
فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175): فصار من الضّالّين.
قيل (8): روي أنّ قومه سألوه أن يدعو على موسى و من معه.
فقال: كيف أدعو على من معه الملائكة؟! فألحّوا عليه، حتّى دعا عليهم، فبقوا في التّيه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: أنّه أعطي بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم. فكان يدعو به، فيستجاب (10) له. فمال إلى فرعون. فلمّا مرّ (11) فرعون في طلب موسى و أصحابه، قال فرعون
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 248.
(2) لا يوجد في المصدر.
(3) مجمع البيان 2/ 500.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 42، ح 118.
(5) المصدر: شعبة. و الصحيح ما في المتن.
(6) من المصدر.
(7) أنوار التنزيل 1/ 377.
(8) أنوار التنزيل 1/ 377.
(9) تفسير القمّي 1/ 248.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فيستجيب.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: أمر.
248
لبلعم: ادع (1) اللّه على موسى و أصحابه، ليحبسه علينا.
فركب حمارته، ليمرّ في طلب موسى- (عليه السلام)- [و أصحابه] (2) فامتنعت عليه حمارته. فأقبل يضربها، فأنطقها اللّه- عزّ و جلّ- فقالت: ويلك، على ما تضربني!؟
أ تريد أن أجيء معك لتدعو على نبيّ اللّه و قوم مؤمنين!؟
فلم يزل يضربها حتّى قتلها. و انسلخ الاسم [الأعظم] (3) من لسانه. و هو قوله:
فَانْسَلَخَ مِنْها.
وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ: إلى منازل الأبرار من العلماء.
بِها: بسبب تلك الآيات و ملازمتها.
وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: مال إلى الدّنيا، أو إلى السّفل.
وَ اتَّبَعَ هَواهُ: في إيثار الدّنيا و استرضاء قومه، و أعرض عن مقتضى الآيات.
قيل (4): و إنّما علّق رفعه بمشيئة اللّه ثمّ استدرك عنه بفعل العبد، تنبيها على أنّ المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه، و أنّ عدمه دليل عدمها، دلالة انتفاء المسبّب على انتفاء سببه. لأنّ (5) السّبب الحقيقيّ هو المشيئة، و أنّ ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المشيئة، من حيث إنّ المشيئة تعلّقت به كذلك. و كان من حقّه أن يقول و لكنّه أعرض عنها، فأوقع موقعه أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ مبالغة، و تنبيها على ما حمله عليه. و أنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة.
فَمَثَلُهُ: فصفته الّتي هي مثل في الخسّة.
كَمَثَلِ الْكَلْبِ، كصفته في أخسّ أحواله. و هو إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزّجر و الطّرد أو ترك و لم يتعرّض له، لضعف فؤاده. بخلاف سائر الحيوانات، فإنّه إذا هيّج و حرّك لهث و إلّا لم يلهث.
و «اللّهث» إدلاع اللّسان من التّنفّس الشّديد.
و الشّرطيّة في موضع الحال، و المعنى: لاهثا في الحالتين.
و خلاصة المعنى: إن وعظته، فهو ضالّ. و إن لم تعظه، فهو ضالّ في كلّ حال.
____________
(1) المصدر: ادعو.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 377.
(5) المصدر: و أنّ.
249
و التّمثيل واقع موقع لازم التّركيب، الّذي هو نفي الرّفع و وضع المنزلة، للمبالغة في البيان.
و قيل (1): لمّا دعا على موسى- (عليه السلام)-، خرج لسانه فوقع على صدره.
و جعل يلهث، كالكلب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، في الحديث السابق فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ و هو مثل ضربه اللّه (3).
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فلا يدخل الجنّة من البهائم إلّا ثلاث (4): حمارة بلعم، و كلب أصحاب الكهف، و الذّئب. فكان سبب الذّئب، أنّه بعث ملك ظالم رجلا شرطيّا ليحشر قوما من المؤمنين و يعذّبهم. و كان للشّرطيّ ابن يحبّه. فجاء ذئب، فأكل ابنه، فحزن الشّرطيّ عليه. فأدخل اللّه ذلك الذّئب الجنّة لما أحزن الشّرطيّ.
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ: المذكورة على اليهود. فإنّها، نحو قصصهم.
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176): تفكّرا، يؤدّي بهم إلى الاتّعاظ.
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ، أي: مثل القوم.
و قرئ (5): «ساء مثل القوم» على حذف المخصوص بالذّمّ.
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا: بعد قيام الحجّة عليها، و علمهم بها.
وَ أَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177):
إمّا أن يكون داخلا في الصّلة معطوفا على «كذّبوا»، بمعنى: الّذين جمعوا بين تكذيب الآيات و ظلمهم أنفسهم. أو منقطعا عنها، بمعنى: و ما ظلموا بالتّكذيب إلّا أنفسهم، فإنّ وباله لا يتخطّاها. و لذلك قدّم المفعول.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَ مَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178):
فيه تصريح بأنّ الهدى و الضّلالة مطلقا من اللّه، لأنّ الموصول تضمّن معنى الشّرط.
و المعنى: إن يهد اللّه شخصا، فهو المهتدي. و إن يضله، فهو الخاسر.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 377- 378.
(2) تفسير القمّي 1/ 248- 249.
(3) لا يوجد في المصدر.
(4) المصدر: ثلاثة.
(5) أنوار التنزيل 1/ 378.
250
و ليس فيه، أنّه يهديه و يضلّه قطعا. و لكنّ هداية اللّه بمعنى: الإيصال إلى الحقّ. قد يختصّ ببعض دون بعض، و أنّها مستلزمة للاهتداء، و إن لم تكن في تلك الآية دلالة على ذلك فتبصر.
و الإفراد في الأوّل و الجمع في الثّاني، باعتبار اللّفظ. و المعنى: تنبيه على أنّ المهتدين، كواحد، لاتّحاد طريقهم، بخلاف الضّالّين.
و الاقتصار في الإخبار عمّن هداه اللّه بالمهتدي، تعظيم لشأن الاهتداء، و تنبيه على أنّه كمال في نفسه كمال جسيم و نفع عظيم. لو لم يحصل له غيره، لكفاه، و أنّه المستلزم للفوز بالنّعم الآجلة، و العنوان لها.
وَ لَقَدْ ذَرَأْنا: خلقنا.
لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، يعني: المصرّين على الكفر في علمه- تعالى-.
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها: إذ لا يلقونها إلى معرفة الحقّ، و النّظر في دلائله.
وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، أي: لا ينظرون إلى ما خلق اللّه- تعالى- نظر اعتبار.
وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها: الآيات و المواعظ سماع تأمّل و تذكّر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن الباقر- (عليه السلام)- [في قوله:] (2) لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها.
يقول: طبع اللّه عليها، فلا تعقل. وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ عليها غطاء عن الهدى. لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أي: جعل في آذانهم وقرا فلم يسمعوا الهدى.
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ: في عدم الفقه، و الإبصار للاعتبار، و الاستماع للتّدبّر. أو في أنّ مشاعرهم و قواهم متوجّهة إلى أسباب التّعيّش، مقصورة عليها.
بَلْ هُمْ أَضَلُ: فإنّها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع و المضارّ و تجتهد في جذبها و دفعها (3)، و هم ليسوا كذلك، بل أكثرهم يعلم أنّه معاند فيقدم على النّار.
أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179): الكاملون في الغفلة.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 249.
(2) من المصدر.
(3) أ و ب: رفعها.
251
و في كتاب علل الشّرائع (1)، بإسناده إلى عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟
فقال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ اللّه ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، و ركّب في البهائم شهوة بلا عقل، و ركّب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته، فهو خير من الملائكة. و من غلبت شهوته عقله، فهو شرّ من البهائم.
وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى قيل (2): لأنّها دالّة على معان هي أحسن المعاني. و المراد بها: الألفاظ. و قيل:
الصّفات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: الرّحمن الرّحيم.
فَادْعُوهُ بِها: فسمّوه بتلك الأسماء.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن الرضا- (عليه السلام)- قال: إذا نزلت بكم شدّة، فاستعينوا بنا على اللّه. و هو قول اللّه: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها.
و في أصول الكافي (5): الحسين بن محمّد الاشعريّ و محمّد بن يحيى جميعا، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها.
قال: نحن، و اللّه، الأسماء الحسنى الّتي لا يقبل اللّه من العباد عملا إلّا بمعرفتنا.
و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى الحسين بن سعيد الحزّاز: عن رجاله، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اللّه غاية من (7) ما غيّاه، و المغييّ غير الغاية، توحّد بالرّبوبيّة، و وصف نفسه بغير محدوديّة. فالذّاكر اللّه، غير اللّه. و اللّه، غير أسمائه. و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء سواه، فهو مخلوق. ألا ترى إلى قوله: العزّة للّه، العظمة للّه.
و قال: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها. و قال:
____________
(1) العلل/ 4- 5، ح 1.
(2) أنوار التنزيل 1/ 378.
(3) تفسير القمي 1/ 249.
(4) تفسير العياشي 2/ 42.
(5) الكافي 1/ 143- 144.
(6) التوحيد/ 58- 59، ح 16.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.
252
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (1). فالأسماء مضافة إليه، و هو التّوحيد الخالص.
وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ: و اتركوا تسمية الزّائغين فيها، الّذين يسمّونه و يصفونه بما يوهم معنى فاسدا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه.
أو لا تبالوا بإنكارهم ما يسمّي به نفسه، كقولهم: ما نعرف إلّا رحمن اليمامة.
أو ذروهم و إلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام و اشتقاق أسمائها منها، كالّلات، من اللّه. و العزّى، من العزيز. و لا توافقوهم عليه.
أو أعرضوا عنهم. فإنّ اللّه مجازيهم، كما قال: سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180).
و قرأ (2) حمزة هنا و في حم السّجدة: «يلحدون» بالفتح. يقال: لحد، و ألحد: إذا مال عن القصد.
و في أصول الكافي (3): أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث، أن أدخله على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-.
فاستأذنته، فأذن لي.
فدخل، فسأله عن الحلال و الحرام. ثمّ قال له: أفتقرّ أنّ اللّه محمول؟
فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: كلّ محمول مفعول به، مضاف إلى غيره، محتاج، و المحمول اسم نقص في اللّفظ. و الحامل فاعل، و هو في اللّفظ مدحة. و كذلك قول القائل: فوق، و تحت، و أعلى، و أسفل. و قد قال اللّه: لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها (4) و لم يقل في كتبه، أنّه المحمول. بل قال، أنّه الحامل في البرّ و البحر و الممسك السّموات و الأرض أن تزولا. و المحمول ما سوى اللّه. و لم يسمع أحد آمن باللّه و عظمته قطّ قال في دعائه: يا محمول.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن المختار بن محمّد المختار و محمّد بن الحسن، عن عبد اللّه بن الحسن العلويّ جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الخالق لا يوصف، إلّا بما وصف به نفسه. و أنّى يوصف، الّذي تعجز الحواسّ
____________
(1) الإسراء/ 110.
(2) أنوار التنزيل 1/ 378.
(3) الكافي 1/ 130، ح 2.
(4) الإسراء/ 110.
(5) الكافي 1/ 138، ح 3.
253
أن تدركه و الأوهام أن تناله و الخطرات أن تحدّه و الأبصار عن الإحاطة به. جلّ عمّا يصفه الواصفون، و تعالى عمّا ينعته النّاعتون.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: و له الأسماء الحسنى، الّتي لا يسمّى بها غيره. و هي الّتي وصفها (2) في الكتاب، فقال: فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ جهلا بغير علم. فالّذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك و هو لا يعلم، و يكفر به و هو يظنّ أنّه يحسن. و لذلك (3) قال: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (4). فهم الّذين يلحدون في أسمائه بغير علم، فيضعونها غير مواضعها.
و إذ قد عرفت ممّا روي من بطون الآية، أنّ المراد بأسمائه الحسنى: الأئمّة- (عليهم السلام)-، عرفت بقرينة المقابلة أنّ المراد بالّذين يلحدون في أسمائه: هم الّذين يعدلون عنهم إلى أعدائهم الظّالمين لهم، الغاصبين لحقّهم. فإنّهم سيجزون بما كانوا يعملون.
وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (181):
ذكر ذلك، بعد ما بيّن أنّه خلق للنّار طائفة ضالّين ملحدين عن الحقّ، للدّلالة على أنّه- أيضا- خلق للجنّة أمّة هادين بالحقّ عادلين في الأمر. و استدلّ به على صحّة الإجماع. لأنّ المراد منه: أنّ في كلّ قرن طائفة بهذه الصّفة. إذ لو اختصّ بعهد الرّسول أو غيره، لم يكن لذكره فائدة فإنّه معلوم.
أقول: و في الآية دلالة على وجود المعصوم في كلّ قرن. إذ لو لم يكن في قرن معصوم، لم يصدّق أنّ فيهم من يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ. إذ فيه تصريح بأنّ الهادين و العادلين بعض الخلق، لا كلّهم. و كلّ بعض لم يكن معصوما، ما لم يكن هاديا و عادلا كلّيّا. و صحّة الإجماع لو كان، فباعتبار دخوله.
و في أصول الكافي (5): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) التوحيد/ 324.
(2) أ و ب و ج: وضعها.
(3) المصدر: فلذلك.
(4) يوسف/ 106.
(5) الكافي 1/ 414، ح 13.
254
وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ.
قال: هم الأئمّة- (عليهم السلام)-.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): هذه الآية لآل محمّد و أتباعهم.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ.
قال: هم الأئمّة.
و قال (3) محمّد بن عجلان [عنه: نحن هم] (4).
عن يحيى بن الصّهباء (5) البكريّ (6) قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: و الّذي نفسي بيده، لتفترّقنّ هذه الأمّة على ثلاث و سبعين فرقة. كلّها في النّار إلّا فرقة وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ. فهذه الّتي تنجو من هذه الأمّة.
عن يعقوب بن يزيد (7) قال (8): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ.
قال: يعني: أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
عن زيد بن أسلم (9)، عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: تفرّقت أمّة موسى على إحدى و سبعين فرقة، سبعون ملّة (10) منها في النّار، و واحدة في الجنّة. و تفرّقت أمّة عيسى على اثنتين و سبعين فرقة، إحدى و سبعون فرقة (11) في النّار، و واحدة في الجنّة. و تعلوا أمّتي على الفريقين (12) جميعا بملّة، واحدة في الجنّة، و اثنتان و سبعون في النّار.
قالوا: من هم، يا رسول اللّه؟
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 249.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 42، ح 120.
(3) نفس المصدر و الموضع، ح 121.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: أبي الصهبان.
(6) نفس المصدر: 2/ 43، ح 122.
(7) المصدر: يعقوب بن زيد.
(8) نفس المصدر و الموضع، ح 123.
(9) نفس المصدر 1/ 331، ح 151.
(10) ليس في المصدر.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: ملّة منها بدل فرقة.
(12) المصدر: الفرقتين.
255
قال: الجماعات، [الجماعات] (1).
قال يعقوب بن يزيد: كان عليّ بن أبي طالب إذا حدّث هذا الحديث عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تلا فيه قرآنا: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ- إلى قوله:- ساءَ ما يَعْمَلُونَ (2). و تلا- أيضا-: وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ، يعني: أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في مجمع البيان (3): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هذه لكم، و قد أعطى اللّه قوم موسى مثلها.
[و روى ابن جريح (4) عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: هي لأمّتي.
بالحقّ يأخذون و بالحقّ يعطون. و قد أعطي القوم بين أيديكم مثلها] (5) وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (6).
و فيه (7): عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ من أمّتي قوما على الحقّ، حتّى ينزل عيسى بن مريم.
أقول: و الجمع بين تلك الأخبار، الدّالّ بعضها على أنّ المراد: الأئمّة، و بعضها على أنّ المراد أعمّ منهم إن خلص اتّباعهم، لا يفارقهم في تينك الصّفتين. فكأنّهم نفسهم، و ليسوا سواهم. و المراد: شدّة المتابعة.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: سنستدنيهم إلى الهلاك، قليلا قليلا.
و أصل الاستدراج: الاستصعاد. أو الاستنزال، درجة بعد درجة.
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182): ما نريد بهم. و ذلك أن تتواتر عليهم النّعم، فيظنّوا أنّها لطف من اللّه بهم، فيزدادوا بطرا و انهماكا في الغيّ حتّى تحقّ عليهم كلمة العذاب.
و في أصول الكافي (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-
____________
(1) من المصدر.
(2) المائدة/ 65.
(3) مجمع البيان 2/ 490.
(4) نفس المصدر 2/ 503.
(5) من المصدر.
(6) الأعراف/ 159.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) الكافي 2/ 452.
256
عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
فقال: هو العبد يذنب الذّنب فتجدّد له النّعمة معه، تلهيه تلك النّعمة عن الاستغفار من ذلك الذّنب.
عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بعض أصحابه قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الاستدراج.
فقال: هو العبد يذنب الذّنب، فيملى له و يجدّد له عندها النّعم، فتلهيه عن الاستغفار من الذّنوب. فهو مستدرج من حيث لا يعلم.
عليّ بن إبراهيم (2) [عن أبيه] (3)، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كم من مغرور [بما] (4) قد أنعم اللّه عليه. و كم من مستدرج يستر (5) اللّه عليه، و كم من مفتون بثناء (6) النّاس عليه.
عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن جندب، عن سفيان بن السّمط قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا، فأذنب ذنبا، أتبعه بنقمة و يذكّره الاستغفار. و إذا أراد بعبد شرّا، فأذنب ذنبا، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار و يتمادى (8) بها. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ بالنّعم عند المعاصي.
و في روضة الكافي (9)، خطبة طويلة مسندة إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. يقول- (عليه السلام)- فيها: إنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان، ليس في ذلك الزّمان شيء أخفى من الحقّ، و لا أظهر من الباطل، و لا أكثر من الكذب على اللّه و رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
... إلى أن قال: يدخل الدّاخل لما يسمع من حكم القرآن، فلا يطمئنّ جالسا حتّى يخرج من الدّين. ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، و من ولاية ملك إلى ولاية
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
3 و 4- من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بشر.
(6) ج: بغى.
(7) نفس المصدر و الموضع.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يتمارى.
(9) الكافي 8/ 387 و 388.
257
ملك، و من طاعة ملك إلى طاعة ملك، و من عهود ملك إلى عهود ملك. فاستدرجهم اللّه من حيث لا يعلمون، و أنّ كيده متين بالأمل و الرّجاء.
و في نهج البلاغة (1): إنّه من وسع عليه في ذات يده، فلم ير (2) ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا.
وَ أُمْلِي لَهُمْ: و أمهلهم. عطف على «سنستدرجهم».
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)، أي: أخذي شديد.
و إنّما سمّاه: كيدا، لأنّ ظاهره إحسان و باطنه خذلان.
أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ، يعني: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
مِنْ جِنَّةٍ: جنون.
نقل (3): أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- علا (4) الصّفا، فدعاهم فخذا فخذا يحذّرهم بأس اللّه.
فقال قائلهم: إنّ صاحبكم لمجنون، بات يهوّت (5) إلى الصّباح. فنزلت.
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184): موضح إنذاره بحيث لا يخفى على ناظر.
أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا: نظر استدلال.
فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ: ممّا يقع عليه اسم الشّيء من الأجناس، الّتي لا يمكن حصرها. ليدلّهم على كمال قدرة صانعها، و وحدة مبدعها، و عظم شأن مالكها و متولّي أمرها. ليظهر لهم صحّة ما يدعوهم إليه.
وَ أَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ: عطف على «ملكوت». و «أن» مصدريّة، أو خفيفة من الثّقيلة. و اسمه ضمير الشّأن، و كذا اسم «يكون».
و المعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم و توقّع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحقّ و التّوجّه إلى ما ينجيهم قبل معاينة الموت و نزول العذاب.
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ: بعد القرآن.
يُؤْمِنُونَ (185): إذا لم يؤمنوا به و هو النّهاية في البيان، كأنّه إخبار عنهم
____________
(1) نهج البلاغة/ 537.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يرد.
(3) أنوار التنزيل 1/ 379.
(4) المصدر: صعد على.
(5) هوّت به: صاح. و في المصدر: يهوث.
258
بالطّبع و التّصميم على الكفر بعد إلزام الحجّة و الإرشاد إلى النّظر.
و قيل (1): هو متعلّق بقوله: «عسى أن يكون»، كأنّه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب.
فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن، و ما ذا ينتظرون بعد وضوحه؟ فإن لم يؤمنوا به، فبأيّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا به؟
و قوله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، كالتّقرير و التّعليل له.
وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ: بالرّفع على الاستئناف.
و قرأ أبو عامر و عاصم و يعقوب، بالياء، لقوله: «من يضلل اللّه». و حمزة و الكسائيّ به و بالجزم، عطفا على محلّ «فلا هادي له»، كأنّه قيل: لا يهده غيره و يذرهم.
يَعْمَهُونَ (186): حال من «هم».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: يكله إلى نفسه.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ: عن القيامة. و هي من الأسماء الغالبة. و إطلاقها عليها، إمّا لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنّها على طولها عند اللّه، كساعة.
أَيَّانَ مُرْساها: متى إرساؤها، أي: إثباتها و استقرارها.
و رسوّ الشّيء: ثباته و استقراره. و منه: رسا الجبل، و أرسى السّفينة.
و اشتقاق «أيّان» من «أيّ»، لأنّ معناه: أيّ وقت. و هو من: أويت إليه، لأنّ البعض آو إلى الكلّ متساند إليه.
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي: استأثر به. لم يطلع عليه ملكا مقرّبا، و لا نبيّا مرسلا.
لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها: لا يظهر أمرها في وقتها.
إِلَّا هُوَ:
و المعنى: أنّ الخفاء بها مستمرّ على غيره إلى وقت وقوعها.
و «اللّام» للتّوقيت، كاللّام في قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ.
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: عظمت على أهلها، من الملائكة و الثّقلين لهولها. و كأنّه إشارة إلى الحكمة في إخفائها.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير القمّي 1/ 249.
259
لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً: فجأة على غفلة.
في الجوامع (1): قال- (عليه السلام)-: إنّ السّاعة تهيج بالنّاس و الرّجل يصلح حوضه، و الرّجل يسقي ماشيته، و الرّجل يقوّم سلعته في سوقه، و الرّجل يخفض ميزانه و يرفعه.
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها: عالم بها. فعيل، من حفى عن الشّيء: إذا سأل عنه. فإنّ من بالغ في السّؤال عن الشّيء و البحث عنه، استحكم علمه فيه. و لذلك عدّي «بعن».
و قيل (2): هي صلة «يسألونك».
و قيل (3): هو من الحفاوة، بمعنى: الشّفقة. فإنّ قريشا قالوا له: إنّ بيننا و بينك قرابة، فقل لنا متى السّاعة. و المعنى: يسألونك عنها، كأنّك حفيّ تتحفّى بهم، فتخصّهم لأجل قرابتهم بك بتعليم وقتها.
و قيل (4): معناه: كأنّك حفيّ. بالسّؤال عنها تحبّه من حفي بالشّيء: إذا فرح. لا أنّك تكره. لأنّه من الغيب الّذي استأثره اللّه بعلمه.
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ: كرّره لتكرير «يسألونك»، لما نيط به من هذه الزّيادة، و للمبالغة.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187): أنّ علمها عند اللّه، لم يؤته أحدا من خلقه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): أنّ قريشا بعثت العاص بن وائل السّهميّ و النّضر بن الحارث بن كلدة و عقبة (6) بن أبي معيط إلى نجران، ليتعلّموا من علماء اليهود مسائل يسألوا بها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و كان فيها: سلوا محمّدا: متى تقوم السّاعة؟
فإن ادّعى علم ذلك، فهو كاذب. فإنّ قيام السّاعة لم يطلع اللّه عليه ملكا مقرّبا و لا نبيّا مرسلا.
فلمّا سألوه، نزلت.
____________
(1) جوامع الجامع/ 162.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 380.
(4) أنوار التنزيل 1/ 380.
(5) تفسير القمّي 1/ 249، باختصار لذيل الحديث.
(6) المصدر: عتبة.
260
و في عيون الأخبار (1): عن الرّضا- (عليه السلام)-: و لقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قيل له: يا رسول اللّه، متى يخرج القائم من ذرّيّتك؟
فقال: مثله، مثل السّاعة لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا: جلب نفع و دفع ضرّ. و هو إظهار للعبوديّة، و التّبريّ عن ادّعاء العلم بالغيوب.
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ: من ذلك، فيلهمني إيّاه و يوفّقني له.
وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ: و لو كنت أعلمه، لخالفت حالي ما هي عليه، من استكثار المنافع و اجتناب المضارّ حتّى لا يمسّني سوء.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: يعني: الفقر.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: كنت اختار لنفسي الصّحّة و السّلامة.
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ: و ما أنا إلّا عبد مرسل للإنذار و البشارة.
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188): فإنّهم المنتفعون بهما.
و يجوز أن يكون متعلّقا «بالبشير»، و متعلّق «النّذير» محذوفا.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: هو آدم- (عليه السلام)-.
وَ جَعَلَ مِنْها: من فضل طينتها. أو من جنسها، كقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً.
زَوْجَها: حوّاء.
لِيَسْكُنَ إِلَيْها: ليأنس بها، و يطمئنّ إليها اطمئنان الشيء إلى جنسه.
و إنّما ذكر الضّمير، ذهابا إلى المعنى، ليناسب فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي: جامعها.
حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً: خفّ عليها، و لم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالبا من الأذى. أو محمولا خفيفا، و هو النّطفة.
____________
(1) عنه تفسير نور الثقلين 2/ 107.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 43، ح 124.
(3) تفسير القمّي 1/ 250.
261
فَمَرَّتْ بِهِ: فاستمرّت به، و قامت و قعدت.
و قرئ (1): «فمرت» بالتّخفيف. و «فاستمرت» و «فمارت» من المور: و هو المجيء و الذّهاب. أو من المرية، أي: فظنّت الحمل و ارتابت به.
فَلَمَّا أَثْقَلَتْ: صارت ذات ثقل بكبر في بطنها.
و قرئ (2)، على البناء للمفعول، أي: أثقلها حملها.
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً: ولدا سويّا قد صلح بدنه.
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189): لك على هذه النّعمة المجدّدة.
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ (191).
قيل (3): لمّا حملت حوّاء، أتاها إبليس في صورة رجل.
فقال لها: ما يدريك ما في بطنك، لعلّه بهيمة أو كلب. و ما يدريك من أين يخرج؟
فخافت من ذلك، و ذكرت لآدم، فهمّا (4) منه.
ثمّ عاد إليها و قال: إنّي من اللّه بمنزلة. فإن دعوت اللّه أن يجعله خلقا مثلك و يسهّل عليك خروجه، فسمّيه عبد الحارث.
و كان اسمه حارثا بين الملائكة.
فتقبّلت (5). فلمّا ولدت، سمّياه عبد الحارث، و أمثال ذلك لا يليق بالأنبياء.
قيل (6): يحتمل أن يكون الخطاب في «خلقكم» لآل قصيّ من قريش، فإنّهم خلقوا من نفس قصيّ. و كان له زوج من جنسه عربيّة قرشيّة. و طلبا من اللّه الولد، فأعطاهما أربعة بنين. فسمّياهم: عبد مناف، و عبد شمس، و عبد قصيّ، و عبد الدّار.
و يكون الضّمير في «يشركون» لهما و لأعقابهما المقتدين بهما.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 380.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) أنوار التنزيل 1/ 381.
(4) أي: اغتمّا.
(5) أ، ب، ر: فقبلت.
(6) أنوار التنزيل 1/ 381.
262
و في تفسير عليّ بن إبراهيم، و العيّاشيّ (1): عن الباقر- (عليه السلام)-: هما (2) آدم و حوّاء. و إنّما كان شركهما شرك طاعة، و ليس شرك عبادة.
و زاد في تفسير عليّ بن إبراهيم: قال: جعلا للحارث نصيبا في خلق اللّه، و لم يكن أشركا إبليس في عبادة اللّه.
ثمّ ذكر في ذلك حديثا مبسوطا رواه عن الباقر- (عليه السلام)-، موافقا لما نقلناه من قول القائل: إنّها ممّا لا يليق بالأنبياء- (عليهم السلام)-.
و قيل (3): معناه: التّسمية بعبد عزّى، و عبد مناة، و عبد يغوث، و ما أشبه ذلك من [أسماء] (4) الأصنام.
و معنى «جعلا له»: جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما. على حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه في الموضعين.
و في عيون الأخبار (5)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)-: حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ- رضي اللّه عنه- قال:
حدّثني أبي، عن حمران (6) بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-.
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؟
قال له الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ حوّاء ولدت لآدم خمسمائة بطن [في كلّ بطن] (7) ذكر و أنثى. و أنّ آدم و حوّاء عاهدا اللّه- تعالى- و دعواه و قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً من النّسل خلقا سويّا بريئا من الزّمانة
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 253، و تفسير العيّاشي 2/ 43، ح 125.
(2) المصدران: هو.
(3) تفسير الصافيّ 2/ 259.
(4) من المصدر.
(5) العيون 1/ 195- 197.
(6) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 277، و في النسخ: حمران.
(7) لا يوجد في المصدر.
263
و العاهة، كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا (1)، و صنفا إناثا. فجعل الصّنفان للّه- سبحانه- شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، و لم يشكراه، كشكر أبويهما له- عزّ و جلّ-. قال اللّه- تعالى-: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
فقال المأمون: أشهد أنّك ابن رسول اللّه حقّا.
و ما يستفاد من هذا الخبر موافق للقول الأخير، إلّا في شيئين:
الأوّل، أنّه لا حاجة فيه إلى تقدير المضاف في الموضعين. لأنّ «صالحا» لمّا كان صنفين، يمكن إرجاع ضمير التّثنية في «جعلا» و في «آتاهما» إليه، باعتبار المعنى.
بخلاف ذلك القول، فإنّه قدّر المضاف في الموضعين.
و الثّاني، أنّه جعل الشّرك عدم الشّكر على حدّ ما شكر أبواها. و هو أعمّ ممّا جعله هذا القائل عبارة منه.
وَ لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً، أي: لعبدتهم.
وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192): فيدفعون عنها ما يعتريها.
وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ، أي: المشركين.
إِلَى الْهُدى: إلى الإسلام.
لا يَتَّبِعُوكُمْ.
و قرأ (2) نافع، بالتّخفيف.
و قيل (3): الخطاب للمشركين. و «هم» ضمير الأصنام، أي: إن تدعوهم إلى أن يهدوكم، لا يتّبعوكم إلى مرادكم، و لا يجيبوكم، كما يجيبكم اللّه.
سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193): و إنّما لم يقل: «أم صمتّم» للمبالغة في عدم إفادة الدّعاء. من حيث أنّه مسوّى بالثّبات على الصّمات، أو لأنّه ما كانوا يدعونها لحوائجهم. فكأنّه قيل: سواء عليكم إحداثكم دعاءكم لهم و استمراركم على الصّمات عن دعائهم.
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي: تعبدونهم، و تسمّونهم آلهة.
عِبادٌ أَمْثالُكُمْ: من حيث أنّها مملوكة مسخّرة.
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194): أنّهم آلهة.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ذكرا.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 381.
264
و يحتمل أنّهم لمّا نحتوها بصور الأناسيّ، قال لهم: إنّ قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فلا يستحقّون عبادتكم، كما لا يستحقّ بعضكم عبادة بعض. ثمّ عاد عليه بالنّقض فقال: أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها و قرئ (1): «إن الّذين». بتخفيف «إن»، و نصب «عباد». على أنّها نافية عملت عمل «ما» الحجازيّة، و لم يثبت مثله. و «يبطشون» بالضّمّ، ها هنا و في القصص و الدّخان.
قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ: و استعينوا بهم في عداوتي.
ثُمَّ كِيدُونِ: فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي، أنتم و شركاؤكم.
فَلا تُنْظِرُونِ (195): فلا تمهلوني. فإنّي لا أبالي بكم، لوثوقي على ولاية اللّه و حفظه.
إِنَّ وَلِيِّيَ: حافظي و ناصري.
اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ: القرآن.
وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)، أي: و من عادته- تعالى- أن يتولّى الصّالحين من عباده، فضلا عن أنبيائه.
وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197): من إتمام التّعليل، لعدم مبالاته بهم.
وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ (198): يشبهون النّاظرين إليك، بأنّهم صوّروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه.
خُذِ الْعَفْوَ، أي: خذ ما عفا لك من أفعال النّاس و تسهّل، و لا تطلب ما يشقّ عليهم.
و نحوه قوله- (عليه السلام)-: يسّروا و لا تعسّروا.
من العفو، الّذي هو ضدّ الجهل.
أو خذ العفو من المذنبين، أو الفضل و ما يسهّل من صدقاتهم.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن الحسن (3) بن عليّ بن النّعمان، عن أبيه، عمّن سمع أبا
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 381.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 43، ح 26.
(3) كذا في النسخ و جامع الرواة 1/ 217، و في المصدر: الحسين.
265
عبد اللّه- (عليه السلام)- و هو يقول: إنّ اللّه- تعالى- أدّب رسوله بذلك، أي: خذ منهم ما ظهر و ما تيسّر.
و قال: «العفو» الوسط.
و في من لا يحضره الفقيه (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال لرجل من ثقيف: إيّاك أن تضرب مسلما أو يهوديّا أو نصرانيّا في درهم خراج، أو تبيع دابّة عمله (2) [في درهم] (3) فإنّا أمرنا أن نأخذ العفو.
وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ: المعروف المستحسن من الأفعال.
وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199): فلا تمارهم و لا تكافئهم بمثل أفعالهم.
و هذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق، آمرة للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- باستجماعها.
في مجمع البيان (4): روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية، سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جبرائيل عن ذلك.
فقال: لا أدري، حتى أسأل العالم.
ثمّ أتاه فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه يأمرك أن تعفو عمّن ظلمك، و تعطي من حرمك، و تصل من قطعك. وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.
و في عيون الأخبار (5)، بإسناده إلى الحارث بن الدّلهاث، مولى الرّضا- (عليه السلام)-. قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، و سنّة من نبيّه، و سنّة من وليّه.
... إلى قوله: و أمّا السّنّة من نبيّه، فمداراة النّاس. [فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- أمر نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمداراة النّاس] (6) فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.
و في جوامع الجامع (7): عن الصّادق- (عليه السلام)-: أمر اللّه نبيّه- صلّى اللّه عليه
____________
(1) الفقيه 2/ 13.
(2) المصدر: عمل.
(3) من المصدر.
(4) مجمع البيان 2/ 512.
(5) العيون 1/ 256.
(6) من المصدر.
(7) جوامع الجامع/ 163.
266
و آله- [بمكارم الأخلاق. و ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها] (1).
وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ: ينخسنّك منه نخس، أي: وسوسة، نحملك على خلاف ما أمرت به، كاعتراض غضب.
و «النّزغ» و «النّسغ» و «النّخس» الغرز. شبّه وسوسته للنّاس، إغراء لهم على المعاصي و إزعاجا، بغرز السّائق و ما يسوقه.
و في الجوامع: لمّا نزلت الآية السّابقة، قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كيف، يا ربّ، و الغضب؟ فنزلت.
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ: يسمع استعاذتك.
عَلِيمٌ (200): يعلم ما فيه صلاح أمرك، فيحملك عليه. أو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها مغنيا إيّاك عن الانتقام و متابعة الشّيطان.
و المراد بالنّزغ و متابعة الشّيطان: ما ظاهر صورته ذلك، كالغضب. فإنّ غضب الشّيء، و إن لم يكن نزغة و متابعة، لكن ظاهر صورته ذلك. و لهذا أمره بالاستعاذة يدلّ عليه الآية.
و يحتمل أن يكون الخطاب له- (عليه السلام)-. و المراد الأمّة، كما في أكثر القرآن.
و في كتاب الخصال (2): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إذا وسوس الشّيطان لأحدكم، فليستعد (3) باللّه، و ليقل: آمنت باللّه و برسوله مخلصا له الدّين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ.
قال: إن عرض في قلبك منه شيء و وسوسة (5)، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ: لمّة (6) منه. و هو اسم فاعل من: طاف يطوف. كأنّها طافت بهم و دارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثّر فيهم. أو من:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بمدارة النّاس فقال: «خذ العفو»- إلى آخر الآية-. و الظاهر أنّ الخطأ نشأ عند نقل الحديث من تفسير الصافي.
فليراجع.
(2) الخصال/ 624.
(3) المصدر: إلى أحدكم، فليتعوّذ.
(4) تفسير القمّي 1/ 253.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: وسوس.
(6) اللمّة: الهمّة و الخطرة تقع في القلب.
267
طاف به الخيال، يطيف طيفا.
و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و الكسائيّ و يعقوب: «طيف» على إنّه مصدر. أو تخفيف طيّف، كليّن و هيّن.
و المراد بالشّيطان: الجنس. و لذلك جمع ضمير «إخوانهم».
تَذَكَّرُوا: ما أمر اللّه به و نهى عنه.
فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201): بسبب التّذكّر مواقع الخطأ و مكائد الشّيطان، فيحترزون عنها و لا يتبعونه فيها.
و الآية تأكيد و تقرير لما قبلها.
و في روضة الكافي (1)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا. يقول فيه- (عليه السلام)-: و احذروا، أيّها النّاس، من الذّنوب و المعاصي ما قد نهاكم اللّه عنها و حذّركموها في كتابه الصّادق و البيان النّاطق. فلا تأمنوا مكر اللّه و تحذيره عند ما يدعوكم الشّيطان اللّعين إليه، من عاجل الشّهوات و اللّذات في هذه الدّنيا.
فإن اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ. فأشعروا [قلوبكم خوف] (2) اللّه، و تذكّروا ما قد وعدكم اللّه في مرجعكم إليه من حسن ثوابه، كما قد خوّفكم من شديد العقاب.
و في كتاب الخصال (3): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ثلاث من أشدّ ما عمل العباد: إنصاف المؤمن من نفسه، و مواساة [المرء أخاه] (4)، و ذكر اللّه على كلّ حال. و هو أن يذكر اللّه عند المعصية [يهمّ بها، فيحول ذكر اللّه بينه و بين تلك المعصية] (5). و هو قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.
و في أصول الكافي (6): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال:
____________
(1) الكافي 8/ 74.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قلوبكم اللّه أنتم خوف.
(3) الخصال/ 131، ح 8.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المؤاخاة.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 2/ 434- 435، ح 7.
268
سألته] (1) عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.
قال: هو العبد يهمّ بالذّنب ثمّ يتّذكر، فيمسك، فذلك قوله: تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.
وفي تفسير العيّاشي (2): عن عبد الأعلى (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.
قال: هو الذّنب يهمّ به العبد، فيتذكّر، فيدعه.
عن عليّ بن أبي حمزة (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.
ما ذلك [الطائف] (5)؟
فقال: هو السيّئ (6) يهمّ به العبد، ثمّ يذكر اللّه، فيبصر و يقصر.
أبو بصير (7)، عنه قال: هو الرّجل يهمّ بالذّنب ثمّ يتذكّر فيدعه (8).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): قال: إذا ذكّرهم الشّيطان المعاصي و حملهم عليها، يذكرون اسم اللّه فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.
وَ إِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ، أي: و إخوان الشّياطين الّذين لم يتّقوا يمدّهم الشّياطين.
فِي الغَيِ: بالتّزيين، و الحمل عليه.
و قرئ (10): «يمدّونهم». من أمدّ.
و قرئ (11): «يمادّونهم»، كأنّهم يعينونهم بالتّسهيل و الإغواء، و هؤلاء يعينونهم
____________
(1) من المصدر.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 43- 44، ح 128.
(3) المصدر: زيد بن أبي اسامة.
(4) نفس المصدر 2/ 44، ح 129.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: شيء.
(7) نفس المصدر و الموضع، ح 130.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فيه و يقصر.
(9) تفسير القمّي 1/ 253.
(10) أنوار التنزيل 1/ 382.
(11) نفس المصدر، و الموضع.
269
بالاتّباع و الامتثال.
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202): لا يمسكون عن إغوائهم حتّى يردّوهم.
و يجوز أن يكون الضّمير «للإخوان»، أي: لا يكفّون عن الغيّ و لا يقصرون، كالمتّقين.
و يجوز أن يراد «بالإخوان»: الشّياطين. و يرجع الضّمير إلى الجاهلين، فيكون الخبر جاريا على ما هو له.
وَ إِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ: من القرآن، أو ممّا اقترحوه.
قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها: هلا جمعتها تقوّلا من نفسك، كسائر ما تقرأه. أو هلّا طلبتها من اللّه.
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي: لست بمختلق للآيات، أو لست بمقترح لها.
هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ: هذا القرآن بصائر للقلوب، بها تبصر الحقّ و تدرك الصّواب.
وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203): سبق تفسيره.
وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204).
قيل (1): نزلت في الصّلاة كانوا يتكلّمون فيها، فأمروا باستماع قراءة الإمام و الإنصات له.
و في الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في خطبة يوم الجمعة الخطبة الأولى: الحمد للّه نحمده و نستعينه- إلى أن قال (عليه السلام)-: إنّ كتاب اللّه أصدق الحديث و أحسن القصص. و قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. [فاستمعوا طاعته] (3)، و أنصتوا ابتغاء رحمته.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 383.
(2) الكافي 3/ 422- 423.
(3) المصدر: فاسمعوا طاعة [أ] للّه.
270
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: إذا كنت خلف [الإمام تأتمّ] (2) به، فأنصت، و سبّح في نفسك.
و عن الصّادق (3)- (عليه السلام)-: يجب الإنصات للقرآن في الصّلاة و في غيرها.
و إذا قرئ عندك القرآن، وجب عليك الإنصات و الاستماع.
و في مجمع البيان (4): و روى زرارة، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: معناه: إذا كنت خلف إمام تأتمّ به، فأنصت و سبّح في نفسك فيما لا يجهر الإمام فيه بالقراءة.
و في من لا يحضره الفقيه (5): و في رواية زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و إن كنت خلف إمام، فلا تقرأنّ شيئا في الأوّلتين، و أنصت لقراءته، و لا تقرأنّ شيئا في الأخيرتين. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول للمؤمنين: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، يعني: في الفريضة خلف الإمام. فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. و الأخيرتان تبعا للأوّلتين (6).
و في تهذيب الأحكام (7)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه سئل عن القراءة (8) خلف الإمام.
فقال: إذا [كنت خلف إمام تتولّاه] (9) و تثق به، فإنّه يجزيك قراءته. و إن أحببت أن تقرأ، فاقرأ فيما يخافت به. فإذا جهر، فأنصت. قال اللّه- تعالى-: وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
الحسين بن سعيد (10)، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يؤمّ القوم، و أنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة.
فقال: إذا سمعت كتاب اللّه يتلى، فأنصت له.
قيل: فإنّه يشهد عليّ بالشّرك.
قال: إن عصى اللّه، فأطع اللّه. فرددت عليه، فأبى أن يرخّص لي.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 44.
(2) المصدر: إمام فأتم.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) مجمع البيان 2/ 515.
(5) الفقيه 1/ 256.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: للأوّليين.
(7) التهذيب 3/ 33.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: القرآن.
(9) من المصدر، و في النسخ: كان الإمام تولّاه.
(10) التهذيب 3/ 35- 36.
271
قيل: أصليّ إذن في بيتي، ثمّ أخرج إليه.
فقال: أنت و ذاك.
و قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان في صلاة الصّبح. فقرأ ابن الكواء و هو خلفه:
وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (1). فأنصت عليّ- (عليه السلام)- تعظيما للقرآن حتّى فرغ من الآية. ثمّ عاد في قراءته. ثمّ أعاد ابن الكواء الآية. فأنصت عليّ- (عليه السلام)- أيضا. ثمّ قرأ، فأعاد ابن الكواء. فأنصت عليّ- (عليه السلام)- ثمّ قال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (2) ثمّ أتمّ السّورة، ثمّ ركع.
قيل (3): هذان الحديثان و ما في معناهما، ممّا يوافق ظاهر القرآن من عموم وجوب الاستماع و الإنصات، محمول عند أصحابنا و عامّة الفقهاء على الاستحباب و تأكّده. بل قد ورد الأمر بالقراءة خلف المخالف، و إن سمعت قراءته، إذا لم تكن هناك تقيّة.
وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ: عامّ في الأذكار، من القراءة و الدّعاء و غيرهما.
تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً: متضرّعا و خائفا.
وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ: متكلّما كلاما فوق السّرّ، و دون الجهر. فإنّه أدخل في الخشوع و الإخلاص.
بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ: أوقات الغدوّ و العشيّات.
و قرئ: «الإيصال». و هو مصدر آصل: إذا دخل في الأصيل. مطابق للغدوّ.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: لا يكتب الملك إلّا ما سمع. و قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً. فلا يعلم ثواب ذلك الذّكر في نفس الرّجل غير اللّه- عزّ و جلّ- لعظمته.
و بإسناده (5) إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في آخر حديث: و دعاء التّضرّع، أن تحرّك إصبعك السّبّابة مما يلي وجهك. و هو دعاء الخيفة.
____________
(1) الزمر/ 65.
(2) الروم/ 60.
(3) تفسير الصّافي 2/ 263.
(4) الكافي 2/ 502.
(5) الكافي 2/ 481.
272
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن فضّال، رفعه قال: قال اللّه- عزّ و جلّ- لعيسى- (عليه السلام)-: اذكرني في نفسك، [أذكرك في نفسي] (2) و اذكرني في ملئك، أذكرك (3) في ملأ خير من ملأ الآدميّين.
و بإسناده (4) إلى أبي المغرا الخصّاف، رفعه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من ذكر اللّه في السّرّ، فقد ذكر اللّه كثيرا. إنّ المنافقين كانوا يذكرون اللّه علانيّة، و لا يذكرونه في السّرّ. فقال اللّه- تعالى-: يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (5).
و في تفسير العيّاشي (6): عن إبراهيم بن عبد الحميد، رفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ، يعني: مستكينا. «و خيفة»، يعني:
خوفا من عذابه. وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، يعني: دون الجهر من القراءة بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [يعني: بالغداة] (7) بالغدوّ و العشيّ.
عن الحسين بن المختار (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ.
قال: تقول عند المساء: لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت، و يميت و يحيي، و هو على كلّ شيء قدير (9).
قلت: بيده الخير.
[قال: إنّ بيده الخير] (10) و لكن قل كما أقول لك عشر مرّات. و أعوذ باللّه السّميع العليم من همزات الشّياطين وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ إن الله هو السميع العليم. [عشر مرّات حين تطلع الشمس و عشر مرّات حين تغرب.
عن محمّد بن مروان (11) عن بعض أصحابه قال: قال جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: قل: أستعيذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، و أعوذ باللّه أن يحضرون. إن الله
____________
(1) الكافي 2/ 502.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و اذكرني.
(4) الكافي 2/ 501.
(5) النساء/ 142.
(6) تفسير العياشي 2/ 44.
(7) من المصدر. و في النسخ: بالغدو.
(8) نفس المصدر 2/ 45، ح 136.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ قبل العبارة الأخيرة هذه الزيادة: و هو حي لا يموت بيده الخير.
(10) من المصدر.
(11) نفس المصدر و الموضع، ح 137.
273
هو السميع العليم. و] (1) قل: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت، و يميت و يحيي، و هو على كلّ شيء قدير.
فقال له الرّجل: مفروض هو؟
قال: نعم، مفروض هو محدود. تقوله قبل طلوع الشّمس، و قبل الغروب عشر مرّات. فإن فاتك شيء منها، فاقضه من اللّيل و النّهار.
و في كتاب الخصال (2): حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زبيرة القطّان، عن بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه قال: حدّثنا إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها (3).
فقال- (عليه السلام)-: فريضة على كلّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشّمس عشر مرّات: [و قبل غروبها عشر مرّات] (4) لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت، و هو حيّ لا يموت، بيده الخير، و هو على كلّ شيء قدير.
قال: فقلت: لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت، و يميت و يحيي.
فقال: [يا] (5) هذا، لا شكّ في أنّ اللّه يحيي و يميت و يميت و يحيي. و لكن قل كما أقول (6).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً قال: في الظّهر و العصر. دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ قال: بالغداة و العشيّ (8).
وَ لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205): عن ذكر اللّه.
و في الكافي (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن درّاج، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أيّما مؤمن حافظ على الصلوات
____________
(1) من المصدر.
(2) الخصال/ 452.
(3) طه/ 130.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قلت.
(7) تفسير القمّي 1/ 254.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: نصف النهار.
(9) الكافي 3/ 270.
274
المفروضة فصلّاها لوقتها، فليس هذا من الغافلين.
محمّد بن يحيى (1)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من كان معه كفنه في بيته، لم يكتب من الغافلين. و كان مأجورا كلّما نظر إليه.
و في كتاب الخصال (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لقمان لابنه:
يا بنيّ، لكلّ شيء علامة يعرف بها و يشهد عليها- إلى أن قال-: و للغافل ثلاث علامات:
اللّهو، و السّهو، و النّسيان.
و في كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ عشر آيات في ليلة، لم يكتب من الغافلين.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ذاكر اللّه في الغافلين، كالمقاتل عن الفارّين. و المقاتل عن الفارّين له الجنّة.
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ قيل: يعني: الملائكة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، يعني: الأنبياء و الرّسل و الأئمّة- (عليهم السلام)-.
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ: و ينزّهونه.
وَ لَهُ يَسْجُدُونَ (206): و يخصّونه بالعبادة و التّذلّل، لا يشركون به غيره. هذا أول سجدات القرآن.
و في الحديث (6): إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد، اعتزل الشّيطان يبكي و يقول:
يا ويله، امر هذا بالسّجود فسجد، فله الجنّة. و أمرت بالسّجود فعصيت، فلي النّار.
____________
(1) الكافي 3/ 256.
(2) الخصال/ 121- 122.
(3) ثواب الأعمال/ 129.
(4) الكافي 2/ 502.
(5) تفسير القمّي 1/ 254.
(6) أنوار التنزيل 1/ 383.
275
تفسير سورة الانفال
277
سورة الأنفال و هي مكّيّة (1). و هي ستّ و سبعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في تفسير العيّاشيّ (2): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: من قرأ سورة الأنفال و سورة براءة في كلّ شهر، لم يدخله نفاق أبدا. و كان من شيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [حقّا] (3) و يأكل (4) يوم القيامة من موائد الجنّة مع شيعته، حتّى يفرغ النّاس من الحساب.
و في كتاب ثواب الأعمال (5)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الأنفال و سورة براءة في كلّ شهر، لم يدخله نفاق أبدا. و كان من شيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في مجمع البيان (6): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من
____________
(1) بل مدنيّة. كما قال البيضاوي في أنوار التنزيل 1/ 383، و الطبرسي في مجمع البيان 2/ 516.
و ذكر في المجمع: «غير سبع آيات نزلت بمكّة: «و إذ يمكر بك الّذين كفروا»- إلى آخرهنّ». و كذلك في تفسير الصّافي 2/ 266.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 46، ح 1.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: أكل.
(5) ثواب الأعمال/ 132، ح 1.
(6) مجمع البيان 2/ 516.
278
قرأ سورة الأنفال و براءة، فأنا شفيع له و شاهد يوم القيامة أنّه بريء من النّفاق. و اعطي من الأجر بعدد كلّ منافق و منافقة في [دار] (1) الدّنيا عشر حسنات، و محي عنه عشر سيّئات [و رفع له عشر درجات] (2). و كان العرش و حملته يصلّون عليه أيّام حياته في الدّنيا.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، أي: الغنائم، يعني: حكمها.
و إنّما سمّيت الغنيمة نقلا، لأنّها عطيّة من اللّه- تعالى- و فضل، كما سمّي به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر: عطيّة له، و زيادة على سهمه.
و في مجمع البيان (3): قرأ السّجاد و الباقر و الصّادق- (عليهم السلام)-: «يسألونك الأنفال».
يعني: أن يعطيهم.
و قرئ: «يسألونك علنفال» بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على اللّام، و إدغام نون «عن» فيها.
قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ: مختصّة بهما يضعانها حيث شاءا.
و في التّهذيب (4): عن الباقر- (عليه السلام)-: «الفيء و الأنفال» ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم (5)، أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة (6) أو بطون أودية. فهو كلّه من الفيء و الأنفال (7). فهذا كلّه للّه و لرسوله. فما كان للّه، فهو لرسوله يضعه حيث شاء. و هو للإمام بعد الرّسول.
و فيه (8): محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد قال: حدّثنا بعض أصحابنا، رفع الحديث فقال: «الخمس» من خمسة أشياء: من الكنوز، و المعدن (9)، و الغوص، و المغنم الّذي يقاتل عليه و لم يحفظ عليه الخامس، و ما كان من فتح لم يقاتل عليه و لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب إلّا أنّ أصحابنا يأتونه فيعاملون عليه، فكيف ما عاملهم، عليه النّصف أو الثّلث أو الرّبع، أو ما كان يسهم له خاصّة و ليس لأحد فيه شيء إلّا ما أعطاه هو منه. و بطون الأودية و رؤوس الجبال و الموات كلّها هي له. و هو قوله- تعالى-:
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) مجمع البيان 2/ 516 و 517.
(4) التهذيب 4/ 134.
(5) المصدر: الدماء.
(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: جزية.
(7) ليس في المصدر.
(8) التهذيب 4/ 126- 127.
(9) المصدر: المعادن.
279
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ أن تعطيهم منه. قال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ. و ليس هو يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (1). و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «الأنفال» ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، و كلّ أرض خربة (3) أو بطون الأودية.
فهو لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء.
عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن رفاعة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل يموت و لا وارث له و لا موالي (5).
قال: هو من أهل هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ.
[عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: «الأنفال» هو النّفل. و في سورة الأنفال يقال جدع الأنف (7).
عليّ بن إبراهيم (8)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن شعيب، عن أبي الصّباح قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نحن قوم فرض اللّه طاعتنا. لنا الأنفال و لنا صفو المال] (9).
و في الجوامع (10): عن الصّادق- (عليه السلام)-: «الأنفال» كلّما أخذ من دار
____________
(1) قال الفيض- (رحمه اللّه)-: يعني: ليس المعنى: يسألونك عن حقيقة الأنفال. و إنّما المعنى: يسألونك أن تعطيهم من الأنفال.
(2) الكافي 1/ 539، ح 3.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: جزية.
(4) الكافي 1/ 546، ح 18.
(5) المصدر: مولى.
(6) الكافي 1/ 543- 544، ح 6.
(7) جدعه: قطع أنفه. و لعلّ الوجه في كلامه- (عليه السلام)- هو اشتمال السورة على ذكر الخمس لذوي القربى، فهذا قطع أنف المخالفين الجاحدين لحقوقهم- (عليهم السلام)-.
(8) الكافي 1/ 546، ح 17.
(9) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(10) جوامع الجامع/ 164.
280
الحرب بغير قتال، و كل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال- أيضا- و سمّاها الفقهاء: فيئا- [و الأرضون الموات] (1)، و الآجام، و بطون الأودية، و قطائع الملوك، و ميراث من لا وارث له. و هي للّه و للرّسول و لمن قام مقامه بعده.
و في الكافي (2): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمّد الحلبي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ.
قال: من مات و ليس له موالي (3)، فما له من الأنفال.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من مات و ليس له موالي، فما له من الأنفال.
عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.
قال: من مات و ليس له وارث من قرابة (6) و لا مولى عتاقه قد ضمن جريرته، فما له من الأنفال.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «الأنفال» ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب.
عن عبد اللّه بن سنان (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الأنفال.
قال: هي القرى الّتي قد جلا أهلها و هلكوا، فخربت. فهي للّه و للرّسول.
عن أبي أسامة بن زيد (9)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الأنفال.
فقال: هو كلّ أرض خربة (10)، و كلّ أرض لم يوجف عليها خيل و لا ركاب.
____________
(1) من المصدر.
(2) الكافي 7/ 169، ح 4.
(3) المصدر: مولى.
(4) الكافي 7/ 168، ح 1.
(5) الكافي 7/ 169، ح 1.
(6) المصدر: قرابته.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 47، ح 5.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 47، ح 6.
(9) تفسير العيّاشي 2/ 47، ح 10.
(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: جزية.
281
عن أبي بصير (1) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لنا الأنفال.
قلت: و ما الأنفال؟
قال: منها المعادن، و الآجام، و كلّ أرض لا ربّ لها، و كلّ أرض باد أهلها.
فهو لنا.
عن أبي حمزة الثّمالي (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول، في الملوك الّذين يقطعون النّاس: من الفيء و الأنفال و أشباه ذلك.
و في رواية أخرى (3)، عن الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ.
قال: ما كان للملوك، [فهو للإمام.
عن سماعة بن مهران (4) قال: سألته عن الأنفال. قال: كلّ أرض خربة و أشياء كانت تكون للملوك] (5) فذلك خاصّ للإمام. ليس للنّاس فيه سهم. قال: و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
عن داود بن فرقد (6) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الأنفال؟
قال: بطون الأودية، و رؤوس الجبال، و الآجام، و المعادن، و كلّ أرض لم يوجف عليها خيل و لا ركاب، و كلّ أرض ميتة قد جلا أهلها، و قطائع الملوك.
عن أبي مريم الأنصاري (7) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ.
قال: سهم (8) للّه و سهم للرّسول.
قال: قلت: فلمن سهم اللّه؟
فقال: للمسلمين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): حدّثني أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 48، ح 11.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 48، ح 16.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 48، ح 17.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 48، ح 18.
(5) من المصدر.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 49، ح 21.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 49، ح 22.
(8) «ر»: فأسهم.
(9) تفسير القمّي 1/ 254- 255.
282
عثمان، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الأنفال.
فقال: هي القرى الّتي قد خربت و انجلى أهلها، فهي للّه و للرّسول. و ما كان للملوك، فهو للإمام. و ما كان من أرض خربة (1) لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و كلّ أرض لا ربّ لها، و المعادن، و من مات و ليس له مولى، فماله من الأنفال.
و قال: نزلت يوم بدر لمّا انهزم النّاس. كان أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ثلاث فرق: فصنف كانوا عند خيمة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و صنف أغاروا على النّهب، و فرقة طلبت العدوّ و أسروا و غنموا.
فلمّا جمعوا الغنائم و الأسارى، تكلّمت الأنصار في الأسارى. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (2).
فلمّا أباح اللّه لهم الأسارى و الغنائم، تكلّم سعد بن معاذ و كان ممّن أقام عند خيمة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، ما منعنا أن نطلب العدوّ زهادة في الجهاد و لا جبنا من العدوّ، و لكنّا خفنا أن يغزى موضعك فتميل (3) عليك خيل المشركين.
و قد أقام عند الخيمة وجوه المهاجرين و الأنصار، و لم يشك أحد منهم. و النّاس كثير [يا رسول اللّه] (4) و الغنائم قليلة. و متى تعطي (5) هؤلاء، لم يبق لأصحابك شيء.
و خاف أن يقسّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الغنائم و أسلاب القتلى بين من قاتل، و لا يعطي من تخلف على (6) خيمة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شيئا. فاختلفوا فيما بينهم حتّى سألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقالوا: لمن هذه الغنائم؟
فأنزل اللّه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ.
فرجع النّاس و ليس لهم في الغنيمة شيء. ثمّ أنزل اللّه بعد ذلك وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ (الآية) (7). فقسّمه (8) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بينهم.
فقال سعد بن أبي وقّاص: يا رسول اللّه، أ تعطي فارس القوم الّذي يحميهم مثل ما تعطي الضّعيف؟
____________
(1) المصدر: الجزية.
(2) الأنفال/ 67.
(3) هكذا في المصدر، و في النسخ: فيميل.
(4) من المصدر.
(5) المصدر: يعطى.
(6) المصدر: عليه عند خيمة ....
(7) الأنفال/ 41.
(8) المصدر: فقسّم.
283
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثكلتك أمّك، و هل تنصرون إلّا بضعفائكم؟
قال: فلم يخمّس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ببدر، و قسّم بين أصحابه ثم استقبل يأخذ الخمس بعد بدر، [فأنزل اللّه قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ بعد انقضاء حرب بدر. و قد كتب ذلك في أوّل السّورة، و كتب بعده خروج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الحرب] (1).
فَاتَّقُوا اللَّهَ: في الاختلاف و المشاجرة.
وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ: الحالة الّتي بينكم بالمواساة و المساعدة فيما رزقكم اللّه، و تسليم أمره إلى اللّه و الرّسول.
وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ: فيه.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1): فإنّ الإيمان يقتضي ذلك. أو أن كنتم كاملي الإيمان، فإنّ كمال الإيمان بهذه الثّلاثة: طاعة الأوامر، و الاتّقاء عن المعاصي، و إصلاح ذات البين بالعدل و الإحسان.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ، أي: الكاملون في الإيمان.
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ: فزعت لذكره، استعظاما له، و تهيّبا من جلاله.
و قيل (2): هو الرّجل يهمّ بمعصية، فيقال له: اتّق اللّه. فينزع عنها خوفا من عقابه.
و قرئ (3): «وجلت» بالفتح. و هي لغة. و «فرقت»، أي: خافت.
وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً: لزيادة المؤمن به. أو لأطمئنان النّفس و رسوخ اليقين بتظاهر الأدلّة، بناء على أنّ اليقين يقيل التّشكيك. أو بالعمل بموجبها، و هو قول من قال: الإيمان يزيد بالطّاعة و ينقص، بالمعصية، بناء على أنّ العمل داخل فيه.
وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2): يفوّضون إليه أمورهم، و لا يخشون و لا يرجون إلّا إيّاه.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(2) أنوار التنزيل 1/ 384.
(3) نفس المصدر و الموضع.
284
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا: لأنّهم حقّقوا إيمانهم، بأن ضمّوا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية و الإخلاص. و التوكّل، و محاسن أفعال الجوارح الّتي هي العيار عليها من الصّلاة و الصّدقة.
و «حقّا» صفة مصدر محذوف، أي: إيمانا حقّا. أو مصدر مؤكّد، كقوله: هو عبد اللّه حقّا.
لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ: كرامة و علوّ منزلة.
و قيل: درجات الجنّة يرتقونها بأعمالهم (1).
وَ مَغْفِرَةٌ: لما فرط منهم.
وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (4): اعدّ لهم في الجنّة، لا ينقطع عدده و لا ينتهي أمده.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): نزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و أبي ذرّ، و سلمان، و المقداد.
و في أصول الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، و بالزّيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه، و بالنّقصان دخل المفرطون النّار.
و يأتي صدر الحديث في أواخر سورة التّوبة إن شاء اللّه.
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الحال في كراهتهم إيّاها، كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له.
أو صفة مصدر للفعل المقدّر في قوله: «للّه و الرّسول»، أي: الأنفال ثبتت للّه و الرّسول، مع كراهتهم، ثباتا، مثل ثبات إخراجك ربّك من بيتك، يعني المدينة. لأنّها مهاجره و مسكنه. أو بيّته فيها مع كراهتهم.
وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5): في موقع الحال.
قيل (4): يعني: حالهم هذه في كراهة ما حكم اللّه في الأنفال، مثل حالهم في
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 384.
(2) تفسير القمّي 1/ 255.
(3) الكافي 2/ 37، ح 1.
(4) تفسير الصافي 2/ 269.
285
كراهة خروجك من بيتك للحرب.
و في مجمع البيان (1): في حديث أبي حمزة: فاللّه ناصرك، كما أخرجك من بيتك.
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ: في إيثارك الجهاد، إظهارا للحقّ لإيثارهم تلقّي العير عليه.
بَعْدَ ما تَبَيَّنَ: أنّهم ينصرون أينما توجّهوا بإعلام الرّسول.
كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (6)، أي: يكرهون القتال كراهة من يساق الى الموت و هو يشاهد أسبابه. و كان ذلك لقلّة عددهم، و عدم تأهّبهم.
إذ نقل: أنّهم كانوا رجّالة، و ما كان فيهم إلّا فارسان. و فيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم إنّما كانت لفرط فزعهم و رعبهم (2).
وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: على إضمار «اذكر».
و «إحدى» ثاني مفعولي «يعدكم». و قد أبدل عنهما.
أَنَّها لَكُمْ: بدل الاشتمال.
وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، يعني: العير. فإنّه لم يكن فيها إلّا أربعون فارسا. و لذلك يتمنّونها و يكرهون ملاقاة النّفير، لكثرة عددهم و عدّتهم.
و «الشّوكة» الحدّة. مستعارة من حدّة الشّوك.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية: «ذات (4) الشّوكة» الّتي فيها القتال.
وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ: أن يثبته و يغلبه.
بِكَلِماتِهِ: الموحى بها في هذه الحال. أو بأوامره للملائكة بالإمداد.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال: «الكلمات» الأئمّة- (عليهم السلام)-.
و قرئ (6): «بكلمته».
وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7): و يستأصلهم.
و المعنى: أنّكم تريدون أن تصيبوا مالا و لا تلقوا مكروها، و اللّه يريد إعلاء الدّين
____________
(1) مجمع البيان 2/ 521.
(2) أنوار التنزيل 1/ 386.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 49- 50، ح 23.
(4) المصدر: فقال: الشوكة ...
(5) تفسير القمّي 1/ 270.
(6) أنوار التنزيل 1/ 386.
286
و إظهار الحقّ و ما يحصل لكم فوز الدّارين.
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ، أي: فعل ما فعل. و ليس بتكرير. لأنّ الأوّل لبيان المراد و ما بينه و بين مرادهم من التّفاوت، و الثّاني لبيان الدّاعي إلى حمل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على اختيار ذات الشّوكة و نصره عليها.
وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8): ذلك.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن جابر قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن تفسير هذه الآية في قول اللّه: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ.
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: تفسيرها في الباطن يُرِيدُ اللَّهُ، فإنّه شيء يريده (2) و لم يفعله بعد. و أمّا قوله: يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، فإنّه يعني: يحقّ حقّ آل محمّد. و أمّا قوله- سبحانه-: «بكلماته» قال: بكلماته (3) في الباطن عليّ، هو كلمة اللّه في الباطن.
و أمّا قوله: وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ فهو (4) بنو أميّة، هم الكافرون، يقطع اللّه دابرهم.
و أمّا قوله: «ليحقّ الحقّ» فإنّه يعني حقّ آل محمّد حين يقوم القائم- (عليه السلام)-. و أمّا قوله: وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ، يعني القائم. فإذا قام يبطل بني أميّة (5). و ذلك [قوله] (6) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ: بدل من «إذ يعدكم». أو متعلّق بقوله: «ليحقّ الحقّ». أو على إضمار «اذكر». و استغاثتهم لمّا علموا أنّ لا محيص من القتال.
و في مجمع البيان (7): عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نظر إلى كثرة عدد المشركين و قلّة عدد المسلمين، استقبل القبلة و قال: اللّهمّ، أنجز لي ما وعدتني. اللّهمّ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف به (8)، مادّا يديه، حتّى سقط رداؤه عن منكبه. فأنزل اللّه- تعالى- إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ (الآية).
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ: بأنّي ممدّكم. فحذف الجارّ، و سلط عليه
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 50، ح 24.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فإنّه يريد و ....
(3) المصدر: كلماته.
(4) المصدر: فهم.
(5) المصدر: «باطل بني اميّة» بدل «بني اميّة».
(6) من المصدر.
(7) مجمع البيان 2/ 525.
(8) المصدر: ربّه.
287
الفعل.
و قرأ (1) أبو عمرو، بالكسر، على إرادة القول. أو إجراء «استجاب» مجرى «قال»، لأنّ الاستجابة من القول.
بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9): متبعين المؤمنين، أو بعضهم بعضا. من أردفته: إذا جئت بعده. أو متّبعين بعضهم بعض المؤمنين، أو أنفسهم المؤمنين. من أردفته إيّاه، فردفه.
و قرأ (2) نافع و يعقوب، بفتح الدّال، أي: متّبعين، أو متّبعين. بمعنى: أنّهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم.
و قرئ (3): «مردفين» بكسر الرّاء، و ضمّها. و أصله، مرتدفين بمعنى: مترادفين.
فأدغمت التّاء في الدّال، فالتقى ساكنان، فحرّكت الرّاء بالكسر على الأصل أو بالضّمّ على الإتباع.
و قرئ (4): «بآلاف» ليوافق ما في سورة آل عمران. و وجه التّوفيق بينه و بين المشهور، أنّ المراد بالألف الّذين كانوا على المقدّمة، أو السّاقة، أو وجوههم و أعيانهم، أو من قاتل منهم.
وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ، أي: الإمداد.
إِلَّا بُشْرى، أي: إلّا بشارة لكم بالنّصر.
وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ: فيزول ما بها من الوجل، لقلّتكم و ذلّتكم.
وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10): و إمداد الملائكة و كثرة العدد و الأهب و نحوها وسائط لا تأثير لها. فلا تحسبوا النّصر منها، و لا تيأسوا منه بفقدها.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ: بدل ثان من «إذ يعدكم»، لإظهار نعمة ثالثة. أو متعلّق «بالنّصر». أو بما في «عند اللّه» من معنى الفعل. أو «بجعل»، أو بإضمار «اذكر».
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 386.
(2) أنوار التنزيل 1/ 386.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
288
و قرأ (1) نافع، بالتّخفيف. من أغشيته الشّيء: إذا غشيته إيّاه. و الفاعل على القراءتين، هو اللّه- تعالى-.
و قرأ (2) ابن كثير و أبو عمرو: «يغشاكم النّعاس» بالرّفع.
أَمَنَةً مِنْهُ: أمنا من اللّه. و هو مفعول له، باعتبار المعنى. فإنّ قوله: يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ يتضمّن معنى: تنعسون. و يغشاكم بمعناه.
و «الأمنة» فعل لفاعله. و يجوز أن يراد بها الإيمان، فيكون فعل المغشيّ. و أن تجعل على القراءة الأخيرة فعل النّعاس على المجاز. لأنّها لأصحابه، أو لأنّه كان من حقّه أن لا يغشاهم لشدّة الخوف. فلمّا غشيهم فكأنّه حصلت لهم أمنة من اللّه، لولاها لم يغشيهم، كقوله: يهاب النّوم أن يغشى عيونا تهابك فهو نفّار شرور.
و قرئ (3): «أمنة»، كرحمة. و هي لغة.
وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ: من الحدث و الجنابة.
و في الكافي (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- [قال: قال أمير المؤمنين] (5) اشربوا ماء السّماء، فإنّه يطهّر البدن، و يدفع الأقسام. ثمّ تلا هذه الآية.
و مثله في كتاب الخصال (6).
وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، يعني: الجنابة. لأنّها من تخييله، أو وسوسته و تخويفه إيّاهم من العطش.
إذ نقل (7): أنّهم نزلوا في كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام على غير ماء. و ناموا، فاحتلم أكثرهم. و قد غلب المشركون على الماء. فوسوس إليهم الشّيطان، و قال: كيف تنصرون و قد غلبتم على الماء، و أنتم تصلون محدثين مجنبين، و تزعمون أنّكم أولياء اللّه، و فيكم رسوله؟ فأشفقوا. فأنزل اللّه المطر، فمطروا [ليلا] (8) حتّى جرى الوادي. و اتّخذوا الحياض على عدوته، و سقوا الرّكاب، و اغتسلوا، و توضّئوا. و تلبّد الرّمل الّذي بينهم
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 387.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) أنوار التنزيل 1/ 387.
(4) الكافي 6/ 387- 388، ح 2.
(5) من المصدر.
(6) الخصال/ 636- 637.
(7) أنوار التنزيل 1/ 387.
(8) من المصدر.
289
و بين العدوّ، حتّى ثبتت عليه الأقدام و زالت [وسوسة الشّيطان] (1).
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ.
قال: لا يدخلنا ما يدخل النّاس من الشّكّ.
وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ: بالوثوق على لطف اللّه بكم.
وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11)، أي: بالمطر، حتّى لا تسوخ في الرّمل. أو بالرّبط على القلوب، حتّى يثبت في المعركة.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن جابر، عن أبي [عبد اللّه] (4) جعفر [بن محمّد] (5)- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية في البطن [و ينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به و يذهب عنكم رجز الشّيطان و ليربط على قلوبكم و يثبت به الأقدام] (6).
قال: «فالسّماء» في الباطن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و «الماء» عليّ.
جعل اللّه عليّا من رسول اللّه. فذلك قوله: لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ. فذلك عليّ يطهّر اللّه به قلب من والاه. و أمّا قوله: وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ من والى عليّا، يذهب الرجز عنه و يقوى عليه. وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ فإنّه يعني: عليّا. من والى عليّا، يربط اللّه على قلبه بعليّ، فيثبت على ولايته.
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ: بدل ثالث. أو متعلّق «بيثبّت».
إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ: في إعانتهم و تثبيتهم. و هو مفعول «يوحي».
و قرئ (7) بالكسر، على إرادة القول. أو إجراء الوحي مجراه.
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا: بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم.
فيكون قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ كالتفسير لقوله: «أنّي معكم فثبّتوا». و فيه دليل على أنّهم قاتلوا.
و من منع ذلك، جعل الخطاب فيه مع المؤمنين. إمّا على تغيير الخطاب، أو على أنّ قوله: «سألقي» إلى قوله: «كلّ بنان» تلقين للملائكة ما يثبّتون المؤمنين به، كأنّه
____________
(1) المصدر: الوسوسة.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 50، ح 27.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 50، ح 25.
4 و 5- من المصدر.
(6) من المصدر.
(7) أنوار التنزيل 1/ 387.
290
قال: قولوا لهم قولي هذا.
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ: أعاليها، الّتي هي المذابح و الرّؤوس.
وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12)، أي: الأصابع، أي: جزّوا رقابهم، و اقطعوا أطرافهم.
ذلِكَ: إشارة إلى الضّرب، أو الأمر به. و الخطاب للرّسول، أو لكلّ أحد من المخاطبين.
بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ: بسبب مشاقّتهم لهما.
و اشتقاقه من الشّقّ، لأنّ كلا من المتعاندين في شقّ خلاف شقّ الآخر، كالمعاداة، من العدوّ. و المخاصمة، من الخصم. و هو الجانب.
وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13): تقرير للتّعليل. أو وعيد بما أعدّ لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدّنيا.
ذلِكُمْ: الخطاب فيه مع الكفرة، على طريقة الالتفات.
و محلّه الرّفع، أي: الأمر ذلكم، أو «ذلكم» واقع. أو نصب بفعل دلّ عليه فَذُوقُوهُ أو غيره، مثل باشروا. أو عليكم، لتكون الفاء عاطفة.
وَ أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14): عطف على «ذلكم». أو نصب على المفعول معه.
و المعنى: ذوقوا ما عجّل لكم، مع ما أعدّ لكم في الآخرة.
و وضع الظّاهر فيه موضع المضمر، للدّلالة على أنّ الكفر سبب العذاب الآجل، أو الجمع بينهما.
و قرئ (1): «إنّ» بالكسر، على الاستئناف.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): كان سبب نزول (3) ذلك، أنّ عيرا لقريش خرجت إلى الشّام فيها خزائنهم. فأمر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصحابه بالخروج، ليأخذوها فأخبرهم أنّ اللّه قد وعده إحدى الطّائفتين: إمّا العير، أو قريش إن ظفر (4) بهم. فخرج في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 388.
(2) تفسير القمّي 1/ 256- 270.
(3) ليس في المصدر.
(4) المصدر: أظفر.
291
فلمّا قارب بدرا (1)، كان أبو سفيان في العير. فلمّا بلغه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد خرج يتعرّض العير، خاف خوفا شديدا و مضى إلى الشّام.
فلمّا وافى النّقرة (2)، اكترى ضمضم بن عمرو الحرّاعي (3) بعشرة دنانير، و أعطاه قلوصا (4)، و قال له: امض إلى قريش، و أخبرهم أنّ محمّدا و الصّباة (5) من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم، فأدركوا العير. و أوصاه أن يخرم ناقته و يقطع أذنها حتّى يسيل الدّم، و يشقّ ثوبه من قبل و دبر فإذا دخل مكّة ولّى وجهه إلى ذنب البعير، و صاح بأعلى صوته: يا آل غالب يا آل غالب (6)، اللّطيمة اللّطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا و ما أراكم تدركون، فإنّ محمّدا و الصّباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم.
فخرج ضمضم يبادر إلى مكّة.
و رأت عاتكة بنت عبد المطّلب، قبل قدوم ضمضم، في منامها بثلاثة أيّام كأنّ راكبا قد دخل مكّة ينادي: يا آل عذر يا آل فهر (7)، أغدوا إلى مصارعكم صبح ثالث. ثمّ وافى بحمله على أبي قبيس، فأخذ حجرا فدهدهه (8) من الجبل، فما ترك دارا (9) من دور قريش إلّا أصابه منه فلذة. و كأنّ وادي مكّة قد سال من أسفله دما.
فانتبهت ذعرة. فأخبرت العبّاس بذلك. فأخبر العبّاس عتبة بن ربيعة.
فقال عتبة: هذه (10) مصيبة تحدث في قريش.
و فشت الرّؤيا في قريش. فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: ما رأت عاتكة هذه الرّؤيا، و هذه نبيّة ثانية في بني عبد المطّلب! و اللّات و العزّى، لننظرنّ (11) ثلاثة أيّام، فإن كان ما رأت حقّا فهو، كما رأت. و إن كان غير ذلك، لنكتبنّ بيننا كتابا، أنّه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا و نساء من بني هاشم.
____________
(1) المصدر: بدر.
(2) النّقرة: موضع في طريق مكّة. كما قاله الحموي. و في المصدر: «البهرة». قال الفيروزآبادي: البهرة: موضع بنواحي المدينة.
(3) المصدر: ضمضم الخزاعي.
(4) القلوص من الإبل: الشابّة.
(5) الصّباة: جمع الصابي، و هو: الّذي خرج من دين إلى دين آخر.
(6) المكرّر ليس في المصدر.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: عذر.
(8) المصدر: فدهده.
(9) ليس في المصدر.
(10) ليس في المصدر.
(11) المصدر: لننتظر.
292
فلمّا مضى يوم، قال أبو جهل: هذا يوم قد مضى. فلمّا كان اليوم الثّاني، قال أبو جهل: هذان يومان قد مضيا. فلمّا كان اليوم الثّالث، وافى ضمضم ينادي في الوادي: يا آل غالب يا آل غالب، اللّطيمة اللّطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا و ما أراكم تدركون، فإنّ محمّدا و الصّباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم الّتي فيها خزائنكم.
فتصايح النّاس بمكّة، و تهيّؤوا للخروج. و قام سهيل بن عمرو، و صفوان بن أميّة، و أبو البختريّ بن هشام، و منبّه و نبيه، ابنا الحجّاج، و نوفل بن خويلد، فقالوا (1):
يا معشر قريش، و اللّه ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه. أن يطمع محمّد و الصّباة من (2) أهل يثرب، أن يتعرّضوا لعيركم الّتي فيها خزائنكم. فو اللّه، ما قرشيّ و لا قرشيّة إلّا و لهما (3) في هذا العير نشّ (4) فصاعدا. و إنّه للذّل و الصّغار أن يطمع محمّد في أموالكم، فيفرق بينكم و بين متجركم، فاخرجوا.
و أخرج صفوان بن أميّة خمسمائة دينار، و جهّز بها. و أخرج سهيل بن عمرو [خمسمائة] (5) و ما بقي أحد من عظماء قريش، إلّا أخرجوا مالا و حملوا وقودا (6). و خرجوا على الصّعب و الذّلول لا يملكون أنفسهم، كما قال اللّه- تبارك و تعالى-: خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ (7).
و خرج معهم العبّاس بن عبد المطّلب، و نوفل بن الحارث و عقيل بن أبي طالب.
و أخرجوا معهم المغنّيات، يشربون الخمر و يضربون بالدّفوف. و خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا.
فلمّا كان بقرب بدر على ليلة منها، بعث بشير بن أبي الرّغباء (8) و محمّد بن عمير (9) يتجسّسان خبر العير. فأتيا ماء بدر، فأناخا راحلتيهما، و استعذبا من الماء. و سمعا جاريتين، قد تشبّثت إحداهما بالأخرى تطالبها بدرهم كان لها عليها. فقالت: عير
____________
(1) المصدر: قال.
(2) المصدر: عن.
(3) المصدر: لها.
(4) النشّ: نصف الأوقية. و في المصدر: شيء
(5) من المصدر.
(6) المصدر: و قووا.
(7) الأنفال/ 47.
(8) المصدر: الرعبا (الدعناء- خ ل)
(9) المصدر: مجد بن عمرو.
293
قريش نزلت أمس في موضع كذا، و هي تنزل غدا ها هنا و أنا أعمل لهم و أقضيك.
فرجعا، فأخبراه بما سمعا.
فأقبل أبو سفيان بالعير. فلمّا شارف بدرا، تقدّم العير و أقبل وحده حتّى انتهى إلى ماء بدر. و كان بها رجل من جهينة (1) يقال له: كسب الجهنيّ.
فقال له: يا كسب، هل لك علم بمحمّد و أصحابه؟
قال: لا.
قال: و اللّات و العزّى، لئن كتمتنا أمر محمّد، لا تزال لك قريش معادية آخر الدّهر. فإنّه ليس أحد من قريش، إلّا و له في هذه العير النش (2) فصاعدا. فلا تكتمني.
فقال: و اللّه، مالي علم بمحمّد [و ما بال محمّد] (3) و أصحابه بالتّجّار؟ إلّا أنّي رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا، فاستعذبا من الماء، و أناخا راحلتيهما و رجعا. فلا أدري من هما.
فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما، ففتّ أبعار الإبل بيده، فوجد فيها النّوى. فقال: هذه علائف يثرب، هؤلاء- و اللّه (4)- عيون محمّد. فرجع مسرعا، و أمر بالعير، فأخذ بها نحو ساحل البحر و تركوا الطريق و مرّوا مسرعين.
و نزل جبرائيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأخبره أنّ العير قد أفلتت، و أنّ قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها. و أمره بالقتال، و وعده النّصر. و كان نازلا ماء بالصّفراء (5). فأحبّ أن يبلو الأنصار، لأنّهم إنّما وعدوه أن ينصروه في الدّار. فأخبرهم أنّ العير قد جازت، و أنّ قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، و أنّ اللّه قد أمرني بمحاربتهم.
فجزع أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من ذلك. و خافوا خوفا شديدا. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أشيروا عليّ.
فقام أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه، إنّها قريش و خيلاؤها. ما آمنت منذ كفرت، و لا ذلّت منذ عزّت، و لم نخرج على هيئة الحرب.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- له: اجلس.
____________
(1) المصدر: جهينيّة.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: نشر.
(3) من المصدر.
(4) ليس في المصدر.
(5) قرية بين جبلين.
294
فجلس.
فقال: أشيروا عليّ.
فقام عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر.
فقال: اجلس.
ثمّ قام المقداد، فقال: يا رسول اللّه، إنّها قريش و خيلاؤها.
و إنّا قد آمنّا بك، و صدّقناك، و شهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند اللّه. و لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا (1) و شوك الهراس (2)، لخضنا معك. و لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (3). و لكنّا نقول: اذهب أنت و ربّك فقاتلا، إنّا معكما مقاتلون.
فجزاه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- خيرا. ثمّ جلس.
ثمّ قال: أشيروا عليّ.
فقام سعد بن معاذ، فقال: بأبي أنت و أمّي، يا رسول اللّه، كأنّك أردتنا؟
قال: نعم.
قال: فلعلّك خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟ [قال: نعم] (4).
قال: بأبي أنت و أمّي، يا رسول اللّه، إنّنا قد آمنا بك و صدّقناك و (5) شهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند اللّه. فمرنا بما شئت، و خذ من أموالنا ما شئت، و اترك منه ما شئت. و الّذي أخذت منه أحبّ إليّ من الّذي [تركت منه] (6). و اللّه، لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك. [فجزاه خيرا] (7).
ثمّ قال [سعد] (8): بأبي أنت و أمّي، يا رسول اللّه، [و اللّه] (9) ما خضت هذا الطّريق قطّ و ما لي به علم. و قد خلّفنا بالمدينة قوما، ليس نحن بأشدّ جهادا لك منهم.
____________
(1) الغضاة: شجر عظيم و خشبة من أصلب الخشب. و هو حسن النار، و جمره يبقى زمانا طويلا لا ينطفئ.
(2) الهراس: شجر كثير الشوك طويلة. و في المصدر: الهراش.
(3) المائدة/ 24.
(4) من المصدر.
(5) من هنا ليس في «أ» إلى موضع سيأتي.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: تركته.
(7) من المصدر.
(8) من المصدر.
(9) من المصدر.
295
و لو علموا أنّه الحرب، لما تخلّفوا. و لكن نعدّ لك الرّواحل، و نلقى عدوّنا. فإنّا صبر (1) عند اللّقاء، أنجاد في الحرب. و إنّا لنرجو أن يقرّ اللّه عينيك بنا. فإنّ يك ما تحبّ، فهو ذاك.
و إن يكن غير ذلك، قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو يحدث اللّه غير ذلك؟ كأنّي بمصرع فلان ها هنا، و بمصرع فلان ها هنا، و بمصرع أبي جهل، و عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و منبّه و نبيه، ابني الحجّاج. فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطّائفتين، و لن يخلف اللّه الميعاد.
فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهذه الآية كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ- إلى قوله-: وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالرّحيل حتّى نزل عشاء على ماء بدر، و هي العدوة الشّامية.
و أقبلت قريش، و نزلت بالعدوة اليمانيّة. و بعثت عبيدها تستعذب من الماء، فأخذهم أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و حبسوهم.
فقالوا لهم: من أنتم؟
قالوا: نحن عبيد قريش.
قالوا: فأين العير؟
قالوا: لا علم لنا بالعير.
فأقبلوا يضربونهم. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يصلي.
فانفتل من صلاته فقال: إن صدقوكم، ضربتموهم. و إن كذبوكم، تركتموهم. عليّ بهم.
فأتوا بهم.
فقال لهم: من أنتم؟
قالوا: يا محمّد، نحن عبيد قريش.
قال: كم القوم؟
قالوا له: لا علم لنا بعددهم.
قال: كم ينحرون في كلّ يوم جزورا.
قالوا: تسعة إلى (2) عشرة.
____________
(1) المصدر: نصبر.
(2) المصدر: أو.
296
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: القوم (1) تسعمائة إلى (2) ألف. [ثمّ] (3).
قال: فمن فيهم من بني هاشم؟
فقالوا (4): العباس بن عبد المطّلب، و نوفل بن الحارث، و عقيل بن أبي طالب.
فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهم فحبسوا (5). و بلغ قريشا ذلك، فخافوا خوفا شديدا.
و لقي عتبة بن ربيعة أبا البختريّ بن هشام، فقال له: أما ترى هذا البغي، و اللّه، ما أبصر موضع قدمي. خرجنا لنمنع عيرنا و قد أفلتت، فجئنا بغيا و عدوانا. و اللّه، ما أفلح قوم قطّ بغوا. و لوددت أنّ ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كلّه، و لم نسر هذا المسير.
فقال له أبو البختريّ: إنّك سيّد من سادات قريش. [فسر في الناس و] (6) نحمل العير الّتي أصابها محمّد و أصحابه بنخلة، و دم ابن الحضرميّ فإنّه حليفك.
فقال عتبة: أنت تشير (7) عليّ بذلك (8). و ما على أحد منّا خلاف إلّا ابن الحنظليّة (9)، يعني: أبا جهل. فسر (10) إليه، و أعلمه أنّي قد تحمّلت العير الّتي [قد] (11) أصابها محمّد بنخلة (12) و دم ابن الحضرميّ.
فقال أبو البختري: فقصدت خباءه فإذا هو قد أخرج درعا له.
فقلت له: إنّ أبا الوليد بعثني إليك برسالة.
فغضب، ثمّ قال: أما وجد عتبة رسولا غيرك؟
فقلت: أما، و اللّه، لو غيره أرسلني ما جئت. و لكن أبا الوليد سيّد العشيرة.
فغضب [أشدّ من الأولى] (13) غضبة أخرى، فقال: تقول: سيّد العشيرة!
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: أو.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: قال.
(5) المصدر: فحبسوهم.
(6) ليس في المصدر، ر، ب.
(7) ليس في المصدر.
(8) أي: قد فعلت، و أنت الشاهد على ذلك.
(9) المصدر: حنظلة بدل الحنظليّة.
(10) كذا في المصدر، و في النسخ: فصر.
(11) من المصدر.
(12) ليس في المصدر.
(13) كذا في المصدر، و في النسخ: غضبة أخرى.
297
فقلت: أنا أقوله، و قريش كلّها تقوله. إنّه قد تحمّل العير و دم ابن الحضرميّ.
فقال: إنّ عتبة أطول النّاس لسانا، و أبلغهم في الكلام، و يتعصّب لمحمّد. فإنّه من بني عبد مناف، و ابنه معه، و يريد أن يخذله (1) بين النّاس. لا، و اللّات و العزّى، حتّى نقتحم عليهم بيثرب، و نأخذهم أسارى. فندخلهم مكّة، و تتسامع العرب بذلك، و لا يكون بيننا و بين متجرنا أحد نكرهه.
و بلغ أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كثرة قريش، ففزعوا فزعا شديدا و شكوا و بكوا و استغاثوا. فأنزل اللّه على رسوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
فلمّا أمسى (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و جنّه اللّيل، ألقى اللّه على أصحابه النّعاس حتّى ناموا. و أنزل اللّه- تبارك و تعالى- عليهم السّماء (3)، و كان نزول (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في موضع لا يثبت فيه القدم، فأنزل اللّه عليهم السّماء [و لبّد الأرض] (5) حتى تثبت الأقدام. و هو قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ. و ذلك أنّ بعض أصحاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- احتلم. وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ.
و كان المطر على قريش، مثل العزالي (6). و كان على أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رذاذا (7) بقدر ما يلبّد الأرض. و خافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا يتحارسون يخافون البيات.
فبعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عمّار بن ياسر و عبد اللّه بن مسعود، فقال:
ادخلا في القوم و اتياني (8) بأخبارهم.
____________
(1) المصدر: يحذر (يخذل- خ)
(2) المصدر: مشى.
(3) المصدر: الماء، و السماء هنا بمعنى المطر.
(4) المصدر: نزل.
(5) ليس في المصدر.
(6) العزالي: جمع العزلاء: مصب الماء من الراوية. و منه قولهم: أرخت السّماء عزاليها.
(7) الرذاذ: المطر الضعيف.
(8) كذا في المصدر، و في النسخ: ائتونا.
298
فكانا يجولان في عسكرهم. لا يرون إلّا خائفا ذعرا، إذا سمعوا (1) سهل الفرس وثبوا (2) على جحفلته. فسمعوا منبّه بن الحجّاج يقول: لا يترك الجوع لنا مبيتا لا بدّ أن نموت أو نميتا.
قال: قد و اللّه، كانوا شباعا، و لكنّهم من الخوف قالوا هذا.
و ألقى اللّه في (3) قلوبهم الرّعب، كما قال اللّه- تعالى-: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (4).
فلمّا أصبح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. عبّأ أصحابه. و كان في عسكر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرسان: فرس للزّبير بن العوّام، و فرس للمقداد بن أسود.
و كان في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ بن أبي طالب و مرثد بن أبي مرثد الغنويّ على جمل يتعاقبون عليه، و الجمل لمرثد. و كان في عسكر قريش أربعمائة فرس. فعبّأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصحابه بين يديه، و قال: غضّوا أبصاركم، و لا تبدأوهم بالقتال، و لا يتكلّمنّ أحد.
فلمّا نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، قال أبو جهل: ما هم إلّا أكلة رأس. و لو بعثنا إليهم عبيدنا، لأخذوهم أخذا باليد.
فقال عتبة بن ربيعة: أ ترى لهم كمينا و مددا؟
فبعثوا عمرو بن وهب الجمحيّ. و كان فارسا شجاعا. فجال بفرسه حتى طاف على (5) عسكر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ صعد في (6) الوادي، و صوّت. ثمّ رجع إلى قريش، فقال: ما لهم كمين و لا مدد، و لكن نواضح يثرب قد حملت الموت النّاقع. أما ترونهم خرسا لا يتكلّمون؟ يتلمّظون تلمّظ الأفاعي. ما لهم ملجأ إلّا سيوفهم. و ما أراهم يولّون حتّى يقتلوا (7)، و لا يقتلون حتّى يقتلوا بعددهم. فارتئوا رأيكم.
فقال له أبو جهل: كذبت و جبنت، و انتفخ سحرك (8) حين نظرت إلى سيوف
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: وثب.
(3) المصدر: على.
(4) الأنفال/ 12.
(5) المصدر: إلى.
(6) ليس في المصدر.
(7) المصدر: يقتلون.
(8) السحر: الرئة. و انتفاخ السحر كناية عن الجبن. و في المصدر: منخرك.
299
أهل (1) يثرب.
و فزع أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين نظروا إلى كثرة قريش و قوّتهم. فأنزل اللّه على رسوله وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (2). و قد علم اللّه أنّهم لا يجنحون و لا يجيبون إلى السّلم، و إنّما أراد بذلك ليطيّب قلوب أصحاب النّبيّ.
فبعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، ما أحد من العرب أبغض إليّ من أن أبدأ (3) بكم. فخلّوني و العرب. فإن أك صادقا، فأنتم أعلى بي عينا. و إن أك كاذبا، كفتكم ذؤبان العرب أمري. فارجعوا.
فقال عتبة: و اللّه، ما أفلح قوم قطّ ردّوا هذا.
ثمّ ركب جملا له أحمر.
فنظر إليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يجول في العسكر و ينهى عن القتال، فقال: إن يكن عند أحد خير، فعند صاحب الجمل الأحمر. إن يطيعوه، يرشدوا.
فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش، اجتمعوا و اسمعوا (4). ثمّ خطبهم، فقال: يمن مع رحب، و رحب مع يمن. يا معشر قريش، أطيعوني اليوم و أعصوني الدّهر. و ارجعوا إلى مكّة، و اشربوا الخمور و عانقوا الحور. فإنّ محمّدا له إلّ و ذمّة. و هو ابن عمّكم. فارجعوا، و لا تردّوا (5) رأيي. و إنّما تطالبون بالعير الّتي أخذها محمّد بنخلة (6)، و دم ابن الحضرميّ، و هو حليفي و عليّ عقله.
فلمّا سمع أبو جهل ذلك، غاظه (7) و قال: إنّ عتبة أطول النّاس لسانا، و أبلغهم في الكلام. و لئن رجعت قريش بقوله، ليكوننّ سيّد قريش آخر الدّهر.
ثمّ قال: يا عتبة، نظرت إلى سيوف بني عبد المطّلب و جبنت و انتفخ سحرك و تأمر النّاس بالرّجوع، و قد رأينا [ثأرنا] (8) بأعيننا.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) الأنفال/ 61.
(3) المصدر: «إليّ ممّن بدأ» بدل: «إليّ من أن أبدأ».
(4) المصدر: استمعوا.
(5) لا تنبذوا.
(6) المصدر: بنخيلة.
(7) هامش المصدر: أي أداره في فيه.
(8) من المصدر.
300
فنزل عتبة عن جمله و حمل على أبي جهل، و كان على فرس، فأخذ بشعره.
فقال النّاس: يقتله.
فعرقب فرسه و قال: أ مثلي يجبن؟ و ستعلم قريش اليوم أيّنا الأم و أجبن (1)، و أيّنا المفسد لقومه. لا يمشي إلّا أنا و أنت إلى الموت عيانا. ثمّ قال: هذا جناي و خياره فيه و كلّ جان يده إلى فيه.
ثمّ أخذ بشعره يجرّه.
فاجتمع إليه النّاس، فقالوا: يا أبا الوليد، اللّه اللّه، لا تفتّ في أعضاد النّاس.
تنهى عن شيء و تكون أوّله.
فخلّصوا أبا جهل من يده.
فنظر عتبة إلى أخيه شيبه و نظر إلى ابنه الوليد، فقال: قم، يا بنيّ.
فقام. ثمّ لبس درعه. و طلبوا له بيضة يتسع (2) رأسه، فلم يجدوها لعظم هامته.
فاعتمّ بعمامتين. ثمّ أخذ سيفه، و تقدّم هو و أخوه و ابنه و نادى: يا محمّد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش.
فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار، عوذ و معوّذ (3) و عوف من بني عفراء.
فقال عتبة: من أنتم؟ انتسبوا لنعرفكم.
فقالوا: نحن بنو عفراء، أنصار اللّه و أنصار رسوله.
فقالوا: ارجعوا، فإنّا لسنا إيّاكم نريد. إنّما نريد الأكفاء من قريش.
فبعث إليهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن ارجعوا، فرجعوا. و كره أن يكون أوّل الكرّة بالأنصار، فرجعوا و وقفوا موقفهم.
ثمّ نظر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب، و كان له سبعون سنة، فقال له: قم يا عبيدة.
فقام بين يديه بالسّيف.
ثمّ نظر إلى حمزة بن عبد المطّلب، فقال له: قم، يا عمّ.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: الأليم و الأجبن.
(2) المصدر و ر و ب: تسع.
(3) المصدر: عود و معود.
301
ثم نظر إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال له: قم، يا عليّ- و كان أصغر القوم (1)- فاطلبوا بحقّكم الّذي جعله اللّه لكم. فقد جاءت قريش بخيلائها و فخرها، تريد أن تطفى نور اللّه و يأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره.
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عبيدة، عليك بعتبة. و قال لحمزة:
عليك بشيبة. و قال لعليّ: عليك بالوليد بن عتبة.
فمرّوا حتى انتهوا إلى القوم.
فقال عتبة: من أنتم؟ انتسبوا لنعرفكم.
فقال [عبيدة] (2): أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب.
فقال: كفو كريم. فمن هذان؟
فقال: حمزة بن عبد المطّلب، و عليّ بن أبي طالب.
فقال: كفوان كريمان. لعن اللّه من أوقفنا و إيّاكم هذا الموقف.
فقال شيبة لحمزة: من أنت؟
فقال: أنا حمزة بن عبد المطّلب، أسد اللّه و أسد رسوله.
فقال له شيبة: لقد لقيت أسد الحلفاء. فانظر كيف تكون صولتك، يا أسد اللّه.
فحمل عبيدة على عتبة، فضربه على رأسه ضربة فلق هامته.
و ضرب عتبة عبيدة على ساقه، فقطعها و سقطا جميعا. و حمل حمزة على شيبة، فتضاربا بالسّيفين حتى انثلما. و كلّ واحد منهما يتّقي بدرقته. و حمل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على الوليد بن عتبة، فضربه على حبل عاتقه، فأخرج السّيف من إبطه. فقال عليّ- (عليه السلام)-: فأخذ يمينه المقطوعة بيساره، فضرب بها هامتي، فظننت أنّ السّماء وقعت على الأرض.
ثمّ اعتنق حمزة و شيبة، فقال المسلمون: يا عليّ، أما ترى الكلب قد بهر (3) عمّك.
فحمل إليه عليّ- (عليه السلام)-. ثمّ قال: يا عمّ، طأطئ رأسك. و كان حمزة أطول من شيبة. فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على رأسه فطير (4) نصفه. ثمّ جاء إلى عتبة و به رمق، فأجهز عليه. و حمل عبيدة بين حمزة و عليّ حتّى
____________
(1) المصدر: و كان أصغرهم فقال ...
(2) من المصدر.
(3) بهر: غلب. و في المصدر: أبهر.
(4) إلى هنا ليس في نسخة «أ».
302
أتيا به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فنظر إليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فاستعبر.
فقال: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمّي، أ لست شهيدا؟
قال: بلى، أنت أوّل شهيد من أهل بيتي.
فقال: أمّا لو كان عمك حيّا، لعلم أني أولى بما قال منه.
قال: و أيّ أعمامي تعني؟
قال: أبو طالب، حيث يقول:
كذبتم و بيت اللّه نبرى محمدا* * * و لما نطاعن دونه و نناضل
و نسلمه حتى نصرّع حوله* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أما ترى ابنه: كاللّيث العادي بين يدي اللّه و رسوله، و ابنه الآخر في جهاد اللّه بأرض الحبشة؟
فقال: يا رسول اللّه، أسخطت عليّ في هذه الحالة؟
فقال: ما سخطت عليك، و لكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك.
و قال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا و لا تبطروا، كما عجل و بطر أبناء ربيعة.
عليكم بأهل يثرب، فاجزروهم جزرا. و عليكم بقريش، فخذوهم أخذا حتّى ندخلهم مكّة فنعرّفهم ضلالتهم التي كانوا عليها.
و كان فئة (1) من قريش أسلموا بمكّة فأجلسهم (2) آباؤهم. فخرجوا مع قريش إلى بدر و هم على الشّكّ و الارتياب و النّفاق، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، و أبو قيس بن الفاكهة، و الحارث بن ربيعة، و عليّ بن أمية بن خلف، و العاص بن المنبّه. فلمّا نظروا إلى قلة أصحاب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قالوا: مساكين هؤلاء، نحرهم (3) دينهم فيقتلون الساعة. فأنزل الله على رسوله إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ، وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (4).
و جاء إبليس- عليه اللّعنة- إلى قريش في صورة سراقة بن مالك، فقال لهم:
«إني جار لكم» (5) ادفعوا إليّ رايتكم. فدفعوها إليه. و جاء بشياطينه يهول بهم على
____________
(1) المصدر: فتية.
(2) المصدر: فاحتبسهم.
(3) المصدر: غرّهم.
(4) الأنفال/ 49.
(5) المصدر: أنا جاركم.
303
أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يخيل إليهم و يفزعهم. و أقبلت قريش يقدمها إبليس معه الرّاية.
فنظر إليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: غضّوا أبصاركم، و عضّوا على النّواجذ، و لا تسلّوا سيفا حتّى آذن لكم. ثمّ رفع يده إلى السّماء، فقال: يا ربّ، إن تهلك هذه العصابة لم تعبد. و ان شئت أن لا تعبد، لا تعبد.
ثمّ أصابه الغشي، فسرى عنه و هو يسكب العرق عن وجهه و هو يقول: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين.
قال: فنظرنا، فإذا سحابة سوداء فيها برق لائح و قد وقعت على عسكر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و قائل يقول: أقدم حيزوم، أقدم حيزوم (1). و سمعنا قعقعة السّلاح من الجوّ.
و نظر إبليس إلى جبرئيل- (عليه السلام)- فراجع (2) و رمى باللّواء. فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه، ثمّ قال: ويلك، يا سراقة، تفتّ في أعضاد النّاس.
فركله إبليس ركلة في صدره، و قال: إني بريء منكم (3)، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف اللّه. و هو قول اللّه: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (4). ثمّ قال- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (5).
و حمل جبرئيل على إبليس، فطلبه حتّى غاص في البحر. و قال: ربّ، أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم القيامة (6).
روي في خبر: أنّ إبليس التفت إلى جبرئيل و هو في الهزيمة، فقال: يا هذا، بدا (7) لكم فيما أعطيتمونا؟
____________
(1) حيزوم: اسم فرس جبرئيل. أي: أقدم يا حيزوم.
(2) المصدر: فتراجع.
(3) ليس في المصدر: «إنّي بريء منكم».
(4) الأنفال/ 48.
(5) الأنفال/ 50.
(6) المصدر: يوم الدّين.
(7) المصدر: أبدا.
304
فقيل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ ترى كان يخاف أن يقتله؟
فقال: لا و لكنّه كان يضربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة.
و أنزل الله على نبيّه إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (1). قال: أطراف الأصابع. فقد جاءت قريش بخيلائها و فخرها تريد أن تطفئ نور اللّه، و يأبى اللّه إلا أن يتمّ نوره.
و خرج أبو جهل من بين الصّفين، فقال: اللّهم (2)، إن محمّدا قطعنا الرّحم و أتانا بما لا نعرفه، فأهنه (3) الغداة.
فأنزل اللّه على رسوله إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ، وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَ لَوْ كَثُرَتْ، وَ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (4).
ثم أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كفا من حصاة، فرمى به في وجوه قريش و قال: شاهت الوجوه. فبعث اللّه رياحا تضرب في وجوه قريش، فكانت الهزيمة. ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهم، لا يغلبنّك (5) فرعون هذه الأمة، أبو جهل بن هشام.
فقتل منهم سبعين و أسر منهم سبعين.
و التقى عمرو بن الجموح مع أبي جهل، فضرب عمرو أبا جهل على فخذه، و ضرب أبو جهل عمروا على يده فأبانها من العضد فتعلّقت بجلدة. فاتكأ عمرو على يده برجله، ثمّ تراخى (6) في السّماء حتّى انقطعت الجلدة و رمى بيده.
و قال عبد اللَّه بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل و هو يتشحّط بدمه، فقلت: الحمد للّه الّذي أخزاك.
فرفع رأسه، فقال: إنّما أخزى اللّه عبد بن أمّ عبد. لمن الدين (7)، ويلك؟
قلت: للّه و للرّسول، و إنّي قاتلك، و وضعت رجلي على عنقه.
____________
(1) الأنفال/ 12.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: فأحنه، أي: أهلكه.
(4) الأنفال/ 19.
(5) المصدر: لا يفلتن.
(6) المصدر: نزا.
(7) الدين هنا: القهر و الغلبة و الاستعلاء.
305
فقال: لقد (1) ارتقيت مرتقى صعبا، يا رويعي الغنم. أما إنّه ليس شيء أشدّ من قتلك إيّاي في هذا اليوم. ألّا تولّي قتلي رجلا من المطلبيين، أو رجلا من الأحلاف؟
فانقلعت (2) بيضة كانت على رأسه، فقتلته. و أخذت رأسه و جئت به إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقلت: يا رسول اللّه، البشرى. هذا رأس أبي جهل بن هشام.
فسجد للّه شكرا.
و أسر أبو بشير الأنصاريّ العبّاس بن عبد المطّلب و عقيل بن أبي طالب، و جاء بهما إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال له: هل أعانك عليهما أحد؟
قال: نعم، رجل عليه ثياب بيض.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذاك من الملائكة.
ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للعبّاس: أفد نفسك و ابن أخيك.
فقال: يا رسول اللّه، قد كنت أسلمت و لكن القوم استكرهوني.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقّا، فإنّ اللّه يجزيك (3) عليه. فأمّا ظاهر أمرك، فقد كنت علينا.
ثمّ قال: يا عبّاس، إنكم خاصمتم اللَّه، فخصمكم.
ثمّ قال: أفد نفسك و ابن أخيك.
و قد كان العبّاس أخذ معه أربعين أوقيّة من ذهب.
فغنمها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فلمّا قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للعبّاس: «أفد نفسك» قال: يا رسول اللَّه، أحسبها من فدائي.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا، ذاك شيء أعطانا اللَّه منك. فأفد نفسك و ابن أخيك.
فقال العبّاس: ليس لي مال غير الّذي ذهب منّي.
قال: بلى، المال الّذي خلّفته عند أمّ الفضل بمكّة. و قلت لها: إن حدث عليّ حدث، فاقسموه بينكم.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: فاقتلعت.
(3) المصدر: يجزك.
306
فقال له: تتركني و أنا أسأل النّاس بكفي.
فأنزل اللَّه على رسوله في ذلك يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ثمّ قال اللَّه: وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ [في علي] (1) فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (2).
ثمّ قال رسول اللَّه لعقيل: قد قتل اللَّه، يا أبا يزيد، أبا جهل بن هشام و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و منبّه و نبيه، ابني الحجّاج و نوفل بن خويلد. و أسر سهيل بن عمرو و النضر بن الحارث بن كلدة و عقبة بن أبي معيط و فلان و فلان.
فقال عقيل: إذا لا تنازعوا في تهامة. فإن كنت قد أثخنت القوم، و إلّا فاركب أكتافهم.
فتبسم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قوله.
و كان القتلى ببدر سبعين، و الأسرى سبعين. قتل منهم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سبعة و عشرين، و لم يؤسر أحدا. فجمعوا الأسارى، و قرنوهم في الحبال، و ساقوهم على أقدامهم، و جمعوا الغنائم. و قتل من أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تسعة رجال، فيهم (3) سعد بن خيثمة، و كان من النّقباء. فرحل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نزل الأثيل عند غروب الشّمس، و هو من بدر على ستّة أميال. فنظر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى عقبة بن أبي معيط و إلى النضر بن الحارث بن كلدة، و هما في قرآن (4) واحد.
فقال النّضر لعقبة: يا عقبة أنا و أنت مقتولان.
قال عقبة: من بني (5) قريش؟
قال: نعم. لأنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد نظر إلينا نظرة، رأيت فيها القتل.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، عليّ بالنّضر و عقبة.
____________
(1) من المصدر.
(2) الأنفال/ 70 و 71.
(3) المصدر: فمنهم.
(4) المصدر: قرن. و القرن- محرّكة- الحبل يجمع به البعيران.
(5) المصدر: بين.
307
و كان النّضر رجلا جميلا، عليه شعر. فجاء عليّ- (عليه السلام)- فأخذ بشعره فجرّه إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال النضر: يا محمد، أسألك بالرّحم الّذي بيني و بينك إلا أجريتني، كرجل من قريش. إن قتلتهم، قتلتني. و إن فاديتهم، فاديتني. و إن أطلقتهم، أطلقتني. فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا رحم بيني و بينك، قطع اللَّه الرحم بالإسلام. قدّمه، يا عليّ، فاضرب عنقه.
فقال عقبة: يا محمّد، ألم تقل: لا تصبر قريش، أي: لا يقتلون صبرا؟
قال: و أنت (1) من قريش؟ إنّما أنت علج من أهل صفوريّة. لا أنت في الميلاد أكبر من أبيك الّذي تدعى له، ليس منها. قدّمه، يا عليّ، فاضرب عنقه.
فقدّمه، فضرب عنقه. فلمّا قتل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- النضر و عقبة، خافت الأنصار أن يقتل الأسارى كلّهم. فقاموا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قالوا: يا رسول اللَّه، قد قتلنا سبعين و أسرنا سبعين. و هم قومك و أساراك. هبهم لنا، يا رسول اللَّه، و خذ منهم الفداء و أطلقهم. فأنزل اللَّه عليه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً (2). فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء و يطلقوهم، و شرط أنّه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذون منهم الفداء. فرضوا منه بذلك. و تمام الحديث مضى في سورة آل عمران.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً: كثيرا. بحيث يرى لكثرتهم كأنّهم يزحفون، أي: يدبّون.
و هو مصدر زحف الصبيّ: إذا دبّ على مقعده قليلا. سمّي به. و جمع على زحوف. و انتصابه على الحال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، أي: يدنوا بعضهم (4) من بعض.
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15): بالانهزام، فضلا أن يكونوا مثلكم أو أقلّ
____________
(1) المصدر.
(2) الأنفال/ 67- 69.
(3) تفسير القمي 1/ 270.
(4) المصدر: بعضكم.
308
منكم.
و الأظهر أنّها محكمة، مخصوصة بقوله: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ (الآية).
و يجوز أن ينتصب «زحفا» على الحال من الفاعل و المفعول، أي: إذا لقيتموهم متزاحفين يدبّون إليكم و تدبون إليهم، فلا تنهزموا. أو من الفاعل وحده، و يكون أشعارا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولّوا، و هم اثنا عشر ألفا.
وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ: يريد الكر بعد الفرّ و تغرير العدوّ، فانّه من مكائد الحرب.
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ، أي: منحازا إلى طائفة أخرى من المسلمين على القرب، ليستعين بهم.
و منهم من لم يعتبر القرب،
لما نقل (1) ابن عمر أنّه كان في سريّة بعثهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ففرّوا إلى المدينة.
فقلت: يا رسول اللَّه، نحن الفرّارون؟
فقال: بل أنتم العكارون، و أنا فئتكم.
و انتصاب «متحرّفا» و «متحيزا» على الحال، و إلّا لغو لا عمل لها. أو الاستثناء من المولين، أي: إلّا رجلا متحرفا أو متحيزا.
و وزن «متحيّز» «متفيعل» لا «متفعّل»، و إلا لكان متحوزا، من حاز يحوز.
فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (16).
قيل: هذا إذا لم يزد العدوّ على الضعف، لقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ (الآية).
و قيل (2): الآية مخصوصة بأهل بيته (3)، و الحاضرين معه في الحرب.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن أبي أسامة، زيد الشّحام قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: جعلت فداك، إنّهم يقولون: ما منع عليا، ان كان له حقّ، أن يقوم بحقّه؟
فقال: إنّ اللَّه لم يكلّف هذا أحدا إلّا نبيّه- عليه و آله السّلام- قال له:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 388
(2) أنوار التنزيل 1/ 388.
(3) ح: بدر.
(4) تفسير العياشي 2/ 51، ح 31.
309
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (1). و قال لغيره: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (2). فعليّ لم يجد فئة. و لو وجد فئة، لقاتل.
ثمّ قال: لو كان جعفر و حمزة حيّين، إنّما هما رجلان (3). قال: مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ. قال: متطرّفا (4) يريد الكرة عليهم. «أو متحيزا»، يعني: متأخرا إلى أصحابه من غير هزيمة. فمن انهزم حتى يخوض (5) صفّ أصحابه، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
عن زرارة (6)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت: الزّبير شهد بدرا؟
قال: نعم، و لكنّه فرّ يوم الجمل. فإن كان قاتل المؤمنين، فقد هلك بقتاله إياهم. و ان كان قاتل كفّارا، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، حين ولّاهم دبره.
[سئل] (7) عن أبي جعفر (8)- (عليه السلام)- ما شأن أمير المؤمنين حين ركب منه ما ركب، [لم يقاتل] (9).
فقال: للّذي (10) سبق في علمه أن يكون. ما كان لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- أن يقاتل و ليس معه إلّا ثلاثة رهط (11)، فكيف يقاتل؟ ألم تسمع قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً- إلى- وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. فكيف يقاتل أمير المؤمنين بعدها، و إنّما هو يومئذ ليس معه [مؤمن] (12) غير ثلاثة رهط.
و في كتاب الخصال (13)، في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها: و قال- (عليه السلام)-: و أمّا الثّالثة و السّتّون، فاني لم أفرّ من الزّحف قطّ، و لم يبارزني أحد إلّا سقيت الأرض من دمه.
و في عيون الأخبار (14)، في باب ما كتب به الرضا- (عليه السلام)- إلى محمد بن سنان
____________
(1) النساء/ 84.
(2) الانفال/ 16.
(3) للعلامة المجلسي- (رحمه اللّه)- بيان فيه. راجع البحار (ط. الكمباني) 8/ 152.
(4) المصدر: «متطرّدا»، أي: متباعدا.
(5) المصدر: يجوز.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 51، ح 29.
(7) ما بين المعقوفتين منّا.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 51، ح 30.
(9) من المصدر.
(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: اللَّه من، بدل: للّذي.
(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: برهط.
(12) من المصدر.
(13) الخصال/ 580.
(14) العيون 2/ 92.
310
في جواب مسائله في العلل: و حرّم اللَّه- تعالى- الفرار من الزّحف لما فيه من الوهن في الدّين، و الاستخفاف بالرّسل و الائمّة العادلة- (عليهم السلام)- و ترك نصرتهم على الأعداء، و العقوبة لهم على انكار ما دعوا إليه من الإقرار بالرّبوبيّة و إظهار العدل، و ترك الجور، و إماتته و الفساد (1)، لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين، و ما يكون من السّبي و القتل و إبطال من دين اللَّه- عزّ و جلّ- و غيره من الفساد.
و في الكافي (2): علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ، أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين بكلمات يقول: تعاهدوا الصّلاة- إلى أن قال (عليه السلام)-: ثمّ أنّ الرعب و الخوف من جهاد المستحق للجهاد و المؤازرين على الضّلال ضلال في الدين، و سلب للدّنيا مع الذّلّ و الصّغار، و فيه استيجاب النّار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال. يقول اللَّه- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
أحمد بن محمّد الكوفيّ (3)، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لأصحابه: إذا لقيتم عدوكم في الحرب، فأقلّوا الكلام و اذكروا اللَّه- عزّ و جلّ- فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ فتسخطوا اللَّه- تبارك و تعالى- و تستوجبوا غضبه.
محمّد بن يحيى (4)، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان يقول: من فرّ من رجلين في القتال من الزحف، فقد فرّ. و من فرّ من ثلاثة في القتال من الزّحف، فلم يفرّ.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ: بقوّتكم.
وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ: بنصركم و تسليطكم عليهم، و إلقاء الرّعب في قلوبهم.
نقل (5): انّه لمّا طلعت قريش من العقنقل، قال- (عليه السلام)-: هذه قريش جاءت بخيلائها و فخرها يكذبون رسولك. اللّهم، انّي أسألك ما وعدتني.
____________
(1) المصدر: و إماتة الفساد.
(2) الكافي 5/ 36 و 38.
(3) الكافي 5/ 42، ح 5.
(4) الكافي 5/ 34، ح 1.
(5) أنوار التنزيل 1/ 388.
311
فأتاه جبرئيل- (عليه السلام)- و قال له: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها.
فلمّا التقى الجمعان، تناول كفّا من الحصباء فرمى بها في وجوههم و قال:
شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك الّا شغل بعينيه. فانهزموا، و ردفهم المؤمنون يقتلونهم و يأسرونهم. ثمّ لمّا انصرفوا، أقبلوا على التّفاخر. فيقول الرجل: قتلت و أسرت.
فنزلت.
و «الفاء» جواب شرط محذوف، تقديره: إن فخرتم (1) بقتلهم فلم تقتلوهم، و لكن اللَّه قتلهم.
وَ ما رَمَيْتَ: يا محمّد، رميا توصله إلى أعينهم و لم تقدر عليه.
إِذْ رَمَيْتَ: أي: أتيت بصورة الرّمي.
وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى، أي: أتى بما هو غاية الرّمي، فأوصلها إلى أعينهم حتى انهزموا و تمكنتم من قطع دابرهم.
و قد عرفت أنّ اللّفظ يطلق على المسمّى، و على ما هو كماله، و المقصود منه.
و قيل (2): معناه: ما رميت بالرّعب إذ رميت بالحصباء، و لكنّ اللَّه رمى بالرّعب في قلوبهم.
و قيل (3): انّه نزل في طعنة طعن بها أبي بن خلف يوم أحد، و لم يخرج منه دم، فجعل يخور حتّى مات. أو رمية سهم رماه يوم حنين نحو الحصن، فأصاب لبابة بن الحقيق (4) على فراشه.
و في تفسير (5) علي بن ابراهيم، يعني: الحصى الّذي حمله رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و رمى به في وجوه قريش، و قال: شاهت الوجوه.
و في كتاب الاحتجاج (6): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل. و فيه قال في هذه الآية: سمّي فعل النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فعلا له. ألا ترى تأويله على غير تنزيله.
____________
(1) المصدر: افتخرتم.
(2) أنوار التنزيل 1/ 389.
(3) أنوار التنزيل 1/ 389.
(4) المصدر: كنانة بن أبي الحقيق.
(5) تفسير القمي 1/ 270- 271.
(6) الاحتجاج 1/ 372.
312
و في تفسير العياشيّ (1): عن محمّد بن كليب الأسديّ، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى.
قال: عليّ ناول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- القبضة التي رمى بها.
و في خبر آخر (2) عنه: أنّ عليّا- (عليه السلام)- ناوله قبضة من تراب، رمى بها.
عن عمرو بن أبي المقدام (3)، عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- قال: ناول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ بن أبي طالب قبضة من تراب [القبضة] (4) التي رمى بها في وجوه المشركين. فقال [اللَّه] (5): وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى.
و في كتاب الخصال (6)، في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تعدادها. قال- (عليه السلام)-: و أمّا الخامسة و الثّلاثون، فإن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وجهني يوم بدر فقال: ائتني بكف حصيات مجموعة في مكان واحد. فأخذتها ثمّ شممتها، فإذا هي طيّبة تفوح منها رائحة المسك. فأتيته بها، فرمى بها وجوه المشركين. و تلك الحصيات أربع منها كن (7) من الفردوس و حصاة من المشرق، و حصاة من المغرب، و حصاة من تحت العرش. مع كلّ حصاة مائة ألف ملك مداد لنا. لم يكرم اللَّه- عزّ و جلّ- بهذه الفضيلة أحدا قبلنا و لا بعدنا.
وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً: و لينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر و الغنيمة، و مشاهدة الآيات.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ: لاستغاثتهم و دعائهم.
عَلِيمٌ (17): بنيّاتهم و أحوالهم.
ذلِكُمْ: إشارة إلى البلاء الحسن أو القتل، أو الرّمي.
و محلّه الرّفع، أي: المقصود، أو الأمر «ذلكم».
وَ أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18): معطوف عليه، أي: المقصود إيلاء المؤمنين، و توهين كيد الكافرين و إبطال حيلهم.
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 52، ح 32.
(2) تفسير العياشي 2/ 52، ح 33.
(3) تفسير العياشي 2/ 52، ح 34.
(4) ليس في المصدر.
(5) من المصدر.
(6) الخصال/ 576.
(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: كان.
313
و قرأ (1) ابن كثير و نافع و ابو عمرو: «موهن» بالتّشديد. و حفص: «موهن كيد الكافرين» بالإضافة و التّخفيف.
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ قيل (2): خطاب لأهل مكّة على سبيل التّهكم. و ذلك أنّهم حين أرادوا الخروج، تعلّقوا بأستار الكعبة و قالوا: اللهمّ، انصر أعلى الجندين و أهدى الفئتين و أكرم الحزبين.
و في مجمع البيان (3)، في حديث أبي حمزة: قال أبو جهل: اللّهم ربّنا، ديننا القديم و دين محمّد الحديث. فأي الدّينين كان أحبّ إليك و أرضى عندك، فانصر أهله اليوم.
و روي أنّه قال: أيّنا أهجر و أقطع للرّحم، فأهنه اليوم فأهلكه.
و قيل (4): خطاب للمؤمنين، و كذا القولان فيما بعده.
وَ إِنْ تَنْتَهُوا: عن الكفر، و معاداة الرسول.
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ: لتضمنه سلامة الدّارين و خير المنزلين.
وَ إِنْ تَعُودُوا: لمحاربته.
نَعُدْ: لنصره.
وَ لَنْ تُغْنِيَ: و لن تدفع.
عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ: جماعتكم.
شَيْئاً: من الإغناء، أو المضارّ.
وَ لَوْ كَثُرَتْ: فئتكم.
وَ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19): بالنّصر و المعونة.
و قرأ نافع (5) و ابن عامر و حفص: «و أنّ» بالفتح. على تقدير: و لأنّ اللَّه مع المؤمنين كان ذلك.
و قيل (6): الآية خطاب للمؤمنين. و المعنى: إن تستنصروا، فقد جاءكم النصر.
و إن تنتهوا عن التّكاسل في القتال و الرغبة عمّا يستأثره الرّسول، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. «و إن تعودوا إليه، نعد» عليكم بالإنكار أو تهييج العدوّ. «و لن تغني» حينئذ كثرتكم، إذا لم
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 389.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) مجمع البيان 2/ 531.
(4) تفسير الصافي 2/ 288.
(5) أنوار التنزيل 1/ 389.
(6) نفس المصدر، و الموضع.
314
يكن اللَّه معكم بالنّصر. فإنه مع الكاملين في إيمانهم. و يؤيّد ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ: و لا تتولوا عن الرّسول. فإنّ المراد من الآية: الأمر بطاعته و النهي عن الإعراض عنه.
و ذكر طاعة اللَّه، للتّوطئة، و التّنبيه على أنّ طاعة اللَّه هي طاعة الرّسول لقوله:
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.
و قيل: الضّمير للجهاد، أو للأمر الّذي دلّ عليه الطّاعة.
وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20): القرآن و المواعظ، سماع فهم و تصديق.
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا، كالكفرة و المنافقين، الّذين ادّعوا السّماع.
وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ (21): ينتفعون به، فكأنّهم لا يسمعون رأسا.
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ: شرّ ما يدبّ على الأرض، أو شرّ البهائم.
الصُّمُ: عن الحقّ.
الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22): إيّاه. عدّهم من البهائم، ثمّ جعلهم شرّها لإبطالهم ما امتازوا به و فضّلوا لأجله.
وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً: سعادة كتبت لهم، أو انتفاعا بالآيات.
لَأَسْمَعَهُمْ: سماع تفهم.
وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ: و قد علم أن لا خير فيهم.
لَتَوَلَّوْا: و لم ينتفعوا به، و ارتدّوا بعد التصديق و القبول.
وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (23): لعنادهم.
و قيل (1): كانوا يقولون للنبيّ: أحي لنا قصيا. فإنّه كان شيخا مباركا، حتى يشهد لك و نؤمن بك.
و المعنى: لأسمعهم كلام قصيّ.
و في مجمع البيان (2): عن الباقر- (عليه السلام)-: نزلت في بني عبد الدار. لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير، و حليف لهم يقال له: سويط (3).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ: بالطّاعة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 390.
(2) مجمع البيان 2/ 532.
(3) المصدر: سويبط.
315
إِذا دَعاكُمْ.
و حدّ الضّمير فيه لما سبق. و لأنّ دعوة اللَّه تسمع من الرّسول.
نقل (1): أنّه- (عليه السلام)- مرّ على أبي و هو يصلي. فدعاه، فعجل في صلاته ثمّ جاء.
فقال: ما منعك عن إجابتي؟
قال: كنت أصلي.
قال: ألم تخبر فيما أوحى اللَّه إليّ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ؟
لِما يُحْيِيكُمْ.
قيل (2): من العلوم الدّينية. فإنّها حياة القلب، و الجهل موته. قال: لا تعجبنّ الجهول حلّته فذاك ميت و ثوبه كفن.
أو ممّا يورثكم الحياة الأبديّة في النّعيم الدائم، من العقائد و الأعمال. أو من الجهاد، فإنّه سبب بقائكم. إذ لو تركوه، لغلبهم العدوّ و قتلهم. أو الشّهادة لقوله- تعالى-: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ (3).
و في روضة الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن زيد بن الوليد الخثعميّ، عن أبي الربيع الشاميّ قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
قال: نزلت في ولاية عليّ- (عليه السلام)-.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال: «الحياة» الجنة.
حدثنا أحمد بن محمّد، عن جعفر بن عبد اللَّه، عن كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- يقول في هذه الآية: ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فإنّ اتباعكم إيّاه و ولايته، أجمع لأمركم و أبقى للعدل فيكم.
و في شرح الآيات الباهرة (6)، تأويله أورد من طريق العامّة
نقله ابن مردويه، عن
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 390.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) آل عمران/ 169.
(4) الكافي 8/ 248، ح 349.
(5) تفسير القمي 1/ 271.
(6) تأويل الآيات الباهرة/ 71.
316
رجاله مرفوعا إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- أنّه قال في قوله- تعالى-:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ.
قال: الى ولاية عليّ بن أبي طالب.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ.
قيل (1): تمثيل لغاية قربه- تعالى- من العبد، كقوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (2). و تنبيه على أنه- تعالى- مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنه صاحبها. أو حثّ على المبادرة إلى إخلاص القلوب و تصفيتها، قبل أن يحول اللَّه بينه و بين قلبه بالموت أو غيره. أو تصوير و تخييل لتملّكه على العبد قلبه، فيفسخ عزائمه و يغيّر مقاصده، و يحول بينه و بين الكفر إن أراد سعادته، و بينه و بين الإيمان إن قضى شقاوته.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3)، أي: يحول بينه و بين ما يريد.
و فيه (4)، بالسّند السّابق: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- يقول: يحول بين المؤمن و معصيته أن تقوده إلى النّار. و بين الكافر و بين طاعته أن يستكمل به الإيمان. قال و اعلموا أنّ الأعمال بخواتيمها.
و في كتاب التّوحيد (5): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدثنا محمّد بن الحسن الصّفار و سعد بن عبد اللَّه جميعا قالا: حدثنا أيّوب بن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: يحول بينه و بين أن يعلم أن الباطل حقّ.
و في مجمع البيان (6): و روى يونس [بن عمّار] (7)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- معناه: لا يستيقن القلب، أنّ الحقّ باطل أبدا. و لا يستيقن القلب، أنّ الباطل حقّ أبدا.
و في تفسير العيّاشيّ: عن حمزة بن الطّيار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: هو
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 390.
(2) ق/ 16.
(3) تفسير القمّي 1/ 271.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) التوحيد/ 385، ح 6.
(6) مجمع البيان 2/ 534.
(7) من المصدر.
317
أن يشتهي الشيء بسمعه و بصره و لسانه و يده. أما أنّه لا يغشى شيئا منها. و ان كان غشي شيئا مما يشتهي، فانه لا يأتيه إلّا و قلبه منكر لا يقبل الذي يأتي، يعرف أنّ الحق ليس فيه.
و عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هذا الشيء يشتبه الرّجل بقلبه و سمعه و بصره لا تتوق نفسه إلى غير ذلك، فقد حيل بينه و بين قلبه إلّا ذلك الشيء.
وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24): فيجازيكم بأعمالكم.
وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً: اتّقوا ذنبا يعمّكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم، و المداهنة في الأمر بالمعروف، و افتراق الكلمة، و ظهور البدع و التّكاسل في الجهاد.
على أن قوله: «لا تصيبنّ» إمّا جواب الأمر على معنى: إن أصابتكم لا تصب الظّالمين منكم. و فيه أنّ جواب الشّرط متردد، فلا يليق به النّون المؤكّدة. لكنّه لما تضمّن معنى النهي، ساغ فيه، كقوله: ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ.
و إمّا صفة «لفتنة» و «لا» للنفي. و فيه شذوذ، لأن النّون لا تدخل المنفي في غير القسم. أو للنهي على إرادة القول، كقوله: حتى إذا جنّ الظّلام و اختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذّئب قط.
و إمّا جواب قسم محذوف، كقراءة من قرأ: «لتصيبن»، و إن اختلفا في المعنى.
و يحتمل أن يكون نهيا بعد الأمر باتّقاء الذّنب عن التّعرض للظّلم، فإنّ وباله يصيب الظالم خاصّة و يعود عليه.
و «من» في «منكم» على الوجه الأول، للتّبعيض. و على الأخيرتين للتّبيين.
و فائدته التّنبيه، على أنّ الظّلم منكم أقبح من غيركم.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن عبد الرّحمن بن سالم، عن الصادق- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: أصابت الناس فتنة بعد ما قبض اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، حتّى تركوا عليا و بايعوا غيره. و هي الفتنة الّتي فتنوا بها. و قد أمرهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- باتّباع عليّ و الأوصياء من آل محمّد- (عليهم السلام)-.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 53، ح 40.
318
عن إسماعيل السريّ (1)، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- (2) في هذه الآية قال أخبرت، أنهم أصحاب الجمل.
و في مجمع البيان (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّهما قرءا: «لتصيبنّ».
و عن ابن عبّاس: (4): أنّهما لمّا نزلت، قال [و اتقوا فتنة] (5)، قال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنّما جحد نبوتي و نبوّة الأنبياء قبلي.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): نزلت في طلحة و الزبير لمّا حاربوا (7) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و ظلموه.
و في شرح الآيات الباهرة (8):
و ذكر أبو عليّ الطبرسيّ، عن السّيد أبي طالب الهرويّ، بإسناده: عن علقمة و عن الأسود قالا: أتينا أبا أيّوب الأنصاريّ فأخبرنا، إن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لعمّار: إنّه سيكون من بعدي هنات، حتى يختلف السيف فيما بينهم، و حتّى يقتل بعضهم [بعضا، و حتّى يبرأ بعضهم] (9) من بعض. فإذا رأيت ذلك، فعليك بهذا الأصلع عن يميني، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فإن سلك الناس كلّهم واديا و سلك عليّ واديا، فاسلك وادي عليّ و خلّ النّاس، يا عمّار. إنّ عليّ لا يردّك عن هدى، و لا يدلّك على ردى. يا عمّار، طاعة عليّ طاعتي، و طاعتي طاعة اللَّه.
و ذكر صاحب كتاب نهج الإيمان (10) قال: قال: ذكر أبو عبد اللَّه، محمّد بن علي [بن] السراج في كتابه في تأويل هذه الآية. حديث يرفعه، بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا ابن مسعود، إنه قد نزلت في عليّ آية وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. و أنا مستودعها، و مسلم لك الظّلمة فكن لما أقول واعيا، و عني مؤديا. من ظلم عليا مجلسي هذا، كان كمن جحد نبوتي و نبوة الأنبياء
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 53، ح 41.
(2) المصدر: عن البهي ...
(3) مجمع البيان 2/ 532.
(4) مجمع البيان 2/ 534- 535.
(5) من المصدر.
(6) تفسير القمي 1/ 271.
(7) المصدر: حاربا.
(8) تأويل الآيات الباهرة/ 72.
(9) ليس في المصدر.
(10) نفس المصدر و الموضع.
319
من قبلي.
فقال له الرّاوي: يا أبا عبد الرّحمن، أ سمعت هذا من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: نعم.
فقلت له: فكنت (1) للظّالمين [ظهيرا] (2)؟
قال: لا جرم، حلّت بي عقوبة على أن (3) لم أستأذن إمامي، كما استأذن جندب و عمار و سلمان. و أنا أستغفر اللَّه و أتوب إليه.
و في أصول الكافي (4)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل و فيه: ثمّ قال في بعض كتابه: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في إنّا أنزلناه في ليلة القدر (5). و يقول: إنّ محمّدا حين يموت يقول أهل الخلاف لأمر اللَّه- عزّ و جلّ-: مضت ليلة القدر مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهذه فتنة أصابتهم خاصة.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25) وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ قيل (6): أرض مكّة، يستضعفكم قريش. و الخطاب للمهاجرين. و قيل: للعرب كافة، فإنّهم كانوا أذلاء في أيدي فارس و الرّوم.
تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ: كفّار قريش، أو من عداهم. فانّهم جميعا معادين مضادّين لهم.
فَآواكُمْ: إلى المدينة. أو جعل لكم مأوى تتحصّنون به عن أعدائكم.
وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ: على الكفار، أو بمظاهره الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر.
وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ: من المغانم.
____________
(1) المصدر: فكيف و كنت.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: «عملي اني» بدل: «على أن».
(4) الكافي 1/ 248 و 249، ضمن ح 4.
(5) الحديث في «باب شأن إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ و تفسيرها» من كتاب أصول الكافي (الحديث 4)، يعني: هذه الآية نزلت في إنّا أنزلناه في ليلة القدر. و تفسيره يعرف من كلامه- (عليه السلام)-.
(6) أنوار التنزيل 1/ 391.
320
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26): هذه النّعم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): نزلت في قريش خاصة.
و في كشف المحجة (2) لابن طاوس: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فأمّا الآيات التي في قريش، فهي قوله: «و اذكروا- إلى قوله- لعلّكم تشكرون».
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ: بتعطيل الفرائض و السّنن. أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون. أو بالغلول في المغانم.
و أصل الخون: النّقص، كما أن أصل الوفاء: التّمام. و استعماله في ضد الأمانة، لتضمنه إيّاه.
وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ: فيما بينكم.
و هو مجزوم بالعطف، على الأوّل. أو منصوب على الجواب، بالواو.
وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27): أنّكم تخونون. أو أنتم علماء، تميّزون الحسن من القبيح.
و في مجمع البيان (3): عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاريّ. و ذلك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حاصر يهود بني قريظة (4) إحدى و عشرين ليلة. فسألوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الصّلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النّضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات و أريحا من أرض الشّام. فأبى أن يعطيهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة.
و كان مناصحا لهم، لأنّ عياله و ماله و ولده كانت عندهم فبعثه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأتاهم.
فقالوا: ما ترى، يا أبا لبابة، أ ننزل على حكم سعد بن معاذ؟
فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنّه الذّبح، فلا تفعلوا.
____________
(1) تفسير القمّي 1/ 271.
(2) كشف المحجّة/ 175.
(3) مجمع البيان 2/ 535- 536.
(4) المصدر: يهود قريظة.
321
فأتاه جبرائيل- (عليه السلام)- فأخبره بذلك.
قال أبو لبابة: فو اللَّه، ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أني قد خنت اللَّه و رسوله.
فنزلت الآية فيه. فلمّا نزلت، شدّ نفسه على سارية من سواري المسجد و قال و اللَّه، لا أذوق طعاما و لا شرابا حتى أموت أو يتوب اللَّه عليّ.
فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما و لا شرابا، حتى خرّ مغشيا عليه. ثمّ تاب اللَّه عليه.
فقيل له: يا أبا لبابة، قد تيب عليك.
فقال: لا و اللَّه، لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هو الّذي يحلّني.
فجاءه، فحلّه بيده.
ثمّ قال أبو لبابة: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذّنب و أن أنخلع من مالي.
فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يجزيك الثّلث أن تصدّق به.
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن رجل وقع لي عنده مال، و كابرني عليه و حلف. ثمّ وقع له عندي مال، فآخذه مكان مالي الّذي أخذ و أجحده و أحلف عليه، كما صنع؟
فقال: إن خانك، فلا تخنه، و لا تدخل فيما عبته عليه.
عليّ بن إبراهيم (2): عن أبيه و محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم عن عبد الحميد، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: الرّجل يكون لي عليه الحقّ، فيجحدنيه. ثمّ يستودعني مالا، ألي أن آخذ مالي عنده؟
قال: لا، هذه خيانة.
____________
(1) الكافي 5/ 98، ح 1.
(2) الكافي 5/ 98، ح 2.
322
عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: رجل كان له على رجل مال، فجحده إيّاه و ذهب به. ثمّ صار بعد ذلك للرّجل الّذي ذهب بماله مال قبله، أ يأخذه منه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرّجل؟
قال: نعم، و لكن لهذا كلام. يقول: اللّهمّ، إني آخذ هذا المال مكان مالي الّذي أخذه مني، و إني لم آخذها ما أخذت منه خيانة و لا ظلما.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2). و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: و أما خيانة الأمانة، فكلّ إنسان مأمون على ما افترض اللَّه- عزّ و جلّ- عليه.
قال (3): نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر. فلفظ الآية عام، و معناها خاصّ.
قال: و نزلت في غزوة بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، و قد كتبت في هذه الصورة (4) مع أخبار بدر. و كانت على رأس ستة عشر شهرا من مقدم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المدينة. و نزلت مع الآية التي في سورة التّوبة قوله: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ التي نزلت في أبي لبابة.
قال: فهذا الدّليل على أنّ التأليف على خلاف ما أنزل اللَّه على نبيّه.
ثم ذكر هذه القصة هناك، كما يأتي.
وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ: لأنّهم سبب الوقوع في الإثم و العقاب. أو محنة من اللَّه، ليبلوكم فيه. فلا يحملنّكم حبّهم على الخيانة، كأبي لبابة.
وَ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28): لمن آثر رضا اللَّه عليهم، و راعى حدوده فيهم. فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه.
و في مجمع البيان (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا يقولنّ أحدكم: اللّهم إني أعوذ بك من الفتنة. لأنه ليس أحد إلّا و هو مشتمل على فتنة. و لكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن. فإنّ اللَّه- سبحانه- يقول: وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ.
____________
(1) الكافي 5/ 98، ح 3.
(2) تفسير القمي 1/ 272.
(3) تفسير القمي 1/ 303- 304.
(4) المصدر: السورة.
(5) مجمع البيان 2/ 536.
323
و في كتاب المناقب (1) لابن شهر آشوب: و روى يحيى بن أبي كثير و سفيان بن عيينة، بإسنادهما، أنّه سمع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بكاء الحسن و الحسين و هم على المنبر، فقام فزعا. ثمّ قال: أيّها النّاس، ما الوليد (2) إلّا فتنة. لقد قمت إليهم و حقّا (3) ما معي عقلي.
و في رواية بريدة (4): و ما أعقل.
عن عبد اللَّه بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخطب على المنبر. فجاء (5) الحسن و الحسين، و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران.
فنزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المنبر، فحملهما و وضعهما على يديه ثمّ قال:
صدق اللَّه: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ.
(إلى آخر كلامه).
و في خبر آخر: أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: هداية في قلوبكم، تفرقون بها بين الحقّ و الباطل. أو نصرا، يفرق بين المحقّ و المبطل بإعزاز المؤمنين و إذلال الكافرين. أو مخرجا من الشّبهات. أو نجاة عمّا تحذرون في الدّارين. أو ظهورا يشهر أمركم و يثبت نعتكم، من قولهم: بتّ أفعل كذا حتّى سطح الفرقان، أي: الصّبح.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6)، يعني: العلم الّذي تفرقون به بين الحقّ و الباطل.
وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ: و يسترها.
وَ يَغْفِرْ لَكُمْ: ذنوبكم، بالتّجاوز و العفو عنها.
و قيل (7): «السّيّئات» الصّغائر. و «الذّنوب» الكبائر.
و قيل (8): المراد: ما تقدّم و ما تأخّر. لأنّها في أهل بدر، و قد غفرهما (9) اللَّه لهم. وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29): تنبيه على أنّ ما وعده لهم من التّقوى، تفضّل منه و إحسان. و أنّه ليس ممّا يوجبه تقواهم عليه، كالسّيد إذا وعد عبده إنعاما على
____________
(1) المناقب 3/ 385.
(2) المصدر: الولد.
(3) ليس في المصدر.
(4) ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: فأتى.
(6) تفسير القمي 1/ 272.
(7) أنوار التنزيل 1/ 391.
(8) نفس المصدر.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: غفرها.
324
عمل.
وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا: تذكار لمّا مكر قريش به حين كان بمكّة، ليشكر نعمة اللَّه في خلاصه من مكرهم و استيلائه عليهم.
و المعنى: و اذكر إذ يمكرون بك.
لِيُثْبِتُوكَ: بالوثاق و الحبس. أو الإثخان بالجرح، من قولهم: ضربه حتّى أثبته، و لا حراك به و لا براح.
و قرئ (1): «ليثبّتوك» بالتّشديد. و «ليبيّتوك»، من البيات. و «ليقيّدوك».
أَوْ يَقْتُلُوكَ: بسيوفهم.
أَوْ يُخْرِجُوكَ: من مكّة.
وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ: بردّ مكرهم عليهم. أو بمجازاتهم عليه. أو بمعاملة الماكرين معهم، بأن أخرجهم إلى بدر و قلّل المسلمين في أعينهم حتّى حملوا عليهم فقتلوا.
وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30): إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره.
و إسناد أمثال هذا، إنّما يحسن للمزاوجة. و لا يجوز إطلاقها ابتداء، لما فيه من إيهام الذّمّ.
في أمالي (2) شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى جابر بن عبد اللَّه بن حزام الأنصاريّ- (رحمه اللّه)- قال: تمثّل إبليس- لعنه اللَّه- في أربع صور.
- إلى قوله-: و تصوّر يوم اجتماع قريش في دار النّدوة في صورة شيخ من أهل نجد. و أشار عليهم في النّبيّ- (عليه السلام)- بما أشار. فأنزل اللَّه- تعالى-: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ (الآية).
و في تفسير العيّاشي (3): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)-: أنّ قريشا اجتمعت فخرجت من كل بطن أناسا. ثمّ انطلقوا إلى دار الندوة ليشاوروا فيما يصنعون برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإذا هم بشيخ قائم على الباب.
فإذا ذهبوا إليه ليدخلوا، قال: أدخلوني معكم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 392.
(2) أمالي الطوسي 1/ 180- 181.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 53- 54، ح 42.
325
قالوا: و من أنت، يا شيخ؟
قال: أنا شيخ من مصر (1)، ولي رأي أشير به عليكم.
فدخلوا و جلسوا و تشاوروا، و هو جالس. و أجمعوا أمرهم على أن يخرجوه.
قال: ليس هذا بكم برأي. إن أخرجتموه، جلب عليكم النّاس فقاتلوكم.
قالوا: صدقت، ما هذا برأي.
ثمّ تشاوروا، و أجمعوا أمرهم على أن يوثقوه.
قال: هذا ليس برأي. إن فعلتم هذا، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل حلو اللّسان، أفسد عليكم أبناءكم و خدمكم. و ممّا (2) ينفع أحدكم إذا فارقه أخوه و ابنه و امرأته.
ثمّ تشاوروا، فأجمعوا أمرهم على أن يقتلوه. يخرجون من كلّ بطن منهم بشاهر، فيضربونه بأسيافهم جميعا عند الكعبة.
ثمّ قرأ هذه الآية: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ. (الآية).
عن زرارة و حمران (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (4) قوله: وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد كان لقي من قومه بلاء شديدا. حتى أتوه ذات يوم، و هو ساجد، حتى طرحوا (5) عليه رحم شاة. فأتته ابنته، و هو ساجد لم يرفع رأسه، فرفعته عنه و مسحته. ثمّ أراه اللَّه بعد ذلك الّذي يحبّ. إنه كان ببدر و ليس معه غير فارس واحد، ثمّ كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفا، حتى جعل أبو سفيان و المشركون يستغيثون (6). ثمّ لقي أمير المؤمنين من الشّدة و البلاء و التّظاهر عليه، و لم يكن معه أحد من قومه بمنزلته. أما حمزة فقتل يوم أحد، و أما جعفر فقتل يوم مؤنة.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (7)، في هذه الآية: أنّها نزلت بمكة قبل الهجرة. و كان سبب نزولها، أنّه لما أظهر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الدعوة بمكّة، قدمت عليه
____________
(1) المصدر: بني مضر.
(2) المصدر: ما.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 54، ح 43.
(4) من المصدر.
(5) هكذا في المصدر، و في النسخ: طردوا.
(6) هكذا في المصدر، و في النسخ: يستعينون.
(7) تفسير القمي 1/ 272- 276.
326
الأوس و الخروج.
فقال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تمنعوني و تكونون لي جارا (1) حتى أتلو عليكم كتاب ربي، و ثوابكم على اللَّه الجنّة؟
فقالوا: نعم، خذ لربّك و لنفسك ما شئت.
و قال لهم: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التّشريق.
فحجّوا و رجعوا إلى منى. و كان فيهم ممّن قد حجّ كثيرا.
فلمّا كان اليوم الثاني من أيّام التشريق، فقال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا كان اللّيل، فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة. و لا تنبّهوا نائما. و لينسل واحد فواحد.
فجاء سبعون رجلا من الأوس و الخزرج، فدخلوا الدّار.
فقال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تمنعوني و تجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي، و ثوابكم على اللَّه الجنّة؟
فقال سعد بن زرارة و البراء من معرور و عبد اللَّه بن حزام: نعم، يا رسول اللَّه اشترط لربّك و لنفسك ما شئت.
فقال: أمّا ما أشترط لربي، فأن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا. و أشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون أنفسكم، و تمنعوا أهلي مما تمنعون أهليكم (2) و أولادكم.
فقالوا: فما لنا على ذلك؟
قال: الجنة في الآخرة، و تملكون العرب، و تدين لكم العجم في الدنيا. و تكونون ملوكا في الجنّة.
فقالوا: قد رضينا.
فقال: أخرجوا إليّ منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون شهداء عليكم بذلك، كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثنى عشر نقيبا.
فأشار عليهم جبرئيل- (عليه السلام)-.
فقال: هذا نقيب و هذا نقيب و هذا نقيب، تسعة من الخزرج و ثلاثة من الأوس. فمن الخزرج، سعد بن زرارة و البراء بن معرور. و عبد اللَّه بن حزام،- و هو
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: حبارا.
(2) المصدر: أهاليكم.
327
أبو جابر بن عبد اللَّه- و رافع بن مالك، و سعد بن عبادة، و المنذر بن عمرو، و عبد اللَّه بن رواحة، و سعد بن الرّبيع، و عبادة بن الصامت. و من الأوس، أبو الهيثم بن التّيهان، و هو من اليمن، و أسد بن حصين، و سعد بن خيثمة.
فلمّا اجتمعوا و بايعوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صاح إبليس: يا معشر قريش و العرب، هذا محمّد و الصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم.
فأسمع أهل منى. و هاجت قريش، فأقبلوا بالسّلاح. و سمع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- النّداء.
فقالوا للأنصار: تفرّقوا.
فقالوا: يا رسول اللَّه، إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لم أؤمر بذلك، و لم يأذن اللَّه لي في محاربتهم.
قالوا: فتخرج معنا؟
قال: أنتظر أمر اللَّه.
فجاءت قريش على بكرة أبيها، قد أخذوا السّلاح. و خرج حمزة و أمير المؤمنين- (عليهما السلام)- [و معهما السيوف] (1)، فوقفنا على العقبة.
فلمّا نظرت قريش إليهما، قالوا: ما هذا الّذي اجتمعتم له؟
فقال حمزة: ما اجتمعنا، و ما ها هنا أحد. و اللَّه، لا يجوز هذه العقبة أحد إلّا ضربته بسيفي.
فرجعوا إلى مكّة، و قالوا: لا نأمن من أن يفسد أمرنا، و يدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمّد.
فاجتمعوا في الندوة. و كان لا يدخل دار الندوة، إلا من أتى عليه أربعون سنة.
فدخلوا أربعين رجلا من مشايخ قريش.
و جاء إبليس في صورة شيخ كبير، فقال له البواب، من أنت؟
فقال: أنا شيخ من أهل نجد، لا يعدمكم مني رأي صائب (2). إني حدث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرّجل، فجئت لأشير عليكم.
____________
(1) من المصدر.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: تناسب.
328
فقال: ادخل.
فدخل إبليس.
فلمّا أخذوا مجلسهم، قال أبو جهل: يا معشر قريش: إنّه لم يكن أحد من العرب أعزّ منّا. نحن أهل اللّه، و تغدوا إلينا العرب في السّنة مرّتين و يكرموننا و نحن في حرم اللّه، لا يطمع فينا طامع. فلم نزل كذلك، حتّى نشأ فينا محمّد بن عبد اللّه. فكنّا نسمّيه الأمين، لصلاحه و سكونه و صدق لهجته، حتّى إذا بلغ ما بلغ و أكرمناه، ادّعى أنّه رسول اللّه. و أنّ أخبار السّماء تأتيه. فسفّه أحلامنا، و سبّ آلهتنا، و أفسد شبابنا، و فرّق جماعتنا، و زعم أنّه من مات من أسلافنا ففي النّار. فلم يرد علينا شيء أعظم من هذا، و قد رأيت فيه رأيا. و ما رأيت؟
قال: رأيت أن ندسّ إليه رجلا منّا ليقتله. فإن طلبت بنو هاشم بدمه، أعطيناهم عشر ديات. فقال الخبيث: هذا رأي خبيث.
قالوا: و كيف ذلك؟
قال: لأنّ قاتل محمّد مقتول لا محالة. فمن هذا الّذي يبذل نفسه للقتل منكم؟
فإنّه إذا قتل محمّد، تعصّبت (1) بنو هاشم و حلفاؤهم من خزاعة. و أنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على الأرض، فتقع بينكم الحروب في حرمكم و تتفانوا به.
فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر.
قال: و ما هو؟
نبيّته (2) في بيت و نلقي إليه قوته، حتّى يأتيه ريب المنون فيموت، كما مات زهير و النّابعة و امرؤ القيس.
فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر.
قالوا: و كيف ذلك؟
قال: لإنّ بني هاشم لا ترضى بذلك. فإذا جاء موسم من مواسم العرب، استعانوا (3) بهم و اجتمعوا عليكم فأخرجوه.
و قال آخر منهم: لا، و لكنّا نخرجه من بلادنا و نتفرّغ نحن لعبادة آلهتنا.
____________
(1) المصدر: تغضب.
(2) المصدر: نثبته.
(3) المصدر: استغاثوا.
329
فقال إبليس: هذا أخبث من الرّأيين المتقدّمين.
قالوا: و كيف ذلك؟
قال: لأنّكم تعمدون إلى أصبح النّاس وجها و أنطق النّاس لسانا و أفصحهم لهجة، فتحملونه إلى بوادي (1) العرب فيخدعهم و يستجرّهم (2) بلسانه. فلا يفجأكم إلّا و قد ملأها عليكم خيلا و رجالا (3).
فبقوا حائرين. ثمّ قالوا لإبليس: فما الرأي فيه، يا شيخ؟
قال: ما فيه إلّا رأي واحد.
قالوا: و ما هو؟
قال: يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش واحد، و يكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا، فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة، حتى يتفرّق دمه في قريش كلّها. فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه، و قد شاركوا فيه.
فإن سألوكم أن تعطوا الدّية، فأعطوهم ثلاث ديات.
فقالوا: نعم، و عشر ديات.
ثمّ قالوا: الرأي، رأي الشّيخ النجديّ.
فاجتمعوا، و دخل معهم في ذلك أبو لهب، عمّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و نزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أخبره، أنّ قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك. و أنزل اللّه عليه في ذلك وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ، وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
و اجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه. و خرجوا إلى المسجد يصفرون و يصفّقون، و يطوفون بالبيت. فأنزل اللّه وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً (4). «فالمكاء»، التصفير. و «التّصدية» صفق اليدين. و هذه الآية معطوفة على قوله: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. و قد كتب بعد آيات كثيرة.
فلما أمسى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جاءت قريش ليدخلوا عليه.
فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه اللّيل. فإنّ في الدار صبيانا و نساء، و لا
____________
(1) المصدر: وادي.
(2) المصدر: يسحرهم.
(3) المصدر: رجلا.
(4) الأنفال/ 35.
330
نأمن أن تقع بهم يد خاطئة. فنحرسه اللّيلة، فإذا أصبحنا دخلنا عليه.
فناموا حول حجرة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يفرش له، فراش (1).
فقال لعليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-: أفدني نفسك.
قال: نعم، يا رسول اللّه.
قال: يا عليّ، نم على فراشي و التحف ببردتي.
فنام على فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و التحف ببردته. و جاء جبرئيل، فأخذ بيد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخرجه على قريش، و هم نيام. و هو يقرأ عليهم: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (2).
و قال له جبرئيل: خذ على طريق ثور. و هو جبل على طريق منى، له سنام، كسنان ثور.
فدخل الغار و كان من أمره ما كان. فلما أصبحت قريش، و أتوا (3) إلى الحجرة و قصدوا الفراش.
فوثب عليّ في وجوههم، فقال: ما شأنكم؟
قالوا له: أين محمّد؟
قال: أ جعلتموني عليه رقيبا، ألستم قلتم: نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم.
فأقبلوا يضربون أبا لهب و يقولون: أنت تخدعنا منذ الليلة.
فتفرّقوا في الجبال. و كان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز. يقفو الآثار.
فقالوا له: يا أبا كرز، اليوم اليوم.
فوقف بهم على باب حجرة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: هذه قدم محمد، و اللّه، إنّها لأخت القدم التي في المقام.
و كان أبو بكر استقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فردّه معه.
و قال أبو كرز: و هذه قدم ابن أبي قحافة، أو أبيه. ثمّ قال: و ها هنا عبر ابن أبي قحافة.
فما زال يقفو بهم، حتّى أوقفهم على باب الغار. ثمّ قال: ما جاوزا هذا
____________
(1) المصدر: ففرش له.
(2) يس/ 9.
(3) ح: وثبوا.
331
المكان. إمّا أن يكونوا صعدوا إلى السّماء، أو أدخلوا تحت الأرض.
فبعث اللّه العنكبوت، فنسجت على باب الغار. و جاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار، ثمّ قال: ما في الغار أحد (1).
فتفرقوا في الشّعاب، و صرفهم اللّه عن رسوله. ثمّ أذن لنبيّه في الهجرة.
وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا: و هو قول النضر بن الحارث بن كلدة يوم بدر. و إسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنّه كان قاصّهم. أو قول الّذين ائتمروا في أمره- (عليه السلام)-. و هذه غاية مكابرتهم و فرط عنادهم. إذ لو استطاعوا ذلك، فما منعهم أن يشاءوا و قد تحداهم و قرّعهم بالعجز عشر سنين ثمّ قارعهم بالسّيف. فلم يعارضوا سوره مع أنفتهم و فرط استنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البيان.
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31): ما سطّره الأوّلون من القصص.
قيل (2): قاله النّضر- أيضا-. و ذلك أنّه جاء بحديث رستم و إسفنديار من بلاد فارس، و زعم أنّ هذا هو مثل ذاك.
وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32).
قيل (3): هذا- أيضا- من كلام ذلك القائل أبلغ في الجحود.
و نقل (4): أنّه لمّا قال النّضر: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، قال له النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ويلك، إنّه كلام اللّه.
فقال ذلك.
و المعنى: ان كان القرآن حقّا منزلا، فأمطر الحجارة علينا عقوبة على إنكاره. أو ائتنا بعذاب أليم سواء.
و المراد به: التّهكّم، و إظهار اليقين، و الجزم التّامّ على كونه باطلا.
و قرئ (5): «الحقّ» بالرفع، على أنّ «هو» مبتدأ غير فصل. و فائدة التعريف فيه،
____________
(1) المصدر: واحد.
(2) تفسير الصافي 2/ 297.
(3) أنوار التنزيل 1/ 392- 393.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) أنوار التنزيل 1/ 392.
332
الدّلالة على أنّ المعلّق به كونه حقّا بالوجه الّذي يدّعيه النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو تنزيله لا الحقّ مطلقا، لتجويزهم (1) أن يكون مطابقا للواقع غير منزل، كأساطير الأوّلين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قاله أبو جهل.
و في روضة الكافي (3): عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [ذات يوم] (4) جالسا، و ذكر كلاما طويلا في فضل عليّ- (عليه السلام)-.
إلى أن قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ إنّ بني هاشم يتوارثون هرقل بعد هرقل «فأرسل علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم».
فأنزل اللّه عليه مقالة الحارث.
و في تفسير مجمع البيان (5)، بإسناده إلى سفيان بن عيينة: عن جعفر بن محمّد الصّادق، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: لمّا نصب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليا- (عليه السلام)- يوم غدير خمّ فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» طار ذلك في البلاد.
فقدم على النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- النّعمان بن الحارث الفهريّ، فقال: أمرتنا من اللّه أن نشهد لا إله الّا اللّه و أنّك رسول اللّه، و أمرتنا بالجهاد و الحجّ و الصّوم و الصلاة و الزكاة، فقبلناها. ثم لم ترض حتى نصّبت هذا الغلام فقلت: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، فهذا شيء منك أو أمر من عند اللّه؟
فقال: و اللّه الذي لا إله إلّا هو، إنّ هذا من عند اللّه.
فولّى النّعمان بن الحارث و هو يقول: «اللّهم» (الآية). فرماه اللّه بحجر على رأسه، فقتله.
وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33): بيان لما كان الموجب لإمهالهم، و التّوقّف لإجابة دعائهم.
و «اللّام» لتأكيد النفي، و الدلالة على أنّ تعذيبهم عذاب استئصال و النبيّ بين
____________
(1) المصدر: ينجويزهم.
(2) تفسير القمي 1/ 277. بتصرف.
(3) الكافي 8/ 57، ح 18.
(4) من المصدر.
(5) مجمع البيان 5/ 352.
333
أظهرهم خارج عن عادته غير مستقيم في قصائه.
و المراد بالاستغفار، إمّا استغفار من بقي فيهم من المؤمنين. أو قولهم: اللّهمّ غفرانك. أو فرضه على معنى: لو استغفروا لم يعذّبوا، كقوله: وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ.
و في روضة الكافي (1): عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة و غير واحد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ لكم في حياتي خيرا و في مماتي خيرا.
قال: فقيل: يا رسول اللّه، أما حياتك فقد علمنا فما لنا في وفاتك؟
فقال: أما في حياتي، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ. و أمّا في مماتي، فتعرض عليّ أعمالكم فأستغفر لكم.
و في نهج البلاغة (2): و حكى أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- أنّه قال: كان في الأرض أمانان من عذاب الله- سبحانه-. فرفع أحداهما، فدونكم الآخر فتمسّكوا به. أمّا الأمان الّذى رفع، فهو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أما الأمان الباقي، فالاستغفار. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (الآية).
و في من لا يحضره الفقيه (3): و قال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حياتي خير لكم، و مماتي خير لكم.
فقالوا: يا رسول اللّه، و كيف ذاك؟
فقال: أمّا حياتي، فإن اللّه يقول: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب ثواب الأعمال (4): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: [مقامي فيكم و] (5) الاستغفار لكم حصن حصين من العذاب. فمضى اكبر الحصنين، و بقي الاستغفار. فأكثروا منه، فانّه ممحاة للذنوب. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (الآية).
____________
(1) الكافي 8/ 254، ح 361.
(2) نهج البلاغة/ 483، حكمة 88.
(3) الفقيه 1/ 121، ح 582.
(4) ثواب الأعمال/ 197، ح 3.
(5) من المصدر.
334
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن عبد اللّه بن محمّد الجعفيّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: الاستغفار حصن حصين (2) لكم من العذاب. فمضى اكبر الحصنين، و بقي الاستغفار. فأكثروا منه، فإنّه ممحاة (3) للذّنوب. و ان شئتم فاقرؤوا: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (الآية).
و في كتاب علل الشرائع (4)، بإسناده إلى عمرو بن شمر: عن جابر بن يزيد الجعفي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-: لأيّ شيء يحتاج إلى النبيّ و الإمام؟
فقال: لبقاء العالم على صلاحه. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- يرفع العذاب عن أهل الأرض، إذا كان فيها نبيّ أو إمام. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ. و قال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: النجوم أمان لأهل السّماء، و أهل بيتي أمان لأهل الأرض. فإذا ذهبت النجوم، أتى أهل السّماء ما يكرهون. و إذا ذهب أهل بيتي، أتى أهل الأرض ما يكرهون، يعني بأهل بيته: الأئمّة الّذين قرن اللّه- عزّ و جلّ- طاعتهم بطاعته.
و في أمالي شيخ الطائفة (5)، بإسناده إلى سدير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو في نفر من أصحابه: إنّ مقامي بين أظهركم خير لكم، و إنّ مفارقتي إيّاكم خير لكم.
فقام إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، و قال: يا رسول اللّه، أمّا مقامك بين أظهرنا فهو خير لنا. فكيف يكون مفارقتك إيانا خيرا لنا؟
فقال: أمّا مقامي بين أظهركم خير لكم، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، يعني: يعذّبهم] (6) بالسّيف. فأمّا مفارقتي إيّاكم فهو خير لكم، لأنّ أعمالكم تعرض عليّ كلّ اثنين و خميس. فما كان من حسن، حمدت الله عليه. و ما كان من سيء، استغفرت لكم.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 540، ح 44.
(2) المصدر: و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الاستغفار حصنين ...
(3) المصدر: منجاة.
(4) العلل/ 123- 124، ح 1.
(5) أمالي الطوسي 2/ 22- 23.
(6) من المصدر.
335
و بإسناده (1) إلى جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أنّه قال: أربع للمرء، لا عليه. إلى قوله: و الاستغفار فإنّه قال:
وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ، وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
وَ ما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ: و ما لهم ممّا يمنع تعذيبهم متى زال ذلك، و كيف لا يعذّبون؟
وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: و حالهم ذلك. و من صدّهم عنه إلجاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المؤمنين إلى الهجرة، و إحصارهم عام الحديبيّة.
وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ: مستحقين ولاية أمره مع شركهم. و هو ردّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت و الحرم، فنصدّ من نشاء و ندخل من نشاء.
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ: من الشّرك. الّذين لا يعبدون فيه غيره.
و قيل (2): الضّميران للّه.
و في مجمع البيان (3): عن الباقر- (عليه السلام)-: معناه: و ما أولياء المسجد الحرام إلّا المتّقون.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ، يعني: أولياء البيت، يعني: المشركين. إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ حيث ما كانوا، هم أولى به من المشركين.
وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34): أنّ لا ولاية لهم عليه، كأنّه نبّه بالأكثر على أنّ منهم من يعلم و يعاند. أو أراد به الكلّ، كما يراد بالقلّة العدم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): أنّها نزلت لمّا قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لقريش: إنّ اللّه بعثني أن أقتل جميع ملوك الدّنيا و أجري الملك إليكم. فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه، تملكوا بها العرب و تدين لكم بها العجم و تكونوا ملكوا في الجنّة.
فقال أبو جهل: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا الذي يقول محمّد
____________
(1) أمالي الطوسي 2/ 108.
(2) أنوار التنزيل 1/ 393.
(3) مجمع البيان 2/ 539 و 540.
(4) تفسير العياشي 2/ 55، ح 46.
(5) تفسير القمي 1/ 276- 277.
336
هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. حسدا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
ثمّ قال: كنّا و بنو هاشم، كفرسي رهان. نحمل، إذ احملوا. و نطعن، إذ طعنوا. و نوقد، إذا أوقدوا. فلما استوى بنا و بهم الرّكب، قال قائل منهم: منّا نبيّ. لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم، و لا يكون في بني مخزوم.
ثمّ قال: غفرانك، اللّهم.
فأنزل اللّه في ذلك وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ حين قال: غفرانك، اللّهم.
فلمّا همّوا بقتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أخرجوه من مكّة، قال اللّه:
وَ ما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ، يعني:
قريشا ما كانوا أولياء مكّة. إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أنت و أصحابك، يا محمّد. فعذّبهم اللَّه بالسّيف يوم بدر، فقتلوا.
و في روضة الكافي (1): عن أبي بصير قال: بينا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [ذات يوم] (2) جالس، إذ أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم.
و لولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة.
قال: فغضب الأعرابيّان و المغيرة بن شعبة و عدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم.
فأنزل اللَّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ، يعني: من بني هاشم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (3). قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال:
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [إنّ بني هاشم يتوارثون] (4) هرقلا بعد هرقل
____________
(1) الكافي 8/ 57- 58، ح 18.
(2) من المصدر.
(3) الزخرف/ 57- 60.
(4) ليس في المصدر.
337
فأرسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فأنزل اللَّه عليه مقالة الحارث. و نزلت هذه الآية وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
ثمّ قال له: يا ابن عمرو، إمّا تبت و إما رحلت.
[فقال: يا محمّد، بل تجعل لسائر قريش شيئا ممّا في يديك. فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب و العجم.
فقال له النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس ذلك إليّ. ذلك إلى اللَّه- تبارك و تعالى-.
فقال: يا محمّد، قلبي ما يتابعني على التوبة، و لكن أرحل عنك] (1).
فدعا براحلته، فركبها. فلمّا صار بظهر المدينة، أتته جندلة فرضّت (2) هامته.
[ثمّ أتى الوحي إلى النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: «سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية عليّ ليس له دافع من اللَّه ذي المعارج» (3).
قال: قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرؤها هكذا.
فقال: هكذا- و اللَّه- نزل بها جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هكذا هو- و اللَّه- مثبت في مصحف فاطمة- (عليها السلام)-] (4).
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم، فقد أتاه ما استفتح به. قال اللَّه: وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (5).
وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، أي: دعاؤهم. أو ما يسمّونه صلاة. أو ما يضعون موضعها.
إِلَّا مُكاءً: صفيرا. فعال، من مكا يمكو: إذا صفر.
و قرئ (6)، بالقصر، كالبكا.
وَ تَصْدِيَةً: تصفيقا. تفعلة، من الصداء، أو من الصّدّ. على إبدال أحد حرفي التّضعيف بالياء.
____________
1 و 4- من المصدر.
(2) المصدر: فرضخت.
(3) المعارج/ 1- 3.
(5) إبراهيم/ 15.
(6) أنوار التنزيل 1/ 393.
338
و قرئ (1): «صلاتهم» بالنّصب، على أنّه الخبر المقدّم. و مساق الكلام، لتقرير استحقاقهم العذاب. أو عدم ولايتهم للمسجد، فإنّها لا تليق لمن هذه صلاته.
و في تفسير العياشي (2): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: التصفير و التصفيق.
و في عيون الأخبار (3): قال الرّضا- (عليه السلام)-: و سميت مكّة: مكّة، لأنّ الناس كانوا يمكون فيها. و كان يقال لمن قصدها: قد مكأ. ذلك قول اللَّه- تعالى-: وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً. «فالمكاء» التصفير. و «التّصدية» صفق اليدين.
و في مجمع البيان (4): روي أنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، و رجلان عن يساره يصفّقان بأيديهما فيخلطان عليه صلاته. فقتلهم اللَّه جميعا ببدر.
قيل (5): إنّهم كانوا يطوفون عراة، الرّجال و النّساء، مشبّكين بين أصابعهم يصفرون فيها و يصفّقون.
فَذُوقُوا الْعَذابَ يعني: القتل و الأسر يوم البدر.
و قيل (6): عذاب الآخرة.
و «اللّام» يحتمل أن تكون للعهد و المعهود «ائتنا بعذاب أليم».
بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35): اعتقادا و عملا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): هذه الآية معطوفة على قوله: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، كما نقلنا عنه هناك.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قيل (8): نزلت في المطعمين يوم بدر. و كان اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كلّ
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 393.
(2) تفسير العيّاشيّ 2/ 55، ح 46.
(3) عيون الأخبار 2/ 90- 91.
(4) مجمع البيان 2/ 540.
(5) أنوار التنزيل 1/ 393.
(6) أنوار التنزيل 1/ 393.
(7) تفسير القمي 1/ 275.
(8) أنوار التنزيل 1/ 393.
339
واحد منهم كلّ يوم عشر [جزر أو] (1) في أبي سفيان، استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، و أنفق عليهم أربعين أوقيّة.
و سيأتي عن عليّ بن إبراهيم، أنه في أصحاب العير. فإنّه لمّا أصيب قريش ببدر، قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمّد لعلّنا ندرك منه ثأرنا. ففعلوا.
و المراد بسبيل اللَّه: دينه، و اتباع رسوله.
فَسَيُنْفِقُونَها: بتمامها.
قيل (2): لعلّ الأوّل إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال، و هو إنفاق بدر. و الثاني إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل، و هو إنفاق احد. و يحتمل أن يراد بهما واحد، على أنّ مساق الأول لبيان غرض الإنفاق. و مساق الثاني لبيان عاقبته، و إنّه لم يقع بعد.
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً: ندما و غمّا، لفواتها من غير مقصود. جعل ذاتها تصير حسرة، و هي عاقبة إنفاقها مبالغة.
ثُمَّ يُغْلَبُونَ: آخر الأمر. و إن كان الحرب بينهم سجالا قبل ذلك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): نزلت في قريش، لمّا وافاهم ضمضم و أخبرهم بخبر (4) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في طلب العير. فأخرجوا أموالهم و حملوا و أنفقوا و خرجوا إلى محاربة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ببدر، فقتلوا و صاروا إلى النّار. و كان ما أنفقوا حسرة عليهم.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أي: الّذين ثبتوا على الكفر منهم، إذا أسلم بعضهم.
إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36): يساقون.
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ: الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصّلاح.
و «اللّام» متعلّقة «بيحشرون»، أو «يغلبون».
أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ممّا أنفقه المسلمون في نصرته. و «اللام» متعلّقة بقوله: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً.
و قرأ (5) حمزة و الكسائي و يعقوب: «ليميّز» من التّمييز. و هو أبلغ من الميز.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: جزورا و.
(2) أنوار التنزيل 1/ 393.
(3) تفسير القمي 1/ 277- 278.
(4) المصدر: بخروج.
(5) أنوار التنزيل 1/ 394.
340
وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً: فيجمعه و يضمّ بعضه إلى بعض، حتّى يتراكبوا لفرط ازدحامهم. أو يضمّ إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه، كما للكانزين.
فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ: إشارة الى الخبيث، لأنّه مقدر بالفريق الخبيث. أو إلى المنفقين.
هُمُ الْخاسِرُونَ (37): الكاملون في الخسران، لأنّهم خسروا أنفسهم و أموالهم.
و في علل الشّرائع (1): عن الباقر- (عليه السلام)- في حديث: إنّ اللَّه- سبحانه- مزج طينة المؤمن حين أراد خلقه بطينة الكافر، فما يفعل المؤمن من سيئة فإنّما هو من أجل ذلك المزاج. و كذلك مزج طينة الكافر حين أراد خلقه بطينة المؤمن، فما يفعل الكافر من حسنة فإنّما هو من أجل ذلك المزاج.
أو لفظ هذا معناه قال: فإذا كان يوم القيامة، ينزع اللَّه- تعالى- من العدوّ النّاصب سنخ المؤمن و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع أعماله الصّالحة و يرده على المؤمن. و ينزع اللَّه- تعالى- من المؤمن سنخ النّاصب و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع أعماله السّيّئة الرّديئة، و يردّه إلى الناصب عدلا منه- جلّ جلاله- و تقدّست أسماؤه. و يقول للنّاصب: لا ظلم عليك بهذه الأعمال الخبيثة من طينك و مزاجك، و أنت أولى بها. و هذه الأعمال الصّالحة من طينة المؤمن و مزاجه و هو أولى بها. لا ظلم اليوم، إنّ اللَّه سريع الحساب.
ثم قال: أزيدك في هذا المعنى من القرآن، أليس اللَّه- عزّ و جلّ- يقول:
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ، أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (2). و قال- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ. لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
____________
(1) عنه تفسير الصافي 2/ 302، و شرحه في الوافي المجلد 1 الجزء 3/ 11- 13. و الحديث موجود في علل الشرايع/ 606، ح 81. و لكن لم يرد فيه ذكر للآيتين الواردتين في ذيل الحديث.
(2) النّور/ 26.
341
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: يعني: أبا سفيان و أصحابه.
و المعنى: قل لأجلهم.
إِنْ يَنْتَهُوا: عن معاداة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالدّخول في الإسلام.
يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ: من ذنوبهم.
و قرئ (1): بالتّاء و الكاف، على أنّه خطابهم. و «يغفر» على البناء للفاعل. و هو اللَّه- تعالى-.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن عليّ بن درّاج الأسديّ قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)-.
فقلت له: إنّي كنت عاملا لبني أميّة. فأصبت مالا كثيرا، فظننت أنّ ذلك لا يحلّ لي.
قال: فسألت عن ذلك غيري؟
قال: قلت: قد سألت. فقيل لي: إنّ أهلك و مالك و كلّ شيء لك حرام.
قال: ليس كما قالوا لك.
قلت: جعلت فداك، فلي توبة؟
قال: نعم، توبتك في كتاب اللَّه قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ.
وَ إِنْ يَعُودُوا: إلى قتاله.
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38): الّذين تحزّبوا على الأنبياء- (عليهم السلام)- بالتّدبير، كما جرى على أهل بدر، فليتوقّعوا مثل ذلك.
وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: لا يوجد فيهم شرك.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): أي: كفر.
قال: و هي ناسخة لقوله: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ. و لقوله: دَعْ أَذاهُمْ.
وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ: و تضمحلّ عنهم الأديان الباطلة.
و في روضة الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 394.
(2) تفسير العياشي 2/ 55، ح 47.
(3) تفسير القمي 1/ 278.
(4) الكافي 8/ 201، ح 43.
344
الحسين بن محمّد (1)، عن معلّى [بن محمّد] (2)، عن الوشّاء، عن أبان، عن محمد (3) ابن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى.
قال: و هم قرابة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و الخمس [للّه و] (4) للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و لنا] (5).
أحمد (6)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سئل عن قول اللَّه: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى. فقيل له:
فما كان للّه، فلمن هو؟
فقال: لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ما كان لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهو للإمام.
فقيل له: أ رأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر و صنف أقلّ، ما يصنع به؟
قال: ذاك إلى الإمام. أ رأيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كيف يصنع، أليس إنّما كان يعطي على ما يرى؟ و كذلك الإمام.
و في روضة الكافي (7)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. يقول فيها: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنّته] (8) و لو حملت الناس على تركها و حولتها إلى مواضعها و إلى ما كانت في عهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللَّه و سنة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
إلى أن قال: إذا لتفرقوا عني. ثمّ قال- (عليه السلام)- و اللَّه، لقد أمرت النّاس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة.
إلى أن قال: و أعطيت من ذلك سهم ذي القربى، الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) الكافي 1/ 539، ح 2.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: جعفر.
4 و 5- من المصدر.
(6) الكافي 1/ 544، ح 7.
(7) الكافي 8/ 59 و 62- 63، ح 21.
(8) من المصدر.
343
عبد الصّمد بن بشير، عن حكيم مؤذّن ابن عيسى قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى.
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- بمرفقيه على ركبتيه. ثمّ أشار بيده. ثمّ قال:
هي، و اللَّه، الإفادة يوما بيوم. إلّا أنّ أبي جعل شيعته في حل ليزكوا (1).
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ: مبتدأ خبره محذوف، أي: فثابت أنّ للّه خمسه.
و قرئ (2): «فإنّ» بالكسر.
و الجمهور من العامّة: على أنّ ذكر اللَّه- تعالى- للتّعظيم، كما في قوله: وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ. و أنّ المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين.
وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ.
في تهذيب الأحكام (3): عليّ بن الحسين بن فضّال، عن محمّد بن إسماعيل الزّعفرانيّ، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول كلاما كثيرا.
ثمّ قال: و أعظم (4) من ذلك كلّه سهم ذي القربى، الّذين قال اللَّه- تعالى-:
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ. نحن، و اللَّه، عنى بذي القربى. و [هم] (5) الّذين قرنهم اللَّه بنفسه و نبيّه، فقال: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ منّا خاصّة. و لم يجعل لنا في سهم الصدّقة نصيبا، أكرم اللَّه نبيّه و أكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدي النّاس.
و في أصول الكافي (6): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة و محمّد بن عبد اللَّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ (الآية).
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة- (عليهم السلام)-.
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: ليذكوا.
(2) أنوار التنزيل 1/ 394.
(3) تهذيب الأحكام 4/ 126، ح 362.
(4) المصدر: أعطهم.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 1/ 414، ح 12.
342
أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: في قول اللَّه- عزّ و جلّ- وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ (الآية).
فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد. إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رخّص [لخاصة] أصحابه (1). فلو قد جاء تأويلها، لم يقبل منهم. و لكنّهم يقتلون حتّى يوحّد اللَّه- عزّ و جلّ- حتّى لا يكون شرك.
و في تفسير مجمع البيان (2): وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ (الآية) و
روى زرارة و غيره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لم يجئ تأويل هذه الآية. و لو قد قام قائمنا بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية. و ليبلغنّ دين محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما بلغ اللّيل حتّى لا يكون شرك على ظهر الأرض، كما قال اللَّه- تعالى- يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (3).
فَإِنِ انْتَهَوْا: عن الكفر.
فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39): فيجازيهم على انتهائهم عنه و إسلامهم.
و عن يعقوب (4)، بالتّاء. على معنى: «فإن اللَّه بما تعملون» من الجهاد و الدّعوة إلى الإسلام، و الإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإسلام و الإيمان «بصير» يجازيكم.
و يكون تعليقه بانتهائهم دلالة على أنّه، كما يستدعي إثابتهم المباشرة، يستدعي إثابة مقاتليهم للتّسبّب.
وَ إِنْ تَوَلَّوْا: و لم ينتهوا.
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ: ناصركم. فثقوا به، و لا تبالوا بمعاداتهم.
نِعْمَ الْمَوْلى: لا يضيّع من تولّاه.
وَ نِعْمَ النَّصِيرُ (40): لا يغلب من نصره.
وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ، أي: الّذي أخذتموه من الكفّار قهرا.
مِنْ شَيْءٍ: ممّا يقع عليه اسم الشّيء، حتّى الخيط.
و في أصول الكافي (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن
____________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: الخاصة.
(2) مجمع البيان 2/ 543.
(3) النّور/ 55.
(4) أنوار التنزيل 1/ 394.
(5) الكافي 1/ 544، ح 10.
345
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ. فنحن، و اللَّه، عنى بذي (1) القربى. الّذي قرننا اللَّه بنفسه و برسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال:
فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فينا خاصّة.
عليّ بن محمّد (2)، عن عليّ بن عبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، [عن أبي حمزة] (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم.
فقال لي: الكف عنهم أجمل.
ثمّ قال: و اللَّه، يا أبا حمزة، إنّ الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا.
قلت: فكيف لي بالمخرج من هذا؟
فقال لي: يا أبا حمزة، كتاب اللَّه المنزل يدلّ عليه. إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفيء. ثم قال- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ (الآية). فنحن أصحاب الخمس و الفيء، و قد حرّمناه على جميع النّاس ما خلا شيعتنا.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الاحتجاج للطبرسيّ (4): عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول فيه لبعض الشّاميّين: فهل قرأت هذه الآية: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى؟
فقال له الشّامي: بلى.
فقال له- (عليه السلام)-: فنحن ذو القربى.
و في تهذيب الأحكام (5): سعد بن عبد اللَّه، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللَّه بن مسكان قال: حدثنا زكريا بن مالك الجعفيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- إنّه سئل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ (الآية).
فقال: أما خمس اللَّه- عزّ و جلّ- فللرّسول، يضعه في سبيل اللَّه. و أمّا خمس الرسول فلأقاربه، و خمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، و اليتامى يتامى أهل بيته. فجعل هذه
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: بذلك.
(2) الكافي 8/ 285- 286، ح 431.
(3) من المصدر.
(4) الاحتجاج 2/ 33- 34.
(5) تهذيب الأحكام 4/ 125، ح 360.
346
الأربعة أسهم فيهم. و أما المساكين و ابن السّبيل، فقد عرفت أنّا لا نأكل الصّدقة و لا تحلّ لنا، فهي للمساكين و ابن السّبيل.
و عنه (1)، عن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن بكير، عن بعض أصحابه، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ (الآية).
قال: خمس اللَّه- عزّ و جلّ- للإمام، و خمس الرّسول للإمام و خمس ذي القربى لقرابة الرّسول و الإمام. و اليتامى [يتامى] (2) آل الرّسول، و المساكين منهم، و أبناء السّبيل منهم. فلا يخرج منهم إلى غيرهم.
و في عوالي اللّئالي (3): و نقل عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قيل له: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ.
فقال: أيتامنا و مساكيننا.
و في تفسير الثعلبي (4): عن المنهال بن عمر قال: سألت زين العابدين- (عليه السلام)- عن الخمس.
قال: هو لنا.
فقلت: إنّ اللَّه- تعالى- يقول: وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ.
قال: أيتامنا و مساكيننا.
و في كتاب الخصال (5): عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ، إن عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللَّه له في الإسلام.
إلى قوله: و وجد كنزا، فأخرج منه الخمس و تصدّق به. فأنزل اللَّه- تعالى-:
وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (الآية).
و في عيون الأخبار (6)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه: قالت العلماء له: فأخبرنا هل فسّر اللَّه- تعالى-
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 361.
(2) من المصدر.
(3) عوالي اللّئالي 2/ 75- 76، ح 201.
(4) تفسير الثعلبي.
(5) الخصال/ 312- 313، ح 90.
(6) عيون الأخبار 1/ 231 و 237- 239.
347
الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظاهر دون الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا. فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ-.
إلى أن قال: و أمّا الآية الثّامنة فقوله- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى. فقرن سهم ذي القربى مع سهمه و سهم رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فهذا فصل (1) بين الآل و الأمة. لأنّ اللَّه- تعالى- جعلهم في حيّز و جعل النّاس في حيز دون ذلك، و رضي لهم و رضي لنفسه و اصطفاهم فيه. فبدأ بنفسه، ثمّ ثنّى برسوله، ثمّ بذي القربى بكلّ ما كان من الفيء و الغنيمة و غير ذلك ممّا رضيه- جلّ و عزّ- لنفسه و رضيه لهم. فقال- و قوله الحقّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى. فهذا تأكيد مؤكّد و أثر قائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب اللَّه الناطق لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (2). و أمّا قوله: وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ، فإنّ اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم و لم يكن له فيها نصيب. و كذلك المسكين إذا انقطع مسكنته، لم يكن له نصيب من المغنم و لا يحلّ له أخذه. و سهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم فيهم للغنيّ و الفقير منهم. لأنّه لا أحد أغنى من اللَّه- عزّ و جلّ- و لا من رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فجعل لنفسه منها سهما، و لرسوله منها سهما. فما رضيه لنفسه و لرسوله، رضيه لهم. و كذلك الفيء، ما رضيه منه لنفسه و لنبيه، رضيه لذي القربى، كما أجراهم في الغنيمة، فبدأ بنفسه- جلّ جلاله- ثمّ برسوله ثمّ بهم، و قرن سهمهم بسهم [اللَّه و سهم] (3) رسوله.
و كذلك في الطاعة قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4). فبدأ بنفسه، ثمّ برسوله، ثمّ بأهل بيته.
و كذلك آية الولاية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا. فجعل طاعتهم و ولايتهم مع طاعة الرّسول مقرونة بطاعته، كما جعل سهمهم مع سهم الرّسول مقرونا بسهمه في الغنيمة و الفيء. فتبارك اللَّه و تعالى، ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت! فلمّا جاءت قصّة الصّدقة، نزّه نفسه و رسوله و نزّه أهل بيته فقال:
____________
(1) المصدر: فضل.
(2) فصلت/ 42.
(3) من المصدر.
(4) النساء/ 59.
348
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ (1). فهل تجد في شيء من ذلك أنّه- عزّ و جلّ- سمّى لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى؟ لأنّه لمّا نزّه نفسه عن الصّدقة و نزّه رسوله، نزّه أهل بيته. لا بل حرّم عليهم، لأنّ الصدقة محرمة على محمّد و آله. و هي أوساخ أيدي النّاس لا تحلّ (2) لهم، لأنّهم طهّروا من كلّ دنس و وسخ. فلما طهرهم و اصطفاهم، رضي لهم ما رضي لنفسه، و كره لهم ما كره لنفسه. فهذه الثامنة.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن محمد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى.
قال: هم قرابة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فسألته: منهم اليتامى و المساكين و ابن السبيل؟
قال: نعم.
عن عبد اللَّه بن سنان (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: أنّ نجدة الحروريّ كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن موضع الخمس: لمن هو؟
فكتب إليه: أمّا الخمس، فإنّا نزعم أنه لنا. و يزعم قومنا أنّه ليس لنا، فصبرنا.
عن زرارة (5) و محمّد بن مسلم و أبي بصير أنّهم قالوا له: ما حقّ الإمام في أموال النّاس؟
قال: الفيء و الأنفال و الخمس. فكلّ ما دخل منه أو فيء أو أنفال أو خمس أو غنيمة، فإنّ له (6) خمسه. فإنّ اللَّه- تعالى- يقول: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ. و كل شيء في الدّنيا، فإنّ لهم فيه نصيبا. فمن وصلهم بشيء فما يدعون له، أكبر ممّا يأخذون منه.
____________
(1) التوبة/ 60.
(2) المصدر: لا يحلّ.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 61، ح 50.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 52.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 53.
(6) المصدر: لهم.
349
عن محمّد بن الفضيل (1)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى.
قال: الخمس للّه و للرّسول. و هو لنا.
عن الحلبي (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: في الرّجل من أصحابنا في لوائهم، فيكون معهم فيصيب غنيمة.
قال: يؤدي خمسنا، و يطيب له.
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ: متعلّق بمحذوف دلّ عليه «و اعلموا»، أي: كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء. فسلّموه إليهم، و اقتسموا بالأخماس الأربعة الباقية. فإنّ العلم العمليّ إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرّد، لأنّه مقصود بالعرض، و المقصود بالذّات هو العمل.
وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الآيات و الملائكة و النّصر.
و قرئ: «عبدنا» بضمتين، أي: الرّسول و المؤمنين.
يَوْمَ الْفُرْقانِ: يوم بدر. فإنّه فرق فيه بين الحقّ و الباطل.
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ: المسلمون و الكفّار.
و في كتاب الخصال (3): عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الغسل في سبعة عشر موطنا، ليلة سبع عشرة (4) من شهر رمضان. و هي ليلة التقى الجمعان ليلة بدر.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: في تسعة عشر من شهر رمضان يلتقي الجمعان.
قلت: ما معنى قوله: يلتقي الجمعان؟
قال: يجمع فيهما ما يريد من تقديمه و تأخيره و إرادته و قضائه.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 62، ح 56.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 64، ح 66.
(3) الخصال/ 508، ح 1.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: سبعة و عشرين.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 64، ح 67.
350
وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41): فيقدر على نصر القليل على الكثير، و الإمداد بالملائكة.
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا: بدل من «يوم الفرقان».
و «العداوة» بالحركات الثّلاث: شطّ الوادي، و قد قرئ بها. و المشهور الضمّ و الكسر، و هو قراءة ابن كثير و أبي عمرو و يعقوب.
وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى: البعدى من المدينة. تأنيث الأقصى. و كان قياسه قلب الواو، كالدّنيا و العليا، تفرقة بين الاسم و الصّفة. فجاء على الأصل، كالقود. و هو أكثر استعمالا من القصيا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و قوله- عزّ و جلّ-: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا (الآية)، يعني: قريشا حين نزلوا بالعدوة اليمانيّة، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين نزل بالعدوة الشّاميّة.
وَ الرَّكْبُ، أي: العير، أو قوّادها.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ.
قال: أبا سفيان و أصحابه.
و موافق لما ذكره عليّ بن إبراهيم (3)، أنّ أبا سفيان كان مع العير.
أَسْفَلَ مِنْكُمْ: في مكان أسفل من مكانكم، يعني: السّاحل.
و هو منصوب على الظرف، واقع موقع الخبر. و الجملة حال من الظرف قبله.
و فائدتها الدّلالة على قوة العدوّ، و استظهارهم بالرّكب، و حرصهم على المقاتلة، و توطين نفوسهم على أن لا يخلوا مراكزهم و يبذلوا منتهى جهدهم، و ضعف شأن المسلمين و التياث أمرهم و استبعاد غلبتهم عادة. و كذا ذكر مراكز الفريقين، فإنّ العدوة الدّنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل و لا يمشى فيها إلّا بتعب و لم يكن بها ماء، بخلاف العدوة القصوى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ و هو
____________
(1) تفسير القمي 1/ 278.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 65، ح 69.
(3) تفسير القمي 1/ 256.
(4) تفسير القمي 1/ 278.
351
العير الّتى أفلتت.
وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ: أي: لو تواعدتم أنتم و هم للقتال ثمّ علمتم حالكم و حالهم، لاختلفتم في الميعاد هيبة منهم و يأسا من الظّفر عليهم. ليتحقّقوا أنّ ما اتّفق لهم من الفتح ليس إلّا صنعا من اللَّه خارقا للعادة، فيزدادوا إيمانا و شكرا.
وَ لكِنْ: جميع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد.
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا: حقيقا بأن يفعل. و هو نصر أوليائه، و قهر أعدائه.
و في كتاب مقتل الحسين- (عليه السلام)- لأبي مخنف: أنّ الحسين- (عليه السلام)- بعد أن بلغه قتل مسلم و هانى و نزوله بالعقبة قال له بعض من حضر: ناشدتك اللَّه، إلا ما رجعت. فو اللَّه، ما تقدم إلّا على أطراف الأسنّة و حرارات السّيوف. و أنّ هؤلاء القوم الذين بعثوا إليك لو كان فيهم صلاح، لكفوك مؤنة الحرب و القتال، و طيّبوا لك الطريق، و لكان الوصول إليهم رأيا سديدا. فالرأي عندنا، أن ترجع عنهم و لا تقدم عليهم.
فقال له الحسين- (عليه السلام)-: صدقت، يا عبد اللَّه، فيما تقول وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا.
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ: بدل منه. أو متعلّق بقوله: «مفعولا».
قيل (1): و المعنى: ليموت من يموت عن بينة عاينها، و يعيش من يعيش عن حجّة شاهدها لئلا يكون له حجة و معذرة. فإنّ وقعة بدر من الآيات الواضحة. أو ليصدر كفر من كفر، و إيمان من آمن عن وضوح بيّنة. على استعارة الهلاك و الحياة، للكفر و الإسلام.
و المراد ب «من هلك» و «من حيّ»: المشارف للهلاك و الحياة. أو من هذا حاله في علم اللَّه و قضائه.
و قرئ (2): «ليهلك» بالفتح.
و قرأ (3) ابن كثير، برواية البزيّ، و نافع و أبو بكر و يعقوب: «من حيي» بفكّ
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 396.
(2) أنوار التنزيل 1/ 396.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
352
الأدغام، للحمل على المستقبل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): قال: يعلم من بقي أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- نصره.
وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42): بكفر من كفر و عقابه، و إيمان من آمن و ثوابه.
و لعلّ الجمع بين الوصفين، لاشتمال الأمرين على القول و الاعتقاد.
و في مصباح شيخ الطائفة (2)- (قدّس سرّه)- خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- خطب بها في يوم الغدير. و فيها: و لم يدع الخلق في بهم صما و لا عميا (3)، بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم و تفرقت في هياكلهم و حققها في نفوسهم و استعبد لها حواسّهم. فقدر (4) بها على أسماع و نواظر أفكار و خواطر، ألزمهم بها حجته و أراهم بها محجته و أنطقهم عمّا شهدته بألسن ذريّة بما قام فيها من قدرته و حكمته و بيّن عندهم بها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. بصير شاهد خبير.
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا: مقدر «بأذكر». أو بدل ثان من «يوم الفرقان». أو متعلق ب «عليم»، أي: يعلم المصالح.
فقر (5): إذ يقلّلهم في عينك في رؤياك. و هو أن تخبر به أصحابك، فيكون تثبيتا لهم و تشجيعا على عدوّهم.
و الضّمير المخاطب مفعول أول. و الضّمير الغائب مفعول ثان. و «قليلا» ثالث.
و «في منامك» متعلّق بالفعل بعد التّجريد.
وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، أي: في أمر القتال، و تفرّقت آراؤكم بين الثّبات و الفرار.
وَ لكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ: أنعم بالسّلامة من الفشل و التنازع.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43): يعلم ما سيكون فيها، و ما يغيّر أحوالها من الجرأة و الجبن.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): فالمخاطبة لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و المعنى لأصحابه. أراهم اللَّه قريشا في منامهم أنهم قليل، و لو أراهم كثيرا لفزعوا.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 278.
(2) مصباح المتهجد/ 698.
(3) المصدر: و لا في عمى عمياء بكما.
(4) المصدر: فقرّ.
(5) أنوار التنزيل 1/ 396.
(6) تفسير القمي 1/ 278- 279.
353
و في روضة الكافي (1)، بإسناده إلى زرارة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار، و يكثر الكفّار في أعين المسلمين (2) الناس.
فشد عليه جبرئيل- (عليه السلام)- بالسّيف، فهرب منه. و هو يقول: يا جبرائيل، [إني مؤجّل] (3). حتى وقع في البحر.
قال: فقلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: لأي شيء كان يخاف، و هو مؤجّل؟
قال: يقطع بعض أطرافه.
وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا الضّميران مفعولا «يرى».
و «قليلا» حال من الثاني.
قيل (4): و انّما قللهم في أعين المسلمين، تصديقا لرؤيا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تثبيتا لهم.
و في الجوامع (5): عن ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي:
أ تراهم سبعين؟
قال: أراهم مائة.
فأسرنا رجلا منهم، فقلنا: كم كنتم؟
قال: ألفا.
وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ: حتّى قال قائل منهم: إنّ محمّدا و أصحابه أكلة جزور.
و قال أبو جهل: ما هم إلّا أكلة رأس. لو بعثنا إليهم عبيدنا، لأخذوهم باليد، كما مرّ ذكره في القصّة.
و إنّما قلّلهم في أعينهم قبل التحام القتال، ليجترءوا عليهم و لا يستعدّوا لهم. ثمّ كثّرهم حتّى يرونهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم و تكسر قلوبهم. و هذا من عظائم آيات تلك الواقعة. فإنّ البصر، و إن كان يرى الكثير قليلا و القليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه و لا إلى هذا الحدّ. و إنّما يتصور ذلك بصد اللّه الأبصار عن إبصار بعض دون
____________
(1) الكافي 8/ 277، ح 419.
(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: الناس.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 396 بتصرّف.
(5) جوامع الجامع/ 170.
354
بعض، مع التساوي في الشروط.
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا: كرّره، لاختلاف الفعل المعلل به. أو لأنّ المراد الأمر ثمّة (1) الاكتفاء على الوجه المحكيّ، و ها هنا إعزاز الإسلام و أهله و إذلال الشرك و حزبه.
وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)، كما يمكن أن يوجد الكثير و القليل، يجوز أن يقلل الكثير و يرى الكثير قليلا.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً: حاربتم جماعة. و لم يصفها، لأنّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلّا الكفّار. و اللّقاء ممّا غلب في القتال.
فَاثْبُتُوا: للقائهم.
وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً: في مواطن الحرب. داعين له، مستظهرين بذكره، مترقّبين لنصره.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45): تظفرون بمرادكم من النصر و المثوبة.
و فيه تنبيه على أنّ العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر اللَّه، و أن يلتجئ إليه عند الشّدائد، و يقبل عليه بشراشره فارغ البال، واثقا بأنّ لطفه لا ينفكّ عنه في شيء من الأحوال.
وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا: باختلاف الآراء، كما فعلتم ببدر و احد.
فَتَفْشَلُوا: جواب النّهي.
و قيل (2): عطف عليه. و لذلك قرئ وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ: بالجزم.
و الرّيح مستعارة للدولة. من حيث أنّها في تمشي أمرها و نفاذه، مشبّهة بها في هبوبها و نفوذها.
و قيل (3): المراد بها الحقيقة. فإنّ النّصرة لا تكون إلّا بريح يبعثها اللَّه. و في الحديث: نصرت بالصّباء، و أهلكت عادا بالدّبور.
وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46): بالكلاءة و النّصر.
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، يعني: أهل مكة، حين خرجوا منها لحماية العير.
____________
(1) ثمة: هناك.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 397.
355
بَطَراً: فخرا و أشرا.
وَ رِئاءَ النَّاسِ: ليثنوا عليه بالشّجاعة و السّماحة. و ذلك أنّهم لمّا بلغوا جحفة وافاهم رسول أبي سفيان، أن ارجعوا فقد سلمت عيركم. فقال أبو جهل: لا و اللَّه، حتّى نقدم بدرا و نشرب بها الخمور و تعرف علينا القيان و نطعم بها من حضرنا من العرب.
فوافوها، و لكن سقوا كأس المنايا و ناحت عليهم النّوائح مكان القيان. فنهي المؤمنون أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين. و أمرهم بأن يكونوا أهل تقوى و إخلاص، من حيث إن النّهي عن الشيء أمر بضدّه.
وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: معطوف على «بطرا»، إن جعل مصدرا في موضع الحال. و كذا إن جعل مفعولا له، لكن على تأويل المصدر.
وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47): فيجازيكم عليه.
وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: مقدر «باذكر».
أَعْمالَهُمْ: من معاداة الرّسول و غيرها، بأن وسوس إليهم.
وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ: قد مرّ تفسيره.
و قيل (1): قال مقالة نفسانية. و المعنى: أنّه ألقى في روعهم و خيّل إليهم أنّهم لا يغلبون و لا يطاقون لكثرة عددهم و عددهم، و أوهمهم أنّ اتباعهم إياه فيما يظنّون أنّها قربان (2) مجير لهم، حتّى قالوا: اللّهمّ، انصر اهدى الفئتين و أفضل الدّينين.
و «لكم» خبر «لا غالب»، أو صفته. و ليس صلته، و إلّا لانتصب، كقولك:
لا ضاربا زيدا عندنا.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ، أي: تلاقى الفريقان.
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ: رجع القهقرى.
و قيل (3): أي: بطل كيده، و عاد ما خيّل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم.
وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ.
قيل (4): أي: تبرّأ منهم، و خاف عليهم، و أيس من حالهم لمّا رأى إمداد اللَّه المسلمين بالملائكة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 397.
(2) المصدر: قربات.
3 و 4- نفس المصدر و الموضع.
356
وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48): يجوز أن يكون من كلامه، و أن يكون مستأنفا.
و في مجمع البيان (1): وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ (الآية). اختلف في ظهور الشّيطان يوم بدر كيف كان.
فقيل: إنّ قريشا لمّا أجمعت المسير، ذكرت الّذي بينها و بين بني بكر بن عبد مناف بن كنانية من الحرب و كاد ذلك أن يثبتهم (2). فجاء إبليس في جند من الشياطين. فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن خيثم (3) الكنانيّ، ثمّ المدلجيّ و كان من أشراف كنانة وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ، أي: مجيركم من كنانة. فلمّا رأى إبليس الملائكة نزلوا من السّماء و علم أنّه لا طاعة له بهم نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ. عن ابن عبّاس و السّديّ و الكلبيّ و غيرهم.
و
قيل: إنّهم لمّا التقوا، كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه.
فقال له الحارث: يا سراقة، أ تخذلنا على هذه الحال!؟
فقال له: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ.
فقال: و اللَّه ما نرى إلّا جعاسيس (4) يثرب. فدفع في صدر الحارث و انطلق و هزم الناس.
فلمّا قدم (5) مكّة قالوا: هزم الناس سراقة. [فبلغ ذلك سراقة] (6) فقال: و اللَّه ما شعرت بمسيركم حتّى بلغني هزيمتكم.
فقالوا: إنّك أتيتنا يوم كذا! فحلف لهم. فلمّا أسلموا، علموا أنّ ذلك كان الشّيطان. عن الكلبيّ. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين قال: لمّا عطش القوم بيوم بدر، انطلق عليّ بالقربة ليستقي. و هو على القليب إذ جاءت
____________
(1) مجمع البيان 2/ 549.
(2) المصدر: يثنيهم.
(3) المصدر: جشعم.
(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: جواسيس.
و الجعاسيس: جمع الجعسوس: القصير الدميم
(5) المصدر: قدموا.
(6) من المصدر.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 65، ح 70.
357
ريح شديدة ثمّ مضت فلبث ما بدا له، ثمّ جاءت ريح أخرى ثمّ مضت، ثمّ جاءته أخرى كاد أن تشغله و هو على القليب، ثمّ جلس حتّى مضى. فلما رجع إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخبره بذلك.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمّا الرّيح الأوّل جبرائيل (1) مع ألف من الملائكة، و الثّانية فيها ميكائيل مع ألف من الملائكة، و الثّالثة فيها إسرافيل مع ألف من الملائكة. و قد سلّموا عليك، و هم مدد لنا. و (2) هم الّذين رآهم إبليس ف نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يمشي القهقرى حين يقول: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.
و في هذا الخبر دلالة على أنّ اللَّه شديد العقاب من قول الشّيطان.
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قيل (3): الّذين لم يطمئنّوا إلى الإيمان بعد، و بقي في قلوبهم شبهة.
و قيل: هم المشركون.
و قيل: هم المنافقون. و العطف لتغاير الوصفين.
غَرَّ هؤُلاءِ، يعنون: المؤمنين.
دِينُهُمْ: حتّى تعرضوا لما لا قوة لهم به، فخرجوا و هم ثلاثمائة و بضعة عشر إلى زهاء ألف.
وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ: جواب لهم.
فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: غالب. لا يذلّ من استجار به، و إن قلّ.
حَكِيمٌ (49): يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، و يعجز عن إدراكه.
وَ لَوْ تَرى: و لو رأيت. لإنّ «لو» تجعل المضارع ماضيا عكس «أنّ».
إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ: ببدر.
و «إذ» ظرف «ترى». و المفعول محذوف، أي: و لو ترى الكفرة، أو حالهم.
و «الملائكة» فاعل «يتوفى». و يدلّ عليه قراءة ابن عامر، بالتّاء.
____________
(1) المصدر: الريح الأولى [فيها] جبرائيل.
(2) من هنا ليس في المتن إلى موضع سيأتي.
(3) أنوار التنزيل 1/ 398.
358
و يجوز أن يكون الفاعل ضمير اللَّه- تعالى-. و هو مبتدأ، خبره يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ. و الجملة حال من «الّذين كفروا»، و استغنى فيه بالضّمير عن الواو. و هو على الأول حال منهم، أو من «الملائكة»، أو منهما، لاشتماله على الضّميرين.
وَ أَدْبارَهُمْ.
قيل (1): ظهورهم و أستاههم. و لعلّ المراد تعميم الضرب، أي: يضربون ما أقبل منهم و ما أدبر.
و في تفسير العيّاشيّ (2): أبو عليّ المحموديّ، عن أبيه، رفعه في قول اللَّه: «يضربون وجوههم و أدبارهم».
قال: إنّما أراد أستاههم. إنّ اللَّه كريم يكني.
وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50): عطف على «يضربون» بإضمار القول، أي: و يقولون لهم: ذوقوا، بشارة لهم بعذاب الآخرة.
و قيل (3): كانت معهم مقامع من حديد. كلما ضربوا بها، التهبت النّار منها.
و في مجمع البيان (4): روى مجاهد، أنّ رجلا قال للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لأضربه فندر (5) رأسه.
فقال: سبقك إليه الملائكة.
و جواب «لو» محذوف، لتفظيع الأمر و تهويله.
ذلِكَ، أي: الضرب و العذاب.
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ: بسبب ما كسبتم من الكفر و المعاصي. و هو خبر «لذلك».
وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51): عطف على «ما»، للدّلالة على أنّ سببيته مقيدة بانضمامه إليه. إذ لولاه لأمكن أن يعذّبهم بغير ذنوبهم، لا أن لا يعذّبهم بذنوبهم. فإنّ ترك التّعذيب من مستحقّه ليس بظلم شرعا و لا عقلا، حتّى ينتهض نفي الظّلم سببا للتّعذيب.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 398.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 65، ح 71.
(3) أنوار التنزيل 1/ 398.
(4) مجمع البيان 2/ 551.
(5) ندر: سقط.
359
و «ظلّام» للتّكثير، لأجل العبيد.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أي: دأب هؤلاء، مثل دأب آل فرعون. و هو عملهم و طريقهم الّذي دأبوا فيه، أي: داوموا عليه.
وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: من قبل آل فرعون.
كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ: تفسير لدأبهم.
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، كما أخذ هؤلاء.
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52): لا يغلبه في دفعه شيء.
ذلِكَ: إشارة إلى ما حل بهم.
بِأَنَّ اللَّهَ: بسبب أنّ اللَّه.
لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ: مبدّلا إيّاها بالنّقمة.
حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ: يبدّلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوا، كتغيير قريش حالهم في صلة الرّحم و الكف عن تعرّض الآيات و الرسل، بمعاداة الرّسول و من تبعه منهم و السعي في إراقة دمائهم و التّكذيب بالآيات و الاستهزاء بها إلى غير ذلك ممّا أحدثوه بعد المبعث. و ليس السّبب عدم تغيير اللَّه ما أنعم عليهم حتّى يغيّروا حالهم، بل ما هو المفهوم له. و هو جرى عادته- تعالى- على تغييره متّى يغيّروا حالهم.
و أصل «يك» «يكون»، فحذفت الحركة للجزم، ثمّ الواو لالتقاء الساكنين، ثمّ النّون لشبهه بالحروف اللّيّنة تخفيفا.
وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ: لما يقولون.
عَلِيمٌ (53): بما يفعلون.
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجريريّ (2) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث نبيّا من أنبيائه إلى قومه. و أوحى إليه: أن قل لقومك: إنّه ليس من أهل قرية و لا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرّاء فتحوّلوا عمّا أحبّ إلى ما أكره، إلّا تحوّلت بهم عمّا يحبّون إلى ما يكرهون. و ليس من أهل قرية و لا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحبّ، إلّا
____________
(1) الكافي 2/ 274- 275، ح 25.
(2) المصدر: الجزري.
360
تحوّلت بهم عمّا يكرهون إلى ما يحبّون.
(الحديث).
محمّد بن يحيى (1) و أبو علي الأشعريّ، عن الحسين بن إسحاق، عن عليّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عمرو المدائني، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: كان أبي- (عليه السلام)- [يقول: إنّ اللَّه] (2) قضى قضاء حتما، لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إيّاه حتّى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النّقمة.
محمّد بن يحيى (3)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن سماعة قال (4):
سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: ما أنعم اللَّه على عبد بنعمة فسلبها إيّاه، حتّى يذنب ذنبا يستحقّ بذلك السّلب.
و في نهج البلاغة (5): قال- (عليه السلام)-: و ليس [شيء] (6) أدعى [إلى] (7) تغيير نعم اللَّه و تعجيل نقمته من إقامة علم ظلم. فإنّ اللَّه سميع دعوة [المضطهدين، و هو للظالمين] (8) بالمرصاد.
و قال- (عليه السلام)- أيضا (9): إيّاك و الدّماء و سفكها بغير حلّها. فإنّه ليس شيء أدعى (10) لنقمته (11)، و لا أعظم لتبعته (12)، و لا أحرى بزوال النّعمة (13) و انقطاع يده (14) من سفك الدّماء بغير حقّ.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ قيل (15): تكرير للتأكيد، و لما نيط به من الدلالة على كفران النّعم بقوله- تعالى-: «بآيات ربّهم»، و بيان ما أخذ به آل فرعون.
و قيل (16): الأوّل، لتشبيه الكفر و الأخذ به. و الثاني، لتشبيه التّغيير في النّعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم.
____________
(1) الكافي 2/ 273، ح 22.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 2/ 274، ح 24.
(4) إلى هنا لا يوجد في المتن.
5 و 9- نهج البلاغة/ 429 و 443، الكتاب 53.
6 و 7 و 8- من المصدر.
(10) المصدر: أدنى.
(11) المصدر: لنقمة.
(12) المصدر: لتبعة.
(13) المصدر: نعمة.
(14) المصدر: مدّة.
(15) أنوار التنزيل 1/ 399.
(16) أنوار التنزيل 1/ 399.
361
و في قوله (1): بِآياتِ رَبِّهِمْ زيادة دلالة على كفران النّعم و جحود الحقّ. و في ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذّنوب.
وَ كُلٌ: من الفرق المكذّبة، أو من غرقى القبط و قتلى قريش.
كانُوا ظالِمِينَ (54): أنفسهم، بالكفر و المعاصي.
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا: و أصرّوا على الكفر و رسخوا فيه.
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55): فلا يتوقّع منهم إيمان. و لعلّه إخبار عن قوم مطبوعين على الكفر، بأنّهم لا يؤمنون.
و «الفاء» للعطف، و التّنبيه على أنّ تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقّق المعطوف.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ (الآية).
قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نزلت في بني أميّة. فهم أشرّ خلق اللَّه. هم الّذين كفروا في باطن القرآن.
و في تفسير العيّاشي (3): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
قال: نزلت في بني أميّة. هم شرّ خلق اللَّه. هم الّذين كفروا في بطن القرآن، و هم الّذين لا يؤمنون. [شرّ خلق اللَّه] (4).
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: بدل من الَّذِينَ كَفَرُوا بدل البعض، للبيان و التخصيص.
قيل (5): و هم يهود قريظة. عاهدهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن لا يمالئوا عليه، فأعانوا المشركين بالسّلاح و قالوا: نسينا. ثمّ عاهدهم، فنكثوا و مالئوهم عليه يوم الخندق. و ركب كعب بن الأشرف إلى مكّة، فحالفهم.
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 310.
(2) تفسير القمي 1/ 279.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 65، ح 72.
(4) ليس في المصدر بل يوجد في تفسير نور الثقلين.
(5) أنوار التنزيل 1/ 399.
362
و «من» لتضمين المعاهدة معنى الأخذ.
و المراد بالمرة: مرّة المعاهدة، أو المحاربة.
وَ هُمْ لا يَتَّقُونَ (56): عاقبة الغدر. و ما فيه من العار و النّار. أو لا يتّقون اللّه فيه. أو نصره للمؤمنين و تسليطه عليهم.
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ: فإمّا تصادفنّهم و تظفرنّ بهم.
فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ: ففرّق عن مناصبتك و محاربتك، و نكّل عنها قتلهم و النّكاية فيهم.
مَنْ خَلْفَهُمْ: من وراءهم من الكفرة.
و «التّشريد» تفريق على اضطراب.
و قرئ (1): «فشرّذ» بالذّال المعجمة. فكأنّه مقلوب «شذر» و من خلفهم. و المعنى واحد، فإنّه إذا شرّد من ورائهم فقد فعل التشريد في الوراء.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57): لعلّ المشردين يتّعظون.
وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ: معاهدين.
خِيانَةً: نقض عهد، بأمارات تلوح لك.
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ: فاطرح إليهم عهدهم.
عَلى سَواءٍ: على عدل، و طريق قصد في العداوة. و ذلك بأن تخبرهم بنقض العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا، يتبين لهم أنّك قطعت ما بينك و بينهم. و لا تناجزهم الحرب، فإنّه يكون خيانة منك.
و قيل (2): أو على سواء في الخوف، أو العلم بنقض العهد. و هو في موضع الحال من النّابذ على الوجه الأوّل، أي: ثابتا على طريق سويّ. أو منه. أو من المنبوذ. أو منهما على غيره.
و قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58): تعليل للأمر بالنّبذ و النّهي عن مناجزة القتال، المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): نزلت في معاوية لما خان أمير المؤمنين- عليه
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 399.
(2) أنوار التنزيل 1/ 399.
(3) تفسير القمي 1/ 279.
363
السلام-.
و في كشف الغمّة (1) لابن طاوس- عليه الرّحمة-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و قدمت البصرة (2)، و قد ألتفت إلى (3) الوجوه كلّها إلّا الشام.
فأحببت أن أتّخذ [الحجّة] (4)، و أقضي العذر. و أخذت بقول اللَّه: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ. فبعثت جرير بن عبد اللَّه إلى معاوية معذرا إليه، متّخذ الحجّة عليه. فردّ كتابي، و جحد حقي، و دفع بيعتي.
و في أصول الكافي (5): عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاث من كنّ فيه كان منافقا، و ان صام و صلّى و زعم أنّه مسلم: من إذا ائتمن خان، و إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال في كتابه: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ. قال: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (6). و في قوله- تعالى-:
وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (7).
وَ لا يَحْسَبَنَ (8): خطاب للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا: مفعولاه.
و قرأ ابن عامر و حمزة و حفص، بالياء. على أنّ الفاعل ضمير «أحد»، أو «من خلفهم»، أو «الّذين كفروا». و المفعول الأوّل «أنفسهم»، فحذف للتكرار.
أو على تقدير: أن سبقوا. و هو ضعيف. لأنّ «أن» المصدرية، كالموصول، فلا تحذف.
أو على إيقاع الفعل على إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) بالفتح، على قراءة ابن عامر. و أنّ «لا» صلة. و «سبقوا» حال، بمعنى: سابقين، أي: مفلتين.
و الأظهر أنّه تعليل للنهي، أي: لا تحسبنّهم سبقوا، فأفلتوا. لأنّهم لا يفوتون
____________
(1) هكذا في النسخ. و الصحيح: كشف المحجّة. راجع ص 84 منه.
(2) المصدر: فقدمت الكوفة.
(3) المصدر: اتسقت لي.
(4) من المصدر.
(5) الكافي 2/ 290- 291، ح 8.
(6) النّور/ 7.
(7) مريم/ 54.
(8) أنوار التنزيل 1/ 399، و لا تحسبنّ و فيه: قرأ ابن عامر و حمزة و حفص بياء.
364
اللَّه، و لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم.
و كذا ان كسرت «إن» إلّا أنّه تعليل على سبيل الاستئناف. و لعل الآية إزاحة لما يحذر به من نبذ العهد و إيقاظ العدو.
و قيل (1): نزلت في من أفلت من [فلّ] (2) المشركين.
وَ أَعِدُّوا: أيّها المؤمنون.
لَهُمْ: لناقضي العهد، أو للكفّار.
مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ: من كلّ ما يتقوّى به في الحرب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال: السّلاح.
و في من لا يحضره الفقيه (4): و قال- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.
قال: منه الخضاب بالسّواد.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن محمّد بن عيسى، عمن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.
قال: سيف و ترس.
و في الكافي (6): عن محمّد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن طريف، عن عبد اللَّه بن المغيرة رفعه، قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ. قال: الرّمي.
و في مجمع البيان (7): و روي، عن عقبة بن عامر، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّ القوة، الرّمي.
وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ: اسم للخيل التي تربط في سبيل اللَّه. فعال، بمعنى:
مفعول. أو مصدر سمي به، يقال: ربطه، ربطا، و رباطا. و رابطه، مرابطة، و رباطا.
أو جمع، ربيط، كفصيل و فصال.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 400.
(2) من المصدر. و الفلّ: المنهزم. يقال للواحد و الجمع.
(3) تفسير القمي 1/ 279.
(4) الفقيه 1/ 70، ح 282.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 66، ح 73.
(6) الكافي 5/ 49- 50، ح 12.
(7) مجمع البيان 2/ 555.
365
و قرئ: «ربط الخيل» بضمّ الباء و سكونها جمع، رباط. و عطفها على القوّة، كعطف جبرائيل و ميكائيل على الملائكة.
و في مجمع البيان (1): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فاربطوا الخيل. فإنّ ظهورها لكم عزّ، و أجوافها كنز.
تُرْهِبُونَ بِهِ: تخوّفون به.
و عن يعقوب: «ترهّبون» بالتّشديد. و الضّمير ل «ما استطعتم»، أو للإعداد.
عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ، يعني: كفّار مكّة.
وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ: من غيرهم من الكفرة.
قيل (2): هم اليهود.
و قيل: المنافقون.
و قيل: الفرس.
لا تَعْلَمُونَهُمُ: لا تعرفونهم بأعيانهم.
اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ: يعرفهم.
وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ: جزاؤه.
وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60): بتضييع العمل، أو نقص الثّواب.
وَ إِنْ جَنَحُوا: مالوا. و منه الجناح. و قد يعتدى ب «اللام» و «الى».
لِلسَّلْمِ: للصّلح، أو الاستسلام.
و قرأ (3) أبو بكر، بالكسر.
فَاجْنَحْ لَها: و عاهد معهم.
و تأنيث الضّمير لحمل «السّلم» على نقيضها فيه. قال:
السّلم تأخذ منها ما رضيت به* * * و الحرب يكفيك من أنفاسها جرع
و قرئ (4): «فاجنح» بالضّمّ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم: و قوله: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.
____________
(1) مجمع البيان 2/ 555.
(2) أنوار التنزيل 1/ 400.
(3) أنوار التنزيل 1/ 400.
(4) أنوار التنزيل 1/ 400.
366
قال: هي منسوخة بقوله: فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ.
و في أصول الكافي (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها. قلت: ما السّلم؟
قال: الدّخول في أمرنا.
وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ: و لا تخف من إبطانهم خداعا فيه. فإنّ اللَّه يعصمك من مكرهم، و يحيقه بهم.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ: لأقوالهم.
الْعَلِيمُ: (61): بنيّاتهم.
قيل (2): الآية مخصوصة بأهل الكتاب، لاتصالها بقصّتهم.
و قيل (3): عامّة، نسختها آية السّيف.
و في تفسير علي بن إبراهيم (4): أنّها منسوخة بقوله: فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ (5).
وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ: فإنّ محسبك اللَّه و كافيك.
قال جرير:
إني وجدت من المكارم حسبكم* * * أن تلبسوا حرّ الثّياب و تشبعوا.
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (62): جميعا.
و في شرح الآيات الباهرة (6): و تأويله ما ذكره أبو نعيم في كتابه، حلية الأولياء، بإسناده إلى محمّد بن السّائب الكلبيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: مكتوب على العرش: لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، محمّد عبدي و رسولي، أيّدته بعليّ بن أبي طالب. و ذلك قوله: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ، يعني: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
____________
(1) الكافي 1/ 415، ح 16.
(2) أنوار التنزيل 1/ 400.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) تفسير القمي 1/ 279.
(5) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-/ 35.
(6) تأويل الآيات الباهرة/ 72.
367
و يؤيده
ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسيّ- (رحمه اللّه)- عن رجاله قال: أخبرنا الشّريف أبو نصر، محمّد بن محمّد الريسيّ (1)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ، عن سعيد بن جبير، عن أبي النّجم، خادم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: لمّا أسري بي إلى السماء، رأيت على ساق العرش: مكتوب لا إله إلا اللَّه، محمّد رسولي و صفيي من خلقي، أيّدته بعليّ و نصرته به.
وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ: مع ما فيهم من العصبيّة و الضّغينة في أدنى شيء، و التّهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتّى صاروا كنفس واحدة. و هذا من معجزاته- (عليه السلام)-.
و في مجمع البيان (2): عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّه أراد بالمؤمنين: الأنصار. و هم الأوس و الخزرج.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: كان بين الأوس و الخزرج حرب شديدة و عداوة في الجاهلية، فألّف اللَّه بين قلوبهم و نصرهم بنبيّه (4)- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في أمالي شيخ الطّائفة (5)، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: المؤمن غر (6) كريم، و الفاجر خبث (7) لئيم. و خير المؤمنين من كان تألّفه للمؤمنين. و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف.
قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: شرار النّاس من يبغض المؤمنين، و تبغضه قلوبهم. المشاءون (8) بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبة، الباغون للنّاس العيب. أولئك لا ينظر اللَّه إليهم، و لا يزكّيهم يوم القيامة. ثمّ تلا- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ.
____________
(1) المصدر: محمّد بن محمد بن عليّ الزينبيّ.
(2) مجمع البيان 2/ 556.
(3) تفسير القمي 1/ 279.
(4) المصدر: و نصر بهم نبيّه.
(5) أمالي الطوسي 2/ 78.
(6) المصدر: عز.
(7) المصدر: خبّ.
(8) المصدر: و سحقا و بعدا للمشائين بالنميمة، المفرّقين بين الأحبّة، الباغين ...
368
و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)-: و بلّغ برسالة ربّه. فلم [اللَّه] (2) به الصدع، و رتق به الفتق، و ألف [به الشمل] (3) بين ذوي الأرحام بعد العداوة الواغرة في الصدور دون الضّغائن القارحة في القلوب.
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ: تناهي عداوتهم على حدّ، لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض جميعا من الأموال لم يقدر على الألفة و الإصلاح.
وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ: بقدرته البالغة. فإنّه المالك للقلوب، يقلّبها كيف يشاء.
إِنَّهُ عَزِيزٌ: تامّ القدرة و الغلبة، لا يعصي عليه ما يريده.
حَكِيمٌ (63): يعلم أنّه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ: كافيك.
وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64): إمّا في محلّ النّصب على المفعول معه، كقوله:
إذا كانت الهيجاء و اشتجر القنا* * * فحسبك و الضّحاك سيف مهنّد
أو الجرّ، عطفا على المكنى، عند الكوفيّين.
أو الرّفع، عطفا على اسم اللَّه، أي: كفاك اللَّه و المؤمنون.
قيل (4): و الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر.
و قيل: أسلم مع النّبيّ ثلاثة و ثلاثون رجلا و ستّ نسوة، ثمّ أسلم عمر، فنزلت.
فذلك قال ابن عبّاس: نزلت في إسلامه.
و في شرح الآيات الباهرة (5): ذكر أبو نعيم في حلية الأولياء، بطريقه و إسناده عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و هو المعنيّ بقوله:
«المؤمنين».
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ: بالغ في حثّهم عليه.
____________
(1) نهج البلاغة/ 353، الخطبة 231.
2 و 3- من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 401.
(5) تأويل الآيات الباهرة/ 72.
369
و أصله: الحرض. و هو أن ينهكه المرض، حتّى يشفى على الموت.
و قرئ (1): «حرّص»، من الحرص.
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: شرط في معنى الأمر، بمصابرة الواحد للعشرة. و الوعد بأنّهم إن صبروا، غلبوا بعون اللَّه و تأييده.
و قرأ (2) ابن كثير و نافع و ابن عامر: «تكن» بالتّاء في الآيتين. و وافقهم البصريّان في «و إن تكن منكم مائة».
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65): بسبب أنّهم جهلة باللّه و اليوم الآخر. لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثّواب و عوالي الدّرجات قتلوا أو قتلوا، و لا يستحقّون من اللَّه إلّا الهوان و الخذلان.
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ: لمّا أوجب اللَّه على الواحد مقاومة العشرة و الثّبات لهم، و ثقل ذلك عليهم، خفّف عنهم.
و قيل (3). كان فيهم قلّة، أوّلا فأمروا بذلك. ثمّ لمّا كثروا، خفّف عنهم.
و تكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة، للدّلالة على أنّ حكم القليل و الكثير واحد.
و الضّعف، ضعف البدن. و قيل: ضعيف البصيرة، و كانوا متفاوتين فيها. و فيه لغتان: الفتح، و هو قراءة حمزة و عاصم. و الضّمّ، و هو قراءة الباقين.
و في الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: اعلم (5) أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرّجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولّي وجهه عنهم. و من ولّاهم يومئذ دبره، فقد تبوأ مقعده من النّار. ثمّ حولهم [عن حالهم] (6) رحمة منهم لهم، فصار الرّجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 401.
(2) أنوار التنزيل 1/ 401.
(3) أنوار التنزيل 1/ 401.
(4) الكافي 5/ 69.
(5) المصدر: أما علمتم.
(6) من المصدر.
370
اللّه- عزّ و جلّ- للمؤمنين فنسخ الرّجلان العشرة.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول في آخره و قد اكره على بيعة أبي بكر مغضبا: اللّهم، إنّك تعلم أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد قال لي: إن تمّوا عشرين فجاهدهم. و هو قولك في كتابك: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ.
قال: و سمعته يقول: اللّهمّ، فإنّهم لا يتمّوا (2) عشرين. حتّى قالها ثلاثا، ثمّ انصرف.
عن فرات بن أحنف (3)، عن بعض أصحابه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أنّه قال: ما نزل بالنّاس أزمة قطّ، إلّا كان شيعتي فيها أحسن حالا. و هو قول اللّه: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً.
عن الحسين بن صالح (4) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كان عليّ- (صلوات اللّه عليه)- يقول: من فرّ من رجلين في القتال من الزّحف، فقد فرّ من الزّحف.
و من فر من ثلاثة رجال في القتال، فلم يفرّ.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، يقرب من معنى الحديثين.
وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66): بالنّصر و المعونة، فلا محالة يغلبون.
ما كانَ لِنَبِيٍ و قرئ (6): «للنبيّ» على العهد.
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى.
و قرأ (7) البصريان، بالتّاء.
حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: يكثر القتل و يبالغ فيه. حتّى يذلّ الكفر، و يقلّ حزبه، و يعزّ الإسلام و يستولي أهله.
من أثخنه المرض: إذا أثقله. و أصله: الثّخانة.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 68، ح 76.
(2) المصدر: و إنّهم لم يتموا.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 68، ح 77.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 68، ح 78.
(5) تفسير القمي 1/ 279- 280.
(6) أنوار التنزيل 1/ 401.
(7) نفس المصدر، و الموضع.
371
و قرئ (1): «يثخّن» بالتّشديد، للمبالغة.
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا: حطامها، بأخذكم الفداء.
وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ: و اللَّه يريد لكم ثواب الآخرة. أو سبب نيل ثواب الآخرة، من إعزاز دينه و قمح أعدائه.
و قرئ بجرّ «الآخرة»، على إضمار المضاف، كقوله:
أكلّ امرئ تحسبين امرأ* * * و نار توقد باللّيل نارا
وَ اللَّهُ عَزِيزٌ: يغلب أولياءه على أعدائه.
حَكِيمٌ (67): يعلم ما يليق بكلّ حال و يخصّه بها، كما أمر بالإثخان و منع من الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، و خيّر بينه و بين المنّ لمّا تحوّلت الحال و صارت الغلبة للمؤمنين. و قد سبق لهذه الآية و ما بعدها بيان في قصّة بدر.
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ: لو لا حكم من اللَّه سبق إثباته في اللّوح المحفوظ بإباحة الغنائم لكم.
لَمَسَّكُمْ: لنالكم.
فِيما أَخَذْتُمْ: من الفدية.
عَذابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ: من الفدية. فإنّه من جملة الغنائم.
و قيل (2): أمسكوا عن الغنائم، فنزلت.
و «الفاء» للتسبب. و السّبب محذوف، تقديره: أبحت لكم الغنائم، فكلوا.
حَلالًا: حال من المغنوم. أو صفة للمصدر، أي: أكلا حلالا.
و فائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة. و لذلك وصفه بقوله:
طَيِّباً.
وَ اتَّقُوا اللَّهَ: في مخالفته.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ: غفر لكم ذنبكم.
رَحِيمٌ (69): أباح لكم ما أخذتم.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 401.
(2) أنوار التنزيل 1/ 402.
372
و قرأ (1) أبو عمرو: «من الأسارى».
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً: خلوص عقيدة، و صحّة نيّة في الإيمان.
يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ: من الفداء.
وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70):
قد مضى لهذه الآية بيان في قصّة بدر.
و في روضة الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول في هذه الآية: إنّها نزلت في العبّاس و عقيل و نوفل.
و قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم. فأسروا. فأرسل عليّا- (عليه السلام)-. فقال: انظر من ها هنا من بني هاشم.
قال: فمرّ علي- (عليه السلام)- على عقيل بن أبي طالب، فحاد عنه.
فقال له عقيل: يا ابن أمّ، عليّ. أما و اللَّه، لقد رأيت مكاني.
قال: فرجع إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: هذا أبو الفضل في يد فلان، و هذا عقيل في يد فلان، و هذا نوفل بن الحارث في يد فلان.
فقام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى انتهى إلى عقيل، فقال له: يا أبا يزيد، قتل أبو جهل.
فقال: إذا لا تنازعوا في تهامة. فقال: إن كنتم أثخنتم القوم، و إلّا فاركبوا أكتافهم.
قال: فجيء بالعبّاس، فقيل له: أفد نفسك و أفد ابني أخيك.
فقال: يا محمّد، تتركني أسأل قريشا في كفي!؟
فقال: أعط ممّا خلّفت عند أمّ الفضل، و قلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شيء، فأنفقيه على ولدك و نفسك.
فقال له: يا ابن أخي، من أخبرك بهذا؟
فقال: أتاني به جبرئيل- (عليه السلام)- من عند اللَّه- تعالى-.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 402.
(2) الكافي 8/ 202، ح 244.
373
فقال: [ممّا محلوفه] (1) ما علم بهذا أحد إلّا أنا و هي. و أشهد أنّك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: فرجع الأسرى كلّهم مشركين، إلا عبّاس و عقيل و نوفل. و فيهم نزلت هذه الآية قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى (الآية).
و في مجمع البيان (2): و عن ابن عبّاس قال: لما أمسى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم بدر و النّاس محبوسون بالوثاق، بات ساهرا أوّل اللّيل.
فقال له أصحابه: ما لك لا تنام؟
فقال: سمعت أنين (3) عمي العبّاس في وثاقه.
فأطلقوه، فسكت. فنام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و روى عبيدة السّلمانيّ، عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال لأصحابه يوم بدر في الأسارى: إن شئتم، قتلتموهم. و إن شئتم، فاديتموهم و استشهد منكم بعدّتهم.
و كانت الأسارى سبعين.
فقالوا: نأخذ الفداء و نتمتع به، و نتقوي به على عدوّنا و يستشهد منّا بعدّتهم.
ثمّ قال عبيدة: طلبوا الخيرتين كلتيهما، فقتل منهم يوم أحد سبعون.
و قال أبو جعفر الباقر (4)- (عليه السلام)-: كان الفداء يوم بدر عن كلّ رجل من المشركين بأربعين أوقيّة. و الأوقيّة أربعون مثقالا، إلّا العبّاس فإنّ فداءه مائة أوقيّة.
و كان أخذ منه حين أسر عشرون أوقية ذهبا.
فقال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ذلك غنيمة، ففاد نفسك و ابني أخيك نوفلا و عقيلا.
فقال: أين الذّهب فقال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أسلمته إلى أمّ الفضل، و قلت لها: إن حدث في حدث، فهو لك و للفضل و لعبد اللَّه؟
فقال: من أخبرك هذا؟
قال: اللَّه- تعالى-.
____________
(1) المصدر: «و محلوفه». أي: أقسم بالّذي تقسم به في شرع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
(2) مجمع البيان 2/ 559.
(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابن.
(4) مجمع البيان 2/ 559- 560.
374
فقال: أشهد أنّك رسول اللَّه. [و اللَّه] (1) ما اطّلع على هذا أحد إلّا اللَّه- تعالى-.
و في قرب الإسناد للحميريّ (2)، بإسناده إلى أبي جعفر (3): عن أبيه- (عليه السلام)- قال: أوتي النبيّ بمال دراهم.
فقال: يا عبّاس، أبسط رداءك و خذ من هذا المال طرفا.
فبسط رداءه، فأخذ منه طائفة.
ثمّ قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذا من الّذي قال اللَّه- تبارك و تعالى-:
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ (الآية).
و في تفسير العيّاشي (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- مثله.
وَ إِنْ يُرِيدُوا، يعني: الأسرى.
خِيانَتَكَ: نقض عهدك.
فَقَدْ خانُوا اللَّهَ: بالكفر، و نقض ميثاقه المأخوذ بالعقل.
مِنْ قَبْلُ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ في عليّ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فيك، كما مضى في قصّة بدر.
فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ، أي: أمكنك منهم يوم بدر. فإن أعادوا الخيانة، فسيمكّنك منهم.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا: هم المهاجرون.
هاجروا أوطانهم، حبّا للّه و لرسوله.
وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ: صرفوها في الكراع و السّلاح، و أنفقوها على المحاويج.
وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: بمباشرة القتال.
وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا: هم الأنصار، آووا المهاجرين إلى ديارهم، و نصروهم على أعدائهم.
أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: في الميراث.
____________
(1) من المصدر.
(2) قرب الإسناد/ 12.
(3) المصدر: إلى جعفر.
(4) تفسير العياشي 2/ 69، ح 80.
(5) تفسير القمي 1/ 269.
375
قيل (1): كان المهاجرون و الأنصار يتوارثون بالهجرة و النّصرة دون الأقارب، حتّى نسخ بقوله: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. أو بالنصرة و المظاهرة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): لمّا هاجر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المدينة، آخى بين [المهاجرين و المهاجرين و بين الأنصار و الأنصار و بين] (3) المهاجرين و الأنصار. و كان إذا مات الرّجل، يرثه أخوه في الدين و يأخذ المال و [كان له] (4) ما ترك دون ورثته. فلمّا كان بعد بدر، أنزل اللَّه النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ، وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فنسخت آية الأخوة [بقوله: أُولُوا الْأَرْحامِ] (5) بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.
و في مجمع البيان (6): عن الباقر- (عليه السلام)-: إنّهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الأولى.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا، أي: من تولّيهم في الميراث.
و قرأ (7) حمزة: «ولايتهم» بالكسر. تشبيها لها بالعمل و الصّناعة، كالكتابة و الإمارة، كأنّه بتولّيه صاحبه يزاول عملا.
و في عيون الأخبار (8)، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- مع هارون الرشيد، و مع موسى المهديّ، حديث طويل بينه و بين هارون. و فيه: قال: فلم ادّعيتم أنّكم ورثتم النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و العمّ يحجب ابن العمّ. و قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد توفيّ أبو طالب قبله، و العبّاس عمّه حيّ؟
فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة، و يسألني عن كلّ باب سواه يريده.
فقال: لا، أو تجيب.
فقلت: فآمني.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 402.
(2) تفسير القمي 1/ 280.
(3) ليس في المصدر.
(4) من المصدر.
(5) من المصدر.
(6) مجمع البيان 2/ 561.
(7) أنوار التنزيل 1/ 403.
(8) عيون الأخبار 1/ 82- 83.
376
قال: آمنتك قبل الكلام.
فقلت: إنّ في قول عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: إنّه ليس مع ولد الصّلب، ذكرا كان أو أنثى، لأحد سهم للأبوين و الزّوج و الزّوجة. و لم يثبت للعمّ مع ولد الصّلب ميراث، و لم ينطق به الكتاب. إلّا أنّ تيما و عديا و بني امية قالوا: العمّ والد.
رأيا منهم بلا حقيقة، و لا أثر عن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
إلى أن قال: زد لي يا موسى.
قلت: المجالس بالأمانات، و خاصّة مجلسك.
فقال: لا بأس عليك.
فقلت: إنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يورث من لم يهاجر، و لا أثبت لهم ولاية حتّى يهاجروا.
فقال: ما حجّتك فيه؟
فقلت: قول اللَّه- تعالى-: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا. و إنّ عمي العبّاس لم يهاجر.
فقال: أسألك، يا موسى، هل أفتيت بذلك أحدا من أعدائنا أم أخبرت أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشيء؟
فقلت: اللهمّ، لا. و ما سألني عنها إلّا أمير المؤمنين.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قالوا: سألناهما عن قوله: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا. قالا: إنّ أهل مكّة لا يولّون أهل المدينة.
وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ: فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين.
إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ: عهد. فإنّه لا ينقض عهدهم، لنصرهم عليهم.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قوله: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ... وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ. فإنّها نزلت في
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 70، ح 81.
(2) تفسير القمي 1/ 280.
377
الأعراب. و ذلك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صالحهم على أن يدعهم في ديارهم و لم يهاجروا إلى المدينة، و على أنه إذا أرادهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- غزا بهم، و ليس لهم في الغنيمة شيء. و أوجبوا على النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إن أرادهم الأعراب من غيرهم أو دعاهم دهم من عدوّهم، أن ينصرهم إلّا على قوم بينهم و بين الرسول عهد و ميثاق إلى مدّة.
وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: في الميراث، أو المؤازرة. و هو بمفهومه يدلّ على منع التّوارث، أو المؤازرة بينهم و بين المسلمين.
إِلَّا تَفْعَلُوهُ: إلّا تفعلوا ما أمرتم به من التّواصل بينكم، و تولي لبعض حتّى في التّوارث، و قطع العلائق بينكم و بين الكفّار.
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ: تحصل فتنة فيها عظيمة. و هي ضعف الإيمان، و ظهور الكفر.
وَ فَسادٌ كَبِيرٌ (73): في الدّين.
و قرئ (1): «كثير».
و في من لا يحضره الفقيه (2): و روى محمّد بن الوليد، عن الحسين بن بشّار قال: كتبت إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- في رجل خطب إليّ.
فكتب: من خطب إليكم فرضيتم دينه و أمانته، كائن من كان، فزوّجوه.
و إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا: لمّا قسّم المؤمنين ثلاثة أقسام، بيّن أنّ الكاملين في الإيمان منهم هم الّذين حقّقوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة و الجهاد و بذل المال و نصرة الحقّ.
و وعد لهم موعده الكريم فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (74): لا تبعة له و لا منّة فيه.
ثمّ ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم و يتّسم بسمتهم، فقال: وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، أي: من جملتكم، أيّها
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 403.
(2) الفقيه 3/ 248- 249، ح 1181.
378
المهاجرون و الأنصار.
وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ: في التّوارث من الأجانب.
فِي كِتابِ اللَّهِ: في حكمه، أو في اللّوح، أو في القرآن. و فيه دلالة على أنّ من كان أقرب إلى المسبب في النّسب، كان أولى بالميراث.
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الخال و الخالة يرثان، إذا لم يكن معهما أحد يرث غيرهما. إنّ اللَّه يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.
حميد بن زياد (2)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهب (3)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الخال و الخالة يرثان، إذا لم يكن معهما أحد يرث غيرهما، إنّ اللَّه يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن و الحسين [أبدا] (5). إنّما جرت من عليّ بن الحسين، كما قال اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فلا تكون بعد علي بن الحسين، إلّا في الأعقاب و أعقاب الأعقاب.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: كان الحسن أولى بها لكبره. فلمّا توفي، لم يستطع أن يدخل ولده و لم يكن ليفعل ذلك و اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فيجعلها في ولده.
إذا لقال الحسين- (عليه السلام)-: أمر اللَّه بطاعتي، كما أمر بطاعتك و طاعة أبيك. و بلّغ في رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، كما بلّغ فيك و في أبيك. و أذهب اللَّه عني الرّجس، كما أذهب عنك و عن أبيك.
فلما صار إلى الحسين، لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه، كما
____________
(1) الكافي 7/ 119، ح 2.
(2) نفس المصدر و الموضع. ح 3.
(3) المصدر: وهيب.
(4) الكافي 1/ 285- 286، ح 1.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 1/ 287- 288، ح 1.
379
كان هو يدّعي على أخيه و على أبيه لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، و لم يكونا ليفعلا. ثمّ صارت حتّى أفضت إلى الحسين- (عليه السلام)-. فجرى تأويل هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. ثمّ صارت [من بعد [الحسين لعليّ بن الحسين. ثمّ صارت] (1). عليّ بن الحسين إلى محمد بن عليّ.
و قال: «الرّجس» هو الشّكّ. و اللّه، لا نشك بربّنا (2) أبدا.
محمد (3) بن] (4) الحسين (5)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن صباح الأزرق، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ رجلا من المختاريّة لقيني، فزعم أنّ محمد بن الحنفية إمام.
فغضب أبو جعفر- (عليه السلام)-. ثمّ قال: أفلا قلت له؟
قال: قلت: لا و الله، ما دريت ما أقول.
قال: أفلا قلت له: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوصى إلى عليّ و الحسن و الحسين. فلمّا مضى علي- (عليه السلام)- أوصى إلى الحسن و الحسين. و لو ذهب يزويها عنهما، لقالا له: نحن وصيان مثلك. و لم يكن ليفعل ذلك. و أوصى [الحسن] (6) إلى الحسين. و لو ذهب يزويها عنه، لقال له: أنا وصيّ مثلك من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من أبي. و لم يكن ليفعل ذلك. قال اللّه- عزّ و جلّ- وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. هي فينا و في أبنائنا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى محمد بن قيس: عن ثابت الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)- أنّه قال: فينا نزلت هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و في كتاب علل الشّرائع (8)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله- (عليه السلام)-: ما عنى اللّه- عزّ و جلّ- بقوله- تعالى-:
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: في ربنا.
(3) الكافي 1/ 291- 292، ح 7.
(4) ما بين المعقوفتين ليس في «ب».
(5) المصدر: محمد بن الحسن.
(6) من المصدر.
(7) كمال الدين/ 323، ح 8.
(8) علل الشرائع/ 205، ح 2.
380
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).
قال: نزلت هذه الآية في النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و فاطمة- (عليهم السلام)-. فلمّا قبض اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين- (عليهم السلام)-. ثمّ وقع تأويل هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ و كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- [اماما] (2). ثمّ جرت في الأئمة من ولده الأوصياء- (عليهم السلام)-.
فطاعتهم طاعة اللَّه، و معصيتهم معصية اللَّه- عزّ و جلّ-.
[و بإسناده إلى عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ-] (3) خصّ عليا- (عليه السلام)- بوصيّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما يصيبه له، فأقرّ الحسن و الحسين له بذلك. ثمّ وصيّته للحسن و تسليم الحسين للمحسن ذلك. حتّى أقضى الأمر للحسين (4) لا ينازعه فيه أحد، ليس له (5) من السّابقة مثل ماله. و استحقّها عليّ بن الحسين بقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فلا تكون بعد عليّ بن الحسين إلّا في الأعقاب و أعقاب الأعقاب.
و في نهج البلاغة (6). من كتاب له- (عليه السلام)- إلى معاوية: و كتاب اللَّه يجمع لنا ما شذّ عنّا. و هو قوله- تعالى-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و قوله: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. فنحن مرّة أولى بالقرابة، و تارة أولى بالطّاعة.
و في كتاب الاحتجاج (7) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و روى عبد اللَّه بن الحسن بإسناده، عن آبائه- (عليهم السلام)-: أنّه لمّا أجمع أبو بكر [و عمر] (8) على منع فاطمة فدكا و بلغها ذلك، جاءت إليه و قالت: يا ابن أبي قحافة، أ في كتاب اللَّه أن ترث أباك و لا أرث (9)
____________
(1) الأحزاب/ 33.
(2) من المصدر.
(3) ما بين المعقوفتين من نور الثقلين و ليس في المصدر.
(4) المصدر: إلى الحسين.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: لاحد.
(6) نهج البلاغة/ 387 ضمن كتاب 28.
(7) الاحتجاج 1/ 131 و 138 بتصرّف هاهنا.
(8) من المصدر.
(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: نرث.
381
أبي؟ لقد جئت شيئا فريا. [أ فتركتم] (1) كتاب اللَّه [و نبذتموه] (2) وراء ظهوركم إذ يقول:
وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و فيه (3) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و فيها: قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُ. و قال- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فنحن أولى النّاس بإبراهيم، و نحن ورثناه، و نحن أولو الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، و نحن آل ابراهيم.
و في تفسير العيّاشي (4): عن عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: دخل عليّ- (عليه السلام)- على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في مرضه، و قد أغمي عليه، و رأسه في حجر جبرئيل، و جبرئيل على صورة دحية الكلبيّ.
فلمّا دخل عليّ- (عليه السلام)- قال له جبرئيل: دونك رأس ابن عمك. فأنت أحقّ به مني، لأنّ اللَّه- تعالى- يقول في كتابه: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
فجلس- (عليه السلام)- و أخذ رأس رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فوضعه في حجره. فلم يزل رأس رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [في حجره] (5) حتّى غابت الشّمس.
و أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أفاق، فرفع رأسه فنظر إلى عليّ.
فقال: يا عليّ، أين (6) جبرئيل؟
فقال: يا رسول اللَّه، ما رأيت إلّا دحية الكلبيّ رفع (7) إليّ رأسك و قال: يا عليّ، دونك رأس ابن عمّك فأنت أحق به مني، لأنّ اللَّه- تعالى- يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فجلست و أخذت برأسك. فلم يزل (8) في حجري، حتّى غابت الشّمس.
____________
(1) المصدر: أ فعلى عمد تركتم.
(2) من المصدر.
(3) الاحتجاج 1/ 234.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 70- 71، ح 82.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: رأيت.
(7) المصدر: دفع.
(8) المصدر: فلم تزل.
382
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أ فصلّيت العصر؟
قال: لا.
قال: فما منعك أن تصلي؟
فقال: قد أغمي عليك، و كان رأسك في حجري و كرهت أن أشقّ عليك، يا رسول اللَّه، و كرهت أن أقوم و أصلي و أضع رأسك.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «اللّهمّ، إنّ عليا كان في طاعتك و طاعة رسولك حتّى فاتته صلاة العصر. اللّهمّ، فردّ عليه الشّمس حتّى يصلي العصر في وقتها.
قال: فطلعت الشّمس، فصارت في وقت العصر بيضاء نقيّة. و نظر إليها أهل المدينة، و إنّ عليا- (عليه السلام)- قام و صلّى. فلمّا انصرف، غابت الشّمس و صلّى المغرب.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): ثمّ قال: وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ. وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
قال: نسخت قوله: وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. (2)
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قضى أمير المؤمنين في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل [مات] (4) فقرأ هذه الآية: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فدفع الميراث إلى الخالة، و لم يعط المولى.
أبو عليّ الأشعريّ (5)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كان عليّ- (عليه السلام)- إذا مات مولى له و ترك ذات قرابة، لم يأخذ من ميراثه شيئا و يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و في من لا يحضره الفقيه (6): [و روى أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سهل،
____________
(1) تفسير القمي 1/ 281.
(2) النّساء/ 33.
(3) الكافي 7/ 135، ح 2.
(4) من المصدر.
(5) نفس المصدر و الموضع، ح 5.
(6) الفقيه 4/ 223، ح 708.
383
عن الحسن بن الحكم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال في رجل ترك خالتيه و مواليه، قال: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ] (1) المال بين الخالتين.
و روى أحمد بن محمّد بن أبي نصر (2)، عن الحسن بن موسى الخياط، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لا و اللَّه، ما ورث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- العبّاس و لا عليّ- (عليه السلام)- [و لا ورثته إلّا فاطمة- (عليها السلام)-.
و ما كان أخذ علي- (عليه السلام)-] (3) السّلاح و غيره، إلا لأنه قضى عنه دينه.
ثمّ قال: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: الخال و الخالة يرثان، إذا لم يكن معهم أحد غيرهم. إنّ اللَّه يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. إذا التقت القرابات، فالسابق أحقّ بالميراث من قرابته.
عن زرارة (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. أنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض. لأنّ أقربهم إليه [رحما] (6) أولى به.
عن ابن سنان (7)- عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا اختلف علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- و عثمان بن عفّان في الرّجل يموت و ليس له عصبة يرثونه، و له ذو قرابة يرثونه (8)، ليس له سهم مفروض.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: ميراثه لذوي قرابته. لأنّ اللَّه- تعالى- يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
و قال عثمان: أجعل ميراثه في بيت مال المسلمين، و لا يرثه أحد من قرابته.
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75): من المواريث و الحكمة في إناطتها. بنسبة الإسلام و المظاهرة أوّلا، و باعتبار القرابة ثانيا.
____________
(1) من المصدر.
(2) الفقيه 4/ 190- 191، ح 660.
(3) من المصدر.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 71، ح 83.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 72، ح 86.
(6) من المصدر.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 71، ح 84.
(8) المصدر: لا يرثونه.
384
و في تفسير العيّاشي (1): عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ- (عليه السلام)- لا يعطي الموالي شيئا مع ذي رحم، سمّيت له فريضة [أم لم تسمّ له فريضة] (2). و كان يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قد علم مكانهم. فلم يجعل لهم مع أولي الأرحام حيث قال:
وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 71، ح 85.
(2) من الهوامش.
385
تفسير سورة براءة
387
سورة براءة المشهور، أنّها مدنية.
و قيل (1): إلّا آيتين من قوله- تعالى-: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ. و هي آخر ما نزلت.
قيل: و لها أسماء اخر: التّوبة، و المقشقشة، و البحوث، و المبعثرة، و المنقرة، و المثيرة، و الحافرة، و المخزية (2)، و الفاضحة، و المنكلة، و المشردة، و المدمدمة، و سورة العذاب. لما فيها من التّوبة [للمؤمنين] (3)،: و القشقشة من النّفاق و هي التبري منه، و البحث عن حال المنافقين و إثارتها، و الحفر (4) عنها، و ما يخزيهم، و يفضحهم، و ينكّلهم، و يشرّدهم، و يدمدم عليهم.
و آيها قيل: مائة و ثلاثون. و قيل: تسع و عشرون.
و إنّما تركت التّسمية فيها، إمّا لأنّها نزلت للأمان و الرّحمة و نزلت براءة لدفع الأمان و السّيف، و إمّا لأنّ الأنفال و براءة واحدة.
ففي مجمع البيان (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لم ينزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على رأس سورة براءة. لأنّ بِسْمِ اللَّهِ للأمان و الرّحمة، و نزلت براءة لدفع الأمان بالسّيف (6).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 404.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: النحرية.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الحضر.
(5) المجمع 3/ 2.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لدفع الأمان
388
و فيه (1)، في تفسير العيّاشي (2): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: الأنفال و البراءة واحدة.
ترك البسملة في أوّلها قراءة و كتابة.
و يمكن الجمع بين الخبرين، بأنّها سورة واحدة. و لذا لم يكتب بِسْمِ اللَّهِ على رأس براءة، لكن لمّا كان إفرادها للبعث بمكّة بمنزلة جعلها سورة و رسالة توهّم استحباب تصديرها بها، كما هو المتعارف في المكتوبات و الرّسائل، دفع- (عليه السلام)- هذا الوهم بقوله: لأنّ بِسْمِ اللَّهِ للأمان و الرّحمة، و نزلت سورة براءة لدفع الأمان و السّيف. و يؤيّد كونها واحدة،
ما روي في أوّل الأنفال من كتاب ثواب الأعمال (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الأنفال و سورة البراءة في كلّ شهر، لم يدخله نفاق ابدا و كان من شيعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في تفسير العيّاشي (4)، مثله. إلّا أنّه زاد قوله- (عليه السلام)-: حقّا و أكل (5) يوم القيامة من موائد الجنة مع شيعة عليّ (6) حتّى يفرغ النّاس من الحساب.
و ما في مجمع البيان (7): عن أبي بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ الأنفال و براءة، فأنا شفيع له و شاهد يوم القيامة أنّه بريء من النّفاق، و اعطي من الأجر بعدد كلّ منافق و منافقة في دار الدّنيا عشر حسنات، و محي عنه عشر سيّئات، و رفع له عشر درجات، و كان العرش و حملته يصلّون عليه أيّام حياته في الدّنيا.
فإن جعل الثواب المذكور على قراءة المجموع، يدلّ ظاهرا على أنهما واحد، خصوصا الحديث الأخير المحذوف فيه لفظ السّورة عن البراءة.
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، أي: هذه براءة.
و «من» ابتدائية متعلّقة بمحذوف، تقديره: واصلة من اللَّه و رسوله.
و يجوز أن يكون «براءة» مبتدأ لتخصّصها بصفتها، و الخبر إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1).
____________
و السيف.
(1) كذا. و الصحيح: و في.
(2) المجمع 3/ 1، و تفسير العيّاشي 2/ 73.
(3) ثواب الأعمال/ 132.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 73.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يأكل.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: مع شيعته ...
(7) المجمع 2/ 516.
389
و قرئ، بنصبها، على تقدير: اسمعوا براءة.
و المعنى: أنّ اللَّه و رسوله بريئان من العهد الّذي عاهدتم به المشركين.
و في مجمع البيان (1): إذا قيل: كيف يجوز أن ينقض النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك العهد؟
فأقول فيه: إنه يجوز أن ينقض- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك على ثلاثة أوجه: إمّا (2) أن يكون العهد مشروطا، بأن يبقى إلى أن يرفعه اللَّه- تعالى- بوحي. و إمّا أن يكون قد ظهر من المشركين خيانة و إما أن يكون مؤجّلا إلى مدّة.
و قد وردت الرّواية، بأنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- شرط عليهم ما ذكرناه.
و روي- أيضا-: أنّ المشركين كانوا قد نقضوا العهد و همّوا بذلك، فأمره اللَّه- سبحانه- أن ينقض عهدهم. (انتهى).
و أمهل المشركين أربعة أشهر يسيروا أين شاءوا، فقال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ: خطاب للمشركين. أمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم، ثمّ يقتلون حيث وجدوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قال: حدثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من غزوة تبوك في سنة تسع (4) من الهجرة.
قال: و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا فتح مكّة، لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السّنة. و كان سنّة من العرب في الحجّ أنه من دخل مكة و طاف بالبيت في ثيابه، لم يخل له إمساكها. و كانوا يتصدّقون بها، و لا يلبسونها بعد الطّواف. و كان من وافى مكّة، يستعير ثوبا و يطوف فيه ثمّ يرده. و من لم يجد عارية، اكترى ثيابا. و من لم يجد عارية و لا كراء و لم يكن له إلّا ثوب واحد، طاف بالبيت عريانا. فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة، و طلبت ثوبا عارية أو كراء فلم تجده.
فقالوا لها: إن طفت في ثيابك، احتجت أن تتصدقي بها.
____________
(1) المجمع 3/ 2- 3.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أحدها.
(3) تفسير القمي 1/ 281- 282.
(4) المصدر: سبع. و الصحيح ما في المتن.
390
فقالت: أتصدّق!؟ و كيف أتصدّق بها و ليس لي غيرها؟! فطافت بالبيت عريانة. و أشرف عليها النّاس. فوضعت إحدى يديها على قبلها و الأخرى على دبرها و قالت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه* * * فما بدا منه فلا أحلّه
فلمّا فرغت من الطّواف، خطبها جماعة.
فقالت: إنّ لي زوجا.
و كانت سيرة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قبل نزول سورة براءة أن لا يقاتل إلّا من قاتله، و لا يحارب إلّا من حاربه و أراده. و قد كان نزل عليه في ذلك من اللّه- عزّ و جلّ- فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (1). فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه و اعتزله حتّى نزلت عليه سورة براءة، و أمره [اللّه] (2) بقتل المشركين من اعتزله و من لم يعتزله، إلّا الّذين قد كان عاهدهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم فتح مكّة إلى مدّة. منهم صفوان بن أميّة، و سهيل بن عمرو. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: «براءة من اللّه و رسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر» ثمّ يقتلون حيث ما وجدوا. فهذه أشهر السّياحة، عشرون من ذي الحجّة الحرام و المحرّم و صفر و ربيع الأوّل، و عشر (3) من ربيع الآخر.
فلمّا نزلت الآيات من أوّل براءة، دفعها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أبي بكر، و أمره أن يخرج إلى مكّة و يقرأها على النّاس بمنى (4) يوم النّحر.
فلمّا خرج أبو بكر، نزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال:
يا محمّد، لا يؤذي عنك إلّا رجل منك.
فبعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في طلبه. فلحقه بالروحاء، فأخذ منه الآيات.
فرجع أبو بكر إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، أنزل فيّ
____________
(1) النساء/ 89.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عشرين.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يمسي.
391
شيء؟
فقال: لا، إنّ اللّه أمرني أن لا يؤدي عني إلّا أنا أو رجل مني.
و أمّا ما رواه العيّاشيّ (1): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لا، و اللَّه، ما بعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبا بكر ببراءة. أ هو كان يبعث بها [معه] (2) ثمّ يأخذها منه؟ و لكنّه استعمله على الموسم، و بعث بها عليا- (عليه السلام)- بعد ما فصل أبو بكر عن الموسم. فقال لعليّ- (عليه السلام)- حين بعثه اللّه (3): إنّه لا يؤدي عني إلّا أنا أو أنت»
فمخالف لما روي سابقا. و ما روي في هذا الباب محمول على التّقية، لأنّه وافق لما رواه العامّة في هذا الباب.
و في تفسير العيّاشي (4): عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم، ليقرأها على النّاس.
فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: لا يبلّغ عنك إلّا عليّ.
فدعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليا- (عليه السلام)- فأمره أن يركب فاقته (5) العضباء، و أمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة و يقرأه على النّاس بمكّة.
فقال أبو بكر: أ سخطة؟
فقال: لا، إلّا أنه أنزل عليه: أن لا يبلّغ إلّا رجل منك.
فلما قدم عليّ- (عليه السلام)- مكّة، و كان يوم النّحر بعد الظّهر- و هو يوم الحجّ الأكبر- قام ثمّ قال: إني رسول [رسول اللَّه] (6) إليكم. فقرأها عليهم: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ عشرين (7) من ذي الحجّة و المحرّم و صفر و شهر ربيع الأول، و عشرا (8) من شهر بيع الآخر.
و قال: لا يطوف بالبيت عريان و لا عريانة و لا مشرك، إلّا من كان له عهد عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فمدّته (9) إلى هذه الأربعة أشهر.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 74.
(2) من المصدر.
(3) ليس في المصدر.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 73- 74.
(5) المصدر: ناقة.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و عشرا.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عشرين.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فدية.
392
و في خبر محمد بن مسلم (1): فقال: يا عليّ، هل نزل في شيء منذ فارقت (2) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: لا، و لكن أبي اللَّه أن يبلّغ عن محمّد إلّا رجل منه.
فوافى (3) الموسم، فبلّغ عن اللَّه و عن رسوله بعرفة و المزدلفة و يوم النّحر عند الجمار و في أيّام (4) التشريق كلّها ينادي: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ و لا يطوفنّ بالبيت عريان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- أيضا- قال: و حدثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمرني [أن أبلّغ] (6) عن اللَّه، أن لا يطوف بالبيت عريان و لا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام. و قرأ عليهم: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فأجل اللَّه المشركين الّذين حجّوا تلك السّنة أربعة أشهر حتّى يرجعوا (7) إلى مأمنهم، ثم يقتلون حيث وجدوا.
و في مجمع البيان (8): و روى أصحابنا، أنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ولّى عليّا الموسم. و أنه حين أخذ براءة من أبي بكر، رجع أبو بكر.
و روى عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: خطب عليّ- (عليه السلام)- [الناس] (9) و اخترط سيفه، فقال: لا يطوفنّ بالبيت عريان، و لا يحجّن البيت مشرك. و من كانت له مدة، فهو إلى مدّته. و من لم تكن له مدّة، فمدّته أربعة أشهر. و كان خطب يوم النّحر، فكان عشرون من ذي الحجّة و محرم و صفر و شهر ربيع الأوّل و عشر من شهر ربيع الآخر.
و روي أنّه- (عليه السلام)- قام عند جمرة العقبة و قال: أيّها الناس، إني رسول اللَّه إليكم بأن لا يدخل البيت كافر و لا يحج البيت مشرك و لا يطوف بالبيت عريان. و من
____________
(1) نفس المصدر 2/ 74.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فأرقب عند.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قوله في.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بأيّام.
(5) تفسير القمي 1/ 282.
(6) من المصدر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يراجعوا.
(8) المجمع 3/ 3- 4.
(9) من المصدر.
393
كان له عهد عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فله عهده إلى أربعة أشهر. و من لا عهد له، فله [مدّة] (1) بقية الأشهر الحرم. و قرأ عليهم براءة.
و قيل: قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أوّل براءة.
و في الكافي (2): عدّة من أصحابنا، [عن أحمد بن محمّد] (3)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الحسين بن خالد قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: لأيّ شيء صار الحاج لا يكتب عليه الذّنب أربعة أشهر؟
قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أباح المشركين الحرم في أربعة أشهر، إذ يقول: فَسِيحُوا (فِي الْأَرْضِ) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أثمّ وهب لمن يحجّ من المؤمنين البيت الذّنوب أربعة أشهر.
عليّ بن إبراهيم (4)، بإسناده قال: أشهر الحجّ، شوّال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجّة. و أشهر السّياحة، عشرون من ذي الحجّة و المحرّم و صفر و شهر ربيع الأوّل و عشر من ربيع الآخر.
عدة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي أيّوب عن سعد الإسكاف قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: انّ الحاج إذا أخذ في جهازه- إلى قوله-: و كان ذا الحجّة و المحرّم و صفر و شهر ربيع الأول [أربعة] (6) أشهر تكتب له الحسنات و لا تكتب عليه السّيئات، إلّا أن يأتي بموجبه. فإذا مضت الأربعة أشهر، خلط بالناس.
و في تفسير العيّاشيّ (7): جعفر بن أحمد، عن عليّ بن محمّد بن شجاع قال: روى أصحابنا [قيل] (8) لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لم (9) صار الحاجّ لا يكتب عليه ذنب أربعة أشهر؟
قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أمر المشركين، فقال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ و لم يكن يقصر بوفده عن ذلك.
____________
(1) من المصدر.
(2) الكافي 4/ 255.
(3) من المصدر.
(4) الكافي 4/ 290.
(5) الكافي 4/ 254- 255.
(6) من المصدر.
(7) تفسير العيّاشي 2/ 75.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: إنّه.
394
عن زرارة (1) و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قال: عشرون من ذي الحجّة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأوّل، و عشر من شهر ربيع الآخر.
و عن داود بن سرحان (2)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: كان الفتح في سنة ثمان، و براءة في سنة تسع، و حجّة الوداع في سنة عشر.
و في كتاب علل الشّرائع (3)، بإسناده إلى جميع بن عمّار قال: صليت في المسجد الجامع، فرأيت ابن عمر جالسا. فجلست إليه، فقلت: حدثني عن عليّ- (عليه السلام)-.
فقال: بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبا بكر ببراءة. فلمّا أتى بها ذا الحليفة، اتبعه عليّ- (عليه السلام)- فأخذها منه.
فقال أبو بكر: يا عليّ، مالي، أنزل فيّ شيء؟ قال: لا، و لكن [رسول اللَّه قال:] (4) لا يؤدي عني إلّا [أنا أو رجل] (5) من أهل بيتي.
قال: فرجع إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللَّه، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، و لكن لا يؤدي عني إلّا أنا أو رجل من أهل بيتي.
قال كثير: قلت لجميع: أتشهد على ابن عمر بهذا هذا.
قال: نعم- ثلاثا-.
و بإسناده (6) إلى ابن عباس: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعث أبا بكر ببراءة، ثمّ اتبعه عليا- (عليه السلام)- فأخذها منه.
فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، خيف فيّ شيء؟
قال: لا، إلّا أنه لا يؤدي عني إلّا أنا أو عليّ.
و كان الّذي بعث به عليّ- (عليه السلام)-: لا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة (7)، و لا
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر 2/ 73.
(3) العلل/ 189.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يودّي قل.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: رجل أنا أو.
(6) العلل/ 190.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: نفس مؤمن مسلمة.
395
يحجّ بعد هذا العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان. و من كان بينه و بين رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عهد، فهو إلى مدّته.
و بإسناده (1) إلى الحارث بن مالك قال: خرجت إلى مكة، فلقيت سعد بن مالك. فقلت له: هل سمعت لعلي- (عليه السلام)- منقبة؟
قال: قد شهدت له أربع، لئن تكون لي إحداهنّ أحبّ إليّ من الدّنيا أعمر فيها عمر نوح- (عليه السلام)- أحدها، أن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوما و ليلة. ثمّ قال لعلي: اتبع أبا بكر فبلّغها.
و ردّ أبا بكر، فقال: يا رسول اللَّه، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، إلّا أنّه لا يبلغ عني إلّا أنا أو رجل مني.
و بإسناده (2) إلى أنس بن مالك، أنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعث ببراءة إلى أهل مكة مع أبي بكر. فبعث عليا- (عليه السلام)- و قال: لا يبلّغها إلّا رجل من أهل بيتي.
و في كتاب الخصال (3): عن الحارث بن ثعلبة قال: قلت لسعد (4): أشهدت شيئا من مناقب عليّ- (عليه السلام)-؟
قال: نعم، شهدت له أربع مناقب و الخامسة شهدتها. لئن يكون لي منهنّ واحدة، أحبّ إليّ من حمر النّعم. بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبا بكر ببراءة، ثمّ أرسل عليا- (عليه السلام)- فأخذها منه.
فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، إلّا أنه لا يبلغ عني إلّا رجل مني.
و في احتجاج عليّ (5)- (عليه السلام)- يوم الشورى على النّاس، قال: نشدتكم باللّه، هل فيكم أحد أمر اللَّه- عزّ و جلّ- رسوله أن يبعث ببراءة بها مع أبي بكر، فأتاه جبرائيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، إنّه لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك. فبعثني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخذتها من أبي بكر. فمضيت بها فأدّيتها عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأثبت اللَّه على لسان رسول اللَّه أني منه، غيري؟
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) الخصال/ 311.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لو.
(5) الخصال/ 558.
396
قالوا: [اللهمّ] (1) لا.
و في مناقب أمير المؤمنين (2)- (عليه السلام)- و تعدادها، قال- (عليه السلام)-: و أمّا الخمسون، فإنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعث ببراءة مع أبي بكر. فلمّا مضى، أتى جبرائيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك. فوجّهني على ناقته العضباء، فلحقته بذي الحليفة، فأخذتها منه. فخصّني اللَّه بذلك.
عن جابر الجعفيّ (3)، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و قد سأله رأس اليهود: و لم تمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء و بعد وفاتهم؟
قال: يا أخا اليهود، إنّ اللَّه- تعالى- امتحنني في حياة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سبعة مواطن. فوجدني فيها- من غير تزكية لنفسي بنعمة اللَّه- له مطيعا.
قال: فيم و فيم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أمّا أوّلهنّ- إلى أن قال-: و أما السّابعة- يا أخا اليهود- فإن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا توجّه لفتح مكّة، أحبّ أن يعذر إليهم و يدعوهم إلى اللَّه آخرا (4)، كما دعاهم أولا. فكتب إليهم كتابا يحذرهم فيه، و ينذرهم عذاب ربّهم، و يعدهم الصفح، [يمنّيهم مغفرة ربّهم] (5). و نسخ لهم في آخره سورة براءة، لتقرأ عليهم. ثمّ عرض على جميع أصحابه المضيّ إليهم فكلّ منهم يرى التّثاقل فيه. فلمّا رأى ذلك، ندب منهم رجلا فوجهه به.
فأتاه جبرائيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، إنّه لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك.
فأنبأني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك، و وجهني بكتابه و رسالته إلى أهل مكّة. فأتيت مكّة، و أهلها من قدم عرفتم، ليس منهم أحد إلّا و لو قدر أن يضع على كلّ جبل مني إربا لفعل و لو أن يبذل في ذلك نفسه و ماله و أهله و ولده. فبلّغتهم رسالة النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قرأت عليهم كتابه. فكلّ تلقاني بالتّهديد (6) و الوعيد، و يبدي لي
____________
(1) من المصدر.
(2) الخصال/ 578.
(3) الخصال/ 365 و 366، و 369- 370.
(4) كذا في المصدر و في روح: أخرى. و في أو ب: احدى.
(5) من المصدر. و في النسخ: ينذرهم.
(6) المصدر: بالتهدد.
397
البغضاء، و يظهر لي الشّحناء، من رجالهم و نسائهم. فكان مني في ذلك ما قد رأيتم. ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
فقالوا: بلى، يا أمير المؤمنين.
وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ: لا تفوتونه و إن أمهلكم.
وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2): بالأسر و القتل في الدّنيا، و العذاب في الآخرة.
وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ، أي: إيذان و إعلام. فعال، بمعنى:
الإفعال، كالأمان و العطاء، بمعنى: الإيمان و الإعطاء. و رفعه، كرفع براءة على الوجهين.
يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
قيل (1): يوم العيد. لأنّ فيه تمام الحج و معظم أفعاله، و لأنّ الإعلام كان فيه.
و لما
نقل: أنه- (عليه السلام)- وقف يوم النّحر عند الجمرات في حجّة الوداع فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر.
و قيل: يوم عرفة،
لقوله- (عليه السلام)-: الحج عرفة.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: يوم الحجّ الأكبر، يوم النّحر. قال: و لو كان [الحج الأكبر] (3) يوم عرفة، لكان أربعة أشهر و يوما.
و قيل (4): وصف الحجّ بالأكبر. لأنّ العمرة تسمّى بالحجّ الأصغر، أو لأن المراد بالحجّ: ما يقع في ذلك اليوم من أعماله، فإنّه أكبر من باقي الأعمال، أو لأنّ ذلك الحجّ اجتمع فيه المسلمون و المشركون و وافق عيده أعياد أهل الكتاب، أو لأنّه ظهر فيه عزّ المسلمين و ذلّ الكافرين (5).
و سيأتي بعض تلك الوجوه في الأخبار.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): حدّثني أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في قوله:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 405.
(2) تفسير العياشي 2/ 77.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 405.
(5) المصدر: المشركين.
(6) تفسير القمي 1/ 282.
398
وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ.
قال: «الأذان» أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في حديث آخر: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: كنت أنا الأذان في النّاس.
و في أمالي شيخ الطائفة (1)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: قال أبي: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- في كلام طويل: أنت الّذي أنزل اللَّه فيه وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
و في شرح الآيات الباهرة (2): روي الحسن الدّيلميّ، بإسناده عن رجاله إلى عبد اللَّه بن سنان قال: قال الصادق- (عليه السلام)-: إنّ لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- أسماء لا يعلمها إلّا العالمون، و أنّ منها «الأذان» من اللَّه و رسوله. و هو الأذان.
و في كتاب الخصال (3)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر قال: فأنشدك باللّه، أنا الأذان من اللَّه و رسوله لأهل الموسم و لجميع الأمّة بسورة براءة أم أنت؟
قال: بل أنت.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يذكر فيها نعم اللَّه- عزّ و جلّ-. و فيها يقول- (عليه السلام)-: ألا و إني مخصوص في القرآن بأسماء، احذروا أن تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم. أنا المؤذّن في الدّنيا و الآخرة. قال اللَّه- تعالى-: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (5). أنا ذلك المؤذن. و قال: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ [إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ] (6) و أنا ذلك الأذان.
حدّثنا (7) محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه- قال: حدثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عليّ بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن الحارث بن المغيرة النضري، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
فقال: اسم نحله اللَّه- عزّ و جلّ- عليا- (عليه السلام)- من السّماء، لأنّه هو الذي
____________
(1) الامالي 1/ 361.
(2) تأويل الآيات الباهرة/ 74.
(3) الخصال/ 549.
(4) المعاني/ 59.
(5) الأعراف/ 43.
(6) ليس في المصدر.
(7) المعاني/ 298.
399
أدّى عن رسوله براءة. و قد كان بعث بها مع أبي بكر أوّلا، فنزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه يقول لك: لا يبلّغ عنك إلّا أنت أو رجل منك. فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند ذلك عليا- (عليه السلام)- فلحق أبا بكر و أخذ الصّحيفة من يده، و مضى بها إلى مكة. فسمّاه اللَّه- تعالى-: و أذان من اللَّه. إنّه اسم نحله اللَّه- تعالى- من السّماء لعليّ- (عليه السلام)-.
و في عيون الأخبار (1)، بإسناده: عن الرّضا- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و قال- عزّ و جلّ-: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. [فكنت أنت المبلغ عن اللَّه و عن رسوله.
في كتاب علل الشّرائع بإسناده إلى حفص بن غياث النخعي القاضي قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ].
فقال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: كنت أنا الأذان في الناس.
قلت: فما معنى هذه اللّفظة «الحجّ الأكبر»؟
قال: إنّما سمي «الأكبر» لأنها كانت سنة حجّ فيها المسلمون و المشركون، و لم يحجّ المشركون بعد تلك السّنة.
و في تفسير العيّاشي (2): عن جابر، عن جعفر بن محمّد و أبي جعفر- (عليهما السلام)- في قول اللَّه: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
قال: خروج القائم. و «أذان» دعوته إلى نفسه.
عن حريز (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في الأذان: هو اسم في كتاب اللَّه، لا يعلم ذلك أحد غيري.
عن عبد الرّحمن (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: «يوم الحج الأكبر» يوم النحر. و «الحجّ الأصغر» العمرة.
و في رواية ابن سرحان (5)، عنه- (عليه السلام)- قال: «الحجّ الأكبر» يوم عرفة،
____________
(1) العيون 2/ 10.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 76.
3 و 4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
400
و الجمع، و رمى الجمار بمنى. و «الحجّ الأصغر» بمعنى العمرة.
و في كتاب معاني الأخبار (1): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقري، عن فضيل بن عيّاض (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الحجّ [الأكبر] (3).
فقال: أ عندك فيه شيء؟
فقلت: نعم.
كان ابن عبّاس يقول: «الحجّ الأكبر» يوم عرفة، يعني: أنه من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النّحر، فقد أدرك الحجّ. و من فاته ذلك، فاته الحجّ. فجعل ليلة عرفة لما قبلها و لما بعدها. و الدّليل على ذلك أنّ من أدرك ليلة النّحر إلى طلوع الفجر، فقد أدرك الحجّ و أجزأ عنه من عرفة.
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قال أمير المؤمنين: الحج الأكبر يوم النحر.
و احتجّ بقول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. فهي عشرون من ذي الحجة و المحرّم و صفر و ربيع الأوّل، و عشر من شهر ربيع الآخر. و لو كان الحجّ الأكبر يوم عرفة، لكان [السّيح] (4) أربعة أشهر و يوما. و احتجّ بقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، و كنت أنا الأذان في النّاس.
فقلت له: فما معنى هذه اللّفظة «الحجّ الأكبر»؟
فقال: إنّما سمي «الأكبر» لأنّها كانت سنة حجّ فيها المسلمون و المشركون، و لم يحجّ المشركون بعد تلك السّنة.
أبي (5)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح المحاربيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: «الحجّ الأكبر» يوم النّحر.
حدّثنا (6) محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللَّه
____________
(1) المعاني/ 296.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: غياث.
(3) من المصدر.
(4) من المصدر.
(5) المعاني/ 295.
(6) المعاني/ 295.
401
- (عليه السلام)- عن يوم الحجّ الأكبر.
فقال: هو يوم النّحر. و «الأصغر» العمرة.
أبي (1)- (رحمه اللّه)- قال: حدثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: «الحجّ الأكبر» يوم الأضحى.
[حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- (رحمه اللّه)- قال:] (2) حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن عيسى، عن عبيد، عن النضر بن سويد، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، مثل ذلك.
أبي (3)- (رحمه اللّه)- قال: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ بن الحسين، عن حمّاد بن عيسى، عن شعيب، عن أبي بصير و النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: «الحجّ الأكبر» يوم الأضحى.
و في الكافي (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن يوم الحجّ الأكبر.
فقال: هو يوم النّحر. و «الأصغر» العمرة.
أبو عليّ الأشعري (5)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: « [الحجّ] (6) الأكبر» يوم النّحر.
عليّ بن إبراهيم (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- بمسائل، إلى قوله: و سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: «الحجّ الأكبر»، ما يعني ب «الحج الأكبر»؟
فقال: «الحجّ الأكبر» الوقوف بعرفة، و رمي الجمار. و «الحجّ الأصغر» العمرة.
أَنَّ اللَّهَ، أي: بأنّ اللَّه.
بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أي: من عهودهم.
وَ رَسُولِهِ: عطف على المستكنّ في «بريء». أو على محل «أن» و اسمها في
____________
(1) المعاني/ 295.
(2) من المصدر.
(3) المعاني/ 296.
4 و 5- الكافي 4/ 290.
(6) من المصدر.
(7) الكافي 4/ 264- 265.
402
قراءة من كسرها، إجراء للأذن مجرى القول.
و قرئ، بالنصب، عطفا على اسم «أنّ». أو لأنّ الواو بمعنى: مع. و لا تكرير فيه، فإن قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إخبار بثبوت البراءة و هذه إخبار بوجوب الإعلام. و لذلك علّقه بالنّاس، و لم يخصّه بالمعاهدين.
و في مجمع البيان (1): قال: و قد روى عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديثا طويلا. روي أنّه لمّا نادى فيهم: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [أي: كلّ مشرك] (2).
قال المشركون: نحن نتبرأ (3) من عهدك و عهد ابن عمّك.
فَإِنْ تُبْتُمْ: من الكفر و الغدر.
فَهُوَ: فالتّوب.
خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ: عن التوبة. أو ثبتم (4) على التّولي عن الإسلام و الوفاء.
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ: لا تفوتونه طلبا، و لا تعجزونه هربا في الدّنيا.
وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3): في الآخرة.
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: استثناء من المشركين. أو استدراك، فكأنه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى النّاكثين: و لكنّ الّذين عاهدوا منهم.
ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً: من شروط العهد، و لم ينكثوه. أو لم يقتلوا منكم، و لم يضروكم قطّ.
وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً: من أعدائكم.
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ: إلى تمام مدّتهم. و لا تجروهم مجرى النّاكثين، و لا تجعلوا الوفيّ مجرى الغادر.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4): تعليل و تنبيه على إتمام عهدهم، من باب التقوى.
فَإِذَا انْسَلَخَ: انقضى. و أصل الانسلاخ: خروج الشيء ممّن لابسه. من
____________
(1) المجمع 3/ 4.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و رسوله.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: نبرأ
(4) ح: تثبّتم.
403
سلخ الشّاة.
الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: الّتي أبيح للنّاكثين أن يسيحوا فيها.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هي يوم النحر إلى عشر مضين من شهر ربيع الآخر.
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ: النّاكثين.
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ: من حلّ و حرم.
وَ خُذُوهُمْ: و أسروهم. و الأخيذ: الأسير.
وَ احْصُرُوهُمْ: و احبسوهم، و حيلوا بينهم و بين المسجد الحرام.
وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ: كلّ ممّر و مرصد يرصدونهم، لئلّا يتبسّطوا في البلاد.
فَإِنْ تابُوا: عن الشّرك بالإيمان.
وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ: تصديقا لتوبتهم و إيمانهم.
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ: فدعوهم، و لا تتعرّضوا لهم بشيء.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5): تعليل للأمر، أي: فخلوهم، لأنّ اللَّه غفور رحيم، غفر لهم ما سلف و وعد لهم الثّواب بالتّوبة.
و في كتاب الخصال (2): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه: «منها أربعة حرم» رجب نص الّذي بين جمادى و شعبان، و ذو القعدة، و ذو الحجّة، و المحرّم.
و عن محمّد بن أبي عمير (3)، حديث يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. و فيه: «منها أربعة حرم» عشرون من ذي الحجّة و المحرّم و صفر و شهر ربيع الأول، و عشر من ربيع الآخر.
و في تهذيب الأحكام (4): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل أبي عن حروب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و كان السّائل من محبينا.
فقال له أبي: إنّ اللَّه- تعالى- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بخمسة أسياف،
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 77.
(2) الخصال/ 487.
(3) الخصال/ 488.
(4) التهذيب 4/ 115.
404
ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها. فإذا طلعت الشّمس من مغربها، آمن النّاس كلّهم في ذلك اليوم. فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في إيمانها خيرا.
[و سيف منها مكفوف] (1) و سيف منها مغمد سلّه إلى غيرنا و حكمه إلينا.
فأمّا السيوف الثّلاثة الشّاهرة، فسيف على مشركي العرب. قال اللَّه- تبارك و تعالى-: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا، يعني: فإن آمنوا [وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ] (2) فإخوانكم في الدّين فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل، أو الدّخول في الإسلام. [و أموالهم و] (3) ذراريّهم [تسبى على ما سبى] (4) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإنه سبى و عفا، و قبل الفداء.
وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: المأمور بالتعرض لهم.
اسْتَجارَكَ: استأمنك، و طلب منك جوارك.
فَأَجِرْهُ: فآمنه.
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ: و يتدبّره و يطّلع على حقيقة الأمر. فإنّ معظم الأدلّة فيه.
و في الكافي (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: أظنّه عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا أراد أن يبعث سريّة، دعاهم فأجلسهم بين يديه.
ثمّ يقول: سيروا بسم اللَّه و باللّه و في سبيل اللَّه و على ملّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. لا تغلّوا، و لا تمثّلوا، و لا تغدروا، و لا تقتلوا شيخا فانيا و لا صبيا و لا امرأة، و لا تقطعوا شجرا إلّا أن تضطروا إليها. و أيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل (6) من المشركين، فهو جار حتّى يسمع كلام اللَّه. فإن تبعكم، فأخوكم (7) في الدّين.
و إن أبى، فأبلغوه مأمنه و استعينوا باللّه عليه.
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) من المصدر. و في النسخ: و ما لهم في.
(4) من المصدر. و في النسخ: سبي على ما أمر.
(5) الكافي 5/ 27- 28.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلين.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فإخوانكم.
405
و في نهج البلاغة (1): و إنّما كلامه- سبحانه- فعل منه أنشأه و مثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا. و لو كان قديما، لكان [إلها ثانيا] (2).
ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ: موضع أمنه إن لم يسلم.
و «أحد» رفع بفعل يفسره ما بعده، لا بالابتداء. لأنّ «إن» من عوامل الفعل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): قال الباقر (4)- (عليه السلام)-: اقرأ عليه و عرّفه، ثمّ لا تتعرّض له حتى يرجع إلى مأمنه.
ذلِكَ: الأمن و الأمر.
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6): ما الإيمان، و ما حقيقته، و ما تدعوهم إليه. فلا بد من أمانهم، ريثما يسمعون و يتدبّرون.
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ: استفهام بمعنى الإنكار، و الاستبعاد لأن يكون لهم عهد و لا ينكثوه مع و غرة صدورهم. أو لأن يفي اللَّه و رسوله بالعهد، و هم نكثوه.
و خبر «يكون» «كيف» و قدّم للاستفهام، أو «للمشركين» أو «عند اللَّه». و هو على الأوّلين صفة «للعهد» أو ظرف له، أو «ليكون». و «كيف» على الأخيرين حال من «العهد» و «للمشركين»، إن لم يكن خبرا فتبين.
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: هم المستثنون قبله.
و محلّه النّصب، على الاستثناء. أو الجرّ، على البدل. أو الرّفع، على أنّ الاستثناء منقطع، أي: و لكنّ الّذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام.
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، أي: فتربّصوا أمرهم، فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء. و هو كقوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، غير أنّه مطلق و هذا مقيّد.
و «ما» تحتمل الشّرطية و المصدريّة.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7): سبق بيانه.
كَيْفَ: تكرار، لاستبعاد ثباتهم على العهد، أو بقاء حكمه مع التّنبيه على
____________
(1) نهج البلاغة/ 274.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أزلا ثابتا.
(3) تفسير القمي 1/ 283.
(4) ليس في المصدر.
406
العلّة. و حذف الفعل للعلم به، كما في قوله:
و خبّرتماني إنّما الموت بالقرى* * * فكيف و هاتا هضبة و قليب
أي: فكيف مات.
وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، أي: و حالهم أنّهم إن يظفروا بكم.
لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ: لا يراعوا فيكم.
إِلًّا: حلفا.
و قيل (1): قرابة. قال حسّان:
لعمرك إن إلّك (2) من قريش* * * كإلّ السقب (3) من
رأل (4) النّعام
و قيل: ربوبيّة. و لعلّة اشتقّ للحلف من الأل، و هو الجواز. لأنّهم كانوا إذا تحالفوا، رفعوا به أصواتهم و شهروه. ثمّ استعير للقرابة، لأنها تعقد بين الأقارب ما لا يعقده الحلف. ثمّ للربوبية و التّربية.
و قيل: اشتقاقه من ألل الشيء: إذا حدّده. أو من ألّ البرق: إذا لمع.
و قيل: إنّه عبريّ: بمعنى: الاله. لأنه قرئ: إيلا، كجبرئل و جبرئيل.
وَ لا ذِمَّةً: عهدا، أو حقّا يعاب على إغفاله.
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ: استئناف، لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظّفر. و لا يجوز جعله حالا من فاعل «لا يرقبوا». فإنّهم بعد ظهورهم لا يرضون. و لأنّ المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإيمان و الطّاعة و الوفاء بالعهد في الحال و استبطان الكفر و المعاداة، بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم، و الحاليّة تنافيه.
وَ تَأْبى قُلُوبُهُمْ: ما تتفوه به أفواههم.
وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8): متمرّدون. لا عقيدة تزعهم، و لا مروءة تردعهم.
و تخصيص الأكثر، لما في بعض الكفرة من التفادي عن الغدر و التعفف عمّا يجرّ إلى أحدوثة
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 406.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: إلّكم.
(3) السقب: ولد الناقة الذكر ساعة يولد.
(4) الرأل: فرخ النعام.
407
السّوء.
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ: استبدلوا بالقرآن.
ثَمَناً قَلِيلًا: عرضا يسيرا. و هو اتّباع الأهواء و الشّهوات.
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ: عن دينه الموصل إليه، أو سبيل بيته بحصر الحجّاج و العمّار.
و «الفاء» للدّلالة على أنّ اشتراءهم أدّاهم إلى الصّدّ.
إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9): عملهم هذا. أو ما دلّ عليه قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً: فهو تفسير لا تكرير.
و قيل (1): الأوّل عامّ في الناقضين (2) و هذا خاصّ بالّذين اشتروا، و هم اليهود أو الأعراب الّذين جمعهم أبو سفيان و أطعمهم.
وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)»: في الشّرارة.
فَإِنْ تابُوا، أي: من الكفر.
وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ: فهم إخوانكم.
فِي الدِّينِ: لهم ما لكم، و عليهم ما عليكم.
وَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11): اعتراض للحثّ على تأمّل ما فصّل من أحكام المعاهدين، أو خصال التّائبين.
وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ: و إن نكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان أو الوفاء بالعهود.
وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ: بصريح التّكذيب، و تقبيح الأحكام.
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أي: فقاتلوهم. فوضع «أئمّة الكفر» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّهم صاروا بذلك ذوي الرّئاسة و التقدّم في الكفر أحقّاء بالقتل.
و قيل (3): المراد بالأئمّة، رؤساء المشركين. فالتّخصيص إمّا لأنّ قتلهم أهمّ و هم أحقّ به، أو للمنع من مراقبتهم.
و قرأ عاصم و ابن عامر و حمزة و الكسائيّ و روح، عن يعقوب: «أئمّة» بتحقيق
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 407.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: المنافقين.
(3) أنوار التنزيل 1/ 407.
408
الهمزتين على الأصل، و التّصريح بالياء لحن.
و قرأ هشام، بإدخال الألف بين الهمزتين.
و روي- أيضا- عنه بخلاف ذلك.
إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ: على الحقيقة، و إلّا لما طعنوا و لم ينكثوا.
قيل (1): و فيه دليل على أنّ الذّمّيّ إذا طعن في الإسلام، فقد نكث عهده.
و قرأ ابن عامر: «لا إيمان» بكسر الهمزة، بمعنى: لا أمان، أو لا إسلام.
و رواها في مجمع البيان (2) عن الصّادق- (عليه السلام)-.
يعني: لا عبرة بما أظهروه من الإيمان.
لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12): متعلّق بقاتلوا، أي: ليكن غرضكم في المقاتلة أن ينتهوا عمّا هم عليه لا إيصال الأذيّة بهم، كما هو طريقة المؤذين. و هذا من غاية كرمه- سبحانه- و فضله.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): نزلت هذه الآية في أصحاب الجمل. و
قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوم الجمل: [و اللّه] (4) ما قاتلت هذه الفئة النّاكثة إلّا بآية من كتاب اللّه. وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ (الآية).
و في قرب الإسناد (5) للحميريّ: حدّثني محمّد بن عبد الحميد و عبد الصّمد بن محمّد جميعا، عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: دخل عليّ أناس من أهل البصرة، فسألوني عن طلحة و الزّبير.
فقلت لهم: كانا من أئمّة الكفر. إنّ عليّا يوم البصرة لمّا صفّ الخيول، قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر فيما بيني و بين اللَّه- عزّ و جلّ- و بينهم.
فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة، هل تجدون عليّ جور في حكم اللّه؟
قالوا: لا.
قال: فحيفا في قسمة؟
قالوا: لا.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المجمع 3/ 10.
(3) تفسير القميّ 1/ 283.
(4) من المصدر.
(5) قرب الإسناد/ 46.
409
قال: فرغبة في دنيا أخذتها لي و لأهل بيتي دونكم، فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي؟
قالوا: لا.
قال: فأقمت فيكم الحدود و عطّلتها عن غيركم؟
قالوا: لا.
قال: فما بال بيعتي تنكث و بيعة غيري لا تنكث؟ إنّي ضربت الأمر (1) أنفه و عينه، فلم أجد إلّا الكفر (2).
ثمّ ثنى إلى أصحابه (3) فقال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول في كتابه: «و إن نكثوا أيمانهم» (الآية).
ثمّ قال: و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة و اصطفى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّبوّة، إنّهم لأصحاب هذه الآية، و ما قوتلوا منذ نزلت.
و في أمالي (4) شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي عثمان البجليّ، مؤذّن بني أقصى. قال بكير: أذن لها أربعين سنة. قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول [يوم الجمل] (5): وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ (الآية). ثمّ حلف حين قرأها، إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتّى اليوم.
قال بكير: فسألت عنها أبا جعفر.
فقال: صدق الشّيخ. هكذا قال عليّ- (عليه السلام)- هكذا كان.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن أبي الطّفيل قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- يوم الجمل و هو يحرّض (7) النّاس على قتالهم، و يقول: و اللّه، ما رمى أهل هذه الآية بكنانة قبل اليوم فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ.
فقلت لأبي الطفيل: ما الكنانة؟
قال: السّهم يكون موضع الحديد فيه عظم، تسميّه بعض العرب: الكنانة.
عن الحسن البصريّ (8) قال: خطبنا عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- على هذا
____________
(1) المصدر: الأمر أو السيف.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الكفر و السيف.
(3) المصدر: صاحبه.
(4) الأمالي 1/ 131.
(5) من المصدر.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 78.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يحضّض.
(8) نفس المصدر و الموضع.
410
المنبر، و ذلك بعد ما فرغ من أمر طلحة و الزّبير و عائشة، صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
ثمّ قال: يا أيّها النّاس، و اللّه، ما قاتلت هؤلاء [بالأمس] (1) إلّا بآية نزلت (2) في كتاب اللّه. إنّ اللّه يقول: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. أما و اللّه، لقد عهد إليّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: يا عليّ، لتقاتلنّ الفئة الباغية و الفئة النّاكثة و الفئة المارقة.
عن عمّار (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من طعن في دينكم هذا، فقد كفر. قال اللّه: «وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ- إلى قوله-: يَنْتَهُونَ».
عن الشّعبيّ (4) قال: قرأ عبد اللّه: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ (إلى آخر الآية) ثم قال: ما قوتل أهلها بعد. فلمّا كان يوم الجمل، قرأها عليّ- (عليه السلام)-. ثمّ قال: ما قوتل أهلها منذ يوم نزلت حتّى كان اليوم.
عن أبي عثمان (5) مولى بني أقصى قال: سمعت عليّا- (صلوات اللّه عليه)- يقول: عذرني اللّه من طلحة و الزّبير، بايعاني طائعين غير مكرهين ثمّ نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته. و اللّه، ما قوتل أهل هذه الآية منذ نزلت حتّى قاتلتهم وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ (الآية).
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً: تحريض على القتال. لأنّ الهمزة دخلت على النّفي للإنكار، فأفادت المبالغة في الفعل.
نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ: الّتي حلفوها مع الرّسول و المؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة.
وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ: حين تشاوروا في أمره بدار النّدوة. على ما مرّ ذكره في قوله: «و إذ يمكر بك الّذين كفروا».
و قيل (6): هم اليهود، نكثوا عهد الرّسول و همّوا بإخراجه من المدينة.
وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: بالمعاداة و المقاتلة. لأنّه- (عليه السلام)- بدأهم بالدّعوة
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: تركتها.
3 و 4- نفس المصدر 2/ 79.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) أنوار التنزيل 1/ 408.
411
و إلزام الحجّة بالكتاب و التّحدّي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة و المقاتلة فما يمنعكم إن تعارضوهم و تصادموهم.
أَ تَخْشَوْنَهُمْ: أ تتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم.
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ: فقاتلوا أعداءه، و لا تتركوا أمره.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13): فإنّ قضيّة الإيمان أن لا يخشى إلّا منه.
قاتِلُوهُمْ: أمر بالقتال بعد بيان موجبه، و التّوبيخ على تركه، و التّوعّد عليه.
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ: وعد لهم إن قاتلوهم بالنّصر عليهم، و التّمكّن من قتلهم و إذلالهم.
وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14).
قيل (1): يعني: بني خزاعة.
و قيل: بطونا من اليمن و سبأ قدموا مكّة، فأسلموا. فلقوا من أهلها أذى شديدا، فشكوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقال: أبشروا، فإنّ الفرج قريب.
وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ: لما لقوا منهم، و قد أوفى اللّه بما وعدهم. و الآية من المعجزات.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: دخلت أنا و المعلّى على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.
فقال: أبشروا. أنتم على إحدى الحسنيين، شفى اللّه صدوركم و أذهب غيظ قلوبكم و أدالكم (3) على عدوّكم. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ.
فإن مضيتم قبل (4) أن تروا (5) ذلك، مضيتم على دين اللّه الّذي رضيه لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لعليّ- (عليه السلام)-.
عن أبي الأغرّ اليمنيّ (6) قال: كنت واقفا يوم صفّين إذ نظرت إلى العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب و هو شاك في السّلاح، على رأسه مغفر و بيده صفيحة (7)
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 79.
(3) المصدر: أنالكم.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.
(5) المصدر: يروا.
(6) نفس المصدر 2/ 79- 81.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: صحيفة.
و الصفيحة: السيف العريض.
412
يمانيّة، و هو على فرس أدهم (1) [و كأنّ عينيه عينا أفعى. فبينا هو يروض فرسه و يلين عن عريكته] (2) إذ هتف به هاتف من أهل الشّام، يقال له: عرار بن أدهم: يا عبّاس، هلمّ إلى البراز. [قال: فالنزول إذا] (3).
قال: ثمّ تكافحا بسيفيهما مليّا من نهارهم لا يصل واحد منهما إلى صاحبه، لكمال لأمته. إلى أن لحظ (4) العبّاس و هياً (5) في درع الشّاميّ، فأهوى إليه [بيده، فهتكه إلى ثندوته. ثمّ عاود لمجاولته و قد أصحر له، ففتق الدرع. فضربه العبّاس] (6) بالسّيف، فانتظم به جوانح صدره (7) و خرّ الشّاميّ صريعا. و كبّر النّاس تكبيرة ارتجّت [لها الأرض] (8) فسمعت قائلا يقول: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (الآية) فالتفتّ، فإذا هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ: ابتداء إخبار، بأنّ بعضهم يتوب عن كفره.
و قد كان ذلك- أيضا-.
و قرئ: «و يتوب» بالنّصب على إضمار «أن»، على أنّه من جملة ما أجيب به الأمر. فإنّ القتال، كما تسبّب لتعذيب قوم، تسبّب لتوبة آخرين.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ: بما كان و بما سيكون.
حَكِيمٌ (15): لا يفعل و لا يحكم إلّا على وفق الحكمة.
أَمْ حَسِبْتُمْ قيل (9): خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال.
و قيل: للمنافقين. و «أم» منقطعة. و معنى الهمزة فيها: التّوبيخ على الحسبان.
أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ: و لم يتبيّن الخلّص منكم، و هم الّذين جاهدوا من غيرهم. نفى العلم و أراد نفي المعلوم، للمبالغة. فإنّه، كالبرهان عليه، من حيث أن تعلّق العلم به مستلزم لوقوعه.
وَ لَمْ يَتَّخِذُوا: عطف «على جاهدوا» داخل في الصّلة.
مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً: بطانة يوالونهم، و يفشون
____________
(1) الأدهم: الأسود.
2 و 3 و 6 و 8- من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: خطّ.
(5) الوهي: الشقّ في الشيء.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الشاميّ.
(9) أنوار التنزيل 1/ 408.
413
إليهم أسرارهم. و ما في «لمّا» من معنى التّوقّع منبّه على أنّ تبيّن ذلك متوقّع.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن أبان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: يا معشر الأحداث، اتّقوا اللّه و لا تأتوا الرّؤساء، دعوهم حتّى يصيروا (2) أذنابا. لا تتّخذوا الرّجال ولائج دون اللّه. أنا و اللّه خير لكم منهم. ثمّ ضرب بيده إلى صدره.
عن أبي الصّباح الكنانيّ (3) قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ايّاكم و الولائج.
فإنّ كلّ وليجة دوننا، فهي طاغوت. أو قال: ندّ.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ:
عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين و الأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: فأنشدكم اللّه- عزّ و جلّ-، أ تعلمون حيث نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (5). و حيث نزلت إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (6). و حيث نزلت وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً. قال النّاس: يا رسول اللّه، أ هذه خاصّة لبعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يعلمهم ولاة أمرهم، و أن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم و زكاتهم و صومهم و حجّهم. فنصّبني للنّاس بغدير خمّ.
إلى قوله: فقام أبو بكر و عمر، فقالا: يا رسول اللّه، هذه الآيات خاصّة (7).
قال: بلى، فيّ (8) و في أوصيائي إلى يوم القيامة.
قالا: يا رسول اللّه، بيّنهم لنا.
قال: عليّ أخي و وزيري و وارثي و وصيّي و خليفتي في أمّتي، و وليّ كلّ مؤمن من بعدي. ثمّ ابني الحسن. ثمّ ابني الحسين. ثمّ تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد. القرآن معهم، و هم مع القرآن، لا يفارقونه و لا يفارقهم، حتّى يردوا عليّ حوضي.
____________
1 و 3- تفسير العيّاشي 2/ 83.
(2) المصدر: يسيروا.
(4) كمال الدّين/ 276- 277.
(5) النساء/ 59.
(6) المائدة/ 59.
(7) المصدر: خاصّة لعليّ.
(8) المصدر: فيه.
414
[فقالوا كلّهم] (1): اللّهم، نعم، قد سمعنا ذلك و شهدنا، كما قلت سواء.
و الحديث بتمامه مذكور في النّساء و المائدة عند الآيتين.
و في أصول الكافيّ (2): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن مثنى، عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً، يعني: أمير المؤمنين و (3) الأئمّة- (عليهم السلام)-. لم يتّخذوا الولائج من دونهم.
عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، مرسلا قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: لا تتّخذوا من دون اللّه وليجة، فلا تكونوا مؤمنين. فإنّ كلّ سبب و نسب و قرابة و وليجة و بدعة و شبهة منقطع، إلّا ما أثبته القرآن.
عليّ بن محمّد (5) و محمّد بن أبي عبد اللّه، عن إسحاق بن محمّد النّخعيّ قال:
حدّثني سفيان بن محمّد الضيعيّ قال: كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن الوليجة، و هو قول اللّه: وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً. [قلت في نفسي- لا في الكتاب-: من ترى المؤمنين ها هنا؟
فرجع الجواب: الوليجة الّذي يقام دون وليّ الأمر. و حدّثتك نفسك عن المؤمنين: من هم في هذا الموضع؟ فهم الأئمّة الّذين يؤمنون على اللّه، فيجيز أمانهم.] (6)
في تفسير عليّ بن إبراهيم: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً: (7) يعني بالمؤمنين: آل محمّد.
و «بالوليجة» البطانة.
وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (16): يعلم غرضكم منه. و هو، كالمزيح لما يتوهّم من ظاهر قوله: «و لمّا يعلم اللّه».
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ: ما صحّ لهم.
____________
(1) من المصدر. و في النسخ: قالوا.
(2) الكافي 1/ 415.
(3) المصدر: يعني بالمؤمنين ...
(4) الكافي 1/ 59.
(5) الكافي 1/ 508.
(6) من المصدر.
(7) هكذا في تفسير نور الثقلين 2/ 192، ح 75.
415
أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ: شيئا من مساجده، فضلا عن المسجد الحرام.
و قيل (1): هو المراد. و إنّما جمع، لأنّه قبلة المساجد و إمامها. فعامره، كعامر الجميع. و يدلّ عليه قراءة ابن كثير و أبي عمرو و يعقوب، بالتّوحيد.
شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ: بإظهار الشّرك و تكذيب الرّسول. و هو حال من الواو. و المعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين، عمارة بيت اللّه و عبادة غيره.
و في الجوامع (2): روي أنّ المسلمين عيّروا أسارى بدر، و وبّخ عليّ العبّاس بقتال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قطيعة الرّحم.
فقال العبّاس: تذكرون مساوئنا و تكتمون محاسننا.
فقالوا: او لكم محاسن؟
قال (3): نعم. إنّما نعمر المسجد الحرام، و نحجب الكعبة، و نسقي الحجيج، و نفك العاني (4). فنزلت.
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: الّتي يفتخرون بها بما قارنها من الشّرك.
وَ فِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (17): لأجله.
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ
و في الحديث النّبويّ (5): يأتي في آخر الزّمان أناس من أمّتي يأتون المساجد، يقعدون (6) فيها حلقا، ذكرهم الدّنيا و حبّ الدّنيا. لا تجالسوهم، فليس للّه بهم حاجة.
أي: إنّما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميّة و العمليّة. و من عمارتها تزيينها بالفرش، و تنويرها بالسّراج، و إدامة العبادة فيها، و الذكر و درس العلم فيها، و صيانتها ممّا لم تبن له، كحديث الدّنيا.
عن النّبيّ (7)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللّه- تعالى-: إنّ بيوتي في أرضي
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 408.
(2) جوامع الجامع/ 175.
(3) المصدر: قالوا.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المعالي.
(5) تفسير الصّافي 2/ 327.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يعدون.
(7) أنوار التنزيل 1/ 409.
416
المساجد، و إنّ زوّاري فيها عمّارها. فطوبى لعبد تطهّر في بيته، ثمّ زارني في بيتي. فحقّ على المزور أن يكرم زائره.
و إنّما لم يذكر الإيمان بالرّسول، لما علم أنّ الإيمان باللَّه قرينه و تمامه الإيمان به، و لدلالة قوله: وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ عليه.
وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، أي: في أبواب الدّين. فإنّ الخشية عن المحاذير جبليه، لا يكاد العاقل يتمالك عنها.
فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18).
ذكره بصيغة التّوقّع، قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء و الانتفاع بأعمالهم، و توبيخا لهم بالقطع بأنّهم مهتدون. فإنّ هؤلاء مع كمالهم، إذا كان اهتداؤهم دائرا بين «عسى» و «لعلّ»، فما ظنّك بأضدادهم؟! و منعا للمؤمنين أن يغترّوا بأحوالهم و يتّكلوا عليها.
أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ «السّقاية» و «العمارة» مصدرا، سقى و عمر، فلا يشبّهان بالجثث. بل لا بدّ من إضمار، تقديره: أ جعلتم أهل سقاية الحاجّ، كمن آمن. أو أ جعلتم سقاية الحاج، كإيمان من آمن. و يؤيد الأوّل قراءة من قرأ: «سقاة الحاجّ و عمرة المسجد الحرام» و المعنى:
إنكار أن يشبّه المشركون و أعمالهم المحبطة بالمؤمنين و أعمالهم المثبتة.
ثمّ قرر ذلك بقوله: لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ. و بيّن عدم تساويهم بقوله: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)، أي: الكفرة ظلمة بالشّرك و معاداة الرّسول، منهمكون في الضّلالة، فكيف يساوون الّذين هداهم اللَّه و وفّقهم للحقّ و الصّواب.
و قيل (1): المراد بالظّالمين: الّذين يسوّون بينهم و بين المؤمنين.
و في أصول الكافيّ (2): حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت في عليّ و العبّاس و شيبة.
قال العبّاس: أنا أفضل، لأنّ سقاية الحاجّ بيدي.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) بل تفسير القميّ 1/ 283- 284. كما نقل عنه في تفسير نور الثقلين أيضا.
417
و قال شيبة: أنا أفضل، لأنّ حجابة البيت بيدي.
و قال عليّ: أنا أفضل، فإنّي آمنت قبلكما ثمّ هاجرت و جاهدت.
فرضوا برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأنزل اللَّه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ (الآية).
و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في كتاب الخصال (1): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّته له: يا عليّ، إنّ عبد المطّلب سنّ في الجاهليّة خمس سنن أجراها اللَّه في الإسلام.
إلى قوله: و لمّا حفر زمزم، سمّاه (2) سقاية الحاجّ. فأنزل اللَّه- تعالى- أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ (الآية).
و في روضة الكافي (3): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ:
نزلت في حمزة و عليّ و جعفر و العبّاس و شيبة، أنّهم فخروا بالسّقاية و الحجابة فأنزل اللَّه- عزّ ذكره- أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ (الآية).
و في كتاب الاحتجاج (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطّاب: نشدتكم باللّه، هل فيكم أحد أنزل اللَّه- تعالى- فيه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ غيري؟
قالوا: لا.
و في مجمع البيان (5): عن محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- أنّه قرأ: سقاة (6) الحاجّ و عمرة المسجد الحرام كمن آمن باللّه و اليوم الآخر و جاهد في سبيل اللَّه.
____________
(1) الخصال/ 312- 313.
(2) المصدر: سمّاها.
(3) الكافي 8/ 203- 204.
(4) الاحتجاج 1/ 202.
(5) المجمع 3/ 14. بعض التصرّف.
(6) المصدر: أ جعلتم سقاية.
418
و فيه (1): أنّه قيل: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال للعبّاس: يا عمّ، ألا تهاجر ألا تلحق برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال: أ لست في أعظم (2) من الهجرة، أعمر المسجد الحرام و أسقي حاجّ بيت اللَّه؟
فنزل أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.
و روى الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ (3)، بإسناده: عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بينا شيبة و العبّاس يتفاخران، إذ مرّ بهما عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال: بماذا تتفاخران؟
فقال العبّاس: لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد، سقاية الحاجّ.
و قال شيبة: أوتيت عمارة المسجد الحرام.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: استحييت لكما، فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا.
فقالا: و ما أوتيت، يا عليّ؟
فقال: ضربت خراطيمكما (4) بالسّيف حتّى آمنتما باللّه [و رسوله] (5).
فقام العبّاس مغضبا يجرّ ذيله (6) حتّى دخل على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أما ترى إلى ما استقبلني به عليّ- (عليه السلام)-.
فقال: ادعوا لي عليّا.
فدعي له، فقال: ما دعاك إلى (7) ما استقبلت به عمّك؟
فقال: يا رسول اللَّه، صدمته بالحقّ. فمن شاء، فليغضب. و من شاء فليرض.
فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- و قال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرأ [عليك] (8) السّلام، و يقول: اتل عليهم: أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ (الآية).
فقال العبّاس: إنّا قد رضينا- ثلاث مرّات-.
و في تفسير العيّاشيّ (9): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قيل
____________
(1) المجمع 3/ 14- 15.
(2) المصدر: أفضل.
(3) المجمع 3/ 15.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ضربة بكما.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الذيل.
(7) المصدر: ما حملك على ..
(8) من المصدر.
(9) تفسير العيّاشيّ 2/ 83.
419
لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا أمير المؤمنين، أخبرنا بأفضل مناقبك.
قال: نعم. كنت أنا و عبّاس و عثمان بن أبي شيبة في المسجد الحرام. قال عثمان بن أبي شيبة: أعطاني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الخزانة. [يعني] (1) مفاتيح الكعبة.
و قال العبّاس: أعطاني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- السّقاية، و هي زمزم. و لم يعطك شيئا، يا علي. فأنزل اللَّه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ: أعلى رتبة و أكثر كرامة ممّن لم تستجمع فيه هذه الصّفات. أو من أهل السّقاية و العمارة عندكم.
وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (20): بالثّواب، و نيل الحسنى عند اللَّه دونكم.
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها: في الجنّات.
نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21): دائم.
و قرأ حمزة: «يبشرهم» بالتّخفيف. و تنكير المبشّر به إشعار بأنّه وراء التّعيين و التّعريف.
خالِدِينَ فِيها أَبَداً: أكّد الخلود بالتّأبيد، لأنّه قد يستعمل للمكث الطّويل.
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22): يستحفر دونه ما استوجبوه لأجله. أو نعيم الدّنيا.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ قيل (2): نزلت في المهاجرين. فإنّهم لمّا أمروا بالهجرة، قالوا: إن هاجرنا، قطعنا آباءنا و أبناءنا و عشائرنا و ذهبت تجاراتنا و بقينا ضائعين.
و قيل: نزلت نهيا عن موالاة التّسعة الّذين ارتدّوا و لحقوا بمكّة. و المعنى: لا تتّخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإيمان و يصدّونكم عن الطّاعة. لقوله: إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ: إن اختاروه و حرصوا عليه.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 1/ 409.
(3) تفسير العيّاشيّ 2/ 84، ببعض التصرّف.
420
هذه الآية.
قال: الكفر في الباطن في هذه الآية ولاية الأوّل و الثّاني، و الإيمان ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في مجمع البيان (1): روي عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا أراد فتح مكّة.
وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23): بوضعهم الموالاة في غير موضعها.
و في اعتقادات الإماميّة للصّدوق (2): و لمّا نزلت هذه الآية: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (3)، قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنّما جحد نبوّتي و نبوّة الأنبياء- (عليهم السلام)- قبلي. و من تولّى ظالما، فهو ظالم. قال اللَّه- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله-: هُمُ الظَّالِمُونَ.
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ:
أقرباؤكم. مأخوذ من العشرة.
و قيل (4): من العشرة. فإنّ العشرة جماعة ترجع إلى عقد، كعقد العشرة.
و قرأ أبو بكر: «و عشيراتكم».
و قرئ: «و عشائركم».
وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها: اكتسبتموها.
وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها: فوات وقت نفاقها.
وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ: الحبّ الاختياريّ دون الطّبيعيّ، فإنّه لا يدخل تحت التّكليف في التّحفّظ عنه.
فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ: جواب و وعيد. و الأمر عقوبة عاجلة، أو آجلة.
و قيل: فتح مكّة.
____________
(1) المجمع 3/ 16.
(2) الاعتقادات/ 102.
(3) الأنفال/ 25.
(4) أنوار التنزيل 1/ 410.
421
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24): لا يرشدهم. و في الآية تشديد عظيم، و قلّ من يتخلّص منه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): لمّا أذّن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بمكّة، أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام، جزعت قريش جزعا شديدا و قالوا: ذهبت تجارتنا، و ضاع عيالنا، و خربت دورنا (2). فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في ذلك: قل يا محمّد: «إن كان آباؤكم» (الآية).
و في الحديث (3): لا يجد أحدكم طعم الإيمان، حتّى يحبّ في اللَّه و يبغض في اللَّه.
و في نهج البلاغة (4): و لقد كنّا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نقتل (5) آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا. ما يزيدنا ذلك إلّا إيمانا و تسليما، و مضيّا على اللّقم (6)، و صبرا (7) على مضض الألم، و جدّا على جهاد العدوّ.
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، يعني: مواطن الحرب، و هي مواقعها.
و في تفسير العيّاشيّ (8): يوسف بن سخت قال: اشتكى المتوكّل شكاة شديدة.
فنذر للّه، إن شفاه اللَّه يتصدّق بمال كثير. فعوفي من علّته. فسأل أصحابه عن ذلك، فأعلموه أنّ أباه تصدّق بثمانية ألف ألف درهم، و أن أراه تصدّق (9) بخمسة ألف ألف درهم. فاستكثر ذلك.
فقال يحيى بن أبي منصور المنجّم: لو كتبت إلى ابن عمّك- يعني: أبا الحسن (عليه السلام)- فيسأل.
فأمر أن يكتب له.
فكتب أبو الحسن: تصدّق بثمانين درهم.
فقالوا: هذا غلط، سلوه من أين قال هذا؟
فكتب: قال اللَّه لرّسوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. و المواطن الّتي
____________
(1) تفسير القميّ 1/ 284.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دورا.
(3) تفسير الصّافي 2/ 329.
(4) نهج البلاغة/ 91- 92.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فقتل.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الهم.
و لقم الطريق: الجادّة الواضحة.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سيروا.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 84.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تتصدّق.
422
نصر اللَّه رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيها ثمانون موطنا. فثمانون (1) درهما من حلّه مال كثير.
و في كتاب معاني الأخبار (2): حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السّعدآبادي، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال في رجل نذر أن يتصدّق بمال كثير.
فقال: الكثير ثمانون فما زاد، لقول اللَّه- تبارك و تعالى-: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. و كانت ثمانين موطنا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): حدّثني محمّد بن أبي عمير (4) قال: كان المتوكّل قد اعتلّ علّة شديدة. فنذر إن عافاه اللَّه أن يتصدّق بدنانير كثيرة. أو قال: بدراهم كثيرة.
فعوفي، فجمع العلماء، فسألهم عن ذلك. فاختلفوا (5) عليه. قال أحدهم: عشرة آلاف.
و قال بعضهم: مائة ألف.
فلمّا اختلفوا، قال له عيّادة: ابعث إلى ابن عمّك، [عليّ بن] (6) محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام)- فاسأله.
فبعث إليه، فسأله.
فقال: الكثير ثمانون.
فقال (7) له: ردّ إليه الرّسول، فقل: من أين قلت هذا (8)؟
فقال: من قول اللَّه- تبارك و تعالى-: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ.
و كانت المواطن ثمانين موطنا.
و في الكافي (9): عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه] (10) عن بعض أصحابه ذكره قال: لمّا (11)
____________
(1) المصدر: فثمانين.
(2) المعاني/ 218.
(3) تفسير القميّ 1/ 284- 285.
(4) المصدر: محمد بن عمير.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فاختلفوا.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: فقالوا.
(8) المصدر: ذلك.
(9) الكافي 7/ 463- 464.
(10) من المصدر.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لم.
423
سمّ المتوكّل، نذر إن عوفي بأن يتصدّق بمال كثير. فلمّا عوفي، سأل الفقهاء عن حدّ المال الكثير. فاختلفوا عليه. فقال بعضهم: مائة ألف. و قال بعضهم: عشرة آلاف. فقالوا فيه أقاويل مختلفة. فاشتبه عليه الأمر.
فقال رجل من ندمائه يقال له: صنعان (1): ألا تبعث إلى هذا الأسود فتسأل منه؟
فقال له المتوكّل: من تعني، ويحك؟
فقال له ابن الرّضا- (عليه السلام)-.
فقال له: و هو يحسن من هذا شيئا؟
فقال له: إن أخرجك من هذا، فلي عليك كذا و كذا. و إلّا فاضربني مائة مقرعة (2).
فقال المتوكّل: قد رضيت. يا جعفر بن محمود، صر إليه و أسأل (3) عن حدّ المال الكثير.
فصار جعفر بن محمود إلى أبي الحسن، عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)- فسأله عن حدّ المال الكثير.
فقال له: الكثير ثمانون.
فقال له جعفر: يا سيّدي، إنّه يسألني عن العلّة فيه.
فقال له أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. فعدّدنا المواطن، فكانت ثمانين.
وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: و موطن يوم حنين.
و يجوز أن يقدر: في أيّام مواطن. أو يفسر الموطن بالوقت، كمقتل الحسين- (عليه السلام)-.
و لا يمنع إبدال قوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ منه أن يعطف على موضع في «مواطن». فإنّه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف، حتّى يقتضي كثرتهم و إعجابها إيّاهم في جميع المواطن.
و «حنين» واد بين مكّة و الطّائف، حارب فيه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-
____________
(1) المصدر: صفعان.
(2) المقرعة: السوط.
(3) المصدر: سله.
424
و المسلمون.
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ، أي: الكثرة.
شَيْئاً: من الإغناء، أو أمر العدوّ.
وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ: برحبها، أي: سعتها. لا تجدون فيها مفرّا تطمئنّ إليه نفوسكم من شدّة الرّعب، أو لا تثبتون فيها، كمن لا يسعه مكانه.
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ: الكفّار ظهوركم.
مُدْبِرِينَ (25) منهزمين.
و «الإدبار» الذّهاب إلى خلف، خلاف الإقبال.
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ: رحمته الّتي سكنوا بها و أمنوا.
عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: الّذين انهزموا. و إعادة الجارّ، للتّنبيه على اختلاف حاليهما.
و قيل (1): هم الّذين ثبتوا مع الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يفرّوا.
وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها: بأعينكم من الملائكة. و كانوا خمسة آلاف، أو ثمانية، أو سبعة عشر على اختلاف الأقوال.
وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا: بالقتل و الأسر و السّبي.
وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26)، أي: ما فعل بهم إلّا جزاء كفرهم في الدّنيا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): كان سبب غزوة حنين، أنّه لمّا خرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فتح مكّة، أظهر أنّه يريد هوازن. فبلغ الخبر (3) هوازن، فتهيّأوا و جمعوا الجموع و السّلاح، و اجتمعوا. [و اجتمع] (4) رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النّضريّ، فرأسّوه عليهم. و خرجوا و ساقوا معهم أموالهم و نساءهم و ذراريّهم، و مرّوا حتّى نزلوا بأوطاس (5). و كان دريد بن الصّمّة الجشميّ (6) في القوم (7)، و كان رئيس جشم (8)، و كان
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 411.
(2) تفسير القميّ 1/ 285- 288.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: إلى.
(4) لا يوجد في المصدر.
(5) أوطاس: واد في ديار هوازن كانت فيه وقعة حنين. و فيها قال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- الآن حمي الوطيس. و ذلك حين استعرت الحرب. و هي من الكلم الّتي لم يسبق النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إليها.
(6) كذا في المصدر. و في ح: الجثمي. و في أ، ب، ر: الخيثمي.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: القوّة.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: جثم.
425
شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر.
فلمس الأرض بيده، فقال: في أيّ واد أنتم؟
قالوا: بوادي أوطاس.
قال: نعم مجال خيل، لا حزن (1) ضرس و لا سهل دهس (2). و قال: ما لي أسمع رغاء البعير و نهيق الحمير (3) و خوار البقر و ثغاء (4) الشّاة و بكاء الصّبيّ؟
فقالوا له: إنّ مالك بن عوف ساق مع النّاس أموالهم و نساءهم و ذراريّهم، ليقاتل كلّ امرئ عن نفسه و ماله و أهله.
فقال دريد: راعي ضأن، و ربّ الكعبة. ما له و للحرب.
ثمّ قال: ادعوا (5) لي مالكا.
فلمّا جاء، قال: يا مالك، ما فعلت!؟
قال: سقت مع النّاس أموالهم و نساءهم و أبناءهم، ليجعل كلّ رجل أهله و ماله وراء ظهره فيكون أشدّ لحربه.
فقال: يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك و إنّك تقاتل رجلا كريما. و هذا اليوم لما بعده، و لم تضع في تقدّمة (6) بيضة هوازن (7) إلى نحور الخيل شيئا. ويحك، و هل يلوي المنهزم على شيء؟ اردد بيضة هوازن إلى علياء بلادهم و ممتنع محالّهم، و أبق (8) الرّجال على متون الخيل. فإنّه لا ينفعك إلّا رجل بسيفه و درعه و فرسه. فإن (9) كانت لك، لحق (10) من ورائك. و إن كانت عليك، لا تكون (11) قد فضحت في أهلك و عيالك.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: إلا حزف.
و الحزن: المرتفع من الأرض. و الضرس:
الّذي فيه حجارة محدّدة.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الدهش.
و الدهس: اللّبن الكثير التراب.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الحمار.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ثناء.
(5) المصدر: ادعوهم.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: مقدمه.
(7) أي جماعتهم.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: والوا.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: إذا.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الحق.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تكن.
426
فقال له مالك: إنّك قد كبرت و ذهب (1) علمك [و عقلك] (2).
فلم يقبل من دريد.
فقال دريد: ما فعلت كعب و كلاب؟
قالوا: لم يحضر منهم أحد.
قال: غاب الجدّ و الحزم. لو كان يوم علاء و سعادة، ما كانت تغيب كعب و لا كلاب.
[قال:] (3) فمن حضرها من هوازن؟
قالوا: عمرو بن عامر و عوف بن عامر.
قال: ذانك (4) الجذعان (5)، لا ينفعان و لا يضرّان.
ثمّ تنفّس دريد، و قال: حرب عوان (6). ليتني فيها جذع أخبّ فيها و أضع أقود و طفاء الزّمع كأنّها شاة صدع.
و بلغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- اجتماع هوازن بأوطاس. فجمع القبائل و رغّبهم في الجهاد و وعدهم النّصر، و أنّ اللَّه قد وعده أن يغنمه أموالهم و نساءهم و ذراريّهم. فرغب النّاس، و خرجوا على راياتهم. و عقد اللّواء الأكبر و دفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و كلّ من دخل مكّة براية، أمره أن يحملها. و خرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممّن كانوا معه.
و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و كان معه من بني سليم ألف رجل، رئيسهم عبّاس بن مرداس السّلميّ. و من مزينة ألف رجل.
رجع الحديث إلى عليّ بن إبراهيم، قال: فمضوا حتّى كان من القوم على مسيرة بعض ليلة.
قال: و قال مالك بن عوف لقومه: ليصيّر كلّ رجل منكم أهله و ماله خلف ظهره، و اكسروا جفون سيوفكم، و اكمنوا في شعاب هذا الوادي و في الشّجر. فإذا كان في
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: كبر.
2 و 3- من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ذينك.
(5) الجذع من البهائم: الشابّ الحدث. يريد أنّهما ضعيفان في الحرب بمنزلة الجذع في سنّه.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: هوان.
و الحرب العوان: أشدّ الحروب.
427
غلس الصّبح، فاحملوا حملة رجل واحد و هدّوا (1) القوم. فإنّ محمّدا لم يلق أحدا يحسن الحرب.
قال: فلمّا صلّى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الغداة، انحدر في وادي حنين، و هو واد له انحدار بعيد. و كانت بنو سليم على مقدّمته، فخرج عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية، فانهزمت بنو سليم و انهزم من ورائهم، و لم يبق أحد إلّا انهزم. و بقي أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقاتلهم في نفر قليل. و مرّ المنهزمون برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يلوون على شيء. و كان العبّاس أخذ بلجام بغلة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن يمينه و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عن يساره.
فأقبل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ينادي: يا معشر الأنصار، إلى أين المفرّ؟
إليّ (2) أنا رسول اللَّه. فلم يلو أحد عليه.
و كانت نسيبة بنت كعب المازنيّة تحثو في وجوه المنهزمين التّراب، و تقول: إلى أين تفرّون عن اللَّه و عن رسوله؟ و مرّ بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الّذي صنعت؟
فقال لها: هذا أمر اللَّه.
فلمّا رأى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الهزيمة، ركض يحوم على بغلته و قد شهر سيفه. فقال: يا عبّاس، اصعد هذا الظّرب (3) و ناد: يا أصحاب البقرة، و يا أصحاب الشّجرة، إلى أين تفرّون؟ هذا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
ثمّ رفع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يده فقال: اللّهمّ، لك الحمد و إليك المشتكى و أنت المستعان.
فنزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا رسول اللَّه، دعوت بما دعا به موسى حين (4) فلق اللَّه له البحر و نجّاه من فرعون.
ثمّ قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفّا من حصى.
فناوله، فرماه في وجوه المشركين. ثمّ قال: شاهت الوجوه. ثمّ رفع رأسه إلى
____________
(1) هدّ الشيء: كسره.
(2) المصدر: ألا.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الطرف.
و الظّرب: التلّ من الرمل.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حيث.
428
السّماء و قال: اللّهم، إن تهلك هذه العصابة، لم تعبد. و إن شئت أن لا تعبد، لا تعبد.
فلمّا سمعت الأنصار نداء العبّاس، عطفوا و كسروا جفون سيوفهم و هم يقولون:
لبّيك. و مرّوا برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و استحيوا أن يرجعوا إليه و لحقوا بالرّاية.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للعبّاس: من هؤلاء، يا أبا الفضل؟
فقال: يا رسول اللَّه، هؤلاء الأنصار.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الآن حمي الوطيس.
و نزل النّصر من السّماء، و انهزمت هوازن، و كانوا يسمعون قعقعة السّلاح في الجوّ، و انهزموا في كلّ وجه. و غنّم اللَّه رسوله أموالهم و نساءهم و ذراريّهم. و هو قول اللَّه:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن عجلان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه:
وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ- إلى قوله-: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
فقال: أبو فلان.
عن الحسن بن عليّ بن فضّال (2) قال: قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- للحسن بن أحمد: أيّ شيء السّكينة عندكم؟ قال: لا أدري، جعلت فداك، أيّ شيء هو؟
فقال: ريح من الجنّة (3)، تخرج طيّبة. لها صورة، كصورة وجه الإنسان، فتكون مع الأنبياء.
و في الكافيّ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره: قال عليّ بن أسباط: و سألته فقلت:
جعلت فداك، ما السّكينة؟
قال: ريح من الجنّة. لها وجه، كوجه الإنسان. ريحها أطيب من المسك. و هي الّتي أنزلها اللَّه على رسوله بحنين، فهزم (5) المشركين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و في رواية أبي الجارود: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا و هو القتل.
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 48.
(2) نفس المصدر 2/ 84.
(3) المصدر: الله.
(4) الكافي 5/ 257.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فهزموا.
(6) تفسير القمي 1/ 288.
429
وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ.
قال: و قال رجل من بني نضر بن معاوية يقال له: شجرة بن ربيعة، للمؤمنين و هو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق، و الرّجال عليهم الثّياب البيض؟ فإنّما كان قتلنا بأيديهم، و ما كنّا نراكم فيهم إلّا، كهيئة الشّامة (1) قالوا: تلك الملائكة.
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ: منهم بالتّوفيق للإسلام.
وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يتجاوز عنهم، و يتفضّل عليهم.
نقل (2): أنّ ناسا منهم جاؤوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أسلموا، و قالوا:
يا رسول اللَّه، أنت خير النّاس و أبرّهم. و قد سبي أهلونا و أولادنا، و أخذت أموالنا.
و قد سبي يومئذ ستّة آلاف نفس، و أخذ من الإبل و الغنم ما لا يحصى.
فقال- (عليه السلام)-: اختاروا إمّا سباياكم، و إمّا أموالكم.
فقالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا.
فقام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين، و إنّا خيّرناهم بين الذّراريّ و الأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا. فمن كان بيده سبي و طابت نفسه أن يردّه، فشأنه. و من لا، فليعطنا و ليكن قرضا علينا متى نصيب شيئا فنعطيه مكانه.
فقالوا: رضينا و سلّمنا.
فقال: إنّي لا أدري، لعلّ فيكم من لا يرضى. فمروا عرفاءكم، فليرفعوا.
إلينا فرفعوا إليهم قد رضوا.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ:
ظاهره، أن أعيانهم نجسة. و يؤيّده قوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ.
و ظاهره، أنّ النّجاسة مطلقة لا تدخل المسجد الحرام.
و كذا قيل في سائر المساجد. و بعضهم خصّ المنع بالنّجاسة المتعدّية.
قيل (3): لخبث باطنهم. أو لأنّه يجب أن يجتنب عنهم، كما يجتنب عن الأنجاس.
____________
(1) الشّامة: الخال.
(2) أنوار التنزيل 1/ 411.
(3) نفس المصدر و الموضع.
430
أو لأنّهم لا يتطهّرون و لا يجتنبون عن النجاسات، فهم لابسون لها غالبا.
و قرئ: «نجس» بالسّكون و كسر النّون. و هو ككبد في كبد. و أكثر ما جاء تابعا لرجس.
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ: لنجاستهم. و إنّما نهي عن الاقتراب، للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم.
و قيل (1): المراد به النّهي عن الحجّ و العمرة، لا عن الدّخول مطلقا.
بَعْدَ عامِهِمْ هذا: بعد سنة براءة، و هي التّاسعة.
و قيل (2): سنة حجّة الوداع.
وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً: فقرا. بسبب منعهم من الحرم، و انقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب و الأرزاق.
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: من عطائه، أو تفضّله بوجه آخر. و قد أنجز وعده بأن أرسل السّماء عليهم مدرارا، و وفّق أهل تبالة و جرش فأسلموا و امتاروهم. ثمّ فتح عليهم البلاد و الغنائم، و توجّه إليهم النّاس من أقطار الأرض.
و قرى: «عائلة». على أنّها مصدر، كالعافية. أو حال.
إِنْ شاءَ: قيّده بالمشيئة، لتنقطع الآمال إلى اللَّه، و لينبّه على أنّه متفضّل في ذلك. و أنّ الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، و في عام دون عام.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ: بأحوالكم.
حَكِيمٌ (28): فيما يعطي و يمنع.
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي: لا يؤمنون بهما على ما ينبغي، كما بيّنّاه في أوّل البقرة. فإيمانهم كلا إيمان.
وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ: ما ثبت تحريمه بالكتاب و السّنّة.
و قيل (3): «رسوله» هو الّذي يزعمون اتّباعه.
و المعنى: أنّهم يخالفون أصل دينهم، المنسوخ اعتقادا و عملا.
وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ: الثّابت، الّذي هو ناسخ سائر الأديان و مبطلها.
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: بيان «الّذين لا يؤمنون».
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
431
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ: ما تقرّر عليهم أن يعطوه. مشتقّ من جزى دينه: إذا قضاه.
عَنْ يَدٍ: حال من الضّمير، أي: عن يد مؤاتية، بمعنى: منقادين. أو عن يدهم، بمعنى: مسلّمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم. و لذلك منع من التّوكيل فيه.
و قيل (1): أو عن غنى، و لذلك قيل: لا تؤخذ من الفقير. أو عن يد قاهرة عليهم، بمعنى: عاجزين أذلّاء. أو عن إنعام عليهم، فإنّ إبقاءهم بالجزية نعمة عظيمة. أو من الجزية، بمعنى: نقدا مسلمة عن يد إلى يد.
وَ هُمْ صاغِرُونَ (29): أذلّاء، يعني: يؤخذ منهم على الصّغار و الذّل.
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن الفصيل بن عيّاض. إلى أن قال:
و بإسناده، عن المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [قال: سأل رجل أبي- (صلوات اللّه عليه)-] (3) عن حروب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و كان السّائل من محبّينا.
فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: بعث اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتّى تضع الحرب أوزارها، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها. فإذا طلعت الشّمس من مغربها، آمن النّاس كلّهم ذلك اليوم (4).
إلى قوله- (عليه السلام)-: و السّيف الثّاني على أهل الذّمّة. قال اللَّه- تعالى-:
وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (5). [نزلت هذه الآية في أهل الذّمّة] (6) ثم نسخها قوله- تعالى-:
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ (الآية). فمن كان منهم في دار الإسلام، فلن يقبّل منهم إلّا الجزية أو القتل، و ما لهم فيء و ذراريهم سبي. فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم، حرم علينا سبيهم و حرمت أموالهم و حلّت لنا مناكحتهم. و من كان
____________
(1) نفس المصدر 1/ 412.
(2) الكافي 5/ 9- 11.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ذلك كلّهم اليوم.
(5) البقرة/ 83.
(6) من المصدر.
432
منهم في دار الحرب، حلّ لنا سبيهم [و أموالهم] (1)، و لم تحلّ لنا مناكحتهم، و لم يقبل منهم إلّا الدّخول في الإسلام (2) أو الجزية أو القتل.
محمّد بن يحيى (3)، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن المجوس: أ كان لهم نبيّ؟
فقال: نعم. فقال: أما بلغك كتاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أهل مكّة أن أسلموا و إلّا فأذنوا بحرب من اللَّه (4).
فكتبوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أن خذ منّا الجزية، و دعنا على عبادة الأوثان.
فكتب إليهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب.
فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، ثمّ أخذت الجزية من مجوس هجر.
فكتب إليهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، و كتاب أحرقوه. أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى الزّهريّ: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: سألته عن النّساء: كيف سقطت الجزية و رفعت عنهنّ؟
فقال: لأنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن قتل النّساء و الولدان في دار الحرب، إلّا أن تقاتل. و إن قاتلت- أيضا- فأمسك عنها ما أمكنك و لم تخف خللا. فلمّا نهى عن قتلهنّ في دار الحرب، كان ذلك في دار الإسلام [أولى. و لو امتنعت] (6) أن تؤدّي الجزية، لم يمكنها قتلها. [فلمّا لم يمكن قتلها، رفعت] (7) الجزية عنها. و لو منع الرّجال و أبوا أن يؤدّوا الجزية، كانوا ناقضين للعهد و حلّت دماؤهم و قتلهم. لأنّ قتل الرّجال مباح في
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: دار الإسلام.
(3) الكافي 3/ 567- 568.
(4) المصدر: و إلّا نابذتكم بحرب.
(5) العلل/ 376.
(6) من المصدر. و في النسخ: أو إلى.
(7) من المصدر. و في النسخ: وقعت.
433
دار الشّرك، و كذلك المقعد من أهل الشّرك [و الذمّة] (1) و الأعمى و الشّيخ الفاني و المرأة و الولدان في أرض [الحرب] (2) فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن (4) محمّد، عن محمّد بن يحيى جميعا، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: جرت السّنّة ألّا تؤخذ الجزية من المعتوه، و لا من المغلوب على عقله.
عليّ بن إبراهيم (5)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما حدّ الجزية على أهل الكتاب، و هل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره؟
فقال: ذلك إلى الإمام، يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ماله بما يطيق. إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا. فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به، حتّى يسلموا. فإنّ اللَّه- تبارك و تعالى- قال: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ. فكيف يكون صاغرا و هو لا يكترث لما يؤخذ منه، حتّى لا تجد ذلّا لما أخذ منه، فيألم لذلك، فيسلم.
قال ابن مسلم: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أ رأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس من أرض الجزية و يأخذ من الدّهاقين جزية رؤوسهم، أما عليهم في ذلك شيء موظّف؟
فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، و ليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم، و ليس على أموالهم شيء. و إن شاء فعلى أموالهم، و ليس على رؤوسهم شيء.
فقلت: فهذا الخمس؟
فقال: إنّما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
محمّد بن يحيى (6)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن
____________
1 و 2- من المصدر.
(3) الكافي 3/ 567.
(4) من المصدر.
(5) الكافي 3/ 566- 567.
(6) الكافي 3/ 568.
434
محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في أهل الجزية، يؤخذ من أموالهم و مواشيهم شيء سوى الجزية؟
قال: لا.
وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ قيل (1): إنّما قاله بعض من متقدّميهم، أو ممّن كانوا (2) بالمدينة. و إنّما قالوا ذلك، لأنّه لم يبق فيهم بعد وقعة بخت نصر من يحفظ التّوراة. و هو لمّا أحياه اللَّه بعد مائة عام، أملى عليهم التّوراة حفظا. فتعجّبوا من ذلك، و قالوا: ما هذا إلّا لأنّه ابن اللَّه. و الدّليل على أنّ هذا القول كان فيهم، أنّ الآية قرئت عليهم فلم يكذّبوا مع تهالكهم على التّكذيب.
و قرأ عاصم و الكسائيّ و يعقوب: «عزير» بالتّنوين. على أنّه عربيّ مخبر عنه «بابن» غير موصوف به. و حذفه في القراءة الأخرى إمّا لمنع صرفه للعجمة و التّعريف، أو لالتقاء السّاكنين تشبيها للنّون بحرف اللّين، أو لأنّ «الابن» وصف و الخبر محذوف، مثل معبودنا أو صاحبنا. و هو مزّيف، لأنّه يؤدّي إلى تسليم النّسب و إنكار الخبر المقدّر.
وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ: هو- أيضا- قول بعضهم. و إنّما قالوه استحالة، لأن يفعل ما فعله من إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى من لم يكن إلها.
و في كتاب الاحتجاج (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: قال أبو محمّد العسكريّ:- (عليه السلام)-: قال الصّادق- (عليه السلام)-: و لقد حدّثني أبي، عن جدّي، عليّ بن الحسين زين العابدين، عن الحسين بن عليّ سيد الشّهداء، عن عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليهم)-: أنّه اجتمع يوما عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أهل خمسة أديان، اليهود و النّصارى و الدّهريّة و الثّنويّة و مشركوا العرب.
فقالت اليهود: نحن نقول: عزير ابن اللَّه. و قد جئناك، يا محمّد، لننظر ما تقول.
فإن اتّبعتنا، فنحن أسبق إلى الصّواب منك و أفضل. و إن خالفتنا، خصمناك (4).
و قالت النّصارى: نحن نقول: المسيح ابن اللَّه اتّحد به. و قد جئناك لننظر ما تقول. فإن اتّبعتنا، فنحن أسبق إلى الصّواب منك و أفضل. و إن خالفتنا، خصمناك.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 412.
(2) المصدر: كان.
(3) الاحتجاج 1/ 16- 20.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أخصمناك.
435
ثمّ قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- لليهود: أ جئتموني لأقبل قولكم بغير حجّة؟
قالوا: لا.
قال: فما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ عزيز ابن اللَّه؟
قالوا: لأنّه أحيا لبني إسرائيل التّوراة بعد ما ذهبت، و لم يفعل بها هذا إلّا لأنّه ابنه.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فكيف صار عزير ابن اللَّه دون موسى، و هو الّذي جاءهم بالتّوراة و رأوا منه من المعجزات ما قد علمتم؟ فإن كان عزير ابن اللَّه لما ظهر من إكرامه من إحياء التّوراة، فلقد كان موسى بالنّبوّة أحقّ و أولى. و لئن كان هذا المقدار من إكرامه لعزير يوجب له أنّه ابنه، فأضعاف هذه كرامة لموسى توجب له منزلة أجلّ من النّبوّة. لأنّكم إن كنتم إنّما تريدون بالنّبوّة الدّلالة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم هذه من ولادة الأمّهات الأولاد بوطئ آبائهم لهنّ، فقد كفرتم باللَّه و شبّهتموه بخلقه و أوجبتم فيه صفات المحدثين. و وجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا، و أن يكون له خالق صنعه و ابتدعه.
قالوا: لسنا نعني هذا. فإنّ هذا كفر كما ذكرت. و لكنّا نعني أنّه ابنه، على معنى الكرامة و إن لم يكن هناك ولادة، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه و إبانته بالمنزلة عن غيره: يا بنيّ، و أنّه ابني. لا على إثبات ولادته منه. و لأنّه قد يقول ذلك لمن هو أجنبيّ، لا نسب له بينه و بينه. و كذلك لمّا فعل اللَّه بعزير ما فعل، كان قد اتّخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فهذا ما قلته لكم، أنّه إن أوجب على هذا الوجه أن يكون عزير ابنه. فإنّ هذه المنزلة لموسى أولى. و أنّ اللَّه يفضح كلّ مبطل بإقراره و يقلب عليه حجّته، لأنّ ما احتججتم به يؤدّيكم إلى ما هو أكبر (1) ممّا ذكرته لكم.
لأنّكم قلتم: إنّ عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبيّ لا نسب بينه و بينه: يا بنيّ، و هذا ابني. لا على طريق الولادة. فقد تجدون- أيضا- هذا العظيم يقول لأجنبيّ آخر: هذا أخي. و لآخر: هذا شيخي، و أبي. و لآخر: هذا سيّدي، و يا سيّدي. على سبيل الإكرام. و أنّ من زاده في الكرامة، زاده في مثل هذا القول. فإذا يجوز عندكم أن يكون
____________
(1) المصدر: أكثر.
436
موسى أخا للّه أو شيخا أو أبا أو سيّدا. لأنّه قد زاده في الإكرام ممّا لعزير، كما أنّ من زاد رجلا في الإكرام فقال له: يا سيّدي، و يا شيخي، و يا عمّي، و يا رئيسي. على طريق الإكرام. و أنّ من زاده في الكرامة، زاده في مثل هذا القول. أ فيجوز عندكم أن يكون موسى أخا للَّه، أو شيخا، أو عمّا، أو رئيسا، أو سيّدا، أو أميرا. لأنّه قد زاده في الإكرام على من قال له: يا شيخي، أو يا سيّدي، أو يا عمّي (1)، أو يا رئيسي [أو يا أميري] (2)!؟
قال: فبهت القوم و تحيّروا، و قالوا: يا محمّد، أجّلنا نتفكّر فيما قد قلته لنا.
فقال: انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف، يهدكم اللَّه.
ثمّ أقبل- (صلّى اللّه عليه و آله)- على النّصارى، فقال: و أنتم قلتم: إنّ القديم- عزّ و جلّ- اتّحد بالمسيح (3)- (عليه السلام)- ابنه. فما الّذي أردتموه بهذا القول؟ أردتم (4) أنّ القديم صار محدثا لوجود هذا المحدث الّذي هو عيسى، أو المحدث الّذي هو عيسى صار قديما لوجود (5) القديم الّذي هو اللَّه، أو معنى قولكم: أنّه اتّحد به أنّه اختصّه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه؟ فإنّ أردتم أنّ القديم صار محدثا، فقد أبطلتم، لأنّ القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا. و إن أردتم أنّ المحدث صار قديما، فقد أحلتم (6)، لأنّ المحدث- أيضا- محال أن يصير قديما. و إن أردتم أنّه اتّحد به بان اختصه و اصطفاه على سائر عباده، فقد أقررتم بحدوث عيسى و بحدوث المعنى الّذي اتّحد من أجله. لأنّه إذا كان عيسى محدثا و كان اللَّه قد اتّحد به بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده، فقد صار عيسى و ذلك المعنى محدثين. و هذا خلاف ما بدأتم تقولونه.
فقالت النّصارى: يا محمّد، إنّ اللَّه لمّا أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة (7) ما أظهر، فقد اتّخذه ولدا على جهة الكرامة.
فقال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الّذي ذكرتموه.
ثمّ أعاد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك كلّه. فسكتوا، إلّا رجلا واحدا منهم قال
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يا أميري.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: اتّخذ المسيح.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: إن أردتم.
(5) في المصدر: كوجود.
(6) كذا في المصدر. و في أو ب: أبطلتم. و في ج: أحلهم. و في ر: احليم.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: القبيحة.
437
له: يا محمّد، أو لستم تقولون: إنّ إبراهيم خليل اللَّه؟
قال: قد قلنا ذلك.
فقال: إذا قلتم ذلك، فلم منعتمونا من أن نقول: إنّ عيسى ابن اللَّه؟
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّهما [لن يشتبها] (1). لأنّ قولنا: إنّ إبراهيم خليل اللَّه، فإنّما هو مشتقّ من الخلّة. و الخلّة إنّما معناها: الفقر و الفاقة. فقد كان خليلا إلى ربّه فقيرا، و إليه منقطعا، و عن غيره متعفّفا معرضا مستغنيا. و ذلك لمّا أريد قذفه في النّار، فرمي به في المنجنيق، فبعث اللَّه جبرئيل- (عليه السلام)- و قال له:
أدرك عبدي.
فجاءه فلقيه في الهواء، فقال: كلّفني ما بدا لك، فقد بعثني اللَّه لنصرتك.
فقال: بل حسبي اللَّه و نعم الوكيل، إنّي لا أسأل غيره و لا حاجة لي إلّا إليه.
فسمّاه خليله، أي: فقيره و محتاجه و المنقطع إليه عمّن سواه.
و إذا جعل معنى ذلك من الخلّة (2)- و هو أنّه قد تخلّل معانيه و وقف على أسرار لم يقف عليها غيره- كان [الخليل] (3) معناه: العالم به و بأموره. و لا يوجب ذلك تشبيه اللَّه بخلقه. ألا ترون أنّه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله، و إذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله؟ و إنّ من يلده الرّجل- و إن أهانه و أقصاه- لم يخرج عن أن يكون ولده. لأنّ معنى الولادة قائم به. ثمّ [إن وجب لأنّه قال لإبراهيم: خليلي، أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأنّ] (4) عيسى ابنه، وجب- أيضا- [كذلك أن تقولوا لموسى: إنّه ابنه. فإنّ] (5) الّذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى. فقولوا: إنّ موسى- أيضا- ابنه. و إنّه يجوز أن تقولوا على هذا المعنى: إنّه شيخه و سيّده و عمّه و رئيسه و أميره، كما ذكرته لليهود.
فقال بعضهم لبعض: و في الكتب المنزلة، أنّ عيسى قال: أذهب إلى أبي [و أبيكم] (6).
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون، فإنّ فيه:
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يشبها.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الخلّة و العالم.
(3) من المصدر.
(4) من المصدر. و في النسخ: انّ من أوجب أن يقول على قول إبراهيم خليله أن يقسوا أنتم كذلك فتقولون: إنّ.
(5) من المصدر. و في النسخ: قال.
(6) من المصدر.
438
أذهب إلى أبي و أبيكم. فقولوا: إنّ جميع الّذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء اللَّه، كما كان عيسى ابنه، من الوجه الّذي كان عيسى ابنه. ثمّ إنّ ما (1) في هذا الكتاب يبطل (2) عليكم هذا الّذي زعمتم أنّ عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له. لأنّكم قلتم: إنّما قلنا: إنّه ابنه، لأنّه اختصّه بما لم يختصّ به غيره. و أنتم تعلمون أنّ الّذي خصّ به عيسى لم يخصّ به هؤلاء القوم الّذين قال لهم عيسى: أذهب إلى أبي و أبيكم. فبطل أن يكون الاختصاص بعيسى، لأنّه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى. و أنتم إنّما حكيتم لفظة عيسى و تأوّلتموها على غير وجهها (3)، لأنّه إذا قال:
[أذهب إلى] (4) أبي و أبيكم، فقد أراد غير ما ذهبتم إليه و تخيلتموه. و ما يدريكم لعلّه عنى: أذهب إلى آدم (5) أو إلى نوح- (عليه السلام)-. لأنّ اللَّه يرفعني إليهم و يجمعني معهم، و آدم أبي و أبيكم و كذلك نوح. بل ما أراد غير هذا.
قال: فسكت النّصارى. و قالوا: ما رأينا كاليوم مجادلا و لا مخاصما مثلك، و سننظر في أمورنا. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة. و تتمّته، و هي الرّدّ على الفرق الثّلاثة الباقية، مضى في أوّل سورة الأنعام.
و في آخر الحديث قال الصّادق- (عليه السلام)-: فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا، ما أتت على جماعتهم إلّا ثلاثة أيّام حتّى أتوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأسلموا.
و كانوا خمسة و عشرين رجلا، من كلّ فرقة خمسة. و قالوا: ما رأينا مثل حجّتك، يا محمّد، نشهد أنّك رسول اللَّه.
و في عيون الأخبار (6)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)-: عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- قال: إنّ يهوديّا سأل عليّ بن أبي طالب، فقال:
أخبرني عمّا ليس عند اللَّه، و عمّا لا يعلمه اللَّه، و عمّا ليس للّه.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: أمّا ما لا يعلمه اللَّه، فذاك قولكم، يا معشر اليهود: إنّ عزير ابن اللَّه، و اللَّه لا يعلم له ولدا (7). و أمّا قولك: ما ليس عند اللَّه، فليس عند اللَّه ظلم
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المصدر: مبطل.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: نعمها.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: آدم أبي و أبيكم.
(6) العيون 2/ 46.
(7) المصدر: ابنا.
439
للعباد. فأمّا قولك: ما ليس للّه، فليس للّه شريك.
فقال اليهوديّ: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللَّه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف (2)، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّجر لم يزل حصيدا كلّه، حتّى دعي للرّحمن ولد. عزّ الرّحمن و جلّ أن يكون له ولد. [فكادت السموات يتفطّرن منه، و تنشقّ الأرض، و تخرّ الجبال هدّا] (3). فعند ذلك اقشعرّ الشّجر و صار له شوك، حذرا أن ينزل به العذاب.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اشتدّ غضب اللَّه على اليهود حين قالوا: عزير ابن اللَّه.
و اشتدّ غضب اللَّه على النّصارى حين قالوا: المسيح ابن اللَّه. و اشتدّ غضب اللَّه على من أراق دمي، و آذاني في عترتي.
عن يزيد (5) بن عبد الملك (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لم (7) يغضب للّه شيء كغضب الطّلح و السّدر. إنّ الطّلح كانت كالأترج (8)، و السّدر كالبطّيخ. فلمّا قالت اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ تقبّض (9) حملها فصغر، فصار له عجم و اشتدّ العجم (10). فلمّا أن قالت النّصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [اذعرّتا فخرج لهما هذا الشّوك] (11) و تقبّض (12) حملهما، و صار النّبق (13) إلى هذا الحمل. و ذهب حمل الطّلح فلا يحمل حتّى يقوم قائمنا.
ثمّ قال: من سقى طلحة أو سدرة، فكأنّما سقى مؤمنا من ظمأ (14).
____________
(1) تفسير القميّ 1/ 85- 86.
(2) المصدر: ظريف.
(3) من المصدر.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 86.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بريد.
(6) نفس المصدر و الموضع.
(7) المصدر: لن.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: كان كالأتروج.
(9) المصدر: نقّصا.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عجز فاشتدّ العجز.
(11) كذا في المصدر. و في النسخ: خرج لها الشّوك.
(12) المصدر: نقّصتا.
(13) المصدر: الشوك. و النبق: حمل شجر السدر.
(14) المصدر: ظمان.
440
ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ: إمّا تأكيد لنسبة هذا القول إليهم و نفي للتجوز عنها، أو إشعار بأنه قول مجرد عن برهان و تحقيق مماثل للمهمل الّذي يوجد في الأفواه و لا يوجد مفهومه في الأعيان.
يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أي: يضاهي قولهم قول الّذين كفروا، فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.
مِنْ قَبْلُ: من قبلهم. و المراد: قدماؤهم. على معنى أنّ الكفر قديم فيهم. أو المشركون الّذين قالوا: الملائكة بنات اللّه. أو اليهود، على أنّ الضّمير للنّصارى.
و «المضاهاة» المشابهة. و الهمزة لغة فيه.
و قد قرأ به عاصم. و منه قولهم: امرأة ضهياء، على فعلاء، للتي شابهت الرّجال في أنّها لا تحيض.
قاتَلَهُمُ اللَّهُ.
قيل (1): دعاء عليهم بالإهلاك. فإنّ من قاتله اللَّه، هلك. أو تعجّب من شناعة قولهم.
و في كتاب الاحتجاج (2) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل، أي: لعنهم اللَّه [أنّى يؤفكون] (3). فسمى اللّعنة: قتالا.
أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30): كيف يصرفون عن الحقّ إلى الباطل.
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ: بأن أطاعوهم في تحريم ما أحلّ اللَّه، و تحليل ما حرّم اللَّه.
قيل (4): أو بالسّجود لهم.
و في مجمع البيان (5): و روي الثّعلبيّ، بإسناده: عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و في عنقي صليب.
فقال لي: يا عديّ، اطرح هذا الوثن من عنقك.
قال: فطرحته. ثمّ أتيت إليه و هو يقرأ من سورة براءة هذه الآية:
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 412.
(2) الاحتجاج 1/ 372.
(3) من المصدر.
(4) أنوار التنزيل 1/ 412.
(5) المجمع 2/ 23- 24.
441
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً حتى فرغ منها. فقلت: إنّا لسنا نعبدهم! قال: أليس يحرّمون ما أحلّ اللَّه، فتحرّمونه. و يحلّون ما حرّم اللَّه، فتستحلّونه؟
قال: فقلت: بلى.
قال: فتلك عبادتهم.
و في أصول الكافي (1): عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، [عن أبيه] (2) عن عبد اللَّه بن يحيى، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية.
فقال: أما، و اللَّه، ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم. و لو دعوهم [إلى عبادة أنفسهم] (3)، لما أجابوهم. و لكن أحلّوا لهم حراما، و حرّموا عليهم حلالا. فعبدوهم من حيث لا يشعرون.
عليّ بن محمّد (4)، عن صالح بن أبي حمّاد و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من أطاع رجلا في معصية اللَّه (5)، فقد عبده.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: أمّا، و اللَّه، ما صاموا لهم و لا صلّوا. و لكنّهم أحلّوا لهم حراما و حرّموا عليهم حلالا، فاتبعوهم.
و قال (7) في خبر آخر، عنه: و لكنّهم أطاعوهم في معصية اللَّه.
عن جابر (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية.
قال: أما إنّهم لم يتّخذوهم آلهة، إلّا أنّهم أحلوا حراما (9) فأخذوا به، و حرّموا حلالا (10) فأخذوا به. فكانوا أربابا لهم من دون اللَّه.
وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ: بأن جعلوه ابنا للَّه.
____________
(1) الكافي 1/ 53.
2 و 3- ليس في المصدر.
(4) الكافي 2/ 398.
(5) ليس في المصدر.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 86.
7 و 8- نفس المصدر و الموضع.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: هو حلالا.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: حراما.
442
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: أمّا المسيح، فعصوه، و عظّموه في أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله و أنّه ابن اللَّه. و طائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة. و طائفة منهم قالوا: هو اللَّه.
و أما أحبارهم و رهبانهم، فإنّهم أطاعوهم و أخذوا بقولهم، و اتبعوا ما أمروهم به، و دانوا (2) بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أربابا بطاعتهم لهم، و تركهم أمر اللَّه و كتبه و رسله، فنبذوه (3) وراء ظهورهم. و ما أمرهم به الأحبار و الرّهبان اتبعوه و أطاعوهم، و عصوا اللَّه و رسوله. و إنما ذكر هذا في كتابنا، لكي نتّعظ بهم. فعيّر اللَّه- تبارك و تعالى- بني إسرائيل بما صنعوا. بقوله (4):
وَ ما أُمِرُوا، أي: و ما أمر المتّخذون، أربابا. فيكون، كالدّليل على بطلان الاتخاذ.
إِلَّا لِيَعْبُدُوا: ليطيعوا.
إِلهاً واحِداً: و هو اللَّه- تعالى-. و أمّا طاعة الرّسل و سائر من أمر اللَّه بطاعته، فهي في الحقيقة طاعة اللَّه.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: صفة ثانية. أو استئناف مقرر للتّوحيد.
سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31): تنزيله له عن أن يكون له شريك.
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا: يخمدوا.
نُورَ اللَّهِ: حجته الدّالّة على وحدانيته و تقدسه عن الولد. أو القرآن. أو نبوة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
بِأَفْواهِهِمْ: بشركهم، أو تكذيبهم.
وَ يَأْبَى اللَّهُ: لا يرضى.
إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ: بإعلاء التّوحيد و إعزاز الإسلام.
و قيل (5): إنّه تمثيل لحالهم في طلبهم إبطال نبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالتكذيب، بحال من يطلب إطفاء نور عظيم منبثّ في الآفاق يريد اللَّه أن يزيده بنفخه.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 288- 289.
(2) المصدر: دانوا بهم.
(3) أ و ب: فنبذوهم.
(4) جعل المصنف نصّ الآية ضمن تفسيره.
(5) أنوار التنزيل 1/ 413.
443
و انّما صح الاستثناء المفرغ و الفعل موجب، لانّه في معنى النّفي.
وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32): محذوف الجواب، لدلالة ما قبله عليه.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في هذه الآية: يعني: أنّهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله اللَّه، ليلبسوا على الخليفة. فأعمى اللَّه قلوبهم، حتّى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه [و حرّفوا منه] (2).
و فيه (3): عنه- (عليه السلام)-: و جعل أهل الكتاب المقيمين به و العالمين بظاهره و باطنه من شجرة، أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ. تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها، أي: يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت، و جعل أعدائها أهل الشّجرة الملعونة الّذين حاولوا إطفاء نور اللَّه بأفواههم. فأبى اللَّه إلّا أن يتمّ نوره.
و في كتاب الغيبة (4) لشيخ الطائفة- (قدّس سرّه)-: و روى محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد بن سنان قال: ذكر عليّ بن أبي حمزة عند الرّضا- (عليه السلام)- فلعنه.
ثمّ قال: إنّ عليّ بن أبي حمزة أراد أن لا يعبد اللَّه في سمائه و أرضه. وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ... وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و لو كره اللّعين المشرك.
قلت: المشرك.
قال: نعم، و اللَّه، و ان رغم أنفه. كذلك هو في كتاب اللَّه: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ. و قد جرت فيه و في أمثاله، أنّه أراد أن يطفئ نور اللَّه.
بإسناده (5) إلى الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر شقّ فرعون بطون الحوامل في طلب موسى- (عليه السلام)-: كذلك بنو اميّة و بنو العبّاس لمّا أن وقفوا أن زوال ملك (6) الأمراء و الجبابرة منهم على يدي القائم- (عليه السلام)-، [منّا] (7) ناصبونا العداوة (8) و وضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و إبادة نسله، طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم- (عليه السلام)-. فأبى اللَّه أن يكشف
____________
(1) الاحتجاج 1/ 371.
(2) المصدر: فيه.
(3) الاحتجاج 1/ 376.
(4) الغيبة/ 46.
(5) الغيبة/ 106.
(6) المصدر: مملكة.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: العداوة.
444
أمره لواحد من الظّلمة إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ... وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، مثله سواء.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن أحمد بن محمّد قال: وقف عليّ أبو الحسن الثّاني- (عليه السلام)- في بني زريق، فقال لي و هو رافع صوته (3): يا أحمد.
قلت: لبيك.
قال: إنّه لمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جهد النّاس على إطفاء نور اللَّه. فأبى اللَّه إلّا أن يتمّ نوره بأمير المؤمنين.
و في قرب الإسناد (4) للحميريّ: معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: وعدنا أبو الحسن الرضا- (عليه السلام)- [ليلة] (5) إلى مسجد دار معاوية. فجاء، فسلّم.
فقال: إنّ النّاس قد جهدوا على إطفاء نور اللَّه حين قبض اللَّه- تبارك و تعالى- رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و أبى اللَّه إلّا أن يتمّ نوره. و قد جهد عليّ بن أبي حمزة على إطفاء نور اللَّه حين قبض (6) أبو الحسن [الأوّل] (7)، فأبى اللَّه إلّا أن يتمّ نوره. و قد هداكم اللَّه [إلى من] (8) جهله النّاس، فاحمدوا اللَّه على ما منّ عليكم به.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قيل (9): كالبيان لقوله: وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ. و لذلك كرّر وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33). غير أنّه وضع «المشركون» موضع «الكافرون» للدّلالة على أنّهم ضمّوا الكفر بالرّسول إلى الشّرك باللّه.
و الضّمير في «ليظهره» للدّين الحقّ، أو للرّسول.
و اللّام في «الدّين» للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم.
____________
(1) كمال الدّين/ 354.
(2) تفسير العيّاشي 1/ 372.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: حبوته.
(4) قرب الإسناد/ 151.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: مضى.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: إليّ الأمر.
(9) أنوار التنزيل 1/ 413.
445
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى أبي بصير قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية. فقال: و اللَّه ما نزل تأويلها بعد، و لا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم- (عليه السلام)- فإذا خرج القائم، لم يبق كافر باللّه العظيم و لا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه. حتّى لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرة، لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر فاكسرني و أقتله.
و بإسناده (2) إلى [عبد الرحمن بن] (3) سليط قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)-: منّا اثنا عشرة مهديا. أوّلهم أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب، و آخرهم التّاسع من ولدي. و هو القائم بالحقّ، يحيى اللَّه به الأرض بعد موتها، و يظهر به الدّين الحقّ [عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] (4) وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و بإسناده (5) إلى محمّد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- يقول: القائم منّا منصور بالرّعب، مؤيّد بالنّصر، تطوى له الأرض، و تظهر له الكنوز، و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب، و يظهر اللَّه- عزّ و جلّ- به دينه على الدّين كله وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. فلا يبقى في الأرض خراب، إلّا عمر. و لا ينزل روح اللَّه، عيسى بن مريم- (عليه السلام)-. فيصلي خلفه.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في أصول الكافي (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِ.
قال: هو الّذي أرسله (7) بالولاية لوصيّه. و الولاية هي دين الحقّ.
قلت: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم. قال: يقول اللَّه: «و اللَّه متمّ [نوره] (8) ولاية القائم. وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (9) بولاية عليّ.
____________
(1) كمال الدّين/ 670.
(2) كمال الدّين/ 317.
3 و 4- من المصدر.
(5) كمال الدين/ 331.
(6) الكافي 1/ 432.
(7) المصدر: أمر رسوله.
(8) من المصدر.
(9) الصف/ 9.
446
قلت: هذا تنزيل؟
قال: نعم. أمّا هذا الحرف فتنزيل، و أما غيره فتأويل. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و غاب صاحب هذا الأمر بإيضاح العذر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب، حتّى يكون أقرب النّاس إليه أشدّهم عداوة له. و عند ذلك يؤيّده اللَّه بجنود لم تروها، و يظهر دين نبيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [على يديه] (2) عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن أبي المقدام، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: يكون أن لا يبقى أحد إلّا أقرّ بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في مجمع البيان (4): قال المقداد بن الأسود: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر و لا وبر، إلّا أدخله اللَّه كلمة الإسلام.
إمّا بعزّ عزيز، أو بذلّ ذليل. إمّا يعز بهم فيجعلهم اللَّه من أهله، فيعزّوا به، و إمّا يذلّهم، فيدينون له.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ: ليأخذونها بالرشى في الأموال. سمّى أخذ المال أكلا، لأنه الغرض الأعظم منه.
وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: دينه.
وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ: يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار و الرّهبان، فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال و الضّنّ به. و أن يراد المسلمون الّذين يجمعون المال و يقتنونه، و لا يؤدون حقّه. و يكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب، للتغليظ قيد الكنز بعدم الإنفاق، لئلّا يعمّ من جمع للإنفاق و بعد إخراج الحقوق.
____________
(1) الاحتجاج 1/ 382.
(2) من المصدر.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 87.
(4) المجمع 3/ 25.
447
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34): هو الكيّ بهما.
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، أي: يوم القيامة توقد النّار ذات حمى شديد عليها.
و أصله: تحمى بالنّار، فجعل الإحماء للنّار مبالغة فيه. ثمّ حذفت النّار و أسند الفعل إلى الجارّ و المجرور، تنبيها على المقصود. فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التّذكير. و انّما قال: «عليها» و المذكور شيئان، لأنّ المراد بهما دراهم و دنانير كثيرة.
و كذا قوله: «و لا ينفقونها».
و قيل (1): الضّمير فيهما للكنوز، أو للأموال. فإن الحكم عامّ، و تخصيصهما بالذّكر، لأنّهما قانون التّمول. أو للفضة، و تخصيصها لقربها و دلالة حكمها على أنّ الذّهب أولى بهذا الحكم.
فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ.
قيل (2): لأن جمعهم و إمساكهم [إيّاه] (3)، كان لطلب الوجاهة بالغنى و التنعم (4) بالمطاعم الشّهيّة و الملابس البهية. أو لأنهم ازورّوا عن السّائل و أعرضوا عنه و ولّوه ظهورهم. أو لأنّها أشرف الأعضاء الظّاهرة، فانّها المشتملة على الأعضاء الرّئيسية، التي هي الدماغ و القلب و الكبد. أو لأنّها أصول الجهات الأربع، التي هي مقاديم البدن و مآخيره و جنباه (5).
هذا ما كَنَزْتُمْ: على إرادة القول.
لِأَنْفُسِكُمْ: لمنفعتها. و كان عين مضرتها، و سبب تعذيبها.
فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)، أي: و بال كنزكم، أو ما تكنزونه.
و قرئ: «تكنزون»، بضمّ النّون.
في الكافي (6): محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن معاذ بن كثير قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: موسع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف. فإذا قام قائمنا، حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه به فيستعين به
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 414.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المتنعم.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: مؤخره و جنبتاه.
(6) الكافي 4/ 61.
448
على عدوّه. و هو قول اللَّه- تعالى-: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ- إلى قوله- فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
و في أمالي (1) شيخ الطائفة- (قدّس سرّه)- بإسناده: لما نزلت هذه الآية، قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كل مال تؤدى زكاته، فليس بكنز و إن كان تحت سبع أرضين. و كل مال لا تؤدّى زكاته، فهو كنز و ان كان فوق الأرض.
و في مجمع البيان (2): و روي عن عليّ- (عليه السلام)-: ما زاد على أربعة آلاف، فهو كنز أدّى زكاته أو لم يؤدها. و ما دونها فهي نفقة.
قيل (3): لعلّ التوفيق بين هذه الأخبار، أن يقال بجواز الجمع لغرض صحيح إلى ألفي درهم أو إلى أربعة آلاف، بعد إخراج الحقوق. و من جملة الحقوق حقّ الإمام- (عليه السلام)- إذا كان ظاهرا، و هو ما زاد على ما يكفّ صاحبه.
و روى (4) سالم بن أبي جعدان، عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا نزلت هذه الآية، قال: تبا للذّهب، تبّا للفضّة- يكررها ثلاثا-. فشقّ ذلك على أصحابه.
فسأله عمر، فقال: يا رسول اللَّه، أيّ المال نتّخذ؟
فقال: لسانا ذاكرا، و قلبا شاكرا، و زوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، حديث طويل. و فيه: نظر عثمان بن عفّان إلى كعب الأحبار، فقال له: يا أبا إسحاق، ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء (6)؟
فقال: لا، و لو اتخذ لبنة من ذهب و لبنة من فضّة ما وجب عليه شيء.
فرفع أبو ذرّ- رضي اللَّه عنه- عصاه فضرب بها رأس كعب. ثمّ قال له: يا ابن اليهوديّة الكافرة، ما أنت و النّظر في أحكام المسلمين. قول اللَّه أصدق من قولك حيث قال: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ (الآية).
و في رواية أبي الجارود (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله:
____________
(1) الأمالي 2/ 133.
(2) المجمع 3/ 26.
(3) تفسير الصافي 2/ 341.
(4) مجمع البيان 3/ 46.
(5) تفسير القمي 1/ 52.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فيء.
(7) نفس المصدر 1/ 289.
449
وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ (الآية) فإن (1) اللَّه حرّم كنز الذّهب و الفضّة، و أمر بإنفاقه في سبيل اللَّه. و قوله:
يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى (الآية). قال: كان أبو ذرّ الغفاريّ يغدو كلّ يوم، و هو بالشّام، فينادي بأعلى صوته: بشر أهل الكنوز بكيّ في الجباه و كيّ بالجنوب و كيّ بالظّهور أبدا، حتّى يتردد (2) الحرّ في أجوافهم.
و في من لا يحضره الفقيه (3): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه الكبائر. و فيه منع (4) الزّكاة المفروضة، لأن اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى (الآية).
و في كتاب الخصال (5): عن الحارث قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الدينار و الدرهم أهلكا من كان قبلكم، و هما مهلكاكم.
عن محمّد بن أحمد بن يحيى (6) بن عمران، رفع الحديث قال: الذهب و الفضّة حجران ممسوخان. فمن أحبّهما، كان معهما.
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ: إنّ مبلغ عددها.
عِنْدَ اللَّهِ: معمول «عدّة». لأنّها مصدر.
اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ: في اللّوح المحفوظ، أو في حكمه. و هو صفة «لاثناعشر». و قوله: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ: متعلّق بما فيه من معنى الثّبوت. أو بالكتاب، ان جعل مصدرا.
و المعنى أنّ هذا الأمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق اللَّه الأجرام و الأزمنة.
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: يحرم فيها القتال. واحد فرد، و هو رجب. و ثلاثة سرد، ذو القعدة و ذو الحجّة و المحرّم.
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، أي: تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم، دين إبراهيم و إسماعيل- (عليهما السلام)-. و العرب ورثوه منهما.
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ: بهتك حرمتها، و ارتكاب حرامها.
و في الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن عمرو
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تبرد.
(3) الفقيه 3/ 369.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: موضع.
5 و 6- الخصال/ 43.
(7) الكافي 4/ 65- 66.
450
الشّاميّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إِنَّ [عِدَّةَ] (1) الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ. فغرّة الشّهور (2) شهر اللَّه- عزّ ذكره-. و هو شهر رمضان. [قلب شهر رمضان] (3) ليلة القدر. و نزل القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشّهر بالقرآن.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أذينة، عن زرارة قال: كنت قاعدا إلى جنب أبي جعفر- (عليه السلام)- و هو محتب مستقبل القبلة.
فقال أما إنّ النظر إليها عبادة.
فجاءه رجل من بجيلة، يقال له: عاصم بن عمر. فقال لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ كعب الأحبار كان يقول: إنّ الكعبة تسجد لبيت المقدس في كلّ غداة.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فما تقول فيما قال كعب؟ أصدق؟
قلت: أقول: القول ما قال كعب.
فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كذبت و كذب كعب الأحبار معك. و غضب.
قال زرارة: ما رأيته استقبل أحدا يقول: كذبت، غيره.
ثمّ قال: ما خلق اللَّه بقعة في الأرض أحبّ إليه منها- ثمّ أومأ بيده نحو الكعبة- و لا أكرم على اللَّه- تعالى- منها بها (5) حرم اللَّه الأشهر الحرم في كتابه يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ. ثلاثة متوالية للحجّ: شوّال، و ذو القعدة، و ذو الحجّة. و شهر مفرد للعمرة، رجب.
و في تفسير العيّاشيّ (6): عن أبي خالد الواسطيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:
حدثني أبي (7)، عليّ بن الحسين، عن أمير المؤمنين، أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا ثقل في مرضه، قال: أيّها النّاس، إن السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم.
ثمّ قال بيده: رجب مفرد، و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرّم ثلاث متواليات. ألا
____________
1 و 3- من المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الشهر.
(4) الكافي 4/ 239- 240.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 88.
(7) المصدر: أبي عن.
451
و هذا الشّهر المفروض رمضان، فصوموا للرّؤية (1) و أفطروا للرؤية (2). فإذا خفي الشّهر، فأتموا العدّة شعبان ثلاثين و صوموا الواحد و الثّلاثين.
و قال بيده: الواحد و الاثنين و الثّلاثة.
ثمّ ثنّى إبهامه، ثمّ قال: إنّها شهر كذا و شهر كذا.
و في كتاب الخصال (3): عن محمّد بن أبي عمير، يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ.
قال: المحرّم، و صفر، و ربيع الأول، و ربيع الآخر، و جمادي الأول، و جمادي الآخرة، و رجب، و شعبان، و رمضان، و شوّال، و ذو القعدة، و ذو الحجّة. منها أربعة حرم، عشرون من ذي الحجّة و المحرّم و صفر و شهر ربيع الأوّل، و عشر من ربيع الآخر.
عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- تعالى- خلق الشّهور اثني عشر شهرا، و هي ثلاثمائة و ستّون يوما، فحجز (4) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات و الأرض. فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.
و في شرح الآيات الباهرة (5)، ذكر (6) الشيخ المفيد- (رحمه اللّه)- في كتاب الغيبة [قال] (7) حدثنا عليّ بن الحسين قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عليّ، عن إبراهيم بن محمّد، عن محمّد بن عيسى، عن عبد الرّزاق، عن محمّد بن سنان، عن فضّال بن سنان (8)، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: كنت عند أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- ذات يوم. فلمّا تفرّق من كان عنده، قال: يا أبا حمزة، من المحتوم الّذي حتمه اللَّه قيام قائمنا. فمن شكّ فيما أقول، لقى اللَّه و هو كافر به و له جاحد.
ثمّ قال: بأبي و أمي، المسمّى باسمي، المكنّى بكنيتي، السّابع من ولدي. يأتي فيملأ الأرض عدلا و قسطا، كما ملئت جورا و ظلما. يا أبا حمزة، من أدركه فيسلّم ما سلّم لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ، فقد وجبت له الجنة. و من لم يسلّم، فقد حرّم اللَّه عليه
____________
1 و 2- المصدر: لرؤية.
(3) الخصال/ 487- 488، ح 64.
(4) المصدر: فحجر.
(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 202- 206.
(6) المصدر: تأويله ما ذكره بدل ذكر.
(7) من المصدر.
(8) المصدر: «فضيل الرسان» بدل «فضّال بن سنان».
452
الجنّة و مأواه النّار و بئس مثوى الظّالمين. و أوضح من هذا، بحمد اللَّه و أنور و أبين و أزهر لمن هداه و أحسن إليه، قول اللَّه في محكم كتابه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ.
و معرفة الشّهور، المحرّم و صفر و ربيع و ما بعده. و الحرم منها، رجب و ذو القعدة و ذو الحجّة و المحرّم. و ذلك لا يكون دينا قيّما. لأنّ اليهود و النّصارى و المجوس و سائر الملل و النّاس جميعا من الموافقين و المخالفين يعرفون هذه الشّهور و يعدونها بأسمائها، و ليس هو كذلك. و إنّما عنى بهم: الأئمة القوّامين بدّين اللَّه. و الحرم منها أمير المؤمنين عليّ الّذى اشتقّ اللَّه- سبحانه- له اسما من أسمائه العلى (1)، كما اشتق لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- اسما من أسمائه (2) المحمود. و ثلاثة من ولده أسماؤهم [عليّ و هم] (3) عليّ بن الحسين و عليّ بن موسى و عليّ بن محمد. فصار لهذا الاسم المشتق من أسماء اللَّه- عزّ و جلّ- حرمة به، يعني: أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-.
و قال أيضا- (رحمه اللّه)-: أخبرنا سلامة بن محمّد قال: حدثنا أبو الحسن، عليّ بن معمر (4) قال: حدّثنا حمزة بن القاسم، عن جعفر بن محمّد، عن عبيد بن كثير، عن أحمد بن موسى، عن داود بن كثير الرّقيّ قال: دخلت على أبي عبد اللَّه، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- [بالمدينة] (5).
فقال: ما الّذي أبطأك عنّا، يا داود؟
قلت: حاجة لي عرضت بالكوفة.
فقال: من خلّفت بها؟
قلت: جعلت فداك، خلّفت بها عمّك زيدا. تركته راكبا على فرس، متقلدا مصحفا، ينادي بعلو صوته سلوني قبل أن تفقدوني، فبين جوانحي علم جمّ. قد عرفت الناسخ و المنسوخ و المثاني و القرآن [ضرابه علم جم] (6) العظيم. و إني العلم بين اللَّه و بينكم.
____________
(1) المصدر: اسمه العلي.
(2) المصدر: اسمه.
(3) من المصدر.
(4) بعض نسخ المصدر: عمر
(5) من المصدر.
(6) ليس في المصدر.
453
فقال: يا داود، لقد ذهبت بك (1) لمذاهب.
ثمّ نادى: يا سماعة بن مهران، ائتني بسلّة الرّطب.
فأتاه بسلّة فيها رطب. فتناول رطبة و أكلها، و استخرج النّواة من فيه، و غرسها في الأرض. ففلقت، و نبتت، و أطلعت، و أعذفت (2). فضرب بيده إلى بسرة (3) من عذق منها، فشقّها و استخرج منها رقا أبيض، [ففضّه] (4) و دفعه إليّ.
و قال: اقرأه.
فقرأته، و إذا فيه مكتوب سطران، الأوّل: لا إله إلا اللَّه، محمّد رسول اللَّه.
و الثاني: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن بن عليّ، الحسين بن عليّ، عليّ بن الحسين، محمّد بن عليّ، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليّ بن موسى، محمّد بن عليّ، عليّ بن محمد، الحسن بن علي، الخلف الحجّة- (عليهم السلام)-.
ثم قال: يا داود، أ تدري متى كتب هذا في هذا؟
قلت: اللَّه و رسوله و أنتم أعلم.
قال: قبل أن يخلق اللَّه آدم بألفي عام.
و في هذا المعنى
ما رواه المقلد بن غالب الحسني- (رحمه اللّه)- عن رجاله، بإسناد متصل إلى عبد اللَّه بن سنان الأسدي، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: قال أبي، يعني: محمّد الباقر- (عليه السلام)- لجابر بن عبد اللَّه: لي إليك حاجة. أخلو [بك فيها] (5).
فلمّا خلا به، قال: يا جابر، أخبرني عن اللّوح الّذي رأيته عند أمي، فاطمة.
فقال: أشهد باللّه، لقد دخلت على سيدتي، فاطمة، لاهنئها (6) بولدها (7) الحسين (8). فإذا بيدها لوح أخضر، من زمرّدة خضراء، في كتابة أنور من الشّمس و أطيب
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تلك.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أعزقت.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: شيء.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فيه.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لأهنا.
(7) ب: بولديها.
(8) أ، ب: الحسنين.
454
رائحة من المسك الأذفر.
فقلت: ما هذا، يا بنت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقالت: هذا لوح أنزله اللَّه على أبي، و قال: لي احفظيه. ففعلت. فإذا فيه اسم أبي، و اسم (1) بعلي، و اسم ابنيّ و الأوصياء من بعد ولدي الحسين.
فسألتها أن تدفعه إليّ، لأنسخه. ففعلت.
فقال له [أبي: ما فعلت بنسختك (2)؟] (3).
[فقال: هي عندي.
قال: فهل لك أن تعارضني عليها؟
قال: فمضى جابر إلى منزله، فأتاه بقطعة جلد أحمر.
فقال له:] (4) انظر في صحيفتك حتّى أقرأها عليك.
فكانت في صحيفته: بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب من اللَّه العزيز العليم، نزل به (5) الرّوح الأمين على محمّد خاتم النبيين. يا محمّد، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ.
يا محمّد، عظّم أسمائي و اشكر نعمائي و لا تجحد آلائي و لا ترج سواي و لا تخش غيري. فإنّه من يرجو سواي و يخشى (6) غيري، أعذّبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين.
يا محمّد، إني اصطفيتك على الأنبياء و اصطفيت وصيّك [عليا] (7) على الأوصياء. و جعلت الحسن عيبة علمي، بعد انقضاء مدّة أبيه. و الحسين خير أولاد الأولين و الآخرين، فيه تثبت الإمامة [و منه] (8) العقب. و عليّ بن الحسين زين العابدين.
و الباقر العلم الدّاعي إلى سبيلي على منهاج الحقّ. و جعفر الصادق في القول و العمل، تلبس من بعده فتنة [صمّاء] (9)، فالويل كلّ الويل لمن كذّب عترة نبيي و خيرة خلقي.
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بنسخك.
(3) ليس في «ب».
(4) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أنزله.
(6) المصدر: سوائي و يخش.
(7) من المصدر.
(8) من المصدر.
(9) من المصدر.
455
و موسى الكاظم الغيظ. و عليّ الرضا، يقتله عفريت كافر، يدفن بالمدينة الّتي بناها العبد الصّالح إلى جنب شر خلق اللَّه. و محمّد الهادي شبيه جده الميمون. و عليّ الدّاعي إلى سبيلي، و الذّابّ عن حرمي، و القائم في رعيّتي (1). و الحسن الأغر يخرج منه ذو الاسمين (2) خلف محمّد، يخرج في آخر الزمان و على رأسه عمامة بيضاء تظله [عن] (3) الشّمس.
و ينادي مناد بلسان فصيح يسمعه الثّقلان و من بين الخافقين: هذا المهديّ من آل محمد.
فيملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا. (انتهى ما في شرح الآيات الباهرة).
و قال- أيضا- في كتاب الغيبة (4) روى جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن تأويل قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ (الآية). فتنفّس [سيّدي] (5) الصّعداء. ثمّ قال: يا جابر، أما السّنة، فهي جدي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و شهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين، و إليّ، و إلى ابني (6) جعفر، و ابنه موسى، [و ابنه عليّ] (7) و ابنه محمّد، و ابنه عليّ، و إلى ابنه الحسن، و إلى ابنه محمّد الهادي المهديّ، اثنا عشر اماما حجج اللَّه في خلقه و أمناؤه على وحيه و علمه. و الأربعة الحرم الّذين هم الدّين القيّم، أربعة منهم يخرجون باسم واحد: عليّ أمير المؤمنين، و أبي عليّ بن الحسين، و عليّ بن موسى، و عليّ بن محمّد. فالإقرار بهؤلاء هو الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، أي: قولوا بهم جميعا، تهتدوا.
وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): عن الباقر- (عليه السلام)- يقول: جميعا.
و هو مصدر، كفّ عن الشيء. فإنّ الجميع مكفوف عن الزّيادة، و تقع موقع الحال.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36): بشارة و ضمان لهم بالنضرة، بسبب تقواهم.
إِنَّمَا النَّسِيءُ، أي: تأخير حرمة الشّهر إلى شهر آخر. كانوا إذا جاء شهر
____________
(1) المصدر: رغبتي.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الأمين.
(3) من المصدر.
(4) الغيبة/ 96.
(5) من المصدر.
(6) المصدر: ابنه.
(7) من المصدر.
(8) تفسير القمي 1/ 289- 290 ببعض التصرّف
456
حرام، و هم محاربون، أحلّوه و حرّموا مكانه شهرا آخر. حتّى رفضوا خصوص الأشهر، و اعتبروا مجرّد العدد.
و عن نافع (1): «انّما النّسيّ» بقلب الهمزة ياء، و ادغام الياء فيها.
و قرئ (2): «النّسي» بحذفها: كالرّمي. و نسبه في مجمع البيان (3) إلى الباقر- (عليه السلام)-. و في الجوامع (4) إلى الصّادق- (عليه السلام)-. و «النّسء» و «النّساء» و ثلاثتها مصادر نسأه: إذا أخّره.
زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ: لأنه تحريم ما أحلّ اللَّه، و تحليل ما حرّمه. فهو كفر آخر ضمّوه إلى كفرهم.
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا: إضلالا زائدا.
و قرأ (5) حمزة و الكسائي و حفص: «يضلّ» على البناء للمفعول.
و عن يعقوب (6): «يضلّ»، على أنّ الفعل للّه.
يُحِلُّونَهُ عاماً: يحلّون «النّسيء» من الأشهر الحرم سنة، و يحرّمون مكانه شهرا آخر.
وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً: فيتركونه على حرمته.
و الجملتان تفسير للضّلال، أو حال.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): كان سبب نزولها، أنّ رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحلّين طيء و خثعم في شهر المحرّم، و أنسأته و حرّمت بدله صفر. فإذا كان العام المقبل يقول: قد أحللت صفر و أنسأته، و حرّمت بدله شهر المحرّم. فأنزل اللَّه «إنّما النّسيء» (الآية).
و قيل (8): أوّل من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكنانيّ. كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم، فأحلّوه. ثمّ ينادي في القابل: إنّ آلهتكم قد حرّمت عليكم المحرّم، فحرّموه.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 414.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
3 و 4- مجمع البيان 3/ 28، و جوامع الجامع/ 178.
(5) أنوار التنزيل 1/ 415.
(6) أنوار التنزيل 1/ 415.
(7) تفسير القمي 1/ 290.
(8) أنوار التنزيل 1/ 415.
457
لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، أي: ليوافقوا عدة الأربعة المحرّمة.
و «اللّام» متعلقة «بيحرّمونه». أو بما دلّ عليه مجموع الفعلين.
فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ: بمواطأة العدة و حدّها، من غير مراعاة الوقت.
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ.
و قرئ (1)، على البناء للفاعل، و هو اللَّه- تعالى-. و المعنى: خذلهم و أظلّهم، حتّى حسبوا قبيح أعمالهم حسنا.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (37): هداية موصلة إلى الاهتداء.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ: تباطأتم.
و قرئ (2): «تثاقلتم»، على الأصل. و «اثاقلتم»، على الاستفهام للتّوبيخ.
إِلَى الْأَرْضِ: متعلّق به، كأنّه ضمن معنى: الإخلاد و الميل، فعدي «بإلى».
و في الجوامع (3): كان ذلك في غزوة تبوك، في سنة عشر، بعد رجوعهم من الطائف. استفروا في وقت قحط و قيظ مع بعد الشقّة و كثرة العدوّ، فشقّ ذلك عليهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و ذلك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يسافر سفرا بعد و لا أشدّ منه. و كان سبب ذلك، أنّ الصيّافة (5) كانوا يقدمون المدينة من الشّام معهم الدّرموك (6) و الطّعام، و هم الأنباط، فأشاعوا بالمدينة أنّ الرّوم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عسكر عظيم، و أنّ هرقل قد سار (7) في [جنوده، و جلب] (8) معهم غسّان و جذام و بهراء و عاملة، و قد قدم عساكره البلقاء (9)، و نزل هو حمص.
فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصحابه بالتّهيّؤ إلى تبوك، و هي من بلاد البلقاء (10)، و بعث إلى القبائل حوله و إلى مكة و إلى من أسلم من خزاعة و مزينة و جهينة،
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 415.
(2) أنوار التنزيل 1/ 415.
(3) جوامع الجامع/ 178.
(4) تفسير القمي 1/ 290- 291.
(5) أصاف القوم إذا دخلوا في الصيف و صائفة القوم مسيرتهم في الصيف.
(6) الدرمك كجعفر: الدقيق الأبيض.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: صار.
(8) المصدر: جنود رحلت.
9 و 10- كذا في المصدر. و في النسخ: البلغا.
458
و حثّهم على الجهاد. و أمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعسكره فضرب في ثنية الوداع.
و أمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوة به، و من كان عنده شيء أخرجه. و حمّلوا و قوّوا (1) و حثّوا على ذلك. ثمّ خطب خطبته (2)، و رغّب النّاس في الجهاد.
[لما سمعوا هذا من رسول اللَّه] (3) قدمت القبائل من العرب ممّن استنفرهم، و قعد عنه قوم من المنافقين [و غيرهم] (4).
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا: و غرورها.
مِنَ الْآخِرَةِ: بدل الآخرة و نعيمها.
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا: فما التّمتّع بها.
فِي الْآخِرَةِ: في جنب الآخرة.
إِلَّا قَلِيلٌ (38): مستحقر.
إِلَّا تَنْفِرُوا: إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه.
يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً: بالإهلاك بسبب فظيع، كالقحط و ظهور عدوّ.
وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ: و يستبدل بكم آخرين مطيعين، كأهل اليمن و أبناء فارس.
وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً: إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئا. فإنّه الغنيّ عن كلّ شيء و النصرة. و في كلّ أمر.
و قيل (5): الضّمير الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أي: و لا تضرّوه، فإنّ اللَّه وعد له بالعصمة و النّصرة، و وعده حقّ.
وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39): فيقدر على التّبديل و تغيير الأسباب و النّصرة بلا مدد، كما قال:
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ: ان لم تنصروه فسينصره اللَّه، كما نصره.
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ: و لم يكن معه إلّا رجل واحد. فحذف الجزاء و أقيم ما هو، كالدّليل عليه، مقامه. أو ان لم تنصروه، فقد أوجب اللَّه له النصرة
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قرّوا.
(2) الخطبة بتمامها في المصدر.
(3) من المصدر و في النسخ: بدل ما بين المعقوفتين قال.
(4) ليس في المصدر.
(5) أنوار التنزيل 1/ 415.
459
حتّى نصره في مثل ذلك الوقت، فلن يخذله في غيره. و إسناد الإخراج إلى الكفرة، لأنّ همّهم بإخراجه أو قتله، تسبّب لإذن اللَّه له بالخروج.
و قرئ (1): «ثاني اثنين» بالسّكون، على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب. و نصبه على الحال.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إن أبا طالب أظهر الكفر و أسرّ (3) الإيمان. فلمّا حضرته الوفاة، أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اخرج منها، فليس لك بها ناصر [فهاجر الى المدينة] (4)
إِذْ هُما فِي الْغارِ: بدل من «إذ أخرجه» بدل البعض، إذ المراد به زمان متّسع.
و «الغار» نقب في أعلى ثور. و هو جبل في يمين مكّة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثا.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى سعد بن عبد اللَّه القميّ:
عن الحجّة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: يا سعد، و حين ادّعى خصمك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما أخرج من نفسه مختار هذه الأمة إلى الغار، الا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد أمور التأويل، [و الملقى] (6) إليه أزمّة الأمّة، و عليه المعوّل في لمّ الشّعث و سدّ الخلل و إقامة الحدود و تسرية (7) الجيوش لفتح بلاد الكفر.
فلمّا (8) أشفق على نبوّته، أشفق على خلافته. إذ لم يكن من حكم الاستتار و التّواري، أن يروم الهارب من الشّرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه. و إنّما أبات عليا- (عليه السلام)- على فراشه، لما لم [يكن] (9) يكترث له [و لم يحفل به] (10).
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 415.
(2) كمال الدين/ 174 ح 31.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ستر.
(4) من المصدر.
(5) كمال الدين/ 462- 463.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: تسريب.
(8) فكما.
(9) من المصدر.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تجعل له.
460
لاستثقاله إيّاه و علمه، أنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب (1) الّتي كانت يصلح لها.
فهلّا نقضت (2) دعواه بقولك: أليس قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الّذين هم الخلفاء الرّاشدون في مذهبكم؟ و كان لا يجد بدا من قوله لك: بلى.
قلت له (3) حينئذ: أليس كما علم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر، علم أنها من بعد أبي بكر لعمر و من بعد عمر لعثمان و من بعد عثمان لعليّ- (عليه السلام)- فكان- أيضا- لا يجد بدّا من قوله لك: نعم.
ثمّ كنت تقول له: فكان الواجب على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يخرجهم جميعا على التّرتيب (4) إلى الغار، و يشفق عليهم، كما أشفق على أبي بكر. و لا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم، و تخصيصه أبا بكر و إخراجه مع نفسه دونهم.
و في كتاب علل الشّرائع (5)، بإسناده إلى ابن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة، فقالوا: ما بال أمير المؤمنين لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة و الزّبير و عائشة و معاوية؟
فبلغ ذلك عليا- (عليه السلام)- فأمر أن ينادى: الصلاة الجامعة. فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه. ثمّ قال: يا معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا و كذا.
قالوا: صدق أمير المؤمنين، قد قلنا ذلك.
قال: إنّ لي بسنة الأنبياء قبلي (6) اسوة فيما فعلت. قال اللَّه- تعالى- في محكم كتابه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (7).
قالوا: و من هم، يا أمير المؤمنين.
قال: أوّلهم إبراهيم- (عليه السلام)-.
- إلى أن قال-: و لي بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أسوة حين فرّ من قومه و لحق
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: للخطور.
(2) المصدر: نقضت عليه.
(3) في المصدر: «فكيف تقول» بدل «له».
(4) المصدر: [على الترتيب].
(5) علل الشرائع 148- 149، ح 7.
(6) ليس في المصدر.
(7) الأحزاب: 21.
461
بالغار من خوفهم، و أنامني على فراشه. فإن قلتم: فرّ من قومه لغير خوف، فقد كفرتم.
و ان قلتم: خافهم و أنامني على فراشه و لحق بالغار من خوفهم، فالوصيّ أعذر.
إِذْ يَقُولُ: بدل «ثاني». أو ظرف «لثاني».
لِصاحِبِهِ: و هو أبو بكر.
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا: بالعصمة و المعونة.
و في الكافي (1): حميد بن زياد، عن محمد بن أيّوب، عن عليّ ابن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن، فإنّ اللَّه معنا. و قد أخذته الرّعدة، و هو لا يسكن. فلمّا رأى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حاله قال له: تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدّثون، و أريك جعفرا و أصحابه في البحر يغوصون؟
قال: نعم.
فمسح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيده على وجهه، فنظر إلى الأنصار يتحدّثون و نظر إلى جعفر و أصحابه في البحر يغوصون. فأضمر تلك السّاعة، أنه ساحر.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ: أمنته، التي تسكن إليها القلوب.
عَلَيْهِ: على النبيّ.
قيل (2): و على صاحبه. و هو الأظهر، لأنّه كان منزعجا.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن عبد اللَّه بن محمّد الحجّال قال: كنت عند أبي الحسن الثّاني، و معي الحسن بن الجهم.
فقال له [الحسن] (4): إنّهم كانوا (5) يحتجّون علينا بقول اللَّه- تبارك و تعالى-:
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ.
قال و ما لهم في ذلك؟ [من حجّة] (6) فو اللَّه، لقد قال اللَّه:
____________
(1) الكافي 8/ 262- 263، ح 377.
(2) أنوار التنزيل 1/ 416.
(3) تفسير العياشي 2/ 88- 89 ح 58.
(4) من المصدر.
(5) ليس في المصدر.
(6) ليس في المصدر.
462
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ. [قال ألا ترى أنّ السّكينة أنّما نزلت على رسوله] (1) و ما ذكره فيها بخير.
قال: قلت له: جعلت فداك، هكذا تقرءونها (2)؟
قال: هكذا قرأتها.
قال زرارة: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ [عَلى رَسُولِهِ] (3).
ألا ترى أنّ السكينة انما نزلت على رسوله؟
و في الجوامع (4)، نسب القراءة إلى الصادق- (عليه السلام)- أيضا.
و في كتاب الخصال (5): عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، عن عليّ- (عليه السلام)- أنه قال، و قد سأله رأس اليهود عمّا امتحن اللَّه به الأوصياء في حياة الأنبياء و بعد وفاتهم: يا أخا اليهود، إنّ اللَّه- تعالى- امتحنني في حياة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سبعة مواطن. فوجدني فيها، من غير تزكية لنفسي بنعمة اللَّه، له مطيعا.
قال فيم و فيم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أمّا أوّلهنّ- إلى أن قال-: و أمّا الثانية، يا أخا اليهود، فإنّ قريشا [لم تزل تخيّل] (6) الآراء و تعمل الحيل في قتل النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك في (7) يوم [الدار] (8) دار النّدوة، و إبليس الملعون، حاضر في صورة أعور ثقيف. فلم تزل تضرب أمرها ظهرا [لبطن] (9) و بطنا، حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب (10) من كلّ فخذ من قريش رجل، ثمّ يأخذ كلّ رجل [منهم] (11) سيفه، ثمّ يأتي النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو نائم على فراشه، فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلونه. فإذا (12) قتلوه، منعت قريش رجالها و لم تسلّمها. فيمضى دمه هدرا.
فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- على النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأنبأه بذلك،
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تقرأها.
(3) من المصدر، و في النسخ بدل ما بين المعقوفتين: قال.
(4) جوامع الجامع/ 178.
(5) الخصال/ 365- 367.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نزل بحيك.
(7) ليس في المصدر.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: و بطنا.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: تندب.
(11) من المصدر.
(12) المصدر: فيقتلوه و إذا.
463
و أخبره باللّيلة الّتي يجتمعون فيها [و الساعة التي يأتون فراشه فيها] (1). و أمره بالخروج في الوقت الّذي خرج فيه إلى الغار. فأنبأني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالخبر، و أمرني أن أضطجع في مضجعه [و أقيه بنفسي فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه فمضى- (عليه السلام)- لوجهه و اضطجعت في مضجعه] (2). و أقبلت رجال من قريش موقنة في أنفسها بقتل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فلمّا [استووا في] (3) البيت الّذي أنا فيه، ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه اللَّه و الناس (4).
ثمّ أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟
قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين.
و في احتجاجه (5)- (عليه السلام)- على أبي بكر، قال: فأنشدك باللّه، أنا وقيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بنفسي يوم الغار أم أنت؟
[قال: بل أنت] (6).
و في احتجاجه (7)- (عليه السلام)- على النّاس يوم الشّورى، قال: فأنشدكم باللّه، هل فيكم أحد وقى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيث جاء المشركون يريدون قتله، فاضطجعت في مضجعه و ذهب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نحو الغار، و هم يرون (8) أني أنا هو. فقالوا: أين ابن عمّك؟ فقلت: لا أدري. فضربوني حتّى كادوا يقتلونني غيري؟
قالوا: اللّهم، لا.
و في مناقبه (9)- (عليه السلام)- و تعدادها، قال- (عليه السلام)-: و أما (10) السّابعة، أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنامني على فراشه حيث ذهب إلى الغار، و سجاني ببرده.
فلمّا جاء المشركون ظنوني محمدا، فأيقظوني و قالوا: ما فعل صاحبك؟
فقلت: ذهب في حاجة.
فقالوا: لو كان هرب، لهرب هذا معه.
____________
(1) من المصدر.
(2) من المصدر.
(3) المصدر: استوى بي و بهم.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: اللَّه.
(5) الخصال/ 549.
(6) من المصدر.
(7) الخصال/ 560.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يريدون.
(9) الخصال/ 572.
(10) ليس في المصدر.
464
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطاب: نشدتكم باللَّه، هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الطّعام و هو في الغار، و يخبره الأخبار (2) غيري؟
قالوا: لا.
و روي (3): عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- أنّ عليا- (عليه السلام)- قال ليهوديّ في أثناء كلام طويل: و لئن كان يوسف القي في الجبّ، فلقد حبس محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفسه مخافة عدوه في الغار حتّى قال لصاحبه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا و مدحه [اللَّه] (4) في كتابه.
وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، يعني: الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو ليعينوه على العدوّ يوم بدر و الأحزاب و حنين. فتكون الجملة معطوفة على قوله: «نصره اللَّه».
وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى.
قيل (5): يعني: الشّرك، أو دعوة الكفر.
و في تفسير العيّاشيّ (6): قال زرارة: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هو الكلام الّذي يتكلّم به عتيق.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم، ما في معناه (7).
وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا.
قيل (8): يعني: التّوحيد، أو دعوة الإسلام. و المعنى: و جعل ذلك بتخليص الرّسول عن أيدي الكفّار إلى المدينة، فإنّه المبدأ له. أو بتأييده إيّاه بالملائكة في هذه المواطن. أو بحفظه و نصره له حيث حضر.
____________
(1) الاحتجاج 1/ 204.
(2) المصدر: بالأخبار.
(3) الاحتجاج 1/ 320.
(4) المصدر: إليه بذلك.
(5) أنوار التنزيل 1/ 416.
(6) تفسير العياشي 2/ 89 ذيل ح 58.
(7) لم نعثر في تفسير القمي على كلام كذلك بل العبارة منقولة من تفسير الصافي 2/ 344.
(8) أنوار التنزيل 1/ 416.
465
و قرأ (1) يعقوب: «كلمة اللَّه» بالنّصب، عطفا على «كلمة الّذين». و الرّفع أبلغ، لما فيه من الإشعار بأنّ كلمة اللَّه عالية في نفسها. و ان فاق غيرها، فلا ثبات لتفوقه و لا اعتبار. و لذلك وسّط الفصل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): هو قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40): في أمره و تدبيره.
انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا قيل (3): لقلّة عيالكم و لكثرتها. أو ركبانا و مشاة. أو خفافا و ثقالا من السّلاح. أو صحاحا و مراضا، و لذلك لمّا قال ابن أمّ مكتوم لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعليّ أن أنفر؟ قال: نعم. حتّى نزل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ (4).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال شبانا و شيوخا، يعني: إلى غزوة تبوك.
وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: بما أمكن لكم منهما، كليهما أو أحدهما.
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ: من تركه.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41): الخير، علمتم أنّه خير لكم. أو إن كنتم تعلمون أنه خير، إذ إخبار اللَّه به صادق فبادروا إليه.
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً: لو كانوا ما دعوا إليه نفعا دنيويا قريبا، سهل المأخذ.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): عن الباقر- (عليه السلام)- يقول: غنيمة قريبة.
وَ سَفَراً قاصِداً: متوسّطا.
لَاتَّبَعُوكَ: لوافقوك.
وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ: المسافة الّتي تقطع بمشقّة.
و قرئ (7)، بكسر العين و الشّين.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): إلى تبوك.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 416.
(2) تفسير القمي 1/ 290.
(3) أنوار التنزيل 1/ 416.
(4) النور: 61 و الفتح: 17.
(5) تفسير القمي 1/ 290.
(6) تفسير القمي 1/ 290.
(7) أنوار التنزيل 1/ 416.
(8) تفسير القمّي 1/ 290.
466
و في كتاب التّوحيد (1): حدّثني أبي و محمد بن الحسن [بن أحمد بن الوليد] (2)- رضي اللَّه عنهما- قالا: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد اللَّه بن محمّد الحجّال الأسدي، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية: [إنّهم كانوا يستطيعون] (3) و قد كان في العلم أنّه لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لفعلوا.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قال اللَّه- عزّ و جلّ-: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ (الآية): أنّهم يستطيعون. و قد كان في علم اللَّه [أنّه] (5) «لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا» لفعلوا.
وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ، أي: المتخلّفون، إذا رجعت من تبوك مقتدرين.
لَوِ اسْتَطَعْنا: لو كان لنا استطاعة العدّة، أو البدن.
و قرئ (6): «لو استطعنا» بضمّ الواو، تشبيها لها بواو الضّمير في قوله: «اشتروا الضّلالة».
لَخَرَجْنا مَعَكُمْ: سادّ مسدّ جوابي القسم و الشرط. و هذا من المعجزات، لأنّه إخبار عمّا وقع قبل وقوعه.
يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ: بإيقاعها في العذاب. و هو بدل من «سيحلفون»، لأنّ الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك. أو حال من فاعله.
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (42): في ذلك، لأنّهم كانوا مستطيعين للخروج.
و في كتاب التّوحيد (7): حدثنا أبي و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنهما- قالا: حدّثنا [سعد بن عبد اللَّه قال: حدثنا] (8) أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية.
____________
(1) التوحيد/ 351 ح 15.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 89 ح 59.
(5) من المصدر.
(6) أنوار التنزيل 1/ 416.
(7) التوحيد/ 351 ح 16.
(8) من المصدر.
467
قال: كذّبهم (1) اللَّه في قولهم: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ. و قد كانوا مستطيعين للخروج.
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ: بيان لما كنّى عنه بالعفو، و معاتبة عليه.
و المعنى: لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك و اعتلّوا بأكاذيب، و هلّا توقّف؟
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا: في الاعتذار.
وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43): فيه.
قيل (2): انّما فعل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شيئين لم يؤمر بهما: أخذه الفداء (3)، و إذنه للمنافقين. فعاتبه اللَّه عليهما.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- يقول: لتعرف (5) أهل العذر (6)، و الّذين جلسوا بغير عذر.
و في الجوامع (7): و هذا من لطيف المعاتبة، بدائه بالعفو قبل العتاب. و يجوز العتاب من اللَّه فيما غيره أولى، لا سيما للأنبياء. و ليس، كما قاله جار اللَّه، من أنّه كناية عن الجناية. و حاشا سيد الأنبياء و خير بني حوّاء من أن ينسب إليه جناية.
و في عيون الأخبار (8): عن الرّضا- (عليه السلام)- بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا- (عليه السلام)-.
فقال له المأمون: يا ابن رسول اللَّه، أليس من قولك: إن الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول اللَّه- عزّ و جلّ- إلى أن قال: فأخبرني عن قوله- تعالى-:
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ.
قال الرّضا- (عليه السلام)-: هذا مما نزل بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة. خاطب اللَّه بذلك نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أراد به أمّته. و كذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-:
____________
(1) المصدر: أكذبهم.
(2) أنوار التنزيل 1/ 417.
(3) المصدر: للفداء.
(4) تفسير القمي 1/ 294.
(5) المصدر: تعرف.
(6) المصدر: أهل الغدر.
(7) جوامع الجامع/ 179.
(8) العيون 1/ 195 و 202.
468
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (1). و قوله: لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (2).
قال: صدقت، يا ابن رسول اللَّه.
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ، أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا. و انّ الخلص منهم يبادرون إليه و لا يوقفونه (3) على الإذن فيه، فضلا أن يستأذنوا في التّخلف عنه. أو أن يستأذنوك في التّخلف، كراهة أن يجاهدوا.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44): شهادة لهم بالتّقوى، و عدة لهم بثوابه.
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ: في التّخلف.
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ: تخصيص الإيمان باللَّه و اليوم الآخر في الموضعين، للإشعار بأنّ الباعث على الجهاد و الوازع عنه الإيمان و عدم الإيمان بهما.
وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45): يتحيّرون.
في كتاب الخصال (4): عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من تردّد في الرّيب، سبقه الأوّلون و أدركه الآخرون و وطأته (5) سنابك الشّياطين.
و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: من تردّد في الرّيب، وطأته سنابك الشّياطين.
وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ: للخروج.
عُدَّةً: اهبة.
و قرى (7)، بحذف التّاء عند الإضافة، كقوله: و أخلفوك عدّ الأمر الّذي و عدوا.
و «عدة» بكسر العين، بإضافة و بغيرها.
و في تفسير العيّاشيّ (8): عن المغيرة قال: سمعته يقول في قول اللَّه: وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً.
____________
(1) الزمر: 65.
(2) الاسراء: 74.
(3) أ، ب، ر: لا يوقنون.
(4) الخصال/ 233.
(5) قطعته.
(6) نهج البلاغة/ 474 ذيل حكمة 31.
(7) أنوار التنزيل 1/ 417.
(8) تفسير العياشي 2/ 89 ح 60.
469
قال: يعني: بالعدّة النيّة. يقول: لو كان لهم نيّة، لخرجوا.
و في كتاب الخصال (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: إذا أردتم الحجّ، فتقدّموا في شراء (2) الحوائج ببعض يقوتكم (3) على السّفر. فان اللَّه يقول: وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً.
وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ: استدراك عن مفهوم قوله: وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ، كأنّه قال: ما خرجوا، و لكن ثبّطوا. لأنّه- تعالى- كره انبعاثهم، أي: نهوضهم للخروج.
فَثَبَّطَهُمْ: فحبسهم بالجبن و الكسل.
وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (46): تمثيل الإلقاء اللَّه- تعالى- كراهة الخروج في قلوبهم. أو وسوسة الشّيطان بالأمر بالعقود. أو حكاية قول بعضهم لبعض. أو إذن الرّسول لهم.
و «القاعدين» يحتمل المعذورين و غيرهم. و على الوجهين لا يخلو عن ذمّ.
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ: بخروجهم شيئا.
إِلَّا خَبالًا: فسادا و شرّا. و لا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال، حتّى لو خرجوا زادوه. لأنّ الزّيادة باعتبار أعمّ العامّ الذي وقع منه الاستثناء. و لأجل هذا التّوهم جعل الاستثناء منقطعا، و ليس كذلك لأنّه لا يكوم مفرغا.
وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ: و لأسرعوا ركائبهم بينكم بالنّميمة و التضريب، أو الهزيمة و التّخذيل. من وضع البعير وضعا: إذا أسرع.
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ: يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف بينكم، أو الرّعب في قلوبكم.
و الجملة، حال، من الضّمير في «أوضعوا».
وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ: ضعفة يسمعون قولهم و يطيعونهم. أو نمّامون يسمعون حديثكم، للنّقل إليهم.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47): فيعلم ضمائرهم و ما يتأتى منهم.
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ: تشتيت أمرك، و تفريق أصحابك.
____________
(1) الخصال/ 617.
(2) المصدر: شرى.
(3) المصدر: ما يقويكم.
470
مِنْ قَبْلُ، يعني: يوم أحد. فإنّ ابن أبي و أصحابه، كما تخلّفوا عن تبوك بعد ما خرجوا مع الرّسول إلى ذي جدة أسفل من ثنية الوداع، انصرفوا يوم أحد.
وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: و دبّروا لك المكائد و الحيل، و زوّروا الآراء في إبطال أمرك.
حَتَّى جاءَ الْحَقُ: النصر و التأييد الإلهيّ.
وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ: و علا دينه.
وَ هُمْ كارِهُونَ (48)، أي: على رغم منهم.
و الآيتان لتسلية الرّسول و المؤمنين على تخلّفهم، و بيان ما ثبّطهم اللَّه لأجله و كره انبعاثهم له، و هتك أستارهم و كشف أسرارهم و إزاحة اعتذارهم، تداركا لما فوت الرّسول- (عليه السلام)- بالمبادرة إلى الإذن.
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي: في القعود.
وَ لا تَفْتِنِّي: و لا توقعني في الفتنة، أي: العصيان و المخالفة، بأن لا تأذن لي.
و فيه إشعار بأنه لا محالة متخلّف أذنه أو لم يأذن.
أو في الفتنة بسبب ضياع المال و العيال، إذ لا كافل لهم بعدي.
أو في الفتنة بنساء الرّوم، لمّا يأتي في تفسير عليّ بن إبراهيم.
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، أي: انّ الفتنة هي الّتي سقطوا فيها. و هي فتنة التخلّف و ظهور النفاق، لا ما احترزوا عنه.
وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (49): جامعة لهم يوم القيامة. أو الآن، لاحاطة أسبابها بهم.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): لقي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الحر (2) بني قيس.
فقال له: يا أبا وهب، ألا تنفر معنا في هذه الغزوة (3)، لعلّك أن تحتفد (4) من بنات الأصفر (5)؟
____________
(1) تفسير القمي 1/ 291- 292.
(2) المصدر: الجدّ.
(3) المصدر: الغزاة.
(4) المصدر: تستحفد.
حفد فلانا: خدمه، و احتفد بمعنى: حفد.
(5) أ، ب: الأصغر. بنو الأصفر: الروم و قيل:
471
فقال: يا رسول اللّه، و اللّه ان قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشدّ عجبا بالنّساء مني. و أخاف إن خرجت معك، ان لا أصبر إذا رأيت بنات الأصفر. فلا تفتنّي و ائذن لي أن أقيم.
و قال لجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحرّ.
فقال ابنه: تردّ على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فتقول (1) ما تقول. ثمّ تقول لقومك: لا تنفروا في الحرّ، و اللَّه، لينزلنّ اللَّه (2) في هذا قرآنا يقرأه النّاس إلى يوم القيامة، فأنزل اللَّه على رسوله في ذلك وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي (الآية) ثمّ قال الحر بن قيس (3): أ يطمع محمد أنّ حرب الرّوم، مثل حرب غيرهم لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا.
إِنْ تُصِبْكَ: في بعض غزواتك.
حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ: لفرط حسدهم.
وَ إِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ: كسر أو شدة، كما أصاب يوم احد.
يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ: يتبجّحون بانصرافهم، و استحمدوا آراءهم في التخلّف.
وَ يَتَوَلَّوْا: عن متحدّثهم بذلك و مجتمعهم له. أو عن الرسول.
وَ هُمْ فَرِحُونَ (50): مسرورون.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): عن الباقر- (عليه السلام)-: أمّا الحسنة، فالغنيمة و العافية. و أما المصيبة، فالبلاء و الشّدة.
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا: إلّا ما اختصّنا بإثباته و إيجابه من النصرة، أو الشّهادة. أو ما كتب لأجلنا في اللّوح المحفوظ، لا يتغير بموافقتكم و لا بمخالفتكم.
و قرئ (5): «و هل يصيبنا». و هو من فيعل لا من فعل، لأنه من بنات الواو.
لقولهم: صاب السهم يصوب. و اشتقاقه من الصواب، لأنّه وقوع الشيء فيما قصد به.
و قيل (6): من الصوب.
____________
سمّوا بذلك لأن أباهم الأول كان أصفر اللّون، و هو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم.
(1) المصدر: و نقول له.
(2) ليس في المصدر.
(3) المصدر: الجد بن قيس.
(4) تفسير القمي 1/ 292.
5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 418.
472
هُوَ مَوْلانا: ناصرنا و متولي أمرنا.
وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51): لأنّ حقّهم أن لا يتوكلوا على غيره.
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا: تنتظرون بنا.
إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: إلا إحدى العاقبتين اللّتين كلّ منهما حسنى العواقب، النصرة و الشّهادة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- يقول: الغنيمة و الجنّة.
وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ: أيضا إحدى السّوأيين.
أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ: بقارعة من السّماء.
أَوْ بِأَيْدِينا: أو بعذاب بأيدينا، و هو القتل على الكفر.
فَتَرَبَّصُوا: ما هو عاقبتنا.
إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52): ما هو عاقبتكم.
و في نهج البلاغة (2). قال عليّ- (عليه السلام)-: و كذلك المرء المسلم البريء من الخيانة (3) ينتظر إحدى الحسنيين: إمّا داعي اللَّه، فما عند اللَّه خير له. و إما رزق اللَّه، فإذا هو ذو أهل و مال، و معه دينه و حسبه.
و في روضة الكافي (4): علي بن محمد، عن عليّ بن عبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: قوله- عزّ و جلّ-: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ.
قال: إمّا موت في طاعة اللَّه، أو إدراك (5) ظهور إمامه (6). و نحن نتربّص بهم مع ما نحن فيه من الشّدة أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ قال: هو المسخ. أَوْ بِأَيْدِينا و هو القتل. قال اللَّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:
____________
(1) تفسير القمي 1/ 292، و الظاهر ان السند هذا هو سند الشرح الوارد للآية السابقة.
(2) نهج البلاغة/ 64 ضمن خطبة 23.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الجنابة.
(4) الكافي 8/ 286- 287 ذيل ح 431.
(5) المصدر: أدرك.
(6) المصدر: إمام.
473
فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (1). و «التربص» انتظار وقوع البلاء بأعدائهم.
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ: أمر في معنى الخبر، أي: لن يتقبّل منكم نفقاتكم، أنفقتم طوعا أو كرها.
و فائدته المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القبول، كأنّهم أمروا بأن يمتحنوا فينفقوا و ينظروا، هل يتقبّل منهم.
قيل (2): و هو جواب قول حرّ (3) بن قيس: و أعينك بمالي. و نفي التقبل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، و أن لا يثابوا عليه.
و قوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53) تعليل له على سبيل الاستئناف، و ما بعده بيان و تقرير له.
وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ، أي: و ما منعهم قبول نفقاتهم إلّا كفرهم.
و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ: «أن يقبل» بالياء. لأنّ تأنيث النّفقات غير حقيقيّ.
و قرئ (5): «يقبل»، على أنّ الفعل للَّه.
و في أصول الكافي (6): محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي بكير، عن أبي أمية، يوسف بن ثابت قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: لا يضرّ مع الإيمان عمل، و لا ينفع مع الكفر عمل. ألا ترى أنه قال: وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ.
محمّد بن يحيى (7)، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن ثعلبة، عن أبي أميّة، يوسف بن ثابت بن أبي سعدة (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الإيمان لا يضرّ معه عمل، و كذلك الكفر لا ينفع معه عمل.
و في روضة الكافي (9): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن
____________
(1) المصدر: المتربّصون.
(2) أنوار التنزيل 1/ 419.
(3) المصدر: جدّ.
(4) أنوار التنزيل 1/ 419.
(5) نفس المصدر، و الموضع.
(6) الكافي 2/ 464 ح 3.
(7) الكافي 2/ 464 ح 4.
(8) ر: أبي سعيدة.
(9) الكافي 8/ 107، ضمن ح 80.
474
عليّ بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي أمية، يوسف بن ثابت بن أبي سعيدة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل: و اللَّه، لو أنّ رجلا صام النّهار و قام الليل، ثمّ لقي اللَّه- عزّ و جلّ- بغير ولايتنا أهل البيت، لقيه اللَّه و هو عنه غير راض أو ساخط عليه.
ثمّ قال: و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ (الآية).
ثمّ قال: و كذلك الإيمان لا يضرّ معه العمل، و كذلك الكفر لا ينفع معه العمل.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فكلّ عمل مجرى على (2) غير أيدي أهل الأصفياء و عهودهم و حدودهم (3) و شرائعهم و سننهم و معالم دينهم، مردود غير مقبول. و أهله بمحلّ كفر، و إن شملتهم صفة الإيمان. ألم تسمع قول اللَّه- عزّ و جلّ- وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ. فمن لم يهتد من أهل الإيمان إلى سبيل النّجاة، لم يغن عنه إيمانه باللَّه مع دفع حقّ أوليائه، و حبط عمله (4)، و هو في الآخرة من الخاسرين.
وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى: متثاقلين.
و في كتاب الخصال (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: لا يقومنّ (6) أحدكم في الصّلاة متكاسلا و لا ناعسا، و لا يفكرن (7) في نفسه. فانه بين يدي اللَّه- عزّ و جلّ- و إنّما للعبد من صلاته ما أقبل عليها منها [بقلبه] (8).
وَ لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَ هُمْ كارِهُونَ (54): لأنّهم كانوا لا يرجون بهما ثوابا، و لا يخافون على تركهما عقابا.
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ: فإن ذلك استدراج، و وبال لهم.
في مجمع البيان (9): الخطاب للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و المراد جميع المؤمنين.
____________
(1) الإحتجاج 1/ 369.
(2) المصدر: فكل من عمل من أعمال الخير فجرى على.
(3) ليس في المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عملهم.
(5) الخصال/ 613.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يقوم.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يكفرون.
(8) من المصدر.
(9) مجمع البيان 3/ 39.
475
و قيل (1): الخطاب للسّامع.
و في روضة الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي المعزاء، عن زيد الشّحام، عن عمرو بن سعيد بن الهلال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال: أوصيك بتقوى اللَّه، و صدق الحديث، و الورع و الاجتهاد. و اعلم أنّه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه. و ايّاك أن تطمح نفسك إلى من فوقك، و كفى بما قال اللَّه- عزّ و جلّ- لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: بسبب ما يكابدون لجمعها و حفظها من المتاعب، و ما يرون فيها من الشّدائد و المصائب.
وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ (55): فيموتوا كافرين مشتغلين بالتّمتّع عن النّظر في العاقبة، فيكون ذلك استدراجا لهم.
و أصل الزّهوق: الخروج بصعوبة.
وَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ: لمن جماعة المسلمين.
وَ ما هُمْ مِنْكُمْ: لكفر قلوبهم.
وَ لكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56): يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، فيظهرون الإسلام تقيّة.
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً: حصنا يلجئون إليه.
أَوْ مَغاراتٍ: غيرانا.
أَوْ مُدَّخَلًا: نفقا ينجحرون فيه. مفتعل، من الدّخول.
و قرأ (3) يعقوب: «مدخلا». من دخل.
و قرى (4): «مدخلا»، أي: مكان يدخلون فيه أنفسهم. و «متدخلا» من تدخّل. و «مندخلا» من اندخل.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال: موضعا يلتجئون إليه.
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 349.
(2) الكافي 8/ 168 ح 189.
(3) أنوار التنزيل 1/ 419.
(4) نفس المصدر، و الموضع.
(5) تفسير القمي 1/ 298.
476
و في مجمع البيان (1): قيل: أسرابا في الأرض.
لَوَلَّوْا إِلَيْهِ: لأقبلوا نحوه.
وَ هُمْ يَجْمَحُونَ (57): يسرعون إسراعا لا يردّهم شيء، كالفرس الجموح.
و قرئ (2): «يجمزون». و منه الجمازة.
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ: يعيبك.
و قرأ (3) يعقوب: «يلمزك» بالضّمّ. و ابن كثير: «يلامزك».
فِي الصَّدَقاتِ: في فيئها.
فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)، يعني:
أنّ رضاهم و سخطهم لأنفسهم لا للدّين.
و «إذا» للمفاجأة، نائب مناب الفاء الجزائية.
و في مجمع البيان (4): عن الباقر- (عليه السلام)-: إذ جاءه ابن ذي الخويصرة (5) التّميميّ، و هو حرقوص (6) بن زهير أصل الخوارج. فقال: أعدل، يا رسول اللَّه.
فقال: ويلك، و من يعدل إذا لم أعدل؟! (الحديث).
إلى أن قال: فنزلت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): نزلت لمّا جاءت الصّدقات، و جاء الأغنياء و ظنّوا أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقسمهما بينهم. فلمّا وضعها في الفقراء، تغامزوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لمزوه. و قالوا: نحن الّذين نقوم في الحرب و ننفر معه و نقوي أمره، ثمّ يدفع الصّدقات إلى هؤلاء الّذين لا يغنوه (8) و لا يغنوا عنه شيئا.
و في أصول الكافي (9): عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابراهيم بن
____________
(1) مجمع البيان 3/ 40.
(2) أنوار التنزيل 1/ 419.
(3) نفس المصدر، و الموضع.
(4) مجمع البيان 3/ 40 غير مسند الى أحد من المعصومين بل أسنده إلى ابن سعيد الخدري، و ابن عباس و هكذا في نور الثقلين. و لكن في الصافي نقله من المجمع مسندا إلى الباقر (عليه السلام).
(5) المصدر: ابن أبي ذي الخويصرة.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: خرقوص.
(7) تفسير القمي 1/ 298.
(8) المصدر: لا يعينوه.
(9) الكافي 2/ 412 ح 4.
477
عبد الحميد، عن إسحاق بن غالب قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: [يا إسحاق] (1) كم ترى أهل هذه الآية فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ؟
قال: ثمّ قال: هم أكثر من ثلثي النّاس.
وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ: بما أعطاهم الرّسول من الغنيمة، أو الصّدقة. و ذكر اللَّه للتّعظيم و التّنبيه. على أنّ ما فعله الرّسول كان بأمره.
وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ: كفانا فضله.
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: صدقة، أو غنيمة أخرى.
وَ رَسُولُهُ: فيؤتينا أكثر ممّا آتانا اللَّه.
إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (59): في أن يغنينا من فضله. و الآية بأسرها في حيّز الشّرط، و الجواب محذوف، تقديره: لكان خيرا لهم.
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ، أي: الزّكاة لهؤلاء المعدودين دون غيرهم.
قيل (2): و هو دليل على أنّ المراد باللّمز: لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم.
وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها: السّاعين في تحصيلها و جمعها.
وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: قوم وحّدوا (3) اللَّه، و لم تدخل المعرفة في قلوبهم أنّ محمدا رسول اللَّه. فكان رسول اللَّه يتألّفهم و يعلّمهم لكي (4) ما يعرفوا. فجعل اللَّه لهم نصيبا في الصّدقات، لكي يعرفوا و يرغبوا.
و قيل (5): أو أشراف يترقّب بإعطائهم و مراعاتهم إسلام نظرائهم. و قد أعطى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عيينة بن حصين و الأقرع بن حابس و العبّاس بن مرداس لذلك.
و قيل (6): أشراف يستألفون.
و قيل (7): كان سهم المؤلّفة للتكثير. فلمّا أعز اللَّه الإسلام و أهله، سقط.
وَ فِي الرِّقابِ: و للصرف في فكّ الرّقاب.
____________
(1) من المصدر.
(2) أنوار التنزيل 1/ 420.
(3) أ، ب: و عدوا.
(4) أ، ب: فقط من بدل لكي.
(5) أنوار التنزيل 1/ 420.
6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 420.
478
قيل (1): العدول عن «اللّام» إلى «في»، للدّلالة على أنّ الاستحقاق للجهة لا للرّقاب.
و قيل (2)، للإيذان، بأنّهم أحقّ بها.
وَ الْغارِمِينَ: المديونين، الّذين وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللَّه من غير إسراف.
وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: و للصرف في الجهاد، بالإنفاق على المتطوّعة و ابتياع الكراع و السلاح. و الصّرف في جميع سبل الخير.
وَ ابْنِ السَّبِيلِ: المسافر المنقطع عن ماله.
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: مصدر لما دلّ عليه الآية، أي: فرض اللَّه لهم الصدقات فريضة. أو حال من الضّمير المستكنّ في «للفقراء».
و قرئ (3)، بالرّفع. على: تلك فريضة.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) يضع الأشياء في مواضعها.
قيل (4): و ظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية، و وجوب الصّرف إلى كلّ صنف وجد منهم. و مراعاة التّسوية بينهم، قضيّة للاشتراك.
و في أصول الكافي (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن صباح بن سيابة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا و لم يكن في فساد و لا إسراف، فعلى الإمام أن يقضيه. فان لم يقضه، فعليه إثم ذلك. إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ (الآية). فهو من الغارمين، و له سهم عند الإمام. فإن حبسه، فإثمه عليه.
و في الكافي (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة و محمّد بن مسلم، إنّهما قالا لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أ رأيت قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ- إلى قوله- فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ. أكلّ هؤلاء يعطى إن كان لا
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 420.
(2) نفس المصدر، و الموضع.
(3) أنوار التنزيل 1/ 420.
(4) أنوار التنزيل 1/ 420.
(5) الكافي 1/ 407 ح 7.
(6) الكافي 3/ 496- 497 ح 1.
479
يعرف؟
فقال: إنّ الإمام يعطي هؤلاء جميعا، لأنّهم يقرّون له بالطّاعة.
قال: قلت: فإن كانوا [لا] (1) يعرفون؟
فقال: يا زرارة، لو كان يعطي من يعرف [دون من لا يعرف] (2)، لم يوجد (3) لها موضع. و إنّما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدّين، فيثبت عليه. فأمّا اليوم، فلا تعطها أنت و أصحابك إلّا من يعرف. فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا، فأعطه دون النّاس.
ثمّ قال: سهم المؤلّفة قلوبهم و سهم الرّقاب عامّ، و الباقي خاصّ.
قال: قلت: فإن لم يوجدوا؟
قال: لا تكون فريضة فرضها اللَّه- عزّ و جلّ- لا يوجد لها أهل.
قال: قلت: فإن لم تسعهم الصّدقات؟
فقال: إنّ اللَّه فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم. و لو علم أنّ ذلك لا يسعهم، لزادهم. إنّهم لم يؤتوا من قبل فريضة اللَّه، و لكن أوتوا من منع من منعهم حقّهم لا ممّا فرض اللَّه لهم. و لو أنّ النّاس أدّوا حقوقهم، لكانوا عائشين بخير.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللَّه بن يحيى، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-:
قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ.
قال: «الفقير» الّذي لا يسأل النّاس، و «المسكين» أجهد منه، و «البائس» أجهدهم. فكلّ ما فرض اللَّه- عزّ و جلّ- عليك، فإعلانه أفضل من إسراره. و كل ما كان تطوعا، فإسراره أفضل من إعلانه. و لو أنّ رجلا يحمل زكاة ماله [على عاتقه] (5) فقسّمها علانية، كان ذلك حسنا جميلا.
عليّ بن إبراهيم (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة،
____________
(1) من المصدر.
(2) من المصدر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يجد.
(4) الكافي 3/ 501 ح 16.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 5/ 23 و 26- 27 صدر و قطعة من حديث 1.
480
عن عبد الكريم بن عتبة الهاشميّ قال: كنت قاعدا عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة، فيهم عمرو بن عبيد.
- إلى أن قال-: قال- (عليه السلام)- لعمرو بن عبيد: ما تقول في الصّدقة؟
فقرأ عليه الآية: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها (الى آخر الآية).
قال: نعم، فكيف تقسّمها؟
قال: أقسّمها على ثمانية أجزاء، فأعطي كلّ جزء من الثّمانية جزءا (1).
قال: و إن كان صنف منهم عشرة آلاف، و صنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة، جعلت لهذا الواحد لما (2) جعلت للعشرة آلاف؟
قال: نعم [قال: و تجمع صدقات أهل الحضر و أهل البوادي فتجعلهم فيها سواء قال: نعم] (3).
قال: فقد خالفت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في كلّ ما قلت في سيرته. كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقسم صدقات أهل البوادي في أهل البوادي، و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر. و لا يقسمه بينّهم بالسّويّة، و إنّما يقسمه على قدر ما يحضره منهم و ما يرى. و ليس عليه في ذلك شيء موقّت موظف، و إنما يصنع (4) ذلك بما يرى على قدر ما يحضره منهم. فإن كان في نفسك ممّا قلت شيء، فالق فقهاء أهل المدينة، فإنّهم لا يختلفون في أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كذا كان يصنع.
و في مجمع البيان (5): أنّ الفقير، هو المتعفف الّذي لا يسأل. و المسكين، الّذي يسأل. عن ابن عبّاس.
و الحسن و الزهريّ و مجاهد ذهبوا إلى، أنّ المسكين مشتق من المسكنة بالمسألة.
و روي ذلك عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)-.
و قيل (6): إنّ الفقير، الّذي يسأل. و المسكين، الّذي لا يسأل. و جاء في
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: جزءه.
(2) المصدر: مثل ما.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يصنع.
(5) مجمع البيان 3/ 41.
(6) مجمع البيان 3/ 41.
481
الحديث ما يدل على ذلك،
فقد روي عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنه قال: [ليس] (1) المسكين، الّذي تردّه (2) الأكلة و الأكلتان و التّمرة و التّمرتان، و لكنّ المسكين الّذي لا يجد غنيّا (3) فيغنيه و لا يسأل النّاس شيئا و لا يفطن به فيتصدق عليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): و بيّن الصّادق- (عليه السلام)- من هم، فقال:
«الفقراء» هم الّذين لا يسألون و عليهم مؤنات من عيالهم. و الدّليل على أنهم هم الّذين لا يسألون قول اللّه- عزّ و جلّ- في سورة البقرة: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (5). و «المساكين» هم أهل الزّمانة من العميان و العرجان و المجذومين و جميع أصناف الزّمنى، الرّجال و النّساء و الصّبيان. «و العاملين عليها» [هم] (6) السّعادة و الجباة في أخذها و جمعها و حفظها، حتّى يؤدّوها (7) إلى من يقسمها.
«و المؤلّفة قلوبهم» قوم وحّدوا اللّه، و لم تدخل المعرفة في قلوبهم أن محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتألّفهم و يعلّمهم كيما يعرفوا.
فجعل اللّه- عزّ و جلّ- لهم نصيبا في الصّدقات، لكي يعرفوا و يرغبوا.
و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «المؤلّفة قلوبهم» أبو سفيان بن حرب بن أميّة، و سهل (8) بن عمرو، و هو من بني عامر بن لؤيّ، و همام بن عمرو و أخوه، و صفوان بن أميّة بن خلف القرشي ثمّ [الجشمي الجمحي] (9) و الأقرع بن حابس (10) التّميميّ، ثمّ [عمر] (11) أخو بني (12) حازم، و عيينة بن حصين الفزاريّ، و مالك بن عوف و علقمة بن علاقة (13). بلغنا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يعطي الرّجل
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: يرده.
(3) كذا في المصدر، و في النسخ: غنى.
(4) تفسير القمي 1/ 298- 299.
(5) البقرة: 273.
(6) من المصدر.
(7) المصدر: يردّوها.
(8) المصدر: سهيل.
(9) كذا في المصدر، و في النسخ: الحثمي بدل ما بين المعقوفتين.
(10) أ: فانس.
(11) من المصدر.
(12) كذا في المصدر، و في النسخ: بن.
(13) كذا في المصدر، و في النسخ: مالك بن عوّام، و علقم بن علامة.
482
منهم مائة من الإبل و رعاتها، و أكثر من ذلك و أقلّ
و في أصول الكافي (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر و عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن رجل جميعا، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «المؤلّفة قلوبهم» قوم وحدوا اللّه و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه، و لم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتألّفهم و يعرّفهم لكيما يعرفوا، و يعلّمهم.
عليّ بن إبراهيم (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال: سألته] (3) عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: «و المؤلّفة».
قال: هم قوم وحّدوا اللّه- عزّ و جلّ- و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللَّه، و شهدوا أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هم في ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأمر اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه أن يتألّفهم بالمال و العطاء، لكي يحسن إسلامهم و يثبتوا على دينهم الّذي دخلوا فيه و أقرّوا به. و أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم حنين تألّف رؤساء العرب من قريش و سائر مضر، منهم أبو سفيان بن حرب و عيينة بن حصين الفزاريّ و أشباههم من النّاس. فغضب الأنصار، و اجتمعت إلى سعد بن عبادة.
فانطلق بهم إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالجعرانة، فقال: يا رسول اللَّه، أ تأذن لي في الكلام؟
فقال: نعم.
فقال: ان كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسّمت بين قومك شيئا أنزله اللَّه، رضينا. و إن كان غير ذلك، لم نرض.
قال زرارة: و سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر الأنصار، أكلكم على قول سيّدكم سعد. فقالوا: سيّدنا اللَّه و رسوله.
ثمّ قالوا في الثّالثة: نحن على مثل قوله و رأيه.
____________
(1) الكافي 2/ 410- 411 ح 1.
(2) الكافي 2/ 411 ح 2.
(3) من المصدر.
483
فقال زرارة: فسمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: فحطّ اللَّه نورهم، و فرض للمؤلّفة قلوبهم سهما في القرآن.
علي، (1) عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «المؤلّفة قلوبهم» لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم.
[عدة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسان، عن موسى بن بكر عن رجل، قال: قال أبو جعفر: ما كانت المؤلّفة قلوبهم قطّ اكثر منهم اليوم] (3) و هم (4) قوم وحّدوا اللَّه و خرجوا من الشّرك، و لم تدخل معرفة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قلوبهم و ما جاء به. فتألّفهم رسول اللَّه، و تألّفهم المؤمنون بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لكيما يعرفوا.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)- (رحمه اللّه)-: «و في الرّقاب» قوم قد لزمهم كفّارات في قتل الخطأ، و في الظّهار، و قتل الصّيد في الحرم، و في الأيمان. و ليس عندهم ما يكفرون. و هم يؤمنون. فجعل اللَّه- عزّ و جلّ- لهم سهما في الصّدقات، ليكفر عنهم.
«و الغارمين» قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها (6) في طاعة اللَّه- عزّ و جلّ- من غير إسراف، فيجب على الإمام أن يقضي ذلك عنهم و يفكّهم من مال الصّدقات.
«و في سبيل اللَّه» قوم يخرجون في الجهاد و ليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سبل الخير. فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات، حتّى ينفقونه (7) على الحجّ و الجهاد.
«و ابن السّبيل» أبناء الطريق الّذين يكونون في الأسفار في طاعة اللَّه، فيقطع عليهم و يذهب ما لهم. فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات.
و الصدقات تتجزأ ثمانية أجزاء، فيعطى كلّ إنسان من هذه الثّمانية على قدر ما يحتاجون إليه، بلا إسراف و لا تقتير، مفوّض (8) ذلك إلى (9) الإمام، يعمل بما فيه الصّلاح.
____________
(1) الكافي 2/ 411 ح 3.
(2) الكافي 2/ 411، ح 5.
(3) من المصدر.
(4) كذا في المصدر، و في النسخ: منهم.
(5) تفسير القمي 1/ 299.
(6) كذا في المصدر، و في النسخ: أنفقوا.
(7) المصدر: ينفقوا به.
(8) المصدر: يقوم في بدل مفوّض.
(9) ليس في المصدر.
484
و في كتاب من لا يحضره الفقيه (1): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد أدّى بعضها.
قال: يؤدى عنه من مال الصّدقة. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: «و في الرّقاب».
و في الكافي (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر قال: قال لي أبو الحسن- (عليه السلام)-: من طلب هذا الرّزق من حلّه ليعود به على نفسه و عياله، كان كالمجاهد في سبيل اللَّه. فإن غلب عليه، فليستدن على اللَّه و على رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما يقوت به عياله. فإن مات و لم يقضه، كان على الإمام قضاؤه. فإن لم يقضه، كان عليه وزره. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها- إلى قوله- وَ الْغارِمِينَ. فهو فقير مسكين مغرم.
محمّد بن يحيى (3)، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى: أبا محمّد، قال: سأل الرّضا- (صلوات اللّه عليه)- رجل، و أنا أسمع.
فقال له: جعلت فداك، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ (4). أخبرني عن هذه النظرة الّتي ذكرها اللَّه في كتابه، لها حدّ يعرف إذا صار هذا المعسر إليه، لا بدّ له من أن ينتظر (5) و قد أخذ مال هذا الرّجل و أنفقه على عياله، و ليس له غلّة ينتظر إدراكها و لا دين ينتظر محلّه و لا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال [نعم] (6) ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام. فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين، إذا كان أنفقه في طاعة اللَّه. فان كان أنفقه في معصية اللَّه، فلا شيء له على الإمام.
قلت: فما بال هذا الرّجل الّذي ائتمنه، و هو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة اللَّه أم في معصيته؟
قال: يسعى له في ماله، فيرده و هو صاغر.
و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى الحسين بن عمر قال: قلت لأبي
____________
(1) الفقيه 3/ 74، ح 258.
(2) الكافي 5/ 93 ح 3.
(3) الكافي 5/ 93- 94، ح 5.
(4) البقرة: 281.
(5) كذا في المصدر، و في النسخ: ينظر.
(6) من المصدر.
(7) المعاني/ 167 ح 2.
485
عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ رجلا أوصى إليّ (1) في سبيل اللَّه.
قال: أصرفه في الحجّ.
قال: قلت له: إنّه أوصى إليّ في سبيل اللَّه.
قال: أصرفه في الحجّ، فإني لا أعرف سبيلا من سبله أفضل من الحجّ.
حدثنا أبي (2)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعريّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن الحسن بن راشد قال: سألت أبا الحسن العسكريّ بالمدينة عن رجل أوصى بماله في سبيل اللَّه.
قال: سبيل اللَّه شيعتنا.
و في عيون الأخبار (3): عن الرّضا- (عليه السلام)- كلام طويل في الفرق بين العترة و الأمّة. يقول فيه- (عليه السلام)- في شأن ذي القربى: فما رضيه لنفسه و لرسوله، رضيه لهم. قاله- (عليه السلام)- بعد أن ذكر قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ (الآية).
ثمّ قال- (عليه السلام)-: و كذلك [الفيء] (4) ما رضيه منه لنفسه و لنبيّه رضيه لذي القربى، كما أجراهم في الغنيمة. فبدأ بنفسه- جلّ جلاله- ثمّ برسوله ثم بهم، و قرن سهمهم بسهمه و سهم رسوله. و كذلك في الطاعة، قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (5). فبدأ بنفسه ثمّ برسوله ثمّ بأهل بيته. و كذلك آية الولاية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (6) فجعل طاعتهم (7) مع طاعة الرّسول مقرونة بطاعته، [كذلك ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بطاعته] (8) كما جعل سهمهم مع سهم الرّسول مقرونا بسهمه في الغنيمة و الفيء. فتبارك اللَّه و تعالى، ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت! فلما جاءت قصّة الصّدقة، نزّه نفسه و رسوله و نزه أهل بيته. فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ- إلى قوله- فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ. فهل تجد في شيء من ذلك أنّه- عزّ و جلّ- سمّى
____________
(1) كذا في المصدر، و في النسخ: أبى.
(2) المعاني/ 167 ح 3.
(3) العيون 1/ 238- 239.
(4) من المصدر.
(5) النساء: 59.
(6) المائدة: 55.
(7) كذا في المصدر، و في النسخ: ولايتهم.
(8) من المصدر.
486
لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى؟ لأنه لمّا نزّه نفسه عن الصّدقة و نزه رسوله، نزّه أهل بيته. لا بل حرّم عليهم، لأن الصدقة محرّمة على محمد و آله. و هي أوساخ [أيدي] (1) الناس لا تحلّ لهم، لأنّهم طهروا من كلّ دنس (2) و وسخ. فلما طهرهم و اصطفاهم، رضي لهم ما رضي لنفسه، و كره لهم ما كره لنفسه.
و في كتاب الخصال (3): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: لا تحلّ الصّدقة لبني هاشم، إلا في وجهين: إن كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا، و صدقة بعضهم على بعض.
و في تهذيب الأحكام (4): محمّد بن يعقوب، عن احمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار و محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن عيص (5) بن القاسم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: انّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي. و قالوا: يكون لنا هذا السّهم الّذي جعله اللَّه للعاملين عليها، فنحن أولى به.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا بني عبد المطّلب، إنّ الصّدقة لا تحلّ لي و لا لكم. و لكني قد وعدت الشّفاعة.
ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أشهد لقد وعدها. فما ظنّكم، يا بني عبد المطلب، إذا أخذت بحلقة باب الجنّة أ تروني مؤثرا عليكم غيركم؟
سعد بن عبد اللَّه (6)، عن موسى بن الحسن، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الفضل بن صالح، عن أبي اسامة، زيد الشّحام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألت عن الصدقة التي حرمت عليهم.
فقال: هي الزكاة المفروضة. و لم تحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض.
محمد بن عليّ بن محبوب (7)، عن أحمد بن محمد، عن الحسين، عن النّضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لا تحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من
____________
(1) من المصدر.
(2) كذا في المصدر، و في النسخ: ولد.
(3) الخصال/ 62 ح 88.
(4) تهذيب الأحكام 4/ 58، ح 154.
(5) ما في المتن هو الصحيح كما في تنقيح المقال 2/ 364، و في أ، ب: عمير.
(6) التهذيب 4/ 59 ح 157.
(7) التهذيب 4/ 59 ح 158.
487
بني هاشم.
وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ: يسمع كلّ ما يقال له و يصدقه.
سمي بالجارحة للمبالغة، كأنّه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع، كما سمي الجاسوس: عينا، لذلك. أو أشتقّ له فعل من اذن، أذنا: إذا سمع، كأنفّ و شلل.
نقل (1): أنّهم قالوا: محمّد أذن سامعة. نقول ما شئنا، ثمّ نأتيه فيصدّقنا بما نقول.
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ: تصديق لهم بأنّه له أذن و لكن لا على الوجه الّذي ذمّوا به، بل من حيث إنّه يسمع الخير ثمّ يقبله.
ثم فسر ذلك بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ: يصدق به، لما قام عنده من الأدلّة.
وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: و يصدّقهم لما علم من خلوصهم.
و «اللّام» مزيدة للتّفرقة بين إيمان التّصديق، فإنه بمعنى: التسليم، و ايمان الأمان.
و في كتاب الاحتجاج (2) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-: عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه، و قد ذكر عليا- (عليه السلام)- و ما أوصى اللَّه فيه: و ذكر المنافقين و الآثمين و المستهزئين بالإسلام و كثرة أذاهم لي، حتّى سمّوني أذنا. و زعموا أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي و إقبالي عليه، حتّى أنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في ذلك قرآنا (3) وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ على الّذين يزعمون أنّه أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ (الآية). و لو شئت أن أسمي بأسمائهم لسميت، و أن أومئ إليهم بأعيانهم لأومأت، و أن ادلّ عليهم لدللت (4)، و لكني، و اللَّه، في أمورهم قد تكرّمت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال: كان سبب نزولها، أنّ عبد اللَّه بن نفيل كان
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 421.
(2) الاحتجاج 1/ 73- 74. بتلخيص من المؤلف
(3) كذا في المصدر و في النسخ: «بذلك» بدل «في ذلك قرآنا».
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «إن اذن عليهم لذلك».
(5) تفسير القمي 1/ 300.
488
منافقا، و كان يقعد إلى رسول اللَّه (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيسمع كلامه و ينقله إلى المنافقين و ينم عليه. فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال: يا محمّد، إنّ رجلا من المنافقين ينمّ عليك، و ينقل حديثك إلى المنافقين.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من هو؟
فقال: الرّجل الأسود، الكثير شعر الرأس، ينظر بعينين، كأنّهما قدران و ينطق بلسان شيطان.
فدعاه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبره.
فحلف، أنه لم يفعل.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قد قبلت منك، فلا تقعد.
فرجع إلى أصحابه، فقال: إنّ محمدا أذن. أخبره اللَّه اني أنمّ عليه و أنقل أخباره، فقبل. و أخبرته أني لم أفعل ذلك، فقبل.
فأنزل اللَّه على نبيّه وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أي: يصدق اللَّه فيما يقول له، و يصدقك فيما تعتذر إليه في الظّاهر و لا يصدّقك في الباطن. و قوله: وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، يعني: المقرّبين بالإيمان من غير اعتقاد.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-، يعني: يصدّق اللَّه و يصدّق المؤمنين، لأنّه كان رؤوفا رحيما بالمؤمنين.
و في الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- لابنه إسماعيل: يا بنيّ، إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ. يقول: يصدّق اللَّه و يصدق المؤمنين. فإذا شهد عندك المؤمنون، فصدّقهم.
حميد بن زياد (4)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن حمّاد بن بشير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إني أردت أن أستبضع بضاعة إلى اليمن، فأتيت أبا جعفر- (عليه السلام)-.
____________
(1) المصدر: لرسول اللَّه.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 95، ذيل ح 83.
(3) الكافي 5/ 299، ضمن ح 1.
(4) نفس المصدر 6/ 397، ضمن ح 9.
489
فقلت له: إنّي أريد أن أستبضع فلانا [بضاعة] (1).
فقال لي: أما علمت أنّه يشرب الخمر.
فقلت: قد بلغني من المؤمنين، أنّهم يقولون ذلك.
فقال لي: صدّقهم. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَ رَحْمَةٌ، أي: هو رحمة.
لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ: لمن أظهر الإيمان، حيث يقبله و لا يكشف سرّه. و فيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم لجهله بحالكم، بل رفقا بكم و ترحما عليكم.
و قرأ (2) حمزة، بالجرّ، عطفا على «خير».
و قرئ (3)، بالنّصب، على أنّها علّة فعل دلّ عليه «أذن خير»، أي: يأذن لكم رحمة.
و قرأ (4) نافع: «أذن» بالتّخفيف فيهما.
و قرئ (5): «أذن خير» على أنّ الخير صفة له، أو خبر ثاني.
وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61): بإيذائه.
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ: على معاذيرهم فيما قالوا أو تخلّفوا.
لِيُرْضُوكُمْ، أي: لترضوا عنهم. و الخطاب للمؤمنين.
وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ: أحقّ بالإرضاء بالطاعة و الوفاق.
و توحيد الضّمير، لتلازم الرّضاءين. أو لأنّ الكلام في إيذاء الرّسول و إرضائه. أو لأنّ التقدير: و اللَّه أحقّ أن يرضوه، و الرسول كذلك.
إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (62): صدقا.
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ: الشأن.
و قرئ (6)، بالتّاء.
مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ: يشاقق. مفاعلة، من الحدّ.
فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها: على حذف الخبر، أي: فحقّ أن له. أو على تكرير «أنّ»، للتأكيد. و يحتمل أن يكون معطوفا على «أنّه» و يكون الجواب محذوفا.
____________
(1) من المصدر.
2 و 3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 421.
(6) أنوار التنزيل 1/ 421.
490
تقديره: «من يحادد اللَّه و رسوله» يهلك.
و قرئ (1): «فإنّ» بالكسر.
ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63): يعني: الهلاك الدّائم.
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ: على المؤمنين.
سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ: و تهتك عليهم أستارهم.
و يجوز أن تكون الضمائر «للمنافقين». فإنّ النّازل فيهم، كالنّازل عليهم من حيث أنّه مقروء و محتج به عليهم. و ذلك يدلّ على تردّدهم- أيضا- في كفرهم، و أنّهم لم يكونوا على بت في أمر الرّسول بشيء.
و قيل (2): إنّه خبر في معنى الأمر.
و قيل (3): إنّهم كانوا يقولونه فيما بينهم، استهزاء. لقوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ: مبرز و مظهر.
ما تَحْذَرُونَ (64)، أي: ما تحذرونه من إنزال السّورة فيكم. أو ما تحذرون إظهاره من مساوئكم.
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ
في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): كان قوم من المنافقين لمّا خرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى تبوك، يتحدثون فيما بينهم و يقولون: أ يرى محمّد أنّ حرب الروم، مثل حرب غيرهم، لا يرجع منهم أحد أبدا.
فقال بعضهم: ما أخلفه أن يخبر اللَّه محمّدا بما كنا فيه و بما في قلوبنا، و ينزل عليه بهذا قرآنا يقرأه النّاس. و قالوا هذا على حدّ الاستهزاء.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعمّار بن ياسر: الحق القوم، فإنهم قد احترقوا.
فلحقهم عمّار، فقال: ما قلتم؟
قالوا: ما قلنا شيئا، انّما كنا نقول شيئا على حدّ اللّعب و المزاح. فنزلت
و في مجمع البيان (5): عن الباقر- (عليه السلام)-: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمي 1/ 300.
(5) المجمع 2/ 46. نقله المؤلف بتصرف.
491
العقبة، ائتمروا بينهم ليقتلوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و قال بعضهم لبعض: إن فطن، نقول إنّما كنّا نخوض و نلعب. و إن لم يفطن، نقتله و ذلك (1) عند رجوعه من تبوك.
فأخبر جبرئيل- (عليه السلام)- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك، و أمره أن يرسل إليهم و يضرب وجوه رواحلهم.
[و عمار كان يقود دابّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و حذيفة يسوقها.
فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم] (2). فضربها حتّى نحّاهم. فلمّا نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟
فقال: لم أعرف منهم أحدا.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فلان بن فلان. حتّى عددهم.
فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم.
فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر أصحابه أقبل يقتلهم.
و في الجوامع (3): توافقوا على أن يدفعوه عن راحلته في الوادي إذا تسنّم العقبة في اللّيل. فأمر (4) عمّار بن ياسر بخطام ناقته يقودها، و حذيفة خلفها يسوقها. فبينا هما كذلك، إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل و بقعقعة السلاح. فالتفت، فإذا قوم ملتثمون.
فقال: إليكم، يا أعداء اللّه. و ضرب وجوه رواحلهم حتّى نحّاهم. (الحديث).
إلى آخر ما ذكره في مجمع البيان، أورده عند تفسير يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا من هذه السّورة، كما يأتي.
قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65): توبيخا على استهزاءهم بمن لا يصحّ الاستهزاء به، و إلزاما للحجّة عليهم. و لا تعبأ باعتذارهم الكاذب.
لا تَعْتَذِرُوا: لا تشتغلوا باعتذاراتكم، فإنّها معلومة الكذب.
قَدْ كَفَرْتُمْ: قد أظهرتم الكفر بإيذاء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الطعن فيه.
____________
(1) ليس في المصدر: و ذلك.
(2) من المصدر.
(3) الجوامع/ 183.
(4) المصدر: «بالليل فأخذ» بدل «في الليل فأمر».
492
بَعْدَ إِيمانِكُمْ: بعد إظهاركم الإيمان.
إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ: لتوبتهم و إخلاصهم، أو لتجنّبهم عن الإيذاء و الاستهزاء.
نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (66): مصرّين على النّفاق، أو مقدمين على الإيذاء و الاستهزاء.
و قرأ (1) عاصم، بالنّون، فيهما.
و قرئ (2)، بالياء، و بناء الفاعل فيهما. و هو اللَّه. و «إن تعف» بالتّاء و البناء على المفعول، ذهابا إلى المعنى، كأنّه قيل: إن ترحم طائفة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: لا تَعْتَذِرُوا.
قال: هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين، ارتابوا و شكوا و نافقوا بعد إيمانهم. و كانوا أربعة نفر. و قوله: «إن نعف عن طائفة منكم» كان أحد الأربعة مختبر بن الحمير (4)، فاعترف و تاب.
و قال: يا رسول اللَّه، أهلكني اسمّي.
فسمّاه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عبد اللَّه بن عبد الرّحمن.
فقال: يا ربّ، اجعلني شهيدا حيث لا يعلم [أحد] (5) أين أنا.
فقتل يوم اليمامة، و لم يعلم أحد أين قتل. فهو الّذي عفا اللَّه عنه.
و في مجمع البيان (6): إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً. و
يروي أنّ هاتين الطّائفتين كانوا ثلاثة نفر، فهزأ اثنان و ضحك واحد.
و هو الّذي تاب من نفاقه.
و اسمه مختبر بن حمير (7) فعفا اللَّه عنه.
و في تفسير العياشيّ (8): عن جابر الجعفيّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نزلت هذه الآية وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ- إلى قوله-: نُعَذِّبْ طائِفَةً.
____________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 422.
(3) تفسير القمي 1/ 300- 301.
(4) المصدر: محتبر. أ، ب: مختير.
(5) من المصدر.
(6) المجمع 3/ 47.
(7) المصدر: مخشي بن حمير.
(8) تفسير العياشي 2/ 95، ح 84.
493
قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ما (1) تفسير هذه الآية؟
قال: تفسيرها، و اللَّه، ما نزلت آية قطّ إلّا و لها تفسير.
ثمّ قال: نعم، نزلت في [عدد بني اميّة (2) و العشرة منهما] (3). إنّهم اجمعوا اثني عشر، فكمنوا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [في العقبة و ائتمروا بينهم ليقتلوه فقال بعضهم لبعض ان فطن نقول انما كنا نخوض و نلعب و ان لم يفطن لنقتلنه] (4). فأنزل اللَّه هذه الآية وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ. قال اللَّه لنبيّه: قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ، يعني: محمدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-. كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ [يعني: عليا، أن يعف عنهما في أن يلعنهما على المنابر و يلعن غيرهما فذلك قوله- تعالى-: «إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ] (5) نُعَذِّبْ طائِفَةً».
الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: متشابهة في النّفاق و البعد عن الإيمان، كأبعاض الشيء الواحد.
و قيل (6): إنّه تكذيبهم في حلفهم باللَّه «أنّهم لمنكم»، و تقرير لقوله: «و ما هم منكم»، و ما بعده، كالدّليل عليه. فإنّه يدلّ على مضادّة حالهم لحال المؤمنين. و هو قوله: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ: بالكفر و المعاصي. وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ: عن الإيمان و الطّاعة. وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: عن المبارّ.
و قبض اليد، عبارة عن الشّحّ.
نَسُوا اللَّهَ: أغفلوا ذكر اللَّه، و تركوا طاعته.
فَنَسِيَهُمْ: فتركهم من لطفه و فضله.
و في عيون الأخبار (7)، بإسناده إلى عبد العزيز بن مسلم قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ.
فقال: إنّ اللَّه لا يسهو و لا ينسى، و إنّما ينسى و يسهو المخلوق و المحدث. ألا
____________
(1) ليس في المصدر: ما.
(2) المصدر: «التيمي و العدويّ» بدل «عدد بني اميّة».
(3) ما بين المعقوفتين ليس في بعض نسخ المصدر.
(4) من المصدر. و في النسخ: «ليقتل» بدل ما بين المعقوفتين.
(5) من المصدر.
(6) أنوار التنزيل 1/ 422.
(7) العيون 1/ 125، صدر ح 18.
494
تسمعه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (1). و إنّما يجازي من نسيه و نسى لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال- تعالى-: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (2). و قال- عزّ و جلّ-: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا (3)، أي: نتركهم، كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.
و في كتاب التّوحيد (4): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يعني: نسوا اللَّه في دار الدّنيا فلم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيين من الخير.
و قد يقول العرب في باب النّسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا، أي: أنّه لم يأمر لهم بخير و لا يذكرهم به.
و في تفسير العيّاشيّ (5): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- «نسوا اللَّه». قال:
تركوا طاعة اللَّه. «فنسيهم» قال: فتركهم.
عن أبي معمّر العمريّ (6) قال (7): قال عليّ- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ: فإنّما يعني: أنّهم نسوا اللَّه في دار الدنيا فلم يعملوا له بالطّاعة و لم يؤمنوا به و برسوله، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيّين من الخير.
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67): الكاملون في التمرد و الفسوق، و الخروج من دائرة الخير.
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها: مقدرين الخلود.
هِيَ حَسْبُهُمْ: عقابا و جزاء. و فيه دليل على عظم عذابها.
وَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ: أبعدهم من رحمته و أهانهم.
وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68): لا ينقطع.
و المراد به: ما وعدوه، أو ما يقاسونه من تعب النّفاق.
____________
(1) مريم/ 64.
(2) الحشر/ 19.
(3) الأعراف/ 51.
(4) التوحيد/ 259.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 95- 96، ح 85.
(6) أ، ب: أبي معمّر السعديّ.
(7) تفسير العياشي 2/ 96، ح 86.
495
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أي: أنتم، مثل الّذين. أو فعلتم، مثل الذين من قبلكم.
كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً: بيان لتشبيههم بهم، و تمثيل حالهم بحالهم.
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ: بنصيبهم من ملاذّ الدّنيا. و اشتقاقه من الخلق، بمعنى: التّقدير. فإنه ما قدر لصاحبه.
فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ:
ذمّ الأوّلين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشّهوات الفانية، و التّهائهم بها عن النّظر في العاقبة، و السّعي في تحصيل اللّذائذ الحقيقية، تمهيدا لذمّ المخاطبين بمشابهتهم و اقتفاء أثرهم.
وَ خُضْتُمْ: دخلتم في الباطن.
كَالَّذِي خاضُوا، كالّذين خاضوا. أو كالفوج الّذى خاضوا. أو كالخوض الذي خاضوه.
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ: لم يستحقّوا عليها ثوابا في الدّارين.
وَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69): الّذين خسروا الدّنيا و الآخرة.
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ: اغرقوا بالطّوفان.
وَ عادٍ: أهلكوا بالرّيح.
وَ ثَمُودَ: أهلكوا بالرّجفة.
وَ قَوْمِ إِبْراهِيمَ: أهلك نمرود ببعوض، و أهلك أصحابه.
وَ أَصْحابِ مَدْيَنَ: و أهل مدين، و هم قوم شعيب أهلكوا بالنّار يوم الظلة.
وَ الْمُؤْتَفِكاتِ: قريات قوم لوط ائتفكت بهم، أي: انقلبت فصارت عاليها سافلها، و أمطروا حجارة من سجيل.
و قيل (1): قريات المكذبين المتمرّدين. و ائتفاكهنّ، انقلاب أحوالهنّ من الخير إلى الشّرّ.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 423.
496
و في الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: وَ الْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ.
قال: أولئك قوم لوط. ائتفكت عليهم: انقلبت عليهم.
و في من لا يحضره الفقيه (2): روى جويرية (3) بن مسهر أنّه قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- من قتل الخوارج. حتّى إذا قطعنا في (4) أرض بابل، حضرت صلاة العصر. فنزل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و نزل النّاس فقال عليّ- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّ هذه الأرض ملعونة. قد عذّبت في الدّهر ثلاث مرّات.
و في خبر آخر: مرّتين. و هي تتوقّع الثالثة. و هي إحدى المؤتفكات.
و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ، يعني: الكلّ.
بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ: أي: لم يكن من عادته و لم يجز له ظلم النّاس، كالعقوبة بلا جرم.
وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70): حيث عرّضوها للعقاب، بالكفر و التّكذيب.
وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: في مقابلة قوله: «المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): عن صفوان الجمّال قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: بأبي أنت و أمي، تأتيني المرأة المسلمة قد عرفتني بعملي و عرفتها بإسلامها و حبّها إيّاكم و ولايتها لكم، و ليس لها محرم.
قال: فإذا جاءتك المرأة المسلمة، فاحملها. فإنّ المؤمن محرم المؤمنة. و تلا هذه
____________
(1) الكافي 8/ 181، ذيل ح 202.
(2) الفقيه 1/ 130، صدر ح 611.
(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 169. و في النسخ: جرير.
(4) ليس في المصدر: في.
(5) تفسير العياشي 2/ 96، ح 87. و نقله نور الثقلين 2/ 240، ح 233 و البرهان 2/ 144، ح 2 عنه.
497
الآية: وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ: في سائر الأمور.
أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ: لا محالة. فانّ السّين مؤكدة للوقوع.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: غالب على كلّ شيء، لا يمتنع عليه ما يريده.
حَكِيمٌ (71): يضع الأشياء مواضعها.
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً: تستطيبها النّفس، أو يطيب فيها العيش.
فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ: إقامة و خلود.
و مرجع العطف فيها يحتمل أن يكون إلى تعدد الموعود لكلّ واحد. أو للجميع، على سبيل التّوزيع. أو إلى تغاير وصفه، و كأنّه وصفه أوّلا بأنّه من جنس ما هو أبهى الأماكن الّتي يعرفونها لتميل إليه طباعهم، أو إلى (1) ما يقرع أسماعهم. ثمّ وصفه بأنّه محفوف بطيب العيش، معرّى عن شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا، و فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين. ثمّ وصفه بأنّه دار إقامة و ثبات في جوار العليين، لا يعتريهم فيها فناء و لا تغيّر.
و في مجمع البيان (2): عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أنّه قال] (3) «عدن» دار اللَّه التي لم ترها عين و لم تخطر على قلب بشر. لا يسكنها غير ثلاثة: النّبيين و الصّديقين و الشّهداء. يقول اللَّه- تعالى-: طوبى لمن دخلك.
و في كتاب الخصال (4)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على النّاس يوم الشّورى.
قال: نشدتكم باللَّه، هل فيكم أحد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سره أن يحيى حياتي و يموت و مماتي و يسكن جنتي التي وعدني اللَّه ربي، جنّات عدن، قضيب غرسه اللَّه بيده. ثمّ قال له: كن فيكون، فليوال عليّ بن أبي طالب و ذرته من بعده- [إلى قوله- غيري قالوا: اللهم، لا] (5).
____________
(1) ر: «أوّل» بدل «أو إلى».
(2) المجمع 3/ 50.
(3) من المصدر.
(4) الخصال/ 558.
(5) من المصدر.
498
و عن أمير المؤمنين (1)- (عليه السلام)- أنّه سأله يهوديّ: أين يسكن نبيّكم (2) من الجنّة؟
فقال: في أعلاها درجة و أشرفها مكانا، في جنات عدن.
فقال: صدقت، و اللَّه، انه لبخطّ هارون و إملاء موسى.
و في من لا يحضره الفقيه (3)، في حديث بلال: جنة عدن في وسط الجنّان، سورها ياقوت أحمر و حصاؤها اللّؤلؤ.
وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ: لأنّه المبدأ لكل سعادة و كرامة، و المؤدي إلى نيل الوصول و الفوز باللّقاء.
ذلِكَ، أي: الرّضوان. أو جميع ما تقدّم.
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72): الّذي تستحقر دونه الدّنيا و ما فيها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): عن يونس (5)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: إذا صار أهل الجنة في الجنّة و دخل ولي اللَّه جناته و مساكنه و اتكى (6) كلّ مؤمن منهم على أريكته، حفته زوجاته و خدامه، و تهدّلت عليه الثّمار، و تفجرت حوله العيون، و جرت من تحته الأنهار، و بسطت له الزرابي، و صفقت له النّمارق، و أتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك.
قال: و تخرج عليهم الحور العين من الجنان، فيمكثون بذلك ما شاء اللَّه. ثمّ أن الجبّار يشرف عليهم، فيقول لهم: أوليائي و أهل طاعتي و سكّان جنّتي في جواري، الأهل أنبئكم بخير ممّا أنتم فيه؟
فيقولون: ربّنا، و أيّ شيء خير ممّا نحن فيه؟ [نحن] (7) فيما اشتهت أنفسنا و لذّت أعيننا من النّعم في جوار الكريم.
قال: فيعود عليهم بالقول.
فيقولون: ربّنا [نعم، فأتنا بخير ممّا نحن فيه.
____________
(1) نفس المصدر/ 476- 477.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: منكم.
(3) الفقيه 1/ 193 ببعض التصرف.
(4) بل في تفسير العياشي 2/ 96- 97، ح 88.
و نور الثقلين 2/ 240- 241 ح 234، و البرهان 2/ 145، ح 1 عنه.
(5) كذا في نور الثقلين و البرهان. و في المصدر:
ثوير.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أتيكم.
(7) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.
499
فيقول لهم- تبارك و تعالى-: رضاي عنكم و محبتي لكم خير و أعظم مما أنتم فيه.
قال: فيقولون: نعم، يا ربّنا] (1) رضاك عنّا و محبتك لنا خير لنا و أطيب لأنفسنا.
ثمّ قرأ عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- هذه الآية: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ- إلى قوله- هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ قيل (2): بالسّيف.
وَ الْمُنافِقِينَ.
قيل (3): بالزام الحجّة، و إقامة الحدود.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ: بإلزام الفرائض.
و فيه (5)، في سورة التّحريم: أخبرني الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، [عن أحمد بن محمّد] (6)، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللَّه، عن يعقوب بن يزيد، عن سليمان الكاتب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ.
[قال] (7): هكذا نزلت: فجاهد رسول الله- صلى الله عليه و آله- الكفار و جاهد علي- (عليه السلام)- المنافقين. فجاهد عليّ جهاد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في مجمع البيان (8)، في قراءة أهل البيت- (عليهم السلام)-: «جاهد الكفار بالمنافقين».
قالوا: لأنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يكن يقاتل المنافقين، و لكن كان يتألفهم. و لان المنافقين لا يظهرون الكفر، و علم اللَّه بكفرهم لا يبيح قتلهم إذ (9) كانوا يظهرون الإيمان.
____________
(1) من المصدر.
2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 423.
(4) تفسير القمي 1/ 301.
(5) نفس المصدر 2/ 377.
(6) ليس في المصدر. و الظاهر أنها زائدة.
(7) من المصدر.
(8) المجمع 3/ 50.
(9) المصدر: إذا.
500
و فيه (1)، في سورة التحريم: عن الصادق- (عليه السلام)- أنه قرأ: «جاهد الكفّار بالمنافقين».
قال: انّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يقاتل منافقا قط، إنّما كان يتألّفهم.
و في أمالي شيخ الطائفة (2)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى ابن عبّاس قال: لمّا نزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ قال: النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لأجاهدن (3) العمالقة، يعني: الكفّار و المنافقين.
فأتاه جبرئيل- (عليه السلام)- و قال: أنت أو عليّ.
وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ: في ذلك، و لا تحابهم.
وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (73): مصيرهم.
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ:
و أظهروا الكفر بعد إظهار إسلامهم.
وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا: من قتل الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و في تفسير عليّ بن ابراهيم (4): نزلت في الّذين تحالفوا في الكعبة، أن لا يردّوا هذا الأمر في بني هاشم. فهي كلمة الكفر. ثمّ قعدوا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في العقبة و هموا بقتله، و هو قوله: وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.
قال في موضع آخر (5): فلما أطلع اللَّه نبيّه و أخبره، حلفوا أنّهم لم يقولوا ذلك و لم يهموا به، حتّى أنزل اللَّه- تعالى- يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا (الآية).
و عن الصادق (6)- (عليه السلام)-: لمّا أقام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوم غدير خمّ، كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، و هم أبو بكر، و عمر، و عبد الرّحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و أبو عبيدة، و سالم مولى أبي حذيفة، و المغيرة بن شعبة.
قال عمر: أما ترون عينيه، كانّها عينا مجنون، يعني: النبيّ- صلّى اللَّه عليه
____________
(1) نفس المصدر 5/ 319.
(2) أمالي الطوسي 2/ 116.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لأجاهد به.
(4) تفسير القمي 1/ 301.
(5) نفس المصدر و المجلّد/ 175 بتصرف في اللفظ.
(6) نفس المصدر و المجلد/ 301.
501
و آله-. السّاعة يقوم و يقول: قال لي ربيّ.
فلمّا قام، قال: يا أيها الناس، من أولى بكم من أنفسكم؟
قالوا: اللّه و رسوله.
قال: اللّهم، فاشهد.
ثمّ قال: ألا من كنت مولاه، فعلي مولاه. و سلّموا عليه بإمرة المؤمنين.
فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- و أعلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمقالة القوم.
فدعاهم و سألهم، فأنكروا و حلفوا. فأنزل اللّه يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا.
و في مجمع البيان (1): نزلت في أهل العقبة. فإنّهم أضمروا أن يقتلوا (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عقبة حين مرجعهم من تبوك، و أرادوا أن يقطعوا أنساع (3) راحلته ثمّ ينخسوا به. فأطلعه اللّه على ذلك. و كان من جملة معجزاته. لأنه لا يمكن معرفة ذلك (4) إلّا بوحي من اللّه. فبادر (5) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في العقبة وحده (6) و عمّار و حذيفة [معه] (7)، أحدهما يقود ناقته و الآخر يسوقها. و أمر النّاس كلّهم بسلوك بطن الوادي.
و كان الّذين همّوا بقتله اثني عشر رجلا أو خمسة عشر [رجلا على الخلاف فيه] (8)، عرفهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سمّاهم بأسمائهم.
قال: و قال الباقر (9)- (عليه السلام)-: ثمانية منهم من قريش، و أربعة من العرب.
أقول: قد مضى بعض هذه القصّة عند تفسير يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ من المائدة، و عند تفسير إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ من هذه السورة.
و في تفسير العيّاشيّ (10). عن جابر بن [أرقم، عن أخيه زيد بن] (11) أرقم قال: لمّا أقام النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليا- (عليه السلام)- بغدير خمّ و بلّغ فيه عن اللَّه- عزّ و جلّ-
____________
(1) المجمع 3/ 51.
(2) المصدر: «ائتمروا في أن يغتالوا» بدل «أضمروا أن يقتلوا».
(3) الأتساع- جمع تسع-: حبل طويل تشدّ به الرّحال.
(4) المصدر: معرفة مثل ذلك.
(5) المصدر: فسار.
(6) ليس في المصدر.
(7) من المصدر.
(8) من المصدر.
(9) المجمع 3/ 51.
(10) تفسير العياشي 2/ 98- 99، ضمن ح 89.
(11) ليس في المصدر.
502
ما بلّغ ثمّ نزل، انصرفنا إلى رحالنا. و كان إلى جانب الخباء النّفر (1) من قريش، و هم ثلاثة، و معي (2) حذيفة بن اليمان (3).
فسمعنا أحد الثّلاثة و هو يقول: و اللَّه، انّ محمدا لأحمق ان كان يرى أنّ الأمر يستقيم لعلي من بعده.
و قال آخر: أ تجعله أحمق، ألم تعلم أنّه مجنون قد كاد أن يصرع (4) عند امرأة ابن أبي كبشة؟
و قال الثّالث: دعواه إن [شاء أن يكون أحمق و إن] (5) شاء أن يكون مجنونا. و اللَّه، ما يكون ما يقول أبدا.
فغضب حذيفة من مقالتهم، فرفع جانب الخباء، فأدخل رأسه إليهم و قال:
فعلتموها و رسول اللَّه بين أظهركم و وحي اللَّه ينزل إليكم. و اللَّه، لأخبرنه (6) بكرة بمقالتكم.
فقالوا له: يا أبا عبد اللَّه، و إنّك لها هنا و قد سمعت ما قلنا؟ أكتم علينا. فانّ لكلّ جوار أمانة.
فقال لهم: ما هذا من جوار الأمانة، و لا من مجالسها: ما نصحت اللَّه و رسوله إن أنا طويت عند هذا الحديث.
فقالوا: يا أبا عبد اللَّه، فاصنع ما شئت. فو اللَّه، لنحلفنّ إنا لم نقل و انّك قد كذبت علينا. أ فتراه يصدقك و يكذبنا و نحن ثلاثة؟
فقال لهم: أما أنا، فلا أبالي إذا ادّيت النّصيحة إلى اللَّه و إلى رسوله. فقولوا ما شئتم أن تقولوا.
ثم مضى حتى أتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- إلى
____________
(1) المصدر: و كان إلى جانب خبائى خباء النفر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «نفر و معهم» بدل «و معي».
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «اليماني» بدل «بن اليمان».
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: كان أنّه يصرع.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لأخبر.
503
جانبه محتب (1) بحمائل سيفه (2). فأخبره بمقالة القوم. فبعث إليهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأتوه.
فقال لهم: ما ذا قلتم؟
فقالوا: و اللَّه، ما قلنا شيئا. فإن كنت أبلغت عنّا شيئا، فمكذوب (3) علينا.
فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية «يحلفون- إلى قوله- بعد إسلامهم».
و قال [عليّ] (4)- (عليه السلام)- عند ذلك: ليقولوا ما شاءوا، و اللَّه، إنّ قلبي بين أضلاعي و إن سيفي لفي عنقي، و لإن همّوا، لأهمنّ.
فقال جبرئيل- (عليه السلام)- للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اصبر للأمر (5) الّذي هو كائن.
فأخبر النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليا- (عليه السلام)- بما أخبره به جبرئيل.
فقال: إذا أصبر للمقادير.
عن جعفر بن محمّد الخزاعيّ (6)، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: لمّا قال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما قال في غدير خم و صار بالأخبية (7)، مرّ المقداد بجماعة منهم يقولون: إذا دنا موته و فنيت أيّامه و حضر أجله، أراد أن يولّينا عليا من بعده.
أما و اللَّه، ليعلمنّ.
قال: فمضى المقداد و أخبر النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- به.
فقال: الصّلاة جامعة.
فقالوا: قد رمانا المقداد، فقوموا نحلف عليه.
قال: فجاءوا حتى جثوا بين يديه، فقالوا: بآبائنا و أمّهاتنا يا رسول اللَّه، و الذي (8) بعثك بالحقّ و الّذي أكرمك بالنّبوة، ما قلنا ما بلغك و الذي (9) اصطفاك على
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «جانب المخباء» بدل «جانب محتب».
(2) ليس في أ، ب: بحمائل سيفه.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فكذوب.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «أخبر الأمر» بدل «اصبر للأمر».
(6) تفسير العيّاشي 2/ 99- 100، ح 90، لخص المؤلف الخبر.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بالأخبتية.
8 و 9- المصدر: لا و الّذي.
504
البشر.
قال: فقال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بك، يا محمّد، ليلة العقبة.
وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
كان أحدهم يبيع الرّؤوس و آخر يبيع الكراع و يفتل القرامل (1)، فأغناهم اللَّه برسوله. ثمّ [جعلوا] (2) حدّهم و حديدهم عليه.
قال أبان بن تغلب (3) [عنه] (4): لمّا نصب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليا- (عليه السلام)- يوم غدير خم فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، قال رجلان من قريش و سمّاهما: و اللَّه، لا نسلّم له ما قال أبدا.
فأخبر النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فسألهما عمّا قالا، فكذبا و حلفا باللَّه ما قالا شيئا.
فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا (الآية).
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لقد تولّيا و ماتا (5).
وَ ما نَقَمُوا: و ما أنكروا. أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم.
إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
قد مرّ تفسيره في ذيل الحديث السابق.
و الاستثناء مفرغ من أعمّ المفاعيل، أو العلل.
فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ.
الضّمير في «يك» للتّوب.
وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا: بالإصرار على النّفاق.
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ: بالقتل و النّار.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يقتل القوامل.
و القرامل: ما تسدّ المرأة في شعرها من الخيوط.
(2) من المصدر.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 100، ح 91.
(4) من المصدر و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(5) المصدر: ما تابا.
505
وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (74): فينجيهم من العذاب.
وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75).
في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): عن الباقر- (عليه السلام)-: هو ثعلبة من حاطب (2) بن عمرو بن عوف، كان محتاجا، فعاهد اللَّه- عزّ و جلّ-. فلمّا آتاه، بخل به.
و في الجوامع (3): هو ثعلبة بن حاطب. قال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يرزقني مالا.
فقال: يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.
فقال: و الّذي بعثك بالحق، لئن رزقني اللَّه مالا لأعطين كلّ ذي حقّ حقّه.
فدعا له، فاتّخذ غنما، فنمت، كما ينمي (4) الدّود حتّى ضاقت بها المدينة.
فنزل واديا و انقطع عن الجماعة و الجمعة. فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إليه المصّدق، ليأخذ الصّدقة. فأبى و بخل، و قال: ما هذه إلّا أخت الجزية.
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا ويح ثعلبة.
و في مجمع البيان (5)، روي ذلك مرفوعا.
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ: منعوا حقّ اللَّه منه.
وَ تَوَلَّوْا: عن طاعة اللَّه.
وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (76): و هم قوم عادتهم الإعراض عنها.
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ، أي: فجعل اللَّه عاقبا فعلهم ذلك نفاقا و سوء اعتقاد في قلوبهم.
و يجوز أن يكون الضمير للبخل. و المعنى: فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم.
إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ: يلقون اللَّه بالموت. أو يلقون عملهم، أي: جزاءه، و هو يوم القيامة.
و في كتاب التّوحيد (6). عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه
____________
(1) تفسير القمي 1/ 301- 302.
(2) كما في جامع الرواة 1/ 140، و في المصدر:
ثعلبة بن خاطب.
(3) الجوامع/ 183.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ.
(5) المجمع 3/ 53.
(6) التوحيد/ 267.
506
و قد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات: و ذكره (1) المؤمنين الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (2). و قوله لغيرهم: إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ.
إلى أن قال- (عليه السلام)-: فاللّقاء ها هنا، ليس بالرّؤية. و اللّقاء: هو البعث.
فافهم جميع ما في كتاب اللَّه من لقائه، فإنّه يعني بذلك: البعث.
بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ: بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصديق و الصلاح.
وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77): و بكونهم كاذبين فيه. فإنّ خلف الوعد متضمن للكذب، مستقبح من الوجهين. أو المقال مطلقا.
و قرئ (3): «يكذّبون» بالتشديد.
وفي كتاب الخصال (4): عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أربع من كنّ فيه، فهو منافق. فان كانت فيه واحدة منهنّ، كان فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها، من إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف، و إذا عاهد غدر، و إذا خاصم فجر.
و في مجمع البيان (5): و قد صحّ في الحديث عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنه قال: للمنافق ثلاث علامات: إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف، و إذا ائتمن خان.
أَ لَمْ يَعْلَمُوا: أي: المنافقون. أو من عاهد اللَّه.
و قرئ (6)، بالتّاء، على الالتفات.
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ: ما أسرّوه في أنفسهم من النّفاق، أو العزم على الأخلاف.
وَ نَجْواهُمْ: و ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن. أو تسمية الزكاة: جزية.
وَ أَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78): فلا يخفى عليه ذلك.
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ، أي: يعيبون.
ذمّ مرفوع، أو منصوب، أو بدل من الضّمير في «سرّهم».
____________
(1) المصدر: ذكر اللَّه.
(2) البقرة/ 46.
(3) أنوار التنزيل 1/ 425.
(4) الخصال/ 254، ح 129.
(5) المجمع 3/ 54.
(6) أنوار التنزيل 1/ 425.
507
و قرئ (1): «يلمزون» بالضّمّ.
الْمُطَّوِّعِينَ: المتطوّعين.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ: إلّا طاقتهم، فيتصدّقون بالقليل.
و في مجمع البيان (2): أنّه سئل، فقيل: يا رسول اللَّه، أيّ الصدقة أفضل؟
قال: جهد المقلّ (3).
و قرئ (4): بالفتح. و هو مصدر جهد في الأمر، إذا بالغ فيه.
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ: يستهزئون بهم.
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ: جازاهم على سخريتهم، كقوله: «اللَّه يستهزئ بهم».
و في عيون الأخبار (5)، بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن فضّال [عن أبيه] (6) عن الرّضا- (عليه السلام)- أنه قال في كلام طويل: إنّ اللَّه- تعالى- لا يسخر و لا يستهزئ و لا يمكر و لا يخادع، و لكنّه- تعالى- يجازيهم جزاء السّخرية و جزاء الاستهزاء و جزاء المكر و الخديعة. تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79): على كفرهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): جاء سالم بن عمير الأنصاري بصاع من تمر، فقال:
يا رسول اللَّه، كنت ليلتي أجر (8) الجرير، حتى عملت بصاعين من تمر. فأمّا إحداهما، فأمسكته. و أما الآخر، فأقرضته ربي.
فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن ينشره في الصدقات. فسخر منه المنافقون، فقالوا: و اللَّه، و إنّ اللَّه لغنيّ عن هذا الصّاع. ما يصنع اللَّه بصاعه شيئا. و لكن
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المجمع 3/ 55.
(3) قال الجزريّ في النهاية: جهد المقل أي: قدر ما يحتمله حال القليل المال.
(4) أنوار التنزيل 1/ 425.
(5) العيون 1/ 126، ذيل ح 19.
(6) من المصدر.
(7) تفسير القمي 1/ 302 باختلاف في بعض الألفاظ.
(8) قال الجزريّ في النهاية: و في الحديث: أنّ رجلا كان يجرّ الجرير، فأصاب صاعين من تمر، فتصدّق بأحدهما، يريد: أنّه كان يستقي الماء بالحبل.
508
أبا عقيل أراد أن يذكر نفسه، ليعطي من الصّدقات. فنزلت.
و في تفسير العياشي (1): عن أبي الجارود، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: ذهب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فآجر نفسه على أن يسقي كلّ دلو بتمرة يخيارها (2). فأتى به النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عبد الرّحمن بن عوف [على الباب] (3). فلمزه، أي: وقع فيه. فأنزلت هذه الآية.
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ: يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصّ عليه بقوله: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
قيل (4): إنّ الوجه في تعليق الاستغفار (5) بسبعين مرة، المبالغة لا العدد المخصوص.
و يجرى ذلك مجرى قول القائل: لو قلت لي ألف مرّة ما قبلت. و المراد: أني لا أقبل منك، فكذا الآية. المراد فيها: نفي الغفران جملة.
و ما روي عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: «و اللَّه، لأزيدنّ على السّبعين»
فإنّه خبر واحد لا يعوّل عليه، و لا (6) يتضمّن أنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يستغفر الكفّار، و ذلك غير جائز بالإجماع.
و قد (7) روي أنّه قال: لو علمت أنّه لو زدت على السبعين مرّة لغفر لهم، لفعلت.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): أنّها نزلت لمّا رجع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المدينة، و مرض عبد اللَّه بن ابيّ، و كان ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه مؤمنا. فجاء إلى النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أبوه يجود بنفسه.
فقال: يا رسول اللَّه، بأبي أنت و أمي، إنّك إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا.
فدخل عليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المنافقون عنده.
فقال ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه: يا رسول اللَّه، استغفر له.
فاستغفر له.
فقال عمر: ألم ينهك اللَّه، يا رسول اللَّه، أن تصلّي عليهم أو تستغفر لهم؟
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 101، ح 93.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بخيارها.
(3) من المصدر.
(4) المجمع 3/ 55.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الاستثناء.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «لأنّه» بدل «لا».
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «كذا ما» بدل «قد».
(8) تفسير القمي 1/ 302.
509
فأعرض عنه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فأعاد عليه.
فقال له: ويلك، إنّي خيّرت فاخترت. إنّ اللَّه يقول: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
فلما مات عبد اللَّه، جاء ابنه إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: بأبي أنت و أمي، يا رسول اللَّه، إن رأيت أن تحضر جنازته.
فحضر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قام على قبره.
فقال عمر: يا رسول اللَّه، ألم ينهك اللَّه أن تصلي على أحد منهم [مات] (1) أبدا و أن تقيم (2) على قبره؟
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ويلك، و هل تدري ما قلت؟ إنّما قلت: اللّهم، احش قبره نارا و جوفه [نارا] (3). و أصله النّار.
فبدا من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما لم يكن يحبّ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ: إشارة إلى أن اليأس من المغفرة و عدم قبول استغفارك ليس لبخل منّا و لا قصور فيك، بل لعدم قابليّتهم بسبب الكفر الصّارف عنها.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ: (80): المتمردين في كفرهم.
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ: بقعودهم عن الغزو خلفه.
يقال: أقام خلاف الحيّ، أي بعدهم.
و يجوز أن يكون بمعنى المخالفة، فيكون انتصابه على العلة أو الحال.
وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: إيثارا للدّعة، و الخفض على طاعة اللَّه. و فيه تعريض بالمؤمنين الّذين آثروا عليها تحصيل رضاه، ببذل الأموال و المهج.
وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ: قاله بعضهم لبعض. أو قالوا للمؤمنين، تثبيطا.
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا: و قد آثرتموها بهذه المخالفة.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: تقوم.
(3) من المصدر.
510
لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81): أنّ مآبهم إليها. أو أنّها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدّعة على الطّاعة.
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً: إمّا على ظاهر الأمر، و إمّا إخبار عمّار يؤول إليه حالهم في الدنيا و الآخرة. أخرجه على صيغة الأمر، للدّلالة على أنه حتم واجب.
و يجوز أن يكون الضّحك و البكاء كنايتين عن السّرور و الغمّ. و المراد من القلّة: العدم.
و في مجمع البيان (1): و روى أنس بن مالك، عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا.
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (82): من الكفر و النّفاق و التخلّف.
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ: فإن ردك إلى المدينة و فيها طائفة من المتخلّفين، يعني: منافقيهم. فإنّ كلّهم لم يكونوا منافقين. أو من بقي منهم. و كان المتخلّفون اثني عشر رجلا.
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ: إلى غزوة أخرى بعد تبوك.
فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا: إخبار في معنى النّهي، للمبالغة.
إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تعليل له. و كان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم في تخلّفهم. و أوّل مرة، هي الخرجة إلى غزوة تبوك.
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (83)، أي: المتخلّفين لعدم لياقتهم للجهاد، كالنّساء و الصّبيان.
و قرئ (2): «مع الخلفين» على قصر «الخالفين».
وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً: بأن تدعو له و تستغفر.
وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ: للدّعاء.
و في مجمع البيان (3): فإنّه- (عليه السلام)- كان إذا صلّى على ميّت، يقف على قبره ساعة و يدعو له. فنهاه اللَّه عن الصلاة على المنافقين، و الوقوف على قبرهم (4)،
____________
(1) المجمع 3/ 56.
(2) أنوار التنزيل 1/ 426.
(3) المجمع 3/ 57.
(4) المصدر: قبورهم.
511
و الدّعاء لهم. ثمّ بيّن سبب الأمرين [فقال: إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ (الآية)] (1).
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ (84).
في تفسير العيّاشيّ (2): عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لابن عبد اللّه بن أبيّ: إذا فرغت من أبيك فأعلمني.
و كان قد توفي. فأتاه، فأعلمه. فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نعليه للقيام.
فقال له عمر: أليس قد قال اللّه- تعالى-: «و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره»؟
فقال له: ويحك- أو ويلك- إنّما أقول: اللّهم، املأ قبره نارا و املأ جوفه نارا و أصله يوم القيامة نارا.
عن حنان بن سدير (3)، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: توفي رجل من المنافقين. فأرسل [رسول اللّه] (4) إلى ابنه: أن إذا أردتم أن تخرجوا، فاحضروني. فلمّا حضر أمره، أرسلوا إلى النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأقبل- (صلّى اللّه عليه و آله)- نحوهم، حتّى أخذ بيد ابنه في الجنازة فمضى.
فتصدى له عمر، ثمّ قال: أما نهاك ربّك عن هذا أن تصلي على أحد منهم مات أبدا أو تقوم على قبره؟
فلم يجبه النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر، أعاد عمر ما قاله أوّلا.
فقال النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعمر عند ذلك: ما رأيتنا صلينا له (5) على جنازة و لا قمنا له على قبر.
ثمّ قال: إن ابنه رجل من المؤمنين و كان يحقّ علينا أداء حقّه.
فقال عمر: أعوذ بالله من سخط اللّه و سخطك، يا رسول اللّه.
و اعلم أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان حييا كريما، كما قال الله
____________
(1) من المصدر.
(2) تفسير العياشي 2/ 101، ح 94.
(3) تفسير العياشي 2/ 102، ح 95.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: به.
512
- عزّ و جلّ-: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ (1). فكان يكره أن يفتضح رجل من أصحابه ممّن يظهر الإيمان. و كان يدعو على المنافقين و يوري (2) أنه يدعوا لهم. و هذا معنى قوله لعمر: ما رأيتنا صلّينا له على جنازة و لا قمنا له على قبر. و كذا معنى قوله في حديث عليّ بن إبراهيم: خيّرت فاخترت. فورّى- (عليه السلام)- باختيار الاستغفار.
و أمّا قوله فيه: «فاستغفر له» فلعلّه استغفر لابنه لمّا سأل لأبيه الاستغفار، و كان يعلم أنّه من أصحاب الجحيم. و يدلّ على ما قلناه قوله- (عليه السلام)-: فبدا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما لم يكن يحبّ.
هذا ان صحّ حديث عليّ بن إبراهيم، فإنّه لم يستند إلى المعصوم. و الاعتماد على حديث العيّاشيّ هنا أكثر منه على حديث عليّ بن إبراهيم، لاستناده إلى قول المعصوم دونه. لأنّ سياق كلام عليّ بن إبراهيم تارة يدل على أنّه كان سبب نزول الآية قصّة ابن أبي، و أخرى يدلّ على أنّ نزولها قبل ذلك.
و في الكافي (3): عن الصادق- (عليه السلام)-: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يكبّر على قوم خمسا، و على قوم آخرين أربعا. فإذ كبّر على رجل أربعا، اتّهم، يعنى:
بالنّفاق.
و فيه (4)، و في تفسير العيّاشي (5): عنه- (عليه السلام)-: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا صلّى على ميّت كبّر و تشهد، ثم كبّر و صلّى على الأنبياء [و دعا] (6)، ثمّ كبّر و دعا للمؤمنين، ثمّ كبّر الرابعة و دعا للميت، ثمّ كبّر و انصرف. فلمّا نهاه اللّه- عزّ و جلّ- عن الصلاة على المنافقين كبّر و تشهد، ثمّ كبر و صلّى على النبيين، ثمّ كبّر و دعا للمؤمنين، ثمّ كبّر الرّابعة و انصرف. و لم يدع للميت.
وَ لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا:
____________
(1) الأحزاب/ 35.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «المنافق و يدري» بدل «المنافقين و يوري» و ورّيت الخبر تورية: إذا سترته و أظهرت غيره، حيث يكون للّفظ معنيان أحدهما أشيع من الآخر فتنطق به و تريد الخفيّ.
(3) الكافي 3/ 181، ح 2.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(5) تفسير العيّاشي 2/ 102، ذيل ح 96 ببعض الاختلاف.
(6) من الكافي.
513
بما يلحقهم فيها من المصائب و الغموم، و بما يشقّ عليهم إخراجها من الزكاة و الإنفاق في سبيل اللّه.
وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ (85): تكرير للتّأكيد، و الأمر حقيق به. فإنّ الأبصار طامحة إلى الأموال و الأولاد و النّفوس، مغبوطة عليها.
و يجوز أن يكون هذه في فريق غير الأوّل.
و في أصول (1) الكافي (2): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي أميّة، يوسف بن ثابت، بن (3) أبي سعيدة قال: دخل قوم على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
فقالوا لمّا دخلوا عليه: إنّا أحببناكم لقرابتكم من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لما أوجب اللَّه علينا من حقّكم. ما أحببناكم لدنيا نصيبها منكم، إلّا لوجه اللَّه- تعالى- و للدّار الآخرة و ليصلح امرؤ منا دينه.
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: صدقتم [صدقتم، ثمّ قال] (4) من أحبّنا، كان معنا- أو قال:- جاء معنا يوم القيامة هكذا. ثمّ جمع بين السّبابتين.
ثمّ قال: و اللَّه، لو أنّ رجلا صام النّهار و قام اللّيل ثمّ لقي اللَّه- عزّ و جلّ- بغير ولايتنا، أهل البيت، للقيه و هو عنه غير راض- أو قال:- ساخط عليه.
ثمّ قال: و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ* وَ لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ أَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ (5)
و هذا الخبر يدلّ بصريحه على كفر من أنكر الولاية، و إن أقرّ بما سواها و عبد ما عبد، كما قدّمنا لك بيانه مرارا.
وَ إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ: من القرآن. و يجوز بها عن بعضها، كما في القرآن
____________
(1) بل في روضة الكافي.
(2) الكافي 8/ 106- 107، ح 80.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن» بدل «بن».
(4) من المصدر.
(5) المصدر: و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: «و ما منعهم أن تقبل منهم ... و هم كافرون. (التوبة/ 54- 55) بدل و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: و لا تصلّ على أحد منهم ... و هم كافرون (التوبة/ 84- 85)
514
و الكتاب.
و قيل (1): هي براءة (2)، لأنّ فيها الأمر بالإيمان و الجهاد.
أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ: بأن آمنوا. و يجوز أن تكون «أن» المفسرة.
وَ جاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ: ذو الفضل و السعة. من طال عليه، طولا.
وَ قالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (86): الّذين قعدوا لعذر.
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ: مع النّساء. جمع، خالفة.
و في تفسير العيّاشيّ (3): عن الباقر- (عليه السلام)- قال: النساء (4).
و قد يقال: الخالفة، للّذي لا خير فيه.
وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87): ما في الجهاد و موافقة الرّسول من السّعادة، و ما في التّخلّف عنه من الشّقاوة.
لكِنِ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ، أي: إن تخلّف هؤلاء و لم يجاهدوا، فقد جاهد من هو خير منهم.
وَ أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ: منافع الدّارين، النصر و الغنيمة في الدّنيا، و الجنّة و الكرامة في الآخرة.
و قيل (5): الحور، لقوله: «فيهنّ خيرات حسان». و هي جمع، خيرة. تخفيف، خيّرة.
وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88): الفائزون بالمطالب.
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89): بيان لما لهم من الخيرات الأخرويّة.
وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ قيل (6): يعني: أسدا و غطفان، استأذنوا في التّخلف معتذرين بالجهد و كثرة العيال.
و قيل (7): هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معكم، أغارت أعراب طيء
____________
(1) الكشاف 2/ 207.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قراءة.
(3) تفسير العيّاشي 2/ 103، ح 97.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «مع نساء» بدل «النساء».
(5) أنوار التنزيل 1/ 427.
6 و 7- نفس المصدر و الموضع.
515
على أهالينا و مواشينا.
و «المعذّر» إمّا من عذر في الأمر: إذا قصّر فيه، موهما أن له عذرا و لا عذر له. أو من اعتذر: إذا مهّد العذر. بإدغام التّاء في الذال، و نقل حركتها إلى العين. و يجوز في العربيّة (1) كسر العين لالتقاء السّاكنين، و ضمّها للإتباع. لكن لم يقرأ بهما.
و قرأ (2) يعقوب: «معذورون». من أعذر: إذا اجتهد في العذر.
و قرئ (3): «المعذّرون» بتشديد العين و الذال، على أنه من تعذّر، بمعنى: اعتذر.
و هو لحن، إذ التّاء لا تدغم في العين.
و قد اختلف في أنّهم كانوا معتذرين بالتصنّع، أو بالصّحة. فيكون قوله: وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ في غيرهم، و هم منافقوا الأعراب كذبوا اللَّه و رسوله في ادّعاء الإيمان. و إن كانوا هم الأولين، فكذبهم بالاعتذار.
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ: من الأعراب، أو المعذّرين. فإنّ منهم من اعتذر لكسله، لا للكفر.
عَذابٌ أَلِيمٌ (90): بالقتل و النّار.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى، كالهرمى و الزمنى.
و في تفسير العيّاشيّ (4): عن عبد الرّحمن بن حرب قال: لمّا أقبل النّاس مع أمير المؤمنين علّي- (عليه السلام)- من صفّين، أقبلنا معه (5). حتّى إذا جزنا النخيلة و رأينا أبيات الكوفة، إذا شيخ جالس في ظلّ بيت و على وجهه أثر المرض. فأقبل إليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و نحن معه حتّى سلّم عليه و سلّمنا معه، فردّ بنا حسنا (6). فقال له أمير المؤمنين: فهل شاهدت (7) معنا غزانا (8) هذه؟
فقال: لا. لقد أردتها، و لكن ما نزل في طلب حتّى (9) الحمى خذلتني (10) عنها.
____________
(1) ليس في المصدر: في العربيّة.
2 و 3- نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير العيّاشي 2/ 103- 104، مقاطع من ح 99.
(5) المصدر: أقبلنا معه فأخذ طريقا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه حتّى الخ.
(6) المصدر: فرد ردّا.
(7) المصدر: شهدت.
(8) المصدر: غزاتنا.
(9) المصدر: «و لكن ما ترى من لجب» بدل «و لكن ما نزل في طلب حتّى».
(10) المصدر: خذلني.
516
فقال أمير المؤمنين: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ (إلى آخر الآية)
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ: لفقرهم، كجهينة و مزينة و بني عذرة.
حَرَجٌ: إثم في التأخر.
إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ: بالإيمان و الطّاعة في السّر و العلانية، كما يفعل الموالي النّاصح. أو بما قدروا عليه فعلا أو قولا، يعود على الإسلام و المسلمين بالصّلاح.
و في كتاب الخصال (1): عن تميم الدّارمي (2) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من يضمن لي خمسا (3)، أضمن له الجنّة.
قال: و ما هي، يا رسول اللَّه؟
قال: النّصيحة للَّه- عزّ و جلّ- و النصيحة لرسوله، و النّصيحة لكتاب اللَّه، و النصيحة لدين اللَّه، و النصيحة لجماعة المسلمين.
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، أي: ليس عليهم جناح، و لا إلى معاتبتهم سبيل.
و إنّما وضع «المحسنين» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّهم منخرطون في سلك المحسنين غير معاتبين لذلك.
و في كتاب من لا يحضره الفقيه (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا. فأمّا التّائبون، فإن اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91): لهم. أو للمسيء، فكيف للمحسن.
وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، يعني: معك. عطف على «الضعفاء» أو على «المحسنين».
قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ: حال من «الكاف» في «أتوك» بإضمار
____________
(1) الخصال/ 294، ح 60.
(2) المصدر: تميم الداريّ.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «ضمانا» بدل «خمسا».
(4) الفقيه 3/ 376، ح 1778.
517
«قد».
تَوَلَّوْا: جواب «إذا».
وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ: تسيل.
مِنَ الدَّمْعِ: أي: دمعا. فإنّ «من» للبيان. و هي مع المجرور في محلّ النصب، على التّمييز. و هو أبلغ من: يفيض دمعها، لأنّه يدل على أنّ العين صارت دمعا فياضا.
حَزَناً: نصب على العلّة. أو الحال. أو المصدر، لفعل دلّ عليه ما قبله.
أَلَّا يَجِدُوا، أي: لئلا يجدوا. متعلّق «بحَزَناً» أو «تفيض».
ما يُنْفِقُونَ (92): في مغزاهم.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن الحلبيّ و زرارة، عن حمران و محمّد بن مسلم (2)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- حديث طويل. و في آخره: وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ (الآية).
قال: عبد اللَّه بن يزيد (3) [بن] (4) ورقاء الخزاعيّ أحدهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، في قصة غزوة تبوك. و جاء البكاؤون إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هم سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف، بن (6) سالم بن عمير، قد شهد بدرا لا خلاف فيه. و من بني واقف، هرمي (7) بن عمير. و من بني حارثة (8)، علية بن زيد. و هو الّذي تصدّق بعرضه، و ذلك أن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمر بالصّدقة، فجعل النّاس يأتون بها.
فجاء علية، فقال: يا رسول اللَّه، [و اللَّه] (9) ما عندي ما أتصدق به. و قد جعلت عرضي حلّا.
____________
(1) تفسير العياشي 2/ 105، ذيل ح 100.
(2) المصدر: [عن الحلبي] عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم.
(3) في حاشية نور الثقلين 3/ 253: كذا في النسخ، لكنّ الصحيح «بديل» بدل «يزيد» و يمكن التصحيف أيضا.
(4) من المصدر.
(5) تفسير القمي 1/ 293.
(6) ليس في المصدر: بن.
(7) بعض نسخ المصدر: هدمي.
(8) المصدر: بني جارية.
(9) من المصدر.
518
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قد قبل اللَّه صدقتك.
و من بني مازن بن النّجار، أبو ليلى، عبد الرّحمن بن كعب. و من بني سلمة، عمرو بن غنيمة (1). و من بني زريق، مسلمة بن صخر (2). و من بني المعز، ماضرة بن سارية السّلميّ، هؤلاء جاءوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يبكون. فقالوا: يا رسول اللَّه، ليس بنا قوة أن نخرج معك.
فأنزل اللَّه- تعالى- فيهم لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى- إلى قوله- أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ.
قال: و إنّما سأل هؤلاء البكّاؤون نعلا (3) يلبسونها.
و قيل (4): هم بنو مقرن، معقل و سويد و نعمان.
و قيل (5): أبو موسى و أصحابه.
إِنَّمَا السَّبِيلُ: بالمعاتبة.
عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ: واجدون للأهبة.
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ: استئناف لبيان ما هو السّبب، لاستئذانهم من غير عذر. و هو رضاهم بالدّناءة و الانتظام في جملة الخوالف، إيثارا للدّعة.
في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و (7) المستأذنون ثمانون رجلا من قبائل شتّى.
و «الخوالف» النّساء.
وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ: حتّى غفلوا عن و خامة العاقبة.
فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93): مغبّته.
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ: في التّخلّف.
إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ: من هذه السّفرة.
قُلْ لا تَعْتَذِرُوا: بالمعاذير الكاذبة.
لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ: لم نصدقكم، لأنّه قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ: أعلمنا
____________
(1) المصدر: عمرو بن غنمة.
(2) المصدر: سلمة بن صخر.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «فلا» بدل «نعلا».
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 428.
(6) تفسير القمي 1/ 293.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «النفرة» بدل «و».
519
بالوحي إلى نبيّه بعض أخباركم، و هو ما في ضمائركم من الشّرّ و الفساد.
وَ سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ.
قيل (1): أي: تتوبون عن الكفر (2) أم تثبتون عليه. فكأنّه استتابه و إمهال للتّوبة.
ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ، أي: إليه. فوضع الوصف موضع الضّمير، للدّلالة على أنه مطلع على سرّهم و علنهم، و لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم و أعمالهم.
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94): بالتّوبيخ و العقاب عليه.
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ: فلا تعاتبوهم.
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ: فلا توبّخوهم.
إِنَّهُمْ رِجْسٌ: لا ينفع فيهم التّأنيب. فإنّ المقصود منه: التّطهير، بالحمل على الإنابة، و هؤلاء أرجاس لا تقبل التّطهير. فهو علّة الإعراض، و ترك المعاتبة.
وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ: من تمام التّعليل، كأنّه قال: إنّهم أرجاس من أهل النّار، لا ينفع فيهم التّوبيخ في الدّنيا و الآخرة. أو تعليل ثان، و المعنى: أنّ النّار كفتهم عتابا، فلا تتكلّفوا عتابهم.
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (95): يجوز أن يكون مصدرا، و أن يكون علّة.
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ: بحلفهم، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم.
فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (96)، أي: فإنّ رضاكم لا يستلزم رضا اللَّه، و رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط اللَّه و بصدد عقابه، و إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على اللَّه، فلا يهتك سترهم و لا ينزل الهوان بهم.
و المقصود من الآية: النهي عن الرّضا عنهم و الاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض و عدم الالتفات نحوهم.
و في مجمع البيان (3): عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أنه قال] (4) من التمس رضا
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 428.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أ تبنون على الكفر.
(3) المجمع 3/ 61.
(4) من المصدر.
520
اللَّه بسخط النّاس، رضي اللَّه عنه و أرضى عنه النّاس. و من التمس رضا النّاس بسخط اللَّه، سخط اللَّه عليه و أسخط عليه النّاس.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): لمّا قدم النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- من تبوك، كان أصحابه المؤمنون يتعرّضون للمنافقين و يؤذونهم. و كانوا يحلفون لهم أنهم على الحقّ و ليس هم بمنافقين، لكي يعرضوا عنهم و يرضوا عنهم. فأنزل اللَّه سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ (الآية).
الْأَعْرابُ: أهل البدو.
أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً: من أهل الحضر. لتوحشهم، و قساوتهم، و عدم مخالطتهم لأهل العلم، و قلّة استماعهم للكتاب و السنّة.
وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا: و أحقّ بإن لا يعلموا.
حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: من الشرائع، فرائضها و سننها.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ: يعلم كلّ واحد من أهل الوبر و المدر.
حَكِيمٌ (97): فيما يصيب به مسيئهم و محسنهم، عقابا و ثوابا.
و في روضة الكافي (2): سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللَّه بن جبلة (3)، عن إسحاق بن عمّار أو غيره قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: نحن بنو هاشم، و شيعتنا العرب، و سائر النّاس الأعراب.
و في أصول الكافي (4): عليّ بن محمد بن عبد الرّحمن (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: تفقّهوا في الدّين. فإنه من لم يتفقه منكم في الدّين، فهو أعرابيّ. إنّ اللَّه يقول في كتابه (6): لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
الحسين بن محمّد (7)، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن الرّبيع، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: عليكم بالتفقه في الدّين، و لا تكونوا
____________
(1) تفسير القمي 1/ 302- 303.
(2) الكافي 8/ 166، ح 183.
(3) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 476. و في النسخ: عبد الرحمن بن جبلة.
(4) الكافي 1/ 31، ح 6.
(5) المصدر: «عبد اللَّه» بدل «عبد الرحمن».
(6) المصدر: [في كتابه].
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أعرابيا.
521
أعرابا. فإنّه من لم يتفقّه في دين اللّه، لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة و لم يزك له عملا.
وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ: يصرفه في سبيل اللّه، و يتصدّق به.
مَغْرَماً: غرامة و خسرانا. إذ لا يحتسبه [قربة] (1) عند اللّه، و لا يرجو عليه ثوابه. و إنّما ينفق رياء، أو تقيّة.
وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ: دوائر الزّمان و نوبه. لينقلب الأمر عليكم، فيتخلّص من الإنفاق.
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ: اعتراض بالدّعاء عليهم بنحو ما يتربّصونه. أو الإخبار عن وقوع ما يتربّصون عليهم.
و «الدّائرة» في الأصل مصدر، أو اسم فاعل. من دار، يدور. سمّي بها عقبة الزّمان.
و «السّوء» بالفتح مصدر، أضيف إليه للمبالغة، كقولك: رجل صدق.
و قرئ (2): بضمّ السّين.
وَ اللَّهُ سَمِيعٌ: لما يقولون عند الإنفاق.
عَلِيمٌ (98): بما يضمرون.
وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ: سبب قربات. و هي ثاني مفعولي «يتّخذ». و «عند اللَّه» صفتها، أو ظرف «ليتّخذ».
و في تفسير العيّاشي (3): عن داود بن الحصين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قوله: وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ: أ يثيبهم عليه؟
قال: نعم.
و في رواية أخرى عنه (4): يثابون عليه؟
قال: نعم.
وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ: و سبب دعواته. لأنّه- (عليه السلام)- كان يدعو للمتصدقين
____________
(1) من أنوار التنزيل 1/ 429.
(2) أنوار التنزيل 1/ 429.
(3) تفسير العياشي 2/ 105، ح 102.
(4) نفس المصدر و الموضع، ح 103.
522
بالخير و البركة، و يستغفر لهم.
أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ: شهادة لهم من اللَّه، بصحّة معتقدهم و تصديق لرجائهم.
على الاستئناف، مع حرف التّنبيه و «إنّ» المحققة للنسبة. و الضّمير «لنفقتهم».
و قرأ (1) ورش: «قربة» بضمّ الرّاء.
سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ: وعد لهم بإحاطة الرّحمة عليهم، و السّين لتحقيقه.
و قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99): لتقريره.
و قيل (2): الأولى في أسد و غطفان و بني تميم. و الثّانية في عبد اللَّه ذي البجادين، و قومه.
وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ قيل (3): هم الّذين صلوا إلى القبلتين. أو الّذين شهدوا بدرا. أو الذين اسلموا قبل الهجرة.
وَ الْأَنْصارِ.
و قرئ (4): بالرّفع، عطفا على «و السّابقون».
قيل (5): أهل بيعة العقبة الأولى و كانوا سبعة، و أهل [بيعة] (6) العقبة الثانية [و كانوا] (7) سبعين، و الّذين آمنوا حين تقدم عليهم أبو زرارة، مصعب بن عمير.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): هم النّقباء، و (9) أبو ذر و المقداد و سلمان و عمّار، و من آمن و صدّق و ثبت على ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.
و في نهج البلاغة (10): قال- (عليه السلام)-: لا يقع اسم الهجرة على أحد، إلّا بمعرفة الحجّة في الأرض. فمن عرفها و أقرّ بها، فهو مهاجر.
وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: اللّاحقون بالسّابقين من القبيلين. أو من اتّبعوهم بالإيمان و الطّاعة إلى يوم القيامة.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 429.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 430.
(3) نفس المصدر و الموضع.
4 و 5- نفس المصدر و الموضع.
(6) من المصدر.
(7) من المصدر.
(8) تفسير القمي 1/ 303.
(9) ليس في المصدر: و.
(10) نهج البلاغة/ 280، ضمن خطبة 189.
523
و في أصول الكافي (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: إنّ الإيمان (2) درجات و منازل، يتفاضل المؤمنون فيها عند اللَّه؟
قال: نعم.
قلت: صفه لي، رحمك اللَّه، حتى أفهمه.
قال: إنّ اللَّه سبق بين المؤمنين، كما يسبّق بين الخيل يوم الرهان (3)، ثمّ فضّلهم على درجاتهم في السّبق إليه. فجعل كلّ امرئ منهم على درجة سبقه لا ينقصه فيها حقّه، و لا يتقدّم مسبوق سابقا و لا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الأمة و أواخرها.
و [لو] (4) لم يكن للسّابق إلى الإيمان فضل على المسبوق، إذا للحق آخر (5) هذه الأمة أوّلها.
نعم، و لتقدّموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه. و لكن بدرجات الإيمان قدم اللَّه السّابقين، و بالإبطاء عن الإيمان أخر اللَّه المقصرين. لأنّا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملا من الأولين، و أكثرهم صلاة و صوما و حجّا و زكاة و جهادا و إنفاقا. و لو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند اللَّه، لكان الآخرون بكثرة (6) العمل مقدّمين على الأولين. و لكن أبى اللَّه- عزّ و جلّ- أن يدرك آخر درجات الإيمان أوّلها، و يقدّم فيها من أخر اللَّه أو يؤخّر فيها من قدّم اللَّه.
قلت: أخبرني عمّا ندب اللَّه- عزّ و جلّ- المؤمنين عليه من الاستباق إلى الإيمان.
فقال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ- إلى قوله- وَ رَضُوا عَنْهُ. فبدأ بالمهاجرين الأوّلين على درجة سبقهم، ثم ثنّى بالأنصار، ثم ثلث بالتّابعين لهم بإحسان. فوضع كلّ قوم على قدر درجاتهم و منازلهم عنده.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلالي:
عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين و الأنصار في
____________
(1) الكافي 2/ 40- 41، صدر ح 1.
(2) المصدر: للايمان.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يوم البرهان.
(4) من المصدر.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «الحق أواخر» بدل «للحق آخر».
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يكثرون.
(7) كمال الدين/ 276.
524
المسجد أيّام خلافة عثمان: فأنشدكم اللَّه، أ تعلمون حيث نزلت وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ و السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (1)، سئل عنها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أنزلها اللَّه- تعالى- في الأنبياء و أوصيائهم. فأنا أفضل أنبياء اللَّه و رسوله، و عليّ بن أبي طالب [وصييّ] (2) أفضل الأوصياء؟
قالوا: اللّهم، نعم.
و في روضة الكافي (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: خرجت أنا و أبي، حتّى إذا كنّا بين القبر و المنبر إذا هو بإناس من الشّيعة. فسلّم عليهم، ثمّ قال: إني و اللَّه، لأحبّ رياحكم و أرواحكم. فأعينوني على ذلك بورع و اجتهاد، و اعلموا أنّ ولايتنا لا تنال إلّا بالورع و الاجتهاد. و من ائتمّ منكم بعبد، فليعمل بعمله. أنتم شيعة اللَّه، و أنتم أنصار اللَّه، و أنتم السّابقون الأوّلون و السّابقون الآخرون و السّابقون في الدّنيا و السّابقون في الآخرة إلى الجنة.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في مجمع البيان (4): و اختلف في أوّل من أسلم من المهاجرين، فقيل: أوّل من أسلم (5) خديجة بنت خويلد، ثمّ عليّ بن أبي طالب. و هو قول ابن عبّاس، و جابر بن عبد اللَّه، و أنس، و زيد بن أرقم، و مجاهد، و قتادة، و ابن إسحاق، و غيرهم.
قال أنس: بعث النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم الاثنين، صلّى عليّ و أسلم يوم الثّلاثاء.
و قال مجاهد و ابن إسحاق: إنّه اسلم و هو ابن عشر سنين. و كان مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أخذه من أبي طالب، و ضمه إلى نفسه يربيه في حجره. و كان معه، حتّى بعث نبيا.
و روي (6) أنّ أبا طالب قال لعليّ: أي بنيّ، ما هذا الدّين الذي آمنت (7) عليه؟
قال: يا أبة، آمنت باللَّه و برسوله و صدّقته فيما جاء به و صليت معه للَّه.
____________
(1) الواقعة/ 10.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 8/ 212- 213، صدر ح 259.
(4) المجمع 3/ 65.
(5) المصدر: آمن.
(6) المجمع 3/ 65.
(7) المصدر، ر: «أنت» بدل «آمنت».
525
فقال له: إنّ محمدا لا يدعو إلّا إلى خير، فالزمه.
و روى (1) عبد اللَّه بن موسى، عن العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمر، عن عبّاد بن عبد اللَّه قال: سمعت عليا- (عليه السلام)- يقول: أنا عبد اللَّه و أخو رسوله و أنا الصّديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا كذّاب مفتر. صليت قبل النّاس بسبع سنين.
و في مسند السّيد (2)، أبي طالب الهرويّ، مرفوعا إلى أبي أيّوب: عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري و غيره.
و روى الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ (3)، بإسناده مرفوعا إلى عبد الرحمن بن عوف، في قوله- سبحانه-: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ.
قال: هم عشرة من قريش، أوّلهم إسلاما علي بن أبي طالب.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: بقبول طاعتهم و ارتضاء أعمالهم.
وَ رَضُوا عَنْهُ: بما نالوا منه من النّعمة الدينيّة و الدّنيويّة.
وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ.
و قرأ (4) ابن كثير: «من تحتها»، كما هو في سائر المواضع.
خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100): البالغ في العظمة حدّ الأعظم منه.
وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ، أي: ممّن حول بلدتكم، يعني: المدينة.
مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ.
قيل (5): و هم جهينة، و مزينة، و أسلم، و أشجع، و غفار. كانوا نازلين حولهم.
وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: عطف على «ممّن حولكم». أو خبر لمحذوف، صفته قوله: مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ.
و نظيره في حذف الموصوف و إقامة الصّفة مقامه قوله:
أنا ابن جلا و طلاع الثّنايا* * * متى أضع العمامة تعرفوني
____________
1 و 2- نفس المصدر و الموضع.
(3) المجمع 3/ 65.
(4) أنوار التنزيل 1/ 430.
(5) أنوار التنزيل 1/ 430.
526
و على الأوّل صفة «للمنافقين»، فصل بينها و بينه بالمعطوف على الخبر. أو كلام مبتدأ لبيان تمرّنهم و تمهرهم في النّفاق.
لا تَعْلَمُهُمْ: لا تعرفهم بأعيانهم. و هو تقرير لمهارتهم فيه و تنوّقهم في تحامي مواقع التّهم، إلى حد اخفي عليك حالهم مع كمال فطنتك و صدق فراستك.
نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ: نطلع على أسرارهم. إن قدروا أن يلبسوا عليك، لم يقدروا أن يلبسوا علينا.
سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ.
قيل (1): بالفضيحة و القتل. أو بأحدهما و عذاب القبر. أو بأخذ الزّكاة و نهك الأبدان.
و في الجوامع (2): ضرب الملائكة وجوههم و أدبارهم عند قبض أرواحهم، و عذاب القبر.
ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (101): إلى عذاب النّار.
وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ: و لم يعتذروا من تخلّفهم بالمعاذير الكاذبة.
قيل (3): و هم طائفة من المتخلّفين، أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد لمّا بلغهم ما نزل في المتخلّفين.
و قدم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدخل المسجد على عادته، فصلّى ركعتين، فرآهم، و سأل عنهم. و ذكر له، أنهم أقسموا، أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى تحلّهم. فقال: و أنا أقسم ألّا أحلّهم حتّى اؤمر فيهم. فنزلت، فأطلقهم.
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً: خلطوا العمل الصالح الذي هو اظهار النّدم و الاعتراف بالذّنب، باخر سيء هو التخلّف و موافقة أهل النّفاق.
و «الواو» إمّا بمعنى: الباء، كما في قولهم: بعت الشّاء شاة و درهما. أو للدّلالة على أنّ كلّ واحد منهما مخلوط بالآخر.
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ: أن يقبل توبتهم. و هي مدلول عليها بقوله:
«اعترفوا بذنوبهم».
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102): يتجاوز عن التّائب، و يتفضّل عليه.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 430.
(2) الجوامع/ 185.
(3) أنوار التنزيل 1/ 430.
527
و في أصول الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسّان، عن موسى بن بكر، عن رجل قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: الّذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا، فأولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذّنوب الّتي يعيبها المؤمنون و يكرهونها. فأولئك عسى اللَّه أن يتوب عليهم.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن محمّد بن خالد بن الحجّاج الكرخيّ، عن بعض أصحابه، رفعه إلى خيثمة قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه: [خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و العسى من اللَّه واجب. و إنّما نزلت في شيعتنا المذنبين.
عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر (3)، رفعه إلى الشيخ في قوله- تعالى-:] (4) «خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا».
قال: قال اجترحوا ذنوبا، مثل قتل حمزة و جعفر الطّيار ثمّ تابوا.
ثمّ قال: و من قتل مؤمنا، لم يوفق للتوبة، إلّا أنّ اللَّه لم يقطع طمع العباد و رجاءهم منه.
قال: و قال: هو أو غيره: إنّ «عسى» من اللَّه واجب.
عن زرارة (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً.
قال: أولئك قوم مذنبون، يحدثون في إيمانهم من الذّنوب التي يعينها المؤمنون و يكرهونها. فأولئك عسى اللَّه أن يتوب عليهم.
عن زرارة (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: من وافقنا من علويّ أو غيره، توليناه. و من خالفنا، برئنا منه من علويّ أو غيره.
يا زرارة، قول اللَّه أصدق من قولك. إنّ الّذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا؟
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): قوله- عزّ و جلّ-: وَ آخَرُونَ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
____________
(1) الكافي 2/ 408، ح 2.
(2) تفسير العياشي 2/ 105، ح 105.
(3) نفس المصدر و المجلد/ 105- 106، ح 106.
(4) من المصدر.
(5) نفس المصدر و المجلد/ 106، ح 109.
(6) نفس المصدر و الموضع، ح 110.
(7) تفسير القمي 1/ 303- 304.
528
نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لما حاصر بني قريضة، قالوا له: ابعث إلينا أبا لبابة نستشره في أمرنا.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [يا أبا لبابة] (1) ائت حلفاءك و مواليك.
فأتاهم، فقالوا له: يا أبا لبابة، ما ترى، أ ننزل على ما حكم به محمّد؟
فقال: انزلوا، و اعلموا أن حكمه فيكم هو الذبح- و أشار إلى حلقه- ثمّ ندم على ذلك.
فقال: خنت اللَّه و رسوله.
و نزل من حصنهم، و لم يرجع إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و مرّ إلى المسجد و شدّ في عنقه حبلا، ثم شده إلى الأسطوانة التي تسمى: أسطوانة التّوبة. و قال:
لا أحلّة حتّى أموت أو يتوب اللَّه عليّ.
فبلغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك، فقال: أما لو أتانا، لاستغفرنا اللَّه له.
فأما إذا قصد إلى ربّه، فاللَّه أولى به.
و كان أبو لبابة يصوم النّهار، و يأكل بالليل ما يمسك به نفسه (2). فكانت بنته تأتيه بعشائه و تحله عند قضاء الحاجة. فلمّا كان بعد ذلك و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بيت أمّ سلمة، نزلت توبته.
فقال: يا أمّ سلمة، قد تاب اللَّه على أبي لبابة.
فقالت: يا رسول اللَّه، أ فأؤذنه بذلك؟
فقال: لتفعلنّ.
فأخرجت رأسها من الحجرة، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب اللَّه عليك.
فقال: الحمد للَّه.
فوثب المسلمون ليحلّوه، فقال: لا و اللَّه، حتّى يحلني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فجاء رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا أبا لبابة، قد تاب اللَّه عليك توبة لو ولدت من أمّك [يومك] (3) هذا لكفاك.
____________
(1) من المصدر.
(2) المصدر: «رمقه» بدل «نفسه».
(3) من المصدر.
529
فقال: يا رسول اللَّه، أ فأتصدّق بمالي كلّه؟
قال: لا.
قال: فبثلثيه؟
قال: لا.
قال: فبنصفه؟
قال: لا.
قال: فبثلثه؟
قال: نعم.
فأنزل اللَّه وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً- إلى قوله- هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): نزلت حين أطلق أبو لبابة و ضمن ماله للتصديق.
تُطَهِّرُهُمْ: عن الذّنوب. أو حبّ المال المؤذي بهم إلى مثله.
و قرى (2): «تطهرهم». من أطهره، بمعنى: طهره. و «تطهّرهم» بالجزم، جوابا للأمر.
وَ تُزَكِّيهِمْ بِها: و تنمي بها حسناتهم، و ترفعهم إلى منازل المخلصين.
وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ: و اعطف عليه بالدّعاء و الاستغفار لهم.
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ: تسكن إليها نفوسهم و تطمئنّ بها قلوبهم. و جمعها، لتعدد المدعوّ لهم.
و قرأ (3) حمزة و الكسائي و حفص، بالتّوحيد.
وَ اللَّهُ سَمِيعٌ: باعترافهم.
عَلِيمٌ (103): بندامتهم.
و في مجمع البيان (4): عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنه كان إذا أتاه قوم
____________
(1) نفس المصدر و الموضع. و العبارة خلاصة من الحديث السابق. و الظاهر أنّ المؤلف نقلها من تفسير الصافي ظنا بأنّها غير الحديث السابق.
(2) أنوار التنزيل 1/ 431.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) المجمع 3/ 68.
530
بصدقتهم، قال: اللّهم، صلّ عليهم.
و في تفسير العيّاشيّ (1): عن الصادق- (عليه السلام)- أنه سئل عن هذه الآية:
أ جارية هي في الإمام بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
قال: نعم.
و في عوالي اللّئالي (2): و روي أن الثّلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك لمّا نزل في حقهم وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا (الآية) و تاب اللَّه عليهم، قالوا: خذ من (3) أموالنا صدقة، يا رسول اللَّه، و تصدق بها و طهّرنا من الذّنوب.
فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا.
فنزل خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً. [فأخذ] (4) منهم الزّكاة المقررة [شرعا] (5).
و في تفسير العيّاشي (6): [عن زرارة] (7) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها: أ هو قوله: وَ آتُوا الزَّكاةَ؟
قال: قال: الصّدقات في النّبات و الحيوان. و الزكاة في الذهب و الفضّة، و زكاة الصّوم.
و في أصول الكافي (8): حسين بن محمّد بن عامر، بإسناده رفعه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: من زعم أنّ الإمام يحتاج إلى ما في أيدي النّاس، فهو كافر. إنّما النّاس يحتاجون أن يقبل منهم الإمام، قال اللَّه- عزّ و جلّ-: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها.
محمد بن يحيى (9)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير قال:
سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّي لآخذ من أحدكم الدّرهم، و إني لأكثر أهل المدينة مالا. ما أريد بذلك، إلّا أن تطهروا.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 106، ح 111 بتصرف في صدره.
(2) عوالي اللئالي 2/ 69، ح 178.
(3) ليس في المصدر.
4 و 5- من المصدر.
(6) تفسير العياشي 2/ 107، ح 112.
(7) من المصدر. و في النسخ: «عن عليّ بن حنان الواسطي، من بعض أصحابنا». و هي نفس صدر الحديث الذي مرّ آنفا و يوجد في المصدر 2/ 106، ح 111.
(8) الكافي 1/ 537، ح 1.
(9) نفس المصدر و المجلّد/ 538، ح 7.
531
و في الكافي (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد اللَّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لمّا نزلت آية الزكاة خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها، و أنزلت في شهر رمضان، فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مناديه فنادى في النّاس: إن اللَّه فرض عليكم الزكاة، كما فرض عليكم الصلاة. ففرض اللَّه- عزّ و جلّ- عليهم من الذّهب و الفضّة، و فرض عليهم الصّدقة من الإبل و البقر و الغنم و من الحنطة و الشّعير و التمر و الزّبيب. فنادى بهم (2) بذلك في شهر رمضان، و عفا لهم عمّا سوى ذلك.
قال: ثمّ لم يفرض بشيء من أموالهم حتّى حال عليهم الحول من قابل، فصاموا و أفطروا. فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون، زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم.
ثمّ (3) قال: ثمّ وجه عمّال الصدقة و عمّال الطّسوق (4).
أَ لَمْ يَعْلَمُوا:
الضمير إمّا للمتوب عليهم، و المراد: إن يمكّن في قلوبهم قبول توبتهم و الاعتداد بصدقاتهم. أو لغيرهم، و المراد: بالتخصيص عليهما.
أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ: إذا صحت. و تعديته «بعن»، لتضمنه معنى التّجاوز.
وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ: يقبلها قبول من يأخذ شيئا، ليؤدي بدله.
و في كتاب الخصال (5): عن حفص (6) بن غياث النخعي قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين: رجل يزداد في كلّ يوم إحسانا، و رجل يتدارك ذنبه بالتوبة. و أنى به بالتّوبة، و اللَّه، لو سجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل اللَّه منه إلا بولايتنا أهل البيت.
عن أمير المؤمنين (7)- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: إذا ناولتم السّائل شيئا، فاسألوه أن يدعو لكم. فانه يجاب له فيكم و لا يجاب في نفسه، لأنّهم يكذبون. و ليرد
____________
(1) الكافي 3/ 497، ح 2.
(2) المصدر: فيهم.
(3) ليس في المصدر.
(4) الطسق: كفلس: الوظيفة من خراج الأرض المقررة عليها. فارسيّ معرب.
(5) الخصال/ 41، ح 29.
(6) أ، ب: «جعفر» بدل «حفص».
(7) الخصال/ 619.
532
الّذي ناوله يده إلى فيه فيقبلها، فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يأخذها قبل أن تقع في يده، كما قال- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ- إلى قوله- وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ.
و في كتاب التوحيد (1)، بإسناده إلى سليمان بن مروان (2): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و القبض منه- عزّ و جلّ- في وجه آخر الأخذ. و الأخذ في وجه القبول منه، كما قال: «و يأخذ الصّدقات»، أي: يقبلها من أهلها، و يثيب عليها.
و في كتاب ثواب الأعمال (3): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: تصدّقت يوما بدينار.
فقال لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما علمت، يا عليّ، أنّ الصّدقة (4) لا تخرج من يده حتّى تفك عنها من لحيي (5) سبعين شيطانا كلّهم يأمره بإن لا يفعل. و ما تقع في يد السّائل، حتّى تقع في يد الرّبّ- جلّ جلاله-. ثمّ تلا هذه الآية: أَ لَمْ يَعْلَمُوا- إلى قوله- هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
و في تهذيب الأحكام (6): محمّد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن سعدان بن مسلم، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه لم يخلق شيئا إلا و له خازن يخزنه، إلّا الصدقة فإنّ الرّب يليها بنفسه. و كان أبي إذا تصدق بشيء، وضعه في يد السّائل، ثمّ ارتدّه منه فقبّله و شمّه، ثمّ ردّه في يد السائل.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير العيّاشيّ (7): عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، [، قال: ما من شيء الّا وكل به ملك الّا الصدقة فانّها تقع في يد اللَّه.
عن أبي بكر (8) عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه] (9) عن آبائه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خصلتان لا أحبّ أن يشاركني فيهما أحد: وضوئي، فانّه
____________
(1) التوحيد/ 161- 162، ح ضمن ح 2.
(2) المصدر: سليمان بن مهران.
(3) ثواب الاعمال/ 169- 170، ح 12.
(4) المصدر: صدقة المؤمن.
(5) اللّحيان: العظمان اللّذان تنبت اللّحية على بشرتهما.
(6) التهذيب 4/ 105، ضمن ح 300.
(7) تفسير العياشي 2/ 108، ح 115.
(8) نفس المصدر و الموضع، ح 115.
(9) من المصدر.
533
من صلاتي. و صدقتي من يدي إلى يد السّائل، فإنها تقع في يد الرّب.
عن محمّد بن مسلم (1)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)- إذا أعطى السّائل، قبل يد السائل.
فقيل له: لم تفعل ذلك؟
قال: لأنّها تقع في يد اللَّه قبل يد العبد.
و قال: ليس من شيء إلّا وكل به ملك، إلّا الصدقة فإنها تقع في يد اللَّه.
قال الفضل: أظنّه يقبّل الخبز، أو الدرهم.
عن مالك بن عطيّة (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)-: ضمنت على ربي أن الصدقة لا تقع في يد العبد، حتّى تقع في يد الرّب. و هو قوله: هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ.
و في الكافي (3): عن الصادق- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه يقول: ما من شيء إلّا و قد وكّل (4) به من يقبضه غيري، إلّا الصّدقة فإنّي أتلقّفها بيدي تلقّفا. حتّى أنّ الرّجل ليتصدّق بالتّمرة أو بشقّ التّمرة، فأربيها له (5)، كما يربي الرّجل فلوه (6) و فصيله (7). فيأتي يوم القيامة و هو، مثل احد و أعظم من احد.
وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104): فإن من شأنه قبول توبة التّائبين و التّفضل عليهم.
وَ قُلِ اعْمَلُوا: ما شئتم.
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ: فإنّه لا يخفى عليه، خيرا كان أو شرا.
وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ.
و في تفسير العيّاشيّ (8): عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سئل
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 117.
(2) نفس المصدر و الموضع، ح 118.
(3) الكافي 4/ 47، ح 6.
(4) المصدر: وكلت.
(5) المصدر: [له].
(6) كذا في المصدر. و في ب: فصله. و في سائر النسخ: فضله.
و الفلو، و الفلوّ: الجحش أو المهر يفطم أو يبلغ السنة.
(7) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن امّه.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 108، ح 119.
534
عن الأعمال: هل تعرض على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟
فقال: ما فيه شكّ.
قيل: أ رأيت قول اللَّه- عزّ و جلّ-: «و قل اعملوا» ما شئتم (1)- إلى قوله- «و المؤمنون».
قال: للَّه شهداء في أرضه (2).
عن أبي بصير (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أن أبا الخطّاب كان يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تعرض عليه أعمال أمّته كلّ خميس.
فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هو هكذا. و لكنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تعرض عليه أعمال أمّته كلّ صباح و مساء (4) أبرارها و فجارها، فاحذروا. و هو قول اللَّه- تبارك و تعالى-: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ.
عن زرارة (5)، عن بريد العجليّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه:
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ.
فقال: ما من مؤمن يموت و لا كافر يوضع في قبره، حتّى يعرض عمله على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- فهلم إلى آخر من فرض اللَّه طاعته على العباد.
و قال أبو عبد اللَّه (6)- (عليه السلام)-: «و المؤمنون» هم الأئمة- (عليهم السلام)-.
عن محمّد بن مسلم (7)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ.
قال: إنّ للَّه شاهد في أرضه، و أنّ أعمال العباد تعرض على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
عن محمّد بن حسّان الكوفيّ (8)، عن محمّد بن جعفر، عن أبي عبد اللَّه- عليه
____________
(1) ليس في المصدر: ما شئتم.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: اللَّه شهد في أرضه.
(3) تفسير العياشي 2/ 109.
(4) ليس في المصدر: مساء.
(5) نفس المصدر و الصفحة، ح 124.
و فيه: [عن زرارة] بدل «عن زرارة».
(6) نفس المصدر و الصفحة، ح 125.
(7) نفس المصدر و الصفحة، ح 126.
(8) نفس المصدر و المجلّد/ 110، ح 127.
535
السّلام- قال: إذا كان يوم القيامة، نصب منبر عن يمين العرش له أربع و عشرون مرقاة.
و يجيء عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و بيده لواء الحمد، فيرتقيه و يركبه و تعرض (1) الخلائق عليه. فمن عرفه، دخل الجنّة. و من أنكره، دخل النّار. و تفسير ذلك في كتاب قُلِ اعْمَلُوا- إلى قوله- وَ الْمُؤْمِنُونَ.
[قال: هو، و اللَّه، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.] (2).
و في أمالي شيخ الطائفة (3)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى عمر بن أذينة قال: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
فقلت له: جعلت فداك، قوله- عزّ و جلّ-: قُلِ اعْمَلُوا- إلى قوله- وَ الْمُؤْمِنُونَ.
قال: إيّانا عنى.
و في أصول الكافي (4): أحمد، عن عبد العظيم، عن الحسين بن صباح (5)، عمّن أخبره قال: قرأ رجل عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- هذه الآية.
فقال: ليس هكذا هي. إنّما هي «و المأمونون». فنحن المأمونون.
محمّد بن يحيى (6)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: تعرض الأعمال على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أعمال العباد كلّ صباح، أبرارها و فجارها فاحذروه. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ و سكت.
عدة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطّائيّ، عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ.
قال: هم الأئمّة.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «يذكره و يعرض» بدل «يركبه و تعرض».
(2) من المصدر.
(3) أمالي الطوسي 2/ 23.
(4) الكافي 1/ 424، ح 62.
(5) المصدر: الحسين بن ميّاح.
(6) نفس المصدر و المجلّد/ 219، ح 1.
(7) نفس المصدر و الموضع، ح 1.
536
عليّ بن إبراهيم (1)، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: ما لكم تسوءون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال له رجل: فكيف نسوؤه؟
فقال: أمّا تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه؟ فإذا رأى فيها معصية، ساءه ذلك.
فلا تسوءوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سرّوه.
عليّ (2)، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد الزّيات، عن عبد اللَّه بن أبان الزّيات (3)، و كان مكينا عند الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت للرّضا- (عليه السلام)-: ادع اللَّه لي و لأهل بيتي.
فقال: أو لست أفعل؟ و اللَّه، إنّ أعمالكم لتعرض عليّ في كلّ يوم و ليلة.
قال: فاستعظمت ذلك.
فقال: أما تقرأ كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ؟ قال: هو، و اللَّه، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- (4).
أحمد بن مهران (5)، عن محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللَّه الصّامت، عن يحيى بن مساور، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه ذكر هذه الآية فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ.
قال هو، و اللَّه، عليّ بن أبي طالب.
عدة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء قال: سمعت الرضا- (عليه السلام)- يقول: انّ الأعمال تعرض على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبرارها و فجّارها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (7): حدثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مقامي بين أظهركم
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 3.
(2) الكافي 1/ 219- 220، ح 4.
(3) المصدر: «عن الزيات» بدل «الزيات».
(4) يعني: عليا و أولاده الائمة- (عليهم السلام)- قاله الفيض في الوافي.
(5) الكافي 1/ 220، ح 5.
(6) نفس المصدر و الموضع، ح 6.
(7) تفسير القمي 1/ 277.
537
خير لكم، فإنّ اللَّه يقول: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ (1). و مفارقتي إياكم خير لكم.
فقالوا: يا رسول اللَّه، مقامك بين أظهرنا خير لنا. فكيف يكون مفارقتك خير لنا؟
فقال: أمّا مفارقتي إيّاكم خير لكم، فلأنّه يعرض عليّ كلّ خميس و اثنين أعمالكم. فما كان من حسنة، حمدت اللَّه عليها. و ما كان من سيّئة، استغفرت [اللَّه] (2) لكم.
عن أبي عبد اللَّه (3)- (عليه السلام)-: إنّ أعمال العباد تعرض على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كلّ صباح، أبرارها و فجّارها. فاحذروا، فليستحي (4) أحدكم أن يعرض على نبيّه العمل القبيح.
و في كتاب جعفر بن محمّد الدوريستي (5)، بإسناده إلى أبي ذر- رضي اللَّه عنه-:
عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنه قال: تعرض أعمال أهل الدنيا على اللَّه من الجمعة إلى الجمعة، في يوم الاثنين و الخميس، فيغفر لكلّ عبد مؤمن، إلّا عبدا كانت بينه و بين أخيه شحناء.
وَ سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ: بالموت.
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105): بالمجازاة عليه.
وَ آخَرُونَ: من المتخلّفين.
مُرْجَوْنَ: مؤخّرون، أي: موقوف أمرهم. من أرجأته: إذا أخرته.
و قرأ (6) نافع و حمزة و الكسائي و حفص: «مرجون» بالواو. و هما لغتان.
لِأَمْرِ اللَّهِ: في شأنهم.
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ: إن أصروا على النّفاق.
وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ: إن تابوا.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ: بأحوالهم.
حَكِيمٌ (106): فيما يفعل بهم.
____________
(1) الانفال/ 33.
(2) من المصدر.
(3) تفسير القمي 1/ 304.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و ليستحي.
(5) نور الثقلين 2/ 264، ح 332 عنه.
(6) أنوار التنزيل 1/ 431.
538
و قرئ (1): «و اللَّه غفور رحيم».
و في كتاب معاني الأخبار (2): حدثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه- قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن حجر بن زائدة، عن حمران قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: «إلّا المستضعفين» (3).
قال: هم أهل الولاية.
قلت: و أيّ ولاية؟
قال: إنّها ليست بولاية في الدين، لكنّها الولاية في المناكحة و الموارثة و المخالطة.
و هم ليسوا بالمؤمنين، و لا بالكفّار. و هم المرجون لأمر اللَّه.
و في أصول الكافي (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن عمر بن أبان قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن المستضعفين.
فقال: هم أهل الولاية.
فقلت: أي ولاية؟
فقال: أما إنها ليست بالولاية في الدين، و لكنها الولاية في المناكحة و المخالطة و الموارثة. و هم ليسوا بالمؤمنين، و لا بالكفّار. و منهم المرجون لأمر اللَّه- عزّ و جلّ-.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ.
قال: قوم كانوا مشركين، فقتلوا، مثل حمزة و جعفر و أشباههما من المؤمنين. ثمّ أنهم دخلوا في الإسلام، فوحّدوا اللَّه و تركوا الشّرك. و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنّة. و لم يكونوا على جحودهم، فيكفروا فتجب لهم النّار. فهم على تلك الحال إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) المعاني/ 202، ح 8.
(3) النساء/ 100.
(4) الكافي 2/ 405، ح 5.
(5) نفس المصدر و المجلّد/ 47، ح 1.
539
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): حدّثني أبي، عن يحيى بن [أبي] (2) عمران، عن يونس، عن أبي الطّيّار قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: المرجون لأمر اللَّه قوم كانوا مشركين، قتلوا حمزة. و ذكر، كما قلنا عن زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- سواء.
و في أصول الكافي (3): عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسّان، عن موسى بن بكر الواسطيّ، عن رجل قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: المرجون قوم مشركون، فقتلوا، مثل حمزة و جعفر و أشباههما من المؤمنين. ثمّ أنّهم بعد [ذلك] (4) دخلوا في الإسلام، فوحدوا [اللَّه] (5) و تركوا الشّرك. و لم يكونوا يؤمنون، فيكونوا من المؤمنين. ثمّ أنهم لم يؤمنوا، فتجب لهم الجنّة. و لم يكفروا، فتجب لهم النّار. فهم في ذلك الحال مرجون لأمر اللَّه.
و في تفسير العيّاشي (6): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: [و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا] (7) وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ.
قال: هم قوم من المشركين أصابوا دماء من المسلمين، ثمّ أسلموا. فهم المرجون لأمر اللَّه.
عن زرارة (8) و حمران و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قالا: المرجون، هم قوم قاتلوا يوم بدر و أحد و يوم حنين و سلموا من (9) المشركين، ثم أسلموا بعد تأخّره (10). فإمّا يعذّبهم، و إمّا يتوب عليهم.
قال حمران (11): سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن المستضعفين.
قال: هم ليسوا بالمؤمن و لا بالكافر (12)، و هم المرجون لأمر اللَّه.
و عن ابن الطيّار (13) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: النّاس على ستّ فرق،
____________
(1) تفسير القمي 1/ 304.
(2) من المصدر.
(3) الكافي 2/ 407، ح 2.
4 و 5- من المصدر.
(6) تفسير العياشي 2/ 110، ح 128.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(8) نفس المصدر و الموضع، ح 129.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «سألوا» بدل «سلموا من».
(10) المصدر: تأخّر.
(11) تفسير العياشي 2/ 110، ذيل ح 130.
(12) المصدر: بالمؤمنين و لا بالكفّار.
(13) نفس المصدر و المجلد/ 110- 111، ح 131.
540
يؤولون إلى ثلاث فرق: الإيمان و الكفر و الضّلال. و هم أهل الوعد. الّذين وعدوا الجنّة و النّار. و هم المؤمنون، و الكافرون، و المستضعفون، و المرجون لأمر اللَّه إمّا يعذبهم و إمّا يتوب عليهم، و المعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و أهل الأعراف.
عن الحارث (1)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قال: سألته: بين الإيمان و الكفر منزلة؟
فقال: نعم. و منازل لو يجحد شيئا منها، أكبه اللَّه في النّار. بينهما آخرون مرجون لأمر اللَّه. [و بينهما المستضعفون] (2) و بينهما آخرون خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا. و بينهما قوله: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ (3).
عن زرارة (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المرجون لأمر اللَّه قوم كانوا مشركين، فقتلوا، مثل حمزة و جعفر و أشباههما (5). ثمّ دخلوا بعد في الإسلام، فوحدوا اللَّه و تركوا الشّرك. و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة. و لم يكونوا على جحودهم، فيكفروا فتجب لهم النّار. فهم على تلك الحال، إمّا يعذبهم و إمّا يتوب عليهم.
قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- يرى فيهم رأيه (6).
قال: قلت: جعلت فداك، من أين يرزقون؟
قال: من حيث شاء اللَّه.
و قال أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: هؤلاء يوقفهم حتّى يتبيّن (7) فيهم [رأيه] (8).
وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً: عطف على وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: و فيمن وصفنا «الذين اتخذوا». أو منصوب على الاختصاص.
و قرأ (9) نافع و ابن عامر، بغير واو.
في الجوامع (10): روي إنّ بني عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قباء و صلّى فيه
____________
(1) نفس المصدر و المجلّد/ 111، ح 113.
(2) من المصدر.
(3) الأعراف/ 46.
(4) تفسير العياشي 2/ 111، ح 132.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أشباههم.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ترى فيهم راية.
(7) المصدر: يرى.
(8) من المصدر.
(9) أنوار التنزيل 1/ 431.
(10) الجوامع/ 186.
541
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، و قالوا: نبني مسجدا نصلي فيه و لا نحضر جماعة محمّد. فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، و قالوا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يتجهز إلى تبوك: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه.
فقال: إني على جناح سفر.
و لمّا انصرف من تبوك، نزلت. فأرسل من هدم المسجد و أحرقه، و أمر أن يتّخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف و القمامة.
ضِراراً: مضارة للمؤمنين: أصحاب مسجد قباء.
وَ كُفْراً: و تقوية للكفر الّذي يضمرونه.
وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريد الّذين كانوا يجتمعون للصّلاة في مسجد قباء، و أرادوا أن يتفرّقوا عنه و تختلف كلمتهم.
وَ إِرْصاداً: و إعدادا و ترقّبا.
لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، يعني: أبا عامر الرّاهب.
قيل (1): بنوه على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر، إذا قدم من الشّام «من قبل» متعلّق «بحارب». أو «باتّخذوا»، أي: اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتّخلّف.
و في الجوامع (2): إنّه كان قد ترهب في الجاهلية، و ليس المسوح. فلما قدم النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- المدينة، حسده و حزب عليه الأحزاب. ثمّ هرب بعد فتح مكّة، و خرج إلى الرّوم و تنصر. و كان هؤلاء يتوقعون رجوعه إليهم، و أعدّوا هذا المسجد له ليصلي فيه و يظهر على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و إنّه كان يقاتل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في غزواته. إلى أن هرب إلى الشّام، ليأتي من قيصر بجنود. يحارب بهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و مات بقنسرين (3) وحيدا.
وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى: ما أردنا بنيانه إلّا الخصلة الحسنى، أو الإرادة الحسنى. و هي الصّلاة و الذّكر، و التّوسعة على المصلين.
____________
(1) تفسير الصافي 2/ 375.
(2) الجوامع/ 186.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «بعترين» بدل «بقنسرين».
542
وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107): في حلفهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): كان سبب نزولها، أنّه جاء قوم من المنافقين إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا رسول اللَّه، أ تأذن لنا أن نبي مسجدا في بني سالم للعليل و الليلة المطيرة و الشّيخ الفاني. فأذن لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو على الخروج إلى تبوك. فقالوا: يا رسول اللَّه، لو أتيتنا فصلّيت فيه.
قال: أنا على جناح السفر. فإذا وافيت ان شاء اللَّه، أتيته فصليت فيه.
فلما أقبل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من تبوك، نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد و أبي عامر الرّاهب. و قد كانوا حلفوا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّهم يبنون ذلك للصّلاح و الحسنى. فأنزل اللَّه على رسوله وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً (الآية). قال: وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، يعني: أبا عامر الرّاهب.
كان يأتيهم، فيذكر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه.
و في تفسير الإمام (2)- (عليه السلام)- عند قوله: لا تَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا (3) من سورة البقرة: أن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل (4):
و كانت تلك النّواحي له مملكة عظيمة (5) مما يلي الشّام. و كان يهدّد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بقصده و بقتل (6) أصحابه. و كان أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خائفين وجلين من قبله.
قال: ثمّ أنّ المنافقين اتفقوا و بايعوا لأبي عامر الرّاهب، الذي سماه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الفاسق. و جعلوه أميرا و نجعلوا (7) له بالطاعة.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 305.
(2) تفسير العسكري/ 481 ببعض الاختلاف.
(3) البقرة/ 104.
(4) دومة الجندل: حصن عادي بين المدينة و الشام يقرب من تبوك، و هي أقرب إلى الشام و هي لفصل بين الشام و العراق، و هي احد حدود فدك. و يقال: إنّها تسمّى بالحوف.
قال الجوهريّ و أصحاب اللغة: يقولون بضم الدال و أصحاب الحديث يفتحونها.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «و كان ملك النواحي له مملكة عظيمة».
(6) المصدر: «بأن يقصده و يقتل» بدل «بقصده و بقتل».
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «أسيرا و نخعوا» بدل «أميرا عليهم و نجعلوا».
543
فقال لهم: الرأي أن أغيب من المدينة، لئلّا اتّهم إلى أن يتمّ تدبيركم.
و كانوا أكيدر صاحب دومة الجندل، ليقصد المدينة.
فأوحى اللَّه- تعالى- إلى محمّد، و عرّفه ما أجمعوا عليه من أمره، و أمره بالمسير إلى تبوك.
و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كلّما أراد غزوا، ورّى بغيره. إلا غزاة تبوك، فإنّه أظهر ما كان يريده و أمرهم أن يتزودوا لها. و هي الغزاة الّتي افتضح فيها المنافقون، و ذمّهم اللَّه في تثبّطهم عنها. و أظهر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما أوحى اللَّه- تعالى- إليه، أنّ اللَّه سيظهره بأكيدر حتّى يأخذه و يصالحه على ألف أوقيّة ذهب في رجب، و مائتي حلّة و ألف أوقية في صفر، [و مائتي حلّة] (1) و ينصرف سالما إلى ثمانين يوما.
فقال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ موسى وعد قومه أربعين ليلة، و إني أعدكم ثمانين، أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب يكون و لا يشتاك أحد من المؤمنين.
فقال المنافقون: لا و اللَّه، و لكنها آخر كرّاته التي لا ينجبر بعدها. إنّ أصحابه ليموت بعضهم في هذه الحرب و رياح البوادي و مياه المواضع المؤذية الفاسدة، و من سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر و قتيل و جريح.
و استأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتل (2) بالحرّ و بعضهم بمرض بجسده و بعضهم بمرض عياله. و كان يأذن لهم.
فلمّا أصبح و ضحّ عزم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الرّحلة إلى تبوك، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجدا و هو مسجد الضّرار. يريدون الاجتماع فيه، و يوهمون أنه للصّلاة. و إنما كان يجتمعون فيه لعلّة الصلاة فيتمّ تدبيرهم و يقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون.
ثمّ جاء جماعة منهم إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قالوا: يا رسول اللَّه، إنّ بيوتنا قاصية عن مسجدك، فإنّا نكره الصلاة في غير جماعة و يصعب علينا الحضور، و قد بنينا مسجدا. فإن رأيت أن تقصده و تصلي فيه، لنتيمن و نتبرك بالصلاة في موضع
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقتل.
544
مصلاك.
فلم يعرفهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما عرفه اللَّه- تعالى- من أمرهم و نفاقهم. و قال: ائتوني بحماري. فاتي باليعفور، فركبه يريد نحو مسجدهم. فكلّما بعثه هو و أصحابه، لم ينبعث و لم يمش. فإذا صرف رأسه عنه إلى غيره، سار أحسن سيرة و أطيبه.
قالوا: لعلّ هذا الحمار قد رأى من الطريق شيئا كرهه، و لذلك لا ينبعث نحوه.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ائتوني بفرس. فركبه، فلمّا بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، و كلما حرّكوه نحوه، لم يتحرّك. حتى إذا فتلوا رأسه إلى غيره، سار أحسن سيره.
فقالوا: و لعلّ هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق.
فقال: تعالوا نمش إليه. فلمّا تعاطى هو و من معه المشي نحو المسجد، جفوا في مواضعهم و لم يقدروا على الحركة. و إذا همّوا بغيره من المواضع، خفّت حركاتهم و نقيت أبدانهم و بسطت قلوبهم. فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هذا أمر قد كرهه اللَّه، و ليس يريده الآن. و أنا على جناح سفر، فأمهلوني حتّى أرجع- إن شاء اللَّه-. ثمّ أنظر في هذا نظرا يرضاه اللَّه.
و جدّ في العزم على الخروج إلى تبوك، و عزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا. فأوحى اللَّه- تعالى- إليه: يا محمّد، إنّ العليّ الأعلى يقرئك السّلام، و يقول:
إمّا أن تخرج أنت و يقيم عليّ، و إمّا أن يخرج عليّ و تقيم أنت.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك لعليّ- (عليه السلام)-.
فقال عليّ- (عليه السلام)-: السّمع و الطاعة لأمر اللَّه و أمر رسوله. و إن كنت أحبّ أن لا أتخلّف عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حال من الأحوال.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي؟
قال: رضيت، يا رسول اللَّه.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أبا الحسن، إنّ أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة. و إنّ اللَّه قد جعلك أمّة وحدك، كما جعل إبراهيم- (عليه السلام)- أمّة، تمنع جماعة المنافقين و الكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين.
فلمّا خرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و شيّعه عليّ- (عليه السلام)-، خاض
545
المنافقون و قالوا: إنّما خلّفه محمّد بالمدينة، لبغضه له و ملاله منه، و ما أراد بذلك إلّا أن يتنبّه المنافقون فيقتلوه.
فاتصل ذلك برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقال عليّ- (عليه السلام)-: أ تسمع ما يقولون، يا رسول اللَّه؟
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما يكفيك أنّك جلدة ما بين عينيّ، و نور بصري، و كالرّوح في بدني؟
ثمّ سار رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأصحابه، و أقام عليّ- (عليه السلام)- بالمدينة. فكان كلّما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين، فزعوا من عليّ- (عليه السلام)- و خافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك. و جعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرّة محمّد التي لا يؤوب منها.
ثمّ ذكر- (عليه السلام)- قصّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مع أكيدر، و أخذه له، و صلحه معه- على ما مرّ ذكره-.
ثمّ قال: و عاد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- غانما ظافرا، و أبطل اللَّه كيد المنافقين. و أمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بإحراق مسجد الضرار. فأنزل اللَّه- تعالى- وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً (الآيات). أبا عامر الراهب كان عجل هذه الأمّة، كعجل قوم موسى. و أنه دمّر اللَّه عليه، و أصابه بقولنج و برص و فالج و لقوة. و بقي أربعين صباحا في أشدّ العذاب، ثمّ صار إلى عذاب اللَّه.
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً، أي: لا تصلّ فيه أبدا. يقال: فلان يقوم باللّيل، أي:
يصلي.
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ: من أيام وجوده.
و «من» يعمّ الزّمان و المكان، كقوله:
لمن الدّيار بقنّة (1) الحجر* * * أقوين من حجج و من دهر
و في الكافي (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن المسجد الّذي أسّس
____________
(1) قنّة كلّ شيء: أعلاه.
(2) الكافي 3/ 296، ح 2.
546
على التقوى.
قال: مسجد قباء.
و في تفسير العياشيّ (1): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)-. عن قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ.
قال: مسجد قباء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2)، يعني: مسجد قباء.
أسسه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صلّى فيه أيّام مقامه بقباء.
قيل (3): من الاثنين إلى الجمعة.
و فسره (4) بعضهم بمسجد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
لقول أبي سعيد (5): سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقال: هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة. و لم يثبت رواية أبي سعيد.
أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أولى أن تصلّي فيه.
و في تفسير العيّاشيّ (6): قال: يعني: من مسجد النّفاق. و كان على طريقه رجل، إذا أتى مسجد قباء فيأمر (7) فينضح بالماء و السّدر، و يرفع ثيابه عن ساقيه و يمشي على حجر في ناحية الطّريق و يسرع المشي، و يكره أن يصيب ثيابه منه شيء.
فسألته: هل كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يصلّي في مسجد قباء؟
قال: نعم.
فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108).
في تفسير العيّاشيّ (8): عن الصّادق- (عليه السلام)-: هو الاستنجاء بالماء.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): كانوا يتطّهرون بالماء.
____________
(1) تفسير العيّاشي 2/ 111، ح 136.
(2) تفسير القمي 1/ 305.
(3) أنوار التنزيل 1/ 432.
(4) نفس المصدر و الموضع.
(5) ب: أبي سعد.
(6) تفسير العياشي 2/ 111- 112، ضمن ح 136.
(7) المصدر: «فقام» بدل «فيأمر».
(8) نفس المصدر و المجلّد/ 112، ضمن ح 136.
(9) تفسير القمي 1/ 305.
547
و في مجمع البيان (1): قيل: يحبّون أن يتطهّروا بالماء من الغائط و البول. و هو المرويّ عن السّيدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-.
و روي (2) عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنه قال لأهل قباء: ما ذا تفعلون في طهركم؟ فإن اللَّه- عزّ و جلّ- قد أحسن عليكم الثناء.
قالوا: نغسل أثر الغائط.
فقال: أنزل اللَّه فيكم وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ: بنيان دينه.
عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ: على قاعدة محكمة، هي التقوى من اللَّه و طلب مرضاته بالطّاعة.
خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ: على قاعدة هي أضعف القواعد و أقلّها بقاء. و هو الباطل و النّفاق، الّذي مثله، مثل شفا جرف هار في قلّة.
الثّبات.
و «الشّفا» الشّفير. و «جرف الوادي» جانبه، الّذي ينحفر أصله بالماء و تجرفه السّيول. و «الهار» الهائر، الّذي أشفى على السّقوط و الهدم.
فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: لمّا جعل الجرف الهار مجازا عن الباطل، قيل (3):
«فانهار به في نار جهنّم».
و المعنى: فهوى به الباطل في نار جهنّم، فكأنّ المبطل أسّس بنيانا على شفير جهنّم، فطاح به إلى قعرها.
و قرأ (4) نافع و ابن عامر: «اسّس» على البناء للمفعول.
و قرئ (5): «أساس بنيانه»، و «أسّ بنيانه» على الإضافة. و «أسس»، و «آساس»، و «إساس» بالكسر، و ثلاثتها جمع، أسّ. و «تقوى» بالتّنوين، على أنّ الألف للإلحاق لا للتّأنيث، كتترى.
و قرأ (6) ابن عامر و حمزة و أبو بكر: «جرف»: بالتّخفيف.
____________
(1) المجمع 3/ 73.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) تفسير الصافي 2/ 379.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 433.
(6) نفس المصدر و الموضع.
548
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: مسجد الضّرار، الّذي أسّس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم
و في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و كلّ عبادة مؤسّسة على غير التّقوى (3) فهي هباء منثورا. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ من اللَّه (4) خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ (الآية).
و تفسير التقوى: ترك ما ليس بأخذه بأس (5)، حذرا عمّا به بأس.
وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109): إلى ما فيه صلاح و نجاة.
و في أمالي شيخ الطائفة (6)، بإسناده إلى خنيس بن معمّر (7) قال: دخلت على أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فقلت: السّلام عليك، يا أمير المؤمنين، و رحمة اللَّه. كيف أمسيت؟
قال: أمسيت محبّا لمحبّنا و مبغضا لمبغضنا، [أمسى محبّنا مغتبطا] (8) برحمة من اللَّه كان منتظرها (9). و أمسى عدوّنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم.
و بإسناده (10) إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ليس عبد من عباد اللَّه ممّن امتحن اللَّه قلبه بالإيمان، إلّا و هو يجد مودّتنا على قلبه، فهو محبّنا. و ليس عبد من عباد اللَّه ممّن سخط اللَّه عليه، إلّا و هو يجد بغضنا على قلبه، فهو مبغضنا. فأصبح محبّنا ينتظر الرّحمة، و كأنّ أبواب الرّحمة قد فتحت له، و أصبح مبغضنا على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنّم فهنيّئا لأهل الرّحمة رحمتهم، و هنيئا (11) لأهل النّار مثواهم.
و بإسناده (12) إلى صالح بن ميثم التمّار- (رحمه اللّه)- قال: وجدت في كتاب ميثم
____________
(1) تفسير القمي 1/ 305.
(2) مصباح الشريعة/ 453- 454.
(3) المصدر: كل عبادة غير مؤسسة على التقوى.
(4) ليس في المصدر: من اللَّه.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «يأخذه» بدل «يأخذه بأس».
(6) أمالي الطوسي 1/ 112.
(7) المصدر: خنيس بن المعتمر.
(8) من المصدر.
(9) المصدر: ينتظرها.
(10) أمالي الطوسي 1/ 32.
(11) المصدر: تعسا.
(12) أمالي الطوسي 1/ 147- 148.
549
- رضي اللَّه عنه- قال: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
فقال لنا: ليس من عبد امتحن اللَّه قلبه بالإيمان، إلّا أصبح يجد مودّتنا على قلبه. و لا أصبح عبد ممّن سخط اللَّه عليه، إلّا يجد بغضنا على قلبه. فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ لنا، و نعرف بغض المبغض لنا. و أصبح محبنا مغتبطا بحبنا، برحمة من اللَّه ينتظرها كلّ يوم. و أصبح مبغضنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم، و كأنّ أبواب الرّحمة قد فتحت لأصحاب الرّحمة (1). فهنيئا لأصحاب الرّحمة رحمتهم، و تعسا لأصحاب النّار مثواهم.
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا: بناؤهم الّذي بنوه. مصدر، أريد به المفعول، و ليس بجمع، و لذلك قد تدخله التّاء. و وصف بالمفرد، و اخبر عنه بقوله: رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، أي: شكّا و نفاقا.
و المعنى: أنّ بناءهم هذا لا يزال سبب شكّهم و تزايد نفاقهم، فإنّه حملهم على ذلك. ثمّ لما هدمه الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- رسخ ذلك في قلوبهم و ازداد، بحيث لا يزول وسمه عن قلوبهم.
إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ: قطعا، بحيث لا يبقى لها قابليّة الإدراك و الإضمار.
و هو في غاية المبالغة و الاستثناء من أعمّ الأزمنة.
و قيل (2): المراد بالتقطع: ما هو كائن بالقتل، أو في القبر، أو في النّار.
و قيل (3): التّقطع بالتّوبة، ندما و أسفا.
و قرأ (4) يعقوب: «إلى» بحرف الانتهاء. «و تقطّع»، بمعنى: تتقطّع. و هو قراءة ابن عامر و حمزة و حفص.
و قرئ (5): «يقطع» بالياء. و «تقطع» بالتّخفيف. و «تقطع قلوبهم» على خطاب الرّسول، أو كلّ مخاطب. و «لو تقطعت» على البناء للفاعل أو المفعول.
و في الجوامع (6): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنه قرأ: «إلى أن تقطّع».
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لأهل اصحاب الرّحمة.
2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 433.
(5) نفس المصدر و الموضع.
(6) الجوامع/ 187 بتصرّف.
550
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)، يعني: حتّى ينقطع قلوبهم.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ: بنيّاتهم.
حَكِيمٌ (110): فيما أمر بهدم بنائهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مالك بن جشم (3) الخزاعيّ و عامر بن عديّ، أخا بني عمرو بن عوف، على أن يهدموه و يحرقوه. فجاء مالك فقال لعامر: انتظرني حتّى اخرج نارا من منزلي. فدخل و جاء بنار و أشعل في سعف النّخل، ثمّ أشعله في المسجد فتفرّقوا. و قعد زيد بن حارثة حتّى احترقت البنية، ثمّ أمر بهدم حائطه.
و في مجمع البيان (4): و روي أنّه أرسل عمّار بن ياسر و وحشيا، فحرقاه. و أمر بأن يتخذ كناسة يلقى فيه الزّبل و (5) و الجيف.
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ: تمثيل لإثبات اللَّه إيّاهم الجنة على بذل أنفسهم و أموالهم في سبيله.
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ: استئناف ببيان ما لأجله الشّري.
و قيل (6): «يقاتلون» في معنى الأمر.
و قرأ (7) حمزة و الكسائي، بتقديم المبنيّ للمفعول. و قد عرفت أن الواو لا توجب التّرتيب، و أنّ فعل البعض قد يسند إلى الكلّ.
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا: مصدر مؤكّد لما دلّ عليه الشّري، فإنّه في معنى: الوعد. أو فعله محذوف، أي: وعد ذلك على نفسه وعدا ثابتا.
فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ: مذكورا فيهما، كما اثبت في القرآن.
وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ: مبالغة في الإنجاز، و تقرير لكونه حقّا.
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ: فافرحوا به غاية الفرح. فإنّه أوجب لكم عظائم المطالب، كما قال: وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ: رفع
____________
(1) تفسير القمي 1/ 305، بتصرّف في صدره.
(2) نفس المصدر و الموضع.
(3) المصدر: الدجشم. و ر: جثم. و أ، ب:
خيثم.
(4) المجمع 3/ 73.
(5) المصدر: «فيها» بدل «فيه الزّبل و».
6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 433.
551
على المدح، أي: هم التّائبون، و المراد بهم: المؤمنون المذكورون.
و يجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: التّائبون من أهل الجنة و إن لم يجاهدوا، لقوله: وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. أو خبره ما بعده، أي: التّائبون عن الكفر على الحقيقة، هم الجامعون لهذه الخصال.
و قرئ (1)، بالياء، نصبا على المدح. أو جرّا، صفة للمؤمنين.
و في قراءة الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-: «التائبين- إلى قوله- و الحافظين».
رواها في مجمع البيان (2) عنهما- (عليهما السلام)-.
و في روضة الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [بن عليّ] (4)، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: تلوت «التائبون العابدون».
فقال: لا، اقرأ: «التّائبين العابدين» (إلى آخرها).
فسئل عن العلّة في ذلك.
فقال: اشترى من المؤمنين التّائبين العابدين.
الْعابِدُونَ: الّذين عبدوا اللَّه مخلصين له.
الْحامِدُونَ: بنعمائه.
السَّائِحُونَ: الصّائمون،
لقوله- (عليه السلام)-: سياحة أمّتي، الصّوم.
شبه بها، من حيث أنّه يعوق عن الشّهوات. أو لأنّه رياضة نفسانية، يتوصّل بها إلى الاطّلاع على خفايا الملك و الملكوت. أو السائحون للجهاد، أو لطلب العلم.
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ: في الصلاة.
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ: بالإيمان و الطّاعة.
وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ: عن الشرك و المعاصي.
قيل (5): العاطف فيه للدّلالة على أنّه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، كأنّه قال: الجامعون بين الوصفين.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 434.
(2) المجمع 3/ 74.
(3) الكافي 8/ 377- 378، ح 569.
(4) ليس في المصدر.
(5) أنوار التنزيل 1/ 434.
552
و في قوله: وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، أي: فيما بيّنه و عيّنه من الحقائق و الشّرائع. للتّنبيه على أنّ ما قبله مفصّل الفضائل، و هذا مجملها.
و قيل (1): إنّه للإيذان بأنّ التعداد قد تمّ بالسّابع، من حيث أنّ السّبعة هو العدد التّام. و الثّامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، و لذلك سمي: واو الثّمانية.
و في الكافي (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من أخذ سارقا فعفا عنه، فذاك له. فإن رفعه إلى الإمام، قطعه. فإن قال الّذي سرق منه: أنا أهب له، لم يدعه الإمام حتّى يقطعه إذا رفعه إليه، و إنما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام، و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ. فإنّ انتهى الحد إلى الإمام، فليس لأحد أن يتركه.
وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)، يعني به: هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل. و وضع المؤمنين موضع ضميرهم، للتّنبيه على أنّ إيمانهم دعاهم إلى ذلك، و أنّ المؤمن الكامل من كان كذلك. و حذف المبشّر به، للتعظيم، كأنّه قيل: و بشّرهم بما يجلّ عن إحاطة الإفهام و تعبير الكلام.
و في الكافي (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابه قال: كتب أبو جعفر- (عليه السلام)- في رسالة إلى بعض خلفاء بني أميّة: و من ذلك من ضيّع الجهاد الذي فضله اللَّه- تعالى- على الأعمال و فضّل عامله على العمّال، تفضيلا في الدرجات و المغفرة و الرّحمة. لأنّه ظهر به الدين، و به يدفع عن الدّين، و به اشترى اللَّه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بالجنّة بيعا مفلحا منجحا، أشترط عليهم فيه حفظ الحدود. و أوّل ذلك الدّعاء إلى طاعة اللَّه- عزّ و جلّ- من طاعة العباد، و إلى عبادة اللَّه من عبادة العباد، و إلى ولاية اللَّه من ولاية العباد. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: أخبرني عن الدّعاء إلى
____________
(1) نفس المصدر و الموضع.
(2) الكافي 7/ 251، ح.
(3) الكافي 5/ 3، صدر ح 4.
(4) الكافي 5/ 13- 15، صدر ح 1.
553
اللَّه و الجهاد في سبيل اللَّه، أهو لقوم لا يحل إلّا لهم و لا يقوم به إلّا من كان منهم، أم هو مباح لكلّ من وحّد اللَّه- عزّ و جلّ- و آمن برسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و من كان كذا، فله أن يدعو إلى اللَّه- عزّ و جلّ- و إلى طاعته و أن يجاهد في سبيله؟
فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، و لا يقوم بذلك إلّا من كان منهم.
قلت: من أولئك؟
قال: من قام بشرائط اللَّه- تعالى- في القتال و الجهاد على المجاهدين، فهو المأذون له في الدّعاء إلى اللَّه. و من لم يكن قائما بشرائط اللَّه في الجهاد على المجاهدين، فليس بمأذون له في الجهاد و لا إلى (1) و لا الدّعاء إلى اللَّه حتّى يحكّم في نفسه ما أخذ اللَّه عليه من شرائط الجهاد.
قلت: فبيّن لي، يرحمك اللَّه.
قال: اللَّه- تبارك و تعالى- أخبر [نبيّه] (2) في كتابه الدّعاء إليه، و وصف الدّعاة إليه. فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضا، و يستدلّ ببعضها على بعض. فأخبر أنّه- تبارك و تعالى- أوّل من دعا إلى نفسه و دعا إلى طاعته و اتّباع أمره.
إلى قوله: ثمّ ذكر من أذن له في الدّعاء إليه بعده و بعد رسوله في كتابه، فقال:
وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ثمّ أخبر عن هذه الأمة و ممّن هي، و أنها من ذرّيّة إبراهيم و من ذرّيّة إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير اللَّه قطّ، الّذين وجبت لهم دعوة إبراهيم و إسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس و طهرهم تطهيرا، الّذين وصفناهم قبل هذا في صفة أمّة محمّد (3)، الّذين عناهم اللَّه- تبارك و تعالى- في قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي، يعني: أوّل من اتّبعه على الإيمان به و التصديق له بما جاء من عند اللَّه- عزّ و جلّ- من أمّته التي بعث فيها و منها و إليها قبل الخلق، ممّن لم يشرك باللَّه قطّ و لم يلبس إيمانه (4) بظلم و هو الشّرك.
____________
(1) المصدر: «و لا» بدل «و لا إلى و لا».
(2) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(3) بعض نسخ المصدر: «إبراهيم» بدل «محمد».
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و لم يلبسوا إيمانهم.
554
ثمّ ذكر أتباع نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أتباع هذه الأمة، الّتي وصفها بكتابه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و جعلها داعية إليه و أذن لها في الدّعاء إليه، فقال:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1).
ثمّ وصف أتباع نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المؤمنين فقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ (2). و قال: يوم لا يخزي اللَّه النّبيّ و الّذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم و بأيمانهم» (3) يعني: أولئك المؤمنين. و قال: أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (4).
ثمّ حلاهم و وصفهم كيلا يطمع في اللّحاق بهم إلّا من كان منهم، فقال فيما حلالهم به و وصفهم: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ- إلى قوله- أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5). و قال في صفتهم و حليتهم أيضا: الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ، وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (6).
ثمّ أخبر أنّه اشترى من هؤلاء المؤمنين و من كان على مثل صفتهم أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ.
ثمّ ذكر وفاءهم له بعهده و مبايعته (7)، فقال: وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (8).
فلما نزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
____________
(1) الأنفال/ 64.
(2) الفتح/ 29.
(3) التحريم/ 8.
(4) المؤمنون/ 2.
(5) المؤمنون/ 3- 11.
(6) الفرقان/ 68- 69.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ثم ذكر و آفاهم (و أتاهم- خ ل) له بعده و متابعته.
(8) التوبة/ 111.
555
قام رجل إلى النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا نبيّ اللَّه، أ رأيتك الرّجل يأخذ سيفه فيقاتل حتّى يقتل إلا أنّه يقترف من هذه المحارم، أ شهيد هو؟
فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على رسوله التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ (1) (الآية). فبشر (2) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- المجاهدين من المؤمنين الّذين هذه صفتهم و حليتهم بالشّهادة و الجنّة، و قال: «التّائبون» من الذنوب. [ «العابدون»] (3) الّذين لا يعبدون إلّا اللَّه و لا يشركون به شيئا. «الحامدون» الّذين يحمدون اللَّه على كلّ حال في الشدّة و الرّخاء.
و «السّائحون» الصّائمون. الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الذين يواظبون على الصلوات الخمس، الحافظون لها و المحافظون عليها بركوعها و سجودها و الخشوع فيها و في أوقاتها.
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بعد ذلك، و العاملون به. وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ و المنتهون عنه.
قال: فبشّر من قتل و هو قائم بهذه الشّروط بالشّهادة و الجنة.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لقي عبّاد البصريّ عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في طريق مكّة.
فقال له: يا عليّ بن الحسين، تركت الجهاد و صعوبته و أقبلت على الحجّ و لينته. إنّ اللَّه- تعالى- يقول: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- إلى قوله- هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فقال له عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)-: أتمّ الآية.
فقال: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ- إلى قوله- وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فقال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحجّ.
عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد، عن ابن القداح، عن أبيه الميمون، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان إذا أراد القتال، قال هذه الدعوات: اللّهم، إنّك أعلمت (6) سبيلا من سبلك، جعلت فيه
____________
(1) التوبة/ 112.
(2) المصدر: «ففسّر» بدل «فبشر».
(3) من المصدر.
(4) الكافي 5/ 22، ح 1.
(5) الكافي 5/ 46، صدر ح 1.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أعملت.
556
رضاك و ندبت إليه أولياءك، و جعلته أشرف سبلك (1) عندك ثوابا و أكرمها لديك مآبا و أحبّها إليك مسلكا. ثمّ اشتريت فيه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا. فاجعلني ممّن اشترى فيه منك نفسه، ثمّ وفى لك ببيعه الّذي بايعك عليه، غير ناكث و لا ناقض عهدا و لا مبدّلا تبديلا.
و الدّعاء طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: نزلت في الأئمة- (صلوات اللّه عليهم)-.
حدثني أبي (3)، عن بعض رجاله قال: لقي الزّهريّ عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في طريق الحجّ.
فقال له: يا عليّ بن الحسين، تركت الجهاد و صعوبته و أقبلت على الحجّ و لينته. إن اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ، وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
فقال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: إنّما هم الأئمة- (صلوات اللّه عليهم)-.
فقال: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ- إلى قوله- وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فقال له عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)-: إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحجّ.
و فيه (4)- أيضا-: أنزلت في الأئمّة، لأنّه وصفهم بصفة لا تجوز في غيرهم.
فالآمرون بالمعروف هم الّذين يعرفون المعروف كلّه، صغيره و كبيره و دقيقه و جليله (5) و النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ هم الّذين يعرفون المنكر كلّه، صغيره و كبيره. و الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ هم الّذين يعرفون حدود اللَّه، صغيرها و كبيرها و دقيقها و جليلها (6). و لا يجوز أن يكون بهذه الصّفة غير الأئمّة.
و في نهج البلاغة (7): إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنّة، فلا تبيعوها إلّا بها.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: سبيلك.
(2) تفسير القمي 1/ 306.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) تفسير القمي 1/ 306 بتصرّف في صدره.
(5) المصدر: جليّه.
(6) المصدر: جليّها.
(7) نهج البلاغة/ 556، ذيل حكمة 456.
557
و فيه (1): فلا أموال بذلتموها للّذي رزقها، و لا أنفس خاطرتم بها للّذي خلقها.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته (3) أنّه سئل عن قول اللّه- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى (الآية).
فقال: يعني: في الميثاق.
ثمّ قرأت عليه: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ.
فقال: لا، و لكن اقرأها: التائبين العابدين (إلى آخر الآية).
و قال: إذا رأيت هؤلاء، فعند ذلك هؤلاء اشترى منهم أنفسهم و أموالهم، يعني:
في الرّجعة.
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
في مجمع البيان (4)، و في تفسير الحسن: أنّ المسلمين قالوا للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا تستغفر لآبائنا الّذين ماتوا في الجاهلية؟
فأنزل اللَّه هذه الآية.
وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113):
بأن ماتوا على الكفر، أو بوحي من اللَّه: أنّهم لن يؤمنوا.
و فيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم ما لم يعلم موتهم على الكفر، فإنّه طلب توفيقهم للإيمان.
و به دفع النّقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر، سواء كان أباه الّذي ولده أو جده لأمّه أو عمّه، على ما رواه (5) أصحابنا.
فقال: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ: وعدها إبراهيم أباه بقوله: «لأستغفرنّ لك»، أي: لأطلبنّ مغفرتك بالتّوفيق للإيمان، فإنّه يجب ما قبله. و يدل عليه قراءة من قرأها: «أباه». أو «وعدها إبراهيم أبوه» و هي الوعد بالإيمان.
____________
(1) نفس المصدر/ 174، صدر خطبة 117.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 112- 113، ح 140.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «أنه سئل» بدل «قال: سألته».
(4) المجمع 3/ 76.
(5) المجمع 2/ 322.
558
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ: بأن مات على الكفر. [فإنّه يجب ما قبله و يدلّ على الكفر] (1) أو أوحى إليه اللَّه، بأنّه لن يؤمن.
تَبَرَّأَ مِنْهُ: قطع استغفاره.
و في تفسير العيّاشي (2): عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما يقول النّاس في قول اللَّه- عزّ و جلّ- وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ؟
قلت: يقولون: إنّ إبراهيم وعد أباه أن يستغفر (3) له.
قال: ليس هو هكذا. إنّ إبراهيم وعده أن يسلم، فاستغفر له. فلمّا تبين له أنّه عدوّ للَّه، تبرأ منه.
أبو إسحاق الهمدانيّ (4)، عن الخليل (5)، عن أبي عبد اللَّه قال: صلّى رجل إلى جنبي فاستغفر لأبويه، و كانا ماتا في الجاهلية.
فقلت: تستغفر لأبويك، و قد ماتا في الجاهليّة؟
قال: فقد استغفر إبراهيم لأبيه.
فلم أدر ما أردّها عليه، فذكرت ذلك للنبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأنزل اللَّه وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ- إلى قوله (6)- وَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
قال: لمّا مات (7) تبيّن أنّه عدوّ للَّه، فلم يستغفر له.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (8): قوله: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ.
قال: قال إبراهيم لأبيه: إن لم تعبد الأصنام، استغفرت لك. فلمّا لم يدع الأصنام، تبرأ منه.
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ، أي: يكثر التأوّه. و هو كناية عن فرط ترحّمه و رقّة قلبه.
____________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(2) تفسير العياشي 2/ 114، ح 146.
(3) المصدر: «ليستغفر» بدل «أن يستغفر».
(4) تفسير العياشي 2/ 114، ح 148.
(5) في بعض نسخ المصدر: عن رجل.
(6) المصدر: «إلّا عن موعدة» بدل «إلى قوله».
(7) المصدر: [مات].
(8) تفسير القمي 1/ 306.
559
حَلِيمٌ (114): صبور على الأذى.
و الجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له، مع شكايته عليه.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «الأوّاه» المتضرّع إلى اللَّه في صلاته، و إذا خلا في قفرة (2) من الأرض و في الخلوات.
و في مجمع البيان (3) روى أصحابنا: «إنّ إبراهيم لأوّاه»، أي: دعّاء، كثير الدّعاء [و البكاء] (4). و هو المروي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
و قيل (5): هو الخاشع المتذلل. رواه ابن شدّاد، عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و قيل (6): هو المتأوّه شفقا و فرقا، المتضرّع (7) يقينا بالإجابة و لزوما للطّاعة. عن أبي عبيدة.
و في أصول الكافي (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي الحسن موسى- (عليه السلام)-: أ رأيت إن احتجت إلى متطبّب (9) و هو نصرانيّ، أن أسلم عليه و أن أدعو له؟
قال: نعم، لا ينفعه دعاؤك.
محمّد بن يحيى (10)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: أ رأيت إن احتجت إلى الطّبيب و هو نصراني، أن أسلم عليه و أدعو له؟
قال: نعم، إنّه لا ينفعه دعاؤك.
عدّة من أصحابنا (11)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عيسى، بن (12)
____________
(1) تفسير القمي 1/ 306.
(2) القفرة: الخلاء من الأرض، لا ماء به و لا نبات.
(3) المجمع 3/ 77. و ليس فيه: روى أصحابنا.
(4) من المصدر.
5 و 6- نفس المصدر و الموضع.
(7) كذا في المصدر. و في ر، ب: للتضرع. و في سائر النسخ: للمتضرّع.
(8) الكافي 2/ 650، ح 7.
(9) أ، ب: الطبيب. و المتطبّب: المتعاطي علم الطّب.
(10) نفس المصدر و الموضع، ح 8.
(11) نفس المصدر و الموضع، ح 9.
(12) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن» بدل «بن».
560
عبيد، عن محمّد بن عرفة، عن أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- قال: قيل لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: كيف أدعو لليهوديّ و النصرانيّ؟
قال: تقول: بارك اللَّه لك في دنياك.
وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً: ليحملهم على الضّلالة. أو ليسمّيهم:
ضلالا. أو يؤاخذهم مؤاخذتهم.
بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ: للإسلام.
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ: حتّى يبيّن لهم خطر ما يجب اتقاؤه. و هو دليل على أنّ الغافل غير مكلّف.
و في أصول الكافي (1): عليّ بن محمّد، عن إسحاق بن محمّد، عن شاهويه (2) بن عبد اللَّه الجلّاب قال: كتب إليّ أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر، و قلقت (3) لذلك. فلا تغتم، فإن اللَّه- عزّ و جلّ- لا يضل قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ. و صاحبكم بعدي أبو محمّد، ابني. و عنده (4) ما تحتاجون إليه، يقدّم ما يشاء اللَّه و يؤخر ما يشاء. ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (5). قد كتبت بما فيه بيان و قناع لذي عقل يقظان.
و في قرب الإسناد (6) للحميريّ- (رحمه اللّه)-: أحمد بن محمّد بن عيسى (7)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول- إلى أن قال-: و عنه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: دخلت عليه بالقادسيّة.
فقلت له: جعلت فداك، إنّي أريد أن أسألك عن شيء و أنا أجلّك و الخطب فيه جليل. و إنّما أريد فكاك رقبتي من النّار، فرآني و قد زمعت (8).
فقال: لا تدع شيئا تريد أن تسألني عنه (9)، إلّا سألتني عنه.
____________
(1) الكافي 1/ 328، ح 12.
(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 398. و في النسخ: شاوية.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قلت.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عندي.
(5) البقرة/ 106.
(6) قرب الإسناد/ 165- 166.
(7) أ، ب، ر: عن أحمد بن محمد بن عيسى.
(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ربعت.
و زمع: دهش.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «تسأله» بدل «تسألني عنه».
561
قلت: جعلت فداك، إني سألت أباك و هو نازل في هذا الموضع عن خليفته من بعده، فدلّني عليك. و قد سألتك منذ سنين، و ليس لك ولد، على (1) الإمامة فيمن تكون من بعدك؟ فقلت: في ولدي. و قد وهب لك ابنين، فأيّهما عندك بمنزلتك التي كانت عند أبيك؟
فقال لي: هذا الّذي سألت عنه ليس هذا وقته (2).
فقلت: جعلت فداك، قد رأيت ما ابتلينا به في أبيك و لست آمن الأحداث.
فقال: كلّا إن شاء اللَّه، لو كان الّذي يخاف (3) كان منّي في ذلك حجّة أحتجّ بها عليك و على غيرك. أما علمت أن الإمام، الفرض عليه و الواجب من اللَّه إذا خاف الفوت على نفسه أن يحتجّ في الإمام من بعده و بحجّة معروفة مثبتة (4)؟ إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول في كتابه: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ. فطب نفسا و طيّب نفس أصحابك، فان الأمر يجيء على غير ما تحذرون (5).
و في تفسير العيّاشيّ (6): عليّ بن أبي حمزة قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: إنّ أباك أخبرنا بالخلف من بعده، فلو خبّرتنا به.
قال: فأخذ بيدي، فهزّها.
ثمّ قال: ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.
و في كتاب التوحيد (7): حدثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، عن عمّه، محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن الطّيار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.
قال: حتّى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه.
حدّثنا (8) [محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رض)، قال: حدثنا] (9) محمّد بن
____________
(1) المصدر: من (عن- خ ل)
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و فيه.
(3) المصدر: تخاف.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و الحجة معروفة مبيّنة. و في بعض نسخ المصدر: «مبنية» «مثبتة».
(5) المصدر: يحذرون إن شاء اللَّه تعالى.
(6) تفسير العيّاشي 2/ 115، صدر ح 149.
(7) التوحيد/ 411، صدر ح 4.
(8) نفس المصدر/ 414، ذيل ح 11.
(9) من المصدر.
562
الحسن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار (1)، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن حمّاد عن عبد الأعلى (2)، مثله.
و في أصول الكافي (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن فضّال (4)، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن محمّد الطّيار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله سواء.
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115): فيعلم أمرهم في الحالين.
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (116): لمّا منعهم عن الاستغفار للمشركين و لو كانوا أولي قربى، و يتضمّن ذلك وجوب التبرؤ عنهم رأسا، بيّن لهم أنّ اللَّه مالك كل موجود و متولي أمره و الغالب عليه، و لا يتأتّى لهم ولاية و لا نصرة إلّا منه ليتوجّهوا بشراشرهم (5) إليه و يتبرءوا عمّا عداه، حتّى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون، و يذرون سواه.
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ قيل (6): من إذن المنافقين في التّخلف. أو برّأهم (7) عن علقة الذّنوب، كقوله:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.
و قيل (8): هو بعث على التّوبة. و المعنى: ما من أحد إلّا و هو محتاج إلى التّوبة، حتّى النبي و المهاجرين و الأنصار لقوله: وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً إذ ما من أحد إلّا و له مقام يستنقص دونه ما هو فيه، و الترقيّ إليه توبة من تلك النّقيصة، و إظهار لفضلها بأنّها مقام الأنبياء و الصّالحين من عباده.
و في الاحتجاج (9): عن الصّادق- (عليه السلام)- و في مجمع البيان: عن الرّضا
____________
(1) أ، ب، ر: إسماعيل بن مهران.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «عمّار بن عبد الأعلى» بدل «حمّاد عن عبد الأعلى».
(3) الكافي 1/ 163، صدر ح 3.
(4) المصدر: ابن فضّال.
(5) الشراشر: الجسم بجملته: قالوا: ألقى عليه شراشره، أي: أعباءه و همومه أو ألقى عليه نفسه حرصا و محبّة.
(6) أنوار التنزيل 1/ 435.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تبرأهم.
(8) نفس المصدر و الموضع.
(9) المجمع 3/ 80 لم أعثر عليه في الاحتجاج، و لكن رواه عنه في تفسير الصافي 2/ 383.
563
- (عليه السلام)- أنّهما قرءا: «لقد تاب اللَّه بالنّبيّ على المهاجرين».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: هكذا نزلت.
و في كتاب الاحتجاج (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «لقد تاب اللَّه بالنّبيّ على (3) المهاجرين و الأنصار».
قال أبان: فقلت له: يا ابن رسول اللَّه، إنّ العامّة لا تقرأ، كما عندك.
قال: و كيف تقرأ، يا أبان.
قال: قلت: إنّها تقرأ: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ.
قال: ويلهم، و أي ذنب كان لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى تاب اللَّه عليه منه؟ إنّما تاب اللَّه به على أمّته. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ: في وقتها. و هي حالهم في غزوة تبوك. كانوا في عسرة من الظّهر يعتقب العشرة على بعير واحد، و الزّاد. حتّى قيل: إنّ الرّجلين كانا يقتسمان تمرة، و الماء حتّى شربوا الفظّ (4).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و هم أبو ذرّ و أبو خيثمة و عميرة بن وهب، الّذين تخلفوا ثمّ لحقوا برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
و تخلّف (6) عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قوم من أهل نيات بصائر، لم يكن يلحقهم شكّ و لا ارتياب. و لكنّهم قالوا: فلحق (7) برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. منهم أبو خيثمة. و كان قويا، و كان له زوجتان و عريشتان (8). فكانت زوجتاه قد رشتا (9) عريشتيه، و برّدتا له الماء، و هيّأتا له طعاما. فأشرف على عريشته.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 297.
(2) لم أعثر عليه في الاحتجاج. و رواه عنه في تفسير الصافي 2/ 383- 384 و نور الثقلين 2/ 277- 278، ح 386.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «و» بدل «على».
(4) الفظّ: ماء الكرش يشرب عند عوز الماء في المفاوز.
(5) تفسير القمي 1/ 297.
(6) من هنا الى آخر الحديث في نفس المصدر و الموضع/ 294- 295.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يلحق.
(8) العريش: كالهودج، و ما عرش للكرم، و البيت الذي يستظلّ به.
(9) أي طلبتا أن تتخذاهما.
564
فلمّا نظر إليهما، قال: لا و اللَّه، ما هذا بإنصاف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقد غفر اللَّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر قد خرج في الضّحّ (1) و الرّيح، و قد حمل السّلاح يجاهد في سبيل اللَّه، و أبو خيثمة قويّ قاعد في عريشته و امرأتين حسناوين. لا و اللَّه، ما هذا بإنصاف.
ثمّ أخذ ناقته فشدّ عليها رحله، فلحق برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فنظر النّاس إلى راكب على الطريق، فأخبروا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بذلك فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كن أبا خيثمة. فكان أبا خيثمة (2).
فأقبل، و أخبر النبي بما كان منه. فجزاه خيرا و دعا له.
و كان أبو ذرّ- (رحمه اللّه)- تخلّف عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثلاثة أيّام، و ذلك أنّ جمله كان أعجف (3)، فلحق بعد ثلاثة أيّام. و وقف عليه جملة في بعض الطريق، فتركه و حمل ثيابه على ظهره. فلمّا ارتفع النّهار، نظر المسلمون إلى شخص مقبل. فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كن أبا ذرّ.
فقالوا: هو أبو ذرّ.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أدركوه بالماء، فإنّه عطشان. فأدركوه بالماء. و وافى أبو ذرّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه أداوة فيها ماء.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أبا ذرّ، معك ماء و عطشت؟
فقال: نعم، يا رسول اللَّه. بأبي أنت و أمي، انتهيت إلى صخرة و عليها ماء السّماء، فذقته فإذا هو عذب بارد. فقلت: لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أبا ذرّ، رحمك اللَّه، تعيش وحدك و تموت وحدك و تبعث وحدك و تدخل الجنّة وحدك. يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك و تجهيزك و الصّلاة عليك و دفنك.
و في الجوامع (4). و العسرة حالهم في غزوة تبوك. كان يعتقب العشرة على بعير
____________
(1) الضحّ: الشمس. و قولهم: جاء فلان بالضحّ و الريح، أي: بما طلعت عليه. الشمس و ما جرت عليه الريح.
(2) ليس في المصدر: فكان أبا خيثمة.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أعجب.
(4) الجوامع/ 188.
565
واحد، و كان زادهم الشعير السوّس و التمر المدود و الإهالة (1) السّنخة (2). و بلغت الشدّة بهم أن اقتسم التّمرة اثنان، و ربّما مصها الجماعة يشربوا الماء عليها. و كانوا في حمازة القيظ (3)، و في الضيقة الشديدة من القحط و قلّة الماء.
مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ: عن الثبات على الإيمان و اتّباع الرّسول. و في «كاد» ضمير الشّأن، أو ضمير القوم. و العائد عليه الضمير في «منهم». و قرأ (4) حمزة و حفص: «يزيغ» بالياء، لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقيّ.
و قرئ (5): «من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم»، يعني: المتخلفين.
و
في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و كان مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بتبوك رجل يقال له: المضرب، لكثرة ضرباته التي أصابته ببدر و أحد.
فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عدّ لي أهل العسكر.
فعدّدهم، فقال: هم خمسة و عشرون ألف رجل سوى العبيد (7) و التّبّاع.
فقال: عدّ لي المؤمنين. [فعدّدهم] (8).
فقال: هم خمسة و عشرون رجل.
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ: تكرير للتأكيد، و تنبيه على أنّه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. أو المراد، أنه تاب عليهم لكيدودتهم.
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117): تداركهم برأفته و رحمته.
وَ عَلَى الثَّلاثَةِ:
و تاب على الثّلاثة، كعب بن مالك، و هلال (9) بن أميّة، و مرارة بن ربيع. على ما رواه العياشي (10). عن الصّادق- (عليه السلام)-.
الَّذِينَ خُلِّفُوا: تخلّفوا عن الغزو. أو خلف أمرهم، فإنّهم المرجون.
و في مجمع البيان (11): و قراءة عليّ بن الحسين بن زين العابدين، و أبي جعفر، محمد بن
____________
(1) الإهالة: الشحم، أو الزيت، أو كلّ ما يؤتدم به.
(2) السنخة: الريح النتنة. و في المصدر:
«الزنخة» بدل «السنخة».
(3) حمازة القيظ: شدّته.
4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 435.
(6) تفسير القمي 1/ 296.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: العبد.
(8) من المصدر.
(9) كذا في المصدر. و في النسخ: هلاك.
(10) تفسير العياشي 2/ 115، ح 151.
(11) المجمع 3/ 78.
566
عليّ الباقر، و جعفر بن محمّد الصّادق: «خالفوا» (1).
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن فيض بن المختار قال: أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: كيف تقرأ هذه الآية في التّوبة وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ؟
قال: قلت: «خلّفوا».
قال: لو خلّفوا، لكانوا في حالة طاعة (3).
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4): قال العالم- (عليه السلام)-: إنّما نزل و على الثلاثة الذين خالفوا. و لو خلّفوا، لم يكن عليهم عيب.
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، أي: برحبها، لإعراض النّاس عنهم بالكليّة. و هو مثل لشدة الحيرة.
وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ: قلوبهم، من فرط الوحشة و الغمّ، بحيث لا يسعها انس و لا سرور.
وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ: من سخطه.
إِلَّا إِلَيْهِ، أي: استغفاره.
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ: بالتّوفيق للتّوبة.
و في معاني الأخبار (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-: هي الإقالة.
لِيَتُوبُوا: و أنزل قبول توبتهم، ليعدّوا في جملة التّوابين. أو رجع عليهم بالقبول و الرّحمة مرّة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم.
و في تفسير العياشيّ (6): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا.
قال: أقالهم، فو اللَّه، ما تابوا.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ: لمن تاب، و لو عاد في اليوم مائة مرّة.
الرَّحِيمُ (118): المتفضّل عليهم بالنّعم.
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: خالفوه.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 115، صدر ح 152.
(3) كذا في المصدر. و في النسخ: طاعته.
(4) تفسير القمي 1/ 297- 298.
(5) المعاني/ 215، ح 1.
(6) تفسير العياشي 2/ 116، ح 154.
567
و في تفسير علي بن إبراهيم (1)، في قصة غزوة تبوك: و قد كان تخلّف عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قوم من المنافقين، و قوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق، منهم كعب بن مالك الشّاعر، و مرارة (2) بن (3) الرّبيع، و هلال بن أميّة الواقفيّ.
فلمّا تاب اللَّه عليهم، قال كعب: ما كنت قطّ أقوى مني من ذلك الوقت الّذي خرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى تبوك. و ما اجتمعت لي راحلتان قط، إلّا في ذلك اليوم. فكنت أقول: أخرج غدا، أخرج بعد غد فاني قويّ (4). و توانيت، و بقيت بعد خروج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أياما أدخل السوق و لا أقضي حاجة.
فلقيت هلال بن أميّة و مرارة بن الرّبيع، و قد كانا تخلّفا- أيضا-. فتوافقنا أن نبّكر إلى السّوق و لم نقض حاجة. فما زلنا نقول: نخرج غدا و بعد غد، حتّى بلغنا إقبال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فندمنا.
فلمّا وافى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- استقبلناه نهنّئه (5) بالسّلامة. فسلّمنا عليه، فلم يردّ علينا السّلام، و أعرض عنا. و سلّمنا على إخواننا، فلم يردّوا علينا السلام. فبلغ ذلك أهلينا، فقطعوا كلامنا. و كنّا نحضر المسجد، فلا يسلّم علينا أحد و لا يكلّمنا.
فجاءت (6) نساؤنا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا، أ فنعتزلهم؟
فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تعتزلنّهم (7)، و لكن لا يقربوكنّ.
فلمّا رأى كعب بن مالك و صاحباه ما قد حلّ بهم، [قالوا] (8) ما يقعدنا بالمدينة و لا يكلّمنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا إخواننا و لا أهلونا. فهلموا [نخرج] (9) إلى هذا الجبل، فلا نزال فيه حتّى يتوب اللَّه علينا أو نموت.
فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة. فكانوا يصومون، و كان أهلوهم يأتونهم بالطّعام فيضعونه ناحية ثمّ يولّون عنهم فلا يكلّمونهم. فبقوا على هذه الحالة أيّاما كثيرة، يبكون
____________
(1) تفسير القمي 1/ 296- 297.
(2) المصدر: مرادة.
(3) ليس في ر: بن.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مقوي.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تهنئة.
(6) المصدر: فجئن.
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تعتزلهم.
8 و 9- من المصدر.
568
باللّيل و النّهار، و يدعون اللَّه أن يغفر لهم.
فلمّا طال عليهم الأمر، قال لهم كعب: يا قوم، قد سخط اللَّه علينا، و رسوله قد سخط علينا، و إخواننا سخطوا علينا، [و أهلونا سخطوا علينا] (1)، فلا يكلّمنا أحد. فلم لا يسخط بعضنا على بعض؟
فتفرّقوا في اللّيل، و حلفوا أن لا يكلّم أحد منهم صاحبه حتّى يموت أو يتوب اللَّه عليهم. فبقوا على هذه ثلاثة أيّام، كلّ واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه و لا يكلّمه. فلمّا كان في الليلة الثّالثة و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بيت أمّ سلمة، نزلت توبتهم على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ حيث لم يكلّمهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لا إخوانهم و لا أهلوهم. فضاقت المدينة عليهم حتّى خرجوا منها، و ضاقت عليهم أنفسهم حيث حلفوا أن لا يكلّم بعضهم بعضا، فتفرّقوا و تاب اللَّه عليهم لمّا عرف صدق نيّاتهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ: فيما لا يرضاه.
وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119): في إيمانهم و عهودهم. أو في دين اللَّه، نيّة و قولا و عملا.
و قرئ (2): «من الصّادقين»، أي: في توبتهم و إنابتهم، فيكون المراد: هؤلاء الثّلاثة و أضرابهم.
و في مجمع البيان (3): في مصحف عبد اللَّه و قراءة ابن عبّاس: «من الصّادقين».
و روي ذلك- أيضا- عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.
و في أصول الكافي (4): الحسين بن محمّد، عن معليّ بن محمّد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية العجليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
قال: إيّانا عنى.
محمّد بن يحيى (5)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي بصير، عن أبي الحسن الرّضا
____________
(1) ليس في المصدر.
(2) المجمع 3/ 80.
(3) نفس المصدر و الموضع.
(4) الكافي 1/ 208، ح 1.
(5) الكافي 1/ 208، ح 2.
569
- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
قال: «الصّادقون» هم الأئمة. و «الصّديقون» بطاعتهم.
و في كتاب الاحتجاج (1) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و قد جعل اللَّه للعلم أهلا و فرض طاعتهم بقوله: «و اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ».
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (2): قال: هم الأئمة- (عليهم السلام)-.
و في كتاب كمال الدين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ:
عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين و الأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: أسألكم باللَّه، أ تعلمون أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لمّا أنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- مَعَ الصَّادِقِينَ فقال سلمان: يا رسول اللَّه، عامة هذه الآية أم خاصّة؟ فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّا المأمورون، فعامّة المؤمنين أمروا بذلك. و أمّا الصّادقون، فخاصة لأخي عليّ و أوصيائي من بعده إلى يوم القيامة؟
قالوا: اللّهم، نعم.
و في كتاب معاني الأخبار (4)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- يذكر فيها نعم اللَّه- عزّ و جلّ-. و فيها يقول- (عليه السلام)-: ألا و إني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها، فتضلّوا في دينكم. يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: إنّ اللَّه مع الصادقين. أنا ذلك مع الصّادق (5)
و في أمالي شيخ الطائفة (6)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
قال: مع عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.
و في تهذيب الأحكام (7)، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- عليه
____________
(1) الاحتجاج 1/ 369.
(2) تفسير القمي 1/ 307.
(3) كمال الدين/ 278.
(4) المعاني/ 59.
(5) كذا في المصدر. و في النسخ: إنّما ذلك مع الصادق.
(6) أمالي الطوسي 1/ 261.
(7) التهذيب 3/ 147.
570
السّلام-: ربنّا، إنّك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك و أمرتنا أن نكون مع الصادقين، فقلت:
أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1) و قلت: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. فسمعنا و أطعنا. ربّنا، فثبّت أقدامنا و توفّنا مسلمين مصدّقين لأوليائك و لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: أصلحك اللَّه، أيّ شيء إذا عملته استكملت حقيقة الإيمان؟
قال: توالي [أولياء اللَّه و تعادي أعداء اللَّه و تكون مع الصادقين كما أمرك اللَّه.
قال: قلت: و من أولياء اللَّه و من أعداء اللَّه.
فقال:] (3) أولياء اللَّه، محمّد رسول اللَّه، و عليّ و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين. ثمّ انتهى الأمر إلينا. ثمّ ابني جعفر، و أومأ إلى جعفر و هو جالس. فمن والى هؤلاء، فقد والى أولياء اللَّه (4) و كان مع الصادقين، كما أمره اللَّه.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: نهي عبّر عنه بصيغة النفي، للمبالغة.
وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ: لا يصونوا أنفسهم، بل عليهم أن يصحبوه على البأساء و الضّرّاء و يكابدوا معه الشّدائد برغبة و نشاط، كما فعله أبو ذرّ و أبو خيثمة.
و في «لا يرغبوا» يجوز النّصب و الجزم.
ذلِكَ: إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: «ما كان» من النهي عن التّخلف، أو وجوب المشايعة.
بِأَنَّهُمْ: بسبب أنّهم.
لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ: شيء من العطش.
وَ لا نَصَبٌ: تعب.
وَ لا مَخْمَصَةٌ: مجاعة.
____________
(1) النساء/ 59.
(2) تفسير العيّاشي 2/ 116، ضمن ح 155.
(3) من المصدر.
(4) المصدر: فقد والى اللَّه.
571
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً: و لا يدوسون مكانا.
يَغِيظُ الْكُفَّارَ: يغضبهم وطؤه.
وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، كالقتل و الأسر و النّهب.
إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ: استوجبوا به الثّواب، و ذلك ممّا يوجب المشايعة.
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120): على إحسانهم. و هو تعليل «لكتب». و تنبيه على أنّ الجهاد إحسان، أمّا في حقّ الكفّار فلأنّه سعي في تكميلهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون. و أما في حقّ المؤمنين، فلأنّه صيانة لهم عن سطوة الكفّار و استيلائهم.
وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً: و لو علاقة.
وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً: في مسيرهم. و هو كلّ منعرج ينفذ فيه السّيل. اسم فاعل، من ودي: إذا سال. فشاع بمعنى: الأرض.
إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ: أثبت لهم ذلك.
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ: بذلك.
أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (121): جزاء أحسن أعمالهم، أو أحسن جزاء أعمالهم.
وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً: و ما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يثبطوا جميعا، فإنّه يخلّ بأمر المعاش.
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ: فهلّا نفر من كلّ جماعة كثيرة، كقبيلة و أهل بلدة، جماعة قليلة.
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ: ليتكلّفوا الفقاهة فيه، و يتجشّموا مشاقّ تحصيلها.
وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ: و ليجعلوا غاية سعيهم و معظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم و إنذارهم. و تخصيصه بالذكر، لأنّه أهم. و فيه دليل على أنّ التّفقّه و التّذكير من فروض الكفاية، فإنه ينبغي أن يكون غرض المتعلّم فيه أن يستقيم و يقيم لا التّرفع على النّاس و التّبسط في البلاد.
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122): إرادة أن يحذروا عمّا ينذرون منه.
572
و في أصول الكافي (1): عليّ بن محمّد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: تفقّهوا في الدين. فانّه من لم يتفقّه منكم في الدّين، فهو أعرابيّ. إنّ اللَّه يقول في كتابه:
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ- إلى قوله- لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
محمّد بن يحيى (2)، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب قال: [قلت] (3) لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إذا حدث على الإمام حدث، كيف يصنع النّاس؟
قال: أين قول اللَّه- عزّ و جلّ-، فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ- إلى قوله- لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ؟ قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، و هؤلاء الّذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم.
عليّ بن إبراهيم (4)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: حدثنا حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول العامة: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من مات و ليس له إمام مات ميتة جاهلية.
قال: الحق، و اللَّه.
قلت: فإن إماما هلك و رجل بخراسان لا يعلم من وصيّه، لم يسعه ذلك؟
قال: لا يسعه. إنّ الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيّه [على] (5) من هو معه في البلدة، و حقّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى (6)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أصلحك اللَّه، بلغنا شكواك و أشفقنا، فلو أعلمتنا [أو علّمتنا] (7)
____________
(1) الكافي 1/ 31، ح 6.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 378، ح 1.
(3) من المصدر.
(4) نفس المصدر و الموضع، صدر ح 2.
(5) من المصدر.
(6) الكافي 1/ 379- 380، ح 3.
(7) من المصدر.
573
من؟
فقال: إنّ عليّا كان عالما، و العلم يتوارث. فلم يهلك أحد (1) عالم إلّا بقي من بعده من يعلم، مثل علمه أو ما شاء اللّه.
قلت: أ فيسع النّاس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الّذي بعده؟
فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا، يعني: المدينة. و أمّا غيرها من البلدان، فبقدر مسيرهم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً- إلى قوله- لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في عيون الأخبار (2)، في باب العلل التي ذكر الفضل بن شاذان أنه سمعها عن الرّضا- (عليه السلام)-: فإن قال: فلم أمر بالحجّ؟
قيل: لعلّة الوفادة.
إلى أن قال: مع ما فيه من التّفقه، و نقل أخبار الأئمة- (عليهم السلام)- إلى كلّ صقع و ناحية، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ إلى قوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ (3).
و في كتاب علل الشّرائع (4)، عليّ بن أحمد- (رحمه اللّه)- قال: حدثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ، عن أبي الخير، صالح بن أبي حمّاد (5)، عن أحمد بن هلال، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الله بن المؤمن (6) الأنصاريّ قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ قوما يروون أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: اختلاف أمّتي رحمة.
فقال: صدقوا.
فقلت: إن كان اختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب.
قال: ليس حيث تذهب (7) و ذهبوا، إنّما أراد قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ- إلى قوله- لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. فأمرهم أن ينفروا إلى رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه
____________
(1) ليس في المصدر: أحد.
(2) العيون 2/ 119.
(3) الحجّ/ 28.
(4) العلل/ 85، ح 4.
(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 404. و في النسخ: صالح بن حماد.
(6) المصدر: «عبد المؤمن» بدل «عبد اللَّه بن المؤمن».
(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تذهبوا.
574
و آله- و يختلفوا إليه فيتعلّموا، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم. إنّما أراد اختلافهم (1) من البلدان، لا اختلافا في دين اللَّه. إنّما الدّين واحد [إنّما الدين واحد] (2).
و بإسناده إلى [محمّد بن] (3) عبد الجبّار (4): عمّن ذكره، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي الحسن (5)- (عليه السلام)-: إن بلغنا وفاة الإمام كيف نصنع؟
قال: عليكم النّفير (6).
قلت: [النّفير] (7) جميعا.
قال: إنّ اللَّه يقول: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ (الآية).
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في تفسير العيّاشيّ (8): عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: إذا حدث للإمام حدث، كيف يصنع النّاس؟
قال: يكونون، كما قال اللَّه: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ- إلى قوله- لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
قال: قلت: فما أحالهم؟
قال: هم في عذر.
و عنه (9)- أيضا- في رواية أخرى: ما تقول في قوم هلك إمامهم، كيف يصنعون؟
قال: فقال لي: أما تقرأ كتاب اللَّه فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ- إلى قوله- لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ؟
قلت: جعلت فداك، ما حال المنتظرين حتّى يرجع المتفقّهون؟
قال: فقال لي: رحمك اللَّه، أما علمت أنّه كان بين محمّد و عيسى- (صلّى اللّه عليه و آله)- خمسون و مائتا سنة، فمات (10) قوم على دين عيسى انتظار الدين محمّد- صلّى اللَّه عليه
____________
(1) كذا في المصدر. و في النسخ: اختلافا.
(2) من المصدر.
(3) من المصدر.
(4) العلل/ 591، صدر ح 42.
(5) المصدر: لأبي عبد اللَّه.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: النفر.
(7) من المصدر.
(8) تفسير العيّاشي 2/ 117، ح 159.
(9) نفس المصدر و الموضع، ح 159.
(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «فأمّا» بدل
575
و آله-، فآتاهم اللَّه أجرهم مرّتين؟
عن أحمد بن محمّد (1)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: كتب إليّ: انّما شيعتنا من تابعنا و لم يخالفنا. فإذا خفنا، خاف. و إذا أمنا، أمن. قال اللَّه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (الآية). فقد فرضت عليكم المسألة و الرّدّ إلينا، و لم يفرض علينا الجواب.
عن عبد الأعلى (2) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: بلغنا وفاة الإمام؟
قال: عليكم النّفر.
قلت: جميعا؟
قال: إنّ اللَّه يقول: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ (الآية).
قال: نفرنا، فمات بعضنا في الطّريق؟
قال: فقال: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ- إلى قوله-: أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (3).
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عن أبي بصير (4) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: تفقّهوا. فإنه من لم يتفقّه منكم، فإنّه أعرابي. إنّ اللَّه يقول في كتابه: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ- إلى قوله- يَحْذَرُونَ.
و في أصول الكافي (5): الحسين بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن الرّبيع، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: عليكم بالتّفقه في دين اللَّه، و لا تكونوا أعرابا. فإنّ من لم يتفقّه في دين اللَّه، لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة و لم يزك له عملا.
محمّد بن إسماعيل (6)، عن الفضل بن شاذان، عن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لوددت أنّ أصحابي ضربت رؤوسهم بالسّياط، حتّى يتفقّهوا.
____________
«فمات».
(1) نفس المصدر و الموضع ح 160.
(2) تفسير العياشي 2/ 118، صدر ح 161.
(3) النساء/ 100.
(4) تفسير العياشي 2/ 118، ح 162.
(5) الكافي 1/ 31، ح 7.
(6) نفس المصدر و الموضع، ح 8.
576
عليّ بن محمّد (1)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عمّن رواه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال له رجل: جعلت فداك، رجل عرف هذا الأمر لزم بيته و لم يتعرّف إلى أحد من إخوانه.
قال: و كيف يتفقّه هذا في دينه؟
محمّد بن يحيى (2)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان النيشابوريّ جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- قال: إنّ من علامات الفقه، الحلم و الصّمت.
و في كتاب الخصال (3): عن موسى بن أكيل النميري (4) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: لا يكون الرّجل فقيها، حتّى لا يبالي أي ثوبيه أبتذله (5) و بما سدّ فورة (6) الجوع.
عن الحارث الأعور (7) قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ثلاث بهنّ يكمل المسلم: التّفقه في الدّين، و التّقدير في المعيشة، و الصّبر على النّوائب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ: أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب، كما أمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوّلا بإنذار عشيرته. فإنّ الأقرب أحقّ بالشّفقة و الاستصلاح.
و قيل (8): هم يهود حوالي المدينة، كقريظة و النّضير و خيبر.
و قيل (9): الرّوم. فإنّهم كانوا يسكنون الشّام، و هو قريب من المدينة.
و في الكافي (10)، و في تفسير العيّاشي (11): قال: الدّيلم.
____________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 9.
(2) نفس المصدر و المجلّد/ 36، ح 4.
(3) الخصال/ 40، ح 27.
(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 271. و في أ، ب، ر: اكير التمري و في سائر النسخ: اكيد النميريّ.
(5) المصدر: ابتذل.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قدرة.
(7) نفس المصدر/ 124، ح 120.
8 و 9- أنوار التنزيل 1/ 437.
(10) بل في التهذيب 6/ 174، ح 345 و يدلّ على ذلك ما في مفتاح الكتب الأربعة و معجم رجال الحديث.
(11) تفسير العيّاشي 2/ 118، ح 163.
577
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): يجب على كلّ قوم أن يقاتلوا من يليهم ممّن يقرب من الإمام (2)، و لا يجوزوا ذلك الموضع.
وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: شدّة و صبرا على القتال.
و قرئ (3)، بفتح الغين و ضمّها. و هما لغتان فيها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)، اي، غلّظوا لهم القول و القتل.
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123): بالحراسة و الإعانة.
وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ: فمن المنافقين.
مَنْ يَقُولُ: إنكارا و استهزاء.
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ: السّورة.
إِيماناً.
و قرئ (5): «أيّكم» بالنّصب، على إضمار فعل يفسّره «زادته».
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً: بزيادة العلم الحاصل من تدبّر السّورة، و انضمام الإيمان بها و بما فيها إلى إيمانهم.
وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124): بنزولها، لأنه سبب لزيادة كمالهم و ارتفاع درجاتهم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (6): و هو ردّ على من يزعم، أنّ الإيمان لا يزيد و لا ينقص.
و في أصول الكافي (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (8) قال: حدثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا. و فيه بعد أن قال- (عليه السلام)-: انّ اللَّه- تبارك و تعالى- فرض الايمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرقه فيها و بيّن- (عليه السلام)- ذلك.
____________
(1) تفسير القمي 1/ 307.
(2) المصدر: «بلادهم من الكفّار» بدل «الإمام».
(3) أنوار التنزيل 1/ 37.
(4) تفسير القمي 1/ 307.
(5) أنوار التنزيل 1/ 437.
(6) تفسير القمي 1/ 308.
(7) الكافي 2/ 34 و 37.
(8) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: القاسم بن يزيد.
578
قيل: قد فهمت نقصان الإيمان و تمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
قال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ (الآية). قال:
وَ زِدْناهُمْ هُدىً (1). و لو كان كلّه واحدا لا زيادة فيه و لا نقصان، لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر و لاستوت النّعم فيه و لاستوى (2) النّاس و بطل التّفضيل. و لكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، و بالزّيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللَّه، و بالنّقصان دخل المفرطون النّار.
و في نهج البلاغة (3)، و من حديثه- (عليه السلام)-: انّ الإيمان يبدو لمظة (4) في القلب.
كلما ازداد الإيمان، ازدادت اللمظة.
وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: كفر.
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ: كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (5)، و في تفسير العياشيّ (6): عن زرارة بن أعين، عن الباقر- (عليه السلام)- يقول: شكّا إلى شكّهم.
وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ (125): و استحكم ذلك فيهم حتّى ماتوا عليه.
أَ وَ لا يَرَوْنَ، يعني: المنافقين.
و قرأ (7) حمزة و يعقوب، بالتّاء.
أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ.
قيل (8): يبتلون بأصناف البليّات، أو بالجهاد مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (9): يمرضون.
فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ: لا ينتهون و لا يتوبون من نفاقهم.
وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126): و لا يعتبرون.
____________
(1) الكهف/ 13.
(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا استوت النعم فيه و لا استوى.
(3) نهج البلاغة/ 518 قسم غريب كلامه رقم 5.
(4) اللمظة: النقطة من البياض.
(5) تفسير القمي 1/ 308.
(6) تفسير العياشي 2/ 118، ح 164.
7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 437.
(9) تفسير القمي 1/ 308.
579
وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ: تغامزوا بالعيون إنكارا لها و سخرية، أو غيظا لما فيها من عيوبهم.
هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أي: يقولون: هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟ فإن لم يرهم أحد، قاموا. و إن يرهم أحد، أقاموا.
ثُمَّ انْصَرَفُوا: تفرقوا عن حضرته، مخافة الفضيحة.
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ: عن الإيمان، و الانشراح به بالخذلان.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (1): عن الحقّ إلى الباطل، باختيارهم الباطل على الحقّ.
قيل (2): و يحتمل [الاخبار و] (3) الدّعاء.
بِأَنَّهُمْ: بسبب أنّهم.
قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127): لسوء فهمهم و عدم تدبّرهم.
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ: من جنسكم، عربيّ، مثلكم.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم (4)، مثلكم في الخلقة.
قال: و يقرأ «من أنفسكم»، أي: من أشرفكم.
و في الجوامع (5): قيل: هو قراءة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فاطمة- (عليها السلام)-.
و في مجمع البيان (6): قيل: معناه: أنّه من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهليّة.
عن الصادق- (عليه السلام)-.
عَزِيزٌ عَلَيْهِ: شديد شاقّ.
ما عَنِتُّمْ: محنتكم و لقاؤكم المكروه.
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، أي: على إيمانكم و صلاح شأنكم.
بِالْمُؤْمِنِينَ: منكم و من غيركم.
رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128): قدّم الأبلغ منهما، و هو الرّؤوف. لأنّ الرّأفة شدّة
____________
(1) تفسير القمي 1/ 308.
(2) أنوار التنزيل 1/ 438.
(3) من المصدر.
(4) تفسير القمي 1/ 308.
(5) الجوامع/ 189.
(6) المجمع 3/ 86.
580
الرّحمة، محافظة على الفواصل.
فَإِنْ تَوَلَّوْا: عن الإيمان بك.
فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ، فإنّه يكفيك معرّتهم، و يعينك عليهم.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، كالدّليل عليه.
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ: فلا أرجو و لا أخاف إلّا منه.
وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129): الملك العظيم. أو الجسم الأعظم المحيط، الّذي تنزل منه الأحكام و المقادير.
و قرئ (1): «العظيم» بالرّفع.
و في تفسير العيّاشيّ (2): عن ثعلبة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال اللَّه- تبارك و تعالى-: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ قال: فينا. عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [قال: فينا] (3) حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ قال: فينا. بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال: شركنا المؤمنون في هذه الرّابعة، و ثلاثة لنا.
عن عبد اللَّه بن سليمان (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: تلا هذه الآية لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ قال: [من] (5) أنفسنا. قال: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ قال: ما عنتنا (6). قال: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ قال علينا. بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [قال: بشيعتنا رؤوف رحيم] (7) فلنا ثلاثة أرباعها، و لشيعتنا ربعها.
في روضة الكافي (8): عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى المبارك، عن عبد اللَّه بن جبلة، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: هكذا أنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: لقد جاءنا رسول من أنفسنا عزيز عليه ما عنتنا حريص علينا بالمؤمنين رؤوف رحيم.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 438.
(2) تفسير العياشي 2/ 118، ح 165.
(3) من المصدر.
(4) كذا في تفسير العياشي 2/ 118، ح 166، و جامع الرواة 1/ 486. و في النسخ: عبد اللَّه بن سلمان.
(5) من المصدر.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ما عندنا.
(7) من المصدر.
(8) الكافي 8/ 378، ح 570.
581
و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن عمران الدّقاق (2)- (رحمه اللّه)- قال:
حدثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ قال: حدثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ قال: حدّثنا الحسين بن الحسن قال: حدّثنا أبي، عن حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن العرش و الكرسيّ.
فقال: إنّ للعرش صفات كثير مختلفة، له في كلّ سبب وضع في القرآن صفة على حدة. فقوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يقول: الملك العظيم. و قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (3) يقول: على الملك احتوى، و هذا ملك الكيفوفيّة في الأشياء. ثمّ العرش في الوصل متفرد (4) من الكرسيّ، لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب. و هما جميعا غيبان.
و هما في الغيب مقرونان، لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدع و منه الأشياء كلّها، و العرش هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و الحدّ و القدر و الأين و المشيئة و صفة الإرادة و علم الألفاظ و الحركات و التّرك و علم العود و البدء. فهما في العلم بابان مقرونان، لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسي، و علمه أغيب من علم الكرسيّ. فمن ذلك قال: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، اي: صفته أعظم من صفة الكرسي، و هما في ذلك مقرونان.
و في أصول الكافي (5): محمّد بن يحيى، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن السّياريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قام إليه رجل.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أرضي [أرض] (6) مسبعة، و أنّ السّباع تغشى منزلي، و لا تجوز حتّى تأخذ فريستها.
فقال: اقرأ لَقَدْ جاءَكُمْ- إلى- وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
فقرأها الرّجل فاجتنبته السّباع.
و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
و في من لا يحضره الفقيه (7)، في وصيّة النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- عليه
____________
(1) التوحيد/ 321- 322، صدر ح 1.
(2) المصدر: علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق.
(3) طه/ 5.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منفرد.
(5) الكافي 2/ 625، ضمن ح 21.
(6) من المصدر.
(7) الفقيه 4/ 268.
582
السّلام-: يا عليّ، من خاف من السّباع فليقرأ: «لقد جاءكم» (إلى آخر السّورة).
و في تفاسير العامّة (1): عن أبي، أنّ آخر ما نزلت هاتان الآيتان.
و عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما نزل القرآن عليّ إلا آية و حرفا [و حرفا] (2). ما خلا سورة براءة و قل هو اللَّه أحد، فإنّهما نزلتا عليّ و معهما سبعون ألف صفّ من الملائكة.
و في كتاب التّوحيد (3): حدثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- (رحمه اللّه)- قال:
حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفار، عن عليّ بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق العرش أرباعا، لم يخلق قبله إلّا ثلاثة أشياء:
الهواء (4) و القلم و النّور. ثمّ خلقه من أنوار مختلفة، فمن ذلك النّور نور أخضر اخضرّت منه الخضرة، و نور أصفر اصفرت منه الصفرة، و نور احمر احمرت منه الحمرة، و نور أبيض و هو نور الأنوار و منه ضوء النّهار.
ثمّ جعله سبعين ألف طبق غلظ، كلّ طبق، كأوّل العرش إلى أسفل السّافلين. ليس من ذلك طبق، الّا يسبّح بحمده (5) و يقدسه بأصوات مختلفة و ألسنة غير مشتبهة، و لو أذن للسان منهما فأسمع شيئا ممّا تحته، لهدّم الجبال، و المدائن و الحصون و لخسف البحار و لأهلك ما دونه. له ثمانية أركان، على كلّ ركن منها من الملائكة ما لا يحصى عددهم إلّا اللَّه- عزّ و جلّ- يسبّحون اللّيل و النّهار لا يفترون. و لو حس (6) شيء مما فوقه، ما قام لذلك طرفة عين. بينه و بين الإحساس، الجبروت و الكبرياء و العظمة و القدس و الرّحمة و العلم و ليس وراء هذا مقال.
____________
(1) أنوار التنزيل 1/ 438 و الكشّاف 2/ 223.
(2) من المصدر.
(3) التوحيد/ 324- 326، ح 1.
(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «القوي» بدل «أشياء: الهواء».
(5) المصدر: بحمد ربّه.
(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «حسر» بدل «حسّ».
