http://www.masaha.org

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏


الجزء السادس‏


تأليف

محمد بن محمد رضا القمي المشهدي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org

28

أقول: ما روي من أنّها ولاية أمير المؤمنين، أو هو رسول اللَّه، أو شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو قيل: هو تقديم اللَّه إيّاهم في البعث يوم القيامّة، مرجعه إلى شي‏ء واحد. فإنّ شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمن له الولاية، و من له الولاية هو الّذي يقدّمه اللَّه في البعث.

قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا، يعنون: الكتاب و ما جاء به رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

لَساحِرٌ مُبِينٌ‏ (2).

و قرأ (1) ابن كثير و الكوفيّون: «لساحر»، على أنّ الإشارة إلى الرّسول. و فيه اعتراف بأنّهم صادفوا من الرّسول أمورا خارقة للعادة، معجزة إيّاهم عن المعارضة.

و قرئ‏ (2): «ما هذا إلّا سحر مبين».

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏: الّتي هي أصول الممكنات.

فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته و سبقت به كلمته، و يهيّ‏ء بتحريكه أسبابها و ينزلها منه.

و «التّدبير» النّظر في أدبار الأمور، لتجي‏ء محمودة العاقبة.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن الصّباح بن سيابة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

إنّ اللَّه خلق السّنة اثني عشر شهرا، و هو ثلاثمائة و ستّون يوما، فحجز (4) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات و الأرض. في ستّة أيّام‏ (5) فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.

عن أبي جعفر (6)، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏ إنّ اللَّه خلق السّموات و الأرض في ستّة أيّام، فالسّنة تنقص ستّة أيّام.

عن جابر (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه و سلامه عليه)-: إنّ اللَّه- جلّ ذكره و تقدّست أسماؤه- خلق الأرض قبل السّماء، ثمّ استوى على العرش لتدبير الأمور.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 439.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير العياشي 2/ 120، ح 7.

(4) المصدر: فخرج.

(5) ليس في ب: في ستة أيام.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 6.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 8.

25

سورة يونس مكّيّة. و هي مائة و تسع آيات.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: من قرأ سورة يونس في كلّ شهرين أو ثلاثة، لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين. و كان يوم القيامة من المقرّبين.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏: من قرأها، اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بيونس و كذّب به، و بعدد من غرق مع فرعون.

الر:

فخّمها (3) ابن كثير و نافع و حفص. و أمالها الباقون، إجراء لألف الرّاء مجرى المنقلبة من الياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): هو حرف من حروف الاسم الأعظم المنقطع في القرآن. فإذا ألفّه الرّسول أو الإمام فدعا به، أجيب.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل‏، مضى بتمامه‏

____________

(1) ثواب الاعمال/ 132، ح 1.

(2) المجمع 3/ 87.

(3) أنوار التنزيل 1/ 438.

(4) تفسير القمي 1/ 308.

(5) تفسير العياشي 2/ 3، ح 3.

30

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ، أي، بعدله.

أو بعدالتهم، و قيامهم على العدل في أمورهم.

أو بإيمانهم، لأنّه العدل القويم، كما أنّ الشّرك ظلم عظيم. و هو الأوجه، لمقابلة قوله: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ‏ (4): فإنّ معناه: ليجزي الّذين كفروا بشراب من حميم و عذاب أليم بسبب كفرهم. لكنّه غير النّظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، و التّنبيه على أنّ المقصود بالذّات من الإبداء و الإعادة هو الإثابة، و العقاب واقع بالعرض. و أنّه- تعالى- يتولّى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه و كرمه و لذلك لم يعيّنه، و أمّا عقاب الكفره فكأنّه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم و شؤم أفعالهم.

و الآية كالتّعليل لقوله: «مرجعكم جميعا». فإنّه لمّا كان المقصود من الإعادة مجازاة اللَّه المكلّفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة. و يؤيّده قراءة من قرأ:

«أنّه يبدأ» بالفتح، أي: لأنّه. و يجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا بما نصب «وعد اللَّه» حقّاً».

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، أي: ذات ضياء. و هو مصدر، كقيام. أو جمع ضوء، كسياط و سوط. و الياء فيه منقلبة عن الواو.

و عن ابن كثير (1) برواية قنبل: «ضئاءا» بهمزتين في كلّ القرآن، على القلب بتقديم اللّام على العين.

وَ الْقَمَرَ نُوراً، أي: ذات نور. و سمّي «نورا» للمبالغة. و هو أعمّ من الضّوء، كما عرفت.

و قيل‏ (2): ما بالذّات ضوء (3)، و ما بالعرض نور.

و قد نبّه- سبحانه- بذلك على أنّه خلق الشّمس نيّرة بذاتها و القمر نيّرا بعرض، مقابلة الشّمس و الاكتساب منها.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: فضرب [اللَّه‏] (5) مثل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 440.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: منورة.

(4) الكافي 8/ 379، ح 574.

(5) من المصدر.

31

محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّمس، و مثل الوصي القمر. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا محمّد [بن‏] (2) موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ، عن موسى بن عمران النّخعيّ، عن عمّه، الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم قال: حدّثنا أبو نعيم البلخيّ، عن مقاتل بن حيان‏ (3)، عن عبد الرّحمن بن ذرّ (4)، عن أبي ذرّ الغفاريّ- (رحمه اللّه)- قال‏: كنت آخذا بيد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن نتماشى جميعا، فما زلنا (5) ننظر إلى الشّمس حتّى غابت.

فقلت: يا رسول اللَّه، أين تغيب؟

قال: في السّماء. ثمّ ترفع من السّماء السّابعة (6) حتّى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها. ثمّ تقول: يا ربّ، من أين تأمرين أن أطلع، أمن مغربي أم من مطلعي؟ فذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏، يعني بذلك: صنع الرّبّ العزيز في ملكه [العليم‏] (7) بخلقه.

قال: فيأتيها جبرئيل- (عليه السلام)- بحلّة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النّهار في طوله في الصّيف و في قصره في الشّتاء، أو ما بين ذلك في الخريف و الرّبيع.

قال: فتلبس تلك الحلّة، كما يلبس أحدكم ثيابه، ثمّ تنطلق بها في جوّ السّماء حتّى تطلع من مطلعها.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فكأنّي بها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثمّ لا تكسى ضوءا، و تؤمر أن تطلع من مغربها (8). فذلك قوله- عزّ و جلّ-: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏. و القمر كذلك مطلعه و مجراه في أفق السّماء و مغربه‏

____________

(1) التوحيد/ 280، ح 7.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: مقاتل بن جنان.

(4) المصدر: عبد الرحمن بن أبي ذرّ.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فجاز لنا.

(6) المصدر: «ثم ترفع من سماء إلى سماء حتّى ترفع إلى السماء السابعة العليا» بدل «ثمّ ترفع من السماء السابعة».

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في المتن: مطلعها.

23

الجزء السادس‏

تفسير سورة يونس‏

27

السّلام- قبله كذلك.

و قيل‏ (1): تعجّبوا من أنّه بعث بشرا رسولا، كما سبق ذكره في سورة الأنعام.

أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ‏.

«أن» هي المفسّرة. أو المخفّفة من الثّقيلة، فتكون في موضع مفعول «أوحينا».

وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا: عمّم الإنذار، إذ قلّما أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه. و خصّص البشارة بالمؤمنين، إذ ليس للكفّار ما يصحّ أن يبشّروا به.

أَنَّ لَهُمْ‏: بأنّ لهم.

قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏: سابقة و منزلة رفيعة. سمّيت: قدما، لأنّ السّبق بها، كما سمّيت النّعمة: يدا، لأنّها تعطى باليد. و إضافتها إلى الصّدق، لتحقّقها و التّنبيه على أنّهم إنّما ينالونها بصدق القول و النّيّة.

و في أصول الكافي‏ (2): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن يونس قال: أخبرني من رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ بَشِّرِ الَّذِينَ‏- إلى قوله- عِنْدَ رَبِّهِمْ‏.

قال: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏.

قال: هو رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله سواء.

و في مجمع البيان‏ (5): أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏. قيل: إنّ معنى‏ قَدَمَ صِدْقٍ‏: شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

و قيل‏ (6): هو تقديم اللَّه إيّاهم في البعث يوم القيامة.

____________

النسخ: المال.

(1) أنوار التنزيل 1/ 439.

(2) الكافي 1/ 422، ح 50.

(3) تفسير القميّ 1/ 308.

(4) الكافي 8/ 364، ح 554.

(5) المجمع 3/ 89.

(6) نفس المصدر و الموضع.

26

في أوّل آل عمران و أوّل الأعراف. و في آخره: و ليس من حروف مقطّعة حرف ينقضي أيّامه، إلّا و قد قام قائم من بني هاشم عند انقضائه.

- إلى قوله-: ثمّ كان بدو خروج الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- «الم [، اللَّه». فلمّا] (1) بلغت مدّته‏ (2) مقدمته، قام قائم ولد العبّاس عند «المص». و يقوم قائمنا عند انقضائها ب «المر» (3).

فافهم ذلك، و عه، و اكتمه.

و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه الصّادق- (عليه السلام)-: و «الر» معناه: أنا اللَّه الرّؤوف الرّحيم.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ‏ (1): إشارة إلى ما تضمّنته السّورة، أو القرآن من الآي. و المراد من «الكتاب»: أحدهما. و وصفه بالحكيم، لإشتماله على الحكم، أو لأنّه كلام حكيم، أو محكم آياته لم ينسخ منها.

أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً: استفهام إنكار، للتّعجّب.

و «عجبا» خبر كان، و اسمه‏ أَنْ أَوْحَيْنا.

و قرئ‏ (5)، [بالرفع على أن الأمر] (6) بالعكس. أو على أن «كان» تامّة، و «أن أوحينا» بدل من عجب و «اللّام» للدّلالة على أنّهم جعلوه أعجوبة لهم يوجّهون نحوه إنكارهم و استهزاءهم.

إِلى‏ رَجُلٍ مِنْهُمْ‏: من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم.

قيل‏ (7): كانوا يقولون: العجب أنّ اللَّه لم يجد رسولا يرسله إلى النّاس إلّا يتيم أبي طالب. و هو من فرط حماقتهم و قصور نظرهم على الأمور العاجلة، و جهلهم بحقيقة الوحي و النّبوّة. هذا و إنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه، إلّا في المال و خفّة الحال أعون شي‏ء في هذا الباب‏ (8). و لذلك كان أكثر الأنبياء- عليهم‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «مقدمته» بدل «مدّته».

(3) المصدر: الرا.

(4) المعاني/ 22، ح 1.

(5) أنوار التنزيل 1/ 438.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في أ: البال، و في سائر

29

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل.

و فيه قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏.

يقول: على الملك احتوى.

و فيه‏ (2)، خطبة- أيضا- للرّضا- (عليه السلام)-. و فيها: مدبّر لا بحركة.

و بإسناده‏ (3) إلى أنس: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عن جبرئيل- (عليه السلام)-، عن اللَّه- تعالى- حديث طويل. و فيه: و أنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه، لئلّا يدخله العجب فيفسده ذلك. و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر، و لو أغنيته لأفسده‏ (4). و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالغنى، و لو أفقرته لأفسده ذلك. و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه [إلّا بالسّقم، و لو صححت جسمه لأفسده ذلك. و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه‏] (5) إلا بالصّحّة، و لو أسقمته لأفسده ذلك. إنّي أدبّر من عبادي لعلمي بقلوبهم، فإنّي عليم خبير.

ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ‏: تقرير لعظمته و عزّ جلاله، و ردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللَّه. و فيه إثبات الشّفاعة لمن إذنه له.

ذلِكُمُ اللَّهُ‏، أي: الموصوف بتلك الصّفات المقتضية للألوهيّة و الرّبوبيّة.

رَبَّكُمُ‏: لا غير. إذ لا يشاركه أحد في شي‏ء من ذلك.

فَاعْبُدُوهُ‏: وحّدوه بالعبادة.

أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (3): تتفكّرون أدنى تفكّر، فينبّهكم على أنّه المستحقّ للرّبوبيّة و العبادة، لا ما تعبدونه.

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً: بالموت أو النّشور، لا إلى غيره، فاستعدّوا للقائه.

وَعْدَ اللَّهِ‏: مصدر مؤكّد لنفسه. لأنّ قوله: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» وعد من اللَّه.

حَقًّا: مصدر آخر مؤكّد لغيره، و هو ما دلّ عليه «وعد اللَّه».

إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: بعد بدئه و إهلاكه.

____________

(1) التوحيد/ 321، ح 1.

(2) نفس المصدر/ 37.

(3) نفس المصدر/ 398، ح 1.

(4) ليس في أ، ب، ر: لأفسده.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

32

و ارتفاعه إلى السّماء السّابعة، و يسجد تحت العرش. ثمّ يأتيه جبرئيل- (عليه السلام)- بالحلّة من نور الكرسيّ، فذلك قوله- عزّ و جلّ-: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.

وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ‏:

الضّمير لكلّ واحد، أي: قدّر مسير كلّ واحد منهما منازل، أو قدّره ذا منازل، أو للقمر.

و تخصيصه بالذّكر لسرعة سيره و معاينة منازله و إناطة أحكام الشّرع به، و لذلك علّله بقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ‏: حساب الأوقات من الأشهر و الأيّام‏ (1) في معاملاتكم و تصرّفاتكم.

ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ‏: إلا ملتبسا بالحقّ، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة.

يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (5): فإنّهم المنتفعون بالتّأمّل فيها.

و قرأ (2) ابن كثير و البصريّان و حفص: «يفصّل» بالياء.

إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: من أنواع الكائنات.

لَآياتٍ‏: على وجود الصّانع و وحدته و كمال علمه و قدرته.

لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏ (6): العواقب. فإنّه يحملهم على التّدبّر و التّفكر.

إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لا يتوقّعونه، لإنكارهم بالبعث و ذهولهم بالمحسوسات عمّا وراءها.

وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا: من الآخرة، لغفلتهم عنها.

وَ اطْمَأَنُّوا بِها: و سكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها و زخارفها، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها.

وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ‏ (7): لا يتفكّرون فيها، لانهماكهم فيما يضادّها.

و العطف، إمّا لتغاير الوصفين و التّنبيه على أنّ الوعيد على الجمع بين الذّهول عن الآيات رأسا و الانهماك في الشّهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلا. و إمّا لتغاير

____________

(1) ب: من الأشهر و الأيام و الليالي.

(2) أنوار التنزيل 1/ 440.

33

الفريقين.

و المراد بالأوّلين: من أنكر البعث، و لم ير إلّا الحياة الدّنيا. و بالآخرين: من ألهاه حبّ العاجل عن التّأمّل في الآجل و الإعداد له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: «الآيات» أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)-. و الدّليل على ذلك‏

قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما للّه آية أكبر منّي.

أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (8): بما واطبوا عليه و تمرّنوا به من المعاصي.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ‏: بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدّي إلى الجنّة. أو لإدراك الحقائق، كما

قال- (عليه السلام)-: من عمل بما علم، ورثه اللَّه علم ما لم يعلم. أو لما يريدونه في الجنّة.

و مفهوم التّرتيب و إن دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان و العمل الصّالح، لكن دلّ منطوق قوله: «بإيمانهم» على استقلال الإيمان بالسّببيّة، و أنّ العمل، كالتّتمّة و الرّديف له.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ: استئناف. أو خبر ثان. أو حال من الضّمير المنصوب على المعنى الأخير. و قوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏ (9): خبر. أو حال أخرى منه، أو من «الأنهار». أو متعلّق «بتجري»، أو «بيهدي».

و في كتاب التّوحيد (2): حدّثني عليّ بن عبد اللَّه الورّاق و محمد بن أحمد السّنانيّ‏ (3) و عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق- رضي اللَّه عنه- قالوا: حدّثنا أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد اللَّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه [عن‏] (4)، جعفر بن سليمان البصريّ‏ (5)، عن عبد اللَّه بن الفضل الهاشميّ قال‏: سألت أبا عبد اللَّه، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 309.

(2) التوحيد/ 241، ح 1.

(3) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 71. و في النسخ: محمد بن علي السناني.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 152. و في النسخ: جعفر بن سليمان النضريّ.

34

فقال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يضلّ الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، و يهدي أهل الإيمان و العمل الصّالح إلى جنّته، كما قال: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ. و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏.

دَعْواهُمْ فِيها، أي: دعاؤهم.

سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏: الَّلهمّ، إنّا نسبّحك تسبيحا.

وَ تَحِيَّتُهُمْ‏: ما يحيّي بعضهم بعضا. أو تحية الملائكة إيّاهم.

فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ‏: و آخر دعائهم.

أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (10): أي أن يقولوا ذلك.

و لعلّ المعنى: أنّهم إذا دخلوا الجنّة و عاينوا عظمة اللَّه و كبرياءه، مجّدوه و نعتوه بنعوت الجلال. ثمّ حيّاهم الملائكة بالسّلامة عن الآفات و الفوز بأصناف الكرامات، أو اللَّه- تعالى- فحمدوه و أثنوا عليه بصفات الكرام.

و «أن» هي المخفّفة من الثّقيلة. و قد قرئ بها، و بنصب الحمد.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللَّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في تفسير: سبحان اللَّه، و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللَّه، و اللَّه أكبر.

و في آخره قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و إذا قال: الحمد للّه، أنعم اللَّه عليه نعم الدّنيا موصولا بنعم الآخرة. و هو الكلمة الّتي يقولها أهل الجنّة إذا دخلوها. و ينقطع الكلام الّذي يقولونه في الدّنيا ما خلا «الحمد [للّه‏] (2) و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

دَعْواهُمْ‏- إلى قوله- أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

سألته عن التّسبيح.

فقال: هو اسم من أسماء اللَّه، و دعوى أهل الجنّة.

و في روضة الكافي‏ (4)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر الشّيعة و قربهم من اللَّه‏

____________

(1) العلل/ 251، ذيل ح 8.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 120، ح 9.

(4) الكافي 8/ 366، ح 556.

35

- عزّ و جلّ-: أنتم أهل تحيّة اللَّه بسلامه.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و نقل عنه حديثا طويلا. يقول فيه حاكيا حال أهل الجنّة: و إذا أراد المؤمن‏ (2) شيئا [أو اشتهى‏] (3)، إنّما دعواه فيها إذا أراد، أن يقول: سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏. فإذا قالها، تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ‏، يعني: الخدّام.

قال: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، يعني بذلك: عند ما يقضون من لذّاتهم من الجماع و الطّعام و الشّراب، يحمدون اللَّه- عزّ و جلّ- عند فراغهم.

و فيها (4) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- مسندة. و في آخرها: و الجنّة لأهلها مأوى، دعواهم فيها أحسن الدّعاء سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏ دعاؤهم‏ (5) المولى على ما آتاهم.

وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

و في مصباح الشّريعة (6): و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ أطيب شي‏ء في الجنّة و ألذّه حبّ اللَّه و الحبّ في اللَّه و الحمد للّه. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏. و ذلك أنّهم إذا عاينوا لما في الجنّة من النّعيم، هاجت المحبّة في قلوبهم. فينادون عند ذلك: الحمد للّه ربّ العالمين.

و في مجمع البيان‏ (7): و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه- تعالى- منّ عليّ بفاتحة الكتاب- إلى قوله-: و الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ دعوى أهل الجنّة حين شكروا منه‏ (8) حسن الثّواب.

وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ: و لو يسرع إليهم.

اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ.

قيل‏ (9): وضع موضع تعجيلهم لهم بالخير، إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير، حتّى‏

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 100، ح 69.

(2) المصدر: المؤمنون.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 8/ 173، ح 193.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: دعائم.

(6) مصباح الشريعة/ 195.

(7) المجمع 1/ 31.

(8) المصدر: «للّه» بدل «منه».

(9) أنوار التنزيل 1/ 441.

36

كأنّ استعجالهم به تعجيله لهم. أو بأنّ المراد: شر استعجلوه، كقولهم: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. و تقدير الكلام: و لو يعجّل اللَّه للنّاس الشّرّ تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا، كاستعجالهم بالخير. فحذف منه ما حذف، لدلالة الباقي عليه.

لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏: لأميتوا و اهلكوا.

و قرأ (1) ابن عامر و يعقوب: «لقضي» على البناء للفاعل، و هو اللَّه- تعالى-.

و قرئ‏ (2): «لقضينا».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: لو عجّل اللَّه الشّرّ، كما يستعجلون الخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏، أي: فرغ من أجلهم.

فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ (11): عطف على فعل محذوف دلّت عليه الشّرطيّة، كأنّه قيل: و لكن لا نعجّل و لا نقضي، فنذرهم إمهالا لهم و استدراجا.

وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا: لإزالته مخلصا فيه.

لِجَنْبِهِ‏: ملقى لجنبه، أي: مضطجعا.

أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً.

و فائدة التّرديد تعميم الدّعاء لجميع الأحوال، أو الأصناف المضارّ.

فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ: مضى على طريقه و استمرّ على كفره. أو مرّ عن موقف الدّعاء لا يرجع إليه.

كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا»، كأنّه لم يدعنا. فخفّف و حذف ضمير الشّأن، كما قال:

و نحر مشرق اللّون كانّ ثدياه حقّان.

إِلى‏ ضُرٍّ مَسَّهُ‏: إلى كشف ضرّ.

كَذلِكَ‏، أي: مثل ذلك التّزيين.

زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (12): من الانهماك في الشّهوات و الإعراض عن العبادات.

وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏: يا أهل مكّة.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 1/ 309.

37

لَمَّا ظَلَمُوا: حين ظلموا بالتّكذيب.

وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالحجج الدّالة على صدقهم. و هو حال من الواو بإضمار «قد»، أو عطف على «ظلموا».

وَ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا: و ما استقام لهم أن يؤمنوا، لفساد استعدادهم و خذلان اللَّه لهم و علمه بأنّهم يموتون على كفرهم.

و «اللّام» لتأكيد النّفي.

كَذلِكَ‏، مثل ذلك الجزاء. و هو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرّسل و إصرارهم عليه، بحيث تحقّق أنّه لا فائدة في إمهالهم.

نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ‏ (13): كلّ مجرم، أو مجزيكم. فوضع المظهر موضع المضمر، للدّلالة على كمال جرمهم و أنّهم أعلام فيه.

ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ‏: استخلفناكم فيها بعد القرون الّتي أهلكناها استخلاف من يختبر.

لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏ (14): أ تعملون خيرا أو شرّا، فنعاملكم على مقتضى أعمالكم.

و «كيف» معمول «تعملون» فإنّ معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله. و فائدته الدّلالة على أنّ المعتبر في الجزاء جهات الأفعال و كيفيّاتها، لا هي من حديث ذاتها، و لذلك يحسن الفعل تارة و يقبح أخرى. و فيه دلالة على أنّ للفعل جهة محسّنة و جهة مقبّحة يؤمر به أو ينهى عنه لها.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا، يعني:

المشركين.

ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا: بكتاب آخر ليس فيه ما نستبعده من البعث و الثّواب و العقاب بعد الموت، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا.

أَوْ بَدِّلْهُ‏: بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. و لعلّهم سألوا ذلك، كي يسعفهم إليه فيلزموه.

قُلْ ما يَكُونُ لِي‏: ما يصحّ لي.

أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي‏: من قبل نفسي. و هو مصدر استعمل ظرفا. و إنّما اكتفى بالجواب عن التّبديل، لإستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر.

38

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏- إلى قوله- مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي‏: قالوا: بدّل مكان عليّ- (عليه السلام)- أبو بكر أو عمر، اتّبعناه.

و في أصول الكافيّ‏ (2): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن الحسين، عن عمر بن يزيد، عن محمّد بن جمهور، عن محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر قال‏:

سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ‏.

قال: قالوا: أو بدّل عليّا.

إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي السّفاتج، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ‏، يعني: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.

و قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏ تعليل لما يكون، فإنّ المتّبع لغيره في أمر لا يستبدّ بالتّصرّف فيه بوجه، و جواب للنّقض بنسخ بعض الآيات ببعض، و ردّ لما عرّضوا له بهذا السّؤال من أنّ القرآن كلامه و اختراعه. و لذلك قيّد التّبديل في الجواب و سمّاه عصيانا، فقال: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي‏، أي: بالتّبديل.

عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (15): و فيه إيماء بأنّهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

ما ترك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)(5)-: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ حتّى نزلت سورة الفتح، فلم يعد إلى ذلك الكلام.

قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ‏: غير ذلك.

ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ‏: و لا أعلمكم به على لساني.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 120، ح 10.

(2) الكافي 1/ 419، ح 317.

(3) تفسير القمّي 1/ 310.

(4) تفسير العياشي 2/ 120، ح 12.

(5) المصدر: «لم يزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول» بدل «ما ترك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

39

و عن ابن كثير (1): «و لأدراكم» بلام التّأكيد، أي: لو شاء اللَّه ما تلوته عليكم، و لأعلمكم به على لسان غيري. و المعنى: أنّه الحقّ الّذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري.

و قرئ‏ (2): «و لا أدرأتكم» بالهمزة فيهما، على لغة من يقلب المبدّلة من الياء همزة. أو على أنّه من الدّرء، بمعنى: الدّفع، أي: و لا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال. و المعنى: أنّ الأمر بمشيئة اللَّه لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه. ثمّ قرّر ذلك بقوله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً: مقدار عمر أربعين سنة.

مِنْ قَبْلِهِ‏: من قبل القرآن، لا أتلوه و لا أعلمه. فإنّه إشارة إلى أنّ القرآن معجز خارق للعادة. فإنّ من عاش بين أظهرهم أربعين سنة، و لم يمارس فيها علما و لم يشاهد عالما و لم ينشئ قريضا و لا خطبة، ثمّ قرأ عليهم كتابا بزّت‏ (3) فصاحته كلّ منطيق و علا كلّ منثور و منظوم و احتوى على قواعد علمي الأصول و الفروع و أعرب عن أقاصيص الأوّلين و أحاديث الآخرين على ما هي عليه، علم أنّه معلّم من اللَّه.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (16)»، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتّدبّر و التّفكّر، لتعلموا أنّه ليس إلّا من اللَّه.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً: تفاد ممّا أضافوه إليه كناية أو تظليم للمشركين بافترائهم على اللَّه في قولهم: إنّه لذو شريك و ذو ولد.

أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ‏: فكفر بها.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ‏ (17) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ‏: لأنّه جماد لا يقدر على نفع و لا ضرّ. و المعبود ينبغي أن يكون مثيبا و معاقبا، حتّى يعود عليه بجلب نفع أو دفع ضرر.

وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ: الأوثان.

شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ‏: تشفع لنا فيما يهمّنا من أمر الدّنيا أو في الآخرة إن يكن بعث، و كأنّهم كانوا شاكّين فيه.

و هذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضّار النّافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنّه لا يضرّ و لا ينفع، على توهّم أنّه ربّما يشفع لهم عنده.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 442.

(3) بزّ: غلب.

40

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏- إلى قوله- عِنْدَ اللَّهِ‏.

قال: كانت قريش يعبدون الأصنام، و يقولون: إنّما نعبدهم ليقرّبونا إلى اللَّه زلفى، فإنّا لا نقدر على عبادة اللَّه.

فردّ اللَّه عليهم، فقال: قل لهم، يا محمّد: أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ‏، أي:

ليس. فوضع حرفا مكان حرف، أي: ليس له شريك يعبد.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن الزّهريّ قال‏: أتى رجل أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- فسأله عن شي‏ء، فلم يجبه.

فقال له الرّجل: فإن كنت ابن أبيك، فأنت من أبناء عبدة الأصنام.

فقال له: كذبت. إنّ اللَّه أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة، ففعل. فقال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. (3) فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما قطّ، لكنّ العرب عبدة الأصنام. و قالت بنو إسماعيل: «هؤلاء شفعاؤنا [عند اللَّه‏] (4)» و كفرت و لم تعبد الأصنام.

قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ‏: أ تخبرونه.

بِما لا يَعْلَمُ‏: و هو أنّ له شريكا، و فيه تقريع و تهكّم بهم. أو هؤلاء شفعاؤنا عنده. و ما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات، لا يكون له تحقّق ما.

فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏: حال من العائد المحذوف، مؤكّدة للنّفي، منبّهه على أنّ ما يعبدونه من اللَّه إمّا سماويّ أو أرضيّ. و لا شي‏ء من الموجودات فيهما إلّا و هو حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به.

سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (18): عن إشراكهم، أو عن الشّركاء الّذين يشركونهم به.

و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ هنا و في الموضعين في أوّل النّحل و الرّوم، بالتاء.

وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً، يعني: قبل بعث نوح- (عليه السلام)- كانوا

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 310.

(2) تفسير العياشي 2/ 230، ح 31.

(3) ابراهيم/ 35.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 1/ 443.

41

على الفطرة لا مهتدين و لا ضلّالا، كما مضي بيانه.

فَاخْتَلَفُوا: باتّباع الهوى و الأباطيل أو ببعثة الرّسل، فتبعتهم طائفة و أصرّت أخرى.

وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏: بتأخير الحكم بينهم. أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنّه يوم الفصل و الجزاء.

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏: عاجلا.

فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (19): بإهلاك المبطل و إبقاء المحقّ. و لكنّ الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدّار للتّكليف و الاجتناب، و تلك للثّواب و العقاب.

وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏: أي: من الآيات الّتي اقترحوها.

فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ‏: هو المختصّ بعلمه. فلعلّه يعلم في إنزال الآيات المقترحة مفاسد تصرف عن إنزالها.

فَانْتَظِرُوا: لنزول ما اقترحتموه.

إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (20): لما يفعل اللَّه بكم، بجحودكم ما نزل من الآيات العظام و اقتراحكم غيره.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل: عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن شي‏ء من الفرج.

قال: أليس انتظار الفرج من الفرج‏ (2). إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال‏ (3): فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏.

و بإسناده‏ (4) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال الرّضا- (عليه السلام)-:

ما أحسن الصّبر و انتظار الفرج. أما سمعت قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏. و قوله- عزّ و جلّ-: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏. فعليكم بالصّبر، فإنّه إنّما يجي‏ء الفرج على اليأس. فقد كان الّذي من قبلكم أصبر منكم.

وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً: صحّة و سعة.

____________

(1) كمال الدين 645، ح 4.

(2) ليس في المصدر: أليس انتظار الفرج من الفرج.

(3) المصدر: يقول.

(4) نفس المصدر و الصفحة، ح 5.

42

مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ‏»، كقحط و مرض.

إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا: بالطّعن فيها و الاحتيال في دفعها.

قيل‏ (1): قحط أهل مكّة سبع سنين، حتّى كادوا يهلكون. ثمّ رحمهم بالمطّر، فطفقوا يقدحون في آيات اللَّه و يكيدون رسوله.

قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً: منكم، قد دبّر عقابكم قبل أن تدبّروا كيدكم. و إنّما دلّ على سرعتهم المفضّل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جوابا «لإذا» الشّرطيّة.

فالمكر إخفاء الكيد. و هو من اللَّه إمّا الاستدراج، أو الجزاء على المكر.

إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ‏ (21): تحقيق للانتقام، و تنبيه على أنّ ما دبّروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلا عن أن يخفى على اللَّه.

و عن يعقوب‏ (2): «يمكرون» بالياء، ليوافق ما قبله.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ‏: يحملكم على السّير، و يمكّنكم منه.

فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ‏: في السّفن.

وَ جَرَيْنَ بِهِمْ‏: بمن فيها.

عدل عن الخطاب إلى الغيبة، للمبالغة، كأنّه تذكرة لغيرهم ليتعجبّ من حالهم و ينكر عليهم.

بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ: لينة الهبوب.

وَ فَرِحُوا بِها: بتلك الرّيح.

جاءَتْها: جواب «إذا». و الضّمير «للفلك» أو «للرّيح الطّيّبة»، بمعنى:

تلقّتها.

رِيحٌ عاصِفٌ‏: شديدة الهبوب.

وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏: يجي‏ء الموج منه.

وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ‏: اهلكوا و سدّت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدوّ.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏: من غير إشراك، لتراجع الفطرة و زوال المعارض من شدّة الخوف. و هو بدل من «ظنّوا» بدل اشتمال، لأنّ دعاءهم من لوازم‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 443.

(2) أنوار التنزيل 1/ 444.

43

ظنّهم.

لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ (22): على إرادة القول. أو مفعول «دعوا» لأنّه من جملة القول.

فَلَمَّا أَنْجاهُمْ‏: إجابة لدعائهم.

إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ‏: فاجئوا الفساد فيها و سارعوا إلى ما كانوا عليه.

بِغَيْرِ الْحَقِ‏: مبطلين فيه. و هو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة و إحراق زروعهم و قلع أشجارهم، فإنّها إفساد بحقّ.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أسباط و محمّد بن أحمد، عن موسى بن القاسم البجليّ [عن علي بن أسباط] (2)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فإن اضطرب بك البحر، فاتّكِ على جانبك الأيمن و قل: بسم اللَّه، اسكن بسكينة اللَّه، و قرّ بوقار اللَّه، و اهدأ بإذن اللَّه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏: فإنّ وباله عليكم. أو إنّه على أمثالكم و أبناء جنسكم.

مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا: لا تبقى، و يبقى عقابها.

و رفعه، على أنّه خبر «بغيكم»، و «على أنفسكم» صلته. أو خبر محذوف، تقديره: ذلك متاع الحياة الدّنيا، و «على أنفسكم» خبر «بغيكم».

و نصبه‏ (3) حفص، على أنّه مصدر مؤكّد، أي: تتمتّعون متاع الحياة الدّنيا. أو مفعول البغي، لأنّه بمعنى الطّلب، فيكون الجارّ من صلته، و الخبر محذوف، تقديره:

بغيكم متاع الحياة الدّنيا محذور أو ضلال. أو مفعول فعل دلّ عليه البغي، و «على أنفسكم» خبره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في كتابه الّذي كتبه إلى شيعته، و يذكر خروج عائشة [إلى البصرة و عظّم خطأ طلحة و الزبير فقال: و أيّ خطيئة أعظم ممّا أتيا، أخرجا زوجة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5) من بيتها: و كشفا

____________

(1) الكافي 3/ 471، ح 5.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 1/ 444.

(4) تفسير القمّي 2/ 210.

(5) من المصدر.

44

عنها حجابا ستره اللَّه عليها، و صانا حلائلهما في بيوتهما. ما أنصفا لا للّه و لا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال، مرجعها على النّاس في كتاب اللَّه: البغي و المكر و النّكث. قال اللَّه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏. و قال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ‏. و قال: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏. و قد بغيا علينا، و نكثا بيعتي، و مكرا بي.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن منصور بن يونس، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

ثلاث يرجعن على صاحبهنّ: النّكث و البغي و المكر. قال اللَّه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏.

ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ‏: في القيامة.

فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (23): بالجزاء عليه.

إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا: حالها العجيبة في سرعة تقضّيها و ذهاب نعيمها، بعد إقبالها و اغترار النّاس بها.

كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ‏: فاشتبك بسببه، حتّى خالط بعضها بعضا.

مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ‏: من الزّروع و البقول و الحشيش.

حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ‏: بأصناف النّبات و أشكالها و ألوانها المختلفة، كعروس أخذت من ألوان الثّياب و التّزيّن، فتزيّنت بها.

و «ازّيّنت» أصله: تزيّنت، فأدغم.

و قد قرئ‏ (2) على الأصل: «و ازينت». على «أفعلت» من غير إعلال، كأغيلت. و المعنى: صارت ذات زينة. و «ازيانت»، كابياضت.

وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها: متمكّنون من حصدها و دفع غلّتها.

أَتاها أَمْرُنا: ضرب زرعها ما يجتاحه.

لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها: زرعها.

حَصِيداً: شبيها بما حصد من أصله.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 121، ح 13.

(2) أنوار التنزيل 1/ 444.

45

كَأَنْ لَمْ تَغْنَ‏: كأن لم يغن زرعها، أي: لم يلبث. فالمضاف محذوف في الموضعين، للمبالغة.

و قرئ‏ (1)، بالياء، على الأصل.

بِالْأَمْسِ‏: فيما قبله. و هو مثل في الوقت القريب. و الممثّل به مضمون الحكاية، و هو زوال خضرة النّبات فجأة و ذهابه حطاما بعد ما كان غضّا و التفّ و زيّن الأرض حتّى طمع فيه أهله و ظنّوا أنّه قد سلم من الجوائح لا الماء، و إن وليه حرف التّشبيه. لأنّه من التّشبيه المركّب.

كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (24): فإنّهم المنتفعون به.

و في روضة الكافي‏ (2)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا. يقول فيه- (عليه السلام)-: فازهدوا فيما زهّدكم- عزّ و جلّ- فيه من عاجل الدّنيا.

فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول و قوله الحقّ: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا (إلى آخر الآية). فكونوا عباد اللَّه من القوم الّذين يتفكّرون.

و فيها (3) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و فيها: فاجعلوا عبادة اللَّه‏ (4) اجتهادكم في هذه‏ (5)، التّزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطّويل، فإنّها دار عمل و الآخرة دار القرار و الجزاء. فتجافوا عنها، فإنّ المغترّ من اغترّ بها. لن تعدو الدّنيا إذا تناهت إليه أمنية أهل الرّغبة فيها، المحبّين لها، المطمئنّين إليها، المفتونين بها أن تكون، كما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: جعلت فداك، بلغنا أنّ لآل جعفر راية و لآل العبّاس رايتين. فهل انتهى إليك من علم ذلك شي‏ء؟

قال: أمّا آل جعفر، فليس بشي‏ء و لا إلى شي‏ء. و أمّا آل العبّاس، فإنّ لهم ملكا مبطئا، يقرّبون فيه البعيد و يبعّدون فيه القريب، و سلطانهم عسر ليس فيه‏ (7) يسر، حتّى‏

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 445.

(2) الكافي 8/ 75، ح 29.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 174، ح 194.

(4) المصدر: عباد اللَّه.

(5) المصدر: في هذه الدنيا.

(6) تفسير القمّي 1/ 310.

(7) ليس في المصدر.

46

إذا أمنوا مكر اللَّه و أمنوا عقابه صيح فيهم صيحة لا يبقى لهم منال يجمعهم و لا آذان تسمعهم. و هو قول اللَّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ‏ (الآية).

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2): حدّثنا أبو الحسن، عليّ بن موسى بن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللَّه [بن موسى‏] (3) بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال‏: وجدت في كتاب أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن الطّوّال، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ الطّبرسي، عن أبي جعفر، محمّد [بن الحسن‏] (4) بن عليّ بن إبراهيم بن مهزيار قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدّي عليّ بن إبراهيم [بن مهزيار] (5) يقول: قال لي صاحب الزّمان- (صلوات اللّه عليه)-: يا بن مهزيار، كيف خلّفت إخوانك في العراق؟

قلت: في ضنك عيش و هناة (6) و قد تواترت عليهم سيوف بني الشيصبان‏ (7).

فقال: قاتلهم اللَّه، أنّى يؤفكون، كأنّي بالقوم قد قتلوا في ديارهم، و أخذهم أمر ربّهم ليلا و نهارا.

قلت: متّى يكون ذلك، يا بن رسول اللَّه؟

قال: إذا حيل بينكم و بين سبل الكعبة بأقوام لا خلاق لهم، و اللَّه و رسوله منهم براء، و ظهرت الحمرة في السّماء فيها أعمدة، كأعمدة اللّجين تتلألأ نورا (8)، و يخرج الشروسي‏ (9) من إرمنية و آذربيجان يريدون الجبل الأسود المتلاحم بالجبل الأحمر لزيق جبال طالقان. فيكون بينه و بين المروزيّ وقعة صيلمانية (10)، يشبّ فيها الصّغير و يهرم منها الكبير، و يظهر القتل بينهما، فعندها توقّعوا خروجه إلى الزّوراء. فلا يلبث فيها، حتّى‏

____________

(1) المصدر: «و لا (رجال تمنعهم ك) و هو قول اللَّه» بدل «و لا اذان تسمعهم و هو قول اللَّه».

(2) كمال الدين/ 465- 470، ح 23.

(3) من المصدر.

4 و 5- من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: هذا. و الهناة:

الداهية.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «بني الشيطان» بدل «سيوف بني الشيصبان» و هو كناية عن بني العبّاس.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يتلألأ الألوان.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «و يسير» بدل «الشروسي».

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: صلبانية.

و الصيلم: الأمر الشديد. وقعة صيلمة: مستأصلة.

47

يوافي باهات‏ (1). ثمّ يوافي واسط العراق فيقيم بها سنة أو دونها. ثمّ يخرج إلى كوفان، فتكون بينهم [وقعة من النجف إلى الحيرة إلى الغرىّ‏] (2) وقعة شديدة تذهل منها العقول، فعندها يكون‏ (3) بوار الفئتين‏ (4) و على اللَّه حصاد الباقين. ثمّ تلا: «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ‏.

فقلت: سيّدي يا ابن رسول اللَّه، فما الأمر؟

قال: نحن أمر اللَّه- عزّ و جلّ- و جنوده.

قلت: سيّدي يا ابن رسول اللَّه، حان‏ (5) الوقت؟

قال: و اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ‏ قيل‏ (6): أي: دار السّلامة من التّقضّي و الآفة. أو دار يسلّم اللَّه و الملائكة على من يدخلها.

و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية يقول: إنّ السّلام هو اللَّه- عزّ و جلّ-. و داره الّتي خلق لعباده و لأولياءه‏ (8)، الجنّة.

و بإسناده‏ (9) إلى عبد اللَّه بن الفضل‏ (10) الهاشميّ، عن أبي عبد اللَّه حديث طويل.

يقول فيه- (عليه السلام)-: اسم من أسماء اللَّه- عزّ و جلّ-.

وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: بالتّوفيق.

إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (25): الّذي هو طريقها.

و في شرح الآيات الباهرة (11): روى الحسين بن جبير في كتابه، نخب المناقب،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بأهاب. و في نور الثقلين 2/ 300، ح 41 «ماهان» بدل «باهات».

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يوكون.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بوار الفشي.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حال.

(6) المجمع 3/ 130، و أنوار التنزيل 1/ 445.

(7) المعاني/ 176، ح 1.

(8) المصدر: و داره الّتي خلقها لأولياءه.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) أ، ب: عبد اللَّه بن الفضيل.

(11) تأويل الآيات الظاهرة 1/ 214.

48

بإسناده حدّثنا، يرفعه إلى عبد اللَّه بن العبّاس و زيد بن عليّ‏ في قوله: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ‏، يعني به: الجنّة. وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ قال: يعني: ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فأخبر اللَّه- تبارك و تعالى- أوّل من دعا إلى نفسه و دعا إلى طاعته و اتّباع أمره، فبدأ بنفسه فقال: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏.

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏: المثوبة الحسنى.

وَ زِيادَةٌ: و ما يزيد على المثوبة تفضّلا، لقوله: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏.

و قيل‏ (2): «الحسنى» الجنّة، مثل حسناتهم و الزّيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف و أكثر.

و قيل‏ (3): «الزّيادة» مغفرة من اللَّه و رضوان.

و قيل‏ (4): «الحسنى» الجنّة. و «الزّيادة» هو اللّقاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ.

قال: النّظر إلى رحمة اللَّه- تعالى-.

و في رواية أبي الجارود (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ.

قال: أمّا الحسنى، فالجنّة. و أمّا الزّيادة، فالدّنيا. ما أعطاهم اللَّه في الدّنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، و يجمع لهم ثواب الدّنيا و الآخرة.

و في مجمع البيان‏ (7): لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ ذكر في ذلك وجوه.

إلى قوله: و ثالثها، أنّ الزّيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

____________

(1) الكافي 5/ 13، ح 1.

2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 445.

5 و 6- تفسير القمّي 1/ 311.

(7) المجمع 3/ 104.

49

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: قال اللَّه- تعالى-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ [و «الحسنى»] (2) هي الجنّة. و «الزّيادة» هي الدّنيا.

وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ‏: لا يغشاها.

قَتَرٌ: غبرة فيها سواد.

وَ لا ذِلَّةٌ: هوان.

و المعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النّار، و لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن و سوء حال.

و في أصول الكافي‏ (3): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن ميمون القدّاح قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: اقرأ.

قلت: من أيّ شي‏ء أقرأ؟

قال: من السّورة التّاسعة (4).

قال: قلت: فجعلت ألتمسها.

فقال: اقرأ من سورة يونس.

قال: فقرأت: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لا ذِلَّةٌ.

قال: حسبك.

قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن [منصور بن‏] (6) يونس، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: ما من شي‏ء إلّا و له كيل و وزن إلّا الدّموع، فإنّ القطرة تطفئ بحارا من نار. فإذا اغرورقت العين بمائها، لم يرهق وجها قتر و لا ذلّة. فإذا فاضت، حرّمه اللَّه على النّار. و لو أنّ باكيا [بكى‏] (7) في أمّة، لرحموا.

____________

(1) أمالي الطوسي 1/ 25.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 632، ح 19.

(4) في القرآن هي العاشرة.

(5) الكافي 2/ 481، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

50

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة و منصور بن يونس، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: و لا فاضت عين على خدّه فرهق ذلك الوجه قتر و لا ذلّة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما من عين ترقرقت‏ (3) بمائها، إلّا حرّم اللَّه ذلك الجسد على النّار، فإن فاضت من خشية اللَّه، لم يلحق‏ (4) ذلك الوجه قتر و لا ذلّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (5)، مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: «القتر» الجوع و الفقر. و «الذلّة» الخوف.

أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (26): دائمون لا زوال فيها و لا انقراض لنعيمها، بخلاف الدّنيا و زخارفها.

وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: عطف على قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏، على مذهب من يجوّز: في الدّار زيد و الحجرة عمرو. أو الّذين مبتدأ و الخبر جَزاءُ سَيِّئَةٍ، على تقدير: و جزاء الّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها، أيّ: أن تجازى سيئة بسيّئة مثلها لا يزاد عليها.

و فيه تنبيه على أنّ الزّيادة هي الفضل، أو التّضعيف. أو كأنّما أغشيت وجوههم. أو «أولئك أصحاب النّار»، و ما بينهما اعتراض. «فجزاء سيّئة» مبتدأ، خبره محذوف، أي: جزاء سيّئة بمثلها واقع. أو بمثلها واقع. أو بمثلها، على زيادة الباء. أو تقديره: مقدّر بمثلها.

وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ.

و قرئ‏ (7)، بالياء.

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 482، ح 2.

(2) المجمع 3/ 104.

(3) في تفسير العياشي: ما من عبد اغرورقت بمائها.

(4) المصدر و تفسير العياشي: لم يرهق.

(5) تفسير العياشي 2/ 121، ح 15.

(6) تفسير القمّي 1/ 311.

(7) أنوار التنزيل 1/ 445.

51

ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ‏: ما من أحد يعصمهم من سخط اللَّه. أو من جهة اللَّه. أو من عنده، كما يكون للمؤمنين.

كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً: لفرط سوادها و ظلمتها.

و «مظلما» حال من «اللّيل»، و العامل فيه «أغشيت» لأنّه العامل في «قطعا». و هو موصوف بالجارّ و المجرور. فالعامل في الموصوف عامل في الصّفة، أو معنى الفعل في «من اللّيل».

و قرأ (1) ابن كثير و الكسائيّ و يعقوب: «قطعا» بالسّكون. و على هذا يصحّ أن يكون «مظلما» صفة له، أو حالا منه.

أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (27).

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: هؤلاء أهل البدع و الشّبهات و الشّهوات يسود وجوههم، ثمّ يلقونه. يقول اللَّه- تبارك و تعالى-: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يسوّد اللَّه وجوههم يوم القيامة] (3) و يلبسهم الذّلّة و الصّغار. و يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

و في روضة الكافي‏ (4): يحيى الحلبي، عن المثنّى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً. أما ترى البيت إذ كان اللّيل، كان أشدّ سوادا من خارج؟ فكذلك هم يزدادون سوادا.

وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، يعني: الفريقين.

ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ‏: الزموا مكانكم حتّى تنظروا ما يفعل بكم.

أَنْتُمْ‏: تأكيد للضّمير المنتقل إليه من عامله.

وَ شُرَكاؤُكُمْ‏: عطف عليه.

و قرئ‏ (5)، بالنّصب، على المفعول معه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 1/ 311.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 8/ 252، ح 355.

(5) أنوار التنزيل 1/ 446.

52

فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ‏: و قطعنا الوصل الّتي بينهم، و فرّقنا بينهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): يبعث اللَّه نارا تزيّل بين الكفّار و المؤمنين.

وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ‏ (28): مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم. فإنّهم إنّما عبدوا في الحقيقة أهواءهم، لأنّها الآمرة بالإشراك لا ما أشركوا به.

و قيل‏ (2): ينطق اللَّه الأصنام، فتشافههم بذلك مكان الشّفاعة الّتي توقّعوا منها.

و قيل‏ (3): المراد بالشّركاء: الملائكة المسيح.

و قيل‏ (4): الشّياطين.

فَكَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ‏: فإنّه العالم بكنه الحال.

إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ‏ (29):

«إن» هي المخفّفة عن الثّقيلة. و «اللّام» هي الفارقة.

هُنالِكَ‏: في ذلك المقام.

تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ‏: تختبر ما قدّمت من عمل، فتعاين نفعه و ضرّه.

و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ: «تتلوا» من التّلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدّمت. أو من التّلو، أي: تتبّع عمله، فيقوده إلى الجنّة أو إلى النّار.

و قرئ‏ (6): «نبلوا» بالنّون، و نصب «كلّ»، و إبدال «ما» منه. و المعنى:

نختبرها، أي: نفعل بها فعل المختبر لحالها، المعترّف لسعادتها و شقاوتها بتعرّف ما أسلفت من أعمالها.

و يجوز أن يراد: نصيب بالبلاء، أي: بالعذاب كلّ نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشّرّ. فتكون «ما» منصوبة بنزع الخافض.

وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ‏: إلى جزائه إيّاهم بما أسلفوا.

مَوْلاهُمُ الْحَقِ‏: ربّهم و متولّي أمرهم على الحقيقة، لا ما اتّخذوه مولى.

و قرئ‏ (7): «الحقّ» بالنّصب، على المدح أو المصدر المؤكّد.

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ‏: و ضاع عنهم.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 312.

(2) أنوار التنزيل 1/ 446.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) أنوار التنزيل 1/ 446.

53

ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (30): من أنّ آلهتهم تشفع لهم. أو ما كانوا يدّعون أنّها آلهة.

[و في نهج البلاغة (1): فكيف لو تناهت بكم الأمور و بعثرت القبور هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ، وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏] (2).

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏: منهما جميعا، فإنّ الأرزاق تحصل بأسباب سماويّة و موادّ أرضيّ. أو من كلّ واحد منهما، توسعة عليكم.

و قيل‏ (3) «من» لبيان «من» على حذف المضاف، أي: من أهل السّماء و الأرض.

أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ: أمّن يستطيع خلقهما و تسويتهما. أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما و سرعة انفعالهما من أدنى شي‏ء.

وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏: من يحيي و يميت.

أو من ينشئ الحيوان من النّطفة، و النّطفة منه.

وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: و من يلي تدبير أمر العالم. و هو تعميم بعد تخصيص.

فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ‏: إذ لا يقدرون على المكابرة و العناد في ذلك، لفرط وضوحه.

فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ‏ (31): أنفسكم عقابه، بإشراككم إيّاه ما لا يشاركه في شي‏ء من ذلك.

فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ‏: المتولّي لهذه الأمور، المستحقّ للعبادة. هو ربّكم الثّابت ربوبيّته، لأنّه الّذي أنشأكم و أحياكم و رزقكم و دبّر أموركم.

فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏: استفهام إنكار، أي: ليس بعد الحقّ إلّا الضّلال. فمن تخطّى الحقّ الّذي هو عبادة اللَّه، وقع في الضّلال.

فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏ (32)»: عن الحقّ إلى الضّلال.

كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏»، أي: كما حقّت الرّبوبيّة للّه. أو أنّ الحقّ بعد الضّلال. أو أنّهم مصروفون عن الحقّ حقّت كلمة اللَّه و حكمه.

و قرأ (4) نافع و ابن عامر: «كلمات» هنا و في آخر السّورة، و في غافر.

____________

(1) نهج البلاغة/ 349، خطبة 226.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

(3) أنوار التنزيل 1/ 446.

(4) المجمع 3/ 106.

54

عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا: تمرّدوا في كفرهم، و خرجوا عن حدّ الاستصلاح.

أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (33): بدل من «الكلمة». أو تعليل لحقّيّتها، و المراد بها:

العدة بالعذاب.

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها، لظهور برهانها و إن لم يساعدوا عليها. و لذلك أمر الرّسول بأن ينوب عنهم في الجواب، فقال: قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏. لأنّ لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها.

فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏ (34): تصرفون عن قصد السّبيل.

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏: بنصب الحجج، و إرسال الرّسل، و التّوفيق للنّظر و التّدبّر.

و «هدى»، كما يعدّى «بإلى» لتضمّنه معنى الانتهاء، يعدّى باللّام، للدّلالة على أنّ المنتهى غاية الهداية، و لأنّها لم تتوجّه نحوه على سبيل الاتّفاق، و لذلك عدّي بها ما أسند إلى اللَّه.

قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي‏:

أم الّذي لا يهتدي. إِلَّا أَنْ يُهْدى‏. من قولهم: هدي بنفسه: إذا اهتدى. أو لا يهدي غيره إلّا أن يهديه اللَّه. و هذا حال أشراف شركائهم، كالملائكة و المسيح و عزير.

و قرأ (1) ابن كثير، و ورش عن نافع، و ابن عامر: «يهدّي» بفتح الهاء و تشديد الدّال. و يعقوب و حفص، بالكسر و التّشديد. و الأصل: يهتدي، فأدغم و فتحت الهاء بحركة التّاء، أو كسرت لالتقاء السّاكنين.

و روى‏ (2) أبو بكر «يهدّي» باتّباع الياء الهاء.

و قرأ (3) أبو عمرو، بالإدغام المجرّد، و لم يبال بالتقاء السّاكنين. لأنّ المدغم في حكم المتحرّك.

و عن نافع‏ (4) برواية قالون، مثله.

و قرئ‏ (5): «أن يهدى» على المبالغة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 447.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

55

فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (35): بما يقتضي صريح العقل بطلانه.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال و الحجّال جميعا، عن ثعلبة، عن عبد الرّحمن بن مسلمة الجريريّ‏ (2) قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يوبّخونا و يكذّبونا إنّا نقول: إنّ صيحتين تكونان. يقولون: من أين تعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟

قال: فما ذا تردّون عليهم؟

قلت: ما نردّ عليهم شيئا.

قال: قولوا: يصدّق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: أَ فَمَنْ يَهْدِي‏- إلى قوله- كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏.

عنه‏ (3)، عن محمّد [عن‏] (4) ابن فضّال و الحجّال، عن داود بن فرقد قال‏: سمع رجل من العجليّة (5) هذا الحديث، قوله: ينادي مناد: ألا إنّ فلان بن فلان و شيعته هم الفائزون أوّل النّهار. و ينادي آخر النّهار: ألّا إن عثمان و شيعته هم الفائزون.

قال: و ينادي أوّل النّهار منادي آخر النّهار.

فقال الرّجل: فما يدرينا أيّما الصّادق من الكاذب؟

فقال: يصدّق عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول:

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏ (الآية).

و في كشف المحجّة (6) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: اسمعوا قولي يهدكم اللَّه إذا قلت، و أطيعوا أمري إذا أمرت. فو اللَّه لئن أطعتموني، لا تغووا. و إن عصيتموني، لا ترشدوا. قال اللَّه- تعالى-: أَ فَمَنْ يَهْدِي‏ (الآية).

و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في وصف الإمامة

____________

(1) بل الكافي 8/ 208، ح 252.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 454. و في النسخ: الجزيريّ.

(3) الكافي 8/ 209، ح 253.

(4) من المصدر.

(5) العجلية: قبيلة من ربيعة، و هو عجل بن لجيم بن صعب.

(6) كشف المحجة/ 187.

(7) العيون 1/ 174، ح 1.

56

و الإمام، و ذكر فضل الإمام و رتبته حديث طويل. يقول فيه الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ الأنبياء و الأئمّة يوفّقهم اللَّه و يؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم. فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏ (الآية).

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏ (الآية): فأمّا من يهدي إلى الحقّ، فهم محمّد و آل محمّد من بعده. و أمّا من لا يهدي إلّا أن يهدى، فهو من خالف من قريش و غيرهم أهل بيته من بعده.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن عمرو بن عثمان‏ (3)، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لقد قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بقضيّة ما قضى بها أحد كان قبله. و كانت أوّل قضيّة قضى بها بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك أنّه لمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أفضى الأمر إلى أبي بكر، أتي برجل قد شرب الخمر.

فقال له أبو بكر: أشربت الخمر؟

فقال الرّجل: نعم.

فقال: و لم شربتها و هي محرّمة؟

فقال: إنّي أسلمت و منزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر و يستحلّونها و لو أعلم أنّها حرام، اجتنبتها.

قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال: ما تقول، يا أبا حفص، في أمر هذا الرّجل؟

فقال: معظلة، و أبو الحسن لها.

فقال أبو بكر: يا غلام، ادع لنا عليّا.

فقال عمر: بل يؤتي الحكم في منزله.

فأتوه و معهم سلمان الفارسيّ- رضي اللَّه عنه-. فأخبروه بقضيّة الرّجل، فاقتصّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 312.

(2) الكافي 7/ 249، ح 4.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 626، و في النسخ: عمر بن عثمان.

57

عليه قصّته.

فقال عليّ- (عليه السلام)- لأبي بكر: ابعث‏ (1) من يدور به على مجالس المهاجرين و الأنصار. فمن كان تلا عليه آية التّحريم، فليشهد عليه.

ففعل أبو بكر ما قال عليّ- (عليه السلام)-. فلم يشهد عليه أحد، فخلّي‏ (2) سبيله.

فقال سلمان لعليّ- (عليه السلام)- (3): لقد أرشدتهم.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: إنّما أردت أن أجدّد تأكيد هذه الآية فيّ و فيهم‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي‏ (الآية).

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن عمرو بن القاسم قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذكر أصحاب النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ قرأ: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ‏- إلى قوله- تَحْكُمُونَ‏.

فقلنا: من هو، أصلحكم اللَّه؟

فقال: بلغنا أنّ ذلك عليّ- (عليه السلام)-.

وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ‏: فيما يعتقدون.

إِلَّا ظَنًّا: مستند إلى خيالات فارغة و أقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشّاهد، و الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة. و المراد بالأكثر: الجميع. أو من ينتمي إلى تمييز و نظر، و لا يرضى بالتّقليد.

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ‏: من العلم و الاعتقاد الحقّ.

شَيْئاً: من الإغناء. و يجوز أن يكون مفعولا به و «من الحقّ» حالا منه.

قيل‏ (5): و فيه دليل على أنّ تحصيل العلم في الأصول واجب، و الاكتفاء بالتّقليد و الظّنّ غير جائز.

و أقول: في الآية دلالة على النّهي عن اتّباع الظّنّ مطلقا، و ذّمّ تقليد من لا يحصل بقوله غير الظّنّ.

____________

(1) المصدر: ابعث معه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتخلي.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «فقال عليّ- (عليه السلام)-» بدل «فقال سلمان لعليّ- (عليه السلام)-».

(4) تفسير العياشي 2/ 122، ح 18.

(5) أنوار التنزيل 1/ 447.

58

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ‏ (36): وعيد على اتّباعهم للظّنّ و إعراضهم عن البرهان.

وَ ما كانَ‏: ما صحّ و استقام.

هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: افتراء من الخلق.

وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏: مطابق لما تقدّمه من الكتب الإلهيّة، المشهود على صدقها. و لا يكون كذبا، كيف و هو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد على صحّتها.

و نصبه بأنّه خبر «لكان» مقدّرا. أو علّة لفعل محذوف، تقديره: لكن أنزله اللَّه تصديقا للّذي.

و قرئ‏ (1)، بالرّفع، على تقدير: و لكن هو تصديق.

وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ‏: و تفصيل ما حقّق و أثبت من العقائد و الشّرائع.

لا رَيْبَ فِيهِ‏: منتفيا عنه الرّيب.

و هو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك. و يجوز أن يكون حالا من «الكتاب» فإنّه مفعول في المعنى، و أن يكون استئنافا.

مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (37): خبر آخر، تقديره: كائنا من ربّ العالمين. أو متعلّق «بتصديق»، أو «بتفصيل» و «لا ريب فيه» اعتراض، أو بالفعل المعلّل بهما.

و يجوز أن يكون حالا من «الكتاب» أو الضّمير في «فيه». و مساق الآية، بعد المنع عن اتّباع الظّنّ، لبيان ما يجب اتّباعه و البرهان عليه.

أَمْ يَقُولُونَ‏: بل يقولون.

افْتَراهُ‏: محمّد. و معنى الهمزة فيه، للإنكار.

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ‏: في البلاغة و حسن النّظم و قوّة المعنى على وجه الافتراء. فإنّكم مثلي في العربيّة و الفصاحة، و أشدّ تمرّنا في النّظم و العبارة.

وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ‏: و مع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به.

مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: سوى اللَّه- تعالى-. فإنّه وحده قادر على ذلك.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (38): أنّه اختلقه.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 447.

59

بَلْ كَذَّبُوا: بل سارعوا إلى التّكذيب.

بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ‏: بالقرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يتدبّروا آياته و يحيطوا بالعلم بشأنه. أو بما جهلوه و لم يحيطوا به علما، من ذكر البعث و الجزاء و سائر ما يخالف دينهم.

وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏: و لم يعثروا بعد على تأويله، و لم تبلغ أذهانهم معانيه. أو و لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الأخبار بالغيوب، حتى يتبيّن لهم أنّه صدق أم كذب.

و المعنى أنّ القرآن معجز من جهة اللّفظ.

و المعنى: ثمّ أنّهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبّروا نظمه و يتفحّصوا معناه.

و معنى التّوقّع في «لمّا»: أنّه ظهر لهم بالآخرة إعجازه، لما كرّر عليهم التّحدّي.

فرازوا (1) قواهم في معارضته، فتضاءلت دونها. أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقا لإخباره مرارا، فلم يقلعوا عن‏ (2) التّكذيب تمرّدا و عنادا.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن الأمور العظام الّتي تكون ممّا لم تكن.

فقال: لم يأن أوان كشفها بعد. و ذلك قوله: بَلْ كَذَّبُوا (الآية).

عن حمران‏ (4) قال‏: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الأمور العظام من الرّجعة و غيرها.

فقال: إنّ هذا الّذي تسألوني عنه لم يأت أوانه. قال اللَّه: بَلْ كَذَّبُوا (الآية).

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي، عمير عن يونس، عن أبي يعقوب، إسحاق بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه خصّ عباده بآيتين من كتاب اللَّه، أن لا يقولوا حتّى يعلموا، و لا يردّوا ما لم يعلموا. و قال- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ‏. و قال:

بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏. [قال كذب الّذين من قبلهم قال‏

____________

(1) فرازوا: فجرّبوا و اختبروا.

(2) أ، ب: فلم يقدموا على.

(3) تفسير العياشي 2/ 122، ح 19.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 20.

(5) الكافي 1/ 43، ح 8.

60

نزلت في الرّجعة كذّبوا بها أي أنّها لا تكون‏] (1).

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: خصّ اللَّه هذه الأمّة بآيتين من كتابه، ألّا يقولوا ما لا يعلمون [و ألّا يردّوا ما لا يعلمون‏] (3) ثمّ قرأ: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ‏ (الآية). و قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏ (الآية).

كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: أنبياءهم.

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏ (39): فيه وعيد لهم، بمثل ما عوقب به من قبلهم.

وَ مِنْهُمْ‏: و من المكذّبين.

مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ‏: من يصدّق به في نفسه و يعلم أنّه حقّ، و لكن يعاند. أو من سيؤمن به و يتوب عن كفره.

وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ‏.

قيل‏ (4): في نفسه لفرط غباوته و قلّة تدبّره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: هم أعداء محمّد و آل محمّد- (عليهم السلام)- من بعده.

وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ‏ (40): بالمعاندين، أو بالمصرّين.

وَ إِنْ كَذَّبُوكَ‏: فإن أصرّوا على تكذيبك بعد إلزام الحجّة.

فَقُلْ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ‏: فتبرّأ منهم، فقد أعذرت.

و المعنى: لي جزاء عملي و لكم جزاء عملكم، حقّا كان أو باطلا.

أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِي‏ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏ (41): لا تؤاخذون بعملي، و لا أؤاخذ بعملكم. و لما فيه من إيهام الإعراض عنهم و تخلية سبيلهم.

قيل‏ (6): إنّه منسوخ بآية السّيف.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(2) تفسير العياشي 2/ 123، ح 122.

(3) من المصدر.

(4) تفسير الصافي 2/ 403، و أنوار التنزيل 1/ 448.

(5) تفسير القمّي 1/ 312.

(6) تفسير الصافي 2/ 403، و أنوار التنزيل 1/ 448.

61

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏: إذا قرأت القرآن و علّمت الشّرائع و لكن لا يقبلون، كالأصمّ الّذي لا يسمع أصلا.

أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ‏: تقدر على إسماعهم.

وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ‏ (42): و لو انضمّ إلى صممهم عدم تعقّلهم.

و فيه تنبيه، على أنّ حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه. و لذلك لا يوصف به البهائم. و هو لا يتأتّى، إلّا باستعمال العقل السّليم في تدبّره. و عقولهم لمّا كانت مؤوفة بمعارضة الوهم و مشايعة الإلف و التّقليد، تعذّر إفهامهم الحكم و المعاني الدّقيقة. فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام النّاعق.

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ‏: يعاينون دلائل نبوّتك و لكن لا يصدّقونك.

أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ‏: تقدر على هدايتهم.

وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ‏ (43): و إن انضمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة. فإنّ المقصود من الإبصار: هو الاعتبار و الاستبصار. و العمدة في ذلك البصيرة، و لذلك يحدس الأعمى المستبصر يتفطّن ما لا يدركه البصير الأحمق. و الآية، كالتّعليل للأمر بالتّبرّي و الإعراض عنهم.

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً: بسلب حواسّهم و عقولهم.

وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (44): بإفسادها و تفويت منافعها عليهم.

و فيه دليل، على أنّ للعبد فعلا، و أنّه ليس مسلوب الاختيار بالكلّيّة، كما زعمت الأشاعرة.

و يجوز أن يكون وعيدا لهم، بمعنى: أنّ ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من اللَّه لا يظلمهم به، و لكنّهم ظلموا به أنفسهم باقتراف أسبابه.

و قرأ حمزة و الكسائيّ، بالتخفيف و رفع «النّاس».

و في الكافي‏ (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه الحليم‏ (2) العليم إنّما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، و إنّما يمنع من لم يقبل منه عطاءه، و إنّما يضلّ من لم يقبل منه هداه. (الحديث).

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ: يستقصرون مدّة لبثهم في‏

____________

(1) تفسير الصافي 2/ 404.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الحكيم.

62

الدّنيا أو القبور، لهول ما يرون.

و الجملة التّشبيهيّة في موقع الحال، أي: يحشرهم مشبّهين بمن لم يلبث إلّا ساعة.

أو صفة «ليوم» و العائد محذوف، تقديره: كأن لم يلبثوا قبله. أو لمصدر محذوف، أي:

حشرا كأن لم يلبثوا قبله.

يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ‏: يعرف بعضهم بعضا، كأنّهم لم يتفارقوا إلّا قليلا. فهذا أوّل ما نشروا، ثمّ ينقطع التّعارف لشدّة الأمر عليهم.

و هو حال أخرى مقدّرة. أو بيان لقوله: «كأن لم يلبثوا». أو متعلّق الظّرف، و التّقدير: يتعارفون يوم يحشرهم.

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ‏: استئناف، للشّهادة على خسرانهم و التّعجب منه. و يجوز أن يكون حالا من الضّمير في «يتعارفون»، على إرادة القول.

وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ‏ (45): لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف، فاستكسبوا بها جهالات أدّت بهم إلى الرّدى و العذاب الدّائم.

وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ‏: نبصّرنّك.

بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ‏: من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر.

أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ‏: قبل أن نريك.

فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ‏: فنريكه في الآخرة. و هو جواب «نتوفّينّك». و جواب «نرينّك» محذوف، مثل فذاك.

ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ ما يَفْعَلُونَ‏ (46): مجاز عليه ذكر الشّهادة و أراد نتيجتها و مقتضاها، و لذل رتّبها على الرّجوع «بثُمّ». أو مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة.

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ: من الأمم الماضية.

رَسُولٌ‏: يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحقّ.

فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ‏: بالبيّنات، فكذّبوه.

قُضِيَ بَيْنَهُمْ‏: بين الرّسول و مكذّبيه.

بِالْقِسْطِ: بالعدل. فانجي الرّسول، و أهلك المكذّبون‏ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (47).

و قيل‏ (1): معناه: لكلّ أمّة يوم القيامة رسول تُنسب إليه. فإذا جاء رسولهم الموقف‏

____________

(1) المجمع 3/ 114 بتفاوت يسير و أنوار التنزيل 1/ 449.

63

ليشهد عليهم بالكفر و الإيمان، قضي بينهم بإنجاء المؤمن و عقاب الكافر لقوله: وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: تفسيرها بالباطن: أنّ لكلّ قرن من هذه الأمّة رسولا من آل محمّد يخرج إلى القرن الّذي هو إليهم رسول، و هم الأولياء و هم الرّسل. و أمّا قوله: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ قال: معناه: أنّ رسل اللَّه يقضون بالقسط وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏، كما قال اللَّه.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ: استبعادا له، و استهزاء به.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (48): خطاب منهم للنّبيّ و المؤمنين.

قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً: فكيف أملك لكم، فاستعجل في جلب العذاب إليكم.

إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ‏: أن أملكه. أو و لكن ما شاء اللَّه من ذلك كائن.

لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏: مضروب لهلاكهم.

إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ (49): لا يتأخّرون و لا يتقدّمون. فلا تستعجلوا، فيجي‏ء وقتكم و ينجز وعدكم.

و قوله: «لا يستقدمون» معطوف على الشّرطيّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن حمران قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِذا جاءَ (الآية).

قال: هو الّذي سمّي لملك الموت ليلة القدر.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ‏: الّذي تستعجلون به.

بَياتاً: وقت بيات و اشتغال بالنّوم.

أَوْ نَهاراً: حين كنتم منشغلين بطلب معاشكم.

ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏ (50): أيّ شي‏ء من العذاب يستعجلونه و كلّه مكروه لا يلائم الاستعجال؟! و هو متعلّق «ب أ رأيتم»، لأنّه بمعنى: أخبروني. و «المجرمون» وضع موضع‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 123، ح 23.

(2) تفسير العياشي 2/ 123، ح 24.

64

الضّمير، للدّلالة على أنّهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجي‏ء الوعيد لا لأن يستعجلوه.

و جواب الشّرط محذوف، و هو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا خطأه.

و يجوز أن يكون الجواب «ما ذا»، كقولك: إن أتيتك ما ذا تعطيني؟ و تكون الجملة متعلّقة «ب أ رأيتم»، أو بقوله: أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ‏. بمعنى: إن أتاكم عذابه، آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان.

و على التّقدير الآخر «ما ذا يستعجل» اعتراض، و دخول حرف الاستفهام على «ثمّ» لإنكار التّأخير.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ‏- إلى قوله- مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏: فهذا عذاب ينزل في آخر الزّمان على فسقة أهل القبلة، و هم يجحدون نزول العذاب عليهم.

و في مجمع البيان‏ (2): عنه- (عليه السلام)- مثله.

آلْآنَ‏: على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به.

و عن نافع‏ (3) «الآن» بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على اللّام.

وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ‏ (51): تكذيبا و استهزاء.

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: عطف على «قيل» المقدّر.

ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ: المؤلم على الدّوام.

هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‏ (52): من الكفر و المعاصي.

وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ‏: و يستخبرونك.

أَ حَقٌّ هُوَ.

قيل‏ (4): أحقّ ما تقول من الوعد أو ادّعاء النّبوّة، تقوله بجدّ أم باطل تهزل به.

قيل‏ (5): قاله حيّ بن أخطب لما قدم مكّة.

و الأظهر، أنّ الاستفهام فيه على أصله، لقوله: «و يستنبئونك».

و قيل‏ (6): إنّه للإنكار. و يؤيّده أنّه قرئ: «الحقّ هو»، فإنّ فيه تعريضا بأنّه‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 312.

(2) المجمع 3/ 115 بتفاوت.

(3) أنوار التنزيل 1/ 450.

(4) نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

65

باطل. و «أحقّ» مبتدأ، و الضّمير مرتفع به سادّ مسدّ الخبر. أو خبر مقدّم، و الجملة في موضع النّصب ب «يستنبئونك».

قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ‏: أنّ العذاب لكائن. أو ما ادّعيته لثابت.

و قيل‏ (1): كلا الضّميرين للقرآن.

و «إي» بمعنى: نعم. و هو من لوازم القسم. و لذلك يوصل بواوه في التّصديق، فيقال: إي و اللَّه. و لا يقال: إي، وحده.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم [عن أبيه‏] (3)، عن القسم بن محمّد الجوهريّ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ: ما تقول في‏ (4) عليّ- (عليه السلام)-. قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏.

و في أمالي الصّدوق‏ (5): حدّثنا محمّد بن الحسن- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)-، عن أبيه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ‏- إلى قوله- لَحَقٌ‏.

قال: يستنبئك، يا محمّد، أهل مكّة عن عليّ بن أبي طالب إمام هو؟ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6)، مثله.

و في شرح الآيات الباهرة (7): روى أبو عبد اللَّه الحسين بن جبير- (رحمه اللّه)- في نخب المناقب، حدّثنا مسندا عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏.

قال: يسألونك، يا محمّد: أعليّ- (عليه السلام)- وصيّك؟ قل: إي و ربّي، إنّه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 1/ 430، ح 87.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «ما يقول محمد في» بدل «ما تقول في».

(5) أمالي الصدوق/ 535، ح 7.

(6) تفسير القمّي 1/ 313.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 214.

66

لوصيّي.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ (53): بفائتين العذاب.

وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ‏ قيل‏ (1): بالشّرك، أو التّعدّي على الغير.

ما فِي الْأَرْضِ‏: من خزائنها و أموالها.

لَافْتَدَتْ بِهِ‏: لجعلته فدية من العذاب. من قولهم: افتدى به، بمعنى: فداه.

وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏.

قيل‏ (2): لأنّهم بهتوا بما عاينوا ممّا لم يحتسبوه من فظاعة الأمر و هو له، فلم يقدروا أن ينطقوا.

و قيل‏ (3): أَسَرُّوا النَّدامَةَ أخلصوها. لأنّ إخفاءها إخلاصها. أو لأنّه يقال: سرّ الشّي‏ء، لخالصته. من حيث أنّها تخفى و يضنّ‏ (4) بها.

و قيل‏ (5): أظهروها. من قولهم: أسرّ الشّي‏ء و أشره: إذا أظهره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): ثمّ قال: وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ‏ آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم. ما فِي الْأَرْضِ‏ جميعا لَافْتَدَتْ بِهِ‏ ذلك الوقت، يعني:

الرّجعة.

و حدّثني محمّد بن جعفر (7) قال: حدّثني محمّد بن أحمد، عن أحمد بن الحسين، عن صالح بن أبي حمار (8)، عن أبي‏ (9) الحسن بن موسى الخشّاب، عن رجل، عن حمّاد بن عيسى، عمّن رواه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سئل عن قوله: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏. قال: قيل له: ما ينفعهم إسرار النّدامة و هم في العذاب؟

قال: كرهوا شماتة الأعداء.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 450.

(2) نفس المصدر و الموضع، و تفسير الصافي 2/ 406.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ضنّ به عليه: بخل.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 1/ 313.

(7) تفسير القمّي 1/ 313.

(8) المصدر: صالح بن أبي عمّار. و جامع الرواة 1/ 405: صالح بن أبي حمّاد.

(9) ليس في المصدر: أبي.

67

و في روضة الكافي‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و شرّ النّدامة ندامة يوم القيامة.

وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (54): ليس تكريرا. لأنّ الأوّل قضاء بين الأنبياء و مكذّبيهم، و الثّاني مجازاة المشركين على الشّرك أو الحكومة بين الظّالمين و المظلومين. و الضّمير إنّما يتناولهم، لدلالة الظّلم عليهم.

أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: تقرير لقدرته- تعالى- على الإثابة و العقاب.

أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏: ما وعده من الثّواب و العقاب كائن لا خلف فيه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (55): لأنّهم لا يعلمون، لقصور عقلهم، إلّا ظاهرا من الحياة الدّنيا.

هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ‏: في الدّنيا، فهو يقدر عليها في العقبى. لأنّ القادر لذاته لا تزول قدرته. و المادّة القابلة بالذّات، الحياة و الموت، قابلة لهما أبدا.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (56): بالموت و النّشور.

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (57)، أي: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العمليّة الكاشفة عن محاسن الأعمال و مقابحها و المرغّبة في المحاسن و الزّاجرة عن المقابح، و الحكمة النّظريّة الّتي هي شفاء لما في الصّدور من الشّكوك و سوء الإعتقاد، و هدى إلى الحقّ و اليقين، و رحمة للمؤمنين حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضّلال إلى نور الإيمان و تبدّلت مقاعدهم من طبقات النّيران بمصاعد من درجات الجنان.

و التّنكير فيها، للتّعظيم.

و في كتاب الإهليلجة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و أنزل عليكم‏ (3) كتابا فيه شفاء لما في الصّدور من أمر (4) الخواطر و مشبهات‏ (5) الأمور.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي‏

____________

(1) الكافي 8/ 82، ضمن ح 39.

(2) البحار 3/ 152.

(3) المصدر: انزاله عليهم.

(4) المصدر: أمراض.

(5) المصدر: مشتبهات.

(6) الكافي 2/ 600، ح 7.

68

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: شكا رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وجعا في صدره.

قال: استشف بالقرآن. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ.

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى، رفعه قال‏: إنّ موسى- (عليه السلام)- ناجاه اللَّه- تبارك و تعالى-. فقال في مناجاته: يا موسى، لا يطول في الدّنيا املك. و ذكر حديثا قدسيّا طويلا. يقول فيه- عزّ من قائل- و قد ذكر محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و لأنزلنّ عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصّدور من نفث‏ (2) الشّيطان.

و في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: و تعلّموا القرآن، فإنّه ربيع القلوب.

و استشفوا بنوره، فإنّه شفاء لما في الصّدور.

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ‏ «الباء» متعلّقة بفعل يفسّره قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. فإنّ اسم الإشارة بمنزلة الضّمير، تقديره: بفضل اللَّه و برحمته فليعتنوا، أو فليفرحوا فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. و فائدة ذلك التّكرير، التأكيد و البيان بعد الإجمال و إيجاب اختصاص الفضل و الرّحمة بالفرح.

أو بفعل دلّ عليه «قد جاءتكم». و ذلك إشارة إلى مصدره، أي: فبمجيئها فليفرحوا.

و «الفاء» بمعنى الشرط، كأنّه قيل: إن يفرحوا بشي‏ء فيهما، فليفرحوا. أو للرّبط بما قبلها. و الدّلالة على أنّ مجي‏ء الكتاب الجامع بين هذه الصّفات موجب للفرح و تكريرها للتّأكيد، كقوله:

لا تجزعي ان منفسا بأهلكة* * * و إذا هلكت فعند ذلك فاجزعي‏ (4)

و عن يعقوب‏ (5): «فلتفرحوا» بالتاء، على الأصل المرفوض.

و قد روي، مرفوعا. و يؤيّده أنّه قرئ: «فافرحوا».

هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏ (58): من حطام الدّنيا، فإنّها إلى الزّوال. و هو ضمير

____________

(1) الكافي 8/ 42، ح 8.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: نفس.

(3) نهج البلاغة/ 164 خطبة 110.

(4) صدر البيت ليس في أنوار التنزيل 1/ 451.

(5) نفس المصدر و الموضع.

69

«ذلك».

و قرأ (1) ابن عامر: «تجمعون» على معنى: فبذلك فليفرح المؤمنون، فهو خير ممّا تجمعونه أيّها المخاطبون.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: ثمّ قال- جلّ ذكره-: يا أَيُّهَا النَّاسُ‏- إلى قوله- وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏.

قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و القرآن.

ثمّ قال: قل لهم، يا محمّد: بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏.

قال: «الفضل» رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و «رحمته» أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا قال: [فليفرح‏] (3) شيعتنا، هو خير ممّا أعطوا أعداءنا من الذّهب و الفضّة.

و في مجمع البيان‏ (4): روي، عن أنس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏:

من هداه اللَّه للإسلام و علّمه القرآن ثمّ شكا بالفاقة، كتب اللَّه الفاقة بين عينيه إلى يوم القيامة. ثمّ تلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ‏ (الآية).

و قال أبو جعفر (5)- (عليه السلام)-: «فضل اللَّه» رسوله. و «رحمته» عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمّد بن الفضيل، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏.

قال: بولاية محمّد و آل محمّد- (عليهم السلام)- هو خير ممّا يجمع هؤلاء من دنياهم.

و في أمالي الصّدوق‏ (7)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: و الّذي بعث محمّدا بالحقّ‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 1/ 313.

(3) من المصدر.

(4) المجمع 3/ 117.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 1/ 423، ح 55.

(7) أمالي الصدوق/ 400، ح 13.

70

نبيّا، ما آمن بي من أنكرك، و لا أقرّ بي من جحدك، و لا آمن باللّه من كفر بك.

و أنّ فضلك لمن فضلي، و أنّ فضلي لفضل اللَّه- عزّ و جلّ-. و هو قول ربّي- عزّ و جلّ-: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (1) هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏. «ففضل اللَّه» نبوة نبيّكم. و «رحمته» ولاية عليّ بن أبي طالب. «فبذلك» قال: بالنّبوة و الولاية.

«فليفرحوا»، يعني: الشّيعة. هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏، يعني: مخالفيهم من الأهل و المال و الولد في دار الدّنيا.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في قول اللَّه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.

قال: فليفرح‏ (3) شيعتنا. «هو خير ممّا» أعطي عدوّنا من الذّهب و الفضّة.

عن أبي حمزة (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏ قلت: بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏. قال: الإقرار بنبوّة محمّد- عليه و آله السّلام-.

و الائتمام‏ (5) بأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. هو خير ممّن يجمع هؤلاء في دنياهم.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ‏: جعل الرّزق منزّلا، لأنّه مقدّر في السّماء محصّل بأسباب منها.

و «ما» في موضع النّصب «بأنزل»، أو ب «أرأيتم» فإنّه بمعنى: أخبر و في.

و «لكم» دلّ على أنّ المراد منه: ما حلّ.

فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا، مثل‏ هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ (6) ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا (7).

قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ‏: في التّحريم و التّحليل، فتقولون ذلك بحكمه.

أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (59): في نسبة ذلك إليه.

و يجوز أن تكون المنفصلة متّصلة «ب أ رأيتهم». و «قل» مكرّر للتّأكيد. و المعنى:

أخبروني آللَّه إذن لكم في التّحليل و التّحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على‏

____________

(1) أ، ب، ر: فليفرحوا يعني الشيعة.

(2) تفسير العياشي 2/ 124، ح 28.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فليفرحوا.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 29.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الائتمار.

(6) الأنعام/ 138.

(7) الأنعام/ 139.

71

اللَّه في نسبة ذلك إليه.

و يجوز أن يكون الاستفهام للإنكار، و «أم» منقطعة. و معنى الهمزة فيها التّقرير، لافترائهم على اللَّه.

وَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏: أيّ شي‏ء ظنّهم؟

يَوْمَ الْقِيامَةِ: أ يحسبون أن لا يجازوا عليه.

و هو منصوب بالظّنّ. و يدلّ عليه أنّه قرئ بلفظ الماضي، لأنّه كائن. و في إبهام الوعيد تهديد عظيم.

إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ‏: حيث أنعم عليهم بالعقل، و هداهم بإرسال الرّسل و إنزال الكتب.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ‏ (60): هذه النّعمة.

وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ‏: و لا تكون في أمر.

و أصله الهمز، من شأنت شأنه: إذا قصدت قصده. و الضّمير في‏ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ‏ له. لأنّ تلاوة القرآن معظّم شأن الرّسول، أو لأنّ القراءة تكون لشأن. فيكون التّقدير:

من أجله. و مفعول تتلو مِنْ قُرْآنٍ‏. على أنّ «من» تبعيضيّة، أو مزيدة لتأكيد النّفي، أو للقرآن. و إضماره قبل الذّكر ثمّ بيانه، تفخيم له أو للّه.

وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ‏: تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم. و لذلك ذكر حيث خصّ ما فيه فخامة، و ذكر حيث عمّ ما يتناول الجليل و الحقير.

إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً: رقباء مطّلعين عليه.

إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ‏: تخوضون فيه و تندفعون.

و في مجمع البيان‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-. و في تفسير عليّ بن إبراهيم:

قال‏: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا قرأ هذه الآية، بكى بكاء شديدا.

وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ‏: و لا يبعد عنه، و لا يغيب عن علمه.

و قرأ (2) الكسّائيّ، بكسر الزّاء.

مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ: موازن نملة صغيرة، أو هباء.

____________

(1) المجمع 3/ 119، و تفسير القمّي 1/ 313- 314.

(2) أنوار التنزيل 1/ 452.

72

فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ، أي: في الوجود و الإمكان. فإنّ العامّة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما و لا متعلّقا بهما. و تقديم «الأرض» لأنّ الكلام في حال أهلها.

و المقصود منه: هو البرهان على إحاطة علمه بها.

و في كتاب التّوحيد (1): عن عليّ- (عليه السلام)-. يقول فيه‏، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله: وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ كذلك ربّنا لا يعزب عنه شي‏ء. و كيف يكون من خلق الأشياء لا يعلم ما خلق و هو الخلّاق العليم.

وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (61): كلام برأسه مقرّر لما قبله.

و «لا» نافية للجنس. و «أصغر» أسمها. و «في كتاب» خبرها.

و قرأ (2) حمزة و يعقوب، بالرّفع، على الابتداء و الخبر. و من عطف على لفظ «مثقال ذرّة» و جعل الفتح بدل الكسر، لامتناع الصّرف، أو على محلّه مع الجارّ، جعل الاستثناء منقطعا.

و قيل‏ (3): المراد بالكتاب: اللّوح المحفوظ.

أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ‏: الّذين يتولّونه بالطّاعة، و يتولّاهم بالكرامة.

لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏: من لحوق مكروه.

وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (62): لفوات مأمول.

و الآية، كمجمل فسّره قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏ (63): بيان لتولّيهم إيّاه.

و محلّ «الّذين آمنوا» النّصب. أو الرّفع على المدح، أو على وصف الأولياء، أو على الابتداء، و خبره «لهم البشرى».

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ، عن بعض الفقهاء قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ‏- إلى قوله- وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏.

ثمّ قال: أ تدرون من أولياء اللَّه؟

____________

(1) التوحيد/ 265.

(2) أنوار التنزيل 1/ 452.

(3) المجمع 3/ 119، و أنوار التنزيل 1/ 452.

(4) تفسير العياشي 2/ 124، ح 30.

73

قالوا: من هم، يا أمير المؤمنين؟

فقال: هم نحن و أتباعنا. فمن تبعنا من بعدنا، طوبى لنا و طوبى لهم.

و طوباهم أفضل من طوبانا.

قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا، ألسنا نحن و هم على أمر؟

قال: لا، لأنّهم حملوا ما لم تحملوا و أطاقوا ما لم تطيقوا.

عن بريد العجليّ‏ (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: وجدنا في كتاب عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ‏- إلى قوله- يَحْزَنُونَ‏: إذا أدّوا فرائض اللّه، و أخذوا بسنن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و تورّعوا عن محارم اللّه، و زهدوا في عاجل زهرة الدّنيا، و رغبوا فيما عند اللّه، و اكتسبوا الطّيّب من رزق اللّه، لا يريدون به التّفاخر و التّكاثر، ثمّ أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الّذين بارك اللّه لهم فيما اكتسبوا و يثابون على ما قدّموا لآخرتهم.

و في مجمع البيان‏ (2)، مثله.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى أبي بصير قال: قال الصّادق- (عليه السلام)-: يا أبا بصير، طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته و المطيعين له في ظهوره. أولئك أولياء الله- إلى قوله- وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏.

و في الجوامع‏ (4): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سئل عن أولياء اللّه.

فقال: هم الّذين يذكرون اللّه برؤيتهم، يعني: في السّمت و الهيئة.

و في الكافي‏ (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من عرف اللّه و عظّمه، منع فاه من الكلام و بطنه من الطّعام و عنّى نفسه بالصّيام و القيام.

فقالوا: بآبائنا و أمّهاتنا يا رسول اللّه، هؤلاء أولياء اللّه؟

قال: إنّ أولياء اللّه سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، و نظروا فكان نظرهم عبرة، و نطقوا فكان نطقهم حكمة، و مشوا فكان مشيهم بين النّاس بركة. لو لا الآجال الّتي كتب اللّه عليهم‏ (6)، لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم، خوفا من العذاب و شوقا إلى الثّواب.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 31.

(2) المجمع 3/ 120.

(3) كمال الدين/ 357، ح 54.

(4) الجوامع/ 196.

(5) الكافي 2/ 237، ح 25.

(6) المصدر: قد كتبت عليهم.

74

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أخفى أربعة في أربعة: أخفى وليّه في عباده، فلا تستصغرنّ عبدا من عبيد اللّه، فربّما يكون وليّه و أنت لا تعلم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ: و هو ما بشّر به المتّقين في كتابه و على لسان نبيّه، و ما يريهم من الرّؤيا الصّادقة، و بشّرهم عند النّزع.

وَ فِي الْآخِرَةِ بيان لتولّيه لهم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل من أهل البادية، له جسم‏ (3) و جمال.

فقال: يا رسول اللّه، أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- وَ فِي الْآخِرَةِ.

فقال: أمّا قوله: لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، فهي الرّؤيا الحسنة يراها المؤمن فيبشّر بها في دنياه. و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: «في الآخرة»، فإنّها بشارة المؤمن يبشّر بها عند موته. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد غفر لك، و لمن يحملك إلى قبرك.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏ في قوله- تعالى-: لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ: يبشّرهم بقيام القائم، و بظهوره، و بقتل أعدائهم، و بالنّجاة في الآخرة، و الورود على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الصّادقين على الحوض.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا عقبة، لا يقبل اللّه من العباد يوم القيامة إلّا هذا الأمر الّذي أنتم عليه. و ما بين أحدكم و بين أن يرى ما تقرّ به عينه، إلّا أن تبلغ نفسه إلى هذه- ثمّ أهوى بيده الى الوريد، ثمّ اتكأ.

و كان معي المعلّى، فغمزني أن أسأله.

____________

(1) الخصال/ 210، ح 31.

(2) الفقيه 1/ 79، ح 356.

(3) المصدر: حشم.

(4) الكافي 1/ 429، ح 83.

(5) نفس المصدر 3/ 128، ح 1.

75

فقلت: يا ابن رسول اللّه، فإذا بلغت نفسه هذه أيّ شي‏ء يرى؟ فقلت له بضع عشرة مرّة: أيّ شي‏ء؟

فقال في كلّها: يرى. لا يزيد عليها.

ثمّ جلس في آخرها، فقال: يا عقبة.

فقلت: لبيّك و سعديك.

فقال: أبيت إلّا أن تعلم؟.

فقلت: نعم، يا ابن رسول اللّه. إنّما ديني مع دينك، فإذا ذهب ديني كان ذلك‏ (1). كيف لي بك، يا ابن رسول اللّه، كلّ ساعة؟ و بكيت فرقّ لي.

فقال: يراهما، و اللّه.

قلت: بأبي و أمّي، من هما؟ قال: ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)-. يا عقبة، لن تموت نفس مؤمنة أبدا حتّى تراهما.

قلت: فإذا نظر إليهما المؤمن، أ يرجع إلى الدّنيا؟.

فقال: لا، يمضي أمامه. إذا نظر إليهما، مضى أمامه.

فقلت له: يقولان شيئا؟

قال: نعم. يدخلان جميعا على المؤمن، فيجلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند رأسه و عليّ- (عليه السلام)- عند رجليه. فيكبّ‏ (2) عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيقول: يا وليّ اللّه، أبشر أنا رسول اللّه. إنّي خير لك ممّا تركت من الدّنيا. ثمّ ينهض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فيقوم عليّ- (عليه السلام)- حتّى يكبّ عليه، فيقول: يا وليّ اللّه، أبشر أنا عليّ بن أبي طالب الّذي كنت تحبّه. أما لأنفعنّك.

ثمّ قال: إنّ هذا في كتاب اللّه- عزّ و جلّ-.

فقلت: أين، جعلني اللّه فداك، هذا من كتاب اللّه؟

قال: في يونس، قول اللّه- عزّ و جلّ- ها هنا:

____________

(1) قال في الوافي: «كان» تامة، أي: إذا ذهب ديني، تحقق تخلفي عنك و مفارقتي إياك و عدم اكتراثي بالجهل بما تعلم. و في تفسير العياشي و المنقول عن المحاسن: «إنما ديني مع دمي، فإذا ذهب ديني كان ذلك». و عليه فالمعنى: أن ديني مقرون بحياتي، فمع عدم الدين فكأني لست بحي.

(2) أكب عليه: أقبل إليه و لزمه.

76

الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏.

ابن عثمان، عن عقبة أنّه سمع أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ الرّجل إذا وقعت نفسه في صدره، رأى.

قلت: جعلت فداك، و ما يرى؟

قال: يرى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فيقول له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا رسول اللّه أبشر. ثمّ يرى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فيقول: أنا عليّ بن أبي طالب الّذي كنت تحبّه، يجب عليّ‏ (1) أن أنفعك اليوم؟

قال: قلت له: يكون أحد من النّاس يرى هذا ثمّ يرجع إلى الدّنيا؟

قال: إذا رأى هذا أبدا مات، و أعظم ذلك‏ (2).

قال: و ذلك في القرآن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- لِكَلِماتِ اللَّهِ‏.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (3)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي المستهلّ، عن محمّد بن حنظلة قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، حديث سمعته من بعض شيعتك و مواليك يرويه عن أبيك.

قال: و ما هو؟

قلت: زعموا أنّه كان يقول: أغبط ما يكون أمر بما نحن عليه إذا كانت النّفس في هذه.

فقال: نعم. إذا كان ذلك، أتاه نبيّ اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أتاه عليّ- (عليه السلام)- و أتاه جبرئيل- (عليه السلام)- و أتاه ملك الموت- (عليه السلام)-.

فيقول ذلك الملك لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، إنّ فلانا كان مواليا لك و لأهل بيتك؟

فيقول: نعم، كان يتولّانا و يتبرّأ من عدوّنا.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) قال في الوافي: أي: مات موتا دائما لا رجعة بعده. أو المعنى: ما رأى هذا قطّ إلّا مات.

«و أعظم»، أي: عدّ سؤالي عظيما. و لنا أن نجعل قوله: «و أعظم ذلك» عطفا على قوله:

«مات»، يعني: مات و عدّ ما رأى و ما بشر به عظيما لم يرد معهما رجوعا إلى الدنيا.

(3) الكافي 3/ 134، ح 13.

77

فيقول ذلك نبيّ اللّه لجبرئيل- (عليه السلام)-. فيرفع ذلك جبرئيل إلى اللّه- عزّ و جلّ-.

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبديّ، عن ابن أبي يعفور قال‏: كان خطّاب الجهنيّ خليطا لنا، و كان شديد النّصب لآل محمّد، و كان يصحب نجدة الحروري‏ (2) قال: فدخلت عليه أعوده للخلطة و التّقيّة، فإذا هو يغمى‏ (3) عليه في حدّ الموت.

فسمعته يقول: ما لي و لك، يا عليّ؟

فأخبرت بذلك أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

قال: رآه، و ربّ الكعبة. رآه، و ربّ الكعبة.

سهل بن زياد (4)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الحميد بن عوّاض قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إذا بلغت نفس أحدكم هذه، قيل له: أما ما كنت تحذر (5) من همّ الدّنيا و حزنها، فقد أمنت منه. و يقال له: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)- أمامك.

و في روضة الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن معمر بن خلّاد (7)، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا أصبح، قال لأصحابه: هل من مبشرات، يعني به: الرّؤيا.

عنه‏ (8)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: قال رجل لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

قال: هي الرّؤيا الحسنة، يرى المؤمن فيبشّر بها في دنياه.

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن عبد الرّحيم قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أما

____________

(1) الكافي 3/ 133، ح 9.

(2) الحروريّة: طائفة من الخوارج، منسوبة إلى حروراء، و هي قرية بالكوفة.

(3) المصدر: مغمى.

(4) الكافي 3/ 134، ح 10.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تحضر.

(6) الكافي 8/ 90، ح 59.

(7) كذا في المصدر. و جامع الرواة 2/ 252. و في النسخ: عمر بن خلّاد.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 60.

(9) تفسير العياشي 2/ 124، ح 32.

78

أحدكم حين تبلغ نفسه ها هنا، ينزل عليه ملك الموت فيقول له: أمّا ما كنت ترجو، فقد أعطيته. و أمّا ما كنت تخافه، فقد أمنت منه. و يفتح له باب إلى منزله من الجنّة، و يقال له: انظر إلى مسكنك من الجنّة، و انظر هذا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- رفقاؤك. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

عن أبي حمزة الثّماليّ‏ (1) قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ما يصنع بأحد عند الموت؟

قال: أما و اللّه، يا أبا حمزة، ما بين أحدكم و بين أن يرى مكانه من اللّه و مكانه منّا إلّا أن تبلغ نفسه ها هنا- ثمّ أهوى بيده إلى نحره. ألا أبشرك، يا أبا حمزة؟

فقلت: بلى، جعلت فداك.

فقال: إذا كان ذلك، أتاه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- معه قعد عند رأسه.

فقال له إذا كان ذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما تعرفني؟ أنا رسول اللّه. هلّم إلينا، فما أمامك خير لك ممّا خلّفت. أمّا ما كنت تخاف، فقد أمنته. و أمّا ما كنت ترجو، فقد هجمت عليه. أيّتها الرّوح، اخرجي إلى روح اللّه و رضوانه.

فيقول له عليّ- (عليه السلام)- مثل قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ قال:

يا أبا حمزة، ألا أخبرك بذلك في كتاب اللّه‏ الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏ (الآية).

لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ‏: لا تغيير لأقواله، و لا إخلاف لمواعيده.

ذلِكَ‏: إشارة إلى كونهم مبشّرين في الدّارين.

هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏ (64).

هذه الجملة و الّتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشّر به و تعظيم شأنه. و ليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله.

وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ‏: إشراكهم و تكذيبهم و تهديدهم.

و قرأ (2) نافع: «يحزنك» من أحزنه. و كلاهما بمعنى.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 126، ح 34.

(2) أنوار التنزيل 1/ 452.

79

إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً: استئناف، بمعنى التّعليل. و يدلّ عليه القراءة بالفتح، كأنّه قيل: لا تحزن بقولهم و لا تبال بهم، لأنّ الغلبة للّه جميعا لا يملك غيره شيئا منها، فهو يقهرهم و ينصرك عليهم.

هُوَ السَّمِيعُ‏: لأقوالهم.

الْعَلِيمُ‏ (65): بعزماتهم، فيكافئهم عليها.

أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏: من الملائكة و الثّقلين. و إذا كان هؤلاء الّذين هم أشرف الممكنات عبيدا لا يصلح أحد منهم للرّبوبيّة، فما لا يعقل منها أحقّ أن لا يكون له ندّا أو شريكا. و هو، كالدّليل على قوله: وَ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، أي: شركاء على الحقيقة و إن كان يسمّونها شركاء.

و يجوز أن يكون «شركاء» مفعول «يدعون». و مفعول «يتّبع» محذوف دلّ عليه‏ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ‏»، أي: ما يتّبعون يقينا، و إنّما يتّبعون ظنّهم أنّها شركاء.

و يجوز أن يكون «ما» استفهاميّة منصوبة «بيتّبع». و موصولة معطوفة على «من».

و قرئ‏ (1): «تدعون» بالتّاء. و المعنى: أيّ شي‏ء يتّبع به الّذين تدعونهم شركاء من الملائكة و النّبيّين، أي: أنّهم لا يتّبعون إلّا اللّه و لا يعبدون غيره، فما لكم لا تتّبعونهم فيه، كقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ فيكون إلزاما بعد برهان.

و ما بعده مصروف عن خطابهم، لبيان سندهم و منشأ رأيهم.

وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ‏ (66): يكذبون فيما ينسبون إلى اللّه. أو يحزرون و يقدّرون أنّها شركاء تقديرا باطلا.

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً: تنبيه على كمال قدرته و عظيم نعمته المتوحّد هو بهما، ليدلّهم على تفرده باستحقاق العبادة. و إنّما قال:

«مبصرا» و لم يقل: «لتبصروا فيه» تفرقة بين الظّرف المجرّد و الظّرف الّذي هو سبب.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏ (67): سماع تدبّر و اعتبار.

قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً: أي: تبنّاه.

سُبْحانَهُ‏: تنزيه له من التّبنّي، فإنّه لا يصحّ إلّا ممّن يتصوّر له الولد، و تعجّب‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 453.

80

من كلمتهم الحمقاء.

هُوَ الْغَنِيُ‏: علّة لتنزّهه. فإنّ اتّخاذ الولد [مسبب عن الحاجة. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏: تقرير لغناه. إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا: نفي لمعارض‏] (1) ما أقامه من البرهان، مبالغة في تجهيلهم و تحقيقا لبطلان قولهم.

و «بهذا» متعلّق بسلطان. أو نعت له أو «بعندكم»، كأنّه قيل: إن عندكم في هذا من سلطان.

أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (68): توبيخ و تقريع على اختلافهم و جهلهم. و فيه دليل على أنّ كلّ قول لا دليل عليه، فهو جهالة. و العقائد لا بدّ لها من قاطع، و أنّ التّقليد فيها غير سائغ.

قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏: باتّخاذ الولد، و إضافة الشّريك إليه.

لا يُفْلِحُونَ‏ (69): لا ينجون من النّار، و لا يفوزون بالجنّة.

مَتاعٌ فِي الدُّنْيا: خبر لمبتدأ محذوف، أي: افتراؤهم متاع في الدّنيا يقيمون به رئاستهم في الكفر. أو حياتهم، أو تقلّبهم متاع.

أو مبتدأ خبره محذوف، أي: لهم تمتّع في الدّنيا.

ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ‏: بالموت، فيلقون الشّقاء المؤبّد.

ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ‏ (70): بسبب كفرهم.

وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ‏: خبره مع قومه.

إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ‏: عظم عليكم و شقّ.

مَقامِي‏: نفسي، كقولك: فعلت كذا لمكان فلان. أو كوني و إقامتي بينكم مدّة مديدة. أو قيامي على الدّعوة.

وَ تَذْكِيرِي‏: إيّاكم.

بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ‏: وثقت به.

فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ‏: فاعزموا عليه.

وَ شُرَكاءَكُمْ‏: أي: مع شركائكم. و يؤيّده القراءة، بالرّفع، عطفا على‏

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

81

الضّمير المتّصل. و جاز من غير أن يؤكّد، للفصل.

و قيل‏ (1): إنّه معطوف على «أمركم» بحذف المضاف، أي: و أمر شركائكم.

و قيل‏ (2): إنّه منصوب بفعل محذوف، تقديره: و ادعوا شركاءكم. و قد قرئ به.

و عن نافع‏ (3): «فاجمعوا» من الجمع. و المعنى: أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده و السّعي في إهلاكه على أيّ وجه يمكنهم، ثقة باللّه و قلّة مبالاة بهم.

ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ‏: في قصدي.

عَلَيْكُمْ غُمَّةً: مستورا، و اجعلوه ظاهرا مكشوفا. من غمّه: إذا ستره.

أو ثمّ لا يكن عليكم حالكم غمّا إذا أهلكتموني و تخلّصتم من ثقل مقامي و تذكيري.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)- (رحمه اللّه)-: لا تغتمّوا.

ثُمَّ اقْضُوا: أدّوا.

إِلَيَ‏: ذلك الأمر الّذي تريدون لي.

و قرئ‏ (5): «ثمّ افضوا» بالفاء، أي: انتهوا إليّ بشرّكم، أو ابرزوا إليّ. من أفضى: إذا خرج إلى الفضاء.

وَ لا تُنْظِرُونِ‏ (71): و لا تمهلوني.

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ‏: أعرضتم عن تذكيري.

فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ: يوجب تولّيكم لثقله عليكم و اتّهامكم إيّاي لأجله، أو يفوتني لتولّيكم.

إِنْ أَجْرِيَ‏: ما ثوابي على الدّعوة و التّذكير.

إِلَّا عَلَى اللَّهِ‏: لا تعلّق له بكم يثيبني به، آمنتم أو تولّيتم.

وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (72): المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره و لا أرجو غيره.

فَكَذَّبُوهُ‏: فأصرّوا على تكذيبه بعد ما ألزمهم الحجّة و بيّن أنّ تولّيهم ليس إلّا

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 454.

(2) نفس المصدر و الموضع. و المجمع 3/ 123.

(3) أنوار التنزيل 1/ 454.

(4) تفسير القمّي 1/ 314.

(5) أنوار التنزيل 1/ 454.

82

لعنادهم و تمردّهم، لا جرم حقّت عليهم كلمة العذاب.

فَنَجَّيْناهُ‏: من الغرق.

وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ‏.

قيل‏ (1): و كانوا ثمانين.

وَ جَعَلْناهُمْ خَلائِفَ‏: من الهالكين به.

وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا: بالطّوفان.

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ‏ (73): تعظيم لما جرى عليهم، و تحذير لمن كذّب الرّسول، و تسلية له.

ثُمَّ بَعَثْنا: أرسلنا.

مِنْ بَعْدِهِ‏: من بعد نوح.

رُسُلًا إِلى‏ قَوْمِهِمْ‏: كلّ رسول إلى قومه.

فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالمعجزات الواضحة، المثبتة لدعواهم.

فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا: فما استقام لهم أن يؤمنوا، لشدّة شكيمتهم في الكفر و خذلان اللَّه إيّاهم.

بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏.

قيل‏ (2): أي: بسبب تعوّدهم تكذيب الحقّ و تمرّنهم عليه قبل بعثة الرّسل.

و في الأخبار (3): أنّ المراد: في الذّرّ.

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين عن‏ (5) محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد اللَّه بن عقبة (6)، عن عبد اللَّه بن محمّد الجعفيّ و عقبة جميعا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق الخلق. فخلق من أحبّ ممّا أحبّ، و كان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة. و خلق من أبغض ممّا أبغض، أن خلقه من طينة النّار. ثمّ بعثهم في الظّلال.

فقلت: و أي شي‏ء الظّلال؟

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 454.

(2) أنوار التنزيل 1/ 454.

(3) تفسير الصافي 2/ 412، و البرهان 2/ 192.

(4) الكافي 2/ 10، ح 3.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(6) ليس في المصدر: عن عبد اللَّه بن عقبة.

83

فقال: ألم تر إلى ظلّك في الشّمس شيئا، و ليس بشي‏ء؟ ثمّ بعث منهم النّبيّين، فدعوهم إلى الإقرار باللّه- عزّ و جلّ-. و هو قوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏.

ثمّ دعوهم إلى الإقرار بالنّبيّين، فأقرّ بعضهم [و أنكر بعض‏] (1). ثمّ دعوهم إلى ولايتنا فأقرّ بها، و اللَّه، من أحبّ و أنكرها من أبغض. و هو قوله: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان التّكذيب ثمّة (2).

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زرارة و حمران، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قالا: إنّ اللَّه خلق [الخلق‏] (4)، و هم‏ (5) أظلّة. فأرسل رسوله محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فمنهم من آمن به و منهم من كذّبه.

عن أبي بصير (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: ثُمَّ بَعَثْنا- إلى قوله- مِنْ قَبْلُ‏.

قال: بعث اللَّه الرّسل إلى الخلق و هم كذبوا به من قبل في أصلاب الرّجال و أرحام النّساء. فمن صدّق حينئذ، صدّق بعد ذلك. و من كذّب حينئذ، كذّب بعد ذلك.

[كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى‏ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ‏ (74): بخذلانهم، لانهماكهم في الضّلال و اتّباع المألوف. و في أمثال ذلك دليل على أنّ الأفعال واقعة بقدرة اللَّه- تعالى- و كسب العبد. و قد مرّ تحقيق ذلك‏] (7).

ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ‏: من بعد هؤلاء الرّسل.

مُوسى‏ وَ هارُونَ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ بِآياتِنا: بالآيات التّسع.

فَاسْتَكْبَرُوا: عن اتّباعهما.

وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ‏ (75): معتادين الإجرام. فلذلك تهاونوا برسالة ربّهم،

____________

(1) من المصدر.

(2) ثمّة: هناك.

(3) تفسير العياشي 2/ 126، ح 35.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: و هي.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 36.

(7) الآية وجدت مكتوبة بالقلم الرّصاص من دون شرح و أخذنا الشرح من أنوار التنزيل كما عليه المؤلّف.

84

و اجترءوا على ردّها.

فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا: و عرفوه بتظاهر المعجزات القاهرة المزيلة للشّكّ.

قالُوا: من فرط تمرّدهم.

إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ‏ (76): ظاهر أنّه سحر. أو فائق في فنّه، واضح فيما بين إخوانه.

قالَ مُوسى‏ أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ‏: إنّه لسحر. فحذف محكي القول، لدلالة ما قبله عليه. و لا يجوز أن يكون‏ أَ سِحْرٌ هذا لأنّهم بتّوا القول، بل هو استئناف بإنكار ما قالوه. اللّهمّ إلّا أن يكون الاستفهام فيه للتّقرير، و المحكي مفهوم قولهم.

و يجوز أن يكون معنى‏ أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِ‏: أ تعيبونه. من قولهم: فلان يخاف القالة، كقوله: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ‏ فيستغني عن المفعول.

وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ‏ (77): من تمام كلام موسى. للدّلالة على أنّه ليس بسحر، فإنّه لو كان سحرا لاضمحلّ و لم يبطل سحر السّحرة، و لأنّ العالم بأنّه لا يفلح السّاحر لا يسحر.

أو من تمام قولهم، إن جعل‏ أَ سِحْرٌ هذا محكيا، كأنّهم قالوا: أ جئتنا بالسّحر تطلب به الفلاح‏ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ‏.

قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا: لتصرفنا عن الحقّ.

و «اللّفت» و «الفتل» إخوان.

عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: من عبادة الأصنام.

وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ‏: الملك فيها. سمّي بها لاتّصاف الملوك بالكبرياء، أو التّكبّر على النّاس باستتباعهم.

وَ ما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ‏ (78): بمصدّقين فيما جئتما به.

وَ قالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ: «بكلّ سحّار».

عَلِيمٍ‏ (79): حاذق فيه.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 455.

85

فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ‏ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى‏ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، أي: الّذي جئتم به هو السّحر، لا ما سمّاه فرعون و قومه سحرا.

و قرأ (1) أبو عمرو: «السّحر» على أنّ «ما» استفهاميّة مرفوعة بالابتداء، «و جئتم به» خبرها، و «السّحر» بدل منه. أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهو السّحر. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: آلسّحر هو.

و يجوز أن ينتصب «ما» بفعل يفسّره ما بعده، تقديره: أيّ شي‏ء أتيتم.

إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ‏ (81): لا يثبته و لا يقوّيه.

قيل‏ (2): و فيه دليل على أنّ السّحر إفساد و تمويه لا حقيقة له.

وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَ‏: و يثبته.

بِكَلِماتِهِ‏: بأوامره و قضاياه.

و قرئ: «بكلمته».

وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ‏ (82): ذلك.

فَما آمَنَ لِمُوسى‏: في مبدأ أمره.

إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ‏: إلّا أولاد من أولاد قومه، بني إسرائيل، دعاهم فلم يجيبوه خوفا من فرعون، إلّا طائفة من شبّانهم.

و قيل‏ (3): الضّمير لفرعون، و «الذّرّيّة» طائفة من شبّانهم آمنوا به. أو مؤمن آل فرعون و امرأته، آسية، و خازنة، و زوجته، و ماشطته‏ (4) و مشّاطته.

عَلى‏ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ‏: أي: مع خوف منهم.

و الضّمير لفرعون، و جمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء. أو على أنّ المراد بفرعون: آله، كما يقال: ربيعة و مضر. أو للذّرّيّة. أو للقوم.

أَنْ يَفْتِنَهُمْ‏: أن يعذّبهم فرعون. و هو بدل منه، أو مفعول «خوف». و إفراده بالضّمير، للدّلالة على أنّ الخوف من الملأ كان بسببه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المجمع 3/ 127 بتفاوت يسير. و أنوار التنزيل 1/ 455.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مشاطتة.

86

وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ‏: لغالب فيها.

وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ‏ (83): في الكبر و العتوّ، حتّى ادّعى الرّبوبيّة و استرقّ أسباط الأنبياء.

وَ قالَ مُوسى‏: لمّا رأى تخوّف المؤمنين به.

يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا: فثقوا به و اعتمدوا عليه.

إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ‏ (84): مستسلمين لقضاء اللَّه، مخلصين له.

و ليس هذا من تعلّق الحكم بشرطين. فإنّ المعلّق بالإيمان وجوب التّوكّل. فإنّه المقتضي له. و المشروط بالإسلام حصوله، فإنّه لا يوجد مع التّخليط. و نظيره: إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت.

فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا: لأنّهم كانوا مؤمنين مخلصين، و لذلك أجيب دعوتهم.

رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً: موضع فتنة.

لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (85): أي: لا تسلّطهم علينا، فيفتنونا عن ديننا أو يعذّبونا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: قوم موسى استعبدهم آل فرعون، و قالوا: لو كان لهؤلاء على اللَّه كرامة، كما يقولون ما سلّطنا عليهم. فقال موسى لقومه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم‏ في قوله: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

قال: لا تسلّطهم علينا، فتفتنهم بنا.

و في تهذيب الأحكام‏ (3)، في دعاء مرويّ عنهم- (عليهم السلام)-: و دعاك المؤمنون فقالوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

وَ نَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ (86): من كيدهم و شؤم مشاهدتهم.

و في تقديم التّوكّل على الدّعاء، تنبيه على أنّ الدّاعي ينبغي أن يتوكّل أوّلا لتجاب دعوته.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 314.

(2) تفسير العياشي 2/ 127، ح 38.

(3) نور الثقلين 2/ 314، ح 111 عنه.

87

وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا: أن اتّخذا مباءة، أي: مرجعا.

لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً: يسكنون فيها، أو يرجعون إليها للعبادة.

وَ اجْعَلُوا: أنتما و قومكما.

بُيُوتَكُمْ‏: تلك البيوت.

قِبْلَةً: مصلّى.

و قيل‏ (1): مساجد متوجّهة نحو القبلة، يعني: الكعبة. و كان موسى يصلّي إليها.

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ: فيها. أمروا بذلك أوّل أمرهم، لئلّا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم و يفتنوهم عن دينهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): عن الكاظم- (عليه السلام)-: لمّا خافت بنو إسرائيل جبابرتها، أوحى اللَّه إلى موسى و هارون: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً.

قال: أمروا أن يصلّوا في بيوتهم.

وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (87): بالنّصرة في الدّنيا، و الجنّة في العقبى.

و إنّما ثنّى بالضّمير أوّلا، لأنّ التّبوّء للقوم و اتّخاذ المعابد ممّا يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور. ثمّ جمع، لأنّ جعل البيوت مساجد و الصّلاة فيها ممّا ينبغي أن يفعله كلّ أحد.

ثمّ وحّد، لأنّ البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشّريعة.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل‏. و فيه قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسّر اللَّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا، أو موضعا. فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ-.

إلى أن قال- (عليه السلام)-: و أمّا الرّابعة، فإخراجه- (صلّى اللّه عليه و آله)- النّاس من المسجد ما خلا العترة، حتّى تكلّم النّاس في ذلك.

و تكلّم العبّاس، فقال: يا رسول اللَّه، تركت عليّا و أخرجتنا؟

____________

(1) المجمع 3/ 129. و أنوار التنزيل 1/ 456.

(2) تفسير القمّي 1/ 315. و فيه: عن الكاظم- (عليه السلام)- عن أبي ابراهيم- (عليه السلام)-.

(3) العيون 1/ 181- 182.

88

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما تركته و أخرجتكم، و لكنّ اللَّه- عزّ و جلّ- تركه و أخرجكم.

و في هذا بيان قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.

قالت العلماء: و أين هذا من القرآن؟

قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: أوجدكم في ذلك قرآنا و أقرأه عليكم؟

قالوا: هات.

قال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً. ففي هذه الآية منزله هارون من موسى. و فيها- أيضا- منزلة عليّ من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و هذا دليل ظاهر في قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين قال: ألا إنّ هذا المسجد لا يحلّ لجنب إلّا لمحمّد و آله- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1).

قالت العلماء: يا أبا الحسن، هذا الشّرح و هذا البيان لا يوجد إلّا عندكم، معشر أهل بيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: و من ينكر لنا ذلك، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم- يقول: أنا مدينة العلم و عليّ بابها. فمن أراد المدينة، فليأتها من بابها. ففيما أوضحنا و شرحنا من الفضل و الشّرف و التّقدمة و الاصطفاء و الطّهارة ما لا ينكره معاند، و للّه- تعالى- الحمد على ذلك، فهذه الرّابعة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى أبي رافع قال‏: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خطب النّاس، فقال: يا أيّها النّاس إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أمر موسى و هارون‏ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً. و أمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب و لا يقرب فيه‏ (3) النّساء، إلّا هارون و ذرّيّته. إنّ عليّا منّي بمنزلة هارون من موسى، فلا يحلّ لأحد أن يقرّب النّساء في مسجدي و لا يبيّت فيه جنب إلّا عليّ و ذرّيّته. فمن ساءه‏ (4) ذلك، فهاهنا. و ضرب بيده‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.

(2) العلل/ 201، ح 2.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: منها.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «سار» بدل «ساءه».

89

نحو الشّام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا بن محمّد بن مالك، عن عباد بن يعقوب، [عن محمّد بن يعقوب‏] (2)، عن [أبي‏] (3) جعفر الأحول، عن منصور، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- قال‏: لمّا خافت بنو إسرائيل جبابرتها أوحى اللَّه- تعالى- إلى موسى و هارون- (عليهما السلام)-: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً.

قال: أمروا أن يصلّوا في بيوتهم.

حدّثني‏ (4) أبي، عن الحسن‏ (5) بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: فقلت: كان هارون أخا موسى لأبيه و أمّه؟

قال: نعم.

إلى قوله: قلت: فكان الوحي ينزل عليهما جميعا؟

قال كان الوحي ينزل على موسى، و موسى يوحيه إلى هارون.

وَ قالَ مُوسى‏ رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً: ما يتزيّن به من اللّباس و المراكب و نحوهما.

وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: و أنواعا من المال.

رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ‏.

قيل‏ (6): دعا عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنّه لا يكون غيره، كقولك: لعن اللَّه إبليس.

و قيل‏ (7): «اللّام» للعاقبة و هي متعلّقة «بآتيت».

و جوّز (8) البعض أن تكون للعلّة، لأنّ إيتاء النّعم على الكفر استدراج و تثبيت على الضّلال، و لأنّهم لمّا جعلوها سببا للضّلال فكأنّهم أوتوها ليضلّو. فيكون «ربّنا» تكريرا للأوّل، تأكيدا و تنبيها على أنّ المقصود عرض ضلالهم و كفرانهم.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 314- 315.

(2) ليس في ب.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر 2/ 136- 137.

(5) بعض نسخ المصدر: الحسين بن محبوب.

(6) المجمع 3/ 129، و أنوار التنزيل 1/ 456.

7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 456.

90

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، أي: يفتنوا النّاس بالأموال، ليعبدوه و لا يعبدوك.

رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ‏: أهلكها.

و «الطّمس» المحق.

و قرئ‏ (2): «و اطمس» بالضّمّ.

وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏، أي: و أقسها و اطبع عليها، حتّى لا تنشرح للإيمان.

فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ (88): جواب للدّعاء. أو دعاء بلفظ النّهي. أو عطف على «ليضلّوا»، و ما بينهما دعاء معترض.

قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما: يعني: موسى و هارون، لأنّه كان يؤمّن.

فَاسْتَقِيما: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدّعوة و إلزام الحجّة و لا تستعجلا، فإنّ ما طلبتما كائن و لكن في وقته.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: أملى اللَّه- تعالى- لفرعون ما بين الكلمتين [قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ (4) و قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏ (5)] (6) أربعين سنة، ثمّ أخذه اللَّه نكال الآخرة و الأولى. و كان بين أن قال اللَّه- عزّ و جلّ- لموسى و هارون: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما و بين أن عرّفه اللَّه تعالى الإجابة أربعون‏ (7) سنة (8).

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: دعا موسى- (عليه السلام)- و أمّن هارون- (عليه السلام)- و أمّنت الملائكة- (عليهم السلام)-. فقال اللَّه- تعالى-: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما. و من غزا في سبيل اللَّه أستجيب له، كما استجبت لكما (10) يوم القيامة.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 315.

(2) أنوار التنزيل 1/ 456.

(3) الخصال/ 539- 540، ح 11، و نور الثقلين 2/ 315، ح 116 عنه.

(4) النازعات/ 24.

(5) القصص/ 38.

(6) من المصدر.

(7) كذا في نور الثقلين. و في المصدر: أربعين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «و بين أخذ فرعون أربعون عاما» بدل «و بين أن عرّفه ...

سنة».

(9) الكافي 2/ 510، ح 8.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: لهما.

91

و في الكافي‏ (1)، و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: كان بين قول اللَّه- تعالى-: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما و بين أخذ فرعون أربعون سنة.

وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (89): طريق الجهلة في الاستعجال، أو عدم الوثوق و الاطمئنان بوعد اللَّه.

و عن ابن عامر (3) «و لا تتّبعان» بالنّون الخفيفة و كسرها، لالتقاء السّاكنين.

«و لا تتبعان» من تبع. «و لا تتبعانّ» أيضا.

وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ، أي: عبّرناهم في البحر حتّى بلغوا الشّطّ حافظين لهم.

و قرئ‏ (4): «جوّزنا». و هو من فعل المرادف لفاعل، كضعف، و ضاعف.

فَأَتْبَعَهُمْ‏: فأدركهم.

يقال: تبعته، حتّى أتبعته.

فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً: باغين و عادين. أو للبغي و العدو.

«و قرى‏ (5). «و عدوّاً».

و في تفسير العيّاشي‏ (6): روينا لمّا صار موسى في البحر أتبعه فرعون و جنوده.

قال: فتهيّب فرس فرعون أن يدخل البحر، فمثل له جبرئيل على رمكة (7). فلمّا رأى فرس فرعون الرّمكة، أتبعها فدخل البحر هو و أصحابه فغرقوا (8).

حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ‏: لحقه.

قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ‏: أي: بأنّه.

لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (90).

و قرأ (9) حمزة و الكسّائي: «إنّه» بالكسر، على إضمار القول أو الاستئناف، بدلا و تفسيرا «لآمنت». فنكب عن الإيمان أوان القبول، و بالغ فيه و لا يقبل.

____________

(1) الكافي 2/ 489، ح 5.

(2) تفسير العياشي 2/ 127، ح 40.

(3) أنوار التنزيل 1/ 456.

4، 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير العياشي 2/ 127، ح 41. و فيه: «عن ابن أبي عمير: عن بعض أصحابنا يرفعه قال» بدل «روينا».

(7) الرّمكة: الفرس البرذونة تتّخذ للنسل.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ففزعوا.

(9) أنوار التنزيل 1/ 457.

92

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى ابن أبي عمير: عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: أمّا قوله: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ فإنّما قال ليكون أحرص لموسى على الذّهاب، و قد علم اللَّه- عزّ و جلّ- أنّ فرعون لا يتذكّر و لا يخشى إلّا عند رؤية البأس. ألّا تسمع اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. فلم يقبل اللَّه إيمانه. و قال: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏.

و في عيون الأخبار (2): عن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه سئل: لأي علّة غرّق اللَّه- تعالى- فرعون، و قد آمن به و قد أقرّ بتوحيده؟

قال: لأنّه آمن عند رؤية البأس، و الإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، و ذلك حكم اللَّه- تعالى ذكره- [في السّلف و الخلف. قال اللَّه- تعالى-: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ‏] (3) إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا.

و قال- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. و هكذا فرعون لمّا أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. فقيل له: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً.

و قد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد قد لبسه على بدنه. فلمّا غرق، ألقاه اللَّه- تعالى- على نجوة (4) من الأرض [ببدنه‏] (5) ليكون لمن بعده علامة. فيرونه مع تثقله بالحديد على مرتفع من الأرض، و سبيل الثّقل أن يرسب و لا يرتفع، فكان ذلك آية و علامة. و لعلّة أخرى أغرقه اللَّه- عزّ و جلّ- و هي أنّه استغاث بموسى لمّا أدركه الغرق، و لم يستغث باللّه. فأوحى اللَّه إليه: يا موسى، لم تغث‏ (6) فرعون لإنّك لم تخلقه. و لو استغاث مجيب‏ (7) بي، لأغثته.

آلْآنَ‏: أ تؤمن الآن و قد أيست من نفسك و لم يبق لك اختيار.

____________

(1) علل الشرايع/ 67، ح 1.

(2) العيون 2/ 76، ح 7.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.

(4) النجوة: ما ارتفع من الأرض.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: ما أعنت.

(7) ليس في المصدر.

93

و في مجمع البيان‏ (1): آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ‏ (الآية).

و روي عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: «الآن» بإلقاء حركة الهمزة على اللّام، و حذف الهمزة.

وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ‏: قبل ذلك مدّة عمرك.

وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ (91): الضّالّين، المضلّين عن الإيمان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: ما أتى جبرئيل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا كئيبا حزينا، و لم يزل كذلك منذ أهلك اللَّه فرعون. فلمّا أمره اللَّه بنزول هذه الآية آلآن‏ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏، نزل عليه و هو ضاحك مستبشر.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أتيتني، يا جبرئيل، إلا و تبيّنت الحزن في وجهك حتّى السّاعة.

قال: نعم، يا محمّد. لمّا غرّق اللَّه فرعون، قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. فأخذت حمأة (3) فوضعتها في فيه، ثمّ قلت: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏. و عملت ذلك من غير أمر اللَّه، ثمّ خفت أن تلحقه الرّحمة من اللَّه- عزّ و جلّ- و يعذبني اللَّه على ما فعلت. فلمّا كان الآن و أمرني اللَّه أن أؤدّي إليك ما قلته أنا لفرعون أمنت و علمت أنّ ذلك كان للّه- تعالى- رضى‏ (4) فيه.

و في رواية أبي الجارود (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ بني إسرائيل قالوا:

يا موسى، ادع اللَّه- تعالى- أن يجعل لنا ممّا نحن فيه فرجا.

[فدعا] (6) فأوحى اللَّه إليه: أن سر بهم.

قال: يا رب، البحر أمامهم.

قال: امض فإني آمره أن يطيعك و ينفرج‏ (7) لك.

فخرج موسى ببني إسرائيل، و أتبعهم فرعون. حتّى إذا كاد أن يلحقهم و نظروا إليه قد أظلّهم، قال موسى للبحر: انفرج لي.

____________

(1) المجمع 3/ 130.

(2) تفسير القمّي 1/ 316.

(3) الحمأة: الطين الأسود المنتن.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و رضائه‏

(5) تفسير القمّي 1/ 315- 316.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فيفرج.

94

قال: ما كنت لأفعل.

و قال بنو إسرائيل لموسى: غررتنا و أهلكتنا، فليتك تركتنا يستعبدنا آل فرعون و لم نخرج الآن نقتل قتلة.

قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏ و اشتدّ على موسى ما كان يصنع به عامّة قومه و قالوا يا موسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ‏ زعمت أنّ البحر ينفرج لنا حتّى نمضي و نذهب، و قد رهقنا (1) فرعون و قومه و هم هؤلاء تراهم قد دنوا منّا.

فدعا موسى ربّه، فأوحى اللَّه إليه: أن اضرب بعصاك البحر. فضربه، فانفلق البحر. فمضى موسى و أصحابه حتّى قطعوا البحر.

و أدركهم آل فرعون. فلمّا نظروا إلى البحر قالوا لفرعون. ما تعجب ممّا ترى؟

قال: أنا فعلت هذا. فمرّوا و امضوا فيه.

فلمّا توسّط فرعون و من معه، أمر اللَّه البحر فأطبق‏ (2) فغرّقهم أجمعين. فلمّا أدرك فرعون الغرق‏ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ‏- إلى قوله- وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. يقول اللَّه- عزّ و جلّ- آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ يقول: كنت من العاصين‏ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ‏.

قال: إنّ قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر فلم ير منهم أحد، هووا في البحر إلى النّار. فأمّا فرعون فنبذه اللَّه- عزّ و جلّ- وحده فألقاه‏ (3) بالسّاحل، لينظروا إليه و ليعرفوه ليكون لمن خلفه آية، و لئلّا يشكّ أحد في هلاكه. إنّهم كانوا اتّخذوه ربّا، فأراهم‏ (4) اللَّه- عزّ و جلّ- إيّاه جيفة ملقاة في السّاحل ليكون لمن خلفه عبرة و عظة. يقول اللَّه: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ‏.

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ‏: ننقذك ممّا وقع فيه قومك من قعر البحر و نجعلك طافيا. أو نلقيك على نجوة من الأرض، و هي المكان المرتفع، ليراك بنو إسرائيل.

و قرأ (5) يعقوب: «ننجيك». من أنجى.

و قرئ‏ (6): «ننجيك» بالحاء، أي: نلقيك بناحية السّاحل.

____________

(1) رهقنا، أي: لحقنا.

(2) المصدر: فانطبق عليهم.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و أفهاه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فإذا هم.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 457.

95

بِبَدَنِكَ‏: في موضع الحال، أي: ببدنك عاريا عن الرّوح. أو كاملا سويّا.

أو عريانا من غير لباس. أو بدرعك، و كانت له درع من ذهب يعرف بها.

و قرئ‏ (1): «بأبدانك»، أي: بأجزاء البدن كلّها، كقولهم: هوى بأجرامه. أو بدروعك، كأنّه كان تظاهرا بينها.

لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً: لمن وراءك علامة، و هم بنو إسرائيل، إذ كان في نفوسهم من عظمته ما يخيّل إليهم أنّه لا يهلك حتّى كذّبوا موسى- (عليه السلام)- حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينه مطروحا على ممرّهم من السّاحل.

أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممّن شاهدك، عبرة و نكالا عن الطّغيان، أو حجّة تدلّهم على أنّ الإنسان على ما كان عليه من عظم الشّأن و كبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظانّ الرّبوبيّة.

و قرئ‏ (2): «لمن خلقك»، أي لخالقك آية، كسائر الآيات. فإنّ إفراده إيّاك بالإلقاء إلى السّاحل دليل على أنّه تعمّد منه، لكشف تزويرك و إماطة الشّبهة في أمرك، و ذلك دليل على كمال قدرته و علمه و إرادته. و هذا الوجه- أيضا- محتمل على القراءة المشهورة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): أنّ موسى- على نبيّنا و آله و (عليه السلام)- أخبر بني إسرائيل انّ اللَّه قد أغرق فرعون، يصدّقوه. فأمر اللَّه- عزّ و جلّ- البحر، فلفظ به على ساحل البحر حتّى رأوه ميّتا. و يأتي تمام الكلام فيه.

وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ‏ (92): لا يتفكّرون فيها، و لا يعتبرون بها.

وَ لَقَدْ بَوَّأْنا: أنزلنا.

بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏: منزلا صالحا مرضيا، و هو الشّام و مصر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): ردّهم إلى مصر، و غرّق فرعون.

وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏: من اللّذائذ.

فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ‏: فما اختلفوا في أمر دينهم، إلّا من بعد

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 1/ 457.

(3) تفسير القمّي 1/ 316.

(4) نفس المصدر و الموضع.

96

ما قرأوا التّوراة و علموا أحكامها. أو في أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بعد ما علموا صدقه بنعوته و تظاهر معجزاته.

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (93): فيميز المحقّ عن المبطل بالإنجاء و الإهلاك.

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ‏: من القصص، على سبيل الفرض و التّقدير.

فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏: فإنّه محقّق عندهم، ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك. و المراد تحقيق ذلك، و الاستشهاد بما في الكتب المتقدّمة و أنّ القرآن مصدّق لما فيها. أو وصف أهل الكتاب بالرّسوخ في العلم بصحّة ما أنزل اللَّه.

أو تهييج الرّسول و زيادة تثبّته لا إمكان وقوع الشّكّ له.

و قيل‏ (1): الخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المراد أمّته، أو لكلّ من يسمع، أي: إن كنت أيّها السّامع في شك ممّا نزّلنا على لسان نبيّنا عليك‏ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ واضحا. لأنّه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة.

فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ‏ (94): بالتزّلزل عمّا أنت عليه من الجزم و اليقين.

وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (95): أيضا من باب التّهييج و التّثبيت و قطع الأطماع عنه، كقوله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2): حدّثنا [المظفر بن‏] (3) جعفر بن المظفّر العلويّ [حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه قال: حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه عن بكر بن صالح عن أبي الخير عن محمد] (4) بن حسّان، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل الدّارميّ، عن محمّد بن سعيد الإذخريّ‏، و كان ممّن يصحب موسى بن محمّد بن الرضا، أن موسى أخبره أنّ يحيى بن أكتم كتب إليه يسأله عن مسائل فيها: و أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏ من المخاطب بالآية. فإن كان المخاطب بها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أ ليس قد شكّ فيما أنزل اللَّه- عزّ و جلّ- إليه. و إن كان المخاطب به غيره، فعلى غيره إذن انزل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 457- 458.

(2) العلل/ 129، ح 1.

3 و 4- من المصدر.

97

الكتاب؟

قال موسى: فسألت أخي، عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)- عن ذلك.

قال: أمّا قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏ فإنّ المخاطب بذلك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و لم يكن في شكّ ممّا أنزل اللَّه- عزّ و جلّ-. و لكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث إلينا نبيا من الملائكة إنّه لم يفرّق‏ (1) بينه و بين غيره في الاستغناء عن المأكل و المشرب و المشي في الأسواق. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏ بمحضر من الجهلة، هل بعث اللَّه رسولا قبلك إلّا و هو يأكل الطّعام و يمشي في الأسواق و لك بهم أسوة.

و إنّما قال: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ‏ و لم يكن، و لكن ليتبعهم، كما قال له- (عليه السلام)-: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏. و لو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة اللَّه عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة. و قد عرف أنّ نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مؤدّ عنه رسالته و ما هو من الكاذبين، و كذلك عرف النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه صادق فيما يقول و لكن أحبّ أن ينصف من نفسه.

و بإسناده‏ (2) إلى إبراهيم بن أبي‏ (3) عمير، رفعه إلى أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ‏- إلى قوله- مِنْ قَبْلِكَ‏.

قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا أشكّ و لا أسأل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن عمرو بن سعيد الرّاشديّ، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا اسري برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى السّماء و أوحى إليه في عليّ ما أوحى إليه من شرفه و من عظمته عند اللَّه و ردّ إلى البيت المعمور و جمع له النّبيّين و صلّوا خلفه، عرض في نفس رسول اللَّه من عظم ما أوحى إليه في عليّ. فأنزل اللَّه‏ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «ليفرق» بدل «إنه لم يفرق».

(2) العلل/ 130، ح 2.

(3) ليس في المصدر.

(4) تفسير القمي 1/ 317.

98

، يعني: الأنبياء، فقد أنزلنا إليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك. لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ‏- إلى قوله- فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ‏.

فقال الصّادق- (عليه السلام): فو اللَّه، ما شكّ و ما سأل.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏.

قال: لمّا أسري بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ففرغ من مناجاة ربّه، ردّ إلى البيت المعمور، و هو بيت في السّماء الرّابعة بحذاء الكعبة. فجمع اللَّه له النّبييّن و المرسلين و الملائكة، ثمّ أمر جبرئيل فأذّن و أقام الصّلاة (2)، و تقدّم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فصلّى بهم. فلمّا فرغ التفت إليهم، فقال له اللَّه‏ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ‏. فسألهم يومئذ النّبيّ، ثمّ نزل.

و في الخرائج و الجرائح‏ (3): في روايات الخاصّة أنّ أبا جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لمّا اسري بي نزل جبرئيل بالبراق، و هو أصغر من البغل و أكبر من الحمار، مضطرب الأذنين، عيناه في حوافره، خطاه مدّ البّصر، و له جناحان يجريان به من خلفه، عليه سرج من ياقوت فيه من كلّ لون، أهدب العرف‏ (4) الأيمن. فوقفه‏ (5) على باب خديجة و دخل إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فمرح‏ (6) البراق.

فخرج إليه جبرئيل و قال: اسكن، فإنّما يركبك أحبّ خلق اللَّه إليه.

فسكن. فخرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فركب ليلا، فتوجّه نحو بيت المقدس، فاستقبله شيخ.

فقال جبرئيل: هذا أبوك إبراهيم- (عليه السلام)-.

[فثنى رجله‏] (7) و همّ بالنّزول.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 128، ح 43.

(2) ليس في المصدر.

(3) الخرائج/ 15 و نور الثقلين 2/ 320- 321، ح 130 عنه.

(4) العرف: شعر عنق الفرس. و أهدب العرف، أي: طويله و كثيره مرسلا من الجانب الأيمن.

(5) المصدر: فأوقفه.

(6) المرح: شدّة النشاط و الفرح.

(7) من المصدر.

99

فقال له جبرئيل: كما أنت.

فجمع ما شاء اللَّه من الأنبياء في بيت المقدس. فأذّن جبرئيل، و تقدّم رسول اللَّه فصلّى بهم.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏: هؤلاء الأنبياء الّذين جمعوا. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ‏ قال: فلم يشكّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يسأل.

إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ‏: ثبت عليهم.

كَلِمَتُ رَبِّكَ‏، أي: إخباره بأنّهم يموتون على الكفر، أو يخلّدون في العذاب.

لا يُؤْمِنُونَ‏ (96): إذ لا يكذّب كلامه و لا ينتقض قضاؤه، لأنّه لا يخبر إلّا عن علم بأنّهم لا يؤمنون.

وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ (97): و حينئذ لا ينفعهم، كما لم ينفع فرعون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏.

قال: الّذين جحدوا أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه).

و قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ‏.

قال: عرضت عليهم الولاية و قد فرض اللَّه- تعالى- عليهم الإيمان بها، فلم يؤمنوا بها.

فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ‏: فهلّا كانت قرية من القرى الّتي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب و لم تؤخّر إليها، كما اخّر فرعون.

فَنَفَعَها إِيمانُها: بأن يقبله اللَّه منها، و يكشف العذاب عنها.

إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ‏: لكنّ قوم يونس.

لَمَّا آمَنُوا: أوّل ما رأوا أمارة العذاب، و لم يؤخّروه إلى حلوله‏ كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

و يجوز أن تكون الجملة في معنى النّفي، لتضمّن حرف التّحضيض معناه فيكون‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 317.

100

الاستثناء متّصلا. لأنّ المراد من القرى: أهاليها، كأنّه قال: ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم، إلّا قوم يونس. و يؤيّده قراءة الرّفع، على البدل.

وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ‏ (98): إلى آجالهم.

و في الجوامع‏ (1): و كان قد بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذّبوه، فذهب عنهم مغاضبا: فلمّا فقدره، خافوا نزول العذاب. فلبسوا المسوح و عجّوا و بكوا، فصرف اللَّه عنهم العذاب و كان قد نزل و قرب منهم.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن أبي عبيدة الحذّاء، عن الباقر- (عليه السلام)- قال‏:

كتب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: حدّثني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ جبرئيل حدّثه، أنّ يونس بن متّي- (عليه السلام)- بعثه اللَّه إلى قومه، و هو ابن ثلاثين سنة. و كان رجلا تعتريه الحدّة (3). و كان قليل الصّبر على قومه و المداراة لهم، عاجزا عمّا حمل من ثقل حمل أوقار النّبوّة و أعلامها. و أنه تفسّخ تحتها، كا يتفسّخ الجذع تحت حمله. و أنّه أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان باللّه و التّصديق به و اتّباعه ثلاثا و ثلاثين سنة، فلم يؤمن به و لم يتّبعه من قومه إلّا رجلان، اسم أحدهما روبيل، و اسم الآخر تنوخا.

و كان روبيل من أهل بيت العلم و النّبوّة و الحكمة، و كان قديم الصّحبة ليونس بن متّي من قبل أن يبعثه اللَّه بالنّبوّة. و كان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمّكا في العبادة، و ليس له علم و لا حكم. و كان روبيل صاحب غنم يرعاها و يتقوّت منها.

و كان تنوخا رجلا حطّابا يحتطب على رأسه و يأكل من كسبه. و كان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا، لعلم روبيل و حكمته و قديم صحبته.

فلمّا رأى يونس أنّ قومه لا يجيبونه و لا يؤمنون، ضجر و عرف من نفسه قلّة الصّبر فشكى ذلك إلى ربّه. و كان فيما شكا أن قال: يا ربّ، إنّك بعثتني إلى قومي و لي ثلاثون سنة. فلبثت فيهم أدعوهم إلى الإيمان بك و التّصديق برسالتي و أخوّفهم عذابك و نقمتك ثلاثا و ثلاثين سنة، فكذّبوني و لم يؤمنوا بي و جحدوا نبوّتي و استخفّوا برسالتي.

و قد توعّدوني‏ (4)، و خفت أن يقتلوني. فانزل عليهم عذابك، فإنّهم قوم لا يؤمنون.

قال: فأوحى اللَّه إلى يونس: أنّ فيهم الحمل و الجنين و الطّفل و الشّيخ الكبير

____________

(1) الجوامع/ 199.

(2) تفسير العياشي 2/ 129، ح 44.

(3) أي: يصيبه البأس و الغضب.

(4) الصدر: تواعدوني.

101

و المرأة الضّعيفة و المستضعف المهين، و أنا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبي لا أعذّب الصّغار بذنوب الكبار من قومك. و هم، يا يونس، عبادي و خلقي و بريّتي في بلادي و في عيلتي أحبّ أن أتأنّاهم‏ (1) و أرفق بهم و أنتظر توبتهم. و إنّما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا (2) عليهم، تعطف عليهم بسجال الرّحمة (3) الماسّة منهم، و تأنّاهم برأفة النّبوّة. و تصبر معهم بأحلام الرّسالة، و تكون لهم، كهيئة الطّبيب المداوي العالم بمداواة الدّواء. فخرقت‏ (4) بهم، و لم تستعمل قلوبهم بالرّفق، و لم تسسهم بسياسة المرسلين. ثمّ سألتني، مع سوء نظرك، العذاب لهم عند قلّة الصّبر منك. و عبدي نوح كان أصبر منك على قومه، و أحسن صحبة، و أشدّ تأنّيا في الصّبر عندي، و أبلغ في العذر فغضبت له حين غضب لي، و أجبته حين دعاني.

فقال يونس: يا ربّ، إنّما غضبت عليهم فيك، و إنّما دعوت عليهم حين عصوك. فو عزّتك، لا أتعطّف عليهم برأفة أبدا، و لا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم و تكذيبهم إيّاي و جحدهم نبوّتي، فأنزل عليهم عذابك فإنّهم لا يؤمنون أبدا.

فقال اللَّه: يا يونس، إنّهم مائة ألف أو يزيدون من خلقي، يعمرون بلادي، و يلدون عبادي. و محبّتي أن أتأنّاهم للّذي سبق من علمي فيهم و فيك، و تقديري و تدبيري غير علمك و تقديرك. و أنت المرسل، و أنا الرّبّ الحكيم. و علمي فيهم، يا يونس، باطن في الغيب عندي لا يعلم ما منتهاه، و علمك فيهم ظاهر لا باطن له. يا يونس، قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم. و ما ذلك، يا يونس، بأوفر لحظّك عندي، و لا أحمد (5) لشأنك. و سيأتيهم عذابي في شوّال، يوم الأربعاء، وسط الشّهر، بعد طلوع الشّمس، فأعلمهم ذلك.

قال: فسرّ ذلك يونس و لو يسؤه، و لم يدر ما عاقبته. فانطلق يونس إلى تنوخا العابد، فأخبره بما أوحى اللَّه إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم.

و قال له: انطلق حتّى أعلمهم بما أوحى اللَّه إليّ من نزول العذاب.

فقال: تنوخا: فدعهم في غمرتهم و معصيتهم حتّى يعذّبهم اللَّه.

____________

(1) من التأنّي، أي: الرفق و المداراة.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: حفيظا.

(3) المصدر: لسخاء الرحمة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فخرجت.

(5) المصدر: أجمل.

102

فقال له يونس: بل نلقي روبيل فنشاوره، فإنّه رجل عالم حكيم من أهل بيت النّبوّة.

فانطلقا إلى روبيل، فأخبره يونس بما أوحى اللَّه إليه من نزول العذاب على قومه في شوّال يوم الأربعاء في وسط الشّهر بعد طلوع الشّمس.

فقال له: ما ترى؟ انطلق بنا حتّى أعلمهم ذلك.

فقال له روبيل: ارجع إلى ربّك رجعة نبيّ حكيم و رسول كريم، و اسأله أن يصرف عنهم العذاب. فإنّه غنيّ عن عذابهم، و هو يحبّ الرّفق بعباده، و ما ذلك بأضر لك عنده و لا أسوء لمنزلتك لديه. و لعلّ قومك بعد ما سمعت و رأيت من كفرهم و جحودهم يؤمنون يوما، فصابرهم و تأنّاهم.

فقال له تنوخا: ويحك، يا روبيل، ما أشرت على يونس و أمرته به بعد كفرهم باللّه و جحدهم لنبيّه‏ (1) و تكذيبهم إيّاه و إخراجهم إيّاه من مساكنه و ما همّوا به من رجمه.

فقال روبيل لتنوخا: اسكت، فإنّك رجل عابد لا علم لك.

ثمّ أقبل على يونس، فقال: أ رأيت، يا يونس، إذا أنزل اللَّه العذاب على قومك فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا و يبقي بعضا.

فقال له يونس: بل يهلكهم جميعا، و كذلك سألته. ما دخلتني لهم رحمة (2) تعطّف، فأراجع‏ (3) اللَّه فيهم و أسأله أن يصرف عنهم.

فقال له روبيل: أ تدري، يا يونس، لعلّ اللَّه إذا أنزل عليهم العذاب فأحسّوا به أن يتوبوا إليه أو يستغفروه. فيرحمهم فإنّه أرحم الرّاحمين، و يكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن اللَّه- تعالى- أنّه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء، فتكون بذلك عندهم كذّابا.

فقال له تنوخا: ويحك، يا روبيل، لقد قلت عظيما. يخبرك النّبيّ المرسل أنّ اللَّه أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليهم، فتردّ قول اللَّه و تشكّ فيه و في قول رسوله. اذهب، فقد حبط عملك.

فقال روبيل لتنوخا: لقد فسد (4) رأيك.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لنبيهم.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رحمته.

(3) المصدر: فارجع.

(4) المصدر: فشل.

103

ثمّ أقبل على يونس، فقال: أنزل الوحي و الأمر من اللَّه فيهم على ما أنزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم، و قوله الحقّ. أ رأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلّهم و خربت قريتهم، أليس يمحو اللَّه اسمك من النّبوّة و تبطل رسالتك و تكون، كبعض ضعفاء النّاس و يهلك على يديك مائة ألف [أو يزيدون‏] (1) من النّاس.

فأبى يونس أن يقبل وصيّته فانطلق و معه تنوخا (2) إلى قومه، فأخبرهم أنّ اللَّه أوحى إليه أنّه منزل العذاب عليهم يوم الأربعاء في شوّال في وسط الشّهر بعد طلوع الشّمس. فردّوا عليه قوله و كذّبوه، و أخرجوه من قريتهم إخراجا عنيفا. فخرج يونس و معه تنوخا من القرية و تنحيّا عنهم غير بعيد و أقاما ينتظران العذاب.

و أقام روبيل مع قومه في قريتهم. حتّى إذا دخل عليهم شوّال، صرخ‏ (3) روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم: أنا روبيل الشّفيق عليكم الرّحيم بكم إلى ربّه، قد أنكرتم‏ (4) عذاب اللَّه. هذا شوّال قد دخل عليكم، و قد أخبركم يونس، نبيّكم و رسول ربّكم، أنّ اللَّه أوحى إليه أنّ العذاب عليكم في شوّال في وسط الشّهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشّمس. و لن يخلف اللَّه وعده رسله، فانظروا ما ذا أنتم صانعون؟

فأفزعهم كلامه، فوقع في قلوبهم تحقّق نزول العذاب. فأجفلوا (5) نحو روبيل، و قالوا له: ما ذا أنت مشير به علينا، يا روبيل؟ فإنك رجل عالم حكيم، لم نزل نعرفك بالرّأفة (6) علينا و الرّحمة لنا، و قد بلغنا ما أشرت به على يونس، فمرنا بأمرك و أشر علينا برأيك.

فقال لهم روبيل: فإنّي أرى لكم و أشير عليكم أن تنظروا و تعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشّهر، أن تعزلوا الأطفال عن الأمّهات في أسفل الجبل في طريق الأودية، و تقفوا النّساء في سفح الجبل، و يكون هذا كلّه قبل طلوع الشّمس.

فعجّوا عجيج الكبير منكم و الصّغير بالصّراخ و البكاء و التّضرّع إلى اللَّه و التّوبة إليه و الاستغفار له، و ارفعوا رؤوسكم إلى السّماء و قولوا: ربّنا، ظلمنا و كذّبنا نبيّك و تبنا إليك‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: تنوخا من القرية و تنحيّا عنهم غير بعيد و رجع يونس إلى قومه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: خرج.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أنكر بكم.

(5) فأجفلوا، أي: أسرعوا نحوه بالذهاب.

(6) بعض نسخ المصدر: بالرقّة.

104

من ذنوبنا. و إن لا تغفر لنا و ترحمنا، لنكوننّ من الخاسرين المعذّبين. فاقبل توبتنا و ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين. ثمّ لا تملّوا من البكاء و الصّراخ و التّضرّع إلى اللَّه و التّوبة إليه حتّى توارى الشّمس بالحجاب، أو يكشف اللَّه عنكم العذاب قبل ذلك.

فأجمع رأي القوم على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل. فلمّا كان يوم الأربعاء الّذي توقّعوا فيه العذاب، تنحّى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم و يرى العذاب إذا نزل. فلمّا طلع الفجر يوم الأربعاء، فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به. فلمّا بزغت الشّمس، أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير و حفيف [و هدير] (1). فلمّا رأوها عجّوا جميعا بالصّراخ و البكاء و التّضرّع إلى اللَّه و تابوا إليه و استغفروه، و صرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمّهاتها، و عجّت سخال البهائم تطلب الثّدي، و عجّت‏ (2) الأنعام تطلب الرعاء. فلم يزالوا بذلك و يونس و تنوخا يسمعان صيحتهم‏ (3) و صراخهم، و يدعون اللَّه عليهم بتغليظ العذاب عليهم. و روبيل في موضعه يسمع صراخهم و عجّتهم‏ (4) و يرى ما نزل، و هو يدعو اللَّه بكشف العذاب عنهم.

فلمّا أن زالت الشّمس و فتحت أبواب السّماء و سكن غضب الرّبّ- تعالى- رحمهم الرّحمن، فاستجاب دعاءهم و قبل توبتهم و أقالهم عثرتهم.

و أوحى إلى إسرافيل: أن اهبط إلى قوم يونس. فإنّهم قد عجّوا إليّ بالبكاء و التّضرّع و تابوا إليّ و استغفروني، فرحمتهم و تبت عليهم. و أنا اللَّه التّوّاب الرّحيم، أسرع إلى قبول توبة عبدي التّائب من الذنب‏ (5). و قد كان عبدي، يونس، و رسولي سألني نزول العذاب على قومه، و قد أنزلته عليهم. و أنا اللَّه أحقّ من وفى بعهده و قد أنزلته عليهم، و لم يكن اشترط يونس حين سألني أن أنزل عليهم العذاب أن أهلكهم فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي.

فقال إسرافيل: يا ربّ، إنّ عذابك قد بلغ أكتافهم، و كاد أن يهلكهم، و ما أراه إلّا و قد نزل بساحتهم، فإلى أين أصرفه؟

فقال اللَّه: كلّا، إنّي قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه و لا ينزلوه عليهم حتّى يأتيهم‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: وسعت.

(3) بعض نسخ المصدر: ضجيجهم.

(4) المصدر: عجيجهم.

(5) المصدر: الذّنوب.

105

أمري فيهم و عزيمتي. فاهبط، يا إسرافيل، عليهم و اصرفه عنهم. و اصرف به إلى الجبال و بناحية مفاوض‏ (1) العيون و مجاري السّيول في الجبال العاتية العادية المستطيلة على الجبال، فأذلّها به و ليّنها حتّى تصير ملتئمة (2) حديدا جامدا.

فهبط إسرافيل عليهم، فنشر أجنحته، فاستاق بها ذلك العذاب حتّى ضرب بها تلك الجبال الّتي أوحى اللَّه إليه أن يصرفه إليها.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و هي الجبل الّتي بناحية الموصل اليوم، فصارت حديدا إلى يوم القيامة.

فلمّا رأى قوم يونس أنّ العذاب قد صرف عنهم، هبطوا إلى منازلهم من رؤوس الجبال و ضمّوا إليهم نساءهم و أولادهم و أموالهم، و حمدوا اللَّه على ما صرف عنهم.

و أصبح يونس و تنوخا يوم الخميس، في موضعهما الّذي كانا فيه، لا يشكّان أنّ العذاب قد نزل بهم و أهلكهم جميعا لمّا خفيت أصواتهم عنهما. فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس، مع طلوع الشّمس، ينظران إلى ما صار إليه القوم.

فلمّا دنوا و استقبلهم‏ (3) الحطّابون و الحمّارة و الرّعاة بأعناقهم و نظروا إلى أهل القرية مطمئنّين، قال يونس لتنوخا: يا تنوخا، كذّبني الوحي و كذبت وعدي لقومي. لا و عزّة ربّي، لا يرون لي وجها أبدا بعد ما كذبني‏ (4) الوحي.

فانطلق يونس هاربا على وجهه، مغاضبا لربّه ناحية بحر أيلة، مستنكرا فرارا من أن يراه أحد من قومه، فيقول له: يا كذّاب. فلذلك قال اللَّه: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ (الآية).

و رجع تنوخا إلى القرية فتلقى روبيل، فقال له: يا تنوخا، أيّ الرّأيين كان أصوب و أحقّ [أن يتّبع‏] (5) أ رأيي أو رأيك؟

فقال تنوخا: بل رأيك كان أصوب، و لقد كنت أشرت برأي العلماء و الحكماء.

و قال له تنوخا: أما إنّي لم أزل أرى أنّي أفضل منك لزهدي و فضل عبادتي، حتّى استبان فضلك بفضل علمك. و ما أعطاك اللَّه، ربّك من الحكمة مع التّقوى أفضل‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و ناحية مفاض.

(2) المصدر: مليّنة.

(3) المصدر: فلمّا دنوا من القوم و استقبلتهم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فأكذبني.

(5) من المصدر.

106

من الزّهد و العبادة بلا علم.

فاصطحبا، فلم يزالا مقيمين مع قومهما. و مضى يونس على وجهه مغاضبا لربّه، فكان من قصّته ما أخبر اللَّه به في كتابه. فآمنوا فمتّعناهم إلى حين.

قال أبو عبيدة: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: كم كان غاب يونس عن قومه حتّى رجع إليه بالنّبوّة و الرّسالة، فآمنوا به و صدّقوه؟

قال: أربعة أسابيع: سبعا منها في ذهابه إلى البحر، [و سبعا في بطن الحوت، و سبعا تحت الشّجرة بالعراء] (1)، و سبعا منها في رجوعه إلى قومه. فقلت له: و ما هذه الأسابيع، شهور أو أيّام أو ساعات؟

فقال: يا أبا عبيدة، إنّ العذاب أتاهم يوم الأربعاء في النّصف من شوّال و صرف عنهم من يومهم ذلك. فانطلق يونس مغاضبا، فمضى يوم الخميس سبعة أيّام في مسيره إلى البحر و سبعة أيّام في بطن الحوت و سبعة أيّام تحت الشّجرة بالعراء و سبعة أيّام في رجوعه إلى قومه. فكان ذهابه و رجوعه ثمانية و عشرون يوما. ثمّ أتاهم، فآمنوا به و صدّقوه و اتّبعوه. فلذلك قال: فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ‏.

عن أبي بصير (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أظلّ قوم يونس العذاب، دعوا اللَّه فصرفه عنهم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: كان في العلم أنّه يصرفه عنهم.

عن الثّماليّ‏ (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ يونس لمّا آذاه قومه، دعا اللَّه عليهم. فأصبحوا أوّل يوم و وجوههم صفر (4)، و أصبحوا اليوم الثّاني و وجوههم سود.

قال: و كان اللَّه واعدهم أن يأتيهم العذاب، حتّى نالوه برماحهم‏ (5). ففرّقوا بين النّساء و أولادهنّ و البقر و أولادها، و لبسوا المسوح و الصّوف، و وضعوا الحبال في أعناقهم و الرّماد على رؤوسهم، و ضجّوا ضجّة واحدة إلى ربّهم، و قالوا: آمنا بإله يونس.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(2) تفسير العياشي 2/ 136، ح 45.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 46.

(4) المصدر: صفرة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: برياحهم.

107

قال: فصرف اللَّه عنهم العذاب إلى جبال أمد (1).

قال: و أصبح يونس و هو يظنّ أنّهم هلكوا، فوجدهم في عافية.

عن معمّر (2) قال: قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ يونس لمّا أمره اللَّه [بما أمره‏] (3) فأعلم قومه فأظلّهم العذاب، فرقوا بينهم و بين أولادهم و بين البهائم و أولادها، ثمّ عجّوا و ضجّوا فكشف‏ (4) اللَّه عنهم العذاب.

و هذان الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبي بصير قال‏:

قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لأيّ علّة صرف اللَّه العذاب عن قوم يونس و قد أظلّهم، و لم يفعل كذلك بغيرهم من الأمم؟

قال: لأنّه كان في علم اللَّه أنّه سيصرفه عنهم لتوبتهم. و إنّما ترك إخبار يونس بذلك، لأنّه- عزّ و جلّ- أراد أن يفرّغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه و كرامته.

و بإسناده‏ (6) إلى سماعة، أنّه سمعه- (عليه السلام)- و هو يقول‏: ما ردّ اللَّه العذاب عن قوم قد أظلّهم إلّا قوم يونس.

فقلت: أ كان قد أظلّهم؟

فقال: نعم، حتّى نالوه بأكفّهم.

قلت: فكيف كان ذلك؟

قال: كان في العلم المثبت عند اللَّه- عزّ و جلّ- الّذي لم يطّلع عليه أحد أنّه سيصرفه عنهم.

و في الكافي‏ (7)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: إنّ جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس، و لم يسمعه يونس.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أعد. قال الحمويّ: آمد: أعظم ديار بكر.

(2) نفس المصدر و المجلد/ 137، ح 47.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: فكفّ.

(5) العلل/ 77، ح 1.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(7) نور الثقلين 2/ 330، ح 142، و تفسير الصافي 2/ 427 عنه.

108

و في تهذيب الأحكام‏ (1): عليّ بن الحسين‏ (2)، عن محمّد بن عبد اللَّه بن زرارة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن كثير النّوا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال‏، و قد ذكر يوم عاشوراء: و هذا اليوم الّذي تاب اللَّه فيه على قوم يونس- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال:

قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما ردّ اللَّه- عزّ و جلّ- العذاب إلّا عن قوم يونس. و كان يونس يدعوهم إلى الإسلام، فيأبوا ذلك، فهمّ أن يدعو عليهم. و كان فيهم رجلان، عابد و عالم. و كان اسم أحدهما مليخا (4)، و الآخر اسمه روبيل. و كان العابد يشير على يونس بالدّعاء عليهم، و كان العالم ينهاه و يقول: لا تدع‏ (5) عليهم، فإنّ اللَّه يستجيب لك و لا يحبّ هلاك عباده.

فقبل قول العابد، و لم يقبل قول العالم، فدعا عليهم.

فأوحى اللَّه إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا و كذا، و في شهر كذا و كذا، و في يوم كذا و كذا.

فلمّا قرب الوقت، خرج يونس من بينهم مع العابد و بقي العالم فيهم. فلمّا كان ذلك اليوم، نزل العذاب.

فقال العالم لهم: يا قوم، افزعوا إلى اللَّه- عزّ و جلّ- فلعلّه يرحمكم فيردّ العذاب عنكم.

فقالوا: كيف نصنع؟

قال: اجتمعوا و اخرجوا إلى المفازة، و فرّقوا بين النّساء و الأولاد و بين الإبل و أولادها و بين البقر و أولادها و بين الغنم و أولادها، ثمّ ابكوا و ادعوا.

فذهبوا و فعلوا ذلك و ضجّوا و بكوا، فرحمهم اللَّه و صرف عنهم العذاب. و فرّق العذاب على الجبال، و قد كان نزل و قرب منهم. فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم اللَّه، فرأى الزّارعين يزرعون في أرضهم.

____________

(1) التهذيب 4/ 300، ح 908. لخّص المؤلف الخبر.

(2) المصدر: علي بن الحسن.

(3) تفسير القمّي 1/ 317- 318.

(4) مرّ في الحديث السابق: أنّ اسمه «تنوخا».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تدعوا.

109

قال لهم: ما فعل قوم يونس؟

فقالوا له، و لم يعرفوه: إنّ يونس دعا عليهم، فاستجاب اللَّه- عزّ و جلّ- له و نزل العذاب عليهم. فاجتمعوا و بكوا و دعوا، فرحمهم اللَّه و صرف ذلك عنهم و فرّق العذاب على الجبال. فهم إذن يطلبون يونس، ليؤمنوا به.

فغضب يونس و مرّ على وجهه مغاضبا للّه، كما حكى اللَّه- تعالى-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في رواية أبي الجارود (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيّام، و نادى في الظّلمات، ظلمة بطن الحوت و ظلمة اللّيل و ظلمة البحر:

أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏. فاستجاب اللَّه له، فأخرجه الحوت إلى السّاحل، ثمّ قذفه فألقاه بالسّاحل. و أنبت اللَّه عليه شجرة من يقطين: و هو القرع.

فكان يمصّه و يستظلّ به و بورقه. و كان تساقط شعره و رقّ جلده. و كان يونس يسبّح اللَّه و يذكره باللّيل و النّهار.

فلمّا أن قوي و اشتدّ، بعث اللَّه دودة فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثمّ يبست. فشقّ ذلك على يونس، فظلّ حزينا.

فأوحى اللَّه إليه: ما لك حزينا، يا يونس؟

قال: يا ربّ، هذه الشّجرة الّتي كانت تنفعني فسلّطت عليها دودة فيبست.

قال: يا يونس، أحزنت لشجرة لم تزرعها و لم تسقها و لم تعن‏ (2) بها إن يبست حين استغنيت عنها، و لم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف أردت أن ينزل عليهم العذاب. إنّ أهل نينوى آمنوا و اتّقوا، فارجع إليهم.

فانطلق يونس إلى قومه. فلمّا دنا يونس من نينوى، استحيى أن يدخل.

فقال لراع لقيه: ائت أهل نينوى و قل لهم: إنّ هذا يونس قد جاء.

قال له الرّاعي: أ تكذب، أما تستحيي و يونس قد غرق في البحر و ذهب؟

قال له يونس: اللّهم، إنّ هذه الشّاة تشهد لك أنّي يونس.

فنطقت الشّاة بأنّه يونس. فلمّا أتى الرّاعي قومه و أخبرهم، أخذوه و همّوا بضربه.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 319- 320.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم تعبأ.

110

فقال: إنّ لي بيّنة بما أقول.

قالوا: من يشهد لك؟

قال: هذه الشّاة تشهد.

فشهدت بأنّه صادق، و أنّ يونس قد ردّه اللَّه إليهم. فخرجوا يطلبونه، فجاءوا به و آمنوا و حسن إيمانهم. فمتّعهم اللَّه إلى حين: و هو الموت، و أجارهم من ذلك العذاب.

و عن عليّ‏ (1)- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول في آخره: و أنبت اللَّه عليه شجرة من يقطين: و هي الدّبا، فأظلّته من الشّمس فسكن‏ (2). ثمّ أمر الشّجرة، فتنحّت عنه و وقع الشّمس عليه، فجزع.

فأوحى اللَّه إليه: يا يونس، لم لم ترحم مائة ألف أو يزيدون، و أنت تجزع من ألم ساعة؟

فقال: ربّ، عفوك عفوك.

فردّ اللَّه عليه بدنه، و رجع إلى قومه و آمنوا به. و هو قوله: فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ‏.

و في روضة الكافي‏ (3): عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد اللَّه بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ للَّه- عزّ و جلّ- رياح رحمة و رياح عذاب. فإن شاء أن يجعل الرّياح من العذاب رحمة، فعل.

قال: و لن يجعل الرّحمة من الرّيح عذابا.

قال: و ذلك أنّه لم يرحم قوما قطّ أطاعوه فكانت طاعتهم إياه و بالا عليهم، إلّا بعد تحولّهم عن طاعته. قال: و كذلك فعل بقوم يونس لمّا آمنوا، رحمهم اللَّه بعد ما كان قدّر عليهم العذاب و قضاه. ثمّ تداركهم برحمته، فجعل العذاب المقدّر عليهم رحمة، فصرفه عنهم و قد أنزله عليهم و غشيهم. و ذلك لما آمنوا به و تضرّعوا إليه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و في العلل الّتي ذكرها الفضل بن شاذان- (رحمه اللّه)- عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: إنّما جعل للكسوف صلاة، لأنّه من آيات اللَّه- عزّ و جلّ-

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 319.

(2) المصدر: فشكر.

(3) الكافي 8/ 92، ح 64.

(4) الفقيه 1/ 342، ح 1513.

111

لا يدرى أ لرحمة ظهرت أم لعذاب. فأحبّ النّبيّ أن تفزع أمّته إلى خالقها و راحمها عند ذلك، ليصرف عنهم شرّها و يقيهم‏ (1) مكروهها، كما صرف عن قوم يونس حين تضرّعوا إلى اللَّه- عزّ و جلّ-.

وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ‏: إيمان كلّ من في الأرض مشيئة حتم.

لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ‏: بحيث لا يشذّ منهم أحد.

جَمِيعاً: مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه. و لكن- حينئذ- يفوتهم استحقاق الثّواب، و ينافي فائدة التّكليف.

أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ (99).

و ترتيب الإكراه على المشيئة «بالفاء» و إيلاؤها حرف الاستفهام، للإنكار.

و تقديم الضّمير على الفعل، للدّلالة على أنّ شأن النّبيّ- أيضا- التّبليغ لا الإكراه للجمع على الإيمان، فإنّه لا يمكنه.

و في كتاب التّوحيد (2): أبي قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: اجعلوا أمركم للّه، و لا تجعلوه للنّاس. فإنّه ما كان للّه، فهو للّه- عزّ و جلّ-. و ما كان للنّاس، فلا يصعد إلى اللَّه. لا تخاصموا النّاس لدينكم، فإنّ المخاصمة ممرضة للقلب. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. و قال: أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏. ذروا النّاس، فإنّ النّاس أخذوا عن النّاس، و أنّكم أخذتم عن رسول اللَّه. و أنّي سمعت أبي يقول: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطّير إلى وكره.

وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏: إلّا بإرادته و ألطافه و توفيقه. فلا تجهد نفسك في هداها، فإنّه إلى اللَّه.

وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ‏: العذاب. أو الخذلان، فإنّه سببه.

و قرئ‏ (3)، بالزّاء.

و قرأ (4) ابو بكر: «و نجعل» بالنّون.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و يقيها.

(2) التوحيد/ 414، ح 13.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 458.

112

عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ‏ (100): لا يستعملون عقولهم بالنّظر في الحجج و الآيات. أو لا يعقلون دلائله و أحكامه لما على قلوبهم من الطّبع.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا من الأخبار في التّوحيد: حدّثنا [تميم بن‏] (2) عبد اللَّه بن تميم القرشي قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن أبي الصّلت، عبد السّلام بن صالح الهروي قال‏: سأل المأمون أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- جلّ ثناؤه-: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ‏- إلى قوله- إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏.

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: حدّثني أبي، موسى بن جعفر، عن أبيه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين، عن أبيه، الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: إنّ المسلمين قالوا لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو أكرهت، يا رسول اللَّه، من قدرت عليه من النّاس على الإسلام لكثر عددنا و قوّتنا على عدوّنا.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما كنت لألقى اللَّه- تعالى- ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئا و ما أنا من المتكلّفين.

فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى- عليه: يا محمّد وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً على سبيل الإلجاء و الاضطرار في الدّنيا، كما يؤمنون‏ (3) عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة. و لو فعلت ذلك بهم، لم يستحقّوا منّي ثوابا و لا مدحا. و لكنّي أريد منكم أن تؤمنوا مختارين غير مضطرّين، لتستحقوا منّي الزلفى و الكرامة و دوام الخلود في جنّة الخلد. أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏.

و أمّا قوله: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏، فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها و لكن على معنى: أنّها ما كانت لتؤمن إلّا بإذن اللَّه. و «إذنه» أمره لها بالإيمان ما كانت مكلّفة متعبّدة، و إلجاؤه إيّاها إلى الإيمان عند زوال [التكليف‏] (4) التّعبّد عنها.

فقال المأمون: فرّجت عنّي، [يا أبا الحسن‏] (5) فرّج اللَّه عنك.

____________

(1) العيون 1/ 110، ح 33.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يؤمن.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

113

قُلِ انْظُرُوا: أي: تفكّروا.

ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: من عجائب صنعه، ليدلّكم على وحدته و كمال قدرته.

و «ما ذا» إن جعلت استفهاميّة علّقت «انظروا» عن العمل.

وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ‏ (101): في علم اللَّه و حكمه.

و «ما» نافية. أو استفهاميّة في موضع النّصب.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن هلال، عن أميّة بن عليّ، عن داود الرّقيّ قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ‏.

قال: «الآيات» هم الأئمّة. و «النّذر» هم الأنبياء- (عليهم السلام)-.

و في روضة الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللَّه بن يحيى الكاهليّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ ما تُغْنِي‏- إلى قوله- لا يُؤْمِنُونَ‏.

قال: لمّا اسري برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أتاه جبرئيل بالبراق. فركبها فأتى بيت المقدس، فلقي من لقي من إخوانه من الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-. ثمّ رجع فحدّث أصحابه: إنّي أتيت بيت المقدس و رجعت من اللّيلة، و قد جاءني جبرئيل بالبراق فركبتها. و آية ذلك أنّي مررت بعير لأبي سفيان على ماء لبني فلان، و قد أضلّوا جملا لهم أحمر، و قد همّ القوم في طلبه.

فقال بعضهم لبعض: إنّما جاء الشّام و هو راكب سريع، و لكنّكم قد أتيتم الشّام و عرفتموها، فسلوه عن أسواقها و أبوابها و تجّارها.

فقالوا: يا رسول اللَّه، كيف الشّام و كيف أسواقها؟

قال: و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا سئل عن الشّي‏ء لا يعرفه، شقّ عليه حتّى يرى ذلك في وجهه.

قال: فبينما هو كذلك إذ أتاه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا رسول اللَّه، هذه‏

____________

(1) الكافي 1/ 207، ح 1.

(2) نفس المصدر 8/ 346، ح 555.

114

الشّام قد رفعت لك.

فالتفت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإذا هو بالشّام بأبوابها و أسواقها و تجّارها.

قال: أين السّائل عن الشّام؟

فقالوا له: فلان و فلان.

فأجابهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في كلّ ما سألوه عنه، فلم يؤمن منهم إلّا قليل. و هو قول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ‏.

ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: نعوذ باللّه أن لا نؤمن باللّه و رسوله، آمنا باللّه و رسوله.

فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ‏، مثل وقائعهم، و نزول بأس اللَّه بهم إذ لا يستحقّون غيره. من قولهم: أيّام العرب لوقائعها.

قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (102): لذلك. أو فانتظروا هلاكي إنّي معكم من المنتظرين هلاككم.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن محمّد بن الفضل‏ (2)، عن أبي الحسن، الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن شي‏ء في الفرج.

فقال: أو ليس تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج؟ إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول:

فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏.

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا: عطف على محذوف دلّ عليه‏ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا، كأنّه قيل: نهلك الأمم ثمّ ننجّي رسلنا و من آمن بهم. على حكاية الحال الماضية.

كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (103): كذلك الإنجاء. أو إنجاء كذلك ننجّي محمّدا و صحبه حين نهلك المشركين.

و حَقًّا عَلَيْنا قيل: اعتراض. و نصبه بفعل مقدّر، أي: حقّ ذلك علينا حقّا.

و قيل‏ (3): بدل من «كذلك».

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 138، ح 50.

(2) المصدر: محمد بن الفضيل.

(3) أنوار التنزيل 1/ 459.

115

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن مصقلة الطحّال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

ما يمنعكم أن تشهدوا على من مات منكم على هذا الأمر أنّه من أهل الجنّة؟ إنّ اللَّه يقول: كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ‏.

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ قيل‏ (2): خطاب لأهل مكّة.

إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي‏: و صحّته.

فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ‏: فهذا خلاصة ديني اعتقادا و عملا. فاعرضوها على العقل الصّرف و انظروا فيها بعين الإنصاف، لتعلموا صحّتها. و هو أنّي لا أعبد ما تخلقونه و تعبدونه، و لكن أعبد خالقكم الّذي هو يوجدكم و يتوفّاكم.

و إنّما خصّ التّوفّي بالذّكر، للتّهديد.

وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (104): بما دلّ عليه العقل و نطق به الوحي.

و حذف الجار من «أن» يجوز أن يكون من المطّرد مع «أن». و أن يكون من غيره، كقوله:

أمرتك بالخير فافعل ما أمرت به‏

وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ‏: عطف على «أن أكون»، غير أنّ صلة «أن» محكيّة بصيغة الأمر. و لا فرق بينهما في الغرض، لأنّ المقصود وصلها بما يتضمّن معنى المصدر لتدلّ معه عليه. و صيغ الأفعال كلّها كذلك، سواء الخبر منها و الطّلب.

و المعنى: و أمرت بالاستقامة في الدّين و الاشتداد فيها بأداء الفرائض و الانتهاء عن القبائح، أو في الصّلاة باستقبال القبلة.

حَنِيفاً: حال من «الدّين» أو «الوجه».

وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (105) وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ‏: بنفسه إن دعوته أو خذلته.

فَإِنْ فَعَلْتَ‏: فإن دعوته.

فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (106): جزاء للشّرط، و جواب لسؤال مقدّر عن تبعة

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 138، ح 51.

(2) أنوار التنزيل 1/ 459.

116

الدّعاء.

وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ: و إن يصبك به.

فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ: إلّا اللَّه.

وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ: فلا دافع.

لِفَضْلِهِ‏: الّذي أرادك به.

و لعلّه ذكر الإرادة مع الخير و المسّ مع الضّرّ، مع تلازم الأمرين، للتّنبيه على أنّ الخير مراد بالذّات و أنّ الضّرّ إنّما مسّهم لا بالقصد الأوّل.

و وضع الفضل موضع الضّمير، للدّلالة على أنّه متفضّل بما يريد بهم من الخير لا استحقاق لهم عليه. و لم يستثن، لأنّ مراد اللَّه لا يمكن ردّه.

يُصِيبُ بِهِ‏: بالخير.

مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ (107): فتعرّضوا لرحمة بالطّاعة، و لا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏: رسوله أو القرآن، و لم يبق لكم عذر.

فَمَنِ اهْتَدى‏: بالإيمان و المتابعة.

فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ‏: لانّ نفعه لها.

وَ مَنْ ضَلَ‏: بالكفر بهما.

فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها: لأنّ وبال الضّلال عليها.

وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ‏ (108): بحفيظ موكول إليّ أمركم، و إنّما أنا بشير و نذير.

وَ اتَّبِعْ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ‏: بالامتثال و التّبليغ.

وَ اصْبِرْ: على دعوتهم و تحمّل أذيّتهم.

حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ‏: بالنّصرة، أو بالأمر بالقتال.

وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏ (109): إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطّلاعه على السّرائر اطّلاعه على الظّواهر.

117

تفسير سورة هود

119

سورة هود مكّيّة. و هي مائة و ثلاث و عشرون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي محمّد، الحسن بن عليّ‏ (2)- (عليهما السلام)- قال‏: من قرأ سورة هود في كلّ جمعة، بعثه اللَّه- عزّ و جلّ- يوم القيامة في زمرة النّبيّين، و لم يعرف له خطيئة عملها يوم القيامة.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح- (عليه السلام)- و كذّب به، و هود و صالح و شعيب و لوط و إبراهيم و موسى. و كان يوم القيامة من السّعداء.

و روى الثّعلبيّ‏ (4)، بإسناده: عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال‏: قيل:

يا رسول اللَّه، قد أسرع إليك الشّيب.

قال: شيّبتني هود و أخواتها.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال‏: قال أبو بكر:

يا رسول اللَّه، أسرع إليك الشّيب.

قال: شيّبتني هود، و الواقعة، و المرسلات، و عمّ يتساءلون.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 133.

(2) المصدر: أبي جعفر محمد بن علي.

3 و 4- المجمع 3/ 140.

(5) الخصال/ 199، ح 10.

120

الر كِتابٌ‏: مبتدأ و خبر. أو «كتاب» خبر مبتدأ محذوف. و سبق تأويل «الر» في أوّل سورة يونس.

أُحْكِمَتْ آياتُهُ‏: نظّمت نظما محكما، لا يعتريه إخلال من جهة اللّفظ و المعنى.

قيل‏ (1): أو منعت من الفساد و النّسخ، فإنّ المراد آيات السّورة و ليس فيها منسوخ.

أو أحكمت بالحجج و الدّلائل. أو جعلت حكيمة، منقول‏ (2) من حكم بالضّمّ: إذا صار حكيما. لأنّها مشتملة على أمّهات الحكم النّظريّة و العمليّة.

ثُمَّ فُصِّلَتْ‏: بالفوائد، من العقائد و الأحكام و المواعظ و الأخبار. أو بجعلها سورا. أو بالإنزال نجما نجما. أو فصّل فيها و لخّص ما يحتاج إليه.

و قرئ‏ (3): «ثمّ فصلت»، أي: فرقت بين الحقّ و الباطل. و أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏ على البناء للمتكلّم. و «ثمّ» للتّفاوت في الحكم أو للتّراخي في الأخبار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: هو القرآن.

مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1): صفة أخرى للكتاب. أو خبر بعد خبر. أو صلة ل «أحكمت» أو «فصّلت». و هو تقرير لإحكامها و تفصيلها على أكمل ما ينبغي، باعتبار ما ظهر أمره و ما خفي.

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ‏: لأن لا تعبدوا.

و قيل‏ (5): «أن» مفسّرة، لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول.

و قيل‏ (6): يجوز أن يكون كلاما مبتدأ، للإغراء على التّوحيد. أو الأمر بالتّبرؤ من عبادة الغير، كأنّه قيل: ترك عبادة غير اللَّه، بمعنى: ألزموه‏ (7)، أو اتركوها (8) تركا.

إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ‏: من اللَّه.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 460.

(2) كذا في المصدر، و في أ، ب، ر: مفعولة.

و في سائر النسخ: منقولة.

(3) أنوار التنزيل 1/ 460.

(4) تفسير القمّي 1/ 321.

(5) أنوار التنزيل 1/ 460.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ب: الزموها.

(8) أ، ب، ر: تركوها.

121

نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ (2): بالعقاب على الشّرك، و الثّواب على التّوحيد.

وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ‏: عطف على «ألّا تعبدوا».

ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏: ثمّ توسّلوا إلى مطلوبكم بالتّوبة. فإنّ المعرض عن طريق الحقّ لا بدّ له من رجوع.

و قيل‏ (1): استغفروا من الشّرك، ثمّ توبوا إلى اللَّه بالطّاعة.

و يجوز أن يكون «ثمّ» لتفاوت ما بين الأمرين.

يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً: يعيّشكم في أمن و دعة.

إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: هو آخر أعماركم المقدّرة. أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال.

وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ‏: و يعط كلّ ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدّنيا و الآخرة. و هو وعد للموحد التّائب بخير الدّارين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّ ذلك عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.

و نقل ابن مردويه‏ (3) من العامّة (4)، بإسناده: عن رجاله، عن ابن عبّاس قال: قوله- تعالى-: وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ‏ أنّ المعنيّ به: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

وَ إِنْ تَوَلَّوْا: و إن تتولّوا.

فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3): يوم القيامة.

و قيل‏ (5): يوم الشّدائد، و قد ابتلوا بالقحط حتّى أكلوا الجيف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّه الدّخان و الصّيحة.

و قرئ‏ (7): «و إن تولّوا» من ولي.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 461.

(2) تفسير القمّي 1/ 321.

(3) أي: و هو من العامة.

(4) تفسير البرهان 2/ 206، ح 5 عنه.

(5) أنوار التنزيل 1/ 461.

(6) تفسير القمّي 1/ 321.

(7) أنوار التنزيل 1/ 461.

122

إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ‏: رجوعكم في ذلك اليوم. و هو شاذّ عن القياس.

وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (4): فيقدر على تعذيبهم أشدّ عذاب. و كأنّه تقدير لكبر اليوم.

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ‏: يثنونها عن الحقّ و ينحرفون عنه. أو يعطفونها على الكفر و عداوة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أو يولّون ظهورهم.

و قرئ‏ (1): «تثنوني» بالتّاء و الياء، من أثنوني، و هو بناء المبالغة.

و في الجوامع‏ (2): و في قراءة أهل البيت- (عليهم السلام)-: يثنوني، على يفعول‏ (3). من الثّني و هو [بناء] (4) مبالغة.

و «تثنون» من الثّن: و هو الكلأ الضّعيف. أراد به ضعف قلوبهم، أو مطاوعة صدورهم للثّني. و «نثنئنّ» من اثنأنّ، كابيأضّ، بالهمزة.

لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ‏: من اللَّه بسرّهم، فلا يطلع رسوله و المؤمنين عليه.

قيل‏ (5): أو من رسوله.

قيل‏ (6): إنّها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إذا أرخينا ستورنا و استغشينا ثيابنا و طوينا صدورنا على عداوة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، كيف يعلم.

و قيل‏ (7): نزلت في المنافقين. و فيه نظر، إذ الآية مكّيّة، و النّفاق حدث بالمدينة.

و في روضة الكافي‏ (8): ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: أخبرني جابر بن عبد اللَّه، أنّ المشركين كانوا إذا مرّوا برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حول البيت، طأطأ أحدهم ظهره و رأسه- هكذا- و غطّى رأسه بثوبه حتّى‏ (9) لا يراه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأنزل اللَّه الآية.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: يكتمون ما في صدورهم من بغض عليّ- (عليه السلام)-. قال رسول اللَّه- صلّى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 461.

(2) الجوامع/ 201.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يفعولي.

(4) من المصدر.

(5) تفسير الصافي 2/ 431.

(6) أنوار التنزيل 1/ 461.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) الكافي 8/ 144، ح 115.

(9) ليس في المصدر.

(10) تفسير القمّي 1/ 321.

123

اللَّه عليه و آله-: إنّ آية المنافق بغض عليّ- (عليه السلام)- [قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) فكان قوم يظهرون المودّة لعليّ- (عليه السلام)- عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و يسرّون‏ (2) بغضه.

أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ‏: ألا حين يأوون إلى فراشهم يتغطّون‏ (3) ثيابهم كراهة استماع كلام اللَّه، كقوله: جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏.

و قيل‏ (4): يتغطّون بثيابهم.

يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ‏: في قلوبهم.

وَ ما يُعْلِنُونَ‏: بأفواههم. يستوي في علمه سرّهم و علتهم، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه.

إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5): بالأسرار ذات الصّدور، أو بالقلوب و أحوالها.

وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها: غذاؤها و معاشها، لتكفّله إيّاه تفضّلا و رحمة. و إنّما أتى بلفظ الوجوب، تحقيقا لوصوله، و حملا على التّوكّل فيه.

وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها: أماكنها في الحياة و الممات. أو الأصلاب و الأرحام. أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل، و مودعها من الموادّ و المقارّ حين كانت بعد بالقوة.

كُلٌ‏ كلّ واحد من الدّوابّ و أحوالها.

فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (6): مذكور في اللّوح المحفوظ. و كأنّه أريد بالآية: بيان كونه عالما بالمعلومات كلّها و بما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها، تقريرا للتّوحيد و لما سبق من الوعد الوعيد.

و في نهج البلاغة (5): قال- (عليه السلام)-: قسّم أرزاقهم، و أحصى آثارهم و أعمالهم، و عدّد أنفسهم‏ (6) و خائنة أعينهم و ما تخفي صدورهم من الضّمير، و مستقرّهم‏

____________

(1) من الهامش و ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يسترون.

(3) أ، ب، ر: يقطعون.

(4) أنوار التنزيل 1/ 461، و تفسير الصافي 2/ 431.

(5) نهج البلاغة/ 123، ضمن خطبة 9.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قسّم أرزاقهم، و أعمارهم، و عدّد أنفاسهم.

124

و مستودهم من الأرحام و الظّهور، إلى أن تتناهى بهم‏ (1) الغايات.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): محمد بن فضيل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: أتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل من أهل البادية.

فقال: يا رسول اللَّه، إنّ لي بنين و بنات و إخوة و أخوات و بني بنين و بني بنات و بني إخوة و بني أخوات، و المعيشة علينا خفيفة (3). فإن رأيت، يا رسول اللَّه، أن تدعو اللَّه أن يوسّع علينا؟

قال: و بكى. فرقّ له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (4) و قرأ: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏. و قال و (5) من كفل بهذه الأفواه المضمونة على اللَّه رزقها، صبّ اللَّه عليه الرّزق صبّا، كالماء المنهمر.

إن قليل فقليلا، و إن كثير فكثيرا.

قال: ثمّ دعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمّن له المسلمون.

قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فحدّثني من رأى الرّجل في زمن عمر، فسأله عن حاله.

فقال: من أحسن من خوّله‏ (6) حلالا و أكثرهم مالا.

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏، أي: خلقهما و ما فيهما، كما مرّ بيانه في الأعراف. أو ما في جهتي العلو و السّفل. و جمع السّموات دون الأرضين، لاختلاف العلويّات بالأصل و الذّات دون السّفليّات.

و في الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- خلق الدّنيا في ستّة أيّام، ثمّ اختزلها (8) عن أيّام السّنة. فالسّنة ثلاثمائة و أربع و خمسون يوما.

و في كتاب الاحتجاج‏ (9) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تناهى لهم.

(2) تفسير العياشي 2/ 139- 140، ح 3.

(3) لعلّه مصحّف «ضيّقة».

(4) المصدر: فرقّ له المسلمون‏

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ ... الخ.

(5) ليس في المصدر، و ب: و قال و.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حوله. و خوّله اللَّه المال: أعطاه إيّاه متفضّلا و ملكه إيّاه.

(7) الكافي 4/ 78، صدر ح 2.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أخذتها.

(9) الاحتجاج 1/ 379.

125

و فيه: و أمّا قوله: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ (1) فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ ذكره- أنزل‏ (2) عزائم الشّرائع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة، كما خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏. و لو شاء لخلقها في أقل من لمح البصر (3)، و لكنّه جعل الأناة و المداراة أمثالا (4) لأمنائه و إيجابا للحجّة على خلقه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏- إلى قوله‏ (6)- وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. و ذلك في مبتدأ (7) الخلق، أنّ الرّبّ- تبارك و تعالى- خلق الهواء، ثمّ خلق القلم فأمره أن يجري.

فقال: يا ربّ، بما أجري؟

فقال: بما هو كائن.

ثمّ خلق الظّلمة من الهواء، و خلق النّور من الهواء، [و خلق الماء من الهواء،] (8) و خلق العرش من الهواء، و خلق العقيم‏ (9) من الهواء، و هو الرّيح الشّديد، و خلق النّار من الهواء، و خلق الخلق كلّهم من هذه السّتّة الّتي خلقت من الهواء. فسلّط العقيم على الماء، فضربته فأكثرت الموج و الزّبد، و جعل يثور دخانه في الهواء.

فلمّا بلغ الوقت الّذي أراد، قال للزّبد: اجمد، فجمد. و قال للموج: اجمد، فجمد. فجعل الزّبد أرضا، و جعل الموج جبالا رواسي للأرض.

فلمّا أجمدها، قال للرّوح و القدرة: سوّيا عرشي إلى السّماء، فسوّيا عرشه إلى السّماء. و قال للدّخان: اجمد، فجمد. ثمّ قال له: ازفر، فزفر. فناداها و الأرض جميعا ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏.

فلمّا أخذ في رزق خلقه خلق السّماء و جنانها (10) و الملائكة يوم الخميس، و خلق‏

____________

(1) سبأ/ 46.

(2) المصدر: نزّل.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و لو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مثالا.

(5) تفسير القمّي 1/ 321- 322.

(6) ليس في المصدر: إلى قوله.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: مبدأ.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الغيم.

(10) المصدر: جناتها.

126

الأرض يوم الأحد، و خلق دواب البرّ و البحر يوم الاثنين، و هما اليومان اللّذان يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ‏ (1). و خلق الشّجر و نبات الأرض‏ (2) و أنهارها و ما فيها و الهوامّ في يوم الثّلاثاء، و خلق الجانّ، و هو أبو الجنّ يوم السّبت، و خلق الطّير في يوم الأربعاء، و خلق آدم في ستّ ساعات في يوم الجمعة. فهذه‏ (3) السّتّة الأيّام خلق اللَّه السّموات و الأرض و ما بينهما.

و في روضة الكافي‏ (4): عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللَّه خلق الخير يوم الأحد [و ما كان ليخلق الشّرّ قبل الخير، و في يوم الأحد] (5) و الاثنين خلق الأرضين، و خلق أقواتها في يوم الثّلاثاء، و خلق السّموات يوم الأربعاء و يوم الخميس، و خلق أقواتها يوم الجمعة. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏.

وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ: قبل خلقهما.

قيل‏ (6): لم يكن حائل بينهما، لا أنّه كان موضوعا على متن الماء. و استدلّ به على إمكان الخلاء، و أنّ الماء أوّل حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم.

و قيل‏ (7): كان الماء على متن الرّيح.

و في كتاب التّوحيد (8): حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقّاق- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ قال: حدّثنا جذعان بن نصر [أبو نصر] (9) الكنديّ قال: حدّثنا سهل بن زياد الآدميّ، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللَّه‏ (10) بن كثير، عن داود الرّقّيّ قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.

فقال لي: ما يقولون [في ذلك‏] (11).

____________

(1) فصّلت/ 9.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و النبات و الأرض.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ففي هذه.

(4) الكافي 8/ 145، ح 117.

(5) من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 1/ 462.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) التوحيد/ 319- 320، ح 1.

(9) من المصدر.

(10) بعض نسخ المصدر: عبد الرحمن.

(11) من المصدر.

127

قلت: يقولون: إنّ العرش كان على الماء، و الرّبّ فوقه.

فقال: كذبوا. من زعم هذا، فقد صيّر اللَّه محمولا و وصفه بصفة المخلوقين و لزمه أنّ الشّي‏ء الّذي يحمله أقوى منه.

قلت: بيّن لي، جعلت فداك.

فقال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- حمّل علمه و دينه الماء قبل أن تكون سماء أو أرض أو إنس أو جنّ أو شمس أو قمر. فلمّا أراد أن يخلق الخلق، نثرهم بين يديه.

فقال لهم: من ربّكم؟

فكان أوّل من نطق رسول اللَّه و أمير المؤمنين و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)-. فقالوا:

أنت ربّنا.

فحمّلهم العلم و الدّين. ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي و ديني و أمنائي في خلقي، و هم المسئولون.

ثمّ قيل لبني آدم: أقرّوا للّه بالرّبوبيّة و لهؤلاء النّفر بالطّاعة.

فقالوا: نعم، ربّنا، أقررنا.

فقال للملائكة: اشهدوا.

فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏ (1).

إنّ‏ (2) ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق.

و على هذا الخبر، المراد بالعرش: العلم، كما سبق- أيضا- في الأخبار الاخر.

و معنى‏ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ: أنّ علمه التّفصيليّ الّذي هو عين الموجودات كان منحصرا في الماء. فلا يلزم إمكان الخلاء، و لا مح‏ (3) آخر.

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن داود الرّقّيّ قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.

فقال: ما يقولون؟

____________

(1) الأعراف/ 173.

(2) المصدر: «يا داود» بدل «إنّ».

(3) كذا في النسخ. و يمكن أن يكون «محلّ».

(4) الكافي 1/ 132- 133، صدر ح 7.

128

قلت: يقولون: إنّ العرش كان على الماء، و الرّب فوقه.

فقال: كذبوا. من زعم هذا، فقد صيّر اللَّه محمولا و وصفه بصفة المخلوقين‏ (1) و لزمه أنّ الشّي‏ء الّذي يحمله أقوى منه.

قلت: بيّن لي، جعلت فداك.

فقال: إنّ اللَّه حمّل دينه و علمه على‏ (2) الماء قبل أن يكون سماء أو أرض أو جن أو إنس أو شمس أو قمر.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن عبد اللَّه بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن سدير الصّيرفيّ قال‏: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (4).

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله. فابتدع السّموات و الأرضين، و لم يكن قبلهنّ سموات و لا أرضون. أما تسمع لقوله- تعالى-: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن عمران العجليّ قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّ شي‏ء كان موضع البيت حيث كان الماء في قول اللَّه- تعالى-: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ؟

قال: كان مهاة بيضاء، يعني: درّة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: خرج هشام بن عبد الملك حاجّا و معه الأبرش الكلبيّ، فلقيا أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- في المسجد الحرام.

فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟

قال: لا.

قال: هذا الّذي تزعم الشّيعة أنّه وصيّ إمام لكثرة (7) علمه.

____________

(1) المصدر: المخلوق.

(2) ليس في المصدر.

(3) الكافي 1/ 256، صدر ح 2.

(4) الأنعام/ 101.

(5) الكافي 4/ 188، ح 1.

(6) تفسير القمّي 2/ 69- 70.

(7) المصدر: «نبيّ من كثرة» بدل «وصيّ الامام لكثرة».

129

فقال الأبرش: لأسألنّه عن مسألة (1) لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ.

فقال هشام: وددت أنّك فعلت ذلك.

فلقي الأبرش أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)-. فقال: يا أبا عبد اللَّه، أخبرني عن قول اللَّه: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (2). فبما كان رتقهما، و بما كان فتقهما؟

فقال أبو عبد اللَّه: يا أبرش، هو كما وصف نفسه‏ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و الماء على الهواء، و الهواء لا يحدّ و لم يكن يومئذ خلق غيرهما، و الماء عذب فرات. فلمّا أراد أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربت الماء حتّى صار موجا، ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلا من زبد، ثمّ دحى الأرض من تحته فقال اللَّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً (3)، ثمّ مكث الرّبّ- تبارك و تعالى- ما شاء. فلمّا أراد أن يخلق السّماء، أمر الرّياح، فضربت البحور حتّى أزبدت بها. فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السّماء و جعل فيها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر و أجراها في الفلك. و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة. و ستقف عليه بتمامه عند قوله- تعالى-: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا (الآية) إن شاء اللَّه.

حدّثني أبي‏ (4)، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن الطّفيل‏ (5)، عن أبي جعفر، عن أبيه، عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال‏: و قد أرسل إليه ابن عبّاس يسأل عن مسائل: و أمّا ما سأل عنه من العرش ممّ خلقه اللَّه؟ فإنّ اللَّه خلقه أرباعا لم يخلق قبله إلّا ثلاثة أشياء: الهواء و القلم و النّور. ثمّ خلقه اللَّه ألوانا مختلفة (6).

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثني أبي‏ (7)، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام‏

____________

(1) المصدر: مسائل.

(2) الأنبياء/ 30.

(3) آل عمران/ 96.

(4) تفسير القمّي 2/ 23- 24.

(5) المصدر: أبي الطفيل.

(6) المصدر: ثمّ خلقه من ألوان أنوار مختلفة.

(7) تفسير القمّي 2/ 252 و الحديث عن علي بن الحسين- (عليهما السلام)-.

130

بن المستنير (1)، عن ثوير (2) بن أبي فاختة، و ذكر حديثا طويلا ستقف عليه إذا لزم إن شاء اللَّه- تعالى-. و فيه يقول- (عليه السلام)-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏، يعني: بأرض لم تكسب عليها الذّنوب، بارزة ليس عليها جبال و لا نبات، كما دحاها أوّل مرّة. و يعيد عرشه على الماء، كما كان أوّل مرّة، مستقلّا بعظمته و قدرته.

لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: متعلّق ب «خلق»، أي: خلق ذلك، كخلق من خلق، ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. فإنّ جملة ذلك أسباب و موادّ لوجودكم و معاشكم و ما تحتاج إليه أعمالكم، و دلائل و أمارات تستدلّون بها و تستنبطون منها.

و إنّما جاز تعليق فعل البلوى، لما فيه من معنى العلم من حيث أنّه طريق إليه، كالنّظر و الاستماع.

و إنّما ذكر صيغة التّفضيل و الاختبار الشّامل، لفرق المكلّفين باعتبار الحسن و القبح، للتّحريض على أحاسن المحاسن و التّحضيض على التّرقّي دائما من مراتب العمل و العلم. فإنّ المراد بالعمل ما يعمّ عمل القلب و الجوارح.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه‏] (4) عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.

قال: ليس معنى: أكثركم‏ (5) عملا، و لكن أصوبكم عملا. و إنّما الإصابة خشية اللَّه و النّيّة الصّادقة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و روى العامّة (6): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّكم أحسن عقلا (7)، و أورع عن محارم اللَّه، و أسرع في طاعة اللَّه.

____________

(1) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 370. و في النسخ: سالم بن المستنير.

(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 141. و في النسخ: ثور.

(3) الكافي 2/ 16، صدر ح 4.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: «يعني: أكثر» بدل «معنى:

أكثركم».

(6) أنوار التنزيل 1/ 462.

(7) ب: عملا.

131

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)-: ألا إنّ اللَّه قد كشف الخلق كشفة، لا أنّه جهل ما أخفوه من [مصون‏] (2) أسرارهم و (3) مكنون ضمائرهم «و لكن ليبلوهم أيّهم أحسن عملا». فيكون الثّواب جزاء، و العقاب بواء (4).

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ: عن [الحسن بن‏] (6) عليّ بن محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- أنّ أبا الحسن، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال‏: إنّ اللَّه خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون، فأمرهم‏ (7) و نهاهم. فما أمرهم به من شي‏ء، فقد جعل لهم السّبيل إلى الأخذ به. و ما نهاهم عنه من شي‏ء، فقد جعل لهم السّبيل إلى تركه. و لا يكونون آخذين و لا تاريكن إلّا بأذنه. [و ما جبر اللَّه أحدا من خلقه على معصية (8)، بل اختبرهم بالبلوى، كما قال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.

قوله- (عليه السلام)-: و لا يكونون آخذين و لا تاركين، إلّا بإذنه‏] (9) أي: إلّا (10) بتخليته‏ (11).

وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ‏ (7)، أي: ما البعث، أو القول به، أو القرآن المتضمّن لذكره إلّا، كالسّحر في الخديعة و البطلان.

و قرأ (12) حمزة و الكسائيّ: «إلّا ساحر». على أنّ الإشارة إلى القائل.

و قرئ‏ (13): «أنّكم» بالفتح. على تضمّن «قلت» معنى: ذكرت. أو «أنّ» بمعنى: علّ، أي: و لئن قلت علّكم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثكم و لا تبتّوا بإنكاره، لعدّوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره.

وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ‏: الموعود.

____________

(1) نهج البلاغة/ 200- 201، ضمن خطبة 144.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «في» بدل «و».

(4) البواء: المكافاة.

(5) الاحتجاج 2/ 158.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ممّا أمرهم.

(8) المصدر: معصيته.

(9) ليس في ب.

(10) ليس في المصدر.

(11) بتخليته و علمه.

12 و 13- أنوار التنزيل 1/ 462.

132

إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ: إلى جماعة من الأوقات قليلة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يعني به: الوقت.

لَيَقُولُنَ‏: استهزاء.

ما يَحْبِسُهُ‏: ما يمنعه من الوقوع.

أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ‏.

قيل‏ (2): كيوم بدر.

لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ‏: ليس العذاب مدفوعا عنهم.

و «يوم» منصوب بخبر ليس مقدّما عليه. و هو دليل على جواز تقديم خبرها عليها.

وَ حاقَ بِهِمْ‏: و أحاط بهم. وضع الماضي موضع المستقبل، تحقيقا و مبالغة في التّهديد.

ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (8)، أي: العذاب الّذي كانوا به يستعجلون. فوضع «يستهزئون» موضع «يستعجلون»، لأنّ استعجالهم كان استهزاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، يعني: إن متّعناهم في هذه الدّنيا إلى خروج القائم- (عليه السلام)- فنردّهم و نعذّبهم. لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ‏، أي: ليقولون لا يقوم القائم و لا يخرج على حدّ الاستهزاء.

أخبرنا أحمد بن إدريس‏ (4) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف عن‏ (5) حسّان، عن هشام بن عمّار، عن أبيه، و كان من أصحاب عليّ- (عليه السلام)-. [عن علي- (عليه السلام)-] (6) في قوله: وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ‏.

[قال:] (7) الأمة المعدودة أصحاب القائم- (صلوات اللّه عليه)- الثّلاثمائة و البضعة عشر.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 323. و الظاهر أنّه توضيح من نفس علي بن إبراهيم.

(2) أنوار التنزيل 1/ 462.

(3) تفسير القمّي 1/ 322.

(4) تفسير القمّي 1/ 323.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

133

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن الحسين، عن الخرّاز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ. [قال: هو القائم و أصحابه.

عن أبان بن مسافر (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: في قول اللَّه‏ وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ] (3)، يعني: عدّة، كعدّة بدر. لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ‏. قال: العذاب.

عن عبد الأعلى الحلبيّ‏ (4) قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أصحاب القائم الثّلاثمائة و البضعة عشر رجلا، هم و اللَّه الأمّة المعدودة، الّتي قال اللَّه في كتابه. و تلا هذه الآية.

قال: يجتمعون، و اللَّه‏ (5)، في ساعة واحدة قزعا (6)، كقزع الخريف.

و في روضة الكافي‏ (7)، و في مجمع البيان: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي خالد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً (8).

قال: «الخيرات» الولاية.

و قوله- تبارك و تعالى-: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً، يعني: أصحاب القائم الثّلاثمائة و البضعة عشر رجلا.

قال: و هم، و اللَّه، الأمّة المعدودة.

قال: يجتمعون، و اللَّه، في ساعة واحدة قزعا، كقزع الخريف.

وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً: و لئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذّتها.

ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ‏: ثمّ سلبنا تلك النّعمة منه.

إِنَّهُ لَيَؤُسٌ‏: قطوع رجاءه من فضل اللَّه، لقلّة صبره و عدم ثقته باللّه.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 141، ح 9.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 140، ح 7.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.

(4) تفسير العياشي 2/ 140، ح 8.

(5) المصدر: «له» بدل «و اللَّه».

(6) القزع- محرّكة-: قطع من السحاب متفرقة صغار.

(7) الكافي 8/ 313، ح 487، و المجمع 3/ 144 و لا يوجد فيه الّا ذيل الحديث مرسلا.

(8) البقرة/ 148.

134

كَفُورٌ (9): مبالغ في كفران ما سلف له من النّعمة.

وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ‏: كصحّة بعد سقم، و غنى بعد عدم.

و في اختلاف الفعلين في الإسناد نكتة لا تخفى.

لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي‏، أي: المصائب الّتي ساءتني.

إِنَّهُ لَفَرِحٌ‏: بطر بالنّعم، مغترّ بها.

فَخُورٌ (10): على النّاس، مشغول عن الشّكر و القيام بحقّها.

و في لفظ الإذاقة و المسّ تنبيه على أنّ ما يجده الإنسان في الدّنيا من النّعم و المحن، كالأنموذج لما يجده في الآخرة، و أنّه يقع في الكفران و البطر بأدنى شي‏ء. لأنّ الذّوق إدراك الطّعم، و المسّ مبتدأ الوصول.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: إذا أغنى اللَّه العبد ثمّ افتقر، أصابه الأياس و الجزع و الهلع. و إذا كشف اللَّه عنه ذلك، فرح.

إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: على الضّرّاء، إيمانا باللّه و استسلاما لقضائه.

وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: شكرا لآلائه، سابقها و لاحقها.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: صبروا في الشّدّة، و عملوا الصّالحات في الرّخاء.

أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ: لذنوبهم.

وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (11): أقلّه الجنّة.

و الاستثناء من الإنسان، لأنّ المراد به: الجنس. فإذا كان محلّى بالّلام، أفاد الاستغراق. و من حمله على الكافر، لسبق ذكرهم، جعل الاستثناء منقطعا.

فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ‏: تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك، و هو ما يخالف رأي المشركين، مخافة ردّهم و استهزائهم. و لا يلزم من توقّع الشّي‏ء لوجود ما يدعو إليه وقوعه، لجواز أن يكون ما يصرف عنه و هو عصمة الرّسل عن الخيانة في الوحي و الثّقة في التّبليغ هاهنا.

وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ‏: و عارض لك أحيانا ضيق صدرك، بأن تتلوه عليهم مخافة.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 323.

(2) نفس المصدر و المصدر.

135

أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ: ينفقه في الاستتباع، كالملوك.

أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ‏: يصدّقه.

و قيل‏ (1): الضّمير في «به» مبهم، يفسّره «أن يقولوا».

إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ: ليس عليك إلّا الإنذار بما أوحي إليك، و لا عليك ردّوا أو اقترحوا. فما بالك يضيق به صدرك.

وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ‏ (12): فتوكّل عليه، فإنّه عالم بحالهم و فاعل بهم جزاء أقوالهم و أفعالهم.

و في روضة الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [عن محمّد] (3) بن خالد و الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن عمّار بن سويد (4) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول في هذه الآية: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل قديد (5)، قال لعليّ- (عليه السلام)-: [يا علي‏] (6) إنّي سألت ربّي أن يوالي بيني و بينك، ففعل. و سألت ربّي أن يؤاخي بيني و بينك، ففعل. و سألت ربّي أن يجعلك وصيّي، ففعل.

فقال رجلان من قريش: و اللَّه، لصاع من تمر في شنّ بال‏ (7) أحب إلينا ممّا سأل محمّد ربّه. فهلّا سأل ربّه ملكا يعضده على عدوّه، أو كنزا يستغني به عن فاقته. و اللَّه، ما دعاه إلى حقّ و لا باطل إلّا أجابه إليه.

فأنزل اللَّه إليه: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ‏ (الآية).

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن جابر بن أرقم، عن أخيه، زيد بن أرقم قال‏: إنّ جبرئيل، الرّوح الأمين نزل على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عشيّة عرفة. فضاق بذلك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، مخافة تكذيب أهل الإفك و النّفاق. فدعا قوما أنا فيهم، فاستشارهم في ذلك ليقوم به في الموسم، فلم ندر

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 463.

(2) الكافي 8/ 378- 379، ح 572.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 612. و في النسخ: عمارة بن سويد.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: غديرا.

(6) من المصدر.

(7) شنّ بال: قربة بالية.

(8) تفسير العياشي 2/ 141، ح 10.

136

ما نقول له. و بكى- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال له جبرئيل: [ما لك‏] (1) يا محمّد، أجزعت من أمر اللَّه؟

فقال كلّا، يا جبرئيل، و لكن قد علم ربّي ما لقيت من قريش إذ لم يقرّوا لي بالرّسالة حتّى أمرني بجهادهم و أهبط إليّ جنودا من السّماء فنصروني. فكيف يقرّون لعليّ من بعدي؟

فانصرف عنه جبرئيل- (عليه السلام)-. فنزل عليه‏ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ‏ (الآية).

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ‏ «أم» منقطعة. و «الهاء» لما يوحى.

قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ‏: في البيان و حسن النّظم.

تحدّاهم أوّلا بعشر سور، ثمّ لمّا عجزوا عنها سهّل الأمر عليهم و تحدّاهم بسورة.

و توحيد المثل، باعتبار كلّ واحدة.

مُفْتَرَياتٍ‏: مختلقات من عند أنفسكم، إن صحّ أنّي اختلقته من عند نفسي. فإنّكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر لتعلّمكم القصص و الأشعار و تعوّدكم القريض و النّظم.

وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: إلى المعاونة على المعارضة.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (13): أنّه مفترى.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ‏: بإتيان ما دعوتم إليه.

و جمع الضّمير إمّا لتعظيم الرّسول، أو لأنّ المؤمنين- أيضا- كانوا يتحدّونهم. و كان أمر الرّسول متناولا لهم من حيث أنّه يجب اتّباعه عليهم في كلّ أمر إلّا ما خصّه الدّليل.

و للتّنبيه على أنّ التّحدّي ممّا يوجب رسوخ إيمانهم و قوّة يقينهم، فلا يغفلون عنه. و لذلك رتب عليه قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ‏: ملتبسا بما لا يعلمه إلّا اللَّه و لا يقدر عليه سواه.

وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: و اعلموا أن لا إله إلّا هو، اللَّه العالم القادر بما لا يعلم و لا يقدر عليه غيره، و لظهور عجز آلهتهم، و لتنصيص هذا الكلام الثّابت صدقه بإعجازه عليه.

و فيه تهديد و إقناط من أن يجيرهم من بأس اللَّه- تعالى- آلهتهم.

____________

(1) من المصدر.

137

فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (14): ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه، إذا تحقّق عندم إعجازه مطلقا.

و يجوز أن يكون الكلّ خطابا للمشركين.

و الضّمير في «لم يستجيبوا» ل «من استطعتم»، أي: فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم، و قد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، فاعلموا أنّه نظم لا يعلمه إلّا اللَّه، و أنّه منزل من عند اللَّه، و أنّ ما دعاكم إليه من التّوحيد حقّ، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجّة القاطعة؟

و في مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطّلب، و التّنبيه على قيام الموجب و زوال العذر.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: «فإن لم يستجيبوا لك» في ولاية عليّ- (عليه السلام)-. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ لعليّ ولايته.

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها: بإحسانه و برّه.

نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدّنيا، من الصّحّة و السعة و الرّئاسة و سعة الرّزق و كثرة الأولاد.

و قرئ‏ (2): «يوفّ» بالياء، أي.: يوفّ اللَّه. و «توفّ» بالتّاء، على البناء للمفعول. و «نوف» بالتّخفيف و الرّفع، لأنّ الشّرط ماض، كقوله:

و إن أتاه كريم‏ (3) يوم مسغبة* * * يقول لا غائب مالي و لا حرم‏

وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ‏ (15): لا ينقصون شيئا من أجورهم.

و الآية قيل‏ (4): في أهل الرّياء.

و قيل‏ (5): في المنافقين.

و قيل‏ (6): في الكفرة و برّهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن الصّادق- (عليه السلام)-، يعني: فلان و فلان.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 142، ضمن ح 11.

(2) أنوار التنزيل 1/ 464.

(3) المصدر، ب: خليل.

4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير العياشي 2/ 142، ضمن ح 11.

138

أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ: مطلقا في مقابلة ما عملوا.

لأنّهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة، و بقيت لهم أوزار العزائم السّيّئة.

وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها: لأنّه لم يبق لهم ثواب في الآخرة. أو لم يكن، لأنّهم لم يريدوا به وجه اللَّه. و العمدة في اقتضاء ثوابها هو الإخلاص.

و يجوز تعليق الظّرف ب «صنعوا». على أنّ الضّمير للدّنيا.

وَ باطِلٌ‏: في نفسه.

ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (16): لأنّه لم يعمل على ما ينبغي. و كأنّ كلّ واحدة من الجملتين علّة لما قبلها.

و قرئ‏ (1): «و باطلا» على أنّه مفعول «يعملون»، و «ما» إبهاميّة. أو في معنى المصدر، و «ما» موصولة على معنى: و بطل بطلانا ما كانوا يعملون. و «بطل» (2) على الفعل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال‏ (4): من عمل الخير على أن يعطيه اللَّه ثوابه في الدّنيا، أعطاه اللَّه ثوابه في الدّنيا، و كان له في الآخرة النّار.

و في مجمع البيان‏ (5): أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏: بشّروا (6) أمّتي بالثّناء و التّمكين في الأرض. فمن عمل منهم عملا للدّنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف.

فقال: أ ترى يخيب اللَّه هذا الخلق كلّه؟

فقال أبي: ما وقف [بهذا الموقف‏] (8) أحد إلّا غفر له، مؤمنا كان أو كافرا. إلّا أنّهم في مغفرتهم على ثلاث منازل: مؤمن غفر اللَّه له.

- إلى أن قال-: و كافر وقف هذا الموقف يريد (9) زينة الحياة الدّنيا، غفر اللَّه ما

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 464.

(2) أي: و قرئ: «و بطل».

(3) تفسير القمّي 1/ 324.

(4) ب: قال الجعفي.

(5) المجمع 3/ 148.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بشّر.

(7) الكافي 4/ 521- 522، ح 10.

(8) من المصدر.

(9) ليس في المصدر.

139

تقدّم من ذنبه إن تاب من الشّرك فيما بقي من عمره. و إن لم يتب، وفّاه أجره و لم يحرمه أجر هذا الموقف. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ‏: برهان من اللَّه يدلّه على الحقّ و الثّواب فيما يأتيه و يذره.

و «الهمزة» لإنكار أن يعقب ما هذا شأنه هؤلاء المقصّرين هممهم و أفكارهم على الدّنيا، و أن يقارب بينهم في المنزلة. و هو الّذي أغنى عن ذكر الخبر، و تقديره: أ فمن كان على بيّنة، كمن كان يريد الدّنيا.

وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ: من اللَّه يشهد له.

مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى‏، يعني: التّوراة.

و مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى‏ جملة مبتدأة.

و قرئ: «كتاب» بالنّصب، عطفا على الضّمير في «يتلوه»، أي: يتلو القرآن شاهد من كان على بيّنة دالّة على أنّه حقّ، كقوله- تعالى-: وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ‏.

و يقرأ: «من قبل القرآن التّوراة».

إِماماً: كتابا مؤتمّا به في الدّين.

وَ رَحْمَةً: على المنزّل عليهم، لأنّه الوصلة إلى الفوز بخير الدّارين.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن أحمد بن عمر الحلّال قال‏: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏.

فقال: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- الشّاهد على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على بيّنة من ربّه.

و في مجمع البيان‏ (2): عن الباقر و الرّضا- (عليهما السلام)-: أنّ الشّاهد منه عليّ بن‏

____________

(1) الكافي 1/ 190، ح 3.

(2) المجمع 3/ 150 ببعض التصرّف.

140

أبي طالب، يشهد للنّبيّ و هو منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): عن [الصّادق- (عليه السلام)-: إنّما نزل ا فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه إماما و رحمة و من قبله كتاب موسى.

حدّثني‏] (2) أبي‏ (3)، عن يحيى بن أبي عمران‏ (4)، عن يونس، عن أبي بصير و الفضيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّما أنزلت‏ أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ‏، يعني:

رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و يتلوه شاهد منه إماما و رحمة و من قبله كتاب موسى أولئك يؤمنون به. فقدّموا و أخّروا في التّأليف.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: الّذي على بيّنة من ربّه رسول اللَّه. و الّذي تلاه من بعده الشّاهد منه أمير المؤمنين، ثمّ أوصياؤه واحد بعد واحد.

عن جابر بن عبد اللَّه بن يحيى‏ (6) قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- و هو يقول: ما من رجل من قريش إلّا و قد نزل‏ (7) فيه آية أو آيتان من كتاب اللَّه.

فقال له رجل من القوم: فما نزل فيك، يا أمير المؤمنين؟

فقال: أما تقرأ الآية الّتي في هود أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏. محمّد على بيّنة من ربّه، و أنا الشّاهد.

و في بصائر الدّرجات‏ (8): محمّد بن الحسين، عن عبد اللَّه بن حمّاد، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و اللَّه، ما نزلت آية في كتاب اللَّه في ليل أو نهار إلّا و قد علمت أن فيمن أنزلت و لا ممّن على رأسه المواسي‏ (9) [من قريش‏] (10) إلّا و قد أنزلت فيه آية من كتاب اللَّه، تسوقه إلى الجنّة أو إلى‏

____________

(1) لم نعثر عليه في تفسير القمّي و لم ينقل عنه في تفسير البرهان و لكن نقل عنه في تفسير الصافي و نور الثقلين.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.

(3) تفسير القمّي 1/ 324.

(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 324. و في النسخ: يحيى بن عمران.

(5) تفسير العياشي 2/ 142، ح 12.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 13.

(7) المصدر: أنزلت.

(8) بصائر الدرجات/ 152- 153، ح 2 بإسقاط صدره.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: انزل و لا مرّ على رأسه الموسى.

(10) من المصدر.

141

النّار.

فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، ما الآية الّتي نزلت فيك؟

قال له: أما سمعت اللَّه يقول: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ- إلى قوله- شاهِدٌ مِنْهُ‏.

فرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على بيّنة من ربّه، و أنا شاهد له فيه و أتلوه منه‏ (1).

و على هذه الرّواية يكون المراد بالبيّنة: القرآن. و يكون «يتلوه» من التّلاوة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2): قال سليم بن قيس‏: سأل رجل عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

فقال، و أنا أسمع: أخبرني بأفضل منقبة لك.

قال: ما أنزل اللَّه في كتابه.

قال: و (3) ما أنزل اللَّه فيك؟ قال: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏ (4).

أنا الشّاهد من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و فيه‏ (5): في حديث‏ قال له بعض الزّنادقة: و أجد اللَّه يخبر أنّه يتلو نبيّه شاهد منه، و كان الّذي تلاه عبّد الأصنام برهة من دهره.

فقال- (عليه السلام)-: و أمّا قوله: وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏ فذلك حجّة اللَّه أقامها اللَّه على خلقه، و عرّفهم أنّه لا يستحقّ مجلس النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا من يقوم مقامه، و لا يتلوه إلّا من يكون في الطّهارة مثله بمنزلته‏ (6). لئلّا يتّسع لمن ماسّه حسّ‏ (7) الكفر في وقت من الأوقات انتحال الاستحقاق بمقام الرّسول، و ليضيّق العذر على من يعينه على إثمه و ظلمه. إذ كان اللَّه قد حظر على من ماسّه‏ (8) الكفر تقلّد ما فوّضه إلى أنبيائه و أوليائه بقوله‏ (9) لإبراهيم: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (10)، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما

____________

(1) المصدر: معه.

(2) الاحتجاج 1/ 231- 232.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «أو قال» بدل «قال و».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «أنّه سئل عن أفضل منقبة له فتلا هذه الآية و قال» بدل «قال:

أ فمن كان ... شاهد منه».

(5) الاحتجاج 1/ 365- 374.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: رجس.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مسّه.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول- تعالى-.

(10) البقرة/ 124.

142

بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ (1). فلمّا علم إبراهيم أنّ عهد اللَّه [بالإمامة] (2) لا ينال عبدة الأصنام قال: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ (3). و اعلم أنّ من آثر المنافقين على الصّادقين و الكفّار على الأبرار، فقد افترى على اللَّه إثما عظيما. إذ كان قد بيّن في كتابه الفرق بين المحقّ و المبطل و الطّاهر و النّجس و المؤمن و الكافر، و أنّه لا يتلو النّبيّ عند فقده إلّا من حلّ محلّه صدقا و عدلا و طهارة و فضلا.

و في أمالي شيخ الطّائفة (4)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه كان يوم الجمعة يخطب على المنبر، فقال: و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة، ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي‏ (5) إلّا و قد نزلت فيه آية من كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-.

أعرفها، كما أعرفه.

فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما آيتك الّتي أنزلت فيك؟

فقال: إذا سألت فافهم، و لا عليك أن لا تسأل عنها غيري. أقرأت سورة هود؟

قال: نعم، [يا أمير المؤمنين.

قال: أ فسمعت اللَّه يقول: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏؟

قال: نعم‏] (6).

قال: الّذي على بيّنه من ربّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و [الذي‏] (7) يتلوه شاهد منه، [و هو الشاهد و هو منه و أنا عليّ بن أبي طالب و أنا منه‏] (8) أنا الشّاهد و أنا منه.

و في مجمع البيان‏ (9): عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)-: شاهد من اللَّه، محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و على هذا فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ يعمّ كلّ مؤمن مخلص ذو بصيرة في دينه، و هذا لا ينافي في نزوله في النّبيّ و الوصيّ. و إلى التّعميم نظر من فسّر الشّاهد بالقرآن، أي:

شاهد من اللَّه يشهد بصحّته.

____________

(1) لقمان/ 13.

(2) من المصدر.

(3) إبراهيم/ 35.

(4) أمالي الطوسي 1/ 381- 382.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المواثيق.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

(7) من المصدر.

(8) من المصدر.

(9) مجمع البيان 3/ 150.

143

أُولئِكَ‏: إشارة إلى «من كان على بيّنة».

يُؤْمِنُونَ بِهِ‏: بالقرآن، أو بالرّسول.

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ‏: من أهل مكّة و من تحزّب معهم على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏: يردها لا محالة.

و في مجمع البيان‏ (1): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا يسمع بي أحد من الامة، لا يهوديّ و لا نصرانيّ ثمّ لا يؤمن بي، إلّا كان من أهل النّار.

و في روضة الكافي‏ (2)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة.

يقول- (عليه السلام)- فيها، بعد أن ذكر النّبيّ: و في التّولي و الإعراض عنه محادّة اللَّه و غضبه و سخطه، و البعد منه و (3) مسكن النّار. و ذلك قوله: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏، يعني: الجحود به و العصيان له.

فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ‏: من الموعد، أو القرآن.

و قرئ‏ (4): «مرية» بالضّمّ. و هما: الشّكّ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن الصّادق- (عليه السلام)-: في ولاية عليّ.

إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ‏ (17): لقلّة نظرهم و اختلال فكرهم.

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً، كأن أسند إليه ما لم ينزله. أو نفي عنه ما أنزله.

أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى‏ رَبِّهِمْ‏: في الموقف، بأن يحبسوا و تعرّض أعمالهم.

وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ: من الملائكة و النّبيّين. أو من جوارحهم.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب: عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-:

وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ.

قال: نحن الأشهاد.

____________

(1) المجمع 3/ 150.

(2) الكافي 8/ 26.

(3) ليس في المصدر.

(4) أنوار التنزيل 1/ 464.

(5) تفسير العياشي 2/ 142، ضمن ح 11.

(6) المناقب 4/ 179.

144

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً، أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى‏ رَبِّهِمْ، وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ‏، يعني بالأشهاد: الأئمّة- (عليهم السلام)-. أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ لآل محمّد حقّهم.

و هو جمع، شاهد، كأصحاب. أو شهيد، كأشراف، جمع شريف.

هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ (18):

تهويل عظيم ممّا يحيق بهم- حينئذ- لظلمهم بالكذب على اللَّه.

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏: عن دينه.

وَ يَبْغُونَها عِوَجاً: و يصفونها بالانحراف عن الحقّ و الصّواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالرّدّة.

وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ‏ (19): و الحال أنّهم كافرون بالآخرة.

و تكرير كلمة «هم» لتأكيد كفرهم و اختصاصهم به.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبي عبيدة قال‏: سألت أبا جعفر عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَظْلَمُ‏- إلى قوله- يَبْغُونَها عِوَجاً.

قال: هم أربعة ملوك من قريش، يتبع بعضهم بعضا.

و الملوك الأربعة: الثّلاثة، و معاوية.

و فيه‏ (4): يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏، [يعني:] (5) يصدّون عن طريق اللَّه، و هي الإمامة. يَبْغُونَها عِوَجاً صرفوها إلى غيره‏ (6).

أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ‏، أي: ما كانوا معجزين اللَّه في الدّنيا أن يعاقبهم.

وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ: يمنعونهم من العقاب، و لكنّه أخّر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشدّ و أدوم.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 324- 325.

(2) تفسير العياشي 2/ 143، ح 14.

(3) ليس في المصدر: علي بن إبراهيم.

(4) أي في تفسير القمّي 1/ 325 و لعلّ عبارة «علي بن ابراهيم» الواردة في صدر حديث العياشي تقدمت سهوا.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: «يعني حرّفوها إلى غيرها» بدل «صرفوها إلى غيره».

145

يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ‏: استئناف.

و قرأ (1) ابن كثير و ابن عامر و يعقوب: «يضعّف» بالتّشديد.

ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ‏: لتصامّهم عن الحقّ و بغضهم له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: ما قدروا أن يسمعوا بذكر أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ (20): لتعاميهم عن آيات اللَّه. و كأنّه العلّة لمضاعفة العذاب.

و قيل‏ (3): هو بيان لما نفاه من ولاية الآلهة (4) بقوله: وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ. فإنّ ما لا يسمع و لا يبصر لا يصلح للولاية. و قوله: يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ‏ اعتراض.

أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏: باشتراء عبادة الآلهة بعبادة اللَّه.

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (21): من الآلهة و شفاعتها. أو خسروا بما بدّلوا و ضاع عنهم ما حصلوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة و النّدامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): بطل الّذين دعوا غير أمير المؤمنين.

لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ‏ (22): لا أحد أبين و أكثر خسرانا منهم.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ‏: اطمأنّوا إليه و خشعوا له. من الخبت: و هي الأرض المطمئنّة.

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: إنّ عندنا رجلا يقال له: كليب، فلا يجي‏ء عنكم شي‏ء إلّا قال:

أنا أسلّم. فسمّيناه: كليب تسليم.

قال: فترحّم عليه.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 465.

(2) تفسير القمي 1/ 325.

(3) أنوار التنزيل 1/ 465.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الاله.

(5) تفسير القمّي 1/ 325.

(6) الكافي 1/ 390- 391، ح 3.

146

ثمّ قال: أ تدرون ما التّسليم؟

فسكتنا.

فقال: هو، و اللَّه، الإخبات. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ‏.

أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (23): دائمون.

مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ‏: الكافر و المؤمن.

كَالْأَعْمى‏ وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ‏.

يجوز أن يراد به: تشبيه الكافر بالأعمى، لتعاميه عن آيات اللَّه. و بالأصمّ، لتصامّه عن استماع كلام اللَّه و تأبّيه عن تدبّر معانيه. و تشبيه المؤمن بالسّميع و البصير، لأنّ أمره بالضّدّ. فيكون كلّ واحد منهما مشبّها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى و الصّمم، و المؤمن بالجامع بين ضدّيهما. و العاطف لعطف الصّفة على الصّفة، كقوله:

الصّابح فالغانم فالآيب‏

و هذا من باب اللّفّ و الطّباق.

هَلْ يَسْتَوِيانِ‏: هل يستوي الفريقان.

مَثَلًا: تمثيلا، أو صفة، أو حالا.

أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (24): بضرب الأمثال و التّأمّل فيها.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ‏: بأنّي لكم.

و قرأ (1) عاصم و ابن عامر و حمزة، بالكسر، على إرادة القول.

نَذِيرٌ مُبِينٌ‏ (25): أبيّن لكم موجبات العذاب و وجه الخلاص.

و في روضة الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- عهد إلى آدم- و ذكر حديثا طويلا-، يذكر فيه وصيّة آدم إلى هبة اللَّه و أشياء كثيرة. و فيه: و بشّر آدم بنوح- (عليه السلام)-. فقال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- باعث‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 465.

(2) الكافي 8/ 113 و 114 و 115، مقاطع ضمن ح 92.

147

نبيّا، اسمه نوح. و إنّه يدعو إلى اللَّه- عزّ و جلّ- و يكذّبه قومه، فيهلكهم اللَّه بالطّوفان.

و كان بين آدم و بين نوح- (عليه السلام)- عشرة آباء، أنبياء و أوصياء كلّهم. و أوصى آدم إلى هبة اللَّه: أنّ من أدركه منكم فليؤمن به و ليتّبعه و ليصدّق به، فإنّه ينجو من الغرق.

إلى أن قال: فلبث هبة اللَّه و العقب منه مستخفين‏ (1) بما عندهم من العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث النّبوّة و آثار علم النّبوّة، حتّى بعث اللَّه نوحا- (عليه السلام)-.

و ظهرت وصيّة هبة اللَّه حين نظروا في وصيّة، آدم، فوجدوا نوحا نبيّا قد بشّر به آدم- (عليه السلام)-. فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه. و قد كان آدم- (عليه السلام)- وصّى هبة اللَّه أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة، فيكون يوم عيدهم، و يتعاهدون نوحا و زمانه الّذي يخرج فيه. و كذلك جاء في وصيّة كلّ نبيّ، حتّى بعث اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و إنّما عرفوا نوحا بالعلم الّذي عندهم، و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ‏ (إلى آخر الآية).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و روي في الخبر، أنّ اسم نوح- (عليه السلام)- عبد الغفّار. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه كان ينوح على نفسه.

أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ‏: بدل من «إنّي لكم». أو مفعول «مبين».

و يجوز أن يكون «أن» مفسّرة متعلّقة «بأرسلنا»، أو «بنذير».

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

كانت شريعة نوح- (عليه السلام)- أن يعبد اللَّه بالتّوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد، و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها. و أخذ ميثاقه على نوح و النّبيّين أن يعبدوا (4) اللَّه، و لا يشركوا (5) به شيئا. و أمره بالصّلاة و الأمر و النّهي و الحرام و الحلال، و لم يفرض عليه أحكام حدود و لا فرض مواريث. فهذه شريعته.

و في روضة الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، نحوه. إلّا أنّ فيها: و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر صريحا.

____________

(1) أ، ب: مستحقين.

(2) تفسير القمّي 1/ 328.

(3) تفسير العياشي 2/ 144، صدر ح 18.

(4) المصدر: أن يعبدون.

(5) المصدر: لا يشركون.

(6) الكافي 8/ 282- 283، ح 424.

148

إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ‏ (26): مؤلم. و هو في الحقيقة صفا المعذّب، لكن يوصف به العذاب و زمانه على طريقة: جدّ جدّه، و نهاره صائم للمبالغة.

فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا: لا مزيّة لك علينا تخصّك بالنّبوّة و وجوب الطّاعة.

وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا: أخسّاؤنا.

جمع، أرذل، كأنّه بالغلبة صار مثل الاسم، كالأكبر. أو أرذل، جمع، رذل.

بادِيَ الرَّأْيِ‏: ظاهر الرّأي من غير تعمّق، من البدوّ. أو أوّل الرّأي، من البدء. و الياء مبدّلة من الهمزة، لانكسار ما قبلها.

و قرأ (1) أبو عمرو، بالهمزة. و انتصابه بالظّرف على حذف المضاف، أي: وقت حدوث بادي الرّأي. و العامل فيه «اتّبعك». و إنّما استرذلوهم لذلك، أو لفقرهم. فإنّهم لمّا لم يعلموا إلّا ظاهرا من الحياة الدّنيا، كأنّ الأحظّ بها أشرف عندهم، و المحروم منها أرذل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، يعني: الفقراء و المساكين.

وَ ما نَرى‏ لَكُمْ‏: لك و لمتّبعيك.

عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ‏: يؤهّلكم للنّبوّة، و استحقاق المتابعة.

بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ‏ (27): إيّاك في دعوى النّبوّة، و إيّاهم في دعوى العلم بصدقك. فغلّب المخاطب على الغائبين.

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ‏: أخبروني.

إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي‏: حجّة شاهدة بصحّة دعواي.

وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ‏: بإيتاء البيّنة، أو النّبوّة.

فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ‏: فخفيت عليكم، فلم تهدكم.

و توحيد الضّمير، لأنّ البيّنة في نفسها هي الرّحمة. أو لأنّ خفاءها يوجب خفاء النّبوّة. أو على تقدير: فعمّيت بعد البيّنة، و حذفها للاختصار. أو لأنّه لكلّ واحدة منهما.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 466.

(2) تفسير القمّي 1/ 325.

149

و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ و حفص: «فعميت»، أي: أخفيت.

و قرئ‏ (2): «فعماها». على أنّ الفعل للّه.

أَ نُلْزِمُكُمُوها: أ نكرهكم على الاهتداء بها.

وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ‏ (28): لا تختارونها و لا تتأمّلون فيها. و حيث اجتمع ضميران، و ليس أحدهما مرفوعا و قدّم الأعرف منهما، جاز في الثّاني الفصل و الوصل.

وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ‏: على التّبليغ. و هو و إن لم يذكر، فمعلوم من ما ذكر.

مالًا: جعلا.

إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ‏: فإنّه المأمول منه.

وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: جواب لهم حين سألوا طردهم.

إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ‏: فيخاصمون طاردهم عنده. أو إنّهم يلاقونه و يفوزون بقربه، فكيف أطردهم.

وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ‏ (29): بلقاء ربّكم. أو بأقداركم. أو في التماس طردهم. أو تتسفّهون عليهم، بأن تدعوهم أراذل.

وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ‏: بدفع انتقامه.

إِنْ طَرَدْتُهُمْ‏: و هم بتلك الصّفة و المثابة.

أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (30): لتعرفوا أنّ التماس طردهم و توقيف الإيمان عليه ليس بصواب.

وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ‏: خزائن رزقه و أمواله حتّى جحدتم فضلي.

وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ‏: عطف على‏ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ‏، أي: و لا أقول أنا أعلم الغيب حتّى تكذّبوني، استبعادا. أو حتّى أعلم أنّ هؤلاء اتّبعوني بادي الرّأي من غير بصيرة و عقد قلب.

و على الثّاني يجوز عطفه على «أقول».

وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ‏: حتّى تقولوا: ما أنت إلّا بشر مثلنا.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 466.

150

وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ‏: و لا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم.

لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً: فإنّ ما أعدّه اللَّه لهم في الآخرة خير ممّا آتاكم في الدّنيا.

اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏ (31): إن قلت شيئا من ذلك.

و «الازدراء» افتعال. من زري عليه: إذا عابه. قلبت تاؤه دالا، لتجانس الرّاء في الجهر.

و إسناده إلى الأعين للمبالغة، و التّنبيه على أنّهم استرذلوهم بادي الرّؤية من غير رؤية، و بما عاينوه من رثاثة حالهم و قلّة منالهم دون تأمّل في معانيهم و كمالاتهم.

قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا: خاصمتنا.

فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا: فأطلته، أو أتيت بأنواعه.

فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: من العذاب.

إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (32): في الدّعوى و الوعيد. فإنّ مناظرتك لا تؤثّر فينا.

قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ: عاجلا أو آجلا.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ (33): بدفع العذاب، أو الهرب منه.

وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ‏: شرط و دليل جواب قوله:

إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏.

و تقدير الكلام: إن كان اللَّه يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي.

و قيل‏ (1): «أن يغويكم» أن يهلككم. من غوي الفصيل: إذا [بشم‏ (2) ف] (3) هلك.

و في قرب الاسناد (4) للحميريّ: أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: و قال نوح: وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي‏- إلى قوله- يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 467.

(2) بشم من الطعام: أكثر منه حتّى اتّخم و سئمه.

(3) من المصدر.

(4) قرب الاسناد/ 158.

151

قال: الأمر إلى اللَّه، يهدي و يضلّ‏ (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر، عن أبيه، عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)- أنّه قال‏، و قد ذكر عبد اللَّه بن عبّاس: و أمّا قوله: وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي‏ (الآية) نزلت في أبيه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3)، نحوه. إلّا أنّ فيه بدل «أبيه» «العبّاس» صريحا.

هُوَ رَبُّكُمْ‏: خالقكم، و المتصرّف فيكم وفق إرادته.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (34): فيجازيكم على أعمالكم.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي‏: وباله.

و قرئ‏ (4): «أجرامي» على الجمع.

وَ أَنَا بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ‏ (35): من إجرامكم في إسناد الافتراء إليّ.

وَ أُوحِيَ إِلى‏ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ‏:

فلا تحزن حزن بائس مستكين.

بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏ (36): أقنطه اللَّه من إيمانهم، و نهاه أن يغتمّ بما فعلوه من التّكذيب و الإيذاء.

و في روضة الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ نوحا لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم سرّا و علانية. فلمّا أبوا و عتوا، قال: يا ربّ‏ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (6) فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ‏- إلى قوله- بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏. فلذلك قال نوح- على نبيّنا و آله و (عليه السلام)-: وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (7). فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ‏ (8)

و الحديث طويل أخذت منه‏

____________

(1) المصدر: «من يشاء» بدل «و يضلّ».

(2) تفسير القمّي 2/ 23.

(3) تفسير العياشي 2/ 144، ح 17.

(4) أنوار التنزيل 1/ 467.

(5) الكافي 8/ 283، ذيل ح 424. ببعض التصرّف في صدر المنقول هنا.

(6) القمر/ 10.

(7) نوح/ 27.

(8) المؤمنون/ 27.

152

موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا أحمد بن محمّد بن موسى قال: حدّثنا محمد بن حمّاد، عن عليّ بن إسماعيل التّيميّ، عن فضل رسان‏ (2)، عن صالح بن ميثم قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ما كان علم نوح حين دعا إلى‏ (3) قومه أنّهم‏ لا يَلِدُوا (4) إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً.

فقال: أما سمعت قول اللَّه لنوح: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبيه قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أ رأيت نوحا حين دعا على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً.

قال- (عليه السلام)-: علم أنّه لا ينجب من بينهم أحد.

قال: قلت: و كيف علم ذلك؟

قال: أوحى اللَّه إليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ‏ (6) مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ‏. فعند ذلك دعا عليهم بهذا الدّعاء.

وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا: ملتبسا بأعيننا. عبّر بكثرة العين، الّذي يحفظ به الشّي‏ء و يراعى عن الاختلال و الزّيغ، عن المبالغة في الحفظ و الرّعاية على طريقة التّمثيل.

وَ وَحْيِنا: إليك كيف تصنعها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: بقي نوح في قومه ثلاثمائة سنة يدعوهم إلى اللَّه- عزّ و جلّ- فلم يجيبوه. فهمّ أن يدعو عليهم، فوافاه عند طلوع الشّمس اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السّماء الدّنيا، و هم العظماء من الملائكة.

فقال لهم نوح: ما أنتم؟

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 388.

(2) كما في جامع الرواة 2/ 5 و في ب: فضل بن رسان، و في المصدر: فضيل الرسام.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: لا يلدون.

(5) العلل/ 31، ح 1.

(6) المصدر: لا يؤمن.

(7) تفسير القمّي 1/ 325- 326.

153

فقالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السّماء الدّنيا. و أنّ غلظ مسيرة سماء الدّنيا خمسمائة عام، و من سماء الدّنيا إلى الدّنيا مسيرة خمسمائة عام. و خرجنا عند طلوع الشّمس، و وافيناك في هذا الوقت، فنسألك أن لا تدعو على قومك.

فقال نوح- (عليه السلام)-: قد أجّلتهم ثلاثمائة سنة.

فلمّا أتى عليهم ستّمائة سنة و لم يؤمنوا، هم أن يدعو عليهم. فوافاه اثنا عشر ألف قبيلة من قبائل ملائكة السّماء الثّانية.

[فقال نوح: من أنتم؟

قالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الثانية] (1) و أنّ غلظ السماء الثّانية مسيرة خمسمائة عام، و من السّماء الثّانية إلى السّماء الدّنيا مسيرة خمسمائة عام، و غلظ السّماء الدّنيا مسيرة خمسمائة عام، و من السّماء الدّنيا إلى الدّنيا مسيرة خمسمائة عام. خرجنا عند طلوع الشّمس و وافيناك ضحوة، نسألك أن لا تدعو على قومك.

فقال نوح- (عليه السلام)-: قد أجّلتهم ثلاثمائة سنة.

فلمّا أتى عليهم تسعمائة سنة و لم يؤمنوا (2)، هم أن يدعو عليهم. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏.

فقال نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً.

فأمره اللَّه- تعالى- أن يغرس النّخل، [فأقبل يغرس النّخل‏] (3). فكان قومه يمرّون به و يسخرون منه و يستهزئون به، و يقولون: شيخ قد أتى له تسعمائة سنة يغرس النّخل.

و كانوا يرمونه بالحجارة. فلمّا أتى لذلك خمسون سنة و بلغ النّخل و استحكم، أمر بقطعه.

فسخروا منه، و قالوا: بلغ النّخل مبلغه. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏.

فأمره اللَّه أن يتّخذ (4) السّفينة، و أمر جبرئيل- (عليه السلام)- أن ينزل عليه و يعلمه كيف يتّخذها. فقدّر طولها في الأرض ألفا و مائتي ذراع، و عرضها ثمانمائة ذراع، و طولها في السّماء ثمانون ذراعا.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر: و لم يؤمنوا.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: ينحت.

154

فقال: يا ربّ، من يعينني على اتّخاذها؟

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: ناد في قومك: من أعانني عليها و ينجر منها شيئا، فصار ما ينجره ذهبا و فضّة.

فنادى نوح- (عليه السلام)- فيهم بذلك، فأعانوه عليها. و كانوا يسخرون منه، و يقولون: يتّخذ (1) سفينة في البرّ.

و في روضة الكافي‏ (2): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في تقدير السّفينة، مثله.

و أمّا

ما روي في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء من خبر الشّاميّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: سأله عن سفينة نوح: ما كان عرضها و طولها؟

فقال: «كان طولها ثمانمائة ذراع، و عرضها خمسمائة ذراع، و ارتفاعها في السّماء ثمانين ذراعا».

فمخالف لما مضى من وجهين: أحدهما، أنّ فيما سبق أنّ عرضها كان ثمانمائة، و في هذا الخبر طولها. و الثّاني، أنّ فيما مضى أنّ طولها ألف و مائتي ذراع، و في هذا الخبر ثمانمائة. فلعلّه وهم الرّاوي و أبدل العرض بالطّول، و ألفا و مائتي ذراع بخمسمائة ذراع.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى أيّوب بن راشد: عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: كان أعمار قوم نوح- (عليه السلام)- ثلاثمائة سنة، [ثلاثمائة سنة] (5).

و بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ‏ (6): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل.

و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أمّا إبطاء نوح- (عليه السلام)- فإنّه لمّا استنزل العقوبة على قومه من السّماء، بعث اللَّه- تبارك و تعالى- جبرئيل، الرّوح الأمين معه سبع‏ (7) نوايات.

فقال: يا نبيّ اللَّه، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي و عبادي، لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلّا بعد تأكيد الدّعوة و إلزام الحجّة. فعاود اجتهادك في‏

____________

(1) المصدر: ينحت.

(2) الكافي 8/ 283، صدر ح 426.

(3) العيون 1/ 244.

(4) كمال الدين/ 523، ح 2.

(5) من المصدر.

(6) كمال الدين/ 355- 356.

(7) المصدر: «بسبع» بدل «معه سبع»

155

الدّعوة لقومك، فإنّي مثيبك عليه. و اغرس هذه النّوى، فإنّ لك في نباتها و بلوغها و إدراكها إذا أثمرت الفرج و الخلاص. فبشّر بذلك من اتّبعك من المؤمنين.

فلمّا نبتت الأشجار و تأزّرت‏ (1) و تسوّقت و أغصنت‏ (2) و أثمرت و زها التّمر عليها (3) بعد زمان طويل، أستنجز من اللَّه العدة. فأمره اللَّه- تبارك و تعالى- أن يغرس من نوى تلك الأشجار، و يعاود الصّبر و الاجتهاد و يؤكّد الحجّة على قومه. فأخبر بذلك الطّوائف الّتي آمنت به، فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل و قالوا: لو كان ما يدّعيه نوح حقّا لما وقع في وعد ربّه خلف.

ثمّ أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- لم يزل يأمره عند كلّ مرّة بأن يغرسها مرّة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطّوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة بعد طائفة، إلى أن عاد إلى نيف و سبعين رجلا.

فأوحى اللَّه- تبارك و تعالى- إليه عند ذلك، و قال: يا نوح، الآن أسفر الصّبح عن اللّيل لعينك، حين صرح الحقّ عن محضه و صفا [الامر و الايمان‏] (4) من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة. فلو أنّي أهلكت الكفّار و أبقيت من قد ارتد من الطّوائف الّتي كانت آمنت بك، لما كنت صدّقت وعدي السّابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التّوحيد من قومك و اعتصموا بحبل نبوّتك، بأن أستخلفهم في الأرض و أمكّن لهم دينهم و أبدّل‏ (5) خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشّرك‏ (6) من قلوبهم. و كيف يكون الاستخلاف و التّمكين و بدل [الخوف ب] (7) الأمن منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا و خبث طينتهم و سوء سرائرهم الّتي كانت نتائج النّفاق و سنوخ‏ (8) الضّلالة.

فلو أنّهم تنسّموا من الملك الّذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعداءهم،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بارزت.

(2) المصدر: تغصّنت.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «زهر الثّمر على ما كان» بدل «زها التّمر عليها».

(4) كذا في المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أبدلّهم.

(6) كذا أيضا في بعض نسخ المصدر. و فيه:

الشك.

(7) من المصدر.

(8) المصدر، ب: سنوح. و سنوخ- جمع سنخ-:

الأصل.

156

لنشقوا (1) روائح صفاته و لاستحكمت‏ (2) سرائر نفاقهم و ثارت خبال‏ (3) ضلالة قلوبهم و لكاشفوا إخوانهم بالعداوة و حار بوهم على طلب الرّئاسة و التّفرّد بالأمر و النّهي. و كيف يكون التّمكين في الدّين و انتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن و إيقاع الحروب، كلّا ف اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا.

و في مجمع البيان‏ (4): عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فإنّ نوحا لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى الهدى، فيمرّون به و يسخرون منه. فلمّا رأى ذلك منهم، دعا عليهم.

فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً- إلى قوله- إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً.

قال: فأوحى اللَّه إليه: يا نوح، أن‏ اصْنَعِ الْفُلْكَ‏ و أوسعها و عجّل عملها بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا. فعمل نوح سفينته‏ (5) في مسجد الكوفة بيده، يأتي بالخشب من بعد حتّى فرغ منها.

و في روضة الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، في كم عمل نوح- (عليه السلام)- سفينته حتّى فرغ منها؟

قال: في دورين.

قلت: و كم الدّور؟

قال: ثمانين سنة.

قلت: إنّ العامّة يقولون: عملها في خمسمائة عام.

فقال: كلا، كيف كان‏ (7) و اللَّه يقول: وَ وَحْيِنا.

و في الكافي‏ (8) و العيّاشيّ‏ (9): عن الصّادق- (عليه السلام)-: و كان منزل‏ (10) نوح و قومه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لتشفوا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و الّا استحكمت.

(3) المصدر: «تأبّدت حبال» بدل «ثارت خبال».

(4) بل في تفسير العياشي 2/ 144- 145، ضمن ح 19، و نور الثقلين 2/ 354 ح 74 عنه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فعجّل نوح سفينة.

(6) الكافي 8/ 280- 281، ضمن ح 421.

(7) ليس في المصدر.

(8) الكافي 8/ 280- 281، ضمن ح 421.

(9) تفسير العياشي 2/ 144- 145، ضمن ح 19.

(10) كذا في الكافي. و في النسخ و العياشي:

نزل.

157

في قرية على منزل من الفرات، ممّا يلي غربي الكوفة. و كان نوح رجلا نجّارا، فجعله اللَّه نبيّا و انتجبه. و نوح أوّل من عمل سفينة تجري على ظهر الماء.

قال: و لبث نوح في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى الهدى، فيمرّون‏ (1) به و يسخرون منه. فلمّا رأى ذلك منهم، دعا عليهم.

فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً.

فأوحى اللَّه إليه: يا نوح‏ اصْنَعِ الْفُلْكَ‏ (2) و أوسعها و عجّل عملها بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا (3).

فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده، فأتي بالخشب من بعد حتّى فرغ منها.

سئل: في كم عمل نوح سفينته حتّى فرغ منها؟

قال: في دورين.

قيل: و كم الدّور؟

قال: ثمانون سنة.

قيل: فإنّ العامّة يقولون: عملها في خمسمائة عام.

فقال: كلا، كيف و اللَّه يقول: وَ وَحْيِنا.

قيل‏ (4): آخر الحديث يحتمل معنيين: أحدهما، أنّ ما يكون بأمر اللَّه و تعليمه كيف يطول زمانه إلى هذه المدّة!؟ و الثّاني، أن يكون- (عليه السلام)- قد فسّر الوحي هنا بالسّرعة و العجلة، فإنّه جاء بهذا المعنى. يقال: الوحا الوحا ممدودا و مقصورا، يعني: البدار البدار (5).

وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا: و لا تراجعني فيهم، و لا تدعني باستدفاع العذاب عنهم.

إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ‏ (37): محكوم عليه بالإغراق، فلا سبيل إلى كفّه.

____________

(1) الكافي: «اللَّه فيهزؤون» بدل» الهدى، فيمرّون».

(2) الكافي: سفينة.

(3) ليس في الكافي: «بأعيننا و وحينا».

(4) تفسير الصافي 2/ 446- 447.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: البدا البدا.

158

وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ‏: حكاية حال ماضية.

وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ‏: استهزؤوا به لعمله السّفينة.

قيل‏ (1): كان يعملها في بريّة بعيدة من الماء أوان عزّته، و كانوا يضحكون منه و يقولون له: صرت نجّارا بعد ما كنت نبيّا.

و في روضة الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن الحسن بن عليّ، عن عمر بن أبان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ نوحا- (عليه السلام)- لمّا غرس النّوى، مرّ عليه قومه فجعلوا يضحكون و يسخرون و يقولون: قد قعد غرّاسا. حتّى إذا طال‏ (3) النّخل، و كان جبّارا طوّالا، قطعه ثم نحته، فقالوا قد قعد نجّارا. ثمّ ألّفه فجعله سفينة، فمرّوا عليه يضحكون و يسخرون و يقولون: قد قعد ملّاحا في فلاة من الأرض حتّى فرغ منها.

قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ‏ (38): منّا.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏: إذا أخذكم الغرق في الدّنيا، و الحرق في الآخرة.

و قيل‏ (4): المراد بالسّخرية: الاستجهال‏ (5).

مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ‏، يعني به: إيّاهم. و بالعذاب: الغرق.

وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ‏: و ينزل عليه. أو يحلّ حلول الدّين لا انفكاك عنه.

عَذابٌ مُقِيمٌ‏ (39): دائم. و هو عذاب النّار.

حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا: هو غاية لقوله: وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ‏، و ما بينهما حال من الضّمير فيه. أو حتّى، هي الّتي يبتدأ بعدها الكلام.

وَ فارَ التَّنُّورُ: نبع الماء منه و ارتفع، كالقدر تفور.

و «التّنّور» تنّور الخبز. ابتدأ منه النّبوع على خرق العادة. و كان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، أو بعين وردة من أرض الجزيرة.

و قيل‏ (6): «التّنّور» وجه الأرض، أو أشرف موضع فيها.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 468.

(2) الكافي 8/ 283، ح 425.

(3) أ، ب، ر: حال.

(4) أنوار التنزيل 1/ 468.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الاستعجال.

(6) أنوار التنزيل 1/ 468.

(7) الكافي 8/ 281، ضمن ح 421.

159

الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ. فأين كان موضعه، و كيف كان؟

قال: كان التّنّور في بيت عجوز مؤمنة، في دبر قبلة ميمنة المسجد. فقلت له: فإنّ ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم.

ثمّ قلت له: و كان بدو خروج الماء من ذلك التّنّور؟

فقال: نعم. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أحبّ أن يري قوم نوح آية. ثمّ أنّ اللَّه- تعالى- أرسل عليهم‏ (1) المطر يفيض فيضا، و فاض الفرات فيضا، و العيون كلّهن فيضا. فغرّقهم اللَّه، و أنجى نوحا و من معه في السّفينة.

و في الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: نعم المسجد مسجد الكوفة، صلّى فيه ألف نبيّ و ألف وصيّ. و منه فار التّنّور، و فيه نجرت السّفينة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (3): و روى أبو عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

مسجد كوفان روضة من رياض الجنّة، الصّلاة فيه بسبعين‏ (4) صلاة، صلّى فيه ألف نبيّ و سبعون نبيّا، و فيه فار التّنّور و نجرت‏ (5) السّفينة. و هو سرّة بابل‏ (6)، و مجمع الأنبياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): عن الأعمش يرفعه إلى عليّ- (عليه السلام)- في قوله:

حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ.

فقال: أما، و اللَّه، ما هو تنور الخبز- ثمّ أومأ بيده إلى الشّمس فقال-: طلوعها.

عن الحسن بن عليّ‏ (8)، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

____________

(1) أ: إليهم.

(2) الكافي 3/ 492، صدر ح 3.

(3) المجمع 3/ 163.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «تسعين» بدل «بسبعين».

(5) المصدر: جرت.

(6) سرّة بابل، أي: وسطه الحقيقيّ و بابل:

اسم موضع بالعراق.

(7) بل في تفسير العياشي 2/ 147، ح 25، و نور الثقلين 2/ 356، ح 82 عنه.

(8) تفسير العياشي 2/ 147، ح 22.

160

جاءت امرأة نوح إليه، و هو يعمل السّفينة. فقالت له: إنّ التّنّور قد خرج منه ماء. فقام إليه مسرعا حتّى جعل الطّبق عليه، فختمه بخاتمه، فقام الماء. فلمّا فرغ نوح من السّفينة، جاء إلى خاتمه ففضّه و كشف الطّبق، ففار الماء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عنه- (عليه السلام)- [جاءت امرأة نوح إليه، و هو يعمل السّفينة. فقالت له: إنّ التّنّور قد خرج منه ماء. فقام إليه مسرعا حتّى جعل الطّبق عليه، فختمه بخاتمه، فقام الماء. ف] (2) لمّا فرغ من السّفينة، و كان ميعاده فيما بينه و بين ربّه في إهلاك قومه أن يفور التّنور، ففار. فقالت امرأته: إنّ التّنور قد فار. فقام إليه فختمه، فقام الماء و أدخل من أراد أن يدخل و أخرج من أراد أن يخرج. ثمّ جاء إلى خاتمه فنزعه. يقول اللَّه: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (3).

قال: و كان نجرها في وسط مسجدكم [و لقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع‏] (4).

قُلْنَا احْمِلْ فِيها: في السّفينة.

مِنْ كُلٍ‏: نوع من الحيوانات المنتفع بها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى أبان بن عثمان: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّ النّبيّ لما حضرته الوفاة، دفع إلى عليّ- (عليه السلام)- ميراثه من الدّواب و غيره.

و في آخره قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ أوّل شي‏ء [مات‏] (6) من الدّواب الحمار (7) اليعفور، توفّي ساعة قبض رسول اللَّه. قطع خطامه، ثمّ مرّ يركض حتّى أتى‏ (8) بئر بني حطمة بقبا (9) فرمى بنفسه فيها، فكانت قبره.

____________

(1) بل في الكافي 8/ 281- 282، ح 422 عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و تفسير الصافي 2/ 443- 444.

(2) المصدر: «إنّ نوحا- صلّى اللَّه عليه-» بدل ما بين المعقوفتين و الظاهر أنه تكرار لحديث العياشي السابق.

(3) القمر/ 11- 13.

(4) من المصدر.

(5) العلل/ 167، ذيل ح 1.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: حماره.

(8) المصدر: وافى.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: بئر حطيم بقباء.

161

ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ يعفور كلّم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فقال:] (1) بأبي أنت و أمّي، إنّ أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه، أنّه كان مع نوح في السّفينة. فنظر إليه يوما نوح- (عليه السلام)- و مسح يده على وجهه، ثمّ قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيّد النّبيّين و خاتمهم. و الحمد للّه الّذي جعلني ذلك الحمار.

و في أصول الكافي‏ (2): و روي أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال‏: إنّ ذلك الحمار كلّم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذكر نحوه.

زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏: ذكرا و أنثى. هذا على قراءة حفص. و الباقون أضافوا على معنى: احمل اثنين من كلّ زوجين، أي: من كلّ صنف ذكر، و كلّ صنف أنثى.

و في روضة الكافي‏ (3): محمّد بن أبي عبد اللَّه، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل الجعفيّ و عبد الكريم بن عمر و عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا حمل نوح في السّفينة الأزواج الثّمانية الّتي قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ‏ ... وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ‏ (4)] (5)، فكان من الضّأن اثنين، زوج داجنة يربيّها النّاس و الزّوج الآخر الضّأن الّتي تكون في الجبال الوحشيّة، أحلّ لهم صيدها. و من المعز اثنين، زوج داجنة يربّيها النّاس و الزّوج الآخر الظّباء (6) الّتي تكون في المفاوز. و من الإبل اثنين، البخاتيّ و العراب.

و من البقر اثنين، زوج داجنة للنّاس و الزّوج الآخر البقر الوحشيّة. و كلّ طير طيّب وحشي [أ] (7) و انسي، ثمّ غرقت الأرض.

و في مجمع البيان‏ (8): و روى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أراد اللَّه هلاك قوم نوح، عقّم أرحام النّساء أربعين سنة فلم يلد لهم مولود. فلمّا فرغ نوح من اتّخاذ السّفينة. أمره اللَّه أن ينادي بالسّريانيّة أن يجتمع إليه جميع الحيوانات، فلم يبق حيوان إلّا حضر. فأدخل من‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 1/ 237، ذيل ح 9.

(3) الكافي 8/ 283- 284، ح 427.

(4) الانعام/ 143.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: الظبي.

(7) من المصدر. و فيه: أ [و].

(8) المجمع 3/ 160.

162

كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين، ما خلا الفأر و السّنّور. و أنّهم لمّا شكوا من سرقين الدّوابّ و القذر، دعا بالخنزير، فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج فأر فتناسل. فلمّا كثروا شكوا إليه منها، فدعا بالأسد، فمسح جبينه فعطس‏ (1) فسقط من أنفه زوج سنّور.

و في حديث آخر (2): أنّهم شكوا العذرة، فأمر اللَّه الفيل، فعطس فسقط الخنزير.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ نوحا حمل الكلب في السّفينة، و لم يحمل ولد الزّنا.

عن عبيد اللَّه‏ (4) الحلبيّ‏ (5)، عنه- (عليه السلام)- قال‏: ينبغي لولد الزّنا أن لا تجوز له شهادة، و لا يؤمّ بالنّاس. لم يحمله نوح في السّفينة، و قد حمل فيها الكلب و الخنزير.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6): عن الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- أنّه سئل: ما بال الماعز معرقبة (7) الذّنب باذلة (8) الحياء و العورة؟

فقال: لأنّ الماعز عصت نوحا لمّا أدخلها السّفينة، فدفعها فكسر ذنبها. و النّعجة مستورة الحياء و العورة، لأنّ النّعجة بادرت بالدّخول إلى السّفينة، فمسح نوح يده على حيائها (9) و ذنبها فاستوت الألية.

و في عيون الأخبار (10)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و ما (11) سأله: ما بال المعز (12) معرقبة (13) الذّنب بادية الحياء و العورة؟

فقال: لأنّ المعز (14) عصت نوحا- (عليه السلام)- لمّا أدخلها السّفينة (15)، فدفعها فكسر

____________

(1) ليس في ب.

(2) المجمع 3/ 160.

(3) تفسير العياشي 2/ 148، ح 27.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 28.

(5) بعض نسخ المصدر: عبد اللَّه الحلبيّ.

(6) العلل/ 494- 495، ح 1.

(7) المصدر: مفرقعة. و هي ملويّة من فرقع فلانا: إذا لوى رقبته فسمع لها صوت و معرقبة:

مقطوعة.

(8) المصدر: بادية.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: حيالها.

(10) العيون 1/ 246.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: الماعز.

(13) بعض نسخ المصدر: مرفوعة.

(14) المصدر: الماعز.

(15) ليس في أ، ب.

163

ذنبها. و النّعجة مستورة الحياء و العورة، لأنّ النّعجة بادرت بالدّخول إلى السّفينة، فمسح يده على حيائها (1) و ذنبها فاستوت الألية (2).

و في كتاب الخصال‏ (3): عن الرّضا (4)- (عليه السلام)-: اتّخذ نوح في الفلك تسعين بيتا للبهائم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عنه- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه أمر نوحا أن حمل في السّفينة من كلّ زوجين اثنين، فحمل الفحل و العجوة (6) فكانا زوجا.

وَ أَهْلَكَ‏: عطف على «زوجين»، أو «اثنين». و المراد: امرأته و بنوه و نساؤهم.

إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ‏: بأنّه من المغرقين. يريد: ابنه كنعان و أمّه واعلة، فإنّهما كانا كافرين.

وَ مَنْ آمَنَ‏: و المؤمنين من غيرهم.

وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ (40).

قيل‏ (7): كانوا تسعة و سبعين، زوجته المسلمة و بنوه الثّلاثة: سام و حام و يافث [و نساؤهم‏] (8). و اثنان و سبعون رجلا و امرأة من غيرهم.

و روى الشّيخ أبو جعفر في كتاب النّبوّة (9)، بإسناده: عن حنان بن سدير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: من‏ (10) آمن مع نوح من قومه ثمانية نفر.

و في كتاب معاني الأخبار (11): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن موسى بن عمر، عن جعفر بن محمّد بن يحيى، عن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حيالها.

(2) المصدر: فاستترت بالألية.

(3) الخصال/ 598 ببعض التصرّف.

(4) المصدر: عليّ.

(5) لم نعثر عليه في تفسير العياشي و لكن رواه عنه تفسير نور الثقلين 2/ 356، ح 84 عن الصادق- (عليه السلام)- و تفسير الصافي 2/ 445- 446.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فحمل العجل و العجرة.

(7) أنوار التنزيل 1/ 468.

(8) من المصدر.

(9) عنه المجمع 3/ 160.

(10) ليس في المصدر.

(11) المعاني/ 151، ح 1.

164

غالب، عن أبي خالد، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه، و ذكر حديثا طويلا. يقول فيه- (عليه السلام)-: فلمّا فرغ نوح من اتّخاذ السّفينة، أمره اللَّه- تعالى- أن ينادي بالسّريانيّة: لا يبقى بهيمة و لا حيوان إلّا حضر. فأدخل من كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين في السّفينة. و كان الّذين آمنوا به من جميع الدّنيا ثمانون رجلا. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏ (الآية). و كان نجر السّفينة في مسجد الكوفة. فلمّا كان اليوم الّذي أراد اللَّه إهلاكهم، كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الّذي يعرف: بفار التّنّور، في مسجد الكوفة. و كان نوح اتّخذ لكلّ ضرب من أجناس الحيوانات‏ (2) موضعا في السّفينة، و جمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء. فصاحت امرأته لمّا فار التّنّور، فجاء نوح إلى التّنّور فوضع عليها طينا و ختمه حتّى أدخل جميع الحيوان السّفينة. ثمّ جاء إلى التّنور، ففضّ الخاتم و رفع الطّين. و انكسفت الشّمس، و جاء من السّماء ماء منهمر [صبّ بلا قطر، و تفجرت الأرض عيونا. و هو قوله- عزّ و جلّ- فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ] (3) وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: ليس كلّ من في الأرض من بني آدم‏ (5) من ولد نوح. قال اللَّه في كتابه: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏- إلى قوله- وَ مَنْ آمَنَ‏. و قال: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ‏ (6).

وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها، أي: صيروا فيها راكبين، كما يركب الدّوابّ في البرّ.

بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها: متّصل «باركبوا» حال من الواو، أي: اركبوا فيها مسمّين اللَّه- تعالى-. أو قائلين: بسم اللَّه وقت إجرائها و إرسائها. أو مكانهما، على أنّ المجرى و المرسى للوقت و المكان. أو للمصدر و المضاف محذوف، كقولهم: أتيك خفوق النّجم. و انتصابهما بما قدّرناه حالا.

و يجوز رفعهما «ببسم اللَّه» على أنّ المراد بهما المصدر. أو جملة من مبتدأ و خبر، أي:

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 326- 327.

(2) المصدر: الحيوان.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمّي 2/ 223.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: من نبيّ.

(6) الاسراء/ 3.

165

إجراؤها بسم اللَّه. على أنّ «بسم اللَّه» خبره، أو صلته و الخبر محذوف. و هي إمّا جملة مقتضية لا تعلّق لها بما قبلها، أو حال مقدّرة من الواو أو الهاء.

و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ و عاصم برواية حفص: «مجراها» بالفتح، من جرى.

و قرئ: «مرساها» أيضا، من رسا. و كلاهما يحتمل الثّلاثة. و «مجريها و مرسيها» بلفظ الفاعل، صفتين للّه- تعالى-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. و ذكر حديثا طويلا. و فيه يقول- (عليه السلام)-: فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها.

يقول: «مجريها»، أي: مسيرها. «و مرسيها»، أي: موقعها (3).

إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (41)، أي: لو لا مغفرته لفرطاتكم و رحمته إيّاكم، لما نجّاكم.

وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ‏: متّصل بمحذوف دلّ عليه «اركبوا»، أي: فركبوا مسمّين، و هي تجري و هم فيها.

فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ‏: في موج من الطّوفان، و هي ما يرتفع من الماء عند اضطرابه. كلّ موجة فيها، كجبل في تراكمها و ارتفاعها.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى أبان بن تغلب: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه القائم- (عليه السلام)-. و فيه: فإذا نشر راية رسول اللَّه، تنحطّ (5) إليه ثلاثة عشر ألف ملك ينصرون‏ (6) القائم- (عليه السلام)-. و هم الّذين كانوا مع نوح- (عليه السلام)- في السّفينة.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أسباط. و محمّد بن أحمد، عن موسى بن القاسم البجليّ‏ (8)، عن عليّ بن أسباط قال‏: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 469.

(2) تفسير القمّي 1/ 327.

(3) المصدر: موقفها.

(4) كمال الدين/ 672، ضمن ح 22.

(5) المصدر: انحط.

(6) المصدر: «و ثلاثة عشر ملكا كلهم ينتظر» بدل «ينصرون».

(7) الكافي 3/ 471، صدر ح 5.

(8) ب: العجلي.

166

جعلت فداك، ما ترى آخذ برّا أو بحرا، فإنّ طريقنا مخوف شديد الخطر؟

فقال: اخرج برّا، و لا عليك أن تأتي في‏ (1) مسجد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تصلّي ركعتين في غير وقت فريضة. ثمّ تستخير اللَّه مائة مرّة و مرّة. ثمّ تنظر، فإن عزم اللَّه عليك‏ (2) على البحر، فقل الّذي قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ قالَ ارْكَبُوا- إلى قوله- لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن، الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: إن ركبت البحر، فإذا صرت في السّفينة، فقل: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يوسف، يعقوب بن عبد اللَّه من ولد أبي فاطمة، عن إسماعيل بن زيد، مولى عبد اللَّه بن يحيى الكاهليّ، عن أبي عبد اللَّه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل‏، يذكر فيه مسجد الكوفة. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و منه سارت سفينة نوح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- هلاك قوم نوح- و ذكر حديثا طويلا-.

و فيه يقول- (عليه السلام)-: فبقي الماء يصبّ‏ (6) من السّماء أربعين صباحا و من الأرض العيون، حتّى ارتفعت السّفينة، فمسحت السّماء.

و في روضة الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن داود بن يزيد، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: ارتفع الماء على كلّ جبل و على كلّ سهل خمسة عشر ذراعا.

و في عيون الأخبار (8)، بإسناده إلى الحسين بن خالد الصيرفيّ: عن أبي الحسن، الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: إنّ نوحا- (عليه السلام)- لمّا ركب السّفينة، أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: يا نوح، إن خفت الغرق، فهلّلني ألفا. ثمّ اسألني النّجاة أنجك من الغرق‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: لك.

(3) الكافي 5/ 256، ضمن ح 3.

(4) الكافي 3/ 492، ضمن ح 2.

(5) تفسير القميّ 1/ 326- 327 و 328.

(6) المصدر: ينصبّ.

(7) الكافي 8/ 284، ح 428.

(8) العيون 2/ 55، ضمن ح 206.

167

و من آمن معك.

قال: فلمّا استوى نوح و من معه في السّفينة و رفع القلس و (1) عصفت الرّيح عليهم فلم يأمن نوح- (عليه السلام)- [الغرق‏] (2) و أعجلته الرّيح فلم يدرك له أن يهلّل اللَّه ألف مرّة. فقال بالسّريانيّة: هيلوليا، ألفا ألفا. يا ماريا يا ماريا، أتقن‏ (3).

قال: فاستوى القلس و استقرّت‏ (4) السّفينة.

فقال نوح- (عليه السلام)-: إنّ كلاما نجّاني اللَّه به من الغرق، لحقيق أن لا يفارقني.

قال: فنقش في خاتمه: لا إله إلّا اللَّه، ألف مرّة. يا ربّ، أصلحني.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ نوحا- (عليه السلام)- لمّا ركب في‏ (6) السّفينة، أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه. و ذكر، نحو ما في عيون الأخبار.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و عن معمّر بن راشد قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ نوحا لمّا ركب السّفينة و خاف من الغرق، قال: اللّهمّ، إنّي أسألك بمحمّد و آل محمّد لمّا أنجيتني [من الغرق‏] (8). فنجّاه اللَّه- عزّ و جلّ-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (9)، بإسناده إلى سهل بن زياد الآدميّ قال: حدّثني عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ قال: سمعت عليّ بن محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- يقول: عاش نوح- (عليه السلام)- ألفين و خمسمائة سنة. و كان يوما في السّفينة نائما، فهبّت الرّيح فكشفت عن عورته. فضحك حام و يافث، فزجرهما سام- (عليه السلام)- و نهاهما عن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «القلص» بدل «القلس و».

و القلس: حبل للسفينة ضخم من ليف.

و قيل: من غيره.

(2) من المصدر.

(3) بعض نسخ المصدر: أيقن.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: القلص و استمرّت.

(5) الخصال/ 335، ضمن ح 36.

(6) ليس في المصدر.

(7) الاحتجاج 1/ 55.

(8) من المصدر.

(9) العلل/ 32.

168

الضّحك. و كان كلّما غطى‏ (1) سام شيئا تكشفه الرّيح، كشفه حام و يافث. فانتبه نوح فرآهم و هم يضحكون.

فقال: ما هذا؟

فأخبره سام بما كان.

فرفع نوح- (عليه السلام)- يده إلى السّماء يدعو و يقول: اللّهمّ، غيّر ما في‏ (2) صلب حام حتّى لا يولد له ولد (3) إلّا السّودان. اللّهم، غيّر ما في‏ (4) صلب يافث.

فغير اللَّه ما في‏ (5) صلبيهما. فجميع السّودان حيث كانوا من حام، و جميع التّرك و السّقالب‏ (6) و يأجوج و مأجوج و الصّين من يافث حيث كانوا، و جميع البيض سواهم من سام.

و قال نوح- (عليه السلام)- لحام و يافث: جعل اللَّه ذرّيّتكما خولا (7) لذرّيّة سام إلى يوم القيامة، لأنّه برّني و عققتماني. فلا زالت سمة عقوقكما لي في ذرّيّتكما ظاهرة، و سمة البرّ بي في ذريّة سام ظاهرة ما بقيت الدّنيا.

وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏: كنعان.

و قرئ‏ (8): «ابناه» على النّدبة، و لكونها حكاية سوّغ حذف الحرف.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏.

قال: إنّما في لغة طي‏ء ابنه‏ (10) بنصب الألف، يعني: ابن امرأته.

عن موسى‏ (11)، عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏.

قال: ليس بابنه، إنّما هو ابن امرأته. و هو لغة طيئ، يقولون لابن امرأته: ابنه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و كلّما كان غطى.

(2) المصدر: «ماء» بدل «ما في».

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: «ماء» بدل «ما في».

(5) المصدر: «ماء» بدل «ما في».

(6) المصدر: السقالبة.

(7) الخول- جمع الخولي-: بالعبيد و الإماء.

(8) أنوار التنزيل 1/ 469.

(9) تفسير العياشي 2/ 148، ح 30.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ابنيه.

(11) تفسير العياشي 2/ 148، ح 31.

169

و في مجمع البيان‏ (1): و روي عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و أبي جعفر، محمّد بن عليّ، و أبي عبد اللَّه، جعفر بن محمّد- (عليهم السلام)-: وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏. بفتح الهاء، على أنّ أصلها: ابنها، حذفت الألف.

و روي‏ (2)- أيضا-: ابنها.

و الضّمير على التّقديرين‏ (3) لامرأته.

وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ‏: عزل فيه نفسه عن أبيه، أو عن دينه. مفعل، للمكان. من عزله عنه: إذا أبعده.

يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا، أي: في السّفينة.

و الجمهور كسروا (4) الياء، ليدلّ على ياء الإضافة المحذوفة، في جميع القرآن. غير ابن كثير فإنّه وقف عليها في لقمان في الموضع الأوّل باتّفاق الرّواة، و في الثّالث في رواية قنبل و عاصم، فإنّه فتح هاهنا اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإضافة، و اختلفت الرّواية عنه في سائر المواضع. و قد أدغم الباء في الميم أبو عمرو و الكسائيّ و حفص، لتقاربهما.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول نوح- (عليه السلام)-: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا.

قال: ليس بابنه.

قال: قلت: إنّ نوحا قال: يا بُنَيَ‏.

قال: فإنّ نوحا قال ذلك، و هو لا يعلم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): عن الصّادق- (عليه السلام)-: نظر نوح إلى ابنه يقع و يقوم، فقال له: يا بُنَيَّ ارْكَبْ‏ (الآية).

وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ‏ (42): في الدّين و الانعزال.

قالَ سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ: أن يغرقني.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى عليّ بن أبي حمزة: عن أبي نعيم، عن أبي‏

____________

(1) المجمع 3/ 160.

(2) تفسير الصافي 3/ 448.

(3) ليس في المصدر: على التقديرين.

(4) أنوار التنزيل 1/ 469.

(5) تفسير العياشي 2/ 149، ح 32.

(6) تفسير القمّي 1/ 327.

(7) العلل/ 31، ح 1.

170

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ النّجف كان جبلا. و هو الّذي قال ابن نوح: سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ. و لم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: يا جبل، أ يعتصم بك منّي. فتقطّع قطعا [قطعا] (1) إلى بلاد الشّام، و صار رملا رقيقا، و صار بعد ذلك بحرا. و كان يسمّى ذلك البحر: بحر «ني». ثمّ جفّ بعد ذلك، فقيل: ني جفّ‏ (2) فسمّي بنيجفّ. ثمّ صار النّاس بعد ذلك يسمّونه بنجف، لأنّه كان أخفّ على ألسنتهم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): روى صفوان بن مهران الجمّال، عن الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال‏: سار و أنا معه في القادسيّة، حتّى أشرف على النّجف.

فقال: هو الجبل الّذي اعتصم به ابن جدّي نوح، فقال: سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: يا جبل، أ يعتصم بك أحد منّي. فغار (4) في الأرض، و تقطّع إلى الشّام.

قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ‏: إلّا الرّاحم، و هو اللَّه- تعالى-. أو الإمكان من رحمهم اللَّه- تعالى- و هم المؤمنون. ردّ بذلك أن يكون اليوم معتصم‏ (5) من جبل و نحوه يعصم اللّائذ به، إلّا معتصم المؤمنين، و هو السّفينة.

و قيل‏ (6): «لا عاصم»، يعني: لا ذا عصمة، كقوله: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.

و قيل‏ (7): الاستثناء (8) منقطع، أي: لكن من (رحمه اللّه) يعصمه.

و قرئ: «إلّا من رحم»، على البناء للمفعول.

وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ‏: بين نوح و ابنه. أو بين ابنه و الجبل.

فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ‏ (43): و صار من المهلكين بالماء.

وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي‏: نوديا بما ينادى به أولوا العلم و امرا بما يؤمرون به تمثيلا، لكمال قدرته و انقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالآمر المطاع‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بنيجف.

(3) الفقيه 2/ 351، صدر ح 1612.

(4) المصدر: «منّي أحد» بدل «أحد منّي فغار».

(5) ب: المعتصم.

(6) أنوار التنزيل 1/ 469.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الاستئناف.

171

الّذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته و خشية من أليم عقابه.

و «البلع» النّشف. و «الإقلاع» الإمساك.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن إبراهيم بن أبي العلاء، عن غير واحد، عن أحدهما قال‏: لمّا قال اللَّه: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي‏، قال الأرض: إنّما أمرت أن أبلع مائي أنا فقط، و لم أؤمر أن أبلع ماء السّماء.

قال: فبلعت الأرض ماءها، و بقي ماء السّماء فصير بحرا [حول السّماء] (2) و حول الدّنيا.

عن عبد الرّحمن بن الحجّاج‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ‏.

قال: نزلت بلغة الهند، اشربي.

و في رواية عبّاد (4)، عنه- (عليه السلام)-: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ‏ حبشيّة.

و في عيون الأخبار (5)، بإسناده إلى عبد اللَّه‏ (6) قال‏: قلت له: يا ابن رسول اللَّه، لأيّ علّة أغرق اللَّه- تعالى- الدّنيا كلّها في زمن نوح، و فيهم الأطفال و فيهم من لا ذنب له؟

فقال: ما كان فيهم الأطفال، لأنّ اللَّه أعقم أصلاب قومه‏ (7) و أرحام نسائهم أربعين عاما فانقطع نسلهم فغرقوا و لا طفل فيهم. و ما كان اللَّه- تعالى- ليهلك بعذابه من لا ذنب له. و أمّا الباقون من قوم نوح- (عليه السلام)- فاغرقوا لتكذيبهم لنبيّ اللَّه نوح- (عليه السلام)-. و سائرهم أغرق برضاهم بتكذيب المكذّبين. و من غاب عن‏ (8) أمر فرضي به، كان كمن شهده و أتاه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثني أبي، عن صفوان، [عن أبي بصير] (10) عن أبي‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 149، ح 33.

(2) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.

(3) تفسير العياشي 2/ 149، ح 34.

(4) نفس المصدر و الموضع و يوجد الرواية فيه بين المعقوفتين.

(5) العيون 2/ 75، ح 2.

(6) المصدر: «عبد السّلام بن صالح الهروي عن الرّضا- (عليه السلام)-» بدل «عبد اللَّه».

(7) المصدر: قوم نوح.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: غلب في.

(9) تفسير القمّي 1/ 326- 327.

(10) من المصدر.

172

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- إهلاك قوم نوح، أعقم أرحام النّساء أربعين سنة فلم يولد (1) فيهم مولود.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ غِيضَ الْماءُ: نقص.

وَ قُضِيَ الْأَمْرُ: و أنجز ما وعد من إهلاك الكافرين و إنجاء المؤمنين.

وَ اسْتَوَتْ‏: و استقرّت السّفينة.

عَلَى الْجُودِيِ‏: جبل بالموصل.

و قيل‏ (2): بالشّام.

و قيل‏ (3): بآمد (4).

وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (44): هلاكا لهم.

يقال: بعد، بعدا و بعدا: إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عودة. ثمّ استعير للهلاك، و خصّ بدعاء السّوء.

و الآية في غاية الفصاحة، لفخامة لفظها و حسن نظمها، و الدّلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال.

و في إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، و أنّه متعيّن في نفسه مستغن عن ذكره إذ لا يذهب الوهم إلى غيره. للعلم بإنّ مثل هذه الأفعال لا يقدر عليه سوى الواحد القهّار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): عن الصّادق- (عليه السلام)- في حديث: و دارت السّفينة، و ضربتها الأمواج حتّى وافت مكّة و طافت بالبيت. و غرق جميع الدّنيا، إلّا موضع البيت. و إنّما سمّي البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق. فبقي الماء ينصبّ من السّماء أربعين صباحا و من الأرض العيون، حتّى ارتفعت السّفينة فمسحت السّماء.

قال: فرفع نوح يده، فقال: يا رهمان اتقن. و في‏ (6) تفسيرها: يا ربّ أحسن. فأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض أن تبلع ماءها، [و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي‏، أي: أمسكي. وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فلم يلد.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 469.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بآمل.

(5) تفسير القمّي 1/ 328.

(6) المصدر: «اخفرس» بدل «اتقن. و في».

173

فبلعت الأرض ماءها] (1) فأراد ماء السّماء أن يدخل في الأرض، فامتنعت الأرض [من‏] (2) قبولها، و قالت: إنّما أمرني اللَّه أن أبلع مائي، فبقي ماء السماء على وجه الأرض، و استوت السفينة على جبل الجودي و هو بالموصل، جبل عظيم، فبعث اللَّه- عزّ و جلّ- جبريل، فساق الماء إلى البحار حول الدنيا.

و في تفسير العيّاشي‏ (3) عن أبي بصير، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏:

قال: يا [أبا] (4) محمّد، إنّ اللَّه أوحى الى الجبال أنّي مهرق سفينة نوح على جبل منكنّ في الطوفان. فتطاولت، و شمخت، و تواضع جبل عندكم بالموصل يقال له: الجوديّ.

فمرّت السفينة تدور في الطوفان على الجبال كلّها حتّى أشرفت‏ (5) الى الجوديّ، فوقفت‏ (6). فقال نوح: بارات قني، بارات قني‏ (7).

قال: قلت: جعلت فداك أيّ شي‏ء هذا الكلام.

فقال: اللّهمّ أصلح، اللّهم أصلح.

عن أبي بصير (8) عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- قال‏: كان نوح في السّفينة، فلبث فيها ما شاء اللَّه. و كانت مأمورة، فخلّى سبيلها نوح. فأوحى اللَّه إلى الجبال: إنّي واضع سفينة عبدي نوح على جبل منكنّ. فتطاولت الجبال و شمخت غير الجوديّ، و هو جبل بالموصل. فضرب جؤجؤ (9) السّفينة الجبل، فقال نوح عند ذلك: ربّ اتقن. و هو بالعربيّة: ربّ أصلح.

و روى كثير (10) النّوا (11)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- يقول‏: سمع نوح صرير السّفينة على الجوديّ، فخاف عليها. فأخرج رأسه من كوّة كانت فيها، فرفع يده و أشار بإصبعه و يقول: رهمان‏ (12) اتقن. تأويلها: ربّ أحسن.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 150، ح 37.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: انتهت.

(6) المصدر: فوقعت.

(7) هكذا في بعض نسخ المصدر، كما أشار إليه في هامشه و فيه: يا راتقي، يا راتقي.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 38.

(9) جؤجؤ: صدر.

(10) تفسير العياشي 2/ 151، ح 39.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: النوى.

(12) بعض نسخ المصدر: ربعمان.

174

و في تهذيب الأحكام‏ (1)، بإسناده إلى المفضّل بن عمر: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى نوح- (عليه السلام)- و هو في السّفينة أن يطوف بالبيت أسبوعا. فطاف بالبيت، كما أوحى اللَّه إليه. ثمّ نزل في الماء إلى ركبتيه، فاستخرج تابوتا فيه عظام آدم- (عليه السلام)-. فحمله في جوف السّفينة حتّى طاف ما شاء اللَّه أن يطوف. ثمّ ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها، ففيها قال اللَّه- تعالى- للأرض: ابْلَعِي ماءَكِ‏. فبلعت ماءها من مسجد الكوفة، كما بدأ الماء منه، و تفرّق الجمع الّذي كان مع نوح- (عليه السلام)- في السّفينة.

و في مجمع البيان‏ (2): وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ‏. قيل: إنّها لم تبتلع ماء السّماء لقوله: ابْلَعِي ماءَكِ‏. و أنّ ماء السّماء صار بحارا و أنهارا. و هو المرويّ عن أئمّتنا- (عليهم السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (3): أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن عليّ بن الحكم رفعه، إلى‏ (4) أبي بصير قال‏: دخلت على أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- في السّنة الّتي قبض فيها أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

فقلت: جعلت فداك، ما لك ذبحت كبشا و نحر فلان بدنة؟

فقال: يا [أبا] (5) محمّد، إنّ نوحا- (عليه السلام)- كان في السّفينة، و كان فيها ما شاء اللَّه، و كانت السّفينة مأمورة فطافت بالبيت و هو طواف النّساء، و خلّى سبيلها نوح- (عليه السلام)-. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى الجبال: إنّي واضع سفينة نوح [عبدي‏] (6) على جبل منكنّ. فتطاولت و شمخت و تواضع الجودي، و هو جبل عندكم. فضربت السّفينة بجؤجؤها الجبل.

قال: فقال نوح عند ذلك: يا بار (7) اتقن. و هو بالسّريانيّة: ربّ أصلح.

قال: فظننت أنّ أبا الحسن- (عليه السلام)- عرّض بنفسه.

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام‏

____________

(1) التهذيب 6/ 23، ضمن ح 51.

(2) المجمع 3/ 165.

(3) الكافي 2/ 124، ح 12.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: يا ماري.

(8) الكافي 8/ 281، ضمن ح 422 و هو عن أبي‏

175

الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال‏: قلت له: كم لبث نوح في السّفينة حتّى نضب [الماء] (1) و خرجوا منها؟

فقال: لبثوا فيها سبعة أيّام و لياليها. فطافت بالبيت أسبوعا، ثمّ استوت على الجوديّ، و هو فرات الكوفة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثّوريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ سفينة نوح سعت بين الصّفا و المروة، و طافت بالبيت سبعة أشواط، ثمّ استوت على الجوديّ.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن الوشّاء، عن عليّ بن أبي حمزة قال: قال لي أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ سفينة نوح كانت مأمورة و طافت بالبيت [أسبوعا، ثمّ استوت على الجوديّ‏] (4) حيث غرقت الأرض، ثمّ أتت منى في أيّامها، ثمّ رجعت السّفينة و كانت مأمورة و طافت بالبيت طواف النّساء.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): عليّ بن الحسن، عن محمّد بن عبد اللَّه بن زرارة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن كثير النّوا (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: لزقت السّفينة يوم عاشوراء على الجوديّ، فأمر نوح- (عليه السلام)- من معه من الجنّ و الإنس أن يصوموا ذلك اليوم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم [عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (8) قال‏: لمّا ركب نوح- (عليه السلام)- في السّفينة، قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (9): و يروى أنّ كفّار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن، فعكفوا [على لباب البرّ و لحوم الضّأن و سلاف‏ (10) الخمر أربعين يوما لتصفوا أذهانهم. فلمّا

____________

عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

(1) من المصدر.

(2) الكافي 8/ 283، ذيل ح 426 بتصرّف في صدر المنقول هنا.

(3) الكافي 4/ 212، ح 1.

(4) ليس في المصدر.

(5) التهذيب 4/ 300، صدر ح 908.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: النوى.

(7) تفسير العياشي 2/ 151، ح 40.

(8) من المصدر.

(9) المجمع 3/ 165.

(10) السلاف: ما تحلب و سال قبل العصر و هو أفضل الخمر.

176

أخذوا فيما أرادوا، سمعوا] (1) هذه الآية. فقال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين‏ (2). و تركوا ما أخذوا فيه، و افترقوا.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ نوحا لمّا كان أيّام الطّوفان، دعا مياه الأرض فأجابته 2 إلّا الماء المرّ و [ماء] (4) الكبريت.

وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ‏: و أراد نداءه، بدليل عطف قوله: فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏: فإنّه النّداء.

وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ‏، أي: كلّ وعد تعده حقّ، لا يتطرّق إليه الخلف. و قد وعدت أن تنجّي أهلي، فما حاله أو فما له لم ينج؟

و يجوز أن يكون هذا النّداء قبل غرقه.

وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ‏ (45): لأنّك أعلمهم و أعدلهم، أو لأنّك أكثر حكمة من ذوي الحكم. على أنّ الحاكم من الحكمة، كالدّارع من الدّرع.

قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ: لقطع الولاية بين المؤمن و الكافر. و أشار إليه بقوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ: فإنّه تعليل لنفي كونه من أهله. و أصله: أنّه ذو عمل فاسد. فجعل ذاته ذات العمل، للمبالغة، كقول الخنساء تصف ناقة:

ترتاع ما رتعت‏ (5) حتّى إذا ادّكرت‏* * * فإنّما هي إقبال و إدبار

ثمّ بدّل الفاسد بغير الصّالح، تصريحا بالمناقضة بين وصفيهما، و انتفاء ما أوجب النّجاة لمن نجا من أهله.

و قرأ (6) الكسائيّ و يعقوب: «إنّه عمل»، أي: عمل عملا غير صالح.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال‏: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال‏

____________

(1) ليس في ب.

(2) المصدر: هذا كلام لا يشبهه شي‏ء من الكلام و لا يشبه كلام المخلوقين.

(3) الخصال/ 52، ح 67.

(4) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.

(5) أنوار التنزيل 1/ 470: «ترتع ما غفلت» بدل «ترتاع ما رتعت».

(6) أنوار التنزيل 1/ 470.

(7) الاحتجاج 1/ 314.

177

لأمير المؤمنين فهذا نوح- (عليه السلام)- صبر في ذات اللَّه- عزّ و جلّ- و أعذر قومه إذ كذّب.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- صبر في ذات اللَّه، فأعذر (1) قومه إذ كذّب و شرّد و حصب بالحصا، و علاه أبو لهب بسلا (2) ناقة [و شاة] (3). فأوحى اللَّه- تبارك و تعالى- إلى جابيل ملك الجبال: أن شقّ الجبال و انته إلى أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فأتاه فقال له: إنّي أمرت لك بالطّاعة، فإن أمرت أن أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها.

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّما بعثت رحمة، ربّ اهد (4) أمّتي فإنّهم لا يعلمون.

ويحك يا يهوديّ، إنّ نوحا لمّا شاهد غرق قومه رقّ عليهم رقّة القرابة (5) و أظهر عليهم شفقة، فقال‏ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏.

فقال اللَّه- تبارك و تعالى اسمه-: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏.

أراد- جلّ ذكره- أن يسلّيه بذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا غلبت عليه‏ (6) من قومه المعاندة، شهر عليهم سيف النّقمة و لم تدركه فيهم رقّة القرابة و لم ينظر إليهم بعين رحمة (7).

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و عن أمير المؤمنين‏ (8)- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: و أجده قد شهر هفوات أنبيائه بتكذيبه نوحا لمّا قال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏-: و أمّا هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما بيّنه اللَّه في كتابه [و وقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم مما اجترمه الأنبياء، ممن شهد الكتاب بظلمهم‏] (9)، فإنّ ذلك من أدلّ الدّلائل على حكمة اللَّه الباهرة و قدرته القاهرة (10)

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: إذ أعذر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سبل. و السّلى:

غشاء رقيق يحيط بالجنين، و يخرج معه من بطن أمّه.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «ربّي على» بدل «ربّ اهد».

(5) المصدر: القربة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «علنت» بدل «غلبت عليه».

(7) كذا في المصدر و في ب: مقامه. و في سائر النسخ: مقه.

(8) الاحتجاج 1/ 365 و 370.

(9) من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الطاهرة.

178

و عزته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء- (عليهم السلام)- تكبر في صدور أممهم‏ (1) و أنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي تفرّد به- عزّ و جلّ-.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى عليّ بن مهزيار، عن الحسن‏ (3) بن عليّ الوشّاء، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- تعالى- قال لنوح- (عليه السلام)-: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏. لأنّه كان مخالفا له، و جعل من اتّبعه من أهله.

و في كتاب الغيبة (4) لشيخ الطّائفة، بإسناده إلى إسحاق بن يعقوب قال‏: سألت محمّد بن عثمان العمريّ- (رحمه اللّه)- أن يوصل لي كتابا، قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ.

فورد التّوقيع بخطّ مولانا صاحب الدّار- (عليه السلام)-: أمّا ما سألت عنه، أرشدك اللَّه و ثبّتك اللَّه‏ (5) من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا و بني عمّنا، فاعلم أنّه ليس بين اللَّه- عزّ و جلّ- و بين أحد قرابة. و من أنكرني، فليس منّي و سبيله سبيل ابن نوح.

و في عيون الأخبار (6): حدّثنا أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال:

سمعته يقول: قال أبي- (عليه السلام)- [قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (7): إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال [لنوح‏] (8): «يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏. لأنّه كان مخالفا له. و جعل من اتّبعه من أهله. [قال‏] (9).

و سألني: كيف يقرءون‏ (10) هذه الآية في ابن نوح؟

فقلت: يقرأها (11) النّاس على وجهين: إنّه عمل غير صالح. و إنّه عمل غير صالح.

فقال: كذبوا، هو ابنه- و لكن اللَّه- عزّ و جلّ- نفاه عنه حين خالفه في دينه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: صدورهم.

(2) المجمع 3/ 167.

(3) أ، ب: الحسين.

(4) الغيبة/ 176.

(5) ليس في المصدر.

(6) العيون 2/ 75- 76، ح 3.

7 و 8 و 9- من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: يفسّرون.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: يفسّرونها.

179

و في باب‏ (1) ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. يقول فيه الرّضا- (عليه السلام)-: أما علمتم أنّه وقعت الوراثة و الطّهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟

قالوا: من أين، يا أبا الحسن؟

فقال: من قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ‏ (2). فصارت وراثة النّبوّة و الكتاب للمهتدين دون الفاسقين. أما علمتم أنّ نوحا حين سأل ربّه- عزّ و جلّ-: فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ‏. و ذلك أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- وعده أن ينجّيه و أهله فقال ربّه- عزّ و جلّ-: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏.

و في باب‏ (3) قول الرّضا- (عليه السلام)- لأخيه، زيد بن موسى حين افتخر على من في مجلسه، بإسناده إلى الحسن بن موسى [بن علي‏] (4) الوشّاء البغداديّ قال: كنت بخراسان مع عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- في مجلسه و زيد بن موسى حاضر قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم، و يقول: نحن [و نحن‏] (5). و أبو الحسن- (عليه السلام)- مقبل على قوم يحدّثهم. فسمع مقالة زيد، فالتفت إليه.

فقال: يا زيد، أغرّك [قول‏] (6) ناقلي الكوفة: إنّ فاطمة أحصنت فرجها، فحرّم اللَّه- تعالى- ذرّيّتها على النّار؟ فو اللَّه، ما ذاك إلّا للحسن و الحسين و ولد بطنها خاصّة.

فأمّا أن يكون موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- يطيع اللَّه و يصوم نهاره و يقوم ليله و تعصيه أنت، ثمّ تجيئان يوم القيامة سواء، لأنت أعزّ على اللَّه- عزّ و جلّ- منه. إنّ عليّ بن- (عليهما السلام)- كان يقول: كان‏ (7) لمحسننا كفلان من الأجر، و لمسيئنا ضعفان من العذاب.

قال الحسن الوشّاء: ثمّ التفت إليّ فقال لي: يا حسن، كيف تقرءون هذه الآية قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏؟

فقلت: من النّاس من يقرأ: إنّه عمل غير صالح. و منهم من يقرأ: إنّه عمل غير

____________

(1) العيون 1/ 230.

(2) الحديد/ 26.

(3) العيون 2/ 232، ح 1.

4 و 5- من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) ليس في المصدر.

180

صالح. فمن قرأ إنّه عمل غير صالح، فقد نفاه عن أبيه.

فقال- (عليه السلام)-: كلّا، لقد كان ابنه. و لكن لمّا عصى اللَّه- عزّ و جلّ- نفاه عن أبيه، كذا من كان منّا لم يطع اللَّه- عزّ و جلّ- فليس منّا. و أنت إذا أطعت اللَّه، فأنت منّا من‏ (1) أهل البيت.

حدّثنا (2) محمّد بن عليّ ماجيلويه- (رحمه اللّه)- و محمّد بن موسى المتوكّل و أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ- رضي اللَّه عنه‏ (3)- قالوا: حدّثنا عليّ بن إبراهيم قال: حدّثني ياسر، أنّه خرج زيد بن موسى، أخو أبي الحسن- (عليه السلام)- بالمدينة و أحرق و قتل.

و كان يسمّى: زيد النّار. فبعث إليه المأمون، فأسر و حمل إلى المأمون.

فقال المأمون: اذهبوا به إلى أبي الحسن.

قال ياسر: فلمّا دخل إليه، قال له أبو الحسن الرّضا: يا زيد، أغرّك قول سفلة أهل الكوفة: إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللَّه- تعالى- ذرّيّتها على النّار؟ ذلك للحسن و الحسين- (عليهما السلام)- خاصّة. إن كنت ترى أنّك تعصي اللَّه- تعالى- و تدخل الجنّة، و موسى بن جعفر أطاع اللَّه و دخل الجنّة، فأنت إذا أكرم على اللَّه من موسى بن جعفر.

و اللَّه، ما ينال أحد ما عند اللَّه إلّا بطاعته و زعمت أنّك تناله بمعصيته، فبئس ما زعمت.

فقال له زيد: أنا أخوك و ابن أبيك.

فقال له أبو الحسن: أنت أخي ما أطعت اللَّه- عزّ و جلّ-. إنّ نوحا- (عليه السلام)- قال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ‏. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏. فأخرجه اللَّه- عزّ و جلّ- من أن يكون من أهله بمعصيته.

فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏: ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك.

و إنّما سمّي نداءه: سؤالا، لتضمّن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده، أو استفسار المانع للإنجاز في حقّه.

و إنّما سمّاه: جهلا و زجر عنه بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ (46). لأنّ استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دلّه على الحال و أغناه‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) العيون 2/ 234، ح 4.

(3) المصدر: عنهم.

181

عن السّؤال، لكن أشغله حبّ الولد عنه حتّى اشتبه الأمر عليه.

و قرأ (1) ابن كثير، بفتح اللّام و النّون الشّديدة. و كذا نافع و ابن عامر، غير أنّهما كسرا النّون، على أنّ أصله: تسألني. بحذف نون الوقاية، لاجتماع النّونات. و كسرت الشّديدة للياء ثمّ حذفت، اكتفاء بالكسرة.

و عن نافع‏ (2)، إثباتها، برواية ورش‏ (3) في الوصل.

قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ‏: فيما يستقبل.

ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ‏: ما لا علم لي بصحّته.

وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي‏: و إن لم تغفر لي ما فرط منّي من السّؤال.

وَ تَرْحَمْنِي‏: بالتّوبة و التّفضّل عليّ.

أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (47): أعمالا. قاله على سبيل الخضوع للّه و التّذلّل له و الاستكانة.

قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا: انزل من السّفينة مسلّما من المكاره محفوظا من جهتنا. أو مسلّما عليك.

وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ‏: و مباركا عليك. أو زيادات في نسلك حتّى تصير آدما ثانيا.

و قرئ‏ (4): «اهبط» بالضّمّ. «و بركة» على التّوحيد: و هي الخير النّامي.

وَ عَلى‏ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ‏: و على أمم هم الّذين معك. سمّوا: أمما، لتحزّبهم.

أو تشعّب الأمم منهم. أو على أمم ناشئة ممّن معك، و المراد بهم: المؤمنون. لقوله:

وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ‏: أي: و ممّن معك أمم سنمتّعهم في الدّنيا.

ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (48): في الآخرة. و المراد بهم: الكفّار من ذرّيّة من معه.

و قيل‏ (5): هم قوم هود و صالح و لوط و شعيب. و العذاب، ما نزل بهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 470.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: رويس.

(4) أنوار التنزيل 1/ 470.

(5) أنوار التنزيل 1/ 470.

(6) تفسير القمّي 1/ 326- 327 و 238.

182

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- هلاك قوم نوح- (عليه السلام)-. و ذكر حديثا طويلا.

و في آخره: و أنزل اللَّه على نوح- (عليه السلام)- يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ‏. فنزل نوح بالموصل من السّفينة، و بنوا مدينة الثّمانين. و كانت لنوح ابنة ركبت معه السّفينة، فتناسل النّاس منها. و ذلك قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نوح أحد الأبوين.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا هبط نوح- (عليه السلام)- من السّفينة، أتاه إبليس عليه اللّعنة فقال: ما في الأرض [رجل‏] (2) أعظم منّة عليّ منك، دعوت [اللَّه‏] (3) على هؤلاء الفسّاق فأرحتني منهم. ألا أعلّمك خصلتين: إيّاك و الحسد، فهو الّذي عمل بي ما عمل. و إيّاك و الحرص، فهو الّذي عمل بآدم ما عمل.

و في الكافي‏ (4): عنه، عن القاسم بن‏ (5) الرّيّان، عن أبان بن عثمان، عن موسى بن العلاء، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا حسر الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح- (عليه السلام)-، جزع جزعا شديدا و اغتمّ لذلك.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ-: هذا عملك بنفسك، أنت دعوت عليهم.

فقال: يا ربّ، إنّي أستغفرك و أتوب إليك.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: أن كل العنب الأسود، ليذهب غمّك.

تِلْكَ‏: إشارة إلى قصّة نوح. و محلّها الرّفع بالابتداء، و خبرها مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ‏، أي: بعضها.

نُوحِيها إِلَيْكَ‏: خبر ثان. و الضّمير لها، أي: موحاة إليك. أو حال من الأنباء. أو هو الخبر «و من أنباء» متعلّق به. أو حال من «الهاء» في «نوحيها».

ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا: خبر آخر، أي: مجهولة عندك و عند قومك من قبل إيحائنا إليك. أو حال من «الهاء» في «نوحيها»، أو «الكاف» في «إليك»، أي: جاهلا أنت و قومك بها.

____________

(1) الخصال/ 50- 51، ح 61.

2 و 3- من المصدر.

(4) الكافي 6/ 350، ح 2.

(5) ليس في المصدر.

183

و في ذكرهم تنبيه على أنّه لم يتعلّمها إذ لم يخالط (1) غيرهم، و أنّهم مع كثرتهم لمّا لم يسمعوها فكيف بواحد منهم.

فَاصْبِرْ: على مشاقّ الرّسالة و أذيّة القوم، كما صبر نوح- (عليه السلام)-.

إِنَّ الْعاقِبَةَ: في الدّنيا بالظّفر، و في الآخرة بالفوز.

لِلْمُتَّقِينَ‏ (49): عن الشّرك و المعاصي.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم:

عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: بقي نوح بعد النّزول من السّفينة خمسين سنة. ثمّ أتاه جبرئيل، فقال له: يا نوح، قد انقضت‏ (3) نبوّتك و استكملت أيّامك، فانظر الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة الّتي معك فادفعها إلى ابنك سام.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عاش نوح- (عليه السلام)- ألفي سنة و ثلاثمائة سنّة. منها ثمانمائة سنة و خمسون سنة قبل أن يبعث، و ألف سنة إلّا خمسين عاما و هو في قومه يدعوهم، و هو (5) خمسمائة عام بعد ما نزل من السّفينة و نضب الماء.

فمصّر الأمصار و اسكن ولده البلدان، ثمّ أنّ ملك الموت جاءه و هو في الشّمس.

فقال: السّلام عليك.

فردّ عليه نوح- (عليه السلام)- فقال: ما جاء بك، يا ملك الموت.

فقال: جئتك لأقبض روحك.

قال: دعني أدخل من الشّمس إلى الظّل.

فقال له: نعم.

فتحوّل، ثمّ قال: يا ملك الموت، كلّ ما مرّ بي من الدّنيا، مثل تحويلي من الشّمس إلى الظّل، فامض لما أمرت به.

فقبض روحه.

____________

(1) أ، ب، ر: يتخالط.

(2) كمال الدين/ 134- 135، صدر ح 3.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: انقظت.

(4) الكافي 8/ 284، ح 429.

(5) ليس في المصدر.

184

و عنه‏ (1)- (عليه السلام)-: عاش نوح بعد الطّوفان خمسمائة عام. ثمّ أتاه جبرئيل- (عليه السلام)-.

فقال: يا نوح، إنّه قد انقضت نبوّتك و استكملت أيّامك. فانظر إلى الاسم الأكبر [و ميراث العلم‏] (2) و آثار علم النّبوّة الّتي معك، فادفعها إلى ابنك سام. فإنّي لا أترك الأرض إلّا و فيها عالم تعرف به طاعتي، و يعرف به هداي، و تكون النجاة فيما بين مقبض النّبيّ و مبعث النّبيّ الآخر. و لم أكن أترك النّاس بغير حجّة لي، وداع إليّ، و هاد إلى سبيلي، و عارف بأمري. فإنّي قد قضيت أن أجعل لكلّ قوم هاديا أهدي به السّعداء، و يكون حجّة لي على الأشقياء.

قال: فدفع نوح- (عليه السلام)- الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة إلى سام. و أمّا حام و يافث، فلم يكن عندهما علم ينتفعان به.

قال: و بشّرهم نوح بهود، و أمرهم باتّباعه، و أمرهم أن يفتحوا الوصيّة في كلّ عام و ينظروا فيها و يكون عيدا لهم.

وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ‏، أي: أحدهم.

هُوداً: عطف على قوله: نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ‏.

«و هودا» عطف بيان.

قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏: وحده.

ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ‏.

و قرئ‏ (3)، بالجرّ، حملا على المجرور وحده.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ‏ (50): على اللَّه، باتّخاذ الأوثان شركاء و جعلها شفعاء.

يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي‏: خاطب كلّ رسول به قومه، إزاحة للتّهمة و تمحيضا للنّصيحة. فإنّها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (51): أفلا تستعملون عقولكم، فتعرفوا المحقّ من المبطل‏

____________

(1) الكافي 8/ 285، ح 430.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 1/ 471.

185

و الصّواب من الخطأ.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه‏ قالت العلماء له‏ (2): فأخبرنا، هل فسّر اللَّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا. فأوّل ذلك- إلى قوله-: و الآية السّادسة قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (3). و هذه خصوصيّة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى يوم القيامة، و خصوصيّة للآل دون غيرهم. و ذلك أنّ اللَّه- تعالى- حكى ذكر نوح- (عليه السلام)- في كتابه: يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ‏ (4). و حكى- عزّ و جلّ- عن هود- (عليه السلام)- أنّه قال: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي، أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏. و قال- عزّ و جلّ- لنبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قل يا محمّد: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏. و لم يفرض اللَّه- تعالى- مودّتهم إلّا و قد علم أنّهم لا يرتدّون عن الدّين أبدا، و لا يرجعون إلى الضّلال بعد الإيمان‏ (5).

وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏: اطلبوا مغفرة اللَّه بالإيمان، ثمّ توسّلوا إليها بالتّوبة، و أيضا التّبرّي من الغير إنّما يكون بعد الإيمان و الرّغبة فيما عنده.

يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً: كثير الدّرّ.

وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى‏ قُوَّتِكُمْ‏: يضاعف قوّتكم.

قيل‏ (6): إنّما رغّبهم بكثرة المطر و زيادة القوّة، لأنّهم كانوا أصحاب زروع و عمارات.

و قيل‏ (7): حبس اللَّه عنهم القطر و أعقم أرحام نسائهم ثلاث‏ (8) سنين. فوعدهم هود- (عليه السلام)- على الإيمان و التّوبة بكثرة الأمطار، و تضاعف القوّة بالتّناسل.

____________

(1) العيون 1/ 231 و 233- 234.

(2) ليس في المصدر.

(3) الشورى/ 20.

(4) هود/ 29.

(5) المصدر: «ضلال أبدا» بدل «الضلال بعد الإيمان».

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 471.

(8) المصدر: ثلاثين سنة.

186

وَ لا تَتَوَلَّوْا: و لا تعرضوا عمّا أدعوكم إليه.

مُجْرِمِينَ‏ (52): مصرّين على إجرامكم.

قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ: بحجّة تدلّ على صحّة دعواك. و هو كذب و جحود، لفرط عنادهم و عدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات.

وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا: بتاركي عبادتهم.

عَنْ قَوْلِكَ‏: صادرين عن قولك. حال من الضّمير في «تاركي».

وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ‏ (53): إقناط له من الإجابة و التّصديق.

إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ‏: ما نقول إلّا قولنا: اعتراك، أي: أصابك. من عراه يعروه: إذا أصابه.

بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ: بجنون، لسبّك إيّاها و صدّك عنها. و من ذلك تهذي و تتكلّم بالخرافات.

و الجملة مفعول القول، و إلّا لا عمل لها لأنّ الاستثناء مفرغ.

قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ‏ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ‏ (55): أجاب به عن مقالتهم الحمقاء، بأن أشهد اللَّه- تعالى- على براءته من آلهتهم و فراغه عن إضرارهم، تأكيدا لذلك و تثبيتا له. و أمرهم بأن يشهدوا عليه، استهانة بهم، و أن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إنظار. حتّى إذا اجتهدوا فيه، و رأوا أنّهم عجزوا عن آخرهم و هم الأقوياء الأشدّاء أن يضرّوه، لم يبق شبهة أنّ آلهتهم الّتي هي جماد لا تضرّ و لا تتمكن من إضراره.

و هذا من جملة معجزاته، فإنّ مواجهة الواحد الجمّ الغفير من الجبابرة العتاة العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلّا لثقته باللّه، و تثبّطهم عن إضراره ليس إلّا بعصمته إيّاه. و لذلك عقّبه بقوله: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ‏: تقريرا له.

و المعنى: أنّكم و إن بذلتم غاية وسعكم لم تضرّوني. فإنّي متوكّل على اللَّه واثق بكلاءته، و هو مالكي و مالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، و لا تقدرون على ما لم يقدّره.

ثمّ برهن عليه بقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، أي: إلّا هو مالك لها قادر عليها، يصرّفها على ما يريد بها.

و «الأخذ بالنّواصي» تمثيل لذلك.

إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (56)، أي: إنّه على الحقّ و العدل، فلا يضيع‏

187

عنده معتصم و لا يفوته ظالم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، يعني: أنّه على حقّ، يجزي بالإحسان إحسانا و بالسّي‏ء سيّئا، و يعفو عمّن يشاء و يغفر- سبحانه و تعالى-.

فَإِنْ تَوَلَّوْا: فإن تتولّوا.

فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ‏: فقد أدّيت ما عليّ من الإبلاغ و إلزام الحجّة، فلا تفريط منّي و لا عذر لكم فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.

وَ يَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ‏: استئناف بالوعيد لهم، بأنّ اللَّه يهلكهم و يستخلف قوما آخرين في ديارهم و أموالهم. أو عطف على الجواب بالفاء، و يؤيّده القراءة بالجزم على الموضع، و كأنّه قيل: فإن تتولّوا يعذرني و يستخلف.

وَ لا تَضُرُّونَهُ‏: بتولّيكم.

شَيْئاً: من الضّرر. و من جزم «يستخلف»، أسقط النّون منه.

إِنَّ رَبِّي عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ (57): رقيب، فلا تخفى عليه أعمالكم و لا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضرّه شي‏ء.

وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا: عذابنا، أو أمرنا بالعذاب.

نَجَّيْنا هُوداً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا.

قيل‏ (2): كانوا أربعة آلاف.

وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58): تكرير نجّاهم منه.

قيل: هو السّموم، كانت تدخل من أنوف الكفرة و تخرج من أدبارهم، فتقطّع أعضاءهم.

أو المراد به: تنجيتهم من عذاب الآخرة- أيضا-. و لتعريض بأنّ المهلكين، كما عذّبوا في الدّنيا بالسّموم فهم معذّبون في الآخرة بالعذاب الغليظ.

وَ تِلْكَ عادٌ أنّث اسم الإشارة باعتبار القبيلة. أو لأنّ الإشارة إلى قبورهم و آثارهم.

جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ‏: كفروا بها.

وَ عَصَوْا رُسُلَهُ‏: لأنّهم عصوا رسولهم. و من عصى رسولا، فكأنّما عصى الكلّ.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 151، ح 42.

(2) أنوار التنزيل 1/ 472.

188

لأنّهم أمروا بطاعة كلّ رسول.

وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)، يعني: كبراءهم الطّاغين.

و «عنيد» من عند، عندا، و عندا، و عنودا: إذا طغى.

و المعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان و ما ينجيهم، و أطاعوا من دعاهم إلى الكفر و ما يرديهم.

وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي: جعلت اللّعنة تابعة لهم في الدّارين، تكبّهم في العذاب.

أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ‏: جحدوه. أو كفروا نعمه. أو كفروا به، فحذف الجارّ.

أَلا بُعْداً لِعادٍ: دعاء عليهم بالهلاك. و المراد به: الدّلالة على أنّهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكى عنهم. و إنما كرّر «ألا» و أعاد ذكرهم، تفظيعا لأمرهم و حثّا على الاعتبار بحالهم.

قَوْمِ هُودٍ (60): عطف بيان «لعاد». و فائدته تمييزهم عن عاد الثّانية، عاد إرم. و الإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم و بين هود.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: إنّ عادا كانت بلادهم في البادية من الشقيق‏ (2) إلى الأجفر أربعة منازل. و كان لهم زرع و نخيل كثير، و لهم أعمار طويلة و أجسام طويلة، فعبدوا الأصنام. و بعث اللَّه إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام و خلع الأنداد، فأبوا و لم يؤمنوا بهود و آذوه، فكفّت السّماء عنهم سبع سنين حتّى قحطوا. و كان هود زرّاعا. و كان يسقي الزّرع، فجاء قوم إلى بابه يريدونه، فخرجت عليهم امرأة شمطاء عوراء.

فقالت: من أنتم؟

فقالوا: نحن من بلاد كذا و كذا، أجدبت بلادنا، فجئنا إلى هود نسأله أن يدعو اللَّه حتّى نمطر (3) و تخصب بلادنا.

فقالت: لو استجيب‏ (4) لهود لدعا لنفسه، فقد احترق زرعه لقلّة الماء.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 329- 330.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: المشرق.

و الشقيق و الأجفر: منزلان بطريق مكة.

(3) المصدر: تمطر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: استجيبت.

189

قالوا: فأين هود؟

قالت: هو في موضع كذا و كذا.

فجاءوا إليه، فقالوا: يا نبيّ اللَّه، قد أجدبت بلادنا و لم نمطر (1)، فاسأل اللَّه أن يخصب بلادنا و نمطر (2).

فتهيّأ للصّلاة، و صلّى و دعا لهم.

فقال لهم: ارجعوا، فقد أمطرتم‏ (3) و أخصبت بلادكم.

فقالوا: يا نبيّ اللَّه، إنّا رأينا عجبا.

قال: و ما رأيتم؟

قالوا: رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء، قالت لنا: من أنتم، و ما تريدون؟

فقلنا: جئنا إلى هود، ليدعو اللَّه لنا فنمطر. فقالت: لو كان هود داعيا لدعا لنفسه، فإنّ زرعه قد احترق.

فقال هود: تلك‏ (4) أهلي، و أنا أدعو اللَّه لها بطول البقاء.

فقالوا: و كيف ذلك؟

قال: لأنّه ما خلق اللَّه مؤمنا إلّا و له عدوّ يؤذيه، و هي عدوّتي. فلئن يكون عدوّي ممّن أملكه خير من أن يكون عدوّي ممّن يملكني.

فبقى هود في قومه يدعوهم إلى اللَّه، و ينهاهم عن عبادة الأصنام حتّى تخصب‏ (5) بلادهم. و أنزل اللَّه عليهم المطر، و هو قوله- عزّ و جلّ-: يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ‏ (الآيات). فلمّا لم يؤمنوا، أرسل اللَّه عليهم الرّيح الصّرصر [يعني: الباردة] (6). و هو قوله في سورة القمر (7): كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (8). و حكى في سورة الحاقّة، فقال: وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً (9).

____________

1 و 2- المصدر: تمطر.

(3) ب: مطرتم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «هو ذاك» بدل «هود تلك».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أخصبت.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: «اقتربت» بدل «القمر».

(8) القمر/ 18- 19.

(9) الحاقة/ 6- 7.

190

قال: كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال و ثمانية أيّام.

قال: فحدّثني‏ (1) أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللَّه بن سنان، عن معروف بن خربوذ (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: الرّيح العقيم تخرج من تحت الأرضين السّبع.

و ما خرج منها شي‏ء قطّ إلّا على قوم عاد، حين غضب اللَّه عليهم. فأمر الخزّان أن يخرجوا منها، مثل سعة الخاتم. فعصت على الخزنة، فخرج منها، مثل مقدار منخر الثّور تغيّظا منها على قوم عاد. فضجّ الخزنة إلى اللَّه من ذلك.

فقالوا: يا ربّنا، إنّها قد عصت‏ (3) علينا، و نحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك و عمّار بلادك.

فبعث اللَّه جبرئيل فردّها بجناحه، و قال لها: اخرجي على ما أمرت به.

فخرجت‏ (4) على ما أمرت به، فأهلكت‏ (5) قوم عاد و من كان بحضرتهم.

وَ إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏: هو كوّنكم منها لا غيره. فإنّه خلق آدم و موادّ النّطف الّتي خلق نسله منها من التّراب.

وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها: عمّركم و استبقاكم. من العمر. أو أقدركم على عمارتها و أمركم بها.

و قيل‏ (6): هو من العمرى، بمعنى: أعمركم فيها دياركم، و يرثها منكم بعد انصرام أعماركم. أو جعلكم معمّرين دياركم تسكنونها مدّة عمركم، ثمّ تتركونها لغيركم.

فعلى الأوّل «استعمر»، بمعنى: أعمر. و على الثّاني، بمعنى: جعلك معمّرا.

جاز في الاستفعال الوجهان.

فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ‏: قريب الرّحمة.

مُجِيبٌ‏ (61): لداعيه.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 329- 330.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 246 و في النسخ: خربوز.

(3) المصدر: عتت.

(4) المصدر: فرجعت و خرجت.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فأهلك.

(6) أنوار التنزيل 1/ 473.

191

قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا: لما نرى فيك من مخايل الرّشد و السّداد، أن تكون لنا سيّدا و مستشارا في الأمور، و أن توافقنا في الدّين. فلمّا سمعنا هذا القول منك، انقطع رجاؤنا عنك.

أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا: على حكاية الحال الماضية.

وَ إِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ‏: من التّوحيد، و التّبرّؤ عن الأوثان.

مُرِيبٍ‏ (62): موقع في الرّيبة. من أرابه. أو ذي ريبة، على الإسناد المجازيّ. من أراب في الأمر.

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي‏: بيان و بصيرة. و حرف الشّكّ باعتبار المخاطبين.

وَ آتانِي مِنْهُ رَحْمَةً: نبوّة.

فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ‏: فمن يمنعني من عذابه.

إِنْ عَصَيْتُهُ‏: في تبليغ رسالته، و المنع عن الإشراك به.

فَما تَزِيدُونَنِي‏: إذن باستتباعكم إيّاي.

غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63): غير أن تخسروني بإبطال ما منحني اللَّه و التّعرّض لعذابه.

أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران.

وَ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً انتصب «آية» على الحال، و عاملها معنى الإشارة. و «لكم» حال منها تقدّمت عليها، لتنكيرها.

فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ‏: ترع نباتها و تشرب ماءها.

وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ‏ (64): عاجل. لا يتراخى عن مسّكم لها بالسّوء إلّا يسيرا، و هو ثلاثة أيّام.

فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ‏: عيشوا في منازلكم، أو في داركم الدّنيا.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما يسأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: ثمّ قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و تطيّرنا منه و ثقله منه‏ (2)، و أيّ أربعاء

____________

(1) العيون 1/ 247.

(2) ليس في المصدر.

192

هو؟

قال آخر أربعاء في الشّهر و هو المحاق، و فيه قتل قابيل أخاه- إلى أن قال (عليه السلام)-: و يوم الأربعاء عقروا النّاقة.

ثَلاثَةَ أَيَّامٍ‏: الأربعاء و الخميس و الجمعة، ثمّ تهلكون.

ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)، أي: غير مكذوب فيه. فاتسع بإجرائه مجرى المفعول به: كقوله:

و يوما شهدناه سليما و عامرا

أو غير مكذوب على المجاز، و كأنّ هذا الواعد قال له: أفي بك، فإن وفى به صدّقه و إلّا كذّبه.

أو وعد غير كذب، على أنّه مصدر، كالمجلود و المعقول.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ‏، أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل الحجر في غزوة تبوك قام فخطب النّاس، و قال: يا أيّها النّاس، لا تسألوا نبيّكم الآيات. فهؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث لهم النّاقة، فكانت ترد من هذا الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها و يحلبون من لبنها، مثل الّذي كانوا يشربون من مائها يوم غبّها (2). فعتوا عن أمر ربّهم‏ فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ‏ فذلك وعد من اللَّه غير مكذوب. ثمّ جاءتهم الصّيحة، فأهلك اللَّه من كان في مشارق الأرض و مغاربها منهم، إلّا رجلا كان في حرم اللَّه، فمنعه حرم اللَّه من عذاب اللَّه- تعالى- يقال له:

أبو رغال‏ (3).

قيل: يا رسول اللَّه، من أبو رغال؟

قال: أبو ثقيف.

فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أي: و نجّيناهم من خزي يومئذ. و هو هلاكهم بالصّيحة، أو ذلّهم و فضيحتهم يوم القيامة.

و عن نافع‏ (4) و الكسائيّ، هنا و في المعارج، في قوله: «من عذاب يومئذ» بالفتح،

____________

(1) المجمع 3/ 175.

(2) الغبّ: من أوراد الإبل، أن ترد الماء يوما و تدعه يوما ثمّ تعود.

(3) نور الثقلين 2/ 374، ح 151: أبو زعال.

(4) أنوار التنزيل 1/ 474.

193

على اكتساب المضاف البناء من المضاف إليه.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66): القادر على كلّ شي‏ء و الغالب عليه.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن أبي عبد اللَّه، رفعه إلى أبي هاشم الجعفريّ قال‏:

كنت عند أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)-. فسأله رجل، فقال: أخبرني عن الرّبّ- تبارك و تعالى- له أسماء و صفات في كتابه، و أسماؤه و صفاته هي هو (2)؟

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ لهذا الكلام وجهين.

- إلى قوله-: و كذلك سمّينا ربّنا قويّا، لا بقوّة البطش المعروف من المخلوق. و لو كانت قوته [قوة] (3) البطش المعروف من المخلوق، لوقع التّشبيه و لاحتمل الزّيادة. و ما احتمل الزيادة، احتمل‏ (4) النقصان. و ما كان ناقصا، [كان‏] (5) غير قديم. و ما كان غير قديم، كان عاجزا.

وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ‏ (67):

ميّتين.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها: كأن لم يقيموا فيها أحياء. و تمام القصّة قد سبق في سورة الأعراف.

أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ‏.

نوّنه أبو بكر، ها هنا، و في النّجم. و الكسائي في جميع القرآن. و ابن كثير و نافع و ابن عامر و أبو عمرو في قوله: «أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68). ذهابا إلى الحيّ، أو الأب الأكبر.

و في روضة الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل‏، يذكر فيه قصّة صالح- (عليه السلام)- و قوله. و فيه قال: يا قوم، [إنّكم‏] (7) تصبحون‏

____________

(1) الكافي 1/ 116 و 117 صدر و قطعة من ح 7.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: هي.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «احتمال» بدل «و ما احتمل الزيادة احتمل».

(5) من المصدر.

(6) الكافي 8/ 188- 189، ذيل ح 214.

(7) من المصدر.

194

غدا و وجوهكم مصفرّة، و اليوم الثّاني و وجوهكم محمرّة، و اليوم الثّالث و وجوهكم مسودّة.

فلمّا أن كان أوّل يوم، أصبحوا و وجوههم مصفرّة. فمشى بعضهم إلى بعض، و قالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح.

فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح، و لا نقبل قوله و إن كان عظيما.

فلمّا كان اليوم الثّاني، أصبحت وجوههم محمّرة. فمشى بعضهم إلى بعض، فقالوا: يا قوم، قد جاءكم ما قال لكم صالح.

فقال العتاة منهم: لو أهلكنا (1) جميعا، ما سمعنا قول صالح و لا تركنا آلهتنا الّتي كان آباؤنا يعبدونها.

و لم يتوبوا، و لم يرجعوا. فلمّا كان اليوم الثّالث، أصبحوا و وجوههم مسوّدة.

فمشى بعضهم إلى بعض، و قالوا: يا قوم، أتاكم ما قال لكم صالح.

فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح.

فلمّا كان نصف اللّيل، أتاهم جبرئيل، فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصّرخة أسماعهم و فلقت قلوبهم و صدعت أكبادهم. و قد كانوا في تلك الثّلاثة أيّام قد تحنّطوا و تكفّنوا، و علموا أنّ العذاب نازل بهم. فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم و كبيرهم، فلم يبق لهم ناعقة و لا راغية (2) و لا شي‏ء إلّا أهلكه اللَّه. فأصبحوا في ديارهم و كانوا في‏ (3) مضاجعهم موتى أجمعين، ثمّ أرسل اللَّه عليهم مع الصّيحة النّار من السّماء، فأحرقهم أجمعين.

وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ‏، يعني: الملائكة.

قيل‏ (4): كانوا تسعة.

و قيل‏ (5): كانوا ثلاثة: جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل.

و في مجمع البيان‏ (6): عن الصّادق- (عليه السلام)- قيل‏: كانوا أربعة: جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و كروبيل.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «إن هلكنا».

(2) كذا في المصدر و في النسخ: ناعية و لا داعية.

(3) ليس في المصدر: كانوا في.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 474.

(6) المجمع 3/ 179.

195

بِالْبُشْرى‏.

قيل‏ (1): بهلاك قوم لوط.

و في مجمع البيان‏ (2)، و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّ هذه البشارة كانت بإسماعيل، من هاجر.

و يأتي من العلل.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): أنّها بإسحاق.

قالُوا سَلاماً: سلّمنا عليك سلاما. و يجوز نصبه ب «قالوا»، على معنى‏ ذكروا سلاما.

قالَ سَلامٌ‏:، أي: أمركم، أو جوابي سلام، أو عليكم سلام. رفعه إجابة بأحسن من تحيّتهم.

و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ: «سلم»، و كذلك في الذّاريات. و هما لغتان، كحرم، أو حرام.

و قيل‏ (6): المراد به: الصّلح.

فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69): فما أبطأ مجيئه به، أو فما أبطأ في المجي‏ء به، أو فما تأخّر عنه. و الجارّ مقدّر أو محذوف.

و «الحنيذ» المشويّ بالرّضف‏ (7).

و قيل‏ (8) الّذي يقطر (9) ودكه. من حنذت الفرس: إذا عرقته بالجلال. لقوله:

«بعجل سمين» (10).

و في تفسير العيّاشيّ‏ (11): عن الباقر- (عليه السلام)-، يعني: زكيا (12) مشويّا نضيجا.

و عن الصّادق- (عليه السلام)- (13)، يعني: مشويّا نضيجا.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 474.

(2) المجمع 3/ 179.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 152، ضمن ح 44.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 152، ح 44 و 45.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 474.

(7) الرضف- جمع رضفة-: الحجر المحمى بالنّار او الشمس.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يقطرك.

(10) الذاريات: 26.

(11) تفسير العياشي 2/ 152، ضمن ح 44.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: ذكيا.

(13) نفس المصدر و المجلد/ 154، ح 48.

196

و عنه‏ (1)- (عليه السلام)-: أنّه قال‏: كلوا.

فقالوا: لا نأكل، حتّى تخبرنا ما ثمنه.

فقال: إذا أكلتم، فقولوا: بسم اللَّه. و إذا فرغتم، فقولوا: الحمد للّه.

فالتفت جبرئيل إلى أصحابه، و كانوا أربعة رئيسهم جبرئيل، فقال: حقّ للّه أن يتّخذ هذا خليلا (2).

فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ‏: لا يمدّون إليه أيديهم.

نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً: أنكر ذلك منهم، و خاف أن يريدوا به مكروها.

و «نكر» و «أنكر» و «استنكر» بمعنى.

و الإيجاس: الإدراك.

و قيل‏ (3): الإضمار.

قالُوا: له لمّا أحسّوا منه أثر الخوف.

لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمِ لُوطٍ (70): إنّا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب.

و إنّما لم نمدّ إليه أيدينا، لأنّا لا نأكل.

وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ: وراء السّتر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة. و هي سارة، ابنة لاحج. و هي ابنة خالته.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): إنّما عنى: سارة.

فَضَحِكَتْ‏: سرورا بزوال الخيفة. أو بهلاك أهل الفساد. أو بإصابة رأيها، فإنّها كانت تقول لإبراهيم: أضمم إليك لوطا، فإنّي أعلم أنّ العذاب ينزل بهؤلاء القوم.

و قيل‏ (5): «فضحكت»، أي: فحاضت.

قال [الشاعر:] (6)

و عهدي بسلمى ضاحكا في لبابة* * * و لم تعد حقّا ثديها أن تحلبا

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 153- 154، ح 47 بتصرّف في صدره.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: خليله.

(3) أنوار التنزيل 1/ 474.

(4) تفسير العياشي 2/ 152، ضمن ح 44.

(5) أنوار التنزيل 1/ 474.

(6) من المصدر.

197

و منه: ضحكت السّمرة: إذا سال صمغها.

و قرئ‏ (1)، بفتح الحاء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن الباقر، يعني: تعجّبت‏ (4) من قولهم.

و في معاني الأخبار (5)، و في مجمع البيان‏ (6)، و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن الصّادق- (عليه السلام)-: حاضت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): ضحكت، أي: حاضت. و قد كان ارتفع حيضها منذ دهر طويل.

فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ‏ (71).

نصبه‏ (9) ابن عامر و حمزة و حفص بفعل يفسّره ما دلّ عليه الكلام، و تقديره:

و وهبناها من وراء إسحاق يعقوب.

و قيل‏ (10): إنّه معطوف على موضع «بإسحاق»، أو على لفظ «إسحاق». و فتحته للجرّ، فإنّه غير منصرف ورد للفصل بينه و بين ما عطف عليه بالظّرف.

و قرأ (11) الباقون، بالرّفع، على أنّه مبتدأ خبره الظّرف، أي: و يعقوب مولود من بعده.

و قيل‏ (12): «الوراء» ولد الولد. و لعلّه سمّي به، لأنّه بعد الولد. و على هذا تكون إضافته إلى إسحاق ليس من حيث أنّ يعقوب وراءه، بل من حيث أنّه وراء إبراهيم من جهته، و فيه نظر. و الاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة، كيحيى. و يحتمل وقوعهما في الحكاية بعد أن ولدا، فسميا (13) به. و توجيه البشارة إليها للدّلالة على أنّ الولد المبشّر به‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) العلل/ 550، ذيل ح 4.

(3) تفسير العياشي 2/ 152، ذيل ح 44.

(4) تفسير العياشي: فعجبت.

(5) معاني الأخبار/ 224، ح 1.

(6) المجمع 3/ 180.

(7) تفسير العياشي 2/ 152، صدر ح 45.

(8) تفسير القمّي 1/ 334.

(9) أنوار التنزيل 1/ 474.

(10) نفس المصدر و الموضع.

11 و 12- نفس المصدر و الموضع.

(13) كذا في المصدر. و في أ، ب: فسميناه به،

198

يكون منها، و لأنّها كانت عقيمة حريصة على الولد.

قالَتْ يا وَيْلَتى‏: يا عجبا. و أصله في الشّرّ، فأطلق في كلّ أمر فظيع.

و قرئ‏ (1)، بالياء، على الأصل.

أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ: ابنة تسعين.

وَ هذا بَعْلِي‏: زوجي. و أصله القائم بالأمر.

شَيْخاً: ابن مائة و عشرين.

و نصبه على الحال، و العامل فيها معنى الإشارة.

و قرئ‏ (2)، بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو شيخ. أو خبر بعد خبر.

أو هو الخبر، و «بعلي» بدل.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3): عن أحدهما- (عليهما السلام)-: و هي يومئذ ابنة تسعين سنة، و إبراهيم يومئذ ابن عشرين و مائة سنة.

و سيأتي الخبر بتمامه.

إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ‏ (72)، يعني: الولد من هرمين‏ (4). و هو استعجاب من حيث العادة دون القدرة، و لذلك‏ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ‏: منكرين عليها. فإنّ خوارق العادات، باعتبار أهل بيت النّبوّة و مهبط المعجزات و تخصيصهم بمزيد النّعم و الكرامات، ليس ببدع و لا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلا عمّن نشأت و شابت في ملاحظة الآيات.

و «أهل البيت» نصب على المدح، أو النداء لقصد التّخصيص، كقولهم:

اللّهم، اغفر لنا أيّتها العصابة.

و في كتاب معاني الأخبار (5): أنّ الصّادق- (عليه السلام)- سلّم على رجل.

فقال الرّجل: و عليكم السّلام و رحمة اللَّه و بركاته و رضوانه.

فقال: لا تجاوزوا بنا قول الملائكة لأبينا إبراهيم:

____________

و في سائر النسخ: فسمياه به.

(1) أنوار التنزيل 1/ 475.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) العلل/ 551، صدر ح 6.

(4) الهرم: الشيخ، يبلغ أقصى الكبر.

(5) لم نعثر عليه في المعاني و لا في مظانه من البحار و لكن رواه تفسير نور الثقلين 2/ 386 ح 170.

199

رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

و في أصول الكافي‏ (1): أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن جميل، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: مرّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بقوم، فسلّم عليهم.

فقالوا: عليك السّلام و رحمة اللَّه و بركاته و مغفرته و رضوانه.

فقال لهم أمير المؤمنين: لا تجاوزوا بنا، مثل ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم، إنّما قالوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ‏.

و في روضة الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد عن‏ (3) عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ (4) [فأصل الشجرة المباركة] (5) إبراهيم- (عليه السلام)-. و هو قول اللَّه- تعالى-:

رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ عليّ بن أبي طالب مرّ بقوم فسلّم عليهم.

فقالوا: و عليكم السّلام و رحمة اللَّه و بركاته و مغفرته و رضوانه.

فقال لهم أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا تجاوزوا بنا (7) ما قالت الأنبياء لأبينا إبراهيم- (عليه السلام)-. إنّما قالوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

و روى‏ (8) الحسن بن محمّد، مثله. غير أنّه قال: ما قالت الملائكة [لأبينا- (عليه السلام)-] (9).

إِنَّهُ حَمِيدٌ: فاعل ما يستوجب به الحمد.

مَجِيدٌ (73): كثير الخير و الإحسان.

____________

(1) الكافي 2/ 646، ح 13.

(2) الكافي 8/ 381، ضمن ح 574.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 577. و في النسخ: بن.

(4) النور/ 35.

(5) من المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 154، ح 50.

(7) المصدر: «تجاوزنا» بدل «تجاوزوا بنا».

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

200

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)- قال‏: أوحى اللَّه إلى إبراهيم، أنّه سيولد لك. فقال لسارة.

فقالت: أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ.

فأوحى اللَّه إليه، أنّها ستلد و يعذّب أولادها أربعمائة سنة بردّها الكلام عليّ.

قال: فلمّا طال على بني إسرائيل العذاب، ضجّوا و بكوا إلى اللَّه أربعين صباحا. فأوحى اللَّه إلى موسى و هارون، نخلّصهم من فرعون. فحطّ عنهم سبعين و مائة سنة.

قال: و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هكذا أنتم، لو فعلتم لفرّج اللَّه عنّا. فأمّا إذا لم تكونوا، فإنّ الأمر ينتهي إلى منتهاه.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ‏، أي: ما أوجس من الخيفة، و اطمأنّ قلبه بعرفانهم.

وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى‏: بدل «الرّوع».

يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74): يجادل رسلنا في شأنّهم. و مجادلته إيّاهم قوله:

إِنَّ فِيها لُوطاً. و كان لوط ابن خالته.

و هو إمّا جواب لمّا جي‏ء به مضارعا على حكاية الحال. أو لأنّه في سياق الجواب بمعنى الماضي، كجواب لو. أو دليل جوابه المحذوف، مثل اجترأ على خطابنا، أو شرع في جدالنا. أو متعلّق به، فقام مقامه، مثل أخذ، أو أقبل يجادلنا.

إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ‏: غير عجول على الانتقام على من أساء إليه.

أَوَّاهٌ‏: كثير التّأوّه من الذّنوب و التّأسّف على النّاس.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عنهما- (عليهما السلام)- قالا: دعّاء.

مُنِيبٌ‏ (75): راجع إلى اللَّه. و المقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، و هو رقّة قلبه و فرط ترحّمه.

يا إِبْراهِيمُ‏: على إرادة القول، أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم.

أَعْرِضْ عَنْ هذا: الجدال، و إن كانت الرّحمة حملتك عليه فلا فائدة فيه.

إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ‏: قضاؤه و حكمه، الّذي لا يصدر إلّا عن حكمة.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 154، ح 49.

(2) تفسير العياشي 2/ 154، ح 51.

201

وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76): غير مصروف بجدال و لا دعاء و لا غير ذلك.

وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ‏: ساءه مجيئهم، لأنّهم جاؤوا في صورة غلمان، فظن أنّهم أناس. فخاف عليهم أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم.

وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً: و ضاق بمكانهم ذرعه. و هو كناية عن شدّة الانقباض، للعجز عن مدافعة المكروه و الاحتيال فيه.

وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ‏ (77): شديد. من عصبه: إذا شدّه.

وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ‏: يسرعون إليه، كأنّهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه.

وَ مِنْ قَبْلُ‏: و من قبل ذلك الوقت.

كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ‏: الفواحش. فتمرّنوا بها و لم يستحيوا منها، حتّى جاؤوا يهرعون لها مجاهرين.

قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي‏: فدى بهنّ أضيافه، كرما و حميّة.

و المعنى: هؤلاء بناتي، فتزوّجوهنّ. و كانوا يطلبونهنّ قبل فلا يجيبهم، لخبثهم و عدم كفاءتهم.

و في الكافي‏ (1)، و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: عرض عليهم التّزويج.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أحدهما- (عليهما السلام)-: أنّه وضع يده على الباب ثمّ ناشدهم، فقال: «اتّقوا اللَّه و لا تخزون في ضيفي [قالوا أو لم ننهك عن العالمين‏] (4)». ثمّ عرض عليهم بناته بنكاح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: عنى به: أزواجهم. و ذلك أنّ النّبيّ هو أبو أمّته، فدعاهم إلى الحلال و لم يكن يدعوهم إلى الحرام.

و قيل‏ (6): دعاهم إليهنّ إظهارا لشدّة امتعاضه من ذلك، كي يرقّوا له.

____________

(1) الكافي 5/ 548، ح 7.

(2) تفسير العياشي 2/ 156، ذيل ح 54.

(3) نفس المصدر و الموضع، ضمن ح 54.

(4) من المصدر.

(5) تفسير القمّي 1/ 335.

(6) أنوار التنزيل 1/ 476.

202

هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏: أنظف فعلا، و أقلّ فحشا.

قيل‏ (1): يعني: أدبارهنّ.

كقولك: الميتة أطيب من المغصوب، و أحلّ منه.

و قرئ‏ (2): «أطهر» بالنّصب، على أنّ «هنّ» خبر «بناتي»، كقولك: هذا أخي هو. لا فصل، فإنّه لا يقع بين الحال و صاحبها.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): أحمد بن محمّد (4) بن عيسى، عن موسى بن عبد الملك، و الحسين بن عليّ بن يقطين و موسى بن عبد الملك، عن رجل قال‏: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- عن إتيان الرّجل المرأة من خلفها.

قال: أحلّه‏ (5) آية من كتاب اللَّه، قول لوط: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏. و قد علم أنّهم لا يريدون الفرج.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): الحسين بن عليّ بن يقطين قال‏: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن إتيان الرّجل المرأة من خلفها. و ذكر مثله.

فَاتَّقُوا اللَّهَ‏: بترك الفواحش. أو بإيثارهنّ عليهم.

وَ لا تُخْزُونِ‏: و لا تفضحوني، من الخزي. أو و لا تخجلوني، من الخزاية، بمعنى: الحياء.

فِي ضَيْفِي‏: في شأنهم. فإن إخزاء ضيف الرّجل إخزاؤه.

أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78): يهتدي إلى الحقّ، و يرعوي عن القبيح.

قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ‏: حاجة.

وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79): و هو إتيان الذّكران.

قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً: لو قويت بنفسي على‏ دفعكم.

أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)، أي: قويّ، أتمنّع به عنكم. شبّهه بركن الجبل في شدّته.

و قرئ‏ (7): «أو آويَ» بالنّصب، بإضمار «أن»، كأنّه قال: لو أنّ لي بكم قوّة أو

____________

(1) تفسير الصافي 2/ 461.

(2) أنوار التنزيل 1/ 476.

(3) التهذيب 7/ 414- 415، ح 1659.

(4) ليس في المصدر: بن محمد.

(5) المصدر: أحلّتها.

(6) تفسير العياشي 2/ 157، ح 56.

(7) أنوار التنزيل 1/ 476.

203

إيواء. و جواب «لو» محذوف، تقديره: لدفعتكم.

و في الجوامع‏ (1): قال جبرئيل: أنا ركنك الشّديد، افتح الباب و دعنا و إيّاهم.

و في مجمع البيان‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: [فقال جبرئيل:] (3) لو يعلم أيّ قوّة له.

و عن النّبيّ‏ (4)- (صلّى اللّه عليه و آله)- رحم اللَّه أخي، لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد.

و في الكافي‏ (5): عن الباقر- (عليه السلام)-: رحم اللَّه لوطا، لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنّه منصور. حيث يقول: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ. أيّ ركن أشدّ من جبرئيل معه في الحجرة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى أبي بصير قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما كان قول لوط [: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً] (7) أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ. إلّا تمنّيا لقوّة القائم- (عليه السلام)-. و لا ذكر إلّا شدّة (8) أصحابه، لأنّ الرّجل منهم يعطى قوّة أربعين رجلا، و أنّ قلبه لأشدّ من [زبر] (9) الحديد. و لو مرّوا بجبال الحديد لقلعوه و (10) لا يكفّون سيوفهم حتّى يرضى اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (11)، بإسناده إلى الحسين‏ (12) بن مسعود قال‏: احتجّوا في مسجد الكوفة.

فقالوا: ما بال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة [الزبير] (13) و عائشة و معاوية؟

____________

(1) الجوامع/ 208.

(2) المجمع 3/ 184.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 5/ 546، ذيل ح 5.

(6) كمال الدين/ 673، ح 27.

(7) ليس في ب.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «و الّا ذكر الشدّة» بدل «و لا ذكر الّا شدة».

(9) من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «لقطعوه» بدل «الحديد لقلعوها و».

(11) العلل/ 148- 149، صدر ح 7.

(12) ليس في المصدر: الحسين.

(13) من المصدر.

204

فبلغ ذلك عليّا- (عليه السلام)-. فأمر أن ينادى الصّلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر، فحمد اللَّه و أثنى عليه.

ثمّ قال: معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا و كذا.

قالوا: صدق أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. قد قلنا ذلك.

قال: إنّ لي بسنة الأنبياء أسوة. فقد قال اللَّه في محكم كتابه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).

قالوا: و من هم، يا أمير المؤمنين؟

قال: أوّلهم إبراهيم.

إلى أن قال: و لي بابن خالته، لوط أسوة إذ قال لقومه: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ. فإن قلتم: [إنّ لوطا كانت له بهم قوّة، فقد كفرتم. و إن قلتم:] (2) لم يكن له قوّة، فالوصيّ أعذر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): محمد بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن صالح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏ في قوله: «قوّة».

قال: «القوّة» القائم- (عليه السلام)-. و «الرّكن الشّديد» ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا.

أخبرني الحسن بن عليّ بن مهزيار (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: ما بعث اللَّه نبيّا بعد لوط إلّا في عزّ من قومه.

نقل‏ (5): أنّه أغلق بابه دون أضيافه و أخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوّروا (6) الجدار. فلمّا رأت الملائكة ما على لوط من الكرب‏ قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ‏: إلى إضرارك بإضرارنا، فهوّن عليك و دعنا و إيّاهم. فخلّاهم أن يدخلوا. فضرب جبرئيل بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم و أعماهم. فخرجوا يقولون:

____________

(1) الأحزاب/ 21.

(2) من المصدر.

(3) تفسير القمّي 1/ 335- 336.

(4) تفسير القمّي 1/ 335.

(5) أنوار التنزيل 1/ 476.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فتسوّر.

205

النّجا النّجا، فإنّ في بيت لوط سحرة.

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏: بالقطع من الإسراء.

و قرأ (1) ابن كثير و نافع، بالوصل، حيث وقع في القرآن، من السّري.

بقطع من اللّيل: بطائفة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: «بقطع من اللّيل مظلما».

قال: هكذا قرأه أمير المؤمنين.

وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ: و لا يتخلّف، أو لا ينظر إلى ورائه. و النّهي في اللّفظ ل «أحد»، و المعنى للوط.

إِلَّا امْرَأَتَكَ‏.

قيل‏ (3): استثناء من قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏. و يدلّ عليه أنّه قرئ: «فأسر بأهلك بقطع من اللّيل إلّا امرأتك». و هذا إنّما يصحّ على تأويل الالتفات بالتّخلّف، فإنّه إن فسّر بالنّظر إلى الوراء في الذّهاب، ناقض ذلك قراءة ابن كثير و أبي عمرو بالرّفع على البدل من «أحد». و لا يجوز حمل القراءتين على الرّوايتين في أنّه خلّفها مع قومها أو أخرجها. فلمّا سمعت صوت العذاب التفتت، و قالت: يا قوماه. فأدركها حجر فقتلها.

لأنّ القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة. و الأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله: وَ لا يَلْتَفِتْ‏، مثله في قوله: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏. و لا يبعد أن يكون أكثر القرّاء على غير الأفصح. و لا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات، بل عدم نفيها عنه استصلاحا. و لذلك علّله على طريقة الاستئناف بقوله: إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ‏. و لا يحسن جعل الاستثناء منقطعا على قراءة الرّفع.

إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ‏، كأنّه علّة الأمر بالإسراء.

أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ‏ (81): جواب لاستعجال لوط و استبطائه العذاب.

و في الجوامع‏ (4): روي أنّه قال‏: متى موعد إهلاكهم؟

قالوا: الصّبح.

فقال: أريد أسرع من ذلك. لضيق صدره بهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 476.

(2) تفسير العياشي 2/ 158، ح 58 بتصرّف.

(3) أنوار التنزيل 1/ 476.

(4) الجوامع/ 208.

206

فقالوا: أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1): عن الباقر- (عليه السلام)-: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏ يا لوط، إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيّام و لياليها. بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏ إذا مضى نصف اللّيل.

قال: فلمّا كان اليوم الثّامن من طلوع الفجر، قدّم اللَّه رسلا إلى إبراهيم يبّشرونه بإسحاق و يعزونه بهلاك قوم لوط. و ذلك قوله- تعالى-: وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏.

و سيأتي تمام الحديث.

فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا: عذابنا، أو أمرنا به. و يؤيّده الأصل، و جعل التّعذيب مسبّبا عنه بقوله: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها. فإنّه جواب «لمّا». و كان حقّه: جعلوا عاليها، أي: الملائكة المأمورون به. فأسند إلى نفسه من حيث أنّه المسبّب، تعظيما للأمر. فإنّه‏

روي‏: أنّ جبرئيل- (عليه السلام)- أدخل جناحه تحت مدائنهم و رفعها إلى السّماء، ثمّ قلبها عليهم.

وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها: على المدن، أو على شذّاذها.

حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏: من طين متحجّر، لقوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ‏. و أصله سنكيل، فعرّب.

و قيل‏ (2): إنّه من أسجله: إذا أرسله، أو أدرّ عطيّته. و المعنى: من مثل الشّي‏ء المرسل. أو من مثل العطيّة في الإدرار. أو من السّجل، أي: ممّا كتب اللَّه أن يعذّبهم به.

و قيل‏ (3): أصله من سجين، أي: من جهنّم. فأبدلت لاما بنونه‏ (4).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان، عن أبي بصير [و غيره‏] (6) عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال‏: إنّ الملائكة لمّا جاءت في هلاك قوم لوط قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ (7).

____________

(1) العلل/ 549- 550 بإسقاط عبارة من وسط المنقول هنا.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 477.

(4) المصدر: فأبدلت نونه لاما.

(5) العلل/ 551- 552، ح 6.

(6) من المصدر.

(7) العنكبوت/ 31.

207

قالت سارة: عجبت من قلّتهم و كثرة أهل القرية.

فقالت: و من يطيق قوم لوط؟ وَ بَشَّرُوهُ‏- إلى قوله- عَجُوزٌ عَقِيمٌ‏. و هي يومئذ ابنة تسعين سنة، و إبراهيم ابن عشرين و مائة سنة.

فجادل إبراهيم عنهم، و قال: إِنَّ فِيها لُوطاً.

قال جبرئيل: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها.

فزاده إبراهيم.

فقال جبرئيل: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا. [إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ.

قال: و أنّ جبرئيل لمّا أتى لوطا في هلاك قومه فدخلوا عليه‏ وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ‏، قام فوضع يده على الباب، ثمّ ناشدهم. فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي‏.

قالوا: او لم ننهك عن العالمين؟

ثمّ عرض عليهم بناته نكاحا.

قالوا: ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ. وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ.

قال: فما منكم رجل رشيد؟

قال: فأبوا.

فقال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ.] (1).

قال: و جبرئيل ينظر إليهم، فقال: لو يعلم أيّ قوّة له. ثمّ دعاه، فأتاه. ففتحوا الباب و دخلوا. فأشار إليهم جبرئيل بيده، فرجعوا عميانا يلتمسون الجدار بأيديهم، يعاهدون اللَّه: لئن أصبحنا لا نستبقي أحدا من آل لوط.

قال: فلمّا قال جبرئيل: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ‏.

قال له لوط: يا جبرئيل، عجّل.

قال: نعم.

قال: يا جبرئيل، [عجّل.

قال:] (2) إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ‏.

____________

(1) من المصدر. و في النسخ: «الآيات» بدل ما بين المعقوفتين.

(2) من المصدر.

208

ثمّ قال جبرئيل: يا لوط، اخرج منها أنت و ولدك حتّى تبلغ موضع كذا.

قال: يا جبرئيل، إنّ حمري ضعاف.

قال: ارتحل، فاخرج منها.

قال: فارتحل. حتّى إذا كان السّحر، نزل إليها [جبرئيل‏] (1) فأدخل جناحه تحتها حتّى إذا استعلت، قلبها عليهم و رمى جدران المدينة بحجارة من سجيل. و سمعت امرأة لوط الهزّة (2)، فهلكت منها.

مَنْضُودٍ (82): نضد معدّا لعذابهم. أو نضد في الإرسال بتتابع بعضه بعضا، كقطار الأمطار. أو نضد بعضه على بعض، و ألصق به.

مُسَوَّمَةً: معلّمة للعذاب.

و قيل‏ (3): معلّمة ببياض و حمرة. أو بسيماء تتميّز به عن حجارة الأرض. أو باسم من يرمي بها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، أي: منقوطة.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: ثمّ قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و تطيّرنا منه و ثقله، و أيّ أربعاء هو؟

قال: آخر أربعاء في الشّهر.، و هو المحاق، و فيه قتل قابيل هابيل أخاه.

إلى أن قال- (عليه السلام)-: و يوم الأربعاء جعل اللَّه- عزّ و جلّ- قرية (6) قوم لوط عاليها سافلها. و يوم الأربعاء أمطرت عليهم حجارة من سجيل.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، عن سليمان الدّيلمي، عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً.

قال: ما من عبد يخرج من الدّنيا يستحلّ عمل قوم لوط إلّا رمى اللَّه كبده من تلك الحجارة، تكون منيّته فيها و لكن الخلق لا يرونه.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: الهدّة.

(3) أنوار التنزيل 1/ 477.

(4) تفسير القمّي 1/ 336.

(5) العيون 1/ 247، مقاطع من الحديث.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قوم.

(7) تفسير القمّي 1/ 336- 337.

209

عِنْدَ رَبِّكَ‏: في خزائنه.

وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83): فإنّهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم.

و فيه وعيد لكلّ ظالم.

و قيل‏ (1): الضّمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكّة يمرّون بها في أسفارهم إلى الشّام. و تذكير «البعيد» على تأويل الحجر، أو المكان.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن أبي‏ (3) إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن سعيد، عن محمّد بن سليمان، عن ميمون البان قال‏: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقرئ عنده آيات من هود (4). فلمّا بلغ‏ وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.

قال: من مات مصرّا على اللّواط، لم يمت حتّى يرميه اللَّه بحجر من تلك الأحجار فيكون منيّته‏ (5) و لا يراه أحد.

و فيه‏ (6): عنه- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عمل قوم لوط ما عملوا، بكت الأرض إلى ربّها حتّى بلغ دموعها [إلى السّماء. و بكت السّماء حتّى بلغ دموعها] (7) العرش. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى السّماء أن أحصهم، و أوحى إلى الأرض أن اخسفي بهم.

عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سعيد قال:

أخبرني زكرياء بن محمّد، عن أبيه، عن عمرو، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم اللَّه، فطلبهم إبليس الطّلب الشّديد. و كان من فضلهم و خيرتهم أنّهم إذا خرجوا إلى العمل، خرجوا بأجمعهم و تبقى النّساء خلفهم. فلم يزل إبليس يعتادهم، فكانوا إذا رجعوا خرّب إبليس ما كانوا (9) يعملون.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 477.

(2) الكافي 5/ 548، ح 9.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هذه.

(5) المصدر: تلك الحجارة، تكون فيه منيّته.

(6) بل في تفسير العياشي 2/ 159، ح 60: عن السّكوني، عن أبي جعفر، عن أبيه قال: قال النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و رواه عنه نور الثقلين 2/ 389، ح 184. و البرهان 2/ 231، ح 31.

(7) من المصدر.

(8) الكافي 5/ 544- 546، ح 5.

(9) ليس في المصدر.

210

فقال بعضهم لبعض: تعالوا نرصد هذا الّذي يخرّب متاعنا.

فرصدوه، فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان.

فقالوا له: أنت الّذي تخرّب متاعنا مرّة بعد مرّة.

فاجتمع رأيهم على أن يقتلوه، فبيّتوه عند رجل. فلمّا كان اللّيل، صاح.

فقال له: ما لك؟

فقال: كان أبي ينوّمني على بطنه.

فقال له: تعال، فنم على بطني.

قال: فلم يزل يدلّك الرّجل حتّى علّمه أن يفعل بنفسه. فأوّلا علّمه إبليس، و الثّانية علّمه هو. ثمّ انسلّ، ففرّ منهم و أصبحوا. فجعل الرّجل يخبر بما فعل بالغلام و يعجبهم منه، و هم لا يعرفونه. فوضعوا أيديهم فيه، حتّى اكتفى الرّجال بالرّجال بعضهم ببعض. ثمّ جعلوا يرصدون مارّة الطّريق، فيفعلون بهم حتّى تنكّب مدينتهم النّاس. ثمّ تركوا نساءهم و أقبلوا على الغلمان. فلمّا رأى أنّه قد أحكم أمره في الرّجال، جاء إلى النّساء فصيّر نفسه امرأة.

فقال: إنّ رجالكنّ يفعل بعضهم ببعض.

قلن: نعم، قد رأينا ذلك.

و كلّ ذلك يعظهم لوط و يوصيهم‏ (1)، و إبليس يغويهم حتّى استغنى النّساء بالنّساء. فلمّا كملت عليهم الحجّة، بعث اللَّه جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في زيّ غلمان، عليهم أقبية، فمرّوا بلوط و هو يحرث.

قال: أين تريدون، ما رأيت أجمل منكم قطّ؟

قالوا: إنّا أرسلنا سيّدنا إلى ربّ هذه المدينة.

قال: أو لم يبلغ سيّدكم ما يفعل أهل هذه المدينة؟ قال‏ (2) يا بنيّ، إنّهم و اللَّه يأخذون الرّجال فيفعلون بهم حتّى يخرج الدّم.

فقالوا: أمرنا سيّدنا أن نمرّ في وسطها.

قال: فلي إليكم حاجة.

____________

(1) أ، ب: و يرهبهم.

(2) ليس في المصدر.

211

قالوا: و ما هي؟

قال: تصبرون ها هنا إلى اختلاط الظّلام.

قال: فجلسوا.

قال: فبعث ابنته، فقال: جيئي لهم بخبز، جيئي لهم بماء في القرعة (1)، و جيئي لهم عباء يتغطّون بها من البرد.

فلمّا أن ذهبت الابنة، أقبل المطر و الوادي.

فقال لوط: السّاعة يذهب بالصّبيان الوادي، قالوا (2) قوموا حتّى نمضي.

و جعل لوط يمشي في أصل الحائط، و جعل جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل يمشون وسط الطّريق.

فقال: يا بنيّ، امشوا ها هنا.

فقالوا: أمرنا سيّدنا أن نمرّ في وسطها.

و كان لوط يستغنم الظّلام. و مرّ إبليس، فأخذ من حجر امرأة صبيّا، فطرحه في البئر، فتصايح أهل المدينة كلّهم على باب لوط.

فلمّا أن نظروا إلى الغلمان في منزل لوط، قالوا: يا لوط، قد دخلت في عملنا؟

فقال: هؤلاء ضيفي، فلا تفضحون في ضيفي.

قالوا هم ثلاثة، خذ واحدا و أعطنا اثنين.

قال: فأدخلهم الحجرة، و قال لوط (3): لو أنّ لي أهل بيت يمنعوني منكم.

[قال:] (4) و تدافعوا على الباب و كسروا باب لوط، و طرحوا لوطا.

فقال له جبرئيل: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ‏. فأخذ كفّا من بطحاء (5)، فضرب بها وجوههم و قال: شاهت الوجوه. فعمي أهل المدينة كلّهم.

و قال لهم لوط: يا رسل ربّي، فما أمركم ربّي فيهم؟

قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسّحر.

قال: فلي إليكم حاجة.

____________

(1) القرعة- واحدة القرع-: و هو حمل اليقطين يجعل وعاء.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) البطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.

212

قالوا: و ما حاجتك؟

قال: تأخذونهم السّاعة، فإنّي أخاف أن يبدو لربّي فيهم.

[فقالوا: يا لوط] (1) فقال‏ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ‏ لمن يريد أن يأخذ (2). فخذ أنت بناتك و امض و دع امرأتك.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: رحم اللَّه لوطا، لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنّه منصور حيث يقول: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ. أيّ ركن أشد من جبرئيل معه في الحجرة. فقال اللَّه- عزّ و جلّ- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ من ظالمي أمّتك إن عملوا ما عمل قوم لوط.

قال: و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من ألحّ في وطء الرّجال، لم يمت حتّى يدعو الرّجال إلى نفسه.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، [عن أبيه‏] (4) عن ابن فضّال، عن داود بن فرقد، عن أبي يزيد الحمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و كروبيل. فمرّوا بإبراهيم- (عليه السلام)- و هم معتمّون. فسلّموا عليه، فلم يعرفهم و رأى هيئة حسنة. فقال لا يخدم هؤلاء أحد (5) إلّا أنا بنفسي. و كان صاحب ضيافة. فشوى لهم عجلا سمينا حتّى أنضجه، ثمّ قرّبه إليهم. فلما وضعه بين أيديهم‏ رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً. فلمّا رأى ذلك جبرئيل، حسر العمامة عن وجهه فعرفه إبراهيم.

فقال: أنت هو؟

قال: نعم.

و مرّت سارة، امرأته، فبشّرها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب. فقالت ما قال اللَّه- عزّ و جلّ-. و أجابوها بما في الكتاب العزيز.

فقال لهم إبراهيم: لما ذا جئتم؟

قالوا: في إهلاك قوم لوط.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم نريد أن نأخذ.

(3) الكافي 5/ 546- 548، ح 6.

(4) من المصدر.

(5) ليس في المصدر.

213

فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين أ تهلكونهم؟

فقال جبرئيل: لا.

قال: فإن كان فيها خمسون؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها ثلاثون؟

قال: لا.

[قال: فإن كان فيها عشرون؟

قال: لا] (1).

قال: فإن كان فيها عشرة؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها خمسة؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها واحد؟

قال: لا.

قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ‏ (2).

قال الرّاوي‏ (3): لا أعلم هذا القول إلّا و هو يستبقيهم، و هو قول اللَّه: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ.

فأتوا لوطا، و هو في زراعة قرب القرية، فسلّموا عليه و هم معتمّون.

فلمّا رأى هيئة حسنة عليهم ثياب بيض و عمائم بيض، فقال لهم: المنزل.

فقالوا: نعم.

فتقدّمهم و مشوا خلفه. فتندّم على عرضه المنزل عليهم، فقال: أيّ شي‏ء صنعت، آتي بهم قومي و أنا أعرفهم؟

فالتفت إليهم، فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق اللَّه.

____________

(1) من المصدر.

(2) العنكبوت/ 32.

(3) المصدر: الحسن بن علي. و في هامشه: يعني:

ابن فضال الراوي للخبر.

214

قال: [فقال‏] (1) جبرئيل: لا تعجّل عليهم حتّى يشهد عليهم ثلاث مرّات.

فقال جبرئيل: هذه واحدة.

ثمّ مشى ساعة، ثمّ التفت إليهم فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق اللَّه.

قال جبرئيل: هذه ثنتان.

ثمّ مشى. فلمّا بلغ باب المدينة، التفت إليهم فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق اللَّه.

قال جبرئيل: هذه الثّالثة.

ثمّ دخل و دخلوا معه، حتّى دخل منزله. فلمّا رأتهم امرأته، رأت هيئة حسنة.

فصعدت فوق السّطح، فصفقت، فلم يسمعوا. فدخّنت فلمّا رأوا الدّخان، أقبلوا [إلى الباب‏] (2) يهرعون حتّى جاءوا إلى الباب. فنزلت إليهم، فقالت: عنده قوم ما رأيت قوما قطّ أحسن منهم هيئة. فجاءوا إلى الباب، ليدخلوا. فلمّا رآهم لوط، قام إليهم.

فقال لهم: يا قوم‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ.

و قال: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏ فدعاهم إلى الحلال.

فقالوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ.

فقال لهم: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ.

فقال جبرئيل: لو يعلم أيّ قوّة له.

قال: فكاثروه، حتّى دخلوا البيت.

فصاح به جبرئيل، و قال: يا لوط، دعهم يدخلوا (3).

فلمّا دخلوا، أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم، فذهبت أعينهم. و هو قوله:

فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ‏.

ثمّ ناداه جبرئيل، فقال له: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏.

و قال له جبرئيل: إنّا بعثنا في إهلاكهم.

فقال: يا جبرئيل، عجّل.

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يدخلون.

215

فقال: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ‏.

فأمره بمحمل‏ (1) هو و من معه إلّا امرأته. ثمّ اقتلعها،- يعني: المدينة- جبرئيل بجناحه‏ (2) من سبعة أرضين. ثمّ رفعها، حتّى سمع أهل السّماء الدّنيا نباح الكلاب و صراخ الدّيوك. ثمّ قلبها، و أمطر عليها و على من حول المدينة حجارة من سجّيل.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد بن يحيى‏ (4)، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أمكن من نفسه، طائعا يلعب به، ألقى اللَّه عليه شهوة النّساء.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن عبيد اللَّه‏ (6) الدّهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عطيّة، أخي أبي العرام قال‏: ذكرت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- المنكوح من الرّجال.

فقال: ليس يبلى اللَّه بهذا البلاء أحدا و له فيه حاجة. إنّ في أدبارهم أرحاما منكوسة، و حياء أدبارهم، كحياء المرأة. قد شرك فيهم ابن لإبليس يقال له: زوال. فمن شرك فيه من الرّجال، كان منكوحا. و من شارك‏ (7) من النّساء، كانت من الموارد.

و العامل‏ (8) على هذا من الرّجال إذا بلغ أربعين سنة، لم يتركه. و هم بقيّة سدوم. أما إنّي لست أعني بهم: بقيّتهم أنّه ولدهم و لكنّهم‏ (9) من طينتهم.

قال: قلت: سدوم الّتي قلبت؟

قال: هي أربع مدائن: سدوم و صريم و لدماء و عميراء.

قال أتاهن‏ (10) جبرئيل- (عليه السلام)- و هنّ مقلوبات‏ (11) إلى تخوم الأرض السّابعة،

____________

(1) المصدر: فيحمل.

(2) المصدر: بجناحيه.

(3) الكافي 5/ 549، ح 1.

(4) المصدر: عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى.

(5) الكافي 5/ 549، ح 2.

(6) المصدر: عبد اللَّه.

(7) المصدر: شرك فيه.

(8) كذا في المصدر و ب. و في سائر النسخ:

المعامل.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أنّهم ولدوهم و لكن.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ولدنا عميرا أتاهنّ.

(11) أ، ب، ر: مغلوبات. و المصدر:

مقلوعات.

216

فوضع جناحه تحت السّفلى منهنّ و رفعهنّ جميعا حتّى سمع أهل السّماء الدّنيا نباح كلابهم، ثمّ قلبها.

محمّد (1)، عن أحمد بن محمّد عن‏ (2) عليّ بن الحكم، عن عبد الرّحمن العزرميّ‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين‏: إنّ للّه عبادا لهم في أصلابهم أرحام، كأرحام النّساء.

قال: فسئل: فما بالهم لا يحملون؟

فقال: إنّها منكوسة. و لهم في أدبارهم غدّة، كغدّة [الجمل أو] (4) البعير. فإذا هاجت، هاجوا. و إذا سكنت، سكنوا.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد و محمّد بن يحيى، عن موسى بن‏ (6) الحسن، عن عمر بن عليّ بن عمر بن يزيد [عن محمّد بن عمر، عن أخيه، الحسين، عن أبيه عمر بن يزيد] (7) قال‏: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و عنده رجل.

فقال له: جعلت فداك، إنّي أحبّ الصّبيان.

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فتصنع ما ذا؟

قال: أحملهم على ظهري.

فوضع أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- يده على جبهته و ولّى وجهه عنه. فبكى الرّجل، فنظر إليه أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- كأنّه رحمه.

فقال: إذا أتيت بلدك، فاشتر جزورا سمينا، و اعقله عقالا شديدا. و خذ السّيف، و اضرب السّنام ضربة تقشر عنه الجلد، و اجلس عليه بحرارته.

قال عمر: قال الرّجل: فأتيت بلدي و اشتريت جزورا، فعقلته عقالا شديدا.

و أخذت السّيف، فضربت السّنام ضربة و قشرت عنه الجلد، و جلست عليه بحرارته.

فسقط منّي على ظهر البعير شبه الوزغ، أصغر من الوزغ و سكن ما بي.

____________

(1) الكافي 5/ 549، ح 3.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 453. و في النسخ: العرزمي.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 5/ 505، ح 6.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(7) من المصدر.

217

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن موسى بن الحسن، عن الهيثم النهديّ‏ (2) رفعه قال‏: شكا رجل إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- الابنة. فمسح أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- على ظهره، فسقطت منه دودة حمراء، فبرئ.

الحسين بن محمّد (3)، عن محمّد بن عمران، عن عبد اللَّه بن جبلة (4)، عن إسحاق بن عمّار قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هؤلاء المخنّثون مبتلون بهذا البلاء، فيكون المؤمن مبتلى، و النّاس يزعمون أنّه لا يبتلي به أحد للّه فيه حاجة.

فقال: نعم، قد يكون مبتلى به، فلا تكلّموهم فإنّهم يجدون لكلامكم راحة.

قلت: جعلت فداك، فإنّهم ليسوا يصبرون.

قال: هم يصبرون، و لكن يطلبون بذلك اللّذّة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5): حدّثنا محمّد بن موسى بن متوكّل‏ (6)- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتعوّذ من البخل.

فقال: نعم، يا [أبا] (7) محمّد، في كلّ صباح و مساء. و نحن نتعوّذ باللّه من البخل لقول اللَّه: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (8). و سأخبرك عن عاقبة البخل، أنّ قوم لوط كانوا أهل قرية أشحّاء على الطّعام، فأعقبهم البخل داء لا دواء له‏ (9) في فروجهم.

فقلت: و ما أعقبهم؟

فقال: إنّ قرية قوم لوط كانت على طريق السّيّارة إلى الشّام و مصر، فكانت السّيّارة تنزل بهم فيضيفونهم. فلمّا كثر ذلك عليهم، ضاقوا بذلك ذرعا بخلا و لؤما.

____________

(1) الكافي 5/ 505، ح 7.

(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 318. و في النسخ: «بن الهندي» بدل «النهديّ».

(3) الكافي 5/ 551، ح 10.

(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 476. و في النسخ: أبي عبد اللَّه بن جبلة.

(5) العلل/ 548- 550، ح 4.

(6) المصدر: موسى بن عمران المتوكّل- (رحمه اللّه)-.

(7) من المصدر.

(8) الحشر/ 9، و التغابن/ 16.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «و الأدالة»

218

فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضّيف، فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك [و إنّما كانوا يفعلون ذلك‏] (1) بالضّيف، حتّى ينكل النّاس عنهم. فشاع أمرهم في القرية، و حذرهم النّازلة. فأورثهم البخل بلاء لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم من غير شهوة بهم إلى ذلك، حتّى صاروا يطلبونه من الرّجال في البلاد و يعطونهم عليه الجعل. ثمّ ما من داء أدأى من البخل، و لا أضرّ عاقبة، و لا أفحش عند اللَّه- عزّ و جلّ-.

قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فهل كان أهل قرية لوط كلّهم هكذا يعملون؟

فقال: نعم، إلّا أهل بيت منهم من المسلمين. أما تسمع لقوله- تعالى-:

فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة يدعوهم إلى اللَّه- عزّ و جلّ- و يحذّرهم عذابه. و كانوا قوما لا يتنظّفون من الغائط، و لا يتطهّرون من الجنابة. و كان لوط ابن خالة إبراهيم، و كانت امرأة إبراهيم سارة أخت لوط. و كان لوط و إبراهيم نبيّين مرسلين منذرين. و كان لوط رجلا سخيّا كريما، يقري الضّيف إذا نزل به و يحذّرهم قومه.

قال: فلمّا رأى قوم لوط ذلك منه، قالوا له: إنّا ننهاك عن العالمين، لا تقر ضيفا ينزل بك، إن فعلت فضحنا ضيفك الّذي ينزل بك و أخزيناك. فكان لوط إذا نزل به الضّيف، يكتم أمره مخافة أن يفضحه قومه. و ذلك، أنّه لم يكن للوط عشيرة.

قال: و لم يزل لوط و إبراهيم يتوقّعان نزول العذاب على قومهم‏ (2). فكانت لإبراهيم و للوط منزلة من اللَّه- عزّ و جلّ- شريفة. و أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- كان إذا أراد عذاب قوم لوط، أدركته مودّة إبراهيم و خلّته و محبّة لوط، فيراقبهم فيؤخّر عذابهم.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فلمّا اشتدّ أسف اللَّه‏ (3) على قوم لوط و قدّر عذابهم، و قضى أن يعوّض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام عليم فيسلّي به مصابه بهلاك قوم لوط، فبعث اللَّه رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسماعيل. فدخلوا عليه ليلا، ففزع منهم و خاف أن‏

____________

بدل «داء لا دواء له».

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قوم لوط.

(3) كذا في المصدر. و في أ: أشد للّه، و في سائر النسخ: «اشتدّ للّه» بدل «اسف اللَّه».

219

يكونوا سرّاقا. فلمّا رأته‏ (1) الرّسل فزعا مذعورا فَقالُوا سَلاماً قالَ‏ سلام‏ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا رسل ربك‏ نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ‏.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و الغلام العليم، هو إسماعيل بن هاجر. فقال إبراهيم للرّسل: أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى‏ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ‏. فقال إبراهيم- (عليه السلام)-: فَما خَطْبُكُمْ‏ بعد البشارة قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ‏. قوم لوط أنّهم كانوا قوما فاسقين، لننذرهم عذاب ربّ العالمين.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فقال إبراهيم للرّسل: إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ‏ أجمعين‏ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ‏ (2).

قال: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ‏ قومك من عذاب اللَّه‏ يَمْتَرُونَ، وَ أَتَيْناكَ بِالْحَقِ‏ لتنذر قومك العذاب‏ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏ يا لوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيّام و لياليها بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏ إذا مضى نصف اللّيل‏ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم‏ وَ امْضُوا في تلك اللّيلة حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏ [قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فقضوا ذلك الأمر إلى لوط ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين‏] (3).

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فلمّا كان اليوم الثّامن مع طلوع الفجر، قدّم اللَّه- عزّ و جلّ- رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسحاق و يعزّونه بهلاك قوم لوط. و ذلك قوله:

وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا (الآيات) (4).

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فلمّا جاءت إبراهيم البشارة بإسحاق و ذهب عنه الرّوع، أقبل‏ (5) يناجي ربّه في قوم لوط و يسأله كفّ‏ (6) البلاء عنهم.

فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ‏ [عذابي‏] (7) بعد طلوع الفجر من ربّك «عذاب» (8) محتوم‏ غَيْرُ مَرْدُودٍ.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: رأيه.

(2) الحجر/ 60.

(3) من المصدر.

(4) ذكر في المصدر نص الآيات إلى «رحمة اللَّه و بركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد» بدل «الآيات».

(5) كذا في المصدر. و في ب: «قيل». و في سائر النسخ: «قبل».

(6) المصدر: كشف.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: «الشمس من يوم» بدل «الفجر من ربّك عذاب».

220

و بهذا الإسناد (1): عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سأل جبرئيل- (عليه السلام)-: كيف كان مهلك‏ (2) قوم لوط؟

فقال: إنّ قوم لوط كانوا أهل قرية لا يتنظّفون من الغائط و لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحاء على الطّعام. و أنّ لوطا لبث فيهم ثلاثين سنة. و إنّما كان نازلا عليهم، و لم يكن منهم و لا عشيرة له فيهم‏ (3) و لا قوم. و أنّه دعاهم إلى اللَّه- عزّ و جلّ- و إلى الإيمان به و اتّباعه، و نهاهم عن الفواحش، و حثّهم على طاعة اللَّه، فلم يجيبوه و لم يطيعوه.

و أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لمّا أراد عذابهم، بعث إليهم رسلا منذرين عذرا و نذرا. فلمّا عتوا عن أمره، بعث إليهم ملائكة ليخرجوا من كان في قريتهم من المؤمنين، فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين. فأخرجوهم‏ (4) منها، و قالوا: يا لوط فَأَسْرِ (5) بِأَهْلِكَ‏ من هذه القرية اللّيلة بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ و وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏.

فلمّا انتصف اللّيل، سار لوط ببناته. و تولّت امرأته مدبرة، فانقطعت إلى قومها تسعى بلوط و تخبرهم، أنّ لوطا قد سار ببناته. و أنّي نوديت من تلقاء العرش لمّا طلع الفجر: يا جبرئيل، حقّ القول من اللَّه تحتّم‏ (6) عذاب قوم لوط. [فأهبط إلى قرية قوم لوط] (7) و ما حوت، فاقلعها من تحت سبع أرضين ثمّ اعرج بها إلى السّماء، فأوقفها (8) حتّى يأتيك أمر الجبّار في قلبها، و دع منها آية بيّنة من منزل لوط عبرة للسّيارة.

فهبطت على أهل القرية الظّالمين، فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليه شرقها (9)، و ضربت بجناحي الأيسر على ما حوى عليه غربها (10). فاقتلعتها، يا محمّد، من تحت سبع أرضين إلّا منزل لوط آية للسّيارة. ثمّ عرجت بها في خوافي جناحي، حتّى أوقفتها (11) حيث يسمع أهل السّماء زقاء ديوكها و نباح كلابها.

____________

(1) العلل/ 550- 551، ح 5.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يهلك.

(3) ليس في المصدر، أ، ب.

(4) المصدر: فأخرجهم.

(5) المصدر: «للوط أسر» بدل «يا لوط فأسر».

(6) المصدر: بحتم.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فأرفعها.

(9) المصدر: شرقيها.

(10) المصدر: غربيها.

(11) ب: رفعتها. أ: أوقعتها.

221

فلمّا طلعت الشّمس، نوديت من تلقاء العرش: يا جبرئيل، اقلب القرية على القوم. فقلبتها عليهم، حتّى صار أسفلها أعلاها. و أمطر اللَّه عليها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏ «مسوّمة عند ربّك و ما هي [يا محمّد] (1) من الظّالمين» من أمّتك «ببعيد».

قال: فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، و أين كانت قريتهم من البلاد؟

فقال جبرئيل: كان موضع قريتهم في موضع بحيرة طبرية اليوم، و هي في نواحي الشّام.

قال: فقال رسول اللَّه: أ رأيتك حين قلبتها عليهم خرّ (2) في أي موضع من الأرضين وقعت القرية و أهلها؟

فقال: يا محمّد، وقعت فيما بين بحر الشّام إلى مصر، فصارت تلولا في البحر.

و بإسناده‏ (3) إلى الحسن بن محبوب: عن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: قيل له: كيف كان يعلم قوم لوط أنّه قد جاء لوطا رجل؟

قال: كانت امرأته تخرج، فتصفر. فإذا سمعوا التّصفير، جاءوا. فلذلك كره التّصفير.

وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، أراد: أولاد مدين بن إبراهيم، أو أهل مدين.

و هو بلد بناه، فسمّي باسمه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): ثمّ ذكر- عزّ و جلّ- هلاك أهل مدين، فقال:

وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ‏- إلى قوله- مُفْسِدِينَ‏.

قال: بعث اللَّه شعيبا إلى مدين، و هي قرية على طريق الشّام، فلم يؤمنوا به.

قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ‏: أمرهم بالتّوحيد أوّلا، فإنّه ملاك الأمر، ثمّ نهاهم عمّا اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخلّ بحكمة التّعاوض.

إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ: بسعة تغنيكم عن البخس، أو بنعمة حقها أن تتفضّلوا

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) العلل/ 564.

(4) تفسير القمّي 1/ 337.

222

على النّاس شكرا عليها لا أن تنقصوا حقوقهم. أو بسعة، فلا تزيلوها بما أنتم عليه. و هو في الجملة علّة النّهي.

و قال- عليه‏ (1) السّلام- و قوله‏ (2): إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ.

قال: كان سعرهم رخيصا.

وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84): لا يشذّ منه أحد منكم.

و قيل‏ (3): عذاب مهلك، من قوله: وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ‏. و المراد: عذاب يوم القيامة، أو عذاب الاستئصال.

و توصيف اليوم بالإحاطة، و هي صفة العذاب، لاشتماله عليه.

وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ‏: صرح بالأمر بالإيفاء بعد النّهي عن ضدّه، مبالغة، و تنبيها على أنّه لا يكفيهم الكفّ عن تعمّدهم التّطفيف، بل يلزمهم السّعي في الإيفاء و لو بزيادة لا يتأتّى دونها.

بِالْقِسْطِ: بالعدل و السّويّة.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خمس إن أدركتموهنّ فتعوّذوا باللّه منهنّ.

إلى أن قال: و لم ينقصوا المكيال و الميزان، إلّا أخذوا بالسّنين و شدّة المؤنة و جور السّلطان.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، [عن أبيه‏] (6) و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

وجدنا في كتاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فإذا طفّف المكيال و الميزان، أخذ [هم‏] (7) اللَّه بالسّنين و النّقص.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 159، ح 61 عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

(2) المصدر: «في قول اللَّه» بدل «و قوله».

(3) أنوار التنزيل 1/ 477.

(4) الكافي 2/ 373، ضمن ح 1.

(5) الكافي 2/ 374، ضمن ح 2.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

223

وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ‏: تعميم بعد تخصيص. فإنّه أعمّ من أن يكون في المقدار أو في غيره. و كذا قوله: وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏ (85): فإنّ العثوّ يعمّ تنقيص الحقوق، و غيره من أنواع الفساد.

و قيل‏ (1): المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات. و «العثوّ» السّرقة و قطع الطريق و الغارة. و فائدة الحال إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر- (عليه السلام)-.

و قيل‏ (2): معناه‏ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏: أمر دينكم و مصالح آخرتكم.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [عن محمّد] (4) بن خالد البرقيّ، عن سعد بن سعد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قوم يصغّرون القفيزان يبيعون بها.

قال: أولئك الّذين يبخسون النّاس أشياءهم.

بَقِيَّتُ اللَّهِ‏: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التّنزّه عمّا حرّم عليكم.

خَيْرٌ لَكُمْ‏: ممّا تجمعون بالتّطفيف.

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏: بشرط أن تؤمنوا. فإنّ خيريّتها باستتباع الثّواب مع النّجاة، و ذلك مشروط بالإيمان. أو إن كنتم مصدّقين لي في قولي لكم.

و قيل‏ (5): «البقيّة» الطّاعة، كقوله: وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ‏.

و قرئ‏ (6): «تقيّة اللَّه» بالتّاء. و هي تقواه الّتي تكفّ عن المعاصي.

وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86): أحفظكم عن القبائح. أو أحفظ عليكم أعمالكم، فأجازيكم عليها، و إنّما أنا ناصح مبلّغ و قد أعذرت حين أنذرت. أو لست بحافظ عليكم نعم اللَّه لو لم تتركوا سوء صنيعكم.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن حفص‏ (8) بن محمّد قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الدّينوريّ، عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سأله رجل عن القائم، يسلّم عليه بإمرة المؤمنين؟

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 477.

(3) الكافي 5/ 184، ح 3.

(4) من المصدر.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 478.

(7) الكافي 1/ 411- 412، ح 2.

(8) المصدر: جعفر بن محمد.

224

قال: لا، ذاك اسم سمّى اللَّه به أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. لم يسمّ به أحدا قبله، و لا يتسمّى‏ (1) به بعده إلّا كافر.

قلت: جعلت فداك، كيف يسلّم عليه‏ (2)؟ قال:

يقولون: السّلام عليك، يا بقيّة اللَّه. ثمّ قرأ: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏.

الحسين بن محمّد (3)، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط، عن صالح بن حمزة، عن أبيه، عن أبي بكر الحضرميّ قال‏: لمّا حمل أبو جعفر- (عليه السلام)- إلى الشّام إلى هشام بن عبد الملك و صار ببابه، قال لأصحابه و من كان بحضرته من بني أميّة: إذا رأيتموني [قد وبّخت محمّد بن عليّ ثم رأيتموني‏] (4) قد سكتّ، فليقبل عليه كلّ رجل منكم فليوبّخه. ثمّ أمر أن يؤذن له.

فلمّا دخل عليه أبو جعفر قال- (عليه السلام)- بيده: السّلام عليكم. فعمّهم جميعا بالسّلام، ثمّ جلس.

فازداد هشام عليه حنقا بتركه السّلام عليه بالخلافة، و جلوسه بغير إذن. فأقبل يوبّخه، و يقول فيما يقول له: يا محمّد بن عليّ، لا يزال الرّجل منكم قد شقّ عصى المسلمين و دعا إلى نفسه، و زعم أنّه الإمام سفها و قلّة علم. و وبّخه بما أراد أن يوبّخه.

فلمّا سكت، أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبّخه حتّى انقضى آخرهم.

فلمّا سكت القوم، نهض- (عليه السلام)- قائما. ثمّ قال: أيّها النّاس، أين تذهبون، و أين يراد بكم؟ بنا هدى اللَّه أوّلكم، و بنا يختم آخركم. فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكا مؤجّلا. و ليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة. يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (5).

فأمر به الى الحبس. فلمّا صار إلى الحبس، تكلّم فلم يبق في الحبس رجل إلّا ترشّفه و حنّ إليه‏ (6). فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّي خائف‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يتسمّ.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «نسلّم» بدل «يسلّم عليه».

(3) الكافي 1/ 471- 472، ح 5.

(4) من المصدر.

(5) الاعراف/ 125.

(6) في هامش الكافي: ترشّفه، أي: مصّه. و هو كناية عن المبالغة في أخذ العلم عنه. و حنّ إليه:

225

عليك من أهل الشّام أن يحولوا بينك و بين مجلسك هذا. ثمّ أخبره بخبره.

فأمر به فحمل على البريد هو و أصحابه، ليردّوا إلى المدينة. و أمر أن لا يخرج لهم الأسواق، و حال بينهم و بين الطّعام و الشّراب. فساروا (1) ثلاثا لا يجدون طعاما و لا شرابا، حتّى انتهوا إلى مدين فأغلق باب المدينة دونهم، فشكا أصحابه الجوع و العطش.

قال: فصعد جبلا يشرف عليهم، فقال بأعلى صوته: يا أهل المدينة الظّالم أهلها، أنا بقيّة اللَّه. يقول اللَّه: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ.

قال: و كان فيهم شيخ كبير فأتاهم، فقال لهم: يا قوم، هذه و اللَّه دعوة شعيب النّبيّ- (عليه السلام)-. و اللَّه، لئن لم تخرجوا إلى هذا الرّجل بالأسواق، لتؤخذنّ من فوقكم و من تحت أرجلكم. فصدّقوني في هذه المرّة و أطيعوني، و كذّبوني فيما تستأنفون‏ (2) فإنّي ناصح لكم.

[قال:] (3) فبادروا فأخرجوا إلى محمّد بن عليّ و أصحابه بالأسواق. فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشّيخ، فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ذكر مولد الرّضا- (عليه السلام)-: حدّثنا تميم بن عبد اللَّه بن تميم القرشيّ- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن عليّ بن ميثم، عن أبيه قال: سمعت أمّي تقول: سمعت نجمة، أمّ الرّضا- (عليه السلام)- تقول: لمّا حملت بابني، عليّ، لم أشعر بثقل الحمل. و كنت أسمع في منامي تسبيحا و تهليلا و تمجيدا من بطني، فيفزعني ذلك و يهولني. فإذا انتبهت، لم أسمع شيئا.

فلمّا وضعته، وقع إلى الأرض واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السّماء يحرّك شفتيه، كأنّه يتكلّم. فدخل إليّ‏ (5) أبوه، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-.

فقال لي: هنيئا لك، يا نجمة، كرامة ربّك.

فناولته إيّاه في خرقة بيضاء. فأذّن في أذنه الأيمن، و أقام في الأيسر. و دعا بماء الفرات، فحنّكه به ثمّ ردّه إليّ.

و قال: خذيه، فإنّه بقيّة اللَّه- عزّ و جلّ- في أرضه.

____________

اشتاق.

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فصاروا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تشاءون.

(3) من المصدر.

(4) العيون 1/ 20، ح 2.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عليه.

226

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1): حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه الورّاق قال:

حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعريّ قال‏: خرج أبو محمّد، الحسن بن عليّ- (عليه السلام)- علينا، و على عاتقه غلام، كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين.

فقال: يا أحمد بن إسحاق، لو لا كرامتك على اللَّه- عزّ و جلّ- و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا. إنّه سميّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

إلى أن قال: فنطق الغلام- (عليه السلام)- بلسان عربيّ فصيح.

فقال: أنا بقيّة اللَّه في أرضه، و المنتقم من أعدائه. فلا تطلب أثرا بعد عين.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (2) إلى محمّد بن مسلم الثّقفيّ: عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه القائم- (عليه السلام)-: فإذا خرج، أسند ظهره إلى الكعبة، و اجتمع إليه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا. فأوّل ما ينطق به هذه الآية: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏.

ثمّ يقول: أنا بقيّة اللَّه [في أرضه‏] (3) و حجّته و خليفته عليكم. فلا يسلّم عليه مسلم، إلّا قال: السّلام عليك، يا بقيّة اللَّه في أرضه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر الحجّج: هم بقيّة اللَّه، يعني: المهديّ- (عليه السلام)-. الّذي يأتي بعد انقضاء هذه النّظرة، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما.

قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا: من الأصنام.

أجابوا به بعد أمرهم بالتّوحيد، على الاستهزاء به و التّهكّم بصلاته، و الإشعار بأنّ مثله لا يدعو إليه داع عقلي، و إنّما دعاك إليه خطرات و وساوس من جنس ما تواظب عليه.

و كان كثير الصّلاة، و لذلك جمعوا و خصّوا الصّلاة بالذّكر.

____________

(1) كمال الدين/ 384، ضمن ح 1 بتصرّف في صدر المنقول هنا.

(2) كمال الدين/ 331، ضمن ح 16.

(3) من المصدر.

(4) الاحتجاج 1/ 375.

227

و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ و حفص، على الإفراد. و المعنى: أ صلواتك تأمرك بتكليف أن نترك. فحذف المضاف، لأنّ الرّجل لا يؤمر بفعل غيره.

أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا: عطف على «ما»، أي: و أن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا.

و قرئ‏ (2)، بالتّاء، فيهما. على أنّ العطف على «أن نترك». و هو جواب النّهي عن التّطفيف، و الأمر بالإيفاء.

و قيل‏ (3): كان ينهاهم عن تقطيع الدّراهم و الدّنانير، فأرادوا به ذلك.

إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87):

قيل‏ (4): تهكّموا به، و قصدوا وصفه بضدّ ذلك. أو علّلوا إنكار ما سمعوا منه و استبعاده بأنّه موسوم بالحلم و الرّشد المانعين من المبادرة إلى أمثال ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قالوا: إنّك لأنت السّفيه الجاهل. فحكى‏ (6) اللَّه- عزّ و جلّ- قولهم [فقال‏] (7): إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي‏:

إشارة إلى ما آتاه اللَّه من العلم و النّبوّة.

وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً:

إشارة إلى ما آتاه اللَّه من المال الحلال. و جواب الشّرط محذوف، تقديره: فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسّعادات الرّوحانيّة و الجسمانيّة أن أخون في وحيه، و أخالفه في أمره و نهيه. و هو اعتذار عمّا أنكروا عليه من تغيير المألوف و النّهي عن دين الآباء.

و الضّمير في «منه» للّه، أي: من عنده و بإعانته، بلا كدّ منّي في تحصيله.

وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ‏: أي: و ما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه من شهواتكم، لأستبدّ به دونكم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 478.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 1/ 478.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القميّ 1/ 337.

(6) المصدر: فكنّى.

(7) من المصدر.

228

يقال: خالفت زيدا إلى كذا: إذا قصدته، و هو مولّ عنه. و خالفته عنه: إذا كان الأمر بالعكس، أي: قصده و أنت مولّ عنه.

إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ‏: ما أريد إلّا أن أصلحكم بأمري بالمعروف و نهيي عن المنكر، ما دمت أستطيع الإصلاح. فلو وجدت الصّلاح فيما أنتم عليه، لما نهيتكم عنه.

و لهذه الأجوبة الثّلاثة عن هذا النّسق شأن، و هو التّنبيه على أنّ العاقل يجب أن يراعي في كلّ ما يليه و يذره أحد حقوق ثلاثة أهمّها و أعلاها حقّ اللَّه، و ثانيها حقّ النّفس، و ثالثها حقّ النّاس. و كلّ ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به، و أنهاكم عمّا نهيتكم عنه. و «ما» مصدريّة واقعة موقع الظّرف.

و قيل‏ (1): خبريّة بدل من الإصلاح إلى المقدار الّذي استطعته، أو إصلاح ما استطعته، فحذف المضاف.

وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ‏: و ما توفيقي لإصابة الحقّ و الصّواب، إلّا بهدايته و معونته.

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏، فإنّه القادر المتمكّن من كلّ شي‏ء، و ما عداه عاجز في حدّ ذاته.

و فيه إشارة إلى محض التّوحيد الّذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ.

في نهج البلاغة (2): من كتاب له- (عليه السلام)- إلى معاوية جوابا، قال فيه- (عليه السلام)- بعد أن ذكر عثمان و قتله: و ما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم‏ (3) عليه أحداثا.

فإن كان الذّنب إليه‏ (4) إرشادي و هدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له.

و قد يستفيد الظنّة المتنصح‏ (5)

و ما أردت إلّا الإصلاح ما استطعت. «و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت [و إليه أنيب‏] (6)».

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 478.

(2) نهج البلاغة/ 388، ضمن كتاب 28.

(3) أ، ب: أهم.

(4) أ، ب: «الذنوب» بدل «الذنب إليه».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المظنة المستنصح.

(6) من المصدر.

229

وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏ (88):

إشارة إلى معرفة المعاد. و هو أيضا يفيد الحصر بتقديم الصّلة على «أنيب».

و في هذه الكلمات طلب التّوفيق لإصابة الحقّ فيما يأتي و يذره من اللَّه، و الاستعانة في مجامع أمره، و الإقبال عليه بشراشره، و حسم أطماع الكفّار، و إظهار الفراغ عنهم، و عدم المبالاة بمعاداتهم و تهديدهم، بالرّجوع إلى اللَّه للجزاء.

و في كتاب التّوحيد (1) بإسناده إلى عبد اللَّه بن الفضل الهاشميّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فقلت: قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ‏ و قوله‏ (2)- عزّ و جلّ-: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ‏. فقال:

إذا فعل العبد ما أمره اللَّه- عزّ و جلّ- به من الطّاعة، كان فعله وفقا لأمر اللَّه- عزّ و جلّ- و سمّي العبد به موفّقا. و إذا أراد العبد أن يدخل في شي‏ء من معاصي اللَّه، فحال اللَّه- تبارك و تعالى- بينه و بين تلك المعصية، فتركها، كان تركه لها بتوفيق اللَّه- تعالى ذكره-. و متى خلّى بينه و بين المعصية، فلم يخلّ بينه و بينها (3) حتّى يرتكبها، فقد خذله و لم ينصره و لم يوفّقه.

وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ‏: لا يكسبنّكم‏ شِقاقِي‏: خلافي و معاداتي.

أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ‏: من الغرق، أَوْ قَوْمَ هُودٍ من الرّيح‏ (4)، أَوْ قَوْمَ صالِحٍ‏ من الرّجفة.

و «أن» بصلتها ثاني مفعولي «جرم» فإنّه يعدّى إلى واحد و إلى اثنين، ككسب.

و عن ابن كثير (5): «يجرمنّكم» بالضّمّ. و هو منقول من المتعدّي إلى مفعول واحد.

و الأوّل أفصح. فإنّ «أجرم» أقلّ دورانا على ألسنة الفصحاء.

و قرئ‏ (6): «مثل»- بالفتح- لإضافته إلى المبنيّ، كقوله:

____________

(1) التوحيد/ 242، ذيل ح 1.

(2) آل عمران/ 160.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يخلّ بينها بينه و بينها.

(4) أ، ب: الهلاك.

(5) أنوار التنزيل 1/ 479.

(6) نفس المصدر و الموضع.

230

لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت‏* * * حمامة في غصون ذات أو قال‏

وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) زمانا و مكانا. فإن لم تعتبروا ممّن قبلهم، فاعتبروا بهم. أو: ليسوا ببعيد منكم في الكفر و المساوئ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم.

و إفراد البعيد، لأنّ المراد: و ما إهلاكهم- أو و ما هم- بشي‏ء بعيد. و لا يبعد أن يسوّي في أمثاله بين المذكّر و المؤنّث لأنّها على زنة المصادر كالصّهيل و الشّهيق.

وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ عمّا أنتم عليه.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن [أبيه، و] (2) عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا عن ابن محبوب، عن محمّد بن نعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حديث طويل، يقول فيه لأصحابه: و لو لا أنّكم تذنبون فتستغفرون اللَّه، لخلق اللَّه خلقا حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا اللَّه فيغفر (3) لهم. إنّ المؤمن مفتّن توّاب. أما تسمع‏ (4) قول اللَّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ و قال‏ (6): اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربع خصال من كنّ فيه، كان في نور اللَّه الأعظم- إلى أن قال-: و من إذا أصاب خطيئة، قال: أستغفر اللَّه، و أتوب إليه.

إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ‏ عظيم الرّحمة للتّائبين‏ وَدُودٌ (90) فاعل بهم من اللّطف و الإحسان ما يفعل البليغ المودّة بمن يودّه.

و هو وعد على التّوبة، بعد الوعيد على الإصرار.

قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ‏: ما نفهم‏ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ‏، كوجوب التّوحيد و حرمة البخس. و ما ذكرت دليلا عليهما.

____________

(1) الكافي 2/ 424، ذيل ح 1.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: فيغفر [اللَّه‏] لهم.

(4) المصدر: سمعت.

(5) البقرة/ 222.

(6) هود/ 3.

(7) الخصال 1/ 222، ح 49.

231

و ذلك لقصور عقلهم، و عدم تفكّرهم.

و قيل‏ (1): قالوا، ذلك استهانة بكلامه. أو لأنّهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدّة نفرتهم عنه.

وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً لا قوّة لك فتمتنع منّا، إن أردنا بك سوء أو مهينا لا عزّة لك.

و قيل‏ (2): أعمى، بلغة حمير.

قيل‏ (3): و هو مع عدم مناسبته يرده التّقييد بالظّرف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قد كان ضعف بصره.

و منع بعض النّاس‏ (5) المعتزلة استنباء الأعمى، قياسا على القضاء و الشّهادة.

و الفرق بيّن.

وَ لَوْ لا رَهْطُكَ‏: قومك و عزّتهم عندنا، لكونهم على ملّتنا، لا لخوف من شوكتهم. فإنّ الرّهط من الثّلاثة إلى العشرة.

و قيل‏ (6): إلى السّبعة.

لَرَجَمْناكَ‏: لقتلناك برمي الحجارة، أو بأصعب وجه.

وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) فتمنعنا عزّتك عن الرّجم.

قيل‏ (7): و هذا ديدن السّفيه المحجوج يقابل الحجج و الآيات بالسّبّ و التّهديد.

و في إيلاء الضّمير حرف النّفي، تنبيه على أنّ الكلام فيه، لا في ثبوت العزّة، و أنّ المانع لهم من إيذائه عزّة قومه.

و لذلك‏ قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا:

و جعلتموه كالمنسيّ المنبوذ وراء الظّهر بإشراككم به، و الإهانة برسوله، فلا تبقون عليّ للّه و تبقون عليّ لرهطي.

و هو يحتمل الإنكار و التّوبيخ و الرّدّ و التّكذيب. و «ظهريّ» منسوب إلى الظّهر،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 479.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 479.

(4) تفسير القمّي 1/ 337.

(5) ليس في أنوار التنزيل 1/ 479.

(6) أنوار التنزيل 1/ 479.

(7) أنوار التنزيل 1/ 479.

232

و الكسر من تغييرات النّسب.

إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) فلا يخفى عليه شي‏ء منها، فيجازي عليها.

وَ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ‏:

سبق مثله في سورة الأنعام‏ (1). و الفاء في «فسوف تعلمون»، ثمّة (2) للتّصريح بأنّ الإصرار و التّمكّن فيما هم عليه سبب لذلك. و حذفها ها هنا، لأنّه جواب سائل قال: فما ذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل.

وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ‏:

عطف على «من يأتيه»، لا لأنّه قسيم‏ (3) له- كقولهم: ستعلم الكاذب و الصّادق- بل لأنّهم لمّا أوعدوه و كذّبوه، قال: سوف تعلمون من المعذّب و الكاذب منّي و منكم.

و قيل‏ (4): كان قياسه: «و من هو صادق» لينصرف الأوّل إليهم، و الثّاني إليه، لكنّهم لمّا كانوا يدعونه كاذبا، قال: «و من هو كاذب» على زعمهم.

وَ ارْتَقِبُوا: و انتظروا ما أقول لكم.

إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏ (93): فعيل بمعنى الرّاقب، كالصّريم. أو: المراقب، كالعشير. أو: المرتقب، كالرّفيع.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): محمّد بن الفضيل، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن انتظار الفرج، [فقال: أو ليس تعلم أنّ انتظار الفرج‏] (6) من الفرج؟ ثمّ قال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال الرّضا: ما أحسن الصّبر و انتظار الفرج! أما سمعت قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏ [و قوله‏] (8): فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (9). فعليكم‏

____________

(1) الأنعام/ 135.

(2) أي: هناك.

(3) أ، ب: قسم.

(4) أنوار التنزيل 1/ 480.

(5) تفسير العياشي 2/ 159، ح 62.

(6) من المصدر.

(7) كمال الدين 2/ 645، ح 5.

(8) ليس في المصدر.

(9) الأعراف/ 71.

233

بالصّبر! فإنّه إنّما يجي‏ء الفرج على اليأس‏ (1). فقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم.

و في مجمع البيان‏ (2): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: شعيب- (عليه السلام)- خطيب الأنبياء.

وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا:

إنّما ذكره بالواو- كما في قصّة عاد- إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السّبب له، بخلاف قصّتي صالح و لوط، فإنّه ذكر بعد الوعد. و ذلك قوله: وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ‏ (3).

و قوله: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ‏ (4). فلذلك جاء بفاء السّببيّة.

وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ:

قيل‏ (5): صاح بهم جبرئيل، فهلكوا.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- [من خبر الشّاميّ و ما سأل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (7) في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: ثمّ قام إليه [رجل‏] (8) آخر فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و تطيّرنا منه و ثقله. و أيّ أربعاء هو. قال: آخر أربعاء في الشّهر (9). و هو المحاق. و فيه قتل قابيل أخاه- إلى أن قال (عليه السلام)-: يوم الأربعاء أخذتهم الصّيحة.

و في الجوامع‏ (10): روي‏ أنّ جبرئيل- (عليه السلام)- صاح بهم صيحة، فزهق روح كلّ واحد منهم حيث هو.

فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ‏ (94): ميّتين.

و أصل الجثوم: اللّزوم في المكان.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها: كأن لم يقيموا فيها أحياء.

أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95):

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: البأس.

(2) المجمع 3/ 188.

(3) هود/ 65.

(4) هود/ 81.

(5) أنوار التنزيل 1/ 480.

(6) العيون 1/ 247.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: الشهور.

(10) الجوامع/ 210.

234

قيل‏ (1): شبّههم بهم، لأنّ عذابهم كان أيضا بالصّيحة، غير أنّ صيحتهم كانت من تحتهم، و صيحة مدين كانت من فوقهم.

و قرئ‏ (2): «بعدت»- بالضّمّ- على الأصل. فإنّ الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك، و البعد مصدر لهما، و البعد مصدر المكسور.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا: بالتّوراة، أو المعجزات.

وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ‏ (96):

قيل‏ (3): هو المعجزات القاهرة أو العصا و اليد (4) و إفرادها لأنّها أبهرها.

و يجوز أن يراد بهما واحد. أي: و لقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا و سلطانا له على نبوّته، واضحا في نفسه، أو موضّحا إيّاها. فإنّ «أبان» جاء لازما و متعدّيا. و الفرق بينهما أنّ الآية تعمّ الأمارة و الدّليل القاطع، و السّلطان يخصّ بالقاطع، و المبين يخصّ بما فيه جلاء.

إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ‏: فاتّبعوا أمره بالكفر بموسى. أو: فما اتّبعوا موسى الهادي إلى الحقّ المؤيّد بالمعجزات القاهرة الباهرة، و اتّبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضّلال و الطّغيان، الدّاعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل، لفرط جهالتهم و عدم استبصارهم.

وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97): مرشد، أو ذي رشد، و إنّما هو غيّ محض و ضلال صريح.

يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى النّار، كما كان يقدمهم في الدّنيا إلى الضّلال.

يقال: قدم، بمعنى: تقدّم.

فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ:

ذكره بلفظ الماضي، مبالغة في تحقيقه. و نزّل النّار لهم منزلة الماء، فسمّى إتيانها موردا. ثمّ قال:

وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)، أي: بئس المورد الّذي وردوه‏ (5)، فإنّه يراد

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 480.

(3) أنوار التنزيل 1/ 480.

(4) ب: زيادة «و اليد».

(5) كذا في أنوار التنزيل 1/ 480. و في النسخ:

يوردونه.

235

لتبريد الأكباد و تسكين العطش، و النّار بالضّدّ.

و الآية كالدّليل على قوله: وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. فإنّ من هذا عاقبته، لم يكن في أمره رشد. أو تفسير له، على أنّ المراد بالرّشيد ما يكون مأمون العاقبة و حميدها.

وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي: يلعنون في الدّنيا و الآخرة.

بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99): بئس العون المعان، أو العطاء المعطى.

و أصل الرّفد: ما يضاف إلى غيره ليعمده. و المخصوص بالذّم محذوف. أي:

رفدهم، و هو اللّعنة في الدّارين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): فِي هذِهِ لَعْنَةً، يعني: الهلاك و الغرق. وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ [بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ، أي:] (2) يرفدهم اللَّه بالعذاب.

ذلِكَ‏، أي: ذلك النّبأ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى‏ المهلكة.

نَقُصُّهُ عَلَيْكَ‏: مقصوص عليك.

مِنْها قائِمٌ‏: من تلك القرى باق، كالزّرع القائم‏ وَ حَصِيدٌ (100):

[و منها] (3) عافي الأثر، كالزّرع المحصود.

و الجملة مستأنفة.

و قيل‏ (4): حال من الهاء في «نقصّه» و ليس بصحيح، إذ لا واو و لا ضمير.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قرأ: «فمنها قائما و حصيدا»- بالنّصب- ثمّ قال: يا أبا محمّد، لا يكون حصيدا (6) إلّا بالحديد.

و في رواية أخرى‏ (7): «فمنها قائما و حصيدا»- بالنّصب- ثمّ قال: يا أبا محمّد، لا يكون‏ (8) الحصيد إلّا بالحديد.

وَ ما ظَلَمْناهُمْ‏ بإهلاكنا إيّاهم.

وَ لكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ بأن عرّضوها بارتكاب ما يوجبه.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 337.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ب.

(4) أنوار التنزيل 1/ 481.

(5) تفسير العياشي 2/ 159، ح 63.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الحصيد.

(7) تفسير العياشي 3/ 159، ح 64.

(8) المصدر: «فمنها قائم و حصيد أ يكون» بدل «فمنها قائما ... لا يكون».

236

فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ‏: فما نفعتهم، و لا قدرت أن تدفع عنهم‏ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ‏ حين جاءهم عذابه و نقمته.

وَ ما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ‏ (101): إهلاك، أو تخسير (1).

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك الأخذ أَخْذُ رَبِّكَ‏:

و قرئ‏ (2): «أخذ ربّك» (3) بالفعل. و على هذا يكون محلّ الكاف النّصب على المصدر.

إِذا أَخَذَ الْقُرى‏، أي: أهلها.

و قرئ‏ (4): «إذ» لأنّ المعنى على المضيّ.

وَ هِيَ ظالِمَةٌ:

حال من «القرى». و هي في الحقيقة لأهلها، لكنّها لمّا أقيمت مقامه، أجريت عليها. و فائدتها الإشعار بأنّهم أخذوا بظلمهم، و إنذار كلّ ظالم ظلم نفسه أو غيره من و خامة العاقبة.

إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102): وجيع غير مرجوّ الخلاص عنه.

و هو مبالغة في التّهديد و التّحذير.

و في مجمع البيان‏ (5): وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ‏- إلى قوله-: أَلِيمٌ شَدِيدٌ. و في الصّحيحين عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: [إنّ اللَّه‏] (6) يمهل الظّالم‏ (7) حتّى إذا أخذه لم يفلته‏ (8).

إِنَّ فِي ذلِكَ‏، أي: فيما نزل بالأمم الهالكة. أو: فيما قصّه‏ (9) اللَّه من قصصهم‏ لَآيَةً لعبرة. لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ يعتبر به عظمته، لعلمه بأنّ ما حاق بهم أنموذج ممّا أعدّ اللَّه للمجرمين في الآخرة. أو: ينزجر به عن موجباته، لعلمه بأنّها من إله مختار يعذّب من يشاء، و يرحم من يشاء. فإنّ من أنكر الآخرة و أحال فناء هذا العالم، لم‏

____________

(1) أ، ب، ر: تحير.

(2) أنوار التنزيل 1/ 481.

(3) ليس في ب.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 3/ 191.

(6) ليس في أ، ب.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الظالمين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يمهله.

(9) أ، ب: قصّهم.

237

يقل‏ (1) بالفاعل المختار، و جعل تلك الوقائع لأسباب فلكيّة اتّفقت في تلك الأيّام، لا لذنوب المهلكين بها.

ذلِكَ‏:

إشارة إلى يوم القيامة. و عذاب الآخرة دلّ عليه.

يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ‏، أي: يجمع له النّاس. و التّغيير للدّلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، و أنّه من شأنه لا محالة، و أنّ النّاس لا ينفكّون عنه. فهو أبلغ من قوله‏ (2):

يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ‏.

و معنى الجمع له: الجمع لما فيه من المحاسبة و المجازاة.

وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103):

قيل‏ (3): أي مشهود فيه أهل السّموات و الأرضين. فاتّسع فيه بإجراء الظّرف مجرى المفعول به، كقوله:

في محفل من نواصي النّاس مشهود

أي: كثير شاهدوه.

و لو جعل اليوم مشهودا (4) في نفسه، لبطل الغرض من تعظيم اليوم و تمييزه. فإنّ سائر الأيّام كذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): يشهد عليه الأنبياء و الرّسل.

و في كتاب معاني الأخبار (6): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، و محمّد بن عليّ بن محبوب، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن صفوان بن يحيى، عن إسماعيل بن جابر، عن رجاله، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ذلِكَ يَوْمٌ‏- إلى قوله-: يَوْمٌ مَشْهُودٌ قال: المشهود يوم عرفة.

و المجموع له النّاس يوم القيامة.

و بإسناده‏ (7) إلى محمّد بن هاشم، عمّن روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

____________

(1) ب: لم يقبل.

(2) التغابن/ 9.

(3) أنوار التنزيل 1/ 481.

(4) ب: زيادة فيه.

(5) تفسير القمّي 1/ 338.

(6) المعاني/ 298، ح 1.

(7) المعاني/ 299، ح 5.

238

سأله الأبرش الكلبيّ عن قول اللَّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ. فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ما قيل لك؟ فقال: قالوا: الشاهد يوم الجمعة. و المشهود يوم عرفة.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ليس كما قيل لك. الشّاهد يوم عرفة. و المشهود يوم القيامة. أما تقرأ القرآن!؟ قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.

و في روضة الكافي‏ (2) في كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا، و فيه: و اعلم- يا ابن آدم!- أنّ من وراء هذا أعظم و أفضع‏ (3) و أوجع للقلوب يوم القيامة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن أحدهما- (عليهما السلام)- في هذه الآية: فذلك يوم القيامة. و هو اليوم الموعود.

و يمكن الجمع بين الأخبار الدّالّ بعضها على أنّ اليوم‏ (5) المشهود يوم‏ (6) عرفة، و بعضها على أنّه يوم القيامة، بأنّ كلا اليومين مشهود. و اليوم المجموع له النّاس مخصوص بيوم القيامة.

وَ ما نُؤَخِّرُهُ‏، أي: اليوم‏ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104): إلّا لانتهاء مدّة معدودة متناهية. على حذف المضاف، أو على إرادة مدّة التأجيل. كلّها بالأجل لا منتهاها، فإنّه غير معدود.

يَوْمَ يَأْتِ‏، أي: الجزاء المدلول عليه بالفحوى. أو: اليوم- كقوله‏ (7)-: أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ- على أنّ «يوم» بمعنى حين. أو: اللَّه- تعالى-، كقوله‏ (8): هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ‏ و نحوه. و إتيان اللَّه إتيان أمره أو شي‏ء منسوب إليه.

و قرأ (9) ابن عامر و عاصم و حمزة: «يأت» بحذف الياء، اجتزاء عنها بالكسرة.

لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ‏، لا تتكلّم نفس بما ينفع و ينجي، من جواب أو شفاعة.

____________

(1) البروج/ 3.

(2) الكافي 8/ 73، ضمن ح 29.

(3) ب: أفزع.

(4) تفسير العياشي 2/ 159، ح 65.

(5) أ، ب، ر: يوم.

(6) ليس في ب، أ، ر.

(7) يوسف/ 107.

(8) البقرة/ 210.

(9) أنوار التنزيل 1/ 481.

239

و هو النّاصب للظّرف. و يحتمل نصبه بإضمار اذكر، أو بالانتهاء المحذوف.

إِلَّا بِإِذْنِهِ‏: إلّا بإذن اللَّه، كقوله‏ (1): لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ‏.

و هذا في موقف، و قوله‏ (2): هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏ في موقف آخر.

و قيل‏ (3):

أو المأذون فيه هي الجوابات الحقّة، و الممنوع عنه هي الأعذار الباطلة.

و الأوّل هو المرويّ عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في كتاب التّوحيد (4).

فَمِنْهُمْ شَقِيٌ‏ وجبت له النّار، بمقتضى الوعيد وَ سَعِيدٌ (105): وجبت له الجنّة، بمقتضى الوعد.

و الضّمير لأهل الموقف، و إن لم يذكر. لأنّه معلوم مدلول عليه بقوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ‏. أو للنّاس.

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ‏ (106):

الزّفير: إخراج النّفس. و الشّهيق: ردّه، و استعمالهما في أوّل النّهيق و آخره.

و المراد بهما الدّلالة على شدّة كربهم و غمّهم، و تشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، و انحصر فيه روحه. أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير.

و قرئ‏ (5): «شقوا» بالضّمّ.

خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ‏:

قيل‏ (6): ليس لارتباط دوامهم في النّار بدوامهما- فإنّ النّصوص دالّة على تأبيد دوامهم و انقطاع دوامهما- بل التّعبير عن التّأبيد و المبالغة بما كانت العرب يعبّرون عنه، على سبيل التّمثيل. و لو كان للارتباط، لم يلزم- أيضا- من زوال السّموات و الأرض زوال عذابهم، و لا من دوامه دوامهما، إلّا من قبيل المفهوم، لأنّ دوامهما كالملزوم لدوامه.

و قد عرفت أنّ المفهوم لا يقاوم المنطوق.

و قيل‏ (7): المراد سموات الآخرة و أرضها. و يدلّ عليه قوله‏ (8)- تعالى-:

____________

(1) النبأ/ 38.

(2) المرسلات/ 35- 36.

(3) أنوار التنزيل 1/ 482.

(4) التوحيد/ 260.

(5) أنوار التنزيل 1/ 482.

(6) أنوار التنزيل 1/ 482.

(7) أنوار التنزيل 1/ 482.

(8) إبراهيم/ 48.

240

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏، و أنّ أهل الآخرة لا بدّ لهم من مظلّ و مقلّ.

و اعترض عليه بأنّه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده و دوامه. و من عرفه، فإنّما (1) يعرفه بما يدلّ عليه دوام الثّواب و العقاب. فلا يجدي له التّشبيه.

و التّحقيق أنّ هذا في نار الدّنيا في البرزخ، قبل يوم القيامة. و سيأتي من الأخبار ما يدلّ عليه. و حينئذ لا إشكال في الارتباط.

إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ‏:

قيل‏ (2): استثناء من الخلود في النّار. لأنّ بعضهم- و هم فسّاق الموحّدين- يخرجون منها. و ذلك كاف في صحّة الاستثناء. لأنّ زوال الحكم عن الكلّ يكفيه زواله عن البعض. و هم المراد بالاستثناء الثّاني. فإنّهم مفارقون عن الجنّة أيّام عذابهم. فإنّ التّأبيد من مبدأ معيّن ينتقض باعتبار الابتداء، كما ينتقض باعتبار الانتهاء. و هؤلاء، و إن شقوا بعصيانهم، فقد سعدوا بإيمانهم. قال‏ (3): و لا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ تقسيما صحيحا. لأنّ من شرطه أن يكون صفة كلّ قسم منتفية عن قسيمه. لأنّ ذلك الشّرط حيث التّقسيم لانفصال حقيقيّ، أو مانع من الجمع. و ها هنا المراد أنّ أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، و أنّ حالهم لا يخلو عن السّعادة و الشّقاوة.

و ذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين. أو لأنّ أهل النّار ينقلون منها إلى الزّمهرير و غيره من العذاب أحيانا. و كذلك أهل الجنّة ينعمون بما هو أعلى من الجنّة، كالاتّصال بجناب القدس و الفوز برضوان اللَّه و لقائه. أو من أصل الحكم. و المستثنى زمان توقّفهم في الموقف للحساب. لأنّ ظاهره يقتضي أن يكونوا في النّار حين يأتي اليوم، أو مدّة لبثهم في الدّنيا و البرزخ، إن كان الحكم مطلقا غير مقيّد باليوم. و على هذا التّأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت.

و قيل‏ (4): هو من قوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ‏.

و قيل‏ (5): «إلّا» ها هنا بمعنى سوى- كقولك: عليّ ألف إلّا الألفان القديمان- و المعنى: سوى ما شاء ربّك من الزيّادة الّتي لا اخر لها على مدّة بقاء السّموات و الأرض.

____________

(1) ب: فإنّه.

(2) أنوار التنزيل 1/ 482.

(3) ليس في المصدر.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 482.

241

انتهى، و على ما ذكرنا لا إشكال في الاستثناء.

إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107): من غير اعتراض.

وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108): غير مقطوع.

و قرأ (1) حمزة و الكسائي و حفص: «سعدوا»- على البناء للمفعول- من: سعده اللَّه، بمعنى: أسعده. و «عطاء» نصب على المصدر المؤكّد. أي: أعطي عطاء. أو حال من «الجنّة».

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2) في هذه الآية: «يوم يأت» و الّتي بعدها: هذا في نار الدّنيا قبل يوم القيامة.

قال: و أمّا قوله: وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، يعني: في جنان الدّنيا الّتي تنقل إليها أرواح المؤمنين. ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، يعني: غير مقطوع من نعيم الآخرة في الجنّة يكون متصلا به.

قال: و هو ردّ على من أنكر عذاب القبر و الثّواب و العقاب في الدّنيا في البرزخ، قبل يوم القيامة.

و يؤيد هذا التّفسير قوله‏ (3)- تعالى- النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا.

قال الصّادق‏ (4)- (عليه السلام)- إنّ هذا في نار البرزخ قبل القيامة، إذ لا غدوّ و لا عشيّ في القيامة. ثمّ قال- (عليه السلام)-: ألم تسمع قول اللَّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ‏

و في الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد (7) بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في خطبة يوم الجمعة الخطبة الأولى: الحمد للّه. نحمده‏ (8) و نستعينه،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 483.

(2) تفسير القمّي 1/ 338.

(3) غافر/ 46.

(4) تفسير القمّي 2/ 258 بتصرّف في الألفاظ، و تفسير الصافي 2/ 473.

(5) غافر/ 46.

(6) الكافي 3/ 422، صدر ح 6.

(7) ب: يزيد.

(8) ليس في ب.

242

و نستغفره و نستهديه- إلى أن قال- (عليه السلام)-:

و قد أخبركم اللَّه عن منازل من آمن و عمل صالحا، و عن منازل من كفر و عمل في غير سبيله-. و قال: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ‏ (الآيات). نسأل اللَّه الّذي جمعنا لهذا الجمع، أن يبارك لنا في يومنا هذا، و أن يرحمنا جميعا. إنّه على كلّ شي‏ء قدير.

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن سلام مولى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏:

سألت: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقلت: أخبرني أ يعذّب اللَّه- عزّ و جلّ- خلقا بلا حجّة؟ فقال: معاذ اللَّه! قلت: فأولاد المشركين في الجنّة أم في النّار؟ فقال: اللَّه- تبارك و تعالى- أولى بهم. إنّه إذا كان يوم القيامة، و جمع اللَّه- عزّ و جلّ- الخلائق لفصل القضاء (2)، يأتي بأولاد المشركين. فيقول لهم: عبيدي و إمائي! من ربّكم؟ و ما دينكم؟ و ما أعمالكم؟

فيقولون: اللّهم ربّنا! أنت خلقتنا، و لم نخلق‏ (3) شيئا. و أنت أمتّنا، و لم نمت‏ (4) شيئا. و لم تجعل لنا ألسنة [ننطق بها] (5) و لا أسماعا [نسمع بها] (6)، و لا كتابا نقرؤه، و لا رسولا فنتّبعه. و لا علم لنا إلّا ما علّمتنا.

قال: فيقول لهم- عزّ و جلّ-: عبيدي و إمائي! إن أمرتكم بأمر تفعلونه‏ (7)؟

فيقولون: السّمع و الطّاعة لك يا ربّنا! قال: فيأمر اللَّه- عزّ و جلّ- نارا يقال لها «الفلق» أشدّ شي‏ء في جهنّم عذابا.

فتخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسّلاسل و الأغلال. فيأمر [ها] (8) اللَّه- عزّ و جلّ- أن تنفخ في وجوه الخلائق نفخة. [فتنفخ‏] (9). فمن شدّة نفختها، تنقطع السّماء، و تنطمس النّجوم، و تجمد البحار، و تزول الجبال، و تظلم الأبصار، و تضع الحوامل حملها، و تشيب الولدان من هولها يوم القيامة.

ثمّ يأمر اللَّه- تبارك و تعالى- أطفال المشركين أن يلقوا أنفسهم في تلك النّار. فمن‏

____________

(1) التوحيد/ 390- 392، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في ب: الخطاب. و في سائر النسخ: القظا.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لم تخلق.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لم تمت.

5 و 6- من المصدر.

(7) المصدر: أ تفعلوه.

8 و 9- من المصدر.

243

سبق له في علم اللَّه- عزّ و جلّ- أن يكون سعيدا، ألقى نفسه فيها، فكانت عليه بردا و سلاما، كما كانت على إبراهيم. و من سبق له في علم اللَّه- عزّ و جلّ- أن يكون شقيّا، امتنع، فلم يلق نفسه في النّار. فيأمر اللَّه- تبارك و تعالى- النّار فتلتقطه‏ (1) لتركه أمر اللَّه و امتناعه من الدّخول فيها، فيكون تبعا لآبائه في جهنّم. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ- إلى قوله-: غَيْرَ مَجْذُوذٍ.

و حدثنا الشّريف‏ (2) أبو عليّ محمّد بن أحمد [بن محمد] (3) بن عبد اللَّه بن الحسن [بن الحسين بن عليّ بن الحسين‏] (4) بن عليّ بن أبي طالب قال: حدّثنا [عليّ بن‏] (5) محمّد بن قتيبة النيّشابوريّ، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير قال‏:

سألت أبا الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- عن معنى قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الشّقيّ من شقيّ في بطن أمّه. [و السعيد من سعد في بطن امّه‏] (6).

فقال: الشّقيّ من علم اللَّه- عزّ و جلّ- و هو في بطن أمّه- أنّه يعمل عمل‏ (7) الأشقياء.

و السّعيد من علم اللَّه- و هو في بطن أمّه- أنّه سيعمل عمل‏ (8) السّعداء.

و في أصول الكافي‏ (9): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه خلق السّعادة و الشّقاوة قبل أن يخلق خلقه. فمن خلقه اللَّه سعيدا، لم يبغضه أبدا. [و إن عمل شرّا، أبغض عمله و لم يبغضه‏] (10). [و إن كان شقيا، لم يحبّه أبدا، و إن عمل صالحا، أحبّ عمله و أبغضه، لما يصير إليه. فإذا أحبّ اللَّه شيئا، لم يبغضه‏] (11) أبدا (12). و إذا أبغض شيئا، لم يحبّه أبدا.

عليّ بن محمّد (13)، رفعه عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير قال‏: كنت بين يدي أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- جالسا، و قد سأله سائل فقال: جعلت فداك- يا ابن رسول اللَّه-

____________

(1) ب: فتلقطه.

(2) التوحيد/ 356، صدر ح 3.

3 و 4 و 5- من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: سيعمل أعمال.

(8) المصدر: أعمال.

(9) الكافي 1/ 152- 153، ح 1.

(10) ليس في ب، ر.

(11) من المصدر.

(12) ليس في ب، ر.

(13) نفس المصدر/ 153، ح 2.

244

من أين لحق الشّقاء أهل المعصية حتّى حكم اللَّه لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّها السّائل! حكم اللَّه- عزّ و جلّ- أن لا يقوم‏ (1) له أحد من خلقه [بحقّه‏] (2). فلمّا حكم بذلك، وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته، و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله. و وهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم، لسبق علمه فيهم و منعهم إطاقة القبول منه. فواقعوا (3) ما سبق لهم في علمه، و لم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه. لأنّ علمه أولى بحقيقة التّصديق. و هو معنى شاء ما شاء. و هو سرّه.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن معلّى بن‏ (5) عثمان، عن عليّ بن حنظلة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

يسلك بالسّعيد في طريق الأشقياء، حتّى يقول النّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم! ثمّ تتداركه السّعادة. و قد يسلك بالشّقيّ طريق السّعداء، حتّى يقول النّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم! ثمّ يتداركه الشّقاء. إنّ من كتبه اللَّه سعيدا- و إن لم يبق من الدّنيا إلّا فواق ناقة- ختم له بالسّعادة.

و في كتاب التّوحيد (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: إنّ اللَّه- تعالى- ينقل العبد من الشّقاء إلى السّعادة، و لا ينقله من السّعادة إلى الشّقاء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى محمّد بن عبد اللَّه بن زرارة، عن عليّ بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: تحوّل النّطفة في الرّحم أربعين يوما. فمن أراد أن يدعو اللَّه- عزّ و جلّ- ففي تلك‏ (8) الأربعين قبل أن تخلق. ثمّ يبعث اللَّه- عزّ و جلّ- ملك الأرحام. فيأخذها، فيصعد (9) بها إلى اللَّه- عزّ و جلّ- فيقف منه حيث شاء (10) اللَّه. فيقول: يا إلهي، أذكر أم أنثى؟ فيوحي‏

____________

(1) ب: أن لا يقوم.

(2) من المصدر.

(3) بعض نسخ المصدر: فوافقوا.

(4) نفس المصدر/ 154، ح 3.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي.

(6) التوحيد/ 358، ذيل ح 6.

(7) العلل/ 95، ضمن ح 4.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ذلك.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فيصعدها فيأخذ.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقف ما شاء.

245

اللَّه- عزّ و جلّ- ما يشاء، و يكتب الملك. [ثم يقول: يا إلهي‏ (1) أشقيّ أم سعيد؟ فيوحي اللَّه- عزّ و جلّ- (من ذلك) (2) ما يشاء، و يكتب الملك.] (3).

و في كتاب معاني الأخبار (4): حدّثنا محمّد بن القاسم المفسّر الجرجانيّ قال:

حدّثنا أحمد بن الحسن الحسينيّ، عن الحسن بن عليّ النّاصر [ي‏] (5)، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ، عن أبيه الرّضا، عن أبيه‏ (6) موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين- (عليهم السلام)- قال‏:

قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: صف لنا الموت. فقال:

على الخبير سقطتم. هو أحد أمور ثلاثة يرد عليها (7): إمّا بشارة بنعيم الأبد [و إمّا بشارة بعذاب الأبد.] (8) و إمّا تخويف‏ (9) و تهويل و أمر [ه‏] (10) مبهم لا يدرى من أيّ الفريقين هو. فأمّا وليّنا المطيع لأمرنا، فهو المبشّر بنعيم الأبد. و أمّا عدوّنا المخالف علينا، فهو المبشّر بعذاب الأبد.

و أمّا المبهم أمره الّذي لا يدري ما حاله، فهو المؤمن المسرف على نفسه، لا يدري ما يؤول إليه حاله. يأتيه الخبر (11) مبهما محزنا (12). ثمّ لن يسوّيه‏ (13) اللَّه- عزّ و جلّ- بأعدائنا، لكن يخرجه من النّار بشفاعتنا.

فاعملوا و أطيعوا! و لا تنكلوا! و لا تستصغروا (14) عقوبة اللَّه- عزّ و جلّ-! فإنّ من المسرفين من لا تلحقه‏ (15) شفاعتنا إلّا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة.

و في كتاب الخصال‏ (16): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، [عن آبائه‏] (17) عن عليّ‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول يا رب.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ب.

(4) المعاني/ 288، ح 2.

(5) من المصدر مع المعقوفتين.

(6) ليس في ب.

(7) المصدر: عليه.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: تحزين.

(10) من المصدر مع المعقوفتين.

(11) أ، ب: الخير.

(12) المصدر: مخوفا.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: يستويه.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تصغروا.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يلحق.

(16) الخصال 1/ 5، ح 14.

(17) من المصدر.

246

- (عليهم السلام)- أنّه قال‏: حقيقة السّعادة أن يختم الرّجل عمله بالسّعادة. و حقيقة الشّقاوة أن يختم للمرء عمله بالشّقاوة.

عن جعفر بن محمّد (1)، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من علامات الشّقاء جمود العينين‏ (2)، و قسوة القلب، و شدّة الحرص في طلب الرّزق، و الإصرار على الذّنب.

و بالإسناد (3) عن عليّ- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏:

يا عليّ، أربع خصال من الشّقاء: جمود العين، و قساوة القلب، و بعد الأمل، و حبّ البقاء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4)، عن مسعدة بن صدقة قال‏: قصّ أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- قصص أهل الميثاق من أهل الجنّة و أهل النّار، فقال في صفات أهل الجنّة: فمنهم من لقي اللَّه شهيدا لرسله- ثمّ مرّ (5) في صفتهم حتّى بلغ من قوله-:

ثمّ جاء الاستثناء من اللَّه في الفريقين جميعا، فقال الجاهل بعلم التّفسير: «إنّ هذا الاستثناء من اللَّه، إنّما هو لمن دخل الجنّة و النّار. و ذلك أنّ الفريقين جميعا يخرجان منهما فيبقيان، و ليس فيهما أحد».

و كذبوا! إنّما (6) عنى بالاستثناء أنّ‏ (7) ولد آدم كلّهم و ولد الجانّ معهم على الأرض، و السّموات تظلّهم، فهو ينقل المؤمنين حتّى يخرجهم إلى ولاية الشّياطين، و هي النّار.

فذلك الّذي عنى اللَّه في أهل الجنّة و النّار: ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ‏. يقول: في الدّنيا.

و اللَّه- تبارك و تعالى- ليس مخرج‏ (8) أهل الجنّة منها [أبدا] (9). و لا كلّ أهل النّار منها [أبدا] (10). كيف يكون ذلك، و قد قال اللَّه- تعالى- في كتابه‏ (11): ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً!؟ ليس فيهما استثناء.

____________

(1) الخصال 1/ 243، ح 96.

(2) المصدر: العين.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 97.

(4) تفسير العياشي 2/ 159- 160، ح 66.

(5) بعض نسخ المصدر: من.

(6) المصدر: لكن.

(7) ليس في ب.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يخرج.

9 و 10- من المصدر.

(11) الكهف/ 3.

247

و كذلك‏

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: من دخل ولاية آل محمّد، دخل الجنّة. و من دخل في ولاية عدوّهم، دخل النّار. و هذا الّذي عنى‏ (1) اللَّه تفسير (2) من الاستثناء في الخروج من الجنّة و النّار و الدخول.

عن زرارة (3) قال‏: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ (إلى آخر الآيتين). قال: هاتان الآيتان في غير أهل الخلود من أهل الشّقاوة و السّعادة. إن شاء اللَّه يجعلهم خارجين‏ (4). و لا تزعم- يا زرارة!- أنّي أزعم ذلك.

حمران‏ (5) قال‏: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- قلت‏ (6): جعلت فداك، قول اللَّه- عزّ و جلّ-: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ‏ لأهل النّار.

أ فرأيت قوله لأهل الجنّة: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ‏؟

قال: نعم. إن شاء، جعل لهم دنيا، فردّهم و ما شاء (7).

و سئل‏ (8) عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ‏ فقال: هذه في الّذين يخرجون من النّار.

عن أبي بصير (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ قال:

في ذكر أهل النّار استثنى‏ (10). و ليس في ذكر أهل الجنّة استثناء (11). أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ- إلى قوله:- عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (12).

و في رواية حمّاد (13)، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [بالذال‏] (14).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: على.

(2) ليس في المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 160، ح 67.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يجعلهما حين.

(5) تفسير العياشي 2/ 160، ح 68.

(6) ليس في المصدر.

(7) ب: ما شاءه.

(8) المصدر: سألته.

(9) تفسير العياشي 2/ 160، ح 69.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: استثناء.

(11) المصدر: استثنى.

(12) في البحار: «غير مجدود» بالدال المهملة و هو الصحيح بحسب السياق.

(13) تفسير العيّاشي 2/ 161، ح 70.

(14) من المصدر.

248

فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ: في شكّ بعد ما أنزل عليك القصص في سوء عاقبة عبدة الأوثان و غيرهم.

مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ: من عبادة هؤلاء المشركين في أنّها ضلال مؤدّ إلى مثل ما حلّ بمن قبلهم ممّن قصصت عليك سوء عاقبة (1) عبادتهم. أو: من حال ما يعبدونه فإنّه لا يضرّ و لا ينفع.

ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ‏:

استئناف معناه تعليل النّهي عن المرية، أي: هم و آباؤهم سواء في الشّرك. أي:

ما يعبدون عبادة إلّا كعبادتهم. أو: ما يعبدون شيئا إلّا مثل ما عبدوه من الأوثان، و قد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك، فسيلحقهم مثله. لأنّ التّماثل في الأسباب، يقتضي التماثل في المسبّبات.

و معنى «كما يعبد»: كما كان يعبد. فحذف لدلالة «من قبل» عليه.

وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ‏: حظّهم من العذاب- كآبائهم- أو من الرّزق. فيكون عذرا لتأخّر العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه.

غَيْرَ مَنْقُوصٍ‏ (109):

حال من النّصيب لتقييد التّوفية. فإنّك تقول: وفّيته حقّه. و يريد به وفاء بعضه، و لو مجازا.

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ‏، فآمن به قوم، و كفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن.

وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏، يعني: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏ بإنزال ما يستحقّه المبطل، ليتميّز به عن المحقّ.

و في روضة الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ آتَيْنا- إلى قوله:- فِيهِ‏ قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمّة في الكتاب و سيختلفون في الكتاب الّذي مع القائم الّذي يأتيهم به، حتّى ينكره ناس‏

____________

(1) ب: عاقبتهم.

(2) الكافي 8/ 287، ضمن ح 432.

249

كثير، فيقدّمهم فيضرب أعناقهم. و أمّا قوله: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ‏ (1) (مِنْ رَبِّكَ) لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏، قال: لو لا ما تقدّم فيهم من اللَّه- عزّ ذكره- ما أبقى القائم منهم أحدا (2).

وَ إِنَّهُمْ‏: و إنّ كفّار قومك‏ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ‏: من القرآن‏ مُرِيبٍ‏ (110): موقع للرّيبة.

وَ إِنَّ كُلًّا: كلّ‏ (3) المختلفين، المؤمنين منهم و الكافرين.

و التّنوين بدل المضاف إليه.

و قرأ (4) ابن كثير و نافع و أبو بكر بالتّخفيف مع الإعمال، اعتبارا للأصل.

لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: في القيامة.

و اللّام الأولى موطّئة للقسم، و الثّانية للتّأكيد، أو بالعكس. و «ما» مزيدة بينهما للفصل.

و قرأ (6) ابن عامر و حمزة: «لمّا»- بالتّشديد- على أنّ أصله: «لمن ما» فقلبت النّون ميما [للإدغام. فاجتمعت ثلاث ميمات‏] (7) فحذفت أولاهنّ. و المعنى: لمن الّذين يوفّينّهم ربّك جزاء أعمالهم.

و قرئ‏ (8): «لمّا»- بالتنوين- أي: جميعا، كقوله‏ (9): أَكْلًا لَمًّا. و إِنْ كُلٌّ لَمَّا على أنّ «إن» نافية و «لمّا» بمعنى إلّا. و قد قرئ به‏ (10).

إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فلا يفوته شي‏ء منه، و إن خفي.

فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ‏:

لمّا بيّن أمر المختلفين في التّوحيد و النّبوّة، و أطنب في شرح الوعد و الوعيد، أمر رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالاستقامة مثل ما أمر بها. و هي شاملة للاستقامة في العقائد- كالتّوسّط بين التّشبيه و التّعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطّرفين- و الأعمال، من‏

____________

(1) المصدر: الفصل.

(2) المصدر: واحدا.

(3) ب: كلّ من المختلفين.

(4) أنوار التنزيل 1/ 483.

(5) تفسير القمّي 1/ 338.

(6) أنوار التنزيل 1/ 483.

(7) ليس في أ، ب.

(8) أنوار التنزيل 1/ 483.

(9) الفجر/ 19.

(10) أى: «إن كلٌّ إلّا».

250

تبليغ الوحي و بيان الشّرائع كما أنزل، و القيام بوظائف العبادات من غير تفريط و إفراط مفوّت للحقوق، و نحوها. و هو غاية العسر.

و قد مرّ

ما روي عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: شيّبتني سورة هود.

وَ مَنْ تابَ مَعَكَ‏، أي: تاب من الكفر و الشّرك و آمن معك.

و هو عطف على المستكنّ في «استقم» و إن لم يؤكّد بمنفصل، لقيام الفاصل مقامه.

وَ لا تَطْغَوْا: و لا تخرجوا عمّا حدّ لكم.

إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) فهو مجازيكم عليه. و هو في معنى التّعليل للأمر و النّهي.

و في الآية دليل على وجوب اتّباع النّصوص من غير تصرّف و انحراف بنحو قياس.

و في الجوامع‏ (1)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: [فَاسْتَقِمْ‏] (2) كَما أُمِرْتَ‏، أي:

كما (3) افتقر إلى اللَّه بصحّة العزم.

و عن ابن عبّاس‏ (4): ما نزلت آية كانت أشقّ على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من هذه الآية. و لهذا قال: شيّبتني هود و الواقعة و أخواتها.

وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: و لا تميلوا إليهم أدنى ميل- فإنّ الرّكون هو الميل اليسير- فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ بركونكم إليهم.

و إذا كان الرّكون إلى من وجد منه ما يسمّى ظلما كذلك، فما ظنّك بالرّكون إلى الظّالمين- أي: الموسومين بالظّلم- ثمّ بالميل إليهم كلّ الميل، ثمّ بالظّلم على نفسه و الانهماك فيه!؟

و لعلّ الآية أبلغ ما يتصوّر في النّهي عن الظّلم و التّهديد عليه.

و خطاب الرّسول و من معه من المؤمنين بها، للتّثبّت على الاستقامة الّتي هي العدل. فإنّ الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط و تفريط، فإنّه ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه.

____________

(1) الجوامع/ 211.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

251

و قرئ‏ (1): «فتمسّكم»- بكسر التّاء- على لغة تميم. و «تركنوا» على البناء للمفعول، من أركنه.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. قال: ركون مودّة و نصيحة و طاعة.

و في مجمع البيان‏ (3): و روي عنهم- (عليهم السلام)- مثله.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، رفعه عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَرْكَنُوا- إلى قوله:- النَّارُ قال: هو الرّجل يأتي السّلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده في‏ (5) كيسه فيعطيه.

و في روضة الكافي‏ (6) كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا: و لا تركنوا إلى الدّنيا! فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ لا تَرْكَنُوا- إلى قوله:- النَّارُ.

و في كتاب الخصال‏ (7): و عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال‏: قال إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوصى [إلى أمير المؤمنين‏] (8) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و كان فيما (9) أوصى به- إلى أن قال:- لا تركن إلى ظالم، و إن كان حميما قريبا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (10): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: وَ لا تَرْكَنُوا (الآية) قال: أما إنّه لم يجعلها خلودا، و لكن تمسّكم. فلا تركنوا إليهم.

و في الآية دلالة على وجوب العصمة في الإمام و أولي الأمر. لأنّ الإمام واجب الإطاعة، بقوله‏ (11): أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏. و وجوب الإطاعة يستلزم الرّكون. و غير المعصوم من يصدر عنه الذّنب أحيانا، فيصدق عليه أنّه من الّذين‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 484.

(2) تفسير القمّي 1/ 338.

(3) المجمع 3/ 200.

(4) الكافي 5/ 108- 109، ح 12.

(5) المصدر: إلى.

(6) الكافي 8/ 75، ضمن ح 29.

(7) الخصال 2/ 543، ضمن ح 19.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «فيما كان» بدل «و كان فيما».

(10) تفسير العياشي 2/ 161، ح 72.

(11) النساء/ 59.

252

ظلموا. و الرّكون إليه منهيّ عنه.

وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ: من أنصار يمنعون العذاب عنكم.

ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ‏ (113): ثمّ لا ينصركم اللَّه، إذ سبق في حكمه أن يعذّبكم به و لا يبقى عليكم.

و «ثمّ» لاستبعاد نصره إيّاهم، و قد أوعدهم بالعذاب عليه و أوجبه لهم. و يجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد. فإنّه لمّا بيّن أنّ اللَّه- تعالى- يعذّبهم، و أنّ غيره لا يقدر على نصرهم، أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا.

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ: غدوة و عشيّة.

و انتصابه على الظّرف، لأنّه مضاف إليه.

وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ‏: و ساعات منه قريبة من النّهار. فإنّه من: أزلفه: إذا قرّبه. و هو جمع زلفة.

و في تهذيب الأحكام‏ (1): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و قال في ذلك‏ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ. و طرفاه‏ (2) المغرب و الغداة، وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ‏ هي صلاة العشاء الآخرة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن الصّادق- (عليه السلام)- مثله‏ (4).

و قيل‏ (5): صلاة العشيّة و العصر.

و قيل‏ (6): الظّهر. و صلاة الزّلف المغرب و العشاء.

و قرئ‏ (7): «زلفا» بضمّتين و ضمّة و سكون، كبسر و بسر في بسرة. و «زلفى» بمعنى زلفة، كقربى و قربة.

إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏: يكفرّنها.

و في الحديث النّبوّي المشهور (8): أنّ الصّلاة إلى الصّلاة كفّارة ما بينهما ما اجتنب‏

____________

(1) التهذيب 2/ 241.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «طرفاء» بدل «و طرفاه».

(3) تفسير العياشي 2/ 161، ح 73.

(4) ليس في أ، ب.

5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 484.

(8) نفس المصدر و الموضع.

253

الكبائر.

و في الكافي‏ (1): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن حدّثه عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ قال: صلاة المؤمن بالّليل تذهب بما عمل من ذنب بالنّهار.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن فضيل‏ (3) بن عثمان المراديّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربع من كنّ فيه لم يهلك على اللَّه بعدهنّ إلّا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها.

فإن هو لم يعملها، كتب اللَّه له حسنة (4). و إن هو عملها، كتب اللَّه له عشرا. و يهمّ بالسّيّئة أن يعملها. فإن لم يعملها، لم يكتب عليه شي‏ء. و إن هو عملها، أجّل سبع ساعات، و قال صاحب الحسنات لصاحب السّيّئات- و هو صاحب الشّمال-: لا تعجل. عسى أن يتبعها (5) بحسنة تمحوها. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏. أو الاستغفار. فإن هو قال: «أستغفر اللَّه الّذي لا إله إلّا هو عالم الغيب و الشّهادة العزيز الحكيم الغفور الرّحيم ذو الجلال و الإكرام و أتوب إليه»، لم يكتب عليه شي‏ء. و إن مضت سبع ساعات، و لم يتبعها (6) بحسنة و استغفار، قال صاحب الحسنات لصاحب السّيّئات:

أكتب على الشّقيّ المحروم.

و في مجمع البيان‏ (7): و روى أصحابنا عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏:

و اعلم أنّه ليس شي‏ء أضرّ عاقبة، و لا أسرع ندامة، من الخطيئة. و أنّه ليس شي‏ء أشدّ طلبا، و لا أسرع دركا للخطيئة، من الحسنة. أما إنّها تدرك الذّنب العظيم القديم المنسيّ عند صاحبه، فتنحته‏ (8) و تسقطه و تذهب به بعد إثباته‏ (9). و ذلك قوله‏

____________

(1) الكافي 3/ 266، ح 10.

(2) الكافي 2/ 429- 430، ح 4.

(3) المصدر، ب: فضل.

(4) المصدر: زيادة «بحسن نيّته».

(5) أ، ر: يبقها.

(6) أ، ر: لم يبقها.

(7) المجمع 3/ 201.

(8) المصدر: عامله فتجتذبه.

(9) ب: إسقاطه.

254

- سبحانه-: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏.

و روي‏ (1) عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أحدهما- (عليهما السلام)- يقول: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال:

سمعت حبيبي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: أرجى آية في كتاب اللَّه:

أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ- و قرأ الآية كلّها قال:- يا عليّ، و الّذي بعثني بالحقّ‏ (2) بشيرا و نذيرا، إنّ أحدكم ليقوم إلى وضوئه، فتساقط عن جوارحه الذّنوب. فإذا استقبل اللَّه بقلبه و وجهه، لم ينفتل و عليه من ذنوبه شي‏ء، كما ولدته أمّه. فإن أصاب شيئا بين الصّلاتين، كان له مثل ذلك- حتّى عدّ الصّلوات الخمس ثمّ قال:- [يا عليّ،] (3) إنّما مثل الصّلوات الخمس لأمّتي، كنهر جار على باب أحدهم. فما يظنّ أحدكم لو (4) كان في جسده درن، ثمّ اغتسل في ذلك النّهر خمس مرّات، أ كان يبقى في جسده درن!؟ فكذلك- و اللَّه- الصّلوات الخمس لأمّتي.

و في أمالي شيخ الطّائفة (5) بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل.

و فيه يقول- (عليه السلام)-: و إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يكفّر بكلّ حسنة سيّئة. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (6) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لا يغرّك النّاس من نفسك. فإنّ الأمر يصل إليك من‏ (7) دونهم. و لا تقطع النّهار بكذا و كذا. فإنّ معك من يحفظ عليك.

و لم أر شيئا قطّ أشدّ طلبا و لا أسرع دركا من الحسنة المحدثة (8) للذّنب القديم‏ (9) و لا تصغّر شيئا من الخير. [فإنّك تراه غدا حيث يسرّك. و لا تصغّر شيئا من الشّر.] (10) فإنّك‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و فيه: و رووا.

(2) المصدر: في الحقّ.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أحدهم إذا.

(5) أمالي الطوسي 1/ 25.

(6) ثواب الأعمال/ 162، ح 1.

(7) المصدر: [من‏].

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: العظيم.

(10) من المصدر. و في النسخ: «و لا تحتقر سيّئة» بدل ما بين المعقوفتين.

255

تراه غدا حيث يسوءك. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن إبراهيم الكرّخيّ قال‏: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-. فدخل [عليه‏] (2) مولى له فقال: يا فلان، متى جئت؟ فسكت. فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-:

جئت من ها هنا و من‏ (3) ها هنا. انظر بما تقع‏ (4) به يومك. فإنّ معك ملكا موكّلا يحفظ عليك ما تعمل. فلا تحتقر (5) سيّئة، و إن كانت صغيرة. فإنّها ستسوؤك‏ (6) يوما. و لا تحتقر (7) حسنة. فإنّه ليس شي‏ء أشدّ طلبا، و لا أسرع دركا، من الحسنة. إنّها لتدرك الذّنب العظيم القديم، فتذهب به. و قال اللَّه في كتابه: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏.

قال‏ (8): صلاة اللّيل تذهب بذنوب النّهار. و قال: تذهب ما (9) جرحتم.

عن إبراهيم بن عمر (10)، رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ- إلى:- السَّيِّئاتِ‏. فقال: صلاة المؤمن‏ (11) باللّيل تذهب‏ (12) بما عمل من ذنب النّهار.

عن سماعة بن مهران‏ (13) قال‏: سأل‏ (14) أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- رجل من أهل الجبال عن رجل أصاب مالا من أعمال السّلطان، فهو يتصدّق به، و يصل قرابته، و يحجّ، [ليغفر] (15) له ما اكتسب، و هو يقول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏. فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: [إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، و لكنّ الحسنة تكفّر الخطيئة. ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-:] (16) إن كان خلط الحلال حراما (17)، فاختلط جميعا، فلم‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 162، ح 75.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ب.

(4) المصدر: تقطع.

(5) أ، ب: فلا تحقر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: تسوءك.

(7) ب: و لا تحقر.

(8) المصدر: زيادة «قال».

(9) المصدر: يذهب بما.

(10) تفسير العياشي 2/ 162، ح 76.

(11) المصدر: الليل.

(12) المصدر: يذهب.

(13) نفس المصدر و الموضع، ح 77.

(14) كذا في المصدر. و في ب: سمعت. و في سائر النسخ: سألت.

(15) من المصدر.

(16) من المصدر.

(17) كذا في المصدر. و في النسخ: مع الحرام حلالا.

256

يعرف الحلال من الحرام، فلا بأس.

و عنه‏ (1) في رواية المفضّل بن سويد أنّه قال‏: انظر ما أصبت‏ (2)، فعد به على إخوانك. فإنّ اللَّه- تعالى- يقول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏.

قال المفضّل: كنت خليفة أخي على الدّيوان. قال: و قد قلت: جعلت فداك، قد ترى مكاني من هؤلاء القوم. فما ترى لي؟ قال: لو لم تكن كنت‏ (3).

عن المفضّل بن مزيد (4) الكاتب‏ (5) قال‏: دخل عليّ أبو عبد اللَّه‏ (6)- (عليه السلام)- و قد أمرت أن أخرج لبني هاشم جوائز. فلم أعلم إلّا و هو على رأسي و أنا مستخل‏ (7) فوثبت إليه. فسألني عمّا أمر لهم. فناولته الكتاب. فقال: ما أرى‏ (8) لإسماعيل ها هنا شيئا؟

فقلت: هذا الّذي خرج إلينا. ثمّ قلت له: جعلت فداك، قد ترى مكاني من هؤلاء القوم. فقال لي: انظر ما أصبت، فعد به على إخوانك‏ (9). فإنّ اللَّه يقول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏.

[و قرأ (10) ابن خرّاش‏ (11) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏] (12) قال: صلاة اللّيل يكفّر ما عمل من ذنوب النّهار.

ذلِكَ‏:

قيل‏ (13): إشارة إلى قوله: «فاستقم» و ما بعده.

و قيل‏ (14): إلى القرآن.

ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏ (114): عظة للمتّعظين.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 163، ح 78.

(2) المصدر: زيادة «به».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يكن كنت.

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 261. و في النسخ: يزيد.

(5) تفسير العياشي 2/ 164، ح 79.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: دخلت على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

(7) المصدر: مستجل.

(8) ب: لا أدري.

(9) بعض نسخ المصدر: أصحابك.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 164 صدر ح 81.

(11) كذا في نور الثقلين 2/ 403، ح 245. و في المصدر: ابن خرّاس.

(12) من المصدر.

13 و 14- أنوار التنزيل 1/ 484.

257

وَ اصْبِرْ على الطّاعات و عن المعاصي.

فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏ (115):

عدل عن المضمر، لأنّه كالبرهان على المقصود، و دليل على أنّ الصّلاة و الصبر إحسان و إيماء بأنّه لا يعتدّ بهما دون إخلاص.

فَلَوْ لا كانَ‏: فهلا كان‏ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ‏:

المراد: أولو بقيّة من الرّأي و العقل. أو: أولو فضل. و إنّما سمّي «بقيّة» لأنّ الرّجل يستبقي أفضل ما يخرجه. و منه يقال: فلان من‏ (1) بقيّة القوم، أي: من خيارهم.

و قولهم: في الزّوايا خبايا، و في الرّجال بقايا.

و يجوز أن يكون مصدرا، كالتّقيّة. أي: ذوو إبقاء على أنفسهم و صيانة لها من العذاب. و يؤيّده أنّه قرئ‏ (2): «بقية» و هي المرّة مصدر بقاه يبقه إذا راقبه.

إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ‏: لكن قليلا ممّن أنجيناهم، لأنّهم كانوا كذلك.

و لا يصحّ اتّصاله إلّا إذا جعل استثناء من النّفي اللّازم للتّحضيض. و المعنى:

ليس من القرون من قبلهم أولو بقيّة ينهون عن الفساد إلّا قليلا- إلى آخره.

وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ‏: ما أنعموا فيه من الشّهوات، و اهتمّوا بتحصيل أسبابها، و أعرضوا عمّا وراء ذلك.

وَ كانُوا مُجْرِمِينَ‏ (116): كافرين.

كأنّه أراد أن يبيّن ما كان السّبب لاستئصال الأمم السّالفة. و هو فشوّ الظّلم فيهم، و اتّباعهم للهوى، و ترك النّهي عن المنكرات، مع الكفر.

و قوله: «و اتّبع» عطف على مضمر دلّ عليه الكلام، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد و اتّبع الّذين ظلموا. «و كانوا مجرمين» عطف على «اتّبع» أو اعتراض.

و قرئ‏ (3): «أتبع»، أي: و أتبعوا جزاء ما أترفوا. فيكون الواو للحال. و يجوز أن يفسّر به المشهورة. و يعضده تقدّم الإنجاء.

وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ‏:

____________

(1) ليس في ب.

(2) أنوار التنزيل 1/ 484.

(3) أنوار التنزيل 1/ 485.

258

قيل‏ (1): بشرك.

وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ‏ (117) فيما بينهم، لا يضمّون إلى شركهم فسادا، و لا تباغيا.

و ذلك لفرط رحمته و مسامحته في حقوقه. و من ذلك قيل: الملك يبقى مع الكفر، و لا يبقى مع الظّلم.

و في مجمع البيان‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أنّه قال‏] (3): وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ‏ ينصف بعضهم من بعض‏ (4).

وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً: مسلمين كلّهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أي: على مذهب واحد.

وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏ (118): بعضهم على الحقّ، و بعضهم على الباطل، لا تكاد تجد اثنين يتّفقان مطلقا.

إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ‏: إلّا أناسا (6) هداهم اللَّه من فضله، فاتّفقوا على ما هو أصول دين الحقّ و العمدة فيه.

وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏:

قيل‏ (7): إن كان الضّمير للنّاس، فالإشارة إلى الاختلاف، و اللّام للعاقبة. أو إليه و إلى الرّحمة. و إن كان ل «من»، فإلى الرّحمة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (8): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللَّه بن سنان قال‏:

سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ‏- إلى قوله:- وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ فقال: كانوا أمّة واحدة. فبعث اللَّه النّبيّين، ليتّخذ عليهم الحجّة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 485.

(2) المجمع 3/ 202.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: «بعضها بعضهم» بدل «بعضهم من بعض».

(5) تفسير القمّي 1/ 338.

(6) أ، ب، ر: ما.

(7) أنوار التنزيل 1/ 485.

(8) العلل 1/ 120، ح 2.

259

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللَّه بن سنان قال‏:

سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ‏. فقال: كانوا أمّة واحدة.] (2) فبعث اللَّه النّبيّين، ليتّخذ عليهم الحجّة.

و في أصول الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء قال‏:

سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الاستطاعة و قول النّاس. فقال‏ (4) و تلا هذه الآية: وَ لا يَزالُونَ‏- إلى قوله:- خَلَقَهُمْ‏ (5): يا أبا عبيدة، النّاس مختلفون في إصابة القول، و كلّهم هالك.

قال: قلت: قوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ‏. قال: هم شيعتنا. و لرحمته خلقهم.

و هو قوله: وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏. يقول: لطاعة الإمام، الرّحمة الّتي يقول‏ (6): وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ. يقول: علم الإمام، و وسع علمه الّذي هو من علمه كلّ شي‏ء. [هم شيعتنا] (7).

و في كتاب التّوحيد (8)، بإسناده إلى عليّ بن سالم‏ (9)، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏- إلى قوله:- خَلَقَهُمْ‏ قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبوا به رحمة اللَّه، فيرحمهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏ [في قوله‏] (11): لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏ في الدّين‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏] (12) و يعني: آل محمّد و أتباعهم. يقول اللَّه: وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏، يعني: أهل رحمة (13)

____________

(1) الكافي 8/ 379، ح 573.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 1/ 429، صدر ح 83.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بها.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «قال».

(6) الأعراف/ 156.

(7) من المصدر.

(8) التوحيد/ 403، ح 10.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: إبراهيم.

(10) تفسير القمّي 1/ 338.

(11) من المصدر.

(12) ليس في المصدر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: رحمته.

260

لا يختلفون في الدّين.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن عليّ- (عليه السلام)- قال‏: لمّا خطب أبو بكر قام [إليه‏] (2) ابيّ بن كعب، فقال: يا معاشر المهاجرين الّذين- إلى قوله:- و يا معاشر الأنصار- إلى قوله:- ثم أخبرنا باختلافكم [فقال‏] (3): وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏، أي: للرّحمة. و هم آل محمّد.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن عبد اللَّه بن غالب، عن أبيه، عن رجل قال‏: سألت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- عن قول اللَّه: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏. [قال: عنى بذلك من خالفنا من هذه الأمّة. و كلّهم يخالف بعضهم بعضا في دينهم. و أمّا قوله:] (5) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏. قال‏ (6): فأولئك أولياؤنا من المؤمنين. و لذلك خلقهم من الطّينة الطيّبة (7). أما تسمع لقول إبراهيم‏ (8): رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ‏. قال: إيّانا عنى و أولياءه [شيعته‏] (9) و شيعة وصيّه. قال‏ (10).

وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ. قال: عنى بذلك- [و اللَّه‏] (11)- من جحد وصيّه، و لم يتّبعه من أمّته. و كذلك- و اللَّه- حال هذه الأمّة.

عن سعيد بن المسيّب‏ (12)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في قوله: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏: فأولئك هم أولياؤنا من المؤمنين. و لذلك خلقهم من الطّينة الطيّبة (13)- إلى آخر ما سبق-.

يعقوب بن سعيد (14)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قول اللَّه‏ (15)

____________

(1) الاحتجاج 1/ 113- 114 بتلخيص يسير.

2 و 3- من المصدر.

(4) تفسير العياشي 2/ 164، ح 82.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: طيّبا.

(8) البقرة/ 126.

(9) من المصدر.

(10) البقرة/ 126.

(11) من المصدر مع المعقوفتين.

(12) تفسير العياشي 2/ 164- 165، ح 84.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: طيّبا.

(14) تفسير العياشي 2/ 164، ح 83.

(15) الذاريات/ 56.

261

- عزّ و جلّ-: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏. قال: خلقهم للعبادة. قال:

قلت: و قوله: وَ لا يَزالُونَ‏- إلى قوله:- وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏. فقال: نزلت هذه بعد تلك.

وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏: وعيده، أو قوله للملائكة.

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ‏، أي: من عصاتهما أَجْمَعِينَ (119)، أي: منهما أجمعين، لا من أحدهما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و هم الّذين سبق لهم الشّقاء، فحقّ عليهم القول أنّهم للنّار خلقوا. و هم الّذين حقّت عليهم كلمة ربّك أنّهم لا يؤمنون.

وَ كُلًّا: و كلّ نبأ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ‏: نخبرك به.

ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ‏:

بيان لكلّ، أو بدل منه. و فائدته التّنبيه على المقصود من الاقتصاص، و هو زيادة يقينه و طمأنينة قلبه، و ثبات نفسه على أداء الرّسالة و احتمال أذى الكفّار. أو مفعول، و «كلا» منصوب على المصدر. بمعنى: كلّ نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك ما نثبّت به فؤادك من أنباء الرّسل.

وَ جاءَكَ فِي هذِهِ‏ السّورة أو الأنباء المقتصّة عليك‏ الْحَقُ‏: ما هو حقّ.

وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (120):

إشارة إلى سائر فوائده العامّة.

وَ قُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ‏: على حالكم.

إِنَّا عامِلُونَ‏ (121) على حالنا.

وَ انْتَظِرُوا بنا الدّوائر.

إِنَّا مُنْتَظِرُونَ‏ (122) أن ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم.

وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: خاصّة، لا يخفى عليه خافية ممّا فيهما.

و في مجمع البيان‏ (2): و قد وجدت بعض المشايخ- ممّن يتّسم بالعدوان‏ (3) و التّشنيع- قد ظلم الشّيعة الإماميّة في هذا الموضع من تفسيره، فقال: هذا يدلّ على أنّ اللَّه- سبحانه- يختصّ‏ (4) بعلم الغيب، خلافا لما يقوله الرّافضة إنّ الأئمّة- (عليهم السلام)- يعلمون الغيب.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 338.

(2) المجمع 3/ 205.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بالعذل.

(4) المصدر: يختص.

262

و لا شكّ أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الأئمّة (1) الاثني عشر، و يدين بأنّهم أفضل الأنام بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فإنّ هذا دأبه‏ (2) و ديدنه‏ (3) فيهم‏ (4). يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، و ينسب القبائح و الفضائح إليهم. و لا نعلم أنّ‏ (5) أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق. و إنّما يستحقّ الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد. و هذه صفة القديم- سبحانه- العالم لذاته لا يشركه فيها (6) أحد من المخلوقين. و من اعتقد أنّ غير اللَّه- سبحانه- يشركه في هذه الصّفة، فهو خارج عن ملّة الإسلام.

فأمّا

ما نقل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و رواه عنه الخاصّ و العامّ، من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم و غيرها، مثل قوله‏- يومئ إلى صاحب الزّنج‏ (7)-: «كأنّي به- يا أحنف- و قد سار بالجيش الّذي ليس له غبار و لا لجب، و لا قعقعة لجم‏ (8)، و لا صهيل خيل. يثيرون الأرض بأقدامهم، كأنّها أقدام النّعام».

و

قوله‏ يشير إلى مروان بن الحكم:

«أما إنّ له إمرة كلعقة (9) الكلب أنفه. و هو أبو الأكبش الأربعة (10). و ستلقى الأمّة منه و من‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رأيه.

(3) كذا في المصدر و ر. و في النسخ: دينه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فبهم.

(5) ليس في المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يشرك فيه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الذبح.

و صاحب الزنج هو رجل ظهر في فرات البصرة سنة 255 ه، و زعم أنّه عليّ بن محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

قال ابن أبي الحديد: و أكثر الناس يقدحون في نسبه، و خصوصا الطالبيّين. و جمهور النّسابين اتّفقوا على أنّه من عبد القيس- إلى أن قال-:

و ذكر المسعوديّ في كتابه المسمّى بمروج الذهب أنّ أفعال عليّ بن محمّد صاحب الزّنج تدلّ على أنّه لم يكن طالبيّا. انتهى.

و الزّنج اللّذين أشار إليهم كانوا عبيدا لدهاقين البصرة و بناتها، و لم يكونوا ذوي زوجات و أولاد، بل كانوا على هيئة الشّطار عزّابا، فلا نادبة لهم.

(8) اللّجب: الصّوت. و القعقعة: تحريك الشّي‏ء اليابس مع صوت. و اللّجم: جمع اللّجام.

(9) الإمرة: الولاية. و لعق الشّي‏ء لعقة: لحسه، أي: أكله بلسانه. و أراد- (عليه السلام)- بهذا القول قصر مدة ملكه، و كذلك كانت مدّة خلافة مروان فإنّه ولي تسعة أشهر.

(10) الأكبش الأربعة بنو عبد الملك، الوليد

263

ولده موتا أحمر».

و ما نقل من هذا الفنّ عن أئمّة الهدى من أولاده- (عليهم السلام)- مثل‏

ما قاله أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لعبد اللَّه بن الحسن- و قد اجتمع‏ (1) هو و جماعة من العلوّيّة و العبّاسيّة ليبايعوا ابنه محمّدا-: «و اللَّه ما هي إليك، و لا إلى‏ (2) ابنيك، و لكنّها لهم- و أشار إلى العبّاسيّة- و أنّ ابنيك لمقتولان» ثمّ قام‏ (3) و توكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزّهريّ فقال له: «أ رأيت صاحب الرّداء الأصفر؟». يعني أبا جعفر المنصور. قال: نعم. فقال: «إنّا و اللَّه‏ (4) نجده يقتله» فكان كما قال‏ (5).

قال‏ (6): و مثل‏

قول الرضا: «بورك‏ (7) قبر (8) بطوس، و قبران ببغداد». فقيل له: قد (9) عرفنا واحدا، فما (10) الآخر؟ قال: «ستعرفونه». ثمّ قال: «قبري و قبر هارون هكذا»- و ضمّ أصبعيه‏ (11)-.

و

قوله‏ في القصّة المشهورة لأبي حبيب النباجي‏ (12)- و قد ناوله قبضة من‏

____________

و سليمان و يزيد و هشام.

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أجمع.

(2) ليس في ب.

(3) المصدر: نهض.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قال و اللَّه إنّا.

(5) أ، ب: كان.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ب: بورك بورك.

(8) ب: قبري.

(9) ليس في ب.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فمن.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: إصبعه.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: الناجي.

و نباج- ككتاب-: قرية بالبادية. كما قاله الفيروزآبادي.

و قصّة أبي حبيب، على ما ذكره الصدوق (ره) في كتاب عيون الأخبار، في باب دلالات الرضا- (عليه السلام)- أنّه قال: رأيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في المنام، و قد وافى البناج، و نزل بها في المسجد الذي ينزله الحاجّ في كل سنة، و كأنّي مضيت إليه، و سلّمت عليه، و وقفت بين يديه، و وجدت عنده طبقا من خوص- و هو ورق النخل- نخل المدينة، فيه تمر صيحانيّ.

فكأنّه قبض قبضة من ذلك التمر، فناولني منه. فعددته، فكان ثمان عشرة تمرة. فتأوّلت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة.

فلمّا كان بعد عشرين يوما، كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، حتّى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- من المدينة، و نزوله ذلك المسجد. و رأيت الناس يسعون إليه.

264

التّمر-: «لو زادك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لزدناك».

و

قوله في حديث علي بن أحمد الوشّاء- حين قدم مرو (1) من الكوفة-: «معك حلّة في السّفط (2) الفلانيّ، دفعتها إليك ابنتك و قالت‏ (3): اشتر لي بثمنها فيروزجا»

- و الحديث مشهور-.

إلى غير ذلك ممّا روي عنهم- (عليهم السلام)-، فإنّ جميع ذلك متلقّى عن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- ممّا أطلعه اللَّه- تعالى- عليه. فلا معنى لنسبة (4) من روى عنهم- (عليهم السلام)- هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين للغيب. و هل هذا إلّا سبب قبيح و تضليل‏ (5)، بل تكفير!؟ و (6) لا يرتضيه من هو بالمذهب خبير. و اللَّه يحكم [بينه و] (7) بينهم. و إليه المصير.

و أقول: بعض ذلك متلقّى عن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بعضه بتحديث الملك. و كلاهما إلقاء من اللَّه- تعالى- للغيب إليهم. و لا ينافي ذلك اختصاص الغيب باللّه- تعالى-. إذ معناه: لا يعلمه غيره إلّا بإلقائه- تعالى- بأحد الطّريقين المذكورين.

وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ‏ فيرجع لا محالة أمرك و أمرهم إليه.

فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏، فإنّه كافيك.

و في تقديم الأمر بالعبادة على التّوكّل، تنبيه على أنّه إنّما ينفع العابد.

وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ (123) أنت و هم، فيجازي كلا ما يستحقّه.

و قرأ (8) نافع و حفص و ابن عامر (9) بالياء هنا و في آخر النّمل.

____________

فمضيت نحوه. فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تحته حصير مثل ما كان تحته، و بين يديه طبق خوص فيه تمر صيحانيّ. فسلّمت عليه. فردّ السلام عليّ، و استدناني، فناولني قبضة من ذلك التمر.

فعددته. فإذا عدده مثل ذلك التمر الّذي ناولني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقلت له:

زدني منه يا ابن رسول اللَّه! فقال: لو زادك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لزدناك.

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مروان.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: السّقط.

و السفط: الوعاء الذي يعبّأ فيه الطيب و ما أشبهه من أدوات النساء.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و قالت لي.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لنسبته.

(5) المصدر: زيادة «لهم».

(6) ليس في المصدر.

(7) من المصدر.

(8) أنوار التنزيل 1/ 485.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ابن عمرو.

265

تفسير سورة يوسف‏

267

سورة يوسف مكّيّة.

و قال المعدل‏ (1)، عن ابن عبّاس: غير أربع آيات نزلن بالمدينة، ثلاث من أوّلها، و الرّابعة: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ‏ (2).

و هي مائة و إحدى عشرة آية بالإجماع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: «من قرأ سورة يوسف في كلّ يوم، أو في كلّ ليلة، بعثه اللَّه يوم القيامة و جماله مثل جمال يوسف. و لا يصيبه فزع يوم القيامة. و كان من خيار عباد اللَّه الصّالحين.

و قال: إنّها كانت في التّوراة مكتوبة.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم، رفعه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف، و لا تقرئوهنّ إيّاها، فإنّ فيها الفتن. و علّموهنّ سورة النور، فإن فيها المواعظ.

و في مجمع البيان‏ (5): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه‏ (6) قال‏:

____________

(1) مجمع البيان 3/ 206.

(2) ثواب الأعمال/ 133، ح 1.

(3) يوسف/ 7.

(4) الكافي 5/ 516، ح 2.

(5) المجمع 3/ 206.

(6) ليس في المصدر.

268

علّموا أرقّاءكم سورة يوسف. فإنّه أيّما مسلم قرأها (1)، و علّمها أهله و ما ملكت يمينه، هوّن اللَّه- تعالى- عليه سكرات الموت، و أعطاه القوّة أن لا يحسد مسلما (2).

و روى إسماعيل بن أبي زياد (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

لا تنزلوا نساءكم الغرف. و لا تعلّموهنّ الكتابة. و لا تعلّموهنّ سورة يوسف.

و علّموهنّ الغزل‏ (4) و سورة النّور.

و في كتاب الخصال‏ (5)، عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- يقول: ليس على النّساء أذان- إلى أن قال:- و يكره لهنّ تعلّم سورة يوسف.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6)، عن مسعدة بن صدقة قال: قال جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: قال والدي- (عليه السلام)-:

و اللَّه، إنّي لأصانع بعض ولدي، و أجلسه على فخذي، و أكثر له المحبة (7)، و أكثر له الشّكر، و إنّ الحقّ لغيره‏ (8) من ولدي، و لكن محافظة (9) عليه منه، و من غيره، [لئلّا] (10) يصنعوا به ما فعل بيوسف إخوته.

و ما أنزل اللَّه سورة يوسف، إلّا أمثالا، لكي لا يحسد بعضنا بعضا، كما حسد يوسف‏ (11)، و بغوا عليه. فجعلها حجّة [و حجّة] (12) على من تولّانا، و دان بحبّنا (13)، و جحد أعداءنا، أعني‏ (14) من نصب لنا الحرب و العداوة.

____________

(1) المصدر: تلاها.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «الدرجة» بدل «القوّة ان لا يحسد مسلما».

(3) المجمع 3/ 206.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المغزل.

(5) الخصال 2/ 585- 586، صدر و قطعة من ح 12.

(6) تفسير العياشي 2/ 166، ح 2.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أنكر له المخ.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: إسحاق كغيره.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: مخافة.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: بيوسف و إخوته. و الأظهر: يوسف إخوته.

(12) ليس في المصدر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: محبّينا.

(14) المصدر: على.

269

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ‏ (1):

«تلك» إشارة إلى آيات السّورة. و هي المراد ب «الكتاب». أي: تلك الآيات، آيات السّورة الظّاهر أمرها في الإعجاز. أو الواضحة معانيها و المبيّنة لمن تدبّرها أنّها من عند اللَّه، أو لليهود ما سألوا. إذ نقل أنّ علماءهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمّدا لم انتقل آل‏ (1) يعقوب من الشّام إلى مصر، و عن قصّة يوسف. فنزلت.

إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏، أي: الكتاب.

قُرْآناً عَرَبِيًّا:

سمّي البعض قرآنا، لأنّه في الأصل اسم الجنس يقع على الكلّ و البعض، و صار علما للكلّ بالغلبة.

و نصبه على الحال، و هو في نفسه إمّا توطئة للحال الّتي هي «عربيّا»، أو حال لأنّه مصدر بمعنى مفعول. و «عربيّا» صفة له. أو حال من الضّمير فيه. أو حال بعد حال.

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ (2):

علّة لإنزاله بهذه الصّفة. أي: أنزلناه مجموعا، أو مقروء بلغتكم، كي تفهموه، و تحيطوا بمعانيه، و تستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أنّ اقتصاصه كذلك- ممّن لم يتعلّم القصص- معجز لا يتصوّر إلّا بإيحاء.

و في كتاب الخصال‏ (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: تعلّموا العربيّة. فإنّها كلام اللَّه الّذي تكلّم به خلقه.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏: أحسن الاقتصاص، لأنّه اقتصّ على أبدع الأساليب. أو: أحسن ما يقصّ، لاشتماله على العجائب و الحكم و الآيات و العبر.

القصّ‏ (3) فعل بمعنى مفعول، كالنّقض و السّلب. و اشتقاقه من: قصّ أثره: إذا تبعه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4) خطبة له- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و فيها: و أحسن القصص هذا القرآن.

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) الخصال 1/ 258، ح 134.

(3) يوجد في أ، ب.

(4) تفسير القميّ 1/ 291.

270

و في روضة الكافي‏ (1) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و فيها: ثمّ إنّ أحسن القصص و أبلغ الموعظة و أنفع التّذكر، كتاب اللَّه- عزّ ذكره-.

و في الكافي‏ (2) خطبة مسندة إلى أبي جعفر- (عليه السلام)-. و فيها: و انّ كتاب اللَّه أصدق الحديث، و أحسن القصص.

بِما أَوْحَيْنا بإيحائنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ‏، يعني: السّورة.

و يجوز أن يجعل «هذا» مفعول «نقصّ»، على أنّ «أحسن» نصب على المصدر.

وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ‏ (3) عن هذه القصّة، لم تخطر ببالك، و لم تقرع سمعك قطّ.

و هو تعليل لكونه موحى.

«و إن» هي المخفّفة من الثّقيلة. و اللّام هي الفارقة.

إِذْ قالَ يُوسُفُ‏:

بدل من‏ أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏ إن جعل مفعولا بدل الاشتمال. أو منصوب بإضمار اذكر.

و «يوسف» عبريّ. و لو كان عربيّا لصرف.

و قرئ‏ (3) بفتح السّين و كسرها، على التّلعّب به، لا على أنّه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من «آسف». لأنّ المشهورة شهدت بعجمته.

لِأَبِيهِ‏: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن الباقر- (عليه السلام)-: و كان يعقوب إسرائيل اللَّه- أي: خالص اللَّه- ابن إسحاق نبيّ اللَّه ابن إبراهيم خليل اللَّه.

و في الحديث النّبويّ‏ (5): الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

يا أَبَتِ‏:

أصله: يا أبي. فعوض‏ (6) عن الياء تاء التّأنيث، لتناسبهما في الزّيادة. و لذلك قلبها (7)

____________

(1) الكافي 8/ 175، ضمن ح 194.

(2) الكافي 3/ 423.

(3) أنوار التنزيل 1/ 486.

(4) تفسير القميّ 1/ 340.

(5) أنوار التنزيل 1/ 486.

(6) أ، ب، ر: «تعوض» بدل «فعوض».

(7) نفس المصدر و الموضع.

271

هاء في الوقف ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب. و كسرها لأنّها عوض حرف تناسبها. و فتحها (1) ابن عامر في كل القرآن، لأنّها حركة أصلها. أو لأنّه كان «يا أبتا» فحذف الألف و بقي الفتحة. و إنّما جاز «يا أبتا»، و لم يجز «يا أبتي»، لأنّه جمع بين العوض و المعوّض.

و قرئ‏ (2) بالضّمّ، إجراء لها مجرى الأسماء المؤنّثة بالتّاء، من غير اعتبار التّعويض.

و إنّما لم تسكّن كأصلها، لأنّها حرف صحيح منزل منزلة الاسم، فيجب تحريكها، ككاف الخطاب.

إِنِّي رَأَيْتُ‏:

من الرّؤيا، لا من الرّؤية، لقوله: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ‏ و قوله‏ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ‏.

أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ:

في كتاب الخصال‏ (3)، عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ في قوله- تعالى- حكاية عن يوسف: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ‏ فقال في تسمية النّجوم: و هو الطّارق، و حوبان‏ (4)، و الذّيّال، و (5) ذو الكتفين‏ (6)، و قابس، و وثّاب، و عمودان‏ (7)، و فيلق، و مصبح، و الصّدوح‏ (8)، و ذو القروع‏ (9)، و الضّياء، و النّور، يعني:

الشمس و القمر. و كلّ هذه الكواكب محيطة بالسّماء.

و عن جابر عن عبد اللَّه‏ (10) قال‏: أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل من اليهود يقال له بشّان‏ (11) اليهوديّ. فقال: يا محمّد، أخبرني عن الكواكب الّتي رآها يوسف أنّها ساجدة له، فما (12) أسماؤها؟ فلم يجبه نبيّ اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يومئذ في شي‏ء.

قال: فنزل‏ (13) جبرئيل- (عليه السلام)- فأخبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأسمائها.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 1/ 486.

(3) الخصال 2/ 454، ح 1.

(4) المصدر: جربان. و في نور الثقلين 2/ 409، ح 11: خوبان.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) المصدر: «ذو الكنفان و ذو القرع» بدل «ذو الكتفين».

(7) نور الثقلين 2/ 409، ح 11.

(8) المصدر: الضروح. و نور الثقلين: الصدع.

(9) ليس في المصدر: ذو القروع.

(10) الخصال 2/ 454- 455، ح 2.

(11) المصدر: بستان.

(12) المصدر: «ما» بدل «له فما».

(13) المصدر: «و نزل» بدل «قال فنزل».

272

قال: فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى بشّان‏ (1). فلمّا أن جاءه، قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل أنت تسلم‏ (2) إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم.

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حوبان‏ (3)، و الطّارق، و الذّيّال، و ذو الكتفين‏ (4)، و قابس، و وثّاب، و عمودان‏ (5)، و الفيلق، و المصبح‏ (6)، و الصّدوح، و ذو القروع‏ (7)، و الضّياء، و النّور. رآها في أفق السّماء ساجدة له. فلمّا قصّها يوسف- (عليه السلام)- على يعقوب- (عليه السلام)- قال يعقوب: هذا أمر مشتّت‏ (8) يجمعه اللَّه- عزّ و جلّ- من‏ (9) بعد.

فقال بشّان‏ (10): و اللَّه إنّ هذه لأسماؤها. ثمّ أسلم‏ (11).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (12): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: تأويل هذه الرّؤيا أنّه سيملك مصر، و يدخل عليه أبواه و إخوته. أمّا الشمس، فأمّ يوسف «راحيل». و القمر يعقوب. و أمّا الأحد عشر كوكبا، فإخوته. فلمّا دخلوا عليه، سجدوا شكرا للّه وحده، حين نظروا إليه. و كان ذلك السّجود للّه- تعالى-.

و في رواية (13) أنّ الّتي سجدت له مع أبيه خالته لا أمّه.

رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ‏ (4):

استئناف لبيان حالهم الّتي رآهم عليها. فلا تكرير. و إنّما أجريت مجرى العقلاء، لوصفها بصفاتهم.

قالَ يا بُنَيَ‏: تصغير ابن، للشّفقة، أو لصغر السّنّ، لأنّه كان ابن تسع سنين‏ (14).

____________

(1) المصدر: بستان.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مسلم.

(3) المصدر: جربان. و في نور الثقلين 2/ 409، ح 12: خوبان.

(4) المصدر: ذو الكنفان.

(5) نور الثقلين: عموران.

(6) نور الثقلين: الصبيح.

(7) المصدر: الضروح و ذو القرع.

(8) المصدر: المتشتت.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: بستان.

(11) ليس في المصدر: ثمّ أسلم.

(12) تفسير القميّ 1/ 339.

(13) تفسير العياشي 2/ 197، ح 83.

(14) أنوار التنزيل 1/ 487: اثنتي عشرة سنة.

273

لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً: فيحتالوا لإهلاكك حيلة.

فهم يعقوب- (عليه السلام)- من رؤياه أنّ اللَّه يصطفيه لرسالته، و يفوّقه على إخوته، فخاف عليه حسدهم و بغيهم.

قيل‏ (1): الرّؤيا كالرّؤية، غير أنّها مختصّة بما يكون في النّوم. ففرّق بينهما بحرف التّأنيث، كالقربة و القربى. و هي: انطباع الصّورة المنحدرة من أفق المتخيلّة إلى الحسّ المشترك. و الصّادقة منها يكون باتّصال النّفس بالملكوت، لما بينهما من التّناسب، عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصوّر بما فيها ممّا يليق بها من المعاني الحاصلة هناك.

ثمّ إنّ المتخيّلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها إلى الحسّ المشترك، فتصير مشاهدة. ثمّ إن كانت شديدة المناسبة، لذلك المعنى، بحيث لا يكون التّفاوت إلّا بالكلّيّة و الجزئيّة، استغنت الرّؤيا عن التّعبير، و إلّا احتاجت إليه.

و إنّما عدّي كاد باللّام- و هو متعدّ بنفسه- لتضمينه معنى فعل يعدّى به، تأكيدا.

و لذلك أكّد بالمصدر، و علّله بقوله:

إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏ (5): ظاهر العداوة، لما فعل بآدم و حوّاء.

فلا يألوا جهدا في تسويلهم و إثارة الحسد فيهم، حتّى يحملهم على الكيد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: [أنّه كان من خبر يوسف أنّه‏] (3) كان له أحد عشر أخا. و كان له من أمّه أخ واحد يسمّى «بنيامين». و كان يعقوب إسرائيل اللَّه- أي: خالص اللَّه- ابن إسحاق نبيّ اللَّه ابن إبراهيم خليل اللَّه. فرأى يوسف هذه الرّؤيا و له تسع سنين. فقصّها على أبيه. فقال يعقوب: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ‏ (الآية).

و اعلم أنّ‏ (4) ما دلّ عليه هذا الحديث من كون يوسف و بنيامين من أمّ واحدة، هو المشهور رواه العيّاشيّ و غيره‏ (5)، إلّا أنّ العيّاشيّ‏ (6) روى رواية أخرى بأنّه ابن خالته. و في‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 487.

(2) تفسير القميّ 1/ 339- 340.

(3) من المصدر.

(4) ليس في أ، ر.

(5) تفسير العياشي 2/ 184، ضمن ح 45، و تفسير القمّي 1/ 339- 340، و أمالي الصدوق/ 206، ضمن ح 7.

(6) تفسير العياشي 2/ 197، ذيل ح 84.

274

بعض ما يرويه إطلاق «ابن ياميل» [عليه- بالّلام. و في بعضه أنّ «ياميل»] (1) اسم خالة يوسف، و أنّها هي الّتي سارت مع أبيه إلى مصر. و ربّما يوجد في بعض الأخبار «ابن يامين» منفصلا. و صاحب القاموس ضبطه «بنيامين». قال: و لا تقل «ابن يامين».

و في روضة الكافي‏ (2): بعض أصحابنا، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال‏:

إنّ الأحلام لم تكن فيما مضى في أوّل الخلق، و إنّما حدثت.

فقلت: و ما العلّة في ذلك؟ فقال: إنّ اللَّه- عزّ ذكره- بعث رسولا إلى أهل زمانه، فدعاهم إلى عبادة اللَّه و طاعته. فقالوا: إن فعلنا ذلك، فما لنا؟ فو اللَّه ما أنت بأكثرنا مالا و لا بأعزّنا عشيرة! فقال: إن أطعتموني، أدخلكم اللَّه الجنّة. و إن عصيتموني، أدخلكم اللَّه النّار. فقالوا: و ما الجنّة و النّار؟ فوصف لهم ذلك. فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟

فقال: إذا ما (3) متّم. فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما و رفاتا!؟ فازدادوا له تكذيبا، و به استخفافا.

فأحدث اللَّه- عزّ و جلّ- فيهم الأحلام. فأتوه، فأخبروه بما رأوا، و ما أنكروا [من‏] (4) ذلك. فقال: إنّ اللَّه- عزّ ذكره- [أراد أن‏] (5) يحتجّ عليكم بهذا. هكذا تكون أرواحكم. إذا متّم- و إن بليت أبدانكم- تصير الأرواح على عقاب، حتّى تبعث الأبدان.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: رئي المؤمن و رؤياه في آخر الزّمان على سبعين جزءا من أجزاء النّبوّة.

وَ كَذلِكَ‏، أي: و كما اجتبيناك لمثل هذه الرّؤيا الدّالّة على شرف و كمال نفس.

يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ‏ للنّبوّة و الملك. أو: لأمور عظام.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) الكافي 8/ 90، ح 57.

(3) ليس في أ، ب.

4 و 5- من المصدر.

(6) الكافي 8/ 90، ح 58.

275

و الاجتباء، من: جبيت الشّي‏ء: إذا حصّلته لنفسك.

وَ يُعَلِّمُكَ‏:

كلام مبتدأ خارج عن التّشبيه. كأنّه قيل: و هو يعلّمك.

مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏: من التّعبير للرّؤيا. لأنّها أحاديث الملك، إن كانت صادقة، و أحاديث النّفس و الشّيطان، إن كانت كاذبة. أو: من تأويل غوامض كتاب اللَّه- تعالى- و سنن الأنبياء و كلمات الحكماء. و هو اسم جمع للحديث، كأباطيل اسم جمع للباطل.

وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‏ بالنّبوّة، أو بإيصال نعمة الدّنيا بنعمة الآخرة.

وَ عَلى‏ آلِ يَعْقُوبَ‏:

يريد به سائر بنيه، بأن يصل نعمة الدّنيا بنعمة الآخرة، بأن يجعلهم أنبياء و ملوكا، ثمّ ينقلهم إلى نعيم الآخرة و الدّرجات العلى.

قيل‏ (1): و لعلّه استدلّ على نبوّتهم بضوء الكواكب. و سيأتي في الخبر أنّ سائر أبنائه لم يكونوا أنبياء، و لا بررة أتقياء، و لم يفارقوا الدّنيا إلّا سعداء. ثمّ تابوا، و تذكّروا ما صنعوا. فالمراد نسله.

كَما أَتَمَّها عَلى‏ أَبَوَيْكَ‏ بالرّسالة.

و قيل‏ (2): على إبراهيم، بالخلّة و الإنجاء من النّار. و على إسحاق، بإنقاذه من الذّبح و فدائه بذبح عظيم.

مِنْ قَبْلُ‏: من قبلك. أو: من قبل هذا الوقت.

إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ‏:

عطف بيان ل «أبويك».

إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ‏ بمن يستحقّ الاجتباء، حَكِيمٌ‏ (6) بفعل الأشياء على ما ينبغي.

لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ‏، أي: في قصصهم.

آياتٌ‏: دلائل قدرة اللَّه و حكمته. أو: علامات نبوّتك.

لِلسَّائِلِينَ‏ (7): لمن سأل عن قصّتهم.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 487.

276

و أسماء الإخوة لم يوجد بتمامها في خبر معصوميّ.

و قيل‏ (1): هم: يهوذا، و روبيل، و شمعون، و لاوي، و زبالون‏ (2)، و يشخر، و دينة، من بنت خالته، تزوّجها يعقوب أوّلا. فلمّا توفّيت، تزوّج أختها راحيل. فولدت له بنيامين [و يوسف‏] (3).

و قيل‏ (4): جمع بينهما، و لم يكن الجمع محرّما حينئذ.

و أربعة آخرون: دان، و نفتالي، و جاد، و آشر، من سريّتين زلفة و بلهة.

و في الجوامع‏ (5): روي‏ أنّ اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمّدا لم انتقل آل يعقوب من الشّام إلى مصر، و عن قصّة يوسف. قال: فأخبرهم بالقصّة من غير سماع و لا قراءة كتاب.

إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ‏: بنيامين. و تخصيصه بالإضافة، لاختصاصه بالاخوّة من الطّرفين.

أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا:

وحّده، لأنّ أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد و ما (6) فوقه و المذكّر و ما يقابله بخلاف أخويه. فإنّ الفرق في المحلّى واجب جائز في المضاف.

وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ: و الحال أنّا جماعة أقوياء، أحقّ بالمحبّة من صغيرين لا كفاية فيهما.

و العصبة و العصابة: العشرة فصاعدا.

إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (8)، لتفضيله المفضول. أو: لترك التّعديل في المحبّة.

نقل‏ (7) أنّه كان أحبّ إليه، لما يرى فيه من المخايل. و كان إخوته يحسدونه. فلمّا رأى الرّؤيا، ضاعف له المحبّة، بحيث لم يصبر عنه. فتبالغ حسدهم حتّى حملهم‏ (8) على التّعرض له.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 488.

(2) أ: و ذنالون. ب: و دمالون.

(3) ليس في أ، ب، ر: و يوسف.

(4) أنوار التنزيل 1/ 488.

(5) الجوامع/ 213.

(6) ليس في أ، ب، ر.

(7) أنوار التنزيل 1/ 488.

(8) ليس في أ، ب، ر.

277

اقْتُلُوا يُوسُفَ‏:

من جملة المحكيّ بعد قوله: «إذ قالوا».

أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً: منكورة بعيدة من العمران. و هو معنى تنكيرها و إبهامها.

و لذلك نصب كالظّروف المبهمة.

يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ‏: محبّته‏ (1).

جواب الأمر. و المعنى: يصف لكم وجهه، فيقبل بكلّيّته عليكم، و لا يلتفت عنكم إلى غيركم، و لا ينازعكم في محبّته أحد.

وَ تَكُونُوا:

جزم بالعطف على «يخل». أو نصب بإضمار «أن».

مِنْ بَعْدِهِ‏: بعد يوسف و الفراغ من أمره، أو قتله، أو طرحه.

قَوْماً صالِحِينَ‏ (9): تائبين إلى اللَّه- تعالى- عمّا جنيتم. أو: صالحين مع أبيكم، يصلح ما بينكم و بينه، بعذر تمهّدونه‏ (2). أو: صالحين في أمر دنياكم. فإنّه ينتظم لكم بعده، بخلوّ وجه أبيكم.

قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ‏:

قيل‏ (3): هو يهوذا، و كان أحسنهم فيه رأيا.

و قيل‏ (4): روبيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): هو لاوي. [عن الهادي- (عليه السلام)-] (6).

لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ‏، فإنّ القتل عظيم.

وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ‏: في قعره. سمّي بها، لغيبوبته عن عين‏ (7) النّاظر.

و قرأ (8) نافع‏ (9): «في غيابات» في الموضعين، على الجمع. كأنّه لتلك الجبّ غيابات.

و قرئ‏ (10): «غيبة» و «غيابات» بالتّشديد.

____________

(1) ر: محبّة.

(2) أ، ب، ر: تمهدون له.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 488.

(5) تفسير القميّ 1/ 340.

(6) من المصدر.

(7) ليس في أ، ب.

(8) أنوار التنزيل 1/ 488.

(9) ليس في أ، ب، ر.

(10) نفس المصدر و الموضع.

278

يَلْتَقِطْهُ‏: يأخذه.

بَعْضُ السَّيَّارَةِ: بعض الّذين يسيرون في الأرض.

إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏ (10): بمشورتي. أو: إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه و بين أبيه.

قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى‏ يُوسُفَ‏: لم تخافنا عليه؟

وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ‏ (11): و نحن نشفق عليه، و نريد له الخير.

أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه، لمّا تنسّم من حسدهم. و المشهور: «تأمنا» بالإدغام بالإشمام‏ (1).

و عن نافع‏ (2) بترك الإشمام. و من الشّواذّ ترك الإدغام، لأنّهما من كلمتين، و «تيمنّا» بكسر التّاء.

أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً إلى الصّحراء.

يَرْتَعْ‏: نتّسع في أكل الفواكه و نحوها- من الرّتعة، و هي: الخصب- وَ نَلْعَبُ‏ بالاستباق و الانتضال.

و قرأ (3) ابن كثير: «نرتع»- بكسر العين- على أنّه من: ارتعى يرتعي.

و نافع‏ (4) بالكسر و الياء فيه و في «يلعب».

و قرأ (5) الكوفيون و يعقوب بالياء و السّكون، على إسناد الفعل إلى يوسف.

و قرئ‏ (6): «يرتع» من: أرتع ماشيته. و «يرتع»- بكسر العين- «و يلعب»- بالرّفع- على الابتداء.

وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (12) من أن يناله مكروه.

____________

(1) الإشمام- عند جمهور النّحاة و القرّاء-: صبغ الصّوت اللّغويّ بمسحة من صوت آخر، مثل نطق كثير من قيس و بني أسد لأمثال: «قيل و بيع» بإمالة تنحو واو المدّ. و مثل إشمام الصّاد صوت الزّاء في قراءة الكسائي بصفة خاصّة.

و الإشمام أيضا- لدى القرّاء وحدهم-:

الإشارة بالشّفتين إلى الضّمّة المحذوفة من آخر الكلمة الموقوف عليها بالسكون، من غير تصويت بهذه الضّمّة.

(2) أنوار التنزيل 1/ 488.

(3) نفس المصدر و الموضع.

4 و 5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 489.

279

قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ‏، لشدّة مفارقته عليّ و قلّة صبري عنه.

وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ‏:

لأنّ الأرض كانت مذأبة.

و قيل‏ (1): رأى في المنام أنّ الذّئب قد شدّ على يوسف، فكان يحذره عليه.

و قد همّزها (2) على الأصل ابن كثير و نافع [في رواية قالون‏] (3). و في رواية التّرمذيّ‏ (4) و أبو عمرو وقفا. [و قالون‏] (5) و عاصم و ابن عامر و حمزة درجا [و وقفا] (6).

و اشتقاقه من: تذاءبت الرّيح: إذا هبّت من كلّ جهة.

وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ‏ (13) لاشتغالكم بالرّتع و اللّعب، أو قلّة اهتمامكم بحفظه.

قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ:

اللّام توطئة للقسم. و جوابه:

إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ‏ (14): ضعفاء مغبونون. أو مستحقّون لأن يدعي عليهم بالخسار (7).

و الواو في «و نحن» للحال.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن أبي خديجة (9)، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّما ابتلي يعقوب بيوسف أنّه‏ (10) ذبح كبشا سمينا، و رجل من أصحابه [يدعى بقوم‏] (11) محتاج لم يجد ما يفطر عليه. فأغفله، و لم يطعمه. فابتلي بيوسف. و كان بعد ذلك كلّ صباح مناديه ينادي: من لم يكن صائما، فليشهد غداء يعقوب. فإذا كان المساء، نادى: من كان صائما، فليشهد عشاء يعقوب.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (12)، بإسناده إلى عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ بني يعقوب لمّا سألوا أباهم يعقوب أن يأذن ليوسف في الخروج معهم،

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 489.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: اليزيديّ.

5 و 6- ليس في المصدر.

(7) أ، ب: بالجار.

(8) تفسير العياشي 1/ 167، ح 4.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي حذيفة.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: إذ.

(11) من المصدر.

(12) العلل 2/ 600، ح 56.

280

قال لهم: إني‏ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ‏. قال: فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قرّب يعقوب لهم العلّة. فاعتلّوا (1) بها في يوسف.

و في مجمع البيان‏ (2): و روي عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: لا تلقّنوا الكذب، فتكذبوا (3). إنّ بني يعقوب لم يعلموا أنّ الذّئب يأكل الإنسان، حتّى لقّنهم أبوهم.

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ‏: و عزموا على إلقائه فيها.

قيل‏ (4): البئر بئر (5) بيت المقدّس، أو بئر بأرض الأردنّ، أو بين مصر و مدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب.

و جواب «لمّا» محذوف، مثل: فعلوا به ما فعلوا من الأذى.

فقد نقل‏ (6) أنّهم لمّا برزوا به إلى الصّحراء، أخذوا يؤذونه و يضربونه، حتّى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح و يستغيث. فقال يهوذا: أما عاهدتموني أن لا تقتلوه!؟ فأتوا به إلى البئر، فدلّوه فيها. فتعلّق بشفيرها. فربطوا يديه، و نزعوا قميصه ليلطّخوه بالدّم، و يحتالوا به على أبيهم. و قال: يا إخوتاه! ردّوا عليّ قميصي، أتوارى به. فقالوا: ادع الأحد عشر كوكبا و الشّمس و القمر يلبسوك و يؤنسوك. فلمّا بلغ نصفها، ألقوه. و كان فيها ماء، فسقط فيه. ثمّ آوى إلى صخرة كانت فيها، فقام عليها يبكي. فجاءه جبرئيل بالوحي.

و في علل الشّرائع‏ (7): محمّد بن موسى بن المتوكّل- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن‏ (8) بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن الثّماليّ قال‏:

صلّيت مع عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- الفجر بالمدينة يوم الجمعة. فلمّا فرغ من صلاته و سبحته، نهض إلى منزله و أنا معه. فدعا مولاة له تسمّى سكينة. فقال لها:

____________

(1) أ، ب: فاحتلوا.

(2) المجمع 3/ 216.

(3) المصدر: فيكذبوا.

(4) أنوار التنزيل 1/ 489.

(5) أ، ب، ر: من.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) العلل 1/ 45- 47 باختلاف يسير.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

281

لا يعبر على بابي اليوم‏ (1) سائل، إلّا أطعمتموه. فإنّ اليوم يوم الجمعة.

قلت له: ليس كلّ من يسأل مستحقّا (2). فقال: يا ثابت، أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقّا، فلا نطعمه و نردّه، فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب و آله. أطعموهم! أطعموهم! إنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشا فيتصدّق منه، و يأكل هو و عياله منه. و إنّ سائلا مؤمنا صوّاما محقّا، له عند اللَّه منزلة، و كان مجتازا غريبا، اعترّ (3) على باب يعقوب عشيّة جمعة، عند (4) أوان إفطاره. فهتف على بابه [و قال‏] (5): أطعموا السّائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم! يهتف بذلك على بابه مرارا، و هم يسمعونه. و قد جهلوا حقّه، و لم يصدّقوا قوله.

فلمّا يئس أن يطعموه و غشيه اللّيل، استرجع و استعبر (6) و بكى‏ (7)، و شكا جوعه إلى اللَّه- عزّ و جلّ-. و بات‏ (8) طاويا (9). و أصبح صائما جائعا حامدا للّه. و بات يعقوب و آل يعقوب شباعا بطانا.

[فلمّا جاء اللّيلة الثّانية، جاء و وقف يهتف على بابه: أطعموا السّائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم. يهتف بذلك على بابه مرارا، و هم يسمعونه. و قد جهلوا حقّه، و لم يصدّقوا قوله. فلمّا يئس من أن يطعموه، و غشيه اللّيل، استرجع و استعبر و بكى، و شكا جوعه إلى اللَّه- عزّ و جلّ-. و بات طويّا. و أصبح صائما حامدا جائعا صابرا. و أصبح آل يعقوب شباعا بطانا] (10). و أصبحوا و عندهم فضلة من طعامهم.

قال: فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى يعقوب في صبيحة تلك اللّيلة: لقد أذللت- يا يعقوب!- عبدي ذلّة استجررت‏ (11) بها غضبي، و استوجبت بها أدبي و نزول عقوبتي و بلواي‏ (12) عليك و على ولدك. يا يعقوب! إنّ أحبّ أنبيائي إليّ، و أكرمهم عليّ، من رحم‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: محقّا.

(3) الاعترار: إتيان الفقير للمعروف من غير أن يسأل.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: غير.

(5) ليس في المصدر.

(6) استعبر: بكى حتى جرى دمعه.

(7) ليس في المصدر.

(8) يوجد في أ، ر.

(9) الطاوي: الجائع.

(10) ليس في المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: استحدثت.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: بلائي.

282

مساكين عبادي، و قرّبهم إليه، و أطعمهم، و كان لهم‏ (1) مأوى و ملجأ.

يا يعقوب! أما رحمت ذميال‏ (2) عبدي المجتهد في عبادتي، القانع باليسير من ظاهر الدّنيا عشاء أمس لمّا اعترّ (3) ببابك أوان إفطاره، و هتف بكم: «أطعموا السّائل الغريب المجتاز القانع»!؟ فلم تطعموه شيئا، فاسترجع و استعبر، و شكا ما به إليّ. و بات‏ (4) طاويا حامدا لي صابرا (5). فأصبح صائما، و أنت- يا يعقوب!- و ولدك شباعا! و أصبحتم و عندكم فضلة من طعامكم! أو ما علمت- يا يعقوب!- أنّي بالعقوبة و البلوى إلى أوليائي أسرع منّي بها إلى أعدائي!؟ و ذلك حسن النّظر منّي لأوليائي، و استدراج منّي لأعدائي.

أما- و عزّتي- لأنزلنّ بك بلائي، و لأجعلنّك و ولدك به‏ (6) غرضا لمصائبي، و لأؤدّبنّك بعقوبتي. فاستعدّوا لبلائي. و ارضوا بقضائي. و اصبروا للمصائب.

فقلت لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: جعلت فداك، متى رأى يوسف الرّؤيا؟ فقال: في تلك اللّيلة التي بات فيها يعقوب شبعانا (7)، و بات فيها ذميال طاويا جائعا.

فلمّا رأى يوسف الرّؤيا، و أصبح فقصّها على أبيه يعقوب، فاغتمّ يعقوب لمّا سمع من يوسف الرّؤيا (8)، مع ما أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه، أن استعدّ (9) للبلاء. فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص‏ (10) رؤياك هذه على إخوتك فإنّي أخاف أن يكيدوا لك كيدا.

فلم يكتم يوسف رؤياه، و قصّها على إخوته.

قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: و كانت أوّل بلوى نزلت بيعقوب و آل يعقوب الحسد ليوسف، لمّا سمعوا منه الرّؤيا.

قال: فاشتدّت رقّة يعقوب على يوسف، و خاف أن يكون ما أوحى اللَّه‏

____________

(1) يوجد في ب.

(2) الظاهر أنّ ذميال اسم ذلك الرجل.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أعتري.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و يأت.

(5) ليس في المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: شباعا.

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: استعدّوا.

(10) ر: زيادة «لا تقصص».

283

- عزّ و جلّ- إليه من الاستعداد للبلاء، إنّما (1) هو في يوسف خاصّة، فاشتدّت رقّته عليه من بين ولده.

فلمّا رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف، و تكرمته‏ (2) إيّاه، و إيثاره إيّاه عليهم، اشتدّ ذلك عليهم، و بدأ البلاء فيهم. فتآمروا (3) فيما بينهم و قالوا: إنّ يوسف و أخاه‏ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ‏، أي: تتوبون. فعند ذلك قالوا:

يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى‏ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ‏ (الآية). فقال يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ‏.

فانتزعه حذرا عليه من أن تكون البلوى من اللَّه على يعقوب في يوسف خاصّة، لموقعه من قلبه و حبّه له.

قال: فغلبت قدرة اللَّه و قضاؤه و نافذ أمره في يعقوب و يوسف و إخوته، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه، و لا عن يوسف و ولده. فدفعه إليهم، و هو لذلك كاره‏ (4) متوقّع للبلوى من اللَّه في يوسف.

فلمّا خرجوا من منزلهم، لحقهم أبوهم‏ (5) مسرعا. فانتزعه من أيديهم، فضمّه إليه، و اعتنقه و بكى، و دفعه إليهم. فانطلقوا به مسرعين، مخافة أن يأخذه منهم، و لا يدفعه إليهم.

فلمّا مضوا (6) به، أتوا به غيضة أشجار فقالوا: نذبحه و نلقيه تحت هذه الشّجرة، فيأكله الذّئب اللّيلة. فقال كبيرهم يهوذا (7): لا تقتلوا يوسف و لكن‏ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏.

فانطلقوا به إلى الجبّ. و ألقوه فيه، و هم يظّنون أنّه يغرق فيه. فلمّا صار في قعر الجبّ، ناداهم: يا ولد رومين، اقرؤوا يعقوب منّي السّلام. فلمّا سمعوا كلامه، قال بعضهم لبعض: لا تزالوا من ها هنا، حتّى تعلموا أنّه قد مات. فلم يزالوا بحضرته، حتّى‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: من مكرمته.

(3) أي: فتشاوروا.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: كان.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: امنعوا.

(7) ليس في المصدر.

284

أيسوا (1) و رجعوا-

و سيأتي تمام الخبر-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فأدنوه‏ (3) من رأس الجبّ، و قالوا: انزع قميصك.

فبكى و قال: يا إخوتي! لا تجرّدوني. فسلّ واحد منهم عليه السّكّين و قال: لئن لم تنزعه، لأقتلنّك! فنزعه. فدّلوه في البئر (4) و تنحّوا عنه.

فقال يوسف في الجبّ: يا إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب! ارحم ضعفي و قلّة حيلتي و صغري.

ثمّ قال عليّ بن إبراهيم- و نسب ابن طاوس قوله هذا إلى الصّادق (عليه السلام)-:

و رجع إخوته فقالوا: نعمد إلى قميصه، فنلطّخه بالدّم و نقول لأبينا: إنّ الذّئب أكله. فقال لهم أخوهم‏ (5) لاوي: يا قوم، ألسنا بني يعقوب إسرائيل اللَّه ابن إسحاق ذبيح اللَّه‏ (6) ابن إبراهيم خليل اللَّه!؟ أ فتظنّون أن اللَّه يكتم هذا الخبر عن أنبيائه!؟

[فقالوا: و ما الحيلة؟ قال: نقوم و نغتسل و نصلّي جماعة، و نتضرّع إلى اللَّه- تعالى- أن يكتم ذلك الخبر عن نبيّه‏] (7) فإنّه جواد كريم. فقاموا و اغتسلوا. و كانوا في سنّة إبراهيم و إسحاق و يعقوب أنّهم لا يصلّون جماعة حتّى يبلغوا أحد عشر [رجلا] (8) فيكون واحد منهم إماما، و عشرة يصلّون خلفه.

قالوا: و كيف نصنع، و ليس لنا إمام؟ فقال لاوي: نجعل اللَّه إمامنا. فصلّوا و تضرّعوا (9) و بكوا. و قالوا: يا ربّ، أكتم علينا هذا.

و في أصول الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن الحسن بن عمّار الدّهّان، عن مسمع، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

لمّا طرح إخوة يوسف [يوسف‏] (11) في الجبّ، أتاه جبرئيل- (عليه السلام)-. فدخل‏

____________

(1) المصدر: امسوا.

(2) تفسير القميّ 1/ 340- 342 باختلاف يسير.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فأتوه.

(4) كذا في ب. و في النسخ و المصدر: اليم.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: نبيّ اللَّه.

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: جزعوا.

(10) الكافي 2/ 556، ح 4.

(11) من المصدر.

285

عليه فقال: يا غلام! ما تصنع ها هنا!؟ فقال: إنّ إخوتي ألقوني في الجبّ. قال: أ فتحبّ أن تخرج منه؟ قال: ذاك إلى اللَّه- عزّ و جلّ-. إن شاء، أخرجني.

قال: فقال له: إنّ اللَّه يقول لك: ادعني بهذا الدّعاء، حتّى أخرجك من الجبّ.

فقال له: و ما الدّعاء؟ قال: قل: «اللّهمّ، إنّي أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلّا أنت المنّان بديع السّموات و الأرض، ذو الجلال و الإكرام، أن تصلّي على محمّد و آل محمّد، و أن تجعل لي ممّا أنا فيه فرجا و مخرجا».

قال: ثمّ كان من قصّته ما ذكر اللَّه في كتابه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) نحوه سندا و متنا. و زاد بعد قوله: «و مخرجا»:

«و ارزقني من حيث أحتسب و من حيث لا أحتسب». فدعا ربّه. فجعل له من الجبّ فرجا، و من كيد المرأة مخرجا. و آتاه ملك مصر، من حيث لا يحتسب.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)، بإسناده إلى أبي بصير قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)-: ما كان دعاء يوسف- (عليه السلام)- في الجبّ؟ فإنّا قد اختلفنا فيه.

فقال: إنّ يوسف- (عليه السلام)- لمّا صار في الجبّ، و أيس من الحياة، قال:

«اللّهمّ إن كانت الخطايا و الذّنوب قد أخلقت وجهي عندك، فلن ترفع لي إليك صوتا، و لن تستجيب لي دعوة، فإنّي أسألك بحقّ الشّيخ يعقوب. فارحم ضعفه. و اجمع بيني و بينه. فقد علمت رقّته عليّ، و شوقي إليه».

وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ‏:

أوحي إليه في صغره، كما أوحي إلى يحيى و عيسى- (عليهما السلام)-.

لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا: لتحدثنّهم بما فعلوا بك.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (15): أنّك يوسف‏ (3)، لعلوّ شأنك، و بعده عن أوهامهم، و طول العهد المغيّر للحلي و الهيئات.

و ذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر، حين دخلوا عليه ممتارين، فعرفهم، و هم له منكرون. بشّره بما يؤول إليه أمره، إيناسا له، و تطييبا لقلبه.

و قيل‏ (4): وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ متّصل ب «أوحينا». أي: آنسناه بالوحي، و هم لا

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 354.

(2) أمالي الطوسي 2/ 28 قريب منه.

(3) ب: ليوسف.

(4) أنوار التنزيل 1/ 489.

286

يشعرون ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏: يقول: لا يشعرون أنّك أنت يوسف. أتاه جبرئيل، فأخبره بذلك.

و في علل الشّرائع‏ (2) و في تفسير العيّاشيّ‏ (3)، عن السّجّاد- (عليه السلام)- أنّه سئل:

ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجبّ؟ قال: كان ابن تسع‏ (4) سنين.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قوله:

لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ قال: كان ابن سبع سنين.

وَ جاؤُ أَباهُمْ عِشاءً: آخر النّهار.

و قرئ‏ (6): «عشيّا» و هو تصغير عشي. و «عشي»- بالضّمّ و القصر- جمع أعشى.

أي: عشوا من البكاء.

يَبْكُونَ‏ (16): متباكين.

نقل أنّه لمّا سمع بكاءهم، فزع و قال: ما لكم يا بنيّ؟ و أين يوسف؟

قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ‏: نتسابق في العدو أو الرّمي.

و قد يشترك الافتعال و التّفاعل، كالانتضال و التّناضل.

وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: بمصدّق لنا.

وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ‏ (17) لسوء ظنّك بنا و فرط محبّتك ليوسف.

وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏، أي: ذي كذب، بمعنى: مكذوب فيه.

و يجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة.

و قرئ‏ (7) بالنّصب، على الحال من الواو. أي: جاؤوا كاذبين. و «كدب»- بالدّال غير المعجمة- أي: كدر أو طريّ. و قيل: أصله البياض الخارج على أظفار الأحداث، فشبّه به الدّم اللّاصق على القميص.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 340.

(2) العلل 1/ 48، ح 1.

(3) تفسير العياشي 2/ 172، ح 16.

(4) ب، العياشي: سبع.

(5) نفس المصدر و المجلّد/ 170، ح 7.

(6) أنوار التنزيل 1/ 489.

(7) أنوار التنزيل 1/ 490.

287

و عَلى‏ قَمِيصِهِ‏ في موضع النّصب، على الظّرف، أي: فوق قميصه. أو على الحال من الدّم، إن جوزّ تقديمها على المجرور.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏: قال: إنّهم ذبحوا جديا على قميصه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن أبي جميل‏ (3)، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أوتي بقميص يوسف إلى يعقوب، فقال: اللّهمّ، لقد كان ذئبا رقيقا حين لم يشقّ القميص! قال: و كان به نضح من دم.

و فيه‏ (4): قال‏: ما كان أشدّ غضب ذلك الذّئب على يوسف، و أشفقه‏ (5) على قميصه، حيث أكل يوسف، و لم يمزّق قميصه!

و في مجمع البيان‏ (6): و روي‏ أنّه ألقى ثوبه على وجهه و قال: يا يوسف، لقد أكلك ذئب رحيم! أكل لحمك، و لم يشقّ قميصك!

و في كتاب الخصال‏ (7)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: كان في قميص يوسف ثلاث آيات في قوله: جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏، و قوله‏ (8): إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ‏، و قوله‏ (9)- تعالى-: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا.

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً، أي: سهّلت لكم، و هوّنت في أعينكم أمرا عظيما. من السّول، و هو: الاسترخاء.

فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏، أي: فأمري صبر جميل. أو: فصبر جميل أجمل.

و في الحديث النّبويّ‏ (10): الصّبر الجميل الّذي لا شكوى فيه إلى الخلق. و رواه ابن عقدة عن الصّادق- (عليه السلام)- و العيّاشيّ عن الباقر- (عليه السلام)-.

وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ‏ (18): على احتمال ما تصفونه من هلاك‏

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 341.

(2) تفسير العياشي 2/ 171، ح 9.

(3) المصدر: أبي جميلة.

(4) لم نعثر على هذه الرواية في تفسير العيّاشي، و لكن رواه القميّ في تفسيره 1/ 342.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الشّفقة.

(6) المجمع 3/ 218.

(7) الخصال 1/ 118، ح 104.

(8) يوسف/ 26.

(9) يوسف/ 93.

(10) تفسير الصافي 4/ 824.

288

يوسف.

في كتاب علل الشّرائع‏ (1) و في تفسير العيّاشيّ‏ (2) عن السّجاد- (عليه السلام)- أنّه لمّا سمع مقالتهم، استرجع و استعبر، و ذكر ما أوحى اللَّه إليه من الاستعداد للبلاء. [فصبر] (3) و أذعن للبلاء (4). [يعني بسبب غفلته عن إطعامه الجار الجائع.] (5) فقال لهم: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً. و ما كان اللَّه ليطعم لحم يوسف الذّئب من قبل أن أرأى‏ (6) تأويل رؤياه الصّادقة.

وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ: رفقة.

قيل‏ (7): يسيرون من مدين إلى مصر. فنزلوا قريبا من الجبّ. و كان ذلك بعد ثلاث أيّام من إلقائه فيه.

فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ‏: الّذي يرد الماء و يستقي لهم.

قيل‏ (8): و كان مالك بن ذعر الخزاعيّ.

فَأَدْلى‏ دَلْوَهُ‏: فأرسلها في الجبّ ليملأها، فتدلّى‏ (9) بها يوسف. فلمّا رآه‏ قالَ يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ‏: نادى البشرى، بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنّه قال: تعالي، فهذا أوانك.

و قيل‏ (10). هو اسم صاحب له، ناداه ليعينه على إخراجه.

و قرأ (11) غير الكوفيّين: «يا بشراي» بالإضافة. و أمال فتحة الرّاء حمزة و الكسائي.

و قرأ (12) ورش بين اللّفظين.

و قرئ‏ (13): «يا بشرى» بالإدغام- و هو لغة- و «بشراي»- بالسّكون- على قصد الوقف.

وَ أَسَرُّوهُ‏:

____________

(1) العلل 1/ 47.

(2) تفسير العياشي 2/ 169، ح 5.

(3) من المصدرين.

(4) كذا في العلل. و في النسخ و العياشي:

للبلوى.

(5) ليس في المصدرين.

(6) كذا في العلل. و في العياشي: أرى. و في النسخ: أدى.

(7) أنوار التنزيل 1/ 490.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) أ، ب، ر: فتدالى.

10 و 11 و 12 و 13- أنوار التنزيل 1/ 490.

289

قيل‏ (1): أي الوارد و أصحابه من سائر الرّفقة.

و قيل‏ (2): أخفوا أمره و قالوا لهم: دفعه أهل الماء إلينا، لنبيعه لهم بمصر.

و الظّاهر أنّ الضّمير لإخوة يوسف. و ذلك أنّ يهوذا كان يأتيه كلّ يوم بالطّعام.

فأتاه يومئذ، فلم يجده فيها. فأخبر إخوته. فأتوا الرّفقة، و قالوا: هذا غلامنا أبق‏ (3) منّا.

فاشتروه. و سكت يوسف مخافة أن يقتلوه.

بِضاعَةً:

نصب على الحال. أي: أخفوه متاعا للتّجارة. و اشتقاقه من البضع، فإنّه ما يبضع من المال للتّجارة.

وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ‏ (19)، لم يخف عليه أسرارهم، أو صنيع إخوة يوسف بأبيهم و أخيهم.

وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ‏: و باعوه. و في مرجع الضّمير الوجهان. أو: اشتروه من إخوته.

بَخْسٍ‏: مبخوس، لزيفه أو نقصانه.

دَراهِمَ‏:

بدل من الثّمن.

مَعْدُودَةٍ: قليلة.

فإنّهم كانوا يزنون ما بلغ الأوقيّة، و يعدّون ما دونها. و كان عشرين درهما.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في خبر الشّاميّ، و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: و سأله‏ (5) عن أوّل من وضع سكتة الدّنانير و الدّراهم. فقال: نمرود بن كنعان.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، بإسناده رفعه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لبعض أصحابه- و قد سأله عن مسائل-:

و إنّما سمّي الدّرهم درهما، لأنّه دار همّ. من جمعه، و لم ينفقه في طاعة اللَّه، أورثه النّار.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) أبق: هرب.

(4) العيون 1/ 192، ح 1.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: سئل.

(6) العلل 1/ 3، ح 1.

290

وَ كانُوا فِيهِ‏: في يوسف.

مِنَ الزَّاهِدِينَ‏ (20) من الرّاغبين عنه.

و الضّمير في «و كانوا» إن كان للإخوة، فظاهر، و إن كان للرّفقة- و كانوا بائعين- فزهدهم فيه لأنّهم التقطوه، و الملتقط للشّي‏ء متهاون به، خائف عن حال انتزاعه، مستعجل في بيعه. و إن كانوا مبتاعين، فلأنّهم اعتقدوا أنّه آبق.

و «فيه» متعلّق ب «الزّاهدين»، إن جعل اللّام للتّعريف. و إن جعل بمعنى «الّذي»، فهو متعلّق بمحذوف يبيّنه «الزّاهدين». لأنّ متعلّق الصّلة لا يتقدّم على الموصول.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر (2)، عن الرّضا- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ قال:

كانت عشرين درهما. و البخس النّقص. و هي قيمة كلب الصّيد إذا قتل كان قيمته عشرين درهما.

و في مجمع البيان‏ (3): و كانت الدّراهم عشرين درهما. و هو المرويّ عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-. قال: و كانوا عشرة اقتسموها درهمين درهمين.

و في كتاب الخصال‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في سؤال بعض اليهود عليّا- (عليه السلام)- عن الواحد إلى المائة: فما العشرون؟ قال: بيع يوسف بعشرين درهما.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن الحسن، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ قال: كانت عشرين درهما.

عن ابن حصين‏ (6) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ شَرَوْهُ‏- إلى قوله:- مَعْدُودَةٍ قال: كانت الدّراهم ثمانية عشر درهما.

و بهذا الإسناد (7)، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: كانت الدّراهم عشرين درهما.

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 341.

(2) المصدر: «عن أبي بصير» بدل «بن أبي نصر».

(3) المجمع 3/ 220.

(4) الخصال 2/ 597، ح 1.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 172، ح 11.

(6) تفسير العياشي 2/ 172، ح 14.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 15.

291

و هي قيمة كلب الصّيد إذا قتل. و البخس النّقص.

و يمكن الجمع بين الأخبار بأنّ الثّمن الّذي باعوه به، هو العشرون، و استحطّوا درهمين منه، بعد العقد على عشرين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1) و في الحديث السّابق عن عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-.

انّهم لمّا أصبحوا قالوا: انطلقوا بنا، حتّى ننظر ما حال يوسف، أمات، أم هو حيّ. فلمّا انتهوا إلى الجبّ، وجدوا بحضرة الجبّ سيّارة، و قد أرسلوا واردهم و أدلى دلوه. فلمّا جذب دلوه، فإذا هو بغلام متعلّق بدلوه. فقال لأصحابه: يا بشرى! هذا غلام! فلمّا أخرجوه، أقبل إليهم إخوة يوسف، فقالوا: هذا عبدنا سقط [منّا] (2) أمس في هذا الجبّ، و جئنا اليوم لنخرجه. فانتزعوه من أيديهم. و تنّحوا به ناحية فقالوا: إمّا أن تقرّ لنا أنّك عبدنا، فنبيعك [على‏] (3) بعض هذه السّيّارة، أو نقتلك! فقال لهم يوسف: لا تقتلوني، و اصنعوا ما شئتم.

فأقبلوا به إلى السّيّارة، فقالوا: أمنكم من يشتري منّا هذا العبد؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين درهما. و كان إخوته فيه من الزّاهدين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): فحملوا يوسف إلى مصر، و باعوه من عزيز مصر.

و في علل الشّرائع‏ (5)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه سئل: كم كان بين منزل يعقوب يومئذ و بين مصر؟ فقال: مسيرة اثني عشر يوما.

و في الكافي‏ (6) و كمال الدّين‏ (7)، عن الصّادق- (عليه السلام)- في حديث يذكر فيه‏ يوسف- (عليه السلام)-: و كان بينه و بين والده ثمانية عشر يوما. قال: و لقد سار يعقوب و ولده عند البشارة مسيرة (8) تسعة أيّام من بدوهم‏ (9) إلى مصر.

و لعلّ الاختلاف في الخبرين باعتبار اختلاف سير السّيّارة. فإنّ بعضهم كان‏

____________

(1) العلل 1/ 48، ح 1.

2 و 3- من المصدر.

(4) تفسير القميّ 1/ 342.

(5) العلل 1/ 48، ح 1.

(6) الكافي 1/ 336، ح 4.

(7) كمال الدين 1/ 144، ح 11.

(8) كمال الدين: في.

(9) ليس في كمال الدين: من بدوهم.

292

يسير اثني عشر يوما- كالرّاكبين على الفرس- و بعضهم ثمانية عشر، كالسّائرين على الإبل.

وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ‏:

قيل‏ (1): هو العزيز الّذي كان على خزائن مصر. و كان اسمه «قطفير» أو «إطفير». و كان الملك يومئذ ريّان بن الوليد العمليقيّ. و قد آمن بيوسف، و مات في حياته.

و قيل‏ (2) كان فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله‏ (3): وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ‏. و المشهور أنّه من أولاد فرعون يوسف، و الآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء.

نقل‏ (4) أنّه اشتراه العزيز، و هو ابن سبع عشرة سنة. و لبث في منزله ثلاث عشرة سنة. و استوزره الرّيّان، و هو ابن ثلاثين سنة. أعطاه اللَّه العلم و الحكمة، و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة. و توفيّ، و هو ابن مائة و عشرين.

و اختلف فيما اشتراه به من جعل شرائه غير الأوّل. فقيل‏ (5): عشرون دينارا و زوجا نعل و ثوبان أبيضان. و قيل‏ (6): ملؤه فضّة. و قيل‏ (7): ذهبا.

مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ‏- و كان اسمها (8) زليخا. كما يأتي في الخبر-: أَكْرِمِي مَثْواهُ‏: اجعلي مقامه عندنا كريما، أي: حسنا. و المعنى: أحسني تعهّده.

عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا في ضياعنا و أموالنا، و نستظهر به في مصالحنا.

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً: نتبنّاه- و كان عقيما- لما تفرّس فيه من الرّشد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): و لم يكن له ولد. فأكرموه و ربّوه. فلمّا بلغ أشدّه، هوته امرأة العزيز. و كانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلّا هوته، و لا رجل إلّا أحبّه. و كان وجهه مثل القمر ليلة البدر.

وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ‏: و كما مكّنّا محبّته في قلب العزيز، أو كما

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 491، و في ب: «يعني» بدل «قيل».

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) غافر/ 34.

(4) نفس المصدر و الموضع.

5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 491.

(8) ليس في ب.

(9) تفسير القمّي 1/ 342.

293

مكّنّاه في منزله، أو كما أنجيناه و عطفنا عليه العزيز، مكّنّا له فيها.

وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏:

عطف على مضمر. تقديره: ليتصرّف فيها بالعدل، و لنعلّمه. أي: كان القصد في إنجائه و تمكّنه إلى أن يقيم العدل، و يدبّر أمور النّاس، و يعلم معاني كتب اللَّه و أحكامه، فينفّذها. أو: تعبير المنامات المنبّئة عن الحوادث الكائنة، ليستعدّ لها، و يشتغل بتدبيرها قبل أن تحلّ.

وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ‏، لا يردّه شي‏ء، و لا ينازعه فيما يشاء. أو: على أمر يوسف. أراد به إخوة يوسف شيئا، و أراد اللَّه غيره. فلم يكن إلّا ما أراده.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (21) أنّ الأمر كلّه بيده. أو: لطائف صنعه، و خفايا لطفه.

وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏: منتهى اشتداده في جسمه و قوّته. و هو سنّ الوقوف ما بين الثّلاثين و الأربعين.

و قيل‏ (1): سنّ الشّباب. و مبدؤه بلوغ الحلم.

آتَيْناهُ حُكْماً: حكمة. و هو العلم المؤيّد بالعمل. أو: حكما بين النّاس.

وَ عِلْماً، يعني: على تأويل الأحاديث.

وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏ (22):

تنبيه على أنّه- تعالى- إنّما آتاه ذلك، جزاء على إحسانه في عمله، و اتّقائه‏ (2) في عنفوان أمره.

وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ‏: طلبت و تمحّلت أن يواقعها. من: راد يرود: إذا جاء و ذهب لطلب شي‏ء. و منه: الرّائد.

وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ‏:

قيل‏ (3): كانت سبعة. و التّشديد للتّكثير، أو للمبالغة في الإيثاق.

وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ‏، أي: أقبل و بادر. أو: تهيّأت لك. و الكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح، كأين. و اللّام للتّبيين، كالّتي في: سقيا لك.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 491.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: إحصانه.

(3) أنوار التنزيل 1/ 491.

294

و قرأ (1) ابن كثير بالضّمّ، تشبيها له بحيث. و نافع و أبو عامر بالفتح و كسر الهاء- كحيط- و هو لغة فيه.

و قرأ (2) هشام كذلك إلّا أنّه يهمز. و قد روي عنه ضمّ التّاء.

و قرئ‏ (3): «هيت»- كجير- و «هئت»- كجئت- من: هاء يهي‏ء: إذا تهيّأ. و على هذا فالّلام من صلته.

و في مجمع البيان‏ (4): و روي عن عليّ- (عليه السلام)-: «هئت لك» بالهمزة و ضمّ التّاء.

قالَ مَعاذَ اللَّهِ‏: أعوذ باللّه معاذا.

إِنَّهُ‏: إنّ الشّأن‏ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ‏: سيّدي «قطفير» أحسن تعهّدي، إذ قال لك: «أكرمي مثواه». فما جزاؤه أن أخونه في أهله.

و قيل‏ (5): الضّمير للّه. أي: إنّه خالقي، و أحسن منزلتي، بأن عطف على قلبه، فلا أعصيه.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏ (23): المجازون الحسن بالسّيّئ.

و قيل‏ (6): الزّناة. فإنّ الزّنا ظلم على الزّاني و المزنيّ بأهله.

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها:

قيل‏ (7): قصدت مخالطته، و قصد مخالطتها. و الهمّ بالشّي‏ء: قصده و العزم عليه.

و منه: الهمام، و هو: الّذي إذا همّ بشي‏ء، أمضاه.

و قيل‏ (8): المراد بهمّه، ميل الطّبع و منازعة الشّهوة، لا القصد الاختياريّ. و ذلك ممّا لا يدخل تحت التّكليف. بل الحقيق بالمدح و الأجر الجزيل من اللَّه، من يكفّ عن الفعل عند قيام هذا الهمّ، أو مشارفة الهمّ، كقولك: لو لم أخف اللَّه.

لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏:

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 492.

(4) المجمع 3/ 222.

5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 492.

(8) أنوار التنزيل 1/ 492.

295

قيل‏ (1): أي: في قبح الزّنا و سوء مغبّته، لخالطها، لشبق الغلمة و كثرة المبالغة.

و الجواب محذوف، يدلّ عليه المذكور سابقا، عند من لم يجوّز تقديم الجزاء عليها. و من جوّزه، فلا حاجة إليه.

و قيل‏ (2): رأى جبرئيل.

و قيل‏ (3): تمثّل له يعقوب عاضّا على أنامله.

و قيل‏ (4): «قطفير».

و قيل‏ (5): نودي: يا يوسف! أنت مكتوب في الأنبياء، و تعمل عمل السّفهاء!؟

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: و أجده و قد شهر هفوات الأنبياء. يقول: في يوسف: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏-:

و أمّا هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما بيّنه اللَّه في كتابه [و وقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم ممّا اجترمته الأنبياء، ممّن شهد الكتاب بظلمهم‏] (7)، فإنّ ذلك من أدلّ الدّلائل على حكمة اللَّه الباهرة، و قدرته القاهرة، و عزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء- (عليهم السلام)- تكبر في صدور أممهم، و أنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذكرها، دلالة على تخلّفهم‏ (8) عن الكمال الّذي انفرد (9) به- عزّ و جلّ-.

و في مجمع البيان‏ (10)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: «البرهان» النّبوّة المانعة من ارتكاب الفواحش، و الحكمة الصّارفة عن القبائح‏ (11).

كَذلِكَ‏، أي: مثل ذلك التّثبيت ثبّتناه. أو: الأمر مثل ذلك‏ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ: خيانة السّيّد وَ الْفَحْشاءَ: الزّنا.

و في كتاب معاني الأخبار (12)، بإسناده إلى خلف بن حمّاد، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: قال اللَّه- عزّ و جلّ-:

____________

1 و 2 و 3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 492.

(6) الإحتجاج 1/ 345- 349.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: تخليهم.

(9) المصدر: تفرد.

(10) المجمع 3/ 225.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: القبيح.

(12) المعاني/ 172، ح 1.

296

كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ، يعني: أن يدخل في الزّنا.

إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ‏ (24): الّذين أخلصهم اللَّه لطاعته.

و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و يعقوب بالكسر في كلّ القرآن، أي:

الّذين أخلصوا دينهم للّه.

و في عيون الأخبار (2)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون، مع أهل الملل و المقالات، و ما أجاب به عليّ بن الجهم في عصمة الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم)- حديث طويل. و فيه يقول:- (عليه السلام)-: و أما قوله في يوسف- (عليه السلام)-: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها، فإنّها همّت بالمعصية، و همّ يوسف بقتلها، إن أجبرته، لعظم ما تداخله. فصرف اللَّه عنه قتلها و الفاحشة. هو قوله: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ، يعني: القتل و الزّنا.

و في مجلس آخر (3) للرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء، بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال:

حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-. فقال له المأمون: يا ابن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال:

فما معنى قول اللَّه عزّ و جلّ- إلى أن قال:- فأخبرني عن قول اللَّه- تعالى-: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏.

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ‏ و لو لا أن رأى برهان ربّه، لهمّ بها، كما همّت به. لكنّه كان معصوما، و المعصوم لا يهمّ بذنب، و لا يأتيه. و لقد حدّثني أبي، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: همّت بأن تفعل، و همّ بأن لا يفعل.

فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن!

و في باب آخر (4)، فيما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، قال:

و بهذا الإسناد، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال‏ في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏ قال:

قامت امرأة العزيز إلى الصّنم، فألقت عليه ثوبا. فقال لها يوسف: ما هذا؟

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 492.

(2) العيون 1/ 154، ح 1.

(3) العيون 1/ 155- 160، ح 1.

(4) العيون 2/ 44، ح 162.

297

فقالت: أستحيي من الصّنم أن يرانا. فقال لها يوسف: أ تستحيين ممّن لا يسمع و لا يبصر [و لا يفقه‏] (1)، و لا يأكل و لا يشرب، و لا أستحي أنا ممّن خلق الإنسان و علّمه!؟ فذلك قوله- تعالى-: لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏.

و في أمالي الصّدوق‏ (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لعلقمة: إنّ رضا النّاس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط. و كيف تسلمون ممّا لم تسلم منه أنبياء اللَّه و رسله و حجج اللَّه- (عليهم السلام)-!؟ ألم ينسبوا يوسف- (عليه السلام)- إلى أنّه همّ بالزّنا!؟

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

لمّا همّت به و همّ بها، قالت: كما أنت. قال: و لم؟ قالت: أغطّي وجه الصّنم لا يرانا.

فذكر اللَّه عند ذلك، و قد علم أنّ اللَّه يراه. ففرّ منها (4).

و أمّا

ما رواه عن محمّد بن قيس‏ (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ يوسف لمّا حلّ سراويله، رأى مثال يعقوب [قائما] (6) عاضّا على أصبعه، و هو يقول له: يا يوسف! قال: فهرب. ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لكنّي- و اللَّه- ما رأيت عورة أبي قطّ. و لا رأى أبي عورة جدّي قطّ. و لا رأى جدّي عورة أبيه قطّ. قال و هو عاضّ على إصبعه. فوثب. فخرج الماء من إبهام رجله.

فموافق لمذهب العامّة، و محمول على التّقيّة.

يدلّ على‏ (7)

ما رواه عن بعض أصحابنا (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: أيّ شي‏ء يقول النّاس في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏؟ قلت: يقولون:

رأى يعقوب عاضّا على أصبعه. فقال: لا ليس كما يقولون.

فقلت: فأي شي‏ء رأى؟ قال: لمّا همّت به و همّ بها، قامت إلى صنم معها في البيت، فألقت عليه ثوبا. فقال لها يوسف: ما صنعت؟ قالت‏ (9): طرحت عليه ثوبا.

____________

(1) من المصدر.

(2) أمالي الصدوق/ 91، ح 3.

(3) تفسير العياشي 2/ 173، ح 17.

(4) المصدر: ففرّ منها هاربا.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 18.

(6) من المصدر.

(7) الصحيح: عليه.

(8) تفسير العياشي 2/ 174، ح 19.

(9) المصدر: قال.

298

أستحيي أن يرانا. قال: فقال يوسف: فأنت تستحين من صنمك- و هو لا يسمع و لا يبصر- و لا أستحيي أنا من ربّي!؟

إسحاق بن يسار (1)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ اللَّه بعث إلى يوسف- و هو في السّجن-: يا ابن يعقوب! ما أسكنك مع الخطّائين؟ قال: جرمي‏ (2). فاعترف‏ (3) بمجلسه منها مجلس الرّجل من أهله.

و اعلم أنّ العامّة- خذلهم اللَّه- نسبوا إلى يوسف- (عليه السلام)- في هذا المقام أمورا، [و رووا بها روايات مختلقة لا يليق للمؤمنين نقلها، فكيف باعتقادها!] (4).

و نعم ما قيل‏ (5): إنّ الّذين لهم تعلّق بهذه الواقعة هم: يوسف- (عليه السلام)- و المرأة، و زوجها، و النّسوة، و الشّهود، و ربّ العالمين، و إبليس. و كلّهم قالوا ببراءة يوسف عن الذّنب. فلم يبق لمسلم توقّف في هذا الباب:

أمّا يوسف، فقوله‏ (6): هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي‏. و قوله‏ (7): رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏.

و أمّا المرأة، فلقولها (8): وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏. و قالت‏ (9): الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ‏.

و أمّا زوجها، فلقوله‏ (10): إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏.

و أمّا النّسوة، فلقولهنّ‏ (11): امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏. و قولهنّ‏ (12): حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.

و أمّا الشّهود، فقوله‏ (13)- تعالى-: شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها (الآية).

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 198، ح 87. كذا فيه.

و في النسخ: إسحاق بن بشار.

(2) المصدر: زيادة «قال: فاعترف بجرمه فاخرج».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فأعرف.

(4) كذا في تفسير الصافي 3/ 14، و هامش نور الثقلين 2/ 420، نقلا عنه. و في النسخ: «نشير إلى أكثرها سابقا» بدل ما بين المعقوفتين.

(5) تفسير الصّافي 3/ 14.

(6) يوسف/ 26.

(7) يوسف/ 33.

(8) يوسف/ 32.

(9) يوسف/ 51.

(10) يوسف/ 28.

(11) يوسف/ 30.

(12) يوسف/ 51.

(13) يوسف/ 26.

299

و أمّا شهادة اللَّه بذلك، فقوله- عزّ من قائل-: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ‏. و أمّا إقرار (1) إبليس بذلك‏ (2) فقوله‏ (3): لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏. فقد أقرّ إبليس بأنّه لم يغوه.

و عند هذا نقول لهؤلاء الجهّال الّذين نسبوا إلى يوسف- (عليه السلام)- الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين اللَّه، فليقبلوا شهادة اللَّه بطهارته. و إن كانوا من أتباع إبليس، و جنوده فليقبلوا إقرار إبليس بطهارته.

وَ اسْتَبَقَا الْبابَ‏:

أي: تسابقا إلى الباب.

و حذف الجارّ. أو ضمّن الفعل معنى الابتدار. و ذلك أنّ يوسف- (عليه السلام)- فرّ عنها ليخرج. و أسرعت وراءه، لتمنعه الخروج.

وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ: اجتذبته من ورائه، فقدّ قميصه.

و القدّ: الشّق طولا. و القطّ: الشّقّ عرضا.

وَ أَلْفَيا سَيِّدَها: و صادفا زوجها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (25):

بادرت إلى هذا القول، إيهاما بأنّها فرّت منه، تبرئة لساحتها عند زوجها و تغييره على يوسف و إغراءه به انتقاما منه.

و «ما» نافية. أو استفهاميّة، بمعنى: أي شي‏ء جزاؤه إلّا السّجن!؟

قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي‏: طالبتني بالمؤاتاة.

و إنّما قال ذلك، دفعا لما عرّضته له من السّجن أو العذاب الأليم. و لو لم تكذب، لما قاله.

وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها:

قيل‏ (4): ابن عمّها.

و قيل‏ (5): ابن خالها صبيّا في المهد.

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) الحجر/ 39- 40، و ص/ 82- 83.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 492.

300

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن بعض رجاله، رفعه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ألهم اللَّه- عزّ و جلّ- يوسف أن قال للملك: سل هذا الصّبي في المهد، فإنّه سيشهد أنّها راودتني عن نفسي. فقال العزيز للصّبيّ. فأنطق اللَّه الصّبي في المهد ليوسف فقال:

إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ (26)،

لأنّه يدلّ على أنّها قدّت قميصه من قدّامه بالدّفع عن نفسها، أو أنّه أسرع خلفها، فتعثّر بذيله، فانقدّ جيبه.

وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (27)، لأنّه يدلّ على أنّها تبعته، فاجتذبت ثوبه، فقدّته.

و الشّرطيّة محكيّة على إرادة القول، أو على أنّ فعل الشّهادة من القول و نحوه.

و نظيره قولك: إن أحسنت إليّ، فقد أحسنت إليك. فإنّ معناه: أن تمنن عليّ بإحسانك، أمنن عليك بإحساني السّابق.

و قرئ‏ (2): «من قبل» و «من دبر» بالضّمّ- لأنّهما قطعا عن الإضافة، كقبل و بعد- و بالفتح، كأنّهما جعلا علمين للجهتين، فمنعا من الصّرف، و بسكون العين.

و في كتاب الخصال‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: كان في قميص يوسف ثلاث آيات في قوله- تعالى-: وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏ و قوله- تعالى-: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ‏ (الآية). و قوله- تعالى-: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا (الآية).

فَلَمَّا رَأى‏ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ‏: إنّ قولك: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً. أو: إنّ السّوء. أو: إنّ هذا الأمر مِنْ كَيْدِكُنَ‏: من حيلتكنّ.

و الخطاب لها و لأمثالها. أو لسائر النّساء.

إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏ (28):

فإنّ كيد النّساء ألطف و أعلق بالقلب، و أشدّ تأثيرا في النّفس. و لأنهن يواجهن به الرّجال، و الشّيطان يوسوس به مسارقة.

يُوسُفُ‏:

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 342- 343.

(2) أنوار التنزيل 1/ 493.

(3) الخصال 1/ 118، ح 104.

301

حذف منه حرف النّداء، لقربه و مفاطنته للحديث.

أَعْرِضْ عَنْ هذا: اكتمه و لا تذكره.

وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ‏ يا زليخا.

إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ‏ (29): من القوم المذنبين. من خطئ: إذا أذنب.

وَ قالَ نِسْوَةٌ:

هو اسم لجمع امرأة. و تأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقيّ. و لذلك جرّد فعله. و ضمّ النّون لغة فيها.

فِي الْمَدِينَةِ:

ظرف ل «قال». أي: أشعن الحكاية في مصر. أو صفة نسوة.

قيل‏ (1): و كنّ خمسا: زوجة الحاجب، و السّاقي، و الخبّاز، و السّجّان، و صاحب الدّوابّ.

امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ‏: تطلب مواقعة غلامها إيّاها.

و العزيز بلسان العرب: الملك. و أصل فتا: فتى، لقولهم: فتيان. و الفتوّة شاذّة.

قَدْ شَغَفَها حُبًّا: قد شقّ شغاف قلبها- و هو حجابه- حتّى وصل إلى فؤادها، حبّا.

و نصبه على التّمييز، لصرف الفعل عنه.

و قرئ‏ (2): «شعفها». من: شعف البعير: إذا هنأه بالقطران، فأحرقه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: قَدْ شَغَفَها حُبًّا يقول: قد حجبها حبّه عن النّاس، فلا تعقل غيره. و الحجاب هو الشّغاف. و الشّغاف هو حجاب للقلب.

و في مجمع البيان‏ (4) و الجوامع‏ (5)، نسب القراءة بالعين المهملة إلى أهل البيت- (عليهم السلام)-.

إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (30): في ضلال عن الرّشد، و بعد عن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 493.

(2) أنوار التنزيل 1/ 493.

(3) تفسير القميّ 1/ 357.

(4) المجمع 3/ 228.

(5) الجوامع/ 216.

302

الصّواب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و شاع الخبر بمصر، و جعلت‏ (2) النّساء يتحدّثن بحديثها، و يعذلنها (3) و يذكرنها.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ‏: [باغتيابهنّ.

و إنّما سمّاه مكرا، لأنهنّ أخفينه، كما يخفي الماكر مكره. أو قلن ذلك لتريهنّ يوسف. أو لأنّها استكتمتهنّ سرّها، فأفشين عليها.] (4) أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ‏ تدعوهنّ.

قيل‏ (5): دعت أربعين امرأة فيهنّ الخمس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): فبعثت إلى كلّ امرأة رئيسة، فجمعن في منزلها.

و هيّأت لهنّ مجلسا. و دفعت إلى كلّ امرأة أترجّة (7) و سكّينا، فقالت اقطعن. ثمّ قالت ليوسف: اخرج عليهنّ. و كان في بيت. فخرج يوسف عليهنّ. فلمّا أن‏ (8) نظرن إليه، أقبلن يقطعنّ أيديهنّ، و قلن كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ-.

وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً:

قيل‏ (9): ما يتّكئن عليه من الوسائد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): «متكا»، أي: أترجّة.

كأنّه قرأه بإسكان التّاء و حذف الهمزة. أو طعاما و مجلس طعام، كما يأتي عن السّجاد- (عليه السلام)-. فإنّهم كانوا يتّكئون للطّعام و الشّراب تترّفا. فنهي عنه لذلك.

وَ آتَتْ‏: أعطت‏ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً، حتّى يتّكئن و السّكاكين بأيديهنّ. فإذا خرج عليهنّ يبهتن و يشغلن عن أنفسهنّ، فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، فيبكتن بالحجّة. أو يهاب يوسف من مكرها، إذا خرج على أربعين امرأة في‏

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 343.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جعلن.

(3) المصدر: يعيّرنها.

(4) ليس في أ، ب.

(5) أنوار التنزيل 1/ 493.

(6) تفسير القميّ 1/ 343.

(7) الاترجّ: شجر يعلو، ناعم الأغصان و الورق و الثّمر، و ثمره كاللّيمون الكبار، و هو ذهبيّ اللّون، ذكيّ الرائحة، حامض الماء.

(8) ليس في المصدر.

(9) أنوار التنزيل 1/ 493.

(10) تفسير القميّ 1/ 343.

303

أيديهنّ الخناجر.

وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ‏: عظّمنه، وهبن حسنه الفائق.

و قيل‏ (1): كان يرى‏ (2) تلألؤ وجهه على الجدران.

و قيل‏ (3): «أكبرن» بمعنى: حضن. من أكبرت المرأة: إذا حاضت. و الهاء ضمير للمصدر، أو ليوسف، على حذف اللّام. أي: حضن له من شدّة الشّبق.

و في مجمع البيان‏ (4)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رأيت في السّماء الثّانية رجلا صورته صورة القمر ليلة البدر. فقلت لجبرئيل: من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف.

يعني حين أسري به.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن الصّادق- (عليه السلام)- ما يقرب منه.

وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ‏: جرحنها بالسّكاكين من فرط الدّهشة.

وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ‏، تنزيها له من صفات العجز، و تعجّبا من قدرته على خلق مثله.

و أصله: حاشا. كما قرأ أبو عمرو (6) في الدّرج. فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا. و هو حرف يفيد معنى التّنزيه في باب الاستثناء. فوضع موضع التّنزيه. و اللّام للبيان، كما في قولك: سقيا لك.

و قرئ‏ (7): «حاش اللَّه»- بغير لام- بمعنى: براءة اللَّه. و «حاشا للّه»- بالتّنوين- على تنزيله منزلة المصدر.

و قيل‏ (8): «حاشا» فاعل من الحشا الّذي هو النّاحية. و فاعله ضمير يوسف.

أي: صار في ناحية للّه ممّا يتوهّم فيه.

ما هذا بَشَراً:

لأنّ هذا الجمال غير معهود للبشر. و هي على لغة أهل الحجاز في إعمال «ما»

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 494.

(2) ليس في أ، ب.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المجمع 3/ 231.

(5) تفسير القميّ 2/ 8 إلّا أنّ فيه: «في السماء الثالثة».

(6) أنوار التنزيل 1/ 494.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

304

عمل «ليس» لمشاركتها في نفي الحال.

و قرئ‏ (1): «بشر»- بالرّفع- على لغة تميم. و «بشرى»، أي: بعبد مشترى لئيم.

إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏ (31):

فإنّ الجمع بين الجمال الرّائق و الكمال الفائق و العصمة البالغة، من خواصّ الملائكة. أو: لأنّ جماله فوق جمال البر، لا يفوقه فيه إلّا الملك.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن محمّد بن مروان، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ يوسف خطب امرأة جميلة كانت في زمانه. فردّت، و قالت: عبد الملك إيّاي تطلب!؟ قال: فطلبها إلى أبيها. فقال له أبوها: إنّ الأمر أمرها.

قال: فطلبها إلى ربّه و بكى. فأوحى اللَّه إليه: إنّي قد زوّجتكها. ثمّ أرسل إليها أنّي أريد أن أزوركم. فأرسلت إليه أن تعال‏ (3). فلمّا دخل عليها، أضاء البيت لنوره. فقالت: «ما هذا إلّا ملك كريم». فاستسقى. فقامت إلى الطّاس لتسقيه. فجعل يتناول [الطّاس‏] (4) من يدها. فتناوله فاها. فجعل يقول لها: انتظري، و لا تعجلي. قال:

فتزوّجها.

قالَتْ: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ‏، أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنّني في الافتنان به، قبل ان تتصوّرنه حقّ تصوّره. فلو تصورتنّه بما عاينتنّ، لعذرتنني. أو:

فهذا هو الّذي لمتنني فيه. فوضع «ذلك» موضع «هذا» رفعا لمنزلة المشار إليه.

وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏: فامتنع طلبا للعصمة. أقرّت لهنّ حين عرفت [أنّهنّ يعذرنها كي يعاونّها على إلانة عريكته.

وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ‏، أي: ما آمر به. فحذف الجارّ. أو: أمري إيّاه، بمعنى:] (5) موجب أمري. فيكون الضّمير ليوسف.

لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ‏ (32): الأذلّاء.

و هو من: صغر- بالكسر- يصغر، صغرا و صغارا. و الصّغير من: صغر- بالضّمّ- صغرا.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 494.

(2) تفسير العياشي 2/ 175، ح 20.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تعالي.

(4) من المصدر.

(5) ليس في ب‏

305

و قرئ‏ (1): «ليكونن». و هو يخالف خطّ المصحف. لأنّ النّون كتبت فيه بالألف ك «لنسفعا» على حكم الوقف. و ذلك في الخفيفة لشبهها بالتّنوين.

قالَ رَبِّ السِّجْنُ‏:

و قرأ (2) يعقوب بالفتح، على المصدر.

أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏، أي: آثر عندي من مؤاتاتها زنا، نظرا إلى العاقبة.

و إسناد الدّعوة إليهنّ جميعا، لأنّهنّ خوّفنه عن مخالفتها و زيّنّ له مطاوعتها، أو دعونه إلى أنفسهنّ.

و قيل‏ (3): إنّما ابتلي بالسّجن لقوله هذا. و إنّما كان الأولى به أن يسأل اللَّه العافية.

و لذلك ردّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على من كان يسأل الصّبر على البلاء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى ابن مسعود قال‏: احتجّوا في مسجد الكوفة فقالوا: ما بال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة و الزّبير و عائشة و معاوية!؟ فبلغ عليّا- (عليه السلام)-. فأمر أن ينادى بالصّلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا صعد المنبر، فحمد اللَّه و أثنى عليه.

ثمّ قال: يا معشر النّاس! إنّه قد بلغني عنكم كذا و كذا. قالوا: صدق أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قد قلنا ذلك.

قال: فإنّ لي بسنّة الأنبياء أسوة فيما فعلت. قال اللَّه- تعالى- في محكم كتابه‏ (5):

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. قالوا: و من هم، يا أمير المؤمنين؟

قال: أوّلهم إبراهيم- (عليه السلام) إلى أن قال:- و لي بيوسف أسوة إذ قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏. فإن قلتم: إنّ يوسف دعا ربّه و سأله السّجن ليسخط (6) ربّه، فقد كفرتم. و إن قلتم: إنّه أراد بذلك لئلّا يسخط ربّه عليه، فاختار السّجن، فالوصيّ أعذر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، عن العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 494.

(3) أنوار التنزيل 1/ 494.

(4) العلل 1/ 148- 149، ح 7.

(5) الأحزاب/ 21.

(6) المصدر: لسخط.

(7) تفسير القميّ 1/ 354.

306

الرّضا- (عليه السلام)-:

قال السّجّان ليوسف: إنّي لأحبّك. فقال يوسف- (عليه السلام)-: ما أصابني إلّا من الحبّ. إن كانت خالتي‏ (1) أحبّتني، فسرقتني. و إن كان أبي أحبّني، فحسدوني إخوتي.

و إن كانت امرأة العزيز أحبّتني، فحبستني.

قال: و شكا [يوسف‏] (2) في السّجن إلى اللَّه، فقال: يا ربّ، بما (3) استحققت السّجن؟ فأوحى اللَّه إليه: أنت اخترته حين قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏. هلّا قلت: العافية أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه!؟

و فيه‏ (4): فما أمسى يوسف في ذلك البيت، حتّى بعثت إليه كلّ امرأة رأته تدعوه إلى نفسها. فضجر يوسف- (عليه السلام)- [في ذلك البيت‏] (5) فقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُ‏ (الآية).

وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي‏: و إن لم تصرف عنّي‏ كَيْدَهُنَ‏ في تحبيب ذلك إليّ و تحسينه عندي، بالتّثبيت على العصمة، أَصْبُ إِلَيْهِنَ‏: أمل إلى إجابتهنّ، أو إلى أنفسهنّ بطبعي و مقتضى شهوتي.

و الصّبوة: الميل إلى الهوى. و منه: الصّبا، لأن النّفوس تستطيبها، و تميل إليها.

و قرئ‏ (6): «أصب». من الصّبابة، و هي: الشّوق.

وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ (33): من السّفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإنّ الحكيم لا يفعل القبيح. أو: من الّذين لا يعملون بما يعلمون، فإنّهم و الجهّال سواء.

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ‏: فأجابه اللَّه دعاءه الّذي تضمنّه قوله: وَ إِلَّا تَصْرِفْ‏.

فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ‏: فثبّته بالعصمة، حتّى وطّن نفسه على مشقّة السّجن، و آثرها على اللّذّة المتضمّنة للعصيان‏ (7).

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‏ لدعاء الملتجئين إليه‏ الْعَلِيمُ‏ (34) بأحوالهم و ما يصلحهم.

____________

(1) بعض نسخ المصدر: عمّتي.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: بماذا.

(4) تفسير القميّ 1/ 343.

(5) ليس في المصدر.

(6) أنوار التنزيل 1/ 495.

(7) ب: للمعصية.

307

و في علل الشّرائع‏ (1)، عن السّجّاد- (عليه السلام)-: و كان يوسف من أجمل أهل زمانه. فلمّا راهق يوسف، راودته امرأة الملك عن نفسه. فقال: لها: معاذ اللَّه أنا من أهل بيت لا يزنون. فغلّقت الأبواب عليها و عليه، [و قالت: لا تخف. و ألقت نفسها عليه.] (2) فأفلت منها هاربا إلى الباب، ففتحه. فلحقته، فجذبت قميصه من خلفه، فأخرجته منه.

فأفلت يوسف منها في ثيابه. وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

قال: فهمّ الملك بيوسف ليعذّبه. فقال له يوسف: و إله يعقوب، ما أردت بأهلك سوءا، بل هي راودتني عن نفسي. فاسأل هذا الصّبي أيّنا راود صاحبه عن نفسه.

قال: و كان عندها من أهلها صبيّ‏ (3) زائر لها. فأنطق اللَّه الصّبيّ لفصل القضاء، فقال: أيّها الملك انظر إلى قميص يوسف. فإن كان مقدودا من قدّامه، فهو الّذي راودها. و إن كان مقدودا من خلفه، فهي الّتي راودته. فلمّا سمع الملك كلام الصّبيّ و ما اقتصّ، أفزعه ذلك فزعا شديدا. فجي‏ء بالقميص، فنظر إليه. فلمّا رآه مقدودا من خلفه، قال لها: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏. و قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا و لا يسمعه أحد منك و أكتمه.

[قال:] (4) فلم يكتمه يوسف و أذاعه في المدينة، حتّى قلنّ نسوة منهنّ: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ‏. فبلغها ذلك. فأرسلت إليهنّ، و هيّأت لهنّ طعاما و مجلسا.

ثمّ أتتهنّ بأترجّ، و أتت كلّ واحدة منهنّ سكّينا. ثمّ قالت ليوسف: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ‏ و قلن ما قلن. فقالت لهنّ: هذا الّذي لمتنّني فيه. يعني في حبّه. و خرجت‏ (5) النّسوة من عندها.

فأرسلت كلّ واحدة منهنّ إلى يوسف سرّا من صاحبتها (6) تسأله الزّيارة. فأبى عليهنّ و قال: وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ‏. فصرف اللَّه عنه كيدهنّ.

____________

(1) العلل 1/ 48- 49.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «صبيّ من أهلها» بدل «من أهلها صبيّ».

(4) من المصدر.

(5) كما هو الصحيح. و في النسخ: خرجن.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: صواحبها.

308

ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ‏: ثمّ ظهر للعزيز و أهله، من بعد ما رأوا الشّواهد الدّالة على براءة يوسف، كشهادة الصّبيّ، و قدّ القميص، و قطع النّساء أيديهنّ، و استعصامه عنهنّ.

و فاعل «بدا» مضمر يفسّره‏ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ‏ (35).

و ذلك أنّها خدعت زوجها، و حملته على سجنه زمانا، حتّى تبصر ما يكون منه، أو يحسب النّاس أنّه المجرم. فلبث في السّجن سبع سنين.

و قرئ‏ (1) بالتّاء، على أنّ بعضهم خاطب به العزيز- على التّعظيم- أو العزيز و من يليه. و «عتى» بلغة هذيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: و الآيات شهادة الصّبيّ، و القميص المخرق من دبر، و استباقهما الباب حتّى سمع‏ (3) مجاذبتها إيّاه على الباب. فلمّا عصاها، لم تزل ملحّة (4) بزوجها، حتّى حبسه.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و التّطيّر (6) منه و ثقله. و أيّ أربعاء هو؟

فقال- (عليه السلام)-: آخر أربعاء في الشّهر. و هو المحاق. و فيه قتل قابيل هابيل أخاه- إلى أن قال:- و يوم الأربعاء ادخل يوسف- (عليه السلام)- في‏ (7) السّجن.

و في كتاب الخصال‏ (8)، عن محمّد بن سهل البحرانيّ يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: البكّاؤون خمسة- إلى أن قال:

و أمّا يوسف، فبكى على يعقوب، حتّى تأذّى به أهل السّجن فقالوا له: إمّا أن تبكي اللّيل و تسكت النّهار، و إمّا أن تبكي النّهار و تسكت اللّيل! فصالحهم على واحد منهما.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 495.

(2) تفسير القميّ 1/ 344.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: رأى.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مولعة.

(5) العيون 1/ 193- 194، ح 1.

(6) المصدر: و تطيّرنا.

(7) ليس في المصدر.

(8) الخصال 1/ 372، ح 15.

309

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: ما بكى أحد بكاء ثلاثة- إلى قوله:- و أمّا يوسف، فإنّه كان يبكي على أبيه يعقوب و هو في السّجن فتأذّى به أهل السّجن فصالحهم على أن يبكي يوما و يسكت يوما.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن سيف بن عميرة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: جاء جبرئيل- (عليه السلام)- إلى يوسف و هو في السّجن. فقال: يا يوسف، قل في دبر كلّ صلاة: «اللّهمّ اجعل لي فرجا و مخرجا. و ارزقني من حيث أحتسب و من حيث لا أحتسب».

وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ‏، أي: ادخل مع يوسف عبدان آخران من عبيد الملك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): عبدان للملك، أحدهما خبّاز 2، و الآخر صاحب الشّراب.

قالَ أَحَدُهُما، يعني: صاحب الشّراب:

إِنِّي أَرانِي‏، أي: أرى في المنام. و هي حكاية الحال ماضية.

أَعْصِرُ خَمْراً: أي: عنبا. سمّاه بما يؤول إليه.

وَ قالَ الْآخَرُ، أي: الخبّاز (4).

إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ‏: تنهش منه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن طربال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أمر الملك بحبس يوسف في السّجن، ألهمه اللَّه علم تأويل الرّؤيا. فكان يعبّر لأهل السّجن رؤياهم. و إنّ فتيين ادخلا معه في‏ (6) السّجن يوم حبسه. فلمّا باتا، أصبحا فقالا له: إنّا رأينا رؤيا، فعبّرها لنا. فقال: و ما رأيتما؟ فقال أحدهما: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ‏. و قال الآخر: [إنّي‏] (7) رأيت [أن‏] (8) أسقي الملك خمرا. ففسّر (9) لهما

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 177- 178، ح 28.

(2) الكافي 2/ 549، ح 7.

(3) تفسير القميّ 1/ 344.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: خبازه.

(5) تفسير العياشي 2/ 176، ح 23.

(6) ليس في المصدر.

7 و 8- من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فعبّر.

310

رؤياهما على ما في الكتاب.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

ابن أبي يعفور (1)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً. قال: أحمل فوق رأسي جفنة (2) فيها خبز تأكل الطّير منها.

نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ (36): إلى أهل السّجن. فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا، إن كنت تعرفه.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: «إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ قال: كان يقوم على المريض، و يلتمس للمحتاج، و يوسع على المحبوس.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ قال: كان يوسع المحبس، و يستقرض للمحتاج، و يعين الضّعيف.

و في مجمع البيان‏ (5) و قيل: «من المحسنين»، أي: ممّن يحسن تأويل الرّؤيا.

قال: و هذا دليل على أنّ أمر الرّؤيا صحيح، و أنّها لم تزل في الأمم السّابقة.

و

في الحديث‏ أنّ الرّؤيا جزء من ستّة و أربعين جزءا من النّبوة.

و تأويله أنّ الأنبياء يخبرون بما سيكون، و الرّؤيا تدلّ على ما سيكون. فيكون معنى الآية: انا نعلمك و نظنّك ممّن يعرف [تعبير] (6) الرّؤيا. و من ذلك‏

قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قيمة كلّ امرئ ما يحسنه.

قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، أي:

بتأويل ما قصصتما عليّ. أو: بتأويل الطّعام و كيفيّته. فإنّه يشبه تفسير المشكل.

كأنّه أراد أن يدعوهما إلى التّوحيد، و يرشدهما الطّريق القويم، قبل أن يسعف ما سألا منه، كما هو طريقة الأنبياء و الأوصياء في الهداية و الإرشاد. فقدّم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب، ليدلّهما على صدقه في الدّعوة و التّعبير.

ذلِكُما، أي: ذلك التّأويل‏ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي‏ بالإلهام و الوحي، و ليس من‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 177، ح 25.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جعبة.

(3) تفسير القميّ 1/ 344.

(4) الكافي 2/ 637، ح 3.

(5) المجمع 3/ 233.

(6) من المصدر.

311

قبيل التّكهّن و التّنجيم.

إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ‏ (37):

تعليل لما قبله. أي: علّمني ذلك، لأنّي تركت ملّة أولئك‏ وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ‏. أو كلام مبتدأ لتمهيد الدّعوة و إظهار أنّه من بيت النّبوّة، ليقوّي رغبتهما في الاستماع إليه، و الوثوق عليه. و لذلك جوّز للخامل‏ (1) أن يصف نفسه، حتّى يعرف فيقتبس منه.

و تكرير الضّمير للدّلالة على اختصاصهم و تأكيد كفرهم بالآخرة.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ تلا هذه فقال يوسف: وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ- إلى قوله:- يَعْقُوبَ‏.

ما كانَ لَنا ما صحّ لنا معشر الأنبياء. أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ، أيّ شي‏ء كان.

ذلِكَ‏ أي التّوحيد.

مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي‏ وَ عَلَى النَّاسِ‏: و على سائر النّاس، ببعثنا لإرشادهم و تثبيتهم عليه، وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ‏ المبعوث‏ (3) إليهم. لا يَشْكُرُونَ‏ (38):

هذا الفضل، فيعرضون عنه و لا يتنبّهون. أو: من فضل اللَّه علينا و عليهم، بنصب الدّلائل و إنزال الآيات، و لكنّ أكثرهم لا ينظرون إليها، و لا يستدلّون بها فيلغونها، كمن يكفر النّعمة و لا يشكرها.

يا صاحِبَيِ السِّجْنِ، أي: يا ساكنيه. أو: يا صاحبي فيه. فأضافهما إليه على الاتّساع، كقوله:

يا سارق اللّيلة أهل الدّار

أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ، أي: شتّى متعدّدة متساوية الأقدام‏ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ: المتوحّد في الألوهيّة الْقَهَّارُ (39): الغالب الّذي لا يعادله و لا يقاومه غيره.

____________

(1) أ، ب: للحامل.

(2) نور الثقلين 2/ 426، ح 70.

(3) كذا في أنوار التنزيل 1/ 496. و في النسخ:

المبعوثون.

312

ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ‏:

خطاب لهما و لمن على دينهما من أهل مصر.

إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ‏: إلّا أشياء باعتبار أسام أطلقتم عليها، من غير حجّة تدلّ على تحقّق مسمّياتها فيها. فكأنّكم لا تعبدون إلّا الأسماء المجرّدة. و المعنى: أنّكم سمّيتم ما لم يدلّ على استحقاقه الألوهيّة عقل و لا نقل آلهة، ثمّ أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها.

إِنِ الْحُكْمُ‏ في أمر العبادة إِلَّا لِلَّهِ‏:

لأنّه المستحقّ لها بالذّات، من حيث إنّه الواجب لذاته الموجد للكلّ و المالك لأمره.

أَمَرَ على لسان نبيّه‏ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏: الّذي دلّت عليه الحجج.

ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ‏: الحقّ، و أنتم لا تميّزون المعوجّ من القويم.

و هذا من التّدرّج في الدّعوة و إلزام الحجّة. بيّن لهم أوّلا رجحان التّوحيد على اتّخاذ الآلهة، على طريق الخطابة. ثمّ برهن على أنّ ما يسمّونها آلهة و يعبدونها، لا تستحقّ الإلهيّة. فإنّ استحقاق العبادة إمّا بالذّات، و إمّا بالغير، و كلا القسمين منتف عنها. ثمّ نصّ على ما هو الحقّ القويم و الدّين المستقيم الّذي لا يقتضي العقل غيره، و لا يرتضي العلم دونه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (40) فيخبطون في جهالاتهم.

يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما، يعني: صاحب الشّراب.

فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً، كما كان يسقيه قبل، و يعود إلى ما كان عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال له يوسف: تخرج [من السّجن‏] (2) و تصير على شراب الملك، و ترتفع منزلتك عنده.

و في مجمع البيان‏ (3): أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً (الآية). فروي أنّه قال: أمّا العناقيد الثّلاثة (4)، فإنّها ثلاثة أيّام تبقى في السّجن. ثمّ يخرجك الملك اليوم الرّابع، و تعود

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 344.

(2) ليس في المصدر.

(3) المجمع 3/ 234.

(4) ذكر الطبرسيّ (ره) قبل ذلك أنّ المعنى:

قال أحدهما- و هو الساقي-: رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها و عصرتها في كأس‏

313

إلى ما كنت عليه.

وَ أَمَّا الْآخَرُ- يريد الخبّاز- فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و لم يكن رأى ذلك و كذب. فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك، و يصلبك، و تأكل الطّير من دماغك. فجحد الرّجل فقال: إنّي لم أر ذلك.

فقال يوسف:

قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ (41):

أي: قطع الأمر الّذي تستفتيان فيه، و هو ما يؤول إليه أمركما. و لذلك وحّده، فإنّهما، و إن استفتيا في الأمرين، لكنّهما أرادا استبانة غاية ما نزل بهما.

وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏: اذكر حالي عند الملك، كي يخلّصني.

فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ‏:

قيل‏ (2): فأنسى صاحب الشّراب أن يذكره لربّه. فأضاف إليه المصدر، لملابسته له. أو: أنسى يوسف ذكر اللَّه، حتّى استعان بغيره. و يؤيّده‏

قوله- (عليه السلام)-: رحم اللَّه أخي يوسف! لو لم يقل: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏، لما لبث في السّجن سبعا بعد الخمس.

فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ‏ (42):

البضع ما بين الثّلاث إلى التّسع. من البضع، و هو: القطع.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3)، عن الصادق- (عليه السلام)- قال‏: سبع سنين.

و فيه‏ (4): و في رواية عليّ بن إبراهيم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أمر الملك بحبس يوسف- إلى قوله:- ثمّ‏ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏.

قال: و لم يفزع يوسف في حاله إلى اللَّه فيدعوه. فلذلك قال اللَّه: فَأَنْساهُ‏- إلى قوله:- سِنِينَ‏. قال: فأوحى اللَّه إلى يوسف في ساعته‏ (5) تلك:

____________

الملك، و سقيته إيّاها. ثمّ قال بعد كلام طويل ما نقله المؤلّف (ره) من قوله: «فروي أنه قال: أمّا العناقيد ...».

(1) تفسير القميّ 1/ 344.

(2) أنوار التنزيل 1/ 497.

(3) تفسير العياشي 2/ 178، ح 30.

(4) نفس المصدر/ 176، ح 23، إلّا أنّ الرواية عن طربال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ساعة.

314

يا يوسف! من أراك الرّؤيا الّتي رأيتها (1)!؟ فقال: أنت يا ربّي.

قال: فمن حبّبك إلى أبيك!؟ قال: أنت يا ربّي.

قال: فمّن وجّه السّيّارة إليك!؟ قال: أنت يا ربّي.

قال: فمن علّمك الدّعاء الّذي دعوت‏ (2) به، حتّى جعل لك من الجبّ فرجا!؟

قال: أنت يا ربّي.

قال: فمن جعل لك من كيد المرأة مخرجا!؟ قال: أنت يا ربّي.

قال: فمن أنطق لسان الصّبيّ بعذرك!؟ قال: أنت يا ربّي.

قال: فمن صرف كيد امرأة العزيز و النّسوة!؟ قال: أنت يا ربّي.

قال: فمن ألهمك تأويل الرّؤيا!؟ قال: أنت يا ربّي‏ (3).

قال: فكيف‏ (4) استغثت بغيري، و لم تستغث بي!؟ و لم‏ (5) تسألني أن أخرجك من السّجن، و استغثت و أملت عبدا من عبادي، ليذكرك إلى مخلوق من خلقي في قبضتي، و لم تفزع إليّ! البث في السّجن بذنبك بضع سنين، بإرسالك عبدا إلى عبد.

عن يعقوب بن شعيب‏ (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: قال اللَّه ليوسف:

أ لست [الّذي‏] (7) حبّبتك إلى أبيك، و فضّلتك على النّاس بالحسن!؟ أو لست الّذي بعثت‏ (8) إليك السّيّارة، و أنقذتك و أخرجتك من الجبّ!؟ أو لست الّذي صرفت عنك كيد النّسوة!؟ فما حملك على‏ (9) أن ترفع رغبتك عنّي‏ (10)، أو تدعو مخلوقا دوني!؟ فالبث لما قلت في السّجن بضع سنين.

عن عبد اللَّه بن عبد الرّحمن‏ (11)، عمّن ذكره عنه قال‏: قال: لمّا قال للفتى:

اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏، أتاه جبرئيل. فضربه برجله، حتّى كشط له عن الأرض السّابعة.

قال له: يا يوسف، انظر! ما ذا ترى؟ فقال: أرى حجرا صغيرا. ففلق الحجر فقال: ما ذا

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أريتها.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دعوته.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يا ربّنا.

(4) يوجد في أ، ب.

(5) ليس في المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 177، ح 26.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: سقت.

(9) ليس في أ، ب.

(10) ليس في المصدر.

(11) تفسير العياشي 2/ 177، ح 27.

315

ترى؟ قال: أرى دودة صغيرة. قال: فمن رازقها؟ قال: ربّي.

قال: فإنّ ربّك يقول: لم أنس‏ (1) هذه الدّودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السّابعة، أظننت أنّي أنساك، حتّى تقول للفتى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏!؟ لتلبثنّ في السّجن بمقالتك هذه بضع سنين.

قال: فبكى يوسف عند ذلك، حتّى بكى لبكائه الحيطان. قال‏ (2): فتأذّى به أهل السّجن. فصالحهم على أن يبكي يوما، و يسكت يوما. فكان في اليوم الّذي يسكت أسوأ حالا.

و في مجمع البيان‏ (3): و قد روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: عجبت من أخي يوسف، كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق!

و روي‏ (4) أنّه قال‏: لو لا كلمته، ما لبث في السّجن طول ما لبث.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أخبرنا الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن إسماعيل بن عمر، عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

إنّ يوسف أتاه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له: يا يوسف! إنّ ربّ العالمين يقرئك السّلام و يقول لك: من جعلك [أحسن خلقه!؟ قال: فصاح و وضع خدّه على الأرض.

ثمّ قال: أنت يا ربّ.

ثمّ قال له: و يقول لك: من حبّبك‏] (6) إلى أبيك دون إخوتك!؟ قال: فصاح و وضع خدّه على الأرض، و قال: أنت يا ربّ.

قال: و يقول لك من أخرجك من الجبّ، بعد أن طرحت فيها و أيقنت بالهلكة!؟

قال: فصاح و وضع خدّه على الأرض. ثمّ قال: أنت يا ربّ.

قال: فإنّ ربّك قد جعل لك عقوبة في استغاثتك بغيره. فالبث‏ (7) في السّجن بضع سنين.

قال: فلمّا انقضت المدّة، و أذن اللَّه له في دعاء الفرج، وضع‏ (8) خدّه على‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لم أنسي.

(2) ليس في أ، ب.

3 و 4- المجمع 3/ 235.

(5) تفسير القمّي 1/ 344- 345.

(6) ليس في أ، ب.

(7) المصدر: فلبثت.

(8) المصدر: فوضع.

316

الأرض. ثمّ قال: «اللّهمّ، إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك، فإنّي أتوجّه إليك بوجه آبائي الصّالحين إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب». ففرّج اللَّه عنه.

قلت: جعلت فداك، أ ندعوا نحن بهذا الدّعاء؟ فقال: ادع بمثله: «اللّهمّ، إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك، فإنّي أتوجّه إليك بنبيّك، نبيّ الرّحمة، محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة- (عليهم السلام)-».

و فيه‏ (1): قال‏: و لمّا أمر الملك بحبس يوسف في السّجن، ألهمه اللَّه تأويل الرّويا، [فكان‏] (2) يعبّر لأهل السّجن. فلمّا سألاه الفتيان الرّؤيا، و عبّر لهما وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏ و لم يفزع في تلك الحالة إلى اللَّه، فأوحى اللَّه إليه: من أراك الرّؤيا الّتي رأيتها!؟ فقال يوسف: أنت يا ربّ.

قال: فمن حبّبك إلى أبيك!؟ قال: أنت يا ربّ.

قال: فمن وجّه إليك السّيّارة الّتي رأيتها!؟ فقال: أنت يا ربّ.

قال: فمن علّمك الدّعاء الّذي دعوت به، حتّى جعلت لك من الجبّ فرجا!؟

قال: أنت يا ربّ.

قال: فمن أنطق لسان الصّبيّ بعذرك؟ قال: أنت يا ربّ.

قال: فمن ألهمك تأويل الرّؤيا!؟ قال: أنت يا ربّ.

قال: فكيف استعنت بغيري، و لم تستعن بي!؟ و أملت عبدا من عبيدي، ليذكرك إلى مخلوق من خلقي و في قبضتي، و لم تفزع إليّ! البث‏ (3) في‏ (4) السّجن بضع سنين.

فقال يوسف: أسألك بحقّ آبائي [و أجدادي‏] (5) عليك، إلّا فرّجت عنّي. فأوحى اللَّه إليه: يا يوسف! و أيّ حقّ لآبائك و أجدادك عليّ!؟

إن كان أبوك آدم، خلقته بيدي، و نفخت فيه من روحي. و أسكنته جنّتي، و أمرته أن لا يقرب شجرة منها. فعصاني. فسألني، فتبت عليه.

و إن كان أبوك نوح، انتجبته من بين خلقي، و جعلته رسولا إليهم. فلمّا عصوا، دعاني. فاستجبت له، و غرّقتهم‏ (6). و أنجيته و من معه في الفلك.

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 353- 354.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: و لبثت.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: أغرفتهم.

317

و إن كان أبوك إبراهيم، اتّخذته خليلا. و أنجيته من النّار، و جعلتها عليه‏ (1) بردا و سلاما.

و إن كان أبوك يعقوب، وهبت له اثني عشر ولدا. فغيّبت عنه واحدا. فما زال يبكي، حتّى ذهب بصره. و قعد إلى الطّريق يشكوني إلى خلقي. فأيّ حقّ لآبائك [و أجدادك‏] (2) عليّ!؟

قال: فقال له‏ (3) جبرئيل: قل يا يوسف: «أسألك بمنّك العظيم و إحسانك القديم». فقالها. فرأى الملك الرّؤيا، و كان فرجه فيها.

وَ قالَ الْمَلِكُ‏:

في مجمع البيان‏ (4): هو الوليد بن ريّان، و العزيز وزيره فيما رواه الأكثرون.

إِنِّي أَرى‏ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ‏ و سبع بقرات مهازيل. فابتلع المهازيل السّمان.

يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبّها.

و في مجمع البيان‏ (5): [عن‏] (6) جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قرأ: «و سبع سنابل».

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7)، عن ابن أبي يعفور قال‏: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقرأ: «سبع سنابل خضر (8)».

وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏: و سبع أخر يابسات قد أدركت. فالتوت اليابسات على الخضر حتّى غلبن عليها.

و إنّما استغنى عن بيان حالها، بما قصّ من حال البقرات.

و أجرى السّمان على المميّز دون المميّز، لأنّ التّمييز بها. و وصف السّبع الثاني بالعجاف لتعذّر (9) التّمييز بها، مجرّدا عن الموصوف، فإنّه لبيان الجنس. و قياسه: «عجف» لأنّه جمع عجفاء، لكنّه حملت على «سمان» لأنّه نقيضه.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) المجمع 3/ 237.

(5) نفس المصدر و المجلّد/ 236.

(6) منّا.

(7) تفسير العياشي 2/ 179، ح 33.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: خضرة.

(9) ر: لتقدر.

318

يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ‏: عبّروها.

إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ‏ (43):

إن كنتم عالمين بعبارة الرّؤيا. فهي الانتقال من الصّور الخياليّة إلى المعاني النّفسانيّة الّتي هي مثالها. من العبور، و هو: المجاوزة. و عبرت الرّؤيا عبارة أثبت من عبّرتها تعبيرا.

و اللّام للبيان. أو لتقوية العامل. فإنّ الفعل لمّا تأخّر عن مفعوله، ضعف، فقوي باللّام، كاسم الفاعل. أو لتضمّن «تعبرون» معنى فعل يعدّى باللّام. كأنّه قيل: إن كنتم تنتدبون‏ (1) لعبارة الرّؤيا.

قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ‏:

أي: هذه أضغاث أحلام. و هي تخاليطها و أباطيلها، و ما يكون منها من وسوسة و حديث نفس. جمع ضغث، و أصله: ما جمع من أخلاط النّبات و حزم، فاستعير للرّؤيا الكاذبة.

و إنّما جمعوا، للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان- كقولهم: فلان يركب الخيل- أو لتضمّنه أشياء مختلفة (2).

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: الرّؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من اللَّه للمؤمن، و تحذير من الشّيطان، و أضغاث أحلام.

و في أمالي الصّدوق‏ (4)، بإسناده إلى النّوفليّ قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: الرّجل‏ (5) يرى الرّؤيا، فتكون كما رآها (6). و ربّما رأى الرّؤيا، فلا تكون شيئا.

فقال:

إنّ المؤمن إذا نام، خرجت من‏ (7) روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السّماء. فكلما رآه المؤمن‏ (8) في ملكوت السّماوات، في موضع التّقدير و التّدبير، فهو الحقّ. و كلّما رآه في‏

____________

(1) أ، ب: تندبون.

(2) كذا في أ، ب، ر. و في سائر النسخ:

مختلقة.

(3) الكافي 8/ 90، ح 91.

(4) أمالي الصدوق/ 124- 125 ح 15.

(5) المصدر: المؤمن.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يراها.

(7) ب: من.

(8) المصدر: روح المؤمن.

319

الأرض، فهو أضغاث أحلام.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (1) إلى عليّ- (عليه السلام)- قال‏: سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الرّجل ينام فيرى الرّؤيا، فربّما كانت حقّا، و ربّما كانت باطلا. فقال رسول اللَّه‏ (2)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [يا عليّ،] (3) إنّه ما من عبد ينام، إلّا عرج بروحه إلى ربّ العالمين. فما رأى عند ربّ العالمين، فهو حقّ. ثمّ إذا أمر العزيز الجبّار بردّ روحه إلى جسده، فصارت الرّوح بين السّماء و الأرض، فما رأته، فهو أضغاث أحلام.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4)، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: رأت فاطمة في النّوم كأنّ الحسن و الحسين ذبحا، أو قتلا. فأحزنها ذلك فأخبرت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رؤيا! فتمثّلت بين يديه. قال: أ رأيت فاطمة هذا البلاء؟

قالت: لا. قال: يا أضغاث! أ رأيت‏ (5) فاطمة هذا البلاء؟ قالت: نعم، يا رسول اللَّه.

قال: فما أردت بذلك؟ قالت‏ (6): أردت أن أحزنها. فقال لفاطمة (7): اسمعي، ليس هذا بشي‏ء.

وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ‏ (44):

يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصّة. أي: ليس لها تأويل عندنا، و إنّما التّأويل للمنامات الصّادقة. اعتذار لجهلهم بتأويله.

وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما: من صاحبي السّجن، و هو صاحب الشّراب‏ وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ: و تذكّر بعد جماعة من الزّمان مجتمعة، أي: مدّة طويلة.

و قرئ‏ (8): «إمّة»- بكسر الهمزة- و هي: النّعمة. أي: بعد ما أنعم اللَّه عليه بالنّجاة. و «أمه»، أي: نسيان. يقال: أمه يأمه أمها: إذا نسي.

و الجملة اعتراض و مقول القول:

____________

(1) أمالي الصدوق/ 125، ح 17.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رسول رسول اللَّه.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العياشي 2/ 178- 179، ح 31.

(5) المصدر: أنت أ رأيت.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فاطمة.

(8) أنوار التنزيل 1/ 497.

320

أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ‏ (45)، أي: إلى من عنده علمه. أو: إلى السّجن.

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ‏:

أي: فأرسل إلى يوسف. فجاء و قال: يا يوسف. و إنّما وصفه بالصّدّيق- و هو المبالغ‏ (1) في الصّدق- لأنّه جرّب أحواله، و عرف صدقه في تأويل رؤياه و رؤيا صاحبه.

أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏، أي: في تأويل رؤيا ذلك.

لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ‏: أعود إلى الملك و من عنده، أو إلى أهل البلد. إذ قيل‏ (2): إنّ السّجن لم يكن فيه.

لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ‏ (46) تأويلها. أو: فضلك و مكانك.

و إنّما لم يبتّ الكلام فيهما، لأنّه لم يكن جازما بالرّجوع، فربّما اخترم دونه، و لا يعلمهم.

قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً:

أي: على عادتكم المستمرّة. و انتصابه على الحال بمعنى: دائبين. أو المصدر، بإضمار فعله. أي: تدأبون دأبا. و تكون الجملة حالا.

و قرأ (3) حفص: «دأبا» بفتح الهمزة. و كلاهما مصدر دأب في العمل.

و قيل‏ (4): «تزرعون» أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة، لقوله:

فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ‏ كيلا يأكله السّوس.

و هو على هذا نصيحة خارجة عن العبارة.

إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ‏ (47) في تلك السّنين.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ‏، أي: يأكل أهلهنّ ما ادّخرتم لأجلهنّ. فأسند إليهنّ على المجاز، تطبيقا بين المعبّر و المعبّر به.

و في مجمع البيان‏ (5)، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «ما قرّبتم‏ (6) لهنّ».

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: المبالغة.

(2) أنوار التنزيل 1/ 498.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 3/ 236.

(6) المصدر: قرّأتم.

321

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عنه- (عليه السلام)-: إنّما أنزل: «ما قرّبتم لهنّ».

إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ‏ (48): تحرزون‏ (2) لبذور الزّراعة.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ‏: يُمطرون، من الغيث. أو:

يغاثون من القحط، من الغوث.

وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ (49) ما يعصر- كالعنب و الزّيتون- لكثرة الثّمار.

و قيل‏ (3): يحلبون الضّروع.

و قرأ (4) حمزة و الكسائي بالتّاء، على تغليب المستفتي.

و قرئ‏ (5) على بناء المفعول، من عصره: إذا أنجاه. و يحتمل أن يكون المبنيّ للفاعل منه. أي: يغيثهم اللَّه، و يغيث بعضهم بعضا. أو من: أعصرت السّحابة عليهم. فعدّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.

و هذه بشارة بشّرهم بها، بعد أن أوّل البقرات السّمان و السّنبلات الخضر بسنين مخصبة، و العجاف اليابسات بسنين مجدبة، و ابتلاع العجاف السّمان بأكل ما جمع في السّنين المخصبة في السّنين المجدبة.

قيل‏ (6): و لعلّه علم ذلك بالوحي. أو بأنّ انتهاء الجدب بالخصب. أو بأنّ السّنّة الإلهيّة على أن يوسّع على عباده بعد ما ضيّق عليهم.

و في مجمع البيان‏ (7): و قرأ جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: «يعصرون» بياء مضمومة و صاد مفتوحة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قرأ رجل على أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ [يعني: على البناء للفاعل‏] (9). فقال: ويحك! و أيّ شي‏ء يعصرون؟ يعصرون الخمر!؟

قال الرّجل: يا أمير المؤمنين، كيف أقرأها؟ قال: إنّما أنزلت: «عام فيه يغاث النّاس و فيه يعصرون»، يمطرون بعد المجاعة (10). و الدّليل على ذلك قوله‏ (11):

____________

(1) تفسير القمي 1/ 345.

(2) ليس كذا في أنوار التنزيل 1/ 498. و في النسخ: تحصنون تحرزون.

3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 498.

(6) أنوار التنزيل 1/ 498.

(7) المجمع 3/ 236.

(8) تفسير القمي 1/ 346 باختلاف يسير.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: سنين المجاعة.

(11) النّبأ/ 14.

322

وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن محمّد بن عليّ الصّيرفيّ، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- «عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ [بالبناء للمفعول‏] (2): يمطرون. ثمّ قال: أما سمعت قوله: وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً

وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ‏، بعد ما جاءه الرّسول.

فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ‏ ليخرجه، قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ‏:

في تفسير العيّاشيّ‏ (3): يعني العزيز.

فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ‏:

إنّما تأنّى في الخروج، و قدّم سؤال النّسوة و فحص حالهنّ، ليظهر براءة ساحته، و يعلم أنّه سجن ظلما، فلا يقدر الحاسد أن يتوسّل به إلى تقبيح أمره. و إنّما لم يتعرّض لسيّدته [مع ما صنعت به‏] (4)، كرما و مراعاة للأدب.

و في مجمع البيان‏ (5): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: لقد عجبت من يوسف و كرمه و صبره! و اللَّه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف و السّمان. و لو كنت مكانه، ما أخبرتهم‏ (6)، حتّى أشترط أن يخرجوني.

و

في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن أبان عن محمّد بن مسلم، عنهما قالا: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل إليه الملك يسأله عن رؤياه‏ (8)، ما حدّثته، حتّى أشترط عليه أن يخرجني من السّجن. و تعجّبت‏ (9) لصبره عن شأن امرأة الملك حتّى أظهر اللَّه عذره.

و في مجمع البيان‏ (10)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- متّصلا بما سبق- يعني قوله:

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 180، ح 35.

(2) ليس في المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 180، ح 37.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) المجمع 3/ 240.

(6) أ، ب: أخبرته.

(7) تفسير العياشي 2/ 179، ح 32.

(8) ب: الرّؤيا.

(9) المصدر: عجبت.

(10) المجمع 3/ 240.

323

يخرجوني-:

و لقد عجبت من يوسف و صبره و كرمه! و اللَّه يغفر له حين أتاه الرّسول فقال:

ارجع إلى ربّك. و لو كنت مكانه، و لبثت في السّجن ما لبث، لأسرعت الإجابة، و بادرتهم الباب، و ما ابتغيت العذر. إن كان لحليما ذا أناة.

و روي‏ (1) أنّ يوسف لمّا خرج من السّجن، دعا [لأهله‏] (2) و قال: «اللّهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار، و لا تعمّ‏ (3) عليهم الأخبار». فلذلك يكون أصحاب السّجن أعرف النّاس بالأخبار في كلّ بلدة. و كتب على باب السّجن: هذا قبور الأحياء، و بيت الأحزان‏ (4)، و تجربة (5) الأصدقاء، و شماتة الأعداء.

و قرئ‏ (6): «النّسوة» بضمّ النّون.

إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ‏ (50) حين قلن لي: أطع مولاتك.

و فيه تعظيم كيدهنّ، و الاستشهاد بعلم اللَّه- تعالى- عليه، و على أنّه برئ ممّا قذف به، و الوعيد لهنّ على كيدهنّ.

قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ‏: قال الملك لهنّ: ما شأنكنّ.

و الخطب: أمر يحقّ أن يخاطب فيه صاحبه.

قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ‏:

تنزيه له و تعجّب من قدرته على خلق عفيف مثله.

ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ: من ذنب.

قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ‏: ثبت و استقرّ. من: حصحص البعير: إذا ألقى مباركة ليناخ. أو: ظهر. من حصّ شعره: إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه.

و قرئ‏ (7) على البناء للمفعول.

أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏ (51): في قوله:

____________

(1) المجمع 3/ 242.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تغم.

(4) كذا في المصدر. و في ب: الأشجان. و في سائر النسخ: الإحسان.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تحزنة.

(6) أنوار التنزيل 1/ 498.

(7) أنوار التنزيل 1/ 499.

324

هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي‏.

و لا مزيد على شهادة الخصم بأنّ صاحبه على الحقّ، و هو على الباطل.

ذلِكَ لِيَعْلَمَ‏:

قال يوسف لمّا عاد إليه الرّسول، و أخبر بكلامهنّ. أي: ذلك التّثبّت ليعلم العزيز:

أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ‏: بظهر الغيب.

و هو حال من الفاعل أو المفعول. أي: لم أخنه، و أنا غائب عنه، أو هو غائب عنّي. أو ظرف. أي: بمكان الغيب وراء الأستار و الأبواب المغلقة.

وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ‏ (52)، أي: لا ينفذه. أي: لا يهدي الخائنين بكيدهم. فأوقع الفعل على الكيد، مبالغة.

و فيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها، و توكيد لأمانته.

و لذلك عقّبه بقوله: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي‏- أي: لا أنزّهها- تنبيها على أنّه لم يرد بذلك تزكية نفسه، و العجب بحاله، بل إظهار ما أنعم اللَّه عليه من العصمة و التّوفيق.

إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ:

من حيث إنّها بالطّبع مائلة إلى الشّهوات، آمرة بها.

إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي‏: إلّا وقت رحمة ربّي. أو: إلّا ما (رحمه اللّه) من النّفوس، فعصمه عن ذلك.

و قيل‏ (1): الاستثناء منقطع. أي: و لكن رحمة ربّي هي الّتي تصرف الإساءة.

و قيل‏ (2): الآية حكاية قول امرأة العزيز، و المستثنى نفس يوسف و أضرابه. أي:

ذلك الّذي قلته، ليعلم يوسف أنّي لم أكذب عليه في حال الغيب، و صدقت فيما سئلت عنه. و ما أبرئ مع ذلك من الخيانة، فإنّي خنته حين قذفته و سجنته. تريد الاعتذار عمّا كان فيها.

و هذا التّفسير هو المستفاد من كلام‏

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، حيث قال‏ في قوله:

لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ‏: أي لا أكذب عليه الآن، كما كذبت عليه من قبل.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 499.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القميّ 1/ 346.

325

و قرأ (1) قالون و البزيّ: «بالسّوّ» على قلب الهمزة واوا، ثمّ الإدغام.

إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (53): يغفر ميل النّفس، و يرحم من يشاء بالعصمة.

أو: يغفر المستغفر لذنبه، المعترف على نفسه، و يرحم من استرحمه ما أستغفره ممّا ارتكبه.

وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي‏: أجعله خالصا لنفسي.

فَلَمَّا كَلَّمَهُ‏، أي: فلمّا أتوا به، فكلّمه و شاهد منه الرّشد و الذّكاء، و استدلّ بكلامه على عقله، و بعفّته على أمانته.

قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ‏: ذو مكانة و منزلة أَمِينٌ‏ (54) مؤتمن على كلّ شي‏ء. نقل‏ (2) أنّه لمّا خرج من السّجن، اغتسل و تنظّف، و لبس ثيابا جددا. فلمّا دخل على الملك قال: «اللّهمّ إنّي أسألك من خيره، و أعوذ بك بعزّتك و قدرتك‏ (3) من شرّه». ثمّ سلّم عليه، و دعا له بالعبريّة. فقال: ما هذا اللّسان؟ فقال: لسان آبائي.

و كان الملك يعرف سبعين لسانا. فكلّمه بها، فأجابه بجميعها. فتعجّب منه، فقال:

إنّي أحبّ أن أسمع رؤياي منك. فحكاها، و نعت له البقرات و السّنابل و أماكنها، على ما رآها. فأجلسه على السّرير، و فوّض إليه أمره.

قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ‏: ولّني أمرها. و الأرض أرض مصر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): يعني على الكناريج‏ (5) و الأنابير (6).

إِنِّي حَفِيظٌ لها ممّن لا يستحقّها عَلِيمٌ‏ (55) بوجوه التّصرّف فيها.

و قيل‏ (7): لعلّه‏ (8)- (عليه السلام)- لمّا رأى أنّه يستعمله في أمره لا محالة، آثر ما تعمّ فوائده و تجلّ عوائده.

و في عيون الأخبار (9): حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ- رضي اللَّه عنه-

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 499.

(2) أنوار التنزيل 1/ 499.

(3) ليس في أ، ب، ر.

(4) تفسير القميّ 1/ 346.

(5) المصدر: الكناديج. و هو جمع الكندوج شبه مخزن من تراب أو خشب، توضع فيه الحنطة و غيرها. و الكناريج- جمع الكرنج كقرطق- الحانوت أو متاع حانوت بقّال.

(6) الأنابير- جمع أنبار-: بيت التاجر الّذي يجمع فيه المتاع و الغلال.

(7) أنوار التنزيل 1/ 500.

(8) أ، ب: لعل.

(9) العيون 2/ 138، ح 2.

326

قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيان بن الصّلت الهرويّ قال‏:

دخلت على عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- فقلت: له يا ابن رسول اللَّه، إنّ النّاس يقولون إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزّهد في الدّنيا! فقال- (عليه السلام)-:

قد علم اللَّه كراهتي لذلك. فلمّا خيّرت بين قبول ذلك و بين القتل، اخترت‏ (1) القبول على القتل.

ويحهم! أما علموا أنّ يوسف- (عليه السلام)- كان نبيّا و رسولا، فلمّا دفعته الضّرورة إلى تولّي خزائن العزيز، قال: اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏!؟ و دفعتني الضّرورة إلى قبول ذلك، على إكراه و إجبار بعد الإشراف على الهلاك. على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه. فإلى اللَّه المشتكى.

و هو المستعان.

حدّثنا المظّفر (2) بن جعفر بن المظّفر العلويّ السّمرقندي‏ (3)- رضي اللَّه عنه- قال:

حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود العيّاشيّ، عن أبيه قال: حدّثنا محمّد بن نصير، عن الحسن بن موسى قال:

روى أصحابنا عن الرّضا- (عليه السلام)‏- أنّه قال له رجل: أصلحك اللَّه، كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ و كأنّه أنكر ذلك عليه.

فقال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: يا هذا، أيّهما أفضل، النّبيّ أو الوصيّ؟

فقال: لا، بل النّبيّ.

قال: فأيّهما أفضل، مسلم أو مشرك؟ قال: لا، بل مسلم.

قال: فإنّ العزيز- عزيز مصر- كان مشركا، و كان يوسف- (عليه السلام)- نبيّا.

و إنّ المأمون مسلم، و أنا وصيّ. و يوسف سأل العزيز أن يولّيه، حين قال: اجْعَلْنِي‏- إلى قوله-: حَفِيظٌ. و أنا أجبرت‏ (4) على ذلك.

و قال- (عليه السلام)- في قوله: اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ قال: حافظ لما في يدي، عالم‏ (5) بكلّ لسان.

____________

(1) م، ب: أخذت.

(2) العيون 2/ 137- 138، ح 1.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: السرمقندي.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: جبرت.

(5) ليس في أ، ب.

327

و في الخرائج و الجرائح‏ (1): روي عن محمّد بن زيد الرّزامي‏ (2) قال‏: كنت في خدمة الرّضا- (عليه السلام)- لمّا جعله المأمون وليّ عهده. فأتاه رجل [من الخوارج‏] (3) في كمّه مدية (4) مسمومة. و قد قال لأصحابه: و اللَّه، لآتينّ هذا الّذي يزعم أنّه ابن رسول اللَّه- و قد دخل لهذا الطّاغية فيما (5) دخل- فأسأله عن حجّته. فإن كان له حجّة، و إلّا أرحت النّاس منه.

فأتاه، و استأذن عليه- (عليه السلام)- فأذن له. فقال له أبو الحسن- (عليه السلام)-.

أجيبك عن مسألتك على شريطة تفي‏ (6) لي بها. فقال: و ما هذه الشّريطة؟ قال: إن أجبتك بجواب يقنعك و ترضاه، تكسر الّتي‏ (7) في كمّك و ترمي بها (8).

فبقي الخارجيّ متحيّرا، و أخرج المدية و كسرها. ثمّ قال له: أخبرني عن دعواك مع هذا (9) الطّاغية فيما دخلت له- و هم عندك كفّار، و أنت ابن رسول اللَّه- ما حملك على هذا؟

فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: أ رأيت‏ (10) هؤلاء أكفر عندك أم عزيز مصر و أهل مملكته!؟ أليس هؤلاء على حال يزعمون أنّهم موحّدون، و أولئك لم يوحّدوا اللَّه و لم يعرفوه!؟ و أنّ يوسف بن يعقوب نبيّ ابن نبيّ، و قال لعزيز (11) مصر- و هو كافر- (12):

اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏. و كان يجالس الفراعنة (13). و أنا رجل من ولد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أجبرني على هذا الأمر، و أكرهني عليه. فما الّذي أنكرت و نقمت عليّ!؟

فقال: لا عتب عليك. أشهد أنّك ابن نبيّ اللَّه، و أنّك صادق.

____________

(1) الخرائج 2/ 766، ح 86.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 115. و في النسخ: الرازيّ.

(3) يوجد في المصدر و ب.

(4) المدية- بالتثليث-: السكّين العظيمة العريضة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: توفي.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الّذي.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: به.

(9) المصدر: دخولك لهذا.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أ رأيتك.

(11) المصدر: «يسأل العزيز» بدل «قال لعزيز».

(12) المصدر: زيادة «فقال».

(13) المصدر: كان يجلس مجالس الفراعنة.

328

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول يوسف- (عليه السلام)-: اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ قال: حفيظ بما تحت يدي عليم بكلّ لسان.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): و قال سليمان: قال سفيان‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يجوز (3) أن يزكّي الرّجل نفسه؟ قال: نعم، إذا اضطرّ إليه. أما سمعت قول يوسف: اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏!؟ و قول العبد الصالح‏ (4): وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ‏!؟.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- لأقوام يظهرون الزّهد و يدعون النّاس أن يكونوا معهم، على مثل الّذي هم عليه من التّقشّف:

و أخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود- (عليه السلام)-؟ ثمّ يوسف النّبيّ- (عليه السلام)- حيث قال لملك مصر: اجْعَلْنِي‏- إلى قوله:- عَلِيمٌ‏؟ فكان من أمره الّذي كان [أن‏] (6) أختار مملكة الملك و ما حولها إلى اليمن. و كانوا يمتارون الطّعام من عنده لمجاعة أصابتهم. و كان يقول الحقّ و يعمل به. فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه.

عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عبد الرّحمن بن حمّاد، عن يونس بن يعقوب، عن سعد، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

لمّا صارت الأشياء ليوسف بن يعقوب- (عليهما السلام)- جعل الطّعام في بيوت، و أمر بعض وكلائه، و كان يقول: بع كذا و كذا. و السّعر قائم. فلمّا علم أنّه يزيد في ذلك اليوم، كره أن يجري الغلاء على لسانه. فقال له: اذهب و بع. و لم يسمّ‏ (8) له سعرا.

فذهب الوكيل غير بعيد. ثمّ رجع إليه. فقال له: اذهب فبع. و كره أن يجري الغلاء على لسانه. فذهب الوكيل. فجاء أوّل من اكتال. فلمّا بلغ دون ما كان بالأمس بمكيال، قال المشتري: حسبك، إنّما أردت بكذا و كذا. فعلم الوكيل أنّه قد غلا

____________

(1) العلل 1/ 125، ح 4.

(2) تفسير العياشي 2/ 181، ح 40.

(3) المصدر: [ما] يجوز.

(4) الأعراف/ 68.

(5) الكافي 5/ 70، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 5/ 163، ح 5.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يسمي.

329

بمكيال.

ثمّ جاءه آخر، فقال له: كل لي. فكال. فلمّا بلغ دون الّذي كال‏ (1) للأوّل بمكيال، قال له المشتري: حسبك، إنّما أردت بكذا و كذا. فعلم الوكيل أنّه قد غلا بمكيال. حتّى صار إلى واحد واحد.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

كان سبق‏ (3) يوسف الغلاء الّذي أصاب النّاس، و لم يثمّن‏ (4) الغلاء لأحد قطّ.

قال: فأتاه التّجّار، فقالوا: بعنا. قال: اشتروا. فقالوا نأخذ كذا و بكذا. فقال: خذوا.

و أمر فكالوهم فحملوا و مضوا، حتّى دخلوا المدينة. فلقيهم‏ (5) قوم تجّار فقالوا لهم: كيف أخذتم؟ فقالوا: كذا بكذا. و أضعفوا الثّمن.

قال: و قدموا أولئك على يوسف، فقالوا: بعنا. فقال: اشتروا، كيف تأخذون؟

قالوا: بعنا، كما بعت كذا بكذا. فقال: ما هو كما تقولون، و لكن خذوا. فأخذوا. ثمّ مضوا، حتّى دخلوا المدينة. فلقيهم آخرون، فقالوا: كيف أخذتم؟ فقالوا: كذا بكذا.

و أضعفوا الثّمن. قال: فعظّم النّاس ذلك الغلاء، و قالوا: اذهبوا بنا حتّى نشتري.

قال: فذهبوا إلى يوسف، فقالوا: بعنا. فقال: اشتروا. فقالوا (6): بعنا، كما بعت. فقال: و كيف بعت؟ قالوا: كذا بكذا. فقال: ما هو كذلك، و لكن خذوا.

قال: فأخذوا و رجعوا إلى المدينة، و أخبروا النّاس. فقالوا فيما بينهم: تعالوا (7) حتّى نكذب في الرّخص، كما كذبنا في الغلاء.

قال: فذهبوا إلى يوسف، فقالوا له: بعنا. فقال: اشتروا. فقالوا: بعنا، كما بعت. قال: و كيف بعت؟ قالوا: كذا بكذا- بالحطّ من السّعر الأوّل‏ (8). فقال: ما هو هكذا، و لكن خذوا. فأخذوا، و ذهبوا إلى المدينة. فلقيهم النّاس فسألوهم: بكم اشتريتم؟ فقالوا: كذا بكذا- بنصف الحطّ الأوّل. فقال الآخرون: اذهبوا بنا حتّى‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: كان.

(2) تفسير العياشي 2/ 179- 180، ح 34.

(3) بعض نسخ المصدر: سنين.

(4) المصدر: لم يمرّ (يتمن خ ل)

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فلقاهم.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تعالوا فيما بينهم.

(8) ليس في المصدر.

330

نشتري.

فذهبوا إلى يوسف، فقالوا: بعنا. فقال: اشتروا. فقالوا: بعنا، كما بعت.

فقال: و كيف بعت؟ فقالوا: بكذا و كذا- بالحطّ من النّصف. فقال: ما هو كما تقولون، و لكن خذوا. فلم يزالوا يتكاذبون، حتّى رجع السّعر إلى الأمر الأوّل، كما أراد اللَّه.

و في مجمع البيان‏ (1): و في كتاب النّبوّة، بالإسناد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن بنت إلياس قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: و أقبل يوسف على جمع الطّعام. فجمع في السّبع السّنين المخصبة، فكبسه في الخزائن. فلمّا مضت تلك السّنون، و أقبلت السّنون‏ (2) المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطّعام.

فباعهم في السّنة الأولى بالدّراهم و الدّنانير. حتّى لم يبق بمصر و ما حولها دينار و لا درهم، إلّا صار في ملكيّة (3) يوسف.

و باعهم في السّنة الثّانية بالحليّ و الجواهر. حتّى لم يبق‏ (4) بمصر و ما حولها حليّ و لا جوهر، إلّا صار في ملكيّة (5) يوسف‏ (6).

و باعهم في السّنة الثّالثة بالدّوابّ و المواشي. حتّى لم يبق بمصر و ما حولها دابّة و لا (7) ماشية، إلّا صارت‏ (8) في ملكيّة يوسف‏ (9).

و باعهم في السّنّة الرّابعة بالعبيد و الإماء. حتّى لم يبق بمصر [و ما حولها] (10) عبد و لا أمة، إلّا صار في ملكيّة (11) يوسف‏ (12).

و باعهم في السّنة الخامسة بالدّور و العقار. حتّى لم يبق بمصر و ما حولها دار و لا عقار، إلّا صار في ملكيّة يوسف‏ (13).

____________

(1) المجمع 3/ 244.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: مملكة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يبقى.

(5) المصدر: مملكته.

(6) ليس في المصدر.

(7) ليس في أ، ر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: صار.

(9) المصدر: «مملكته» بدل «ملكيّة يوسف».

(10) ليس في المصدر.

(11) المصدر: مملكته.

(12) ليس في المصدر.

(13) المصدر: «مملكته» بدل «ملكيّة يوسف».

331

و باعهم في السّنة السّادسة بالمزارع و الأنهار. حتّى لم يبق بمصر [و ما حولها] (1) نهر و لا مزرعة، إلّا صار في ملكيّة يوسف‏ (2).

و باعهم في السّنة السّابعة برقابهم. حتّى لم يبق بمصر و ما حولها عبد و لا حرّ، إلّا صار عبد يوسف.

فملك أحرارهم، و عبيدهم، و أموالهم‏ (3). و قال النّاس: ما رأينا و لا سمعنا بملك أعطاه اللَّه من الملك ما أعطى هذا الملك حكما و علما (4) و تدبيرا! ثمّ قال يوسف للملك: أيّها الملك، ما ترى فيما خوّلني ربّي من ملك مصر و أهلها؟ أشر علينا برأيك. فإني لم أصلحهم، لأفسدهم. و لم أنجهم من البلاء، لأكون بلاء (5) عليهم. و لكنّ اللَّه نجّاهم‏ (6) على يدي. قال له الملك: الرّأي رأيك.

قال يوسف: إنّي أشهد اللَّه و أشهدك- أيّها الملك- أنّي قد أعتقت أهل مصر كلّهم. و رددت إليهم أموالهم و عبيدهم. و رددت عليك- أيّها الملك- خاتمك و سريرك و تاجك، على أن لا تسير إلّا بسيرتي و لا تحكم إلّا بحكمي.

قال له الملك: إنّ ذلك لشرفي‏ (7) و فخري أن لا أسير إلّا بسيرتك، و لا أحكم إلّا بحكمك. و لولاك، ما قويت عليه، و لا اهتديت له. و لقد جعلت سلطاني‏ (8) عزيزا لا (9) يرام. و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، وحده لا شريك له، و أنّك رسوله. فأقم على ما ولّيتك. فإنّك لدينا مكين أمين.

وَ كَذلِكَ‏: مثل ذلك التّمكين الظّاهر مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ‏: أرض مصر.

في تفسير العيّاشيّ‏ (10): [عن الثمالي‏] (11)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: ملك يوسف مصر و براريها، و لم يجاوزها إلى غيرها.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: «مملكته» بدل «ملكيّة يوسف».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أمراءهم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حكيما و عليما.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ليكون وبالا.

(6) المصدر: أنجاهم.

(7) المصدر: لزينتي.

(8) المصدر: سلطانا.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.

(10) تفسير العياشي 2/ 181، ح 41.

(11) من المصدر.

332

يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ: ينزل من بلادها حيث يهوى.

و قرأ (1) ابن كثير: «نشاء» بالنّون.

نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ في الدّنيا و الآخرة.

وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏ (56)، بل نوفي أجورهم، عاجلا و آجلا.

وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏ (57) الشّرك و الفواحش، لعظمه و دوامه.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عليّ بن النّعمان، عن عبد اللَّه بن سنان‏ (3)، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله. إن نابته‏ (4) نائبة، صبر لها. و إن تداكّت عليه المصائب، لم تكسره‏ (5). و إن أسر و قهر، استبدل بالعسر يسرا (6).

كما كان يوسف الصّدّيق الأمين، لم يضرر حرّيته أن استعبد (7)، و قهر، و أسر، و لم تضرره ظلمة الجبّ و وحشته، و ما ناله، أن منّ اللَّه عليه، فجعل الجبّار العاتي له عبدا، بعد أن‏ (8) كان مالكا. فأرسله، و رحم به امّة (9). و كذلك الصّبر يعقب خيرا. فاصبروا، و وطّنوا أنفسكم على الصّبر، تؤجروا.

وَ جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ‏ للميرة.

و ذلك لأنّه أصاب كنعان، ما أصاب سائر البلاد، من الجدب. فأرسل يعقوب بنيه- غير بنيامين- إليه.

فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏ (58)، أي: عرفهم يوسف، و لم يعرفوه، لطول العهد و مفارقتهم إيّاه في سنّ الحداثة، و نسيانهم إيّاه، و توهّمهم أنّه هلك، و بعد حاله إلى ما رأوه عليها من حاله حين فارقوه، و قلّة تأمّلهم في حلاه من التّهيّب‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 500.

(2) الكافي 2/ 89، ح 6.

(3) المصدر: مسكان.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نابه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لم تكره.

(6) المصدر: باليسر عسرا.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يستعبد.

(8) المصدر: إذ.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: امّته.

333

و الاستعظام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): أمر يوسف أن يبنى له كناديج‏ (2) من صخر، و طيّنها بالكلس. ثمّ أمر بزروع‏ (3) مصر. فحصدت، و دفع إلى كلّ إنسان حصّة، و ترك الباقي‏ (4) في سنبله، لم يدسّه. فوضعها في الكناديج‏ (5). ففعل ذلك سبع سنين.

فلمّا جاءت سنوات الجدب، كان يخرج السّنبل، فيبيع بما شاء. و كان بينه و بين أبيه ثمانية عشر يوما، و كان في بادية. و كان النّاس من الآفاق يخرجون إلى مصر، ليمتاروا طعاما.

و كان يعقوب و ولده نزولا في بادية فيها مقل‏ (6). فأخذ إخوة يوسف من ذلك المقل، و حملوه إلى مصر ليمتاروا به. و كان يوسف يتولّى البيع بنفسه. فلمّا دخل‏ (7) إخوته عليه، عرفهم و لم يعرفوه، كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يحدّث قال: لمّا فقد يعقوب يوسف، اشتدّ حزنه عليه و بكاؤه. حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، و احتاج حاجة شديدة، و تغيّرت حاله. [قال:] (9) و كان يمتار القمح من مصر [لعياله‏] (10) في السّنة مرّتين للشّتاء و الصّيف. و إنّه بعث عدّة من ولده ببضاعة يسيرة إلى مصر، مع رفقة خرجت.

فلمّا دخلوا على يوسف- و ذلك بعد ما ولّاه العزيز مصر- فعرفهم يوسف- (عليه السلام)- و لم يعرفه إخوته، لهيبة الملك و عزّته‏ (11). فقال لهم: عجّلوا (12) بضاعتكم قبل الرّفاق‏ (13).

و قال لفتيانه: عجّلوا لهؤلاء الكيل، و أوفوهم. فإذا فرغتم، فاجعلوا بضاعتهم هذه في‏

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 346- 347.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: كناريج.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بزرع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «تركت» بدل «ترك الباقي».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الكناريج.

(6) المقل: الكندر. و ثمر لشجر الدّوم ينضج يؤكل. و الدوم: شجرة تشبه النخلة في حالاتها.

(7) المصدر: دخلوا.

(8) تفسير العياشي 2/ 181، ح 42.

9 و 10- من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: غيره.

(12) المصدر: هلمّوا.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: الرّواق.

334

رحالهم، و لا تعلموهم بذلك. (الحديث).

وَ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ‏: أصلحهم بعدّتهم، و أوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله.

و الجهاز: ما يعدّ من الأمتعة للنّقلة، كعدد السّفر، و ما يحمل من بلدة إلى أخرى، و ما تزفّ للمرأة إلى زوجها.

و قرئ‏ (1): «بجهازهم» بالكسر.

قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): [و أعطاهم، و] (3) أحسن إليهم في الكيل، و قال لهم:

من أنتم؟ قالوا: نحن بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه، الّذي ألقاه نمرود في النّار، فلم يحترق، و جعلها اللَّه عليه بردا و سلاما. قال: فما فعل أبوكم؟ قالوا: شيخ ضعيف. قال: فلكم أخ [غيركم‏] (4)؟ قالوا: لنا أخ من أبينا، لا من أمّنا. قال: فإذا رجعتم إليَّ فائتوني به.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5)، عن الباقر- (عليه السلام)-: قال لهم يوسف: قد بلغني أنّ لكم أخوين‏ (6) لأبيكم. فما فعلا؟ قالوا: أمّا الكبير منهما، فإنّ الذّئب أكله. و أمّا الصّغير فخلّفناه عند أبيه، و هو به ضنين‏ (7)، و عليه شفيق. قال: فإنّي أحبّ أن تأتوني به معكم، إذا جئتم لتمتارون.

أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ‏: أتمّه، وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏ (59) للضّيف و المضيفين لهم. و كان أحسن إنزالهم و ضيافتهم.

فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ‏ (60)، أي: لا تقربوني، و لا تدخلوا دياري. و هو إمّا نفي، و إمّا نهي معطوف على الجزاء.

قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ‏: سنجتهد في طلبه من أبيه.

وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ‏ (61) ذلك، لا نتوانى فيه.

وَ قالَ لِفِتْيانِهِ‏: لغلمانه الكيّالين. جمع فتى.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 500.

(2) تفسير القميّ 1/ 347.

3 و 4- من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 181، ح 42 في ضمن حديث طويل.

(6) المصدر: أخوان.

(7) أ، ب: صغين. و الضنين: البخيل.

335

و قرأ (1) حمزة و الكسّائي و حفص: «لفتيانه»- على جمع الكثرة- ليوافق قوله:

اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ‏:

فإنّه وكّل بكلّ رجل واحدا يعبّئ بضاعتهم الّتي شروا بها الطّعام. و كانت نعالا و أدما. و إنّما فعل ذلك، توسيعا و تفضّلا عليهم، و ترفّعا من أن يأخذ ثمن الطّعام، و خوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به.

فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها: لعلّهم يعرفون حقّ ردّها. أو: لكي يعرفوها، إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمْ‏، و فتحوا أوعيتهم.

لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (62): لعلّ معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرّجوع.

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى‏ أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ‏:

حكم بمنعه بعد هذا الرّجوع، إن لم نذهب ببنيامين.

فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ‏: فأرسل نرفع المانع من الكيل، و نكتل ما نحتاج إليه.

و قرأ (2) حمزة و الكسائيّ بالياء، على إسناده إلى الأخ. أي: يكتل لنفسه، فينضمّ اكتياله إلى اكتيالنا.

وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (63) من أن يناله مكروه.

قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ‏، و قد قلتم في يوسف: وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏.

فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً، فأتوكّل عليه، و أفوّض إليه أمري. وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ (64)، فأرجو أن يرحمني بحفظه، و لا يجمع عليّ مصيبتين.

و انتصاب «حفظا» على التّمييز. و «حافظا»- على قراءة (3) حمزة و الكسائي و حفص- يحتمله و الحال، كقولهم: للّه درّه فارسا.

و قرئ‏ (4): «خير حافظ»، و «خير الحافظين».

و في مجمع البيان‏ (5): ورد في الخبر أنّ اللَّه- سبحانه- قال: فبعزّتي، لأردّنّهما إليك،

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 501.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 3/ 248.

336

بعد ما توكّلت عليّ.

وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ‏:

و قرئ‏ (1): «ردّت» بنقل كسرة الدّال المدغمة إلى الرّاء، نقلها في بيع و قيل.

قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي‏: ما ذا نطلب!؟ هل من مزيد على ذلك، أكرمنا، و أحسن مثوانا، و باع منّا، و ردّ علينا متاعنا!؟ أو: لا نطلب وراء ذلك إحسانا. أو: لا نبغي في القول، و لا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه. أو: ما نريد منك بضاعة أخرى.

و قرئ‏ (2): «ما تبغي»- على الخطاب- أي: أيّ شي‏ء تطلب وراء هذا من الإحسان، أو من الدّليل على صدقنا!؟

هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا:

استئناف موضّح لقوله: ما نَبْغِي‏.

وَ نَمِيرُ أَهْلَنا:

معطوف على محذوف. أي: ردّت إلينا فنستظهر بها، و نمير أهلنا بالرّجوع إلى الملك.

وَ نَحْفَظُ أَخانا عن المخاوف في ذهابنا و إيابنا.

وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ: وسق بعير، باستصحاب أخينا. هذا إذا كانت «ما» استفهاميّة. فأمّا إذا كانت نافية، احتمل ذلك، و احتمل أن تكون الجمل معطوفة على‏ ما نَبْغِي‏. أي: لا نبغي فيما نقول، و نمير أهلنا و نحفظ أخانا.

ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)، أي: مكيل قليل لا يكفينا.

استقلّوا ما كيل لهم، فأرادوا أن يضاعفوه بالرّجوع إلى الملك، و يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم.

و يجوز أن تكون الإشارة إلى‏ كَيْلَ بَعِيرٍ. أي: ذلك شي‏ء قليل لا يضايقنا فيه الملك، و لا يتعاظمه.

و قيل‏ (3): إنّه من كلام يعقوب. و معناه: انّ حمل بعير شي‏ء يسير، لا يخاطر لمثله بالولد.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 501.

(2) أنوار التنزيل 1/ 501.

(3) أنوار التنزيل 1/ 502.

337

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى يعقوب بن سويد، عن أبي‏ (2) جعفر- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: جعلت فداك، لم سمّي أميرُ المؤمنين أميرَ المؤمنين؟ قال: لأنّه يميرهم العلم. أما سمعت كتاب اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ نَمِيرُ أَهْلَنا

و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى يعقوب بن سويد بن بريد الحارثيّ، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله سواء.

و في أصول الكافي‏ (4): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر قال‏: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)-: لم سمّي أمير المؤمنين؟

قال: لأنّه يميرهم العلم. أما سمعت في كتاب اللَّه: وَ نَمِيرُ أَهْلَنا

قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ‏: إذ رأيت منكم ما رأيت، حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ‏: حتّى تعطوني ما أتوثّق به من عند اللَّه، أي: عهدا مؤكّدا بذكر اللَّه- تعالى-.

لَتَأْتُنَّنِي بِهِ‏:

جواب القسم، إذ المعنى: حتّى تحلفوا باللّه لتأتنّني به.

إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ‏: إلّا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك. أو: إلّا أن تهلكوا جميعا.

و هو استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال. و التّقدير: لتأتنّني به على كلّ حال، إلّا حال الإحاطة بكم. أو من أعمّ العلل، على أنّ قوله: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ‏ في تأويل النّفي.

أي: لا تمتنعون من الإتيان به، إلّا للإحاطة بكم. كقولهم: أقسمت باللّه إلّا فعلت، أي: ما أطلب منك إلّا فعلك به.

فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ‏: عهدهم، قالَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ‏: من طلب الموثق و إتيانه‏ وَكِيلٌ‏ (66): رقيب مطّلع، إن خلفتم، انتصف لي منكم.

وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ:

لأنهم كانوا ذوي جمال و أبّهة مشتهرين في مصر بالقربة و الكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا. و لعلّه لم يوصهم بذلك في الكرّة الأولى، لأنّهم كانوا مجهولين حينئذ. أو كان الدّاعي إليها خوفه على بنيامين. و للنّفس آثار، منها العين.

____________

(1) العلل 1/ 161، ح 4.

(2) ليس في المصدر.

(3) المعاني/ 63، ح 13.

(4) الكافي 1/ 412، ح 3.

338

و في مجمع البيان‏ (1): و أنكر الجبّائي العين، و ذكر أنّه لم تثبت بحجّة. و جوّزه كثير من المحقّقين. و رووا فيه الخبر

عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ العين حقّ و العين ستنزل [الحالق.

و] (2) الحالق المكان المرتفع من الجبل و غيره. فجعل- (عليه السلام)- العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل، من قوّة أخذها و شدّة بطشها.

و روي‏ (3) في الخبر أنّه- (عليه السلام)- كان يعوّذ الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- بأن يقول: أعيذكما بكلمات اللَّه التّامّة، من كلّ شيطان و هامّة، من كلّ عين لامّة (4).

و روي‏ (5) أنّ إبراهيم- (عليه السلام)- عوّذ ابنيه. و أنّ موسى عوّذ ابني هارون بهذه العوذة.

و روي‏ (6) أنّ بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا (7). فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول اللَّه، إنّ العين إليهم سريعة. أ فأسترقي لهم من العين؟ فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نعم.

و روي‏ (8) أنّ جبرئيل- (عليه السلام)- أتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و علّمه‏ (9) الرّقية. [و هي:] (10) بسم اللَّه. أرقيك من كلّ عين حاسد. اللَّه يشفيك.

و روي‏ (11) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: لو كان شي‏ء يسبق القدر، لسبقته العين.

و قد روي‏ (12) عنه- (عليه السلام)- ما يدلّ على أنّ الشّي‏ء إذا عظم في صدور العباد، وضع اللَّه قدره و صغّره‏ (13).

و في الكافي‏ (14): عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه‏] (15)، عن بعض أصحابنا، عن القدّاح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (16): عوّذ (17) النّبيّ- صلّى‏

____________

(1) المجمع 3/ 249.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) اللّامّة: العين المصيبة بسوء.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بيضاء.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) ليس في أ، ب.

(10) من المصدر.

11 و 12- نفس المصدر و الموضع.

(13) المصدر: صغّر أمره.

(14) الكافي 2/ 569، ح 3.

(15) من المصدر.

(16) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «قال».

(17) المصدر: رقي.

339

اللَّه عليه و آله- حسنا و حسينا فقال: أعيذكما بكلمات اللَّه التّامّة (1)، و أسمائه الحسنى كلّها عامّة، من شرّ السّامّة و الهامّة، و من شر كلّ عين لامّة، و من شر حاسد إذا حسد. ثمّ التفت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلينا، فقال: هكذا [كان‏] (2) يعوّذ إبراهيم إسماعيل و إسحاق- (عليهم السلام)-.

وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ: ممّا قضى عليكم بما أشرت به إليكم، فإنّ الحذر لا يمنع القدر.

إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ‏: يصيبكم لا محالة إن قضى عليكم بسوء، و لا ينفعكم ذلك.

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏ (67):

جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة. كأنّ الواو للعطف، و الفاء لإفادة التّسبّب. فإنّ فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم.

وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ‏، أي: من أبواب متفرّقة في البلد، ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ‏ رأي يعقوب و اتّباعهم له‏ مِنْ شَيْ‏ءٍ: ممّا قضاه اللَّه عليهم، كما قال يعقوب. فسرقوا، و أخذ بنيامين بوجدان الصّواع في رحله، و تضاعف المصيبة على يعقوب.

إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ‏:

استثناء منقطع. أي: و لكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم و حرازته من أن يعانوا.

قَضاها: أظهرها و وصّى بها.

وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ‏ بالوحي و نصب الحجج. و لذلك قال: وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ و لم يغترّ بتدبيره.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (68) سرّ القدر، و أنّه لا يغني عنه الحذر.

وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَخاهُ‏: ضمّ إليه بنيامين على الطّعام.

قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ‏ فلا تعلمهم بما أعلمتك.

____________

(1) المصدر: التامّات.

(2) من المصدر.

340

فَلا تَبْتَئِسْ‏: فلا تحزن- افتعال من البؤس- بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (69) في حقّنا. فإنّ اللَّه قد أحسن إلينا، و جمعنا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن عليّ بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، [عن أبيه‏] (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

و قد كان هيّأ لهم طعاما. فلمّا دخلوا عليه‏ (3)، قال: ليجلس كلّ بني أمّ على مائدة. قال: فجلسوا. و بقي بنيامين‏ (4) قائما.

فقال له يوسف: ما لك لا تجلس؟ قال له: إنّك قلت: ليجلس كلّ بني أمّ على مائدة. و ليس لي فيهم ابن أمّ.

فقال يوسف: أما (5) كان لك ابن أمّ؟ قال له: بنيامين‏ (6): بلى.

قال يوسف: فما فعل؟ قال: زعم هؤلاء أنّ الذّئب أكله.

قال: فما بلغ من حزنك عليه. قال: ولد لي أحد عشر ابنا كلّهم اشتققت له اسما من اسمه.

فقال له يوسف: أراك قد عانقت النّساء و شممت الولد من بعده. قال له بنيامين‏ (7): إنّ لي أبا صالحا، و إنّه قال: تزوّج، لعلّ اللَّه أن يخرج منك ذرّيّة تثقل الأرض بالتّسبيح.

فقال له: تعال فاجلس معي على مائدتي.

فقال إخوة يوسف: لقد فضّل اللَّه يوسف و أخاه، حتّى أنّ الملك قد أجلسه معه على مائدته.

عن أبان الأحمر (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا دخل إخوة يوسف عليه، و قد جاؤوا بأخيهم معهم، وضع لهم الموائد. ثمّ قال: يمتاز كلّ واحد منكم مع أخيه لأمّه على الخوان. فجلسوا، و بقي أخوه قائما. فقال له: ما لك لا تجلس مع إخوتك؟

قال: ليس لي‏ (9) فيهم أخ من أمّي. قال: فلك أخ من أمّك، زعم هؤلاء أنّ الذّئب أكله؟

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 183- 184، ح 45.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: إليه.

(4) المصدر: ابن يامين.

(5) أ، ب: ما.

6 و 7- المصدر: ابن يامين.

(8) تفسير العياشي 2/ 183، ح 44.

(9) ليس في أ.

341

قال: نعم قال: فاقعد، و كل معي.

قال: فترك إخوته الأكل و قالوا: إنّا نريد أمرا، و يأبى اللَّه إلّا أن يرفع ولد يامين علينا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): فخرجوا و خرج معهم بنيامين. و كان لا يؤكلهم، و لا يجالسهم، و لا يكلّمهم. فلمّا وافوا مصر، دخلوا على يوسف و سلّموا. فنظر يوسف إلى أخيه، فعرفه. فجلس منهم بالبعيد.

فقال يوسف: أنت أخوهم؟ قال: نعم. قال: فلم لا تجلس معهم؟ قال: لأنّهم أخرجوا أخي من أمّي و أبي، ثمّ رجعوا و لم يردّوه، و زعموا أنّ الذّئب أكله. فآليت على نفسي أن لا أجتمع [معهم‏] (2) على أمر، ما دمت حيّا.

قال: فهل تزوّجت؟ قال: بلى.

قال: كم ولد لك؟ قال: ثلاثة (3) بنين. قال: فما سمّيتهم؟ قال: سمّيت واحدا منهم الذّئب. و واحدا القميص. و واحدا الدّم. قال: و كيف اخترت هذه الأسماء؟ قال لئلّا أنسى أخي. كلّما دعوت واحدا من ولدي، ذكرت أخي.

قال لهم يوسف: اخرجوا. و حبس بنيامين. فلمّا خرجوا من عنده، قال يوسف لأخيه: أنا أخوك يوسف. فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏. ثمّ قال له: أنا أحبّ أن تكون عندي. فقال: لا يدعني‏ (4) إخوتي. فإنّ أبي قد أخذ عليهم عهدا للّه و ميثاقه أن يردّوني إليه. قال: أنا أحتال بحيلة. فلا تنكر إذا رأيت شيئا، و لا تخبرهم. فقال: لا.

فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ: المشربة فِي رَحْلِ أَخِيهِ‏:

قيل‏ (5): كانت مشربة جعلت صاعا يكال به.

و قيل‏ (6): كانت يسقى به الدّوّاب، و يكال فيها. و كانت من فضّة. و قيل: من ذهب.

و قرئ‏ (7): «و جعل» على حذف جواب «فلمّا». تقديره: أمهلهم حتّى انطلقوا.

____________

(1) تفسير القمي 1/ 348.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: ثلاث.

(4) المصدر: يدعوني.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 503.

(7) نفس المصدر و الموضع.

342

ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ‏: [نادى مناد] (1).

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ (70):

و العير: القافلة. و هي: الإبل الّتي عليها الأحمال، لأنّها تعير، أي: تتردّد. فقيل لأصحابها.

كقوله- (عليه السلام)-: يا خيل اللَّه: اركبي.

و قيل‏ (2): جمع عير. و أصلها فعل، كسقف. فعل به ما فعل ببيض. تجوز به لقافلة الحمير. ثمّ استعير لكلّ قافلة.

قيل‏ (3): لعلّه لم يقله بأمر يوسف. أو كان تعبئة السّقاية، و النّداء عليها، برضا (4) بنيامين.

و قيل‏ (5): معناه: انّكم لسارقون يوسف من أبيه. أو: أ إنّكم لسارقون؟

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: التّقيّة من دين اللَّه [قلت: من دين اللَّه!؟] (7) قال: إي و اللَّه، من دين اللَّه. و لقد قال يوسف:

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏. و اللَّه ما كانوا سرقوا شيئا. و لقد قال إبراهيم‏ (8): إِنِّي سَقِيمٌ‏. و اللَّه ما كان سقيما.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن [أبي‏] (10) نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن الحسن الصّيقل‏ (11) قال‏:

قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- إنّا قد روينا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول يوسف: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏. فقال: و اللَّه ما سرقوا، و ما كذب. و قال إبراهيم‏ (12): بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏. [فقال: و اللَّه ما فعلوا،] (13) و ما كذب.

____________

(1) ليس في أ، ب.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 503.

(4) أ، ب: برحلنا.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 2/ 217، ح 3.

(7) من المصدر.

(8) الصافّات/ 89.

(9) الكافي 2/ 341- 342، ح 17.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الصقيل.

(12) الأنبياء/ 63.

(13) من المصدر.

343

قال: فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما عندكم فيها، يا صيقل‏ (1)؟ قلت: ما عندنا فيها إلّا التّسليم.

فقال: إنّ اللَّه أحبّ اثنين، و ابغض اثنين. أحبّ الخطر (2) فيما بين الصّفين، و أحب الكذب في الإصلاح. و أبغض الخطر في الطّرقات، و أبغض الكذب في غير الإصلاح. إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- إنّما قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا إرادة الإصلاح، و دلالة على أنّهم لا يفعلون. و قال يوسف إرادة الإصلاح.

أبو علي الأشعريّ‏ (3)، عن محمّد بن عبد الجبّار عن الحجّال عن ثعلبة عن معمّر بن عمر، عن عطا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

«لا كذب على مصلح». ثمّ تلا: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏. ثمّ قال: و اللَّه ما سرقوا و ما كذب. ثمّ تلا: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏. ثمّ قال: و اللَّه ما فعلوه، و ما كذب.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: الكلام ثلاثة: صدق، و كذب، و إصلاح بين النّاس.

و في روضة الكافي‏ (5): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي منصور، عن أبي بصير، قال: قيل لأبي جعفر- (عليه السلام)- و أنا عنده: إنّ سالم بن أبي حفصة و أصحابه‏ (6) يروون عنك أنّك تكلّم على سبعين وجها لك‏ (7) منها المخرج. فقال: ما يريد سالم منّي!؟ أ يريد أن أجي‏ء بالملائكة!؟ و اللَّه ما جاء (8) بهذا النّبيّون. و لقد قال يوسف- (عليه السلام)-: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏. و اللَّه ما كانوا سارقين، و ما كذب.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (9)، بإسناده إلى أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- عليه‏

____________

(1) المصدر: زيادة قال.

(2) الخطر: التبختر في المشي.

(3) الكافي 2/ 343، ح 22.

(4) الكافي 2/ 341، ح 16.

(5) الكافي 8/ 100، ح 70.

(6) ليس في أ، ب.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) المصدر: ما جاءت.

(9) العلل 1/ 51، ح 1.

344

السّلام- يقول: لا خير فيمن لا تقيّة له. و لقد قال يوسف: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ و ما سرقوا.

و بإسناده‏ (1) إلى هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول يوسف:

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ قال: ما سرقوا، و ما كذب.

و بإسناده‏ (2) إلى صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- في يوسف: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏.

قال: إنّهم سرقوا يوسف من أبيه. ألا ترى أنّه قال لهم حين قالوا (3): ما ذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ‏. و لم يقولوا: سرقتم صواع الملك. إنّما عنى: انّكم سرقتم يوسف من أبيه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-:

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ قال: ما سرقوا و ما كذب يوسف و إنّما عنى سرقتم يوسف من أبيه.

قالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ‏ (71): و أيّ شي‏ء ضاع منكم؟

و الفقد: غيبة الشّي‏ء عن الحسّ بحيث لا يعرف مكانه.

و قرئ‏ (5): «تفقدون». من: أفقدته: إذا وجدته فقيدا.

قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ‏:

و قرئ‏ (6): «صاع» و «صوع» بالفتح و الضّمّ و العين و الغين. و «صواغ» من الصّياغة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): [عن أبي حمزة الثمالي‏] (8)، عن الباقر- (عليه السلام)- قال‏:

صواع الملك الطّاس‏ (9) الّذي يشرب فيه.

و عن الصّادق- (عليه السلام)- (10) قال‏: كان قدحا من ذهب. و [قال:] (11) كان صواع يوسف إذا كيل‏ (12) كيل به، [قال: «لعن اللَّه الخوّان. لا تخونوا به». بصوت‏

____________

(1) العلل 1/ 52، ح 3.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(4) تفسير القميّ 1/ 349.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 503.

(7) تفسير العياشي 2/ 185، ح 51.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: طاس.

(10) نفس المصدر و الموضع، ح 52.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: «إذ» بدل «إذا كيل».

345

حسن‏] (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و كان الصّاع الّذي يكيلون به من ذهب. فجعلوه في رحله من حيث لم يقف عليه إخوته‏ (3).

وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ: من الطّعام، جعلا له.

وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏ (72): كفيل أؤدّيه إلى من ردّه.

قالُوا تَاللَّهِ‏:

قسم فيه معنى التّعجب. و التّاء بدل من الباء، مختصّة باسم اللَّه.

لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ‏ (73):

قيل‏ (4): استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم في كرّتي مجيئهم و مداخلتهم للملك، ممّا يدلّ على فرط أمانتهم، كردّ البضاعة الّتي جعلت في رحالهم، و كعم‏ (5) الدّوابّ كيلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد.

قالُوا فَما جَزاؤُهُ‏: فما جزاء السّارق، أو السّرق، أو الصّواع، بمعنى سرقته، على حذف المضاف.

إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ‏ (74): في ادّعائكم البراءة.

قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ‏، أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله و استرقاقه.

هكذا كان شرع يعقوب. و قوله: فَهُوَ جَزاؤُهُ‏ تقرير للحكم و إلزام له. أو خبر «من» و الفاء لتضمّنها معنى الشّرط. أو جواب لها على أنّها شرطيّة. و الجملة كما هي خبر «جزاؤه» على إقامة الظّاهر فيها مقام الضّمير. كأنّه قيل: جزاؤه من وجد في رحله، فأحبسه.

و في تفسير العيّاشي‏ (6)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: يعنون السّنّة الّتي كانت‏

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القميّ 1/ 348.

(3) المصدر: «لم يقفوا عليه» بدل «لم يقف عليه اخوته».

(4) أنوار التنزيل 1/ 35.

(5) كعم البعير: شدّ فاه في هياجه لئلّا يعضّ أو يأكل.

(6) لم نعثر عليه في تفسير العياشي بل يوجد في تفسير الصافي 4/ 845.

346

تجري فيهم أن يحبسه.

كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏ (75): بالسّرقة.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ‏: فبدأ المؤذّن.

و قيل‏ (1): يوسف، لأنّهم ردّوا إلى مصر.

قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ‏: بنيامين، نفيا للتّهمة.

ثُمَّ اسْتَخْرَجَها، أي: السّقاية. أو: الصّواع- لأنّه يذكّر و يؤنّث- مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ‏.

و قرئ‏ (2) بضمّ الواو، و بقلبها همزة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): فتشبّثوا بأخيه، فحبسوه.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك الكيد. كِدْنا لِيُوسُفَ‏، بأن علّمناه إيّاه، و أوحينا به إليه.

ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ‏: ملك مصر. لأنّ دينه الضّرب و تغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق. و هو بيان للكيد.

إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: إلّا أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك.

فالاستثناء من أعمّ الأحوال. و يجوز أن يكون منقطعا. أي: لكن أخذه بمشيئة اللَّه و إذنه.

نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ: بالعلم، كما رفعنا درجته.

وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏ (76): أرفع درجة منه.

قالُوا إِنْ يَسْرِقْ‏ بنيامين، فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏: يعنون يوسف.

في الخرائج و الجرائح‏ (4): و روى سعد بن عبد اللَّه، عن محمّد بن الحسن بن ميمون، عن داود بن قاسم الجعفريّ قال‏: سئل أبو محمّد- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏- و السّائل رجل من قمّ- و أنا حاضر. فقال- (عليه السلام)-:

ما سرق يوسف. إنّما كان ليعقوب منطقة ورثها من إبراهيم- (عليه السلام)-.

و كانت تلك المنطقة لا يسرقها أحد إلّا استعبد. فكانت‏ (5) إذا سرقها إنسان، نزل جبرئيل‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 503.

(3) تفسير القميّ 1/ 348.

(4) الخرائج 2/ 738، ح 53.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فكان.

347

- (عليه السلام)- فأخبره بذلك. فأخذت منه، و صار (1) عبدا.

و إنّ المنطقة كانت عند سارة بنت إسحاق بن إبراهيم، و كانت سمّية أمّه. و إنّ سارة أحبّت يوسف، و أرادت أن تتّخذه ولدا لها (2). و إنّها أخذت المنطقة، فربطتها في وسطه. ثمّ سدلت عليه سرباله و قالت ليعقوب: إنّ المنطقة سرقت. و أتاه جبرئيل فقال:

يا يعقوب، إنّ المنطقة مع يوسف. و لم يخبره بخبر ما صنعت سارة، لما أراد اللَّه.

فقام يعقوب إلى يوسف، ففتّشه- و هو يومئذ غلام يافع- و استخرج المنطقة.

فقالت سارة بنت إسحاق: منّي سرقها يوسف، فأنا أحقّ به. فقال لها يعقوب: فإنّه عبدك أن لا تبيعيه‏ (3)، و لا تهبيه. قالت: فأنا أقبله على أن لا تأخذه منّي، و أعتقه السّاعة.

فأعطاها إيّاه، فأعتقته. و لذلك قال إخوة يوسف: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏.

قال أبو هاشم: فجعلت اجيّل‏ (4) هذا في نفسي، أفكّر و أتعجّب من هذا الأمر، مع قرب يوسف من يعقوب و حزن يعقوب عليه، حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، و المسافة قريبة! فأقبل عليّ أبو محمّد- (عليه السلام)- فقال: يا أبا هاشم! تعوّذ باللّه ممّا جرى في نفسك من ذلك. فإنّ اللَّه لو شاء أن يرفع السّتائر (5) [من الأعلى ما] (6) بين يعقوب و يوسف حتّى كانا يتراءيان‏ (7)، لفعل. و لكن له أجل هو بالغه، و معلوم ينتهي إليه ما كان من ذلك.

فالخيار من اللَّه لأوليائه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن إسماعيل بن همام، قال: قال الرّضا- (عليه السلام)- [في قول اللَّه: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ‏ قال:] (9) كانت لإسحاق النّبيّ منطقة يتوارثها الأنبياء و الأكابر، و كانت عند عمّة يوسف. و كان يوسف عندها، و كانت تحبّه. فبعث إليها أبوه أن ابعثيه إليّ، و أردّه إليك. فبعثت إليه أن دعه عندي اللّيلة (10) أشمّه، ثمّ أرسله إليك غدوة. فلمّا أصبحت،

____________

(1) بعض نسخ المصدر: أخذ.

(2) المصدر: لنفسها.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تبيعه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: اجيل.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الساتر.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: كان يراه.

(8) تفسير العياشي 2/ 185، ح 53.

(9) من المصدر.

(10) ليس في أ، ب.

348

أخذت المنطقة، فربطتها في حقوه‏ (1). و ألبسته قميصا، و بعثت به إليه. و قالت: سرقت المنطقة، فوجدت عليه، و كان إذا سرق أحد في ذلك الزّمان، دفع إلى صاحب السّرقة.

فأخذته، فكان عندها.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى إسماعيل بن همّام، عن الرّضا- (عليه السلام)- نحوه.

حدّثنا المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويّ‏ (3)- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا جعفر بن مسعود، عن أبيه، عن عبد اللَّه‏ (4) بن محمّد بن خالد قال: حدّثني الحسن بن عليّ الوشّاء قال: سمعت عليّ بن موسى الرّضا يقول: كانت الحكومة في بني إسرائيل إذا سرق أحد شيئا، استرقّ به. و كان يوسف عند عمّته، و هو صغير. و كانت تحبّه. و كانت لإسحاق- (عليه السلام)- منطقة ألبسها إيّاه يعقوب- (عليه السلام)- فكانت عند ابنته.

و إنّ يعقوب طلب يوسف‏ (5) من عمّته. فاغتمّت لذلك، و قالت: دعه حتّى أرسله إليك. فأرسلته. و أخذت المنطقة فشدّتها (6) في وسطه تحت الثّياب.

فلمّا أتى يوسف [أباه، جاءت، فقالت: سرقت المنطقة. ففتّشته، فوجدتها في وسطه. فلذلك قال إخوة يوسف،] (7) حيث جعل الصّاع في وعاء أخيه‏ (8)، فقال لهم يوسف: ما جزاء من وجد في رحله؟ قالوا: هو جزاؤه، كما جرت السّنّة الّتي تجري فيهم.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ‏. و لذلك قال إخوة يوسف:

إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏. يعنون المنطقة. فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ‏.

و في تفاسير العامّة (9): كان لأبي أمّه صنم. فسرقه و كسّره، و ألقاه في الجيف.

____________

(1) الحقو: معقد الإزار، و يسمّى بالخصر.

(2) العيون 2/ 75، ح 5.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 75- 76، ح 6.

(4) المصدر: عبيد اللَّه.

(5) المصدر: زيادة يأخذه.

(6) المصدر: و شدّها.

(7) ليس في أ، ر، ب.

(8) المصدر: زيادة «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل».

(9) أنوار التنزيل 1/ 504، و تفسير الجلالين المطبوع في هامش أنوار التنزيل 1/ 504.

349

و في بعضها (1): كان في البيت عناق أو دجاجة سرقه و أعطى السّائل.

فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ‏: أكنّها و لم يظهرها لهم.

و الضّمير للإجابة أو المقالة أو نسبة السّرقة إليه.

و قيل‏ (2): إنّها كناية بشريطة التّفسير، يفسّرها قوله: قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً.

فإنّه بدل من «أسَرّها». و المعنى: قال في نفسه: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً، أي: منزلة في السّرقة- لسرقتكم أخاكم- أو في سوء الصّنيع بما كنتم عليه. و تأنيثها باعتبار الكلمة أو الجملة.

و فيه نظر، إذ المفسّر بالجملة، لا يكون إلّا ضمير الشّأن.

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ‏ (77) و هو يعلم أنّ الأمر ليس كما تصفون، و أنّه لم يسرق.

قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً في السّنّ، أو القدر.

ذكروا له حاله، استعطافا له عليه.

فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ‏: بدله. فإنّ أباه ثكلان على أخيه الهالك مستأنس به.

إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ (78) إلينا، فأتمم إحسانك. أو: من المتعوّدين الإحسان، فلا تغيّر عادتك.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3)، عن الباقر- (عليه السلام)-: نراك من المحسنين إن فعلت.

قالَ مَعاذَ اللَّهِ‏: نعوذ باللّه معاذا.

أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ‏: فإنّ أخذ غيره ظلم على فتواكم، فلو أخذنا أحدكم مكانه‏ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ‏ (79): في مذهبكم.

هذا و أنّ مراده: أنّ اللَّه أذن في أخذ من وجدنا الصّاع في رحله لمصلحته و رضاه عليه، فلو أخذت غيره كنت ظالما عاملا بخلاف ما أمرت به.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): [قال أي يوسف‏] (5) و كانوا يجادلونه في حبسه، و كانوا ولد يعقوب إذا غضبوا خرج من ثيابهم شعر و تقطر من رؤوسها دم أصفر.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن الحسين‏ (7) بن أبي العلا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 504.

(3) تفسير العياشي 2/ 182، ح 42 في ضمن حديث طويل.

(4) تفسير القميّ 1/ 349.

(5) ليس في المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 186، ح 55.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الحس.

350

قال‏: ذكر بني يعقوب قال: كانوا إذا غضبوا اشتدّ غضبهم حتّى تقطر جلودهم دما أصفر، و هم يقولون: خذ أحدنا مكانه، يعني: جزاؤه‏ (1). فأخذ الّذي وجد الصّاع عنده.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن محمّد بن أحمد عن أحمد بن محمّد اليساري‏ (3)، قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللَّه بن مهران الكوفيّ قال: حدّثني حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق اللّيثيّ قال‏: قلت لأبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللَّه، إنّي لأجد من شيعتكم من يشرب الخمر، و يقطع الطّريق، و يخيف السّبيل، و يزني، و يلوط، و يأكل الرّبا، و يرتكب الفواحش، و يتهاون بالصلاة و الصّيام و الزّكاة، و يقطع الرّحم، و يأتي الكبائر، فكيف هذا و لم ذلك؟

فقال: يا إبراهيم، هل يختلج في صدرك شي‏ء غير هذا؟

قلت: [نعم‏] (4) يا ابن رسول اللَّه، أخرى أعظم من ذلك.

فقال: و ما هو، يا أبا إسحاق؟

قال: فقلت: يا ابن رسول اللَّه، و أجد من أعدائكم و من ناصبكم من يكثر من الصلاة و الصّيام، و يخرج‏ (5) الزّكاة، و يتابع بين الحجّ و العمرة، و يحضّ‏ (6) على الجهاد، و يأثر على البرّ و على صلة الرّحم، و يقضي حقوق إخوانه و يواسيهم‏ (7) من ماله، و يجتنب شرب الخمر و الزّنا و اللّواط و سائر الفواحش، فممّ ذلك و لم ذاك؟ فسّره لي، يا ابن رسول اللَّه، و برهنه و بيّنه، فقد و اللَّه كثر فكري و اسهر ليلي و ضاق ذرعي.

قال: فتبسّم [الباقر] (8)- (صلوات اللّه عليه)- ثمّ قال: يا إبراهيم، خذ إليك بيانا شافيا فيما سألت و علما (9) مكنونا (10) من خزائن علم اللَّه و سرّه. أخبرني، يا إبراهيم، كيف تجد اعتقادهما؟

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: جزاء.

(2) العلل 1/ 606- 609، ح 81.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ «بن اليساري» بدل «عن أحمد بن محمد اليساري»

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و مخرج.

(6) المصدر: يحرض.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و يواسهم.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: علمنا.

(10) ب: مكتوما.

351

قلت: يا ابن رسول اللَّه، أجد محبّيكم و شيعتكم على ما هم فيه، ممّا وصفته من أفعالهم، لو أعطي أحدهم ما بين المشرق و المغرب ذهبا و فضّة أن يزول عن ولايتكم و (1) محبّتكم إلى موالاة غيركم و إلى محبّتهم ما زال، و لو ضربت خياشيمه‏ (2) بالسّيوف فيكم، و لو قتل فيكم ما ارتدع و لا رجع عن محبّتكم و ولايتكم. و أرى النّاصب على ما هو عليه، ممّا وصفته من أفعالهم، لو أعطي أحدهم ما بين المشرق و المغرب ذهبا و فضّة أن يزول عن محبّة الطّواغيت‏ (3) و موالاتهم إلى موالاتكم ما فعل و لا زال، و لو ضربت خياشيمه بالسّيوف فيهم و لو قتل [فيهم‏] (4) ما ارتدع و لا رجع، و إذا سمع أحدهم منقبة لكم و فضلا اشمأزّ من ذلك و تغيّر لونه، و رأى‏ (5) كراهية ذلك في وجهه بغضا لكم و محبّة لهم‏ (6).

[قال‏] (7) فتبسّم الباقر- (عليه السلام)- ثمّ قال: يا إبراهيم، ها هنا هلكت العاملة النّاصبة تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً، تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ و من ذلك قال اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (8). ويحك، يا إبراهيم، أ تدري ما السّبب و القصّة في ذلك، و ما الّذي قد خفي على النّاس منه؟

قلت: يا ابن رسول اللَّه، فبيّنه لي و اشرحه و برهنه.

قال: يا إبراهيم، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- لم يزل عالما (9) قديما خلق الأشياء لا من شي‏ء، و من زعم أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق الأشياء من شي‏ء فقد كفر، لأنّه لو كان ذلك الشّي‏ء الّذي خلق منه الأشياء قديما [معه‏] (10) في أزليّته و هويّته كان ذلك الشّي‏ء أزليّا، بل خلق- عزّ و جلّ- الأشياء كلّها لا من شي‏ء فكان ممّا خلق اللَّه تعالى‏ (11) أرضا طيّبة ثمّ فجّر منها ماء عذبا زلالا، فعرض عليها ولايتنا، أهل البيت، فقبلتها فأجرى ذلك الماء عليها

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «لما فعل و لا عن» بدل «و».

(2) خياشيم- جمع الخيشوم-: أقصى الأنف.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: محبّته للطّواغيت.

(4) من المصدر.

(5) الأظهر: رئي.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لغيركم.

(7) من المصدر.

(8) الفرقان/ 23.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: قائما.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «و ممّا خلق اللَّه- عزّ و جلّ- أن خلق» بدل «فكان ممّا خلق اللَّه- تعالى-».

352

سبعة أيّام حتّى‏ (1) طبقها و عمّها، ثمّ نضب‏ (2) ذلك الماء عنها، فأخذ من صفوة ذلك الطّين طينا فجعله طين الأئمّة- (عليهم السلام)- ثمّ أخذ ثفل‏ (3) ذلك الطّين فخلق منه شيعتنا، و لو ترك طينتكم، يا إبراهيم، كما ترك طينتنا، لكنتم و نحن شيئا واحدا.

قلت: يا ابن رسول اللَّه، فما فعل بطينتنا؟

قال: أخبرك يا إبراهيم، خلق اللَّه- عزّ و جلّ- بعد ذلك أرضا سبخة خبيثة منتنة (4)، ثمّ فجّر (5) منها ماء أجاجا [آسنا] (6) مالحا، فعرض عليها ولايتنا، أهل البيت، فلم تقبلها فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام حتّى طبقها و عمّها، ثمّ نضب ذلك الماء عنها، ثمّ أخذ من ذلك الطّين فخلق منه الطّغاة و أئمتهم‏ (7)، ثمّ مزجه بثفل طينتكم، و لو ترك طينتهم على حالها و لم يمزج بطينتكم لم يشهدوا الشّهادتين، و لا صلوا و لا صاموا و لا زكّوا و لا حجّوا، و لا أدّوا أمانة، و لا أشبهوكم في الصّور، و ليس شي‏ء [أكبر] (8) على المؤمن أن يرى صورة عدوّه مثل صورته.

قلت: يا ابن رسول اللَّه، فما صنع بالطّينتين؟

قال: مزج بينهما بالماء الأوّل و الماء الثّاني، ثمّ عركهما عرك الأديم‏ (9)، ثمّ أخذ من ذلك قبضة فقال: هذه إلى الجنّة و لا أبالي، و أخذ قبضة أخرى و قال: هذه إلى النّار و لا أبالي. ثمّ خلط بينهما فوقع من شبح‏ (10) المؤمن و طينته على شبح‏ (11) الكافر و طينته، و وقع من شبح‏ (12) الكافر و طينته على شبح المؤمن و طينته. فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط أو ترك صلاة أو صيام أو حج أو جهاد أو خيانة أو كبيرة من هذه الكبائر، فهو من طينة النّاصب و عنصره الّذي قد مزج فيه، لأنّ من شبح‏ (13) النّاصب و عنصره و طينته اكتساب المآثم و الفواحش و الكبائر. و ما رأيت من النّاصب من مواظبته على الصّلاة و الصّيام و الزّكاة و الحجّ و الجهاد و أبواب البرّ، فهو من طينة المؤمن و شبحه‏ (14) الّذي قد مزج فيه، لأنّ من‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: انضب.

(3) الثفل: ما استقرّ تحت الماء من كدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ميته.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «فجرى» بدل «ثمّ فجّر».

(6) من المصدر. و الآسن: المتغيّر الطعم.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أممهم.

(8) من المصدر.

(9) عرك الأديم: دلكه. و الأديم: الجلد المدبوغ.

10 و 11 و 12- المصدر: سنخ.

(13) المصدر: سنخ.

(14) المصدر: سنخه.

353

شبح‏ (1) المؤمن و عنصره و طينته اكتساب الحسنات و استعمال الخير و اجتناب المآثم. فإذا عرضت هذه الأعمال كلّها على اللَّه- عزّ و جلّ- قال: أنا اللَّه‏ (2) عدل لا أجور، و منصف لا أظلم، و حكم لا أحيف‏ (3) و لا أميل و لا أشطط (4)، ألحقوا الأعمال السّيّئة الّتي اجترحها المؤمن بشبح‏ (5) النّاصب و طينته، و ألحقوا الأعمال الحسنة الّتي اكتسبها النّاصب بشبح‏ (6) المؤمن و طينته ردّوها كلّها إلى أصلها، فإنّي أنا اللَّه‏ (7) لا إله إلّا أنا عالم السّرّ و أخفى، و أنا المطّلع على قلوب عبادي لا أحيف و لا أظلم و لا ألزم [أحدا] (8) إلّا ما عرفته منه قبل أن أخلقه.

ثمّ قال الباقر- (عليه السلام)-: أقرأ [يا إبراهيم‏] (9) هذه الآية.

قلت: يا ابن رسول اللَّه، أيّة آية؟

قال: قوله- تعالى-: قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ‏ هو في الظّاهر ما تفقهونه‏ (10)، هو و اللَّه في الباطن هذا بعينه، يا إبراهيم. إنّ للقرآن ظاهرا و باطنا، و محكما و متشابها، و ناسخا و منسوخا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ‏: يئسوا من يوسف و إجابته إيّاهم. و زيادة السّين و التّاء، للمبالغة.

و عن البزّيّ‏ (11): «استيَاس» بالألف و فتح الياء من غير همزة، و إذا وقف [حمزة ألقى‏] (12) حركة الهمزة على الياء على أصله.

خَلَصُوا: انفردوا و اعتزلوا.

نَجِيًّا: متناجين.

و إنّما وحّده لأنّه مصدر، أو بزنته، كما قيل: هم صديق. و جمعه أنجية، كندى‏

____________

(1) المصدر: سنخ.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لا أخيف.

(4) شطط الرجل: أفرط و تباعد عن الحقّ.

5 و 6- المصدر: بسنخ.

(7) ليس في أ.

8 و 9- من المصدر.

(10) المصدر: تفهمونه.

(11) أنوار التنزيل 1/ 504.

(12) من المصدر.

354

و أندية.

قالَ كَبِيرُهُمْ‏:

قيل‏ (1): في السّن، و هو روبيل. أو في الرّأي، و هو شمعون.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: قال لهم يهوذا، و كان أكبرهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال لهم لاوي.

أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ‏: عهدا وثيقا. و إنّما جعل حلفهم باللّه موثقا منه، لأنّه بإذن منه و تأكيد من جهته.

وَ مِنْ قَبْلُ‏: هذا.

ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ‏: قصّرتم في شأنه.

و «ما» مزيدة.

و يجوز أن تكون مصدريّة في موضع النّصب بالعطف على مفعول «تعلموا» و لا بأس بالفصل بين العاطف و المعطوف بالظّرف، أو على اسم «أنّ» و خبره «في يوسف» أو «من قبل». أو الرّفع بالابتداء و الخبر «من قبل» و فيه نظر، لأنّ «قبل» إذا كان خبرا أو صلة لا يقطع عن الإضافة حتّى لا ينقص.

و أن تكون موصولة، أي: ما فرّطتموه، بمعنى: ما قدّمتموه في حقّه من الخيانة، و محلّه ما تقدّم.

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ‏: فلن أفارق أرض مصر.

حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي‏: في الرّجوع إليه.

أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي‏، أي: يقضي لي بالخروج منها، أو بخلاص أخي منهم، أو بالمقاتلة معهم لتخليصه.

وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏ (80): لأنّ حكمه لا يكون إلّا بالحقّ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

لمّا استيأس‏ (5). إخوة يوسف من أخيهم قال لهم يهودا، و كان أكبرهم:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 505.

(2) تفسير العياشي 2/ 186، ح 56.

(3) تفسير القمي 1/ 349.

(4) تفسير العياشي 2/ 186، ح 56.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: استيأسوا.

355

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ‏ (الآية).

قال: و رجع إلى يوسف يكلّمه في أخيه، [فكلمه‏] (1) حتّى ارتفع الكلام بينهما حتّى غضب يهودا، و كان إذا غضب يهودا قامت شعرة في كتفه و خرج منها الدّم [حتّى يمسّه بعض ولد يعقوب‏] (2).

قال: و كان بين يدي يوسف ابن له صغير، معه رمّانة من ذهب، و كان الصّبيّ يلعب بها، فأخذها يوسف من الصّبيّ فدحرجها نحو يهودا.

قال: و حبا (3) الصّبي نحو يهودا (4) ليأخذها فمسّ يهودا، فسكن يهودا. ثمّ عاد إلى يوسف فكلّمه في أخيه حتّى ارتفع الكلام بينهما حتّى غضب يهودا و قامت الشّعرة و سال منها الدّم، فأخذ يوسف الرّمانة من الصّبيّ فدحرجها نحو يهودا، و حبا الصّبي نحو يهودا فسكن يهودا.

فقال يهودا: إنّ في البيت معنا لبعض ولد يعقوب.

قال: فعند ذلك قال لهم يوسف: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏.

و في رواية هشام بن سالم‏ (5)، عنه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أخذ يوسف أخاه اجتمع عليه إخوته، فقالوا له: خذ أحدنا مكانه، و جلودهم تقطر دما أصفر و هم يقولون: خذ أحدنا مكانه.

قال: فلمّا أن أبى عليهم و أخرجوا من عنده قال لهم يهودا: قد علمتم ما فعلتم بيوسف‏ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏.

قال: فرجعوا إلى أبيهم، و تخلّف يهودا.

قال: فدخل على يوسف يكلّمه في أخيه حتّى ارتفع الكلام بينه و بينه و غضب، و كان على كتفه شعرة إذا غضب قامت الشّعرة فلا تزال تقذف بالدّم حتّى يمسه بعض ولد يعقوب.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) حبا الصبيّ: زحف.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «و جاء الصبيّ» بدل «و حبا الصبيّ نحو يهودا».

(5) تفسير العياشي 2/ 187، ح 56.

356

قال: فكان بين يدي يوسف ابن له صغير في يده رمّانة من ذهب يلعب بها، فلمّا رآه يوسف قد غضب و قامت الشّعرة تقذف بالدّم أخذ الرّمانة من يد الصّبي ثمّ دحرجها نحو يهودا، و اتّبعها الصّبيّ ليأخذها فوقعت يده على يهودا، [قال: فذهب غضبه، قال:

فارتاب يهودا، و رجع الصّبيّ بالرّمانة إلى يوسف. ثمّ ارتفع الكلام بينهما حتّى غضب و قامت الشّعرة فجعلت تقذف بالدّم، فلمّا رأى يوسف دحرج الرّمانة نحو يهودا، و اتّبعها الصّبيّ ليأخذها فوقعت يده على يهوذا] (1) فسكن غضبه.

قال: فقال يهودا: إنّ في البيت لمن ولد يعقوب، حتّى صنع ذلك ثلاث مرّات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم و تخلّف يهودا، فدخل على يوسف فكلّمه حتّى ارتفع الكلام بينه و بينه. و ذكر مثل ما نقلناه عن تفسير العيّاشيّ- إلى قوله-: ثلاث مرّات.

و بإسناده‏ (3) إلى عليّ بن محمّد الهادي- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له: يا يوسف، أخرج يدك. فأخرجها، فخرج من بين أصابعه نور.

فقال يوسف: ما هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذه النّبوّة أخرجها اللَّه من صلبك، لأنّك لم تقم لأبيك.

فحطّ اللَّه نوره و محى النّبوّة من صلبه و جعلها في ولد لاوي، أخي يوسف، و ذلك لأنّهم لمّا أرادوا قتل يوسف قال: لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ‏ فشكره اللَّه على ذلك. و لمّا أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر، و قد حبس يوسف أخاه، قال:

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏ فشكر اللَّه له ذلك، فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي، و كان موسى من ولده، و هو موسى بن عمران بن يهصر بن واهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

و ستقف على الحديث بتمامه- إن شاء اللَّه- عن قريب.

ارْجِعُوا إِلى‏ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ‏: على ما شهدنا من ظاهر الأمر.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب.

(2) تفسير القمّي 1/ 349.

(3) تفسير القمّي 1/ 356.

357

و قرئ‏ (1): «سرّق»، أي: نسب إلى السّرقة.

وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا: بأن رأينا أنّ الصّواع استخرج من وعائه.

وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ‏: لباطن الحال.

حافِظِينَ‏ (81): فلا ندري أنّه سرق، أو دسّوا الصّاع في رحله. أو ما كنّا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنّه سيسرق، أو أنّك تصاب به، كما أصبت بيوسف.

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها، يعنون: مصر، أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها. و المعنى: أرسل إلى أهلها و اسألهم عن القصّة.

وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها: و أصحاب العير الّتي توجّهنا فيهم و كنّا معهم.

وَ إِنَّا لَصادِقُونَ‏ (82): تأكيد في محلّ القسم.

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ‏، أي: فلمّا رجعوا إلى أبيهم، و قالوا له ما قال لهم أخوهم، قال: بل سوّلت، أي: زيّنت و سهّلت.

لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً: أردتموه، لتعليمكم إيّاه أنّ السّارق يؤخذ بسرقته، و إلّا فما أدرى الملك أنّ السّارق يؤخذ بسرقته.

فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل.

في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن جابر قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: رحمك اللَّه، ما الصّبر الجميل؟

قال: فذلك صبر ليس فيه شكوى إلى النّاس.

و في أمالي شيخ الطّائفة (3)- (قدّس سرّه)- و بالإسناد في قوله- عزّ و جلّ- في قول يعقوب: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏ قال: بلا شكوى.

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً: بيوسف و بنيامين و أخيهما الّذي توقّف بمصر.

إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ‏: بحالي و حالهم.

الْحَكِيمُ‏ (83): في تدبيرها.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 505.

(2) تفسير العياشي 2/ 188، ح 57.

(3) أمالي الشيخ 1/ 300.

358

وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ‏: و أعرض عنهم كراهة لما صادف منهم.

وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ‏، أي: يا أسفى تعال فهذا أوانك.

و «و الأسف» أشدّ الحزن و الحسرة. و «الألف» بدل من ياء المتكلّم.

و إنّما تأسّف على يوسف دون أخويه و الحادث رزؤهما، لأنّ رزأه كان قاعدة المصيبات و كان غضّا آخذا بمجامع قلبه، و لأنّه كان واثقا بحياتهما (1) دون حياته.

و في الحديث النّبويّ‏ (2): لم تعطَ أمّة من الأمم‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ عند المصيبة إلّا أمّة محمّد، ألّا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، و قال:

يا أسفى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟

قال: حزن سبعين ثكلى على أولادها.

و قال: إنّ يعقوب لم يعرف الاسترجاع، فمن هناك قال: يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله.

و بهذا الإسناد (5)، عنه- (عليه السلام)- قال‏: قيل له: كيف يحزن يعقوب على يوسف، و قد أخبره جبرئيل أنّه لم يمت و أنّه سيرجع إليه؟

فقال له: إنّه نسي ذلك.

وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ‏: لكثرة بكائه من الحزن، كأنّ العبرة محقت سوادهما [يعني عمت من البكاء سوادها] (6).

و قيل: ضعف بصره.

و قيل: عمي- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)، يعني: عميت من البكاء.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يحبّونهما.

(2) أنوار التنزيل 1/ 506.

(3) تفسير القمّي 1/ 350.

(4) تفسير العياشي 2/ 188، ح 58.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 59.

(6) ليس في المصدر و المتن.

(7) تفسير القمّي 1/ 350.

359

و قرئ‏ (1): «من الحزن».

قيل‏ (2): فيه دلالة على جواز التّأسّف و البكاء عند التّفجّع، و لعلّ أمثال ذلك لا يدخل تحت التّكليف، فإنّه قلّ من يملك نفسه عند الشّدائد.

و لقد بكى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ولده إبراهيم، و قال: القلب يحزن و العين تدمع و لا نقول ما يسخط الرّبّ، و إنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

فَهُوَ كَظِيمٌ‏ (84): مملوء من الغيظ على أولاده، ممسك له في قلبه لا يظهره.

فعيل، بمعنى: مفعول، كقوله- تعالى-: وَ هُوَ مَكْظُومٌ‏ (3). من كظم السّقاء: إذا شدّه على ملئه. أو بمعنى: فاعل، كقوله: وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ. من كظم الغيظ: إذا اجترعه. و أصله: كظم البعير جرّته: إذا ردّها في جوفه.

قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ، أي: لا تفتأ و لا تزال تذكره تفجّعا عليه، فحذف «لا»، كما في قوله:

فقلت يمين اللَّه أبرح قاعدا

لأنّه لا يلتبس بالاثبات، فإنّ القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات‏ (4) كان على النّفي.

حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً: مريضا مشفيا على الهلاك.

و قيل‏ (5): «الحرض» الّذي أذابه همّ أو مرض، و هو في الأصل مصدر و لذلك لا يؤنّث و لا يجمع. و النّعت بالكسر، كدنِف و دنَف، و قد قرئ به، و بضّمتين، كجنب.

أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ‏ (85): من الميّتين.

في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- قال‏:

كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يصلّي في اليوم و اللّيلة ألف ركعة.

... إلى أن قال: و لقد بكى على أبيه الحسين- (صلوات اللّه عليه)- عشرين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلّا بكى، حتّى قال له مولى له: يا ابن رسول اللَّه، أما آن لحزنك أن ينقضي؟

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 506.

(3) القلم/ 48.

(4) علامة الإثبات هو اللّام و النون. و قيل: لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللّام و النّون.

(5) أنوار التنزيل 1/ 506.

(6) الخصال 2/ 517- 519، ح 4.

360

فقال له: ويحك، إنّ يعقوب النّبيّ- (عليه السلام)- كان له اثنا عشر ابنا، فغيّب اللَّه عنه واحدا منهم، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه [و شاب رأسه من الحزن‏] (1) و احدودب و قوّست ظهره من الغمّ، و كان ابنه حيّا في الدّنيا، و أنا نظرت إلى أبي و أخي و عمّي و سبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟!

عن محمّد بن سهل البحرانيّ‏ (2)، يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

البكّاؤون خمسة: آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة بنت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-. فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية، و أمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره حتّى قيل له: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين‏ (4) بن عليّ- (عليهم السلام)- قال‏: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فأمّا يعقوب قد صبر على فراق ولده حتّى كاد يحرض من الحزن.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و قد كان حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قبض ولده إبراهيم قرّة عينه في حياته منه، و خصّه بالاختيار ليعظم له الادخار، فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «تحزن النّفس و يجزع القلب، و إنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون، و لا نقول ما يسخط الرّب» في كلّ ذلك يؤثر الرّضا عن اللَّه- عزّ و جلّ- و الاستسلام له في جميع الفعال.

قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي‏: همّي الّذي لا أقدر الصّبر عليه. من البثّ بمعنى: النّشر.

إِلَى اللَّهِ‏: لا إلى أحد منكم و من غيركم، فخلّوني و شكايتي.

وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ‏: من صنعه و رحمته، فإنّه لا يخيب داعيه و لا يدع الملتجئ إليه. أو من اللَّه بنوع من الإلهام.

ما لا تَعْلَمُونَ‏ (86): من حياة يوسف.

____________

(1) من المصدر.

(2) الخصال 1/ 272. ح 15.

(3) الإحتجاج 1/ 319.

(4) أ، ب: الحسن.

361

قيل‏ (1): رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه، فقال: هو حيّ.

و قيل‏ (2): علم من رؤيا يوسف أنّه لا يموت حتّى يخرّ له إخوته سجّدا.

و سيأتي في الخبر: أنّه نزل عليه ملك الموت فسأله عنه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- [يقول: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏ منصوبة.

عن إسماعيل بن جابر (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-] (5)، قال‏: إنّ يعقوب أتى ملكا يسأله الحاجة. فقال له الملك: أنت إبراهيم؟

قال: لا.

قال: و أنت إسحاق بن إبراهيم؟

قال: لا.

قال: فمن أنت؟

قال: يعقوب بن إسحاق.

قال: فما بلغ ما أرى بك مع حداثة السّن؟

قال: الحزن على يوسف.

قال: لقد بلغ بك الحزن، يا يعقوب، كلّ مبلغ.

فقال: إنّا، معاشر الأنبياء أسرع شي‏ء البلاء إلينا، ثمّ الأمثل فالأمثل من النّاس.

فقضى حاجته، فلمّا جاوز صغير بابه هبط إليه جبرئيل فقال: يا يعقوب، ربّك يقرئك السّلام و يقول لك: شكوتني إلى النّاس؟

فعفّر وجهه بالتّراب و قال: يا ربّ، زلّة أقلنيها فلا أعود بعد هذا أبدا.

ثمّ عاد إليه جبرئيل، فقال: يا يعقوب، ارفع رأسك، ربّك يقرئك السّلام و يقول لك: قد أقلتك فلا تعود تشكوني إلى خلقي. فما رئي‏ (6) ناطقا بكلمة ممّا كان فيه‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 190 ح 64 و أنوار التنزيل 1/ 506.

(2) أنوار التنزيل 1/ 506.

(3) تفسير العياشي 2/ 189، ح 63.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 61.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: رأى.

362

حتّى أتاه‏ (1) بنوه فضرب وجهه إلى الحائط و قال: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي‏ (الآية).

و في حديث آخر (2) عنه‏: جاء يعقوب إلى نمرود في حاجة، فلمّا رآه وثب عليه، و كان أشبه النّاس بإبراهيم، فقال له: أنت إبراهيم خليل الرّحمن؟

قال: لا. (الحديث).

و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى ابن معاوية (4) الأشتر قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: من شكا إلى مؤمن فقد شكا إلى اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و من شكا مصيبة نزلت به فإنّما يشكو ربّه.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: و من أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح‏ (7) يشكو ربّه.

و في مجمع البيان‏ (8): إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏ و

روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أنّ جبرئيل أتاه، فقال: يا يعقوب، إنّ اللَّه يقرأ عليك السّلام و يقول:

أبشر و ليفرح قلبك، فو عزّتي، لو كانا ميّتين لنشرتهما لك، اصنع طعاما للمساكين فإنّ أحبّ عبادي إليّ المساكين، او تدري لم أذهبت بصرك و قوّست ظهرك؟ لأنّكم ذبحتم شاة و أتاكم فلان‏ (9) المسكين، و هو صائم، فلم تطعموه شيئا. فكان يعقوب بعد (10) ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغدّ مع يعقوب. و إذا كان صائما أمر مناديا ينادي [ألا] (11) من كان صائما فليفطر مع يعقوب. رواه الحاكم، أبو عبد اللَّه في صحيحه.

و في أصول الكافي‏ (12): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حصل.

(2) تفسير العياشي 2/ 189، ح 62.

(3) المعاني/ 407، ح 84.

(4) المصدر: أبي معاوية.

(5) نور الثقلين 2/ 454، ح 161.

(6) نهج البلاغة/ 508، حكمة 228.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «فإنّما» بدل «فقد أصبح».

(8) المجمع 3/ 258.

(9) ليس في المصدر.

(10) ليس في أ، ب.

(11) من المصدر.

(12) الكافي 2/ 666، ح 4.

363

أسباط، عن عمّه، يعقوب بن سالم، عن إسحاق بن عمّار [عن الكاهلي‏] (1) قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ يعقوب لما ذهب منه بنيامين نادى: يا ربّ، أما ترحمني حتّى أذهبت عيني و أذهبت ابني.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ-: لو أمتّهما لأحييتهما لك حتّى أجمع بينك و بينهما، و لكن تذكر الشّاة الّتي ذبحتها و شويتها و أكلت و فلان، و فلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا.

و في رواية أخرى‏ (2) قال‏: فكان بعد ذلك يعقوب إذا أصبح نادى: ألا من أراد الغداء فليأت يعقوب. و إذا أمسى نادى: ألا من أراد العشاء فليأت يعقوب.

و في مصباح الشّريعة (3): قال الصّادق- (عليه السلام)-: «المحزون» غير المتفكّر (4)، [لأنّ المتفكّر] (5) متكلّف، و المحزون مطبوع‏ (6)، و الحزن يبدأ من الباطن، و الفكر (7) يبدأ من رؤية المحدثات، و بينهما فرق، قال اللَّه- عزّ و جلّ- في قصّة يعقوب- (عليه السلام)-: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏.

يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏: فتعرّفوا منهما و تفحّصوا من حالهما.

و «التّحسّس» تطلّب الإحساس.

وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ‏: لا تقنطوا من فرجه و تنفيسه.

و قرئ‏ (8): «من روح اللَّه»، أي: من رحمته الّتي يحيي بها العباد.

إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏ (87): باللّه و صفاته، لأنّ المؤمن من اللَّه على خير يرجوه عند البلاء و يشكره في الرّخاء.

في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ يعقوب- (عليه السلام)- قال لملك الموت: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟

قال: بل متفرّقة.

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 2/ 667، ح 5 قريب منه.

(3) مصباح الشريعة/ 187.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: مطموع.

(7) المصدر: التفكر.

(8) أنوار التنزيل 1/ 506.

(9) كمال الدين 1/ 144، ح 10.

364

قال: فهل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟

فقال: لا.

فعند ذلك قال لبنيه: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبيه قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏ أ كان علم أنّه حيّ و قد فارقه منذ عشرين سنة و ذهبت عيناه من الحزن؟

قال: نعم، علم أنّه حيّ.

قلت: و كيف علم؟

قال: إنّه دعا في السّحر أن يهبط عليه ملك الموت، فهبط عليه تريال و هو ملك الموت.

فقال له تريال: ما حاجتك، يا يعقوب؟

قال: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟

فقال: بل متفرّقة، روحا روحا.

قال: فمرّ بك روح يوسف؟

قال: لا.

فعند ذلك علم أنّه حيّ فقال لولده: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏.

و في روضة الكافي‏ (2): ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله‏، إلّا أنّ فيها «بريال» بالباء الموحّدة نقطا مكان «تريال» بالمثنّاة من فوق.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله أيضا، إلّا أنّ فيه: «قوبال». و فيه و في خبر آخر: تبرابل، و هو ملك الموت. و ذكر نحوه.

و في الخرائج و الجرائح‏ (4): و عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّ أعرابيّا اشترى من يوسف طعاما، فقال له: إذا مررت بوادي كذا فناد: يا يعقوب، فإنّه يخرج إليك شيخ‏

____________

(1) العلل 1/ 52، ح 1.

(2) الكافي 8/ 199، ح 238.

(3) تفسير العياشي 2/ 189- 190، ح 64.

(4) نور الثقلين 2/ 456، ح 169.

365

وسيم، فقل له: إنّي رأيت بمصر رجلا يقرئك السّلام و يقول: إنّ وديعتك عند اللَّه محفوظة لن تضيع.

فلمّا بلّغه الأعرابيّ خرّ يعقوب مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق قال: هل لك من حاجة؟

قال: لي ابنة عمّ، و هي زوجتي، لم تلد.

فدعا له، فرزق منها أربعة أبطن، في كل بطن اثنان.

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)-: و لا تيأسنّ لشرّ هذه الأمّة من روح اللَّه لقوله- تعالى-: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏] (2) [و لا تؤمنّهم مكر اللَّه‏] (3).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4)، في باب معرفة الكبائر الّتي وعد اللَّه- عزّ و جلّ- عليها النّار: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه الكبائر، يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن ذكر الشّرك باللّه: و بعده اليأس من روح اللَّه، لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول:

إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ: بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية.

مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ: شدّة الجوع.

وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ: رديئة، أو قليلة تردّ و تدفع رغبة عنها. من أزجيته:

إذا دفعته. و منه: تزجية الزّمان.

قيل‏ (5): كانت دراهم زيوفا.

و قيل‏ (6): صوفا و سمنا (7).

و قيل‏ (8): الصّنوبر، و الحبّة الخضراء.

و قيل‏ (9): الأقط (10)، و سويق المقل‏ (11).

____________

(1) نهج البلاغة/ 542، حكمة 377.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) الفقيه 3/ 367، ح 2.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 506.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: رسمناه.

8 و 9- نفس المصدر و الموضع.

(10) الأقط: لبن محمص يجمّد حتّى يستحجر و يطبخ أو يطبخ به.

(11) المقل: حمل الدوم. و الدوم: شجر عظام من الفصيلة النخيلية، يكثر في صعيد مصر و في بلاد العرب، و ثمرته في غلظ التّفّاحة ذات قشر صلب‏

366

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قوله: وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ.

قال: كانت المقل، و كانت بلادهم بلاد المقل، و هي البضاعة.

فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ‏: فأتمّ لنا الكيل.

وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا: بردّ أخينا. أو بالمسامحة و قبول المزجاة، أو بالزّيادة على ما يساويها.

إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‏ (88): أحسن الجزاء.

و «التّصدّق» التّفضّل مطلقا. و منه قوله- (عليه السلام)- في القصر: هذه صدقة تصدّق اللَّه عليكم بها.

فرقّ لهم يوسف، و لم يتمالك أن عرّفهم نفسه.

قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏، أي: هل علمتم قبحه، فتبتم عنه؟

و فعلهم بأخيه إفراده عن يوسف و إذلاله، حتّى كان لا يستطيع أن يكلّمهم إلّا بعجز و ذلّة.

إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏ (89): قبحه، فلذلك أقدمتم عليه. أو عاقبته.

و إنّما قال ذلك تنصيحا لهم و تحريضا على التّوبة، و شفقة عليهم لمّا رأى من عجزهم و تمسكنهم، لا معاتبة و تثريبا.

و قيل‏ (2): أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين، و ذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف و أخيه فقال لهم ذلك.

و إنّما جهّلهم لأنّ فعلهم كان فعل الجهّال، أو لأنّهم كانوا حينئذ صبيانا طيّاشين.

و في مجمع البيان‏ (3): روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: كلّ ذنب عمله العبد، و إن كان عالما، فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربّه، فقد حكى اللَّه- سبحانه- قول يوسف لإخوته: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏.

فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية اللَّه.

____________

أحمر، و له نواة ضخمة ذات لبّ إسفنجيّ.

(1) تفسير العياشي 2/ 192، ح 67.

(2) أنوار التنزيل 1/ 507.

(3) نور الثقلين 2/ 460، ح 178.

367

قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ‏: استفهام تقرير، و لذلك حقّق «بأنّ» و دخول اللّام عليه.

و قرأه‏ (1) ابن كثير على الإيجاب‏ (2).

قيل‏ (3): عرفوه بروائه و شمائله حين كلّمهم.

و قيل‏ (4): تبسّم فعرفوه بثناياه.

و قيل‏ (5): رفع التّاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشّامة البيضاء، و كانت لسارة و يعقوب مثلها.

قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي‏: من أبي و أمّي. ذكره تعريفا لنفسه به، و تفخيما لشأنه، و إدخالا له في قوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا، أي: بالسّلامة و الكرامة.

إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ‏، أي: يتّق اللَّه.

وَ يَصْبِرْ: على البليّات. أو على الطّاعات. أو عن المعاصي.

فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏ (90): وضع المحسنين موضع الضّمير، للتّنبيه على أنّ المحسن من جمع بين التّقوى و الصّبر.

قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا: اختارك علينا بحسن الصّورة و كمال السّيرة.

وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ‏ (91): و الحال أنّ شأننا أنّا كنّا مذنبين بما فعلنا معك.

قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ‏: لا تأنيب عليكم. تفعيل، من الثّرب: و هو الشّحم الّذي يغشي الكرش، للإزالة، كالتّجليد، فاستعير للتّقريع الّذي يمزّق العرض و يذهب ماء الوجه.

الْيَوْمَ‏: متعلّق بالتّثريب. أو بالمقدّر للجارّ الواقع خبرا «للا تثريب» و المعنى:

لا أثر بكم اليوم الّذي هو مظنّته، فما ظنّكم بسائر الأيّام. أو بقوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ‏، لأنّه صفح عن جريمتهم حين اعترفوا بها.

وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ (92): فإنّه يغفر الصّغائر و الكبائر و يتفضّل على التّائب.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 507.

(2) أي: بحذف الهمزة.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) أنوار التنزيل 1/ 507.

368

قيل‏ (1): و من كرم يوسف- (عليه السلام)- أنّهم لمّا عرفوه أرسلوا إليه و قالوا: إنّك تدعونا بالبكرة و العشيّ إلى الطّعام، و نحن نستحيي منك لما فرط منّا فيك، فقال: أما إنّ أهل مصر كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى، و يقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ. و لقد شرفت بكم و عظمت في عيونهم حيث علموا أنكم‏ (2) إخوتي و أنّي من حفدة إبراهيم- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عاد إلى الحديث الأوّل قال: و اشتدّ حزنه، يعني: يعقوب، حتّى تقوّس ظهره و أدبرت الدّنيا عن يعقوب و ولده حتّى احتاجوا حاجة شديدة و فنيت ميرتهم، فعند ذلك قال يعقوب لولده:

اذْهَبُوا (الآية). فخرج منهم نفر، و بعث معهم‏ (4) ببضاعة يسيرة، و كتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يتعطّفه على نفسه و ولده، و أوصى لولده أن يبدءوا بدفع كتابه قبل البضاعة، فكتب:

«بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» إلى عزيز مصر و مظهر العدل و موفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه صاحب النّمرود، الّذي جمع لإبراهيم الحطّب و النّار ليحرقه بها فجعلها اللَّه عليه بردا و سلاما و أنجاه منها.

أخبرك، أيّها العزيز، أنّا أهل بيت قديم لم يزل البلاء إلينا سريعا من اللَّه ليبلونا بذلك عند السّرّاء و الضّرّاء، و أنّ مصائبي‏ (5) تتابعت عليّ منذ عشرين سنة، أوّلها أنّه كان لي ابن سمّيته: يوسف، و كان سروري من بين ولدي و قرّة عيني و ثمرة فؤادي، و أنّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أبعثه معهم يرتع و يلعب، فبعثته‏ (6) معهم بكرة و جاؤوني عشاء يبكون و جاؤوني على قميصه بدم كذب، فزعموا أنّ الذّئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني و كثر على فراقه بكائي حتّى ابيضّت عيناي من الحزن، و أنّه كان له أخ من خالته، و كنت له معجبا و عليه رفيقا و كان لي أنيسا، و كنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، و أنّ إخوته ذكروا لي أنّك، أيّها العزيز، سألتهم عنه و أمرتهم أن يأتوك به و إن لم يأتوك به منعتهم الميرة لنا من القمح من مصر، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 507.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أنتم.

(3) تفسير العياشي 2/ 190- 192، ح 65.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منهم.

(5) المصدر: مصائب.

(6) ليس في أ، ب، ر.

369

فرجعوا إليّ و ليس هو معهم، و ذكروا أنّه سرق مكيال الملك و نحن أهل بيت لا نسرق، و قد حبسته عنّي و فجعتني به، و قد اشتدّ لفراقه حزني حتّى تقوّس لذلك ظهري و عظمت به مصيبتي مع مصائب متتابعات عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله و إطلاقه من محبسك‏ (1)، و طيّب لنا القمح و اسمح لنا في السّعر [و أوف لنا الكيل‏] (2) و عجّل بسراح آل يعقوب.

فلمّا مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه، نزل جبرئيل- (عليه السلام)- على يعقوب، فقال له: يا يعقوب، إنّ ربّك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك الّتي كتبت بها إلى عزيز مصر؟

قال يعقوب: أنت بلوتني بها، عقوبة منك و أدبا لي.

قال اللَّه: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟

قال يعقوب: اللّهمّ، لا.

قال: فما استحييت منّي حين شكوت مصائبك إلى غيري، و لم تستغث بي و تشكو ما بك إليّ؟

فقال يعقوب: استغفرك، يا إلهي، و أتوب إليك و أشكو بثّي و حزني إليك.

فقال اللَّه- تبارك و تعالى-: قد بلغت بك، و بولدك الخاطئين الغاية في أدبي، و لو كنت، يا يعقوب، شكوت مصائبك إليّ عند نزولها بك و استغفرت و تبت إليّ من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إيّاها عليك، و لكنّ الشّيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي، و أنا اللَّه الجواد الكريم أحبّ عبادي المستغفرين التّائبين الرّاغبين إليّ فيما عندي، يا يعقوب، أنا رادّ إليك يوسف و أخاه و معيد إليك ما ذهب من مالك و لحمك و دمك و رادّ إليك بصرك و مقوّم لك ظهرك و طب نفسا و قرّ عينا، و أنّ الّذي فعلته بك كان أدبا منّي لك، فاقبل أدبي.

قال: و مضى ولد يعقوب بكتابه نحو مصر حتّى دخلوا على يوسف في دار المملكة، فقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا بأخينا ابن يامين، و هذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره يسألك تخلية سبيله، و أن تمنّ به عليه.

قال: فأخذ يوسف كتاب يعقوب، فقبّله و وضعه على عينيه، و بكى و انتحب‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حبسك.

(2) ليس في المصدر.

370

حتّى بلّت دموعه القميص الّذي عليه، ثمّ أقبل عليهم فقال: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ‏ من قبل‏ وَ أَخِيهِ‏ من بعد قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا فلا تفضحنا و لا تعاقبنا اليوم و اغفر لنا قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ‏.

و في رواية أخرى‏ (1): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- نحوه.

و في مجمع البيان‏ (2): و في «كتاب النّبوّة» بالإسناد، عن الحسن بن محبوب، عن [أبي‏] (3) إسماعيل الفرّاء، عن طربال عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في خبر طويل: أنّ يعقوب كتب إلى يوسف:

«بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» إلى عزيز مصر و مظهر العدل و موفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن صاحب نمرود، الّذي جمع له النّار ليحرقه بها فجعلها اللَّه عليه بردا و سلاما و أنجاه منها.

أخبرك، أيّها العزيز، أنّا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعا من اللَّه ليبلونا عند السّرّاء و الضّرّاء، و أنّ مصائب تتابعت عليّ منذ عشرين سنة، أوّلها أنّه كان لي ابن سمّيته: يوسف، و كان سروري من بين ولدي و قرّة عيني و ثمرة فؤادي، و أنّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أبعثه معهم يرتع و يلعب، فبعثته معهم بكرة فجاءوني عشاء يبكون، و جاؤوا على قميصه بدم كذب، و زعموا أنّ الذّئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني و كثر على فراقه بكائي حتّى ابيضّت عيناي من الحزن، و أنّه كان له أخ، و كنت به معجبا و كان لي أنيسا، و كنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، و أنّ إخوته ذكروا أنّك سألتهم عنه و أمرتهم أن يأتوك به، فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا، فرجعوا إليّ و ليس هو معهم، و ذكروا أنّه سرق مكيال الملك و نحن أهل بيت لا نسرق، و قد حبسته عنّي و فجعتني به، و قد اشتدّ لفراقه حزني حتّى تقوّس لذلك ظهري و عظمت به مصيبتي مع مصائب تتابعت عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله و إطلاقه من حبسك، و طيّب لنا القمح و اسمح لنا في السّعر و أوف لنا الكيل، و عجّل بسراح آل إبراهيم.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 192.

(2) المجمع 3/ 261.

(3) من المصدر، و جامع الرواة 2/ 366.

371

قال: فمضوا بكتابه حتّى دخلوا على يوسف في دار الملك و قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا (إلى آخر الآية)، و تصدّق علينا بأخينا ابن يامين، و هذا كتاب أبينا يعقوب أرسله إليك في أمره يسألك تخلية سبيله، فمنّ به علينا فأخذ يوسف كتاب يعقوب، و قبّله و وضعه على عينيه، و بكى و انتحب حتّى بلّت دموعه القميص الّذي عليه، ثمّ أقبل عليهم و قال: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏ من قبل.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى سدير قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ في القائم- (عليه السلام)- شبه‏ (2) من يوسف- (عليه السلام)-.

قلت: كأنّك تذكر خبره أو غيبته؟

فقال: لي. ما تنكر من ذلك هذه الأمّة أشباه الخنازير؟ إنّ إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء، تاجروا؟؟؟ بيوسف و بايعوه، و هم إخوته و هو أخوهم، فلم يعرفوه حتّى قال لهم: أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي‏ فما تنكر هذه الأمّة أن يكون اللَّه- عزّ و جلّ- في وقت من الأوقات يريد أن يستر (3) حجّته [عنهم‏] (4)؟ لقد كان يوسف- (عليه السلام)- [يوما] (5) ملك مصر، و كان بينه و بين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد اللَّه أن يعرّفه [مكانه‏] (6) لقدر على ذلك، و اللَّه، لقد سار يعقوب و ولده عند البشارة مسيرة (7) تسعة أيّام من بدوهم‏ (8) إلى مصر، فما تنكر هذه [الأمة] (9) أن يكون اللَّه- عزّ و جلّ- يفعل [بحجّته‏] (10) ما فعل بيوسف، أن يسير فيما بينهم و يمشي في أسواقهم و يطأ بسطهم‏ (11) و هم لا يعرفونه حتّى يأذن اللَّه- عزّ و جلّ- له أن يعرّفهم نفسه، كما أذن ليوسف حين‏ (12) قال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا (الآية).

و في أصول الكافي‏ (13): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي نجران،

____________

(1) كمال الدين 1/ 144، ح 11.

(2) المصدر: سنّة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أن يبيّن.

4 و 5- من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: «في» بدل «مسيرة».

(8) ليس في المصدر: من بدوهم.

9 و 10- من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: بسيطهم.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى.

(13) الكافي 1/ 336، ح 4.

372

عن فضالة بن أيّوب، عن سدير الصّيرفيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ في صاحب هذا [الأمر] (1) شبها من يوسف. و ذكر كما نقلنا عن كمال الدّين بتغيير يسير.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

[ليس‏] (3) رجل من ولد فاطمة لا (4) يموت و لا يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ للإمام بإمامته، كما أقرّ ولد يعقوب ليوسف [حين‏] (5) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا قدم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مكة (7)، يوم افتتحها، فتح باب الكعبة، فأمر بصور في الكعبة فطمست‏ (8)، فأخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، ما ذا تقولون و ما ذا تظنّون؟

قالوا: نظنّ خيرا [و نقول خيرا] (9)، أخ كريم و ابن أخ كريم و قد قدرت.

فقال: فإنّي أقول، كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (10): عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رفعه قال‏: كتب يعقوب النّبيّ إلى يوسف:

عن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن، إلى عزيز مصر: أمّا بعد، فإنّا أهل بيت لم يزل البلاء سريعا إلينا، أبتلي جدّي، إبراهيم فالقي في النّار، ثمّ ابتلي أبي إسحاق الذّبيح، و كان لي ابن و كان قرّة عيني و كنت أسرّ به فابتليت بأن أكله الذّئب فذهب بصري حزنا عليه من البكاء، و كان له أخ و كنت أسرّ إليه بعده فأخذته في سرق، فإن رأيت أن تمنّ عليّ به فعلت.

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير العياشي 2/ 193، ح 69.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 4/ 225، ح 3.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بمكّة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فطمثت.

(9) من المصدر.

(10) تفسير العياشي 2/ 192، ح 68.

373

قال: فلمّا أوتي يوسف بالكتاب فتحه و قرأه فصاح، ثمّ قام فدخل منزله فقرأه و بكى، ثمّ غسّل وجهه، ثمّ خرج إلى إخوته، ثمّ عاد فقرأه فصاح و بكى، ثمّ قام فدخل منزله فقرأه و بكى، ثمّ غسّل وجهه و عاد إلى إخوته، فقال‏ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏ و أعطاهم قميصه، و هو قميص إبراهيم، و كان يعقوب بالرّملة (1).

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً، أي: ذا بصر.

وَ أْتُونِي‏: أنتم و أبي.

بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (93) بنسائكم و ذراريّكم و مواليكم.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر قال‏: فلمّا كان من أمر إخوة يوسف ما كان كتب يعقوب إلى يوسف- (عليه السلام)- و هو لا يعلم أنّه يوسف:

«بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه- عزّ و جلّ- إلى عزيز آل فرعون سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللَّه أنّه لا إله إلّا هو: أمّا بعد، فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء، كان جدّي إبراهيم القي في النّار في طاعة ربّك فجعلها اللَّه- عزّ و جلّ- بردا و سلاما، و أمر اللَّه جدّي أن يذبح أبي ففداه بما فداه، و كان لي ابن فكان من أعزّ النّاس عليّ فقدته فأذهب حزني عليه نور بصري، و كان له أخ من أمّه فكنت إذا ذكرت المفقود ضممت أخاه هذا إلى صدري فأذهب عنّي بعض وجدي، و هو محبوس عندك في السّرقة، فإنّي أشهدك أنّي لم أسرق و لم ألد سارقا.

فلمّا قرأ يوسف الكتاب بكى و صاح و قال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي‏- إلى قوله-:

أَجْمَعِينَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ: من مصر، و خرجت من عمرانها.

قالَ أَبُوهُمْ‏: لمن حضره.

إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏:

قيل‏ (3): أوجده اللَّه ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهودا من ثمانين‏

____________

(1) قال الحمويّ: الرملة- واحدة الرّمل-: مدينة عظيمة بفلسطين، و كانت قصبتها قد خربت الآن، و كانت رباطا للمسلمين.

(2) أمالي الطوسي 2/ 71- 72.

(3) أنوار التنزيل 1/ 508.

374

فرسخا.

لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏ (94): تنسبوني إلى الفند، و هو نقصان عقل يحدث من هرم، و لذلك لا يقال: عجوز مفنّدة، لأنّ نقصان عقلها ذاتيّ.

و جواب «لو لا» محذوف، و تقديره: لصدقتموني. أو لقلت: إنّه قريب.

قالُوا، أي: الحاضرون.

تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ‏ (95): لفي ذهابك عن الصّواب قدما بالإفراط في محبّة يوسف، و إكثار ذكره، و التّوقّع للقائه.

فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ:

في كمال الدّين‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: هو يهودا.

نقل‏ (2): أنّه قال: كما احزنته بحمل قميصه الملطّخ بالدّم إليه، فأفرحه بحمل هذا إليه.

أَلْقاهُ عَلى‏ وَجْهِهِ‏: طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو يعقوب نفسه.

فَارْتَدَّ بَصِيراً: عاد بصيرا لما انتعش فيه من القوّة (3).

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (96): من حياة يوسف و إنزال الفرج.

و قيل‏ (4): إِنِّي أَعْلَمُ‏ كلام مبتدأ، و المقول‏ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ‏، أو «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ».

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن صفوان‏ (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: كتب عزيز مصر إلى يعقوب:

أمّا بعد، فهذا ابنك، يوسف اشتريته بثمن بخس دراهم معدودة و اتّخذته عبدا، و هذا ابنك، ابن يامين [أخذته‏] (7) قد سرق و اتّخذته‏ (8) عبدا.

____________

(1) كمال الدين 1/ 142، ح 9.

(2) أنوار التنزيل 1/ 508.

(3) قوله: «لما انتعش فيه من القوّة» هذا ليس كما ينبغي، لأنّه لم تعد قوّة البصر إذا ذهبت بالكلّية بسبب قوّة البدن. و الأولى أن يقال: إنّ هذا كان معجزة ليعقوب أو ليوسف.

(4) أنوار التنزيل 1/ 508.

(5) تفسير العياشي 2/ 195، ح 78.

(6) المصدر: مقرن.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فأخذته.

375

قال: فما ورد على يعقوب شي‏ء أشدّ عليه من ذلك الكتاب، فقال للرّسول: قف مكانك حتّى أجيبه. فكتب إليه يعقوب:

أما بعد، فقد فهمت كتابك بأنّك أخذت ابني بثمن بخس و اتّخذته عبدا، و أنّك اتخذت ابني، ابن يامين و قد سرق و اتّخذته عبدا، فإنّا أهل بيت لا نسرق و لكنّا (1) أهل بيت نبتلى، و قد ابتلي أبونا بالنّار فوقاه اللَّه، و ابتلي أبونا إسحاق بالذّبح فوقاه اللَّه، و إنّي قد ابتليت بذهاب بصري و ذهاب ابني، و عسى اللَّه أن يأتيني بهم جميعا.

قال: فلمّا ولّى الرّسول عنه رفع يده إلى السّماء، ثمّ قال: يا حسن الصّحبة، يا كريم المعونة، يا خير كلمة (2)، ائتني بروح [منك‏] (3) و فرج من عندك.

قال: فهبط عليه جبرئيل، فقال: يا يعقوب، ألّا أعلّمك دعوات يردّ اللَّه عليك بها بصرك و يردّ عليك ابنيك؟

فقال له: بلى.

فقال: قل: يا من لا يعلم أحد كيف هو و حيث هو و قدرته إلّا هو، يا من سدّ الهواء بالسّماء و كبس الأرض على الماء و اختار لنفسه أحسن الأسماء، ائتني بروح منك و فرج من عندك. فما انفجر عمود الصّبح حتّى اتي بالقميص و طرح على وجهه، فردّ اللَّه عليه بصره، و ردّ عليه ولده.

عن أبي بصير (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا الّذي بلّته دموع عيني‏ فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي‏ يرتدّ بَصِيراً لو قد شمّ ريحي‏ وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‏، و ردّهم إلى يعقوب في ذلك اليوم و جهّزهم بجميع ما يحتاجون إليه فلما فصلت عيرهم عن مصر وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لمن بحضرته من ولده:

إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏.

قال: و أقبل ولده يحثّون السّير بالقميص فرحا و سرورا بما رأوا من حال يوسف، و الملك الّذي أعطاه اللَّه، و العزّ الّذي صاروا إليه في سلطان يوسف. و كان مسيرهم من مصر إلى بدو يعقوب تسعة أيّام، فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ ألقى القميص‏ عَلى‏ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و لكن.

(2) المصدر: يا خيرا كله.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العياشي 2/ 196، ح 79.

376

. و قال لهم: ما فعل ابن يامين؟

قالوا: خلّفناه عند أخيه صالحا.

قال: فحمد اللَّه يعقوب عند ذلك، و سجد لربّه سجدات الشّكر، و رجع إليه بصره، و تقوّم له ظهره، و قال لولده: تحمّلوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم. فساروا إلى يوسف و معهم يعقوب و خالة يوسف، ياميل، فأحثّوا السّير فرحا و سرورا، فساروا تسعة أيّام إلى مصر.

عن أخي‏ (1) رزّام‏ (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: وجد يعقوب ريح قميص إبراهيم، حين فصلت العير من مصر، و هو بفلسطين.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى مفضّل بن عمر: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: أ تدري ما كان قميص يوسف- (عليه السلام)

قال: قلت: لا.

قال: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا أوقدت له النّار نزل إليه جبرئيل- (عليه السلام)- بالقميص و ألبسه إيّاه، فلم يضّرّ معه حرّ و لا برد. فلمّا حضرته الوفاة جعله في تميمة و علّقه على إسحاق- (عليه السلام)-، و علّقه إسحاق- (عليه السلام)- على يعقوب- (عليه السلام)-. فلمّا ولد له يوسف- (عليه السلام)- علّقه عليه، و كان في عضده حتّى كان من أمره ما كان. فلمّا أخرجه يوسف- (عليه السلام)- بمصر من تميمته وجد يعقوب- (عليه السلام)- ريحه، و هو قوله- عزّ و جلّ- حكاية عنه: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ». فهو ذلك القميص الّذي انزل من الجنّة.

قلت: جعلت فداك، فإلى من صار هذا القميص؟

قال: إلى أهله [ثمّ يكون مع قائمنا- (صلوات اللّه عليه)- إذا خرج‏] (4).

ثمّ قال: كلّ نبيّ ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمّد و آله- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 193، ح 70.

(2) المصدر: مرازم، و قال في هامش نور الثقلين 3/ 463: لم أظفر عليه باختلافه في كتب الرجال، فلعلّها تصحيف «أخو دارم»، و هو محمّد بن عبد اللَّه القلاعيّ.

(3) كمال الدين 1/ 142، ح 10.

(4) ليس في المصدرين.

377

و في الكافي‏ (1)، مثله سواء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، بعد المساواة فيما ذكر: و كان يعقوب بفلسطين، و فصلت العير من مصر، فوجد يعقوب ريحه و هو من ذلك القميص الّذي نزل من الجنّة، و نحن ورثته.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع‏ (4)، رفعه بإسناده له قال‏:

إنّ يعقوب وجد ريح قميص يوسف من مسيرة عشرة ليال‏ (5)، و كان يعقوب ببيت المقدس و يوسف بمصر، و هو القميص الّذي نزل إلى إبراهيم من الجنّة، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، و إسحاق إلى يعقوب، و دفعه يعقوب إلى يوسف- (عليه السلام)-.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي البلاد: عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: كان القميص الّذي نزل على إبراهيم من الجنّة في قصبة من فضّة، و كان إذا لبس كان واسعا كبيرا. فلمّا فصلوا، و يعقوب بالرّملة و يوسف بمصر، قال يعقوب: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏، يعني: ريح الجنّة حين فصلوا بالقميص، لأنّه كان من الجنّة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7): و روي‏ أنّ القائم- (عليه السلام)-: إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، و معه عصا موسى و خاتم سليمان.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن نشيط بن صالح البجليّ قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أ كان إخوة يوسف- (صلوات اللّه عليه)- أنبياء؟

قال: لا، و لا بررة أتقياء، كيف و هم يقولون لأبيهم: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ‏؟

عن نشيط (9)، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله.

عن سليمان بن عبد اللَّه الطّلحيّ‏ (10) قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما

____________

(1) الكافي 1/ 232، ح 5.

(2) تفسير القمّي 1/ 355.

(3) تفسير العياشي 2/ 194، ح 73.

(4) كذا في المصدر. و في ب: يوشع، و في سائر النسخ: يوسع.

(5) ب: أيام.

(6) العلل 1/ 53، ح 1.

(7) كمال الدين 1/ 143.

(8) تفسير العياشي 2/ 194، ح 74.

(9) تفسير العياشي 2/ 194، ح 75.

(10) نفس المصدر و الموضع.

378

حال بني يعقوب، هل خرجوا من الإيمان؟

فقال: نعم.

قلت: فما تقول في آدم؟

قال: دع آدم.

قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ‏ (97): و من حقّ المعترف بذنبه أن يصفح عنه، و يسأل له المغفرة.

قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ (98): أخّره إلى السّحر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى إسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال‏:

قلت لجعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: أخبرني عن يعقوب- (عليه السلام)- لمّا قال له بنوه:

يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ، قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏ فأخّر الاستغفار لهم، و يوسف- (عليه السلام)- لمّا قالوا له‏ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ، قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏.

قال: لأنّ قلب الشّابّ أرقّ من قلب الشّيخ، و كان جناية ولد يعقوب على يوسف و جنايتهم على يعقوب إنّما كانت بجنايتهم على يوسف، فبادر يوسف إلى العفو عن حقّه، و أخّر يعقوب العفو لأنّ عفوه إنّما كان عن حقّ غيره، فأخّرهم إلى السّحر ليلة الجمعة.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن المفضّل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خير وقت دعوتم اللَّه فيه الأسحار. و تلا هذه الآية في قول يعقوب- (عليه السلام)-: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏ و قال: أخّرهم إلى السّحر.

و فيمن لا يحضره الفقيه‏ (3): و روى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏، فقال: أخّرهم إلى السّحر، قال: يا ربّ، إنّما

____________

(1) العلل 1/ 54، ح 1.

(2) الكافي 2/ 477، ح 6.

(3) تفسير العياشي 2/ 196 ح 81 و الفقيه 1/ 272، ح 1240 بتفاوت يسير.

379

ذنبهم فيما بيني و بينهم.

فأوحى اللَّه: إنّي قد غفرت لهم.

و في روضة الكافي‏ (1): عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

قلت له: ما كان أولاد يعقوب أنبياء؟

قال: لا، و لكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، و لم يكن يفارقوا (2) الدّنيا إلّا سعداء، تابوا و تذكّروا ما صنعوا، و أنّ الشّيخين فارقا الدّنيا و لم يكن‏ (3) يتوبا و لم يذكرا (4) ما صنعا بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- فعليهما لعنة اللَّه و الملائكة و النّاس أجمعين.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ‏:

نقل‏ (5): أنّه وجّه إليه رواحل و أموالا ليتجهّز إليه بمن معه، و استقبله يوسف و الملك بأهل مصر، و كان أولاده الّذين دخلوا معه مصر اثنين و سبعين رجلا و امرأة، و كانوا حين خرجوا مع موسى- عليه الصّلاة و السّلام- ستّمائة ألف و خمسمائة و بضعة و سبعين رجلا سوى الذّرّيّة و الهرمى.

آوى‏ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ‏: ضمّ إليه أباه و أمّه راحيل، كما مضى عن الباقر- (عليه السلام)- في تأويل رؤياه.

أو أباه و خالته ياميل، لما سبق في رواية العيّاشيّ‏ (6)، أنّها هي الّتي صارت معهم إلى مصر، و لما يأتي في روايته: أنّه رفع أباه و خالته على سرير الملك. فإن صحّت هذه الرّواية فلعلّه نزّلها منزلة الأمّ تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله- تعالى-: وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ‏ (7). أو لأنّ يعقوب- (عليه السلام)- تزوّجها بعد أمّه و ربّته، و الرّابّة تدعى:

أمّا.

وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏ (99): من القحط و أصناف المكاره، و المشيئة متعلّقة بالدّخول المكيّف بالأمن، و الدّخول الأوّل كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم.

____________

(1) الكافي 8/ 246، ح 343.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يفارق.

(3) ليس في المصدر: يكن.

(4) المصدر: لم يتذكّرا.

(5) أنوار التنزيل 1/ 508.

(6) تفسير العياشي 2/ 196، ح 79.

(7) البقرة/ 133.

380

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن مروك‏ (2) بن عبيد، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ يوسف لمّا قدم عليه الشّيخ يعقوب- (عليه السلام)- دخله عزّ الملك، فلم ينزل إليه، فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا يوسف، ابسط راحتك. فخرج منها نور ساطع، فصار في جوّ السّماء.

فقال يوسف- (عليه السلام)-: يا جبرئيل، ما هذا النّور الّذي خرج من راحتي؟

فقال: نزعت النّبوّة من عقبك عقوبة لمّا لم تنزل إلى الشّيخ يعقوب، فلا يكون من عقبك نبيّ.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى يعقوب بن يزيد: عن غير واحد رفعوه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا تلقّى يوسف يعقوب ترجّل له يعقوب و لم يترجّل له يوسف، فلم ينفصلا من العناق حتّى أتاه جبرئيل فقال له: يا يوسف، ترجّل لك الصّدّيق و لم تترجّل له ابسط يدك. فبسطها، فخرج نور من راحته.

فقال له يوسف: ما هذا؟

قال: [هذا آية] (4) لا يخرج من عقبك نبيّ عقوبة.

و بإسناده إلى هشام بن سالم‏ (5): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لمّا أقبل يعقوب إلى مصر خرج يوسف- (عليه السلام)- ليستقبله. فلمّا رآه يوسف همّ بأن يترجّل ليعقوب، ثمّ نظر إلى ما هو فيه من الملك، فلم يفعل. فلمّا سلّم على يعقوب نزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له: يا يوسف، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصّالح إلّا ما أنت فيه، ابسط يدك. فبسطها فخرج من بين أصابعه نور.

فقال له: ما هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا آية (6) لا يخرج من صلبك نبيّ أبدا، عقوبة لك بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه.

____________

(1) الكافي 2/ 311، ح 15.

(2) كذا في المصدر. و جامع الرواة 2/ 226. و في النسخ: مروان.

(3) العلل 1/ 55، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) العلل/ 55، ح 2.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «إنّه» بدل «هذا آية».

381

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن الحسن بن أسباط قال‏: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)-: في كم دخل يعقوب من ولده على يوسف؟

قال: في أحد عشر ابنا.

فقيل له: أسباط؟

قال: نعم.

و سألته عن يوسف و أخيه: أ كان أخاه لأمّه أم ابن خالته؟

فقال: ابن خالته.

وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً:

قيل‏ (2): تحية و تكرمة له، فإنّ السّجود كان عندهم يجري مجراها. و الحقّ أنّ معناه:

خرّوا لأجله سجّدا، للّه شكرا.

و قيل‏ (3): الضّمير للّه، و الواو لأبويه و إخوته. و الرّفع مؤخّر عن الخرور، و إن قدّم لفظا للاهتمام بذكره‏ (4) بتعظيمه لهما.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ‏ قال: العرش السّرير.

و في قوله: خَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال: كان سجودهم ذلك عبادة للّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: لمّا دخلوا عليه سجدوا شكرا للّه وحده حين نظروا إليه، و كان ذلك السّجود للّه.

و عن الهادي‏ (7)- (عليه السلام)- و قد سئل عن سجود يعقوب و ولده ليوسف، و هم أنبياء: أمّا سجود يعقوب و ولده فإنّه لم يكن ليوسف، و إنّما كان من يعقوب و ولده طاعة للّه و تحيّة ليوسف، كما كان السّجود من الملائكة لآدم و إنّما كان ذلك منهم طاعة للّه و تحيّة لآدم، فسجد يعقوب و ولده و يوسف معهم شكرا للّه لاجتماع شملهم، ألم تر أنّه يقول في شكره ذلك الوقت: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‏ (الآية)؟

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 197، ح 84.

(2) أنوار التنزيل 1/ 508.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 509.

(4) ليس في المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 197، ح 85.

(6) تفسير القمّي 1/ 339.

(7) تفسير القمّي 1/ 356.

382

و في الجوامع‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «و خرّوا للّه ساجدين».

وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ‏: رأيتها أيّام الصّبا.

قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا: صدقا.

في تفسير العيّاشيّ‏ (2): و عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: فلمّا دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه [فقبله‏] (3) و بكى، [و رفعه‏] (4) و رفع خالته على سرير الملك، ثمّ دخل منزله فادّهن و اكتحل و لبس ثياب العزّ و الملك، ثمّ خرج إليهم. فلمّا رأوه سجدوا [جميعا] (5) له، إعظاما له، و شكرا للّه. فعند ذلك قال: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ‏.

قال: و لم يكن يوسف في تلك العشرين [سنة] (6) يدّهن، و لا يكتحل، و لا يتطيّب، و لا يضحك، و لا يمسّ النّساء حتّى جمع اللَّه ليعقوب شمله، و جمع بينه و بين يعقوب و إخوته.

و في مجمع البيان‏ (7): عنه- (عليه السلام)- مثله.

و لعلّ المراد بنفي مسّه النّساء: عدم مسهنّ للالتذاذ و الشّهوة، فلا ينافي ما سبق أنّه كان له ابن يلعب برمّانة بين يديه حين خاصم أخوه في أخيه، فلعلّه إنّما مسهنّ لتثقيل الأرض بتسبيح الولد، كما مضى في اعتذار أخيه في مثله.

وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ‏: لعلّه لم يذكر الجبّ لئلّا يكون تثريبا عليهم.

وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ: من البادية، لأنّهم كانوا أصحاب المواشي و أهل البدو.

مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي‏: أفسد بيننا و حرّش. من نزغ الرّائض الدّابّة: إذا نخسها و حملها على الجري.

إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ: لطيف التّدبير له، إذ ما من صعب إلّا و تنفذ فيه مشيئته و يتسهّل دونها.

إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ‏: بوجوه المصالح و التّدبير.

____________

(1) الجوامع/ 224.

(2) تفسير العياشي 2/ 197، ح 83.

3 و 4 و 5 و 6- من المصدر.

(7) المجمع 3/ 264.

383

الْحَكِيمُ‏ (100): الّذي يفعل كلّ شي‏ء في وقته، و على وجه تقتضيه الحكمة.

نقل‏ (1): أنّ يوسف- (عليه السلام)- طاف بأبيه في خزائنه، فلمّا أدخله خزينة القراطيس‏ (2) قال: يا بنيّ، ما أعقّك، عندك هذه القراطيس و ما كتبت إليّ على ثمان مراحل! قال: أمرني جبرئيل- (عليه السلام)-.

فقال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط منّي إليه، فاسأله.

قال جبرئيل- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه أمرني بذلك، لقولك: وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ‏ قال- تعالى-: فهلّا خفتني.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني محمّد بن عيسى، أنّ يحيى بن أكثم‏ سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل، فعرضها على أبي الحسن- (عليه السلام)-.

و أجابها- (عليه السلام)- أنّه قال: فنزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له:

يا يوسف، اخرج يدك. فأخرجها، فخرج من بين أصابعه نور.

فقال يوسف: ما هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذه النّبوّة أخرجها اللَّه من صلبك، لأنّك لم تقم إلى أبيك.

فحطّ اللَّه نوره، و محى النّبوّة من صلبه و جعلها في ولد لاوي، أخي يوسف، و ذلك لأنّهم لمّا أرادوا قتل يوسف قال: لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ‏ فشكره اللَّه على ذلك، و لمّا أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر، و قد حبس يوسف أخاه، قال:

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏ فشكر اللَّه له ذلك. فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- [(عليه السلام)-، و كان موسى من ولد لاوي‏ (4)، و هو موسى بن عمران بن يهصر بن واهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه‏] (5) السّلام-.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 509.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: القرطاس.

(3) تفسير القمّي 1/ 356- 357.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: من ولده.

(5) ليس في ب.

384

فقال يعقوب لابنه: يا بني، أخبرني ما فعل بك إخوتك حين أخرجوك من عندي؟

قال: يا أبت، أعفني من ذلك.

قال: فأخبرني ببعضه.

قال: إنّهم لمّا أدنوني من الجبّ، قالوا: انزع القميص‏ (1).

فقلت لهم: يا إخوتي، اتّقوا اللَّه و لا تجرّدوني.

فسلّوا عليّ السّكين، و قالوا: لئن لم تنزع لنذبحنّك. فنزعت القميص و ألقوني في الجبّ عريانا.

قال: فشهق يعقوب شهقة و اغمي عليه، فلمّا أفاق قال: يا بنيّ، حدثني.

قال: يا أبت، أسألك بإله إبراهيم و إسحاق و يعقوب إلّا أعفيتني، فأعفاه.

و الحديث طويل يذكر تتمّته.

و في مجمع البيان‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)- و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن الباقر- (عليه السلام)- ما في معناه.

و في مجمع البيان‏ (4): و روي‏ أنّ يوسف قال ليعقوب: لا تسألني عن صنيع إخوتي، و اسأل عن صنيع اللَّه بي.

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‏: بعض الملك، و هو ملك مصر.

و في الكافي‏ (5): عن الصّادق- (عليه السلام)- في حديث يذكر فيه يوسف- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه لم يبعث أنبياء ملوكا في الأرض إلّا أربعة.

... إلى أن قال: و أمّا يوسف فملك مصر و براريّها، و لم يتجاوزها إلى غيرها.

و في الكافي‏ (6): عن الصّادق- (عليه السلام)- في حديث يذكر فيه يوسف، و فيه: فكان من أمره الّذي كان أن اختار مملكة الملك و ما حولها إلى اليمن.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن الباقر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه لم يبعث الأنبياء ملوكا

____________

(1) المصدر: قميصك.

(2) المجمع 3/ 265.

(3) تفسير العياشي 2/ 198، ح 86.

(4) المجمع 3/ 265.

(5) بل في الخصال 1/ 248، ح 110. و تفسير نور الثقلين 2/ 473، ح 222 عنه.

(6) الكافي 5/ 70، ح 1.

(7) الخصال 1/ 248، ح 110.

385

في الأرض إلّا أربعة.

... إلى أن قال: و أمّا يوسف فملك مصر و براريّها، و لم يتجاوزها إلى غيرها.

وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏: الكتب. أو الرّؤيا.

و «من»- أيضا- للتّبعيض، لأنّه لم يؤت كلّ التّأويل.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- رضي اللَّه عنه-: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال‏: إنّ يهوديا من يهود الشّام و أحبارهم [جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيهم عليّ‏] (2) قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا يوسف قاسى‏ (3) مرارة الفرقة، و حبس في السّجن توقّيا للمعصية، و ألقي في الجبّ وحيدا.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاسى مرارة الغربة و فراق الأهل و الأولاد و المال، مهاجرا (4) من حرم اللَّه- تعالى- و أمنه.

فلمّا رأى اللَّه- عزّ و جلّ- كآبته‏ (5) و استشعاره الحزن أراه- تبارك و تعالى- رؤيا توازي رؤيا يوسف في تأويلها، و أبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ‏ (6).

و لئن كان يوسف حبس في السّجن، فلقد حبس رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفسه في الشّعب ثلاث سنين، و قطع منه أقاربه و ذووا الرّحم و ألجأوه إلى أضيق‏ (7) المضيق، و لقد كادهم اللَّه- عزّ و جلّ- كيدا مستبينا إذ بعث أضعف خلقه فأكد عهدهم الّذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه‏ (8).

و لئن كان يوسف القي في الجبّ، فلقد حبس محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفسه مخافة عدوّه في الغار حتّى قال لصاحبه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (9) و مدحه اللَّه بذلك في كتابه.

____________

(1) الاحتجاج 1/ 314- 320.

(2) من المصدر.

(3) قاسى: تحمّل.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فهاجر.

(5) الكآبة: الغمّ و الحزن.

(6) الفتح/ 27.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الضيق.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «قطيعته» بدل «قطيعة رحمه».

(9) التوبة/ 40.

386

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ، عن أبي جعفر الصّائغ، عن محمّد بن مسلم قال‏: دخلت على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و عنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة.

فقال له: يا ابن مسلم، هاتها، فإنّ العالم بها جالس- و أومأ بيده إلى أبي حنيفة-.

قال: فقلت: رأيت كأنّي دخلت داري، و إذا أهلي قد خرجت عليّ، فكسرت جوزا كثيرا و نثرته عليّ، فتعجّبت من هذه الرّؤيا.

فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم و تجادل لئاما في مواريث أهلك، فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها- إن شاء اللَّه تعالى-.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أصبت، و اللَّه، يا أبا حنيفة.

قال: ثمّ خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت: جعلت فداك، إنّي كرهت تعبير هذا النّاصب.

فقال: يا ابن مسلم، لا يسوؤك اللَّه، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا و لا تعبيرنا تعبيرهم، و ليس التّعبير كما عبّره.

قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: «أصبت» و تحلف عليه و هو مخطئ؟

قال: نعم، حلفت عليه أنّه أصاب‏ (2) الخطأ.

قال: قلت: فما تأويلها؟

قال: يا ابن مسلم، إنّك تتمتّع بامرأة فتعلم بها أهلك فتمزّق عليك‏ (3) ثيابا جددا، فإن القشر كسوة اللّبّ.

قال ابن مسلم: فو اللَّه، ما كان بين تعبيره و تصحيح الرّؤيا إلّا صبيحة الجمعة، فلمّا كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرّت بي جارية فأعجبتني، فأمرت غلامي فردّها ثمّ أدخلها داري، فتمتّعت بها، فأحسّت بي و علمت بها أهلي، فدخلت علينا البيت فبادرت الجارية نحو الباب و بقيت أنا، فمزّقت عليّ ثيابا [جددا] (4) كنت ألبسها في الأعياد.

____________

(1) الكافي 8/ 292، ح 447.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «أنّه صاحب» بدل «عليه أنّه أصاب».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «فتخرق عليها».

(4) كذا في المصدر.

388

قال: فهبط إليه جبرئيل فقال له: [يا يوسف‏] (1) ما حاجتك؟

فقال: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: خشي الفتن‏ (2).

و في كمال الدّين و تمام النّعمة (3): عن الصّادق، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)-، عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عاش يعقوب بن إسحاق مائة و أربعين سنة، و عاش يوسف بن يعقوب مائة و عشرين سنة.

و في مجمع البيان‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- قال‏: دخل يوسف السّجن و هو ابن اثنتي عشرة سنة، و مكث فيه ثماني عشرة سنة، و بقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة سنة و عشر سنين.

و عن الباقر (5)- (عليه السلام)- أنّه سئل: كم عاش يعقوب مع يوسف بمصر؟

قال: عاش حولين.

قيل: فمن كان الحجّة للّه في الأرض، يعقوب أم يوسف؟

قال: كان يعقوب [الحجّة] (6)، و كان الملك ليوسف. فلمّا مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشّام، فدفنه‏ (7) في بيت المقدس، فكان يوسف بعد يعقوب الحجّة.

قيل‏ (8): فكان يوسف رسولا نبيّا؟

قال: نعم، أما تسمع قوله: وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عنه- (عليه السلام)- ما يقرب منه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (10): عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى موسى بن عمران: أن أخرج عظام يوسف- (عليه السلام)- من مصر. و وعده طلوع‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: العين.

(3) كمال الدين 2/ 523، ح 1.

(4) المجمع 3/ 266.

(5) المجمع 3/ 266.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فدفن.

(8) المصدر: قلت.

(9) تفسير العياشي 2/ 198، ح 87.

(10) الفقيه 1/ 123.

390

فأكرمتك.

فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مرحبا بك، سل حاجتك.

فقال: أسألك مائتي شاة برعاتها.

فأمر له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما سأل، ثمّ قال لأصحابه: ما كان على هذا الرّجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى؟

فقالوا: و ما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى؟

فقال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى موسى: أن أحمل عظام يوسف من مصر من قبل أن تخرج منها إلى الأرض المقدّسة بالشّام. فسأل موسى عن قبر يوسف- (عليه السلام)- فجاءه شيخ فقال: إن كان أحد يعرف قبره ففلانة. فأرسل موسى- (عليه السلام)- إليها، فلمّا جاءته قال: تعلمين موضع قبر يوسف- (عليه السلام)

قالت: نعم.

قال: فدلّيني عليه، و لك ما سألت.

قالت: لا أدلّك عليه إلّا بحكمي.

قال: فلك الجنّة.

قالت: لا، إلّا بحكمي عليك.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى موسى: لا يكبر عليك أن تجعل لها حكمها.

فقال موسى: فلك حكمك.

قالت: فإنّ حكمي أن أكون معك في درجتك الّتي تكون فيها يوم القيامة في الجنّة.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما كان على هذا لو سألني ما سألت عجوز بني إسرائيل.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن المغيرة: عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: استأذنت زليخا على يوسف.

فقيل لها: إنا نكره أن نقدم بك عليه، لما كان منك إليه.

قالت: إنّي لا أخاف من يخاف اللَّه.

____________

(1) العلل 1/ 55، ح 1.

389

القمر (1)، فأبطأ [طلوع‏] (2) القمر [عليه‏] (3)، فسأل عمّن يعلم موضعه، فقيل له: ها هنا عجوز تعلم [علمه‏] (4). فبعث إليها، فاتي بعجوز مقعدة عمياء.

فقال: تعرفين قبر يوسف- (عليه السلام)

قالت: نعم.

قال: فأخبريني بموضعه.

فقالت: لا أفعل حتّى تعطيني خصالا، تطلق رجلي، و تعيد إليّ بصري، و تردّ إليّ شبابي، و تجعلني معك في الجنّة.

فكبر ذلك على موسى، فأوحى اللَّه إليه: إنّما تعطي عليّ، فأعطها ما سألت.

ففعل، فدلّته على قبر يوسف- (عليه السلام)- و استخرجته من شاطئ النّيل في صندوق مرمر. فلمّا أخرجه طلع القمر، فحمله إلى الشّام، فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشّام. و هو يوسف بن يعقوب- (عليه السلام)- و ما ذكر اللَّه- عزّ و جلّ- في القرآن غيره.

و في روضة الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد (6) الكنّاسيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان نزل على رجل بالطّائف قبل الإسلام، فأكرمه. فلمّا أن بعث اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى النّاس قيل للرّجل: أ تدري من الّذي أرسله اللَّه- عزّ و جلّ- إلى النّاس؟

قال: لا.

قالوا: هو محمّد بن عبد اللَّه، يتيم أبي طالب، و هو الّذي كان نزل [بك‏] (7) بالطّائف يوم كذا و كذا، فأكرمته.

قال: فقدم الرّجل على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسلّم عليه و أسلم، ثمّ قال له: تعرفني، يا رسول اللَّه؟

قال: و من أنت؟

قال: أنا ربّ المنزل الّذي نزلت به بالطّائف في الجاهليّة يوم كذا و كذا،

____________

(1) ليس في أ.

2 و 3 و 4- من المصدر.

(5) الكافي 8/ 155، ح 144.

(6) المصدر: يزيد.

(7) من المصدر.

387

و جاء موسى الزّوّار العطّار إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقال له: يا ابن رسول اللَّه، رأيت رؤيا هالتني، رأيت صهرا لي ميّتا و قد عانقني، و قد خفت أن يكون الأجل قد اقترب.

فقال: يا موسى، توقّع الموت صباحا و مساء فإنّه ملاقينا، و معانقة الأموات للأحياء أطول لأعمارهم، فما كان اسم صهرك؟

قال: حسين.

فقال: أمّا إنّ‏ (1) رؤياك تدلّ على بقائك و زيارتك أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- فإنّ كلّ من عانق سمّي الحسين- (عليه السلام)- يزوره- إن شاء اللَّه-.

فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: مبدعهما.

و انتصابه على أنّه صفة المنادى، أو منادى برأسه.

أَنْتَ وَلِيِّي‏: ناصري، أو متولّي أمري.

فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ: أو الّذي يتولّاني بالنّعمة فيهما.

تَوَفَّنِي مُسْلِماً: اقبضني مسلما.

وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ (101): من آبائي. أو بعامّة الصّالحين في الرّتبة و الكرامة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن عبّاس بن يزيد قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: بينا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس في أهل بيته إذ قال: أحبّ يوسف أن يستوثق‏ (3) لنفسه.

قال: فقيل: بماذا، يا رسول اللَّه؟

قال: لمّا عزل‏ (4) له عزيز مصر [عن مصر] (5)، لبس ثوبين جديدين، أو قال:

نظيفين، و خرج إلى فلاة من الأرض، فصلّى ركعات. فلمّا فرغ رفع رأسه إلى السّماء، فقال: يا (6) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أنّك.

(2) تفسير العياشي 2/ 199، ح 89.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يدعون.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عجل.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

391

فلمّا دخلت قال لها: يا زليخا، ما لي أراك قد تغيّر لونك؟

قالت: الحمد للّه الّذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا، و جعل العبيد بطاعتهم ملوكا.

فقال لها: ما الّذي دعاك [يا زليخا] (1) إلى ما كان منك؟

قالت: حسن وجهك، يا يوسف.

فقال: كيف لو رأيت نبيّا يقال له: محمّد، يكون‏ (2) في آخر الزّمان، أحسن منّي وجها، و أحسن منّي خلقا، و أسمح منّي كفّا؟

قالت: صدقت.

قال: و كيف علمت أنّي صدقت؟

قالت: لأنّك حين ذكرته وقع حبّه في قلبي.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى يوسف: أنّها قد صدّقت، و أنّي قد أحببتها لحبّها محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأمره اللَّه- تبارك و تعالى- أن يتزوّجها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني محمّد بن عيسى، أنّ يحيى بن أكثم‏ سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل، فعرضها على أبي الحسن، فكانت إحداها (4):

أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً. و قد سبق أكثر الحديث عند هذه الآية، و يتّصل بآخر ما سبق قال: و لمّا مات العزيز (5) في السّنين المجدبة افتقرت امرأة العزيز، و احتاجت حتّى سألت [النّاس‏] (6).

فقالوا لها (7): لو قعدت للعزيز. و كان يوسف سمّي بالعزيز، و كلّ ملك كان لهم سمّي بهذا الاسم.

فقالت: أستحيي منه. فلم يزالوا بها حتّى قعدت له [على الطريق‏] (8) فأقبل يوسف في موكبه، فقامت إليه فقالت: سبحان الّذي‏ (9) جعل الملوك بالمعصية عبيدا،

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في أ، ب.

(3) تفسير القمّي 1/ 357.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و كان أحدها.

(5) المصدر: زيادة «و ذلك».

(6) من المصدر.

(7) المصدر: «ما يضرّك» بدل «لها».

(8) من المصدر.

(9) المصدر: من.

392

و جعل العبيد بالطّاعة ملوكا.

فقال لها يوسف: أنت هاتيك‏ (1)؟

فقالت: نعم. و كان اسمها زليخا.

قال: هل لك فيّ؟

قالت: دعني بعد ما كبرت، أ تهزأ بي؟

قال: لا.

قالت: نعم.

فأمر بها فحوّلت إلى منزله، و كانت هرمة، فقال لها: أ لست فعلت بي كذا و كذا؟

فقالت: يا نبيّ اللَّه، لا تلمني، فإنّي بليت ببليّة لم يبتل بها أحد.

قال: و ما هي؟

قالت: بليت بحبّك و لم يخلق اللَّه لك في الدّنيا نظيرا، و بليت [بحسني‏] (2) بأنّه لم يكن بمصر امرأة أجمل منّي و لا أكثر مالا منّي نزع عنّي مالي و ذهب عنّي جمالي‏ (3)، و بليت بزوج عنّين.

فقال لها يوسف: فما حاجتك‏ (4)؟

فقالت: تسأل اللَّه أن يردّ عليّ شبابي. فسأل اللَّه، فردّ عليها شبابها، فتزوّجها و هي بكر.

و في أمالي شيخ الطّائفة (5)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- قال‏: لمّا أصابت امرأة العزيز الحاجة، قيل لها: لو أتيت يوسف بن يعقوب- (عليهما السلام)-.

فشاورت في ذلك، فقيل لها: إنّا نخافه عليك.

قالت: كلّا، إنّي لا أخاف من يخاف اللَّه. فلمّا ادخلت‏ (6) عليه، فرأته في ملكه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مليك.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «فنزعا منّي» بدل «نزع عنّي مالي و ذهب عنّي جمالي».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تريدين.

(5) أمالي الطوسي 2/ 71- 72.

(6) أ، ب: دخلت.

393

قالت: الحمد للّه الّذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، و جعل الملوك عبيدا بمعصيته.

فتزوّجها، فوجدها بكرا.

فقال: أليس هذا أحسن، أليس هذا أجمل؟

فقالت: إنّي كنت بليت منك بأربع خصال: كنت أجمل أهل زماني، و كنت أجمل أهل زمانك، و كنت بكرا، و كان زوجي عنّينا.

ذلِكَ‏: إشارة إلى ما ذكر من أنباء يوسف، و الخطاب فيه للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو مبتدأ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ‏ خبران له.

وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ‏ (102)، كالدّليل عليها.

و المعنى: أنّ هذا النّبأ غيب لم تعرفه إلّا بالوحي، لأنّك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما همّوا به، من أن يجعلوه في غيابة الجبّ، و هم يمكرون به و بأبيه ليرسله معهم. و من المعلوم الّذي لا يخفى على مكذّبيك، أنّك ما لقيت أحدا سمع ذلك فتعلّمته منه. و إنّما حذف هذا الشّقّ استغناء بذكره في غير هذه القصّة، كقوله: ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا.

وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ‏: على إيمانهم و بالغت في إظهار الآيات عليهم.

بِمُؤْمِنِينَ‏ (103): لعنادهم و تصميمهم على الكفر.

وَ ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ‏: على الأنباء و القرآن.

مِنْ أَجْرٍ: جعل، كما يفعله حملة الأخبار.

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ: عظة من اللَّه.

لِلْعالَمِينَ‏ (104): عامّة.

وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ: و كم من آية (1).

و المعنى: و كأيّ عدد من الدّلائل الدّالة على وجود الصّانع و حكمته و كمال قدرته و توحيده.

فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها: على الآيات و يشاهدونها.

وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ‏ (105): لا يتفكّرون فيها، و لا يعتبرون بها.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر: و كم من آية.

394

و قرئ‏ (1): «و الأرض» بالرّفع، على أنّه مبتدأ خبره «يمرّون»، فيكون لها الضّمير في «عليها». و بالنّصب، على و يطئون الأرض.

و قرئ‏ (2): «و الأرض يمشون عليها»، أي: يتردّدون فيها فيرون آثار الأمم الهالكة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: «الآيات» الكسوف و الزّلزلة و الصّواعق.

وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ‏، أي: في إقرارهم بوجوده و خالقيّته.

إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ (106):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن الفضيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: شرك طاعة و ليس شرك عبادة، و المعاصي الّتي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشّيطان فأشركوا باللّه في الطّاعة لغيره، و ليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير اللَّه.

و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و له‏ (6) الأسماء الحسنى الّتي لا يسمّى بها غيره، و هي الّتي وصفها في الكتاب فقال: فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ‏ جهلا بغير علم. فالّذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك و هو لا يعلم، و يكفر به و هو يظنّ أنّه يحسن، فلذلك قال: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ فهم الّذين يلحدون في أسمائه بغير علم و يضعونها غير مواضعها.

و في أصول الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللَّه بن جبلة، عن سماعة، عن أبي بصير و إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ‏- إلى قوله- مُشْرِكُونَ‏.

قال: يتبع الشّيطان من حيث لا يعلم فيشرك.

عليّ بن إبراهيم‏ (8)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس [عن‏] (9) ابن بكير، عن ضريس، عن أبي عبد اللَّه- ((عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ‏ (الآية) قال: [شرك طاعة و ليس شرك عبادة] (10).

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 510.

(3) تفسير القمّي 1/ 358.

(4) تفسير القمّي 1/ 358.

(5) التوحيد/ 324، ح 1.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و أمّا.

(7) الكافي 2/ 397، ح 3.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

9 و 10- من المصدر.

395

[عن زرارة (1)، قال‏: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه‏ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ قال:] (2) من ذلك قول الرّجل: لا، و حياتك.

عن محمّد بن الفضيل‏ (3)، عن الرّضا-) (4) (عليه السلام)- قال‏: شرك لا يبلغ به الكفر.

أبو بصير (5)، عن أبي إسحاق قال‏: هو قول الرّجل: لو لا اللَّه و أنت ما فعل بي كذا و كذا، و لو لا اللَّه و أنت ما صرف عنّي كذا و كذا، و أشباه ذلك.

عن مالك بن عطيّة (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ ما يُؤْمِنُ‏- إلى قوله- وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ قال: هو الرّجل يقول: لو لا فلان لهلكت، و لو لا فلان لأصبت كذا و كذا، و لو لا فلان لضاع عيالي. ألا ترى أنّه قد جعل للّه شريكا في ملكه يرزقه و يدفع عنه؟

قال: قلت: فيقول: لو لا أن منّ اللَّه عليّ بفلان لهلكت؟

قال: نعم، لا بأس بهذا.

عن زرارة (7) و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قالوا: سألناهما.

فقالا: شرك النّعم.

و في مجمع البيان‏ (8): اختلف في معناه على أقوال:

أحدها: أنّهم مشركوا قريش، كانوا يقرّون باللّه خالقا و محييا و مميتا و يعبدون الأصنام و يدعونها آلهة، مع أنّهم كانوا يقولون: اللَّه ربّنا و إلهنا يرزقنا، و كانوا مشركين بذلك.

و ثانيها: أنّها نزلت في مشركي العرب، إذ سئلوا: من خلق السّماوات و الأرض و ينزّل القطر (9)؟ قالوا: اللَّه، ثمّ هم يشركون. و كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 199، ح 90.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 92.

(4) ما بين القوسين ليس في ب.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 94.

(6) تفسير العياشي 2/ 200، ح 96.

(7) تفسير العياشي 2/ 200، ح 96.

(8) المجمع 3/ 267- 268.

(9) أ، ب: المطر.

396

لك، إلّا شريك هو لك تملكه و ما ملك.

و ثالثها: أنّهم أهل الكتاب، آمنوا باللّه و اليوم الآخر و التّوراة و الإنجيل، ثمّ أشركوا بإنكار القرآن و إنكار نبوّة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [عن الحسن‏] (1). و هذا القول مع ما تقدّمه‏ رواه دارم بن قبيصة، عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جدّه، أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

و رابعها: أنّهم المنافقون، يظهرون الإيمان و يشركون في السّرّ.

و خامسها: أنّهم المشبّهة، آمنوا في الجملة و أشركوا في التّوحيد.

و سادسها:

أنّ المراد بالإشراك: شرك الطّاعة لا [شرك‏] (2) العبادة. عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ‏: عقوبة تغشاهم و تشملهم.

أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً: فجأة من غير سابقة علامة.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (107): بإتيانها، غير مستعدّين لها.

قُلْ هذِهِ سَبِيلِي‏، يعني: الدّعوة إلى التّوحيد، و الإعداد للمعاد. و لذلك فسّر السّبيل بقوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ‏.

و قيل‏ (3): هو حال من الياء (4).

عَلى‏ بَصِيرَةٍ: بيان و حجّة واضحة، غير عمياء أَنَا: تأكيد للمستتر في «أدعو» أو «على بصيرة» (5)، لأنّه حال منه. أو مبتدأ خبره «على بصيرة».

وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏: عطف عليه.

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: ذلك رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 1/ 510.

(4) أي ياء المتكلّم الّذي يضاف إليه «سبيل».

و لعلّه باعتبار أنه مفعول مصدر مقدّر، أي: سبيل سلوك.

(5) لأنّ تقديره: أدعو كائنا على بصيرة فيكون فاعل الظرف ضمير المتكلّم المستقرّ.

(6) الكافي 1/ 425، ح 66.

397

و آله- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأوصياء من بعدهم.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه قال: قال عليّ بن حسّان لأبي جعفر الجواد:

يا سيّدي، إنّ النّاس ينكرون عليك حداثة سنّك.

قال: و ما ينكرون؟ ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-، لقد قال لنبيّه: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي‏ (الآية) فو اللَّه ما تبعه إلّا عليّ- (عليه السلام)- و له تسع سنين، فأنا ابن تسع سنين.

و في روضة الواعظين‏ (2): قال الباقر- (عليه السلام)-: قُلْ هذِهِ‏- إلى قوله- وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏ قال: عليّ اتّبعه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: قُلْ هذِهِ‏- إلى قوله- وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏، يعني: نفسه، و من تبعه، [يعني‏] (4) عليّ بن أبي طالب و آل محمّد- صلّى اللَّه عليه و عليهم أجمعين-.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: أخبرني عن الدّعاء إلى اللَّه و الجهاد في سبيله، أهو لقوم لا يحلّ إلّا لهم و لا يقوم به إلّا من كان منهم، أم هو مباح لكلّ من وحّد اللَّه- عزّ و جلّ- و آمن برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و من كان كذا فله أن يدعو إلى اللَّه- عزّ و جلّ- إلى طاعته و أن يجاهد في سبيله؟

فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، و لا يقوم بذلك إلّا من كان منهم.

قلت: من أولئك؟

قال: من قام بشرائط اللَّه- عزّ و جلّ- في القتال و الجهاد على المجاهدين، فهو المأذون له في الدّعاء إلى اللَّه- عزّ و جلّ-. و من لم يكن قائما بشرائط اللَّه- عزّ و جلّ- في الجهاد على المجاهدين، فليس بمأذون له في الجهاد و لا الدّعاء إلى اللَّه، حتّى يحكّم في نفسه ما أخذ اللَّه عليه من شرائط الجهاد.

قلت: فبيّن لي، يرحمك اللَّه.

قال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أخبر في كتابه الدّعاء إليه، و وصف الدّعاة إليه.

____________

(1) الكافي 1/ 384، ح 8.

(2) روضة الواعظين 1/ 105.

(3) تفسير القمّي 1/ 358.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 5/ 13، ح 1.

398

... إلى أن قال: ثمّ أخبر عن هذه الأمّة، و ممّن هي، و أنّها من ذريّة إبراهيم و من ذريّة إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير اللَّه قطّ، و الّذين وجبت لهم الدّعوة دعوة إبراهيم و إسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا، الّذين وصفناهم قبل هذا في صفة أمّة إبراهيم- (عليه السلام)-، الّذين عناهم اللَّه- تبارك و تعالى- في قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏، يعني: أوّل من اتّبعه على الإيمان به و التّصديق له و بما جاء به من عند اللَّه- عزّ و جلّ- من الأمّة الّتي بعث فيها و منها و إليها قبل الخلق، ممّن لم يشرك باللّه قطّ، و لم يلبس إيمانه بظلم، و هو الشّرك.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تهذيب الأحكام‏ (1)، في الدّعاء بعد صلاة يوم الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: ربّنا آمنا، و اتّبعنا مولانا و وليّنا و هادينا و داعينا، و داعي الأنام و صراطك المستقيم السّويّ، و حجّتك و سبيلك الدّاعي إليك على بصيرة، هو و من اتّبعه، و سبحان اللَّه عمّا يشركون بولايته و بما يلحدون و باتّخاذ الولائج دونه.

وَ سُبْحانَ اللَّهِ‏: و أنزّهه تنزيها من الشّركاء.

وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (108): عطف على سبيل التّفسير.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام بن الحكم قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن‏ سُبْحانَ اللَّهِ‏.

فقال: أنفة للّه‏ (3).

أحمد بن مهران‏ (4)، عن عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ، عن عليّ بن أسباط، عن سليمان، مولى طربال، عن هشام الجواليقيّ قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: سُبْحانَ اللَّهِ‏ ما يعني به؟

قال: تنزيهه‏ (5).

____________

(1) التهذيب 3/ 145، ح 317.

(2) الكافي 1/ 118، ح 10.

(3) يعني: تنزيه لذاته الأحديّة عن كلّ ما لا يليق بجنابه.

يقال: أنف من الشي‏ء: إذا استنكف عنه و كرهه و شرف نفسه عنه قاله في الوافي.

(4) الكافي 1/ 118، ح 11.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تنزيه.

399

و في الكافي‏ (1): عليّ، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة [عن هشام بن الحكم‏] (2) قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما تفسير سُبْحانَ اللَّهِ‏؟

قال: أنفة للّه. أما ترى الرّجل إذا عجب من الشّي‏ء قال: سبحان اللَّه.

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا: ردّ لقولهم: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً.

و قيل‏ (3): معناه: نفي استنباء النّساء.

نُوحِي إِلَيْهِمْ‏، كما أوحي إليك، و تميّزوا بذلك عن غيرهم.

و قرأ (4) حفص: «نوحي» في كلّ القرآن، و وافقه حمزة و الكسائي في الحرف الثّاني في سورة الأنبياء.

و حمزة و الكسائي يميلانه على أصلها ها هنا، و في النّحل، و الأوّل من سورة الأنبياء.

مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏: لأنّ أهلها أعلم و أحلم من أهل البدو.

و في عيون الأخبار (5): وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ‏، يعني: إلى الخلق. إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فأخبر أنّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمّة أو حكّاما، و إنّما أرسلوا (6) إلى أنبياء اللَّه.

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: من المكذّبين بالرّسل و الآيات، فيحذروا تكذيبك. أو من المشغوفين بالدّنيا المتهالكين عليها، فيقلعوا عن حبّها و يزهدوا فيها.

وَ لَدارُ الْآخِرَةِ: و لدار الحال، أو السّاعة، أو الحياة الآخرة.

خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا: الشّرك و المعاصي.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (109): يستعملون عقولهم ليعرفوا أنّها خير.

و قرأ (7) نافع و ابن عامر و عاصم و يعقوب، بالتّاء، حملا على قوله: «قل هذه سبيلي» [أي قل لهم: أفلا تعقلون‏] (8).

____________

(1) الكافي 3/ 329، ح 5.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 1/ 510.

(4) أنوار التنزيل 1/ 510.

(5) العيون 1/ 270.

(6) المصدر: إنّما كانوا أرسلوا.

(7) أنوار التنزيل 1/ 511.

(8) من المصدر.

400

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ‏: غاية محذوف دلّ عليه الكلام، أي: لا يغررهم تمادي أيّامهم، فإنّ من قبلهم أمهلوا حتّى أيس الرّسل عن النّصر عليهم في الدّنيا.

أو عن إيمانهم، لانهماكهم في الكفر مترفّهين متمادين فيه من غير وازع.

وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، أي: كذّبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنّهم ينصرون.

أو كذّبهم القوم بوعد الإيمان.

و قيل‏ (1): الضّمير للمرسل إليهم، أي: و ظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل قد كذّبوهم بالدّعوة و الوعيد.

و قيل‏ (2): الأوّل للمرسل إليهم. و الثّاني للرّسل، أي: و ظنّوا أنّ الرّسل قد كذبوا و أخلفوا فيما وعد لهم من النّصر، و خلط الأمر عليهم.

و في الجوامع‏ (3): أنّ قراءة التّخفيف قراءة أئمّة الهدى- (عليهم السلام)-.

و قرأ (4) غير الكوفيّين، بالتّشديد، أي: و ظنّ الرّسل أنّ القوم قد كذّبوهم فيما أوعدوهم.

و قرئ‏ (5): «كذبوا» بالتّخفيف و بناء الفاعل، أي: أنّهم قد كذبوا فيما حدّثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم و لم يروا له أثرا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: وكلهم اللَّه إلى أنفسهم، فظنّوا أنّ الشّياطين قد تمثّلت لهم في صورة الملائكة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن ابن شعيب‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

و كلهم [اللَّه‏] (9) إلى أنفسهم أقلّ من طرفة عين.

عن زرارة (10) قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: كيف لم يخف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيما يأتيه من قبل اللَّه، أن يكون ذلك ما ينزغ به الشّيطان؟

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 511.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الجوامع/ 224.

(4) أنوار التنزيل 1/ 511.

(5) أنوار التنزيل 1/ 511.

(6) تفسير القمّي 1/ 358.

(7) تفسير العياشي 2/ 201، ح 103.

(8) ب: أبي شعيب.

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر و الموضع.

401

قال: فقال: إنّ اللَّه إذا اتّخذ عبدا رسولا أنزل عليه السّكينة و الوقار، فكان يأتيه من قبل اللَّه مثل الّذي يراه بعينه.

جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ: النّبيّ و المؤمنين. و إنّما لم يعيّنهم للدّلالة على أنّهم الّذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم، لا يشاركهم فيه غيرهم.

و قرأ ابن‏ (1) عامر و عاصم و يعقوب، على لفظ الماضي المبنيّ للمفعول.

و قرئ‏ (2): «فنجى».

وَ لا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ‏ (110): إذا نزل بهم.

و في عيون الأخبار (3)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)-: حدّثنا تميم بن عبد اللَّه بن تميم القرشيّ- رضي اللَّه عنه- قال:

حدّثنا أبي، عن حمدان بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-.

فقال له المأمون: يا ابن رسول اللَّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟

قال: بلى.

قال: فما معنى قول اللَّه- عزّ و جلّ-؟

... إلى أن قال: فأخبرني عن قول اللَّه- تعالى-: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: يقول اللَّه- تعالى-: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ‏ من قومهم، و ظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا جاء الرّسل نصرنا.

فقال المأمون: للّه درّك، يا أبا الحسن.

لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ‏: في قصص الأنبياء و أممهم. أو في قصّة يوسف و إخوته.

عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏: لذوي العقول المبرّأة من شوائب الإلف و الرّكون إلى الحسّ.

ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏: ما كان القرآن حديثا يفترى.

وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏: من الكتب الإلهيّة.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 511.

(3) العيون 1/ 202.

402

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): يعني من‏ (2) كتب الأنبياء.

وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: يحتاج إليه في الدّين.

وَ هُدىً‏: من الضّلالة.

وَ رَحْمَةً: ينال بها خير الدّارين.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (111): يصدّقونه.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 358.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: به.

403

تفسير سورة الرّعد

405

سورة الرّعد مدنيّة.

و قيل‏ (1): مكّيّة، إلّا قوله: وَ يَقُولُ الَّذِينَ‏ (الآية).

و آياتها ثلاث‏ (2) و أربعون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (3)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: من أكثر قراءة سورة الرّعد لم يصبه اللَّه بصاعقة أبدا و لو كان ناصبيّا (4)، و إذا كان مؤمنا دخل‏ (5) الجنّة بلا حساب و يشفع في جميع من يعرفه‏ (6) من أهل بيته و إخوانه.

و في مجمع البيان‏ (7): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏: من قرأ سورة الرّعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ سحاب مضى و كلّ سحاب يكون إلى يوم القيامة، و كان يوم القيامة من المؤمنين‏ (8) بعهد اللَّه.

المر قيل‏ (9): معناه: أنا اللَّه أعلم و أرى.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 512.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: خمس.

(3) ثواب الأعمال/ 133، ح 1.

(4) المصدر: ناصبا.

(5) المصدر: أدخله.

(6) المصدر: يعرف.

(7) المجمع 3/ 273.

(8) المصدر: الموفين.

(9) نفس المصدر و المجلّد/ 274.

406

و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- [و «المر» معناه:] (2) أنا اللَّه المحيي المميت الرّزاق.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي لبيد (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

يا أبا لبيد، إنّ لي في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا. إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أنزل‏ الم‏ (5) ذلِكَ الْكِتابُ‏ فقام محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى ظهر نوره و ثبتت كلمته و ولد يوم ولد، و قد مضى من الألف السّابع مائة سنة و ثلاث سنين.

ثمّ قال: و تبيانه في كتاب اللَّه في الحروف المقطّعة إذا عدّدتها من غير تكرار، و ليس من حروف مقطّعة حرف تنقضي أيّامه إلّا و قائم من بني هاشم عند انقضائه.

ثمّ قال: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون‏ (6)، فذلك مائة و إحدى و ستّون‏ (7). ثمّ كان بدو خروج الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- «الم [اللَّه‏] (8)». فلمّا بلغت مدّته، قام قائم‏ (9) ولد العبّاس عند «المص»، و يقوم‏ (10) قائمنا عند انقضائها ب «المر» (11)، فافهم ذلك و عه‏ (12) و اكتمه.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ‏:

قيل‏ (13): المراد بالكتاب: السّورة، و «تلك» إشارة إلى آياتها، أي: تلك الآيات آيات السّورة الكاملة. أو القرآن.

وَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏: هو القرآن كلّه.

و محلّه الجرّ بالعطف على «الكتاب» عطف العامّ على الخاصّ، أو إحدى الصّفتين على الأخرى.

____________

(1) المعاني/ 22، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 202، ح 2.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي سعيد.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المرا.

(6) المصدر: ستّون.

(7) المصدر: ثلاثون.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: زيادة «من».

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و يقول.

(11) المصدر: الر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: «وعد».

(13) أنوار التنزيل 1/ 513. و المجمع 3/ 274.

407

أو الرّفع بالابتداء، و خبره‏ الْحَقُ‏. و الجملة كالحجّة على الجملة الأولى.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ‏ (1): لإخلالهم بالنّظر و التّأمّل فيه.

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ‏: مبتدأ و خبره الموصول. و يجوز أن يكون الموصول صفة، و الخبر يُدَبِّرُ الْأَمْرَ.

بِغَيْرِ عَمَدٍ: أساطين، جمع عماد، كإهاب و أهب. أو عمود، كأديم و أدم.

و قرئ‏ (1): «عمد»، كرسل.

تَرَوْنَها: صفة «لعمد»، أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السّماوات كذلك. و هو دليل على وجود الصّانع الحكيم، فإنّ ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرميّة، و اختصاصها بما يقتضي ذلك، لا بدّ و أن يكون المخصّص ليس بجسم و لا جسمانيّ، يرجّح بعض الممكنات على بعض بإرادته، و على هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: فثمّ‏ (3) عمد، و لكن لا ترونها.

و في نهج البلاغة (4): قال- (عليه السلام)-: فمن شواهد خلقه خلق السّماوات موطدات‏ (5) بلا عمد، قائمات بلا سند.

و فيه‏ (6) كلام له- (عليه السلام)- يذكر فيه خلق السّماوات: جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا، و علياهنّ سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها، و لا دسار (7) ينتظمها (8).

و في كتاب الإهليلجة (9): قال الصّادق- (عليه السلام)-: فنظرت العين إلى خلق مختلف متّصل بعضه ببعض، و دلّها القلب على أنّ لذلك خالقا، و ذلك أنّه فكّر حيث دلّته العين على أنّ ما عاينت من عظم السّماء و ارتفاعها في الهواء بغير عمد و لا دعامة تمسكها، و أنّها لا تتأخّر فتنكشط، و لا تتقدّم فتزول، و لا تهبط مرّة فتدنو، و لا ترتفع فلا

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 512.

(2) تفسير القمّي 2/ 328.

(3) فثمّ: فهناك.

(4) النهج/ 261 خطبة 182.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: موطرات.

و وطد الشي‏ء: دام و ثبت و رسا.

(6) نفس المصدر/ 41 خطبة 1.

(7) الدسار- واحد الدسر-: المسامير.

(8) المصدر: ينظمها.

(9) البحار 3/ 162.

408

ترى.

ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏: سبق معناه.

وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ: ذلّلهما لما أراد منهما، كالحركة المستمرّة على حدّ من السّرعة ينفع في حدوث الكائنات و بقائها.

كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى‏: لمدّة معيّنة يتمّ فيها أدواره. أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره، و هي‏ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏.

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: أمر ملكوته من الإيجاد و الإعدام، و الإحياء و الإماتة، و غير ذلك.

يُفَصِّلُ الْآياتِ‏: ينزلها و يبيّنها مفصّلة. أو يحدث الدّلائل واحدا بعد واحد.

لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ‏ (2): لكي تتفكّروا فيها و تحقّقوا كمال قدرته، فتعلموا أنّ من قدر على خلق هذه الأشياء المخلوقات و تدبيرها قدر على الإعادة و الجزاء.

وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ‏: بسطها طولا و عرضا، لتثبت عليها الأقدام و يتقلّب عليها الحيوان‏ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ‏: جبالا ثوابت. من رسا الشّي‏ء: إذا ثبت. جمع، راسية. و التّاء للتّأنيث، على أنّها صفة أجبل، أو للمبالغة.

وَ أَنْهاراً: ضمّها إلى الجبال، و علّق بهما فعلا واحدا من حيث أنّ الجبال أسباب لتولّدها.

وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ‏: متعلّق بقوله: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏، أي: و جعل فيها من جميع أنواع الثّمرات صنفين اثنين، كالحلو و الحامض، و الأسود و الأبيض، و الصّغير و الكبير، و الرّطب و اليابس.

يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ: يلبس ظلمة اللّيل ضياء النّهار، فيصير الجوّ مظلما بعد ما كان مضيئا.

و قرأ (1) حمزة و الكسائي، بالتّشديد.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (3): فيها، فإنّ تكوّنها و تخصيصها

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 513.

409

بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبّر أمرها و هيّأ أسبابها.

وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏: بعضها طيّبة، و بعضها سبخة، و بعضها رخوة، و بعضها صلبة، و بعضها يصلح للزّرع دون الشّجر، و بعضها بالعكس. و لو لا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم يكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطّبيعة الأرضيّة و ما يلزمها و يعرض لها بتوسّط ما يعرض من الأسباب السّماويّة، من حيث أنّها متضامّة متشاركة في النّسب و الأوضاع.

وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ‏: و بساتين فيها أنواع الأشجار و الزّروع.

و توحيد الزّرع، لأنّه مصدر في أصله.

و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و حفص: «و زرع و نخيل» بالرّفع عطفا على «و جنّات».

صِنْوانٌ‏: نخلات أصلها واحد.

وَ غَيْرُ صِنْوانٍ‏: و متفرّقات مختلفة الأصول. أو أمثال و غير أمثال.

و

في الحديث النّبويّ‏ (2): عمّ الرّجل صنو أبيه.

و قرأ (3) حفص، بالضّمّ، و هو لغة تميم، كقنوان في جمع قنو.

يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ‏: في الثّمر شكلا و قدرا و رائحة و طعما. و ذلك- أيضا- ممّا يدلّ على الصّانع الحكيم، فإنّ اختلافها مع اتّحاد الأصول و الأسباب لا يكون إلّا بتخصيص قادر مختار.

و قرأ (4) ابن عامر و عاصم و يعقوب: «يسقى» بالتّذكير على تأويل ما ذكر.

و حمزة و الكسائي: «و يفضّل» بالياء ليطابق قوله‏ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن الخطّاب الأعور، رفعه إلى أهل العلم و الفقه من آل محمّد- (عليهم السلام)- قال‏: فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏، يعني: هذه الأرض الطّيّبة مجاورة لهذه الأرض المالحة و ليست منها، كما يجاور القوم و ليسوا منهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 513.

(2) المجمع 3/ 276.

(3) أنوار التنزيل 1/ 513.

(4) أنوار التنزيل 1/ 513.

(5) تفسير العياشي 2/ 203، ح 4.

410

و في مجمع البيان‏ (1): و روي عن جابر قال: سمعت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول لعليّ- (عليه السلام)-: النّاس من شجر شتّى، و أنا و أنت من شجرة واحدة. ثمّ قرأ هذه الآية.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (4): يستعملون عقولهم بالتّفكّر، فيهتدون إلى عظمة الصّانع و علمه و حكمته و قدرته.

وَ إِنْ تَعْجَبْ‏: يا محمّد بإنكارهم البعث.

فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ‏: حقيق بأن يتعجّب منه، فإنّ من قدر على إنشاء ما قصّ عليك كانت الإعادة أيسر شي‏ء عليه، و الآيات المعدودة، كما هي دالّة على وجود المبدأ، فهي دالّة على إمكان الإعادة.

أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: بدل من قولهم، أو مفعول له، و العامل في «إذا» محذوف دلّ عليه‏ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.

أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ‏: لأنّهم كفروا بقدرته على البعث.

وَ أُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ‏: مقيّدون بالضّلال لا يرجى خلاصهم، أو يغلّون يوم القيامة.

وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (5): لا ينفكّون عنها. و توسيط الفصل، لتخصيص الخلود بالكفّار (2).

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ: بالعقوبة قبل العافية، و ذلك أنّهم استعجلوا بما هدّدوا به من عذاب الدّنيا استهزاء.

وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ‏: عقوبات أمثالهم من المكذّبين، فما بالهم لم يعتبروا بها، و لم يجوّزوا حلول مثلها عليهم؟

و «المثلة» بفتح الثّاء و ضمّها، كالصّدقة و الصّدقة: العقوبة، لأنّها مثل المعاقب عليه. و منه المثال للقصاص. و أمثلت الرّجل من صاحبه: إذا اقتصصته منه.

و قرئ‏ (3): «المثلات» بالتّخفيف. و «المثلات» بإتباع الفاء العين. و المثلات‏

____________

(1) المجمع 3/ 276.

(2) فيكون الخلود بمعنى: الأبد هنا. و إن كان بمعنى المكث الطويل في المواضع الاخر و المقصود بالفصل هنا: «هم».

(3) أنوار التنزيل 1/ 514.

411

بالتّخفيف بعد الإتباع. و «المثلات» على أنّها جمع، مثلة، كركبة و ركبات.

و في نهج البلاغة (1): و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال و ذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير و الشّرّ أحوالهم، و احذروا أن تكونوا أمثالهم.

و فيه‏ (2): قال- (عليه السلام)-: فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس [اللَّه‏] (3) و صولاته و وقائعه و مثلاته، و اتّعضوا بمثاوي‏ (4) خدودهم و مصارع جنوبهم.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى‏ ظُلْمِهِمْ‏: مع ظلمهم أنفسهم.

و محلّه النّصب على الحال، و العامل فيه «المغفرة». و التّقييد به دليل على جواز العفو قبل التّوبة، فإنّ التّائب ليس على ظلمه‏ (5). و من منع ذلك خصّ الظّلم بالصّغائر المكفّرة لمجتنب الكبائر، أو أوّل «المغفرة» بالسّتر و الإمهال.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ‏ (6): للكفّار، أو لمن شاء.

و في مجمع البيان‏ (6): و روي عن سعيد بن المسيّب قال‏: لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو لا عفو اللَّه و تجاوزه ما هنأ أحد بعيش، و لو لا وعيد اللَّه و عقابه لا تكل كلّ واحد.

و في كتاب التّوحيد (7): حدّثنا أبو عليّ، الحسين بن أحمد البيهقيّ بنيشابور سنة اثنين و خمسين و ثلاثمائة قال: أخبرنا محمّد بن يحيى الصّوليّ قال: حدّثنا أبي ذكوان‏ (8) قال: سمعت إبراهيم بن العباس‏ (9) يقول: كنّا في مجلس الرّضا- (عليه السلام)- فتذاكروا الكبائر و قول المعتزلة فيها: «إنّها لا تغفر».

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال اللَّه- جلّ جلاله-: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى‏ ظُلْمِهِمْ‏.

____________

(1) النهج/ 296 خطبة 192.

(2) نفس المصدر/ 290 خطبة 192.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بمساوئ.

و المثاوي- جمع المثوى-: المنزل.

(5) أي: فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

(6) المجمع 3/ 278.

(7) التوحيد/ 406، ح 4.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أبو ذكران.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: إبراهيم العياشي.

412

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏: لعدم اعتقادهم بالآيات المنزلة عليهم، و اقتراحا لنحو ما أوتي موسى و عيسى- (عليهما السلام)-.

إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ: مرسل للإنذار، كغيرك من الرّسل، و ما عليك إلّا الإتيان بما تصحّ به نبوّتك من جنس المعجزات لا بما يقترح عليك.

و الآيات كلّها متساوية الأقدام في حصول الغرض.

وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7): يهديهم إلى الحقّ، و يدعوهم إلى الصّواب.

و في مجمع البيان‏ (1): عن ابن عبّاس قال‏: لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا المنذر و عليّ الهادي من بعدي، بك يا عليّ يهتدي المهتدون.

و روي الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ‏ (2) في كتاب «شواهد التّنزيل» بالإسناد [عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن حكم بن جبير] (3) عن أبي بردة الأسلميّ قال‏: دعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالطّهور، و عنده عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فأخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد عليّ- (عليه السلام)- بعد ما تطهّر فألزقها (4) بصدره، ثمّ قال: إنّما أنت منذر، يعني: نفسه، ثمّ ردّها إلى صدر عليّ- (عليه السلام)- ثمّ قال: و لكلّ قوم هاد.

ثمّ قال: إنّك منار الأنام، و غاية الهدى، و أمير القرى، أشهد على ذلك إنّك كذلك.

و في أمالي الصّدوق‏ (5)، بإسناده إلى عبّاد (6) بن عبد اللَّه قال: قال عليّ- (عليه السلام)-: ما نزلت من القرآن آية إلّا و قد علمت أين نزلت، و فيمن نزلت، [و في أيّ شي‏ء نزلت،] (7) و في سهل نزلت أو في جبل نزلت.

قيل: فما نزل فيك؟

قال: لو لا أنّكم سألتموني ما أخبرتكم، نزلت فيّ هذه الآية إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. فرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المنذر، و أنّا الهادي إلى ما جاء به.

____________

(1) المجمع 3/ 278.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: فألزمها. و لزق الشي‏ء بالشي‏ء:

اتّصل به لا يكون بينهما فجوة.

(5) أمالي الصدوق/ 227- 228، ح 13.

(6) أ، ب، ر: عبّاد اللَّه بن عبد اللَّه.

(7) من المصدر.

413

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ (الآية).

فقال: كلّ إمام هاد لكلّ قوم في زمانه.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّظر بن سويد و فضالة بن أيّوب، عن موسى بن بكر، عن الفضيل بن يسار قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

قال: كلّ إمام هاد للقرن الّذي هو فيهم.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

فقال: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المنذر، و لكلّ زمان إمام منّا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبيّ اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ الهداة من بعده عليّ، ثمّ الأوصياء واحدا بعد واحد.

الحسين بن محمّد الأشعريّ‏ (4)، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن محمّد بن إسماعيل، عن سعدان، عن أبي بصير قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

فقال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا المنذر و عليّ الهادي.

يا أبا محمّد، هل من هاد اليوم؟

قلت: بلى، جعلت فداك، ما زال منكم هاد من بعد هاد حتّى دفعت إليك.

فقال: رحمك اللَّه، يا أبا محمّد، لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرّجل ماتت الآية مات الكتاب، و لكنّه حيّ يجري فيمن بقي، كما جرى فيمن مضى.

محمّد بن يحيى‏ (5)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن منصور، عن عبد الرّحيم القصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تبارك و تعالى-:

____________

(1) كمال الدين 2/ 667 قريب منه.

(2) الكافي 1/ 191.

(3) الكافي 1/ 192، ح 2.

(4) الكافي 1/ 192، ح 3.

(5) الكافي 1/ 192، ح 4.

414

إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. فقال: قال‏ (1) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا (2) المنذر، و عليّ الهادي. أما، و اللَّه، ما ذهبت منّا و ما زالت فينا إلى السّاعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن حمّاد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: المنذر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و الهادي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و بعده الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- و هو قوله: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فينا (5) نزلت هذه الآية إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.

و قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا المنذر و أنت الهادي، يا عليّ.

فمنّا الهادي و النجاة (6) و السّعادة إلى يوم القيامة.

عن عبد الرّحيم القصير (7) قال‏: كنت يوما من الأيّام عند أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: يا عبد الرّحيم.

قلت: لبّيك.

قال: قول اللَّه: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ إذ قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا المنذر و عليّ الهادي. و من الهادي اليوم؟

قال: فمكثت‏ (8) طويلا، ثمّ رفعت رأسي فقلت: جعلت فداك، هي فيكم توارثونها (9) رجل فرجل حتّى انتهت إليك، فأنت جعلت فداك، الهادي.

قال: صدقت، يا عبد الرّحيم، إنّ القرآن حيّ لا يموت و الآية حيّة لا تموت.

و قال عبد الرّحيم‏ (10): قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ القرآن [حيّ‏] (11) لم يمت، و إنّه يجري، كما يجري اللّيل و النّهار، و كما يجري الشّمس و القمر، و يجري على آخرنا (12)،

____________

1 و 2- ليس في المصدر.

(3) تفسير القمّي 1/ 359.

(4) تفسير العياشي 2/ 203، ح 5.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فيما.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فهنا الهادي الإنجاء.

(7) تفسير العياشي 2/ 203، ح 6.

(8) المصدر: فسكت.

(9) كذا في المصدر. و في أ: فوارثوها. و في سائر النسخ: توارثوها.

(10) تفسير العياشي 2/ 204، ح 6.

(11) من المصدر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أحدنا.

415

كما يجري على أوّلنا (1).

عن حنان بن سدير (2)، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول‏ في قول اللَّه- تبارك و تعالى-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ فقال: [قال‏] (3) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا المنذر و عليّ الهادي. و كلّ إمام هاد للقرآن الّذي هو فيه.

جابر (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا المنذر و عليّ الهادي إلى أمري.

اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏، أي: حملها (5). أو ما تحمله‏ (6) على أيّ حال هو من الأحوال الحاضرة و المترقّبة، من ذكر و أنثى، تامّ و ناقصّ، و حسن و قبيح، و سعيد و شقيّ.

وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ: و ما تنقصه، و ما تزداد في الجنّة و الخلقة و المدّة و العدد. أو نقصان دم الحيض و ازدياده.

و «غاض» جاء متعدّيا و لازما، و كذا «ازداد» قال اللَّه- تعالى-: وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (7)، فإن جعلتهما لازمين تعيّن «ما» أن تكون مصدريّة (8). و إسنادهما إلى الأرحام على المجاز، فإنّهما للّه، أو لما فيها (9).

و في الكافي‏ (10): عنه، عن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عمّن ذكره، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ‏- إلى قوله- وَ ما تَزْدادُ قال: «الغيض» كلّ حمل دون تسعة أشهر. «و ما تزداد» كلّ شي‏ء يزداد على تسعة أشهر، و كلّما رأت المرأة الدّم الخالص في حملها فإنّها تزداد بعدد

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أخرنا.

(2) تفسير العياشي 2/ 204، ح 7.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 9.

(5) فتكون «ما» مصدريّة.

(6) فتكون «ما» موصولة، أو موصوفة.

(7) الكهف/ 25.

(8) إذ لو كان موصولة أو موصوفة لزم خلوّ الجملة عن العائد إلى «ما» إذ لا يمكن أن يقال:

التقدير: و ما تغيضه الأرحام إذ الكلام على تقدير أن يكون الفعل لازما فلا يكون له مفعول.

(9) قوله: «فإنهما للّه أو لما فيها» فالأوّل على تقدير أن يكون الفعل متعدّيا، و الثاني على تقدير أن يكون لازما.

(10) الكافي 6/ 12، ح 2.

416

الأيّام الّتي رأت‏ (1) في حملها من الدّم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن زرارة، عن أبي جعفر أو أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- في قوله: ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏، يعني: الذّكر و الأنثى. وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ‏ قال:

«الغيض» ما كان أقلّ من الحمل. «و ما تزداد» ما زاد على‏ (3) الحمل فهو مكان ما رأت‏ (4) من الدّم في حملها.

محمّد بن مسلم‏ (5) و حمران و زرارة، عنهما- (عليهما السلام)- قالا: ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ أنثى أو ذكر. وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ‏ [ما لم يكن حملا] (6) [الّتي لا تحمل‏] (7). «و ما تزداد» من أنثى أو ذكر.

عن محمّد بن مسلم‏ (8) قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه: ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ‏.

قال: ما لم يكن حملا. وَ ما تَزْدادُ قال: الذّكر و الأنثى جميعا.

زرارة (9) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ قال:

الذّكر و الأنثى. وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ‏ قال: ما كان من دون التّسعة فهو غيض. وَ ما تَزْدادُ قال: ما رأت الدّم في حال حملها ازداد به على التّسعة أشهر.

وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8): بقدر لا يجاوزه و لا ينقص عنه، كقوله: إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فإنّه- تعالى- خصّ كلّ حادث بوقت و حال معيّنين، و هيّأ له أسبابا مسوقة إليه تقتضي ذلك.

عالِمُ الْغَيْبِ‏: الغائب عن الحسّ.

وَ الشَّهادَةِ: الحاضر له.

الْكَبِيرُ: العظيم الشّأن، الّذي كلّ شي‏ء دونه.

الْمُتَعالِ‏ (9): المستعلي على كلّ شي‏ء بقدرته. أو الّذي كبر عن نعت‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: زاد فيها.

(2) تفسير العياشي 2/ 204، ح 11.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «كلّما زاد» بدل «مكان ما رأت».

(5) العياشي 2/ 205، ح 12.

(6) من المصدر.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 13.

(9) تفسير العياشي 2/ 205، ح 14.

417

المخلوقين، و تعالى عنه.

سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ‏: في نفسه.

وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ‏: لغيره.

وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ‏: طالب للخفاء في مختبأ باللّيل.

وَ سارِبٌ‏: و بارز.

بِالنَّهارِ (10): يراه كلّ أحد. من سرب سروبا: إذا برز.

و هو عطف على «من» أو «مستخف»، على أنّ «من» (1) في معنى الاثنين‏ (2)، كقوله:

نكن مثل ما يا ذئب‏ (3) يصطحبان‏

كأنّه قال: سواء منكم اثنان مستخف باللّيل و سارب بالنّهار.

و الآية متّصلة بما قبلها، مقرّرة لكمال علمه و شموله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ‏، يعني: فالسّرّ و العلانية عنده سواء.

لَهُ‏: لمن أسرّ، أو جهر، أو استخفى، أو سرب.

مُعَقِّباتٌ‏: ملائكة تعتقب‏ (5) في حفظه.

جمع، معقّبة. من عقّبه، مبالغة عقبه: إذا جاء على عقبه، كأنّ بعضهم يعقب بعضا.

أو لأنّهم يعقّبون أقواله و أفعاله، فيكتبونها.

أو اعتقب، فأدغمت التّاء في القاف. و التّاء للمبالغة، أو لأنّ المراد

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) قوله: «و هو عطف على من أو مستخف» فعلى الأوّل يكون «من» مقدرا على قوله:

«و سارب بالنهار» حتّى يكون المتصف بالصفتين المذكورتين شخصين، و لذا قال في الاحتمال الثاني على أن يكون «من» في معني الاثنين. و إنّما اعتبر ذلك، لأنّ الاستواء لا بدّ أن يكون بين اثنين.

(3) قوله: «نكن مثل من يا ذئب» نداء وقع اعتراضا بين «من» وصلته أي: نكن مثل رجلين يصطحبان.

(4) تفسير القمّي 1/ 360.

(5) ب: تتعقب.

418

بالمعقّبات‏ (1): جماعات‏ (2).

و قرئ‏ (3): «معاقيب» جمع، معقّب أو معقّبة، على تعويض الياء من حذف إحدى القافين.

مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ‏، أي: من جوانبه.

يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏:

قيل‏ (4): من بأسه متى أذنب، بالاستمهال و الاستغفار له.

و قيل‏ (5): يحفظونه من المضارّ [أو يراقبون أحواله‏] (6) من أجل أمر اللَّه و قد قرئ به.

و قيل‏ (7): «من» بمعنى الباء.

و قيل‏ (8): «من أمر اللَّه» صفة ثانية «لمعقبات».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): أنّ هذه الآية قرئت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقال لقارئها: أ لستم عربا، فكيف يكون المعقّبات من بين يديه، و إنّما المعقّب من خلفه؟

فقال الرّجل: جعلت فداك، كيف هذا؟

فقال: إنّما أنزلت «له معقّبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر اللَّه» و من ذا الّذي يقدر أن يحفظ الشّي‏ء من [أمر] (10) اللَّه، و هم الملائكة الموكّلون بالنّاس.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (11) عنه- (عليه السلام)- مثله.

عن فضيل بن عثمان‏ (12) بكرة (13)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏ في هذه الآية:

لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ‏ (الآية) قال: من المقدّمات المؤخّرات‏ (14) المعقّبات الباقيات الصّالحات.

____________

(1) ر: بالمتعقبات.

(2) أراد أنّ المعقّبات: جمع معقّبة، و تاء المعقّبة إمّا لأجل المبالغة، و إمّا لأجل التأنيث باعتبار أنّ موصوفها الجماعة.

(3) أنوار التنزيل 1/ 515.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) تفسير القمّي 1/ 360.

(10) من المصدر.

(11) تفسير العياشي 2/ 205، ح 15.

(12) نفس المصدر و الموضع، ح 17.

(13) ليس في المصدر. و في أ، ب: بن بكرة.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: هو المقدرات المؤاخذات.

419

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب، أيضا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏ يقول: بأمر اللَّه من أن يقع في ركيّ‏ (3) أو يقع عليه حائط أو يصيبه شي‏ء، حتّى إذا جاء القدر خلّوا بينه و بينه‏ (4) يدفعونه إلى المقادير. و هما ملكان يحفظانه باللّيل، و ملكان بالنّهار يتعاقبانه.

و في مجمع البيان‏ (5): و اختلف في المعقّبات على أقوال.

أحدها:

أنّها الملائكة يتعاقبون، تعقب ملائكة اللّيل ملائكة النّهار و ملائكة [النّهار ملائكة اللّيل‏] (6)، [و هم الحفظة] (7) يحفظون على العبد عمله. و قد روي ذلك عن الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و الثّاني:

أنّهم ملائكة يحفظونه من المهالك، حتّى ينتهوا به إلى المقادير، فيخلّوا بينه و بين المقادير. عن عليّ- (عليه السلام)-.

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ‏: من العافية و النّعمة.

حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏: من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن أبي عمرو المدائنيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أبي كان يقول: إنّ اللَّه قضى قضاء حتما، لا ينعم على عبده نعمة فيسلبها (9) إيّاه قبل أن يحدث العبد ذنبا يستوجب بذلك الذّنب سلب تلك النّعمة، و ذلك قول اللَّه:

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏.

عن الحسين بن سعيد المكفوف‏ (10)، كتب إليه في كتاب له: جعلت فداك، يا سيّدي، علّم مولاك ما معنى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏.

فكتب- (عليه السلام)-: أمّا التّغيير، فإنّه لا يسي‏ء (11) إليهم حتّى يتولّوا (12) ذلك‏

____________

(1) المناقب 4/ 197.

(2) تفسير القمّي 1/ 360.

(3) الركيّ- جمع الركيّة-: البئر.

(4) المصدر: بينهم.

(5) المجمع 3/ 280- 281.

(6) ليس في م، ب، ر.

(7) من المصدر.

(8) تفسير العياشي 2/ 206، ح 19.

(9) المصدر: فسلبها.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: ليس.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: يقولوا.

420

بأنفسهم بخطاياهم و ارتكابهم ما نهى عنه. و في الحديث أشياء غير هذا سؤالا و جوابا انتزعت منه موضع الحاجة.

عن سليمان بن عبد اللَّه‏ (1) قال‏: كنت عند أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- قاعدا، فاتي بامرأة قد صار وجهها قفاها، فوضع يده اليمنى في جبينها و يده اليسرى من خلف ذلك ثمّ عصر وجهها عن اليمين، ثمّ قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ فرجع وجهها.

فقال: احذري أن تفعلي، كما فعلت. [قالوا: يا بن رسول اللَّه و ما فعلت؟

فقال: ذلك مستور إلّا أن تتكلّم به فسألوها، فقالت: كانت لي ضرّة فقمت اصلّي فظننت أنّ زوجي معها، فالتفّت إليها فرأيتها قاعدة و ليس هو معها فرجع وجهي على ما كان.] (2)

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد قال‏: سأل رجل أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ (4) (الآية).

فقال: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض و أنهار جارية و أموال ظاهرة، فكفروا نعم اللَّه- عزّ و جلّ- و غيّروا ما بأنفسهم من عافية اللَّه، فغيّر اللَّه ما بهم من نعمة، و إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ فأرسل [اللَّه‏] (5) عليهم سيل العرم فغرّق قراهم و خرّب ديارهم و أذهب أموالهم، و أبدلهم مكان جنّاتهم‏ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏ ثمّ قال: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (6).

و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى أبي خالد الكابليّ قال: سمعت زين العابدين- (عليه السلام)- يقول: الذّنوب الّتي تغيّر النّعم: البغي على النّاس، و الزّوال عن العادة في الخير و اصطناع المعروف، و كفران النّعم، و ترك الشّكر. ثمّ تلا هذه الآية.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 205، ح 18. كذا فيه و في النسخ: عبد الملك.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 274، ح 23.

(4) سبأ/ 19.

(5) من المصدر.

(6) سبأ/ 20.

(7) معاني الأخبار/ 270، ح 2.

421

وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ‏: فلا راد له.

و العامل في «إذا» ما دلّ عليه الجواب.

و في قرب الإسناد (1) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: سمعته يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ‏.

فقال: إنّ القدريّة يحتجّون بأوّلها، و ليس كما يقولون. ألا ترى أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يقول: وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ‏. و قال نوح: وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏ قال: الأمر الى اللَّه يهدي من يشاء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- في قول اللَّه: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ‏ فصار الأمر إلى اللَّه- تعالى-.

وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ‏ (11): من يلي أمرهم، فيدفع عنهم السّوء.

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً: من أذاه.

وَ طَمَعاً: في الغيث.

و قيل‏ (3): يخاف المطر من يضرّه، و يطمع فيه من ينفعه.

و في عيون الأخبار (4): عن الرّضا- (عليه السلام)-: «خوفا» للمسافر. و «طمعا» للمقيم.

و انتصابهما (5) على العلّة بتقدير المضاف، أي: إرادة خوف و طمع. أو التّأويل بالإخافة و الإطماع. أو الحال من البرق. أو المخاطبين على إضمار «ذو». أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول، أو الفاعل للمبالغة.

وَ يُنْشِئُ السَّحابَ‏: الغيم المنسحب في الهواء.

____________

(1) قرب الاسناد/ 157- 158.

(2) تفسير العياشي 2/ 206، ح 20.

(3) أنوار التنزيل 1/ 515.

(4) العيون 1/ 294، ح 51.

(5) أي: انتصاب كلّ منهما بكونه مفعولا له.

و إنّما وجب تقدير المضاف لأنّه شرط في نصب المفعول الذي له أن يكون فعلا لفاعل عامله.

422

الثِّقالَ‏ (12): جمع ثقيلة. و إنّما وصف به السّحاب، لأنّه اسم جنس في معنى الجمع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): يعني: يرفعها من الأرض.

وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ:

قيل‏ (2): أي: سامعوه.

بِحَمْدِهِ‏ ملتبسين‏ (3) به فيضجون بسبحان اللَّه‏ (4) و الحمد للّه. أو يدلّ الرّعد بنفسه على وحدانيّة اللَّه و كمال قدرته، متلبّسا بالدّلالة على فضله و نزول نعمته و رحمته.

و سئل‏ (5) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الرّعد. فقال: ملك موكّل بالسّحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السّحاب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و روي‏ أنّ الرّعد صوت ملك، أكبر من الذّباب و أصغر من الزّنبور.

و سأل أبو بصير (7) أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الرّعد: أيّ شي‏ء هو؟

قال: إنّه بمنزلة الرّجل يكون في الإبل فيزجرها: هاي هاي، كهيئة ذلك.

قال: قلت: جعلت فداك، فما حال البرق؟

قال: تلك مخاريق الملائكة تضرب السّحاب فتسوقه إلى الموضع الّذي قضى اللَّه- عزّ و جلّ- فيه المطر.

و في مجمع البيان‏ (8): و كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا سمع صوت الرّعد قال:

سبحان من يسبّح الرّعد بحمده.

و رويّ عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: إنّ ربّكم- سبحانه- يقول: لو أنّ عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر باللّيل و أطلعت عليهم الشّمس بالنّهار، و لم أسمعهم صوت الرّعد.

و روى‏ (9) سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه قال‏: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 361.

(2) أنوار التنزيل 1/ 515.

(3) كذا في أنوار التنزيل. و في النسخ: متلبّس.

(4) كذا في أنوار التنزيل. و في النسخ:

فيصيحون سبحان اللَّه.

(5) أنوار التنزيل 1/ 515.

6 و 7- الفقيه 1/ 334.

8 و 9- المجمع 3/ 283.

423

سمع الرّعد و الصّواعق قال: اللّهمّ، لا تقتلنا بغضبك، و لا تهلكنا بعذابك، و عافنا قبل ذلك.

وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ‏: من خوف اللَّه و إجلاله.

و قيل‏ (1): الضّمير «للرّعد».

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): يونس بن عبد الرّحمن، أنّ داود قال‏: كنّا عنده فارتعدت السّماء، فقال هو: سبحان من يسبّح له الرّعد بحمده و الملائكة [من خيفته‏] (3).

فقال له أبو بصير: جعلت فداك، إنّ للرّعد كلاما؟

فقال: يا أبا محمّد، سل عمّا يعنيك و دع ما (4) لا يعنيك.

وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ: فيهلكه.

في أمالي‏ (5) شيخ الطّائفة، بإسناده إلى أنس بن مالك‏: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعث رجلا إلى فرعون من فراعنة العرب يدعوه إلى اللَّه- عزّ و جلّ-.

فقال للرّسول: أخبرني عن الّذي يدعوني إليه، أمن فضّة هو أم من ذهب أو من حديد؟

فرجع إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبره بقوله، فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ارجع إليه فادعه.

قال: يا نبيّ اللَّه، إنّه أعتى من ذلك.

قال: ارجع إليه.

فرجع إليه، فقال كقوله. فبينا هو يكلّمه إذ رعدت‏ (6) سحابة رعدة فألقت على رأسه صاعقة ذهبت بقحف رأسه، فأنزل اللَّه- جلّ ثناؤه-: وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ‏ (الآية).

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد (8) بن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 516.

(2) تفسير العياشي 2/ 207، ح 22.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عمّا.

(5) أمالي الطوسي 2/ 99.

(6) ب: أرعدت.

(7) الكافي 2/ 500، ح 1.

(8) المصدر: محمد.

424

إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل‏ (1)، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: يموت المؤمن بكلّ ميتة، إلّا الصّاعقة [لا تأخذه‏] (2) و هو يذكر اللَّه- عزّ و جلّ-.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية العجليّ قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ الصّواعق لا تصيب ذاكرا.

قال: قلت: و ما الذّاكر؟

قال: من قرأ مائة آية.

حميد بن زياد (4)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن ميتة المؤمن.

قال: يموت المؤمن بكلّ ميتة [يموت‏] (5)، غرقا، و يموت بالهدم، و يبتلى بالسّبع، و يموت بالصّاعقة، و لا تصيب ذاكرا للّه- عزّ و جلّ-.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: لا تملّوا من قراءة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها فإنّه من كانت قراءته [بها] (7) في نوافله لم يصبه اللَّه- عزّ و جلّ- بزلزلة أبدا، و لم يمت بها و لا بصاعقة و لا بآفة من آفات الدّنيا حتّى يموت.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (8): و روي عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)-: أنّ الصّواعق تصيب المسلم و غير المسلم، و لا تصيب ذاكرا.

وَ هُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ‏: حيث يكذّبون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيما يصفه به من كمال العلم و القدرة، و التّفرّد بالألوهيّة، و إعادة النّاس و مجازاتهم.

و «الجدال» التّشدّد في الخصومة. من الجدل، و هو القتل.

و «الواو» إمّا لعطف الجملة على الجملة، أو للحال.

لما روي سابقا، و لما نقل‏ (9): أنّ عامر بن الطّفيل و أربد بن ربيعة، أخا لبيد وفدا

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الفضل.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 500، ح 2.

(4) الكافي 2/ 500، ح 3.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 2/ 626، ح 24.

(7) من المصدر.

(8) المجمع 3/ 283.

(9) أنوار التنزيل 1/ 516، و المجمع 3/ 283 باختلاف.

425

على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاصدين لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، و دار أربد من خلفه ليضربه بالسّيف، فتنبّه له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: اللّهمّ أكفنيهما بما شئت. فأرسل اللَّه عليه‏ (1) صاعقة فقتلته، و رمى عامرا بغدّة فمات في بيت سلوليّة، و كان يقول: غدّة كغدّة البعير، و موت في بيت سلوليّة. فنزلت.

وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ‏ (13):

«المماحلة» المكايدة (2) لأعدائه. من محل بفلان: إذا كايده‏ (3) و عرّضه للهلاك.

و منه: تمحّل: إذا تكلّف استعمال الحيلة. و لعلّ أصله، المحل، بمعنى: القحط.

و قيل‏ (4): فعال، من المحل، بمعنى: القوّة.

و قيل‏ (5): مفعل، من الحول أو الحيلة، أعل على غير القياس.

و قرئ‏ (6)، بفتح الميم، على أنّه مفعل، من حال يحول: إذا احتال.

قيل‏ (7): و يجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، فيكون مثلا في القوّة و القدرة، كما جاء: فساعد اللَّه أشدّ و موساه أحدّ. لأنّ الحيوان إذا اشتدّ محاله كان منعوتا بشدّة القوّة، و الاصطلاح بما يعجز عنه غيره. ألّا ترى إلى قولهم: فقرته العواقر. و ذلك لأنّ الفقار عمود الظّهر و قوامه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): أي: شديد الغضب.

و في مجمع البيان‏ (9): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: شديد الأخذ.

و هما مع اتّحاد ما لهما حاصل المعنى.

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ‏: الدّعاء الحقّ، فإنّه الّذي يحقّ أن يعبد، و يدعى إلى عبادته دون غيره. أو له الدّعوة المجابة، فإنّ من دعاه أجابه.

و «الحقّ» ما يناقض الباطل. و إضافة الدّعوة إليه لما بينهما من الملابسة، أو على‏

____________

(1) يعني: على أربد.

(2) كذا في أنوار التنزيل 1/ 516. و في النسخ:

أي: المماحلة و المكايدة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: كاده.

4 و 5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 516.

(7) الكشاف 2/ 520. و يوجد قريب منها في أنوار التنزيل 1/ 516.

(8) تفسير القمّي 1/ 361.

(9) المجمع 3/ 283.

426

تأويل دعوة المدعوّ الحقّ.

و قيل‏ (1): الحقّ هو اللَّه، و كلّ دعاء إليه دعوة الحقّ.

وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ‏، أي: و الأصنام الّذين يدعوهم المشركون، فحذف الرّاجع.

أو و المشركون الّذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول لدلالة مِنْ دُونِهِ‏ عليه.

لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ: من الطّلبات.

إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ‏: إلّا استجابة كاستجابة من بسط كفّيه.

إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ‏: يطلب منه أن يبلغه من بعيد، أو يغترف مع بسط كفّيه ليشربه.

وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ‏: لأنّ الماء جماد لا يشعر بدعائه، و لا يقدر على إجابته، و لا يستقرّ في الكفّ المبسوطة، و كذلك آلهتهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: هذا مثل ضربه اللَّه للّذين يعبدون الأصنام و الّذين يعبدون الآلهة من دون اللَّه فلا يستجيبون لهم بشي‏ء و لا ينفعهم‏ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ‏ ليتناوله من بعيد و لا يناله.

و حدّثني أبي‏ (3)، عن أحمد بن النّظر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللَّه، رأيت أمرا عظيما.

قال: و ما رأيت؟

قال: كان لي مريض، و نعت له ماء من بئر بالأحقاف يستشفي به في برهوت.

قال: فتهيّأت و معي قربة و قدح لآخذ من مائها و أصبّ في القربة، و إذا بشي‏ء قد هبط في جوّ السّماء، كهيئة السّلسلة، و هو يقول: يا هذا، اسقني السّاعة أموت. فرفعت رأسي إليه و رفعت إليه القدح لأسقيه، فإذا رجل في عنقه سلسلة، فلمّا ذهبت أناوله القدح اجتذب منّي حتّى علّق بالشّمس، ثمّ أقبلت على الماء أغرف إذ أقبل الثانية، و هو يقول: العطش العطش، يا هذا، اسقني السّاعة أموت. فرفعت القدح لأسقيه فاجتذب‏

____________

(1) المجمع 3/ 283.

(2) تفسير القمّي 1/ 361.

(3) تفسير القمّي 1/ 361.

427

منّي حتّى علّق بالشّمس، حتّى فعل ذلك ثالثة، [فقمت‏] (1) و شددت قربتي و لم أسقه.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ذلك قابيل بن آدم الّذي قتل أخاه، و هو يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ- إلى قوله- إِلَّا فِي ضَلالٍ‏.

و قرئ‏ (2): «تدعون» بالتّاء. و «باسط» بالتّنوين.

وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ‏ (14): في ضياع و خسار و بطلان.

وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً:

قيل‏ (3): يحتمل أن يكون السّجود على حقيقته، فإنّه يسجد له الملائكة و المؤمنون من الثّقلين طوعا حالتي الشّدّة و الرّخاء، و الكفرة له كرها حال الشّدّة و الضّرورة.

وَ ظِلالُهُمْ‏: بالعرض، و أن يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده منهم شاءوا أو كرهوا، و انقياد ظلالهم لتصريفه إيّاها بالمدّ و التّقلّص.

و انتصاب «طوعا و كرها» بالحال، أو العلّة، و قوله: بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏ (15): ظرف «ليسجد» و المراد بهما الدّوام، أو حال من «الظّلال».

و تخصيص الوقتين لأنّ الامتداد و التّقلص أظهر فيهما.

و «الغدوّ» جمع غداة، كقنيّ و قناة (4). و «الآصال» جمع أصيل، و هو ما بين العصر و المغرب.

و قيل‏ (5): «الغدو» مصدر، و يؤيّده أنّه قرئ به. و «الإيصال» و هو الدّخول في الأصيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): عن الباقر- (عليه السلام)-: أمّا من يسجد من أهل السّماوات طوعا فالملائكة يسجدون للّه طوعا، و من يسجد من أهل الأرض فمن ولد في الإسلام فهو يسجد له طوعا. و أمّا من يسجد له كرها، فمن اجبر (7) على الإسلام. و أمّا من‏

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 1/ 516.

(3) أنوار التنزيل 1/ 517.

(4) ب: كفتى و فتاة.

(5) أنوار التنزيل 1/ 517.

(6) تفسير القمّي 1/ 362.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: جبر.

428

لم يسجد، فظّله يسجد له بالغداة و العشيّ.

و فيه‏ (1): قال‏: تحويل كلّ ظلّ خلقه اللَّه هو سجود للّه، لأنّه ليس شي‏ء إلّا له ظلّ يتحرّك بتحريكه، و تحويله سجوده.

و فيه‏ (2): قال‏: ظلّ المؤمن يسجد طوعا، و ظلّ الكافر يسجد كرها، و هو نموّهم و حركتهم و زيادتهم و نقصانهم.

و قيل‏ (3): أريد بالظّلّ الجسد، و إنّما يقال للجسم: الظّلّ، لأنّه عنه الظّلّ و لأنّه ظلّ للرّوح، لأنّه ظلمانيّ و الرّوح نورانيّ، و هو تابع له يتحرّك بحركته النّفسانيّة و يسكن بسكونه النّفسانيّ.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن غالب بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏ قال: هو الدّعاء قبل طلوع الشّمس و قبل غروبها، و هي ساعة إجابة.

و في نهج البلاغة (5): فتبارك الّذي يسجد له‏ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً و يعفّر له خدّا و وجها، و يلقي‏ (6) بالطّاعة إليه‏ (7) سلما و ضعفا (8)، و يعطي له القياد (9) رهبة و خوفا.

[و قال: و سجدت له بالغدوّ و الآصال الأشجار.] (10)

قيل‏ (11): كما يجوز أن يراد بكلّ من السّجود و الظّلّ و الغدوّ و الآصال معناه المعروف، كذلك يجوز أن يراد بالسّجود الانقياد و بالظّلّ الجسد و بالغدوّ و الآصال الدّوام، و يجوز- أيضا- أن يراد بكلّ منهما ما يشمل كلا المعنيين، فيكون في كلّ شي‏ء بحسبه و على ما يليق به، و بهذا تتلائم الرّوايات و الأقوال.

____________

1 و 2- تفسير القمّي 1/ 362.

(3) تفسير الصافي 3/ 63.

(4) الكافي 2/ 522، ح 1.

(5) نهج البلاغة/ 272، خطبة 185.

(6) المصدر: زيادة «إليه».

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في ب: وضعنا و في سائر النسخ: وضفنا.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «الانقياد» بدل «له القياد».

(10) ليس في المصدر. و يوجد في نور الثقلين 2/ 492، ح 73.

(11) تفسير الصافي 3/ 67.

429

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: خالقهما، أو متولّي أمرهما.

قُلِ اللَّهُ‏: أجب عنه بذلك، إذ لا جواب لهم سواه. أو لأنّه البيّن الّذي لا يمكن المراء فيه. أو لقّنهم الجواب به.

قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ‏: ثمّ ألزمهم بذلك، لأنّ اتّخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل.

أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا: لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعا أو يدفعوا عنها ضرا، فكيف يستطيعون نفع الغير و دفع الضّرّ عنه.

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ.

قيل‏ (1): «المشرك» الجاهل بحقيقة العبادة و الموجب لها، و «الموحّد» العالم بذلك.

و قيل‏ (2): المعبود الغافل عنكم، و المعبود المطّلع على أحوالكم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): يعني: الكافر و المؤمن.

أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ: الشّرك و التّوحيد.

و قرأ (4) حمزة و الكسائي و أبو بكر، بالياء.

أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ: بل جعلوا، و الهمزة للإنكار، و قوله: خَلَقُوا كَخَلْقِهِ‏ صفة «لشركاء» داخلة في حكم الإنكار.

فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ‏: خلق اللَّه و خلقهم.

و المعنى: أنّهم ما اتّخذوا للّه شركاء خالقين مثله حتّى يتشابه عليهم الخلق، فيقولوا: هؤلاء خلقوا، كما خلق اللَّه فاستحقّوا العبادة كما يستحقّها، و لكنّهم اتّخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق.

قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: لا خالق غيره فيشاركه في العبادة. جعل الخلق موجب العبادة و لازم استحقاقها، ثمّ نفاه عمّن سواه ليدلّ على قوله: وَ هُوَ الْواحِدُ، أي: المتوحّد بالألوهيّة.

الْقَهَّارُ (16): الغالب على كلّ شي‏ء.

أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: من السّحاب. أو من جانب السّماء أو من السّماء

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 517.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 1/ 362.

(4) أنوار التنزيل 1/ 517.

430

نفسها، فإنّ المبادئ منها (1).

فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ: أنهار، جمع واد، و هو الموضع الّذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتّسع فيه‏ (2)، و استعمل للماء الجاري فيه. و تنكيرها، لأنّ المطر يأتي على تناوب بين البقاع‏ (3).

بِقَدَرِها: بمقدارها الّذي علم اللَّه أنّه نافع غير ضارّ. أو بمقدارها في الصّغر و الكبر.

فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً: رفعه.

و «الزّبد» و ضر الغليان‏ (4).

رابِياً: عاليا.

وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ‏: يعمّ الفلزّات، كالذّهب و الفضّة و الحديد و النّحاس، على وجه التّهاون بها إظهارا لكبريائه.

فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ: طلب حليّ.

أَوْ مَتاعٍ‏: كالأواني و آلات الحرب و الحرث. و المقصود من ذلك: بيان منافعها.

زَبَدٌ مِثْلُهُ‏، أي: و ممّا يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء، و هو خبثه.

و «من» للابتداء، أو للتّبعيض.

و قرأ (5) حمزة و الكسائي و حفص، بالياء، على أنّ الضّمير للنّاس و إضماره للعلم به.

كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ‏: فإنّه‏ (6) مثّل الحقّ و الباطل، فإنّه مثّل الحقّ في إفادته و ثباته بالماء الّذي ينزل من السّماء فيسيل به الأودية على قدر الحاجة

____________

(1) أي لما كان مبادئ الماء من جانب السماء فإنّه يحصل بارتفاع الأبخرة الحاصلة من حركات الكواكب على طريق العادة.

(2) أي: تجوّز فيه، فأطلق اسم الوادي الّذي هو المحلّ على الحالّ الّذي هو الماء.

(3) أي: ليس سيل جميع الأودية في زمان واحد، بل بعض في بقعة في زمان و بعض في زمان آخر في بقعة اخرى.

(4) أي وسخه، أو خبثه.

(5) أنوار التنزيل 1/ 518.

(6) ليس في المصدر.

431

و المصلحة، فينتفع به أنواع المنافع، و يمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه‏ (1) و يسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون و القنيّ و الآبار، و بالفلزّ الّذي ينتفع به في صوغ الحلي و اتّخاذ الأمتعة المختلفة و يدوم ذلك مدّة متطاولة. و الباطل في قلّة نفعه و سرعة زواله بزبدهما، و بيّن ذلك بقوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً: يجفأ به، أي: يرمي به السّيل أو الفلزّ المذاب.

و انتصابه، على الحال.

و قرئ‏ (2): «جفالا»، و المعنى واحد. يقال‏ (3): جفأت القدر بزبدها، و أجفأ السيل و أجفل.

وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ‏: كالماء و خلاصة الفلزّات.

فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ‏: ينتفع به أهلها.

كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17): لإيضاح المشتبهات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): يقول: أنزل الحقّ من السماء فاحتمله‏ (5) القلوب بأهوائها، ذو اليقين على قدر يقينه و ذو الشّكّ على قدر شكّه، فأحتمل الهوى باطلا كثيرا أو جفاء، فالماء هو الحقّ، و الأودية هي القلوب، و السّيل هو الهوى. و الزّبد و خبث الحلية هو الباطل، و الحلية و المتاع هو الحقّ. من أصاب الحلية و المتاع في الدّين‏ (6) انتفع به، و كذلك صاحب الحقّ يوم القيامة ينفعه. و من أصاب الزّبد و خبث الحلية في الدّنيا لم ينتفع به، و كذلك صاحب الباطل يوم القيامة لا ينتفع به.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قد بيّن اللَّه قصص المغيّرين فضرب مثلهم بقوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ‏ فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الّذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحلّ و يبطل و يتلاشى عند التّحصيل. و الّذي ينفع النّاس منه، فالتّنزيل الحقيقيّ الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و القلوب تقبله. و الأرض في هذا الموضع. فهي‏

____________

(1) المنافع- جمع منقع-: و هو المستنقع، أو البحر.

(2) أنوار التنزيل 1/ 518، و الكشاف 2/ 523.

(3) الكشاف 2/ 523.

(4) تفسير القمّي 1/ 362.

(5) المصدر: فاحتملته.

(6) تفسير الصافي 3/ 65: الدنيا.

(7) الاحتجاج 1/ 371.

432

محلّ العلم و قراره. (الحديث).

لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا: للمؤمنين، الّذين استجابوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى‏: الاستجابة الحسنى.

وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ‏: و هم الكفرة.

و «اللّام» متعلّقة «بيضرب» على أنّه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما.

و قيل‏ (1): لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا خبر «الحسنى» و هي المثوبة أو الجنّة. وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا مبتدأ خبره‏ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. و هو على الأوّل كلام مبتدأ لبيان ما آل غير المستجيبين.

وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ‏: و هو المناقشة فيه، بأن يحاسب الرّجل بذنبه و لا يغفر منه شي‏ء.

و في مجمع البيان‏ (2): أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ‏ في الحديث: من نوقش في الحساب عذّب.

و قيل‏ (3): هو أن لا تقبل لهم حسنة، و لا تغفر لهم سيّئة. و روي ذلك عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

وَ مَأْواهُمْ‏: مرجعهم.

جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (18): المستقرّ. و المخصوص بالذّمّ محذوف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: يمهدون في النّار.

أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ‏: فيستجيب.

كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏: عمى القلب، لا يستبصر فيستجيب.

و «الهمزة» لإنكار أن تقع شبهة في تشابهما بعد ما ضرب من المثل.

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (19): ذو و العقول المبرّأة عن مشايعة الإلف و معارضة الوهم.

في شرح الآيات الباهرة (5): نقل ابن مردويه، عن رجاله، بالإسناد إلى ابن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 518.

(2) المجمع 3/ 287.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 288.

(4) تفسير القمّي 1/ 363.

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 231، ح 7.

433

عبّاس أنّه قال: إنّ قوله- تعالى-: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ‏ هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و ذكر أبو عبد اللّه‏ (1)، الحسين بن جبير- (رحمه اللّه)- في «نخب المناقب» قال: روينا حديثا مسندا، عن أبي الورد الإماميّ المذهب، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ‏ هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و «الأعمى» هنا [هو] (2) عدوّه. «و أولوا الألباب» شيعته الموصوفون بقوله- تعالى-: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ‏ المأخوذ عليهم في الذّرّ بولايته و يوم الغدير.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن قصبة (4) بن خالد قال‏: دخلت على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فأذن لي و ليس هو في مجلسه، فخرج علينا من جانب البيت من عند نسائه و ليس عليه جلباب. فلما نظر إلينا رحّب بنا (5)، ثمّ جلس.

ثمّ قال: أنتم أولوا الألباب في كتاب اللَّه، قال اللَّه: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏.

عن أبي العبّاس‏ (6)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: تفكّر ساعة خير من عبادة سنة، [قال اللَّه‏] (7) إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏.

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ‏: ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيّته حين قالوا: «بلى». أو ما عهد اللَّه عليهم في كتبه.

وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20): ما وثقوه من المواثيق بينهم و بين اللَّه و بين العباد. و هو تعميم بعد تخصيص.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال‏: إنّ رحم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- معلّقة بالعرش تقول: اللّهمّ،

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 231، ح 8.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 207، ح 25.

(4) المصدر: عقبة.

(5) المصدر: «قال: أحبّ لقاءكم» بدل «رحب بنا».

(6) تفسير العياشي 2/ 208، ح 26.

(7) من المصدر.

(8) تفسير القمّي 1/ 363.

434

صل من وصلني و اقطع من قطعني. و هي تجري في كلّ رحم. و نزلت هذه الآية في آل محمّد، و ما عاهدهم عليه، و ما آخذ عليهم من الميثاق في الذّرّ من ولاية أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- بعده، و هو قوله: الَّذِينَ يُوفُونَ‏ (الآية).

وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏ من الرّحم، و موالاة المؤمنين، و الإيمان بجميع الأنبياء، و يندرج في ذلك مراعاة حقوق النّاس.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ الرّحم معلّقة بالعرش تقول: اللّهمّ، صل من وصلني و اقطع من قطعني. و هي رحم آل محمّد، و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ‏- إلى قوله- أَنْ يُوصَلَ‏ و رحم كلّ ذي رحم.

عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن ابن بكير (3)، عن عمر بن يزيد قال‏:

سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏.

فقال: قرابتك.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان و هشام بن الحكم و درست ابن أبي منصور، عن عمر بن يزيد قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-:

الَّذِينَ‏- إلى قوله- أَنْ يُوصَلَ‏.

فقال: نزلت في رحم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد يكون في قرابتك.

ثمّ قال: فلا تكوننّ ممّن يقول للشي‏ء: إنّه في شي‏ء واحد.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: و ممّا فرض اللَّه- تعالى- أيضا، في المال [من‏] (6) غير الزكاة قوله- تعالى-: الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏.

____________

(1) الكافي 2/ 151، ح 7.

(2) الكافي 2/ 156، ح 27. و فيه: «عن أحمد بن أبي عبد اللَّه عن ابن فضال» بدل «عن سهل بن زياد».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ابن أبي بكير.

(4) الكافي 2/ 156، ح 28.

(5) الكافي 3/ 498، ح 8.

(6) من المصدر.

435

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن العلا بن فضيل‏ (2)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: الرّحم معلّقة بالعرش تقول: اللّهمّ، صل من وصلني و اقطع من قطعني. و هي رحم آل محمّد و رحم كلّ مؤمن، و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏.

عن محمّد بن الفضيل‏ (3) قال: سمعت العبد الصّالح يقول: الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏ قال: هي رحم آل محمّد معلّقة بالعرش تقول: اللّهمّ، صل من وصلني و اقطع من قطعني. و هي تجري في كلّ رحم.

عن الحسين بن موسى‏ (4) قال: روى أصحابنا قال‏: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏.

فقال: هو صلة الإمام في كلّ سنة بما قلّ أو كثر.

ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما أريد (5) بذلك إلّا تزكيتكم.

وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ‏: وعيده عموما.

وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21): خصوصا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن صفوان الجمّال قال‏: وقع بين أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و بين عبد اللَّه بن الحسن كلام حتّى وقعت الضوضاء بينهم، فاجتمع النّاس، فافترقا عشيّتهما بذلك و غدوت في حاجة فإذا أنا بأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- على باب عبد اللَّه بن الحسن و هو يقول:

يا جارية، قولي لأبي محمّد [يخرج‏] (7).

قال: فخرج، فقال: يا أبا عبد اللَّه، ما كبر بك؟

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 208، ح 27.

(2) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 543. و في النسخ: فضل.

(3) تفسير العياشي 2/ 208، ح 29. و فيه:

محمد بن الفضل.

(4) تفسير العياشي 2/ 209، ح 34. و فيه:

الحسن بن موسى.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و ما أراد.

(6) الكافي 2/ 155، ح 23.

(7) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

436

قال: إنّي تلوت آية من كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- البارحة فأقلقتني.

قال: و ما هي؟

قال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ فقال: صدقت، لكأنّي لم أقرأ هذه الآية من كتاب [اللَّه- جلّ و عزّ-] (1) فاعتنقا و بكيا.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن هشام بن أحمر. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، جميعا، عن سلمة (3)، مولاة أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قالت‏: كنت عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حين حضرته الوفاة، فاغمي عليه، فلمّا أفاق قال: أعطوا الحسن بن عليّ بن الحسين، و هو الأفطس، سبعين دينارا، و أعطوا فلانا كذا [و كذا و فلانا كذا و كذا] (4).

فقلت: أ تعطي رجلا حمل عليك بالشّفرة؟

فقال: ويحك، أما تقرئين القرآن؟

قلت: بلى.

قال: أما سمعت قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَصِلُونَ‏- إلى قوله- سُوءَ الْحِسابِ‏.

قال ابن محبوب في حديثه: حمل عليك بالشّفرة يريد أن يقتلك؟

فقال: أ تريدين على أن لا أكون من الّذين قال اللَّه- تبارك و تعالى-:

الَّذِينَ يَصِلُونَ‏- إلى قوله- سُوءَ الْحِسابِ‏ نعم، يا سلمة (5)، إنّ اللَّه خلق الجنّة و طيّبها و طيّب ريحها [، و إن ريحها] (6) ليوجد من مسيرة ألفي عام، و لا يجد ريحها عاقّ و لا قاطع رحم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 7/ 55، ح 10.

(3) المصدر: سالمة.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: سالمة.

(6) ليس في أ.

(7) تفسير العياشي 2/ 208، ح 28.

437

- (صلّى اللّه عليه و آله)-: برّ الوالدين و صلة الرّحم يهونان الحساب. ثمّ تلا هذه الآية:

الَّذِينَ يَصِلُونَ‏- إلى قوله- سُوءَ الْحِسابِ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى الوليد بن آبان، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: هل على الرّجل في ماله سوى الزكاة؟

قال: نعم، أين ما قال اللَّه: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ‏ (الآية).

و في كتاب معاني الاخبار (2): أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه‏ (3) قال لرّجل: يا فلان، مالك و لأخيك؟

قال: جعلت فداك، كان لي عليه شي‏ء فاستقصيت‏ (4) عليه‏ (5) في حقّي.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ أ تراهم يخافون‏ (6) أن يظلمهم أو يجوز عليهم؟ لا، و لكنّهم خافوا الاستقصاء و المداقّة (7).

و في روضة الواعظين‏ (8): قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر المؤمنين‏ (9)، إيّاكم و الزّنا، فإنّ فيه ستّ خصال: ثلاث في الدّنيا، و ثلاث في الآخرة. أمّا الّتي في الدّنيا، فإنّه يذهب البهاء، و يورث الفقر، و ينقص العمر. و أمّا الّتي في الآخرة، فإنّه يوجب سخط الرّبّ- عزّ و جلّ-، و سوء الحساب، و الخلود في النّار.

و في الكافي‏ (10): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن حمّاد بن عثمان قال‏: دخل رجل على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فشكا إليه رجلا من أصحابه، فلم يلبث أن جاء المشكوّ إليه‏ (11).

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما لفلان يشكوك؟

____________

(1) المجمع 3/ 289.

(2) المعاني/ 246، ح 1.

(3) ليس في أ، ب.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فاستقضيت.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: خافوا.

(7) المداقة: المحاسبة الدقيقة.

(8) روضة الواعظين 2/ 462.

(9) المصدر، أ، ب، ر: المسلمين.

(10) الكافي 5/ 100- 101، ح 1.

(11) ليس في المصدر.

438

فقال له: يشكوني أنّي استقصيت منه حقّي.

قال: فجلس أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- مغضبا، ثمّ قال: كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسئ، أ رأيتك ما حكى اللَّه- عزّ و جلّ- فقال: وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ ترى أنّهم خافوا اللَّه- عزّ و جلّ- أن يجوز عليهم؟ لا و اللَّه، ما خافوا إلّا الاستقصاء، فسمّاه‏ (1) اللَّه- جلّ و عزّ-: سُوءَ الْحِسابِ‏، فمن استقصى‏ (2) فقد أساء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي إسحاق قال: سمعته يقول‏ في‏ سُوءَ الْحِسابِ‏: لا تقبل حسناتهم، و يؤخذون بسيّئاتهم‏ (4).

عن هشام بن سالم‏ (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه: يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ [قال: تحسب عليهم السّيّئات و [لا] (6) تحسب لهم الحسنات‏] (7) و هو الاستقصاء.

عن هشام بن سالم‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ قال: الاستقصاء و المداقّة.

و قال: تحسب عليهم السّيّئات، و لا تحسب لهم الحسّنات.

و في مصباح الشّريعة (9): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لو لم يكن للحساب مهولة (10) إلّا حياء العرض على اللَّه و فضيحة (11) هتك السّتر على المخفيات، لحقّ للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال، و لا يأوي إلى عمران، و لا يأكل و لا يشرب و لا ينام إلّا عن اضطرار متصل بالتّلف.

وَ الَّذِينَ صَبَرُوا: على ما تكرهه النّفس و يخالفه الهوى.

ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ‏: طلبا لرضاه، لا لرياء أو سمعة أو نحوهما.

وَ أَقامُوا الصَّلاةَ: المفروضة.

وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏: بعض الّذي وجب عليهم إنفاقه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فسمّى.

(2) المصدر: زيادة «به».

(3) تفسير العياشي 2/ 210، ح 37.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و يؤخرون سيّئاتهم.

(5) تفسير العياشي 2/ 210، ح 38.

(6) من المصدر.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) تفسير العياشي 2/ 210، ح 39.

(9) مصباح الشريعة/ 85.

(10) المصدر: محولة.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: فضيحته.

439

سِرًّا: في السّرّ، كمن لم يعرف به.

وَ عَلانِيَةً: و في العلانية، كمن عرف به.

وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ: و يدفعونها بها، فيجازون الإساءة بالإحسان.

أو يتبعون الحسنة السّيّئة، فتمحوها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن حمّاد، عن أبي بصير، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ‏ (2)، ما من دار فيها فرحة إلّا تبعها ترحة (3)، و ما من له‏ (4) همّ إلّا و له فرج إلّا همّ أهل النّار فإذا عملت سيّئة فاتبعها بحسنة تمحها سريعا، و عليك بصنايع الخير فإنّها تدفع مصارع السّوء.

و إنّما قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- على حدّ تأديب النّاس، لا بأنّ لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- (5) سيّئات عملها.

أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22): عاقبة الدّنيا، و ما ينبغي أن يكون مآل أهلها و هي الجنّة.

و الجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء، و إن جعلت صفات «لأولي الألباب» فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصّفات.

جَنَّاتُ عَدْنٍ‏: بدل من‏ عُقْبَى الدَّارِ. أو مبتدأ خبره‏ يَدْخُلُونَها.

و «العدن» الإقامة، أي: جنّات يقيمون فيها. و قد مضى في شأنها أخبار.

و قيل‏ (6): هو بطنان الجنّة.

و في كتاب الخصال‏ (7)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على النّاس يوم الشّورى قال: نشدتكم باللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سرّه أن يحيى حياتي و يموت مماتي و يسكن جنّتي الّتي وعدني اللَّه، ربّي، جنّات عدن، قضيب غرسه [اللَّه‏] (8) بيده ثمّ قال له: كن فكان، فليوال عليّ بن أبي طالب و ذرّيّته من بعده، فهم الأئمّة و هم الأوصياء، أعطاهم اللَّه علمي و فهمي، لا يدخلونكم في باب ضلال و لا

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 364.

(2) ليس في ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: مرحة.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: زيادة «له».

(6) أنوار التنزيل 1/ 519.

(7) الخصال 2/ 558، ح 31.

(8) من المصدر.

440

يخرجونكم من باب هدى، لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، يزول الحقّ معهم أينما زالوا غيري؟

قالوا: اللّهمّ، لا.

و عن عليّ‏ (1)- (عليه السلام)- أنّه سأله بعض اليهود، فقال: أين يسكن نبيّكم من الجنّة؟

قال: في أعلاها درجة و أشرفها مكانا، في جنّات عدن.

قال: صدقت، و اللَّه، إنّه لبخطّ هارون و إملاء موسى.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا، عن محمّد بن سلام، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أراد أن يحيى حياتي و يموت ميتتي و يدخل جنّة عدن الّتي غرسها اللَّه بيده، فليوال‏ (3) عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، و ليتولّ وليّه، و ليعاد عدوّه، و ليسلّم للأوصياء من بعده، فإنّهم عترتي من لحمي و دمي، أعطاهم اللَّه فهمي و علمي، إلى اللَّه أشكو أمر أمّتي المنكرين‏ (4) لفضلهم القاطعين فيهم صلتي، و أيم اللَّه، ليقتلنّ‏ (5) ابني لا أنالهم اللَّه شفاعتي.

و فيمن لا يحضره الفقيه‏ (6): في خبر بلال، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذي يذكر فيه صفة الجنّة قال: فقلت لبلال: هل وسطها غيرها؟

قال: نعم، جنّة عدن و هي في وسط الجنان، و أمّا جنّة عدن فسورها ياقوت أحمر و حصاها اللؤلؤ.

وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ‏: عطف على المرفوع في «يدخلون»، و إنّما ساغ للفصل بالضّمير الآخر. أو مفعول معه، و المعنى: أنّه يلحق بهم من صلح من أهلهم و إن لم يبلغ مبلغ فضلهم، تبعا لهم و تعظيما لشّأنهم. و هو دليل على أنّ الدّرجة تعلو بالشّفاعة، و أنّ الموصوفين بتلك الصّفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة و الوصلة في دخول الجنّة زيادة في أنسهم.

____________

(1) الخصال 2/ 477، ح 40.

(2) الكافي 1/ 209، ح 5.

(3) المصدر: فليتولّ.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المنكرون.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لتقتلنّ.

(6) الفقيه 1/ 193، ح 905.

441

و في التّقييد بالصّلاح دلالة على أنّ مجرّد الأنساب لا ينفع.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام و محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق قال‏: حدّثني الثّقة من أصحاب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّهم سمعوا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول في خطبة له:

اللّهمّ، و إنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز (2) كلّه و لا تنقطع موادّه‏ (3)، و أنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حجّتك و لا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم و كم [هم‏] (4)؟

أولئك الأقلّون عددا و الأعظمون عند اللّه- جلّ ذكره- قدرا (5)، المتّبعون لقادة الدّين الأئمّة الهادين، الّذين يتأدّبون بآدابهم و ينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم‏ (6) على حقيقة الإيمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم، و يستلينون‏ (7) من حديثهم ما استوعر (8) على غيرهم، و يأنسون بما استوحش منه‏ (9) المكذّبون و أباه المسرفون.

أولئك أتباع العلماء، صحبوا أهل الدّنيا بطاعة اللّه- تبارك و تعالى- و أوليائه‏ (10)، و دانوا بالتّقيّة على دينهم و الخوف من عدوّهم، فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى، فعلماؤهم و أتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحقّ، و سيحقّ اللّه الحقّ بكلماته و يمحق الباطل، ها ها، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، و يا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، و سيجمعنا اللّه و إيّاهم في جنّات عدن‏ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (11): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن الرّجل المؤمن له‏

____________

(1) الكافي 1/ 335، ح 3.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يأزر. و يأرز:

يتقبض.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: مراده.

(4) يوجد في نور الثقلين 2/ 105، ح 498 مع المعقوفتين.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: المعلم.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و يستنبئون.

(8) استوعر أي: استصعب.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: استوحشوا منهم.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: لأوليائه.

(11) عنه المجمع 5/ 210.

442

امرأة مؤمنة يدخلان الجنّة، يتزوّج أحدهما الآخر؟

فقال: إنّ اللّه حكم عدل، إذا كان أفضل منها خيّره، فإن اختارها كانت من أزواجه. و إن كانت هي خيرا منه خيّرها، فإن اختارته كان زوجا لها.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن موسى بن إبراهيم [عن الحسن‏] (2)، عن أبيه رفعه‏ (3) بإسناده رفعه إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ أمّ سلمة قالت له: بأبي أنت و أمّي، المرأة يكون لها زوجان فيموتان فيدخلان الجنّة، لأيّهما تكون؟

فقال: يا أمّ سلمة، تخيّر أحسنهما خلقا و خيرهما لأهله. يا أمّ سلمة، إنّ حسن الخلق ذهب بخير الدّنيا و الآخرة.

وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ‏ (23): من أبواب المنازل.

قيل‏ (4): أو من أبواب الفتوح‏ (5) و التّحف قائلين: سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏: بشارة بدوام السّلامة.

بِما صَبَرْتُمْ‏: متعلّق «بعليكم»، أو بمحذوف، أي: هذا بما صبرتم.

قيل‏ (6): لا «بسلام» فإنّ الخبر فاصل‏ (7). و الباء للسّببيّة، أو للبدليّة.

فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24):

____________

(1) الخصال 1/ 42، ح 34.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) أنوار التنزيل 1/ 519.

(5) الأظهر: «الفتوخ» بدل «الفتوح».

و الفتوخ، جمع الفتخ أو الفتخة.

و الفتخ: كلّ خلخال لا يصلصل. و الفتخة:

حلقة من ذهب أو فضّة لا فصّ لها تلبس في البنصر، كالخاتم.

(6) أنوار التنزيل 1/ 519.

(7) قوله: «لا بسلام، فإنّ الخبر فاصل»، أي:

لا يتعلّق «بما صبرتم» ب «سلام» لوجود الفاصل بينهما و هو «عليكم». و هذا خلاف ما قاله صاحب الكشّاف، فإنّه قال: يجوز أن يتعلّق «بما صبرتم» ب «سلام»، أي: يسلّم عليكم و يكرمكم بصبركم. و ما قاله المصنّف هو المشهور بين النّحاة، لأن المصدر في حكم «أن مع الفعل» و الفصل بين بعض الصّلة و بعضها لا يجوز. و قال الرّضيّ: أنا لا أرى منعا من ذلك، و ليس كلّ ما أوّل شي‏ء بكلمة حكم ما أوّل به، فلا منع من تأويله بالحرف المصدريّ من جهة المعنى مع أنّه لا يلزمه أحكامه. و كلام صاحب الكشّاف يؤيّد ما ذكره الرّضيّ.

443

و قرئ‏ (1): «فنعم» بفتح النّون، و الأصل «نعم» فسكّن العين بنقل كسرتها إلى الفاء و بغيره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي عن، حمّاد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: نزلت في الأئمة- (عليهم السلام)- و شيعتهم الّذين صبروا.

و حدثني‏ (3) أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: نحن صبر [نا] (4) و شيعتنا أصبر منّا، لأنّا صبرنا بعلم و صبروا على ما لا يعلمون.

حدّثني أبي‏ (5)، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل‏، يصف فيه حال المؤمن إذا دخل الجنان و الغرف، و فيه: ثمّ يبعث اللَّه له ألف ملك يهنّئونه بالجنّة و يزوّجونه بالحوراء (6)، فينتهون إلى أوّل باب من جنانه، فيقولون للملك الموكّل بأبواب الجنان: استأذن لنا على وليّ اللَّه، فإن اللَّه قد بعثنا مهنّئين.

فيقول الملك الموكّل‏ (7): قفوا حتّى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم.

قال: فيدخل الملك‏ (8) إلى الحاجب، و بينه و بين الحاجب ثلاث جنان، حتّى ينتهي إلى أوّل باب.

فيقول للحاجب: إنّ على باب العرصة (9) ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين، جاؤوا يهنّئون وليّ اللَّه، و قد سألوا أن استأذن لهم عليه.

فيقول له الحاجب: إنّه ليعظم عليّ أن استأذن لأحد على وليّ اللَّه و هو مع زوجته.

قال: و بين الحاجب و بين وليّ اللَّه جنّتان، فيدخل الحاجب على القيّم.

فيقول له: إنّ على باب العرصة (10) ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين يهنّئون وليّ اللَّه، فاستأذن [لهم‏] (11).

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 519.

2 و 3- تفسير القمّي 1/ 365.

(4) تفسير القمّي 1/ 365.

(5) نفس المصدر 2/ 246- 248.

(6) المصدر: زيادة «قال».

(7) ليس في المصدر.

(8) ليس في أ.

(9) المصدر: الغرفة.

(10) المصدر: الغرفة.

(11) من المصدر.

444

فيقوم القيّم إلى الخدّام، فيقول لهم: إنّ رسل الجبّار على باب العرصة، و هم ألف ملك، أرسلهم يهنّئون وليّ اللَّه فأعلموه‏ (1) مكانهم.

قال: فيعلمونه الخدّام مكانهم.

قال: فيؤذن لهم، فيدخلون على وليّ اللَّه و هو في الغرفة و لها ألف باب، و على كلّ باب من أبوابها ملك موكّل به. فإذا أذن للملائكة بالدّخول على وليّ اللَّه [و هو في الغرفة] (2) فتح كلّ ملك بابه الّذي قد وكل به، فيدخل كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة فيبلغونه رسالة الجبّار، و ذلك قول اللَّه- تعالى-: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ‏، يعني: من أبواب الغرفة سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

و في روضة الكافي‏ (3)، مثله سندا و متنا.

و في الصّحيفة السّجّاديّة (4)، في دعائه- (عليه السلام)- في الصّلاة على حملة العرش قال- (عليه السلام)- بعد أن عدّ أصنافا من الملائكة: و الّذين يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: ثمّ قال: إنّ طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللّذّات و الشّهوات، أعني لكم: الحلال ليس الحرام. قال: فأنف اللَّه للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم. قال: فألقى اللَّه في همم‏ (6) أولئك الملائكة اللّذّات و الشّهوات كي لا يعيبوا المؤمنين، فلمّا أحسّوا ذلك [من هممهم‏] (7) عجّوا إلى اللَّه من ذلك فقالوا:

ربّنا، عفوك عفوك، ردّنا إلى ما خلقتنا له و اخترتنا عليه فإنّا نخاف أن نصير في أمر مريج‏ (8). قال: فنزع اللَّه ذلك [من هممهم‏] (9). قال: فإذا كان يوم القيامة، و صار أهل الجنّة في الجنّة، استأذن أولئك الملائكة على أهل الجنّة فيؤذن لهم، فيدخلون عليهم [فيسلّمون عليهم‏] (10) و يقولون لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ‏ [في الدنيا عن اللذات‏

____________

(1) المصدر: فأعلمهم.

(2) يوجد في ب، ر.

(3) الكافي 8/ 95- 98، ح 69.

(4) الصحيفة السجادية الدعاء الثالث/ 36.

(5) تفسير العياشي 2/ 211.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: همّة.

(7) من المصدر.

(8) أمر مريج: مختلط أو ملتبس.

9 و 10- من المصدر.

445

و الشهوات الحلال.

عن محمد بن الهيثم‏ (1)، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ‏ على الفقر في الدنيا] (2) فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ قال: يعني: الشّهداء.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستي‏ (3)، بإسناده إلى أبي ذرّ- رضي اللَّه عنه-:

عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏: و ما نال الفوز في القيامة إلّا الصّابرون، إنّ اللَّه يقول: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ قال: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ‏:

قيل‏ (4): يعني: مقابلي الأوّلين.

مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ‏: من بعد ما أوثقوه به من الإقرار و القبول.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): يعني: في أمير المؤمنين. و هو الّذي أخذ اللَّه عليهم في الذّرّ، و أخذ عليهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بغدير خمّ.

وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏: من الرّحم و غيرها.

وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ‏: بالظّلم و تهييج الفتن.

أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25): عذاب جهنّم. أو سوء عاقبة الدّنيا، لأنّه في مقابلة عُقْبَى الدَّارِ.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد [و علي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا] (7)، عن عمرو (8) بن عثمان، عن محمّد بن عذافر، عن بعض أصحابهما (9)، عن محمّد بن مسلم و أبي حمزة، عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: يا بنيّ إيّاك و مصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي‏ (10) وجدته ملعونا في‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 211، ح 43.

(2) من المصدر.

(3) نور الثقلين 2/ 501، ح 114.

(4) أنوار التنزيل 1/ 519.

(5) تفسير القمّي 1/ 363.

(6) الكافي 2/ 641، ح 7.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 624. و في النسخ: عمر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أصحابه.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فأنّه.

446

كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- في ثلاثة (1) مواضع، قال: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ‏ (الآية).

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل‏ في تعداد الكبائر و بيانها عن كتاب اللَّه، و فيه: عن الصّادق- (عليه السلام)-: و نقض العهد و قطيعة الرّحم، لأن اللَّه- تعالى- يقول: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.

اللَّهُ‏: وحده، لا يشاركه في البسط و القبض غيره.

يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: يوسعه و يضيّقه.

وَ فَرِحُوا، أي: القاطعون.

و قيل‏ (3): أهل مكّة.

بِالْحَياةِ الدُّنْيا: بما بسط لهم في الدّنيا.

وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ: في جنب الآخرة.

إِلَّا مَتاعٌ‏ (26): إلّا متعة لا تدوم، كعجالة الرّاكب و زاد الرّاعي.

و المعنى: أنّهم اشتروا بما نالوا من الدّنيا، و لم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، و اغترّوا بما هو في جنبه نزر قليل النّفع سريع الزّوال.

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ: باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات.

وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27): أقبل إلى الحقّ و رجع عن العناد.

و هو جواب يجري مجرى التّعجّب من قولهم، كأنّه قال: قل لهم: ما أعظم عنادكم، إنّ اللَّه يضلّ من يشاء ممّن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم و إن أنزلت كلّ آية، و يهدي إليه من أناب بما جئت به بل بأدنى منه من الآيات.

الَّذِينَ آمَنُوا: بدل من «من». أو خبر مبتدأ محذوف.

وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ‏: أنسا به، و اعتمادا عليه، و رجاء منه. أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته. أو بذكر دلائله الدالّة على وجوده و وحدانيّته. أو بكلامه، يعني: القرآن، الّذي هو أقوى المعجزات.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن خالد بن نجيح، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- [في‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ثلاث.

(2) العيون 1/ 223- 224، ح 33.

(3) أنوار التنزيل 1/ 519.

(4) تفسير العياشي 2/ 211، ح 44.

447

قوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‏] (1) قال: بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- تطمئنّ [القلوب‏] (2)، و هو ذكر اللَّه و حجابه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): «الّذين آمنوا» الشّيعة، و «ذكر اللَّه» أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و حال الخبرين واحد لا اختلاف بينهما، لأنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأئمة- (عليهم السلام)- واحد في كونهم ذكر اللَّه.

أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28): تسكن إليه.

الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: مبتدأ خبره‏ طُوبى‏ لَهُمْ‏. و هو فعلى، من الطّيب، قلبت ياؤه واوا لضمّه ما قبلها، مصدر لطاب، كبشرى و زلفى.

و يجوز فيه الرّفع و النّصب‏ (4)، كقولك: طيبا لك، و طيب لك. و لذلك قرئ.

وَ حُسْنُ مَآبٍ‏ (29): بالرّفع و النّصب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: دخلت الجنّة و إذا أنا بشجرة (6)، لو أرسل طائر في أصلها ما دارها سبعمائة عام‏ (7)، و ليس في الجنّة منزل إلّا و فيها فرع‏ (8) منها، فقلت: ما هذه، يا جبرئيل؟

فقال: هذه شجرة طوبى، قال اللَّه- تعالى-: طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏.

حدّثني أبي‏ (9)، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: «طوبى» شجرة في الجنّة في دار أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-. و ليس أحد من شيعة إلّا و في داره غصن من أغصانها و ورق من أوراقها، تستظلّ‏ (10) تحتها أمّة من‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) تفسير القمّي 1/ 365.

(4) الرفع بأنّه مبتدأ و «لهم» خبره، أو خبر و «لهم» صلة.

و النصب بأنّه مفعول فعل مقدر، و هو «طابوا».

(5) تفسير القمّي 2/ 10- 11.

(6) المصدر: «شجرة» بدل «أنا بشجرة».

(7) المصدر: تسعمائة سنة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: شجر.

(9) تفسير القمّي 1/ 365.

(10) المصدر: يستضلّ.

448

الأمم.

و عنه‏ (1) [قال‏] (2): كان- (صلّى اللّه عليه و آله)- يكثر تقبيل فاطمة- (عليها السلام)- فأنكرت ذلك عائشة.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عائشة، إنّي لمّا اسري بي إلى السّماء دخلت الجنّة، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى و ناولني من ثمارها، فأكلته فحول اللَّه ذلك ماء في ظهري. فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة، فحملت بفاطمة، [و كلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها] (3)، و ما قبّلتها قطّ إلّا وجدت رائحة شجرة طوبى منها، [فهي حوراء أنسيّة] (4).

و أمّا

ما رواه‏ (5) الشّيخ أبو جعفر الطوسيّ- رضي اللَّه عنه-، عن رجاله، عن الفضل بن شاذان و كتبه في كتابه «مسائل البلدان» يرفعه إلى سلمان الفارسيّ- رضي اللَّه عنه- قال: دخلت على فاطمة- (عليها السلام)- و الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- يلعبان بين يديها ففرحت بهما فرحا شديدا، فلم ألبث حتّى دخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقلت: يا رسول اللَّه، أخبرني بفضيلة هؤلاء لأزداد لهم حبّا.

فقال: يا سلمان، ليلة اسري بي إلى السّماء أدارني جبرئيل في سماواته و جنانه، فبينما أنا أدور في قصورها و بساتينها و مقاصيرها إذ شممت رائحة طيّبة، فأعجبتني تلك الرّائحة.

فقلت: يا حبيبي: ما هذه الرّائحة الّتي غلبت على روائح الجنّة كلّها؟

فقال: يا محمّد، تفاحة خلقها اللَّه- تبارك و تعالى- بيده منذ ثلاثمائة ألف عام، ما ندري ما يريد بها.

فبينا أنا كذلك إذ رأيت ملائكة و معهم تلك التّفاحة.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 365.

(2) من المصدر.

3 و 4- ليس في المصدر.

(5) تأويل الآيات 1/ 236، ح 16.

449

[فقالوا: يا محمّد، ربّنا السلام يقرأ عليك السلام و قد أتحفك بهذه التفاحة] (1).

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فأخذت تلك التّفاحة فوضعتها تحت جناح جبرئيل. فلمّا هبط بي إلى الأرض أكلت تلك التّفاحة، فجمع اللّه ماءها في ظهري، فغشيت خديجة بنت خويلد فحملت بفاطمة من ماء التّفاحة.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- [إليّ‏] (2) أن قد ولد لك حوراء أنسيّة، فزوّج النّور من النّور، فاطمة من عليّ، فإنّي قد زوّجتها في السّماء و جعلت خمس الأرض مهرها، و ستخرج فيما بينهما ذرّيّة طيّبة و هما سراجا الجنّة، الحسن و الحسين، و يخرج من صلب الحسين أئمّة يقتلون و يخذلون، فالويل لقاتلهم و خاذلهم».

فلا ينافي الخبر الّذي قدّمناه، لأنّه ليس في ذلك الخبر أنّ تلك التّفاحة من أيّ شجرة، و يحمل على أنّها من شجرة طوبى ليوافق الخبر الأوّل، و ليس في الخبر الأوّل أنّه- (عليه السلام)- أين أكلها، و يحمل على أنّه أكلها حين هبط ليتوافق الخبران.

و في أصول الكافي‏ (3): عنه، عن أبيه، عن عبد اللّه بن القاسم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ لأهل الدّين علامات يعرفون بها، صدق الحديث، و أداء الأمانة، و الوفاء بالعهد، و صلة الأرحام، و رحمة الضعفاء، و قلّة المراقبة للنّساء، أو قال قلّة الموافاة (4) للنّساء، و بذل المعروف، و حسن الخلق، و سعة الخلق، و اتّباع العلم و ما يقرّب إلى اللَّه- عزّ و جلّ- زلفى‏ طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏.

و «طوبى» شجرة في الجنّة، أصلها في دار النّبيّ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و ليس مؤمن إلّا و في داره غصن منها، لا يخطر على قلبه شهوة [شي‏ء] (5) إلّا أتاه به ذلك.

و لو أنّ راكبا مجدّا سار في ظلّها مائة عام ما خرج منه، و لو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى يسقط [هرما] (6)، ألا ففي هذا فارغبوا. إنّ المؤمن من نفسه في شغل و النّاس منه في راحة، إذا جنّ عليه اللّيل افترش وجهه و سجد للّه- عزّ و جلّ- بمكارم بدنه، يناجي الّذي خلقه في فكاك رقبته، ألا فهكذا كونوا.

و في عيون الأخبار (7)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: و لقد حدّثني‏

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) الكافي 2/ 239، ح 30.

(4) المصدر: المؤاتاة.

5 و 6- من المصدر.

(7) نور الثقلين 2/ 504، ح 125.

450

أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- في «أ- ب- ت- ث» قال:

«الألف» آلاء اللَّه.

إلى أن قال- (عليه السلام)-: و «الطّاء» طوبى للمؤمنين و حسن مآب.

و بإسناده‏ (1) إلى الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، أنت المظلوم بعدي، و أنت صاحب شجرة طوبى في الجنّة أصلها في دارك و أغصانها في دور (2) شيعتك و محبيك.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن محمّد بن سالم، رفعه إلى أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: تعلّموا تفسير أبجد.

... إلى أن قال- (صلوات اللّه عليه)-: و أمّا «حطّي» فالحاء، حطوط للخطايا عن المستغفرين في ليلة القدر و ما نزل به جبرئيل مع الملائكة إلى مطلع الفجر. و أمّا الطّاء ف طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏ و هي شجرة غرسها اللَّه- تبارك و تعالى- بيده و نفخ فيها من روحه، و أنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنّة، تنبت بالحلي و الحلل، و الثّمار متدلّية على أفواههم.

عن أبي سعيد الخدريّ‏ (4) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من رزقه اللَّه حبّ الأئمّة من أهل بيتي فقد أصاب خير الدّنيا و الآخرة، فلا يشكّنّ أحد أنّه في الجنّة، فإنّ في حبّ أهل بيتي عشرين‏ (5) خصلة: عشرة منها في الدّنيا و عشرة منها في الآخرة، فأمّا الّتي في الدّنيا فالزّهد و الحرص على العلم.

... إلى أن قال- (عليه السلام)- بعد تعدادها: فطوبى لهم‏ (6) لمحبّي أهل بيتي.

و في احتجاج‏ (7) عليّ- (عليه السلام)- يوم الشّورى على النّاس قال: نشدتكم باللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، إنّ اللَّه خصّك بأمر و أعطاكه، ليس من الأعمال شي‏ء أحبّ إليه و لا أفضل منه عنده الزّهد في الدّنيا، فليس‏

____________

(1) العيون 1/ 236- 237، ح 63.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دار.

(3) الخصال 1/ 331- 332، ح 30.

(4) الخصال 1/ 515، ح 1.

(5) المصدر: عشرون.

(6) ليس في المصدر.

(7) الخصال 2/ 556، ح 31.

451

تنال منها شيئا و لا تناله منك، و هو زينة الأبرار عند اللَّه- عزّ و جلّ- يوم القيامة، فطوبى لمن أحبّك و صدّق عليك، و ويل لمن أبغضك و كذّب عليك [غيري‏] (1).

قالوا: اللّهمّ، لا.

[و في هذا الاحتجاج‏ (2) أيضا] (3) [قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (4) كما قال لي: إنّ طوبى شجرة في الجنّة، أصلها في دار عليّ، ليس من مؤمن إلّا في داره غصن من أغصانها غيري؟

قالوا: اللّهمّ، لا.

عن أبي أمامة (5) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: طوبى لمن رآني ثمّ آمن بي، و طوبى [ثمّ طوبى‏] (6)، يقولها سبع مرّات، لمن‏ (7) لم يرني و آمن بي.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (8)، بإسناده إلى مروان بن مسلم: عن أبي بصير قال: قال الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية.

قيل له: جعلت فداك، و ما طوبى؟

قال: شجرة في الجنّة في دار عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و ليس من مؤمن إلّا و في داره غصن من أغصانها، و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏.

و بإسناده‏ (9) إلى أبي حمزة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي و هو يأتمّ به في غيبته قبل قيامه، و يتولّى أولياءه، و يعادي أعداءه، ذلك من رفقائي و ذو [ي‏] (10) مودّتي و أكرم أمّتي عليّ يوم القيامة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (11): عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر، محمّد بن‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الخصال 2/ 558، ح 31.

(3) من نور الثقلين 2/ 505، ح 129.

(4) من المصدر.

(5) الخصال 2/ 342، ح 6.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: إن.

(8) كمال الدين 2/ 358، ح 55.

(9) كمال الدين 1/ 286، ح 2.

(10) من المصدر.

(11) تفسير العياشي 2/ 211- 212، ح 45.

452

عليّ، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال‏: بينما رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس ذات يوم إذ دخلت [عليه‏] (1) أم أيمن، في ملحفتها (2) شي‏ء.

فقال لها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أمّ أيمن، أيّ شي‏ء في ملحفتك؟

فقالت: يا رسول اللَّه، فلانة بنت فلانة أملكوها (3) فنثروا عليها فأخذت [من نثارها شيئا. ثمّ إنّ أمّ أيمن بكت.

فقال لها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما يبكيك؟

فقالت: فاطمة] (4) زوّجتها فلم ينثر عليها [شيئا] (5).

فقال لها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تبكين، فو الّذي بعثني بالحقّ نبيا (6) بشيرا و نذيرا، لقد شهد إملاك فاطمة جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في ألوف من الملائكة، و لقد أمر اللَّه طوبى فنثرت عليهم من حللها و سندسها و إستبرقها و درّها و زمرّدها و ياقوتها و عطرها، فأخذوا منه حتّى ما دروا ما يضعون به، و لقد نحل اللَّه طوبى في مهر (7) فاطمة فهي في دار عليّ بن أبي طالب.

عن أبي حمزة (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: طوبى هي شجرة تخرج من جنّة عدن، غرسها ربّنا بيده.

عن أبي عبد اللَّه‏ (9)- (عليه السلام)- قال‏: إنّ المؤمن إذا لقي أخاه و تصافحا (10)، لم تزل الذّنوب تتحاتّ‏ (11) عنهما ما داما متصافحين، كتحاطّ الورق عن الشّجر، فإذا افترقا، قال ملكاهما: جزاكما اللَّه خيرا عن أنفسكما فإن التزم كلّ واحد منهما صاحبه، ناداهما مناد:

طوبى لكما و حسن مآب. و «طوبى» شجرة في الجنّة أصلها في دار أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فرعها في منازل أهل الجنّة. فإذا افترقا، ناداهما ملكان كريمان: أبشرا، يا وليّي اللَّه، بكرامة اللَّه و الجنّة من ورائكما.

____________

(1) من المصدر.

(2) الملحفة: الملاءة التي تلتحف بها المرأة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ملكوها.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لمهر.

(8) تفسير العياشي 2/ 212، 47.

(9) تفسير العياشي 2/ 212- 213، ح 49.

(10) المصدر: فصافحا.

(11) تحاتّ الورق عن الشجر: تناثر.

453

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (1): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: من أطعم ثلاثة نفر من المؤمنين، أطعمه اللَّه من ثلاث جنات: ملكوت [السماء] (2) الفردوس، و جنّة عدن، و طوبى هي شجرة من جنّة عدن غرسها ربّنا بيده.

و في مجمع البيان‏ (3): و روى الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ، بإسناده، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال‏: سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن طوبى.

[قال: شجرة أصلها في داري، و فرعها على أهل الجنّة.

ثمّ سئل عنها مرّة أخرى، فقال:] (4) في دار عليّ.

فقيل له في ذلك، فقال: إنّ داري و دار عليّ في الجنّة بمكان واحد.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك، يعني: إرسال الرّسل قبلك.

أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها: تقدّمتها (5).

أُمَمٌ‏: أرسلوا إليهم، فليس ببدع إرسالك إليها.

لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏: لتقرأ عليهم الكتاب الّذي أوحينا إليك.

وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ‏: و حالهم أنّهم يكفرون بالبليغ الرّحمة، الّذي أحاطت بهم نعمته و وسعت كلّ شي‏ء رحمته، فلم يشكروا نعمته، و خصوصا ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم و إنزال القرآن الّذي هو مناط المنافع الدّينيّة و الدّنيويّة عليهم.

و قيل‏ (6): نزلت في مشركي مكة حين قيل لهم: اسجدوا للرّحمن، فقالوا: و ما الرّحمن‏ (7)؟

قُلْ هُوَ رَبِّي‏، أي: الرّحمن خالقي، و متولّي أمري.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: لا مستحقّ للعبادة سواه.

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏: في نصرتي عليكم.

____________

(1) المجمع 3/ 291.

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) ثواب الأعمال/ 165، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) أ، ب: تقدّمها.

(6) أنوار التنزيل 1/ 520.

(7) فالمعنى: يكفرون بإطلاق هذا الاسم عليه- تعالى-، أي: ينكرون إطلاقه عليه.

454

وَ إِلَيْهِ مَتابِ‏ (30): مرجعي و مرجعكم، فيثبّتني على مجاهدتي و مصابرتي و يعاقبكم على مخالفتي.

وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ‏: شرط حذف جوابه، و المراد منه تعظيم شأن القرآن أو المبالغة في عناد الكفرة و تصميمهم، أي: و لو أنّ كتابا زعزعت به الجبال عن مقارّها.

أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ‏: تصدّعت من خشية اللَّه عند قراءته. أو شققت، فجعلت أنهارا و عيونا.

أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏: فتسمع و تجيب عند قراءته لكان هذا القرآن، لأنّه الغاية في الإعجاز و النّهاية في التّذكير و الإنذار، أو لما آمنوا به، كقوله: «و لو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة» [الآية] (1).

و قيل‏ (2): إنّ قريشا قالوا: يا محمّد، إن سرّك أن نتّبعك فسيّر بقرآنك الجبال عن مكّة حتّى تتّسع لنا، فنتّخذ فيها بساتين و قطائع. أو سخّر لنا به الرّيح، لنركبها و نتّجر إلى الشّام. أو ابعث لنا قصيّ بن كلاب و غيره من آبائنا، ليكلّمونا فيك. فنزلت. و على هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسّير.

و قيل‏ (3): الجواب مقدّم، و هو قوله: «و هم يكفرون بالرّحمن» و ما بينهما اعتراض. و تذكير «كلّم» خاصّة (4) لاشتمال الموتى على المذكّر الحقيقيّ.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر [أ] (6) و غيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه، أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: جعلت فداك، أخبرني عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ورث النّبيّين كلّهم؟

قال: نعم.

قلت: من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه؟

قال: ما بعث اللَّه نبيّا إلّا و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعلم منه.

____________

(1) من أنوار التنزيل 1/ 520.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 520.

(4) أي: تذكيره دون «قطّعت» و «سيّرت».

(5) الكافي 1/ 226، ح 7.

(6) من المصدر.

455

قال: قلت: إنّ عيسى ابن مريم- (عليه السلام)- كان يحيي الموتى بإذن اللَّه.

قال: صدقت.

و سليمان بن داود كان يفهم منطق الطّير، و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقدر على هذه المنازل؟

قال: فقال: إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده و شكّ في أمره: فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ‏ حين فقده و غضب عليه، فقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏. و إنّما غضب، لأنّه كان يدلّه على الماء. فهذا و هو طائر قد اعطي ما لم يعط سليمان، و قد كانت الرّيح و النّمل و الإنس و الجنّ و الشّياطين [و] (1) المردة له طائعين، و لم يكن يعرف الماء تحت الهواء، و كان الطّير يعرفه، و إنّ اللَّه يقول في كتابه: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً (الآية) و قد ورثنا نحن هذا القرآن [الذي‏] (2) فيه ما تسيّر به الجبال، و تقطّع به البلدان، و تحيى به الموتى، و نحن نعرف الماء تحت الهواء. و إنّ في كتاب اللَّه لآيات ما يراد بها أمر إلّا أن يأذن اللَّه به، مع ما قد يأذن اللَّه، ممّا كتبه الماضون‏ (3) جعله اللَّه لنا في أم الكتاب. إنّ اللَّه يقول: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏. ثمّ قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فنحن الّذين اصطفانا اللَّه- عزّ و جلّ- و أورثنا هذا الكتاب فيه تبيان كلّ شي‏ء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: لو كان شي‏ء من القرآن كذلك، لكان هذا.

بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً: بل للّه القدرة على كلّ شي‏ء.

و هو إضراب عمّا تضمّنته «لو» من معنى النّفي‏ (5)، أي: بل اللَّه قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكنّ الإرادة لم تتعلّق بذلك لعلمه بأنّه لا تلين له شكيمتهم.

____________

(1) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: المأمنون.

(4) تفسير القمّي 1/ 365.

(5) قوله: «و هو إضراب عمّا تضمّنته لو من معنى النّفي» إذ يفهم منها أنّه لم يوجد قرآن كذلك فكأنّه قيل: لم يوجد قرآن سيّرت به الجبال ... الخ‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً بمعنى الإضراب عن المقدّر المذكور، لكن لا يخفى أنّ الملائم للإضراب أن يكون الجواب المقدّر: لما آمنوا، حتّى يكون المعنى: و لو وجد قرآن بالوصف المذكور لما آمنوا، أي: ليس القرآن المذكور موجبا لإيمانهم‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً فإيمانهم منوط بإرادته.

456

قيل‏ (1): و يؤيّد ذلك قوله: أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا: عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم.

و قيل‏ (2): أي: أ فلم يعلم. و هو لغة قوم من النّخع.

و قيل‏ (3): إنّما استعمل اليأس بمعنى: العلم، لأنّه مسبّب عن العلم، فإنّ الميئوس عنه لا يكون إلّا معلوما (4).

و في مجمع البيان‏ (5): قرأ عليّ و عليّ بن الحسين و جعفر بن محمّد- (عليهم السلام)-:

«أ فلم يتبيّن».

و قيل‏ (6): تنسب هذه القراءة إلى جماعة من الصّحابة و التّابعين، و هو تفسيره.

أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً، معناه: نف هدى بعض النّاس لعدم تعلّق المشيئة باهتدائهم.

و هو على الأول متعلّق بمحذوف، تقديره: أ فلم ييأس الّذين آمنوا عن إيمانهم علما منهم أن لو يشاء اللَّه لهدى النّاس جميعا [، أو ب «آمنوا»] (7).

وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا: من الكفر و سوء الأعمال.

قارِعَةٌ: داهية تقرعهم و تقلعهم و تهدّمهم.

أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ‏: فيفزعون منها، و يتطاير إليهم شرورها.

و قيل‏ (8): الآية في كفار مكّة لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فإنّه كان- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يزال يبعث السّرايا عليهم فتغير (9) حواليهم و تختطف مواشيهم. و على هذا يجوز أن يكون تحلّ خطابا للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فإنّه حلّ بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية.

حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ‏: القيامة. أو الموت. أو فتح مكّة.

إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31): لامتناع الكذب في كلامه.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 520.

(3) أنوار التنزيل 1/ 520.

(4) لأن اليأس عن حصول الشي‏ء لا يكون إلّا بعد العلم به، لأنّ اليأس عنه هو اعتقاد عدم حصوله.

(5) المجمع 3/ 292.

(6) أنوار التنزيل 1/ 520.

(7) من أنوار التنزيل 1/ 520.

(8) أنوار التنزيل 1/ 521.

(9) أغار عليهم: دفع عليهم الخيل و أوقع بهم.

457

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ و هي النّقمة. أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ‏ فتحلّ بقوم غيرهم فيرون ذلك و يسمعون به، و الّذين حلّت بهم عصاة كفّار مثلهم و لا يتّعظ بعضهم ببعض، و لن يزالوا كذلك‏ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ‏ الّذي وعد المؤمنين من النّصر و يخزي اللّه الكافرين.

وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ‏: تسلية للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و وعيد للمستهزئين به و المقترحين عليه.

و «الإملاء» أن يترك ملاوة (2) من الزّمان في دعة و أمن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): أي: طوّلت لهم الأمل ثمّ أهلكتهم.

فَكَيْفَ كانَ عِقابِ‏ (32)، أي: عقابي إيّاهم.

أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ‏: رقيب عليها، حافظ بِما كَسَبَتْ‏: من خير أو شرّ، لا يخفى عليه شي‏ء من أعمالهم و لا يفوت عنده شي‏ء من جزائهم.

و الخبر محذوف، تقديره: كمن ليس كذلك. أو لم يوحّدوه.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: قال: اعلم علّمك، اللّه الخير، أنّ اللّه- تبارك و تعالى- قديم.

... إلى أن قال: و هو قائم، ليس على معنى انتصاب و قيام على ساق في كبد (5)، كما قامت الأشياء، و لكن قائم يخبر أنّه حافظ، كقول الرّجل: القائم بأمر [نا] (6) فلان. و اللّه هو القائم‏ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ‏. و القائم- أيضا- في كلام النّاس:

الباقي، و القائم- أيضا- يخبر [عن‏] (7) الكفاية، كقولك للرّجل: قم بأمر [بني‏] (8) فلان، أي أكفهم. و القائم منّا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم و لم يجتمع المعنى.

و في عيون الأخبار (9): حدّثنا عليّ بن أحمد بن [محمد بن‏] (10) الدّقّاق- رضي اللّه‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 365- 366.

(2) قال في الصحاح: أقمت بهذه ملاوة و ملاءة، أي: حينا و برهة.

(3) تفسير القمّي 1/ 366.

(4) الكافي 1/ 120- 122، ح 2.

(5) الكبد: المشقّة و العناء.

(6) من المصدر.

7 و 8- من المصدر.

(9) العيون 1/ 120، ح 50.

(10) من المصدر.

458

عنه- قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكلينيّ قال: حدّثنا عليّ بن محمّد المعروف بعلان‏ (1)، عن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن خالد (2)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال‏: اعلم، علّمك اللّه الخير. و ذكر نحوه.

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ: استئناف. أو عطف‏ (3) على «كسبت» إن جعلت «ما» مصدريّة، أو «لم يوحّدوه» المقدّر [و «جعلوا» عطف عليه‏] (4)، و يكون الظّاهر فيه موضع المضمر للتّنبيه على أنّه المستحقّ للعبادة، و قوله: قُلْ سَمُّوهُمْ‏ تنبيه على أنّ هؤلاء الشّركاء لا يستحقّونها. و المعنى: صفوهم فانظروا، هل لهم ما يستحقّون به العبادة و يستأهلون الشّركة؟

أَمْ تُنَبِّئُونَهُ‏: بل أ تنبّئونه.

و قرئ‏ (5): «تنبئونه» بالتّخفيف.

بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ‏: بشركاء يستحقّون العبادة لا يعلمهم. أو بصفات لهم يستحقّونها لأجلها لا يعلمها و هو العالم بكلّ شي‏ء، فإذا لم يعلمهم لم يكونوا شيئا يتعلّق به العلم، و المراد: نفي أن يكونوا له شركاء. أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ‏: أمّ تسمّونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة و اعتبار معنى، كتسمية الزّنجيّ كافورا.

و هذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز (6).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بقلان.

(2) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 238. و في النسخ: الحسن بن خالد.

(3) قيل: الاستئناف لا يكون بالواو، فكيف جعل‏ وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ استئنافا؟ قلنا:

الاستئناف على نوعين: أحدهما المعتبر عند النحاة ما يكون مسبوقا بواو الاستئناف بأن يكون كلاما مستقلّا.

(4) من المصدر. يعني: العطف يحتمل وجهين:

أحدهما أن يكون «جعلوا» عطفا على «كسبت» بأن يكون بمعنى: الكسب، و جعل بمعنى:

الجعل، عطف المصدر على المصدر حقيقة، أو يكون هاهنا جملة مقدّرة و هي «لم يوحّدوه» و يكون‏ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ للتّنبيه على أنّ الألوهيّة موجب لاستحقاق العبادة و- أيضا- للنّداء على فساد مآلهم بأنّهم جعلوا الجماد شركاء للذّات المقدّسة الجامعة لجميع الكمالات.

(5) أنوار التنزيل 1/ 521.

(6) قوله: «و هذا احتجاج بليغ ... الخ» فقوله- تعالى-: أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما

459

بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ‏: تمويههم، فتخيّلوا أباطيل ثمّ خالوها حقّا. أو كيدهم للإسلام بشركهم.

وَ صُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ‏: سبيل الحقّ.

و قرأ (1) ابن كثير و نافع و أبو عمرو و ابن عامر «و صدّوا» بالفتح، أي: و صدّوا النّاس عن الإيمان.

و قرئ‏ (2)، بالكسر، و «صدّ» بالتّنوين.

وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ‏: يخذله.

فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33): يوفّقه للهدى.

لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: بالقتل و الأسر، و سائر ما يصيبهم من المصيبات.

وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ‏: لشدّته و دوامه.

وَ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ‏: من عذابه. أو من رحمته.

مِنْ واقٍ‏ (34): حافظ.

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ‏: صفتها الّتي هي مثل في الغرابة.

و هو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه، أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنّة.

و قيل‏ (3): خبره‏ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [على طريقة قولك: صفة زيد أسمر (4)، أو على حذف موصوف، أي: مثل الجنّة جنّة تجري من تحتها الأنهار،] (5) أو على‏

____________

كَسَبَتْ‏ حجّة على نفي الشّريك، لأنّه ليس كذلك. و قوله- تعالى-: قُلْ سَمُّوهُمْ‏ احتجاج آخر، إذ يدلّ على أن ليس للشركاء صفة يستحقّون بها العبادة و التّسمية بالإله. و قوله- تعالى-: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ‏ حجّة ثالثة على نفي الشّريك، لأنّه ليس كذلك، إذ لو كان لعلمه اللَّه لأنّ علمه محيط بالأشياء. و قوله- تعالى-: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ‏ حجّة رابعة، إذ معناه: أنّ أخذهم الشّركاء ليس ممّا له حقيقة بل مجرّد أمر ظاهر خال عن المعنى. و إيراده هذه الحجج بهذه العبارات الوجيزة من أعجب الأساليب.

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 521.

(3) أنوار التنزيل 1/ 521.

(4) فإن المراد منه: أنّ صفته هو الأسمر بعينه، لا أنّ الأسمر صادق عليها، كما يقال: إنّ زيدا أسمر. و المراد: أنّ حال الجنّة هو بعينه مفهوم تجري من تحتها الأنهار، لا أنّ‏ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صادق على حال الجنّة.

(5) ليس في ب.

460

زيادة المثل. و هو على قول سيبويه حال‏ (1) من العائد المحذوف، أو من الصّلة.

أُكُلُها دائِمٌ‏: لا ينقطع ثمرها.

وَ ظِلُّها، أي: و ظلّها كذلك لا ينسخ، كما ينسخ في الدّنيا بالشّمس.

تِلْكَ‏: أي: الجنّة الموصوفة.

عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا: مآلهم و منتهى أمرهم.

وَ عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35): لا غير. و في ترتيب النّظمين‏ (2) إطماع للمتّقين، و إقناط للكافرين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): أي: عاقبة ثوابهم النّار.

قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنّم، و قد أطفئت سبعين مرّة بالماء ثمّ التهبت، و لو لا ذلك ما استطاع [ادميّ‏] (4) أن يطفئها، و أنّها ليؤتى بها يوم القيامة حتّى توضع على النّار، فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل إلّا جثا (5) على ركبتيه فزعا من صرختها.

وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏:

قيل‏ (6): يعني: المسلمين من أهل الكتاب، كابن سلام و أصحابه و من آمن من النّصاري، و هم ثمانون رجلا: أربعون بنجران، و ثمانية باليمن، و اثنان و ثلاثون بالحبشة.

____________

(1) قوله: «و هو على قول سيبويه حال ... الخ» إذا كان‏ مَثَلُ الْجَنَّةِ مبتدأ خبره محذوف، و يكون‏ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ حالا من الضمير المحذوف العائد إلى الموصول، أي: مثل الجنّة التي وعد بها المتّقون حال كونها تجري من تحتها الأنهار.

و الأولى أن يقال: إن الجملة استئناف، فكأنّ سائلا قال: ما حال تلك الجنّة؟ فأجيب: تجري من تحتها الأنهار.

(2) أي: في ذكر تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ بعد قوله- تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الإطماع و الإقناط المذكوران إذ يفهم من‏ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا مع المقابل الآخر أنّ الجنّة للذين اتّقوا دون الكافرين، و أنّ النار عقبى لهم دون الذين اتّقوا.

(3) تفسير القمّي 1/ 366.

(4) من المصدر.

(5) جثا الرجل: جلس على ركبتيه.

(6) أنوار التنزيل 1/ 522.

461

أو عامّتهم، فإنّهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، [عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (2): أي: يفرحون‏ (3) بكتاب اللَّه إذا يتلى عليهم، و إذا تلوه تفيض أعينهم دمعا من الفزع و الحزن، و هو عليّ بن أبي طالب.

وَ مِنَ الْأَحْزابِ‏، يعني: كفرتهم الّذين تحزّبوا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالعداوة، ككعب بن الأشرف و أصحابه، و السّيّد و العاقب و أشياعهما.

مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ‏: و هو ما يخالف شرائعهم. أو ما يوافق ما حرّفوه منها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في قراءة ابن مسعود: «و الّذي أنزل إليك الكتاب هو الحقّ فمن يؤمن به» أي عليّ بن أبي طالب يؤمن به‏ وَ مِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ‏ أنكروا (5) من تأويله ما أنزله في عليّ و آل محمّد و آمنوا ببعضه، فأمّا المشركون فأنكروه كلّه أوّله و آخره و أنكروا أنّ محمّدا رسول اللَّه.

قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَ لا أُشْرِكَ بِهِ‏: جواب للمنكرين، أي: قل لهم: إنّي أمرت فيما انزل إليّ بأن أعبد اللَّه و أوحّده، و هو العمدة في الدّين، و لا سبيل لكم إلى إنكاره.

إِلَيْهِ أَدْعُوا: لا إلى غيره.

قيل‏ (6): يعني: هذا هو القدر المتّفق عليه بين الأنبياء، و أمّا ما عدا ذلك من التّفاريع فممّا يختلف بالأعصار و الأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه.

وَ إِلَيْهِ مَآبِ‏ (36): و إليه مرجعي لا إلى غيره.

و قرئ‏ (7): «لا أشرك» بالرّفع على الاستئناف.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الدّيانات المجمع عليها.

أَنْزَلْناهُ حُكْماً: يحكم في القضايا و الوقائع بما تقتضيه الحكمة.

عَرَبِيًّا: مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه و حفظه. و انتصابه على الحال‏ (8).

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 366.

(2) ليس من المصدر.

(3) المصدر: فرحوا.

(4) تفسير القمّي 1/ 366.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أنكر.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 522.

(8) قوله: «و انتصابه على الحال» يدلّ على أنّ «عربيّا» حال، لكنّ «حكما» حال و «عربيّا» صفته، و قد صرّح صاحب الكشّاف بأنّ «حكما عربيّا» حال، لكن في كلام المصنّف إشارة إلى أنّ الحال في الحقيقة هو «عربيّا»، كما صرّحوا في قوله- تعالى-: قُرْآناً عَرَبِيًّا.

462

وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ‏: الّتي يدعونك إليها، كتقرير دينهم، و الصّلاة إلى قبلتهم بعد ما حوّلت عنها.

بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‏: بنسخ ذلك.

ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ‏: ينصرك.

وَ لا واقٍ‏ (37): يمنع العقاب عنك. و هو حسم لأطماعهم، و تهييج للمؤمنين على الثّبات في دينهم.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ‏: بشرا مثلك.

وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً: نساء و أولادا، كما هي لك.

و في روضة الكافي‏ (1): سهل، عن الحسن بن عليّ، عن عبد اللَّه بن وليد الكنديّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: قال اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً فنحن ذرّيّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن معاوية بن وهب، عن الصّادق- (عليه السلام)-: فما كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا كأحد أولئك، جعل اللَّه له أزواجا و جعل له ذرّيّة، ثمّ لم يسلم مع أحد من الأنبياء مثل من أسلم مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أهل بيته، أكرم اللَّه بذلك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

عن بشير الدّهان‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: ما آتى اللَّه أحدا من المرسلين شيئا إلّا و قد آتاه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و قد آتاه اللَّه، كما آتى المرسلين من قبله. ثم تلا هذه الآية: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً.

عن عليّ بن عمر (4) بن أبان الكلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- [قال‏] (5):

____________

(1) الكافي 8/ 81، ح 38.

(2) تفسير العياشي 2/ 214، ح 51.

(3) تفسير العياشي 2/ 214، ح 52.

(4) تفسير العياشي 2/ 214، ح 53.

(5) من المصدر.

463

أشهد على أبي أنّه كان يقول: ما بين أحدكم و بين أن يغتبط (1) و يرى ما تقرّ به عينه إلّا أن تبلغ نفسه هذه. و أهوى إلى حلقه، قال اللَّه في كتابه: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً فنحن ذرّيّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-

، [عن المفضل بن صالح‏ (2)، عن جعفر بن محمد- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (3).

خلق اللَّه الخلق قسمين فألقى قسما و أمسك قسما، ثمّ قسّم ذلك القسم على ثلاثة أثلاث فألقى ثلثين و أمسك ثلثا، ثمّ اختار من ذلك الثّلث قريشا، ثمّ اختار من قريش بني عبد المطّلب، ثمّ اختار من بني عبد المطّلب رسول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنحن ذرّيّته. فإن قالت النّاس: ليس‏ (4) لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذرّيّة، جحدوا، و لقد قال اللَّه: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً فنحن ذرّيّته.

قال: فقلت: أنا أشهد أنّكم ذرّيّته.

ثمّ قلت له: ادع اللَّه لي، جعلت فداك، أن يجعلني معك في الدّنيا و الآخرة.

فدعا لي بذلك. قال: فقبّلت باطن يده.

و في رواية شعيب‏ (5)، عنه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: نحن ذرّيّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ما أدري على ما يعادوننا إلّا لقرابتنا من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في محاسن البرقي‏ (6): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال في آخر كلام له: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً فجعل لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الأزواج و الذّريّة مثل ما جعل للرّسل من قبله، فنحن عقب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذرّيّته، أجرى اللَّه لآخرنا مثل ما أجرى لأوّلنا.

و في شرح الآيات الباهرة (7): و روى الشّيخ أبو جعفر، محمّد الطّوسيّ- رضي اللَّه عنه-، عن محمّد بن محمّد قال: أخبرني أبو الحسن [أحمد بن محمد بن الحسن‏] (8) بن الوليد- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثني أبي قال: حدّثني محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد

____________

(1) المصدر: يغبط.

(2) تفسير العياشي 2/ 214، ح 54.

(3) من المصدر.

(4) ليس من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 214، ح 55.

(6) المحاسن/ 141، ح 32.

(7) تأويل الآيات 1/ 238، ح 18.

(8) من المصدر.

464

بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن [أبي‏] (1) حمزة، عن عبد اللَّه بن الوليد قال‏: دخلت على أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في زمن بني مروان.

فقال: ممن أنتم؟

قلنا: من أهل الكوفة.

قال: ما من البلدان أكثر محبّا لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إنّ اللَّه هداكم لأمر (2) من‏ (3) جهله النّاس فأحببتمونا و أبغضنا النّاس، و تابعتمونا و خالفنا النّاس، و صدّقتمونا و كذّبنا النّاس، فأحياكم اللَّه محيانا و أماتكم مماتنا، و أشهد على أبي أنّه كان يقول: ما بين أحدكم و بين ما تقر عينه أو يغتبط إلّا أن تبلغ به نفسه هكذا. و أهوى بيده إلى حلقه، و قد قال- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً فنحن ذرّيّة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في الجوامع‏ (4): كانوا يعيّرون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بكثرة تزوّج‏ (5) النّساء، فقيل: إنّ الرّسل قبله كانوا مثله ذوي أزواج و ذرّيّة.

وَ ما كانَ لِرَسُولٍ‏: و ما صحّ له، و لم يكن في وسعه.

أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ: تقترح عليه، و حكم يلتمس منه.

إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏: فإنّه المليّ بذلك و القادر عليه.

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ‏ (38): لكلّ وقت و أمد حكم يكتب على العباد على ما يقتضيه استصلاحهم.

يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ: ينسخ ما يستصوب نسخه.

وَ يُثْبِتُ‏: ما تقتضيه حكمته.

و قيل‏ (6): يمحو سيّئات التّائب و يثبت الحسنات مكانها.

و قيل‏ (7): يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلّق به جزاء و يترك غيره مثبتا، أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه.

و قيل‏ (8): يمحو قرنا و يثبت آخرين.

و قيل‏ (9): يمحو الفاسدات و يثبت الكائنات.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: إلى.

(3) ليس من المصدر.

(4) الجوامع/ 230.

(5) المصدر: توزيج.

6 و 7 و 8 و 9- أنوار التنزيل 1/ 522.

465

و الآية بعمومها أو إطلاقها تشتمل المعاني كلّها.

و قرأ (1) ابن عامر و حمزة و الكسائي: «و يثبّت» بالتّشديد.

وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ (39): أصل الكتب، و هو اللّوح المحفوظ عن المحو و الإثبات، إذ ما من كائن إلّا و هو مكتوب فيه، ففيه إثبات المثبت و إثبات المحو و محوه و إثبات بدله.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد [و محمد بن يحيى‏] (3)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: يا ثابت، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قد كان وقّت هذا الأمر في السّبعين، فلما أن قتل الحسين- (عليه السلام)- اشتدّ غضب اللّه على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين و مائة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم‏ (4) قناع السر (5) و لم يجعل اللّه له بعد ذلك وقتا عندنا و يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

قال أبو حمزة: فحدّثت بذلك أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

فقال: قد كان كذلك.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم و حفص بن البختريّ و غيرهما، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في هذه الآية: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ‏ قال: فقال: و هل يمحو إلّا ما كان ثابتا، و هل يثبت إلّا ما لم يكن؟

و في روضة الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- عرض على آدم ذرّيّته عرض العين في صور الذّرّ، نبيّا فنبيّا، ملكا فملكا، مؤمنا فمؤمنا، كافرا فكافرا.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 1/ 368، ح 1.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فتكشفتم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: السرّ.

(6) الكافي 1/ 146، ح 2.

(7) الكافي 7/ 378، ح 1.

466

فلمّا انتهى إلى داود- (عليه السلام)- قال: من هذا الّذي نبئته‏ (1) و كرّمته و قصّرت عمره؟

قال: فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: هذا ابنك داود، عمره أربعون سنة، فإنّي قد كتبت الآجال و قسّمت الأرزاق، و أنا أمحو ما أشاء و أثبت و عندي أمّ الكتاب، فإن جعلت له شيئا من عمرك أثبته‏ (2) له.

قال: يا ربّ، قد جعلت له من عمري ستّين سنة تمام المائة.

قال: فقال اللّه- عزّ و جلّ- لجبرئيل و ميكائيل و ملك الموت: اكتبوا عليه كتابا، فإنّه سينسى. فكتبوا عليه كتابا، فختموه بأجنحتهم من طينة علّيّين.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- عرض على آدم أسماء الأنبياء و أعمارهم.

قال فمرّ آدم باسم داود النّبيّ- (عليه السلام)- و إذا عمره أربعون‏ (4) سنة.

فقال: يا ربّ، ما أقلّ عمر داود و أكثر عمري! إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أ ينفذ ذلك له؟

قال: نعم، يا آدم.

قال: فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة، فأنفذ ذلك له و أثبتها له عندك و اطرحها من عمري.

قال: فأثبت اللّه لداود من عمره ثلاثين سنة و لم يكن عند اللّه مثبتة، و محا من عمر آدم ثلاثين سنة و كانت له عند اللّه مثبتة.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)- فذلك قول [اللّه‏] (5): يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

قال: فمحا (6) اللّه ما كان عنده مثبتا لآدم، و أثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا.

قال: فلمّا دنا عمر آدم، هبط عليه ملك الموت- (عليه السلام)- ليقبض روحه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مكنته.

(2) المصدر: ألحقت.

(3) تفسير العياشي 2/ 219، ح 73.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أربعين.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يمحوا.

467

فقال له آدم- (عليه السلام)-: يا ملك الموت، قد بقي من عمري ثلاثون‏ (1) سنة.

فقال له ملك الموت: ألم تجعلها لابنك، داود النّبيّ- (عليه السلام)- و طرحتها (2) من عمرك حيث عرض [اللّه‏] (3) عليك أسماء الأنبياء من ذرّيّتك و عرض أعمارهم، و أنت يومئذ بوادي دحناء (4)؟

فقال آدم: يا ملك الموت، ما أذكر هذا.

فقال له ملك الموت: يا آدم، لا تجهل، ألم تسأل اللّه أن يثبتها لداود و يمحوها من عمرك، فأثبتها لداود في الزّبور و محاها من عمرك من الذّكر؟

قال: فقال آدم: فأحضر الكتاب حتّى أعلم ذلك.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)- فمن ذلك اليوم أمر اللّه العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا و تعاملوا إلى أجل مسمّى، لنسيان آدم و جحده ما جعل على نفسه.

عن عمّار بن موسى‏ (5)، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- [سئل‏] (6) عن قول اللّه:

يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

قال: إنّ ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه فيه ما يشاء و يثبت، فمن ذلك الّذي يردّ الدّعاء القضاء، و ذلك الدّعاء مكتوب عليه: الّذي يردّ به القضاء، حتّى إذا صار الى أمّ الكتاب لم يغن الدّعاء فيه شيئا.

عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم‏ (7)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- عن قوله: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏.

قال: كتبها لهم ثمّ محاها.

عن مسعدة بن صدقة (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ثلاثين.

(2) المصدر: و اطرحتها.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: بوادي الروحا. و دحنا: واد بين الطّائف و مكّة. قال ياقوت: «حنا» بفتح أوّله و سكون ثانيه و نون و ألف، يروى فيها القصر و المدّ:

و هي أرض خلق اللَّه- تعالى- منها آدم.

(5) تفسير العياشي 2/ 220، ح 74.

(6) من المصدر.

(7) تفسير العياشي 1/ 304، ح 69.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 72.

468

قال: كتبها لهم ثمّ محاها، ثمّ كتبها لأبنائهم فدخلوها، و اللَّه يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب.

عن زرارة (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: لو لا آية في كتاب اللَّه لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة.

فقلت له: آيّة (2) آية؟

قال: قول اللَّه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

عن جميل بن درّاج‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ قال: هل يثبت إلّا ما لم يكن، و [هل‏] (4) يمحو إلّا ما كان مثبتا (5).

عن حمران‏ (6) قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

فقال: يا حمران، إنّه إذا كان ليلة القدر و نزل الملائكة الكتبة إلى السّماء الدّنيا فيكتبون ما يقضى في تلك السّنة من أمر، فإذا أراد اللَّه أن يقدّم شيئا أو يؤخّر أو ينقص منه أو يزيد أمر الملك فمحا ما شاء ثمّ أثبت الّذي أراد.

قال: فقلت له عند ذلك: فكلّ شي‏ء يكون و هو عند اللَّه في كتاب؟

قال: نعم.

قلت: فيكون كذا و كذا حتّى ينتهي إلى آخره؟

قال: نعم.

قلت: فأيّ شي‏ء يكون [بيده‏] (7) بعده‏ (8)؟

قال: سبحان اللَّه، ثمّ يحدث اللَّه- أيضا- ما شاء- تبارك و تعالى-.

عن أبي حمزة الثّماليّ‏ (9) قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- و أبو عبد اللَّه- عليه‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 215، ح 59.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أيّ.

(3) تفسير العياشي 2/ 215، ح 60.

(4) من المصدر.

(5) ليس من المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلد/ 216، ح 62.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: [بعده‏].

(9) تفسير العياشي 2/ 217، ح 66.

469

السّلام-: يا أبا حمزة، إن حدّثناك [بأمر أنّه يجي‏ء من ها هنا [فجاء من ها هنا] (1) فإنّ اللَّه يصنع ما يشاء، و إن حدّثناك‏] (2) اليوم بحديث و حدّثناك غدا بخلافه فإنّ اللَّه يمحو ما يشاء و يثبت.

عن إبراهيم بن أبي يحيى‏ (3)، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال‏: ما من مولود يولد إلّا و إبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم اللَّه أنّه [من شيعتنا حجبه عن ذلك الشيطان‏] (4) و إن لم يكن‏ (5) من شيعتنا أثبت الشّيطان إصبعه السّبّابة في دبره فكان مأبونا (6)، و ذلك أنّ الذّكر يخرج للوجه، و إن كانت امرأة أثبت في فرجها فكانت فاجرة، فعند ذلك يبكي الصّبيّ بكاء شديدا إذا هو خرج من بطن أمّه، و اللَّه بعد ذلك يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب.

عن أبي الجارود (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه إذا أراد فناء قوم أمر الفلك فاسرع الدّور بهم فكان ما يريد من النّقصان، و إذا أراد بقاء قوم أمر الفلك فأبطأ الدّور بهم فكان ما يريد من الزيادة، فلا تنكروا، فإنّ اللَّه يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب.

عن ابن سنان‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول‏: إنّ اللَّه يقدّم ما يشاء، و يؤخّر ما يشاء، و يمحو ما يشاء، و يثبت ما يشاء و عنده أمّ الكتاب.

و قال: لكلّ أمر (9) يريده اللَّه فهو في علمه قبل أن يصنعه‏ (10)، و ليس شي‏ء يبدو له إلّا و قد كان في علمه، إنّ اللَّه لا يبدو له من جهل.

و في قرب الإسناد (11) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللَّه و أبو جعفر و عليّ بن الحسين و الحسين بن علي بن أبي طالب- (عليهم السلام)-: و اللَّه، لو لا آية في كتاب اللَّه لحدّثناكم بما يكون‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في ب.

(3) تفسير العياشي 2/ 218، ح 72.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ليس.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و كان مأنوثا.

(7) تفسير العياشي 2/ 218، ح 70.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 71.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لأمر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: يضعه.

(11) قرب الاسناد/ 155.

470

إلى أن تقوم السّاعة يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

و في الخرائج و الجرائح‏ (1): روي عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن عمرو بن الحمق قال‏: دخلت على عليّ- (عليه السلام)- حين ضرب الضّربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس، إنّما هو خدش.

قال: لعمري، إنّي مفارقكم.

ثمّ قال: إلى السّبعين بلاء، قالها ثلاثا.

قلت: فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني و أغمي عليه، فبكت أمّ كلثوم.

فلمّا أفاق قال: لا تؤذيني، يا أمّ كلثوم، فإنّك لن تري ما أرى، إنّ الملائكة من السّماوات السّبع بعضهم خلف بعض و النّبيّين يقولون: يا علي، انطلق إنّما أمامك خير لك ممّا أنت فيه.

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّك قلت: «إلى السّبعين بلاء» فهل بعد السّبعين رخاء؟

قال: نعم، و إن بعد البلاء رخاء يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

قال أبو حمزة (2): قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: إلى السّبعين بلاء، و قال: بعد السّبعين رخاء، و قد مضت السّبعون و لم نر رخاء.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه قد كان وقّت هذا الأمر في السّبعين، فلمّا قتل الحسين- (عليه السلام)- غضب اللَّه على أهل الأرض فأخّره إلى الأربعين و مائة سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث و كشفتم القناع فأخّره اللَّه و لا يجعل له بعد ذلك وقتا، و اللَّه يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب.

قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: و كان ذلك؟

فقال: قد كان ذلك.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى سماعة، أنّه سمعه- (عليه السلام)- يقول‏:

ما ردّ اللَّه العذاب عن قوم قد أظلّهم إلّا قوم يونس.

____________

(1) الخرائج/ 47.

(2) الخرائج/ 47.

(3) العلل 1/ 77، ح 2.

471

فقلت: أ كان قد أظلّهم؟

فقال: نعم، حتّى نالوه بأكفّهم.

قلت: فكيف كان ذلك؟

قال: كان ذلك في العلم المثبت عند اللَّه- عزّ و جلّ- الّذي لم يطلع عليه أحدا أنّه سيصرفه عنهم.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و بنا يمحو اللَّه ما يشاء و بنا يثبت.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و لو لا آية في كتاب اللَّه لأخبرتكم بما كان و بما يكون و بما هو كائن إلى يوم القيامة، و هي هذه الآية يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

و بإسناده‏ (3) إلى إسحاق بن عمّار، عمّن سمعه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏ في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ لم يعنوا: أنّه هكذا، و لكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد و لا ينقص. و قال اللَّه- جلّ جلاله- تكذيبا لقولهم: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ألم تسمع اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

و في عيون الأخبار (4)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ، قال الرّضا- (عليه السلام)- بعد كلام طويل لسليمان: و من أين قلت ذلك، و ما الدّليل على أنّ إرادته علمه، و قد يعلم ما لا يريده أبدا و ذلك قوله- تعالى-: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏ فهو يعلم كيف يذهب به و لا يذهب به أبدا؟

قال سليمان: لأنّه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئا.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: هذا قول اليهود، فكيف قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏؟

قال سليمان: إنّما عني بذلك: أنّه قادر عليه.

____________

(1) نور الثقلين 2/ 514، ح 170.

(2) التوحيد/ 305، ح 1.

(3) التوحيد/ 167، ح 1.

(4) العيون 1/ 151، ح 1.

472

قال: أ فيعد بما لا يفي به، فكيف قال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ و قال- عزّ و جلّ-: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ و قد فرغ من الأمر؟ فلم يحر (1) جوابا.

و في هذا المجلس‏ (2)- أيضا- قال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ من الأمور أمورا موقوفة عند اللَّه- تعالى- يقدّم منها ما يشاء و يؤخّر ما يشاء [و يمحو ما يشاء] (3)، يا سليمان، إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان يقول: العلم علمان: فعلم علّمه اللَّه ملائكته و رسله [فلما علّمه ملائكته و رسله‏] (4) فإنّه يكون و لا يكذّب نفسه و لا ملائكته و رسله. و علم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه، يقدّم منه ما يشاء، و يؤخّر منه ما يشاء، [و يمحو ما يشاء، و يثبت ما يشاء.] (5).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة و الرّوح و الكتبة إلى سماء الدّنيا فكتبوا (7) ما يكون من قضاء اللَّه- تبارك و تعالى- في تلك السنة (8) فإذا أراد اللَّه أن يقدّم شيئا أو يؤخّره أو ينقص شيئا [أو يزيده‏] (9) أمر الملك‏ (10) أن يمحو ما يشاء ثمّ أثبت الّذي أراد.

قلت: [و كلّ شي‏ء] (11) هو عند اللَّه مثبت في كتاب؟

قال: نعم.

قلت: فأيّ شي‏ء يكون بعده؟

قال: سبحان اللَّه، ثمّ يحدث اللَّه- أيضا- ما يشاء- تبارك و تعالى-.

و في أصول الكافي‏ (12): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحجّال، عن أبي إسحاق، ثعلبة، عن زرارة بن أعين، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال‏: ما عبد اللَّه‏

____________

(1) لم يحر جوابا: أي: لم يردّ.

(2) العيون 1/ 146، ح 1.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) ليس في المصدر.

(6) تفسير القمّي 1/ 366- 367.

(7) المصدر: فيكتبون.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الليلة.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: اللَّه.

(11) ليس في أ، ب.

(12) الكافي 1/ 146، ح 1.

473

بشي‏ء مثل البداء.

و في رواية (1) ابن أبي عمير، عن هشام [بن سالم‏] (2)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- قال‏: ما بعث اللّه نبيّا حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار له بالعبوديّة، و خلع الأنداد، و أنّ اللّه يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء.

الحسين بن محمّد (3)، عن معلّى بن محمّد قال‏: سئل العالم- (عليه السلام)- كيف علم الله؟

قال: علم و شاء و أراد و قدّر و قضى و أمضى، فأمضى ما قضى و قضى ما قدّر و قدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، و بمشيئته كانت الإرادة، و بإرادته كان التّقدير، و بتقديره كان القضاء، و بقضائه كان الإمضاء، و العلم مقدّم على المشيئة، و المشيئة ثانية و الإرادة ثالثة، و التّقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فلله- تبارك و تعالى- البداء فيما علم متى شاء و فيما أراد لتقدير الأشياء. فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، و المشيئة في المنشأ قبل عينه، و الإرادة في المراد قبل قيامه، و التّقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا (4) و وقتا، و القضاء بالإمضاء. هو المبرم من المعقولات‏ (5) ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذي‏ (6) لون و ريح و وزن وكيل، و ما دبّ و درج من إنس و جنّ و طير و سباع و غير ذلك ممّا لا يدرك بالحواسّ، فلله- تعالى- فيه البداء ممّا لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، و اللّه يفعل ما يشاء.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- قال‏: ما بدا للّه‏ (8) في شي‏ء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له.

عنه، عن‏ (9) أحمد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن داود بن فرقد، عن عمر بن عثمان الجهنيّ، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه لم يبد (10) له من جهل.

____________

(1) الكافي 1/ 147، ح 3.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و المجلد/ 149، ح 16.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عيونا.

(5) المصدر: المفعولات.

(6) المصدر: ذوي.

(7) الكافي 1/ 148، ح 9.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: اللّه.

(9) الكافي 1/ 148، ح 10.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يبدو.

474

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن منصور بن حازم قال‏:

سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-: هل يكون اليوم شي‏ء لم يكن في علم اللّه بالأمس؟

قال: لا، من قال هذا فأخزاه اللّه.

قال: قلت: أ رأيت ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم اللّه؟

قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق. الحقّ‏ (2).

عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عمرو (4) الكوفيّ، أخي يحيى، عن مرازم ابن حكيم قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: ما تنبّأ نبيّ قط حتّى يقرّ للّه بخمس [خصال‏] (5): بالبداء و بالمشيئة و السّجود و العبوديّة و الطّاعة.

و بهذا الإسناد (6): عن أحمد بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن يونس، عن جهم [بن أبي جهمة] (7)، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أخبر محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما كان منذ كانت الدّنيا و بما يكون إلى انقضاء الدّنيا، و أخبره بالمحتوم من ذلك و استثنى عليه فيما سواه.

و في مجمع البيان‏ (8): و روى عمر بن حفص، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏: هما كتابان سوى أمّ الكتاب، يمحو اللّه منه ما يشاء و يثبت. عنده‏ (9) و أمّ الكتاب لا يغيّر منه [شي‏ء] (10).

و روى محمّد بن مسلم‏ (11)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن ليلة القدر.

فقال: ينزل اللّه فيها الملائكة و الكتبة إلى السّماء الدّنيا فيكتبون ما يكون من أمر السّنة و ما يصيب العباد، و أمر ما عنده موقوف له فيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء و يؤخّر

____________

(1) الكافي 1/ 148، ح 11.

(2) ليس في المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 13.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عمر.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 1/ 148، ح 14.

(7) من المصدر.

(8) المجمع 3/ 298. و فيه: و روى عمران بن حصين.

(9) ليس في المصدر.

(10) من المصدر.

(11) المجمع 3/ 298.

475

ما يشاء و يمحو و يثبت و عنده أمّ الكتاب.

روى زرارة (1)، عن عمران‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: هما أمران:

موقوف و محتوم، فما كان من محتوم أمضاه، و ما كان من موقوف فله فيه المشيئة يقضي فيه ما يشاء.

و فيمن لا يحضره الفقيه‏ (3): و روى أحمد بن إسحاق بن سعد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال‏: قال الفضل بن عبّاس: قال لي رسول الله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا سألت فاسأل اللّه، و إذا استعنت فاستعن باللّه- عزّ و جل-. قد مضى القلم‏ (4) بما هو كائن، فلو جهد النّاس بما ينفعوك بأمر لم يكتبه اللّه لك لم يقدروا عليه، و لو جهدوا أن يضرّوك بأمر لم يكتبه اللّه عليك لم يقدروا عليه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى يحيى بن أبي العلا الرّازيّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول- (عليه السلام)- في آخره‏، و قد سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏: و أما «ن» فكان نهرا في الجنّة أشدّ بياضا من الثّلج و أحلى من العسل، قال اللّه- عزّ و جلّ- له: كن مدادا. فكان مدادا، ثمّ أخذ شجرة فغرسها بيده، ثمّ قال: «و اليد» القوّة، و ليس حيث تذهب إليه المشبّهة، ثمّ قال لها:

كوني قلما. ثمّ قال له: اكتب.

فقال له: يا ربّ، و ما أكتب؟

قال: [اكتب‏] (6) ما هو كائن إلى يوم القيامة.

ففعل ذلك، ثمّ ختم عليه و قال: لا تنطقنّ إلى يوم الوقت المعلوم.

و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أما «ن» فهو نهر في الجنّة، قال اللّه- عزّ و جلّ-: اجمد. فجمد فصار مدادا، ثمّ قال- عزّ و جلّ- للقلم: اكتب. فسطّر القلم‏

____________

(1) المجمع 3/ 298.

(2) المصدر: حمران.

(3) الفقيه 4/ 296، ح 896.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: العلم.

(5) العلل/ 402، ح 2.

(6) من المصدر.

(7) المعاني/ 23، ح 1.

476

في اللّوح المحفوظ ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحيم‏ (2) القصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن‏ ن وَ الْقَلَمِ‏.

قال: إنّ اللّه خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها: الخلد. ثمّ قال لنهر في الجنّة: كن مدادا. فجمد النّهر، و كان أشدّ بياضا من الثّلج و أحلى من الشّهد، ثمّ قال للقلم: اكتب.

قال: يا ربّ، ما أكتب؟

قال: اكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

فكتب القلم في رق‏ (3) أشد بياضا من الفضّة و أصفى من الياقوت، ثمّ طواه فجعله في ركن العرش، ثمّ ختم على فم القلم فلم ينطق بعد و لا ينطق أبدا، فهو الكتاب المكنون الّذي منه النّسخ كلّها، او لستم عربا، فكيف لا تعرفون معنى الكلام و أحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب. او ليس إنّما ينسخ من كتاب أخذ من الأصل؟ و هو قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏.

حدّثني أبي‏ (4)، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: أوّل ما خلق اللّه القلم، فقال له: اكتب. فكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

و

في مجمع البيان‏ (5): قيل: «ن» هو نهر في الجنّة، قال اللّه له: كن مدادا. فجمد و كان أبيض من اللّبن و أحلى من الشّهد، ثمّ قال للقلم: اكتب. فكتب القلم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة. عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏:

إنّ اللّه كتب كتابا فيه ما كان و ما هو كائن فوضعه بين يديه، فما شاء منه [قدّم، و ما شاء منه‏] (7) أخّر، و ما شاء منه محا، و ما شاء منه أثبت، و ما شاء منه كان، و ما لم يشأ (8) منه لم‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 379- 380.

(2) بعض نسخ المصدر: عبد الرحمن.

(3) الرقّ: الصحيفة البيضاء.

(4) تفسير القمّي 2/ 198.

(5) المجمع 5/ 332.

(6) تفسير العياشي 2/ 216، ح 64.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: شاء.

477

يكن.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: العلم علمان: فعلم عند اللّه مخزون و لم يطلع عليه أحدا من خلقه و علم علمه ملائكته و رسله، فما علّمه ملائكته و رسله فإنّه سيكون لا يكذّب نفسه و لا ملائكته و لا رسله. و علم عنده مخزون، يقدّم منه ما يشاء، و يؤخّر منه ما يشاء، و يثبت ما يشاء.

و بهذا الإسناد (2): عن حمّاد، عن ربعي، عن الفضل‏ (3) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: من الأمور أمور موقوفة عند اللّه، يقدّم منها ما يشاء و يؤخّر منها ما يشاء.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير [و وهيب بن حفص عن أبي بصير] (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ للّه علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء، و علم علّمه ملائكته و رسله و أنبياءه فنحن نعلمه.

و في كتاب التّوحيد (6)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ:

قال الرّضا- (عليه السلام)-: لقد أخبرني أبي، عن آبائه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى نبيّ من أنبيائه، أن أخبر فلان الملك أنّي متوفّيه إلى كذا و كذا.

فأتاه ذلك النّبيّ فأخبره، فدعا اللّه الملك و هو على سريره حتّى سقط من السّرير، فقال: يا رب، أجّلني حتّى يشبّ طفلي و اقضي أمري.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى ذلك النّبيّ، أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيت في أجله و زدت في عمره خمس عشرة [سنة] (7).

فقال ذلك النّبيّ: يا ربّ، إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ.

____________

(1) الكافي 1/ 147، ح 6.

(2) الكافي 1/ 147، ح 7.

(3) المصدر: الفضيل.

(4) الكافي 1/ 147، ح 8.

(5) من المصدر.

(6) التوحيد/ 443- 444، ح 1.

(7) من المصدر.

478

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: إنّما أنت عبد مأمور، فأبلغه ذلك، و اللّه لا يسأل عمّا يفعل.

وَ إِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ‏: و كيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم، أو توفيناك قبله.

فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ‏: لا غير.

وَ عَلَيْنَا الْحِسابُ‏ (40): للمجازاة لا عليك، فلا تحتفل بإعراضهم و لا تستعجل بعذابهم فإنّا فاعلون له، و هذا طلائعه‏ (1).

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ‏:

قيل‏ (2): أي: أرض الكفرة.

نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها: بذهاب أهلها.

و قيل‏ (3): بما نفتحه على المسلمين.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [عن محمد] (5) بن عليّ، عمّن ذكره، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقول: إنّه يسخى نفسي‏ (6) في سرعة الموت و القتل فينا قول اللّه- عزّ و جلّ-:

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها. و هو ذهاب العلماء.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): و سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها.

فقال: فقد العلماء.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها، يعني‏

____________

(1) أي: الإخبار بأنّ «علينا الحساب» طليعة العذاب، اي: مقدّمته، إذ هو مخبر عنه.

(2) أنوار التنزيل 1/ 523.

(3) أنوار التنزيل 1/ 523.

(4) الكافي 1/ 38، ح 6.

(5) من المصدر.

(6) قال الفيض: يعني: مفاد هذه الاية: يجعل نفسي سخيّة في سرعة الموت أو القتل فينا، أهل البيت، فتجود نفسي بهذه الحياة اشتياقا إلى لقاء اللّه- تعالى-.

(7) الفقيه 1/ 118، ح 560.

(8) الاحتجاج/ 250.

479

بذلك: ما يهلك من القرون، فسمّاه إتيانا.

و في مجمع البيان‏ (1): اختلف في معناه على أقوال.

... إلى قوله: ثانيها «ننقصها» بذهاب علمائها و فقهائها و خيار أهلها. و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ‏: لا رادّ له. و حقيقته، الّذي يعقّب الشي‏ء بالإبطال. و منه قيل لصاحب الحقّ: معقّب، لأنّه يقفو غريمه بالاقتضاء (2). و المعنى: أنّه حكم للإسلام بالإقبال، و على الكفر بالإدبار، و ذلك كائن لا يمكن تغييره.

و محلّ «لا» مع معموله النّصب على الحال، أي: يحكم نافذا حكمه، كما تقول:

جاء زيد لا عمامة على رأسه و لا قلنسوة، تريد: حاسرا.

وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (41): فيحاسبهم عمّا قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل و الإجلاء في الدّنيا.

وَ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: بأنبيائهم و المؤمنين منهم.

فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً: إذ لا يؤبه‏ (3) بمكر دون مكره، لأنّه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال‏: المكر من اللّه هو العذاب.

يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ‏: فيعدّ جزاءها.

وَ سَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42): من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعدّ لهم و هم في غفلة منه. و هذا كالتّفسير لمكر اللّه بهم.

و «اللّام» تدلّ على أنّ المراد بالعقبى: العاقبة المحمودة (5)، مع ما في الإضافة، كما عرفت.

و قرأ (6) ابن كثير و نافع و أبو عمرو: «الكافر» على إرادة الجنس.

و قرئ‏ (7): «الكافرون». و «الّذين كفروا». و «الكفر»، أي: أهله.

«و سيعلم» من أعلمه: إذا أخبره.

____________

(1) المجمع 3/ 300.

(2) أي: يعقّب غريمه ملتبسا بالتّقاضي.

(3) أي: لا يبالى و لا يعتبر.

(4) تفسير القمّي 1/ 367.

(5) لأن اللام للنفع.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 523.

480

وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا:

قيل‏ (1): المراد بهم: رؤساء اليهود.

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ‏: فإنّه أظهر من الأدلّة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها.

وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ (43): مرتفع بالظّرف، فإنّه معتمد على الموصول.

و يجوز أن يكون مبتدأ و الظّرف خبره.

و قيل‏ (2): أي: علم القرآن و ما الّف عليه من النّظم المعجز. أو علم التّوراة، و هو ابن سلام و أضرابه. أو علم اللّوح المحفوظ، و هو اللّه- تعالى-، أي: كفى بالّذي يستحقّ العبادة و بالّذي لا يعلم ما في اللّوح إلّا هو شهيدا بيننا، فيخزي الكاذب منّا. و يؤيّده قراءة من قرأ: «و من عنده» بالكسر (3).

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: محمّد بن أبي عمير الكوفيّ، عن عبد اللّه بن الوليد السّمّان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما يقول النّاس في أولى العزم و صاحبكم أمير المؤمنين- (عليه السلام)

قال: قلت: ما يقدّمون على أولي العزم أحدا.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال لموسى: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً و لم يقل: كلّ شي‏ء، و قال لعيسى‏ (5)- (عليه السلام)-:

وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ‏ و لم يقل: كلّ [شي‏ء] (6) [الّذي تختلفون به‏] (7)، و قال لصاحبكم‏ (8) أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ و قال- عزّ و جلّ-: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ و علم هذا الكتاب عنده.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 523.

(3) اي: قراءة «من عنده» الّذي هو من الحروف الجارّة، و التّأييد لأجل أن الذي حصل من عنده علم الكتاب هو اللّه- تعالى- يؤيّد قول من قال: «من» بفتح الميم عبارة عن اللّه.

(4) الاحتجاج/ 375.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن عيسى.

(6) من المصدر.

(7) ليس من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: من صاحبكم.

481

عن سليم بن قيس‏ (1) قال‏: سأل رجل عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فقال له، و أنا أسمع: أخبرني بأفضل منقبة لك.

قال: ما أنزل اللّه في كتابه.

قال: و ما أنزل اللّه فيك؟

قال: قوله: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا- إلى قوله- بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ إيّاي عنى بمن عنده علم الكتاب.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن‏ (3)، عمّن ذكره، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏.

قال: إيّانا عنى، و عليّ أوّلنا و أفضلنا و خيرنا بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في الخرائج و الجرائح‏ (4): عن سعد (5)، عن محمّد بن يحيى، عن عبيد بن معروف، عن عبيد اللّه‏ (6) بن الوليد السّمّان، عن الباقر- (عليه السلام)- مثله.

و في أصول الكافي‏ (7): أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن عبّاد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن سدير قال‏: كنت أنا و أبو بصير و يحيى البزّاز و داود بن كثير في مجلس أبي عبد الله- (عليه السلام)- إذ خرج علينا (8) و هو مغضب، فلمّا أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلّا اللّه- عزّ و جلّ-. لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي، فما علمت في أيّ بيوت الدّار هي.

قال سدير: فلمّا أن قام من مجلسه و صار في منزله دخلت أنا و أبو بصير و ميسر، فقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك و أنت تقول كذا و كذا في أمر جاريتك، و نحن نعلم أنّك تعلم علما كثيرا و لا ننسبك إلى علم الغيب.

قال: فقال: يا سدير، ألم تقرأ القرآن؟

____________

(1) نور الثقلين 2/ 521، ح 205.

(2) الكافي 1/ 229، ح 6.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(4) الخرائج/ 209.

(5) ب: سعيد.

(6) ب: عبد اللّه.

(7) الكافي 1/ 257، ح 3.

(8) المصدر: إلينا.

482

قلت: بلى.

قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه- عزّ و جلّ-: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏؟

قال: قلت: جعلت فداك، قد قرأته‏ (1).

قال: فهل عرفت الرّجل، و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟

قال: قلت: أخبرني به.

قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك من علم الكتاب؟

قال: قلت: جعلت فداك، ما أقلّ هذا! قال: فقال: يا سدير، ما أكثر هذا (2) أن ينسبه اللّه- عزّ و جلّ- إلى العلم الّذي أخبرك به! يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه- عزّ و جلّ- أيضا: قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏؟

قال: قلت: قد قرأته، جعلت فداك.

قال: أ فمن عنده علم الكتاب كلّه [أفهم، أم من عنده علم الكتاب بعضه؟

قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كلّه‏] (3) قال: فأومأ بيده إلى صدره، و قال: علم الكتاب، و اللّه، كلّه عندنا [علم الكتاب و اللّه كلّه عندنا] (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- قال‏: الّذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و سئل عن الّذي عنده علم من الكتاب أعلم، أم الّذي عنده علم الكتاب.

فقال: ما كان علم الّذي كان‏ (6) عنده علم من الكتاب عند الّذي عنده علم الكتاب إلّا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قرأت.

(2) قال في مرآة العقول: لعلّ هذا ردّ لما يفهم من كلام سدير من تحقير العلم الّذي أوتي آصف- (عليه السلام)- بأنّه و إن كان قليلا بالنّسبة إلى علم كلّ الكتاب فهو في نفسه عظيم كثير لانتسابه إلى علم الكتاب.

3 و 4- ليس من المصدر.

(5) تفسير القمّي 1/ 367.

(6) ليس من المصدر.

483

و قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: ألا إنّ العلم الّذي هبط به آدم من السّماء إلى الأرض و جميع ما فضّلت به النّبيّون، إلى خاتم النّبيّين، في عترة خاتم النّبيّين.

و في أمالي الصّدوق‏ (1)، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ قال‏: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ ثناؤه-: قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏.

قال: ذاك أخي، عليّ بن أبي طالب.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن عبد اللّه بن عطاء (3) قال‏: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: هذا ابن عبد اللّه بن سلام‏ (4) يزعم أنّ أباه الّذي يقول اللّه: قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏.

قال: كذب، هو عليّ بن أبي طالب.

عن عبد اللّه بن عجلان‏ (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قوله:

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ‏.

فقال: نزلت في عليّ بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و في الأئمّة [بعده، و عليّ عنده علم الكتاب‏] (6).

عن الفضيل بن يسار (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ قال: نزلت في عليّ- (عليه السلام)- إنّه عالم هذه الأمّة بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

عن عمر بن حنظلة (8)، عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ فلمّا رآني أتتبّع هذا و أشباهه من الكتاب قال: حسبك كلّ شي‏ء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا، فهو في الأئمّة عني به.

____________

(1) أمالي الصدوق/ 453، ح 3.

(2) تفسير العياشي 2/ 220، ح 77.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عبيد اللّه بن عطّار.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مسلم.

(5) تفسير العياشي 2/ 221، ح 78.

(6) ليس في ب.

(7) تفسير العياشي 2/ 221، ح 79.

(8) نور الثقلين 2/ 523، ح 215.

484

و في روضة الواعظين‏ (1) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الباقر- (عليه السلام)-: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ عليّ بن أبي طالب عنده علم الكتاب الأوّل و الآخر.

و في شرح الآيات الباهرة (2): ذكر الشّيخ محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ قال: إيّانا عنى، و عليّ أوّلنا و خيرنا و أفضلنا بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و روى‏ (3) أيضا، عن رجاله، بإسناده إلى جابر بن عبد اللّه قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)-: يقول: ما ادّعى أحد من النّاس أنّه جمع القرآن كلّه، كما أنزل‏ (4)، إلّا كذّاب. و ما جمعه و حفظه، كما أنزل [اللّه‏] (5)، إلّا عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من بعده- (عليهم السلام)-.

و روى الشّيخ المفيد (6)- رضي اللّه عنه-، عن رجاله حدّيثا (7) مسندا إلى سلمان الفارسيّ- رضي اللّه عنه- قال: قال لي أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: [يا سلمان‏] (8) الويل كلّ الويل لمن لا يعرف لنا حقّ معرفتنا و أنكر فضلنا، يا سلمان، أيّما أفضل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو سليمان بن داود؟

قال سلمان: فقلت: بل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال: يا سلمان، هذا آصف من برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من سبأ إلى فارس في طرفة عين و عنده علم من الكتاب، و لا أقدر أنا و عندي علم ألف كتاب، أنزل اللّه منها على شيث بن آدم خمسين صحيفة، و على إدريس النّبيّ ثلاثين صحيفة، و على إبراهيم الخليل عشرين صحيفة، و علم التّوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان؟

قلت: صدقت، يا سيّدي.

فقال: اعلم، يا سلمان، أنّ الشّاكّ في أمورنا و علومنا كالممتري في معرفتنا

____________

(1) نور الثقلين 2/ 524، ح 216.

(2) تأويل الآيات 1/ 238، ح 19.

(3) تأويل الآيات 1/ 239، ح 20.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أنزله.

(5) ليس من المصدر.

(6) تأويل الآيات 1/ 24، ح 24.

(7) ليس من المصدر.

(8) من المصدر.

485

و حقوقنا، و قد فرض اللّه [طاعتنا و] (1) ولايتنا [في كتابه‏] (2) في غير موضع و بيّن فيه ما وجب العمل به، و هو مكشوف.

____________

(1) ليس من المصدر.

(2) ليس في أ، ب، ر.