http://www.masaha.org

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏


الجزء السابع‏


تأليف

محمد بن محمد رضا القمي المشهدي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org

25

الجزء السابع‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سورة إبراهيم‏

مكّيّة، إلّا آيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً- إلى قوله- فَبِئْسَ الْقَرارُ. قاله ابن عبّاس و قتادة و الحسن‏ (1).

و هي إحدى و خمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة إبراهيم و الحجر في ركعتين جميعا، في كلّ جمعة، لم يصبه فقر أبدا و لا جنون و لا بلوى.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: من قرأ سورة إبراهيم، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من يعبد (4) الأصنام و بعدد من لم يعبدها.

الر كِتابٌ‏، أي: هو كتاب.

أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ‏: بدعائك إيّاهم إلى ما تضمّنه‏ (5).

مِنَ الظُّلُماتِ‏: من أنواع الضّلال.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 524.

(2) ثواب الأعمال/ 133، ح 1.

(3) المجمع 3/ 301.

(4) المصدر: عبد.

(5) أي: إلى ما تضمّنه الكتاب.

28

و أسود من خلقي.

و قيل‏ (1): الضّمير في «قومه» لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و [أنّ اللّه تعالى‏] (2) أنزل‏ (3) الكتب كلّها بالعربيّة ثمّ [تر] (4) جمعها جبرئيل- (عليه السلام)-. أو كل نبيّ بلغة المنزل عليهم.

و يؤيّده ما رواه في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى مسلم بن خالد المكّيّ:

عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: ما أنزل اللّه- تبارك و تعالى- كتابا و لا وحيا إلّا بالعربيّة، [فكان يقع في مسامع الأنبياء- (عليهم السلام)- بألسنة قومهم، و كان يقع في مسامع نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالعربيّة، فإذا كلّم به قومه‏ (6) كلّمهم‏] (7) بالعربيّة فيقع في مسامعهم بلسانهم. و كان احد (8) لا يخاطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأيّ لسان خاطبه إلّا وقع في مسامعه بالعربيّة، و كلّ ذلك يترجم جبرئيل- (عليه السلام)- عنه تشريفا من اللّه- عزّ و جلّ- له- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ: فيخذله عن الإيمان.

وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: بالتّوفيق له.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: فلا يغلب على مشيئته.

الْحَكِيمُ‏ (4): الّذي لا يفعل ما يفعل إلّا بحكمة.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا، يعني: اليد و العصا و سائر معجزاته.

أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، بمعنى: أي: أخرج، لأنّ في الإرسال معنى القول. أو بأن أخرج، فإنّ صيغ الأفعال سواء في الدّلالة على المصدر، فيصحّ أن يوصل بها «أن» النّاصبة.

وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏.

قيل‏ (9): بوقائعه الّتي وقعت على الأمم الدّارجة. و أيّام العرب: حروبها.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 525.

(2) من المصدر.

(3) أ، ب: و إنزال.

(4) من المصدر.

(5) العلل 1/ 126، ح 8.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قومهم.

(7) ليس في ب.

(8) المصدر: أحدنا.

(9) أنوار التنزيل 1/ 525.

29

و قيل‏ (1): بنعمائه و بلائه.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن إبراهيم عن عمر (3)، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ قال: بآلاء اللّه، يعني: بنعمه.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن مثنّى الخيّاط (5) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: أيام الله يوم يقوم القائم، و يوم الكرّة، و يوم القيامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أيام الله ثلاثة: أيام‏ (7) يوم يقوم‏ (8) القائم، و يوم الموت، و يوم القيامة.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5): يصبر على بلائه و يشكر لنعمائه، فإنّه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء و أفيض عليهم من النّعماء، اعتبر و تنبّه لما يجب عليه من الصّبر و الشّكر.

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏، أي: اذكروا نعمته وقت إنجائه إيّاكم.

و يجوز أن ينتصب «بعليكم» إن جعلت مستقرّة، غير صلة «للنّعمة» (9) و ذلك إذا اريدت بها العطيّة دون الإنعام. و يجوز أن يكون بدلا من «نعمة اللّه» بدل الاشتمال.

يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ‏: أحوال من «آل فرعون»، أو من ضمير المخاطبين.

و المراد بالعذاب- هاهنا- غير المراد في سورة البقرة و الأعراف، لأنّه مفسّر بالتّذبيح‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العياشي 2/ 222، ح 2.

(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 29. و في النسخ: عمرو.

(4) الخصال 1/ 108، ح 75.

(5) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 1106.

و في النسخ: الخيّاط.

(6) تفسير القمّي 1/ 367.

(7) ليس في المصدر.

(8) يوجد في ب.

(9) أي: يجوز نصب «إذ أنجاكم» ب «عليكم» إذا جعلت «عليكم» ظرفا مستقرّا، لأنّه حينئذ مقدّر بالفعل فيصلح أن يكون عاملا، أمّا إذا كان صلة «للنّعمة» فلا يصلح أن يكون عاملا إذ ليس مقدّرا بالفعل و حينئذ تكون «النّعمة» بمعنى:

العطيّة، لا بمعنى الإنعام، إذ لو كان بمعنى الإنعام لكان «عليكم» صلة له.

26

إِلَى النُّورِ: إلى الهدى و الإيمان.

بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏: بتوفيقه و تسهيله. مستعار من الإذن، الّذي هو تسهيل الحجّاب‏ (1).

و هو صلة «لتخرج». أو حال من فاعله، أو مفعوله‏ (2).

إِلى‏ صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1): بدل من قوله: «إلى النّور» بتكرير العامل. أو استئناف‏ (3)، على أنّه جواب لمن يسأل عنه.

و إضافة الصّراط إلى اللّه، إمّا لأنّه مقصده، أو المظهر له.

و تخصيص الوصفين‏ (4)، للتّنبيه على أنّه لا يذلّ سالكه و لا يخيب سائله.

اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ على قراءة نافع و ابن عامر مبتدأ و خبر، أو «اللّه» خبر مبتدأ محذوف‏ (5) و «الّذي» صفته.

و على قراءة الباقين عطف بيان «للعزيز»، لأنّه كالعلم لاختصاصه بالمعبود بالحقّ‏ (6).

وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2): وعيد لمن كفر بالكتاب، و لم يخرج به من الظّلمات إلى النّور.

و «الويل» الهلاك، نقيض «الوأل» و هو النّجاة. و أصله النّصب، لأنّه مصدر إلّا أنّه لم يشتقّ منه لكنّه رفع لإفادة الثّبات.

____________

(1) أي: تسهيل ما تعذّر. و فيه: أنّ اللّازم ممّا ذكر استعمال المقيد الّذي هو الإذن بمعنى تسهيل الحجاب في المطلق، فيكون مجازا مرسلا لا استعارة.

(2) فعلى الأوّل يكون التقدير: ليخرج النّاس ملتبسا بإذن ربّهم و على الثاني: ملتبسين به.

(3) كأنّ سائلا قال: إلى أيّ نور الإخراج؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

(4) إمّا عدم إذلال السّالك فلأنّ العزّة و الغلبة تناسب إعزاز من قصد السّلوك في سبيله، و إمّا عدم التّخييب فلأنّ الحميد بمعنى: المحمود، و المحمود من أوصل النّعمة إلى الغير حتّى يستحقّ أن يحمد، إذ الحميد من كان كاملا في حدّ ذاته مستحقا للحمد و هو يناسب عدم تخييب السّائل.

(5) فيكون التّقدير: هو اللّه الذي. و مرجع الضّمير الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

(6) هذا يدلّ على أنّ عطف البيان يجب أن يكون علما أو في حكمه في الإختصاص.

30

و القتل ثمّة (1)، و معطوف عليه التّذبيح- هاهنا-. و هو إمّا جنس العذاب‏ (2)، أو استعبادهم و استعمالهم بالأعمال الشّاقّة.

وَ فِي ذلِكُمْ‏: من حيث أنّه بإقدار اللّه إيّاهم و إمهالهم فيه.

بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‏ (6): ابتلاء منه.

و يجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء، و المراد بالبلاء: النّعمة.

وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ‏: أيضا من كلام موسى- (عليه السلام)-.

و «تأذّن» بمعنى: آذن، كتوعّد و أوعد، غير أنّه أبلغ لما في التّفعّل من معنى التّكلّف و المبالغة، أي: أعلم ربّكم.

لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏: يا بني إسرائيل، ما أنعمت عليكم من الإنجاء و غيره بالإيمان و العمل الصّالح.

لَأَزِيدَنَّكُمْ‏: نعمة إلى نعمة.

وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7): فلعلّي أعذبكم على الكفران عذابا شديدا. و من عادة أكرم الأكرمين أن يصرّح بالوعد، و يعرّض بالوعيد (3).

و الجملة مفعول قول مقدّر (4). أو مفعول «تأذن» على أنّه يجري مجرى «قال»، لأنّه ضرب منه.

في كتاب الخصّال‏ (5): عن معاوية بن وهب‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: يا معاوية، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة: من أعطي الدّعاء أعطي الإجابة و من اعطي الشكر اعطي الزيادة، و من اعطي التّوكل اعطي الكفاية. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏. و يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ و يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏.

____________

(1) ثمّة: هناك.

(2) و على هذا فعطف «يذبّحون» عليه عطف الخاصّ على العام.

(3) فإنّه- تعالى- صرح بالوعد فقال:

لَأَزِيدَنَّكُمْ‏، و عرض بالوعيد فقال: إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ من جهة أنّه لم يقل: و إن كفرتم عذّبتكم.

(4) فيكون التقدير: و إذ تأذّن ربّكم قائلا: لَئِنْ شَكَرْتُمْ ... الخ.

(5) الخصال 1/ 101، ح 56.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: مسعود بن عمّار.

32

قلت: لا، و اللّه، ما يسرّني أنّ لي الدّنيا بما فيها ذهبا و فضّة و أنّي على خلاف ما أنا عليه.

قال: فقال: فمن أيسر منكم فليشكر اللّه، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي عمرو (2) المدائنيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: أيّما عبد أنعم اللّه عليه بنعمة فعرفها بقلبه- و في رواية أخرى- فأقرّ بها بقلبه و حمد اللّه عليها بلسانه، لم ينفد كلامه حتّى يأمر اللّه له بالزّيادة.

و في رواية أبي إسحاق المدائنيّ‏ (3): حتّى يأذن اللّه له بالزّيادة، و هو قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و عن أبي ولّاد (4)، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ رأيت هذه النّعمة الظّاهرة علينا (5) من اللّه، أليس إن شكرناه عليها و حمدناه‏ (6) زادنا، كما قال اللّه في كتابه:

لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏؟

فقال: نعم، من حمد اللّه على نعمته و شكره و علم أنّ ذلك منه لا من غيره [زاد اللّه نعمه‏] (7).

و في أمالي شيخ الطّائفة (8)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: تلقّوا النّعم، يا سدير، بحسن مجاورتها، و اشكروا من أنعم عليكم و أنعموا على من شكركم، فإنّكم إذا كنتم كذلك استوجبتم من اللّه الزّيادة و من إخوانكم المناصحة. ثمّ تلا: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و في أصول الكافي‏ (9): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن رجلين [من أصحابنا] (10) سمعاه، عن أبي عبد اللّه- عليه‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 222، ح 3.

(2) كذا في جامع الرواة 2/ 407 و في المصدر:

أبي عمر.

(3) تفسير العياشي 2/ 222، ح 4.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: إلينا.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عليه و حمدته.

(7) من المصدر مع المعقوفتين.

(8) أمالي الطوسي 1/ 309.

(9) الكافي 2/ 95، ح 9.

(10) من المصدر.

27

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ: يختارونها عليها، فإنّ المختار للشّي‏ء يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها من غيره‏ (1).

وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏: بتعويق النّاس عن الإيمان.

و قرئ‏ (2): «و يصدّون»، من أصدّه، و هو منقول صدّ صدودا، إذا تنكّب‏ (3).

و ليس فصيحا (4)، لأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التّعدية [بالهمزة] (5).

وَ يَبْغُونَها عِوَجاً: و يبغون لها زيغا و نكوبا عن الحقّ، ليقدحوا فيه. فحذف الجارّ، و أوصل الفعل إلى الضّمير.

و الموصول بصلته يحتمل الجرّ صفة «للكافرين»، و النّصب على الذّم، و الرّفع عليه‏ (6). أو على أنّه مبتدأ خبره‏ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3)، أي: ضلّوا عن الحقّ و وقعوا عنه بمراحل.

و «البعد» في الحقيقة للضّالّ، فوصف به فعله للمبالغة. أو للأمر الّذي به الضّلال، فوصف به لملابسته.

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏: الّذي هو منهم و بعث فيهم.

لِيُبَيِّنَ لَهُمْ‏: ما أمروا به، فيفقهوه عنه بيسر و سرعة.

و قرئ‏ (7): «بلسن» و هو لغة فيه، كريش و رياش. و «لسن» بضمّتين، و ضمة و سكون، على الجمع، كعمد و عمد.

و في كتاب الخصّال‏ (8): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث: و منّ عليّ ربّي، و قال: يا محمّد، قد أرسلت كلّ رسول إلى أمّته‏ (9) بلسانها، و أرسلتك إلى كلّ أحمر

____________

(1) فيكون «يستحبّون» مجازا مرسلا من باب إطلاق اسم اللازم على ملزومه.

(2) أنوار التنزيل 1/ 524.

(3) تنكّب، أي: مال عن الحقّ.

(4) لأنّ الفعل المتعدّي إذا وجد لا حاجة إلى تعدية اللّازم، لأنّه تكلّف. و تبع في هذا صاحب الكشّاف، و فيه: أنّ القراءات تؤخذ من الرّواية لا من الدّراية، فلا وجه للقول بأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التّعدية.

(5) من المصدر.

(6) فعلى الأوّل: أذمّ الذين يستحبّون الحياة الدنيا. و على الثاني: بئس الّذين يستحبّون.

(7) أنوار التنزيل 1/ 524.

(8) الخصال 1/ 425، ح 1.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: امّة.

31

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّما عبد أنعم اللّه عليه بنعمة، فعرفها بقلبه و حمد اللّه عليها بلسانه، لم ينفد (2) كلامه حتّى يأمر اللّه له بالزّيادة، و هو قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [و عليّ بن محمد، عن القاسم بن محمّد] (4)، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ من عرف نعمة اللّه بقلبه، استوجب المزيد من اللّه- عزّ و جلّ- قبل أن يظهر شكرها على لسانه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

سهل‏ (5) عن عبيد اللّه، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنا و حسين بن‏ (6) ثوير بن أبي فاختة فقلت له: جعلت فداك، إنّا كنّا في سعة من الرّزق و غضارة من العيش، فتغيّرت الحال بعض التّغييّر، فادع لنا (7) اللّه- عزّ و جلّ- أن يردّ ذلك إلينا.

فقال: أي شي‏ء تريدون، تكونون ملوكا، أ يسرّك أن تكون مثل‏ (8) طاهر (9) و هرثمة و أنّك على خلاف ما أنت عليه؟

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 368.

(2) المصدر: لم تنفد.

(3) الكافي: 8/ 128، ح 98.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 8/ 346، ح 546.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مثله.

(9) الطاهر هو أبو الطيّب، أو أبو طلحة، طاهر بن الحسين المعروف ب «ذو اليمينين» والي خراسان، كان من أكبر قوّاد المأمون و المجاهدين في تثبيت دولته، و هو الّذي سيّره المأمون من خراسان إلى محاربة أخيه الأمين، محمد بن زبيدة.

و كان طاهر من أصحاب الرضا- (عليه السلام)- و كان متشيّعا، و ينسب التشيع إلى آل طاهر- أيضا- و كان طاهر هو الّذي أسّس دولة آل طاهر في خراسان و ما والاها سنة 205- 259، و له عهد إلى ابنه و هو من أحسن الرسائل.

و أمّا هرثمة، فهو هرثمة بن أعين الذي يروي عن الرّضا- (عليه السلام)- كثيرا و هو- أيضا- من قوّاد المأمون و في خدمته، و كان مشهورا بالتشيّع و محبّا لأهل البيت- (عليهم السلام)- و هو من أصحاب الرّضا- (عليه السلام)- بل من خواصّه و أصحاب سرّه، كما يظهر من كتاب العيون.

33

السّلام‏- قال: ما أنعم اللّه على عبد من نعمة، فعرفها بقلبه و حمد اللّه ظاهرا بلسانه فتمّ كلامه، حتّى يؤمر له بالمزيد.

عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن [محمد بن‏] (2) خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف عن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

قلت: و ما هو؟

قال: يحمد اللّه على كلّ نعمة عليه في أهل و مال، و إن كان فيما أنعم [عليه‏] (3) في ماله حقّ أدّاه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: من حمد اللّه على النّعمة فقد شكره، و كان الحمد أفضل من تلك النّعمة.

محمّد [بن يحيى‏ (5)] (6)، عن أحمد، عن عليّ بن الحكم، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لي: ما أنعم اللّه على عبد بنعمة صغرت أو كبرت، فقال: الحمد للّه، إلّا أدّى شكرها.

أبو عليّ الاشعريّ‏ (7)، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن محمّد، عن إسماعيل بن أبي الحسن‏ (8)، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [من أنعم اللّه عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدّى شكرها]

(9)

[عدة من أصحابنا (10)، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن هشام، عن ميسر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏] (11) شكر النعمة اجتناب المحارم، و تمام الشّكر قول الرّجل: الحمد للّه ربّ العالمين.

____________

(1) الكافي 2/ 95- 96، ح 12.

2 و 3- من المصدر.

(4) الكافي 2/ 96، ح 13.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 14.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 2/ 96، ح 15.

(8) ب: إسماعيل بن محمد.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 2/ 95، ح 10.

(11) من المصدر.

34

و في كتاب الخصّال‏ (1): عن سعيد (2) بن علاقة قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: شكر المنعم‏ (3) يزيد في الرّزق.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (4) بإسناده إلى مالك بن أعين الجهنيّ قال: أوصى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- بعض ولده فقال: يا بنيّ اشكر من أنعم عليك و أنعم على من شكرك، فإنّه لا زوال للنّعمة إذا شكرت و لا بقاء لها إذا كفرت، و الشاكر بشكره أسعد منه بالنّعمة الّتي وجب عليه الشّكر لها. و تلا، يعني: عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- [قول اللّه- تعالى-] (5) إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى عليّ بن الحسين‏ (7) بن عليّ بن فضّال، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: السّجدة بعد الفريضة شكر اللّه- تعالى- ذكره على ما وفّق العبد من أداء فرائضه‏ (8)، و أدنى ما يجزي فيها من القول أن يقال: شكرا للّه شكرا للّه، ثلاث مرّات.

قلت: فما معنى قوله: شكرا للّه؟

قال: يقول: هذه السّجدة منّي شكرا للّه على ما وفّقني له من خدمته و أداء فرضه. و الشّكر موجب للزّيادة، فإن كان في الصّلاة تقصير تمّ بهذه السّجدة.

و في مجمع البيان‏ (9): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إذا أقبلت عليكم أطراف النّعم، فلا تنفروا و أقصاها (10) بقلّة الشّكر.

و في أصول الكافي‏ (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في تفسير وجوه الكفر: الوجه الثّالث من الكفر كفر النّعم، قال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) الخصال 2/ 505، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سعد.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: النعم.

(4) أمالي الطوسي 2/ 115.

(5) ليس في أ، ب.

(6) العلل/ 360، ح 1.

(7) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 72. و في النسخ: الحسن‏

(8) المصدر: فرضه.

(9) نور الثقلين 2/ 529، ح 28.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: اقتضاها.

(11) الكافي 2/ 390، ح 1.

35

وَ قالَ مُوسى‏ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً: من الثّقلين.

فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌ‏: عن شكركم.

حَمِيدٌ (8): مستحقّ للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة و ينطق بنعمته ذرّات المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلّا أنفسكم حين حرمتموها مزيد الإنعام و عرّضتموها للعذاب الشّديد.

أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ: من كلام موسى- (عليه السلام)-. أو كلام مبتدأ من اللّه- تعالى- وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏: جملة وقعت اعتراضا (1). وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ‏ عطف على ما قبله، و لا يَعْلَمُهُمْ‏ اعتراض.

و المعنى: أنّهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلّا اللّه. و لذلك قال ابن مسعود- رضي اللّه عنه-: كذب النّسّابون‏ (2).

جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ‏.

قيل‏ (3): فعضّوها غيظا ممّا جاءت به الرّسل، كقوله: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ. أو وضعوها عليها [تعجّبا منه، أو] (4) استهزاء عليه، كمن غلبه الضّحك‏ (5). أو إسكاتا للأنبياء، و أمرا لهم بإطباق الأفواه. أو أشاروا بها إلى ألسنتهم و ما نطقت به، من قولهم: إِنَّا كَفَرْنا تنبيها على أنّ لا جواب لهم سواه. أو ردّوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التّكلّم، و على هذا يحتمل أن يكون تمثيلا (6).

و قيل‏ (7): الأيدي بمعنى: الأيادي، أي: ردّوا أيادي الأنبياء الّتي هي مواعظهم و ما أوحي إليهم من الحكم و الشّرائع في أفواههم، لأنّهم إذ كذّبوها و لم يقبلوها فكأنّهم‏

____________

(1) لأنّ مجموع هذا الكلام لا يصحّ أن يجعل معطوفا على ما قبله.

(2) المراد من النّسّابين: الّذين يدّعون العلم بالآباء الموجودين في تلك الأزمنة المتقدّمة، و إنّما كذّبهم لأنّ اللّه- تعالى- نفى علم الآباء المذكورة عنهم، أي: عن النّسّابين.

(3) أنوار التنزيل 1/ 526.

(4) ليس في ب.

(5) ب: زيادة «أو تعجبا منه».

(6) أي: يحتمل أن يكون استعارة بأن يكون المراد من ردّ الأيدي في الأفواه منعهم عن التكلّم من غير اعتبار المعنى الحقيقي لليد.

(7) أنوار التنزيل 1/ 526.

36

ردّوها إلى حيث جاءت منه.

وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ‏: على زعمكم.

وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ‏: من الإيمان.

و قرئ‏ (1): «تدعونا» بالإدغام.

مُرِيبٍ‏ (9): موقع في الرّيبة. أو ذي ريبة، و هي قلق النّفس و أن لا تطمئنّ إلى شي‏ء.

قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌ‏ ادخلت همزة الإنكار على الظّرف، لأنّ الكلام في المشكوك فيه لا في الشّكّ‏ (2)، أي: إنّما ندعوكم إلى اللّه، و هو لا يحتمل الشّكّ لكثرة الأدّلة و ظهور دلالتها عليه. و أشار إلى ذلك بقوله: فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: و هو صفة. أو بدل، و «شكّ» مرتفع بالظّرف.

يَدْعُوكُمْ‏: إلى الإيمان ببعثه إيّاناً (3) لِيَغْفِرَ لَكُمْ‏. أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني. على إقامة المفعول له مقام [المفعول‏] (4) به‏ (5).

مِنْ ذُنُوبِكُمْ‏.

قيل‏ (6): أي: بعض ذنوبكم، و هو ما بينكم و بينه- تعالى-. فإنّ الإسلام يجبّه دون المظالم.

و قيل‏ (7): جي‏ء «بمن» في خطاب الكفّار دون المؤمنين في جميع القرآن، تفرقة بين الخطابين. و لعلّ المعنى فيه: أنّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفّار مرتّبة على الإيمان، و حيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطّاعة و التّجنّب عن المعاصي و نحو ذلك، فتتناول الخروج عن المظالم‏ (8).

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 526.

(2) لأنّ القاعدة أن يلي الهمزة ما يتعلّق به الغرض و هو اللّه تعالى.

(3) كذا في أنوار التنزيل 1/ 526. و في النسخ:

«ببعثه إلى الإيمان» بدل «إلى الايمان ببعثه إيّانا».

(4) من المصدر.

(5) فتكون «اللّام» بمعنى «إلى» و الفعل بمعنى المصدر.

(6) أنوار التنزيل 1/ 526.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أي: تتناول خطاب المؤمنين الخروج عن‏

37

وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: إلى وقت سمّاه اللّه و جعله آخر أعماركم.

قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا: لا فضل لكم علينا، فلم تخصّون بالنّبوّة دوننا، و لو شاء اللّه أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل.

تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا: بهذه الدّعوة.

فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏ (10): يدلّ على فضلكم و استحقاقكم لهذه المزيّة. أو على صحّة ادّعائكم النّبوّة، كأنّهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البيّنات و الحجج، و اقترحوا عليهم آية أخرى تعنّتا و لجاجا.

قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏: سلّموا مشاركتهم في الجنس، و جعلوا الموجب لاختصاصهم بالنّبوّة فضل اللّه و منّه عليهم بخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم.

وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏، أي: ليس إلينا الإتيان بالآيات و لا تستبدّ به استطاعتنا حتّى نأتي بما اقترحتموه، و إنّما هو أمر يتعلّق بمشيئة اللّه فيخصّ كلّ نبيّ بنوع من الآيات.

وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ (11): فلنتوكّل عليه في الصّبر على معاندتكم [و معاداتكم‏] (1).

عمّموا الأمر للإشعار بما يوجب التّوكّل عليه‏ (2)، و هو الإيمان، و قصدوا به أنفسهم قصدا أوّليّا. ألا ترى قوله: وَ ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ‏، أي: أيّ عذر لنا في أن لا نتوكّل عليه‏ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا: الّتي بها نعرفه، و نعلم أنّ الأمور كلّها بيده.

وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ ما آذَيْتُمُونا: جواب قسم محذوف، أكّدوا به توكّلهم و عدم مبالاتهم بما يجري من الكفّار عليهم.

وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏ (12): فليثبت المتوكّلون على ما استحدثوه‏

____________

المظالم فلم يبق عليهم سوى ما يتعلّق بحقّ اللّه- تعالى- فإذا تابوا يغفر اللّه جميع ذنوبهم، و أمّا الإيمان فلا يحصل منه الخروج من المظالم، فيغفر ما سواها، و لذا دخل «من» على مغفرة ذنوبهم ليدلّ على التبعيض.

(1) من أنوار التنزيل 1/ 527.

(2) أي: عممّوا الحكم بأنّ على جميع المؤمنين التوكّل على اللّه لكنّ المقصود بالذّات الرسل، فكأنّما قالوا: إنّ عليهم التوكّل.

38

من توكّلهم المسبّب عن إيمانهم.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى الواقديّ، بإسناده، [عن أبي مريم‏] (2) عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: إذا آذاك البراغيث، فخذ قدحا من ماء، فاقرأ عليه سبع مرّات: وَ ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ‏ (الآية) [و قل:] (3) فإن كنتم آمنتم باللّه فكفّوا شرّكم و أذاكم عنّا. ثمّ ترشّ الماء حول فراشك، فإنّك تبيت تلك اللّيلة آمنا من شرّها.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و سئل- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏.

قال: الزّارعون.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن الحسن بن ظريف، عن محمّد بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا:

حلفوا على أن يكون أحد الأمرين، إمّا إخراجهم للرّسل، أو عودهم إلى ملّتهم. و هو بمعنى الصّيرورة، لأنّهم لم يكونوا على ملّتهم قطّ.

و يجوز أن يكون الخطاب لكلّ رسول و لمن آمن معه، فغلّبوا الجماعة على الواحد.

فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ‏، أي: إلى الرّسل.

لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ‏ (13): على إضمار القول. أو إجراء الإيحاء مجراه، لأنّه نوع منه.

وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ‏، أي: أرضهم و ديارهم‏ مِنْ بَعْدِهِمْ‏.

و قرئ‏ (6): «ليهلكنّ»، و «ليسكننّكم» بالياء اعتبارا لأوحى، كقولك: أقسم زيد ليخرجنّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، رفعه، إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه اللّه داره، و هو قوله:

____________

(1) المجمع 3/ 307.

2 و 3- من المصدر.

(4) الفقيه 3/ 160، ح 703.

(5) تفسير العياشي 2/ 222، ح 6.

(6) أنوار التنزيل 1/ 527.

(7) تفسير القمي 1/ 368.

39

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا- إلى قوله- فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): جاء في الحديث: من آذى جاره ورثه اللّه داره.

ذلِكَ‏: إشارة إلى الموحى به، و هو إهلاك الظّالمين و إسكان المؤمنين.

لِمَنْ خافَ مَقامِي‏: موقفي، و هو الموقف الّذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة. أو قيامي عليه و حفظي لأعماله.

و قيل‏ (2): المقام مقحم.

وَ خافَ وَعِيدِ (14): أي: وعيدي بالعذاب. أو عذابي الموعود للكفّار.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريسي‏ (3): عن ابن مسعود قال: لمّا نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ تلاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على أصحابه فخرّ فتى مغشيّا عليه، فوضع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يده على فؤاده فوجده يكاد يخرج من مكانه.

فقال: يا فتى، قل: لا إله إلّا اللّه. فتحرّك الفتى، فقالها، فبشّره النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالجنّة.

فقال القوم: يا رسول اللّه، من بيننا؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما سمعتم اللّه يقول: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ.

وَ اسْتَفْتَحُوا: سألوا من اللّه الفتح على أعدائهم. أو القضاء بينهم و بين أعدائهم، من الفتاحة بمعنى: الحكومة، كقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ‏.

و هو معطوف على «فأوحى» و الضّمير للأنبياء.

و قيل‏ (4): للفريقين.

و قيل‏ (5): للكفرة، فإنّ كلّهم سألوه أن ينصر المحقّ و يهلك المبطل.

و قرئ‏ (6)، بلفظ الأمر، عطفا على «لنهلكنّ».

وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)، أي: ففتح لهم فأفلح المؤمنون، و خاب كلّ‏

____________

(1) المجمع 3/ 308.

(2) أنوار التنزيل 1/ 527.

(3) نور الثقلين 2/ 530، ح 35.

4 و 5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 527.

40

عات متكبّر على اللّه معاند للحقّ فلم يفلح. و معنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع‏ (1).

و في روضة الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم، و لولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي، ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة.

قال: فغضب الأعرابيّان و المغيرة بن شعبة و عدّة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم.

فأنزل اللّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ‏، يعني: من بني هاشم‏ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ‏.

قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال: اللَّهُمَّ، إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ‏ أنّ بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل‏ (3) فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏.

فأنزل اللّه عليه مقالة الحارث، و نزلت هذه الآية وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏. ثمّ قال له: يا [ابن‏] (4) عمرو، إمّا تبت و إمّا رحلت.

فقال: يا محمّد، تجعل لسائر قريش ممّا في يدك‏ (5) فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب و العجم.

____________

(1) لأنّ تحصيل نقيض ما ادّعوه أشدّ في الخيبة و الخسران.

(2) الكافي 8/ 57- 58، ح 18.

(3) هرقل: اسم ملك الروم أراد أنّ بني هاشم يتوارثون ملكا بعد ملك.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: يديك.

41

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس ذلك إليّ، ذلك إلى اللّه تبارك و تعالى.

فقال: يا محمّد، قلبي ما يتابعني على التّوبة، و لكن أرحل عنك. فدعا براحلته فركبها، فلمّا صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته‏ (1).

ثمّ أتى الوحي إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين بولاية علي ليس له دافع، من الله ذي المعارج.

قال: قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرأها هكذا.

فقال: هكذا، و اللّه، نزل بها جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هكذا هو، و اللّه، مثبت في مصحف فاطمة- (عليها السلام)-.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به، قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى الحسن بن الصّباح قال: حدّثني أنس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ من أبى أن يقول: لا إله إلّا اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3). في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: العنيد المعرض عن الحقّ.

مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ‏: أي: بين يدي هذا الجبّار نار جهنّم، فانّه مرصد بها واقف على شفيرها (4) في الدّنيا، مبعوث إليها في الآخرة.

و قيل‏ (5): من وراء حياته، و حقيقته ما توارى عنك.

وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ: عطف على محذوف، تقديره: من ورائه جهنّم يلقي فيها [ما يلقى‏] (6) و يسقى من ماء.

صَدِيدٍ (16): عطف بيان «لماء».

____________

(1) الجندلة- واحدة الجندل-: الصّخر العظيم.

و رضّ الشي‏ء: دقّه و جرشه و الهامة: الرّأس.

(2) التوحيد/ 20- 21، ح 9.

(3) تفسير القمّي 1/ 368.

(4) أي: واقف على شفير جهنّم في الدّنيا باعتبار القرب و استعداده لحصوله فيها.

(5) أنوار التنزيل 1/ 527.

(6) من المصدر.

42

قيل‏ (1): هو ما يسيل من جلود أهل النّار.

في مجمع البيان‏ (2): وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، أي: و يسقى ممّا يسيل من الدّم و القيح من فروج الزّواني في النّار. عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و روى أبو أمامة (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يقرّب إليه فيكرهه.

فإذا ادني منه شوى وجهه‏ (4) و وقعت‏ (5) فروة رأسه، فإذا شرب قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره، يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ‏ و يقول: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ‏.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن مات و في بطنه شي‏ء من ذلك كان حقّا على اللّه- عزّ و جلّ- أن يسقيه من طينة خبال، و هو صديد أهل النّار و ما يخرج من فروج الزّناة، فيجتمع ذلك في قدور جهنّم، فيشربه أهل النّار فيصهر به ما في بطونهم و الجلود. رواه شعيب‏ (6) بن واقد، عن الحسين بن يزيد، عن الصّادق، عن آبائه- (عليهم السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال يقرّب إليه فيكرهه، و إذا ادني منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه، فإذا شرب تقطّعت أمعاؤه و فرقت‏ (8) تحت قدميه، و أنّه يخرج من أحدهم مثل الوادي صديدا و قيحا.

ثمّ قال: و إنّهم ليبكون حتّى تسيل من دموعهم [فوق‏] (9) وجوههم جداول، ثمّ تنقطع الدّموع فتسيل الدّماء، حتّى لو أنّ السّفن لو أجريت فيها لجرت، و هو قوله:

وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ‏.

يَتَجَرَّعُهُ‏: يتكلّف جرعه‏ (10).

و هو صفة «الماء»، أو حال من الضّمير في «يسقى».

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المجمع 3/ 308.

(3) المجمع 3/ 308.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: وقع.

(6) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 88. و في النسخ: شبيب.

(7) تفسير القمّي 1/ 368.

(8) المصدر: «مزّقت إلى». و الأظهر: مرقت، أي: خرجت، أو: ذهبت.

(9) من المصدر.

(10) كذا في أ، ب. و في سائر النسخ: جرعته.

43

وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ‏: و لا يقارب أن يسيغه، فكيف يسيغه بل يغصّ به فيطول عذاب.

و «السّوغ» جواز الشّراب على الحلق بسهولة.

وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏، أي: أسبابه من الشّدائد، فتحيط به من جميع الجهات.

و قيل‏ (1): من كل مكان [من جسده، حتّى‏] (2) من أصول شعره و إبهام رجله.

وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ‏: فيستريح.

وَ مِنْ وَرائِهِ‏: و من بين يديه.

عَذابٌ غَلِيظٌ (17): أي: يستقبل في كلّ وقت [عذابا أشدّ ممّا هو] (3) عليه.

و قيل‏ (4): هو الخلود في النّار.

و قيل‏ (5): حبس الأنفاس.

و قيل‏ (6): الآية منقطعة عن قصّة الرّسل، نازلة في أهل مكّة، طلبوا الفتح الّذي هو المطّر في سنيهم الّتي أرسل اللّه- تعالى- عليهم بدعوة رسله، فخيّب رجاءهم فلم يسقهم، و وعد لهم أن يسقيهم في جهنّم بدل سقياهم صديد أهل النّار.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ أهل النّار لمّا غلى الزّقوم و الضّريع في بطونهم، كغلي الحميم، سألوا الشّراب، فاتوا بشراب غسّاق‏ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ و حميم تغلي به جهنّم منذ خلقت‏ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ‏: مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما يتلى عليكم صفتهم الّتي هي مثل في الغرابة. أو قوله: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ. و هو على الأوّل جملة مستأنفة لبيان مثلهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 527.

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) ليس في أ، ب، ر.

4 و 5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 528.

(7) تفسير العياشي 2/ 223، ح 7.

44

و قيل‏ (1): «أعمالهم» بدل من «المثل» و الخبر «كرماد».

اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ‏: حملته و أسرعت الذّهاب به.

و قرأ (2) نافع: «الريّاح».

فِي يَوْمٍ عاصِفٍ‏.

«العصوف» اشتداد الرّيح، وصف به زمانه للمبالغة، كقولهم: نهاره صائم و ليله قائم.

شبّه صنائعهم، من الصّدقة، و صلة الرّحم، و إغاثة الملهوف، و عتق الرّقاب، و نحو ذلك من مكارمهم في حبوطها و ذهابها لبنائها على غير أساس من معرفة اللّه- تعالى- و التّوجّه بها إليه، أو أعمالهم للأصنام، كرماد طيّرته الرّيح العاصفة.

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن علا بن رزين، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏-: اعلم، يا محمّد، أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون‏ (4) عن دين اللّه، قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم الّتي يعملونها كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: من لم يقرّ بولاية أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بطل عمله، مثله مثل الرّماد الّذي تجي‏ء الرّيح فتحمله.

لا يَقْدِرُونَ‏: يوم القيامة.

مِمَّا كَسَبُوا: من أعمالهم.

عَلى‏ شَيْ‏ءٍ: لحبوطه، فلا يرون له أثرا من الثّواب. و هو فذلكة (6) التّمثيل.

ذلِكَ‏: إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنّهم محسنون.

هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18): فإنّه الغاية في البعد عن طريق الحقّ.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ‏: خطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المراد به: أمّته.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 528.

(3) الكافي 1/ 375، ح 2.

(4) كذا في ب، ر، المصدر. و في سائر النسخ:

لمعزلون.

(5) تفسير القمّي 1/ 368.

(6) الفذلكة: مجمل ما فصّل و خلاصته.

45

و قيل‏ (1): لكلّ واحد من الكفرة على التّلوين‏ (2).

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏: بالحكمة و الوجه الّذي يحقّ أن تخلق عليه، و لم يخلقها عبثا باطلا.

و قرأ (3) حمزة و الكسائي: «خالق السماوات».

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19): يعدمكم و يخلق خلقا آخر مكانكم.

رتّب ذلك على كونه خالقا للسّماوات و الأرض استدلالا به عليه، فإنّ من خلق أصولهم و ما يتوقف عليه تخليقهم، ثمّ كوّنهم بتبديل الصّور و تغيير الطّبائع، قدر أن يبدلهم بخلق آخر و لم يمتنع عليه ذلك، كما قال: وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20): بمتعذّر أو متعسّر، فإنّه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، و من هذا شأنه كان حقيقا بأن يعبد و يؤمن به رجاء لثوابه و خوفا من عقابه يوم الجزاء.

وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً، أي: يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر اللّه و محاسبته.

أو للّه على ظنّهم‏ (4)، فإنّهم يخفون ارتكاب الفواحش و يظنّون أنّها تخفى على اللّه، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا للّه عند أنفسهم‏ (5).

و إنّما ذكر بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه.

فَقالَ الضُّعَفاءُ: الأتباع. جمع ضعيف، يريد به: ضعفاء الرّأي.

و إنّما كتبت بالواو، على لفظ من يفخّم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو.

لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: لرؤسائهم الّذين استتبعوهم و استغووهم.

و في كتاب مصباح المتهجّد (6) لشيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- خطبة لأمير المؤمنين- عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 528.

(2) أي: تغيير الكلام من طور إلى طور آخر، و هو هاهنا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.

(3) أنوار التنزيل 1/ 528.

(4) فيه: أنّه لزم أن يكون المعنى: برزوا يوم القيامة للّه على ظنهم، يكون البروز للّه مظنونا لهم يوم القيامة، لكنّ البروز المذكور معلوم لهم لا مظنون إلّا أن يقال الظّنّ بمعنى: العلم.

و الاولى أن يقال: برزوا للّه على علمهم، أو برزوا على خلاف ظنّهم في الدنيا.

(5) أي: يتيقنوا في تلك الحالة أنّهم مكشوفون للّه- تعالى-.

(6) مصباح المتهجّد/ 701.

46

السّلام- خطب بها يوم الغدير، و فيها يقوم- (عليه السلام)-: و تقرّبوا إلى اللّه بتوحيده و طاعته من أمركم أن تطيعوه، و لا تمسكوا بعصم الكوافر، و لا يخلج بكم البغي فتضلّوا عن سبيل الرّشاد باتّباع أولئك الّذين ضلّوا و أضلّوا، قال اللّه- عزّ من قائل- في طائفة ذكرهم بالذّمّ في كتابه: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا.

... إلى قوله- (عليه السلام)-: و قال- تعالى-: وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا (1) مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ‏ (2) أ فتدرون الاستكبار ما هو؟ هو ترك الطّاعة لمن أمروا بطاعته، و التّرفع على من ندبوا إلى متابعته، و القرآن ينطق من هذا عن كثير، إن تدبّره متدبّر زجره و وعظه.

إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً: في تكذيب الرّسل و الإعراض عن نصائحهم.

و هو جمع تابع، كغائب و غيب. أو مصدر نعت به للمبالغة، أو على إضمار المضاف.

فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا: دافعون عنّا.

مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ.

«من» الأولى للبيان، واقعة موقع الحال. و الثّانية للتّبعيض، واقعة موقع المفعول، أي: بعض الشّي‏ء الّذي هو عذاب اللّه- تعالى-.

و يجوز أن يكونا للتّبعيض، أي: بعض شي‏ء هو بعض عذاب اللّه- تعالى-.

و الإعراب ما سبق‏ (3).

و يحتمل أن تكون الأولى مفعولا. و الثّانية مصدرا، أي: فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإغناء.

قالُوا، أي: الّذين استكبروا، جوابا عن معاتبة الأتباع و الاعتذار عمّا فعلوا بهم.

لَوْ هَدانَا اللَّهُ‏: للإيمان و وفّقنا له‏ لَهَدَيْناكُمْ‏، و لكن ضللنا فأضللناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا. أو لو هدانا اللّه طريق النّجاة من العذاب لهديناكم‏

____________

(1) المؤمن/ 47.

(2) إبراهيم/ 21.

(3) بأن يكون «من عذاب» حالا، و «من شي‏ء» مفعولا.

47

و أغنيناه عنكم، كما عرّضناكم له، لكن سدّدوننا طريق الخلاص.

سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا: مستويان علينا الجزع و الصّبر.

ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ‏ (21): منجى و مهرب من العذاب. من الحيص، و هو العدول على جهة الفرار.

و هو يحتمل أن يكون مكانا، كالمبيت. أو مصدرا، كالمغيب.

وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ قيل‏ (1): احكم و فرغ منه، و ادخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار، خطيبا في الأشقياء من الثّقلين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أي: لمّا فرغ من أمر الدّنيا من أوليائه.

و فيه، و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏-: كلّما في القرآن‏ وَ قالَ الشَّيْطانُ‏ يريد به: الثّاني.

إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ‏: وعدا من حقّه أن ينجز. أو وعدا أنجزه، و هو وعد البعث و الجزاء، فوفى لكم بما وعدكم‏ (4).

وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ‏: جعل تبيين خلف وعده، كالإخلاف منه.

وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏: تسلّط، فالجئكم إلى الكفر و المعاصي.

إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ: إلّا دعائي إياكم إليهما (5) بتسويلي و وسوستي. و هو ليس من جنس السّلطان، و لكنّه على طريقة قولهم:

تحيّة بينهم ضرب وجيع‏ (6)

و يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا.

فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏: أسرعتم إجابتي.

فَلا تَلُومُونِي‏: بوسوستي، فإنّ من صرّح العداوة (7) لا يلام بأمثال ذلك.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 529.

(2) تفسير القمّي 1/ 368.

(3) تفسير العياشي 2/ 223، ح 8. و لم نعثر عليه في تفسير القمّي.

(4) فالأوّل باعتبار استحقاقه للإنجاز و الثاني باتّصافه بالإنجاز بالفعل.

(5) أي: الكفر و المعاصي.

(6) فتكون الدعوة سلطنة تقديرا، كما يقدّر الضرب تحيّة.

(7) أ، ب: بالعداوة.

48

وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏: حيث اغتررتم بي و أطعتموني إذ دعوتكم، و لم تطيعوا ربّكم لمّا دعاكم.

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)‏-: دعاهم ربّهم فنفروا (2) و ولّوا، و دعاهم الشّيطان فاستجابوا و أقبلوا.

ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ‏: بمغيثكم من العذاب.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ‏: بمغيثيّ.

و قرأ (3) حمزة، بكسر الياء.

قيل‏ (4): إمّا على الأصل في التقاء السّاكنين، و هو أصل مرفوض في مثله، لما فيه.

من اجتماع ياءين و ثلاث كسرات مع أنّ حركة ياء الإضافة الفتح، فإذا لم تكسر و قبلها ألف فبالحريّ أن لا تكسر و قبلها ياء (5). أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة، إجراء لها مجرى الهاء و الكاف‏ (6) في «ضربته، و أعطيتكه» و حذف الياء اكتفاء بالكسرة.

إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏.

قيل‏ (7): «ما» إمّا مصدريّة و «من» متعلّقة «بأشركتموني»، أي: أنّي كفرت اليوم بإشراككم إيّاي‏ (8) من قبل هذا اليوم، أي: في الدّنيا، بمعنى: تبرّأت منه و استنكرته، كقوله: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ‏.

أو موصولة، بمعنى: من نحو ما في قولهم: سبحانه ما سخركنّ لنا، و «من» متعلّقة «بكفرت»، أي: كفرت بالّذي أشركتمونيه، و هو اللّه- تعالى- بطاعتكم إيّاي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام و غيرها «من قبل» إشراككم حين رددت أمره بالسّجود لآدم.

____________

(1) نهج البلاغة/ 202 الخطبة 144.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتفرّقوا.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 529.

(5) أي: إذا لم تكسر ياء الإضافة و قبلها ألف في مثل: غلاماي، فبطريق الأولى أن لا تكسر و قبلها ياء لزيادة الثقل.

(6) فكما أنّه يزاد الواو و الياء بعد الهاء و الكاف تمّ حذف الياء و اكتفي بالكسر، كذلك حذف الهاء هاهنا و اكتفي بالكسر.

(7) أنوار التنزيل 1/ 529.

(8) إشراكهم الشّيطان باعتبار أنّ عبادة الأصنام في الحقيقة عبادة الشيطان لأنّه أوقعهم في عبادتها.

49

و «أشرك» منقول من: شركت زيدا، للتّعدية إلى مفعول ثان.

و في الخبر ما يؤيّد الأوّل،

ففي أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة.

قال: قال: يذكر إبليس و تبرّيه من أوليائه من الإنس يوم القيامة إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏.

و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر قوله- تعالى-: يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً:

و الكفر في هذه الآية البراءة، يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. و نظيرها في سورة إبراهيم قول الشّيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏. و قول إبراهيم خليل الرّحمن:

كَفَرْنا بِكُمْ‏، يعني: تبرّأنا منكم.

إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (22): تتمّة كلامه، أو ابتداء كلام من اللّه- تعالى-. و في حكاية أمثال ذلك لطف للسّامعين، و إيقاظ لهم، حتّى يحاسبوا أنفسهم و يتدبّروا عواقبهم.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: أنّه إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا و سبعين كبلا (4)، فينظر الأوّل إلى زفر في عشرين و مائة كبل و عشرين و مائة غلّ، فينظر إبليس فيقول: من هذا (5) الّذي أضعف‏ (6) اللّه له العذاب، و أنا أغويت هذا الخلق جميعا؟

فيقال: هذا زفر.

فيقول: بما حدّد (7) له هذا العذاب؟

فيقال‏ (8): ببغيه على عليّ- (عليه السلام)-.

فيقول له إبليس: ويل لك و ثبور لك، أما علمت أنّ اللّه أمرني بالسّجود لآدم‏

____________

(1) الكافي 2/ 390، ح 1.

(2) التوحيد/ 260، ح 5.

(3) تفسير العياشي 2/ 223، ح 9.

(4) الكبل: القيد.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: هو.

(6) المصدر: أضعفه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: جدّد.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.

50

فعصيته، و سألته أن يجعل بالسّجود لآدم فعصيته، و سألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أهل بيته و شيعته فلم يجبني إلى ذلك و قال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏ و ما عرفتهم حين استثناهم‏ (1) وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ‏؟ فمنّتك به نفسك غرورا.

فيوقف بين يدي الخلائق، فيقال‏ (2) له: ما الّذي كان منك إلى عليّ، و إلى الخلق الّذي اتّبعوك على الخلاف؟

فيقول الشّيطان، و هو زفر، لإبليس: أنت أمرتني بذلك.

فيقول له إبليس: فلم عصيت ربّك و أطعتني؟

فيردّ زفر عليه ما قال اللّه: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏ (الآية).

وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏: بإذن اللّه و أمره. و المدخلون الملائكة.

و قرئ‏ (3). «ادخل» على التّكلّم، فيكون قوله: «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» متعلّقا بقوله:

تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ‏ (23)، أي: تحيّيهم الملائكة بالسّلام بإذن ربّهم.

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا: كيف اعتمده و وضعه.

كَلِمَةً طَيِّبَةً: قولا حقّا، و دعاء إلى صلاح.

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ: يطيب ثمرها، كالنّخلة، أي: جعل كلمة طيّبة، كشجرة طيّبة. و هو تفسير لقوله‏: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا.

و يجوز أن تكون «كلمة» بدلا من «مثلا» و «كشجرة» صفتها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كشجرة. و أن تكون أوّل مفعولي «ضرب» إجراء لها مجرى «جعل».

و قد قرئت‏ (4)، بالرّفع، على الابتداء.

و في مجمع البيان‏ (5): كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ روى أنس، عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: من استثناءهم.

(2) المصدر: فقال.

(3) أنوار التنزيل 1/ 530.

(4) أنوار التنزيل 1/ 530.

(5) المجمع 3/ 312.

51

و آله‏-: أنّ هذه الشّجرة الطّيّبة [هي‏] (1) النّخلة.

أَصْلُها ثابِتٌ‏: في الأرض، ضارب بعروقه فيها.

وَ فَرْعُها: و أعلاها فِي السَّماءِ (24).

قيل‏ (2): يجوز أن يريد: و فروعها، أي: أفنانها، على الاكتفاء بلفظ الجنس لاكتسابه الاستغراق من الإضافة.

تُؤْتِي أُكُلَها: تعطي ثمرها.

كُلَّ حِينٍ‏: وقّته اللّه لأثمارها.

بِإِذْنِ رَبِّها: بإرادة خالقها و تكوينه.

وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (25): لأنّ في ضربها زيادة إفهام و تذكير، فإنّه تصوير للمعاني و إدناء لها من الحسّ.

و في أصول الكافي‏ (3). عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن سيف، عن أبيه، عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه:

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ.

قال: فقال: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصلها، و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فرعها، و الأئمّة من ذرّيّتهما أغصانها، و علم الأئمّة ثمرها، و شيعتهم المؤمنون ورقها، [هل فيها فضل؟

قال: قلت: لا، و اللّه‏] (4).

قال: و اللّه، إنّ المؤمن ليولد فتورق ورقة، [فيها] (5)، و أنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خلق النّاس من شجر (7) شتّى، و خلقت أنا و ابن أبي طالب من شجرة واحدة، أصلي عليّ و فرعي جعفر.

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 1/ 530.

(3) الكافي 1/ 428، ح 80.

4 و 5- من المصدر.

(6) الخصال 1/ 21، ح 72.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: شجرة.

52

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن حمّاد: عن عمر بن سالم صاحب السّابريّ‏ (2) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ.

قال: أصلها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فرعها أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و الحسن و الحسين ثمرها، و تسعة من ولد الحسين أغصانها، و الشّيعة ورقها. و اللّه، إنّ الرّجل منهم ليموت فتسقط ورقة من تلك الشّجرة.

قلت: قوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال: ما يخرج من علم الإمام إليكم في كلّ سنة من حجّ و عمرة (3).

و في الخرائج و الجرائح‏ (4): و روي عن الحلبيّ، عن الصّادق- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، و في آخره: يقول الباقر- (عليه السلام)-: و أخبركم عمّا أردتم أن تسألوا عنه في قوله- تعالى-: شجرة أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ نحن نعطي شيعتنا ما نشاء من العلم.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى السّكونيّ: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)-: أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال‏ في رجل نذر أن يصوم زمانا، قال: الزّمان خمسة أشهر، و الحين ستّة أشهر، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

و في الكافي‏ (6)، مثله سواء.

و في كتاب معاني الأخبار (7): حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا [محمّد بن‏] (8) عبد العزيز بن يحيى قال: حدّثني عبد اللّه بن محمّد الضّبيّ‏ (9) قال: حدّثنا

____________

(1) كمال الدين/ 345، ح 30.

(2) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 344. و في النسخ: عمر بن صالح السابريّ.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: من كلّ فجّ عميق.

(4) الخرائج 2/ 597، ح 8.

(5) العلل/ 387، ح 1.

(6) الكافي 4/ 142، ح 5.

(7) المعاني/ 400، ح 61.

(8) ليس في المصدر.

(9) ب: زيادة قال: حدثني عبد اللّه بن هلال.

53

محمد (1) بن هلال قال: حدّثنا نائل‏ (2) بن نجيج قال: حدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر، محمّد بن عليّ الباقر عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال: [أمّا] (3) الشّجرة فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و فرعها عليّ- (عليه السلام)-، و غصن الشّجرة فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و ثمرها أولادها- عليهم صلوات اللّه-، و ورقها شيعتنا.

ثمّ قال: إنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة، و أنّ المولود من شيعتنا ليولد فتورق‏ (4) الشّجرة ورقة.

و في مجمع البيان‏ (5): و روي عن ابن عبّاس قال: قال جبرئيل للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنت الشّجرة، و عليّ غصنها، و فاطمة ورقها، و الحسن و الحسين ثمارها.

[تُؤْتِي أُكُلَها، أي: تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها] (6).

كُلَّ حِينٍ‏، أي: في كلّ ستّة أشهر. عن أبي جعفر- (عليه السلام)

-.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه سئل عن رجل قال: للّه عليّ أن أصوم حينا، و ذلك في شك‏ (8) شكر.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قد اتي عليّ- (عليه السلام)- في مثل هذا، فقال:

صم ستّة أشهر، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها، يعني:

ستّة أشهر.

محمّد بن يحيى‏ (9)، رفعه، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: تقول إذا غرست أو زرعت: مثل كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قابل.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فتوقع.

(5) المجمع 3/ 312.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 4/ 142، ح 6.

(8) ليس في المصدر.

(9) الكافي 5/ 263، ح 6.

54

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و جعل أهل الكتاب المقيمين به و العالمين‏ (2) بظاهره و باطنه من شجرة أصلها ثابت و فرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أي: يظهر مثل هذا العلم المحتملة في الوقت [بعد الوقت‏] (3)، و لو علم المنافقون- لعنهم اللّه- ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا [منه.]

(4)

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً (الآية): هذا مثل ضربه اللّه لأهل بيت نبيّه و لمن عاداهم.

وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ: قول باطل، و دعاء إلى ضلال و فساد.

كَشَجَرَةٍ: كمثل شجرة.

خَبِيثَةٍ: لا يطيب ثمرها، كالحنظل مثلا.

اجْتُثَّتْ‏: استؤصلت و أخذت جثّتها بالكلّيّة.

مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ‏: لأنّ عروقها قريبة منها.

ما لَها مِنْ قَرارٍ (26): استقرار.

و في مجمع البيان‏ (6): عن الباقر- (عليه السلام)‏-: أنّ هذا مثل بني أميّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن زرارة و حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللّه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ قال: يعني: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و الائمّة من بعده هم‏] (8) الأصل الثّابت، و الفرع و الولاية لمن دخل فيها.

عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ‏ (9)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ (الآيتين) قال: هذا مثل ضربه اللّه لأهل بيت نبيّه، و لمن عاداهم هو مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ (الآية).

____________

(1) الاحتجاج 1/ 252- 253.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: القائمين به و العاملين.

3 و 4- من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 225، ح 15.

(6) المجمع 3/ 313.

(7) تفسير العياشي 2/ 224، ح 10.

(8) من المصدر.

(9) تفسير العياشي 2/ 225، ح 15.

55

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- تعالى-: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً (2) (الآية).

قال: الشّجرة السّلام‏ (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (4) و نسبه ثابت في بني هاشم، و فرع الشّجرة عليّ بن أبي طالب، و غصن الشّجرة فاطمة- (عليهما السلام)-، و ثمرها (5) الأئمّة من ولد عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)-، [و الأئمة من أولادها أغصانها] (6) و شيعتهم‏ (7) ورقها. و إنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة، و أنّ المؤمن ليولد فتورق الشّجرة.

قلت: أ رأيت قوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال: يعني بذلك: ما يفتون به الأئمّة شيعتهم في كلّ حجّ و عمرة من الحلال و الحرام، ثمّ ضرب اللّه لأعداء آل‏ (8) محمّد [مثلا] (9) فقال: وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ.

و في رواية أبي الجارود (10)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السّماء، و بنو أميّة لا يذكرون اللّه في مسجد و لا في مجلس و لا تصعد أعمالهم إلى السّماء إلّا قليل منهم.

و في مصباح الكفعميّ‏ (11): عن عليّ- (عليه السلام)‏-: من به الثّؤلول‏ (12) فليقرأ عليها هذه الآيات سبعا في نقصان الشّهر وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا.

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ‏: الّذي ثبت بالحجّة عندهم، و تمكنّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 369.

(2) أ، ب، ر: خبيثة.

(3) ليس في المصدر. و في ب: «الإسلام» بدل «السلام».

(4) المصدر: «أصلها» بدل «و».

(5) المصدر: ثمرتها.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: شيعتها.

(8) ليس في المصدر.

(9) من المصدر.

(10) تفسير القمّي 1/ 369.

(11) مصباح الكفعميّ/ 158.

(12) الثؤلول: خراج يكون بجسد الإنسان ناتئ صلب مستدير.

56

في قلوبهم، و اطمأنّت إليه أنفسهم.

فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: فلا يضلّون إذا افتتنوا في دينهم.

وَ فِي الْآخِرَةِ: فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في الموقف، و لا تدهشهم أهوال القيامة.

وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ‏: الّذين ظلموا أنفسهم بالجحود و الاقتصار على التّقليد، فلا يهتدون إلى الحقّ، و لا يثبتون في موافق الفتن.

وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27): من تثبيت المؤمنين، و خذلان الكافرين.

و في الكافي‏ (1): علي بن إبراهيم [عن أبيه‏] (2)، عن عمرو (3) بن عثمان. و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن [محمد بن‏] (4) أبي نصر و الحسن بن عليّ، جميعا، عن أبي جميلة، مفضّل بن صالح، عن جابر، عن عبد الأعلى، و عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إبراهيم عن‏ (5) عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا و أوّل يوم من أيّام الآخرة مثّل له ماله و ولده و عمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: و اللّه، إنّي كنت عليك لحريصا شحيحا، فما لي عندك؟

فيقول: خذ منّي كفنك.

قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: و اللّه، إنّي كنت لكم لمحبّا و إنّي كنت عليكم لمحاميا، فما (6) لي عندكم؟

فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك‏ (7) و نواريك فيها.

قال: فيلتفت إلى عمله فيقول‏ (8): إنّي كنت فيك لزاهدا (9) و أنّك‏ (10) كنت عليّ لثقيلا، فما لي‏ (11) عندك؟

____________

(1) الكافي 3/ 231- 233، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 335. و في النسخ: عمر.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(6) المصدر: زيادة ذا.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: زيادة «و اللّه».

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لزاهد.

(10) المصدر: و إن.

(11) المصدر: فما ذا.

57

فيقول: أنا قرينك في قبرك و يوم نشرك، حتّى اعرض أنا و أنت على ربّك.

قال: فإن كان للّه وليا (1) أتاه أطيب خلق اللّه‏ (2) ريحا و أحسنهم منظرا و أحسنهم رياشا، فيقول‏ (3): أبشر بروح و ريحان و جنّة نعيم، و مقدمك خير مقدم.

فيقول له: من أنت؟

فيقول: أنا عملك الصّالح ارتحل من الدّنيا إلى الجنّة.

و إنّه ليعرف غاسله، و يناشد حامله أن يعجّله. فإذا ادخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما و يخدّان الأرض بأقدامهما (4)، و أصواتهما كالرّعد القاصف، و أبصارهما كالبرق الخاطف فيقولان له: من ربّك، و ما دينك، و من نبيّك، [و من إمامك؟] (5).

فيقول: اللّه ربّي، و الإسلام ديني، و نبيّي محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و إمامي عليّ‏] (6).

فيقولان له: ثبّتك اللّه فيما يحبّ و يرضى‏ (7).

و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره، ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة، ثمّ يقولان له: نم قرير العين نوم الشّابّ النّاعم، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا.

قال: و إذا كان للّه عدوّا (8) [فإنّه‏] (9) يأتيه أقبح [من‏] (10) خلق اللّه [زيّا و رؤيا] (11) و أنتنه‏ (12) ريحا، فيقول له: أبشر بنزل من حميم و تصلية جحيم.

و إنّه ليعرف غاسله، و يناشد حملته أن يحبسوه. فإذا ادخل قبره‏ (13) و (14) أتاه ملكا

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: وليّ.

(2) المصدر: خلق النّاس.

(3) المصدر: فقال.

4 و 5 و 6- ليس في المصدر.

(7) المصدر: تحبّ و ترضى.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عدوّ.

9 و 10- من المصدر.

(11) من المصدر. و في النسخ: «ريشا» بدل «زيّا و رؤيا».

(12) المصدر: أنته.

(13) المصدر: القبر.

(14) ليس في المصدر.

58

القبر (1) فألقيا أكفانه، ثمّ يقولان له: من ربّك، و ما دينك، و من نبيّك، [و من إمامك؟] (2).

فيقول: لا أدري.

فيقولان له‏ (3): لا دريت و لا هديت. و يضربان يا فوخه بمرزبة (4) معهما ضربة ما خلق اللّه من دابّة إلّا و تذعر (5) لها ما خلا الثقلين‏ (6)، ثمّ يفتحان له بابا إلى النّار، ثمّ يقولان له: نم‏ (7) بسوء حال فيه. و يكون‏ (8) فيه من الضّيق مثل ما فيه القنا (9) من الزّجّ‏ (10)، حتّى أنّ دماغه ليخرج من بين ظفره و لحمه، و يسلّط اللّه عليه حيّات الأرض و عقاربها و هو امّها فتنهشه حتّى يبعثه اللّه من قبره، و [أنّه‏] (11) يتمنّى قيام السّامة ممّا (12) هو فيه من الشّرّ، نعوذ باللّه من عذاب القبر.

محمّد بن يحيى‏ (13)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ المؤمن إذا اخرج‏ (14) من بيته شيّعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه، حتّى إذا انتهي به إلى قبره قالت له الأرض: مرحبا بك و أهلا، أما و اللّه لقد كنت أحبّ أن يمشي عليّ مثلك، لترينّ ما أصنع بك‏ (15). فتوسع له مدّ بصره، و يدخل عليه في قبره ملكا القبر، و هما قعيدا القبر، منكر و نكير، فيلقيان فيه الرّوح إلى حقويه‏ (16)، فيقعدانه و يسألانه، فيقولان له: من ربّك؟

____________

(1) المصدر: ممتحنا القبر.

2 و 3- ليس في المصدر.

(4) المرزبة: عصاة كبيرة من حديد تتخذ لتكسير المدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «ترعد» بدل «و تذعر».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الثقلان.

(7) ليس في أ، ب.

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «من القناة».

(10) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: البرج. و في سائر النسخ: البرخ. و الزّجّ: الحديدة في طرف الرّمح.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: فيما.

(13) الكافي 3/ 239- 240، ح 12.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: خرج.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: به.

(16) الحقو: الخصر.

59

فيقول: اللّه.

فيقولان: ما دينك؟

فيقول: الإسلام.

فيقولان: و من نبيّك؟

فيقول: محمّد.

فيقولان: و من إمامك؟

فيقول: فلان.

قال: فينادي مناد من السّماء: صدق عبدي، افرشوا له في قبره من الجنّة، و افتحوا له [في قبره‏] (1) بابا إلى الجنّة، و ألبسوه من ثياب الجنّة حتّى يأتينا و ما عندنا خير له.

ثمّ يقال له: نم نومة [عروس، نم نومة] (2) لا حلم فيها.

قال: و إن كان كافرا خرجت الملائكة تشيّعه إلى قبره يلعنونه، حتّى إذا انتهى‏ (3) إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحبا بك و لا أهلا، أما و اللّه لقد كنت أبغض أن يمشي عليّ مثلك، لا جرم لترينّ ما أصنع بك اليوم. فتضيق عليه حتّى تلتقي جوانحه‏ (4).

قال: ثمّ يدخل عليه ملكا القبر، و هما قعيدا القبر، منكر و نكير.

قال أبو بصير: قلت‏ (5): جعلت فداك، يدخلان على المؤمن و الكافر في صورة واحدة؟

قال: لا.

قال: فيقعدانه و يلقيان فيه الرّوح إلى حقويه، فيقولان له: من ربّك؟

فيتلجلج‏ (6)، و يقول: قد سمعت النّاس يقولون‏ (7).

فيقولان له: لا دريت‏ (8). و يقولان له: ما دينك؟

فيتلجلج.

فيقولان له: لا دريت. و يقولان له: من نبيّك؟

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) المصدر: زيادة «به».

(4) الجوانح: الأضلاع الّتي تحت الترائب، و هي ممّا يلي الصّدر، كالضّلوع مما يلي الظهر.

(5) ليس في المصدر.

(6) التلجلج: التردّد في الكلام.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لادريته.

60

فيقول: قد سمعت النّاس [يقولون‏] (1).

فيقولان له: لا دريت. و يسأل‏ (2) عن إمام زمانه.

قال: فينادي مناد من السّماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النّار، و ألبسوه من ثياب النّار، و افتحوا له بابا إلى النّار حتّى يأتينا و ما عندنا شرّ له. فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات، ليس منها ضربة إلّا يتطاير قبره نارا، لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة (3) لكانت رميما.

و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و يسلّط اللّه عليه في قبره الحيّات تنهشه نهشا، و الشّيطان يغمّه غمّا.

قال: و يسمع عذابه من خلق اللّه إلّا الجنّ و الأنس‏ (4)، و أنّه ليسمع خفق نعالهم و نفض‏ (5) أيديهم، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ الشّيطان ليأتي الرّجل من أوليائنا عند موته عن يمينه و عن شماله ليضلّه عمّا هو عليه، فيأبى اللّه- عزّ و جلّ- له ذلك، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: إذا وضع الرّجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه و ملك عن يساره، و أقيم الشّيطان بين يديه عيناه من نحاس.

فيقال: ما تقول في هذا الرّجل الّذي خرج‏ (8) بين ظهرانيكم، يزعم أنّه رسول اللّه؟

فيفزع لذلك فزعة، و يقول إن كان مؤمنا: محمّد رسول اللّه.

فيقال له عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يسألان.

(3) تهامة: من أسماء مكّة المكرّمة.

(4) المصدر: زيادة «قال».

(5) المصدر: و نقض.

(6) الفقيه 1/ 80- 81، ح 363.

(7) تفسير العياشي 2/ 225، ح 17.

(8) المصدر: زيادة «من».

61

و يفسح‏ (1) له في قبره تسعة أذرع، و يرى مقعده من الجنّة، و هو قول اللّه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ.

و إن كان كافرا، قالوا: من‏ (2) هذا الرّجل الّذي كان بين ظهرانيكم، يقول: إنّه رسول اللّه؟

فيقول: ما أدري. فيخلّى بينه و بين الشّيطان.

عن محمّد بن مسلم‏ (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا وضع‏ (4) الرّجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه و ملك عن شماله، و أقيم الشّيطان بين يديه‏ (5) عيناه من نحاس.

فيقال له: كيف تقول في هذا الرّجل الّذي خرج بين ظهرانيكم؟

قال: فيفزع لذلك، فيقول إن كان مؤمنا: عن محمّد تسألان؟

فيقولان له عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها. و يفسح‏ (6) له في قبره سبعة (7) أذرع، و يرى مقعده من الجنّة.

و إن كان كافرا قيل له: ما تقول: في هذا الرّجل الّذي [خرج‏] (8) بين ظهرانيكم؟

فيقول: ما أدري. و يخلّى بينه و بين الشّيطان، و يضرب بمرزبة من حديد (9) يسمع صوته كلّ شي‏ء، و هو قول اللّه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

و في عيون الأخبار (10): عن محمّد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن- (عليه السلام)- قبل أن يحمل إلى العراق بسنة، و عليّ، ابنه- (عليه السلام)- بين يديه.

فقال لي‏ (11): يا محمّد.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و يفتح.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.

(3) تفسير العياشي 2/ 227، ح 19.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: وقع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يده.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يفتح.

(7) بعض نسخ المصدر: خمسة.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خدّيه.

(10) العيون 1/ 26- 27، ح 29.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «فيقال» بدل «فقال لي».

62

قلت: لبّيك.

قال: إنّه سيكون في هذه السّنة حركة فلا تجزع منها. ثمّ أطرق و نكت بيده بالأرض‏ (1)، و رفع رأسه إليّ و هو يقول: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

قلت: و ما ذاك، جعلت فداك؟

قال: من ظلم ابني هذا حقّه و جحد إمامته من بعدي كان، كمن ظلم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- حقّه و جحد إمامته من [بعد] (2) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت‏ (3) قال سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: ما بعث اللّه- عزّ و جلّ- نبيّا إلّا بتحريم الخمر، و أن يقرّ له بإنّ اللّه يفعل ما يشاء، و أن يكون من تراثه الكندر (4).

و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد اللّه، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يضلّ اللّه‏ (6) الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، و يهدي أهل الإيمان و العمل الصّالح إلى جنّته، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً، أي: شكر نعمته كفرا، بأن وضعوه مكانه. أو بدّلوا نفس النّعمة كفرا، فإنّهم لمّا كفروها سلبت منهم، فصاروا تاريكن لها محصّلين للكفر بدلها.

وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ‏: الّذين تابعوهم في الكفر.

دارَ الْبَوارِ (28): دار الهلاك بحملهم على الكفر.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: إلى الأرض.

(2) من المصدر.

(3) العيون 2/ 14، ح 33.

(4) الكندر: اللّبان، و هو نبات من الفصيلة البخوريّة يفرز صمغا.

(5) التوحيد/ 241، ح 1، و نور الثقلين 2/ 542، ح 78.

(6) ليس في نور الثقلين.

63

جَهَنَّمَ‏: عطف بيان لها.

يَصْلَوْنَها: حال منها. أو من القوم، أي: داخلين فيها مقاسين لحرّها. أو مفسّر لفعل مقدّر ناصب لجهنّم.

وَ بِئْسَ الْقَرارُ (29)، أي: و بئس المقرّ جهنّم.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حسّان، عن الهيثم بن واقد، عن عليّ بن الحسين العبديّ، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عدلوا عن وصيّه، لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب.

ثمّ تلا هذه الآية [أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ‏] (2) ثمّ قال: نحن النّعمة التي أنعم اللّه بها على عباده، و بنا يفوز من فاز يوم القيامة.

الحسين بن محمّد (3)، عن معلّى بن محمّد [محمد] (4) بن أورمة، عن علي بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ‏ (الآية).

قال: عنى بها: قريشا قاطبة، الّذين عادوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نصبوا له الحرب، و جحدوا وصيّه‏ (5).

و في روضة الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النّصريّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً.

قال: ما يقولون‏ (7) في ذلك؟

قلت: يقولون‏ (8): هم الأفجران من قريش، بنو أميّة، و بنو المغيرة.

قال: ثمّ قال: هي، و اللّه، قريش قاطبة، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خاطب نبيّه‏

____________

(1) الكافي 1/ 217، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 1/ 217، ح 4.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: و جحدوا وصيّة وصيّه.

(6) الكافي 8/ 103، ح 77.

(7) المصدر: تقولون.

(8) المصدر: نقول.

64

- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إنّي فضّلت قريشا على العرب، و أتممت عليهم نعمتي، و بعثت إليهم رسولا (1) «فبدلوا نعمتي كفرا و أحلّوا قومهم دار البوار».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية.

قال: نزلت في الأفجرين من قريش‏ (3)، بني أميّة، و بني المغيرة. فأمّا بنو المغيرة فقطع اللّه دابرهم يوم بدر، و أمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين.

ثمّ قال: و نحن، و اللّه، نعمة اللّه الّتي أنعم بها على عباده، و بنا يفوز من فاز.

حدّثني أبي‏ (4)، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن ظريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّجر لم يزل حصيدا كلّه حتّى دعي للرّحمن ولد، [عزّ الرحمن و] (5) جلّ أن يكون له ولد فكادت السّموات يتفطّرن منه و تنشقّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا، فعند ذلك اقشعرّ الشّجر و صار له شوك حذار أن ينزل به العذاب، فما بال أقوام‏ (6) غيّروا سنّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذكر إلى آخر ما نقلت عن أصول الكافي سواء.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في هذه الآية: نحن نعمة اللّه الّتي أنعم اللّه‏ (8) بها على العباد.

و في رواية زيد الشّحّام‏ (9)، عنه- (عليه السلام)- قال: قلت له: بلغني أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سئل عنها، فقال: عني بذلك: الأفجران من قريش، أميّة و مخزوم. أمّا مخزوم فقتلها اللّه يوم بدر، و أمّا أميّة فمتّعوا إلى حين.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: عنى اللّه، و اللّه، بها: قريشا قاطبة، الّذين عادوا اللّه و نصبوا له الحرب.

عن ذريح‏ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: جاء ابن الكوّاء

____________

(1) المصدر: رسولي.

(2) تفسير القمّي 1/ 371.

(3) المصدر: زيادة «و من».

(4) تفسير القمّي 1/ 85- 86.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: قوم.

(7) تفسير العياشي 2/ 229، ح 24.

(8) يوجد في أ، ب.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 23.

(10) تفسير العياشي 2/ 229، ح 25.

65

إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فسأله عن قول اللّه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ‏.

قال: تلك‏ (1) قريش بدّلوا نعمة اللّه كفرا، و كذّبوا نبيّهم يوم بدر.

عن محمّد بن سابق بن طلحة الأنصاري‏ (2) قال‏ (3): ممّا قال هارون لأبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- حين ادخل عليه: ما هذه الدّار، و دار من هي؟

قال: لشيعتنا فترة، و لغيرهم فتنة.

قال: فما بال صاحب‏ (4) الدّار لا يأخذها؟

قال: أخذت منه عامرة، و لا يأخذها إلّا معمورة.

فقال: أين شيعتك؟

فقرأ له أبو الحسن- (عليه السلام)-: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.

قال له: فنحن كفّار؟

قال: [لا] (5) و لكن كما قال اللّه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. فغضب عند ذلك و غلظ عليه.

عن مسلم‏ (6) المشوب‏ (7)، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ قال: هما الأفجران من قريش، بنو أميّة و بنو المغيرة.

و في مجمع البيان‏ (8): و اختلف في المعنى بالآية، فعن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-:

[أنّهم كفّار قريش، كذّبوا نبيّهم و نصبوا له الحرب و العداوة.

و سأل رجل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (9) عن هذه، فقال: هما الأفجران من قريش، بنو أميّة و بنو المغيرة. فأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين، و أمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر.

____________

(1) أ، ب، ر: ذاك.

(2) تفسير العياشي 2/ 230، ح 26.

(3) المصدر: كان.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فما لصاحب.

(5) من المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 230، ح 28.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: المشوف.

(8) المجمع 3/ 314.

(9) من المصدر.

66

و روي‏ (1) من طريق العامّة: أنّهما الأفجران من قريش، بنو المغيرة و بنو أميّة. فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، و أمّا بنو أميّة فمتّعوا حتّى حين.

فما ورد في أخبارنا موافقا لذلك محمول على وروده على موافقتهم، مع أنّه بيان، فإنّ بين إرادة جميع قريش و تخصيص الأفجرين في بعض الأخبار لاختصاصهم بالتّفضيل.

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ‏: الّذي هو التّوحيد.

و قرأ (2) ابن كثير و أبو عمرو و رويس، عن يعقوب، بفتح الياء.

و ليس الضّلال و لا الإضلال غرضهم في اتّخاذ الأنداد، لكن لمّا كان نتيجته جعل ذلك كالغرض.

قُلْ تَمَتَّعُوا: بشهواتكم. أو بعبادة الأوثان، فإنّها من قبيل الشّهوات الّتي يتمتّع بها.

و في التّهديد بصيغة الأمر إيذان بأنّ المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به، و أنّ الأمرين كائنان لا محالة، و لذلك علّله بقوله: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30): و أنّ المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من آمر مطاع.

قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا: خصّهم بالإضافة تنويها لهم، و تنبيها على أنّهم المقيمون لحقوق العبوديّة.

و مفعول «قل» محذوف يدلّ عليه جوابه، أي: قل لعبادي الّذين آمنوا أقيموا الصّلاة و أنفقوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏، فيكون إيذانا بأنّهم لفرط مطاوعتهم الرّسول بحيث لا ينفكّ فعلهم عن أمره، و أنّه كالسّبب الموجب له.

و يجوز أن يقدّر بلام الأمر، ليصحّ تعلّق القول بهما (3). و إنّما حسن ذلك هاهنا و لم يحسن في قوله:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 531.

(2) أنوار التنزيل 1/ 531.

(3) المراد من «تعلّق القول بهما» أن يكونا مقول القول، فيكونا مثل قوله- تعالى-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ‏ بقراءة الياء على الغيبة فيكون المعنى على أن يحكي أمر اللّه لهم بإقامة الصّلاة.

و عبارة الكشّاف: و جوّزوا أن يكون‏ يُقِيمُوا ...

وَ يُنْفِقُوا بمعنى: ليقيموا ... فيكون هذا هو المقول. و إنّما جاز حذف اللّام لأنّ الأمر الذي هو «قل» عوض عنه.

67

محمّد تفد نفسك كلّ نفس‏* * * إذا ما خفت من أمر تبالا

لدلالة «قل» عليه.

و قيل‏ (1): هما جوابا أقيموا، و أنفقوا مقامين مقامهما. و هو ضعيف‏ (2)، لأنّه لا بدّ من مخالفة ما بين الشّرط و جوابه، و لأنّ أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا.

سِرًّا وَ عَلانِيَةً: منتصبان على المصدر، أي: إنفاق سرّ و علانية. أو على الحال، أي: ذوي سرّ و علانية. أو على الظّرف، أي: وقتي سرّ و علانية.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زرعة، عن سماعة قال: إنّ اللّه فرض للفقراء في مال الأغنياء فريضة لا يحمدون بأدائها و هي الزّكاة، بها (4) حقنوا دماءهم و بها سمّوا مسلمين، و لكنّ اللّه فرض في الأموال [حقوقا] (5) غير الزّكاة، و قد قال اللّه- تبارك و تعالى-: وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ‏: فيبتاع المقصّر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه.

وَ لا خِلالٌ‏ (31): و لا مخالّة، فيشفع لك خليل.

قيل‏ (6): أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة و لا مخالّة (7)، و إنّما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): أي: لا صداقة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 531.

(2) إذ لو كانا جوابي «أقيموا» و «أنفقوا» لكان المعنى: أقيموا الصّلاة ان تقيموا الصّلاة يقيموا و ينفقوا، فلزم الأمران المذكوران، أحدهما اتّحاد الشّرط و الجزاء، و الثاني أن يكون الشرط بصيغة الغيبة. فعلم ممّا ذكر أن يقيموا الصلاة ...

الخ جواب «لقل»، أي: قل لهم: أقيموا، أو لتقل لهم: أقيموا يقيموا.

(3) تفسير العياشي 2/ 230، ح 29.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منها.

(5) من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 1/ 531.

(7) أي: كما في المبايعة و المخالّة الواقعين في الدنيا.

(8) تفسير القمّي 1/ 371.

68

و قرا (1) ابن كثير و ابو عمرو و يعقوب، بالفتح، فيهما على النّفي العام.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏: مبتدأ و خبره.

وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ‏: تعيشون به، و هو يشمل المطعوم و الملبوس، مفعول «لأخرج» و «من الثّمرات» بيان له و حال منه قدّم عليه لتنكيره، و يحتمل عكس ذلك‏ (2).

و يجوز أن يراد به المصدر، فينتصب بالعلّة، قيل‏ (3): أو المصدر (4)، لأنّ «أخرج» في معنى: رزق.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ‏: بمشيئته إلى حيث توجّهتم.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32): فجعلها معدّة لانتفاعكم و تصرّفكم.

و قيل‏ (5): تسخير هذه الأشياء تعليم كيفيّة اتّخاذها.

و الحمل على العموم أولى.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ‏: يد أبان في سيرهما و إنارتهما، و إصلاح ما يصلحانه من المكوّنات.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)‏-: و الشّمس و القمر دائبان‏ (7) في مرضاته، يبليان كلّ جديد و يقرّبان كلّ بعيد (8).

وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (33): يتعاقبان لسباتكم و معاشكم.

وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏ قيل‏ (9): أي: بعض جميع ما سألتموه، يعني: من كلّ شي‏ء سألتموه شيئا، فإنّ الموجود من كلّ صنف بعض ما في قدرة اللّه.

و لعلّ المراد «بما سألتموه»: ما كان حقيقا بأن يسأل، لاحتياج النّاس إليه، سئل أو لم يسأل.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 531.

(2) بأن يكون «من الثمرات» بمعنى: بعض الثمرات مفعولة، و «رزقا» حالا.

(3) أنوار التنزيل 1/ 532.

(4) أي: فينتصب بالعلّة أو المصدر.

(5) أنوار التنزيل 1/ 532.

(6) النهج/ 123، الخطبة 90.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: دائبين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بعد.

(9) أنوار التنزيل 1/ 532.

69

و «ما» يحتمل أن تكون موصولة و موصوفة، و مصدريّة و يكون المصدر بمعنى المفعول‏ (1).

و يجوز أن تكون «ما» نافية في موقع الحال، أي: و آتاكم من كلّ شي‏ء غير سائليه.

و يؤيّده‏ (2) ما رواه العيّاشي‏ (3): عن حسين بن هارون، شيخ من أصحاب أبي جعفر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقرأ هذه الآية وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ.

قال: ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: الثّوب و (4) الشّي‏ء لم تسأله إيّاه أعطاك.

و في مجمع البيان‏ (5): قرأ محمّد بن عليّ الباقر و جعفر بن محمّد الصّادق- (عليهما السلام)‏-: مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏ بالتّنوين.

وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها: لا تحصروها و لا تطيقوا عدّ أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنّها غير متناهية.

و قيل‏ (6): فيه دليل على أنّ المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة (7).

و فيه نظر، لجواز استفادة الاستغراق من قرينة الجواب، لا من نفس الإضافة.

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، رفعه قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- إذا قرأ هذه الآية [وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها] (9) يقول:

سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلّا المعرفة بالتّقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدركه، شكر- جلّ و عزّ- معرفة

____________

(1) فعلى الأوّل: و آتاكم من كلّ الذي سألتموه.

و على الثاني المعنى: آتاكم من كلّ سؤلكم، أي:

مسؤولكم.

(2) أي: و يؤيّد جواز أن يكون «ما» نافية ...

الخ.

(3) تفسير العياشي 2/ 230، ح 30.

(4) المصدر: «هو» بدل «و».

(5) المجمع 3/ 315.

(6) أنوار التنزيل 1/ 532.

(7) فيه نظر، لأنّ هذا يفهم بسبب الحكم بعدم الإحصاء، فهيهنا شي‏ء يدلّ على عمومه معنى لا أنّه يحصل من مجرّد الإضافة.

(8) الكافي 8/ 394، ح 592.

(9) من المصدر.

70

العارفين بالتّقصير عن معرفة (1) شكره، فجعل معرفتهم بالتّقصير شكرا، كما علم علم العالمين أنّهم لا يدركونه فجعله إيمانا، علما منه أنّه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك، فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته، و كيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له و لا كيف؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

و في تهذيب الأحكام‏ (2): سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي إسماعيل القمّاط، عن بشّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من كان معسرا، فلم يتهيّأ له حجّة الإسلام، فليأت قبر أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فليعرّف‏ (3) عنده، فذلك يجزئه عن حجّة الإسلام. [أما إنّي لا أقول يجزئ ذلك عن حجّة الإسلام‏] (4) إلّا المعسر، فأمّا الموسر إذا كان قد حجّ حجّة الإسلام، فأراد أن يتنفّل بالحجّ و العمرة فمنعه من ذلك شغل دنياه أو عائق فأتى الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- في يوم عرفة، أجزأه ذلك عن أداء حجّته و عمرته، و ضاعف اللّه له بذلك أضعافا مضاعفة.

قلت: كم تعدل حجّة، و كم تعدل عمرة؟

قال: لا يحصى ذلك.

قلت: مائة؟

قال: و من يحصي ذلك؟

قلت: ألف؟

قال: و أكثر.

ثمّ قال: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها.

إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ‏: يظلم النّعمة بإغفال شكرها. أو بظلم نفسه، بأن يعرّضها للحرمان.

كَفَّارٌ (34): شديد الكفران.

و قيل‏ (5): ظلوم في الشّدّة يشكو و يجزع، كفّار في النّعمة يجمع و يمنع.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ: بلد مكّة.

____________

(1) ليس في أ، ر.

(2) التهذيب 6/ 50، ح 114.

(3) من عرّف الحجّاج: إذا وقفوا بعرفات.

(4) ليس في ب.

(5) أنوار التنزيل 1/ 532.

71

آمِناً: ذا أمن لمن فيها.

قيل‏ (1): و الفرق بينه و بين قوله: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً أنّ المسئول في الأوّل إزالة الخوف عنه و تصييره آمنا، و في الثّاني جعله من البلاد الآمنة (2).

وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَ‏: بعّدني و إيّاهم‏ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ (35)، و اجعلنا منها في جانب.

و قرئ‏ (3): «و أجنبني» و هما على لغة نجد. و أمّا أهل الحجاز فيقولون: جنّبني شرّه.

قال البيضاويّ: و هو بظاهره لا يتناول أحفاده و جميع ذرّيّته، و زعم ابن عينية أنّ أولاد إسماعيل- (عليه السلام)- لم يعبدوا الصّنم محتجّا به، و إنّما كانت لهم حجارة يدورون بها و يسمّونها: الدّوّار، و يقولون: البيت حجر، فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلته.

و يؤيّد قول ابن عينية ما رواه العيّاشي‏ (4)، عن الزّهري قال: أتى رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فسأله عن شي‏ء، فلم يجبه.

فقال له الرّجل: فإن كنت ابن أبيك فإنّك من أبناء (5) عبدة الأصنام.

فقال له: كذبت، إنّ اللّه أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة، ففعل، فقال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما، و لكنّ العرب عبدة الأصنام، و قالت بنو إسماعيل: هؤلاء شفاؤنا [عند اللّه‏] (6). فكفرت، و لم تعبد الأصنام.

و ما رواه الطّبرسيّ في كتاب الاحتجاج‏ (7): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- من حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: قد حظر على من مسّه‏ (8) الكفر تقلّد ما فوضّه إلى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 532.

(2) أي: قوله- تعالى-: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً يدلّ على أنّه سأل جعله بلدا ذا أمن، لأنّ البلد مفعول «يجعل» و قوله- تعالى-: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً يدلّ على أنّه سأل جعله ذا أمن لا جعله بلدا.

(3) أنوار التنزيل 1/ 532.

(4) تفسير العياشي 2/ 230، ح 31.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ابن.

(6) من المصدر.

(7) الإحتجاج 1/ 251.

(8) المصدر: ماسّه.

72

أنبيائه و أوليائه، بقوله‏ (1) لإبراهيم: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏. فلمّا علم إبراهيم- (عليه السلام)- أنّ عهد اللّه- تبارك و تعالى- بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام قال: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ.

و ما يتراءى من الحديث الأوّل «من أنّ بني إسماعيل كفرت بقولهم: هؤلاء شفعاؤنا. من المنافاة لما هو مشهور، و المجمع عليه من أنّ آباء الأنبياء كانوا مؤمنين» فمدفوع بأنّ قول بني إسماعيل ذلك لا يستلزم أن يكون كلّ أحد منهم قائلا، و هو محمول على أنّ القائل غير أب النّبيّ، فلا منافاة.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(2)- بإسناده إلى عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: أنا دعوة أبي إبراهيم.

قلنا: يا رسول اللّه، و كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟

قال: أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى إبراهيم: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فاستخفّ إبراهيم الفرح.

فقال: يا ربّ، وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ أئمّة مثلي؟

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ-: أن يا إبراهيم، إنّي لا أعطيك عهدا لا أوفي لك به.

قال: يا ربّ، ما العهد الّذي لا تفي لي به؟

قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك.

قال: يا ربّ، و من الظّالم من ولدي الّذي لا ينال عهدك؟

قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا، و لا يصحّ أن يكون إماما.

قال إبراهيم: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فانتهت الدّعوة إليّ و إلى أخي، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني اللّه نبيّا و عليّا وصيّا.

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏: صرن سببا لإضلالهم، كقوله: وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(2) أمالي الشيخ 1/ 388.

73

فَمَنْ تَبِعَنِي‏: على ديني.

فَإِنَّهُ مِنِّي‏، أي: بعضي، لا ينفكّ عنّي في أمر الدّين.

وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (36): تقدر أن تغفر له و ترحمه.

و في روضة الكافي‏ (1): ابن محبوب، عن عبد اللّه بن غالب، عن أبيه، عن سعيد (2) بن المسيّب قال: سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أخبرني، إن كنت عالما، عن النّاس و عن أشباه النّاس و عن النّسناس.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا حسين، أجب الرّجل.

فقال الحسين- (عليه السلام)-: أمّا قولك: «أشباه النّاس» فهم شيعتنا و هم موالينا و هم منّا، و لذلك قال إبراهيم- (عليه السلام)-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)(3)-: خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُ‏. و قال- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ فنحن أولى النّاس بإبراهيم، و نحن ورثناه، و نحن أولوا الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، و نحن آل إبراهيم، أ فترغبون عن ملّة إبراهيم و قد قال اللّه- تعالى-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏؟

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(4)- بإسناده إلى عمر بن يزيد [قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: يا ابن يزيد] (5): أنت، و اللّه، منّا أهل البيت.

قلت: جعلت فداك، من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)

قال: إي، و اللّه، من أنفسهم.

قلت: من أنفسهم، جعلت فداك‏ (6)؟

قال: إي، و اللّه، من أنفسهم. يا عمر، أما تقرأ كتاب اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الكافي 8/ 244، ح 339.

(2) أ، ب، ر: سعد.

(3) الإحتجاج 1/ 160.

(4) أمالي الشيخ 1/ 44. و نور الثقلين 2/ 547، ح 101.

(5) من نور الثقلين.

(6) ليس في المتن، ر. و الظاهر أنه زائد.

هنا زيادة في النسخ. و هي: من آل محمد.

74

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ او ما تقرأ قول اللّه- عزّ اسمه-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏؟

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أحبّنا فهو منّا، أهل البيت.

قلت: جعلت فداك، منكم؟

قال: منّا، و اللّه. أما سمعت قول إبراهيم- (عليه السلام)-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏؟

عن محمّد الحلبّي‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من اتّقى اللّه منكم و أصلح فهو منّا، من‏ (3) أهل البيت.

قال: منكم، أهل البيت؟

قال: منّا، أهل البيت. قال فيها إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏.

قال عمر بن يزيد: قلت له: من آل محمّد؟

قال: إي و اللّه من آل محمّد، و (4) إي و اللّه [من آل محمّد] (5) من أنفسهم. أما تسمع اللّه يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ‏. و قول إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏.

عن أبي عمير الزّبيريّ‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من تولّى اللّه محمّد و قدّمهم على جميع النّاس بما قدّمهم من قرابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فهو من آل محمد بمنزلة (7) آل محمّد، لا أنّه من القوم بأعيناهم. و إنّما هو منهم بتولّيه إليهم و اتّباعه إيّاهم، و كذلك حكم اللّه في كتابه: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏ (8). و قول إبراهيم:

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏، أي: بعض ذرّيّتي. أو ذرّيّة من ذرّيّتي،

____________

قال: أي و اللّه من أنفسهم- جعلت فداك-.

(1) تفسير العياشي 2/ 231، ح 32.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 33.

(3) ليس في المصدر.

4 و 5- ليس في المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 231، ح 34.

(7) المصدر: «لتوليه» بدل «بمنزلة».

(8) المائدة/ 51.

75

فحذف المفعول، و هم إسماعيل و من ولد منه، فإنّ إسكانه متضمّن لإسكانهم.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن حنان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نحن، و اللّه، بقيّة تلك العترة

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عنه- (عليه السلام)- قال: نحن هم، و نحن بقيّة تلك الذّرّيّة.

بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏، يعني: وادي مكّة، فإنّها حجريّة لا تنبت.

عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏: الّذي حرّمت التّعرّض له و التّهاون به. أو لم يزل معظّما ممنعا يهابه الجبابرة. أو منع منه الطّوفان فلم يستول عليه، و لذلك سمّي عتيقا، أي: أعتق منه.

رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ.

«اللّام» لام «كي» و هي متعلّقة «بأسكنت»، أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كلّ مرتفق و مرتزق إلّا لإقامة الصّلاة عند بيتك المحرّم. و تكرير النّداء و توسيطه‏ (3) للإشعار بأنّها المقصودة بالذّات من إسكانهم ثمّة، و المقصود من الدّعاء توفيقهم لها.

و قيل‏ (4): لام الأمر، و المراد هو الدّعاء لهم بإقامة الصّلاة، كأنّه طلب منهم الإقامة و سأل من اللّه- تعالى- أن يوفّقهم لها.

فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ‏، أي: أفئدة من أفئدة النّاس.

و «من» للتّبعيض، و لذلك قيل‏ (5): لو قال: أفئدة النّاس، لازدحمت عليهم عليهم فارس و الرّوم، و لحجّت اليهود و النّصارى. أو للابتداء، كقولك: القلب منّي سقيم، أي أفئدة النّاس.

و قرئ‏ (6): «آفدة» و هو يحتمل أن يكون مقلوب أفئدة كآدر، في أدؤر. و أن يكون‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 371.

(2) تفسير العياشي 2/ 231، ح 35.

(3) أي: إيراد لفظ «ربّنا» على «ليقيموا الصلاة» دل على ان مجرد الإقامة مقصود بالذّات دون الإسكان بخلاف ما لو لم تكرّر. و الظاهر أنّه لو لم يكرّر و لم يوسّط لدلّ الكلام على ذلك، لكن حصل من التكرار قوة الدّلالة.

(4) أنوار التنزيل 1/ 533.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 533.

76

اسم فاعل، من أفدت الرّحلة (1): إذا عجّلت، أي جماعة يعجلون. و «أفدة» (2) بطرح الهمزة للتّخفيف.

تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏: تسرع إليهم شوقا و ودادا.

و قرئ‏ (3): «تهوى» على البناء للمفعول، من أهوى إليه غيره. و تهوى.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:

و الأفئدة من النّاس تهوي إلينا (5)، و ذلك دعوة إبراهيم حيث قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏.

و في بصائر الدّرجات‏ (6): عن الصّادق- (عليه السلام)- في حديث: و جعل‏ (7) أفئدة من النّاس تهوى إلينا.

من هوي يهوى: إذا أحبّ. و تعديته «بإلى» لتضمنه‏ (8) معنى النّزوع.

و نسبها في الجوامع‏ (9) إلى أهل البيت- (عليهم السلام)-.

وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ‏: مع سكناهم واديا لا نبات فيه.

لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏ (37): تلك النّعمة. فأجاب اللّه دعوته، فجعله حرما آمنا يجي‏ء إليه ثمرات كلّ شي‏ء، حتّى توجد فيه الفواكه الرّبيعيّة و الصّيفيّة و الخريفيّة و الشّتائيّة في يوم واحد.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- كان نازلا في بادية الشّام.

فلمّا ولد له من هاجر إسماعيل اغتمّت سارة من ذلك غمّا شديدا، لأنّه لم يكن له منها ولد، و (11) كانت تؤذي إبراهيم في هاجر و تغمّه. فشكى إبراهيم- (عليه السلام)- ذلك إلى اللّه- عزّ و جلّ-.

____________

(1) ب: الرحل.

(2) أي: و قرئ: «أفدة».

(3) أنوار التنزيل 1/ 533.

(4) الإحتجاج 1/ 160.

(5) أ، ب، ر: إليها.

(6) البصائر/ 149، ح 2.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و اجعل.

(8) كذا في أنوار التنزيل 1/ 533.

(9) الجوامع/ 234.

(10) تفسير القمّي 1/ 60- 61.

(11) ليس في المصدر.

77

فأوحى اللّه إليه: إنّما مثل المرأة مثل الضّلع العوجاء، إن تركتها استمتعت‏ (1) بها، و إن أقمتها كسرتها. ثمّ أمره أن يخرج إسماعيل و أمّه عنها (2).

فقال: يا ربّ، إلى أيّ مكان؟

قال: إلى حرمي و أمني، و أوّل بقعة خلقتها من الأرض، و هي مكّة.

فأنزل اللّه عليه جبرئيل- (عليه السلام)- بالبراق، فحمل هاجر و إسماعيل و إبراهيم- (عليه السلام)- عليها (3)، و كان إبراهيم لا يمرّ بموضع حسن فيه شجر و نخل و زرع إلّا (4) و قال:

يا جبرئيل، إلى هاهنا إلى هاهنا؟ فيقول جبرئيل- (عليه السلام)-: لا، امض امض.

حتّى وافى‏ (5) مكّة، فوضعه في موضع البيت.

و قد كان إبراهيم- (عليه السلام)- عاهد سارة ألّا ينزل حتّى يرجع إليها. فلمّا نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة، فألقت هاجر على‏ (6) ذلك الشّجر كساء كان معها، فاستظلّوا تحته.

فلمّا سرّحهم إبراهيم و وضعهم و أراد الانصراف منهم إلى سارة، قالت له هاجر: يا إبراهيم، لم تدعنا في موضع ليس فيه أنيس و لا ماء و لا زرع؟

فقال إبراهيم: اللّه، الّذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان، حاضر عليكم.

ثمّ انصرف عنهم. فلمّا بلغ كداء (7)، و هو جبل بذي طوى، التفت إليهم إبراهيم فقال:

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ‏ (الآية). ثمّ مضى و بقيت هاجر.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، و قد مضى تمامه في سورة البقرة.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن الفضل بن موسى الكاتب، عن أبي الحسن، موسى جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ إبراهيم- (صلوات اللّه عليه)- لمّا أسكن إسماعيل- (عليه السلام)- و هاجر مكّة، و ودّعهما لينصرف عنهما، بكيا.

فقال لهما إبراهيم- (عليه السلام)-: ما يبكيكما، فقد خلّفتكما في أحبّ الأرض إلى اللّه و في حرم اللّه؟

____________

(1) المصدر: استمتعتها.

(2) ليس في المصدر.

3 و 4- ليس في المصدر.

(5) المصدر: أتى.

(6) ب: في.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: كدى.

(8) تفسير العياشي 2/ 232، ح 37.

78

فقالت له هاجر: يا إبراهيم، ما كنت أرى أنّ نبيّا مثلك يفعل ما فعلت.

قال: و ما فعلت؟

قالت: إنّك خلّفت امرأة ضعيفة و غلاما ضعيفا لا حيلة لهما بلا أنيس من بشر، و لا ماء يظهر، لا زرع قد بلغ، و لا ضرع يحلب.

قال: فرّق إبراهيم و دمعت عيناه عند ما سمع منها، فأقبل حتّى انتهى إلى باب بيت اللّه الحرام فأخذ بعضادتي الكعبة، ثمّ قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ (الآية).

قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: فأوحى اللّه إلى إبراهيم: أن اصعد أبا قبيس فناد في النّاس: يا معشر الخلائق، إنّ اللّه يأمركم بحجّ هذا البيت الّذي بمكّة محرّما من استطاع إليه سبيلا فريضة من اللّه.

[قال:] (1) فمدّ اللّه لإبراهيم في صوته، حتّى أسمع به أهل المشرق و المغرب، و ما بينهما من جميع ما قدّر اللّه و قضى في أصلاب الرّجال من النّطف، و جميع ما قدّر اللّه و قضى في أرحام النّساء إلى يوم القيامة. فهناك [يا فضل‏] (2) وجب الحجّ على جميع الخلائق و التّلبية من الحاجّ في أيّام الحجّ، هي إجابة لنداء إبراهيم- (عليه السلام)- يومئذ بالحجّ عن اللّه.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ان أذينة، عن الفضيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏-: أنّه‏ (4) نظر إلى النّاس يطوفون حول الكعبة، فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهليّة، انّما أمروا أن يطّوّفوا بها، ثمّ ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم و مودّتهم و يعرضوا علينا نصرتهم. ثمّ قرأ هذه الآية: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏.

و في روضة الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- لقتادة (6): من‏

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) الكافي 1/ 392، ح 1.

(4) المصدر: قال.

(5) الكافي 8/ 311، ح 485.

(6) قتادة بن دعامة، من مشاهير محدّثي العامّة و مفسّريهم، روى عن أنس بن مالك و أبي الطفيل و سعيد بن المسيّب و الحسن البصريّ و غيرهم.

79

خرج من بيته بزاد و راحلة و كراء حلال يروم هذا البيت عارفا بحقّنا يهوانا قلبه، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ و لم يعن: البيت، فيقول:

إليه. فنحن و اللّه دعوة إبراهيم- (عليه السلام)- ممّن هوانا قلبه قبلت حجّته و إلّا فلا، يا قتادة، فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنّم يوم القيامة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: و الأفئدة من النّاس تهوي إلينا، و ذلك دعوة إبراهيم- (عليه السلام)- [حيث‏] (2) قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏: أما إنّه لم يعن: النّاس كلّهم. أنتم أولئك و نظراؤكم، و (4) إنّما مثلكم في النّاس مثل الشّعرة البيضاء في الثّور الأسود (5)، أو مثل الشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض.

عن ثعلبة بن ميمون‏ (6)، عن ميسر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ أبانا إبراهيم كان ممّا اشترط على ربّه، فقال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏.

[و في رواية أخرى‏ (7): عنه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ أبانا إبراهيم- (صلوات اللّه عليه)- كان فيما اشترط على ربّه أن قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏] (8) أما إنّه لم يعن‏ (9): النّاس كلّهم. أنتم أولئك، رحمكم اللّه‏ (10)، و نظراؤكم، إنّما مثلكم في النّاس مثل الشّعرة البيضاء في الثّور الأسود، أو الشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض.

و في عوالي اللّئالي‏ (11): و قال الصّادق- (عليه السلام)‏- في تفسير قوله- تعالى-:

وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ‏: هو ثمرات القلوب.

____________

(1) الإحتجاج 1/ 160.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 233، ح 39.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: السّوداء.

(6) تفسير العياشي 2/ 233- 234، ح 40.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 41.

(8) ليس في أ، ب.

(9) المصدر: لم يقل.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: رجحكم اللّه.

(11) العوالي 2/ 98، ح 257.

80

و قال الصّادق- (عليه السلام)‏- (1): إنّ الثّمرات تحمل إليهم من الآفاق، و قد استجاب اللّه له حتّى لا يوجد في بلاد الشّرق و الغرب ثمرة لا توجد فيها، حتّى حكي أنّه يوجد (2) فيها في يوم واحد فواكه ربيعيّة و صيفيّة و خريفيّة و شتائيّة.

رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ‏: تعلم سرّنا، كما تعلم علننا.

و المعنى: أنّك أعلم بأحوالنا و مصالحنا و أرحم بنا منّا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطّلب، لكنّا ندعوك أظهارا لعبوديتك و افتقارا إلى رحمتك و استعجالا لنيل ما عندك.

و قيل‏ (3): ما نخفي من وجد الفرقة، و ما نعلن من التّضرّع إليك و التّوكل عليك.

و تكرير النّداء للمبالغة في التّضرّع، و اللّجأ إلى اللّه.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن السّديّ‏ (5) قال: سمعت‏ (6) أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ (7): رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ من شأن إسماعيل، و ما أخفى أهل البيت.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه الفرّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يعلم ما يريد العبد إذا دعاه، و لكنّه يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج. فإذا دعوت، فسمّ حاجتك.

و في حديث آخر (9) قال‏: قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يعلم حاجتك و ما تريد، و لكن يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج.

وَ ما يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (38): لأنّه العالم بعلم ذاتيّ، يستوي نسبته إلى كلّ معلوم‏ (10).

و «من» للاستغراق.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 258، و في نور الثقلين 2/ 551، ح 118 و تفسير الصافي 3/ 91 الباقر بدل الصادق- (عليهما السلام)-.

(2) أ، ب، ر: وجد.

(3) أنوار التنزيل 1/ 533.

(4) تفسير العياشي 2/ 234، ح 44.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الثرى.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: سمعنا.

(7) المصدر: يقرأ.

(8) الكافي 2/ 476، ح 1.

(9) الكافي 2/ 476، ح 1.

(10) الأولى أن يقال: إنّ كلّ شي‏ء موجود بإرادته- تعالى- فيجب أن يكون علمه محيطا بها.

81

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ، أي: وهب لي و أنا كبير آيس من الولد.

قيّد الهبة بحال الكبر استعظاما للنّعمة، و إظهارا لما فيها من آلائه.

إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ‏.

نقل‏ (1): أنّه ولد له إسماعيل لتسع و تسعين سنة، و إسحاق لمائة و اثنتي عشرة سنة.

إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39)، أي: لمجيبه. من قولك: سمع الملك كلامي: إذا اعتدّ به.

و هو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السّماع إلى دعاء اللّه على المجاز.

و فيه إشعار بأنّه دعا ربّه و سأل منه الولد، فأجابه و وهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه، ليكون من أجلّ النّعم و أجلاها.

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ: معدّلا لها، مواظبا عليها.

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏: عطف على المنصوب في «اجعلني».

و التّبعيض، لعلمه بإعلام اللّه و استقراء عادته في الأمم الماضية، أنّه يكون في ذرّيّته كافر.

رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ (40): و استجب دعائي. أو و تقبّل عبادتي.

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏ و قرئ‏ (2): «و لأبويّ» (3).

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: إنّما نزلت «و لولديّ»، إسماعيل و إسحاق.

و في مجمع البيان‏ (5): و قرأ حسين‏ (6) بن عليّ- (عليه السلام)- و أبو جعفر، محمّد بن علي- (عليه السلام)-: «و لولديّ».

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن حريز [بن عبد اللّه‏] (8) [عن أبي عبد اللّه عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 533.

(2) أنوار التنزيل 1/ 534.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لأبويه.

(4) تفسير القمّي 1/ 371- 372.

(5) المجمع 3/ 317.

(6) المصدر: الحسن.

(7) تفسير العياشي 2/ 234، ح 45.

(8) من المصدر.

82

السّلام‏] (1)، عمّن ذكره، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- أنّه [كان يقرأ] (2) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏ (3)، يعني: إسماعيل و إسحاق.

[و في رواية اخرى‏ (4) عمّن ذكره عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- أنّه قرأ: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏] (5) قال آدم و حوّاء.

عن جابر (6) قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏.

قال: هذه كلمة صحفها (7) الكتاب، إنّما كان استغفاره لأبيه عن موعدة وعدها إيّاه، و إنّما كان‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏ (8)، يعني: إسماعيل و إسحاق. و الحسن و الحسين، و اللّه، ابنا (9) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏ (41): يثبت. مستعار من القيام على الرّجل، كقولهم: قامت‏ (10) الحرب على ساق، أو يقوم إليه أهله. فحذف المضاف، أو أسند إليه قيامهم مجازا.

وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ‏: خطاب لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قيل‏ (11): المراد به: تثبيته على ما هو عليه و التّنبيه على أنّه مطّلع على أحوالهم و أفعالهم لا يخفى عليه خافية، و الوعيد بأنّه معاقبهم على قليله و كثيره لا محالة.

أو لكلّ‏ (12) من توهّم غفلته، جهلا بصفاته و اغترارا بإمهاله.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) من المصدر.

(3) نور الثقلين 2/ 552، ح 124: «و لولديّ» و هو الصحيح بدليل ما بعدها.

(4) تفسير العياشي 2/ 234، ح 46.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 235، ح 47.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: صفحها.

(8) كذا في نور الثقلين 2/ 552، ح 126. و في النسخ و المصدر: لوالديّ.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «و إنّما عنى» بدل «و اللّه ابنا».

(10) ب: زيادة «و اللّه».

(11) أنوار التنزيل 1/ 534.

(12) أي: أو خطاب لكلّ.

83

و قيل‏ (1): إنّه تسلية للمظلوم، و تهديد للظّالم.

إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ‏: يؤخّر عذابهم.

و عن أبي عمرو (2)، بالنّون‏ (3).

تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42)، أي: تشخص أبصارهم، فلا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: تبقى أعينهم مفتوحة من هول جهنّم، لا يقدرون أن يطرفوا. (5) مُهْطِعِينَ‏: مسرعين إلى الدّاعي. أو مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة و خوفا.

و «الإهطاع» هو الإقبال على الشّي‏ء.

مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ‏: رافعيها.

لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ‏: بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف. أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم.

وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43).

قيل‏ (6): خلاء، أي: خالية عن الفهم لفرط الحيرة و الدّهشة. و منه يقال للأحمق و للجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه و لا قوّة.

و قيل‏ (7): خالية من الخير، خاوية عن الحقّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قال: قلوبهم تتصدّع من الخفقان.

وَ أَنْذِرِ النَّاسَ‏: يا محمّد.

يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ‏، يعني: يوم القيامة. أو يوم الموت، فإنّه أوّل يوم عذابهم.

و هو مفعول ثان «لأنذر».

فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا: بالشّرك و التّكذيب.

رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏: أخّر العذاب عنّا، و ردّنا إلى الدّنيا، و أمهلنا

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 534.

(3) أي: «يؤخّرنّهم».

(4) تفسير القمّي 1/ 372.

(5) طرف عنه: أطبق أحد جفنيه على الآخر.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 534.

(8) تفسير القمّي 1/ 372.

84

إلى أمد من الزّمان قريب. أو أخّر آجالنا، و أبقنا مقدار ما نؤمن بك و نجيب دعوتك.

نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ‏: جواب للأمر، و نظيره‏ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ‏.

في روضة الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي الصّباح بن عبد الحميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و اللّه، للّذي صنعه الحسن بن علي- (عليهما السلام)- كان خيرا لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشّمس. و اللّه، لقد نزلت هذه الآية أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ إنّما هي طاعة الإمام، و طلبوا (2) القتال‏ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ‏ مع الحسين- (عليه السلام)- قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ‏ أرادوا تأخير ذلك إلى القائم- (عليه السلام)-.

أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ‏ (44): على إرادة القول.

و «ما لكم» جواب القسم جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية (3).

و المعنى: أقسمتم أنّكم باقون في الدّنيا لا تزالون بالموت. و لعلّهم أقسموا بطرا و غرورا (4)، أو دلّ عليه حالهم حيث بنوا شديدا و أمّلوا بعيدا.

و قيل‏ (5): أقسموا أنّهم لا ينتقلون إلى دار أخرى، كقوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أي: لا تهلكون.

وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏: بالكفر و المعاصي، كعاد.

و أصل «سكن» أن يعدّى بفي، كقرّ في الدّار، و غنى فيها، و أقام فيها. و قد

____________

(1) الكافي 8/ 330، ح 506.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: طلبه.

(3) أي: فالتّعبير بالخطاب في قوله- تعالى-:

ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ‏ ليس على الحكاية عن قولهم، إذ عبارتهم ليست على طريق الخطاب بل على طريق التكلّم، بل الخطاب بناء على مطابقته مع «أقسمتم».

(4) أي: ليس قسمهم بناء على اعتقادهم أنّهم لا يموتون، لأنّ هذا الاعتقاد خلاف صريح العقل و شهادة الأموات، و إنّما قالوا ذلك باللّسان تكبّرا و غرورا، و المراد: أنّهم فعلوا ما يدلّ على أنّهم لا يموتون فنزّل حالهم منزلة القسم.

(5) أنوار التنزيل 1/ 534.

(6) تفسير القمّي 1/ 372.

85

يستعمل بمعنى التّبوّؤ، فيجري مجراه، كقولك: سكنت الدّار.

وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ‏: بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم، و ما تواتر عندكم من أخبارهم.

وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ‏ (45): من أحوالهم، أي: بيّنّا لكم أنّكم مثلهم في الكفر و استحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا و فعل بهم الّتي هي في الغرابة، كالأمثال المضروبة، فلم تعتبروا.

وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ‏: المستفرغ فيه جهدهم، لإبطال الحقّ و تقرير الباطل.

وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ‏: و مكتوب عنده فعلهم، و هو مجازيهم عليه. أو عنده ما يمكرهم به، جزاء لمكرهم و إبطالا له.

وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ‏: في العظم و الشّدّة.

لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ‏ (46): مسوّى و معدّا لإزالة الجبال.

و قيل‏ (1): «إن» نافية و «اللّام» مؤكّدة لها، كقوله: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ‏.

على أنّ «الجبال» مثل لأمر النّبيّ و نحوه.

و قيل‏ (2): مخفّفة من الثّقيلة (3). و المعنى: أنّهم ليزيلوا ما هي كالجبال الراسيّة ثباتا و تمكّنا من آيات اللّه و شرائعه.

و قرأ (4) الكسائيّ: «لتزول» بالفتح و الرّفع، على أنّها المخفّفة و «اللّام» هي الفاصلة، و معناه تعظيم مكرهم.

و قرئ‏ (5)، بالفتح و النّصب، على لغة من يفتح لام «كي».

و قرئ‏ (6): «و إن كاد مكرهم».

في تفسير العيّاشي‏ (7): عن سعد بن عمر، عن غير واحد ممّن حضر أبا عبد اللّه- عليه‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 535.

(3) خبر «إنّ» المخففّة يلزمها اللّام المفتوحة، و لهذا قال صاحب المغني: يلزمها لام الابتداء إلّا إذا دلّ دليل على أنّ «ان» للإثبات ليست بنافية، كما في قراءة أبي رجاء: «و إن كلّ ذلك لما متاع الحياة الدنيا» بكسر اللّام.

(4) أنوار التنزيل 1/ 535.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 535.

(7) تفسير العياشي 2/ 235، ح 49.

86

السّلام- و رجل يقول: قد بنيت‏ (1) دار صالح و دار عيسى‏ (2) بن عليّ. ذكر دور العبّاسيّين، فقال رجل: أراناها اللّه خرابا، أو خرّ بها بأيدينا.

فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا تقل هكذا، بل تكون‏ (3) مساكن القائم و أصحابه. أما سمعت اللّه يقول: وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏.

عن جميل بن درّاج‏ (4) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ‏ و إن كان مكر بني عبّاس‏ (5) بالقائم لتزول منه قلوب الرّجال.

عن الحارث‏ (6)، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: إنّ نمرود أراد أن ينظر (7) إلى ملك السّماء، فأخذ نسورا أربعة فربّاهنّ حتّى كنّ نشاطا (8)، و جعل تابوتا من خشب و أدخل فيه رجلا، ثمّ شدّ قوائم النّسور بقوائم التّابوت، ثمّ أطارهنّ‏ (9)، ثمّ جعل في وسط التّابوت عمودا و جعل في رأس العمود لحما، فلمّا رأى النّسور اللّحم طرن و طرن بالتّابوت و الرّجل، فارتفعن إلى السّماء، فمكث ما شاء اللّه. ثمّ إنّ الرّجل أخرج من التّابوت رأسه فنظر [إلى السّماء] (10) فإذا هي على حالها، و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى [الجبال إلّا كالذّرّ ثمّ مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى إلّا الماء ثمّ مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى‏] (11) شيئا، فلمّا يرى سفل العمود و طلب النّسور اللّحم، و سمعت‏ (12) الجبال هدّة النّسور فخافت من أمر السّماء، و هو قول اللّه: وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (13): ثمّ قال: وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ‏ قال: مكر بني فلان.

____________

(1) المصدر: ثبت.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «و داود و عيسى».

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تكن.

(4) تفسير العياشي 2/ 235.

(5) المصدر: «مكروا العباس» بدل «مكر بني عبّاس».

(6) تفسير العياشي 2/ 235- 236، ح 51.

(7) المصدر: ينشر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: شاكم.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: صراهن.

10 و 11- من المصدر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: وسعت.

(13) تفسير القمّي 1/ 372.

87

فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ‏، مثل قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي‏.

و أصله: مخلف رسله وعده. فقدّم المفعول الثّاني إيذانا بأنّه لا يخلف الوعد أصلا، كقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ. و إذا لم يخلف وعده أحدا، كيف يخلف رسله؟

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: غالب لا يماكر، قادر لا يدافع.

ذُو انتِقامٍ‏ (47): لأوليائه من أعدائه.

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏: بدل من‏ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ‏. أو ظرف «للانتقام» أو مقدّر «باذكر»، أو لا يخلف وعده.

و لا يجوز أن ينتصب «مخلف» لأنّ ما قبل «إنّ» لا يعمل فيما بعده.

و السموات: عطف على «الأرض»، و تقديره، و السّموات غير السّموات.

و التّبديل يكون في الذّات، كقولك: بدّلت الدّراهم بالدّنانير. و عليه قوله:

بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها. و في الصّفة (1)، كقولك: بدّلت الحلقة خاتما: إذا أذبتها و غيّرت شكلها. و عليه قوله: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏.

و من طريق العامّة (2): عن عليّ- (عليه السلام)‏-: تبدّل أرضا من فضّة، و سموات من ذهب.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و عن ثوبان قال‏: إنّ يهوديّا جاء إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، أسألك فتخبرني.

فركضه‏ (4) ثوبان برجله، و قال: قل: يا رسول اللّه.

فقال: لا أدعوه إلّا بما سمّاه أهله.

فقال: أ رأيت قوله- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏ أين النّاس يومئذ؟

قال: في الظّلمة (5) دون المحشر.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) أي: و التبديل يكون في الصّفة.

(2) أنوار التنزيل 1/ 535.

(3) الاحتجاج 1/ 50.

(4) ركضه: ضربه.

(5) أ، ب: الظلّة.

88

و في كتاب الخصال‏ (1)، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لقد خلق اللّه- تعالى- في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين، ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم‏ (2) الأرض فأسكنهم فيها (3) واحدا بعد واحد مع عالمه، ثمّ خلق اللّه آدم، أبا هذا البشر، و خلق ذرّيّته منه. فلا و اللّه، ما خلت الجنّة من أرواح‏ (4) المؤمنين منذ خلقها اللّه، و لا خلت النّار من أرواح الكافرين‏ (5) منذ خلقها اللّه. لعلكم‏ (6) ترون أنّه إذا كان يوم القيامة، و صيّر اللّه أبدان أهل الجنّة مع أرواحهم في الجنّة، و صيّر أبدان أهل النّار مع أرواحهم في النّار، أنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يعبد في بلاده، و لا يخلق خلقا يعبدونه و يوحّدونه و يعظّمونه، بلى و اللّه، ليخلقنّ [اللّه‏] (7) خلقا من غير فحولة و لا إناث، يعبدونه و يوحّدونه و يعظّمونه، و يخلق لهم أرضا تحملهم و سماء تظلّهم، أليس اللّه يقول: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏. و قال اللّه- عزّ و جلّ-: أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.

و في روضة الكافي‏ (8): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، ثابت بن دينار الثّمالي، و أبو منصور عن أبي الرّبيع قال: حججنا مع أبي جعفر- (عليه السلام)- في السّنة الّتي كان حجّ فيها هشام بن عبد الملك، و كان معه نافع، مولى عمر بن الخطّاب.

فقال نافع‏ (9): يا ابن رسول اللّه، فأخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏ أيّ أرض تبدّل يومئذ؟

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أرض تبقى خبزة، يأكلون منها (10) حتّى يفرغ اللّه من الحساب.

فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: أ هم يومئذ أشغل، أم إذ هم في النّار؟

____________

(1) الخصال 2/ 358- 359، ح 45.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أدم.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فأسكنوها.

(4) أ، ر: الأرواح.

(5) المصدر: الكفار و العصاة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لعكم.

(7) من المصدر.

(8) الكافي 8/ 120- 122، ح 93.

(9) ليس في أ، ب.

(10) يوجد في ب، المصدر.

89

[فقال نافع: بل إذ هم في النّار] (1).

قال: فو اللّه، ما شغلهم إذا دعوا بالطعام فأطعموا الزّقّوم، و دعوا بالشّراب فسقوا الحميم.

قال: صدقت، يا ابن رسول اللّه.

و الحديث طول أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير [عن سليمان بن جعفر] (3)، عن هشام بن سالم، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سأله الأبرش الكلبيّ عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏.

قال: تبدّل الأرض خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا (4) من الحساب.

قال الأبرش: إنّ النّاس [يومئذ] (5) لفي شغل من الأكل و الشّرب.

فقال: أبو جعفر- (عليه السلام)-: هم في النّار لا يشتغلون عن أكل الضّريع و شرب الحميم و هم في العذاب، فكيف يشتغلون عنه في الحساب؟

عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد [بن محمّد] (7) بن أبي عبد اللّه، [عن أبيه‏] (8)، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏.

قال: تبدّل خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا من الحساب.

فقال له قائل: إنّهم لفي شغل يومئذ عن الأكل و الشّرب.

فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق ابن آدم أجوف و لا بدّ له من الطّعام و الشّراب، أهم أشدّ شغلا يومئذ أم في النّار؟ فقد استغاثوا و اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)، حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي الرّبيع قال: سأل نافع، مولى عمر الخطّاب أبا جعفر، محمّد بن عليّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 6/ 286، ح 1.

(3) من المصدر مع المعقوفتين.

(4) المصدر: يفرغ.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 6/ 286- 287، ح 4.

(7) ليس في أ، ب، المصدر.

(8) ليس في المصدر.

(9) تفسير القمّي 1/ 232- 234.

90

- (عليه السلام)- فقال: يا أبا جعفر، أخبرني عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏ [بأي أرض تبدّل‏] (1).

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بخبزة بيضاء، يأكلون منها حتّى يفرغ اللّه من حساب الخلائق.

فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: [أهم‏] (2) حينئذ أشغل، أم‏ (3) هم في النّار؟

قال نافع: بل هم في النّار.

قال: فقد قال اللّه: وَ نادى‏ أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏ ما (4) شغلهم إذ دعوا الطّعام فأطعموا الزّقّوم، و دعوا بالشّراب فسقوا الحميم.

فقال: صدقت، يا ابن رسول اللّه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثني أبي‏ (5)، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن ثوير بن أبي فاختة، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: سئل عن النّفختين، كم بينهما؟

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: فيخرج الصّوت من الطّرف الّذي يلي السّموات، فلا يبقى في السّموات ذو روح إلّا صعق و مات إلّا إسرافيل.

قال: فيقول [اللّه‏] (6) لإسرافيل: [يا إسرافيل‏] (7) مت. فيموت لإسرافيل، فيمكثون في ذلك ما شاء اللّه، ثمّ يأمر اللّه السّموات فتمور و يأمر الجبال فتسير، و هو قوله: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً، يعني: تبسط، و تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏، يعني، بأرض لم تكسب عليها الذّنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات، كما دحاها أوّل مرّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ‏، يعني: تبدّل خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من‏

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) المصدر: أو و.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ممّا.

(5) تفسير القمّي 2/ 252.

6 و 7- من المصدر.

(8) تفسير العياشي 2/ 237، ح 53.

91

الحساب، قال اللّه: وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ‏.

عن محمّد بن هاشم‏ (1)، عمّن أخبره، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال له الأبرش الكلبيّ: بلغني أنّك قلت في قول اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏: إنّها تبدّل خبزة.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: صدقوا، تبدّل الأرض خبزة نقيّة في الموقف يأكل النّاس‏ (2) منها.

فضحك الأبرش، و قال: أما لهم شغل بما هم‏ (3) فيه عن أكل الخبز؟

فقال: ويحك، في أيّ المنزلتين هم أشدّ شغلا و أسوء حالا إذا هم في الموقف أو في النّار [يعذبون‏] (4).

فقال لا، في النّار.

فقال: ويحك، و أنّ اللّه يقول: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ‏.

قال: فسكت.

و في مجمع البيان‏ (5): روى أبو هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: تبدّل الأرض غير الأرض و السّموات، فيبسطها و يمدّها مدّ الأديم العكاظيّ، لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، ثمّ يزجر اللّه الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدّلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، و ما كان على ظهرها كان على ظهرها.

و في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- (6)، بالإسناد: عن زرارة و محمّد بن مسلم و حمران بن أعين، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: تبدّل الأرض خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغ النّاس من الحساب، قال اللّه- تعالى-: وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ‏.

و روى سهل بن سعد السّاعديّ‏ (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: يحشر

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 237، ح 54.

(2) المصدر: يأكلون.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لهم.

(4) من المصدر.

5 و 6- المجمع 3/ 324.

(7) المجمع 3/ 324.

92

النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النّقيّ‏ (1)، ليس فيها معلم لأحد.

و روي عن أبي أيّوب الأنصاريّ‏ (2) قال: أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حبر من اليهود، فقال: أ رأيت إذ يقول [اللّه- تعالى-] (3) في كتابه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ‏ فأين الخلق عند ذلك؟

فقال: أضياف اللّه، فلن يعجزهم ما لديه‏ (4).

وَ بَرَزُوا: من أجداثهم.

لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48): لمحاسبته و مجازاته.

و توصيفه بالوصفين‏ (5)، للدّلالة على أنّ الأمر في غاية الصّعوبة، كقوله- تعالى-:

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. فإنّ الأمر إذا كان لواحد غلّاب‏ (6) لا يغالب، فلا مستغاث لأحد إلى غيره و لا مستجار.

وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ‏ قيل‏ (7): قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد و الأعمال، كقوله:

إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ‏. أو قرنوا مع الشّياطين. أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة، و الملكات الباطلة. أو قرنت أيديهم و أرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، و هو يحتمل [أن يكون‏] (8) تمثيلا (9) لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم و أرجلهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): قال: مقيّدين بعضهم إلى بعض.

فِي الْأَصْفادِ (49): متعلّق «بمقرّنين». أو حال من ضميره.

و «الصّفد» القيد.

و قيل‏ (11): الغلّ. و أصله: الشّدّ.

____________

(1) النّقيّ: الحواري، و هو الدّقيق الأبيض، و هو لباب الدّقيق.

(2) المجمع 3/ 325.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ما لديهم.

(5) أي: الواحد القهّار.

(6) ب: غالب.

(7) أنوار التنزيل 1/ 535.

(8) ليس في أ، ب.

(9) أي: يحتمل أن يكون التّقرين بين الايدي و الأرجل استعارة عن اقتران ما اكتسبته أيديهم و أرجلهم بالأعضاء المذكورة، فالمعنى: مقرونين بما اكتسبته أيديهم و أرجلهم.

(10) تفسير القمّي 1/ 372.

(11) أنوار التنزيل 1/ 536.

93

سَرابِيلُهُمْ‏: قمصانهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): «السّرابيل» القميص‏ (2).

مِنْ قَطِرانٍ‏: و هو ما يتحلّب من الأبهل‏ (3)، فيطبخ فهنأ (4) به الإبل الجرباء فيحرق الجرب بحدّته، و هو أسود منتن تشتعل فيه النّار بسرعة، تطلى به جلود أهل النّار حتّى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذع القطران و وحشة لونه و نتن ريحه، مع إسراع النّار في جلودهم، على أنّ التّفاوت بين القطرانين، كالتّفاوت بين النّارين.

و يحتمل أن يكون تمثيلا، لما يحيط بجوهر النّفس من الملكات الرّديئة و الهيئات الوحشيّة، فتتجلّب إليها أنواعا من الغموم و الآلام.

و عن يعقوب‏ (5): «قطران» و القطر: النّحاس، أو الصّفر المذاب. و الآني:

المتناهي حرّه.

و الجملة حال ثانية، أو حال من الضّمير في «مقرّنين».

وَ تَغْشى‏ وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50).

قيل‏ (6): أي: و تتغشّاها، لأنّهم لم يتوجّهوا بها إلى الحقّ، و لم يستعملوا في تدبّره مشاعرهم و حواسّهم إلى ما خلقت فيها لأجله، كما تطّلع على أفئدتهم، فإنّها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات. و نظيره قوله: أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، و قوله- تعالى-: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ‏ هو الصّفر الحارّ الذّائب، يقول اللّه: [انتهى حرّه‏] (8) وَ تَغْشى‏ وُجُوهَهُمُ النَّارُ سربلوا ذلك الصّفر، فتغشى وجوههم النّار.

حدّثني أبي‏ (9)، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال جبرئيل- (عليه السلام)-: لو أنّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 372.

(2) الظاهر الصحيح: أقمصة أو قمصان.

(3) أبهل: شجيرة مستديمة الخضرة من عاريات البذور من المخروطيّات تشبه العرعر.

(4) هنأ الإبل: طلاها بالقطران.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 536.

(7) تفسير القمّي 1/ 372.

(8) ليس في أ، ب.

(9) تفسير القمّي 2/ 81.

94

سربالا من سرابيل أهل النّار علّق بين السّماء و الأرض، لمات أهل الأرض من ريحه و وهجه‏ (1).

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و ألبسهم سرابيل القطران و مقطّعات النّيران، في عذاب قد اشتدّ حرّه، و باب قد أطبق على أهله.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ النّائحة إذا لم تتب‏ (4) قبل موتها، تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران و درع من جرب.

لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ‏، أي: يفعل بهم ذلك ليجزي اللّه كلّ نفس مجرمة.

ما كَسَبَتْ‏. أو كلّ نفس من مجرمة أو مطيعة، لأنّه إذا بيّن أنّ المجرمين معاقبون لإجرامهم علم أنّ المطيعين يثابون لطاعتهم، و يتعيّن ذلك إن علّق «اللّام» «ببرزوا» (5).

إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (51): لأنّه لا يشغله حساب عن حساب.

هذا: إشارة إلى القرآن. أو السّورة. أو ما فيه من العظة و التّذكير. أو ما وصفه بقوله: وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا.

بَلاغٌ لِلنَّاسِ‏: كفاية لهم في الموعظة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ‏، يعني: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ‏: عطف على محذوف، أي: لينصحوا و لينذروا بهذا البلاغ، فتكون «اللّام» متعلّقة بالبلاغ.

و يجوز أن تتعلّق بمحذوف، تقديره: و لينذرا به أنزل أو تلي.

و قرئ‏ (7)، بفتح الياء. من نذر به: إذا علمه‏ (8) و استعدّ له.

____________

(1) الوهج: حرارة النّار.

(2) النهج/ 162 الخطبة 109.

(3) الخصال 1/ 226، ح 60.

(4) أ، ب، ر: تثبت.

(5) لأنّ ضمير «برزوا» راجع إلى جميع الخلائق المؤمنين و المجرمين، فيكون الجزاء شاملا للإثابة و العقوبة. و أمّا إذا كان اللّام متعلّقا «بتغشى» كان صريحا لبيان حال المجرمين، و حال المؤمنين تعلم بالمقايسة.

(6) تفسير القمّي 1/ 372.

(7) أنوار التنزيل 1/ 536.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: علم.

95

وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ: بالنّظر، و التّأمّل فيما فيه من الآيات الدّالة عليه و المنبّهة على ما يدلّ عليه‏ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (52): فيرتدعوا عمّا يرديهم، و يتدرّعوا بما يحظيهم.

99

سورة الحجر

مكّيّة. و هي تسع و تسعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام) قال: من قرأ سورة إبراهيم و الحجر في ركعتين جميعا في كلّ جمعة، لم يصبه فقر أبدا و لا جنون و لا بلوى.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين و الأنصار و المستهزئين بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ‏ (1).

قيل‏ (3): إشارة إلى آيات السّورة، و «الكتاب» هو السّورة، و كذا القرآن.

و تنكيره للتّعظيم‏ (4)، أي: آيات الجامع، لكونه كتابا كاملا و قرآنا يبيّن الرّشد من الغيّ [بيانا غريبا] (5).

رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ‏ (2): حين عاينوا حالهم و حال‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 133، ح 1.

(2) المجمع 3/ 326.

(3) أنوار التنزيل 1/ 537.

(4) أي: إذا كان القرآن عبارة عن السورة، فيجب أن يكون معرّفا، كالكتاب فأجاب بأنّ تنكيره للتعظيم.

(5) ليس في م، ب.

100

المسلمين يوم القيامة.

و قرأ (1) نافع و عاصم، بالتّخفيف‏ (2).

و قرئ‏ (3): «ربما» بالفتح و التّخفيف.

و فيها ثمان لغات‏ (4): ضمّ الرّاء و فتحه مع التّشديد و التّخفيف، و بتاء التّأنيث و دونها.

و «ما» كافّة تكفّه عن الجرّ، فيجوز دخوله على الفعل، و حقّه أن يدخل على الماضي‏ (5)، و لكن لمّا كان المترقّب في إخبار اللّه- تعالى- كالماضي في تحقّقه‏ (6) اجري مجراه.

و قيل‏ (7): «ما» نكرة موصوفة، كقوله:

ربّما تكره النّفوس من الأمر* * * له فرجة كحلّ العقال‏ (8)

و معنى التقليل فيه، قيل: الإيذان بأنّهم لو كانوا يودّون الإسلام مرّة، فبالحريّ أن يسارعوا إليه، فكيف و هم يودّونه كلّ ساعة (9).

و قيل‏ (10): تدهشهم أهوال القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنّوا ذلك. و الغيبة في حكاية ودادهم‏ (11)، كالغيبة في قولك، حلف باللّه ليفعلنّ‏ (12).

في تفسير العيّاشي‏ (13): عن عبد اللّه بن عطاء المكّيّ قال: سألت أبا جعفر- عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 537.

(2) يعني: و قرأ نافع و عاصم: «ربما» بضم الرّاء و تخفيف الباء.

(3) أنوار التنزيل 1/ 537.

(4) ضمّ الرّاء مع التّخفيف و مع التّشديد، و فتح الرّاء مع التخفيف و مع التشديد، فهذه أربعة، و كلّ منها إمّا مع التّاء أو لا، فيحصل ثمانية.

(5) لأنّها وضعت لتقليل المحقّق الواقع أو تحقيقه.

(6) أ، ب: تحقيقه.

(7) أنوار التنزيل 1/ 537.

(8) إذ المعنى: ربّ شي‏ء تكرهه النفوس.

(9) غرضه أنّ «ربّ» هاهنا المقصود منها التكثير، لكن عبّر عنها بلفظ «ربّ» المفيدة للتقليل في أصل وضعها إشعارا بما ذكر.

(10) أنوار التنزيل 1/ 537.

(11) ر: ودادتهم.

(12) أي: الظاهر أن يقال: ربّما يود الذين كفروا لو كنا مسلمين. إذ المعنى: أنّهم يقولون في أنفسهم أو بلسانهم: لو كنا مسلمين. لكن عدل إلى الغيبة، لأنّه- تعالى- مخبر عن حالهم.

(13) تفسير العياشي 2/ 239، ح 1.

101

السّلام- عن قول اللّه: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ‏.

قال: ينادي مناد يوم القيامة يسمع الخلائق: إنّه لا يدخل الجنّة إلّا مسلم. ثمّ يودّ سائر الخلق أنّهم كانوا مسلمين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن رفاعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند اللّه: لا يدخل الجنّة إلّا مسلم. فيومئذ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (2)، ما في معناه.

و فيه‏ (3): مرفوعا، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [قال‏] (4): إذا اجتمع أهل النّار في النّار، و معهم من شاء اللّه من أهل القبلة، قال الكفّار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟

قالوا: بلى.

قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، و قد صرتم معنا في النّار.

قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فيسمع اللّه- عزّ اسمه- ما قالوا، فأمر من كان في النّار من أهل الإسلام فاخرجوا منها، فحينئذ يقول الكفّار: يا ليتنا كنّا مسلمين.

ذَرْهُمْ‏: دعهم.

يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا: بدنياهم.

وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ‏: و يشغلهم توقّعهم لطول الأعمار و استقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد.

فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏ (3): سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه.

و الغرض إقناط الرّسول من ارعوائهم‏ (5)، و إيذانه بأنّهم من أهل الخذلان، و أنّ نصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته.

و فيه إلزام للحجّة، و تحذير عن إيثار التّنعّم و ما يؤدّي إليه طول الأمل.

في أصول الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 372- 373.

2 و 3- المجمع 3/ 328.

(4) من المصدر.

(5) ارعوائهم: زجرهم و صرفهم عمّا هم عليه.

(6) الكافي 2/ 335- 336، ح 3.

102

عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّما أخاف عليكم اثنتين: اتّباع الهوى، و طول الأمل. أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ، و أمّا طول الأمل فينسي الآخرة.

عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عثمان، عن عليّ بن عيسى، رفعه قال: فيما ناجى اللّه- عزّ و جلّ- به موسى- (عليه السلام)-: يا موسى، لا تطوّل في الدّنيا أملك فيقسو قلبك، و القاسي القلب منّي بعيد.

و في الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن داود بن فرقد، عن ابن أبي شيبة (3) الزّهريّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا استحقّت ولاية اللّه و السّعادة جاء الأجل بين العينين و ذهب الأمل وراء الظّهر، و إذا استحقّت ولاية الشّيطان و الشّقاوة جاء الأمل بين العينين و ذهب الأجل وراء الظّهر.

قال‏ (4): و سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّ المؤمنين أكيس؟

فقال: أكثرهم ذكرا للموت و أشدّهم له استعدادا.

محمّد بن يحيى‏ (5)، عن الحسين بن إسحاق، عن عليّ بن مهزيار، عن فضالة، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: [ما أنزل الموت حقّ منزلته من عدّ غدا من أجله.

قال: و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:] (6) ما أطال عبد الأمل إلّا أساء العمل.

و كان يقول: لو رأى العبد أجله و سرعته إليه، لأبغض العمل من طلب الدّنيا.

و في نهج البلاغة (7): قال- (عليه السلام)-: و اعلموا أنّ الأمل يسهي القلب، و ينسي الذّكر. فأكذبوا الأمل فإنّه غرور، و صاحبه مغرور.

و في كتاب الخصال‏ (8): عن عبد اللّه بن حسن [بن حسن‏] (9) بن عليّ، عن أمّه‏

____________

(1) الكافي 2/ 329، ح 1.

(2) الكافي 3/ 257- 258، ح 27.

(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 428. و في النسخ: أبي شيبة.

(4) الكافي 3/ 258، ح 27.

(5) نفس المصدر و المجلّد/ 259، ح 30.

(6) ليس في أ، ب.

(7) النهج/ 118، الخطبة 86.

(8) الخصال 1/ 79، ح 128.

(9) ليس في ب، نور الثقلين 3/ 3، ح 11.

103

[فاطمة] (1) بنت الحسين، عن أبيها- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ صلاح أوّل هذه الأمّة بالزّهد و اليقين، و هلاك آخرها بالشّحّ‏ (2) و الأمل.

وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ‏ (4): أجل مقدّر كتب في اللّوح.

و المستثنى جملة واقعة صفة «لقرية»، و الأصل أن لا يدخلها الواو، كقوله: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ‏. و لكن لمّا شابهت صورتها صورة (3) الحال أدخلت عليها، تأكيدا للصوقها بالموصوف‏ (4).

ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ‏ (5)، أي: و ما يستأخرون عنه.

و تذكير ضمير «أمّة» (5) فيه، للحمل على المعنى‏ (6).

وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ: نادوا به النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- على التّهكّم. ألا ترى الى ما نادوه له و هو قولهم‏ (7): إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏ (6): لتقول قول المجانين حين تدعي أن نزّل عليك الذّكر، أي: القرآن.

لَوْ ما تَأْتِينا ركّب «لو» مع «ما»، كما ركّبت مع «لا» لمعنيين: لامتناع الشّي‏ء لوجود غيره، و التّحضيض‏ (8).

بِالْمَلائِكَةِ: ليصدّقوك و يعضدوك على الدّعوة، كقوله: لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أو للعقاب على تكذيبنا، كما أتت الأمم المكذّبة من قبل.

إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (7): في دعواك.

ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ: بالياء مسندا إلى ضمير اسم اللّه.

____________

(1) من المصدر.

(2) الشحّ: البخل.

(3) ب: بصورة.

(4) لأنّ الواو للوصلة بين الشيئين.

(5) و هو الضمير في «يستأخرون».

(6) لأنّ الغالب من الامّة مذكّرون.

(7) كذا في أنوار التنزيل 1/ 538. و في النسخ:

لقوله تعالى.

(8) يدلّ على أنّ «لو ما» لها معنيان: أحدهما امتناع الشي‏ء لوجود غيره، و الثاني التحضيض.

و عبارة الكشّاف أصرح منه، فإنّه قال: «لو» ركّب مع «لا» و «ما» لمعنيين: أحدهما امتناع الشي‏ء لوجود غيره كقول الشاعر:

لولا الحياء و لو لا الدّين عبتكما* * * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري‏

و الثاني التّحضيض.

104

و قرأ (1) حمزة و الكسائي و حفص، بالنّون. و أبو بكر، بالتّاء و البناء للمفعول، و رفع الملائكة.

و قرئ‏ (2): «ما تنزّل» بمعنى تتنزّل.

إِلَّا بِالْحَقِ‏: إلّا تنزيلا متلبّسا بالحقّ.

قيل‏ (3): أي: بالوجه الّذي قدّره و اقتضته حكمته، و لا حكمة في أن تأتيكم بصورة تشاهدونها فإنّه لا يزيدكم إلّا لبسا، و لا في معاجلتكم بالعقوبة فإنّ منكم و من ذراريّكم من سبقت كلمتنا له بالإيمان.

و قيل‏ (4): «الحقّ» الوحي. أو العذاب.

وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ‏ (8): جزاء لشرط مقدّر، أي: و لو نزّلنا الملائكة ما كانوا منظرين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): فقال‏ (6): لو أنزلنا الملائكة لم ينظروا، و هلكوا.

و جملة ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ و ما عطف عليه‏ (7) في موضع الحال من فاعل «قالوا»، و الرّابطة الضّمير في المعطوف. و يحتمل الاستئناف بالرّدّ عليهم.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ: ردّ لإنكارهم و استهزائهم، و لذلك أكدّه من وجوه‏ (8) و قرره بقوله: وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (9)، أي: من التّحريف و الزّيادة و النّقص، بأن جعلناه معجزا مباينا لكلام البشر بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللّسان. أو نفي تطرّق الخلل إليه في الدّوام بضمان الحفظ له، كما نفى أن يطعن فيه بأنّه المنزل له.

و قيل‏ (9): الضّمير في «له» للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب‏ (10)، بعد أن ذكر قوله- تعالى-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ، ثمّ قوله- تعالى-: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏: يوسف القطّان‏ (11)،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 538.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 538.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمّي 1/ 373.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قالوا.

(7) الأظهر: عليها.

(8) الأوّل: إيراد «إنّ»، الثاني: إيراد الجملة الاسميّة، الثالث: تكرير الإسناد.

(9) أنوار التنزيل 1/ 538.

(10) المناقب 4/ 178- 179.

(11) كذا في رجال النجاشي/ 1209. و في أ، ب، ر: القطاح.

105

و وكيع بن الجرّاح، و إسماعيل السّدي‏ (1)، و سفيان الثّوريّ أنّه قال الحارث: سألت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن هذه الآية. قال: و اللّه، إنّا لنحن أهل الذّكر، نحن أهل العلم، نحن معدن التّأويل و التّنزيل‏ (2).

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ‏ (10): في فرقهم. جمع، شيعة، و هي الفرقة المتّفقة على طريقة و مذهب. من شاعه [: إذا تبعه‏] (3).

و أصل «الشّياع» الحطب الصّغار توقد به الكبار.

و المعنى: نبّأنا رجالا منهم، و جعلناهم رسلا فيما بينهم.

وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ‏: حكاية حال ماضية.

إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (11)، كما يفعل هؤلاء. و هو تسلية للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و «ما» للحال، لا يدخل إلّا مضارعا بمعناه‏ (4)، أو ماضيا قريبا منه.

كَذلِكَ نَسْلُكُهُ‏: ندخله‏ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ‏ (12).

«السّلك» إدخال الشّي‏ء في الشّي‏ء، كالخيط في المخيط، و الرّمح في المطعون.

و الضّمير، قيل‏ (5): للاستهزاء. و فيه دليل على أنّه- تعالى- يوجد الباطل في قلوبهم.

و قيل‏ (6): للذّكر، فإنّ الضّمير الآخر في قوله: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ‏: له.

و هو حال من هذا الضّمير. و المعنى: مثل ذلك السّلك نسلك الذّكر في قلوب المجرمين مكذّبا غير مؤمن به.

أو بيان للجملة المتضمّنة له.

و ضعف القائل الأوّل هذا الاحتجاج، بأنّه لا يلزمه من تعاقب الضّمائر توافقها في المرجوع إليه، و لا يتعيّن أن تكون الجملة حالا من الضّمير لجواز أن تكون حالا من «المجرمين» (7)، و لا ينافي كونها مفسّرة للمعنى الأوّل بل يقوّيه.

____________

(1) كذا في جامع الرواة 2/ 446. و في النسخ:

السرىّ.

(2) ليس في ب.

(3) ليس في ب.

(4) بمعناه، أي: بمعنى الحال.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 538.

(7) الأولى أن يقال: يجوز أن يكون حالا من قلوب المجرمين إذ هو مفعول به بواسطة.

106

و فيه: أنّ ذلك القائل جعل ذلك مؤيّدا لا احتجاجا و لا شبهة في تأييده، و على تقدير تسليم رجع الضّمير إلى الاستهزاء لا دلالة فيه على أنّه- تعالى- يوجد الباطل في قلوبهم، كيف و الإدخال أعمّ و لا يستلزم الإيجاد.

وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ‏ (13)، أي: سنّة اللّه فيهم، بأن خذلهم و سلك الكفر في قلوبهم. أو بإهلاك من كذّب الرّسل، فيكون وعيدا لأهل مكّة.

وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ: على هؤلاء المقترحين.

فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ‏ (14): يصعدون إليها و يرون عجائبها طول نهارهم، مستوضحين لما يرون. أو تصعد الملائكة، و هم يشاهدونهم‏ (1).

لَقالُوا: من غلوّهم في العناد، و تشكيكهم في الحقّ.

إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا: سدّت عن الإبصار بالسّحر، من السّكر. أو حيرت من السّكر.

و قرأ (2) ابن كثير بالتخّفيف.

بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ‏ (15): قد سحرنا محمّد بذلك، كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات.

و في كلمتي الحصر و الإضراب، دلالة على البتّ بأنّ ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خيّل إليهم بنوع من السّحر.

وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً: اثني عشر، مختلفة الهيئات و الخواصّ على ما دلّ عليه الرّصد و التّجربة مع بساطة السّماء (3).

و في مجمع البيان‏ (4): هي اثنا عشر برجا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: «البروج» الكواكب. و البروج الّتي للرّبيع و الصّيف: الحمل و الثّور و الجوزاء و السّرطان و الأسد و السّنبلة. و بروج الخريف و الشّتاء: الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدّلو و الحوت،

____________

(1) ب: يشاهدونها.

(2) أنوار التنزيل 1/ 539.

(3) أراد أنّ حصول البروج المختلفة في الخواصّ مع الحادها في الحقيقة لبساطة السّماء، دالّ على الصانع القدير.

(4) المجمع 3/ 331.

(5) تفسير القمّي 2/ 115- 116.

107

و هي اثنا عشر برجا.

و أمّا ما روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (1): أنّ للشّمس ثلاثمائة و ستّين برجا، كلّ برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب، تنزل كلّ يوم على برج منها، فإذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثمّ تردّ إلى موضع مطلعها و معها ملكان يهتفان معها (2).

فقد قيل‏ (3) فيه: إنّ سير الشّمس إنّما يكون في كلّ برج من البروج الاثني عشر ثلاثين يوما تقريبا، فبهذا الاعتبار ينقسم كلّ منها إلى ثلاثين برجا، فيصير ثلاثمائة و ستّين.

و «البروج» القصور العالية، سمّيت الكواكب بها لأنّها للسّيّارات، كالمنازل لسكّانها. و اشتقاقه من البرج لظهوره.

وَ زَيَّنَّاها.

في مجمع البيان‏ (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: بالكواكب النّيّرة.

لِلنَّاظِرِينَ‏ (16): للمعتبرين المستدلّين بها على قدرة مبدعها، و توحيد صانعها.

وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ‏ (17): فلا يقدر أن يصعد إليها، و يوسوس إلى أهلها، و يتصرّف في أمرها، و يطّلع على أحوالها.

إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ‏: بدل من «كلّ شيطان».

و استراق السّمع: اختلاسه سرّا.

و قيل‏ (5): الاستثناء منقطع، أي: و لكن من استرق السّمع.

قيل‏ (6): استراق السّمع من سكّان السّموات، إمّا لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب و حركاتها.

و الظّاهر من الأخبار الآتية، أنّ الاستراق بالاختراق و الاستماع.

فَأَتْبَعَهُ‏: فتبعه و لحقه.

شِهابٌ مُبِينٌ‏ (18): ظاهر للمبصرين.

____________

(1) الكافي 8/ 157، ح 148.

(2) ليس في ب.

(3) تفسير الصافي 3/ 103.

(4) المجمع 3/ 331.

(5) أنوار التنزيل 1/ 539.

(6) نفس المصدر و الموضع.

108

و «الشّهاب» شعلة نار ساطعة. و قد يطلق للكواكب و السّنان لما فيها من البريق.

و في قرب الإسناد (1) للحميريّ، بإسناده إلى موسى بن جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل‏، يذكر فيه آيات الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول فيه مخاطبا لنفر من اليهود: أمّا أوّل ذلك، فإنّكم أنتم تقرءون أنّ الجنّ كانوا يسترقون السّمع قبل مبعثه، فتمنّعت في أول رسالته بالرّجوم و انقضاض النّجوم و بطلان الكهنة و السّحرة (2).

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن عبد السّلام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: يا عبد السّلام، احذر النّاس و نفسك.

فقلت: بأبي أنت و أمّي، أمّا النّاس فقد أقدر على أن أحذرهم، فأمّا نفسي فكيف؟

قال: إنّ الخبيث المسترق السّمع يجيئك فيسترق، ثمّ يخرج في صورة آدميّ.

فقال عبد السّلام: فقلت: بأبي أنت و أمّي، هذا مالا حيلة له.

قال: هو ذلك.

و في أمالي الصّدوق‏ (4): قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ قال: حدّثني أبي، عن جدّه، أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أحمد بن [محمد بن‏] (5) أبي نصر البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه الصّادق- (عليه السلام)- قال: كان إبليس- لعنه اللّه- يخترق السّموات السّبع، فلمّا ولد عيسى- (عليه السلام)- حجب من ثلاث سموات و كان يخترق أربع سموات، فلمّا ولد رسول اللّه حجب عن السّبع كلّها، و رميت الشّياطين بالنّجوم.

و قالت قريش: هذا قيام السّاعة، كنّا نسمع أهل الكتب يذكرونه.

و قال عمرو بن أميّة، و كان من أزجر أهل الجاهليّة: انظروا هذه النّجوم الّتي يهتدى بها و يعرف بها أزمان الصّيف و الشّتاء، فإن كان رمي بها فهو هلاك كلّ شي‏ء، و إن كانت تثبت و رمي بغيرها فهو أمر حدث‏ (6).

____________

(1) قرب الاسناد/ 133.

(2) ب: السحر.

(3) تفسير العياشي 2/ 239، ح 3.

(4) أمالي الصدوق/ 235- 236، ح 1.

(5) ب: زيادة «في».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حديث.

109

و أصبحت الأصنام كلّها صبيحة مولد (1) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليس منها صنم‏ (2) إلّا و هو منكبّ على وجهه.

و ارتجس في تلك اللّيلة إيوان كسرى، و سقطت منه أربع عشرة شرفة.

و غارت‏ (3) بحيرة ساوة، [وفاض وادي السماوة] (4).

و خمدت نيران فارس، و لم تخمد قبل ذلك بألف عام.

و رأى المؤبّدان‏ (5) في تلك اللّيلة في المنام إبلا صعابا (6) تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة و انسربت في بلادهم، و انقصم طاق الملك كسرى‏ (7) من وسطه و انخرقت عليه دجلة العوراء (8).

و انتشر في تلك اللّيلة نور من قبل الحجاز، ثمّ استطار حتّى بلغ المشرق، و لم يبق سرير ملك من ملوك‏ (9) الدّنيا إلّا أصبح منكوسا و الملك مخرسا لا يتكلم يومه ذلك.

و انتزع علم الكهنة، و بطل سحر السّحرة، و لم تبق كهانة (10) في العرب إلّا حجبت عن صاحبها، و عظمت قريش في العرب و سمّوا: آل اللّه- عزّ و جلّ-.

قال أبو عبد اللّه الصّادق- (عليه السلام)-: أنّما سمّوا: آل اللّه، لأنّهم في بيت اللّه الحرام.

و قالت آمنة: إنّ ابني، و اللّه، سقط فاتّقى‏ (11) الأرض بيديه‏ (12)، ثمّ رفع رأسه إلى السّماء فنظر إليها، ثمّ خرج منّا (13) نور أضاء له كلّ شي‏ء، و سمعت في الضّوء قائلا يقول:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ولد.

(2) ليس في أ، ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: جمدت. و ليس في أ، ر. و في أ، ب: «و روم» بدل «و».

(4) من المصدر.

(5) المؤبدان: فقيه الفرس و حاكم المجوس، و هو للمجوس كقاضي القضاة للمسلمين.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: صغارا.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «الكسرى» بدل «الملك كسرى».

(8) قال في البحار في بيان الحديث: أنّ كسرى كان سكّر بعض الدّجلة، أي: سدّ، و بنى عليه بناء. فلعلّه لذلك وصفوا الدّجلة بعد ذلك بالعوراء، لأنّه عور و طمّ بعضها فانخرقت عليه.

و رأيت في بعض المواضع بالغين المعجمة من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: العميقة.

(9) المصدر: مملوك.

(10) كذا في ب. و في سائر النسخ: كاهنة.

(11) ب: فالتقى.

(12) المصدر: بيده.

(13) المصدر: منّي.

110

إنّك قد ولدت سيّد النّاس، فسمّيه محمّدا.

و اتي به عبد المطّلب لينظر إليه، و قد بلغه ما قالت أمّه، فأخذه فوضعه في حجره، ثمّ قال:

الحمد للّه الذي أعطاني‏* * * هذا الغلام الطّيّب الأردان‏

قد ساد في المهد على الغلمان‏

ثمّ عوّذه بأركان الكعبة، و قال فيه أشعارا.

قال: و صاح إبليس- لعنه اللّه- في أبالسته، فاجتمعوا إليه.

فقالوا: ما الّذي أفزعك، يا سيّدنا؟

فقال لهم: ويلكم، لقد أنكرت السّموات و الأرض منذ اللّيلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ ولد (1) عيسى بن مريم، فاخرجوا و انظروا ما هذا الحدث الّذي قد حدث.

فافترقوا ثم اجتمعوا إليه، فقالوا: ما وجدنا شيئا.

فقال إبليس- لعنه اللّه-: أنا لهذا الأمر. ثمّ انغمس‏ (2) في الدّنيا فجالها حتّى انتهى إلى الحرم، فوجد الحرم محفوفا (3) بالملائكة، فذهب ليدخل فصاحوا به فرجع، ثمّ صار مثل العصفور (4) فدخل من قبل حراء (5).

فقال له جبرئيل: وراك‏ (6)، لعنك اللّه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: رفع.

(2) كذا في المصدر. و في ب: انغمز. و في سائر النسخ: انغمر.

(3) المصدر: محفوظا.

(4) المصدر: الصر (الصرد) و هو العصفور بدل العصفور.

(5) كذا في المصدر. و في ب: الحرم و في سائر النسخ: الحرا.

(6) كذا في المصدر. و في ب: ورراك. و في سائر النسخ: و أراك.

111

فقال له: حرف أسألك عنه، يا جبرئيل، ما هذا الحدث [الّذي حدث‏] (1) منذ اللّيلة في الأرض؟

فقال له: ولد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال له: هل لي فيه نصيب؟

قال: لا.

قال: ففي أمّته؟

قال: نعم.

[قال رضيت‏] (2).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: لم تزل الشّياطين تصعد إلى السّماء تتجسّس حتّى ولد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثم ذكر مقالة عمرو بن أميّة و نسبها إلى الوليد بن المغيرة.

ثمّ قال: و كان بمكّة يهوديّ يقال له: يوسف، فلمّا رأى النّجوم تتحرّك و تسير في السّماء خرج إلى نادي قريش.

فقال: يا معشر قريش، هل ولد فيكم‏ (4) اللّيلة مولود؟

فقالوا: لا.

فقال: أخطأتم، و التّوراة، قد ولد في هذه اللّيلة آخر الأنبياء و أفضلهم، و هو الّذي نجده في كتبنا أنّه إذا ولد ذلك النّبيّ رجمت الشّياطين و حجبوا (5) من السّماء.

فرجع كلّ واحد إلى منزله يسأل أهله‏ (6)، فقالوا: قد ولد لعبد اللّه بن عبد المطّلب بن عبد مناف. (الحديث).

وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها: بسطناها.

وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ‏: جبالا ثوابت.

وَ أَنْبَتْنا فِيها: في الأرض. أو فيها و في الجبال.

مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ‏ (19).

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) تفسير القمّي 1/ 373- 374.

(4) المصدر: منكم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: كبّوا.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «فسأل» بدل «يسأل أهله».

112

قيل‏ (1): أي: مقدّر بمقدار معيّن تقتضيه حكمته. أو مستحسن مناسب، من قولهم: كلام موزون. أو ما يوزن و يقدّر له. أو له وزن في أبواب النّعمة و المنفعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنبت في الجبال الذّهب و الفضّة و الجوهر و الصّفر و النّحاس و الحديد و الرّصاص و الكحل و الزّرنيخ و أشباه هذه، لا يباع إلّا وزنا.

وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ‏: تعيشون بها من المطاعم و الملابس.

و قرئ‏ (3)، بالهمزة، على التّشبيه «بشمائل».

وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ‏ (20): عطف على «معايش». أو على محلّ «لكم»، و المراد به: العيال و الخدّام و المماليك و سائر ما يظنّون أنّهم يرزقونهم ظنّا كاذبا، فإنّ اللّه يرزقهم [و إيّاهم‏] (4).

قيل‏ (5): و فذلكة (6) الآية، الاستدال بجعل الأرض ممدودة بمقدار و بشكل معيّنين مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النّبات و الحيوان المختلفة خلقة و طبيعة، مع جواز أن لا تكون كذلك على كمال قدرته و تناهي حكمته، و التّفرّد في الألوهيّة و الامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك، ليوحّدوه و يعبدوه.

وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ‏ قيل‏ (7): أي: و ما من شي‏ء إلّا و نحن قادرون على إيجاده و تكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره. أو شبّه مقدوراته بالأشياء المخزونة الّتي لا يحوج إخراجها إلى كلفة و اجتهاد.

وَ ما نُنَزِّلُهُ‏: من بقاع‏ (8) القدرة.

إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ (21): حدّه الحكمة و تعلّقت به المشيئة، فإنّ تخصيص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات مشتملا على بعض الصّفات و الحالات، لا بدّ له من مخصّص حكيم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 539.

(2) تفسير القمّي 1/ 374- 375.

(3) أنوار التنزيل 1/ 539.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) أنوار التنزيل 1/ 539.

(6) الفذلكة: مجمل ما فصّل و خلاصته.

(7) أنوار التنزيل 1/ 539.

(8) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: كمال.

113

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال في قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ قال: «الخزانة» الماء الّذي ينزل من السّماء، فينبت لكلّ ضرب من الحيوان ما قدّر اللّه له من الغذاء.

و في روضة الواعظين‏ (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و روي جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- أنّه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه من البرّ و البحر.

قال: و هذا تأويل قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ‏.

وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ قيل‏ (3): حوامل، شبّه الرّيح الّتي جاءت بخير من إنشاء سحاب‏ (4) ماطر بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك بالعقيم. أو ملقّحات للشّجر و السّحاب، و نظيره الطّوائح، بمعنى: المطيحات، في قوله:

و مختبط ممّا تطيح الطوائح.

و قرئ‏ (5): «و أرسلنا الرّيح» على تأويل الجنس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قال: الّتي تلقّح الأشجار.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تسبّوا الرّيح، فإنّها [بشر، و إنّها نذر،] (8) و إنّها لواقح، فاسألوا اللّه من خيرها و تعوّذوا به من شرّها.

فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ‏: فجعلناه لكم سقيا.

وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ‏ (22): قادرين متمكّنين من إخراجه، نفى عنهم ما أثبته لنفسه.

أو حافظين في الغدران و العيون و الآبار، و ذلك- أيضا- يدلّ على تدبير المدبّر، كما تدلّ حركة الماء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به النّاس، فإنّ طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حدّ لا بدّ له من سببب مخصّص.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 375.

(2) روضة الواعظين 1/ 47.

(3) أنوار التنزيل 1/ 540.

(4) أ، ب: حجاب.

(5) أنوار التنزيل 1/ 540.

(6) تفسير القمّي 1/ 375.

(7) تفسير العياشي 2/ 239، ح 4.

(8) ليس في ب.

114

وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي‏: بإيجاد الحياة في بعض الأجسام المقابلة لها.

وَ نُمِيتُ‏: بإزالتها.

و قد أوّل الحياة بما يعمّ الحيوان و النّبات.

و تكرير الضّمير (1)، للدّلالة على الحصر.

وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ‏ (23).

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أي: نرث الأرض و من عليها.

وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ‏ (24).

قيل‏ (3): من استقدم ولادة و موتا، و من استأخر. أو من خرج من أصلاب الرّجال، و من لم يخرج بعد. أو من تقدّم في الإسلام و الجهاد و سبق إلى الطاعة، أو تأخّر، لا يخفى علينا شي‏ء من أحوالكم. و هو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإنّ ما يدلّ على قدرته دليل على علمه.

و قيل‏ (4): رغّب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الصّف الأوّل، فازدحموا عليه، فنزلت.

و قيل‏ (5): إنّ امرأة حسناء تصلّي خلف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فتقدّم بعض القوم لئّلا ينظر إليها، و تأخّر بعض ليبصرها، فنزلت.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن أبي بصير (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هم المؤمنون من هذه الأمّة.

وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ‏: لا محالة للجزاء.

و توسيط الضّمير، للدّلالة على أنّه القادر و المتولّي لحشرهم لا غير.

و تصدير الجملة «بأنّ» لتحقيق الوعد.

إِنَّهُ حَكِيمٌ‏: باهر الحكمة، متّقن في أفعاله.

____________

(1) أي: تكرير ضمير المتكلّم للدلالة على أنّ الإحياء و الإماتة منحصران في اللّه- تعالى- لا يتّصف غيره بشي‏ء منهما، فإن «نحن» من قبيل ضمير المنفصل.

(2) تفسير القمّي 1/ 375.

(3) أنوار التنزيل 1/ 540.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير العياشي 2/ 240، ح 6.

(7) المصدر: جابر.

115

عَلِيمٌ‏ (25): وسع علمه كلّ شي‏ء.

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ‏: من طين يابس يصلصل، أي: يصوّت إذا نقر، و هو غير مطبوخ. فإذا طبخ، فهو فخار.

و قيل‏ (1): و هو من صلصل: إذا نتن، تضعيف «صل».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: الماء المتصلصل بالطّين.

مِنْ حَمَإٍ: من طين تغيّر و اسودّ من طول مجاورة الماء. و هو صفة «صلصال»، أي: كائن من حمأ.

مَسْنُونٍ‏ (26): مصوّر، مأخوذ من سنّة الوجه.

أو مصبوب مفرّغ، كالجواهر المذابة تصبّ في القوالب. من السّنّ و هو الصّبّ، كأنّه افرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس، حتّى إذا نقر صلصل، ثمّ غيّر ذلك طورا بعد طور حتّى سوّاه و نفخ فيه من روحه.

أو منتن. من سننت الحجر على الحجر: إذا حككته به. فإنّ ما يسيل بينهما يكون منتنا، و يسمّى: السّنين.

في حديث خلق آدم‏ (3): فاغترف- جلّ جلاله- غرفة من الماء، فصلصلها فجمدت. (الحديث).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حَمَإٍ متغيّر (5).

و في نهج البلاغة (6): ثمّ جمع- سبحانه- من حزن الأرض و سهلها، و عذبها و سبخها، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت، و لاطها بالبلّة حتّى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء و وصول، و أعضاء و فصول، أجمدها حتّى استمسكت‏ (7)، و أصلدها حتّى صلصلت، لوقت معدود و أجل معلوم. ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 540.

(2) تفسير القمّي 1/ 375.

(3) تفسير نور الثقلين 3/ 9، ح 28، نقلا عن علل الشرائع.

(4) تفسير القمّي 1/ 375.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يتغيّر.

(6) نهج البلاغة/ 42، الخطبة 1.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: استمسك.

116

يجيلها، و فكر يتصرّف بها، و جوارح يختدمها (1)، و أدوات يقلّبها (2)، و معرفة يفرق بها بين [الحقّ و الباطل و] (3) الأذواق‏ (4) و المشامّ و الألوان و الأجناس، معجونا بطينة الألوان المختلفة، و الأشباه المؤتلفة (5) و الأضداد المتعادية، و الأخلاط المتباينة، من الحرّ و البرد و البلّة و الجمود. [و المسناة و السّرور] (6) (الحديث).

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن النّضر بن شعيب، عن عبد الغفّار الجازيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: طينة النّاصب من حمأ مسنون.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و يحمل الحمأ المسنون في هذا الخبر على معنى أخصّ ممّا أريد به في الآية، جمعا بين الأخبار.

وَ الْجَانَ‏: أبا الجنّ.

و قيل‏ (8): إبليس. و يجوز أن يراد به الجنس، كما هو الظّاهر من الإنسان، لأنّ تشعّب الجنس لمّا كان من شخص [واحد] (9) خلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقا منها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): قال: هو أبو إبليس.

و انتصابه بفعل، يفسّره. خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ‏: خلق الإنسان.

مِنْ نارِ السَّمُومِ‏ (27): من نار الحرّ الشّديد، النّافذ في المسام.

و لا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجرّدة، فضلا عن الأجساد المؤلّفة الّتي الغالب فيها الجزء النّاريّ، فإنّها أقبل لها من الّتي الغالب فيها الجزء الأرضي‏ (11).

____________

(1) كذا في ب، المصدر. و في سائر النسخ: يختد منها.

(2) كذا في ب، المصدر. و في سائر النسخ:

يقبلها.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الأدواء.

(5) أ، ب: المختلفة. و في ر: المختلقة.

(6) ليس في المصدر.

(7) الكافي 2/ 3، ح 2.

(8) أنوار التنزيل 1/ 540.

(9) من المصدر.

(10) تفسير القمّي 1/ 375.

(11) جواب سؤال مقدّر، و هو أنّه: كيف يخلق الحياة في النّار و هو جرم بسيط، لكنّ المشاهدة

117

و قوله: «من نار» باعتبار الغالب، كقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ‏.

و مساق الآية، كما هو للدّلالة على كمال قدرة اللّه و بيان بدء خلق الثّقلين، فهو للتّنبيه على المقدّمة الثّانية الّتي يتوقّف عليها إمكان الحشر، و هو قبول الموادّ للجمع و الإحياء.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في هاروت و ماروت حديث طويل، و فيه بعد أن مدح- (عليه السلام)- الملائكة و قال: معاذ اللّه من ذلك، إنّ الملائكة معصومون محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف اللّه- تعالى-.

قالا: قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس- أيضا- ملكا؟

فقال: لا، بل كان من الجنّ. أما تسمعان اللّه يقول: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏؟ فأخبر- عزّ و جلّ- أنّه كان من الجنّ، و هو الّذي قال اللّه- تعالى-: وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ‏.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن الصّادق- (عليه السلام)-: الآباء ثلاثة: آدم ولد مؤمنا، و الجانّ ولد [مؤمنا و] (3) كافرا، و إبليس ولد كافرا، و ليس فيهم نتاج إنّما يبيض و يفرخ، و ولده ذكور ليس فيهم إناث.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: الجنّ من ولد الجانّ، منهم مؤمنون و [منهم‏] (5) كافرون و يهود و نصارى، و تختلف أديانهم. و الشّياطين من ولد إبليس، و ليس فيهم مؤمن إلّا واحد، اسمه: هام بن هيم بن لا قيس بن إبليس، جاء إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرآه جسيما عظيما و امرأ مهولا.

فقال له: من أنت؟

قال: أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس، كنت يوم قتل قابيل غلاما ابن أعوام، أنهي عن الاعتصام و آمر بإفساد الطّعام.

____________

و القياس أن الحياة لا تكون إلّا في المركّب؟

فأجاب: بأنّا لا نسلّم امتناع خلق الحياة في الجسم البسيط، كما لا يمتنع خلقها في المجرّدات مع أنّها أبعد من الحياة من الجسم.

(1) العيون 1/ 210، ح 1.

(2) الخصال 1/ 152، ح 186.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمّي 1/ 375- 376.

(5) من المصدر.

118

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بئس لعمري الشّابّ المؤمل و الكهل المؤمر.

فقال: دع عنك هذا، يا محمّد، فقد جرت توبتي على يد نوح، و لقد كنت معه في السّفينة فعاتبته على دعائه على قومه، و لقد كنت مع إبراهيم حين القي في النّار فجعلها اللّه عليه بردا و سلاما، و لقد كنت مع موسى حين أغرق‏ (1) اللّه فرعون و نجّى بني إسرائيل، و لقد كنت مع هود حين دعا على قومه فعاتبته، و لقد كنت مع صالح فعاتبته على دعائه على قومه، و لقد قرأت الكتب فكلّها تبشّرني بك، و الأنبياء يقرءونك السّلام، و يقولون:

أنت أفضل الأنبياء و أكرمهم، فعلّمني ممّا أنزل اللّه عليك شيئا.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: علّمه.

فقال هام: يا محمّد، إنّا لا نطيع إلّا نبيّا أو وصيّ نبيّ، فمن هذا؟

قال: أخي و وصيّي و وزيري و وارثي، عليّ بن أبي طالب.

قال: نعم، نجد اسمه في الكتب إليا.

فعلّمه أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فلمّا كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ‏: و اذكر وقت قوله‏ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏ (28)، فَإِذا سَوَّيْتُهُ‏: عدّلت خلقته، و هيّأته لنفخ الرّوح فيه.

وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏: حتّى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي.

و أصل «النّفخ» إجراء الرّيح في تجويف جسم آخر. و لمّا كان الرّوح يتعلّق أوّلا بالبخار اللّطيف المنبعث من القلب، و تفيض عليه القوّة الحيوانيّة فيسرى حاملا لها في تجاويف الشّرايين إلى أعماق البدن، جعل تعليقه بالبدن نفخا. فهو تمثيل لما يحصل به الحياة، و ذلك لأنّ الرّوح ليس من عالم الحسّ و الشّهادة، و إنّما هو من عالم الملكوت و الغيب، و البدن بمنزلة قشر و غلاف و قالب له، و إنّما حياته به و هو الخلق الآخر المشار إليه بقوله- سبحانه-: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ لا يشبه هذا الخلق.

و إضافة الرّوح إلى نفسه قد مرّ وجهها (2).

فَقَعُوا لَهُ‏: فاسقطوا له‏ ساجِدِينَ‏ (29). أمر، من وقع، يقع.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: غرّق.

(2) أي: في سورة النّساء.

119

في كتاب علل الشّرائع‏ (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: قال اللّه- جلّ جلاله- للملائكة: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏. و كان ذلك من اللّه- عزّ و جلّ- تقدمة منه‏ (2) إلى الملائكة في آدم- (عليه السلام)- من قبل أن يخلقه احتجاجا منه عليهم.

قال: فاغترف- تبارك و تعالى- غرفة من الماء العذب الفرات فصلصلها فجمدت، ثمّ قال لها: منك أخلق النّبيّين و المرسلين و عبادي الصّالحين و الأئمّة المهديّين‏ (3) الدّعاة إلى الجنّة و أتباعهم إلى يوم القيامة و لا أبالي، و لا اسال عمّا أفعل و هم يسألون، يعني بذلك:

خلقه أنّه [يسألهم. ثمّ‏] (4).

اغترف من الماء المالح الأجاج فصلصلها فجمدت، ثمّ قال لها: منك أخلق الجبّارين و الفراعنة و العتاة، إخوان الشّياطين و الدّعاة إلى النّار إلى يوم القيامة و أتباعهم [و لا أبالي‏] (5) و لا اسال عمّا أفعل و هم يسألون.

قال: و شرط في ذلك البداء، و لم يشترط في أصحاب اليمين البداء.

ثمّ خلط الماءين فصلصلها، ثمّ ألقاهما قدّام عرشه، و هما سلالة (6) من طين، ثمّ أمر الملائكة الأربعة: الشّمال و الدّبور و الصّبا و الجنوب، أن جولوا على هذه السلالة (7) الطّين، و أبروها و انسموها، ثمّ جزّوها و فصّلوها، و أجروا إليها الطّبائع الأربعة: الرّيح و المرّة و الدّم و البلغم.

قال: فجالت‏ (8) الملائكة عليها، و هي الشّمال و الصّبا و الجنوب و الدّبور، فأجروا فيها الطّبائع الأربعة.

قال: و الرّيح في الطّبائع الأربعة في البدن من ناحية الشّمال.

قال: و البلغم في الطّبائع الأربعة في البدن من ناحية الصّبا (9). و المرّة في الطّبائع‏

____________

(1) العلل 1/ 104- 106، ح 1.

(2) المصدر: «تقدم» بدل «تقدمة منه».

(3) المصدر: المهتدين.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في ب: ثلة.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الثلاثة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فجاءت.

(9) المصدر: زيادة «قال».

120

الأربعة في البدن من ناحية الجنوب‏ (1). و الدّم في الطّبائع الأربعة في البدن من ناحية الدّبور (2).

قال فاستقلّت النّسمة و كمل البدن.

قال: فلزمه من ناحية الرّيح حبّ الحياة و طول الأمل و الحرص، و لزمه من ناحية البلغم حبّ الطّعام و الشّراب و اللّين و الرّفق، و لزمه من ناحية المرّة الغضب و السّفه و الشّيطنة و التّجبّر و التّمرّد و العجلة، و لزمه من ناحية الدّم حبّ‏ (3) النّساء و اللّذّات و ركوب المحارم و الشّهوات.

قال عمرو: أخبرني جابر، أنّ أبا جعفر- (عليه السلام)- قال: وجدناه في كتاب من كتب عليّ- (عليه السلام)-.

و بإسناده‏ (4) إلى إسحاق القمّي: عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: لمّا كان اللّه متفردا بالوحدانيّة ابتدأ الأشياء لا من شي‏ء، فأجرى الماء العذب على أرض طيّبة طاهرة سبعة أيّام مع لياليها، ثمّ نضب الماء عنها، فقبض من صفاء (5) ذلك الطين، و هي طينتنا (6) أهل البيت، ثمّ قبض قبضة من أسفل ذلك الطّين‏ (7)، و هي طينة شيعتنا، ثمّ اصطفانا لنفسه، فلو أنّ طينة شيعتنا تركت، كما تركت طينتنا، لما زنى أحد منهم و لا سرق و لا لاط و لا شرب المسكر و لا ارتكب‏ (8) شيئا ممّا ذكرت.

و لكنّ اللّه- عزّ و جلّ- أجرى الماء المالح على أرض ملعونة سبعة أيّام و لياليها، ثمّ نضب الماء عنها، ثمّ قبض قبضة، و هي طينة ملعونة من حمأ مسنون، و هي طينة خبال، و هي طينة أعدائنا، فلو أنّ اللّه- عزّ و جلّ- ترك طينتهم، كما أخذها، لم تروهم في خلق الآدميّين، و لم يقرّوا بالشّهادتين، و لم يصوموا و لم يصلّوا و لم يزكّوا و لم يحجّوا البيت، و لم تروا أحدا منهم بحسن خلق.

و لكنّ اللّه- تبارك و تعالى- جمع الطّينتين: طينتكم و طينتهم، فخلطهما و عركهما

____________

(1) المصدر: الدبور. و فيه: زيادة «قال».

(2) المصدر: الجنوب.

(3) يوجد في المصدر، ن.

(4) العلل/ 490- 491، ح 1.

(5) المصدر: صفوة.

(6) المصدر: طينة.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الطينة.

(8) المصدر: اكتسب.

121

عرك‏ (1) الأديم، و مزجهما (2) بالمائين. فما رأيت من أخيك المؤمن من مباشرة لواط (3)، أو زنا، أو شي‏ء ممّا ذكرت من شرب مسكر أو غيره، فليس من جوهريّته و لا من إيمانه، إنّما هو بمسحة النّاصب اجترح هذه السّيّئات الّتي ذكرت. و ما رأيت من النّاصب من حسن وجه و حسن خلق، أو صوم أو صلاة أو حجّ بيت اللّه أو صدقة أو معروف، فلبس من جوهريّته، إنّما تلك الأفاعيل من مسحة الإيمان اكتسبها، و هو اكتساب مسحة الإيمان.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن أبن أذينة، عن الأحول قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّوح الّتي في آدم قوله: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏.

قال: هذه روح مخلوقة، و الرّوح الّتي في عيسى مخلوقة.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن بحر (6)، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عمّا يروون، أنّ اللّه خلق آدم على صورته.

قال: هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها اللّه و اختارها على سائر الصّور المختلفة، فأضافها إلى نفسه، كما أضاف الكعبة إلى نفسه و الرّوح إلى نفسه، فقال: «بيتي»، وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏.

و في كتاب التّوحيد (7)، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏.

قال: روح اختاره اللّه و اصطفاه و خلقه، و أضافه إلى نفسه و فضّله على جميع الأرواح، فنفخ منه في آدم.

و بإسناده‏ (8) إلى أبي جعفر الأصمّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الرّوح الّتي في آدم، و الّتي في عيسى، ما هما؟

قال: روحان مخلوقان اختارهما اللّه و اصطفاهما، روح آدم و روح عيسى- صلوات‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فركها فرك.

(2) المصدر: و مزجها.

(3) المصدر: «شر لفظ» بدل «مباشرة لواط».

(4) الكافي 1/ 133، ح 1.

(5) الكافي 1/ 134، ح 4.

(6) كذا في جامع الرواة 1/ 472. و في ب: فجر.

(7) التوحيد/ 170، ح 1.

(8) التوحيد/ 172، ح 4.

122

اللّه عليهما-.

و بإسناده‏ (1) إلى أبي بصير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ قال: من قدرتي.

و بإسناده‏ (2) إلى عبد الكريم بن عمرو: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق خلقا و خلق روحا، ثمّ أمر ملكا فنفخ فيه، فليست بالّتي نقصت من [قدرة] (3) اللّه شيئا من قدرته‏ (4).

و بإسناده‏ (5) إلى عبد الحميد الطّائي: عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ كيف هذا النّفخ؟

فقال: إنّ الرّوح متحرّك كالرّيح، و إنّما سمّي: روحا، لأنّه اشتقّ اسمه من الرّيح، و إنّما أخرجت على لفظة (6) الرّوح لأنّ الرّوح مجانس للرّيح، و إنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيت من البيوت، فقال: «بيتي»، و قال لرسول من الرّسل: خليلي، و أشباه ذلك، كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدّبر.

و في الكافي‏ (7)، مثل هذا الحديث الأخير سواء.

و في قرب الإسناد (8) للحميريّ، بإسناده إلى مسعدة بن زياد قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)-: أنّ روح آدم- (عليه السلام)- لمّا أمرت أن تدخل فكرهته، فأمرها اللّه أن تدخل كرها و تخرج كرها.

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏.

قال: روح خلقها اللّه، فنفخ في آدم منها.

____________

(1) نفس المصدر و الصفحة، ح 5.

(2) التوحيد/ 172، ح 6.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قدرة اللّه.

(5) نفس المصدر و الصفحة، ح 3.

(6) المصدر: أخرجه على لفظ.

(7) الكافي 1/ 133- 134، ح 3.

(8) قرب الاسناد/ 38.

(9) تفسير العياشي 2/ 241، ح 8.

123

عن أبي بصير (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ قال: خلق خلقا و خلق روحا، ثمّ أمر الملك فنفخ فيه، و ليست بالّتي نقصت من اللّه شيئا، هي من قدرته- تبارك و تعالى- عنه‏ (2).

و في رواية سماعة (3)، عنه: خلق آدم فنفخ فيه و سألته عن الرّوح، قال: هي من قدرته من الملكوت.

و في كتاب بصائر الدّرجات‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- [قال‏] (5): مثل المؤمن و بدنه، كجوهرة في صندوق، إذ أخرجت الجوهرة منه طرح الصّندوق و لم يعبأ (6) به.

و قال: إنّ الأرواح لا تمازج البدن و لا تداخله، إنّما هي‏ (7) كالكلل للبدن محيطة به.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8): عنه- (عليه السلام)-: الرّوح لا يوصف بثقل و لا خفّة، هي جسم رقيق البس قالبا كثيفا، فهي بمنزلة الرّيح في الزّقّ، فإذا نفخت فيه امتلأ الزّقّ منها، فلا يزيد في وزن الزّق ولوجها (9) و لا ينقصه‏ (10) خروجها (11)، و كذلك الرّوح ليس لها ثقل و لا وزن.

قيل: أ فيتلاشى‏ (12) الرّوح بعد خروجه عن قالبه، أم هو باق؟

قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصّور، فعند ذلك تبطل الأشياء و تفنى فلا حسّ و لا محسوس، ثمّ أعيدت الأشياء، كما بدأها مدبّرها، و ذلك أربعمائة سنة يسبت‏ (13) فيها الخلق، و ذلك بين النّفختين.

و قال- (عليه السلام)- أيضا: إنّ الرّوح مقيمة في مكانها، و (14) روح المحسن في ضياء و فسحة، و روح المسي‏ء في ضيق و ظلمة، و البدن يصير ترابا. (الحديث).

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 241، ح 10.

(2) ليس في المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 11.

(4) البصائر/ 483، ح 12.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: لم تتعب.

(7) المصدر: هو.

(8) الاحتجاج 2/ 349- 350.

(9) أي: دخولها.

(10) المصدر: لا ينقصها.

(11) المصدر: زيادة «منه».

(12) المصدر: أ فتتلاشى.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: نسيت.

(14) ليس في المصدر.

124

و روي‏ (1) أنّه قال: و بها يؤمر [البدن‏] (2) و ينهى، و يثاب و يعاقب، و قد تفارقه، و يلبسها اللّه- سبحانه- غيره، كما تقتضيه حكمته.

و ليعلم أنّ الأرواح متعدّدة في بدن الإنسان، و يزيد عددها بزيادة صاحبها في الفضل و الشّرف، كما استفاض فيه الأخبار عن الأئمّة الأطهار- (سلام اللّه عليهم)-:

ففي الكافي‏ (3): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- أنّه جاء رجل إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أناسا زعموا أنّ العبد لا يزني و هو مؤمن، و لا يسرق و هو مؤمن، و لا يشرب الخمر و هو مؤمن، و لا يأكل الرّبا و هو مؤمن، و لا يسفك الدّم و هو مؤمن. فقد ثقل عليّ هذا و حرج منه صدري حين أزعم أنّ هذا العبد يصلّي صلاتي، و يدعو دعائي، و يناكحني‏ (4) و أناكحه، و يوارثني و أوارثه، و قد خرج من الإيمان من أجل ذنب يسير أصابه.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: صدقت‏ (5)، سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: و الدّليل عليه كتاب اللّه، خلق اللّه النّاس ثلاث طبقات و أنزلهم ثلاثة منازل‏ (6)، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- في الكتاب: أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، و أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَ‏.

فأمّا ما ذكره من امرّ (7) السّابقين فإنّهم أنبياء مرسلون و غير مرسلين، جعل اللّه فيهم خمسة أرواح، روح القدس، و روح الإيمان، و روح القوّة، و روح الشّهوة، و روح البدن.

____________

(1) تفسير الصافي 3/ 109.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 281- 284، ح 16.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ينكاحني.

(5) أي: صدقوك فيما زعموا، و ليس بالّذي يخرج من دين اللّه. إن قيل: قد ثبت أنّ الإنسان إنّما يبعث على ما مات عليه، فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا؟ قلت: لما كان مانعه عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا فلمّا زال ذلك بالموت برزت له معارفه الّتي كانت كامنة في ذاته بخلاف من لم تحصل له المعرفة أصلا فإنّه ليس في ذاته شي‏ء ليبرز له. «الوافي».

(6) ثلاث منازل عبارة عن ثلاث مراتب مذكورة للأرواح الثّلاثة. و حاصل الجواب أن مرتكب الكبيرة بدون الإصرار ليس داخلا في أصحاب المشأمة فإنّ المذكور في مرتبتهم أنّهم كانوا يصرّون على الحنث العظيم فهم داخلون في أصحاب الميمنة.

(7) أي: أقوى و أعقل. مأخوذ من المرّة، و هي القوّة و شدّة العقل.

125

فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين و غير مرسلين، و بها علموا الأشياء.

و بروح الإيمان عبدوا اللّه، و لم يشركوا به شيئا.

و بروح القوّة جاهدوا عدوّهم، و عالجوا معاشهم.

و بروح الشّهوة أصابوا لذيذ الطّعام، و نكحوا الحلال من شباب النّساء.

و بروح البدن دبّوا (1) و درجوا. فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم.

ثم قال: قال اللّه- تعالى-: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏. ثمّ قال في جماعتهم: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‏ يقول: أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم. فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم.

ثمّ ذكر أصحاب الميمنة، و هم المؤمنون حقّا بأعيانهم، جعل اللّه فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، و روح القوّة، و روح الشّهوة، و روح البدن. فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتّى يأتي عليه حالات.

فقال الرّجل: يا أمير المؤمنين، ما هذه الحالات؟

فقال: أمّا أولاهنّ، فهو كما قال اللّه: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً فهذا ينتقص منه جميع الأرواح، و ليس بالّذي يخرج من دين اللّه، لأنّ الفاعل به ردّه إلى أرذل العمر (2)، فهو لا يعرف للصّلاة وقتا و لا يستطيع التّهجّد باللّيل و لا بالنّهار و لا القيام في الصّف مع النّاس، فهذا نقصان من روح الإيمان و ليس يضرّه شيئا (3). و منهم من ينتقص منه روح القوّة، فلا يستطيع جهاد عدوّه و لا يستطيع طلب المعيشة. و منهم من ينتقص منه روح الشّهوة، فلو مرّت به أصبح‏ (4) بنات آدم لم يحنّ إليها و لم يقم. و يبقى روح البدن فيه فهو يدبّ و يدرج حتّى يأتيه ملك الموت، فهذا بحال‏ (5) خير لأنّ اللّه هو الفاعل به. و قد يأتي عليه حالات في قوّته و شبابه فيهمّ بالخطيئة، فيشجّعه‏ (6) روح القوّة و يزين له روح الشّهوة و يقوده روح البدن حتّى يوقعه‏ (7) في الخطيئة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ربوا.

(2) المصدر: عمره.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: شي‏ء.

(4) أي: أجمل.

(5) المصدر: الحال.

(6) أ، ب: فيشخصه.

(7) المصدر: توقعه.

126

فإذا لامسها نقص من الإيمان و تفصّى منه، فليس يعود فيه حتّى يتوب. فإذا تاب تاب اللّه عليه، و إن عاد أدخله اللّه نار جهنّم.

فأمّا أصحاب المشأمة فهم اليهود و النّصارى، يقول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ‏ يعرفون محمّدا و الولاية في التّوراة و الإنجيل، كما يعرفون أبناءهم في منازلهم‏ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ أنّك الرّسول إليهم‏ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏. فلمّا جحدوا ما عرفوا ابتلاهم [اللّه‏] (1) بذلك، فسلبهم روح الإيمان و أسكن أبدانهم ثلاثة أرواح: روح القوّة، و روح الشّهوة، و روح البدن. ثمّ أضافهم إلى الأنعام فقال: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ‏ لأنّ الدّابّة إنّما تحمل بروح القوّة، و تعتلف بروح الشّهوة، و تسير بروح البدن.

فقال [له‏] (2) السّائل: أحييت قلبي بإذن اللّه، يا أمير المؤمنين.

و روي‏ (3) عن كميل بن زياد أنّه قال: سألت مولانا أمير المؤمنين، عليّا- (عليه السلام)- فقلت: يا أمير المؤمنين، أريد أن تعرّفني نفسي.

قال: يا كميل، و أيّ الأنفس تريد أن أعرّفك؟

قلت: يا مولاي، هل هي إلّا نفس واحدة؟

قال: يا كميل، إنّما هي أربعة: النّامية النّباتيّة، و الحسّيّة الحوانيّة، و النّاطقة القدسيّة، و الكلّيّة الإلهيّة.

و لكلّ واحدة من هذه خمس قوى و خاصّيتان:

فالنّاميّة النّباتيّة لها خمس قوى: ماسكة، و جاذبة، و هاضمة، و دافعة، و مربيّة.

و لها خاصيّتان: الزّيادة و النّقصان. و انبعاثها من الكبد.

و الحسّيّة الحيوانيّة لها خمس قوى: سمع، و بصر، و شمّ، و ذوق، و لمس. و لها خاصّيتان: الرّضا و الغضب. و انبعاثها من القلب.

و النّاطقة القدسيّة لها خمس قوى: فكر، و ذكر، و علم، و حلم، و نباهة. و ليس لها انبعاث، و هي أشبه الأشياء بالنّفوس الملكيّة. و لها خاصّيتان: النّزاهة و الحكمة.

____________

1 و 2- من المصدر مع المعقوفتين.

(3) لم أجد الحديث في المصادر المعتبرة و انّما أورده العلامة المجلسي في البحار 61/ 84- 85.

و لم يستند بكتاب و قال: و قد روى بعض الصوفية في كتبهم عن كميل بن زياد.

127

و الكلّيّة الإلهية لها خمس قوى: بقاء في فناء، و نعيم في شقاء، و عزّ في ذلّ، و فقر في غناء، و صبر في بلاء. و لها خاصّيتان: الرّضا و التّسليم. و هذه هي الّتي مبدؤها من اللّه و إليه تعود، قال اللّه: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏. و قال- تعالى-: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. و العقل وسط الكلّ.

فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏ (30).

بتأكيدين، للمبالغة في التّعميم، و منع التّخصيص.

و قيل‏ (1): أكدّ «بالكلّ» للإحاطة، و «بأجمعين» للدّلالة على أنّهم سجدوا مجتمعين دفعة. و اعترض بأنّه لو كان الأمر كذلك، كان الثّاني حالا لا تأكيدا (2).

إِلَّا إِبْلِيسَ‏: إن جعل منقطعا اتّصل به قوله: أَبى‏ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ‏ (31)، أي: و لكنّ إبليس أبى. و إن جعل متّصلا كان استئنافا، على أنّه جواب سائل قال: هل سجد؟

قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ‏، أي: أيّ شي‏ء عرض لك في أن لا تكون‏ مَعَ السَّاجِدِينَ‏ (32): لآدم- (عليه السلام)-.

قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ «الّلام» لتأكيد النّفي، أي: لا يصحّ منّي و ينافي حالي أن أسجد لِبَشَرٍ:

جسمانيّ كثيف، و أنا ملك روحانيّ.

خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏ (33): و هو أخسّ العناصر، و خلقتني من نار و هي أشرفها. استنقص آدم باعتبار الأصل، غرّته الحميّة و غلبت عليه الشّقوة. و قد سبق الجواب في سورة الأعراف.

قالَ فَاخْرُجْ مِنْها: من المنزلة الّتي أنت عليها من السّماء. أو زمرة الملائكة.

فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏ (34): مطرود من رحمة اللّه و الكرامة، فإنّ من يطرد يرجم بالحجر.

في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال:

سمعت أبا الحسين، عليّ بن محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- يقول: معنى الرّجيم: أنّه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 541.

(2) يعني: يجب أن يكون «أجمعين» منصوبا بالحاليّة، لا مرفوعا بأنّه تأكيد.

(3) المعاني/ 139، ح 1.

128

مرجوم باللّعن مطرود من [مواضع‏] (1) الخير، لا يذكره مؤمن إلّا لعنه. و أنّ في علم اللّه السّابق [أنّه‏] (2) إذا خرج القائم- (عليه السلام)- لا يبقى مؤمن في زمانه إلّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوما باللّعن‏ (3).

وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ: هذا الطّرد و الإبعاد إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ‏ (35): فإنّه منتهى أمد اللّعن، لأنّه يناسب أيّام التّكليف. و منه زمان الجزاء و ما في قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ بمعنى آخر ينسى عنده هذه.

و قيل‏ (4): إنّما حدّ اللّعن به، لأنّه أبعد غاية يضر بها النّاس، أو لأنّه يعذّب فيه بما ينسى اللّعن معه فتصير كالزّائل.

قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي‏: فأخّرني.

و «الفاء» متعلّقة بمحذوف دل عليه‏ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏.

و المعنى: إذا طردتني فأخّرني‏ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ (36).

أراد أن يجد فسحة في الإغواء، أو نجاة من الموت إذ لا موت بعد أن يجد وقت البعث. فأجابه إلى الأوّل دون الثّاني‏ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ‏ (37) إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ (38): المسمّى فيه أجلك عند اللّه.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: رنّ‏ (6) إبليس أربع رنّات: أوّلهنّ يوم لعن، و حين اهبط إلى الأرض.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى يحيى بن أبي العلاء الرّازيّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ و قد سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ- لإبليس:

فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏.

قال- (عليه السلام)-: و يوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصّور نفخة واحدة، فيموت إبليس ما بين النّفخة الأولى و الثّانية.

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) ليس في أ، ب.

(4) أنوار التنزيل 1/ 541.

(5) الخصال 1/ 263، ح 141.

(6) رنّ الرجل: صاح و رفع صوته بالبكاء.

(7) العلل/ 402، ح 2.

129

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): عنه- (عليه السلام)- قال: يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الصّخرة الّتي في بيت المقدّس.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن وهب بن جميع، مولى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول إبليس: فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏. قال له وهب: جعلت فداك، أيّ يوم هو؟

قال: يا وهب، أ تحسب‏ (3) أنّه يوم يبعث اللّه فيه النّاس؟ إنّ اللّه أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، فإذا بعث اللّه قائمنا كان في مسجد الكوفة و جاء إبليس حتّى يجثو بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله، من هذا اليوم. فيأخذ ناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم.

و بين الأخبار الثّلاثة اختلاف من وجوه:

الأوّل، أنّ في بعضها أنّه يموت بين النّفختين، و في بعضها أنّه قتيل. و يمكن دفعه بأنّه يقتل وقت الرّجعة، ثمّ يحيى ثمّ يموت بالنّفخة، بناء على بعض أحاديث الرّجعة أنّ كلّ نفس تذوق موتة و قتلة.

الثّاني و الثّالث، أنّ في بعضها أنّه يقتله القائم في مسجد الكوفة، و في بعضها أنّه يذبحه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بيت المقدس. و يمكن دفعه بحمل القتل على المتعدّد.

عن الحسن بن عطيّة (4) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ إبليس عبد اللّه في السّماء الرّابعة في ركعتين ستّة آلاف‏ (5) سنة، و كان إنظار اللّه إيّاه إلى يوم الوقت المعلوم ممّا سبق من تلك العبادة.

عن أبان‏ (6) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ عليّ بن الحسين إذا أتى الملتزم‏ (7) قال: اللّهم، إنّ عندي أفواجا من ذنوب و أفواجا من خطايا، و عندك أفواج من رحمة و أفواج من مغفرة، يا من استجاب لأبغض خلقه إليه إذ قال: فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 245.

(2) تفسير العياشي 2/ 242، ح 14.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تحب.

(4) تفسير العياشي 2/ 242، ح 13.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الالف.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 12.

(7) الملتزم: دبر الكعبة. سمي به لأن الناس يعتنقونه، أي: يضمونه إلى صدورهم.

130

استجب لي، و أفعل بي كذا و كذا.

قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي‏ قيل‏ (1): «الباء» للقسم، و «ما» مصدريّة و جوابه‏ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏.

و المعنى: أقسم بإغوائك إيّاي، و هو تكليفي بما يوقعني في الغواية، لأزيّننّ لهم المعاصي في الدّنيا الّتي هي دار الغرور.

و قيل‏ (2): للسّببيّة.

وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (39): و لأحملنّهم أجمعين على الغواية.

و في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: لعمري، لقد فوّق لكم‏ (4) سهم الوعيد، و أغرق‏ (5) إليكم‏ (6) بالنّزع الشّديد، و رماكم من مكان قريب فقال: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏ قذفا بغيب بعيد و رجما بظنّ [غير] (7) مصيب، صدّقه به أبناء الحميّة و إخوان العصبيّة و فرسان الكبر و الجاهليّة.

إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ (40): أخلصتهم لطاعتك و طهّرتهم من الشّوائب، فلا يعمل فيهم كيدي.

و قرأ (8) ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو، بالكسر، في كلّ القرآن، أي: الّذين أخلصوا نفوسهم للّه.

و في كتاب معاني الأخبار (9): حدّثنا أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه قال: جاء جبرئيل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، ما تفسير الإخلاص؟

قال‏ (10): المخلص الّذي لا يسأل النّاس شيئا حتّى يجد، و إذا وجد رضي، و إذا بقي عنده شي‏ء أعطاه [في اللّه‏] (11) فإنّ [من‏] (12) لم يسأل المخلوق [فقد] (13) أقرّ اللّه- عزّ و جلّ-

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 542.

(2) أنوار التنزيل 1/ 542.

(3) نهج البلاغة/ 287، الخطبة 192.

(4) ب: عليكم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أفوق.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لكم.

(7) من المصدر.

(8) أنوار التنزيل 1/ 542.

(9) المعاني/ 261، ح 1.

(10) ب: زيادة «الإخلاص».

11 و 12 و 13- من المصدر.

131

بالعبوديّة، و إذا وجد فرضي فهو عند اللّه راض و اللّه- تبارك و تعالى- عنه راض، و إذا أعطى للّه- عزّ و جلّ- فهو على حدّ الثّقة بربّه- عزّ و جلّ-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَ‏: حقّ عليّ أن أراعيه.

مُسْتَقِيمٌ‏ (41): لا انحراف عنه.

و الإشارة، إلى ما تضمّنه الاستثناء، و هو تخليص المخلصين من إغوائه. أو الإخلاص على معنى: أنّه طريق عليّ يؤدّي إلى الوصول إليّ من غير اعوجاج و ضلال.

و قرئ‏ (1): «عليّ‏ (2)» قيل: علوّ الشرف.

و في اصول الكافي‏ (3): أحمد عن‏ (4) عبد العظيم، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: هذا صِراطٌ عَلَيَ‏ (5) مُسْتَقِيمٌ‏.

و هو يحتمل الرفع و الإضافة.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن أبي جميلة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبي جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- (7) عن قوله: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ‏ قال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في مجمع البيان‏ (8): قرأ يعقوب: «هذا صراط عليّ» بالرّفع. و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏ (42):

تصديق لإبليس فيما استثناه، و تغيير الوضع لتعظيم المخلصين‏ (9)، و لأنّ المقصود بيان عصمتهم و انقطاع مخالب الشّيطان عنهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 542.

(2) أي: بالرفع، على وزن فعيل.

(3) الكافي 1/ 424، ح 63.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(5) يوجد في ب، المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 242، ح 15.

(7) المصدر: «عن عبد اللّه بن أبي جعفر، عن أخيه» بدل «عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبي جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)

(8) المجمع 3/ 336.

(9) أي: تغيير وضع النظم، فإنّ فيما سبق كان المستثنى منه الناس و المستثنى المخلصين و هاهنا العباد المستثنى منه «و الغاوين» المستثنى.

132

أو تكذيب له فيما أوهم أنّ له سلطانا على من ليس بمخلص من عباده، فإنّ منتهى تزيينه التّحريض و التّدليس، كما قال: وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏ و على هذا يكون الاستثناء منقطعا (1).

و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده إلى عليّ بن النّعمان: عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏ قال: ليس على هذه العصابة خاصّة سلطان.

قال: قلت: و كيف، جعلت فداك، و فيهم ما فيهم؟

قال: ليس حيث تذهب، إنّما قوله: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏ أن يحبّب إليهم الكفر، و يبغض إليهم الإيمان.

و في روضة الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه، فقال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏. و اللّه، ما أراد بهذا إلّا الأئمّة- (عليهم السلام)- و شيعتهم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت:

أ رأيت قول اللّه: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏ ما تفسير هذه الآية؟

قال: قال اللّه: إنّك لا تملك أن تدخلهم جنّة و لا نارا.

عن أبي بصير (5) قال: سمعت جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- و هو يقول: نحن أهل [بيت‏] (6) الرّحمة و بيت النّعمة و بيت البركة، و نحن في الأرض بنيان‏ (7) و شيعتنا عرى‏ (8) الإسلام، و ما كانت دعوة إبراهيم إلّا لنا و لشيعتنا، و لقد استثنى اللّه إلى يوم القيامة على إبليس فقال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏.

____________

(1) أي: إذا كان المراد أن ليس له سلطان و حكم عليهم يكون الاستثناء منقطعا، لأنّه نفى أن يكون له سلطان عليهم مطلقا. فلو كان الاستثناء متّصلا لزم أن يكون له سلطان على الغاوين، و ليس كذلك.

(2) المعاني/ 158، ح 1.

(3) الكافي 8/ 35، ح 6.

(4) تفسير العياشي 2/ 242، ح 16.

(5) تفسير العياشي 2/ 243، ح 18.

(6) من المصدر.

(7) كذا في ب، المصدر. و في سائر النسخ: نبيّا.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عرس.

133

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (1): إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا و سبعين كبلا (2)، فينظر الأوّل إلى زفر في عشرين و مائة غلّ، فينظر إبليس فيقول: من هذا الّذي أضعف اللّه له العذاب، و أنا أغويت هذا الخلق جميعا؟

فيقال: هذا زفر. فيقال: بما حدّ له هذا العذاب؟

فيقال: ببغيه على عليّ- (عليه السلام)-.

فيقول له إبليس: ويل لك و ثبور لك، أما علمت أنّ اللّه أمرني بالسّجود لآدم فعصيته، و سألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد و أهل بيته و شيعته فلم يجبني إلى ذلك، و قال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏.

وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ‏: لموعد الغاوين، أو المتّبعين.

أَجْمَعِينَ‏ (43): تأكيد للضّمير. أو منصوب حال، و العامل فيها «الموعد» إن جعلته [مصدرا على تقدير مضاف‏ (3)، أي: مكان وعدهم. و معنى الإضافة إن جعلته‏] (4) اسم مكان‏ (5) فإنّه لا يعمل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- فوقوفهم‏ (7) على الصّراط.

لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ‏ قيل‏ (8): يدخلون منها لكثرتهم‏ (9). أو طبقات‏ (10) ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة:

و هي جهنّم، ثمّ لظى، ثمّ الحطمة، ثمّ السّعير، ثمّ السّقر، ثمّ الجحيم، ثمّ الهاوية.

و لعلّ تخصيص العدد، لانحصار مجامع المهلكات في الرّكون إلى المحسوسات و متابعة القوّة الشّهويّة و الغضبيّة. أو لأنّ أهلها سبع فرق.

لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ‏: من الأتباع.

____________

(1) نور الثقلين 3/ 16، ح 58.

(2) الكبل: القيد.

(3) أي: على «و إن جهنّم لمحلّ موعدهم».

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) فيقدّر: فعل هكذا موعد ينسب إليهم.

(6) تفسير القمّي 1/ 376.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: وقفوهم.

(8) أنوار التنزيل 1/ 542.

(9) أي: لكثرة الداخلين فيها فيناسب تعدّد الأبواب حتّى لا يحتاج دخولهم إلى طول زمان.

(10) أي: فتكون الأبواب إشارة للطبقات باعتبار اشتمالها على الأبواب.

134

جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏ (44): افرز له.

و قرأ (1) أبو بكر: «جزء» بالتّثقيل.

و قرئ‏ (2): «جز» على حذف الهمزة و إلقاء حركتها على الزّاء، ثمّ الوقف عليه بالتّشديد، ثمّ أجرى الوصل مجرى الوقف‏ (3). و «منهم» حال منه‏ (4)، أو من المستكنّ في الظّرف لا في «مقسوم» لأنّ الصّفة لا تعمل فيما تقدّم موصوفها (5).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): بلغني، و اللّه أعلم، أنّ اللّه جعلها سبع درجات:

أعلاها الجحيم، اسم جبل من جبال جهنّم، يقوم أهلها على الصّفا منها، تغلي أدمغتهم فيها، كغلي القدور بما فيها.

و الثّانية لَظى‏، نَزَّاعَةً لِلشَّوى‏، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى، وَ جَمَعَ فَأَوْعى‏.

و الثّالثة سَقَرُ، لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ.

و الرّابعة الحطمة إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ تدّق من صار إليها مثل الكحل فلا تموت الرّوح، كلّما (7) صاروا مثل الكحل عادوا.

و الخامسة الهاوية، فيها مالك‏ (8)، يدعون: يا مالك، أغثنا. فإذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار، فيها صديد ما (9) يسيل من جلودهم، كأنّه مهل، فإذا رفعوه ليشربوا منه تساقط (10) لحم وجوههم‏ (11) من شدّة حرّها، و هو قول اللّه: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً. و من هوى فيها هوى سبعين عاما في النّار، كلّما احترق جلده بدّل جلدا غيره.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 542.

(3) بأن شدّد الرّاء في الوصل.

(4) و تقديمه على صاحبه، و هو الجزء، لكون الحال نكره و كونه حالا منه لأنّ الجزء فاعل الظّرف، فيكون التقدير: لكل باب جزء مقسوم منهم أو حال من المستكنّ في الظرف و هو «لكل باب» و هذا إذا كان «جزء» مبتدأ قدم عليه الخبر.

(5) أي: لزم ممّا ذكر أن يكون المقسوم عاملا في الحال الذي هو «منهم» و هو مقدّم على الجزء الذي هو موصوف المقسوم و هذا غير جائز عندهم.

(6) تفسير القمّي 1/ 376- 377.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: كلّها.

(8) المصدر: ملك.

(9) المصدر: ماء.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: تساقطت.

(11) المصدر: زيادة «فيها».

135

و السّادسة هي السّعير، فيها ثلاثمائة سرادق من نار، في كلّ سرادق ثلاثمائة قصر من نار، في كلّ قصر ثلاثمائة بيت من نار، في كلّ بيت ثلاثمائة لون من العذاب‏ (1) [من غير عذاب النّار] (2) فيها حيّات من نار و عقارب من نار و جوامع من نار و سلاسل [من نار] (3) و أغلال من نار، و هو الّذي يقول اللّه: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالًا وَ سَعِيراً.

و السّابعة جهنّم، و فيها (4) الفلق، و هو جبّ في جهنّم إذا فتح أسعر النّار سعرا، و هو أشدّ النّار عذابا. [و أمّا صعود فجبل من صفر من نار وسط جهنّم، و أمّا آثاما فهو واد من صفر مذاب يجري حول الجبل، فهو أشد النّار عذابا] (5).

و في كتاب الخصال‏ (6)، في سؤال بعض اليهود عليّا- (عليه السلام)- عن الواحد إلى المائة: قال له اليهوديّ: فما السّبعة؟

قال: سبعة أبواب النّار متطابقات.

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (7)، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: إنّ للنّار سبعة أبواب باب يدخل منه فرعون و هامان و قارون. و باب يدخل منه المشركون و الكفّار، من لم يؤمن باللّه طرفة عين. و باب يدخل منه بنو أميّة، هو لهم خاصّة لا يزاحمهم يه أحد (8)، و هو باب لظى، و هو باب سقر، و هو باب الهاوية تهوي بهم سبعين خريفا، فكلّما هوى بهم سبعين خريفا فار بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفا، ثمّ هوي بهم هكذا سبعين خريفا، فلا يزالون هكذا أبدا خالدين مخلّدين. و باب يدخل منه مبغضونا و محاربونا و خاذلونا، و أنّه لأعظم الأبواب و أشدّها حرّا.

قال محمّد بن الفضيل‏ (9) الرّزقيّ: فقلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الباب الّذي ذكرت عن أبيك عن جدّك- (عليهما السلام)- أنّه يدخل منه بنو أميّة، يدخله من مات منهم على الشّرك أو من أدرك الإسلام منهم؟

____________

(1) المصدر: عذاب النار.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في النار.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيهم.

(5) ليس في أ، ب.

(6) الخصال 2/ 597، ح 1.

(7) الخصال 2/ 361، ح 51.

(8) ليس في أ، ب.

(9) أ، ب: الفضل.

136

فقال: لا أمّ لك، ألم تسمعه يقول: و باب يدخل منه المشركون و الكفّار. فهذا باب يدخل منه‏ (1) كلّ مشرك و كلّ كافر لا يؤمن بيوم الحساب، و هذا الباب الآخر يدخل منه بنو أميّة هو لأبي سفيان و معاوية و آل مروان خاصّة، يدخلون من [ذلك‏] (2) الباب فتحطّمهم النّار فيه‏ (3) حطما لا يسمع لهم‏ (4) واعية و لا يحيون فيها و لا يموتون.

و في مجمع البيان‏ (5): لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ‏ فيه قولان: أحدهما، ما

روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنّ جهنّم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض- و وضع أحدى يديه على الأخرى- فقال: هكذا. و أنّ اللّه وضع الجنان على العرض، و وضع النيران بعضها (6) فوق بعض: فأسفلها جهنّم، و فوقها لظى، و فوقها الحطمة، و فوقها سقر، و فوقها الجحيم، و فوقها السّعير، و فوقها الهاوية.

و في رواية الكبيّ‏ (7): أسفلها الهاوية، و أعلاها جهنّم.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن أبي بصير قال: يؤتى بجهنّم لها سبعة أبواب: بابها الأوّل للظالم و هو زريق‏ (9). و بابها الثّاني لحبتر (10) و الباب الثّالث للثّالث. و الرّابع لمعاوية و الخامس لعبد الملك. و السّادس لعسكر بن هوسر (11) و السّابع لأبي سلامة (12). فهم أبواب لمن اتّبعهم.

و في تهذيب الأحكام‏ (13): محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن ابن‏

____________

(1) المصدر: فيه.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: زيادة «فيها».

(5) المجمع 3/ 338.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بعضا.

(7) المجمع 3/ 338.

(8) تفسير العياشي 2/ 243، ح 19.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: للظالمين و هو ذريق. و زريق: كناية عن الأوّل لأنّ العرب تتشأم بزرقة العين.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: لحبش للثاني.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لعكر بن هرس و عسكر بن هوسر: كناية عن بعض خلفاء بني أميّة أو بني العبّاس. و يحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة و سائر أهل الجمل، إذا كان اسم جمل عائشة عسكرا. و روي أنّه كان شيطانا. قاله المجلسي.

(12) كناية عن أبي جعفر الدّوانيقي. قاله المجلسي.

(13) التهذيب 9/ 209، ح 828.

137

أبي نصر قال: سألت أبا الحسين- (عليه السلام)- عن رجل أوصى بجزء من ماله.

فقال: واحد من سبعة، إنّ اللّه- تعالى- يقول: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏.

أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن إسماعيل بن همام الكنديّ، عن الرّضا- (عليه السلام)- في رجل أوصى بجزء من ماله. قال: الجزء من سبعة، إنّ اللّه- تعالى- يقول:

لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏.

عنه‏ (2)، عن أبي همام، عن الرّضا- (عليه السلام)- مثله.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ‏: من اتّباعه في الكفر و الذنوب.

فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ‏ (45): لكلّ واحد جنّة و عين. أو لكلّ عدّة منهما، كقوله: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏. و قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ‏ (3) (الآية).

قرأ (4) نافع و أبو عمرو و حفص و هشام: «و عيون» و العيون بضمّ العين حيث وقع.

و الباقون بكسرها.

ادْخُلُوها: على إرادة القول.

بِسَلامٍ‏: سالمين. أو مسلّمين عليكم.

آمِنِينَ‏ (46): من الآفات و الزّوال.

و في روضة الكافي‏ (5): خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: ألا و إنّ التّقوى مطايا ذلل حمل عليها [أهلها] (6) و أعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، و فتحت لهم أبوابها، و وجدوا ريحها و طيبها، و قيل لهم: ادْخُلُوها بِسَلامٍ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر عليّا- (عليه السلام)- و أولاده‏

____________

(1) التهذيب 9/ 209، ح 829.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 830.

(3) إذ اللّام في «المتّقون» للاستغراق، فيكون المعنى: مثل الجنّة التي وعد لكلّ من المتّقين فيها أنهار. فيكون لجنّة كل واحد أنهار.

(4) أنوار التنزيل 1/ 542.

(5) الكافي 8/ 67- 68، ح 23.

(6) من المصدر.

(7) الاحتجاج/ 63.

138

- (عليهم السلام)-: ألا إنّ أولياءهم الّذين [وصفهم اللّه- عزّ و جلّ- فقال: الذين‏] (1) يدخلون الجنّة آمنين، و تتلقّاهم الملائكة بالتّسليم أن طبتم فادخلوها خالدين.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ- (عليه السلام)- يقول: لا تغضبوا و لا تغضبوا، أفشوا السّلام و أطيبوا الكلام و صلّوا باللّيل و النّاس نيام تدخلوا الجنّة بسلام. ثمّ تلا عليهم قول اللّه- عزّ و جلّ- السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ نَزَعْنا: في الدّنيا بما ألف بين قلوبهم، أو في الجنّة بتطييب نفوسهم.

ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ‏.

قيل‏ (3): من حقد كان في الدّنيا. أو من التّحاسد على درجات الجنّة و مراتب القرب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): من العداوة.

إِخْواناً: حال من الضّمير «في جنّات»، أو فاعل «ادخلوها»، أو الضّمير في «آمنين»، أو الضّمير المضاف إليه و العامل فيها معنى الإضافة، [و هو أحد المواضع الثّلاثة الّتي يجوز فيها وقوع الحال من المضاف إليه‏] (5)، [و كذا قوله‏] (6) عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏ (47).

و يجوز أن يكونا صفتين «لإخوانا». أو حالين من ضميره، لأنّه بمعنى:

متصافين‏ (7). و أن يكون‏ (8) «متقابلين» حالا من المستقرّ في «على سرر».

في روضة الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 2/ 645، ح 7.

(3) أنوار التنزيل 1/ 543.

(4) تفسير القمّي 1/ 377.

(5) ليس في أنوار التنزيل 1/ 543.

(6) من نفس المصدر.

(7) فيكون مشتقّا نظرا إلى المعنى، ففيه ضمير مستتر. و التصافي التخالص و المراد: خلوص كلّ واحد منهم في المحبّة للأخير لا يخلط محبّته شي‏ء من الكدورة.

(8) أي: و يجوز أن يكون.

(9) الكافي 8/ 214، ح 260.

139

بن شمّون‏ (1)، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: أنتم، و اللّه، الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏.

عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏ و اللّه، ما أراد بهذا غيركم.

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ليس منكم‏ (4) رجل و لا امرأة إلّا و ملائكة اللّه يأتونه بالسّلام، و أنتم الّذين قال اللّه:

وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (5): و من طريق العامّة روى أبو نعيم الحافظ، عن رجاله، عن أبي هريرة قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: يا رسول اللّه، أيّما أحبّ إليك أنا أم فاطمة؟

فاطمة أحبّ إليّ [منك‏] (6)، و أنت أعزّ عليّ منها، و كأنّي بك و أنت على حوضي‏ (7) تذود عنه النّاس، و أنّ عليه أباريق عدد نجوم الدّنيا (8)، و أنت و الحسن و الحسين و حمزة و جعفر في الجنّة إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏ و أنت معي و شيعتك. ثمّ قرأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً.

عدّة من أصحابنا (9)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمون‏ (10)، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي‏

____________

(1) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 899.

و في النسخ: محمد بن شمعون.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 35، ح 6.

(3) تفسير العياشي 2/ 244، ح 24.

(4) ر: فيكم.

(5) تأويل الآيات 2/ 249، ح 4.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: حوض.

(8) المصدر: السماء.

(9) تأويل الآيات 1/ 249- 250، ح 6.

(10) كذا في المصدر و رجال النجاشي/ 899. و في النسخ: شمعون.

140

عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: [ألا و إنّ‏] (1) لكلّ شي‏ء جوهرا و جوهر ولد آدم محمّد و نحن و شيعتنا، [بعدنا] (2) يا (3) حبّذا شيعتنا ما أقربهم من عرش اللّه، و أحسن صنع اللّه إليهم يوم القيامة! و اللّه، لولا أن يتعاظم النّاس ذلك أو يتداخلهم زهو لسلّمت عليهم الملائكة قبلا. و اللّه، ما من عبد من شيعتنا يتلو القرآن في صلاته قائما إلّا و له بكلّ حرف خمسون حسنة، و لا في غير صلاة (4) إلّا و له [بكلّ حرف‏] (5) عشر حسنات. و إنّ للصّامت من شيعتنا لأجر من قرأ القرآن كلّه ممّن خالفه [أنتم و اللّه على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين‏] (6) و أنتم و اللّه في صلاتكم لكم‏ (7) أجر الصّافّين في سبيل اللّه، و أنتم و اللّه الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏. إنّما شيعتنا أصحاب الأربع‏ (8) الأعين: عينان في الرّأس و عينان في القلب. ألا و إنّ الخلائق كلّهم كذلك، ألا و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فتح أبصاركم و أعمى أبصارهم.

لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ‏: تعب و عناء.

و الجملة استئناف. أو حال بعد حال من الضّمير في «متقابلين».

وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ‏ (48): فإنّ تمام النّعمة بالخلود.

نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ (49) وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ‏ (50): فارجوا رحمتي، و خافوا عذابي. و ذلك فذلكة (9) ما سبق من الوعد و الوعيد، و تقرير له.

قيل‏ (10): و في ذكر المغفرة دليل على أنّه لم يرد بالمتّقين من يتّقي الذّنوب بأسرها كبيرها و صغيرها، و في توصيف ذاته بالغفران و الرّحمة دون التّعذيب ترجيح الوعد و تأكيده، و في عطف: وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ‏ (51): على‏ نَبِّئْ عِبادِي‏ تحقيق لهما بما يعتبرون به.

إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، أي: نسلّم عليك سلاما. أو سلّمنا سلاما.

قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ‏ (52): خائفون. و ذلك لأنّهم دخلوا بغير إذن و بغير

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: غيره.

5 و 6 و 7- من المصدر.

(8) المصدر: الأربعة.

(9) الفذلكة: مجمل ما فصّل و خلاصته.

(10) أنوار التنزيل 1/ 543.

141

وقت، أو لأنّهم امتنعوا من الأكل.

و «الوجل» اضطراب النّفس لتوقّع ما تكره.

قالُوا لا تَوْجَلْ‏ و قرئ‏ (1): «لا تأجل». و «لا توجل» من، أوجله. و «تواجل» من، واجله، بمعنى: أوجله.

إِنَّا نُبَشِّرُكَ‏: استئناف في معنى التّعليل للنّهي عن الوجل، فإنّ المبشّر لا يخاف منه.

و قرأ (2) حمزة: «نبشرك» [بفتح النّون و التّخفيف‏] (3) من البشر.

بِغُلامٍ‏.

قيل‏ (4): هو إسحاق لقوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ‏.

عَلِيمٍ‏ (53): إذا بلغ.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن محمّد بن القاسم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ سارة قالت لإبراهيم- (عليه السلام)-: قد كبرت، فلو دعوت اللّه أن يرزقني‏ (6) ولدا فتقرّ أعيننا (7)، فإنّ اللّه قد اتّخذك خليلا و هو مجيب دعوتك إن شاء (8) اللّه.

فسأل إبراهيم ربّه أن يرزقه غلاما عليما (9)، فأوحى اللّه إليه: إنّي واهب لك غلاما حليما (10)، ثمّ أبلوك‏ (11) فيه بالطّاعة لي.

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فمكث إبراهيم بعد البشارة ثلاث سنين، ثمّ جاءته البشارة من اللّه بإسماعيل مرّة أخرى بعد ثلاث سنين.

و لا ينافي ذلك الخبر كون إسماعيل من هاجر، لجواز أن يكون سؤال إبراهيم ولدا مطلقا لا من سارة بخصوصها، و أعطاه اللّه إيّاه بسؤاله الولد من هاجر لحكمة له فيه.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 543.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 1/ 543.

(5) تفسير العياشي 2/ 244، ح 25.

(6) المصدر: يرزقك.

(7) كذا في ب، المصدر. و في النسخ: اغتر عينان.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: سألت.

(9) المصدر: حليما.

(10) كذا في المصدر. و في ب: غلاما لك عليما.

و في سائر النسخ: «لك عليما» بحذف غلاما.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: أشكرك.

142

و لا ينافي ذلك- أيضا- تعجّب سارة حين وقوع البشارة بقولها: أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ لجواز ظنّها حينئذ كون الولد و استبشارها به، و إن لم يكن ظنّها موافقا للواقع.

قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى‏ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ: تعجّب من أنّ يولد له مع مسّ الكبر إيّاه، و إنكار لأن يبشّر به في مثل هذه الحال، و كذلك قوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ‏ (54)، أي:

فبأيّ أعجوبة تبشّروني. أو فبأيّ شي‏ء تبشّروني، فإنّ البشارة ممّا لا يتصوّر وقوعه عادة بغير شي‏ء.

و قرأ (1) ابن كثير، بكسر النّون مشدّدة، في كلّ القرآن، على إدغام نون الجمع في نون الوقاية. و نافع، بكسرها مخفّفة، على حذف نون الجمع استثقالا، لاجتماع المثلين و دلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء.

قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ‏، أي: بما يكون لا محالة. أو باليقين الّذي لا لبس فيه.

أو بطريقة هي حقّ، و هو قول اللّه و أمره.

فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ‏ (55): من الآيسين من ذلك، فإنّه- تعالى- قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان و عجوز عاقر. و كان استعجاب إبراهيم- (عليه السلام)- باعتبار العادة دون القدرة، و لذلك‏ قالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ‏ (56)، أي: المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة (رحمه اللّه)- تعالى- و كمال علمه و قدرته، كما قال: لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏.

و قرأ (2) أبو عمرو و الكسائيّ «يقنط» بالكسر.

و قرئ‏ (3)، بالضّمّ، و ماضيهما «قنط» بالفتح.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن صفّوان الجمال قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فأطرق، ثمّ قال: اللّهم‏ (5)، لا تقنطني من رحمتك.

ثمّ قال: وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ‏.

و في كتاب التّوحيد (6)، بإسناده إلى معاذ بن جبل، حديث طويل: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول فيه: قال اللّه: يا ابن آدم، بإحساني إليك قويت على‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 543.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 544.

(4) تفسير العياشي 2/ 247، ح 27.

(5) كذا في ب، المصدر. و في النسخ: اللّه.

(6) التوحيد/ 344، ح 13.

143

طاعتي، و بسوء ظنّك بي قنطت من رحمتي.

قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ‏ (57)، أي: فما شأنكم الّذي أرسلتم لأجله سوى البشارة.

و لعلّه علم أنّ كمال المقصود ليس البشارة، لأنّهم كانوا عددا و البشارة لا تحتاج إلى العدد، و لذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكرياء و مريم- (عليهما السلام)-. أو لأنّهم بشّروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل، و لو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها.

قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ‏ (58)، يعني: قوم لوط.

إِلَّا آلَ لُوطٍ: إن كان استثناء من «قوم» كان منقطعا (1) إذ القوم مقيّد بالإجرام، و إن كان استثناء من الضّمير في «مجرمين» كان متّصلا، و القوم و الإرسال شاملين للمجرمين، و آل [لوط المؤمنين به. و كأنّ المعنى: إنّا أرسلنا إلى قوم أجرم كلّهم إلّا أنّ آل‏] (2) لوط منهم، لنهلك المجرمين و ننجّي آل لوط. و يدلّ عليه قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (59)، أي: ممّا نعذّب به القوم. و هو استئناف إذا اتّصل الاستثناء، و متّصل «بآل لوط» جار مجرى خبر لكن إذا انقطع. و على هذا جاز أن يكون قوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ‏: استثناء من «آل لوط» أو من ضميرهم، و على الأوّل لا يكون إلّا من ضميرهم لاختلاف الحكمين، اللّهم إلّا أن يجعل‏ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ‏ اعتراضا.

و قرأ (3) حمزة و الكسائي: «لمنجوهم» مخفّفا.

قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ‏ (60): الباقين مع الكفرة لتهلك معهم.

و قرأ (4) أبو بكر: «قدرنا» هاهنا و في النّمل بالتّخفيف، و إنّما علّق و التّعليق من خواصّ أفعال القلوب لتضمّنه معنى العلم. و يجوز أن يكون «قدّرنا» اجري مجرى «قلنا»، لأنّ التّقدير بمعنى القضاء، و أصله جعل الشّي‏ء على مقدار غيره. و إسنادهم إيّاه إلى‏

____________

(1) لأن «آل لوط» لم يكونوا مجرمين، و المستثنى منه القوم المجرمون فيكون المعنى: إنا مرسلون إلى الجماعة المجرمين إلّا آل لوط فإنا نرسل إليهم فيكون آل لوط داخلا في الجماعة المجرمين حتى يمكن إخراجهم بالاستثناء و أمّا إذا كان مستثنى من ضمير «مجرمين» يكون استثناء آل لوط من المتصفين بالاجرام فالاستثناء يفيد عدم اتصافهم به إذ المعنى: جماعة متصفة بالاجرام جميعهم إلّا آل لوط.

(2) ليس في أ.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 544.

144

أنفسهم، و هو فعل اللّه- تعالى- لما لهم من القرب و الاختصاص به.

فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ‏ (61) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ‏ (62):

تنكركم نفسي و تنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بشرّ.

قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ‏ (63)، أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرّك و يشفي لك من عدوّك، و هو العذاب الّذي توعّدتهم به فيمترون فيه.

وَ أَتَيْناكَ بِالْحَقِ‏: باليقين من عذابهم.

وَ إِنَّا لَصادِقُونَ‏ (64): فيما أخبرناك به.

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏: فأذهب بهم في اللّيل.

و قرأ (1) الحجازيّان، بوصل الألف، من «السّرى» و هما بمعنى.

و قرئ‏ (2): «فسر» من السّير.

بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏: في طائفة من اللّيل.

و قيل‏ (3): في آخره.

وَ اتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ‏: و كن على أثرهم تذودهم و تسرع بهم و تطّلع على حالهم.

وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ: لينظر ما وراءه، فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو فيصيبه العذاب.

و قيل‏ (4): نهوا عن الالتفات ليوطّنوا نفوسهم على المهاجرة.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة يدعوهم إلى اللّه و يحذّرهم عقابه.

قال: و كانوا قوما لا يتنظفون‏ (6) من الغائط و لا يتطهّرون من الجنابة، [و كان لوط و آله يتنظفون من الغائط و يتطهّرون من الجنابة] (7) و كان لوط ابن خالة إبراهيم و إبراهيم ابن خالة لوط، و كانت امرأة إبراهيم سارة، أخت لوط، و كان إبراهيم و لوط نبيّين مرسلين منذرين، و كان لوط رجلا سخيّا كريما يقري‏ (8) الضّيف إذا نزل به و يحذّره قومه.

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 544.

(4) أنوار التنزيل 1/ 544.

(5) تفسير العياشي 2/ 245- 246، ح 26.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا ينتظفون.

(7) من المصدر.

(8) قرى الضيف: أضافه و أجاره و أكرمه.

145

قال: فلمّا رأى قوم لوط ذلك‏ قالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ‏ لا تقري ضيفا ينزل بك، فإنّك إن فعلت فضحنا ضيفك و أخزيناك فيه. و كان لوط و إبراهيم لا يتوقّعان نزول العذاب على قوم لوط، و كانت لإبراهيم و لوط منزلة من اللّه شريفة، و أنّ اللّه- تبارك و تعالى- كلّما كان هم بعذاب قوم لوط أدركته فيهم مودّة إبراهيم و خلّته و محبّة (1) لوط، فيراقبهم فيه فيؤخّر عذابهم.

قال أبو جعفر: فلمّا اشتدّ أسف اللّه على قوم لوط و قدّر عذابهم و قضاه، أحبّ أن يعوّض إبراهيم بعذاب قوم لوط بغلام عليم‏ (2) فيسلّي به مصابه بهلاك قوم لوط. فبعث اللّه رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسماعيل، فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم و خاف أن يكونوا سرّاقا.

قال: فلمّا أن رأته الرّسل فزعا وجلا قالوا سلاما قال سلام‏ قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ‏.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و الغلام العليم‏ (3) هو إسماعيل من هاجر. فقال إبراهيم للرّسل: أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى‏ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ. فقال إبراهيم للرّسل بعد البشارة: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ‏ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏ (4) لننذرهم عذاب ربّ العالمين.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فقال إبراهيم للرّسل: إِنَّ فِيها لُوطاً (الآية).

قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ‏ فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ‏. يقول:

من عذاب اللّه لننذر قومك العذاب. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏ يا لوط إذا مضى من يومك هذا سبعة أيّام و لياليها (5) بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا امرأتك أنّه مصيبها ما أصابهم.

قال أبو جعفر: فقضوا إلى لوط ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ‏.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: محبّته.

(2) المصدر: حليم.

(3) المصدر: الحليم.

(4) النمل/ 12 و غيره.

(5) المصدر: بلياليها.

146

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فلمّا كان يوم الثّامن مع طلوع الفجر، قدّم اللّه رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسحاق و يعزونه بهلاك قوم لوط. (الحديث).

وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏ (65): إلى حيث‏ (1) أمركم اللّه بالمضيّ إليه.

قيل‏ (2): و هو الشّام، أو مصر. فعدّي «و امضوا» إلى «حيث»، و «تؤمرون» إلى ضميره المحذوف على الاتّساع.

وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ‏، أي: و أوحينا إليه مقضيّا. و لذلك عدّي «بإلى».

ذلِكَ الْأَمْرَ: مبهم يفسّره‏ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ‏. و محلّه النّصب على البدل منه، و في ذلك تفخيم للأمر و تعظيم له‏ (3).

و قرئ‏ (4)، بالكسر، على الاستئناف. و المعنى: أنّهم يستأصلون عن آخرهم حتّى لا يبقى منهم أحد.

مُصْبِحِينَ‏ (66): داخلين في الصّبح.

و هو حال من «هؤلاء». و هو أحد المواضع الثّلاثة الّتي يجوز فيها الحال من المضاف إليه.

و قيل‏ (5): أو من الضّمير في «مقطوع». و جمعه للحمل على المعنى، فإنّ‏ دابِرَ هؤُلاءِ في معنى: مدبري هؤلاء.

وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: مدينة سدوم.

يَسْتَبْشِرُونَ‏ (67): بأضياف لوط طمعا فيهم.

قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ‏ (68): بفضيحة ضيفي، فإنّ من اسي‏ء إلى ضيفه فقد اسي‏ء إليه.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏: في ركوب الفاحشة.

وَ لا تُخْزُونِ‏ (69): و لا تذلّوني بسببهم. من الخزي، و هو الهوان.

أو لا تخجلوني فيهم. من الخزاية، و هو الحياء.

____________

(1) يعني: الأصل أن يقال: و امضوا إلى حيث تؤمرون، لأنّ معنى مضى: ذهب، فحذف «إلى» و عدّى الفعل بنفسه للاتّساع.

(2) أنوار التنزيل 1/ 544.

(3) لأنّ التعيين بعد الإبهام إنّما هو ليتقرّر في ذهن المخاطب و لا يكون ذلك إلّا فيما يهتمّ المتكلّم بشأنه.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 544.

147

قالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (70): عن أن تجير منهم أحدا. أو تمنع بيننا و بينهم، فإنّهم كانوا يتعرّضون لكلّ أحد و كان لوط- (عليه السلام)- يمنعهم عنه بقدر وسعة. أو عن ضيافة النّاس و إنزالهم.

قالَ هؤُلاءِ بَناتِي‏، يعني: نساء القوم، فإنّ نبيّ كلّ أمّة بمنزلة أبيهم. و فيه وجوه ذكرت في الهود (1).

إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏ (71): قضاء الوطر. أو ما أقول لكم.

لَعَمْرُكَ‏: قسم بحياة المخاطب، و هو النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أي: و حياتك، يا محمّد. قال: فهذه فضيلة لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الأنبياء.

و قيل‏ (3): لوط. قالت الملائكة له ذلك، و التّقدير: لعمرك قسمي. و هو لغة في العمر يختصّ به القسم لإيثار الأخفّ فيه، لأنّه كثير الدّور على ألسنتهم.

إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ‏: لفي غوايتهم. أو شدّة غلمتهم‏ (4) الّتي أزالت عقولهم و تمييزهم بين خطئهم و صوابهم الّذي يشار به إليهم.

يَعْمَهُونَ‏ (72): يتحيّرون، فكيف يسمعون نصحك.

و قيل‏ (5): الضّمير لقريش، و الجملة اعتراض.

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، يعني: صيحة هائلة مهلكة.

و قيل‏ (6): صيحة جبرئيل- (عليه السلام)-.

مُشْرِقِينَ‏ (73): داخلين في وقت شروق الشّمس.

فَجَعَلْنا عالِيَها: عالي المدينة، أو عالي قراهم.

سافِلَها: و صارت منقلبة بهم.

وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏ (74): من طين متحجّر.

قيل: أو طين عليه كتاب، من السّجّل.

و قد سبق مزيد بيان لهذه القصّة في سورة هود- (عليه السلام)-.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 545: سورة هود.

(2) تفسير القمّي 1/ 377.

(3) أنوار التنزيل 1/ 545.

(4) الغلمة: شدّة الشهوة للجماع.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 545.

148

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ (75): للمتفكّرين المتفرّسين، الّذين يتثبّتون في نظرهم حتّى يعرفوا حقيقة الشّي‏ء بسمته.

وَ إِنَّها: و إنّ المدينة، أو القرى.

لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏ (76): ثابت يسلكه النّاس و يرون آثارها. و هو تنبيه لقريش، كقوله: وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ‏.

و في أصول الكافي‏ (1): أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، عن ابن أبي عمير قال: أخبرني أسباط بيّاع الزّطي قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فسأله رجل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏.

قال‏ (2): نحن المتوسّمون، و السّبيل فينا مقيم.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن سلمة بن الخطّاب، عن يحيى بن إبراهيم قال: حدّثني أسباط بن سالم قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فدخل عليه رجل من أهل هيت‏ (4)، فقال له: أصلحك اللّه، ما تقول في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏؟

قال: نحن المتوسّمون و السّبيل فينا مقيم.

محمّد بن إسماعيل‏ (5)، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ قال: هم الأئمّة- (عليهم السلام)-. قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه- عزّ و جلّ- في قول اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-:

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عبيس بن هشام، عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏

____________

(1) الكافي 1/ 218، ح 1.

(2) المصدر: زيادة «فقال».

(3) الكافي 1/ 218، ح 2.

(4) هيت: بلدة بالعراق.

(5) الكافي 1/ 218، ح 3.

(6) متعلق بقوله: قال رسول الله- صلى الله عليه و آله-.

(7) الكافي 1/ 218، ح 4.

149

فقال: هم الأئمّة.

وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏ قال: لا يخرج منّا أبدا.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن أسلم، عن إبراهيم بن أيّوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المتوسّم، و أنا من بعده و الأئمّة من ذرّيّتي المتوسّمون.

و في نسخة أخرى: عن أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن أسلم، عن إبراهيم بن أيّوب، بإسناده، مثله.

أحمد بن إدريس‏ (2) و محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عبيس بن هشام، عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الإمام فوّض اللّه إليه، كما فوّض إلى سليمان بن داود؟

فقال: نعم.

و ذلك أنّ رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها، و سأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأوّل، ثمّ سأله آخر فأجابه بغير جواب الأوّلين، ثمّ قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أعط (3) بغير حساب و هكذا هي في قراءة عليّ- (عليه السلام)-.

قال: فقلت: أصلحك اللّه، فحين أجابهم بهذا الجواب يعرفهم الإمام؟

قال: سبحان اللّه، أما تسمع اللّه يقول: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ و هم الأئمّة وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏ لا يخرج منّا أبدا.

ثمّ قال لي: نعم، إنّ الإمام إذا أبصر إلى الرّجل عرفه و عرف لونه، و إن سمع كلامه من خلف حائط عرفه و عرف ما هو، إنّ اللّه يقول: وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏ (4) و هم العلماء، فليس يسمع شيئا من الأمر ينطق به إلّا عرفه ناج أو هالك، فلذلك يجيبهم بالّذي يجيبهم.

و في روضة الواعظين‏ (5) للمفيد- (رحمه اللّه)- بعد أن ذكر الصّادق- (عليه السلام)-

____________

(1) الكافي 1/ 218، ح 5.

(2) الكافي 1/ 438، ح 3.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أمسك.

(4) الروم/ 22.

(5) روضة الواعظين 2/ 266.

150

و روى عنه حديثا: و قال- (عليه السلام)-: إذا قام قائم آل محمّد- (عليه السلام)- حكم بين النّاس بحكم داود، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه اللّه- تعالى- فيحكم بعلمه، و يخبر كلّ قوم ما استنبطوه، و يعرف وليّه من عدوّه بالتّوسّم، قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): و قد صحّ عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه.

قال: إنّ للّه عبادا يعرفون النّاس بالتّوسّم، ثمّ قرأ هذه الآية.

و روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: نحن المتوسّمون، و السّبل فينا مقيم، و السّبيل طريق‏ (2) الجنّة. ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره‏ (3).

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في وجه دلائل الأئمّة و الرّدّ على الغلاة و المفوّضة- لعنهم اللّه-: حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ- رضي اللّه عنه- قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوما، و عنده عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- و قد اجتمع الفقهاء و أهل الكلام من الفرق المختلفة، فسأله بعضهم، فقال له: يا ابن رسول اللّه، بأيّ شي‏ء تصحّ الإمامة لمدّعيها؟

قال: بالنّصّ و الدّليل.

قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟

قال: في العلم و استجابة الدّعوة.

قال: فما وجه إخباركم ممّا يكون‏ (5)؟

قال: ذلك بعهد معهود إلينا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فما وجه إخباركم ممّا في قلوب النّاس؟

قال له: ما بلغك‏ (6) قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه؟

____________

(1) المجمع 3/ 343.

(2) ب: بطريق.

(3) تفسير القمّي 1/ 377.

(4) العيون 2/ 200، ح 1.

(5) أ، ب، ر: تكون.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ما بلغكم.

151

[قال: بلى.

قال: و ما من مؤمن إلّا و له فراسة ينظر بنور اللّه‏] (1) على قدر إيمانه و مبلغ استبصاره و علمه، و قد جمع اللّه للأئمّة (2) منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين، و قال- عزّ و جلّ- في كتابه العزيز: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏. فأوّل المتوسّمين رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، ثمّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- من بعده، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، و الأئمّة من ولد الحسين- (عليه السلام)- إلى يوم القيامة.

قال: فنظر إليه المأمون فقال له: يا أبا الحسن، زدنا ممّا جعل اللّه لكم أهل البيت.

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تعالى- قد أيّدنا بروح منه مقدّسة مطهّرة، ليست بملك، لم تكن مع أحد ممّن مضى إلّا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و هي مع الأئمّة منّا تسدّدهم و توفّقهم، و هو عمود من نور بيننا و بين اللّه- تعالى-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى أبان بن تلب قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا قام القائم- (عليه السلام)- لم يقم بين يديه أحد من خلق الرّحمن إلّا عرفه، صالح هو أو (4) طالح، و [لأنّ‏] (5) فيه آية للمتوسّمين، و هي السّبيل‏ (6) المقيم.

و في كتاب معاني الأخبار (7): الهلاليّ أمير المدينة يقول: سألت جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- فقلت له: يا ابن رسول اللّه، في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.

قال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، و إن شئت فاسأل.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه، و بأيّ شي‏ء تعرف ما في نفسي قبل سؤال عنه؟

قال: بالتّوسّم و التّفرّس‏ (8)، أما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏. قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: في الائمّة.

(3) كمال الدين/ 671، ح 20.

(4) المصدر: أم.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: بسبيل.

(7) المعاني/ 350، ح 1.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: التفريس.

152

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن عبد الرّحمن‏ (2) بن سالم الأشلّ، رفعه قال: هم آل محمّد الأوصياء- (عليه السلام)-.

عن أبي بصير (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: في الإمام آية للمتوسمين، و هو السّبيل المقيم، ينظر بنور اللّه و ينطق عن اللّه، لا يعزب عنه شي‏ء ممّا أراد.

عن جابر بن يزيد الجعفيّ‏ (4) قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بينما أمير المؤمنين- (عليه السلام)- جالس في مسجد الكوفة قد احتبى‏ (5) بسيفه و ألقى برنسه‏ (6) وراء ظهره إذ أتته امرأة مستعدية على زوجها، فقضى للزّوج على المرأة، فغضبت.

فقالت: لا، و اللّه، ما هو كما قضيت. لا، و اللّه، ما تقضي [بالسوية] (7) و لا تعدل في الرّعيّة و لا قضيّتك عند اللّه بالمرضيّة.

قال: فنظر إليها أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فتأمّلها، ثمّ قال لها: كذبت‏ (8)، يا جريّة يا بذيّة، أيا سلسع أيا سلفع‏ (9)، أيا الّتي تحيض من حيث لا تحيض النّساء.

قال فولّت هاربة و هي تولول، و تقول: يا ويلي يا ويلي يا ويلي، ثلاثا.

قال: فلحقها عمرو بن حريث‏ (10)، فقال لها: يا أمة اللّه أسألك.

فقالت: ما للرّجال و النّساء في الطّرقات؟

فقال: إنّك استقبلت أمير المؤمنين عليّا- (عليه السلام)- بكلام سررتني به، ثمّ‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 247، ح 30.

(2) كذا في ب، المصدر، جامع الرواة 1/ 450.

و في النسخ: عبد اللّه.

(3) تفسير العياشي 2/ 248، ح 31.

(4) تفسير العياشي 2/ 248- 249، ح 32.

(5) احتبى: جمع بين ظهره و ساقيه بعمامة و نحوها و نحوها ليستند إذ لم يكن للعرب في البوادي جدران تستند إليها في مجالسها.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بريشه.

و البرنس: قلنسوة طويلة كانت تلبس في صدر الإسلام، و هو كلّ ثوب رأسه ملتزق به.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: أكذبت.

(9) البذيّة: الفحّاشة. و السّلفع: السّليط. و امرأة سلفع يستوي فيه المذكّر و المؤنّث. يقال: سليطة جريئة. و لم أجد للسّلسع معنى في كتب اللّغة.

(10) عمرو بن حريث القرشيّ المخزوميّ من أعداء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أولياء بني أميّة.

و يظهر من هذا الحديث خبثه و زندقته و عداوته له- (عليه السلام)-. و قد ورد في ذمّه روايات كثيرة فراجع تنقيح المقال و غيره.

153

قرّعك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بكلمة فولّيت مولولة؟

فقالت: إنّ ابن أبي طالب، و اللّه، استقبلني فأخبرني بما هو [فيّ، و بما] (1) كتمته من بعلي منذ ولي عصمتي، لا و اللّه ما رأيت طمثا من حيث تراه‏ (2) النّساء.

قال: فرجع عمرو بن حريث إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [فقال له: يا أمير المؤمنين، ما نعرفك بالكهانة.

فقال: و ما ذلك، يا ابن حريث؟

فقال له: يا أمير المؤمنين‏] (3) إنّ هذه المرأة ذكرت أنّك أخبرتها (4) بما هو فيها، و أنها لم تر طمثا قطّ من حيث تراه النّساء.

فقال له: ويلك، يا ابن حريث، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، و ركّب الأرواح في الأبدان، فكتب بين أعينها: كافر و مؤمن، و ما هي مبتلاة به إلى يوم القيامة، ثمّ أنزل بذلك قرآنا على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال:

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المتوسّم، ثمّ أنا من بعده، ثمّ الأوصياء من ذرّيّتي من بعدي، إنّي لمّا رأيتها تأمّلتها فأخبرتها بما هو فيها، و لم أكذب.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (77): باللّه و رسله.

وَ إِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ‏ (78): هم قوم شعيب- (عليه السلام)- كانوا يسكنون الغيضة، فبعثه اللّه- تعالى- إليهم فكذّبوه، فاهلكوا بالظّلّة.

و «الأيكة» الشّجرة المتكاثفة.

فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ‏: بالإهلاك.

وَ إِنَّهُما.

قيل‏ (5): يعني: سدوم و الأيكة.

و قيل‏ (6): الأيكة و مدين، فإنّه كان مبعوثا إليهما، و كان ذكر أحدهما منبّها على الأخرى.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في أ، و في سائر النسخ: ترينه.

(3) نور الثقلين 3/ 26، ح 94.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لخبرتها.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 545.

154

لَبِإِمامٍ مُبِينٍ‏ (79): لبطريق واضح.

و «الإمام» اسم ما يؤتمّ به. فسمّي به اللّوح، و مطمر البناء، و الطّريق، لأنّهما ما يؤتّم به.

وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ‏ (80)، يعني: ثمود كذّبوا صالحا.

و من كذّب واحدا من الرّسل، فقد كذّب الجميع.

و يجوز أن يراد بالمرسلين: صالح و من معه من المؤمنين.

و «الحجر» واد بين المدينة و الشّام يسكنونه.

وَ آتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ‏ (81)، يعني: آيات الكتاب المنزل على نبيّهم. أو معجزاته، كالنّاقة و سقيها و شربها و درّها. أو ما نصب لهم من الأدلّة.

وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ‏ (82): من الانهدام، و نقب اللّصوص، و تخريب الأعداء لوثاقتها. أو من العذاب لفرط غفلتهم، أو حسبانهم أنّ الجبال تحميمهم منه.

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ‏ (83) فَما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (84): من بناء البيوت الوثيقة، و استكثار الأموال و العدد.

وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ‏: متلبّسا بالحقّ، لا يلائم استمرار الفساد و دوام الشّرور. فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء، و إزاحة فسادهم من الأرض.

وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ: فينتقم اللّه فيها ممّن كذّبك.

فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ‏ (85): و لا تعجل بالانتقام منهم، و عاملهم معاملة الصفوح الحليم‏ (1).

و قيل‏ (2): هو منسوخ بآية السّيف.

و في عيون الأخبار (3): عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ‏ قال: العفو من غير عتاب.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 1/ 546. و في النسخ:

«الحكيم المقصود المخالفة» بدل «الصفوح الحليم».

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) العيون 1/ 229، ح 50.

155

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (1) بإسناده: عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال عليّ بن الحسين زين العابدين- (عليه السلام)- مثله.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ‏: الّذي خلقك و خلقهم، و بيده أمرك و أمرهم.

الْعَلِيمُ‏ (86): بحالك و حالهم، فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم. أو هو الّذي خلقكم و علم الأصلح لكم، و قد علم أنّ الصّفح اليوم أصلح.

و «الخلّاق» يختصّ بالكثير.

وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً: سبع آيات، و هي الفاتحة.

و قيل‏ (2): سبع سور، و هي الطّوال، و سابعتها الأنفال و التّوبة فإنّهما في حكم سورة واحدة، و لذلك لم يفصل بينهما بالتّسمية.

و قيل‏ (3): التّوبة.

و قيل‏ (4): يونس. أو الحواميم السّبع.

و قيل‏ (5): سبع صحائف، و هي الأسباع.

مِنَ الْمَثانِي‏: بيان للسّبع.

و «المثاني» من التّثنية، أو الثّناء، فإنّ كلّ ذلك مثنى تكرّر قراءته أو ألفاظه أو قصصه و مواعظه. أو مثنى عليه بالبلاغة و الإعجاز. أو مثن على اللّه- تعالى- بما هو أهله من صفاته العظمى و أسمائه الحسنى.

و يجوز أن يراد بالمثاني: القرآن، أو كتب اللّه كلّها فيكون من للتّبعيض.

وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏ (87): إن أريد بالسّبع الآيات أو السّور، فمن عطف الكلّ على البعض أو العامّ على الخاصّ. و إن أريد الأسباع، فمن عطف أحد الوصفين على الآخر.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): محمّد بن عليّ بن محبوب، عن العبّاس، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن السّبع المثاني و القرآن العظيم، هي الفاتحة؟

قال: نعم.

____________

(1) أمالي الصدوق/ 68، ح 4.

2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 546.

(5) أنوار التنزيل 1/ 546.

(6) التهذيب 2/ 289، ح 1157.

156

قلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ آية (1) من السّبع المثاني؟

قال: نعم، هي أفضلهنّ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): ابن عبد الرّحمن، عمن رفعه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏.

قال: هي سورة الحمد، و هي سبع آيات منها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏. و إنّما سمّيت المثاني، لأنّها تثنّى في الرّكعتين.

عن أبي بكر الحضرميّ‏ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: إذا كان لك حاجة، فاقرأ المثاني و سورة [أخرى‏] (4) و صلّ ركعتين و ادع اللّه.

قلت: أصلحك اللّه، و ما المثاني؟

قال: فاتحة الكتاب‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

عن سورة (5) بن كليب‏ (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: نحن المثاني الّتي أعطى نبيّنا.

عن يونس بن عبد الرّحمن‏ (7)، عمّن [ذكره‏] (8) رفعه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏.

قال: إنّ ظاهرها الحمد، و باطنها ولد الولد، و السّابع منها القائم- (عليه السلام)-.

قال حسّان‏ (9): سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏.

قال: [ (ليس)] (10) هكذا تنزيلها، إنّما هي: و لقد آتيناك سبعا من المثاني [نحن هم‏] (11) و القرآن العظيم ولد الولد.

عن القسم بن عروة (12)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه:] (13)

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) تفسير العياشي 1/ 19، ح 3.

(3) نفس المصدر 2/ 249، ح 35.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 36.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «بنت كليب» بدل «سورة بن كليب».

(7) تفسير العياشي 2/ 250، ح 37.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 38.

(10) من المصدر.

(11) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.

(12) نفس المصدر و الموضع، ح 39.

(13) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

157

وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.

قال: سبعة أئمّة و القائم.

عن السّديّ‏ (1)، عمّن سمع عليّا- (عليه السلام)- يقول: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي‏ فاتحة الكتاب.

عن سماعة (2) [قال:] (3) قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏. قال: لم يعط الأنبياء إلّا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هم السّبعة الأئمّة الّذين يدور عليهم الفلك. وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

عن محمّد بن مسلم‏ (4)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قوله: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏.

قال: فاتحة الكتاب يثنّى فيها القول.

في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)- لبعض أحبار اليهود في أثناء كلام طويل، يذكر فيه مناقب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و زاد اللّه- عزّ ذكره- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- السّبع الطّوال و فاتحة الكتاب، و هي السّبع المثاني و القرآن العظيم.

و في عيون الأخبار (6): عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره: و قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أخبرنا عن‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هي من فاتحة الكتاب؟

فقال: نعم، كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقرأها و يعدّها آية منها، و يقول: فاتحة الكتاب، و هي السّبع المثاني.

و بإسناده‏ (7) إلى الحسن بن عليّ: عن أبيه، عن‏ (8) عليّ بن محمّد، عن أبيه، عن‏ (9) محمّد بن عليّ، عن أبيه الرّضا، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- أنّه قال: إنّ‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 251، ح 40.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 41.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العياشي 2/ 249، ح 34.

(5) الاحتجاج 1/ 320.

(6) العيون 1/ 301، ذيل ح 59.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 60.

8، 9- ليس في المصدر.

158

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ آية من فاتحة الكتاب، و هي سبع آيات تمامها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏. سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ اللّه- تعالى- قال لي: يا محمّد وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏. فأفرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب، و جعلها بإزاء القرآن العظيم.

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى أبي سلام: عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نحن المثاني الّتي أعطاها اللّه نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و نحن وجه اللّه نتقلّب في الأرض بين أظهركم، عرفنا من عرفنا، و من جهلنا فأمامه اليقين‏ (2).

قال الصّدوق- (رحمه اللّه)-: قوله: «نحن المثاني»، أي: نحن الّذين قرننا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالقرآن و أوصى بالتّمسّك بالقرآن و بنا، فأخبر أمّته أنّا لا نفترق حتّى نرد حوضه.

قيل‏ (3): لعلّهم- (عليهم السلام)- عدوّا سبعا باعتبار أسمائهم، فإنّها سبعة. و على هذا فيجوز أن يجعل المثاني من الثّناء، و أن يجعل من التّثنية باعتبار تثنيتهم مع القرآن، و أن يجعل كناية عن عددهم الأربعة عشر، بأن يجعل نفسه واحدا منهم بالتّغاير الاعتباريّ بين المعطي و المعطى له.

و في مجمع البيان‏ (4): السبع المثاني هي فاتحة الكتاب. و هو قول عليّ- (عليه السلام)-. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن سعد الإسكاف قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعطيت السّور الطّوال مكان التّوراة، و أعطيت المئين مكان الإنجيل، و أعطيت المثاني مكان الزّبور.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (6)، عن الحسن بن عليّ بن [عبد اللّه، و حميد بن زياد عن‏

____________

(1) العيون/ 151، ذيل ح 6.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: النبيّين. و في هامش نور الثقلين 3/ 29: كذا في النسخ، لكن تفسير العياشي و تفسير القمّي و المنقول عنهما في البحار و غيره: «فأمامه السعير» و هو الأظهر و يحتمل التصحيف أيضا.

(3) تفسير الصافي 3/ 121.

(4) المجمع 3/ 344.

(5) الكافي 2/ 601، ح 10.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 604، ح 5.

159

الخشاب جميعا عن الحسن بن علي بن‏] (1) يوسف، عن معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و من أوتي القرآن، فظنّ أنّ أحدا من النّاس أوتي أفضل ممّا أوتي، فقد عظّم ما حقّر اللّه و حقّر ما عظّم اللّه.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أعطاه اللّه القرآن، فرأى أنّ رجلا اعطي أفضل ممّا اعطي، فقد صغّر عظيما و عظّم صغيرا.

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ‏: لا تطمح ببصرك طموح راغب.

إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ‏: أصنافا من الكفّار. فإنّه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنّه كمال مطلوب بالذّات مفض إلى دوام اللّذّات.

وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏: إنّهم لم يؤمنوا.

و قيل‏ (3): إنّهم المتمتّعون به.

وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (88): و تواضع لهم و ارفق بهم.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من لم يتعزّ بعزاء اللّه، تقطّعت نفسه على الدّنيا حسرات. و من رمى ببصره‏ (5) إلى ما في أيدي‏ (6) غيره، كثر همّه و لم يشف غيظه.

و من لم يعلم أنّ للّه عليه نعمة إلّا في مطعم أو ملبس، فقد قصر علمه و دنا عذابه. و من أصبح على الدّنيا حزينا، أصبح على اللّه ساخطا. و من شكا مصيبة نزلت به، فإنّما يشكو ربّه. و من دخل النّار من هذه الأمّة ممّن قرأ القرآن، فهو ممّن يتّخذ آيات اللّه‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 2/ 605، ح 7.

(3) أنوار التنزيل 1/ 546.

(4) تفسير القمّي 1/ 381.

(5) المصدر: بنظره.

(6) المصدر: يد.

160

هزوا. و من أتى ذا ميسرة فتخشّع له طلب ما في يديه‏ (1)، ذهب ثلثا دينه.

و في مجمع البيان‏ (2): و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا ينظر إلى ما يستحسن من الدّنيا.

وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ‏ (89): أنذركم ببيان و برهان أنّ عذاب اللّه نازل بكم إن لم تؤمنوا.

كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ‏ (90)، مثل العذاب الّذي أنزلنا عليهم. و هو وصف لمفعول «النّذير» أقيم مقامه.

و «المقتسمون» هم الاثنا عشر الّذين اقتسموا مداخل مكّة أيّام الموسم، لينفّروا النّاس عن الإيمان بالرّسول، فأهلكهم اللّه- تعالى- يوم بدر. أو الرّهط الّذين اقتسموا، أي: تقاسموا على أن يبيّتوا صالحا- (عليه السلام)-.

و قيل‏ (3): هو صفة مصدر محذوف لقوله‏ وَ لَقَدْ آتَيْناكَ‏. فإنّه بمعنى: أنزلنا إليك.

و المقتسمون هم [اهل الكتاب‏] (4) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ‏ حيث قالوا عنادا: بعضه حقّ موافق للتّوراة و الإنجيل و بعضه باطل مخالف لهما. أو قسّموه إلى شعر و سحر و كهانة و أساطير الأوّلين. أو أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم و كفروا ببعض، على أنّ القرآن ما يقرءونه من كتبهم، فيكون ذلك تسلية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قوله: «لا تمدّنّ» (إلى آخره) اعتراضا ممدّا (5) لها.

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ‏ (91): أجزاء. جمع، عضة. و أصلها: عضوة.

من عضّى الشّاة: إذا جعلها أعضاء.

و قيل‏ (6): هي فعلة، من عضهته: إذا بهتّه.

و في الحديث‏ (7) النّبويّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لعن رسول اللّه العاضهة و المستعضهة (8).

____________

(1) المصدر: يده.

(2) المجمع 3/ 345.

(3) أنوار التنزيل 1/ 547.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تمهيدا.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 547.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: المستضعهة.

161

و قيل‏ (1): أسحارا.

و عن عكرمة (2): «العضة» (3) السّحر.

و إنّما جمع على السّلامة، جبرا لما حذف منه. و الموصول بصلته صفة للمقتسمين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال عليّ بن إبراهيم في قوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. قال: قسّموا القرآن، و لم يؤلّفوه على ما أنزله اللّه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قال في الّذين أبرزوا القرآن عضين، قال: هم قريش.

فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (93): من التّقسيم.

أو النّسبة إلى السّحر، فنجازيهم عليهم.

و قيل‏ (6): عامّ في كلّ ما فعلوا من الكفر و المعاصي.

فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: فاجهر به. من صدع بالحجّة: إذا تكلّم بها جهارا. أو فافرق به بين الحقّ و الباطل. و أصله الإبانة و التّمييز.

و «ما» مصدريّة، أو موصولة. و الرّاجع محذوف، أي: بما تؤمر به من الشّرائع.

وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏ (94): فلا تلتفت إلى ما يقولون.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم‏ (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها (9).

قال: نسختها فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏.

إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏ (95): بقمعهم و إهلاكهم.

الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏ (96): عاقبة أمرهم في الدّارين.

و في أصول الكافي‏ (10): محمّد بن أبي عبد اللّه و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: العضهة.

(4) تفسير القمّي 1/ 377.

(5) تفسير العياشي 2/ 251، ح 43.

(6) أنوار التنزيل 1/ 548.

(7) تفسير العياشي 2/ 252، ح 45. و ص 319، ح 176.

(8) المصدر: «عن أبي بصير» بدل «عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم».

(9) الاسراء/ 110.

(10) الكافي 1/ 243، ذيل ح 1.

162

و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن الحسن بن عبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: سأل رجل أبي- (عليه السلام)-.

فقال: يا ابن رسول اللّه، سآتيك بمسألة صعبة. أخبرني عن هذا العلم، ما له لا يظهر، كما كان يظهر مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

قال: فضحك أبي- (عليه السلام)- و قال: أبى اللّه أن يطلع على علمه إلّا ممتحنا للإيمان به، كما قضى على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يصبر على أذى قومه و لا يجاهدهم إلّا بأمره. فكم من اكتتام قد اكتتم به حتّى قيل له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏. و أيم اللّه، إنّه لو صدع‏ (1) قبل ذلك، لكان آمنا. و لكنّه إنّما نظر في الطّاعة و خاف الخلاف، فلذلك كفّ. فوددت أنّ عينك تكون مع مهديّ هذه الأمّة، و الملائكة بسيوف آل داود بين السّماء و الأرض تعذّب أرواح الكفرة من الأموات، و تلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء.

ثمّ أخرج سيفا. ثمّ قال: ها إنّ هذا منها.

قال: فقال أبي: و الّذي اصطفى محمّدا على البشر.

قال: فردّ الرّجل اعتجاره‏ (2)، و قال: أنا إلياس، ما سألتك عن أمرك و بي منه جهالة، غير أنّي أحببت أن يكون هذا الحديث قوّة لأصحابك.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى محمّد بن عليّ الحلبيّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اكتتم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [بمكة] (4) مختفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر أمره، و عليّ- (عليه السلام)- معه و خديجة. ثمّ أمره اللّه- عزّ و جلّ- أن يصدع بما أمر به، فظهر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأظهر أمره.

و في خبر آخر (5): أنّه- (عليه السلام)‏- كان مختفيا بمكّة ثلاث سنين.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أصدع.

(2) الاعتجار: لفّ العمامة على رأسه. و الردّ هنا في مقابل الفتح المذكور في صدر الحديث في قوله:

«ففتح الرّجل عجيرته و استوى جالسا و تهلّل وجهه ...» و إن شئت الوقوف على تمام الحديث راجع نفس المصدر.

(3) كمال الدين 2/ 344، ح 28.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

163

و بإسناده‏ (1) إلى عبيد اللّه بن عليّ الحلبيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: مكث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمكّة بعد ما جاء الوصي عن اللّه- تبارك و تعالى- ثلاث عشرة سنة، منها ثلاث سنين مختفيا خائفا لا يظهر حتّى أمره اللّه- عزّ و جلّ- أن يصدع بما أمره به، فأظهر حينئذ الدّعوة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اكتتم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمكّة سنين ليس يظهر، و عليّ معه و خديجة.

ثمّ أمره اللّه أن يصدع بما يؤمر، فظهر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب، فإذا أتاهم قالوا: كذّاب امض عنّا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.

الآية نزلت بمكّة بعد أن نبّئ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بثلاث سنين. و ذلك أنّ النّبوّة نزلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم الاثنين، و أسلم عليّ- (عليه السلام)- يوم الثّلاثاء، ثمّ أسلمت خديجة بنت خويلد، زوجة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ دخل أبو طالب على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يصلّي و عليّ بجنبه، و كان مع أبي طالب جعفر.

فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمّك.

فوقف جعفر على يسار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فبدر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بينهما. فكان يصلّي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و عليّ و جعفر و زيد بن حارثة و خديجة [يأتمون به‏] (4). فلمّا أتى لذلك ثلاث سنين، أنزل اللّه عليه‏ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏.

و كان المستهزءون برسول اللّه خمسة: الوليد بن المغيرة، و العاص بن وائل، و الأسود بن المطّلب، و الأسود بن عبد يغوث، و الحرث بن الطّلاطلة الخزاعيّ.

أمّا الوليد، فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا عليه لما كان يبلغه من إيذائه و استهزائه. فقال: اللّهم، أعم بصره و أثكله بولده. فعمي بصره و قتل ولده ببدر

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 29.

(2) تفسير العياشي 2/ 253، ح 47.

(3) تفسير القمّي 1/ 377- 381.

(4) من المصدر.

164

و كذلك [دعا] (1) على الأسود بن المطّلب، و الأسود بن عبد (2) يغوث، و الحارث بن طلاطلة الخزاعيّ. فمرّ الوليد بن المغيرة يوما (3) برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه جبرئيل- (عليه السلام)-.

فقال جبرئيل: يا محمّد، هذا الوليد بن المغيرة و هو من المستهزئين بك؟

قال: نعم.

و قد كان مرّ برجل من خزاعة على باب المسجد (4) و هو يريّش نبالا له، فوطئ على بعضها، فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت. فلمّا مرّ بجبرئيل- (عليه السلام)- أشار إلى ذلك الموضع، فرجع الوليد إلى منزله و نام على سريره، و كانت ابنته نائمة أسفل منه، فانفجر الموضع الّذي أشار إليه جبرئيل- (عليه السلام)- أسفل عقبه فسال منه الدّم حتّى صار إلى فراش ابنته.

فانتبهت ابنته‏ (5)، فقالت: يا جارية، انحلّ وكاء القربة (6).

قال الوليد (7): ما هذا وكاء القربة، و لكنّه دم أبيك. فاجمعي لي ولدي و ولد أخي، فإنّي ميّت.

فجمعتهم.

فقال لعبد اللّه بن أبي ربيعة: إنّ عمارة بن الوليد بأرض الحبشة بدار مضيّعة (8)، فخذ كتابا من محمّد إلى النّجاشيّ أن يردّه.

ثمّ قال لابنه هاشم، و هو أصغر ولده: يا بنيّ، أوصيك بخمس خصال فاحفظها: أوصيك بقتل أبي درهم الدّوسيّ، و ان أعطوكم ثلاث ديات‏ (9)، فإنّه غلبني على امرأتي و هي بنته، و لو تركها و بعلها كانت تلد لي ابنا مثلك. و دمي في خزاعة، و ما تعمّدوا قتلي، و أخاف أن تنسوا بعدي. و دمي في بني خزيمة بن عامر. و دياتي‏ (10) في ثقيف، فخذه. و لأسقف نجران عليّ مائتا دينار، فاقضها.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر: «المطّلب، و الأسود بن عبد.

(3) ليس في المصدر.

(4) ليس في المصدر: على باب المسجد.

(5) ليس في المصدر.

(6) وكاء القربة: رباط القربة.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مضيّقة.

(9) ليس في المصدر: و ان أعطوكم ثلاث ديات.

(10) المصدر: دياني. و السيرة لابن هشام:

ربائي.

165

ثمّ فاضت نفسه.

و مرّ ربيعة بن الأسود برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأشار جبرئيل إلى بصره، فعمى و مات.

و مرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار جبرئيل إلى بطنه، فلم يزل يستسقي حتّى انشقّ بطنه.

و مرّ العاص بن وائل، فأشار جبرئيل إلى رجليه‏ (1)، فدخل عود في أخمص قدمه و خرج‏ (2) من ظاهره، و مات.

و مرّ به الحارث بن الطّلاطلة (3)، فأشار جبرئيل إلى وجهه، فخرج إلى جبال تهامة فأصابته السّمائم‏ (4) و استسقى حتّى انشقّ بطنه. و هو قول اللّه‏ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏.

فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فقام على الحجر و قال: يا معشر قريش يا معاشر العرب، أدعوكم إلى شهادة: أن لا إله إلّا اللّه، و أنّي رسول اللّه، و آمركم بخلع الأنداد و الأصنام. فأجيبوني، تملكوا بها العرب و تدين لكم العجم و تكونوا ملوكا في الجنّة.

فاستهزءوا منه، و قالوا: جنّ محمّد بن عبد اللّه. و لم يجسروا عليه، لموضع أبي طالب.

فاجتمعت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا و سبّ آلهتنا و أفسد شبابنا و فرّق جماعتنا. فإن كان حمله‏ (5) على ذلك الغرم، جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، و نزوّجه أيّ امرأة شاء من قريش.

فقال له أبو طالب: ما هذا، يا ابن أخي؟

فقال: يا عمّ، هذا دين اللّه الّذي ارتضاه لأنبيائه و رسله، بعثني اللّه رسولا إلى النّاس.

فقال: يا ابن أخي، إنّ قومك قد أتوني يسألوني أن أسألك أن تكفّ عنهم.

____________

(1) الظاهر: رجله.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فدخل يداه في أخمص قدميه و خرجت.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ابن أبي الطلاطلة.

(4) السمائم- جمع السموم-: الريح الحارّة.

(5) المصدر: يحمله.

166

فقال: يا عمّ، إنّي لا أستطيع أن أخالف أمر ربّي.

فكفّ عنه أبو طالب.

ثمّ اجتمعوا إلى أبي طالب، فقالوا: أنت سيّد من ساداتنا، فادفع إلينا محمّدا لنقتله و تملّك علينا.

فقال أبو طالب قصيدة طويلة (1)، يقول فيها:

و لمّا رأيت القوم لا ودّ عندهم‏* * * و قد قطعوا كلّ العرى و الوسائل‏

كذبتم و بيت اللّه يبزى‏ (2) محمّد* * * و لمّا نطاعن دونه و نناضل‏

و ننصره حتّى نصرّع حوله‏* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

قال: فمّا اجتمعت قريش على قتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كتبوا الصّحيفة القاطعة، جمع أبو طالب بني هاشم و حلف لهم بالبيت و الرّكن و المقام و المشاعر في الكعبة، لئن شاكت محمّدا شوكة لآتين عليكم بني هاشم‏ (3). فأدخله الشّعب، و كان يحرسه باللّيل و النّهار قائما بالسّيف على رأسه أربع سنين.

فلمّا خرجوا من الشّعب، حضرت أبا طالب الوفاة. فدخل عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يجود بنفسه، فقال: يا عمّ، ربّيت صغيرا و كفلت يتيما، فجزاك اللّه عنّي جزاء (4)، أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربّي.

فروي: أنّه لم يخرج من الدّنيا حتّى أعطى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الرّضا.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو قمت المقام المحمود، لشفعت لأبي و أمّي و عمّي و أخ كان لي مؤاخيا في الجاهليّة.

و حدّثني‏ (5) أبي، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة و عبد اللّه بن سنان و أبي حمزة الثّماليّ‏ (6) قالوا: سمعنا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-، جعفر بن محمّد يقول: لمّا حجّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حجّ الوداع نزل بالأبطح و وضعت له و سادة فجلس عليها، ثمّ رفع يده إلى السّماء و بكى بكاء شديدا، ثمّ قال: يا ربّ، إنّك وعدتني في أبي و أمّي‏

____________

(1) المصدر: قصيدته الطويلة.

(2) يبزى: يغلب و يقهر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ببني هاشم.

(4) المصدر: خيرا.

(5) تفسير القمّي 1/ 380.

(6) المصدر: ابن أبي حمزة الثمالي.

167

و عمّي أن لا تعذّبهم بالنّار.

قال: فأوحى اللّه إليه: إنّي آليت على نفسي أن لا يدخل جنّتي إلّا من شهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّك عبدي و رسولي. و لكن‏ (1) ائت الشّعب فنادهم، فإن أجابوك فقد وجبت لهم رحمتي.

فقام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الشّعب فناداهم: يا أبتاه و يا أمّاه و يا عمّاه.

فخرجوا ينفضون التّراب عن وجوههم‏ (2).

و قال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا ترون إلى هذه الكرامة الّتي أكرمني اللّه بها؟

فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّك رسول اللّه حقّا حقّا، و أنّ جميع ما أتيت به من عند اللّه فهو الحقّ.

فقال: ارجعوا إلى مضاجعكم.

و دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى مكّة، و قدم‏ (3) إليه عليّ- (عليه السلام)- من اليمن.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا أبشّرك يا عليّ؟

فقال له: بأبي أنت و أمّي، لم تزل مبشّرا.

فقال: ألا ترى إلى ما رزقنا اللّه- تبارك و تعالى- في سفرنا هذا؟ و أخبره الخبر.

فقال عليّ: الحمد للّه.

قال: و أشرك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بدنته‏ (4) أباه و أمّه و عمّه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا موسى بن عمران قد أرسله اللّه إلى فرعون و أراه الآية الكبرى.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و لكنّي.

(2) المصدر: رؤوسهم.

(3) كذا في المصدر، ب. و في سائر النسخ:

و دخل عليّ- (عليه السلام)-.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بدنة.

(5) الاحتجاج 1/ 321.

168

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أرسل إلى فراعنة شتّى، مثل أبي جهل بن هشام، و عتبة بن ربيعة، و شيبة، و أبي البحتريّ، و النّضر بن الحرث، و أبيّ بن خلف، و منبّه و نبيه ابني الحجّاج، و إلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و العاص بن وائل السّهميّ، و الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ، و الأسود بن عبد (1) المطّلب، و الحارث بن الطّلاطلة (2). فأراهم الآيات في الآفاق و في أنفسهم، حتّى تبيّن لهم أنّه الحقّ.

قال له اليهوديّ: لقد انتقم اللّه- عزّ و جلّ- لموسى من فرعون.

قال له عليّ- (عليه السلام)- لقد كان كذلك [و لقد] (3) انتقم اللّه- جلّ اسمه- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الفراعنة. فأمّا المستهزءون، فقد قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏ (4). فقتل اللّه خمستهم كلّ واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد.

فأمّا الوليد بن المغيرة، فمرّ بنبل لرجل من خزاعة قد راشه و وضعه في الطّريق، فأصابه شظيّة منه، فانقطع أكحله حتّى أدماه فمات. و هو يقول: قتلني ربّ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و أمّا العاص بن وائل السّهمّي، فإنّه خرج في حاجة له إلى موضع، فتدهده تحته حجر (5)، فسقط، فتقطّع قطعة قطعة فمات. و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.

و أمّا الأسود بن عبد يغوث، فإنّه خرج يستقبل ابنه زقعة (6)، فاستظل بشجرة، فأتاه جبرئيل- (عليه السلام)- فأخذ رأسه فنطح‏ (7) به الشّجرة. فقال لغلامه: امنع هذا عنّي.

فقال: ما أرى أحدا يصنع بك‏ (8) شيئا إلّا نفسك. فقتله، و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.

و أمّا الأسود بن الحارث بن المطّلب‏ (9)، فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا عليه أن يعمي اللّه بصره و أن يثكله ولده. فلمّا كان في ذلك اليوم، خرج حتّى صار إلى موضع أتاه جبرئيل- (عليه السلام)- بورقة خضراء، فضرب بها وجهه، فعمي و بقي حتّى أثكله اللّه‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: الطلالة.

(3) من المصدر.

(4) الحجر/ 95.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بحجر.

(6) المصدر: زمعة.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فتنطح.

(8) ليس في المصدر.

(9) ليس في المصدر: بن المطّلب.

169

- عزّ و جلّ- ولده.

و أمّا الحارث بن الطّلاطلة (1)، فإنّه خرج من بيته في السّموم، فتحوّل حبشيّا، فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث. فغضبوا عليه فقتلوه، و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.

و روي‏ (2): أنّ أسود بن الحارث أكل حوتا مالحا، فأصابه غلبة العطش، فلم يزل يشرب الماء حتّى انشقّ بطنه فمات. و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.

كلّ ذلك في ساعة واحدة. و ذلك أنّهم كانوا بين يدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقالوا له: يا محمّد، ننتظر بك إلى الظّهر، فإن رجعت عن قولك و إلّا قتلناك.

فدخل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- منزله، فأغلق عليه بابه مغتمّا لقولهم.

فأتاه جبرئيل- (عليه السلام)- عن اللّه من ساعته، فقال: يا محمّد، السّلام يقرأ عليك السّلام و هو يقول: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏ (3)، يعني: اظهر أمرك لأهل مكّة و ادعهم إلى الإيمان.

قال: يا جبرئيل، كيف أصنع بالمستهزئين و ما أوعدوني؟

قال له: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏.

قال: يا جبرئيل، كانوا السّاعة بين يدي.

قال: قد كفيتهم‏ (4).

فأظهر أمره عند ذلك. و أمّا بقيّتهم من‏ (5) الفراعنة فقتلوا يوم بدر بالسّيف، و هزم اللّه الجمع‏ (6) و ولّوا الدّبر.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبان الأحمر رفعه قال‏ المستهزءون بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- خمسة: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و العاص بن وائل السّهميّ، و الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ، و الأسود بن المطّلب، و الحارث بن عطيّة (8) الثّقفيّ.

وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ‏ (97): من الشّرك، و الطّعن في القرآن، و ما يذكر في وصيّك، و الاستهزاء بك.

____________

(1) المصدر: الحارث بن أبي الطلالة.

(2) الاحتجاج 1/ 322.

(3) الحجر/ 94.

(4) أ، ب، ر: نفيتهم.

(5) المصدر: «بقيّة» بدل «بقيتهم من».

(6) المصدر: الجميع.

(7) الخصال 1/ 278، ح 24.

(8) المصدر: «الطلاطلة» بدل «عطيّة».

170

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن الحسين و غيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى [و محمد بن يحيى‏] (2) و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد، عن ابن‏ (3) أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه حاكيا عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فذكر من فضل وصيّه ذكرا، فوقع النّفاق في قلوبهم. فعلم‏ (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك و ما يقولون. فقال اللّه- جلّ ذكره-: يا محمّد وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ‏.

فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ‏ (5). لكنّهم نصبت‏ (6) حجّة لهم.

و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتألّفهم و يستعين ببعضهم على بعض، و لا يزال يخرج لهم شيئا في فضل وصيّه حتّى نزلت هذه الآية (7)، فاحتجّ عليهم حين أعلم بموته و نعيت إليه نفسه.

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ‏: فافزع إلى اللّه فيما نابك بالتّسبيح و التّحميد، يكفك و يكشف الغمّ عنك. أو فنزّهه عمّا يقولون، حامدا له على أن هداك للحقّ.

وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏ (98): من المصلّين.

و في مجمع البيان‏ (8): أنّه- (عليه السلام)‏- كان إذا أصابه‏ (9) أمر، فزع إلى الصّلاة.

و في أصول الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّ من صبر، صبر قليلا. و إنّ من جزع، جزع قليلا.

ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمره‏ (11) بالصّبر و الرّفق، فصبر- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها

____________

(1) الكافي 1/ 294، ذيل ح 3.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فهم.

(5) الانعام/ 33.

(6) المصدر: «يجحدون بغير» بدل «نصبت».

(7) المصدر: السورة.

(8) المجمع 3/ 347.

(9) المصدر: حزنه.

(10) الكافي 2/ 88، ح 3.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: و أمره.

171

فضاق صدره. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏ (99)، أي: الموت، فإنّه متيقّن لحاقه كلّ حيّ مخلوق.

و المعنى: فاعبده ما دمت حيّا، و لا تخلّ بالعبادة لحظة.

175

سورة النّحل‏

مكّيّة، غير ثلاث آيات في آخرها. و هي مائة [و ثمان‏] (1) و عشرون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة النّحل في كلّ شهر، كفي المغرم في الدّنيا و سبعين نوعا من أنواع البلاء (3)، أهونه الجنون و الجذام و البرص، و كان مسكنه في جنّة عدن و هي وسط الجنّان.

و في مجمع البيان‏ (4): أبي بن كعب عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، لم يحاسبه اللّه- تعالى- بالنّعم الّتي أنعمها عليه في دار الدّنيا (5). و إن مات في يوم تلاها أو ليلته، اعطي‏ (6). من الأجر، كالّذي مات و أحسن الوصيّة.

أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ‏ قيل‏ (7): كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قيام السّاعة أو إهلاك اللّه- تعالى- إيّاهم، كما فعل يوم بدر، استهزاء و تكذيبا، و يقولون: إن صحّ ما

____________

(1) من أنوار التنزيل 1/ 548.

(2) ثواب الأعمال/ 133، ح 1.

(3) المصدر: البلا [يا].

(4) المجمع 3/ 347.

(5) المصدر: في دار الدنيا و أعطى من الأجر كالّذي كالّذي مات و أحسن الوصية و إن مات الخ.

(6) المصدر: «كان له» بدل «أعطى».

(7) أنوار التنزيل 1/ 548.

176

يقوله‏ (1)، فالأصنام تشفع لنا و تخلّصنا. فنزلت.

و المعنى: أنّ الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقّق، من حيث أنّه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه، فإنّه لا خير لكم فيه و لا خلاص لكم عنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: نزلت لمّا سألت قريش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن ينزّل عليهم العذاب.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه إذا أخبر (4) أنّ شيئا كائن، فكأنّه قد كان.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، بإسناده إلى ابان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أوّل من يبايع القائم جبرئيل، ينزل في صورة طير أبيض فيبايعه. ثمّ يضع رجلا على بيت اللّه الحرام و رجلا على بيت المقدس، ثمّ ينادي بصوت ذلق‏ (6) تسمعه الخلائق: أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ‏.

عن عليّ‏ (7) بن مهزيار (8)، عن القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. فيه أنّه- (عليه السلام)- تلا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ‏.

فقلت: سيّدي يا ابن رسول اللّه، ما الأمر؟

قال: نحن أمر اللّه و جنوده‏ (9).

و روى الشّيخ المفيد (10) في كتاب الغيبة، بإسناده: عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في هذه الآية قال: هو أمرنا، يعني: قيام قائمنا آل محمّد. أمرنا اللّه أن لا نستعجل به، فيؤيّده إذا أتى ثلاثة: جنود الملائكة، و المؤمنون، و الرّعب.

و خروجه- (عليه السلام)-، كخروج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من مكّة. و هو قوله:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تقول.

(2) تفسير القمّي 1/ 382.

(3) تفسير العياشي 2/ 254.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: إذا اجز اللّه.

(5) كمال الدين/ 671، ح 18.

(6) المصدر: طلق. و الذّلق: الفصيح.

(7) كمال الدين/ 469- 470.

(8) بعض نسخ المصدر: علي بن إبراهيم بن مهزيار.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «فلا تستعجلوه» بدل «و جنوده».

(10) تفسير البرهان 2/ 359، ذيل ح 1 عنه.

177

كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ‏.

سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (1): تبرّأ و جلّ عن أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بهم.

و قرأ (1) حمزة و الكسّائي، بالتّاء، على وفق قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ‏. و الباقون، بالياء، على تلوين الخطّاب، أو على أنّ الخطّاب للمؤمنين، أو لهم و لغيرهم لما نقل: أنّه لمّا نزلت‏ أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ‏ فوثب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و رفع النّاس رؤوسهم، فنزلت‏ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ‏.

يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ‏ قيل‏ (2): بالوحي. أو القرآن، فإنّه يحيى به القلوب الميّتة بالجهل، أو يقوم في الدّين مقام الرّوح في الجسد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، يعني: بالقوّة الّتي جعلها اللّه فيهم.

و عن أبي جعفر (4)- (عليه السلام)- يقول: بالكتاب و النّبوّة.

و قرأ (5) ابن كثير و أبو عمرو: «و ينزل» من أنزل.

و عن يعقوب‏ (6)، مثله. و عنه: «تنزّل»، بمعنى: تتنزّل.

و قرأ (7) أبو بكر: «تنزّل» على المضارع المبنيّ للمفعول، من التّنزيل.

مِنْ أَمْرِهِ‏: بأمره. أو من أجله.

عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏: أن يتّخذه رسولا.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن الحسين بن أبي العلا، عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يسأله عن الرّوح: أليس هو جبرئيل؟

فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: جبرئيل من الملائكة و الرّوح غير جبرئيل [فكرّر ذلك على الرّجل.

فقال له: لقد قلت عظيما من القول، ما أحد يزعم أنّ الرّوح غير جبرئيل.] (9)

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 548.

(2) نفس المصدر و الموضع.

3 و 4- تفسير القمّي 1/ 382.

5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 548.

(8) الكافي 1/ 274، ح 6.

(9) من المصدر.

178

فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّك ضالّ تروي عن أهل الضّلال. يقول اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه: أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ‏. و الرّوح غير الملائكة- (عليهم السلام)-.

و في كتاب بصائر الدّرجات‏ (1): عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه سئل عن هذه الآية.

فقال: جبرئيل الّذي نزل على الأنبياء، و الرّوح يكون معهم و مع الأوصياء لا يفارقهم يفقّههم و يسدّدهم من عند اللّه. (الحديث).

أَنْ أَنْذِرُوا: بأن أنذروا، أي: أعلموا. من أنذرته‏ (2) بكذا: إذا أعلمته.

أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ‏ (2): أنّ الشّأن لا إله إلّا أنا فاتّقون. أو خوّفوا أهل الكفر و المعاصي، بأنّه لا إله إلّا أنا.

قوله: «فاتّقون» رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود.

و «أن» قيل‏ (3): هي مفسّرة، لأنّ الرّوح بمعنى الوحي الدّالّ على القول. أو مصدريّة في موضع الجرّ بدلا من الرّوح، أو النّصب بنزع الخافض. أو مخفّفة من الثّقيلة.

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (3): منهما، أو ممّا يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما و ممّا لا يقدر على خلقهما.

خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: جماد لا حسّ لها و لا حراك، سيّالة لا تحفظ الوضع و الشّكل.

فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ‏: منطيق مجادل.

مُبِينٌ‏ (4): للحجّة. أو خصيم مكافح لخالقه قائل: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: خلقه من قطرة ماء منتن، فيكون خصيما متكلّما بليغا.

وَ الْأَنْعامَ‏: الإبل و البقر و الغنم.

و انتصابها بمضمر يفسّره: خَلَقَها لَكُمْ‏، أو بالعطف على «الإنسان».

و خَلَقَها لَكُمْ‏ بيان ما خلقت لأجله. و ما بعده تفصيل له.

____________

(1) بصائر الدرجات/ 483، ح 1.

(2) أنوار التنزيل 1/ 548: نذرت.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 1/ 382.

179

فِيها دِفْ‏ءٌ.

«الدّف‏ء» اسم لما يدفأ به، فيقي البرد (1)، كما أنّ الملأ اسم لما يملأ به. و هو الدّفاء من لباس معمول من صوف أو وبر.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)-، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: سئل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّ المال خير؟

قال: زرع زرعه صاحبه و أدّى حقّه يوم حصاده.

قيل: و أيّ مال بعد الزّرع خير؟

قال: رجل في غنمه‏ (3) قد تبع بها مواقع‏ (4) القطر، يقيم الصّلاة و يؤتي الزّكاة.

قيل: فأيّ المال بعد الغنم خير؟

قال: البقر تغدو بخير (5) و تروح بخير.

قيل: فأيّ المال بعد البقر خير؟

قال: الرّاسيات‏ (6) في الوحل المطعمات في المحل‏ (7). نعم المال النّخل. من باعه، فإنّما ثمنه بمنزلة رماد على شاهقة (8) اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف، إلّا أن يخلف مكانها.

قيل: يا رسول اللّه، فأيّ المال بعد النّخل خير؟

فسكت.

فقال له الرّجل: فأين الإبل؟

قال: فيها الشّقاء و الجفاء و العناء و بعد الدار (9)، تغدو مدبرة [و تروح مدبرة] (10)، لا يأتي خيرها إلّا من جانبها الأشأم.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 1/ 549. و في النسخ:

فيقي الحرّ و البرد.

(2) الخصال 1/ 245، ح 105.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: غنيمة.

(4) المصدر: المواضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «تفد و تجي‏ء» بدل «تفد و بخير».

(6) الراسيات: الثابتات في أماكنها لا تزول لعظمها.

(7) المحل: الشدة و الجدب و انقطاع المطر و يبس الأرض من الكلأ.

(8) المصدر: على رأس شاهقة.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الواد.

(10) من المصدر.

180

عن أبي عبد اللّه‏ (1)، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الغنم إذا أقبلت، أقبلت. و إذا أدبرت، أقبلت. و البقر إذا أقبلت، أقبلت. و إذا أدبرت، أدبرت. و الإبل أعناق الشّياطين، إذا أقبلت، أدبرت. و إذا أدبرت، أدبرت. و لا يجي‏ء خيرها إلّا من جانب الأشأم.

قيل: يا رسول اللّه، فمن يتّخذها بعد ذا؟

قال: فأين الأشقياء الفجرة؟

عن الحارث‏ (2) قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عليكم بالغنم و الحرث، فإنّهما يروحان بخير و يغدوان بخير. قال: فقيل له:

يا رسول اللّه، فأين الإبل؟

قال: تلك أعناق الشّياطين، و يأتي خيرها من الجانب الأشأم.

قيل: يا رسول اللّه، إن سمع النّاس بذلك تركوها.

فقال إذا لا يعدمها الأشقياء الفجرة.

عن أمير المؤمنين‏ (3)- (عليه السلام)-: أفضل ما يتّخذه الرّجل في منزله لعياله الشّاة.

فمن كان في منزله شاة، قدّست عليه الملائكة [في كلّ يوم مرّة و من كانت عنده شاتان، قدست عليه الملائكة] (4) مرتين في كلّ يوم، و كذلك في الثّلاث. تقول: بورك فيكم.

عن الحسن بن مصعب‏ (5) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ للّه- تعالى- في كلّ يوم و ليلة ملكا ينادي: مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه، فلولا بهائم رتّع و صبية رضّع و شيوخ ركّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا و ترضّون بها رضّا.

وَ مَنافِعُ‏: نسلها و درّها و ظهورها. و إنّما عبّر عنها بالمنافع، ليتناول عوضها و للاختصار.

وَ مِنْها تَأْكُلُونَ‏ (5)، أي: تأكلون ما يؤكل منها، كاللّحوم و الشّحوم و الألبان.

و تقديم الظّرف، للمحافظة على رؤوس الآي. أو لأنّ الأكل منها هو المعتاد

____________

(1) الخصال 1/ 246، ح 106.

(2) الخصال 1/ 45، ح 44.

(3) الخصال 2/ 617.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و المجلّد/ 128، ح 131. و فيه:

الحسين بن مصعب.

181

و المعتمد عليه في المعاش، و أمّا الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التّداوي أو التّفكّه.

وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ‏: تردّونها من مراعيها إلى مراحها بالعشيّ.

وَ حِينَ تَسْرَحُونَ‏ (6): تخرجونها بالغداة إلى المراعي. فإنّ الأفنية تتزيّن بها في الوقتين، و يجلّ أهلها في أعين النّاظرين إليها.

و تقديم الإراحة، لأنّ الجمال فيها أظهر. فإنّها تقبل ملأى البطون حافلة الضّروع، ثمّ تأوى إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

و قرئ‏ (1): «حينا» على أنّ «تريحون» و «تسرحون» وصفان له، بمعنى: تريحون فيه و تسرحون فيه.

وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ‏: أحمالكم.

إِلى‏ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ‏ إن لم تكن الأنعام و لم تخلق، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم إليه.

إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ‏: إلّا بكلفة و مشقّة.

و قرئ‏ (2)، بالفتح. و هو لغة فيه.

و قيل‏ (3): المفتوح مصدر شقّ الأمر عليه، و أصله: الصّدع. و المكسور، بمعنى:

النّصف، كأنّه ذهب نصف قوته بالتّعب.

إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (7): حيث رحمكم بخلقها، لانتفاعكم و تيسير الأمر عليكم.

و في الكافي‏ (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى [عن عبد اللّه بن يحيى‏] (5) الكاهليّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ و يذكر الحجّ، فقال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هو أحد الجهادين، هو جهاد الضّعفاء و نحن الضّعفاء. أمّا إنّه ليس شي‏ء أفضل من الحجّ إلّا الصّلاة. و في الحجّ هاهنا صلاة، و ليس في الصّلاة قبلكم حج. لا تدع الحجّ و أنت تقدر عليه. أما ترى أنّه يشعث‏ (6) رأسك،

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 549.

(4) الكافي 4/ 253، ح 7.

(5) من المصدر.

(6) شعث رأسه: تفرّق شعره و جلده.

182

و يقشف‏ (1) فيه جلدك، و تمتنع فيه من النّظر إلى النّساء. و إنّا نحن هاهنا و نحن قريب، و لنا مياه متّصلة ما نبلغ الحجّ حتّى يشقّ علينا، فكيف أنتم في بعد البلاد. و ما من ملك و لا سوقة (2) يصل إلى الحجّ، إلّا بمشقّة في تغيير مطعم أو مشرب أو ريح أو شمس لا يستطيع ردّها. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ‏ (الآية).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان و فضالة، عن القاسم الكاهليّ قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يذكر الحجّ. و ذكر، مثل ما نقلناه عن الكاهليّ سواء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ.

قال: حين ترجع من المرعى.

قوله: وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى‏ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.

قال: إلى مكة و المدينة و جمع البلدان.

وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ: عطف على «الأنعام».

لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً: و لتتزيّنوا بها زينة.

و قيل‏ (5): هي معطوفة على محلّ «لتركبوها». و تغيير النّظم لأنّ الزّينة بفعل الخالق و الرّكوب ليس بفعله، و لأنّ المقصود من خلقها الرّكوب و أمّا التّزيّن بها فحاصل بالعرض.

و قرئ‏ (6)، بغير واو. و على هذا يحتمل أن يكون علّة «لتركبوها»، أو مصدرا في موقع الحال من أحد الضّميرين، أي: متزيّنين، أو متزيّنا بها.

في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن زرارة، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن أبوال الخيل [و البغال‏] (8) و الحمير.

____________

(1) القشف: رثاثة الهيئة و سوء الحال.

(2) السوقة: الرعيّة.

(3) العلل/ 457، ح 2.

(4) تفسير القمّي 1/ 382.

(5) أنوار التنزيل 1/ 549.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير العياشي 2/ 255.

(8) من المصدر.

183

قال: نكرّهها (1).

فقلت: أليس لحمها حلالا؟

فقال: أليس قد بيّن اللّه لكم‏ وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ‏. و قال: [في الخيل‏] وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ‏ (2) وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً. فجعل للأكل الأنعام‏ (3) الّتي قصّ اللّه في الكتاب، و جعل للرّكوب الخيل و البغال و الحمير. و ليس لحومها بحرام، و لكن النّاس عافوها.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الخيل كانت وحوشا في بلاد العرب، فصعد إبراهيم و إسماعيل- (عليهما السلام)- على جبل جياد (5) ثمّ صاحا: ألا هلا (6).

قال: فما بقي [فرس‏] (7) إلّا أعطاهما بيده، و أمكن من ناصيته.

عنه، عن‏ (8) عليّ بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

عنه‏ (9)، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن معمّر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

سمعته يقول: الخير كلّه معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10)، بإسناده إلى عبدوس بن أبي عبيدة قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: أوّل من ركب الخيل إسماعيل، و كانت وحشيّة لم تركب، فحشرها (11) اللّه- عزّ و جلّ- على إسماعيل من جبل منى. و إنّما سمّيت الخيل: العراب، لأنّ أوّل من ركبها إسماعيل.

و بإسناده إلى محمّد بن يعقوب: عن عليّ بن محمّد بإسناده قال: قال علي- عليه‏

____________

(1) كذا في بعض نسخ المصدر. و في النسخ:

فكرّهها.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و قال في الخيل و البغال.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فجعل الأكل من الأنعام.

(4) الكافي 5/ 47، ح 1.

(5) جياد: جبل بمكّة.

(6) هلا، أي: اقربي.

(7) من المصدر.

(8) الكافي 5/ 48، ح 2.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(10) العلل 1/ 393، ح 5.

(11) المصدر: لا تركب فسخرها.

184

السّلام- لبعض اليهود و قد سأله عن مسائل: أوّل من ركب الخيل قابيل يوم قتل أخاه هابيل. و أوّل من ركب البغل‏ (1) ابن آدم- (عليه السلام)- و ذلك كان له ابن يقال له: معد، و كان عشوقا للدّوابّ. و أوّل من ركب الحمار حوّاء.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن امّ الدرداء، عن أبي الدردا، قال‏ (3): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أصبح معافي في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا. يا بن آدم، يكفيك من الدّنيا ما سدّ جوعتك و وارى عورتك. فإن يكن بيت يكنّك، فذاك. و إن يكن دابّة تركبها، فبخ بخ فلق الخبز و ماء الجرّ (4)، و ما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب.

عن نافع بن عبد الحارث‏ (5) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سعادة المسلم سعة المسكن و الجار الصّالح و المركب الهني‏ء.

عن أبي عبد اللّه‏ (6)- (عليه السلام)- قال: سمعت أبي يحدّث، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خمس لا أدعهنّ حتّى الممات: ركوب الحمار مردوفا (7). (الحديث).

و عن الإمام الباقر (8)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خمس لست بتاركهنّ حتّى الممات: ركوب الحمار مردوفا (9). (الحديث).

عن يعقوب بن سالم‏ (10)، رفع الحديث إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا يرتدف‏ (11) ثلاثة على دابّة، فإنّ أحدهم ملعون، و هو المقدّم.

عن الحسين بن زيد (12)، قال: بلغني أنّ اللّه- تعالى- خلق الخيل من أربعة أشياء:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الخيل.

(2) الخصال 1/ 161، ح 211.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عن امّ الدرداء، قالت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «فالخير و ما الخير» بدل «فلق الخبز و ماء الجرّ».

(5) الخصال 1/ 183، ح 252.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 271، ح 12.

بتلخيص و حذف.

(7) بعض نسخ المصدر: مؤكفا. و بعضها الآخر:

مردفا.

(8) الخصال 1/ 271، ح 13.

(9) المصدر: مؤكفا.

(10) نفس المصدر و المجلّد/ 98، ح 48.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يردف.

(12) نفس المصدر و المجلّد/ 260، ح 137.

185

من البحر الأعظم المحدق بالدّنيا، و من النّار، و من دموع ملك يقال له: إبراهيم، و من بئر طيبة.

وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (8).

و قيل‏ (1): لمّا فصّل‏ (2) الحيوانات الّتي يحتاج إليها غالبا احتياجا ضروريّا أو غير ضروريّ، أجمل غيرها. و يجوز أن يكون إخبارا بأنّ له من الخلائق ما لا علم لنا به، و أن يراد به ما خلق في الجنّة و النّار ممّا لم يخطر على قلب بشر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: العجائب الّتي خلقها في البرّ و البحر.

وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ‏: بيان مستقيم الطّريق الموصل إلى الحقّ. أو إقامة السّبيل و تعديلها، رحمة و فضلا. أو عليه قصد السّبيل الّذي يصل إليه من يسلكه لا محالة.

يقال: سبيل قصد و قاصد، أي: مستقيم، كأنّه يقصد الوجه الّذي يقصده السّالك لا يميل عنه.

و المراد بالسّبيل: الجنس، و لذلك أضاف إليه القصد. و قال: وَ مِنْها جائِرٌ:

مائل عن القصد، أو عن اللّه- تعالى-.

و تغيير الأسلوب لأنّه ليس بحقّ على اللّه- تعالى- أن يبيّن طريق الضّلالة، أو لأنّ المقصود بيان سبيله. و تقسيم السّبيل إلى القصد و الجائر، إنّما جاء بالعرض.

و قرئ‏ (4): «و منكم جائر»، أي: عن القصد.

وَ لَوْ شاءَ: اللّه.

لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (9)، أي: و لو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السّبيل هداية مستلزمة للاهتداء.

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ: من السّحاب، أو من جانب السّماء.

ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ‏: ما تشربونه.

و «لكم» صلة «أنزل». أو خبر «شراب»، و «من» تبعيضيّة متعلّقة به.

و تقديمها يوهم حصر المشروب فيه و لا بأس به، لأنّ مياه العيون و الآبار منه لقوله:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 549.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فصلت.

(3) تفسير القمي 1/ 382.

(4) أنوار التنزيل 1/ 550.

186

فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ‏ و قوله: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ‏.

وَ مِنْهُ شَجَرٌ: و منه يكون شجر.

قيل‏ (1): يعني: الشّجر الّذي ترعاه المواشي.

و قيل‏ (2): كلّ ما ينبت على الأرض شجر. قال:

نعلفها اللّحم إذا عزّ الشّجر* * * و الخيل في إطعامها اللّحم ضرر

فِيهِ تُسِيمُونَ‏ (10): ترعون. من سامت الماشية، و أسامها صاحبها.

و أصلها: السّومة، و هي العلامة. لأنّها تؤثر بالرّعي علامات.

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ‏ و قرأ (3) أبو بكر، بالنّون، على التّفخيم.

وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ‏: و بعض كلّها، إذ لم ينبت في الأرض كلّ ما يمكن من الثّمرات.

قيل‏ (4): و لعلّ تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه، لأنّه سيصير غذاء حيوانيّا هو أشرف الأغذية. و من هذا تقديم الزّرع، و التّصريح بالأجناس الثّلاثة، و ترتيبها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (11): على وجود الصّانع و حكمته. فإنّ من تأمّل أنّ الحبّة تقع في الأرض، و تصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشقّ أعلاها و يخرج منها ساق الشّجر، و ينشقّ أسفلها فيخرج منها عروقها، ثمّ تنمو و يخرج منها الأوراق و الأزهار و الأكمام و الثّمار، و يشتمل كلّ منها على الأجسام المختلفة الأشكال و الطّبائع‏ (5) مع اتّحاد الموادّ و نسبة الطّبائع السّفليّة و التّأثيرات الفلكيّة إلى الكلّ، علم أنّ ذلك ليس إلّا بفعل فاعل مختار مقدّس عن منازعة الأضداد و الأنداد.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ‏: بأن هيّأها لمنافعكم.

مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ‏: حال من الجميع، أي: نفعكم بها كونها مسخّرات للّه خلقها للّه و دبّرها كيف شاء. أو لما خلقن له بإيجاده و تقديره، أو لحكمه. و فيه إيذان بالجواب عمّا عسى أن يقال: إنّ المؤثّر في تكوين النّبات حركات الكواكب و أوضاعها،

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 550.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: أجسام مختلفة الأشكال و الطباع.

187

فإنّ ذلك إن سلم فلا ريب في أنّها أيضا ممكنة الذّات و الصّفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة، فلا بدّ لها من موجد مخصّص مختار واجب الوجود دفعا للدّور و التسلسل.

أو مصدر ميميّ، جمع لاختلاف الأنواع‏ (1).

و قرأ (2) حفص: وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ‏ على الابتداء و الخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه. و رفع ابن عامر الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ أيضا.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (12): جمع الآية و ذكر العقل، لأنّها تدلّ أنواعا من الدّلالة ظاهرة (3) لذوي العقول السّليمة غير محوجة إلى استيفاء (4) و فكر، كأحوال النّبات.

وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ‏: عطف على «اللّيل»، أي: و سخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان و نبات.

مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ‏: أصنافه، فإنّها تتخالف باللّون غالبا.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏ (13): أنّ اختلافها في الطّبائع و الهيئات و المناظر ليس إلّا بصنع صانع حكيم.

وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ: جعله بحيث تتمكّنون من الانتفاع به بالرّكوب و الاصطياد و الغوص.

لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا: هو السّمك.

و وصفه بالطّراوة، لأنّه أرطب اللّحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، و لإظهار قدرته في خلقه عذبا طريّا في ماء زعاق.

وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها، كاللّؤلؤ و المرجان.

وَ تَرَى الْفُلْكَ‏: السّفن.

مَواخِرَ فِيهِ‏: جواري فيه، تشقّه بحيزومها. من المخر، و هو شقّ الماء.

و قيل‏ (5): صوت جري الفلك.

وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏: من سعة رزقه بركوبها للتّجارة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: النوع.

(2) أنوار التنزيل 1/ 550.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الظاهرة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: استئناف.

(5) أنوار التنزيل 1/ 551.

188

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (14)، أي: تعرفون نعم اللّه، فتقومون بحقّها.

وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ‏: جبالا ثوابت.

أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏: كراهة أن تميل بكم و تضطرب.

قيل: و ذلك، لأنّ الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطّبع، و كان من حقّها أن تتحرّك بالاستدارة، كالأفلاك أو أن تتحرّك بأدنى سبب للتّحريك. فلمّا خلقت الجبال على وجهها، تفاوتت جوانبها و توجّهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت، كالأوتاد الّتي تمنعها عن الحركة.

و قيل‏ (1): لمّا خلق اللّه الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها. فأصبحت و قد أرسيت بالجبال.

و في كتاب معاني الأخبار (2)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا «ق» فهو الجبل المحيط بالأرض و خضرة السّماء منه، و به يمسك اللّه الأرض أن تميد بأهلها.

و في أصول الكافي‏ (3): أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ و (4) محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- باب اللّه الّذي لا يؤتى إلّا منه، و سبيله الّذي من سلك بغيره هلك. و كذلك يجري الأئمّة الهدى واحدا بعد واحد، جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بأهلها.

الحسين بن محمّد الأشعريّ‏ (5)، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور القمّيّ، عن محمّد بن سنان قال: حدّثنا المفضّل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول.

و ذكر، كالحديث السّابق.

عليّ بن محمّد (6) و محمّد بن الحسين‏ (7)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، شباب الصّيرفي قال: حدّثنا سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. ثمّ ذكر مثله‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 551.

(2) المعاني/ 22- 23، ضمن ح 1.

(3) الكافي 1/ 196، ح 1.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(5) الكافي 1/ 197، ذيل ح 1.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(7) المصدر: الحسن.

189

- أيضا-.

محمّد بن يحيى‏ (1) و أحمد بن محمّد جميعا، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن حسّان قال: حدّثني أبو عبد اللّه الرّياحيّ، عن أبي الصّامت الحلوانيّ‏ (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-. ثمّ ذكر مثله- أيضا- بتغيير يسير.

و هذه الأحاديث الأربعة طويلة أخذت منها موضع الحاجة.

و في كتاب الخصّال‏ (3): عن الصّادق، عن أبيه، عن جدّه‏ (4)- (عليهم السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: [ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- خلقا إلّا و قد أمّر عليه اخر يغلبه و ذلك‏] (5) إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا خلق البحار فخرت و زخرت و قالت: أيّ شي‏ء يغلبني؟ فخلق اللّه الفلك فأدارها به و ذلّلها. ثمّ أنّ الأرض فخرت و قالت: أيّ شي‏ء يغلبني؟ فخلق اللّه الجبال فأثبتها في ظهرها أوتادا منعها من أن تميد بأهلها، و ذلّت‏ (6) الأرض و استقرّت.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى أبي هراسة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله.

و بإسناده‏ (8) إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرّضا- (عليه السلام)- و لا تخلو الأرض من قائم منّا ظاهر أو خاف‏ (9). و لو خلت يوما بغير حجّة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله.

و بإسناده‏ (10) له آخر إلى أبي هراسة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لو أنّ الإمام رفع من الأرض لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله.

و بإسناده‏ (11) إلى سليمان بن مهران الأعمش: عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن‏

____________

(1) الكافي 1/ 197، ح 3.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 394. و في النسخ: أبي الصلت الحلوائيّ.

(3) الخصال 1/ 442، صدر ح 34.

(4) ليس في المصدر: عن جدّه.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: منعها أن تميد بما عليها، فذلّت.

(7) كمال الدين 1/ 202، ح 3.

(8) كمال الدين 1/ 202، ح 6.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خفيّ.

(10) نفس المصدر و المجلّد/ 203، ح 9.

(11) كمال الدين 1/ 207، ح 22.

190

أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)- حديث طويل. يقول فيه: و بنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها (1).

و بإسناده‏ (2) إلى الحسين بن عليّ بن أبي حمزة الثّماليّ: عن أبيه، عن الصّادق- (عليه السلام)-، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و بهم يمسك اللّه- عزّ و جلّ- السّماء أن تقع على الأرض إلّا بأذنه، و بهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها.

و يروى‏ (3) في الأخبار الصّحيحة عن أئمّتنا- (عليهم السلام)-: أنّ من رأى رسول اللّه أو واحدا من الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- قد دخل مدينة أو قرية في منامه، فإنّه أمن لأهل تلك المدينة أو القرية ممّا يخافون و يحذرون، و بلوغ لما يأملون و يرجون.

وَ أَنْهاراً: و جعل فيها أنهارا. لأنّ «ألقى» فيه معناه.

وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ (15): لمقاصدكم، أو إلى معرفة اللّه- تعالى-.

وَ عَلاماتٍ‏: معالم يستدلّ بها السّابلة، من جبل و منهل و ريح و نحوها.

وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏ (16): باللّيل في البراري و البحار. و المراد بالنّجم:

الجنس. و يدلّ عليه قراءة: «و بالنّجم» بضمّتين، و ضمّة و سكون على الجمع.

و قيل‏ (4): الثّريّا، و الفرقدان، و بنات نّعش، و الجدي.

قيل‏ (5): و لعلّ الضّمير لقريش، لأنّهم كانوا كثير الأسفار للتّجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنّجوم.

و إخراج الكلام عن سنن الخطاب و تقديم النّجم و إقحام الضّمير، للتّخصيص، كأنّه قيل: و بالنّجم هؤلاء خصوصا يهتدون. فالاعتبار بذلك و الشّكر عليه ألزم لهم و أوجب عليهم.

و في أصول الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن أبي داود المسترق قال: حدّثنا داود الجصّاص قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏.

____________

(1) بعض نسخ المصدر: أن تمور بأهلها.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 259، ذيل ح 3.

(3) كمال الدين 1/ 210.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 551.

(6) الكافي 1/ 206، ح 1.

191

قال: النجم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و «العلامات» الأئمّة- (عليهم السلام)-.

الحسين بن محمّد (1)، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أسباط بن سالم قال: سأل الهيثم أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا عنده عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏.

[فقال: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- النّجم. و «العلامات» الأئمّة- (عليهم السلام)-.

الحسين بن محمّد (2)، عن معلى بن محمد عن الوشاء قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏] (3).

قال: نحن العلامات، و النّجم رسول اللّه.

و في كتاب المناقب‏ (4) لابن شهر آشوب: داود الجصّاص، عن الصّادق. و الوشّاء عن الرّضا- (عليهما السلام)-: «النّجم» رسول اللّه. و «العلامات» الأئمّة.

عن الرّضا- (عليه السلام)-: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: أنت نجم بني هاشم.

و عنه‏ (5) قال- (عليه السلام)-: أنت أحد العلامات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «النّجم» رسول اللّه. و «العلامات» الأئمّة- (عليهم السلام)-.

حدّثني‏ (7) أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت له: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ‏.

قال: «النّجم» رسول اللّه. و قد سمّاه اللّه- عزّ و جلّ- في غير موضع، فقال:

وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏. و قال: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏. فالعلامات الأوصياء،

____________

(1) الكافي 1/ 207، ح 2.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(3) من المصدر.

(4) المناقب 4/ 178.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 1/ 383.

(7) تفسير القمّي 2/ 343.

192

و النّجم رسول اللّه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى أبو الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (2): إنّ اللّه جعل النّجوم أمانا لأهل السّماء، و جعل أهل بيتي أمانا لأهل الأرض.

و في أمالي شيخ الطّائفة (3)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏.

قال: «النّجم» رسول اللّه.

و «العلامات» الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قوله: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏.

قال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

عن محمّد بن الفضيل‏ (5)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-:

وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏.

قال: نحن العلامات. و النجم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

[عن إسماعيل بن أبي زياد (6)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (7) وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏. قال: هو الجدي. لأنّه نجم لا يزول، و عليه بناء القبلة، و به يهتدون أهل البرّ و البحر.

[عن إسماعيل بن أبي زياد (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله:

وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏.

____________

(1) المجمع 3/ 354.

(2) المصدر:

و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- نحن العلامات و النجم رسول اللّه‏

و قال» بدل «و روى ... قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)».

(3) أمالي الطوسي 1/ 164.

(4) تفسير العياشي 2/ 255، ح 7.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 10.

(6) تفسير العياشي 2/ 256، ح 12.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 13.

193

قال: ظاهر و باطن الجدي و عليه تبنى القبلة و به يهتدي أهل البرّ و البحر لأنه‏] (1) لا يزول. يعني معناه: الظاهر الجدي، و الباطن رسول اللّه.

أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ‏: إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، و تناهي حكمته، و التفرّد بخلق ما عدّد من مبدعاته‏ (2) لأنّ يساويه و يستحقّ مشاركته ما لا يقدر على خلق شي‏ء من ذلك، بل على إيجاد شي‏ء ما. و كان حقّ الكلام: أ فمن لا يخلق، كمن يخلق. لكنّه عكس تنبيها على أنّهم بالإشراك باللّه- سبحانه و تعالى- جعلوه من جنس المخلوقات، فحصل التّشابه، و جاز جعل كلّ منهما مشبّها بها.

و المراد بمن «لا يخلق»: كلّ ما عبد من دون اللّه، مغلّبا فيه أولو العلم منهم. أو الأصنام، و أجروها مجرى أولي العلم، لأنّهم سمّوها آلهة و من حقّ الإله أن يعلم. أو للمشاكلة بينه و بين من يخلق. أو للمبالغة، و كأنّه قيل: إنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم، فكيف بما لا علم عنده.

أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (17): فتعرفوا فساد ذلك. فإنّه لجلائه، (3)، كالحاصل للعقل الّذي يحضر عنده بأدنى تذكّر و التفات.

وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها: لا تضبطوا عددها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. أتبع ذلك تعداد النّعم و إلزام الحجّة على تفرّده باستحقاق العبادة، تنبيها على أنّ وراء ما عدّد نعما لا تنحصر، و أنّ حقّ عبادته غير مقدور.

إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ: حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها.

رَحِيمٌ‏ (18): لا يقطعها لتفريطكم فيه، و لا يعاجلكم فيه بالعقوبة على كفرانها.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ‏ (19): من عقائدكم و أعمالكم. و هو وعيد و تزييف للشّرك باعتبار العلم.

وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏، أي: و الآلهة الّذين تعبدونهم من دونه.

و قرأ (4) أبو بكر: «يدعون» بالياء.

و قرأ (5) حفص ثلاثتها، بالياء.

____________

(1) ليس في ب.

(2) ب: مبتدعاته.

(3) أ، ب: بجلاله.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 552.

194

لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً: لمّا نفى المشاركة بين من يخلق و بين من لا يخلق، بيّن أنّهم لا يخلقون شيئا، ليتّضح أنّهم لا يشاركونه. ثمّ أكّد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهيّة، فقال: وَ هُمْ يُخْلَقُونَ‏ (20): لأنّهم ذوات ممكنة، مفتقرة الوجود إلى التّخليق. و الإله ينبغي أن يكون واجب الوجود.

أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ: أموات لا تعتريهم الحياة. أو أموات حالا أو مآلا غير أحياء بالذّات، ليتناول كلّ معبود. و الإله ينبغي أن يكون حيّا بالذّات لا يعتريه الممات.

وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏ (21): و لا يعلمون وقت بعثهم أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم. و الإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، مقدّر للثّواب و العقاب.

إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ: تكرير للمدّعي بعد إقامة الحجّة.

فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ‏ (22): بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحقّ، و ذلك عدم إيمانهم بالآخرة. فإنّ المؤمن بها يكون طالبا للدّلائل متأمّلا فيما يسمع فينتفع به، و الكافر بها يكون حاله بالعكس. و إنكار قلوبهم ما لا يعرف إلّا بالبرهان اتّباعا للأسلاف و ركونا إلى المألوف، فإنّه ينافي النّظر و الاستكبار عن اتّباع الرّسول و تصديقه و الالتفات إلى قوله. و الأوّل هو العمدة في الباب، فلذلك رتّب عليه ثبوت الآخرين.

لا جَرَمَ‏: حقّا.

أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ‏: فيجازيهم. و هو في موضع الرّفع «بجرم». لأنّه مصدر، أو فعل.

إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏ (23): فضلا عن الّذين استكبروا عن توحيده و اتّباع رسوله.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية.

قال: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ الأوّل و الثّاني و الثّالث، كذّبوا رسول اللّه بقوله: والوا عليّا و اتّبعوه. فعادوا عليّا و لم يوالوه، و دعوا النّاس إلى ولاية أنفسهم. فذلك‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 256- 257، ح 14.

195

قول اللّه: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏. قال: و أمّا قوله: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً فإنّه يعني:

لا يعبدون شيئا. وَ هُمْ يُخْلَقُونَ‏ فإنّه يعني: و هم يعبدون.

و أمّا قوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ، [يعني كفار غير احياء] (1) يعني: كفّار غير مؤمنين.

و أمّا قوله: وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏ فإنّه يعني: أنّهم لا يؤمنون، أنّهم يشركون‏ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. فإنّه، كما قال اللّه.

و أمّا قوله: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [فإنّه يعني: لا يؤمنون‏] (2) بالرّجعة أنّها حقّ.

و أمّا قوله: قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ [فإنّه‏] (3) يعني: قلوبهم كافرة.

و أمّا قوله: وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ‏ فإنّه يعني: عن ولاية عليّ- (عليه السلام)- [مستكبرون. قال اللّه لمن فعل ذلك، و عيدا منه. لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏ عن ولاية علي- (عليه السلام)-] (4).

عن أبي حمزة الثّماليّ‏ (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله سواء.

عن مسعدة (6) قال: مرّ الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- بمساكين قد بسطوا كساء لهم، فألقوا عليه كسرا.

فقالوا: هلمّ، يا ابن رسول اللّه.

فثنى وركه، فأكل معهم. ثمّ تلا: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ في قوله- تعالى-: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، يعني: أنّهم لا يؤمنون بالرّجعة أنّها حق. قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ، يعني: أنّها كافرة. وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ‏، يعني: أنّهم عن ولاية عليّ مستكبرون. لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏ عن ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

____________

(1) ليس في المصدر.

2 و 3- من المصدر.

(4) ليس في ب.

(5) تفسير العياشي 2/ 257.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 15.

(7) تفسير القمّي 1/ 383.

196

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [و علي بن محمد، عن القاسم بن محمد] (2) عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: و من ذهب يرى أنّ له على الآخر فضلا، فهو من المستكبرين.

فقلت له: إنّما يرى أنّ له عليه فضلا بالعافية (3) إذا رآه مرتكبا للمعاصي.

قال: هيهات هيهات، فلعلّه أن يكون قد غفر له ما أتى و أنت موقوف تحاسب‏ (4).

أما تلوت قصّة سحرة موسى- (صلوات اللّه عليه)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ‏: القائل بعضهم على التّهكّم. أو الوافدون عليهم. أو المسلمون.

قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ (24)، أي: ما تدّعون نزوله، أو المنزل أساطير الأوّلين. و إنّما سمّوه: منزلا، على التّهكّم. أو على الفرض، أي: على تقدير أنّه منزل، فهو أساطير الأوّلين لا تحقيق فيه. و القائلون له قيل‏ (5): هم المقتسمون.

لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي: قالوا ذلك إضلالا للنّاس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة. فإنّ إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضّلال.

وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ‏: و بعض أوزار ضلال من يضلّونهم. و هو حصّة التّسبّب.

بِغَيْرِ عِلْمٍ‏: حال من المفعول، أي: يضلّون من لا يعلم أنّهم ضلّال. و فائدتها الدّلالة على أنّ جهلهم لا يعذرهم، إذ كان عليهم أن يبحثوا و يميّزوا بين المحقّ و المبطل.

أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ‏ (25): بئس شيئا يزرونه فعلهم.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزّل جبرئيل- (عليه السلام)- هذه الآية هكذا: و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين‏ لِيَحْمِلُوا، يعني: بني إسرائيل.

____________

(1) الكافي 8/ 128، ضمن ح 98.

(2) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بالعاقبة.

(4) المصدر: محاسب.

(5) أنوار التنزيل 1/ 553.

(6) تفسير العياشي 2/ 257، ح 17.

197

[عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين، يعني: بني إسرائيل.] (1).

عن جابر (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين سجع‏ (3) أهل الجاهليّة في جاهليّتهم. فذلك قوله:

أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏.

و أمّا قوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ فانّه يعني: ليستكملوا (4) الكفر يوم القيامة.

و أمّا قوله: وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏، يعني: يتحمّلون كفر الّذين يتولّونهم. قال اللّه: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ‏.

[عن أبي حمزة (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، يعني ليستكملوا (6) الكفر يوم القيامة وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏، يعني: كفر الّذين يتولّونهم‏ (7) قال اللّه- تعالى-: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ‏] (8).

و في تفسير علي بن إبراهيم: قال: يحملون آثامهم، يعني: الّذين غصبوا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و آثام كلّ من اقتدى بهم. و هو قول الصادق- (عليه السلام)-: و اللّه ما أهريقت محجمة (9) من دم و لا قرع عصا بعصا و لا غصب فرج حرام و لا أخذ مال من غير حلّه، إلّا و وزر ذلك في أعناقهما (10) من غير أن ينقص من أوزار العاملين شي‏ء.

حدّثني‏ (11) أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خطب أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بعد ما بويع له بخمسة أيّام خطبة.

فقال فيها: اعلموا أنّ لكلّ حقّ طالبا و لكلّ دم ثائرا (12). و الطّالب [بحقّنا] (13)، كقيام الثّائر

____________

(1) الظاهر أنّه زائد و لا يوجد في تفسير العياشي و نور الثقلين.

(2) تفسير العياشي 2/ 257، ح 18.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: شجع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: كمّلوا.

(5) تفسير العياشي 2/ 257، ح 16.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ليحملوا.

(7) يتلونهم.

(8) ليس في أ، ب.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لمحجمة.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أعناقها.

(11) تفسير القمّي 1/ 384.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: ثارا.

(13) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

198

بدمائنا (1). و الحاكم في حقّ نفسه، هو العادل الّذين لا يحيف. و الحاكم الّذي لا يجور، فهو اللّه الواحد القهّار. و اعلموا أنّ على كلّ شارع بدعة وزره و وزر كلّ مقتد من بعده، من غير أن ينقص من أوزار العاملين شي‏ء. و سينتقم اللّه من الظلمة، مأكلا بمأكل و مشربا بمشرب، من لقم العلقم‏ (2) و مشارب الصبر (3) الأدهم. فليشربوا بالصّلب‏ (4) من الرّاح السّمّ المذاق، و ليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا، و لهم بكلّ ما أتوا و عملوا من أفاويق الصّبر الأدهم فوق ما أتوا و عملوا. أما إنّه لم يبق إلّا الزّمهرير من شتائهم‏ (5)، و ما لهم من الصّيف إلّا رقدة. ويحهم‏ (6) ما تزوّدوا (7) و حملوا (8) على ظهورهم من الآثام، فيا مطايا الخطايا و يا زور الزّور (9) و أوزار الآثام‏ (10) مع الّذين ظلموا.

اسمعوا و اعقلوا و توبوا و ابكوا على أنفسكم ف سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏. فأقسم ثمّ أقسم ليتحمّلنّها بنو أميّة من بعدي و ليعرفنّها في دار غيرهم عمّا قليل، فلا يبعد اللّه إلّا من ظلم و على البادي، يعني: الأوّل، ما سهل‏ (11)، لهم من سبل الخطايا، مثل أوزارهم و أوزار كلّ من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة. وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ‏.

و في مجمع البيان‏ (12): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: أيّما داع دعا إلى الهدى فاتّبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شي‏ء. و أيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع، عليه مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم.

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏، أي: سوّوا منصوبات و حيلا ليمكروا بها رسل اللّه.

فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ: فأتاها أمره من جهة العمد الّتي بنوا عليها بأن ضعضعت.

____________

(1) ليس في ب: الثائر بدمائنا.

(2) العلقم: الحنظل و كل شجر مرّ.

(3) الصبر: عصارة شجر مرّ.

(4) ب: بالصليب. و المصدر: بالصب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: اشتائهم.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و تحسبهم.

(7) ب: زودوا.

(8) المصدر: جمعوا.

(9) بعض نسخ المصدر: و يا رزء الزور.

(10) المصدر: و زاد الآثام.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: فأسهل.

(12) المجمع 3/ 356.

199

فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ‏: فصار سبب هلاكهم.

وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ‏ (26): لا يحتسبون و لا يتوقّعون.

قيل‏ (1): هو على سبيل التّمثيل. و في الأمثال: من حفر لأخيه جبّا، وقع فيه منكبّا.

و قيل‏ (2): المراد به: نمرود بن كنعان. بنى الصّرح ببابل سمكه خمسة آلاف‏ (3) ذراع ليترصّد أمر السّماء، فأهبّ اللّه الرّيح فخرّ عليه و على قومه، فهلكوا.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن الحسن‏ (5) بن زياد الصّيقل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ و لم يعلم الّذين آمنوا فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ‏.

قال محمّد بن كليب‏ (6)، عن أبيه قال: إنّما كان بيتا.

عن محمّد بن مسلم‏ (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ.

قال: كان بيت غدر يجتمعون فيه إذا أرادوا الشّرّ.

عن أبي السّفاتج‏ (8)، [عن كليب‏] (9) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ. قال: [لا] (10) فأتى اللّه بيتهم من القواعد، و إنّما كان بيتا.

و في مجمع البيان‏ (11): و روي عن أهل البيت- (عليهم السلام)- فأتى الله بيتهم‏ (12) من القواعد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (13): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 553.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الآلف.

(4) تفسير العياشي 2/ 258، ح 22.

(5) كما في جامع الرواة 1/ 199. و في المصدر:

الحسين.

(6) تفسير العياشي 2/ 258، ح 22.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 23.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 21.

9 و 10- من المصدر.

(11) المجمع 3/ 356.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: بنيانهم.

(13) تفسير القمّي 1/ 384.

200

(الآية). قال بيت‏ (1) مكرهم، أي: ماتوا فألقاهم اللّه في النّار. و هو مثل لأعداء آل محمّد- (عليهم السلام)-.

و في كتاب التّوحيد (2)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)-. يقول فيه‏ و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و كذلك إتيانه‏ (3) بنيانهم. قال- عزّ و جلّ-: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ. فإتيانه [بنيانهم‏] (4) من القواعد إرسال العذاب [عليهم‏] (5).

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الجامع بالكوفة. فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و التّطيّر منه و ثقله. و أيّ أربعاء هو؟

فقال- (عليه السلام)-: آخر أربعاء في الشّهر، و هو المحاق، و فيه قتل قابيل هابيل أخاه. و يوم الأربعاء القي إبراهيم في النّار. و يوم الأربعاء خر عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ‏. (الحديث).

و في عيون الأخبار (7)، مثله سواء.

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ‏: يذلّهم. أو يعذّبهم بالنّار، لقوله: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‏.

وَ يَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ‏: أضافه إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم زيادة في توبيخهم.

الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ‏: تعادون المؤمنين في شأنهم.

و قرأ (8) نافع، بكسر النّون، بمعنى: أي تشاقّونني فإن مشاقّة المؤمنين، كمشاقّة اللّه.

قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قيل‏ (9): أي: الأنبياء، أو العلماء الّذين كانوا يدعونهم إلى التّوحيد فيشاقّونهم‏

____________

(1) المصدر: ثبت.

(2) التوحيد/ 266، ذيل ح 5.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: آتيناه.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) الخصال 2/ 388، ح 78.

(7) العيون 1/ 247، ذيل ح 1.

(8) أنوار التنزيل 1/ 553.

(9) نفس المصدر و الموضع.

201

و يتكبّرون عليهم، أو الملائكة.

إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ: الذّلّة و العذاب.

عَلَى الْكافِرِينَ‏ (27).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ الأئمّة. يقولون لأعدائهم:

أين شركاؤكم و من أطعتموهم في الدّنيا.

و فائدة قولهم: إظهار الشّماتة و زيادة الإهانة، و حكايته لأن يكون لطفا لمن سمعه.

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ و قرأ (2) حمزة، بالياء.

و قرئ‏ (3)، بإدغام التّاء في التّاء. و موضع الموصول يحتمل الأوجه الثّلاثة.

ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏: بأن عرّضوها للعذاب المخلّد.

فَأَلْقَوُا السَّلَمَ‏: فسالموا و أخبتوا حين عاينوا العذاب، أو الموت.

ما كُنَّا: قائلين ما كنا.

نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ: كفر و عدوان. جحدوا ما عملوا منهما.

قيل‏ (4): و يجوز أن يكون تفسيرا «للسّلم». على أنّ المراد به: القول الدّال على الاستسلام.

بَلى‏: ردّ عليهم من أولي العلم.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (28): و هو يجازيكم عليه. و هذا- أيضا- من الشّماتة.

و قيل‏ (5): قوله: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ‏ (إلى آخر الآية) استئناف و رجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة. و على هذا أوّل من لم يجوّز الكذب يومئذ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بأنّا لم نكن في زعمنا و اعتقادنا عاملين سوءا. و احتمل أن يكون الرّادّ عليهم هو اللّه- تعالى- و الملائكة.

فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 385- 384.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 553.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 553.

202

قيل‏ (1): كلّ صنف بابها المعدّ له.

و قيل‏ (2): أبواب جهنّم أصناف عذابها.

خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏ (29): جهنم.

وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، يعني: المؤمنين.

ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً، أي: أنزل خيرا.

و في نصبه دليل على أنّهم لم يتلعثموا في الجواب، و أطبقوه على السّؤال معترفين بالإنزال على خلاف الكفرة.

و نقل‏ (3): أنّ أحياء العرب كانوا يبعثون أيّام الموسم من يأتيهم بخبر النّبيّ. فإذا جاء الوافد (4): المقتسمين قالوا له ما قالوا. و إذا جاء المؤمنين، قالوا له ذلك.

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ: مكافأة في الدّنيا.

وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، أي: و لثوابهم في الآخرة خير منها. و هو عدة للّذين اتّقوا على قولهم.

و يجوز أن يكون بما بعده حكاية لقولهم، بدلا و تفسيرا «لخيرا» على أنّه منتصب «بقالوا».

وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ‏ (30): دار الآخرة، فحذفت لتقدّم ذكرها. و قوله:

جَنَّاتُ عَدْنٍ‏: خبر مبتدأ محذوف. و يجوز أن يكون المخصوص بالمدح.

يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ‏: من أنواع المشتهيات. و في تقديم الظّرف تنبيه على أنّ الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلّا في الجنّة.

كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ‏ (31)، مثل هذا الجزاء يجزيهم فيها.

و في أمالي الصّدوق‏ (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: عليكم بتقوى اللّه، فإنّها تجمع الخير و لا خير غيرها، و يدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها من خير الدّنيا و الآخرة.

قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا و تلا هذه الآية.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): ابن مسكان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قوله:

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 1/ 554.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الموافد.

(5) بل في أمالي الطوسي 1/ 25، و نور الثقلين 3/ 52، ذيل ح 75 عنه.

(6) تفسير العياشي 2/ 258، ح 24.

203

وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ‏ الدّنيا.

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ‏ قيل‏ (1): أي: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر و المعاصي. لأنّه في مقابلة «ظالمي أنفسهم».

و قيل‏ (2): فرحين ببشارة الملائكة إيّاهم بالجنّة. أو طيّبين بقبض أرواحهم لتوجّه نفوسهم بالكلّيّة إلى حضرة القدس.

يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏: لا يحيقكم بعد مكروه.

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (32): حين تبعثون، فإنّها معدّة لكم على أعمالكم.

و قيل‏ (3): هذا التّوفّي وفاة الحشر، لأنّ الأمر بالدّخول حينئذ.

و في كتاب التّوحيد (4)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)-. يقول فيه‏ و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات. و أما قوله: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏.

و قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها. و قوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ‏. و قوله:

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏. و قوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يدبّر الأمور كيف يشاء، و يوكل من خلقه [من يشاء بما يشاء، أمّا ملك الموت فإن اللّه يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه و يوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه و الملائكة الّذين سمّاهم اللّه- عزّ ذكره- و كلّهم بخاصّة من يشاء من خلقه. إنّه- تبارك و تعالى-] (5) يدبّر الأمور كيف يشاء. و ليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس لأنّ فيهم القويّ و الضعيف، و لأنّ منه ما يطاق حمله و منه ما لا يطاق حمله إلّا لمن سهّل اللّه له‏ (6) حمله و أعانه عليه من خاصّة أوليائه.

و إنّما يكفيك أن تعلم أنّ اللّه هو المحيي و المميت و أنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء من خلقه من ملائكة و غيرهم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 554.

(3) أنوار التنزيل 1/ 554.

(4) التوحيد/ 268، ذيل ح 5.

(5) من المصدر.

(6) ليس في ب.

(7) الاحتجاج 1/ 364 و 367- 368.

204

حديث طويل. يقول مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: أجد اللّه- تعالى- يقول: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏ (1) و اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (2) و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ‏ (3) و ما أشبه ذلك. فمرّة يجعل الفعل لنّفسه و مرّة لملك الموت و مرّة للملائكة-: فأمّا قوله‏ (4)- عزّ و جلّ-: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها. و قوله‏ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏. و تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ‏. و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ فهو- تبارك و تعالى- أجلّ و أعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، و فعل رسله و ملائكته فعله لأنّهم بأمره يعملون. فاصطفى- تعالى ذكره- من الملائكة رسلا و سفرة بينه و بين خلقه، و هم الّذين قال اللّه فيهم: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ‏. فمن كان من أهل الطّاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرّحمة، و من كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة العذاب و النّقمة. و لملك الموت أعوان من ملائكة الرّحمة و النّقمة يصدرون عن أمره، و فعلهم فعله، و كلّ ما يأتونه منسوب إليه. و إذا كان فعلهم فعل ملك الموت و فعل ملك الموت فعل اللّه لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء و يعطى و يمنع و يثيب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

[اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (6) و عن قول اللّه- عزّ و جلّ- قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏ (7) و عن قول اللّه- عزّ و جلّ-] (8) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ‏ و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ (9) و عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا (10) و عن قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ (11) و قد يموت [في الدنيا] (12) في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلّا اللّه- عزّ و جلّ-. فكيف هذا؟

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون‏

____________

(1) السجدة/ 11.

(2) الزمر/ 42.

(3) النحل/ 32.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و أمّا قول اللّه.

(5) الفقيه 1/ 82، ح 371.

(6) الزمر/ 42.

(7) السجدة/ 11.

(8) من المصدر.

(9) النحل/ 28.

(10) الانعام/ 61.

(11) الانفال/ 50.

(12) ليس في المصدر.

205

الأرواح، بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الأنس يبعثهم في حوائجه. فتتوفاهم‏ (1) الملائكة، و يتوفّاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، و يتوفّاها اللّه- تعالى- من ملك الموت.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى أمير المؤمنين حديث طويل.

يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّه ليس من أحد من النّاس تفارق روحه جسده حتّى يعلم إلى أيّ المنزلين‏ (3) يصير، إلى الجنّة أم إلى النّار، أعدوّ هو للّه أو وليّ. فإن كان وليّا [للّه‏] (4) فتحت له أبواب الجنّة و شرع طرقها، و نظر إلى ما أعدّ اللّه له فيها، ففرغ من كلّ شغل و وضع عنه كلّ ثقل. و إن كان عدوّا للّه فتحت له أبواب النّار و شرع له طرقها، و نظر إلى ما أعدّ اللّه له فيها، فاستقبل كلّ مكروه و ترك كلّ سرور (5). كلّ هذا يكون عند الموت، و عنده يكون بيقين. قال اللّه- تعالى-: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ- إلى قوله- فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏.

و يقول‏ (6)- (عليه السلام)- أيضا: عليكم بتقوى اللّه، فإنّها تجمع الخير و لا خير غيرها، و يدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدّنيا و الآخرة. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا (الآية).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قوله: طَيِّبِينَ‏. قال: هم المؤمنون الّذين طابت مواليدهم [في الدنيا] (8).

و فيه‏ (9) قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ. قال: [البشرى‏] (10) في الحياة الدّنيا (11) الرّؤيا الحسنة يراها المؤمن، و في الآخرة عند الموت. و هو قوله: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ.

هَلْ يَنْظُرُونَ‏: ما ينتظر الكفّار المارّ ذكرهم.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فتوفتهم.

(2) أمالي الشيخ 1/ 27- 26.

(3) ليس في أ، ب.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و نزل كل مكروب.

(6) أمالي الشيخ 1/ 25.

(7) تفسير القمّي 1/ 385.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و المجلّد/ 314.

(10) من المصدر.

(11) ليس في ب.

206

إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ: لقبض أرواحهم.

و قرأ (1) حمزة و الكسائي، بالياء.

أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏: القيامة. أو العذاب المستأصل.

كَذلِكَ‏، مثل ذلك الفعل من الشّرك و التّكذيب.

فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: فأصابهم ما أصابهم.

وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ‏: بتدميرهم.

وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (33): بكفرهم، و معاصيهم المؤدّية إليه.

فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا، أي: جزاء سيّئات أعمالهم. على حذف المضاف، أو تسمّية الجزاء باسمها.

وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (34): و أحاط بهم جزاؤه. و الحيق لا يستعمل إلّا في الشّرّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ من العذاب في الرّجعة.

وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ: إنّما قالوا ذلك استهزاء أو منعا للبعثة و التّكليف، متمسّكين بأنّ ما شاء اللّه يجب و ما لم يشأ يمتنع، فما الفائدة فيهما. أو إنكارا لقبح ما أنكر عليهم من الشّرك و تحريم البحائر و نحوها، محتجّين بأنّها لو كانت مستقبحة لما شاء اللّه صدورها عنهم و شاء خلافه، ملجئا إليه لا اعتذارا إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم.

كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: فأشركوا باللّه، و حرموا حلّه، و ردّوا رسله.

فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ (35): الموضح للحقّ.

وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏: يأمر بعبادة اللّه و اجتناب الطّاغوت.

فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ‏: وفّقهم للإيمان بإرشادهم.

وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ: إذ لم يوفّقهم، لتصميمهم على الكفر.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن خطّاب بن مسلمة قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 554.

(2) تفسير القمّي 1/ 385.

(3) تفسير العياشي 2/ 258، ح 25.

207

ما بعث اللَّه نبيّا قطّ إلّا بولايتنا و البراءة من عدوّنا. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه:

وَ لَقَدْ بَعَثْنا (الآية) إلى قوله: عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، يعني بتكذيبهم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏: يا معشر قريش.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) [أي: انظروا] (2) في أخبار من هلك قبله.

فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ‏ (36): من عاد و ثمود و غيرهم. لعلّكم تعتبرون.

إِنْ تَحْرِصْ‏: يا محمّد.

عَلى‏ هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ‏: من يخذله، و هو المعنيّ: بمن‏ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (37): من ينصرهم و يدفع العذاب عنهم.

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ‏: عطف على‏ وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إيذانا بأنّهم، كما أنكروا التّوحيد أنكروا البعث، مقسمين عليه زيادة في البتّ على فساده. و لقد ردّ اللّه عليهم أبلغ ردّ فقال: «بلى»: يبعثهم.

وَعْداً: مصدر مؤكّد لنفسه، و هو ما دلّ عليه «بلى». فإنّ «يبعث» موعد من اللّه.

عَلَيْهِ‏: إنجازه لامتناع الخلف في وعده أو لأنّ البعث مقتضي حكمته.

حَقًّا: صفة أخرى للوعد.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (38): أنّهم يبعثون. إمّا لعدم علمهم بأنّهم من مواجب الحكمة الّتي جرت عادته بمراعاتها، و إمّا لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهّمون امتناعه.

ثمّ أنّه- تعالى- بيّن الأمرين، فقال: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ‏، أي: يبعثهم ليبيّن لهم.

الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ‏: و هو الحقّ.

وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ‏ (39): فيما كانوا يزعمون. و هو إشارة إلى السّبب الدّاعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة، و هو التّميز بين الحقّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 385.

(2) من المصدر.

208

و الباطل و المحقّ و المبطل بالثّواب و العقاب.

ثمّ قال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (40): و هو بيان إمكانه و تقريره، أنّ تكوين اللّه بمحض قدرته و مشيئته لا توقف له على سبق الموادّ و المدد و الإلزام و التّسلسل. فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادّة و مثال، أمكن له تكوينها إعادة بعده.

و نصب ابن عامر و الكسائي هنا و في بس «فيكون» عطفا على «نقول»، أو جوابا للأمر.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن صالح بن ميثم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً.

قال: [ذلك حين يقول- (عليه السلام)-: أنا أولى النّاس‏] (2) بهذه الآية وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ‏- إلى قوله-: كاذِبِينَ‏.

عن سيرين‏ (3)، قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ قال: ما يقول النّاس في هذه الآية وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ‏؟

قال: يقولون: لا قيامة و لا بعث و لا نشور (4).

فقال: كذبوا، و اللّه، إنّما ذلك إذا قام القائم- (عليه السلام)- و كرّ معه المكرّون.

فقال أهل خلافكم: قد ظهرت دولتكم، يا معشر الشّيعة، و هذا من كذبكم، يقولون:

رجع فلان [و فلان‏] (5) و فلان تعظيما (6)، لا و اللّه‏ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ‏. ألا ترى أنّه‏ (7) قال‏ (8): وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ‏. كان المشركون أشدّ تعظيما (9) للّات و العزّى من أن يقسموا بغيرها، فقال اللّه: بَلى‏ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا (الآية).

و في روضة الكافي‏ (10): عن سهل، عن محمّد، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 259، ح 27.

(2) ليس في المصدر. و يوجد في البرهان 2/ 368. أيضا.

(3) تفسير العياشي 2/ 259، ح 28.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نشر.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) أ، ب، ر: إذ.

(8) المصدر: أنّهم قالوا.

(9) ليس في أ، ب، ر.

(10) الكافي 8/ 50، ح 14.

209

لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قوله- تبارك و تعالى-: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ‏ (الآية).

قال: فقال لي: يا أبا بصير، ما تقول في هذه الآية؟

قال: قلت: إنّ المشركين يزعمون و يحلفون لرسول اللّه [إنّ اللّه‏] (1) لا يبعث الموتى.

قال: فقال: تبّا لمن قال هذا. سلهم هل كان المشركون يحلفون باللّه أم باللّات و العزّى؟

قال: قلت: جعلت فداك، فأوجدنيه.

قال: فقال‏ (2): يا أبا بصير، لو (3) قد قام قائمنا بعث اللّه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم‏ (4) على عواتقهم. فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: [بعث فلان و فلان من قبورهم، و هم مع القائم. فيبلغ ذلك قوما من عدوّنا فيقولون:] (5) يا معشر، الشّيعة، ما أكذبكم‏ (6) هذه دولتكم و أنتم تقولون فيها الكذب، لا و اللّه ما عاش هؤلاء و لا يعيشون إلى يوم القيامة.

قال: فحكى‏ (7) اللّه قولهم، فقال: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ‏ (الآية). فإنّه حدّثني أبي، عن بعض رجاله رفعه‏ (9) إلى أبي عبد اللّه قال: ما يقول النّاس فيها؟

قال: يقولون: نزلت في الكفّار.

قال: إنّ الكفّار لا يحلفون باللّه، و إنّما نزلت في قوم من أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. قيل لهم: ترجعون‏ (10) بعد الموت قبل القيامة فيحلفون‏ (11) أنّهم لا يرجعون، فردّ اللّه عليهم فقال: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ‏، يعني:

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: زيادة «لي».

(3) ليس في ب.

(4) قباع السيف: ما علا طرف مقبضه.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ما أكذبتم.

(7) أ، ب: يحكي.

(8) تفسير القمّي 1/ 385.

(9) المصدر: يرفعه.

(10) أ، ب، ر: يرجعون.

(11) المصدر: فحلفوا.

210

في الرّجعة، يردّهم فيقتلهم و يشفي صدور المؤمنين منهم‏ (1).

[قال- عزّ من قائل-: إنما أمرنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏.] (2).

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا قيل‏ (3): هم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه المهاجرون، ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة، و بعضهم إلى المدينة. أو المحبوسون المعذّبون بمكّة بعد هجرة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هم بلال و صهيب و خبّاب و عمّار و عابس و أبو جندل و سهيل. و قوله: «في اللّه»، أي: في حقّه و لوجهه.

لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً: مباءة حسنة، و هي المدينة حيث آواهم الأنصار و نصروهم أو تبوئة حسنة.

و في مجمع البيان‏ (4): و روي عن عليّ‏ «لنثوّئنّهم» بالثّاء المثلثة (5).

وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ: ممّا يعجّل لهم في الدّنيا.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ (41): الضّمير للكفّار، أي: لو علموا أنّ اللّه يجمع‏ (6) لهؤلاء المهاجرين خير الدّارين لوافقوهم، أو للمهاجرين [، أي: لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم و صبرهم‏ الَّذِينَ صَبَرُوا: على الشّدائد،] (7) كأذى الكفرة و مفارقة الوطن.

و محله النّصب، أو الرّفع على المدح.

وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ (42): منقطعين إلى اللّه، مفوّضين إليه الأمر كلّه.

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ‏ قيل‏ (8): ردّ لقول قريش: اللّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا، أي: جرت السّنّة الإلهيّة بأن لا يبعث للدّعوة العامّة إلّا بشرا يوحى إليه على ألسنة الملائكة. و الحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة الأنعام عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

____________

(1) المصدر: فيهم.

(2) ليس في المصدر. و لكن يوجد في نور الثقلين 3/ 55.

(3) أنوار التنزيل 1/ 556.

(4) المجمع 3/ 361.

(5) ليس في المصدر.

(6) ب: مجمع.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) أنوار التنزيل 1/ 556.

211

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ.

قيل‏ (1): أهل الكتاب، أو علماء الأحبار، ليعلّموكم.

إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (43).

قيل‏ (2): و في الآية دليل على أنّه- تعالى- لم يرسل امرأة و لا صبية للدّعوة (3) العامّة. و أما قوله: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا معناه: رسلا إلى‏ (4) الملائكة، إلى الأنبياء.

و قيل‏ (5): لم يبعثوا إلى الأنبياء إلّا متمثلّين بصورة الرّجال. و ردّ بما نقل‏ (6): أنّه- (عليه السلام)- رأى جبرئيل- (عليه السلام)- على صورته الّتي هو عليها مرّتين.

و على وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد، عن أحمد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير (8)، عن مره بن الطّيّار أنّه عرض على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- بعض خطب أبيه، حتّى إذا بلغ موضعا منها فقال له: كفّ و اسكت.

ثمّ قال‏ (9) أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون، إلّا الكفّ عنه و التّثبّت و الرّدّ إلى‏ (10) الائمّة الهدى. حتّى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرّفوكم فيه الحقّ. قال اللّه- تعالى-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

الحسين بن محمّد (11)، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد اللّه عجلان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الذّكر أنا، و الأئمّة- (عليهم السلام)- أهل الذّكر.

الحسين [بن محمّد (12)، عن معلى بن محمّد بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن‏

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا ملكا لدعوة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أي.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: روى.

(7) الكافي 1/ 50، ح 10.

(8) ب: ابن أبي بكير.

(9) أ، ب: زيادة «له».

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: على.

(11) الكافي 1/ 210، ح 1.

(12) الكافي 1/ 210، ح 2.

212

عمّه، عبد الرّحمن‏] (1) بن كثير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

قال: الذّكر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و نحن أهله‏ (2) المسئولون.

الحسين بن محمّد (3)، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- فقلت‏ (4): جعلت فداك‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

فقال: نحن أهل الذّكر، و نحن المسئولون.

فقلت: أنتم المسئولون و نحن السّائلون؟

قال: نعم.

قلت: حقّا علينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: حقّا عليكم أن تجيبونا؟

قال: لا ذاك‏ (5) إلينا، إن شئنا فعلنا و إن شئنا لم نفعل. ألم تسمع قول اللّه- تبارك و تعالى-: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ‏. فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الذّكر. و أهل بيته- (عليهم السلام)- المسئولون، و هم أهل الذّكر.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي بكر الحضرميّ قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- و دخل عليه الورد، أخو الكميت.

فقال: جعلني اللّه فداك، اخترت لك سبعين مسألة له تحضرني منها مسألة واحدة.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) ليس في أ، ب.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(4) المصدر: زيادة «له».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «ذلك» بدل «لا ذاك».

(6) الكافي 1/ 211، ح 4.

(7) الكافي 1/ 211، ح 6.

213

قال: و لا واحدة، يا ورد.

قال: بلى، قد حضرني منها واحدة.

قال: و ما هي؟

قال: قول اللّه- تبارك و تعالى-: «فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون». من هم؟

قال: نحن.

قال: قلت: علينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: عليكم أن تجيبونا؟

قال: ذاك إلينا.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلى بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ أنّهم اليهود و النّصارى.

قال: إذا يدعونكم إلى دينهم. ثمّ قال‏ (2) بيده إلى صدره‏ (3): [قال و] (4) نحن أهل الذّكر، و نحن المسئولون.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: على الأئمّة من الفرض ما ليس على شيعتهم، و على شيعتنا ما ليس علينا، أمرهم اللّه- عزّ و جلّ- أن يسألونا.

قال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏. فأمرهم أن يسألونا و ليس علينا الجواب، إن شئنا أجبنا و إن شئنا أمسكنا.

أحمد بن محمّد (6) [عن أحمد بن محمد] (7) بن أبي نصر قال: كتبت إلى الرّضا- (عليه السلام)- كتابا. فكان في بعض ما كتبت: قال اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الكافي 1/ 211، ح 7.

(2) المصدر: زيادة «قال».

(3) أي: أشار.

(4) ليس في المصدر.

(5) الكافي 1/ 212، ح 8.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 9.

(7) من المصدر.

214

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏. و قال اللّه: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏. فقد فرضت عليهم المسألة، و لم يفرض عليكم الجواب؟

قال: قال اللّه- تبارك و تعالى-: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ‏ (1).

محمّد بن الحسين و غيره‏ (2)، عن سهل، عن‏ (3) محمّد بن عيسى و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و نقل حديثا طويلا. و فيه يقول- (عليه السلام)-: و قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

قال: الكتاب [هو] (4) الذّكر. و أهله آل محمّد- (عليهم السلام)-. أمر اللّه- عزّ و جلّ- بسؤالهم، و لم يؤمروا بسؤال الجهّال. و سمّى اللّه- عزّ و جلّ القرآن- ذكرا، فقال- تبارك و تعالى-: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه‏ قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسّر اللّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا. فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ-.

إلى أن قال: و أمّا التّاسعة، فنحن أهل الذّكر الّذين قال اللّه- تعالى-:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏. فنحن أهل الذّكر فاسألونا إن كنتم لا تعلمون.

فقالت العلماء: إنّما عنى بذلك: اليهود و النّصارى.

____________

(1) قال في الوافي: «و لم يفرض عليكم الجواب» استفهام استبعاد، كأنّه استفهم السرّ فيه، فأجابه الإمام بالآية. و لعلّ المراد: أنّه لو كنّا نجيبكم عن كلّ ما سألتم، فربّما يكون في بعض ذلك ما لا تستجيبوننا فيه فتكونون من أهل هذه الآية.

(2) الكافي 1/ 295.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(4) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(5) العيون 1/ 231 و 239.

215

فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: سبحان اللّه، و هل يجوز ذلك؟

إذا يدعونا إلى دينهم و يقولون‏ (1): إنّه أفضل من دين الإسلام.

فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح بخلاف ما قالوه‏ (2). يا أبا الحسن؟

فقال- (عليه السلام)-: نعم، الذّكر رسول اللّه و نحن أهله. و ذلك بيّن في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- حيث يقول في سورة الطّلاق: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ‏ (3) فالذّكر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن أهله. فهذه التّاسعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثنا محمّد بن جعفر [قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد،] (5) عن أبي داود، عن سليمان بن سفيان‏ (6). عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ من المعنيّون‏ (7) بذلك؟

فقال: نحن، و اللّه.

فقلت: فأنتم المسئولون؟

قال: نعم.

قلت: و نحن السّائلون؟

قال: نعم.

قلت: فعلينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: و عليكم أن تجيبونا؟

قال: ذلك إلينا، إن شئنا فعلنا و إن شئنا تركنا. ثمّ قال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

و في روضة الكافي‏ (8): حدّثني عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن‏

____________

(1) ب: فيقولون.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قالوا.

(3) الطلاق/ 10- 11.

(4) تفسير القمّي 2/ 68.

(5) ليس في أ، ب.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عن داود بن سليمان بن ثفير.

(7) المصدر: المعنون.

(8) الكافي 8/ 5، ذيل ح 1.

216

حفص المؤذّن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في رسالة طويلة إلى أصحابه: و اعلموا أنّه ليس من علم اللّه و لا من‏ (1) أمره، أن يأخذ أحد من خلق اللّه في دينه بهوى و لا رأي و لا مقائيس. فقد أنزل اللّه القرآن، و جعل فيه تبيان كلّ شي‏ء، و جعل للقرآن و تعلّم القرآن أهلا، لا يسع أهل علم القرآن الّذين آتاهم اللّه علمه أن يأخذوا فيه بهوى و لا رأي و لا مقايس، أغناهم اللّه عن ذلك بما آتاهم من علمه و خصّهم به و وضعه عندهم، كرامة من اللّه أكرمهم بها. و هم أهل الذّكر الّذين أمر اللّه هذه الأمّة بسؤالهم، و هم الّذين من سألهم- و قد سبق في علم اللّه أن يصدّقهم و يتّبع أثرهم- أرشدوه و أعطوه من علم القرآن ما يهتدى به إلى اللّه بإذنه إلى جميع سبل الحقّ. و هم الّذين لا يرغب عنهم و عن مسألتهم و عن علمهم‏ (2)، الّذين أكرمهم اللّه به و جعله عندهم، إلّا من سبق عليه في علم اللّه الشّقاء في أصل الخلق تحت الأظلّة، فأولئك الّذين يرغبون عن سؤال أهل الذّكر.

و الّذين آتاهم [اللّه‏] (3) علم القرآن و وضعه عندهم و أمر بسؤالهم. و أولئك الّذين يأخذون بأهوائهم‏ (4) و مقاييسهم حتّى دخلهم الشّيطان، لأنّهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند اللّه كافرين، و جعلوا أهل الضّلالة في علم القرآن عند اللّه مؤمنين‏ (5). و حتّى جعلوا ما أحلّ اللّه في كثير من الأمر حراما، و جعلوا ما حرّم اللّه في كثير من الأمر حلالا، فذلك أصل ثمرة أهوائهم.

و فيها خطبة (6) لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي الخطبة الطّالوتية. قال فيها- (عليه السلام)-: إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذّكر. فإذا أفتوكم، قلتم: هو العلم بعينه. فكيف و قد تركتموه و نبذتموه و خالفتموه.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن أحمد بن محمّد بن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: كتب إليّ إنّما (8) شيعتنا من تابعنا و لم يخالفنا، و إذا خفنا خاف، و إذا أمنا أمن.

____________

(1) ليس في ب.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: علمه.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: زيادة «و آرائهم».

(5) أ، ب، ر: مرضيين.

(6) الكافي 8/ 32، ذيل ح 5.

(7) تفسير العياشي 2/ 361، ح 33.

(8) المصدر:

عن أحمد بن محمد، قال: كتب إليّ أبو الحسن الرضا- (عليه السلام)-: عافانا اللّه و إيّاك أحسن عافية. إنّما الخ.

217

قل اللّه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏. [قال:] (1) فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (الآية). فقد فرضت‏ (2) عليكم المسألة و الرّدّ إلينا، و لم يفرض علينا الجواب.

بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ، أي: أرسلناهم بالبيّنات و الزّبر، أي: المعجزات و الكتب، كأنّه جواب قائل: بم أرسلوا؟

و يجوز أن يتعلّق ب «ما أرسلنا» داخلا في الاستثناء مع «رجالا»، أي: و ما أرسلنا إلّا رجالا بالبيّنات. أو «بنوحي»، كقولك: ما ضربت إلّا زيدا بالسّوط. أو صفة لهم، أي: رجالا ملتبسين بالبيّنات. أو «بنوحي» على المفعوليّة، أو الحال من القائم مقام فاعله. على أن قوله: «فاسألوا» اعتراض. أو ب «لا تعلمون» على أنّ الشّرط للتّبكيت و الإلزام.

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ، أي: القرآن. و إنّما سمّي ذكرا، لأنّه موعظة و تنبيه‏ (3).

لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏: في الذّكر، بتوسّط إنزاله إليك ممّا (4) أمروا به و نهوا عنه، أو (5) ممّا تشابه عليهم.

وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏ (44): و إرادة أن يتأمّلوا فيه فيتنبّهوا للحقائق.

أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ‏، أي: المكرات السّيّئات. و هم الّذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الّذين مكروا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و راموا صدّ أصحابه عن الإيمان.

أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ‏: كما خسف بقارون.

أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ‏ (45): بغتة من جانب السّماء، كما فعل بقوم لوط.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ‏، أي: متقلّبين في مسايرهم و متاجرهم.

فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ تَخَوُّفٍ‏: على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم، فيتخوّفوا فيأتيهم العذاب و هم متخوّفون. أو على أن ينقصهم شيئا فشيئا في‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قد فرض.

(3) ليس في ب.

(4) ب: ما.

(5) ب، أ، ر: و.

218

أنفسهم و أموالهم حتّى يهلكوا. من تخوّفته: إذا تنقّصته.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن إبراهيم بن عمر، عمّن سمع أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ عهد نبيّ اللّه صار عند عليّ بن الحسين، ثمّ صار عند محمّد بن عليّ، ثمّ يفعل اللّه ما يشاء. فألزم هؤلاء. فإذا خرج رجل منهم معه ثلاثمائة رجل و معه راية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عامدا إلى المدينة حتّى يمرّ بالبيداء، فيقول: هذا مكان القوم الّذين خسف بهم و هي الآية الّتي قال اللّه: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ- إلى قوله-: فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏.

عن ابن سنان‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- سئل عن قول اللّه: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ‏.

قال: هم أعداء اللّه، و هم يمسخون و يقذفون و يسيحون في الأرض.

و في روضة الكافي‏ (3)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليه السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا: و لا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدّنيا، الّذين مكروا السيّئات. [فإنّ اللّه يقول في محكم كتابه: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ‏] (4) أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ‏. [أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلّبهم فما هم، بمعجزين أو يأخذهم على تخوّف‏] (5) فاحذروا ما حذّركم اللّه بما فعل بالظّلمة في كتابه، و لا تأمنوا أن ينزل بكم بعض‏ (6) ما توعّد به القوم الظّالمين في الكتاب. و اللّه، لقد وعظكم اللّه في كتابه بغيركم. فإنّ السّعيد من وعّظ بغيره.

فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (47): حيث لا يعاجلكم بالعقوبة.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ: استفهام إنكار، أي: قد رأوا أمثال هذه الصّنائع، فما بالهم لم يتفكّروا فيها؟ ليظهر لهم كمال قدرته و قهره، فيخافوا منه.

و «ما» موصولة مبهمة، بيانها يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ‏، أي: أو لم ينظروا إلى المخلوقات الّتي لها ظلال متفيّئة.

و قرأ (7) حمزة و الكسائي: «تروا» بالتّاء. و أبو عمرو: «تتفيّؤ» بالتّاء.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 261، ح 34.

(2) تفسير العياشي 2/ 261، ح 35.

(3) الكافي 8/ 74، ح 209.

4 و 5- من المصدر.

(6) أ، ر: بعضكم.

(7) أنوار التنزيل 1/ 557.

219

عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ‏، أي: عن أيمانها و عن شمائلها، أي: عن جانبي كلّ واحد منها. استعارة من يمين الإنسان و شماله.

و لعلّ توحيد «اليمين» و جمع «الشّمائل» باعتبار اللّفظ و المعنى، كتوحيد الضّمير في «ظلاله» و جمعه في قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ‏ (48). و هما حالان من الضّمير في «ظلاله».

و المراد من السّجود، الاستسلام، سواء كان بالطّبع أو الاختيار. يقال: سجدت النّخلة: إذا مالت، لكثرة الحمل. و سجد البعير: إذا طأطأ رأسه، ليركب.

أو و «سجّدا» حال من «الظّلال»، «و هم داخرون» حال من الضّمير، و المعنى: يرجع الظّلال، بارتفاع الشّمس و انحدارها باختلاف مشارقها و مغاربها، بتقدير اللّه- تعالى- من جانب إلى جانب منقادة لما قدّر لها من التّفيّؤ. أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة السّاجد. و الأجرام في أنفسها- أيضا- داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال اللّه- تعالى- فيها.

و جمع «داخرون» بالواو، لأنّ من جملتها من يعقل، أو (1) لأنّ الدّخور من أوصاف العقلاء.

و قيل‏ (2): المراد باليمين و الشّمائل: يمين الفلك، و هو جانبه الشّرقي، لأنّ الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع و السّطوع. و [شماله، و هو] (3) الجانب الغربي المقابل له [من الأرض‏] (4). فإنّ الظّلال في أوّل النّهار تبتدئ من المشرق واقعة على الرّبع الغربي، و عند الزّوال تبتدئ من المغرب واقعة على الرّبع الشّرقي من الأرض.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: تحويل كلّ ظلّ خلقه اللّه فهو سجود للّه. لأنّه ليس شي‏ء إلّا له ظلّ يتحرّك يتحريكه، و تحويله‏ (6) سجوده.

وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏، أي: ينقاد انقيادا. يعمّ الانقياد لإرادته و تأثيره طبعا، و الانقياد لتكليفه و أمره طوعا. ليصحّ إسناده إلى عامّة أهل السّماوات و الأرض. و قوله: مِنْ دابَّةٍ: بيان لهما. لأنّ الدّبيب: هو الحركة

____________

(1) ليس في ب.

(2) أنوار التنزيل 1/ 557.

3 و 4- من المصدر.

(5) تفسير القمّي 1/ 386.

(6) المصدر: تحريكه.

220

الجسمانيّة، سواء كان في أرض أو سماء.

وَ الْمَلائِكَةُ: عطف على المبيّن به عطف جبرئيل على الملائكة، للتّعظيم.

أو عطف المجرّدات على الجسمانيّات، و به احتجّ من قال: إنّ الملائكة أرواح مجرّدة.

أو بيان لما في الأرض، و الملائكة لما في السّماوات و تعيين له، أجلالا و تعظيماً.

أو المراد بها: ملائكتها من الحفظة و غيرهم.

و «ما» لمّا استعمل للعقلاء، كما استعمل لغيرهم، كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق «من» تغليبا للعقلاء.

وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ‏ (49): من عبادته.

يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ‏: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم. أو يخافونه و هو فوقهم بالقهر، كقوله: وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ‏.

و الجملة حال من الضّمير في «لا يستكبرون». أو بيان له و تقرير، لأنّ من خاف اللّه لم يستكبر عن عبادته.

وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ (50): من الطّاعة و التّدبير. و فيه دليل على أنّ الملائكة مكلّفون، مدارون بين الخوف و الرّجاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: الملائكة ما قدّر اللّه لهم يمرّون فيه.

و في مجمع البيان‏ (2): قد صحّ عن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه‏ (3) قال: إنّ للّه ملائكة في السّماء السّابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة اللّه، لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صارت ملكا. فإذا كان يوم القيامة، رفعوا رؤوسهم و قالوا: ما عبدناك حقّ عبادتك. أورده الكلبي في تفسيره.

وَ قالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ‏ ذكر العدد مع أنّ المعدود يدلّ عليه دلالة، على أنّ مساق النّهي إليه، أو إيماء بأن الاثنينيّة تنافي الإلهيّة، كما ذكر الواحد في قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ. للدّلالة على‏ أنّ المقصود إثبات الوحدانيّة دون الإلهيّة، أو للتّنبيه على أنّ الوحدة من لوازم‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 386.

(2) المجمع 3/ 365.

(3) ليس في ب، أ.

221

الإلهيّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، يعني بذلك: و لا تتّخذوا إمامين، إنّما هو إمام واحد.

فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏ (51).

نقل من الغيبة إلى التّكلّم، مبالغة في التّرهيب و تصريحا بالمقصود، كأنّه قال:

فأنا ذلك الإله الواحد، فإيّاي فارهبون لا غير.

وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: خلقا و ملكا.

وَ لَهُ الدِّينُ‏، أي: الطّاعة.

واصِباً: لازما.

لما تقرّر من أنّه الإله وحده، و الحقيق بأن يرهب منه.

و قيل‏ (2): «واصبا» من الوصب، أي: و له الدّين ذا كلفة.

و قيل‏ (3): «الدّين» الحزاء، [أي: و له الجزاء] (4) دائما، لا ينقطع ثوابه لمن آمن و عقابه لمن كفر.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: واجبا.

أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ‏ (52): و لا ضارّ سواه، كما لا نافع غيره، كما قال: وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ‏، أي: و أيّ شي‏ء اتّصل بكم من نعمة فهو من اللّه.

و «ما» شرطيّة. أو موصولة متضمّنة معنى الشّرط. باعتبار الإخبار دون الحصول فإنّ استقرار النّعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنّها من اللّه، لا لحصولها منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل.

و فيه يقول: و من لم يعلم أنّ للّه عليه نعمة إلّا في مطعم أو ملبس، فقد قصر عمله‏ (7) و دنى عذابه.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 261، ح 36.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 558.

(4) من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 262، ح 37 بتلخيص.

(6) تفسير القمّي 1/ 386.

(7) أ، ب: علمه.

222

و فيه: «النّعمة» [هي‏] (1) الصّحة و السّعة و العافية.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن عليّ بن الحسين الدّقاق، عن عبد اللّه بن محمّد، عن أحمد بن عمر، عن زيد القتّات، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه، إلّا غفر اللّه له قبل أن يستغفر. و ما من عبد أنعم اللّه عليه نعمة فعرف‏ (3) أنّها من عند اللّه، إلّا غفر اللّه له قبل أن يحمده.

ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ‏ (53): فما تتضرّعون إلّا إليه.

و «الجوار» رفع الصوت في الدّعاء و الاستغاثة.

ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ‏ (54): هم كفّاركم.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ‏: من نعمة الكشف عنهم، كأنّهم قصد و بشركهم كفران النّعمة و إنكار كونها من اللّه.

فَتَمَتَّعُوا: أمر تهديد.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ (55): أغلظ وعيده.

و قرئ‏ (4): «فيمتعوا» مبنيّا للمفعول، عطفا على «ليكفروا». و على هذا جاز أن تكون «اللّام» لام الأمر الوارد للتّهديد، و «الفاء» للجواب.

وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ‏، أي: لآلهتهم الّتي لا علم لها، لأنّها جماد، فيكون الضّمير ل «ما» أو الّتي لا يعلمونها، فيعتقدون فيها جهالات، مثل أنّها تنفعهم و تشفع لهم، على أنّ العائد إلى «ما» محذوف. أو لجهلهم‏ (5)، على أنّ «ما» مصدريّة، و المجعول له محذوف للعلم به.

نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏: من الزّروع و الأنعام.

تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ‏ (56): من أنّها آلهة حقيقة بالتّقرّب إليها.

و هو وعيد لهم عليه.

____________

(1) من المصدر.

(2) الكافي 2/ 428، ح 8.

(3) ب: فيعرف.

(4) أنوار التنزيل 1/ 558.

(5) أ، ب: بجهلهم.

223

وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ‏ قيل‏ (1): كانت خزاعة و كنانة يقولون: الملائكة بنات اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قالت قريش: الملائكة بنات اللّه.

سُبْحانَهُ‏: تنزيه له من قولهم، و تعجّب منه.

وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ‏ (57): يعني: البنين.

و يجوز في «ما يشتهون» الرّفع على الابتداء، و النّصب على العطف على «البنات». على أنّ الجعل بمعنى: الاختيار.

و هو و إنّ أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل و المفعول لشي‏ء واحد، لكنّه لم يبعد تجويزه في المعطوف.

وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏: اخبر بولادتها.

ظَلَّ وَجْهُهُ‏: صار، أو دام النّهار كلّه.

مُسْوَدًّا: من الكآبة و الحياء من النّاس. و اسوداد الوجه كناية عن الاغتمام.

وَ هُوَ كَظِيمٌ‏ (58): مملوء غيضا من المرأة.

يَتَوارى‏ مِنَ الْقَوْمِ‏: يستخفي منهم.

مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ‏: المبشَّر به عرفا.

أَ يُمْسِكُهُ‏: محدّثا نفسه، متفكّرا في أن يتركه.

عَلى‏ هُونٍ‏: ذلّ.

أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ‏: يخفيه فيه و يئده. و تذكير الضّمير للفظ «ما».

و قرئ‏ (3)، بالتّأنيث، فيهما.

أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏ (59): حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محلّه عندهم.

في كتاب ثواب الأعمال‏ (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: البنات حسنات، و البنون نعمة. و الحسنات يثاب عليها.

قال: إنّه بُشّر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بفاطمة- (عليها السلام)-. فنظر في وجوه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 559.

(2) تفسير القمّي 1/ 386.

(3) أنوار التنزيل 1/ 559.

(4) ثواب الأعمال/ 239، ح 1 و 2.

224

أصحابه، فرأى الكراهة (1) فيهم.

فقال: ما لكم، ريحانة أشمّها و رزقها على اللّه.

لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ: [صفة السّوء،] (2) و هو الحاجة إلى الولد المنادية بالموت و استبقاء الذّكور، استظهارا بهم. و كراهة الإناث و وأدهنّ، خشية الإملاق.

وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏: و هو الوجوب الذّاتيّ، و الغنى المطلق، و الجود الفائق، و النّزاهة عن صفات المخلوقين.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (60): المتفرّد بكمال القدرة و الحكمة.

وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ‏: بكفرهم و معاصيهم.

ما تَرَكَ عَلَيْها: على الأرض. و إنّما أضمرها من غير ذكر، لدلالة النّاس و الدّابّة عليها.

مِنْ دَابَّةٍ: قطّ، بشؤم ظلمهم.

و عن ابن مسعود (3) كاد الجعل بذلك يهلك في جحره بذنب ابن آدم، أو من دابّة ظالمة.

و قيل‏ (4): لو أهلك الآباء بكفرهم، لم يكن الأبناء.

وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: سمّاه لأعمارهم، أو لعذابهم، كي يتوالدوا.

فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ (61): بل هلكوا، أو عذّبوا حينئذ لا محالة. و لا يلزم من عموم النّاس، و إضافة الظّلم إليهم، أن يكون كلّهم ظالمين حتّى الأنبياء- (عليهم السلام)- لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم و صدر عن أكثرهم.

وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ‏، أي: ما يكرهونه لأنفسهم من البنات و الشّركاء في الرّئاسة، و الاستخفاف بالرّسل و أراذل الأموال‏ (5).

وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ‏: مع ذلك.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الكراهية.

(2) ليس في أ، ب، ر.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 559.

(5) ب: الأموات.

225

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): يقول: ألسنتهم الكاذبة.

أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى‏، أي: عند اللّه، كقوله: وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى‏ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى‏ (2).

و قرئ‏ (3): «الكُذُب» جمع، كذوب. صفة للألسنة.

لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ: ردّ لكلامهم، و إثبات لضدّه‏ (4).

وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ‏ (62): مقدمون إلى النّار. من أفرطته في طلب الماء: إذا قدّمته.

و قرأ (5) نافع، بكسر الرّاء. على أنّه من الإفراط في المعاصي.

و قرئ‏ (6)، بالتّشديد مفتوحا، من فرطته في طلب الماء. و مكسورا، من التّفريط في الطّاعات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)، أي: معذّبون.

تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏: فأصرّوا على قبائحها، و كفروا بالمرسلين.

فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ‏: في الدّنيا، و عبرّ باليوم عن زمانها. أو فهو وليّهم حين كان يزيّن لهم. أو يوم القيامة على أنّه حكاية حال ماضية، أو آتية.

و يجوز أن يكون الضّمير لقريش، أي: زيّن الشّيطان للكفرة المتقدّمين أعمالهم، و هو وليّ هؤلاء اليوم يغويهم. و إن يقدّر مضاف، أي: فهو ولي أمثالهم، و «الوليّ» القرين و النّاصر، فيكون نفيا للنّاصر لهم على أبلغ الوجوه.

وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (63): في القيامة.

وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ‏: للنّاس.

الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ‏: من المبدأ و المعاد، و الحلال و الحرام.

وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (64): معطوفان على محلّ «لتبيّن»، فإنّهما فعلا المنزل بخلاف التّبيين.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 386.

(2) فصّلت/ 50.

(3) أنوار التنزيل 1/ 560.

(4) ب: إثبات ضدّه.

5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 560.

(7) تفسير القمّي 1/ 386.

226

وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها: أنبت فيها أنواع النّبات بعد يبسها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏ (65): سماع تدبّر و إنصاف.

وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً: دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم.

نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ‏: استئناف لبيان العبرة.

و إنّما ذكّر الضّمير و وحّده هاهنا للّفظ، و أنّثه في سورة المؤمنين للمعنى. فإنّ الأنعام اسم جمع. و لذلك عدّه سيبويه في المفردات المبنيّة على أفعال، كأخلاق و أكياش‏ (1). و من قال: إنّه جمع نعم، جعل الضّمير للبعض، فإنّ اللّبن لبعضها دون جميعها. أو لواحدة أوّله على المعنى، فإنّ المراد به الجنس.

و قرأ (2) نافع و ابن عامر و أبو بكر و يعقوب: «نسقيكم» بالفتح، هاهنا و في «المؤمنون».

مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً: فإنّه يخلق من بعض أجزاء الدّم المتولّد من الأجزاء اللّطيفة الّتي في الفرث، و هو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش.

و عن ابن عباس‏ (3): أنّ البهيمة إذا اعتلفت و انطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثا و أوسطه لبنا و أعلاه دما.

قيل‏ (4): و لعلّه إن صح، فالمراد: أنّ أوسطه [يكون‏] (5) مادة اللّبن، و أعلاه مادة الدّم الّذي يغذّي البدن. لأنّهما لا يتكوّنان في الكرش و الكبد (6)، بل الكبد يجذب صفاوة الطّعام المنهضم في الكرش و يبقى ثفله، و هو الفرث، ثمّ يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا. فيحدث أخلاطا أربعة معها مائيّة، فتميّز القوّة المميّز تلك المائيّة بما زاد على قدر الحاجة من المرّتين و تدفعها إلى الكلية و المرارة و الطّحال. ثمّ يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها (7)، فيجري إلى كلّ حقّه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم. ثمّ إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لأستيلاء [البرد و الرطوبة على مزاجها

____________

(1) ب: كأخلاق و اكباش.

(2) أنوار التنزيل 1/ 560.

(3) أنوار التنزيل 1/ 560- 561.

(4) أنوار التنزيل 1/ 561.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر: و الكبد.

(7) المصدر: يحسبها.

227

فيندفع‏] (1) الزّائد أوّلا إلى الرّحم‏ (2) لأجل الجنين. فإذا انفصل، انصبّ ذلك الزّائد أو بعضه إلى الضّروع. فيبيضّ بمجاورة لحومها الغدديّة البيض، فيصير لبنا. و من تدبّر في‏ (3) صنع اللّه- تعالى- في إحداث الأخلاط و الألبان و إعداد مقارّها (4) و مجاريها و الأسباب المولّدة لها و القوى المتصرّفة (5) فيها كلّ وقت على ما يليق به، اضطرّ إلى الإقرار بكمال حكمته و تناهي رحمته.

و «من» الأولى تبعيضيّة، لأنّ اللّبن بعض ما في بطونها. و الثّانية ابتدائيّة، كقولك: سقيت من الحوض. لأنّ بين الفرث و الدّم المحلّ الّذي يبتدأ منه الإسقاء.

و هي متعلّقة «بنسقيكم». أو حال من «لبنا» قدّمت عليه، لتنكيره و للتّنبيه على أنّه موضع العبرة.

خالِصاً: صافيا، لا يستصحب لون الدّم و لا رائحة الفرث. أو مصفّى عمّا يصحبه من الأجزاء الكثيفة، بتضييق مخرجه.

سائِغاً لِلشَّارِبِينَ‏ (66): سهل المرور في حلقهم‏ (6).

و قرئ‏ (7): «سيغا» بالتّشديد و التّخفيف.

و في الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس أحد يغصّ بشرب اللبّن، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعله لبنا خالصا سائغا للشّاربين.

الحسين بن محمّد (9)، عن السياري‏ (10)، عن عبيد اللّه‏ (11) بن أبي عبد اللّه الفارسيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رجل: إني أكلت لبنا فضرّني.

قال: فقال أبو عبد اللّه [- (عليه السلام)-: لا و اللّه،] (12) ما يضرّ لبن قطّ. و لكنّك‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أو الى الرحم.

(3) يوجد في أ، ب.

(4) أ، ب: مقاربها.

(5) أ، ب، ر: المنصرفة.

(6) أ، ب، ر: سقيهم.

(7) أنوار التنزيل 1/ 561.

(8) الكافي 6/ 336، ح 5.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: يساوي.

(11) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 527. و في النسخ: عبد اللّه.

(12) ليس في أ، ب، ر.

228

أكلته مع غيره فضرّك‏ (1) الّذي أكلته، و ظننت أنّ اللّبن الّذي ضرّك.

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اللّبن طعام المرسلين.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن سلمة (4) بن خطّاب، عن عبّاد بن يعقوب، عن عبيد بن محمّد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لبن الشّاة السّوداء خير من لبن حمراء (5)، و لبن البقر الحمراء خير من لبن السّوداء (6).

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ألبان البقر دواء.

عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جدّه قال: شكوت إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- ذربا (9) وجدته.

فقال لي: ما يمنعك من شرب ألبان البقر؟

و قال لي: أشربتها قطّ؟

فقلت له: نعم مرارا.

فقال لي: كيف وجدتها؟

فقلت: وجدتها تدبغ المعدة و تكسو الكليتين الشّحم و تشهّي الطّعام.

فقال لي: لو كانت أيّامه، لخرجت أنا و أنت إلى ينبع‏ (10) حتّى نشربه‏ (11).

محمّد بن يحيى‏ (12)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن بكر بن صالح.

[عن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن، موسى- (عليه السلام)- يقول: أبوال الإبل‏

____________

(1) المصدر: «فظننت أنّ ذلك من اللبن» بدل «و ظننت أنّ اللّبن الذي ضرّك».

(2) الكافي 6/ 336، ح 6.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 372. و في النسخ: مسلمة.

(5) المصدر: حمراوين.

(6) المصدر: سوداوين.

(7) الكافي 6/ 337، ح 1.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(9) الذّرب: فساد المعدة.

(10) ينبع: قرية كبيرة على سبع مراحل من المدينة.

(11) أ، ر: تشربه.

(12) الكافي 6/ 338، ح 1.

229

خير من ألبانها، و يجعل اللّه- عزّ و جلّ- الشّفاء في ألبانها.

و في كتاب الخصال‏ (1):] (2) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: شرب‏ (3) اللّبن شفاء من كلّ داء إلّا الموت.

وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ‏: متعلّق بمحذوف، أي: و نسقيكم من ثمرات النّخيل و الأعناب، أي: من عصيرهما.

و قوله: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً.

قيل‏ (4): خمرا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5) [: الخلّ.

و في تفسير العيّاشي‏ (6):] (7) عن الصّادق- (عليه السلام)-: أنّها نزلت قبل آية التّحريم، فنسخت بها.

و فيه دلالة على أنّ المراد به: الخمر. و قد جاء بالمعنيين جميعا. و على إرادة الخمر لا يستلزم حلّها في وقت، لجواز أن يكون عتابا و منّة قبل بيان تحريمها. و معنى النّسخ: نسخ السّكوت‏ (8) عن التّحريم، فلا ينافي ما جاء في أنّها لم تكن حلالا قطّ. و في مقابلتها بالرّزق الحسن تنبيه على قبحها.

وَ رِزْقاً حَسَناً، كالتّمر و الزّبيب و الدّبس.

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏:

إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أمر نوحا أن يحمل في السّفينة من كلّ زوجين اثنين. فحمل الفحل‏ (10) و العجوة (11)، فكانا زوجا. فلما نضب الماء، أمر اللّه- عزّ و جلّ- نوحا أن يغرس الجبلة (12)، و هي الكرم. فأتاه إبليس، فمنعه من غرسها. فأبى إلّا أن يغرسها، و أبى إبليس أن يدعه يغرسها و قال: ليس لك و لا لأصحابك، إنّما هي لي و لأصحابي. فتنازعا ما شاء اللّه، ثمّ‏

____________

(1) الخصال 2/ 636.

(2) ليس في أ، ب.

(3) المصدر: حسو.

(4) أنوار التنزيل 1/ 561.

(5) تفسير القمّي 1/ 387.

(6) تفسير العياشي 2/ 263، ذيل ح 40 باختلاف سير.

(7) ليس في ب.

(8) أ، ب: السكون.

(9) تفسير العياشي 2/ 262، ح 40.

(10) المصدر: النخل. و الفحل، ذكر النخل.

(11) العجوة: ضرب من أجود التمر.

(12) المصدر: الحبلة.

230

أنّهما اصطلحا على أن جعل نوح لإبليس ثلثيها (1) و لنوح ثلثها (2). و قد أنزل اللّه لنبيّه في كتابه ما قد قرأتموه‏ وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً.

فكان المسلمون بذلك. ثمّ أنزل اللّه آية التّحريم‏ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ‏- إلى قوله-: مُنْتَهُونَ‏. يا سعيد، فهذه آية التّحريم و هي نسخت الآية الأخرى.

0 إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (67): يستعملون عقولهم بالنّظر و التّأمّل في الآيات.

وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏: ألهمها. و قذف في قلوبها.

و قرئ‏ (3): «إلى النّحل» بفتحتين‏ (4).

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن محمّد بن يوسف، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏.

قال: إلهام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏.

قال: وحي إلهام، يأخذ النّحل من جميع النّور (7) ثمّ تتّخذه عسلا.

و حدّثني أبي‏ (8)، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن رجل، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏.

قال: نحن، و اللّه‏ (9)، النّحل الّذي‏ (10) أوحى اللّه إليه.

أَنِ اتَّخِذِي‏: بأن اتّخذي.

و يجوز أن تكون «أن» مفسّرة، لأنّ في الإيحاء معنى القول. و تأنيث الضّمير على المعنى، فإنّ النّحل مذكّر.

مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏ (68): ذكر بحرف التّبعيض، لأنّها لا تبني في كلّ جبل و كلّ شجر و كلّ ما يعرش من كرم أو سقف و لا في كلّ مكان.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: سهما.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ثلاثة.

(3) أنوار التنزيل 1/ 561.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) تفسير العياشي 2/ 263، ح 41.

(6) تفسير القمّي 1/ 387.

(7) النور: زهر النبات.

(8) تفسير القمّي 1/ 387.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: الّتي.

231

و إنّما سمّي ما تبنيه لتتعسّل فيه: بيتا، تشبيها ببناء الإنسان، لما فيه من حسن الصّنعة و صحّة القسمة الّتي لا يقوى عليها حذّاق المهندسين إلّا بآلات‏ (1) و أنظار دقيقة: و لعلّ ذكره، للتّنبيه على ذلك.

و قرأ (2) عاصم: «بيوتا» بكسر الباء.

و قرأ أبو بكر و ابن عامر: «يعرشون» بضمّ الرّاء.

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ‏: تشتهينها، مرّها و حلوها.

فَاسْلُكِي‏: ما أكلت.

سُبُلَ رَبِّكِ‏: في مسالكه الّتي يحيل‏ (3) فيها بقدرته النّور المرّ عسلا من أجوافك.

أو فاسلكي الطّرق الّتي ألهمك في عمل العسل.

أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك‏ (4) سبل ربّك، لا تتوعّر عليك و لا تلتبس.

ذُلُلًا: جمع، ذلول. و هي حال من السّبل، أي: مذلّلة، ذلّلها اللّه و سهّلها لك. أو من الضّمير في «فاسلكي»، أي: و أنت ذلل منقادة لما أمرت به.

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها: عدل به عن خطاب النّحل إلى خطاب النّاس. لأنّه محلّ الإنعام عليهم، و المقصود من خلق النّحل و إلهامه لأجلهم.

شَرابٌ‏، يعني: العسل، لأنّه ممّا يشرب.

مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ‏: أبيض و أصفر و أحمر و أسود، لسبب اختلاف سنّ النّحل و الفصل.

فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏: إمّا بنفسه، كما في الأمراض البلغميّة. أو مع غيره، كما في سائر الأمراض، إذ قلّما يكون معجون إلّا و العسل جزء منه، مع أنّ التّنكير فيه مشعر بالتّبعيض و يجوز و قيل‏ (5): الضّمير للقرآن، أو لما بيّن اللّه من أحوال النّحل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و حدّثني أبي، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن رجل، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏.

____________

(1) ب، أ: بالآيات.

(2) أنوار التنزيل 1/ 562.

(3) ب: يجعل.

(4) أ، ب: بيوتات.

(5) أنوار التنزيل 1/ 562.

(6) تفسير القمّي 1/ 387.

232

قال: نحن، و اللّه، النّحل الّذي أوحى اللّه إليه‏ (1) أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أمرنا أن نتّخذ من العرب شيعة. وَ مِنَ الشَّجَرِ. يقول: من العجم. وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏.

يقول: من الموالي. و الّذي‏ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ‏ أعنى‏ (2) العلم الّذي يخرج منّا إليكم.

و في شرح الآيات الباهرة (3): و روى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ، بإسناده:

عن رجاله، عن أبي بصير في قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏.

قال: ما بلغ بالنّحل أن يوحى إليها، بل فينا نزلت. فنحن النّحل، و نحن المقيمون له في أرضه بأمره، و الجبال شيعتنا، و الشّجر النّساء المؤمنات.

و في كتاب الخصّال‏ (4): عن داود بن كثير الرّقّيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لقد اخبرني أبي، عن جدّي- (عليهما السلام)-: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن قتل ستّة: النّحلة و النّملة و الضّفدع و الصّرد و الهدهد و الخطّاف. فأمّا النّحلة، فإنّها تأكل طيّبا و تضع طيّبا. و هي الّتي أوحى اللّه إليها ليست من الجنّ و الإنس.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سئل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: و سأله عن شي‏ء أوحى اللّه إليه ليس من الجنّ و لا من الإنس.

فقال: أوحى اللّه إلى النّحل.

و في أصول الكافي‏ (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن العبّاس بن عامر، عن جابر بن‏ (7) المكفوف، عن عبد اللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اتّقوا على دينكم و احجبوه بالتّقيّة، فإنّه لا إيمان لمن لا تقيّة له. إنّما أنتم في النّاس، كالنّحل في الطّير. لو أنّ الطّير تعلم ما في أجواف النّحل، ما بقي منها

____________

(1) المصدر: نحن و النّحل الّتي أوحى اللّه إليها.

(2) ليس في المصدر.

(3) تأويل الآيات 1/ 256، ح 12.

(4) الخصال 1/ 327، ذيل ح 18.

(5) العيون 1/ 244.

(6) الكافي 2/ 218، ح 5.

(7) ليس في المصدر.

233

شي‏ء إلّا أكلته. و لو أنّ النّاس علموا ما في أجوافكم أنّكم تحبّونا أهل البيت، لأكلوكم بألسنتهم و لنحلوكم‏ (1) في السّرّ و العلانية. رحم اللّه عبدا منكم كان على ولايتنا.

و في تفسر العيّاشي‏ (2): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏ إلى‏ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏: فالنّحل الأئمّة، و الجبال العرب، و الشّجر الموالي عتاقه، و ممّا يعرشون، يعني: الأولاد و العبيد ممّن لم‏ (3) يعتق و هو يتولّى اللّه و رسوله و الأئمّة، و الثّمرات المختلفة (4) ألوانه فنون العلم الّذي قد يعلّم الأئمّة شيعتهم، و فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏ يقول: في العلم شفاء للنّاس، و الشّيعة هم النّاس و غيرهم اللّه أعلم بهم ما هم‏ (5). و لو كان، كما تزعم‏ (6) أنّه العسل الّذي يأكله النّاس، إذا ما أكل منه و ما شرب ذو عاهة إلّا شفي‏ (7)، لقول اللّه- تعالى-: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏. و لا خلف لقول اللّه، و إنّما الشّفاء في علم القرآن لقوله: نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ [لِلْمُؤْمِنِينَ‏ فهو شفاء و رحمة] (8) لأهله لا شكّ فيه و لا مرية، و أهله أئمّة الهدى الّذين قال اللّه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

و في رواية (9) أبي الرّبيع الشّاميّ، عنه‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏.

فقال: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قال:

تزوّج من قريش. وَ مِنَ الشَّجَرِ قال: في العرب. وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏ قال: في الموالي.

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ‏ قال: أنواع العلم. فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏.

عن سيف بن عميرة (10)، عن شيخ من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كنّا عنده، فسأله شيخ فقال: بي وجع و أنا أشرب له النّبيذ، و وصفه له الشّيخ.

فقال له: ما ينفعك من الماء الّذي جعل اللّه منه كلّ شي‏ء حيّ؟

____________

(1) نحل فلانا: سابّه.

(2) تفسير العياشي 2/ 263، ح 43.

(3) ب: لا.

(4) المصدر: المختلف.

(5) ليس في ب: ما هم.

(6) المصدر: يزعم.

(7) المصدر: برأ.

(8) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(9) تفسير العياشي 2/ 264، ح 44.

(10) تفسير العياشي 2/ 264، ح 45.

234

قال: لا يوافقني.

قال: فما يمنعك من العسل؟

قال اللّه: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏.

قال: لا أجده.

قال: فما يمنعك من اللّبن الّذي نبت لحمك و اشتد عظمك؟

قال: لا يوافقني.

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ تريد أن آمرك بشرب الخمر؟ لا [آمرك، لا] (1) و اللّه لا آمرك‏ (2).

و في كتاب الخصال‏ (3)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: لعق العسل شفاء من كلّ داء. قال اللّه- تعالى-: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏.

و في عيون الأخبار (4): عن الرّضا- (عليه السلام)- بإسناده قال: قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن يكن في شي‏ء شفاء، ففي شرط الحجام‏ (5) أو في شربة عسل.

و بإسناده‏ (6)، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تردّوا شربة العسل على من‏ (7) آتاكم بها.

و بإسناده‏ (8)، قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: ثلاثة يزدن في الحفظ و يذهبن بالبلغم: [قراءة] (9) القرآن و العسل و اللبّان‏ (10).

و في الكافي‏ (11): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد عن القاسم بن يحيى، عن جدّه، الحسن بن راشد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) أ: زيادة «لا و اللّه».

(3) الخصال 2/ 623 ضمن ح 10.

(4) العيون 2/ 35، ح 83.

(5) المصدر: شرطة حجام.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 36، ح 84.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: شربة عسل من.

(8) العيون 2/ 38، ح 111.

(9) من المصدر.

(10) اللبان: نبات من الفصيلة البخورية يفرز صمغا و يسمّى الكندر.

(11) الكافي 6/ 332، ح 2.

235

أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لعق العسل شفاء من كلّ داء. قال اللّه- عزّ و جلّ-: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏. و هو مع قراءة القرآن و مضغ اللّبان يذيب البلغم.

و في محاسن البرقيّ‏ (1): عنه، عن بعض أصحابنا، عن عبد الرّحمن بن شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لعق العسل فيه شفاء. قال اللّه:

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن عبد اللّه بن قدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فقال: يا أمير المؤمنين، بي وجع في بطني.

فقال له أمير المؤمنين: أ لك زوجة؟

قال: نعم.

قال: استوهب منها [شيئا] (3) طيّبة به نفسها من مالها، ثمّ اشتر به عسلا، ثمّ اسكب عليه من ماء السّماء، ثمّ اشربه. فإنّي أسمع‏ (4) اللّه يقول في كتابه: وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً. و قال: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏.

و قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً. [فإذا اجتمعت البركة و الشّفاء و الهني و المري‏] (5) شفيت إن شاء اللّه- تعالى-. ففعل ذلك، فشفي.

و في مجمع البيان‏ (6): و في النّحل و العسل وجوه من الاعتبار منها: اختصاصه بخروج العسل من فيه، و منها جعل الشّفاء في موضع السّم فإنّ النّحل يلسع، و منها ما ركّب اللّه من البدائع و العجائب فيه و في طباعه. و من أعجبها أن جعل- سبحانه- لكلّ فئة يعسوبا هو أميرها، يقدمها و يحامي عنها و يدبّر أمرها و يسوسها و هي تتبعه و تقتفي أثره. و متى فقدته انحلّ نظامها و زال قوامها و تفرّقت شذر مذر. و إلى هذا المعنى‏

أشار عليّ أمير المؤمنين: أنا يعسوب المؤمنين.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (69): فإنّ من تدبّر اختصاص النّحل بتلك‏

____________

(1) المحاسن/ 499، ح 611.

(2) تفسير العياشي 1/ 218، ح 15.

(3) من المصدر.

(4) بعض نسخ المصدر: سمعت.

(5) ليس في المصدر.

(6) المجمع 3/ 372.

236

العلوم الدّقيقة و الأفعال العجيبة حقّ التّدبّر، علم قطعا أنّه لا بدّ له من قادر حكيم يلهمها ذلك و يحملها عليه.

وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ‏: بآجال مختلفة.

وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ: يعاد.

إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ: أخسّه و أحقره، يعني: الهرم الّذي يشابه الطّفوليّة في نقصان القوّة و العقل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): عن الصّادق، عن أبيه- (عليهما السلام)-: إذا بلغ العبد مائة سنة، فذلك أرذل العمر.

و في مجمع البيان‏ (2): و روي‏ (3) عن عليّ- (عليه السلام)-: أنت أرذل العمر خمسون و سبعون سنة. روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثل ذلك.

و في كتاب الخصال‏ (4)، بعد أن ذكر حال الإنسان في بلوغ الأربعين و الخمسين إلى التّسعين‏ قال: و في حديث آخر: فإذا بلغ إلى المائة، فذلك أرذل العمر.

و قد روي: أنّ أرذل العمر أن يكون عقله، مثل عقل ابن سبع سنين.

لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً: إلى حال شبيهة بحال الطّفوليّة في النّسيان و سوء الفهم.

و في أصول الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن [محمد بن‏] (6) داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل‏ (7). ستقف عليه بتمامه في سورة الواقعة إن شاء اللّه- تعالى-. يقول فيه- (عليه السلام)-: ثمّ ذكر أصحاب الميمنة، و هم المؤمنون حقّا بأعيانهم، جعل فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، و روح القوّة، و روح الشّهوة، و روح البدن. و قال قبل ذلك: و بروح الإيمان عبدوا اللّه، و لم يشركوا به. و بروح القوّة جاهدوا عدوّكم، و عالجوا معاشهم.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 79.

(2) المجمع 3/ 372.

(3) ليس في أ، ب. و في المصدر: و رووا.

(4) الخصال 2/ 546، ح 25.

(5) الكافي 2/ 282، 283، ح 16.

(6) من المصدر.

(7) ليس في أ، ب، ر.

237

و بروح الشّهوة أصابوا لذيذ الطّعام، و نكحوا الحلال من شباب النّساء. و بروح البدن دبّوا و درجوا.

و قال- (عليه السلام)- متّصلا بقوله: «و روح البدن»: فلا يزال العبد يستكمل الأرواح الأربعة حتّى تأتي عليه حالات.

فقال الرّجل: يا أمير المؤمنين، ما هذه الحالات؟

فقال: أمّا أوّلهنّ‏ (1) فهو، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً. فهذا ينتقض منه جميع الأرواح، و ليس بالّذي يخرج من دين اللّه. لأنّ الفاعل به ردّه إلى أرذل عمره، فهو لا يعرف للصّلاة وقتا و لا يستطيع التّهجّد باللّيل و لا بالنّهار و لا القيام في الصّفّ مع النّاس. فهذا نقصان من روح الإيمان، و ليس يضرّه شيئا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: إذا كبر، لا يعلم ما علمه قبل ذلك.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ‏: بمقادير أعمارهم.

قَدِيرٌ (70): يميت الشّابّ النّشيط، و يبقى الهمّ‏ (3) الفاني.

و فيه تنبيه على أنّ تفاوت آجال النّاس ليس إلّا بتقدير قادر حكيم رتّب أبنيتهم و عدّل أمزجتهم على قدر معلوم. و لو كان ذلك مقتضى الطّباع، لم يبلغ التّفاوت هذا المبلغ.

وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ‏: فمنكم غنيّ، و منكم فقير، و منكم موالي يتولّون رزقهم و رزق غيرهم، و منكم مماليك حالهم على خلاف ذلك.

فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ‏: بمعطي رزقهم.

عَلى‏ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ‏: على مماليكهم. فإنّما يردّون عليهم رزقهم، الّذي جعله اللّه في أيديهم.

فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ: فالموالي و المماليك سواء في أنّ اللّه رزقهم.

فالجملة لازمة للجملة المنفيّة، أو مقررة لها. و يجوز أن يكون واقعة موقع الجواب، كأنّه قيل: فما الّذين فضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرّزق. على‏

____________

(1) المصدر: أولا هنّ.

(2) تفسير القمّي 1/ 387.

(3) الهمّ: الشيخ الكبير.

238

أنّه ردّ و إنكار على مشركين، فإنّهم يشركون باللّه بعض مخلوقاته في الألوهيّة، و لا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم اللّه عليهم فيساويهم فيه.

أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ‏ (71): حيث يتّخذون له شركاء. فإنّه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم اللّه عليهم، و يجحدون أنّه من عند اللّه. أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج، بعد ما أنعم اللّه عليهم بإيضاحها.

و «الباء» لتضمّن الجحود معنى الكفر.

و قرأ (1) أبو بكر: «تجحدون» بالتّاء. لقوله: «خلقكم» و «فضّل بعضكم».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: لا يجوز للرّجل أن يخصّ نفسه بشي‏ء من المأكول دون عياله.

و في جوامع الجامع‏ (3): و يحكى عن أبي ذرّ- رضي اللّه عنه- أنّه سمع النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّما هم إخوانكم، فاكسوهم مما تكسون‏ (4) و أطعموهم مما تطعمون.

فما رأي‏ (5) عبده بعد ذلك، إلّا و رداءه رداءه و إزاره إزاره من غير تفاوت.

وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، أي: من جنسكم. لتأنسوا بها، و لتكون أولادكم مثلكم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6)، يعني: حواء خلقت من آدم.

وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً: و أولاد أولاد، أو بنات. فإنّ الحافد، هو المسرع في الخدمة، و البنات يخدمن في البيوت.

و قيل‏ (7): الرّبائب. و يجوز أن يراد بها البنون أنفسهم. و العطف لتغاير الوصفين.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن عبد الرّحمن الأشلّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: في‏ (9) «الحفدة» بنو البنت. و نحن حفدة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

عن جميل بن درّاج‏ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 563.

(2) تفسير القمي 1/ 387.

(3) الجوامع/ 246.

(4) المصدر: تلبسون.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: رئي.

(6) تفسير القمي 1/ 387.

(7) أنوار التنزيل 1/ 563.

(8) تفسير العياشي 2/ 264، ح 46.

(9) ليس في المصدر.

(10) نفس المصدر و الموضع، ح 47.

239

وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً.

قال: هم الحفدة، و هم العون منهم، يعني: البنين.

و في مجمع البيان‏ (1): عنه- (عليه السلام)-: و هم أختان الرّجل على بناته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: الأختان.

وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏: من اللّذائذ. أو من الحلالات.

و «من» للتّبعيض. فإنّ المرزوق في الدّنيا أنموذج منها.

أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ‏.

قيل‏ (3): هو أنّ الأصنام تنفعهم. أو أنّ من الطّيّبات ما يحرم عليهم، كالبحائر و السّوائب.

وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ‏ (72): حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام، أو حرّموا ما أحلّ اللّه لهم. و تقديم الصّلة على الفعل إمّا للاهتمام، أو لإيهام التّخصيص مبالغة، أو للمحافظة على الفواصل.

و قيل‏ (4): يريد بِنِعْمَتِ اللَّهِ‏: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و القرآن و الإسلام، أي: هم‏ (5) كافرون بها منكرون لها.

وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً:

من مطر و نبات. و «رزقا» إن جعلته مصدرا فشيئا منصوب به، و إلّا فبدل منه.

وَ لا يَسْتَطِيعُونَ‏ (73): أن يتملّكوه، أو لا استطاعة لهم أصلا.

و جمع الضّمير فيه و توحيده في «لا يملك»، لأنّ «ما» مفرد في معنى الآلهة. و يجوز أن يعود إلى الكفّار، أي: و لا يستطيع هؤلاء مع أنّهم أحياء متصرّفون شيئا من ذلك، فكيف بالجماد.

فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ‏: فلا تجعلوا له مثلا تشركون به، أو تقيسونه عليه.

فإنّ ضرب المثل تشبيه حال بحال.

قيل‏ (6): كانوا يقولون: إنّ عبادة عبدة الملك أدخل في التّعظيم من عبادته.

____________

(1) المجمع 3/ 373.

(2) تفسير القمّي 1/ 387.

(3) أنوار التنزيل 1/ 563.

(4) تفسير الصافي 3/ 146.

(5) المصدر: هو.

(6) أنوار التنزيل 1/ 563، و تفسير الصافي‏

240

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ‏: فساد ما تعوّلون عليه من القياس، على أنّ عبادة عبيد الملك أدخل في التّعظيم من عبادته و عظم جرمكم فيما تفعلون.

وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (74): ذلك. و لو علمتموه، لما جرأتم عليه. فهو تعليل للنّهي. أو أنّه يعلم كنه الأشياء و أنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم دون نصّه.

و يجوز أن يراد: فلا تضربوا للّه الأمثال، فإنّه يعلم كيف تضرب الأمثال و أنتم لا تعلمون. ثمّ علّمهم كيف يضرب، فضرب مثلا لنفسه و لمن دونه فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ‏: مثّل ما يشرك به المملوك العاجز عن التّصرّف رأسا، و مثّل نفسه بالحرّ المالك الّذي رزقه اللّه مالا كثيرا فهو يتصرّف فيه كيف يشاء. و احتجّ بامتناع الاشتراك و التّسوية بينهما، مع تشاركهما في الجنسيّة و المخلوقيّة، على امتناع التّسوية بين الأصنام الّتي هي أعجز المخلوقات و بين اللّه الغنيّ القادر على الإطلاق.

و قيل‏ (1): هو تمثيل للكافر المخذول و المؤمن الموفّق. و تقييد العبد بالمملوكية للتّمييز عن الحرّ، فإنّه- أيضا- عبد اللّه. و بسلب القدرة للتّمييز عن المكاتب و المأذون و جعله قسيما للمالك المتصرّف. يدل على أنّ المملوك لا يملك.

قيل: و الأظهر أنّ «من» نكرة موصوفة ليطابق «عبدا». و جمع الضّمير في «يستوون»، لأنّه للجنسين. فإنّ المعنى: هل يستوي الأحرار و العبيد.

الْحَمْدُ لِلَّهِ‏: كلّ الحمد للّه لا يستحقّه غيره فضلا عن العبادة، لأنّه مولى النّعم كلّها.

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (75): فيضيفون نعمه إلى غيره، و يعبدونه لأجلها.

و في الكافيّ‏ (2): محمّد عن أحمد عن ابن فضّال‏ (3)، عن مفضّل بن صالح، عن ليث المراديّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن العبد: هل يجوز طلاقه؟

فقال: إن كان أمتك، فلا. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ. و إن كانت أمة قوم آخرين أو حرّة، جاز طلاقه.

____________

3/ 146.

(1) أنوار التنزيل 1/ 564.

(2) الكافي 6/ 168، ح 2.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: محمد بن أحمد بن فضّال.

241

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روى ابن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: المملوك لا يجوز طلاقه و لا نكاحه إلّا بإذن سيّده.

قلت: فان كان السّيّد زوّجه، بيد من الطّلاق؟ قال: لا (2) بيد السيّد، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ. أ فشي‏ء الطّلاق؟

و في تهذيب الأحكام‏ (3): الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل نكح أمته من رجل آخر (4)، أ يفرق بينهما إذا شاء؟

فقال: إن كان مملوكه، فليفرق بينهما إذا شاء. إنّ اللّه- تعالى- يقول: عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ. فليس للعبد شي‏ء من الأمر. و إن كان زوجها حرّا، فإنّ طلاقها صفقتها.

الحسين بن سعيد (5)، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بكير، عن الحسن العطّار قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع بالعمرة إلى الحجّ، أ عليه أن يذبح عنه؟

قال: لا. إنّ اللّه يقول: عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن أبي بصير، في الرّجل ينكح أمته لرجل له، أن يفرق بينهما إذا شاء؟

قال: إن كان مملوكا، فليفرق بينهما إذا شاء. لأنّ اللّه يقول: عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ. فليس للعبد من الأمر شي‏ء. و إن [كان‏] (7) زوّجها حرّا، فرق بينهما إذا شاء المولى.

عن أحمد بن عبد اللّه العلويّ‏ (8)، عن الحسن بن الحسين بن زيد بن عليّ، عن جعفر بن محمّد [عن أبيه‏] (9)- (عليهما السلام)- قال: كان عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-

____________

(1) الفقيه 3/ 350، ح 3.

(2) ليس في المصدر.

(3) التهذيب 7/ 340، ح 23.

(4) ليس في المصدر.

(5) التهذيب 5/ 200، ح 4.

(6) تفسير العياشي 2/ 265، ح 51.

(7) من المصدر.

(8) تفسير العياشي 2/ 266، ح 54.

(9) من المصدر.

242

يقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ. و يقول: للعبد لا طلاق و لا نكاح، ذلك إلى سيّده. و النّاس يرون خلاف ذلك، إذا أذن السّيّد لعبده لا يرون له أن يفرّق بينهما.

وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ‏: ولد أخرس، لا يفهم و لا يفهم.

لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ: من الصّنائع و التّدابير، لنقصان عقله.

وَ هُوَ كَلٌّ عَلى‏ مَوْلاهُ‏: عيال و ثقل على من يلي أمره.

أَيْنَما يُوَجِّهْهُ‏: حيث ما يرسله مولاه في أمر.

و قرئ‏ (1): «يوجّه» على البناء للمفعول. و يوجّه بمعنى: يتوجه. و توجّه بلفظ الماضي.

لا يَأْتِ بِخَيْرٍ: بنجح‏ (2) و كفاية مهم.

هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ‏: و من هو فهم منطيق، ذو كفاية و رشد، ينفع النّاس بحثّهم على العدل الشّامل لجميع الفضائل.

وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (76): و هو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجّه إلى مطلب إلّا و يبلغه بأقرب سعي. و إنّما قابل تلك الصّفات بهذين الوصفين، لأنّهما كمال ما يقابلهما.

قيل‏ (3): و هذا تمثيل ثان ضربه اللّه لنفسه و للأصنام، لإبطال المشاركة بينه و بينها. أو للمؤمن و الكافر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): الّذي يأمر بالعدل أمير المؤمنين و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)-.

و في شرح الآيات الباهرة (5): روى أبو عبد اللّه، الحسين بن جبير في كتاب (نخب المناقب) حديثا مسندا، عن حمزة بن عطا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-:

هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏.

قال: هو أمير المؤمنين يأمر بالعدل، و هو على صراط مستقيم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 564.

(2) كذا في المصدر. و في أ، ر: ينجح. و في سائر النسخ: بتحجج.

(3) أنوار التنزيل 1/ 564.

(4) تفسير القمّي 1/ 387.

(5) تأويل الآيات 1/ 259، ح 15.

243

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- جماعة من أصحابه، منهم حمران بن أعين [و محمّد بن أعين‏] (2) و محمّد بن النّعمان و هشام بن سالم و الطّيّار. و جماعة، فيهم‏ (3) هشام بن الحكم، و هو شابّ.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا هشام، ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد، و كيف سألته؟

فقال هشام: يا ابن رسول اللّه، إنّي اجلّك و أستحيك و لا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إن‏ (4) أمرتكم بشي‏ء، فافعلوا.

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد و جلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ. فخرجت إليه، و دخلت البصرة يوم الجمعة. فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد و عليه شملة سوداء مؤتزرا (5) بها من صوف و شملة مرتديا بها (6)، و النّاس يسألونه. فاستفرجت النّاس فأفرجوا (7) لي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي.

ثمّ قلت: أيّها العالم، إني رجل غريب تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلت: أ لك عين؟

قال: يا بنيّ، أيّ شي‏ء هذا من السّؤال، و شي‏ء تراه كيف تسأل عنه؟

فقلت: هكذا مسألتي.

فقال: يا بنيّ، سل و إن كانت مسألتك حمقاء.

قلت: أجبني فيها.

قال لي: سل.

____________

(1) الكافي 1/ 169، ح 3.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: منهم.

(4) المصدر: إذا.

(5) ب، أ، ر: ميزوا. و في المصدر: متزر.

(6) المصدر: مرتد بها.

(7) أ، ب: فانفرجوا.

244

قلت: أ لك عين؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان و الأشخاص.

قلت: أ لك أنف؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشم به الرّائحة.

قلت: أ لك فم؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أذوق به الطّعم.

قلت: أ لك أذن؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الصّوت.

قلت: أ لك قلب؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح و الحواسّ.

قلت: أو ليس في هذه الجوارح و الحواسّ غنى عن القلب؟

قال: لا.

قلت: و كيف ذلك، و هي صحيحة سليمة؟

قال: يا بنيّ، إنّ الجوارح إذا شكت في شي‏ء شمّته أو رأته‏ (1) أو ذاقته أو سمعته، ردّته إلى القلب، فيبيّن‏ (2) اليقين و يبطل الشّكّ.

____________

(1) ب: لامسته.

(2) المصدر: فيستيقن.

245

قال هشام: فقلت له: فإنّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لا بدّ من القلب، و إلّا لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

فقلت: يا أبا مروان، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح لها الصّحيح و يتيقّن به ما شكلت فيه. و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم، و يقيم ذلك إماما لجوارحك تردّ إليه حيرتك و شكّك؟

قال: فسكت و لم يقل شيئا.

ثمّ التفت إليّ، و قال لي: أنت هشام بن الحكم؟

فقلت: لا.

فقال: أمن جلسائه؟

قلت: لا.

قال: فمن أين أنت؟

قلت: من أهل الكوفة.

قال: فأنت إذا هو.

ثمّ ضمّني إليه و أقعدني في مجلسه، و زال عن مجلسه و ما نطق حتّى قمت.

قال: فضحك أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- و قال: يا هشام، من علّمك هذا؟

قلت: شي‏ء أخذته منك و ألّفته.

فقال: هذا [و اللّه‏] (1) مكتوب في صحف إبراهيم و موسى.

وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: يختصّ به علمه لا يعلمه غيره، و هو ما غاب فيهما عن العباد، بأن لم يكن محسوسا و لم يدلّ عليه محسوس.

و قيل‏ (2): يوم القيامة: فإنّ علمه غائب عن أهل السّماوات و الأرض.

وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ: و ما أمر قيام القيامة في سرعته و سهولته.

إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ، كرجع الطّرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها.

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 1/ 564.

246

أَوْ هُوَ أَقْرَبُ‏: أو أمرها أقرب منه، بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الّذي يبتدئ فيه. فإنّه- تعالى- يحيي الخلائق دفعة. و ما يوجد دفعة، كان في آن.

و «أو» للتّخيير. أو بمعنى: بل.

و قيل‏ (1): معناه: أنّ قيام السّاعة و إن تراخى، فهو عند اللّه، كالشّي‏ء الّذي تقولون فيه: كلمح البصر أو هو أقرب، مبالغة في استقرابه.

إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (77): فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن أحياهم متدرّجا. ثمّ دلّ على قدرته بقوله: وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ‏ و قرأ (2) الكسائيّ، بكسر الهمزة، على أنّه لغة أو اتّباع لما قبلها. و حمزة، بكسرها و كسر الميم، و الهاء مزيدة، مثلها في إهراق.

لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً: جهّالا، مستصحبين جهل الجماديّة.

وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ: أداة تتعلّمون بها، فتحسّون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها. ثمّ تتنّبهون بقلوبكم لمشاركات و مباينات بينها بتكرير الإحساس، حتّى تتحصّل لكم العلوم البديهيّة و تتمكّنوا من تحصيل المعالم الكسبيّة بالنّظر فيها.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (78): كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور، فتشكروه.

أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ قراءة (3) ابن عامر و حمزة و يعقوب، بالتّاء. على أنّه خطاب للعامّة.

مُسَخَّراتٍ‏: مذلّلات للطّيران، بما خلق لها من الأجنحة و الأسباب المؤاتية له.

فِي جَوِّ السَّماءِ: في الهواء المتباعد من الأرض.

ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ‏: فإنّ ثقل جسدها يقتضي سقوطا، و لا علاقة فوقها و لا دعامة تحتها تمسكها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ‏: تسخير الطّير (4) للطّيران. بأن خلقها خلقة يتمكّن معها

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 564.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 565.

(4) ب: الطيران.

247

الطّيران، و خلق الجوّ بحيث يمكن الطّيران فيه، و إمساكها في الهواء على خلاف طبعها.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (79): لأنّهم المنتفعون بها.

وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً: موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتّخذة من الحجر و المدر. فعل، بمعنى المفعول.

وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً: هي القباب المتّخذة من الأدم. و يجوز أن يتناول المتّخذة من الوبر و الصّوف و الشّعر، فإنّها من حيث أنّها نابتة على جلودها يصدق عليها أنّها من جلودها.

تَسْتَخِفُّونَها: تجدونها خفيفة، يخفّ عليكم حملها و نقلها.

يَوْمَ ظَعْنِكُمْ‏: وقت ترحالكم.

وَ يَوْمَ إِقامَتِكُمْ‏: وقت الحضر، أو النّزول.

و قرأ (1) الحجازيّان و البصريّان: «يوم ظعنكم» بالفتح. و هو لغة فيه.

وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها: الصّوف للضّائنة، و الوبر للإبل، و الشعر للمعز. و إضافتها إلى ضمير الأنعام، لأنّها من جملتها.

أَثاثاً: ما يلبس و يفرش.

وَ مَتاعاً: [ما يتّجر به‏] (2).

إِلى‏ حِينٍ‏ (80): إلى مدّة من الزّمان، فإنّها لصلابتها تبقى مدّة مديدة. أو إلى حين مماتكم‏ (3) أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): في رواية أبي الجارود في قوله: أَثاثاً قال:

المال. وَ مَتاعاً قال: المنافع. إِلى‏ حِينٍ‏ [أي: إلى حين‏] (5) بلاغها.

وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ‏: من الشّجر و الجبال و الأبنية و غيرها.

ظِلالًا: تتقون بها حرّ الشّمس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قال: ما يستظلّ به.

وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً: مواضع تسكنون بها من الكهوف و البيوت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 565.

2 و 3- ليس في ب.

(4) تفسير القمّي 1/ 388.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع.

248

المنحوتة فيها. جمع، كن.

وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ‏: ثيابا من الصّوف و الكتان و القطن و غيرها.

تَقِيكُمُ الْحَرَّ: خصّه بالذّكر، اكتفاء بأحد الضّدين، أو لأن وقاية الحرّ كانت أهم عندهم.

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الحرّ و البرد، ممّا يكونان؟

فقال لي: يا أبا أيّوب، إنّ المرّيخ كوكب حارّ و زحل كوكب بارد. فإذا بدأ المرّيخ في الارتفاع، انحطّ زحل. و ذلك في الرّبيع. فلا يزالان كذلك كلّما ارتفع المريخ درجة، انحطّ زحل درجة، ثلاثة أشهر، حتّى ينتهي المرّيخ في الارتفاع و ينتهي زحل في الهبوط فيجلو المريخ، فلذلك يشتدّ الحرّ. فإذا كان آخر الصّيف و أوّل الخريف، بدأ زحل في الارتفاع و بدأ المرّيخ في الهبوط. فلا يزالان كذلك كلّما ارتفع زحل درجة، انحطّ المرّيخ درجة. حتّى ينتهي المرّيخ في الهبوط و ينتهي زحل في الارتفاع، فيجلو زحل. و ذلك أوّل الشّتاء و آخر الخريف، فلذلك يشتدّ البرد. و كلّما ارتفع هذا، هبط هذا. و كلّما هبط هذا، ارتفع هذا. فإذا كان في الصّيف يوم بارد، فالفعل في ذلك للقمر. و إذا كان في الشّتاء يوم حار، فالفعل في ذلك للشّمس. هذا تقدير العزيز العليم، و أنا عبد ربّ العالمين.

وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ‏، يعني: الدّروع و الجواشن. و السّربال يعمّ كلّ ما يلبس.

كَذلِكَ‏: كإتمام هذه النّعم الّتي تقدّمت.

يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ‏ (81)، أي: تنظرون في نعمته، فتؤمنون به و تنقادون لحكمه‏ (2).

و قرئ‏ (3): «تسلمون» من السّلامة، أي: تشكرون فتسلمون من العذاب. أو تنظرون فيها، فتسلمون من الشّرك.

____________

(1) الكافي 8/ 306، ح 474.

(2) أ، ب: بحكمه.

(3) أنوار التنزيل 1/ 566.

249

و قيل‏ (1): تسلمون من الجراح بلبس الدّروع.

فَإِنْ تَوَلَّوْا: أعرضوا، و لم يقبلوا منك.

فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ (82): فلا يضرّك. فإنّما عليك البلاغ، و قد بلّغت. و هذا من إقامة السّبب مقام المسبّب.

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ‏، أي: يعرف‏ (2) المشركون نعمة اللّه الّتي عدّدها عليهم و غيرها، حيث يعترفون بها و بأنّها من اللّه.

ثُمَّ يُنْكِرُونَها: بعبادتهم غير المنعم بها، و قولهم: إنّها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا. أو بإعراضهم من أداء حقوقها.

و قيل‏ (3): نِعْمَتَ اللَّهِ‏ [نبوة] (4) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. عرفوها بالمعجزات، ثمّ أنكروها عنادا، و معنى «ثمّ»: استبعادا لإنكار بعد المعرفة.

وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ‏ (83): الجاحدون عنادا.

و ذكر الأكثر، إمّا لأنّ بعضهم لم يعرف الحقّ لنقصان العقل و التّفريط في النّظر، أو لم تقم عليه الحجّة لأنّه لم يبلغ حدّ التّكليف. و إمّا لأنّه يقام مقام الكلّ، كما في قوله:

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن جعفر بن أحمد (6)، عن العمركيّ، عن النّيشابوريّ، عن عليّ بن جعفر بن محمّد، عن أخيه، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- أنّه سئل عن هذه الآية: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها.

قال: عرفوه ثمّ أنكروه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها.

قال: نِعْمَتَ اللَّهِ‏ هم الأئمّة. و الدّليل على أنّ الأئمّة نعمة اللّه قول اللّه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً (8).

قال الصّادق- (عليه السلام)-: نحن، و اللّه، نعمة اللّه التي أنعم اللّه بها على‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يعرفون.

(3) أنوار التنزيل 1/ 566.

(4) من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 266، ح 55.

(6) ب، ر: محمّد.

(7) تفسير القمّي 1/ 388.

(8) إبراهيم/ 28.

250

عباده. و بنا فاز من فاز.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محمّد الهاشميّ قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن عيسى قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها.

قال: لمّا نزلت‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ اجتمع نفر من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في مسجد المدينة.

فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية؟

فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية، نكفر بسائرها. و إن آمنّا فإنّ هذا ذلّ حين يسلّط علينا ابن أبي طالب.

فقالوا: قد علمنا أنّ محمّدا صادق فيما يقول، و لكنّا (2) نتولّاه و لا نطيع عليّا (عليه السلام)(3) في ما أمرنا.

قال: فنزلت هذه الآية يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، يعني‏ (4): ولاية عليّ- (عليه السلام)-. وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ‏ بالولاية.

وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً قيل‏ (5): هو نبيّها يشهد لهم و عليهم بالكفر و الإيمان.

و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب‏ (6): أبو حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً.

قال: نحن الشّهود على هذه الأمّة.

و في مجمع البيان‏ (7): قوله: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً.

قال: لكلّ زمان و أمّة إمام، تبعث كلّ أمّة مع إمامها.

____________

(1) الكافي 1/ 427، ح 77.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «لكن» بدل «و لكنّا».

(3) ليس في المصدر: (عليه السلام).

(4) المصدر: يعرفون يعني.

(5) أنوار التنزيل 1/ 566.

(6) المناقب 4/ 179.

(7) المجمع 3/ 378.

251

ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: في الاعتذار، إذ لا عذر لهم.

و قيل‏ (1): في الرّجوع إلى الدّنيا. و «ثمّ» لزيادة ما يحيق بهم‏ (2) من شدّة المنع عن الاعتذار، و استبعاد لما يتمنّونه من جواز الاعتذار.

وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏ (84): و لا هم يسترضون‏ (3). من العتبى، و هي الرّضا.

و انتصاب «يوم» بمحذوف، تقديره: اذكر، أو خوّفهم، أو يحيق بهم ما يحيق و كذا قوله:

وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ‏: عذاب جهنّم.

فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ‏، أي: العذاب.

وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ (85): يمهلون.

وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ‏: أوثانهم الّتي دعوها شركاء. أو الشّياطين الّذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه.

قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ‏: نعبدهم أو نطيعهم، و هو اعتراف بأنّهم كانوا مخطئين في ذلك. أو التماس لأن يشطر عذابهم.

فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ‏ (86)، أي: أجابوهم بالتّكذيب في أنّهم شركاء للّه. أو أنّهم ما عبدوهم حقيقة و إنّما عبدوا أهواءهم، كقوله: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ‏. و لا يمتنع إنطاق اللّه الأصنام به حينئذ. أو في أنّهم حملوهم على الكفر و ألزموهم إيّاه، كقوله: وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏.

وَ أَلْقَوْا: و ألقى الّذين ظلموا.

إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ‏: الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدّنيا.

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ‏: و بطل.

ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (87): من أنّ آلهتهم ينصرونهم و يشفعونهم حين كذّبوهم و تبرّؤوا منهم.

الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏: بالمنع عن الإسلام، و الحمل على الكفر.

زِدْناهُمْ عَذاباً: لصدّهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 566.

(2) أ: يحتويهم.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يستعرضون.

252

فَوْقَ الْعَذابِ‏: المستحقّ بكفرهم.

بِما كانُوا يُفْسِدُونَ‏ (88): بكونهم مفسدين بصدّهم.

وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏، يعني: نبيّهم. فإنّ نبيّ كلّ أمّة يبعث منهم.

وَ جِئْنا بِكَ‏: يا محمّد.

شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ: على أمّتك.

وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ‏: استئناف. أو حال بإضمار «قد».

تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ: من أمور الدّين.

وَ هُدىً وَ رَحْمَةً: للجميع. و إنّما حرمان المحروم من تفريطه.

وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏ (89): خاصّة.

في مجمع البيان‏ (1): قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ‏.

قال: كفروا بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صدّوا عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. زِدْناهُمْ عَذاباً (الآية). ثمّ قال: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏، يعني: من الأئمّة. ثمّ قال لنبيّه: وَ جِئْنا بِكَ‏ يا محمّد: شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ، يعني: على الأئمّة. فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شهيد على الأئمّة، و هم شهداء على النّاس.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن منصور، عن حمّاد اللّحّام قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نحن، و اللّه، نعلم ما في السّماوات و ما في الأرض و ما في الجنّة و ما في النّار و ما بين ذلك.

قال: فبقيت‏ (3) أنظر إليه.

فقال: يا حمّاد، إنّ ذلك في كتاب اللّه ثلاث مرات.

قال: ثمّ تلا هذه الآية يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏.

____________

(1) بل في تفسير القمي 1/ 388.

(2) تفسير العياشي 2/ 266، ح 57.

(3) المصدر: فبهت.

253

إنّه من كتاب فيه تبيان كلّ شي‏ء.

عن عبد اللّه بن الوليد (1) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قال لموسى:

وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ. فعلمنا أنّه لم يكتب لموسى الشّي‏ء كلّه. و قال اللّه لعيسى: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ‏. و قال اللّه لمحمّد- عليه و آله السّلام-: وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ.

عن يونس‏ (2)، عن عدّة من أصحابنا قالوا: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّي لأعلم خبر السّماوات و خبر الأرض و خبر ما كان و خبر ما هو كائن، كأنّه في كفّي.

قال: من كتاب اللّه أعلمه. إنّ اللّه يقول: فيه تبيان كلّ شي‏ء.

و في عيون الأخبار (3)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان و المقالات في التّوحيد. قال الرّضا- (عليه السلام)- في أثناء المحاورات: و كذلك أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما جاء به و أمر كلّ نبيّ‏ (4) بعثه اللّه. و من آياته أنّه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا، لم يتعلّم كتابا و لم يختلف إلى معلّم. ثمّ جاء بالقرآن الّذي فيه قصص الأنبياء- (عليهم السلام)- و أخبارهم حرفا حرفا، و أخبار من مضى و من بقي إلى يوم القيامة.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل في القرآن تبيان كلّ شي‏ء. حتّى، و اللّه، ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد. حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلّا و أنزله اللّه فيه.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حسين بن المنذر، عن عمر بن قيس‏ (7) العتيق، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمّة، إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و جعل لكلّ شي‏ء حدّا، و جعل عليه دليلا يدلّ عليه، و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 266، ح 58.

(2) تفسير العياشي 2/ 266، ح 56.

(3) العيون 1/ 167.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: شي‏ء.

(5) الكافي 1/ 59، ح 1.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(7) كذا في المصدر، ب، جامع الرواة 1/ 636.

و في ساير النسخ: العتيق.

254

عليّ‏ (1)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: ما من شي‏ء، إلّا و فيه كتاب أو سنّة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2) [عن أبيه‏] (3)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إذا حدّثتكم بشي‏ء، فاسألوني من كتاب اللّه.

ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السّؤال.

فقيل له: يا بن رسول اللّه، أين هذا من كتاب اللّه؟ قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏.

و قال: لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً. و قال: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عمّن حدّثه، عن المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما من أمر يختلف فيه اثنان، إلّا و له أصل في كتاب اللّه- عزّ و جلّ-. و لكن لا تبلغه عقول الرّجال.

محمّد بن يحيى‏ (5)، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أرسل إليكم الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

إلى أن قال: فجاءهم بنسخة ما في الصّحف الأولى، و تصديق [الّذي بين يديه، و تفصيل الحلال من ريب الحرام. ذلك القرآن فاستنطقوه‏] (6) و لن ينطق لكم.

أخبركم عنه، أنّ فيه علم ما مضى و علم ما يأتي إلى يوم القيامة، و حكم ما بينكم، و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون. فلو سألتموني عنه، لأخبرتكم‏ (7).

محمّد بن يحيى‏ (8)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن حمّاد بن‏

____________

(1) الكافي 1/ 59، ح 4.

(2) الكافي 1/ 60، ح 5.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 1/ 60، ح 6.

(5) الكافي 1/ 60- 61، ح 7.

(6) ليس في أ، ر.

(7) المصدر: لعلّمتكم.

(8) الكافي 1/ 61، ح 8.

255

عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قد ولدني رسول اللّه، و أنا أعلم بكتاب اللّه. و فيه بدء الخلق و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و فيه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر الجنّة و خبر النّار و خبر ما كان و خبر (1) ما هو كائن. أعلم ذلك، كما أنظر إلى كفّي. إنّ اللّه يقول: فيه تبيان كلّ شي‏ء.

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كتاب اللّه فيه تبيان‏ (3) ما قبلكم و خبر ما بعدكم و فصل ما بينكم، و نحن نعلمه.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن [محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي المغرا، عن سماعة، عن‏] (5) أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- قال: قلت له: أكلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. أو تقولون‏ (6) فيه؟

قال: بل كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

محمّد بن الحسين‏ (7)، عن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه المؤمن، عن عبد الأعلى، مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: و اللّه، إنّي لأعلم كتاب اللّه من أوّله إلى آخره، كأنّه في كفّي. فيه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر ما كان و [خبر] (8) ما هو كائن. قال اللّه- عزّ و جلّ-: فيه تبيان كلّ شي‏ء.

عدّة من أصحابنا (9)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة. و عدّة من أصحابنا، منهم عبد الأعلى، و أبو عبيدة، و عبد اللّه بن بشر الجثعميّ سمعوا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّي لأعلم ما في السّماوات و ما في الأرض، و أعلم ما في الجنّة، و أعلم ما في النّار، و أعلم ما كان و ما يكون.

قال: ثمّ سكت‏ (10) هنيئة، فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه.

____________

(1) المصدر: [خبر].

(2) الكافي 1/ 61، ح 9.

(3) المصدر: نبأ.

(4) الكافي 1/ 62، ح 10.

(5) ليس في أ، ر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و يقولون.

(7) الكافي 1/ 229، ح 4. و فيه محمد بن يحيى.

(8) من المصدر.

(9) الكافي 1/ 261، ح 2.

(10) المصدر: مكث.

256

فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه- عزّ و جلّ-. يقول: فيه تبيان كل شي‏ء.

محمّد بن يحيى الأشعري‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن أيّوب بن الحرّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه- عزّ ذكره- ختم بنبيّكم النّبيّين، فلا نبيّ بعده أبدا (2). و ختم بكتابكم الكتب، فلا كتاب بعده أبدا. و فيه تبيان كلّ شي‏ء. و خلقكم و خلق السّماوات و الأرض، و نبأ ما قبلكم، و فصل ما بينكم، و خبر ما بعدكم، و أمر الجنّة و النّار، و ما أنتم صائرون إليه.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عبد الأعلى قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: و أنا امرؤ من قريش، قد ولدني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و علمت كتاب اللّه. و فيه تبيان كلّ شي‏ء، بدء (4) الخلق، و أمر السّماء و أمر الأرض، و أمر الأوّلين و أمر الآخرين، و أمر ما كان و [أمر] (5) ما يكون، كأنّي أنظر إلى ذلك نصب عيني.

عليّ، (6) عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ العزيز الجبّار أنزل عليكم كتابه، و هو الصّادق البارّ. فيه خبركم، و خبر من قبلكم، و خبر من بعدكم، و خبر السّماء و الأرض. و لو أتاكم من يخبركم عن ذلك، لتعجّبتم.

و في نهج البلاغة (7)، في كلام له- (عليه السلام)- في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا:

أم أنزل اللّه دينا ناقصا، فاستعان بهم‏ (8) على إتمامه. أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا (9) و عليه أن يرضى. أم أنزل [اللّه- سبحانه-] (10) دينا تامّا، فقصّر رسول اللّه عن تبليغه و أدائه.

و اللّه- سبحانه- يقول: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ. و فيه تبيان كلّ‏ (11) شي‏ء.

____________

(1) الكافي 1/ 269، ح 3.

(2) ليس في أ، ب.

(3) الكافي 2/ 223، ذيل ح 5.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 2/ 599، ح 3.

(7) نهج البلاغة/ 61، ذيل خطبة 18.

(8) أ: لهم.

(9) أ، ر: يقربوا.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: لكلّ.

257

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ‏: بالتّوسط في الأمور.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (2) قال: تكلّم النّار يوم القيامة ثلاثة: أميرا و قارئا و ذا ثروة من المال. فتقول‏ (3) للأمير: يا من وهب اللّه له سلطانا و لم يعدل. فتزدرده، كما يزدرد الطّير حبّ السّمسم. و تقول للقارئ (الحديث).

وَ الْإِحْسانِ‏، أي: إحسان الطّاعات. و هو إمّا بحسب الكمّيّة، كالتّطوّع بالنّوافل.

أو بحسب الكيفيّة، كما قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الإحسان، أن تعبد اللّه، كأنّك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك.

وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏: و إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه. و هو تخصيص بعد تعميم، للمبالغة.

وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ: عن الإفراط في مشايعة القوّة الشّهويّة، كالزّنا. فإنّه أقبح أحوال الإنسان و أشنعها.

وَ الْمُنْكَرِ: ما ينكره العقل.

وَ الْبَغْيِ‏: بالاستعلاء و الاستيلاء على النّاس، و التّجبّر عليهم بغير حقّ.

و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى عمرو بن عثمان التّيميّ القاضي قال: خرج أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على أصحابه و هم يتذاكرون المروءة.

فقال: أين أنتم من كتاب اللّه- تعالى-.

قالوا: يا أمير المؤمنين، في أيّ موضع؟

فقال: في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏. فالعدل الإنصاف. و الإحسان التّفضّل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: «العدل» شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا

____________

(1) الخصال 1/ 111، ح 84.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(4) المعاني/ 257، ح 1.

(5) تفسير القمّي 1/ 388.

258

رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و «الإحسان» أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و «الفحشاء» المنكرون. و «البغي» فلان و فلان و فلان.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أبي مالك قال: قلت لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: أخبرني بجميع شرائع الدّين. قال: قول الحقّ، و الحكم بالعدل، و الوفاء بالعهد. [هذه جميع شرائع الدّين‏] (2).

عن أبي جعفر- (عليه السلام)- (3) قال: في كتاب عليّ- (عليه السلام)- ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ حتّى يرى و بالهنّ: البغي، و قطعية الرّحم، و اليمين الكاذبة.

و في كتاب التّوحيد (4): حدّثنا محمّد بن القسم، المفسّر- رضي اللّه عنه- قال:

حدّثنا يوسف بن محمّد بن زياد [و عليّ بن محمّد بن زياد] (5) و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ، الرّضا، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)-، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: ما عرف اللّه من شبّهه بخلقه، و لا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن سعد عن أبي جعفر- (عليه السلام)- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏.

قال: يا سعد: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ‏ و هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

«و الإحسان» و هو عليّ. وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ و هي قرابتنا، أمر اللّه العباد بمودّتنا و إيتائنا. نهاهم عن الفحشاء و المنكر، من بغى على أهل البيت و دعا إلى غيرنا.

عن إسماعيل الحريريّ‏ (7) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قول اللّه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ‏.

قال: اقرأ، كما أقول لك، يا إسماعيل: إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى حقه.

قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرأ (8) هكذا في قراءة زيد.

____________

(1) الخصال 1/ 113، ح 90.

(2) ليس في المصدر.

(3) الخصال 1/ 124، ح 119.

(4) التوحيد/ 47، ح 10.

(5) ليس في المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 267، ح 59.

(7) تفسير العياشي 2/ 267، ح 60.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أما لا يقرئ.

259

قال: و لكنّا نقرؤها هكذا في قراءة عليّ- (عليه السلام)-.

قلت: فما يعني بالعدل؟

قال: شهادة أن لا إليه إلّا اللّه.

قلت: ما (1) الإحسان؟

قال: شهادة أنّ محمّدا رسول اللّه.

قلت: فما يعني بإيتاء ذي القربى حقّه؟

قال: أداء إمامة إلى إمام بعد إمام. وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ قال: ولاية فلان و فلان.

عن عامر بن كثير (2)، و كان داعية الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)-، عن موسى بن أبي الغدير، عن عطاء الهمدانيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏.

قال: «العدل» شهادة أن لا إله إلا اللّه. «و الإحسان» ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ الأوّل. «و المنكر» الثّاني. «و البغي» الثّالث.

و في رواية سعد الإسكاف‏ (3)، عنه قال: يا سعد، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ‏، و هو محمّد. فمن أطاعه، فقد عدل. «و الإحسان» عليّ. فمن تولّاه، فقد أحسن و المحسن في الجنّة. وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ قرابتنا. أمر اللّه العباد بمودّتنا [و إيتائنا.] (4) و نهاهم عن الفحشاء و المنكر، من بغى علينا أهل البيت و دعا إلى غيرنا.

و في شرح الآيات الباهرة (5): و روى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ، عن رجاله، بإسناده إلى عطيّة بن الحارث، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ‏.

قال: «العدل» شهادة الإخلاص، و أنّ محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

«و الإحسان» ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و الإتيان بطاعتهما- (صلوات اللّه عليهما)-. وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ الحسن و الحسين و الأئمّة من ولده- (عليهم السلام)-.

____________

(1) يوجد في أ، ب.

(2) تفسير العياشي 2/ 267، ح 62.

(3) تفسير العياشي 2/ 268، ح 63.

(4) ليس في أ، ب.

(5) تأويل الآيات 1/ 261.

260

وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ‏ و هو من ظلمهم و قتلهم و منع‏ (1) حقوقهم. و موالاة أعدائهم، فهي المنكر الشّنيع و الأمر الفظيع.

يَعِظُكُمْ‏: بالأمر و النّهي، و الميز بين الخير و الشّرّ.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (90): تتّعظون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه قال: حدّثنا موسى بن عمران قال: حدّثني الحسن بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم‏ (3) قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّه، جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- و أنا عنده.

فقال: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ (الآية). و قوله:

أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏.

فقال: نعم، ليس للّه في عباده أمر إلا العدل و الإحسان. فالدّعاء من اللّه عامّ و الهدي خاصّ، مثل قوله: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ و لم يقل: و يهدي جميع من دعا إلى صراط مستقيم.

و في مجمع البيان‏ (4): و جاءت الرّواية، أن عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول اللّه، لكثرة ما كان يعرض عليّ الإسلام و لم يقرّ الإسلام في قلبي.

فكنت ذات يوم عنده حال تأمّله، فشخص بصره نحو السّماء، كأنّه يستفهم شيئا. فلمّا سرى عنه‏ (5)، سألته عن حاله.

فقال: نعم، بينا أنا أحدّثكم‏ (6) إذا رأيت جبرئيل في الهواء أتاني بهذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏.

[و قرأها عليّ‏] (7) إلى آخرها، فقرّ الإسلام في قلبي. و أتيت عمّه، أبا طالب فأخبرته.

فقال: يا آل قريش، اتّبعوا محمّدا ترشدوا. فإنّه لا يأمركم إلّا بمكارم الأخلاق.

و أتيت الوليد بن المغيرة، و قرأت عليه هذه الآية.

____________

(1) ب: غصب. سائر النسخ: ضيع.

(2) تفسير القمّي 1/ 388- 389.

(3) ب: إسماعيل بن يزيد بن مسلم.

(4) المجمع 3/ 380- 381.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) المصدر: أحدثك.

(7) ليس في ب.

261

فقال: إن كان محمّد قاله، فنعم ما قال. و إن قاله ربّه، فنعم ما قال.

فأنزل اللّه‏ أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَ أَعْطى‏ قَلِيلًا وَ أَكْدى‏، يعني: قوله: نعم ما قال. و معنى قوله: وَ أَكْدى‏ (1) أنّه لم يقم على ما قاله و قطعه.

و عن عكرمة (2) قال: إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة.

فقال: يا بن أخي، أعد.

فأعاد.

فقال: إنّ له حلاوة، و أنّ عليه لطلاوة (3)، و أنّ أعلاه لمثمر، و أنّ أسفله لمغدق، و ما هو قول البشر.

و في روضة الواعظين‏ (4): و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: جماع التّقوى في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ (الآية).

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن يزيد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في خطبة له يوم الجمعة، الخطبة الأولى: الحمد للّه نحمده و نستعينه.

و ذكر خطبة طويلة و آخرها. و يكون آخر كلامه: إنّ اللّه يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏. ثمّ يقول: الّلهمّ اجعلنا ممّن يذّكّر فتنفعه الذّكرى. ثمّ ينزل.

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ‏ قيل‏ (6): يعني البيعة لرسول اللّه على الإسلام لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ‏.

و قيل‏ (7): كلّ أمر يجب الوفاء به.

و قيل‏ (8): النّذور.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و الّذي.

(2) المجمع 3/ 380- 381.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لطلاقة.

(4) روضة الواعظين/ 437.

(5) الكافي 3/ 422 و 424، صدر و ذيل ح 6.

6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 568.

262

و قيل‏ (1): الإيمان باللّه.

وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ‏: أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان.

بَعْدَ تَوْكِيدِها: بعد توثيقها بذكر اللّه- تعالى-. و منه: أكّد، بقلب الواو همزة.

وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا: شاهدا بتلك البيعة. فإنّ الكفيل مراع لحال المكفول به، رقيب عليه.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ‏ (91): في نقض الأيمان و العهود.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن زيد بن الجهم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

سمعته يقول: لمّا سلّموا على عليّ- (عليه السلام)- بإمرة المؤمنين، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للأوّل: قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقال: أمن اللّه أو من رسوله؟

قال: نعم، من اللّه و من رسوله.

ثمّ قال لصاحبه: قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقال: أمن اللّه أو من رسوله؟

[قال: نعم من اللّه و من رسوله‏] (3).

ثمّ قال: يا مقداد، قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

قال: فلم يقل ما قال صاحباه.

ثمّ قال: قم، يا أبا ذرّ، فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقام و سلّم.

ثمّ قال: يا سلمان، قم و سلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقام و سلّم حتّى إذا خرجا و هما يقولان: لا و اللّه، لا نسلّم له ما قال اللّه‏ (4) فأنزل اللّه- تبارك و تعالى- على نبيّه‏ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا بقولكم: أمن اللّه و من رسوله. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العياشي 2/ 268، ح 64.

(3) ليس في أ، ب.

(4) ليس في المصدر. و فيه: «أبدا» بدل «اللّه».

263

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): أنّه حدّثني أبي رفعة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لمّا نزلت الولاية، و كان من قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بغدير خم:

سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقالا (2): أمن اللّه و رسوله‏ (3)؟

فقال لهما (4): الّلهمّ‏ (5) نعم، حقّا من اللّه و من رسوله. إنّه أمير المؤمنين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين. يقعده اللّه يوم القيامة على الصّراط، فيدخل أولياءه الجنّة و يدخل أعداءه النّار.

فأنزل‏ (6) اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ‏، يعني: قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من اللّه و من رسوله.

وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها: ما غزلته، مصدر، بمعنى المفعول.

مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ: متعلّق ب «نقضت» [، أي: نقضت غزلها] (7) من بعد إبرام و إحكام.

أَنْكاثاً: طاقات، نكثت فتلها. جمع، نكث. و انتصابه على الحال من «غزلها». أو المفعول الثّاني «لنقضت»، فإنّه بمعنى: صيّرت.

قيل‏ (8): المراد به: تشبيه النّاقض بمن هذا شأنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): عن الصّادق- (عليه السلام)-: الّتي نقضت غزلها امرأة من بني تميم‏ (10) بن مرّة، يقال لها: ريطة بنت كعب بن سعد بن تميم‏ (11) بن [كعب ابن‏] (12) لؤيّ بن غالب. كانت حمقاء، تغزل الشّعر. فإذا غزلته نقضته، ثمّ عادت فغزلته.

فقال اللّه: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها (الآية).

إنّ اللّه أمر بالوفاء و نهى عن نقض العهد،

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 389.

(2) المصدر: فقالوا.

(3) أ: و من رسوله.

(4) المصدر: لهم.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: و أنزل.

(7) ليس في ب.

(8) أنوار التنزيل 1/ 568.

(9) تفسير القمّي 1/ 389.

10 و 11- تيم.

(12) من المصدر.

264

فضرب لهم مثلا.

تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏: حال من الضّمير في «و لا تكونوا». أو في الجارّ الواقع موقع الخبر، أي: و لا تكونوا متشبّهين بامرأة هذا شأنها، متّخذي أيمانكم مفسدة و دخلا بينكم.

و أصل الدّخل: ما يدخل في الشّي‏ء، و لم يكن منه.

أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى‏ مِنْ أُمَّةٍ: بأن تكون جماعة أزيد عددا و أوفر مالا من جماعة.

و المعنى: لا تغدروا بقوم لكثرتكم و قلّتهم، أو لكثرة منابذتهم‏ (1) و قوّتهم، كقريش. فإنّهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم، نقضوا عهدهم و حالفوا أعداءهم.

إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ‏: الضّمير ل أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ لأنّه بمعنى المصدر، أي:

يختبركم بكونهم أربى. لينظر أ تتمسّكون بحبل الوفاء بعهد اللّه و بيعة رسوله، أم تغترّون بكثرة قريش و شوكتهم و قلّة المؤمنين [و ضعفهم‏] (2).

و قيل‏ (3): الضّمير للأربى‏ (4).

و قيل‏ (5): للأمر بالوفاء.

وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ (92): إذا جازاكم على أعمالكم بالثّواب و العقاب.

وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً: متّفقة على الإسلام.

وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ: بالخذلان.

وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: بالتّوفيق.

وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (93): سؤال تبكيت و مجازاة.

وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏: تصريح بالنّهي عنه، بعد التّضمين تأكيدا و مبالغة في قبح المنهيّ.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 1/ 568. و في النسخ:

منابذيهم.

(2) ليس في ب.

(3) أنوار التنزيل 1/ 568.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: للرّبو.

(5) نفس المصدر و الموضع.

265

فَتَزِلَّ قَدَمٌ‏، أي: عن حجّة الإسلام.

بَعْدَ ثُبُوتِها: عليها، و المراد: أقدامهم. و إنّما وحّد و نكّر للدّلالة على أنّ زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة.

وَ تَذُوقُوا السُّوءَ: العذاب في الدّنيا.

بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏: بسبب صدوركم عن الوفاء. أو صدّكم غيركم عنه، فإنّه من نقض البيعة و ارتدّ جعل ذلك سنّة لغيره.

وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (94): في الآخرة.

و في الجوامع‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: نزلت هذه الآية (2) في ولاية عليّ و البيعة له حين قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): عن الصّادق- (عليه السلام)- أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم.

فقيل: يا ابن رسول اللّه، نحن نقرؤها (4): هِيَ أَرْبى‏ مِنْ أُمَّةٍ.

قال: ويحك، و ما أربى. و أومأ بيده فطرحها.

قال: إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ‏، يعني: بعليّ بن أبي طالب يختبركم. وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ‏- إلى قوله-: لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً. قال: على مذهب واحد و أمر واحد. وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ قال: يعذّب بنقض العهد. وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. قال: يثبت.

وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏.

قوله: وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏. قال: هو مثل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها، يعني: بعد مقالة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيه.

وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏، يعني: عن عليّ. وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏.

[و في تفسير العيّاشي‏ (5)، في الحديث السّابق: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها بعد ما سلّمتم على عليّ بإمرة المؤمنين. وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏

____________

(1) الجوامع/ 249.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الآيات.

(3) تفسير القمي 1/ 389- 390.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نقرأ.

(5) تفسير العياشي 2/ 268- 269، ح 64.

266

، يعني: عليا. وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏] (1).

عن عبد الرّحمن‏ (2) [قال ابن عبّاس‏] (3) بن سالم الأشلّ، عنه قال: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً عائشة، هي نكثت أيمانها.

و في أصول الكافي‏ (4)، [محمد بن يحيى عن‏] (5) محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن زيد بن الجهم الهلاليّ‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: لمّا نزلت ولاية عليّ بن أبي طالب و كان من قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للنّاس: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، فكان مما أكّد اللّه- سبحانه- عليهما في ذلك اليوم، يا زيد، قول رسول اللّه [لهما] (7) فسلّما عليه بإمرة المؤمنين.

فقالا: أمن اللّه أو من رسوله، يا رسول اللّه؟

فقال لهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من اللّه و من رسوله.

فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ‏، يعني به: قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لهما، و قولهما: أمن اللّه أو من رسوله. وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أزكى من أئمتكم.

قال: قلت: جعلت فداك، أئمّة؟

قال: اي، و اللّه، أئمّة.

قلت: فإنا نقرأ: «أربى».

قال: ما أربى- و أومأ بيده فطرحها. إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ‏، يعني: بعليّ- (عليه السلام)-. وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَ‏ يوم القيامة عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏ [أئمة هي أزكى من أئمّتكم.

قال: قلت:- جعلت فداك- إنّما نقرأها أن تكون أمّة هي أربى من أمّة فقال:

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) تفسير العياشي 2/ 269، ح 65.

(3) ليس في المصدر.

(4) الكافي 1/ 292، ح 1.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الهمداني.

(7) من المصدر.

267

ويحك يا زيد! و ما أربى ان تكون- و اللّه- أزكى من أئمّتكم‏ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ‏، يعني: عليا. وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ‏] (1) فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها، يعني: مقالة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عليّ- (عليه السلام)-. وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏، يعني به: عليّا. وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏.

وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ‏: و لا تستبدلوا بعهد اللّه و بيعة رسوله.

ثَمَناً قَلِيلًا: عوضا يسيرا من متاع الدّنيا.

إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ‏: من النّصر و التّنعّم في الدّنيا و الثّواب في الآخرة.

هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏: مما يعدونكم.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (95): إن كنتم من أهل العلم و التّمييز.

ما عِنْدَكُمْ‏: من أعراض الدّنيا.

يَنْفَدُ: ينقضي و يفنى.

وَ ما عِنْدَ اللَّهِ‏: من خزائن رحمته.

باقٍ‏: لا ينفذ. و هو تعليل للحكم السّابق، و دليل على أنّ نعيم أهل الجنّة باق.

وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ‏: على مشاقّ التّكاليف.

بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (96): بجزاء أحسن من أعمالهم.

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏: بيّنه بالنّوعين، دفعا للتّخصيص.

وَ هُوَ مُؤْمِنٌ‏: إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثّواب.

فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً: في الدّنيا يعيش عيشا طيّبا. فإنّه إن كان موسرا فظاهر، و إن كان معسرا كان يطيب عيشه بالقناعة و الرّضا بالقسمة و توقع الأجر العظيم في الآخرة. بخلاف الكافر، فإنّه إن كان معسرا فظاهر، و إن كان موسرا لم يدعه الحرص و خوف الفوات أن يتهنّأ بعيشه.

و قيل‏ (2): في الآخرة.

____________

(1) ليس في المصدر، ب.

(2) أنوار التنزيل 1/ 569.

268

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.

قال: القنوع بما رزقه اللّه.

و في مجمع البيان‏ (2): [و سئل- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى-: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.] (3) فيه أقوال- إلى قوله-: ثانيها،

أنّها القناعة و الرّضا بما قسم اللّه- تعالى-.

و روي ذلك عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال ابن عباس‏ (4): إنّ رجلا من حضر موت يقال له: عبدان الأشرع‏ (5).

قال: يا رسول اللّه، إنّ امرأ القيس الكنديّ جاورني في أرضي فاقتطع من أرضي فذهب بها منّي، و القوم يعلمون أنّي لصادق لكنّه أكرم عليهم منّي.

فسأل رسول اللّه امرأ القيس عنه.

فقال: لا أدري ما يقول.

فأمره أن يحلف.

فقال عبدان‏ (6): إنّه فاجر لا يبالي أن يحلف.

فقال: إن لم يكن لك شهود، فخذ بيمينه.

فلمّا قام ليحلف، أنظره فانصرفا. فنزل‏ (7) قوله: وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ‏ (الآيتان).

فلمّا قرأها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال امرأ القيس: أمّا ما عندي فينفد و هو صادق فيما يقول، لقد اقتطعت أرضه و لا أدري‏ (8) كم هي. فليأخذ من أرضي ما شاء و مثلها معها بما أكلت من ثمرتها.

فنزل فيه: مَنْ عَمِلَ صالِحاً (الآية).

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 390.

(2) المجمع 3/ 384.

(3) ليس في المصدر. و فيه: «قيل» بدل ما بين المعقوفتين.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: العيدان الأسرع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عيدان.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فأنزل الله في بدل «فنزل».

(8) المصدر: لم أدر.

269

و في كتاب معاني الأخبار (1): حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قيل له: أنّ أبا الخطّاب يذكر عنك أنّك قلت له: إذا عرفت الحقّ، فاعمل ما شئت.

[قال: لعن اللّه أبا الخطّاب، و اللّه ما قلت هكذا. و لكنّي قلت له: إذا عرفت الحقّ، فاعمل ما شئت‏] (2) من خير يقبل منك. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (3). و يقول- تبارك و تعالى-: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً

وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (97): من الطّاعة.

فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏: إذا أردت قراءته، كقوله: «إذا قمتم إلى الصّلاة».

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏ (98): فاسأل اللّه أن يعيذك من وساوسه، لئلّا يوسوسك في القراءة.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن عليّ بن الحسن بن عليّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عمرو بن مصعب، عن فرات بن أحنف، عن أبي جعفر (5)- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: أوّل كل كتاب نزل من السّماء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏. فإذا قرأت‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏، فلا تبالي ألّا تستعيذ. و إذا قرأت‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏. سترتك‏ (6) فيما بين السّماء و الأرض.

و في روضة الكافي‏ (7)، في خطبة طويلة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. يقول فيها: أستعيذ باللّه من الشّيطان الرّجيم‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (إلى آخر السّورة).

و في عوالي اللّئالي‏ (8): و روى عبد اللّه بن مسعود قال: قرأت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقلت: أعوذ باللّه السّميع العليم.

____________

(1) المعاني/ 388، ح 26.

(2) ليس في أ، ر.

(3) غافر/ 40.

(4) الكافي 3/ 313، ح 3.

(5) أ، ب، ر: أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ستر بك.

(7) الكافي 8/ 175، ذيل ح 194.

(8) عوالي اللئالي 2/ 47، ح 124.

270

فقال لي: قل‏ (1): أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم. هكذا اقرأنيه جبرئيل، [عن القلم، عن اللّوح المحفوظ] (2).

و في قرب الإسناد (3) للحميريّ، بإسناده إلى حنان بن سدير قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- المغرب.

قال: فتعوّذ بإجهار (4): أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، و أعوذ باللّه أن يحضرون. ثمّ جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): محمّد بن عليّ بن محبوب، عن عبد الصّمد بن محمّد، عن حنان بن سدير، مثله.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ، بإسناده إلى محمّد بن عليّ، الباقر- (عليه السلام)- حديث. يقول فيه حاكيا عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فأوحي إليّ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏ (الآية).

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏.

قلت: فكيف أقول؟

قال: تقول: أستعيذ باللّه‏ (8) السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم.

قال: إنّ الرّجيم أخبث الشّياطين.

قال: قلت: لم سمّي الرّجيم؟

قال: لأنّه يرجم.

قلت: فما ينفلت منه شي‏ء؟

قال: لا.

قلت: فكيف سمّي الرّجيم و لم يرجم بعد؟

قال: يكون في العلم أنّه رجيم.

____________

(1) المصدر: يا ابن امّ عبد قل.

(2) ليس في المصدر.

(3) قرب الاسناد/ 58.

(4) بعض نسخ المصدر: جهارا.

(5) التهذيب 2/ 289، ح 14.

(6) الاحتجاج 1/ 73.

(7) تفسير العياشي 2/ 270، ح 67.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بالسميع.

276

قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ‏: على الافتراء. أو كلمة الكفر استثناء متّصل، لأنّ الكفر لغة يعمّ القول و العقد، كالإيمان.

وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏: لم تتغيّر عقيدته.

وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً: اعتقده و طاب به نفسا.

فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (106): إذ لا أعظم من جرمه.

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى داود بن القاسم قال: سمعت عليّ بن موسى، الرّضا- (عليه السلام)- يقول: من شبّه اللّه بخلقه، فهو مشرك. و من وصفه بالمكان، فهو كافر. و من نسب إليه ما نهى عنه، فهو كاذب. ثمّ تلا هذه الآية: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن، الرّضا- (عليه السلام)- أنّه ذكر رجلا كذّابا، ثمّ قال: فقال اللّه: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏.

عن معمّر بن يحيى بن مسلم‏ (3) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ أهل الكوفة يروون عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: ستدعون إلى سبّي و البراءة منّي. فإن دعيتم إلى سبّي فسبّوني، و إن دعيتم إلى البراءة منّي فلا تتبرّءوا منّي. فإنّي على دين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ما أكثر ما يكذبون على عليّ. إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي و البراءة منّي. فإن دعيتم إلى سبّي فسبّوني، و إن دعيتم إلى البراءة منّي فإنّي على دين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و لم يقل: فلا تتبرّءوا منّي.

قلت: جعلت فداك، فإن أراد الرّجل يمضي على القتل و لا يتبرأ؟

فقال: لا و اللّه، إلّا على الّذي مضى عليه عمّار. إنّ اللّه يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

عن أبي بكر (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال بعضنا: جذّ (5) الرّقاب‏

____________

(1) التوحيد/ 68، ح 25.

(2) تفسير العياشي 2/ 271، ح 71.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 73.

(4) تفسير العياشي 2/ 272، ح 74.

(5) المصدر: مدّ.

272

و المتوكّلين. فإنّهم لا يطيعون أوامره و لا يقبلون وساوسه، إلّا فيما يحتقرون على ندور و غفلة. و لذلك أمروا بالاستعاذة، لئلّا يتوهّم منه أنّ له سلطانا.

إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ‏: يحبّونه و يطيعونه.

وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏ (100): باللّه، أو بسبب الشّيطان.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس‏ (2)، [عن الحسن بن عبد الرّحمن‏] (3)، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏.

فقال: يا أبا محمّد، يسلّط و اللّه من المؤمن على بدنه و لا يسلّط على دينه. [و قد سلّط على أيّوب فشوّه خلقه، و لم يسلّط على دينه.] (4) و قد يسلّط من المؤمنين على أبدانهم، و لا يسلّط على دينهم.

قلت: قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏.

قال: الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏ يسلّط على أبدانهم و على أديانهم.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن حمّاد بن عيسى، رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏.

قال: ليس له أن يزيلهم عن الولاية. فأمّا الذّنوب و أشباه ذلك، فإنّه ينال منهم، كما ينال من غيرهم.

وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ: بالنّسخ، فجعلنا الآية النّاسخة مكان المنسوخة لفظا أو حكما.

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ‏: من المصالح. فلعلّ ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده، فينسخه. و ما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه.

و قرأ (6) ابن كثير و أبو عمرو: «ينزل» بالتّخفيف.

____________

(1) الكافي 8/ 288، ح 433.

(2) المصدر: الحسن.

(3) ليس في المصدر.

(4) ليس في أ، ر.

(5) تفسير العياشي 2/ 270، ح 69.

(6) أنوار التنزيل 1/ 570.

273

قالُوا، أي: الكفرة.

إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ: متقوّل على اللّه، تأمر بشي‏ء ثمّ يبدو لك فتنهى عنه.

و هو جواب «إذا». «وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ» اعتراض لتوبيخ الكفّار على قولهم، و التّنبيه على فساد سندهم. و يجوز أن يكون حالا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ.

قال: كان إذا نسخت آية، قالوا لرسول اللّه: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ. فردّ اللّه عليهم.

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (101): حكمة الأحكام، و لا يميّزون الخطأ من الصّواب.

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ‏، يعني: جبرئيل. و إضافة الرّوح إلى القدس، و هو الطّهر، كقولهم: حاتم الجود.

و قرأ (2) ابن كثير: «روح القدس» بالتّخفيف، و في «ينزّل» و «نزّله» تنبيه على أنّ إنزاله مدرجا على حسب‏ (3) المصالح بما يقتضي التّبديل.

مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ‏: ملتبسا بالحكمة.

لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا: على الإيمان بأنّه كلامه. و أنّهم إذا سمعوا النّاسخ و تدبّروا ما فيه من رعاية الصّلاح و الحكمة، رسخت عقائدهم و اطمأنّت قلوبهم.

وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏ (102): المنقادين لحكمه. و هما معطوفان على محلّ «ليثبّت»، أي: تثبيتا و هداية و بشارة. و فيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم.

و قرئ‏ (4): «ليثبت» بالتّخفيف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، [عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (6) في قوله: رُوحُ الْقُدُسِ [مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ‏، يعني: جبرئيل- عليه‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 390.

(2) أنوار التنزيل 1/ 570.

(3) ب: مندرجا بحسب.

(4) أنوار التنزيل 1/ 570.

(5) تفسير القمّي 1/ 390.

(6) ليس في المصدر.

274

السّلام-.] (1) و «القدس» الطّاهر لِيُثَبِّتَ‏ الله‏ الَّذِينَ آمَنُوا هم آل محمّد. وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن محمّد بن عرامة الصّيرفيّ، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق روح القدس، فلم يخلق خلقا أقرب إليه منها، و ليست بأكرم خلقه عليه. فإذا أراد اللّه‏ (3) أمرا ألقاه إليها، فألقاه‏ (4) إلى النّجوم فجرت به.

وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قيل‏ (5): يعنون: جبرا (6) الرّوميّ، غلام عامر بن الحضرميّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و هو [لسان أبي فكيهة] (8) مولى ابن الحضرميّ.

و قيل‏ (9): جبرا (10) و يسارا كانا يصنعان السّيوف بمكّة، و يقرآن التّوراة و الإنجيل، و كان الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- يمرّ عليهما و يسمع ما يقرءانه‏ (11).

و قيل‏ (12): عائشا، غلام حويطب بن عبد العزّى، قد أسلم و كان صاحب كتب.

و قيل‏ (13): سلمان الفارسيّ.

لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ‏: لغة الرّجل الّذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه. مأخوذ من: لحد القبر.

و قرأ (14) حمزة و الكسائيّ: «يلحدون» بفتح الياء و الحاء. لسان أعجمي غير بيّن.

وَ هذا: و هذا القرآن.

____________

(1) ليس في المصدر. و فيه: «قال: هو جبرئيل» بدل ما بين المعقوفتين.

(2) تفسير العياشي 2/ 270، ح 70.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فألقته.

(5) أنوار التنزيل 1/ 570.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: خترا.

(7) تفسير القمّي 1/ 390.

(8) من المصدر.

(9) أنوار التنزيل 1/ 570.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: خترا.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: بقراءتهما.

12 و 13 و 14- أنوار التنزيل 1/ 570.

275

لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ‏ (103): ذو بيان و فصاحة.

و الجملتان مستأنفتان، لابطال طعنهم. و تقريره يحتمل وجهين: أحدهما، أنّ ما سمعه منه كلام أعجميّ، لا يفهمه هو و لا أنتم. و القرآن عربيّ تفهمونه بأدنى تأمّل، فكيف يكون تلقّفه منه.

و ثانيهما، هب أنّه تعلّم منه المعنى باستماع كلامه، و لكن لم يتلقّف منه اللّفظ. لأنّ ذلك أعجميّ و هذا عربيّ. و القرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، فهو معجز باعتبار اللّفظ. مع أنّ العلوم الكثيرة الّتي في القرآن، لا يمكن تعلّمها إلّا بملازمة معلّم فائق في تلك العلوم مدّة متطاولة. فكيف تعلّم جميع ذلك من غلام سوقيّ، سمع منه بعض المنقولات، مرتّبا على كلمات أعجميّة لعلّه لا يعرف معناها؟! و طعنهم بالقرآن بأمثال هذه الكلمات الرّكيكة، دليل على غاية عجزهم.

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ‏: لا يصدّقون أنّها من عند اللّه.

لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ‏: إلى الحقّ.

وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (104): في الآخرة. هدّدهم على كفرهم بالقرآن بعد ما أماط شبهتهم و ردّ طعنهم فيه، ثمّ قلب الأمر عليهم فقال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ‏: لأنّهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه.

وَ أُولئِكَ‏: إشارة إلى الّذين كفروا، أو إلى قريش.

هُمُ الْكاذِبُونَ‏ (105)، أي: الكاذبون على الحقيقة.

أو الكاملون في الكذب، [لأنّ تكذيب آيات اللّه و الطّعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب.] (1).

أو الّذين عادتهم الكذب، لا يصرفهم عنه دين و لا مروءة.

أو الكاذبون في قولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ (2).

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ‏: بدل من‏ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏، و ما بينهما اعتراض. أو من «أولئك». أو من «الكاذبون». أو مبتدأ خبره محذوف، دلّ عليه قوله:

فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ‏.

و يجوز أن ينتصب بالذمّ، و أن تكون «من» شرطيّة محذوفة الجواب، دلّ عليه‏

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) النحل/ 103.

271

عن الحلبيّ‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن التّعوّذ من الشّيطان، عند كلّ سورة نفتحها؟

قال: نعم، فتعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم.

و ذكر: أنّ الرّجيم أخبث الشّياطين.

فقلت: لم سمّي الرّجيم؟

قال: لأنّه يرجم؟

فقلت‏ (2): هل ينفلت شيئا إذا رجم؟

قال: لا، و لكن يكون في العلم أنّه رجيم.

و في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال:

سمعت أبا الحسن، عليّ بن محمّد العسكريّ- (عليهما السلام)- يقول: معنى الرّجيم: أنّه مرجوم باللّعن مطرود من [مواضع‏] (4) الخير، لا يذكره مؤمن إلّا لعنه. و أنّ في علم [اللّه‏] (5) السّابق [أنّه‏] (6) إذا خرج القائم- (عليه السلام)- لا يبقى مؤمن في زمانه إلّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوما باللّعن.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب جامع‏ (8)، و بدن فارغ، و موضع خال. فإذا خشع للّه قلبه، فرّ منه الشّيطان الرّجيم. قال اللّه- تعالى-: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏.

و في مجمع البيان‏ (9): و الاستعاذة عند التّلاوة [مستحبة غير] (10) واجبة بلا خلاف، في الصّلاة و خارج الصّلاة.

إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ‏: تسلّط و ولاية.

عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ (99): على أولياء اللّه المؤمنين به‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 270، ح 68.

(2) المصدر: فقلنا.

(3) المعاني/ 139، ح 1.

(4) من المصدر.

5 و 6- من المصدر.

(7) مصباح الشريعة/ 97.

(8) ب: خاشع.

(9) المجمع 3/ 385.

(10) يوجد في ب و المصدر.

277

أحبّ إليك أم البراءة من عليّ؟

فقال: الرّخصة أحبّ إليّ. أما سمعت قول اللّه في عمّار: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

عن عبد اللّه بن عجلان‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته، فقلت له: إنّ الضّحّاك قد ظهر بالكوفة و يوشك أن ندعى إلى البراءة من عليّ، فكيف نصنع؟

قال: فأبرأ منه.

قال: قلت: أيّ شي‏ء أحبّ إليك؟

قال: أن يمضوا (2) على ما مضى عليه عمّار بن ياسر، أخذ بمكّة، فقالوا له: ابرأ من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فبرأ منه. فأنزل اللّه عذره‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (4) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: فأمّا ما فرض اللّه‏ (5) على القلب من الإيمان، فالإقرار و المعرفة و العقد و الرّضا و التّسليم بأن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا و أن محمّدا عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء به‏ (6) من عند اللّه من نبي أو كتاب. فذلك ما فرض اللّه على القلب من الإقرار و المعرفة [، و هو عمله.] (7) و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً. و قال: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‏.

فذلك ما فرض اللّه- عزّ و جلّ- على القلب من الإقرار و المعرفة، و هو عمله، و هو رأس الإيمان.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

ابن محبوب‏ (8)، عن خالد بن نافع البجلّي، عن محمّد بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- [يقول‏] (9): إنّ رجلا أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 272، ح 76.

(2) المصدر: يمضون.

(3) الكافي 2/ 34 و 35، ذيل ح 1.

(4) أ، ب، ر: القاسم بن يزيد.

(5) ليس في المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) ليس في ب.

(8) الكافي 2/ 158، ح 2.

(9) من المصدر.

278

فقال: يا رسول اللّه، أوصني.

فقال: لا تشرك باللّه شيئا و إن أحرقت‏ (1) بالنّار و عذّبت، إلّا و قلبك مطمئنّ بالإيمان،

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ النّاس يروون، أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال على منبر الكوفة:

أيّها النّاس، إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرّؤوا (3) منّي.

قال: ما أكثر ما يكذب النّاس على عليّ- (عليه السلام)-.

ثمّ قال: إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي و إنّي لعلى دين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و لم يقل: و لا تبرّؤوا (4) منّي.

فقال له السّائل: أ رأيت إن اختار القتل دون البراءة؟

فقال: و اللّه، ما ذلك عليه و ماله، إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه‏ (5) أهل مكّة و قلبه مطمئنّ بالإيمان. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

فقال له النّبيّ عندها: يا عمّار، إن عادوا فعد، فقد أنزل اللّه- عزّ و جلّ- عذرك و أمرك أن تعود إن عادوا.

عليّ‏ (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما منع ميثم- (رحمه اللّه)- من التّقيّة؟

فو اللّه، لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمّار و أصحابه‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (7).

الحسين بن محمّد (8)، عن معلّى بن محمّد، عن أبي داود المسترقّ قال: حدّثني عمرو

____________

(1) أ، ب، ر: احترقت. المصدر: حرّقت.

(2) الكافي 2/ 219، ح 10.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فلا تتبرّءوا.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تبرّؤوا.

(5) أ، ب: كرهه.

(6) الكافي 2/ 220، ح 15.

(7) هنا قطعة هي نفسها ذيل الحديث السابق و قد كررت فحذفناها.

(8) الكافي 2/ 462، ح 1.

279

بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رفع عن أمّتي أربع خصال: خطأها، و نسيانها، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يطيقون‏ (1). و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏.

و قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة: و فرض اللّه على القلب، و هو أمير الجوارح الّذي به تعقل و تفهم و تصدر عن أمره و رأيه. فقال- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (الآية).

و في قرب الإسناد (3) للحميريّ، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ التّقيّة ترس‏ (4) المؤمن. و لا إيمان لمن لا تقيّة له.

قلت: جعلت فداك، أ رأيت قول اللّه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

قال: و هل التّقيّة إلّا هذا؟

و في مجمع البيان‏ (5): قيل: نزل قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ في جماعة أكرهوا، و هم عمّار، و ياسر، أبوه، و أمّه، سميّة، و صهيب، و بلال، و خبّاب‏ (6).

عذّبوا، و قتل أبو عمّار و أمّه. فأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه، ثمّ أخبر بذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال قوم: كفر عمّار.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كلّا، إنّ عمّارا ملي‏ء إيمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه. و جاء عمّار إلى رسول اللّه، و هو يبكي.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما وراءك؟

فقال: شرّ (7)، يا رسول اللّه، ما تركت حتّى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير.

فجعل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يمسح عينيه و يقول: إن عادوا لك،

____________

(1) المصدر: ما لم يطيقوا.

(2) الفقيه 2/ 382، ذيل 1627.

(3) قرب الاسناد/ 17.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: دين.

(5) المجمع 3/ 387.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: جناب.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سنة.

280

فعد لهم بما قلت.

فنزلت الآية. عن ابن عبّاس و قتادة.

ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ: بسبب أنّهم آثروها عليها.

وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ (107)، أي: الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان و لا يعصمهم عن الزّيغ.

أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ‏: فأبت عن إدراك الحقّ و التّأمّل فيه.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ‏ (108): الكاملون في الغفلة، إذ أغفلتهم الحالة الرّاهنة عن تدبّر العواقب.

لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ (109): إذ ضيّعوا أعمارهم، و صرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلّد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ فهو عمّار بن ياسر، أخذته قريش بمكّة فعذّبوه بالنّار حتّى أعطاهم بلسانه ما أرادوا و قلبه مطمئنّ‏ (2) بالإيمان [و أمّا] (3).

قوله: وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فهو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث، من بني لؤيّ. يقول اللّه: [فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ (4)] (5). ذلك بأنّ اللّه ختم على سمعهم و أبصارهم و قلوبهم‏ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ (6). هكذا في قراءة ابن مسعود [و قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ‏ الآية هكذا في القراءة المشهورة] (7) هذا كلّه في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، كان عاملا لعثمان بن عفّان على مصر.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 390- 391.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مقرّ.

(3) من المصدر.

(4) النحل/ 106- 107.

(5) ليس في المصدر.

(6) النحل/ 108- 109.

(7) من المصدر.

281

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يدعو أصحابه. فمن أراد اللّه به خيرا، سمع و عرف ما يدعوه إليه. و من أراد به شرّا، طبع [قلبه فلا يسمع و لا يعقل. و هو قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ‏] (2) عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا، أي: عذّبوا، كعمّار بالولاية و النّصرة.

و «ثمّ» لتباعد حال هؤلاء عن أولئك.

و قرأ (3) ابن عامر: «فتنوا» بالفتح، أي: من بعد ما عذّبوا المؤمنين.

قيل‏ (4): كالحضرميّ أكره مولاه، جبرا، حتّى أرتدّ. ثمّ أسلما، و هاجرا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أنّه في عمّار- أيضا-.

ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا: على الجهاد، و ما أصابهم من المشاقّ.

إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها: من بعد الهجرة و الجهاد و الصّبر.

لَغَفُورٌ: لما فعلوا قبل.

رَحِيمٌ‏ (110): منعم عليهم، مجازاة على ما صنعوا بعد.

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ‏: منصوب ب «رحيم». أو با ذكر.

تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها، أي: تجادل عن ذاتها و تسعى في خلاصها، لا يهمّها شأن غيرها. فتقول: نفسي نفسي.

وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ‏: جزاء ما عملت.

وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (111): لا ينقصون أجورهم.

وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً، أي: جعلها مثلا لكلّ قوم أنعم اللّه عليهم، فأبطرتهم النّعمة، فكفروا، فأنزل اللّه بهم نقمته.

أو لمكّة.

كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً: لا يزعج أهلها خوف.

يَأْتِيها رِزْقُها: أقواتها.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 273، ح 77.

(2) من المصدر.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 571- 572.

(5) تفسير القمّي 1/ 391.

282

رَغَداً: واسعا.

مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏: من نواحيها.

فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ‏: بنعمه. جمع، نعمة، على ترك الاعتداد بالتّاء، كدرع و أدرع. أو جمع نعم، كبؤس و أبؤس.

فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ‏: استعار الذّوق لإدراك أثر الضّرر، و اللّباس لما غشيهم و اشتمل عليهم من الخوف و الجوع.

بِما كانُوا يَصْنَعُونَ‏ (112): بصنيعهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له: الثّلثان.

و كانت بلادهم خصيبة كثيرة الخير. فكانوا (2) يستنجون بالعجين و يقولون‏ (3) هذا ألين لنا فكفروا بأنعم اللّه، و استخفّوا بنعمة اللّه. فحبس اللّه عليهم‏ (4) الثّلثان، فجدبوا حتّى أحوجهم اللّه إلى ما كانوا يستنجون به، حتّى كانوا (5) يتقاسمون عليه.

و في محاسن البرقي‏ (6): عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي‏ (7) عيينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ قوما وسّع اللّه‏ (8) عليهم في أرزاقهم حتّى طغوا. فاستخشنوا (9) الحجارة فعمدوا إلى النقي‏ (10) و صنعوا منه، كهيئة الأفهار (11) فجعلوه في مذاهبهم‏ (12)، فأخذهم اللّه بالسّنين. فعمدوا إلى أطعمتهم فجعلوها في الخزائن، فبعث اللّه على ما في الخزائن‏ (13) ما أفسده. حتّى احتاجوا إلى ما كانوا يستنجون به‏ (14) في مذاهبهم، فجعلوا يغسلونه و يأكلونه.

و في حديث أبي بصير قال: نزلت فيهم هذه الآية وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً (إلى آخر الآية).

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 391.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فكما.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و يتقربون.

(4) المصدر: عنهم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: كادوا.

(6) المحاسن/ 588، ح 88.

7 و 8- ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: و استخشوا.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: المتقي.

و النقي: الخبز المعمول من لباب الدقيق.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الأنهار.

و الأفهار- جمع فهر-: الحجر مل‏ء الكفّ.

(12) المذاهب- جمع المذهب-: المتوضأ.

(13) المصدر: خزائنهم.

(14) المصدر: يستطيبون به.

283

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن حفص بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ قوما في بني إسرائيل يؤتي لهم من طعامهم، حتّى جعلوا منه تماثيل بمدن كانت في بلادهم يستنجون بها. فلم يزل اللّه. بهم، حتّى اضطرّوا إلى التّماثيل يبيعونها و يأكلونها (2). و هو قول اللّه: وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ‏.

عن زيد الشّحّام‏ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أبي يكره أن يمسح يده بالمنديل و فيه شي‏ء من الطّعام، تعظيما له، إلّا أن يمصّها أو يكون إلى جانبه صبيّ فيمصّها.

قال: فإنّي أجد اليسير يقع من الخوان فأتفقده‏ (4)، فيضحك الخادم.

ثمّ قال: إن أهل قرية ممّن كان قبلكم، كان اللّه قد وسّع‏ (5) عليهم حتّى طغوا.

فقال بعضهم لبعض: لو عمدنا إلى شي‏ء من هذا النّقي، فجعلناه نستنجئ به كان ألين علينا من الحجارة.

قال: فلمّا فعلوا ذلك، بعث اللّه على أرضهم دوابّا أصغر من الجراد فلم تدع لهم شيئا خلقه اللّه إلّا أكلته من شجر أو غيره‏ (6). فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الّذي كانوا يستنجون به، فأكلوه. و هي القرية الّتي قال اللّه- تعالى-: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏- إلى قوله- بِما كانُوا يَصْنَعُونَ‏.

وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ‏، يعني: محمّداً- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و الضّمير لأهل مكّة.

قيل‏ (7): عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم.

فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ‏ (113)، أي: حال التباسهم بالظّلم و العذاب ما أصابهم من الجدب الشّديد. أو وقعة بدر.

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً: أمرهم بأكل الحلال، و هو ما أحلّ اللّه‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 273، ح 78.

(2) المصدر: يتبعونها و يأكلون منها.

(3) تفسير العياشي 2/ 273، ح 79.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيتفقده.

(5) المصدر: أوسع.

(6) المصدر: فلم يدع لهم شيئا خلقه اللّه يقدر عليه أكله من شجر الخ.

(7) أنوار التنزيل 1/ 572.

284

لهم. و شكر ما أنعم اللّه عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر و هدّدهم عليه بما ذكر من التّمثيل و العذاب الّذي حلّ بهم، صدّا لهم عن صنع الجاهليّة و مذاهبها الفاسدة.

وَ اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ (114): تطيعون. أو إن صحّ زعمكم، أنّكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته.

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (115): لمّا أمرهم بتناول ما أحلّ لهم، عدّد عليهم محرّماته ليعلم أنّ ما عداها حلّ لهم. ثمّ أكّد ذلك بالنّهي عن التّحريم و التّحليل بأهوائهم، فقال: وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ‏ و انتصاب «الكذب» ب «لا تقولوا». «و هذا حرام» بدل منه، أو متعلّق ب «متصف» على إرادة القول، أي: و لا تقولوا الكذب لما تصف ألسنتكم، فتقولوا هذا حلال و هذا حرام.

أو مفعول «لا تقولوا»، و «الكذب» منتصب «بتصف» و «ما» مصدريّة، أي: و لا تقولوا هذا حلال و هذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، (1) أي: لا تحرّموا و لا تحلّلوا بمجرّد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل.

و وصف ألسنتكم الكذب، مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، كأنّ حقيقة الكذب كانت مجهولة و ألسنتهم تصفها و تعرّفها بكلامهم هذا. و لذلك عدّ من فصيح الكلام، كقولهم: وجهها يصف الجمال، و عينها تصف السّحر.

و قرئ‏ (2): «كذب» بالجرّ، بدلا من «ما». و الكذب، جمع كذوب. أو «كذب» بالرّفع، صفة للألسنة. و بالنّصب على الذّم، أو بمعنى: الكلم الكواذب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): ثمّ قال- عزّ و جلّ-: وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏.

قال: هو ما كانت اليهود تقول‏ (4): ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا (5).

____________

(1) ليس في ب.

(2) أنوار التنزيل 1/ 573.

(3) تفسير القمّي 1/ 391.

(4) المصدر: يقولون.

(5) الانعام/ 139.

285

لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏: تعليل يتضمّن الغرض.

إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ‏ (116): لمّا كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب، نفى عنه الفلاح و بيّنه بقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ‏، أي: ما يفترون لأجله. أو ما هم فيه منفعة قليلة، ينقطع عن قريب.

وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (117): في الآخرة.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن عليّ بن محمّد بن‏ (2) سعد، عن محمّد بن مسلم، عن إسحاق بن موسى قال: حدّثني أخي و عمّي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ثلاثة مجالس يمقتها اللّه و يرسل نقمته على أهلها فلا تقاعدوهم و لا تجالسوهم: مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتيا [ه‏] (3)، و مجلسا (4) ذكر أعدائنا فيه جديد و ذكرنا فيه رثّ، و مجلسا فيه من يصدّ عنّا و أنت تعلم.

قال: ثمّ تلا أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- ثلاث آيات من كتاب اللّه، كأنّما كنّ فيه، أو قال: [في‏] (5) كفّه‏ وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‏. وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ‏. وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏.

و في كتاب التّوحيد (6): محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (7)- رضي اللّه عنه- في جامعه. و حدّثنا به محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العبّاس بن معروف قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرّحيم القصير قال: كتب أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- على يد عبد الملك بن أعين: إذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي الّتي نهى اللّه- عزّ و جلّ- عنها، كان خارجا من الإيمان و ساقطا عنه اسم الإيمان و ثابتا عليه اسم الإسلام. فإن تاب منه و استغفر، عاد إلى الإيمان و لم يخرجه إلى الكفر و الجحود و الاستحلال. فإذا قال للحلال: هذا حرام، و للحرام: هذا

____________

(1) الكافي 2/ 378، ح 12.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مجلس.

(5) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(6) التوحيد/ 229، ذيل ح 7.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: محمد بن أحمد بن الحسن بن الوليد.

286

حلال و دان بذلك، فعندنا (1) يكون خارجا من الإيمان و الإسلام إلى الكفر. و كان بمنزلة رجل دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة، فأحدث في الكعبة حدثا، فأخرج عن الكعبة و عن الحرم، فضربت عنقه و صار إلى النّار.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ثمّ قال- عزّ و جلّ-: وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏.

قال: هو ما كانت اليهود تقول: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا (3).

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سمرة: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه: و من فسّر القرآن برأيه، فقد افترى على اللّه الكذب.

وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ‏، أي: في سورة الأنعام، في قوله: وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ.

مِنْ قَبْلُ‏: متعلّق ب «قصصنا» أو «بحرّمنا».

وَ ما ظَلَمْناهُمْ‏: بالتّحريم.

وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (118): حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. و فيه تنبيه على الفرق بينهم و بين غيرهم في التّحريم، و أنّه، كما يكون للمضرّة، يكون للعقوبة.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ: بسببها أو ملتبسين بها ليعمّ الجهل باللّه و بعقابه، و عدم التّدبّر في العواقب لغلبة الشّهوة، و السّوء يعمّ الافتراء على اللّه و غيره.

ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها: من بعد التّوبة.

لَغَفُورٌ: لذلك السّوء.

رَحِيمٌ‏ (119): يثيب على الإنابة.

إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً

____________

(1) المصدر: فعندها.

(2) تفسير القمّي 1/ 391.

(3) الأنعام/ 139.

(4) كمال الدين/ 257، ذيل ح 1.

287

قيل‏ (1): لكماله و استجماعه فضائل لا تكاد توجد إلّا مفرّقة في أشخاص كثيرة، كقوله:

ليس من اللّه بمستنكر* * * أن يجمع العالم في واحد

و هو رئيس الموحّدين، و قدوة المحقّقين الّذي جادل فرق المشركين و أبطل مذاهبهم الزّائفة بالحجج الدّامغة. و لذلك عقّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين، من الشّرك و الطّعن في النّبوّة و تحريم ما أحلّه. أو لأنّه كان وحده مؤمنا، و كان سائر النّاس كفّارا.

و قيل‏ (2): هي فعلة، بمعنى: مفعول، كالرّحلة و النّخبة. من أمّه: إذا قصده، أو اقتدى به. فإنّ النّاس كان يؤمّونه للاستفادة، و يقتدون بسيرته لقوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.

و سيأتي من الأخبار ما يؤيّد هذا.

قانِتاً لِلَّهِ‏: مطيعا له، قائما بأوامره.

حَنِيفاً: مائلا عن الباطل، مسلما.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. و قال بعده، و بهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: و الأمّة واحد فصاعدا، كما قال اللّه- سبحانه و تعالى-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ‏. يقول: مطيعا للّه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً.

قال: شي‏ء فضّله اللّه به.

قال أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً: سمّاه اللّه أمّة.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 573.

(3) الكافي 5/ 60، ضمن ح 16.

(4) تفسير العياشي 2/ 274، ح 81.

288

وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (120)، كما زعموا. فإن قريش كانوا يزعمون، أنّهم كانوا على ملّة إبراهيم.

شاكِراً لِأَنْعُمِهِ‏: ذكر بلفظ القلّة، للتنّبيه على أنّه كان لا يخلّ بشكر النّعم القليلة، فكيف بالكثيرة.

نقل: أنّه لا يتغذّى إلّا مع ضيف.

اجْتَباهُ‏: للنّبوّة.

يونس بن ظبيان‏ (1)، عنه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً أمّة واحدة.

عن سماعة بن مهران‏ (2) قال: سمعت العبد الصالح‏ (3) يقول: لقد كانت الدّنيا، و ما كان فيها إلّا واحد يعبد اللّه. و لو كان معه غيره، إذا لأضافه إليه حيث يقول: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏. فصبر (4) بذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّ اللّه آنسه بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: و ذلك أنّه كان على دين لم يكن عليه أحد غيره، فكان أمّة واحدة. و أمّا (6) قانتا، فالمطيع. و أمّا الحنيف، فالمسلم.

وَ هَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (121)، أي: الطّريق الواضح.

وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً: بأن حبّبه إلى النّاس، حتّى أن أرباب الملل يتولّونه و يثنون عليه، و رزقه أولادا طيّبة، و عمرا طويلا في السّعة و الطّاعة.

وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏ (122): لمن أهل الجنّة، كما سأله بقوله:

وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏.

ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏: يا محمّد.

قيل‏ (7): «ثمّ» إمّا لتعظيمه و التّنبيه على أنّ أجلّ ما أوتي إبراهيم اتّباع الرّسول‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 274، ح 83.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 84.

(3) كذا في بعض نسخ المصدر. و في النسخ: عبدا صالحا.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فعبد.

(5) تفسير القمّي 1/ 392.

(6) المصدر: «و إنّما قال» بدل «و أمّا».

(7) أنوار التنزيل 1/ 574.

289

- (صلّى اللّه عليه و آله)- ملّة. أو لتراخي أيامه‏ (1).

أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً: في التّوحيد و الدّعوة إليه بالرّفق، و إيراد الدّلائل مرّة بعد أخرى، و المجادلة مع كلّ أحد على حسب فهمه.

وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (123): بل كان قدوة الموحّدين.

في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و لا طريق للأكياس من المؤمنين أسلم من الاقتداء، لأنّه المنهج الأوضح. [و المقصد الأصح. قال اللّه- عزّ و جلّ- لأعزّ خلقه محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده‏] (3) قال: اللّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً. فلو كان لدين اللّه- تعالى- مسلك أقوم من الاقتداء، لندب أولياءه و أنبياءه إليه.

و في محاسن البرقيّ‏ (4): عنه، عن ابن فضّال، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد اللّه بن سليمان الصّيرفيّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا.

ثمّ قال: أنتم، و اللّه، على دين إبراهيم و منهاجه، و أنتم أولى النّاس به: [أنتم على ديني و دين آبائي‏] (5).

عنه‏ (6)، عن أبيه و محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار، عن عبّاد بن زياد قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا عبّاد، ما على ملّة إبراهيم أحد غيركم.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن عمر بن أبي ميثم قال: سمعت الحسين بن علي- (عليه السلام)- يقول: ما أحد على ملّة إبراهيم إلّا نحن و شيعتنا، و سائر النّاس منها براء.

عن زرارة (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما أبقت الحنيفيّة شيئا، حتّى أنّ منها قصّ الشّارب و [قلم‏] (9) الأظفار [و الأخذ من الشارب‏] (10) و الختان.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أمامه.

(2) مصباح الشريعة/ 332- 333.

(3) من المصدر.

(4) المحاسن/ 147، ح 57.

(5) ليس في المصدر.

(6) المحاسن/ 147، ح 56.

(7) تفسير العياشي 1/ 388، ح 146.

(8) تفسير العياشي 1/ 61، ح 104.

(9) من المصدر.

(10) ليس في المصدر.

290

إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ‏: تعظيم السّبت، أو التّخلّي فيه للعبادة.

عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ‏، أي: على نبيّهم، و هم اليهود، أمرهم موسى- (عليه السلام)- أن يتفرّغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا إلّا طائفة منهم. و قالوا نتفرّغ يوم السّبت، لأنّه- تعالى- فرغ فيه من خلق السّماوات و الأرض. فألزمهم اللّه السّبت، و شدّد الأمر عليهم.

و قيل‏ (1): معناه: إنّما جعل و بال السّبت، و هو المسخ، على الّذين اختلفوا فيه.

فأحلّوا الصّيد فيه تارة، و حرّموه أخرى، و احتالوا له الحيل. و ذكرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية الّتي كفرت بأنعم اللّه.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (124):

بالمجازاة على الاختلاف. أو بمجازاة كلّ فريق بما يستحقّه.

ادْعُ‏: من بعثت إليهم.

إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ: بالمقالة المحكمة، و هو الدّليل الموضح‏ (2) المزيح للشّبهة.

وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ: الخطابات المقنعة (3) و العبر النّافعة. فالأولى لدعوة خواصّ الأمّة الطّالبين للحقائق، و الثّانية لدعوة عوامّهم.

وَ جادِلْهُمْ‏: جادل معانديهم.

بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏: بالطّريقة الّتي هي أحسن طرق المجادلة، من الرّفق و اللّين و إيثار الوجه الأيسر و المقدّمات [الّتي هي‏] (4) أشهر (5). فإنّ ذلك أنفع في تسكين لهبهم، و تليين شغبهم.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد (7)، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فأخبر أنّه- تبارك و تعالى- أوّل من دعا إلى نفسه و دعا إلى طاعته و اتّباع‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 574.

(2) ب: الواضح.

(3) ب: المنفعة.

(4) ليس في ب.

(5) ب: الأشهر.

(6) الكافي 5/ 13، ضمن ح 1.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 15.

291

أمره، فبدأ بنفسه و قال: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (1). ثمّ ثنّى برسوله فقال: ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏، يعني: بالقرآن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: و اللّه، نحن السّبيل الّذي أمركم اللّه باتّباعه.

قوله‏ (3): وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏. قال: بالقرآن.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: قال أبو محمّد العسكريّ- (عليه السلام)-: ذكر عند الصّادق- (عليه السلام)- الجدال في الدّين، و أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- قد نهوا عنه.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: لم ينه عنه مطلقا. و لكنّه نهي عن الجدال بغير الّتي هي أحسن. أما تسمعون قوله- تعالى-: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ (5) و قوله: ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏. فالجدال بالّتي هي أحسن قد قرنه‏ (6) العلماء بالدّين، و الجدال بغير الّتي هي أحسن محرّم قد (7) حرّمه اللّه على شيعتنا. و كيف يحرّم‏ (8) اللّه الجدال جملة و هو يقول: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ (9). قال اللّه: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (10). فجعل [اللّه‏] (11) علم‏ (12) الصّدق و الإيمان‏ (13) بالبرهان. و هل يؤتى ببرهان، إلّا بالجدال بالّتي هي أحسن.

قيل: يا ابن رسول اللّه، فما الجدال بالّتي هي أحسن بالّتي ليست بأحسن؟

قال: أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، فأن تجادل مبطلا، فيورد عليك باطلا،

____________

(1) يونس/ 25.

(2) تفسير القمّي 2/ 66، ببعض التصرّف.

(3) تفسير القمّي 1/ 392.

(4) الاحتجاج 1/ 14- 15.

(5) العنكبوت/ 46.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أمر به.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: حرّم.

9 و 10- البقرة/ 111.

(11) من المصدر.

(12) ب: علامة.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: الأمانة.

292

فلا تردّه بحجّة قد نصبها اللّه- تعالى-. و لكن [تحجد قوله أو] (1) تجحد (2) حقّا يريد (3) بذلك المبطل أن يعين به باطله. فتجحد ذلك الحقّ، مخافة أن يكون له عليك به حجّة، لأنّك لا تدري كيف المخلص منه. فذلك حرام على شيعتنا، أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين. أمّا المبطلون، فيجعلون ضعف الضّعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف في يده حجّة له على باطله. و أمّا الضّعفاء، فتغتمّ قلوبهم لما يرون من ضعف المحقّ‏ (4) في يد المبطل.

و أمّا الجدال بالّتي هي أحسن، فهو ما أمر اللّه- تعالى- به نبيّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت و إحياءه له. فقال اللّه حاكيا عنه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ (5). فقال اللّه في الرّدّ عليه‏ (6): قُلْ‏ يا محمّد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏ (7).

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، و ستقف إن شاء اللّه على تتمّة لهذا الكلام في العنكبوت عند قوله- تعالى-: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ‏ (الآية).

روي‏ (8) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: نحن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏ (125)، أي:

إنّما عليك البلاغ و الدّعوة، و أمّا حصول الهداية و الضّلالة و المجازة عليهما فلا إليك، بل اللّه أعلم بالضّالّين و المهتدين و هو المجازي لهم.

وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ، أي: الصّبر.

خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ‏ (126): من الانتقام للمنتقمين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال يوم أحد: من له علم بعمّي حمزة؟

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يجحد.

(3) أ، ب: يؤيد.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الحقّ.

(5) يونس/ 78.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عليهم.

(7) يونس/ 79.

(8) الاحتجاج 1/ 5.

(9) تفسير القمّي 1/ 123.

293

فقال الحرث بن الصّمت‏ (1): أنا أعرف موضعه.

فجاء حتّى وقف على حمزة، فكره أن يرجع إلى رسول اللّه فيخبره.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا عليّ، اطلب عمّك.

فجاء عليّ حتّى وقف على حمزة، فكره أن يرجع إليه. فجاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى وقف عليه. فلمّا رأى ما فعل به، بكى.

ثم قال: ما وقفت موقفا قطّ أغلظ عليّ من هذا المكان، لئن أمكنني اللّه من قريش لأمثلنّ منهم‏ (2) بسبعين رجلا منهم.

فنزل‏ (3) جبرئيل، فقال: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ‏ (الآية).

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [بل‏] (4) اصبر.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن الحسين بن حمزة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لمّا رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما صنع بحمزة بن عبد المطّلب، قال:

الّلهمّ، لك الحمد و إليك المشتكى و أنت‏ (6) المستعان على ما أرى.

ثمّ قال: لئن ظفرت لأمثّلنّ و لأمثّلنّ.

قال: فأنزل اللّه‏ وَ إِنْ عاقَبْتُمْ‏ (الآية).

قال: فقال رسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أصبر أصبر.

وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ‏: إلّا بتوفيقه و تثبيته.

وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏: على الكافرين. أو على المؤمنين و ما فعل بهم.

وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ‏ (127): في ضيق صدر من مكرهم.

و قرأ (7) ابن كثير: «في ضيق» بالكسر، هنا و في النّمل. و هما لغتان، كالقول و القيل. و يجوز أن يكون الضّيق تخفيف ضيق.

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا: المعاصي.

____________

(1) المصدر: سميّة.

(2) ليس في المصدر، ور.

(3) المصدر: زيادة «عليه».

(4) من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 274، ح 85.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و إنّك.

(7) أنوار التنزيل 1/ 575.

294

وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏ (128): في أعمالهم.

295

تفسير سورة الإسراء

297

سورة بني إسرائيل‏

مكّيّة.

و قيل: إلّا قوله‏ (1): وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ‏.- إلى آخر ثمان آيات‏ (2).

و هي مائة و عشر آيات‏ (3).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة بني إسرائيل في كلّ ليلة جمعة، لم يمت حتّى يدرك القائم- (عليه السلام)-، و يكون من أصحابه.

و في مجمع البيان‏ (5)، و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي‏

____________

(1) الآية 73.

(2) كذا في أنوار التنزيل 1/ 575. و في النسخ:

إلى آخره.

و في مجمع البيان 3/ 393: قيل مكّيّة إلّا ثماني آيات: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ‏ إلى قوله: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ‏ (الآية).

و على هذا- أيضا- يكون إلى آخر ثمان آيات و ليس إلى آخره.

و كذلك ذكر صاحب مجمع البيان أنّها مكّيّة كلّها. ثمّ قال: و قيل: مكّيّة إلا خمس آيات:

وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ‏ (الآية)، وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ (الآية)، أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ‏ (الآية)، أَقِمِ الصَّلاةَ (الآية)، وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ (الآية)

(3) قال في مجمع البيان: مائة و إحدى عشرة كوفيّ، و عشر آيات في اليقين. اختلافها: آية لِلْأَذْقانِ سُجَّداً كوفيّ.

(4) ثواب الأعمال/ 133- 134.

(5) المجمع 3/ 393.

(6) تفسير العيّاشي 2/ 276، ح 1.

298

عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة بني إسرائيل- و ذكر إلى آخر ما في كتاب ثواب الأعمال.

و في مجمع البيان‏ (1): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من قرأ سورة بني إسرائيل، فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين، اعطي في الجنّة قنطارين من الأجر.

و «القنطار» ألف أوقيّة و مائتا (2) أوقيّة، و الأوقيّة منها خير من الدّنيا و ما فيها.

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا «سبحان» اسم، بمعنى: التّسبيح، الّذي هو التّنزيه. و قد يستعمل علما له، فيقطع عن الإضافة، و يمنع من الصّرف‏ (3). و انتصابه بفعل متروك إظهاره. و تصدير الكلام به، للتّنزيه عن العجز عمّا ذكر بعد (4).

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: سُبْحانَ‏.

فقال: أنفة للّه.

و في رواية أخرى‏ (6): عن هشام، عنه، مثله.

و «أسرى» و «سرى» بمعنى.

و «ليلا» نصب على الظّرفية. و فائدته الدّلالة بتنكيره على تقليل مدّة الإسراء (7).

و لذلك قرئ: «من اللّيل»، أي: بعضه، كقوله‏ (8): وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً.

مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏، أي: إلى ملكوت المسجد

____________

(1) المجمع 3/ 393.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مائة.

(3) قوله: «و قد يستعمل علما له، فيقطع عن الإضافة، و يمنع من الصّرف». هذا ما قاله النّحاة.

قال الرّضيّ: و لا دليل عليه، لأنّ أكثر ما يستعمل مضافا، فلا يكون علما.

(4) قوله: «و تصدير الكلام به للتّنزيه عن العجز عمّا ذكر بعد». فهاهنا لتنزيه اللّه- تعالى- عن العجز عن إسرائه عبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

5 و 6- تفسير العيّاشي 2/ 276، ح 2.

(7) قوله: «و فائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدّة الإسراء»، أي: تمّ أمر الإسراء المذكور في ليلة واحدة من اللّيالي. و لم يقل: تنكيره دالّ على أنّ تمام الإسراء في بعض من ليلة واحدة- كما قاله صاحب الكشّاف- إذ هذه الدلالة ممنوعة.

(8) الإسراء/ 79.

299

الأقصى الّذي هو في السّماء، كما يظهر من الأخبار الآتية.

الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ‏: ببركات الدّين و الدّنيا، لأنّه مهبط الوحي، و متعبّد (1) الأنبياء من لدن موسى، و محفوف بالأنهار و الأشجار.

لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا: كذهابه في برهة من اللّيل مسيرة شهر، و مشاهدته بيت المقدس، و تمثّل‏ (2) الأنبياء له و وقوفه على مقاماتهم.

و صرف الكلام من الغيبة إلى التّكلّم‏ (3)، لتعظيم تلك البركات و الآيات.

و قرئ: «ليريه» بالياء.

و في تفسير العياشيّ‏ (4): عن سالم الحنّاط (5)، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن المساجد الّتي لها الفضل.

فقال: المسجد الحرام، و مسجد الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قلت: و المسجد الأقصى، جعلت فداك؟

فقال: ذلك في السّماء، إليه أسرى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقلت: إنّ النّاس يقولون: إنّه بيت المقدس.

فقال: مسجد الكوفة أفضل منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني‏ (7) خالد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن سيّار (8)، عن مالك الأزديّ‏ (9)، عن إسماعيل الجعفيّ قال: كنت في مسجد [الحرام‏] (10) قاعدا و أبو جعفر- (عليه السلام)- في ناحية، فرفع رأسه فنظر إلى السّماء مرّة و إلى الكعبة مرّة، ثمّ قال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏ و كرّر ذلك ثلاث مرّات.

____________

(1) ب: معبد.

(2) أ، ب: تمثيل.

(3) قوله: «و صرف الكلام من الغيبة» (الخ) لأنّه، و إن كان بطريق الغيبة يفهم منه كثرة البركات و تعظيمها، لكنّ التكلّم صريح في أنّه فعل اللّه- تعالى- لا حاجة إلى القرينة. ففيه زيادة تعظيم. فإنّ الأكابر إذا أرادوا تعظيم فعل نسبوه إلى أنفسهم.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 279، ح 13.

(5) المصدر: سلام الحنّاط. و في أ: سالم الخيّاط.

(6) تفسير القمّي 2/ 243.

(7) من ب.

(8) المصدر: يسار (سيّار- ط). و في ب: سنان.

(9) المصدر: الأسدي.

(10) من المصدر.

300

ثم التفت إليّ فقال: أيّ شي‏ء يقول أهل العراق في هذه الآية، يا عراقيّ؟

قلت: يقولون: اسري به من المسجد الحرام إلى بيت‏ (1) المقدس.

فقال: ليس كما يقولون، و لكنّه اسري به من هذه إلى هذه- و أشار بيده إلى السّماء- و قال: ما بينهما حرم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: و عن ابن عبّاس قال: قالت اليهود للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: موسى خير منك.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و لم؟

قالوا: لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- كلّمه بأربعة (3) آلاف كلمة، و لم يكلّمك بشي‏ء.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك.

قالوا: و ما ذاك؟

قال: قوله- عزّ و جلّ-: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ‏. و حملت على جناح جبرئيل- (عليه السلام)- حتّى انتهيت إلى السّماء السّابعة، فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى حتّى تعلّقت بساق العرش، فنوديت من ساق العرش: إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر [الرّؤوف الرّحيم‏] (4). و رأيته بقلبي و ما رأيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك.

فقالت اليهود: صدقت، يا محمّد، و هو مكتوب في التّوراة.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: عرج بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مائة و عشرين مرّة، ما من مرّة إلّا و قد أوصى اللّه- تعالى- فيها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالولاية لعليّ و الأئمّة من ولده- (عليهم السلام)- أكثر ممّا أوصاه بالفرائض‏ (6).

____________

(1) المصدر: البيت.

(2) الاحتجاج 1/ 48.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أربع.

(4) ليس في أ، ب.

(5) الخصال/ 600- 601، ح 3.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: في الفرائض.

301

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا حاضر، فقال: جعلت فداك، كم عرج برسول اللّه؟

فقال: مرّتين، فأوقفه جبرئيل- (عليه السلام)- موقفا، فقال له: مكانك، يا محمّد، فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قطّ و لا نبيّ، إنّ ربّك يصلّي.

فقال: يا جبرئيل، و كيف يصلّي؟

فقال: يقول: سبوح قدّوس أنا ربّ الملائكة و الرّوح، سبقت رحمتي غضبي.

فقال: اللّهمّ، عفوك عفوك.

قال: و كان كما قال اللّه: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏.

فقال له أبو بصير: جعلت فداك، ما قاب قوسين أو أدنى؟

فقال: ما بين سيتها (2) إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق‏ (3)، و لا أعلمه إلّا و قد قال: زبرجد، فنظر في مثل سمّ إبرة (4) إلى ما شاء اللّه من نور العظمة.

فقال اللّه- تبارك و تعالى-: يا محمّد.

قال: لبّيك، ربّي.

قال: من لأمّتك من بعدك؟

قال: اللّه أعلم.

قال: عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين‏ (5) و قائد الغرّ المحجّلين.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لأبي بصير: يا أبا محمّد، و اللّه، ما جاءت ولاية عليّ من الأرض، و لكن جاءت من السّماء مشافهة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين، عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- عليهم‏

____________

(1) الكافي 1/ 442- 443.

(2) كذا في المصدر. و في أ، ر: يسها. و في غيرهما:

يثبها.

و السّية من القوس- بكسر المهملة قبل المثنّاة التّحتانيّة المخفّفة- و يخفق: ما عطف من طرفيها.

(3) كذا في المصدر. و في ب: بحقق. و في سائر النسخ: تحقق. و يخفق: أي: يتحرّك و يضطرب.

(4) سمّ الإبرة: ثقبها.

(5) المصدر: المسلمين.

(6) العلل/ 131، ح 1.

302

السّلام- عن اللّه- جلّ جلاله-: هل يوصف بمكان؟

فقال: تعالى عن ذلك.

قلت: فلم أسرى بنبيّه محمّد (1)- (صلّى اللّه عليه و آله)- [إلى السّماء] (2)؟

قال: ليريه ملكوت السّماوات و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (3) إلى أبان بن عثمان: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- دفع إلى عليّ لمّا حضرته الوفاة القميص الّذي اسري به.

و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى يونس بن عبد الرّحمن قال: قلت لأبي الحسن، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: لأيّ علّة عرج اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه إلى السّماء، و منها إلى سدرة المنتهى، و منها إلى حجب النّور، و خاطبه و ناجاه هناك، و اللّه لا يوصف بمكان؟

فقال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بمكان و لا يجري عليه زمان، و لكنّه- عزّ و جلّ- أراد أن يشرّف به ملائكته و سكّان سماواته و يكرمهم بمشاهدته و يريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، و ليس ذلك على ما يقوله المشبّهون.

سبحان اللّه و تعالى عمّا يشركون.

و في روضة الكافي‏ (5): أبان، عن عبد اللّه بن عطاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أتى جبرئيل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالبراق، أصغر من البغل و أكبر من الحمار، مضطرب الأذنين، عينيه‏ (6) في حافره و خطاه مدّ بصره، فإذا (7) انتهى إلى جبل قصرت يداه و طالت رجلاه، فإذا هبط طالت يداه و قصرت رجلاه، أهدب العرف الأيمن‏ (8)، له جناحان من خلفه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أسري نبيّه.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر/ 167، ح 1.

(4) التوحيد/ 175، ح 5.

(5) الكافي 8/ 376، ح 567.

(6) كذا في المصدر. و ليس في أ، ب، ر. و في عيرها: عينه.

(7) المصدر: و إذا.

(8) أي: طويلة، و كان مرسلا في الجانب الأيمن.

303

و في عيون الأخبار (1)،

بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تعالى- سخّر لي البراق، و هي دابّة من دوابّ الجنّة، ليست بالقصير و لا بالطّويل، فلو أنّ اللّه- تعالى- أذن لها لجالت الدّنيا و الآخرة في جرية واحدة، و هي أحسن الدّوابّ لونا.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

لمّا اسري بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- اتي بالبراق و معه‏ (3) جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل.

قال: فأمسك له واحد بالرّكاب، و أمسك الآخر باللّجام، و سوىّ عليه الآخر ثيابه. فلمّا ركبها تضعضعت، فلطمها جبرئيل و قال لها: قرّي، يا براق، فما ركبك أحد قبله مثله، و لا يركبك أحد مثله بعده‏ (4)، إلّا أنّه تضعضعت عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و روى الصّادق- (عليه السلام)- عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: بينا أنا راقد بالأبطح‏ (6) و عليّ بن يميني، و جعفر بن يساري، و حمزة بين يديّ و إذا أنا بخفق‏ (7) بحفيف أجنحة الملائكة، و قائل منهم يقول: إلى أيّهم بعثت يا جبرئيل؟

فقال: إلى هذا- و أشار إليّ- و هو سيّد ولد آدم‏ (8)، و هذا وصيّه و وزيره و ختنه و خليفته في أمّته، و هذا عمّه و سيّد الشّهداء (9)، حمزة، و هذا ابن عمّه، جعفر، له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة مع الملائكة. دعه فلتنم عيناه و لتسمع أذناه، وليع‏ (10) قلبه، و اضربوا له مثلا ملك بنى دارا و اتّخذ مائدة (11) و بعث داعيا.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فالملك اللّه، و الدّار الدّنيا، و المائدة (12) الجنّة، و الدّاعي أنا.

قال: ثمّ أركبه جبرئيل البراق‏ (13)، و أسرى به إلى بيت المقدس، و عرض عليه محاريب الأنبياء و آيات الأنبياء، فصلّى فيها و ردّه من ليلته إلى مكّة، فمرّ في رجوعه بعير (14)

____________

(1) العيون 2/ 31، ح 39.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 276، ح 4.

(3) المصدر: معها.

(4) المصدر: أحد بعده مثله.

(5) تفسير القمّي 2/ 13.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: في الأبطح.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بحفيف.

(8) المصدر: آدم و حوّاء.

(9) المصدر: عمّه سيّد الشهداء.

(10) المصدر: ليعي.

11 و 12- المصدر: مأدبة.

(13) المصدر: ثمّ أدركه جبرئيل بالبراق.

(14) العير: الإبل تحمل الميرة. ثم غلب على كلّ قافلة.

304

قريش، و إذا لهم ماء في آنية، فشرب منه و أهرق‏ (1) باقي ذلك، و قد كانوا أضلّوا بعيرا لهم و كانوا يطلبونه.

فلمّا أصبح قال لقريش: إنّ اللّه قد أسرى بي في هذه اللّيلة إلى بيت المقدس، فعرض عليّ محاريب الأنبياء و آيات الأنبياء، و إنّي مررت بعير لكم في موضع كذا و كذا، و إذا لهم‏ (2) ماء في آنية فشربت منه و أهرقت باقي ذلك، و قد كانوا أضلّوا بعيرا لهم.

فقال أبو جهل: قد أمكنتكم‏ (3) الفرصة من محمّد، اسألوه: كم الأساطين فيه‏ (4) و القناديل؟

فقالوا: يا محمّد، إنّ هاهنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه و قناديله و محاريبه.

فجاء جبرئيل [فعلّق‏] (5) صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما يسألونه.

فلمّا أخبرهم، قالوا: حتّى تجي‏ء العير و نسألهم عمّا قلت.

فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و تصديق ذلك أنّ العير تطلع عليكم مع طلوع الشّمس، يقدمها جمل أحمر.

فلمّا أصبحوا أقبلوا (6) ينظرون إلى العقبة، و هم يقولون‏ (7): هذه الشّمس تطلع السّاعة. فبيناهم كذلك، إذ طلعت العير مع طلوع الشّمس، يقدمها جمل أحمر. فسألوهم عمّا قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقالوا: لقد كان هذا، ضلّ لنا جمل في موضع كذا و كذا، و وضعنا ماء و أصبحنا و قد أهريق الماء.

فلم يزدهم إلّا عتوّا.

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حديد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا اسري‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: صبّ.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لكم.

(3) المصدر: أمكنكم.

(4) المصدر: فيها.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: و أقبل.

(7) المصدر: و يقولون.

(8) الكافي 8/ 262، ح 376.

305

برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصبح فقعد فحدّثهم بذلك.

فقالوا له: صف لنا بيت المقدس.

قال: فوصف لهم، و إنّما دخله ليلا فاشتبه عليه النّعت، فأتاه جبرئيل فقال له:

أنظر هاهنا. فنظر إلى بيت‏ (1) المقدس فوصفه و هو ينظر إليه، ثمّ نعت لهم [ما كان‏] (2) من عير لهم فيما بينهم و بين الشّام، ثمّ قال: هذه عير بني فلان تقدم مع طلوع الشّمس، يتقدّمها جمل أورق‏ (3) أو أحمر (4).

قال: و بعثت قريش رجلا على فرس ليردّها (5).

قال: و بلغ مع طلوع الشّمس، قال قرطة بن عبد عمرو: يا لهفا، أن لا أكون لك جذعا (6) حين تزعم أنّك أتيت بيت المقدس و رجعت من ليلتك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي داود، عن أبي بردة الأسلميّ قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول لعليّ- (عليه السلام)-: إنّ اللّه أشهدك معي في سبع مواطن.

أمّا أوّل ذلك، فليلة اسري بي إلى السّماء.

قال لي جبرئيل: أين أخوك؟

فقلت: خلّفته ورائي.

قال: ادع اللّه فليأتك به.

فدعوت اللّه، و إذا مثالك‏ (8) معي، و إذا (9) الملائكة وقوف صفوف.

فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟

قال: هم الّذين يباهيهم اللّه بك يوم القيامة.

فدنوت، و نطقت بما كان و ما يكون إلى يوم القيامة.

و الثّاني، حين أسري بي في المرّة الثّانية.

____________

(1) المصدر: البيت.

(2) ليس في أ، ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أزرق.

و الأورق من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد.

(4) التّرديد من الرّاوي.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ليردّوها.

(6) الجذع: الشّابّة من الإبل و المعز. و الظّاهر أنّ كلامه- لعنه اللّه- هذا جار مجرى الاستهزاء.

(7) تفسير القمّي 2/ 335- 336.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بمثالك.

(9) المصدر: إذ.

306

فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟

فقلت: خلّفته ورائي.

فقال: ادع اللّه فليأتك به.

فدعوت اللّه‏ (1)، فإذا مثالك معي، فكشط عن سبع سماوات حتّى رأيت سكّانها و عمّارها و موضع كلّ ملك منها.

... إلى قوله: و أمّا السّادس، لمّا اسري بي إلى السّماء، جمع اللّه لي النّبيّين.

فصلّيت بهم، و مثالك خلفي.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى عيسى بن عبد اللّه‏ (3) الأشعريّ: عن الصّادق، جعفر بن محمّد قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه- (عليهم السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء، حملني جبرئيل على كتفه الأيمن. فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحسن لونا من الزّعفران، و أطيب ريحا من المسك. [فإذا فيها شيخ على رأسه برنس.

فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة الحمراء الّتي هي أحسن لونا من الزّعفران و أطيب ريحا من المسك‏] (4).

قال: بقعة لشيعتك و شيعة وصيّك، عليّ.

فقلت: من الشّيخ، صاحب البرنس؟

قال: إبليس.

قلت: فما يريد منهم؟

قال: يريد أن يصدّهم عن ولاية أمير المؤمنين، و يدعوهم إلى الفسق و الفجور.

قلت: يا جبرئيل، أهو بنا [إليهم.

فأهوى بناء إليهم‏] (5) أسرع من البرق الخاطف و البصر اللّامح.

فقلت: قم، يا (6) ملعون، فشارك أعداءهم في أموالهم و أولادهم و نسائهم. فإنّ‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) العلل/ 572، ح 1.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 652. و في النسخ: عبيد اللّه.

(4) من المصدر. و في النسخ بدل ما بين المعقوفتين: «قلت: لمن البقعة؟».

(5) من ب. و في النسخ بدلها: إليه.

(6) من هنا إلى موضع نذكره بعد صفحات ليس في أ.

307

شيعتي و شيعة عليّ ليس لك عليهم سلطان. [فسمّيت «قم»] (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حكى أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل بالبراق إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فأخذ واحد باللّجام، و واحد بالرّكاب، و سوّى الاخر عليه ثيابه. فتضعضعت البراق. فلطمها جبرئيل، ثمّ قال لها: اسكني، يا براق، فما ركبك نبيّ قبله، و لا يركبك بعده مثله.

قال: فرقت به‏ (3)، و رفعته ارتفاعا ليس بالكثير، و معه جبرئيل، يريه الآيات من السّماء و الأرض.

قال: فبينا أنا في مسيرتي‏ (4)، إذ نادى مناد عن يميني: يا محمّد. فلم أجبه و لم ألتفت إليه. ثمّ نادى مناد عن يساري: يا محمّد. فلم أجبه، و لم ألتفت إليه. ثمّ استقبلتني امرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كلّ زينة الدّنيا، فقالت: يا محمّد، انظرني حتّى أكلّمك. فلم ألتفت إليها. ثمّ سرت فسمعت صوتا أفزعني [فجاوزت به‏] (5). فنزل بي جبرئيل فقال: صلّ. فصلّيت.

فقال: أ تدري أين صلّيت؟

فقلت: لا.

فقال: صلّيت [بطيبة و إليها مهاجرك‏ (6).

ثمّ ركبت فمضينا ما شاء اللّه، ثمّ قال لي: أنزل فصلّ، فنزلت و صلّيت.

فقال لي: أ تدري أين صلّيت؟

فقلت: لا.

فقال: صلّيت‏] (7). بطور سيناء حيث كلّم اللّه موسى تكليما.

ثمّ ركبت فمضينا ما شاء اللّه، ثمّ قال: أنزل فصلّ، فنزلت و صلّيت.

فقال لي: أ تدري أين صلّيت؟

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 3- 12.

(3) أي: صعدت البراق بالنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

(4) المصدر: مسيري.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: مهاجرتك.

(7) لا يوجد في ب.

308

فقلت: لا.

فقال: صلّيت ببيت‏ (1) لحم، و بيت لحم بناحية بيت المقدس، حيث ولد عيسى بن مريم- (عليه السلام)-.

ثمّ ركبت. فمضينا حيث انتهينا إلى بيت المقدس. فربطت البراق بالحلقة الّتي [كانت‏] (2) الأنبياء تربط بها، فدخلت المسجد و معي جبرئيل إلى جنبي، فوجدنا إبراهيم و موسى و عيسى فيمن شاء اللّه من أنبياء اللّه قد جمعوا إليّ، و أقمت الصّلاة و لا أشكّ إلّا و جبرئيل سيتقدّمنا (3)، فلما استووا أخذ جبرئيل بعضدي فقدّمني و أممتهم‏ (4) و لا فخر. ثمّ أتاني الخازن بثلاثة أواني: إناء فيه لبن، و إناء فيه ماء، و إناء فيه خمر.

فسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء غرق و غرقت أمّته، و إن أخذ الخمر غوي و غويت أمّته، و إن أخذ اللّبن هدي و هديت أمّته.

قال: فأخذت اللّبن و شربت منه.

فقال لي جبرئيل: هديت و هديت أمّتك.

ثمّ قال لي: ما ذا رأيت في مسيرك؟

فقلت: ناداني مناد عن يميني.

فقال لي: او أجبته؟

فقلت: لا، و لم ألتفت إليه.

فقال: ذلك داعي اليهود، و لو أجبته لتهوّدت أمّتك من بعدك.

ثمّ قال: ما ذا رأيت [في مسيرك‏] (5)؟

فقلت: ناداني مناد عن يساري.

فقال: او أجبته؟

فقلت: لا، و لم ألتفت إليه.

قال: ذلك داعي النّصارى‏ (6)، و لو أجبته لتنصّرت‏ (7) أمّتك من بعدك.

____________

(1) المصدر: في بيت.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: استقدمنا.

(4) المصدر: فأممتهم.

(5) ليس في ب و المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: النصارنى.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لنصرت.

309

ثمّ قال لي: ما ذا استقبلك؟

فقلت: لقيت امرأة كاشفة عن ذراعيها، عليها من كلّ زينة الدّنيا (1)، فقالت:

يا محمّد، أنظرني حتّى أكلّمك.

فقال لي: أ فكلّمتها؟

فقلت: لم أكلّمها، و لم ألتفت إليها.

فقال: تلك الدّنيا. و لو كلّمتها، لاختارت أمّتك الدّنيا على الآخرة.

ثمّ سمعت صوتا أفزعني.

فقال لي جبرئيل: تسمع، يا محمّد؟

قلت: نعم.

قال: هذه صخرة قذفتها عن شفير جهنّم منذ سبعين عاما، فهذا حين استقرّت.

قالوا: فما ضحك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى قبض.

قال: فصعد جبرئيل و صعدت معه إلى السّماء الدّنيا، و عليها ملك يقال له:

إسماعيل، و هو صاحب الخطفة الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ‏. و تحته سبعون ألف ملك، [تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك‏] (2).

فقال: يا جبرئيل، من هذا معك؟

فقال: محمّد.

قال: أ و قد بعث؟

قال: نعم.

ففتح‏ (3) الباب و سلّمت عليه و سلّم عليّ، و استغفرت له و استغفر لي، و قال:

مرحبا بالأخ الصّالح‏ (4) و النّبيّ الصّالح. و تلقّتني الملائكة حتّى دخلت سماء الدّنيا، فما لقيني ملك إلا [كان‏] (5) ضاحكا مستبشرا، حتّى لقيني ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقا منه كريه المنظر ظاهر الغضب، فقال لي مثل ما قالوا من الدّعاء إلّا أنّه لم يضحك و لم أر فيه من الاستبشار ما رأيت‏ (6) ممّن ضحك من الملائكة.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) ليس في ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ فتح.

(4) المصدر: الناصح.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: و ما رأيت.

310

فقلت: من هذا، يا جبرئيل، فإنّي قد فزعت منه‏ (1)؟

فقال: يجوز أن تفزع منه فكلّنا نفزع منه. إنّ هذا مالك خازن النّار. لم يضحك قطّ، و لم يزل منذ ولّاه اللّه جهنّم يزداد كلّ يوم غضبا و غيظا على أعداء اللّه و أهل معصيته فينتقم اللّه به منهم. و لو ضحك إلى أحد كان‏ (2) قبلك، أو كان ضاحكا إلى أحد (3) بعدك، لضحك إليك، و لكنّه لا يضحك.

فسلّمت عليه فردّ السّلام عليّ، و بشّرني بالجنّة. فقلت لجبرئيل- و جبرئيل بالمكان الّذي وصفه اللّه‏ (4): مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏-: ألا تأمره أن يريني النّار؟

فقال له جبرئيل‏ (5): يا مالك، أر محمّداً النّار.

فكشف عنها غطاءها (6)، و فتح بابا منها. فخرج منها لهب ساطع في السّماء، و فارت و ارتفعت‏ (7) حتّى ظننت لتناولني‏ (8) ممّا رأيت. فقلت: يا جبرئيل، قل له فيردّ (9) عليها غطاءها.

فأمرها، فقال لها: ارجعي. فرجعت إلى مكانها الّذي خرجت منه.

ثمّ مضيت فرأيت رجلا آدما جسيما، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا أبوك، آدم. فإذا هو تعرض عليه ذرّيّته فيقول: روح طيّب و ريح طيّبة من جسد طيّب.

ثمّ تلا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سورة المطفّفين على رأس سبع عشرة آية كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ، كِتابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏ إلى آخرها.

قال: فسلّمت على أبي، آدم و سلّم عليّ و استغفرت له و استغفر لي، فقال لي:

مرحبا بالابن الصّالح و النّبيّ الصّالح و المبعوث في الزّمن الصّالح.

____________

1 و 2- ليس في المصدر.

(3) المصدر: ضاحكا لأحد.

(4) التكوير/ 21.

(5) ليس في ب.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: غطاء.

(7) المصدر: فارتعدت.

(8) المصدر: ليتناولني.

(9) المصدر: فليردّ.

311

ثمّ مررت بملك من الملائكة، و هو جالس [على مجلس‏] (1)، و إذا جميع الدّنيا بين ركبتيه، و إذا بيده لوح من نور [ينظر فيه، مكتوب‏] (2) فيه [كتاب ينظر فيه،] (3) لا يلتفت يمينا و لا شمالا، مقبلا عليه‏ (4)، كهيئة الحزين.

فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا ملك الموت، دائب في قبض الأرواح.

فقلت: يا جبرئيل، ادنني منه حتّى أكلّمه. فأدناني منه، فسلّمت عليه.

فقال له جبرئيل: هذا [محمّد] (5) نبيّ الرّحمة، الّذي أرسله اللّه إلى العباد.

فرحّب بي و حيّاني بالسّلام، و قال: أبشر، يا محمّد، فإنّي أرى الخير كلّه في أمّتك. فقلت: الحمد للّه المنّان ذي النّعم على عباده. ذلك من فضل ربّي و رحمته عليّ.

فقال جبرئيل: هو أشدّ الملائكة عملا.

فقلت‏ (6): أكلّ من مات، أو هو ميّت فيما بعد، [هذا] (7) تقبض روحه؟

قال: نعم.

قلت: و تراهم حيث كانوا، و تشهدهم بنفسك؟

فقال: نعم. فقال ملك الموت: ما الدّنيا كلّها عندي فيما سخّرها اللّه لي و مكّنني عليها (8)، إلّا كالدرّهم في كفّ الرّجل يقلّبه كيف يشاء. و ما من دار إلّا و أنا أتصفّحه كلّ يوم خمس مرّات، و أقول إذا بكى أهل الميّت على ميّتهم: لا تبكوا عليه، فإنّ لي فيكم عودة و عودة حتّى لا يبقى‏ (9) أحد منكم.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كفى بالموت طامّة (10)، يا جبرئيل.

فقال جبرئيل: إنّ ما بعد الموت أطمّ و أطمّ من الموت.

قال: ثمّ مضيت، فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيّب و لحم خبيث،

____________

1 و 2- ليس في المصدر.

(3) ليس في ب.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا شمالا و لا مقبلا.

(5) من المصدر.

(6) ليس في ب.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: منها.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عود و عود لا يبقى.

(10) الطّامّة: الدّاهية تفوق ما سواها.

312

فيأكلون الخبيث و يدعون الطّيّب، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين يأكلون الحرام و يدعون الحلال، و هم من أمّتك، يا محمّد.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثمّ رأيت ملكا من الملائكة جعل اللّه أمره عجبا، نصف جسده نار و النّصف الآخر ثلج، فلا النّار تذيب الثّلج و لا الثّلج يطفئ النّار، و هو ينادي بصوت رفيع يقول: سبحان الّذي كفّ حرّ هذه النّار فلا يذيب‏ (1) الثّلج، و كفّ برد هذا الثّلج فلا يطفئ حرّ هذه النّار. اللّهمّ، يا مؤلّف بين الثّلج و النّار، ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين.

فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا ملك و كلّه اللّه بأكناف السّماء (2) و أطراف الأرضين، و هو أنصح ملائكة اللّه‏ (3) لأهل الأرض من عباده المؤمنين، يدعو لهم بما تسمع منذ خلق، و ملكان يناديان في السّماء: أحدهما يقول: الّلهمّ، أعط كلّ منفق خلفا، و الآخر يقول: الّلهمّ، أعط كلّ ممسك تلفا.

ثمّ مضيت، فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل، يقرض اللّحم من جنوبهم و يلقى في أفواههم، [و يخرج من أدبارهم‏] (4). فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الهمّازون اللّمّازون.

ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام ترضخ‏ (5) رؤوسهم‏ (6) بالصّخر، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين ناموا (7) عن صلاة العشاء.

ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام تقذف النّار في أفواههم و تخرج من أدبارهم، فقلت:

من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما (8)، إنّما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا.

____________

(1) المصدر: فلا تذيب.

(2) المصدر: السموات.

(3) ب: أنصح الملائكة.

(4) ليس في المصدر.

(5) ب، ر: ترضّ.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: وجوههم.

(7) المصدر: ينامون.

(8) ليس في ب.

313

ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم يقوم فلا يقدر من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين يأكلون الرّبا، لا يقومون إلا كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ.

و إذا هم بسبيل‏ (1) آل فرعون، يعرضون على النّار غدوّا و عشيّا و (2) يقولون: ربّنا متّى تقوم السّاعة.

قال: ثمّ مضيت فإذا أنا بنسوان معلّقات بثديهنّ، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء اللّواتي يورثن أموال أزواجهنّ أولاد غيرهم‏ (3).

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اشتدّ غضب اللّه على امرأة أدخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم، فاطّلع على عوراتهم و أكل خزائنهم.

قال: ثمّ مررنا (4) بملائكة من ملائكة اللّه- عزّ و جلّ- خلقهم اللّه [على هيئات مختلفة] (5) كيف شاء، و وضع وجوههم كيف شاء، ليس شي‏ء من أطباق أجسادهم إلّا و هو يسبّح اللّه و يحمّده من كلّ ناحية بأصوات مختلفة، أصواتهم مرتفعة بالتّحميد و البكاء من خشية اللّه، فسألت جبرئيل- (عليه السلام)- عنهم.

فقال: كما ترى خلقوا، إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ، و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها و لا خفضوها إلى ما تحتها (6) خوفا من اللّه و خشوعا.

فسلّمت عليهم، فردّوا عليّ إيماء برءوسهم‏ (7) و لا ينظرون‏ (8) إليّ من الخشوع.

فقال لهم جبرئيل: هذا محمّد (9) نبيّ الرّحمة. أرسله اللّه إلى العباد رسولا و نبيّا، و هو خاتم النّبيّين و سيّدهم، أفلا تكلّمونه!؟

____________

(1) المصدر: مثل.

(2) ليس في المصدر.

(3) أي: يزنين، و يلحقن أولاد الزّنا بالأزواج فيرثون من أزواجهنّ كما قاله في البحار.

(4) ب، المصدر: ثمّ قال: مررنا.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: تحتهم.

(7) ليس في المصدر.

(8) إلى هنا من موضع ذكرناه قبل صفحات، لا يوجد في أ.

(9) ليس في أ، ب.

314

قال: فلمّا سمعوا ذلك من جبرئيل، أقبلوا عليّ بالسّلام، و أكرموني، و بشّروني بالخير لي و لأمّتي.

قال: ثمّ صعد بي إلى السّماء الثّانية، فإذا فيها رجلان متشابهان، فقلت: من هذان يا جبرئيل؟

فقال لي: ابنا الخالة، عيسى‏ (1) و يحيى.

فسلّمت عليهما و سلّما عليّ، و استغفرت لهما و استغفر لي، و قالا: مرحبا بالأخ الصّالح و النّبيّ الصّالح. و إذا فيها من الملائكة [مثل ما في السّماء الأولى‏] (2) و عليهم الخشوع، و قد وضع اللّه وجوههم كيف شاء، ليس منهم ملك إلّا يسبّح اللّه و يحمّده بأصوات مختلفة.

ثمّ صعدنا إلى السّماء الثّالثة، فإذا فيها رجل فضل حسنه على سائر الخلق، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النّجوم، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا أخوك، يوسف.

فسلّمت عليه و سلّم عليّ، و استغفرت له و استغفر لي، و قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح و الأخ الصّالح و المبعوث في الزّمان‏ (3) الصّالح. فإذا فيها ملائكة عليهم من الخشوع مثل ما وصفت في السّماء الأولى و الثّانية، و قال لهم جبرئيل في أمري ما قال للآخرين، و صنعوا بي مثل ما صنع الآخرون.

ثمّ صعدنا إلى السّماء الرّابعة و إذا فيها رجل، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا إدريس رفعه اللّه مكانا عليّا.

فسلّمت عليه و سلّم عليّ، و استغفرت له و استغفر لي، و إذا فيها من الملائكة عليهم من الخشوع مثل ما في السّماوات فبشّروني بالخير لي و لأمّتي. ثمّ رأيت ملكا جالسا على سرير، تحت يديه سبعون ألف ملك، تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك، فوقع في نفس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه هو، فصاح به جبرئيل فقال: قم. فهو قائم إلى يوم القيامة.

ثمّ صعدنا إلى السّماء الخامسة، فإذا فيها رجل كهل عظيم العين لم أر كهلا

____________

(1) المصدر: عيسى بن مريم.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: الزّمن.

315

أعظم منه، حوله ثلّة (1) من أمّته فأعجبتني‏ (2) كثرتهم، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا المجيب في قومه، هارون بن عمران.

فسلّمت عليه و سلّم عليّ، و استغفرت له و استغفر لي، و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السّماوات.

قال: ثمّ صعدنا إلى السّماء السّادسة، فإذا فيها رجل آدم طويل كأنّه من شبوة (3)، و لو [لا] (4) أنّ عليه قميصين، لنفذ شعره منهما. فسمعته يقول: يزعم بنو إسرائيل أنّي‏ (5) أكرم ولد آدم على اللّه، و هذا رجل أكرم على اللّه منّي.

فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا أخوك، موسى بن عمران.

فسلّمت عليه و سلّم عليّ، و استغفرت له و استغفر لي، و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السّماوات.

قال: ثمّ صعدنا إلى السّماء السّابعة، فما مررت بملك من الملائكة إلّا قالوا: يا محمّد، احتجم و امر أمّتك بالحجامة. و إذا فيها رجل أشمط (6) الرّأس و اللّحية جالس على كرسي، فقلت: يا جبرئيل، من هذا الّذي في السّماء السّابعة على باب البيت المعمور في جوار اللّه- تعالى-؟

فقال: [يا محمّد] (7) هذا أبوك، إبراهيم، و هذا محلّك و محلّ من اتّقى من أمّتك.

ثمّ قرأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ثلاثة.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أعجبني.

(3) المصدر: رجل آدم طويل عليه سمرة.

و شبوة: أبو قبيلة، و موضع بالبادية، و حصن باليمن.

و عن شرح القاموس: أنّ شبوة بطن من القحطانيّة، و هو شبوة بن ثوبان بن عبس بن شحارة بن غالب بن عبد اللّه بن عكّ.

و عن الثّعلبيّ أنّه ذكر في وصفه (ع): كأنّه من رجال أزد شنوءة. و قال الفيروزآبادي: أزد شنوءة: قبيلة سمّيت لشنآن بينهم.

و قال المجلسيّ (ره) بعد نقل الأقوال: و على التّقادير شبّهه (ص) بإحدى تلك الطّوائف في الأدمة و طول القامة.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: في.

(6) الشّمط: بياض في الرّأس يخالطه سواد.

(7) ليس في المصدر.

316

[قال:] (1) فسلّمت عليه و سلّم عليّ، و قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح و الابن الصّالح و المبعوث في الزّمان‏ (2) الصّالح. و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السّماوات، فبشّروني بالخير لي و لأمّتي.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و رأيت في السّماء السّابعة بحارا من نور يتلألأ يكاد تلألؤها يخطف بالأبصار، و فيها بحار من ظلمة و بحار من ثلج ترعد (3)، فلمّا (4) فزعت و رأيت هؤلاء سألت جبرئيل.

فقال: أبشر، يا محمّد، و اشكر كرامة ربّك و اشكر اللّه بما صنع إليك.

قال: فثبّتني اللّه بقوّته و عونه حتّى كثر قولي لجبرئيل و تعجّبي.

فقال جبرئيل: يا محمّد، أ تعظّم ما ترى؟ إنّما هذا خلق من خلق ربّك، فكيف بالخالق الّذي خلق ما ترى؟ و ما لا ترى أعظم من هذا! إنّ بين اللّه و بين خلقه سبعين‏ (5) ألف [حجاب. و أقرب الخلق إلى اللّه أنا و إسرافيل، و بيننا و بينه أربعة حجب‏] (6):

حجاب من نور، و حجاب من ظلمة، و حجاب من الغمام، و حجاب من الماء.

قال: و رأيت من العجائب الّتي خلق اللّه و سخّر (7) على ما أراده ديكا (8) رجلاه في تخوم الأرضين السّابعة و رأسه عند العرش، و ملكا من ملائكة اللّه خلقه اللّه‏ (9)، كما أراد، رجلاه في تخوم الأرضين السّابعة، ثمّ أقبل مصعدا حتّى خرج في الهواء إلى السّماء السّابعة، و انتهى فيها مصعدا حتّى انتهى‏ (10) قرنه إلى قرب العرش، و هو يقول: سبحان ربيّ حيث ما كنت، لا تدري‏ (11) أين ربّك من عظم شأنه. و (12) له جناحان في منكبيه‏ (13)، إذا نشرهما جاوزا الشّرق و الغرب، فإذا كان في السّحر، نشر [ذلك الدّيك‏] (14) جناحيه و خفق بهما و صرخ بالتّسبيح يقول: سبحان اللّه الملك القدّوس، سبحان اللّه الكبير

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: الزّمن.

(3) المصدر: و فيها بحار مظلمة و بحار ثلج و رعد.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فكلّما.

(5) المصدر: سبعون (تسعون- خ ل)

(6) من المصدر.

(7) المصدر: سخّر به.

(8) أ، ب: ملكا.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: استقرّ.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تدرك.

(12) ليس في أ، ب، ر، المصدر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: منكبه.

(14) من المصدر.

317

المتعال، لا إله إلّا هو (1) الحيّ القيّوم. فإذا قال ذلك سبّحت ديوك الأرض كلّها و خفقت بأجنحتها و أخذت في الصّراخ‏ (2)، و إذا سكت ذلك الدّيك في السّماء، سكتت ديوك الأرض كلّها. و لذلك الدّيك زغب‏ (3) أخضر و ريش أبيض، كأشد [بياض ما رأيته قطّ، و له زغب أخضر- أيضا- تحت ريشه الأبيض، كأشدّ] (4) خضرة ما رأيتها.

قال: ثمّ مضيت مع جبرئيل فدخلت البيت‏ (5) المعمور فصلّيت فيه ركعتين، و معي أناس من أصحابي عليهم ثياب جدد و آخرون‏ (6) عليهم ثياب خلقان‏ (7)، فدخل أصحاب الجدد و حبس أصحاب الخلقان. ثمّ خرجت فانقاد إليّ نهران: نهر يسمّى: الكوثر، و نهر يسمّى: الرّحمة، فشربت من الكوثر و اغتسلت من الرّحمة. ثمّ انقادا إليّ جميعا حتّى دخلت الجنّة، فإذا على حافيتها بيوتي و بيوت أزواجي، و إذا ترابها كالمسك، و إذا جارية تنغمس في أنهار الجنّة.

فقلت: لمن أنت، يا جارية؟

فقال: لزيد بن حارثة.

فبشّرته بها حين أصبحت، و إذا بطيرها البخت‏ (8)، و إذا رمّانها مثل الدّلاء (9) العظام، و إذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها تسعمائة سنة و ليس في الجنّة منزل إلّا و فيها قتر (10) منها، فقلت: ما هذه الشّجرة (11)، يا جبرئيل؟

فقال: هذه شجرة طوبى، قال اللّه‏ (12)- تعالى-: طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فلمّا دخلت الجنّة رجعت إليّ نفسي، فسألت جبرئيل عن تلك البحار و هو لها و أعاجيبها.

فقال: هي سرادقات الحجب الّتي احتجب اللّه- تبارك و تعالى- بها، و لو لا تلك‏

____________

(1) من ب. و في المصدر: اللّه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أخذت بالصّراخ.

(3) الزغب: صغار الريش.

(4) ليس في أ، ب.

(5) كذا في المصدر. و في أ، ب: في البيت. و في غيرهما: بالبيت.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: آخرين.

(7) أي: بالية.

(8) البخت: الإبل الخراسانيّة.

(9) الدّلاء: جمع الدّلو.

(10) القتر: النّاحية و الجانب. و في المصدر: فرع.

(11) ليس في المصدر.

(12) الرّعد/ 29.

318

الحجب، لتهتّك‏ (1) نور العرش و (2) كلّ شي‏ء فيه.

و انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا الورقة منها تظلّ‏ (3) أمّة من الأمم، فكنت منها، كما قال اللّه‏ (4)- تبارك و تعالى-: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ فناداني: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ‏. (5) و قد كتبنا ذلك في سورة البقرة.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا ربّ، أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني.

فقال اللّه- عزّ و جلّ-: قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول و لا قوة إلّا باللّه [العليّ العظيم‏] (6) و لا منجا منك إلّا إليك.

قال: و علّمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت و أمسيت: «الّلهمّ، إنّ ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك، و ذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك، و ذلّي أصبح مستجيرا بعزّتك، و فقري أصبح مستجيرا بغناك، و وجهي الفاني البالي أصبح مستجيرا بوجهك الدّائم الباقي الّذي لا يفنى» (7).

ثمّ سمعت الأذان، فإذا ملك يؤذّن لم ير في السّماء قبل تلك اللّيلة، فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر.

فقال اللّه- عزّ و جلّ-: صدق عبدي، أنا أكبر [من كلّ شي‏ء] (8).

فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، أشهد أن لا إله إلّا اللّه.

فقال- عزّ و جلّ-: صدق عبدي، أنا اللّه لا إله غيري.

قال: أشهد أن محمّدا رسول اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه.

فقال- عزّ و جلّ-: صدق عبدي، أنّ محمّدا عبدي و رسولي، أنا بعثته و انتجبته.

فقال: حيّ على الصّلاة. حيّ على الصّلاة.

فقال اللّه- عزّ و جلّ-: صدق عبدي، دعا إلى فريضتي. فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا، كانت له كفّارة لما مضى من ذنوبه.

____________

(1) المصدر: لهتك.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: تظلّ به.

(4) النّجم/ 9.

(5) البقرة/ 285.

(6) ليس في المصدر.

(7) يوجد هنا في جميع النسخ زيادة: و أقول ذلك إذا أمسيت.

(8) ليس في المصدر.

319

فقال: حيّ على الفلاح. حيّ على الفلاح.

فقال اللّه: هي الصّلاح و الفلاح و النّجاح.

ثمّ أممّت الملائكة في السّماء، كما أمّمت الأنبياء- (عليهم السلام)- في بيت المقدس. ثمّ غشيتني صبابة (1) فخررت ساجدا، فناداني ربّي: إنّي قد فرضت على كلّ نبيّ [كان‏] (2) قبلك خمسين صلاة، و فرضتها عليك و على أمّتك، فقم بها أنت في أمّتك.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فانحدرت حتّى مررت على إبراهيم- (عليه السلام)- فلم يسألني عن شي‏ء، حتّى انتهيت إلى موسى- (عليه السلام)- فقال: ما صنعت، يا محمّد؟

فقلت: قال ربّي: قد فرضت على كلّ نبيّ كان قبلك خمسين صلاة، و فرضتها عليك و على أمّتك.

فقال: موسى‏ (3)- (عليه السلام)-: يا محمّد، إنّ أمّتك آخر الأمم و أضعفها، و إنّ ربّك لا يردّ عليك شيئا (4) و إنّ أمّتك لا تستطيع أن تقوم بها، فارجع إلى ربّك فأسأله التّخفيف لأمّتك.

فرجعت إلى ربّي حتّى انتهيت إلى سدرة المنتهى، فخررت ساجدا، ثمّ قلت:

فرضت عليّ و على أمّتي خمسين صلاة، و لا أطيق ذلك و لا أمّتي، فخفّف عنّي، فوضع عنّي عشرا (5)، فرجعت إلى موسى- (عليه السلام)- فأخبرته.

فقال: ارجع إليه لا تطيق.

[فرجعت إلى ربّي، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى- (عليه السلام)- فأخبرته.

فقال: ارجع إليه، لا تطيق‏] (6).

فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فأخبرته.

فقال: ارجع.

____________

(1) الصّبابة: رقّة الشّوق و حرارته.

(2) من المصدر.

(3) ليس في أ، ب، ر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و إنّ ربّك لا يزيده شي‏ء.

(5) المصدر: عشرة.

(6) ليس في أ، ب، ر، المصدر.

320

و في كلّ رجعة أرجع إليه أخرّ ساجدا حتّى رجع إلى عشر صلوات، فرجعت إلى موسى فأخبرته.

فقال: لا تطيق.

فرجعت إلى ربّي فوضع عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى- (عليه السلام)- فأخبرته‏ (1).

فقال: لا تطيق.

فقلت: قد استحييت من ربّي، و لكن أصبر عليها.

فناداني مناد: كما صبرت عليها، فهذه الخمس بخمسين صلاة (2)، كلّ صلاة بعشر (3). و من همّ من أمّتك بحسنة يعملها فعملها (4)، كتبت له عشرا، و إن لم يعمل، كتبت عليه واحدة، و إن لم يعملها، لم تكتب‏ (5) عليه.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: جزى اللّه موسى عن هذه الأمّة خيرا. فهذا تفسير قول اللّه- عزّ و جلّ-: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا (الآية).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6)، بعد أن نقل عن الصّادق- (عليه السلام)- حديثا: و قال- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به أمره ربّه بخمسين صلاة، فمرّ على النّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شي‏ء، حتّى انتهى إلى موسى بن عمران فقال:

بأيّ شي‏ء أمرك ربّك؟

فقال: بخمسين صلاة.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه- عزّ و جلّ- فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شي‏ء، حتّى مرّ بموسى بن عمران فقال: بأي شي‏ء أمرك ربّك؟

فقال: بأربعين صلاة.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه- عزّ و جلّ- فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شي‏ء، حتّى مرّ بموسى فقال: بأيّ شي‏ء أمرك ربّك؟

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

2 و 3 و 4- ليس في المصدر.

(5) المصدر: أكتب.

(6) الفقيه 1/ 125- 126، ح 602.

321

فقال: بثلاثين صلاة.

فقال: اسأل ربّ التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه- عزّ و جلّ- فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شي‏ء، حتّى مرّ بموسى [بن عمران‏] (1) فقال: بأيّ شي‏ء أمرك ربّك؟

فقال: بعشرين صلاة.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه- عزّ و جلّ- فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شي‏ء، حتّى مرّ بموسى فقال له: بأيّ شي‏ء أمرك ربّك؟

فقال: بعشر صلوات.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك، فإنّي جئت إلى بني إسرائيل بما افترض اللّه- عزّ و جلّ- عليهم فلم يأخذوا به و لم يقرّوا عليه.

فسأل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ربّه، فخفّف عنه فجعلها خمسا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شي‏ء، حتّى مرّ بموسى- (عليه السلام)- فقال: بأيّ شي‏ء أمرك ربّك؟

فقال: بخمس صلوات.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، عن أمّتك، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فقال: إنّي لأستحي أن أعود إلى ربّي. فجاء رسول اللّه (ص) بخمس صلوات.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: جزى اللّه موسى بن عمران عن أمّتي خيرا.

و قال الصّادق (عليه السلام)-: جزى اللّه موسى بن عمران عنّا خيرا.

و روي‏ (2) عن زيد بن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال: سألت أبي، سيّد العابدين- (عليه السلام)- فقلت له: يا أبة، أخبرني عن جدّنا، رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا عرج به إلى السّما و أمره ربّه- عزّ و جلّ- بخمسين صلاة كيف لم يسأله التّخفيف عن أمّته حتّى قال له موسى بن عمران: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك؟

____________

(1) من المصدر.

(2) الفقيه 1/ 126- 127، ح 603.

322

قال: يا بنيّ، إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يقترح على ربّه- عزّ و جلّ- و لا يراجعه في شي‏ء يأمره به. فلمّا سأله موسى- (عليه السلام)- ذلك، و صار شفيعا لأمّته إليه، لم يجز له ردّ شفاعة أخيه، موسى، فرجع إلى ربّه- عزّ و جلّ- يسأله‏ (1) التّخفيف إلى أن ردّها إلى خمس صلوات.

قال: فقلت يا أبة: فلم لم يرجع إلى ربّه- عزّ و جلّ- و لم يسأله التّخفيف عن خمس صلوات، و قد سأله موسى أن يرجع إلى ربّه و يسأله التّخفيف؟

فقال: يا بنيّ، أراد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يحصل لأمّته التّخفيف مع أجر خمسين صلاة، لقول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. ألا ترى أنّه- (عليه السلام)- لمّا هبط إلى الأرض نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السّلام و يقول: إنّها خمس بخمسين‏ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (2).

قال: فقلت له: يا أبة، أليس اللّه- جلّ ذكره- لا يوصف بمكان؟

فقال: بلى، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

قلت: فما معنى قول موسى- (عليه السلام)- لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

ارجع إلى ربّك؟

قال: معناه معنى قول إبراهيم‏ (3): إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّي سَيَهْدِينِ‏. و معنى قول موسى‏ (4)- (عليه السلام)-: وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏. و معنى قوله‏ (5)- عزّ و جلّ-: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ‏، يعني: حجّوا إلى بيت اللّه.

يا بنيّ، إنّ الكعبة بيت اللّه فمن حجّ بيت اللّه فقد قصد إلى اللّه، و المساجد بيوت اللّه فمن سعى إليها فقد سعى إلى اللّه- عزّ و جلّ- و قصد إليه، و المصلّي ما دام في صلاته فهو واقف بين يدي اللّه، فإنّ للّه- عزّ و جلّ- بقاعا في سماواته فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه، ألا تسمع اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (6): تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ‏. و يقول اللّه‏ (7)- عزّ و جلّ- في قصّة عيسى بن مريم- (عليهما السلام)-: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ‏

____________

(1) ب، المصدر: فسأله.

(2) ق/ 29.

(3) الصافات/ 99.

(4) طه/ 84.

(5) الذاريات/ 50.

(6) المعارج/ 4.

(7) النساء/ 158.

323

و يقول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏. و قد أخرجت هذا الحديث مسندا (2) في كتاب المعارج (انتهى).

و في الكافي‏ (3): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد المسلميّ، عن عبد اللّه بن سليمان العامريّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا عرج برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نزل بالصّلاة عشر ركعات، ركعتين ركعتين.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما تروى‏ (5) هذه النّاصبة؟

فقلت‏ (6): جعلت فداك، في ما ذا (7)؟

فقال: في أذانهم و ركوعهم و سجودهم.

فقلت: إنّهم يقولون: إنّ ابيّ بن كعب رآه في النّوم.

فقال: كذبوا، فإنّ دين اللّه- عزّ و جلّ- أعزّ من أن يرى في النّوم.

قال: فقال له سدير الصّيرفيّ: جعلت فداك، فأحدث لنا من ذلك ذكرا.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا عرج بنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى سماواته السّبع، أمّا أوّلهنّ فبارك عليه، و الثّانية علّمه فرضه، فأنزل اللّه محملا من نور فيه أربعون نوعا من أنواع النّور كانت محدقة بعرش اللّه تغشي أبصار النّاظرين، أمّا واحد منها فأصفر فمن أجل ذلك اصفرّت الصفّرة، و واحد منها أحمر فمن أجل ذلك احمرّت الحمرة، و واحد منها أبيض فمن أجل ذلك ابيضّ البياض، و الباقي على سائر عدد الخلق من النّور و الألوان، في ذلك المحمل حلق و سلاسل من فضّة.

ثمّ عرج به إلى السّماء، فنفرت‏ (8) الملائكة إلى أطراف السّماء و خرّت سجّدا، و قالت: سبّوح قدوّس، ما أشبه هذا النّور بنور ربّنا؟ فقال جبرئيل: اللّه أكبر، اللّه أكبر.

ثمّ فتحت أبواب السّماء و اجتمعت الملائكة، فسلّمت على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-

____________

(1) فاطر/ 10.

(2) ليس في أ.

(3) الكافي 3/ 487، ح 2.

(4) نفس المصدر 3/ 482- 486، ح 1.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ترى.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ممّا ذا.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فنفرت به.

324

أفواجا، و قالت: يا محمّد، كيف أخوك؟ إذا نزلت فأقرئه السّلام.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ فتعرفونه؟

قالوا: و كيف لا نعرفه و قد أخذ ميثاقك و ميثاقه‏ (1) و ميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، و إنّا لنتصفّح وجوه شيعته كلّ يوم و ليلة خمسا- يعنون: في كلّ وقت صلاة-، و إنّا لنصلّي عليك و عليه.

[قال:] (2) ثمّ زادني ربّي أربعين نوعا من أنواع النّور لا تشبه‏ (3) النور الأوّل، و زادني حلقا و سلاسل.

و عرج بي إلى السّماء الثّانية، فلمّا قربت من باب السّماء الثّانية نفرت الملائكة إلى أطراف السّماء و خرّت سجدّا، و قالت: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الرّوح، ما أشبه هذا النّور بنور ربّنا؟ فقال جبرئيل- (عليه السلام)-: أشهد أن لا إله إلّا اللّه‏ (4).

فاجتمعت الملائكة و قالت: يا جبرئيل، من هذا معك؟

قال: هذا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قالوا: و قد بعث؟

قال: نعم.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [فخرجوا] (5) إليّ شبه المعانيق‏ (6) فسلّموا عليّ، و قالوا: اقرأ أخاك السّلام.

فقلت: أ تعرفونه؟

قالوا: و كيف لا نعرفه و قد أخذ ميثاقك و ميثاقه و ميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، و إنّا لنتصفّح وجوه شيعته في كلّ يوم و ليلة خمسا، يعنون: في كلّ وقت صلاة.

قال: ثمّ زادني ربّي أربعين نوعا من أنواع النّور، لا تشبه‏ (7) الأنوار الأولى.

ثمّ عرج بي إلى السّماء الثّالثة، فنفرت الملائكة و حزّت سجّدا، و قالت: سبّوح‏

____________

(1) المصدر: و ميثاقه منّا.

(2) من المصدر مع المعقوفتين.

(3) المصدر: يشبه.

(4) الأظهر أن يكرّر القول، كما كرّر في «اللّه أكبر» و سيكرّر في الباقيات.

(5) من المصدر.

(6) المعانيق: جمع المعناق: الفرس الجيّد العنق، و هو ضرب من السّير للدّابّة و الإبل. و قولهم:

انطلقنا إلى النّاس معانيق، أي: مسرعين.

(7) ب: لا تشتبه.

325

قدّوس [ربّنا و] (1) ربّ الملائكة و الرّوح، ما هذا النّور الّذي يشبه نور ربّنا؟ فقال جبرئيل: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه. فاجتمعت الملائكة و قالت: مرحبا بالأوّل، و مرحبا بالآخر (2)، و مرحبا بالحاشر، و مرحبا بالنّاشر، محمّد خير النّبيّين و عليّ خير الوصيّين.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثمّ سلّموا عليّ، و سألوني عن أخي.

قلت: هو في الأرض، أ فتعرفونه؟

قالوا: و كيف لا نعرفه و قد نحجّ البيت المعمور كلّ سنة، و عليه رقّ‏ (3) أبيض فيه اسم محمّد و اسم عليّ و الحسن و الحسين و الأئمّة- (عليهم السلام)- و شيعتهم إلى يوم القيامة، و إنّا لنبارك عليهم في كلّ يوم و ليلة خمسا، يعنون به: في وقت كلّ صلاة، و يمسحون رؤوسهم بأيديهم.

قال: ثمّ زادني ربّي أربعين نوعا من أنواع النّور، لا تشبه تلك الأنوار الأول‏ (4).

ثمّ عرج بي حتّى انتهيت إلى السّماء الرّابعة، فلم تقل الملائكة شيئا، و سمعت دويّا كأنّه في الصّدور، فاجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السّماء و خرجت إليّ شبه المعانيق، فقال جبرئيل- (عليه السلام)-: حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.

فقالت الملائكة: صوتان مقرونان معروفان.

فقال جبرئيل- (عليه السلام)-: قد قامت الصّلاة، قد قامت الصّلاة.

فقالت الملائكة: هي لشيعته إلى يوم القيامة.

ثمّ اجتمعت الملائكة و قالت: كيف تركت أخاك؟

فقلت لهم: و تعرفونه؟

قالوا: نعرفه و شيعته، و هو نور حول عرش اللّه- تعالى-. و إنّ في البيت المعمور لرقّا من نور، فيه كتاب من نور، فيه اسم محمّد و عليّ و الحسن و الحسين و الأئمة و شيعتهم إلى يوم القيامة لا يزيد فيهم رجل و لا ينقص منهم رجل، و إنّه لميثاقنا، و إنّه ليقرأ علينا كلّ‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «قالت: مرحبا بالأوّل و الآخر و مرحبا الآخر».

(3) الرّقّ: جلد رقيق يكتب فيه.

(4) المصدر: الأولى.

326

[يوم‏] (1) جمعة.

ثمّ قيل لي: ارفع رأسك، يا محمّد. فرفعت رأسي فإذا أطباق السّماء (2) قد خرقت و الحجب قد رفعت، ثمّ قال لي: طأطئ رأسك انظر ما ذا ترى؟ فطأطأت رأسي فنظرت إلى بيت، مثل بيتكم هذا و حرم، مثل حرم هذا البيت، لو ألقيت شيئا من يدي لم يقع إلّا عليه.

فقيل لي: يا محمّد، إنّ هذا الحرم و أنت الحرام، و لكلّ مثل مثال.

ثمّ أوحى اللّه إليّ: يا محمّد، ادن من صاد (3) فاغسل مساجدك و طهّرها و صلّ لربّك. فدنا رسول اللّه من صاد، و هو ماء يسيل من ساق‏ (4) العرش الأيمن، فتلقّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الماء بيده اليمنى، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين.

ثمّ أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: أن اغسل وجهك فإنّك تنظر إلى عظمتي، ثمّ اغسل ذراعيك اليمنى و اليسرى فإنّك تلقّى بيدك كلامي، ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يديك من الماء و رجليك إلى كعبيك فإنّي أبارك عليك و أوطئك موطئا لم يطأه أحد غيرك. فهذا علّة الأذان و الوضوء.

ثمّ أوحى اللّه- عزّ و جلّ إليه-: يا محمّد، استقبل الحجر الأسود و كبّرني على عدد حجبي. فمن أجل ذلك صار التّكبير سبعا، لأنّ الحجب سبعة (5).

فافتتح عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنّة، و الحجب متطابقة فيهن بينهنّ بحار النّور، و ذلك النّور الّذي أنزله‏ (6) اللّه على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرّات [لافتتاح الحجب ثلاث مرّات‏] (7)، فصار التّكبير سبعا و الافتتاح ثلاثا.

فلمّا فرغ من التّكبير و الافتتاح أوحى اللّه إليه: سمّ باسمي. فمن أجل ذلك جعل‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ في أوّل السّورة.

ثمّ أوحى اللّه إليه: أن أحمدني. فلمّا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ قال النّبيّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ب: السموات.

(3) سيأتي معناه في الحديث.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: شاق.

(5) المصدر: سبع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أنزل.

(7) من المصدر.

327

- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نفسه: شكرا.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: قطعت حمدي فسمّ باسمي. فمن أجل ذلك جعل في الحمد (1) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ مرّتين.

فلمّا بلغ‏ وَ لَا الضَّالِّينَ‏ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الحمد للّه ربّ العالمين [شكرا] (2).

فأوحى اللّه إليه: قطعت ذكري، فسمّ باسمي. فمن أجل ذلك جعل‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ في أوّل السّورة.

ثمّ أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: اقرأ، يا محمّد، نسبة ربّك- تبارك و تعالى-: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

ثمّ أمسك عنه الوحي، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [الواحد الأحد الصّمد.

فأوحى اللّه إليه: لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

ثمّ أمسك عنه الوحي، فقال رسول اللّه: كذلك اللّه‏] (3) كذلك اللّه ربّي‏ (4).

فلمّا قال ذلك، أوحى اللّه إليه: اركع لرّبّك، يا محمّد. فركع، فأوحى اللّه إليه و هو راكع: قل: سبحان ربّي العظيم [و بحمده‏] (5). ففعل ذلك ثلاثا.

ثمّ أوحى [اللّه‏] (6) إليه: ارفع رأسك، يا محمّد. ففعل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقام منتصبا، فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: اسجد لربّك، يا محمّد. فخرّ رسول اللّه ساجدا، فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: قل: سبحان ربّي الأعلى [و بحمده‏] (7). ففعل- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذلك ثلاثا.

ثمّ أوحى [اللّه‏] (8) إليه استو جالسا [يا محمّد] (9). ففعل، فلمّا رفع رأسه من سجوده و استوى جالسا نظر إلى عظمته‏ (10)، تجلّت له، فخرّ ساجدا من تلقاء نفسه، لا لأمر

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الحمد للّه.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: كذلك [اللّه‏] ربّنا.

(5) ليس في المصدر.

(6) من المصدر.

(7) ليس في المصدر.

8 و 9- من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عظمة.

328

ربّه‏ (1)، فسبّح اللّه‏ (2) ثلاثا، فأوحى اللّه إليه: انتصب قائما. ففعل فلم يرما كان رأى من العظمة، فمن أجل ذلك صارت الصّلاة ركعة و سجدتين.

ثمّ أوحى [اللّه‏] (3) إليه: اقرأ الْحَمْدُ (4) لِلَّهِ‏. فقرأها مثلما قرأ أوّلا. ثمّ أوحى [اللّه‏] (5) إليه: اقرأ إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ فإنّها نسبتك و نسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة. و فعل في الرّكوع [مثل‏] (6) ما فعل في المرّة الأولى، ثمّ سجد سجدة واحدة، فلمّا رفع رأسه تجلّت له العظمة فخرّ ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر ربّه‏ (7)، فسبّح أيضا.

ثمّ أوحى اللّه إليه: ارفع رأسك، يا محمّد، ثبّتك ربّك. فلمّا ذهب ليقوم قيل:

يا محمّد، اجلس. فجلس، فأوحى اللّه إليه: يا محمّد، إذا ما أنعمت عليك فسمّ باسمي.

فألهم أن قال: بسم اللّه و باللّه و لا إله إلّا اللّه و الأسماء الحسنى كلّها للّه.

ثمّ أوحى اللّه إليه: يا محمّد، صلّ على نفسك و على أهل بيتك. فقال: صلّى اللّه عليّ و على أهل بيتي و قد فعل.

ثمّ التفت فإذا بصفوف الملائكة و المرسلين و النّبيّين، فقيل: يا محمّد، سلّم عليهم. فقال: السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: إنّ السّلام و التّحيّة و الرّحمة و البركات أنت و ذرّيّتك.

ثمّ أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: أن لا يلتفت يسارا. و أوّل آية سمعها بعد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ آية أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال، فمن أجل ذلك كان السّلام واحد تجاه القبلة، و من أجل ذلك كان التّكبير في السّجود شكرا.

و قوله: «سمع اللّه لمن حمده» لأنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سمع ضجّة الملائكة بالتّسبيح و التّحمد و التّهليل، فمن أجل ذلك قال: سمع اللّه لمن حمده. و من أجل ذلك صارت الرّكعتان الأوليان كلّما أحدث فيهما حدثا كان على صاحبهما إعادتهما. فهذا الفرض الأوّل في صلاة الزّوال، يعني: صلاة الظّهر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (8)، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: دخلت عائشة على‏

____________

(1) المصدر: لا لأمر أمر به.

(2) المصدر: أيضا.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: بالحمد.

5 و 6- من المصدر.

(7) المصدر: لا لأمر أمر به.

(8) العلل 1/ 184، ح 2.

329

رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يقبّل فاطمة- (عليها السلام)-.

فقال له: أ تحبّها، يا رسول اللّه؟

قال: أما- و اللّه- لو علمت حبّي لها، لازددت لها حبّا، إنّه لمّا عرج بي إلى السّماء الرّابعة أذّن جبرئيل و أقام ميكائيل، ثمّ قيل لي: ادن‏ (1)، يا محمّد.

فقلت: أتقدّم و أنت بحضرتي، يا جبرئيل؟

قال: نعم، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، و فضّلك أنت خاصّة.

فدنوت فصلّيت بأهل السّماء الرّابعة، ثمّ التفتّ عن يميني فإذا أنا بإبراهيم- (عليه السلام)- في روضة من رياض الجنّة و قد اكتنفها جماعة من الملائكة.

[ثمّ‏] (2) إنّي صرت إلى السّماء الخامسة و منها إلى السّماء (3) السّادسة، فنوديت:

يا محمّد، نعم الأب أبوك إبراهيم و نعم الأخ أخوك عليّ. فلمّا صرت إلى الحجب أخذ جبرئيل- (عليه السلام)- بيدي فأدخلني الجنّة، فإذا [أنا] (4) بشجرة من نور في‏ (5) أصلها ملكان يطويان الحلل و الحلّي.

فقلت: حبيبي جبرئيل، لمن هذه الشّجرة؟

قال: هذه لأخيك عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و هذا الملكان يطويان له الحلّي و الحلل‏] (6) إلى يوم القيامة.

ثمّ تقدّمت أمامي فإذا أنا (7) برطب ألين من الزّبد و أطيب رائحة من المسك و أحلى من العسل، فأخذت رطبة منها فأكلتها فتحوّلت الرّطبة نطفة في صلبي. فلمّا أن هبطت إلى الأرض، واقعت خديجة، فحملت بفاطمة- (عليها السلام)-. ففاطمة حوراء إنسيّة، فإذا اشتقت إلى الجنّة، شممت رائحة فاطمة- (عليها السلام)-.

و بإسناده‏ (8) إلى هشام بن سالم: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا اسري برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و حضرت الصّلاة أذّن جبرئيل و أقام الصّلاة، فقال:

____________

(1) المصدر: اذن.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) ليس في المصدر.

(6) ليس في ب.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) نفس المصدر/ 8، ح 4.

330

تقدم، يا محمّد.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تقدّم، يا جبرئيل.

فقال له: إنّا لا نتقدم على الآدميين منذ أمرنا بالسجود لآدم- (عليه السلام)-.

و بإسناده‏ (1) إلى هشام بن الحكم: عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- قال: قلت له: لأيّ علّة صار التّكبير في الافتتاح سبع تكبيرات أفضل، و لأيّ علّة يقال في الرّكوع: سبحان ربّي العظيم و بحمده، و يقال في السّجود: سبحان ربّي الأعلى و بحمده؟

قال: يا هشام، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق السّماوات سبعا و الأرضين سبعا و الحجب سبعا. فلمّا اسري بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه، فكبّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و جعل يقول الكلمات الّتي تقال في الافتتاح. فلمّا رفع له الثّاني كبّر، فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب و كبّر سبع تكبيرات، فلتلك العلّة تكبير الافتتاح‏ (2) في الصّلاة سبع تكبيرات. فلمّا ذكر ما رأى من عظمة اللّه ارتعدت فرائصه فابترك على ركبتيه، و أخذ يقول: سبحان ربّي العظيم و بحمده. فلمّا اعتدل من ركوعه قائما نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خرّ على وجهه، و هو يقول‏ (3): سبحان ربّي الأعلى و بحمده.

فلمّا قال سبع مرّات سكن ذلك الرّعب، فلذلك جرت به السّنّة.

و بإسناده‏ (4) إلى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن، موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: كيف صارت الصّلاة ركعة و سجدتين، و كيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين؟

فقال: إذا سألت عن شي‏ء ففرّغ قلبك لتفهم، إنّ أوّل صلاة صلّاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّما صلاها في السّماء بين يدي اللّه- تبارك و تعالى- قدّام عرشه- جلّ جلاله-. و ذلك أنّه لمّا اسري به و صار عند عرشه- تبارك و تعالى- [فتجلّى له عن وجهه‏

____________

(1) نفس المصدر 2/ 332- 333، ح 4.

(2) كذا في ب. و في غيرها: «فلذلك العلّة تكبير الافتتاح». و في المصدر: «... يكبّر في الافتتاح».

(3) المصدر: و جعل يقول.

(4) نفس المصدر/ 334- 335، ح 1.

331

حتّى رآه بعينه‏] (1) قال: يا محمّد، ادن من صاد (2) فاغسل مساجدك و طهّرها و صلّ لرّبّك.

فدنا رسول اللّه إلى حيث أمره اللّه- تبارك و تعالى- فتوضّأ و أسبغ‏ (3) وضوءه، ثمّ استقبل الجبّار- تبارك و تعالى- قائما فأمره بافتتاح الصّلاة فقال: يا محمّد، اقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (إلى آخرها). ففعل ذلك، ثمّ أمره أن يقرأ نسبة ربّه- تبارك و تعالى-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ [ثمّ أمسك عنه‏ (4) القول.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ.

فقال: قل:] (5) لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. فأمسك عنه القول.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كذلك اللّه ربّي، كذلك اللّه ربّي، [كذلك اللّه ربّي‏] (6).

فلمّا قال ذلك قال: اركع، يا محمّد لربّك. فركع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له و هو راكع: [قل:] (7) سبحان ربّي العظيم و بحمده. ففعل ذلك ثلاثا، ثمّ قال: ارفع رأسك، يا محمّد. ففعل‏ (8) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [فقام منتصبا] (9) بين يدي اللّه- عزّ و جلّ-.

فقال: اسجد، يا محمّد، لرّبّك. فخرّ رسول اللّه ساجدا، فقال: سبحان ربّي الأعلى و بحمده. ففعل ذلك رسول اللّه ثلاثا، فقال له: استو جالسا، يا محمّد. ففعل، فلمّا استوي [جالسا] (10) ذكر جلال‏ (11) ربّه- جلّ جلاله- فخرّ رسول اللّه ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر (12) ربّه- عزّ و جلّ-، فسبّح- أيضا- ثلاثا.

فقال: انتصب قائما. ففعل فلم يرما كان رأى من عظمة ربّه- جلّ جلاله-.

فقال له: اقرأ، يا محمّد، و افعل كما فعلت في الرّكعة الأولى. ففعل ذلك رسول اللّه ثمّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) مرّ في حديث الكافي معناه. و سيأتي في آخر هذا الحديث أيضا.

(3) أسبغ فلان وضوءه: أبلغه مواضعه، و وفى كلّ عضو حقّه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: في.

5 و 6- ليس في ب.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: ففعل ذلك.

9 و 10- من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: جلاله.

(12) المصدر: لأمر أمره.

332

سجد سجدة واحدة، فلمّا رفع رأسه ذكر جلالة ربه- تبارك و تعالى- الثّانية فخرّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر (1) ربّه- عزّ و جلّ-، فسبّح- أيضا-.

ثمّ قال له: ارفع رأسك، ثبّتك اللّه، و اشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّ السّاعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور، الّلهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و ترحّم على محمّد (2) و آل محمّد، كما صلّيت و باركت و ترحّمت [و مننت‏] (3) على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ تقبّل شفاعته [في أمّته‏] (4) و ارفع درجته.

ففعل، فقال: [سلّم‏] (5) يا محمّد، و (6) استقبل. [فاستقبل‏] (7) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ربّه- تبارك و تعالى- مطرقا، فقال: السّلام [عليك‏] (8). فأجابه الجبّار- جلّ جلاله- فقال: و عليك السّلام، يا محمّد، بنعمتي قوّيتك على طاعتي و بعصمتي إيّاك اتّخذتك نبيّا و حبّيبا.

ثمّ قال أبو الحسن- (عليه السلام)-: و إنّما كانت الصّلاة الّتي امر بها ركعتين و سجدتين، و هو- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّما سجد سجدتين في كلّ ركعة عمّا أخبرتك من تذكّره‏ (9) [لعظمة] (10) ربّه- تبارك و تعالى- فجعله اللّه- عزّ و جلّ- فرضا.

قلت: جعلت فداك، و ما «صاد» (11) الّذي امر أن يغتسل‏ (12) منه؟

فقال: عين تنفجر (13) من ركن من أركان العرش يقال له: ماء الحياة، و هو ما قال اللّه- عزّ و جلّ-: ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. إنّما أمره أن يتوضّأ و يقرأ و يصلّي.

أبي‏ (14)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى‏ (15) العطّار، عن محمّد بن الحسن الصّفّار و لم يحفظ إسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء سقط [قطرة] (16) من عرقي فنبت منه الورد فوقع في البحر، فذهب السّمك‏ (17) ليأخذها و ذهب‏

____________

(1) المصدر: لأمر أمره.

(2) المصدر: و ارحم محمّدا.

(3) من المصدر.

4 و 5- من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

7 و 8- من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: تذكّرت.

(10) ليس في المصدر.

(11) كذا في أ، ب، ر. و في غيرها: ص.

(12) المصدر: يغسل.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: يتفجّر.

(14) العلل/ 601، ح 58.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: حدّثنا الحسين بن محمّد.

(16) من المصدر.

(17) ليس في ب.

333

الدّعموص‏ (1) ليأخذها، فقالت السّمكة: هي لي. و قال الدّعموص‏ (2): هي لي. فبعث اللّه- عزّ و جلّ- إليهما ملكا ليحكم بينهما، فجعل نصفها للسّمكة و نصفها للدّعموص‏ (3).

و في عيون الأخبار (4): حدّثني محمّد [بن إبراهيم بن إسحاق الطّالقانيّ- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن‏] (5) همّام‏ (6) قال: حدّثنا أحمد بن بندار قال: حدّثنا أحمد بن هلال، عن محمّد بن أبي عمير، عن المفضّل بن عمر، عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه: لمّا اسري بي إلى السّماء أوحى إليّ ربّي- جلّ جلاله- فقال:

يا محمّد، إنّي اطّلعت على‏ (7) الأرض اطّلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيّا و شققت لك من اسمي اسما فأنا المحمود و أنت محمّد، ثمّ اطّلعت ثانية فاخترت منها عليّا و جعلته وصيّك و خليفتك و زوج ابنتك و أبا ذرّيّتك و شققت له اسما من أسمائي فأنا العليّ الأعلى و هو عليّ، و جعلت فاطمة و الحسن و الحسين من نور كما، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان عندي من المقرّبين.

يا محمّد، لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع و يصير كالشّنّ البالي‏ (8)، ثمّ أتاني جاحدا لولايتهم ما أسكنته جنّتي و لا أظللته‏ (9) تحت عرشي.

يا محمّد، أ تحبّ أن تراهم؟

قلت: نعم، يا ربّ.

فقال- عزّ و جلّ-: ارفع رأسك.

فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و عليّ بن موسى و محمّد بن عليّ و عليّ بن محمّد و الحسن بن عليّ و الحجّة بن الحسن القائم في وسطهم، كأنّه كوكب درّيّ.

قلت: يا ربّ، من هؤلاء؟

____________

1 و 2- كذا في المصدر. و في النسخ: الدّغموس.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: للدغموس.

(4) العيون 1/ 47، ح 27.

(5) لا يوجد في أ، ب، ر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: هشام.

(7) كذا في ب. و في غيرها و المصدر: إلى.

(8) الشّنّ البالي: القربة الخلقة.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أظلته.

334

قال: هؤلاء الأئمّة، و هذا القائم الّذي يحلّ‏ (1) حلالي و يحرّم حرامي، و به أنتقم من أعدائي، و هو راحة لأوليائي، و هو الّذي يشفي قلوب شيعتك من الظّالمين و الجاحدين و الكافرين، فيخرج اللّات و العزّى طريّين‏ (2) فيحرقهما، فلفتنة النّاس بهما يومئذ أشدّ من فتنة العجل و السّامريّ.

و بإسناده‏ (3) إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: قلت لعليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن الجنّة و النّار أ هما اليوم‏ (4) مخلوقتان؟

فقال: نعم، و أنّ رسول اللّه قد دخل الجنّة و رأى النّار لمّا عرج به إلى السّماء.

قال: فقلت له: إنّ قوما يقولون: إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.

فقال:- (عليه السلام)-: لا هم منّا و لا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة و النّار، فقد كذّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و كذّبنا] (5) و ليس من ولايتنا (6) على شي‏ء و يخلّد في نار جهنّم، قال اللّه‏ (7)- تعالى-: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ‏. و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عرج بي إلى السّماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة، فناولني من رطبها فأكلته فتحوّل ذلك نطفة في صلبي، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة- (عليها السلام)-. ففاطمة حوريّة (8) إنسيّة، فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة، شممت رائحة (9) ابنتي فاطمة- (عليها السلام)-.

و بإسناده‏ (10) إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ: عن محمّد بن عليّ الرّضا، عن أبيه، الرّضا، عن أبيه، موسى بن جعفر، عن أبيه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين، عن أبيه، الحسين بن عليّ، عن أبيه، أمير المؤمنين [عليّ بن أبي طالب‏] (11)- (عليهم السلام)- قال: دخلت أنا و فاطمة على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فوجدته يبكي بكاء شديدا.

____________

(1) المصدر: يحلّل.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: طويين.

(3) نفس المصدر 1/ 94، ح 3.

(4) ليس في ب.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ولايتهم.

(7) الرحمن/ 43- 44.

(8) المصدر: حوراء.

(9) ليس في أ، ب.

(10) نفس المصدر 2/ 9- 11.

(11) ليس في ب.

335

فقلت: فداك أبى و أمى، يا رسول الله، ما يبكيك‏ (1)؟

فقال: يا علىّ، ليلة اسرى بى إلى السماء من أمتى في عذاب شديد، فأنكرت شأنهنّ فبكيت لما رأيت من شدّة عذابهنّ، و رأيت امرأة معلّقة بشعرها يغلى دماغ رأسها، و رأيت امرأة معلّقة بلسانها و الحميم يصبّ‏ (2) في حلقها، و رأيت امرأة معلّقة بثدييها، و رأيت امرأة تأكل [لحم‏] (3) جسدها و النّار توقد من تحتها، و رأيت امرأة قد شدّ رجلاها إلى يديها و قد سلّط عليها الحيات و العقاب، و رأيت امرأة صمّاء عمياء خرساء في تابوت من نار يخرج دماغ رأسها من منخرها و بدنها متقطّع‏ (4) من الجذام و البرص، و رأيت امرأة معلّقة برجلها [في تنّور] (5) من نار، و رأيت امرأة يقطّع لحم جسدها من مقدّمها و مؤخّرها بمقاريض من نار، و رأيت امرأة يحرق وجهها و يداها و هي تأكل أمعاءها، و رأيت امرأة رأسها رأس الخنزير و بدنها بدن الحمار عليها ألف ألف لون من العذاب، و رأيت امرأة على صورة الكلب و النّار تدخل في دبرها و تخرج من فمها، و الملائكة يضربون رأسها و بدنها بمقامع من نار.

قالت فاطمة- (عليها السلام)-: حبيبي و قرّة عينى، أخبرنى ما كان عملهنّ و سيرتهنّ حتّى وضع الله عليهنّ هذا العذاب؟

فقال: يا بنتي، أمّا المعلّقه بشعرها، فإنّها كانت لا تغطّى شعرها من الرجال.

و أمّا المعلّقه بلسانها، فإنّها كانت تؤذى زوجها. و أمّا المعلّقه بثدييها، فإنّها كانت تمنع زوجها من فراشها (6). و أمّا المعلّقه برجليها، فإنّها كانت‏ (7) تخرج من بيتها بغير إذن زوجها.

و أما الّتى كانت تأكل لحم جسدها، فإنّها كانت تزيّن بدنها للناس. و أمّا الّتى شدّ يداها إلى رجليها و سلّط عليها الحيّات و العقارب، فإنّها كانت قذرة الوضوء قذرة الثّياب و كانت لا تغتسل من الجنابة و الحيض و لا تتنظّف و كانت تستهين بالصّلاة. و امّا الصّمّاء الخرساء العمياء، فإنّها كانت تلد من الزّنا فتعلّقه في عنق زوجها. و أمّا الّتى كانت‏

____________

(1) المصدر: ما الّذي أبكاك.

(2) كذا في المصدر. و لا يوجد في أ، ب، ر مكانها كلمة. و في سائر النسخ: يصير.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «و يديها منقطع» بدل: «بدنها متقطّع».

(5) من المصدر.

(6) المصدر: تمتنع من فراش زوجها.

(7) من ب.

336

تقرض‏ (1) لحمها بالمقاريض، فإنها كانت تعرض نفسها على الرّجال. و أمّا الّتي كانت يحرق وجهها و بدنها و هي تأكل أمعاءها، فإنّها كانت قوّادة. و أمّا الّتي كان رأسها رأس الخنزير و بدنها بدن الحمار، فإنّها كانت نمّامة كذّابة. و أمّا الّتي كانت على صورة الكلب و النّار تدخل في دبرها و تخرج من فيها، فإنّها كانت قينة (2) نوّاحة (3) حاسدة.

ثمّ قال- (عليه السلام)-: ويل لامرأة أغضبت زوجها و طوبى لامرأة رضي عنها زوجها.

و بإسناده‏ (4) إلى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

لمّا اسري بي إلى السّماء أخذ جبرئيل بيدي و أقعدني على درنوك‏ (5) من درانيك الجنّة، ثمّ ناولني سفرجلة فأنا أقلّبها (6) إذا انفلقت فخرجت منها جارية حوراء لم أر أحسن منها.

فقالت: السّلام عليك، يا محمّد.

قلت: من أنت؟

قالت: أنا الرّاضية المرضيّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أصناف: أسفلي من مسك، و وسطي من كافور، و أعلاي من عنبر، و عجنني‏ (7) من ماء الحيوان، و قال لي الجبّار: كوني. فكنت. [خلقني لأخيك و ابن عمّك عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-] (8).

و بإسناده‏ (9) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء، رأيت في السّماء الثّالثة رجلا قاعدا رجل له‏ (10) في المشرق و رجل له في المغرب، و بيده لوح ينظر فيه و يحرّك رأسه.

فقلت: يا جبرئيل، من هذا؟

قال: [هذا] (11) ملك الموت.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و امّا الّتي يقرض.

(2) القينة: المغنّية.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بوجه.

(4) العيون 2/ 25- 26، ح 7.

(5) الدّرنوك: ما له خمل من بساط أو ثوب.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ ناولني سفرجلة أقليها.

(7) أ، ب: عجيني.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر/ 31، ح 48.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلا قائما رجلا له.

(11) من المصدر.

337

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أبي الحسن، الرّضا- (عليه السلام)- [عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)-] (2) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء، رأيت رحما معلّقة (3) بالعرش تشكو رحما إلى ربّها.

فقلت لها: كم بينك‏ (4) و بينها من أب؟

قالت: نلتقي‏ (5) في أربعين أبا.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (6): عن عليّ- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ، إنّي رأيت اسمك مقرونا إلى اسمي في أربعة مواطن فأنست بالنّظر إليه، إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السّماء وجدت على الصّخرة مكتوبا: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، أيّدته بوزيره و نصرته بوزيره.

فقلت لجبرئيل: من وزيري؟

قال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوبا عليها: «إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا وحدي، محمّد صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره [و نصرته بوزيره‏] (7)».

فقلت لجبرئيل: من وزيري؟

فقال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا جاوزت السّدرة، انتهيت إلى عرش ربّ العالمين- جلّ جلاله- فوجدت مكتوبا على قوائمه: «أنا اللّه لا إله إلّا أنا وحدي، محمّد حبيبي، أيّدته بوزيره و نصرته بوزيره».

[فلمّا رفعت رأسي نظرت على بطنان العرش مكتوبا: «أنا اللّه لا إله إلّا أنا، محمّد عبدي و رسولي، أيّدته بوزيره و نصرته بوزيره»] (8).

عن ابن صالح‏ (9)، عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-

____________

(1) الخصال/ 540، ح 13.

(2) من المصدر.

(3) ر، المصدر: متعلّقة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بينها.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يلتقي.

(6) نور الثقلين 3/ 122، ح 31 في تفسير القمّي 2/ 336 قريب منه.

7 و 8- ليس في ب.

(9) نور الثقلين 3/ 123، ح 32. و قريب منه في تفسير القمّي 2/ 336.

338

يقول: أعطاني اللّه- تبارك و تعالى- خمسا، و أعطى عليّا خمسا، أسري بي إليه، و فتح له أبواب السّماء حتّى نظر إلى ما نظرت إليه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى وهب بن منبّه، رفعه عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عرج [بي إلى‏] (2) ربّي- جلّ جلاله- أتاني النّداء: يا محمّد.

قلت: لبّيك، ربّ العظمة، لبّيك.

فأوحى اللّه إليّ: يا محمّد، فيم اختصم في الملأ الأعلى؟

فقلت: لا علم لي، إلهي.

فقال: يا محمّد، هلّا اتّخذت من الآدميّين وزيرا و أخا و وصيّا من بعدك؟

قلت: إلهي، و من أتّخذ؟

تخيّر أنت لي، يا إلهي.

فأوحى اللّه إليّ: يا محمّد، قد اخترت لك من الآدميّين عليّ بن أبي طالب.

فقلت: إلهي، ابن عمّي؟

فأوحى اللّه إليّ: يا محمّد، إنّ عليّا وارثك و وارث العلم من بعدك، و صاحب لوائك، لواء الحمد يوم القيامة، و صاحب حوضك يسقي من ورد عليه من مؤمني أمّتك.

ثمّ أوحى اللّه إليّ: يا محمّد، إنّي قد أقسمت على نفسي قسما حقّا لا يشرب من ذلك الحوض مبغض لك و لأهل بيتك و ذرّيّتك الطّيّبين الطّاهرين، حقّا حقّا (3) أقول، يا محمّد، لأدخلنّ جميع أمّتك الجنّة إلّا من أبي من خلقي.

فقلت: إلهي، هل واحد يأبى من دخول الجنّة؟

فأوحى اللّه إليّ: بلى.

فقلت: و كيف يأبى؟

فأوحى اللّه إليّ: يا محمّد، اخترتك من خلقي و اخترت لك وصيّا من بعدك، و جعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدك، و ألقيت محبّته في قلبك، و جعلته أبا لولدك، فحقّه بعدك على أمّتك، كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه، فقد

____________

(1) كمال الدّين/ 250- 252، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

339

جحد حقّك، و من أبى أن [يواليه، فقد أبى أن‏] (1) يواليك، [و من أبى أن يواليك‏] (2)، فقد أبى أن يدخل الجنّة.

فخررت للّه- عزّ و جلّ- ساجدا (3)، شكرا لما أنعم [عليّ‏] (4) فإذا مناد (5) ينادي: ارفع [يا محمّد] (6) رأسك، و اسألني أعطك.

فقلت: إلهي، اجمع أمّتي من بعدي على ولاية عليّ بن أبي طالب ليردوا جميعا على حوضي يوم القيامة.

فأوحى اللّه إليّ: يا محمّد، إنّي قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم و قضائي ماض فيهم، لأهلك به من أشاء و أهدي به من أشاء، و قد آتيته علمك من بعدك، و جعلته وزيرك و خليفتك من بعدك على أهلك و أمّتك، عزيمة منّي [لأدخل الجنّة من أحبّه و] (7) لا ادخل الجنّة من أبغضه و عاداه و أنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك و من أبغضك أبغضني، و من عاداه فقد عاداك‏ (8) و من عاداك فقد عاداني، و من أحبّه فقد أحبّك و من أحبّك فقد أحبّني، و قد جعلت له هذه الفضيلة، و أعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهديّا كلّهم من ذرّيّتك، من البكر (9) البتول و آخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض عدلا، كما ملئت منهم ظلما و جورا، أنجي به من الهلكة و أهدي به من الضّلالة و أبرئ به من العمى و أشفي به المريض.

فقلت: إلهي و [سيّدي‏] (10) متى يكون ذلك؟

فأوحى اللّه إليّ- عزّ و جلّ-: يكون ذلك إذا رفع العلم و ظهر الجهل، و كثر القرّاء و قلّ العمل، و كثر القتل، و قلّ فقهاء الهادين‏ (11) و كثر فقهاء الضّلالة و الخونة، و كثر الشّعراء، و اتّخذ أمتّك قبورهم‏ (12) مساجد، و حلّيت المصاحف و زخرفت المساجد، و كثر الجور و الفساد، و ظهر المنكر و أمر أمّتك به و نهوا عن المعروف، و اكتفى الرّجال بالرّجال‏

____________

1 و 2- ليس في ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ساجدا للّه.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: مناديا.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عادك.

(9) أ، ب: أب؟؟ ك.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: الهادون.

(12) أ، ب: بيوتهم.

340

و النّساء بالنّساء، و صارت الأمراء كفرة و أولياؤهم فجرة و أعوانهم ظلمة و ذووا الرّأي‏ (1) منهم فسقة، و عند ذلك ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، و خسف بالمغرب، و خسف بجزيرة العرب‏ (2). و خراب البصرة بيد (3) رجل من ذرّيّتك يتبعه الزّنوج، و خروج رجل من ولد الحسين بن عليّ، و خروج‏ (4) الدّجال يخرج بالمشرق من سجستان، و ظهور السّفيانيّ.

فقلت: إلهي، و متى يكون بعدي من الفتن؟

فأوحى اللّه إليّ و أخبرني ببلاء بني أميّة، و فتنة ولد عمّي العبّاس‏ (5)، و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

فأوصيت‏ (6) بذلك ابن عمّي حين هبطت إلى الأرض، و أدّيت الرّسالة و الحمد للّه على ذلك، كما حمده النّبيّون، و كما حمده كلّ شي‏ء (7) قبلي، و ما هو خالقه إلى يوم القيامة.

و بإسناده‏ (8) إلى عبد السّلام بن الصّالح الهرويّ: عن عليّ بن موسى الرّضا، عن آبائه، عن عليّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)- في آخره: و إنّه لمّا عرج بيّ إلى السّماء، أذّن جبرئيل مثنى مثنى [و أقام مثنى مثنى‏] (9)، ثمّ قال: تقدّم [يا محمّد] (10).

فقلت: يا جبرئيل، أتقدّم عليك؟

قال: نعم، لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين، و فضّلك خاصّة.

فتقدّمت و صلّيت بهم و لا فخر. فلمّا انتهينا (11) إلى حجب النّور قال لي جبرئيل:

تقدّم، يا محمّد. [و تحلّف عنّي.

فقلت: يا جبرئيل، في مثل هذا الموضع تفارقني!؟

____________

(1) المصدر: ذوي الرأي.

(2) ب: المغرب.

(3) المصدر: على يد.

(4) المصدر: ظهور.

(5) ليس في المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فأوحيت.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: نبي.

(8) كمال الدّين/ 254- 256، ح 4.

9 و 10- من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: انتهيت.

341

فقال: يا محمّد،] (1) إنّ هذا انتهاء حدّي الّذي وضعه اللّه لي في هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي لتعدّي حدود ربّي- جلّ جلاله-.

فزّج بي زجّة (2) في النّور حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء اللّه- عزّ و جلّ- من ملكوته، [فنوديت: يا محمّد.

فقلت: لبّيك ربّي و سعديك، تباركت و تعاليت‏] (3).

فنوديت: يا محمّد، أنت عبدي و أنا ربّك، فإيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل، فإنّك نوري‏ (4) في عبادي و رسولي إلى خلقي و حجّتي في بريّتي‏ (5)، لمن اتّبعك‏ (6) خلقت جنّتي و لمن [عصاك و] (7) خالفك خلقت ناري، و لأوصيائك أوجبت كرامتي و لشيعتك أوجبت ثوابي.

فقلت: يا ربّ، و من أوصيائي؟

فنوديت: يا محمّد، أوصياؤك‏ (8) المكتوبون على ساق العرش.

فنظرت- و أنا بين يدي ربّي- إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نورا، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيّائي، أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم مهديّ أمّتي، فقلت: يا ربّ، أ هؤلاء أوصيائي من بعدي؟

فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي و أحبّائي و أصفيائي و حججي بعدك على بريّتي، و هم أوصياؤك و خلفاؤك و خير خلقي بعدك، و عزّتي و جلالي، لأظهرنّ بهم ديني، و لأعلينّ بهم كلمتي، و لأطهّرن الأرض بآخرهم من أعدائي، و لأملكنّه مشارق الأرض و مغاربها، و لأسخرنّ له الرّياح، و لأذلّلنّ له الرّقاب الصّعاب، و لأرقينّه في الأسباب، و لأنصرنّه بجندي و لأمدّنّه بملائكتي حتّى تعلو (9) دعوتي و يجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه و لأداولنّ الأيّام بين أوليائي إلى يوم القيامة.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: فزخّ بي زخّة.

و زجّ بالشي‏ء، و زخّ به: رمى به.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تؤدي.

(5) ب: ديني.

(6) المصدر: تبعك.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: [إنّ‏] أوصياءك.

(9) المصدر: يعلن.

342

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و سأل محمّد بن عمران أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: لأيّ علّة يجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة، و سائر الصّلوات الظّهر و العصر لا يجهر فيهما؟ و لأيّ علّة صار التّسبيح في الرّكعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟

قال: لأنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به إلى السّماء كان أوّل صلاة فرض اللّه‏ (2) عليه الظّهر يوم الجمعة، فأضاف اللّه- عزّ و جلّ- إليه الملائكة تصلّي خلفه، و أمر نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يجهر بالقراءة ليبيّن‏ (3) لهم فضله.

ثمّ فرض [اللّه‏] (4) عليه العصر، و لم يضيف إليه أحدا من الملائكة، و أمره أن يخفي القراءة لأنّه لم يكن وراءه أحد.

ثمّ فرض عليه المغرب، و أضاف إليه الملائكة، فأمره بالإجهار، و كذلك العشاء الآخرة.

فلمّا كان قرب الفجر، نزل ففرض‏ (5) اللّه عليه الفجر، فأمره بالإجهار ليبيّن للنّاس فضله، كما بيّن للملائكة، فلهذه العلّة يجهر فيها.

و صار التّسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين، لأنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّه- عزّ و جلّ- فدهش فقال: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر. فلذلك صار التّسبيح أفضل من القراءة.

و في كتاب معاني الأخبار (6)، بإسناده إلى أنس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا عرج بي إلى السّماء، إذا أنا بأسطوانة أصلها من فضّة بيضاء، و وسطها من ياقوت و زبرجد، و أعلاها من ذهبة حمراء.

فقلت: يا جبرئيل، ما هذه؟

فقال: هذا دينك أبيض واضح مضي‏ء.

قلت: و ما هذه وسطها؟

____________

(1) الفقيه 1/ 202، ح 925.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: كان أوّل صلاتهم فرضها اللّه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و ليبّن.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: فافترض.

(6) المعاني/ 113، ح 1.

343

قال: الجهاد.

قلت: فما هذه الذّهبة الحمراء؟

قال: الهجرة، و كذلك‏ (1) علا إيمان عليّ- (عليه السلام)- على إيمان كلّ مؤمن.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا عرج برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- انتهى به جبرئيل- (عليه السلام)- إلى مكان فخلّى عنه.

فقال له: يا جبرئيل، أ تخلّيني على هذه الحال؟

فقال: امض‏ (3)، [فو اللّه‏] (4) لقد وطئت مكانا ما وطأه بشر، و ما مشي فيه بشر قبلك.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، عن أبي جعفر الثّاني، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه خلق الإسلام فجعل له عرصة، و جعل له نورا، و جعل له حصنا، و جعل له ناصرا.

فأمّا عرصته، فالقرآن. و أمّا نوره، فالحكمة. و أمّا حصنه، فالمعروف. و أمّا أنصاره، فأنا و أهل بيتي و شيعتنا. فأحبّوا (6) أهل بيتي و شيعتهم و أنصارهم، فانّه لمّا أسري بي إلى السّماء الدّنيا فنسبني جبرئيل لأهل السّماء، استودع اللّه حبّي و حبّ أهل بيتي و شيعتهم و أنصارهم في قلوب الملائكة، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة. ثمّ هبط بي إلى الأرض‏ (7) فنسبني إلى أهل الأرض، فاستودع [اللّه‏] (8)- عزّ و جلّ- حبّي و حبّ أهل بيتي و شيعتهم في قلوب مؤمني أمّتي، فمؤمنو (9) أمّتي يحفظون وديعتي [في أهل بيتي‏] (10) إلى يوم القيامة. ألا فلو أنّ رجلا من أمّتي عبد اللّه- عزّ و جلّ- عمره أيّام الدّنيا، ثمّ لقي اللّه- عزّ و جلّ- مبغضا لأهل بيتي و شيعتي ما فرج اللّه صدره إلّا عن نفاق.

____________

(1) المصدر: لذلك.

(2) الكافي 1/ 442، ح 12.

(3) المصدر: امضه.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر 2/ 46، ح 3.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فأحبّ.

(7) المصدر: إلى أهل الأرض.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فهو عند.

(10) من المصدر.

344

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة أو الفضيل‏ (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا اسري برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى السّماء فبلغ البيت المعمور و حضرت الصّلاة، فأذّن جبرئيل و أقام، فتقدّم رسول اللّه وصف الملائكة و النّبيّون خلف محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

[محمّد بن الحسن‏ (3) و عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عمر بن عثمان،] (4) عن محمّد بن عبد اللّه الخزّاز، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا هارون بن خارجة، كم بينك و بين مسجد الكوفة، يكون ميلا؟

قلت: لا.

قال: أ فتصلّي فيه الصلوات كلّها؟

قلت‏ (5): لا.

قال: أما لو كنت بحضرته، لرجوت أن لا تفوتني فيه صلاة. و تدري ما فضل ذلك الموضع؟ ما من عبد صالح و لا نبيّ، إلّا و قد صلّى في مسجد كوفان، حتّى أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اسري به، قال له جبرئيل: أين أنت، يا رسول اللّه، السّاعة؟ أنت مقابل مسجد كوفان. قال: فاستأذن لي ربّي حتّى آتيه، فاصلّي فيه ركعتين. فاستأذن اللّه- عزّ و جلّ- فأذن له.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال لي: يا أحمد، ما الخلاف بينكم و بين أصحاب هشام بن الحكم في التّوحيد؟

قلت: جعلت فداك، قلنا نحن بالصّورة للحديث الّذي روي «أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأى ربّه في صورة شابّ» و قال هشام بن الحكم بالنّفي للجسم.

فقال: يا أحمد، إنّ رسول اللّه لمّا أسري به إلى السّماء، و بلغ عند سدرة

____________

(1) نفس المصدر 3/ 302، ح 1.

(2) المصدر: عن زرارة و الفضل.

(3) نفس المصدر 3/ 490- 491، ح 1.

(4) ليس في ب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(6) تفسير القمّي 1/ 20.

345

المنتهى، خرق له في الحجب مثل سمّ الإبرة (1)، فرأى من نور العظمة ما شاء اللّه أن يرى، و أردتم أنتم التّشبيه. دع هذا يا أحمد، لا ينفتح عليك منه أمر (2).

و حدّثني أبي‏ (3)، عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء، دخلت الجنّة، فرأيت قصرا من ياقوتة حمراء يرى داخلها من خارجها و خارجها من داخلها من ضيائها، و فيها بيتان من درّ و زبرجد.

فقلت: يا جبرئيل، لمن هذا القصر؟

فقال: هذا القصر لمن [أطاب الكلام و] (4) أدام الصّيام، و أطعم الطّعام، و تهجّد بالّليل و النّاس نيام.

و هذا الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثني أبي‏ (5)، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أوّل من سبق إلى «بلى» رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و ذلك أنّه كان أقرب الخلق إلى اللّه- تعالى-، و كان بالمكان الّذي قال له جبرئيل لمّا اسري به إلى السّماء: تقدّم، يا محمّد، لقد وطئت موطئا لم يطأه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل. و لو لا أنّ روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، و كان من اللّه- عزّ و جلّ- كما قال اللّه: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏، أي: بل أدنى.

حدّثني أبي‏ (6)، عن عمرو بن سعيد الرّاشديّ، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا اسري برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [إلى السّماء] (7)، فأوحى [اللّه‏] (8) إليه في عليّ ما أوحى‏ (9) من شرفه و من عظمته عند اللّه، و ردّ إلى البيت المعمور و جمع له النّبيّين فصلّوا خلفه، و عرض في نفس رسول اللّه من عظم من أوحي إليه في عليّ- (عليه السلام)- فأنزل اللّه‏ (10): فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏

____________

(1) المصدر: لإبرة.

(2) المصدر: «هذا أمر عظيم» بدل: «منه أمر».

(3) نفس المصدر/ 21.

(4) من المصدر.

(5) نور الثقلين 3/ 131، ح 47.

(6) تفسير القمي 1/ 316- 317.

7 و 8- من المصدر.

(9) في المصدر بعدها: ما يشاء.

(10) يونس/ 94- 95.

346

، يعني: الأنبياء، فقد أنزلنا عليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك‏ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ، وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ‏.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: فو اللّه، ما شكّ و ما سأل.

و حدّثني أبي‏ (1)، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يكثر تقبيل فاطمة- (عليها السلام)- فأنكرت ذلك عائشة.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عائشة، إنّي لمّا اسري بي إلى السّماء دخلت الجنّة، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى و ناولني من ثمارها، فأكلته، فحوّل اللّه ذلك ماء في ظهري، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبّلتها قطّ إلّا وجدت رائحة شجرة طوبى منها.

و في روضة الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، ثابت بن دينار الثّماليّ و أبي منصور عن أبي الرّبيع قال: حججت‏ (3) مع أبي جعفر- (عليه السلام)- في السّنة الّتي [كان‏] (4) حجّ فيها هشام بن عبد الملك، و كان معه نافع، مولى عمر بن الخطّاب، فنظر نافع إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- في ركن البيت، و قد اجتمع عليه النّاس.

فقال نافع: يا أمير المؤمنين، من هذا الّذي قد تداكّ عليه النّاس؟

فقال: هذا نبيّ أهل الكوفة، هذا محمّد بن عليّ.

فقال: أشهد لآتينّه، فلأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو ابن نبي أو وصيّ نبيّ.

قال: فأذهب إليه و اسأله لعلّك تخجله.

فجاء نافع حتّى اتّكأ على النّاس، ثمّ أشرف على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد بن عليّ، إني قد (5) قرأت التّوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان، و قد عرفت‏

____________

(1) نفس المصدر/ 365.

(2) الكافي 8/ 120- 121، ح 93.

(3) المصدر: حججنا.

(4) من المصدر.

(5) ليس في المصدر.

347

حلالها و حرامها، و قد جئتك‏ (1) أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نّبيّ أو ابن نبيّ.

قال: فرفع أبو جعفر- (عليه السلام)- [رأسه‏] (2) فقال: سل عمّا بدا لك.

فقال: أخبرني كم كان بين عيسى و بين محمّد- (عليهما السلام)- من سنّة؟

قال: أخبرك بقولك أم بقولي؟

قال: أخبرني بالقولين جميعا.

قال: أمّا في قولي، فخمسمائة سنة. و أمّا في قولك، فستّمائة سنة.

قال: فأخبرني عن قول اللّه‏ (3)- عزّ و جلّ- لنّبيّه: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ‏ (4) قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏. من الّذي سأل‏ (5) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كان بينه و بين عيسى خمسمائة سنة؟

قال: فتلا أبو جعفر- (عليه السلام)- هذه الآية: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا فكان من الآيات الّتي أراها اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيث اسري به إلى البيت المقدّس أنّه حشر اللّه- جلّ ذكره- الأوّلين و الآخرين من النّبيّين و المرسلين، ثمّ أمر جبرئيل- (عليه السلام)- فأذّن شفعا و أقام شفعا، و قال في أذانه: حيّ على خير العمل. ثمّ تقدّم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فصلّى بالقوم. فلمّا انصرف قال: [سل، يا محمّد، من أرسلنا قبلك من رسلنا أ جعلنا من دون الرّحمن آلهة يعبدون.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (6): على ما تشهدون، و ما كنتم تعبدون؟

قالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّك رسول اللّه أخذت على ذلك عهودنا و مواثيقنا.

فقال نافع: صدقت، يا أبا جعفر.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حبتك.

(2) من المصدر.

(3) الزخرف/ 45.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: سأله.

(6) ليس في المصدر.

348

و بإسناده‏ (1) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء، دخلت الجنّة، فرأيت قيعان‏ (2) يقق‏ (3)، و رأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من فضّة و لبنة من ذهب و ربّما أمسكوا.

فقلت لهم: مالكم ربّما بنيتم و ربّما أمسكتم؟

فقالوا: حتّى تجيئنا النّفقة.

فقلت‏ (4): و ما نفقتكم؟

قالوا: قول المؤمن في الدّنيا: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر. فإذا قال بنينا، و إذا أمسك أمسكنا.

و قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا اسري بي إلى السّماء (5) أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنّة، فأجلسني على درنوك من‏ (6) درانيك الجنّة فناولني سفرجلة فانفلقت نصفين، فخرجت من بينهما (7) حوراء فقامت بين يدي.

فقالت: السّلام عليك يا محمّد، السّلام عليك يا أحمد، السّلام عليك يا رسول اللّه.

فقلت: و عليك السّلام، من أنت؟

قالت: أنا الرّاضية المرضيّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أنواع: أسفلي من المسك، و وسطي من العنبر، و أعلاي من الكافور. و عجنت بماء الحيوان، ثمّ قال- جلّ ذكره- لي:

كوني. فكنت لأخيك و وصيّك، عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صلّى العشاء الآخرة و صلّى الفجر في اللّيلة الّتي اسري‏

____________

(1) لم نعثر على هذا الحديث في روضة الكافي، و لكن رواه القمّي في تفسيره 1/ 21- 22.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقعان.

و القيعان: جمع القاع: أرض سهلة مطمئنّة قد انفرجت عنها الآكام و الجبال.

(3) كذا في ب. و في غيرها: يفق. و في المصدر:

تفق.

و اليقق: المتناهي في البياض. و قد تكسر القاف.

(4) كذا في المصدر، و في النسخ: قال.

(5) المصدر: إلى سبع سماواته.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ بعدها زيادة:

نور.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بينها.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 279، ح 11.

349

به فيها (1) بمكّة.

عن زرارة (2) و حمران بن أعين و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

حدّث أبو سعيد الخدريّ، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ جبرئيل أتاني‏ (3) ليلة اسري بي و حين رجعت.

فقلت: يا جبرئيل، هل لك من حاجة؟

فقال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من اللّه و منّي السّلام.

و حدّثنا عند ذلك، أنّها قالت حين لقيها نبي اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال لها الّذي قال جبرئيل، قال: إنّ اللّه هو السّلام، و منه السّلام، و إليه السّلام، و على جبرئيل السّلام.

و في شرح الآيات الباهرة (4): و ممّا ورد في الإسراء إلى السّماء منقبة عظيمة و فضيلة جسيمة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- اختصّ بها دون الأنام، و هو ما نقله الشّيخ، أبو جعفر الطّوسي- رضي اللّه عنه- في أماليه، عن رجاله، مرفوعا، عن عبد اللّه بن عبّاس- رضي اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: أعطاني اللّه- تعالى- خمسا و أعطى عليّا خمسا، أعطاني جوامع الكلم و أعطى عليّا جوامع العلم، و جعلني نبيّا و جعله وصيّا، و أعطاني الكوثر و أعطاه السّلسبيل، و أعطاني الوحي و أعطاه الإلهام، و أسري بي و فتح له أبواب السّماء و الحجب حتّى نظر إليّ و نظرت إليه.

قال: ثمّ بكى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقلت له: ما يبكيك، فداك أبي و أمّي؟

فقال: يا ابن عبّاس، أوّل ما كلّمني ربّي أن قال: يا محمّد، انظر إلى تحتك.

فنظرت إلى الحجب قد انخرقت و إلى أبواب السّماء قد فتحت، فنظرت إلى عليّ و هو رافع رأسه، فكلمني و كلمته بما كلّمني ربّي- عزّ و جلّ-.

فقلت: يا رسول اللّه، بم‏ (5) كلّمك ربّك؟

فقال: قال لي ربّي: يا محمّد، إنّي جعلت عليّا وصيّتك و وزيرك و خليفتك من‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: إليها.

(2) نفس المصدر، ح 12.

(3) كذا في البحار 18/ 385. و في النسخ: «قال لي» بدل «أتاني».

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 276، ح 6.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فما.

350

بعدك، فأعلمه فها هو يسمع كلامك، فأعلمته و أنا بين يدي ربّي- عزّ و جلّ-.

فقال لي: قد قبلت و أطعت.

فأمر اللّه الملائكة أن تسلّم عليه، ففعلت، فردّ (عليهم السلام). و رأيت الملائكة يتباشرون به، و ما مررت بملائكة من ملائكة السّماء الّا هنّئوني و قالوا: يا محمّد، و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا (1) لقد دخل السّرور على جميع الملائكة باستخلاف اللّه- عزّ و جلّ- لك ابن عمّك. و رأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الأرض.

فقلت: يا جبرئيل، لم نكس حملة العرش رؤوسهم؟

فقال: يا محمّد، ما من ملك من الملائكة إلّا و قد نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب استبشارا به ما خلا حملة العرش، فإنّهم استأذنوا اللّه- عزّ و جلّ- في هذه السّاعة، فأذن لهم أن ينظروا (2) إلى عليّ بن أبي طالب فنظروا إليه‏ (3). فلمّا هبطت جعلت أخبره بذلك و هو يخبرني به، [فعلمت أنّي‏] (4) لم أطأ موطئا إلّا و قد كشف لعليّ عنه‏ (5) حتّى نظر إليه.

قال: [ابن عبّاس‏] (6): فقلت: يا رسول اللّه، أوصني.

فقال: يا ابن عبّاس، عليك بحبّ عليّ بن أبي طالب.

قلت: يا رسول اللّه، أوصني.

قال: عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب. و الّذي بعثني بالحقّ [نبيّا] (7)، لا يقبل اللّه من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب. و هو- تعالى- أعلم، فإن جاء بولايته‏ (8)، قبل عمله على ما كان فيه، فإن لم يأت بولايته، لم يسأله عن شي‏ء و أمر به إلى النّار (9). (الحديث)

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‏: لأقوال محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

«الْبَصِيرُ (1): بأفعاله، فيكرمه و يقرّبه على حسب ذلك.

____________

(1) من ب.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فأذن لهم فنظروا.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و نظر إليهم.

(4) من المصدر. و في النسخ بدلها: و.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عينه.

6 و 7- من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ بعدها زيادة: لم يسأله.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فأمره إلى النّار.

351

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن خالد الطّيالسيّ، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لم يزل اللّه- عزّ و جلّ- ربّنا، و العلم ذاته و لا معلوم، و السّمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدرة ذاته و لا مقدور. فلمّا أحدث الأشياء و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، و السّمع على المسموع، و البصر على المبصر، و القدرة على المقدور.

قال: قلت: فلم يزل اللّه متحرّكا؟

قال: فقال: [تعالى اللّه [عن ذلك‏] (2)، إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل.

قال: قلت: فلم يزل اللّه متكلّما؟

قال: فقال:] (3) إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة، كان اللّه- عزّ و جلّ- و لا متكلّم.

و في كتاب التّوحيد (4)، حديث طويل عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و قد سأله بعض الزّنادقة عن اللّه- تعالى-. و فيه قال السّائل: فتقول: إنّه سميع بصير؟! قال: هو [سميع بصير،] (5) سميع بغير جارحة و بصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، و يبصر بنفسه، [ليس قولي إنّه يسمع بنفسه و يبصر بنفسه‏] (6). أنّه شي‏ء و النّفس شي‏ء آخر، و لكن أردت عبارة عن نفسي، إذ كنت مسؤولا، و إفهاما لك إذ كنت سائلا، و أقول:

يسمع بكلّه‏ (7)، لا أنّ الكلّ [منه‏] (8) له، بعض‏ (9) و لكن أردت إفهامك‏ (10) و التّعبير عن نفسي، و ليس مرجعي في ذلك إلّا [إلى‏] (11) أنّه السّميع البصير العليم‏ (12) الخبير (13) بلا اختلاف الذّات و لا اختلاف المعنى.

و فيه‏ (14) عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: كان ربّا إذ (15) لا مربوب،

____________

(1) الكافي 1/ 170، ح 1.

(2) من المصدر مع المعقوفتين.

(3) ليس في أ، ب، ر.

(4) التّوحيد/ 245، ح 1، و ص 144، ح 10.

5 و 6- من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تكلّمه.

(8) من المصدر.

(9) من ب.

(10) المصدر: إفهاما لك.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: العالم.

(13) ليس في ب.

(14) نفس المصدر/ 308- 309، ح 2.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

352

و إلها إذ لا مألوه، و عالما إذ لا معلوم، و سميعا إذ لا مسموع، سميع لا بآلة، و بصير لا بأداة.

و عن الرّضا (1)- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و سمّي ربّنا سميعا لا بجزء (2) فيه يسمع به الصّوت و لا يبصر به، كما أنّ جزءنا الّذي به نسمع لا نقوى على النّظر به، و لكنّه أخبر (3) أنّه لا تخفى‏ (4) عليه الأصوات، ليس على حدّ ما سمّينا (5) نحن، فقد جمعنا الاسم بالسّميع‏ (6) و اختلف المعنى. [و هكذا البصر لا بجزء، به أبصر، كما أنّا نبصر بجزء منّا لا ننتفع به في غيره، و لكنّ اللّه بصير لا يجهل شخصا منظورا إليه، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى‏] (7).

و بإسناده‏ (8) إلى أبي هشام الجعفريّ: عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- أنّه قال له رجل: و كيف سمّي ربّنا سميعا؟

قال: لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع و لم نصفه‏ (9) بالسّمع المعقول في الرّأس، و كذلك سمّيناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون و شخص و غير ذلك، و لم نصفه بلحظ (10) العين.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (11) إلى محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت:

جعلت فداك، يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الّذي يبصر و يبصر بغير الّذي يسمع.

قال: فقال: كذبوا و ألحدوا و شبّهوا، تعالى اللّه عن ذلك، إنّه سميع بصير، يسمع بما يبصر و يبصر بما يسمع.

قال: قلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه.

قال: فقال: تعالى اللّه، إنّما يعقل ما كان بصفة المخلوق‏ (12)، و ليس اللّه كذلك.

____________

(1) نفس المصدر/ 188، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جزء.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و لكن خبير.

(4) المصدر: لا يخفى.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: سمعنا.

6 و 7- ليس في ب.

(8) نفس المصدر/ 194، ح 7.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لا نصفه.

(10) المصدر: بنظر لحظ.

(11) نفس المصدر/ 144، ح 9.

(12) المصدر: المخلوقين.

353

و بإسناده‏ (1) إلى حمّاد بن عيسى قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت:

لم يزل اللّه يعلم؟

قال: أنّى يكون يعلم و لا معلوم.

قال: قلت: فلم يزل اللّه يسمع؟

قال: أنّى يكون ذلك و لا مسموع.

قال: قلت: فلم يزل يبصر؟

قال: أنّى يكون ذلك و لا مبصر.

ثمّ قال: لم يزل اللّه عليما سميعا بصيرا، ذات علّامة سميعة بصيرة.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و قلنا: إنّه سميع، لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثّرى من الذّرّة إلى أكبر منها في برّها و بحرها، و لا تشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك: إنّه سميع، لا بإذن، و قلنا: إنّه بصير، لا ببصر، يرى‏ (3) أثر الذّرّة السّحماء (4) في اللّيلة الظّلماء على الصّخرة السّوداء (5)، و يرى دبيب النّمل في اللّيلة الدّجية (6) و يرى مضارّها و منافعها و أثر سفادها (7) و فراخها و نسلها، فقلنا عند ذلك: إنّه بصير، لا كبصر خلقه.

و بإسناده‏ (8) إلى الحسين بن خالد قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: لم يزل اللّه- عزّ و جلّ- عليما (9) قادرا حيّا (10) قديما سميعا بصيرا.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه، إنّ أقواما (11) يقولون: لم يزل اللّه عالما بعلم، و قادرا بقدرة، و حيّا بحياة [و قديما بقدم‏] (12)، و سميعا بسمع، و بصيرا ببصر.

فقال- (عليه السلام)-: من قال ذلك و دان به، فقد اتّخذ مع اللّه آلهة أخرى،

____________

(1) نفس المصدر/ 139، ح 2.

(2) العيون 1/ 109، ح 28.

(3) المصدر: لأنّه يرى.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: السّمحاء.

و السّحماء: السوداء.

(5) المصدر: الصمّاء.

(6) المصدر: «الدجنة». و هي بمعنى المظلمة أيضا.

(7) أي: جماعها. و في أ، ب: سفارها.

(8) نفس المصدر/ 97، ح 10.

(9) المصدر: عالما.

(10) كذا في ب. و في غيرها: جبّارا.

(11) المصدر: قوما.

(12) من المصدر.

354

و ليس من ولايتنا على شي‏ء.

ثمّ قال- (عليه السلام)- لم يزل اللّه عليما قادرا حيّا قديما سميعا بصيرا لذاته، تعالى عمّا يقول المشركون و المشبّهون علوّا كبيرا.

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)-: بصير إذ لا منظور (2) إليه من خلقه.

و فيه‏ (3) قال- (عليه السلام)-: و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، و يصمّه‏ (4) كبيرها و يذهب عنه ما بعد منها. و كلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان و لطيف الأجسام.

و فيه: (5) السّميع لا بأداة، و البصير لا بتفريق آلة.

و فيه‏ (6): بصير لا يوصف بالحاسّة.

وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا: على أن لا تتّخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا.

و قرأ (7) أبو عمرو، بالياء، على لأن لا يتّخذوا (8).

مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2): ربّا تكلون إليه أموركم غيري.

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ‏: نصب على الاختصاص. أو النّداء إن قرئ: «أن لا تتّخذوا» بالتّاء. أو على أنّه أحد مفعولي «لا تتّخذوا» و «من دوني» حال من «وكيلا»، فيكون كقوله‏ (9): وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً.

و قرئ‏ (10) بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من واو «تتّخذوا» و «ذريّة» بكسر الذّال.

و فيه تذكير بإنعام اللّه عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق، و بحملهم مع نوح في السّفينة.

____________

(1) النهج/ 40، الخطبة 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بصيرا إذ مبصور.

(3) نفس المصدر/ 96، الخطبة 65.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يبصر.

(5) نفس المصدر/ 212، الخطبة 152.

(6) نفس المصدر/ 258، الخطبة 179.

(7) أنوار التنزيل 1/ 577.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تتّخذوا.

(9) آل عمران/ 80.

(10) نفس المصدر و الموضع.

355

«إنّه»: إنّ نوحا- (عليه السلام)-.

كانَ عَبْداً شَكُوراً (3): يحمد اللّه- تعالى- [على مجامع حالاته.

و فيه إيماء بأنّ إنجاءه و من معه كان ببركة شكره، و حثّ للذّرّية] (1) على الاقتداء به.

و قيل‏ (2): الضّمير لموسى- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله‏ (4): وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏. يقول: بالحقّ‏ (5) و النّبوّة و الكتاب و الإيمان في عقبه، و ليس كلّ من في الأرض من بني آدم من ولد نوح، قال اللّه في كتابه‏ (6): احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ‏ منهم‏ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ و قال- أيضا-: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ‏.

حدّثني أبي‏ (7) [عن ابن أبي عمير] (8)، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان نوح إذا أمسى و أصبح يقول: أمسيت أشهد أنّه ما أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فإنّها من اللّه وحده لا شريك له، له‏ (9) الحمد عليّ بها [كثيرا] (10) و الشّكر كثيرا. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (11): و روى عنه حفص البختريّ أنّه قال: كان نوح- (عليه السلام)- يقول إذا أصبح و أمسى: اللّهمّ، إنّي أشهدك أنّ‏ (12) ما أصبح و أمسى [بي‏] (13) من نعمة و عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد و لك الشّكر بها عليّ حتّى‏ (14) ترضى و بعد الرّضا. يقولها إذا أصبح عشرا و إذا أمسى عشرا، فسمّي بذلك: عبدا شكورا.

____________

(1) من أنوار التنزيل 1/ 577.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 223.

(4) الصّافّات/ 77.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الحقّ.

(6) هود/ 40.

(7) نفس المصدر/ 13- 14.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لك.

(10) من المصدر.

(11) الفقيه 1/ 221، ح 980.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: و أنّه.

(13) من المصدر.

(14) المصدر: حين.

356

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد المكاريّ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: فما عنى بقوله في نوح: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً؟

قال: كلمات بالغ فيهنّ.

قلت: و ما هنّ؟

قال: كان إذا أصبح قال: [أصبحت‏] (2) أشهدك ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فإنّها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد على ذلك و لك الشّكر كثيرا. كان يقولها إذا أصبح ثلاثا و إذا أمسى ثلاثا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

حميد بن زياد (3)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهيب‏ (4) بن حفص، [عن أبي بصير] (5) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول اللّه، لم تنصب‏ (6) نفسك و قد غفر [اللّه‏] (7) لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟

فقال: يا عائشة، ألا أكون عبدا شكورا.

قال: و كان رسول اللّه يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل اللّه- سبحانه-:

طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏.

ابن أبي عمير (8)، [عن ابن رئاب،] (9) عن إسماعيل بن الفضل‏ (10) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا أصبحت و أمسيت فقل عشر مرّات: الّلهمّ، ما أصبحت لي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد و لك الشّكر

____________

(1) الكافي 2/ 535، ح 38.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر/ 95، ح 6.

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 303. و في النسخ: وهب.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: تتعب.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 99، ح 28.

(9) ليس في ب.

(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 100. و في النسخ: الفضيل.

357

عليّ، يا ربّ، حتّى ترضى و بعد الرّضا. فإنّك إذا قلت ذلك، كنت‏ (1) قد أدّيت شكر ما أنعم اللّه به عليك في ذلك اليوم و في تلك اللّيلة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2): حدّثنا أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، [عن أحمد بن محمّد بن عيسى،] (3) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ نوحا- (عليه السلام)- إنّما سمّي عبدا شكورا، لأنّه كان يقول إذا أصبح و أمسى‏ (4): الّلهمّ، إنّي أشهدك أنّه ما أصبح و أمسى‏ (5) بي من نعمة أو عافية (6) في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد و لك الشّكر بها [عليّ‏] (7) حتّى ترضى [و بعد الرضا] (8)، إلهنا.

أبي‏ (9)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي [عمير، عن‏] (10) حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه‏ (11)- عزّ و جلّ-: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى‏ (12) قال: إنّه كان‏ (13) يقول إذا أصبح و أمسى: أصبحت و ربّي محمود (14)، أصبحت لا أشرك به‏ (15) شيئا و لا أدعو مع اللّه إلها آخر و لا أتّخذ من دونه وليّا. فسمّي بذلك: عبدا شكورا.

و في تفسير العيّاشي‏ (16): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: كانَ عَبْداً شَكُوراً قال: كان إذا (17) أمسى يقول: أمسيت أشهد أنّه ما أمست بي‏ (18) من نعمة في دين أو دنيا، فإنّها من اللّه وحده لا شريك له، له الحمد بها و الشّكر كثيرا.

وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ‏: و أوحينا إليهم وحيا مقضيّا مبتوتا.

____________

(1) ليس في ب.

(2) العلل/ 29، ح 1.

(3) ليس في ب.

(4) المصدر: إذا أمسى و أصبح.

(5) المصدر: أنّه ما أمسى و أصبح.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: من نعمة لي و عافية.

7 و 8- من المصدر.

(9) نفس المصدر/ 37، ح 1.

(10) من المصدر.

(11) النجم/ 37.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: «و إبراهيم أي».

(13) ليس في المصدر.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: محمودا.

(15) المصدر: باللّه.

(16) تفسير العيّاشي 2/ 280، ح 18.

(17) المصدر: إذا كان.

(18) كذا في المصدر. و في النسخ: لي.

358

فِي الْكِتابِ‏: في التّوراة.

لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ‏: جواب قسم محذوف، أو «قضينا» على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم.

مَرَّتَيْنِ‏: إفسادتين.

قيل‏ (1): أولاهما مخالفة أحكام التّوراة و قتل شعياء و قتل أرمياء، و ثانيهما قتل زكريّا و يحيى و قصد قتل عيسى.

وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4): و تستكبرون عن طاعة اللّه. أو لتظلمنّ النّاس.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما: وعد عقاب أولاهما.

بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا.

قيل‏ (2): بخت نصر، عامل لهراسف على بابل و جنوده.

و قيل‏ (3): جالوت الجزريّ.

و قيل‏ (4): سنحاريب، من أهل نينوى.

و في الجوامع‏ (5): عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «عبيدا لنا».

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: ذوي قوّة و بطش في الحرب شديد.

فَجاسُوا: تردّدوا لطلبكم.

و قرئ‏ (6)، بالحاء، و هما اخوان.

خِلالَ الدِّيارِ: وسطها، للقتل و الغارة، فقتلوا كبارهم، و سبوا صغارهم، و حرقوا التّوراة و خربّوا المسجد.

وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا (5): و كان وعد عقابهم لا بدّ أن يفعل.

ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ، أي: الدّولة و الغلبة عَلَيْهِمْ‏.

قيل‏ (7): بأن ألقى اللّه- تعالى- [في قلب‏] (8) بهمن بن إسفنديار لمّا ورث الملك من جدّه، كشتاسف بن لهراسف، شفقة عليهم فردّ أسراهم إلى الشّام، و ملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت نصر. أو بأن سلّط اللّه داود على جالوت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 578.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) جوامع الجامع/ 252.

(6) أنوار التنزيل 1/ 578.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ليس في أ، ب.

359

فقتله.

وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6): ممّا كنتم.

و «النّفير» من ينفر مع الرّجل من قومه.

و قيل‏ (1): جمع «نفر» و هم المجتمعون للذّهاب إلى العدوّ.

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ‏: لأنّ ثوابه لها.

وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها.

قيل‏ (2): فإنّ و باله عليها، و إنّما ذكرها «باللّام» ازدواجاً.

و في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال: عن أبيه قال: قال الرّضا- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [قال- (عليه السلام)-: إِنْ أَحْسَنْتُمْ، أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَ إِنْ أَسَأْتُمْ، فَلَها] (4) ربّ يغفر لها

(5). و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ: وعد عقوبة المرّة الآخرة.

لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ‏، أي: بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، أي: ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها. فحذف لدلالة ذكره أوّلا عليه.

و قرأ (6) ابن عامر و حمزة و أبو بكر: «ليسوء» على التّوحيد، و الضّمير فيه «للوعد»، أو «للبعث»، أو «للّه» و يعضده قراءة الكسائيّ بالنّون.

و قرئ‏ (7): «لنسوأن» بالنّون و الياء، و النّون المخفّفة أو المثقّلة. و «ليسوأن» بفتح اللّام على الأوجه الأربعة، على أنّه جواب «إذا» و اللّام في قوله: وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ: متعلّق بمحذوف، و هو «بعثناهم».

كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا: و ليهلكوا.

ما عَلَوْا: ما غلبوه و استولوا عليه، أو مدّة علوّهم‏ تَتْبِيراً (7). و ذلك بأن سلّط اللّه عليهم الفرس مرّة أخرى، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطّوائف اسمه جودرز.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) العيون 1/ 229، ح 49.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يغفرها.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 578.

360

و قيل‏ (1): حردوس.

و قيل‏ (2): دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي، فسألهم عنه.

فقالوا: دم قربان لم يقبل منّا.

فقال: ما صدقوني. فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدّم.

ثمّ قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا.

فقالوا: إنّه دم يحيى.

فقال: لمثل هذا ينتقم ربّكم منكم. ثمّ قال: يا يحيى، قد علم ربّي و ربّك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن اللّه قبل أن لا ابقي أحدا، منهم فهدأ.

عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏: بعد المرّة الآخرة.

وَ إِنْ عُدْتُمْ‏: نوبة أخرى.

عُدْنا: مرّة ثالثة إلى عقوبتكم، و قد عادوا بتكذيب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قصدوا قتله، فعاد اللّه بتسليطه عليهم فقتل قريظة و أجلى بني النّضير و ضرب الجزية على الباقين، و هذا لهم في الدّنيا.

وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (8): محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد.

و قيل‏ (3): بساطا، كما يبسط الحصير.

و ما ذكر من تفسير «الإفسادتين» بمخالفة أحكام التّوراة و قتل شعياء أو أرمياء و قتل زكريّا و يحيى، و «العلوّ الكبير» باستكبارهم عن طاعة اللّه و ظلمهم النّاس، و «العباد أولي بأس» بخت نصر و جنوده، و «ردّ (4) الكرّة عليهم» بردّ بهمن بن إسفنديار أسراءهم إلى الشّام و تمليكه دانيال عليهم، و «وعد الآخرة» بتسليط اللّه الفرس عليهم مرّة أخرى من تفاسير العامّة.

و في روضة الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمون‏ (6)، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن القاسم البطل، عن أبي‏

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر/ 579.

(4) ليس في ب.

(5) الكافي 8/ 206، ح 250.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 92. و في النسخ: شمعون.

361

عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ‏ قال: قتل عليّ بن أبي طالب، و طعن‏ (1) الحسن- (عليهما السلام)-.

وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً قال: قتل الحسين- (عليه السلام)-.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما فإذا جاء نصر دم الحسين- (عليه السلام)-.

بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ قوم يبعثهم اللّه قبل خروج القائم فلا يدعون وترا لآل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا قتلوه.

وَ كانَ وَعْداً (2) مَفْعُولًا خروج القائم- (عليه السلام)-.

ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ‏ خروج الحسين- (عليه السلام)- في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهّب، لكلّ بيضة وجهان، المؤدّون إلى النّاس، أنّ هذا الحسين قد خرج حتّى لا يشكّ المؤمنون فيه، و أنّه ليس بدجّال و لا شيطان، و الحجّة القائم- (عليه السلام)- بين أظهركم. فإذا استقرّت المعرفة في قلوب [المؤمنين‏] (3) أنّه الحسين- (عليه السلام)- جاء الحجّة الموت، فيكون الّذي يغسّله و يكفّنه و يحنّطه و يلحّده في حفرته الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- و لا يلي الوصيّ إلّا الوصيّ.

و في تفسير العيّاشي‏ (4)، بعد أن نقل هذا الحديث إلى آخره قال: و زاد إبراهيم في حديثه: ثمّ يملكهم الحسين- (عليه السلام)- حتّى يقع حاجباه على عينيه.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان يقرأ:

بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ. ثمّ قال: هؤلاء (6) و هو القائم و أصحابه‏ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و خاطب اللّه أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال:

لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ‏، يعني: فلانا و فلانا و أصحابهما، و نقضهم العهد.

وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً، يعني: ما ادّعوه من الخلافة. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما، يعني:

يوم الجمل. بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، يعني: أمير المؤمنين- صلوات اللّه‏

____________

(1) ليس في ب.

(2) كذا في المصدر و المصحف. و في النسخ: وعد اللّه.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 281، ح 20.

(5) نفس المصدر، ح 21.

(6) ليس في المصدر.

(7) تفسير القمّي 2/ 14.

362

عليه- و أصحابه: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ، أي: طلبوكم و قتلوكم. وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا: يتمّ و يكون. ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ‏ لبني أميّة على آل محمّد.

وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً من الحسن و الحسين، ابني‏ (1) عليّ- (عليهم السلام)- و أصحابهما [فقتلوا الحسين بن عليّ‏] (2) و سبوا نساء آل محمد.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين‏ في خطبة (4): أيّها النّاس، سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّ بين جوانحي علما جمّا، فسلوني قبل أن تشغر (5) برجلها فتنة شرقيّة (6) تطأ في خطامها (7)، ملعون ناعقها و مولّيها و قائدها و سائقها و المتحرّض‏ (8) فيها، [فكم عندها من رافعة] (9) ذيلها يدعو بويلها دخلة (10) أو حولها، لا مأوى يكنّها و لا أحد يرحمها، فإذا استدار الفلك قلتم: مات أو هلك و بأيّ واد سلك. فعندها توقّعوا الفرج، و هو تأويل هذه الآية ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. و الّذي فلق الحبّة و بري‏ء النّسمة، ليعيش إذ ذاك ملوك ناعمين، و لا يخرج الرّجل منهم من الدّنيا حتّى يولد لصلبه ألف ذكر، آمنين من كلّ بدعة و آفة و التّنزيل، عاملين بكتاب اللّه و سنّة رسوله قد اضمحلّت عليهم الآفات و الشّبهات.

عن رفاعة بن موسى‏ (11) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ أوّل من يكرّ إلى الدّنيا الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- و يزيد بن معاوية و أصحابه، فيقتلهم حذو القذّة بالقذّة (12).

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

____________

(1) المصدر: أبناء.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 282، ح 22.

(4) المصدر: خطبته.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تستقر.

و تشغر، أي: ترفع. قيل: كنى بشغر رجلها عن خلو تلك الفتنة من مدبر. أو هو كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فتية مشرقية.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: حصامي.

و الخطام: كلما يجعل في أنف البعير ليقتاد به.

(8) المصدر: المتحرز.

(9) من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: داخلة.

(11) نفس المصدر، ح 23.

(12) القذة: ريش السهم، و هذا القول يضرب مثلا للشيئين يستويان و لا يتفاوتان.

363

ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بآخر تفسيره المتقدّم، أعني: قوله: و سبوا نساء آل محمّد. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ، يعني: القائم- (صلوات اللّه عليه)- و أصحابه. لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ‏، يعني: يسوّد (2) وجوههم. وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يعني: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. وَ لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً. أي: يعلوا عليكم فيقتلوكم‏ (3).

ثمّ عطف على آل محمّد- عليه و (عليهم السلام)- فقال: عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏، أي: ينصركم على عدوّكم.

ثمّ خاطب بني أميّة، فقال: وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا، يعني: إن عدتم بالسّفيانيّ، عدنا بالقائم من آل محمّد- (صلوات اللّه عليه و آله)-. وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً، أي: حبسا (4) يحصرون فيها.

إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏: للحالة، أو الطّريقة الّتي هي أقوم، أو الطّرق.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، [عن ابن أبي عمير،] (6) عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن موسى بن أكيل النّميريّ، عن العلا بن سيابة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏ قال: يهدي إلى الإمام.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن بكر بن صالح بن قاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-:

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 14. و يوجد قبلها في جميع النسخ نصّ الرواية الّتي أوردها المصنّف (ره) ذيل اوّل الآية 7: إِنْ أَحْسَنْتُمْ‏ ... فَلَها و لذلك حذفناها هاهنا.

(2) المصدر: يسوّدون.

(3) ب: فيقتلكم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حبستها.

(5) الكافي 1/ 216، ح 2.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر 5/ 13، ح 1.

364

ثمّ ثلّث بالدّعاء إليه بكتابه‏ (1)- أيضا- فقال- تبارك و تعالى-: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏ [، أي: يدعو.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن أبي إسحاق‏ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏] (3) قال: يهدي إلى الولاية (4).

و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى موسى بن جعفر: عن أبيه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)- قال: الإمام منّا لا يكون إلّا معصوما، و ليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، و لذلك لا يكون إلّا منصوصا.

فقيل: يا ابن رسول اللّه، فما معنى المعصوم؟

فقال: هو المعتصم بحبل اللّه، و حبل اللّه هو القرآن [لا يفترقان إلى يوم القيامة.

و الامام يهدي إلى القرآن، و القرآن‏] (6) يهدي إلى الإمام. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏.

و في نهج البلاغة (7): قال- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّه من استنصح‏ (8) [اللّه‏] (9) وفّق، و من اتّخذ قوله دليلا، هدي للّتي هي أقوم.

وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9).

و قرأ (10) حمزة و الكسائي: «و يبشر» بالتّخفيف.

وَ أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (10): عطف على‏ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً، و المعنى: أنّه يبشّر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم، و عقاب أعدائهم. أو على «يبشّر» بإضمار يخبر.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بكناية.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 282، ح 24.

(3) ليس في ب.

(4) المصدر: الإمام.

(5) المعاني/ 132، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) النّهج/ 205، الخطبة 147.

(8) أي: من أطاع أوامره، و علم أنّه يهديه إلى مصالحه، و يردّه عن مفاسده، و يرشده إلى ما فيه نجاته، و يصرفه عمّا فيه عطبه. (قاله ابن أبي الحديد في شرحه)

(9) من المصدر.

(10) أنوار التنزيل 1/ 579.

365

وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ: و يدعو اللّه عند غضبه بالشّرّ على نفسه و أهله و ماله.

أو يدعو فيما يحسبه خيرا و هو شرّ.

دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ، مثل دعائه بالخير.

وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (11): يسارع إلى كلّ ما يخطر بباله و لا ينظر عاقبته.

و قيل‏ (1): المراد: آدم- (عليه السلام)- فإنّه لمّا انتهى الرّوح إلى سرّته ذهب لينهض، فسقط.

نقل‏ (2): أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دفع أسيرا إلى سودة بنت زمعة، فرحمته لأنينه، فأرخت أكتافه فهرب، فدعا عليها بقطع اليد ثمّ ندم، فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

الّلهمّ، إنّما أنا بشر، فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة عليه. فنزلت.

و يجوز أن يراد بالإنسان: الكافر، و بالدّعاء: استعجاله بالعذاب استهزاء، كقول النّضر بن الحارث: الّلهمّ، انصر خير الحزبين‏ اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ (الآية) (3) فأجيب له، فضرب عنقه يوم بدر صبرا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): ثمّ عطف على [آل محمّد] (5) بني أميّة فقال: وَ أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً.

قوله: وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا قال: يدعو على أعدائه‏ (6) بالشّرّ، كما يدعو لنفسه بالخير و يستعجل اللّه بالعذاب، و هو قوله: وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و اعرف طريق نجاتك و هلاكك كيلا تدعو (8) اللّه بشي‏ء عسى فيه هلاكك و أنت تظنّ أنّ فيه نجاتك، قال اللّه- تعالى-: وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عن سلمان الفارسيّ قال: إنّ اللّه لمّا خلق آدم، فكان‏ (10)

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 579.

(3) الأنفال/ 32.

(4) تفسير القمّي 2/ 14.

(5) ليس في المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يدعو لأعدائه.

(7) مصباح الشريعة/ 132.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تدعو.

(9) تفسير العيّاشي 2/ 283، ح 26.

(10) المصدر: و كان.

366

أوّل ما خلق عيناه، فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق. فلمّا حانت أن يتبالغ الخلق‏ (1) في رجليه، فأراد القيام، فلم يقدر. و هو قول اللّه: خلق‏ (2) الإنسان عجولا. و إنّ اللّه لمّا خلق آدم و نفخ فيه، لم يلبث أن تناول عنقود العنب فأكله‏ (3).

عن هشام بن سالم‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا خلق اللّه‏ (5) آدم، و (6) نفخ فيه من روحه، وثب ليقوم قبل أن يتمّ خلقه فسقط، فقال اللّه- عزّ و جلّ-:

و خلقنا (7) الإنسان عجولا.

وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ‏: تدلّان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره.

فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏، أي: الآية الّتي هل اللّيل بالإشراق. و الإضافة فيها للتّبيين، كإضافة العدد إلى المعدود.

وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً: مضيئة. أو مبصرة للنّاس، من أبصره. أو مبصرا أهله، كقولهم: أجبن الرّجل: إذا كان أهله جبناء.

و قيل‏ (8): الآيتان القمر و الشّمس، و تقدير الكلام: و جعلنا نيري اللّيل آيتين، أو جعلنا اللّيل و النّهار ذوي آيتين، و محو آية اللّيل الّتي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النّور، أو نقص نورها شيئا فشيئا إلى المحاق، و جعل آية النّهار الّتي هي الشّمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها.

لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ‏: لتطلبوا في بياض النّهار أسباب معاشكم، و تتوصّلوا به إلى استبانة أعمالكم.

وَ لِتَعْلَمُوا: باختلافهما، أو بحركاتهما.

عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ‏: جنس الحساب.

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ: تفتقرون إليه في أمر الدّين و الدّنيا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فلمّا جاء به لم يبلغ الخلق.

(2) المصحف: كان.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ بدل العبارة الأخيرة: لم يستجمع أن يتناول عنقودا فأكله.

(4) نفس المصدر، ح 27.

5 و 6- ليس في المصدر.

(7) المصدر: «خلق» بدل «و خلقنا». و في المصحف: «و كان».

(8) أنوار التنزيل 1/ 579.

367

فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (12): بيّنّاه تبياناً غير ملتبس.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن أبي بصير فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏ قال: هو السّواد الّذي في جوف القمر.

عن نصر بن قابوس‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: السّواد الّذي في القمر محمّد رسول اللّه.

عن أبي الطّفيل‏ (3) قال: كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليّا- (عليه السلام)- و هو على المنبر، و ناداه ابن الكوّاء و هو في مؤخّر المسجد فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن هذا (4) السّواد في القمر.

فقال‏ (5): هو قول اللّه- تعالى-: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏.

عن ابن‏ (6) أبي الطّفيل‏ (7) قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: سلوني عن كتاب اللّه، فإنّه ليس من آية إلّا و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار أو في سهل أو في جبل.

قال: فقال له ابن الكوّاء: فما هذا (8) السّواد في القمر؟

فقال: أعمى سأل عن عمياء، أمّا سمعت اللّه يقول: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً فذلك محوها.

و في كتاب الخصال‏ (9): حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى- رضي اللّه عنه- قال:

حدّثنا عليّ بن الحسن [الهسنجاني‏] (10) قال: حدّثنا سعد بن كثير بن عفير قال: حدّثني أبي لهيعة (11) و راشد (12) بن سعد، عن حريز بن‏ (13) عبد اللّه، عن أبي عبد الرّحمن البجليّ‏ (14)، عن عبد اللّه بن عمر (15) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في مرضه الّذي توفيّ فيه:

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 283، ح 28.

(2) نفس المصدر، ح 29.

(3) نفس المصدر، ح 30.

(4) المصدر: هذه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال: قال.

(6) لا يوجد في الثقلين 3/ 142 عند نقل الرواية عن نفس المصدر.

(7) نفس المصدر، ح 31.

(8) المصدر: هذه.

(9) الخصال/ 643، ح 23.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي لهيفة.

(12) المصدر: رشدين.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(14) المصدر: الحبليّ.

(15) المصدر: عمر [و].

368

ادعوا لي أخي. فأرسلوا إلى عليّ- (عليه السلام)- فدخل، فولّيا وجوههما إلى الحائط وردّا (1) عليهما ثوبا، فأسرّ إليه‏ (2) و النّاس محتوشوه‏ (3) وراء الباب، فخرج عليّ- (عليه السلام)- فقال له رجل من النّاس: أسرّ إليك نبيّ اللّه شيئا؟

فقال: نعم، أسرّ إليّ ألف باب في كلّ باب ألف باب.

قال: و وعيته؟

قال: نعم، و عقلته.

قال: فما السّواد الّذي في القمر؟

قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ‏- إلى قوله- النَّهارِ مُبْصِرَةً.

قال له الرّجل: عقلت، يا عليّ، [و وعيت‏] (5).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى عبد اللّه بن يزيد بن سلم، أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: ما بال الشّمس و القمر لا يستويان في الضوء (7) و النّور؟

قال: لمّا خلقهما اللّه- عزّ و جلّ- أطاعا و لم يعصيا شيئا، فأمر اللّه- عزّ و جلّ- جبرئيل- (عليه السلام)- أن يمحو ضوء القمر فمحاه، فأثّر المحو (8) في القمر خطوطا سوداء، و لو أنّ القمر ترك على حاله بمنزلة الشّمس لم يمح‏ (9) لما عرف اللّيل من النّهار و لا النّهار من اللّيل، و لا علم الصّائم كم يصوم، و لا عرف النّاس عدد السّنين، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ‏ (الآية).

قال: صدقت، يا محمّد.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (10) للطّبرسي- رضي اللّه عنه: و روى القاسم بن معاوية، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لمّا خلق اللّه- عزّ و جلّ- القمر كتب عليه: لا إله‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ردى.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «فأسدى» بدل «فأسرّ إليه».

(3) المصدر: محتوشون.

و احتوش القوم فلانا: اجتمعوا عليه، و جعلوه في وسطهم.

(4) المصدر: قال.

(5) ليس في المصدر.

(6) العلل/ 470، ح 33.

(7) كذا في ب. و في غيرها: الصغر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: المحوق.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يمسح.

(10) الاحتجاج/ 158.

369

إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ أمير المؤمنين، و هو السّواد الّذي ترونه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و عن الأصبغ بن نباتة (1) قال: قال ابن الكوّاء لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-:

أخبرني عن المحو الّذي يكون في القمر.

فقال- (عليه السلام)-: اللّه أكبر، اللّه أكبر، [اللّه أكبر،] (2) رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء، أما سمعت اللّه يقول: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ‏- إلى قوله- النَّهارِ مُبْصِرَةً.

و في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: و جعل شمسها [آية مبصرة لنهارها، و قمرها] (4) آية ممحوّة من‏ (5) ليلها، و أجراهما في مناقل مجراهما و قدّر سيرهما في مدارج درجهما (6)، ليميّز بين اللّيل و النّهار بهما، و ليعلم عدد السّنين و الحساب بمقاديرهما.

وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ‏: عمله و ما قدر له، كأنّه طير إليه من عشّ الغيب و وكر القدر لما كانوا يتيمّنون و يتشاءمون بسنوح الطّائر و بروحه، استعير لما هو سبب الخير و الشّرّ من قدر اللّه- عزّ و جلّ- و عمل العبد.

فِي عُنُقِهِ‏: لزوم الطّوق في عنقه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: فنظرت في كتاب الجفر في صبيحة هذا اليوم، و هو الكتاب المشتمل على علم المنايا و البلايا [و الرزايا] (8) و علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة الّذي خصّ اللّه به محمّدا و الأئمّة من بعده- (عليهم السلام)- و تأمّلت منه مولد قائمنا و غيبته‏ (9) و إبطاءه و طول عمره، و بلوى المؤمنين في ذلك الزّمان، و تولّد الشّكوك في قلوبهم من طول غيبته، و ارتداد أكثرهم عن دينهم، و خلعهم ربقة (10) الإسلام من‏

____________

(1) نفس المصدر/ 260.

(2) من المصدر.

(3) النهج/ 128، الخطبة 91.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «يمحوه عن» بدل «ممحوّة من».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و قدّر مسيرهما في مدرج درجها.

(7) كمال الدّين/ 353- 354، ح 50.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «مولد غائبنا» بدل «منه مولد قائمنا و غيبته».

(10) الربقة: العروة.

370

أعناقهم‏ (1). قال اللّه- تعالى جلّ ذكره-: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏، يعني:

الولاية. فأخذتني الرّقّة، و استولت عليّ الأحزان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏ يقول: خيره و شرّه معه حيث كان، لا يستطيع فراقه حتّى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- عن قوله: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏ قال‏ (4): قدره الّذي قدر عليه.

وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً: هي صحيفة عمله. أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله، فإنّ الأفعال الاختياريّة تحدث في النّفس أحوالا و لذلك يفيد تكريرها لها ملكات.

و نصبه، بأنّه مفعول. أو حال من مفعول محذوف، و هو ضمير الطّائر، و يعضده قراءة يعقوب‏ (5): «و يخرج»- من خرج- و غيره: «و يخرج».

و قرئ‏ (6): «و يخرج»، أي: اللّه- عزّ و جلّ-.

يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13): لكشف الغطاء. و هما صفتان للكتاب، أو «يلقاه» صفة و «منشورا» حال من مفعوله.

و قرأ ابن عامر (7): «يلقاه» على البناء للمفعول، من لقيته كذا.

اقْرَأْ كِتابَكَ‏: على إرادة القول.

كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)، أي: كفى نفسك، و «الباء» مزيده و «حسيبا» تمييز و «على» صلته، لأنّه إمّا بمعنى: الحاسب، كالصّريم بمعنى:

____________

(1) المصدر: أعناقهم الّتي.

(2) تفسير القمّي 2/ 17.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 274، ح 32.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: كان.

(5) أنوار التنزيل 1/ 580.

و قوله: «و يعضده قراءة يعقوب»، أي: و يقوّي الحاليّة قراءة يعقوب، لأنّه على هذه القراءة لا يحتمل إلّا الحاليّة فيكون حالا من فاعل «يخرج».

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

371

الصّارم، و ضريب‏ (1) القداح بمعنى: ضاربها، من حسب عليه كذا. أو بمعنى: الكافي، فوضع موضع الشّهيد لأنّه يكفي المدّعي ما أهمّه.

و تذكيره‏ (2)، على أنّ الحساب و الشّهادة ممّا يتولّاه الرّجال، أو على تأويل النّفس بالشّخص.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ‏ قال: يذكر العبد (4) جميع ما عمل و ما كتب عليه حتّى كأنّه فعله‏ (5) تلك السّاعة، فلذلك قالوا: يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها (6).

مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها: لا ينجي اهتداؤه غيره، و لا يردي ضلاله سواه.

وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏: و لا تحمل نفس‏ (7) حاملة وزرا وزر نفس أخرى، بل إنّما تحمل وزرها.

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15): يبيّن الحجج و يمهّد الشّرائع، فيلزمهم الحجّة. و فيه دليل على أنّ لا وجوب قبل الشّرع.

و في مجمع البيان‏ (8): وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏.

و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لا تجن‏ (9) يمينك عن شمالك. و هذا مثل ضربه- (عليه السلام)-. و في هذا دلالة واضحة على بطلان قول من يقول: إنّ أطفال الكفّار يعذّبون مع آبائهم في النّار.

وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً: و إذا تعلّقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السّابق، أو دنا وقته المقدّر، كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت، ازداد مرضه شدّة.

____________

(1) أ، ب: ضرب.

(2) قوله: «و تذكيره»، أي: يجب بحسب الظّاهر أن يقال: حسيبة، لأنّه صفة النّفس، لكنّه ذكّر إمّا باعتبار أنّ الحاسب و الشاهد في الأغلب صفة للذكور فغلب التّذكير على التّأنيث، أو باعتبار أنّ النّفس بمعنى الشّخص.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 284، ح 33.

(4) المصدر: بالعبد.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فعل.

(6) الكهف/ 49.

(7) ليس في ب.

(8) المجمع 3/ 404.

(9) المصدر: تحن. و في ب: تجر.

372

أَمَرْنا مُتْرَفِيها: متنعّميها بالطّاعة على لسان‏ (1) رسول بعثناه إليهم. و يدلّ على ذلك ما قبله و ما بعده، فإنّ الفسق هو الخروج عن الطّاعة و التّمرّد في العصيان، فيدلّ على الطّاعة من طريق المقابلة.

و قيل‏ (2): أمرناهم بالفسق، لقوله: فَفَسَقُوا فِيها، كقولك: أمرته فقرأ. فإنّه لا يفهم منه إلّا الأمر بالقراءة، على أنّ الأمر مجاز من الحمل عليه أو التّسبّب له، بأن صبّ عليهم من النّعم ما أبطرهم و أفضى بهم إلى الفسوق. و يحتمل أن لا يكون له مفعول منويّ، كقولهم: أمرته فعصاني.

و قيل‏ (3): معناه: كثّرنا، يقال: أمّرت الشّي‏ء فأمّر: إذا كثّرته. و في الحديث:

«خير المال سكّة مأبورة و مهرة مأمورة» (4)، أي: كثيرة النّتاج. و هو- أيضا- مجاز من معنى الطّلب، و يؤيّده قراءة يعقوب: «آمرنا مترفيها»، و رواية «أمّرنا» عن أبي عمرو.

و يحتمل أن يكون منقولا من «أمر» بالضّمّ أمارة، أي: جعلناهم أمراء.

و تخصيص المترفين، لأنّ غيرهم يتبعهم و لأنّهم أسرع إلى الحماقة و أقدر على الفجور.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن حمران، عن أبي جعفر في قول اللّه: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها قال: تفسيرها: أمرنا أكابرها.

عن حمران‏ (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها مشدّدة ميمه‏ (7)، تفسيرها، كثّرنا. و قال: لا قرأتها (8) مخفّفة.

و في مجمع البيان‏ (9): و قرأ يعقوب: «آمرنا» بالمدّ على وزن «عامرنا»، و هو قراءة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و قرأ: «أمّرنا» (10)- نافع بتشديد الميم- محمّد بن عليّ‏

____________

(1) ليس في ب.

(2) أنوار التنزيل 1/ 580.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) قوله: «سكّة مأبورة و مهرة مأمورة». قال في الصّحاح: «السّكّة» الطّريقة المصطفّة من النّخل، و «المأبورة» الملقّحة. و «المهرة» الأنثى من ولد الفرس. قال: و معنى هذا الكلام: خير المال نتاج أو زرع.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 284، ح 35.

(6) نفس المصدر، ح 34.

(7) كذا في تفسير الصّافي 3/ 182. و في النسخ:

مضمومة. و في المصدر: منصوبة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لأقرأنها.

(9) المجمع 3/ 405.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و قرأ نافع.

373

- (عليهما السلام)- بخلاف.

و في عيون الأخبار (1)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ بعد كلام طويل، قال الرّضا- (عليه السلام)-: ألا تخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها، يعني بذلك: أنّه يحدث إرادة؟

قال: نعم.

قال: فإذا حدث إرادة كان قولك: إنّ الإرادة هي هو (2) أو شي‏ء منه باطلا، لأنّه لا يكون أن يحدث نفسه و لا يتغيّر عن حاله‏ (3)، تعالى اللّه عن ذلك.

قال سليمان: إنّه لم يكن عنى بذلك: أنّه يحدث إرادة.

قال: فما عنى به؟

قال: عنى: فعل الشّي‏ء.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: ويلك كم تردّد في هذه المسألة، و قد أخبرتك أنّ الإرادة محدثة، لأنّ فعل الشّي‏ء محدث.

قال: فليس لها معنى؟

قال الرضا- (عليه السلام)-: قد وصف نفسه عندكم حتّى وصفها بالإرادة بما لا معنى [له‏] (4)، فإذا لم يكن لها معنى قديم و لا حديث بطل قولكم: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يزل مريدا.

قال سليمان: إنّما عنيت: أنّها فعل من اللّه- تعالى- لم يزل.

قال: ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولا و قديما و حديثا في حالة واحدة.

فلم يحر (5) جوابا.

فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ‏، يعني: كلمته السّابقة بالعذاب بحلوله. أو بظهور معاصيهم. أو بأنهما كهم في المعاصي.

فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16): أهلكناها بإهلاك أهلها و تخريب ديارها.

وَ كَمْ أَهْلَكْنا: و كثيرا أهلكنا.

____________

(1) العيون 1/ 149، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: هي.

(3) المصدر: حالة.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فلم يجر.

374

مِنَ الْقُرُونِ‏: بيان «لكم» و تمييز له.

مِنْ بَعْدِ نُوحٍ‏، كعاد و ثمود.

وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17): يدرك بواطنها و ظواهرها، فيعاقب عليها.

و تقديم «الخبير» لتقدّم متعلّقه.

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ: مقصورا عليها همّه.

عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ: قيّد المعجّل و المعجّل له بالمشيئة و الإرادة، لأنّه لا يجد كلّ متمنّ ما يتمنّاه و لا كلّ واحد جميع ما يهواه، و ليعلم أنّ الأمر بالمشيئة و الهمّ فضل. و «لمن نريد» بدل من «له» بدل البعض.

و قرئ‏ (1): «يشاء» و الضّمير فيه «للّه» حتّى يطابق المشهورة.

و قيل‏ (2): «لمن» فيكون مخصوصا بمن أراد اللّه به ذلك.

و قيل‏ (3): الآية في المنافقين، كانوا يراؤون المسلمين و يغزون معهم و لم يكن غرضهم إلّا مساهمتهم في الغنائم و نحوها.

ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18): مطرودا من رحمته.

و في مجمع البيان‏ (4): وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ‏. قيل: القرن‏ (5) مائة سنة. و روي ذلك مرفوعا.

و قيل‏ (6): أربعون سنة. رواية ابن سيرين مرفوعا.

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً

و روى ابن عبّاس‏ (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: معنى الآية: من كان يريد ثواب الدّنيا بعمله الّذي افترضه اللّه عليه، لا يريد به وجه اللّه و الدّار الآخرة، عجّل له فيها ما يشاء [اللّه‏] (8) من عرض الدّنيا و ليس له ثواب في الآخرة، و ذلك أنّ اللّه- سبحانه- يؤتيه ذلك ليستعين به على الطّاعة فيستعمله في معصية

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 581.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) المجمع 3/ 407.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «قبل القرآن» بدل «قيل: القرن».

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) من المصدر.

375

اللّه، فيعاقبه اللّه عليه.

وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها: حقّها من السّعي، و هو الإتيان بمّا امر به و الانتهاء عمّا نهي عنه لا التّقرّب بما يخترعون بآرائهم.

و فائدة «اللّام» اعتبار النّيّة و الإخلاص.

وَ هُوَ مُؤْمِنٌ‏: إيمانا صحيحا لا شرك و لا تكذيب معه، فإنّه العمدة.

فَأُولئِكَ‏: الجامعون للشّرائط الثّلاثة.

كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19): من اللّه، أي: مقبولا عنده مثابا عليه، فإنّ شكر اللّه الثّواب على الطّاعة.

و في روضة الواعظين‏ (1) للمفيد- رضي اللّه عنه-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و من أراد الآخرة فليترك زينة الحياة الدّنيا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: تقول: أحرم لك شعري و بشري و لحمي و عظامي و مخّي و عصبي من النّساء [و الثياب‏] (3) و الطّيب، أبتغي بذلك وجهك و الدّار الآخرة.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن، عليّ بن يحيى، عن أيّوب عن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له احتج.

فيقول: ربّ، خلقتني و هديتني فأوسعت عليّ، فلم أزل أوسع على خلقك و أيسر عليهم لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره.

فيقول اللّه‏ (5)- جلّ ثناؤه و تعالى ذكره-: صدق عبدي، أدخلوه الجنّة.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه [عن ابن محبوب‏] (7)، عن جميل، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا

____________

(1) نور الثقلين 3/ 146.

(2) الفقيه 2/ 206، ح 939.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 3/ 40، ح 8.

(5) المصدر: الربّ.

(6) نفس المصدر 2/ 84، ح 5.

(7) من المصدر.

376

اللّه- عزّ و جلّ- خوفا فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا اللّه- تبارك و تعالى- طلب الثّواب فتلك عبادة الاجراء، و قوم عبدوا اللّه- عزّ و جلّ- حبّا له فتلك عبادة الأحرار، و هي‏ (1) أفضل العبادات‏ (2).

و في نهج البلاغة (3): هذا ما أمر (4) به عبد اللّه، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه اللّه، ليولجه به الجنّة فيعطيه به الأمنة (5).

و فيه‏ (6): و ليس رجل، فيما أعلم‏ (7)، أحرص على جماعة أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ألفتها منّى‏ (8)، أبتغي بذلك حسن الثّواب و كريم‏ (9) المآب.

و في أمالي الصّدوق‏ (10)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من صام يوما تطوّعا ابتغاء ثواب اللّه وجبت له المغفرة.

و بإسناده‏ (11) إلى الصّادق، جعفر بن محمّد [عن أبيه‏] (12)- (عليهما السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (الآيات) حديث طويل، ستقف بتمامه- إن شاء اللّه تعالى- في‏ هَلْ أَتى‏ (13). و فيه: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً [يقولون: لا نريد جزاء تكافئوننا (14) به، و لا شكورا] (15) تثنون علينا به، و لكنّا إنّما أطعمناكم لوجه اللّه و طلب ثوابه.

كُلًّا، أي: كلّ واحد من الفريقين. و التّنوين بدل من المضاف إليه.

نُمِدُّ: بالعطاء مرّة بعد أخرى، و نجعل آنفه مدد السّالفة.

هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ: بدل من «كلّا».

مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ‏: من معطاه، متعلّق «بنمدّ».

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «فتلك» بدل «و هي».

(2) المصدر: العبادة.

(3) النهج/ 379، الكتاب 24.

(4) يوجد في ب بعدها زيادة: اللّه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ابتغاء وجه ربّه ليولجني به الجنّة و يعطني الأمنة.

(6) نفس المصدر/ 466، الكتاب 78.

(7) المصدر: «فاعلم» بدل «فيما أعلم».

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «و الفقهاء متى» بدل «و ألفتها منّي».

(9) المصدر: كرم.

(10) الأمالي/ 442، ح 2.

(11) نفس المصدر/ 215، ح 11.

(12) من المصدر.

(13) الدّهر/ 1.

(14) المصدر: تكلّفوننا.

(15) ليس في ب.

377

وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20): ممنوعا، لا يمنعه في الدّنيا من مؤمن و لا كافر تفضّلا.

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏: في الرّزق.

و انتصاب «كيف» «بفضّلنا» على الحال.

وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)، أي: التّفاوت في الآخرة أكبر، لأنّ التّفاوت فيها بالجنّة و درجاتها، و النّار و دركاتها.

و في مجمع البيان‏ (1): و روي‏ أنّ ما بين أعلى درجات الجنّة و أسفلها ما بين السّماء و الأرض.

و روى العيّاشيّ‏ (2)، بالإسناد: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا تقولنّ الجنّة واحدة، إنّ اللّه يقول‏ (3): وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ‏. و لا تقولنّ درجة واحدة، إنّ اللّه يقول: درجات بعضها فوق بعض. إنّما تفاضل القوم بالأعمال.

قال و قلت له: إنّ المؤمنين يدخلان الجنّة فيكون أحدهما أرفع مكانا من الآخر، فيشتهي أن يلقى صاحبه.

قال: من كان فوقه فله أن يهبط، و من كان تحته لم يكن له أن يصعد لأنّه لم يبلغ ذلك المكان، و لكنّهم إذا أحبّوا ذلك و اشتهوه التقوا على الأسرّة.

عن أنس‏ (4)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و إنّما يرتفع العباد غدا في الدّرجات و ينالون الزّلفى من ربّهم على قدر عقولهم.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ‏ (5)، بإسناده إلى عمرو بن ميمون: أنّ ابن مسعود حدّثهم، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يكون في النّار قوم ما شاء اللّه أن يكونوا، ثمّ يرحمهم اللّه فيكونون في أدنى الجنّة، فيغتسلون في نهر الحياة، يسمّيهم أهل الجنّة: الجهنّميّون. لو أضاف أحدهم أهل الدّنيا لأطعمهم و سقاهم و فرشهم و لحفهم و روّحهم، لا ينقص ذلك.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر،

____________

(1) المجمع 3/ 407.

(2) نفس المصدر 5/ 210، و فيه صدر للحديث.

(3) الرحمن/ 62.

(4) نور الثقلين 3/ 147، ح 125.

(5) نفس المصدر، ح 126.

(6) الكافي 1/ 11- 12، ح 8.

378

عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: فلان من عبادته و دينه و (1) فضله كذا.

فقال: كيف عقله؟

قلت: لا أدري، فقال: إنّ الثّواب على قدر العقل، إنّ رجلا من بني إسرائيل كان يعبد اللّه في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة الشّجر ظاهرة الماء، و أنّ ملكا من الملائكة مرّ به، فقال: يا ربّ، أرني ثواب عبدك هذا.

فأراه اللّه ذلك، فاستقلّه الملك.

فأوحى اللّه إليه: أن اصحبه.

فأتاه الملك في صورة إنسيّ، فقال له: من أنت؟

فقال: أنا رجل عابد بلغني مكانك و عبادتك في هذا المكان، فأتيتك لأعبد اللّه معك.

فكان معه يومه ذلك، فلمّا أصبحا (2) قال له الملك: إنّ مكانك لنزه، و ما يصلح إلّا للعبادة.

فقال له العابد: إنّ لمكاننا هذا عيبا.

فقال: و ما هو؟

قال: ليس لرّبنا بهيمة، فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع فإنّ هذا الحشيش يضيع.

فقال له الملك: و ما لربّك حمار؟

فقال: لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش.

فأوحى اللّه إلى الملك: إنّما أثيبه على قدر عقله.

لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ: الخطاب للرّسول و المراد به أمّته، أو لكلّ أحد.

فَتَقْعُدَ: فتصير، من قولهم: شحذ الشّفرة حتّى قعدت كأنّها حربة. أو فتعجز، من قولهم: قعد عن الشّي‏ء: إذا عجز عنه.

مَذْمُوماً مَخْذُولًا (22): جامعا على نفسك الذّم من الملائكة و المؤمنين،

____________

(1) أ، ب، المصدر: في.

(2) المصدر: أصبح.

379

و الخذلان من اللّه. و مفهومه: أنّ الموحّد يكون ممدوحا منصورا.

وَ قَضى‏ رَبُّكَ‏، أي: أمر أمرا مقطوعا به.

أَلَّا تَعْبُدُوا: بأن لا تعبدوا.

إِلَّا إِيَّاهُ‏: لأنّ غاية التّعظيم لا تحقّ إلّا لمن له غاية العظمة و نهاية الإنعام، و هو كالتّفصيل لسعي الآخرة.

و يجوز أن تكون «أن» مفسّرة و «لا» ناهية.

وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً: و بأن تحسنوا. أو و أحسنوا بالوالدين إحسانا، لأنّهما السّبب الظّاهر للوجود و التّعيّش.

و لا يجوز أن تتعلّق الباء «بالإحسان»، لأنّ صلته لا تتقدّم عليه‏ (1).

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما.

«إمّا» «إن» الشّرطيّة زيدت عليها «ما» تأكيدا، و لذلك صحّ لحوق النّون المؤكّدة للفعل‏ (2).

و «أحدهما» فاعل «يبلغنّ»، أو بدل على قراءة حمزة و الكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين».

و «كلاهما» عطف على «أحدهما» فاعلا، أو بدلا، و لذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف‏ (3) و معنى «عندك»: أن يكونا في كنفك أو كفالتك.

فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏: فلا تتضجّر ممّا يستقذر منهما و تستثقل من مؤنتهما، و هو صوت يدلّ على التّضجّر.

____________

(1) قوله: «لأن صلته لا تتقدّم عليه»، أي:

صلة المصدر لا تتقدّم على المصدر. أمّا إذا كان معمول المصدر ظرفا و جارّا و مجرورا، جاز أن يتقدّم عليه.

(2) قوله: «و لذلك صحّ لحوق النّون المؤكّدة للفعل» للقاعدة المقرّرة في النّحو: أنّ فعل الشّرط يؤكّد بالنّون المؤكّدة إذا لحق «ما» حرف الشّرط.

(3) قوله: «و لذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف»، أي: لأجل أنّه معطوف على «أحدهما» لا يجوز أن يكون تأكيدا لألف «يبلغان».

380

و قيل‏ (1): اسم الفعل الّذي هو «أتضجّر» و هو مبنيّ على الكسر لالتقاء السّاكنين، و تنوينه في قراءة نافع و حفص للتّنكير.

و قرأ (2) ابن كثير و ابن عامر و يعقوب، بالفتح، على التّخفيف‏ (3).

و قرئ‏ (4) به منوّنا و بالضّمّ للإتباع، كمنذ منوّنا و غير منوّن.

و النّهي عن ذلك يدلّ على المنع من سائر أنواع الإيذاء، قياسا بطريق الأولى.

و قيل‏ (5): عرفا، كقولك: فلان لا يملك النّقير و القطمير. و لذلك منع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حذيفة من قتل أبيه و هو في صفّ المشركين، نهى عمّا يؤذيهما بعد الأمر بالإحسان بهما (6).

وَ لا تَنْهَرْهُما: و لا تزجرهما عمّا لا يعجبك بإغلاظ.

و قيل‏ (7): النّهي و النّهر و النّهم أخوات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ قال: لو علم أنّ شيئا أقلّ من‏ أُفٍ‏ لقاله. وَ لا تَنْهَرْهُما، أي: لا تخاصمهما.

وَ قُلْ لَهُما: بدل التّأفيف و النّهر قَوْلًا كَرِيماً (23): جميلا لا شراسة فيه.

وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ: تذلّل لهما و تواضع فيهما. جعل للذّلّ جناحا، كما جعل لبيد في قوله:

و غداة ريح قد كشفت و قرة (9)* * * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها

للشّمال يدا، و للقرة زماما. و أمره بخفضه‏ (10) مبالغة. أو أراد جناحه، كقوله‏ (11): و اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏. و إضافته إلى «الذّلّ» للبيان و المبالغة، كما أضيف حاتم إلى‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 582.

(3) قوله: «و قرأ ...». ليس المراد بالتّخفيف تخفيف الفاء إذ ليس هو قراءة ابن عامر، بل المراد أنّ فتح الفاء هو تخفيف الكسرة.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) قوله: «و قيل عرفا ...»، أي: يدلّ عرفا على ما ذكره، فيكون معناه: ما ذكر، و هو المنع من سائر الأذى، كما أنّ قولهم: فلان لا يملك النّقير و القطمير، معناه: أنّه لا يملك شيئا.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمّي 2/ 18.

(9) القرة: البرودة.

(10) كذا في أنوار التنزيل 1/ 582. و في النسخ:

بحفضهما.

(11) الحجر/ 88.

381

الجود. و المعنى: و اخفض لهما جناحك الذّليل.

و قرئ‏ (1): «الذّل» بالكسر، و هو الانقياد، و النّعت منه ذلول.

مِنَ الرَّحْمَةِ: من فرط رحمتك عليهما، لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق اللّه إليهما بالأمس.

وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما: و ادع اللّه أن يرحمهما برحمته الباقية و لا تكتف برحمتك الفانية، و إن كانا كافرين، لأنّ من الرّحمة أن يهديهما.

كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (24): رحمة مثل رحمتهما عليّ، و تربيتهما إليّ، و إرشادهما لي في صغري، وفاء بوعدك للرّاحمين.

نقل‏ (2): أنّ رجلا قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أبويّ بلغا من الكبر اني ألِي منهما ما وليا منّي في الصّغر، فهل قضيتهما حقّهما؟

قال: لا، فإنّهما كانا يفعلان ذلك و هما يحبّان بقاءك، و أنت تفعل ذلك و أنت تريد موتهما.

و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى ابن عبّاس: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: فقال الشّيخ: يا أمير المؤمنين، فما القضاء و القدر اللّذان ساقانا و ما هبطنا واديا و لا علونا تلعة (4) إلّا بهما؟

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: الأمر من اللّه و الحكم. ثمّ تلا هذه الآية:

وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط (6) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ما هذا الإحسان؟

فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما، و أن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئا [ممّا يحتاجان إليه‏] (7) و إن كانا مستغنيين، أليس يقول اللّه‏ (8)- عزّ و جلّ-:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 582.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) التوحيد/ 382، ح 28.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قلعة.

(5) الكافي 2/ 157- 158.

(6) أ، ب، ر: الخياط.

(7) من المصدر.

(8) آل عمران/ 92.

382

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏.

قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و أمّا قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِمَّا يَبْلُغَنَ‏- إلى قوله- وَ لا تَنْهَرْهُما قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أفّ، و لا تنهرهما إن ضرباك.

قال: وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً قال: إن ضرباك، فقل لهما: غفر اللّه لكما.

فذلك [منك‏] (1) قول كريم.

قال: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قال: لا تملأ (2) عينيك من النّظر إليهما إلّا برحمة (3) و رقّة، و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما (4) و لا يدك فوق أيديهما، و لا تقم قدّامهما.

محمّد بن يحيى‏ (5)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن حديد بن حكيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أدنى العقوق أف. و لو علم اللّه شيئا أهون منه، لنهى عنه.

[عنه‏ (6)،] (7) عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لو علم اللّه شيئا أدنى من أف لنهى عنه، و هي أدنى العقوق. و من العقوق أن ينظر الرّجل إلى والديه فيحدّ النّظر إليهما.

عليّ بن إبراهيم‏ (8)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي المأمون الحارثيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما حقّ المؤمن على المؤمن؟

قال: إنّ من حقّ المؤمن [على المؤمن‏] (9) مودّته‏ (10) له في صدره.

... إلى أن قال: [و إذا قال‏] (11) له: أفّ، فليس بينهما ولاية.

عليّ بن إبراهيم‏ (12)، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرّحمن،

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «لا تمل» بدل «قال لا تملأ». و المراد بمل‏ء العينين: حدّة النّظر.

(3) قال المجلسي (ره): لعلّ الاستثناء في قوله:

«إلّا برحمة» منقطع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: صوتهما.

(5) نفس المصدر/ 348، ح 1.

(6) نفس المصدر/ 349، ح 7.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 171، ح 7.

(9) ليس في ب.

(10) المصدر: المودّة.

(11) ليس في ب.

(12) نفس المصدر 2/ 158، ح 5.

383

عن [درست بن أبي‏] (1) منصور، عن أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- قال: سأل رجل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما حقّ الوالد على الولد؟ قال: لا يسمّيه باسمه، و لا يمشي بين يديه، و لا يجلس قبله، و لا يستسبّ له‏ (2).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في حديث آخر أنّ «أفّا» بالألف، أي‏ (4): فلا تقل لهما أفّا (5) وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً، أي: حسنا. وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قال: تذلّل لهما و لا تتبختر (6) عليهما.

و في روضة الواعظين‏ (7) للمفيد- رضي اللّه عنه-: قال الصّادق- (عليه السلام)-: قوله- تعالى-: وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً قال: الوالدين‏ (8) محمّد و عليّ.

و في عيون الأخبار (9)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و حرّم اللّه- تعالى- عقوق الوالدين لما فيه من الخروج عن التّوقير لطاعة اللّه، و التّوقير للوالدين، و تجنّب كفر النّعمة و إبطال الشّكر، و ما يدعو في ذلك إلى قلّة النّسل و انقطاعه، لما في العقوق من قلّة توقير الوالدين و العرفان بحقّهما، و قطع الأرحام و الزّهد من الوالدين في الولد، و ترك التّربية لعلّة ترك الولد برّهما.

و في كتاب الخصال‏ (10): فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: إذا قال المؤمن لأخيه: أفّ، انقطع ما بينهما. فإن‏ (11) قال له: أنت كافر، كفر أحدهما. و إذا اتّهمه انماث‏ (12) الإسلام في قلبه، كانمياث‏ (13) الملح في الماء.

عن موسى بن بكر الواسطيّ‏ (14) قال: قلت لأبي الحسن، موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: الرّجل يقول لابنه أو لابنته: بأبي أنت و أمّي، أو بأبويّ، أ ترى بذلك بأسا؟

____________

(1) من المصدر.

(2) أي: لا يفعل ما يصير سببا لسبّ النّاس له، كأن يسبّهم أو آباءهم، و قد يسبّ النّاس والد من يفعل فعلا شنيعا قبيحا.

(3) تفسير القمّي 2/ 18.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «بالأفّ» بدل «أفّا بالألف أي».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أفّ.

(6) المصدر: لا تتجبّر.

(7) روضة الواعظين 1/ 105.

(8) المصدر: الوالد.

(9) العيون 2/ 90، ح 1.

(10) الخصال 2/ 623، من حديث أربعمائة.

(11) ب، المصدر: فإذا.

(12) أي: ذاب.

(13) المصدر: كما نيماث.

(14) نفس المصدر/ 26، ح 94.

384

فقال: إن كان أبواه حيّين فأرى [ذلك‏] (1) عقوقا، و إن كانا قد ماتا فلا بأس.

عن عبد اللّه‏ (2) بن الفضل الهاشميّ‏ (3) قال‏ (4): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ثلاثة من عازّهم‏ (5) ذلّ: الوالد و السّلطان و الغريم.

عن جعفر بن محمّد (6)، عن أبيه، عن آبائه، [عن عليّ‏] (7)- (عليهم السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يلزم الوالدين من العقوق لولدهما إذا كان الولد صالحا ما يلزم [الولد] (8) لهما.

عن عنبسة (9) بن مصعب‏ (10) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: ثلاث لم يجعل اللّه- تعالى- لأحد من النّاس فيهنّ رخصة: برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين، و الوفاء (11) بالعهد للبرّ و الفاجر، و أداء الأمانة للبرّ (12) و الفاجر.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (13)، في باب الحقوق المرويّة بإسناده: عن سيّد العابدين- (عليه السلام)-: و أمّا حقّ أمّك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا، و أعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، و وقتك بجميع جوارحها، و لم تبال أن تجوع و تطعمك، و تعطش و تسقيك، و تعرى و تكسوك، و تضحّي و تظلّلك، و تهجر النّوم لأجلك، و وقتك الحرّ و البرد لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها (14) إلّا بعون اللّه و توفيقه.

و أمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، فإنّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النّعمة عليك فيه، فاحمد اللّه و اشكره على قدر ذلك، و لا قوة إلّا باللّه.

و في مجمع البيان‏ (15): روي عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جدّه، أبي‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: عبيد اللّه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الهاشم.

(4) نفس المصدر/ 195، ح 270.

(5) كذا في المصدر، أي: غالبهم. و في النسخ:

عاندهم.

(6) نفس المصدر/ 55، ح 77.

(7) من المصدر.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 646. و في النسخ: عتبة.

(10) نفس المصدر 1/ 128، ح 129.

(11) المصدر: وفاء.

(12) المصدر: إلى البرّ.

(13) الفقيه 2/ 378، ح 1626.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: شكرا.

(15) المجمع 3/ 409.

385

عبد اللّه- (عليهم السلام)- قال: لو علم اللّه لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من «أفّ» لأتى به.

و في رواية أخرى‏ (1)، عنه- (عليه السلام)- قال: أدنى العقوق أف، و لو علم اللّه شيئا أيسر منه أو أهون منه لنهى عنه.

و في خبر آخر (2): فليعمل العاقّ ما شاء (3) أن يعمل، فلن يدخل الجنّة.

و روى أبو أسيد (4) الأنصاريّ‏ (5) قال: بينا نحن عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول اللّه، هل بقي من برّ أبويّ شي‏ء أبرّهما به‏ (6) بعد موتهما؟

قال: نعم، الصّلاة عليهما و الاستغفار لهما، و إنفاذ عهدهما من بعدهما، و إكرام صديقهما، و صلة الرّحم الّتي لا توصل إلّا بهما.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: أدعو لوالديّ إذا (8) كانا لا يعرفان الحقّ؟

قال: ادع لهما و تصدّق عنهما، و إن كانا حيّين لا يعرفان الحقّ فدارهما، فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه بعثني بالرّحمة لا بالعقوق.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، من أبرّ؟

قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

[قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: يشاء.

(4) كذا في المصدر. و في م ن: أبو سيد. و في غيرها: أبو أسعد.

(5) نفس المصدر/ 410.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أبرّ بهما.

(7) الكافي 2/ 159، ح 8.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: إن.

(9) نفس المصدر، ح 9.

386

قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟] (1) قال: أباك.

عليّ بن محمّد (2)، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: ثمّ بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو بمكّة عشر سنين، فلم يمت بمكّة في تلك العشر سنين أحد يشهد: أن لا إله إلّا اللّه و أن محمّدا رسول اللّه، إلّا أدخله [اللّه‏] (3) الجنّة بإقراره، و هو إيمان التّصديق، و لم يعذّب اللّه أحدا ممّن مات و هو متّبع لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ذلك إلّا من أشرك بالرّحمن، و تصديق ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكّة: وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً- إلى قوله- إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. أدب و عظة و تعليم و نهي خفيف، و لم يعد عليه و لم يتواعد على اجتراح شي‏ء ممّا نهى عنه، و أنزل نهيا عن أشياء حذّر عليها و لم يغلّظ فيها و لم يتواعد عليها، و قال: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏ و تلا الآيات إلى قوله: مَلُوماً مَدْحُوراً.

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ‏: من قصد البرّ إليهما و اعتقاد ما يجب لهما من التّوقير، فكأنّه تهديد على أن يضمر لهما كراهة و استثقالا.

إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ‏: قاصدين الصّلاح.

فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ‏: للتّوّابين.

غَفُوراً (25): ما فرط منهم عند حرج الصّدر من أذيّة أو تقصير. و فيه تشديد عظيم.

و يجوز أن يكون عامّا لكلّ تائب، و يندرج فيه الجاني على أبويه التّائب من جنايته اندراجا أوّليا لوروده على أثره.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن عبد اللّه بن عطاء [المكّي‏] (5) قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا ابن عطاء، ترى زاغت الشّمس؟

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 2/ 29- 30، ح 1.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 286، ح 41.

(5) من المصدر.

387

فقلت: جعلت فداك، و ما علمي بذلك و أنا معك؟

فقال: لا، لم تفعل و أوشك.

قال: فسرنا، فقال: قد فعلت.

قلت: هذا المكان الأحمر؟

قال: ليس يصلّى هاهنا، هذه أودية النّمال و ليس يصلّى.

قال: فمضينا إلى أرض بيضاء، قال: هذه سبخة و ليس يصلّى بالسّباخ.

قال: فمضينا إلى أرض حصباء، فقال: هاهنا.

فنزل و نزلت، فقال: يا ابن عطاء، أتيت بالعراق فرأيت القوم يصلّون بين تلك السواري في مسجد الكوفة؟

قال: قلت: نعم.

قال: أولئك‏ (1) شيعة أبي، عليّ، هذه صلاة الأوّابين، إنّ اللّه يقول: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً.

عن أبي بصير (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قوله: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال: هم التّوّابون المتعبّدون.

عن أبي بصير (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يا أبا محمّد، عليكم بالورع و الاجتهاد و أداء الأمانة و صدق الحديث و حسن الصحبة لمن صحبكم و طول السّجود، و كان ذلك من سنن الأوّابين. قال أبو بصير: «الأوّابون» التّوّابون.

عن هشام بن سالم‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من صلّى أربع ركعات [فقرأ] (5) في كلّ ركعة خمسين مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كانت صلاة فاطمة- (صلوات اللّه عليها)- و هي صلاة الأوّابين.

عن محمّد بن حفص‏ (6) [بن عمر] (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كانت صلاة الأوّابين خمسين صلاة، كلّها بقل هو اللّه أحد.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: هؤلاء.

(2) نفس المصدر، ح 42.

(3) نفس المصدر، ح 43.

(4) نفس المصدر، ح 44.

(5) من المصدر مع المعقوفتين.

(6) نفس المصدر/ 287، ح 45.

(7) من المصدر.

388

و في مجمع البيان‏ (1): فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً الأوّاب التّوّاب.

... إلى قوله: و قيل: إنّهم الّذين يصلّون بين المغرب و العشاء. روي ذلك مرفوعا.

وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏: من صلة الرّحم و حسن المعاشرة و البرّ عليهم.

و قيل‏ (2): المراد بذي القربى: أقارب الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قيل‏ (3): في تفسير العامّة: وصّى- سبحانه- بغير الوالدين من القرابات و المساكين و أبناء السّبيل بأن تؤتى حقوقهم بعد أن وصّى بهما.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل، و فيه: قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر اللّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا، فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ-.

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و الآية الخامسة قول اللّه- تعالى-: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ خصوصية خصّصهم‏ (5) اللّه العزيز الجبّار بها، و اصطفاهم على الأمّة. فلمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ادعوا لي فاطمة.

فدعيت له، فقال: يا فاطمة.

قالت: لبّيك، يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هذه فدك هي ممّا لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، و هي لي‏ (6) خاصّة دون المسلمين، فقد جعلتها (7) لك لما أمرني اللّه به، فخذيها لك و لولدك.

فهذه الخامسة.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن الحسين و غيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، و محمّد بن يحيى و محمّد بن الحسين، جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر

____________

(1) المجمع 3/ 410.

(2) أنوار التنزيل 1/ 583.

(3) نفس المصدر/ 582- 583.

(4) العيون 1/ 181- 183، ح 1.

(5) المصدر: خصّهم.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: له.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: جعلها.

(8) الكافي 1/ 293- 294، ح 3.

389

و عبد الكريم عن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: ثمّ قال- جلّ ذكره-: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏. و كان عليّ- (عليه السلام)- و كان حقّه الوصيّة الّتي جعلت له، و الاسم الأكبر، و ميراث العلم و آثار علم‏ (1) النّبوّة.

عليّ بن محمّد بن عبد اللّه‏ (2)، عن بعض أصحابنا أظنّه السّياريّ، عن عليّ بن أسباط قال: لمّا ورد أبو الحسن، موسى- (عليه السلام)- على المهديّ رآه يردّ المظالم.

فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال مظلمتنا لا تردّ؟

فقال له: و ما ذاك، يا أبا الحسن؟

قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا فتح على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فدك و ما والاها، ممّا (3) لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب‏ (4)، فانزل اللّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏. و لم يدر رسول اللّه من هم، [فراجع في ذلك جبرئيل- (عليه السلام)-] (5) و راجع جبرئيل ربّه.

فأوحى اللّه إليه: أن ادفع فدك إلى فاطمة- (عليها السلام)-.

فدعاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال لها: يا فاطمة، [إنّ اللّه‏] (6) أمرني أن أدفع إليك فدك.

فقالت: قد قبلت، يا رسول اللّه، من اللّه و منك.

فلم يزل و كلاؤها فيها حياة رسول اللّه، فلمّا ولي أبو بكر أخرج عنها و كلاءها، فأتته فسألته أن يردّها عليها.

فقال لها: ائتيني بأسود و أحمر يشهد لك بذلك.

فجاءت بأمير المؤمنين‏ (7)- (عليه السلام)- و أمّ أيمن فشهدا لها، فكتب لها بترك التّعرّض، فخرجت و الكتاب معها فلقيها (8) عمر.

____________

(1) ليس في ب.

(2) نفس المصدر 1/ 543، ح 5.

(3) ليس في المصدر.

(4) الإيجاف: السّير الشديد. و في قوله تعالى:

فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ. قالوا:

المعنى: ما أوجفتم على تحصيله و تغنيمه خيلا و لا ركابا و إنّما مشيتم على أرجلكم، فلم تحصلوا أموالهم بالغلبة و القتال و لكنّ اللّه سلّط رسله عليه و حواه أموالهم.

5 و 6- ليس في ب.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أمير المؤمنين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فلقاها.

390

فقال: ما هذا معك، يا بنت محمّد؟

قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة.

قال: أرينيه. فأبت، فانتزعه من يدها و نظر فيه، ثمّ تفل فيه و محاه و خرقه، و قال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل و لا ركاب، فضعي الجبال‏ (1) في رقابنا.

فقال له المهدي: [يا أبا الحسن،] (2) حدّها لي.

فقال: حدّ منها جبل أحد، و حدّ منها عريش‏ (3) مصر، و حدّ منها سيف البحر، و حدّ منها دومة الجندل‏ (4).

فقال له: كلّ هذا؟

قال: نعم، يا أمير المؤمنين، هذا كلّه. [إنّ هذا] (5) ممّا لم يوجف على أهله‏ (6) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بخيل و لا ركاب.

فقال: كثير، أنظر (7) فيه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏، يعني: قرابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نزلت‏ (9) في فاطمة- (عليها السلام)- فجعل لها فدك، و المسكين من ولد فاطمة- (عليها السلام)-، و ابن السّبيل من آل محمّد و ولد

____________

(1) المصدر: الحبال.

قال المجلسيّ (ره) في مرآة العقول: في بعض النّسخ بالحاء المهملة، أي: ضعي الحبال لترفعنا إلى حاكم، قاله تحقيرا و تعجيزا، و قاله تقريعا على المحال بزعمه، أي: أنّك إذا أعطيت ذلك وضعت الحبل على رقابنا و جعلتنا عبيدا لك أو أنّك إذا حكمت على ما لم يوجف عليها أبوك بأنّها ملكت فاحكمي على رقابنا- أيضا بالملكيّة. و في بعض النسخ بالمعجمة، أي: إن قدرت على وضع الجبال على رقابنا فضعي.

(2) ليس في أ، ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عرش.

(4) قال ياقوت: «عريش» مدينة كانت أوّل عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الرّوم في وسط الرّمل. ثمّ ذكر بعد كلام له وجه تسميته بالعريش فراجع.

و سيف البحر: ساحله. و دومة الجندل: حصن بين المدينة و الشام يقرب من تبوك و هي إلى الشام أقرب، سمّيت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم (ع)، و سمّيت دومة الجندل لأنّ حصنها مبنيّ بالجندل.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يوجف أهله على.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: النظر.

(8) تفسير القمّي 2/ 18.

(9) المصدر: أنزلت.

391

فاطمة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسي- رضي اللّه عنه-: عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه لبعض الشّاميّين: أما قرأت هذه الآية: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ [وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏ (2)]؟

قال: نعم.

قال- (عليه السلام)-: فنحن أولئك الّذين أمر اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يؤتيهم حقّهم.

و في مجمع البيان‏ (3): و أخبرنا السّيّد أبو الحمد.

... إلى قوله: عن أبي سعيد الخدريّ قال: لمّا نزل قوله: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ أعطى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فاطمة فدك‏ (4).

قال عبد الرّحمن بن صالح: كتب المأمون إلى عبيد اللّه‏ (5) بن موسى يسأله عن قصّة فدك، فكتب إليه عبيد اللّه‏ (6) بهذا الحديث، رواه عن الفضيل‏ (7) بن مرزوق عن عطيّة، فردّ المأمون فدك على‏ (8) ولد فاطمة- (عليها السلام)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عن عبد الرّحمن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أنزل اللّه‏ وَ آتِ‏ (10) ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ‏ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، قد عرفت المسكين، فمن ذو القربى؟

قال: هم أقاربك.

فدعا حسنا و حسينا و فاطمة، فقال: إنّ ربّي أمرني أن أعطيكم ممّا أفاء اللّه‏ (11) عليّ قال: أعطيتكم‏ (12) فدكا.

عن أبان بن تغلب‏ (13) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطى فاطمة فدكا؟

____________

(1) الاحتجاج/ 307.

(2) ليس في المصدر.

(3) المجمع 3/ 411.

(4) المصدر: فدكا.

5 و 6- المصدر: عبد اللّه.

(7) ب: الفضل.

(8) المصدر: فدكا إلى.

(9) تفسير العيّاشي 2/ 287، ح 46.

(10) المصدر: فآت.

(11) ليس في المصدر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أعطيكم.

(13) نفس المصدر، ح 47.

392

قال: كان وقفها، فانزل اللّه‏ وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ فأعطاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حقّها.

قلت: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطاها؟

قال: بل اللّه أعطاها (1).

عن جميل بن درّاج‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أتت فاطمة أبا بكر تريد فدكا.

قال: هاتي أسود أو أحمر يشهد بذلك.

قال: فأتت بأمّ‏ (3) أيمن.

فقال لها: تشهدين؟

قالت: أشهد أنّ جبرئيل أتى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إنّ اللّه يقول:

وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏. فلم يدر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من هم، فقال: يا جبرئيل، سل ربّك من هم؟ فقال: فاطمة ذو القربى، فأعطاها فدكا.

فزعموا أنّ عمر محا الصّحيفة، و قد كان كتبها أبو بكر.

عن أبي الطّفيل‏ (4)، عن عليّ- (عليه السلام)- قال يوم‏ (5) الشّورى: أ فيكم أحد تمّ نوره من السّماء حين قال: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ‏؟

قالوا: لا.

وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26): بصرف المال فيما لا ينبغي، و إنفاقه على وجه الإسراف.

و أصل التّبذير، التّفريق.

و في محاسن البرقيّ‏ (6): عنه، عن أبيه، عن عليّ بن حديد، عن منصور بن يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً قال: لا تبذّر (7) ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ بدل العبارة الأخيرة: نعم.

(2) نفس المصدر، ح 49.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أمّ.

(4) نفس المصدر/ 288، ح 52.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قوم.

(6) المحاسن/ 257، ح 298.

(7) المصدر: لا تبذّروا.

393

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن عامر بن جذاعة قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال له- (عليه السلام)-: اتّق اللّه و لا تسرف و لا تقتّر و لكن بين ذلك قواما، إنّ التّبذير من الإسراف، قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً.

قال: من أنفق شيئا في غير طاعة اللّه، فهو مبذّر، و من أنفق في سبيل اللّه، فهو مقتصد.

عن أبي بصير (3) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً.

قال: لا تبذّر في ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

عن بشر بن مروان‏ (4) قال: دخلنا على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فدعا برطب، فأقبل بعضهم يرمي النّوى.

قال: فأمسك أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- يده، فقال: لا تفعل، إنّ هذا من التّبذير، و إنّ اللّه لا يحبّ الفساد.

و في مجمع البيان‏ (5): وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً

و روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال لعناية (6): كن زاملة (7) للمؤمنين فإنّ خير المطايا أمثلها و أسلمها ظهرا، و لا تكن من المبذّرين.

إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ‏: أمثالهم في الشّرارة، فإنّ التّضييع و الإتلاف شرّ. أو أصدقاءهم و أتباعهم، لأنّهم يطيعونهم في الإسراف و الصّرف في‏

____________

(1) الكافي 3/ 501، ح 14.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 288، ح 53.

(3) نفس المصدر، ح 57. إلّا أنّ الحديث سنده هكذا عن جميل، عن إسحاق بن عمار.

(4) كذا في المصدر. ح 58. و في النسخ: موزون.

(5) المجمع 3/ 411.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لعامة.

(7) الزّاملة- مؤنث الزّامل-: ما يحمل عليه من الإبل و غيرها. و تسند إلى العقلاء، فيقال: هو زاملة من زوامل القلم و الدّواة، أو الشّعر و النّثر، على التّشبيه في التّحمّل أو عدم الدّراية.

394

المعاصي.

نقل‏ (1): أنّهم كانوا ينحرون الإبل و يتياسرون عليها و يبذّرون أموالهم في السّمعة، فنهاهم اللّه- تعالى- عن ذلك و أمرهم بالإنفاق في القربات.

وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27): مبالغا في الكفر به، فينبغي أن لا يطاع.

وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏: و إن أعرضت عن ذي القربى و المسكين و ابن السّبيل حياء من الرّدّ.

و يجوز أن يراد بالإعراض عنهم: أن لا ينفعهم، على سبيل الكناية.

ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها: لانتظار رزق من اللّه ترجوه أن يأتيك فتعطيه، أو منتظرين له‏ (2).

و قيل‏ (3): معناه: لفقد رزق من ربّك ترجوه أن يفتح لك. فوضع الابتغاء موضعه، لأنّه مسبّب عنه.

و يجوز أن يتعلّق بالجواب الّذي هو قوله: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (28): قولا ليّنا ابتغاء رحمة اللّه برحمتك عليهم بإجمال القول لهم.

و «الميسور» من يسر الأمر، مثل: سعد الرّجل و نحس.

و قيل: «القول [الميسور] (4)» الدّعاء لهم بالميسور، و هو اليسر، مثل: أغناكم اللّه، و رزقنا اللّه و إيّاكم.

و في مجمع البيان‏ (5): وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏ (الآية)

و روي‏ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان لمّا نزلت هذه الآية، إذا سئل و لم يكن عنده ما يعطي قال: يرزقنا اللّه و إيّاكم من فضله.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب، بعد ذكر فاطمة- (عليها السلام)- و ما تلقى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 583.

(2) قوله: «أو منتظرين له»، يعني: أنّ «ابتغاء» إمّا مفعول له و إمّا حال من ضمير ذوي القربى و غيرهم فيكون المعنى: و إمّا تعرضنّ عن ذوي القربى و غيرهم حال كونهم منتظرين.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ب.

(5) المجمع 3/ 411.

(6) المناقب 3/ 341- 342.

395

من الطّحن: من كتاب الشّيرازيّ، أنّها لمّا ذكرت حالها و سألت جارية بكى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا فاطمة، و الّذي بعثني بالحقّ، إنّ في المسجد أربعمائة رجل مالهم طعام و لا ثياب، و لو لا خشيتي خصلة لأعطيتك يا فاطمة ما سألت، إنّي لا أريد أن ينفكّ عنك‏ (1) أجرك إلى الجارية، و إنّي أخاف أن يخصمك عليّ بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- إذا طلب حقّه منك.

ثمّ علّمها صلاة التّسبيح، فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: مضيت تريدين من رسول اللّه الدّنيا فأعطانا اللّه ثواب الآخرة.

قال أبو هريرة (2): فلمّا خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من عند فاطمة، أنزل اللّه على رسوله‏ وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً، يعني: عن قرابتك و ابنتك فاطمة. ابْتِغاءَ، يعني: طلب‏ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ‏، يعني‏ (3) رزق من ربّك. تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً، يعني: قولا حسنا. فلمّا نزلت هذه الآية أنفذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إليها جارية للخدمة، و سمّاها فضّة.

وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ: تمثيلان لمنع الشحيح و إسراف المبذّر (4)، نهى عنهما آمرا بالاقتصاد بينهما الّذي هو الكرم.

فَتَقْعُدَ مَلُوماً: فتصير ملوما عند اللّه و عند النّاس بالإسراف و سوء التّدبير.

مَحْسُوراً (29): نادما. أو منقطعا بك‏ (5) لا شي‏ء عندك، من حسره السّفر:

إذا بلغ منه‏ (6).

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ‏ (الآية)

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «لا ينفكّ» بدل «ينفكّ عنك».

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ بعدها زيادة:

طالب.

(4) قوله: «تمثيلان لمنع الشحيح و إسراف المبذّر» الظاهر من كلامه أنّ هاهنا استعارتين تمثيليّتين، فالمشبّه في الأوّل هو بخل الشّخص بما في يده و تصرّفه إلى الغاية و المشبّه به جعل اليد مغلولة إلى العنق، فاستعمل ما هو موضوع الثّاني في الأوّل و قس عليه التّمثيل الثّاني.

(5) قوله: «أو منقطعا بك» على صيغة المفعول.

(6) قوله: «إذا بلغ منه» يقال: بلغ منه المرض:

إذا أثّر فيه تأثيرا تامّا.

(7) الكافي 4/ 55، ح 6.

(8) المصدر: يزيد.

396

قال: «الإحسار» الفاقة.

عليّ بن محمّد (1)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن موسى بن بكر، عن عجلان قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فجاء سائل فقام إلى مكتل‏ (2) فيه تمر فملأ يده فناوله، ثمّ جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله، ثمّ جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله، [ثمّ جاء آخر فسأله، فقام فأخذ بيده فناوله‏] (3)، ثمّ جاء آخر فقال: اللّه رازقنا و إيّاكم‏ (4).

ثم قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان لا يسأله أحد من الدّنيا شيئا إلّا أعطاه، فأرسلت إليه امرأة ابنا لها فقال: انطلق إليه فاسأله، فإن قال لك: ليس عندنا شي‏ء. فقل: أعطني قميصك.

قال: فأخذ قميصه فرمى به إليه. و في نسخة أخرى: فأعطاه. فأدّبه اللّه- تبارك و تعالى- على القصد [فقال:] (5) وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.

عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد، عن الحسن [بن محبوب‏] (7)، عن عبد اللّه بن سنان [عن عبد اللّه- (عليه السلام)-] (8) في قوله- تبارك و تعالى-:

الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. فبسط كفّه و فرّق أصابعه و حناها شيئا.

و عن قوله- تعالى-: وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فبسط راحته و قال: هكذا.

و قال: «القوام» ما يخرج من بين الأصابع و يبقى في الرّاحة منه شي‏ء.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: ثمّ علّم اللّه- جلّ اسمه- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كيف ينفق، و ذلك أنّه كانت عنده أوقيّة من الذهب [فكره أن تبيت عنده،

____________

(1) نفس المصدر، ح 7.

(2) المكتل: زنبيل من خوص.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: إيّاك.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر/ 56، ح 9.

(7) ليس في ب.

(8) ليس في المصدر.

(9) نفس المصدر 5/ 67- 68، ح 1.

397

فتصدّق بها، فأصبح و ليس عنده شي‏ء، فجاءه من يسأله‏] (1)، فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السّائل و اغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، و كان رحيما رقيقا (2)- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فأدّب اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأمره فقال: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً يقول: إنّ النّاس قد يسألونك و لا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت‏ (3) من المال.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن الحلبيّ، عن بعض أصحابه، عنه قال: قال أبو جعفر لأبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-: يا بنيّ، عليك بالحسنة بين الشّيئين تمحوهما.

قال: و كيف ذلك، يا أبة؟

قال: مثل [قوله: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عن ابن سنان‏ (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في‏] (6) قوله: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ‏ قال: فضمّ يده و قال: هكذا.

عن محمّد بن يزيد (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (8) في قوله: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً. قال: «الإحسار» الإقتار.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً. فإنّه كان سبب نزولها: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان لا يردّ أحدا يسأله شيئا عنده، فجاءه رجل فسأله فلم يحضره شي‏ء.

فقال: يكون- إن شاء اللّه تعالى-.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رفيقا.

(3) حسر الرّجل: أعيا، و كلّ، و انقطع.

(4) نور الثقلين 3/ 159، ح 179.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 289، ح 60.

(6) ليس في أ.

(7) نفس المصدر، ح 61.

(8) في المصدر بعدها: قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

(9) تفسير القمّي 2/ 18- 19.

398

فقال: يا رسول اللّه، أعطني‏ (1) قميصك. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يردّ أحدا عمّا عنده فأعطاه قميصه، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فهنأه [اللّه- عزّ و جلّ-] (2) أن يبخل أو يسرف و يقعد محسورا من الثّياب.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: «المحسور» العريان.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): الحسن بن محمّد بن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن عبد اللّه بن سنان‏ في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ‏. قال: ضمّ يده و قال: هكذا.

وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ قال: بسط راحته و قال: هكذا.

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: يوسّعه و يضيّقه بمشيئته التّابعة للحكمة، فليس ما يرهقك من الإضافة إلّا لمصلحتك‏ (4).

إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30): يعلم سرّهم و علنهم، فيعلم‏ (5) من مصالحهم ما يخفى عليهم.

و يجوز أن يراد: أنّ البسط و القبض من أمر اللّه- تعالى- العالم بالسّرائر و الظّواهر، فأمّا العباد فعليهم أن يقتصدوا. أو أنّه- تعالى- يبسط تارة و يقبض أخرى، فاستنّوا بسنّته و لا تقبضوا كلّ القبض و لا تبسطوا كلّ البسط.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: و قدّر الأرزاق فكثّرها و قلّلها و قسّمها على الضّيق و السّعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها و معسورها، و ليختبر بذلك الشّكر و الصّبر من غنيّها و فقيرها.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن داود الرّقيّ، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أعط.

(2) ليس في المصدر.

(3) التهذيب 7/ 236، ح 1031.

(4) قوله: «فليس ما يرهقك من الإضافة إلّا لمصلحتك»، أي: ليس ما يغشاك من الإضافة، أي: التّضييق في المال و العيش إلّا لمصلحتك و إن كانت خافية عليك.

(5) ليس في ب.

(6) النهج/ 134، الخطبة 91.

(7) الكافي 2/ 60، ح 4.

399

رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللّه- عزّ و جلّ-: إنّ من عبادي المؤمنين عبادا (1) لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالغنى و السّعة و الصّحّة في البدن، فأبلوهم بالغنى و السّعة و صحّة البدن [فيصلح عليهم أمر دينهم‏] (2). و إنّ من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالفاقة [و المسكنة] (3) و السّقم في أبدانهم، فأبلوهم بالفاقة و المسكنة و السّقم فيصلح عليهم أمر دينهم، و أنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏: مخافة الفاقة. و قتلهم أولادهم هو و أدهم بناتهم مخافة الفقر، فنهاهم اللّه عنه و ضمن لهم أرزاقهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): مخافة الفقر و الجوع، فإنّ العرب كانوا يقتلون أولادهم لذلك.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم قال: لا يملق حاجّ أبدا.

قلت: و ما الإملاق؟

قال: قول اللّه: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏.

عن إسحاق بن عمّار (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحاج لا يملق أبدا.

قال: قلت: ما الإملاق؟

قال: الإفلاس و تلا هذه الآية.

نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (31): ذنبا كبيرا، لما فيه من قطع التّناسل و انقطاع النّوع.

و «الخطأ» الإثم، يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما.

____________

(1) ليس في ب.

(2) من المصدر.

(3) ليس في أ، ب.

(4) تفسير القمّي 2/ 19.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 289، ح 62.

(6) نفس المصدر، ح 63.

400

و قرأ (1) ابن عامر: «خطأ» و هو اسم من «أخطأ» يضادّ الصّواب.

و قيل‏ (2): لغة فيه، كمثل و مثل، و حذر و حذر.

و قرأ (3) ابن كثير: «خطاء» بالمدّ و الكسر، و هو إمّا لغة فيه، أو مصدر «خاطأ»، و هو و إن لم يسمع و لكنّه جاء تخاطأ في قوله:

تخاطأه القنّاص حتّى وجدته‏* * * و خرطومه في منقع الماء راسب‏

و هو مبنيّ عليه‏ (4).

و قرئ‏ (5): «خطاء» بالفتح و المدّ. و «خطا» بحذف الهمزة مفتوحا و مكسورا.

وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏: بالعزم و الإتيان بالمقدّمات، فضلا عن أن تباشروه.

إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً: فعلة ظاهرة القبح زائدته‏ (6).

وَ ساءَ سَبِيلًا (32): و بئس طريقا طريقه، و هو الغصب على الأبضاع المؤدّي إلى قطع الأنساب و هيج الفتن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً يقول: معصية و مقتا، فإنّ اللَّه يمقته و يبغضه.

قال‏ (8): وَ ساءَ سَبِيلًا و هو أشدّ النّاس عذابا. و الزّنا من أكبر الكبائر.

و في عيون الأخبار (9)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا إلى محمّد بن سنان‏ في جواب مسائله في العلل: و حرّم الزّنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس، و ذهاب الأنساب، و ترك التّربية للأطفال، و فساد المواريث، و ما أشبه ذلك من وجوه الفساد.

و في كتاب الخصال‏ (10): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ،

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 584.

(4) أي: تخاطؤ، من باب التفاعل، مبنىّ على «خطأ» الذي هو من باب المفاعلة.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في ب.

(7) تفسير القمّي 2/ 19.

(8) المصدر: قوله.

(9) العيون 2/ 90، ح 1.

(10) الخصال/ 320- 321، ح 3.

401

في الزّنا ستّ خصال: ثلاث منها في الدّنيا، و ثلاث في الآخرة، فأمّا الّتي في الدّنيا فيذهب بالبهاء و يعجّل الفناء و يقطع الرّزق، و أمّا الّتي في الآخرة فسوء الحساب و سخط الرّحمن و الخلود في النّار.

و عن أبي عبد اللّه‏ (1)- (عليه السلام)- قال: للزّاني [ستّ خصال،] (2) ثلاث في الدّنيا، و ثلاث في الآخرة. و ذكر نحوه.

عن حذيفة اليمانيّ‏ (3) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر المسلمين، إيّاكم و الزّنا فإنّ فيه ستّ خصال. و ذكر نحوه- أيضا-.

عن أبي عبد اللّه‏ (4)- (عليه السلام)-: إذا فشت أربعة ظهرت أربعة، إذا فشا الزّنا، ظهرت الزّلازل. (الحديث)

و عن عليّ‏ (5)- (عليه السلام)-: أربعة لا تدخل‏ (6) واحدة منهنّ بيتا إلّا خرب و لم يعمر: الخيانة، و السّرقة، و شرب الخمر، و الزّنا.

عن الحلبّي‏ (7) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: المؤمن لا تكون سجيّته الكذب و لا البخل و لا الفجور، و لكن ربّما ألمّ من هذا بشي‏ء فلا يدوم عليه.

قيل له: أ فيزني؟

[قال: نعم،] (8) هو مفتن‏ (9) توّاب و لكن لا يولد له من تلك النّطفة.

عن جعفر بن محمّد (10)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما عجّت الأرض إلى ربّها كعجيجها من ثلاثة: من دم حرام يسفك عليها، و اغتسال من زنا (11)، و النّوم عليها قبل طلوع الشّمس.

وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ‏ قيل‏ (12): إلّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، و زنا بعد إحصان، و قتل مؤمن‏

____________

(1) نفس المصدر/ 321، ح 4.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر/ 320، ح 2.

(4) نفس المصدر/ 242، ح 95.

(5) نفس المصدر/ 230، ح 73.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أربعة لا يدن منهنّ واحدة بيتا.

(7) نفس المصدر/ 129، ح 134.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: مفتر.

(10) نفس المصدر/ 141، ح 160.

(11) المصدر: أو.

(12) أنوار التنزيل 1/ 584.

402

معصوم عمدا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): روي عن عليّ بن حسّان الواسطيّ، عن عمّه، عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الكبائر سبع فينا أنزلت و منّا استحلّت.

... إلى قوله: و أمّا قتل النّفس الّتي حرّم اللّه، فقد قتلوا الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- و أصحابه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

سمعته يقول: [من‏] (3) قتل النّفس الّتي حرّم اللّه، فقد قتل‏ (4) الحسين- (عليه السلام)- في أهل بيته.

وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً: غير مستوجب للقتل.

فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ‏: الّذي يلي أمره بعد وفاته، و هو الوارث.

سُلْطاناً: تسلّطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه. أو بالقصاص على القاتل، فإنّ قوله: «مظلوما» يدلّ على أنّ القتل عمدا عدوان، فإنّ الخطأ لا يسمّى ظلما.

فَلا يُسْرِفْ‏ [، أي: القاتل‏] (5) فِي الْقَتْلِ‏: بأن يقتل من لا يحقّ قتله، فإنّ العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك. أو الوليّ بالمثلة. أو قتل غير القاتل.

و يؤيد الأوّل قراءة أبيّ: «فلا تسرفوا» (6). و قراءة حمزة و الكسائيّ: «فلا تسرف» على خطاب أحدهما (7).

إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33): علّة النّهى على الاستئناف.

____________

(1) الفقيه 3/ 366، ح 1745.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 290، ح 64.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قتلوا.

(5) ليس في ب.

(6) قوله: «و يؤيّد الأول قراءة أبيّ: فلا تسرفوا» فإنّ «لا تسرفوا» يناسب أن يكون الخطاب للنّاس حتّى يوجب نهيهم عن القتل، أمّا إذا كان الخطاب للوليّ فينبغي أن يكون الفعل للواحد الغائب لا للجمع. و إنّما قال: يؤيد الأول، و لم يقل: نصّ فيه، لأنّه يمكن أن يكون جمع الضّمير باعتبار تعدّد الأولياء.

(7) قوله: «على خطاب أحدهما»، أي:

القاتل، أو الوليّ.

403

و الضّمير إمّا للمقتول فإنّه منصور في الدّنيا بثبوت القصاص بقتلة و في الآخرة بالثّواب، و إمّا لوليّه فإن اللّه نصره حيث أوجب القصاص له و أمر الولاة بمعونته، و إمّا للّذي يقتله الوليّ إسرافا بإيجاب القصاص أو التّعزير و الوزر على المسرف.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العبّاس و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا اجتمعت العدّة على قتل رجل واحد، حكم الوالي‏ (2) أن يقتل أيّهم شاءوا و ليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏.

عليّ بن محمّد (3)، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سليمان، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً فما هذا الإسراف الّذي نهى اللّه عنه؟

قال: نهى أن يقتل غير قاتله، أو يمثّل بالقاتل.

قلت: فما معنى قوله: إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً؟

قال: و أيّ نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى ولي المقتول فيقتله، لا تبعة تلزمه من قتله في دين و لا دنيا.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، عن صالح عن الحجّال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏ (5).

قال: نزلت في الحسين- (عليه السلام)-، لو قتل أهل الأرض به ما كان سرفا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في الحسين- (عليه السلام)- وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏

____________

(1) الكافي 7/ 284- 285، ح 9.

(2) ب: الولي.

(3) نفس المصدر/ 370، ح 7.

(4) نفس المصدر 8/ 255، ح 364.

(5) كذا في المصدر و المصحف. و في النسخ:

بالقتل.

(6) تفسير العياشي 2/ 290، ح 69.

404

(1) قاتل‏ (2) الحسين- (عليه السلام)-.

إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً قال: الحسين- (عليه السلام)-.

عن سلام بن المستنير (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً قال: هو الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قتل مظلوما و نحن أولياؤه، و القائم منّا إذا قام‏ (4) طلب بثأر الحسين فيقتل حتّى يقال: قد أسرفت‏ (5) في القتل. و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: المقتول الحسين و وليّه القائم، و الإسراف في القتل أن يقتل غير قاتله‏ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً فإنّه لا يذهب من الدّنيا حتّى ينتصر برجل من آل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما (6).

عن أبي العبّاس‏ (7) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجلين قتلا رجلا.

قال: يخيّر وليّه أن يقتل أيّهما شاء و يغرم الباقي نصف الدّية، أعني: دية المقتول فيردّ على ذرّيّته‏ (8): و كذلك إن قتل رجل امرأة إن قبلوا دية المرأة فذاك، و إن أبي أولياؤها إلّا قتل قاتلها غرموا نصف دية الرّجل و قتلوه، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏.

عن حمران‏ (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: و قد قال اللّه: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً نحن أولياء الحسين بن علي- (عليه السلام)- (10) [و القائم منّا] (11).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ‏: فضلا أن تتصرّفوا فيه.

إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏: إلّا بالطّريقة الّتي هي أحسن.

حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ‏: غاية لجواز التّصرّف الّذي دلّ عليه الاستثناء.

____________

(1) كذا في المصدر و المصحف. و في النسخ:

بالقتل.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(3) نفس المصدر، ح 67.

(4) المصدر: قام منّا.

(5) أسرف.

(6) ب، المصدر: ظلما و جورا.

(7) نفس المصدر/ 291، ح 68.

(8) المصدر: ورثته.

(9) نفس المصدر، ح 69.

(10) ب: نحن أولياؤه.

(11) من ب.

405

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): روى منصور بن حازم، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [انقطاع اليتيم الاحتلام و هو أشدّه.

و روى الحسن بن عليّ الوشّاء (2)، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:] (3) إذا بلغ الغلام أشدّه ثلاث عشرة سنة و دخل في الأربع عشرة سنة وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم، فكتبت‏ (4) عليه السيئات و كتبت له الحسنات، و جاز له كلّ شي‏ء إلّا أن يكون ضعيفا أو سفيها.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عنه- (عليه السلام)- ما يقرب منه.

وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ: بما عاهدكم اللّه من تكاليفه. أو بما عاهدتموه و غيره.

إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34): مطلوبا، يطلب من المعاهد أن لا يضيّعه و يفي به. أو مسؤولا عنه، يسأل النّاكث [و يعاتب عليه‏] (6). أو يسأل العهد: لم نكثت؟

تبكيتا للنّاكث، كما يقال للموءودة: «بأيّ ذنب قتلت» (7) فيكون تخييلا (8). و يجوز أن يراد، أنّ صاحب العهد كان مسؤولا.

و في كتاب الخصال‏ (9): عن عنبسة (10) بن مصعب قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: ثلاثة لم يجعل اللّه لأحد من النّاس فيهنّ رخصة.

... إلى قوله- (عليه السلام)-: و الوفاء (11) بالعهد للبرّ و الفاجر.

وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ‏: و لا تبخسوا فيه.

وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ‏: بالميزان السّويّ. و هو روميّ معرّب، و لا يقدح ذلك في عربيّة القرآن، لأنّ العجميّ إذا استعملته العرب و أجرته مجرى كلامهم في‏

____________

(1) الفقيه 4/ 163، ح 569.

(2) نفس المصدر/ 164، ح 571.

(3) ما بين المعقوفتين لا يوجد في النسخ. و لعلّ المصنّف (ره) أسقطها عند نقل الحديث من تفسير نور الثقلين.

(4) المصدر: و كتب.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 291، ح 70.

(6) ليس في ب.

(7) التكوير/ 9.

(8) قوله: «فيكون تخييلا»، أي: لا يسأل العهد حقيقة، إذ العهد غير عاقل حتّى يسأل عن الشي‏ء، بل المراد مجرّد تخييل للسّؤال تعييرا و توبيخا للنّاكث.

(9) الخصال/ 128، ح 129.

(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 646. و في النسخ: عتبة.

(11) المصدر: وفاء.

406

الإعراب و التّعريف و التّنكير و نحوها، صار عربيّا.

و قرأ (1) حمزة و الكسائي و حفص، بكسر القاف، هنا و في الشّعراء.

ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35): و أحسن عاقبة (2). تفعيل، من آل: إذا رجع.

وَ لا تَقْفُ‏: و لا تتّبع.

و قرئ‏ (3): «و لا تقف» من قاف أثره: إذا قفاه. و منه القافة.

ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏: ما لم يتعلّق به علمك تقليدا، أو رجما بالغيب.

و احتجّ به من منع اتّباع الظّنّ، و أجيب: بأنّ المراد بالعلم هو الاعتقاد الرّاجح المستفاد من سند، سواء كان قطعا أو ظنّا، و استعماله بهذا المعنى شائع.

و قيل‏ (4): إنّه مخصوص بالعقائد.

و قيل‏ (5): بالرّمي و شهادة الزّور. و يؤيّده قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه اللّه في ردغة الخبال‏ (6)، حتّى يأتي بالمخرج.

و قول الكميت:

و لا أرمي البري‏ء بغير ذنب‏* * * و لا أقفو الحواصن إن قفينا

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: القسطاس المستقيم هو الميزان الّذي له لسان.

و فيه‏ (8): قوله: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ قال: لا ترم [أحدا] (9) بما ليس لك به علم، و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من بهت‏ (10) مؤمنا أو مؤمنة أقيم في طينة خبال، أو يخرج ممّا قال.

إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ‏، أي: كلّ هذه الأعضاء. فأجراها مجرى العقلاء لمّا كانت مسؤولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها، هذا و إنّ «أولاء»

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 585.

(2) ليس في ب.

(3) نفس المصدر و الموضع.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) الرّدغة: الوحل الكثير. و ردغة الخبال: ما سال من جلود أهل النّار يوم القيامة.

(7) تفسير القمّي 2/ 19.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: نهر.

407

و إن غلب في العقلاء لكنّه من حيث أنّه اسم‏ (1) جمع، لذا و هو يعمّ القبيلين، جاء لغيرهم، كقوله:

و العيش بعد أولئك الأيام‏

كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36).

في ثلاثتها ضمير «كلّ» (2)، أي: كان كلّ واحد منها مسؤولا عن نفسه، يعني:

عمّا فعل به صاحبه.

و يجوز أن يكون الضّمير في «عنه» لمصدر «لا تقف»، أو لصاحب السّمع و البصر.

و قيل‏ (3): «مسؤولا» مسند إلى «عنه»، كقوله: «غير المغضوب عليهم» و المعنى:

يسأل صاحبه عنه. و هو خطأ، لأنّ الفاعل و ما يقوم مقامه لا يتقدّم.

قيل‏ (4): و فيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية.

و قرئ‏ (5): «و الفواد» بقلب الهمزة واوا بعد الضّمّة، ثمّ إبدالها بالفتح.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال رجل للصّادق- (عليه السلام)-: إنّ لي جيرانا و لهم جوار يتغنّين و يضر بن بالعود، فربّما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا منّي لهنّ.

فقال له الصّادق- (عليه السلام)-: [لا تفعل.

فقال: و اللّه ما هو شي‏ء آتيه برجلي، إنّما هو سماع أسمعه بأذني.

فقال له- (عليه السلام)-:] (7) يا للّه أنت‏ (8). أما سمعت اللّه يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

فقال الرّجل: كأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه- عزّ و جلّ- من عربيّ و لا عجميّ، و لا جرم أنّي قد تركتها، و أنا استغفر اللّه- تعالى-.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) ليس في ب.

(2) قوله: «في ثلاثتها ضمير كلّ»، أي: في «كان» و «عنه» و «مسؤولا» ضمير راجع إلى «كلّ».

3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 585.

(6) الفقيه 1/ 45، ح 177.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: تا اللّه أنت.

408

و في عيون الأخبار (1)، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: حدّثني سيّدي، عليّ بن محمّد بن عليّ الرّضا، عن [أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، الرّضا، عن‏] (2) آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السّمع، و إنّ عمر منّي بمنزل البصر، و إنّ عثمان منّي بمنزل الفؤاد.

فلمّا كان من الغد دخلت عليه، و عنده أمير المؤمنين و أبو بكر و عمر و عثمان، فقلت له: يا أبة، سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولا، فما هو؟

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نعم. ثمّ أشار إليهم، فقال: هم السّمع و البصر و الفؤاد، سيسألون‏ (3) عن وصيّي هذا. و أشار إلى عليّ بن أبي طالب.

ثمّ قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

ثمّ قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و عزّة ربّي، إنّ جميع أمّتي موقوفون يوم القيامة و مسؤولون عن ولايته، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4): محمّد بن موسى بن المتوكّل- رضي اللّه عنه- قال:

حدّثنا عليّ بن الحسين‏ (5) السّعدآباديّ، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ‏ (6)، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: حدّثني عليّ بن جعفر، عن أخيه، موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: ليس لك أن تتكلّم بما شئت، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ و لأن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: رحم اللّه عبدا قال خيرا فغنم، أو صمت فسلم. و ليس لك أن تسمع ما شئت، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول:] (7) إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) العيون 1/ 244، ح 86.

(2) ليس في ب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يسألون.

(4) العلل/ 606، ح 80.

(5) المصدر: الحسن.

(6) يوجد في جميع النسخ هنا زيادة: عن عبد اللّه البرقي.

(7) ليس في ب.

409

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (2) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إن اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها-: ثمّ نظّم ما فرض على القلب و اللّسان و البصر في آية أخرى فقال: وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ‏، يعني بالجلود: الفروج و الأفخاذ. و قال: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. فهذا ما فرض على العينين من غضّ البصر عمّا حرم اللّه، و هو عملهما، و هو من الإيمان.

عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، جميعا عن البرقيّ، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن عبد اللّه، عن الحسن بن‏ (4) هارون قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

قال: يسأل السّمع عمّا سمع، و البصر عمّا نظر إليه، و الفؤاد عمّا عقد عليه.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي، إنّي أدخل كنيفا (6) لي ولي جيران و عندهم جوار يتغنّين. و ذكر إلى آخر ما نقلنا عن من لا يحضره الفقيه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي، إنّي أدخل كنيفا لي ولي جيران و عندهم جوار يتغنّين.

ذكر إلى آخر ما نقلت عنه- أيضا-.

____________

(1) الكافي 2/ 33- 36، ح 1.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: يزيد.

(3) نفس المصدر/ 37، ح 2.

(4) المصدر: «عبيد اللّه بن [الحسن، عن الحسن بن‏]» بدل «عبد اللّه، عن الحسن بن».

(5) نفس المصدر 6/ 432، ح 10.

(6) الكنيف: حظيرة من خشب أو شجر تتّخذ للإبل و الغنم تقيها الرّيح و البرد. أو: المرحاض.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 292، ح 76.

410

[عن الحسن‏ (1)] (2) قال: كنت أطيل الجلوس‏ (3) في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران.

قال: فدخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال لي: يا حسن‏ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

قال: السّمع و ما وعى، و البصر و ما رأى، و الفؤاد و ما عقد عليه.

عن الحسن بن هارون‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. قال: [يسأل‏] (5) السّمع عمّا يسمع، و البصر عمّا يطرف، و الفؤاد عمّا عقد (6) عليه.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و من نام بعد فراغه من أداء الفرائض و السّنن و الواجبات من الحقوق، فذلك نوم محمود، و إنّي لا أعلم لأهل زماننا هذا [شيئا] (8) إذا أتوا بهذه الخصال أسلم من النّوم، لأنّ الخلق تركوا مراعاة دينهم و مراقبة أحوالهم و أخذوا شمال الطّريق، و العبد إن اجتهد أن لا يتكلّم كيف يمكنه أن لا يسمع إلّا ما هو مانع له من ذلك، و إنّ النّوم من إحدى تلك الآلات‏ (9)، قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تزول‏ (11) قدم عبد يوم القيامة من بين يدي اللّه حتّى يسأله عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، و جسدك فيما أبليته، و مالك من أين اكتسبته‏ (12) و أين وضعته، و عن حبّنا أهل البيت.

____________

(1) نفس المصدر، ح 74.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: القعود.

(4) نفس المصدر، ح 75. و فيه: الحسين بن هارون.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: يعقد.

(7) مصباح الشريعة/ 45.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: من أحد الآلات.

(10) تفسير القمّي 2/ 19- 20.

(11) المصدر: لا يزول. و في ب: تزلّ.

(12) المصدر: كسبته.

411

وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، أي: ذا مرح، و هو الاختيال.

و قرئ‏ (1): «مرحا»، و هو باعتبار الحكم أبلغ و إن كان المصدر آكد من صريح النّعت‏ (2).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): أي: بطرا و (4) فرحا.

إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ‏: لن تجعل فيها خرقا بشدّة وطأتك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): أي: لم تبلغها كلّها.

وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (37): بتطاولك. و هو تهكّم بالمختال، و تعليل للنّهي بأنّ الاختيال حماقة مجرّدة لا تعود بجدوى ليس في التّذلّل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أي: لا تقدر أن تبلغ قلل الجبال.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد (8) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها-: و فرض على الرّجلين أن لا يمشى بهما إلى شي‏ء من معاصي اللّه، و فرض عليهما المشي إلى ما يرضي اللّه- عزّ و جلّ- فقال: وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لابنه محمّد بن الحنفيّة: و فرض على الرّجلين أن تنقلهما في طاعته و أن لا تمشي بهما مشية عاص، فقال‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 585.

(2) قوله: «و هو باعتبار الحكم أبلغ ... الخ»، أي: قراءة «مرحا» حتّى يكون أبلغ و آكد باعتبار الحكم، أي باعتبار النّهي عن المرح، فإنّ قراءة «مرحا» يدلّ على النّهي عن المرح، أي:

الاختيال مطلقا، و أمّا قراءة «مرحا» بفتح الرّاء فليس في مرتبة ذلك التّأكيد، لأنّه يدلّ على النّهي عن المبالغة في المرح و الاختيال لأنّه في الظاهر عن أن يكون الماشي عين المرح و ان كان نهى الاتّصاف بالمصدر آكد من الاتّصاف بالصفّة.

(3) تفسير القمّي 2/ 20.

(4) المصدر: أو.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) الكافي 2/ 33- 36، ح 1.

(8) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 15. و في النسخ: يزيد.

(9) نور الثقلين 3/ 167، ح 218 نقل الوصيّة في الفقيه 4/ 275، ح 830، و لكن لا يوجد فيها هذه الفقرة.

412

- عزّ و جلّ-: وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ‏ (الآية).

كُلُّ ذلِكَ‏: إشارة إلى الخصال الخمس و العشرين المذكورة من قوله: وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ.

و عن ابن عبّاس‏ (1): أنّها مكتوبة في ألواح عيسى و موسى‏ (2).

كانَ سَيِّئُهُ‏، يعني: المنهيّ عنه، فإنّ المذكورات مأمورات و مناه.

و قرأ (3) الحجازيّان و البصريّان: «سيّئة» على أنّه خبر «كان» و الاسم ضمير «كلّ» و «ذلك» إشارة إلى ما نهى عن ذلك خاصّة، و على هذا قوله: عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38): بدل من «سيّئة»، أو صفة لها محمولة على المعنى‏ (4)، فإنّه بمعنى: «سيأ» و قد قرئ به.

و يجوز أن ينتصب «مكروها» على الحال من المستكنّ في «كان»، أو في الظّرف على أنّه صفة «سيّئة» و المراد به: المبغوض المقابل للمرضيّ لا ما يقابل المراد لقيام القاطع، على أنّ الحوادث كلّها واقعه بإرادته- تعالى- (5).

ذلِكَ‏: إشارة إلى الأحكام المقدّمة.

مِمَّا أَوْحى‏ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ: الّتي هي معرفة الحقّ لذاته و الخير للعمل به.

وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ:

كرّره للتّنبيه على أنّ التّوحيد مبدأ الأمر و منتهاه، فإنّ من لا قصد له بطل عمله، و من قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، و أنّه رأس الحكمة و ملاكها.

و رتّب عليه أوّلا ما هو عائدة الشّرك في الدّنيا (6)، و ثانيا ما هو نتيجته في العقبى،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 585.

(2) ب: ألواح عيسى و موسى.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) أي: «عند ربّك مكروها» صفة محمولة على المعنى و إلّا لوجب بحسب اللّقط أن يقال:

مكروهة لأنّه صفة «السّيئة» التي هي المؤنث.

(5) أي: ليست الكراهة بالمعنى المقابل للإرادة، كما هو مذهب المعتزلة، لأنّ كل ما وقع فهو مراد اللّه- تعالى- عند أهل الحقّ، فيجب أن تكون الكراهة بمعنى: المقت و البغض و عدم الرضا، و حاصله الاعتراض و المؤاخذة بفعله.

(6) قوله: «رتّب عليه أوّلا ما هو عائدة الشرك في الدنيا» حيث قال في أوّل الآيات: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا.

413

فقال: فَتُلْقى‏ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً: تلوم نفسك. مَدْحُوراً (39): مبعدا من رحمة اللّه- تعالى-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): فالمخاطبة للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المعنى للنّاس.

أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ‏: خطاب لمن قالوا: الملائكة بنات اللّه.

و «الهمزة» للإنكار، و المعنى: أ فخصّكم ربّكم بأفضل الأولاد، و هم البنون.

وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً: لنفسه، و هذا خلاف ما عليه عقولكم و عادتكم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): هو ردّ على قريش فيما قالوا: إنّ الملائكة هي بنات اللّه.

إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً (40): بإضافة الأولاد إليه و هو خاصّة بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثمّ بتفضيل أنفسكم عليه‏ (3) حيث تجعلون له ما تكرهون، ثمّ بجعل الملائكة الّذين هم من أشرف خلق اللّه أدونهم.

و في عيون الأخبار (4)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)- حديث طويل، فيه: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل، فقال لها: سبحان الّذي خلقك. و إنّما أراد بذلك تنزيه اللّه‏ (5)- تعالى- عن قول من زعم، أن الملائكة بنات اللّه، فقال اللّه- عزّ و جلّ-: أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً. فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا رآها تغتسل: سبحان الّذي خلقك أن يتّخذ ولدا يحتاج إلى هذا التّطهير و الاغتسال.

وَ لَقَدْ صَرَّفْنا: و لقد كرّرنا هذا المعنى بوجوه من التّقرير.

فِي هذَا الْقُرْآنِ‏: في مواضع منه.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 20.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) عطف على قوله: بإضافة الأولاد إليه. و كذا قوله: ثمّ بجعل الملائكة. و أمّا قوله: لسرعة زوالها، أي: لسرعة زوال ذلك البعض حتى يكون ولده قائما مقامه و يمكن أن يقال الأولاد خاصّة لبعض الأجسام الذي هو في قوّة النقص و اللّه- تعالى- في غاية الكمال.

(4) ليس في أ.

(5) المصدر: البارئ.

414

و يجوز أن يراد ب «هذا القرآن»: إبطال إضافة البنات إليه‏ (1)، بتقدير: و لقد صرّفنا القول في هذا المعنى، أو أوقعنا التّصريف فيه‏ (2).

و قرئ‏ (3): «صرفنا» بالتّخفيف.

لِيَذَّكَّرُوا:

و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ هنا و في الفرقان: «ليذكروا» من الذّكر، الّذي هو بمعنى: التّذكّر.

وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (41): عن الحقّ و قلّة طمانينة إليه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ‏، يعني: [و لقد] (6) ذكرنا عليّا- (عليه السلام)- في القرآن، و هو الذكر (7)، فما زادهم إلّا نفورا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله: وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً قال: إذا سمعوا القرآن ينفرون منه و يكّذبونه.

قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ‏: أيّها المشركون.

و قرأ (9) ابن كثير و حفص، بالياء، فيه و في ما بعده، على أنّ الكلام مع الرّسول، و وافقهما نافع و ابن عامر و أبو عمرو و أبو بكر و يعقوب في الثّانية، على أنّ الأولى ممّا أمر الرّسول أن يخاطب به المشركين، و الثّانية ممّا نزّه به نفسه عن مقالتهم.

إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى‏ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42): جواب عن قولهم، و جزاء «للو».

و المعنى: لطلبوا إلى من هو مالك الملك سبيلا للمعازّة، كما يفعل الملوك بعضهم مع‏

____________

(1) قوله: «و يجوز أن يراد بهذا القرآن: إبطال إضافة البنات إليه» فيكون من باب إطلاق الشي‏ء على ما يفهم منه، و هو قريب من إطلاق اسم المحلّ على الحال.

(2) قوله: «أوقعنا التّصريف فيه» معناه: أنّه جعلناه مكانا للتكرير، و الغرض ما ذكر.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 586.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 293، ح 78.

(6) من المصدر.

(7) من ب.

(8) تفسير القمّي 2/ 20.

(9) أنوار التنزيل 1/ 586.

415

بعض. أو بالتّقرّب إليه و الطّاعة لعلمهم بقدرته و عجزهم، كقوله‏ (1): أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ.

سُبْحانَهُ‏: ينزّه تنزيها.

وَ تَعالى‏ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (43): متباعدا غاية البعد عمّا يقولون فإنّه- سبحانه و تعالى- في أعلى مراتب الوجود، و هو كونه واجب الوجود و البقاء لذاته و اتّخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنّه من خواصّ ما يمتنع‏ (2) بقاؤه.

تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏: ينزّهه ممّا هو من لوازم الإمكان و توابع الحدوث بلسان الحال، حيث تدلّ بإمكانها و حدوثها على الصّانع القديم الواجب لذاته.

وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏: أيّها المشركون، لاخلالكم بالنّظر الصّحيح الّذي به يفهم تسبيحهم.

و يجوز أن يحمل التّسبيح على المشترك بين اللّفظ و الدّلالة لإسناده إلى ما يتصوّر منه اللّفظ و إلى ما لا يتصوّر منه‏ (3)، و عليهما عند من جوّز إطلاق اللّفظ على معنييه.

و قرأ (4) ابن كثير و ابن عامر و أبو بكر: «يسبّح» بالياء.

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن داود الرّقيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏.

قال: تنقضّ الجدر تسبيحها (6).

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن أبي الصّباح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: قول اللّه: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏.

____________

(1) الإسراء/ 57.

(2) كذا في ر. و في غيرها: يمنع.

(3) قوله: «و يجوز أن يحمل التّسبيح ...»، أي:

معنى مشتركا بينهما. و الأولى أن يقال: على معنى مشترك بين دلالة اللّفظ و دلالة الحال، و هو مطلق الدّلالة.

(4) أنوار التنزيل 1/ 586.

(5) الكافي 6/ 531، ح 4.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فنقض الجدر بتسبيحها.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 293، ح 79.

416

قال: كلّ شي‏ء يسبّح بحمده، و إنّا لنرى أن تنقضّ الجدار و هو تسبيحها (1).

و في رواية الحسين بن سعيد (2)، عنه‏ وَ إِنْ‏ (3) مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ قال: كلّ شي‏ء يسبّح بحمده.

[و قال:] (4) و إنّا لنرى أن ينقضّ الجدار و هو تسبيحها.

عن زرارة (5) قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏.

فقال: ما ترى أن تنقضّ الحيطان تسيحها (6).

عن الحسن‏ (7) [عن‏] (8) النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن أن توسم‏ (9) البهائم في وجوهها و أن تضرب وجوهها، لأنّها تسبّح بحمد ربّها.

عن إسحاق بن عمّار (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما من صيد (11) يصاد [في برّ و لا بحر، و لا شي‏ء يصاد من الوحش‏] (12) إلّا بتضييعه التّسبيح.

عن مسعدة بن صدقة (13)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- أنّه دخل عليه رجل فقال له: فداك أبي و أمّي، إنّي أجد اللّه يقول في كتابه: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ، إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏.

فقال له: هو كما قال.

فقال: أ تسبّح الشّجرة اليابسة؟

فقال: نعم، أمّا سمعت خشب البيت كيف ينقضّ؟ و ذلك تسبيحه، فسبحان‏ (14) اللّه على كلّ حال.

____________

(1) المصدر: لنرى أن ينقضّ الجدر هو تسبيحها.

(2) نفس المصدر/ 294، ح 80.

(3) المصدر: و ما.

(4) ليس في أ، ب.

(5) نفس المصدر، ح 81.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بتسبيحها.

(7) نفس المصدر، ح 82.

(8) من المصدر مع المعقوفتين.

(9) يوجد في النسخ بعدها زيادة: بسم.

(10) نفس المصدر، ح 83.

(11) المصدر: طير.

(12) من المصدر.

(13) نفس المصدر، ح 84.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: سبحان.

417

إِنَّهُ كانَ حَلِيماً: حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم و شرككم.

غَفُوراً (44): لمن تاب منكم.

وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً:

يحجبهم عن فهم ما تقرأه عليهم.

مَسْتُوراً (45): ذا ستر، كقوله‏ (1): «وعده مأتيّا» (2)، و قولهم: سيل مفعم. أو مستورا عن الحسّ. أو بحجاب آخر، لا يفهمون، و لا يفهمون أنّهم لا يفهمون.

نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات، بعد ما نفى عنهم التفقه للدّلالات المنصوبة في الأنفس و الآفاق، تقريرا له و بيانا لكونهم مطبوعين على الضّلالة، كما صرّح به بقوله: وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً: تكنّها و تحول دونها عن إدراك الحقّ و قبوله.

أَنْ يَفْقَهُوهُ‏: كراهة أن يفقهوه.

و يجوز أن يكون مفعولا لما دلّ عليه قوله: وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، أي:

منعناهم أن يفقهوه.

وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً: يمنعهم عن استماعه. و لمّا كان القرآن معجزا من حيث اللّفظ و المعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى و إدراك اللّفظ.

وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ‏: واحدا غير مشفوع به آلهتهم. مصدر وقع موقع الحال، و أصله: يحد وحده، بمعنى: واحدا وحده.

وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46): هربا من استماع التّوحيد و نفرة، أو تولية.

و يجوز أن يكون جمع نافر، كقاعد و قعود.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)-، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود

____________

(1) مريم/ 61.

(2) قوله: ذا ستر كقوله: وَعْدُهُ مَأْتِيًّا إنّما حمل على ذلك، لأنّ المستور معناه الحقيقيّ: ما يستره شي‏ء، لكنّ الجواب ليس كذلك، فمعناه: ذو ستر، أي: صاحب السّتر، على معنى أن يتّصف بأن يستر شيئا، كما في قوله: وَعْدُهُ مَأْتِيًّا فإنّ المأتيّ ما أتاه شي‏ء، لكن الوعد ليس كذلك بل هو الآتي، فمعناه: ذو إتيان، أي: اتّصف به.

(3) الاحتجاج/ 213.

418

الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ إبراهيم- (عليه السلام)- حجب عن نمرود بحجب ثلاث.

قال عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حجب عمّن أراد قتله بحجب خمس.

... إلى قوله: [ثمّ قال:] (1) وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. فهذا الحجاب الرابع. و ستقف على تمام الكلام- إنشاء اللّه تعالى- عند قوله‏ (2): وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا (الآية).

و في مجمع البيان‏ (3)، عند قوله- تعالى-: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ:

عن سعيد بن المسيّب و يروى عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لمّا نزلت هذه السّورة، أقبلت العوراء، أمّ جميل بنت حرب، و لها ولولة و في يدها فهر (4) و هي تقول: «مذمّما أبينا، و دينه قلينا، و أمره عصينا» و النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس في المسجد و معه أبو بكر.

فلمّا رآها أبو بكر قال: يا رسول اللّه، قد أقبلت و أنا أخاف أن تراك.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّها لا تراني‏ (5). و قرأ قرآنا فاعتصم به، كما قال‏ (6): وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. فوقفت على أبي بكر و لم تر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (الحديث).

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اقرؤوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إيّاكم و لحون أهل الفسوق‏ (8) و أهل الكبائر (9) فإنّه سيجي‏ء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء، و النّوح و الرّهبانيّة، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة (10) و قلوب من يعجبه شأنهم.

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) يس/ 9.

(3) المجمع 5/ 560.

(4) الفهر: الحجر قدر ما يدقّ به الجوز أو يملأ الكفّ.

(5) المصدر: لن تراني.

(6) يوجد في النسخ بعدها زيادة: و قرأ.

(7) الكافي 2/ 614، ح 3.

(8) المصدر: الفسق.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الكتاب.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: مثلوبة.

419

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ القرآن نزل بالحزن، فاقرؤوه بالحزن.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشّيطان.

فقال: إنّما ترائي بهذا أهلك و النّاس.

قال: يا أبا محمّد، اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، و رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يحبّ الصّوت الحسن يرجّع به ترجيعا.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ الرّجل الأعجمي من أمّتي ليقرأ القرآن بعجميّة (4) فترفعه الملائكة على عربيّة (5).

عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، إنّا نسمع [الآيات‏] (7) في القرآن ليس هي عندنا، كما نسمعها، و لا نحسن أن نقرأها، كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟

فقال: لا، اقرؤوا كما تعلّمتم، فسيجيئكم من يعلّمكم.

محمّد بن يحيى‏ (8)، عن محمّد بن الحسين، عن عبد الرّحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن سلمة (9) قال: قرأ رجل على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا أسمع‏ (10) حروفا من القرآن ليس [على‏] (11) ما يقرؤها النّاس.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ النّاس‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) نفس المصدر/ 616، ح 13.

(3) نفس المصدر/ 619، ح 1.

(4) في غير أ: بعجميّته.

(5) في غير أ: عربيّته.

(6) نفس المصدر، ح 2.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 633، ح 23.

(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 348. و في النسخ: مسلمة.

(10) المصدر: استمع.

(11) من المصدر.

420

حتّى يقوم القائم- (عليه السلام)-. فإذا قام القائم، قرأ (1) كتاب اللّه- عزّ و جلّ- على حدّه، و أخرج المصحف الّذي كتبه عليّ- (عليه السلام)-.

و قال: أخرجه عليّ- (عليه السلام)- إلى النّاس حين فرغ منه و كتبه، فقال لهم:

هذا كتاب اللّه- عزّ و جلّ- كما أنزله اللّه على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد جمعته من اللّوحين.

فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه.

فقال: أما، و اللّه، لا ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنّما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه.

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد، [عن الحسن بن عليّ‏] (3) عن الحسن بن الجهم، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل سمع أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: إذا خفت أمرا فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت، ثمّ قل: الّلهمّ، اكشف عنّي البلاء [- ثلاث مرّات-] (4).

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول لرجل: أ تحبّ البقاء في الدّنيا؟

فقال: نعم.

فقال: و لم؟

قال: لقراءة «قل هو اللّه أحد».

فسكت عنه، فقال له بعد ساعة: يا حفص، من مات من أوليائنا و شيعتنا و لم يحسن القرآن، علّم في قبره ليرفع اللّه به من درجته، فإنّ درجات الجنّة على عدد (6) آيات القرآن، يقال له: اقرأ و ارق. فيقرأ ثمّ يرقى‏ (7).

قال حفص: فما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر- عليه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: اقرأ.

(2) نفس المصدر/ 621، ح 8.

3 و 4- من المصدر.

(5) نفس المصدر/ 606، ح 10.

(6) المصدر: قدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يرق.

421

السّلام- و لا أرجأ للنّاس‏ (1) منه، و كانت قراءته حزنا، فإذا قرأ فكأنّه يخاطب إنسانا.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه. و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن يونس بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ الدّواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النّعم، و ديوان فيه الحسنات، و ديوان فيه السّيّئات. فيقابل بين ديوان النّعم و ديوان الحسنات فتستغرق [النعم‏] (3) عامّة الحسنات، و يبقى ديوان السّيّئات، فيدعى بابن آدم المؤمن للحساب، فيتقدّم‏ (4) القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول: يا ربّ، أنا القرآن، و هذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي و يطيل ليله‏ (5) بترتيلي و تفيض عيناه إذا تهجّد، فأرضه، كما ارضاني.

قال: فيقول العزيز الجبّار: عبدي، ابسط يمينك. فيملأها من رضوان اللّه العزيز الجبّار و يملأ شماله من رحمة اللّه. ثمّ يقال: هذه الجنّة مباحة لك، اقرأ و اصعد. فإذا قرأ آية، صعد درجة.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سبعة لا يقرءون القرآن: الرّاكع، و السّاجد، و في الكنيف، و في الحمّام، و الجنب، و النّفساء، و الحائض.

و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: سأله:

كم حجّ آدم من حجّة؟

فقال له: سبعين حجّة ماشيا على قدميه‏ (8)، و أوّل حجّة حجّها كان معه الصّرد يدلّه على مواضع الماء، و خرج معه من الجنّة، و قد نهي عن أكل الصّرد و الخطّاف‏ (9).

____________

(1) المصدر: النّاس.

(2) نفس المصدر/ 602، ح 12.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقدم.

(5) ليس في ب.

(6) الخصال/ 357، ح 42.

(7) العيون 1/ 190- 191.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: قدمه.

(9) الصّرد: طائر ضخم الرّأس يصطاد العصافير.

الخطّاف: طائر إذا رأى ظلّه في الماء أقبل إليه ليتخطّفه.

422

و سأله: ما باله لا يمشي؟

قال‏ (1): لأنّه ناح على بيت المقدس فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه، و لم يزل يبكي مع آدم، فمن هناك سكن البيوت، و معه آيات من كتاب اللّه- تعالى- ممّا كان آدم يقرأ (2) في الجنّة و هي إلى يوم القيامة، ثلاث آيات من أوّل الكهف، و ثلاث آيات من سبحان [الّذي أسرى، و هي:] (3) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏ و ثلاث آيات من يس‏ (4) [و هي:] (5) وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (الآية).

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطبّرسيّ- رضي اللّه عنه-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و لو علم المنافقون- لعنهم اللّه- ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، و لكنّ اللّه- تبارك اسمه- ماض حكمه بإيجاب الحجّة على خلقه، كما قال‏ (7): فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أغشى أبصارهم و جعل على قلوبهم أكنّة عن تأمّل ذلك فتركوه بحاله‏ (8)، و حجبوا عن تأكيده الملتبس بإبطاله، فالسّعداء يتنبّهون عليه و الأشقياء يعمهون‏ (9) عنه.

و في روضة الكافي‏ (10): أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن الحسين‏ (11) بن عليّ، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن هارون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال‏ (12) لي:

كتموا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فنعم، و اللّه، الأسماء كتموها، كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا دخل إلى منزله و اجتمعت عليه قريش يجهر ب‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و يرفع بها صوته، فتولّي قريش فرارا، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- في ذلك: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً.

و في مجمع البيان‏ (13): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تعالى- منّ عليّ‏

____________

(1) المصدر: قاله.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقرأ بها.

(3) من المصدر.

(4) يس/ 9.

(5) من المصدر.

(6) الاحتجاج/ 253.

(7) الأنعام/ 149.

(8) من ب.

(9) المصدر: يعمون.

و العمه: التّحيّر و التّردّد بحيث لا يدري أين يتوجّه، و هو في البصيرة كالعمى في البصر.

(10) الكافي 8/ 266، ح. 387.

(11) المصدر: الحسن.

(12) ليس في أ، ب.

(13) المجمع 1/ 31.

423

بفاتحة الكتاب، فيها من كنز الجنّة (1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الآية الّتي يقول اللّه- تعالى-: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (2).

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و عن ابن أذينة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ أحقّ ما أجهر به، و هي الآية الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً.

و فيه‏ (4): قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا صلّى تهجّد بالقرآن و يستمع له قريش لحسن صوته، فكان إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فرّوا عنه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يجهر ب‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و يرفع صوته بها، و إذا سمعها المشركون ولّوا مدبرين، فأنزل اللّه‏ وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً.

عن زيد بن عليّ‏ (6) قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- فذكر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏.

فقال: أ (7) تدري ما نزل في‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏؟

فقلت: لا.

فقال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان أحسن النّاس صوتا [بالقرآن‏] (8)، و كان يصلّي بفناء الكعبة فرفع صوته، و كان عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و أبو جهل بن هشام و جماعة منهم يستمعون قراءته.

قال: و كان يكثر قراءة (9) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فيرفع بها صوته.

____________

(1) المصدر: الجنّة فيها.

(2) يوجد في النسخ هاهنا زيادة: و فيه قال كان رسول اللّه.

(3) تفسير القمّي 1/ 28.

(4) نفس المصدر 2/ 20.

(5) نور الثقلين 3/ 173، ح 247.

(6) تفسير العيّاشي 2/ 295، ح 85.

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ترداد.

424

قال: فيقولون: إنّ محمّدا ليردّد اسم ربّه تردادا، إنّه ليحبّه‏ (1). فيأمرون من يقوم فيتسمّع عليه و يقولون: إذا جاز (2) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فأعلمنا حتّى نقوم فنستمع قراءته. فأنزل اللّه [في ذلك‏] (3): وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً.

عن زرارة (4)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ (5) هو أحقّ ما جهر به، و هي الآية الّتي قال اللّه: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً. كان المشركون يستمعون إلى قراءة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإذا قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ نفروا و ذهبوا، و إذا فرغ منه، عادوا و تسمّعوا.

عن منصور بن حازم‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا صلّى بالنّاس‏ (7) جهر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فتخلّف‏ (8) من خلفه من المنافقين عن الصّفوف، فإذا جازها في السّورة (9)، عادوا إلى مواضعهم، و قال بعضهم لبعض: إنّه ليردّد (10) اسم ربّه تردادا، إنّه ليحبّ ربّه. فأنزل اللّه‏ وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً.

عن أبي حمزة الثّماليّ‏ (11) قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا ثماليّ، إنّ الشّيطان ليأتي قرين الإمام فيسأله: هل ذكر ربّه؟ فإن قال: نعم. اكتسع‏ (12) و ذهب، و إن قال: لا. ركب كتفه‏ (13)، و كان إمام القوم حتّى ينصرفوا.

قال: قلت: جعلت فداك، و ما معنى قوله: ذكر ربّه؟

قال: الجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بدل العبارة الأخيرة إنّ محمّدا لردّ اسم ربّه مرارا به لمحمّد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جاءت.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر، ح 86.

(5) في المصدر بعدها زيادة: قال.

(6) نفس المصدر، ح 87.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: النّاس.

(8) المصدر: فيخلف.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: بالسورة.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ليردّ.

(11) نفس المصدر/ 296، ح 88.

(12) اكتسع الخيل بأذنابها: أدخلها بين رجليه.

و اللّفظ كناية.

(13) المصدر: كتفيه.

425

نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ‏: بسببه و لأجله، من الهزء بك و بالقرآن.

إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏: ظرف «لأعلم» و كذا وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏، أي: نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له، و حين هم ذو و نجوى يتناجون به.

و «نجوى» مصدر، و يحتمل أن يكون جمع «نجيّ».

إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (47): مقدر «با ذكر». أو بدل من «إذ هم نجوى» على وضع «الظّالمون» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّ تناجيهم بقولهم هذا [من باب الظّلم‏] (1).

و «المسحور» هو الّذي سحر به فزال عقله.

و قيل‏ (2): الّذي له سحر، و هو الرّئة، أي: إلّا رجلا يتنفّس و يأكل و يشرب مثلكم.

انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ‏: مثّلوك بالشّاعر و السّاحر و الكاهن و المجنون.

فَضَلُّوا: عن الحقّ في جميع ذلك.

فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48): إلى طعن موجّه، فيتهافتون و يخبطون كالمتحيّر في أمره لا يدري ما يصنع. أو إلى الرّشاد.

وَ قالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَ رُفاتاً: و حطاما.

أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49): على الإنكار و الاستبعاد، لما بين غضاضة الحيّ و يبوسة الرّميم من المباعدة و المنافاة (3).

و العامل في «إذا» ما دلّ عليه «مبعوثون» (4) لا نفسه، لأنّ ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها. و «خلقا» مصدر أو حال.

____________

(1) من أنوار التنزيل 1/ 587.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) قوله: «لما بين غضاضة الحيّ و يبوسة الرّميم من المباعدة و المنافاة» الأولى أن يقال: لما بين العظام و الأجزاء المتفتّتة المنتشرة في الأطراف و البدن المجتمعة و الأجزاء الّتي فيها الحياة و القوى و الآثار الحيوانيّة و الإنسانيّة من التّباعد و التّنافر.

(4) قوله: «ما دلّ عليه مبعوثون» فالمعنى:

انبعث إذا متنا و كنا ترابا.

426

و في تفسير العيّاشي: عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء أبيّ بن خلف‏ (1) فأخذ عظما باليا من حائط ففتّه‏ (2)، ثمّ قال: يا محمّد أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَ رُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً. فأنزل اللّه: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏.

قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ‏ قيل‏ (3): أي: ممّا يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شي‏ء منها، فإنّ قدرته- تعالى- لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظاما مرفوته و قد كانت غضّه موصوفة بالحياة قبل، و الشّي‏ء أقبل لما عهد فيه ممّا لم يعهد.

و في تفسير (4) عليّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- عليه‏

____________

(1)

أبيّ بن خلف من مشركي مكّة و اعداء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو الّذي قال له- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما بمكّة: إنّ عندي فرسا أعلفه كلّ يوم فرقا- و هو مكيال- من ذرة أقتلك عليه.

فقال له رسول اللّه: بل أنا أقتلك- إن شاء اللّه.

فكان من قصّته: أنّه خرج إلى المدينة مع من خرج لحرب المسلمين في وقعة أحد، فلمّا هزم المسلمون و بقي مع رسول اللّه (ص) من بقي أدركه ابيّ بن خلف و هو يقول: أين محمّد، لا نجوت إن نجوت؟ فقال القوم: يا رسول اللّه، أ يعطف عليه رجل منا؟ قال: دعوه. فلمّا دنا تناول (ص) حربة رجل من أصحابه، و هو الحارث بن الصّمّة، ثمّ استقبله فطعنه في عنقه طعنة تحرّك منها عن فرسه مرارا، فرجع إلى قريش و هو يخور، كما يخور الثور، و قد خدش في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدّم و قال: قتلني، و اللّه، محمّد. قالوا:

ذهب، و اللّه فؤادك، و اللّه، ما بك بأس! قال: لو كانت الطعنة بربيعة و مضر لقتلهم، أليس أنّه قد كان بمكّة قال لي: أنا أقتلك؟ فو اللّه، لو بصق بعد تلك المقالة لقتلني. فلم يلبث إلّا يوما أو بعض يوم حتى مات. فقيل: مات بسرف، و هو موضع على ستّة أميال من مكّة. و في ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاريّ شاعر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

لقد ورث الضّلالة من أبيه‏* * * أبيّ حين بارزه الرسول‏

أتيت إليه تحمل منه عضوا* * * و توعده و أنت به جهول‏

و في نسخة:

[أ جئت محمّدا عظيما رميما* * * لتكذبه و أنت به جهول‏]

و قد نالت بنو النّجّار منكم‏* * * أميّة إذ يغوث يا عقيل‏

إلى آخر الأبيات.

راجع ديوانه ص: 340 ط مصر.

(2) فتّ الشي‏ء: دقّه و كسره بالأصابع.

(3) أنوار التنزيل 1/ 587.

(4) يوجد في النسخ هنا زيادة: العيّاشي.

(5) تفسير القمّي 2/ 21.

427

السّلام- قال: الخلق الّذي يكبر في صدورهم‏ (1) الموت.

فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: و كنتم ترابا، و ما هو أبعد شي‏ء من الحياة.

فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ‏: فسيحرّكونها نحوك تعجّبا و استهزاء.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هُوَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51): فإنّ كلّ ما هو آت قريب.

و انتصابه على الخبر. أو الظّرف، أي: يكون في زمان قريب.

و «أن يكون» اسم «عسى». أو خبره، و الاسم مضمر.

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ‏، أي: يوم يبعثكم فتنبعثون. استعار لهما الدّعاء و الاستجابة للتّنبيه على سرعتهما و تيسّر أمرهما، و إنّ المقصود منهما الإحضار للمحاسبة و الجزاء.

بِحَمْدِهِ‏: حال منهم، أي: حامدين اللّه على كمال قدرته، كما قيل: إنّهم ينفضون التّراب عن رؤوسهم و يقولون: سبحانك الّلهمّ و بحمدك. أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين له.

و في الجوامع‏ (2): روي‏ أنّهم ينفضون التّراب عن رؤوسهم و يقولون: سبحانك الّلهمّ و بحمدك.

وَ تَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52): و تستقصرون مدّة لبثكم في القبور، كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ. أو مدّة حياتكم لما ترون من الهول.

وَ قُلْ لِعِبادِي‏، يعني: المرضيّين.

يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏: الكلمة الّتي هي أحسن، و لا يخاشنوا المشركين.

إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ‏: يهيّج بينهم المراء و الشّرّ، فلعلّ المخاشنة بهم تفضي إلى العناد و ازدياد الفساد.

إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53): ظاهر العداوة.

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ‏: تفسير «للّتي هي‏

____________

(1) المصدر: صدوركم.

(2) لا يوجد العبارة المنقولة في جوامع الجامع بعينها. و لكن يوجد ما بمضمونه في ص 256 منه.

428

أحسن» و ما بينهما اعتراض، أي: قولوا لهم هذه الكلمة و نحوها و لا تصرّحوا بأنّهم من أهل النّار، فإنّ ذلك يهيّجهم على الشّرّ، مع أنّ ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلّا اللّه.

وَ ما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54): موكولا إليك أمرهم حتّى تقسرهم على الإيمان، و إنّما أرسلناك مبشّرا و نذيرا، فدارهم و مر أصحابك بالاحتمال منهم.

وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: و بأحوالهم، فيختار منهم لنبوّته و ولايته من يشاء. و هو ردّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيّا، و أن يكون العراة و الجوّع أصحابه.

وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ‏: بالفضائل النّفسانيّة و التبرّي عن العلائق الجسمانيّة لا بكثرة الأموال و الأتباع، حتّى داود فإنّ شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتي من الملك.

و قيل‏ (1): هو إشارة إلى تفضيل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و قوله: وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (55): تنبيه على‏ (2) وجه تفضيله، و هو أنّه خاتم الأنبياء و أمّته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزّبور من‏ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها (3) عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (4).

و تنكيره هاهنا و تعريفه في قوله: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ لأنّه في الأصل فعول للمفعول، كالحلوب، أو المصدر، كالقبول، و يؤيّده قراءة حمزة، بالضّمّ، فهو كالعبّاس أو الفضل‏ (5). أو لأنّ المراد: و آتينا داود بعض الزّبور، أو بعضا من الزّبور فيه ذكر الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى عبد السّلام‏ (7) بن صالح: [عن عليّ بن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 588.

(2) يوجد في النسخ هنا زيادة: أنّ.

(3) يوجد هاهنا في ب زيادة: من يشاء.

(4) الأنبياء/ 105.

(5) قوله: «كالعبّاس أو الفضل»، أي: يجوز في الزّبور التّعريف و التّنكير، كما يجوز في العبّاس أو الفضل.

(6) العلل/ 5، ح 1.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللّه.

429

موسى الرضا- (عليه السلام)-] (1) عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما خلق اللّه خلقا أفضل منّي و لا أكرم [عليه‏] (2) منّي.

قال عليّ- (عليه السلام)-: فقلت: يا رسول اللّه، أ فأنت أفضل أم جبرئيل؟

فقال: [يا عليّ‏] (3) إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، و فضّلني على جميع النّبيّين و المرسلين، و الفضل بعدي لك، يا عليّ، و للأئمّة من ولدك‏ (4)، فإنّ‏ (5) الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا.

و الحديث طويل أخذت. منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (6) إلى صالح بن سهل: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ بعض قريش قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بأيّ شي‏ء سبقت الأنبياء و فضّلت عليهم، و أنت بعثت آخرهم و خاتمهم؟

قال: إنّي كنت أوّل من أقرّ بربّي- جلّ جلاله- و أوّل من أجاب حيث أخذ اللّه ميثاق النّبيّين‏ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فكنت أوّل نبيّ قال:

بلى، فسبقتهم إلى الإقرار باللّه- عزّ و جلّ-.

و في أصول الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن [محمّد، عن‏] (8) محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن هشام، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: سادة النّبيّين و المرسلين خمسة، و هم أولوا العزم من الرّسل و عليهم دارت الرّحا:

نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على جميع الأنبياء.

و في الخرائج و الجرائح‏ (9)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه فضّل أولي العزم من الرّسل على الأنبياء بالعلم، [و أورثنا علمهم‏] (10) و فضّلنا عليهم في فضلهم، و علّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما لا يعلمون، و علّمنا علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فروينا لشيعتنا، فمن قبله منهم فهو أفضلهم، و أينما نكون فشيعتنا معنا.

____________

1 و 2 و 3- من المصدر.

(4) المصدر: من بعدك.

(5) المصدر: و إنّ.

(6) نفس المصدر/ 124، ح 1.

(7) الكافي 1/ 175، ح 3.

(8) من المصدر.

(9) نور الثقلين 3/ 176، ح 257.

(10) من ب.

430

و في عيون الأخبار (1)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر نوحا و إبراهيم و موسى و عيسى و محمدا- (صلوات اللّه عليهم)-: فهؤلاء الخمسة أولوا العزم، و هم أفضل الأنبيّاء و الرّسل- (عليهم السلام).

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ‏: أنّها آلهة.

مِنْ دُونِهِ‏، كالملائكة و المسيح و عزير.

فَلا يَمْلِكُونَ‏: فلا يستطيعون.

كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ‏، كالمرض و الفقر و القحط.

وَ لا تَحْوِيلًا (56): و لا تحويل ذلك منكم إلى غيركم.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران و ابن فضّال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان يقول عند العلّة: الّلهمّ، إنّك عيّرت أقواما فقلت: قلت ادعوا الّذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ضرّي‏ (3) و لا تحويله عنّي أحد غيره، صلّ‏ (4) على محمّد و آله، و اكشف ضرّي، و حوّله إلى من يدعو معك إلها آخر، لا إله غيرك.

أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ‏، أي يدعونهم.

يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ: هؤلاء الآلهة يبتغون إلى اللّه‏ (5) القربة بالطّاعة.

أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏: بدل من واو «يبتغون»، أي: يبتغي من هو أقرب منهم إلى اللّه الوسيلة، فكيف بغير الأقرب.

وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ‏: كسائر العباد، فكيف تزعمون، أنّهم آلهة.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن [حديد، عن‏] (7) منصور بن يونس، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟

____________

(1) العيون 2/ 79، ح 13.

(2) الكافي 2/ 564، ح 1.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الضرّ.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: صلى.

(5) ب: ربّهم.

(6) الكافي 2/ 67، ح 1.

(7) من المصدر.

431

قال: كان فيها الأعاجيب، و كان أعجب ما فيها أن قال لابنه: خف اللّه- عزّ و جلّ- خيفة لو جئته ببرّ الثّقلين لعذّبك، و أرج اللّه رجاء لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كان أبي يقول: إنّه ما من عبد مؤمن إلّا و في قلبه نوران: نور خيفة و نور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا. [و لو وزن هذا لم يزد على هذا] (1).

محمّد بن يحيى‏ (2)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن الهيثم بن واقد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ (3): من خاف اللّه، أخاف اللّه منه كلّ شي‏ء، و من لم يخف اللّه أخافه اللّه من كلّ شي‏ء.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن حمزة بن عبد اللّه الجعفريّ، عن جميل بن درّاج، عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: [من عرف اللّه، خاف اللّه، و من خاف اللّه سخت نفسه عن الدنيا (5).

عنه‏ (6)، عن ابن أبي نجران، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (7) قال: قلت له: قوم يعملون بالمعاصي، و يقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت.

فقال: هؤلاء قوم يترجّحون في الأمانيّ‏ (8). كذبوا ليسوا براجين، من رجا شيئا طلبه، و من خاف من شي‏ء هرب منه.

و رواه عليّ بن محمّد (9)، رفعه، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ قوما

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 68، ح 3.

(3) ليس في أ.

(4) نفس المصدر، ح 4.

(5) أي: تركها.

(6) نفس المصدر، ح 5.

(7) من المصدر. و الظّاهر أنّ المؤلّف (ره) أسقطها عند نقل الحديث لتوالي الحديثين في المصدر.

(8) قال المحدّث الكاشاني (ره) في الوافي:

الترجّح: الميل، يعني: مالت بهم عن الاستقامة أمانيّهم الكاذبة.

(9) نفس المصدر، ح 6.

432

من مواليك يلمّون‏ (1) بالمعاصي، و يقولون: نرجو.

فقال: كذبوا، ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الأمانيّ، من رجا شيئا عمل له، و من خاف من شي‏ء هرب منه.

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن صالح بن حمزة، رفعه، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ حبّ الشّرف‏ (3) و الذّكر لا يكونان‏ (4) في قلب الخائف الرّاهب.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن نعمان، عن حمزة بن حمران قال: (5) سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ ممّا حفظ من خطب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال:

أيّها النّاس، إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، و إنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع فيه، و بين أجل قد بقي لا يدري ما اللّه قاض فيه، فليأخذ العبد المؤمن [من‏] (6) نفسه [لنفسه‏] (7)، و من دنياه لآخرته، و في الشّبيبة قبل الكبر، و في الحياة قبل الممات.

فو الّذي نفس محمّد بيده، ما بعد الدّنيا من مستعتب‏ (8)، و ما بعدها من دار إلّا الجنّة أو النّار.

محمّد بن يحيى‏ (9)، عن أحمد بن محمّد (10)، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن الحسين بن أبي سارة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا يكون [المؤمن‏] (11) مؤمنا حتّى يكون خائفا راجيا، و لا يكون راجيا حتّى يكون عاملا لما يخاف و يرجو.

عليّ بن إبراهيم‏ (12)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن فضيل بن عثمان، عن‏

____________

(1) لمّ به و ألمّ: نزل. و ألمّ بالذّنب: قارب أو باشر اللّمم. و اللّمم: صغار الذّنوب.

(2) نفس المصدر/ 69، ح 7. و الحديث طويل.

(3) ر: الترف.

(4) يوجد في النسخ هاهنا زيادة: إلّا.

(5) نفس المصدر/ 70، ح 9.

6 و 7- من المصدر.

(8) المستعتب: موضع الاستعتاب، أي: طلب الرّضا.

(9) نفس المصدر/ 71، ح 11.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عن أحمد بن محمّد بن محمّد.

(11) من المصدر.

(12) نفس المصدر، ح 12.

433

أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، و عمر قد بقي لا يدري ما يكتسب‏ (1) فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلّا خائفا، و لا يصلحه إلّا الخوف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا أحمد بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن عليّ بن محمّد، عن بكر بن صالح، عن جعفر بن يحيى، عن عليّ بن النّضر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، يذكر فيه لقمان و وعظه لابنه، و فيه: يا بنيّ، لو استخرج قلب المؤمن فشقّ لوجد فيه نوران: نور للخوف و نور للرّجاء، لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرّة.

إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57): حقيقا بأن يحذره كلّ أحد حتّى الرّسل و الملائكة.

وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ: بالموت و الاستئصال.

أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً، نحو القتل و أنواع البليّة.

كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ‏: في اللّوح المحفوظ.

مَسْطُوراً (58): مكتوبا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ [إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها.

قال: هو الفناء (4) بالموت.

العيّاشيّ‏ (5): عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (6)- (عليه السلام)- وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها (7) (الآية).

قال: إنّما (8) أمّة محمّد من الأمم فمن‏ (9) مات فقد هلك.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يكتب.

(2) تفسير القمّي 2/ 164- 165.

(3) الفقيه 1/ 118، ح 562.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الفن.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 279، ح 90.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قال: عن الباقر.

(7) يوجد في ب، و المصدر.

(8) المصدر: إمّا.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ممن.

434

عن ابن سنان‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ قال: بالقتل و الموت و غيره.

وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ‏: و ما صرفنا عن إرسال الآيات الّتي اقترحتها قريش.

إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ‏: إلّا تكذيب الّذين هم أمثالهم في الطّبع، كعاد و ثمود، و أنّها لو أرسلت لكذّبوا بها تكذيب أولئك، و استوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنّتنا، و قد قضينا أن لا نستأصلهم لأنّ فيهم من يؤمن أو يلد من يؤمن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ‏ و ذلك أنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- تسأله قومه أن يأتيهم [بآية] (3)، فنزل جبرئيل فقال: إنّ اللّه يقول: وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ‏- إلى قوله- أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ‏. و كنّا إذا أرسلنا إلى قرية آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم، فلذلك أخّرنا عن قومك الآيات.

وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ: بسؤالهم.

مُبْصِرَةً: بيّنة ذات إبصار، أو بصائر (4)، أو جاعلتهم ذوي بصائر.

و قرئ‏ (5)، بالفتح.

فَظَلَمُوا بِها: فكفروا بها. أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها.

وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (59): بالآيات المقترحة من نزول العذاب المستأصل، فإن لم يخافوا نزل العذاب. أو بغير المقترحة، كالمعجزات و آيات القرآن، إلّا تخويفا بعذاب الآخرة، فإنّ أمر من بعثت إليهم مؤخّر إلى يوم القيامة.

و «الباء» مزيدة. أو في موقع الحال، و المفعول محذوف‏ (6).

____________

(1) نفس المصدر، ح 92.

(2) تفسير القمّي 2/ 21.

(3) من المصدر.

(4) قوله: «ذات إبصار أو بصائر»، أي: سبب للإبصار أو البصيرة، فإنّ حقّ من ظهر له مثل هذه الآية أن يرى آثار صنعه أو يدركها بقلبه أن يؤمن بها.

(5) أنوار التنزيل 1/ 589.

(6) قوله: «و الباء مزيدة أو في موقع الحال و المفعول محذوف»، أي: إمّا أن تكون «بالآيات» مفعولا فتكون الباء مزيدة، أو غيره فتكون حالا و المفعول محذوف و المعنى: و ما نرسل النبيّ ملتبسا بالآيات ...

435

وَ إِذْ قُلْنا لَكَ‏: و اذكر إذ أوحينا إليك.

إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ‏: فهم في قبضة قدرته. أو أحاط بقريش، بمعنى:

أهلكهم، من: أحاط بهم العدوّ، فهو بشارة بوقعة بدر، و التّعبير بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه.

وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ‏.

قيل‏ (1): ليلة المعراج، و تعلّق به من قال: إنّه كان في المنام، و من قال: إنّه كان في اليقظة، فسرّ الرّؤيا بالرّؤية. أو عام الحديبية حين رأى أنّه دخل مكّة، و فيه أنّ الآية مكّيّة، إلّا أن يقال: رآها بمكّة و حكاها حينئذ.

و قيل‏ (2): لعلّ رؤيا رآها في وقعة بدر، لقوله: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، و لما نقل: أنّه لمّا ورد ماءه قال: و اللّه، لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع فلان و هذا مصرع فلان. فتسامعت به قريش، و استسخروا منه.

و قيل: (3) رأى قوما من بني أميّة يرقون منبره و ينزون‏ (4) عليه نزو القردة، فقال: هو حظّهم من الدّنيا يعطونه بإسلامهم.

و في الأخبار عن الأئمّة- (عليهم السلام)- ما يوافق هذا القول، كما سيأتي.

و على هذا كان المراد بقوله: إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏: ما حدث في أيّامهم من الابتلاء.

وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏: عطف على «الرّؤيا» و هي شجرة الزّقّوم.

لمّا سمع المشركون ذكرها قالوا: إنّ محمّدا يزعم أنّ الجحيم تحرق الحجارة، ثمّ يقول: ينبت فيها الشّجر. و لم يعلموا أنّ من قدر أن يحمي و بر السّمندل من أن تأكله النّار، و أحشاء النّعامة من أذى الجمر و قطع الحديد المحماة الحمر الّتي تبتلعها، قدر أن يخلق في النّار شجرة لا تحرقها. (5) و لعنها في القرآن لعن طاعميها، وصفت به على المجاز للمبالغة. أو وصفها بأنّها في أصل الجحيم، فإنّه أبعد مكان من الرّحمة. أو بأنّها مكروهه مؤذية، من قولهم: طعام‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 589- 590.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نزا: وثب.

(5) طائر بالهند لا يحترق بالنّار فيما زعموا.

و نسيج من ريش بعض الطيور لا يحترق.

436

ملعون، لمّا كان ضارّا. و لقد أوّلت بالشّيطان و أبي جهل و الحكم بن أبي العاصي.

و قرئ‏ (1) على الابتداء و الخبر محذوف، أي: و الشّجرة الملعونة في القرآن كذلك.

وَ نُخَوِّفُهُمْ‏: بأنواع التّخويف.

فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (60): إلّا عتوّا متجاوز الحدّ.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ: عن الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول لمروان بن الحكم: أمّا أنت، يا مروان، فلست أنا سبتك و لا سبت‏ (3) أباك، و لكن اللّه- عزّ و جلّ- لعنك و لعن أباك‏ (4) و أهل بيتك و ذرّيّتك، و ما خرج من صلب أبيك‏ (5) إلى يوم القيامة على لسان نبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [و اللّه،] (6) يا مروان، ما تنكر أنت و لا أحد ممّن حضر هذه اللّعنة من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لك و لأبيك من قبلك، و ما زادك اللّه، يا مروان، بما خوّفك إلّا طغيانا كبيرا، و صدق اللّه و صدق رسوله، يقول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [وَ نُخَوِّفُهُمْ‏] (7) فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً. و أنت، يا مروان، و ذرّيّتك الشّجرة الملعونة في القرآن.

و عن أمير المؤمنين‏ (8)- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و جعل أهل الكتاب القائمين‏ (9) به و العاملين بظاهره و باطنه من شجرة أصلها ثابت و فرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أي: يظهر مثل هذا العلم المحتملة في الوقت بعد الوقت، و جعل أعداءها أهل الشّجرة الملعونة الّذين حاولوا إطفاء نور اللّه بأفواههم و يأبى‏ (10) اللّه إلّا أن يتمّ نوره، و لو علم المنافقون- لعنهم اللّه- ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (11): عن حريز، عمّن سمع، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لهم ليعمهوا فيها وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 590.

(2) الاحتجاج 2/ 279.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: سبيتك و لا سبيت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: آباءك.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ابنك.

(6) ليس في ب.

(7) ليس في أ، ب.

(8) نفس المصدر/ 252- 253.

(9) المصدر: المعيمين.

(10) المصدر: فأبى.

(11) تفسير العيّاشي 2/ 297، ح 93.

437

يعني: بني أميّة.

عن عليّ بن سعيد (1) قال: كنت بمكّة، فقدم‏ (2) علينا معروف بن خربوذ، فقال:

قال‏ (3) لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال لعمر: يا أبا حفص، ألا أخبرك بما نزل في بني أميّة؟

قال: بلى.

قال: فإنّه نزل فيهم‏ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏.

قال: فغضب عمر و قال: كذبت، بنو أميّة خير منك و أوصل للرّحم.

عن الحلبيّ‏ (4)، عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم قالوا: سألناه عن قوله: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏.

قال إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأى أنّ رجالا على المنابر يردّون‏ (5) النّاس ضلّالا، زريق‏ (6) و زفر.

و قوله: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ قال: هم بنو أميّة.

و في رواية أخرى‏ (7)، عنه: أن رسول ا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد رأى رجالا من نار على منابر من نار يردّون النّاس على أعقابهم القهقرى، و لسنا نسميّ أحدا.

و في رواية سلام الجعفيّ‏ (8)، عنه أنّه قال: إنّا لا نسمّي الرّجال بأسمائهم، و لكنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأى قوما على منبره يضلّون النّاس بعده عن الصّراط القهقرى.

عن القاسم‏ (9) بن سليمان، عن عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏ (10): أصبح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما حاسرا حزينا.

فقيل له: مالك، يا رسول اللّه؟

____________

(1) نفس المصدر، ح 94.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقدم.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر، ح 95.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يريدون.

(6) المصدر: رزيق.

(7) نفس المصدر/ 298، ح 96.

(8) نفس المصدر، ح 97.

(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 16. و في النسخ: عمر.

(10) نفس المصدر، ح 98.

438

فقال: إنّي رأيت اللّيلة صبيان بني أميّة يرقون على منبري هذا، فقلت: يا ربّ، معي؟

فقال: لا، و لكن بعدك.

عن أبي الطّفيل‏ (1) قال: كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول و هو على المنبر، و ناداه ابن الكواء و هو في مؤخّر (2) المسجد فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول اللّه- تعالى-: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏.

فقال: الأفجران من قريش و بني أميّة.

عن عبد الرّحيم القصير (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ‏. قال: أري رجالا من بني تميم و عدي على المنابر يردّون النّاس عن الصّراط القهقرى.

قلت: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏.

قال: هم بنو أميّة، يقول [اللّه‏] (4): وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً.

عن يونس بن عبد الرّحمن الأشلّ‏ (5) قال: سألته عن قول اللّه: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏ (الآية).

فقال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نام فرأى أنّ بني أميّة يصعدون المنابر (6)، كلمّا صعد منهم رجل رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الذّلّة و المسكنة، فاستيقظ جزوعا من ذلك، و كان الّذين رآهم‏ (7) اثني عشر رجلا من بني أميّة، فأتاه جبرئيل بهذه الآية.

ثمّ قال جبرئيل: إنّ بني أميّة لا يملكون شيئا إلّا ملك أهل البيت ضعفيه‏ (8).

و في مجمع البيان‏ (9): وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ‏ (الآية) فيه أقوال.

____________

(1) نفس المصدر، ح 99.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: آخر.

(3) نفس المصدر، ح 100.

(4) من المصدر.

(5) نفس المدر، ح 101.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نام فرأى بني أميّة يصدّون الناس.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «فكان الّذين هم رآهم» بدل العبارة الأخيرة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ضعفة.

(9) المجمع 3/ 424.

439

... إلى قوله: و ثالثها، أنّ ذلك رؤيا رآها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في منامه و أنّ قرودا تصعد منبره و تنزل، فساءه ذلك و اغتمّ به، رواه‏ (1) سهل بن سعيد، عن أبيه، أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأى ذلك، و قال: إنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يستجمع بعد ذلك ضاحكا حتّى مات، و رواه‏ (2) سعيد بن يسار- أيضا-. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قال عليّ بن إبراهيم‏ في قوله: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ قال: نزلت لمّا رأى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نومه كأنّ قرودا تصعد منبره فساءه ذلك و غمّه غمّا شديدا، فأنزل اللّه:

وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏ ليعمهوا فيها وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ كذا نزلت و هم بنو أميّة.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ و قد ذكر معاوية بن حرب‏ (5): و يشترط عليّ شروطا لا يرضاها اللّه- تعالى- و رسوله [و لا المسلمون‏] (6)، و يشترط (7) في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمّد (8) أبرارا، فيهم عمّار بن ياسر، و أين مثل عمّار؟ و اللّه، لقد رأيناه‏ (9) مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما يعدّ (10) منّا خمسة إلّا كان سادسهم و لا أربعة إلّا كان خامسهم، اشترط دفعهم‏ (11) إليه ليقتلهم و يصلبهم، و انتحل دم عثمان، و لعمر (12) اللّه، ما ألّب على عثمان و لا جمع‏ (13) النّاس على قتله إلّا هو (14) و أشباهه من أهل بيته، أغصان الشّجرة الملعونة في القرآن.

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ‏

____________

1 و 2- المصدر: روى.

(3) تفسير القمّي 2/ 21.

(4) الخصال/ 379، ح 58.

(5) كذا. و الصحيح: معاوية بن أبي سفيان بن حرب.

(6) ليس في أ، ب.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يشترط عليّ.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أن أدفع إليه قواما من أصحابه محمّد.

(9) المصدر: رأيتنا.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يعدّ.

(11) ليس في أ، ب.

(12) المصدر: و لعمرو.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: أجمع.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: هن.

440

طِيناً (61): لمن خلقته من طين، فنصب بنزع الخافض.

و يجوز أن يكون حالا من الرّاجع إلى الموصول، أي: خلقته و هو طين.

أو منه‏ (1)، أي: أ أسجد له و أصله من طين.

و فيه على الوجوه الثّلاثة إيماء بعلّة الإنكار.

قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ‏ «الكاف» لتأكيد الخطاب لا محلّ له من الإعراب، و «هذا» مفعول أوّل، و «الّذي» صفته، و المفعول الثّاني محذوف لدلالة صلته عليه، و المعنى: أخبرني عن هذا الّذي كرّمته عليّ بأمري بالسّجود له، لم كرّمته عليّ؟

لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ: كلام مبتدأ، و اللّام موطّئة للقسم، و جوابه‏ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)، أي: لاستأصلنّهم بالإغواء إلّا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم. من احتنك الجراد الأرض: إذا جرد ما عليها أكلا. مأخوذ من الحنك.

و إنّما علم أنّ ذلك يتسهّل له، إمّا استنباطا من قول الملائكة: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها مع التّقرير، أو تفرّسا من خلقه ذا شهوة و وهم و غضب.

قالَ اذْهَبْ‏: امض لما قصدته، و هو طرد و تخلية بينه و بين ما سوّلت له نفسه.

فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ‏: جزاؤك و جزاؤهم، فغلّب المخاطب على الغائب.

و يجوز أن يكون الخطاب للتّابعين، على الالتفات.

جَزاءً مَوْفُوراً (63): متكمّلا. من قولهم: فر لصاحبك عرضه‏ (2) فرة.

و انتصاب «جزاء» على المصدر بإضمار فعله، أو بما في «جزاؤكم» من معنى:

تجازون، أو حال موطّئة لقوله: «موفورا» (3).

وَ اسْتَفْزِزْ: و استخفف.

مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ‏: أن تستفزّه.

____________

(1) أي: أو حال من الموصول نفسه لا من الرّاجع إليه. و يجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات، فيكون المعنى: فإنّ جهنّم جزاؤكم يا أتباعه، حتّى يحصل الرّبط.

(2) أي: صن، أو أحم عرضه.

(3) قوله: «أو حال موطّئة لقوله: موفورا» قال بعضهم: و المعنى: ذوي جزاء موفورا، فيكون حالا من الضّمير في «يجزون».

441

«و الفزّ» الخفيف.

بِصَوْتِكَ‏: بدعائك إلى الفساد.

وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ‏: و صح عليهم. من الجلبة، و هي الصّياح.

بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ‏: بأعوانك من راكب و راجل.

و «الخيل» الخيّالة (1).

و منه قوله- (عليه السلام)-: يا خيل اللّه اركبي.

«و الرّجل» اسم جمع للرّاجل، كالصّحب و الرّكب.

و يجوز أن يكون تمثيلا لتسلّطه على من يغويهم بمغوار صوت على قوم فاستفزّهم من أماكنهم، و أجلب عليهم بجنده حتّى استأصلهم.

و قرأ (2) حفص: «رجلك» بالكسر، و غيره بالضّمّ، و هما لغتان، كندس و ندس، و معناه: و جمعك الرّجل.

و قرئ‏ (3): «و رجالك» [و «رجالك»] (4).

وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ‏: بحملهم على كسبها و جمعها من الحرام، و التّصرّف فيها على ما لا ينبغي.

وَ الْأَوْلادِ: بالحثّ على التّوصّل إلى الولد بالسّبب المحرّم، و الإشراك فيه بتسميته‏ (5): عبد العزّى، و التّضليل و بالحمل على الأديان الزّائفة (6) و الحرف الذّميمة و الأفعال القبيحة.

و في نهج البلاغة (7): فاحذروا [عباد اللّه‏] (8) عدوّ اللّه أن يعديكم بدائه‏ (9) و أن يستفزّكم [بندائه و أن يجلب عليكم‏] (10) بخيله و رجله.

و فيه‏ (11) أيضا: فلعمر اللّه، لقد فخر على أصلكم، و وقع‏ (12) في حسبكم، و دفع‏ (13) في‏

____________

(1) أي: أصحاب الخيل.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 591.

(4) ليس في ب.

(5) أ، ر: بتسمية.

(6) المصدر: الزائغة.

(7) النهج/ 287، الخطبة 192.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أن يعذبكم بذاته.

(10) من المصدر.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) ب: رفع.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: رفع.

442

نسبكم، و أجلب بخيله عليكم، و قصد (1) برجله سبيلكم، يقتنصوكم‏ (2) بكل مكان، و يضربون منكم كلّ بنان. لا تمتنعون بحيلة، و لا تدفعون‏ (3) بعزيمة، في حومة ذلّ، و حلقة ضيق، و عرصة (4) موت، و جولة (5) بلاء.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب الشّيرازيّ: روى سفيان الثّوريّ، عن واصل، عن الحسن، عن ابن العبّاس‏ (7) في قوله: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ أنّه جلس الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- و يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان يأكلان الرّطب.

فقال يزيد: يا حسن، إنّي منذ كنت أبغضك.

قال الحسن- (عليه السلام)-: يا يزيد، اعلم أنّ إبليس شارك أباك في جماعه، فاختلط الماءان فأورثك ذلك عداوتي، لأن اللّه- تعالى- يقول: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ. و شارك الشّيطان حربا عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدّي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في أصول الكافي‏ (8): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى عن عمر بن أذينة، عن أبان ابن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن اللّه حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذي‏ء قليل الحياء لا يبالي ما قال و لا ما قيل له، فإنّك إن‏ (9) فتّشته لم تجده الّا لغيّة أو شرك شيطان.

قيل‏ (10): يا رسول اللّه، و في النّاس شرك شيطان؟

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما تقرأ قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ؟

و في الكافي‏ (11): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد. و عدّة من أصحابنا، عن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: وفد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يفيضونكم.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يدفعون.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: غرصة.

(5) ب: صولة.

(6) المناقب 4/ 22.

(7) كذا في ب، المصدر. و في النسخ: العباس.

(8) الكافي 2/ 323- 324، ح 3.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ «فإن» بدل «فانّك إن».

(10) ليس في المتن من هنا إلى موضع سنذكره.

(11) الكافي 5/ 502، ح 2.

443

أحمد بن محمّد، جميعا، عن الوشّاء، عن موسى بن بكر، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أبا محمّد، أيّ شي‏ء يقول الرّجل منكم إذا دخلت عليه امرأته؟

قلت: جعلت فداك، أ يستطيع الرّجل أن يقول شيئا؟

فقال: ألا أعلمك ما تقول؟

قلت: بلى.

قال: تقول: بكلمات اللّه استحللت فرجها، و في أمانة اللّه أخذتها، الّلهمّ إن قضيت في رحمها (1) شيئا فاجعله بارا تقيّا و اجعله مسلما سويّا، و لا تجعل فيه شركا للشّيطان.

قلت: و بأيّ شي‏ء يعرف ذلك؟

قال: أما تقرأ كتاب اللّه- عزّ و جلّ-؟

ثم ابتدأ هو: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ.

ثمّ قال: إنّ الشّيطان ليجي‏ء حتّى يقعد من المرأة، كما يقعد الرّجل منها، و يحدث، كما يحدث، و ينكح، كما ينكح.

قلت: بأي شي‏ء يعرف ذلك؟

قال: بحبّنا و بغضنا، فمن أحبّنا كان نطفة العبد، و من أبغضنا كان نطفة الشّيطان.

و عنه‏ (2)، عن أبيه، عن حمزة بن عبد اللّه، عن جميل بن درّاج، عن أبي الوليد، عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر نحوه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: من لم يبال ما قال و لا ما قيل فيه فهو شرك الشّيطان، و من لم يبال أن تراه النّاس مسيئا [فهو شرك شيطان‏] (4)، و من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة (5) بينهما فهو شرك شيطان، و من شغف‏ (6) بمحبّة الحرام و شهوة الزّنا فهو شرك شيطان.

____________

(1) ب: وجهها.

(2) الكافي 5/ 503، ح 5.

(3) الفقيه 4/ 299، صدر ح 85.

(4) من المصدر.

(5) الترة: العداوة و طلب الثأر نتيجة قتل حميم له.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: شعف.

444

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن شرك الشّيطان.

قال: قوله: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ فإن كان من مال حرام فهو شريك الشّيطان.

قال: و يكون مع الرجل حين يجامع، فيكون من نطفته و نطفة الرّجل إذا كان حراما.

عن زرارة (2) قال: كان يوسف، أبو الحجّاج صديقا لعليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)-، و أنّه دخل على امرأته فأراد أن يضمّها، أعني: أبو الحجّاج.

قال: فقالت له: أليس إنّما عهدك بذاك السّاعة؟

قال: فأتى عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- فأخبره، فأمره أن يمسك عنها، [فأمسك عنها] (3) فولدت بالحجّاج، و هو ابن الشّيطان ذي الرّدهة (4).

عن عبد الملك بن أعين‏ (5) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إذا زنى الرّجل أدخل الشّيطان ذكره، ثمّ عملا جميعا، ثمّ تختلط النّطفتان فيخلق اللّه منهما فيكون شرك الشّيطان.

عن سليمان بن خالد (6) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما قول اللّه:

شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ؟

قال: فقال في ذلك قوله: أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم.

عن العلا بن رزين‏ (7)، عن محمّد، عن أحدهما قال: شرك الشّيطان ما كان من مال حرام فهو من شركه، و يكون مع الرّجل حين‏ (8) يجامع فتكون نطفته مع نطفته إذا كان حراما. قال: كلتيهما جميعا تختلطان. و قال: ربّما خلق من واحدة، و ربّما خلق منهما جميعا.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 299، ح 102.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 103.

(3) من المصدر.

(4) أ، ب، الرديعة.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 299، ح 104.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 300 و ح 107.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 108.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى.

445

[صفوان الجمّال‏] (1) قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فاستأذن عيسى بن منصور عليه.

فقال: مالك و لفلان، يا عيسى، أما إنّه ما يحبّك! فقال: بأبي و أمّي، يقول قولنا و يتولى من نتولى‏ (2).

فقال: إنّ فيه نخوة (3) إبليس.

فقال: بأبي و أمّي، أليس يقول إبليس: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و يقول اللّه: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ. فالشّيطان يباضع ابن آدم هكذا. و قرن بين إصبعيه.

عن زرارة (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: كان الحجاج ابن شيطان يباضع ذي الرّدهة.

ثمّ قال: إنّ يوسف دخل على أمّ الحجّاج فأراد أن يضمّها، فقالت: أليس إنّما عهدك بذلك السّاعة؟ فأمسك عنها، فولدت الحجّاج.

عن يونس‏ (5) بن أبي الرّبيع الشّاميّ‏ (6) قال: كنت عنده‏ (7) ليلة، فذكر شرك الشّيطان فعظّمه حتّى أفزعني.

فقلت: جعلت فداك، فما المخرج منها و ما نصنع؟

قال: إذا أردت المجامعة فقل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، الّذي لا إله إلّا هو بديع السّماوات و الأرض، الّلهمّ إن قضيت منّي في هذه اللّيلة خليفة فلا تجعل للشّيطان فيه نصيبا و لا شركا و لا حظّا، و اجعله عبدا صالحا خالصا مخلصا (8) مصغيا و ذرّيته- جلّ ثناؤك-.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 109. و منه:

ما بين المعقوفتين.

(2) ب: تتولّى.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: نحو.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 301 و ح 110.

(5) أ، ب: يوسف.

(6) تفسير العيّاشي 2/ 300 و ح 106.

(7) الضمير في «عنده» يرجع إلى الباقر- (عليه السلام)- لأنّ الشيخ (ره) عدّ الراوي في رجاله، من أصحاب الباقر- (عليه السلام)-.

(8) المصدر: [خالصا مخلصا].

446

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ ما كان من مال حرام فهو شرك الشّيطان، فإذا اشترى به الإماء و نكحهنّ و ولد له فهو شرك [الشيطان‏] (2)، كما تلد [يلزمه‏] (3) منه، و يكون مع الرّجل إذا جامع فيكون‏ (4) الولد من نطفته و نطفة الرّجل إذا كان حراما.

و

في حديث آخر (5): إذا (6) جامع الرّجل أهله و لم يسمّ شاركه الشّيطان.

وَ عِدْهُمْ‏: المواعيد الباطلة، كشفاعة الآلهة، و الاتكال على كرامة الآباء، و تأخير التّوبة لطول الأمل.

وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (64): اعتراض‏ (7) لبيان مواعيده [الباطلة] (8). و «الغرور» تزيين الخطأ بما يوهم أنّه صواب.

إِنَّ عِبادِي‏، يعني: المخلصين. و تعظيم الإضافة و التّقييد في قوله: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ يخصّصهم.

لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏، أي: على إغوائهم قدرة.

وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65): يتوكّلون عليه في الاستعاذة منك على الحقيقة.

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن جعفر بن محمّد الخزاعيّ، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يذكر في حديث غدير خمّ، أنّه لمّا قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- ما قال و أقامه للنّاس صرخ إبليس صرخة فاجتمعت [له العفاريت.

فقالوا: سيّدنا، ما هذه الصّرخة؟

فقال: ويلكم، يومكم كيوم عيسى، و اللّه، لأضلّنّ فيه الخلق.

قال: فنزل القرآن: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (10). قال: فصرخ إبليس صرخة فرجعت‏] (11) إليه العفاريت.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 22.

2 و 3- من المصدر.

(4) العبارات من الموضع المذكور إلى هنا ليست في المتن.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) في ب زيادة: كان.

(7) فإنّه وقع بين الجمل الّتي خاطب اللّه بها الشيطان.

(8) من المصدر.

(9) تفسير العيّاشي 2/ 301، ح 111.

(10) سبأ/ 20.

(11) ليس في أ.

447

فقالوا: يا سيّدنا، ما هذه الصّرخة الأخرى؟

فقال: ويحكم، حكى اللّه، و اللّه، كلامي قرآنا و أنزل عليه‏ وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

ثمّ رفع رأسه إلى السّماء، ثمّ قال: و عزّتك و جلالك، لألحقنّ‏ (1) الفريق بالجميع.

قال: فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏، إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏.

قال: فصرخ إبليس صرخة فرجعت إليه العفاريت.

فقالوا: يا سيّدنا، ما هذه الصّرخة الثّالثة؟

قال: و اللّه، من أصحاب عليّ، و لكن و عزتك و جلالك، لأزيننّ لهم المعاصي حتّى أبغضهم إليك.

قال: فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و الّذي بعث محمّدا بالحقّ، للعفاريت و الأبالسة على المؤمن أكثر من الزّنابير على اللّحم، و المؤمن أشدّ من الجبل، و الجبل تدنو إليه‏ (2) بالفأس فتنحت منه و المؤمن لا يستقلّ على دينه.

عن عبد الرّحمن بن سالم‏ (3) في قول اللّه: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكِيلًا قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و نحن نرجو أن تجري لمن أحبّ اللّه من عباده.

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي‏، أي: هو الّذي يجري.

لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏: الرّبح و هو (4) أنواع الأمتعة الّتي لا تكون عندكم.

إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (66): حيث هيّأ لكم ما تحتاجون إليه، و سهل عليكم ما تعسّر من أسبابه.

وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ: خوف الغرق.

ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ‏: ذهب عن خواطر كم كلّ من تدعونه في حوادثكم.

إِلَّا إِيَّاهُ‏: وحده، فإنّكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه فلا تدعون لكشفه إلّا

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تخفف.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تواليه.

(3) تفسير العياشي 2/ 301، ح 112.

(4) ليس في المصدر.

448

إيّاه. أو ضلّ كلّ من تعبدونه عن إغاثتكم إلّا اللّه.

و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا محمّد بن القاسم الجرجانيّ، المفسّر- (رحمه اللّه)- قال:

حدّثنا أبو يعقوب، يوسف بن محمّد بن زياد و أبو الحسن، عليّ بن محمّد بن سيّار، و كانا من الشّيعة الإماميّة، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمّد- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فقال: الله هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشّدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرّجاء من كلّ من هو دونه، و تقطع‏ (2) الأسباب عن جميع من سواه، يقول: بسم الله، أي: استعين على أمور كلّها باللّه الّذي، لا تحقّ العبادة إلّا له، المغيث إذا استغيث، و الجيب إذا دعي.

و هو ما قال رجل للصّادق- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللّه، دلّني على اللّه ما هو، فقد كثر عليّ المجادلون و حيّروني؟

فقال له: يا عبد اللّه، هل ركبت سفينة قطّ؟

قال: نعم.

قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سباحة تغنيك؟

قال: نعم.

قال: فهل تعلّق قلبك هنا لك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟

قال: نعم.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: فذلك الشّي‏ء هو اللّه، القادر على الإنجاء حيث لا منجي، و على الإغاثة حيث لا مغيث.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ‏: عن التّوحيد.

قيل‏ (3): اتّسعتم في كفران النّعمة، كقول ذي الرّمّة:

عطاء فتى تمكن في المعالي‏* * * فأعرض في المكارم و استطالا

وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (67)، كالتّعليل للإعراض.

____________

(1) التوحيد/ 230.

(2) ب: نقطع.

(3) أنوار التنزيل 1/ 591.

449

أَ فَأَمِنْتُمْ‏ «الهمزة» فيه للإنكار، و «الفاء» للعطف على محذوف، تقديره: أ نجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض، فإنّ من قدر أن يهلككم في [البحر بالغرق قادر (1) أن يهلككم في‏] (2) البرّ بالخسف و غيره.

أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ: أن يقلبه اللّه و أنتم عليه. أو يقلبه بسببكم، «فبكم» حال‏ (3)، أو صلة «ليخسف».

و قرأ (4) ابن كثير و أبو عمرو، بالنّون، فيه و في الأربعة الّتي بعده.

و في ذكر الجانب تنبيه على أنّهم كلّما و صلوا السّاحل كفروا و أعرضوا، و أنّ الجوانب و الجهات في قدرته سواء، لا معقل‏ (5) يؤمن فيه من أسباب الهلاك.

أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً: ريحا تحصب: أي: ترمي بالحصباء.

ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68): يحفظكم من ذلك، فإنّه لا رادّ لفعله.

أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ‏: في البحر.

تارَةً أُخْرى‏: بخلق دواع تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه.

فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ‏، أي: لا تمرّ بشي‏ء إلّا قصفته، أي:

كسرته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ‏ قال: هي العاصف.

فَيُغْرِقَكُمْ‏.

و عن يعقوب‏ (7)، بالتّاء، على إسناده إلى ضمير الرّيح.

بِما كَفَرْتُمْ‏: بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء.

ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (69): مطالبا يتبعنا بانتصار أو صرف.

وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏: بحسن الصّورة، و المزاج الأعدل، و اعتدال القامة،

____________

(1) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

«قدر» بدل «بالغرق قادر».

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) فعلى هذا التقدير: أن يخسف جانب البرّ كائنا معكم.

(4) أنوار التنزيل 1/ 592.

(5) المعقل: الملجأ.

(6) تفسير القمّي 2/ 22.

(7) أنوار التنزيل 1/ 592.

450

و التّمييز بالعقل، و الإفهام بالنّطق، و الإشارة و الخطّ، و التّهدّي إلى أسباب المعاش و المعاد، و التّسلّط على ما في الأرض، و التّمكّن من الصّناعات، و انسياق الأسباب و المسبّبات العلويّة و السّفليّة إلى ما يعود عليهم‏ (1) بالمنافع، إلى غير ذلك ممّا يقف الحصر دون إحصائه، و من ذلك ما ذكره ابن عباس عنه‏ (2): و هو أنّ كلّ‏ (3) حيوان يتناول طعامه بفيه إلّا الإنسان، فإنّه يرفعه إليه بيده.

وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ: على الدّوابّ و السّفن، من حملته حملا: إذا جعلت له ما يركبه. أو حملناهم فيهما حتّى لم تخسف‏ (4) بهم الأرض، و لم يغرقهم الماء.

وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏: المستلذّات، ممّا يحصل بفعلهم و بغير فعلهم.

وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (70): بالغلبة و الاستيلاء، أو بالشّرف و الكرامة.

[، و المستثنى جنس الملائكة- عليهم الصلاة و السلام- أو الخواص منهم، و لا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده.] (5).

و يجوز تفضيل الجنس باعتبار تفضيل بعض أفراده.

و في أمالي شيخ الطّائفة (6)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى زيد بن عليّ- (عليه السلام)-:

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ يقول: فضّلنا بني آدم على سائر الخلق.

وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ يقول: على الرّطب و اليابس.

وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ يقول: من طيّبات الثّمار كلّها.

وَ فَضَّلْناهُمْ‏ يقول: ليس من دابّة و لا طائر إلّا و هي تأكل و تشرب بفيها، و لا ترفع بيدها إلى فيها طعاما و لا شرابا غير ابن آدم، فإنّه يرفع إلى فيه بيده طعامه، فهذا من التّفضيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «إليه عملهم» بدل «عليهم».

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: كلّا.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يخسف.

(5) من أنوار التنزيل 1/ 592.

(6) أمالي الطوسي 2/ 103.

(7) تفسير القمّي 2/ 22.

451

عبد الرّحيم قال: حدّثنا محمّد بن عليّ، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه لا يكرّم روح الكافر، و لكن كرّم أرواح المؤمنين.

و إنّما كرامة النّفس و الدّم بالرّوح، و الرّزق الطّيّب هو العلم.

حدّثني أبي‏ (1): عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف‏ (2)، عن الأصبغ بن نباته‏ أنّ عليّا- (عليه السلام)- سئل عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏.

[قال: السماوات و الأرض‏] (3) و ما فيهما (4) من مخلوق في جوف الكرسيّ، و له أربعة أملاك يحملونه بإذن اللّه، فأمّا ملك منهم‏ (5) ففي صورة الآدميّين، و هي أكرم الصّور على اللّه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في محاسن البرقي‏ (6): عنه، بعض أصحابنا، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه، يعقوب، أو غيره رفعه، قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: الّلهمّ، إنّ هذا من عطائك، فبارك لنا فيه و سوّغناه، و أخلف لنا خلفا لما أكلناه أو شربناه لا من حول منّا و لا قوّة، و رزقت فأحسنت فلك الحمد، ربّ، اجعلنا من الشّاكرين.

فإذا فرغ قال:

الحمد للّه الّذي كفانا و أكرمنا و حملنا في البرّ و البحر و رزقنا من الطّيّبات و فضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلا، الحمد للّه الّذي كفانا المؤنة و أسبغ علينا.

عنه‏ (7)، عن محمّد بن [عبد اللّه‏] (8)، عن عمرو المتطبّب‏ (9)، عن أبي يحيى الصّنعانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- إذا وضع الطّعام بين يديه قال:

الّلهمّ، هذا من منّك و فضلك و عطائك، فبارك لنا فيه و سوّغناه و ارزقنا خلفا لما

____________

(1) نفس المصدر 1/ 85.

(2) كما في النجاشي/ 468. و في المصدر:

ظريف.

(3) ليس في أ.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بينهما.

(5) المصدر: «فأما الملك الأوّل» بدل «فأمّا ملك منهم».

(6) المحاسن/ 436، ح 278.

(7) نفس المصدر/ 433، ح 263.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عمر المطيب.

452

أكلناه و ربّ محتاج إليه رزقت و أحسنت، الّلهمّ، اجعلنا من الشّاكرين.

و إذا رفع الخوان قال:

الحمد للّه الّذي حملنا في البرّ و البحر، و رزقنا من الطّيّبات، و فضّلنا على كثير [من خلقه أو] (1) ممّن خلق تفضيلا.

و في كتاب الخصّال‏ (2)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: إذا نظر أحدكم في المرآة فليقل: الحمد للّه الّذي خلقني فأحسن خلقي، و صوّرني فأحسن صورتي، وزان منّي ما شان من غيري، و أكرمني بالإسلام.

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (3) قال: المؤمن أعظم حرمة من الكعبة.

و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ المؤمن يعرف بالسّماء، كم يعرف الرّجل [أهله و] (5) ولده، و أنّه لأكرم على اللّه- تعالى- من ملك مقرّب.

و بإسناده‏ (6)، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ. من كرامة المؤمن على اللّه أنّه لم يجعل لأجله وقتا حتّى يهمّ ببائقة (7)، فإذا همّ ببائقة (8) قبضه اللّه‏ (9) إليه.

عن جابر (10)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [في قوله- تعالى-] (11): وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا قال: خلق كلّ شي‏ء منكبّا، غير الإنسان خلق منتصبا.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (12): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟

فقال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: إن اللّه- عزّ و جلّ- ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، و ركّب في البهائم شهوة بلا عقل، و ركّب في بني آدم‏

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) الخصال 2/ 612.

(3) نفس المصدر 1/ 27، ح 95.

(4) العيون 2/ 33، ح 62.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلد/ 36، ح 90.

7 و 8- كذا في المصدر. و في النسخ: بايعه.

و البائقة: الداهية. الظلم و التعدّي عن الحقّ.

(9) ليس في المصدر.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 302، ح 113.

(11) من المصدر.

(12) العلل 1/ 4.

453

كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، و من غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم.

و بإسناده‏ (1) إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ: عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فإنّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا.

يا عليّ، الّذين يحملون العرش و من حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يستغفرون للّذين آمنوا بولايتنا.

يا عليّ، لولا نحن ما خلق اللّه آدم و لا حوّاء و لا الجنّة و لا النّار و لا السّماء و لا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سبقناهم إلى معرفة (2) ربّنا و تسبيحه [و تهليله‏] (3) و تقديسه‏ (4)؟ و أنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق آدم فأودعنا صلبه و أمر الملائكة بالسّجود له تعظيما لنا و إكراما، و كان سجودهم للّه- عزّ و جلّ- عبوديّة و لآدم إكراما و طاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سجدوا (5) لآدم كلّهم أجمعون؟

و قد روينا (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ في الملائكة من باقة (7) بقل‏ (8) خير منه، و الأنبيّاء و الحجج يعلمون ذلك لهم، و فيهم ما جهلناه.

و بإسناده‏ (9) إلى ابن عبّاس: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا عرج بي إلى السّماء الرّابعة أذّن جبرئيل- (عليه السلام)- و أقام ميكائيل، ثمّ قيل لي: أدن، يا محمّد.

فقلت: أتقدّم و أنت بحضرتي [يا جبرئيل‏] (10)؟

قال: نعم، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، و فضّلك أنت خاصّة.

فدنوت فصلّيت بأهل السّماء [الرابعة] (11).

____________

(1) نفس المصدر و المجلد/ 5.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: معروف.

(3) من المصدر.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: سجد.

(6) العلل/ 25.

(7) الباقة: الحزمة من الزّهر أو البقل.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يقل.

(9) العلل 1/ 184، ضمن ح 2.

10 و 11- من المصدر.

454

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- خلقا أكرم على اللّه- عزّ و جلّ- من مؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين، و أنّ جوار اللّه للمؤمنين، و أنّ الجنّة للمؤمنين، و أنّ الحور العين للمؤمنين.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه: يا رسول اللّه، أخبرنا عن عليّ هو أفضل أم ملائكة اللّه المقرّبون؟

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و هل شرّفت الملائكة إلّا بحبّها لمحمّد و عليّ و قبولها ولايتهما، إنّه لا أحد من محبّي [عليّ‏] (3)- (عليه السلام)- قد نظّف قلبه من الغش‏ (4) و الدّغل [و العلل‏] (5) و نجاسة الذّنوب إلّا كان أطهر و أفضل من الملائكة.

و فيه‏ (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه السّائل:

فالرّسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال: بل الرّسول أفضل.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (7)، بإسناده إلى أبي هريرة و عبد اللّه بن عبّاس قالا:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أثناء كلام طويل: أنتم أفضل من الملائكة.

و في اعتقادات الإمامية (8) للصّدوق- عليه الرّحمة-: و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا أفضل من جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و جميع الملائكة المقرّبين، و أنا خير البريّة و سيّد ولد آدم.

يَوْمَ نَدْعُوا: نصب بإضمار «اذكر»، أو ظرف لما دلّ عليه «و لا يظلمون».

و قرئ‏ (9): «يدعو»، و «يدعي»، و «يدعو» على [قلب‏] (10) الألف واوا في لغة من يقول: افعو، [في أفعى‏] (11). أو على أنّ الواو علامة الجمع، كما في قوله: وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. أو ضميره، و «كلّ» بدل منه، و النّون محذوفة لقلّة المبالاة بها فإنّها ليست إلّا علامة الرّفع، و هو قد يقدّر، كما في «يدعى».

____________

(1) الكافي 2/ 33، ح 2.

(2) الإحتجاج 1/ 52.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: قذر الغش.

(5) ليس في المصدر.

(6) نفس المصدر 2/ 348.

(7) ثواب الأعمال/ 330، ضمن ح 1.

(8) اعتقادات الصدوق/ 96.

(9) أنوار التنزيل 1/ 592.

10 و 11- من المصدر.

455

كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏: بمن ائتّموا به من نبيّ، أو مقدّم في الدّين، أو كتاب، أو دين.

و قيل‏ (1): بكتاب أعمالهم الّتي قدّموها، فيقال، يا صاحب كتاب كذا، أي:

تنقطع علقة الأنساب و تبقى نسبة الأعمال.

و قيل‏ (2): بالقوى الحاملة لهم على عقائدهم و أفعالهم.

و قيل‏ (3): بأمّهاتهم، جمع أمّ، كخفّ و خفاف، و الحكمة في ذلك: إجلال عيسى- (عليه السلام)-، و إظهار شرف الحسن و الحسين- رضي اللّه عنهما-، و أن لا تفتضح أولاد الزّنا (4).

و في محاسن البرقي‏ (5): عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن ابن مسكان، عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ [أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

فقال: ندعو] (6) كلّ قرن من هذه الأمّة بإمامهم.

قلت: فيجي‏ء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قرنه، و عليّ- (عليه السلام)- في قرنه، و الحسن- (عليه السلام)- في قرنه، و الحسين- (عليه السلام)- في قرنه، [و كلّ إمام في قرنه‏] (7) الّذي هلك بين أظهرهم‏ (8)؟

قال: نعم.

و في عيون الأخبار (9): عن الرّضا- (عليه السلام)- و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قوله- تعالى-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ قال: يدعى كلّ قوم بإمام زمانهم، و كتاب اللّه‏ (10)، و سنّة نبيّهم.

و في كتاب الخصال‏ (11)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة قال: أمرنا أمير المؤمنين‏

____________

1 و 2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) إذ لو دعي الخلق بالآباء لكان هذا نوع نقص بالنسبة إلى عيسى بالأمّ و الخلق بالآباء، و فيه إظهار شرف السبطين بأن يدعيا بأمّهما الّتي هي بنت سيّد المرسلين- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عدم افتضاح أولاد الزّنا ظاهرا فإنّه لو دعي الخلق بالآباء و أولاد الزّنا بالامّهات لكان هذا تصريحا بكونهم أولاد الزّنا و ليس لهم آباء.

(5) المحاسن/ 144، ح 44.

(6) ليس في أ، ر.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أظهركم.

(9) العيون 2/ 33 و ح 61.

(10) المصدر: ربّهم.

(11) الخصال 2/ 644، ح 26.

456

- (عليه السلام)- بالمسير إلى المدائن من الكوفة، فسرنا يوم الأحد و تخلّف عمرو بن حريث‏ (1) في سبعة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمّى: الخورنق، فقالوا نتنزّه‏ (2) فإذا كان الأربعاء خرجنا فلحقنا عليّا- (عليه السلام)- قبل أن يجمع. فبينما هم يتغدّون‏ (3)، إذ خرج عليهم ضبّ فصادوه، فأخذه عمرو بن حريث، فنصب كفّه و قال: بايعوا، هذا أمير المؤمنين. فبايعه السّبعة و عمرو ثامنهم، و ارتحلوا ليلة الأربعاء فقدموا المدائن يوم الجمعة، و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يخطب، [و لم يفارق بعضهم بعضا و كانوا جميعا حتّى نزلوا] (4) [على باب المسجد. فلمّا دخلوا، نظر إليهم أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (5) فقال: يا أيّها النّاس، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أسرّ إليّ ألف ألف‏ (6) حديث، في كلّ حديث ألف باب، لكلّ باب ألف مفتاح، و إنّي سمعت اللّه- جلّ جلاله- يقول: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏. و إنّي أقسم لكم باللّه، ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر يدعون بإمامهم، و هو ضبّ، و لو شئت أن أسمّيهم لفعلت.

قال: فلقد رأيت عمرو بن حريث سقط، كما تسقط السّعفة، حياء و لوما.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: السّمع و الطّاعة أبواب الخير، السّامع المطيع لا حجّة عليه، و السّامع العاصي لا حجّة له، و إمام المسلمين تمّت حجّته و احتجاجه يوم يلقي اللّه- عزّ و جلّ-.

ثمّ قال: يقول اللّه- تبارك و تعالى-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

محمّد بن يحيى‏ (8)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن غالب، عن جابر عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ قال المسلمون: يا رسول اللّه، أ لست إمام النّاس كلّهم أجمعين؟

قال: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا رسول اللّه إلى النّاس أجمعين،

____________

(1) أ، ب، ر: عمرو بن حرث.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: تتنزّه.

(3) المصدر: يتغذّون.

(4) من المصدر.

(5) يوجد في ب، المصدر.

(6) ليس في أ، ب، ر، المصدر.

(7) الكافي 1/ 189- 190، ح 17.

(8) نفس المصدر/ 215، ح 1.

457

و لكن سيكون من بعدي أئمّة على النّاس من اللّه من أهل بيتي يقومون في النّاس، فيكذبون و تظلمهم أئمّة الكفر و الضّلال و أشياعهم. فمن والاهم و اتّبعهم و صدّقهم، فهو منّي و معي و سيلقاني. ألا و من ظلمهم و كذّبهم، فليس منّي و لا معي و أنا منه بري‏ء.

عليّ بن محمّد (1)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون‏ (2)، عن عبد اللّه [بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه‏] (3) بن القاسم البطل‏ (4)، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

قال: إمامهم الّذي بين أظهرهم، و هو قائم أهل زمانه.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عمرو بن الأشعث‏ (6)، عن عبد اللّه بن حمّاد الأنصاريّ، عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يجي‏ء كلّ غادر بإمام يوم القيامة مائلا شدقه حتّى يدخل النّار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (8)، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ قال: يجي‏ء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في قومه‏ (9)، و عليّ في قومه‏ (10)، و الحسن في قومه‏ (11)، و الحسن في قومه‏ (12)، و كلّ من مات بين ظهرانيّ قوم جاؤوا معه.

و قال عليّ بن إبراهيم‏ (13) في قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ قال: ذلك يوم القيامة، ينادي مناد: ليقم أبو بكر (14) و شيعته، و عمر (15) و شيعته، و عثمان‏ (16) و شيعته، [و عليّ‏

____________

(1) نفس المصدر/ 536- 537.

(2) أ، ب: سمعون.

(3) ليس في ب. و يوجد فيها هاهنا زيادة: بن حمّاد الأنصاري، عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن.

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 500. و في النسخ: القاسم بن البطل.

(5) نفس المصدر 2/ 337- 338، ح 5.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 498. و في النسخ: الأشوى.

(7) تفسير القمّي 2/ 22- 23.

(8) في المصدر زيادة: عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى.

9 و 10 و 11 و 12- المصدر: فرقة.

(13) نفس المصدر: 23.

14 و 15 و 16- المصدر: فلان.

458

و شيعته‏] (1).

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، فيه يقول- (عليه السلام)- و قد ذكر المنافقين: و كذلك قوله‏ (3): سلام على آل ياسين لأنّ اللّه سمّى النّبيّ بهذا الاسم‏ (4) حيث قال‏ (5): يس، وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏. لعلمه بأنّهم يسقطون قول‏ (6): سلام على آل محمد، كما أسقطوا غيره.

و كذلك قال: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ و لم يسمّ بأسمائهم و أسماء آبائهم و امّهاتهم.

و في أمالي الصّدوق‏ (7)، و بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل رجل يقال له: بشر بن غالب، أبا عبد اللّه‏ (8)- (عليه السلام)- فقال: يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

قال إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، و إمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنّة و هؤلاء في النّار، و هو قوله‏ (9)- عزّ و جلّ-: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الصّحيفة السّجادية (10). الّلهمّ، إنّك أيّدت دينك في كلّ أوان بإمام أقمته علما لعبادك و منارا في بلادك، بعد أن وصلت حبله بحبلك، و جعلته الذّريعة إلى رضوانك، و افترضت طاعته، و حذّرت معصيته، و أمرت بامتثال أمره‏ (11) و الانتهاء عند نهيه، و ألّا يتقدّمه متقدّم و لا يتأخّر عنه متأخّر.

و في مصباح الشّريعة (12): قال الصّادق- (عليه السلام)-: [قال اللّه- تعالى-:] (13) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏، أي: من كان اقتدى بمحقّ قبل و زكّي.

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) الاحتجاج 1/ 253.

(3) الصّافّات/ 130.

(4) المصدر: لأنّ اللّه سمّى به النّبيّ ....

(5) يس/ 1- 3.

(6) المصدر: قول اللّه.

(7) عنه في نور الثقلين 3/ 193، ح 335.

(8) ب: أبا عبد اللّه الحسين.

(9) الشورى/ 7.

(10) الصحيفة السجّاديّة، الدعاء 47.

(11) المصدر: أوامره.

(12) مصباح الشريعة/ 329.

(13) ليس في المصدر.

459

و في الخرائج و الجرائح‏ (1)، في أعلام محمّد العسكريّ- (عليه السلام)-: قال أبو هاشم، بعد أن روى كرامة له- (عليه السلام)-: فجعلت أفكّر في نفسي عظم ما أعطى اللّه آل محمّد- (عليهم السلام)- و بكيت، فنظر إليّ و قال:

الأمر أعظم ممّا حدّثت به نفسك من عظم شأن آل محمّد، فاحمد اللّه أن جعلك متمسّكا بحبلهم، تدعى يوم‏ (2) القيامة بهم‏ (3) إذا دعي كلّ أناس بإمامهم إنّك على خير.

و في الرّجال للكشّي‏ (4): فضالة بن جعفر، عن أبان، عن حمزة بن طيّار: أنّ أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- أخذ بيدي، ثمّ عدّ الأئمّة- (عليهم السلام)- إماما إماما يحسبهم [بيده‏] (5) حتّى انتهى إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- فكفّ.

فقلت: جعلني اللّه فداك، لو فلقت رمّانة فأحللت بعضها و حرّمت بعضها، لشهدت أنّ ما حرّمت حرام و ما أحللت حلال.

فقال: فحسبك أن تقول بقوله، و ما أنا إلّا مثلهم، لي ما لهم و عليّ ما عليهم، فإن أردت أن تجي‏ء يوم القيامة مع الّذين قال اللّه- تعالى-: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ فقل بقوله.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّه إذا كان يوم القيامة يدعى كلّ بإمامه الّذي مات في عصره، فإن أثبته‏ (7) أعطي كتابه بيمينه لقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ‏.

و اليمين اثبات الإمام، لأنّه كتاب يقرؤه، إنّ اللّه يقول‏ (8): فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ‏] (9) فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ‏ (الآية). و «الكتاب» الإمام، فمن نبذه وراء ظهره كان كما قال‏ (10): فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ‏. و من أنكره كان من أصحاب الشّمال الّذين قال اللّه‏ (11): ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ، وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ‏

____________

(1) نور الثقلين 3/ 193، ح 338.

(2) من ب.

(3) كذا في الثقلين. و في ب: محبهم. و في غيرها: لهم.

(4) رجال الكشي/ 349، ح 653.

(5) من المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 302.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أتاه.

(8) الحاقة/ 19- 20. و فيها: «فأما من ...»

(9) من المصدر.

(10) آل عمران/ 187.

(11) الواقعة/ 41- 43.

460

(إلى آخر الآية).

عنه‏ (1)، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قوله:

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

قال: من كان يأتمّون به في الدّنيا، و يؤتي بالشّمس و القمر فيقذفان في حميم‏ (2) و من يعبدهما.

عن جعفر بن أحمد (3)، عن الفضل بن شاذان، أنّه وجد مكتوبا بخطّ أبيه [مثله‏] (4).

عن أبي بصير (5) قال: أخذت بفخذ أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت: أشهد أنّك إمامي.

فقال: أما إنّه سيدعى كلّ أناس بإمامهم، أصحاب الشّمس بالشّمس، و أصحاب القمر بالقمر، و أصحاب النّار بالنّار، و أصحاب الحجارة بالحجارة.

عن عمّار السّاباطي‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا تترك الأرض بغير إمام يحلّ حلال اللّه و يحرّم حرام اللّه، و هو قول اللّه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

ثمّ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة.

فمدّوا أعناقهم و فتحوا أعينهم، فقال أبو عبد اللّه: ليست الجاهليّة الجهلاء.

فلمّا خرجنا من عنده قال لنا سليمان: هو، و اللّه، الجاهليّة الجهلاء، و لكن لمّا رآكم مددتم أعناقكم و فتحتم أعينكم قال لكم كذلك.

عن بشير الدّهّان‏ (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أنتم، و اللّه، على دين اللّه. ثمّ تلا: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

ثمّ قال: عليّ إمامنا و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إمامنا، كم من إمام يجي‏ء يوم القيامة يلعن أصحابه و يلعنونه، و نحن ذريّة محمّد و أمّنا فاطمة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: و يقذفان في جهنّم.

(3) نفس المصدر/ 303، ح 117.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر/ 303، ح 118.

(6) نفس المصدر/ 303.

(7) نفس المصدر/ 303.

461

عن إسماعيل بن همّام‏ (1) قال: قال الرّضا- (عليه السلام)- في قول اللّه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ قال: إذا كان يوم القيامة قال اللّه: أليس عدل من ربّكم أن تولّوا كلّ قوم من تولّوا؟

قالوا: بلى.

قال: فيقول: تميّزوا. فيتميّزون.

عن محمّد بن حمران‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إن كنتم تريدون أن تكونوا معنا يوم القيامة لا يلعن بعض‏ (3) بعضا، فاتّقوا اللّه و أطيعوا، فإنّ اللّه يقول: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (4): و روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: ألا تحمدون‏ (5) اللّه، إذا كان يوم القيامة فدعي كلّ قوم إلى من يتولّونه‏ (6)، و فزعنا (7) إلى رسول اللّه و فزعتم إلينا، فإلى أين‏ (8) ترون‏ (9) يذهب بكم؟

إلى الجنّة، و ربّ الكعبة! قالها ثلاثا.

فَمَنْ أُوتِيَ‏: من المدعوّين.

كِتابَهُ بِيَمِينِهِ‏، أي: كتاب عمله.

فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ‏: ابتهاجا و تبجّحا بما يرون فيه.

وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71): و لا ينقصون من أجورهم أدنى‏ (10) شي‏ء.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): أنّ «الفتيل» الجلدة الّتي في ظهر النّواة.

و جمع اسم الإشارة و الضّمير، لأنّ «من أوتي» في معنى الجمع.

و تعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدلّ على أنّ من أوتي كتابه بشماله، إذا

____________

(1) نفس المصدر/ 304.

(2) نفس المصدر/ 305.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بعضنا.

(4) المجمع 3/ 430.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ألا تمجّدون.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يتولّون.

(7) المصدر: دعانا.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «قال: أم» بدل «إلى أين».

(9) أ، ب: تريدون.

(10) كذا في أنوار التنزيل 1/ 593. و في النسخ:

أوفى.

(11) تفسير القمّي 2/ 23.

462

اطّلع على ما فيه، غشيهم من الخجل و الحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، و لذلك لم يذركهم‏ (1)، مع أنّ قوله: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏- أيضا- مشعر بذلك، فإنّ الأعمى لا يقرأ الكتاب. و المعنى: و من كان في هذه الدّنيا أعمى‏ (2) القلب لا يبصر رشده، كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النّجاة.

وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (72): منه في الدّنيا، لزوال الاستعداد و فقدان الآلة و المهلة.

و قيل‏ (3): لأنّ الاهتداء بعد لا ينفعه، و الأعمى مستعار من فاقد الحاسّة.

و قيل‏ (4): الثّاني للتّفضيل من عمي بقلبه، كالأجهل و الأبله‏ (5)، و لذلك لم يمله أبو عمرو و يعقوب، فإنّ أفعل التّفضيل تمامه «بمن» فكانت ألفه في حكم المتوسّطة، كما في «أعمالكم» بخلاف النّعت فإن ألفه واقعة في الطّرف لفظا و حكما، فكانت معرّضة للإمالة من حيث إنّها تصير ياء في التّثنية، و قد أمالها حمزة و الكسائي و أبو بكر، و قرأ ورش، بين بين، فيهما.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و ليست [تشهد الجوارح على مؤمن، إنّما] (7) تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب، فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، [قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ‏] (8) فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.

و في عيون الأخبار (9)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان و المقالات في التّوحيد كلام للرّضا- (عليه السلام)- مع عمران، و فيه: و إيّاك و قول الجهّال من أهل العمى و الضّلال، الّذين يزعمون أنّ اللّه- جلّ و تقدّس- موجود في الآخرة

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يذكر.

(2) كذا في أنوار التنزيل 1/ 593. و في النسخ:

عمى.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) يعني: أنّ العمى و إن كان من العيوب لا يبنى منه أفعل التّفضيل، لكنّه إذا كان بمعنى فقد الحاسّة أمّا إذا كان المراد عمى القلب، يكون كالجهل فيبنى منه أفعل التّفضيل.

(6) الكافي 2/ 32، ح 1.

7 و 8- من المصدر.

(9) العيون 1/ 175.

463

للحساب و الثّواب و العقاب، و ليس بموجود في الدّنيا للطّاعة و الرّجاء. و لو كان في الوجود للّه- عزّ و جلّ- نقض و اهتضام، لم يوجد في الآخرة أبدا، و لكنّ القوم تاهوا و عموا (1) عن الحقّ من حيث لا يعلمون، ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا، يعني: أعمى عن الحقائق الموجودة.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول: أشدّ العمى من عمي عن فضلنا و ناصبنا العداوة بلا ذنب سبق إليه منّا، إلّا [أنّا] (3) دعونا إلى الحقّ و دعاه من سوانا إلى الفتنة و الدّنيا، فأتاهما و نصب البراءة منّا و العداوة.

أبي‏ (4)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ قال: من لم يدلّه خلق السّماوات و الأرض و اختلاف اللّيل و النّهار و دوران الفلك و الشّمس و القمر و الآيات العجيبات على أنّ وراء ذلك أمرا أعظم منه‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى-: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا.

قال: ذلك يسوّف نفسه الحجّ، يعني: حجّة الإسلام، حتّى يأتيه الموت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- فقال له: إنّ ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن، في أيّ يوم نزلت و فيمن نزلت.

____________

(1) في المصدر زيادة: و صمّوا.

(2) الخصال/ 633.

(3) من المصدر.

(4) التوحيد/ 455، ح 6.

(5) الكافي 4/ 268- 269، ح 2.

(6) تفسير القمّي 2/ 23.

464

فقال أبي- (عليه السلام)-: [سله‏] (1) فيمن نزلت: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا. و فيمن نزلت‏ (2): وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏. و فيمن نزلت‏ (3): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا.

فأتاه الرّجل فسأله، فقال: وددت أنّ الّذي أمرك بهذا واجهني به، فأسأله عن العرش ممّ‏ (4) خلقه اللّه و متى خلقه و كم هو و كيف هو؟

فانصرف الرّجل إلى أبي‏ (5)، فقال أبي- (عليه السلام)-: فهل أجابك بالآيات؟

قال: لا.

قال أبي: لكن أجيبك فيها بعلم و نور غير مدّع و لا منتحل‏ (6). أمّا قوله: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا ففيه نزل‏ (7) و في أبيه، و أمّا قوله: وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ‏ ففي أبيه نزلت، و أمّا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ففي أبيه نزلت و فينا، و لم يكن الرّباط الّذي أمرنا به، و سيكون ذلك من نسلنا المرابط و من نسله المرابط (8).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و قال أبو عبد اللّه‏ (9)- (عليه السلام)- أيضا-: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا قال: نزلت فيمن يسوّف الحجّ حتّى مات و لم يحجّ‏ (10)، فعمي عن فريضة من فرائض اللّه.

و فيه‏ (11) خطبة له- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيها: و أعمى العمى عمى‏ (12) الضّلالة بعد

____________

(1) من المصدر.

(2) هود/ 34.

(3) آل عمران/ 200.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ممّن.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و نور و غير المدّعى و لا المنتحل و.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: نزلت.

(8) قيل: يحتمل أن يكون المراد من قوله- (عليه السلام)-: «ففي أبيه نزل ... الخ»: أنّهم مأمورون برباطنا وصلتنا، و قد تركوا و لم يأتمروا، و سيكون ذلك في زمان ظهور القائم- (عليه السلام)- فيرابطنا من بقي من نسلهم فينصرون قائمنا فيكون من نسلنا المرابط، بالفتح، أعني: القائم- (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)- و من نسله المرابط، بالكسر. و يحتمل على هذا- أيضا- الكسر فيهما و الفتح، فتأمّل.

(9) نفس المصدر/ 24.

(10) في المصدر زيادة: فهو أعمى.

(11) نفس المصدر 1/ 291.

(12) ليس في المصدر.

465

الهدى، و شرّ العمى عمى القلب.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، رفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: يحشر المرجئة عميانا [و إمامهم أعمى. فيقول بعض من يراهم من غير أمّتنا: ما نرى أمّة محمّد إلّا. عميانا] (2) فيقال لهم‏ (3): ليسوا من أمّة محمّد إنّهم بدلّوا فبدّل‏ (4) بهم، و غيّروا فغيّر ما بهم.

و فيه‏ (5) بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: و من قرأ القرآن و لم يعمل به، حشره اللّه- عزّ و جلّ- يوم القيامة أعمى فيقول: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏ (6) فيؤمر به إلى النّار.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ‏ قيل‏ (7): نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتّى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا نعشر و لا نحشر و لا نجبى‏ (8) في صلاتنا (9)، و كلّ ربا لنا فهو لنا، و كلّ ربا علينا فهو موضوع عنّا و أن تمتّعنا باللّات، سنة و أن تحرم وادينا (10)، كما حرمت مكّة، فإن قالت العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن اللّه أمرني.

و قيل‏ (11): في قريش، قالوا: لا نمكّنك من استلام الحجر حتّى تلمّ بآلهتنا و تمسّها بيدك.

و «إن» هي المخفّفة و «اللّام» هي الفارقة، و المعنى: إنّ الشّأن قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالاستنزال‏ (12).

____________

(1) ثواب الأعمال/ 248، ح 7.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فأقول لهم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فبدّلهم.

(5) نفس المصدر/ 337.

(6) طه/ 125- 126.

(7) أنوار التنزيل 1/ 593.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ننجي.

(9) قوله: «لا نعشر و لا نحشر و لا نجبي في صلاتنا» الأوّل معناه: لا يؤخذ عشر أموالنا، و الثاني معناه: لا نبعث إلى المغازي و لا يضرب علينا البعوث، و الثّالث التّجبية، و هو أن يضع يديه على ركبتيه.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و أن تحرموا دينا.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: بالاشراك.

466

عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏: من الأحكام.

لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ‏: غير ما أوحينا إليك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: يعني: في‏ (2) أمير المؤمنين.

وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73): و لو اتّبعت مرادهم لاتّخذوك بافتتانك وليّا لهم بريئا (3) من ولايتي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): يعني: لاتّخذوك صديقا لو أقمت غيره.

وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ‏: و لو لا تثبيتنا إيّاك.

لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (74): لقاربت إلى أن تميل إلى اتّباع مرادهم.

و المعنى: أنّك كنت على صدد الرّكون‏ (5) إليهم لقوّة خدعهم و شدّة احتيالهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلا عن أن تركن إليهم‏ (6). و هو صريح في أنّه ما همّ بإجابتهم مع قوّة الدّاعي إليها، و دليل على أنّ العصمة بتوفيق اللّه- تعالى- و حفظه.

و في عيون الأخبار (7)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء حديث، يقول فيه المأمون للرّضا- (عليه السلام)-: فأخبرني عن قول اللّه‏ (8)- عزّ و جلّ-: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: هذا ممّا نزل بإيّاك‏ (9) أعني و اسمعي، يا جارة (10)، خاطب اللّه- تعالى- بذلك نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أراد به أمّته، و كذلك قوله‏ (11)

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 24.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في أنوار التنزيل/ 593. و في النسخ:

بريئا عنّي و.

(4) تفسير القمّي 2/ 24.

(5) كذا في أنوار التنزيل 1/ 593. و في النسخ:

الركن.

(6) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: أن تقرب من الركن فضلا من أن تركن إليه.

(7) العيون 1/ 202.

(8) التوبة/ 43.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: و إيّاك ...

(10) هذا مثل يضرب لمن يتكلم بكلام و يريد به شيئا غيره. و قيل: إنّ أوّل من قال ذلك سهل بن مالك الفزاريّ، و قصّته مذكورة في كتاب مجمع الأمثال 1/ 50.

(11) الزمر/ 65.

467

- عزّ و جلّ-: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. و قوله- تعالى-:

وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.

قال: صدقت، يا ابن رسول اللّه.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزل القرآن بإيّاك أعني و اسمعي، يا جارة.

و في رواية أخرى‏ (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: معناه: ما عتب‏ (3) اللّه- عزّ و جلّ- به على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهو يعني به: ما قد قضى في القرآن، مثل قوله:

وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا عنى بذلك: غيره.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: ثمّ خاطبه في أضعاف ما اثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه و إنقاص محلّه‏ (5)، و غير ذلك من تهجينه و تأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء، مثل قوله: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا-: و الّذي بدا في الكتاب‏ (6) من الإزراء على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من فرية (7) الملحدين.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن أبي يعقوب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.

قال: لمّا كان يوم الفتح أخرج رسول اللّه (ص) أصناما من المسجد، و كان منها صنم على المروة، و طلبت إليه قريش أن يتركه، و كان مستحيا (9) فهمّ بتركه، ثمّ أمر بكسره، فنزلت هذه الآية.

____________

(1) الكافي 2/ 630- 631، ح 14.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: ما عاتب.

(4) يوجد قول الزنديق في الاحتجاج 1/ 246.

و امّا جوابه- (عليه السلام)- ففي ص 257 نقله على معناه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: من الازوراء و انخفاض محلّه.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و الّذي بدأ الكتاب.

(7) المصدر: فرقة.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 306.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: مسخا.

468

عن ابن أبي عمير (1)، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما عاتب اللّه نبيّه فهو يعني به: من قد مضى‏ (2) في القرآن، مثل قوله: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا عنى بذلك: غيره.

و في شرح الآيات الباهرة (3): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)، عن أحمد بن القاسم قال: حدّثنا أحمد بن محمّد السيّاري‏ (4)، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن الفضيل‏ (5)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏ في عليّ- (عليه السلام)-.

و قال- أيضا- (6): حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر، عن أبيه- (صلوات اللّه عليه)- قال: و ليمسك عنه بعض الإمساك‏ (7) حتّى أن بعض نسائه ألححن‏ (8) عليه في ذلك فكاد يركن إليهم بعض الرّكون، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏ في عليّ‏ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. فمعنى ذلك: و لولا أن ثبّتنا فؤادك‏ (9) على الحقّ بالنّبوّة و العصمة لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ‏ [ركونا قليلا، أي: لقد قاربت أن تسكن إليهم بعض السّكون و تميل إليهم بعض الميل و المعنى: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ‏] (10) و لكن ما ركنت لأجل ما ثبّتناك بالعصمة فلا [بأس‏] (11) عليك في ذلك، لأنّك لم تفعله بيد و لا لسان.

و قد صحّ عنه- (صلوات اللّه عليه)- أنّه قال: وضع عن أمّتي ما حدّثت‏ (12) به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلّم‏ (13).

____________

(1) نفس المصدر 1/ 10، ح 5.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قضى.

(3) تأويل الآيات الباهرة 1/ 284- 285.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: السائري.

(5) المصدر: ابن الفضيل.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و ليمسك عن بعض فضائله.

(8) المصدر: ألحّ.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أن ثبتّناك.

(10) ليس في ب.

(11) من المصدر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: حدّث.

(13) كذا في المصدر. و في ر: بتكلّم. و في غيرها:

يتكلّم.

469

قال ابن عبّاس‏ (1): رسول اللّه معصوم، و لكن هذا تخويف لأمّته لئلّا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين.

فعليه و على أهل بيته المعصومين صلاة باقية دائمة إلى يوم الدين‏ (2).

إِذاً لَأَذَقْناكَ‏، أي: لو قاربت لأذقناك.

ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ‏، أي: عذاب الدّنيا و عذاب الآخرة، ضعف ما يعذب به في الدّارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأنّ خطأ الخطير أخطر.

قيل‏ (3): و كان أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة و عذابا ضعفا في الممات، يعني: مضاعفا، ثمّ حذف الموصوف و أقيمت الصّفة مقامه، ثمّ أضيفت‏ (4)، كما يضاف موصوفها.

و قيل‏ (5): الضّعف من أسماء العذاب.

و قيل‏ (6): المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة، و بضعف الممات: عذاب القبر.

ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75): يدفع العذاب عنك.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن عبد اللّه بن عثمان البجلّي، عن رجل: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- اجتمعا عنده و ابنتيهما فتكلّموا في عليّ، و كان من النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يلين‏ (8) لهما في بعض القول، فأنزل اللّه: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ‏ مثل عليّ وليّا (9).

و في مجمع البيان‏ (10): ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً قيل‏ (11): لما نزلت هذه الآية، قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الّلهمّ، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين [أبدا] (12) ... عن قتادة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الّذي.

(3) أنوار التنزيل 1/ 593.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أضيف.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر/ 593- 594.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 306.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لين.

(9) المصدر: ... ثمّ لا تجد لك علينا نصيرا» ثمّ لا تجد بعدك مثل عليّ وليّا.

(10) المجمع 3/ 432.

(11) المصدر: و قال: إنّه.

(12) من المصدر.

470

وَ إِنْ كادُوا: و إن كاد أهل مكّة.

لَيَسْتَفِزُّونَكَ‏: ليزعجونك بمعاداتهم.

مِنَ الْأَرْضِ‏: أرض مكّة.

لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ‏: و لا يبقون بعدك.

إِلَّا قَلِيلًا (76): إلّا زمانا قليلا، و قد كان كذلك فإنّهم اهلكوا ببدر بعد هجرته.

و قيل‏ (1): الآية نزلت في اليهود، حسدوا مقام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا:

الشّام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيّا فالحق بها حتّى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه فخرج مرحلة، فنزلت فرجع، ثمّ قتل منهم بنو قريظة و اجلي بنو النّضير بقليل.

و قرئ‏ (2): «لا يلبثوا» منصوبا «بإذا» على أنّه معطوف على جملة قوله: وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ‏ (3) لا على خبر «كاد»، فإنّ «إذا» لا تعمل إذا كان معتمدا ما بعدها على ما قبلها.

و قرأ (4) ابن عامر و حمزة و الكسائي و يعقوب و حفص: «خلافك» و هو لغة فيه، قال الشّاعر:

عفت الدّيار خلافهم فكأنّما* * * بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حتّى قتلوا ببدر.

سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا: نصب على المصدر، أي: سنّ اللّه ذلك سنّة، و هو أن يهلك كلّ أمّة أخرجوا رسولهم‏ (6) من بين أظهرهم.

فالسّنّة للّه، و إضافتها إلى الرّسل لأنّها من أجلهم، و يدل عليهم: وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (77)، أي: تغييرا.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن بعض أصحابنا، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: إنّ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 594.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في ب.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمّي 2/ 24.

(6) كذا في أنوار التنزيل 1/ 594. و في النسخ: رسلهم.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 306.

471

اللّه قضى الاختلاف على خلقه و كان أمرا قد قضاه في حكمته‏ (1)، كما قضى على الأمم من قبلكم، و هي السّنن و الأمثال تجري‏ (2) على النّاس فجرت علينا، كما جرت على الّذين من قبلنا، و قول اللّه [حقّ، قال اللّه-] (3) تبارك و تعالى- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا [و قال‏ (4): فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا و قال‏ (5):] (6) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏.

و قال: لا تبديل لقول اللّه، و قد قضى اللّه على موسى و هو مع قومه يريهم الآيات و العبر (7)، ثمّ مرّوا على قوم يعبدون أصناما قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏ (8) فاستخلف موسى هارون، فنصبوا عجلا جسدا له خوار فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏ (9) و تركوا هارون، فقال: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي، قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى‏ (10).

فضرب لكم أمثالهم، و بيّن لكم كيف صنع بهم.

و قال: إنّ نبيّ اللّه لم يقبض حتّى أعلم النّاس أمر عليّ- (عليه السلام)- فقال:

من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه‏ (11). و قال: إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى غير (12) أنّه لا نبيّ بعدي. و كان صاحب راية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في المواطن كلّها، و كان معه في المسجد يدخله‏ (13) على كلّ حال، و كان أوّل النّاس إيمانا به‏ (14).

فلمّا قبض نبيّ اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان الّذي كان، لما قضي‏ (15) من الاختلاف، و عمد عمر فبايع أبا بكر و لم يدفن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد.

____________

(1) المصدر: علمه.

(2) المصدر: يجري.

(3) ليس في ب.

(4) فاطر/ 43.

(5) يونس/ 102.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: النّذر.

(8) الأعراف/ 134.

(9) طه/ 88.

(10) طه/ 90- 91.

(11) المصدر: فعليّ مولاه.

(12) أ، ب: إلّا.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: يدخل.

(14) ليس في المصدر.

(15) المصدر: قد قضى.

472

فلمّا رأى ذلك عليّ- (عليه السلام)- و رأى النّاس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتن‏ (1) النّاس، ففرغ‏ (2) إلى كتاب اللّه و أخذ بجمعه‏ (3) في مصحف، فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع.

فقال [عليّ‏] (4): لا أخرج حتّى أجمع القرآن.

فأرسل إليه مرّة أخرى، فقال: لا أخرج حتّى أفرغ.

فأرسل إليه الثّالثة ابن عمّ له يقال له: قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- تحول بينه و بين عليّ- (عليه السلام)- فضربها، فانطلق قنفذ (5) قبله و ليس معه عليّ- (عليه السلام)-. فخشي أن يجمع عليّ- (عليه السلام)- النّاس‏ (6) فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته [و على‏] (7) فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم)-. فلمّا رأى عليّ (ع) ذلك‏ (8) خرج، فبايع كارها غير طائع.

عن أبي العبّاس‏ (9)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا قال: هي سنّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من‏ (10) كان قبله من الرّسل، و هو الإسلام.

أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏: لزوالها، و يدلّ عليه‏

قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أتاني جبرئيل لدلوك الشّمس حين زالت، فصلى بي الظّهر.

و قيل‏ (11): لغروبها، و أصل التّركيب للانتقال.

و قيل‏ (12): و منه الدلك‏ (13)، فإنّ الدّالك لا تستقرّ يده، و كذا [كلّ‏] (14) ما تركّب من الدّال و الّلام، كدلج، و دلح، و دلع، و دلف، و دله‏ (15).

____________

(1) المصدر: يفتتن.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ففزع.

(3) ر: يجمعه.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قبله.

(6) ليس في أ.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فلّما رأى ذلك عليّ.

(9) نفس المصدر/ 308.

(10) ليس في أ.

11 و 12- أنوار التنزيل 1// 594.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: من الدلك.

(14) من المصدر.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: دل.

473

و قيل‏ (1): «الدّلوك» من الدّلك، لأنّ النّاظر إليها يدلك عينيه لدفع شعاعها.

و «الّلام» للتّأقيت، مثلها في: لثلاث خلون.

إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏: إلى ظلمته، و هو وقت صلاة (2) عشاء الآخرة.

وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ: و صلاة الصّبح، سمّيت قرآنا لأنّه ركنها، كما سمّيت:

ركوعا و سجودا.

إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78): يشهده ملائكة اللّيل و ملائكة النّهار. أو شواهد القدرة من تبدّل الظّلمة بالضّياء و النّوم، الّذي هو أخو الموت بالانتباه. أو كثير من المصلّين. أو من حقّه أن يشهده الجمّ الغفير.

قيل‏ (3): الآية جامعة للصّلوات‏ (4) الخمس إن فسّر الدلوك بالزّوال، و لصلوات اللّيل وحدها إن فسّر بالغروب.

و قيل‏ (5): المراد بالصّلاة: صلاة المغرب. و قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏] (6) بيان لمبدإ الوقت و منتهاه، و استدلّ‏ (7) به على أنّ الوقت يمتدّ إلى غروب الشّفق.

و في تهذيب الأحكام‏ (8): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عمّا فرض اللّه من الصّلاة.

فقال: خمس صلوات في اللّيل و النّهار.

فقلت: هل سمّا هنّ اللّه و بيّنهنّ في كتابه؟

فقال: نعم، قال اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ و «دلوكها» زوالها، ففي ما بين دلوك الشّمس إلى غسق اللّيل أربع صلوات سمّاهنّ اللّه و بيّنهنّ و وقّتهنّ. و غَسَقِ اللَّيْلِ‏ انتصافه، ثمّ قال: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً فهذه الخامسة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9): و روى بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و أوّل وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، و آخر وقتها إلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏، يعني:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في أ، ب.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في المصدر. و في ب: لصلاة. و في غيرها: للصّلاة.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يستدلّ.

(8) التهذيب 2/ 241، صدر ح 954.

(9) الفقيه 1/ 141، ح 657.

474

نصف اللّيل.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا لا يكذب علينا.

قلت: ذكر أنّك قلت: أوّل صلاة افترضها اللّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الظّهر، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ] (2)، فإذا زالت الشّمس لم يمنعك إلّا سبحتك، ثمّ لا تزال في وقت إلى أن يصير الظّلّ قامة و هو آخر الوقت، فإذا صار الظّلّ قامة دخل وقت العصر فلم تزل في‏ (3) وقت حتّى يصير الظّلّ قامتين، و ذلك المساء فقال: صدق.

عليّ بن محمّد (4)، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الرّحمن بن سالم، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-:

أخبرني بأفضل المواقيت في صلاة الفجر.

فقال: مع طلوع الفجر، إنّ اللّه يقول: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً، يعني: صلاة الفجر تشهده ملائكة اللّيل و ملائكة النّهار، فإذا صلّى العبد الصّبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرّتين: أثبتها ملائكة اللّيل و ملائكة النّهار.

عليّ بن محمّد (5)، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد المسلي‏ (6)، عبد اللّه بن سليمان العامريّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا عرج برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نزل بالصّلاة عشر ركعات، ركعتين ركعتين. فلمّا ولد الحسن و الحسن زاد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سبع ركعات شكرا للّه‏ (7)، فأجاز اللّه له ذلك، و ترك الفجر لم يزد فيها [لضيق وقتها] (8) لأنّه تحضرها ملائكة اللّيل و [ملائكة] (9) النّهار.

____________

(1) الكافي 3/ 275، ح 1.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: فلم يزل.

(4) نفس المصدر/ 282، ح 2.

(5) نفس المصدر/ 487، صدر ح 2.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 317. و في النسخ: ربيعي بن محمد المسلمي (ب: السلمي)

(7) ليس في ب.

8 و 9- من المصدر.

475

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): سئل الصّادق- (عليه السلام)-: لم صارت المغرب ثلاث ركعات و أربعا بعدها، ليس فيها تقصير في حضر و لا سفر؟

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كلّ صلاة ركعتين، فأضاف إليها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لكلّ صلاة ركعتين في الحضر و قصر فيها في السّفر إلّا المغرب و الغداة، فلمّا صلّى- (عليه السلام)- المغرب بلغه مولد فاطمة- (عليها السلام)- فأضاف إليها ركعة شكرا للّه- عزّ و جلّ- فلمّا أن ولد الحسن- (عليه السلام)- أضاف إليها ركعتين شكرا للّه- عزّ و جلّ-. فلمّا أن ولد الحسين- (عليه السلام)- أضاف إليها ركعتين شكرا للّه- عزّ و جلّ- فقال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏ (2). فتركها على حالها في السّفر و الحضر.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- عن قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏.

قال: جمعت الصّلوات كلهنّ، و دلوك الشمس زوالها، و غسق الليل انتصافه.

و قال: إنّه ينادي مناد من السّماء كلّ ليلة إذا انتصف اللّيل: من رقد عن صلاة العشاء إلى هذه السّاعة فلا نامت عيناه.

وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ قال: صلاة الصّبح.

و أمّا قوله: كانَ مَشْهُوداً قال: تحضر (4) ملائكة اللّيل و النّهار.

و عن عبيد بن زرارة (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ [وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ] (6) قال: إنّ اللّه افترض أربع صلوات‏ (7): أوّل وقتها من زوال الشّمس إلى انتصاف اللّيل، منها صلاتان أوّل وقتهما (8) من عند زوال الشّمس إلى غروبها، إلّا أنّ هذه قبل هذه. و منها صلاتان أوّل وقتهما (9) من غروب الشّمس إلى انتصاف اللّيل، إلّا أنّ هذه قبل هذه.

____________

(1) الفقيه 1/ 289- 290، ح 1319.

(2) النّساء/ 11.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 309.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تحضره.

(5) نفس المصدر/ 310.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: صلاة.

8 و 9- المصدر: وقتها.

476

عن زرارة (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ قال: «دلوكها» (2) زوالها إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ إلى نصف اللّيل، ذلك أربع صلوات وضعهنّ‏ (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و وقّتهنّ للنّاس‏ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ صلاة الغداة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى سعيد بن‏ (5) المسيّب قال: سألت عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه و آله)- فقلت له: متى فرضت الصّلاة على المسلمين على ما هم اليوم عليه؟

قال: فقال: بالمدينة حين‏ (6) ظهرت الدّعوة و قوي الإسلام، و كتب اللّه- عزّ و جلّ- [على المسلمين‏] (7) الجهاد، زاد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الصّلاة (8). سبع ركعات، في الظّهر ركعتين، و في العصر ركعتين، و في المغرب ركعة، و في العشاء الآخرة ركعتين.

و أقرّ الفجر على ما فرضت بمكّة لتعجيل عروج ملائكة اللّيل إلى السّماء، و لتعجيل [نزول‏] (9) ملائكة النّهار إلى الأرض، فكان ملائكة النّهار و ملائكة اللّيل يشهدون مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صلاة الفجر، فلذلك قال- عزّ و جلّ-: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً يشهده‏ (10) المسلمون و يشهده‏ (11) ملائك النّهار و ملائكة اللّيل.

و بإسناده‏ (12) إلى أبي هاشم الخادم: عن أبي الحسن الماضي، حديث طويل، يقول في آخره: و ما بين غروب الشّمس إلى سقوط الشّفق غسق.

و بإسناده‏ (13) إلى الحسين‏ (14) بن عبد اللّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأله أعلمهم عن مسائل، و كان فيما سأله أن قال: أخبرني عن اللّه- عزّ و جلّ- لأيّ شي‏ء فرض هذه الخمس صلوات في خمس مواقيت على أمّتك في ساعات اللّيل و ساعات‏

____________

(1) نفس المصدر/ 309.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: وصفهنّ.

(4) العلل/ 324.

(5) المصدر: عن.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى.

(7) من المصدر.

(8) أ، ب: الصّلوات.

(9) من المصدر.

10 و 11- المصدر: ليشهده.

(12) نفس المصدر/ 327، ذيل ح 1.

(13) نفس المصدر/ 337.

(14) المصدر: الحسن.

477

النّهار؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن الشّمس عند الزّوال لها حلقة تدخل [فيها] (1)، فإذا دخلت فيها زالت الشّمس، فيسبّح كلّ شي‏ء دون العرش بحمد ربّي- جلّ جلاله-. و هي السّاعة الّتي يصلّي عليّ فيها ربّي، ففرض اللّه- عزّ و جلّ- عليّ و على أمّتي فيها الصّلاة، و قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ و هي السّاعة الّتي يؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة، فما من مؤمن يوافق تلك السّاعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلّا حرّم اللّه- عزّ و جلّ- جسده على النّار.

و أمّا صلاة العصر فهي السّاعة الّتي أكل آدم فيها من الشّجرة فأخرجه اللّه- عزّ و جلّ- من الجنّة، فأمر اللّه ذرّيّته بهذه الصّلاة إلى يوم القيامة، و اختارها لأمّتي، فهي من أحبّ الصّلوات‏ (2) إلى اللّه- عزّ و جلّ- و أوصاني أن أحفظها من بين الصلوات‏ (3).

و أمّا صلاة المغرب فهي السّاعة الّتي تاب اللّه- عزّ و جلّ- فيها على آدم، و كان بين ما أكل من الشّجرة و بين ما تاب اللّه- عزّ و جلّ- عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا، و في أيّام الآخرة يوم كألف سنّة ما بين العصر إلى العشاء، فصلّى آدم ثلاث ركعات:

ركعة لخطيئته، و ركعة لخطيئة حوّاء، و ركعة لتوبته. ففرض‏ (4) اللّه- عزّ و جلّ- هذه الثلاث ركعات‏ (5) على أمّتي، و هي السّاعة الّتي يستجاب فيها الدّعاء فوعدني‏ (6) ربّي- عزّ و جلّ- أن يستجيب لمن دعاه فيها، و هي الصّلاة الّتي أمرني ربّي بها في قوله‏ (7)- عزّ و جلّ-:

فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ‏.

و أمّا صلاة العشاء الآخرة فإنّ للقبر ظلمة و ليوم القيامة ظلمة، أمرني ربّي- عزّ و جلّ- و أمّتي [بهذه الصّلاة] (8) لتنوّر القبر و ليعطيني و أمّتي النّور على الصّراط، و ما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلّا حرّم اللّه- عزّ و جلّ- جسده‏ (9) على النّار، و هي الصّلاة الّتي‏

____________

(1) من المصدر.

2 و 3- كذا في المصدر. و في النسخ: الصّلاة.

(4) المصدر: فافترض.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: هذه الركعات.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فوعد بي.

(7) الروم/ 16.

(8) ليس في ب.

(9) المصدر: جسدها.

478

اختارها [اللّه- عزّ و جلّ-] (1) للمرسلين قبلي‏ (2) و أمّا صلاة الفجر فإن الشّمس إذا طلعت تطلع على قرن‏ (3) شيطان، فأمرني ربّي‏ (4)- عزّ و جلّ- أن أصلّي قبل طلوع الشّمس صلاة الغداة، و قبل أن يسجد لها الكافر تسجد أمّتي للّه- عزّ و جلّ-، و سرعتها أحبّ‏ (5) إلى اللّه- عزّ و جلّ-، و هي الصّلاة الّتي تشهدها ملائكة اللّيل و ملائكة النّهار.

[قال: صدقت يا محمّد] (6).

و في من لا يحضره الفقيه، مثل ما في العلل سواء (7).

وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ‏: و بعض اللّيل فاترك الهجود للصّلاة، و الضّمير للقرآن.

نافِلَةً لَكَ‏: زائدة لك على الصّلوات المفروضة. أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك.

و في تهذيب الأحكام‏ (8): محمّد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن ابن فضّال، عن مروان، عن عمّار السّاباطي قال: كنّا جلوسا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- بمنى، فقال له رجل: ما تقول في النّوافل؟

فقال: فريضة.

فقال: ففزعنا و فزع الرّجل.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّما أعني: صلاة اللّيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏.

و في كتاب الخصال‏ (9)، فيما أوصى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- عليه‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) أ، ب، ر: «للمسلمين» بدل «للمرسلين قبلي».

(3) المصدر: قرني.

(4) المصدر: اللّه.

(5) ليس في ب.

(6) من المصدر.

(7) يوجد مثل حديثه الأوّل في الفقيه 1/ 291، ح 1321، و مثل الحيث الثالث فيه/ 137- 138 ح 643. و أمّا الحديث الثاني فلا يوجد في الفقيه مثله. و في الكافي 3/ 487 ح 5 حديث مشابه له متنا.

(8) التهذيب 2/ 242، ح 959.

(9) الخصال/ 125.

479

السّلام-: يا عليّ، ثلاث فرحات للمؤمن [في الدّنيا] (1): لقاء الإخوان، و الإفطار من الصّيام، و التّهجّد في آخر اللّيل.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى عليّ بن النّعمان‏ (3) عن بعض رجاله قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- [فقال: يا أمير المؤمنين‏] (4) إنّي قد حرمت الصّلاة باللّيل.

قال: فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك.

و بإسناده‏ (5) إلى الحسين بن الحسن الكنديّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الرّجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة اللّيل، فإذا حرم بها صلاة اللّيل حرم بها الرّزق.

و بإسناده‏ (6) إلى آدم بن إسحاق: عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: عليكم بصلاة اللّيل، فإنّها سنّة نبيّكم‏ (7) و دأب الصّالحين قبلكم و مطردة الدّاء عن أجسادكم.

و قال أبو عبد اللّه‏ (8)- (عليه السلام)-: صلاة اللّيل تبيّض الوجه‏ (9) [و صلاة اللّيل تطيّب الريح‏] (10)، و صلاة اللّيل تجلب الرّزق.

و بإسناده‏ (11) إلى إسماعيل بن موسى بن‏ (12) جعفر: عن أخيه الرّضا، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: سئل‏ (13) عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: ما بال المتهجّدين باللّيل من أحسن النّاس وجها (14)؟

قال: لأنّهم خلوا باللّه، فكساهم [اللّه‏] (15) من نوره.

____________

(1) من المصدر.

(2) العلل/ 362.

(3) المصدر: بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن النعمان، عن أبيه.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فيكم.

(8) نفس المصدر/ 363.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الوجوه.

(10) من المصدر.

(11) نفس المصدر/ 365.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(13) ليس في ب.

(14) المصدر: وجبا.

(15) من المصدر.

480

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روى جابر بن إسماعيل، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)-: أنّ رجلا سأل عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن قيام اللّيل بالقرآن‏ (2).

فقال له: أبشر، من صلّى من اللّيل‏ (3) عشر ليلة للّه مخلصا ابتغاء ثواب اللّه- عزّ و جلّ- قال اللّه- تبارك و تعالى- لملائكته: اكتبوا لعبدي هذا من الحسنات عدد ما أنبت في اللّيل من حبّة و ورقة و شجرة، و عدد كلّ قصبة و خوص و مرعى.

و من صلّى تسع ليلة أعطاه اللّه عشر دعوات مستجابات، و أعطاه اللّه‏ (4)، كتابه بيمينه.

و من صلّى ثمن‏ (5) ليلة، أعطاه اللّه أجر شهيد صابر صادق النّيّة، و يشفع‏ (6) في أهل بيته.

و من صلّى سبع ليلة، خرج من قبره يوم يبعث و وجهه، كالقمر ليلة البدر، حتّى يمرّ على الصّراط مع الآمنين.

و من صلّى سدس ليلة، كتب في الأوّابين، و غفر له ما تقدّم من ذنبه [و ما تأخر] (7).

و من صلّى خمس ليلة، زاحم إبراهيم خليل الرّحمن في قبّته‏ (8).

و من صلّى ربع ليلة، كان في أوّل الفائزين حتّى يمرّ على الصّراط، كالرّيح العاصف، و يدخل الجنّة بغير حساب.

و من صلّى ثلث ليلة لم يبق ملك إلّا غبطه بمنزلته من اللّه- عزّ و جلّ-. و قيل له:

ادخل من أيّ أبواب الجنّة (9) الثّمانية شئت.

و من صلّى نصف ليلة فلو أعطي مل‏ء الأرض ذهبا سبعين ألف مرّة لم يعدل جزاءه، و كان له بذلك عند اللّه أفضل من سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل.

____________

(1) الفقيه 1/ 300، ح 1377.

(2) المصدر: بالقراءة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: باللّيل.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بثمن.

(6) المصدر: شفّع.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: قبّة.

(9) كذا في ب. و في غيرها: الجنان.

481

و من صلّى ثلثي ليلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج، أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرّات.

و من صلّى ليلة تامّة تاليا لكتاب اللّه- عزّ و جلّ- راكعا و ساجدا و ذاكرا أعطي من الثّواب ما أدناه يخرج من الذّنوب، كيوم‏ (1) ولدته أمّه، و يكتب له عدد ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- من الحسنات و مثلها درجات، و يثبت النّور في قبره، و ينزع الإثم و الحسد في قلبه، و يجار من عذاب القبر، و يعطى براءة النّار، و يبعث من‏ (2) الآمنين، و يقول الرّبّ- تبارك و تعالى- لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي أحيى ليلة ابتغاء مرضاتي، أسكنوه الفردوس، و له فيها مائة ألف مدينة، في كلّ مدينة جميع ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، و لم يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة و المزيد و القربة.

عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79).

قيل‏ (3): مقاما يحمده القائم فيه، و كلّ من عرفه. و هو مطلق في كلّ مقام يتضمّن كرامة، و المشهور أنّه مقام الشّفاعة.

و انتصابه على الظّرف بإضمار فعله، أي: فيقيمك مقاما. أو بتضمين «يبعثك» معناه. أو الحال، بمعنى‏ (4): أن يبعثك ذا مقام.

و في كتاب التّوحيد (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث، يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر أهل المحشر: ثمّ يجتمعون في موطن‏ (6) آخر يكون فيه مقام محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو المقام المحمود، فيثني على اللّه- تبارك و تعالى- بما لم يثن عليه أحد قبله، ثمّ يثني على [على الملائكة كلّهم، فلا يبقى ملك إلّا أثنى عليه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم- ثمّ يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله، ثمّ يثني على‏] (7) كلّ مؤمن و مؤمنة يبدأ بالصّديقين و الشّهداء ثمّ بالصّالحين، فتحمده أهل السّماوات و أهل الأرض، فذلك قوله- عزّ و جلّ-: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً. فطوبى لمن كان في ذلك اليوم‏ (8) له‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: كما.

(2) المصدر: مع.

(3) أنوار التنزيل 1/ 594- 595.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «و الحال» بدل «أو الحال بمعنى».

(5) التوحيد/ 261.

(6) ليس في ج.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: المقام.

482

حظّ و نصيب‏ (1)، و ويل لمن لم يكن له في ذلك اليوم‏ (2) حظّ و [لا] (3) نصيب.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان و ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا دخلت المدينة.

... إلى أن قال: و أبعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون و الآخرون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن زرعة (6)، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن شفاعة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم القيامة.

فقال: يلجم النّاس يوم القيامة العرق، فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم ليشفع‏ (7) لنا [عند ربّنا] (8). فيأتون آدم‏ (9) فيقولون: [يا آدم‏] (10) اشفع لنا عند ربّك.

فيقول: إنّ لي ذنبا و خطيئة، فعليكم بنوح.

فيأتون نوحا فيردّهم إلى من يليه، و يردّهم كلّ نبيّ إلى من يليه حتّى ينتهوا إلى عيسى، فيقول، عليكم بمحمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فيعرضون أنفسهم عليه و يسألونه، فيقول: انطلقوا. فينطلق بهم‏ (11) إلى باب الجنّة، و يستقبل باب الرّحمن‏ (12)، و يخرّ ساجدا فيمكث ما شاء اللّه.

فيقول: [اللّه‏] (13): ارفع رأسك، و اشفع تشفع و سل تعط. ذلك قوله- تعالى-:

عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.

و حدّثني‏ (14) أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية و هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو قد قمت المقام المحمود

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: المقام.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 4/ 550- 551، صدر و قطعة من ح 1.

(5) تفسير القمّي 2/ 25.

(6) المصدر: زراعة (زرعة- خ ل)

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فيشفع.

(8) من المصدر.

(9) ليس في أ، ب.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لهم.

(12) المصدر: الرّحمة.

(13) من المصدر.

(14) نفس المصدر و الموضع.

483

لشفعت في أبي و أمّي و عمّي و أخ كان لي في الجاهليّة.

حدّثني‏ (1) أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها فأقبلت، فقال لها عمر: غطّي قرطك، فإنّ قرابتك من رسول اللّه لا تنفعك شيئا.

قالت له: هل رأيت لي قرطا، يا ابن اللّخناء. ثمّ دخلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبرته بذلك، و بكت.

فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنادى: الصّلاة جامعة. فاجتمع النّاس، فقال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع‏ (2)؟ لو قمت‏ (3) المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم‏ (4)، لا يسألني اليوم أحد من أبوه إلّا أخبرته.

فقام إليه رجل، فقال: من أبي [يا رسول اللّه‏] (5)؟

فقال: أبوك غير الّذي تدعى له. [أبوك فلان بن فلان.

فقام آخر، فقال: من أبي، يا رسول اللّه؟ فقال: أبوك الّذي تدعى له‏] (6).

ثمّ قال رسول اللّه: ما بال الّذي يزعم أن قرابتي لا تنفع‏ (7) لا يسألني عن أبيه؟

فقام إليه عمر، فقال: أعوذ باللّه [يا رسول اللّه‏] (8)، من غضب اللّه و غضب رسوله، اعف‏ (9) عنّي، عفا اللّه عنك. فأنزل اللّه‏ (10): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (11) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)- و قد ذكر مناقب الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و وعده المقام المحمود: فإذا كان يوم القيامة، أقعده اللّه- تعالى- على العرش. (الحديث)

____________

(1) نفس المصدر 1/ 188.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تشفع.

(3) المصدر: لو قد قربت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: خارجكم.

(5) ليس في المصدر.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تشفع.

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: اعفى.

(10) المائدة/ 101.

(11) الاحتجاج 1/ 220.

484

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)- بإسناده قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: سمعت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إذا حشر النّاس يوم القيامة نادى مناد: يا رسول اللّه، إنّ اللّه- جلّ اسمه- قد آمنك‏ (2) من مجازاة محبّيك و محبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك و المعادين لهم فيك، فكافئهم بما شئت.

فأقول: يا ربّ، الجنّة.

فأنادى: بوّئهم‏ (3) حيث شئت. فذلك المقام المحمود الّذي وعدت به.

و بإسناده‏ (4) إلى أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [يوما] (5) مقبلا على عليّ- (عليه السلام)- و هو يتلو هذه الآية: فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.

فقال: يا عليّ، إن ربّي- عزّ و جلّ- ملكني الشّفاعة (6) في أهل التّوحيد من أمّتي، و حظر ذلك على من ناصبك أو (7) ناصب ولدك من بعدك.

و في روضة الواعظين‏ (8) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا قمت المقام المحمود لشفعت‏ (9) في أصحاب الكبائر من أمّتي فيشفعني‏ (10) اللّه فيهم، و [اللّه‏] (11) لا تشفّعت فيمن آذى ذرّيّتي.

و فيها- أيضا- (12): قال اللّه- تعالى- [في سورة سبحان‏] (13): عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً. و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي.

و في تفسير العيّاشي‏ (14): عن خيثمة الجعفيّ قال: كنت عند جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنا و مفضّل بن عمر ليلة، ليس عنده أحد غيرنا.

فقال له مفضّل: جعلت فداك، حدّثنا حديثا نسرّبه.

____________

(1) الأمالي 1/ 304.

(2) المصدر: قد أمكنك.

(3) المصدر: فولّهم.

(4) نفس المصدر 2/ 70.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بالشفاعة.

(7) المصدر: و.

(8) روضة الواعظين/ 273.

(9) المصدر: تشفّعت.

(10) أ، ب: فشفّعني.

(11) من المصدر.

(12) نفس المصدر/ 500.

(13) من المصدر.

(14) تفسير العيّاشي 2/ 310.

485

قال: نعم، إذا كان يوم القيامة، حشر اللّه الخلق‏ (1) في صعيد واحد حفاة عراة غرلا.

قال: فقلت: جعلت فداك، ما الغرل؟

قال: كما خلقوا أوّل مرّة. فيقفون حتّى يلجمهم العرق، فيقولون: ليت اللّه يحكم بيننا و لو إلى النّار. يرون أنّ في النّار راحة ممّا (2) هم فيه. ثمّ يأتون آدم فيقولون:

أنت أبونا، و أنت نبيّ، فاسأل ربّك يحكم بيننا و لو إلى النّار.

فيقول [آدم‏] (3): لست بصاحبكم، خلقني ربّي‏ (4) بيده، و حملني على عرشه، و أسجد لي ملائكته‏ (5)، ثمّ أمرني فعصيته، و لكنّي أدلّكم على‏ (6) ابني الصّدّيق، الّذي مكث في قومه ألف سنّة إلّا خمسين عاما [يدعوهم، كلّما] (7) كذّبوا اشتدّ تصديقه، نوح.

قال: فيأتون نوحا، فيقولون: سل ربّك يحكم بيننا و لو إلى النّار.

قال: فيقول: لست بصاحبكم، إنّي قلت: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ (8). و لكنّي أدلّكم إلى من اتخذه اللّه‏ (9) خليلا في دار الدّنيا، ائتوا إبراهيم.

قال: فيأتون إبراهيم.

فيقول: لست بصاحبكم، إنّي قلت: إني سقيم‏ (10). و لكنّي أدلّكم على من كلّم‏ (11) اللّه تكليما، موسى.

قال: فيأتون موسى، فيقولون له.

فيقول: لست بصاحبكم، إنّي قتلت نفسا، و لكنّي أدلّكم على من كان يخلق بإذن اللّه، و يبرئ الأكمه و الأبرص بإذن اللّه، عيسى. فيأتونه، فيقول: لست بصاحبكم، و لكنّي أدلكم على من بشرّتكم به في دار الدّنيا، أحمد.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما من نبيّ، آدم إلى محمّد- (صلوات اللّه عليه و عليهم) - إلّا و هم تحت لواء محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

____________

(1) المصدر: الخلائق.

(2) المصدر: فيما.

(3) من المصدر.

(4) ليس في أ و ب.

(5) المصدر: ملائكة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إلى.

(7) ليس في أ، ب.

(8) هود/ 45.

(9) من ب.

(10) الصّافّات/ 89.

(11) المصدر: كلّمه.

486

قال: فيأتونه، ثمّ قال: فيقولون: يا محمّد، سل ربّك يحكم بيننا و لو إلى النّار.

قال: فيقول: نعم، أنا صاحبكم. فيأتي دار الرّحمن، و هي عدن، و أنّ بابها سعتها (1) بعد ما بين المشرق و المغرب، فيحرّك حلقة من الحلق، فيقال: من هذا؟ و هو أعلم به. فيقول: إنّي‏ (2) محمّد. فيقال: افتحوا له.

قال: فيفتح له‏ (3) قال: فإذا نظرت‏ (4) إلى ربّي، مجّدته تمجيدا، لم يمجّده‏ (5) أحد كان قبلي و لا أحد كان بعدي، ثمّ أخرّ ساجدا فيقول: يا محمّد، أرفع رأسك و قل نسمع‏ (6) قولك، و اشفع تشفع، و سل تعط.

[قال:] (7) فإذا رفعت رأسي و نظرت إلى ربّي مجّدته تمجيدا أفضل من الأوّل، ثمّ أخّر ساجدا فيقول: ارفع رأسك و قل نسمع قولك، و اشفع تشفع، و سل تعط.

[قال:] (8) فإذا رفعت رأسي و نظرت إلى ربّي مجّدته تمجيدا أفضل من الأوّل و الثّاني، ثمّ أخرّ ساجدا فيقول: ارفع رأسك، [و قل يسمع قولك‏] (9)، و اشفع تشفع، و سل تعط.

فإذا رفعت رأسي أقول: ربّ، أحكم بين عبادك و لو إلى النّار.

فيقول: نعم، يا محمّد.

قال ثمّ‏ (10): تؤتى بناقة من ياقوت أحمر و زمامها زبرجد أخضر حتّى أركبها، ثمّ آتي‏ (11) المقام المحمود حتّى أقضي عليه، و هو تلّ من مسك أذفر محاذ بحيال العرش، ثمّ يدعى إبراهيم فيحمل على مثلها فيجي‏ء حتّى يقف عن يمين رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ يرفع‏ (12) رسول اللّه يده يضرب‏ (13) على كتف عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

قال: ثمّ‏ (14) يؤتى، و اللّه، بمثلها فيحمل عليها فيجي‏ء حتّى يقف بيني و بين أبيك، إبراهيم.

____________

(1) المصدر: سعته.

(2) المصدر: أنا.

(3) يوجد في ب، المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «فنظرت» بدل «فإذا نظرت».

(5) أ، ر، ج: لا يمجّده.

(6) المصدر: يسمع.

7 و 8 و 9- من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «ثمّ قال» بدل «قال ثمّ».

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: ائتي.

(12) المصدر: رفع‏

(13) المصدر: ضرب.

(14) المصدر: «ثمّ قال» بدل «قال: ثمّ».

487

ثمّ يخرج مناد من عند الرّحمن فيقول: يا معشر الخلائق، أليس العدل من ربّكم أن يولي كلّ قوم ما كانوا يتولّون‏ (1) في دار الدّنيا؟

فيقولون: بلى و أيّ شي‏ء عدل غيره؟

[قال‏] (2) فيقوم الشّيطان الّذي أضلّ فرقة [من النّاس، حتّى زعموا أنّ عيسى هو اللّه و ابن اللّه، فيتبعونه إلى النّار. و يقوم الشّيطان الّذي أضلّ فرقة] (3) من النّاس، حتّى زعموا أنّ عزيرا ابن اللّه، حتّى يتبعونه إلى النّار. و يقوم كلّ شيطان أضلّ فرقة، فيتبعونه إلى النّار (4) حتّى تبقى هذ الأمة.

ثمّ يخرج مناد من عند اللّه فيقول: يا معشر الخلائق، أليس العدل من ربّكم أن يولّي كلّ فريق من كانوا يتولّون‏ (5) في دار الدّنيا؟

فيقولون: بلى [و أيّ شي‏ء عدل غيره؟] (6).

فيقوم شيطان فيتبعه من كان يتولّاه، [ثمّ يقوم شيطان فيتبعه من كان يتولاه،] (7) ثمّ يقوم شيطان ثالث فيتبعه من كان يتولّاه، ثمّ يقوم معاوية فيتبعه من كان يتولّاه، و يقوم عليّ فيتبعه من كان يتولّاه، ثم يقوم يزيد بن معاوية فيتبعه من كان يتولّاه، و يقوم الحسن فيتبعه من كان يتولّاه، و يقوم الحسين فيتبعه من كان يتولّاه، ثمّ يقوم مروان بن الحكم و عبد الملك فيتبعهما من كان يتولّاهما، ثمّ يقوم عليّ بن الحسين فيتبعه من كان يتولّاه، ثمّ يقوم الوليد بن عبد الملك [فيتبعه من كان يتولّاه،] (8) و يقوم محمّد بن عليّ فيتبعه‏ (9) من كان يتولّاه‏ (10)، ثمّ أقوم أنا فيتبعني من كان يتولّاني، و كأنّي بكما معي،

____________

(1) المصدر: يقولون.

(2) من المصدر.

(3) من ب.

(4) في أ، ب، ر زيادة: من اللّه حتّى يتبعونه إلى النّار.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يقولون.

(6) من المصدر مع المعقوفتين.

(7) من ب.

(8) من ب. ليس في المصدر أيضا.

(9) المصدر: فيتبعهما.

(10) المصدر: يتولّاهما.

488

ثمّ يؤتى بنا فنجلس على عرش ربّنا (1)، و يؤتى بالكتب فتوضع فنشهد على عدوّنا و نشفع‏ (2) لمن كان [من‏] (3) شيعتنا مرهقا.

قال: قلت: جعلت فداك، فما المرهق؟

قال: المذنب، فأمّا الّذين اتّقوا من شيعتنا فقد نجّاهم اللّه بمفازتهم لا يمسّهم السّوء و لا هم يحزنون.

قال: ثمّ جاءته جارية له، فقالت: إنّ فلان القرشي بالباب.

فقال: ائذنوا له. ثمّ قال لنا: اسكتوا.

عن عيص بن القاسم‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، و قالوا:

يكون لنا هذا السّهم الّذي جعله اللّه للعاملين عليها (5) فنحن أولى به.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا بني عبد المطّلب، إن الصّدقة لا تحلّ لي و لا لكم، و لكنّي وعدت بالشّفاعة.

ثمّ قال: و اللّه، أشهد أنّه قد وعدها، فما ظنّكم يا بني عبد المطّلب، إذ أخذت بحلقة الباب أ تروني مؤثّرا عليكم غيركم؟

ثمّ قال: إنّ الجنّ و الإنس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشّفاعة، فيقولون إلى من؟ فيأتون نوحا فيسألونه الشّفاعة.

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي. فيقولون: الى من [فيقال: إلى إبراهيم.

فيأتون إلى إبراهيم فيسألونه الشفاعة.

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي.

فيقولون: إلى من؟

فيقال: ائتوا موسى. فيأتونه فيسألونه الشفاعة.

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي.

فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا عيسى. فيأتونه و يسألونه الشفاعة.

____________

(1) قال المجلسي (ره): كناية عن ظهور الحكم و الأمر من عند العرش، و خلق الكلام هناك.

(2) كذا في المصدر. و في ب: تشفع. و في غيرها: تشهد.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 313.

(5) المصدر: الّذي جعلته للعالمين عليها.

489

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي‏ (1).

فيقولون: إلى من؟] (2) فيقال: ائتوا محمّدا. فيأتونه فيسألونه الشفاعة، فيقوم مدلا حتّى يأتي باب الجنّة، فيأخذ بحلقة الباب ثمّ يقرعه فيقال: من هذا؟ فيقول: أحمد. فيرحّبون‏ (3) و يفتحون الباب. فإذا نظر إلى الجنّة خرّ ساجدا يمجّد ربّه و يعظّمه‏ (4)، فيأتيه ملك فيقول:

ارفع رأسك، و سل تعط، و اشفع تشفع. [فيرفع رأسه فيدخل من باب (الجنّة) (5) فيخرّ ساجدا و يمجّد ربّه و يعظّمه، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك، و سل تعط، و اشفع تشفع.] (6) [فيمشي في الجنّة ساعة، ثمّ يخر ساجدا يمجّد ربّه و يعظّمه. فيأتيه ملك فيقول:

ارفع رأسك، و سل تعط، و اشفع تشفع.] (7) فيقوم فما يسأل شيئا إلّا أعطاه إيّاه.

عن بعض أصحابنا (8)، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال‏ في قوله: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال: [هي الشّفاعة.

عن سماعة بن مهران، عن أبي إبراهيم في قول اللّه: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال:] (9) يقوم النّاس يوم القيامة مقدار أربعين عاما، و تؤمر (10) الشّمس فتركب على رؤوس العباد و يلجمهم‏ (11) العرق، و تؤمر الأرض لا تقبل من‏ (12) عرقهم شيئا، فيأتون آدم فيشفعون به‏ (13) فيدلّهم على نوح، و يدلّهم‏ (14) نوح على إبراهيم، و يدلّهم إبراهيم على موسى، و يدلّهم موسى على عيسى، و يدلّهم عيسى [على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (15) فيقول: عليكم بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- خاتم النّبيّين.

____________

(1) قال المجلسي (ره): «قد رفعت حاجتي»، أي: إلى غيري. و الحاصل: أني- أيضا- أستشفع من غيري فلا أستطيع شفاعتكم. و يمكن أن يقرأ على بناء المفعول كناية عن رفع الرجاء، أي: رفع عنّي طلب الحاجة لما صدر منّي من ترك الأولى.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فيوجبون.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «العظمة» بدل «و يعظّمه».

(5) من المصدر.

(6) ليس في ب.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 314.

(9) ليس في ب.

(10) المصدر: يؤمر. و في أ، ب، ر: فتؤمر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: يلحقهم.

(12) المصدر: عن.

(13) المصدر: له.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: يدلّ.

(15) من المصدر.

490

فيقول محمّد: أنا لها. فينطلق حتّى يأتي باب الجنّة، فيدقّ، فيقال: من هذا؟

و اللّه أعلم. فيقول: محمّد. فيقال: افتحوا له. فإذا فتح الباب استقبل ربّه فخرّ ساجدا، فلا يرفع رأسه حتّى يقال له: تكلّم وسل تعط، و اشفع تشفع. فيرفع رأسه فيستقبل ربّه فيخرّ ساجدا، فيقال له مثلها، فيرفع رأسه حتّى أنّه ليشفع من قد احرق بالنّار، فما أحد من النّاس كان‏ (1) يوم القيامة (2) في جميع الأمم أوجه من محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو قول اللّه: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.

وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي‏، أي: في القبر.

مُدْخَلَ صِدْقٍ‏: إدخالا مرضيا.

وَ أَخْرِجْنِي‏، أي: منه عند البعث.

مُخْرَجَ صِدْقٍ‏: إخراجا ملقى بالكرامة.

و قيل‏ (3): المراد: إدخال المدينة، و الإخراج من مكّة.

و قيل‏ (4): إدخاله مكّة.

ظاهرا عليها، و إخراجه منها آمنا من المشركين.

و قيل‏ (5): إدخاله الغار، و إخراجه منه سالما. (6) و قيل‏ (7): إدخاله فيما حمله من أعباء (8) الرّسالة، و إخراجه منه مؤدّيا حقّه.

و قيل‏ (9): إدخاله فيما يلابسه من مكان أو أمر، و إخراجه منه.

و قرئ‏ (10): «مدخل» و «مخرج» بالفتح، على معنى: أدخلني، فأدخل دخولا.

و أخرجني، فأخرج خروجا.

وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80): حجّة تنصرني على من خالفني، أو ملكا ينصر الإسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ (11) لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏ (12) لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ (13).

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) ليس في أ، ر.

3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 595.

(6) ليس في ج.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أ، ب، ر: أداء.

9 و 10- نفس المصدر و الموضع‏

(11) المائدة/ 61.

(12) التوبة/ 33.

(13) النور/ 54.

491

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

قلت: ما هو؟

قال: يحمد اللّه على كلّ نعمة عليه في أهل و مال، و إن كان فيما أنعم عليه في ماله حقّ أدّاه، و من قوله: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً.

[و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ (وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) (3) وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً] (4) فإنّها نزلت يوم فتح مكّة لمّا أراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دخولها، أنزل اللّه: قل، يا محمّد: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ‏ (الآية).

و في محاسن البرقي‏ (5): عنه، عن أبي عبد اللّه، عن حمّاد، عن حريز، عن إبراهيم بن نعيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا دخلت مدخلا تخافه فاقرأ هذه الآية:

رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً.

فإذا (6) عانيت الّذي تخافه، فاقرأ آية الكرسيّ.

وَ قُلْ جاءَ الْحَقُ‏: الإسلام.

وَ زَهَقَ الْباطِلُ‏: و ذهب و هلك الشّرك. من زهق روحه: إذا خرج.

إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81): مضمحل غير ثابت.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن‏

____________

(1) الكافي 2/ 95- 96، ح 12.

(2) تفسير القمّي 2/ 26.

(3) من المصدر.

(4) ليس في ب.

(5) المحاسن/ 367، ح 118.

(6) المصدر: و إذا.

(7) الكافي 8/ 287، ح 432.

492

عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد (1) [عن أبي حمزة] (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ‏ قال: إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه خطبة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم الغدير، و فيها: معاشر النّاس، لا تضلّوا عنه و لا تنفروا منه و لا تستنكفوا (4) من ولايته، فهو الّذي يهدي إلى الحقّ و يعمل به و يزهق الباطل و ينهى عنه.

و في مجمع البيان‏ (5): قال ابن مسعود: دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مكّة و حول البيت ثلاثمائة و ستّون صنما، فجعل يطعنها [بعود في يده‏] (6) و يقول: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.

و في الخرائج و الجرائح‏ (7): عن حكيمة خبر طويل، و فيه: و لمّا ولد القائم كان نظيفا مفروغا منه، و على ذراعه الأيمن مكتوب: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.

و في أمالي شيخ الطّائفة (8)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى سليمان بن خالد (9) قال:

حدّثنا عليّ بن إبراهيم‏ (10)، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه قال: دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم فتح مكّة و الأصنام حول الكعبة، و كانت ثلاثمائة و ستّين صنما (11)، فجعل يطعنها بمخصرة (12) في يده، و يقول: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ فجعلت تنكبّ‏ (13) لوجهها.

و في شرح الآيات الباهرة (14): ذكر الشّيخ أبو جعفر الطوسيّ- (رحمه اللّه)- في معنى تأويله حديثا بإسناده، عن رجاله، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم الثّقفيّ‏ (15)، عن‏

____________

(1) ب: عبد حميد.

(2) من المصدر.

(3) الاحتجاج 1/ 60.

(4) المصدر: لا تستكبروا [تستنكفوا- خ ل‏].

(5) المجمع 3/ 435.

(6) ليس في المصدر.

(7) نور الثقلين 3/ 213، ح 410.

(8) أمالي الطّوسي 1/ 346.

(9) المصدر: بلال.

(10) ب، المصدر: موسى.

(11) ليس في أ.

(12) المخصرة: ما يتوكّأ عليها، كالعصا.

(13) المصدر: تكبت.

(14) تأويل الآيات الباهرة 1/ 286- 287.

(15) ليس في ب.

493

أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: انطلق بي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى أتى بي إلى الكعبة [فقال لي: اجلس. فجلست إلى جنب الكعبة] (1) فصعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على منكبي، ثمّ قال لي: انهض. فنهضت، فلمّا رأى منّي ضعفا قال:

اجلس. فنزل [و جلس‏] (2)، ثمّ قال لي: يا عليّ، اصعد على منكبي. فصعدت على منكبه، ثمّ نهض بي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [فلمّا نهض بي‏] (3) خيّل لي أن لو شئت لنلت أفق السّماء، فصعدت فوق الكعبة و تنحّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال لي: ألق صنمهم الأكبر [صنم قريش‏] (4). و كان من نحاس موتّد بأوتاد من حديد [إلى الأرض‏] (5) فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: عالجه. فعالجته‏ (6) و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قول: [إيه إيه‏] (7) جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فلم أزل أعالجه حتّى استمكنت منه، فقال لي: اقذفه. فقذفته فتكسّر و نزلت‏ (8) من فوق الكعبة، و انطلقت أنا و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [نسعى‏] (9) و خشينا (10) [من ابتداء الفتنة] (11) أن يرانا أحد من قريش و غيرهم‏ (12).

و روي‏ (13) في معنى حمل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- عند حطّ الأصنام عن البيت الحرام خبر حسن أحببنا ذكره هاهنا، لأنّ هذا التّأويل يحتاج إليه،

و هو: ما روي بحذف الإسناد، عن الرّجال الثّقات، عن عبد الجبّار (14) بن كثير التّميميّ اليمانيّ قال: قلت لمولاي، جعفر بن محمّد الصّادق- (عليهما السلام)-: يا ابن رسول اللّه، في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.

فقال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، و إن شئت فاسأل.

____________

(1) من المصدر مع المعقوفتين. أضافها مصحّح المصدر من مصباح الشيخ.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر. و في النسخ بدلها: «و».

4 و 5- من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فكسر فنزلت.

(9) من المصدر المعقوفتين، نقلا من المصباح و المناقب.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: خشيت.

(11) من المصدر.

(12) أضاف هنا مصحّح المصدر عن الناقب: «قال عليّ- (عليه السلام)-: فما صعدته حتّى السّاعة.».

(13) نفس المصدر/ 287- 289.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد الجبابة.

494

قال‏ (1): فقلت: يا ابن رسول اللّه، و بأيّ شي‏ء تعلم ما في نفسي قبل سؤالي؟

قال: بالتّوسّم و التّفرّس، أما سمعت قول اللّه‏ (2)- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏. و قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه.

فقلت: يا ابن رسول اللّه، أخبرني بمسألتي.

فقال: مسألتك عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لم لم يطق حمله عليّ بن أبي طالب عند حطّه الأصنام عن سطح الكعبة، مع قوّته و شدّته و ما ظهر منه في قلع [باب‏] (3) خيبر و رميها (4) أربعين ذراعا، و كان لا يطيق حملها (5) أربعون رجلا، و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يركب النّاقة و الفرس و البغلة و الحمار و ركب البراق ليلة المعراج، و كلّ ذلك دون عليّ- (عليه السلام)- في القوّة و الشّدة؟

قال: فقلت له: عن هذا أردت أن أسألك‏ (6)، يا ابن رسول اللّه، فأخبرني.

فقال: نعم، إنّ عليّا- (عليه السلام)- برسول اللّه شرّف و به ارتفع و به‏ (7) فضّل، و به وصل إلى إطفاء [نار] (8) الشرّك و إبطال كلّ معبود من دون اللّه، و لو علاه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لكان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعليّ مرتفعا شريفا و واصلا (9) في حطّ الأصنام، و لو كان ذلك لكان عليّ أفضل من النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

ألا ترى أنّ عليّا لمّا علا ظهر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: شرفت و ارتفعت حتّى لو شئت أن أنال السّماء لنلتها؟

أو (10) ما علمت أنّ المصباح هو الّذي يهتدى به في الظّلم و انبعاث فرعه من أصله؟

و قال عليّ- (عليه السلام)-: أنا من أحمد، كالضّوء من الضّوء.

أو ما علمت أنّ محمّدا و عليّا (11) كانا نورا بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- قبل أن يخلق‏

____________

(1) ليس في ب.

(2) الحجر/ 75.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: و رمى بها ما رماه.

(5) المصدر: حمله.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أسأل.

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: و أصلا.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «و ما محمّد و عليّ إلّا» بدل هذه العبارة.

495

الخلق بألفي عام، و أنّ الملائكة لمّا رأت ذلك النّور أنّ له أصلا قد انشقّ‏ (1) منه شعاع لامع قالت: إلهنا و سيّدنا، ما هذا النّور؟

فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- إليهم‏ (2): هذا نور أصله نبوّة و فرعه إمامة، أمّا النّبوة فلمحمّد عبدي و رسولي، و أمّا الإمامة فلعليّ نجيّي‏ (3) و وليي، و لولاهما ما خلقت خلقي.

او ما علمت أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رفع بيد عليّ- (عليه السلام)- في غدير خمّ حتّى نظر النّاس إلى بياض إبطيهما، فجعله أمير المؤمنين و إمامهم‏ (4)؟

و حمل الحسن و الحسين يوم حظيرة بني النّجّار، فقال له بعض أصحابه: ناولني أحدهما، يا رسول اللّه.

فقال: نعم المحمولان و نعم الرّاكبان، و أبو هما خير منهما.

و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يصلّي بأصحابه فأطال سجدة من سجداته، فلمّا سلّم قيل له: يا رسول اللّه، لقد أطلت هذه السّجدة؟

فقال: رأيت [ابني‏] (5) الحسين قد علا ظهري، فكرهت أن أعالجه حتّى ينزل‏ (6) من قبل نفسه، فأراد بذلك رفعهم و تشريفهم.

فالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رسول نبيّ، و عليّ إمام ليس برسول و لا نبيّ، فهو غير مطيق لحمل‏ (7) أثقال النّبوّة.

قال‏ (8): فقلت: زدني، يا ابن رسول اللّه.

فقال: نعم، إنّك لأهل للزّيادة (9). اعلم أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حمل عليّا على ظهره يريد بذلك أنّه أبو ولده، و أنّ الأئمّة من ولده، كما حوّل رداءه‏ (10) في صلاة الاستسقاء ليعلم أصحابه بذلك أنّه لطلب‏ (11) الخصب.

فقلت: يا ابن رسول اللّه، زدني.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أنّ له أصلا تنشقّ.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: محبّي.

(4) المصدر: فجعل أمير المؤمنين إمامهم.

(5) من المصدر.

(6) كذا في أ، ب، المصدر. و في غيرها: نزل.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: حمل.

(8) ليس في ج.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة.

(10) ليس في ب.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: يطلب.

496

فقال: نعم، حمل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- يريد به أن يعلم قومه أنه هو الّذي يخفّف عن ظهره ما عليه من الديون‏ (1) و العدات‏ (2) و الأداء عنه ما حمل من بعده.

فقلت: يا ابن رسول اللّه، زدني.

فقال: حمله ليعلم بذلك أنّه ما حمله‏ (3) إلّا لأنّه معصوم لا يحمل وزرا، فتكون أفعاله عند النّاس حكمة و صوابا.

و قد قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ: يا عليّ، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- حمّلني ذنوب شيعتك ثمّ غفرها [لي‏] (4)، و ذلك قوله‏ (5)- تعالى-: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.

و لمّا أنزل اللّه‏ (6)- تبارك و تعالى-: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏. قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و عليّ نفسي و أخي، فإنّه مطهّر معصوم و لا يضلّ و لا يشقي. ثمّ تلا هذه الآية (7): قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏.

و لو أخبرتك بما في حمل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- من المعاني الّتي أرادها به لقلت: إنّ جعفر بن محمّد مجنون! فحسبك من ذلك ما قد سمعت.

قال: فقمت إليه و قبّلت رأسه و يديه، و قلت: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏.

وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏: ما هو في تقويم دينهم و استصلاح نفوسهم، كالدّواء الشّافي للمرضى.

و «من» للبيان، فإنّه كلّه كذلك.

و قيل‏ (8): إنّه للتّبعيض، و المعنى: أنّ منه ما يشفي من المرض، كالفاتحة و آيات الشّفاء.

و قرأ (9) البصريّان: «و ننزل» بالتّخفيف.

____________

(1) كذا في ب و في غيرها و المصدر: الدّين.

(2) المصدر: العداة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: حمل.

(4) من المصدر.

(5) الفتح/ 2.

(6) المائدة/ 104.

(7) النّور/ 53.

8 و 9- أنوار التنزيل 1/ 595.

497

وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (82): لتكذيبهم و كفرهم به.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ (2): و إنّما الشّفاء (3) في علم القرآن، لقوله: نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ [لِلْمُؤْمِنِينَ‏ فهو شفاء و رحمة] (4) لأهله لا شكّ فيه و لا مرية، و أهله [أئمّة (5) الهدى الّذين قال اللّه‏ (6): ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

عن مسعدة بن صدقة (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏ (8): إنّما الشّفاء في علم القرآن، لقوله: ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ لأهله لا شكّ فيه و لا مرية] (9)* إلى آخر ما سبق.

عن محمّد بن أبي حمزة (10)، رفعه إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ‏ آل محمّد حقّهم‏ إِلَّا خَساراً.

و في كتاب طبّ الأئمّة (11)- (عليهم السلام)-: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما اشتكى أحد من المؤمنين شكاية (12) قطّ و قال بإخلاص نيّة و مسح موضع العلّة: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ [لِلْمُؤْمِنِينَ‏] (13) وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً إلّا عوفي من تلك العلّة أيّة علّة كانت، و مصداق ذلك في الآية حيث يقول: شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏.

و بإسناده‏ (14) إلى عبد اللّه بن سنان: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يا ابن سنان لا بأس بالرّقية و العوذة و النّشرة إذا كانت من القرآن، و من لم يشفه القرآن فلا شفاه اللّه، و هل شي‏ء أبلغ في‏ (15) هذه الأشياء من القرآن، أليس اللّه يقول: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏؟

____________

(1) تفسير العيّاش 2/ 264، ضمن ح 43.

(2) أ، ب: «قال» بدل «حديث طويل يقول فيه».

(3) يوجد في أ، ب، المصدر.

(4) من المصدر مع المعقوفتين. يوجد «للمؤمنين» أ، ب.

(5) المصدر: الائمّة.

(6) فاطر/ 29.

(7) نفس المصدر/ 315، ح 154.

(8) ليس في ب.

(9) ليس في أ.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) طبّ الأئمّة/ 28.

(12) المصدر: شكاة.

(13) من المصدر.

(14) نفس المصدر/ 48.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

498

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الصّيرفيّ، عن ابن فضيل‏ (2)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ- ظالمي آل محمّد حقّهم‏ (3)- إِلَّا خَساراً.

و قال- أيضا- (4): حدّثنا محمّد بن همام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن، موسى، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: نزلت هذه الآية وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ‏- لآل محمّد- إِلَّا خَساراً.

وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ‏: بالصّحّة و السّعة.

أَعْرَضَ‏: عن ذكر اللّه.

وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ‏: لوى عطفه و بعد بنفسه عنه، [كأنّه مستغن‏] (5) مستبدّ بأمره.

و يجوز أن يكون كناية عن الاستكبار، لأنّه من عادة المستكبرين.

و قرأ (6) ابن عامر برواية ابن‏ (7) ذكوان هنا و في فصّلت: «وناء» على القلب، أو على أنّه بمعنى: نهض.

و أمال الكسائي و خلف فتحة النّون و الهمزة في السّورتين. و أمال خلّاد و البسوسي فتحة الهمزة فيهما فقط. و أمال أبو بكر فتحة الهمزة هاهنا، و أخلص فتحتها هناك.

و ورش على أصله و ذرأت الياء.

وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ: من مرض أو فقر.

كانَ يَؤُساً (83): شديد اليأس من روح اللّه.

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏: قل كلّ أحد يعمل على طريقته الّتي تشاكل حاله في الهدى و الضّلالة، أو جوهر روحه و أحواله التّابعة لمزاج بدنه.

فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا (84): أسدّ طريقا و أبين منهجا.

و قد فسرّت «الشّاكلة» بالطّبيعة، و العادة، و الدّين.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 290.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي فضيل.

(3) ليس في ب.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ب.

(6) أنوار التنزيل 1/ 595.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «و رواية» بدل «برواية ابن».

499

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عينيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: النّيّة أفضل من العمل، ألا و إنّ النّيّة هي العمل. ثمّ تلا قوله- تعالى-: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏، يعني: على نيّته.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن أحمد بن يونس، عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّما خلّد أهل النّار في النّار لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا [أن‏] (3) لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا، و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها (4) أن يطيعوا اللّه أبدا، فبالنّيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء. ثمّ تلا قوله- تعالى-: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): و قال صالح بن الحكم: سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن الصّلاة في البيع و الكنائس.

فقال: صلّ فيها.

قلت: أصلّي فيها و إن كانوا يصلّون فيها؟

قال: نعم، أما تقرأ القرآن‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا. صلّ على القبلة و دعهم.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حمّاد الناب‏ (7)، عن الحكم‏ (8) بن الحكم قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏، و سئل عن الصّلاة في البيع و الكنائس.

فقال: صلّ فيها، قد رأيتها ما أنظفها! قلت: أصلي فيها و إن كانوا يصلّون فيها؟

فقال: نعم، أما تقرأ القرآن‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا

____________

(1) الكافي 2/ 16، ذيل ح 4

(2) نفس المصدر/ 85، ح 5.

(3) من المصدر.

(4) ج: في الدنيا.

(5) الفقيه 1/ 157، ح 731.

(6) التهذيب 2/ 222، ح 876.

(7) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 271. و في النسخ: حماد بن ناصب.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الحكيم.

500

صلّ على القبلة و غرّبهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏، أي‏ (2): على نيّته.

فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا

فإنّه حدّثني أبي، عن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، أوقف المؤمن بين يديه فيكون هو الّذي يتولّى حسابه، فيعرض عليه عمله فينظر في صحيفته، فأوّل ما يرى سيّئاته فيتغيّر لذلك لونه و ترتعد (3) فرائصه و تفزع نفسه، ثمّ يرى حسناته فتقرّ عينه و تسرّ نفسه و تفرح روحه، ثمّ ينظر إلى ما أعطاه من الثّواب فيشتدّ فرحه، ثمّ يقول اللّه- عزّ و جلّ- للملائكة: هلمّوا بالصّحف‏ (4) الّتي فيها الأعمال الّتي لم يعملوها.

قال: فيقرءونها ثمّ يقولون‏ (5): و عزّتك، إنّا لنعلم أنّا لم نعمل منها شيئا.

فيقول: صدقتم نويتموها فكتبناها لكم. ثمّ يثابون عليها.

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ‏، أي: الّذي يحيا به بدن الإنسان و يدبّره.

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏: من الابداعيّات الكائنة «بكن» من غير مادّة، و تولد من أصل، كأعضاء جسده. أو وجد بأمره و حدث بتكوينه، على أنّ السّؤال عن قدمه و حدوثه.

و قيل‏ (6): ممّا استأثره اللّه- تعالى- بعلمه، لما نقل: أنّ اليهود قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب الكهف و عن ذي القرنين و عن الرّوح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، و إن أجاب عن بعض و سكت عن بعض فهو نبيّ. فبيّن لهم القصّتين، و أبهم أمر الرّوح، و هو مبهم في التّوراة.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 26.

(2) المصدر: قال.

(3) المصدر: ترتعش.

(4) أ، ب، ر: بالصحيفة. و في المصدر.

الصحف.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقرأها فيقولون.

(6) أنوار التنزيل 1/ 596.

501

و قيل‏ (1): الرّوح جبرئيل.

و قيل‏ (2): خلق أعظم من الملك.

و قيل‏ (3): القرآن، و «من أمر ربّي» معناه: من وحيه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و أمّا قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏

فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: هو ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل، و كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و هو مع الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و في خبر آخر (5): هو من الملكوت.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏.

قال: خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل [كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو مع الأئمّة، و هو من الملكوت.

عليّ‏ (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي بصير قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ قال: خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل،] (8) لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و هو مع الأئمّة يسدّدهم، و ليس كلّ ما طلب وجد.

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏.

قال: خلق من خلق اللّه. و إنّه‏ (10) يزيد في الخلق ما يشاء.

حمران‏ (11)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- عن قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ‏.

____________

1 و 2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 20/ 26.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 1/ 273، ح 3.

(7) نفس المصدر، ح 4.

(8) ليس في ب.

(9) تفسير العيّاشي 2/ 316، ح 159.

(10) المصدر: اللّه.

(11) نفس المصدر، ح 160. و فيه: عن زرارة و حمران.

502

قالا: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أحد صمد، و الصَّمَدُ الشّي‏ء الّذي ليس له جوف، فإنما الرّوح خلق من خلقه، له بصر و قوّة و تأييد يجعله في قلوب المؤمنين و الرّسل.

و في رواية أبي أيّوب الخزّاز (1) قال: [أعظم من جبرائيل، و ليس كما ظننت.

عن أبي بصير (2)، عن أحدهما، قال:] (3) سألته عن قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏؟ ما الرّوح؟

قال: الّتي في الدّوابّ و النّاس.

قلت: و ما هي؟

قال: هي من الملكوت، من القدرة.

و في كتاب التّوحيد (4)، بإسناده إلى عبد الحميد الطّائيّ: عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ كيف هذا النّفخ؟

فقال: إنّ الرّوح متحرّك، كالرّيح، و إنّما سمّي روحا لأنّه اشتقّ اسمه من الرّيح، و إنّما أخرجت‏ (6) على لفظ الرّوح لأنّ الرّوح مجانس‏ (7) للرّيح، و إنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت، فقال: بيتي. و قال لرسول من الرّسل: خليلي. و أشباه ذلك، و كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبّر.

و في الكافي‏ (8)، مثله سواء.

و في قرب الإسناد (9) للحميريّ، بإسناده إلى مسعدة بن زياد قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه‏ أنّ روح آدم لمّا أمرت أن تدخل [فيه‏] (10) فكرهته‏ (11)، فأمرها أن تدخل كرها و تخرج كرها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (12): أخبرني عليّ بن حاتم قال: أخبرنا القاسم بن محمّد

____________

(1) نفس المصدر/ 317، ح 162.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 163.

(3) ما بين المعقوفتين «يوجد في النسخ و لعلّ المؤلف (ره) أسقطها من نقل الحديث من تفسير نور الثقلين لتوالي الحديثين فيه.

(4) التوحيد/ 171، ح 3.

(5) الحجر/ 29.

(6) المصدر: أخرجه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يجانس.

(8) الكافي 1/ 133- 134، ح 3.

(9) قرب الإسناد/ 38.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: و كرهته.

(12) العلل/ 309، ح 1.

503

قال: حدّثنا حمدان بن الحسين، عن الحسن بن الوليد، عن عمران الحجّاج، عن عبد الرّحمن، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: لأيّ علّة إذا خرج الرّوح من الجسد (1) وجد له مسّا، و حيث ركّبت لم يعلم‏ (2) به؟

قال: لأنّه نما عليه البدن.

و في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: و خرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه قال السّائل: أخبرني عن السّراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟

قال: يذهب فلا يعود.

قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك، إذا مات و فارق [الروح‏] (5) البدن لم يرجع إليه أبدا، كما لا يرجع ضوء السّراج إليه أبدا إذا انطفأ؟

قال: لم تصب القياس، لأنّ النّار في الأجسام‏ (6) كامنة، و الأجساد (7) قائمة بأعيانها، كالحجر و الحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت‏ (8) من بينهما نار يقتبس‏ (9) منها [سراج‏] (10) له ضوء، فالنّار ثابتة في أجسامها و الضّوء ذاهب، و الرّوح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا و ليس بمنزلة السّراج الّذي ذكرت، إنّ الّذي خلق في الرّحم جنينا من ماء صاف و ركّب فيه ضروبا مختلفة من عروق و عصب و أسنان و شعر و عظام و غير ذلك، هو يحييه بعد موته، و يعيده‏ (11) بعد فنائه.

قال: فأين الرّوح؟

قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث.

قال: فمن صلب أين روحه؟

قال: في كفّ الملك الّذي قبضها حتّى يودعها الأرض.

____________

(1) ب: البدن.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يعمل.

(3) النهج/ 161، الخطبة 109.

(4) الاحتجاج/ 349- 350.

(5) من المصدر.

(6) ب: الأجساد.

(7) المصدر: الأجسام.

(8) المصدر: سقطت.

(9) المصدر: تقتبس.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: يعيد.

504

قال: فأخبرني عن الرّوح أغير الدّم؟

قال: نعم، الرّوح على ما وصفت لك مادّتها (1) من الدّم، [و من الدّم‏] (2) رطوبة الجسم و صفاء اللّون و حسن الصّوت و كثرة الضّحك، فإذا جمد الدّم فارق الرّوح البدن.

قال: فهل توصف‏ (3) بخفّة و ثقل و وزن؟

قال: الرّوح بمنزلة الرّيح [في الزّقّ‏] (4) إذا نفخت فيه امتلأ الزّقّ منها (5)، فلا يزيد في وزن الزّقّ و ولوجها فيه و لا ينقصه‏ (6) خروجها منه، كذلك الرّوح ليس لها ثقل و لا وزن.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7): أبي و محمّد بن الحسن- رضي اللّه عنهما- قالا: حدثنا سعد بن عبد اللّه [و عبد اللّه‏] (8) بن جعفر الحميريّ و محمّد بن يحيى العطّار و أحمد بن إدريس، جميعا، قالوا: حدّثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ قال‏ (9): حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ، عن محمّد بن عليّ الثّاني- (عليه السلام)- قال: أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ذات يوم و معه الحسن بن عليّ و سلمان الفارسي، و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- متّك على يد سلمان- (رحمه اللّه)- فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللّباس فسلّم على أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فردّ (عليه السلام)، فجلس ثمّ قال:

يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهنّ علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم و لا في آخرتهم، و إن تكن الأخرى علمت أنّك و هم شرع سواء.

فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: سلني عمّا بدا لك.

قال: أخبرني عن الرّجل إذا نام أين تذهب روحه، و عن الرّجل كيف‏ (10) يذكر و ينسى، و عن الولد كيف يشبه الأعمام و الأخوال.

فالتفت أمير المؤمنين إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- فقال: يا أبا محمّد، أجبه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عارية.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: يوصف.

(4) ليس في ب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: منهما.

(6) المصدر: ينقصها.

(7) كمال الدين/ 213- 214، صدر ح 1.

(8) ليس في ب.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: قالوا.

(10) ليس في أ، ب.

505

فقال: أمّا ما سألت عنه من [أمر] (1) الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه معلّقة (2) بالرّيح، و الرّيح معلّقة (3) في الهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة (4)، فإذا أذن اللّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح‏ (5) على صاحبها جذبت تلك الرّوح الرّيح و جذبت تلك الرّيح الهواء فرجعت الرّوح فأسكنت في بدن صاحبها، و إن لم يأذن اللّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح على صاحبها، [جذب الهواء الرّيح، و جذبت الرّيح الرّوح، فلم تردّ إلى صاحبها] (6) إلى وقت ما يبعث.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي الشّيخ الصّدوق‏ (7)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى النّوفليّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ المؤمن إذا نام، خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة (8) إلى السّماء.

فقلت له: و تصعد روح المؤمن إلى السّماء؟

قال: نعم؟

قلت: حتّى لا يبقى منه شي‏ء في بدنه؟

قال: لا، لو خرجت كلّها (9) حتّى لا يبقى منه شي‏ء إذا لمات.

[قلت‏] (10) فكيف تخرج؟

فقال: أما ترى الشّمس في السّماء في موضعها و ضوؤها و شعاعها في الأرض؟

فكذلك الرّوح أصلها في البدن و حركتها ممدودة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (11): يجوز أن يكون الرّوح الّذي سألوا عنه جبرئيل ... على‏ (12) قول الحسن [و قتادة] (13). أم ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكلّ وجه سبعون ألف لسان، يسبّح اللّه بجميع ذلك ... على ما روي عن عليّ- (عليه السلام)-.

____________

(1) من المصدر.

2 و 3- المصدر: متعلّقة.

(4) ب، أ، ر: اليقظة.

(5) في ج: زيادة «و الرّيح».

(6) من المصدر. و في النسخ بعدها زيادة: إلّا.

(7) أمالي الصدوق/ 124، ح 15 (مقاطع من الحديث)

(8) يوجد في ب، المصدر.

(9) يوجد في ب، المصدر.

(10) من المصدر.

(11) المجمع 3/ 437.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(13) من المصدر.

506

وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85): تستفيدونه بتوسّط حواسّكم، فإنّ اكتساب العقل للمعارف النّظرية إنّما هو من الضّروريّات المستفادة من إحساس الجزئيّات، و لذلك قيل: من فقد حسّا فقد فقد علما. و لعلّ أكثر الأشياء لا يدركه الحسّ، و لا شيئا من أحواله المعرّفة لذاته. و هو إشارة إلى أن الرّوح [ممّا] (1) لا يمكن معرفة ذاته إلّا بعوارض تميّزه عمّا يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى في جواب: وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ‏ (2) بذكر بعض صفاته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله‏ (4): وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏. و ذلك أنّ اليهود سألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الرّوح.

فقال: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.

قالوا: نحن خاصة؟

قال: بل النّاس عامّة.

فقالوا: فكيف يجتمع هذان، يا محمّد، تزعم أنّك لم تؤت من العلم إلّا قليلا و قد (5) أوتيت القرآن و أوتينا التّوراة، و قد قرأت: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ و هي التّوراة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (6).

فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏. يقول: علم اللّه أكثر (7) من ذلك، و ما أوتيتم كثير فيكم قليل عند اللّه.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- تعالى-: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. قال: تفسيرها في الباطن: أنّه لم يؤت من‏ (9) العلم إلّا أناس يسير، فقال: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

____________

(1) من أنوار التنزيل 1/ 596.

(2) الشعراء/ 23.

(3) تفسير القمّي 2/ 166.

(4) لقمان/ 26.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لقد.

(6) البقرة/ 272.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أكبر.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 317، ح 164.

(9) ليس في المصدر.

507

منكم.

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و وصف الّذين لم يؤتوا من اللّه فوائد العلم فوصفوا ربّهم بأدنى الأمثال، و شبّهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به، فلذلك قال: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. فليس له شبه و لا مثل و لا عدل.

وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏ «الّلام» الأولى موطّئة للقسم «و لنذهبنّ» جوابه النّائب مناب جزاء الشّرط، و المعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن و محوناه من المصاحف و الصّدور.

ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (86): من يتوكّل علينا استرداده مسطورا محفوظا.

إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏: [فإنّها إن نالتك فلعلّها تستردّه عليك.

و يجوز أن يكون استثناء منقطعا، بمعنى: و لكن رحمة من ربّك‏] (2) تركته غير مذهوب به، فيكون امتنانا بإبقائه بعد المنّة في تنزيله.

إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (87): كإرساله، و إنزال الكتاب عليك، و إبقائه في حفظه.

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ‏: في البلاغة و حسن النّظم و كمال المعنى.

لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏: و فيهم العرب العرباء، و أرباب اللّسان، و أهل التّحقيق.

و هو جواب قسم محذوف دلّ عليه الّلام الموطّئة، و لو لا هي لكان جواب الشّرط بلا جزم لكون الشّرط ماضيا، كقول زهير:

و إن أتاه خليل يوم مسغبة* * * يقول لا غائب مالي و لا حرم‏

وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88): و لو تظاهروا على الإتيان به.

و لعلّه لم يذكر الملائكة، لأنّ إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا، و لأنّهم كانوا وسائط في إتيانه.

____________

(1) التوحيد/ 321، ح 1.

(2) ليس في ج.

508

و يجوز أن تكون الآية تقريرا لقوله: ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا.

و في عيون الأخبار (1)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ حديث طويل، و فيه قال الرّضا- (عليه السلام)-: يا جاهل، فإذا علم الشّي‏ء فقد أراده.

قال سليمان: أجل.

قال: فإذا لم يرده لم يعلمه.

قال [سليمان‏] (2): أجل.

قال: من أين قلت ذاك، و ما الدّليل على أنّ إرادته علمه، و قد يعلم ما لا يريده أبدا؟ و ذلك قوله‏ (3)- عزّ و جلّ-: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏. فهو يعلم كيف يذهب به و هو لا يذهب به‏ (4) أبدا؟

قال سليمان: [لأنّه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئا.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: هذا قول اليهود، فكيف قال‏ (5): ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏؟ قال سليمان:] (6) إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه.

قال: أ فيعد ما لا يفي به، فكيف قال‏ (7): يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ. و قال‏ (8)- عزّ و جلّ-: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏. و قد فرغ من الأمر؟

فلم يحر جوابا.

و في كتاب التّوحيد (9)، مثله سواء.

و في كتاب الاحتجاج‏ (10) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، و في آخره: فآل‏ (11) الأمر إلى أن قال سليمان: إنّ الإرادة هي القدرة.

قال الرّضا- (عليه السلام)-: و هو يقدر على ما لا يريد أبد الآبدين‏ (12). من ذلك، لأنّه قال: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏. فلو كانت الإرادة هي القدرة كان‏

____________

(1) العيون 1/ 189.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و ذلك لقوله: ...

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: كيف يذهب و لا يذهب به.

(5) المؤمن/ 62.

(6) يوجد في ب و المصدر.

(7) فاطر/ 1.

(8) الرّعد/ 39.

(9) التوحيد/ 451.

(10) الاحتجاج 2/ 404.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أبدا لا بدّ.

509

قد أراد أن يذهب به لقدرته‏ (1).

فانقطع سليمان و ترك الكلام عند هذا الانقطاع، ثمّ تفرّق القوم.

و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار بالتّوحيد حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يذهب فيه تفسير حروف المعجم، و في آخره قال عليّ- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تعالى- نزّل‏ (3) هذا القرآن بهذه الحروف الّتي يتداولها جميع العرب. ثمّ قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.

و بإسناده‏ (4) إلى الرّضا- (عليه السلام)-: أنّه- (عليه السلام)- ذكر القرآن يوما، فعظم الحجّة فيه و الآية المعجزة في نظمه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الخرائج و الجرائح‏ (5)، في أعلام أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ ابن أبي العوجاء و ثلاثة نفر من الدّهريّة اتّفقوا على أن يعارض كلّ واحد منهم ربع القرآن، و كانوا بمكّة، و عاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل.

فلمّا حال الحول، و اجتمعوا في مقام إبراهيم- أيضا- قال أحدهم: إنّي لمّا رأيت [قوله‏ (6): يا أَرْضُ‏] (7) ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ. كففت عن المعارضة.

و قال الآخر: و كذا أنا لمّا وجدت قوله‏ (8): فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا أيست من المعارضة.

و كانوا يسترون‏ (9) ذلك إذ مرّ عليهم الصّادق- (عليه السلام)-، فالتفت إليهم و قرأ عليهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏.

فبهتوا.

وَ لَقَدْ صَرَّفْنا: كرّرنا بوجوه مختلفة زيادة في التّقرير و البيان.

لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏: من كلّ معنى، هو كالمثل في غرابته‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بقدرته.

(2) العيون 1/ 130.

(3) المصدر: أنزل.

(4) نفس المصدر 2/ 130، صدر ج 9.

(5) نور الثقلين 3/ 220، ح 444.

(6) هود/ 44.

(7) من نور الثقلين.

(8) يوسف/ 80.

(9) كذا في نور الثقلين. و في النسخ: يسرّون.

510

و وقوعه موقعا في الأنفس.

فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (89): إلّا جحودا. و إنّما جاز ذلك و لم يجز:

ضربت إلّا زيدا، لأنّه متأوّل بالنّفي‏ (1).

و في أصول الكافي‏ (2): أحمد بن عبد العظيم، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: فأبى اكثر الناس بولاية علي‏ (3) إلا كفورا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن أسد، عن إبراهيم الثّقفيّ، عن عليّ بن هلال الأحمر، عن الحسن‏ (5) بن وهب بن عليّ بن بحيرة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً قال: نزلت الآية في عليّ‏ (6)- (عليه السلام)-.

و قال- أيضا- (7): أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللّه بن حمّاد الأنصاريّ، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: فأبى أكثر الناس بولاية عليّ- (عليه السلام)- إلا كفورا.

وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90): تنعّتا و اقتراحا بعد ما ألزمهم الحجّة ببيان إعجاز القرآن، و انضمام غيره من المعجزات إليه.

و قرأ (8). الكوفيّون و يعقوب: «تفجر» بالتّخفيف.

و «الأرض» أرض مكّة. و «الينبوع» عين لا ينضب ماؤها، يفعول، من نبع الماء، كيعبوب، من عبّ الماء: إذا زخر.

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (91): أو يكون لك بستان يشتمل على ذلك.

أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، يعنون: قوله- تعالى-:

____________

(1) قوله: «لأنه متأول بالنفي»، أي أكثر الناس» مؤول بالنفي، لأن معناه: ما فعل أكثر الناس شيئا إلا كفورا.

(2) الكافي 1/ 424- 425، صدر ح 64.

(3) ب: علي بن أبي طالب.

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 290- 291.

(5) أ، ب: الحسين.

(6) المصدر: ولاية أمير المؤمنين.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أنوار التنزيل 1/ 597.

511

إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ. و هو «كقطع» لفظا و معنى.

و قد سكّنه‏ (1) ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و الكسائيّ و يعقوب في جميع القرآن إلّا في الرّوح، و ابن عامر إلّا في هذه السّورة، و أبو بكر و نافع و غيرهما و حفص فيما عد الطّور.

و هو إمّا مخفّف من المفتوح، كسدرة و سدر، أو فعل، بمعنى: مفعول، كالطّحن.

أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (92): كفيلا بما تدّعيه، أي: شاهدا على صحّته ضامنا لدركه.

أو مقابلا، كالعشير، بمعنى: المعاشر. و هو حال من «اللّه»، و حال «الملائكة» محذوفة لدلالتها عليها، كما حذف الخبر في قوله:

فإنّي و قيار بها لغريب.

أو جماعة، فيكون حالا من «الملائكة».

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ‏: من ذهب. و قد قرئ به، و أصله الزّينة.

أَوْ تَرْقى‏ فِي السَّماءِ: في معارجها.

وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ‏: وحده.

حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ‏: و كان فيه تصديقك.

قُلْ سُبْحانَ رَبِّي‏: تعجّبا من اقتراحاتهم. أو تنزيها للّه من أن يأتي أو يتحكّم عليه، أو أن يشاركه أحد في القدرة.

هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً، كسائر النّاس.

رَسُولًا (93)، كسائر الرّسل، و كانوا لا يأتون قومهم إلّا بما يظهره اللّه عليهم على ما يلائم حال قومهم، و لم يكن أمر الآيات إليهم، و لا لهم أن يتحكّموا على اللّه حتّى يتخيّروها عليّ. هذا هو الجواب المجمل، و أمّا التّفصيل فقد ذكر في آيات اخر، كقوله: وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ‏ (2) وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً (3).

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي محمّد، الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال: قلت لأبي، عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)-: هل كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يناظر اليهود و المشركين إذا عاتبوه و يحاجّهم؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الأنعام/ 7.

(3) الحجر/ 14.

(4) الاحتجاج 1/ 29- 35.

512

قال: [بلى‏] (1) مرارا كثيرة، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة، إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش، منهم: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و أبو البختريّ بن هشام، و أبو جهل‏ (2)، و العاص بن وائل‏ (3) السّهمي، و عبد اللّه بن [أبي‏] (4) أميّة المخزوميّ، و كان معهم جمع ممّن يليهم كثير (5)، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه، و يؤدّي إليهم عن اللّه أمره و نهيه.

فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل‏ (6) أمر محمّد و عظم خطبه، فتعالوا (7) نبدأ بتقريعه و تبكيته و توبيخه و الاحتجاج عليه و إبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه و يصغر قدره [عندهم‏] (8)، فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه‏ (9) و باطله و تمرّده و طغيانه، فإن انتهى و إلّا عاملناه بالسّيف الباتر.

قال أبو جهل: فمن ذا الّذي يلي كلامه و مجادلته؟

قال عبد اللّه بن [أبي‏] (10) أميّة المخزوميّ: أنا [إلى ذلك. أ فما ترضاني له قرنا حسيبا و مجادلا كفيّا؟

قال أبو جهل: بلى. فأتوه بأجمعهم.

فابتدأ عبد اللّه بن أبي أميّة المخزوميّ‏] (11) فقال: يا محمّد، لقد ادّعيت دعوى عظيمة و قلت مقالا هائلا، زعمت أنّك رسول ربّ العالمين [و ما ينبغي لربّ العالمين‏] (12) و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا تأكل‏ (13)، كما نأكل [و تشرب كما نشرب‏] (14)، و تمشي‏ (15) في الأسواق، كما نمشي. فهذا ملك الرّوم و هذا ملك الفرس‏ (16) لا يبعثان رسولا إلّا كثير المال عظيم الحال، له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدّام،

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و يوجد في النسخ زيادة:

و هشام.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: وابل‏

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: كثيرة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: استعلا.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فقالوا.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: عبد. و في غيرها: عيّة.

10 و 11- من المصدر.

(12) ليس في أ، ب، ر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: يأكل.

(14) من المصدر.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: يمشي.

(16) كذا في المصدر. و في النسخ: الفارس.

513

و ربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده، و لو كنت نبيّا لكان معك ملك يسدّدك‏ (1) و نشاهده، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ما أنت، يا محمّد، إلّا مسحور (2) و لست بنبيّ.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل بقي من كلامك شي‏ء؟

قال: بلى، لو أراد اللّه أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجلّ من فيما بيننا، [أكثره‏] (3) مالا و أحسنه حالا، فهلّا أنزل‏ (4) هذا القرآن الّذي تزعم أنّ اللّه أنزله عليك و ابتعثك‏ (5) به رسولا على رجل من القريتين عظيم، إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة و إمّا عروة بن مسعود الثّقفيّ بالطّائف.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هل بقي من كلامك شي‏ء [، يا عبد اللّه‏] (6)؟

فقال بلى، لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكّة هذه، فإنّها ذات أحجار و عرة (7) و جبال، تكسح أرضها و تحفرها (8) و تجري منها العيون، فإننّا إلى ذلك محتاجون. أو تكون لك جنّة من نخيل و أعناب‏ (9) [فتأكل‏] (10) منها و تطعمنا، و تفجر الأنهار خلال تلك النّخيل و الأعناب [تفجيرا] (11). أو تسقط السّماء، كما زعمت، علينا كسفا فإنّك قلت لنا: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ‏ (12). فلعلّنا نقول‏ (13) ذلك، ثمّ قال: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا تأتي به و بهم‏ (14) و هم لنا مقابلون. أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه و تغنينا به فلعلّنا نطغى، فإنّك قلت: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (15).

____________

(1) المصدر: يصدّقك.

(2) المصدر: رجلا مسحورا.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نزل.

(5) أ، ب: أبعثك.

(6) ليس في ب.

(7) كذا في المصدر. و لا يوجد في أ، ب، بدلها شي‏ء. و في غيرهما: و صخور.

(8) كذا في أ، ب، ر، المصدر. و في غيرها:

تفّجرها.

(9) كذا في ب. و في غيرها: عناب. و في المصدر: عنب.

10، 11- من المصدر.

(12) الطّور/ 44.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: فلعلّك تقول.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: و تأتي بهم و بربّهم.

(15) العلق/ 6 و 7.

514

ثمّ قال: أَوْ تَرْقى‏ فِي السَّماءِ، أي تصعد في السّماء وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ‏، أي:

لصعودك‏ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ‏ من اللّه العزيز الحكيم إلى عبد اللّه بن [أبي‏] (1) أميّة المخزوميّ و من معه، بأن آمنوا بمحمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب فإنّه رسولي فصّدقوه في مقاله فإنّه من عندي. ثمّ لا أدري، يا محمّد، إذا فعلت هذا كلّه نؤمن‏ (2) بك أو لا نؤمن‏ (3) بك، بل لو رفعتنا إلى السّماء و فتحت أبوابها و أدخلتناها لقلنا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا (4) أو سحرتنا.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [أمّا قولك: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ‏] (5) حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى آخر ما قلته، فإنّك قد اقترحت على محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أشياء (6): منها [ما] (7) لو جاءك به لم يكن برهانا (8) لنبوّته، و رسول اللّه‏ (9) يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين و يحتجّ عليهم بما لا حجّة فيه. و منها [ما] (10) لو جاءك به لكان معه هلاكك، و إنّما يؤتى بالحجج و البراهين ليلزم عباد اللّه الإيمان بها لا ليهلكوا بها، فإنّما اقترحت هلاكك و ربّ العالمين أرحم بعباده و أعلم بمصالحهم من أن يهلكهم، كما يقترحون‏ (11). و منها المحال الّذي لا يصحّ و لا يجوز كونه، و رسول ربّ العالمين يعرّفك ذلك، و يقطع معاذيرك، و يضيّق [عليك‏] (12) سبيل مخالفته، و يلجئك بحجج اللّه إلى تصديقه، حتّى لا يكون لك عنه محيد و لا محيص. [و منها ما قد اعترفت على نفسك‏] (13) أنّك فيه معاند متمرّد لا تقبل حجّة و لا تصغي إلى برهان، و من كان كذلك فدواؤه عذاب اللّه‏ (14) النّازل من سمائه أو (15) في حميمه أو بسيوف أوليائه.

و أمّا قولك، يا عبد اللّه: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً بمكّة هذه، فإنّها ذات أحجار و صخور و جبال، تكسح أرضها و تحفرها و تجري فيها العيون، فإنّا

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: أؤمن.

(3) المصدر لا أؤمن.

(4) الحجر/ 15.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) ليس في ب.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: برهانه.

(9) ليس في أ، ب، ر.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: تقترحون.

(12) من المصدر.

(13) من المصدر.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: النّار.

(15) ليس في المصدر.

515

إلى ذلك محتاجون، فإنّك سألت هذا و أنت جاهل بدلائل اللّه، يا عبد اللّه، لو فعلت هذا أ كنت من أجل هذا نبيّا؟

قال: لا.

قال: [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أ] (1) رأيت الطّائف الّتي لك فيها بساتين، أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها و ذلّلتها و كسحتها و أجريت‏ (2) فيها عيونا استنبطتها؟

قال: بلى.

قال: و هل لك في هذا نظراء (3)؟

قال: بلى.

قال‏ (4): أ فصرت أنت و هم [بذلك‏] (5) أنبياء؟

قال: لا.

قال: فكذلك [لا يصير] (6) هذا حجّة لمحمّد لو فعله‏ (7) على نبوّته، فما هو إلّا كقولك‏ (8): لن نؤمن لك حتّى تقوم و تمشي على الأرض [كما يمشي الناس‏] (9) أو حتّى تأكل الطّعام، كما يأكل النّاس.

و أمّا قولك، يا عبد اللّه: أو تكون لك جنّة من نخيل أو عنب فتأكل منها و تطعمنا و تفجّر الأنهار خلالها تفجيرا، [أو ليس لأصحابك و لك جنان من نخيل و عنب بالطّائف فتأكلون‏ (10) و تطعمون منها و تفجّرون الأنهار خلالها تفجيرا،] (11) أ فصرتم أنبياء بهذا؟

قال: لا.

قال: فما بال اقتراحكم على رسول اللّه أشياء لو كانت، كما تقترحون، لما دلّت على صدقه؟ بل لو تعاطاها لدلّ تعاطيها على كذبه، لأنّه يحتج بما لا حجّة فيه و يختدع الضّعفاء عن عقولهم و أديانهم، و رسول ربّ العالمين يجلّ و يرتفع عن هذا.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: جريت.

(3) كذا في المصدر: و في النسخ: «و هل فيها نظر» بدل العبارة الأخيرة.

(4) ليس في المصدر.

5 و 6- من المصدر.

(7) كذا في المصدر: و في النسخ: «محمّد لو فعلت» بدل «لمحمّد لو فعله».

(8) كذا في المصدر: و في النسخ: قولك.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: تأكلون.

(11) ليس في أ، ب، ر.

516

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عبد اللّه، و أمّا قولك: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ، كَما زَعَمْتَ، عَلَيْنا كِسَفاً فإنّك قلت: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ‏. فإنّ في سقوط السّماء عليكم هلاككم و موتكم، فإنّما تريد بهذا من رسول اللّه أن يهلكك‏ (1) و رسول ربّ العالمين أرحم من ذلك لا (2) يهلكك، و لكنّه يقيم عليك حجج اللّه لنّبيّه وحده لا (3) على حسب اقتراح عباده، لأنّ العباد جهّال بما يجوز من الصّلاح و ما لا يجوز منه من الفساد، و قد يختلف اقتراحهم و يتضادّ حتّى يستحيل وقوعه، و اللّه [طبيبكم‏] (4) لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال‏ (5).

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و هل رأيت، يا عبد اللّه، طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم؟ و إنّما يفعل به ما يعلم به‏ (6) صلاحه فيه، أحبّه العليل أو كرهه، فأنتم المرضى و اللّه طبيبكم، فإن انقدتم لدوائه شفاكم، و إن تمرّدتم عليه أسقمكم، و بعد فمتى رأيت، يا عبد اللّه، مدّعي حقّ من قبل رجل أوجب عليه [حاكم من حكّامهم فيما مضى بيّنة على دعواه على حسب اقتراح المدّعى عليه‏] (7)؟ إذا ما كانت تثبت لأحد على أحد دعوى و لا حقّ، و لا كان بين ظالم و مظلوم و لا بين صادق و كاذب فرق.

ثمّ قال [رسول اللّه‏] (8): يا عبد اللّه، و أمّا قولك: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا يقابلوننا و نعاينهم، فإنّ هذا من المحال الّذي لا خفاء به، لأنّ‏ (9) ربّنا- عزّ و جلّ- ليس كالمخلوقين يجي‏ء و يذهب و يتحرّك و يقابل [شيئا] (10) حتّى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال، [و إنّما هذا] (11) الّذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضّعيفة المنقوصة الّتي لا تسمع و لا تبصر [و لا تعلم‏] (12) و لا تغني عنكم شيئا و لا عن أحد، يا عبد اللّه، أو ليس لك ضياع و جنان بالطّائف و عقار بمكّة و قوّام عليها؟

____________

(1) كذا في المصدر: و في النسخ: تهلك.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: لما.

(3) المصدر: «و ليس حجج اللّه لنبيته وحده» بدل «لنبيّه وحده لا».

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر: و في النسخ: على ما يلزمه بالمحال.

(6) ليس في المصدر.

(7) ليس في ج.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: و إنّ.

(10) من المصدر.

11 و 12- من المصدر.

517

قال: بلى.

قال: أ فتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك و بين معامليك؟

قال: بسفراء.

قال: أ رأيت لو قال معاملوك و أكرتك‏ (1) و خدمك لسفرائك: لا نصدّقكم‏ (2) في هذه السّفارة إلّا أن تأتونا (3) بعبد اللّه بن أبي أميّة نشاهده فنسمع منه ما تقولون عنه شفاها.

تسوغهم‏ (4) هذا، أو كان يجوز لهم عند ذلك؟

قال: لا.

قال: فما الّذي يجب على سفرائك، أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة (5) تدلّهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدّقوهم‏ (6)؟

قال: بلى.

قال: يا عبد اللّه، أ رأيت سفيرك لو أنّه [لمّا] (7) سمع منهم [هذا] (8) عاد إليك و قال لك: قم معي، فإنّهم اقترحوا عليّ مجيئك معي. أليس‏ (9) يكون لك أن تقول‏ (10): إنّما أنت رسول لا مشير و لا (11) آمر؟

قال: بلى.

قال: فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين ما لا تسوّغ لأكرتك و معامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم، و كيف أردت من رسول ربّ العالمين أن يستندم إلى ربّه بأن يأمر عليه و ينهى و أنت لا تسوغ مثل هذا [على‏] (12) رسولك إلى أكرتك و قوّامك؟ هذه حجّة قاطعة لإبطال [جميع‏] (13) ما ذكرته في كلّ ما اقترحته، يا عبد اللّه.

____________

(1) كذا في المصدر: و في النسخ: أكارتك.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: لا تصدّق.

(3) كذا في المصدر: و في النسخ: تأتونا.

(4) كذا في المصدر: و في النسخ: توسعهم.

(5) كذا في المصدر: و في النسخ: هنا زيادة:

و كان يجوز لهم عند ذلك.

(6) كذا في المصدر: و في النسخ: يصدّقهم ...

7 و 8- من المصدر.

(9) كذا في المصدر: و في النسخ: «أن» بدل «أليس».

(10) المصدر: «أليس يكون هذا لك مخالفا و تقول له». أليس يكون ... تقول.

(11) كذا في المصدر: و في النسخ: «مبشرو» بدل «لا مشير و لا».

12 و 13- من المصدر.

518

و أمّا قولك: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ‏. و هو الذّهب، أما بلغك أنّ لعظيم مصر (1) بيوتا من زخرف؟

قال: بلى.

قال: أ فصار (2) بذلك نبيّا؟

قال: لا.

قال: فكذلك لا يوجب لمحمّد نبوّة لو كان له بيوت‏ (3)، و محمّد لا يغتنم‏ (4) جهلك بحجج اللّه.

و أمّا قولك، يا عبد اللّه: أو ترقى في السماء ثمّ قلت: و لن نؤمن برقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه. يا عبد اللّه، الصّعود إلى السّماء أصعب من النّزول عنها (5)، و إذا اعترفت على نفسك أنّك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النّزول.

ثمّ‏ (6) قلت: حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ‏ من بعد ذلك، ثمّ لا أدري أؤمن بك [أو لا أؤمن‏] (7). فإنّك، يا عبد اللّه، مقرّ أنّك معاند (8) حجّة اللّه عليك، فلا دواء لك إلّا تأديبه لك‏ (9) على يد أوليائه من البشر (10) أو ملائكته الزّبانية، و قد أنزل اللّه‏ (11) عليّ حكمة [بالغة] (12) جامعة لبطلان كلّما اقترحته، فقال- تعالى-: قُلْ‏ يا محمّد سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ما أبعد ربّي [عن‏] (13) أن يفعل الأشياء على ما يقترحه‏ (14) الجهّال ممّا يجوز و ممّا (15) لا يجوز! و هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا لا يلزمني إلّا إقامة حجّة اللّه الّتي أعطاني، فليس‏ (16) لي أن آمر على ربّي و لا أنهى و لا أشير، فأكون كالرّسول‏

____________

(1) كذا في المصدر: و في النسخ: أما بلغك أن تطعم معه.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: أتصار.

(3) كذا في المصدر: و في النسخ بدل العبارة الأخيرة: فكذلك لا توجب لمحمّد لو كانت له نبوّة.

(4) المصدر: لا يغنم.

(5) كذا في المصدر: و في النسخ: هاهنا.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نعم‏

(7) ليس في ب.

(8) المصدر: تعاند.

(9) كذا في المصدر: و في النسخ: إلّا بتأديبه.

(10) كذا في المصدر: و في النسخ: أوليائه البشير.

(11) ليس في المصدر.

12 و 13- من المصدر.

(14) كذا في المصدر: و في النسخ: يقترح.

(15) كذا في المصدر: و في النسخ: «بما» بدل «ممّا يجوز و ممّا».

(16) المصدر: و ليس.

519

الّذي بعثه ملك إلى قوم [من‏] (1) مخالفيه، فرجع إليه يأمره‏ (2) أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. فإنّها نزلت في عبد اللّه بن أبي أميّة، أخي أمّ سلمة- رحمة اللّه عليها-.

و ذلك أنّه قال هذا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمكّة قبل الهجرة.

فلمّا خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى فتح مكّة استقبله عبد اللّه بن أبي أميّة، فسلم على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلم يردّ (عليه السلام)، فأعرض عنه و لم يجبه بشي‏ء، و كانت أخته، أمّ سلمة مع رسول اللّه فدخل إليها، فقال: يا أختي، إنّ رسول اللّه قد قبل إسلام النّاس كلّهم و ردّ عليّ إسلامي، فليس يقبلني، كما قبل غيري.

فلمّا دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [إلى أمّ سلمة] (4) قالت: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، سعد بك جميع النّاس إلّا أخي من بين قريش و العرب، رددت إسلامه و قبلت إسلام النّاس كلّهم.

فقال رسول اللّه: يا أمّ سلمة، إنّ أخاك كذّبني تكذيبا لم يكذّبني أحد من النّاس، هو الّذي قال لي: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (الآيات) إلى قوله: نَقْرَؤُهُ‏.

قالت أمّ سلمة: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، ألم تقل إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله؟

قال: نعم. فقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إسلامه.

و في رواية أبي الجارود (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-:

حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً، أي: عينا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ، أي: بستان.

مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً من تلك العيون.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: فرجع بأمره.

(3) تفسير القمي 2/ 26.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر/ 27.

520

أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً و ذلك أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّه سيسقط من السّماء [كسفا] (1)، لقوله‏ (2): وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ‏ (3).

أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا و القبيل: الكثير. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أي:

المزخرف بالذّهب‏ أَوْ تَرْقى‏ فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ‏ يقول: من اللّه إلى عبد اللّه بن أبي أميّة، إنّ محمّدا صادق، و إنّي أنا بعثته. و يجي‏ء معه أربعة من الملائكة يشهدون أنّ اللّه هو كتبه، فأنزل اللّه- سبحانه-: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا.

وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏، أي: و ما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي و ظهور الحقّ.

إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (94): إلّا قولهم هذا، و المعنى: لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و القرآن إلّا إنكارهم أن يرسل اللّه بشرا.

قُلْ‏: جوابا لشبهتهم.

لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ‏، كما يمشي بنو آدم.

مُطْمَئِنِّينَ‏: ساكنين فيها.

لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (95): لتمكّنهم من الاجتماع به و التّلقّي منه، و أمّا الإنس فعامّتهم عماة عن إدراك الملك أو التّلقّف منه، فإنّ ذلك مشروط بنوع من التّناسب و التّجانس.

و «ملكا» يحتمل أن يكون حالا من «رسولا»، و أن يكون موصوفا به، و كذلك «بشرا» و الأوّل أوفق‏ (4).

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ‏: على أنّي رسول اللّه إليكم بإظهاره‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الطّور/ 44.

(3) في المصدر زيادة: و قوله.

(4) قوله: «و الأوّل أوفق» لأنّ الإنكار في قوله: أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا يتوجّه إلى بشريّة الرّسول لا إلى الرسالة، فالمناسب أن يكون «بشرا» قيدا حتّى يتوجّه الإنكار إليه، كما هو المشهور من أنّ النفي يتوجّه إلى القيد و هذا يناسب أن يكون «بشرا» حالا حتّى يكون قيدّا.

521

المعجزة على وفق دعواي، و على أنّي بلّغت ما أرسلت به إليكم و أنّكم عاندتم.

و «شهيدا» نصب على الحال، أو التّمييز.

إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (96): يعلم أحوالهم الباطنة منها و الظّاهرة، فيجازيهم عليه. و فيه تسلية للرّسول، و تهديد للكفّار.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا قالوا: إنّ الجنّ كانوا في الأرض قبلنا فبعث اللّه إليهم ملكا، فلو أراد (2) اللّه أن يبعث إلينا لبعث‏ (3) ملكا من الملائكة، و هو قول اللّه: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا (الآية).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا (الآية) قال:

قال الكفّار: لم لم يبعث اللّه إلينا الملائكة؟ فقال اللّه: لو بعثنا ملكا و لم يؤمنوا لهلكوا (5).

و لو كانت الملائكة في الأرض‏ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا.

فإنّه حدّثني أبي، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، [عن جابر،] (6) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: بينما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالس‏ (7) و عنده جبرئيل‏ (8) إذ حانت من جبرئيل نظرة قبل السّماء، فامتقع لونه‏ (9) حتّى صار كأنّه كركمة (10)، ثمّ لاذ برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. [فنظر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (11) إلى حيث نظر جبرئيل فإذا شي‏ء قد ملأ ما بين الخافقين مقبلا، حتّى كان كقاب قوسين‏ (12) من الأرض.

ثمّ قال: يا محمّد، إنّي رسول اللّه إليك أخيّرك أن تكون ملكا رسولا أحبّ إليك أو تكون عبدا رسولا.

فالتفت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى جبرئيل، و قد رجع إليه لونه، فقال‏

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 137، ح 167.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: «فأراد» بدل «فلو أراد» ..

(3) في المصدر زيادة: اللّه.

(4) تفسير القمّي 2/ 28 و 27.

(5) المصدر: لو بعثنا ملكا و لما آمنوا و لهلكوا.

(6) ليس في أ، ب، ر

7 و 8- ليس في ب.

(9) امتقع لونه: تغيّر من حزن أو فزع.

(10) الكركمة: الزّعفران.

(11) من المصدر.

(12) ليس في أ، ب، ر، المصدر.

522

جبرئيل: [بل‏] (1) كن عبدا رسولا.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بل أكون عبدا رسولا.

فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السّماء الدّنيا، ثمّ رفع الأخرى فوضعها في الثّانية، ثمّ رفع اليمنى فوضعها في الثّالثة، ثمّ هكذا حتى انتهى إلى السّابعة، كلّ سماء خطوة، و كلّما ارتفع صغر حتّى صار آخر ذلك مثل الصّرّ (2).

فالتفت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى جبرئيل فقال: لقد رأيتك ذعرا [ما رأيت مثله‏] (3)، و ما رأيت شيئا أذعر لي من تغيّر لونك! فقال: يا نبيّ اللّه، لا تلمني، أ تدري من هذا؟

قال: لا.

قال: هذا إسرافيل حاجب الرّبّ، و لم ينزل من مكانه منذ خلق اللّه السّماوات و الأرض. فلمّا رأيته منحطّا ظنّنت أنّه جاء بقيام السّاعة، فكان الّذي رأيته من تغيّر لوني لذلك، فلمّا رأيت ما اصطفاك اللّه به رجع إليّ لوني و نفسي. أما رأيته كلّما ارتفع صغر؟ إنّه ليس شي‏ء يدنو من الرّبّ إلّا صغر (4) لعظمته. إنّ هذا حاجب الرّبّ و أقرب خلق اللّه منه و اللّوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلّم الرّبّ- تبارك و تعالى- بالوحي ضرب اللّوح جبينه فنظر فيه، ثمّ ألقاه‏ (5) إلينا فنسعى به في السّماوات و الأرض. إنّه لأدنى خلق الرّحمن منه بينه و بينه سبعون حجابا من نور ينقطع دونها الأبصار ما لا يعدّ و لا يوصف، و أنا لأقرب الخلق منه بيني و بينه [مسيرة ألف عام‏] (6).

وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ‏:

يهدونهم.

وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ‏: يسحبون عليها، أو يمشون بها.

و في مجمع البيان‏ (7): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ رجلا قال: يا نبيّ اللّه، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟

____________

(1) من المصدر.

(2) الصّرّ- بالكسر-: طائر كالعصفور، أصفر.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يصغر.

(5) المصدر: يلقيه.

(6) من المصدر.

(7) المجمع 3/ 442.

523

قال: إنّ الّذي أمشاه على رجليه [في الدّنيا] (1) قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن إبراهيم، [رفعه إلى أحدهما- (عليهما السلام)-] (3) في قول اللّه: وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ‏ قال: على جباههم.

عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا: لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، و لا يسمعون ما يلذّ مسامعهم، و لا ينطقون بما يقبل منهم، لأنّهم [في دنياهم‏] (4) لم يستبصروا بالآيات و العبر، و تصامّوا عن استماع الحقّ، و أبوا أن ينطقوا بالصّدق.

و يجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النّار مؤوفي القوى و الحواسّ.

مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ‏: سكن لهبها، بأن أكلت جلودهم و لحومهم.

زِدْناهُمْ سَعِيراً (97): توقّدا، بأن تبدّل جلودهم و لحومهم فتعود ملتهبة مستعرة بهم، كأنّهم لمّا كذّبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم اللّه بأن لا يزالوا على الإعادة و الإفناء، و إليه أشار بقوله: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَ قالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَ رُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98): لأنّ الإشارة إلى ما تقدّم من عذابهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا.

قال: على جباههم.

و مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً، أي: كلّما انطفت.

فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، يرفعه إلى عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهما)- قال: إنّ في جهنّم واديا يقال له: سعير، إذا خبت جهنّم فتح سعيرها، و [هو] (6) قوله: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً، أي: كلّما انطفت.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7)، بإسناده إلى عليّ بن سليمان بن راشد، بإسناده رفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: تحشر المرجئة عميانا إمامهم أعمى، فيقول بعض من‏

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 318.

(3) يوجد في ب.

(4) ليس في ب.

(5) تفسير القمّي 2/ 29.

(6) من المصدر.

(7) العلل/ 602، ح 61.

524

يراهم من غير أمّتنا: ما يكون‏ (1) أمّة محمّد [إلّا] (2) عميانا. فأقول لهم: ليسوا من أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأنّهم بدّلوا فبدّل [ما] (3) بهم، و غيّروا فغيّر ما بهم.

و في كتاب المناقب‏ (4) لابن شهر آشوب: أبو ذرّ في خبر، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أبا ذر، يؤتى بجاحد عليّ يوم القيامة أعمى أبكم يتكبكب في ظلمات يوم القيامة، ينادي: يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ. (5) و في عنقه طوق من نار.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا: أ و لم يعلموا.

أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ‏: فإنّهم ليسوا أشدّ خلقا منهنّ، و لا الإعادة أصعب عليه من الإبداء.

وَ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ‏: هو الموت، أو القيامة.

فَأَبَى الظَّالِمُونَ‏: مع وضوح الحقّ‏ إِلَّا كُفُوراً (99): إلّا جحودا.

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي‏: خزائن رزقه و سائر نعمه.

و «أنتم» مرفوع بفعل يفسّره ما بعده، كقول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

و فائدة هذا الحذف و التّفسير المبالغة مع الإيجاز، و الدّلالة على الاختصاص‏ (6).

إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ‏: لبخلتم مخافة النّفاد بالإنفاق [إذ لا أحد إلّا] (7) و يختار النّفع لنفسه، و لو آثر غيره بشي‏ء، فإنّما يؤثره لعوض يفوقه، فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود اللّه و كرمه، هذا و أنّ البخلاء أغلب فيهم.

وَ كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (100): بخيلا، لأنّ بناء أمره على الحاجة و الضّنّة بما يحتاج إليه و ملاحظة العوض فيما يبذل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): في هذه الآية قال: لو كانت الأمور (9) بيد النّاس لما أعطوا النّاس شيئا مخافة الفقر (10). وَ كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أي: بخيلا.

____________

(1) أ، ب: أ يكون.

2 و 3- من المصدر.

(4) عنه في نور الثقلين 3/ 228، ح 454.

(5) الزمّر/ 56.

(6) يعني: لو أنتم تملكون خزائن رحمة الرّبّ لمنعتم الصرف منها و لأمسكتموها خشية الإنفاق بخلاف ما لو كان مالكها غيركم، و هو اللّه- تعالى-.

(7) ليس في أ، ب.

(8) تفسير القمّي 2/ 29.

(9) المصدر: الأموال.

(10) المصدر: النفاد.

525

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ‏: و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ‏ قال: الطّوفان و الجراد و القمّل و الضّفادع و الدّم و الحجر و العصا و يده و البحر.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن سلام، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية، مثله.

و في قرب الإسناد (3)، بإسناده إلى موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: سألني نفر من اليهود عن الآيات التّسع الّتي أوتيها موسى بن عمران- (عليه السلام)-.

فقلت: العصا، و إخراجه يده من‏ (4) جيبه بيضاء، و الجراد، و القمّل، و الضفادع، و الدّم، و رفع الطّور، و المنّ و السّلوى آية واحدة، و فلق البحر.

قالوا: صدقت.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن هارون بن حمزة الغنويّ الصّيرفيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن التّسع آيات‏ (6) الّتي أوتي موسى.

فقال: الجراد و القمّل و الضّفادع و الدّم و الطّوفان و البحر و الحجر و العصا و يده.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن عبد اللّه بن إسحاق، عن الحسن بن عليّ بن سليمان، عن محمّد بن عمران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قدم على عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يهوديّ من أهل يثرب قد أقرّ له‏ (8) في يثرب [من اليهود] (9) أنّه أعلمهم، و كذلك كانت آباؤه‏ (10) من قبل.

قال: و قدم على أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في عدّة من أهل بيته، فلمّا انتهوا (11) إلى المسجد الأعظم بالكوفة، أناخوا رواحلهم، ثمّ و قفوا على باب المسجد و أرسلوا إلى‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 318، ح 170.

(3) قرب الإسناد/ 132.

(4) المصدر: في.

(5) الخصال 2/ 423، ح 24.

(6) المصدر: الآيات.

(7) الكافي 4/ 181، ح 7.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «اتّفق» بدل «أقرّ له».

(9) ليس في أ، ب.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أباه.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: انتهى.

526

أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّا قوم من اليهود قدمنا من الحجاز و لنا إليك حاجة، فهل تخرج إلينا أم ندخل إليك؟

قال: فخرج إليهم و هو يقول: سيدخلون و يستأنفون‏ (1) باليمين، فما حاجتكم؟

فقال أعظمهم‏ (2): يا ابن أبي طالب، ما هذه البدعة الّتي أحدثت في دين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)

فقال: أيّة بدعة (3)؟

فقال له اليهوديّ: زعم قوم من أهل الحجاز، أنّك عمدت إلى قوم شهدوا أن لا إله إلّا اللّه، و لم يقرّوا أنّ محمّدا رسول اللّه فقتلتهم بالدّخان.

فقال له أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: فنشدتك بالتّسع آيات‏ (4) الّتي أنزلت على موسى بطور سيناء و بحقّ الكنائس الخمس القدس و بحقّ السّمت الديّان‏ (5)، هل تعلم أنّ يوشع بن نون أتى بقوم بعد وفاة موسى شهدوا أن لا إله إلّا اللّه، و لم يقرّوا أنّ موسى رسول اللّه فقتلهم بمثل هذه القتلة؟

فقال له اليهوديّ: نعم، أشهد أنّك ناموس موسى- (عليه السلام)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (6): وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ‏ اختلف في هذه الآيات التّسع.

... إلى قوله: و قيل: إنّها تسع آيات في الأحكام‏ (7)،

روى عبد اللّه بن سلمة، عن عنوان‏ (8) بن عسّال، أنّ يهوديّا قال لصاحبه: تعال حتّى نسأل هذا النّبيّ.

فأتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسأله عن هذه الآية.

فقال: هو أن لا تشركوا باللّه شيئا، و لا تسرقوا، و لا تزنوا، و لا تقتلوا النّفس الّتي‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يستاهون.

(2) المصدر: عظيمهم.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قال: و أيّ بدعة.

(4) المصدر: الآيات.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الديار.

و الديان: الحاكم، القاضي.

(6) المجمع 3/ 444.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: إنها تسع من الأحكام.

(8) المصدر: صفوان.

527

حرم اللّه إلّا بالحقّ، و لا تمشوا بالبري‏ء (1) إلى سلطان ليقتله‏ (2)، و لا تسحروا، و لا تأكلوا الرّبا، و لا تقذفوا المحصنات، و لا تولّوا للفرار (3) يوم الزّحف، و عليكم خاصّة، يا يهود، أن لا تعتدوا في السّبت.

فقبّل يده و قال‏ (4): أشهد أنّك نبيّ‏ (5).

فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ‏: فقلنا له، أي: لموسى: سلهم من فرعون ليرسلهم معك.

أو سلهم عن حال دينهم، و يؤيّده قراءة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

«فسأل» على لفظ الماضي‏ (6) بغير همزة، و هو لغة قريش. و «إذ» متعلّق «بقلنا»، أو «سأل» على هذه القراءة.

أو فاسأل، يا محمّد، بني إسرائيل عمّا جرى بين موسى و فرعون «إذ جاءهم».

أو عن الآيات ليظهر للمشركين صدقك، أو لتسلّي نفسك، أو لتعلم أنّه- تعالى- لو أتى بما اقترحوا لأصرّوا على العناد و المكابرة، كمن قبلهم، أو ليزداد يقينك لأنّ تظاهر الأدلّة يوجب قوّة اليقين و طمأنينة القلب، و على هذا كان نصب «إذ» «بآتينا»، أو بإضمار «يخبروك» على أنّ جواب الأمر، أو بإضمار «اذكر» على الاستئناف‏ (7) فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى‏ مَسْحُوراً (101): سحرت، فتخبّط عقلك.

قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ‏: يا فرعون.

و قرأ (8) الكسائي، بالضّمّ، على إخباره عن نفسه.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بالشي‏ء.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ليقتل.

(3) المصدر: الفرار.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) يوجد في ج،/ هنا زيادة مربوطة بتفسير اوّل الآية الآتية نقلا عن المجمع. و سنثبتها في محلّها.

(6) كذا في أنوار التنزيل 1/ 599. و في النسخ هنا: زيادة «بني إسرائيل».

(7) قوله: «و على هذا كان».

أي: على أن يكون المراد: سل، يا محمد، بني إسرائيل ... الخ، كان «إذ» منصوبا «بآتينا ... الخ، إذ لا يمكن جعله متعلّقا بقوله:

فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ إذ لا معنى لأن يقال:

سل، يا محمّد، في «إذ جاءهم»، أي: في زمان مجي‏ء الآيات إيّاهم.

(8) أنوار التنزيل 1/ 599.

528

[و روي‏ (1) أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال‏ في‏ عَلِمْتَ‏: و اللّه، ما علم عدوّ اللّه، و لكنّ موسى هو الّذي علم‏] (2).

ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ، يعني: الآيات.

إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ: بيّنات تبصّرك صدقي‏ (3)، و لكنّك تعاند.

و انتصابه على الحال.

وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102): مصروفا عن الخير مطبوعا على الشّرّ (4)، من قولهم: ما ثبرك عن هذا، أي: ما صرفك؟

أو هالكا قارع ظنّه بظنّه، و شتّان ما بين الظّنّين فإنّ ظنّه كذب بحت و ظنّ موسى- (عليه السلام)- يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته.

و قرئ: «و إن لأخالك يا فرعون لمثبورا» على «إن» المخفّفة و «الّلام» هي الفارقة.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن العبّاس [بن معروف‏] (6)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- ذكر قول اللّه: يا فِرْعَوْنُ‏ يا عاصي.

فَأَرادَ: فرعون.

أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ‏: أن يستخفّ موسى و قومه، و ينفيهم‏ مِنَ الْأَرْضِ‏ أرض مصر ... أو الأرض مطلقا بالقتل و الاستئصال.

فَأَغْرَقْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103): فعكسنا عليه مكره، فاستفززناه و قومه بالإغراق.

وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ‏: من بعد فرعون و إغراقه. لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ‏:

الّتي أراد أن يستفزّكم منها.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ: الكرّة، أو الحياة، أو السّاعة، أو الدّار الآخرة، يعني قيام القيامة.

____________

(1) مجمع البيان 3/ 444.

(2) ليس في ج.

(3) ليس في أ، ب، ر.

(4) ب: السوء.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 318، ح 171.

(6) من المصدر.

529

جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104): مختلطين إيّاكم و إيّاهم، ثمّ نحكم بينكم و نميّز سعداءكم من أشقيائكم.

و «اللّفيف» الجماعات من قبائل شتّى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏: أراد أن يخرجهم من الأرض، و قد علم فرعون و قومه ما أنزل تلك الآيات إلّا اللّه- عزّ و جلّ-.

و في رواية [عليّ بن‏] (2) إبراهيم‏ (3): فَأَرادَ، يعني: فرعون. أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏ أن يخرجهم من مصر (4). فَأَغْرَقْناهُ‏- إلى قوله- بِكُمْ لَفِيفاً، أي: من كلّ ناحية.

و فيه‏ (5) قبل قوله: « [و في رواية] (6) عليّ بن إبراهيم» متّصل بقوله: «عزّ و جلّ» و قوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً يقول: جميعا.

وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ‏، أي: و ما أنزلنا القرآن إلّا متلبّسا (7) (8) بالحقّ المقتضي لإنزاله و ما نزل إلّا متلبّسا بالحقّ الّذي اشتمل عليه.

و قيل‏ (9): و ما أنزلناه من السّماء إلّا محفوظا بالرّصد من الملائكة، و ما نزل على الرّسول إلّا محفوظا بهم من تخليط الشّياطين. و لعلّه أراد به نفي اعتراء البطلان‏ (10) له أوّل الأمر و آخره.

وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً: للمطيع بالثواب. وَ نَذِيراً (105): للعاصي من العقاب، فلا عليك إلّا التّبشير و الإنذار.

وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ‏: نزّلناه مفرّقا منجّما.

و قيل‏ (11): فرقنا فيه الحقّ من الباطل، فحذف الجارّ، كما في قوله: و يوما

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 29.

(2) ليس في ب.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) في ب زيادة: و قد علم.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في ب.

(7) ليس في أ، ب.

(8) أ، ر: ملتبسا.

(9) أنوار التنزيل 1/ 599- 600.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الشياطين.

(11) نفس المصدر/ 600.

530

شهدناه.

و في مجمع البيان‏ (1): عن عليّ- (عليه السلام)‏- فَرَقْناهُ‏ بالتّشديد.

لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ‏: مهل و تؤدة، فإنّه أيسر للحفظ و أعون في الفهم.

و قرئ‏ (2)، بالفتح، و هو لغة.

وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106): على حسب الحوادث.

قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا: فإنّ إيمانكم بالقرآن‏ (3) لا يزيده كمالا، و امتناعكم عنه لا يورثه نقصا (4)، و قوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ‏ تعليل له، أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم، و هو العلماء، الّذين قرأوا الكتب السّابقة و عرفوا حقيقة الوحي و أمارات النّبوّة و تمكّنوا من الميز بين المحقّ و المبطل، أو رأوا نعتك و صفة ما أنزل إليك في تلك الكتب.

و يجوز أن يكون تعليلا «لقل» على سبيل التّسلية، كأنّه قيل: تسلّ بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، و لا تكترث بإيمانهم و إعراضهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): يعني: من أهل الكتاب الّذين آمنوا برسول اللّه.

إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏، أي: القرآن.

يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107): يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر اللّه، أو شكرا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- على فترة من الرّسل و إنزال القرآن عليه.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، بإسناده قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عمّن بجبهته علّة لا يقدر على السّجود عليها.

قال: يضع ذقنه على الأرض، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً.

____________

(1) المجمع 3/ 445.

(2) أنوار التنزيل 1/ 600.

(3) ليس في أ، ب.

(4) ر، ج: نقصانه.

(5) تفسير القمّي 2/ 29.

(6) الكافي 3/ 334، ح 6.

531

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن أبي الصّباح‏ (2)، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع أن يسجد عليها.

قال: يسجد ما بين طرف شعره، فإن لم يقدر سجد على حاجبه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى حاجبه الأيسر، فإن لم يقدر فعلى ذقنه.

قلت: فعلى ذقنه؟

قال: [نعم،] (3) أما تقرأ كتاب اللّه- عزّ و جلّ-: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً.

وَ يَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا: عن خلف الوعد.

إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108): إنّه كان وعده كائنا لا محالة.

وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ‏: كرّره لاختلاف الحال و السّبب، فإنّ الأوّل‏ (4) للشّكر عند إنجاز الوعد، و الثّاني لما أثّر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية اللّه.

و ذكر الذّقن، لأنّه أوّل ما يلقي الأرض من وجه السّاجد.

وَ يَزِيدُهُمْ‏: سماع القرآن‏ خُشُوعاً (109)، كما يزيدهم علما و يقينا باللّه.

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ‏

نزل حين سمع المشركون رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: يا اللّه، يا رحمن. فقالوا: إنّه ينهانا (5) أن نعبد إلهين، و هو يدعو إلها آخر.

أو قالت اليهود: إنّك لتقلّ ذكر الرّحمن و قد أكثره اللّه في التّوراة.

فالمراد على الأوّل هو التّسوية بين اللّفظين، بأنّهما يطلقان على ذات واحدة و إن اختلف اعتبار إطلاقهما، و التّوحيد إنّما هو للذّات الّذي هو المعبود المطلق‏ (6). و على‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 30.

(2) المصدر: الصباح.

(3) من المصدر.

(4) كذا في أنوار التنزيل 1/ 600. و في النسخ هنا زيادة: كونهم باكين.

(5) كذا في أنوار التنزيل 1/ 600. و في النسخ:

نهانا.

(6) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

هو المقصود المعبود.

532

الثّاني أنّهما سيّان في حسن الإطلاق و الإفضاء إلى المقصود، و هو أجود (1) لقوله: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏.

و الدّعاء في الآية بمعنى: التّسمية. و هو يتعدّى إلى مفعولين حذف أوّلهما استغناء عنه، و «أو» للتّخيير، و التّنوين في «أيّا» عوض عن المضاف إليه، و «ما» صلة لتأكيد ما في «أيّا» من الإبهام، و الضّمير في «له» للمسمّى، لأنّ التّسمية له لا للاسم، و كان أصل الكلام: أيّا ما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه «فله الأسماء الحسنى» للمبالغة و الدّلالة على ما هو الدّليل عليه، و كونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال و الإكرام.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق اسما (3) بالحروف غير مصوّت‏ (4)، و باللّفظ غير منطق، و بالشّخص غير مجسّد، و بالتّشبيه غير موصوف، و باللّون غير مصبوغ، منفيّ عنه الأقطار، مبعّد عنه الحدود محجوب عنه حسّ‏ (5) كلّ متوهّم، مستتر غير مستور، فجعله‏ (6) كلمة تامّة على أربعة أجزاء معا، ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، و حجب منها واحدا و هو الاسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء الّتي ظهرت، فالظّاهر هو اللّه- تبارك و تعالى-.

و سخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلك اثنا عشر ركنا، ثمّ خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها، فهو الرّحمن، الرّحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارئ، المصوّر، الحيّ، القيّوم، لا تأخذه سنة و لا نوم، العليم، الخبير، السّميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العليّ، العظيم، المقتدر، القادر، السّلام، المؤمن، المهيمن، البارئ‏ (7)، المنشئ، البديع، الرّفيع، الجليل، الكريم، الرّازق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث. فهذه الأسماء و ما كان من الأسماء الحسنى حتّى تتمّ ثلاثمائة و ستّين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثّلاثة، و هذه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: جواب.

(2) الكافي 1/ 112، ح 1.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أسماء.

(4) المصدر: متصوّت.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حسن.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فجعل.

(7) المصدر: [البادئ‏].

533

الأسماء الثّلاثة أركان و حجب الاسم الواحد (1) المكنون المخزونة بهذه الأسماء الثّلاثة (2)، و ذلك قوله- تعالى-: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ: الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏.

أحمد بن إدريس‏ (3)، عن الحسين بن عبد اللّه، عن محمّد بن عبد اللّه، و موسى بن عمر، و الحسن‏ (4) بن عليّ بن عثمان، عن ابن سنان قال: سألت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: هل كان اللّه- عزّ و جلّ- عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟

قال: نعم.

قلت: يراها و يسمعها؟

قال: ما كان محتاجا إلى ذلك لأنّه لم يكن يسألها و لا يطلب منها، هو نفسه و نفسه هو، قدرته نافذة، فليس يحتاج أن يسمّي نفسه و لكنّه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها، لأنّه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأوّل ما اختار لنفسه العليّ العظيم لأنّه أعلى الأشياء كلّها، فمعناه: اللّه، و اسمه العلي العظيم، هو أوّل أسمائه علا على كلّ شي‏ء.

محمد بن يحيى‏ (5)، عن عبد اللّه بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: و الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالحقّ نبيّا و أكرم أهل بيته، فإنّه ما من شي‏ء تطلبونه من حرز، من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلّا و هو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه.

قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن السّرق فإنّه لا يزال قد يسرق لي‏ (6) الشّي‏ء بعد الشّي‏ء ليلا.

فقال له: اقرأ إذا آويت‏ (7) إلى فراشك: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ‏- إلى قوله- وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) في ب: زيادة «و هذه الأسماء الثلاثة أركان و حجب الاسم الواحد المكنون»

(3) نفس المصدر 113، ح 2.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و موسى بن عمرو عن الحسن.

(5) نفس المصدر 2/ 624، ح 21.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إلّا.

(7) ب: أتيت.

534

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى الحسين بن سعيد الخزّاز: عن رجاله، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اللّه غاية من [غيّاه، و المغيي غير الغاية، توحّد بالرّبوبيّة و وصف نفسه بغير محدوديّة به، فالذّاكر اللّه غير اللّه، و اللّه غير أسمائه، و كلّ شي‏ء] (2) وقع عليه اسم شي‏ء سواه فهو مخلوق، ألا ترى إلى قوله‏ (3): العزة لله العظمة للّه. و قال‏ (4):

وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها. و قال: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏. فالأسماء مضافة إليه، و هو التّوحيد الخالص.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5)، في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، أمان لأمّتي من السّرق‏ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا (إلى آخر السّورة).

وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏: بقراءة صلاتك حتّى تسمع المشركين، فإنّ ذلك يحملهم على السّبّ و اللّغو فيها.

وَ لا تُخافِتْ بِها: حتّى لا يسمع من خلفك من المؤمنين.

وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ‏: بين الجهر و المخافتة.

سَبِيلًا (110): وسطا، فإنّ الاقتصاد في جميع الأمور محبوب.

و قيل‏ (6): معناه: و لا تجهر بصلاتك [كلّها] (7) و لا تخافت بها بأسرها و ابتغ بين ذلك سبيلا، بالإخفات، نهارا و الجهر ليلا.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن سليمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه:

وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها (9) قال: الجهر بها رفع الصّوت، و المخافتة ما لم تسمع أذناك، و ما بين ذلك ما تسمع أذنيك.

____________

(1) التوحيد/ 58.

(2) ليس في أ، ب.

(3) النساء/ 139، و يونس/ 65.

(4) الأعراف/ 179.

(5) الفقيه 4/ 268.

(6) أنوار التنزيل 1/ 601.

(7) من المصدر.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 319، ح 177.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و ابتغ.

535

عن الحلبيّ‏ (1)، عن بعض أصحابنا عنه‏ (2) قال: قال أبو جعفر لأبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-: [يا بنيّ،] (3) عليك بالحسنة بين السّيّئتين تمحوهما.

قال: و كيف ذلك يا أبة؟

قال: مثل [قول اللّه: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها لا تجهر بصوتك سيّئة، و لا تخافت بها سيّئة وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا حسنة.

عن أبي بصير (4)، عن أبي‏] (5) جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها قال: نسختها فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏] (6).

[عن زرارة (7) و حمران (و محمّد بن مسلم) (8) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- (و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-) (9) في قوله: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها] (10) [وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا قال: كان رسول اللّه إذا كان بمكّة جهر بصوته فيعلم بمكانه المشركون و كانوا يؤذونه، فأنزلت هذه الآية عند ذلك‏] (11).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (12): و سأل محمّد بن عمران أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: لأيّ علّة يجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة، و سائر الصّلوات الظّهر و العصر لا يجهر فيهما؟

قال: لأنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا أسري به إلى السّماء، كان أوّل صلاة فرضها (13) اللّه عليه الظّهر يوم الجمعة، فأضاف اللّه- عزّ و جلّ- إليه الملائكة تصلّي خلفه، و أمر نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يجهر بالقراءة ليبيّن لهم فضله. ثمّ فرض [اللّه‏] (14) عليه العصر و لم يضف إليه أحدا من الملائكة، و أمره أن يخفي القراءة لأنّه لم يكن وراءه أحد.

____________

(1) نفس المصدر، ح 179.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عمّن. و الضمير راجع إلى أبي بصير راوي الحديث السابق لهذا الحديث في المصدر.

(3) ليس في أ، ب.

(4) نفس المصدر/ 252، ح 45.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر. و الآية في الحجر/ 94.

(7) نفس المصدر/ 318- 319، ح 175.

(8) ليس في أ، ر.

(9) من المصدر.

(10) ليس في ب.

(11) من المصدر. و لا يوجد في ب. و في غيرها:

«قال: نسختها فاصدع بما تؤمر» بدل ما بين المعقوفتين.

(12) الفقيه 1/ 202، ح 925.

(13) المصدر: فرض.

(14) من المصدر.

536

ثمّ فرض عليه المغرب و أضاف إليه الملائكة، و أمره بالإجهار، و كذلك العشاء الآخرة.

فلمّا كان قرب الفجر نزل ففرض اللّه- عزّ و جلّ- عليه الفجر، فأمره بالإجهار ليبيّن للنّاس فضله، كما بيّن للملائكة، فلهذه العلّة يجهر فيها.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في قرب الإسناد (1) للحميريّ، بإسناده إلى عليّ بن جعفر: عن أخيه، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: سألته عن الرجل يصلّي الفريضة ما يجهر (2) بالقراءة، هل عليه أن يجهر؟

قال: إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها.

قال: المخافتة ما دون سمعك، و الجهر أن ترفع صوتك شديدا.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أعلى الإمام أن يسمع من خلفه و إن كثروا؟

قال: ليقرأ قراءة وسطا، [يقول اللّه- تبارك و تعالى-:] (5) وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن الصّباح، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها قال: [الجهر بها رفع الصّوت، و التّخافت ما لم تسمع نفسك، و اقرأ ما بين ذلك.

روي- أيضا- (7): عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- في قوله‏ وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها قال:] (8) الإجهار أن ترفع صوتك حتّى تسمعه من بعد عنك و أن لا تسمع‏

____________

(1) قرب الاسناد/ 94.

(2) المصدر: ما يجهر فيه.

(3) الكافي 3/ 315، ح 21.

(4) نفس المصدر/ 317، ح 27.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) تفسير القمّي 2/ 30.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ليس في ب.

537

من معك إلا يسيرا (1).

و في الاستبصار (2): روى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه.

فقال: أيّ‏ (3) ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، و إن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شي‏ء عليه، و قد تمّت صلاته.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- في قوله- تعالى- (5): وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها (6).

و فيه‏ (7): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏ (الآية).

قال: تفسيرها، و لا تجهر بولاية عليّ و لا بما أكرمته به حتّى آمرك بذلك. وَ لا تُخافِتْ بِها، يعني: لا تكتمها عليّا و أعلمه بما أكرمته [به‏] (8).

عن جابر (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير هذه الآية في قول اللّه: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا.

قال: لا تجهر بولاية عليّ، فهو الصّلاة، و لا بما أكرمته به حتّى آمرك به، و ذلك قوله: وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏.

[و أمّا قوله:] (10) وَ لا تُخافِتْ بِها [فإنّه‏] (11) يقول: و لا تكتم ذلك عليّا، يقول، أعلمه بما (12) أكرمته به.

فأمّا قوله: وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا يقول: تسألني أن آذن لك‏ (13) أن تجهر بأمر عليّ بولايته، فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خمّ، فهو قوله يومئذ: الّلهمّ، من كنت مولاه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: من معك الاسراء.

(2) الاستبصار 1/ 313، ح 1163.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أيّما.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 318: ح 175. و فيه ذيل للحديث و قد مرّ بتمامه آنفا.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «يقولان» بدل «في قوله تعالى».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «بعضهم لبعض لكنه حالهم الّتي هم عليها».

(7) نفس المصدر و المجلّد/ 319، ح 178.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر، ح 180.

10 و 11- من المصدر.

(12) المصدر: ما.

(13) المصدر: ذلك.

538

فعليّ مولاه، الّلهمّ، وال من والاه و عاد من عاداه.

وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ‏: في الألوهيّة.

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ‏: وليّ يواليه من أجل مذلّة به ليدفعها بموالاته.

نفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه و من غير جنسه اختيارا أو اضطرارا، أو ما يعاونه و يقوّيه‏ (1).

و رتّب الحمد (2) عليه للدّلالة على أنّه الّذي يستحقّ جنس الحمد، لأنّه كامل الذّات، المتفرّد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، و ما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه، و لذلك عطف عليه قوله: وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111).

و فيه تنبيه على أنّ العبد و إن بالغ في التّنزيه و التّمجيد و اجتهد في العبادة و التّحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقّه في ذلك.

و في أصول الكافي‏ (3): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجل، فقال: يا نبيّ اللّه، الغالب عليّ الدّين و وسوسة الصّدر.

فقال له- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قل: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، و الحمد للّه الّذي لم يتّخذ (4) ولدا، و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له وليّ من الذّل، و كبّره تكبيرا.

قال: فصبر الرّجل ما شاء اللّه، ثمّ مرّ على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهتف به، فقال: ما صنعت؟

فقال: أدمنت ما قلت لي، يا رسول اللّه، فقضى اللّه ديني و أذهب وسوسة صدري.

____________

(1) قوله: «نفى عنه» فنفي الولد يدلّ على عدم الشّريك من الجنس اختيارا، و نفي الشّريك من الملك يدلّ على عدم الشّريك من غير الجنس اضطرارا، و نفي الولد نفي الولّي من الذّلّ يدلّ على عدم المعاون.

(2) ليس في أ، ب.

(3) الكافي 2/ 554- 555، ح 2.

(4) المصدر: لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا.

539

محمّد بن يحيى، (1) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن الثّماليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، لقد لقيت [شدّة] (2) من وسوسة الصّدر و أنا رجل مدين معيل محوج.

فقال له: كرّر هذه الكمات: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، و الحمد للّه الّذي لم يتّخذ ولدا (3)، و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له وليّ من الذّل، و كبّره تكبيرا.

فلم يلبث أن جاء (4)، فقال: أذهب اللّه عنّي وسوسة (5) صدري، و قضى عنّي ديني، و وسّع عليّ رزقي.

و في روضة الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: فقد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رجلا من الأنصار، فقال: ما غيّبك عنّا؟

فقال: الفقر، يا رسول اللّه، و طول السّقم.

فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا أعلّمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر و السّقم؟

فقال‏ (7): بلى يا رسول اللّه.

فقال: إذ أصبحت و أمسيت فقل: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، و الحمد للّه الّذي لم يتّخذ ولدا، و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له وليّ من الذّل، و كبّره تكبيرا.

فقال الرّجل: [فو اللّه،] (8) ما قلته إلّا ثلاثة أيّام حتّى ذهب عنّي الفقر و السّقم.

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن عبد اللّه بن سنان قال: شكوت إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

____________

(1) نفس المصدر/ 555، ح 3.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا.

(4) المصدر: جاءه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بوسوسة.

(6) نفس المصدر 8/ 93، ح 65.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فقلت.

(8) ليس في ب.

(9) تفسير العيّاشي 2/ 320، ح 181.

540

فقال: ألا أعلّمك شيئا إذا قلته قضى اللّه دينك و أنعشك و أنعش حالك؟

فقلت: ما أحوجني إلى ذلك! فعلّمه‏ (1) هذا الدّعاء: قل في دبر صلاة الفجر: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، و الحمد للّه الّذي لم يتّخذ ولدا، و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له وليّ من الذّلّ، و كبّره تكبيرا، الّلهمّ، إنّي أعوذ بك من البؤس و الفقر و من غلبة الدّين و السّقم، و اسألك أن تعينني على أداء حقّك إليك و إلى النّاس.

و في تهذيب الأحكام‏ (2)، في الموثق: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: و الرّجل إذا قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً. أن يقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، [اللّه أكبر] (3).

قلت: فإن لم يقل الرّجل شيئا من هذا إذا قرأ؟

قال: ليس عليه شي‏ء.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (4): خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول فيها: الحمد للّه الّذي [لا يموت و لا تنقضي عجائبه، لأنّه كلّ يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن، الّذي‏] (5) لم يولد فيكون في العزّ مشاركا، و لم يلد فيكون موروثا هالكا.

و بإسناده‏ (6) إلى المفضّل عن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: الحمد للّه الّذي لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك.

و بإسناده‏ (7) إلى يعقوب السّرّاج: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث له: لم يلد لأن الولد يشبه أباه، و لم يولد فيشبه من كان قبله.

و بإسناده‏ (8) إلى حمّاد بن عمرو النّصيبيّ قال: سألت جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- عن التّوحيد.

فقال: واحد صمد، أزليّ صمديّ، لا ظلّ له يمسكه و هو يمسك الأشياء بأظلّتها، [عارف بالمجهول، معروف عند كلّ جاهل، فردانيّ لا خلقه فيه و لا هو في خلقه، غير

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فعلم.

(2) عنه في نور الثقلين 3/ 237، ح 494.

(3) ليس في ب.

(4) التوحيد/ 31.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر/ 48، ح 12.

(7) نفس المصدر/ 103، ح 19.

(8) نفس المصدر/ 57- 58، ح 15.

541

محسوس و لا مجسوس و لا تدركه الأبصار، علا فقرب، و دنا فبعد، و عصي فغفر، و أطيع فشكر، لا تحويه أرضه، و لا تقلّه سماواته، و إنّه حامل الأشياء بقدرته، ديموميّ، أزليّ، لا ينسى و لا يلهو و لا يغلط و لا يلعب، و لا لإرادته فصل، و فصله جزاء، و أمر واقع،] (1)، لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك، و لم يكن له كفوا أحد.

و بإسناده‏ (2) إلى ابن أبي عمير: عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- أنّه قال: و اعلم أنّ اللّه- تبارك و تعالى- واحد أحد صمد، لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك.

و في نهج البلاغة (3): لم يلد فيكون مولودا، و لم يولد فيصير محدودا، جلّ عن اتّخاذ الأبناء.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن العبّاس بن عمرو الفقيميّ‏ (5)، عن هشام بن الحكم، في حديث الزّنديق الّذي أتى أبا عبد اللّه، و كان من قول أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا يخلو قولك: إنّهما اثنان، من أن يكونا قديمين قويّين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّا و الآخر ضعيفا.

فإن كان قويّين، فلم لا يدفع كلّ منهما صاحبه و ينفرد بالتّدبير؟ و إن زعمت أنّ أحدهما قويّ و الآخر ضعيف ثبت أنّه واحد، كما تقول للعجز الظّاهر في الثّاني.

فإن قلت: إنّهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة، أو مفترقين‏ (6) من كلّ جهة. فلمّا رأينا الخلق منتظما و الفلك جاريا و التّدبير واحدا و اللّيل و النّهار و الشّمس و القمر، دلّ صحّة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد. ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فيلزمك ثلاثة. فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلنا (7) في الاثنين حتّى تكون بينهم فرجتان‏ (8)، فيكونوا خمسة، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الإهليلجة (9): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: فعرف‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 76، ح 32.

(3) النهج/ 273، الخطبة 186.

(4) الكافي 1/ 80- 81، ح 5.

(5) أ، ب: الفقمي.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: متفرقين.

(7) المصدر: قلت.

(8) المصدر: فرجة.

(9) بحار الأنوار 3/ 167.

542

القلب بعقله أنّه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا، و لو كان ناقصا ما خلق الإنسان، و لا اختلفت التّدابر و انتقضت‏ (1) الأمور مع النقص‏ (2) الّذي به يوصف الأرباب المتفرّدون و الشّركاء المتعانتون‏ (3).

و في مصباح الزّائر (4) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- في دعاء الحسين- (عليه السلام)- يوم عرفة: الحمد للّه الّذي لم يتّخذ ولدا فيكون موروثا، و لم يكن له شريك في الملك فيضادّه فيما ابتدع، و لا وليّ من الذّل ليرفده فيما صنع.

و في كتاب طبّ الأئمّة (5)- (عليهم السلام)- بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاء رجل من خراسان إلى عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- فقال: يا ابن رسول اللّه، حجت و نويت عند خروجي أن أقصدك، فإنّ بي وجع الطّحال و أن تدعو لي‏ (6) بالفرج.

فقال له عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: قد كفاك اللّه ذلك و له الحمد، فإذا أحسست به فاكتب هذه الآية بزعفران و ماء زمزم و اشربه، فإنّ اللّه- تعالى- يدفع عنك ذلك الوجع: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا، وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً. قال: لم يذلّ فيحتاج إلى وليّ ينصره.

و في كتاب الخصال‏ (8): عن جابر بن عبد اللّه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حاكيا عن اللّه- تبارك و تعالى-: و أعطيت‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لانتقصت.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: التقصير.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: المتعاينون.

(4) نور الثقلين 3/ 238- 239، ح 503.

(5) طبّ الأئمّة/ 29- 30.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و أن تدعوني.

(7) تفسير القمّي 2/ 30.

(8) الخصال/ 426، ذيل ح 1.

543

لك و لأمّتك التّكبير.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رجل عنده: اللّه اكبر.

[فقال: اللّه أكبر من أيّ شي‏ء؟

فقال:] (2) من كلّ شي‏ء.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- حددّته.

فقال الرّجل: كيف أقول؟

قال: قل: اللّه أكبر من أن يوصف.

و رواه محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن جميع بن عمير (4) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّ شي‏ء اللّه أكبر؟

فقلت: اللّه أكبر من كلّ شي‏ء.

فقال: و كان ثمّ‏ (5) شي‏ء فيكون أكبر منه؟

فقلت: فما هو؟

[قال: أكبر من أن يوصف.

في كتاب من لا يحضره الفقيه‏ (6)، بإسناده إلى سليمان بن مهران‏] (7) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: فكيف صار التّكبير يذهب بالضّغاط هناك‏ (8)؟

قال لأنّ قول العبد: اللّه أكبر، معناه: اللّه أكبر من أن يكون مثل الأصنام المنحوتة و الآلهة المعبودة.

و في كتاب مقتل الحسين‏ (9)- (عليه السلام)- لأبي مخنف: أنّ يزيد- لعنه اللّه- قال للمؤذّن: قم، يا مؤذّن، فأذّن.

فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر.

____________

(1) الكافي 1/ 117، ح 8.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 1/ 118، ح 9

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 165، و في النسخ: عمر.

(5) أي: هناك.

(6) الفقيه 2/ 154، ح 668.

(7) ليس في أ، ر.

(8) الضّغاط: المزاحمة. و قوله: «هناك»، أي:

عند باب بني شيبة في الحرم ..

(9) عنه في نور الثقلين 3/ 240، ح 511.

544

فقال له زين العابدين- (عليه السلام)-: صدقت، اللّه أكبر من كلّ شي‏ء.

و في مجمع البيان‏ (1): و روي‏ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يعلّم أهله هذه الآية و ما قبلها ... عن ابن عبّاس و مجاهد و سعيد بن جبير.

____________

(1) المجمع 3/ 446.