http://www.masaha.org

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏


الجزء الثامن‏


تأليف

محمد بن محمد رضا القمي المشهدي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org

28

قرأها فهو معصوم ثمانية أيّام من كلّ فتنة، فإن خرج الدّجّال في [تلك‏] (1) الثّمانية أيّام عصمه اللّه من فتنة الدّجّال.

سمرة بن جندب‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ عشر آيات من سورة الكهف [حفظا] (3) لم يضرّه فتنة الدّجال، و من قرأ السّورة كلّها دخل الجنّة.

و عن النّبيّ‏ (4)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا أدلّكم على سورة شيّعها سبعون‏ (5) ألف ملك حين نزلت، ملأت عظمتها ما بين السّماء و الأرض؟

قالوا: بلى.

قال: سورة أصحاب الكهف، من قرأها يوم الجمعة غفر اللّه له إلى الجمعة الأخرى و زيادة ثلاثة أيّام، و أعطي نورا يبلغ السّماء، و وقي فتنة الدّجّال.

و روى الواحدي‏ (6)، بإسناده إلى أبي الدّرداء: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من حفظ عشر آيات من أوّل‏ (7) سورة الكهف [ثمّ أدرك الدجّال لم يضرّه، و من حفظ خواتيم سورة الكهف‏] (8) كانت له نورا يوم القيامة.

و روى- أيضا-، بالإسناد (9)، عن سعيد بن محمّد الحرمي‏ (10)، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ستّة أيّام من كلّ فتنة تكون، فإن خرج الدّجّال عصم منه.

و في عيون الأخبار (11)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل، و فيه: سأله:

كم حجّ آدم من حجة؟

فقال له: سبعين حجّة ماشيا على قدميه، و أوّل حجّة حجّها كان معه الصّرد يدلّه على مواضع الماء، و خرج معه من الجنّة، و قد نهي عن أكل الصّرد و الخطّاف.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ، ب.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في ب.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) المصدر: الجزمي.

(11) العيون 1/ 243.

25

الجزء الثامن‏

تفسير سورة الكهف‏

32

و قرئ‏ (1) بالرّفع، على الفاعليّة.

تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ‏: صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم‏ (2)، و الخارج بالذّات هو الهواء الحامل لها.

و قيل‏ (3): صفة محذوف هو المخصوص بالذّمّ‏ (4)، لأنّ «كبر» هاهنا بمعنى: بئس.

و قرئ‏ (5): «كبرت» بالسّكون مع الإشمام.

إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (5) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ‏: قاتلها عَلى‏ آثارِهِمْ‏: إذا ولّوا عن الإيمان.

شبّهه لما يداخله من الوجد على تولّيهم بمن فارقته أعزّته، فهو يتحسّر على آثارهم، و يبخع نفسه وجدا عليهم.

و قرئ‏ (6): «باخع نفسك» على الإضافة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ‏ يقول: قاتل نفسك‏ (8) على آثارهم.

إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ‏: بهذا القرآن.

أَسَفاً (6): للتّأسّف عليهم، أو متأسّفا عليهم‏ (9).

و «الأسف» فرط الحزن و الغضب.

و قرئ: (10) «أن» بالفتح، على «لأن»، فلا يجوز إعمال «باخع» إلّا إذا جعل حكاية حال ماضية (11).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 4.

(2) لمّا كان من المعلوم أنّ الكلمة تخرج من أفواههم، ففائدة التّنبيه بهذه الصّفة تفيد استعظامها فكان كبرها باعتبار هذه الصّفة، أي: هي كلمة يجب أن لا يتكلّم بها أحد، فالتكلّم بها لا يكون إلّا لعظم الجرأة.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) و المعنى: كبرت كلمة قول يخرج من أفواههم‏

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمّي 2/ 31

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لنفسك.

(9) أي: «أسفا» إمّا مفعول له ب «باخع» لأنّ البخع و التأسّف فعلا فاعل واحد، و إمّا حال عنه.

(10) أنوار التنزيل 2/ 4.

(11) يعني: إذا قرئ: «إن» بالكسر كان «باخع» للاستقبال فيوجد شرط عمله فينصب «نفسك».

و أمّا إذا قرئ: «أن» بالفتح كان «باخع» للماضي، لأنّ «إن لم يؤمنوا» للماضي، لأنّ‏

33

إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ‏: من الحيوان و النّبات و المعادن.

زِينَةً لَها: و لأهلها.

لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7): في تعاطيه، و هو من زهد فيه، و لم يغترّ به، و قنع منه بما يزجي به أيّامه، و صرفه على ما ينبغي. و فيه تسكين لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في روضة الكافيّ‏ (1)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا، يقول فيه- (عليه السلام)-: و اعلموا أنّ اللّه لم يحبّ زهرة الدّنيا و عاجلها لأحد من أوليّائه و لم يرغّبهم فيها و في عاجل زهرتها و ظاهر بهجتها، و إنّما خلق الدّنيا و خلق أهلها ليبلوهم فيها أيّهم أحسن عملا لآخرته.

وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (8): تزهيد فيه.

و «الجرز»: الأرض الّتي قطع نباتها، [مأخوذ من الجرز] (2) و هو القطع، و المعنى: إنّا لنعيد ما عليها من الزّينة ترابا مستويا بالأرض، و نجعله كصعيد أملس لا نبات فيه.

أَمْ حَسِبْتَ‏: بل حسبت.

أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ‏: في إبقاء حياتهم مدّة مديدة كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (9).

و قصّتهم بالإضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس و الأنواع الفائتة للحصر

____________

نفسك لأجل عدم إيمانهم في الماضي، و لا يعمل في المفعول إلّا إذا جعل «باخع» حكاية حال ماضية، أي: لتصوير تلك الحالة في ذهن المخاطب حتّى كأنّه واقع في ذلك الزّمان فيوجد شرط عمله. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون إن لم يؤمنوا» للماضي و «باخع» للحال و الاستقبال، و المعنى: لعلّك باخع نفسك في الحال أو المستقبل لتولّيهم في الزمان الماضي. قلنا: تفوت المبالغة في وجده- (صلّى اللّه عليه و آله)- على تولّيهم، إذ التأكيد في أن يكون البخع في بدء زمان التّولّي لا بعده. و من هذا يعلم أنّ «لم» لا تقلب المضارع إلى الماضي إذا اجتمعت مع «إن» الشّرطيّة، و إذا اجتمعت مع «أن» الناصبة قلبتها إلى المضيّ، و الفرق أنّ الناصبة قد تدخل على فعل ماضي لفظا و معنى، كقوله- تعالى-: لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا و أمّا «إن» الشّرطية فليست كذلك فلقوتها غلبت على «لم».

(1) الكافي 8/ 75.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 4.

31

قال: فصلّيت بعد ذلك خلف الحسن، فقرأ: «تبشّر».

ماكِثِينَ فِيهِ‏: في الأجر.

أَبَداً (3): بلا انقطاع.

وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4).

خصّهم بالذّكر، فكرّر الإنذار متعلّقا بهم، استعظاما لكفرهم. و إنّما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدّم ذكره.

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏، أي: بالولد (1). أو باتّخاذه. أو بالقول، و المعنى: أنّهم يقولون عن جهل مفرط و توهّم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الّذي أرادوا به، فإنّهم كانوا يطلقون الأب و الابن بمعنى: المؤثر و الأثر (2). أو باللّه، إذ لو علموه لما جوّزوا نسبة الاتّخاذ إليه‏ (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏ قال‏ (5): [ما] (6) قالت قريش حين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه، و ما قالت اليهود و النّصارى في قولهم: عزير ابن اللّه، و المسيح ابن اللّه.

وَ لا لِآبائِهِمْ‏: لأسلافهم الّذين مضوا قبلهم على مثل ما هم عليه اليوم، و إنّما يقولون ذلك عن جهل و تقليد من غير حجّة.

كَبُرَتْ كَلِمَةً: عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التّشبيه و التّشريك و إيهام احتياجه- تعالى- إلى ولد يعينه و يخلفه إلى غير ذلك من الزّيغ.

و «كلمة» نصب على التّمييز.

____________

(1) أي: ليس لهم علم بما يترتّب على كون الولد للّه- تعالى- من المحالات.

(2) قوله: «من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به ... الخ»، أي: من غير علم الأواخر منهم بالمعنى الذي أرادته الأوائل منهم من اللقط الذي كانوا يقولونه، و أنّهم كانوا يقولون: الابن على الأثر و الأب على المؤثر. فلم يفهم الأواخر ما أراده الأوائل فتوهّموا أنّ مراد الأوائل من لفظ الابن: الولد.

(3) هذا دليل يتعلّق بكلّ من التقادير، أي: لو علموا ما يترتّب على كون الولد ولدا لما جوّزوا ... الخ. أو علموا ما في الاتّخاذ أو لو علموا ما أراد به الأوائل منهم لما جوّزوا.

(4) تفسير القمّي 2/ 30.

(5) ليس في المصدر.

(6) من المصدر.

29

و سأله: ما باله لا يمشي؟

فقال: لأنّه ناح على بيت المقدس فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه، و لم يزل يبكي مع آدم- (عليه السلام)-. فمن هناك سكن البيوت، و معه تسع آيات من كتاب اللّه ممّا كان آدم يقرأها (1) في الجنّة، و هي معه إلى يوم القيامة، ثلاث آيات من أوّل الكهف، و ثلاث [آيات‏] (2) من‏ سُبْحانَ الَّذِي‏ و إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏ (3)، و ثلاث آيات من يس‏ وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (4).

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ‏، يعني: القرآن. رتّب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنّه أعظم نعمائه، و ذلك لأنّه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، و الدّاعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش و المعاد.

وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1): شيئا من العوج، باختلال في اللّفظ و تناقض في المعنى‏ (5)، أو انحراف من الدّعوة إلى جناب الحقّ. و هو في المعاني، كالعوج في الأعيان.

قَيِّماً: مستقيما معتدلا لا إفراط فيه و لا تفريط. أو قيّما بمصالح العباد، فيكون وصفا له بالتّكميل بعد وصفه بالكمال. أو قيّما على سائر (6) الكتب السّابقة يشهد بصحّتها. أو قيّما دائما يدوم و يثبت إلى يوم القيامة، لا ينسخ.

و انتصابه بمضمر، تقديره: جعله قيّما. أو على الحال من الضّمير في «له» أو من «الكتاب» على أنّ الواو في «و لم يجعل» للحال دون العطف، إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلا بين أبعاض المعطوف عليه، و لذلك قيل: فيه تقديم و تأخير (7).

[قال عليّ بن إبراهيم‏ (8) في تفسيره: هذا مقدّم و مؤخّر،] (9) لأن معناه: الّذي أنزل على عبده الكتاب قيّما و لم يجعل له عوجا، فقد قدّم حرف على حرف.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يقرأ بها.

(2) من المصدر.

(3) الإسراء/ 45.

(4) يس/ 8.

(5) لو فسّر العوج في المعنى بما لا يقبله العقل السليم لكان أولى ليعمّ التناقض و غيره.

(6) ليس في أ، ب، ر.

(7) أي: من جعل الواو للعطف و «قيما» حالا من «الكتاب» لزمه أن يقول: بأنّ في هذا التّركيب تقديما و تأخيرا، فيكون «قيّما» حقيقة مؤخّرا لفظا.

(8) تفسير القمّي 2/ 30.

(9) ليس في أ، ب، ر.

27

سورة الكهف مكّيّة، إلّا قوله: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ. فإنّها نزلت بالمدينة في قصة عيينة بن حصين الفزاريّ.

[و هي مائة و إحدى عشرة آية.] (1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الكهف في كلّ ليلة جمعة لم يمت إلّا شهيدا، و يبعثه اللّه من‏ (3) الشّهداء، و وقف يوم القيامة مع الشّهداء.

و في الكافي‏ (4): الحسين بن محمّد، عن عبد اللّه بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن أيّوب عن نوح، عن محمّد بن أبي حمزة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من قرأ سورة الكهف في كلّ ليلة جمعة كانت كفّارة ما بين الجمعة إلى الجمعة.

قال‏ (5): و روى غيره- أيضا- فيمن قرأها يوم الجمعة بعد الظّهر و العصر، مثل ذلك.

و في مجمع البيان‏ (6): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من‏

____________

(1) ليس في ج.

(2) ثواب الأعمال/ 134.

(3) المصدر: مع.

(4) الكافي 3/ 429، ح 7.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) مجمع البيان 3/ 447.

30

و قرئ‏ (1): «قيما».

«لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي: لينذر الّذين كفروا عذابا شديدا، فحذف المفعول الأوّل اكتفاء بدلالة القرينة (2)، و اقتصارا على الغرض المسوق إليه.

مِنْ لَدُنْهُ‏: صادرا من عنده.

و قرأ (3) أبو بكر، بإسكان الدّال، و كسر النّون لالتقاء السّاكنين، و كسر الهاء للإتباع.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن البرقيّ، عمّن رواه، رفعه، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ‏ قال: «البأس الشّديد» عليّ، و هو من لدن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاتل معه عدوّه، فذلك قوله: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن محمّد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ‏.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: «البأس الشّديد» عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. و هو من لدن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و قاتل معه‏ (6) عدوّه، فذلك قوله:

لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.

وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2): هو الجنّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن الحسن بن صالح قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: لا تقرأ «يبشّر» إنّما البشر، بشر الأديم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 4.

(2) فيه أنّ القرينة لا تدلّ على اعتبار خصوص الكافرين، بل على اعتبار عموم العاصين لأنّ الإنذار مناسب لمطلق العصاة، و كذا المقابلة بالذين آمنوا و عملوا الصّالحات و قد يقال: المراد من البأس الشديد: العذاب الذي بلغ الغاية، و هو مخصوص الكافرين.

(3) أنوار التنزيل 2/ 4.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 321، ح 2

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 291.

(6) ليس في المصدر.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 321، ح 3

34

على طبائع متباعدة و هيئات متخالفة تعجب النّاظرين من مادّة واحدة ثمّ ردّها إليها ليس بعجيب، مع أنّه من آيات اللّه كالنّزر الحقير.

و «الكهف» الغار الواسع في الجبل، و إذا صغر فهو غار.

و «الرّقيم» اسم الجبل، أو الوادي الّذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، أو لوح [رصاصي أو] (1) حجريّ رقمت فيه أسماؤهم و جعلت على باب الكهف.

و قيل‏ (2): أصحاب الرّقيم قوم آخرون، كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم‏ (3) فأخذتهم السّماء، فآووا إلى الكهف فانحطّت صخرة و سدّت بابه، فقال أحدهم‏ (4):

اذكروا أيّكم عمل حسنة (5)، لعلّ اللّه يرحمنا ببركته.

فقال واحد منهم: استعملت أجراء ذات يوم، فجاء رجل وسط النّهار و عمل في بقيّته مثل عملهم، فأعطيته مثل أجرهم، فغضب أحدهم و ترك أجره، فوضعته في جانب البيت، ثمّ مرّبيّ بقر فاشتريت به فصيلة (6) فبلغت ما شاء اللّه، فرجع إليّ بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه، و قال لي: إنّ لي عندك حقّا. و ذكره لي حتّى‏ (7) عرفته، فدفعتا إليه جميعا، الّلهمّ، إن كنت فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنّا. فانصدع الجبل حتّى رأوا الضّوء.

و قال آخر: كان فيّ فضل، و أصابت النّاس شدّة، فجاءتني امرأة فطلبت منّي معروفا، فقلت: و اللّه‏ (8)، ما هو دون نفسك. فأبت، و عادت ثمّ رجعت ثلاثا، ثمّ ذكرت لزوجها، فقال: أجيبي له و أعيني‏ (9) عيالك. فأتت و سلّمت إليّ نفسها، فلمّا تكشّفتها و هممت بها ارتعدت، فقلت: مالك؟ قالت: أخاف اللّه. فقلت لها: خفته في الشّدّة و لم أخفه في الرّخاء؟

فتركتها و أعطيتها ملتمسها، الّلهمّ، إن [كنت‏] (10) فعلته لوجهك‏ (11) فأفرج عنّا.

فانصدع حتّى تعارفوا.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 5.

(3) أي: يلتمسون شيئا لأهلهم من طعام و غيره.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بحسنة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فصيلته.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و ذكر حتّى.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لا و اللّه.

(9) المصدر: أغيثي.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لأجلك.

35

و قال الثّالث: كان [لي‏] (1) أبوان همّان‏ (2)، و كانت لي غنم، و كنت أطعمهما و أسقيهما ثمّ أرجع إلى غنمي، فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح‏ (3) حتّى أمسيت، فأتيت أهلي و أخذت محلبي فحلبت فيه و مضيت إليهما، فوجدتهما نائمين، فشقّ عليّ أن أوقظهما، فتوقّعت‏ (4) جالسا و محلبي على يدي حتّى أيقظهما الصّبح فسقيتهما، الّلهمّ، [إن كنت‏] (5) فعلته لوجهك، فأفرج عنّا. ففرّج اللّه عنهم فخرجوا ... روى ذلك نعمان بن بشير مرفوعا.

و

في مجمع البيان‏ (6): و قيل‏ إنّ: أصحاب الرّقيم هم النّفر الثّلاثة الّذين دخلوا في غار فانسدّ عليهم، فقالوا: فليدع‏ (7) اللّه- تعالى- كلّ واحد منّا بعمله‏ (8) حتّى يفرّج اللّه عنّا.

[ففعلوا] (9). فنجّاهم اللّه. رواه النّعمان بن البشير مرفوعا.

و في محاسن البرقي‏ (10): عنه، [عن عبد اللّه،] (11) عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن المفضّل بن صالح، عن جابر الجعفيّ، يرفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: خرج ثلاثة (12) نفر يسيحون في الأرض، فبينما هم يعبدون اللّه في كهف في قلّة جبل حين‏ (13) حتّى بدت صخرة من أعلى الجبل حتّى التقمت باب الكهف.

فقال بعضهم لبعض: عباد اللّه، [و اللّه،] (14) ما ينجيكم ممّا وقعتم إلّا أن تصدقوا اللّه فهلمّ ما عملتم للّه خالصا، فإنّما ابتليتم‏ (15) بالذّنوب.

فقال أحدهم: الّلهمّ، أن كنت تعلم أنّي طلبت امرأة لحسنها و جمالها، فأعطيت فيها مالا ضخما، حتّى إذا قدرت عليها و جلست منها مجلس الرّجل من المرأة ذكرت النّار

____________

(1) من المصدر.

(2) الهمّ: الشيخ الكبير.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فلم أرح.

و في النسخ: فهم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فتوقّفت.

(5) من المصدر.

(6) المجمع 3/ 452.

(7) المصدر: ليدعوا.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: كلّ واحد ما يعمله.

(9) من المصدر.

(10) المحاسن/ 253، ح 277.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: ثلاث.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى.

(14) ليس في أ، ب، ر.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: أسلمتم.

37

بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّوا الإيمان و أظهروا الشّرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن درست الواسطيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: ما بلغت تقيّة أحد تقيّة (2) أصحاب الكهف، إذ كانوا يشهدون الأعياد و يشدّون الزّنانير فأعطاهم‏ (3) اللّه أجرهم مرّتين.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن عبد اللّه‏ (5) بن يحيى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه ذكر أصحاب الكهف، فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم؟

فقيل له: و ما كلّفهم قومهم‏ (6)؟

فقال: كلّفوهم الشّرك باللّه العظيم، فأظهروا لهم الشّرك و أسرّوا الإيمان حتّى جاءهم الفرج.

عن أبي بصير (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الكفر، فآجرهم اللّه [مرّتين‏] (8).

عن محمّد (9)، عن أحمد بن عليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً قال: هم قوم فرّوا، و كتب ملك ذلك الزّمان بأسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم في صحف من رصاص، فهو (10) قوله:

أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ‏.

عن أبي بكر الحضرميّ‏ (11)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خرج أصحاب الكهف على غير معرفة و لا ميعاد، فلمّا صاروا في الصّحراء أخذ بعضهم على بعض العهود و المواثيق، يأخذ هذا على هذا و هذا على هذا، ثم قالوا: أظهروا أمركم. فأظهروه، فإذا على أمر واحد.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 218، ح 8.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ما بلغت فئة أحد فئة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و يشهدون الزنابير و أعطاهم. و الزنانير: جمع الزنّار: حزام يشدّه النصرانيّ على وسطه.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 323، ح 8.

(5) المصدر: عبيد اللّه.

(6) ليس في ب.

(7) نفس المصدر/ 321، ح 4.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر/ 321، ح 5.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فهم.

(11) نفس المصدر/ 322، ح 6.

38

عن الكاهليّ‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الكفر. و كانوا على إجهار الكفر أعظم أجرا منهم على الإسرار بالإيمان.

عن سليمان بن جعفر النّهديّ‏ (2) قال: قال لي جعفر بن محمّد- (عليه السلام)‏-: يا سليمان، من الفتى؟

قال: قلت: جعلت فداك، الفتى عندنا الشّابّ.

قال لي: أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا كلّهم كهولا فسمّاهم اللّه فتية بإيمانهم، يا سليمان، من آمن باللّه و اتّقى، فهو الفتى.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: لرّجل: ما الفتى عندكم؟

فقال له: الشّابّ.

فقال: لا، الفتى المؤمن، إنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخا فسمّاهم اللّه- عزّ و جلّ- فتية بإيمانهم.

و روي‏ (4) عن سدير الصّيرفيّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: حديث بلغني [عن الحسن البصريّ، فإن كان حقّا، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

قال: و ما هو؟

قلت: بلغني‏] (5) أنّ الحسن كان يقول: لو غلى دماغه من حرّ الشّمس ما استظّل بحائط صيرفيّ، و لو تفرّثت‏ (6) كبده عطشا لم يستسق من دار صيرفيّ ماء. و هو عملي و تجارتي، و عليه نبت لحمي و دمي، و منه حجّتي و عمرتي.

قال: فجلس- (عليه السلام)- ثمّ قال: كذب الحسن، خذ سواء و أعط سواء، و إذا حضرت الصّلاة فدع ما بيدك و انهض إلى الصّلاة، أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا صيارفة، يعني: صيارفة الكلام، و لم يعن صيارفة الدراهم‏ (7).

____________

(1) نفس المصدر/ 323، ح 10.

(2) نفس المصدر/ 323، ح 11.

(3) الكافي 8/ 395، ح 595.

(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 96، ح 370.

(5) من المصدر.

(6) أي: تفرّقت.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و لم يكونوا صيارفة دراهم. أقول: «الصّرف» هو بيع النقود، كبيع الذّهب بالفضّة أو الدّينار بالدّرهم.

و صيارفة- جمع الصيرفيّ-: و هو النّقّاد، و الهاء للنّسبة. ثمّ إنّ المشهور كراهية بيع الصّرف، لأنّه يفضي إلى المحرّم أو المكروه غالبا. و لعلّ هذا

39

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشي:

عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أعبل، عن أبيه، عن أبي رافع‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، قال فيه‏ بعد أن ذكر عيسى، ثمّ يحيى بن زكريّا، ثمّ العزير، ثمّ دانيال، ثمّ مكيخا بن دانيال- (عليهم السلام)- و ملوك زمانهم: فعند ذلك ملك شابور بن هرمز اثنين و سبعين سنّة، و هو أوّل من عقد التّاج و لبسه، و ولي أمر اللّه- عزّ و جلّ- يومئذ (3) أنشوا (4) بن مكيخا. و ملك بعد [ذلك‏] (5) أردشير، أخو شابور سنتين، و في زمانه بعث اللّه الفتية أصحاب الكهف و الرّقيم، و ولي أمر اللّه في الأرض يومئذ و سيخا بن أنشوا (6) بن مكيخا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و قوله- عزّ و جلّ-: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً يقول: قد آتيناك من الآيات‏ (8) ما هو أعجب منه، و هو فتية

____________

الخبر إنّما ورد ردّا على من يرى إباحته متمسّكا بعمل أصحاب الكهف.

و قال المجلسيّ (ره) بعد نقل هذا الخبر: لعلّه- (عليه السلام)- إنّما ذكر ذلك إلزاما عليهم حيث ظنّوا إنهم كانوا صيارفة الدراهم.

(انتهى). و قد رواه الصّدوق (ره) في الفقيه و ليس فيما رواه قوله: «يعني: صيارفة كلام ...

الخ» كما أنّ الظاهر أنّه من كلام الرّاوي أو الكليني (ره). نعم، ورد في بعضها التّصريح بأنهم صيارفة الكلام، كما في حديث العياشي، ثم قال الصدوق (ره) بعد نقل الحديث: يعني:

صيارفة الكلام و لم يعن صيارفة الدراهم.

(انتهى) و ذكر المجلسي (ره) في وجه حمل الصدوق (ره) الخبر على هذا المعنى وجوها يطول المقام بذكرها، و على الطالب أن يراجع البحار.

و عن بعض شرّاح الحديث: أنّ المعنى: كأنّ الإمام- (عليه السلام)- قال لسدير: مالك و لقول الحسن البصريّ؟ أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة الكلام و نقدة الأقاويل، فانتقدوا ما قرع أسماعهم فاتبعوا الحقّ و رفضوا الباطل و لم يسمعوا أمانّي أهل الضلال و أكاذيب رهط النفاهة، فأنت أيضا كن صيرفيّا لما يبلغك من الأقاويل فانتقدوا آخذا بالحقّ رافضا للباطل.

و ليس المراد: أنهم كانوا صيارفة الدراهم، كما هو المتبادر إلى بعض الأوهام، لأنّهم كانوا فتية من أشراف الرّوم مع عظم شأنهم و كبر خطرهم.

(1) كمال الدين/ 227، ضمن ح 20.

(2) المصدر: عمّن حدّثه أسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه أبي رافع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و هو يومئذ.

(4) المصدر: أنشو.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: دسيخا بن أنشو.

(7) تفسير القمّي 2/ 31.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الملك.

36

فقمت عنها فرقا (1) منك، الّلهمّ، فرفع عنّا هذه الصّخرة. فانصدعت، حتّى نظروا إلى الصّدع.

ثم قال الآخر: الّلهمّ، إنّ كنت تعلم أنّي استأجرت قما يحرثون كلّ رجل منهم بنصف درهم، فلمّا فرغا أعطيتهم أجورهم، فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين، و اللّه، لا آخذ إلّا درهما واحدا. و ترك ماله عندي، فبذرت بذلك النّصف الدّرهم في الأرض فأخرج اللّه من ذلك رزقا، و جاء صاحب النّصف الدّرهم فأراده، فدفعت إليه عشرة آلاف درهم‏ (2)، فإن كنت تعلم إنّما فعلته مخافة منك فارفع عنّا هذه الصّخرة.

فانفرجت عنهم، حتّى نظر بعضهم إلى بعض.

ثمّ أنّ الآخر قال: اللّهمّ، إنّ كنت تعلم أنّ أبي و أمّي كانا نائمين، فأتيتهما بقعب من لبن، فخفت أن أضعه أن تلج‏ (3) فيه هامّة، و كرهت أن أوقظهما من النّوم فيشقّ ذلك عليهما، فلم أزل كذلك حتّى استيقظا و شربا، الّلهمّ، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فارفع عنا هذه الصّخرة. فانفرجت لهم، حتّى سهل لهم طريقهم.

[ثمّ قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من صدق اللّه نجا.]

(4) و في الخرائج و الجرائح‏ (5): عن المنهال بن عمر قال: و اللّه، أنا رأيت رأس الحسين- (عليه السلام)- حين حمل، و أنا بدمشق، و بين يديه رجل يقرأ الكهف حتّى بلغ قوله:

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. فأنطق اللّه- تعالى- الرّأس بلسان ذرب طلق قال: أعجب من أصحاب الكهف حملي و قتلي.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب: و روى أبو مخنف، عن الشّعبي: أنّه صلب رأس الحسين- (عليه السلام)- بالصّياف‏ (7) في الكوفة، فتنحنح الرّأس و قرأ سورة الكهف إلى قوله: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏.

و سمع أيضا يقرأ: أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام‏

____________

(1) أ، ب: خوفا.

(2) المصدر: فدفعت إليه ثمان عشرة آلاف.

(3) المصدر: تمجّ.

(4) من المصدر.

(5) نور الثقلين 3/ 243، ح 15.

(6) المناقب 4/ 61.

(7) المصدر: بالصيارف.

(8) الكافي 1/ 448، ح 28.

40

كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و أما الرّقيم فهما لو حان من نحاس مرقوم، أي: مكتوب فيهما أمر الفتية، و أمر إسلامهم، و ما أراد منهم دقيانوس الملك، و كيف كان أمرهم و حالهم.

و قال عليّ بن إبراهيم‏ (1): فحدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان سبب نزول سورة الكهف، أنّ قريشا بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران، يعني‏ (2): النّضر بن الحارث بن كلدة، و عقبة ابن أبي معيط، و العاص بن وائل السّهميّ، ليتعلّموا من اليهود و النّصارى مسائل يسألونها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم.

فقالوا: سلوه عن ثلاث مسائل، فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق، ثمّ سلوه عن مسألة واحدة فإن أدّعى علمها فهو كاذب.

قالوا: و ما هذه المسائل؟

قالوا: سلوه عن فتية كانوا في الزّمن الأوّل فخرجوا و غابوا و ناموا، كم‏ (3) بقوا في نومهم حتّى انتبهوا، و كم كان عددهم، و أيّ شي‏ء كان معهم [من غيرهم‏] (4)، و ما كان قصّتهم؟ و اسألوه عن موسى حين أمره اللّه- عزّ و جلّ- أن يتبع العالم و يتعلّم منه من هو، و كيف تبعه، و ما كان قصته‏ (5) معه؟ و اسألوه عن طائف طاف [من‏] (6) مغرب الشّمس و مطلعها حتّى بلغ سدّ يأجوج و مأجوج، من هو، و كيف كان قصّته؟

ثمّ أملوا عليهم أخبار (7) هذه الثّلاث مسائل و قالوا لهم: إن أجابكم بما قد أملينا عليكم فهو صادق، و إن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدّقوه.

قالوا: فما المسألة الرّابعة؟

قالوا: سلوه متّى تقوم السّاعة؟ فإن ادّعى علمها فهو كاذب فإنّ قيام السّاعة لا يعلمها (8) إلّا اللّه- تبارك و تعالى-.

فرجعوا إلى مكّة و اجتمعوا إلى أبي طالب- رضي اللّه عنه- فقالوا: يا أبا طالب،

____________

(1) نفس المصدر و الموضع‏

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: و كم.

(4) ليس في ب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: قصّة.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أحبارهم.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لما يعلمها.

41

إنّ ابن أخيك يزعم أنّ خبر السّماء يأتيه و نحن نسأله عن مسائل، فإن أجابنا عنها علمنا أنّه صادق، و إن لم يجبنا عملنا أنّه كاذب.

فقال أبو طالب: سلوه‏ (1) عمّا بدا لكم.

سألوه عن الثّلاث مسائل. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: غدا أخبركم.

و لم يستثن، فاحتبس الوحي عليه أربعين يوما حتّى اغتمّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و شكّ أصحابه الّذين كانوا آمنوا به، و فرحت قريش [و استهزؤوا] (2) و آذوا، و حزن أبو طالب، فلمّا كان بعد أربعين يوما نزل عليه سورة (3) الكهف. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل، لقد أبطأت؟؟

فقال: إنّا لا نقدر أن ننزل إلّا بإذن اللّه- تعالى-. [فأنزل‏] (4): أَمْ حَسِبْتَ‏ يا محمّد أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً.

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ‏ و في مجمع البيان‏ (5): قالوا: هذه الفتية قوم آمنوا باللّه- تعالى- و كانوا يخفون الإسلام خوفا من ملكهم، و كان اسم الملك دقيانوس، و أسم مدينتهم أفسوس، و كان ملكهم يعبد الأصنام و يدعو إليها (6) و يقتل من خالفه.

و قيل‏ (7): كان مجوسيّا يدعو إلى دين المجوس، و الفتية كانوا على دين المسيح لما برح‏ (8) أهل الإنجيل.

و قيل‏ (9): كان من خواصّ الملك، و كان يسرّ كلّ واحد منهم إيمانه عن صاحبه، ثمّ اتّفق أنّهم‏ (10) اجتمعوا و أظهروا أمرهم فآووا إلى الكهف.

و قيل‏ (11): إنّهم كانوا قبل بعث عيسى.

فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً: توجب لنا المغفرة و الرّزق و الأمن من العدوّ.

وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا: من الأمر الّذي نحن عليه من مفارقة الكفّار.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: سألوه.

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) المصدر: بسورة.

(4) من المصدر.

(5) المجمع 3/ 452.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و يدعوا لها.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فرج.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أيّهم.

(11) نفس المصدر و الموضع.

42

رَشَداً (10): نصير بسببه راشدين مهتدين. أو اجعل لنا من أمرنا كلّه رشداً (1)، كقولك: رأيت منك أسدا.

و أصل التّهيئة إحداث هيئة الشّي‏ء.

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ‏، أي: ضربنا عليهم حجابا يمنع السّماع، أي: أنمناهم إنامة لا تنبّههم الأصوات. فحذف المفعول، كما حذف في قوله: بنى على امرأته‏ (2).

فِي الْكَهْفِ سِنِينَ‏: ظرفان «لضربنا».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، متّصل بقوله: أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. ثمّ قصّ قصّتهم فقال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً.

فقال الصّادق- (عليه السلام)‏-: إن أصحاب الكهف و الرّقيم كانوا في زمن ملك جبّار عات، و كان يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يجبه قتله، و كان هؤلاء قوما مؤمنين يعبدون اللّه- عزّ و جلّ-. و وكّل الملك بباب المدينة و كلاء لم يدع أحدا يخرج‏ (4) حتّى يسجد للأصنام، فخرج هؤلاء بحيلة الصّيد (5)، و كان قد مرّوا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم، و كان من الرّاعي كلب فأجابهم الكلب و خرج معهم.

فقال الصّادق- (عليه السلام)‏-: لا يدخل الجنّة من البهائم إلّا ثلاثة: حمار بلعم بن باعورا، و ذئب يوسف، و كلب أصحاب الكهف. فخرج أصحاب الكهف من المدينة بعلّة (6) الصّيد هربا من دين ذلك الملك، فلمّا أمسوا دخلوا إلى ذلك الكهف و الكلب معهم، فألقى اللّه- عزّ و جلّ- عليهم النّعاس، كما قال اللّه- تعالى-: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً.

عَدَداً (11)، أي: ذوات عدد. و وصف السّنين به يحتمل التّكثير و التّقليل،

____________

(1) ففيه مبالغتان: إحداهما جعل الأمر نفس الرّشد، فهو كزيد عدل، لأن الرّشد مصدر.

و الثّانية تجريد الرّشد من الأمر و فانتزع من الأمر الرّشد مثله.

(2) أي: بني الحجاب عليها.

(3) تفسير القمّي 2/ 32.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى يخرج.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فخرجوا هؤلاء الأربعة الصّيد.

(6) المصدر: بحيلة.

43

فإنّ مدّة لبثهم كبعض يوم عنده‏ (1).

ثُمَّ بَعَثْناهُمْ‏: أيقظناهم.

و في روضة الواعظين‏ (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الصّادق- (عليه السلام)‏-: يخرج مع القائم- (عليه السلام)- من ظهر الكوفة (3) سبعة و عشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى- (عليه السلام)- الّذين كانوا يهدون بالحقّ و به يعدلون، و سبعة من أهل الكهف، و يوشع بن نون، و سلمان‏ (4)، و أبا دجانة الأنصاريّ، و المقداد، و مالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصارا و حكّاما.

لِنَعْلَمَ‏، أي: ليظهر معلومنا على ما علمناه، و المعنى: لننظر أيّ الحزبين من المؤمنين و الكافرين من قوم أصحاب الكهف عدّ أمد لبثهم و علم ذلك.

و قيل‏ (5): يعني بالحزبين: أصحاب الكهف، لما استيقظوا اختلفوا في تعداد لبثهم.

أَيُّ الْحِزْبَيْنِ‏: المختلفين منهم أو من غيرهم في مدّة لبثهم.

أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً (12): ضبط أمدا لزمان لبثهم.

و ما في «أيّ» من معنى الاستفهام علّق عنه «لنعلم»، فهو مبتدأ و «أحصى» [خبره، و هو] (6) فعل ماض و «أمدا» مفعوله. و «لما لبثوا» قيل‏ (7): حال منه‏ (8)، أو مفعول له.

و قيل‏ (9): إنّه المفعول، و «الّلام» مزيدة، و «ما» موصولة، و «أمدا» تمييز.

و قيل‏ (10): «أحصى» اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزّوائد، كقولهم: هو

____________

(1) قوله: «و وصف السّنين به ..» أي: فائدة وصف السّنين به يحتمل أن يكون لإفادة الكثرة، أي: سنين كثيرة. و يحتمل التّقليل، أي: سنين قليلة، و وصفها بالقلّة مع كونها أكثر من ثلاثمائة لأنّها كبعض يوم عنده لقوله- تعالى-: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ و إذا كان يوم عنده- تعالى- كألف سنة ممّا تعدّون كان السّنين المذكورة كبعض اليوم.

(2) روضة الواعظين/ 266.

(3) المصدر: الكعبة.

(4) ليس في ب.

(5) مجمع البيان 3/ 452.

(6) ليس في ب.

(7) أنوار التنزيل 2/ 5.

(8) و التقدير: أمدا كافيا للبثهم، ف «ما» مصدريّة

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر و الموضع.

44

أحصى للمال و أفلس من ابن المذلق. و «أمدا» نصب بفعل دلّ عليه «أحصى» (1).

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قد رجع إلى الدّنيا ممّن‏ (3) مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف، أماتهم اللّه‏ (4) ثلاثمائة عام [و تسعة] (5)، ثمّ بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع‏ (6) حجّتهم و ليريهم قدرته، و (7) ليعلموا أنّ البعث حقّ.

و في كتاب طبّ الأئمّة (8)- (عليهم السلام)-: عوذة للصّبيّ إذا كثر بكاؤه، و لمن يفزع باللّيل‏ (9)، و للمرأة إذا سهرت من وجع‏ فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً. حدّثنا أبو المقر (10) الواسطي قال:

حدّثنا محمّد بن سليمان، عن مروان بن الجهم، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مأثورة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال ذلك.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ‏: بالصّدق.

إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ‏: شبّان، جمع، فتيّ، كصبيّ و صبية.

وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏ (13): بالتّثبيت.

و في أصول الكافي‏ (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، و فيه بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها (12).

قلت: قد فهمت نقصان الإيمان و تمامه، فمن أين جاءت زيادته؟

____________

(1) أي: أحصى أمدا، فيكون «أحصى» الأوّل اسم تفضيل، و «أحصى» الثاني فعلا ماضيا بمعنى: ضبط، كما مرّ.

(2) عنه في نور الثقلين 3/ 256.

(3) المصدر: ممّا.

(4) ليس في ب.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لينقطع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ليريهم قدرتهم أو.

(8) طبّ الأئمّة/ 36.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: به اللّيل.

(10) المصدر: أبو المعز. و في نور الثقلين 3/ 250، ح 32: أبو المغرا.

(11) الكافي 2/ 34 و 37، ح 1.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و بين ذلك.

45

فقال: قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ‏. و قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏. و لو كان كلّه واحد لا زيادة فيه و لا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر، و لاستوت النّعم، و لاستوى النّاس و بطل التّفضيل، و لكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، و بالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه، و بالنّقصان دخل المفرّطون النّار.

وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏: و قوّيناها بالصّبر على هجر الموطن و الأهل و المال، و مخالفة دقيانوس الجبّار الّذي فتن أهل الإيمان عن دينهم.

إِذْ قامُوا: بين يديه.

فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14)، أي: إن دعونا مع اللّه إلها، و اللّه، لقد قلنا قولا ذا شطط، أي: ذا بعد عن الحقّ مفرطا في الظّلم.

و «الشطط» الخروج عن الحدّ بالغلوّ، و أصله: مجاوزة الحدّ في البعد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول- عزّ و جلّ-: لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً، يعني: جورا على اللّه- تعالى- إن قلنا أنّ له شريكا.

هؤُلاءِ: مبتدأ. قَوْمُنَا: عطف بيان. اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً: خبره.

و هو إخبار في معنى إنكار.

لَوْ لا يَأْتُونَ‏: هلّا يأتون.

عَلَيْهِمْ‏: على عبادتهم.

بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ‏: ببرهان ظاهر، فإنّ الدّين لا يؤخذ إلّا به.

و فيه دليل على أنّ ما لا دليل عليه من الدّيانات مردود، و أن التّقليد فيه غير جائز (3).

____________

(1) التوبة/ 125- 126.

(2) تفسير القمّي 2/ 34.

(3) قيل: أي: من أصول الدّين مردود، و لا يصحّ التّقليد في الأصول.

46

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15): بنسبة الشّريك [إليه‏] (1).

وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ‏: خطاب بعضهم لبعض.

وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ‏: عطف على الضّمير المنصوب، أي: و إذا اعتزلتم القوم و معبوديهم إلّا اللّه، فإنّهم كانوا يعبدون اللّه و يعبدون الأصنام، كسائر المشركين.

و يجوز أن تكون «ما» مصدرية، على تقدير: و إذا اعتزلتموهم و عبادتهم إلّا عبادة اللّه.

قال ابن عباس‏ (2): و هذا من قول تلميخا، و هو رئيس أصحاب الكهف.

و قيل‏ (3): يجوز أن تكون «ما» نافية، على أنّه إخبار من اللّه- تعالى- عن الفتية بالتّوحيد معترض بين «إذ» و جوابه لتحقيق اعتزالهم.

فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ‏: يبسط الرّزق لكم، و يوسع عليكم.

مِنْ رَحْمَتِهِ‏: في الدّارين.

وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16): ما ترتفقون به، أي: تنتفعون.

و جزمهم بذلك لنصوع [يقينهم و قوّة وثوقهم بفضل اللّه.

و قرأ (4) نافع و ابن عامر: «مرفقا»: بفتح الميم و كسر] (5) الفاء، و هو مصدر جاء شاذّا، كالمرجع و المحيض، فإنّ قياسه الفتح.

وَ تَرَى الشَّمْسَ‏: لو رأيتهم، و الخطاب لرسول اللّه أو لكلّ أحد.

إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ‏: تميل عنه و لا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأنّ الكهف كان جنوبيّا (6)، أو لأنّ اللّه زوّرها عنهم.

و أصله: تتزاور، فأدغمت التّاء في الزّاء.

____________

و يمكن أن يقال: المراد «من الدّيانات» مطلق الأمور الدّينيّة، أصولا و فروعا، و أمّا كون شخص مقلّدا لآخر في المذهب فليس من التّقليد بلا دليل، بل قول المجتهد دليل عليه.

(1) ليس في ب.

(2) مجمع البيان 3/ 454.

(3) أنوار التنزيل 2/ 6.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) أي: بابه مقابل القطب الشمالي و هو ذاهب إلى جانب الجنوب.

47

و قرأ (1) الكوفيون بحذفها. و ابن عامر و يعقوب تزور، كتحمر.

و قرئ‏ (2): «تزوار»، كتحمار. و كلّها من الزّور بمعنى: الميل.

ذاتَ الْيَمِينِ‏: جهة اليمين، و حقيقتها الجهة ذات اسم اليمين.

وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ‏: تقطعهم و تصرم عنهم.

ذاتَ الشِّمالِ‏، يعني: يمين الكهف و شماله، لقوله: وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ‏، أي: و هم في متّسع من الكهف، يعني: في وسطه، بحيث ينالهم روح الهواء و لا يؤذيهم كرب الغار و لا حرّ الشّمس.

قيل‏ (3): و ذلك لأنّ باب الكهف في مقابلة بنات النّعش‏ (4)، و أقرب المشارق و المغارب إلى محاذاته مشرق‏ (5) رأس السّرطان و مغربه، و الشّمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة [عنه، مقابلة] (6) لجانبه الأيمن و هو الّذي يلي المغرب و تغرب محاذية لجانبه الأيسر، فيقع شعاعها على جانبيه‏ (7) و يحلّل عفونته و يعدل‏ (8) هواءه، و لا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم و يبلي ثيابهم.

ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ‏، أي: شأنهم و إيواؤهم إلى الكهف شأنه كذلك. أو إخبارك قصّتهم. أو ازورار الشّمس عنهم و قرضها طالعة و غاربة من آياته.

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ‏: بالتّوفيق.

فَهُوَ الْمُهْتَدِ: الّذي أصاب الفلاح، و المراد به: إمّا الثّناء عليهم، أو التّنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة و لكن المنتفع بها من وفّقه اللّه- تعالى- للتّأمّل فيها و الاستبصار بها.

وَ مَنْ يُضْلِلْ‏: و من يخذله.

فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17): من يليه و يرشده.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 6.

(4) أي: بنات نعش الكبرى و الصّغرى التي تدور قريب القطب الشمالي.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: شرق.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في ر: جنبته. و في غيرها:

جنبيه.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يتبدل.

49

قيل‏ (1): هو كلب مرّوا به فتبعهم، فطردوه مرارا فأنطقه اللّه- تعالى- فقال لهم: ما تريدون منّي؟ فلا تخشون خيانتي، أنا أحبّ أحباء اللّه، فناموا (2) و أنا أحرسكم.

و قيل‏ (3): إنّهم هربوا من ملكهم ليلا فمرّوا براع معه كلب فتبعهم [على دينهم‏] (4) و تبعه كلبه‏ (5).

و يؤيّده قراءة من قرأ (6): «و كالبهم»، أي: [و صاحب‏] (7) كلبهم.

و قد مرّ في رواية عليّ بن إبراهيم‏ (8): أنّ الرّاعي لم يتبعهم و تبعهم كلبه.

و قيل‏ (9): كان ذلك كلب صيدهم.

و قيل‏ (10): كان ذلك الكلب أصفر.

و قيل‏ (11): كان أنمر (12) و اسم قطمير.

و في مجمع البيان‏ (13): و في تفسير الحسن: أنّ ذلك الكلب مكث هناك ثلاثمائة سنة و تسع سنين بغير طعام و لا شراب و لا نوم و لا قيام.

باسِطٌ ذِراعَيْهِ‏: حكاية حال ماضية، و لذلك أعمل اسم الفاعل.

بِالْوَصِيدِ.

قيل‏ (14): بفناء الكهف.

و قيل‏ (15): الوصيد الباب.

و قيل‏ (16): العتبة.

و قيل‏ (17): بباب الفجوة. أو فناء الفجوة لا بباب الكهف، لأنّ الكفّار خرجوا إلى باب الكهف في طلبهم ثمّ انصرفوا، و لو رأوا الكلب على باب الغار لدخلوه، و كذلك لو كان بالقرب من الباب‏ (18) لما انصرفوا آيسين عنهم، فإنّهم سدّوا باب الغار بالحجارة فجاء

____________

(1) يوجد ما في معناه في أنوار التنزيل 2/ 7، و مجمع البيان 3/ 456.

(2) كذا في المصدرين. و في النسخ: فتناموا.

(3) مجمع البيان 3/ 456.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الكلب.

(6) أنوار التنزيل 2/ 7.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) تفسير القمّي 2/ 33.

9 و 10 و 11- مجمع البيان 3/ 456.

(12) أي: على لون النّمر، و هو أن تكون فيه بقعة بيضاء و بقعة أخرى على أيّ لون كان.

(13) المجمع 3/ 456.

14 و 15 و 16 17- نفس المصدر و الموضع.

(18) كذا في المصدر. و في النسخ: بالقرب بالباب.

48

و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا عليّ بن عبد اللّه الورّاق و محمّد بن أحمد السنائي‏ (2) و عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقّاق- رضي اللّه عنه- قالوا: حدّثنا أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر (3) بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن جعفر بن سليمان البصريّ‏ (4)، عن عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد اللّه، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يضلّ الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، و يهدي أهل الإيمان و العمل الصّالح إلى جنّته، كما قال اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ. و قال اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً: لانفتاح عيونهم. أو لكثرة تقلّبهم.

وَ هُمْ رُقُودٌ: نيام.

وَ نُقَلِّبُهُمْ‏: في رقدتهم.

ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ‏: كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزّمان.

«و قرئ‏ (7): «يقلّبهم» بالياء، و الضّمير للّه- تعالى-. و «تقلّبهم» على المصدر، منصوبا بفعل يدلّ عليه «و تحسبهم»، أي: و ترى تقلّبهم.

و قيل‏ (8): كانوا يقلبون كلّ عام‏ (9) مرّتين.

و قيل‏ (10): كان تقلّبهم كلّ عام مرّة.

وَ كَلْبُهُمْ‏.

____________

(1) التّوحيد/ 241.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: محمد بن عليّ الثاني.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بكير.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: النصري.

(5) إبراهيم/ 32.

(6) يونس/ 9.

(7) أنوار التنزيل 2/ 7.

(8) مجمع البيان 3/ 456.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: كانوا يتقلّبون في عام.

(10) نفس المصدر و الموضع.

50

رجل بماشيته إلى باب الغار و أخرج الحجارة و اتّخذ لماشيته كنّا من عند باب الغار، و هم كانوا في فجوة من الغار.

لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ‏: فنظرت إليهم.

و قرئ‏ (1): «لو اطّلعت» بضمّ الواو.

لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً: لهربت منهم.

و «فرارا» يحتمل المصدر، لأنّه نوع من التّولية و العلّة [و الحال‏] (2).

وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18): خوفا يملأ صدرك بما ألبسهم اللّه من الهيبة، أو لعظم أجرامهم و انفتاح عيونهم، أو لطول أظفارهم و شعورهم.

و قيل‏ (3): لوحشة مكانهم.

روى سعيد بن جبير (4)، عن ابن عبّاس قال: غزوت مع معاوية نحو الرّوم، فمرّوا بالكهف [الّذي فيه أصحاب الكهف‏] (5).

فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم.

فقلت له: ليس لك ذلك، و قد منع اللّه- تعالى- من هو خير منك، فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً.

فلم يسمع، و بعث ناسا، فلمّا دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم‏ (6).

قيل‏ (7): و لا يمتنع أنّ الكفّار لما أتوا إلى باب الكهف فزعوا من وحشة المكان، فسدّوا باب الكهف ليهلكوا فيه، و جعل- سبحانه- ذلك‏ (8) لطفا بهم‏ (9) لئلّا ينالهم مكروه من سبع و غيره، و ليكونوا محروسين من كلّ سوء.

و قرأ (10) الحجازيان: «لملئت» بالتّشديد للمبالغة، و ابن عامر و الكسائي و يعقوب:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 7.

(2) ليس في ب.

(3) أنوار التنزيل 2/ 7.

(4) مجمع البيان 3/ 456.

(5) من المصدر.

(6) يوجد في المجمع هذه الفقرة هكذا: فقال معاوية: لا أنتهي حتّى أعلم علمهم. فبعث رجالا. فلمّا دخلوا الكهف، أرسل اللّه عليهم ريحا أخرجتهم.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فجعل ذلك سبحانه.

(9) ليس في المصدر.

(10) أنوار التنزيل 2/ 7.

51

«رعبا» بالتّثقيل.

وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ‏: و كما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا.

لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ‏: ليتساءل بعضهم بعضا فيتعرّفوا حالهم و ما صنع اللّه بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة اللّه- تعالى-، و يستبصروا به أمر البعث، و يشكروا ما أنعم اللّه‏ (1) به عليهم.

قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏: بناء على غالب ظنّهم، لأنّ النّائم لا يحصي مدّة نومه، و لذلك أحالوا العلم إلى اللّه- تعالى- قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ‏.

و يجوز أن يكون ذلك قول بعضهم، و هذا إنكار الآخرين عليهم.

و قيل‏ (2): إنّهم دخلوا الكهف غدوة و انتبهوا ظهيرة و ظنّوا أنّهم في يومهم [أو اليوم‏] (3) الّذي بعده قالوا ذلك، فلمّا نظروا إلى طول أظفارهم و أشعارهم قالوا هذا، ثمّ لمّا علموا أنّ الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمّهم و قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

و «الورق» الفضّة مضروبة كانت أو غيرها. و كان معهم دراهم على صورة الملك الّذي كان في زمانهم.

و قرأ (4) أبو عمرو و حمزة و الكسائي و أبو بكر و روح، عن يعقوب، بالتّخفيف‏ (5).

و قرئ‏ (6)، بالتّثقيل و إدغام القاف في الكاف، و بالتّخفيف مكسور الواو مدغما و غير مدغم.

فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً، أي: أطهر و أحلّ ذبيحة، لأنّ عامّتهم كانوا مجوسا و فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم.

و قيل‏ (7): أطيب طعاما. [و قيل:] (8) أكثر طعاما، لأنّ خير الطّعام إنّما يوجد عند من كثر طعامه.

____________

(1) من ب.

(2) أنوار التنزيل 2/ 7.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 7- 8.

(5) أي: بتسكين الراء.

(6) نفس المصدر/ 8.

(7) مجمع البيان 3/ 457

(8) من المصدر.

52

و قيل‏ (1): كان من [طعام‏] (2) أهل المدينة ما لا يستحلّه أهل الكهف.

و في محاسن البرقيّ‏ (3): عنه، عن إبراهيم بن عقبة، عن محمّد بن ميسر، عن أبيه، عن أبي جعفر أو عن أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- في قول اللّه: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ‏ قال: أزكى طعاما التّمر.

فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ‏: و ليتكلّف اللّطف في المعاملة حتّى لا يغبن، أو في التّخفّي حتّى لا يعرّف.

وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19): و لا يفعلنّ ما يؤدّي إلى الشّعور.

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏: إن يطّلعوا عليكم، أو يظفروا بكم. و الضّمير للأهل المقدّر في «أيّها».

يَرْجُمُوكُمْ‏: يقتلوكم بالرّجم.

أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ‏: أو يصيّروكم إليها كرها، من العود، بمعنى:

الصّيرورة.

و قيل‏ (4): كانوا أوّلا على دينهم فآمنوا.

وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20): إن دخلتم في ملّتهم.

وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ‏: و كما أنمناهم و بعثناهم لتزداد بصيرتهم أطلعنا عليهم أهل المدينة.

لِيَعْلَمُوا: ليعلم الّذين أطلعناهم على حالهم.

أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏: بالبعث، أو الموعود الّذي هو البعث.

حَقٌ‏: لأنّ نومهم و انتباههم، كحال من يموت ثمّ يبعث.

وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها: و أنّ القيامة لا ريب في إمكانها، [فإنّ من توفّى نفوسهم و أمسكها ثلاثمائة سنين، حافظا أبدانها عن التّحلّل و التّفتّت ثمّ أرسلها] (5) إليها، قدر أن يتوفّى نفوس جميع النّاس ممسكا إيّاها إلى أن يحشر أبدانها فيردّها عليها.

إِذْ يَتَنازَعُونَ‏: ظرف «لأعثرنا»، أي: أعثرنا عليهم حين يتنازعون.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من المصدر.

(3) المحاسن/ 531 و ح 779.

(4) أنوار التنزيل 2/ 8.

(5) ليس في أ، ب، ر.

53

بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ‏: أمر دينهم، و كان بعضهم يقول‏ (1): تبعث الأرواح مجرّدة دون الأجساد، و بعضهم يقول: يبعثان معا، ليرتفع الخلاف، و يتبيّن أنّهما يبعثان معا.

أو أمر الفتية حين أماتهم اللّه ثانيا بالموت، فقال بعضهم، ماتوا، و قال آخرون:

فاموا نومهم أوّل مرّة. أو قالت طائفة نبني عليهم بنيانا يسكنه النّاس و يتّخذونه قرية، و قال آخرون: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً يصلّى فيه، كما قال- تعالى- فَقالُوا.

و في مجمع البيان‏ (2): أي: قال مشركو (3) ذلك الوقت‏ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي:

استروهم من النّاس، بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان.

رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏: [معناه: ربّهم أعلم بحالهم فيما تنازعوا فيه. و قيل: إنّه قال ذلك بعضهم، و معناه: ربّهم، أي: خالقهم الّذي أنامهم و بعثهم أعلم بحالهم و كيفيّة أمرهم.

و قيل: معناه: ربّهم أعلم بهم أ أحياء نيام هم أم أموات، فقد قيل: إنّهم ماتوا.

و قيل: إنّهم لا يموتون إلى يوم القيامة] (4).

قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ‏.

قيل‏ (5): يعني: الملك المؤمن و أصحابه.

و قيل‏ (6): أولياء أصحاب الكهف من المؤمنين.

و قيل‏ (7): رؤساء البلد [الّذين استولوا على أمرهم‏].

لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21) [أي معبدا و موضعا للعبادة و السّجود يتعبّد النّاس فيه ببركاتهم، و دلّ ذلك على أنّ الغلبة كانت للمؤمنين.

و قيل: مسجدا يصلّى فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا ... عن الحسن.] (8) و قوله: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏ اعتراض، إمّا من اللّه ردّا على الخائضين.

في أمرهم من أولئك المتنازعين، أو من المتنازعين [في زمانهم، أو من المتنازعين‏] (9) فيهم على عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو من المتنازعين للرّدّ إلى اللّه‏

____________

(1) ليس في ب.

(2) المجمع 3/ 460.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ بدل هذه العبارة: المشركون في.

4 و 5 و 6 و 7- مجمع البيان 3/ 460.

(8) من المصدر.

(9) من أنوار التنزيل 2/ 8.

54

بعد ما تذاكروا أمرهم و تناقلوا الكلام في أنسابهم و أحوالهم فلم يتحقّق لهم ذلك.

حكي أنّ المبعوث لمّا دخل السّوق و أخرج الدّرهم، و كان عليه اسم دقيانوس، اتّهموه بأنّه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك، و كان نصرانيا موحّدا، فقصّ عليه القصص، فقال بعضهم: إنّ آباءنا أخبرونا أنّ الفتية فرّوا بدينهم من دقيانوس، فلعلّهم هؤلاء. فانطلق الملك و أهل المدينة من مؤمن و كافر و أبصروهم و كلّموهم، ثمّ قالت الفتية للملك: [نستودعك اللّه،] (1) و نعيذك به من شرّ الجنّ و الإنس. ثمّ رجعوا إلى مضاجعكم فماتوا، فدفنهم الملك في الكهف و بنى عليهم مسجدا.

و قيل‏ (2): لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانكم حتّى أدخل أوّلا لئلّا يفزعوا. فدخل فعمي عليهم المدخل، فبنوا ثمّة (3) مسجدا.

سَيَقُولُونَ‏، أي: الخائضون في قصّتهم في عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أهل الكتاب و المؤمنين.

ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ‏، أي: هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم.

قيل‏ (4): هو قول اليهود.

و قيل‏ (5): هو قول السّيّد من نصارى نجران، و كان يعقوبيّا (6).

وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ‏.

قيل‏ (7): قاله النّصارى، أو العاقب منهم و كان نسطوريّا.

رَجْماً بِالْغَيْبِ‏: يرمون رميا بالخبر الخفيّ الّذي لا مطلع لهم عليه و إتيانا به.

أو ظنّا بالغيب، من قولهم: رجم بالغيب: إذا ظنّ.

____________

(1) ليس في أ، ب، ر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أي: هناك.

4 و 5- نفس المصدر/ 9.

(6) اعلم أنّ أئمّة النّصارى كانت: يعقوب و نسطور و ملكا، و كلّهم ذهبوا إلى الأقانيم، أي:

الأصول الثّلاثة: الأب و الابن و روح القدس، المعبّر عندهم عن الوجود و الحياة و العلم. و قالوا:

إنّ اللّه- تعالى- جوهر واحد و هو هذه الأقانيم الثلاثة. ثمّ إنّ الملكانيّة قالت: أقنوم العلم اتحّدت بجسد المسيح و تدرّعت بناسوته بطريق الامتزاج، كالحرّ بالماء .. و قالت النّسطوريّة:

اتحّدت بطريق الإشراق، كما تشرق الشّمس من كوّة على بلّور. و قالت اليعقوبية: اتحّد بطريق الانقلاب لحما و دما بحيث صار الإله هو المسيح.

(7) نفس المصدر/ 9.

55

و إنّما لم يذكر بالسّين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه.

وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏.

قيل‏ (1): إنّما قاله المسلمون بإخبار الرّسول لهم عن جبرئيل- (عليه السلام)-، و إيماء اللّه إليه بأن أتبعه قوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ‏. و أتبع الأوّلين قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ‏. و بأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطّوائف في الثّلاثة المذكورة، فإنّ عدم إيراد رابع في هذا المحلّ دليل العدم مع أنّ الأصل‏ (2) ينفيه. ثمّ ردّ الأوّلين بأن أتبعهما قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ‏ ليتعيّن الثّالث، و بأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنّكرة تشبيها لها بالواقعة حالا من المعرفة، لتأكيد لصوق الصّفة بالموصوف، و الدّلالة على أنّ اتّصافه بها أمر ثابت.

و روي بطريق عامّيّ‏ (3)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنّهم سبعة و ثامنهم كلبهم، أسماؤهم: تمليخا و مكشلينا و مشلينا (4)، هؤلاء أصحاب يمين الملك، و مرنوش و دبر نوش و سارينوش‏ (5)، أصحاب يساره، و كان يستشيرهم، و السّابع الرّاعي الّذي وافقهم، و اسم كلبهم: قطمير، و اسم مدينتهم: أفسوس.

و روي ذلك عن ابن عبّاس- أيضا-.

و في رواية ابن عباس‏ (6): أنّ اسم الرّاعي كشيوطينوس‏ (7).

و قيل‏ (8): الأقوال الثّلاثة لأهل الكتاب و القليل منهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)، في الحديث السّابق المنقول، عن الصّادق، متّصلا بقوله: سِنِينَ عَدَداً. فناموا حتّى أهلك اللّه- عزّ و جلّ- ذلك الملك و أهل مملكته، و ذهب ذلك الزّمان و جاء زمان آخر و قوم آخرون، ثمّ انتبهوا فقال بعضهم لبعض: كم نمنا هاهنا؟ فنظروا إلى الشّمس قد ارتفعت‏ (10) فقالوا: نمنا يوما أو بعض يوم. ثمّ قالوا لواحد منهم: خذ هذا الورق و ادخل في المدينة متنكّرا لا يعرفوك، فاشتر لنا طعاما، فإنّهم إن‏

____________

(1) نفس المصدر/ 9.

(2) أي أصل العدم.

(3) أنوار التنزيل 2/ 9.

(4) المصدر: يمليخا و مكشلينيا و مشلينيا.

(5) المصدر: شاذنوش.

(6) مجمع البيان 3/ 460.

(7) المصدر: كشوطبنونس.

(8) أنوار التنزيل 2/ 9.

(9) تفسير القمّي 2/ 33.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: قد انقضت.

56

علموا بنا و عرفونا، يقتلونا أو يردّونا (1) في دينهم.

فجاء ذلك الرّجل فرأى المدينة بخلاف الّذي عهدها، و رأى قوما بخلاف أولئك لم يعرفهم و لم يعرفوا لغته‏ (2) و لم يعرف لغتهم، فقالوا له: من أنت، و من أين جئت؟ فأخبرهم، فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه و الرّجل معهم حتّى وقفوا على باب الكهف، و أقبلوا يتطلّعون فيه، فقال بعضهم: هؤلاء ثلاثة و رابعهم كلبهم. و قال بعضهم: هم خمسة و سادسهم كلبهم. و قال بعضهم هم سبعة و ثامنهم كلبهم. و حجبهم اللّه- عزّ و جلّ- بحجاب من الرّعب فلم يكن أحد يقدم بالدّخول عليهم غير صاحبهم، فإنّه لمّا دخل عليهم‏ (3) وجدهم خائفين أن يكون أصحاب دقيانوس شعروا بهم، فأخبرهم صاحبهم أنّهم كانوا نائمين هذا الزّمان الطّويل، و أنّهم آية للنّاس، فبكوا و سألوا اللّه- تعالى- أن يعيدهم إلى مضاجعهم نائمين، كما كانوا.

ثمّ قال الملك: ينبغي أن يبنى‏ (4) هاهنا مسجد و نزوره، فإنّ هؤلاء قوم مؤمنون.

فلهم في كلّ سنة نقلتان، ينامون ستّة أشهر على جنوبهم اليمنى، و ستّة أشهر على جنوبهم اليسرى، و الكلب معهم قد بسط ذراعيه بفناء الكهف.

فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً: فلا تجادل في شأن الفتية إلّا جدالا ظاهر غير متعمّق‏ (5) فيه، و هو أن تقصّ عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم و الرّدّ عليهم.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-:

إيّاكم و المراء و الخصومة، فإنّهما يمرضان القلب على الإخوان و ينبت عليهما النّفاق.

و بإسناده‏ (7)، قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: ثلاث من لقى اللّه- عزّ و جلّ- بهنّ دخل الجنّة من أي باب شاء: من حسن خلقه، و خشي اللّه في المغيب و المحضر، و ترك المراء و إن كان محقّا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قتلونا أو ردّونا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الفتية.

(3) المصدر: إليهم.

(4) ب: يكون.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 9. و في النسخ: غير متيقّن.

(6) الكافي 2/ 300، ح 1.

(7) نفس المصدر، ح 2.

57

بإسناده‏ (1) إلى عمّار بن مروان‏ (2): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: لا تمارينّ حليما و لا سفيها، فإنّ الحليم يقليك‏ (3) و السّفيه يؤذيك.

و في كتاب التّوحيد (4): عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: أنا زعيم‏ (5) بيت في أعلى الجنّة و بيت في وسط الجنّة و بيت في رياض الجنّة لمن ترك المراء، و إن كان محقّا.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من يضمن [لي‏] (7) أربعة بأربعة أبيات في الجنّة؟ من أنفق و لم يخف فقرا.

إلى قوله: و ترك المراء و إن كان محقّا.

عن جعفر بن محمّد (8)، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: أربع خصال‏ (9) يمتن القلب: الذّنب على الذّنب، و كثرة منافثة النّساء، يعني: محادثتهنّ، و مماراة الأحمق تقول و يقول و لا يرجع إلى جزاء أبدا.

(الحديث) وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22): و لا تسأل أحدا منهم عن قصّتهم سؤال مسترشد، فإنّ فيما أوحي إليك لمندوحة (10) عن غيره مع أنّه لا علم لهم بها، و لا سؤال متعنّت يريد تفضيح المسئول عنه و تزييف ما عنده فإنّه مخلّ بمكارم الأخلاق.

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: نهي تأديب من اللّه- تعالى- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين‏

قالت اليهود لقريش: سلوه عن الرّوح و أصحاب الكهف و ذي القرنين. فسألوه: فقال: ائتوني غدا أخبركم. و لم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتّى شقّ عليه و كذّبته قريش.

و الاستثناء من النّهي، أي: و لا تقولنّ لشي‏ء تعزم عليه: [إنّي فاعله‏] (11) فيما

____________

(1) نفس المصدر/ 301، ح 4.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 612. و في النسخ: عليّ بن مروان.

(3) كذا في المصدر. أي: يبغضك. و في النسخ:

يغليك.

(4) التوحيد/ 461، ح 34.

(5) أي: كفيل.

(6) الخصال/ 223، ح 52.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 228، ح 65.

(9) ليس في المصدر.

(10) أي: لسعة و فسحة.

(11) ليس في ب.

58

تستقبله إلّا بأن يشاء اللّه، أي: إلّا متلبّسا بمشيئته، قائلا: إن شاء اللّه. أو إلّا وقت أن يشاء اللّه أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه.

قيل‏ (1): و لا يجوز تعليقه «بفاعل» لأنّ استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد، و استثناء اعتراضها دونه لا يناسب النّهي‏ (2).

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم قال: أمر أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- بكتاب في حاجة، فكتب ثمّ عرض عليه و لم يكن فيه استثناء.

فقال: كيف رجوتم أن يتمّ هذا و ليس فيه استثناء؟ انظروا إلى كلّ موضع لا يكون فيه استثناء فاستثنوا فيه.

وَ اذْكُرْ رَبَّكَ‏: مشيئة ربّك، و قل: إن شاء اللّه، كما روي‏ (4): أنّه لمّا نزل قال- (عليه السلام)-: إن شاء اللّه.

إِذا نَسِيتَ‏: تركت الاستثناء.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي جميلة، المفضّل بن صالح، عن محمّد الحلبي و زرارة عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ قال: إذا حلف الرّجل فنسي أن يستثني فليستثن [إذا ذكر] (6).

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏-

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 9.

(2) فيكون المعنى: أنّي فاعل ذلك إلّا أن يشاء اللّه أن أفعله، فلزم أنّه إن شاء اللّه فعله لم يفعل، و هذا غير سديد، كما لا يخفي. و إن كان المعنى:

إلّا أن يشاء اللّه عدم فعلي، لا يناسبه النّهي، بل لا وجه للنهي عنه، و هذا معنى قوله: و استثناء اعتراضها دونه، أي: اعتراض المشيئة متجاوز عن الفعل بأن يتعلّق بعدمه، أي: لو حمل الاستثناء على استثناء مانعيّة إرادة اللّه- تعالى- لفعله بأن يشاء اللّه عدم فعله، كان هذا الاستثناء لا يناسب النهي.

(3) الكافي 2/ 673، ح 7.

(4) أنوار التنزيل 2/ 9.

(5) الكافي 7/ 447، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر، ح 2.

60

أحمد بن محمّد (1)، عن عليّ بن الحسين‏ (2)، عن عليّ بن أسباط، عن الحسن‏ (3) بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

فقال: إذا حلفت على يمين و نسيت أن تستثني، فاستثن إذا ذكرت.

و فيمن لا يحضره الفقيه‏ (4): و روي حمّاد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: للعبد أن يستثني ما بينه و بين أربعين يوما إذا نسى، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتاه أناس من اليهود فسألوه عن أشياء، فقال لهم: تعالوا غدا أحدّثكم. و لم يستثن، فاحتبس جبرئيل- (عليه السلام)- عنه أربعين يوما، ثمّ أتاه فقال: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

و في تهذيب الأحكام‏ (5)، بإسناده إلى عليّ بن حديد: عن مرازم قال: دخل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- يوما إلى منزل معتب و هو يريد العمرة، فتناول‏ (6) لوحا فيه [كتاب فيه‏] (7) تسمية أرزاق العيال و ما يخرج لهم، فإذا فيه: لفلان و فلان [و فلان‏] (8) و ليس فيه استثناء.

فقال: من كتب هذا الكتاب و لم يستثن فيه، كيف ظنّ أنّه يتمّ؟

ثمّ دعا بالدّواة فقال: الحق فيه [في كلّ اسم‏] (9) إن شاء اللّه- تعالى-. فالحق فيه في كلّ اسم إن شاء اللّه.

و في تفسير العيّاشي‏ (10): عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن‏ (11) عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)- قال: إذا حلف الرّجل باللّه فله ثنيا (12) إلى أربعين يوما، و ذلك أنّ قوما من اليهود سألوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن شي‏ء،

____________

(1) نفس المصدر/ 449، ح 8.

(2) المصدر: الحسن.

(3) المصدر: الحسين.

(4) الفقيه 3/ 229، ح 1081.

(5) التهذيب 8/ 281، ح 1030.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فناول.

(7) من المصدر.

(8) ليس في ب.

(9) ليس في المصدر.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 324، ح 14.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: ثنياها. و الثنيا: الاسم من الاستثناء.

59

في قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال:

فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا قال لآدم: ادخل الجنّة، قال: يا آدم، لا تقرب هذه الشّجرة.

قال: و أراه إيّاها.

فقال آدم لربّه: كيف أقربها و قد نهيتني عنها أنا و زوجتي؟

قال: فقال لهما: لا تقرباها، يعني: لا تأكلا منها.

فقال آدم و زوجته: نعم، يا ربّنا، لا نقربها و لا نأكل منها (2). و لم يستثنيا في قولهما: نعم. فوكلهما اللّه في ذلك إلى أنفسهما و إلى ذكرهما.

قال: و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه في الكتاب: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ أن لا أفعله، فتسبق مشيئة اللّه في أن لا أفعله فلا أقدر على أن أفعله، فلذلك قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏، [أي: استثن مشيئة اللّه في فعلك.

عدة من أصحابنا (3) (عن سهل بن زياد، و محمّد بن يحيى، عن) (4) أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏.] (5).

قال: ذلك في اليمين إذا قلت: و اللّه، لا أفعل كذا و كذا. فإذا ذكرت أنّك لم تستثن‏ (6) فقل: إن شاء اللّه.

عدّة من أصحابنا (7)، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: الاستثناء في اليمين متى ما ذكر و إن كان بعد أربعين صباحا. ثمّ تلا هذه الآية: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

____________

(1) طه/ 115.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: لم نقربها و لم نأكل منها.

(3) نفس المصدر/ 448، ح 3.

(4) من المصدر. و في النسخ بدلها: و.

(5) ليس في ب.

(6) قد ورد ما بين المعقوفتين و ما بعدها إلى هنا في نسخة ب ذيل الرواية الآتية.

(7) نفس المصدر/ 448، ح 6.

61

فقال: ائتوني‏ (1) غدا- و لم يستثن- حتّى أخبركم. فاحتبس عنه جبرئيل- (عليه السلام)- أربعين يوما، ثمّ أتاه‏ (2) و قال: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

عن أبي حمزة (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- ذكر: أنّ آدم لمّا أسكنه اللّه الجنّة فقال له: يا آدم، لا تقرب هذه الشّجرة. فقال: نعم. و لم يستثن، فأمر اللّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ و لو بعد سنة.

و في رواية عبد اللّه بن ميمون‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-:

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ أن تقول: إلّا. من بعد الأربعين، فللعبد الاستثناء في اليمين ما بينه و بين أربعين‏ (5) يوما إذا نسى.

عن زرارة و محمّد بن مسلم‏ (6)، عن أبي جعفر [و أبي عبد اللّه‏] (7)- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ فقال: إذا حلف الرّجل فنسي أن يستثني فليستثن إذا ذكر.

عن حمزة بن حمران‏ (8) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.

فقال: إن لم تستثن‏ (9) ثمّ ذكرت‏ (10) بعد فاستثن حين تذكر.

و في مجمع البيان‏ (11): و قوله: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ فيه وجهان:

أحدهما، أنّه كلام متّصل بما قبله. ثمّ اختلف في ذلك فقيل: معناه:

و اذكر ربّك إذا نسيت الاستثناء ثمّ تذكّرت، فقل: إن شاء اللّه. و إن كان بعد يوم أو شهر أو

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: القوني.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أتى.

(3) نفس المصدر، ح 15.

(4) نفس المصدر، ح 16.

(5) المصدر: الأربعين.

(6) نفس المصدر/ 325، ح 18.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 325، ح 19.

(9) المصدر: لم تستثنى.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ذكر.

(11) المجمع 3/ 461.

62

سنة ... عن ابن عبّاس. و قد روي ذلك عن أئمّتنا- (عليهم السلام)-.

و يمكن أن يكون الوجه فيه: أنّه إذا استثنى بعد النّسيان فإنّه يحصل له ثواب المستثني من غير أن يؤثّر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام، و إبطال الحنث و سقوط الكفّارة في اليمين، و هو الأشبه بمراد ابن عباس في قوله.

و قيل‏ (1): و اذكر الاستثناء ما لم تقم عن المحّل‏ (2) ... عن الحسن و مجاهد.

و قيل‏ (3): و اذكر الاستثناء إذا تذكّرت ما لم ينقطع الكلام، و هو الأوجه.

و قيل‏ (4): معناه: و (5) اذكر ربّك إذا نسيت الاستثناء بأن تندم على ما قطعت عليه من الخبر ... عن الأصم‏ (6).

و الآخر (7) أنّه كلام مستأنف غير متعلّق بما قبله. ثمّ اختلف في معناه فقيل:

معناه: و اذكر ربّك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب ... عن عكرمة.

و قيل‏ (8): إنّه أمر بالانقطاع إلى اللّه- تعالى- و معناه: و اذكر ربّك إذا نسيت شيئا بك إليه حاجة تذكرة (9) لك ... عن الجبّائيّ.

و قيل‏ (10): المراد به الصّلاة (11)، و المعنى: إذا نسيت صلاة (12) فصلّها إذا ذكرت ...

عن الضّحاك و السّديّ.

وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي‏: يدلّني.

لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24): لأقرب و أظهر دلالة على أنّي نبي‏ء من نبأ أصحاب الكهف، و قد هداه لأعظم من ذلك، كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيّامهم و الإخبار بالغيوب و الحوادث النّازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام السّاعة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: المجلس.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: في.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بدل العبارة الأخيرة: ... بأن يندم على ما نطقت عنه من الجزم على الأمم.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا خير.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: يذكره.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: المراد بالصلاة.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: لصلاة.

63

و قيل‏ (1): معناه: ادع أنّ [اللّه‏] (2) يذكّرك إذا نسيت شيئا و [قل‏] (3) إن لم يذكّرني اللّه بذلك الّذي نسيت فإنّه يذكّرني ما هو أنفع لي منه‏ (4) ...

وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (25)، يعني: لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم. و هو بيان لما أجمله قبل.

و قيل‏ (5): إنّه حكاية كلام أهل الكتاب، فإنّهم اختلفوا في عدّتهم، فقال بعضهم: ثلاثمائة. و قال بعضهم ثلاثمائة و تسع سنين.

و قرأ (6) حمزة و الكسائي: «ثلاثمائة سنين» بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد (7)، و يحسّنه- هاهنا- أنّ علامة الجمع فيه جبر لما حذف من الواحد، و أنّ الأصل في العدد إضافته إلى الجمع، و من لم يضف أبدل السّنين من ثلاثمائة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قد رجع إلى الدّنيا ممّن‏ (9) مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف، أماتهم اللّه ثلاثمائة عام و تسعة [ثمّ‏] (10) بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجّتهم، و ليريهم قدرته، و ليعلموا أنّ البعث حقّ.

و في مجمع البيان‏ (11): و روي‏ أنّ يهوديّا سأل عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن مدّة لبثهم، فأخبر بما في القرآن.

فقال: إنا نجد في كتابنا ثلاثمائة.

فقال- (عليه السلام)-: ذلك بسني الشّمس، و هذا بسني القمر.

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: له ما غاب فيهما و خفي من أحوال أهلهما، فلا خلق يخفى عليه علما.

____________

(1) مجمع البيان 3/ 464.

2 و 3- من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: ما هو أقرب منه.

(5) أنوار التنزيل 2/ 10.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) أي: لفظ «مائة» يضاف إلى المفرد، فإضافته إلى الجمع- هاهنا- و هو «سنين» لجعله بمنزلة المفرد.

(8) الاحتجاج 2/ 344.

(9) المصدر: ممّا.

(10) من المصدر.

(11) المجمع 3/ 463.

64

أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ‏: ذكر بصيغة التّعجّب للدّلالة على أنّ أمره في الإدراك خارج عمّا عليه إدراك السّامعين و المبصرين، إذ لا يحجبه شي‏ء و لا يتفاوت دونه لطيف و كثيف و صغير و كبير و خفيّ و جليّ.

و «الهاء» تعود إلى اللّه- تعالى-. و محلّه الرّفع على الفاعليّة، و «الباء» مزيدة، عند سيبويه، و كان أصله، أبصر، أي: صار ذا بصر، ثمّ نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضّمير لعدم لياق الصّيغة له، أو لزيادة الباء، كما في قوله: «و كفى به».

و النّصب على المفعوليّة، عند الأخفش، و الفاعل ضمير المأمور، و هو كلّ أحد، و «الباء» مزيدة إن كانت الهمزة للتّعدية، و معدّية إن كانت للصّيرورة (1).

ما لَهُمْ‏: الضّمير لأهل السّماوات و الأرض.

مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ‏: متولّي أمورهم.

وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ‏: في قضائه.

أَحَداً (26): منهم، و لا يجعل له فيه مدخلا.

و قرأ (2) ابن عامر و قالون، عن يعقوب، بالتّاء و الجزم، على نهي كلّ أحد عن الإشراك.

ثمّ لما دلّ اشتمال القرآن على قصّة أصحاب الكهف، من حيث أنّها من المغيبات بالإضافة إلى الرّسول على أنّه وحي‏ (3) معجز، أمره أن يداوم درسه و يلازم أصحابه فقال: وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ‏: من القرآن، و لا تسمع لقولهم:

ائت بقرآن غير هذا، أو بدّله.

لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ‏: لا أحد يقدر على تبديلها و تغييرها غيره.

وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27): ملتجأ تعدل إليه إن هممت به.

و في كتاب طبّ الأئمّة (4)- (عليهم السلام)-، بإسناده إلى سالم بن محمّد قال:

____________

(1) قوله: «و الفاعل ضمير المأمور» الغرض أنّ معنى التركيب في الأصل ما ذكر، و إن كان معناه في الحال غيره، بل هو بمعنى التّعجّب.

(2) أنوار التنزيل 2/ 10.

(3) ليس في ب.

(4) طبّ الأئمّة/ 32.

65

شكوت إلى الصّادق- (عليه السلام)- وجع‏ (1) السّاقين و أنّه قد أقعدني عن أمر ربّي‏ (2) و أسبابي.

فقال: عوّذهما.

قلت: بماذا، يا ابن رسول اللّه؟

قال: بهذه الآية سبع مرّات، فإنّك تعافى بإذن اللّه: «و اتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته و لن تجد من دونه ملتحدا».

قال: فعوّذتها سبعا، كما أمرني، فرفع الوجع عنّي رفعا [حتّى‏] (3) لم أحسّ بعد ذلك بشي‏ء منه.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن محمّد بن مسلم‏ (5)، رفعه، إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال عثمان بن عفّان: يا رسول اللّه، ما تفسير أبجد؟

قال: أمّا «الألف» فآلاء اللّه.

... إلى قوله- (عليه السلام)-: و أمّا «كلمن» فالكاف كلام اللّه‏ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ‏ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً.

عن عبد اللّه بن الصّامت‏ (6)، عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)-: أوصاني [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بسبع: أوصاني‏ (7)] (8) بحبّ المساكين و الدّنوّ منهم، و أوصاني أن أقول الحقّ و إن كان مرّا. (الحديث)

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ‏: و احبسها و ثبّتها.

مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ‏: في مجامع أوقاتهم. أو في [طرفي‏] (9) النّهار.

و قرأ (10) ابن عامر: «بالغدوة». و فيه: أنّ «غدوة» علم في الأكثر، فتكون «الّلام» على تأويل التّنكير.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لوجع.

(2) المصدر: قد أقعدني عن أموري.

(3) من المصدر.

(4) الخصال/ 331- 332، ضمن ح 30.

(5) المصدر: سالم.

(6) نفس المصدر/ 345، ح 12.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أوصاف.

(8) يوجد في ب.

(9) من أنوار التنزيل 2/ 11.

(10) نفس المصدر و الموضع.

66

يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏: رضاء اللّه و طاعته.

وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ‏: و لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم.

و تعديته «بعن» لتضمينه معنى: نبا (1).

و قرئ‏ (2): «و لا تعدّ عينيك» «و لا تعد» من عدّاه و أعداه، و المراد: نهي الرّسول أن يزدري بفقراء المؤمنين و تعلو عينه عن رثاثة زيّهم، طموحا إلى طراوة زيّ الأغنياء.

تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا: حال من الكاف‏ (3) في المشهورة، و من المستكنّ في الفعل في غيرها.

وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ‏: من جعلنا قلبه غافلا.

عَنْ ذِكْرِنا: كأميّة بن خلف في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش.

و فيه تنبيه على أنّ الدّاعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات و انّهما كه في المحسوسات، حتّى خفي عليه أنّ الشّرف بحلية النّفس لا بزينة الجسد، و أنّه لو أطاعه كان مثله في الغباوة.

و إسناد الإغفال إلى اللّه- تعالى- إمّا لأنّه مثل أجبنته: إذا وجدته كذلك، أو نسبته إليه، أو من أغفل إبله: إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمه بذكرنا كقلوب الّذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، أو لأنّه جعله غافلا بتعريضه للغفلة، أو بخذلانه و التّخلية بينه و بين الشّيطان بتركه الأمر و اتّباعه النّهي.

و قرئ‏ (4): «أغفلنا» بإسناد الفعل إلى القلب، بمعنى: حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إيّاه بالمؤاخذة (5).

____________

(1) أي: من النّبو.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أي: من الكاف في «عيناك» قيل: و هذا خلاف القاعدة المشهورة أنّ الحال يجب أن تكون عن الفاعل أو المفعول به، إلّا أن يقال: إنّ المضاف إليه المذكور يمكن أن يجعل فاعلا بتغيير التركيب و إيراد مراد مقامه، فتأمّل.

(4) أنوار التنزيل 2/ 11.

(5) و بعد كلمة «بالمؤاخذة» ينبغي ذكر بعض الفقرات التي ليست في التفسير و هي:

وَ اتَّبَعَ هَواهُ‏، أي: لا تطع من اتّبع هواه في شهواته و أفعاله.

وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)، أي: تقدّما على الحقّ، و نبذا له وراء ظهره. يقال: فرس فرط، أي: متقدّم للخيل. و منه الفرط. وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً، اي: سرفا و إفراطا ... عن مقاتل‏

67

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا فهذه نزلت في سلمان الفارسي- رضي اللّه عنه- كان عليه كساء يكون فيه طعامه، و هو دثاره و رداؤه، و كان كساء من صوف، دخل عيينة بن حصين على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سلمان عنده، فتأذّى عيينة بريح كساء سلمان، و قد كان عرق فيه و كان يوما شديد الحرّ فعرق في الكساء.

فقال: يا رسول اللّه، إذا نحن دخلنا عليك فأخرج هذا و اصرفه من عندك، فإذا نحن خرجنا فأدخل من شئت.

فأنزل اللّه: وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا و هو عيينة بن حصين بن‏ (2) حذيفة بن بدر (3) الفزاريّ.

و في مجمع البيان‏ (4)، عند قوله: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏- إلى قوله- أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ‏: عن ابن مسعود حديث طويل، و هناك: و قال [سلمان و] (5) خبّاب: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التّميميّ و عينية بن حصين الفزاريّ و ذووهم من المؤلفة [قلوبهم‏] (6) فوجدوا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قاعدا مع بلال و صهيب و عمّار (7) و خبّاب في ناس من ضعفاء المؤمنين، فحقروهم و قالوا (8): يا رسول اللّه، لو نحّيت هؤلاء عنك حتّى نخلو بك.

... إلى قوله: فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام‏ (9) و تركنا، فأنزل اللّه:

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏ (الآية).

فقال: فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقعد معنا و يدنو حتّى كادت‏

____________

. و الجبائيّ.

و قيل: تجاوزا للحدّ ... عن الأخفش.

و قيل: ضياعا و هلاكا ... عن مجاهد و السّديّ.

قال الزّجّاج: و من قدّم العجز في أمره أضاعه و أهلكه، فيكون المعنى في هذا: إنّه ترك الإيمان و الاستدلال بآيات اللّه و اتّبع الهوى.

(1) تفسير القمّي 2/ 34- 35.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بلد.

(4) المجمع 2/ 305- 306.

5 و 6- من المصدر.

(7) كذا في ب، المصدر. و في سائر النسخ:

عثمان.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(9) يوجد في ب، المصدر.

68

ركبتنا تمسّ ركبته، فإذا بلغ السّاعة [الّتي‏] (1) يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم.

و فيه‏ (2) هنا: نزلت الآية في سلمان و أبي ذرّ و صهيب [و عمّار] (3) و خبّاب‏ (4) و غيرهم من فقراء أصحاب الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك أنّ المؤلّفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عينية بن حصين و الأقرع بن حابس و ذووهم، فقالوا: يا رسول اللّه، إن جلست في صدر المجلس و نحيت عنّا (5) هؤلاء و روائح صنانهم‏ (6)، و كانت عليهم جباب‏ (7) الصّوف، جلسنا نحن إليك و أخذنا عنك، فلا يمنعنا من الدّخول عليك إلّا هؤلاء.

فلمّا نزلت الآية قام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يلتمسهم، فأصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون اللّه- عزّ و جلّ- فقال: الحمد للّه الّذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبّر نفسي مع رجال من أمّتي، معكم المحيا و معكم الممات.

[عن عبد اللّه بن الصّامت‏ (8)،] (9) عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)-: أوصاني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بسبع: أوصاني بحبّ المساكين و الدّنوّ منهم، و أوصاني أن أقول الحقّ و إن كان مرّا. (الحديث)

وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏: الحقّ من جهة اللّه، لا ما يقضيه الهوى.

و يجوز أن يكون‏ الْحَقُ‏ خبر محذوف، و مِنْ رَبِّكُمْ‏ حالا (10).

فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ: لا أبالي بإيمان من آمن و كفر من كفر.

و في تفسير العيّاشي‏ (11): عن عاصم الكوري‏ (12)، عن أبي عبد اللّه‏ (13)- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول‏ في قول اللّه: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ قال: وعيد.

____________

(1) من المصدر.

(2) المجمع 3/ 465.

(3) من المصدر.

(4) أ، ر: جناب. و في المصدر: حبّاب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(6) الصّنان: نتن الإبط.

(7) المصدر: جبّات.

(8) الخصال 2/ 345، ح 12.

(9) ليس في ب، أ، ر.

(10) أي: خبر مبتدأ محذوف، و التقدير: الموحى عليك الحقّ كائنا من ربّكم، فيكون «من ربّكم» حالا ن الضمير المستتر في الموحى.

(11) تفسير العيّاشي 2/ 326، ح 26.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: «زرارة و حمران» بدل «عاصم الكوري».

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه.

69

إِنَّا أَعْتَدْنا: هيّأنا.

لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها: فسطاطها، شبّه به ما يحيط بهم من النّار.

و قيل‏ (1): «السّرادق» الحجرة التي تكون حول الفسطاط.

و قيل‏ (2): «سرادقها» دخّانها (3).

و قيل: حائط من نار.

و في أصول الكافي‏ (4): أحمد عن‏ (5) عبد العظيم، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية هكذا:

«و قل الحقّ من ربّكم في ولاية عليّ- (عليه السلام)- فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنّا أعتدنا للظّالمين آل محمّد نارا.

وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا: من العطش.

يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ‏، كالنّحاس المذاب.

و قيل‏ (6): كدرديّ‏ (7) الزّيت.

و قيل‏ (8): كعكر الزّيت‏ (9)، إذا قرب إليه سقطت فروة رأسه. و في مجمع البيان‏ (10) أنّ ذلك روي مرفوعا.

و قيل‏ (11): هو القيح و الدّم.

و قيل‏ (12): هو الّذي انتهى حرّه.

و قيل‏ (13): هو ماء أسود، و أنّ جهنّم سوداء، و ماءها أسود، و شجرها سود، و أهلها سود.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 11.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: خانها.

(4) الكافي 1/ 424، ح 64.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(6) أنوار التنزيل 2/ 11.

(7) الدرديّ: ما رسب أسفل العسل و الزيت و نحوهما من كلّ شي‏ء مائع، كالأشربة و الأدهان.

(8) مجمع البيان 3/ 466.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: كعكرات.

و العكر: الراسب من كل شي‏ء.

10 و 11- نفس المصدر و الموضع.

12 و 13- المجمع 3/ 466.

70

و هو على طريقة قوله:

فأعتبوا بالصّيلم‏ (1) يَشْوِي الْوُجُوهَ‏: إذا قدّم ليشرب من فرط حرارته.

و هو صفة ثانية «لماء». أو حال من «المهل»، أو الضّمير في «الكاف» (2).

بِئْسَ الشَّرابُ‏: المهل.

وَ ساءَتْ‏: و ساءت النّار.

مُرْتَفَقاً (29): متّكئا.

و أصل الارتفاق: نصب المرفق تحت الخدّ، و هو لمقابلة قوله: «حسنت مرتفقا».

و إلّا فلا ارتفاق لأهل النّار (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نزلت هذه الآية هكذا: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏، يعني: ولاية عليّ «فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنّا أعتدنا للظّالمين آل محمّد حقّهم نارا أحاط بهم سرادقها و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل» قال: «المهل» الذي يبقى في أصل الزّيت المغليّ‏ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): ابن أبي عمير، عن بشير، عن ابن يعفور قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: أصلحك اللّه، إنّه ربّما أصاب الرّجل منّا الضّيق و الشّدّة فيدعى إلى البناء يبنيه أو النّهر يكريه أو المسنّاة (6) يصلحها، فما تقول في ذلك؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم‏

____________

(1) الصّيلم: الأمر الشّديد. و الدّاهية. قال في الصحاح: أعتبني فلان بمعنى: أرضاني، و الصيلم الداهية، فيكون المعنى: ارضوا بالداهية، فيكون تهكّما.

(2) أي: كالمهل لأنّ المعنى: يشابه المهل.

(3) إذ الارتفاق الانتفاع.

(4) تفسير القمّي 2/ 35.

(5) التهذيب 6/ 331، ح 119.

(6) كري الأرض: حفرها. و المسنّاة: العرم، و هو ما يبنى في وجه السّيل.

71

وكاء و (1) أنّ لي ما بين لابتيها (2)، و لا مدّة بقلم، إنّ أعوان الظّلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم [اللّه‏] (3) بين العباد.

محمّد بن يعقوب‏ (4)، عن الحسين بن الحسن الهاشميّ، [عن صالح بن أبي حمّاد، عن‏] (5) محمّد بن خالد، عن زياد بن سلمة قال: دخلت على أبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- فقال لي: يا زياد، إنّك تعمل عمل السّلطان؟

قال: قلت: أجل.

قال لي: و لم؟

قلت: أنا رجل لي مروّة و عليّ عيال و ليس وراء ظهري شي‏ء.

فقال لي: يا زياد، لئن أسقط من حالق‏ (6) فأتقطّع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أ تولّى لأحد منهم عملا و أطأ بساط رجل منهم، إلّا لما ذا؟

قلت: لا أدري.

قال: إلّا لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه. يا زياد، إنّ أهون ما يصنع اللّه- عزّ و جلّ- بمن تولّى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ اللّه- عزّ و جلّ- من حساب الخلائق.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الظّلم ثلاثة: ظلم لا يغفره اللّه، و ظلم يغفره [اللّه‏] (8)، و ظلم لا يدعه، فأمّا الظّلم‏ (9) الّذي لا يغفره اللّه الشّرك، و أمّا الظلم الّذي يغفره فظلم الرّجل نفسه، و أمّا الظّلم الّذي لا يدعه فالذّنب بين العباد.

و في مجمع البيان‏ (10)، عند قوله: فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ‏. و

قد روي‏ أنّ اللّه‏

____________

(1) كذا في نور الثقلين 3/ 259، ح 72. و في النسخ و المصدر: «لو» بدل «و».

(2) و كى القربة: شدّها بالوكاء، و هو رباط القربة. و اللابة: الحرّة، و هي أرض ذات حجارة سود كأنّها أحرقت بالنّار. و قوله- (عليه السلام)-:

«لابتيها»، أي لابتي المدينة، لأنّها ما بين حرتّين عظيمتين تكتنفانها.

(3) من نفس المصدر.

(4) التهذيب 6/ 333، ح 924.

(5) ليس في أ، ر.

(6) الحالق: الجبل المنيف العالي، لا يكون إلّا مع عدم نبات كأنّه حلق.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 326، ح 27.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فالظّلم.

(10) المجمع 4/ 446.

72

- تعالى- يجوّعهم حتّى ينسوا عذاب النّار من شدّة الجوع فيصرخون إلى مالك، فيحملهم إلى تلك الشّجرة، و فيهم أبو جهل، فيأكلون منها فتغلي بطونهم [كغلي الحميم، فيستسقون‏] (1) فيسقون شربة من الماء الحارّ الّذي بلغ نهايته في الحرارة، فإذا قربوها من وجوههم شوت وجوههم، فذلك قوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ‏.

و روى أبو أمامة (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- في قوله: وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ قال: يقرّب إليه فيكرهه‏ (3)، فإذا أدني‏ (4) منه شوى وجهه و وقع فروة رأسه، فإذا شرب قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره، يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ‏. و يقول: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ‏

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، [عن أبيه‏] (6)، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏.

قال: تبدّل خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا من الحساب.

فقال له قائل: إنّهم لفي شغل يومئذ عن الأكل و الشّرب.

فقال له: إنّ ابن آدم خلق‏ (7) أجوف و لا بدّ له من طعام و شراب، أهم أشدّ شغلا (8) أم من في النّار؟ فقد استغاثوا [و اللّه- عزّ و جلّ- يقول:] (9) وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ.

و في تفسير العيّاشي‏ (10): عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏. قال: تبدّل خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من الحساب، إنّ ابن آدم خلق أجوف لا بدّ له من الطّعام و الشّراب، أهم أشدّ شغلا أم من في النّار؟ فقد استغاثوا وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 3/ 308.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فيتكرههه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: دنى.

(5) الكافي 6/ 286- 287، ح 4.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: إنّ اللّه خلق ابن آدم.

(8) في ب، ر: زيادة «يومئذ».

(9) من المصدر.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 238، ح 56.

و ج 2/ 327، ح 30.

73

عن مسعدة بن صدقة (1)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: إنّ أهل النّار لمّا غلى الزّقّوم و الضّريع في بطونهم، كغلي الحميم، سألوا الشّراب فاتوا بشراب غسّاق و صديد يتجرّعه و لا يكاد يسيغه، و يأتيه الموت من كلّ مكان و ما هو بميّت، و من ورائه عذاب غليظ و حميم، تغلي به جهنّم منذ خلقت‏ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

و في شرح الآيات الباهرة (2): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاري، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله- تعالى-: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏ في ولاية عليّ «فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنّا أعتدنا لظالمي آل محمّد حقّهم نارا أحاط بهم سرادقها.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30):

خبر «إنّ» الأولى هي الثّانية بما في حيّزها، و الرّاجع محذوف، تقديره: من أحسن عملا منهم. أو مستغنى عنه [بعموم من أحسن عملا، كما هو مستغنى عنه‏] (3).

في قولك: نعم الرّجل زيد. أو واقع موقع الظّاهر، فإنّ من أحسن عملا لا بحسن إطلاقه [على الحقيقة] (4) إلّا على الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن همام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر، عن أبيه- (صلوات اللّه عليهما) - في قوله- تعالى-: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ‏ [في ولاية علي- (عليه السلام)-] (6) فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.

قال: و قرأ إلى قوله: أَحْسَنَ عَمَلًا.

ثمّ قال: قيل للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ في أمر عليّ، فإنّه الحقّ من ربّك‏ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ فجعل [اللّه تركه معصية و كفرا.

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 223، ح 7.

(2) تأويل الآيات 1/ 292، ح 2.

3 و 4- من أنوار التنزيل 2/ 11.

(5) تأويل الآيات 1/ 292، ح 3.

(6) من المصدر.

74

قال: ثمّ قرأ: «إنّا أعتدنا للظالمين- لآل محمّد- نارا أحاط بهم سرادقها» (الآية).

ثمّ قرأ: إِنَ‏] (1) الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، يعني [بهم‏]: آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ: استئناف لبيان الأجر، أو خبر ثان.

يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ‏.

«من» الأولى للابتداء، و الثّانية للبيان صفة «لأساور»، و تنكيره لتعظيم حسنها من الإحاطة به. و هو جمع أسورة، أو أسوار في جمع سوار.

وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً: لأنّ الخضرة أحسن الألوان و أكثرها طراوة.

مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ‏: نمارق من الدّيباج و ما غلظ منه، جمع بين النّوعين للدّلالة على أنّ فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن بعض أصحابه، رفعه، قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: لمّا دخلت الجنّة رأيت شجرة طوبى أصلها في دار عليّ، و ما في الجنّة قصر و لا منزل إلّا و فيها فتر (3) منها، أعلاها أسفاط (4) حلل من سندس و إستبرق، يكون للعبد المؤمن ألف ألف سفط، في كلّ سفط (5) مائة (6) حلّة ما فيها حلّة تشبه الأخرى‏ (7) على ألوان [مختلفة، و هو] (8) ثياب أهل الجنّة. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ‏: على السّرر، كما هو هيئة المتنعّمين‏ (9).

نِعْمَ الثَّوابُ‏: الجنّة و نعيمها.

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 336- 337.

(3) في المصدر: «فرع» بدل «فتر».

(4) الفتر: القطع. و الأسفاط- جمع السّفط-: ما يعبّأ به الطّيب و ما أشبه من أدوات النساء، أو وعاء كالقفّة.

(5) يوجد في ب، المصدر.

(6) المصدر: مائة الف.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أخرى.

(8) يوجد في ب، المصدر.

(9) ب، أ: المتعين.

75

وَ حَسُنَتْ‏: الأرائك.

مُرْتَفَقاً (31): متّكأ.

وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا: للكافر و المؤمن.

رَجُلَيْنِ‏: مقدّرين، أو موجودين.

قيل‏ (1): هما اخوان من بني إسرائيل، كافر اسمه: قطروس‏ (2)، و مؤمن اسمه:

يهودا (3)، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعا و عقارا، و صرفها المؤمن في وجوه الخير، و آل‏ (4) أمرهما إلى ما حكاه- تعالى-.

و قيل‏ (5): الممثّل بهما اخوان من بني مخزوم، كافر و هو الأسود بن عبد الأسد (6)، و مؤمن و هو أبو سلمة (7)، عبد اللّه، زوج أمّ سلمة قبل رسول اللّه.

جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ‏: بستانين.

مِنْ أَعْنابٍ‏: من الكروم.

و الجملة بتمامها بيان للتّمثيل، أو صفة لرجلين.

وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ‏: و جعلنا النّخل محيطة بهما مؤزرا بها كرومهما، يقال:

حفّه القوم: إذا أحاطوا به. و حففته [بهم‏] (8): إذا جعلتهم‏ (9) حافّين حوله. فتزيده «الباء» مفعولا ثانيا، كقولك: غشيته، و غشيت به.

وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما: وسطهما. زَرْعاً (32): ليكون كلّ منهما جامعا للأقوات و الفواكه، متواصل العمارة على الشّكل الحسن و التّرتيب الأنيق.

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها: ثمرها.

و إفراد الضّمير لإفراد «كلتا».

و قرئ‏ (10): «كلّ الجنّتين أتى أكله».

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 12.

(2) المصدر: فطروس.

(3) المصدر: يهوذا.

(4) ب، أ: مال.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: الأشدّ.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أبو سلم.

(8) من نفس المصدر.

(9) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

جعلته.

(10) أنوار التنزيل 2/ 12.

76

وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ‏: و لم تنقص من أكلها. شَيْئاً: يعهد في سائر البساتين، فإنّ الثّمار تتمّ في عام و تنقص في عام غالبا.

و في شرح الآيات الباهرة (1): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن القاسم بن عروة (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً قال: هما [عليّ- (عليه السلام)-] (3) و رجل آخر.

وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (33): ليدوم شربهما، فإنّه الأصل و يزيد بهاؤهما.

و عن يعقوب‏ (4): «و فجرنا» بالتّخفيف.

وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ: أنواع من المال سوى الجنّتين من ثمر ماله إذا كثر.

و قرأ (5) عاصم بفتح الثّاء و الميم، و أبو عمرو بضمّ الثّاء و إسكان الميم، و الباقون بضمّهما، و كذلك في قوله: «و أحيط بثمره».

فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ‏: يراجعه في الكلام، من حار (6): إذا رجع.

أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً (34): حشما و أعوانا.

و قيل‏ (7): أولادا ذكورا، لأنّهم الّذين ينفرون معه.

وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ‏: بصاحبه، يطوف به فيها و يفاخره بها.

و إفراد «الجنّة» لأنّ المراد ما هو جنّته و هو ما متّع به من الدّنيا، تنبيها على أنّه لا جنّة له غيرها و لا حظّ له في الجنّة الّتي وعد المتّقون. أو لاتصال كلّ واحدة من جنّتيه بالأخرى. أو لأنّ الدّخول يكون في واحدة واحدة.

وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ‏: ضارّ لها بعجبه و كفره.

قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ، أي: تفنى. هذِهِ‏: الجنّة. أَبَداً (35): لطول أمله، و تمادي غفلته، و اغتراره بمهلته.

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 293، ح 5.

(2) كذا في المصدر، و تنقيح المقال 2/ 23. و في النسخ: عوف.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 12.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حاور.

(7) نفس المصدر و الموضع.

77

وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً: كائنة.

وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّي‏: بالبعث، كما زعمت.

لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها: من جنّته.

و قرأ (1) الحجازيّان و الشّاميّ: «منهما»، أي: من الجنّتين.

مُنْقَلَباً (36): مرجعا و عاقبة، لأنّها فانية و تلك باقية.

و إنّما أقسم على ذلك لاعتقاده أنّه- تعالى- إنّما أولاه لاستئهاله و استحقاقه إيّاه لذاته، و هو معه أينما يلقاه.

قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ‏: لأنّه أصل مادّتك، أو مادّة أصلك‏ (2).

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ: فإنّها مادّتك القريبة.

ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37): ثمّ عدلك و كملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرّجال.

جعل كفره بالبعث كفرا باللّه لأنّ منشأه الشّكّ في كمال قدرة اللّه، و لذلك رتّب الإنكار على خلقه إياه من التّراب فإنّ من قدر بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه.

لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38).

أصله: لكنّ أنا، فحذفت الهمزة و ألقيت حركتها على نون «لكنّ» فتلاقت النّونان فكان الإدغام.

و قرأ (3) ابن عامر و يعقوب في رواية بالألف في الوصل لتعويضها من الهمزة أو لإجراء الوصل مجرى الوقف.

و قد قرئ‏ (4): «لكنّ أنا» على الأصل، و هو ضمير الشّأن، و هو بالجملة الواقعة خبرا له خبر «أنا» [، أو ضمير اللّه و «اللّه» بدله و «ربّي» خبره، و الجملة خبر «أنا»،] (5) و الاستدراك من «أكفرت»، كأنّه قال: أنت كافر باللّه لكنّي مؤمن به.

و قد قرئ‏ (6): «لكنّ هو اللّه ربّي» و «لكنّ أنا أقول لا إله إلّا هو ربّي».

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 13.

(2) أمّا الأوّل فلأنّ مادة الشخص النطفة و النطفة حصلت من الغذاء و هو حاصل من التراب، و أمّا الثاني فلأنّ أصل النوع الإنساني آدم و هو من التراب.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 13.

78

وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ‏: و هلّا قلت عند دخولها: ما شاءَ اللَّهُ‏، أي: الأمر ما شاء اللّه [أو ما شاء] (1) كائن، على أنّ «ما» موصولة. أو أيّ شي‏ء شاء اللّه كان، على أنّها شرطيّة و الجواب محذوف إقرارا بأنّها و ما فيها بمشيئة اللّه، إن شاء اللّه أبقاها و إن شاء أبادها.

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏: و قلت: لا قوة إلّا باللّه، اعترافا بالعجز على نفسك و القدرة للّه، و أنّ ما تيسّر لك من عماراتها و تدبير أمرها فبمعونته و إقداره.

و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- (2): من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه، لم يضرّه.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما من رجل دعا فختم بقول: ما شاء اللّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، إلّا أجيب حاجته‏ (4).

و في تهذيب الأحكام‏ (5)، بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن عبد الملك الزّيّات: عن رجل، عن كرام عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أربع لأربع.

... إلى قوله: و الثّالثة للحرق و الغرق ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه، و ذلك أنّه يقول: وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

و في محاسن البرقيّ‏ (6)، عنه، عن عدّة من أصحابنا، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال لي: إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل:

بسم اللّه آمنت باللّه توكلّت على اللّه ما شاء اللّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، فتلقاه الشّياطين فتضرب الملائكة وجوهها و تقول: ما سبيلكم عليه و قد سمّي اللّه و آمن به و توكّل على اللّه و قال: ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه.

عنه‏ (7)، عن بكر بن صالح، عن سليمان بن جعفر، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر- (عليه السلام)- [قال‏] (8): من خرج وحده في سفر فليقل: ما شاء اللّه لا قوّة (9) إلّا باللّه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ثواب الأعمال/ 24، ح 1.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: صاحبه.

(5) التهذيب 6/ 170، ح 329.

(6) المحاسن/ 350، ح 33.

(7) نفس المصدر/ 355، ح 53.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: لا حول و لا قوّة.

79

اللّهم آنس وحشتي و أعنّي على وحدتي و ردّ غيبتي.

و في كتاب التّوحيد، بإسناده إلى جابر بن يزيد الجعفيّ: عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر قال: سألته عن معنى لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.

فقال: معناه، لا حول لنا عن معصية اللّه إلّا بقوّة اللّه، و لا قوّة لنا على طاعة اللّه إلّا بتوفيق اللّه- عزّ و جلّ-.

إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً (39).

يحتمل أن يكون «أنا» فصلا، و أن يكون تأكيدا للمفعول الأوّل.

و قرئ: «أقلّ» بالرّفع على أنّه خبر «أنا». و الجملة مفعول ثان «لترن». و في قوله- تعالى-: «ولدا» دليل لمن فسّر النّفر بالأولاد.

فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ‏: في الدّنيا و الآخرة لإيماني. و هو جواب الشّرط.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: عجبت لمن يفزع‏ (2) [من أربع‏] (3) كيف لا يفزع إلى أربع.

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و عجبت لمن أراد الدّنيا و زينتها كيف لا يفزع إلى قوله- تعالى-: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏. فإنّي سمعت اللّه يقول بعقبها: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً، فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ‏. و عسى موجبة.

وَ يُرْسِلَ عَلَيْها: على جنّتك لكفرك.

حُسْباناً مِنَ السَّماءِ: مرامي. جمع حسبانة: و هي الصّواعق.

و قيل‏ (4): هو مصدر بمعنى، الحساب، و المراد به: التّقدير لتخريبها. أو عذاب حساب الأعمال السّيّئة.

فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40): أرضا ملساء يزلق عليها باستئصال نباتها

____________

(1) الخصال 1/ 218، ح 43.

(2) المصدر: فزع.

(3) ليس في أ، ب.

(4) أنوار التنزيل 2/ 13.

80

و (1) أشجارها.

أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً: غائرا في الأرض، مصدر وصف به، كالزّلق.

فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ‏: للماء الغائر.

طَلَباً (41): تردّدا في ردّه.

وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ‏: و أهلك أمواله حسبما توقّعه صاحبه و أنذره منه. مأخوذ من أحاط به العدوّ، فإنّه إذا أحاط به غلبه و إذا غلبه أهلكه. و نظيره: أتى عليهم العدوّ: إذا جاءهم مستعليا عليهم.

و في مجمع البيان‏ (2): وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ‏

و في الخبر: أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أرسل عليها نارا [فأهلكها] (3) و غار ماؤها.

فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ‏: ظهرا لبطن‏ (4)، تلهفا و تحسّرا.

عَلى‏ ما أَنْفَقَ فِيها: في عمارتها. و هو متعلّق «بيقلّب» لأنّ تقلّب الكفّ كناية عن النّدم، و كأنّه قيل: و أصبح يندم. أو حال، أي: متحسّرا على ما أنفق فيها.

وَ هِيَ خاوِيَةٌ: ساقطة. عَلى‏ عُرُوشِها، بأن سقطت عروشها على الأرض، و سقطت الكروم فوقها.

وَ يَقُولُ‏: عطف على «يقلّب». أو حال من ضميره‏ (5).

يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)، كأنّه تذكّر موعظة أخيه و علم أنّه أتي من قبل شركه، فتمنّى لو لم يكن مشركا فلم يهلك اللّه بستانه.

و يحتمل أن يكون توبة من الشّرك، و ندما [على شركه‏] (6) على ما سبق منه.

وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ و قرأ (7) حمزة و الكسائيّ بالياء (8).

____________

(1) ب: أو.

(2) المجمع 3/ 472.

(3) من المصدر.

(4) مفعول مطلق، أي: يقلّب كفّيه تقليبا خاصّا.

(5) فإن قيل: الفعل المضارع المثبت إذا وقع حالا لم تدخل الواو عليه. قلنا: هاهنا مقدّر، و التقدير: و هو يقول.

(6) ليس في أنوار التنزيل 2/ 14.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بالهاء.

81

يَنْصُرُونَهُ‏: يقدرون على نصره بدفع الإهلاك، أو ردّ المهلك، أو الإتيان بمثله‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏، فإنّه القادر على ذلك وحده.

وَ ما كانَ مُنْتَصِراً (43): و ما كان ممتنعا بقوّته عن انتقام‏ (1) اللّه منه.

هُنالِكَ‏: في ذلك المقام و تلك الحال.

الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِ‏: النّصرة له وحده لا يقدر عليها غيره، تقريرا لقوله: وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ‏. أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، كما نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، و يعضده قوله: هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً (44)، أي: لأوليائه.

و قرأ (2) حمزة و الكسائيّ، بالكسر (3)، و معناها: السّلطان و الملك، أي: هنالك السّلطان له لا يغلب و لا يمتنع منه. أو لا يعبد غيره‏ (4)، كقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏، فيكون تنبيها على أنّ قوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ‏ كان عن اضطرار و جزع ممّا دهاه.

و قيل‏ (5): «هنالك» إشارة إلى الآخرة.

و قرأ (6) حمزة (7) و الكسائيّ: «الحقّ» بالرّفع صفة «للولاية».

و قرئ‏ (8): بالنّصب على المصدر المؤكّد.

و قرأ حمزة و عاصم‏ (9): «عقبا» بالسّكون.

و قرئ‏ (10): «عقبى» و كلّها بمعنى العاقبة.

و في أصول الكافي‏ (11): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة و محمّد بن عبد اللّه، عن عليّ بن حسّان [عن عبد اللّه بن كثير] (12)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قوله- عزّ و جلّ-: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِ‏.

قال: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

____________

(1) ب: من قوته بانتقام.

(2) أنوار التنزيل 2/ 14.

(3) أي بكسر الواو في الولاية.

(4) أي: في هذا الوقت، و لا يكون معبود غير اللّه.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: أبو عمرو.

8 و 9 و 10- أنوار التنزيل 2/ 14.

(11) الكافي 1/ 418، ح 34.

(12) من المصدر.

82

و في شرح الآيات الباهرة (1): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-، عن محمّد بن همام، عن عبد اللّه بن جعفر الحضرميّ‏ (2)، عن محمّد بن عبد الحميد، عن محمّد بن الفضل‏ (3)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له قوله- تعالى-: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً.

قال: هي ولاية عليّ- (عليه السلام)- هي خير ثوابا و خير عقبا، أي: عاقبة من ولاية عدوّه صاحب الجنّة (4) الّذي حرّم اللّه عليه الجنّة.

وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا: اذكر لهم ما يشبه الحياة الدّنيا في زهرتها و سرعة زوالها، أو صفتها الغريبة.

كَماءٍ: هو كماء. و يجوز أن يكون مفعولا ثانيا «لا ضرب» على أنّه بمعنى:

صيّر (5).

أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ‏: فالتفّ‏ (6) بسببه و خالط بعضه بعضا من كثرته و تكاثفه. أو بخع‏ (7) في النّبات حتّى روي و رفّ‏ (8)، و على هذا كان حقّه:

فاختلط بنبات الأرض. لكن لمّا كان كلّ من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته‏ (9).

فَأَصْبَحَ هَشِيماً: مهشوما مكسورا.

تَذْرُوهُ الرِّياحُ‏: تفرّقه.

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 296، ح 6.

(2) ليس في متن المصدر، أمّا في هامشه فقد قال: في الأصل: عبد اللّه بن جعفر الحضرميّ، و لكن لم نجد له ذكرا في كتب الرّجال، و الظاهر أنه مصحّف الحميريّ، و في البحار، عبد اللّه بن جعفر، و في البرهان: عبد اللّه بن جعفر، عن الحضرميّ.

(3) أ، ب، المصدر: الفضيل.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسنة.

(5) أي: جعل الحياة الدنيا مثل ماء.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 14. و في النسخ:

فالنصب.

(7) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

يجمع.

(8) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

رقا. و رفّ النبات: اهتزّ من الريّ و النضارة.

و «رقا» بمعنى سما و ارتفع.

(9) أي: للمبالغة في كثرة الماء، فإنّ المختلط بشي‏ء يكون أقلّ من ذلك الشي‏ء غالبا، فإذا قيل:

فاختلط بنبات الأرض لم يدلّ كثرة الماء، و إذا قيل: اختلط به نبات الأرض أفاد في الظاهر قلة النبات و كثرة الماء.

83

و قرئ‏ (1): «تذريه» من أذرى. و المشبّه به ليس الماء و لا حاله، بل الكيفيّة المنتزعة من الجملة (2)، و هي حال النّبات المنبت‏ (3) بالماء يكون أخضر و أرفأ ثمّ هشيما تطيّره الرّياح فيصير كأن لم يكن.

وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (45): من الإنشاء و الإفناء.

[في روضة الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة] (5)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل [في الزّهد في الدّنيا، و فيه يقول- (عليه السلام)-:] (6) فهي كروضة اعتمّ‏ (7) مرعاها (8) و أعجبت من يراها، عذب شربها (9) طيّب تربها (10)، تمجّ عروقها الثّرى و تنطف فروعها النّدى، حتّى إذا بلغ العشب إبانه‏ (11) و استوى بنانه‏ (12) هاجت ريح تحت الورق و تفرّق ما اتّسق فأصبحت، كما قال اللّه: هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً.

و في نهج البلاغة (13): أمّا بعد، فإنّي أحذّركم الدّنيا.

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: لا تعدوا إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها و الرّضا بها أن تكون‏ (14)، كما قال اللّه- سبحانه-: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً.

الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا: يتزيّن به الإنسان في دنياه، و تفنى‏ (15) عنه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) و كذا المشبّه الكيفيّة المنتزعة، فإنّه حال الحياة الدنيا بنشئها و ترقّيها ثمّ الوقوف في الكمال ثمّ اليبس و الشيخوخة ثمّ الفناء.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 14. و في النسخ:

المنتسب.

(4) الكافي 8/ 17، ح 3.

(5) ليس في أ، ب.

(6) من نور الثقلين 3/ 263، ح 92.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: اغتنم و اعتمّ النّبت: تمّ طوله و ظهر نوره.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فرعاها.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: مشربها.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: تربتها.

(11) مجّ الرجل الماء من فيه: رمى به. و نطف الماء: إذا قطر قليلا قليلا و إبّان الشي‏ء: حينه أو أوانه.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: نباته.

(13) نهج البلاغة/ 164، الخطبة 111.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: يكون.

(15) كذا في أنوار التنزيل 2/ 15. و في النسخ:

يغنى.

84

عمّا قريب.

و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى سعيد بن النّصر: عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا و ثمان ركعات‏ (2) آخر اللّيل و الوتر زينة الآخرة، و قد يجمعهما اللّه- عزّ و جلّ- لأقوام.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): قال- (عليه السلام)-: إنّ المال و البنين حرث الدّنيا و العمل الصّالح حرث الآخرة و قد يجمعهما اللّه لأقوام.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن عمر بن عليّ بن عمر، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إن كان اللّه- عزّ و جلّ- قال: الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا إنّ الثّمانية ركعات يصليها العبد آخر اللّيل زينة الآخرة.

وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ‏: و الأعمال الخيّرات الّتي تبقى له ثمرتها أبد الآباد (5)، و يندرج فيها ما فسّرت به من الصّلوات الخمس، و أعمال الحجّ، و صيام رمضان، و سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، و الكلام الطيّب.

و في مجمع البيان‏ (6): و روى أنس بن مالك، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال لجلسائه: خذوا جنّتكم.

قالوا: احضر (7) عدوّنا؟

قال: خذوا جنّتكم [من النّار] (8)، قولوا: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فانّهنّ المقدّمات، و هنّ‏ (9) المنجيات، و هنّ المعقّبات، و هنّ الباقيات الصّالحات.

و روي‏ (10) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إن عجزتم عن اللّيل أن‏

____________

(1) المعاني/ 324، ح 1.

(2) في المصدر: زيادة «من».

(3) بل في نهج البلاغة/ 64 الخطبة 23. و أورده نور الثقلين 3/ 263، ح 95. عنه أيضا.

(4) نور الثقلين 3/ 263، ح 96. و فيه: «محمد ابن أحمد بن يحيى» بدل «محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن يحيى».

(5) ب: الآبدين.

(6) المجمع 3/ 473.

(7) ب، أ: حضر بحذف الهمزة. و في المصدر:

أحذر عدوّا.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: هو.

(10) نفس المصدر و المجلّد/ 474.

85

تكابدوه‏ (1) و عن العدوّ أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فإنّهنّ الباقيات الصّالحات، فقولوها.

و قيل‏ (2): هي الصّلوات الخمس. و روي‏ (3) ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و روي‏ (4) عنه- أيضا-: أنّ من الباقيات الصّالحات القيام باللّيل لصلاة اللّيل.

و في كتاب ابن عقدة (5)، أنّ أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- قال للحصين بن عبد الرّحمن: يا حصين، لا تستصغر مودّتنا فإنّها من الباقيات الصّالحات.

قال: يا ابن رسول اللّه، ما أستصغرها (6) و لكن أحمد اللّه عليها.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: خذوا جنّتكم.

قالوا: يا رسول اللّه، حضر عدوّ (8)؟

فقال: لا، و لكن خذوا جنّتكم من النّار.

فقالوا: بم‏ (9) نأخذ جنّتنا (10)، يا رسول اللّه [من النّار] (11)؟

قال: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فإنّهنّ يأتين يوم القيامة و لهنّ مقدمات و مؤخّرات‏ (12)، و هي‏ (13) الباقيات الصّالحات.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و لذكر اللّه أكبر، قال: ذكر اللّه عند ما أحلّ أو حرّم، و شبه هذا هو (14) مؤخّرات.

و في كتاب معاني الأخبار (15)، بإسناده إلى الحسن بن محبوب: عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأصحابه ذات يوم: أ ترون‏ (16) لو جمعتم ما عندكم من الآنية و المتاع أ كنتم ترونه تبلغ‏ (17) السّماء؟

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تكايدوه.

2 و 3 و 4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أصغرها.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 327، ح 32.

(8) المصدر: عدّو حضر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فيمن.

(10) المصدر: جننا.

(11) من المصدر.

(12) في المصدر: زيادة «و منجيات و معقبات».

(13) المصدر: هنّ.

(14) المصدر: «و» بدل «هو».

(15) المعاني/ 324، ح 1.

(16) كذا في المصدر. و في النسخ: أ تدرون.

(17) المصدر: يبلغ.

86

قالوا: لا، يا رسول اللّه.

قال: ألا أدلّكم على شي‏ء أصله في الأرض و فرعه في السّماء؟

قالوا: بلى، يا رسول اللّه.

قال: يقول أحدكم إذا فرغ من صلاة (1) الفريضة: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، ثلاثين مرّة، فإنّ أصلهنّ في الأرض و فرعهنّ في السّماء، و هنّ يدفعن الحرق و الغرق و الهدم و التّردّي في البئر و ميتة السّوء، و هنّ الباقيات الصّالحات.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد (3) بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن ضريس الكناسيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: مرّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- برجل يغرس غرسا في حائط له، فوقف له و قال: ألا أدلّك على غرس أثبت أصلا و أسرع إيناعا و أطيب ثمرا و أبقى؟

قال: بلى، فدلّني يا رسول اللّه.

فقال: إذا أصبحت و أمسيت فقل: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فإنّ لك إن قلته بكلّ تسبيحة عشر شجرات في الجنّة من أنواع الفاكهة، و هنّ من الباقيات الصّالحات. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (4): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: أكثروا من سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فإنّهنّ يأتين يوم القيامة لهنّ مقدّمات و مؤخّرات و معقّبات، و هنّ الباقيات الصّالحات.

خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ‏: من المال و البنين.

ثَواباً: عائدة وَ خَيْرٌ أَمَلًا (46)، لأنّ صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل في الدّنيا.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبيه، عن النّعمان، عن عمرو الجعفي قال:

حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن عبد الرّحمن الجعفيّ قال: دخلت أنا و عمّي، الحصين بن‏

____________

(1) المصدر: صلاته.

(2) الكافي 2/ 506، ح 4.

(3) ليس في المصدر.

(4) ثواب الأعمال/ 26، ح 2.

(5) تأويل الآيات 1/ 297، ح 8.

87

عبد الرّحمن على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فسلّم عليه فردّ (عليه السلام) و أدناه، و قال:

ابن من هذا معك؟

قال: ابن أخي إسماعيل.

قال: رحم اللّه إسماعيل و تجاوز عن سيّئ عمله، كيف تخلّفوه‏ (1)؟

قال: نحن جميعا بخير ما أبقى اللّه لنا مودّتكم.

قال: يا حصين، لا تستصغرنّ‏ (2) مودّتنا، فإنّها من الباقيات الصّالحات.

فقال: يا ابن رسول اللّه، ما أستصغرها و لكن أحمد اللّه عليها. لقولهم- (صلوات اللّه عليهم)-: من حمد [اللّه‏] (3) فليقل: الحمد للّه على أولى‏ (4) النّعم.

قيل: و ما أولى‏ (5) النّعم؟

قال: ولايتنا، أهل البيت.

وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ‏: و اذكر يوم نقلعها و نسيّرها في الجوّ، و نذهب بها فنجعلها هباء منبثّا.

و يجوز عطفه على «عند ربّك»، أي: الباقيات الصّالحات خير عند اللّه و يوم القيامة.

و قرأ (6) ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر: «تسيّر» بالتّاء، و البناء للمفعول.

و قرئ‏ (7): «تسير» من سارت.

وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً: بادية، برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها.

و قرئ‏ (8): «ترى» على بناء المفعول.

وَ حَشَرْناهُمْ‏: و جمعناهم إلى الموقف.

و قيل‏ (9): مجيئه ماضيا بعد «نسيّر» و «ترى» لتحقق‏ (10) الحشر. أو للدّلالة على أنّ حشرهم قبل التّسيير ليعاينوا و يشاهدوا ما وعد لهم، و على هذا تكون الواو للحال بإضمار «قد».

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مخلّفوه.

(2) أ، ب: تصغرنّ.

(3) من المصدر.

4 و 5- كذا في المصدر. و في النسخ: أوّل.

6 و 7 و 8 و 9- أنوار التنزيل 2/ 15.

(10) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: لتحصيل.

و في سائر النسخ: لتحقيق.

88

فَلَمْ نُغادِرْ: فلم نترك. مِنْهُمْ أَحَداً (47) يقال: غادره و أغدره: إذا تركه. و منه الغدر لترك الوفاء، و الغدير لما غادره السّيل.

و قرئ‏ (1): بالياء (2).

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريسي‏ (3)، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً أغشي عليه و حمل إلى حجرة أمّ سلمة، فانتظره أصحابه وقت الصّلاة فلم يخرج، فاجتمع المسلمون فقالوا: ما لنبيّ اللّه؟

قالت أمّ سلمة: إنّ نبيّ اللّه عنكم مشغول.

ثمّ خرج بعد ذلك فرقي‏ (4) المنبر فقال: أيّها النّاس، إنّكم تحشرون يوم القيامة، كما خلقتم حفاة عراة. ثمّ قرأ على أصحابه: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. ثمّ قرأ: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ.

و في روضة الواعظين‏ (5) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال أبو (6) عبد اللّه بن سلام: يا محمّد، أخبرني أين‏ (7) وسط الدّنيا.

قال: بيت المقدس.

قال: و لم ذلك؟

قال: لأنّ فيها المحشر و المنشر، و منه ارتفع العرش، و فيه الصّراط و الميزان.

قال: صدقت، يا محمّد.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: يحشر النّاس على مثل قرصة (9) النّقيّ، فيها أنهار متفجّرة (10) يأكلون‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أي: يغادر.

(3) نور الثقلين 3/ 265، ح 106.

(4) رقي: صعد.

(5) روضة الواعظين 2/ 409.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(8) الإحتجاج 2/ 323.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فرغة. و في المصدر: زيادة «البرّ». و النّقيّ: الخبز الحواري، و هو الدقيق الأبيض الجيّد.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: منفجرة.

89

و يشربون حتّى يفرغوا (1) من الحساب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وقف على حمزة يوم أحد و قال: لولا أنّي أحذر نساء بني عبد المطّلب لتركته للعاوية (3) و السّباع حتّى يحشر يوم القيامة من بطون السّباع و الطّير.

و فيه‏ (4): أنّه سئل عن قوله: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً.

فقال: ما يقول النّاس فيها؟

فقلت: يقولون: إنّها في القيامة.

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ يحشر اللّه في يوم القيامة من كلّ أمّة فوجا و يذر الباقين؟ إنّما ذلك في الرّجعة، أمّا آية القيامة فهذه: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.

وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّكَ‏: تشبيه‏ (5) حالهم بحال الجند المعروضين على السّلطان، لا ليعرفهم بل للأمر فيهم.

و في كتاب الخصال‏ (6)، بإسناده إلى أبان الأحمر: عن الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه جاء إليه رجل فقال له: بأبي أنت و أمّي، عظني موعظة.

فقال: إن كان العرض على اللّه- عزّ و جلّ- حقّا فالمكر (7) لما ذا؟ أنكر (8) و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

صَفًّا: مصطفّين لا يحجب أحد أحدا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (9) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه‏ قال السّائل: أ فيعرضون‏ (10) صفوفا؟

قال: نعم، هم يومئذ عشرون و مائة ألف صفّ في عرض الأرض.

____________

(1) المصدر: يفرغ.

(2) تفسير القمّي 1/ 123.

(3) المصدر: للعادية. و العاوية: الحيوانات الّتي تعوي.

(4) نفس المصدر 2/ 36.

(5) ب: تشبّه.

(6) الخصال 2/ 450، ح 55.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فالمنكر.

(8) ليس في المصدر.

(9) الإحتجاج 2/ 350.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أ فتعرضون.

90

لَقَدْ جِئْتُمُونا: على إضمار القول على وجه يكون حالا، أو عاملا في «يوم نسيّر» (1).

كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ قيل‏ (2): عراة لا شي‏ء معكم من المال و الولد، لقوله: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏. أو أحياء، كخلفتكم الأولى.

و في مجمع البيان‏ (3): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يحشر النّاس من قبورهم يوم القيامة حفاة عراة غرلا (4).

فقالت عائشة: يا رسول اللّه، أما يستحيي بعضهم من بعض؟

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه‏ قال السّائل: أخبرني عن النّاس يحشرون يوم القيامة عراة؟

قال: بل يحشرون في أكفانهم.

قال: أنّى لهم بالأكفان و قد بليت؟

قال: إنّ الّذي أحيى أبدانهم جدّد أكفانهم.

قال: فمن مات بلا كفن؟

قال: يستر اللّه عورته بما يشاء من عنده.

بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48): وقتا لإنجاز الوعد بالبعث و النّشور، و أنّ الأنبياء كذبوكم‏ (6) به.

و «بل» للخروج من قصّة إلى أخرى.

وَ وُضِعَ الْكِتابُ‏: صحائف الأعمال في الأيمان و الشّمائل. أو في الميزان.

و قيل‏ (7): هو كناية عن وضع الحساب.

____________

(1) فعلى كونه حالا يكون المعنى: و عرضوا على ربّك يقول لهم: لقد جئتمونا. و على الوجه الثاني يكون المعنى: و نقول لهم: يوم نسيّر الجبال لقد جئتمونا.

(2) أنوار التنزيل 2/ 15.

(3) المجمع 3/ 474.

(4) العزل- جمع الأعزل-: من لم يختن.

(5) الإحتجاج 2/ 350.

(6) بالتخفيف، أي: يقولون لكم الكذب.

(7) أنوار التنزيل 2/ 15.

91

فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ‏: خائفين.

مِمَّا فِيهِ‏: من الذّنوب.

وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا: ينادون هلكتهم الّتي هلكوا بها من بين الهلكات‏ (1).

ما لِهذَا الْكِتابِ‏: تعجّبا من شأنه.

لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها: إلّا عدّها و أحاط بها.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة دفع إلى الإنسان كتابه، ثمّ قيل له: أقرأه.

قلت: فيعرف‏ (3) ما فيه؟

فقال: [إنّه‏] (4) يذكره، فما من لحظة و لا كلمة و لا نقل قدم [و لا شي‏ء فعله‏] (5) إلّا ذكره، كأنّه فعله تلك السّاعة، فلذلك قالوا: يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها.

عن خالد بن نجيح‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [في قوله: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ‏] (7) قال: يذكر العبد جميع ما عمل و ما كتب عليه، كأنّه فعله تلك السّاعة، فلذلك قالوا: يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها

(8).

وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49): فيكتب عليه شيئا لم يفعله، أو يزيد في عقابه الملائم لعمله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): قال: وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ‏- إلى قوله- وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً قال: يجدون ما عملوا كلّه مكتوبا.

____________

(1) شبّه هلكتهم بالشخص الّذي يمكن طلب إقباله على الاستعارة بالكناية، و جعل إيراد «يا» عليه استعارة تخييلية فهم طلبوا إهلاكهم حتّى يرى ما هم فيه.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 328.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فله يعرف.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) تفسير العيّاشي 2/ 328، ح 35.

(7) من المصدر.

(8) ينبغي هاهنا ذكر الآية التي سقطت نفسها و تفسيرها في التأليف و هي: وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً: مكتوبا في الصحف.

(9) تفسير القمّي 2/ 37.

92

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ‏:

كرّره في مواضع‏ (1) لكونه مقدّمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحالّ، و هاهنا لمّا شنّع على المفتخرين و استقبح صنيعهم قرّر ذلك بأنّه من سنن إبليس. أو لمّا بيّن حال المغرور بالدّنيا و المعرض عنها، و كان سبب الاغترار بها حبّ الشّهوات و تسويل الشّيطان، زهّدهم أوّلا في زخارف الدّنيا (2) بأنّها عرضة الزّوال، و الأعمال الصّالحة خير و أبقى من أنفسها و أعلاها، ثمّ نفّرهم عن الشّيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة، و هذا مذهب كلّ تكرير في القرآن.

كانَ مِنَ الْجِنِ‏: حال بإضمار «قد». أو استئناف للتّعليل، كأنّه قيل ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجنّ.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في هاروت و ماروت، و فيه‏ بعد أن مدح- (عليه السلام)- الملائكة و قال: معاذ اللّه من ذلك، إنّ الملائكة معصومون محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف اللّه- تعالى-.

قالا: قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس- أيضا- ملكا؟

فقال: لا، بل كان من الجنّ، أما تسمعان اللّه- تعالى- يقول: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ فأخبر- عزّ و جلّ- أنّه كان من الجنّ، و هو الّذي قال اللّه- تعالى-: وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ.

و في أصول الكافي‏ (4): عنه، عن أبيه، عن فضالة، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الملائكة [كانوا] (5) يحسبون أن إبليس منهم، و كان في علم اللّه أنّه ليس منهم، فاستخرج ما في نفسه بالحميّة و الغضب فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (6): عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن إبليس، أ كان من الملائكة، و هل كان يلي من أمر السّماء شيئا؟

____________

(1) كسورة البقرة و الأعراف و الإسراء.

(2) ليس في أ، ب.

(3) العيون 1/ 210، ح 1.

(4) الكافي 2/ 308، ح 6.

(5) من المصدر.

(6) تفسير العيّاشي 2/ 328، ح 37.

93

قال: لم يكن من الملائكة و لم يكن يلي من‏ (1) أمر السّماء شيئا، كان من الجنّ و كان مع الملائكة، و كانت الملائكة ترى‏ (2) أنّه منها و كان اللّه يعلم أنّه ليس منها، فلمّا امر بالسّجود كان منه‏ (3) الّذي كان.

فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏: فخرج عن أمره بترك السّجود.

و «الفاء» للّسبب. و فيه دليل على أنّ الملك لا يعصي أبدا، و إنّما عصى إبليس لأنّه كان جنّيّا في أصله.

أَ فَتَتَّخِذُونَهُ‏: أ عقيب‏ (4) ما وجد منه تتّخذونه.

و «الهمزة» للإنكار و التّعجّب.

وَ ذُرِّيَّتَهُ‏: أولاده، أو أتباعه، سمّاهم ذرّيّة مجازا (5).

أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي‏: فتستبدلونهم بي، فتطيعونهم بدل طاعتي.

وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50): من اللّه إبليس و ذرّيّته.

ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ‏: نفى إحضار إبليس و ذرّيّته خلق السّموات و الأرض و إحضار بعضهم خلق بعض، ليدلّ على نفي الاعتضاد بهم في ذلك، كما صرّح به بقوله: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51): أي أعوانا ردّا لاتّخاذهم أولياء من دون اللّه شركاء له في العبادة، فإنّ استحقاق العبادة من توابع الخالقيّة، و الإشراك فيه يستلزم الإشراك فيها، فوضع المضلّين موضع الضّمير ذمّا لهم و استبعادا للاعتضاد بهم.

و قيل‏ (6): الضّمير للمشركين، و المعنى: ما أشهدتهم خلق ذلك و ما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتّى لو آمنوا تبعهم النّاس، كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدّين، فإنّه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلّين لديني، و يعضده قراءة من قرأ: «و ما كنت»: على خطاب الرّسول.

و قرئ‏ (7): «متّخذا المضلّين» على الأصل. و «عضدا» بالتخفيف. و «عضدا»

____________

(1) ليس في أ، ب. و في سائر النسخ: «من» بحذف «أمر». و المصدر موافق ما في المتن.

(2) المصدر: تراه.

(3) أ، ب: من.

(4) هذا التعقيب مستفاد من الفاء.

(5) سمّى الأتباع ذرّيّة على سبيل المجاز.

(6) أنوار التنزيل 2/ 16.

(7) نفس المصدر و الموضع.

94

بالاتباع. و «عضدا»، كخدم، جمع عاضد، من عضده: إذا قوّاه.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن محمّد بن مروان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله:

ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: اللّهم، أعزّ الإسلام بعمر بن الخطّاب أو بأبي جهل بن هشام. فأنزل اللّه: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً يعنيهما.

عن محمّد بن مروان‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطّاب؟

فقال: يا محمّد، قد و اللّه، قال ذلك و كان [عليّ‏] (3) أشدّ من ضرب العنق.

ثمّ أقبل عليّ فقال: هل تدري ما أنزل اللّه، يا محمّد؟

قلت: أنت علم، جعلت فداك.

قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان في دار الأرقم فقال: اللّهم، أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطّاب. فأنزل اللّه‏ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [يعنيهما]

(4).

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (5)، بإسناده إلى جبلة بن سجيم: عن أبيه قال: لمّا بويع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بلغه أنّ معاوية قد توقّف عن إظهار البيعة له، و قال: إنّ أقرّني على الشّام أو الأعمال‏ (6) الّتي ولّانيها عثمان بايعته.

فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ معاوية من قد عرفت و قد ولّاه الشّام من كان قبلك، فولّه أنت كيما تتسّق عرى الأمور ثمّ أعزله إن بدا لك.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أتضمن لي عمري، يا مغيرة، فيما بين توليته إلى خلعه؟

قال: لا.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 328، ح 39.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 329، ح 40.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) أمالي الشيخ 1/ 85.

(6) المصدر: أعمالي.

95

قال: لا يسألني اللّه- عزّ و جلّ- عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب مقتل الحسين- (عليه السلام)- (1) لأبي مخنف: أنّ الحسين- (عليه السلام)- قام يتمشّى إلى عبيد اللّه [بن الحرّ] (2) الجعفيّ، و هو في فسطاطه، حتّى دخل عليه و سلّم عليه، فقام إليه بن الحرّ و أخلى له المجلس، فجلس و دعاه إلى نصرته.

فقال عبيد اللّه بن الحرّ: و اللّه، ما خرجت من الكوفة إلّا مخافة أن تدخلها و لا أقاتل معك، و لو قاتلت لكنت أوّل مقتول، و لكن هذا سيفي و فرسي فخذهما.

فأعرض عنه- (عليه السلام)- بوجهه فقال: إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في مالك‏ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر معاوية بن حرب‏ (4): و أعجب العجب أنّه لمّا رأى ربّي- تبارك و تعالى- قد ردّ إليّ حقّي، و أقرّ في معدنه، و انقطع طمعه في أن يصير (5) في دين اللّه رابعا و في أمانة حملناها حاكما، كرّ على العاصي‏ (6) بن العاص فاستماله فمال إليه، ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر، و حرام عليه أن يأخذ من الفي‏ء دون قسمته‏ (7) درهما، و حرام على الرّاعي إيصال درهم إليه فوق حقّه، فأقبل يخبط (8) البلاد بالظّلم و يطأها بالغشم‏ (9)، فمن بايعه أرضاه و من خالفه ناوأه، ثمّ توجّه إليّ ناكثا علينا مغيرا في البلاد شرقا و غربا و يمينا و شمالا، و الأنباء تأتيني و الأخبار ترد عليّ بذلك، فأتاني أعور ثقيف فأشار عليّ أن أوّليه البلاد الّتي هو بها لأداريه بما اوّليه‏ (10) منها، و في الّذي أشار به الرّأي في أمر الدّنيا، لو وجدت عند اللّه- عزّ و جلّ- في‏

____________

(1) مقتل الحسين- (عليه السلام)-/ 72- 73.

(2) ليس في المصدر.

(3) الخصال 2/ 378- 379، ح 58.

(4) الصحيح: معاوية بن صخر بن حرب، و صخر هو أبو سفيان.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يصيّرني‏

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: العاص.

و المراد به: عمرو بن العاص.

(7) المصدر: قسمه.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يحيط.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: بالغثم.

و الغشم: الظلم.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: بالتّي وليه.

96

توليته لي مخرجا أو أصبت لنفسي في ذلك عذرا فأعملت الرّأي في ذلك، و شاورت من أثق بنصيحته للّه- عزّ و جلّ- و لرسوله‏ (1) ولي و للمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد لرأي ينهاني عن توليته و يحذّرني أن أدخل في أمر المسلمين يده، و لم يكن اللّه ليراني أن أتّخذ المضلّين عضدا.

وَ يَوْمَ يَقُولُ‏، أي: اللّه للكافرين.

و قرأ (2) حمزة، بالنّون.

نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ‏: أنّهم شركائي، أو شفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي.

و إضافة الشّركاء على زعمهم للتّوبيخ، و المراد: ما عبد من دونه.

و قيل‏ (3): إبليس و ذرّيّته.

فَدَعَوْهُمْ‏: فنادوهم للإغاثة.

فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ‏: فلم يغيثوهم.

وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ‏: بين الكفّار و آلهتهم.

مَوْبِقاً (52): مهلكا يشتركون فيه، و هو النّار. أو عداوة هي في شدّتها هلاك. اسم مكان أو مصدر، من وبق يوبق و بقا، و وبق يبق وبقا و وبوقا: إذا هلك.

و قيل‏ (4): «البين الوصل، أي: و جعلنا تواصلهم في الدّنيا هلاكا يوم القيامة.

وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا: فأيقنوا.

أَنَّهُمْ مُواقِعُوها: مخالطوها، واقعون فيها.

و في كتاب التّوحيد (5)، حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه- (عليه السلام)- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله: وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، يعني: أيقنوا أنّهم داخلوها.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «عليه».

(2) أنوار التنزيل 2/ 16.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) التوحيد/ 267.

(6) الإحتجاج 1/ 250.

97

حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قد يكون بعض ظنّ الكافرين يقينا، و ذلك قوله: وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي: أيقنوا (1) أنّهم مواقعوها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: افتحوا عيونكم عند الوضوء، لعلّها لا ترى نار جهنّم.

وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53): انصرافا. أو مكانا ينصرفون إليه.

وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏: من كلّ جنس يحتاجون إليه.

وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ: يتأتّى منه الجدل.

جَدَلًا (54): خصومة بالباطل و انتصابه على التّمييز (3).

وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا: من الإيمان.

إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏: و هو الرّسول الدّاعي. أو القرآن المبين.

وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ‏: و من الاستغفار من الذّنوب.

إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ‏: إلّا طلب أو انتظار أو تقدير أن يأتيهم سنّة الأوّلين، و هو الاستئصال، فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه‏ (4).

أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ‏: عذاب الآخرة.

قُبُلًا (55): عيانا.

و قرأ (5) الكوفيّون، بضمّتين، و هو لغة فيه. أو جمع قبيل، بمعنى: أنواع.

و قرئ‏ (6)، بفتحتين، و هو- أيضا- لغة. يقال: لقيته مقابلة و قبلا و قبلا و قبلا و قبيلا و قبليّا.

و انتصابه على الحال من الضّمير، أو «العذاب».

____________

(1) المصدر: تيقّنوا.

(2) العلل/ 280، ح 1.

(3) فإن قيل: ما وجه ربط هذا الكلام بقوله- تعالى-: «و لقد صرّفنا ... الخ»؟ قلنا: ربطه أنّه مع أنّا نورد في القرآن كلّ ما يحتاجون إليه و نبيّن بيانا شافيا فيه يجادلون فيه و يخوضون في الباطل.

(4) الطلب و الانتظار إمّا حقيقتان بأن يطلبوا العذاب عنادا، كما حكى اللّه- تعالى- عنهم بقوله- جلّ و علا-: وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. و إمّا مجازان بأن يستعمل الانتظار و الطلب بمعنى الاستحقاق و الاستعداد.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 17.

98

وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏: للمؤمنين و الكافرين.

وَ يُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ‏: باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، و السؤال عن قصّة أصحاب الكهف و نحوها تعنّتا.

لِيُدْحِضُوا بِهِ‏: ليزيلوا بالجدال‏ الْحَقَ‏ عن مقرّه و يبطلوه. من إدحاض القدم، و هو إزلاقها (1).

وَ ما أُنْذِرُوا: و إنذارهم. أو و الّذي أنذروا به من العقاب.

هُزُواً (56): استهزاء.

و قرئ‏ (2): «هزوا» بالسّكون، و هو ما يستهزأ به [على التقديرين‏] (3).

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ‏: بالقرآن.

فَأَعْرَضَ عَنْها: فلم يتدبّرها و لم يتذكّر بها.

وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ‏: من الكفر و المعاصي فلم يتفكّر في عاقبتهما.

إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً: تعليل لإعراضهم و نسيانهم بأنّهم مطبوع على قلوبهم.

أَنْ يَفْقَهُوهُ‏: كراهة أن يفقهوه. و تذكير الضّمير و إفراده للمعنى‏ (4).

وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً: يمنعهم أن يسمعوه حقّ استماعه.

وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57): أخبر- سبحانه- أنّهم لا يؤمنون أبدا، و قد خرج مخبره موافقا لخبره فماتوا على كفرهم.

وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ: البليغ المغفرة (5).

ذُو الرَّحْمَةِ: الموصوف بالرّحمة.

لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ‏: استشهاد على ذلك‏ (6) بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

____________

(1) هنا سقوط آية و تفسيرها في التأليف و هي:

وَ اتَّخَذُوا آياتِي‏، يعني: القرآن.

(2) أنوار التنزيل 2/ 17.

(3) من المصدر.

(4) أي: لتأويلها بالقرآن أو بالوحي.

(5) مستفاد من صيغة الغفور.

(6) أي على كونه- تعالى- موصوفا بالرحمة بإمهال قريش، فإنّه- تعالى- لو لم يكن موصوفا بها لم يمهل قريشا مع شركهم و فرط عداوتهم لرسوله.

99

بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ: و هو يوم بدر. أو يوم القيامة.

لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58): منجا و لا ملجأ. يقال: و أل: إذا نجا.

و وأل إليه: إذا لجأ إليه.

وَ تِلْكَ الْقُرى‏، يعني: قرى عاد و ثمود و أضرابهم.

و «تلك» مبتدأ خبره‏ أَهْلَكْناهُمْ‏. أو مفعول مضمر مفسّر به‏ (1)، و القرى صفته، و لا بدّ من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضّمائر (2).

لَمَّا ظَلَمُوا، كقريش، بالتّكذيب و المراء و أنواع المعاصي.

وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59): لإهلاكهم وقتا معلوما (3) لا يستأخرون عنه ساعة و لا يستقدمون، فليعتبروا بهم و لا يغترّوا بتأخّر العذاب عنهم.

و قرأ (4) أبو بكر: «لمهلكهم» بفتح الميم و الّلام، أي: لهلاكهم‏ (5). و حفص، بكسر اللّام، حملا على ما شذّ من مصادر يفعل، كالمرجع، و المحيص.

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏: مقدّر «باذكر» لِفَتاهُ‏.

قيل‏ (6): يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف- (عليهم السلام)-. فإنّه كان يخدمه و يتبعه، و لذلك سمّاه: فتاه.

و قيل‏ (7): لعبده‏ (8).

لا أَبْرَحُ‏، أي: لا أزال أسير. فحذف الخبر لدلالة حاله عليه، و هو السّفر، و قوله‏ (9): حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ‏: من حيث أنّها تستدعي ذا غاية عليه.

و يجوز أن يكون أصله: لا يبرح مسيري حتّى أبلغ. على أنّ‏ حَتَّى أَبْلُغَ‏ هو الخبر، فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه‏ (10) فانقلب الضّمير و الفعل، و أن يكون «لا

____________

(1) يعني: «تلك» مفعول أهلكنا المضمر المفسّر «بأهلكناهم».

(2) بأن يقال: أهل تلك القرى.

(3) جعل المهلك مصدرا لمعنى الإهلاك، و هو على قراءة غير عاصم، فإنّهم قرؤوا بضمّ الميم و فتح اللّام على أن يكون مصدرا على زنة المفعول.

(4) أنوار التنزيل 2/ 18.

(5) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

لإهلاكهم.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بعبده.

(9) عطف على حاله، أي لدلالة حاله و لدلالة قوله، فإنّ «حتّى» تدلّ على الغاية و هي تستدعي ذا غاية.

(10) الباعث على هذا التكلّف أنّ البراح هو

100

أبرح» بمعنى: لا أزول عمّا أنا عليه من السّير و الطّلب و لا أفارقه. فلا يستدعي الخبر (1).

و «مجمع البحرين» ملتقى بحري‏ (2) فارس و الرّوم ممّا يلي المشرق، وعد لقاء الخضر- (عليه السلام)- فيه.

و قيل‏ (3): «البحرين» موسى و الخضر- (عليهما السلام)-. فانّ موسى كان بحر علم الظّاهر، و الخضر كان بحر علم الباطن.

و قرئ‏ (4): «مجمع» بكسر الميم، على الشّذوذ من يفعل، كالمشرق، و المطلع.

أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60): أو أسير زمانا طويلا.

و المعنى: حتّى يقع إمّا بلوغ المجمع أو مضيّ الحقب. أو حتّى أبلغ إلّا أن أمضي زمانا (5) أتيقّن معه فوات المجمع‏ (6).

و «الحقب» الدّهر.

و قيل‏ (7): ثمانون سنة.

و قيل‏ (8): سبعون.

نقل‏ (9): أنّ موسى- (عليه السلام)- خطب النّاس بعد هلاك القبط و دخوله مصر خطبة بليغة فاعجب بها.

فقيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟

فقال: لا.

____________

الزوال، و هو غير مسند إلى موسى، بل إلى سيره في الحقيقة، فإسناده إليه على ما هو الظاهر يستدعي تكلّفا.

(1) لأنّ «لا يزول» ليس من الأفعال الّتي تستدعي خبرا.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 18. و في النسخ:

بحر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) فيكون أو بمعنى إلّا، كما في قوله: لألزمنّك أو تعطيني حقّي. و إنّما لم يجعلها بمعنى: «إلى أن» إذ لا وجه له، إذ كان المعنى: حتّى إلى أن أمضى حقبا. و هو غير صحيح لاجتماع حرفين للغاية. و إن كان متعلّقا بقوله: «لا أبرح» كان المعنى: لا أبرح أسير إلى أن أمضي حقبا. فكان جزما بسير الحقب و هو مناف لقوله- تعالى-: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ.

(6) أي: فوات المجمع ليعتدّ بأنّه لا يحصل الجمع.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 18.

(9) أنوار التنزيل 2/ 18.

101

فأوحى اللّه- تعالى- إليه: بل [أعلم منك‏] (1) عبدنا الخضر، و هو بمجمع البحرين.

و كان الخضر في أيّام إفريدون، و [كان‏] (2) على مقدّمة ذي القرنين الأكبر، و بقي إلى أيّام موسى.

و قيل‏ (3): إنّ موسى سأل ربّه: أيّ عبادك أحبّ إليك؟

فقال: الّذي يذكرني و لا ينساني.

قال: فأيّ عبادك أقضى؟

قال: الّذي يقضي بالحقّ و لا يتّبع الهوى.

قال: فأيّ عبادك أعلم؟

قال: الّذي يبتغي علم النّاس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو تردّه عن ردى.

فقال: إنّ كان في عبادك أعلم منّي فأدللني عليه.

قال: أعلم منك الخضر.

قال: أين أطلبه؟

قال: على السّاحل عند الصّخرة.

قال: كيف لي به؟

قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك.

فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني. فذهبا يمشيان.

فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، أي: مجمع البحرين.

و «بينهما» ظرف أضيف إليه على الاتّساع. أو بمعنى: الموصل‏ (4).

نَسِيا حُوتَهُما: نسي موسى أن يطلبه و يتعرّف حاله، و يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته و وقوعه في البحر.

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) أي: بأن يخرج الظّرف عن الظرفية فصار المعنى: محلّ جمع بينهما. أو يكون بمعنى الموصل فيصير المعنى: محلّ جمع وصلهما.

102

نقل‏ (1): أنّ موسى رقد فاضطرب الحوت المشويّ و وثب في البحر، معجزة لموسى أو للخضر.

و قيل‏ (2): توضّأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش و وثب في الماء.

و قيل‏ (3): نسيا تفقّد أمره و ما يكون منه أمارة على الظّفر بالمطلوب‏ (4).

فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61): فاتّخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا، من قوله: وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ.

و قيل‏ (5): أمسك اللّه جرية الماء على الحوت فصار كالطّاق عليه‏ (6).

و نصبه‏ (7) على المفعول الثّاني، وفي «البحر» حال منه أو من «السّبيل». و يجوز تعلّقه «باتّخذ».

فَلَمَّا جاوَزا: مجمع البحرين.

قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا: ما نتغدّى به. لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62).

و قيل‏ (8): لم ينصب حتّى جاوز الموعد، فلمّا جاوزه و سار اللّيلة و الغد إلى الظّهر القي عليه الجوع و النّصب.

و قيل‏ (9): لم يعي موسى في سفر غيره‏ (10)، و يؤيّده التّقييد باسم الإشارة.

قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: أ رأيت ما دهاني إذ أو ينا إِلَى الصَّخْرَةِ يعني:

الصّخرة الّتي رقد عندها موسى.

و قيل‏ (11): و هي الصّخرة الّتي دون نهر الزّيت.

فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ‏: فقدته. أو نسيت ذكره بما رأيت منه.

وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏، أي: و ما أنساني ذكره إلّا الشّيطان،

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 18.

(4) أي: نسيا أن يترصّدا حال الحوت في ذلك الوقت و ينتظر حصول ما يكون فوزا بالمطلوب الذي هو التقاء الخضر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 18.

(6) أي: حصل في الماء جوف خال، كالسّرب في الأرض، سكن فيه الحوت.

(7) أي: نصب «سربا».

8 و 9- أنوار التنزيل 2/ 19.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «سفره» بدل «سفر غيره».

(11) نفس المصدر و الموضع.

103

فإنّ «أن أذكره» بدل من الضّمير.

و قرئ‏ (1): «أن أذكركه». و هو اعتذار عن نسيانه بشغل الشّيطان له بوساوسه، و الحال و إن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنّه لمّا ضري‏ (2) بمشاهدة أمثالها عند موسى و ألفها قلّ اهتمامه بها. و لعلّه نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار و انجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، و إنّما نسبه إلى الشّيطان هضما لنفسه‏ (3)، أو لأنّ عدم احتمال القوّة للجانبين و اشتغالها بأحدهما عن الآخر يعدّ من نقصان.

وَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63): سبيلا عجبا، و هو كونه كالسّرب. أو اتّخاذا عجبا، و المفعول الثّاني هو الظّرف‏ (4).

و قيل‏ (5): هو مصدر فعله المضمر (6)، أي: قال في آخر كلامه، أو موسى في جوابه:

عجبا تعجّبا من تلك الحال.

و قيل‏ (7): الفعل لموسى، أي: اتّخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا.

قالَ ذلِكَ‏، أي: أمر الحوت.

ما كُنَّا نَبْغِ‏: نطلب، لأنّه أمارة المطلوب.

فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما: فرجعا في الطّريق الّذي جاءا فيه.

قَصَصاً (64)، أي: يتّبعان آثارهما اتّباعا. أو مقتصّين حتّى أتيا الصّخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): فلمّا أخبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قريشا بخبر أصحاب الكهف، قالوا: أخبرنا عن العالم الّذي أمر اللّه- عزّ و جلّ- موسى أن‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ضري: اعتاد.

(3) فيه: أنّه يلزم من كلا الوجهين الكذب، و هو لا يناسب نبيّا مرسلا، و لا ضرورة إلى إثبات التجوّز و التكلّف. و لو كان القول منه على ما ذكره المصنّف لوجب أن يكون بدله أن يقول: و لم أستطع تذكّره. فإنّ فيه- أيضا- هضما للنّفس مع الاختصار.

(4) هذا على التقدير الثاني إذ عليه «عجبا» صفة للمفعول المطلق المحذوف فوجب ان يكون الظرف مفعولا ثانيا، إذ ليس شي‏ء آخر يصحّ أن يكون كذلك.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) فيكون التقدير: عجبت تعجّبا من تلك الحالة.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمّي 2/ 37- 38.

104

يتبعه، و ما قصّته؟

فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً.

قال: و كان سبب ذلك، أنّه لمّا كلّم اللّه موسى تكليما و أنزل عليه الألواح و فيها، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ. رجع موسى- (عليه السلام)- إلى بني إسرائيل، فصعد المنبر فأخبرهم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أنزل عليّ التّوراة و كلّمه، قال في نفسه: ما خلق اللّه- تعالى- خلقا أعلم منّي.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى جبرئيل- (عليه السلام)-: أن أدرك موسى فقد هلك، و أعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصّخرة رجلا أعلم منك فصر إليه و تعلّم من علمه.

فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- [على موسى‏] (1) و أخبره، فذلّ موسى في نفسه، و علم أنّه أخطأ، و دخله الرّعب، و قال لوصيّه يوشع بن نون: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أمرني أن اتّبع رجلا عند ملتقى البحرين و أتعلّم منه.

فتزوّد يوشع حوتا مملوحا و خرجا، و لمّا خرجا و بلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستلقيا على قفاه فلم يعرفاه، فأخرج وصيّ موسى- (عليه السلام)- الحوت و غسله بالماء و وضعه على الصّخرة و مضيا و نسي الحوت، و كان ذلك الماء ماء الحيوان فحيي الحوت و دخل في الماء، فمضى موسى- (عليه السلام)- و يوشع معه حتّى عييا (2).

فقال [موسى‏] (3) لوصيه: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي:

عناء.

فذكر وصيّه السّمكة، فقال لموسى- (عليه السلام)-: إنّي نسيت الحوت على الصّخرة.

فقال موسى- (عليه السلام)-: ذلك الرّجل الّذي رأينا عند الصّخرة هو الّذي نريده. فرجعا على آثارهما قصصا إلى عند الرّجل و هو في صلاته، فقعد موسى- (عليه السلام)- حتّى فرغ من صلاته فسلّم عليهما.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: عشيا.

(3) من المصدر.

105

فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا: و هو الخضر، و اسمه، بليا بن ملكان.

و قيل‏ (1): اليسع.

و قيل‏ (2): إلياس.

و في مجمع البيان‏ (3): و إنّما سمّي خضرا، لأنّه إذا صلّى في مكان اخضرّ ما حوله.

و روي مرفوعا (4): أنّه قعد على فروة (5) بيضاء فاهتزّت تحته خضراء.

و قيل‏ (6): إنّه رآه على طنفسة خضراء فسلّم عليه، فقال: عليك السّلام، يا نبيّ بني إسرائيل.

فقال له موسى: و ما أدراك من أنا، و من أخبرك أنّي نبيّ؟

قال: من دلّك عليّ.

و اختلف في هذا العبد، فقال بعضهم إنّه كان ملكا أمر اللّه موسى أن يأخذ عنه ما حمّله إيّاه من علم بواطن الأشياء.

و قال الأكثرون: إنّه كان من البشر، ثمّ اختلفوا، فقال الجبّائيّ و غيره: إنّه كان نبيّا، لأنّه لا يجوز أن يتّبع النّبيّ من ليس بنبيّ ليتعلّم منه العلم، لما في ذلك من الغضاضة (7) على النّبيّ.

و كان ابن الأخشيد (8) يجوّز أن لا يكون نبيّا و يكون عبدا صالحا، أودعه اللّه من علم باطن الأمور ما لم يودعه غيره. (انتهى) آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا: هي العلم، أو النّبوّة.

وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65): ممّا يختصّ بنا و لا يعلم إلّا بتوفيقنا، و هو علم الغيوب.

قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ‏: على شرط أن تعلّمني.

و هو في موضع الحال من الكاف.

مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66): علما ذا رشد، و هو إصابة الخير.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 19.

3 و 4- المجمع 3/ 483.

(5) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: مروة.

و في غيرها: هروة.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

الفضاحة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الأخشر.

106

و قرأ (1) البصريّان، بفتحتين، و هما لغتان، كالبخل و البخل. و هو مفعول «تعلّمني»، و مفعول «علّمت» العائد المحذوف، و كلاهما منقولان‏ (2) من «علم» الّذي له مفعول واحد (3).

و يجوز أن يكون [رشدا] (4) علّة (5) «لأتّبعك»، أو مصدر بإضمار فعله.

قيل‏ (6): و لا ينافي نبوّته و كونه صاحب شريعة أن يتعلّم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدّين، فإنّ الرّسول ينبغي أن يكون أعلم ممّن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدّين و فروعه لا مطلقا، و قد راعى في ذلك غاية (7) التّواضع و الأدب، فاستجهل نفسه، و استأذن أن يكون تابعا له و سأل منه [أن يرشده‏] (8) و ينعم عليه بتعليم بعض‏ (9) ما أنعم اللّه عليه.

قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67): نفي عنه استطاعة الصّبر معه على وجوه من التّأكيد (10)، كأنّها ممّا [لا يصحّ و] (11) لا يستقيم، و علّل ذلك و اعتذر عنه بقوله:

وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68)، أي: كيف تصبر، و أنت نبيّ، على ما أتولّى من أمور ظاهرها مناكير و باطنها لم يحط بها خبرك.

و «خبرا» تمييز. أو مصدر، لأنّ «لم تحط به» بمعنى: لم تخبره.

قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً: غير منكر عليك. وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69): عطف على «صابرا»، أي: ستجدني صابرا و غير عاص. أو على «ستجدني».

و تعليق الوعد بالمشيئة إمّا للتّيمّن أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإنّ مشاهدة الفساد

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 19.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مفعولان.

(3) هو أن يكون «علم» بمعنى: عرف.

(4) من المصدر.

(5) أي: مفعولا له فإنّ الاتباع و الرشد، و هو الاهتداء إلى الخير، فعلا فاعل واحد.

(6) أنوار التنزيل 2/ 20.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: غلبة.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «بتعلّمه» بدل «بتعليم بعض».

(10) أحدها إيراد الجملة الاسميّة، و الثاني إيراد «إنّ» عليها، و الثالث إيراد «لن» على الفعل فإنّه يفيد التأكيد، كما صرّح به الزمخشري في الكشاف و تبعه الرضيّ. و قال صاحب معنى اللبيب: كون «لن» للتأكيد دعوى بلا دليل.

(11) أنوار التنزيل 2/ 20.

107

و الصّبر على خلاف المعتاد شديد بلا خلاف.

قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ: فلا تفاتحني بالسّؤال عن شي‏ء أنكرته منّي و لم تعلم وجه صحّته.

حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70): حتّى أبتدئك ببيانه.

و قرأ (1) نافع و ابن عامر: «فلا تسالنّي» بالنّون الثّقيلة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني محمّد بن عليّ بن بلال، عن يونس قال: اختلف يونس و هشام بن إبراهيم في العالم الّذي أتاه موسى- (عليه السلام)- أيّهما كان أعلم، و هل يجوز أن يكون على موسى حجّة في وقته و هو حجّة اللّه- عزّ و جلّ- على خلقه؟

فقال قاسم الصّيقل: فكتبوا إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يسألونه عن ذلك.

فكتب في الجواب: أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر إمّا جالسا و إمّا متّكئا، فسلّم عليه موسى- (عليه السلام)- فأنكر السّلام، إذ كان بأرض ليس فيها سلام.

قال: من أنت؟

قال: أنا موسى بن عمران.

قال: أنت موسى بن عمران الّذي كلّمه اللّه تكليما؟

قال: نعم.

[قال‏] (3): فما حاجتك؟

قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدا.

قال: إنّي وكّلت بأمر لا تطيقه، و وكّلت أنت بأمر لا أطيقه.

ثم حدّثه العالم بما يصيب آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- من البلاء و كيد الأعداء حتّى اشتدّ بكاؤهما، ثمّ حدّثه عن فضل آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-. حتّى ذكر فلانا و فلانا [و فلانا] (4)، و مبعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى قومه و ما يلقى منهم و من تكذيبهم إيّاه، و ذكر له تأويل هذه الآية: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 20.

(2) تفسير القمي 2/ 38.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

108

حين أخذ الميثاق عليهم.

فقال له موسى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً.

فقال الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.

فقال موسى- (عليه السلام)-: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً.

قال الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً يقول: لا تسألني عن شي‏ء أفعله و لا تنكره عليّ حتّى أخبرك أنا بخبره.

قال: نعم.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: إنّه لمّا كان من أمر موسى- (عليه السلام)- ما كان أعطي مكتل‏ (2) فيه حوت مملّح، قيل له: هذا يدلّك على صاحبك عند عين عند (3) مجمع البحرين، لا يصيب منها شي‏ء ميّت إلّا حيي‏ (4) يقال له: الحياة. فانطلقا (5) حتّى بلغا الصّخرة، فانطلق الفتى يغسل الحوت في العين فاضطرب في يده حتى خدشه و انفلت‏ (6) منه و نسيه الفتى. فَلَمَّا جاوَزا الوقت الّذي وقّت فيه، أعني: موسى‏ قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، قالَ أَ رَأَيْتَ‏- إلى قوله- عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً. فلمّا أتياها وجدا (7) الحوت‏ (8)، قد خرّ في البحر، فاقتصّا الأثر حتّى أتيا صاحبهما في جزيرة من جزائر البحر، إمّا متّكئا و إمّا جالسا في كساء له، فسلّم عليه موسى، فعجب من السّلام و هو في أرض ليس فيها السّلام.

فقال: من أنت؟

قال: أنا موسى بن عمران.

قال: أنت موسى بن عمران الّذي كلّمه اللّه تكليما؟

قال: نعم.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 329- 330، ح 41.

(2) المكتل: الزّنبيل.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حيّ.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فانظر إلى.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: غفلت.

(7) المصدر: أتاها وجد.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: البحر.

109

قال: فما حاجتك؟

قال: أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً.

قال إنّي وكّلت بأمر لا تطيقه، و وكّلت بأمر لا أطيقه، و قد (1) قال: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» [، قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً] (2). فحدّثه عن آل محمّد و عمّا يصيبهم حتّى اشتدّ بكاؤهما، ثمّ حدّثه عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عن أمير المؤمنين و عن ولد فاطمة، و ذكر له من فضلهم و ما اعطوا حتّى جعل يقول: يا ليتني من آل محمّد. و عن مبعث‏ (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى قومه‏ (4) و ما يلقى منهم‏ (5) و من تكذيبهم إيّاه، و تلا هذه الآية: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فإنّه أخذ عليهم الميثاق.

عن أبي حمزة (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان وصي موسى بن عمران يوشع بن نون، و هو فتاه الّذي ذكر اللّه في كتابه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، مثل هذا الأخير سواء.

و في عيون الأخبار (8): عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال عليّ- (عليه السلام)- و قد سأله بعض اليهود عن مسائل: و أنتم تقولون: إنّ أوّل عين نبعت على وجه الأرض العين الّتي ببيت المقدس. و كذبتم، هي عين الحيوان الّتي غسل فيها يوشع بن نون السّمكة، و هي العين الّتي شرب منها الخضر- (صلوات اللّه عليه)- و ليس يشرب منها أحد إلّا حيي.

قال: صدقت، و اللّه إنّه لبخطّ هارون و إملاء موسى- (عليه السلام)-.

و في كمال الدّين و تمام النّعمة (9)، بإسناده إلى أبي الطّفيل، عامر بن واثلة: عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ لبعض اليهود و قد سأله عن مسائل: و أمّا أوّل عين نبعت على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنّها العين الّتي تحت صخرة بيت المقدس، و كذبوا، و لكنّها عين الحيوان الّتي نسي عندها صاحب موسى السّمكة المالحة،

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: رجوع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: قوله.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: منها.

(6) تفسير العيّاشي 2/ 330، ح 42.

(7) كمال الدين/ 217.

(8) العيون 1/ 43، ح 19.

(9) كمال الدين/ 296، ح 3.

110

فلمّا أصابها ماء العين عاشت و سربت‏ (1)، فاتّبعها موسى- (عليه السلام)- و صاحبه [فلقيا] (2) الخضر. بلغنا (3).

قال اليهوديّ: أشهد باللّه، لقد صدقت.

و بإسناده‏ (4) إلى إبراهيم بن يحيى المدائنيّ: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال لبعض اليهود و قد سأله عن مسائل: و أمّا قولك: أوّل عين نبعت على وجه الأرض، فإنّ اليهود يزعمون أنّها العين الّتي ببيت المقدس تحت الحجر، و كذبوا، هي عين الحيوان الّتي انتهى موسى و فتاه إليها فغسل فيها السّمكة المالحة فحييت، و ليس من ميّت يصيبه ذلك الماء إلّا حيي، و كان الخضر على مقدمة ذي القرنين يطلب عين الحياة، فوجدها الخضر- (عليه السلام)- و شرب منها، و لم يجدها ذو القرنين.

و بإسناده‏ (5) إلى الحكم بن مسكين: عن صالح، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه: إنّ عليّا- (عليه السلام)- قال‏ لبعض اليهود و قد سأله عن مسائل: و أنتم تقولون: إنّ أوّل عين نبعت على وجه الأرض العين الّتي ببيت المقدس.

و كذبتم، هي عين الحياة الّتي غسل يوشع بن نون فيها السّمكة، [و هي الّتي‏] (6) شرب منها الخضر، و ليس يشرب منها أحد إلّا حيي.

قال: صدقت، و اللّه، إنّه لبخطّ هارون و إملاء موسى.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان موسى أعلم من الخضر.

عن بريد (8)، عن أحدهما قال: قلت له: ما منزلتكم في الماضين، أو بمن تشبّهون منهم؟

قال: الخضر و ذو القرنين، كانا عالمين و لم يكونا نبيّين.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: شربت.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) كمال الدين/ 298، ح 5.

(5) نفس المصدر/ 301، ح 8.

(6) من المصدر.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 330، ح 43.

(8) نفس المصدر و الصفحة، ح 45.

111

عن إسحاق بن عمّار (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّما مثل عليّ و مثلنا من بعده من هذه الأمّة، كمثل [موسى‏] (2) النّبيّ و العالم حين لقيه و استنطقه و سأله الصّحبة، فكان من أمرهما ما اقتصّه اللّه لنبيّه في كتابه، و ذلك أنّ اللّه قال لموسى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏. ثمّ قال:

وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ.

و قد كان عند العالم علم لم يكتب لموسى في الألواح، و كان موسى يظنّ أنّ جميع الأشياء الّتي يحتاج إليها في تابوته و جميع العلم [قد كتب له في الألواح، كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء و علماء، و أنّهم قد أثبتوا جميع العلماء] (3) و الفقه في الدّين ممّا تحتاج هذه الأمّة إليه و صحّ لهم عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و علموه و لفظوه، و ليس كلّ علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- علموه و لا صار إليهم عن رسول اللّه‏] (4) و لا عرفوه، و ذلك أنّ الشّي‏ء من الحلال و الحرام و الأحكام يرد عليهم فيسألون‏ (5) عنه، و لا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللّه، و يستحيون أن ينسبهم النّاس إلى الجهل، و يكرهون أن يسألوا فلا يجيبوا فيطلب النّاس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرّأي و القياس في دين اللّه و تركوا الآثار و دانوا (6) اللّه بالبدع، و قد قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كلّ بدعة ضلالة.

فلو أنّهم إذا سئلوا عن شي‏ء من دين اللّه فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول اللّه، ردّوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى أولي الأمر منهم، لعلمه الّذين يستنبطونه منهم من آل محمّد- (عليهم السلام)-. و الّذي منعهم من طلب العلم منّا العداوة و الحسد لنا، و لا و اللّه ما حسد موسى العالم، و موسى نبي اللّه يوحى إليه حيث لقيه و استنطقه و عرفه بالعلم و لم يحسده، كما حسدتنا هذه الأمّة بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [على ما] (7) علمنا و ما ورثنا عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و لم يرغبوا إلينا في علمنا، كما رغب موسى إلى العالم و سأله [الصحبة] (8) ليتعلّم منه العلم و يرشده.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 330- 332، ح 46.

(2) من المصدر.

3 و 4- من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فيسألونه.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أتوا.

7 و 8- من المصدر.

112

فلمّا أن سأل العالم ذلك، علم العالم أنّ موسى لا يستطيع صحبته و لا يحتمل‏ (1) عليه و لا يصبر معه، فعند ذلك قال العالم: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.

فقال له موسى، و هو خاضع له يستنطقه‏ (2) على نفسه كي يقبله: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً.

و قد كان العالم يعلم أنّ موسى لا يصبر على علمه، فكذلك و اللّه، يا إسحاق بن عمّار، حال قضاة هؤلاء و فقهائهم و جماعتهم اليوم لا يحتملون‏ (3)، و اللّه، علمنا و لا يقبلونه و لا يطيقونه و لا يأخذون به و لا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى على علم العالم حين صحبه و رأى ما رأى من علمه، و كان ذلك عند موسى مكروها و كان عند اللّه رضاء، و هو الحقّ، و كذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ و هو عند اللّه الحقّ.

عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح‏ (4)، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه- (عليه السلام)- قال: بينما موسى قاعد في ملأ من بني إسرائيل إذ قال له رجل: ما أرى أحدا أعلم باللّه منك.

قال موسى: ما أرى.

فأوحى اللّه إليه: بل عبدي، الخضر. فسأل السّبيل إليه، فكان له آية الحوت إن افتقده، و كان من شأنه ما قصّ اللّه.

عن هشام بن سالم‏ (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان سليمان أعلم من آصف، و كان موسى أعلم من الّذي اتّبعه.

و في أصول الكافي‏ (6): أحمد بن محمّد و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن سيف التّمّار قال: كنّا مع أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- جماعة من الشّيعة في الحجر.

فقال: علينا عين.

فالتفتنا يمنة (7) و يسرة فلم نر أحدا، فقلنا: ليس علينا عين.

فقال: و ربّ الكعبة و ربّ البيت‏ (8)، ثلاث مرّات، لو كنت بين موسى و الخضر

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يتحمّل.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ليستنطقه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يتحمّلون.

(4) تفسير العيّاشي 2/ 334، ح 48.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 49.

(6) الكافي 1/ 260- 261، ح 1.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يمينة.

(8) المصدر: البنية.

113

لأخبرتهما (1) أنّي أعلم منهما و أنبأتهما (2) بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى و الخضر- (عليهما السلام)- أعطيا علم ما كان، و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتّى تقوم السّاعة، و قد ورثناه من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وراثة.

أبو عليّ الأشعري‏ (3)، عن [محمد بن‏] (4) عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- ما موضع العلماء؟

قال: مثل ذي القرنين‏ (5) و صاحب موسى- (عليهما السلام)-.

عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏-: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان محدّثا.

فقلت: فتقول نبيّ؟

قال: فحرّك بيده هكذا، ثمّ قال: أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى، أو كذي القرنين، او ما بلغكم أنّه قال: و فيكم مثله.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه [عن ابن أبي عمير] (8)، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: قلت له: ما منزلتكم، و من تشبهون ممّن مضى؟

قال: صاحب موسى و ذو القرنين كانا عالمين، و لم يكونا نبيّين.

محمّد بن يحيى‏ (9)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحارث بن المغيرة، عن حمران بن أعين قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏-: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان محدّثا.

فخرجت إلى أصحابي فقلت: جئتكم بعجيبة.

فقالوا: و ما هي؟

____________

(1) أ: لأخبرهما.

(2) المصدر: لأنبأتهما.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 268، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) في المصدر: زيادة «و صاحب سليمان».

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 269، ح 4.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(8) من المصدر.

(9) الكافي 1/ 271، ح 5.

114

قلت: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: كان عليّ‏ (1) محدّثا.

فقالوا: ما صنعت شيئا، ألا سألته من كان يحدّثه؟

فرحت‏ (2) إليه فقلت: إنّي حدّثت أصحابي بما حدّثتني، فقالوا: ما صنعت شيئا، ألا سألته من كان يحدّثه؟

فقال لي: يحدّثه ملك.

قلت: تقول: إنّه نبيّ؟

[قال‏] (3) فحرّك يده هكذا: أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى، أو كذي القرنين، او ما بلغكم أنّه قال: و فيكم مثله.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمّارة: عن أبيه، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: إنّ الخضر كان نبيّا مرسلا بعثه اللّه- تبارك و تعالى- إلى قومه، فدعاهم إلى توحيده و الإقرار بأنبيائه و رسله و كتبه، و كانت آيته أنّه كان لا يجلس على خشبة يابسة و لا أرض بيضاء إلّا أزهرت خضراء (5)، و إنّما سمّي:

خضرا لذلك، و كان [اسمه‏] (6) باليا بن ملكان بن عامر بن أرفخشيد (7) بن سام بن نوح- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا. و قوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. فقال: إنّما عنى الطّعام.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ موسى لذو جوعات.

عن ليث بن سليم‏ (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: شكا موسى إلى ربّه الجوع في ثلاثة مواضع: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً. لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. [فقال: إنّما عني الطّعام‏]

(10).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عليّا.

(2) المصدر: فرجعت.

(3) من المصدر.

(4) العلل/ 59- 60، ح 1.

(5) المصدر: خضرا.

(6) من المصدر.

(7) أ، المصدر: أرفخشد.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 330، ح 44.

(9) نفس المصدر و المجلّد/ 335، ح 50.

(10) ليس في المصدر.

115

و في عيون الأخبار (1)، بإسناده إلى محمّد بن أبي عبّاد قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول يوما (2): يا غلام، آتنا (3) الغداء. فكأنّي أنكرت ذلك فتبيّن‏ (4) الإنكار فيّ، فقرأ (5): قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا.

فقلت: الأمير أعلم النّاس و أفضلهم.

فَانْطَلَقا: على السّاحل يطلبان السّفينة.

حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها: أخذ الخضر فأسا فخرق السّفينة، بأن قلع لوحين من ألواحها.

قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها: فإنّ خرقها سبب لدخول الماء فيها، المفضي إلى غرق أهلها.

و قرى‏ (6): «لتغرّق» بالتّشديد للتّكثير.

و قرأ (7) حمزة و الكسائيّ: «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل.

لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71): أتيت أمرا عظيما. من أمر الأمر: إذا عظم.

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72): تذكير لما ذكره قبل.

قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏: بالّذي نسيته. أو بشي‏ء نسيته‏ (8)، يعني:

وصيّته بأن لا يعترض عليه.

أو نسياني إيّاها، و هو اعتذار بالنّسيان، أخرجه في معرض النّهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها.

و قيل: أراد بالنّسيان التّرك، أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيّتك أوّل مرّة.

و قيل‏ (9): إنّه من معاريض الكلام، و المراد: شي‏ء آخر نسيه‏ (10).

____________

(1) العيون 2/ 127، ح 7.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يوم.

(3) المصدر: آتني.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فبيّن.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فقر.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 20.

(8) يعني: يجوز أن تكون «ما» موصولة و أن تكون موصوفة.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) أي: موسى- (عليه السلام)- لم ينس الوصيّة المذكورة، لكن أورد الكلام في صورة دلّت على النسيان، و لم يقصد نسيان الوصيّة بل نسيان شي‏ء آخر حتّى لا يلزم الكذب.

116

وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73): و لا تغشني عسرا من أمري بالمضايقة و المؤاخذة على المنسي، فإنّ ذلك يعسر عليّ متابعتك.

و «عسرا» مفعول ثان «لترهق»، فإنّه يقال: رهقه: إذا غشيه، و أرهقه إيّاه.

و قرئ‏ (1): «عسرا» بضمّتين.

فَانْطَلَقا، أي: بعد ما خرجا من السّفينة.

حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ‏.

قيل‏ (2): ضرب‏ (3) عنقه.

و قيل‏ (4): ضرب برأسه الحائط.

و قيل‏ (5): أضجعه فذبحه.

و «الفاء» (6) للدّلالة على أنّه، كما لقيه، قتله من غير تروّ و استكشاف حال، و لذلك‏ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ‏، أي: طاهرة من الذّنوب.

و قرأ (7) ابن كثير و نافع و أبو عمرو و رويس، عن يعقوب: «زاكية» و الأوّل أبلغ.

و قال‏ (8) أبو عمرو: الزّاكية (9) الّتي لم تذنب قطّ، و الزّكيّة (10) الّتي أذنبت ثمّ غفرت. و لعلّه اختار الأوّل لذلك، فإنّها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، أو أنّه لم يرها قد أذنبت ذنبا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسا فتقاد بها، نبّه به على أنّ القتل‏ (11) إنّما يباح حدّا أو قصاصا و كلا الأمرين منتف‏ (12).

قيل‏ (13): و لعلّ تغيير النّظم بأن جعل خرقها جزاء و اعتراض موسى- (عليه السلام)- مستأنفا [في الأولى‏] (14)، و في الثّانية قتله من جملة الشّرط و اعتراضه جزاء، لأنّ القتل أقبح و الاعتراض عليه أدخل فكان جديرا بأن يجعل عمدة الكلام‏ (15)، و لذلك فصّله بقوله:

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: فتل.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) يعني: الفاء في «فقتله».

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الزكية.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الزاكية.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: العقل.

(12) أما الحد فلأنه لم يذنب ذنبا يستحق الحد و أما القصاص فلأنه لم يقتل نفسا.

(13) أنوار التنزيل 2/ 21.

(14) من المصدر.

(15) أي جعل اعتراض موسى- (عليه السلام)- في المرة الثانية نفس الجزاء و عمدة الكلام لأن الجزء

117

لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74)، أي: منكرا (1).

و قرأ (2) نافع في رواية قالون و ورش و ابن عامر و يعقوب و أبو بكر: «نكرا» (3) بضمّتين.

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (75): زاد فيه «لك» مكافحة بالعتاب على رفض الوصيّة، و وسما بقلّة الثّبات و الصّبر لمّا تكرّر منه الاشمئزاز (4) و الاستنكار، و لم يرعو (5) بالتّذكير أوّل مرّة حتّى زاد في الاستنكار ثاني مرّة.

قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي‏: و إن سألت صحبتك.

عن يعقوب‏ (6): «فلا تصحبني»، أي: فلا تجعلني صاحبك.

قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (76): قد وجدت عذرا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرّات.

و عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- (7): رحم اللّه أخي، موسى، استحيا (8) فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب‏ (9).

و قرأ (10) نافع: «لدني» بتحريك النّون [و الاكتفاء بها عن نون الدّعامة (11) كقوله:

قدني‏ (12) من نصر الخبيبين قدي و أبو بكر «لدني» بتحريك النّون‏] (13) و إسكان الدّال إسكان الضّاد من «عضد».

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ

____________

الثاني من الكلام لمزيد الاهتمام به و قوّته في الاعتراض بخلاف المرّة الأولى و المراد بجعله عمدة الكلام: أن يكون الاعتراض من جملة الكلام الأوّل الذي ألقي إلى المخاطب لمزيد الاهتمام.

(1) لأجل أنّ الاعتراض بالقتل أقبح جعل آخر هذه الآية «نكرا» و جعل فاصلة الآية السابقة «إمرا» لأنّ كون الشي‏ء نكرا أبلغ من كونه إمرا.

(2) أنوار التنزيل 2/ 21.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: نكرة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الاستهزاء.

(5) لم يرعو: لم ينزجر، أو لم ينصرف.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: استحيى.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الأعاجب.

(10) أنوار التنزيل 2/ 21.

(11) أي: الوقاية.

(12) قدني، أي: حسبي.

(13) ليس في أ، ب، ر.

118

قيل‏ (1): قرية أنطاكية.

و قيل‏ (2): أبلة البصرة.

و قيل‏ (3): باجروان أرمينية.

اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما.

و قرئ‏ (4): «يضيفوهما» من أضافه، يقال: ضافه: إذا نزل به ضيفا. و أضافه و ضيّفه: أنزله. و أصل التّركيب للميل، يقال: ضاف السّهم عن الغرض: إذا مال.

فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ‏: تدانى‏ (5) أن يسقط. فاستعيرت الإرادة للمشارفة، كما استعير لها الهمّ و العزم‏ (6).

و «انقضّ» انفعل، من قضضته: إذا كسرته. و منه انقضاض الطّير و الكواكب، لهويه. أو افعلّ، من النّقض.

و قرئ‏ (7): «أن ينقضي». و «أن ينقاص» بالصّاد المهملة، من انقاصت السّنّ:

إذا انشقت طولا.

فَأَقامَهُ‏ قيل: بعمارته، أو بعمود عمده به.

و قيل‏ (8): مسحه بيده فقام.

و قيل‏ (9): نقضه و بناه.

قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77): تحريضا على أخذ الجعل لينتعشا (10) به. أو تعريضا (11) بأنّه فضول لما في «لو» من معنى النّفي، كأنّه لمّا رأى الحرمان و مساس الحاجة و اشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه.

و «اتّخذ» افتعل، من تخذ، كاتّبع من تبع، و ليس من الأخذ عند البصريّين.

و قرأ (12) ابن كثير و البصريّان: «لتخذت»، أي: لأخذت.

و أظهر ابن كثير و يعقوب و حفص الذّال، و أدغمه الباقون.

____________

1 و 2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) أ، ب، ر: تدالى.

(6) ليس في أ، ب، ر.

7 و 8 و 9- نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ليتعشّان.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: معرّضا.

(12) أنوار التنزيل 2/ 22.

119

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن عبد الرّحمن بن سيابة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ موسى صعد المنبر، و كان منبره ثلاث مراق‏ (2)، فحدّث نفسه أنّ اللّه لم يخلق خلقا أعلم منه. فأتاه جبرئيل فقال له: إنّك قد ابتليت فأنزل‏ (3)، فإنّ في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه. فأرسل إلى يوشع: إنّي قد ابتليت فاصنع لنا زادا و انطلق بنا. و اشترى حوتا [من حيتان الحية] (4) فخرج بآذربيجان‏ (5) ثمّ شواه ثمّ حمله في مكتل، ثمّ انطلقا يمشيان [في ساحل البحر، و النّبيّ إذا امر أن يذهب إلى مكان لم يعي أبدا حتّى يجوز ذلك الوقت.

قال: فبينما هما يمشيان‏] (6) فانتهيا إلى شيخ مستلق معه عصاه موضوعة إلى جانبه و عليه كساء، إذا قنّع رأسه خرجت رجلاه، و إذا غطّى رجليه خرج رأسه.

قال: فقام موسى يصلّي، و قال ليوشع: احفظ عليّ.

قال: فقطرت قطرة من الماء (7) في المكتل فاضطرب الحوت، ثمّ جعل يثب من المكتل [إلى البحر] (8) قال: و هو قوله: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً.

قال: ثمّ أنّه جاء طير فوقع على ساحل البحر، ثمّ أدخل منقاره فقال: يا موسى، ما أخذت‏ (9) من علم ربّك ما حمل ظهر منقاري من جميع البحر.

قال: ثمّ قام يمشي فتبعه‏ (10) يوشع.

قال موسى و قد نسي [الزبيل‏] (11) يوشع، و إنّما أعيى‏ (12) حيث جاز الوقت فيه، فقال: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً- إلى قوله- فِي الْبَحْرِ عَجَباً. فرجع موسى يقصّ‏ (13) أثره حتّى انتهى إليه، و هو على حاله مستلق.

فقال له موسى: السّلام عليك.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 332- 333، ح 47.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مرّات. و مراق- جمع مرقاة-: الدرجة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و أنزله.

(4) المعقوفتان من المصدر. و الأظهر: من الحيتان الحيّة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «اسرى و حويان بن حسان تحته فاخرج بادرباديجان» بدل «اشترى ... بآذربيجان».

(6) من المصدر.

(7) المصدر: السماء.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: اتّخذت.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فيتبعه.

(11) من المصدر و هو الزنبيل.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: عنى.

(13) المصدر: يقفي.

120

[فقال: و عليك السّلام،] (1) يا عالم بني إسرائيل.

قال: ثمّ وثب فأخذ عصاه بيده، قال: فقال له موسى: إنّي قد أمرت أن‏ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً فقال كما قصّ عليكم: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.

قال: فانطلقا حتّى انتهيا إلى معبر (2)، فلمّا نظر (3) إليهم أهل المعبر (4) قالوا: و اللّه، لا نأخذ من هؤلاء أجرا اليوم [نحملهم‏] (5) فحمل عليهم، فلمّا ذهب السّفينة كثرة (6) الماء خرقها، قال له موسى، كما أخبرتم، ثمّ قال له: أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً.

قال: و خرجا على ساحل البحر فإذا غلام يلعب مع غلمان‏ (7)، عليه قميص حرير أخضر، في أذنيه درّتان‏ (8)، فتورّكه‏ (9) العالم فذبحه، قال له موسى: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، قال‏ فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً خبزا نأكله فقد جعنا.

قال: و هي قرية على ساحل يقال لها: ناصرة، و بها سمّي‏ (10) النّصارى:

نصارى، فلم يضيّفوهما و لا يضيّفون بعدهما (11) أحدا حتّى تقوم السّاعة، و كان مثل السّفينة فيكم و فينا ترك الحسين البيعة لمعاوية، و كان مثل الغلام فيكم قول الحسن بن عليّ لعبد اللّه بن عليّ: لعنك‏ (12) اللّه من كافر. فقال له‏ (13): قد قتلته‏ (14)، يا أبا محمّد. و كان مثل الجدار فيكم عليّ و الحسن و الحسين.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مصر. و المعبر:

ما عبر به النهر، و المراد هنا: السفينة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: نزل.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المصر.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: كسرت.

(7) ب: الصبيان.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ورتان.

(9) أي: جعله على وركه معتمدا عليها.

(10) المصدر: تسمّى.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يضيفوا بعدها.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: لفّك.

(13) أي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: قتلت. أي:

سيقتل بسبب لعنك أو هذا إخبار بأنّه سيقتل، كما قتل الخضر الغلام لكفره.

121

و في مجمع البيان‏ (1): سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: أخبرني ابيّ بن كعب قال: خطبنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إنّ موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النّاس أعلم؟

قال: أنا.

فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه‏ (2)، فأوحى اللّه إليه: إنّ لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك.

قال موسى يا ربّ، فكيف لي به؟

قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل.

ثمّ انطلق و انطلق معه فتاه يوضع بن نون، حتّى إذا أتيا الصّخرة وضعا رؤوسهما (3) فناما، و اضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، و أمسك اللّه عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق‏ (4). فلمّا استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقيّة يومهما و ليلتهما حتّى إذا كان من الغد «قال» موسى‏ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً.

قال: و لم يجد موسى النّصب حتّى جاوز المكان الّذي أمر اللّه- تعالى- به.

فقال فتاه: أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ (الآية) قال: و كان للحوت سربا و لموسى و فتاه عجبا، فقال موسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ‏ (الآية) قال: رجعا يقصّان الأثر (5) حتّى انتهيا إلى الصّخرة، فوجدا رجلا مسجّى‏ (6) بثوب فسلّم عليه موسى.

فقال الخضر: و أنّى بأرضك السّلام.

قال: أنا موسى.

قال: موسى نبيّ‏ (7) بني إسرائيل؟

قال: نعم، قال‏ (8) أتيتك لتعلمني‏ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.

____________

(1) المجمع 3/ 481.

(2) يعني: إلى الله، فيقول: الله أعلم.

(3) الأصح: رأسيهما.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الطافي.

(5) المصدر: آثارهما.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: سجى.

7 و 8- ليس.

122

يا موسى، إنّي على علم من [علم‏] (1) اللّه لا تعلمه علّمنيه، و أنت على علم من [علم‏] (2) اللّه علّمك لا أعلمه أنا.

فقال له موسى- (عليه السلام)-: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً.

فقال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً.

فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرّت سفينة و كلّموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول‏ (3)، فلمّا ركبا في السّفينة لم يفجأ إلّا و الخضر [قد قلع لوحا من ألواح السّفينة بالقدّوم‏ (4).

فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول‏] (5) عمدت إلى سفينتهم‏ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً.

قال: و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كانت الأولى من موسى نسيانا.

قال: و جاء عصفور فوقع على حرف‏ (6) السّفينة، فنقر في البحر نقرة.

فقال له الخضر: ما علمي و علمك من علم اللّه إلّا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.

ثمّ خرجا من السّفينة، فبينا هما يمشيان على السّاحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب بين‏ (7) الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فأقطعه‏ (8) فقتله، فقال له موسى: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قال: و هذه أشدّ من الأولى‏ قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً إلى قوله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ‏ قال: كان مائلا فقال الخضر بيده‏ (9) فأقامه.

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) المصدر: قول. و النّول: جعل السفينة و أجرها.

(4) القدّوم: آلة النّجر و النّحت.

(5) ليس في أ، ب، ر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: جرف.

و الحرف من كلّ شي‏ء: طرفه و جانبه.

(7) المصدر: مع.

(8) المصدر: فأقلعه. و الأظهر: فاقتطعه.

(9) فقال الخضر بيده، أي: أشار.

123

فقال موسى: قوم قد أتيناهم لم يطعمونا و لم يضيّفونا ف لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ‏.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وددنا أنّ موسى كان صبر حتّى يقصّ علينا من خبرهما.

و في مصباح الشّريعة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و الصّبر أوّله مرّ و آخره حلو [لقوم، و لقوم مرّ أوّله و آخره‏] (2) فمن دخله من أواخر فقد دخل، و من دخله‏ (3) من أوائله فقد خرج، و من عرف قدر الصبر (4) لا يصبر عمّا منه الصّبر، قال اللّه- تعالى- في قصّة موسى و الخضر- (عليهما السلام)-: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمّارة: عن أبيه، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: إنّ موسى بن عمران- (عليه السلام)- لمّا كلّمه اللّه تكليما، و أنزل عليه التّوراة، و كتب له في الألواح من كلّ شي‏ء موعظة و تفصيلا لكلّ شي‏ء، و جعل آيته في يده و عصاه و في الطّوفان و الجراد و القمل و الضّفادع و الدّم و فلق البحر، و غرّق اللّه- عزّ و جلّ- فرعون و جنوده، و عملت البشريّة فيه حتى قال في نفسه: ما أرى أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق خلقا أعلم منّي.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى جبرئيل: يا جبرئيل، أدرك عبدي، موسى، قبل أن يهلك و قل له: إنّ عند ملتقى البحرين رجلا عابدا فاتّبعه و تعلّم منه.

فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- على موسى بما أمره اللّه به ربّه- عزّ و جلّ- فعلم موسى أنّ ذلك لما حدّثت به نفسه‏ (6)، فمضى هو و فتاه، يوشع بن نون- (عليهما السلام)- حتّى انتهيا إلى ملتقى البحرين، فوجد (7) هناك الخضر- (عليه السلام)- يعبد (8) اللّه- عزّ و جلّ-، كما قال اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً، قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً.

قال له الخضر- (عليه السلام)-: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [لأني وكّلت بعلم‏

____________

(1) مصباح الشريعة/ 186.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: دخل.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: البصر.

(5) العلل/ 60- 61، ح 1.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نفسك.

(7) الصحيح: فوجدا.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يتعبّد.

124

لا تطيقه و وكّلت بعلم لا أطيقه.

قال موسى له: بل أستطيع معك صبرا] (1).

فقال له الخضر: إنّ القياس لا مجال‏ (2) له في علم اللّه و أمره‏ وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.

قال موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً.

فلمّا استثنى المشيئة قبله‏ قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً.

فقال موسى- (عليه السلام)-: لك ذلك عليّ‏ فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها الخضر- (عليه السلام)-. فقال له موسى- (عليه السلام)-: أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏ [، أي: بما تركت من أمرك‏] (3) وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ‏ الخضر- (عليه السلام)- فغضب موسى و أخذ بتلابيبه‏ (4) و قال له: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً.

قال له الخضر: إنّ العقول لا تحكم على أمر اللّه- تعالى ذكره- بل أمر اللّه- تعالى ذكره- يحكم عليها، فسلّم لما ترى منّي و اصبر عليه، فقد كنت علمت إنّك لن تستطيع معي صبرا.

قال موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً، فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي النّاصرة، و إليها ينسب النّصارى‏ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ‏ فوضع الخضر- (عليه السلام)- يده فأقامه، فقال له موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.

و في مجمع البيان‏ (5): فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما روى أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال‏ كانوا أهل قرية لئام.

و في الشّواذّ (6) قراءة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ‏

بضمّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: محالة.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بتلبيبه.

(5) المجمع 3/ 486.

(6) المجمع 3/ 485.

125

الياء.

و قراءة عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: «ينقاص» بالصّاد غير معجمه و بالألف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، متّصلا بما نقلنا عنه سابقا من قصّة الخضر و موسى و يوشع- (عليهم السلام)-: فمرّوا ثلاثتهم حتّى انتهوا إلى ساحل البحر، و قد شحنت سفينة و هي تريد أن تعبر، فقال أرباب‏ (2) السّفينة: نحمل‏ (3) هؤلاء الثّلاثة نفر فإنّهم قوم صالحون. فحملوهم، فلمّا جنحت السّفينة في البحر قام الخضر- (عليه السلام)- إلى جوانب السّفينة فكسرها و حشّاها (4) بالخرق و الطّين، فغضب موسى- (عليه السلام)- غضبا شديدا و قال للخضر- (عليه السلام)-: أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً.

فقال له الخضر- (عليه السلام)-: أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.

قال موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً.

فخرجوا من السّفينة [فمرّوا] (5)، فنظر الخضر- (عليه السلام)- إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه، كأنّه قطعة قمر، و في أذنيه درّتان‏ (6)، فتأمّله الخضر ثمّ أخذه فقتله، فوثب موسى على الخضر و جلد به الأرض، فقال: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً.

فقال الخضر: أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.

قال موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً، فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ [اسْتَطْعَما أَهْلَها و كان وقت العشاء، و القرية] (7) تسمّى النّاصرة، و إليها ينسب النّصارى، و لم يضيّفوا أحدا قطّ و لم يطعموا غريبا، فاستطعموهم فلم يطعموهم و لم يضيّفوهم.

فنظر الخضر- (عليه السلام)- [إلى حائط قد زال لينهدم، فوضع الخضر- (عليه السلام)- يده عليه و قال: قم بإذن اللّه. فقام، فقال موسى- (عليه السلام)-] (8): لم ينبغ أن‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 39.

(2) المصدر: لا رباب.

(3) المصدر: تحملوا.

(4) المصدر: أحشاها.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ورتان.

(7) ليس في المصدر. و فيه: زيادة «بالعشيّ».

(8) ليس في أ، ب، ر.

126

تقيم‏ (1) الجدار حتّى يطعمونا و يأوونا. و هو قوله- عزّ و جلّ-: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.

قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ‏ الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: «فلا تصاحبني». أو إلى الاعتراض الثّالث، أو الوقت، أي هذا الاعتراض، أو هذا الوقت وقته.

و إضافة الفراق إلى «البين» إضافة المصدر إلى الظّرف على الاتساع، و قد قرئ على الأصل.

سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78): بالخبر الباطن ممّا لم تستطع الصّبر عليه، لكونه منكرا من حيث الظّاهر.

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ: لمحاويج.

قيل‏ (2): و هو دليل على أنّ المسكين يطلق على من ملك شيئا إذا لم يكفه.

و قيل‏ (3): سمّوا مساكين لعجزهم عن دفع الملك. أو لزمانتهم، فإنّها كانت لعشرة إخوة، خمسة زمنى‏ (4)، و خمسة يعملون في البحر.

فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها: أجعلها ذات عيب.

وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ‏: قدّامهم. أو خلفهم و كان رجوعهم عليه، و اسمه:

جلندا بن كركر.

و قيل‏ (5): هولة بن جليد الأزديّ.

يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79): من أصحابها.

و كان حقّ النّظم أن يتأخّر قوله: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها عن قوله: وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ‏ لأنّ إرادة التّعيّب مسبّبة عن خوف الغصب و إنّما قدّم للعناية، أو لأنّ السّبب لمّا كان مجموع الأمرين خوف الغصب و مسكنة الملّاك رتّبه على أقوى الجزأين و ادعاهما، و عقّبه بالآخر على سبيل التّقييد و التّعميم‏ (6).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يقيم.

(2) أنوار التنزيل 2/ 22.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الزّمنى- جمع الزّمين-: الّذي ضعف بكبر سنّ أو مطاولة علّة.

(5) نفس المصدر و الموضع. و فيه: «منولة بن جلندار» بدل «هولة».

(6) أمّا التقييد فالمراد به أنّ مسكنة الملّاك مع‏

127

و قرئ‏ (1): «كلّ سفينة صالحة» و المعنى عليها (2).

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنه كان يقرأ:

«كان وراءهم ملك»، يعني: أمامهم «يأخّذ كلّ سفينة صالحة غصبا».

و روي‏ (4) ذلك- أيضا- عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و هي قراءة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في كتاب تلخيص الأقوال في تحقيق أحوال الرّجال‏ (5)، في ترجمة زرارة بن أعين:

روي في الصّحيح، أنّ أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- أرسل إليه: إنّما أعيبك دفاعا منّي عنك، فإنّ النّاس و العدوّ يسارعون إلى كلّ من قرّبناه و حمدنا مكانه لإدخال الأذى فيمن نحبّه و نقرّبه، و يذمّونه لمحبّتنا له و قربه‏ (6) و دنوّه منّا، و يرون إدخال الأذى عليه و قتله، و يحمدون كلّ من عيّبناه، فأعيبك لأنّك رجل اشتهرت بنا و بميلك إلينا و أنت في ذلك مذموم عند النّاس، فيكون ذلك دافع شرّهم عنك لقول اللّه- عزّ و جلّ-: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً. هذا الرّسل من عند اللّه صالحة، لا و اللّه، ما عابها إلّا لكي تسلم من الملك فافهم المثل، يرحمك اللّه، فإنّك و اللّه أحبّ النّاس إليّ و أحبّ أصحاب أبي إليّ حيّا و ميّتا، فإنّك أفضل سفن ذلك البحر القمقام، و أنّ من ورائك لملكا ظلوما غصوبا يرقب عبور كلّ سفينة صالحة ترد من بحر الهدى ليغصبها و أهلها، فرحمة اللّه عليك حيّا و رحمته و رضوانه عليك ميّتا.

وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ‏

في مجمع البيان‏ (7): و روي عن ابيّ و ابن عبّاس‏ أنّهما كانا يقرآن: «أمّا الغلام‏

____________

قيد كون الملك المذكور وراءهم سبب لما ذكر، و أمّا التعميم فلدلالته على أن الأصل رعاية حال المساكين و خوف الغضب منهم لما ذكر.

(1) أنوار التنزيل 2/ 22.

(2) أي: معنى الكلام على مقتضى هذه القراءة، فإنّ الصالحة و إن لم تذكر في القراءة المشهورة اعتبر معناها، إذ يعلم من الآية أنّه غصب كلّ سفينة صالحة، لا أنّه غصب كلّ سفينة صالحة و غيرها، إذ لو كان كذلك لما كان لتعييبها فائدة.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 335، ح 54.

(4) نور الثقلين 3/ 285، ح 163.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في أ، ب، ر.

(7) المجمع 3/ 487.

128

فكان كافرا و أبواه مؤمنين». و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما: أن يغشيهما طُغْياناً وَ كُفْراً (80): لنعمتهما (1) بعقوقه، فيلحقهما شرّا. أو يقرن بإيمانها طغيانه و كفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان و طاغ كافر. و إنّما خشي ذلك، لأنّ اللّه أعلمه.

و قرئ‏ (2): «فخاف ربّك»، أي: كره كراهة. من: خاف سوء عاقبته.

قيل‏ (3): و يجوز أن يكون قوله: «فخشينا» حكاية قول اللّه- عزّ و جلّ- (4).

فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ‏: أن يرزقهما بدله ولدا خيرا منه.

زَكاةً: طهارة من الذّنوب و الأخلاق الرّديئة.

وَ أَقْرَبَ رُحْماً (81): رحمة و عطفا على والديه.

قيل‏ (5): ولدت لهما جارية فتزوّجها نبيّ، فولدت نبيّا هدى اللّه به أمّة من الأمم.

و قرأ (6) نافع و أبو عمرو: «يبدّلهما» بالتّشديد. و ابن عامر و يعقوب: «رحما» بالتّثقيل‏ (7)، و انتصابه‏ (8) على التّمييز و العامل اسم التّفضيل، و كذلك «زكاة».

و في تفسير العيّاشي‏ (9): عن حريز، عمّن ذكره، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏-: أنّه قرأ: «و كان أبواه مؤمنين فطبع كافرا».

عن عبد اللّه بن سنان‏ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ نجدة الحروريّ كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن سبي الذّراريّ، فكتب إليه: أمّا الذّراريّ فلم يكن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقتلهم، و كان الخضر يقتل كافرهم و يترك مؤمنهم، فإن كنت تعلم ما يعلمه الخضر فاقتلهم.

عن إسحاق بن عمّار (11)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بينما

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 22. و في النسخ:

لنعتهما.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) أي: يجوز أن يكون قول الخضر:

«فخشينا» ... الخ حكاية عمّا قال اللّه- تعالى- فكأنّه قال الخضر: وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ‏ فقال ربّك: «فخشينا».

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) بالتثقيل، أي: بضمّ الحاء.

(8) أي: و انتصاب «رحما».

(9) تفسير العيّاشي 2/ 336، ح 55.

(10) نفس المصدر و المجلّد/ 335، ح 52.

(11) نفس المصدر و الموضع، ح 53.

129

العالم يمشي مع موسى‏ (1) إذ همّ بغلام يلعب قال‏ (2) فوكزه العالم فقتله.

قال له موسى: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً.

قال: فأدخل العالم يده فاقتلع كتفه، فإذا عليه مكتوب: كافر مطبوع.

عن أبي بصير (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: «فخشينا» خشي إن أدرك الغلام أن يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبانه من فرط حبّهما إيّاه‏ (4).

عن عبد اللّه بن خلف‏ (5)، رفعه، قال: كان في كتف الغلام الّذي قتله العالم مكتوب: كافر.

عن عثمان‏ (6)، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً قال: ابدلوا (7) جارية، فولدت غلاما فكان نبيّا.

عن أبي يحيى الواسطيّ‏ (8)، رفعه إلى أحدهما في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ‏- إلى قوله- وَ أَقْرَبَ رُحْماً قال: أبدلهما مكان الابن بنتا فولدت سبعين نبيّا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9): و قال‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً قال: أبدلهما اللّه- عزّ و جلّ- مكان الابن ابنة، فولد منها سبعون نبيّا.

و في مجمع البيان‏ (10): و روي‏ أنّهما ابدلا بالغلام‏ (11) المقتول جارية، فولدت سبعين نبيّا ... عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (12): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عدّة من‏

____________

(1) كذا في نور الثقلين 3/ 286، ح 167.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «باغلمة» بدل «قال».

(3) تفسير العيّاشي 2/ 336، ح 56.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «إليه» بدل «من فرط حبّهما إيّاه».

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 57. و فيه:

«خالد» بدل «خلف».

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 59.

(7) الصحيح: أبدلا. و في المصدر: إنّه ولدت لهما.

(8) نفس المصدر و المجلّد/ 337، ح 61.

(9) الفقيه 3/ 317، ح 1542.

(10) المجمع 3/ 487.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: بغلام.

(12) الكافي 6/ 6، ح 11.

130

أصحابنا (1)، عن الحسن بن عليّ بن يوسف، عن الحسن بن سعيد اللّحميّ‏ (2) قال: ولد لرجل من أصحابنا جارية، فدخل على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فرآه متسخّطا (3).

فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ رأيت لو أنّ اللّه- تبارك و تعالى- أوحى إليك:

أن أختار لك أو تختار لنفسك، ما كنت تقول؟

قال: كنت أقول: يا ربّ، تختار لي.

قال [فإنّ‏] (4) اللّه- عزّ و جلّ- [قد اختار لك.

قال: ثمّ قال: إنّ الغلام الّذي قتله العالم الّذي كان مع موسى- (عليه السلام)- و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:] (5) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً أبدلهما اللّه به جارية ولدت سبعين نبيّا.

وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ قيل‏ (6): اسمهما: أصرم و صريم، و اسم المقتول: خيسون‏ (7).

وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قيل‏ (8): كان من ذهب و فضّة.

و قيل‏ (9): من كتب العلم.

و في أصول الكافي‏ (10): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن صفوان الجمّال قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما.

قال: أما إنّه ما كان ذهبا و لا فضّة، و إنّما كان أربع كلمات: اللّه لا إله إلّا أنا، من أيقن بالموت لم يضحك سنّة (11)، و من أيقن بالحساب لم يفرح قلبه، و من أيقن بالقدر لم يخش إلّا اللّه.

____________

(1) المصدر: أصحابه.

(2) كذا في جامع الرواة 1/ 202. و في أ: اللخي و في ب: البلخي. و في غيرهما: اللخمي.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: سخطا.

4 و 5- من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 22.

(7) المصدر: جيسور.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) نفس المصدر و المجلّد/ 23.

(10) الكافي 2/ 58، ح 6.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: منه.

131

الحسين بن محمّد (1)، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط قال: سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: كان في الكنز الّذي قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما كان فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يضحك‏ (2)، و عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، و عجبت لمن رأى الدّنيا و تقلّبها بأهلها كيف يركن إليها، و ينبغي لمن عقل عن اللّه أن لا يتّهم اللّه في قضائه و لا يستبطئه في رزقه.

فقلت: جعلت فداك، أريد أن أكتبه.

قال: فضرب، و اللّه، يده إلى الدّواة ليضعها بين يديّ، فتناولت يده فقبّلتها و أخذت الدّواة فكتبته.

و في عوالي اللآلئ‏ (3): روى الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: لمّا أقام العالم الجدار أوحى اللّه- تعالى- إلى موسى- (عليه السلام)-: إنّي مجازي الأبناء بسعي الآباء، إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ، لا تزنوا فتزني نساؤكم، من وطئ فراش امرئ مسلم وطئ فراشه، كما تدين تدان.

و في قرب الإسناد (4) للحميريّ: عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: و كان في الكنز الّذي قال:

وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما لوح من ذهب فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، و عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، و عجبا لمن رأى الدّنيا و فعلها بأهلها كيف يركن إليها، و ينبغي لمن عقل عن اللّه ألّا يتّهم اللّه- تبارك و تعالى- في قضائه، و لا يستبطئه في رزقه.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال: و اللّه، ما كان من ذهب و لا فضّة، و ما كان إلّا لوحا (6) فيه كلمات أربع: إنّي أنّا اللّه لا إله إلّا أنا، و محمّد رسولي، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح‏

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 59، ح 9.

(2) المصدر: يفرح.

(3) عوالي اللآلي 3/ 547، ح 10.

(4) قرب الإسناد/ 165.

(5) الخصال 1/ 236، ح 79.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ألواح.

132

قلبه‏ (1)، و عجبت لمن أيقن بالحساب كيف يضحك سنّه، و عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يستبطئ اللّه‏ (2) في رزقه، و عجبت لمن يرى النّشأة الأولى كيف ينكر النّشأة الأخرى.

و في كتاب معاني الأخبار (3): حدّثنا [محمّد بن الحسن- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد قال: حدّثنا] (4) الحسن بن عليّ، رفعه، إلى عمرو بن جميع، رفعه، إلى عليّ- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال: كان ذلك الكنز لوحا من ذهب، فيه مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عجبت لمن يعلم أنّ الموت حقّ كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يذكر النّار كيف يضحك، عجبت لمن يرى الدّنيا و تصرّف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئنّ إليها.

وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً.

قيل‏ (5): كان بينهما و بين الأب الّذي حفظا فيه سبعة آباء، و كان سيّاحا، و اسمه: كاشحا.

و في تهذيب الأحكام‏ (6)، في دعاء مرويّ عنهم- (عليهم السلام)-: اللّهم، إنّك حفظت الغلامين بصلاح أبويهما.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (7)، بإسناده إلى جعفر بن حبيب النّهديّ أنّه سمع جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- يقول: احفظوا فينا ما حفظ العبد الصّالح في اليتيمين‏ وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً.

و بإسناده‏ (8) إلى أبي بصير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- يقول: كم من إنسان له حقّ لا يعلم به.

قلت: و ما ذلك، أصلحك اللّه؟

قال: إنّ صاحبي الجدار كان لهما كنز تحته لا يعلمان به، أما إنّه لم يكن بذهب و لا فضّة.

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) أ، ب، ر: يستنبطئه.

(3) المعاني/ 200، ح 1.

(4) من الهامش.

(5) أنوار التنزيل 2/ 23.

(6) نور الثقلين 3/ 288، ح 179.

(7) أمالي الطوسي 1/ 279.

(8) نور الثقلين 3/ 288، ح 181.

133

قلت: فما كان؟

قال: كان علما.

قلت: فأيّهما أحق به؟

قال: الكبير، كذلك نقول نحن.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قيل: كان كنزا من الذهب و الفضّة ... و رواه أبو الدّرداء، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قيل‏ (2): كان لوحا من ذهب، و فيه مكتوب: عجبا (3) لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، و عجبا لمن أيقن بالرّزق كيف يتعب‏ (4)، و عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، و عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدّنيا و تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه ... و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و في بعض الرّوايات‏ (5) زيادة و نقصان.

وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً.

روي‏ (6) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: أنّه كان بينهما و بين الأب الصّالح سبعة آباء.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن محمّد بن عمر، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه ليحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة، و إنّ الغلامين كان بينهما [و بين أبويهما] (8) سبعمائة سنة.

عن إسحاق بن عمّار (9) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه ليصلح بصلاح الرّجل المؤمن ولده و ولد ولده، و يحفظه في دويرته و دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ اللّه لكرامته على اللّه.

ثمّ ذكر الغلامين، فقال: و كان أبوهما صالحا، ألم تر أنّ اللّه شكر صلاح أبويهما لهما.

عن يزيد بن رويان‏ (10)، قال: قال الحسين- (عليه السلام)- لنافع بن الأزرق‏: [يا

____________

1 و 2- المجمع 3/ 488.

(3) المصدر: عجبت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يستبطئ.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 336، ح 58.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و المجلّد/ 337، ح 63.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: زيد بن روبان‏

134

ابن الأزرق‏] (1) إنّي أخبرت أنّك تكفّر أبي و أخي و تكفّرني.

قال له نافع [بن الأزرق: يا ابن رسول اللّه أخبرت أنّك‏] (2) لئن قلت ذلك لقد كنتم الحكّام و معالم الإسلام، فلمّا بدّلتم استبدلنا بكم.

فقال له الحسين: يا ابن الأزرق، أسألك عن مسألة فأجبني عن قول اللّه- عزّ و جلّ لا إله إلّا هو-: وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما- إلى قوله- كَنزَهُما. من حفظ فيهما، قال: فأيّهما أفضل أبويهما أم رسول اللّه و فاطمة؟

قال: لا، بل رسول اللّه و فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فما حفظهما حتّى حيل بيننا (3) و بين الكفر؟

فنهض، ثمّ نفض ثوبه‏ (4)، ثمّ قال: [قد] (5) نبّأنا اللّه عنكم، معشر قريش، أنتم قوم خصمون. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عن زرارة و حمران‏ (6)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: يحفظ اللّه الأطفال بأعمال آبائهم، كما حفظ اللّه الغلامين بصلاح أبيهما.

عن مسعدة بن صدقة (7)، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه- (عليهم السلام)- أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه ليخلف العبد الصّالح من بعد موته في أهله و ماله و إن كان أهله أهل سوء. ثمّ قرأ هذه الآية إلى آخرها: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (8)، بإسناده إلى أبي سعيد، عقيصا قال: قلت للحسن بن عليّ بن أبي طالب: يا ابن رسول اللّه، لم داهنت معاوية و صالحته‏ (9) و قد علمت أنّ الحقّ لك دونه، و أنّ معاوية ضالّ باغ؟

فقال: يا أبا سعيد، أ لست حجّة اللّه- تعالى ذكره- على خلقه و إماما عليهم بعد أبي- (عليه السلام)

____________

و في نور الثقلين 3/ 289، ح 189: بريد بن رويان. و الحديث في تفسير العيّاشي 2/ 337- 338، ح 64.

(1) من نور الثقلين 3/ 289، ح 189.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر و في النسخ: خلّي بينهما.

(4) المصدر: بثوبه.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 338، ح 65.

(7) نفس المصدر و المجلّد/ 339، ح 68.

(8) العلل/ 211، ح 2.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: صالحت.

135

قلت: بلى.

قال: أ لست الّذي قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لي و لأخي: [الحسن و] (1) الحسين إمامان قاما أو قعدا؟

قلت: بلى.

قال: فأنا إذن‏ (2) إمام لو قمت، و أنا إمام إذ لو قعدت‏ (3).

يا أبا سعيد، علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لبني ضمرة و بني أشجع و لأهل مكّة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفّار بالتّنزيل و معاوية و أصحابه كفّار بالتّأويل.

يا أبا سعيد، إذا كنت إماما من قبل اللّه- تعالى ذكره- لم يجب أن يسفّه [رأيي‏] (4) فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، و إن كان وجه الحكمة فيما أتيته مشتبها (5)، ألا ترى إلى الخضر- (عليه السلام)- لمّا خرق السّفينة و قتل الغلام و أقام الجدار سخط موسى- (عليه السلام)- فعله‏ (6) لاشتباه‏ (7) وجه الحكمة عليه حتّى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم‏ (8) عليّ بجهلكم‏ (9) بوجه الحكمة فيه، و لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلّا قتل.

و بإسناده‏ (10) إلى عبد اللّه بن [الفضل‏] (11) الهاشميّ قال: سمعت الصّادق، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- يقول: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل.

فقلت له: و لم، جعلت فداك؟.

قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم.

قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أنا فإذن.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «أقعدت» بدل «لو قعدت».

(4) من المصدر.

(5) المصدر: ملتبسا.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عن فعله.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: اشتباه.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: سخطكم.

(9) أ: لجهلكم.

(10) العلل/ 245- 246، ح 8.

(11) من المصدر.

136

قال: وجه الحكمة [في غيبته وجه الحكمة] (1) في غيبات من تقدمه من حجج اللّه- تعالى ذكره-. إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لا ينكشف‏ (2) وجه الحكمة لما أتاه الخضر- (عليه السلام)- من خرق السّفينة و قتل الغلام و إقامة الجدار لموسى- (عليه السلام)- إلّا وقت افتراقهما. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي: الحلم و كمال الرّأي.

وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏: مرحومين من ربّك.

و يجوز أن يكون علّة. أو مصدر لأراد (3)، فإنّ إرادة الخير رحمة (4).

و قيل‏ (5): متعلّق بمحذوف، تقديره: فعلت ما فعلت رحمة من ربّك.

قيل‏ (6): و لعلّ إسناد الإرادة أوّلا إلى نفسه لأنّه المباشر المتعقّب، و ثانيا إلى اللّه و إلى نفسه لأنّ التّبديل بإهلاك الغلام و إيجاد اللّه بدله، و ثالثا إلى اللّه وحده لأنّه لا مدخل له في بلوغ الغلامين. أو لأنّ الأوّل في نفسه شرّ، و الثّالث خير، و الثّاني ممتزج. أو (7) لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط (8).

وَ ما فَعَلْتُهُ‏: و ما فعلت ما رأيته.

عَنْ أَمْرِي‏: عن رأيي، و إنّما فعلته بأمر اللّه- عزّ و جلّ-.

و مبنى ذلك على أنّه متى تعارض ضرران يجب تحمّل أهونهما لدفع أعظمهما، و هو أصل ممهّد غير أنّ الشّرائع في تفصيله مختلفة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (9)، بإسناده إلى إسحاق‏ (10) اللّيثيّ‏ (11): عن الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: أنكر موسى على الخضر و استفظع أفعاله‏

____________

(1) من المصدر.

(2) الأظهر: لم ينكشف.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 23. و في النسخ:

مصدر الارادة.

(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

رحمته.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 23.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) فالخضر في أوّل الأمر نظر إلى محض الواسطة فنسب الإرادة إلى نفسه، ثمّ ترقّى ثانيا فنسب الفعل إلى اللّه- تعالى- و الواسطة معا، ثمّ ترقّى ثالثا فقطع النّظر عن الوسائط و جعل نظره خالصا إلى اللّه- تعالى- أقول: هذا توضيح مقصوده، و لا يخفى أنّ قطع النظر عن الوسائط لا يناسب حال العارف سيما الخضر- (عليه السلام)-.

(9) العلل/ 609، ح 81.

(10) المصدر: أبي إسحاق.

(11) أ، ب: البشي.

137

حتّى قال له الخضر: يا موسى‏ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي‏ إنّما فعلته عن أمر اللّه- عزّ و جلّ-.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال موسى للخضر- (عليه السلام)-: قد تحرّمت بصحبتك فأوصني.

قال [له‏] (2): الزم ما لا يضرّك معه شي‏ء، كما لا ينفعك مع غيره شي‏ء.

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (3)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- قال: إنّ موسى بن عمران- (عليه السلام)- حين أراد أن يفارق الخضر- (عليه السلام)- قال له:

أوصني، فكان ممّا أوصاه أن قال له‏ (4): إيّاك و اللّجاجة، أو أن تمشي في غير حاجة، أو أن تضحك من غير عجب، و اذكر خطيئتك، و إيّاك و خطايا النّاس.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: كان آخر ما أوصى به الخضر موسى بن عمران- (عليه السلام)- أن قال: لا تعيّر (6) أحدا بذنب، و إنّ أحبّ الأمور إلى اللّه- تعالى- ثلاثة: القصد في الشّدّة (7)، و العفو في القدرة (8)، و الرّفق بعباد اللّه، و ما رفق أحد بأحد في الدّنيا إلّا رفق اللّه- تعالى- به يوم القيامة، و رأس الحكمة مخافة اللّه- تبارك و تعالى-.

ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)، أي: ما لم تستطع، فحذف التّاء تخفيفا.

و من فوائد هذه القصّة أن لا يعجب المرء بعلمه، و لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعلّ فيه سرّا لا يعرفه، و أن يداوم على التّعلّم و يتذلّل للمعلّم، و يراعي الأدب في المقال، و أن ينبّه المجرم على جرمه، و يعفو عنه حتّى يتحقّق إصراره ثمّ يهاجر عنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(9)- متّصلا بقوله: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً فقال له الخضر- (عليه السلام)-: هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.

____________

(1) الكافي 2/ 464، ح 2.

(2) من المصدر مع المعقوفتين.

(3) أمالي الصدوق/ 265، ح 11.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فكان ما أوصاه فقال له.

(5) الخصال 1/ 111، ح 83.

(6) المصدر: لا تعيّرنّ.

(7) المصدر: الجدة.

(8) المصدر: المقدرة.

(9) تفسير القمّي 2/ 39- 40.

138

أَمَّا السَّفِينَةُ الّتي فعلت بها ما فعلت، فإنّها كانت لقوم مساكين‏ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ‏، أي: وراء السّفينة ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. هكذا نزلت، و إذا كانت السّفينة معيوبة لم يأخذ منها شيئا.

وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ‏ و هو طبع كافرا. كذا نزلت، فنظرت إلى جبينه و عليه مكتوب: طبع كافرا فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً فأبدل اللّه- عزّ و جلّ- والديه بنتا ولدت سبعين نبيّا.

وَ أَمَّا الْجِدارُ الّذي‏ (1) أقمته‏ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما إلى قوله- تعالى-: ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.

حدّثني أبي‏ (2)، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: كان ذلك الكنز لوحا (3) من ذهب، فيه مكتوب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عجبت لمن يعلم أنّ الموت حقّ كيف يفرح، و عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يفرق‏ (4)، و عجبت لمن يذكر النّار كيف يضحك، و عجبت لمن يرى الدّنيا و تصرّف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئنّ إليها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، متّصلا بآخر ما نقلنا، أعني: قوله: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً. قال له الخضر: هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.

فقال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْباً فأردت بما فعلت أن تبقى لهم و لا يغصبهم الملك عليها، فنسب الأنانية (6) في هذا الفعل إلى نفسه لعلّة ذكر التعييب‏ (7)، لأنّه أراد أن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الّتي.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لوح.

(4) أي: يخاف.

(5) العلل/ 61- 62، ح 1.

(6) كذا في المصدر. و في أ، ر: الامانة. و في غيرهما: الأنانة.

(7) أي: إنّما لم ينسب الفعل إليه- تعالى- رعاية للأدب، لأنّ نسبة التّعييب إليه- تعالى- غير مناسب و أمّا ما يناسب أن ينسب إليه- تعالى- فهو إرادة صلاحهم بهذا التعييب.

139

يعيبها عند الملك إذا شاهدها فلا يغصب المساكين عليها، و أراد اللّه- عزّ و جلّ- صلاحهم بما أمره به من ذلك.

ثمّ قال: وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ‏ و طبع‏ (1) كافرا، و علم اللّه- تعالى ذكره- أنّه‏ (2) إن بقي كفر أبواه و افتتنا به و ضلّا بإضلاله إيّاهما، فأمرني اللّه- تعالى ذكره- بقتله، و أراد بذلك نقلهم إلى محلّ كرامته في العاقبة، فاشترك بالأنانية (3) بقوله: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً. و إنّما اشترك في الأنانية (4) لأنّه خشي، و اللّه لا يخشى، لأنّه لا يفوته شي‏ء و لا يمتنع عليه أحد أراده، و إنّما خشي الخضر من أن يحال بينه و بين ما أمر فيه [فلا يدرك ثواب الإمضاء فيه‏] (5)، و وقع في نفسه أنّ اللّه- تبارك و تعالى ذكره- جعله سببا لرحمة أبوي الغلام فعمل فيه وسط الأمرين‏ (6) من البشريّة، مثل ما كان عمل في موسى- (عليه السلام)- لأنّه صار في الوقت مخبرا، و كليم اللّه موسى- (عليه السلام)- مخبرا، و لم يكن ذلك باستحقاق للخضر- (عليه السلام)- للرّتبة على موسى- (عليه السلام)- و هو أفضل من الخضر، بل كان لاستحقاق موسى للتّبيين‏ (7).

ثمّ قال: وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما و لم يكن ذلك الكنز (8) بذهب و لا فضّة، و لكن كان لوحا من ذهب فيه مكتوب: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن أيقن أنّ البعث حقّ كيف يظلم، عجبت لمن يرى الدّنيا و تصرّف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئنّ إليها.

وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً كان بينهما و بين هذا الأب الصّالح سبعون‏ (9) أبا فحفظهما (10) اللّه بصلاحه.

ثمّ قال: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما فتبرّأ من الأنانية (11) في آخر

____________

(1) المصدر: طلع.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بالانانة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الانانة.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: الأمر.

(7) المصدر: لتبيين.

(8) ليس في أ، ب.

(9) قد تقدّم آنفا من مجمع البيان 3/ 488:

«سبعة آباء» و هكذا في أنوار التنزيل 2/ 23.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فحفظهم.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الارادة.

140

القصص، و نسب الإرادة كلّها إلى اللّه- تعالى ذكره- في ذلك، لأنّه‏ (1) لم يكن بقي شي‏ء مما فعله فيخبر به بعد، و يصير موسى- (عليه السلام)- به مخبرا و مصغيا (2) إلى كلامه تابعا له، فتجرّد من‏ (3) الأنانية و الإرادة تجرّد العبد المخلص، [ثم صار] (4) متنصّلا (5) ممّا أتاه من نسبة الأنانية (6) في أوّل القصّة و من ادّعاء (7) الاشتراك في ثاني القصّة، فقال: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): حدّثني أبي، عن يوسف بن أبي حمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا اسري برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى السّماء وجد ريحا مثل ريح المسك الأذفر، فسأل جبرئيل- (عليه السلام)- عنها، فأخبره جبرئيل‏ (9): أنّها تخرج من بيت عذّب فيه قوم في اللّه حتّى ماتوا.

ثم قال له: إنّ الخضر- (عليه السلام)- كان من أبناء الملوك، فآمن باللّه و تخلّى في بيت دار أبيه يعبد اللّه، و لم يكن لأبيه ولد غيره، فأشاروا على أبيه أن يزوّجه فلعلّ اللّه أن يرزقه ولدا فيكون الملك فيه و في عقبه، فخطب له امرأة بكرا و أدخلها عليه فلم يلتفت الخضر إليها، فلمّا كان في اليوم الثّاني قال لها: تكتمين عليّ أمري؟

فقالت: نعم.

قال لها: إن سألك أبي هل كان منّي إليك ما يكون من الرّجال إلى النّساء، فقولي: نعم.

فقالت: أفعل.

فسألها الملك عن ذلك، فقالت: نعم.

فأشار عليه النّاس أن يأمر النّساء أن يفتّشنها، فأمر بذلك فكانت على حالها (10)، فقالوا: أيّها الملك، زوّجت العزّة من العزّة (11)، زوّجه امرأة ثيّبا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: إن.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مفضيا.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فتجرّده عن.

(4) من المصدر.

(5) من تنصّل إلى فلان من الجناية: إذا اعتذر و تبرّأ عنده منها.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الانانة.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ادعى.

(8) تفسير القمّي 2/ 42- 44.

(9) ليس في المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: حالتها.

(11) أ، ر: الغرّة من الغرّة. و في المصدر: الغرّ من الغرّ.

141

فزوّجه، فلمّا ادخلت عليه سألها الخضر أن تكتم عليه أمره، فقالت: نعم.

فلمّا أن سألها الملك، قالت: أيّها الملك، إنّ ابنك امرأة، فهل تلد المرأة من المرأة؟

فغضب عليه و أمر بردم الباب عليه فردم، فلمّا كان اليوم الثّالث حرّكته رقّة الآباء فيه فأمر بفتح الباب، ففتح فلم يجدوه فيه، و أعطاه اللّه- عزّ و جلّ- من القوّة (1) أن يتصوّر كيف يشاء، ثمّ كان على مقدّمة ذي القرنين‏ (2)، و شرب من الماء الّذي من شرب منه بقي إلى الصّيحة.

قال: فخرج من مدينة أبيه رجلان في تجارة في البحر حتّى وقعا (3) إلى جزيرة من جزائر البحر، فوجدا فيها الخضر- (عليه السلام)- قائما يصلّي، فلمّا انفتل دعاهما فسألهما عن خبرهما، فأخبراه.

فقال لهما: هل تكتمان عليّ أمري إن أنا (4) رددتكما في يومكما هذا إلى منزلكما؟

فقالا: نعم. فنوى أحدهما أن يكتم أمره، و نوى الآخر إن ردّه إلى منزله أخبر أباه بخبره. فدعا الخضر- (عليه السلام)- سحابة و قال لها: احملي هذين إلى منزلهما. فحملتهما السّحابة حتّى وضعتهما في بلدهما من يومهما، فكتم أحدهما أمره و ذهب الآخر إلى الملك فأخبره بخبره.

فقال له الملك: من يشهد لك بذلك؟

قال: فلان التّاجر. فدلّ على صاحبه، فبعث الملك إليه، فلمّا حضر (5) أنكره و أنكر معرفة صاحبه.

فقال له الأوّل: أيّها الملك، ابعث معي خيلا إلى هذه الجزيرة و أحبس هذا حتّى آتيك بابنك. فبعث معه خيلا فلم يجدوه، فأطلق الملك‏ (6) عن الرّجل الّذي كتم عليه.

ثمّ أنّ القوم عملوا بالمعاصي فأهلكهم اللّه- عزّ و جلّ- و جعل مدينتهم عاليها

____________

(1) ليس في أ.

(2) ليس في أ، ر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فوقعا.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أحضره.

(6) ليس في المصدر.

142

سافلها، و ابتدرت الجارية الّتي كتمت عليه أمره و الرّجل الّذي كتم عليه كلّ واحد منهما ناحية من المدينة، فلمّا أصبحا التقيا فأخبر كلّ واحد منهما صاحبه بخبره، فقالا:

ما نجونا إلّا بذلك. فآمنا بربّ الخضر- (عليه السلام)- و حسن إيمانها، و تزوّجها (1) الرّجل و وقعا (2) إلى مملكة ملك آخر، و توصّلت المرأة إلى بيت الملك، و كانت تزيّن بنت الملك، فبينما هي تمشّطها يوما إذ سقط من يدها المشط.

فقالت: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.

فقال لها بنت الملك: ما هذه الكلمة؟

فقالت لها: إنّ لي إليها تجري الأمور كلّها بحوله و قوّته.

فقالت لها بنت الملك: أ لك إله غير أبي؟

قالت: نعم، و هو إلهك و إله أبيك.

فدخلت بنت الملك على أبيها فأخبرت أباها (3) بما سمعت من هذه المرأة، فدعاها الملك فسألها عن خبرها، فأخبرته.

فقال لها: من على دينك؟

قالت: زوجي و ولدي. فدعاهما الملك، فأمرهما بالرّجوع عن التّوحيد فأبوا عن ذلك، فدعا بمرجل‏ (4) من ماء فأسخنه و ألقاهم فيه، فأدخلهم بيتا و هدم عليهم البيت.

فقال جبرئيل‏ (5)- (عليه السلام)- لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فهذه الرّائحة الّتي شممتها من ذلك البيت.

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ‏، يعني: إسكندر الرّوميّ‏ (6).

____________

(1) أ، ب، ر: تزوّج. و في المصدر: تزوّج بها.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دفعا.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أباها الملك.

(4) المرجل: القدر من الحجارة أو النّحاس.

(5) ليس في ر.

(6) قيل: في جعل ذي القرنين إسكندر إشكال قويّ، و هو أنّه كان تلميذ الأرسطاطاليس، و كان على مذهبه، فتعظيم اللّه- تعالى- إيّاه يوجب الحكم بأنّ مذهب أرسطاطاليس حقّ و ذلك ممّا لا سبيل إليه.

143

قيل‏ (1): ملك فارس و الرّوم.

و قيل‏ (2): المشرق و المغرب، و لذلك سمّي: ذا القرنين، أو لأنّه طاف قرني الدّنيا، شرقها و غربها.

و قيل‏ (3): لأنّه انقرض في أيّامه قرنان من النّاس.

و قيل‏ (4): كان له قرنان، أي: ضفيرتان.

و قيل‏ (5): كان لتاجه قرنان.

و قيل‏ (6): إنّه كان لقّب بذلك لشجاعته، كما يقال: الكبش، للشّجاع، كأنّه ينطح أقرانه.

و اختلف في نبوّته مع الاتّفاق على إيمانه و صلاحه. و السّائلون هم اليهود سألوه امتحانا، أو مشركوا مكّة.

و في قرب الإسناد (7) للحميري، بإسناده إلى موسى بن جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل‏، يذكر فيه آيات النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيه: و من ذلك أنّ نفرا من اليهود أتوه فقالوا لأبي الحسن، جدّي: استأذن لنا على ابن عمّك نسأله.

قال: فدخل عليّ- (عليه السلام)- فأعلمه.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و ما يريدون منّي؟ فإنّي عبد من عبيد اللّه لا أعلم إلّا ما علّمني ربّي.

ثمّ قال: ائذن لهم. فدخلوا، فقال: أ تسألوني عمّا جئتم له، أم أنبّئكم؟

قالوا: نبّئنا.

قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين.

قالوا: نعم.

قال: كان غلاما من أهل الرّوم، ثمّ ملك و أتى مطلع الشّمس و مغربها، ثمّ بنى السّدّ فيها.

قالوا: نشهد أنّ هذا كذا و كذا.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن‏

____________

1 و 2 و 3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 23.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) قرب الإسناد/ 135.

(8) الكافي 1/ 269، ح 5.

144

أذينة، عن بريد عن معاوية، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: قلت له: ما منزلتكم، و من تشبهون ممّن مضى؟

قال: صاحب موسى و ذو القرنين، كانا عالمين و لم يكونا نبيّين.

عدّة من أصحابنا (1): عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحرث بن المغيرة قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏-:

إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان محدّثا.

فقلت: فتقول نبيّ؟

قال: فحرّك بيده‏ (2) هكذا، ثم قال: أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى، أو كذي القرنين، او ما بلغكم أنّه قال: و فيكم مثله.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن محمّد بن خالد، بإسناده رفعه [إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (4) قال: ملك الأرض كلّها أربعة: مؤمنان و كافران، فأمّا المؤمنان فسليمان بن داود و ذو القرنين، و أمّا (5) الكافران نمرود و بخت نصر. و اسم ذي القرنين: عبد اللّه بن ضحّاك بن معد.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (6)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: أوّل اثنين تصافحا على وجه الأرض ذو القرنين و إبراهيم الخليل- (عليه السلام)-، استقبله إبراهيم فصافحه.

و في تفسير العيّاشي‏ (7)، بعد أن ذكر أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و نقل عنه حديثا طويلا قال: و في خبر آخر عنه: جاء يعقوب إلى نمرود في حاجة، فلمّا وثب عليه و كان أشبه النّاس بإبراهيم قال له: أنت إبراهيم، خليل الرّحمن؟

قال: لا.

و في عيون الأخبار (8): عن الرّضا- (عليه السلام)-، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(2) ليس في أ، ب.

(3) الخصال 1/ 255، ح 130.

(4) من المصدر.

(5) ليس في المصدر.

(6) أمالي الطوسي 1/ 218.

(7) نور الثقلين 3/ 295، ح 209.

(8) العيون 2/ 12، ح 30.

145

[لكلّ أمّة] (1) صدّيق و فاروق، و صدّيق هذه الأمّة و فاروقها عليّ بن أبي طالب. إنّ عليّا سفينة نجاتها و باب حطّتها، و إنّه يوشعها [و شمعونها] (2) و ذو قرنيها (3).

قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83): خطاب للسّائلين. و «الهاء» لذي القرنين، و قيل‏ (4): للّه- تعالى- (5).

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ‏، أي: مكّنّا له أمره من التّصرّف فيها كيف شاء، فحذف المفعول.

وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: أراده و توجّه إليه.

سَبَباً (84): وصلة توصله إليه من العلم و القدرة و الآلة.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- لأقوام يظهرون الزّهد و يدعون النّاس أن يكونوا معهم على مثل الّذي هم عليه من التّقشّف:

أخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود؟ ثمّ ذو القرنين- (عليه السلام)- عبد أحبّ اللّه فأحبّه اللّه، و طوى له الأسباب، و ملّكه مشارق الأرض و مغاربها، و كان يقول الحقّ و يعمل به، ثمّ لم يجد أحد أحدا عاب ذلك عليه.

فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)، أي فأراد بلوغ المغرب، فأتبع سببا يوصله إليه.

و قرأ (7) الكوفيّون و ابن عامر، بقطع الألف مخفّفة التّاء.

حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ: ذات حمأ. من حمئت البئر: إذا صارت ذات حماءة.

و «الحمأ» الطّين الأسود.

و قرأ (8) ابن عامر و حمزة و أبو بكر: «حامية»، أي: حارّة. و لا تنافي بينهما، لجواز أن يكون العين جامعة للوصفين. أو «حمية» على أنّ ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها. و لعلّه بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك، إذ لم يكن في مطمح نظره غير الماء، لذلك قال: وَجَدَها تَغْرُبُ‏ و لم يقل: كانت تغرب.

____________

(1) ليس في أ، ب.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ذو قرنها.

(4) أنوار التنزيل 2/ 23.

(5) فيكون المعنى: سأتلوا عليكم من اللّه ذكره، لأنّ ما يجي‏ء هو مقول اللّه- تعالى- و فعله.

(6) الكافي 5/ 70، ح 1.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 23.

146

و قيل‏ (1): إنّ ابن عبّاس- رضي اللّه عنه- سمع معاوية يقرأ: «حاميّة»، فقال:

«حمئة». فبعث إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشّمس تغرب؟

فقال: في ماء و طين، كذلك نجده في التّوراة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ ذا القرنين لم يكن نبيّا، و لكنّه كان عبدا صالحا أحبّ اللّه فأحبّه اللّه و ناصح اللّه فناصحه، أمر قومه بتقوى اللّه فضربوه على قرنه فغاب عنهم زمانا، ثمّ رجع إليهم فضربوه على قرنه الآخر، و فيكم من هو على سنّته.

و بإسناده‏ (3) إلى الأصبغ بن نباتة قال: قام ابن الكواء إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و هو على المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ذي القرنين أ نبيّا كان أو ملكا (4)، و أخبرني عن قرنيه أذهب‏ (5) أو فضّة؟

فقال- (عليه السلام)-: لم يكن نبيّا و لا ملكا، و لا كان قرناه من ذهب و لا فضّة، و لكنّه كان عبدا أحبّ اللّه فأحبّه اللّه و نصح للّه فنصحه اللّه، و إنّما سمّي: ذا القرنين، لأنّه دعا قومه فضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا، ثمّ عاد إليهم فضرب على قرنه الآخر، و فيكم مثله.

و بإسناده‏ (6) إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله اللّه- عزّ و جلّ- حجّة على عباده، فدعا قومه إلى اللّه- عزّ و جلّ- و أمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه فغاب عنهم زمانا حتّى قيل: مات أو هلك بأي واد سلك، ثمّ ظهر و رجع إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر، و فيكم من هو على سنّته، و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- مكّن لذي القرنين في الأرض و جعل له من كلّ شي‏ء سببا، و بلغ المغرب و المشرق، و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- سيجري سنّته في القائم من ولدي فيبلغه مشرق الأرض و غربها، حتّى لا يبقى منهل و لا موضع فيها من سهل أو جبل وطئه [ذو القرنين إلّا وطئه‏] (7)، و يظهر اللّه- عزّ و جلّ- له كنوز الأرض و معادنها بيده‏ (8)،

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 24.

(2) كمال الدين/ 393، ح 1.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(4) المصدر: أ نبيّ كان أو ملك.

(5) في المصدر: زيادة «كان».

(6) نفس المصدر/ 394، ح 4.

(7) من المصدر.

(8) يوجد في ب.

147

و ينصره بالرّعب، و يملأ الأرض به عدلا و قسطا، كما ملئت جورا و ظلما.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي الطّفيل قال: سمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول: إنّ ذا القرنين لم يكن نبيّا و لا رسولا، [و لكن‏] (2) كان عبدا أحبّ اللّه فأحبّه و ناصح اللّه فنصحه‏ (3)، دعا قومه فضربوه على أحد قرنيه فقتلوه، ثمّ بعثه اللّه فضربوه على قرنه الآخر فقتلوه.

عن أبي حمزة الثّماليّ‏ (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه لم يبعث أنبياء ملوكا في الأرض إلّا أربعة بعد [نوح‏] (5): أوّلهم ذو القرنين و اسمه عيّاش‏ (6)، و داود، و سليمان، و يوسف، فأمّا عيّاش فملك ما بين المشرق و المغرب، و أمّا داود فملك ما بين الشّامات إلى بلاد إصطخر، و كذلك كان ملك سليمان، و امّا يوسف فملك مصر و براريّها و لم يجاوزها إلى غيرها.

و في كتاب الخصال‏ (7)، مثله.

و في الخرائج و الجرائح‏ (8): قال الحسن العسكريّ: و سئل [عليّ‏] (9)- (عليه السلام)- عن ذي القرنين: كيف استطاع أن يبلغ المشرق و المغرب؟

فقال: سخّر اللّه السّحاب، و يسّر له الأسباب، و بسط له النّور، و كان اللّيل و النّهار على سواء، و أنّه رأى في المنام كأنّه قرب من الشّمس حتّى أخذ بقرنها في شرقها و غربها، فلمّا قصّ رؤياه على قومه و عرّفهم سمّوه: ذا القرنين، فدعاهم إلى اللّه فأسلموا، ثمّ أمرهم أن يبنوا له مسجدا فأجابوه إليه، فأمر أن يجعلوا طوله أربعمائة ذراع و عرضه مائتي ذراع و علوه إلى السّماء مائة ذراع.

فقالوا: كيف لك بخشبات تبلغ ما بين الحائطين؟

قال: إذا فرغتم من بنيان الحائطين فاكبسوه بالتّراب‏ (10) حتّى يستوي مع حيطان‏

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 340، ح 73.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: للّه و نصحه.

(4) تفسير العياشي 2/ 340، ح 75.

(5) من المصدر.

(6) في الخصال 1/ 255، ح 130: اسم ذي القرنين عبد اللّه بن ضحّاك بن معد.

(7) الخصال 1/ 248، ح 110.

(8) نور الثقلين 3/ 296، ح 211.

(9) من المصدر.

(10) كبس البئر: طمّها بالتراب، أي: سوّاها و دفنها.

148

المسجد، فإذا فرغتم من ذلك أخذتم من الذّهب و الفضّة على قدره، ثمّ قطّعتموه مثل قلامة الظّفر، ثمّ خلطتموه مع ذلك الكبس، و عملتم له خشبا من نحاس و صفائح من نحاس تذوّبون ذلك و أنتم متمكّنون من العمل كيف شئتم و أنتم على أرض مستوية، فإذا فرغتم من ذلك دعوتم المساكين لنقل ذلك التّراب، فيسارعون فيه لأجل ما فيه من الذّهب و الفضّة.

فبنوا المسجد، و أخرج المساكين ذلك التّراب و قد استقلّ السّقف و استغنى المساكين، فجنّدهم أربعة أجناد، في كلّ جند عشرة آلاف و نشرهم في البلاد.

وَ وَجَدَ عِنْدَها: عند تلك العين‏ قَوْماً.

قيل‏ (1): كان لباسهم جلود الوحش و طعامهم ما لفظه البحر، و كانوا كفارا، فخيّره اللّه بين أن يعذّبهم أو يدعوهم إلى الإيمان، كما حكى بقوله: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ‏، أي: بالقتل على كفرهم، وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86):

بالإرشاد و تعلّم الشّرائع.

و قيل‏ (2): خيّره بين القتل و الأسر، و سمّاه إحسانا في مقابلة القتل.

و يؤيّد الأوّل قوله‏ (3): قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى‏ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (87)، أي: فاختار الدّعوة، و قال: أمّا من دعوته و ظلم نفسه بالإصرار على كفره و استمرّ على ظلمه، الّذي هو الشّرك، فنعذّبه أنا و من معي في الدّنيا بالقتل، ثمّ يعذّبه اللّه في الآخرة عذابا منكرا لم يعهد مثله. وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً و هو ما يقتضيه الإيمان‏ فَلَهُ‏: في الدّارين‏ جَزاءً الْحُسْنى‏: فعلته الحسنى.

و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ و يعقوب و حفص: «جزاء» منوّنا منصوبا على الحال، أي: فله [المثوبة الحسنى مجزيا بها. أو على المصدر لفعله المقدّر حالا، أي: يجزى بها جزاء. أو التمييز (5)] (6).

و قرئ‏ (7): منصوبا غير منوّن، على أنّ تنوينه حذف لالتقاء السّاكنين. و منوّنا

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 24.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) وجه التأييد أنّه يعلم من الكلام أن بعضهم آمن و لا يكون إلّا بعد الدعوة، ففهم منه اختيار الدعوة حتّى يظهر إصرار البعض و إيمان آخرين.

(4) أنوار التنزيل 2/ 24.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أو به جزاء أو التميز.

(6) من الهامش.

(7) نفس المصدر و الموضع.

149

مرفوعا، على أنّه المبتدأ و «الحسنى» بدله.

و يجوز أن يكون «إمّا و إمّا» للتّقسيم دون التّخيير، أي: ليكن شأنك معهم إمّا التّعذيب و إمّا الإحسان، فالأوّل لمن أصرّ على الكفر، و الثاني لمن تاب عنه‏ (1).

و في شرح الآيات الباهرة (2): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن عاصم، عن الهيثم بن عبد اللّه قال: حدّثنا مولاي، عليّ بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنه أتاني جبرئيل عن ربّه- عزّ و جلّ- و هو يقول: ربّي يقرئك السّلام و يقول لك: يا محمّد، بشّر المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات و يؤمنون بك و بأهل بيتك بالجنّة، و لهم عندي‏ جَزاءً الْحُسْنى‏ يدخلون الجنّة، أي: جزاء الحسنى، و هي ولاية أهل البيت- (عليهم السلام)- دخول الجنّة و الخلود فيها في جوارهم- (صلوات اللّه عليهم)-.

وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا: ممّا نأمر به‏ (3).

يُسْراً (88): سهلا ميسّرا غير شاقّ، و تقديره: ذا يسر.

و قرئ‏ (4) بضمّتين.

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) [: ثمّ أتبع طريقا يوصله إلى المشرق.

و قرأ (5) الكوفيّون و ابن عامر، بقطع الألف مخفّفة التّاء.] (6) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ‏، يعني: الموضع الّذي تطلع الشّمس عليه أوّلا من معمورة الأرض.

و قرئ‏ (7)، بفتح اللّام، على إضمار مضاف، أي: مكان مطلع الشّمس، فإنّه مصدر (8).

وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (90): من اللّباس، أو

____________

(1) المعنى على التخيير أنّك تخيّر بين أن تدعو جميعهم أو تقتل جميعهم و التقسيم بأن يعذّب بعضهم بعد الدعوة و يحسن مع بعضهم.

(2) تأويل الآيات 1/ 297، ح 9.

(3) ر: يسرا ممّا نأمر به.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 24.

(6) ليس في أ، ب، ر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) قال صاحب الصحاح: المطلع و المطلع أيضا موضع الطلوع. و على هذا لا حاجة إلى تقدير مضاف.

150

البناء، فإنّ أرضهم لا تمسك الأبنية. أو أنّهم اتّخذوا الأسراب‏ (1) بدل الأبنية.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً كَذلِكَ‏ قال: لم يعلموا صفة (3) البيوت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال لم يعلموا صفة اللّباس.

كَذلِكَ‏: أي: أمر ذي القرنين، كما وصفناه في رفعة المكان و بسطة الملك.

أو أمره فيهم، كأمره في أهل المغرب من التّخيير و الاختيار.

و يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف «لوجدها»، أو «نجعل»، أو صفة «قوم»، أي: على قوم مثل ذلك القبيل الّذي تغرب عليهم الشّمس في الكفر و الحكم.

وَ قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ‏: من الجنود و الآلات و العدد و الأسباب.

خُبْراً (91): علما تعلّق بظاهره و خفاياه، و المراد: أنّ كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلّا علم اللّطيف الخبير.

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92)، يعني: طريقا ثالثا معترضا بين المشرق و المغرب، آخذا من الجنوب إلى الشّمال.

حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ‏: بين الجبلين المبنيّ بينهما سدّه.

و الجبلان قيل‏ (5): بين‏ (6) إرمينة و أذربايجان.

و قيل‏ (7): جبلان في أواخر الشّمال في منقطع أرض التّرك منيفان‏ (8)، من ورائهما يأجوج و مأجوج.

و قرأ (9) نافع و حمزة و ابن عامر و الكسائيّ و أبو بكر و يعقوب: «بين السّدّين» بالضّمّ، و هما لغتان.

____________

(1) الأسراب- جمع السّرب-: حفير تحت الأرض لا منفذ له.

(2) تفسير العياشي 2/ 350، ح 84.

(3) المصدر: صنعة.

(4) تفسير القمّي 2/ 41.

(5) أنوار التنزيل 2/ 24.

(6) أ، ب: ما بين.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أي: عاليان.

(9) نفس المصدر و المجلّد/ 25.

151

و قيل‏ (1): المضموم لما خلقه اللّه- تعالى-. و المفتوح لما عمله النّاس، لأنّه في الأصل مصدر سمّي به حدث يحدثه النّاس.

و قيل‏ (2): بالعكس.

و «بين» هاهنا مفعول به، و هو من الظّروف المتصرّفة.

وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93): لغرابة لغتهم، و قلّة فطنتهم.

و قرأ (3) حمزة و الكسائيّ‏ (4): «لا يفقهون» [أي: لا يفهمون‏] (5) السامع كلامهم و لا يبيّنونه لتلعثمهم فيه.

قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ‏، أي: قال مترجمهم.

و في مصحف ابن مسعود- رضي اللّه عنه- (6) قال: الّذين من دونهم‏ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ‏.

قيل‏ (7): هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح- (عليه السلام)-.

و قيل‏ (8): يأجوج من التّرك، و مأجوج من الجبل، و هما اسمان أعجميّان بدليل منع الصّرف.

و قيل‏ (9): عربيّان، من أجّ الظّليم: إذا أسرع. و أصلهما الهمز، كما قرأ عاصم.

و منع صرفهما للتّعريف و التّأنيث.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10)، بإسناده إلى سهل بن زياد: عن عبد العظيم الحسنيّ، عن عليّ بن محمّد العسكري- (عليه السلام)- حديث طويل‏، يذكر فيه نوحا- (عليه السلام)- و أولاده، ساما و حاما و يافثا حين سارت بهم السّفينة، و دعاء نوح- (عليه السلام)- أن يغيّر اللّه ماء صلب حام و يافث، و قد كتبناه بتمامه عند قوله- تعالى-: وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ‏ و فيه يقول- (عليه السلام)-: جميع التّرك و السّقالبة (11) و يأجوج و مأجوج و الصّين من يافث حيث كانوا.

____________

1 و 2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «لا يكادون».

(5) من المصدر.

6 و 7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) العلل/ 32، ح 1.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: السقالب.

152

و في روضة الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، عن العبّاس بن أبي‏ (2) العلا، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: سئل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن الخلق.

فقال: خلق اللّه ألفا و مائتين في البرّ، و ألفا و مائتين في البحر، و أجناس بني آدم سبعون جنسا، و النّاس ولد آدم ما خلا يأجوج و مأجوج.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ليس منهم رجل يموت حتّى يولد له من صلبه ألف ولد ذكر.

ثمّ قال: هم أكثر خلق خلقوا بعد الملائكة.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: الدّنيا سبعة أقاليم:

يأجوج، و مأجوج، و الرّوم، و الصّين، و الزّنج، و قوم موسى، و إقليم‏ (5) بابل.

و في مجمع البيان‏ (6): ورد في خبر عن حذيفة قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن يأجوج و مأجوج.

فقال: يأجوج أمّة، و مأجوج أمّة، كلّ أمّة أربعمائة أمّة، لا يموت الرّجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلّ قد حمل السّلاح.

قلت: يا رسول اللّه، صفهم لنا.

قال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز.

قلت: يا رسول اللّه، و ما الأرز؟

قال: شجر بالشّام طويل‏ (7)، و صنف منهم طولهم و عرضهم سواء و هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل و لا حديد، و صنف منهم يفترش أحدهم‏ (8) إحدى أذنيه و يلتحف بالأخرى. و لا يمرّون بفيل و لا وحش و لا جمل و لا خنزير إلّا أكلوه، و من مات منهم أكلوه، مقدّمتهم بالشّام و ساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق و بحيرة طبريّة.

مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ‏، أي: في أرضنا، بالقتل و التّخريب و إتلاف الزّرع.

____________

(1) الكافي 8/ 220، ح 274.

(2) المصدر: العبّاس بن العلا.

(3) تفسير القمّي 2/ 41.

(4) الخصال 2/ 357، ح 40.

(5) المصدر: أقاليم.

(6) المجمع 3/ 494.

(7) المصدر: طوال.

(8) ليس في المصدر.

153

قيل‏ (1): كانوا يخرجون في الرّبيع، فلا يتركون أخضر إلّا أكلوه، و لا يابسا إلّا حملوه.

و قيل‏ (2): كانوا يأكلون النّاس.

فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً: جعلا (3) نخرجه من أموالنا.

و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ: «خراجا». و كلاهما واحد، كالنّول‏ (5) و النّوال.

و قيل‏ (6): «الخراج» على الأرض و الذّمّة، و «الخرج» المصدر.

عَلى‏ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا (94): يحجز دون خروجهم علينا.

و قد ضمّه من ضمّ «السّدّين» غير حمزة و الكسائيّ.

قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ: ما جعلني‏ (7) فيه مكينا من المال و الملك خير ممّا تبذلون لي من الخراج، و لا حاجة بي إليه.

و قرأ (8) ابن كثير: «مكّنني» على الأصل.

فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ، [أي: بقوّة] (9) فعلة. أو بما أتقوّى به من الآلات.

أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً (95): حاجزا حصينا، و هو أكبر من السّدّ، من قولهم: ثوب مردم: إذا كان رقاعا (10) فوق رقاع.

آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ: قطعه.

و «الزّبرة» القطعة الكبيرة.

و هو لا ينافي‏ (11) ردّ الخراج‏ (12) و الاقتصار على المعونة، لأنّ الإيتاء بمعنى: المناولة.

و يدلّ عليه‏ (13) قراءة أبي بكر: «ردما ائتوني» بكسر التّنوين موصولة الهمزة، على معنى:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 25.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في أ، ب.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) النّول: أجرة السفينة.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 25. و في النسخ:

اما جعلته.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

رقاع.

(11) أي: طلب إيتاء زبر الحديد غير مناف لردّ الخراج، لأنّ أداء الخراج أن لا يقبل تملّك عين من الأعيان و طلب إيتاء زبر الحديد طلب مناولته و إن لم يكن ملكا للطالب.

(12) أ، ب: الخرائج.

(13) أي: على أنّ الإيتاء ليس بمعنى الإعطاء

154

جيئوني بزبر الحديد، و الباء محذوفة حذفها في: أمرتك الخير، و لأنّ‏ (1) إعطاء الآلة من الإعانة بالقوّة (2) دون الخراج على العمل.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ ذا القرنين خيّر بين السّحاب الصعب و السّحاب الذّلول، فاختار الذّلول فركب الذّلول، فكان إذا انتهى إلى قوم كان رسول نفسه إليهم لكي لا يكذب الرّسل.

عن حارث بن حبيب‏ (4) قال: أتى رجل عليّا- (عليه السلام)- فقال له: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ذي القرنين.

فقال له: سخّر له السّحاب، و قرنت‏ (5) له الأسباب، و بسط له في النّور.

فقال له الرّجل: كيف بسط له في النّور؟

فقال عليّ- (عليه السلام)-: كان يبصر (6) باللّيل، كما يبصر بالنّهار.

ثمّ قال عليّ- (عليه السلام)- للرّجل: أزيدك فيه؟

فسكت.

عن الأصبغ بن نباتة (7)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: سئل عن ذي القرنين.

قال: كان عبدا صالحا، و اسمه: عيّاش، اختاره اللّه و ابتعثه‏ (8) إلى قرن من القرون الأولى‏ (9) في ناحية المغرب، و ذلك بعد طوفان نوح- (عليه السلام)-. فضربوه على قرن رأسه الأيمن فمات منها، ثمّ أحياه اللّه بعد مائة عام، ثمّ بعثه اللّه‏ (10) إلى قرن من القرون الأولى في ناحية المشرق فكذّبوه فضربوه [ضربة على قرن‏ (11) رأسه الأيسر فمات منها، ثمّ‏

____________

و التمليك «ائتوني» بوصل الهمزة فإنّ من المعلوم أنّه من المناولة.

(1) هذا وجه آخر لنفي منافاة ردّ الخراج مع طلب إيتاء زبر الحديد، و توضيحه: أنّ ردّ الخراج عدم قبول الأجرة على العمل و طلب آلات العمل غير طلب الأجرة.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 25. و في النسخ:

و القوّة.

(3) تفسير العياشي 2/ 339- 340، ح 72.

(4) نفس المصدر و المجلّد/ 341، ح 78.

(5) المصدر: قرّبت.

(6) المصدر: يبصره.

(7) تفسير العياشي 2/ 341- 349، ح 79.

(8) أ، ب: ابعثه.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الأول.

(10) ليس في المصدر.

(11) المصدر: قرنه.

155

أحياه اللّه بعد مائة عام و عوّضه [اللّه‏] (1) من الضّربتين اللّتين على رأسه قرنين في موضع‏] (2).

الضّربتين أجوفين، و جعل عين‏ (3) ملكه و آية نبوّته في قرنيه‏ (4).

ثمّ رفعه [اللّه‏] (5) إلى السّماء الدّنيا، فكشط له عن الأرض كلّها، جبالها و سهولها و فجاجها، ثمّ أبصر ما بين المشرق و المغرب، و آتاه اللّه من كلّ شي‏ء علما يعرف به الحقّ و الباطل، و أيّده في قرنيه و بكسف‏ (6) من السّماء فيه ظلمات و رعد و برق. ثمّ اهبط إلى الأرض، و أوحي إليه: أن سر في ناحية غرب‏ (7) الأرض و شرقها، فقد طويت لك البلاد و ذللّت لك العباد فأرهبتهم منك. فصار (8) ذو القرنين إلى ناحية المغرب، فكان إذا مرّ بقرية زأر فيها، كما يزأر الأسد المغضب، فينبعث‏ (9) من قرنيه‏ (10) ظلمات و رعد و برق و صواعق تهلك‏ (11) من ناوأه و خالفه، فلم يبلغ مغرب الشّمس حتّى دان له [أهل‏] (12) المشرق و المغرب، قال: و ذلك قول اللّه: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً، فَأَتْبَعَ سَبَباً، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إلى قوله: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ‏ و لم يؤمن بربّه‏ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ‏ في الدّنيا بعذاب الدّنيا ثُمَّ يُرَدُّ إِلى‏ رَبِّهِ‏ في مرجعه‏ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً إلى قوله: وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ذو القرنين من‏ (13) الشّمس «سببا».

ثمّ قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ ذا القرنين لمّا انتهى مع الشّمس إلى العين الحامية وجد الشّمس تغرب فيها و معها سبعون ألف ملك يجرّونها بسلاسل الحديد و الكلاليب، يجرّونها من قعر البحر في قطر (14) الأرض الأيمن، كما تجري السّفينة على ظهر الماء. فلمّا انتهى معها إلى مطلع الشّمس سببا وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ‏ إلى قوله: بِما لَدَيْهِ خُبْراً.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في أ، ب.

(3) المصدر: عزّ.

(4) المصدر: قرنه.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يكشف.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: غربي.

(8) المصدر: فسار.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فيبعث.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: قرنه.

(11) المصدر: و يهلك.

(12) من المصدر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: بين.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: في قعر قطر الأرض.

156

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ ذا القرنين ورد على قوم قد أحرقتهم الشّمس و غيّرت أجسادهم و ألوانهم حتّى صيّرتهم كالظّلمة، [ثمّ أتبع ذو القرنين سببا في ناحية الظلمة] (1) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ‏ خلف هذين الجبلين و هم يفسدون في الأرض، إذا كان إبّان‏ (2) زروعنا و ثمارنا خرجوا علينا من هذين السّدّين فرعوا من ثمارنا و زروعنا حتّى لا يبقون منها شيئا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً نؤدّيه‏ (3) إليك في كلّ عام‏ عَلى‏ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا إلى قوله: زُبَرَ الْحَدِيدِ.

قال: فاحتفر له جبل حديد فقلعوا له أمثال‏ (4) اللّبن‏ (5) فطرح بعضه على بعض فيما بين الصّدفين، و كان ذو القرنين هو أوّل من بنى ردما (6) على الأرض، ثمّ جعل‏ (7) عليه الحطب و ألهب فيه النّار، و وضع عليه المنافيخ فنفخوا عليه.

قال‏ (8): فلمّا ذاب قال: ائتوني بقطر (9)، و هو المس الأحمر (10)، قال: فاحتفروا (11) له جبلا من مسّ فطرحوه على الحديد فذاب معه و اختلط به، قال: فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً، يعني: يأجوج و مأجوج‏ قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. إلى هنا رواية عليّ بن الحسن‏ (12) و رواية محمّد بن نصر.

و زاد جبرئيل بن أحمد في حديثه، بأسانيد: عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)‏- وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَ نُفِخَ‏، يعني: يوم القيامة، و كان ذو القرنين عبدا صالحا و كان من اللّه بمكان، نصح للّه‏ (13) فنصح له و أحبّ اللّه فأحبّه، فكان قد سبّب له في البلاد و مكّن له فيها حتّى ملك ما بين المشرق و المغرب،

____________

(1) من المصدر.

(2) إبّان الشي‏ء: أوانه، أو حينه و أوّله.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أن نؤدّيه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مثال.

(5) اللّبن: الطابوق غير المفخور.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بناء.

(7) المصدر: جمع.

(8) ليس في المصدر.

(9) المصدر: آتوني بقسر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: المنبر الآخر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: فاحتفر.

(12) بعض نسخ المصدر: الحسين.

(13) المصدر: اللّه.

157

و كان له خليل‏ (1) من الملائكة يقال له: رقائيل‏ (2)، ينزل إليه فيحدّثه و يناجيه، فبينا هو ذات يوم عنده إذ قال له ذو القرنين: يا رقائيل‏ (3)، كيف عبادة أهل السّماء، و أين هي من عبادة أهل الأرض؟

قال رقائيل‏ (4): يا ذا القرنين، و ما عبادة أهل الأرض! فقال: أمّا عبادة أهل السّماء ما في السّموات موضع قدم إلّا و عليه ملك قائم لا يقعد أبدا، أو راكع لا يسجد أبدا، أو ساجد لا يرفع رأسه أبدا.

فبكى ذو القرنين بكاء شديدا، فقال: يا رقائيل‏ (5)، إنّي أحبّ أن أعيش حتّى أبلغ من عبادة ربّي و حقّ طاعته بما هو أهله.

فقال له رقائيل‏ (6): يا ذا القرنين، إنّ للّه في الأرض عينا تدعى عين الحياة، فيها عزيمة من اللّه أنّه من يشرب منها لم يمت حتّى يكون هو [الّذي‏] (7) يسأل اللّه الموت، فإن ظفرت بها تعيش ما شئت.

قال: و أين تلك‏ (8) العين، و هل تعرفها؟

قال: لا، غير أنّا نتحدّث في السّماء أنّ للّه في الأرض ظلمة لم يطأها إنس و لا جانّ.

فقال ذو القرنين: و أين تلك الظّلمة؟

قال رقائيل‏ (9): ما أدري.

ثمّ صعد رقائيل‏ (10)، فدخل ذا القرنين‏ (11) حزن طويل من قول رقائيل‏ (12) و ممّا أخبره عن العين [و الظلمة] (13) و لم يخبره بعلم ينتفع به‏ (14) منهما، فجمع ذو القرنين فقهاء أهل مملكته و علماءهم و أهل دراسة الكتب و آثار النّبوّة، فلمّا اجتمعوا عنده قال ذو القرنين: يا معشر الفقهاء و أهل الكتب و آثار النّبوّة، هل وجدتم فيما قرأتم من كتب اللّه أو من‏

____________

(1) المصدر: خليلا.

(2) أ، ب: وقائيل. و في المصدر: رفائيل.

3 و 4- المصدر: رفائيل.

5 و 6- المصدر: رفائيل.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ذلك.

9 و 10- أ، ب: رقابيل. و في المصدر: رفائيل.

(11) المصدر: ذو القرنين.

(12) المصدر: رفائيل.

(13) من المصدر.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: لم يخبره بظلمته و لم يخبره بعلم لم ينتفع به.

158

كتب من كان قبلكم من الملوك، أنّ للّه عين تدعى عين الحياة، فيها من اللّه عزيمة أنّه من يشرب منها لم يمت حتّى يكون هو الّذي يسأل الموت؟

قالوا: لا، يا أيّها الملك.

قال: فهل وجدتم فيما قرأتم من الكتب، أنّ للّه في الأرض ظلمة لم يطأها إنس و لا جانّ؟

قالوا: لا، يا أيّها الملك.

فحزن عليه ذو القرنين حزنا شديدا و بكى إذ لم يخبر عن العين و الظّلمة بما يحبّ، و كان فيمن حضر غلام من الغلمان من أولاد الأوصياء أوصياء الأنبياء، و كان ساكتا (1) لا يتكلّم، حتّى إذا أيس ذو القرنين منهم قال له الغلام: أيّها الملك، إنّك تسأل هؤلاء عن أمر ليس لهم به علم و علم ما تريد عندي.

ففرح ذو القرنين فرحا شديدا حتّى نزل عن فراشه و قال له: ادن منّي. فدنا منه، فقال: أخبرني.

قال: نعم، أيّها الملك، إنّي وجدت في كتاب آدم الّذي‏ (2) كتب يوم سمّي له ما في الأرض من عين أو شجرة، فوجدت فيه أنّ للّه عينا تدعى [عين‏] (3) الحياة، فيها من اللّه عزيمة أنّه من يشرب منها لم يمت حتّى يكون هو الّذي يسأل اللّه الموت، بظلمة لم يطأها إنس و لا جانّ.

ففرح ذو القرنين، و قال: ادن منّي، يا أيّها الغلام، تدري أين موضعها؟

قال: نعم، وجدت في كتاب آدم أنّها على قرن الشّمس، يعني: مطلعها.

ففرح ذو القرنين، و بعث إلى أهل مملكته فجمع أشرافهم و فقهاءهم و علماءهم و أهل الحكم منهم، فاجتمع إليه ألف حكيم و عالم و فقيه، فلمّا اجتمعوا إليه تهيّأ للمسير و تأهّب له بأعدّ العدّة و أقوى القوّة، فسار بهم يريد مطلع الشّمس يخوض البحار و يقطع الجبال و الفيافي و الأرضين و المفاوز [فسار] (4) اثني عشرة سنة حتّى انتهى إلى طرف الظّلمة، فإذا هي ليست بظلمة (5) ليل و لا دخان، و لكنّها هواء يغور فسدّ (6) ما بين الأفقين،

____________

(1) أ: ساكنا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الّتي.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) أ، ب: بمظلمة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يعور فرسه.

159

[فنزل‏] (1) بطرفها و عسكر عليها، و جمع علماء أهل عسكره و فقهاءهم و أهل الفضل منهم فقال: يا معشر الفقهاء و العلماء، إنّي أريد أن أسلك هذه الظّلمة.

فخرّوا له سجّدا و قالوا: يا أيّها الملك، [إنّا لنعلم‏] (2) إنّك لتطلب أمرا (3) ما طلبه و لا سلكه أحد كان‏ (4) قبلك من النّبيّين و المرسلين، و لا من الملوك.

قال: إنّه لا بدّ لي من طلبها.

قالوا: أيّها الملك، إنّا لنعلم إنّك إذا سلكتها ظفرت بحاجتك منها بغير عنت عليك لأمرنا (5)، و لكنّا نخاف أن يعلق بك منها (6) أمر يكون فيه هلاك ملكك و زوال سلطانك و فساد من في الأرض.

فقال: لا بدّ من أن أسلكها.

فخرّوا سجّدا [للّه‏] (7) و قالوا: إنّا نتبرّأ إليك ممّا يريد ذو القرنين.

فقال ذو القرنين: يا معشر العلماء، أخبروني بأبصر الدّوابّ.

قالوا: الخيل الإناث البكارة أبصر الدّواب.

فانتخب من عسكره فأصاب ستّة آلاف فرس إناثا أبكارا، و انتخب من أهل العلم و الفضل و الحكمة ستّة آلاف رجل فدفع إلى كلّ رجل فرسا، و عقد لأفسحر، و هو الخضر على ألف فرس فجعلهم على مقدّمته و أمرهم أن يدخلوا الظّلمة، و سار ذو القرنين في أربعة آلاف، و أمر أهل عسكره أن يلزموا معسكره‏ (8) اثني عشرة سنة، فإن رجع هو إليهم إلى ذلك الوقت و إلّا تفرّقوا في البلاد و لحقوا ببلادهم أو حيث شاءوا.

فقال الخضر: أيّها الملك، إنّا نسلك في الظّلمة لا يرى بعضنا بعضا، كيف نصنع بالضّلال إذا أصابنا؟

فأعطاه ذو القرنين خرزة (9) حمراء، كأنّها مشعلة (10) لها ضوء، فقال: خذ هذه الخرزة (11)، فإذا أصابكم‏ (12) الضّلال فارم بها إلى الأرض فإنّها تصيح، فإذا صاحت رجع‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أمر.

(4) المصدر: أحد من كان.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لا موتا.

(6) ليس في أ، ب.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بعسكره.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خزرة.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: مشعر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الخزرة.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أصاب بكم.

160

أهل الضّلال إلى صوتها (1).

فأخذها الخضر و مضى في الظّلمة، و كان الخضر يرتحل و ينزل ذو القرنين، فبينا الخضر يسير ذات يوم إذ عرض له واد في الظّلمة، فقال لأصحابه: قفوا في هذا الموضع، لا يتحرّكنّ أحد منكم عن موضعه. و نزل عن فرسه فتناول الخرزة فرمى بها في الوادي، فأبطأت عنه بالإجابة حتّى ساء ظنّه‏ (2) و خاف أن لا تجيبه، ثمّ أجابته فخرج إلى صوتها فإذا هي [على جانب‏] (3) العين بقعرها (4)، و إذا ماؤها أشدّ بياضا من اللّبن و أصفى من الياقوت و أحلى من العسل فشرب منه، ثمّ خلع ثيابه فاغتسل منها، ثمّ لبس ثيابه، ثمّ رمى بالخرزة نحو أصحابه فأجابته فخرج إلى أصحابه و ركب و أمرهم بالمسير فساروا.

و مرّ ذو القرنين بعده فأخطأ (5) الوادي، فسلكوا تلك الظّلمة أربعين [يوما و أربعين‏] (6) ليلة، ثمّ خرجوا بضوء ليس بضوء نهار و لا شمس و لا قمر و لكنّه نور، فخرجوا إلى أرض‏ (7) حمراء و رملة خشخاشة فركة (8) كان حصاها اللّؤلؤ، فإذا هو بقصر مبنيّ على طول‏ (9) فرسخ، فجاء ذو القرنين إلى الباب فعسكر عليه، ثمّ توجّه بوجهه‏ (10) وحده إلى القصر، فإذا طائر و إذا حديدة طويلة (11) قد وضع طرفاها على جانبي القصر و الطّير أسود (12) معلق بأنفه‏ (13) في تلك الحديدة بين السّماء و الأرض مزموم‏ (14)، كأنّه الخطّاف، أو صورة الخطّاف، أو شبية الخطّاف‏ (15)، أو هو خطّاف.

فلمّا سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟

قال: أنا ذو القرنين.

قال‏ (16): أما كفاك ما وراءك حتّى وصلت إلى حدّ بابي هذا. ففرق ذو القرنين‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ضوءها.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سافله.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: [يقفوها].

(5) المصدر: فأخطأوا.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: الأرض.

(8) أي: كانت ليّنة بحيث كان يمكن فركها باليد.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: طوله.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: وجهه.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: حليلة.

(12) المصدر: الأسود.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: بافقه.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: مرقوم.

(15) المصدر: بالخطاف.

(16) في المصدر: «فقال الطائر يا ذا القرنين» بدل «قال».

161

فرقا شديدا، فقال: يا ذا القرنين، لا تخف و أخبرني.

قال: سل.

قال: هل كثر بنيان الآجر و الجصّ‏ (1)؟

قال: نعم.

قال: فانتفض الطّير و امتلأ حتّى ملأ من الحديد (2) ثلثها، ففرق ذو القرنين.

فقال: لا تخف، و أخبرني.

قال: سل.

قال: نعم.

قال: هل كثر المعازف؟

قال: فانتفض الطير و امتلأ حتّى ملأ من الحديدة ثلثيها، ففرّق ذو القرنين.

فقال: لا تخف، و أخبرني.

قال: سل.

قال: هل ارتكب النّاس شهادة الزّور في الأرض؟

قال: نعم، فانتفض انتفاضة و انتفخ فسدّ ما بين جداري القصر، قال: فامتلأ ذو القرنين عند ذلك فرقا منه.

فقال له: لا تخف، و أخبرني.

قال: سل.

قال: هل ترك النّاس شهادة أن لا إله إلّا اللّه؟

قال: لا.

فانظمّ ثلثة (3)، ثمّ قال: يا ذا القرنين، لا تخف و أخبرني.

قال: سل.

قال: هل ترك النّاس [الصلاة المفروضة؟

قال: لا.

قال: فانضمّ ثلث آخر.

____________

(1) في المصدر: زيادة «في الأرض».

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الحديد.

(3) ليس في أ، ب.

162

ثم قال: يا ذا القرنين، لا تخف و أخبرني.

قال: سل.

قال: هل ترك الناس‏] (1) الغسل من الجنابة؟

قال: لا.

قال: فانضمّ حتّى عاد إلى حاله الأولى‏ (2)، و إذا هو بدرجة مدرجة (3) إلى أعلى القصر.

قال: فقال الطّير: يا ذا القرنين، اسلك هذه الدّرجة.

فسلكها و هو خائف لا يدري ما يهجم‏ (4) عليه حتّى استوى على ظهرها، فإذا هو بسطح ممدود [مدّ] (5) البصر (6)، و إذا هو برجل شابّ أبيض مضي‏ء (7) الوجه عليه ثياب بيض‏ (8)، حتّى كأنّه رجل أو [في صورة رجل أو] (9) شبيه بالرّجل أو هو رجل، و إذا هو رافع رأسه إلى السّماء ينظر إليها واضع يده على فيه، فلمّا سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟

قال: أنا ذو القرنين.

قال: يا ذا القرنين، ما كفاك ما وراءك حتّى وصلت إليّ.

قال ذو القرنين: ما لي أراك واضعا يدك على فيك؟

قال: يا ذا القرنين، أنا صاحب الصّور، و أنّ السّاعة قد اقتربت، و أنا أنتظر أن أؤمر بالنّفخ فأنفخ.

ثمّ ضرب بيده فتناول حجرا فرمى به إلى ذي القرنين، كأنّه حجر أو شبه‏ (10) حجر أو هو حجر، فقال: يا ذا القرنين خذ هذا (11)، فإن جاع جعت و إن شبع شبعت فارجع.

فرجع ذو القرنين بذلك الحجر حتّى خرج به إلى أصحابه، فأخبرهم بالطّير و ما سأله عنه و ما قال له و ما كان من أمره، و أخبرهم بصاحب السّطح و ما قال له و ما أعطاه،

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الأوّل.

(3) ليس في ب. و في أ: بدرجة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هو.

(5) من المصدر.

(6) أ، ب: و أبصر.

(7) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: بضوء. و في غيرها: يضوء.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بياض.

(9) ليس في أ، ب، ر.

(10) ب: شبيه.

(11) في المصدر: «خذها» بدل «خذ هذا».

163

ثمّ قال لهم: إنّه أعطاني هذا الحجر، و قال لي: إن جاع جعت و إن شبع شبعت. و قال:

أخبروني بأمر هذا الحجر. [فوضع الحجر] (1) في إحدى‏ (2) الكفّتين و وضع حجر مثله في الكفّة الأخرى، ثمّ رفع‏ (3) الميزان، فإذا الحجر الّذي جاء به أرجح يميل‏ (4) الآخر، فوضعوا آخر فمال به حتّى وضعوا ألف حجر كلّها مثله ثمّ رفعوا الميزان فمال بها و لم يستمل به الألف حجر.

فقالوا: يا أيّها الملك، لا علم لنا بهذا.

فقال له الخضر: أيّها الملك، إنّك تسأل هؤلاء عمّا لا علم لهم به و [قد أوتيت‏] (5) علم هذا الحجر (6).

فقال ذو القرنين: فأخبرنا به و بيّنه لنا.

فتناول الخضر الميزان، فوضع الحجر الّذي جاء به ذو القرنين في كفّة الميزان، ثمّ وضع حجرا آخر في كفّة أخرى‏ (7)، ثم وضع كفّ‏ (8) تراب على حجر ذي القرنين يزيده ثقلا، ثمّ رفع الميزان فاعتدل و عجبوا و خرّوا سجّدا [للّه‏] (9)، و قالوا: أيّها الملك، هذا أمر لم يبلغه علمنا، و إنّا لنعلم أنّ الخضر ليس بساحر، فكيف هذا و قد وضعنا معه ألف حجر كلّها مثله فمال بها و هذا قد اعتدل به و زاده ترابا؟

قال ذو القرنين: بيّن، يا خضر، لنا أمر هذا الحجر.

فقال الخضر: أيّها الملك، إنّ أمر اللّه نافذ في عباده و سلطانه قاهر و حكمه فاصل، و أنّ اللّه ابتلى عباده بعضهم ببعض، و ابتلى العالم بالعالم و الجاهل بالجاهل و العالم بالجاهل و الجاهل بالعالم، و أنّه ابتلاني بك و ابتلاك بي.

فقال [ذو القرنين‏] (10): يرحمك اللّه، يا خضر، إنّما تقول: ابتلاني بك، حين جعلت أعلم منّي و جعلت تحت يدي، أخبرني يرحمك اللّه عن أمر هذا الحجر.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أحد.

(3) المصدر: رفعوا.

(4) المصدر: بمثل.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «عندي».

(7) الأظهر: كفّته الأخرى.

(8) المصدر: كفّة.

(9) من المصدر.

(10) من المصدر.

164

فقال الخضر: أيّها الملك، إنّ هذا الحجر مثل ضربه لك صاحب الصّور، يقول: إنّ مثل بني آدم مثل هذا الحجر الّذي وضع و وضع معه ألف حجر فمال بها، ثمّ إذا وضع عليه التّراب شبع و عاد حجرا مثله، فيقول: كذلك مثلاء (1)، أعطاك اللّه من الملك ما أعطاك فلم ترض به حتّى طلبت أمرا لم يطلبه أحد كان قبلك، و دخلت مدخلا لم يدخله إنس و لا جانّ، يقول: كذلك ابن آدم لا يشبع حتّى يحثى عليه التّراب.

قال: فبكى ذو القرنين بكاء شديدا و قال: صدقت، يا خضر، ضرب‏ (2) لي هذا المثل لا جرم أنّي لا أطلب أثرا في البلاد بعد مسلكي هذا.

ثم انصرف راجعا في الظّلمة، فبيناهم‏ (3) يسيرون إذ سمعوا خشخشة تحت سنابك خيلهم، فقالوا: أيّها الملك، ما هذا (4)؟

فقال: خذوا منه، فمن أخذ منه ندم و من تركه ندم. فأخذ بعض و ترك بعض، فلمّا خرجوا من الظّلمة إذا هم بالزّبرجد فندم الآخذ و التّارك، و رجع ذو القرنين إلى دومة الجندل‏ (5) و كان بها منزله، فلم يزل بها حتّى قبضه اللّه إليه.

قال: و كان- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا حدّث بهذا الحديث قال: رحم‏ (6) اللّه أخي، ذو القرنين‏ (7) ما كان مخطئا إذ سلك ما سلك و طلب ما طلب، و لو ظفر بوادي الزّبرجد في مذهبه لما ترك فيه شيئا (8) إلّا أخرجه للنّاس، لأنّه كان راغبا، و لكنه ظفر به بعد ما رجع فقد زهد.

جبرئيل بن أحمد (9)، عن موسى بن جعفر، رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ ذا القرنين عمل صندوقا من قوارير، ثمّ حمل في مسيره ما شاء اللّه، ثمّ ركب البحر، فلمّا انتهى إلى موضع منه قال لأصحابه: دلّوني فإذا حركت الحبل فأخرجوني،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مثلا.

(2) المصدر: يضرب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «كذلك».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هذه.

(5) دومة الجندل: موضع على سبع مراحل من دمشق، بينها و بين مدينة الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقرب من تبوك، و هي إحدى حدود فدك.

قيل: سمّيت بدوم بن إسماعيل، و سمّيت دومة الجندل لأنّ حصنها مبنيّ بالجندل.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: رحمه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ذي القرنين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: سنة الزهاد.

(9) تفسير العياشي 2/ 349، ح 80.

165

فإن لم أحرّك الحبل فأرسلوني إلى آخره. فأرسلوه في البحر و أرسلوا (1) الحبل مسيرة أربعين يوما، فإذا ضارب يضرب جنب‏ (2) الصندوق و يقول: يا ذا القرنين، [أين تريد؟

قال: أريد أن أنظر إلى ملك ربّي في البحر كما رأيته في البرّ.

فقال: يا ذا القرنين،] (3) إنّ هذا الموضع الّذي أنت فيه مرّ فيه نوح زمان الطّوفان، فسقط منه قدّوم، فهو يهوي في قعر البحر إلى السّاعة لم يبلغ قعره. فلمّا سمع ذو القرنين ذلك حرّك الحبل و خرج.

عن جميل بن درّاج‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الزّلزلة.

فقال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ ذا القرنين لمّا انتهى إلى السّدّ جاوزه، فدخل الظّلمة فإذا هو بملك قائم‏ (5) طوله خمسمائة ذراع.

فقال له الملك: يا ذا القرنين، أما كان خلفك مسلك؟

فقال له ذو القرنين: و من أنت؟

قال: أنا ملك من ملائكة الرّحمن موكّل بهذا الجبل، و ليس من جبل خلقه اللّه إلّا و له عرق إلى هذا الجبل، فإذا أراد اللّه أن يزلزل مدينة أوحى إليّ فزلزلتها.

عن ابن هشام‏ (6)، عن أبيه، عمّن حدّثه، عن بعض آل محمّد- عليه و (عليهم السلام)- قال: إنّ ذا القرنين كان عبدا صالحا طويت له الأسباب و مكّن له في البلاد، و كان قد وصفت‏ (7) له عين الحياة، و قيل له: من يشرب منها شربة لم يمت حتّى يسمع الصّوت، و أنّه قد خرج في طلبها حتّى أتى موضعها، و كان في ذلك الموضع ثلاثمائة و ستّون عينا، و كان الخضر على مقدّمته و كان من أشدّ أصحابه عنده، فدعاه و أعطاه و أعطى قوما من أصحابه كلّ رجل‏ (8) منهم حوتا مملّحا، فقال: انطلقوا إلى هذه المواضع فليغسل كلّ رجل منكم حوته عند عين، و لا يغسل معه أحد (9).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فأرسلوا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: خشبة.

(3) من المصدر.

(4) تفسير العياشي 2/ 350، ح 82.

(5) ليس في المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 340- 341، ح 77.

(7) المصدر: وصف.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلا.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «واحد» بدل «معه أحد».

166

فانطلقوا، فلزم كلّ رجل منهم عينا يغسل‏ (1) فيها حوته، و أنّ الخضر انتهى إلى عين من تلك العيون، فلمّا غمس الحوت و وجد الحوت ريح‏ (2) الماء حيي فانساب في الماء، فلمّا رأى ذلك الخضر رمى بثيابه و سقط و جعل يرتمس في الماء و يشرب و يجتهد أن يصيبه [و لا يصيبه‏] (3)، فلمّا رأى ذلك رجع فرجع أصحابه.

و أمر ذو القرنين بقبض السّمك، فقال: انظروا فقد تخلّفت‏ (4) سمكة.

فقالوا: الخضر صاحبها.

قال: فدعاه، فقال: ما خلّف سمكتك؟

قال: فأخبره الخبر.

فقال له: فصنعت ما ذا؟

قال: سقطت عليها فجعلت أغوص و أطلبها فلم أجدها.

قال: فشربت من الماء؟

قال: نعم.

قال: فطلب ذو القرنين العين فلم يجدها، فقال للخضر: أنت صاحبها.

عن جابر (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)‏-: تغرب الشّمس في عين حمئة (6) في بحر دون المدينة الّتي [تلي‏] (7) ممّا يلي المغرب، يعني: جابلقاء (8).

حَتَّى إِذا ساوى‏ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ‏: بين جانبي الجبلين بتنضيدها (9).

و قرأ (10) ابن كثير و ابن عامر و البصريّان بضمّتين، و أبو بكر بضمّ الصّاد و سكون الدّال.

و قرئ‏ (11) بفتح الصّاد و ضمّ الدّال، و كلّها لغات من الصّدف، و هو الميل، لأنّ‏ (12)

____________

(1) المصدر: فغسل.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ولج.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تخلّف.

(5) تفسير العياشي 2/ 350، ح 83.

(6) المصدر: حامية.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: ما خلفهما.

و في غيرها: ما خلفها.

(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 25. و في النسخ:

«أمر بتنضيدها» بدل «بتنضيدها».

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) ليس في أ، ب، ر.

167

كلا منهما منعزل‏ (1) من الآخر. و منه التّصادف، و هو التّقابل.

قالَ انْفُخُوا، أي: قال للعملة: انفخوا في الأكوار و الحديد.

حَتَّى إِذا جَعَلَهُ‏: جعل المنفوخ فيه‏ ناراً، كالنّار بالإحماء.

قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96)، أي: آتوني قطرا، أي: نحاسا مذابا أفرغ عليه قطرا. فحذف الأول لدلالة الثّاني عليه، و به تمسّك البصريّون على أنّ إعمال الثّاني من العاملين المتوجّهين نحو معمول واحد أولى، إذ لو كان «قطرا» مفعول «آتوني» لأضمر (2) لأتى بضمير مفعول «أفرغ» حذرا من الإلباس‏ (3).

و قرأ (4) حمزة و الكسائي‏ (5) و أبو بكر: «قال ائتوني» موصولة الألف.

فَمَا اسْطاعُوا: بحذف «التّاء» حذرا من تلاقي متقاربين.

و قرأ (6) حمزة، بالإدغام، جامعا بين السّاكنين على غير حدّه.

و قرئ‏ (7) بقلب السّين صادا.

أَنْ يَظْهَرُوهُ‏: أن يعلوه بالصّعود لارتفاعه و انملاسه.

وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (97): لثخنه و صلابته.

قيل‏ (8): حفر للأساس حتّى بلغ الماء و جعله من الصخر (9) و النّحاس المذاب، و البنيان من زبر الحديد، بينهما الحطب و الفحم حتّى ساوى أعلى الجبلين، ثمّ وضع المنافيخ حتّى صارت كالنّار، فصبّ النّحاس المذاب عليها فاختلط و التصق‏ (10) بعضه ببعض و صار جبلا صلدا.

و قيل‏ (11): بناه من الصّخور، مرتبطا بعضها ببعض بكلاليب من حديد و نحاس مذاب في تجاويفها.

____________

(1) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

معتدل.

(2) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

لأتى بضمير.

(3) فإنّه لو لم يضمر جاز في هذا التركيب أن يكون «قطر» معمولا للفعل الأوّل فلزم الالتباس في أن «قطرا» هو مفعوله الأوّل أو الثاني، و أمّا إذا أضمر ارتفع الالتباس.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) يوجد في ب.

6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 26.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الصفر.

(10) كذا في المصدر. و في أ، ب: التحقه. و في غيرهما: التحق.

(11) نفس المصدر و الموضع.

168

قالَ هذا: هذا السّدّ. أو الإقدار على تسويته.

رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي‏: على عباده.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي‏: وقت وعده بخروج يأجوج و مأجوج. أو بقيام السّاعة، بأن شارف يوم القيامة.

جَعَلَهُ دَكًّا: مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض. مصدر، بمعنى: مفعول. و منه جمل أدكّ: لمنبسط السّنام.

و قرأ (1) الكوفيّون: «دكّاء» بالمدّ، أي: أرضا مستوية.

وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98): كائنا لا محالة، و هو آخر حكاية ذي القرنين.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن المفضّل قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- عن قوله:

أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً.

قال: التّقيّة.

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً [قال: مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً.] (3) إذا عملت‏ (4) بالتّقيّة لم يقدروا لك‏ (5) على حيلة، و هو الحصن الحصين، و صار بينك و بين أعداء اللّه سدّا لا يستطيعون له نقبا.

عن جابر (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً [قال: التقيّة] (7).

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً [قال: هو التّقية] (8).

عن المفضّل‏ (9) قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- عن قوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ.

قال: رفع التّقيّة عند الكشف فينتقم‏ (10) من أعداء اللّه.

و في الكافي‏ (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 26.

(2) تفسير العياشي 2/ 351، ح 86.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: عمل.

(5) المصدر: في ذلك.

(6) تفسير العياشي 2/ 351، ح 85.

7 و 8- من المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 86.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فلينتقم.

(11) الكافي 5/ 70، ح 1.

169

صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- لأقوام يظهرون الزّهد، و يدعون النّاس أن يكونوا معهم على مثل الّذي هم عليه من التّقشّف:

أخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود؟ ثمّ ذو القرنين عبد أحبّ اللّه فأحبّه اللّه، طوى له الأسباب و ملّكه مشارق الأرض و مغاربها، و كان يقول الحقّ و يعمل به، ثمّ لم نجد أحدا عاب ذلك [عليه‏] (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا قال: إذا كان قبل يوم القيامة في آخر الزّمان انهدم ذلك السّدّ، و خرج يأجوج و مأجوج إلى الدّنيا و أكلوا النّاس.

و في مجمع البيان‏ (3): و جاء في الحديث: أنّهم يدأبون في حفره نهارهم، حتّى إذا أمسوا و كادوا يبصرون شعاع الشّمس قالوا: نرجع غدا نفتتحه. و لا يستثنون، فيعودون الغد و قد استوى، كما كان، حتى إذا جاء وعد اللّه قالوا: غدا نفتح و نخرج، إن شاء اللّه. فيعودون إليه و هو كهيئة (4) حين تركوه بالأمس، فيحفرونه‏ (5) و يخرجون على النّاس، فينشفون المياه و يتحصّن النّاس في حصونهم منهم، فيرمون سهامهم إلى السّماء فترجع و فيها كهيئة الدّماء، فيقولون: قد قهرنا أهل الأرض و علونا أهل السّماء. فيبعث‏ (6) اللّه عليهم نغفا (7) في أقفائهم، فيدخل في آذانهم فيهلكون بها.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و الّذي نفس محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيده، إنّ دوابّ الأرض لتسمن و تسكر من لحومهم سكرا.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (8)، بإسناده إلى حذيفة [بن‏] (9) اليمان: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن أهل يأجوج و مأجوج قال: إنّ القوم لينقرون بمعاولهم دائبين، فإذا كان اللّيل قالوا: غدا نفرغ. فيصبحون و هو أقوى منه بالأمس، حتّى يسلم منهم‏ (10) رجل حين يريد اللّه أن يبلغ أمره، فيقول المؤمن: غدا نفتحه، إن شاء اللّه.

____________

(1) من نور الثقلين 3/ 308، ح 234.

(2) تفسير القمّي 2/ 41.

(3) المجمع 3/ 459.

(4) أ: كهيئة.

(5) المصدر: فيخرقونه.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فبعث.

(7) النّغف: دود في أنوف الإبل و الغنم.

(8) أمالي الطوسي 1/ 355- 356.

(9) من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: منه.

170

فيصبحون، ثمّ يغدون عليه فيفتحه اللّه. فو الّذي نفسي بيده، ليمرّنّ الرّجل منهم على شاطئ الوادي الّذي بكوفان و قد شربوه حتّى نزحوه‏ (1)، فيقول: و اللّه، لقد رأيت هذا الوادي مرّة و أنّ الماء ليجري في عرضه.

قيل: يا رسول اللّه، و متى هذا؟

قال: حين لا يبقى من الدّنيا إلّا مثل صبابة الإناء.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن أبي الطّفيل، عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال: كنّا جلوسا في المدينة في ظلّ حائط، قال: و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في غرفة فاطّلع علينا (3) فقال: فيم أنتم؟

قلنا: نتحدّث.

قال: عمّا ذا؟

قلنا: عن‏ (4) السّاعة.

فقال: إنّكم لا ترون السّاعة حتّى تروا (5) قبلها عشر آيات: طلوع الشّمس من مغربها، و الدّجال، و دابّة الأرض، و ثلاثة خسوف‏ (6) في الأرض، خسف بالمشرق و خسف بالمغرب و خسف بجزيرة العرب‏ (7)، و خروج عيسى بن مريم، و خروج يأجوج و مأجوج، و تكون في آخر الزّمان نار تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحدا، تسوق‏ (8) النّاس إلى المحشر، كلّما قاموا قامت، ثمّ‏ (9) تسوقهم إلى المحشر.

عن حذيفة بن أسيد (10) قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: عشر آيات بين يدي السّاعة: خمس بالمشرق و خمس بالمغرب، فذكر الدّابّة و الدّجّال و طلوع الشّمس من مغربها و عيسى بن مريم و يأجوج و مأجوج، و أنّه يغلبهم و يغرقهم في البحر، و لم يذكر تمام الآيات.

وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ‏

____________

(1) المصدر: ينزحوه.

(2) الخصال 2/ 449، ح 52.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: إلينا.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(5) المصدر: ترون.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «يكون».

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: عرب.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: إلّا تسوق.

(9) المصدر: لهم.

(10) نفس المصدر و المجلّد/ 446- 447، ح 46.

171

قيل‏ (1): و جعلنا بعض يأجوج و مأجوج، حين يخرجون من وراء السّدّ، يموجون [في بعض‏] (2) مزدحمين في البلاد. أو يموج بعض الخلق في بعض، فيضطربون و يختلطون إنسهم و جنّهم حيارى، و يؤيّده‏ وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ: لقيام السّاعة.

فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (99): للحاسب و الجزاء.

وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ‏: و أبرزناها و أظهرناها لهم‏ عَرْضاً (100).

الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي‏: عن آياتي الّتي ينظر إليها، فاذكر بالتّوحيد و التّعظيم.

وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101): استماعا لذكري و كلامي لإفراط صممهم عن الحقّ، فإنّ الأصمّ قد يستطيع السّمع إذا صيح به و هؤلاء كأنهم اصمّت مسامعهم بالكلّيّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ‏، يعني: يوم القيامة.

عن محمّد بن حكيم‏ (4) قال: كتبت رقعة إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فيها:

أ تستطيع النّفس المعرفة؟

قال: فقال: لا.

قلت: يقول اللّه: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً.

قال: هو كقوله: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏.

قلت: يعاتبهم‏ (5).

قال: لم يعتبهم‏ (6) بما صنع هو بهم‏ (7)، و لكن يعاتبهم‏ (8) بما صنعوا، و لو لم يتكلّفوا لم يكن عليهم شي‏ء.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 26.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 351، ح 87.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 88.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فعابهم.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يعيبهم.

(7) في المصدر: «قلوبهم» بدل «هو بهم».

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عليهم.

172

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد: حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشي قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن أبي الصّلت، عن عبد اللّه بن صالح الهرويّ قال: سأل المأمون أبا الحسن، عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى-: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً.

فقال: [إنّ‏] (2) غطاء العين لا يمنع [من‏] (3) الذّكر و الذّكر لا يرى بالعين، و لكنّ اللّه- عزّ و جلّ- شبّه الكافرين بولاية عليّ بن أبي طالب بالعميان، لأنّهم كانوا يستثقلون قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيه و لا يستطيعون له سمعا.

فقال المأمون: فرّجت عنّي، فرّج اللّه عنك. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: كانوا لا ينظرون إلى ما خلق اللّه من الآيات و السّموات [و الأرض‏] (5).

و بإسناده إلى أبي بصير (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه‏ قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي‏ قال: يعني بالذّكر: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو قوله: ذِكْرِي‏.

قلت: قوله- عزّ و جلّ-: لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً.

قال: كانوا لا يستطيعون إذا ذكر عليّ- (صلوات اللّه عليه)- عندهم أن يسمعوا ذكره، لشدّة بغض له و عداوة منهم له و لأهل بيته.

أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أ فظنّوا. و الاستفهام للإنكار.

و في مجمع البيان‏ (7): قرأ أبو بكر في رواية الأعشى و البرجميّ‏ (8) عنه، و زيد عن يعقوب:

أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا برفع الباء و سكون السّين، و هو قراءة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

____________

(1) العيون 1/ 111- 112، ح 33.

2 و 3- من المصدر.

(4) تفسير القمّي 2/ 46.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 47.

(7) المجمع 3/ 495- 496.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: اليزحمي.

173

أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي‏: اتّخاذهم الملائكة و المسيح.

مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ: معبودين نافعهم، أو لا أعذّبهم به. فحذف المفعول الثّاني، كما يحذف الخبر للقرينة، أو سدّ «أن يتّخذوا» مسدّ مفعوليه‏ (1).

و قرئ‏ (2): «أ فحسب الّذين كفروا»، أي: أ فكافيهم في النّجاة. و «أن» بما في حيّزها مرتفع بأنّه فاعل «حسب» فإنّ النّعت إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، أو خبر له‏ (3).

إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (102): ما يقام للتّنزيل. و فيه تهكّم و تنبيه على أنّ لهم وراءها من العذاب ما تستحقر دونه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4) متّصلا بقوله: و عداوة منهم له و لأهل بيته. قلت: قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا.

قال: يعنيهما (5) و أشياعهما الّذين اتّخذوهما من دون اللّه أولياء، و كانوا يرون أنّهم بحبّهم إيّاهما ينجيانهم من عذاب اللّه- عزّ و جلّ- و كانوا بحبّهما كافرين.

قلت: قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا، أي: منزلا، فهي لهما و لأشياعهما معدّة (6) عند اللّه- تعالى.

قلت: قوله- عزّ و جلّ-: «نزلا».

قال: مأوى و منزلا.

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (103).

نصب على التّمييز و جمع لأنّه من أسماء الفاعلين، أو لتنوّع أعمالهم‏ (7).

____________

(1) أي: أ فحسب الذين كفروا اتّخاذ عبادي معبودين نافعهم، أو لا أعذّبهم به.

(2) أنوار التنزيل 2/ 26.

(3) أي: أو أنّ «أن» بما في حيّزها مرتفع بأنّه خبر «لحسب».

(4) تفسير القمّي 2/ 47.

(5) أي: الأوّل و الثاني- عليهما لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين.

(6) المصدر: عتيدة.

(7) فالأوّل أن يكون الأعمال جمع عامل، كالأشهاد جمع شاهد، و إذا كان التمييز صفة وجبت مطابقته للمميّز. و أمّا إذا لم يكن من أسماء الفاعلين بل يكون مصدرا فلا يجمع إلّا إذا قصد الأنواع.

174

و في عوالي اللآلي‏ (1): و روى محمّد بن الفضل، عن الكاظم- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا أنّهم الّذين يتمادون بحجّ الإسلام و يسوّفونه.

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: ضاع و بطل لكفرهم و عجبهم، كالرّهابنة (2) فإنّهم خسروا دنياهم و آخرتهم.

و محلّه الرّفع على الخبر لمحذوف، فإنّه جواب السّؤال. أو الجرّ على البدل. أو النّصب على الذّمّ‏ (3).

وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104): بعجبهم، و اعتقادهم أنّهم على الحقّ.

و في كتاب الاحتجاج للطّبرسي- رحمة اللّه عليه- (4): عن الأصبغ بن نباتة قال:

قال ابن الكوّاء لأمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (الآية).

قال: كفرة أهل الكتاب، اليهود و النّصارى، و قد كانوا على الحقّ فابتدعوا في أديانهم‏ وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.

أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ‏: بالقرآن، أو بدلائله المنصوبة على التّوحيد و النّبوّة.

وَ لِقائِهِ‏: بالبعث على ما هو عليه‏ (5). أو لقاء عذابه.

فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏: بكفرهم، فلا يثابون عليها.

فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (105)، أي: فنزدري بهم و لا نجعل لهم‏

____________

(1) عوالي اللآلي 2/ 86، ح 232.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 27. و في النسخ:

كالرّهبانيّة.

(3) كأنّ سائلا يقول: من الأخسرون أعمالا؟

فقيل: الّذين ضلّ سعيهم. و الجرّ بأن يكون بدلا من «الأخسرين». و النصب بأن يكون التقدير:

أذمّ الذين ضلّ سعيهم.

(4) الاحتجاج 1/ 260- 261.

(5) أي: بالبعث على ما هو عليه في الحقيقة و هو بعث الأبدان أحياء يوم القيامة و الجزاء على الأحوال التي أخبرت عنها الشريعة الحقّة، لا على ما قاله أهل الكتاب من أنّهم لن تمسّهم النار، إلّا أيّاما معدودة، و قد سبقت الإشارة إلى أهل الكتاب بقوله: كالرّهبانيّة. و لا كما قالته الفلاسفة من أنّ البعث بتجرّد الرّوح عن البدن و عدوة الأرواح المجرّدة.

175

مقدارا و اعتبارا. أو لا نضع لهم ميزانا يوزن به أعمالهم لانحباطها.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)‏- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و البراءة من أهل‏ (2) الاستئثار، و من أبي موسى الأشعريّ و أهل ولايته‏ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ‏ بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- «و لقائه» كفروا بأن لقوا اللّه بغير إمامته‏ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً فهم كلاب أهل النّار.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال‏ (4)، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن العجب الّذي يفسد العمل.

فقال: العجب درجات، منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسنا [فيعجبه‏] (5) و يحسب أنّه يحسن صنعا، و منها أن يؤمن العبد بربّه فيمنّ على اللّه- عزّ و جلّ- و للّه عليه فيه المنّة (6).

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن امام بن ربعي‏ (8) قال: قام ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فسأله عن أهل هذه الآية.

فقال: أولئك أهل الكتاب كفروا بربّهم و ابتدعوا في دينهم فحبطت‏ (9) أعمالهم، و ما أهل النّهر منهم ببعيد.

و في مجمع البيان‏ (10): و روى العيّاشي، بإسناده، قال: قام ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و ذكر إلى آخر ما سبق، و زاد بعد قوله: ببعيد، يعني: الخوارج.

و فيه: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً

و روي‏ (11) في الصّحيح، أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّه ليأتي الرّجل العظيم السّمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة.

____________

(1) العيون 2/ 124- 125، ح 1.

(2) ليس في أ، ب.

(3) الكافي 2/ 313، ح 3.

(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 56. و في النسخ: الجلال.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: المنّ.

(7) تفسير العياشي 2/ 352، ح 89.

(8) أ، ب، ر: ربيعي.

(9) المصدر: فحبط.

10 و 11- المجمع 3/ 497.

176

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل‏، يذكر فيه أهل الموقف و أحوالهم، و فيه و منهم أئمّة الكفر و قادة الضّلالة، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا و لا يعبأ بهم، [لأنّهم لم يعبئوا] (2) بأمره و نهيه يوم القيامة، فهم في جهنّم خالدون، تلفح وجوههم النّار و هم فيها كالحون.

ذلِكَ‏: الأمر ذلك، و قوله: جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ‏ جملة مبيّنة له.

و يجوز أنّ يكون «ذلك» مبتدأ، و الجملة خبره، و العائد محذوف، أي: جزاؤهم به. أو «جزاؤهم» بدله، و «جهنّم» خبره. أو «جزاؤهم» خبره و «جهنّم» عطف بيان للخبر.

بِما كَفَرُوا وَ اتَّخَذُوا آياتِي وَ رُسُلِي هُزُواً (106)، أي: بسبب ذلك.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107): فيما سبق من حكم اللّه و وعده.

و «الفردوس» أعلى درجات الجنّة، و أصله: البستان الّذي يجمع الكرم و النّخل.

خالِدِينَ فِيها: حال مقدّرة (3).

لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (108): تحوّلا، إذ لا يجدون أطيب منها حتّى تنازعهم إليه أنفسهم. و يجوز أن يراد به: تأكيد الخلود.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً قال: هم النّصارى و القسّيسون و الرّهبان و أهل الشّبهات و الأهواء من أهل القبلة و الحروريّة و أهل البدع.

و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (5): نزلت في اليهود و جرت في الخوارج.

و قوله- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً

____________

(1) الاحتجاج 1/ 244.

(2) ليس في المصدر.

(3) لأن الخلود لا يتحقق بالفعل، بل أمر مقدر متصور، فإنهم يقدرون في أنفسهم خلودهم في الجنة.

(4) تفسير القمي 2/ 46.

(5) نفس المصدر و الموضع.

177

قال: أي: حسنة ذلك جزاؤهم جهنّم بما كفروا و اتّخذوا آياتي و رسلي هزوا، يعني بالآيات: الأوصياء الّتي اتّخذوها هزوا.

حدّثنا جعفر بن أحمد (1)، عن عبد اللّه بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا قال: خالِدِينَ فِيها لا يخرجون منها. و لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا قال: لا يريدون بها بدلا.

قلت: قوله- عزّ و جلّ- [قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي‏ الخ قال: قد أخبرك أنّ كلام اللّه ليس له آخر و لا ينقطع أبدا قلت: قوله‏] (2): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا.

قال: هذه نزلت في أبي ذرّ و المقداد و سلمان الفارسي و عمّار بن ياسر، جعل اللّه- عزّ و جلّ- لهم جنّات الفردوس نزلا، أي: مأوى و منزلا.

و في مجمع البيان‏ (3): كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا

و روى‏ (4) عبادة بن الصّامت، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين، كما بين السّماء و الأرض، الفردوس أعلاها درجة، منها تفجّر أنهار الجنّة الأربعة، فإذا سألتم اللّه- عزّ و جلّ- فاسألوه الفردوس.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا بن همام بن سهيل‏ (6)، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار قال: حدّثني مولاي، موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: سألت أبي عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا.

قال: نزلت في آل محمّد- صلّى اللّه عليهم-.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 46. و فيه: «محمد بن [جعفر خ ل‏]» بدل «جعفر بن».

(2) من المصدر.

3 و 4- المجمع 3/ 498.

(5) تأويل الآيات 1/ 298، ح 10.

(6) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 212 و في النسخ: سهل.

178

و قال‏ (1)- أيضا-: حدّثنا محمّد بن الحسين الخثعميّ، عن محمّد بن عيسى‏ (2) الحجريّ، عن عمر بن صخر الهذليّ، عن الصّباح بن يحيى، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: [لكلّ شي‏ء] (3) ذروة (4)، و ذروة الجنّة (5) الفردوس، و هي لمحمّد و آل محمّد- (صلوات اللّه عليه و عليهم)-.

قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً: ما يكتب به، و هو اسم ما يمدّ به الشّي‏ء، كالحبر للدّواة، و السّليط (6) للسّراج.

لِكَلِماتِ رَبِّي‏: لكلمات علمه و حكمته.

لَنَفِدَ الْبَحْرُ: لنفد جنس البحر بأسره، لأنّ كلّ جسم متناه.

قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي‏: فإنّها غير متناهية [لا تنفذ، كعلمه.

وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ‏: بمثل البحر الموجود.

مَدَداً (109): زيادة و معونة، لأنّ مجموع المتناهين‏] (7) متناه، بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلّا متناهيا للدّلائل القاطعة على تناهي الأبعاد، و المتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة.

و قرأ (8) حمزة و الكسائيّ: «ينفد» بالياء. و «مددا» بالكسر في الميم، جمع مدّة، و هي ما يستمدّه الكاتب.

و سبب نزولها أنّ اليهود قالوا: في كتابكم‏ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و تقرءون: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (9).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): في الحديث السّابق المنقول عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- قلت: قوله: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 11.

(2) المصدر: يحيى.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: زيادة «و ذروة».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: جنّة.

(6) السّليط: كلّ دهن عصر من حبّ.

(7) ليس في أ، ب، ر.

(8) أنوار التنزيل 2/ 27.

(9) يعني: أنّ الحكمة خير كثير و هذه الكثرة لا تنافي القلّة، لأنّها و إن كانت كثيرة فهي بالنسبة إلى كلمات اللّه قليلة.

(10) تفسير القمّي 2/ 46.

179

قال: قال: قد أخبرك أنّه كلام ليس له آخر و لا غاية، و لا ينقطع أبدا.

قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ: و إنّما تميّزت عنكم بذلك.

فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ‏: يأمل حسن لقائه.

فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: يرتضيه اللّه.

وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110): بأن يرائيه، أو يطلب منه أجرا.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا جعفر بن أحمد، عن عبيد اللّه بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، و الحسين‏] (2) بن أبي العلا و عبد اللّه بن وضّاح و شعيب العقرقوفيّ، جميعهم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ قال: يعني: في الخلق أنّه مثلهم مخلوق.

يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال: لا يتّخذ مع ولاية آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- غيرهم، و ولايتهم العمل الصّالح، فمن أشرك بعبادة ربّه فقد أشرك بولايتنا و كفر بها و جحد أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- حقّه و ولايته.

و في رواية أبي الجارود (3) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن تفسير قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ‏ (الآية).

فقال: من صلّى مراءاة النّاس فهو مشرك، و من زكّى مراءاة النّاس فهو مشرك، و من صام مراءاة النّاس فهو مشرك، و من حجّ مراءاة النّاس فهو مشرك، و من عمل عملا ممّا أمره‏ (4) اللّه- عزّ و جلّ- به مراءاة النّاس فهو مشرك، و لا يقبل اللّه- عزّ و جلّ- عمل مراء (5).

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: و عن أبي الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال: قلت لأبي، عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)-: هل كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يناظر اليهود و المشركين إذا عاتبوه و يحاجّهم؟

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 47.

(2) ليس في أ.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: أمر.

(5) المصدر: مراءاة.

(6) الاحتجاج 1/ 29- 31.

180

قال: بلى مرارا كثيرة، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة إذ ابتدأ عبد اللّه بن أبي أميّة المخزوميّ فقال: يا محمّد، لقد ادّعيت دعوى عظيمة و قلت مقالا هائلا، زعمت أنّك رسول ربّ العالمين، و ما ينبغي لربّ العالمين و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر (1) مثلنا تأكل، كما نأكل [و تشرب كما نشرب‏] (2) و تمشي في الأسواق، كما نمشي.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهمّ، أنت السّامع لكلّ صوت و العالم بكلّ شي‏ء، تعلم ما قاله عبادك.

فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- عليه: يا محمّد وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ‏- إلى قوله-: رَجُلًا مَسْحُوراً ثمّ أنزل اللّه عليه: يا محمّد قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏، يعني: آكل الطّعام‏ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، يعني: قل لهم: أنا في البشريّة مثلكم، و لكن ربّي خصّني بالنّبوّة دونكم، كما يخصّ بعض البشر بالغنى و الصّحّة و الجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصّني- أيضا- بالنّبوّة دونكم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (3): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ‏ [، يعني:] (4) بالبعث، فسمّاه اللّه- عزّ و جلّ- لقاءه، و كذلك قوله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً و قوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏، يعني بقوله: من كان يؤمن بأنّه مبعوث فإنّ وعد اللّه لآت من الثّواب و العقاب، فاللّقاء هاهنا ليس بالرّؤية، و اللّقاء هو البعث، فافهم جميع ما في كتاب اللّه من لقائه فإنّه يعني بذلك:

البعث.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى شهاب بن عبد ربّه: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إذا توضّأ لم يدع أحدا يصبّ عليه الماء، قال: لا أحبّ أن أشرك في صلاتي أحدا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بشرا.

(2) من المصدر.

(3) التوحيد/ 267، ح 5.

(4) من المصدر.

(5) العلل/ 278- 279، ح 1.

181

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جرّاح المدائنيّ، عن أبي جعفر (2)- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال: الرّجل يعمل شيئا من الثّواب لا يطلب به وجه اللّه، إنّما يطلب تزكية النّاس، يشتهي أن يسمع به النّاس‏ (3)، فهذا الّذي أشرك بعبادة ربّه.

ثمّ قال: ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيّام أبدا حتّى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد أسر (4) شرّا فذهبت‏ (5) الأيّام أبدا حتّى يظهر اللّه له شرّا.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يعمل الشّي‏ء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك.

قال: لا بأس، ما من أحد إلّا و يحبّ أن يظهر له في النّاس الخير إذا لم يصنع‏ (7) ذلك لذلك.

و في الكافي‏ (8): عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن الحسن بن عليّ الوشّاء قال: دخلت على الرّضا- (عليه السلام)- و بين يديه إبريق يريد أن يتهيّأ للصّلاة، فدنوت منه لأصبّ عليه فأبى ذلك، و قال: مه، يا حسن.

فقلت له: لم تنهاني أن أصبّ على يدك‏ (9)، تكره أن أوجر؟

قال: تؤجر أنت و أؤزر أنا.

قلت له: و كيف ذلك؟

قال: أما سمعت اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً. و ها أنا [ذا] (10) أتوضّأ للصّلاة، و هي العبادة، فأكره أن يشركني، فيها أحد.

____________

(1) الكافي 2/ 293- 294، ح 4.

(2) المصدر: أبي عبد اللّه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أن تسمع النّاس به.

(4) المصدر: يسرّ.

(5) أ، ب: فذهب.

(6) الكافي 2/ 297، ح 18.

(7) المصدر: لم يكن صنع.

(8) نفس المصدر 3/ 69، ح 1.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عليك.

(10) من المصدر.

182

و في مجمع البيان‏ (1): فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ‏ (الآية) [

عن سعيد بن جبير] (2) قال مجاهد: جاء رجل إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إنّي أتصدّق و أصل الرّحم و لا أصنع ذلك إلّا للّه، فيذكر [ذلك‏] (3) منّي و احمد عليه فيسرّني ذلك و اعجب به.

فسكت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يقل شيئا، فنزلت الآية.

و روي‏ (4) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: قال اللّه- عزّ و جلّ- أنا (5) أغنى الشّركاء عن الشّرك، فمن عمل عملا أشرك‏ (6) فيه غيري فأنا منه بري‏ء، فهو للّذي أشرك.

أورده مسلم في الصّحيح.

و روي‏ (7) عن عبادة بن الصّامت و شدّاد بن أوس‏ (8) قالا: سمعنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: من صلّى صلاة يرائي بها فقد أشرك، و من صام صوما يرائي به فقد أشرك، ثمّ قرأ هذه الآية.

و روي‏ (9) أنّ أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- دخل يوما على المأمون فرآه يتوضّأ للصّلاة، و الغلام يصبّ على يده الماء، فقال: لا تشرك بعبادة ربّك أحدا. فصرف‏ (10) المأمون الغلام، و تولّى إتمام وضوئه بنفسه.

و في تفسير العيّاشي‏ (11): عن العلا بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير هذه الآية فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

قال: من صلّى أو صام أو أعتق أو حجّ يريد محمدة النّاس فقد أشرك‏ (12) في عمله، فهو مشرك مغفور (13).

____________

(1) المجمع 3/ 499.

(2) لا داعي لوجود ما بين المعقوفتين هنا لأنّ صاحب مجمع البيان يعطي معنى شي‏ء ثمّ يقول:

عن فلان.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: إنّما.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يشرك.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أ، ب، ر: أوين.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: فضرب.

(11) تفسير العياشي 2/ 352، ح 92.

(12) المصدر: اشترك.

(13) قال الفيض (ره): يعني: أنّه ليس من الشرك الّذي قال اللّه- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ‏، لأنّ المراد بذلك: الشرك الجليّ، و هذا هو الشرك الخفيّ.

183

عن عليّ بن سالم‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال اللّه- تبارك و تعالى-: أنا خير شريك، من أشرك بي في عمله‏ (2) لن أقبله إلّا ما كان لي خالصا.

و في رواية أخرى‏ (3) عنه‏ [إنّ اللّه يقول‏] (4): أنّا خير شريك، من عمل لي و لغيري فهو لمن عمل له دوني.

عن زرارة و حمران‏ (5)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: لو أنّ عبدا عمل عملا يطلب به رحمة اللّه و الدّار الآخرة، ثمّ أدخل فيه رضاء أحد من النّاس، كان مشركا.

عن سماعة بن مهران‏ (6) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

قال: العمل الصّالح المعرفة بالأئمّة، وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً التّسليم لعليّ، لا يشرك معه في الخلافة من ليس ذلك له و لا هو من أهله.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ هذه الآية عند منامه: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (إلى آخرها) سطع له نور إلى‏ (8) المسجد الحرام، حشو ذلك النّور ملائكة يستغفرون له حتّى يصبح.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (9)، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يقول: ما من عبد يقرأ: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ (إلى آخر السّورة) إلّا كان له نور من مضجعه إلى بيت اللّه الحرام، و أنّ من كان له نور من بيت اللّه الحرام كان [له نور إلى‏] (10) بيت المقدس.

و في مجمع البيان‏ (11): و روى الشّيخ، أبو جعفر بن بابويه، بإسناده، عن عيسى بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: ما من عبد يقرأ:

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 353، ح 94.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و عمل.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 95.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 96.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 97.

(7) الفقيه 1/ 297، ح 1358.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(9) ثواب الأعمال/ 134، ح 1.

(10) ليس في ر.

(11) المجمع 3/ 499.

184

قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ (إلى آخره) إلّا كان له نور في مضجعه إلى بيت اللّه الحرام، فإن كان من أهل البيت الحرام كان له [نور] (1) إلى بيت المقدس.

ابيّ بن كعب‏ (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: و من‏ (3) قرأ الآية الّتي في آخرها: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ حين يأخذ مضجعه كان له من مضجعه نور يتلألأ إلى الكعبة حشو ذلك النّور ملائكة يصلّون عليه حتّى يقوم من مضجعه، فإن كان في مكّة فتلاها (4) كان له نور (5) يتلألأ إلى البيت المعمور حشو ذلك النّور ملائكة يصلّون عليه حتّى يستيقظ.

و قال‏ (6): أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: ما من أحد يقرأ آخر الكهف عند النّوم إلّا تيّقظ في السّاعة الّتي يريدها.

و روى‏ (7) هذا الخبر، كما رواه صاحب مجمع البيان، محمّد بن يعقوب، بإسناده، إلى عامر بن عبد اللّه‏ (8) بن جذاعة (9) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

(تمّت بعون الملك الوهّاب في 1240).

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 447.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: إن.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: صلاها.

(5) المصدر: نورا.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 499.

(7) الكافي 2/ 540، ح 17.

(8) كما في جامع الرواة 1/ 427. و في المصدر:

عبيد اللّه.

(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 427. و في النسخ: خزاعة.

185

كلمة المحقّق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الحمد للّه رب العالمين و الصلوة و السلام على نبيّنا و آله الطيبين الطاهرين و لا سيّما بقيّة اللّه في الأرضين و اللعنة الدائمة على أعدائه و أعدائهم أجمعين النسخ التي استفدنا منها في تحقيق الربع الثالث (من سورة مريم الى نهاية سورة فاطر) من تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب:

1- نسخة في مكتبة آية اللّه العظمى النجفي المرعشي العامة، قم، رقم 2969، مذكورة في فهرسها 8/ 150. (رمز ع).

2- نسخة في مكتبة مدرسة الشهيد المطهري، رقم 2055، مذكورة في فهرسها 5/ 450. (رمز س).

3- نسخة في المكتبة المركزية لجامعة طهران، رقم 7345، مذكورة في فهرسها 16/ 517. (رمز أ).

4- نسخة في مكتبة العلّامة المغفور له السيد جلال الدين المحدّث الأرموي، نزيل طهران. (رمز م).

5- نسخة في مكتبة العلّامة المغفور له الشيخ علي النّمازي الشاهرودي، نزيل مشهد، مكتوبة في حياة المؤلف، سنة 1111 ه. ق و على ظهرها كتاب الوقف لبنت المؤلف. (رمز ن).

و الحمد للّه أوّلا و آخرا.

حسين الدّركاهي.

187

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* (1) الحمد للّه ربّ العالمين. و الصّلاة [و السّلام‏] (2) على محمّد و آله أجمعين.

أمّا بعد، فيقول الفقير إلى اللّه الغنيّ ميرزا محمّد بن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدّين القمّيّ: قد شرعت في تحرير ثالث مجلّدات كنز الدّقائق و بحر الغرائب، بعد أن عاقني عنه مدّة طويلة عوائق الزّمان و حوادث الدّوران، بإشارة بعض الأحبّاء و الخلّان.

و من اللّه الاستعانة و عليه التّكلان.

____________

(1) يوجد قبل البسملة في ن، و بعدها في س:

و به ثقتي. و في م بعدها: و به نستعين.

(2) ليس في ن، س، م.

189

تفسير سورة مريم‏

مكية بالإجماع و آيها ثمان و تسعون‏ (1).

في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها أعطي من الأجر بعدد من صدّق بزكريّاء و كذّب به، و يحيى و مريم و عيسى و موسى و هارون و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و إسماعيل عشر مرّات‏ (3)، و بعدد من دعا للّه ولدا، و بعدد من لم يدع للّه ولدا.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (4) بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أدمن قراءة (5) سورة مريم، لم يمت [في الدّنيا] (6) حتّى يصيب [منها] (7) ما يغنيه في نفسه و ماله و ولده. و كان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريم- (عليه السلام). و أعطي في الآخرة مثل‏ (8) ملك سليمان بن داود- (عليهما السلام)- في الدّنيا.

(9) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

كهيعص‏ (1):

امال أبو عمرو (10) الهاء، و ابن عامر الياء، و الكسائيّ و أبو بكر كليهما، لأنّ ألفات أسماء

____________

(1) من م.

(2) المجمع 3/ 500.

(3) المصدر و م: حسنات.

(4) ثواب الأعمال/ 134، ح 1.

(5) ع: من قرأ.

6 و 7- ليس في المصدر.

(8) من ع.

(9) يوجد هاهنا في غير نسخة م: مكّية بالإجماع آيها ثمان و تسعون.

(10) أنوار التنزيل 2/ 28.

190

التّهجّي ياءات.

في مجمع البيان‏ (1): قد بيّنّا في أوّل البقرة اختلاف العلماء في الحروف المعجم الّتي في أوائل السّور، و شرحنا أقوالهم هناك.

و حدّث عطاء بن السّائب‏ (2)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّه قال: كاف من كريم. و هاء من هاد. و ياء من حكيم. و عين من عليم. و صاد من صادق.

و في رواية عطاء (3) و الكلبيّ‏ (4) عنه أنّ معناه: كاف لخلقه. هاد لعباده. يده فوق أيديهم. عالم ببريّته‏ (5). صادق في وعده.

و على هذا، فإنّ كلّ واحد من هذه الحروف يدلّ على صفة من صفات اللّه.

و روي عن أمير المؤمنين‏ (6)- (عليه السلام)- أنّه قال في دعائه: أسألك‏ (7) يا كهيعص.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) روى بحذف الإسناد مرفوعا إلى سعد بن عبد اللّه بن خلف القمّيّ- رحمة اللّه عليه- قال: أردت نيفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل، بعد أن لم أجد لها مجيبا. فقصدت مولاي أبا محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- لسرّ من رأى.

فلمّا انتهيت منها إلى باب سيّدنا- (عليه السلام)- فاستأذنّا. فخرج الإذن بالدّخول. فلمّا دخلنا، ما شبّهنا أبا محمّد [- (عليه السلام)- حين غشّانا نور وجهه، إلّا بدرا قد استوفى ليالي أربعا بعد العشرة، و على‏] (9) فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر. فسلّمنا عليه. فألطف لنا في الجواب، و أمرنا بالجلوس. فلمّا جلسنا، سألته شيعته عن أمورهم في دينهم و هداياهم.

فنظر أبو محمّد العسكريّ إلى الغلام، فقال: يا بنيّ، أجب شيعتك و مواليك.

فأجاب كلّ واحد عمّا في نفسه، و عن تحفته، من قبل أن يسأله عنها، بأحسن جواب‏

____________

1 و 2- المجمع 3/ 502.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في م و المصدر. و في سائر النسخ:

الكليني.

(5) ن: عادل في بريّته.

(6) نفس المصدر و الموضع. يوجد في غير م بعد نقل الرواية هذا الزيادة: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا يعني بالرحمة اجابته ايّاه حين دعاه و سأله الولد.

(7) لا يوجد في غير م.

(8) الاحتجاج/ 461- 464. لخّص المؤلّف صدر الخبر. و أورد الحديث مسندا في كمال الدين 2/ 454.

(9) ليس في ن.

191

و أوضح برهان، حتّى حارت عقولنا في غامر علمه و إخباره بالغائبات.

ثمّ التفت إلي أبو محمّد، و قال: ما جاء بك يا سعد؟

قلت: شوقي إلى لقاء مولانا.

فقال: ما المسائل الّتي أردت أن تسأل عنها؟

قلت: على حالها يا مولاي.

قال: فاسأل قرّة عيني عنها- و أومأ إلى الغلام- و عمّا بدا لك منها.

فكان بعض ما سألته أن قلت: يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن تأويل «كهيعص».

فقال: هذه الحروف من أنباء الغيب. أطلع اللّه عبده زكريّا عليها. ثمّ قصّها على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و ذلك أنّ زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه الأسماء (1) الخمسة. فأهبط اللّه عليه جبرئيل، فعلّمه إيّاها.

فكان زكريّا إذا ذكر محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن، سرى عنه همّه، و انجلى كربه.

و إذا ذكر الحسين، خنقته العبرة و وقعت عليه البهرة.

فقال ذات يوم: إلهي، ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم، تسلّيت بأسمائهم من همومي، و إذا ذكرت الحسين- (عليه السلام)- تدمع عيني، و تثور زفرتي!؟

فأنبأه- تبارك و تعالى- عن قصّته، فقال: «كهيعص». فالكاف اسم كربلاء.

و الهاء هلاك العترة. و الياء يزيد- لعنه اللّه. و هو ظالم الحسين- (عليه السلام). و العين عطشه. و الصّاد صبره.

فلمّا سمع بذلك زكريّا، لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام، و منع فيها (2) النّاس من الدّخول عليه، و أقبل على البكاء و النّحيب. [و كانت ندبته‏] (3): إلهي! أتفجع خير [جميع‏] (4) خلقك بولده!؟ [إلهي!] (5) أ تنزل بلوى هذه الرّزيّة بفنائه!؟ إلهي! أ تلبس عليّا و فاطمة ثياب هذه المصيبة!؟ إلهي! أ تحلّ كرب هذه الفجيعة (6) بساحتهما!؟

ثمّ كان يقول: إلهي! ارزقني ولدا تقرّبه عيني عند الكبر، [و أجعله وارثا وصيّا.

و اجعل محلّه منّي محلّ الحسين‏] (7). فإذا رزقتنيه، فافتنّي بحبّه. ثمّ افجعني به كما تفجع محمّدا

____________

(1) م: الأسماء.

(2) المصدر: فيهنّ.

(3) المصدر: و كان يرثيه.

4 و 5- من المصدر.

(6) المصدر: المصيبة.

(7) ليس في المصدر.

192

حبيبك- (صلّى اللّه عليه و آله)- بولده.

فرزقه اللّه يحيى، و فجعه به. و كان حمل يحيى- (عليه السلام)- ستّة أشهر. و حمل الحسين- (عليه السلام)- كذلك.

و في كتاب المناقب‏ (1)، عنه- (عليه السلام)- مثله.

و في كتاب معاني الأخبار (2)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: معناه: أنا الكافي الهادي الوليّ العالم الصّادق الوعد.

و عنه‏ (3)- (عليه السلام)‏-: كافي لشيعتنا، هاد لهم، وليّ لهم، عالم بأهل طاعتنا، صادق لهم وعده‏ (4)، حتّى يبلغ بهم المنزلة الّتي وعدهم إيّاها في بطن القرآن.

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ‏:

خبر ما قبله إن أوّل بالسّورة أو القرآن، فإنّه مشتمل عليه. أو خبر محذوف. أي: هذا المتلوّ ذكر رحمة ربّك. أو مبتدأ حذف خبره. أي: فيما يتلى عليك [ذكرها] (5).

و قرئ‏ (6): «ذكر»- على الماضي- و «ذكّر» على الأمر.

عَبْدَهُ‏:

مفعول الرّحمة، [أو الذّكر، على أنّ الرّحمة] (7) فاعله على الاتّساع، كقولك: ذكرني جود فلان.

زَكَرِيَّا (2):

بدل منه، أو عطف بيان له. و هو اسم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، كان من أولاد هارون أخي موسى.

إِذْ نادى‏ رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3):

لأنّ الإخفاء و الجهر عند اللّه سيّان، و الإخفاء أشدّ إخباتا و أكثر إخلاصا. و في هذا دلالة على أنّ المستحبّ في الدّعاء الإخفاء، و أنّ ذلك أقرب إلى الإجابة.

و في مجمع البيان‏ (8): و في الحديث: خير الدّعاء الخفيّ. و خير الرّزق ما يكفي.

____________

(1) المناقب لابن شهر آشوب 4/ 84- 85.

(2) المعاني/ 22، ح 1.

(3) نفس المصدر/ 28، ح 6.

(4) المصدر: وعدهم.

(5) من أنوار التنزيل 2/ 28.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في ن.

(8) المجمع 3/ 502.

193

أو لئلّا يلام على طلب الولد في أبان الكبر. أو لئلّا يطّلع عليه مواليه الّذين خافهم.

أو لأنّ ضعف الهرم أخفى صوته.

و اختلف في سنّة حينئذ. فقيل: ستّون. و قيل: سبعون. و قيل: خمس و سبعون. و قيل:

ثمانون.

قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي‏:

تفسير للنّداء. و الوهن: الضّعف. و تخصيص العظم، لأنّه دعامة البدن و أصل بنائه.

و لأنّه أصلب ما فيه. فإذا وهن، كان ما وراءه اوهن. و المراد به الجنس و لذلك وحّد.

و قرئ‏ (1) بضمّ العين و كسرها. و نظيره كمل في الحركات الثّلاث.

وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً:

شبّه الشّيب في بياضه [و إنارته بشواظ النّار، و انتشاره في الشّعر باشتعالها. ثمّ أخرج مخرج الاستعارة، و أسند الاشتعال إلى الرّأس الّذي‏] (2) هو محلّ الشّيب مبالغة، و جعله مميّزا، إيضاحا للمقصود. و اكتفى باللّام عن الإضافة، للدّلالة على أنّ علم المخاطب بتعيّن المراد يغني عن التّقييد.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3) بإسناده إلى حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏ (4): كان النّاس لا يشيبون. فأبصر إبراهيم- (عليه السلام)- شيبا [في لحيته‏] (5). فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال: هذا وقار (6). فقال: ربّ زدني وقارا.

و بإسناده‏ (7) إلى الحسين‏ (8) بن عمّار، عن [نعيم، عن‏] (9) أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أصبح إبراهيم- (عليه السلام)- فرأى في لحيته شيبا شعرة بيضاء. فقال: الحمد للّه ربّ العالمين الّذي بلغني هذا المبلغ، و لم أعص اللّه طرفة عين.

و بإسناده‏ (10) إلى خالد بن إسماعيل بن أيّوب المخزوميّ، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه سمع أبا الطّفيل يحدّث أنّ عليّا- (عليه السلام)- يقول: كان الرّجل يموت،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 28.

(2) ليس في أ.

(3) العلل/ 104، ح 1.

(4) من م.

(5) من المصدر.

(6) أ، ن: و قارك.

(7) العلل/ 104، ح 2.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسن.

(9) ليس في ن.

(10) العلل/ 104، ح 3.

194

و قد بلغ الهرم و لم يشب. فكان الرّجل يأتي النّادي فيه الرّجل و بنوه، فلا يعرف الأب من‏ (1) الابن، فيقول‏ (2): أيّكم أبوكم؟

فلمّا كان زمن إبراهيم- (عليه السلام)- قال‏ (3): اللّهمّ اجعل لي شيبا أعرف به.

فقال‏ (4): فشاب و ابيضّ رأسه و لحيته.

وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)، أي: مخيّبا، بل كلّما دعوتك، استجبت لي.

و هو توسّل بما سلف معه من الاستجابة، و تنبيه على أنّ المدعوّ له، و إن لم يكن معتادا، فإجابته معتادة. و أنّه- تعالى- عوّده بالإجابة، و أطمعه فيها. و من حقّ الكريم أن لا يخيّب من أطمعه.

وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ‏: أن لا يحسنوا خلافتي على أمّتي، و يبدّلوا عليهم دينهم.

في مجمع البيان‏ (5): هم‏ (6) العمومة و بنو العمّ. عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏.

و قيل: هم الورثة.

مِنْ وَرائِي‏: بعد موتي.

و عن ابن كثير (7) بالمدّ و القصر، بفتح الياء. و هو متعلّق بمحذوف. أو بمعنى الموالي. أي:

خفت فعل الموالي من ورائي، أو الّذين يلون الأمر من ورائي.

و في الجوامع: قرأ السّجّاد و الباقر- (عليهما السلام)-: «خفّت»

(8). بفتح الخاء و تشديد الفاء و كسر التّاء. أي: قلّوا و عجزوا عن إقامة الدّين. أو: خفّوا و درجوا قدّامى.

فعلى هذا كان الظّرف متعلّقا ب «خفّت».

وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً: عقيما لا تلد.

فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏، فإنّ مثله لا يرجى إلّا من فضلك و كمال قدرتك، فإنّي و امرأتي لا نصلح للولادة.

وَلِيًّا (5) من صلبي، يلي أمري.

يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.

(3) المصدر: فقال.

(4) المصدر: قال.

(5) المجمع 3/ 502.

(6) المصدر: لهم.

(7) أنوار التنزيل 2/ 29.

(8) جوامع الجامع/ 272.

195

صفتان له.

و جزمهما أبو عمرو و الكسائيّ‏ (1)، على أنّهما جواب الدّعاء.

و في مجمع البيان‏ (2) عن السجّاد و الباقر- (عليهما السلام)- أنّهما قرءا: «يرثني و أرث من آل يعقوب».

و هو يعقوب بن ماتان‏ (3). و أخوه عمران بن ماتان‏ (4) أبو مريم. عن الكلبيّ و مقاتل.

و قيل‏ (5): هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. لأنّ زكريّا كان متزوّجا بأخت [أمّ‏] (6) مريم بنت عمران، و نسبها يرجع إلى يعقوب. لأنّها من ولد سليمان بن داود- (عليهما السلام)- و هو من ولد يهودا بن يعقوب، و زكريّا [من ولد هارون و هو] (7) من ولد لاوي بن يعقوب.

عن السّدّيّ.

ثمّ اختلف في معناه. فقيل‏ (8): «يرثني» مالي «و يرث من آل يعقوب» النّبوّة. و قيل‏ (9):

يرث نبوّتي و نبوّة آل يعقوب.

و استدلّ به أصحابنا على أنّ الأنبياء يورثون المال، فإنّ المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم و النّبوّة، بأن قالوا: إنّ لفظة الميراث في اللّغة و الشّريعة لا يطلق إلّا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث من الأموال. و لا يستعمل في غير المال إلّا على طريق المجاز. و لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): لم يكن يومئذ لزكريّا ولد يقوم مقامه و يرثه. و كانت هدايا بني إسرائيل و نذورهم للأحبار. و كان زكريّا رئيس الأحبار. و كانت امرأة زكريّا [أخت مريم بنت عمران بن ماثان (و يعقوب بن ماثان) (11). و بنو ماثان إذ ذاك رؤساء بني إسرائيل‏] (12) و بنو ملوكهم، و هم من ولد سليمان بن داود.

وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) ترضاه قولا و عملا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 29.

(2) المجمع 3/ 500 و 502 إلّا أنّ فيه: و قراءة على بن أبي طالب يرثني و أرث.

3 و 4- كذا في م، س، و المصدر. و في سائر النسخ: ماثان.

(5) المجمع 3/ 502- 503.

(6) من المصدر.

(7) ليس في م.

8 و 9- نفس المصدر و الموضع.

(10) تفسير القمّى 2/ 48.

(11) ليس في ع.

(12) ليس في أ.

196

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام بن سهيل‏ (2)، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار قال: حدّثني أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: كنت عند أبي يوما قاعدا حتّى أتى رجل، فوقف به و قال: أفي القوم‏ (3) باقر العلم و رئيسه محمّد بن عليّ؟ قيل له: نعم.

فجلس طويلا. ثمّ قام إليه فقال: يا ابن رسول اللّه، أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ- في قصّة زكريّا: وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً (الآية).

قال: نعم. الموالي بنو العمّ، و أحبّ اللّه أن يهب له وليّا من صلبه. و ذلك أنّه فيما كان علم من فضل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يا ربّ، أ مع ما شرّفت محمّدا و كرّمته و رفعت ذكره حتّى قرنته بذكرك، فما يمنعك- يا سيّدي- أن تهب له‏ (4) ذرّيّة من صلبه، فيكون فيها النّبوّة؟

قال: يا زكريّا، قد فعلت ذلك بمحمّد. و لا نبوّة بعده، و هو خاتم الأنبياء. و لكنّ الإمامة لابن عمّه و أخيه عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- من بعده. و أخرجت الذّرّيّة من صلب عليّ إلى بطن فاطمة بنت محمّد، و صيّرت بعضها من بعض. فخرجت [منه‏] (5) الأئمّة حججي على خلقي. و إنّي مخرج من صلبك ولدا يرثك و يرث من آل يعقوب.

فوهب اللّه له يحيى- (عليه السلام).

و في الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن خالد، عن شريف بن سابق‏ (7)، عن الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال‏ (8) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مرّ عيسى بن مريم- (عليه السلام)- بقبر يعذّب صاحبه. ثمّ مرّ به من قابل، فإذا هو لم يعذّب.

فقال: يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أوّل، فكان يعذّب. و مررت به العام، فإذا هو

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 301- 302، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: محمّد بن همّام، عن سهل ...

(3) المصدر: أ فيكم.

(4) المصدر: لي.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 6/ 3- 4، ح 12.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سائق.

(8) ليس في س و أ.

197

ليس بمعذّب!؟] (1) فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: إنّه أدرك له ولد صالح لي‏ (2). فأصلح طريقا. و آوى يتيما. فلهذا غفرت له بما عمل‏ (3) ابنه.

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ميراث اللّه- عزّ و جلّ- من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده.

ثمّ تلا أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- آية زكريّا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا.

يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى‏:

جواب لندائه، و وعد بإجابة دعائه. و إنّما تولّى تسميته تشريفا له.

لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7):

لم يسمّ أحد بيحيى قبله.

قيل‏ (4): و هو شاهد بأنّ التّسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمّى. و فيه أنّه لعلّ المراد سميّا شبيها، كقوله‏ (5): هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا. لأنّ المتماثلين يشاركان في الاسم.

و هو إمّا أعجميّ- و هو الأظهر- أو منقول عن الفعل.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا حميد بن زياد، عن أحمد بن الحسين بن بكير (7) قال: حدّثنا الحسن‏ (8) بن عليّ بن فضّال بإسناده إلى عبد الخالق قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. قال: ذلك يحيى بن زكريّا، لم يكن من قبل سميّا. و كذلك الحسين. لم يكن من قبل سميّا. و لم تبك السّماء إلّا عليهما أربعين صباحا.

قلت: فما كان بكاؤها؟ قال: تطلع الشّمس حمراء، [و تغيب حمراء] (9). قال: و كان‏

____________

(1) من ع و ن.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: فعل.

(4) أنوار التنزيل 2/ 29.

(5) مريم/ 65.

(6) تأويل الآيات الباهرة 1/ 302، ح 3.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بكير.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(9) ليس في المصدر و ع و ن و س.

198

قاتل الحسين- (عليه السلام)- ولد زنا، و قاتل يحيى بن زكريّا ولد زنا.

و روي عليّ بن إبراهيم‏ (1) في تفسيره، عن أبيه، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول- و ذكر مثل ما ذكر في الخبر السّابق بأدنى تغيير غير مغيّر للمعنى.

و في إرشاد المفيد (2)- (رحمه اللّه)-: روى سفيان بن عيينة، [عن عليّ بن زيد] (3)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: خرجنا مع الحسين بن عليّ- (عليهما السلام). فما نزل منزلا، و لا رحل‏ (4) منه، إلّا ذكر يحيى بن زكريّا و قتله. و قال‏ (5): و من هو ان الدّنيا على اللّه أنّ رأس يحيى بن زكريّا أهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل.

و في مجمع البيان‏ (6) مثله إلّا أنّ فيه: و قال يوما: و من هو ان الدّنيا (إلى آخره).

قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8):

من: عتا الرّجل يعتو: إذا كبر و أسنّ. و أصله: عتوو- كعقور. فاستثقلوا توالي الضّمتين و الواوين، فكسروا التّاء. فانقلبت الواو الأولى ياء. ثمّ قلبت الثّانية و أدغمت.

و قرأ (7) حمزة و الكسائيّ و حفص: «عتيّا»- بالكسر.

و إنّما استعجب الولد من شيخ فان و عجوز عاقر، اعترافا بأنّ المؤثّر فيه كمال قدرته- تعالى- و أنّ الوسائط عند التّحقيق ملغاة.

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عنهم- (عليه السلام)- قال‏ (9): فيما وعظ اللّه- عزّ و جلّ- به عيسى- (عليه السلام)-: و نظيرك يحيى من خلقي. [وهبته لأمّه بعد الكبر من غير قوّة بها. أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني، و تظهر (10) فيك قدرتي.

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 302 و لم نعثر على الحديث في تفسير القمّي.

(2) الإرشاد/ 236.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: ارتحل.

(5) المصدر: و قال يوما.

(6) المجمع 3/ 504.

(7) أنوار التنزيل 2/ 29.

(8) الكافي 8/ 137، ح 103.

(9) ليس في ع.

(10) المصدر: يظهر.

199

قالَ‏- أي اللّه،] (1) أو المّلك المبشّر، تصديقا-: كَذلِكَ‏، أي: الأمر كذلك.

أو منصوب بقال في: قالَ رَبُّكَ‏. و «ذلك» إشارة إلى مبهم يفسّره‏ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏. و قراءة الواو (2) يؤيّد الأوّل. أي: الأمر كما قلت. و هو على ذلك يهون عليّ. و كما وعدت، لا أحتاج فيما أريد أن أفعله، إلى الأسباب.

و مفعول «قال» الثّاني محذوف.

وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً (9)، بل كنت معدوما صرفا.

و فيه دليل على أنّ المعدوم ليس بشي‏ء.

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً: علامة أستدلّ بها على وقت كونه. (3)

في مجمع البيان‏ (4): و روى الحكم بن عيينة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّما ولد يحيى بعد البشارة له من اللّه بخمس سنين.

قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10): سويّ الخلق، ما بك من خرس و لا بكم.

اعتقل لسانه من غير علّة، يدعو اللّه و يسبّحه، و لا يمكنه أن يكلّم النّاس. و هذا أمر خارج عن العادة.

و إنّما ذكر اللّيالي هاهنا، و الأيّام في «آل عمران» (5) للدّلالة على أنّه استمرّ عليه المنع من كلام النّاس و التّجرّد للذّكر و الشّكر ثلاثة أيّام و لياليهنّ.

فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ‏: من المصلّى. أو من الغرفة.

و سمّي المحراب محرابا، لأنّ المتّوجّه‏ (6) إليه في صلاته كالمحارب للشّيطان على صلاته. و الأصل فيه: مجلس الأشراف الّذي يحارب دونه، ذبّا عن أهله.

قالوا: و كان زكريّا قد أخبر قومه بما بشّر به. فلمّا خرج عليهم، و امتنع من كلامهم، علموا إجابة دعائه، فسرّوا بذلك.

____________

(1) ليس في أ.

(2) أي قراءة من قرأ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏. راجع أنوار التنزيل 2/ 29.

(3) يوجد في م هذا الفقرة بعد الرواية المنقولة من المجمع.

(4) المجمع 3/ 505.

(5) آل عمران/ 41.

(6) كذا في المجمع 3/ 505. و في النسخ: لأنّه للتوجّه.

200

فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ‏: فأومأ إليهم، لقوله‏ (1): «إلّا رمزا».

و قيل‏ (2): كتب لهم على الأرض.

أَنْ سَبِّحُوا: بأن سبّحوا. و «أن» يحتمل أن تكون مصدريّة، و أن تكون مفسّرة.

أي: صلّوا و نزّهوا ربّكم.

بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (11): طرفي النّهار.

في مجمع البيان‏ (3): قال ابن جريح: أشرف عليهم زكريّا من فوق غرفة كان يصلّي فيها لا يصعد إليها إلّا بسلّم. و كانوا يصلّون معه الفجر و العشاء. و كان يخرج إليهم فيأذن‏ (4) لهم بلسانه. فلمّا اعتقل لسانه، خرج على عادته، و أذن لهم بغير كلام. فعرفوا عند ذلك أنّه قد جاء وقت حمل امرأته بيحيى. فمكث ثلاثة أيّام لا يقدر على الكلام معهم و يقدر على التّسبيح و الدّعاء.

يا يَحْيى‏: على تقدير القول: و فيه اختصار عجيب تقديره: فوهبنا له يحيى، و آتيناه الفهم و العقل، و قلنا له: يا يحيى.

خُذِ الْكِتابَ‏: التّوراة. بِقُوَّةٍ: بجدّ و استظهار بالتّوفيق.

وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12):

في مجمع البيان‏ (5): أي: آتيناه النّبوّة في حال صباه، و هو ابن ثلاث سنين. عن ابن عبّاس.

و روي العيّاشي‏ (6) بإسناده عن عليّ بن أسباط قال: قدمت المدينة، و أنا أريد مصر.

فدخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام)- و هو إذ ذاك خماسيّ.

فجعلت‏ (7) أتأمّله لأصفه لأصحابنا بمصر. فنظر إليّ فقال لي: يا عليّ، إنّ اللّه قد أخذ في الإمامة، كما أخذ في النّبوّة:

فقال [عن يوسف‏] (8): وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً (9).

____________

(1) آل عمران/ 41.

(2) أنوار التنزيل 2/ 30.

(3) المجمع 3/ 505.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيؤذن.

(5) المجمع 3/ 506.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فقلت.

(8) لا يوجد في المصدر.

(9) يوسف/ 22.

201

و قال [عن يحيى‏] (1): وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا.

فقد يجوز أن يؤتى الحكم ابن أربعين سنة. و يجوز أن يعطاه الصّبيّ. (2)

و فيه‏ (3): و عن معمّر قال: إنّ الصّبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للّعب خلقنا. فأنزل اللّه- تعالى-: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. و روي ذلك عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام).

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد (5) الكناسي، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: مات زكريّا. فورثه ابنه يحيى الكتاب و الحكمة، و هو صبيّ صغير. أما تسمع لقوله- عزّ و جلّ- يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا

فلمّا بلغ عيسى- (عليه السلام)- سبع سنين، تكلّم بالنّبوّة و الرّسالة، حين أوحى اللّه‏ (6) إليه. فكان عيسى الحجّة على يحيى و على النّاس أجمعين.

الحسين بن محمّد (7)، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط قال: [رأيت أبا جعفر- (عليه السلام)- و قد] (8) خرج عليّ. فأحدت النّظر إليه، و جعلت أنظر (9) إلى رأسه و رجليه، لأصف قامته لأصحابنا بمصر. فبينا أنا كذلك حتّى قعد فقال: يا عليّ، إن اللّه احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النّبوّة، فقال: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. [قال:] (10) و لمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (11) فقد يجوز أن يؤتى الحكمة، و هو صبيّ. و يجوز أن يؤتى الحكمة (12)، و هو ابن أربعين سنة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (13) للطّبرسيّ- رحمة اللّه-: و روي عن موسى بن جعفر، عن‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: في الصبيّ.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الكافي 1/ 382، ح 1.

(5) كذا في بعض نسخ المصدر و جامع الرواة 2/ 341، و في النسخ: بريد.

(6) ليس في ع.

(7) الكافي 1/ 494، ح 3.

(8) لا يوجد في المصدر.

(9) المصدر: «فنظرت» بدل: «فأحدت ...

أنظر».

(10) من المصدر.

(11) الأحقاف/ 15.

(12) المصدر: يعطاها.

(13) الاحتجاج/ 223.

202

أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم، قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فهذا يحيى بن زكريّا، يقال: إنّه أوتي الحكمة صبيّا و الحلم‏ (1) و الفهم. و أنّه كان يبكي من غير ذنب. و كان يواصل الصّوم.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ يحيى بن زكريّا كان في عصر لا أوثان فيه، و لا جاهليّة، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوتي الحكم و الفهم صبيّا بين عبدة الأوثان و حزب الشّيطان. فلم يرغب لهم في صنم قطّ. و لم ينشط لأعيادهم. و لم ير منه كذب قطّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و كان أمينا صدوقا حليما. [و كان‏] (2) يواصل صوم الأسبوع و الأقلّ و الأكثر. فيقال له في ذلك، فيقول: إنّي لست كأحدكم. إنّي أظلّ عند ربّ، فيطعمني و يسقيني. و كان يبكي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى يبتلّ‏ (3) مصلّاه، خشية من اللّه- عزّ و جلّ- من غير جرم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (4) لابن شهر آشوب محمّد بن إسحاق بالإسناد: جاء أبو سفيان إلى عليّ- (عليه السلام)- فقال: يا أبا الحسن، جئتك في حاجة.

قال: و فيم جئتني؟

قال: تمشي معي إلى ابن عمّك محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنسأله‏ (5) أن يعقد لنا عقدا، و يكتب لنا كتابا.

فقال: يا أبا سفيان، لقد عقد لك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عقدا لا يرجع عنه أبدا.

و كانت فاطمة- (عليه السلام)- من وراء السّتر، و الحسن يدرج بين يديها، و هو طفل من أبناء أربعة عشر شهرا. فقال لها: يا بنت محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قولي لهذا الطّفل يكلّم لي جدّه فيسود بكلامه‏ (6) العرب و العجم.

____________

(1) م، ن: الحكم.

(2) ليس في م.

(3) المصدر: تبتلّ.

(4) المناقب 4/ 6.

(5) المصدر: فتسأله.

(6) كذا في المصدر. و في م: بكلام. و في سائر النسخ: كلامه.

203

فأقبل الحسن- (عليه السلام)- إلى أبي سفيان، و ضرب إحدى يديه على أنفه، و الأخرى على لحيته. ثمّ أنطقه اللّه- عزّ و جلّ- بأن قال: يا أبا سفيان! قل: لا إله إلّا اللّه. محمّد رسول اللّه. حتّى أكون شفيعا.

فقال- (عليه السلام)-: الحمد للّه الّذي جعل من ذرّيّة محمّد المصطفى- (صلّى اللّه عليه و آله)- نظير يحيى بن زكريّا، آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن سليمان الرّازيّ، عن محمّد بن خالد الطّيالسيّ، عن سيف بن عميرة، عن حكم‏ (2) بن أيمن قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: و اللّه، لقد أوتي عليّ- (عليه السلام)- الحكم صبيّا، كما أوتي زكريّا الحكم صبيّا.

وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا: و رحمة منّا عليه و تعطّفا.

[عطف على الحكم.] (3)

في محاسن البرقيّ‏ (4): و في رواية أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-:

قوله في كتابه: حَناناً مِنْ لَدُنَّا.

قال: قال: إنّه كان يحيى إذا قال في دعائه: «يا ربّ، يا اللّه» ناداه اللّه من السّماء:

لبّيك يا يحيى. سل حاجتك‏ (5).

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه‏ (7)، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد المكاريّ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: فما عنى بقوله في يحيى: وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا [وَ زَكاةً] (8)»؟

قال: تحنّن اللّه.

[قلت: فما بلغ من تحنّن اللّه‏] (9) عليه؟

قال: كان إذا قال: يا ربّ، قال اللّه- عزّ و جلّ-: لبّيك يا يحيى.

[و الحديث‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 303، ح 6.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 264. و في النسخ: الحكيم.

(3) ليس في ع.

(4) المحاسن/ 35، ح 30.

(5) س، ن، ع: سل. ما حاجتك؟

(6) الكافي 2/ 534- 535، ح 38.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أصحابنا.

(8) من م.

(9) ليس في م.

204

طويل: أخذت منه موضع الحاجة.] (1) وَ زَكاةً: له و طهارة من ذنوب. أو: صدقة.

مجمع البيان‏ (2): أي: و عملا صالحا زاكيا. عن قتادة و الضحّاك و ابن جريح.

و قيل‏ (3): زكاة لمن قبل دينه، حتّى يكونوا أزكياء. عن الحسن.

و قيل‏ (4): يعني بالزكاة طاعة اللّه و الإخلاص. عن ابن عبّاس.

و قيل‏ (5): معناه: و صدقة تصدّق [اللّه‏] (6) به على أبويه. عن الكلبيّ.

و قيل‏ (7): «معنا»: و زكّيناه بحسن الثّناء عليه، كما يزكّى الشّهود الإنسان. عن الجبّائيّ.

فهذه خمسة أقوال.

وَ كانَ تَقِيًّا (13)، أي: مخلصا مطيعا متّقيا لما نهى اللّه عنه.

قالوا (8): و كان من تقواه أنّه لم يعمل خطيئة، و لم يهمّ بها.

وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ‏، أي: بارّا بهما، محسنا إليهما، مطيعا لهما، لطيفا بهما، طالبا مرضاتهما.

وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً، أي: متكبّرا متطاولا على الخلق.

و قيل‏ (9): الجبّار: الّذي يقتل و يضرب على الغضب.

عَصِيًّا (14): عاقّا، أو عاصي ربّه.

و في تفسير الإمام‏ (10) في سورة البقرة، عند تفسير قوله- تعالى-: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏: ما ألحق اللّه صبيّا برجال كاملي العقول إلّا هؤلاء الأربعة:

عيسى بن مريم، و يحيى بن زكريّا، و الحسن، و الحسين- (عليهم السلام).

ثمّ ذكر قصّتهم، و ذكر في قصّة يحيى قوله- تعالى: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. قال:

و من ذلك الحكم أنّه كان صبيّا، فقال له الصّبيان: هلمّ‏ (11) نلعب.

قال: و اللّه ما للّعب خلقنا. و إنّما خلقنا للجدّ لأمر عظيم.

____________

(1) من م.

2 و 3- المجمع 3/ 506.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ليس في م.

(9) مجمع البيان 3/ 506.

(10) تفسير الإمام/ 659.

(11) أ، م: هل.

205

ثمّ قال: وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا، يعني: تحنّنا و رحمة على والديه و سائر عبادنا.

وَ زَكاةً، يعني: طهارة لمن آمن به و صدّقه. وَ كانَ تَقِيًّا يتّقي الشّرور و المعاصي. وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ‏: محسنا إليهما، مطيعا لهما. وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا يقتل على الغضب، و يضرب على الغضب. لكنّه ما من عبد اللّه- تعالى- إلّا و قد أخطأ، أو همّ بخطيئة، ما خلا يحيى بن زكريّا، فلم يذنب، و لم يهمّ بذنب.

وَ سَلامٌ عَلَيْهِ‏ من اللّه، يَوْمَ وُلِدَ من أن يناله الشّيطان، بما ينال به بني آدم، وَ يَوْمَ يَمُوتُ‏ من عذاب القبر، وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) من هول القيامة و عذاب النّار.

في عيون الأخبار (1) بإسناده إلى ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد و يخرج‏ (2) من بطن أمّه، فيرى الدّنيا، و يوم يموت، فيعاين الآخرة و أهلها، و يوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في الدّنيا (3). و قد سلّم اللّه- عزّ و جلّ- على يحيى في هذه المواطن الثّلاثة، و آمن روعته، فقال: وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. و قد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه المواطن الثّلاثة، فقال: وَ السَّلامُ‏ (4) عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا

(5).

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ‏، أي: القرآن. مَرْيَمَ‏: يعني قصّتها.

إِذِ انْتَبَذَتْ‏: اعتزلت.

بدل من مريم، بدل الاشتمال، لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. أو بدل الكلّ، لأنّ المراد بمريم قصّتها، و بالظّرف الأمور الواقعة فيه، و هما واحد. أو ظرف لمضاف مقدّر.

و قيل‏ (6): «إذ» بمعنى أن المصدريّة، كقولك: أكرمتك، إذ لم تكرمني. فتكون بدلا لا محالة.

مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) من بيت المقدّس، أو في شرقي دارها.

قيل‏ (7): و لذلك اتّخذ النّصارى المشرق قبلة. و «مكانا» ظرف أو مفعول، لأنّ‏

____________

(1) العيون 1/ 201، ح 11.

(2) المصدر: و يوم يخرج.

(3) المصدر: دار الدّنيا.

(4) المصدر: سلام.

(5) مريم/ 33.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 30.

206

«انتبذت» متضمّنة معنى أتت.

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً: سترا من أهلها، لئلّا يرونها، و تخلّت للعبادة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: في محرابها.

فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا:

قال‏ (2): يعني جبرئيل.

فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17):

قيل‏ (3): في صورة شابّ سويّ الخلق.

قيل‏ (4): قعدت في مشرقه للاغتسال من الحيض، محتجبة بشي‏ء يسترها. و كانت تتحوّل من المسجد إلى بيت خالتها، إذا حاضت. و تعود إليه، إذا طهرت. فبينا هي‏ (5) في مغتسلها، أتاها جبرئيل، فتمثّل بصورة شابّ أمرد سويّ الخلق، لتستأنس بكلامه.

فأنكرته و استعاذت باللّه منه.

قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ‏- من غاية عفافها- إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18):

تتّقي اللّه و تحتفل بالاستعاذة.

و جواب الشّرط محذوف دلّ عليه ما قبله. أي: فإنّي عائذة منك. أو: فتعوذ (6) بتعويذي. أو: فلا تتعرّض لي. و يجوز أن يكون للمبالغة. أي: إن كنت تقيّا متورّعا، فإنّي أعوذ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك! قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ‏ الّذى استعذت به. لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً: لأكون سببا في هبته بالنّفخ في الدّرع.

و يجوز أن يكون حكاية لقول اللّه- سبحانه. و يؤيّده قراءة أبي عمرو و ابن كثير (7) عن نافع و يعقوب بالياء.

زَكِيًّا (19): طاهرا من الذّنوب، أو ناميا على الخير، أي: مترقّيا من سنّ إلى على الخير و الصّلاح.

____________

1 و 2- تفسير القمّي 1/ 49.

(3) أنوار التنزيل 2/ 31.

(4) مجمع البيان 3/ 507- 508.

(5) كذا هو الصحيح. و في النسخ: هو.

(6) أنوار التنزيل 2/ 31: فتتّعظ.

(7) كذا في نفس المصدر و الصفحة. و في النسخ:

الأكثر.

207

قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: و لم يباشرني رجل بالحلال.

فإنّ هذه الكنايات إنّما تطلق فيه. و أمّا الزّنا، فإنّما يقال فيه: خبث بها، و فجر، و نحو ذلك.

و يعضده عطف قوله:

وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا (20): زانية.

و هو فعول من البغي. قلبت واوه ياء، و أدغمت. ثمّ كسرت العين اتباعا. و لذلك لم تلحقه التّاء. أو فعيل بمعنى الفاعل. و لم تلحقه‏ (1)، لأنّه للمبالغة، أو للنّسبة، كطالق.

قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ‏، أي: و نفعل ذلك، لنجعله. أو:

لنبيّن به قدرتنا، و لنجعله.

و قيل‏ (2): عطف على «لهيب» على طريقة الالتفات.

آيَةً لِلنَّاسِ‏: علامة لهم و برهانا على كمال قدرتنا. وَ رَحْمَةً مِنَّا على العباد يهتدون بإرشاده.

وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21): تعلّق به قضاء اللّه في الأزل.

فَحَمَلَتْهُ‏: بأن نفخ في حبيب مدرعتها، فدخلت النّفخة في جوفها.

في أصول الكافي‏ (3): أحمد بن مهران و عليّ بن إبراهيم جميعا، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)‏- أنّه قال لرجل نصرانيّ سأله عن مسائل فأجابه- (عليه السلام)- فيها:

أعجلك‏ (4) أيضا خبرا لا يعرفه إلّا قليل ممّن قرأ الكتب. أخبرني ما اسم أمّ مريم؟ و أيّ يوم نفخت فيه مريم؟ و لكم من ساعة من النّهار، و أيّ يوم وضعت مريم فيه عيسى؟

و لكم من ساعة من النّهار؟

فقال النّصرانيّ: لا أدري.

فقال أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: أمّ مريم، فاسمها مرتار (5). و هي و هيبة بالعربيّة.

و أمّا اليوم الّذي حملت فيه مريم، فهو يوم الجمعة للزّوال. و هو اليوم الّذي هبط فيه الرّوح الأمين. و ليس للمسلمين عيد كان أولى منه. عظّمه اللّه- تبارك و تعالى-

____________

(1) يعني التاء.

(2) أنوار التنزيل 2/ 31.

(3) الكافي 1/ 479- 480، ح 4.

(4) أعجلك: أسبقك، أو أبا درك.

(5) المصدر: مرثا. س، أ: رمرتار.

208

و عظّمه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمر أن يجعله عيدا. فهو يوم الجمعة.

و أمّا اليوم الّذي ولدت فيه مريم، فهو يوم الثّلاثاء لأربع ساعات و نصف من النّهار.

و النّهر الّذي ولدت عليه مريم عيسى هل تعرفه؟

قال: لا.

قال: هو الفرات. و عليه شجر النّخل و الكرم. و ليس يساوى شي‏ء بالفرات للكروم و النّخل.

فأمّا اليوم الّذي حجبت فيه لسانها، و نادى قيدوس‏ (1) ولده و أشياعه، فأعانوه و أخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم، فقالوا لها ما قصّ اللّه عليك في كتابه [و علينا في كتابه‏] (2)، فهل فهمته؟

قال: نعم، و قرأته اليوم الأحدث.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3) بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير (4) الهاشميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر فاطمة- (عليها السلام)-: فعلقت و حملت بالحسين- (عليه السلام). فحملت ستّة أشهر. ثمّ وضعته. و لم يعش مولود (5) قطّ لستّة أشهر غير الحسين بن علىّ- (عليهما السلام)- و عيسى بن مريم- (عليه السلام).

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن عمرو الزّيّات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و لم يولد لستّة أشهر إلّا عيسى بن مريم و الحسين بن عليّ- (عليهما السلام).

____________

(1) اسم رجل من بني إسرائيل.

(2) من المصدر.

(3) العلل/ 206، ح 3.

(4) كذا في المصدر. و في ع: مشتى. و في غيرها:

مثنى.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ:

«و صنعت و ليس يعيش ولد».

بدل‏

«وضعته و لم يعش مولود».

(6) الكافي 1/ 464- 465، ح 4.

209

و في مجمع البيان‏ (1): و روي عن الباقر- (عليه السلام)-: أنّه تناول جيب مدرعتها، فنفخ فيه نفخة. فكمل الولد في الرّحم من ساعته، كما يكمل الولد في أرحام النّساء تسعة أشهر. فخرجت من المستحمّ، و هي حامل مثقل. فنظرت إليها خالتها (2)، فأنكرتها. و مضت مريم على وجهها مستحية من خالتها و من زكريّا.

و قيل‏ (3): كانت حملها في تسع ساعات. و هذا مرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

فَانْتَبَذَتْ بِهِ‏: فاعتزلت و هو في بطنها. مَكاناً قَصِيًّا (22): بعيدا من أهلها.

في تهذيب الأحكام‏ (4): محمّد بن أحمد بن داود، عن محمّد بن همّام قال: حدّثنا [جعفر بن محمّد بن مالك قال: حدّثنا] (5) سعد بن عمرو الزّهريّ قال: حدّثنا بكر بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في هذه الآية قال: خرجت من دمشق حتّى أتت كربلاء. فوضعت في موضع قبر الحسين- (عليه السلام). ثمّ رجعت من ليلتها.

فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ‏: [فألجأها المخاض‏] (6).

و هو في الأصل منقول من «جاء»، لكنّه خصّ به، كآتى في أعطى.

و قرئ‏ (7): «المخاض»- بالكسر. و هما مصدر مخضت المرأة: إذا تحرّك الولد في بطنها للخروج.

إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَةِ: لتستتر به، و تعتمد عليه عند الولادة. و هو ما بين العرق و الغصن.

و كانت نخلة يابسة لا رأس لها و لا خضرة. و كان الوقت شتاء. و التّعريف إمّا للجنس، أو للعهد، إذ لم يكن ثمّ غيرها، و كانت كالمتعالم عند النّاس.

و في أصول الكافي‏ (8): عدّة من أصحابنا، عن الحسين بن الحسن بن يزيد، عن بدر، عن أبيه قال: حدّثني سلام أبو عليّ الخراسانيّ، عن سلام بن سعيد المخزوميّ قال‏ (9): بينا

____________

(1) المجمع 3/ 511.

(2) ليس في ن.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) التهذيب 6/ 73، ح 139.

(5) ليس في أ.

(6) ليس في م و ن.

(7) أنوار التنزيل 2/ 31.

(8) الكافي 1/ 400، ح 6.

(9) ليس في س.

210

أنا جالس عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ دخل عليه عبّاد بن كثير عابد أهل البصرة و ابن شريح فقيه أهل مكّة. و عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ميمون القدّاح مولى أبي جعفر- (عليه السلام).

فسأله عبّاد بن كثير فقال: يا أبا عبد اللّه، في كم ثوب كفّن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)؟

قال: في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، و ثوب حبرة، و كان في البرد قلّة.

فكأنّما ازورّ (1) عبّاد بن كثير من ذلك. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ نخلة مريم إنّما كانت عجوة (2)، و نزلت من السّماء. فما كان‏ (3) من أصلها، كان عجوة. و ما كان من لقاط (4)، فهو لون.

فلمّا خرجوا من عنده، قال‏ (5) عبّاد بن كثير لابن شريح: و اللّه، ما أدري ما هذا المثل الّذي ضربه لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)! فقال ابن شريح: هذا الغلام يخبرك. فإنّه منهم. يعني ميمون.

فسأله. فقال ميمون: أما تعلم ما قال لك؟ قال: لا و اللّه.

قال: إنّه ضرب لك مثل نفسه، فأخبرك أنّه ولد من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (6) عندهم. فما جاء من عندهم، فهو صواب. و ما جاء من عند غيرهم، فهو لقاط.

قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا، استحياء من النّاس و مخافة لومهم.

و قرأ (7) ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و أبو بكر: «متّ» من: مات يموت.

في مجمع البيان‏ (8): و روي عن الصّادق- (عليه السلام)-: لأنّها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزّهها من السّوء.

وَ كُنْتُ نَسْياً [من شأنه أن ينسى و] (9) لا يطلب. و نظيره الذّبح لما يذبح.

____________

(1) أي: انحرف، أو: مال.

(2) العجوة: نوع من التّمر.

(3) م و المصدر: نبت.

(4) اللّقاط- بالكسر-: جمع لقط- بالتحريك-: ما يلتقط من هاهنا و هاهنا من النّوى و نحوه. و يا لضّمّ: الشي‏ء الرّدي‏ء.

(5) ليس في ع.

(6) ليس في م.

(7) أنوار التنزيل 2/ 32.

(8) المجمع 3/ 511.

(9) ليس في ن.

211

و قرأ (1) حمزة و حفص بالفتح. و هو لغة فيه، أو مصدر سمّي به.

و قرئ‏ (2) بالهمزة. و هو: الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلّته.

مَنْسِيًّا (23): منسي الذّكر بحيث لا يخطر ببالهم.

و قرئ‏ (3) بكسر الميم، على الإتباع.

فَناداها مِنْ تَحْتِها عيسى- (عليه السلام).

و قيل‏ (4): جبرئيل- (عليه السلام)- كان يقبل الولد.

أَلَّا تَحْزَنِي‏: [، أي: لا تحزني.] (5) أو: بأن لا تحزني.

قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24): جدولا. كذا في الجوامع‏ (6) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في مجمع البيان‏ (7): قيل: ضرب جبرئيل برجله، فظهر ماء عذب.

و قيل‏ (8): بل ضرب عيسى برجله، فظهر عين ماء تجري. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).

و قيل‏ (9): سيّدا من السّرو، و هو عيسى.

وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ: أميليه إليك. و الباء مزيدة للتّأكيد. أو: افعلي الهزّة به. أو: هزّي الثّمرة بهزّه. و الهزّ: تحريك بجذب و دفع.

تُساقِطْ عَلَيْكِ‏:

أصله: تتساقط، فأدغمت التّاء الثّانية في السّين. و حذفها حمزة (10).

و قرأ (11) يعقوب بالياء. و حفص: «تساقط» بمعنى: أسقطت. و قرئ‏ (12): «تتساقط» و «يسقط» (13) و «تسقط». فالتّاء للنّخلة، و الياء للجذع.

رُطَباً جَنِيًّا (25):

تمييز أو مفعول به. أي: طريّا.

و كانت النّخلة قد يبست منذ مدّة دهر. فمدّت يدها إلى النّخلة. فأورقت، و أثمرت،

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 32.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ع.

(6) جوامع الجامع/ 273.

7 و 8- المجمع 3/ 511.

(9) أنوار التنزيل 2/ 32.

10 و 11 و 12- أنوار التنزيل 2/ 32.

(13) من ع.

212

و سقط عليها الرّطب الطّريّ، و طابت نفسها. فقال لها عيسى: قمّطيني، و سوّيني. ثمّ افعلي كذا و كذا. فقمّطته و سوّته.

و في كتاب طبّ الأئمّة (1)- (عليه السلام)- بإسناده إلى جابر بن يزيد الجعفيّ: انّ رجلا أتى أبا جعفر- (عليه السلام)- محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- فقال: يا ابن رسول اللّه، أغثني! قال: و ما ذاك؟ قال: امرأتي قد أشرفت على الموت من شدّة الطّلق.

قال: اذهب و اقرأ عليها: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ‏- الآية إلى:- رُطَباً جَنِيًّا. ثمّ ارفع صوتك بهذه الآية: وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ (2) قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ (3). كذلك اخرج أيّها الطلق. فاخرج بإذن اللّه- تعالى. فإنّها تبرأ من ساعتها بإذن‏ (4) اللّه- تعالى.

فَكُلِي وَ اشْرَبِي‏: من الرّطب و ماء السّريّ. أو: من الرّطب و عصيره.

وَ قَرِّي عَيْناً: و طيّبي نفسك، و ارفضي عنها ما أحزنك و قرئ‏ (5) بالكسر.

و اشتقاقه من القرار. فإنّ العين إذا رأت ما يسرّ النفّس، سكنت من النّظر إلى غيره. أو من القرّ. فانّ دمعة السّرور باردة، و دمعة الحزن حارّة. و لذلك يقال قرّة العين و سخنتها، للمحبوب و المكروه.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): عليّ بن الحسن، عن محمّد بن عبد اللّه بن زرارة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن كثير النوّا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال‏ و قد ذكر يوم عاشوراء: و هذا اليوم الّذي ولد فيه عيسى بن مريم- (عليه السلام).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): و روى الحسن بن عليّ الوشّاء، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة ولد فيها إبراهيم- (عليه السلام). و ولد فيها عيسى بن مريم- (عليه السلام).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (8) فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة

____________

(1) طبّ الأئمّة/ 69.

(2) النحل/ 78.

(3) الأعراف/ 10، و غيره من السور و الآيات.

(4) المصدر: بعون.

(5) أنوار التنزيل 2/ 32.

(6) التهذيب 4/ 300، ح 908.

(7) الفقيه 2/ 54، ح 238.

(8) الخصال/ 637، من حديث أربعائه.

213

باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: ما تأكل الحامل من شي‏ء، و لا تتداوى به، أفضل من الرّطب. قال اللّه- تعالى- لمريم: وَ هُزِّي إِلَيْكِ‏ (الآية).

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عدّة من أصحابه، عن عليّ بن أسباط، عن عمّ‏ (2) يعقوب بن سالم يرفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليكن أوّل ما تأكل النّفساء الرّطب. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال لمريم: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.

قيل: يا رسول اللّه، فإن لكم يكن أبان‏ (3) الرّطب؟

قال: سبع تمرات من تمر المدينة. فإن لم يكن، فسبع تمرات من تمر أمصاركم. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: و عزّتي و جلالي و عظمتي و ارتفاع مكاني، لا تأكل النّفساء يوم تلد الرّطب، فيكون غلاما، إلّا كان حليما. و إن كانت جارية، [كانت‏] (4) حليمة.

و. في روضة الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد [جميعا، عن القاسم بن محمّد] (6)، عن سليمان بن داود المنقرىّ، عن حفص قال: رأيت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يتخلّل بساتين الكوفة. فانتهى إلى نخلة، فتوضّأ عندها. ثمّ ركع و سجد.

فأحصيت في سجوده‏ (7) خمسمائة تسبيحة. ثمّ استند إلى النّخلة، فدعا بدعوات. ثمّ قال: يا حفص، إنّها و اللّه النّخلة الّتي قال اللّه- جلّ ذكره- لمريم- (عليه السلام)-: وَ هُزِّي إِلَيْكِ‏ (الآية) (8).

و في كتاب المناقب‏ (9) لابن شهر آشوب: عبد اللّه بن كثير قال: نزل أبو جعفر- عليه‏

____________

(1) الكافي 6/ 22، ح 4.

(2) لا يوجد في ع و ن. و في المصدر: عمّه.

(3) المصدر: أوان.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر 8/ 143، ح 111.

(6) ليس في ن.

(7) س، أ، م: سجدته.

(8) في هامش نسخة «م»:

و أمّا كون نخلة مريم بحوالي الكوفة مع أنّها كانت بالشّام و كانت تتعبّد ببيت المقدس فلا استبعاد فيه لأنّ الأرض تطوى للأولياء.

روى الثّماليّ عن السّجّاد- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (مريم/ 22) قال: خرجت من دمشق حتّى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين- (عليه السلام)- ثمّ رجعت من ليلتها. من الوافي (3/ 234).

(9) المناقب 4/ 188.

214

السّلام- بواد، فضرب خباءه فيه. ثمّ خرج يمشي [حتّى انتهى‏] (1) إلى نخلة يابسة، فحمد اللّه عندها. ثمّ تكلّم بكلام لم أسمع بمثله. ثمّ قال: أيّتها النّخلة، أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك. فتساقطت رطبا (2) أحمر و أصفر. فأكل و معه أبو أميّة الأنصاريّ. فقال: يا أبا أميّة، هذه الآية فينا كالآية في مريم أن هزّي إليك، تساقط (3) رطبا جنيّا.

و في بصائر الدّرجات‏ (4): [حدّثنا موسى بن الحسن، عن أحمد بن الحسين، عن أحمد بن إبراهيم، عن عبد اللّه بن بكير، عن عمر بن بويه‏] (5)، عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: و كان أبو عبد اللّه البلخيّ معه. فانتهى إلى نخلة خاوية فقال: أيّتها النّخلة السّامعة الطّيّبة (6) المطيعة لربّها، أطعمينا ممّا (7) جعل اللّه فيك. قال: فتساقط علينا رطب مختلف ألوانه. فأكلنا حتّى تضلّعنا (8). فقال: البلخي: جعلت فداك، سنّة فيكم‏ (9) كسنّة مريم- (عليها السلام).

الهيثم النّهديّ‏ (10)، عن إسماعيل بن مهران‏ (11) [عن عبد اللّه بن الكنّاسيّ‏] (12)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خرج الحسن بن عليّ بن أبي طالب في بعض عمره‏ (13) و معه رجل من ولد الزّبير كان‏ (14) يقول بإمامته.

قال‏ (15): فنزلوا في منزل في تلك المنازل‏ (16) تحت نخل يابس قد (17) يبس من العطش.

قال: ففرش للحسن تحت نخلة، و للزّبيريّ بحذائه تحت نخلة أخرى.

قال: فقال الزّبيريّ- و رفع رأسه-: لو كان في هذا النّخل رطب، لأكلنا منه.

فقال له الحسن- (عليه السلام): و إنّك لتشتهي الرّطب؟ قال: نعم. فرفع الحسن- عليه‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: رطب.

(3) المصدر: «إذ هزّت إليها النخلة، فتساقط عليها» بدل «أن هزّي اليك تساقط».

(4) البصائر/ 274، ح 5.

(5) من المصدر. و في النسخ: أحمد بن محمّد.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: فيما.

(8) تضلّع الرجل: امتلأ شبعا و ريّا.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «إليكم سنّة» بدل «البلخي: ... فيكم».

(10) البصائر/ 276، ح 10.

(11) المصدر: مروان.

(12) ليس في ن.

(13) المصدر: عمرة.

14 و 15- ليس في م.

(16) المصدر: «في منهل من تلك المناهل. قال:

نزلوا» بدل «في منزل في تلك المنازل».

(17) المصدر: فقد.

215

السّلام- يده إلى السّماء، و دعا بكلام لم يفهمه الزّبيريّ. فاخضرّت النّخلة، ثمّ صارت إلى حالها، فأورقت‏ (1) و حملت رطبا.

قال: فقال له الجمّال الّذي اكتروا منه: سحر و اللّه! فقال له الحسن- (عليه السلام)-: ويلك! ليس بسحر، و لكن دعوة ابن نبيّ‏ (2) مجاب.

قال: فصعدوا إلى النّخلة حتّى يصرموا (3) ما (4) كان فيها. فأكفاهم.

فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً: إن تري آدميّا.

و قرئ‏ (5) «ترئن»- بالهمزة- على لغة من يقول: لبأت بالحجّ، لتآخ بين الهمزة و حرف اللّين. و «ترين»- بسكون الياء و التّخفيف.

فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً: صمتا- و قرئ‏ (6) به- أو صياما. و كانوا لا يتكلّمون في صيامهم.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و قال لها عيسى: فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً و صمتا. كذا نزلت.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8): و روى أبو بصير، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الصّوم‏ (9) ليس من الطّعام و الشّراب وحده. إنّ مريم قالت: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، أي: صمتا. فاحفظوا ألسنتكم. و غضّوا أبصاركم. و لا تحاسدوا و لا تنازعوا (10).

فإنّ الحسد يأكل الإيمان، كما تأكل النّار الحطب.

و في كتاب المناقب‏ (11) لابن شهر آشوب، في مناقب أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)-: و سأل طاوس اليماني أبا جعفر- (عليه السلام)- عن صوم لا يحجز (12) عن أكل و شرب. فقال- (عليه السلام)-: الصّوم من قوله: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً.

____________

(1) المصدر: و فارقت.

(2) المصدر: النبيّ.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: تصرموا.

(4) المصدر: ممّا.

(5) أنوار التنزيل 2/ 32.

(6) أنوار التنزيل 2/ 32.

(7) تفسير القمّي 2/ 49.

(8) الفقيه 2/ 67، ح 280.

(9) المصدر: الصيام.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا تسحدوا.

(11) المناقب 4/ 201.

(12) كذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ: يحجر.

216

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جرّاح المدائنيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الصّيام ليس من الطّعام و الشّراب وحده. ثمّ قال: قالت مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، أي: [صوما] (2) صمتا- [و في نسخة أخرى: أي صمتا- فإذا صمتم، فاحفظوا ألسنتكم، و غضّوا أبصاركم، و لا تنازعوا، و لا تحاسدوا] (3).

و الحديث طويل. أخذت موضع الحاجة.

و في محاسن البرقي‏ (4): و عنه، عن أبيه، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ستّة كرهها اللّه لي، فكرهتها للأئمّة من ذرّيّتي. و لتكرهها (5) الأئمّة أتباعهم‏ (6).

إلى قوله: قلت: و ما الرّفث في الصّيام؟ قال: ما كره اللّه لمريم في قوله: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا.

قال: قلت: من أبيّ شي‏ء؟ قال: من الكذب.

فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)، بعد أن أخبرتكم بنذري. و إنّما أكلّم الملائكة، و أناجي ربّي.

و قيل‏ (7): أخبرتهم بنذرها بالإشارة. و أمرها بذلك، لكراهة المجادلة و الاكتفاء بكلام عيسى- (عليه السلام). فإنّه قاطع في قطع الطّاعن.

فَأَتَتْ بِهِ‏ مع ولدها قَوْمَها، راجعة إليهم بعد ما طهرت من النّفاس.

تَحْمِلُهُ‏: حاملة إيّاه.

قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27): بديعا منكرا. من: فرى الجلد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): ففقدوها في المحراب.

فخرجوا في طلبها. و خرج خالها زكريّا». فأقبلت، و هو في صدرها. و أقبلن مؤمنات‏

____________

(1) الكافي 4/ 87، ح 3.

(2) من المصدر.

(3) من م.

(4) المحاسن/ 10، ح 31.

(5) المصدر: كرّهها. و في س، أ، م، ن:

استكرهها.

(6) المصدر: لأتباعهم.

(7) أنوار التنزيل 2/ 32.

(8) تفسير القمّي 2/ 49- 50.

217

بني إسرائيل يبزقن في وجهها. فلن‏ (1) تكلّمهنّ حتّى دخلت في محرابها. فجاء إليها بنو إسرائيل و زكريّاء فقالوا لها: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا.

يا أُخْتَ هارُونَ‏:

قيل‏ (2): يعنون هارون النّبيّ- (عليه السلام)- و كانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة.

و قيل‏ (3): كانت من نسله، و كان بينهما ألف سنة.

و في مجمع البيان‏ (4): عن المغيرة بن شعبة مرفوعا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: انّ هارون هذا كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، ينسب إليه كلّ من عرف بالصّلاح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): انّ هارون كان رجلا فاسقا زانيا، فشبّهوها به.

و في كتاب سعد السّعود (6) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- من كتاب عبد الرّحمن بن محمّد الأزديّ: و حدّثني سماك بن حرب، عن المغيرة بن شعبة أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعثه إلى نجران. فقالوا: ألستم تقرءون: يا أُخْتَ هارُونَ‏، و بينهما كذا و كذا!؟

فذكر ذلك للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: ألا قلت لهم: إنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم و الصّالحين منهم.

ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28):

تقرير لأنّ ما جاءت به فري. و تنبيه على أنّ الفواحش من أولاد الصّالحين أفحش.

فَأَشارَتْ إِلَيْهِ‏: إلى عيسى. أي: كلّموه ليجيبكم.

قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)، و لم نعهد صبيّا في المهد كلّمه عاقل! و «كان» زائدة. و «صبيّا» حال من المستكنّ فيه. أو تامّة، أو دائمة نحو: «و كان اللّه عليما حكيما». أو بمعنى صار.

قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ‏:

____________

(1) المصدر و م: فلم.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 32- 33.

(4) المجمع 3/ 512.

(5) تفسير القمّي 2/ 50.

(6) سعد السّعود/ 221.

218

أنطقه اللّه به أوّلا، لأنّه أوّل المقامات، و للرّدّ على من زعم ربوبيّته.

آتانِيَ الْكِتابَ‏: الإنجيل.

وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا (30):

وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً: نفّاعا، أَيْنَ ما كُنْتُ‏: حيث كنت.

في كتاب معاني الأخبار (1) بإسناده إلى عبد اللّه بن جبلّة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ‏ قال: نفّاعا.

و في أصول الكافي‏ (2) مثله سواء.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عنهم- (عليهم السلام)- قال: فيما وعظ اللّه- عزّ و جلّ- به عيسى- (عليه السلام)- إلى قوله: فبوركت كبيرا. و بوركت صغيرا حيثما كنت. أشهد أنّك عبدي ابن أمتي.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد (5) الكناسيّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)-: أ كان عيسى بن مريم حين تكلّم في المهد حجّة اللّه على أهل زمانه؟ فقال: كان يومئذ نبيّا حجّة للّه‏ (6) غير مرسل. أما تسمع لقوله حين قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا

قلت: فكان يومئذ حجّة للّه على زكريّاء في تلك الحال و هو في المهد!؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للنّاس، و رحمة من اللّه لمريم، حين تكلّم فعبّر عنها. و كان نبيّا حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال‏ (7). ثمّ صمت، فلم يتكلّم، حتّى مضت له سنتان. و كان زكريّاء الحجّة [للّه- عزّ و جلّ- بعد صمت عيسى بسنتين ثمّ مات زكريّاء، فورثه ابنه يحيى الكتاب و الحكمة، و هو صبيّ صغير. أما تسمع لقوله‏] (8)- عزّ و جلّ-:

____________

(1) المعاني/ 212، ح 1.

(2) الكافي 2/ 165، ح 11.

(3) نفس المصدر 8/ 132، ح 103.

(4) نفس المصدر 1/ 382، ح 1.

(5) كذا في نسخة من المصدر. و جامع الرواة 2/ 341. و في النسخ: بريد.

(6) م: الله.

(7) ليس في س، أ، ن.

(8) ليس في أ.

219

يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا!؟ فلمّا بلغ عيسى- (عليه السلام)- سبع سنين، تكلّم بالنّبوّة و الرّسالة، حين أوحى اللّه إليه. فكان عيسى الحجّة على يحيى و على النّاس أجمعين.

و ليس تبقى الأرض- يا أبا؟؟ الد!- يوما واحدا بغير حجّة للّه على النّاس، منذ يوم خلق اللّه آدم- (عليه السلام)- و أسكنه الأرض.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرّضا- (عليه السلام)-: قد كنّا نسألك قبل أن يهب اللّه‏ (2) لك أبا جعفر، فكنت تقول: يهب اللّه لي غلاما. فقد وهب اللّه لك، فقرّ عيوننا. فلا أرانا اللّه يومك، فان كان كون، فإلى من؟

فأشار بيده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- و هو قائم بين يديه. فقلت: جعلت فداك، هذا أبن ثلاث سنين!؟ قال: و ما يضرّه من ذلك شي‏ء، و قد قام عيسى- (عليه السلام)- بالحجّة، و هو ابن ثلاث سنين.

الحسين بن محمّد (3)، عن الخيرانيّ، عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن- (عليه السلام)- بخراسان‏ (4) فقال له قائل: [يا سيّدي‏] (5)، إن كان كون، فإلى من؟ قال:

إلى أبي جعفر ابني.

فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال أبو الحسن‏ (6)- (عليه السلام)- إنّ اللّه- تبارك و تعالى- بعث عيسى بن مريم رسولا نبيّا صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السّن الّذي فيه أبو جعفر- (عليه السلام).

وَ أَوْصانِي‏، أي: أمرني‏ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31):

قيل‏ (7): زكاة المال إن ملكته، أو تطهير النّفس عن الرّذائل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قال الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ. قال: زكاة الرّؤوس، لأنّ كلّ النّاس ليست لهم أموال، و إنّما الفطرة

____________

(1) الكافي 1/ 383، ح 2.

(2) ليس في س، أ، ن.

(3) الكافي 1/ 384، ح 6.

(4) ليس في م.

(5) من المصدر.

(6) من م.

(7) أنوار التنزيل 2/ 33.

(8) تفسير القمّي 2/ 50.

220

على الفقير و الغنيّ و الصّغير و الكبير.

و في الكافي‏ (1): حدّثني محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم، و أحبّ ذلك إلى اللّه- عزّ و جلّ- ما هو.

فقال: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة. ألا ترى أنّ العبد الصّالح عيسى بن مريم قال: وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا؟!

وَ بَرًّا بِوالِدَتِي‏: و بارّا بها.

عطف على «مباركا».

و قرئ‏ (2) بالكسر، على أنّه مصدر وصف به، أو منصوب بفعل دلّ عليه «أوصاني».

أي: و كلّفني برّا بوالدتي. و يؤيّده القراءة بالكسر و الجرّ عطفا على الصّلاة.

وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32) عند اللّه من فرط التّكبّر.

في عيون الأخبار (3) بإسناده عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث في تعداد الكبائر.

يقول- (عليه السلام)-: و منها عقوق الوالدين. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل العاقّ جبّارا شقيّا في قوله- تعالى- حكاية عن‏ (4) عيسى- (عليه السلام)-: وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.

و في كتاب الخصال‏ (5) عن سماعة بن مهران، عن الصّادق- (عليه السلام)- في حديث طويل، يقول- (عليه السلام)-: و برّ الوالدين، و ضدّه العقوق.

و فيه‏ (6): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: برّوا آباءكم، يبرّكم‏ (7) أبناؤكم.

و عفّوا عن نساء النّاس، [تعفّ نساؤكم‏ (8)] (9).

و في أصول الكافي‏ (10) بإسناده إلى الحكم بن مسكين، عن محمّد بن مروان قال: قال‏

____________

(1) الكافي 3/ 264، ح 1.

(2) أنوار التنزيل 2/ 33.

(3) العيون 1/ 223، ح 33.

(4) المصدر: قال.

(5) الخصال/ 590، ح 13.

(6) نفس المصدر/ 55، ح 75.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تبرّ.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عن نسائكم.

(9) ليس في س.

(10) الكافي 2/ 159، ح 7.

221

أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما يمنع الرّجل منكم أن يبرّ والديه، حيّين أو ميّتين. يصلّي عنهما. و يتصدّق عنهما. و يحجّ عنهما. و يصوم عنهما. فيكون الّذي صنع، لهما، و له مثل ذلك. فيزيده اللّه- عزّ و جلّ- ببرّه وصلته خيرا كثيرا.

وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)، كما هو على يحيى.

و التّعريف للعهد.

قيل‏ (1): و الأظهر أنّه للجنس، و التّعريض باللّعن على أعدائه. فإنّه لمّا جعل جنس السّلام على نفسه، عرّض بأن ضدّه عليهم. كقوله‏ (2)- تعالى-: وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ فإنّه تعريض بأنّ العذاب على من كذّب و تولّى.

في عيون الأخبار (3) بإسناده إلى ياسر الخادم: قال: سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاث مواطن: يوم يولد و يخرج‏ (4) من بطن أمّه، فيرى الدّنيا، و يوم يموت، فيعاين الآخرة و أهلها، و يوم يبعث، فيرى أحكاما لم يرها في دار الدّنيا. و قد سلّم اللّه- عزّ و جلّ- على يحيى في هذه الثّلاثة المواطن، و آمن روعته، فقال: وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. و قد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثّلاثة المواطن، فقال: وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5): عن وهب بن منبّه اليماني‏ (6) قال: إنّ يهوديّا سأل النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، أ كنت في أمّ الكتاب نبيّا قبل أن يخلق آدم‏ (7)؟

قال: نعم.

قال: و هؤلاء أصحابك المؤمنون مثبّتون معك قبل أن يخلقوا؟ قال: نعم.

قال: فما شأنك لم تتكلّم بالحكمة حين خرجت من بطن أمّك، كما تكلّم عيسى بن مريم على زعمك، و قد كنت قبل ذلك نبيّا!؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 33.

(2) طه/ 47.

(3) العيون 1/ 201، ح 11.

(4) كذا خ المصدر. و في النسخ: يوم ولد و يوم يخرج.

(5) العلل/ 79- 80، ح 1.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: وهب السمّاني.

(7) المصدر: «تخلق» بدل «يخلق آدم».

222

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّه ليس أمري كأمر عيسى بن مريم. إنّ عيسى بن مريم خلقه اللّه- عزّ و جلّ- من أمّ ليس له أب، كما خلق آدم من غير أب و لا أمّ. و لو أنّ عيسى حين خرج من أمّه، لم ينطق بالحكمة، لمن يكن لأمّه عذر عند النّاس،- و قد أتت به من غير أب- و كانوا يأخذونها، كما يؤخذ به مثلها من المحصنات. فجعل اللّه- عزّ و جلّ- منطقه عذرا لأمّه.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد [بن محمّد] (2) بن عبد اللّه، عن أبي مسعود (3)، عن عبد اللّه بن إبراهيم الجعفريّ قال: سمعت إسحاق بن جعفر يقول: [سمعت أبي يقول:] (4) الأوصياء إذا حملت بهم أمّهاتهم- إلى قوله:- فإذا كان اللّيلة الّتي تلد فيها، ظهر لها في البيت نور تراه و لا يراه غيرها إلّا أبوه. فإذا ولدته، ولدته قاعدا، و نفجت‏ (5) له حتّى يخرج متربّعا. ثمّ‏ (6) يستدير (7) بعد وقوعه إلى الأرض، فلا يخطئ القبلة حيث كانت بوجهه. ثمّ يعطس ثلاثا، يشير بإصبعه بالتّحميد. و يقع مسرورا (8) مختونا، و رباعيّتاه من فوق و أسفل و ناباه و ضاحكاه، و من بين يديه مثل سبيكة الذّهب نور. و يقيم يومه و ليلته تسيل يداه ذهبا. و كذلك الأنبياء إذا ولدوا. و إنّما الأوصياء أعلاق من الأنبياء.

و في أمالي الصّدوق‏ (9)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- قال: لمّا ولد عيسى بن مريم- (عليه السلام)- كان ابن يوم كأنّه ابن شهرين. فلمّا كان ابن سبعة أشهر، أخذته‏ (10) والدته، و جاءت به إلى‏ (11) الكتاب، و أقعدته بين يدي المؤدّب.

فقال له المؤدّب: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. [فقال عيسى- (عليه السلام)- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*] (12).

____________

(1) الكافي 1/ 387- 388، ح 5.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: ابن مسعود.

(4) من المصدر.

(5) أي: ارتفعت. و في المصدر: تفتّحت. في س، أ: نفخت.

(6) ليس في المصدر.

(7) س، أ، م: يستدبر.

(8) أي: مقطوع السرّة.

(9) الأمالي/ 260، ح 1.

(10) المصدر: أخذت.

(11) ليس في المصدر.

(12) ليس في ع.

223

فقال له المؤدّب: قل: أبجد. فرفع عيسى- (عليه السلام)- رأسه فقال: و هل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرّة ليضربه‏ (1). فقال: يا مؤدّب، لا تضربني. إن كنت تدري، و إلّا فسلني، حتّى أفسّر لك. قال: فسّر لي.

فقال عيسى- (عليه السلام)-: الألف آلاء اللّه. و الباء بهجة اللّه‏ (2). و الجيم جمال اللّه. و الدّال دين اللّه. هوّز: الهاء هول جهنّم. و الواو ويل لأهل النّار. و الزّاء زفير جهنّم. حطّي: حطّت الخطايا عن المستغفرين. كلمن: كلام اللّه، لا مبدّل لكلماته.

سعفص: صاع بصاع، و الجزاء بالجزاء. قرشت: قرشهم فحشرهم.

فقال المؤدّب: أيّتها المرأة، خذي بيد ابنك [، فقد علم‏] (3) و لا حاجة له في المؤدّب.

ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ‏: الّذى تقدّم نعته، هو عيسى بن مريم، لا ما تصفه النّصارى.

و هو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ و الطّريق البرهانيّ، حيث جعله الموصوف بأضداد ما يصفونه، ثمّ عكس الحكم.

قَوْلَ الْحَقِ‏:

خبر مبتدأ محذوف. أي: هو قول الحقّ الّذي لا ريب فيه. و الإضافة للبيان.

و قيل‏ (4): صفة عيسى أو بدله. أو خبر ثان معناه. و كلمة اللّه.

و قرأ (5) عاصم و ابن عامر و يعقوب: «قول» بالنّصب، على أنّه مصدر مؤكّد.

و قرئ‏ (6): «قال الحقّ» و هو بمعنى القول.

الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ‏ (34): في أمره يشكّون، أو يتنازعون، فقالت اليهود: ساحر، و قالت النّصارى: ابن اللّه.

و قرئ‏ (7) بالتّاء، على الخطاب.

ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ‏:

تكذيب للنصارى و تنزيه للّه عمّا بهتوه.

إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (35):

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ليضرب.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و الباء بهجته.

(3) من م.

4 و 5 و 6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 33.

224

تبكيت لهم بانّ من إذا أراد شيئا (1) أوجده ب «كن»، كان منزّها من شبه الخلق و الحاجة في اتّخاذ الولد بإحبال الإناث.

و قرئ‏ (2): «فيكون»- بالنّصب- على الجواب.

وَ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏ (36):

سبق تفسيره في سورة آل عمران.

و قرئ‏ (3): «و أنّ»- بالفتح- على و لأنّ، أو على أنّه معطوف على الصّلاة.

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ‏: اليهود و النّصارى. أو فرق النّصارى. نسطوريّة قالوا: إنّه ابن اللّه. و يعقوبيّة قالوا: هو اللّه. هبط إلى الأرض، ثمّ صعد (4) إلى السّماء.

و ملكانيّة قالوا، هو عبد اللّه و نبيّه.

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (37): من شهود يوم عظيم هو له و حسابه و جزاؤه، و هو يوم القيامة. أو من وقت الشّهود. أو مكانه فيه. أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. و هو أن يشهد عليهم الملائكة و الأنبياء و ألسنتهم بالكفر و الفسوق. أو من وقت الشّهادة. أو من مكانها.

و قيل‏ (5): هو ما به شهدوا في عيسى و أمّه.

في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم‏ (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أنزل في الكيل‏ (8): وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏. و لم يجعل الويل لأحد حتّى يسمّيه كافرا. قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.

أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ:

تعجّب معناه أنّ أسماعهم و أبصارهم، يَوْمَ يَأْتُونَنا- أي: يوم القيامة- جدير بأن يتعجّب منهما بعد ما كانوا صمّا و عميا في الدّنيا. أو تهديد بما سيسمعون و سيبصرون‏

____________

(1) ليس في س و أ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 33.

(3) نفس المصدر/ 34.

(4) ليس في س، أ، ن.

(5) أنوار التنزيل 2/ 34.

(6) الكافي 2/ 32، ح 1.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سليم.

(8) المطفّفين/ 1.

225

يومئذ.

و قيل‏ (1): أمر بأن يسمعهم و يبصرهم مواعيد ذلك اليوم و ما يحيق بهم فيه. و المجرور على الأوّلين في موضع الرّفع بالفاعليّة. و على الثّالث في موضع النّصب بالمفعوليّة.

لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (38):

أوقع الظّالمين موقع الضّمير، إشعارا بأنّهم ظلموا أنفسهم، حيث أغفلوا الاستماع و النّظر حين ينفعهم. و سجّل على إغفالهم بأنّه ضلال.

وَ أَنْذِرْهُمْ‏ (2) يَوْمَ الْحَسْرَةِ: يتحسّر فيه النّاس، المسي‏ء على إساءته، و المحسن على قلّة إحسانه.

و في كتاب معاني الاخبار (3): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن القاسم بن محمّد الأصفهانيّ، عن [سليمان بن‏] (4) داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال: يَوْمَ الْحَسْرَةِ يوم يؤتى بالموت فيذبح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (6) قال: سئل عن قوله: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ.

قال: ينادي مناد من عند اللّه عزّ و جلّ- و ذلك بعد ما صار أهل الجنّة في الجنّة، و أهل النّار في النّار-: يا أهل الجنّة! و يا أهل النّار! هل تعرفون الموت في صورة من الصّور؟ فيقولون: لا.

فيؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنّة و النّار. ثمّ ينادون جميعا:

أشرفوا و انظروا إلى الموت. فيشرفون. ثمّ يأمر اللّه- عزّ و جلّ- به، فيذبح. ثمّ يقال: يا أهل الجنّة! خلود، فلا موت أبدا. و يا أهل النّار! خلود، فلا موت أبدا. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ. أي: قضي على أهل الجنّة بالخلود فيها، [و قضي على أهل النّار بالخلود فيها] (7).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 34.

(2) اوّل الآية لا يوجد في م.

(3) المعاني/ 156، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) تفسير القمّي 2/ 50.

(6) ليس في ع و ن.

(7) ليس في أ.

226

و في مجمع البيان‏ (1): و روى مسلم في الصّحيح، بالإسناد عن أبي سعيد الخدريّ قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، و أهل النّار النّار، قيل: يا أهل الجنّة! فيشرفون‏ (2) و ينظرون. [و قيل: يا أهل النّار! فيشرفون‏ (3) و ينظرون‏] (4).

فيجاء بالموت كأنّه كبش أملح. فيقال لهم: هل‏ (5) تعرفون الموت؟ فيقولون: هذا هذا. و كلّ قد عرفه.

قال: فيقدّم‏ (6)، فيذبح. ثمّ يقال: يا أهل الجنّة! خلود فلا موت. و يا أهل النّار! خلود فلا موت. قال: فذلك قوله: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ (الآية) (7).

و رواه أصحابنا (8) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام). ثمّ جاء في آخره: فيفرح أهل الجنّة فرحا لو كان أحد يومئذ ميّتا، لماتوا فرحا. و يشهق أهل النّار شهقة لو كان أحد ميّتا، لماتوا.

إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ: فرغ من الحساب، و تصادر الفريقان إلى الجنّة [و النّار] (9).

و «إذ» بدل من اليوم. أو ظرف للحسرة.

وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (39):

حال متعلّقة بقوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏. و ما بينهما اعتراض. أو ب «أنذرهم». أي:

أنذرهم غافلين غير مؤمنين. فتكون حالا متضمّنة للتّعليل.

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها، لا يبقى لأحد غيرنا لا عليها و لا عليهم ملك و لا ملك. أو: نتوفّى الأرض و من عليها بالإهلاك و الإفناء، توفّي الوارث لإرثه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): قال: كلّ شي‏ء خلقه اللّه يرثه اللّه يوم القيامة.

____________

(1) المجمع 3/ 515.

2 و 3- المصدر: فيشرئبون.

(4) ليس في م.

(5) ليس في المصدر.

(6) ليس في س، أ، ن.

(7) في هامش نسخة «م»:

و الجمع بين الخبرين أنّه إذا نودوا قبل ما ورد الموت مجسّما في صورة من الصّور، كما يشعر به الخبر الأوّل لا يعرفونه لعدم مشاهدتهم إيّاه مجسّما، أو لعدم إيقانهم بتجسيم الأعراض سيما الموت لأنّه من الأمور الّتي لها وجود في نفس الأمر دون الوجود الخارجيّ.

نعم يتّصف به الأشياء في الخارج كالعمى. و إذا نودوا بعد ما رأوه مصورا عرفوه بإلهام أو غير ذلك.

فيقولون: هذا- و اللّه يعلم- كما هو الخطّ من الجزء الثّاني.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) ليس في ن.

(10) تفسير القمّي 2/ 51.

227

وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ‏ (40): يردّون للجزاء.

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً: ملازما للصّديق، كثير التصديق‏ (1) لكثرة ما صدّق به من غيوب اللّه و آياته و كتبه و رسله.

نَبِيًّا (41): استنبأه اللّه.

إِذْ قالَ‏:

بدل من إبراهيم، و ما بينهما اعتراض. أو متعلّق ب «صدّيقا» أو «نبيّا».

لِأَبِيهِ‏:

قد سبق الكلام في كونه أباه، أو أنّه كان عمّه أو جدّه لأمّه، لطهارة آباء الأنبياء عن الشّرك.

يا أَبَتِ‏:

التّاء معوّضة عن ياء الإضافة. فلا يقال: يا أبتي، و يقال: يا أبتا. و إنّما تذكّر للاستعطاف، فلذلك كرّرها.

لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ فيعرف حالك، و يسمع ذكرك، و يرى خضوعك!؟

وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) في جلب نفع و دفع ضرّ!؟

دعاه إلى الهدى، و بيّن ضلاله، و احتجّ عليه أبلغ احتجاج و أرشقه برفق و حسن أدب [حيث لم يصرّح بضلاله‏] (2)، بل طلب العلّة الّتي تدعوه [إلى عبادة ما يستخفّ به العقل الصّريح، و يأبى الرّكون إليه، فضلا عن عبادته الّتي (هي غاية) (3)] (4) التّعظيم، و لا تحقّ إلّا لمن له الاستغناء التّامّ و الإنعام العامّ‏ (5).

ثمّ دعاه إلى أن يتّبعه، ليهديه إلى الحقّ القويم، فقال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43). و لم يصفه بالجهل المفرط، و لا نفسه بالعلم الفائق، بل نفسه كرفيق في طريق‏ (6) يكون أعرف به.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 34. و في النسخ:

الصدق.

(2) من ع.

(3) ليس في أ.

(4) ليس في س.

(5) من ع.

(6) س، م، ن: مسير طريق.

228

ثمّ ثبّطّه عمّا كان عليه، بأنّه مع خلوّه عن النّفع، مستلزم للضّرّ. فإنّه في الحقيقة عبادة الشّيطان من حيث إنّه الآمر به. فقال:

يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ‏:

استهجن ذلك. و بيّن وجه الضّرّ فيه، بأنّ الشّيطان مستعص على ربّك المولى المنعم بقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44). و معلوم أنّ المطاوع للعاصي عاص. و كلّ عاص حقيق بأن تستردّ منه النّعم، و ينتقم منه. و لذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته و ما يجرّ إليه، فقال:

يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45): قرينا في اللّعن و العذاب، تليه و يليك. أو: ثابتا في موالاته، فإنّه أكبر من العذاب. كما أنّ رضوان اللّه أكبر من الثواب.

و ذكر الخوف و المسّ، و تنكير العذاب، إمّا للمجاملة، أو لخفاء العاقبة.

و لعلّ اقتصاره على عصيان الشّيطان من جناياته، لارتقاء همّته في الرّبّانيّة. أو لأنّه ملاكها. أو لأنّه من حيث إنّه نتيجة (1) معاداته لآدم و ذرّيّته و منبّه عليها.

قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ‏:

قابل استعطافه و لطفه في الإرشاد، بالفظاظة و غلظة العناد. فناداه باسمه، و لم يقابل «يا أبت» ب: «يا بنيّ». و أخّره، و قدّم الخبر على المبتدأ و صدّره بالهمزة، لإنكار نفس الرّغبة على ضرب من التّعجّب، كأنّها ممّا لا يرغب عنها عاقل. ثمّ هدّده فقال:

لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ‏ عن مقالك فيها أو الرّغبة [عنها] (2) لَأَرْجُمَنَّكَ‏ بلساني، يعني الشّتم و الذّمّ. أو: بالحجارة، حتّى تموت، أو تبعد منّيّ.

وَ اهْجُرْنِي‏:

عطف على ما دلّ عليه «لأرجمنّك». أي: فاحذرني، و اهجرني.

مَلِيًّا (46): زمانا طويلا. من الملاوة. أو مليا بالذّهاب عنّي.

قالَ‏ إبراهيم:

سَلامٌ عَلَيْكَ‏:

____________

(1) من ع.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 35.

229

توديع و متاركة، و مقابلة للسّيّئة بالحسنة. أي: لا أصيبك‏ (1) بمكروه، و لا أقول لك بعد ما يؤذيك، و لكن‏ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي‏. لعلّه يوفّقك للتّوبة و الإيمان. فإنّ حقيقة الاستغفار للكافر، الدّعاء بالتّوفيق لما يوجب مغفرته.

إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47): بليغا في البرّ و الألطاف.

وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ بالمهاجرة بديني. وَ أَدْعُوا رَبِّي‏ و أعبده وحده.

عَسى‏ أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48): خائبا ضائع السّعي مثلكم في دعاء آلهتكم.

و في تصدير الكلام ب «عسى» التّواضع و هضم النّفس، و التّنبيه على أنّ الإجابة و الاثابة تفضّل غير واجب، و أنّ ملاك الأمر خاتمته، و هو غيب.

في كتاب علل الشّرائع‏ (2) بإسناده إلى ابن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة، فقالوا: ما بال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة و الزّبير و عائشة و معاوية!؟

فبلغ ذلك عليّا- (عليه السلام). فأمر أن ينادى: الصّلاة جامعة (3). فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر. فحمد اللّه، و أثنى عليه. ثمّ قال: معاشر النّاس! إنّه بلغني عنكم كذا و كذا.

قالوا: صدق أمير المؤمنين. قد قلنا ذلك.

قال: إنّ‏ (4) لي بسنّة من‏ (5) الأنبياء أسوة فيما فعلت. قال اللّه- تعالى- في محكم‏ (6) كتابه‏ (7): لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

قالوا: و من هم يا أمير المؤمنين؟

قال: أوّلهم إبراهيم- (عليه السلام)- إذ قال لقومه: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏. فإن قلتم: إنّ إبراهيم اعتزل قومه لغير مكروه أصابه منهم، فقد كفرتم. و إن قلتم:

اعتزلهم لمكروه رآه منهم، فالوصيّ أعذر.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) ليس في ع.

(2) العلل/ 148- 149، ح 7.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الجامعة.

(4) المصدر: فإنّ.

5 و 6- ليس في المصدر.

(7) الأحزاب/ 21.

230

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رحم اللّه عبدا طلب من اللّه- عزّ و جلّ- حاجة، فألحّ في الدّعاء. استجيب له، أو لم يستجب. و تلا هذه الآية: وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى‏ أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا.

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ بالهجرة إلى الشّام، وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ‏ ولدا (2). وَ يَعْقُوبَ‏ ولد ولد، بدل من فارقهم من الكفرة.

قيل‏ (3): لمّا قصد إلى الشّام، أتى أوّلا حرّان، و تزوّج بسارة. و ولدت له إسحاق.

و ولد منه يعقوب. و لعلّ تخصيصهما بالذّكر، لأنّهما شجرتا الأنبياء. أو لأنّه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد.

وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا (49): و كلّا منهما أو منهم.

وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا النّبوّة و الأموال و الأولاد [و كلّ خير دينيّ و دنيويّ‏] (4).

وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50).

لسان الصّدق: الثّناء الحسن. عبّر باللّسان، عمّا يوجد به، كما يعبّر باليد عمّا يطلق باليد، و هو العطيّة. و العليّ: المرتفع. فإنّ كلّ أهل الأديان يتولّونه و يثنون عليه و على ذرّيّته، و يفخرون به. و هي إجابة لدعوته، حيث قال‏ (5): وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ‏. يعني إبراهيم. [وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا] (7) وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا. يعني لإبراهيم و إسحاق و يعقوب من رحمتنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا. يعني أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه).

حدّثني بذلك أبي، عن الحسن بن‏

____________

(1) الكافي 2/ 475، ح 6.

(2) ليس في م.

(3) أنوار التنزيل 2/ 35- 36.

(4) من م.

(5) الشعراء/ 84.

(6) تفسير القمّى 2/ 51.

(7) ليس في ع و ن.

231

عليّ العسكريّ- (عليه السلام).

و ذكر الشّيخ أبو جعفر بن بابويه- (رحمه اللّه)- في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1) و قال ما هذا لفظه: ثمّ غاب إبراهيم الغيبة الثّانية. و ذلك حين‏ (2) نفاه الطّاغوت عن مصر فقال: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى‏ أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا. فقال- تقدّس ذكره- بعد ذلك: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا. يعني به عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). لأنّ إبراهيم- (عليه السلام)- قد كان دعا اللّه- عزّ و جلّ- أن يجعل له لسان صدق في الآخرين. فجعله اللّه- عزّ و جلّ- له و لإسحاق و يعقوب لسان صدق عليّا. [يعني به عليّا] (3).

و ذكر أيضا (4) عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن جدّه أنّه قال: كتبت إلى أبي الحسن- (عليه السلام)- أسأله عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا. فأخذ الكتاب و وقّع تحته: وفّقك اللّه و رحمك، هو أمير المؤمنين- (عليه السلام).

و في شرح الآيات الباهرة (5): و ذكر محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن القاسم قال: حدّثنا أحمد بن محمّد السيّاريّ، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ قوما (6) طالبوني باسم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في كتاب اللّه- عزّ و جلّ. فقلت لهم: من قوله- تعالى-: وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا. فقال: صدقت. هو هكذا.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى [عن عثمان بن عيسى‏] (8)، عن يحيى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- عليه‏

____________

(1) كمال الدين/ 139، ح 7.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «حيث بدل «و ذلك حين».

(3) لا يوجد في المصدر.

(4) لم نعثر عليه في كمال الدين، و لكن أورده في تأويل الآيات الباهرة 1/ 304، ح 9، نقلا عن تفسير القمّي 1/ 51.

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 304، ح 10.

(6) م: قومي.

(7) الكافي 2/ 154، ح 19.

(8) من المصدر.

232

السّلام-: لسان الصّدق للمرء (1) يجعله‏ (2) اللّه في النّاس، خير (3) من المال يأكله و يورثه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (4): قال- (عليه السلام)‏- ألا و إنّ اللّسان الصّالح يجعله اللّه للمرء في النّاس، خير له من المال يورثه من لا يحمده‏

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى‏ إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً: موحّدا أخلص عبادته عن الرّياء، و أسلم وجهه للّه، و أخلص نفسه عمّا سواه.

و قرئ‏ (5) بالفتح، على أنّ اللّه أخلصه.

وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51): أرسله اللّه إلى الخلق، فأنبأهم عنه. و لذلك قدّم «رسولا» مع أنّه أخصّ و أعلى.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، [عن أحمد بن محمّد] (7)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا ما الرّسول؟ و ما النّبيّ؟ قال: النّبيّ الّذي يرى في المنام‏ (8)، و يسمع الصّوت، و لا يعاين الملك. و الرّسول الّذي يسمع الصّوت، و يرى في المنام، و يعاين الملك.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ‏: من ناحيته اليمنى. و هي الّتي يلي يمين موسى. أو: من جانبه الميمون- من اليمن- بأن تمثّل له الكلام من تلك الجهة.

وَ قَرَّبْناهُ‏ تقريب تشريف.

شبّهه بمن قرّبه الملك لمناجاته.

نَجِيًّا (52): مناجيا.

حال من أحد الضّميرين.

و قيل‏ (9): مرتفعا. من النّجوة، و هو: الارتفاع. حال من المفعول. لما

روي‏ أنّه رفع‏

____________

(1) من ع.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يجعل.

(3) المصدر: خيرا.

(4) نهج البلاغة/ 177، الخطبة 120.

(5) أنوار التنزيل 2/ 36.

(6) الكافي 1/ 176، ح 1.

(7) ليس في أ و ن.

(8) المصدر: منامه.

(9) أنوار التنزيل 2/ 36.

233

فوق السّموات حتّى سمع صرير القلم.

في بصائر الدّرجات‏ (1): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضّالة بن أيّوب، عن عمر (2) بن أبان، عن أديم أخي أيّوب، عن حمران [بن أعين‏] (3) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك: بلغني أنّ اللّه- تبارك و تعالى- ناجى عليّا- (عليه السلام). قال: أجل، قد كان بينهما مناجاة بالطّائف، نزل بينهما جبرئيل.

إبراهيم بن هشام‏ (4)، عن يحيى بن عمران، عن يونس، عن حمّاد بن عثمان، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ سلمة بن كهيل يروي في عليّ أشياء (5).

قال: ما هي؟

قلت: حدّثني أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان محاصرا أهل الطّائف و أنّه خلا بعليّ يوما. فقال رجل من أصحابه: عجبا لما نحن فيه [من الشّدّة] (6) و إنّه يناجي هذا الغلام [مثل اليوم‏ (7)]؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما أنا بمناج له. إنّما يناجي ربّه.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: [إنّما] (8) هذه أشياء يعرف‏ (9) بعضها من بعض.

محمّد بن عيسى‏ (10)، عن القاسم بن عروة، عن عاصم عن معاوية، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللّه قال: لمّا كان يوم الطّائف، ناجى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا (11). فقال أبو بكر و عمر: انتجيته [دوننا!؟ فقال: ما انتجيته‏] (12)، بل اللّه ناجاه.

عليّ بن محمّد (13) قال: حدّثني حمدان بن سليمان [النيشابوري‏] (14) قال: حدّثني عبد اللّه بن محمّد اليمانيّ، عن منيع، عن يونس، عن عليّ بن أعين، عن أبي رافع قال: لمّا

____________

(1) البصائر/ 430، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و جامع الرواة 1/ 629. و في النسخ: عمرو.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 431، ح 4. كذا فيه، و رجال النجاشي/ 18. و في النسخ: هشام.

(5) المصدر: شيئا.

(6) ليس في المصدر.

(7) ليس في م. و في المصدر: منذ اليوم.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: نعرف.

(10) نفس المصدر، ح 4.

(11) ليس في المصدر.

(12) ليس في م.

(13) نفس المصدر، ح 5.

(14) من المصدر.

234

دعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا يوم خيبر، فتفل في عينيه. ثمّ قال له: إذا أنت فتحتها، فقف بين النّاس، فإنّ اللّه أمرني بذلك.

قال أبو رافع: فمضى عليّ و أنا معه. فلمّا أصبح، افتتح خيبر و (1) بخيبر وقف بين‏ (2) النّاس، و أطال الوقوف. فقال النّاس: إنّ عليّا يناجي ربّه. فلمّا مكث [ساعة] (3) أمر بانتهاب المدينة الّتي فتحها.

قال أبو رافع: فأتيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقلت: إنّ عليّا وقف بين النّاس كما أمرته، فقال قوم‏ (4): اللّه ناجاه. فقال: نعم يا أبا رافع‏ (5)، إنّ اللّه ناجاه يوم الطّائف، و يوم عقبة تبوك، و يوم حنين‏ (6).

و عنه‏ (7) بهذا الإسناد، عن منيع، عن يونس، عن عليّ بن أعين، [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (8) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأهل الطّائف: لأبعثنّ إليكم رجلا كنفسي يفتح اللّه‏ (9) به الخيبر. سوطه‏ (10) سيفه‏ (11). فتشرّف النّاس لها (12). فلمّا أصبح، دعا عليّا، فقال: اذهب إلى الطّائف‏ (13).

ثمّ أمر اللّه- عزّ و جلّ- النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يرحل‏ (14) إليها بعد أن دخله‏ (15) عليّ- (عليه السلام). فلمّا صار إليها، كان عليّ‏ (16) على رأس الجبل. فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اثبت. فثبت. فسمعنا (17) مثل صرير الرّحا (18). فقيل‏ (19). ما هذا يا رسول اللّه!؟ قال: إنّ اللّه يناجي عليّا- (عليه السلام).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «بخيبر» بدل «افتتح خيبر و».

(2) ليس في م.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: «قال قوم منهم يقول: إنّ» بدل:

«فقال قوم».

(5) المصدر: يا رافع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: خيبر.

(7) نفس المصدر/ 432، ح 10.

(8) من المصدر.

(9) من م.

(10) ليس في ن.

(11) المصدر: سيفه سوطه.

(12) المصدر: فيشرف الناس له.

(13) المصدر: بالطائف.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: يدخل.

(15) المصدر: رحله.

(16) ليس في المصدر.

(17) المصدر: سمعناه.

(18) المصدر: الرجل.

(19) المصدر: فقال.

235

وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا: من أجل رحمتنا- أو: بعض رحمتنا- أَخاهُ‏:

معاضدة أخيه و مؤازرته، إجابة لدعوته: وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي‏ (1). فإنّه كان أسنّ من موسى بأربع سنين. و هو مفعول أو بدل.

هارُونَ‏:

عطف بيان له.

نَبِيًّا (53):

حال منه.

في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2): حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق- رضي اللّه عنه- قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ قال: حدّثنا علي بن الحسن بن [عليّ بن‏] (3) فضّال، عن أبيه، عن هشام بن سالم قال: قلت للصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: الحسن أفضل أم الحسين- (عليهما السلام)؟

فقال: الحسن أفضل من الحسين- (عليهما السلام).

قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون الحسن‏ (4)؟

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يرد بذلك إلّا (5) أن يجعل سنّة موسى و هارون جارية في الحسن و الحسين- (عليهما السلام). ألا ترى أنّهما كانا شريكين في النّبوّة، كما كان الحسن و الحسين شريكين في الإمامة، و أنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل النّبوّة في ولد هارون، و لم يجعلها في ولد موسى، و إن كان موسى أفضل من هارون- (عليه السلام).

و بإسناده‏ (6) إلى محمّد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: عاش موسى- (عليه السلام)- مائة و ستّة (7) و عشرين سنة. و عاش هارون مائة و ثلاثة و ثلاثين سنة.

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ:

____________

(1) طه/ 29.

(2) كمال الدين 416، ح 9.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: دون ولد الحسن.

(5) المصدر: «أحبّ» بدل «لم يرد بذلك إلّا».

(6) نفس المصدر/ 523- 524، ح 3.

(7) م: تسعة.

236

ذكره بذلك لأنّه المشهور به و الموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره.

في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاث من كنّ فيه، كان منافقا، و إن صام و صلّى و زعم أنّه [مسلم: من إذا ائتمن، خان، و إذا حدّث، كذب، و إذا وعد، أخلف. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه‏ (2): إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏. و قال‏ (3): أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ‏] (4) إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏. و في قوله- تعالى-: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ (الآية).

ابن أبي عمير (5)، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّما سمّي‏ (6) إسماعيل صادق الوعد، لأنّه وعد رجلا في مكان، فانتظره [في ذلك المكان‏] (7) سنّة. فسمّاه اللّه- تعالى- صادق الوعد. ثمّ‏ (8) إنّ الرّجل أتاه بعد ذلك. فقال له إسماعيل: ما زلت منتظرا لك.

و في عيون الأخبار (9) بإسناده إلى سليمان الجعفريّ، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: أ تدري لم سمّي إسماعيل صادق الوعد؟ قال: قلت: لا أدري. قال: وعد رجلا، فجلس حولا ينتظره.

وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54):

في مجمع البيان‏ (10): هو إسماعيل بن إبراهيم. إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ. و كان إذا وعد بشي‏ء وفى به، و لم يخلف. «و كان» مع ذلك «رسولا نبيّا» إلى جرهم‏ (11).

و قيل‏ (12): إنّ إسماعيل بن إبراهيم مات قبل أبيه. و إنّ هذا هو إسماعيل بن حزقيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (13): وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ

____________

(1) الكافي 2/ 290- 291، ح 8.

(2) الأنفال/ 58.

(3) النور/ 7.

(4) ليس في ن.

(5) نفس المصدر 2/ 105، ح 7.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يسمى.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: ثم [قال‏].

(9) العيون 2/ 77، ح 9.

(10) المجمع 3/ 518.

(11) جرهم: إحدى قبائل العرب.

(12) نفس المصدر و الموضع.

(13) تفسير القمي 2/ 51.

237

. قال: وعد وعدا، فانتظر صاحبه سنة. و هو إسماعيل بن حزقيل.

و. في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، في باب العلّة الّتي من أجلها سمّي إسماعيل بن حزقيل صادق الوعد: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- قال:

حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن يعقوب بن يزيد (2)، عن محمّد بن أبي عمير و محمّد بن سنان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ إسماعيل الّذي قال اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا لم يكن إسماعيل بن إبراهيم، بل كان‏ (3) نبيّا من الأنبياء، بعثه اللّه إلى قومه، فأخذوه فسلخوا فروة رأسه و وجهه. فأتاه ملك فقال: إنّ اللّه- جلّ جلاله- بعثني إليك. فمرني بما شئت. فقال: لي أسوة بما يصنع بالحسين‏ (4)- (عليه السلام).

و بإسناده‏ (5) إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: انّ إسماعيل‏ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا سلّط عليه قومه، فقشروا جلدة وجهه‏ (6) و فروة رأسه. فأتاه رسول من ربّ العالمين، فقال له: ربّك يقرئك السّلام و. يقول: قد رأيت ما صنع بك، و قد أمرني بطاعتك. فمرني بما شئت. فقال يكون لي بالحسين بن عليّ- (عليه السلام)- أسوة.

أقول: و يمكن حمل الأخبار الأوّلة الّتي استدلّ بها من قال بأنّه إسماعيل بن إبراهيم على هذه. لأنّها مطلقة و هذه مقيّدة. و الواجب أن تحمل المطلقة على المقيّدة.

و أمّا ما قيل من أنّ إسماعيل بن إبراهيم مات قبل أبيه، ففي كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: عاش إسماعيل بن إبراهيم- (عليهما السلام)- مائة و عشرين سنة.

وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ اشتغالا بالأهمّ، و هو أن يقبل الرّجل على نفسه و من هو أقرب النّاس إليه.

____________

(1) العلل/ 77- 78، ح 2.

(2) كذا في المصدر و رجال النجاشي/ 1215.

و في النسخ: زيد.

(3) من ع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بالأنبياء.

(5) نفس المصدر/ 78، ح 3.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فقشروا جلده و وجهه.

(7) كمال الدين/ 523- 524، ح 3.

238

وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) لاستقامة أقواله و أحواله و أفعاله.

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ‏:

قيل‏ (1): هو سبط شيث و جدّ أبي نوح، و اسمه: أخنوخ.

و روي‏ (2) أنّه أنزل عليه ثلاثون صحيفة. و أنّه أوّل من خطّ بالقلم، و نظر في علم النّجوم و الحساب، و أوّل من خاط الثّياب، و كانوا يلبسون الجلود. و اشتقاقه من الدرس، يردّه منع صرفه. نعم، لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللّغة قريبا من ذلك، فلقّب به لكثرة درسه.

إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56):

في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3) بإسناده إلى إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهم السلام)- قال: كان [بدء] (4) نبوّة إدريس- (عليه السلام)- أنّه كان في زمانه ملك جبّار، و أنّه ركب ذات يوم في بعض نزهة. فمرّ بأرض خضرة [نضرة] (5) لعبد مؤمن من الرّافضة فأعجبته. فسأل وزراءه: لمن هذه الأرض؟ قالوا: لعبد مؤمن من عبيد الملك، فلان الرافضيّ. فدعا به، فقال له: أمتعني بأرضك هذه. فقال له: عيالي أحوج إليها منك. قال: فسمني بها أثمن لك‏ (6). قال: لا أمتعك بها، و لا أسومك. دع عنك ذكرها! فغضب الملك عند ذلك. و أسف و انصرف إلى أهله، و هو مغموم متفكّر في أمره.

و كانت له امرأة من الأزارقة (7)، و كان بها معجبا يشاورها في الأمر إذا نزل به. فلمّا استقرّ في مجلسه، بعث إليها يشاورها في أمر صاحب الأرض. فخرجت إليه، فرأت في وجهه الغضب. فقالت: أيّها الملك، ما الّذي دهاك حتّى بدا الغضب في وجهك قبل فعلك؟

فأخبرها بخبر الأرض، و ما كان من قوله لصاحبها [و من قول صاحبها] (8) له. فقالت:

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 36- 37.

(3) كمال الدين/ 127- 133.

4 و 5- من المصدر.

(6) أي: بعني أعطيك الثّمن.

(7) الأزارقة من الخوارج أصحاب نافع بن الأزرق كفرّوا عليّا (عليه السلام) و أصحابه، و جوّزوا قتل مخالفيهم و سبي نسائهم.

فقيل: إنّ المراد في الحديث أنّ المرأة كانت بصفة الأزارقة، فكما أنّ الأزارقة يرون غير أهل نحلتهم مشركا و سيتحلّون دمه و أمواله فكذلك هذه المرأة.

(8) من المصدر.

239

أيّها الملك إنّما يغتمّ و يهتمّ من لا يقدر على التّغيير و الانتقام. فإن كنت تكره أن تقتله بغير حجّة، فأنا أكفيك أمره، و أصيّر أرضه إليك‏ (1) بحجّة لك فيها العذر عند أهل مملكتك.

قال: و ما هي؟ قالت: أبعث إليه أقواما من أصحابي من الأزارقة حتّى يأتوك به، فيشهدوا عليه عندك أنّه قد بري‏ء من دينك. فيجوز لك قتله و أخذ أرضه. قال: فافعلي ذلك.

قال: و كان لها أصحاب من الأزارقة على دينها، يرون قتل الرّافضة (2) من المؤمنين.

فبعثت إلى قوم من الأزارقة. فأتوها. فأمرتهم أن يشهدوا على فلان الرّافضي عند الملك أنّه قد بري‏ء من دين الملك. [فشهدوا عليه أنّه قد بري‏ء من دين الملك‏] (3). فقتله، و استخلص أرضه.

فغضب اللّه- تعالى- للمؤمن عند ذلك. فأوحى اللّه إلى إدريس أن ائت عبدي هذا الجبّار، فقل له: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما، حتّى استخلصت أرضه خالصة لك، فأحوجت عياله من بعده و أجعتهم!؟ أما- و عزّتي- لأنتقمنّ له منك في الآجل. و لأسلبنّك ملكك في العاجل. و لأخربنّ مدينتك. و لأذلّنّ عزّك. و لأطعمنّ الكلاب لحم امرأتك. فقد غرّك- يا مبتلى- حلمي عنك! فأتاه إدريس- (عليه السلام)- برسالة ربّه، و هو في مجلسه، و حوله أصحابه. فقال:

أيّها الجبّار! إنّي رسول اللّه إليك، و هو يقول لك: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما (4)، حتّى استخلصت أرضه خالصة لك، و أحوجت عياله من بعده، و أجعتهم!؟ أما- و عزّتي- لأنتقمنّ له منك في الآجل. و لأسلبنّك ملكك في العاجل. و لأخربنّ مدينتك و لأذلّنّ عزّك. و لأطعمنّ الكلاب لحم امرأتك. فقال الجبّار: اخرج عنّي يا إدريس! فلن تسبقني بنفسك‏ (5).

____________

(1) المصدر: بيديك.

(2) المصدر: الروافض.

(3) من المصدر.

(4) ليس في أ، س، م.

(5) أي: فلن تسبقني بنفسك. و هو تهديد بالقتل، أي: لا يمكنك الفرار بنفسك و التّقدّم بحيث لا يمكنني اللّحوق بك لإهلاكها. أو لا تغلبني في أمر نفسك بأن تتخلّصها منّي.

و يحتمل أن يكون المراد: لا تغلبني متفرّدا بنفسك من غير معاون فلم تتعرض لي. قاله المجلسيّ (ره)

240

ثمّ أرسل إلى امرأته. فأخبرها بما جاء به إدريس. فقالت‏ (1): لا يهوّلنّك [رسالة إله إدريس. أنا أكفيك أمر إدريس. أنا (2) أرسل اللّه من يقتله فتبطل‏] (3) رسالة إلهه و كلّما جاء به. قال: فافعلي.

قال: فكان لإدريس أصحاب من الرّوافض مؤمنون، يجتمعون إليه في مجلس له، فيأنسون به، و يأنس بهم. فأخبرهم إدريس بما كان من وحي اللّه- عزّ و جلّ- اليه و رسالته إلى الجبّار، [و ما كان من تبليغه رسالة اللّه إلى الجبّار] (4) فأشفقوا (5) على إدريس أصحابه و خافوا عليه القتل.

و بعثت امرأة الجبّار إلى إدريس‏ (6) أربعين رجلا من الأزارقة ليقتلوه. فأتوه في مجلسه الّذي كان يجتمع إليه فيه أصحابه. فلم يجدوه. فانصرفوا، و قد رآهم أصحاب إدريس، فحسبوا أنّهم أتوا إدريس ليقتلوه. فتفرّقوا في طلبه. فلقوه، فقالوا له: خذ حذرك يا إدريس! فإنّ الجبّار قاتلك. قد بعث اليوم أربعين رجلا من الأزارقة ليقتلوك. فاخرج من هذه القرية.

فتنحّى إدريس عن القرية من يومه ذلك، و معه نفر من أصحابه. فلمّا كان في السّحر، ناجى إدريس ربّه فقال: يا ربّ، بعثتني إلى جبّار، فبلّغت رسالتك. و قد توعّدني هذا الجبّار بالقتل، بل هو قاتلي، إن ظفر بي. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ إليه- أن: تنحّ عنه، و اخرج من قريته. و خلّني و إيّاه. فو عزّتي، لأنفذن فيه أمري. و لأصدّقنّ قولك فيه، و ما أرسلتك به إليه.

فقال إدريس: يا ربّ، إنّ لي حاجة. قال اللّه- عزّ و جلّ-: سلها، تعطها. قال:

أسألك أن لا تمطر السّماء على هذه القرية و ما حولها و ما حوت عليه، حتّى أسألك ذلك.

قال اللّه- عزّ و جلّ-: يا إدريس، إذا تخرب القرية، و يشتدّ جهد أهلها و يجوعون! قال إدريس: و إن خربت، و جهدوا و جاعوا. قال اللّه- عزّ و جلّ-: إنّي قد أعطيتك ما سألت. و لن أمطر السّماء عليهم حتّى تسألني ذلك. و أنا أحقّ من وفى بوعده.

____________

(1) المصدر: فقال.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في ع.

(4) ليس في س و أ.

(5) كذا. و الأصحّ: فأشفق. و في المصدر:

فأشفقوا على إدريس و أصحابه و ...

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إليه.

241

فأخبر إدريس أصحابه بما سأل اللّه من حبس المطر عليهم، و بما أوحى اللّه إليه و وعده أن لا يمطر السّماء على قريتهم‏ (1) حتّى يسأله ذلك. فاخرجوا- أيّها المؤمنون- من هذه القرية إلى غيرها من القرى. فخرجوا منها، و عدّتهم يومئذ عشرون رجلا. فتفرّقوا في القرى، و شاع خبر إدريس في القرى بما سأل ربّه.

و تنحّى إدريس إلى كهف في الجبل شاهق، فلجأ إليه. و وكّل اللّه- عزّ و جلّ- به ملكا يأتيه بطعامه عند كلّ مساء. و كان يصوم النّهار، فيأتيه الملك بطعامه عند كلّ مساء. و سلب اللّه- عزّ و جلّ- عند ذلك ملك الجبّار، و قتله. و أخرب مدينته. و أطعم الكلاب لحم امرأته، غضبا للمؤمن. فظهر في المدينة جبّار آخر عاص.

فمكثوا بذلك، بعد خروج إدريس عن القرية، عشرين سنّة لم تمطر السّماء عليهم قطرة من مائها (2). فجهد القوم، و اشتدّت حالهم. و صاروا يمتارون الأطعمة (3) من القرى من بعد.

فلمّا جهدوا، مشى بعضهم إلى بعض فقالوا: إنّ الّذي نزل بنا ممّا ترون بسؤال إدريس ربّه أن لا يمطر السّماء علينا حتّى يسأله هو. و قد تنحّى‏ (4) إدريس عنّا، و لا علم لنا بموضعه.

و اللّه أرحم بنا منه. فأجمع أمرهم على أن يتوبوا إلى اللّه و يدعوه، و يفزعوا إليه. و يسألوه أن يمطر السّماء عليهم و ما حوت‏ (5) قريتهم.

فقاموا على الرّماد. و لبسوا المنسوح‏ (6). و حثّوا على رؤوسهم التّراب. و عجّوا إلى اللّه بالتّوبة و الاستغفار و البكاء و التّضرّع إليه.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى إدريس: [يا إدريس‏] (7) إنّ أهل قريتك قد عجّوا إليّ بالتّوبة و الاستغفار و البكاء و التّضرّع. و أنا اللّه الرّحمن الرّحيم. أقبل التّوبة، و أعفو عن السّيّئة. و قد رحمتهم، و لم يمنعني من إجابتهم إلى ما سألوني من المطر إلّا مناظرتك فيما سألتني أن لا أمطر السّماء عليهم [حتّى تسألني. فاسألني- يا إدريس- حتّى أغيثهم‏ (8)،

____________

(1) المصدر: «عليهم» بدل «على قريتهم».

(2) المصدر: «من مائها عليهم» بدل «من مائها».

(3) أي: يجمعونها.

(4) المصدر: خفي.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حول.

(6) كذا في المصدر. و في ع: المنسوج. و في ساير النسخ: المسوخ. و المسوح: جمع المسح: الكساء من شعر كثوب الرهبان.

(7) ليس في م.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أغشيهم.

242

و أمطر السّماء عليهم.] (1) قال إدريس: اللّهمّ إنّي لا أسألك ذلك. قال اللّه- عزّ و جلّ- ألم تسألني- يا إدريس- فأجبتك إلى‏ (2) ما سألت!؟ و أنا أسألك أن تسألني، فلم لا تجيب مسألتي!؟ قال إدريس: اللّهمّ لا أسألك.

قال: فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى الملك الّذي أمره أن يأتي إدريس بطعامه كلّ مساء، أن: احبس عن إدريس طعامه، و لا تأته به. فلمّا أمسى إدريس في ليلة يومه ذلك، فلم يؤت بطعامه، حزن و جاع. فصبر. فلمّا كان في ليلة اليوم الثّاني، فلم يؤت بطعامه، اشتدّ حزنه و جوعه. فصبر (3). فلمّا كانت اللّيلة من اليوم الثّالث، فلم يؤت بطعامه، اشتدّ جهده و جوعه و حزنه، و قلّ صبره. فنادى ربّه: يا ربّ، حبست عنّي رزقي من قبل أن تقبض روحي!؟

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا إدريس، جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة أيّام و لياليها، و لم تجزع و لم تذكر جوع أهل قريتك و جهدهم‏ (4) منذ عشرين سنة! ثمّ سألتك عند (5) جهدهم و رحمتي إيّاهم أن تسألني، فأمطر السّماء عليهم. فلم تسألني، و بخلت عليهم بمسألتك إيّاي! فأدّبتك بالجوع، فقلّ عند ذلك صبرك، و ظهر جزعك.

فاهبط من موضعك، فاطلب المعاش لنفسك! فقد وكلتك في طلبه إلى جدّك. (6) فهبط إدريس- (عليه السلام)- من موضعه إلى قرية يطلب أكلة من جوع. فلمّا دخل القرية، نظر إلى دخان في بعض منازلها. فأقبل نحوه. فهجم على عجوز كبيرة و هي ترقّق قرصتين لها على مقلاة (7). فقال لها: أيّتها المرأة، أطعميني، فإنّي مجهود من الجوع! فقالت له: يا عبد اللّه، ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا نطعمه أحدا- و حلفت أنّها ما تملك غيره شيئا (8)- فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية. فقال لها: أطعميني ما أمسك به روحي، و تحملني به رجلي، إلى أن أطلب. قالت: إنّهما قرصتان، واحدة لي، و الأخرى لابني. فإن أطعمتك قوتي، متّ. و إن أطعمتك قوت ابني، مات. و ما هاهنا فضل أطعمكه. فقال لها: إنّ ابنك صغير يجزئه نصف قرصة، فيحيى به، و يجزئني النّصف‏

____________

(1) ليس في م.

(2) ليس في س، أ، م، ن.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: جوعهم.

(5) المصدر: عن.

(6) المصدر: حيلتك.

(7) المقلاة: وعاء يقلّي فيه الطّعام.

(8) من م.

243

الآخر فأحيى‏ (1) به. و في ذلك بلغة لي و له.

فأكلت المرأة قرصتها. و كسرت الأخرى بين إدريس و بين ابنها. فلمّا رأى ابنها إدريس يأكل من قرصته، اضطرب حتّى مات. قالت أمّه: يا عبد اللّه! قتلت عليّ‏ (2) ابني جزعا على قوته! فقال لها إدريس: فأنا أحييه بإذن اللّه، فلا تجزعي. ثمّ أخذ إدريس- (عليه السلام)- بعضد الصّبيّ. ثمّ قال: أيّتها الرّوح الخارجة عن بدن هذا الغلام بأمر اللّه، ارجعي إلى بدنه بإذن اللّه. و أنا إدريس النّبيّ. فرجعت روح الغلام إليه بإذن اللّه.

فلمّا سمعت المرأة (3) كلام إدريس و قوله: «أنا إدريس» و نظرت إلى‏ (4) ابنها قد عاش بعد الموت، قالت: أشهد (5) أنّك إدريس النّبيّ.

و خرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: أبشروا بالفرج‏ (6)! فقد دخل إدريس في قريتكم.

و مضى إدريس حتّى جلس على موضع مدينة الجبّار الأوّل فوجدها و هي تلّ‏ (7).

فاجتمع اليه أناس من أهل قريته فقالوا له: يا إدريس! أما رحمتنا في هذه العشرين سنة الّتي جهدنا فيها و متنا من‏ (8) الجوع و الجهد فيها!؟ فادع اللّه لنا أن يمطر السّماء علينا. قال:

لا، حتّى يأتيني جبّاركم هذا و جميع أهل قريتكم مشاة حفاة، فيسألوني ذلك.

فبلغ الجبّار قوله. فبعث إليه أربعين رجلا يأتوه بإدريس. فأتوه، فقالوا: له: إنّ الجبّار بعثنا إليك، لنذهب بك إليه. فدعا عليهم. فماتوا. فبلغ ذلك الجبّار. فبعث خمسمائة رجل، ليأتوه به. فقالوا له: يا إدريس، إنّ الجبّار بعثنا إليك، لنذهب بك إليه. فقال لهم إدريس: انظروا إلى مصارع أصحابكم. فقالوا له: يا إدريس! قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة، ثمّ تريد أن تدعو علينا بالموت! أمالك رحمة!؟ فقال: ما أنا بذاهب إليه. و [ما أنا بسائل‏] (9) اللّه أن يمطر السّماء عليكم، حتّى يأتيني جبّاركم ماشيا حافيا و أهل قريتكم.

فانطلقوا إلى الجبّار، فأخبروه بقول إدريس. و سألوه أن يمضي معهم و جميع أهل‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فأحيني.

(2) من ع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: انّه.

(4) المصدر: على.

(5) من م.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بالفرح.

(7) م: فوجدها ظلّا.

(8) المصدر: «و مسّنا» بدل «و متنا من».

(9) ليس في م.

244

قريتهم إلى إدريس مشاة حفاة. فأتوه، حتّى وقفوا بين يديه، خاضعين له، طالبين إليه أن يسأل- عزّ و جلّ- أن يمطر السّماء عليهم، فقال لهم إدريس: أمّا الآن، فنعم.

فسأل اللّه- عزّ و جلّ- إدريس عند ذلك أن يمطر السّماء عليهم و على قريتهم و نواحيها. فأظلّتهم سحابة من السّماء. و أرعدت و أبرقت و هطلت عليهم من ساعتهم، حتّى ظنّوا أنّه الغرق. فما رجعوا إلى منازلهم حتّى أهمّتهم أنفسهم من الماء (1).

وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57):

قيل‏ (2): يعني شرف النّبوّة و الزّلفى عند اللّه.

و قيل‏ (3): السّماء السّادسة أو الرّابعة.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن مفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أخبرني جبرئيل- (عليه السلام)- أنّ ملكا من الملائكة كانت له عند اللّه منزلة عظيمة. فتعتّب عليه. فأهبطه‏ (5) من السّماء إلى الأرض. فأتى إدريس- (عليه السلام)- فقال له: إنّ لك من اللّه منزلة، فاشفع لي عند ربّك.

فصلّى ثلاث ليال لا يقصر (6). و صام أيّامها لا يفطر. ثمّ طلب إلى اللّه- عزّ و جلّ- في السّحر في الملك. فقال الملك: إنّك قد أعطيت سؤلك، و قد أطلق اللّه جناحي. و أنا أحبّ أن أكافئك. فاطلب إليّ حاجة. فقال: تريني ملك الموت لعلّي آنس به. فإنّه ليس يهنئني مع ذكره شي‏ء.

فبسط جناحه ثمّ قال: اركب. فصعد به يطلب ملك الموت في السّماء الدّنيا.

فقيل له: اصعد فاستقبله بين السّماء الرّابعة و الخامسة. فقال الملك: يا ملك الموت مالي‏

____________

(1) أي: خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم. أو لم يهتمّهم إلّا همّ أنفسهم و طلب خالصها. ثمّ اعلم أنّ الظّاهر أنّ أمره تعالى إدريس (ع) بالدّعاء لهم لم يكن على سبيل الحتم و الوجوب بل على النّدب و الاستحباب، و كان غرضه (ع) في التّأخير و في طلب القوم أن يأتوه متذلّلين تنبيههم و زجرهم عن الطّغيان و الفساد لئلّا يخالفوا ربّهم بعد دخوله بينهم، و أنّ أولياء اللّه يغضبون لربّهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته و عظم حلمه تعالى شأنه. (قاله في البحار)

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 37.

(4) الكافي 3/ 257، ح 26.

(5) المصدر: فأحبط.

(6) المصدر: لا يفطر. و الصحيح: لا يفتر.

245

أراك قاطبا (1)؟ قال: العجب إنّي تحت ظلّ العرش حيث أمرت أن أقبض روح آدميّ‏ (2) بين السّماء الرّابعة و الخامسة! فسمع إدريس- (عليه السلام)- فامتعض‏ (3). فخرّ من جناح الملك. فقبض روحه مكانه. و قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن أبي داود، عن عبد اللّه بن أبان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل يذكر فيه مسجد السّهلة: أما علمت أنّه موضع بيت إدريس النّبيّ- (عليه السلام)- الّذي [كان‏] (5) يخيط فيه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- غضب على ملك من الملائكة. فقطع جناحيه‏ (7)، و ألقاء إلى جزيرة من جزائر البحر. فبقي ما شاء اللّه- عزّ و جلّ- في ذلك البحر.

فلمّا بعث اللّه- عزّ و جلّ- إدريس- (عليه السلام)- جاء (8) ذلك الملك إليه، فقال: يا نبيّ اللّه، ادع اللّه أن يرضى عنّي و يردّ عليّ جناحي. قال: نعم. فدعا إدريس- (عليه السلام). فردّ اللّه- عزّ و جلّ- عليه جناحه، و رضي عنه. قال الملك لإدريس:

أ لك إليّ حاجة؟ قال: نعم. أحبّ أن ترفعني إلى السّماء [حتّى أنظر إلى ملك الموت. فإنّه لا عيشة لي مع ذكره.

فأخذه الملك على جناحه حتّى انتهى به إلى السماء] (9) الرابعة. فإذا ملك الموت يحرّك رأسه تعجّبا. فسلّم إدريس- (عليه السلام)- على ملك الموت- (عليه السلام)- فقال له:

مالك تحرّك رأسك؟ قال: إنّ ربّ العزّة أمرني أن أقبض روحك بين السّماء الرّابعة و السّماء الخامسة. [فقلت: (يا ربّ) (10) و كيف يكون‏ (11) هذا، و غلظ (12) السّماء الرّابعة مسيرة خمسمائة عام‏] (13)، و من السّماء الرّابعة إلى الثّالثة مسيرة خمسمائة عام، و من السّماء الثّالثة إلى السّماء

____________

(1) قطب: زوى ما بين عينيه و كلح.

(2) م: إدريس.

(3) أي: غضب و شقّ عليه.

(4) نفس المصدر 3/ 494، ح 1.

(5) من المصدر.

(6) تفسير القمّي 2/ 51- 52.

(7) المصدر: جناحه.

(8) المصدر: جاز.

(9) ليس في ع.

(10) من المصدر.

(11) ليس في المصدر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: غلظة.

(13) من ع.

246

الثّانية مسير خمسمائة عام، [و غلظ السّماء الثّالثة مسيرة خمسمائة عام‏] (1)، و كلّ سماءين‏ (2) و ما بينهما كذلك!؟ فكيف يكون هذا، ثمّ قبض روحه بين السّماء الرّابعة و الخامسة!؟

و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.

و فيه‏ (3) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، و فيه: ثمّ صعدنا إلى السّماء الرّابعة، و إذا فيها رجل. فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟ فقال: هذا إدريس رفعه اللّه مكانا عليّا. فسلّمت عليه. و سلّم عليّ. و استغفرت له. و استغفر لي.

و في علل الشّرائع‏ (4) بإسناده إلى عبد اللّه بن يزيد بن سلام أنّه قال لرسول اللّه- و قد سأله عن الأيّام-: فالخميس؟ قال: هو يوم خامس من الدّنيا. و هو يوم [أنيس. لعن فيه‏] (5) إبليس. و رفع فيه إدريس.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روى عن موسى بن جعفر، [عن أبيه‏] (7)، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لعليّ- (عليه السلام)- في كلام طويل: هذا إدريس- (عليه السلام)- أعطاه اللّه- عزّ و جلّ- مكانا عليّا. قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك.

و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ اللّه- جلّ ثناؤه- قال فيه‏ (8): وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏. فكفى بهذا من اللّه رفعة.

أُولئِكَ‏:

إشارة إلى المذكورين في السّورة، من زكريّاء إلى إدريس.

الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ‏: بأنواع النّعم الدّينيّة و الدّنياويّة.

مِنَ النَّبِيِّينَ‏:

بيان للموصول.

مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ‏:

بدل منه، بإعادة الجارّ. و يجوز أن تكون «من» فيه للتّبعيض. لأنّ المنعم عليهم‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: سماء.

(3) نفس المصدر 2/ 8.

(4) العلل/ 471، ح 33، ح 222.

(5) ليس في س، أ، ن.

(6) الاحتجاج/ 211.

(7) ليس في أ.

(8) الانشراح/ 4.

247

أعمّ من الأنبياء و أخصّ من ذرّيّة آدم.

وَ مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ‏، أي: و من ذرّيّة من حملنا خصوصا، و هم من عدا إدريس. فإنّ إبراهيم كان من ذرّيّة سام بن نوح.

وَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ‏ الباقون.

وَ إِسْرائِيلَ‏:

عطف على إبراهيم. أي: و من ذرّة إسرائيل. و كان منهم موسى و هارون و زكريّاء و يحيى و عيسى.

و فيه دليل على أنّ أولاد البنات من الذّريّة.

وَ مِمَّنْ هَدَيْنا: و من جملة من هدينا إلى الحقّ.

وَ اجْتَبَيْنا للنّبوة و الكرامة.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب، في مناقب زين العابدين- (عليه السلام)- قال- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا: نحن عنينا بها.

إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا (58):

خبر ل «أولئك» إن جعلت الموصول صفته. و استئناف، إن جعلته خبره، لبيان أنّ خشيتهم من اللّه و إخباتهم له، مع ما لهم من علوّ الطّبقة في شرف النسّب و كمال النّفس و الزّلفى من اللّه- عزّ و جلّ.

و عن النّبيّ‏ (2)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اتلوا القرآن و ابكوا. فإن لم تبكوا، فتباكوا.

و البكيّ: جمع باك، كالسّجود في جمع ساجد.

و قرئ‏ (3): «يتلى»- بالياء. لأنّ التّأنيث غير حقيقىّ و قرئ‏ (4): «بكيّا»- بكسر الباء.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا جعفر بن محمّد الرّازيّ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) المناقب 4/ 129.

(2) أنوار التنزيل 2/ 37.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 305، ح 11.

248

كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يسجد في سورة مريم حين‏ (1) يقول: وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا. و يقول: نحن عنينا بذلك. و نحن أهل الحبوة (2) و الصّفوة.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ‏: فعقبهم و جاء بعدهم عقب سوء.

يقال: خلف صدق- بالفتح- و خلف سوء- بالسّكون.

أَضاعُوا الصَّلاةَ: تركوها.

في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضّالة بن أيّوب، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث: و ليس إن عجّلت قليلا، أو أخّرت قليلا، بالّذي يضرّك، ما لم تضيع تلك الإضاعة (4). فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول لقوم: (الآية).

و في مجمع البيان‏ (5): و قيل: أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها، من غير أن تركوها أصلا.

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ‏:

في جوامع الجامع‏ (6): رووا عن عليّ- (عليه السلام)-: من بنى الشّديد، و ركب المنظور، و لبس المشهور.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سلم من أمّتي من أربع خصال، فله الجنّة: من الدّخول في الدّنيا، و اتّباع الهوى، و شهوة البطن، و شهوة الفرج.

فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59): شرّا، كقوله:

فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره‏* * * و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما

أو: جزاء غيّ، كقوله‏ (8): يَلْقَ أَثاماً. أو: غيا عن طريق الجنّة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «و» بدل «حين».

(2) كذا في المصدر. و في م: الحبرة. و في سائر النسخ: الحيوة.

(3) الكافي 3/ 270، ح 13.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الإضافة.

(5) المجمع 3/ 519.

(6) الجوامع/ 276.

(7) الخصال/ 223، ح 54.

(8) الفرقان/ 68.

249

و قيل‏ (1): هو واد في جهنّم.

إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً:

قيل‏ (2): يدلّ على أنّ الآية في الكفرة.

و أقول: و سيجي‏ء ما يؤيّده من الأخبار.

فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ:

و قرأ (3) ابن كثير و أبو عمرو و أبو بكر و يعقوب، على البناء للمفعول من أدخل.

وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60): و لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم.

و يجوز أن ينتصب «شيئا» على المصدر.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- رحمة اللّه-: حدّثنا محمّد بن همّام بن سهيل، عن محمّد بن إسماعيل الطّويّ‏ (5)، عن عيسى بن داود النّجّار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

«أولئك» (الآية).

قال: نحن ذرّيّة إبراهيم. و نحن المحمولون مع نوح. و نحن صفوة اللّه. و أمّا قوله:

وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا. فهم- و اللّه- شيعتنا الّذين هداهم اللّه لمودّتنا، و اجتباهم لديننا. فحيوا عليه. و ماتوا عليه. و وصفهم اللّه بالعبادة و الخشوع و رقّة القلب، فقال: إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا. ثمّ قال- عزّ و جلّ-: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. و هو جبل صفر يدور في وسط جهنّم. ثمّ قال- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ تابَ‏ من غش آل محمد وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً- إلى قوله:- كانَ تَقِيًّا.

جَنَّاتِ عَدْنٍ‏:

بدل من الجنّة بدل البعض، لاشتمالها عليها. أو منصوب على المدح.

و قرئ‏ (6) بالرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف. و «عدن» إمّا علم لجنّة من الجنّان، مشتملة على جنّات. أو علم للعدن بمعنى الإقامة كبيرة. و لذلك صحّ وصف ما أضيف‏

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 37.

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 305، ح 12.

(5) كذا في المصدر. و في م: الطوسىّ. و في سائر النسخ: الطوىّ.

(6) أنوار التنزيل 2/ 37.

250

إليه بقوله:

الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ‏، أي: وعدها إيّاهم، و هي غائبة عنهم، أو هم غائبون عنها. أو: وعدهم بإيمانهم بالغيب.

إِنَّهُ‏: إنّ اللّه‏ كانَ وَعْدُهُ‏ الّذي هو الجنّة مَأْتِيًّا (61): يأتيها أهلها الموعود لهم.

و قيل‏ (1): المفعول هاهنا بمعنى الفاعل. لأنّ ما أتيته، فقد أتاك، و ما أتاك، فقد أتيته.

لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً: فضول الكلام.

إِلَّا سَلاماً: لكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب. أو: إلّا تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، على الاستثناء المنقطع، أو على أنّ التّسليم إن كان لغوا، فلا يسمعون لغوا سواه. كقوله:

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم‏* * * بهنّ فلول من قراع الكتائب‏

أو على أنّ معناه الدّعاء بالسّلامة، و أهلها أغنياء عنه، فهو من باب اللّغو ظاهرا، و إنّما فائدته الإكرام.

وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (62)، على عادة المتنعّمين و التّوسّط بين الزّهادة و الرّغابة.

و قيل‏ (2): المراد دوام الرّزق و دروره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: ذلك في جنّات الدّنيا قبل القيامة. و الدّليل على ذلك قوله- تعالى-: بُكْرَةً وَ عَشِيًّا. فالبكرة و العشيّ لا يكون في الآخرة في جنّات الخلد، و إنّما يكون الغدوّ و العشيّ في جنّات الدّنيا الّتي تنتقل إليها أرواح المؤمنين، و تطلع فيها الشّمس و القمر.

و في مجمع البيان‏ (4): المراد: انّهم يؤتون برزقهم على ما يعرفونه من مقدار الغداء

____________

(1) مجمع البيان 3/ 521.

(2) أنوار التنزيل 2/ 38.

(3) تفسير القمّي 2/ 52.

(4) المجمع 3/ 521.

251

و العشاء (1).

[و قيل‏ (2): كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء (و العشاء) (3) أعجب به. و كانت تكره الوجبة، و هي الأكلة الواحدة في اليوم. فأخبر اللّه- تعالى- أنّ لهم في الجنّة [رزقهم‏] (4) بكرة و عشيّا و على قدر ذلك الوقت. و ليس ثمّ ليل، و إنّما هو ضوء و نور. عن قتادة]. (5) و قيل‏ (6): إنّهم يعرفون مقدار اللّيل بإرخاء الحجب و إغلاق الأبواب، و مقدار النّهار برفع الحجب و فتح الأبواب.

و في محاسن البرقيّ‏ (7): عنه، عن النّضر بن سويد، عن عليّ [بن صامت‏] (8) عن ابن أخي‏ (9) شهاب بن عبد ربّه قال: شكوت إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ما ألقى من‏ (10) الأوجاع و التّخم. فقال: تغدّ و تعشّ، و لا تأكل بينهما شيئا. فإنّ فيه فساد البدن. أما سمعت اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا

و في كتاب طبّ الأئمّة (11)- (عليه السلام)-: محمّد بن عبد اللّه العسقلانيّ- إلى آخر السّند- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63)، أي: نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم، كما يبقى على الوارث مال مورثه.

و الوراثة أقوى لفظ استعمل في التّمليك و الاستحقاق، من حيث إنّها لا تعقب بفسخ و لا استرجاع، و لا تبطل بردّ و إسقاط.

و قيل‏ (12): يورث المتّقون من الجنّة المساكن الّتي كانت لأهل النّار- لو أطاعوا- زيادة في كرامتهم.

و قرئ‏ (13): «نورّث- بالتّشديد.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الغداة و العشيّ.

(2) نفس المصدر و الموضع.

3 و 4- من المصدر.

(5) من م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المحاسن/ 420، ح 196.

(8) ليس في ن.

(9) كذا في المصدر. و في ن: عن أخي. و في غيرها: عن أبي أخي.

(10) م: من الغمّ.

(11) طبّ الأئمّة/ 59.

12 و 13- أنوار التنزيل 2/ 38.

252

و في تهذيب الأحكام‏ (1) في أدعية نوافل شهر رمضان: سبحان من خلق الجنّة لمحمّد و آل محمّد. سبحان من يورثها محمّدا و آل محمّد و شيعتهم.

وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ‏:

حكاية قول جبرئيل.

قيل‏ (2): حين استبطأه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا سئل عن قصّة أصحاب الكهف و ذي القرنين و الرّوح، و لم يدر ما يجيب رجاء أن يوحى إليه فيه. فأبطأ عليه خمسة عشر يوما- و قيل: أربعين- حتّى قال المشركون: ودّعه ربّه [و قلاه‏] (3). ثمّ نزل بيان ذلك. و التنزّل: النّزول على مهل. لأنّه مطاوع [نزل. و قد يطلق بمعنى النزول مطلقا.

كما يطلق نزل بمعنى أنزل. و المعنى: و ما ننزّل وقتا غبّ وقت إلّا بأمر اللّه‏] (4) على ما تقتضيه حكمته.

و قرئ‏ (5): «و ما يتنزّل»- بالياء. و الضّمير للوحي.

لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ‏، و هو ما نحن فيه من الأماكن و الأحايين. و لا ننتقل من مكان إلى مكان، و لا نتنزّل في زمان دون زمان، إلّا بأمره و مشيئته.

وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64): تاركا لك. أي: ما كان عدم النّزول، إلّا لعدم الأمر به، و لم يكن ذلك عن ترك اللّه لك و توديعه إيّاك- كما زعمت الكفرة (6)- و إنّما كان لحكمة رآها فيه.

و قيل‏ (7): أوّل الآية حكاية قول المتّقين، حين يدخلون الجنّة. و المعنى: و ما نتنزّل‏ (8) الجنّة إلّا بأمر اللّه و لطفه، و هو مالك الأمور كلّها، السّالفة، و المترقّبة، و الحاضرة. فما وجدناه و ما نجده من لطفه و فضله. و قوله: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا تقرير من اللّه لقولهم.

أي: و ما كان ربك‏ (9) ناسيا لأعمال العاملين و ما وعد لهم من الثّواب عليها.

____________

(1) لم نعثر عليه في المصدر، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 352، ح 122.

(2) أنوار التنزيل 2/ 38.

(3) من م.

(4) من ع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في س، أ، ن.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المصدر: ننزل.

(9) من ن.

253

في عيون الأخبار (1) عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تعالى- لا يسهو و لا ينسى [و إنّما ينسى‏] (2) و يسهو المخلوق و المحدّث.

ألا تسمعه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا

و في كتاب التّوحيد (3) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه‏ لرجل سأله عمّا اشتبه عليه من آيات الكتاب: و أمّا قوله: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، فإنّ ربّنا- تبارك و تعالى علوّا كبيرا- ليس بالّذي ينسى، و لا يغفل، بل هو الحفيظ العليم.

رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما:

بيان لامتناع النّسيان عليه. و هو خبر مبتدأ محذوف. أو بدل من «ربّك».

فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ‏:

خطاب للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- مرتّب عليه. أي: لمّا عرفت ربّك بأنّه لا ينبغي له أن ينساك، أو أعمال العباد، فأقبل على عبادته، و اصطبر عليها. و لا تتشوّش بإبطاء الوحي و معاندة هذه الكفرة. و إنّما عدّي باللّام، لتضمّنه معنى الثّبات للعبادة فيما يرد عليه من الشّدائد و المشاقّ. كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك.

هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65): مثلا يستحقّ أن يسمّى إلها. أو: أحدا يسمّى اللّه.

فإنّ المشركين، و إن سمّوا الصّنم إلها، لم يسمّوه اللّه قطّ. و ذلك لظهور أحديّته و تعالي ذاته عن المماثلة، بحيث لم يقبل اللّبس و المكابرة.

و هو تقرير للأمر في «فاعبده». أي: إذا صحّ أن لا أحد مثله، و لا يستحقّ العبادة غيره، لم يكن بدّ (4) من التّسليم لأمره، و الاشتغال بعبادته، و الاصطبار على مشاقّها.

و في كتاب التّوحيد (5) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الحديث السّابق، يقول فيه- (عليه السلام)- للسّائل أيضا: و أمّا قوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، فإنّ تأويله: هل تعلم أحدا اسمه اللّه غير اللّه- تبارك و تعالى!؟

____________

(1) لم نعثر عليه في المصدر، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 352، ح 124.

(2) من نور الثقلين.

(3) التوحيد/ 260، ح 5.

(4) ليس في ن.

(5) التوحيد/ 264- 265، ح 5.

254

فإيّاك أن تفسّر القرآن برأيك حتّى تفقهه‏ (1) عن العلماء! فإنّه ربّ تنزيل يشبه كلام‏ (2) البشر، و هو كلام اللّه و تأويله لا يشبه كلام البشر. كما ليس شي‏ء (3) من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله- تبارك و تعالى- شيئا من أفعال البشر. و لا يشبه شي‏ء من كلامه كلام‏ (4) البشر. فكلام اللّه- تبارك و تعالى- صفته، و كلام البشر أفعالهم. فلا تشبّه كلام اللّه بكلام البشر، فتهلك و تضلّ.

وَ يَقُولُ الْإِنْسانُ‏:

المراد به الجنس بأسره. فإنّ المقول مقول فيما بينهم، و إن لم يقله كلّهم. كقولك: «بنو فلان قتلوا زيدا» و إن قتله واحد منهم، أو بعضهم المعهود. و هم الكفرة، أو أبيّ بن خلف، فإنّه أخذ عظاما بالية، ففتّها و قال: يزعم إنّا نبعث بعد ما نموت!!؟

أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) من الأرض، أو من حال الموت.

و تقديم الظّرف و إيلاؤه حرف الإنكار، لأنّ المنكر ما بعد الموت وقت الحياة.

و انتصابه بفعل دلّ عليه «أخرج» لا به. لأنّ ما بعد اللّام لا يعمل فيما قبلها، و هي هاهنا مخلصة للتّوكيد، مجرّدة عن معنى الحال. فلا ينافي اقترانها بحرف الاستقبال.

و قرئ‏ (5): «إذا ما متّ»- بهمزة واحدة مكسورة- على الخبر.

أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ‏:

عطف على «يقول». و توسيط همزة الإنكار بينه و بين العاطف- مع أنّ الأصل أن تتقدّمهما- للدّلالة على أنّ المنكر بالذّات هو المعطوف، و أنّ المعطوف عليه إنّما نشأ منه.

فإنّه لو تذكّر و تأمّل‏ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً (67) بل كان عدما صرفا، لم يقل ذلك. فإنّه أعجب من جمع‏ (6) الموادّ بعد التّفريق و إيجاد مثل ما كان من الأعراض.

و قرئ‏ (7): «يذّكّر» من الذّكر الّذي يراد به التّفكّر. و «يتذكّر» على الأصل.

____________

(1) كذا في المصدر. و في ع: تقفه. و في سائر النسخ: تفقه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: بكلام.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بشي‏ء.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بكلام.

(5) أنوار التنزيل 2/ 39.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 39. و في النسخ:

جميع.

(7) أنوار التنزيل 2/ 39.

255

في أصول الكافي‏ (1): أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، عن عليّ بن أسباط، عن خلف بن حمّاد، عن ابن مسكان، عن مالك الجهنيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً. قال: فقال: لا مقدّرا و لا مكونا.

و في محاسن البرقيّ‏ (2): عنه، عن أبيه، عن إسماعيل بن إبراهيم، و محمّد بن أبي عمير، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً. قال: لم يكن شيئا في كتاب و لا علم.

فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ‏:

إقسام باسمه مضافا إلى نبيّه، تحقيقا للأمر، و تفخيما لشأن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله).

وَ الشَّياطِينَ‏:

عطف أو مفعول معه، لما روي‏ (3) أنّ الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشّياطين الّذين أغووهم، كلّ مع شيطانه في سلسلة.

ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ‏ ليرى السّعداء ما نجّاهم اللّه منه، فيزدادوا غبطة و سرورا، و ينال الأشقياء ما ادّخروا لمعادهم عدة، فيزدادوا غيطا من رجوع السّعداء عنهم إلى دار الثّواب و شماتتهم عليهم.

جِثِيًّا (68): على ركبهم، بما يدهمهم من هول المحشر. أو لأنّه من توابع التّواقف للحساب قبل التّواصل إلى الثّواب و العقاب، و أهل الموقف جاثون، لقوله‏ (4)- تعالى-:

وَ تَرى‏ كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً على المعتاد في مواقف التّقاول.

أو المراد أنّ الكفرة يساقون جثاة من الموقف إلى شاطئ جهنّم إهانة بهم، لعجزهم عن القيام، لما عراهم من الشّدّة.

و قرئ‏ (5) بكسر الجيم.

____________

(1) الكافي 1/ 147، ح 5.

(2) المحاسن/ 243، ح 234.

(3) أنوار التنزيل 2/ 39.

(4) الجاثية/ 28.

(5) أنوار التنزيل 2/ 39.

256

ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ: من كلّ أمّة شاعت دينا أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69): من كان أعصى و أعتى منهم فنطرحهم‏ (1) فيها.

و «أيّهم» مبنيّ على الضّمّ عند سيبويه- لأنّ حقّه أن يبنى كسائر الموصولات- لكنّه أعرب حملا على كلّ و بعض للزوم الإضافة. فإذا حذفت صدر صلته، زاد نقصه، فعاد إلى حقّه منصوب المحلّ ب «ننزعنّ». و لذلك قرئ‏ (2) منصوبا.

مرفوع عند غيره. إمّا بالابتداء. على أنّه استفهاميّ خبره «أشدّ» و الجملة محكيّة.

و تقدير الكلام: لننزعنّ من كلّ شيعة الّذين يقال فيهم: «أيّهم أشدّ». أو معلّق عنها «لننزعنّ» لتضمّنه معنى التّمييز اللّازم للعلم. أو مستأنفة و الفعل واقع على «من كلّ شيعة» على زيادة «من».

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى‏ بِها صِلِيًّا (70)، أي: لنحن أعلم بالّذين هم أولى بالصّليّ، [أو صليّهم‏] (3) أولى بالنّار. و الصّليّ: مصدر صلي يصلى صليا، مثل كفى يكفى كفيا، و مضى يمضى مضيا. و هم المتنزعون. و يجوز أن يراد بهم و ب «أشدّهم عتيّا» رؤساء الشّيع، فإنّ عذابهم مضاعف لضلالهم و إضلالهم.

و قرأ (4) حمزة و الكسائي و حفص: «صليّا»- بكسر الصّاد. (5) وَ إِنْ مِنْكُمْ‏: و ما منكم.

التفات إلى «الإنسان». و يؤيّده أنّه قرئ‏ (6): «و إن منهم».

إِلَّا وارِدُها:

قيل‏ (7): إلّا و أصلها و حاضر دونها. يمرّ بها المؤمنون، و هي خامدة. و تنهار بغيرهم.

و روي‏ (8) عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربّنا أن نرد النّار؟ فيقال لهم:

قد وردتموها و هي خامدة. و أمّا قوله‏ (9)- تعالى-: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏، فالمراد: عن‏

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 39. و في النسخ:

فنظر جهنّم.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في ن.

(4) أنوار التنزيل 2/ 40.

(5) كذا في م. و في غيرها: و قرئ بكسر الصّاد.

(6) نفس المصدر و الموضع.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 40.

(9) الأنبياء/ 101.

257

عذابها.

و قيل‏ (1): ورودها الجواز على الصّراط، فإنّه ممدود عليها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: أما تسمع الرّجل يقول: «وردنا ماء بني فلان»!؟ فهو الورود، و لم يدخله.

و في مجمع البيان‏ (3): قال السّدّيّ: سألت مرّة الهمدانيّ عن هذا الآية. فحدّثني أنّ عبد اللّه بن مسعود حدّثهم عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يرد النّاس النّار.

ثمّ يصدرون‏ (4) بأعمالهم. فأوّلهم كلمع البرق. ثمّ كمرّ الرّيح. [ثمّ كحضر الفرس.] (5) ثمّ كالرّاكب. ثمّ كشدّ الرّجل. ثمّ كمشيه.

و روى‏ (6) أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد، عن أبي سميّة (7) قال: اختلفنا (8) في الورود. فقال قوم: لا يدخلها مؤمن. و قال آخرون: يدخلونها جمعيا، ثمّ ينجّي الّذين اتّقوا. فلقيت جابر بن عبد اللّه، فسألته. فأومأ بإصبعيه إلى أذنيه و قال: صمّتا، إن لم أكن سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: الورود الدّخول. لا يبقى برّ و لا فاجر، إلّا يدخلها. فتكون على المؤمنين بردا و سلاما، كما كانت على إبراهيم، حتّى أنّ للنّار- أو قال: لجهنّم- ضجيجا من بردها. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (9).

و روي‏ (10) مرفوعا، عن يعلى‏ (11) بن أميّة (12)، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: تقول النّار للمؤمن يوم لقيامة: جزيا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي!

و روي‏ (13) أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه سئل عن معنى الآية (14)، فقال: إنّ‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 2/ 52.

(3) المجمع 3/ 525- 526.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يصعدون.

(5) ليس في م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: أبي سمينة.

(8) المصدر: اختلفا.

(9) مريم/ 72

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) ن: علي.

(12) المصدر: منية.

(13) نفس المصدر و الموضع.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: عن المعنى.

258

اللّه- تعالى- يجعل النّار كالسّمن الجامد، و يجمع عليها الخلق. ثمّ ينادي المنادي أن:

خذي أصحابك! و ذري أصحابي! فو الّذي نفسي بيده، لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها.

و في مجمع البيان‏ (1): قيل: إنّ الفائدة في ذلك ما روي في بعض الأخبار أنّ اللّه تعالى لا يدخل أحدا الجنّة، حتّى يطلعه على النّار و ما فيها من العذاب، ليعلم تمام فضل اللّه عليه، و كمال لطفه و إحسانه إليه، فيزداد لذلك فرحا و سرورا بالجنّة و نعيمها.

و لا يدخل أحدا (2) النّار، حتّى يطلعه على الجنّة و ما فيها من أنواع النّعيم و الثّواب، ليكون ذلك زيادة عقوبة له، و (3) حسرة على ما فاته من الجنّة و نعيمها. و قد ورد في الخبر أنّ الحمّى من فيح جهنّم.

و روي‏ (4) أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عاد مريضا، فقال: أبشر! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: هي ناري، أسلّطها على عبدي المؤمن في الدّنيا، لتكون حظّه من النّار.

و في الكافي‏ (5): محمّد عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن سعدان، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الحمّى رائد الموت. و هي‏ (6) سجن المؤمن في الأرض. و هي‏ (7) حظّ المؤمن من النّار.

محمّد بن يحيى‏ (8) عن موسى بن الحسن، عن الهيثم‏ (9) بن أبي مسروق، عن شيخ من أصحابنا مكنّى بأبي عبد اللّه، [عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (10) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الحمّى رائد الموت، و سجن اللّه- تعالى- في أرضه. وفورها من جهنّم. و هي حظّ كلّ مؤمن من النّار.

و في اعتقادات الإماميّة (11) للصّدوق- رحمة اللّه-: و روي‏ أنّه لا يصيب أحدا من‏

____________

(1) نفس المصدر 3/ 526.

(2) المصدر: أحد.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 3/ 111، ح 3.

6 و 7- المصدر: هو.

(8) نفس المصدر 3/ 112، ح 7.

(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 318. و في النسخ: الهاشم.

(10) ليس في م.

(11) الاعتقادات/ 90.

259

أهل التّوحيد ألم في النّار إذا دخلوها. و إنّما يصيبهم الألم عند الخروج منها. فتكون تلك الألم‏ (1) جزاء بما كسبت أيديهم‏ (2). و ما اللّه بظلّام للعبيد.

و لا يخفى أنّه لا اختلاف بين الأخبار عند التّأمّل.

كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71): كان ورودهم واجبا أوجبه اللّه على نفسه، و قضى بأن وعد به وعدا لا يمكن خلفه.

و قيل‏ (3): أقسم عليه.

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا فيساقون‏ (4) [إلى الجنّة] (5).

و قرئ‏ (6): «ننجي» (7)- بالتّخفيف- و «ثمّ»- بفتح الثّاء- أي: هنالك.

وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (72): منهارة بهم كما كانوا.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ‏: مرتّلات‏ (8) الألفاظ، مبيّنات المعاني، أو واضحات الإعجاز، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لأجلهم أو معهم.

أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ‏: المؤمنين أو الكافرين. خَيْرٌ مَقاماً: موضع قيام، أو مكانا.

و قرئ‏ (9) بالضّمّ. أي: موضع إقامة و منزل.

وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا (73): مجلسا و مجتمعا.

و المعنى: انّهم لمّا سمعوا الآيات الواضحات، و عجزوا عن معارضتها و الدّخل عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدّنيا، و الاستدلال على أنّ زيادة حظّهم فيها، تدلّ على فضلهم و حسن حالهم عند اللّه، لقصور نظرهم على الحال، و علمهم بظاهر من الحياة. فردّ عليهم ذلك أيضا مع التّهديد نقضا بقوله:

وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَ رِءْياً (74):

و «كم» مفعول «أهلكنا». و «من قرن» بيانه. و إنّما سمّي أهل كلّ عصر قرنا،

____________

(1) من ع. و في غيرها: الآلام.

(2) ليس في ن.

(3) أنوار التنزيل 2/ 40.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 40. و في النسخ:

فيأتون.

(5) ليس في ن.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في ن.

(8) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

من تلات.

(9) نفس المصدر و الموضع.

260

لأنّه يتقدّم من بعده. و «هم أحسن» صفة ل «كم». و «أثاثا» تمييز عن النّسبة، و هو متاع البيت. و قيل: هو ما جدّ (1) منه و الخرثيّ ما رثّ. و الرّئي: المنظر، فعل من الرّؤية- كالطّحن.

و قرأ (2) نافع و ابن عامر: «ريّا» على قلب الهمزة و إدغامها. أو على أنّه من الرّيّ الّذي هو النّعمة، و أبو بكر: «رييا» على القلب.

و قرئ‏ (3): «ريا»- بحذف الهمزة- و «زيّا» من الزّيّ، و هو الجمع، فإنّه محاسن مجموعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): عنى به الثّياب و الأكل و الشّرب.

و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الأثاث المتاع. و أمّا «رئيا» فالجمال‏ (5) و المنظر الحسن.

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن سلمة (7) بن الخطّاب، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِذا تُتْلى‏ (الآية). قال: كان رسول [اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا قريشا إلى ولايتنا. فنفروا، و أنكروا. فقال الّذين كفروا من قريش للّذين آمنوا الّذين أقرّوا لأمير] (8) المؤمنين و لنا أهل البيت: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا، تعييرا منهم. فقال اللّه ردّا عليهم: وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ‏ من الأمم السّالفة (الآية).

قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا فيمدّه و يمهله بطول العمر و التّمتع به.

و إنّما أخرجه على لفظ الأمر، إيذانا بأنّ إمهاله ممّا ينبغي أن يفعل استدراجا و قطعا

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 40. و في النسخ: هو باجل.

(2) نفس المصدر/ 40- 41.

(3) نفس المصدر/ 41.

(4) تفسير القمّي 2/ 52.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «و رياق الجمال» بدل «و أمّا ريّا فالجمال».

(6) الكافي 1/ 431، ح 90.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 372. في النسخ: مسلمة.

(8) ليس في أ.

261

لمعاذيره، كقوله‏ (1): إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً. و كقوله‏ (2): أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ.

حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏:

قيل‏ (3): غاية المدّ.

و قيل‏ (4): غاية قول الّذين كفروا للّذين آمنوا: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [خَيْرٌ] (5) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏.

إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ:

تفصيل للموعود، فإنّه إمّا العذاب في الدّنيا- و هو غلبة المسلمين عليهم، و تعذيبهم إيّاهم قتلا و أسرا- و إمّا يوم القيامة و ما ينالهم فيه من الخزي و النّكال.

فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً من الفريقين، بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدّروه، و عاد ما متّعوا به خذلانا و وبالا عليهم.

و هو جواب الشّرط، و الجملة محكيّة بعد «حتّى».

وَ أَضْعَفُ جُنْداً (75)، أي: فئة و أنصارا.

قابل به‏ أَحْسَنُ نَدِيًّا من حيث أنّ حسن النّادي باجتماع وجوه القوم و أعيانه و ظهور شوكتهم و استظهارهم.

وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً‏: عطف على الشّرطيّة المحكيّة بعد القول. كأنّه لمّا بيّن أنّ إمهال الكافر و تمتّعه بالحياة الدّنيا، ليس لفضله، أراد أن يبيّن أنّ قصور خطّ المؤمن منها، ليس لنقصه، بل لأنّ اللّه أراد به ما هو خير له و عوضه منه.

و قيل‏ (6): عطف على «فليمدد»، لأنّه في معنى الخبر. كأنّه قيل: من كان في الضّلالة، [يزيد اللّه في ضلاله‏] (7)، و يزيد المقابل له هداية.

و في أصول الكافي‏ (8) في الحديث السّابق قال: قلت: قوله: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا. قال: كلّهم كانوا في الضّلالة، لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنين‏

____________

(1) آل عمران/ 178.

(2) فاطر/ 37.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 41.

(5) من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 41.

(7) من ع.

(8) الكافي 1/ 431، ح 90

262

- (عليه السلام)- و لا بولايتنا. فكانوا ضالّين مضلّين. فيمدّ (1) لهم في ضلالتهم و طغيانهم، حتّى يموتوا فيصيّرهم اللّه شرّا مكانا و أضعف جندا.

قلت‏ (2): قوله: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً. قال: أمّا قوله: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏، فهو خروج القائم- (عليه السلام)- و هو السّاعة. فسيعلمون ذلك اليوم و ما نزل بهم من اللّه على يدي قائمه.

فذلك قوله: مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يعني عند القائم- (عليه السلام)- وَ أَضْعَفُ جُنْداً.

قلت: قوله: وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً‏. قال: ليزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى، باتّباعهم القائم- (عليه السلام)- حيث لا يجحدونه و لا ينكرونه.

وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ‏: الطّاعات الّتي تبقي عائدتها أبد الآباد خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً: عائدة ممّا متّع به الكفرة من النّعم المخدجة (3) الفانية الّتي يفتخرون بها. سيّما و مآلها النّعيم المقيم، و مآل‏ (4) هذه الحسرة و العذاب الدّائم. كما أشار إليه بقوله:

وَ خَيْرٌ مَرَدًّا (76): مرجعا (5) و عاقبة.

و الخير هاهنا إمّا لمجرّد الزّيادة، أو على طريقة قولهم: الصّيف أحرّ من الشّتاء، أي:

أبلغ في حرّه منه في برده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ‏ هو قول المؤمن: سبحان اللّه.

و الحمد للّه. و لا إله إلّا اللّه. و اللّه أكبر.

و حدّثني‏ (7) أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا أسري بي إلى السّماء، دخلت الجنّة.

فرأيتها قيعانا يققا (8). و رأيت فيها ملائكة يبنون لبنة ذهب و لبنة فضّة. و ربّما أمسكوا.

فقلت لهم: مالكم ربّما بينتم، و ربّما أمسكتم؟ فقالوا: حتّى تجيئنا النّفقة. فقلت لهم، و ما نفقتكم؟ قالوا: قول المؤمن في الدّنيا: «سبحان اللّه. و الحمد للّه. و لا إله إلّا اللّه. و اللّه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فليمدد.

(2) ليس في م.

(3) أي: الناقصة.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 41. و في النسخ:

قال.

(5) ليس في م.

(6) تفسير القمّي 2/ 53.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أي: شديدة البياض. و في المصدر: قيعان يقق.

263

أكبر». فإذا قال، بنينا. و إذا أمسك، أمسكنا.

أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً (77) (1):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: انّ العاص بن وائل بن هشام القرشيّ ثمّ السّهميّ أحد (3) المستهزئين. و كان لخبّاب بن الأرت عليه حقّ. فأتاه يتقاضاه. فقال له العاص: ألستم تزعمون أنّ في الجنّة الذّهب و الفضّة و الحرير!؟ قال: بلى. قال: فموعد ما بيني و بينك الجنّة! فو اللّه لأوتينّ فيها خيرا ممّا أوتيت في الدّنيا!

و لمّا كان الرّؤية أقوى سند الإخبار، استعمل «أ رأيت» بمعنى الإخبار. و الفاء على أصلها. و المعنى: أخبر بقصّة هذا الكافر عقيب حديث أولئك.

و قرئ‏ (4): «ولدا» جمع ولد- كأسد في أسد- أو لغة- كالعرب [و العرب‏] (5).

أَطَّلَعَ الْغَيْبَ‏: قد بلغ من عظم شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الّذي توحّد به الواحد القهّار، حتّى ادّعى أن يؤتى في الآخرة مالا و ولدا، و تألّى‏ (6) عليه!؟

أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78): أو اتّخذ من عالم الغيب عهدا بذلك، فإنّه لا يتوصّل إلى العلم به إلّا بأحد هذين الطّريقين!؟

و قيل‏ (7): العهد كلمة الشّهادة و العمل الصّالح. فإنّ وعد اللّه بالثّواب عليهما، كالعهد عليه.

كَلَّا:

ردع و تنبيه على أنّه مخطئ فيما تصوّره لنفسه.

سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ‏: سنظهر له أنّا كتبنا قوله، كقوله: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة.

____________

(1) في هامش نسخة «م»:

نزلت في العاص بن وائل كان لخبّاب عليه مال فتقاضاه فقال له: لا حتّى تكفر بمحمّد، قال: و اللّه لا أكفر بمحمّد حيّا و لا ميّتا و لا حين بعثت، قال:

فإذا بعثت جئتني، فيكون لي ثمّ مال و ولد، فأعطيك. (قاضي) (أنوار التنزيل 2/ 41)

(2) نفس المصدر/ 55.

(3) المصدر: و هو أحد.

(4) أنوار التنزيل 2/ 41.

(5) من المصدر.

(6) أي: حلف.

(7) نفس المصدر و الموضع.

264

أي: تبيّن أن لم تلدني لئيمة.

أو: سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدوّ، و حفظها عليه. و يجوز أن يكون حرف التسويف لمجرّد التّأكيد. فإنّ نفس الكتب لا تتأخّر عن القول، لقوله‏ (1): ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.

وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79): و نطول له من العذاب ما يستأهله. أو:

نزيد عذابه و نضاعف له، لكفره و افترائه و استهزائه على اللّه. و لذلك أكدّه بالمصدر، دلالة على فرط غضبه عليه.

وَ نَرِثُهُ‏ بموته‏ ما يَقُولُ‏، يعني: المال و الولد ممّا عنده منهما. وَ يَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً (80) لا يصحبه مال و لا ولد كان له في الدّنيا، فضلا أن يؤتى ثمّة زائدا.

و قيل‏ (2): فردا رافضا لهذا القول، منفردا عنه.

وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81): ليتعزّزوا بهم، حيث يكونون لهم وصلة و شفعاء عنده.

كَلَّا:

ردع و إنكار لتعزّزهم بها.

سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ‏: ستجحد الآلهة عبادتهم، و يقولون ما عبدتمونا.

كقوله‏ (3): إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا. أو: سينكر الكفرة لسوء العاقبة أنّهم عبدوها. كقوله‏ (4): ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏.

وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82):

فسّر الضّدّ بضدّ العزّ. أي: و يكونون عليهم ذلّا. أو بضدّهم على معنى أنّها تكون معونة في عذابهم، بأن توقد بها نيرانهم. أو جعل الواو للكفرة. أي: يكونون كافرين بهم، بعد أن كانوا يعبدونها. و توحيده لوحدة المعنى الّذي به مضادّتهم فإنّه بذلك كالشّي‏ء الواحد. و نظيره‏

قوله‏ (5)- (عليه السلام)-: «و هم يد على من سواهم».

____________

(1) ق/ 18.

2 و 5 أنوار التنزيل 2/ 42.

(3) البقرة/ 166.

(4) الأنعام/ 23.

265

و قرئ‏ (1): «كلّا»- بالتّنوين- على قلب الألف نونا في الوقف قلب ألف الإطلاق في قوله: أقلّي اللّوم عاذل و العتابن.

أو على معنى: كلّ هذا الرّأي كلّا و كلّا على إضمار فعل يفسّره ما بعده. أي:

سيجحدون كلّا، سيكفرون بعبادتهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد اللّه‏ (3) بن موسى قال: حدّثنا الحسن‏ (4) بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في هذه الآية أنّه يكون‏ (5) هؤلاء الّذين اتّخذوهم آلهة من دون اللّه، عليهم ضدّا يوم‏ (6) القيامة، [و يتبرّؤون منهم و من عبادتهم يوم القيامة] (7). ثمّ قال: ليس العبادة هي السّجود، و لا الرّكوع، و إنّما هي طاعة الرّجال. من أطاع مخلوقا في معصية الخالق، فقد عبده.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ‏ بأن سلّطناهم عليهم، أو قيّضنا لهم قرناء.

تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83): تهزّهم و تغريهم على المعاصي، بالتّسويلات و تحبيب الشّهوات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): لمّا طغوا فيها و في فتنها (9) و في طاعتهم، و مدّلهم في طغيانهم و ضلالتهم‏ (10)، أرسل عليهم شياطين الإنس و الجنّ، «تؤزّهم أزّا»، أي: تنخسهم نخسا و تحضّهم على طاعتهم و عبادتهم.

فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ‏ بأن يهلكوا، حتّى تستريح أنت و المؤمنون من شرورهم، و تطهر الأرض م فسادهم.

إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ‏ أيّام اجالهم‏ عَدًّا (84).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 42.

(2) تفسير القمّي 2/ 55.

(3) المصدر: عبيد اللّه.

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 208. و في النسخ: الحسين.

(5) المصدر: يكونون.

(6) المصدر: و يوم.

(7) ليس في م.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: فتنتها.

(10) المصدر: ظلالهم.

266

و المعنى: لا تعجل بهلاكم، فإنّه لم يبق إلّا أيّام محصورة و أنفاس معدودة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) متّصلا بقوله: و إذا أمسك، أمسكنا- عند قوله:

وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ‏-: و قوله: أَ لَمْ تَرَ- إلى قوله:- أَزًّا قال: نزلت في مانعي [الخمس و] (2) الزّكاة و المعروف. يبعث اللّه عليهم سلطانا، أو شيطانا، فينفق ما يجب عليه من الزّكاة [و الخمس‏] (3) في غير طاعة اللّه، و يعذّبه اللّه على ذلك. و قوله- تبارك و تعالى-: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا، فقال لي: ما هو عندك؟ قلت: عندي عدد الأيّام قال: إنّ‏ (4) الآباء و الأمّهات ليحصون ذلك، و لكنّه عدد الأنفاس.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن الحسن بن إسحاق، عن عليّ بن مهزيار، عن عليّ بن إسماعيل الميثميّ، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا. قال: ما هو عندك؟ قلت: عدد الأيّام. قال: إنّ الآباء و الأمّهات يحصون ذلك، و لكنّه عدد الأنفاس.

و في نهج البلاغة (6): من كلام له- (عليه السلام)-: نفس المرء خطاه إلى أجله.

و قال- (عليه السلام)-: كلّ معدود منقض. و كلّ متوقّع آت.

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ‏: نجمعهم‏ إِلَى الرَّحْمنِ‏: إلى ربّهم الّذى غمرهم برحمته.

و لاختيار هذا الاسم في هذه السّورة شأن. و لعلّه لأنّ مساق الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام، و شرح حال الشّاكرين لها و الكافرين بها.

وَفْداً (85): وافدين عليه، كما يفد الوفّاد (7) على الملوك، منتظرين لكرامتهم و إنعامهم.

و الوفد: جمع وافد. وفد يفد وفدا و أوفد على الشّي‏ء: أشرف عليه.

وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ‏ كما يساق البهائم‏ إِلى‏ جَهَنَّمَ وِرْداً (86): عطاشا.

فإنّ من يرد الماء، لا يرده إلّا لعطش. أو كالدّوابّ الّتي ترد الماء.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 53.

2 و 3- من المصدر.

(4) المصدر: لا إنّ.

(5) الكافي 3/ 259، ح 33.

(6) نهج البلاغة/ 480. الحكمة 74 و 75.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 42. و في النسخ:

الوفادة.

267

و الورد: الجماعة الّتي ترد الماء.

و في عيون الأخبار (1): حدّثنا أبو عليّ محمّد بن أحمد (2) بن يحيى المعاذي‏ (3) قال: حدّثنا أبو عمر و محمّد بن عبد اللّه الحكميّ الحاكم بنوقان قال: خرج علينا رجلان من الرّي برسالة بعض السّلاطين بها إلى الأمير نصير (4) بن أحمد لبيخارا. و كان أحدهما من أهل الريّ، و الآخر من أهل قمّ. و كان القمّيّ على المذهب الّذي كان قديما [بقمّ في النّصب‏] (5). و كان الرّازيّ متشيّعا.

فلمّا بلغا بنيشابور، قال الرّازيّ للقمّيّ: ألا نبدأ بزيارة الرّضا- (عليه السلام)- ثمّ نتوجّه إلى بخارا؟ فقال القمّيّ: قد بعثنا سلطاننا برسالة إلى الحضرة ببخارا، فلا يجوز لنا أن نشتغل بغيرها، حتّى نفرغ منها. فقصدا بخارا، و أدّيا [الرّسالة] (6) و رجعا، حتّى حاذيا طوس. فقال الرّازيّ للقمّيّ: ألا تزور الرّضا- (عليه السلام)؟ فقال خرجت من قمّ‏ (7) مرجئا لا أرجع إليها رافضيّا! قال: فسلّم الرّازيّ أمتعته و دوابّه إليه، و ركب حمارا، و قصد مشهد الرّضا- (عليه السلام). و قال لخدّام المشهد: خلوا (8) لي المشهد هذه اللّيلة، و ادفعوا إليّ مفتاحه. ففعلوا ذلك.

قال: فدخلت المشهد، و غلقت الباب، و زرت الرّضا- (عليه السلام). ثمّ قمت عند رأسه، و صلّيت ما شاء اللّه- تعالى. و ابتدأت في قراءة القرآن من أوّله. قال: فكنت أسمع صوتا بالقرآن كما أقرأ. فقطعت صوتي، و درت‏ (9) المشهد كلّه، و طلبت نواحيه. فلم أر أحدا. فعدت إلى مكاني، و أخذت في القراءة من أوّل القرآن. فكنت أسمع الصّوت كما أقرأ لا ينقطع. فسكتّ هنيئة (10) و أصغيت بأذني، فإذا الصّوت من القبر. فكنت أسمع مثل ما أقرأ، حتّى بلغت آخر [سورة] (11) مريم فقرأت: يَوْمَ نَحْشُرُ (12) الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.

____________

(1) العيون 2/ 286- 287، ح 6.

(2) المصدر: محمد بن أحمد بن محمّد.

(3) ن: المعاصر.

(4) المصدر: نصر.

(5) ليس في ن.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: الريّ.

(8) المصدر: أخلوا.

(9) المصدر: زرت.

(10) ليس في ع و المصدر.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: يحشر.

268

فسمعت الصّوت من القبر: «يوم يحشر المتّقون إلى الرّحمن وفدا و يساق المجرمون إلى جهنّم وردا». حتّى ختمت القرآن، و ختم.

فلمّا أصبحت، رجعت إلى نوقان، فسألت من بها من المقرءين عن هذه القراءة.

فقالوا: هذا في اللّفظ و المعنى مستقيم، لكنّا لا نعرف في قراءة أحد. قال: فرجعت إلى نيشابور، فسألت من بها من المقرءين عن هذه القراءة. فلم يعرفها أحد منهم. حتّى رجعت إلى الريّ، فسألت بعض المقرءين عن هذه القراءة، فقلت: من قرأ: «يوم يحشر المتّقون إلى الرّحمن وفدا و يساق المجرمون إلى جهنّم وردا»؟ فقال‏ (1) لي: من أين جئت بهذا؟

فقلت: وقع لي احتياج إلى معرفتها في أمر حدث لي.

فقال: هذه قراءة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من رواية أهل البيت- (عليه السلام). ثمّ استحكاني السّبب الّذي من أجله سألت‏ (2) عن هذه القراءة. فقصصت عليه القصّة، و صحّت لي القراءة.

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا أوّل وافد على العزيز الجبّار يوم القيامة و كتابه و أهل بيتي، ثمّ أمّتي. ثمّ أسألهم: ما فعلتم بكتاب اللّه و بأهل بيتي؟

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد اللّه بن شريك العامريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سأل عليّ- (عليه السلام)- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن تفسير قوله- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَحْشُرُ (الآية).

قال: يا عليّ، إنّ الوفد (5) لا يكون إلّا ركبانا. أولئك رجال اتّقوا اللّه- عزّ و جلّ- فأحبّهم [اللّه‏] (6)، و اختصّهم، و رضي أعمالهم، فسمّاهم‏ (7) المتّقين.

ثمّ قال: يا عليّ، أما و الّذي فلق الحبّة، و برأ النّسمة، إنّهم ليخرجون من قبورهم، و بياض وجوههم كبياض الثّلج. عليهم ثياب بياضها كبياض اللّبن. عليهم نعال الذّهب‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قالوا.

(2) من م. لا يوجد في المصدر أيضا.

(3) الكافي 2/ 600، ح 4.

(4) تفسير القمّي 2/ 53.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الوافد.

(6) من المصدر.

(7) من ع. و في غيرها و المصدر: فسمّاهم اللّه.

269

[شراكها من لؤلؤ يتلألأ.

و في حديث آخر (1) قال: إنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق الجنّة. عليها رحائل الذّهب‏] (2) مكلّلة بالدّرّ و الياقوت. و جلالها الإستبرق و السّندس. و خطامها جذل‏ (3) الأرجوان. و أزمّتهم من زبرجد. فتطير بهم إلى المحشر. مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدّامه [و عن يمينه‏] (4) و عن شماله، يزفّونهم [زفّا] (5) حتّى ينتهوا بهم إلى بابا الجنّة الأعظم.

و على باب الجنّة شجرة الورقة منها يستظلّ تحتها مائة ألف من النّاس. و عن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكّية.

قال: فيسقون منها شربة، فيطهّر اللّه- عزّ و جلّ- قلوبهم من الحسد، و يسقط عن أبشارهم الشّعر. و ذلك قوله‏ (6)- عزّ و جلّ-: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً من تلك العين المطهّرة. ثمّ يرجعون إلى عين أخرى عن يسار الشّجرة، فيغتسلون منها، و هي عين الحياة.

فلا يموتون أبدا. ثمّ يوقف بهم قدّام العرش، و قد سلموا من الآفات و الأسقام و الحرّ و البرد [أبدا] (7).

قال: فيقول الجبّار- جلّ ذكره- للملائكة الّذين معهم: احشروا أوليائي إلى الجنّة، و لا تقفوهم مع الخلائق. فقد سبق رضائي عنهم، و وجبت لهم رحمتي. فكيف أريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات و السّيّئات؟! فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة. فإذا انتهوا إلى باب الجنّة الأعظم، ضربوا الملائكة الحلقة ضربة فتصرّ (8) صريرا. فيبلغ صوت صريرها كلّ حوراء خلقها اللّه- عزّ و جلّ- و أعدّها لأوليائه. فيتباشرن إذ سمعن‏ (9) صوت صرير الحلقة، و يقول بعضهنّ‏ (10) لبعض: قد جاءنا أولياء اللّه. فيفتح لهم الباب. فيدخلون الجنّة و يشرف عليهم أزواجهم من الحور العين و الآدميّين فيقلن: مرحبا بكم، فما كان أشدّ شوقنا إليكم! و يقول لهنّ لهم أولياء اللّه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) لا يوجد في أ.

(3) المصدر: جدل. و الجذل: أصل الشجر الخشبي.

(4) ليس في م.

(5) من المصدر.

(6) الإنسان/ 21.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في م: فتمر. و في س، أ، ن: فقر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فيتباشرون إذ يسمعوا (سمعوا- ع)

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: و يقولون بعضهم.

270

مثل ذلك.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: من هؤلاء يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، هؤلاء شيعتك [و شيعتنا] (1) المخلصون في ولائك‏ (2). و أنت إمامهم.

و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً [على الرّحائل‏] (3).

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سئل عن هذه الآية. فقال: يا عليّ، إنّ الوفد لا يكون إلّا ركبانا- و ذكر نحو ما في تفسير عليّ بن إبراهيم إلى قوله: و يقول لهم أولياء اللّه مثل ذلك.

و في محاسن البرقيّ‏ (5): عنه، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: يحشرون على النجائب‏ (6).

و في شرح الآيات الباهرة (7): عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد اللّه بن شريك العامريّ، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)‏-: يا عليّ، يخرج يوم القيامة أقوام‏ (8) من قبورهم، بياض وجوههم كبياض الثّلج. عليهم ثياب بياضها كبياض اللّبن. عليهم نعال الذّهب، شراكها من اللّؤلؤ (9) يتلألأ. فيؤتون بنوق من نور، عليها رحائل من ذهب، مكلّل بالدّرّ و الياقوت. فيركبون عليها حتّى ينتهوا إلى [عرش‏] (10) الرّحمن، و النّاس في حساب يهتمّون و يغتمّون‏ (11)، و هؤلاء يأكلون و. يشربون فرحون.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من هؤلاء يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)؟

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: لولايتك.

(3) لا يوجد في المصدر. و قد ورد هنا في م و المصدر الآية التاليه أيضا.

(4) الكافي 8/ 95، ح 69.

(5) المحاسن/ 180، ح 170.

(6) كذا في المصدر. و في س، أ، ن: المجائب.

و في م: الجنائب. و في ع: العجائب.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 307- 308، ح 14.

(8) المصدر: قوم.

(9) المصدر: لؤلؤ.

(10) من المصدر مع المعقوفتين.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «يهيمون و يقيمون» بدل «يهتمّون و يغتمّون».

271

فقال: يا عليّ، هم شيعتك. و أنت إمامهم. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً على الرّحائل‏ وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وِرْداً. و هم أعداؤك يساقون إلى النّار بلا حساب.

لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ:

الضّمير فيه للعباد المدلول عليها بذكر القسمين. و هو النّاصب لليوم [في قوله- تعالى-: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ‏] (1).

إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87)، أي: إلّا من تحلّى بما يسعد به و يستأهل أن يشفع للعصاة، من الأيمان و العمل الصّالح، على ما وعد اللّه. أو: إلّا من اتّخذ من اللّه إذنا فيها لقوله‏ (2): لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ‏. من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا: إذا أمره به.

و محلّه الرّفع على البدل من الضّمير. أو النّصب على تقدير مضاف. أي: إلّا شفاعة من اتّخذ عند الرحمن عهدا. [أو على الاستثناء.

و قيل‏ (3): الضمير ل «المجرمين». و المعنى: لا يملكون الشفاعة فيهم، إلّا من اتّخذ عند الرحمن عهدا يستعدّ به أن يشفع له بالإسلام.] (4).

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: قوله: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً. قال: إلّا من أتى‏ (6) اللّه بولاية أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده. فهو العهد عند اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثنا جعفر بن أحمد، عن عبد اللّه‏ (8) بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: لا يشفع‏ (9) لهم، و لا يشفعون‏ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً إلّا من أذن‏

____________

(1) من ع.

(2) طه/ 109.

(3) أنوار التنزيل 2/ 43.

(4) من م.

(5) الكافي 1/ 431، ح 90.

(6) المصدر: دان.

(7) تفسير القمّي 2/ 56- 57.

(8) المصدر: عبيد اللّه (عبد اللّه- ط)

(9) المصدر: لا يشفع و لا يشفع.

272

له بولاية أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده- (صلوات اللّه عليهم). فهو العهد عند اللّه.

حدّثني‏ (1) أبي، عن الحسن بن محبوب، عن سليمان بن جعفر، [عن أبيه‏] (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من لم يحسن وصيّته عند موته، كان نقصا (3) في مروءته.

قلت: يا رسول اللّه، و كيف يوصي [الميّت‏] (4) عند الموت؟ قال: إذا حضرته الوفاة، و اجتمع النّاس إليه، قال:

اللّهمّ يا فاطر السّموات و الأرض، عالم الغيب و الشّهادة، الرّحمن الرّحيم، إنّي أعهد إليك في دار الدّنيا أنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت، وحدك لا شريك لك. و أنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- عبدك و رسولك. و أنّ الجنّة حقّ. و أنّ النّار حقّ. و أنّ البعث حقّ. و الحساب حقّ. و القدر و الميزان حقّ. و أنّ الدّين كما وصفت. و أنّ الإسلام كما شرّعت. و أنّ القول كما حدّثت. و أن القرآن كما أنزلت. و أنّك أنت اللّه‏ (5) [الملك‏] (6) الحقّ المبين. جزى اللّه محمّدا خير الجزاء. و حيّا اللّه محمّدا و آل محمّد بالسّلام.

اللّهم يا عدّتي عند كربتي، و يا صاحبي عند شدّتي، و يا وليّي في نعمتي، إلهي و إله آبائي، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فإنّك إن تكلني إلى نفسي‏ (7)، كنت أقرب من الشّرّ و أبعد من الخير. [و اسرى في الفتن وحدي‏] (8). فآنس في القبر وحشتي. و اجعل لي عهدا (9) يوم ألقاك منشورا.

ثمّ يوصي بحاجته. و تصديق هذه الوصيّة في سورة مريم- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً. فهذا عهد الميّت.

و الوصيّة حقّ على كلّ مسلم. [و حقّ عليه‏] (10) أن يحفظ هذه الوصيّة، و يتعلّمها (11).

و قال عليّ- (عليه السلام)-: علّمنيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال:

____________

(1) نفس المصدر/ 55- 56.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: نقص.

(4) من المصدر.

(5) من م.

(6) من المصدر.

(7) يوجد في المصدر هاهنا هذه الزيادة: طرفة عين فانّك إن تكلني إلى نفسي.

(8) من المصدر.

(9) من ع.

(10) ليس في المصدر.

(11) ليس في ن.

273

علّمنيها جبرئيل.

و في الكافي و تهذيب الأحكام‏ (1) مثل هذه الوصيّة سواء.

و في جوامع الجامع‏ (2): و عن ابن مسعود أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لأصحابه ذات يوم: أ يعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح و مساء عند اللّه عهدا!؟ قالوا:

و كيف ذلك؟

قال: يقول: اللّهمّ فاطر السّموات و الأرض، عالم الغيب و الشّهادة، إنّي أعهد إليك بأنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت، وحدك لا شريك لك. و أنّ محمّدا عبدك و رسولك. و إنّك ان تكلني إلى نفسي، تقرّبني من الشّرّ، و تباعدني من الخير. و إنّي لا أثق إلّا برحمتك.

فاجعل لي عندك عهدا توفّينيه يوم القيامة. إنّك لا تخلف الميعاد.

فإذا قال ذلك، طبع اللّه‏ (3) عليه بطابع و يوضع‏ (4) تحت العرش. فإذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين الّذين لهم عند اللّه‏ (5) عهد فيدخلون الجنّة؟ (6)

وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88): قيل‏ (7): الضّمير يحتمل الوجهين. لأنّ هذا لمّا كان مقولا فيما بين النّاس، جاز أن ينسب إليهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): حدّثنا جعفر بن أحمد، عن عبد اللّه‏ (9) بن موسى، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-

____________

(1) الكافي 7/ 2، ح 1، و التهذيب 9/ 174، ح 711

(2) الجوامع/ 278.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: وضع.

(5) المصدر: الرحمن.

(6) في هامش نسخة «م»:

و عن الصادق- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- في قوله- تعالى-: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ الآية (مريم/ 87) أنّه إذا كان يوم القيامة، نادى مناد قبل العرش ألا من كان له قبلي حقّ أو له عندي عهد، فليدخل الجنّة بلا حساب و لا عذاب. قيل: يا رسول اللّه! و ما العهد؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* اللّهم فاطر السّماوات و الأرض عالم الغيب و الشّهادة الرّحمن الرّحيم، إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدّنيا أنّك أنت اللّه لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، و أنّ محمّدا عبدك و رسولك، و أنّ عليّا صفيّك و وليّك اللّهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فتقرّبنا من الشّرّ و تباعدنا من الخير فإنّا لا نثق إلّا برحمتك و اجعل لنا ذلك عندك عهدا تؤدّيه إلينا يوم نلقاك إنّك مولانا لا تخلف الميعاد. قاله ابن باقي في اختياره اما من حواشي جنّة الأمان (كذا).

(7) أنوار التنزيل 2/ 43.

(8) تفسير القمّي 2/ 57.

(9) المصدر: عبيد اللّه (عبد اللّه- ط)

274

قال: قلت: قوله- عزّ و جلّ-: وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. قال: [هذا] (1) حيث قالت قريش: إنّ للّه- عزّ و جلّ- ولدا. و إنّ الملائكة إناث‏ (2). فقال اللّه- تبارك و تعالى- ردّا عليهم:

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89):

قال‏ (3): أي عظيما.

و الالتفات للمبالغة في الذّمّ. أو التّسجيل عليهم بالجرأة على اللّه. و الإدّ- بالكسر و الفتح-: العظيم المنكر. و الأدّة: الشّدّة. و أدّني الأمر و آدّني: أثقلني و عظم عليّ.

تَكادُ السَّماواتُ‏:

و قرئ‏ (4) بالياء.

يَتَفَطَّرْنَ‏: يتشقّقن مرّة بعد أخرى‏ مِنْهُ‏.

قال‏ (5): يعني ممّا قالوه و ممّا رموه به.

و قرئ‏ (6): «ينفطرن». و الأوّل أبلغ. لأنّ التّفعل مطاوع فعّل، و الانفعال مطاوع فعل.

و لأنّ أصله للتّكلف.

وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ‏: تسقط ممّا قالوه، و ممّا رموه به‏ هَدًّا (90)، أي: سقوطا. أو: مهدودة و مكسورة. أو [تخرّ] (7) للهدّ ممّا قالوه.

و هو تقرير لكونه إدّا. و المعنى: انّ هول هذه الكلمة و عظمها، بحيث لو تصوّرت بصورة محسوسة، لم تتحمّلها هذه الأجرام العظام و تفتّتت من ثقلها. أو: انّ فضاعتها مجلبة لغضب اللّه، بحيث لولا حلمه، لخرّب العالم، و بدّد قوائمه، غضبا على من تفوّه بها.

أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91):

يحتمل النّصب، على العلّة ل «تكاد»، أو ل «هدّا» على حذف اللّام، و إفضاء الفعل إليه. و الجرّ، بإضمار اللّام، أو بالإبدال من الهاء في «منه». و الرّفع، على أنّه خبر محذوف تقديره و الموجب لذلك «أن دعوا» أو فاعل «هدّا». أي: هدّها دعاء الولد

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «و إنّ من الملائكة إناثا».

(3) تفسير القمّي 1/ 57.

(4) أنوار التنزيل 2/ 43.

(5) تفسير القمي 2/ 57.

(6) أنوار التنزيل 2/ 43.

(7) من تفسير الصّافي 3/ 296.

275

للرّحمن. و هو من «دعا» بمعنى «سمّى» المتعدّي إلى المفعولين. و إنّما اقتصر على المفعول الثّاني ليحيط بكلّ ما دعي له ولدا (1). أو من «دعا» بمعنى «نسب» الّذي مطاوعه ادّعى إلى فلان إذا انتسب إليه.

وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92): و لا يليق به اتّخاذ الولد، و لا يتطلّب له لو طلب مثلا لأنّه مستحيل.

و لعلّ في ترتيب الحكم بصفّة الرّحمانيّة الإشعار بأنّ كلّ ما عداه نعمة و منعم عليه، فلا يجانس من هو مبدأ النّعم كلّها و مولى أصولها و فروعها: فكيف يمكن أن يتّخذه ولدا!؟

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏، أي: ما منهم. إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93): إلّا و هو مملوك يأوي إليه بالعبوديّة و الانقياد.

لَقَدْ أَحْصاهُمْ‏: حصرهم و أحاط بهم، بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه و قبضته و قدرته، وَ عَدَّهُمْ عَدًّا (94) أشخاصهم و أنفاسهم و أفعالهم. فإنّ‏ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (2).

وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95):

قال في الحديث السّابق‏ (3): واحدا واحدا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف‏ (5)، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّجر لم يزل حصيدا (6) كلّه حتّى دعي للرّحمن ولد. عزّ (7) الرّحمن‏ (8) و جلّ أن يكون له ولد. تَكادُ (9) السَّماواتُ‏ أن‏ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. فعند ذلك اقشعرّ الشّجر، و صار له شوك، حذار أن ينزل به العذاب.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96):

سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير تعرّض منهم لأسبهابها.

____________

(1) ليس في م.

(2) الرّعد/ 8.

(3) تفسير القمّي 2/ 57.

(4) نفس المصدر 1/ 85- 86.

(5) كما في رجال النجاشي/ 468 و في س، أ، م:

ظريف.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حصيلا.

(7) المصدر: أعز.

(8) من ع.

(9) المصدر و م: فكادت.

276

قيل‏ (1): و السّين، لأنّ السّورة مكّيّة، و كانوا مبغوضين ممقوتين بين الكفرة، فوعدهم ذلك إذا دجا (2) الإسلام. أو لأنّ الموعد القيامة، حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد، فينزع ما في صدورهم من الغلّ.

و روي‏ (3) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا أحبّ اللّه عبدا يقول لجبرئيل:

أحببت فلانا، فأحببه‏ (4). فيحبّه جبرئيل. ثمّ ينادي [في أهل السّماء] (5): إنّ اللّه قد أحبّ فلانا، فأحبّوه. فيحبّه أهل السّماء. ثمّ توضع له المحبّة في أهل‏ (6) الأرض.

و الإيمان و العمل الصّالح، إنّما يمتاز بولاية أمير المؤمنين و الأئمّة. يدلّ عليه ما

رواه عليّ بن إبراهيم‏ (7) قال: روى فضّالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ قال: آمنوا بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و عملوا الصّالحات بعد المعرفة. معناه: بعد المعرفة باللّه و برسوله و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8) في الحديث السّابق‏ متّصلا بقوله: «واحدا واحدا»:

قلت: قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا.

قال: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام). هي الودّ الّذي ذكره اللّه- عزّ و جلّ.

و في أصول الكافي‏ (9) بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- [مثله، إلّا أنّ فيه:

هي الودّ الّذي قال اللّه.

و في تفسير العيّاشي‏ (10): عن عمّار بن سويد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-] (11) يقول‏ في هذه الآية (12): فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ‏- و ذكر حديثا طويلا في آخره.

و دعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- في آخر

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 44.

(2) أي: انتشر. و في غير ع: رحا.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: فأحبّوه.

(5) ليس في م.

(6) لا يوجد في المصدر.

(7) تفسير القمّي 2/ 57.

(8) نفس المصدر/ 57.

(9) الكافي 2/ 431، ح 90.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 142، ح 11.

(11) ليس في ن.

(12) هود/ 12.

277

صلاته، رافعا بها صوته يسمع النّاس‏ (1) يقول: اللّهمّ، هب لعليّ المودّة في صدور المؤمنين، و الهيبة و العظمة في صدور المنافقين. فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا (الآية). و في الحديث تتمّة تأتي عند قوله‏ (2): قَوْماً لُدًّا.

و في مجمع البيان‏ (3): و في تفسير أبي حمزة الثّماليّ: حدّثني أبو جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ: قل: اللّهمّ اجعل لي عندك عهدا و اجعل لي في قلوب المؤمنين ودّا. فقال‏ (4). فنزلت هذه الآية.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال الصّادق- (عليه السلام)-: كان سبب نزول هذه الآية أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان جالسا بين يدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال له: قل يا عليّ: اللّهمّ اجعل لي في قلوب المؤمنين ودّا. فأنزل اللّه الآية.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريّاء، عن يعقوب بن جعفر بن سليمان عن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذا الآية قال: نزلت في عليّ- (عليه السلام). فما من مؤمن إلّا و في قلبه حبّ لعليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)، و على ذرّيّته الطّيّبين. (7)

____________

(1) ليس في س، أ، ن.

(2) مريم/ 97.

(3) المجمع 3/ 532- 533.

(4) المصدر: فقالهما عليّ.

(5) تفسير القمّي 2/ 56.

(6) تأويل الآيات الباهرة 1/ 309، ح 18.

(7) في هامش نسخة «م»:

و من الغرائب كنت ذات يوم متفكّرا في عيوب الدّنيا و في أحوال الرّاغبين فيها فرأيت في المنام أحدا يقول: من يحبّ الذّهب و الفضّة، يقذفهما اللّه- تعالى- في النّار و يضعهما على أبدان محبّيهما ليصلقا بأبدانهم. و قرأ قوله- تعالى- سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (مريم/ 96) دليلا لذلك فعلت (الأظهر: فقلت) بعل اليقظة إن كانت هذه الرّؤيا الصّادقة فلعلّ المراد من بطن الآية «إنّ الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات مع حبّهم بالذّهب و الفضّة حالهم هذه فكيف قال (الأظهر: حال) من لا يكونوا (الصحيح: لم يكونوا) مؤمنين أو لا يعملوا (الصحيح: لم يعملوا) الصّالحات حبّهم إيّاهما و يحتمل التّوبيخ أو التّمثيل أيضا

كقوله:

- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- المرء مع من أحبّ‏

في المعنى‏ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا فهولاء مع محبوبهم الّذين يحبّون الذّهب و الفضّة- أيضا- مع محبوبيهم و المعنى الأخير أدقّ و أوفق- و اللّه يعلم. (جعفر- عفى عنه)

278

فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ‏ بأن أنزلناه بلغتك.

و الباء بمعنى «على» أو على أصله، لتضمّن «يسّرناه» معنى أنزلناه. [أي:

أنزلناه‏] (1) بلغتك.

لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ‏: الصّائرين إلى التّقوى.

وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (97): أشدّاء الخصومة، آخذين في كلّ لديد- أي: شقّ من المراء- لفرط لجاجهم.

و في الحديث السّابق المنقول عن تفسر العيّاشيّ‏ (2): وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا بني أميّة.

فقال رمع‏ (3): و اللّه لصاع من تمر في شنّ‏ (4) بال أحبّ إليّ ممّا سأل [محمّد] (5) ربّه! أفلا سأله ملكا يعضده!؟ أو كنزا يستظهر به على فاقته!؟ فأنزل اللّه فيه عشر آيات من هود أوّلها (6):

فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ‏ (الآية).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): عن الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: قَوْماً لُدًّا قال: أصحاب الكلام و الخصومة.

و في روضة الواعظين‏ (8) للمفيد- (رحمه اللّه)- قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا. هو عليّ- (عليه السلام). فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ‏. [قال: هو عليّ‏] (9). وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا. قال: بني أميّة، قوما ظلمة.

و في أصول الكافي‏ (10): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: قوله- تبارك و تعالى-: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا. قال: إنّما يسّره اللّه- عزّ و جلّ- على لسانه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين أقام أمير

____________

(1) ليس في أ.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 142، ح 11.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: لكع. و «رمع» مقلوب «عمر».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: شق. و الشنّ:

القربة الصغيرة.

(5) من المصدر.

(6) هود/ 12.

(7) تفسير القمّي 2/ 56.

(8) روضة الواعظين 1/ 106.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 1/ 431- 432، ح 90.

279

المؤمنين- (عليه السلام)- [علما] (1)، فبشّر به المؤمنين، و أنذر به الكافرين. و هم الّذين ذكرهم اللّه- تعالى- قَوْماً لُدًّا (2)، أي: كفّارا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3) بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ‏:

تخويف للكفرة، و تجسير للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله) على إنذارهم.

هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ: هل تشعر بأحد منهم و تراه؟

أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98):

و قرئ‏ (4): «تسمع» من أسمعت.

و الرّكز: الصّوت الخفيّ. و أصل التّركيب هو الخفاء. و منه: ركز الرّمح: إذا غيّب طرفه في الأرض. و الرّكاز: المال المدفون.

و في الحديث السّابق المنقول عن تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5) أنّه قال في بيان هذه الآية:

أهلك اللّه- عزّ و جلّ- من الأمم ما لا تحصون‏ (6) فقال: يا محمّد هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً، أي: ذكرا. و الحمد للّه.

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: ذكرهم اللّه- تعالى- في كتابه «لدّا».

(3) تفسير القمّي 2/ 57.

(4) أنوار التنزيل 2/ 44.

(5) تفسير القمّي 2/ 57.

(6) المصدر: ما لا يحصون له.

281

تفسير سورة طه‏

مكّيّة و هي مائة و خمس‏ (1) و ثلاثون آية.

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تدعوا قراءة سورة طه، فإنّ اللّه يحبّها، و يحبّ من قرأها. و من أدمن قراءتها، أعطاه اللّه يوم القيامة كتابه بيمينه، و لم يحاسبه بما عمل في الإسلام. و أعطي. [في الآخرة من الأجر حتّى يرض.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأها، أعطي‏] (4) يوم القيامة ثواب المهاجرين و الأنصار.

أبو هريرة (5)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قرأ «طه» و «يس» قبل أن يخلق آدم بألفي عام. فلمّا سمعت الملائكة القرآن، قالوا:

طوبى لأمّة ينزل‏ (6) هذا عليها! و طوبى لأجواف تحمل هذا! و طوبى لألسن تكلّم‏ (7) بهذا!

و عن الحسن‏ (8) قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا يقرأ أهل الجنّة من القرآن إلّا «يس» و «طه».

____________

(1) كذا تفسير الصافي 3/ 299. و في النسخ:

أربع.

(2) ثواب الأعمال/ 134، ح 1.

(3) المجمع 4/ 1.

(4) ليس في ن.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: نزل.

(7) المصدر: تتكلّم.

(8) نفس المصدر و الموضع.

283

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

طه‏ (1):

فخّمهما (1) [قالون و ابن كثير و] (2) ابن عامر و حفص و يعقوب على الأصل. و فخّم‏ (3) الطّاء وحده أبو عمرو لاستعلائه و كذا ورش. و أمالهما الباقون. و هما من أسماء الحروف.

و قد مرّ بعض الاحتمالات في أوّل سورة البقرة.

و قيل‏ (4): معناه: يا رجل، [على لغة عكّ‏] (5).

و قرئ‏ (6): «طه»، على أنّه أمر للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأن يطأ الأرض بقدميه، و أنّ أصله «طأ» فقلبت همزته هاء.

و في كتاب معاني الأخبار (7) بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا «طه» فاسم من أسماء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و معناه: يا طالب الحقّ الهادي إليه.

و في شرح الآيات الباهرة (8): تأويل «طه» ذكره صاحب نهج الإيمان. قال: في تفسير الثّعلبيّ قال: قال جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)‏- قوله:- عزّ و جلّ-: «طه»، أي: طهارة أهل البيت‏ (9)- (عليه السلام)- من الرّجس. ثمّ قرأ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

(10).

ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ (2):

خبر (11) «طه»، إن جعلته مبتدا، على أنّه مؤوّل بالسّورة أو القرآن، و القرآن واقع‏ (12) فيه موقع العائد. و جوابه، إن جعلته مقسما به. و منادى له، إن جعلته نداء. و استئناف، إن كانت جملة فعليّة بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكيّة.

و المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب. و الشّقاء شائع بمعنى التعب. و منه: «أشقى‏

____________

(1) أنوار التّنزيل 2/ 44.

(2) من م.

(3) ليس في ن.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المعاني/ 22، ح 1.

(8) تأويل الآيات الباهرة 1/ 309، ح 1.

(9) المصدر: أهل بيت محمّد.

(10) الأحزاب/ 33.

11 و 12- ليس في ن.

284

من رائض المهر»، و «سيّد القوم أشقاهم».

قيل‏ (1): و لعلّه عدل إليه، للإشعار بأنّه أنزل إليه ليسعد.

و قيل‏ (2): ردّ و تكذيب للكفرة. فإنّهم لما رأوا كثرة عبادته، قالوا: إنّك لتشقى بترك ديننا، و أنّ القرآن أنزل عليك لتشقى به!

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد عن عليّ بن‏ (4) أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و أبي جعفر- (عليه السلام)- قالا: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا صلّى، قام على أصابع رجليه، حتّى تورّمت. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: «طه» بلغة طيّ: يا محمّد ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى‏.

و في أصول الكافي‏ (5): حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهيب‏ (6) بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند عائشة ليلتها. فقالت: يا رسول اللّه، لم تتعب نفسك، و قد غفر [اللّه‏] (7) لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر!؟ فقال: يا عائشة، ألا أكون عبدا شكورا!؟

قال: و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقوم على أطراف أصابع رجليه.

فأنزل اللّه- سبحانه-: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لقد قام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عشر سنين على أطراف أصابعه، حتّى تورّمت قدماه، و اصفرّ وجهه. يقوم اللّيل أجمع، حتّى عوتب في ذلك، فقال اللّه- عزّ و جلّ-: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ بل لتسعد به.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 45.

(3) تفسير القمّي 2/ 57- 58.

(4) المصدر: عليّ بن (أبي حمزه، عن- ط)

(5) الكافي 2/ 95، ح 6.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة، و في النسخ:

وهب.

(7) من المصدر.

(8) الاحتجاج/ 219- 220.

285

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى ابن عبّاس قال: كنّا جلوسا مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ هبط عليه الأمين جبرئيل- (عليه السلام)- و معه جام من البلّور الأحمر، مملوء مسكا و عنبرا. و كان إلى جنب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ولداه الحسن و الحسين- (عليهما السلام). فقال له: السّلام عليك. اللّه يقرأ عليك السّلام، و يحيّيك بعده التّحيّة. و يأمرك أن تحيّي عليّا و ولديه.

قال ابن عبّاس: فلمّا صارت في كفّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هلّل ثلاثا، و كبّر ثلاثا. ثمّ قال بلسان ذرب طلق- يعني الجام-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

إِلَّا تَذْكِرَةً: لكن تذكيرا.

و انتصابها على الاستثناء المنقطع.

قيل‏ (2): و لا يجوز أن يكون بدلا من محلّ «تشقى»، لاختلاف الجنسين، و لا مفعولا له ل «أنزلنا». فإنّ الفعل الواحد لا يتعدّى إلى علّتين.

و قيل‏ (3): هو مصدر في موضع الحال من الكاف أو «القرآن». أم مفعول له، على أنّ «لتشقى» متعلّق بمحذوف هو صفة «القرآن». أي: ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه.

لِمَنْ يَخْشى‏ (3): لمن في قلبه خشية و رقّة تتأثّر بالإنذار. أو: لمن علم اللّه منه أنّه يخشى بالتّخويف منه، فإنّه المنتفع.

تَنْزِيلًا:

نصب بإضمار فعله. أو ب «يخشى». أو على المدح. أو على البدل من «تذكرة» إن جعل حالا. و إن جعل مفعولا له لفظا أو معنى، فلا. لأنّ الشّي‏ء لا يعلّل بنفسه، و لا بنوعه.

مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى‏ (4):

____________

(1) لم نعثر عليه في المصدر، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 367، ح 11.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 45.

286

مع ما بعده إلى قوله: الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ تفخيم لشأن المنزل بعرض‏ (1) تعظيم المنزل، بذكر أفعاله و صفاته، على التّرتيب الّذي هو عند العقل. فبدأ بخلق الأرض و السّموات الّتي هي أصول العالم. و قدّم الأرض، لأنّها أقرب إلى الحسّ، و أظهر عنده من السّموات العلى- و هو جمع العليا تأنيث الأعلى. ثمّ أشار إلى وجه‏ (2) إحداث الكائنات و تدبير أمرها، بأن قصد العرش، فأجرى منه الأحكام و التّقادير، و أنزل منه الأسباب على ترتيب و مقادير، حسبما اقتضته [حكمته، و تعلّقت‏] (3) به مشيئته، فقال:

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ (5):

في كتاب التّوحيد (4) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: فقوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏؟

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: بذلك وصف نفسه. و كذلك هو مستول على العرش، بائن من خلقه. من غير أن يكون العرش حاملا له، و لا أن يكون العرش حاويا له، و لا أن يكون العرش محتازا (5) له. و لكنّا نقول: هو حامل العرش، و ممسك العرش.

و نقول من ذلك ما قال‏ (6): وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏. فثبتنا من العرش و الكرسيّ ما ثبته، و نفينا أن يكون العرش أو الكرسيّ حاويا له، و أن يكون- عزّ و جلّ- محتاجا إلى مكان، أو إلى شي‏ء ممّا خلق. بل خلقه محتاجون إليه.

و فيه‏ (7) خطبة عجيبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: و المستولي‏ (8) على العرش بلا زوال.

و فيه‏ (9) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل‏ يذكر فيه عظمة اللّه- جلّ جلاله. يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد أن ذكر الأرضين السّبع:

ثمّ السّموات‏ (10) السّبع‏ (11)، و البحر المكفوف، و جبال البرد، و حجب النّور، و الهواء

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 45. و في ع و م:

لغرض. و في غيرهما: بغرض.

(2) ع: أوجه.

(3) ليس في م.

(4) التّوحيد/ 248، ح 1.

(5) المصدر: و لا أن العرض محتاز.

(6) البقرة/ 255.

(7) نفس المصدر/ 33، ح 1. و الكافي 1/ 142، ح 7. روى المؤلّف (ره) هذه العبارة بعينها عن الكافي أيضا قبل وروده في تفسير الآية الآتية.

(8) المصدر: المستوي.

(9) نفس المصدر/ 277، ح 1.

(10) ليس في أ.

(11) ليس في ن و أ.

287

الّذي تحار (1) فيه القلوب. و هذه السّبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء و الحجب و الكرسيّ عند العرش، كحلقة في فلاة. ثمّ تلا هذه الآية: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏.

ما تحمله ملك‏ (2) إلّا بقول‏ (3): لا إله إلّا اللّه. و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.

و في روضة الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عبد الرّحمن بن أبي بخران، عن صفوان، عن خلف بن حمّاد، عن الحسين بن زيد (5) الهاشميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثله إلى قوله: استوى.

و في كتاب التّوحيد (6) بإسناده إلى محمّد بن مارد (7): انّ أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏. فقال: استوى من كلّ شي‏ء. فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8) مثله.

أبي- (رحمه اللّه)- قال‏ (9): حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسين‏ (10)، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏. فقال استوى من كلّ شي‏ء.

فليس شي‏ء أقرب اليه من شي‏ء.] (11) لم يبعد منه بعيد، و لم يقرب منه قريب. استوى من كلّ شي‏ء.

و في الكافي‏ (12) مثل سواء.

و بإسناده‏ (13) إلى زاذان‏ (14): عن سلمان الفارسيّ حديث طويل‏، يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة، مع مائة من النّصارى، بعد قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: تحال.

(2) ع: الملائكة. المصدر: الأملاك.

(3) ع، م، ن: يقول.

(4) الكافي 8/ 153- 154، ح 143.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يزيد.

(6) التوحيد/ 315، ح 1.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 186. و في النسخ: مازن‏

(8) تفسير القمّي 2/ 59.

(9) التوحيد/ 315، ح 2.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسن.

(11) يوجد في م.

(12) الكافي 1/ 128، ح 7 و 8.

(13) التوحيد/ 316، ح 3.

(14) كذا في المصدر. و في ع، أ و س: ماذان. و في ن: مازن. و في م: مهاذان.

288

و سؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها. ثمّ أرشد إلى أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب‏] (1)- (عليه السلام)- فسأله عنها، فأجابه. فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن ربّك، أ يحمل أو يحمل؟

فقال عليّ- (عليه السلام)-: إنّ ربّنا- جلّ جلاله- يحمل و لا يحمل.

قال النّصراني: و كيف ذلك، و نحن نجد في الإنجيل: «و يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية»!؟

فقال عليّ- (عليه السلام)-: إنّ الملائكة تحمل العرش. و ليس العرش كما تظنّ كهيئة السّرير، و لكنّه شي‏ء محدود مخلوق مدبّر، و ربّك- عزّ و جلّ- مالكه، لا أنّه عليه، ككون الشّي‏ء علي الشّي‏ء. و أمر الملائكة بحمله. فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه.

قال النّصرانيّ: قد صدقت. يرحمك اللّه.

و بإسناده‏ (2) إلى الحسن بن موسى الخشّاب، عن بعض رجاله، رفعه عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏.

فقال: استوى من كلّ شي‏ء. فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء.

و بإسناده‏ (3) إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- من شي‏ء، أو في شي‏ء، أو على شي‏ء، فقد كفر. قلت: فسّر لي. قال: أعني بالحواية من الشي‏ء له، أو بإمساكه‏ (4) له، أو من شي‏ء سبقه.

و في رواية أخرى‏ (5) قال: من زعم أنّ اللّه من شي‏ء، فقد جعله محدثا. و من زعم أنّ اللّه في شي‏ء، فقد جعله محصورا. و من زعم أنّه على شي‏ء، فقد جعله محمولا.

و بإسناده‏ (6) إلى مقاتل بن سليمان قال: سألت جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏. فقال: استوى من كلّ شي‏ء. فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء.

و بإسناده‏ (7) إلى الحسن بن محبوب، عن حمّاد قال: قال أبو عبد اللّه- عليه‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 316- 317، ح 4.

(3) نفس المصدر/ 317، ح 5.

(4) المصدر: بإمساك.

(5) نفس المصدر/ 317، ح 6.

(6) نفس المصدر/ 317، ح 7.

(7) نفس المصدر/ 317، ح 8.

289

السّلام-: كذب من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- من شي‏ء، أو في شي‏ء، أو على شي‏ء.

و بإسناده‏ (1) إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من زعم أنّ اللّه من شي‏ء، أو في شي‏ء، أو على شي‏ء، فقد أشرك. ثمّ قال: من زعم أنّ اللّه من شي‏ء، فقد جعله محدّثا. و من زعم أنّه في شي‏ء، فقد زعم أنّه محصور. و من زعم أنّه على شي‏ء، فقد جعله محمولا.

و بإسناده‏ (2) إلى حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن العرش‏ (3) و الكرسيّ. فقال: إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كلّ سبب وضع في القرآن صفة على حدة.

فقوله‏ (4): رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ يقول: الملك العظيم.

و قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ يقول: على الملك احتوى. و هذا ملك الكيفوفيّة في الأشياء.

ثمّ العرش في الوصل منفرد عن الكرسيّ، لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب، و هما جميعا غيبان، و هما في الغيب مقرونان. لأنّ الكرسيّ هو الباب الظّاهر من الغيب الّذي منه يطلع‏ (5) البدع، و منه الأشياء كلّها. و العرش هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحدّ و الأين و المشيئة و صفة الإرادة، و علم الألفاظ و الحركات و التّرك، و علم العود و البدء (6). فهما في العلم بابان مقرونان. لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسيّ، و علمه أغيب من علم الكرسيّ. فمن ذلك قال: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏. أي:

صفته أعظم من صفة الكرسيّ، و هما في ذلك مقرونان.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7) بإسناده إلى الحسن بن عبد اللّه، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه عن أشياء.

فكان فيما سألوه عنه، أن قال له أحدهم: لم صار البيت المعمور مربّعا؟ قال: لأنّه‏

____________

(1) نفس المصدر/ 317، ح 9.

(2) نفس المصدر/ 321- 322، ح 1.

(3) أ: العرش العظيم.

(4) التوبة/ 129، و غيرها من الآيات.

(5) المصدر: مطلع.

(6) كذا في المصدر. و في ع و م: البداء. و في سائر النسخ: و البداين و البداء.

(7) العلل/ 398، ح 2.

290

بحذاء العرش [و هو مربّع‏] (1).

فقيل له: و لم صار العرش مربّعا؟ قال: لأنّ الكلمات الّتي بني‏ (2) عليها [الإسلام‏] (3) أربع [و هي‏] (4): سبحان اللّه. و الحمد للّه. و لا إله إلّا اللّه. و اللّه أكبر.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث. و فيه. قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏، يعني: استوى تدبيره، و علا أمره.

و عن الحسن بن راشد (6) قال: سئل أبو الحسن بن‏ (7) موسى- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏. [فقال: استولى‏] (8) على ما دقّ و جلّ.

و في أصول الكافي‏ (9) خطبة مرويّة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: و المستولي‏ (10) على العرش بلا زوال.

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏ (6):

[الثّرى: التّراب النّديّ.

و في كتاب الخصال‏ (11): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- أنّه تلا هذه الآية فقال:

فكلّ شي‏ء على الثّرى. و الثّرى‏] (12) على القدرة. و القدرة تحمل كلّ شي‏ء.

و في كتاب التّوحيد (13) حديث طويل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- يذكر فيه عظمة اللّه- جلّ جلاله. و فيه يقول- (عليه السلام)- بعد أن ذكر الأرضين السّبع و ما فيهنّ و ما عليهنّ:

و السّموات السّبع و من فيهنّ و من عليهنّ على ظهر الدّيك، كحلقة في فلاة قيّ‏ (14).

____________

(1) من المصدر.

(2) س، أ: يبنى. ع: تبنى.

3 و 4- من المصدر.

(5) الاحتجاج/ 250.

(6) نفس المصدر/ 386.

(7) لا يوجد في نور الثقلين 3/ 27، ح 371.

(8) ليس في ن.

(9) الكافي 1/ 142، ح 7.

(10) المصدر: و المستوي.

(11) الخصال/ 597، ح 1.

(12) لا يوجد في أ.

(13) التّوحيد/ 276، ح 1.

(14) القيّ- بكسر القاف-: قفر الأرض و الخلاء.

291

و الدّيك له [جناحان:] (1) جناح بالمشرق، و جناح بالمغرب، و رجلاه في التّخوم. (2).

و السّبع و الدّيك بمن فيه و من عليه، على الصّخرة، كحلقة في فلاة قيّ.

و السّبع‏ (3) و الدّيك و الصّخرة بمن فيها و من عليها، على ظهر الحوت، كحلقة في فلاة قيّ.

و السّبع و الدّيك و الصّخرة و الحوت، عند البحر المظلم، كحلقة في فلاة قيّ.

و السّبع و الدّيك و الصّخرة و الحوت و البحر المظلم، عند الهواء [كحلقة في فلاة قيّ.

و السّبع و الدّيك و الصّخرة و البحر المظلم و الهواء] (4) عند الثّرى، كحلقة في فلاة قيّ.

ثمّ تلا هذه الآية: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏. ثمّ انقطع الخبر.

و في روضة الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن صفوان، عن خلف بن حمّاد، عن الحسين بن زيد (6) الهاشميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثله.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (7) بإسناده إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد (8) رفعه قال: قال عليّ- (عليه السلام)- ليهوديّ- و قد سأله عن مسائل-: أمّا قرار هذه الأرض، لا يكون إلّا على عاتق ملك. و قدما ذلك الملك على صخرة. و الصّخرة على قرن ثور. و الثّور قوائمه على ظهر الحوت. [و الحوت‏ (9)] في اليمّ الأسفل. و اليمّ على الظّلمة.

و الظلمة على العقيم. و العقيم على الثّرى. و ما يعلم تحت الثّرى إلّا اللّه- تعالى.

و الحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): حدّثني أبي، عن عليّ بن مهزيار، عن العلاء (11) المكفوف، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في س، م، ن: بالتخوم.

و في ع و أ: بالنجوم.

(3) ليس في ن.

(4) ليس في م و ن.

(5) الكافي 8/ 153- 154، ح 143.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يزيد.

(7) العلل/ 1- 2، ح 1.

(8) م: زيادة «بإسناده».

(9) ليس في المصدر.

(10) تفسير القمّي 2/ 58- 59.

(11) المصدر: علاء (بن- ط)

292

قال: سئل عن الأرض على أي شي‏ء هي. قال: على الحوت.

قيل له: فالحوت على أيّ شي‏ء هو؟ قال: على الماء.

فقيل له: فالماء على أيّ شي‏ء هو؟ قال على الثّرى.

قيل له: فالثّرى على أيّ شي‏ء هو؟ قال عند ذلك انقضى علم العلماء.

محمّد بن أبي عبد اللّه‏ (1)، عن سهل، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الأرض على أيّ شي‏ء هي. قال: على الحوت.

قلت: فالحوت على أيّ شي‏ء هو؟ قال: على الماء.

قلت: فالماء على أيّ شي‏ء هو؟ قال: على الصّخرة.

قلت: فعلى أيّ شي‏ء الصّخرة؟ قال: على قرن ثور أملس.

قلت: فعلى أيّ شي‏ء [الثّور؟ قال: على الثّرى.

قلت: فعلى أيّ شي‏ء] (2) الثّرى؟ قال: هيهات! هيهات! عند ذلك ضلّ علم العلماء.

و في روضة الكافي‏ (3): محمّد، عن‏ (4) أحمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): أحمد بن محمّد و عبد اللّه بن عامر، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر الجعفيّ‏ (6) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول- و قد ذكر أئمّة الهدى (عليهم السلام)-: و جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بأهلها و الحجّة البالغة على من فوق‏ (7) الأرض و من تحت الثّرى.

و في أصول الكافي‏ (8) بإسناده إلى المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-

____________

(1) نفس المصدر/ 59.

(2) ليس في م.

(3) الكافي 8/ 89، ح 55.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(5) البصائر/ 220- 221.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عن محمّد الجعفيّ.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: في.

(8) الكافي 1/ 196، ح 1. و هذا نفس الحديث السابق المنقول عن البصائر. و لعلّ المؤلّف (ره) لمّا كان في نسخته من البصائر «محمّد الجعفي» بدل «المفضّل ...» جعلها حديثين مختلفين.

293

حديث طويل يذكر فيه الأئمّة- (عليه السلام). و فيه: جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بأهلها، و الحجّة البالغة على من فوق الأرض و من تحت الثّرى.

و بإسناده‏ (1) إلى سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل يذكر فيه حال الأئمّة- (عليهم السلام). و فيه، جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بأهلها (2)، و الحجّة البالغة (3) على من فوق الأرض و من تحت الثّرى.

وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏ (7): و إن تجهر بذكر اللّه و دعائه، فاعلم أنّه غنيّ عن جهرك، فإنّه يعلم السّرّ و أخفى منه، و هو ضمير النّفس.

و فيه تنبيه على أنّ شرع الذّكر و الدّعاء و الجهر فيهما، ليس لإعلام اللّه تعالى، بل لتصوير النّفس بالذّكر و رسوخه فيها، و منعها عن الاشتغال بغيره، و هضمها بالتّضرّع و الابتهال.

و في كتاب معاني الأخبار (4): حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه‏ (5)- رضي اللّه عنه- قال: حدّثني عمّي محمّد بن أبي القاسم، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ قال: حدّثني موسى بن سعدان الحنّاط (6)، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عبد اللّه بن مسكان عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَعْلَمُ السِّرَّ [وَ أَخْفى‏. قال: «السّرّ»] (7) ما أكننته‏ (8) في نفسك. و «أخفى» ما خطر ببالك، ثمّ أنسيته.

و في مجمع البيان‏ (9): و روي عن السّيّدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-: «السّرّ» ما أخفيته في نفسك. و «أخفى» ما خطر ببالك، ثمّ أنسيته.

ثمّ لمّا ظهر بذلك أنّه المستجمع لصفات الألوهيّة، بيّن أنّه المتفرّد بها و المتوحّد بمقتضاها. فقال:

اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ (8): الحسنى: تأنيث الأحسن.

____________

(1) نفس المصدر/ 197، ح 2.

(2) كذا في ع. و في سائر النسخ و المصدر: بهم.

(3) ليس في س، أ، ن.

(4) المعاني/ 143، ح 1.

(5) ليس في ن.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الخيّاط.

(7) ليس في ن.

(8) المصدر: كتمته.

(9) المجمع 4/ 3.

294

في مجمع البيان‏ (1): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ للّه- سبحانه- تسعة و تسعين اسما. من أحصاها، دخل الجنّة.

وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ (9):

قيل‏ (2): قفّى تمهيد نبوّته قصّة موسى- (عليه السلام)- ليأتمّ به في تحمّل‏ (3) أعباء النّبوّة و تبليغ الرّسالة و الصّبر على مقاساة الشّدائد. فإنّ السّورة من أوائل ما نزل.

إِذْ رَأى‏ ناراً:

ظرف للحديث، لأنّه حدث. أو مفعول لا ذكر.

قيل‏ (4): إنّه استأذن شعيبا- (عليه السلام)- في الخروج إلى أمّه، و خرج بأهله. فلمّا وافى وادي طوى- و فيه الطّور- ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة. و كانت ليلة الجمعة. و قد ضلّ الطّريق، و تفرّقت ماشيته، إذ رأى من جانب الطّور نارا.

فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا: أقيموا مكانكم.

و قراء (5) حمزة: «لأهله امكثوا» هنا، و في القصص‏ (6) بضمّ الهاء في الوصل. و الباقون بكسرها فيه.

إِنِّي آنَسْتُ ناراً: أبصرتها إبصارا لا شبهة فيه.

و قيل‏ (7): الإيناس: إبصار ما يؤنس به.

لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ‏: بشعلة من النّار.

و قيل‏ (8): جمرة.

أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً‏ (10): هاديا يدلّني على الطّريق.

قيل‏ (9): أو يهديني أبواب‏ (10) الدّين. فإنّ أفكار الأبرار مائلة إليها، في كلّ ما يعنّ‏ (11) لهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (12): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏ [في قوله: آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ‏] (13) يقول: «آتيكم» بقبس من النّار، تصطلون من البرد.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 3.

(2) أنوار التنزيل 2/ 46.

(3) ليس في م.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 46.

(6) القصص/ 29.

7 و 8 و 9- أنوار التنزيل 2/ 46.

(10) ليس في م.

(11) أي: يظهر.

(12) تفسير القمّي 2/ 60.

(13) يوجد في م.

295

[و قوله:] (1) أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً‏. كان قد أخطأ الطّريق. يقول: أو أجد على النّار طريقا.

و لمّا كان حصولهما مترقّبا، بني الأمر فيهما على الرّجاء بخلاف الإيناس. فإنّه كان محقّقا لهم، و لذلك حقّقه لهم، ليوطّنوا أنفسهم عليه.

و معنى الاستعلاء في «على» أنّ أهلها مشرفون عليها، أو مستعلون المكان القريب منها. كما قال سيبويه في «مررت بزيد»: إنّه لصوق بمكان يقرب منه.

فَلَمَّا أَتاها:

قيل‏ (2): أتى النّار وجد نارا بيضاء تتّقد في شجرة خضراء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3) عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: فأقبل نحو النّار يقتبس.

فإذا شجرة و نار تلتهب عليها. فلمّا ذهب نحو النّار يقتبس منها، أهوت إليه. ففزع منها، وعدا، و رجعت النّار إلى الشّجرة. فالتفت إليها، و قد رجعت إلى الشّجرة. فرجع الثّانية ليقتبس، فأهوت إليه. فعدا، و تركها. ثمّ التفت [إليها، و قد رجعت‏] (4) إلى الشّجرة. فرجع إليها الثّالثة، فأهوت إليه. فعدا، وَ لَمْ يُعَقِّبْ‏ (5)، أي: لم يرجع. فناداه اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ.

و سيأتي تمام الحديث في سورة القصص- إن شاء اللّه.

نُودِيَ يا مُوسى‏ (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ‏:

فتحه‏ (7) ابن كثير و أبو عمرو أي: بأنّي. و كسره الباقون بإضمار القول و إجراء النّداء مجراه.

و تكرير الضّمير للتّوكيد و التّحقيق.

قيل‏ (8): إنّه لمّا نودي، قال: من المتكلّم؟ قال: إنّي أنا اللّه. فوسوس إليه إبليس:

لعلّك تسمع كلام شيطان! فقال: إنّي عرفت أنّه كلام اللّه، بأن أسمعه من جميع الجهات و بجميع الأعضاء. و هو إشارة إلى أنّه- (عليه السلام)- تلقّى من ربّه كلامه‏ (9) روحانيّا، ثمّ تمثّل ذلك الكلام لبدنه، و انتقل إلى الحسّ المشترك، فانتقش به، من غير اختصاص‏

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 46.

(3) تفسير القمّي 2/ 140.

(4) من المصدر. و في النسخ: رجع.

(5) النّمل/ 10، و القصص/ 31.

(6) ليس في م.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 46.

(9) ليس في س، أ، ن.

296

بعضو وجهة.

فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ‏:

أمره بذلك، إمّا لأنّ الحفوة تواضع للّه و أدب، أو لنجاسة نعليه، أو لكليهما.

و ما في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1) في حديث أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «كانتا من جلد حمار ميّت» محمول على الإنكار.

و كذا ما روي في من لا يحضره الفقيه‏ (2) عن الصّادق- (عليه السلام)- مثل.

و يمكن أن يكون معناه: فرّغ قلبك من حبّ الأهل و المال.

يدّ عليه‏

ما روى في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3) بإسناده إلى سعد بن عبد اللّه القمّيّ، عن الحجّة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل و فيه: قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن أمر اللّه لنبيّه موسى- (عليه السلام)-: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏ (4). فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة.

قال- (صلوات اللّه عليه)-: من قال ذلك، فقد افترى على موسى- (عليه السلام)- و استجهله في نبوّته. لأنّه ما خلا الأمر فيها من خصلتين‏ (5): إمّا أن تكون صلاة موسى فيهما جائزة [أو غير جائزة]. (6) [فإن كانت صلاته جائزة،] (7) جاز له لبسهما في تلك البقعة (8). و إن كانت مقدّسة مطهّرة، فليست بأقدس و أطهر من الصّلاة. و إن كانت صلاته غير جائزة فيهما، فقد أوجب على موسى- (عليه السلام)- أنّه لم يعرف الحلال من الحرام و ما علم ما جاز (9) فيه الصّلاة و ما لم يجز. و هذا كفر.

قلت: فأخبرني- يا مولاي- عن التّأويل فيها (10).

قال- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ موسى ناجى ربّه‏ (11) بالواد المقدّس فقال: يا ربّ،

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 60.

(2) الفقيه 1/ 160، ح 751.

(3) كمال الدين/ 460.

(4) من م.

(5) المصدر: خطيئتين.

(6) ليس في م.

(7) ليس في أ.

(8) يوجد في جميع النسخ هاهنا هذه الزيادة: إذا لم تكن مقدّسة.

(9) المصدر: تجوز.

(10) المصدر: فيهما.

(11) ن: اللّه.

297

إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي، و غسلت قلبي عمّن سواك. و كان شديد الحبّ لأهله.

فقال اللّه- تعالى-: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ‏. أي: انزع حبّ أهلك من قلبك، إن كانت محبّتك لي خالصة، و قلبك من الميل إلى من سواي مغسول.

و روي‏ (1): أي: خوفك من ضياع أهلك، و خوفك من فرعون.

و روي‏ (2) عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال لبعض أصحابه: كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو. فإنّ موسى بن عمران خرج ليقتبس لأهله نارا، فرجع إليهم و هو رسول نبيّ.

و في مجمع البيان‏ (3): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: حدّثني أبي عن جدّي، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو. فإنّ موسى بن عمران- (عليه السلام)- خرج ليقتبس لأهله نارا، فكلّمه اللّه- عزّ و جلّ- فرجع نبيّا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ‏:

تعليل للأمر باحترام البقعة.

في كتاب علل الشّرائع‏ (4) [بإسناده إلى‏] (5) عبد اللّه بن يزيد بن سلام‏ أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: أخبرني عن الواد المقدّس [لم سمّي المقدّس‏] (6)؟

فقال: لأنّه قدّست فيه الأرواح، و اصطفيت فيه الملائكة، و كلّم اللّه- عزّ و جلّ- موسى تكليما.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

طُوىً‏ (12):

علم البقعة. عطف بيان للوادي.

و نوّنه‏ (7) ابن عامر و الكوفيّون بتأويل المكان.

و قيل‏ (8): هو كثنى من الطّيّ مصدر ل «نودي». أو «المقدّس». أي: نودي نداءين أو قدّس مرّتين.

____________

(1) علل الشّرائع/ 66، ح 2.

(2) نور الثقلين 3/ 374، ح 45.

(3) نور الثقلين 3/ 374، ح 46.

(4) العلل/ 471- 472، ح 33.

(5) يوجد في م.

(6) من المصدر.

(7) أنوار التنزيل 2/ 46.

(8) نفس المصدر و الموضع.

298

و في الخرائج و الجرائح‏ (1): قال عليّ بن أبي حمزة: كنت مع موسى- (عليه السلام)- بمنى. ثمّ مضى إلى داره بمكّة. فأتيته- و قد صلّى المغرب- فدخلت عليه. فقال: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏. فخلعت نعليّ، و جلست معه.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ‏: اصطفيتك للنّبوّة.

و قرئ‏ (2): «و إنّا اخترناك».

فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى‏ (13): للّذي يوحى إليك، أو للوحي.

و اللّام تحتمل التّعلّق بكلّ من الفعلين.

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏:

بدل ممّا يوحى، دالّ على أنّه مقصور على التّوحيد- الّذي هو منتهى العلم- و الأمر بالعبادة، الّتي هي كمال العمل.

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏ (14):

قيل‏ (3): خصّها بالذّكر و أفردها بالأمر، للعلّة التي أناط بها إقامتها، و هي: تذكّر المعبود، و شغل القلب و اللّسان بذكره.

و قيل‏ (4): «لذكري» لأنّي ذكرتها في الكتب، و أمرت بها. أو: لأن أذكرك بالثّناء.

أو: لذكري خاصّة لا ترائي بها [و لا تشوبها] (5) بذكر غيري. أو: لأوقات ذكري، و هي مواقيت الصّلاة.

و قيل‏ (6): لذكر صلاتي، لما روى أنس عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من نسي صلاة، فليصلّها إذا ذكرها، و لا كفّارة عليه غير ذلك. و قرأ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏. رواه مسلم في الصّحيح. كذا في مجمع البيان.

و في الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد و محمد بن خالد جميعا، عن القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا فاتتك صلاة، فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي‏

____________

(1) الخرائج/ 81

(2) أنوار التنزيل 2/ 46.

3 و 4- نفس المصدر/ 47.

(5) من المصدر.

(6) مجمع البيان 4/ 6.

(7) الكافي 3/ 293، ح 4.

299

فاتتك، كنت من الأخرى في وقت، فابدأ بالّتي فاتتك. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول:

أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏. و إن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك، [فاتتك‏] (1) الّتي بعدها، فابدأ بالّتي أنت في وقتها، فصلّها. ثمّ أقم الأخرى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏ قال: إذا نسيتها، ثمّ ذكرتها، فصلّها.

إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ: كائنة لا محالة.

أَكادُ أُخْفِيها:

قيل‏ (3): أريد إخفاء وقتها. أو: أقرب أن أخفيها فلا أقول إنّها آتية. و لولا ما في الأخبار بإتيانها من اللّطف و قطع الأعذار، ما أخبرت به. أو: أكاد أظهرها. من أخفاه:

إذا سلب خفاءه. و يؤيّده القراءة بالفتح من خفاه: إذا أظهره.

و في مجمع البيان‏ (4): و روى ابن عبّاس‏ «أكاد أخفيها أخفيها (5) من نفسي». و هي كذلك في قراءة أبيّ. و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام).

و. في جوامع الجامع‏ (6): و. في مصحف أبيّ: «أكاد أخفيها من نفسي». و روي ذلك عن الصّادق- (عليه السلام).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): أَكادُ أُخْفِيها قال: «من نفسي». هكذا نزلت.

قلت: كيف يخفيها؟ قال: جعلها من غير وقت.

لِتُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى‏ (15):

متعلّق ب «آتية» أو ب «أخفيها» بمعنى أظهرها.

فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها: عن تصديق السّاعة، أو عن الصّلاة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها:

نهى الكافر عن أن يصدّ موسى عنها. و المراد نهيه أن ينصدّ عنها، تنبيها على أنّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 60.

(3) أنوار التنزيل 2/ 47.

(4) المجمع 4/ 6.

(5) ليس في نور الثقلين 3/ 375، ح 54 و تفسير الصافي 3/ 303.

(6) الجوامع/ 280.

(7) تفسير القمّي 2/ 60.

300

الفطرة (1) السّليمة لو خلّيت بحالها، لاختارها، و لم يعرض عنها. و أنّه ينبغي أن يكون راسخا في دينه. فإنّ صدّ الكافر إنّما يكون بسبب ضعفه فيه.

وَ اتَّبَعَ هَواهُ‏، أي: ميل نفسه إلى اللّذّات المحسوسة المخدجة، فقصر نظره عليها.

فَتَرْدى‏ (16) فتهلك بالانصداد بصدّه.

و الظّاهر أنّ خطاب موسى- (عليه السلام)- بعدم الانصداد بصدّ الكافر، للتّعريض بغيره، بأنّه يجب أن لا ينصدّ بصدّ إبليس أو كافر آخر ممّن تبع‏ (2) هواه. و التّنبيه على أنّه مع كونه نبيّا كليما، لو انصدّ بصدّ الكافر، و مال عن الحقّ لوقع في الهلاك و العذاب الدّائم، فكيف بغيره! وَ ما تِلْكَ‏:

استفهام يتضمّن استيقاظا لما يريه فيها من العجائب.

بِيَمِينِكَ‏:

حال من معنى الإشارة.

و قيل‏ (3): صلة «تلك».

يا مُوسى‏ (17):

تكرير لزيادة الاستئناس و التّنبيه.

قالَ هِيَ عَصايَ‏:

و قرئ‏ (4): «عصيّ» على لغة هزيل.

قيل‏ (5): كانت العصا من آس الجنّة، أخرجها آدم- (عليه السلام)- و توارثها الأنبياء، إلى أن بلغ شعيبا، فدفعها إلى موسى.

و قيل‏ (6): كانت من عوسج. و كان طولها عشرة أذرع، على مقدار قامة موسى.

أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها: أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع.

وَ أَهُشُّ بِها عَلى‏ غَنَمِي‏: و أخبط الورق بها على رؤوس غنمي.

____________

(1) في أنوار التنزيل 2/ 47: فطرته.

(2) م: يتبع.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 47.

5 و 6- مجمع البيان 4/ 8.

301

و قرئ‏ (1): «أهشّ»- من باب الإفعال- و كلاهما من: هشّ الخبز يهشّ: إذا انكسر لهشاشته.

و قرئ‏ (2) بالسّين من الهسّ، و هو: زجر الغنم. أي: أنحي عليها زاجرا لها.

وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى‏ (18): حاجات أخر: مثل أن كان إذا سار، ألقاها على عاتقه، فعلّق بها أدواته، و إذا كان في البرّيّة، ركزها و عرض الزّندين على شعبتيها، و ألقى عليها الكساء و استظلّ به، و إذا قصر الرّشاء، وصله بها، و إذا تعرّضت السّباع لغنمه، قاتل بها.

قيل‏ (3): فكأنّ موسى- (عليه السلام)- فهم أنّ المقصود من السّؤال أن يذكر حقيقتها، و ما يرى من منافعها، حتّى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة، و وجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة- مثل أن تشتعل شعبتاها باللّيل كالشّمع، و تصيران دلوا عند الاستقاء و تطول بطول البئر، و تحارب عنه إذا ظهر عدوّه، و ينبع الماء بركزها، و ينضبّ بنزعها، و تورق و تثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها- علم أنّ ذلك آيات باهرة و معجزات قاهرة أحدثها اللّه فيها لأجله، و ليست من خواصّها. فذكر حقيقتها [و منافعها] (4) مفصّلا و مجملا، على معنى أنّها من جنس العصيّ تنفع منافع أمثالها، ليطابق جوابه الغرض الّذي فهمه.

قالَ أَلْقِها يا مُوسى‏ (19).

فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ (20):

قيل‏ (5): لمّا ألقاها، انقلبت حيّة صفراء بغلظ العصا. ثمّ تورّمت و عظمت. فلذلك سمّاها «جانّا» (6) تارة، نظرا إلى المبدأ، و «ثعبانا» (7) مرّة باعتبار المنتهى، و «حيّة» أخرى بالاسم الّذي يعمّ الحالين.

و قيل‏ (8): كانت في ضخامة الثّعبان و جلادة الجانّ. و لذلك قال: كَأَنَّها جَانٌ‏.

قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ‏:

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 47.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) من م.

(5) أنوار التنزيل 2/ 47- 48.

(6) في النمل/ 10، و القصص/ 31.

(7) في الأعراف/ 107، و العشراء/ 32.

(8) نفس المصدر و الموضع.

302

فإنّه لمّا رآها حيّة تسرع و تبتلع الحجر [و الشجر] (1)، خاف و هرب منها.

سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى‏ (21): هيئتها و حالتها المتقدّمة.

و هي فعلة من السّير، تجوّز بها للطّريقة و الهيئة. و انتصابها على نزع الخافض. أو على أنّ «أعاد» منقول من «عاده» بمعنى: عاد إليه. أو على الظّرف. أي: سنعيدها في طريقتها. أو على تقدير فعلها. أي: سنعيد العصا بعد ذهابها تسير سيرتها الأولى، فتنتفع بها ما كنت تنتفعه قبل.

و قيل‏ (2): لمّا قال له ربّه ذلك، اطمأنّت نفسه، حتّى أدخل يده في فمها، و أخذ بلحييها.

وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى‏ جَناحِكَ‏: إلى جنبك تحت العضد.

يقال لكلّ ناحيتين «جناحان»- كجناحي العسكر- استعارة من جناحي الطّائر. سمّيا بذلك، لأنّه يجنحهما عند الطّيران.

تَخْرُجْ بَيْضاءَ، كأنّها مشعّة.

في جوامع الجامع‏ (3): و روي‏ أنّه كان آدم‏ (4)، فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشّمس يغشي البصر.

مِنْ غَيْرِ سُوءٍ: من غير عاهة و قبح.

كنّى به عن البرص، كما كنّى بالسّوأة عن العورة. لأنّ الطّباع تعافه و تنفر عنه.

في كتاب طبّ الأئمّة (5)، بإسناده إلى جابر الجعفيّ عن الباقر- (عليه السلام)-: يعني من غير برص‏ (6).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أي علّة. و ذلك أنّ موسى- (عليه السلام)- كان شديد السّمرة، فأخرج يده من جيبه، فأضاءت الدّنيا.

آيَةً أُخْرى‏ (22): معجزة ثانية.

و هي حال من ضمير «تخرج» ك «بيضاء». أو من ضميرها. أو مفعول بإضمار

____________

(1) ليس في ع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 48.

(3) الجوامع/ 280.

(4) أي: أشمر شديد السمرة.

(5) طبّ الأئمّة/ 55- 56.

(6) المصدر: مرض.

(7) تفسير القمّي 2/ 140.

303

خذ أو دونك.

لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى‏ (23):

متعلّق بهذا المضمر، أو بما دلّ عليه «آية»، أو القصّة. أي: دللنا بها. أو: فعلنا ذلك «لنريك». و «الكبرى» صفة «آياتنا» أو مفعول «نريك». و «من آياتنا» حال منها.

اذْهَبْ إِلى‏ فِرْعَوْنَ‏: بهاتين الآيتين، و ادعه الى العبادة.

إِنَّهُ طَغى‏ (24): عصى و تكبّر.

قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي‏ (25) وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي‏ (26):

لمّا أمره اللّه- تعالى- بخطب عظيم و أمر جسيم، سأله أن يشرح صدره، و يفسح قلبه، لتحمّل أعبائه و الصّبر على مشاقّه و التّلقّي لما ينزل عليه، و يسهّل الأمر عليه، بإحداث الأسباب و رفع الموانع.

و فائدة «لي» إبهام المشروح و الميسّر أوّلا، ثمّ رفعه بذكر الصّدر و الأمر ثانيا، تأكيدا و مبالغة.

وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي‏ (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي‏ (28):

فإنّما يحسن التّبليغ من البليغ. و كان في لسانه رتّة من جمرة أدخلها فاه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين‏ (2)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و كان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلّما يلدون، و يربّي موسى و يكرمه، و لا يعلم أنّ هلاكه على يده.

فلمّا درج موسى، كان يوما عند فرعون. فعطس موسى فقال: الحمد للّه ربّ العالمين. فأنكر فرعون ذلك‏ (3) عليه، و لطمه، فقال: ما هذا الّذي تقول!؟ فوثب موسى على لحيته، و كان طويل اللّحية، فهلّبها- أي: قلعها- فألّمه ألما شديدا. (4) فهمّ فرعون بقتله. فقالت له امرأته. هذا غلام حدث، و لا يدري ما يقول [و قد لطمته بلطمتك إيّاه‏] (5). فقال فرعون: بل يدري! فقالت له: ضع بين يديه تمرا و جمرا. فإن‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 136.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رضي.

(3) لا يوجد في المصدر.

(4) المصدر: ... شديدا بلطمته إيّاه.

(5) لا يوجد في المصدر.

304

ميّز بينهما، فهو الّذي تقول.

فوضع بين يديه تمرا و جمرا، و قال له: كل. فمدّ يده إلى التّمر. فجاء جبرئيل- (عليه السلام)- فصرفها إلى الجمر. فأخذ الجمر في فيه. فاحترق لسانه، و صاح و بكى.

فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك إنّه لم يعقل!؟ فعفا عنه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و اختلف في زوال العقدة بكمالها. فمن قال به، تمسّك بقوله‏ (1): قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ‏.

و من لم يقل، احتجّ بقوله‏ (2): هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً و قوله‏ (3): لا يَكادُ يُبِينُ‏، و أجاب عن الأوّل بأنّه لم يسأل حلّ عقدة لسانه مطلقا، بل عقدة تمنع الإفهام، و لذلك نكّرها، و جعل «يفقهوا» جواب الأمر.

و «من لساني» يحتمل أن يكون صفة «عقدة» و أن يكون صلة «احلل».

وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي‏ (29) هارُونَ أَخِي‏ (30)، يعينني على ما كلّفتني به.

و اشتقاق الوزير، إمّا من الوزر،- لأنّه يحمل الثّقل عن أميره- أو من الوزر، و هو:

الملجأ، لأنّ الأمير يعتصم برأيه، و يلتجئ إليه في أموره. و منه: المؤازرة.

و قيل‏ (4): أصله: أزير. من الأزر بمعنى: القوّة. فعيل بمعنى الفاعل- كالعشير و الجليس. قلبت همزته واوا، كقلبها في موازر.

و مفعولا «اجعل» إمّا «وزيرا» و «هارون»- قدّم ثانيهما للعناية به، و «لي» صلة أو حال- أو «لي وزيرا»، و «هارون» عطف بيان للوزير، أو «وزيرا» و «من أهلي»، و «لي» تبيين، كقوله‏ (5): وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. و «أخي» على الوجوه بدل من «هارون»، أو مبتدأ خبره.

اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي‏ (31) وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي‏ (32):

على لفظ الأمر.

و قرأ (6) ابن عارم على لفظ الخبر، على أنّهما جواب الأمر.

____________

(1) طه/ 36.

(2) القصص/ 34.

(3) الزخرف/ 52.

(4) أنوار التنزيل 2/ 49.

(5) الإخلاص/ 4.

(6) نفس المصدر و الموضع.

305

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً (34):

لأنّ التّعاون يهيّج الرّغبات، و يؤدّي إلى تكاثر الخير و تزايده.

إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (35): عالما بأحوالنا، و أنّ التّعاون ممّا يصلحنا، و أنّ هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به.

و في مجمع البيان‏ (1) عن ابن عبّاس، عن أبي ذرّ الغفاريّ قال: صلّيت مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوما من الأيّام صلاة الظّهر. فسأل سائل في المسجد. فلم يعطه أحد [شيئا] (2). فرفع السّائل يده إلى السّماء و قال: اللّهمّ إنّي سألت في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلم يعطني أحد شيئا! و كان عليّ راكعا. فأومأ بخنصره اليمنى إليه، و كان يتختمّ فيها. فأقبل السّائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره. و ذلك بعين النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

فلمّا فرغ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من صلاته، رفع رأسه إلى السّماء و قال:

اللّهمّ، إنّ أخي موسى سألك فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي‏، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا (3): سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما اللّهمّ، و أنا محمّد نبيّك و صفيّك. اللّهمّ، فاشرح لي صدري. و يسّر لي أمري. و اجعل لي وزيرا من أهلي، عليّا. اشدد به ظهري.

قال أبو ذرّ: فو اللّه، ما استتمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الكلمة حتّى نزل جبرئيل- (عليه السلام)- من عند اللّه فقال: يا محمّد، اقرأ! قال: و ما أقرأ؟

قال: اقرأ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (4).

و في قرب الإسناد (5) للحميريّ بإسناده إلى جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: وقف النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). بمعرج‏ (6)، ثمّ قال:

____________

(1) المجمع 2/ 210.

(2) من المصدر.

(3) القصص/ 35.

(4) المائدة/ 55.

(5) قرب الإسناد/ 14.

(6) كذا في المصدر. و في م: يعرج. و في سائر النسخ: بعرج.

306

اللّهمّ، إنّ عبدك [موسى‏] (1) دعاك. فاستجبت له، و ألقيت عليه محبّة منك.

و طلب منك أن تشرح له صدره، و تيسّر له أمره، و تجعل له وزيرا من أهله، و تحلّ العقدة من لسانه.

و أنا أسألك بما سألك به عبدك موسى- (عليه السلام)- أن تشرح لي‏ (2) صدري، و تيسّر لي أمري، و تجعل لي وزيرا من أهلي، عليّا أخي.

و في إرشاد المفيد (3)- (رحمه اللّه)-: انّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا أراد الخروج إلى غزوة تبوك، استخلف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في أهله و ولده و أزواجه و مهاجره، فقال له: يا عليّ، إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي، أو بك.

فحسده أهل النّفاق، و عظم عليهم مقامه فيها بعد خروج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و علموا أنّها تنحرس‏ (4) به، و لا يكون للعدوّ فيها مطمع. فساءهم ذلك [و كانوا يؤثرون خروجه معه‏] (5) لما يرجونه من وقوع الفساد و الاختلاف‏ (6) عند خروج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عنها.

فأرجفوا به- (عليه السلام)- و قالوا: لم يستخلفه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إكراما له و لا إجلالا و مودّة. و إنّما استخلفه، استثقالا له! فلمّا بلغ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إرجاف المنافقين به، أراد تكذيبهم و فضيحتهم. فلحق بالنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال يا رسول اللّه، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالا و مقتا. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

ارجع- يا أخي- إلى مكانك. فإنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك. و أنت خليفتي في أهلي و دار هجرتي و قومي. أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي!؟

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسن الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عليّ بن هاشم، عن عمرو (8) بن حارث، عن‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: به.

(3) الإرشاد/ 71- 72.

(4) المصدر: تتحرّس.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: الاختلاط.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 310، ح 2.

(8) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 619. و في‏

307

عمران بن سليمان، عن حصين التّغلبيّ‏ (1)، عن أسماء بنت عميس قالت: رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بإزاء ثبير (2) و هو يقول: أشرق ثبير (3) أشرق ثبير (4). اللّهمّ، إنّي أسألك ما سألك أخي موسى- (عليه السلام)- أن تشرح لي صدري.

و أن تيسّر لي أمري. و أن تحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي. و أن تجعل لي وزيرا من أهلي عليّا [أخي‏] (5). اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً.

و فيه‏ (6): روى أبو نعيم الحافظ بإسناده عن رجاله، عن ابن عبّاس قال: أخذ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و بيدي، و نحن بمكّة.

و صلّى أربع ركعات. ثمّ رفع يديه إلى السّماء و قال:

اللّهمّ إنّ نبيّك موسى بن عمران سألك فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي‏ (الآية). و أنا محمّد بنيّك. أسألك: [رَبِ‏] (7) اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي.

و احلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي. و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا (8) اشدد به أزري.

و أشركه في أمري.

قال [ابن عبّاس‏] (9): فسمعت مناديا ينادي: قد أوتيت ما سألت.

و فيه‏ (10): و روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- عن رجاله مسندا إلى الفضل بن شاذان يرفعه إلى بريدة الأسلميّ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام): يا عليّ، إنّ اللّه- تعالى- أشهدك معي سبعة (11) مواطن:

أمّا أوّلهنّ، فليلة أسري بي إلى السّماء، فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟ قلت: ودّعته خلفي. قال: فادع اللّه، فليأتك به. فدعوت اللّه. فإذا أنت معي. و إذا الملائكة صفوف‏

____________

النسخ: عمر.

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الثعلبي.

2 و 3 و 4- كذا في المصدر. و في النسخ: شبير.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر، ح 3.

(7) من المصدر.

(8) ليس في م. و في المصدر: عليّ بن أبي طالب أخي.

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر 311- 314، ح 4 و 5.

(11) المصدر: بسبعة.

308

وقوف. فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الملائكة يباهيهم اللّه بك. فأذن لي.

فنطقت بمنطق لم تنطق الخلائق بمثله. نطقت بما خلق اللّه، و بما هو خالق إلى يوم القيامة.

و الموطن الثّاني: أتاني جبرئيل، فأسرى بي إلى السّماء. فقال لي: أين أخوك؟ ودّعته خلفي. قال: فادع اللّه، فليأتك به. فدعوت اللّه- عزّ و جلّ. فإذا أنت معي. فكشف اللّه لي عن السّموات السّبع و الأرضين السّبع، حتّى رأيت‏ (1) سكّانها و عمّارها، و موضع كلّ ملك منها. فلم أر من ذلك شيئا إلّا و قد رأيته.

و الموطن الثّالث: ذهبت إلى الجنّ‏ (2)، و لست معي. فقال جبرئيل: أين أخوك؟

قلت: ودّعته خلفي. فقال: فادع اللّه، فليأتك به. فدعوت اللّه- عزّ و جلّ- فإذا أنت معي. فلم أقل لهم شيئا، و لم يردّوا عليّ شيئا، إلّا و قد سمعته و علمته، [كما سمعته و علمته‏] (3).

و الموطن الرّابع: انّي لم أسأل اللّه شيئا، إلّا أعطانيه فيك، إلّا النّبوّة، فإنّه قال‏ (4): يا محمّد، خصصتك بها [و ختمتها بك‏] (5).

و الموطن الخامس: خصصنا بليلة القدر، و ليست لغيرنا.

و الموطن السّادس: أتاني جبرئيل، فأسرى. بي إلى السّماء. فقال لي: أين أخوك؟

قلت: ودّعته خلفي. قال: فادع اللّه- عزّ و جلّ- فليأتك به. فدعوت اللّه- عزّ و جلّ- فإذا أنت معي. فأذّن جبرئيل. فصلّيت بأهل السّموات جمعيا، و أنت معي.

و الموطن السّابع: إنّا نبقى‏ (6) حين لا يبقى أحد. و هلاك الأحزاب بأيدينا.

فمعنى قوله: «نبقى‏ (7) حين لا يبقى أحد. و هلاك الأحزاب بأيدينا» دليل على أنّهما يكرّان إلى الدّنيا، و يلبثان فيها ما شاء اللّه.

كما روي عن الأئمّة في حديث الرّجعة. ثمّ يبقيان حين لا يبقى أحد من الخلق.

و قوله: «هلاك الأحزاب [بأيدينا». و الأحزاب‏] (8) هم أحزاب الشّيطان و أهل الظّلم و العدوان- فعليهم لعنة الرّحمن، ما كرّ الجديدان، و ما اطّرد الخافقان.

____________

(1) ليس في ن.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الجنّة.

(3) لا يوجد في ن.

(4) ليس في م.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: نفى.

(7) المصدر: نفى.

(8) ليس في ن.

309

و ممّا ورد (1) في الأمور الّتي شارك فيها أمير المؤمنين- (عليه السلام)- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيها، و أنّ أمره أمره‏ (2)، و نهيه نهيه‏ (3)، و أنّ الفضل جرى له كما جرى لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لرسول اللّه الفضل على جميع خلق اللّه- عزّ و جلّ- فيكون هو كذلك، هو

ما رواه الشّيخ في أماليه عن رجاله، عن سعيد الأعرج قال: دخلت أنا و سليمان بن خالد على أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فابتدأني فقال: يا سعيد، ما جاء عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يؤخذ به. و ما نهي عنه، ينتهى عنه. جرى له من الفضل، ما جرى لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و لرسول اللّه الفضل على جميع الخلق.

العائب على أمير المؤمنين في شي‏ء، كالعائب على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و الرّادّ عليه في صغير أو كبير (4) على حدّ الشّرك [باللّه‏] (5).

كان- و اللّه‏ (6)- أمير المؤمنين باب اللّه الّذي لا يؤتى إلّا منه، و سببه‏ (7) الّذي من تمسّك بغيره، هلك.

و كذلك جرى الحكم للأئمّة واحدا بعد واحد (8) جعلهم [اللّه‏] (9) أركان الأرض.

و هم الحجّة البالغة على من فوق الأرض و من تحت الثّرى.

أما علمت أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان يقول:

أنا قسيم اللّه بين الجنّة و النّار. و أنا الفاروق الأكبر. و أنا صاحب العصا و الميسم.

و لقد أقرّ لي جميع الملائكة و الرّوح بمثل ما أقرّوا لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و لقد حملت مثل حمولة محمّد، و هي حمولة الرّبّ. و أنّ محمّدا يدعى فيكسى، و يستنطق فينطق، و أنا أدعى فأكسى، و أستنطق فأنطق. و لقد أعطيت خصالا لم يعطها أحد قبلي: علّمت المنايا و القضايا (10) و فصل الخطاب.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

2 و 3- ليس في ن.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: صغر أو كبر.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: سبيله.

(8) المصدر: و كذلك جرى حكم الأئمّة بعده وا حد بعد واحد.

(9) من المصدر.

(10) ليس في م.

310

قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى‏ (36)، أي: مسؤولك، فعل بمعنى المفعول- كالخبز و الأكل، بمعنى المخبوز و المأكول.

وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى‏ (37): أنعمنا عليك في وقت آخر.

إِذْ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّكَ‏:

قيل‏ (1): بإلهام، و في منام، أو على لسان نبيّ في وقتها، أو ملك- لا على وجه النّبوّة- كما أوحي إلى مريم.

ما يُوحى‏ (38): ما لا يعلم إلّا بالوحي. أو: ممّا ينبغي أن يوحى و لا يخلّ به، لعظم شأنه و فرط الاهتمام به.

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ‏: بأن اقذفيه. [أ: أي اقذفيه‏] (2)، لأنّ الوحي بمعنى القول.

فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ‏:

و القذف يقال للإلقاء و للوضع.

فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ‏:

قيل‏ (3): لمّا كان إلقاء البحر إيّاه إلى الساحل أمرا واجب الحصول لتعلّق الإرادة به، جعل البحر كأنّه ذو تمييز مطيع أمره بذلك، و أخرج الجواب مخرج الأمر. و الأولى أن يجعل الضّمائر كلّها لموسى، مراعاة للنّظم. فالمقذوف في البحر و الملقى إلى السّاحل، و إن كان التّابوت بالذّات، فموسى بالعرض.

يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ‏:

جواب «فليلقه». و تكرير «عدوّ» للمبالغة، أو لأنّ الأوّل باعتبار الواقع، و الثّاني باعتبار المتوقّع.

وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏، أي: محبّة كائنة منّي قد زرعتها في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك. فلذلك أحبّك فرعون.

و يجوز أن يتعلّق «منّي» ب «ألقيت». أي: أحببتك. و من أحبّه اللّه، أحبّته القلوب.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 49.

(2) ليس في ن.

(3) نفس المصدر و الموضع.

311

و ظاهر اللّفظ أنّ اليمّ ألقاه بساحله، و هو شاطئه. لأنّ الماء يسلحه فالتقط منه.

و لا ينافيه ما قيل‏ (1): «إنّ امّه جعلت في التّابوت قطنا، و وضعته فيه. ثمّ قيّرته، و ألقته في اليمّ. و كان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر. فدفعه الماء إليه، فأدّاه إلى بركة في البستان. و كان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم. فأمر به، فاخرج.

ففتح، فإذا هو صبيّ أصبح النّاس وجها. فأحبّه حبّا شديدا». لأنّه لا يبعد أن يؤول السّاحل. بجنب‏ (2) فوهة نهره.

وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي‏ (39): و لتربّى و يحسن إليك و أنا راعيك و راقبك.

و العطف على علّة مضمرة، مثل: ليتعطّف عليك. أو على الجملة السّابقة بإضمار فعل معلّل، مثل: فعلت ذلك.

و قرئ‏ (3): «و لتصنع»- بكسر اللّام و سكونها و الجزم- على أنّه أمر، «و لتصنع»- بالنّصب و فتح التّاء- أي: و ليكون عملك على عين منّي، لئلّا تخالف به عن أمري.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فلقد ألقى اللّه على موسى محبّة منه.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و لقد أعطى اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما هو أفضل منه. لقد ألقى اللّه- عزّ و جلّ- عليه محبّة منه. فمن هذا الّذي يشركه في هذا الاسم، إذ تمّ من اللّه- عزّ و جلّ- به الشّهادة!؟ فلا تتمّ الشّهادة، إلّا أن يقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه. و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). ينادى به على المنابر، فلا يرفع صوت بذكر اللّه- عزّ و جلّ- إلّا رفع بذكر محمّد معه.

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ‏:

ظرف ل «ألقيت» أو ل «تصنع». أو بدل من «إذا أوحينا» على أنّ المراد بها وقت متّسع.

فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ مَنْ يَكْفُلُهُ‏:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ع: بجنب يشمل.

(3) أنوار التنزيل 2/ 50.

(4) الاحتجاج/ 215- 216.

312

و ذلك أنّه كان لا يقبل ثدي المراضع. فجاءت أخته متفحّصة خبره. فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، فقالت هل أدلّكم؟ فجاءت بأمّه‏ (1). فقبل ثديها.

فَرَجَعْناكَ إِلى‏ أُمِّكَ‏، وفاء لقولنا (2): إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ‏.

كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك، وَ لا تَحْزَنَ‏ هي بفراقك، أو أنت على فراقها و فقد إشفاقها.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي عن الحسن بن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: [إنّ موسى‏] (4) لمّا حملت به أمّه، لم يظهر حملها إلّا عند وضعها له. و كان فرعون قد و كلّ بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظونهنّ.

و ذلك‏ (5) لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنّهم يقولون: إنّه يولد فينا رجل يقال له موسى بن عمران، يكون هلاك فرعون و أصحابه على يده. فقال فرعون: عند ذلك لأقتلنّ ذكور أولادهم، حتّى لا يكون ما يريدون. و فرّق بين الرّجال و النّساء، و حبس الرّجال في المحابس.

فلمّا وضعت أمّ موسى بموسى- (عليه السلام)- نظرت إليه، و حزنت عليه، و اغتمّت و بكت و قالت يذبح السّاعة! فعطف اللّه الموكّلة بها عليه، فقالت لأمّ موسى:

مالك قد اصفرّ لونك!؟ فقالت: أخاف أن يذبح ولدي. فقالت: لا تخافي.

و كان موسى لا يراه أحد إلّا أحبّه. و هو قول اللّه: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏.

فأحبّته القبطيّة الموكّلة بها (6).

و أنزل اللّه‏ (7) على أمّ‏ (8) موسى التّابوت، و نوديت أمّه. ضعيه في التّابوت. فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ‏- و هو البحر. وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (9).

فوضعته في التّابوت و أطبقته‏ (10) عليه و ألقته في النّيل.

____________

(1) من ع.

(2) القصص/ 7.

(3) تفسير القمّي 2/ 135- 136

(4) من المصدر.

(5) المصدر: و ذلك انّه.

(6) المصدر: به.

(7) ليس في أ.

(8) ليس في المصدر.

(9) القصص/ 8.

(10) المصدر: أطبقت.

313

و كان لفرعون قصر (1) على شطّ النّيل منتزها (2). فنظر من قصره، و معه آسية امرأته.

[فنظر] (3) إلى سواد في النّيل ترفعه الأمواج، و الرّياح تضربه، حتّى جاءت به إلى باب قصر فرعون.

فأمر فرعون بأخذه. فأخذ التّابوت، و رفع إليه، فلمّا فتحه، وجد فيه صبيّا. فقال:

هذا إسرائيليّ! فألقى اللّه- عزّ و جلّ- في قلب فرعون لموسى محبّة شديدة. و كذلك في قلب آسية.

و أراد فرعون أن يقتله. فقالت آسية: لا تقتله‏ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (4) أنّه موسى. و لم يكن لفرعون ولد.

فقال: ائتوا ظئرا (5) تربّيه. فجاءوا بعدّة نساء قد قتل أولادهنّ. فلم يشرب لبن أحد من النّسا. و هو قول اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ‏.

و بلغ أمّه أنّ فرعون قد أخذه. فحزنت و بكت. كما قال اللّه‏ (7): وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ‏ قال: كادت‏ (8) أن تخبر بخبره، أو تموت. ثمّ حفظت نفسها. كما قال اللّه‏ (9): لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ‏ [- أي: لأخت موسى-] (10) قُصِّيهِ‏ (11)، أي: اتّبعيه. فجاءت أخته إليه‏ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ‏- أي: عن بعد- وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (12).

فلمّا لم يقبل موسى ثدي أحد من النّساء، اغتمّ فرعون غمّا شديدا. «فقالت» أخته:

هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏ (13)؟ فقال: نعم.

فجاءت بأمّه. فلمّا أخذته في حجرها، و ألقمته ثديها، التقمه و شرب. ففرح فرعون و أهله، و (14) أكرموا أمّه. فقالوا لها: ربّيه لنا. و لك الكرامة ما تختارين‏ (15).

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قصور.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: منزهات.

(3) من المصدر.

(4) القصص/ 9.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال: أعطوه امرأة.

(6) القصص/ 12.

(7) القصص/ 10.

(8) المصدر: «يعني كادت» بدل «إن كادت ... كادت».

(9) القصص/ 10.

(10) من المصدر.

11 و 12- القصص/ 11.

(13) القصص/ 12.

(14) ليس في المصدر.

(15) المصدر: ربّيه لنا فإنّا نفعل بك ما نفعل.

314

فسأله الرّاوي: فكم مكث موسى غائبا عن أمّه حتّى ردّه اللّه عليها؟ قال: ثلاثة أيّام.

وَ قَتَلْتَ نَفْساً: نفس القبطيّ الّذي استغاثه عليه الإسرائيلّ. كما يأتي في قصّته في سورة القصص.

في مجمع البيان‏ (1): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: رحم اللّه أخي موسى! قتل رجلا خطأ، و كان ابن اثنتي عشرة سنة.

فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ‏: غمّ قتله، خوفا من عقاب اللّه و اقتصاص فرعون، بالمغفرة و الأمن منه، بالهجرة إلى مدين.

وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً: أي: ابتليناك ابتلاء، أو أنواعا من الابتلاء- على أنّه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بالتّاء، كحجوز و بدور، في حجزة و بدرة- فخلّصناك مرّة بعد أخرى.

و هو إجمال لما ناله في سفره- من الهجرة عن الوطن و مفارقة الالّاف، و المشي راجلا على حذر، و فقد الزّاد، و أجر نفسه، إلى غير ذلك- أو له و لما سبق ذكره.

فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ‏: لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2) عند قوله‏ (3): أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [فَلا عُدْوانَ عَلَيَ‏] (4) قال: قلت للصّادق- (عليه السلام)-: أيّ الأجلين قضى؟ قال: أتمّها عشر حجج‏ (5).

و «مدين» على ثمان مراحل من مصر.

ثُمَّ جِئْتَ عَلى‏ قَدَرٍ قدّرته، لأن أكلّمك و أستنبئك غير مستقدم و لا مستأخر وقته المعيّن. أو: على مقدار من السّنّ يوحى فيه إلى الأنبياء.

قيل‏ (6): و هو رأس أربعين سنة.

يا مُوسى‏ (40):

قيل‏ (7): كرّره عقيب ما هو غاية الحكاية، للتّنبيه على ذلك.

____________

(1) المجمع 4/ 11.

(2) تفسير القمّي 2/ 139.

(3) القصص/ 28.

(4) من م.

(5) ليس في س، أ، ن.

(6) المجمع 4/ 11.

(7) أنوار التنزيل 2/ 50.

315

وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي‏ (41): و اتّخذتك صنيعتي و خالصتي، و اصطفيتك لمحبّتي و رسالتي و كلامي. مثّله فيما خوّله من الكرامة، بمن قرّبه الملك و استخلصه لنفسه.

اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي‏: بمعجزاتى.

وَ لا تَنِيا: و لا تفترا [و لا تقصّرا] (1).

و قرئ‏ (2): «تنيا» بكسر التّاء.

فِي ذِكْرِي‏ (42): لا تنسياني حيثما تقلّبتما.

و قيل‏ (3): في تبليغ ذكري و الدّعاء إلىّ.

اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ (43):

قيل‏ (4): أمر به أوّلا موسى وحده، و هاهنا إيّاه و أخاه، فلا تكرير.

قيل‏ (5): أوحى إلى هارون أن يتلقّى موسى.

و قيل‏ (6): سمع بمقبله فاستقبله.

فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً- [مثل:] (7) هَلْ لَكَ إِلى‏ أَنْ تَزَكَّى وَ أَهْدِيَكَ إِلى‏ رَبِّكَ فَتَخْشى‏ (8)، فإنّه دعوة في صورة عرض و مشورة- حذرا أن يحمله الحماقة على أن يسطو عليكما، أو احتراما لما له من حقّ التّربية عليك.

و قيل‏ (9): كنّياه. و كان له ثلاث كنى: أبو العبّاس، و أبو الوليد، و أبو مرّة.

و قيل‏ (10): عداه شبابا لا يهرم بعده، و ملكا لا يزول إلّا بالموت.

لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ (44).

متعلّق ب «أذهبا» أو ب «قولا». أي: باشرا الأمر على رجائكما و طمعكما أنّه يثمر و لا يخيب سعيكما، فإنّ الرّاجي مجتهد، و الآيس متكلّف.

و الفائدة في إرسالهما و المبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه- تعالى- بأنّه لا يؤمن، إلزام الحجّة و قطع المعذرة، و إظهار ما ظهر في تضاعيف ذلك من الآيات، و التّذكير للتّحقيق‏ (11) و الخشية للمتوهّم. و لذلك قدّم الأوّل. أي: إن لم يتحقّق صدقكما، و لم يتذكّر،

____________

(1) ليس في س، أ، ن.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) من أنوار التنزيل 2/ 50.

(8) النازعات/ 18 و 19.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) في أنوار التنزيل 2/ 50: و التذكّر للمتحقّق.

316

فلا أقلّ من أن يتوهّمه فيخشى.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1): حدّثنا [الحاكم‏] (2) أبو محمّد جعفر بن نعيم بن شاذان النّيشابوريّ- رضي اللّه عنه- عن عمّه، عن‏ (3) أبي عبد اللّه محمّد بن شاذان قال: حدّثنا الفضل بن شاذان عن محمّد بن أبي عمير قال: قلت لموسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: أخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ- لموسى- (عليه السلام)- [و هارون‏] (4): اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ‏ (الآية). فقال:

أمّا قوله: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً، أي: كنّياه و قولا له: يا أبا مصعب. و كان‏ (5) فرعون‏ (6) أبا مصعب الوليد بن مصعب.

و أمّا قوله: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏، فإنّما قال ذلك‏ (7) ليكون أحرص لموسى- (عليه السلام)- على الذّهاب. و قد علم اللّه [- عزّ و جلّ- أنّ فرعون لا يتذكّر و. لا يخشى إلّا عند رؤية البأس. ألا تسمع [اللّه- عزّ و جلّ-] (8) يقول‏ (9): حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ‏] (10) لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. فلم يقبل اللّه إيمانه و قال‏ (11): آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏.

و في الكافي‏ (12) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث له: و اعلم أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- قال لموسى- (عليه السلام)- حين أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏. [و قد علم أنّه لا يتذكّر و لا يخشى‏] (13)، و لكن ليكون ذلك أحرص لموسى على الذّهاب.

قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا: أن يعجل علينا بالعقوبة، و لا يصبر على إتمام الدّعوى و إظهار المعجزة. من فرط: إذا تقدّم. و منه: الفارط. و فرس فرط:

يسبق الخيل.

____________

(1) العلل/ 67، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: كان اسم.

(6) ليس في أ.

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) يونس/ 90.

(10) ليس في م.

(11) يونس/ 91.

(12) تفسير نور الثقلين 3/ 381، ح 71، نقلا عن الكافي.

(13) ليس في س، أ، ن.

317

و قرئ‏ (1): «يفرط» بالبناء للمفعول. من أفرطته: إذا حملته على العجلة. أي: نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسيّ أو جنّيّ على المعاجلة بالعقاب. و «يفرط» بالبناء للفاعل، من الإفراط في الأذيّة.

أَوْ أَنْ يَطْغى‏ (45): أن يزاد طغيانا فيتخطّى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته و قساوته و إطلاقه من حسن الأدب.

قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالحفظ و النّصر أَسْمَعُ وَ أَرى‏ (46) ما يجري بينكما و بينه من قول و فعل، فأحدث في كلّ حالة ما يصرف شرّه عنكما، و يوجب نصرتي لكما.

و يجوز أن لا يقدّر شي‏ء على معنى: إنّني حافظكما، سامعا مبصرا (2). و الحافظ إذا كان قادرا سميعا بصيرا، تمّ الحفظ.

فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ‏: أطلقهم، وَ لا تُعَذِّبْهُمْ‏ بالتّكاليف الصّعبة و قتل الولدان. فإنّهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم، و يتعبونهم في العمل، و يقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام.

قيل‏ (3): و تعقيب الإتيان بذلك، دليل على أنّ تخليص المؤمنين من الكفرة أهمّ من دعوتهم إلى الإيمان. و يجوز أن يكون للتّدريج في الدّعوة.

قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ‏:

جملة مقرّرة لما تضمّنه الكلام السّابق من دعوة الرّسالة. و إنّما وحّد الآية، و كان معه آيتان، لأنّ المراد إثبات الدّعوى ببرهانها لا الإشارة إلى وحدة الحجّة و تعدّدها. و كذلك قوله‏ (4): قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ، فَأْتِ بِآيَةٍ (5)، أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ‏ (6).

وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ (47): [سلام الملائكة] (7) و خزنة الجنّة على المهتدين أو السّلامة في الدّارين لهم.

إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى‏ مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏ (48)، أي:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 51.

(2) ن: بصيرا.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الاعراف/ 105.

(5) الشّعراء/ 154.

(6) الشّعراء/ 30.

(7) ليس في أ.

318

عذاب‏ (1) الدّنيا و الآخرة على المكذّبين للرّسل.

قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى‏ (49):

أي بعد أن أتياه، و قالا له ما أمرا به. و الحذف لدلالة الحال عليه.

و إنّما خاطب الاثنين و خصّ موسى بالنّداء، تأكيدا لأنّه الأصل و هارون وزيره و تابعه. أو لأنّه عرف أنّ له رتّة و لأخيه فصاحة، فأراد أن يفحمه.

قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ من الأنواع‏ خَلْقَهُ‏: صورته و شكله الّذي يطابق كماله الممكن له. أو: أعطى خليقته كلّ شي‏ء يحتاجون إليه، و يرتفقون به.

فقدّم المفعول الثّاني، لأنّه المقصود بالبيان. أو: أعطى كلّ حيوان نظيره في الخلق و الصّورة زوجا.

و قرئ‏ (2): «خليقته» (3) صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ. فيكون المفعول الثّاني محذوفا. أي: أعطى كلّ مخلوق ما يصلحه.

[ثُمَّ هَدى‏ (50):

قيل‏ (4):] (5) ثمّ عرّفه كيف يرتفق بما أعطي، و كيف يتوصّل به إلى بقائه و كماله، اختيارا أو طبعا.

و في الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن إبراهيم بن ميمون، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏. قال: ليس شي‏ء من خلق اللّه، إلّا و هو يعرف من شكله الذّكر من الأنثى.

قلت: ما معنى‏ (7) ثُمَّ هَدى‏؟ قال: هداه للنّكاح و السّفاح من شكله.

و اعلم أنّ هذا الجواب في غاية البلاغة، لاختصاره و إعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، و دلالته على أنّ الغنيّ القادر بالذّات المنعم على الإطلاق، هو اللّه‏

____________

(1) م: عقاب.

(2) أنوار التنزيل 2/ 51.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: خلقه.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ.

(6) الكافي 5/ 567، ح 49.

(7) المصدر: يعني.

319

- تعالى- و أنّ جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حدّ ذاته و صفاته و أفعاله. و لذلك بهت الّذي كفر، و أفحم عن الدّخل عليه، فلم ير إلّا صرف الكلام عنه.

قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى‏ (51): فما حالهم بعد الموت من السّعادة و الشّقاوة؟

قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي‏:

أي: انّه غيب لا يعلمه إلّا اللّه، و إنّما أنا عبد مثلك، لا أعلم منه إلّا ما أخبرني به.

فِي كِتابٍ‏: مثبت في اللّوح المحفوظ.

قيل‏ (1): و يحتمل أن يكون تمثيلا لتمكّنه في علمه، بما استحفظه العالم و قيّده بالكتبة.

و يؤيّده:

لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى‏ (52):

الضّلال: أن تخطئ الشّي‏ء في مكانه فلم تهتد إليه. و النّسيان: أن تذهب عنه بحيث لا يخطر بالبال. و هما محالان على العالم بالذّات.

قيل‏ (2): و يجوز أن يكون‏ (3) سؤاله دخلا على إحاطة قدرة اللّه بالأشياء كلّها و تخصيصه أبعاضها بالصّور و الخواصّ المختلفة، بأنّ ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء و جزئيّاتها، و القرون الخالية، مع كثرتهم و تمادي مدّتهم و تباعد أطرافهم، كيف أحاط علمه بهم و بأجزائهم و أحوالهم؟ فيكون معنى الجواب أنّ علمه محيط بذلك كلّه، و أنّه مثبت عنده لا يضلّ و لا ينسى.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً:

مرفوع صفة ل: «ربّي». أو خبر لمحذوف. أو منصوب على المدح.

و قرأ (4) الكوفيّون: «مهدا». أي: كالمهد تتمهّدونها. و هو مصدر سمّي به.

و الباقون: «مهادا». و هو اسم ما يمهد- كالفراش- أو جمع مهد.

وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا: و حصل لكم فيها سبلا بين الجبال و الأودية و البراري، تسلكونها من أرض إلى أرض، لتبتغوا منافعها.

وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: مطرا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 52.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: يكن.

(4) نفس المصدر و الموضع.

320

فَأَخْرَجْنا بِهِ‏: عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التّكلّم على الحكاية لكلام اللّه- تعالى- تنبيها (1) على ظهور ما فيه من الدّلالة على كمال القدرة و الحكمة، و إيذانا بأنّه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، و لهذا نظائر في القرآن.

أَزْواجاً: أصنافا- سمّيت بذلك لازدواجها و اقتران بعضها ببعض- مِنْ نَباتٍ‏: بيان أو صفة ل «لأزواجا». و كذلك‏ شَتَّى‏ (53).

و يحتمل أن يكون صفة ل «نبات». فإنّه من حيث إنّه مصدر في الأصل، يستوي فيه الواحد و الجمع. و هو جمع شتيت، كمريض و مرضى. أي: متفرّقات الصّور و الأغراض و المنافع، يصلح بعضها للنّاس و بعضها للبهائم. فلذلك قال:

كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ‏:

و هو حال من ضمير «فأخرجنا» على إرادة القول. أي: أخرجنا أصناف النّبات، قاتلين: كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ‏. و المعنى: معدّيها لانتفاعكم بالأكل و العلف آذنين فيه.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ (54): لذوي العقول النّاهية عن اتّباع الباطل و ارتكاب القبائح. جمع نهية.

و في أصول الكافي‏ (2): عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو النّخعيّ قال: و حدّثني الحسين بن سيف، عن أخيه عليّ، عن سليمان، عمّن ذكره، عن أبي جعفر- (عليه السلام). [ثمّ قال: و بإسناده عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (3) قال:

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ خياركم أولو النّهى.

قيل: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من أولو النّهى؟

قال: هم ألو الأخلاق الحسنة، و الأحلام الرّزينة (4)، و صلة الأرحام، و البررة بالأمّهات و الآباء، و المتعاهدين‏ (5) للفقراء و الجيران و اليتامى، و يطعمون الطّعام، و يفشون السّلام في العالم، و يصلّون و النّاس نيام غافلون.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن‏

____________

(1) يوجد في م.

(2) الكافي 2/ 240، ح 32.

(3) ليس في ن.

(4) أي: الأصيلة.

(5) م، ن: المقاصدين.

(6) تأويل الآيات الباهرة 1/ 314- 315، ح 7.

321

إدريس، عن عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن عمّار بن مروان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏. قال: نحن- و اللّه- أولو النّهى.

قلت: ما معنى «نحن أولو النّهى»؟ قال: ما أخبر اللّه به رسوله ممّا يكون بعده من ادّعاء أبي فلان الخلافة و القيام بها، [و الآخر من بعده‏] (1)، و الثّالث من بعدهما (2)، و بني أميّة (3)، فأخبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا. [فكان ذلك كما أخبر اللّه به نبيّه، و كما أخبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا] (4)، و كما انتهى إلينا من عليّ فيما يكون من بعده من الملك في بني أميّة و غيرهم.

فهذه الآيات‏ (5) الّتي ذكرها [اللّه‏] (6) في الكتاب [العزيز] (7): إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏. فنحن ألو النّهى الّذين انتهى إلينا علم ذلك كلّه، فصبرنا لأمر اللّه- عزّ و جلّ.

فنحن قوّام اللّه على خلقه، و خزّانه على دينه، نخزنه و نستره و نكتتم‏ (8) به من عدوّنا، كما اكتتم‏ (9) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى أذن اللّه له في الهجرة و جهاد المشركين.

فنحن على منهاج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى يأذن اللّه لنا في إظهار (10) دينه بالسّيف، و ندعو النّاس إليه فنضربهم عليه عودا، كما ضربهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بدء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11) قال: و روي عن العالم أنّه قال: نحن أولو النّهى. أخبر اللّه نبيّه بما يكون من بعده من ادّعاء القوم الخلافة. فأخبر رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) ليس في ن.

(2) المصدر: «ادّعاء الخلافة و القيام بها بعده و من بعدهما» بدل «ادّعاء أبي فلان ... و الثالث من بعدهما».

(3) يوجد في المصدر بعد هذه الكلمة: قال.

(4) ليس في ن.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الآية.

6 و 7- من المصدر.

(8) المصدر: نكتم.

(9) كذا في المصدر. و في ع و م: كتم. و في سائر النسخ: تكتم.

(10) المصدر: بإظهار.

(11) تفسير القمّي 2/ 61 مسندا.

322

و آله- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بذلك. و انتهى إلينا ذلك من أمير المؤمنين. فنحن أولو النّهى. علم ذلك كلّه إلينا.

مِنْها خَلَقْناكُمْ‏، فإنّ التّراب أصل خلقة أوّل آباءكم و أوّل مواد أبدانكم.

وَ فِيها نُعِيدُكُمْ‏ بالموت و تفكيك الأجزاء.

وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ (55) بتأليف أجزائكم المفتّتة المختلطة بالتّراب، على الصّورة السّابقة، و ردّ الأرواح إليها.

و في علل الشّرائع‏ (1) بإسناده إلى عبد الرّحمن بن حمّاد قال: سألت أبا إبراهيم- (عليه السلام)- عن الميّت، لم يغسّل غسل الجنابة. قال:

فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- أعلى و أخلص من أن يبعث الأشياء (2) بيده. إنّ للّه- تبارك و تعالى- ملكين خلّاقين. فإذا أراد أن يخلق خلقا، أمر أولئك الخلّاقين، فأخذا (3) من التّربة الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ فيعجنونها (4) بالنّطفة المسكنة في الرّحم. فإذا عجنت النّطفة بالتّربة، قالا: يا ربّ، ما تخلق‏ (5)؟ فيوحي اللّه- تبارك و تعالى- اليهما ما يريد من ذلك، ذكرا أو أنثى، مؤمنا أو كافرا، أسود أو أبيض، شقيّا أو سعيدا. فإن مات سالت منه تلك النّطفة بعينها لا غيرها. فمن ثمّ صار الميّت يغسّل غسل الجنابة.

و بإسناده‏ (6) إلى أبي عبد اللّه القزوينيّ قال: سألت أبا جعفر بن محمّد بن عليّ- (عليهم السلام)-: لأي علّة يولد الإنسان هاهنا، و يموت في موضع آخر؟ قال: لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا خلق خلقه، خلقهم من أديم الأرض. فمرجع كلّ إنسان إلى تربته.

و بإسناده‏ (7) إلى أحمد بن عليّ الرّاهب قال: قال رجل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- يا ابن عمّ خير خلق اللّه، ما معنى السّجدة الأولى؟ فقال: تأويله: اللّهمّ، إنّك منها خلقتنا. يعني: من الأرض. و رفع رأسك: و منها أخرجتنا. و السّجدة الثّانية: و إليها

____________

(1) العلل/ 300- 301، ح 5.

(2) المصدر: أشياء.

(3) المصدر: فأخذوا.

(4) المصدر: فعجنوها. و الظاهر أنّ الصحيح:

فيعجنانها. أو: فعجنّاها.

(5) المصدر: ما نخلق.

(6) نفس المصدر/ 308، ح 1.

(7) نفس المصدر/ 336، ح 4.

323

تعيدنا. و رفع رأسك من الثّانية: و منها تخرجنا [تارة أخرى‏] (1).

و في الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق خلّاقين. فإذا أراد أن يخلق خلقا، أمرهم، فأخذوا من التّربة الّتي [قال‏] (3) في كتابه: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏.

فعجن النّطفة بتلك التّربة الّتي يخلق منها، بعد أن أسكنها الرّحم أربعين ليلة. فذا تمّت لها أربعة أشهر، قالوا: يا ربّ، تخلق‏ (4) ما ذا؟ فيأمرهم بما يريد من ذكر أو أنثى، أبيض أو أسود. فإذا خرجت الرّوح من البدن، خرجت هذه النّطفة بعينها منه، كائنا ما كان، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى. فلذلك يغسّل الميّت غسل الجنابة.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا (5) عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال‏: من خلق من تربة دفن فيها.

عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد، عن الحجّال، عن ابن بكير (7)، عن أبي منهال، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ النّطفة [إذا وقعت في الرّحم، بعث اللّه- عزّ و جلّ- ملكا، فأخذ من التّربة الّتي يدفن فيها، فماثها في النّطفة] (8). فلا يزال قلبه يحنّ إليها، حتّى يدفن فيها.

وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا: بصّرناه إيّاها. أو: عرّفناه صحّتها.

كُلَّها:

تأكيد لشمول الأنواع، أو لشمول الأفراد، على أنّ المراد ب «آياتنا» آيات معهودة هي الآيات التّسع المختصّة بموسى. أو أنّه- (عليه السلام)- أراه آياته، و عدّد عليه ما أوتي غيره من المعجزات.

____________

(1) ليس في ع.

(2) الكافي 3/ 161- 163، ح 1.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: نخلق.

(5) نفس المصدر/ 202، ح 1.

(6) نفس المصدر/ 203، ح 2.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: عن أبي بكر.

(8) ليس في أ.

324

فَكَذَّبَ‏ من فرط عناده، وَ أَبى‏ (56) الإيمان و الطّاعة لعتوّه.

قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا: أرض مصر بِسِحْرِكَ يا مُوسى‏ (57):

قيل‏ (1): هذا تعلّل و تحيّر، و دليل على أنّه علم كونه محقّا، حتّى خاف منه على ملكه. فإنّ ساحرا لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه.

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ‏: مثل سحرك.

فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً: وعدا، لقوله: لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لا أَنْتَ‏، فإنّ الإخلاف لا يلائم الزّمان و المكان.

مَكاناً سُوىً‏ (58):

قيل‏ (2): أي منتصفا يستوي إلينا و إليك.

و انتصاب «مكانا» بفعل دلّ عليه المصدر، لا به، فإنّه موصوف. أو بأنّه بدل من «موعدا» على تقدير مكان مضاف إليه.

و على هذا يكون‏ (3) طباق الجواب في قوله: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ من حيث المعنى. فإنّ يوم الزّينة يدلّ على مكان مشتهر باجتماع النّاس فيه في ذلك اليوم. أو بإضمار، مثل: مكان موعدكم مكان يوم الزّنية. كما هو على الأوّل. أو: وعدكم وعد يوم الزّينة.

و قرئ‏ (4): «يوم»- بالنّصب- و هو ظاهر في أنّ المراد بهما المصدر.

و قيل‏ (5) في «يوم الزّينة»: يوم عاشوراء، أو يوم النّيروز، أو يوم عيد كان لهم في كلّ عام.

وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏ (59):

عطف على اليوم أو الزّينة.

و قرئ‏ (6) على البناء للفاعل- بالتّاء- على خطاب فرعون. و الياء على أنّ فيه ضمير اليوم أو ضمير فرعون على كون‏ (7) الخطاب لقومه‏ (8).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 53.

(2) مجمع البيان 4/ 17، و أنوار التنزيل 2/ 53.

(3) من م.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 53.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) من م.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لقوله.

325

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ‏: ما يكاد به. يعني السّحرة و آلاتهم.

ثُمَّ أَتى‏ (60) بالموعد.

قالَ لَهُمْ مُوسى‏ وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن تدعوا آياته سحرا.

فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ‏: فيهلككم و يستأصلكم به.

و قرأ (1) حمزة و الكسائيّ و حفص و يعقوب‏ (2) بالضّمّ من الإسحات، و هو لغة نجد و تميم. و السّحت لغة الحجاز وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى‏ (61):

كما خاب فرعون.

فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ‏:

أي: تنازعت السّحرة في أمر موسى، حين سمعوا كلامه، فقال بعضهم: ليس هذا من كلام السّحرة! وَ أَسَرُّوا النَّجْوى‏ (62) بأنّ موسى إن غلبنا اتّبعناه. أو: تنازعوا و اختلفوا فيما يعارضون به موسى، و تشاوروا في السّرّ.

و قيل‏ (3): الضّمير لفرعون و قومه. و قوله:

قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ‏:

تفسير ل أَسَرُّوا النَّجْوى‏. كأنّهم تشاوروا في تلفيقه حذرا أن يغلبا فيتّبعهما النّاس.

و «هذان» اسم «إنّ» على لغة بلحارث بن كعب. فإنّهم جعلوا الألف للتّثنية، و أعربوا المثنّى تقديرا.

و قيل‏ (4): اسمها ضمير الشّأن المحذوف و هذانِ لَساحِرانِ‏ خبرها.

و قيل‏ (5): «إنّ» بمعنى نعم، و ما بعدها مبتدأ و خبر.

و فيهما أنّ اللّام لا تدخل خبر المبتدأ.

و قيل‏ (6): أصله: إنّه هذان لهما ساحران. و فيه أنّ المؤكّد باللّام لا يليق به الحذف.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كذا في م. و في غيرها: و قرئ.

(3) أنوار التنزيل 2/ 53.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر/ 53- 54.

326

و قرأ (1) أبو عمرو: «إنّ هذين» و هو ظاهر. و ابن كثير و حفص: «إن هذان» على أنّها هي المخفّفة، و اللّام هي الفارقة أو النّافية و اللّام بمعنى إلّا.

يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ‏ بالاستيلاء عليها بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى‏ (63): بمذهبكم الّذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه و إعلاء دينه. لقوله: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ‏ (2).

و قيل‏ (3): أرادوا: أهل طريقتكم. و هم بنو إسرائيل، فإنّهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ‏. (4) و قيل‏ (5): الطّريقة اسم لوجوه القوم و أشرافهم، من حيث إنّهم قدوة لغيرهم.

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ‏: فأزمعوه‏ (6) [و اجعلوه‏] (7) مجمعا عليه لا يتخلّف عنه واحد منكم.

و قرأ (8) أبو عمرو (9): «فاجمعوا». و يؤيّده قوله‏ (10): «فجمع كيده». و الضّمير في «قالوا» إن كان للسّحرة، فهو قول بعضهم لبعض‏ (11).

ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا: مصطفّين.

لأنّه أهيب في صدور الرّائين. كما قيل‏ (12): كانوا سبعين ألفا مع كلّ [واحد] (13) منهم حبل و عصا، و أقبلوا عليه إقبالة واحدة.

وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى‏ (64): فاز بالمطلوب من غلب. و هو اعتراض.

قالُوا يا مُوسى‏ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى‏ (65):

أي بعد ما أتوا، مراعاة للأدب. و «أن» بما بعده منصوب بفعل مضمر، أو مرفوع بخبر

____________

(1) نفس المصدر/ 54.

(2) غافر/ 26.

(3) أنوار التنزيل 2/ 54.

(4) طه/ 47.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أزمع الأمر، و به، و عليه: عزم عليه و ثبت و جدّ في إمضائه.

(7) من أنوار التنزيل 2/ 54.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) كذا في م. و في غيرها: قرئ.

(10) طه/ 60.

(11) ليس في ع.

(12) أنوار التنزيل 2/ 54.

(13) من المصدر.

327

محذوف. أي: اختر إلقاءك أوّلا، أو إلقاءنا. [أو: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا.] (1) قالَ بَلْ أَلْقُوا:

مقابلة أدب بأدب و عدم مبالاة بسحرهم، و إسعافا إلى ما أوهموه من الميل إلى البدء بذكر الأوّل في شقّهم. و لأن يأتوا بأقصى وسعهم، ثمّ يظهر اللّه سلطانه، فيقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه.

فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏ (66)، أي: ألقوا، فإذا حبالهم.

و «إذا» للمفاجأة. و هي أيضا ظرفيّة على التّحقيق تستدعي متعلّقا ينصبها و جملة تضاف إليها، لكنّها خصّت بأن يكون المتعلّق فعل المفاجأة و الجملة ابتدائيّة. و المعنى:

فألقوا، ففاجأ موسى تخيّله وقت تخييل سعي حبالهم و عصيّهم من سحرهم.

قيل‏ (2): و ذلك بأن لطّخوها بالزّئبق. فلمّا ضربت عليها الشّمس‏ (3)، اضطرب فتخيّل إليه أنّها تتحرّك.

و قرئ‏ (4): «تخيّل»- بالتّاء- بإسناده إلى ضمير الحبال و العصيّ، و إبدال أنّها تسعى» منه بدل الاشتمال. و «يخيّل» على إسناده إلى اللّه. و «تخيّل» بمعنى تتخيّل.

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ (67): فأضمر فيها خوفا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلّة البشريّة، أو من أن يخالج الناس‏ (5) شك فلا يتبعوه.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)-: لم يوجس موسى خيفة على نفسه، [بل‏] (7)، أشفق من غلبة الجهّال و دول الضّلال.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن معمّر بن راشد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ موسى لمّا ألقى عصاه و أوجس في نفسه خيفة قال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا آمنتني. قال اللّه- عزّ و جلّ-: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى‏.

____________

(1) ليس في م.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في ن.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) يوجد في م.

(6) النهج/ 51، الخطبة 4.

(7) من المصدر.

(8) الاحتجاج/ 47- 48.

328

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

قُلْنا لا تَخَفْ‏ ما توهّمت.

إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى‏ (68):

تعليل للنّهي، و تقرير لغلبته، مؤكّدا بالاستئناف و حرف التّحقيق، و تكرير الضّمير و تعريف الخبر، و لفظ العلوّ الدّالّ على الغلبة الظّاهرة، و صيغة التّفضيل.

وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ‏:

أبهم و لم يقل «عصاك» تحقيرا لها. أي: لا تبال بكثرة حبالهم و عصيّهم، و ألق العويدة (1) الّتي في يدك. أو تعظيما لها. أي: لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام و عظمها، فإنّ ما في يمينك أعظم منها أثرا، فألقه.

تَلْقَفْ ما صَنَعُوا: تبتلعه بقدرة اللّه- تعالى.

و أصله: تتلقّف. فحذفت إحدى التّاءين. و تاء المضارعة تحتمل التّأنيث و الخطاب على إسناد الفعل إلى المسبّب.

و قرئ‏ (2) بالرّفع، على الحال أو الاستئناف. و بالجزم و التّخفيف، على أنّه من لقفته.

إِنَّما صَنَعُوا، أي: إنّ الّذي زوّروه و افتعلوا كَيْدُ ساحِرٍ:

و قرئ‏ (3) بالنّصب، على أنّ «ما» كافّة، و هو مفعول «صنعوا».

و قرئ‏ (4): «سحر» بمعنى ذي سحر، أو بتسمية السّاحر سحرا على المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السّحر للبيان، كقولهم: علم فقه.

و إنّما وحّد السّاحر، لأنّ المراد به الجنس المطلق. و لذلك قال:

وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ، أي: هذا الجنس.

و تنكير الأوّل لتنكير المضاف. كأنّه قيل: إنّما صنعوا كيد سحريّ.

حَيْثُ أَتى‏ (69): حيث كان و أين أقبل.

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً:

أي: فألقى، فتلقّفت. فتحقّق عند السّحرة أنّه ليس بسحر، و إنّما هو من آيات اللّه و معجزاته. فألقاهم ذلك على وجوههم سجّدا للّه، توبة للّه عمّا صنعوا، و تعظيما لما رأوه.

____________

(1) ن: العود.

(2) أنوار التنزيل 2/ 54- 55.

3 و 4- نفس المصدر/ 55.

329

قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى‏ (70):

قدّم هارون لكبر سنّه أو لرؤوس الآي.

قيل‏ (1): أو: لأنّ فرعون ربّى موسى في صغره. فلو اقتصر على موسى، أو قدّم ذكره، فربّما توهّم أنّ المراد فرعون و ذكر هارون على الاستتباع.

قالَ آمَنْتُمْ لَهُ‏: لموسى.

و اللّام لتضمّن الفعل معنى الإتباع.

قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ‏ في الإيمان له!؟

إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ‏: لعظيمكم في فنّكم، و أعلمكم به. أو: لأستاذكم‏ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ. و أنتم تواطأتم على ما فعلتم.

فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ‏: اليد اليمنى و الرّجل اليسرى.

و «من» ابتدائيّة. كأنّ القطع ابتداء من مخالفة العضو [العضو] (2) و هي مع المجرور بها في حيّز النّصب على الحال. أي: لأقطّعنّها مختلفات.

و قرئ‏ (3): «و لأقطعنّ» و «لأصلبنّ» بالتّخفيف.

وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ‏:

شبّه تمكّن المصلوب بالجذع، بتمكّن المظروف بالظّرف.

قيل‏ (4): و هو أوّل من صلب.

وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا:

قيل‏ (5): يريد نفسه و موسى لقوله: آمَنْتُمْ لَهُ‏. و اللّام مع الإيمان في كتاب اللّه لغير اللّه. أراد به توضيع موسى‏ (6) و الهزء به، فإنّه لم يكن من التّعذيب في شي‏ء.

و قيل‏ (7): ربّ موسى الّذي آمنوا به.

أَشَدُّ عَذاباً وَ أَبْقى‏ (71): و أدوم عقابا.

قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ‏: لن نختارك‏ عَلى‏ ما جاءَنا موسى به.

و يجوز أن يكون الضّمير فيه ل «ما».

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 55.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في م.

(7) نفس المصدر و الموضع.

330

مِنَ الْبَيِّناتِ‏: المعجزات الواضحات.

وَ الَّذِي فَطَرَنا:

عطف على «ما جاءنا»، أو قسم.

فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ‏: ما أنت قاضيه، أي: صانعه. أو: حاكم به.

إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72): إنّما تصنع ما تهواه، أو تحكم بما تراه، في هذه الدّنيا، و الآخرة خير و أبقى.

فهو كالتّعليل لما قبله، و التّمهيد لما بعده.

و قرئ‏ (1) بالإسناد إلى ما بعده، كقولك: صيم يوم الجمعة.

إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من الكفر و المعاصي‏ وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ في معارضة المعجزة.

في الجوامع‏ (2): روي‏ أنّهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما. [ففعل‏] (3). فوجدوه تحرسه العصا. فقالوا: ما هذا بسحر. فإنّ السّاحر إذا نام بطل سحره. فأبى [فرعون‏] (4) إلّا أن يعارضوه.

(5) وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ (73) جزاء. أو: خير ثوابا، و أبقى عقابا.

إِنَّهُ‏، أي: الشّأن‏ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً بأن يموت على الكفر و العصيان، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح، وَ لا يَحْيى‏ (74) حياة مهنّأة.

وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ‏ في الدّنيا، فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى‏ (75): المنازل الرّفيعة.

في أصول الكافي‏ (6): عن عمّار السّاباطيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى‏ (7)-: أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ‏. فقال:

الّذين اتّبعوا رضوان اللّه، هم الأئمّة- (عليهم السلام)- و هم- و اللّه يا عمّار!-

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) جوامع الجامع/ 283.

3 و 4- من المصدر.

(5) المصدر: يعملوا.

(6) الكافي 1/ 430، ح 84.

(7) آل عمران/ 162- 163.

331

درجات للمؤمنين. و بولائهم و معرفتهم إيّانا، يضاعف [اللّه‏] (1) لهم أعمالهم و يرفع اللّه لهم الدّرجات العلى.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2) عن عمّار بن مروان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

جَنَّاتُ عَدْنٍ‏:

بدل من «الدّرجات».

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:

قد سبق معنى جري الأنهار تحت الجنّات.

خالِدِينَ فِيها:

حال، و العامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار.

وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى‏ (76): تطهّر من أدناس الكفر و المعاصي.

و الآيات الثّلاث يحتمل أن تكون من كلام السّحرة، و أن تكون ابتداء كلام من اللّه- تعالى.

وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي‏ أي من مصر فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً: فاجعل. من قوله: ضرب له في ماله سهما. أو: فاتّخذ. من: ضرب اللّبن: إذا عمله.

فِي الْبَحْرِ يَبَساً، أي: يابسا. مصدر وصف به.

و قرئ‏ (3): «يبسا». و هو إمّا مخفّف منه، أو وصف على فعل- كصعب- أو جمع يابس- كصحب- وصف به الواحد مبالغة، أو لتعدّده معنى، فإنّه جعل لكلّ سبط منهم طريقا.

في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر- (عليهم السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- في أثناء

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير العيّاشي 1/ 205، ح 149.

(3) أنوار التنزيل 2/ 56.

(4) الاحتجاج/ 218.

332

كلام طويل: فإنّ موسى- (عليه السلام)- قد ضرب له طريق في البحر (1) فهل لمحمّد فعل‏ (2) شي‏ء من هذا؟

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من هذا.

خرجنا معه إلى خيبر (3). فإذا نحن بواديشخب‏ (4).

فقدّرناه، فإذا هو أربع عشرة (5) قامة. فقال أصحابه‏ (6): يا رسول اللّه! العدوّ من ورائنا، و الوادي أمامنا. كما قال أصحاب موسى- (عليه السلام)-: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ‏ (7).

فنزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). ثمّ قال: اللهمّ‏ (8)، إنّك جعلت لكلّ مرسل دلالة. فأرني قدرتك. و ركب- (صلّى اللّه عليه و آله)- فعبرت الخيل لا تندى حوافرها، و الإبل لا تندى أخفافها. فرجعنا، فكان فتحنا.

لا تَخافُ دَرَكاً:

حال من المأمور. أي: آمنا من أن يدرككم العدوّ. أو صفة ثانية، و العائد محذوف.

و قرئ‏ (9): «لا تخف» على أنّه جواب الأمر.

وَ لا تَخْشى‏ (77):

استئناف. أي: و أنت لا تخشى الغرق. أو عطف. أو حال بالواو.

و في كتاب طبّ الأئمّة (10)- (عليهم السلام)-: عليّ بن عروة الأهوازيّ قال: حدّثنا الدّيلميّ، عن داود الرقي، عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: من كان في سفر، فخاف اللّصوص و السّبع، فليكتب على عرف دابّته: لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى‏، فإنّه يأمن بإذن اللّه- تعالى.

قال داود الرقي: فحججت. فلمّا كنّا بالبادية، جاء قوم من الأعراب، فقطعوا على‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: في البحر طريقا.

(2) المصدر: فهل فعل بمحمّد.

(3) المصدر: حنين.

(4) أي: يسيل.

(5) المصدر: أربعة عشر.

(6) المصدر: فقالوا.

(7) الشعراء/ 61.

(8) يوجد في م.

(9) أنوار التنزيل 2/ 56.

(10) طبّ الأئمّة/ 36- 37.

333

القافلة، و أنا فيهم. فكتبت على عرف جملي: لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى‏. فو الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالنّبوّة، و خصّه بالرّسالة، و شرّف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالإمامة، ما نازعني أحد منهم! أعماهم اللّه عنّي.

فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ‏:

و ذلك أنّ موسى خرج بهم أوّل اللّيل. فأخبر فرعون بذلك، فقصّ أثرهم. و المعنى:

فأتبعهم فرعون نفسه و معه جنوده. فحذف المفعول الثّاني.

و قيل‏ (1): «فأتبعهم» بمعنى فاتّبعهم. [و يؤيّده القراءة به. و الباء للتّعدية.

و قيل‏ (2): الباء مزيدة. و المعنى: فأتبعهم‏] (3) جنوده و زرادهم خلفهم.

فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ‏ (78):

الضّمير لجنوده، أو له و لهم. و فيه مبالغة و وجازة. أي: غشيهم ما سمعت قصّته، و لا يعرف كنهه إلّا اللّه.

و قرئ‏ (4): «فغشّاهم ما غشّاهم»، [أي: غطّاهم ما غطّاهم‏]. (5) و الفاعل هو اللّه، أو «ما غشيهم»، أو فرعون، لأنّه الّذي ورّطهم للهلاك.

وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏ (79)، أي: أضلّهم في الدّين، و ما هداهم- و هو تهكّم به في قوله: وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (6)- أو: أضلّهم في البحر و ما نجا.

في كتاب سعد السّعود (7) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- عن تفسير الكلبيّ، عن ابن عبّاس انّ جبرئيل- (عليه السلام)- قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث في حال فرعون و قومه: و إنّما قال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ (8) حين انتهى إلى البحر فرآه قد يبست فيه الطّريق فقال لقومه: ترون البحر قد يبس من فرقى!؟ فصدّقوه لمّا رأوا ذلك. فذلك قوله تعالى: وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏.

و يأتي تمام القصّة في سورة الشّعراء- إن شاء اللّه تعالى.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 56.

(3) لا يوجد في ن.

(4) أنوار التنزيل 2/ 56.

(5) ليس في ن.

(6) غافر/ 29.

(7) سعد السّعود/ 218.

(8) النّازعات/ 24. و يوجد في المصدر بعد هذه الآية: و هي كلمة الآخرة من هما و إنّما قال.

334

يا بَنِي إِسْرائِيلَ‏:

خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر و إهلاك فرعون، على إضمار قلنا، أو للّذين منهم في عهد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما فعل بآبائهم.

قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ‏: فرعون و قومه.

وَ واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ‏ لمناجاة موسى- (عليه السلام)- و إنزال التّوراة عليه.

و إنّما عدّت المواعدة إليهم، و هي لموسى- أو له و للسّبعين المختارين- للملابسة.

وَ نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏ (80):

يعني: في التّيه.

كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏: لذائذه أو حلالاته.

و قرئ‏ (1): «أنجيتكم» و «واعدتكم» و «ما رزقتكم»، و «وعدتكم» و «وعدناكم»، و «الأيمن»- بالجرّ- على الجوار، مثل: جحر ضبّ خرب.

وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ‏: فيما رزقناكم، بالإخلال بشكره، و التّعدّي لما حدّ اللّه لكم فيه، كالسّرف و البطر و المنع عن المستحقّ.

فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي‏: فيلزمكم عذابي، و يجب لكم. من حلّ الدّين: إذا وجب أداؤه.

وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‏ (81): فقد تردّى و هلك.

و قيل‏ (2): [وقع في الهاوية.

و قرئ‏ (3): «يحلّ»] (4) و «يحلل»- بالضّمّ- من: حلّ يحلّ: إذا نزل.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): عبد اللّه بن محمّد، عن موسى بن القاسم، عن جعفر بن محمّد بن سماعة، عن عبد اللّه بن مسكان، عن الحكم بن الصّلت، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خذوا بحجزة هذا الأنزع- يعني عليّا. فإنّه الصّدّيق الأكبر. و هو الفاروق يفرق بين الحقّ و الباطل. من أحبّه، هداه اللّه. و من‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 57.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) لا يوجد في ن.

(5) البصائر/ 73، ح 2.

335

أبغضه، أضلّه اللّه. و من تخلّف عنه، محقه اللّه. و منه بسطا أمّتي الحسن و الحسين، و هما ابناي. و من الحسين أئمّة الهدى، أعطاهم اللّه فهمي و علمي. فأحبّوهم و تولّوهم. و لا تتّخذوا وليجة من دونهم، فيحلّ عليكم غضب من ربّكم. و من يحلل عليه غضب من ربّه، فقد هوى. وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (1).

و في كتاب التّوحيد (2) بإسناده إلى حمزة بن الرّبيع، عمّن ذكره قال: كنت في مجلس أبي جعفر- (عليه السلام)- إذ دخل عليه عمرو بن عبيد. فقال له: [جعلت فداك،] (3) قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‏، ما ذلك الغضب؟

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هو العقاب يا عمرو! إنّه من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- زال من شي‏ء إلى شي‏ء، فقد وصفه صفة مخلوق. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يستفزّه شي‏ء، و لا يغيّره.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي‏ أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- لامتحانه بالسّؤال عنه. فقال له: جعلت فداك، أخبرني عن قوله- تعالى-: وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‏، ما غضب اللّه- تعالى؟ [فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: غضب اللّه‏] (5) عقابه يا عمرو! و من زعم‏ (6) أنّ اللّه يغيّره شي‏ء، فقد كفر (7).

وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ‏ عن الشّرك، وَ آمَنَ‏ بما يجب الإيمان به، وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ (82): ثمّ استقام على الهدى المذكور.

و في أصول الكافي‏ (8): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يقبل إلّا العمل الصّالح. و لا يقبل اللّه إلّا بالوفاء (9)

____________

(1) آل عمران/ 185، و الحديد/ 20.

(2) التوحيد/ 168، ح 1.

(3) ليس في ع.

(4) الاحتجاج/ 326- 327.

(5) ليس في ن.

(6) المصدر: ظنّ.

(7) المصدر: هلك.

(8) الكافي 2/ 47، ح 3.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الوفاء.

336

بالشّروط و العهود. فمن وفى للّه- عزّ و جلّ- بشرطه، و استعمل‏ (1) ما وصف في عهده، نال ما عنده، و استكمل وعده.

إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أخبر العباد بطرق‏ (2) الهدى، و شرع لهم فيها المنار، و أخبرهم كيف يسلكون، فقال: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏.

و قال‏ (3): إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏. فمن اتّقى اللّه فيما أمره، لقى اللّه مؤمنا بما جاء به محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، جميعا عن أبي جميلة، عن خالد بن عمّار، عن سدير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- و هو داخل، و أنا خارج، و أخذ بيدي، ثمّ استقبل البيت فقال:

يا سدير، إنّما أمر النّاس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثمّ يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا. و هو قول اللّه: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏- ثمّ أومأ بيده إلى صدره- إلي ولايتنا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ قال: إلى الولاية.

حدّثنا (6) أحمد بن عليّ قال: حدّثنا الحسين بن عبد اللّه‏ (7) عن السّنديّ بن محمّد، عن أبان، عن الحارث بن عمرو (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ قال:

ألا ترى كيف اشترط و لم تنفعه التوبة و الإيمان و العمل الصّالح، حتّى اهتدى!؟

و اللّه، لو جهد أن يعمل‏ (9) ما قبل منه حتّى يهتدي.

____________

(1) المصدر: بشروطه و استكمل.

(2) المصدر: بطريق.

(3) المائدة/ 27.

(4) نفس المصدر 1/ 392- 393، ح 3.

5 و 6- تفسير القمّي 2/ 61.

(7) المصدر: الحسن بن عبد اللّه (الحسين بن عبيد اللّه- ط)

(8) المصدر: يحيى.

(9) المصدر: يعمل بعمل.

337

قال: قلت إلى من؟ جعلني اللّه فداك! قال: إلينا.

و في أمالي الصّدوق‏ (1)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه يقول لعليّ- (عليه السلام)-: و لقد ضلّ، و من ضلّ عنك. و لن يهتدي إلى اللّه، من لم يهتد إليك، و إلى ولايتك. و هو قول ربّي- عزّ و جلّ-: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏. يعني: إلى ولايتك.

و في مجمع البيان‏ (2): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ثُمَّ اهْتَدى‏ إلى ولايتنا أهل البيت. فو اللّه، لو أنّ رجلا عبد اللّه عمره، ما بين الرّكن و المقام، ثمّ [مات و] (3) لم يجي‏ء بولايتنا، لأكبّه‏ (4) اللّه في النّار على وجهه. رواه الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ بإسناده. و أورده العيّاشيّ في تفسره من عدّة طرق.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5) عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ قال: لهذه الآية تفسير يدلّ ذلك التّفسير على أنّ اللّه لا يقبل من أحد (6) عملا (7) إلّا ممّن لقيه بالوفاء منه بذلك التّفسير، و ما اشترط فيه على المؤمنين. قال‏ (8): إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ. يعني: كلّ ذنب عمله‏ (9) العبد- و إن كان به عالما- فهو جاهل حين خاطر (10) بنفسه في معصيته ربّه.

و في كتاب المناقب‏ (11) لابن شهر آشوب: أبو الجارود و أبو الصّباح الكنانيّ عن الصّادق- (عليه السلام)- و أبو حمزة عن السّجّاد- (عليه السلام)‏- في قوله: ثُمَّ اهْتَدى‏: إلينا أهل البيت.

و في محاسن البرقيّ‏ (12): عنه‏ (13)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى فيما أعلم عن يعقوب بن‏

____________

(1) لم نعثر عليه في المصدر. و لكن رواه نور الثقلين 3/ 387، ح 94.

(2) المجمع 4/ 23.

(3) ليس في ن.

(4) المصدر: إلّا كبّه.

(5) تفسير العيّاشي 1/ 228، ح 62.

(6) المصدر: عبد.

(7) أ، ن، س، ع: عهدا.

(8) النّساء/ 17.

(9) م: يعمله.

(10) كذا في المصدر. و في ع: خاطبه. و في سائر النسخ: خاطب.

(11) المناقب 4/ 129.

(12) المحاسن/ 142، ح 35.

(13) ليس في أ و المصدر.

338

شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ قال: إلى ولايتنا و اللّه. أما ترى كيف اشترط [اللّه‏] (1)- عزّ و جلّ!؟

وَ ما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى‏ (83):

سؤال عن سبب العجلة يتضمّن إنكارها من حيث إنّها نقيصة في نفسها انضمّ إليه إغفال القوم و إيهام‏ (2) التّعظيم عليهم. فلذلك أجاب موسى عن الأمرين، و قدّم جواب الإنكار لأنّه أهمّ.

في مجمع البيان‏ (3): كانت المواعدة أن يوافي الميعاد هو و قومه.

و قيل‏ (4): مع جماعة من وجوه قومه. فتعجّل موسى من بينهم، شوقا إلى ربّه، و خلّفهم ليلحقوا به.

قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى‏ أَثَرِي‏ (5) ما تقدّمتهم إلّا بخطى يسيرة لا يعتدّ بها عادة، ليس بيني و بينهم إلّا مسافة قريبة يتقدّم بها الرّفقة بعضهم بعضا.

وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ (84) (6)، فإنّ المسارعة إلى امتثال أمرك و الوفاء بعهدك توجب مرضاتك.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)-: المشتاق لا يشتهي طعاما.

و لا يلتذّ شرابا. و لا يستطيب رقادا. و لا يستأنس حميما. و لا يأوي دارا. و لا يسكن عمرانا. و لا يلبس لباسا. و لا يقرّ قرارا. و يعبد اللّه ليلا و نهارا، راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه، و يناجيه بلسان شوقه معبّرا عمّا في سريرته. كما أخبر اللّه عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقوله: وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِ‏ (8) لِتَرْضى‏. و فسّر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن حاله أنّه ما أكل، و لا شرب و لا نام، و لا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه و مجيئه أربعين يوما، شوقا إلى ربّه.

قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ‏: ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم.

____________

(1) من المصدر.

(2) في أنوار التنزيل 2/ 57. إبهام.

3 و 4- المجمع 4/ 23.

5 و 6- ليس في ن.

(7) مصباح الشريعة/ 196.

(8) المصدر: ربّي.

339

و هم الّذين خلّفهم [مع هارون‏] (1).

قيل‏ (2): و كانوا ستّمائة ألف. و ما نجا من عبادة العجل منهم إلّا اثنا عشر [ألفا] (3).

وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ (85) باتخاذ العجل و الدّعاء إلى عبادته.

و قرئ‏ (4): «أضلّهم»، أي: أشدّهم ضلالة، لأنّه كان ضالا مضلّا.

قيل‏ (5): هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها «السّامرة».

و قيل‏ (6): كان علجا (7) من كرمان.

و قيل‏ (8): من أهل باجرما. و اسمه: موسى بن ظفر. و كان منافقا.

فَرَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ‏ بعد ما استوفى الأربعين، و أخذ التّوراة، غَضْبانَ‏ عليهم‏ أَسِفاً: حزينا بما فعلوا.

قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً بأن يعطيكم التّوراة فيها هدى و نور!؟

أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ، أي: الزّمان. يعني زمان مفارقته لهم.

أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ‏: يجب عليكم‏ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ‏ بعبادة ما هو مثل في الغباوة.

فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي‏ (86)، أي: وعدكم إيّاي بالثّبات على الإيمان باللّه و القيام على ما أمرتكم به.

و قيل‏ (9): هو من: أخلفت وعده: إذا وجدت الخلف فيه. أي: فوجدتم الخلف في وعدي لكم بالعودة بعد الأربعين.

قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا: بأن ملكنا أمرنا، إذ لو خلّينا و أمرنا، و لم يسوّل لنا السّامريّ، لما أخلفناه.

و قرئ‏ (10) بالفتح و بالضّمّ. و ثلاثتها [من الأصل لغات‏] (11) في مصدر ملكت الشّي‏ء.

____________

(1) ليس في م.

(2) أنوار التنزيل 2/ 57.

(3) من المصدر.

4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) العلج: كلّ جاف شديد من الرجال.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) أنوار التنزيل 2/ 57.

(10) نفس المصدر/ 58.

(11) من المصدر.

340

وَ لكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ‏ قيل‏ (1): أحمالا من حليّ القبط الّتي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس.

و قيل‏ (2): استعاروا لعيد كان لهم، ثمّ لم يردّوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به.

و قيل‏ (3): ما ألقاه البحر على السّاحل بعد إغراقهم فأخذوه.

قيل‏ (4): و لعلّهم سمّوها أوزارا، لأنّها آثام. فإنّ الغنائم لم تكن تحلّ بعد. أو لأنّهم كانوا مستأمنين، و ليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربيّ.

و قرئ‏ (5): «حملنا» (6) بالفتح و التّخفيف.

فَقَذَفْناها، أي: في النّار لتذوب.

فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ‏ (87): أي ما كان معه منها.

قيل‏ (7): روي أنّهم لما حسبوا أنّ العدة قد كملت، قال لهم السّامريّ: إنّما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حليّ القوم، و هو حرام عليكم فالرّأي أن نحفر حفيرة و نسجر فيها نارا، و نقدت كلّ ما معنا فيها. ففعلوا.

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً من تلك الحليّ المذابة لَهُ خُوارٌ: صوت العجل.

في محاسن البرقي‏ (8) عنه، عن محمّد بن سنان، عن عبد اللّه بن مسكان و إسحاق بن عمّار [جميعا] (9)، عن عبيد اللّه‏ (10) بن الوليد الوصّافي، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ فيما ناجى اللّه به موسى- (عليه السلام)- أن قال: يا ربّ، هذا السّامريّ صنع العجل. الخوار من صنعه!؟ فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- إليه: انّ تلك فتنتي فلا تفحص‏ (11) عنها.

فَقالُوا، أي: السّامريّ و من افتتن به أوّل ما رآه:

هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏ فَنَسِيَ‏ (88)، أي: نسيه موسى و ذهب يطلبه عند

____________

1 و 2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في ن.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المحاسن/ 284، ح 420.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: عبيد اللّه.

(11) المصدر: فلا تفصحنّ.

341

الطّور. أو: فنسي السّامري، أي: ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان.

أَ فَلا يَرَوْنَ‏: أفلا يعلمون‏ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا: أنّه لا يرجع إليهم كلاما و لا يردّ عليهم جوابا!؟

و قرئ‏ (1): «يرجع» (2)- بالنّصب- و هو ضعيف. لأنّ «أن» النّاصبة لا تقع بعد أفعال اليقين.

وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً (89): لا يقدر على إنفاعهم و إضرارهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف‏ (4)، عن الأصبغ بن نباتة: انّ عليّا- (عليه السلام)- سئل عن قول اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-:

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏. [قال:

السّماوات و الأرض‏] (6) و ما بينهما من مخلوق في جوف الكرسيّ. و له أربعة أملاك يحملونه بإذن اللّه: فأمّا الملك الاوّل‏ (7) ففي صورة الآدميّين- إلى أن قال- (عليه السلام)-:

و الملك الرّابع في صورة الأسد، و هو سيّد السّباع. و هو يرغب إلى اللّه [و يتضرّع إليه‏] (8) و يطلب الشّفاعة و الرّزق لجميع السّباع. و لم يكن من هذه الصّور (9) أحسن من الثّور، و لا أشدّ انتصابا منه. حتّى اتّخذ الملأ من بني إسرائيل العجل [إلها] (10)، فلمّا عكفوا عليه و عبدوه من دون اللّه، خفض الملك الّذي في صورة الثّور رأسه استحياء من اللّه أن عبد من دون اللّه شي‏ء يشبهه. و تخوّف أن ينزل به العذاب.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ‏: [من قبل‏] (11) رجوع موسى، أو قول السّامريّ.

كأنّه أوّل ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهّم ذلك، و بادر تحذيرهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 58.

(2) ليس في م.

(3) تفسير القمّي 1/ 85.

(4) كما في رجال النجاشي/ 468. و في م، ن، المصدر: ظريف.

(5) البقرة/ 255.

(6) ليس في ن.

(7) كذا في المصدر. و في ع: «ملك» بدل «الملك الأوّل» و في سائر النسخ: «ملك منهم».

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الصورة.

(10) من المصدر.

(11) يوجد في م.

342

يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ‏: بالعجل، وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ‏ لا غير.

فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي‏ (90) في الثّبات على الدّين.

قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ‏: على العجل و عبادته‏ عاكِفِينَ‏: مقيمين‏ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى‏ (91):

و هذا الجواب يؤيّد الوجه الأوّل.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): فهمّوا بهارون. فهرب منهم‏ (2) [و بقوا في ذلك حتّى تمّ ميقات موسى أربعين ليلة. فلمّا كان يوم عشرة من ذي الحجّة، أنزل اللّه عليه‏] (3) الألواح فيها التّوراة و ما يحتاج‏ (4) إليه من أحكام السّير و القصص. ثمّ أوحى اللّه إلى موسى‏ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ و عبدوا العجل و له خوار. فقال- (عليه السلام)-: يا ربّ، العجل من السّامريّ. فالخوار ممّن؟ قال: منّي يا موسى! إنّي لمّا رأيتهم قد ولّوا عنّي إلى العجل، أحببت أن أزيدهم فتنة. فرجع موسى إلى قومه كما حكى اللّه.

قالَ يا هارُونُ‏، أي: قال له موسى لمّا رجع:

ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) بعبادة العجل‏ أَلَّا تَتَّبِعَنِ‏: أن تتّبعني في الغضب للّه و المقاتلة مع من كفر به. أو: أن تأتي عقبي و تلحقني. و «لا» مزيدة كما في قوله‏ (5): ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ.

أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي‏ (93) بالصّلابة في الدّين و المحاماة عليه!؟

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): ثمّ رمى بالألواح، و أخذ بلحية أخيه و رأسه يجرّه إليه، فقال: [يا هارون،] (7) ما منعك؟

قالَ يَا بْنَ أُمَ‏:

خصّ الأمّ، استعطافا و ترقيقا.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 62.

(2) المصدر: «حتّى حرب من بينهم» بدل «فهرب منهم».

(3) لا يوجد في ع.

(4) المصدر: يحتاجون.

(5) الأعراف/ 12.

(6) تفسير القمّي 2/ 63.

(7) من المصدر.

343

و قيل‏ (1): لأنّه كان أخاه من الأمّ. و الجمهور على أنّهما كانا من أب و أمّ.

لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏، أي: بشعر رأسي.

قيل‏ (2): قبض عليهما و يجرّه إليه، من شدّة غيظه و فرط غضبه للّه. و كان- (عليه السلام)- حديدا خشنا متصلّبا في كلّ شي‏ء. فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل.

و قيل‏ (3): كانت العادة جارية في القبض عليهما في ذلك الزّمان. كما أنّ العادة في زماننا هذا، القبض على اليد و المعانقة. و ذلك ممّا يختلف العادة فيه بالأزمنة و الأمكنة.

و قيل‏ (4): إنّه أجراه مجرى نفسه‏ (5)، إذا غضب في القبض على لحيته. لأنّه لم يتّهم عليه كما لا يتّهم على نفسه.

إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض‏ (6).

وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏ (94) حين قلت: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ‏ (7). فإنّ الإصلاح كان في حفظ الدهماء (8) و المداراة بهم، إلى أن ترجع إليهم فتدارك الأمر برأيك.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (9) بإسناده إلى عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال: قلت: فلم أخذ برأسه يجرّه إليه و بلحيته، و لم يكن له في اتّخاذهم العجل و عبادتهم له ذنب؟

فقال: إنّما فعل ذلك به، لأنّه لم يفارقهم لمّا فعلوا ذلك، و لم يلحق بموسى. و كان إذا فارقهم، ينزل بهم العذاب. ألا ترى أنّه قال له موسى: يا هارُونُ‏ (10) ما مَنَعَكَ إِذْ (11) رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي‏. قال هارون: لو فعلت ذلك، لتفرّقوا. و إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ‏ (12) فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 58- 59.

(2) نفس المصدر/ 59.

(3) مجمع البيان 4/ 27.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في م.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 59. و في النسخ: لو قاتلت بعضهم و فارقت ببعض.

(7) الأعراف/ 142.

(8) الدهماء: عامّة الناس و سوادهم.

(9) العلل/ 68، ح 1.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ألا ترى أنّه قال لهارون ...

(11) المصدر: إذا.

(12) المصدر: تقول لي.

344

قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُ‏ (95):

[أي: ثمّ أقبل عليه، و قال له منكرا: ما خطبك!؟ أي: ما طلبك له و ما الّذي حملك عليه!؟ و هو مصدر خطب الشّي‏ء: إذا طلبه.

قالَ‏] (1) بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ‏:

و قرئ‏ (2) بالتّاء، على الخطاب. أي: علمت بما لم تعلموه‏ (3) و فطنت بما لم تفطنوا (4) له. و هو أنّ الرّسول الّذي جاءك روحانيّ محض لا يمسّ أثره شيئا الّا أحياه. أو: رأيت ما لم تروه.

و هو أنّ جبرئيل جاءك على فرس الحياة.

و قيل‏ (5): إنّما عرفه، لأنّ أمّه ألقته حين ولدته خوفا من فرعون، و كان جبرئيل يغذوه حتّى استقلّ.

فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ‏: من تربة موطئه.

و القبضة: المرّة من القبض. فأطلق على المقبوض، كضرب الأمير.

و قرئ‏ (6) بالصّاد. و الأوّل للأخذ بجميع الكفّ. و الثّاني للأخذ بأطراف الأصابع.

و نحوهما الخضم و القضم.

و «الرّسول»: جبرئيل.

قيل‏ (7): و لعلّه لم يسمّه، لأنّه لم يعرف أنّه جبرئيل. أو أراد أن ينبّه على الوقت و هو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطّور.

فَنَبَذْتُها في الحليّ المذابة- أو: في جوف العجل- حتّى حيي.

وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي‏ (96): زيّنته و حسّنته إليّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): فأخرج موسى العجل، فأحرقه بالنّار، و ألقاه في البحر.

قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ عقوبة على ما فعلت‏ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ‏، خوفا من أن يمسّك أحد، فتأخذك الحمّى و من مسّك. فتحامى النّاس و يحاموك‏ (9)، و تكون طريدا وحيدا كالوحش النّافر.

____________

(1) ليس في م.

(2) أنوار التنزيل 2/ 59.

(3) كذا في م. و في سائر النسخ: يعلموه.

(4) س، أ، م: يتفطنوا.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمّي 2/ 63.

(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 59. و في النسخ:

فتخافي الناس و يخافوك.

345

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ما دمت حيّا، و عقبك هذه العلامة فيكم قائمة أن تقول: لا مساس [يعني‏] (2) [حتّى تعرفوا أنّكم سامريّة فلا يغترّ (3) بكم النّاس. فهم إلى السّاعة بمصر و الشام معرفون ب «لا مساس»] (4) قال: ثمّ همّ موسى بقتل السّامريّ. فأوحى اللّه إليه: لا تقتله- يا موسى- فإنّه سخيّ.

و في مجمع البيان‏ (5) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: انّ موسى همّ (الحديث).

و قرئ‏ (6): «لا مساس»- كفجّار- و هو علم للمسّة.

وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً في الآخرة لَنْ تُخْلَفَهُ‏: لن يخلفك اللّه و ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدّنيا.

و قرئ‏ (7) بكسر اللّام. أي: لن تخلف الواعد إيّاه و ستأتيه لا محالة. فحذف المفعول الأوّل، لأنّ المقصود هو الموعد. و يجوز أن يكون من: أخلفت الموعد: إذا وجدته خلفا.

و قرئ‏ (8) بالنّون، على حكاية قول اللّه.

و في كتاب [الخصال‏ (9) قال:] (10) قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ في التّابوت الأسفل [من النّار اثني عشر] (11) ستّة من الأوّلين و ستّة من الآخرين. فأمّا السّتّة من الأوّلين: فابن آدم قاتل أخيه، و فرعون الفراعنة، و السّامريّ (الحديث).

وَ انْظُرْ إِلى‏ إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً: ظللت على عبادته مقيما.

فحذف اللّام الأولى تخفيفا.

و قرئ‏ (12) بكسر الظّاء على نقل حركة اللّام إليها.

لَنُحَرِّقَنَّهُ‏:

أي بالنّار- و يؤيّده قراءة «لنحرقنّه» من باب الإفعال- أو بالمبرد، على أنّه مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد. و يعضده قراءة «لنحرّقنه» من باب التّفعيل.

____________

(1) تفسير القمّى 2/ 63.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في ع: يعثر.

(4) يوجد في ع.

(5) المجمع 4/ 29.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 59.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) الخصال/ 485، ح 59.

(10) ليس في ن.

(11) لا يوجد في المصدر.

(12) أنوار التنزيل 2/ 59.

346

ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ‏: لنذرّينّه رمادا أو مبرودا.

و قرئ‏ (1) بضمّ السّين.

فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97) فلا يصادف منه شي‏ء.

و المقصود من ذلك زيادة عقوبته، و إظهار غباوة المفتنين به، لمن له أدنى نظر.

في كتاب الخصال‏ (2)، عن أبي ذرّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: شرّ الأوّلين و الآخرين اثنا عشر: ستّة من الأوّلين، و ستّة من الآخرين.

ثمّ سمّى السّتّة من الأوّلين: ابن آدم الّذي قتل أخاه، و فرعون، و هامان، و قارون، و السّامريّ، و الدّجّال اسمه في الأوّلين و يخرج في الآخرين.

و أمّا السّتّة من الآخرين: فالعجل، و هو نعثل، و فرعون، و هو معاوية، و هامان هذه الأمّة، و هو زياد، و قارونها، و هو سعيد، و السّامري، و هو أبو موسى عبد اللّه بن قيس- لأنّه قال كما قال سامريّ موسى: لا مِساسَ‏، أي لا قتال-، و الأبتر، و هو عمرو بن العاص.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (3) بإسناده إلى إسحاق بن عمّار الصّيرفيّ، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: جعلت فداك، حدّثنى فيهما بحديث قد سمعت عن أبيك فيهما أحاديث [عدّة] (4). قال: فقال لي: يا إسحاق، الأوّل بمنزلة العجل. و الثّاني بمنزلة السّامريّ.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و عن أبي يحيى الواسطيّ قال: لمّا افتتح أمير المؤمنين- (عليه السلام)- البصرة (6)، اجتمع النّاس عليه، و فيهم الحسن البصريّ و معه الألواح. فكان كلّما لفظ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بكلمة كتبها. فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بأعلى صوته: ما تصنع؟ قال: أكتب‏ (7) آثاركم لنحدّث بها بعدكم.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أما إنّ لكلّ قوم سامريّ، و هذا سامريّ هذه‏

____________

(1) نفس المصدر/ 60.

(2) الخصال/ 458، ح 2.

(3) ثواب الأعمال/ 255- 256، ح 3.

(4) من المصدر.

(5) الاحتجاج/ 171- 172.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: نكتب.

347

الأمّة. ألا (1) أنّه لا يقول: «لا مساس» و لكنّه يقول: لا قتال.

إِنَّما إِلهُكُمُ‏ المستحقّ لعبادتكم‏ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم و القدرة. وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً (98): وسع علمه كلّما يصحّ أن يعلم، لا العجل الّذي يصاغ و يحرق، و إن كان حيّا في نفسه، كان مثلا في الغباوة.

و قرئ‏ (2): «وسّع» فيكون انتصاب «علما» على المفعوليّة لأنّه، و إن انتصب على التّمييز في المشهورة، لكنّه فاعل في المعنى. فلمّا عدّي الفعل بالتّضعيف إلى المفعولين، صار مفعولا.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك الاقتصاص- يعني اقتصاص قصّة موسى- نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ‏ من أخبار الأمور الماضية في الأمم الدّارجة، تبصرة لك و زيادة في علمك، و تكثيرا لمعجزاتك، و تنبيها و تذكيرا للمستبصرين من أمّتك.

وَ قَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99)، أي: كتابا مشتملا على هذه الأقاصيص و الأخبار، حقيقا بالتّفكّر و الاعتبار.

و التّنكير فيه للتّعظيم.

و قيل‏ (3): ذكرا جميلا و صيتا عظيما بين النّاس.

مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ‏: عن الذّكر الّذي هو القرآن الجامع لوجوه السّعادة و النّجاة.

و قيل‏ (4): عن اللّه.

فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100): عقوبة ثقيلة فادحة على كفره و ذنوبه. سمّاها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب و صعوبة احتمالها بالحمل الّذي يفرح الحامل و ينقض ظهره. أو: إثما عظيما.

خالِدِينَ فِيهِ‏: في الوزر. أو: في حمله.

و الجمع فيه و التّوحيد في «أعرض» للحمل» على المعنى و اللّفظ.

وَ ساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (101)، أي: بئس لهم.

ففيه ضمير يفسّره «حملا». و المخصوص بالذّمّ محذوف. أي: ساء حملا وزرهم.

____________

(1) المصدر: أما.

(2) أنوار التنزيل 2/ 60.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 60.

348

و اللّام في «لهم» للبيان كما في «هيت لك» (1). و لو جعلت «ساء» بمعنى أحزن‏ (2) و الضّمير الّذي فيه للوزر، أشكل أمر اللّام و نصب «حملا» (3) و لم يفد مزيد معنى‏ (4).

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:

و قرأ (5) أبو عمرو بالنّون، على إسناد النّفخ إلى الآمر به تعظيما له أو للنّافخ.

و قرئ‏ (6) بالياء المفتوحة، على أنّ فيه ضمير اللّه، أو ضمير إسرافيل- و إن لم يجر ذكره- لأنّه المشهور بذلك.

و قرئ‏ (7): «في الصّور». و هو جمع صورة. و قد سبق بيان‏ (8) ذلك.

وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ:

و قرئ‏ (9): «و يحشر المجرمون».

زُرْقاً (102): زرق العيون.

وصفوا بذلك، لأنّ الزّرقة أسوأ ألوان العين و أبغضها إلى العرب. فإنّ الرّوم كانوا أعدى أعدائهم و هم زرق. [و لذلك قالوا في صفة العدوّ: أسود الكبد، أصهب السّبال‏ (10)، أزرق العين. أو: عميا. فإنّ حدقة الأعمى تزرقّ‏] (11).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (12): تكون أعينهم [مزراقة لا يقدرون أن يطرفوها.

____________

(1) يوسف/ 23.

(2) أي يجب على هذا التقدير أن يكون الكلام هكذا: و ساءهم يوم القيامة حملهم.

(3) في هامش نسخة «م»:

قوله: و نصب حملا، أي: و أشكل نصب حملا و يمكن أن يقال: إنّ اللّام مزيدة حينئذ في مفعول «ساء» و حملا منصوب على التمييز أو أنّ «ساء» متضمّن لمعنى حصل و حملا مفعول حصل أي:

آخرتهم الوزر محصلا لهم يوم القيامة حملا- و اللّه يعلم. (جعفر)

(4) لأنّه إذا كان بمعنى أحزن كان المناسب أن يقال: ساءهم يوم القيامة كقوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و أيضا لا جدوى في قوله.

5 و 6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) ليس في ع.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) الأصهب: ذو اللّون الأصفر الضارب إلى شي‏ء من الحمرة و البياض. و السّبال: جمع سبلة، و هي:

طرف الشارب من الشعر، أو مقدّم اللحية.

(11) لا يوجد في ن.

(12) تفسير القمّي 2/ 64.

349

و قيل‏ (1): عطاش‏ (2) يظهر في أعينهم‏] (3) كالزّرقة.

يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ‏: يخفضون أصواتهم لما يملأ صدورهم من الرّعب و الهول.

و الخفت: خفض الصّوت و إخفاؤه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): يشير بعضهم إلى بعض.

إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً (103):

أي في الدّنيا. يستقصرون مدّة لبثهم فيها، لزوالها، أو لاستطالتهم مدّة الآخرة، أو لتأسّفهم عليها لمّا عاينوا الشّدائد، و علموا أنّهم استحقّوها على إضاعتها في قضاء الأوطار و اتّباع الشّهوات.

أو: في القبر، لقوله‏ (5): وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ (إلى آخر الآيات).

نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ‏- و هو مدّة لبثهم- إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً:

أعدلهم رأيا أو عملا: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً (104):

استرجاح‏ (6) لقول من يكون أشدّ تفاؤلا (7) منهم.

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ‏ عن مآل أمرها.

قيل‏ (8): و قد سأل عنها رجل من ثقيف.

فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105): يجعلها كالرّمل، ثمّ يرسل عليها الرّياح فتفرّقها.

فَيَذَرُها: فيذر مقارّها، أو الأرض.

و إضمارها من غير ذكر، لدلالة الجبال عليها، كقوله‏ (9): ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ.

قاعاً: خاليا صَفْصَفاً (106): مستويا، كأنّ أجزاءها على صفّ واحد.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 29. و فيه: عطاشا في مظهر عيونهم كالزّرقة.

(2) العطاش: داء يصيب الإنسان و الحيوان يشرب الماء فلا يروى.

(3) لا يوجد في ن.

(4) تفسير القمّي 2/ 64.

(5) الروم/ 55- 56.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 61. و في النسخ:

استرجاع.

(7) المصدر: ثقالا.

(8) أنوار التنزيل 2/ 61.

(9) فاطر/ 45.

350

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): القاع: الّذي لا تراب عليه. و الصّفصف: الّذي لا نبات له.

لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً (107): اعوجاجا و لا نتوء، إن تأمّلت فيها بالقياس الهندسيّ.

قيل‏ (2): و ثلاثتها أحوال مترتّبة، فالأوّلان باعتبار الإحساس، و الثّالث باعتبار المقياس. و لذلك ذكر العوج- بالكسر (3)- و هو يخصّ المعاني، و الأمت و هو النّتوء اليسير.

و قيل‏ (4): «لا ترى» استئناف مبيّن للحالين.

و في عيون الأخبار (5) بإسناده إلى عليّ بن النّعمان، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، إنّ بي ثآليل‏ (6) كثيرة، و قد اغتممت بأمرها. فأسألك أن تعلّمني شيئا أنتفع به.

فقال- (عليه السلام)-: خذ لكلّ ثؤلول‏ (7) سبع شعيرات. و اقرأ على كلّ شعيرة سبع مرّات: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ- إلى قوله:- فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (8) و قوله- عزّ و جلّ-:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً. ثمّ‏ (9) تأخذ الشّعير شعيرة [شعيرة] (10). فامسح بها على كلّ ثؤلول. ثمّ صيّرها في خرقة جديدة و اربط (11) على الخرقة حجرا، و ألقها في كنيف.

قال: ففعلت. فنظرت إليها يوم السّابع، فإذا هي مثل راحتي. و ينبغي أن يفعل‏ (12) ذلك في محاق الشّهر.

يَوْمَئِذٍ، أي: يوم إذ نسفت. على إضافة اليوم إلى وقت النّسف. و يجوز أن يكون بدلا ثانيا من يوم القيامة.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 67.

(2) أنوار التنزيل 2/ 61.

(3) ليس في ع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) العيون 2/ 50، ح 193.

(6) ثآليل: جمع الثّؤلول: بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمّصة أو دونها.

(7) المصدر: بثور.

(8) الواقعة/ 1- 6.

(9) لا يوجد في المصدر.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: فاربط.

(12) م: زيادة «من تتمّة الخبر».

351

يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ‏: داعي اللّه إلى المحشر.

قيل‏ (1): هو إسرافيل يدعو النّاس قائما على صخرة بيت المقدس، فيقبلون من كلّ أوب إلى صوبه.

لا عِوَجَ لَهُ‏: لا يعوجّ له مدعوّ، و لا يعدل عنه.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن همّام بن سهيل‏ (3)، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- عن أبيه- (عليهم السلام)- قال: سألت أبي عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ‏. قال:

الدّاعي أمير المؤمنين.

وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ‏: خضعت‏ (4) لمهابته.

فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (108): صوتا خفيّا. و منه الهميس لصوت أخفاف الإبل.

و قد فسّر الهمس بخفق أقدامهم و نقلها إلى المحشر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي محمّد الوابشيّ، عن أبي الورد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، جمع اللّه- عزّ و جلّ- النّاس في صعيد واحد حفاة عراة.

فيوقفون في المحشر، حتّى يعرقوا عرقا شديدا، و تشتدّ أنفاسهم. فيمكثون في ذلك مقدار (6) خمسين عاما. و هو قول اللّه: وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً.

قال‏ (7): ثمّ ينادي مناد من تلقاء العرش: أين النّبيّ الأمّي؟ فيقول النّاس: قد أسمعت فسمّه‏ (8) باسمه. فينادي: أين نبيّ الرّحمة؟ أين محمّد بن عبد اللّه الأمّي؟

فيتقدّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمام النّاس‏ (9) كلّهم، حتّى ينتهي إلى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 61.

(2) تأويل الآيات الباهرة 1/ 316، ح 13.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: سهل.

(4) في أنوار التنزيل 2/ 61: خفضت.

(5) تفسير القمّي 2/ 64- 65.

(6) ليس في المصدر.

(7) ليس في ن.

(8) المصدر: فسمّ.

(9) ليس في ن.

352

حوض طوله ما بين إيلة و صنعاء، فيقف عليه. فينادى بصاحبكم. فيتقدّم عليّ أمام النّاس. فيقف معه.

ثمّ يؤذن للنّاس، فيمرّون. فبين وارد الحوض يومئذ (1) و بين مصروف عنه.

فإذا رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من يصرف عنه‏ (2) من محبّينا، يبكي‏ (3).

فيقول: يا ربّ! شيعة عليّ [أراهم قد صرفوا تلقاء أصحاب النّار، و منعوا ورود حوضي!] (4).

قال: قال: فيبعث اللّه إليه ملكا، فيقول له: ما يبكيك يا محمّد؟ فيقول: أبكي لأناس من شيعة عليّ [أراهم قد صرفوا تلقاء أصحاب النّار، و منعوا ورود الحوض.

قال:] (5) فيقول له الملك: إنّ اللّه يقول [لك: يا محمّد، إنّ شيعة عليّ‏] (6) قد وهبتهم لك يا محمّد و صفحت لهم عن ذنوبهم، بحبّهم لك و لعترتك. و ألحقتهم بك و بمن كانوا يقولون‏ (7) به. و جعلناهم في زمرتك. فأوردهم حوضك.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فكم من باك يومئذ و باكية ينادون: «يا محمّد!» (8) إذا رأوا ذلك. و لا يبقى أحد يومئذ يتوالانا و يحبّنا، و يتبرّأ من عدوّنا و يبغضهم، إلّا كانوا في حزبنا و معنا و يردون‏ (9) حوضنا.

يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ‏:

الاستثناء من الشّفاعة. أي: إلا شفاعة من أذن. أو من أعمّ المفاعيل. أي: من أذن في أن يشفع له، فإنّ الشّفاعة تنفعه. ف «من» على الأوّل مرفوع على البدليّة. و على الثّاني منصوب على المفعوليّة.

وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)، أي: و رضي لمكانه عند اللّه قوله في الشّفاعة. أو:

رضي لأجله قول الشّافع في شأنه، أو قوله لأجله و في شأنه.

و في شرح الآيات الباهرة (10): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن‏

____________

(1) من ع.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بكى.

(4) ليس في المصدر.

(5) من ع.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: يتولّون.

(8) المصدر: يا محمّداه.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يرد.

(10) تأويل الآيات الباهرة 1/ 318، ح 15.

353

همّام‏ (1)، عن محمّد بن إسماعيل‏ (2) العلويّ، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: سمعت أبي يقول‏، و رجل يسأله عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: [يَوْمَئِذٍ] (3) لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ [قَوْلًا.

قال:

لا ينال شفاعة محمّد يوم القيامة، إلّا من أذن له بطاعة آل محمّد، و رضي له‏] (4) قولا و عملا فيهم، فحيي على مودّتهم، و مات عليها، فرضي اللّه قوله و عمله فيهم. ثمّ قال:

«و عنت الوجوه للحيّ القيّوم و قد خاب من حمل ظلما لآل محمّد». كذا نزلت.

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏: ما تقدّم من الأحوال. وَ ما خَلْفَهُمْ‏: [و ما بعدهم ممّا يستقبلونه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: (5) قال: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏ ما مضى من أخبار الأنبياء.

وَ ما خَلْفَهُمْ‏] (6) من أخبار القائم- (عليه السلام).

وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110): و لا يحيط علمهم بمعلوماته.

و قيل‏ (7): بذاته.

و قيل‏ (8): الضّمير لأحد الموصولين، أو لمجموعهما، فإنّهم لم يعلموا جميع ذلك، و لا تفصيل ما علموا منه.

و في كتاب التّوحيد (9) حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات في هذه الآية-:

لا يحيط الخلائق باللّه- عزّ و جلّ- علما، [إذ هو] (10)- تبارك و تعالى- جعل على أبصار القلوب الغطاء، فلا فهم يناله بالكيف، و لا قلب يثبته بالحدود. فلا تصفه‏ (11) إلّا كما وصف نفسه. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (12) العليم‏ (13)، الأوّل و الآخر،

____________

(1) كذا في المصدر. و في ن: يحيى. و في غيرها:

حمّاد.

(2) م، ن، ع: سعيد.

(3) من المصدر.

(4) لا يوجد في ن.

(5) تفسير القمّي 2/ 65.

(6) لا يوجد في ع.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 61.

(9) التوحيد/ 263- 264، ح 5.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: فلا يصفه.

(12) الشورى/ 11.

(13) ليس في المصدر.

354

و الظّاهر و الباطن، الخالق البارئ المصوّر. خلق الأشياء فليس من الأشياء شي‏ء] (1) مثله- تبارك و تعالى.

و في أصول الكافي‏ (2): أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام). فاستأذنته في ذلك. فأذن. فدخل عليه. فسأله عن الحلال و الحرام [و الأحكام‏] (3)، حتّى بلغ سؤاله إلى التّوحيد.

فقال أبو قرّة: إنا روينا أنّ اللّه قسّم الرّؤية و الكلام بين نبيّين. فقسّم الكلام لموسى، و لمحمّد الرّؤية.

فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثّقلين من الجنّ و الإنس:

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (4) و لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (5)!؟ أليس محمّد!؟

قال: بلى.

قال: كيف يجي‏ء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، و أنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، و أحطت به علما، و هو على صورة البشر!؟ أما تستحيون!؟ ما قدرت الزّنادقة [أن ترميه‏] (6) بهذا أن يكون يأتي من عند اللّه بشي‏ء، ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر- إلى قوله- (عليه السلام)-:

و قد قال اللّه‏ (7): وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً. فإذا رأته الأبصار، فقد أحاطت به العلم، و وقعت المعرفة.

فقال أبو قرّة: فتكذّب بالرّوايات!؟

فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: إذا كانت الرّوايات مخالفة للقرآن، كذّبتها. و ما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علما، و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ.

____________

(1) ليس في أ.

(2) الكافي 1/ 95- 96، ح 2.

(3) من المصدر.

(4) الأنعام/ 103.

(5) الشورى/ 11.

6 و 7- ليس في ن.

355

و في كتاب التّوحيد (1) خطبة عن عليّ- (عليه السلام)- و. فيها: قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح‏ (2) العقول. و تحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته.

وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ‏: ذلّت و خضعت له خضوع العناة- و هم الأسارى في يد الملك القاهر.

و ظاهرها يقتضي العموم. و يجوز أن يراد بها وجوه المجرمين. فيكون اللّام بدل الإضافة.

و في كتاب التّوحيد (3) خطبة لعليّ- (عليه السلام)- و فيها: و عنت الوجوه من مخافته.

و في نهج البلاغة (4): و تعنو الوجوه لعظمته.

وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111):

يحتمل الحال و الاستئناف لبيان ما لأجله عنت وجوههم.

وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ‏ بعض الطّاعات‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ‏- إذ الأيمان شرط في صحّة الطّاعات و قبول الخيرات- فَلا يَخافُ ظُلْماً: [منع ثواب مستحقّ بالوعد] (5) وَ لا هَضْماً (112): و لا كسرا منه بنقصان، أو جزاء ظلم و هضم، لأنّه لم يظلم غيره و لم يهضم حقّه.

و قرئ‏ (6): «فلا يخف» على النّهي.

و في الحديث السّابق المنقول عن الآيات الباهرة (7) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- ثمّ قال: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً قال: مؤمن بمحبّة آل محمّد، و مبغض لعدوّهم.

وَ كَذلِكَ‏:

عطف على «كذلك [نقصّ» (8). أي: مثل ذلك‏] (9) الإنزال. أو: مثل إنزال هذه الآيات المتضمّنة للوعيد.

____________

(1) التوحيد/ 70 و 71، ح 26.

(2) طوامح: جمع الطامح: المرتفع من كلّ شي‏ء.

(3) التوحيد/ 52، ح 13.

(4) النهج/ 258، الخطبة 179.

(5) ليس في ن.

(6) أنوار التنزيل 2/ 62.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 318، ح 15.

(8) طه/ 99.

(9) ليس في ن.

356

أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا كلّه على هذه الوتيرة وَ صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ:

مكرّرين فيه آيات الوعيد.

لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏ المعاصي، فتصير التّقوى لهم ملكة أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113): عظة و اعتبارا حين يسمعونها، فيثبّطهم عنها. و لهذه النّكتة أسند التّقوى إليهم و الإحداث إلى القرآن.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و روي عن صفوان بن يحيى قال:

قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)- لأبي قرّة صاحب شبرمة: التّوراة و الإنجيل [و الزبور] (2) و الفرقان و كلّ كتاب أنزل‏ (3)، كان كلام اللّه أنزله للعالمين نورا (4) و هدى.

و هي كلّها محدّثة، و هي غير اللّه، حيث يقول: أَوْ (5) يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً.

فَتَعالَى اللَّهُ‏ (6) في ذاته و صفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم، كما لا يماثل ذاته ذاتهم.

و في أصول الكافي‏ (7) خطبة مرويّة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: و المتعالي على الخلق بلا تباعد منهم، و لا ملامسة منه لهم.

الْمَلِكُ‏ النّافذ أمره و نهيه، الحقيق بأن يرجى وعده و يخشى وعيده.

الْحَقُ‏ في ملكوته يستحقّه لذاته. أو: الثّابت في ذاته و صفاته.

وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏:

قيل‏ (8): نهي عن الاستعجال في تلقّي الوحي من جبرئيل و مساوقته [في القراءة] (9) حتّى يتمّ وحيه، بعد ذكر الإنزال، على سبيل الاستطراد.

و قيل‏ (10): نهي عن تبليغ ما كان مجملا قبل أن يأتي بيانه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا نزل‏

____________

(1) الاحتجاج/ 405.

(2) يوجد في م.

(3) يوجد في ع.

(4) ليس في ن.

(5) المصدر: و.

(6) ليس في ن.

(7) الكافي 1/ 142، ح 7.

(8) أنوار التنزيل 2/ 62.

(9) يوجد في م.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) تفسير القمّي 2/ 65.

357

عليه القرآن، بادر بقراءته قبل نزول تمام الآية و المعنى. فأنزل اللّه: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏، أي: يفرغ من قراءته.

وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)، أي: سل اللّه زيادة العلم بدل الاستعجال. فإنّ ما أوحي إليك، تناله لا محالة.

و في أصول الكافي‏ (1) بإسناده إلى أبي يحيى الصّنعانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا أبا يحيى، لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشّأن.

قال: قلت: جعلت فداك، و ما ذلك؟

قال: يؤذن لأرواح الأنبياء- (عليه السلام)- الموتى، و أرواح الأوصياء الموتى، و روح الوصيّ الّذي بين أظهركم، يعرج بها إلى السّماء، حتّى توافى عرش ربّها. فتطوف به أسبوعا. و تصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتين. ثمّ تردّ إلى الأبدان الّتي كانت فيها. فتصبح الأنبياء و الأوصياء قد ملئوا سرورا. و يصبح الوصيّ الّذي بين ظهرانيكم، و قد زيد في علمه مثل جمّ الغفير.

و بإسناده‏ (2) إلى المفضّل قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏- ذات يوم- و كان لا يكنّيني قبل ذلك-: يا أبا عبد اللّه! قال: قلت: لبّيك. قال: إنّ لنا في كلّ ليلة جمعة سرورا.

قال: قلت: زادك اللّه. و ما ذلك؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة، وافى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- العرش، و وافى الأئمّة- (عليه السلام)- معه، و وافينا معهم. فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلّا بعلم مستفاد. و لو لا ذلك لأنفدنا.

و بإسناده‏ (3) إلى يونس، أو المفضّل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [نحوه بتغيير يسير.

و بإسناده‏ (4) إلى صفوان بن يحيى قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)-] (5) يقول: كان جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- يقول‏ (6): لولا أنّا نزداد، لأنفدنا.

____________

(1) الكافي 1/ 253- 254، ح 1.

(2) نفس المصدر/ 254، ح 2.

(3) نفس المصدر، ح 3.

(4) نفس المصدر، ح 1.

(5) لا يوجد في ن.

(6) ليس في أ و ن.

358

[و بإسناده‏ (1) إلى ذريح المحاربيّ قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا ذريح، لو لا أنّا نزداد، لأنفدنا.] (2)

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر، عن ثعلبة، عن زرارة قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لولا أنّا نزداد، لأنفدنا.

قال: قلت تزدادون شيئا لا يعلمه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)؟

قال: أما إنّه إذا كان ذلك، عرض على رسول اللّه، ثمّ على الأئمّة، ثمّ انتهى الأمر إلينا.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ليس يخرج شي‏ء من عند اللّه- عزّ و جلّ- حتّى يبدأ برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- ثمّ بواحد بعد واحد. لكي لا يكون آخرنا أعلم من أوّلنا.

و في مجمع البيان‏ (5): روت عائشة عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علما يقرّبني إلى اللّه، فلا بارك اللّه لي في طلوع شمسه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6). و روى المعلّى بن محمّد البصريّ، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، عن عمرو بن زياد، عن مدرك بن عبد الرّحمن، عن أبي عبد اللّه الصّادق‏ (7) جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، جمع اللّه- عزّ و جلّ- النّاس في صعيد واحد، و وضعت الموازين. فيوزن دماء الشّهداء مع مداد العلماء. فيرجح مداد العلماء على دماء الشّهداء.

و في علل الشّرائع‏ (8) بإسناده إلى أبي الدّرداء قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يجمع العلماء يوم القيامة و يقول لهم: لم أضع نوري و حكمتي في صدوركم، إلّا و أنا أريد بكم خير الدّنيا و الآخرة. اذهبوا فقد غفرت لكم على ما كان منكم.

____________

(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) ليس في أ.

(3) نفس المصدر/ 255، ح 3.

(4) نفس المصدر، ح 4.

(5) المجمع 4/ 32.

(6) الفقيه 4/ 284، ح 849.

(7) ليس في م.

(8) العلل/ 468، ح 28.

359

وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ‏: و لقد أمرناه.

يقال: تقدّم الملك إليه، و أوعز إليه و عزم عليه، و عهد إليه: إذا أمره. و اللّام جواب قسم محذوف.

قيل‏ (1): و إنّما عطف قصّة آدم على قوله: وَ صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ للدّلالة على أنّ أساس بني آدم على العصيان، و عرقهم راسخ في النّسيان.

مِنْ قَبْلُ‏: من قبل هذا الزّمان‏ فَنَسِيَ‏ العهد و لم يعتن به حتّى غفل عنه.

وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115): تصميم رأي و ثباتا. (2) على الأمر.

و هو إن كان من الوجود الّذي بمعنى العلم، ف «له عزما» مفعولاه. و إن كان من الوجود المناقض للعدم، ف، «له» حال من «عزما» أو متعلّق ب «نجد».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: فيما نهاه عنه من‏ (4) أكل الشّجرة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5): حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن محمّد بن الفضل‏ (6)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- عهد إلى آدم- (عليه السلام)- أن لا يقرب الشّجرة.

فلمّا بلغ الوقت الّذي كان في علم اللّه- تبارك و تعالى- أن يأكل منها، نسي، فأكل منها. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- تبارك و تعالى: وَ لَقَدْ عَهِدْنا (الآية).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضل‏ (8)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- عهد إلى آدم- (عليه السلام)- أن لا يقرب هذه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 62.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 62. و في النسخ: تعميم رأي و ثبات.

(3) تفسير القمّي 2/ 65.

(4) لا يوجد في المصدر.

(5) كمال الدّين/ 213، ح 2.

(6) المصدر: الفضيل.

(7) الكافي 8/ 113، ح 92

(8) المصدر: الفضيل.

360

الشّجرة. فلمّا بلغ الوقت الّذي كان في علم اللّه أن يأكل منها، نسي، فأكل منها.

و هو قول اللّه- تعالى-: وَ لَقَدْ عَهِدْنا (الآية).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: فقال:

[إنّ اللّه‏] (2)- عزّ و جلّ- لمّا قال لآدم: اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ (3) قال له: يا آدم، لا تقرب هذه الشّجرة. قال: و أراه إيّاها. فقال آدم لرّبّه: كيف أقربها، و قد نهيتني عنها أنا و زوجتي!؟

قال: فقال لهما: لا تقرباها، يعني: لا تأكلا منها. فقال آدم و زوجته: نعم- يا ربّنا- لا نقربها، و لا نأكل منها. و لم يستثنيا في قولهما: نعم. فوكلهما اللّه في ذلك إلى أنفسهما و إلى ذكرهما.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4): أبي- (رحمه اللّه)- عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن المفضّل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية قال‏ (5): عهد إليه في محمّد و الأئمّة من بعده. فترك، و لم يكن له عزم فيهم. أنّهم هكذا. و إنّما سمّوا (6) أولو العزم، لأنّهم عهد إليهم في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأوصياء من بعده و المهديّ و سيرته، فأجمع عزمهم أنّ ذلك كذلك و الإقرار به.

و في أصول الكافي‏ (7) كذلك سواء.

و في بصائر الدّرجات‏ (8): أبو جعفر أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن مفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله سواء.

____________

(1) نفس المصدر 7/ 447- 448، ح 2. و للحديث ذيل.

(2) يوجد في م.

(3) البقرة/ 35. و في المصدر بدلها: «ادخل الجنّة».

(4) العلل/ 122، ح 1.

(5) ليس في ن.

(6) المصدر: سمّي.

(7) الكافي 1/ 416، ح 22.

(8) البصائر/ 90، ح 1.

361

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن جعفر بن محمّد بن عبيد اللّه‏ (2)، عن محمّد بن عيسى القمّيّ، عن محمّد بن سليمان، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله: «و لقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة- (عليهم السلام)- من ذرّيّتهم فنسي». هكذا و اللّه أنزلت‏ (3) على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن داود العجليّ، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- حيث خلق [الخلق‏] (5)، خلق‏ (6) ماء عذبا و ماء مالحا (7) أجاجا. فامتزج الماءان. فأخذ طينا من أديم الأرض، فعركه‏ (8) عركا شديدا. فقال لأصحاب اليمين- و هم كالذرّ يدبّون‏ (9)-: إلى الجنّة بسلام! و قال لأصحاب الشّمال:

إلى النّار! و لا أبالي. ثمّ قال‏ (10): أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏.

ثمّ أخذ الميثاق على النّبيّين، فقال: أ لست بربّكم؟ و أنّ هذا محمّد رسولي؟ و أنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟ فقالوا: بلى. فثبتت لهم النّبوّة، و أخذ الميثاق على أولي العزم: أنّني ربّكم، و محمّد رسولي، و عليّ أمير المؤمنين، و أوصياؤه من بعده ولاة أمري و خزّان علمي، و أنّ المهديّ- (صلوات اللّه عليه)- أنتصر به لديني، و أظهر به دولتي، و انتقم به من أعدائي، و أعبد به طوعا و كرها. قالوا: أقررنا يا ربّ و شهدنا.

و لم يجحد آدم، و لم يقرّ. فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهديّ، و لم يكن لآدم عزيمة (11) علي الإقرار به. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. قال: إنّما [هو: فترك.

____________

(1) الكافي 1/ 416، ح 23.

(2) في غير نسخة ع و بعض نسخ المصدر: عبد اللّه.

(3) المصدر: نزلت.

(4) نفس المصدر 2/ 8، ح 1.

(5) من المصدر.

(6) ليس في س، أ و ن.

(7) ع: ملحا.

(8) أي: دلكه.

(9) كذا في المصدر. و في ع: «و هم». بدل «و هم كالذرّ يدبّون» و في سائر النسخ: «و هم كالربون».

(10) الأعراف/ 172.

(11) المصدر: عزم.

362

ثمّ‏] (1) أمر نارا، فأججت. فقال لأصحاب الشّمال: ادخلوها! فهابوها. و قال لأصحاب اليمين: ادخلوها! فدخلوها. فكانت عليهم بردا و سلاما. فقال أصحاب الشّمال: يا ربّ، أقلنا! فقال: قد أقلتكم. اذهبوا فادخلوها. فهابوها. فثمّ ثبتت الطّاعة و الولاية و المعصية.

و في كتاب المناقب‏ (2) لابن شهر آشوب، عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله: «و لقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- و فاطمة- (عليها السلام)- و الحسن- (عليه السلام)- و الحسين- (عليه السلام)- و الأئمّة من ذرّيّتهم». كذا نزلت على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن موسى بن محمّد بن عليّ، عن أخيه، عن أبي الحسن الثّالث- (عليه السلام)- قال: الشّجرة الّتي نهي [اللّه‏] (4) آدم و زوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد. عهد إليهما أن لا ينظر (5) إلى من فضّل اللّه عليه و على خلائقه بعين الحسد، و لم يجد له عزما (6).

عن جميل بن درّاج‏ (7)، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته: كيف أخذ اللّه آدم بالنّسيان؟

فقال: إنّه لم ينس. و كيف ينسى و هو يذكره و يقول له إبليس: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏

(8)(9)

____________

(1) ليس في ن و م.

(2) المناقب 3/ 320.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 9، ح 8.

(4) من المصدر.

(5) أ، ع، س: ينظرا.

(6) في هامش نسخة «م»:

لعلّ وجه الجمع بين الأخبار الّتي وقع في بعضها أنّ الشّجرة المنهيّة كانت شجرة الحنطة و في بعضها أنّها شجرة الحسد و في الآخر شجرة التّفكّر في القضاء و القدر و أمثال ذلك إن وجد إمّا (كذا هو الصحيح.

و في النسخ: «هما» مكان «إمّا» عن كلّ واحد واحد أو كانت شجرة الحنطة الّتي جعل الحسد و التّفكّر في أكلها مما وقع أنّها كانت شجرة الحنطة معمول على ما ذكر فيه السّبب و الآخر المسبّب- و اللّه يعلم. (جعفر)

(7) نفس المصدر 2/ 9- 10، ح 9.

(8) الأعراف/ 20.

(9) في هامش نسخة «م»:

لعلّ وجه الجمع بين هذا الخبر و خبري أبي حمزة و سلام أنّ آدم- (عليه السلام)- لم ينس بعد ما نهي إلى قريب من وقت الأكل فنسي فأكل كما في الخبرين السابقين- و اللّه يعلم. (جعفر)

363

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ‏ مقدّر باذكر.

قيل‏ (1): أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبيّن لك أنّه نسي، و لم يكن من أولي العزيمة و الثّبات.

فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ‏:

قد سبق القول فيه.

أَبى‏ (116):

جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السّجود، و هو الاستكبار. و على هذا لا يقدّر له مفعول مثل السّجود المدلول عليه بقوله: «فسجدوا»، لأنّ المعنى أظهر الإباء عن المطاوعة.

فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ:

فلا يكوننّ سببا لإخراجكما.

و المراد نهيهما من أن يكونا بحيث يتسبّب الشّيطان إلى إخراجهما من الجنّة.

فَتَشْقى‏ (117):

أفرده بإسناد الشّقاء إليه بعد اشتراكهما في الخروج، اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها، من حيث إنّه قيّم عليها. و محافظة على الفواصل. و لأنّ المراد بالشّقاء التّعب في طلب المعاش، و ذلك وظيفة الرّجال.

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏ (118) وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى‏ (119):

بيان و تذكير لماله في الجنّة من أسباب الكفاية و أقطاب الكفاف الّتي هي الشّبع و الرّيّ و الكسوة و الكنّ‏ (2)، مستغنيا عن اكتسابها و السّعي في تحصيل أغراض ما عسى أن ينقطع و يزول منها، بذكر نقائضها، ليطرق سمعه بأصناف الشّقوة المحذّر منها (3).

و «تضحى» من: ضحى الرّجل يضحي ضحى: إذا برز للشّمس.

و قرأ (4) نافع و أبو بكر: «إنّك لا تظمؤا» بكسر الهمزة، و الباقون بفتحها (5).

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ‏: فأنهى إليه وسوسته.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 62.

(2) أي: المسكن.

(3) من هنا إلى موضع نذكره ليس في س.

(4) نفس المصدر/ 63.

(5) ليس في ن.

364

قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ: الشجرة الّتي من أكل منها، خلد و لم يمت أصلا. فأضافها إلى «الخلد» و هو الخلود، لا أنّها سببه بزعمه.

وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏ (120): لا يزول و لا يضعف.

فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ: أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتّستّر.

قيل‏ (1): و هو ورق التّين.

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ‏ بأكل الشّجرة، فَغَوى‏ (121): فضلّ عن المطلوب و خاب، حيث طلب الخلد بأكل الشّجرة. أو: عن المأمور به. أو: عن الرّشد، حيث اغتّر بقول العدوّ.

و قرئ‏ (2): «فغوي» من: غوى الفصيل: إذا اتّخم من اللّبن.

و في النّعي عليه بالعصيان و الغواية- مع صغر زلّته- تعظيم للزّلّة، و زجر بليغ لأولاده عنها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3) بإسناده إلى الحسين‏ (4) بن أبي العلا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه [عن النّبيّ‏] (5)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا أن وسوس الشّيطان إلى آدم، دنا من الشّجرة و نظر إليها، ذهب ماء وجهه. ثمّ قام و مشى إليها. و هي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة. ثمّ تناول بيده ممّا عليها، فأكل.

فطار الحلي و الحلل عن جسده.

ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ‏: اصطفاه و قرّبه بالحمل على التّوبة و التّوفيق له.

من: جبى إلى كذا، فاجتبيته، مثل: جليت على العروس، فاجتليتها. و أصل الكلمة: الجمع.

فَتابَ عَلَيْهِ‏: فقبل‏ (6) [توبته لمّا تاب‏] (7).

وَ هَدى‏ (122) إلى الثّبات على التّوبة و التّشبّث بأسباب العصمة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) العلل/ 280، ح 1.

(4) المصدر: الحسن.

(5) يوجد في م.

(6) يوجد في م و ن.

(7) ليس في أ.

365

و في عيون الأخبار (1) بإسناده إلى عليّ [بن محمّد] (2) بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام). فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَصى‏ (3) آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏؟ قال- (عليه السلام)-:

إنّ اللّه- تعالى- قال لآدم: اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ- و أشار لهما إلى شجرة الحنطة- فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (4). و لم يقل لهما و لا تأكلا من هذه الشّجرة، و لا ممّا كان من جنسها.

فلم يقربا تلك الشّجرة [و لم يأكلا منها] (5). و إنّما أكلا من غيرها لمّا أن وسوس الشّيطان إليهما و قال: ما نهاكما ربّكما عن هذه الشّجرة، و إنّما نهاكما (6) أن تقربا غيرها. و لم ينهكما عن الأكل منها، إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏. (7) و لم يكن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلك [من‏] (8) يحلف باللّه كاذبا فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ (9) فأكلا منهما، ثقة بيمينه باللّه.

و كان ذلك من آدم قبل النّبوّة. و لم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار.

و إنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم.

فلمّا اجتباه اللّه- تعالى- و جعله نبيّا، كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة.

قال اللّه- تعالى-: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ (10). و قال اللّه‏ (11)- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏.

و فيه‏ (12)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من مخص الإسلام و شرائع الدّين: انّ ذنوب الأنبياء- (عليه السلام)- صغائر (13) موهوبة.

و بإسناده‏ (14) إلى أبي الصّلت الهرويّ قال: لمّا جمع المأمون لعليّ بن موسى الرّضا

____________

(1) العيون 1/ 156، ح 1.

(2) ليس في م.

(3) المصدر: فعصى.

(4) الأعراف/ 19. و فيها: ... فكلا من حيث ...

(5) من المصدر.

(6) المصدر: ينهاكما.

(7) الأعراف/ 21.

(8) من المصدر.

(9) الأعراف/ 22.

(10) المصدر: فهدى.

(11) آل عمران/ 33.

(12) نفس المصدر: 2/ 125- 126، ح 2.

(13) المصدر: صغائرهم.

(14) نفس المصدر 1/ 153، ح 1.

366

- (عليهما السلام)- أهل المقالات من أهل الإسلام و الدّيانات- من اليهود و النّصارى و المجوس و الصّابئين و سائر المقالات- فلم يقم أحد إلّا و قد ألزمه حجّته كأنّه ألقم حجرا، قام إليه عليّ، بن محمّد بن الجهم‏ (1) فقال له: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتقول بعصمة الأنبياء؟ فقال: نعم. قال: فما تقول‏ (2) في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏؟ فقال- (عليه السلام)-:

إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق آدم حجّة في أرضه و خليفة (3) في بلاده، لم يخلقه للجنّة.

و كانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض‏ (4)، لتتمّ مقادير [أمر] (5) اللّه- عزّ و جلّ.

فلمّا أهبط إلى الأرض، و جعل حجّة و خليفة، عصم بقوله‏ (6)- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)‏- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال ذلك الزّنديق:

و أجده قد شهر هفوات أنبيائه بقوله: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏!-: و أمّا هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما بيّنه اللّه في كتابه [و وقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم ممّا اجترمته الأنبياء ممّن شهد الكتاب يظلمهم‏] (8) فإنّ ذلك من أدلّ الدّلائل على حكمة اللّه- عزّ و جلّ- الباهرة، و قدرته القاهرة، و عزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء- (عليهم السلام)- تكبر في صدور أممهم. و أنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذكرها دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي انفرد (9) به- عزّ و جلّ.

و عن داود بن قبيصة (10)، عن الرّضا، عن أبيه- (عليهم السلام)- أنّه قال: و أمّا ما سألت: هل نهى عمّا أراد؟ فلا يجوز ذلك. و لو جاز ذلك، لكان حيث نهى آدم عن أكل الشّجرة، أراد منه أكلها. و لو أراد منه أكلها، لما نادى عليه صبيان الكتاتيب‏ (11):

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: على من حبهم (حجتهم- أ، ن)

(2) كذا في ن، و في سائر النسخ: تعمل.

(3) أ، ن: خليفته.

(4) توجد في المصدر هاهنا هذه الزيادة: و عصمته تجب أن تكون في الأرض.

(5) من المصدر.

(6) آل عمران/ 33.

(7) الاحتجاج/ 245- 249.

(8) من المصدر. و لعل المؤلف (ره) أسقطها للتلخيص.

(9) المصدر: تفرد.

(10) نفس المصدر/ 387.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: الكتائب.

367

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و اعلم أنّ المعصية أطلقت على خلاف الأولى في تلك الآية و الأخبار، و بهذا تندفع الشّبهة من الآيات و الأخبار. و هو حمل مشهور شائع من الإماميّة- (رضوان اللّه عليهم)- يدلّ عليه‏

ما رواه شيخ الطّائفة في التّهذيب‏ (1) عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، [عن ابن أذينة] (2)، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال- و قد ذكر النّوافل اليوميّة-: و إنّما هذا كلّه تطوّع و ليس بمفروض. إنّ تارك الفريضة كافر. و إنّ تارك هذا ليس بكافر، و لكنّها معصية. [لأنّه‏] (3) يستحبّ إذا عمل الرّجل عملا من الخير أن يدوم عليه.

قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً: الخطاب لآدم و حوّاء.

و قيل‏ (4): أو له و لإبليس.

و لمّا كانا أصلي الذرّيّة، خاطبهما مخاطبتهم‏ (5) فقال:

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ لأمر المعاش كما عليه [الناس من‏] (6) التّجاذب و التّحارب. أو: لاختلال حال كلّ من النّوعين بواسطة الآخر (7).

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً‏: كتاب و رسول، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُ‏ في الدّنيا، وَ لا يَشْقى‏ (123) في الآخرة.

و في أصول الكافي‏ (8): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن السّيّاريّ، عن أبي عبد اللّه‏ (9)- (عليه السلام)- قال: سأله رجل عن هذه الآية فقال: من قال بالأئمّة، و اتّبع أمرهم، و لم يجز طاعتهم.

____________

(1) التهذيب 2/ 7، ح 13.

(2) ليس في ع و س.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 63.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و لمّا كان أصلا لذرّيّة خاطبهما مخاطبهم.

(6) يوجد في م.

(7) في هامش نسخة «م»:

و رأيت في بعض الأخبار أنّ قوله- تعالى-:

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ خطاب لآدم و حوّاء- (عليهما السلام)- و إبليس- لعنه اللّه- أقول: فلو لم يخصّص البعض بالذّكر و قيل- مثلا-: اهبطا منها جميعا أعداء لم يكن بين آدم و حوّاء- أيضا- مودّة حكيم كما لا يكون بين أولاد آدم، و إبليس، و الحيّة مودّة إلى يوم القيامة بل بين أولادهما- أيضا- و اللّه يعلم. (جعفر)

(8) الكافي 1/ 414، ح 10.

(9) المصدر: عن عليّ بن عبد اللّه.

368

وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي‏: عن الهدى الذّاكر لي و الدّاعي إلى عبادتي‏ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً: ضيّقا (1). مصدر وصف به، و لذلك سوّي فيه المذكّر و المؤنّث.

و قرئ‏ (2): «ضنكى»- كسكرى. و ذلك لأنّ مجامع همّه‏ (3) يكون إلى أعراض الدّنيا، متهالكا على ازديادها، خائفا على انتقاصها، بخلاف المؤمن الطّالب للآخرة. مع أنّه- تعالى- قد يضيّق بشؤم الكفر، و يوسّع ببركة الإيمان.

و قيل‏ (4): هو الضّريع و الزّقّوم في النّار.

و قيل‏ (5): عذاب القبر.

و في روضة الكافي‏ (6) خطبة (7) لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، يقول فيها- (عليه السلام)-: و لئن تقمّصها دوني الأشقيان‏ (8)، نازعاني فيما ليس لهما بحقّ‏ (9)، و ركباها ضلالة، و اعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا! و لبئس ما لأنفسهما مهّدا! يتلاعنان في دورهما، و يتبرّأ كلّ منهما من صاحبه. يقول لقرينه إذا التقيا (10): يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ‏ (11). فيجيبه الأشقى على رثوثة (12): يا ليتني لم أتّخذك خليلا! لقد أضللتني عن الذّكر، بعد إذ جاءني‏ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (13). فأنا الذّكر الّذي عنه ضلّ.

[و في اصول الكافي‏ (14) عن الصادق- (عليه السلام)- قال: أعمى البصر في الآخرة أعمى القلب في الدنيا عن ولاية عليّ- (عليه السلام).] (15)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (16): أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن‏

____________

(1) ليس في م و أ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 63- 64.

(3) لا يوجد في س، أ، ع.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 8/ 27- 28، ح 4.

(7) إلى هنا ليس في س.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الأشقياء.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: حقّ.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: القيا.

(11) الزخرف/ 38.

(12) أي: على هيئته القبيحة.

(13) الفرقان/ 29.

(14) الكافي 1/ 435، ح 92.

(15) من أ.

(16) تفسير القمّي 2/ 65.

369

عمر (1) بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن المستنير، عن معاوية [بن عمّار] (2)، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قول اللّه: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً؟ قال: هي و اللّه للنّصاب‏ (3).

قال: قلت: جعلت فداك، قد نراهم دهرهم الأطول في كفاية حتّى ماتوا! قال:

ذلك و اللّه في الرّجعة. يأكلون العذرة.

وَ نَحْشُرُهُ‏:

[و قرئ‏ (4) بسكون الهاء على لفظ الوقف. و بالجزم عطفا على محلّ «فإنّ له معيشة [ضنكا] (5)» لأنّه جواب الشرط.] (6) يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ (124): [أعمى البصر أو] (7) القلب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8): و روي عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل لم يحجّ قطّ، و له مال. فقال: هو ممّن قال اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏: فقلت: سبحان اللّه! أعمى!؟ فقال: أعماه اللّه عن طريق الخير.

و في الكافي‏ (9): حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من مات و هو صحيح موسر لم يحجّ، فهو ممّن قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏. قال‏ (10): قلت: سبحان اللّه! أعمى!؟ قال: نعم، إنّ اللّه أعماه عن طريق الحقّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): حدّثني [أبي، عن‏] (12) ابن أبي عمير، عن‏ (13) فضّالة، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل لم يحجّ قطّ و له‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في أ، س، ن، ع: عمير. و في م: حدّثنا أحمد عمر.

(2) ليس في ن.

(3) المصدر: النصاب.

(4) أنوار التنزيل 2/ 64.

(5) من المصدر.

(6) لا يوجد في ع.

(7) ليس في ن.

(8) الفقيه 2/ 273، ح 1332.

(9) الكافي 4/ 269، ح 6.

(10) ليس في ع.

(11) تفسير القمّي 2/ 66.

(12) ليس في م.

(13) المصدر: و.

370

مال. فقال: هو ممّن قال اللّه: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏. قلت: سبحان اللّه! أعمى!؟ قال: أعماه اللّه عن طريق الجنّة.

قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125):

و قد أمالهما (1) حمزة و الكسائي، لأنّ الألف منقلبة (2) من الياء. و فرّق أبو عمرو بأنّ الأوّل رأس الآية و محلّ الوقف، فهو جدير بالتّغيير.

قالَ كَذلِكَ‏، أي: مثل ذلك فعلت. ثمّ فسّره فقال:

أَتَتْكَ آياتُنا واضحة نيّرة، فَنَسِيتَها فعميت عنه، و تركتها غير منظور إليها.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل تركك إيّاها، الْيَوْمَ تُنْسى‏ (126): تترك في العمى و العذاب.

وَ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ‏ بالانهماك في الشّهوات و الإعراض عن الآيات، وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ‏ بل كذّبها و خالفها.

وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ و هو الحشر على العمى.

و قيل‏ (3): عذاب النّار. أي: و النّار بعد ذلك.

أَشَدُّ وَ أَبْقى‏ (127) من ضنك العيش. أو: منه و من العمى. و لعلّه إذا دخل النّار، زال عماه ليرى محلّه و حاله. أو: ممّا فعله من ترك الآيات و الكفر بها.

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً قال: يعني ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام).

قلت: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏؟ قال: يعني أعمى. البصر في الآخرة، أعمى القلب في الدّنيا عن ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام).

قال: و هو متحيّر في القيامة يقول: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها. قال: الآيات الأئمّة. فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏، يعني:

تركتها، و كذلك اليوم تترك في النّار، كما تركت الأئمّة- (عليهما السلام)- فلم تطع‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 64.

(2) من م.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الكافي 1/ 435- 436، ح 92.

371

أمرهم‏ (1)، و لم تسمع قولهم.

قلت: وَ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقى‏؟ قال: يعني: من أشرك بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- غيره‏ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ‏، ترك الأئمّة- (عليهم السلام)- معاندة، فلم يتّبع آثارهم، و لم يتولّهم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ‏:

مسند إلى اللّه أو الرّسول، أو ما دلّ عليه.

كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ‏:

أي: إهلاكنا إيّاهم. أو الجملة بمضمونها. و الفعل على الأوّلين معلّق يجري مجرى اعلم. و يدلّ عليه القراءة بالنّون.

يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ‏ و يشاهدون آثار هلاكهم.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ (128): لذوي العقول النّاهية عن التّغافل و التّعامي.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه): حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: إنّه سأل أباه عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

يا أيّها النّاس! اتّبعوا هدى اللّه [تهتدوا و ترشدوا، و هو هداي. و هداي. هدى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). فمن اتّبع‏ (3) في حياتي و بعد موتي، فقد اتّبع هداي. و من اتّبع هداي، فقد اتّبع هدى اللّه. (و من اتّبع هدى) (4) اللّه،] (5) فلا يضلّ و لا يشقى. قال:

وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً و يحشره اللّه يوم القيامة أعمى‏ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏ وَ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ‏ في عداوة آل محمّد وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقى‏

____________

(1) ليس في س و أ.

(2) تأويل الآيات الباهرة 1/ 320، ح 19.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: هداي.

(4) لا يوجد في س.

(5) ليس في ن.

372

. ثمّ قال اللّه- عزّ و جلّ-: أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ و هم الأئمّة من آل محمّد. و ما كان في القرآن مثلها. و يقول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى فَاصْبِرْ يا محمّد نفسك و ذرّيّتك‏ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها.

وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏ (1):

و هي العدة بتأخير عذاب هذه الأمّة إلى الآخرة.

لَكانَ لِزاماً مثل ما نزل بعاد و ثمود لازما لهؤلاء الكفرة.

و هو مصدر وصف به. أو اسم آلة سمّي به اللّازم [لفرط لزومه‏] (2)، كقولهم: لزاز (3) خصم.

وَ أَجَلٌ مُسَمًّى‏ (129):

عطف على «كلمة». أي: و لولا العدة بتأخير العذاب و أجل مسمّى لأعمارهم. أو لعذابهم- و هو يوم القيامة أو بدر (4)- لكان [العذاب لزاما. و الفصل للدّلالة على استقلال كلّ منهما بنفي لزوم العذاب. و يجوز عطفه على المستكنّ في «كان». أي:

لكان‏] (5) الأخذ العاجل و أجل مسمى لازمين لهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قال: اللّزام الهلاك.

قال‏ (7): و كان‏ (8) ينزل بهم العذاب، و لكن قد أخّرهم لأجل مسمّى.

فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ‏: و صلّ و أنت حامد لربّك، على هدايته و توفيقه. أو: نزّهه عن الشّريك و سائر ما يضيفون إليه من النّقائص، حامدا له على ما ميّزك بالهدى، معترفا بأنّه المولى للنّعم كلّها.

قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ‏، يعني: الفجر.

____________

(1) لا يوجد في ن.

(2) ليس في س و أ.

(3) اللّزاز مأخوذ من لزّه: إذا شدّه و ألصقه.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 64. و في النسخ:

بدل.

(5) ليس في ن.

(6) تفسير القمّي 2/ 67.

(7) نفس المصدر/ 66.

(8) المصدر: ما كان.

373

وَ قَبْلَ غُرُوبِها، يعني: الظّهر و العصر، لأنّهما من آخر النّهار. أو العصر وحده.

وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ‏: و من ساعاته- جمع إنّا، بالكسر و القصر، أو أناء، بالفتح و المدّ- فَسَبِّحْ‏، يعني: المغرب و العشاء.

و إنّما قدم الزّمان فيه، لاختصاصه بمزيد الفضل، فإنّ القلب فيه أجمع و النّفس أميل إلى الاستراحة، فكانت العبادة فيه أحمز. و لذلك قال- تعالى-: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا (1).

وَ أَطْرافَ النَّهارِ:

تكرير لصلاتي: الصّبح و المغرب، إرادة الاختصاص‏ (2). و مجيئه بلفظ الجمع، لأمن الإلباس، كقوله: ظهراهما مثل ظهور التّرسين.

أو أمر بصلاة الظّهر، فإنّه نهاية النّصف الأوّل من النّهار و بداية النّصف الأخير.

و جمعه باعتبار النّصفين، أو لأنّ النّهار جنس، أو بالتّطوّع في أجزاء النّهار.

لَعَلَّكَ تَرْضى‏ (130):

متعلّق ب «سبّح». أي: سبّح في هذه الأوقات، طمعا أن تنال عند اللّه ما به ترضى نفسك.

و قرأ (3) الكسائي و أبو بكر بالبناء للمفعول. أي: يرضيك ربّك.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى-: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [وَ قَبْلَ غُرُوبِها. فقال:

فريضة على كلّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشّمس عشر مرّات و قبل غروبها] (5) عشر مرّات: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له. له الملك و له الحمد. يحيي و يميت، و هو حيّ لا يموت. بيده الخير. و هو على كلّ شي‏ء قدير.

قال: فقلت: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له. له الملك و له الحمد. يحيي و يميت.

____________

(1) المزمّل/ 6.

(2) فإنّ صلاة الصبح فيها مشقّة لكونه وقت شدّة النوم و صلاة المغرب وقتها ضيق فكرّر ليحثّهم بهما.

بهما.

(3) أنوار التنزيل 2/ 65.

(4) الخصال/ 452، ح 58.

(5) ليس في ن.

374

و يميت و يحيي. فقال: يا هذا، لا شكّ في أنّ اللّه يحيي و يميت، و يميت و يحيي، و لكن قل كما قلت.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى‏؟

قال: يعني: تطوّع بالنّهار.

وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ‏، أي: نظر عينيك‏ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ‏، استحسانا له، و تمنّيا أن يكون لك مثله.

أَزْواجاً مِنْهُمْ‏: (2) أصنافا من الكفرة.

و يجوز أن يكون حالا من الضّمير [في «به»] (3) و المفعول «منهم». أي: إلى الّذي متّعنا به، و هو أصناف بعضهم و ناسا منهم.

زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا:

منصوب بمحذوف دلّ عليه «متّحنا» أو «به» على تضمينه معنى أعطينا، أو بالبدل من محلّ «به»، أو من «أزواجا» بتقدير مضاف و دونه، أو بالذّمّ. و هي الزّينة و البهجة.

و قرأ (4) يعقوب بالفتح. و هي لغة- كالجهرة في الجهرة- أو جمع زاهر. وصف لهم بأنّهم زاهروا الدّنيا لتنعّمهم و بهاء زيّهم، بخلاف ما عليه المؤمنون الزّهّاد.

لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ‏: لنبلوهم و تختبرهم. أو: لنعذّبهم في الآخرة بسببه.

وَ رِزْقُ رَبِّكَ‏: و ما ادّخر لك في الآخرة. أو: ما رزقك من الهدى و النّبوّة.

خَيْرٌ ممّا منحهم في الدّنيا وَ أَبْقى‏ (131)، فإنّه لا ينقطع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏. قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

لمّا نزلت هذه الآية، استوى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالسا. ثمّ قال:

____________

(1) الكافي 3/ 444، ح 11.

(2) ليس في ن.

(3) من أنوار التنزيل 2/ 65.

(4) أنوار التنزيل 2/ 65.

(5) تفسير القمّي 2/ 66.

375

من لم يتعزّ بعزاء اللّه، تقطّعت نفسه على الدّنيا حسرات. و من اتّبع بصره ما في أيدي النّاس، طال همّه، و لم يشف غيظه. و من لم يعرف أنّ للّه عليه نعمة إلّا في مطعم أو (1) في مشرب، قصر أجله، و دنا عذابه.

و في روضة الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي المغرا (3)، عن زيد الشّحّام، عن عمرو بن سعيد بن هلال، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال:

إيّاك و أن تطمح نفسك إلى من فوقك. و كفى بما قال اللّه‏ (4)- عزّ و جلّ- لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ‏. و قال اللّه- عزّ و جلّ- لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ:

أمره بأن يأمر أهل بيته و التّابعين له من أمّته بالصّلاة، بعد ما أمره بها، ليتعاونوا على الاستعانة بها على خصاصتهم، و لا يهتمّوا بأمر المعيشة، و لا يلتفتوا لفت أرباب الثّروة.

وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها: و داوم عليها.

و في عوالي اللّئالي‏ (5): و روي عن الباقر- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها قال: أمر اللّه- تعالى- نبيّه أن يخصّ أهل بيته و أهله دون النّاس، ليعلم النّاس أنّ لأهله عند اللّه منزلة ليست لغيرهم. فأمرهم مع النّاس عامّة. ثمّ أمرهم خاصّة.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه: قالت العلماء. فأخبرنا: هل فسّر اللّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟ فقال الرّضا- (عليه السلام)-:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «لا في مطعم و لا» بدل «إلّا في مطعم أو».

(2) الكافي 8/ 168، ح 189.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 418. و في النسخ: أبي المعزا.

(4) التوبة/ 55.

(5) العوالي 2/ 22، ح 49.

(6) العيون 1/ 181- 188، ح 1.

376

فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا. فأوّل ذلك- إلى أن قال:

و أمّا الثّاني عشر فقوله- تعالى-: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها. فخصّنا اللّه- تعالى- بهذه الخصوصيّة، إذ أمرنا مع الأمّة بإقامة الصّلاة، ثمّ خصّنا من دون الأمّة. فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يجي‏ء إلى باب عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)- بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر، كلّ يوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرّات، فيقول: الصّلاة! رحمكم اللّه! و ما أكرم اللّه أحدا من ذراري الأنبياء- (عليهم السلام)- بمثل هذه الكرامة الّتي أكرمنا بها و خصّنا (1) من دون جميع أهل بيتهم.

فقال المأمون و العلماء: جزاكم اللّه‏ (2) أهل بيت نبيّكم عن هذه الأمّة خيرا. فما نجد الشّرح و البيان فيما اشتبه علينا، إلّا عندكم.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ: انّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- كان إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين بكلمات فيقول:

تعاهدوا الصّلاة. و حافظوا عليها. و استكثروا منها. و تقرّبوا بها- إلى أن قال (عليه السلام)-: و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منصبا (4) لنفسه بعد البشرى له بالجنّة من ربّه، فقال- عزّ و جلّ-: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها (الآية). فكان يأمر بها أهله، و يصبّر عليها نفسه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها فإنّ اللّه أمره أن يخصّ أهله دون النّاس، ليعلم النّاس أنّ لأهل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند اللّه منزلة خاصّة ليست للنّاس، إذ أمرهم مع النّاس [عامّة] (6)، ثمّ أمرهم خاصّة.

فلمّا أنزل اللّه هذه الآية، كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يجي‏ء كلّ يوم عند صلاة الفجر حتّى يأتي باب عليّ و فاطمة [و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-] (7)

____________

(1) لا يوجد في م. و في المصدر: خصّصنا.

(2) ليس في ن.

(3) الكافي 5/ 36- 37، ح 1.

(4) أي: متعبا. و في ع: نصبا.

(5) تفسير القمّي 2/ 67.

6 و 7- من المصدر.

377

فيقول: السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. فيقول عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين:

- (عليهم السلام)-: و عليك السّلام يا رسول اللّه، و رحمة اللّه و بركاته. ثمّ يأخذ بعضادتي الباب فيقول: الصّلاة! الصّلاة! يرحمكم اللّه! إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1). فلم يزل يفعل ذلك كلّ يوم إذا شهد المدينة، حتّى فارق الدّنيا.

و قال أبو الحمراء (2) خادم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا شهدته يفعل ذلك.

و فيه أيضا (3): وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، أي: أمّتك. وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى‏. قال: للمتّقين.

و في نهج البلاغة (4): و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نصبا بالصّلاة بعد التّبشير له بالجنّة، لقول اللّه- سبحانه-: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها فكان يأمر بها [أهله‏] (5) و يصبّر عليها نفسه.

و في مجمع البيان‏ (6): روى أبو سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية، كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يأتي باب فاطمة و عليّ- (عليهما السلام)- تسعة أشهر عند كلّ صلاة، فيقول: الصّلاة! رحمكم اللّه! إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. رواه ابن عقدة بإسناده من طرق كثيرة عن أهل البيت، و عن غيرهم مثل أبي بردة (7) و أبي رافع.

لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً: أن ترزق نفسك و لا أهلك.

نَحْنُ نَرْزُقُكَ‏ و إياهم، ففرّغ بالك لأمر الآخرة.

وَ الْعاقِبَةُ المحمودة لِلتَّقْوى‏ (132): لذوي التّقوى.

في أمالي شيخ الطّائفة (8)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي الحمراء قال: شهدت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أربعين صباحا يجي‏ء إلى باب عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)- فيأخذ بعضادتي الباب، ثمّ يقول: السّلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته. الصّلاة!

____________

(1) الأحزاب/ 33.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر/ 66.

(4) النهج/ 317، الخطبة 199.

(5) من المصدر.

(6) المجمع 4/ 37.

(7) المصدر: أبي برزة.

(8) الأمالي 1/ 256- 257.

378

يرحمكم اللّه! إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. قال- عزّ من قائل: لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى‏.

و في كتاب الخصال‏ (1)، عن أبي هريرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ أوّل ما يدخل به النّار [من‏] (2) أمّتي الأجوفان. قالوا: يا رسول اللّه، و ما الأجوفان؟ قال:

الفرج و الفم. و أكثر ما يدخل به الجنّة تقوى اللّه و حسن الخلق.

و في كتاب التّوحيد (3) بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: قال اللّه- تبارك و تعالى- لموسى- (عليه السلام)-:

يا موسى، احفظ وصيّتي لك بأربعة- إلى أن قال:- و الثّانية: ما دمت لا ترى كنوزي قد نفدت، فلا تغتمّ بسبب رزقك.

و بإسناده‏ (4) إلى الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أمّا بعد، فإنّ الاهتمام بالدّنيا غير زائد في الموظوف، و فيه تضييع الزّاد (5). و الإقبال على الآخرة غير ناقص في المقدور، و فيه إحراز المعاد. و أنشد يقول:

لو كان في صخرة في البحر راسية* * * صمّاء مملوسة (6) ملس

نواحيها

رزق لنفس يراها اللّه لانفلقت‏* * * عنه فأدّت إليه كلّ ما فيها

أو كان بين طباق السّبع مجمعة* * * لسهّل اللّه في المرقى مراقيها

حتّى يوفّي الّذي في اللّوح خطّ له‏* * * إن هي أتته‏ (7) و إلّا فهو آتيها

وَ قالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ‏: بآية تدلّ على صدقه في ادعاء- النّبوّة- أو: بآية مقترحة- إنكارا (8) لما جاء به من الآيات، أو للاعتداد به، تعنّتا و عنادا. فألزمهم بإتيانه بالقرآن الّذي هو أمّ المعجزات و أعظهما و أتقنها. لأنّ حقيقة المعجزة اختصاص مدّعي النّبوّة بنوع من العلم أو العمل، على وجه خارق للعادة، و لا شكّ أنّ العلم أصل العمل و أعلى منه قدرا، و أبقى أثرا، و كذا ما كان من هذا القبيل. و نبّههم- أيضا- على‏

____________

(1) الخصال/ 78، ح 126.

(2) من المصدر.

(3) التوحيد/ 372، ح 14.

(4) نفس المصدر، ح 15.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: للزّاد.

(6) المصدر: ملمومة.

(7) كذا في المصدر. و في ع: أتيته. و في غيرها:

آتيه.

(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 65. و في النسخ:

إنكار.

379

وجه‏ (1) أبين من وجوه إعجازه المختصّة بهذا الباب فقال:

أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ (133) من التّوراة و الإنجيل و سائر الكتب السّماويّة!؟ فإنّ اشتمالها على زبدة ما فيها من العقائد و الأحكام الكلّيّة، مع أنّ الآتي بها أمّيّ لم يرها، و لم يتعلّم ممّن علمها، إعجاز بيّن.

و فيه إشعار بأنه كما يدلّ على نبوّته، برهان لما تقدّمه من الكتب، من حيث إنّه معجز، و تلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد على صحّتها.

و قرئ‏ (2): «أ و لم تأتهم» بالتّاء و الياء.

و قرئ‏ (3): «الصّحف» بالتّخفيف.

وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ‏: من قبل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو البيّنة. و التّذكير لأنّها في معنى البرهان. أو المراد بها القرآن.

لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ‏ بالقتل و السّيئ في الدّنيا، وَ نَخْزى‏ (134) بدخول النّار يوم القيامة.

و قد قرئ‏ (4) بالبناء للمفعول [فيهما] (5).

قُلْ كُلٌ‏: كلّ واحد منّا و منكم‏ مُتَرَبِّصٌ‏: منتظر لما يؤول إليه أمرنا و أمركم.

فَتَرَبَّصُوا:

و قرئ‏ (6): «فتمتّعوا».

فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِ‏: المستقيم.

و قرئ‏ (7): «السّواء»- أي: الوسط الجيّد- و «السّوأى» و «السّوء»- أي: الشّرّ- و «السّويّ» و هو تصغيره.

وَ مَنِ اهْتَدى‏ (135) من الضّلالة.

و «من» في الموضعين للاستفهام، و محلّها الرّفع بالابتداء. و يجوز أن تكون الثّانية موصولة بخلاف الأولى، لعدم العائد. فتكون معطوفة على محلّ الجملة الاستفهاميّة المعلّق‏

____________

(1) ليس في م.

(2) أنوار التنزيل 2/ 65.

3 و 4- نفس المصدر/ 66.

(5) من المصدر.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

380

عنها الفعل،- على أنّ العلم بمعنى المعرفة- أو على «أصحاب» أو على «الصّراط» على أنّ المراد به النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في كشف المحجّة (1) لابن طاوس‏ (2)- (رحمه اللّه)- حديث طويل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فيه: و قيل: فمن الوليّ يا رسول اللّه؟ قال:

وليّكم في هذا الزّمان أنا. و من بعدي وصيّي. [و من بعد وصيّي‏] (3) لكلّ زمان حجج اللّه. لكي لا تقولون كما قال الضّلّال من قبلكم فارقهم نبيّهم: رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏.

و إنّما كان تمام ضلالتهم جهالتهم بالآيات، و هم الأوصياء. فأجابهم اللّه: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏. و إنّما كان تربّصهم أن قالوا: نحن في سعة من معرفة الأوصياء حتّى يعلن إمام علمه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4) في هذه الآية: حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)(5)-: و اللّه نحن السّبيل‏ (6) الّذي أمركم اللّه باتّباعه. و نحن- و اللّه- الصّراط المستقيم.

و نحن- و اللّه- الّذين أمر اللّه [العباد] (7) بطاعتهم. فمن شاء، فيأخذهنا. [و من شاء، فليأخذ من هنا] (8). لا تجدون‏ (9) و اللّه عنّا محيصا.

و في شرح الآيات الباهرة (10): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: روى النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ‏- إلى قوله:- وَ مَنِ اهْتَدى‏ قال: إلى ولايتنا.

قال محمّد بن العبّاس‏ (11)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن راشد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن إبراهيم بن محمّد بن ميمون، عن عبد الكريم بن يعقوب، عن‏

____________

(1) كذا في تفسير الصّافي 3/ 328. و في النسخ:

الحجّة.

(2) لم نعثر عليه في المصدر، و لكن رواه الصّافي و نور الثقلين ذيل الآية المفسّرة.

(3) من المصدرين.

(4) تفسير القمّي 2/ 66- 67.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال ...

(6) المصدر: سبيل اللّه.

7 و 8- من المصدر.

(9) المصدر: لا يجدون.

(10) تأويل الآيات الباهرة 1/ 322، ح 23.

(11) نفس المصدر/ 323، ح 24.

381

جابر، قال: سئل محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏. قال: اهتدى إلى ولايتنا.

و قال أيضا (1): حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد، عن إسماعيل بن بشّار، عن عليّ بن جعفر الحضرميّ، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله:

فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏ [قال: عليّ صاحب الصّراط السويّ. وَ مَنِ اهْتَدى‏] (2) أي: إلى ولايتنا أهل البيت.

و قال أيضا (3): حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلوي، عن عيسى بن داود النّجّار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: سألت أبي عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏. قال‏ (4): أي:

إلى ولايتنا أهل البيت.

و قال أيضا (5): حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: سألت أبي عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏. قال:

«الصّراط السّويّ هو القائم. و الهدى من اهتدى إلى طاعته. و مثلها في كتاب اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏. قال: إلى ولايتنا.

____________

(1) نفس المصدر، ح 25.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر، ح 26.

(4) لا يوجد في س، أ، ن.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) طه/ 82.

383

تفسير سورة الأنبياء

384

سورة الأنبياء مكّيّة و هي مائة و اثنتا عشرة آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1) بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الأنبياء، حبّا لها، كان كمن رافق النّبيّين أجمعين في جنّات النّعيم. و كان مهيبا في أعين النّاس حياة الدّنيا.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال: من قرأ سورة الأنبياء، حاسبه اللّه حسابا يسيرا، و صافحه و سلّم عليه كلّ نبيّ‏ (3) ذكر اسمه في القرآن.

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ‏:

قيل‏ (4): بالإضافة إلى ما مضى، أو عند اللّه، لقوله‏ (5): إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً أو لأنّ كلّ ما هو آت قريب، و إنّما البعيد ما انقرض و مضى.

و

في مجمع البيان‏ (6): و إنّما وصف ذلك بالقرب، لأنّ أحد أشراط السّاعة مبعث‏ (7)

____________

(1) ثواب الأعمال/ 135، ح 1.

(2) المجمع 4/ 38.

(3) أ، س، م، ن: شي‏ء.

(4) أنوار التنزيل 2/ 66.

(5) المعارج/ 6 و 7.

(6) المجمع 4/ 39.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بعث.

385

[رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقد قال:] (1) بعثت أنا و السّاعة كهاتين.

و في الجوامع‏ (2) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنّ الدّنيا ولّت حذّاء (3)، و لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء.

و اللّام صلة ل «اقترب». أو تأكيد للإضافة، و أصله: اقترب حساب النّاس، ثمّ اقترب للنّاس الحساب، ثمّ اقترب للنّاس حسابهم.

قيل‏ (4): و خصّ النّاس بالكفّار لتقييدهم بقوله:

وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ‏ (1)، أي: في غفلة من الحساب، معرضون عن التّفكّر فيه.

و هما خبران للضّمير. و يجوز أن يكون الظّرف حالا من المستكنّ في «معرضون».

ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ينبّههم عن سنة الغفلة و الجهالة.

مِنْ رَبِّهِمْ‏:

صفة ل «ذكر» أو صلة ل «يأتيهم».

مُحْدَثٍ‏ تنزيله، ليكرّر على أسماعهم التّنبيه، كي يتّعظوا.

و قرئ‏ (5) بالرّفع، حملا على المحلّ.

إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ‏ (2): يستهزئون به، لتناهي غفلتهم و فرط إعراضهم عن النّظر في الأمور و التّفكّر في العواقب‏ (6). و هُمْ يَلْعَبُونَ‏ حال من الواو. و كذلك‏ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ‏ أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء [به، و التّلهّي و الذّهول عن التّفكّر فيه. و يجوز أن يكون الحال من واو «يلعبون».

و قرئ‏ (7) بالرّفع‏] (8) على أنّه خبر آخر للضّمير.

وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى‏: بالغوا في إخفائها، أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها.

الَّذِينَ ظَلَمُوا:

____________

(1) ليس في م.

(2) جوامع الجامع/ 288.

(3) أي: سريعة.

(4) أنوار التنزيل 2/ 66.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أ، س، ع، ن: الأحوال.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) لا يوجد في ن.

386

بدل من واو «أسرّوا» للإيماء بأنّهم ظالمون فيما أسرّوا به. أو فاعل له، و الواو لعلامة الجمع. أو مبتدأ و الجملة المتقدّمة خبره. و أصله: و هؤلاء أسرّوا النّجوى. فوضع الموصول موضعه، تسجيلا على [فعلهم بأنّه ظلم. أو منصوب على الذّم.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن‏] (2) محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ بن حمّاد الأزديّ، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى [الَّذِينَ ظَلَمُوا قال:] (3) الّذين ظلموا آل محمّد حقّهم.

هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏ (3):

بأسره في موضع النّصب، بدلا من «النّجوى» أو مفعولا لقول مقدّر.

قيل‏ (4): كأنّهم استدلّوا بكونه بشرا على كذبه في ادّعاء الرّسالة، لاعتقادهم أنّ الرّسول لا يكون إلّا ملكا، و استلزموا منه أنّما جاء به من الخوارق- كالقرآن- سحر، فأنكروا حضوره. و إنّما أسرّوا به، تشاورا في استنباط ما يهدم أمره، و يظهر فساده للنّاس عامّة.

و في روضة الكافي‏ (5): [عليّ بن محمّد عن‏] (6) عليّ‏ (7) بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (8) يقول: بما ألقوه في صدورهم من العداوة لأهل بيتك و الظّلم بعدك. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

قل‏ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏، جهرا كان أو سرّا، فضلا عمّا أسرّوا به.

و قرأ (9) حمزة و الكسائي و حفص: «قالَ» بالإخبار عن الرّسول.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 324، ح 1.

(2) ليس في أ.

(3) من ع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 67.

(5) الكافي 8/ 379- 380، ح 574.

(6) ليس في ن.

(7) ليس في أ.

(8) الأنفال/ 43.

(9) أنوار التنزيل 2/ 67.

387

وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (4) فلا يخفى عليه ما تسرّون، و لا ما تضمرون.

بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ:

قيل‏ (1): إضراب لهم عن قولهم هو سحر، إلى أنّه تخاليط الأحلام، ثمّ إلى أنّه كلام افتراه، ثمّ إلى أنّه قول شاعر.

و الظّاهر أنّ «بل» الأولى لتمام حكاية و الابتداء بأخرى. أو للإضراب عن تحاورهم في شأن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما ظهر عليه من الآيات، إلى تقاولهم في أمر القرآن. و الثّانية و الثّالثة لإضرابهم عن كونه أباطيل خيّلت إليه و خلطت عليه، إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثمّ إلى أنّه كلام شعر يخيّل إلى السّامع معاني لا حقيقة لها، و يرغبّه فيها.

و يجوز أن يكون الكلّ‏ (2) من اللّه تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد. لأنّ كونه شعرا، أبعد من كونه مفترى، لأنّه مشحون بالحقائق و الحكم، و ليس فيه ما يناسب قول الشّعراء. و هو من كونه أحلاما، لأنّه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع و المفترى لا يكون كذلك بخلاف الأحلام. و لأنّهم جرّبوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نيفا و أربعين سنة، و ما سمعوا منه كذبا قطّ. و هو من كونه سحرا، لأنّه يجانسه من حيث إنّهما من خوارق العادة.

فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ‏ (5)، أي: كما أرسل به الأوّلون، مثل اليد البيضاء و العصا و إبراء الأكمه و إحياء الموتى.

و صحّة التّشبيه‏ (3) من حيث إنّ الإرسال يتضمّن الإتيان بالآية.

ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ: من أهل قرية أَهْلَكْناها باقتراح الآيات لمّا جاءتهم.

أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ‏ (6) لو جئتهم بها!؟ و هم أعتى منهم!.

و فيه تنبيه على أنّ عدم الإتيان بالمقترح، للإبقاء عليهم. إذ لو أتى به لم يؤمنوا، و استوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من م.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 67. و في النسخ:

التنبيه.

388

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: كيف يؤمنون، و لم يؤمن من كان قبلهم بالآيات حتّى هلكوا!؟

وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (7):

جواب لقولهم: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ.

قيل‏ (2): يأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب عن حال الرّسل المتقدّمة، لتزول عنهم الشّبهة.

و الإحالة عليهم، إمّا للإلزام- فإنّ المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يثقون بقولهم- أو لأنّ إخبار الجمّ الغفير يوجب العلم، و إن كانوا كفّارا.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا [احمد بن‏] (4) محمّد بن سعيد، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن الحسين بن مخارق، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ قال: نحن أهل الذّكر.

و قال أيضا (5): حدّثنا عليّ بن سليمان الرّازي، عن محمّد بن خالد الطّيالسيّ، عن العلا بن رزين القلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول اللّه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ أنّهم اليهود و النّصارى.

قال: إذا يدعونكم إلى دينهم. قال: ثمّ أومأ بيده إلى صدره و قال: نحن أهل الذّكر و نحن المسئولون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد، عن أبي داود سليمان بن سفيان، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

من المعنيّون بذلك؟ قال: نحن [و اللّه‏] (7).

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 68.

(2) أنوار التنزيل 2/ 67- 68.

(3) تأويل الآيات الباهرة 1/ 324، ح 2.

(4) من م.

(5) نفس المصدر، ح 3.

(6) تفسير القمّي 2/ 68.

(7) من المصدر.

389

قلت: فأنتم المسئولون؟ قال: نعم.

قلت: و نحن السائلون المسلمون؟ قال: نعم.

قلت: فعلينا أن نسألكم؟ قال: نعم.

قلت: و عليكم أن تجيبونا؟ قال: لا! ذاك إلينا. إن شئنا، فعلنا. و إن شئنا، تركنا.

ثمّ قال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (1).

و قرأ (2) حفص: «نوحي» بالنّون.

وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ‏ (8):

قيل‏ (3): نفي لما اعتقدوا أنّها من خواصّ الملك عن الرّسل تحقيقا لأنّهم كانوا أبشارا مثلهم.

و قيل‏ (4): جواب لقولهم: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ‏ (5). و ما كانُوا خالِدِينَ‏ تأكيد و تقرير له. فإنّ التّعيّش بالطّعام من توابع التّحليل المؤدّي إلى الفناء. و توحيد الجسد لإرادة الجنس. أو لأنّه مصدر في الأصل. أو على حذف المضاف.

أو تأويل الضّمير بكلّ واحد، و هو جسم ذو لون، و لذلك لا يطلق على الماء و الهواء.

و منه: «الجساد» للزّعفران.

و قيل‏ (6): جسم ذو تركيب، لأنّ أصله لجمع الشّي‏ء و اشتداده.

و في مجمع البيان‏ (7): و في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- بالإسناد عن زرارة و محمّد بن مسلم و حمران بن أعين، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: تبدّل بالأرض خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من الحساب. قال اللّه- تعالى-:

وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه‏ (9)- تعالى-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ‏ قال: يعني تبدّل‏ (10) خبزة نقيّة يأكل‏

____________

(1) النّمل/ 39.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 68.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الفرقان/ 7.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المجمع 3/ 324.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 237، ح 53.

(9) إبراهيم/ 48.

(10) ليس في س.

390

النّاس منها، حتّى يفرغ من الحساب. قال اللّه- تعالى-: وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ‏.

ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ- أي: في الوعد- فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ، يعني: المؤمنين بهم، و من في إبقائه حكمة، كمن سيؤمن هو، أو واحد من ذرّيّته.

قيل‏ (1): و لذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال.

وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ‏ (9) في الكفر و المعاصي.

لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ‏ يا قريش‏ كِتاباً- يعنى القرآن- فِيهِ ذِكْرُكُمْ‏، أي: صيتكم. أو: موعظتكم. أو: ما تطلبون به حسن الذّكر من مكارم الأخلاق.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (10) فتؤمنون!؟

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام بن إسماعيل، عن عيسى بن داود [النجّار] (3)، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- في هذه الآية قال: الطّاعة للإمام بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و معنى ذلك أنّ الّذي [أنزل في الكتاب الّذي‏] (4) فيه ذكركم و شرفكم [و عزّكم‏] (5) هو طاعة الإمام الحقّ بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ:

القصم: كسر يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم.

كانَتْ ظالِمَةً:

صفة لأهلها وصف بها لمّا أقيمت مقامه.

وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها- بعد إهلاك أهلها- قَوْماً آخَرِينَ‏ (11) مكانهم.

فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا: فلمّا أدركوا شدّة عذابنا، إدراك المشاهد المحسوس.

و الضّمير للأهل المحذوف‏ (6).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 68.

(2) تأويل الآيات الباهرة 1/ 325، ح 5.

3 و 4- من المصدر.

(5) من م.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 68. و في النسخ:

للمحذوف.

391

إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ‏ (12): يهربون مسرعين راكضين دوابّهم. أو مشبّهين‏ (1) بهم من فرط إسراعهم.

لا تَرْكُضُوا:

على إرادة القول. أي: قيل لهم استهزاء: لا تركضوا. إمّا بلسان الحال، أو المقال.

و القائل ملك أو من ثمّ من المؤمنين.

وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ‏ من التّنعّم و التّلذذ- و الإتراف: إبطار النّعمة- وَ مَساكِنِكُمْ‏ الّتي كانت لكم.

لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ (13) غدا عن أعمالكم. أو: تعذّبون. فإنّ السّؤال من مقدّمات العذاب. أو: تقصدون للسّؤال و التّشاور في المهام و النّوازل.

قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ‏ (14):

قيل‏ (2): لمّا رأوا العذاب، و لم يروا وجه النّجاة. فلذلك لم ينفعهم.

و قيل‏ (3): إنّ أهل «حضور»- من قرى اليمن- بعث إليهم بنيّ. فقتلوه. فسلّط اللّه عليهم بخت نصّر، فوضع السّيف فيهم. فنادى مناد من السّماء: يا لثارات الأنبياء! فندموا و قالوا ذلك.

أقول: و سيأتي أنّ البأس خروج القائم- (عليه السلام).

فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ‏: فما زالوا يردّدون ذلك.

و إنّما سمّاه دعوى، لأنّ المولول‏ (4) كأنّه يدعو الويل و يقول: يا ويل، تعال، فهذا أوانك.

قيل‏ (5): و كلّ من «تلك» و «دعواهم» يحتمل الاسميّة و الخبريّة.

و فيه نظر يعرف من له تتّبع في العربيّة.

حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً: مثل الحصيد. و هو النّبت المحصود. و لذلك لم يجمع.

____________

(1) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

منتهين.

(2) أنوار التنزيل 2/ 68.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 68. و في النسخ:

المدلول.

(5) نفس المصدر و الموضع.

392

خامِدِينَ‏ (15): ميّتين. من: خمدت النّار.

و هو مع «حصيدا» بمنزلة المفعول الثّاني- كقولك: جعلته حلوا حامضا- إذ المعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد و الخمود. أو صفة له. أو حال من ضميره.

و في روضة الكافي‏ (1) كلام‏ (2) لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا، يقول فيه- (عليه السلام)-: لقد أسمعكم اللّه في كتابه ما قد فعل بالقوم الظّالمين من أهل القرى قبلكم، حيث قال: وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً.

و إنّما عنى بالقرية أهلها، حيث يقول: وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ‏. فقال- عزّ و جلّ-: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ‏، يعني: يهربون. قال: لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏.

فلمّا أتاهم العذاب، قالوا: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ‏. و ايم اللّه إنّ هذه عظة لكم و تخويف، إن اتّعظتم و خفتم.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الأسديّ قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إذا قام القائم- (صلوات اللّه عليه)- و بعث إلى بني أميّة بالشّام، هربوا إلى الرّوم.

فتقول لهم الرّوم: لا ندخلكم حتّى تنصّروا. فيعلّقون في أعناقهم الصّلبان، فيدخلونهم.

فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم، طلبوا الأمان و الصّلح. فيقول أصحاب القائم: لا نفعل، حتّى تدفعوا إلينا من قبلكم منّا. فيدفعونهم إليهم. فذلك قوله: لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏.

قال: يسألهم الكنوز و هو أعلم بها. فيقولون: يا وَيْلَنا- إلى قوله:- خامِدِينَ‏.

أي: بالسّيف‏ (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5) ما يقرب منه. قال: و هذا كلّه ممّا لفظه ماض و معناه‏

____________

(1) الكافي 8/ 74، ح 29.

(2) ليس في م.

(3) نفس المصدر/ 51- 52، ح 15.

(4) يوجد في س، أ، م بعدها هذه الزيادة: و هو سعيد بن عبد الملك الأموي صاحب نهر سعيد بالرّحبة.

(5) تفسير القمّي 2/ 68.

393

مستقبل. و هو ممّا ذكرناه تأويله بعد تنزيله.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن منصور، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا. قال: خروج القائم‏ (2)- (عليه السلام).

إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ‏. قال: الكنوز الّتي كانوا يكنزون.

قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً بالسّيف «خامدين» لا تبقى منهم عين تطرف.

وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ‏ (16)، و إنّما خلقناها مشحونة بضروب البدائع، تبصرة للنّظّار، و تذكرة لذوي الاعتبار، و تسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش و المعاد. فينبغي ان يتسلّقوا بها إلى تحصيل الكمال، و لا يغترّوا بزخارفها، فإنّها سريعة الزّوال.

لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً: ما يتلهّى به و يلعب.

لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا:

قيل‏ (3): من جهة قدرتنا. أو: من عندنا ممّا يليق بحضرتنا من المجرّدات، لا من الأجسام المرفوعة و الأجرام المبسوطة، كعادتكم في رفع السّقوف و تزويقها و تسوية الفرش و تزيينها.

و قيل‏ (4): اللّهو: الولد، بلغة اليمن.

و قيل‏ (5): الزّوجة. و المراد به الرّدّ على النّصارى.

إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ‏ (17) ذلك.

و يدلّ على جوابه الجواب المتقدّم.

و قيل‏ (6): «إن» نافية. و الجملة كالنّتيجة للشّرطيّة.

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ‏:

إضراب من اتّخاذ اللّهو، و تنزيه لذاته من اللّعب. أي: بل من شأننا أن نغلب الحقّ‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 326، ح 7.

(2) المصدر: قال: و ذلك عند قيام القائم.

3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 69.

(6) نفس المصدر و الموضع.

394

الّذي من جملته الجدّ، على الباطل الّذي من عداده اللّهو.

فَيَدْمَغُهُ‏: فيمحقه.

و إنّما استعار لذلك القذف- و هو الرّمي البعيد المستلزم لصلابة المرميّ- و الدّمغ- الّذي هو كسر الدّماغ، بحيث يشقّ غشاءه، المؤدّي إلى زهوق الرّوح- تصويرا لإبطاله به، و مبالغة فيه.

و قرئ‏ (1): «فيدمغه» بالنّصب. و وجهه مع بعده الحمل على المعنى، و العطف على الحقّ.

فَإِذا هُوَ زاهِقٌ‏: هالك.

و الزّهوق: ذهاب الرّوح. و ذكره لترشيح المجاز.

وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ‏ (18): ممّا تصفونه به، ممّا لا يجوز عليه.

و هو في موضع الحال. و «ما» مصدريّة، أو موصولة، أو موصوفة.

و في الكافي‏ (2)، محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الغناء، و قلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- رخّص في أن يقال: جئناكم، جئناكم‏ (3)، حيّونا، حيّونا نحيّكم. (4) فقال: كذبوا. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ- إلى قوله:- وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ‏. ثمّ قال: ويل لفلان ممّا يصف‏ (5). رجل لم يحضر المجلس.

و في محاسن البرقيّ‏ (6) عنه، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرّحمن، رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ليس من باطل‏ (7) يقوم بإزاء الحقّ‏ (8)، إلّا غلب الحقّ الباطل.

و ذلك قول اللّه: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 6/ 433، ح 12.

(3) ليس في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في ع: «جئتونا جئتونا» بدل «حيّونا حيّونا نحيّكم». و في سائر النسخ: «جيئونا، جيئونا».

(5) غير م: وصف.

(6) المحاسن/ 226، ح 152.

(7) ن: الباطل.

(8) المصدر: حقّ.

395

عنه‏ (1)، عن يعقوب بن يزيد، عن رجل، عن الحكم بن مسكين، عن أيّوب بن الحرّ بيّاع الهرويّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أيّوب، ما من أحد إلّا و قد يرد (2) عليه الحقّ، حتّى يصدع قلبه، قبله، أم تركه. و ذلك أنّ اللّه‏ (3) يقول في كتابه: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِ‏ (الآية).

وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ خلقا و ملكا.

وَ مَنْ عِنْدَهُ‏: يعني الملائكة المنزلين منه، لكرامتهم عليه، منزلة المقرّبين عند الملوك.

و هو معطوف على‏ مَنْ فِي السَّماواتِ‏. و إفراده للتّعظيم. أو لأنّه أعمّ منه من وجه.

أو المراد به نوع من الملائكة متعال عن التّبوّؤ في السّماء و الأرض. أو مبتدأ خبره:

لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ‏: لا يتعظّمون عنها.

وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ‏ (19): و لا يعيون منها.

و إنّما جي‏ء بالاستحسار الّذي هو أبلغ من الحسور، تنبيها على أنّ عبادتهم بثقلها و دوامها، حقيق بأن يستحسر منها، و لا يستحسرون.

يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ: ينزّهونه و يعظّمونه دائما.

لا يَفْتُرُونَ‏ (20):

حال من الواو في «يسبّحون». و هو استئناف أو حال من ضمير قبله.

في عيون الأخبار (4) في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في هاروت و ماروت، حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ الملائكة معصومون محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف اللّه- تعالى- فيهم قال اللّه‏ (5)- تعالى- فيهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏. و قال- عزّ و جلّ-: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ‏- إلى قوله:- لا يَفْتُرُونَ‏.

و في كتاب التّوحيد (6) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّ للّه- تبارك و تعالى- ملائكة ليس شي‏ء من أطباق أجسادهم إلّا و هو يسبّح اللّه- عزّ و جلّ-

____________

(1) نفس المصدر/ 276، ح 391.

(2) ن: ير. و المصدر: برز.

(3) ليس في ن.

(4) العيون 1/ 210، ح 1.

(5) التحريم/ 6.

(6) التوحيد/ 280، ح 6.

396

[و يحمّده من ناحيته‏ (1) بأصوات مختلفة. لا يرفعون رؤوسهم إلى السّماء و لا يخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشية للّه- عزّ و جلّ‏] (2).

و عن عليّ بن الحسين‏ (3)- (عليهما السلام)- حديث طويل‏ في صفة خلق العرش، يقول فيه: له ثمانية أركان. على كلّ ركن منها من الملائكة ما لا يحصى عددهم إلّا اللّه- عزّ و جلّ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4) بإسناده إلى داود بن فرقد العطّار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه سئل عن الملائكة: أ ينامون؟ فقال:

ما من حيّ إلّا و هو ينام، خلا اللّه وحده. و الملائكة ينامون.

فقلت: يقول اللّه: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏؟ قال: أنفاسهم تسبيح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5) حديث طويل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- في ذكر ما رأى في المعراج. و فيه قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

ثمّ مررنا بملائكة من ملائكة اللّه- عزّ و جلّ- خلقهم اللّه [كيف شاء، و وضع وجوههم كيف شاء. ليس شي‏ء من أطباق أجسادهم إلّا] (6) و هو يسبّح اللّه و يحمّده من كلّ ناحية بأصوات مختلفة. أصواتهم مرتفعة بالتّحميد و البكاء من خشية اللّه.

فسألت جبرئيل عنهم. فقال: كما ترى خلقوا. إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ. و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها، و لا خفضوها إلى ما تحتها (7) خوف اللّه‏ (8) و خشوعا.

فسلّمت عليهم. فردّوا عليّ إيماء برءوسهم، و لا ينظرون إليّ من الخشوع. فقال لهم جبرئيل: هذا محمّد نبيّ الرّحمة. أرسله اللّه إلى العباد رسولا و نبيّا. و هو خاتم النّبيّين و سيّدهم. أفلا تكلّمونه!؟

قال: فلمّا سمعوا ذلك من جبرئيل، أقبلوا عليّ بالسّلام، و أكرموني. و بشّروني بالخير لي و لأمّتي.

____________

(1) المصدر: ناحية.

(2) ليس في ن.

(3) نفس المصدر/ 326، ح 1.

(4) كمال الدّين/ 666، ح 8.

(5) تفسير القمّي 2/ 7- 8.

(6) ليس في ن.

(7) المصدر: تحتهم.

(8) المصدر: خوفا من اللّه.

397

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)‏- في وصف الملائكة: و يسبّحون‏ (2) لا يسأمون. و لا يغشاهم نوم العيون، و لا سهو العقول، و لا فترة الأبدان، و لا غفلة النّسيان.

أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً: بل اتّخذوا. و الهمزة لإنكار اتّخاذهم.

مِنَ الْأَرْضِ‏:

صفة «آلهة». أو متعلّقة بالفعل، على معنى الابتداء. و فائدتها التّحقير دون التّخصيص.

هُمْ يُنْشِرُونَ‏ (21) الموتى.

و هم، و إن لم يصرّحوا به، لكنّه من لوازم ادّعائهم لها الإلهيّة، فإنّ من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات. و المراد تجهيلهم و التّهكّم بهم. و للمبالغة في ذلك زيد الضّمير الموهم لاختصاص الإنشار بهم.

لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ‏: غير اللّه.

وصف ب «إلّا» لمّا تعذّر الاستثناء، لعدم شمول ما قبلها لما بعدها (3)، و دلالته‏ (4) على ملازمة الفساد، لكون الآلهة فيهما دونه، و المراد ملازمته لكونها مطلقا أو معه، حملا لها على غير، كما استثنى بغير، حملا عليها. و لا يجوز الرّفع على البدل، لأنّه متفرّع على الاستثناء، و مشروط بأن يكون في كلام غير موجب‏ (5).

لَفَسَدَتا: لبطلتا، لما يكون بينها من الاختلاف و التّمانع. فإنّها إن توافقت في المراد، تطاردت عليه القدر. و إن تخالفت فيه، تعاوقت عنه.

____________

(1) النهج/ 41، الخطبة 1.

(2) المصدر: مسبّحون.

(3) أي: إنّما حمل «إلّا» على معنى «غير» و جعل صفة للآلهة لتعذر حمله على الاستثناء لأنّه إخراج شي‏ء عن شي‏ء لو لم يكن الاستثناء به لكان الأوّل داخلا في الثّاني لكنّ الأمر هاهنا ليس كذلك لأنّ آلهة جمع منكور غير محصور فلا يعلم أنّ اللّه داخل فيها أولا.

(4) هذا دليل آخر على جعل «إلّا» بمعنى الصّفة، و توضيحه: أنّه لو جعل «إلّا» بمعنى الاستثناء به لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة يستثنى منها اللّه لفسدتا. فلزم أنّه لو كان فيهما آلهة لم يستثن منها اللّه تعالى لم الآلهة مطلقا، أي: من غير تقييد بأن ليس اللّه تعالى منهم أو بأن يقيّدوا بإدخال اللّه تعالى فيهم. و أمّا إذا جعل «إلّا» بمعنى «غير» لزم الفساد على كلّ حال، إذ المعنى لو كان فيهما آلهة متّصفة بكونهم غير اللّه لزم الفساد.

(5) ليس في ن.

398

في كتاب التّوحيد (1) بإسناده إلى هشام بن الحكم في حديث الزّنديق الّذي أتي أبا- عبد اللّه- (عليه السلام)- و كان من قول أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- له: لا يخلو قولك إنّهما اثنان من أن يكونا قديمين قويّين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّا، و الآخر ضعيفا.

فإن كانا قويّين، فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه، و ينفرد بالتّدبير!؟

و إن زعمت أنّ أحدهما قويّ، و الآخر ضعيف، ثبت أنّه واحد، كما نقول للعجز الظّاهر في الثّاني.

و إن قلت: إنّهما اثنان. لا يخلو من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة، أو متفرّقين من كلّ جهة. فلمّا رأينا الخلق منتظما، و الفلك جاريا، و اختلاف اللّيل و النّهار و الشّمس و القمر، دلّ‏ (2) صحّة الأمر و التّدبير و ائتلاف الأمر [على‏] (3) أنّ المدبّر واحد.

ثمّ يلزمك، إنّ ادّعيت اثنين، فلا بدّ من فرجة بينهما، حتّى يكونا اثنين. فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما. فيلزمك ثلاثة.

فإن ادّعيت ثلاثة، لزمك ما قلنا في الاثنين، حتّى يكون بينهم فرجتان. فيكون خمسا. ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة.

حدّثنا (4) محمّد بن الحسن‏ (5) بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما الدّليل على أنّ اللّه واحد؟ قال: اتّصال التّدبير و تمام الصّنع. كما قال- عزّ و جلّ-: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (6).

____________

(1) التوحيد/ 243- 244، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دلّ على.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 250، ح 2.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(6) في هامش نسخة «م»:

قال صاحب الكشاف: «لو» بمعنى «إن» في أنّ الكلام معه موجب أشهر. قيل: إنّ الغرض محض الملازمة، لأنّ الكلام معه موجب و صرّح به ابن حاجب- أيضا-، فقال: النّفي المعنويّ لا يجري مجرى النّفي اللّفظيّ ألّا ترى! أنّك تقول: أبي القوم إلّا زيدا بالنّصب ليس إلّا. و لو كان النّفي المعنويّ كاللّفظيّ لجاز أبي القوم إلّا زيد فكان المختار و هاهنا أولى إذ النّفي في «أبي» محقّق و في «لو» مقدّر ما بعدها الإثبات و قال المالكيّ في شرح التّسهيل:

فلا يجوز أن يجعل «اللّه» بدلا لأنّ من شرط البدل في الاستثناء صحّة الاستثناء به عن الأوّل و ذلك ممتنع بعد «لو» كما يمتنع بعد لا (هاهنا كلمة لا تقرأ في‏

399

فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ‏ المحيط بجميع الأجسام الّذي هو محلّ التّدابير و منشأ المقادير.

عَمَّا يَصِفُونَ‏ (22) من اتّخاذ الشّريك و الصّاحبة و الولد.

لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ‏، لعظمته و قوّة سلطانه، و تفرّده بالألوهيّة و السّلطنة الذّاتيّة.

وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ (23)، لأنّهم مملوكون مستعبدون.

و الضّمير للآلهة أو للعباد.

و في كتاب التّوحيد (1) بإسناده إلى ابن أذينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: جعلت فداك، ما تقول في القضاء و القدر؟ قال: أقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا جمع العباد يوم القيامة، سألهم عمّا [عهد إليهم، و لم يسألهم عمّا] (2) قضى عليهم.

و بإسناده‏ (3) إلى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-: يا ابن رسول اللّه، إنّا نرى الأطفال منهم من يولد ميّتا. و منهم من يسقط غير تامّ. و منهم من يولد أعمى، أو أخرس، أو أصمّ. و منهم من يموت من ساعته، إذا سقط إلى الأرض. و منهم من يبقى إلى الاحتلام. و منهم من يعمّر حتّى يصير شيخا. فكيف ذلك؟ و ما وجهه؟

فقال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أولى بما يدبّره من أمر خلقه‏

____________

النسخة) حرفا شرط و الكلام معهما موجب أشهر و المشهور بين المتكلّمين برهان التّمانع المشار إليه بقوله- تعالى- لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا تقديره أنّه لو أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع بأن يريد أحدهما حركة زيد و الآخر سكونه لأنّ كلّا منهما في نفسه أمر ممكن و كذا تعلّق الإرادة بكلّ منهما. إذ التّنادّ بين الإرادتين بين المرادين حينئذ إمّا أنّ تحصيل الأمر أن يجتمع الضّدّان، و إلّا فيلزم عجز أحدهما عن الآخر و هو أمارة الحدوث و الإمكان لما فيه من شأنه الاحتجاج فالتّعدّد مستلزم لإمكان التّمانع المستلزم للمحال فيكون حالا هذا التّفضيل ما يقال: أنّ أحدهما إن لم يقدر على مخالفة الآخر لزم عجزه. و إن قدر لزم عجز الآخر و بما ذكرنا يندفع ما يقال: إنّه يجوز أن يتّفقا من غير تمانع، و أن تكون الممانعة و المخالفة لاستلزامهما المحال، و أن يمتنع اجتماع الإرادتين، كإرادة واحد حركة زيد و سكونه معا. من فتوحات الشّيخ البهائيّ- (رحمه اللّه).

(1) التوحيد/ 369، ح 2.

(2) ليس في ن.

(3) نفس المصدر/ 397، ح 13.

400

منهم. و هو الخالق و المالك لهم. فمن منعه التّعمير، فإنّما منعه ما ليس له‏ (1). و من عمّره، فإنّما أعطاه ما ليس له. فهو المتفضّل بما أعطى، و عادل فيما منع و لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏.

قال جابر: فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فكيف لا يسال عمّا يفعل؟

قال: لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة و صوابا، و هو المتكبّر الجبّار، و الواحد القهّار.

فمن وجد في نفسه حرجا في شي‏ء ممّا قضى، كفر. و من أنكر شيئا من أفعاله، جحد.

عن أبي الحسن الرّضا (2)- (عليه السلام)- قال: قال اللّه- تبارك و تعالى-:

يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء. و بقوّتي أدّيت إليّ فرائضي. و بنعمتي قويت على معصيتي‏ (3). جعلتك سميعا بصيرا قويّا. ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ (4).

و ذلك أنّي أولي بحسناتك منك. و أنت أولى بسيّئاتك منّي. و ذلك أنّي أسأل عمّا أفعل، و هم يسألون.

و في عيون الأخبار (5) بإسناده إلى محمّد بن أبي يعقوب البلخيّ قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- فقلت: لأيّ علّة صارت الإمامة في ولد الحسين دون [ولد] (6) الحسن؟

فقال: لأنّ اللّه- تعالى- جعلها في ولد الحسين، و لم يجعلها في ولد الحسن. و اللّه لا يسال عمّا يفعل.

و في كتاب الخصال‏ (7) عن المفضّل بن عمر، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- حديث طويل. و فيه قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه، كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون [ولد] (8) الحسن؟ و هما جميعا ولدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سبطاه و سيّدا شباب أهل الجنّة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ما ليس له من عمره.

(2) التوحيد/ 338، ح 6.

(3) ليس في ع.

(4) النّساء/ 79.

(5) العيون 2/ 80، ح 17.

(6) من المصدر.

(7) الخصال/ 305، ح 84.

(8) من المصدر.

401

فقال- (عليه السلام)-: إنّ موسى و هارون كانا نبيّين مرسلين أخوين، فجعل اللّه النّبوّة في صلب هارون دون صلب موسى- (عليه السلام)- و لم يكن لأحد أن يقول:

لم فعل اللّه ذلك؟

و إنّ الإمامة خلافة [من‏] (1) اللّه- عزّ و جلّ. ليس لأحد أن يقول: لم جعلها في صلب الحسين دون صلب‏ (2) الحسن. لأنّ اللّه هو الحكيم في أفعاله‏ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3) عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول- (عليه السلام)- في أثنائه- و قد ذكر خلقة آدم-:

فاغترف- تبارك و تعالى- غرفة من الماء العذب الفرات. فصلصلها. فجمدت.

ثمّ قال لها: منك أخلق النّبييّن و المرسلين، و عبادي الصّالحين، و الأئمّة المهتدين الدّعاة إلى الجنّة، و أتباعهم إلى يوم القيامة، و لا أبالي. و لا أسال عمّا أفعل و هم يسألون. يعني بذلك خلقه [أنّهم يسألون‏] (4).

و في إرشاد المفيد (5) قال- (رحمه اللّه)- و قد ذكر أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام)-: و ممّا حفظ عنه من موجز القول في العدل قوله لزرارة بن أعين: يا زرارة، أعطيك جملة في القضاء و القدر؟ قال له زرارة: نعم، جعلت فداك. قال: له: إذا كان يوم القيامة، و جمع اللّه الخلائق، سألهم عمّا عهد إليهم، و لم يسألهم عما قضى عليهم.

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:

كرّره استعظاما لكفرهم، و استفظاعا لأمرهم، و تبكيتا و إظهارا لجهلهم. أو ضمّا لإنكار ما يكون لهم مسندا من النّقل إلى إنكار ما يكون لهم دليلا من العقل، على معنى:

أ وجدوا آلهة ينشرون الموتى، فاتّخذوهم آلهة لما وجدوا فيهم من خواصّ الألوهيّة؟ أو وجدوا في الكتب الإلهيّة الأمر بإشراكهم، فاتّخذوهم متابعة للأمر؟

و يعضد ذلك أنّه رتّب على الأوّل ما يدلّ على فساده عقلا. و على الثّاني ما يدلّ على فساده نقلا.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في م و ن.

(3) العلل/ 106، ح 1.

(4) لا يوجد في المصدر.

(5) الإرشاد/ 265.

402

قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏ على ذلك، إمّا من العقل، أو من النّقل. فإنّه لا يصحّ القول بما لا دليل عليه. كيف، و قد تطابقت الحجج على بطلانه عقلا و نقلا!؟

هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي‏ من الكتب السّماويّة، فانظروا هل تجدون فيها إلّا الأمر بالتّوحيد، و النّهي عن الإشراك.

و التّوحيد، لمّا لم يتوقّف على صحّته بعثة الرّسل و إنزال الكتب، صحّ الاستدلال فيه بالنّقل.

و «من معي» أمّته. و «من قبلي» الأمم المتقدّمة. و إضافة الذّكر إليهم، لأنّه عظتهم.

و قرئ‏ (1) بالتّنوين و الإعمال. و به، و ب «من» الجارّة (2)، على أنّ «مع» اسم هو ظرف، كقبل و بعد.

و في مجمع البيان‏ (3): هذا ذِكْرُ [مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ] (4) مَنْ قَبْلِي‏. قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يعني ب ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ‏ (5) ما هو كائن، و ب ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي‏ ما قد كان.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود [النجّار] (7)، عن مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي‏ قال:

ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ‏ عليّ- (عليه السلام)-. و ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي‏ الأنبياء (8) [و الأوصياء] (9)- (عليهم السلام).

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ‏ و لا يميّزون بينه و بين الباطل.

و قرئ‏ (10): «الحقّ»- بالرّفع- على أنّه خبر محذوف وسّط للتّأكيد بين السّبب‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 70.

(2) أي: قرئ بالتنوين و بمن الجارّة على أنّ «مع» اسم كقبل، فكما أنّ «قبل» و شبهه قد يدخل «من» عليه فيقال: من قبلي، كذلك يقال: من معي.

(3) المجمع 4/ 44.

(4) ليس في ن.

(5) يوجد في المصدر بعدها: من معه و.

(6) تأويل الآيات الباهرة 1/ 327، ح 9.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ذكر الأنبياء.

(9) من م. لا يوجد في المصدر أيضا.

(10) أنوار التنزيل 2/ 70.

403

و المسبّب.

فَهُمْ مُعْرِضُونَ‏ (24) عن التّوحيد و اتّباع الرّسول من أجل ذلك.

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏ (25):

تعميم بعد تخصيص. فإنّ‏ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي‏ من حيث إنّه خبر لاسم الإشارة مخصوص بالموجود بين أظهرهم و هو الكتب الثّلاثة.

وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً:

قيل‏ (1): نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه.

سُبْحانَهُ‏:

تنزيه له عن ذلك.

بَلْ عِبادٌ: بل هم عباد من حيث إنّهم مخلوقون و ليسوا بأولاد.

مُكْرَمُونَ‏ (26): مقرّبون.

و فيه تنبيه على مدحض القوم.

و قرئ‏ (2) بالتّشديد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ‏ قال:

هو ما قالت النّصارى إنّ المسيح ابن اللّه. و ما قالت اليهود: عزير ابن اللّه. و قالوا في الأئمّة ما قالوا. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: سُبْحانَهُ‏ [أنفة له‏] (4) بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ‏ يعني هؤلاء الّذين زعموا أنّهم ولد اللّه. و جواب هؤلاء الّذين زعموا ذلك في سورة الزّمر في قوله‏ (5)- عزّ و جلّ-: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ‏.

لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ‏: لا يقولون شيئا حتّى يقوله، كما هو ديدن العبيد المؤدّبين.

و أصله: لا يسبق قولهم قوله‏ (6). فنسب السّبق إليه و إليهم، و جعل القول محلّه و أداته، تنبيها على استهجان السّبق المعرّض به للقائلين على اللّه ما لم يقله. و أنيبت اللّام عن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 70.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 69.

(4) لا يوجد في ع. و في المصدر: إبطالا له.

(5) سورة الزمر/ 4.

(6) ليس في ن.

404

الإضافة، اختصارا و تجافيا عن تكرير الضّمير.

و قرئ‏ (1): «لا يسبقونه»- بالضّمّ- من: سابقته‏ (2) فسبقته‏ (3) أسبقه.

وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏ (27): لا يعلمون قطّ ما لم يأمرهم به.

و في عيون الأخبار (4) في الزّيارة الجامعة للأئمّة- (عليهم السلام)- المنقولة عن الجواد (5)- (عليه السلام)-: السّلام على الدّعاة إلى اللّه- إلى قوله:- و المظهرين لأمر اللّه و نهيه، و عباده المكرمين الّذين‏ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و ألزمهم الحجّة بأن خاطبهم خطابا يدلّ على انفراده و توحيده. و بأنّ لهم أولياء تجري أفعالهم و أحكامهم مجرى فعله، فهم العباد المكرمون‏ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏.

قال السّائل: من هؤلاء الحجج؟ قال: هم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من حلّ محلّه من أصفياء اللّه الّذين قال‏ (7): فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏. الّذين قرنهم اللّه بنفسه و برسوله، و فرض على العباد من طاعتهم، مثل الّذي فرض عليهم منها لنفسه.

و في الخرائج و الجرائح‏ (8) في أعلام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في روايات الخاصّة: اختصم رجل و امرأة إليه. فعلا صوت الرّجل على المرأة. فقال له عليّ- (عليه السلام)-:

اخسأ! و كان خارجيّا. فإذا رأسه رأس الكلب.

فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! صحت بهذا الخارجيّ فصار رأسه رأس الكلاب‏] (9)، فما يمنعك عن معاوية!؟

فقال: ويحك! لو أشاء أن آتي بمعاوية إلى هاهنا على سريره، لدعوت اللّه حتّى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 71.

(2) ليس في م.

(3) ليس في ن.

(4) العيون 2/ 278، ح 1.

(5) بل عن عليّ بن محمّد الهادي- (صلوات اللّه عليهما).

(6) الاحتجاج/ 252.

(7) البقرة/ 115.

(8) الخرائج/ 45.

(9) لا يوجد في ن.

405

فعل، و لكن للّه خزّان، لا على ذهب و لا فضّة، و لكن‏ (1) على أسرار. هذا تدبير اللّه. أما تقرأ: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏

و روي الأصبغ بن نباتة (2) قال: كنّا نمشي خلف عليّ- (عليه السلام)- و معنا رجل من قريش. فقال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قد قتلت الرّجال، و أيتمت الأطفال، و فعلت و فعلت!! فالتفت إليه- (عليه السلام)- و قال: اخسأ! فإذا هو كلب أسود.

فجعل يلوذ به، و يبصبص. فرآه- (عليه السلام)- فرحمه. فحرّك شفتيه. فإذا هو رجل كما كان.

فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين! أنت تقدر على مثل هذا، و يناوئك‏ (3) معاوية!؟ فقال: نحن عباد مكرمون، لا نسبقه بالقول، و نحن بأمره عاملون.

و في شرح الآيات‏ (4) الباهرة: قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن الحسن‏ (5) بن عليّ بن مهزيار قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن عليّ بن حديد، عن منصور بن يونس، عن أبي السّفابح، عن جابر الجعفيّ قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ‏ و أومأ بيده إلى صدره و قال: لا يَسْبِقُونَهُ‏ (الآية).

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ‏: لا يخفى عليه خافية ممّا قدّموا و أخّروا.

و هو كالعلّة لما قبله، و التّمهيد لما بعده. فإنّهم لإحاطتهم بذلك، يضبطون أنفسهم، و يراقبون أحوالهم.

وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ أن يشفع له، مهابة منه.

وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ‏: عظمته و مهابته‏ مُشْفِقُونَ‏ (28): مرتعدون.

و أصل الخشية: خوف‏ (6) مع تعظيم. و لذلك خصّ بها العلماء. و الإشفاق خوف‏ (7) مع‏ (8)

____________

(1) كذا في تفسير الصّافي 3/ 336. و في النسخ و المصدر: و لا انكار.

(2) نفس المصدر/ 58.

(3) ناوأه: عاداه.

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 328، ح 10.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 71. و في النسخ:

الحزن.

(7) من ع.

(8) هكذا في المصدر المذكور. و في ع: «مع خوف» بدل «خوف مع».

406

اعتناء. فإن عدّي بمن، فمعنى الخوف فيه أظهر. و إن عدّي بعلى، فبالعكس.

و في مصباح شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)- في خطبة مرويّة عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و أنّ اللّه اختصّ لنفسه بعد نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بريّته خاصّة علاهم بتعليته، و سما بهم إلى رتبته. و جعلهم الدّعاة بالحقّ إليه، و الأدلّاء بالرّشاد عليه لقرن قرن و زمن زمن.

أنشأهم في القدم قبل كلّ مذروّ و مبروّ أنوارا أنطقها بتحميده، و ألهمها شكره و تمجيده. و جعلها الحجج على كلّ معترف له بملكة الرّبوبيّة و سلطان العبوديّة.

و استنطق بها الخرسات بأنواع اللّغات نجوعا له بأنّه‏ (2) فاطر الأرضين و السّموات.

و أشهدهم‏ (3) خلقه، و ولّاهم ما شاء به من أمره.

جعلهم تراجمة مشيئته، و ألسن إرادته، عبيدا لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏.

و في تهذيب الأحكام‏ (4) بإسناده إلى أبي الحسن الثّالث- (عليه السلام)‏- زيارة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها يقول الزّائر:

يا وليّ اللّه، إنّ لي ذنوبا كثيرة، فاشفع لي إلى ربّك- عزّ و جلّ. فإنّ لك عند اللّه مقاما محمودا. و إنّ لك عند اللّه جاها و شفاعة. و قال اللّه- تعالى-: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏.

و في الكافي‏ (5) مثله سواء.

و في عيون الأخبار (6) بإسناد إلى الحسين بن خالد، عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من لم يؤمن بحوضي، فلا أورده اللّه حوضي. و من لم يؤمن‏ (7) بشفاعتي، فلا أنا له اللّه شفاعتي. ثمّ قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

____________

(1) المصباح/ 697- 698.

(2) المصدر: فانّه.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: أشدّهم.

(4) التهذيب 6/ 28، ح 54.

(5) الكافي 4/ 569، ح 1.

(6) العيون 1/ 112، ح 35.

(7) ليس في س و أ.

407

إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي. فأمّا المحسنون، فما عليهم من سبيل.

قال الحسين بن خالد: فقلت للرّضا- (عليه السلام)- يا ابن رسول اللّه، فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏؟ قال: لا يشفعون إلّا لمن ارتضى اللّه دينه.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الدّين- إلى أن قال- (عليه السلام)-:

و أصحاب الحدود فسّاق، لا مؤمنون، و لا كافرون. لا يخلّدون في النّار، و يخرجون منها يوما. و الشّفاعة جائزة لهم، و للمستضعفين إذ ارتضى اللّه دينهم.

و في كتاب التّوحيد (2): حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمذانيّ‏ (3) قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم‏ (4)، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- حديث طويل، و فيه: فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فالشّفاعة لمن تجب من المذنبين؟

فقال: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر [من أمّتي. فأمّا المحسنون منهم، فما عليهم من سبيل.

قال ابن أبي عمير: فقلت له: يا ابن رسول اللّه، كيف تكون الشّفاعة لأهل الكبائر] (5) و اللّه- تعالى- يقول: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا [لِمَنِ ارْتَضى‏] (6)!؟ و من يرتكب الكبيرة (7)، لا يكون مرتضى! فقال: يا محمّد، ما من مؤمن يرتكب ذنبا، إلّا ساءه ذلك، و ندم عليه. و قد قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كفى بالنّدم توبة. و قال- (عليه السلام)-: من سرّته‏

____________

(1) الخصال/ 603- 608، ح 9.

(2) التوحيد/ 407- 408، ح 6.

(3) كذا في النسخ و المصدر. و في جامع الرواة 1/ 50: أحمد بن زياد بن جعفر الهمذاني- بالذّال المعجمة- ...

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هشام.

(5) لا يوجد في ن.

(6) ليس في ع.

(7) المصدر: الكبائر.

408

حسنته، و ساعته سيّئته‏ (1)، فهو مؤمن. فمن لم يندم على ذنب يرتكبه، فليس بمؤمن، لم تجب‏ (2) له الشّفاعة، و كان ظالما. و اللّه- تعالى- ذكره- يقول‏ (3): ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ‏.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه؟

فقال: يا أبا أحمد، ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي- و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها- إلّا ندم على ما ارتكب. و متى ندم، كان تائبا مستحقّا للشّفاعة. و متى لم يندم عليها، كان مصرّا. و المصرّ لا يغفر له، لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب. و لو كان مؤمنا بالعقوبة (4)، لندم. و قد قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار.

و أمّا قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ فإنّهم لا يشفعون إلّا لمن ارتضى دينه. و الدّين الإقرار بالجزاء على الحسنات و السّيّئات. فمن ارتضى اللّه دينه، ندم على ما ارتكبه من الذّنوب، لمعرفته بعاقبته‏ (5) في القيامة.

وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ‏: من الملائكة، أو من الخلائق.

إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ‏:

يريد به نفي الرّبوبيّة و ادّعاء ذلك عن الملائكة في تهديد المشركين بتهديد مدّعي الرّبوبيّة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله: وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ‏ قال: من زعم أنّه إمام، و ليس بإمام.

كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏ (29): من ظلم بالإشراك و ادّعاء الرّبوبيّة.

أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أو لم يعلموا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: من سرّته حسنة و ساءه سيّئة.

(2) كذا في المصدر. و في م: و من لا تجب. و في سائر النسخ: و من تجب.

(3) غافر/ 18.

(4) ليس في س، أ، ن.

(5) ليس في ن.

(6) تفسير القمّي 2/ 69.

409

و قرأ (1) ابن كثير بغير واو.

أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً: ذات رتق، أو مرتوقتين. و هو: الضّمّ و الالتحام.

قيل‏ (2): أي كانتا شيئا واحدا و حقيقة متّحدة.

فَفَتَقْناهُما بالتّنويع و التّمييز. أو: كانت السّموات واحدة، ففتقت بالتّحريكات المختلفة، حتّى صارت أفلاكا. و كانت الأرضون واحدة، فجعلت باختلاف كيفيّاتها و أحوالها طبقات أو أقاليم.

و قيل‏ (3): كانت بحيث لا فرجة بينهما، ففرج.

و قيل‏ (4): كانَتا رَتْقاً لا تمطر و لا تنبت‏ فَفَتَقْناهُما بالمطر و النّبات. فيكون المراد ب «السّموات» سماء الدّنيا، و جمعها باعتبار الآفاق. أو السّموات بأسرها، على أنّ لها مدخلا في الأمطار. و الكفرة- و إن لم يعلموا ذلك- فهم متمكّنون من العلم به نظرا.

فإنّ الفتق عارض مفتقر الى مؤثّر واجب ابتداء، أو بواسط، أو استفسارا من العلماء و مطالعة الكتب. و إنّما قال: «كانتا» و لم يقل: كنّ، لأنّ المراد جماعة السّموات و جماعة الأرض.

و قرئ‏ (5): «رتقا»- بالفتح- على تقدير: شيئا رتقا، أي: مرتوقا. كالرفض بمعنى المرفوض.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: و روى [بعض أصحابنا] (7) أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- لامتحانه بالسّؤال عنه.

فقال له: جعلت فداك، ما معنى قول اللّه- تعالى-: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما؟ ما هذا الرّتق و الفتق؟

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كانت السّماء رتقا لا تنزل القطر. و كانت الأرض رتقا لا تخرج النّبات. ففتق اللّه السّماء بالقطر. و فتق الأرض بالنّبات.

فانقطع عمرو، و لم يجد اعتراضا و مضى.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 71.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الاحتجاج/ 322- 326.

(7) من المصدر.

410

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجّا، و معه الأبرش الكلبيّ. فلقيا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في المسجد الحرام.

فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا الّذي تزعم الشّيعة أنّه نبيّ من كثرة علمه. فقال الأبرش: لأسألنّه عن مسألة (2) لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ. فقال هشام: وددت أنّك فعلت ذلك.

فلقي الأبرش أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: يا أبا عبد اللّه، أخبرني عن قول اللّه: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما. فما كان رتقهما؟

و ما كان فتقهما؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا أبرش، هو كما وصف نفسه. وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (3)، و الماء على الهواء، و الهواء لا يحدّ. و لم يكن يومئذ خلق غيرهما. و الماء يومئذ عذب فرات.

فلمّا أراد اللّه أن يخلق الأرض، أمر الرّياح. فضربت الماء، حتّى صار موجا. ثمّ أزبد، فصار زبدا واحدا. فجمعه في موضع البيت. ثمّ جعله جبلا من زبد. ثمّ دحا الأرض من تحته. فقال اللّه‏ (4)- تبارك و تعالى-: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً. ثمّ مكث الرّبّ- تبارك و تعالى- ما شاء.

فلمّا أراد أن يخلق السّماء، أمر الرّياح. فضربت البحور، حتّى أزبدتها (5). فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار. فخلق منه السّماء، و جعل فيها البروج و النّجوم، و منازل الشّمس و القمر، و أجراها في الفلك.

و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر. و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب. و كانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب. و لم يكن للأرض أبواب، و هو النّبت، و لم تمطر السّماء عليها فتنبت. ففتق السّماء بالمطر. و فتق الأرض بالنّبات. و ذلك قوله:

____________

(1) تفسير القمي 2/ 69- 70.

(2) المصدر: مسائل.

(3) هود/ 7.

(4) آل عمران/ 96.

(5) المصدر: أزبدت بها.

411

أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.

فقال الأبرش: و اللّه ما حدّثني بمثل هذا الحديث أحد قطّ! أعده عليّ. فأعاده عليه- و كان الأبرش ملحدا- فقال: و أنا أشهد أنّك ابن بنيّ- ثلاث‏ (1) مرّات.

و في روضة الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن داود، عن محمّد بن عطيّة قال: قال رجل من أهل الشّام لأبي جعفر- (عليه السلام)-: يا أبا جعفر، قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: فلعلّك تزعم أنّهما كانتا رتقا ملتزقتين ملتصقتين‏ (3) ففتقت إحداهما (4) من الأخرى؟ فقال: نعم.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: استغفر ربّك. فإنّ قول اللّه- عزّ و جلّ-:

كانَتا رَتْقاً يقول: كانت السّماء رتقا لا تنزل المطر. و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ. فلمّا خلق اللّه- تبارك و تعالى- الخلق، و بثّ فيها من كل دابّة، فتق السّماء بالمطر، و الأرض بنبات الحبّ.

فقال الشّاميّ: أشهد أنّك من ولد الأنبياء، و أنّ علمك علمهم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثّماليّ، و أبو منصور، عن أبي الرّبيع قال: حججنا مع أبي جعفر- (عليه السلام)- في السّنة الّتي كان حجّ فيها هشام بن عبد الملك، و كان معه نافع مولى عمر بن الخطّاب. فقال: يا أبا جعفر، فأخبرني عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.

قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أهبط (6) آدم‏ (7) إلى الأرض و كانت السّماء (8) [رتقا

____________

(1) ليس في س و أ.

(2) الكافي 8/ 94- 95، ح 67.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ملتزقتان ملتصقتان.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أحدهما.

(5) نفس المصدر/ 120- 121، ح 93.

(6) المصدر: لمّا أهبط.

(7) من ع.

(8) المصدر: السموات.

412

لا تمطر شيئا، و كانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا. فلمّا تاب اللّه- عزّ و جلّ- على آدم- صلّى اللّه عليه- أمر السّماء] (1) فتقطّرت بالغمام. ثمّ أمرها، فأرخت عزاليها (2). ثمّ أمر الأرض، فأنبتت الأشجار، و أثمرت الثّمار، و تفيّهت‏ (3) بالأنهار. فكان ذلك رتقها، و هذا فتقها.

فقال نافع: صدقت يا ابن رسول اللّه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (4): قال- (عليه السلام)-: و فتق بعد الارتقاق‏ (5) صوامت أبوابها.

وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏: و خلقنا من الماء كلّ حيوان، لقوله‏ (6):

وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ.

و ذلك لأنّه من أعظم موادّه، و لفرط احتياجه إليه، و انتفاعه به بعينه. أو: صيّر كلّ شي‏ء بسبب من الماء لا يحيا دونه.

و قرئ‏ (7): «حيّا» على أنّه صفة «كلّ» أو مفعول ثان، و الظّرف لغو، و الشّي‏ء مخصوص بالحيوان.

أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏ (30) مع ظهور الآيات!؟

و في كتاب طبّ الأئمّة (8): عبد اللّه بن بسطام قال: حدّثنا إسحاق‏ (9) بن إبراهيم، عن أبي الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال: حضرته يوما، و قد شكا إليه بعض إخواننا فقال: يا ابن رسول اللّه، إنّ أهلي يصيبهم كثيرا هذا الوجع الملعون.

قال: و ما هو؟ قال: وجع الرّأس.

قال: خذ قدحا من ماء، و اقرأ عليه: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏. ثمّ أشربه. فإنّه‏

____________

(1) ليس في ن.

(2) العزالي: جمع العزلاء: مصبّ الماء من الراوية.

(3) أي: فتحت أفواهها. و في المصدر:

«تفهّقت». أي: امتلأت.

(4) النهج/ 128، الخطبة 91.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الارتقاق.

(6) النّور/ 45.

(7) أنوار التنزيل 2/ 71.

(8) طبّ الأئمّة/ 19.

(9) أ، س، ع، م: ابن إسحاق.

413

لا يضرّه- إن شاء اللّه تعالى.

و بإسناده‏ (1) إلى حمّاد بن عيسى يرفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: إذا اشتكى أحدكم وجع الفخذين، فليجلس في تور (2) كبير أو طشت في الماء المسخّن. و ليضع يده عليه، و ليقرأ: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏ قال: نسب كلّ شي‏ء إلى الماء، و لم ينسب الماء إلى غيره‏ (4).

و في تفسير العيّاشي‏ (5): [عن سيف بن عميرة] (6)، عن شيخ من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كنّا عنده. فسأله شيخ فقال: لي وجع و أنا أشرب له النّبيذ. و وصفه له الشّيخ. فقال له: ما يمنعك من الماء الّذي جعل اللّه منه كلّ شي‏ء حيّ!؟ [قال:] (7) لا يوافقني (الحديث).

و في مجمع البيان‏ (8): و روى العيّاشيّ بإسناده‏] (9) عن الحسين بن علوان‏ (10) قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن طعم الماء. فقال له: سل تفقّها، و لا تسأل تعنّتا. طعم الماء طعم الحياة. قال اللّه- سبحانه-: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏.

و في قرب الإسناد (11) للحميريّ بإسناده إلى الحسين بن علوان، عن جعفر (12)- (عليه السلام)- قال: كنت عنده جالسا، إذ جاعه رجل، فسأله عن طعم الماء. و كانوا يظنّون أنّه زنديق.

فأقبل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- يضرب فيه و يصعد. ثمّ قال له: ويلك! طعم الماء طعم الحياة. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏.

____________

(1) نفس المصدر/ 31.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: طور.

(3) تفسير القمّي 2/ 70.

(4) المصدر: و لم يجعل للماء نسبا إلى غيره.

(5) تفسير العيّاشي 2/ 264، ح 45.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

(8) المجمع 4/ 45.

(9) ليس في م.

(10) ع و ن: عن الحسين محبوب، عن علوان.

(11) قرب الإسناد/ 55.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي جعفر.

414

و في مصباح الشّريعة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و قال اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏ (2). فكما أحي به كلّ شي‏ء من نعيم الدّنيا، كذلك بفضله و رحمته حياة (3) القلوب و الطّاعات.

وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ‏ ثابتات. من: رسا الشّي‏ء: إذا ثبت.

أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ‏: كراهة أن تميل بهم و تضطرب.

و قيل‏ (4): أن لا تميد. فحذف «لا» لأمن اللّبس.

وَ جَعَلْنا فِيها للأرض أو الرّواسي‏ فِجاجاً سُبُلًا: مسالك واسعة.

و إنّما قدّم «فجاجا» و هو وصف له، ليصير حالا، فيدلّ على أنّه حين خلقها كذلك. أو ليبدّل منها «سبلا» فيدلّ ضمنا على أنّه خلقها و وسّعها للسّابلة، مع ما يكون فيه من التّوكيد.

لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ (31) إلى مصالحهم.

وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [عن الوقوع بقدرته، أو الفساد و الانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته، أو استراق السّمع بالشّهب.

وَ هُمْ عَنْ آياتِها (5) الدّالّة أحوالها على وجود الصّانع و وحدته، و كمال قدرته و تناهي حكمته الّتي يحسّ ببعضها و يبحث عن بعضها في علمى الطّبيعة و الهيئة، مُعْرِضُونَ‏ (32) غير متفكّرين.

و في نهج البلاغة (6): قال (عليه السلام)‏- بعد ذكره السّموات السّبع-: جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا، و علياهنّ سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): [قوله: وَ جَعَلْنَا السَّماءَ] (8) سَقْفاً مَحْفُوظاً. يعني: من الشّياطين، أي لا يسترقون السّمع.

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ:

بيان لبعض تلك الآيات.

____________

(1) مصباح الشريعة/ 128- 129.

(2) في المصدر و ن بعدها: أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏.

(3) المصدر: جعل حياة.

(4) أنوار التنزيل 2/ 71.

(5) ليس في ن.

(6) النهج/ 41، الخطبة 1.

(7) تفسير القمّي 2/ 70.

(8) ليس في ع و ن.

415

كُلٌّ فِي فَلَكٍ‏، أي: كلّ واحد منهما.

و التّنوين بدل المضاف إليه. و المراد بالفلك الجنس، كقولهم: كساهم الأمير حلّة.

يَسْبَحُونَ‏ (33): يسرعون على سطح الفلك، إسراع السّابح على سطح الماء.

و هو خبر «كلّ». و الجملة حال من‏ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ. و جاز انفرادهما بها لعدم اللّبس‏ (1). و الضّمير لهما، و إنّما جمع باعتبار المطالع، و جعل واو العقلاء، لأنّ السّباحة فعلهم‏ (2).

وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ‏ (34):

قيل‏ (3): نزلت حين قالوا: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ‏ (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): انّه لمّا أخبر اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما يصيب أهل بيته بعده (صلّى اللّه عليه و آله)- و ادّعاء من ادّعى الخلافة دونهم، اغتمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- هذه الآية.

و الفاء لتعلّق الشّرط بما قبله. و الهمزة لإنكاره‏ (6) بعد ما تقرّر ذلك.

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏: ذائقة مرارة مفارقتها جسدها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوما، و قد تبع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال:

كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب! و كأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب! و كأن الّذي نشيّع‏ (8) من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون. ننزلهم أجداثهم، و نأكل تراثهم، كأنّا مخلّدون بعدهم! قد نسينا كلّ واعظة، و رمينا بكلّ جائحة (9).

و في تفسير العيّاشي‏ (10): عن زرارة قال: كرهت أن أسأل أبا جعفر- (عليه السلام)-

____________

(1) أي: جاز جعل الجملة حالا منهما فقط دون غيرهما مع اشتراكهما بين جميع الكواكب لعدم الالتباس و الاشتباه في عدم اختصاصهما بهما إذ من المعلوم أنّ الجملة ليست مخصوصة بهما.

(2) ليس في ع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 72.

(4) الطّور/ 30.

(5) تفسير القمّي 2/ 70.

(6) أي: لإنكار الخلود بعد ما تقرّر أن لا خلود لأحد ممّن قبلك فليس لأحد بعدك أيضا خلود.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في س و م: نسمع. و في سائر النسخ: تسمع.

(9) أي: النازلة، الشدّة. و في المصدر: حايجة.

(10) تفسير العيّاشي 1/ 202، ح 160.

416

عن الرّجعة، و استخفيت ذلك.

قلت: لأسألنّ مسألة لطيفه أبلغ فيها حاجتي، فقلت: أخبرني عمّن قتل أمات؟ قال:

لا، الموت موت، و القتل قتل.

قلت: ما أحد يقتل إلّا و قد مات!؟ فقال: قول اللّه أصدق من قولك. فرّق بينهما في القرآن فقال‏ (1): أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ‏ و قال‏ (2): وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ‏.

و ليس كما قلت يا زرارة! الموت موت، و القتل قتل.

قلت: فإنّ اللّه يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏؟ قال: من قتل، لم يذق الموت. ثمّ قال: لا بدّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت.

وَ نَبْلُوكُمْ‏: و نعاملكم معاملة المختبر بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ: بالبلايا و النّعم، فِتْنَةً: ابتلاء- مصدر من غير لفظه- وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‏ (35) فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصّبر و الشّكر.

في مجمع البيان‏ (3): و روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- مرض. فعاده إخوانه فقالوا: كيف تجدك‏ (4) يا أمير المؤمنين؟ قال: بشرّ. قالوا: ما هذا كلام مثلك! قال: إنّ اللّه يقول: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً. فالخير: الصّحّة و الغنى. و الشّرّ: المرض و الفقر.

وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً:

ما يتّخذونك إلّا هزوا و يقولون:

أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ‏، أي: بسوء.

و إنّما أطلقه، لدلالة الحال. فإنّ ذكر العدوّ لا يكون إلا بسوء.

وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ‏: بالتّوحيد. أو: بإرشاد الخلق ببعث الرّسل و إنزال الكتب رحمة عليهم. أو: بالقرآن.

هُمْ كافِرُونَ‏ (36) منكرون. فهم أحقّ بأن يهزأ بهم.

و تكرير الضّمير للتّأكيد و التّخصيص، و لحيلولة الصّلة بينه و بين الخبر.

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏:

____________

(1) آل عمران/ 144.

(2) آل عمران/ 158.

(3) المجمع 4/ 46.

(4) م و ن: نجدك.

417

كأنّه خلق منه، لفرط استعجاله و قلّة تأنّيه، كقولك: خلق زيد من الكرم. جعل‏ (1) ما طبع عليه بمنزلة المطبوع هو منه، مبالغة في لزومه. و لذلك قيل: إنّه على القلب. و من عجلة مبادرته إلى الكفر و استعجال الوعيد.

قيل‏ (2): إنّه نزلت في النّضر بن الحارث، حين استعجل [العذاب‏] (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: لمّا أجرى اللّه في آدم الرّوح من قدميه، فبلغت إلى ركبتيه، أراد أن يقوم. فلم يقدر. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏.

و في مجمع البيان‏ (5): قيل في «عجل» ثلاث تأويلات. منها أنّ آدم- (عليه السلام)- لمّا خلق و جعلت الرّوح في أكثر جسده، وثب عجلان مبادرا إلى ثمار الجنّة.

و قيل‏ (6): همّ بالوثوب. فهذا معنى قوله: «من عجل». و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

سَأُرِيكُمْ آياتِي‏: نقماتي في الدّنيا- كوقعة بدر- و في الآخرة عذاب النّار.

فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ (37) بالإتيان بها.

و النّهي عمّا جبلت عليه نفوسهم، ليقعدوا بها عن مرادها.

و في نهج البلاغة (7): قال- (عليه السلام)-: إيّاك و العجلة بالأمور قبل أوانها. أو التسقّط (8) فيها عند إمكانها. أو اللّجاجة فيها، إذا تنكّرت. أو الوهن عنها، إذا استوضحت.

فضع كلّ أمر موضعه. و أوقع كلّ أمر (9) موقعه.

و في كتاب الخصال‏ (10) عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: مع التثبّت تكون السّلامة. و مع العجلة تكون النّدامة. و من ابتدأ العمل في غير وقته، كان بلوغه في غير حينه.

و عن عليّ- (عليه السلام)- قال في كلام طويل‏ (11): لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه،

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 72. و في النسخ:

بجعل.

(2) نفس المصدر 2/ 72.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمّي 2/ 71.

(5) المجمع 4/ 47- 48.

(6) نفس المصدر/ 48.

(7) النهج/ 444، الكتاب 53.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: التساقط.

و تسقّط في الخبر: إذا أخذه قليلا. يريد به هنا التهاون.

(9) ع: عمل.

(10) الخصال/ 100، ح 52.

(11) نفس المصدر 2/ 622، من حديث أربعمائة.

418

فتندموا.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ: وقت وعد العذاب، أو القيامة.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (38):

يعنون النّبيّ- عليه الصّلاة و السّلام- و أصحابه- رضي اللّه عنهم.

لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَ لا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏ (39):

محذوف الجواب. و «حين» مفعول [به ل «يعلم»] (1). أي: لو يعلمون الوقت الّذي يستعجلون منه بقولهم: مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ- و هو حين تحيط بهم النّار من كلّ جانب، بحيث لا يقدرون على دفعها، و لا يجدون ناصرا يمنعها- لمّا استعجلوا.

و يجوز أن يترك مفعول «يعلم» و يضمر ل «حين» فعل. بمعنى: لو كان لهم علم لما استعجلوا، يعلمون بطلان ما هم عليه، حين لا يكفّون. و إنّما وضع الظّاهر فيه موضع الضّمير، للدّلالة على ما أوجب لهم ذلك.

بَلْ تَأْتِيهِمْ‏ العدة أو النّار أو السّاعة بَغْتَةً: فجأة- مصدر أو حال. و قرئ‏ (2) بفتح الغين- فَتَبْهَتُهُمْ‏: فتغلبهم، أو تحيّرهم.

و قرئ‏ (3) الفعلان بالياء.

و الضّمير للوعد أو الحين. و كذا الضّمير في قوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها. لأنّ الوعد بمعنى النّار أو العدة، و الحين بمعني السّاعة. و يجوز أن يكون للنّار أو للبغتة.

وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ (40): و لا يمهلون. و فيه تذكير بإمهالهم في الدّنيا.

وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ‏:

تسلية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (41):

وعد له بأنّ ما يفعلونه يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء- (عليهم السلام)- ما فعلوا. يعني جزاءه.

قُلْ‏ يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- للمشركين:

مَنْ يَكْلَؤُكُمْ‏: يحفظكم. بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ‏: من بأسه إن‏

____________

(1) من أنوار التنزيل 2/ 73.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

419

أراد بكم.

و في لفظ «الرّحمن» تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامّة و أنّ اندفاعه بمهلته.

بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ‏ (42) لا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتّى إذا كلئوا منه، عرفوا الكالئ و صلحوا للسّؤال عنه.

أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا: بل ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا، أو من عذاب يكون من عندنا.

و الاضرابان عن الأمر بالسّؤال على التّرتيب. فإنّه عن المعرض الغافل عن الشّي‏ء بعيد، و عن المعتقد لنقيضه أبعد.

لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ‏ (43):

استئناف بإبطال ما اعتقدوه. فإنّ ما لا يقدر على نصر نفسه، و لا يصحبه نصر من اللّه، كيف ينصر غيره!؟

بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ:

إضراب عمّا توهموا، ببيان ما هو الدّاعي إلى حفظهم. و هو الاستدراج و التّمتيع بما قدّر لهم من الأعمار (1). أو عن الدّلالة على بطلانه، ببيان ما أوهمهم ذلك. و هو أنّه- تعالى- متّعهم بالحياة الدّنيا، و أمهلهم حتى طالت أعمارهم. فحسبوا أن لا يزالوا كذلك، و أنّه بسبب ما هم عليه. فلذلك عقّبه بما يدلّ على أنّه أمل كاذب فقال:

أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ‏:

قيل‏ (2): أرض الكفرة.

نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها:

قيل‏ (3): بتسليط المسلمين عليها. و هو تصوير لما يجريه اللّه على أيدي المسلمين.

و في مجمع البيان‏ (4): و قيل: بموت العلماء.

و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام). قال: نقصانها ذهاب العلماء (5).

أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ‏ (44) رسول اللّه و المؤمنين!؟

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 73. و في النسخ:

الأعمال.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر/ 73- 74.

(4) المجمع 4/ 49.

(5) المصدر: عالمها.

420

قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ‏: بما اوحى إليّ.

وَ لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ:

و قرأ (1) ابن عامر: «و لا تسمع» على خطاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و قرئ‏ (2) بالياء، على أنّ فيه ضميره. و إنّما سمّاهم الصّمّ، و وضعه موضع ضميرهم، للدّلالة على تصامّهم و عدم انتفاعهم بما يسمعون.

إِذا ما يُنْذَرُونَ‏ (45):

منصوب ب «يسمع» أو ب «الدّعاء». و التّقييد به، لأنّ الكلام في الإنذار. أو للمبالغة في تصامّهم و تجاسرهم.

وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ: أدنى شي‏ء.

و فيه مبالغات: ذكر المسّ، و ما في النّفحة من معنى القلّة- فإنّ أصل النّفح:

هبوب رائحة الشّي‏ء-، و البناء (3) الدّالّ على المرّة.

مِنْ عَذابِ رَبِّكَ‏: من الّذي ينذرون به.

لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ‏ (46): لدعوا على أنفسهم بالويل، و اعترفوا عليها بالظّلم.

وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ:

قيل‏ (4): أي: العدل. توزن بها صحائف الأعمال.

و قيل‏ (5): وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السّويّ، و الجزاء على حسب الأعمال بالعدل. و إفراد القسط، لأنّه مصدر وصف به للمبالغة.

لِيَوْمِ الْقِيامَةِ: لجزاء يوم القيامة، أو لأهله، أو فيه، كقولك: جئت لخمس خلون من الشّهر.

و في كتاب معاني الأخبار (6) بإسناده إلى هشام [بن سالم‏] (7) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 74.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 74. و في النسخ:

و التاء.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المعاني/ 31- 32، ح 1.

(7) من المصدر.

421

. قال: هم الأنبياء و الأوصياء.

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن إبراهيم الهمدانيّ، يرفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال: الأنبياء و الأوصياء- (عليهم السلام).

فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً من حقّها (2) أو من الظّلم.

وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏، أي: و إن كان العمل أو الظّلم بدر ثقل حبّة.

و رفع‏ (3) نافع «مثقال» على «كان» التّامّة.

أَتَيْنا بِها: أحضرناها.

و قرئ‏ (4): «آتينا» بالمدّ-

و في مجمع البيان‏ (5) عن الصّادق- (عليه السلام)‏ أنّه قرأها- بمعنى: جازينا بها. من الإيتاء، فإنّه قريب من أعطينا. أو من المؤاتاة، فإنّهم أتوه بالعمل، و أتاهم‏ (6) بالجزاء. و «أثبنا»- من الثّواب- و «جئنا».

و الضّمير للمثقال. و تأنيثه لإضافته إلى الحبّة (7).

وَ كَفى‏ بِنا حاسِبِينَ‏ (47) إذ لا مزيد على علمنا و عدلنا.

و في روضة الكافي‏ (8) عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في كلامه في الوعظ و الزّهد: ثمّ رجع القول من اللّه في الكتاب على أهل المعاصي و الذّنوب فقال- عزّ و جلّ-: وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ‏.

فإن قلتم- أيّها النّاس!-: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- إنّما عنى بهذا أهل الشّرك» فكيف ذلك!؟ و هو يقول: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبِينَ‏ (9)!

____________

(1) الكافي 1/ 419، ح 36.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 74. و في النسخ:

حقّه.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 74

(5) المجمع 4/ 50.

(6) كذا في المصدر (أنوار التنزيل). و في النسخ:

أتاه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الجنّة.

(8) الكافي 8/ 74- 75، ح 29.

(9) ع، أ، س: «الآية» بدل «ليوم القيامة ...

422

اعلموا- عباد اللّه- أنّ أهل الشّرك لا تنصب لهم الموازين و لا تنشر لهم الدّواوين، و إنّما يحشرون إلى جهنّم زمرا. و إنّما نصب الموازين و نشر الدّواوين، لأهل الإسلام. فاتّقوا اللّه، عباد اللّه!

و في كتاب التّوحيد (1) حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه‏- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات-:

و أمّا قوله- تبارك و تعالى-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ فهو ميزان العدل. يؤخذ به الخلائق يوم القيامة. يدين اللّه- تبارك و تعالى- الخلق بعضهم من بعض بالموازين.

و في كتاب معاني الأخبار (2) بإسناده إلى هشام [بن سالم‏] (3) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً قال: هم الأنبياء و الأوصياء.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن إبراهيم الهمدانيّ، يرفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ] (5) قال: الأنبياء و الأوصياء- (عليهم السلام).

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ وَ هارُونَ الْفُرْقانَ وَ ضِياءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ‏ (48)، أي:

الكتاب الجامع لكونه فارقا بين الحقّ و الباطل، و «ضياء» يستضاء به في ظلمات الحيرة و الجهالة، و «ذكرا» يتّعظ به المتّقون، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشّرائع.

و قيل‏ (6): الفرقان النّصر.

و قيل‏ (7): فلق البحر.

و قرئ‏ (8): «ضياء» بغير واو، على أنّه حال من القرآن.

الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ‏:

صفة للمتّقين. أو مدح لهم. منصوب أو مرفوع.

____________

حاسبين».

(1) التوحيد/ 268، ح 5.

(2) المعاني/ 31- 32، ح 1. أورد المصنّف (ره) نصّ هذا الحديث و الّذي بعده، في تفسير وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ .... و الظاهر أنّ تكراره هنا من غل النسّاخ.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 1/ 419، ح 36.

(5) ليس في أ.

6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 74.

423

بِالْغَيْبِ‏:

حال من الفاعل أو المفعول.

وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ‏ (49): خائفون.

و في تصدير الضّمير و بناء الحكم عليه مبالغة و تعريض.

وَ هذا ذِكْرٌ- يعني: القرآن- مُبارَكٌ‏: كثير خيره. أَنْزَلْناهُ‏ على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏ (50):

استفهام تقريع و توبيخ.

وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ‏:

الاهتداء لوجوه الصّلاح.

و إضافته ليدّ على أنّه رشد مثله و أنّ‏ (1) له شأنا.

و قرئ‏ (2): «رشده». و هو لغة.

مِنْ قَبْلُ‏:

قيل‏ (3): «من قبل» موسى و هارون، أو محمّد- (عليهم السلام).

و قيل‏ (4): «من قبل» استنبائه، أو بلوغه، حيث قال: إِنِّي وَجَّهْتُ‏ (5).

وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ‏ (51): علمنا أنّه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف و مكارم الخصال.

و فيه إشارة إلى أنّ فعله- تعالى- باختيار و حكمة و أنّه بالجزئيّات.

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ‏:

متعلّق ب «آتينا» أو ب «رشده»، أو بمحذوف. أي: اذكر من أوقات رشده وقت قوله:

ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ‏ (52):

تحقير لشأنها، و توبيخ على إجلالها. فإنّ التمثال‏ (6) صورة لا روح فيها، لا تضرّ و لا

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 74 و في النسخ: أنّه.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) الأنعام/ 79.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 75. و في ع:

التمثيل. و في سائر النسخ: التماثيل.

424

تنفع. و اللّام للاختصاص لا للتّعدية، فإنّ تعدية العكوف بعلى. و المعنى: أنتم فاعلون العكوفة لها. و يجوز أن يؤوّل بعلى، أو يضمّن العكوف معنى العبادة.

و في مجمع البيان‏ (1): روى العيّاشيّ بالإسناد عن الأصبغ بن نباتة أنّ عليّا- (عليه السلام)- مرّ بقوم يلعبون بالشّطرنج. فقال: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ‏

و في عوالي اللّآلى‏ (2): و انّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مرّ بقوم يلعبون بالشّطرنج.

فقال: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ‏

قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ‏ (53) فقلّدناهم.

و هو جواب عمّا لزم الاستفهام من السّؤال عمّا اقتضى عبادتها و حملهم‏ (3) عليها.

قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (54): منحرطون في سلك ضلال لا يحفى على عاقل، لعدم استناد الفريقين إلى دليل و برهان.

قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ‏ (55):

كأنّهم‏ (4) لاستبعادهم تضليل آبائهم، ظنّوا أنّما قاله على وجه الملاعبة، فقالوا: أبجدّ تقوله، أم تلعب به؟

قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ‏:

إضراب عن كونه لاعبا، بإقامة البرهان على ما ادّعاه. و «هنّ» للسّموات و الأرض، أو للتّماثيل. و هو أدخل في تضليلهم و إلزام الحجّة عليهم.

وَ أَنَا عَلى‏ ذلِكُمْ‏ المذكور من التّوحيد مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (56): من المتحقّقين له، و المبرهنين عليه. فإنّ الشاهد من تحقّق الشّي‏ء و حقّقه.

وَ تَاللَّهِ‏:

و قرئ‏ (5) بالباء، على الأصل. و التّاء بدل من الواو المبدلة منها. و فيها تعجّب.

لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ‏: لأجتهدنّ في كسرها.

و لفظ الكيد و ما في التّاء من التّعجّب، لصعوبة الأمر و توقّفه على نوع من الحيل.

بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ‏ (57) إلى عيدكم.

____________

(1) المجمع 4/ 52.

(2) العوالي 1/ 243، ح 166.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 75. و في النسخ:

علمهم.

(4) ليس في س و أ.

(5) أنوار التنزيل 2/ 75.

425

و لعلّه قال ذلك سرّا.

فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً: قطاعا. فعال بمعنى مفعول، كالحطام. من الجذّ، و هو:

القطع.

و قرئ‏ (1) بالكسر. و هو لغة، أو جمع جذيذ، كخفاف و خفيف.

و قرئ‏ (2) بالفتح، و «جذذا» جمع جذيذ، و «جذذا» جمع جذّة.

إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ‏: للأصنام.

كسر غيره و استبقاه‏ (3) و جعل الفأس على عنقه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا إبراهيم جذّ أصنام قومه غضبا للّه- عزّ و جلّ.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد نكّس عن الكعبة ثلاثمائة و ستّين صنما. و نفاها من جزيرة العرب. و أذلّ من عبدها بالسّيف.

و الحديث طويل. أخذت موضع الحاجة.

لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ‏ (58):

لأنّه غلب على ظنّه أنّهم لا يرجعون إلّا إليه، لتفرّده و اشتهاره بعداوة آلهتهم ليحاجّهم بقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‏ فيحجّهم. أو لأنّهم يرجعون إلى الكبير و يسألونه عن كاسرها- إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حلّ العقد- فيبكتهم بذلك. أو إلى اللّه، أي: يرجعون إلى توحيده عند تحقّقهم عجز آلهتهم.

قالُوا حين رجعوا:

مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏ (59) بجرأته على الآلهة الحقيقة بالإعظام. أو: بإفراطه في حطمها. أو: بتوريط نفسه للهلاك.

قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ‏: يعيبهم، و لعلّه فعله.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 75. و في النسخ:

استبقاءه.

(4) الاحتجاج/ 214.

426

و «يذكر» ثاني مفعولي سمع، أو صفة ل «فتى» يصحّحه لأن يتعلّق به السّمع. و هو أبلغ في نسبة الذّكر إليه.

يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ‏ (60): هو إبراهيم‏ (1).

و يجوز رفعه بالفعل. لأنّ المراد به الاسم.

و في عيون الأخبار (2)، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- مع هارون الرّشيد و مع موسى بن المهديّ، حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)‏- لمّا قال له هارون كيف تكونون ذرّيّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أنتم أولاد ابنته؟ بعد ما نقل‏ (3)- (عليه السلام)- آية المباهلة، و احتجّ بها على أنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ جبرئيل قال يوم أحد: يا محمّد، إنّ هذه لهي المواساة (4) من عليّ قال: لأنّه منّي و أنا منه. فقال جبرئيل: و أنا منكما يا رسول اللّه ثمّ قال: لا فتى إلّا عليّ لا سيف إلّا ذو الفقار (5). فكان كما مدح اللّه- عزّ و جلّ- به خليله- (عليه السلام)- إذ يقول: فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ‏ إنّا- معشر بني عمّك- نفتخر بقول جبرئيل أنّه منّا.

قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ أَعْيُنِ النَّاسِ‏: بمرأى منهم، بحيث تتمكّن صورته في أعينهم، تمكّن الرّاكب على المركوب.

لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ‏ (61) بفعله أو قوله. أو: يحضرون عقوبتنا له.

قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ‏ (62) حين أحضروه.

قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ (63):

قيل‏ (6): أسند الفعل إليه تجوّزا. لأنّ غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له، تسبّب لمباشرته إيّاه. أو تقريرا لنفسه مع الاستهزاء و التّبكيت على أسلوب تعريضيّ. كما لو قال لك من لا يحسن الخطّ فيما كتبته بخطّ رشيق: أ أنت كتبته؟ فقلت: بل كتبته أنت! أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه.

____________

(1) أي: رفع «إبراهيم» لانّه خبر محذوف، تقديره: هو إبراهيم.

(2) العيون 1/ 69- 70، ح 9.

(3) كذا في نور الثقلين 3/ 433، ح 83. و في النسخ: فقد.

(4) س، م: المؤاخاة.

(5) المصدر:

لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا عليّ.

(6) أنوار التنزيل 2/ 76.

427

و قيل‏ (1):، أسند إلى ضمير «فتى» أو «إبراهيم». و قوله: «كبيرهم هذا» مبتدأ و خبر، و لذلك وقف على فعله.

و ما روي أنّه- (عليه السلام)- قال: «لإبراهيم ثلاث كذبات» تسمية للمعاريض كذبا، لمّا شابهت صورتها صورته. و الأحسن أنّه في المعنى متعلّق بقوله: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ و ما بينهما اعتراض.

روي‏ (2) عن الصّادق- (عليه السلام)‏- أنّه إنّما قال إبراهيم: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏، فكبيرهم فعل. و إن لم ينطقوا، فلم يفعل كبيرهم شيئا. فما نطقوا، و ما كذب إبراهيم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: فلمّا نهاهم إبراهيم- (عليه السلام)- و احتجّ عليهم في عبادتهم الأصنام، فلم ينتهوا. فحضر عيد لهم. فخرج نمرود و جميع أهل مملكته إلى عيدهم. و كره أن يخرج إبراهيم معه. فوكّله ببيت الأصنام.

فلمّا ذهبوا، عمد إبراهيم- (عليه السلام)- إلى طعام، فأدخله بيت أصنامهم.

فكان يدنو من صنم صنم و يقول له: كل و تكلّم. فإذا لم يجبه، أخذ القدّوم، فكسر يده و رجله. حتّى فعل ذلك بجميع الأصنام. ثمّ علّق القدّوم في عنق الكبير منهم الّذي كان في الصّدر.

فلمّا رجع الملك و من معه من العيد، نظروا إلى الأصنام مكسّرة. فقالوا: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ‏ و هو ابن آزر.

فجاءوا به إلى نمرود. فقال نمرود لآزر: خنتني و كتمت هذا الولد عنّي! فقال: أيّها الملك، هذا عمل أمّه. و ذكرت أنّها تقوم‏ (4) بحجّته.

فدعا نمرود أمّ إبراهيم فقال: ما حملك على ما كتمت أمر هذا الغلام، حتّى فعل بآلهتنا ما فعل‏ (5)!؟ فقالت، أيّها الملك، نظرا منّي لرعيّتك. قال: و كيف ذلك!؟ قال:

رأيتك تقتل أولاد رعيّتك، فكان يذهب النّسل. فقلت: إن كان هذا الّذي تطلبه، دفعته إليك، لتقتله و تكفّ عن قتل أولاد النّاس. و إن لم يكن ذلك، بقي لنا ولدنا. و قد ظفرت به، فشأنك. فكفّ عن أولاد النّاس، فصوّب‏ (6) رأيها.

ثمّ قال لإبراهيم: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال إبراهيم:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 72.

(3) نفس المصدر/ 71- 72.

(4) المصدر: و ذكرت أني أتقوم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فعله.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و صوب.

428

فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: و اللّه ما فعله كبيرهم [و ما كذب إبراهيم‏] (1).

فقيل فكيف ذلك؟ فقال: إنّما قال: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، إن نطق. و إن لم ينطق، فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا.

و في كتاب معاني الأخبار (2) بإسناده إلى صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- في قصّة إبراهيم- (عليه السلام)-: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏. قال: ما فعله كبيرهم، و ما كذب إبراهيم- (عليه السلام).

فقلت فكيف ذاك؟ قال: إنّما قال إبراهيم: فَسْئَلُوهُمْ، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏، فكبيرهم فعل. و إن لم ينطقوا، فلم يفعل كبيرهم شيئا. فما نطقوا، و ما كذب إبراهيم- (عليه السلام).

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن الحسن الصّيقل قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّا قد روينا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول يوسف‏ (4): أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏، فقال: و اللّه ما سرقوا، و ما كذب. و قال إبراهيم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏. فقال: و اللّه ما فعلوا، و ما كذب.

قال: فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما عندكم فيها يا صيقل؟ قلت: ما عندنا فيها إلّا التّسليم.

قال: فقال: إنّ اللّه أحبّ اثنين، و أبغض اثنين. أحبّ الخطر (5) فيما بين الصّفين.

و أحبّ الكذب في الإصلاح. و أبغض الخطر في الطّرقات. و أبغض الكذب في غير الإصلاح. إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- إنّما قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا إرادة

____________

(1) ليس في ن.

(2) المعاني/ 209- 210، ح 1.

(3) الكافي 2/ 341- 342، ح 17.

(4) يوسف/ 70.

(5) أي: المتبختر.

429

الإصلاح، و دلالة على أنّهم لا يفعلون. و قال يوسف إرادة الإصلاح.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (1)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن معمّر بن عمر (2)، عن عطاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا كذب على مصلح. ثمّ تلا (3): أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏. ثمّ قال: و اللّه ما سرقوا، و ما كذب. ثمّ تلا: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏. ثمّ قال: و اللّه ما فعلوه، و ما كذب.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الكلام ثلاثة: صدق، و كذب، و إصلاح بين النّاس.

و في روضة الكافي‏ (5): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: قيل لأبي جعفر- (عليه السلام)- و أنا عنده: إنّ سالم بن أبي حفصة و أصحابه، يروون عنك أنّك تكلّم على سبعين وجها لك منها المخرج.

فقال: ما يريد سالم منّي. أ يريد (6) أن أجي‏ء بالملائكة!؟ و اللّه، ما جاءت بهذا النّبيّون! و لقد قال إبراهيم- (عليه السلام)-: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا. و ما فعله، و ما كذب.

فَرَجَعُوا إِلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏: و راجعوا عقولهم.

فَقالُوا: فقال بعضهم لبعض:

إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ‏ (64) بهذا السّؤال و بعبادة ما لا ينطق و لا يضرّ و لا ينفع، لا من ظلمتموه بقولكم: إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏.

ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ رُؤُسِهِمْ‏: انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة.

شبّه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشّي‏ء مستعليا على أعلاه.

____________

(1) نفس المصدر/ 343، ح 22.

(2) المصدر: عمرو.

(3) يوسف/ 70.

(4) نفس المصدر/ 341، ح 16.

(5) الكافي 8/ 100، ح 70.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «أريد» بدل «أ يريد».

430

و قرئ‏ (1): «نكّسوا»- بالتّشديد- و «نكسوا»، أي: نكسوا أنفسهم.

لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ‏ (65)، فكيف تأمر بسؤالها.

و هو على إرادة القول. أي: قائلين مخاطبا لإبراهيم.

قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ‏ (66):

إنكار لعبادتهم لها، بعد اعترافهم بأنّها جمادات لا تنفع و لا تضرّ، فإنّه ينافي الألوهيّة.

أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏:

تضجّر منه على إصرارهم بالباطل البيّن. و «أفّ» صوت المتضجّر. و معنا: قبحا و نتنا. و اللّام لبيان المتأفّف‏ (2) له.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (67) قبح صنيعكم؟

قالُوا: لمّا عجزوا عن المحاجّة، أخذا (3) في المضارّة:

حَرِّقُوهُ‏، فإنّ النّار أهول ما يعاقب به.

وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ‏ بالانتقام لها.

إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏ (68): إن كنتم ناصريها، نصرا مؤزّرا.

قيل‏ (4): القائل رجل من أكراد فارس اسمه «هيون» (5) خسف به الأرض.

و قيل‏ (6): نمرود.

و قيل‏ (7): فجمعا الحطب، حتّى أنّ الرّجل يمرض فيوصي بكذا و كذا من ماله، فيشترى به حطب. و حتّى أنّ المرأة لتغزل فتشتري به حطبا. حتّى بلغوا من ذلك ما أرادوا. فلمّا أرادوا أن يلقوا إبراهيم- (عليه السلام)- في النّار، لم يدروا كيف يلقونه. فجاء إبليس، فدلّهم على المنجنيق. و هو أوّل منجنيق صنعت. فوضعوه فيها. ثمّ رموه.

قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً (8): ذات برد و سلام. أي: ابردي بردا غير ضارّ.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 76.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 76. و في النسخ:

المستأنف.

(3) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: أخذوا.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: هينون.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 54.

(8) يوجد في م و ن بعدها: على إبراهيم.

431

قيل‏ (1): و فيه مبالغات: جعل النّار المسخّرة (2) لقدرته مأمورة مطيعة. و إقامة «كوني ذات برد» مقام «ابردي». ثمّ حذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه.

و قيل‏ (3): نصب «سلاما» بفعله. أي: و سلّمنا سلاما عليه.

قيل‏ (4): و كانت النّار بحالها، لكنّه- تعالى- دفع عنه أذاها، كما [ترى‏] (5) في السّمندر (6). و يشعر به قوله:

عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ (69):

و في الحديث الآتي ما ينافيه:

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) عن الصّادق- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ إبراهيم لمّا ألقي في النّار، قال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد، لمّا أنجيتني منها (8). فجعلها اللّه بردا و سلاما.

و في كتاب المناقب‏ (9) لابن شهر آشوب: و في حديث أبي حمزة الثّماليّ‏ أنّه دخل عبد اللّه بن عمر على زين العابدين- (عليه السلام)- و قال: يا ابن الحسين، أنت الّذي تقول: «إنّ يونس بن متّي إنّما لقي من الحوت ما لقي، لأنّه عرضت عليه ولاية جدّي، فتوقّف عندها»!؟ قال: بلى، ثكلتك أمّك! قال: فأرني آية ذلك، إن كنت من الصّادقين. فأمر بشدّ عينيه‏ (10) بعصابة، و عينيّ بعصابة. ثمّ أمر بعد ساعة بفتح أعيننا. فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه.

فقال ابن عمر: يا سيّدي، ذمّتي‏ (11)، في رقبتك. اللّه [اللّه‏] (12) في نفسي! فقال: (13) هيه‏ (14)

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 76.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: المضجرة.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: السمندل. و هو طائر بالهند لا يحترق بالنّار فيما زعموا. و قيل: نسيج من ريش بعض الطيور.

(7) الاحتجاج/ 47- 48.

(8) المصدر: «آمنتني» بدل «أنجيتني منها».

(9) المناقب 4/ 138- 139.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عينه.

(11) المصدر و ن: دمي.

(12) من المصدر.

(13) ليس في ن.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: هنيئة.

و «هيه» كلمة استزادة من الكلام.

432

و أريه‏ (1) إن كنت من الصّادقين. ثمّ قال: يا أيّتها (2) الحوت! قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم، و هو يقول: لبّيك، لبّيك، يا وليّ اللّه! فقال: من أنت؟ قال: [أنا] (3) حوت يونس يا سيّدي. قال: أنبئنا بالخبر.

قال: يا سيّدي، إنّ اللّه- تعالى- لم يبعث نبيّا من آدم إلى أن صار جدّك محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا و قد عرض عليه ولايتكم أهل البيت. فمن قبلها من الأنبياء، سلم و تخلّص. و من توقّف عنها، و تتعتع في حملها، لقي ما لقي آدم من المعصية (4)، و ما لقى نوح من الغرق، و ما لقي ابراهيم من النّار، و ما لقي يوسف من الجبّ، و ما لقي أيّوب من البلاء، و ما لقي داود من الخطيئة، إلى أن بعث اللّه يونس، فأوحى اللّه إليه أن يا يونس، تولّ أمير المؤمنين.

و في عيون الأخبار (5) عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)-: و إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا وضع في [كفّة] (6) المنجنيق، غضب جبرئيل- (عليه السلام). فأوحى اللّه- تعالى- إليه: ما يغضبك يا جبرئيل؟ فقال: [يا ربّ‏] (7) خليلك- ليس من يعبدك على وجه الأرض غيره- سلّطت عليه عدوّك و عدوّه.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: اسكت! إنّما يعجل الّذي‏ (8) يخاف الفوت مثلك.

فأمّا أنا، فإنّه عبدي، آخذه إذا شئت.

قال: فطابت نفس جبرئيل. فالتفت إلى إبراهيم- (عليه السلام)- فقال: هل لك من حاجة؟ قال: أمّا إليك، فلا! فأهبط اللّه- عزّ و جلّ- عندها (9) خاتما فيه ستّة أحرف: «لا إله إلّا اللّه. محمّد رسول اللّه. لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم. فوّضت أمري إلى اللّه. أسندت ظهري‏

____________

(1) هكذا في المصدر و النسخ. و سيأتي الحديث بتمامه ذيل الآية 87 من نفس السورة، و فيه:

أرنيه.

(2) هكذا في المصدر و النسخ. و في نصّ الحديث الآتي المذكور: أيّها.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المصيبة.

(5) العيون 2/ 55- 56، ح 206.

6 و 7- من المصدر.

(8) المصدر: يعجل العبد الّذي.

(9) المصدر: عنده.

433

إلى اللّه حسبي اللّه». فأوحى اللّه- جلّ جلاله- إليه أن تختّم بهذا الخاتم، فإنّي أجعل النّار عليك بردا و سلاما.

و في كتاب الخصال‏ (1) عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- مثله سواء.

و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و التّطيّر (3) منه و ثقله و أيّ أربعاء هو.

فقال- (عليه السلام)-: آخر أربعاء في الشّهر، و هو المحاق. و فيه قتل قابيل هابيل [أخاه‏] (4). و يوم الأربعاء ألقي إبراهيم في النّار. و يوم الأربعاء وضعوه في المنجنيق.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن داود بن كثير [الرقّي‏] (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: انّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن قتل ستّة: النّحلة، و النّملة، و الضّفدع، و الصّرد، و الهدهد، و الخطّاف- إلى أن قال:

و أمّا الضّفدع، فإنّه لمّا أضرمت‏ (7) النّار على إبراهيم- (عليه السلام)- شكت هوامّ الأرض إلى اللّه- تعالى- و استأذنته أن تصبّ عليها الماء. فلم يأذن اللّه لشي‏ء منها إلّا الضّفدع. فاحترق ثلثاه‏ (8) و بقي الثّلث.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9) بإسناده إلى أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل‏ يذكر فيه القائم- (عليه السلام). و فيه: إذا نشر راية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- انحطّ عليه ثلاثة عشر ألف ملك و ثلاثة عشر ملكا كلّهم ينتظر (10) القائم- (عليه السلام). و هم الّذين كانوا مع نوح- (عليه السلام)- في السّفينة،

____________

(1) الخصال/ 335، ح 36.

(2) العيون 1/ 193، ح 1.

(3) المصدر: و تطيّرنا.

(4) من المصدر.

(5) الخصال/ 327، ح 18.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أضربت.

(8) المصدر: فاحترق منه الثلثان.

(9) كمال الدين/ 672، ح 22.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ينظرون.

434

و الّذين كانوا مع إبراهيم‏ (1) حيث ألقي في النّار.

و بإسناده‏ (2) إلى مفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه الصّادق- (عليه السلام)- قال:

سمعته يقول: أ تدري [ما كان‏] (3) قميص يوسف- (عليه السلام)؟ قال: قلت: لا. قال:

إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا أقدت له النّار، نزل إليه جبرئيل- (عليه السلام)- بالقميص‏ (4)، و ألبسه إيّاه. قلم يضرّه معه حرّ و لا برد.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (5): و روي الواحديّ بالإسناد مرفوعا إلى أنس بن مالك، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [قال:] (6) إنّ نمرود الجبّار لمّا ألقى إبراهيم في النّار، نزل إليه جبرئيل بقميص من الجنّة، و طنفسة (7) من الجنّة. فألبسه القميص، و أقعده على الطّنفسة.

و قعد معه يحدّثه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (8) بإسناده إلى عبد اللّه بن هلال قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لمّا ألقي إبراهيم- (عليه السلام)- في النّار، تلقّاه جبرئيل- (عليه السلام)- في الهواء و هو يهوي. فقال: يا إبراهيم، أ لك حاجة؟ فقال: أمّا إليك، فلا!

و بإسناده‏ (9) إلى محمّد بن أورمة، عن الحسن بن عليّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا ألقي إبراهيم في النّار، أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليها: و عزّتي و جلالي، لئن آذيته، لأعذّبنّك.

و قال: لمّا قال اللّه- عزّ و جلّ-: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ ما انتفع أحد بها ثلاثة أيّام، و ما سخّنت ماءهم.

و في أصول الكافي‏ (10): إسحاق قال: حدّثني الحسن بن ظريف قال:

____________

(1) المصدر: إبراهيم الخليل.

(2) نفس المصدر/ 142، ح 10.

(3) ليس في م.

(4) المصدر: بثوب من ثياب الجنّة.

(5) المجمع 4/ 55.

(6) من المصدر.

(7) الطنفسة: البساط.

(8) العلل/ 36، ح 6.

(9) نفس المصدر، ح 7.

(10) الكافي 1/ 509، ح 13.

435

اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب فيها إلى أبي محمّد. فكتبت أسأله عن القائم إذا قام بما يقضي، و أين مجلسه الّذي يقضي فيه بين النّاس. و أردت أن أسأله عن شي‏ء لحمّى الرّبع. فأغفلت خبر الحمّى. فجاع الجواب:

سألت عن القائم، فإذا قام، قضى بين النّاس بعلمه- كقضاء داود (عليه السلام)- لا يسأل البيّنة.

و كنت‏ (1) أردت أن تسأل الرّبع، فأنسيت. فاكتب في ورقة، و علّقه على المحموم، فإنّه يبرأ بإذن اللّه- إن شاء اللّه-: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏.

فعلّقنا عليه ما ذكر أبو محمّد- (عليه السلام)- فأفاق.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: قولنا إنّ إبراهيم خليل اللّه، فإنّما هو مشتقّ من الخلّة. و الخلّة إنّما معناها: الفقر و الفاقة. و قد كان خليلا إلى ربّه فقيرا، و إليه منقطعا، و عن غيره متعفّفا معرضا مستغنيا.

و ذلك لمّا أريد قذفه في النّار، فرمي به في المنجنيق، فبعث اللّه- عزّ و جلّ- إلى جبرئيل و قال له: أدرك عبدي. فجاءه، فلقيه في الهواء. فقال له: كلّفني ما بدا لك. فقد بعثني اللّه لنصرتك. فقال [إبراهيم‏] (3): حسبي اللّه و نعم الوكيل. إنّي لا أسأل غيره. و لا حاجة لي إلّا إليه. فسمّي‏ (4) خليله، أي: فقيره و محتاجه و المنقطع إليه عمّن سواه.

و عن معمّر بن راشد (5) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن إبراهيم- (عليه السلام)- لمّا ألقي في النّار، قال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد، لمّا أنجيتني منها (6). فجعلها [اللّه عليه‏] (7) بردا و سلاما.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: كتب.

(2) الاحتجاج/ 24.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: فسمّاه.

(5) نفس المصدر/ 47- 48.

(6) المصدر: «آمنتني» بدل «أنجيتني منها».

(7) ليس في المصدر.

436

و روي‏ (1) عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-:

فإنّ إبراهيم- (عليه السلام)- قد أسلمه قومه إلى‏ (2) الحريق، فصبر. فجعل اللّه- عزّ و جلّ- النّار عليه بردا و سلاما. فهل فعل بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- شيئا من ذلك؟

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل بخيبر، سمّته الخيبريّة. فصيّر اللّه السّمّ في جوفه بردا و سلاما إلى منتهى أجله.

فالسّمّ يحرق إذا استقرّ في الجوف، كما أنّ النّار تحرق. فهذا من قدرته لا تنكره.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حجر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خالف إبراهيم- صلّى اللّه عليه- قومه، و عاب آلهتهم- إلى قوله:

فلمّا تولّوا عنه مدبرين إلى عيد لهم، دخل إبراهيم- صلّى اللّه عليه- إلى آلهتهم بقدّوم. فكسرها إلّا كبيرا لهم، و وضع القدّوم في عنقه. فرجعوا إلى آلهتهم، فنظروا إلى ما صنع‏ (4) بها. فقالوا: و اللّه، ما اجترأ عليها، و لا كسرها، إلّا الفتى الّذي [كان يعيبها و يبرأ منها. فلم يجدوا له قتلة أعظم من النّار.

فجمع له الحطب، و استجادوه. حتّى إذا كان اليوم الّذي‏] (5) يحرق فيه، برز له نمرود و جنوده، و قد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النّار.

و وضع إبراهيم- (عليه السلام)- في منجنيق. و قالت الأرض: يا ربّ، ليس على ظهري أحد يعبدك غيره. يحرق بالنّار!؟ قال الرّبّ: إن دعاني، كفيته.

فذكر أبان، عن محمّد بن مروان، عمّن رواه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ دعاء إبراهيم- صلّى اللّه عليه- يومئذ كان: يا أحد يا أحد، يا صمد [يا صمد] (6)، يا من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد. ثمّ قال: توكّلت على اللّه. فقال الرّبّ- تبارك و تعالى-: كفيت. فقال للنّار: كُونِي بَرْداً.

قال: فاضطربت أسنان إبراهيم- صلّى اللّه عليه- من البرد، حتّى قال اللّه‏

____________

(1) نفس المصدر/ 214.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: على.

(3) الكافي 8/ 369- 370، ح 559.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: صنعوا.

(5) ليس في أ.

(6) ليس في س و أ.

437

- عزّ و جلّ-: وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏. و انحطّ جبرئيل- (عليه السلام)- فإذا هو جالس‏ (1) مع إبراهيم- صلّى اللّه عليه- يحدّثه في النّار.

قال نمرود: من اتّخذ إلها، فليتّخذ مثل إله إبراهيم- (عليه السلام).

قال: فقال عظيم من عظمائهم: إنّي عزمت على النّار أن لا تحرقه. فأخذ عنق من النّار نحوه، حتّى أحرقه.

قال: فآمن له لوط، فخرج مهاجرا إلى الشّام هو و سارة و لوط.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، و عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد، جميعا عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ إبراهيم لمّا كسر أصنام نمرود، [أمر به نمرود] (3) فأوثق. و عمل له حيرا (4)، و جمع له فيه الحطب، و ألهب فيه النّار. ثمّ قذف إبراهيم- صلّى اللّه عليه- في النّار، لتحرقه. ثمّ اعتزلوها حتّى خمدت النّار. ثمّ أشرفوا على الحير (5)، فإذا هم بإبراهيم سليما مطلقا من وثاقه.

فأخبر نمرود خبره. فأمرهم أن ينفوا إبراهيم من بلاده، و أن يمنعوه من الخروج بماشيته و ماله. فحاجّهم إبراهيم- (عليه السلام)- عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي و مالي، فإنّ حقّي عليكم أن تردّوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم.

و اختصموا إلى قاضي نمرود. فقضى على إبراهيم أن يسلّم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم. و قضى على أصحاب نمرود أن يردّوا على إبراهيم ما ذهب من عمره في بلادهم.

فأخبر بذلك نمرود. فأمرهم أن يخلّوا سبيله و سبيل ماشيته و ماله، و أن يخرجوه.

و قال: إنّه إن بقي في بلاد لكم، أفسد دينكم، و أضرّ بآلهتكم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً: مكرا في إضراره.

فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ‏ (70): أخسر من كلّ خاسر، لمّا عاد سعيهم برهانا

____________

(1) كذا في المصدر. و في م و ن: يجالس. و في غيرهما: بجالس.

(2) نفس المصدر/ 371، ح 560.

(3) لا يوجد في س و أ.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: جيرا. و الحير:

شبه الحظيرة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الجير.

438

قاطعا على أنّهم على الباطل و إبراهيم على الحقّ، و موجبا لمزيد درجته و استحقاقهم أشدّ العذاب.

وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ (71):

أي: من العراق إلى الشّام. و بركاته العامّة أنّ أكثر الأنبياء بعثوا فيه، فانتشرت في العالمين شرائعهم الّتي هي مبادي الكمالات و الخيرات الدّينيّة و الدّنيويّة.

و قيل‏ (1): كثرة النّعم و الخصب الغالب.

و

في الحديث السّابق المنقول عن تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)- متّصلا بقوله: و إن ينطق و لم يفعل كبيرهم هذا شيئا:

فاستشار [نمرود] (3) قومه في إبراهيم. فقالوا: حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: كان فرعون إبراهيم لغير رشده، و أصحابه لغير رشدهم. فإنّهم قالوا لنمرود. حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏. و كان فرعون‏ (4) موسى و أصحابه لرشدهم‏ (5). فإنّه فمّا استشار أصحابه في موسى- (عليه السلام)- قالوا:

أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ (6) عَلِيمٍ‏. (7) فجلس إبراهيم- (عليه السلام)- و جمع له الحطب. حتّى إذا كان اليوم الّذي ألقى فيه نمرود إبراهيم في النّار، برز نمرود و جنوده، و قد كان بني لنمرود بناء ينظر منه إلى إبراهيم- (عليه السلام)- كيف تأخذه النّار. فجاء إبليس، و اتّخذ لهم المنجنيق. لأنّه لم يقدر أحد أن يتقارب من تلك النّار [عن غلوه سهم و كان الطائر من مسيرة فرسخ يرجع عنها أن يتقارب من النار] (8) و كان الطّائر إذا مرّ في الهواء يحترق.

فوضع إبراهيم- (عليه السلام)- في المنجنيق. و جاء أبوه، فلطمه لطمة و قال له:

ارجع عمّا أنت عليه! و أنزل الرّبّ- تبارك و تعالى- ملائكة إلى السّماء الدّنيا. و لم يبق شي‏ء إلّا طلب‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 77.

(2) تفسير القمّي 2/ 72- 73.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: رشده.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: سحّار.

(7) الأعراف/ 111.

(8) من المصدر.

439

إلى ربّه. و قالت الأرض: يا ربّ، ليس على ظهري يعبدك غير، فيحرق! و قالت الملائكة: [يا ربّ‏] (1) خليلك إبراهيم يحرق! فقال اللّه- عزّ و جلّ-: أما إنّه إن دعاني، كفيته.

و قال جبرئيل- (عليه السلام)-: يا ربّ، خليلك إبراهيم- ليس في الأرض أحد يعبدك غيره-، سلّطت عليه عدوّه يحرقه بالنّار! فقال: اسكت! إنّما يقول هذا عبد مثلك يخاف الفوت. هو عبدي، آخذه إذا شئت. فإن دعاني، أجبته.

فدعا إبراهيم- (عليه السلام)- ربّه بسورة الإخلاص: يا اللّه، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد، نجنّي من النّار برحمتك.

قال: فالتقى معه جبرئيل- (عليه السلام)- في الهواء- و قد وضع في المنجنيق- فقال: يا إبراهيم، هل لك إليّ من حاجة؟ فقال إبراهيم- (عليه السلام)-: أمّا إليك، فلا! و أمّا إلى ربّ العالمين، فنعم. فدفع إليه خاتما عليه مكتوب: «لا إله إلّا اللّه. محمّد رسول اللّه. لا حول و لا قوّة إلّا باللّه‏ (2). فوّضت أمري إلى اللّه [أسندت ظهري إلى اللّه.

حسبي اللّه‏] (3).

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى النّار: كُونِي بَرْداً. فاضطربت أسنان إبراهيم- (عليه السلام)- من البرد. حتّى قال: وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏. و انحطّ جبرئيل- (عليه السلام). و جلس معه يحدّثه في النّار.

و نظر نمرود فقال: من اتّخذ إلها، فليتّخذ مثل إله إبراهيم. فقال عظيم من عظماء أصحاب نمرود: إنّي عزمت على النّار أن لا تحرقه. فخرج عمود من النّار نحو الرّجل، فأحرقه‏ (4). فآمن له لوط. فخرج مهاجرا إلى الشّام.

و نظر نمرود إلى إبراهيم- (عليه السلام)- في روضة خضراء في النّار، و معه شيخ يحدّثه‏ (5). فقال لآزر: [يا آزر] (6) ما أكرم ابنك على ربّه.

____________

(1) ليس في س.

(2) يوجد في أ، س و المصدر بدل العبارة الأخيرة: «الجأت ظهري إلى اللّه. [و- س، أ] أسندت أمري إلى [قوّة- خ. ل من المصدر] اللّه و».

(3) ليس في أ، س و المصدر.

(4) المصدر: فأحرقته.

(5) ليس في أ.

(6) ليس في المصدر.

440

قال: و كان الوزغ ينفخ في نار إبراهيم. و كان الضّفدع يذهب بالماء ليطفئ به النّار.

قال: و لمّا قال اللّه- عزّ و جلّ- للنّار: كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً لم تعمل النّار في الدّنيا ثلاثة أيّام. ثمّ قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ‏.

فقال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏. [يعني:] (1) إلى الشّام و سواد الكوفة.

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً: عطيّة. فهي حال منهما. أو: ولد [ولد] (2).

أو: زيادة على ما سأل. و هو إسحاق. فتختصّ بيعقوب. و لا بأس به للقرينة.

و في كتاب معاني الأخبار (3): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن‏ (4) عيسى بن محمّد، عن عليّ بن مهزيار، عن أحمد بن محمد البزنطيّ، عن يحيى بن عمران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً. قال: ولد الولد نافلة.

وَ كُلًّا- يعني الأربعة- جَعَلْنا صالِحِينَ‏ (72) بأن وفّقناهم للصّلاح، و حملناهم عليه، فصاروا كاملين.

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم.

يَهْدُونَ‏ النّاس إلى الحقّ‏ بِأَمْرِنا لهم بذلك، و إرسالنا (5) إيّاهم حتّى صاروا مكمّلين.

وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ‏ ليحثّوهم‏ (6) عليه، فيتمّ كمالهم بانضمام العمل إلى العلم. و أصله أن تفعل الخيرات ثمّ فعلا الخيرات ثمّ فعل الخيرات و كذلك قوله:

وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ:

و هو من عطف الخاصّ على العامّ للتفضيل. و حذف تاء الإقامة المعوّضة من إحدى الألفين، لقيام المضاف إليه مقامها.

____________

(1) من المصدر.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 77.

(3) المعاني/ 224- 225، ح 1.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أحمد بن محمد عن عيسى.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 77. و في النسخ:

أرسلنا.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ليحثّونهم.

441

وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ‏ (73): موحّدين مخلصين في العبادة. و لذلك قدّم الصّلة.

و في عيون الأخبار (1) عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل في وصف الإمامة و الإمام و ذكر فضل الإمام، يقول فيه- (عليه السلام)-: ثمّ أكرمه اللّه- عزّ و جلّ- بأن جعلها (2) في‏ (3) ذرّيّة و أهل الصّفوة و الطّهارة. فقال- عزّ و جلّ-: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَ جَعَلْناهُمْ‏ (4) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ‏.

لم تزل‏ (5) في ذرّيّته يرثها بعض عن بعض، قرنا فقرنا، حتّى ورثها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال اللّه‏ (6)- جلّ جلاله-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏.

فكانت له خاصّة، فقلّدها [- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- بأمر اللّه- عزّ و جلّ- على رسم ما فرض‏ (7) اللّه- تعالى. فصارت في ذرّيته الأصفياء] (8) الّذين آتاهم اللّه- تعالى- العلم و الإيمان بقوله‏ (9)- تعالى-: قالَ‏ (10) الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ‏.

فهي في ولد عليّ [بن أبي طالب- (عليه السلام)-] (11) خاصّة إلى يوم القيامة، إذ لا نبيّ بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في أصول الكافي‏ (12) مثله سواء.

و في كتاب سعد السّعود (13) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن تفسير أبي العبّاس بن عقدة و عثمان بن عيسى، عن المفضّل، عن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما الصّبر الجميل؟

____________

(1) العيون 1/ 172، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يجعلها.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: و كلّا جعلنا.

(5) المصدر: فلم يزل.

(6) آل عمران/ 68.

(7) المصدر: فرضها.

(8) لا يوجد في س و أ.

(9) الرّوم/ 56.

(10) المصدر: فقال.

(11) ليس في المصدر.

(12) الكافي 1/ 198- 200، ح 1.

(13) سعد السّعود/ 120.

442

قال: ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى النّاس. إنّ إبراهيم بعث يعقوب إلى راهب من الرّهبان عابد من العباد في حاجة. فلمّا رآه الرّاهب، حسبه إبراهيم. فوثب إليه. فاعتنقه فقال: مرحبا بك يا خليل الرّحمن! فقال يعقوب: لست بإبراهيم، و لكنّي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في فضل عليّ و فاطمة- (عليهما السلام). و فيه قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و ارزقهما ذرّية طاهرة طيّبة مباركة. و اجعل في ذرّيّتهما البركة. و اجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك، و يأمرون بما يرضيك.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال:

إنّ الأئمّة في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- إمامان. قال اللّه- تبارك و تعالى-:

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لا بأمر النّاس. يقدّمون ما أمر اللّه قبل أمرهم، و حكم اللّه قبل حكمهم. قال‏ (3): وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يقدّمون أمرهم قبل أمر اللّه، و حكمهم قبل حكم اللّه، و يأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب اللّه.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا. قال أبو جعفر- (عليه السلام)-:

يعني الأئمّة من ولد فاطمة. يوحى إليهم بالرّوح في صدورهم‏ (5). ثمّ ذكر ما أكرمهم اللّه به فقال: فِعْلَ الْخَيْراتِ‏. فعليهم منه أفضل الصلوات و أوفر التّحيّات.

وَ لُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً: حكمة. أو: نبوّة. أو: فصلا بين الخصوم.

وَ عِلْماً بما ينبغي علمه للأنبياء.

____________

(1) المناقب 3/ 356.

(2) الكافي 1/ 216، ح 2.

(3) القصص/ 41.

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 328، ح 12.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: صدرهم.

443

وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ: قرية سدوم.

الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ‏:

يعني: اللّواطة. وصفها بصفة أهلها، أو أسندها إليها، على حذف المضاف و إقامتها مقامه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله: وَ نَجَّيْناهُ‏، يعني: لوطا مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ‏. قال: كانوا ينكحون الرّجال.

إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ‏ (74):

فإنّه كالتّعليل.

وَ أَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا، أي: في أهل رحمتنا. أو: في جنّتنا.

إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (75) الّذين سبقت لهم منّا الحسنى.

وَ نُوحاً إِذْ نادى‏: إذ دعا اللّه على قومه بالهلاك. مِنْ قَبْلُ‏: من قبل المذكورين. فَاسْتَجَبْنا لَهُ‏ دعاءه. فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ‏ (76) من الطّوفان أو أذي قومه. و الكرب: الغمّ الشّديد.

وَ نَصَرْناهُ‏: مطاوع انتصر. أي: جعلناه منتصرا. مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (77)، لاجتماع الأمرين:

تكذيب الحقّ، و الانهماك في الشّرّ. و لعلّهما لم يجتمعا في قوم إلّا و قد أهلكهم اللّه- تعالى.

وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ‏: في الزّرع.

و قيل‏ (2): في كرم تدلّ عنا قيده.

إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ‏: رعته ليلا.

وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ‏ (78): لحكم الحاكمين و المتحاكمين عالمين.

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن المعلّى أبي عثمان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 73.

(2) أنوار التنزيل 2/ 77.

(3) الكافي 5/ 301، ح 2.

444

. فقال:

لا يكون النّفش إلّا باللّيل. إنّ على صاحب الحرث أن يحفظ الحرث بالنّهار، و ليس على صاحب الماشية حفظها بالنّهار. و إنّما رعيها (1) بالنّهار و أرزاقها. فما أفسدت، فليس عليها. و على صاحب‏ (2) الماشية حفظ الماشية باللّيل عن حرث النّاس. فما أفسدت باللّيل، فقد ضمنوا. و هو النّفش.

و إنّ داود- (عليه السلام)- حكم للّذي أصاب زرعه، رقاب الغنم. و حكم سليمان- (عليه السلام)- الرّسل و الثّلّة (3)- و و اللّبن و الصّوف- في ذلك العام.

فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ‏:

الضّمير للحكومة أو الفتوى.

و قرئ‏ (4): «فأفهمناها».

وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً:

في الكافي‏ (5): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عبد اللّه بن بحر، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ‏. قلت:

حين حكما في الحرث كان قضيّة واحدة.

فقال: إنّه كان أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى النّبيّين قبل داود- إلى أن بعث‏ (6) اللّه داود-: أيّ غنم نفشت في الحرث، فلصاحب الحرث رقاب الغنم. و لا يكون النّفش إلّا باللّيل. فإنّ على صاحب الزّرع أن يحفظه بالنّهار. و على صاحب الغنم حفظ الغنم باللّيل.

فحكم داود بما حكمت به الأنبياء- (عليهم السلام)- من قبله. و أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى سليمان- (عليه السلام)-: أيّ غنم نفشت في زرع، فليس لصاحب الزّرع إلّا ما خرج من بطونها.

و كذلك جرت السّنّة بعد سليمان- (عليه السلام). و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: رعاها.

(2) المصدر: أصحاب.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الثلاثة.

(4) أنوار التنزيل 2/ 78.

(5) الكافي 5/ 302، ح 3.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يبعث.

445

وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً. فحكم كلّ واحد منهما بحكم اللّه- عزّ و جلّ.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن محمّد بن الحسين، عن يزيد بن إسحاق شعر، عن هارون بن حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن البقر و الإبل و الغنم، تكون في الرّعي فتفسد شيئا، هل عليها ضمان. فقال: إن أفسدت نهارا، فليس عليها ضمان، من أجل أنّ أصحابه يحفظونه. و إن أفسدت ليلا، فإنّه عليها ضمان.

و في أصول الكافي‏ (2): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن محمّد (3)، عن بكر (4) بن صالح، عن محمّد بن سليمان، عن عيثم‏ (5) بن أسلم، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الإمامة عهد من اللّه- عزّ و جلّ- معهود لرجال مسمّين. ليس للإمام أن يزويها عن الّذي يكون من بعده.

إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أوحى إلى داود- (عليه السلام)- أن اتّخذ وصيّا من أهلك، فإنّه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبيّا إلّا و له وصيّ من أهله.

و كان لداود- (عليه السلام)- [أولاد عدّة، و فيهم غلام كانت أمّه عند داود، و كان لها محبّا. فدخل داود- (عليه السلام)- عليها، حين أتاه الوحي، فقال‏] (6) لها: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحي إليّ يأمرني أن أتّخذ وصيّا من أهلي. فقالت له امرأته: فليكن ابني.

قال: ذلك أريد.

و كان السّابق في علم اللّه المحتوم عنده أنّه سليمان. فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- إلى داود أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري. فلم يلبث داود أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم و الكرم. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى داود أن اجمع ولدك. فمن قضى بهذه القضيّة فأصاب، فهو وصيّك من بعدك.

____________

(1) نفس المصدر/ 301، ح 1.

(2) الكافي 1/ 278، ح 3.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «محمد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن منهال» بدل «عليّ بن محمّد».

(4) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 127. و في م: عمرو. و في غيرها: عمر.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 648. و في م: عثمان. و في غيرها: عثيم.

(6) ليس في م.

446

فجمع داود- (عليه السلام)- ولده. فلمّا أن قصّ‏ (1) الخصمان، قال سليمان- (عليه السلام)-: يا صاحب الكرم، متى دخلت غنم هذا الرّجل كرمك؟ قال: دخلته ليلا.

قال: قد قضيت عليك- يا صاحب الغنم- بأولاد غنمك و أصوافها في عامك هذا.

ثمّ قال له داود: فكيف لم تقض برقاب الغنم، و قد قوّم ذلك علماء بني إسرائيل، فكان‏ (2) ثمن الكرم قيمة الغنم؟ فقال سليمان: إنّ الكرم لم يجتثّ من أصله، و إنّما أكل حمله، و هو عائد في قابل.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى داود: انّ القضاء في هذه القضيّة ما قضى سليمان به.

يا داود! أردت أمرا، و أردنا أمرا غيره. فدخل داود على امرأته فقال: أردنا أمرا، و أراد اللّه أمرا غيره. و لم يكن إلّا ما أراد اللّه- عزّ و جلّ. فقد رضينا بأمر اللّه- عزّ و جلّ- و سلّمنا.

و كذلك الأوصياء- (عليهم السلام)- ليس لهم أن يتعدّوا بهذا الأمر، فيجاوزون صاحبه إلى غيره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن عبد اللّه بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان في بني إسرائيل رجل له كرم‏ (4). و نفشت فيه غنم رجل آخر (5) باللّيل و قضمته‏ (6) و أفسدته. فجاء صاحب الكرم إلى داود، فاستعدى على صاحب الغنم. فقال داود- (عليه السلام)-: اذهبا إلى سليمان- (عليه السلام)- ليحكم بينكما.

فذهبا إليه. فقال سليمان- (عليه السلام)-: إن كان الغنم أكلت الأصل و الفرع، فعلى صاحب الغنم أن يدفع إلى صاحب الكرم الغنم و ما في بطنها. و إن كانت ذهبت بالفرع، و لم تذهب بالأصل، فإنّه يدفع ولدها إلى صاحب الكرم.

و كان هذا حكم داود، و إنّما أراد أن يعرّف بني إسرائيل أنّ سليمان وصيّه بعده.

و لم يختلفا في الحكم. و لو اختلف حكمهما، لقال: كنّا لحكمهما شاهدين.

____________

(1) كذا في المصدر. و في ع: «اربص» بدل «أن قصّ». و في غيرها: «اقتصّ».

(2) المصدر: و كان.

(3) تفسير القمّي 2/ 73- 74.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و كان له كرم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «الغنم» بدل «غنم رجل آخر».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قصمته.

447

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): روى جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ‏ قال: لم يحكما. إنّما كانا يتناظران، ففهّمناها سليمان.

و روى الوشّاء (2)، عن أحمد بن عمر الحلبيّ قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ‏. قال: كان حكم داود- (عليه السلام)- رقاب الغنم. و الّذي فهّم اللّه- عزّ و جلّ- سليمان أنّ الحكم لصاحب الحرث باللّبن و الصّوف ذلك العام كلّه.

و

في مجمع البيان‏ (3): و اختلف في الحكم الذي حكما به: فقيل: إنّه كان كرما قد بدت عنا قيده. فحكم داود بالغنم لصاحب الكرم. فقال سليمان: غير هذا- يا نبيّ اللّه- أرفق‏ (4). قال: [و ما ذاك؟] (5) قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتّى يعود كما كان. و يدفع‏ (6) الغنم إلى صاحب الكرم، فيصيب منها، حتّى إذا عاد الكرم كما كان. ثمّ دفع‏ (7) كلّ واحد منهما إلى صاحبه ماله. و روي ذلك عن أبي جعفر [و أبي عبد اللّه‏] (8)- (عليهما السلام).

وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ‏: يقدّسن اللّه معه.

و قيل‏ (9): بلسان الحال. أو بصوت يتمثّل له. أو يخلق اللّه فيها الكلام.

و قيل‏ (10): يسرن معه. من السّباحة.

و هو حال أو استئناف لبيان‏ (11) وجه التّسخير. و «مع» متعلّقة ب «سخّرنا» أو «يسبّحن».

وَ الطَّيْرَ:

عطف على الجبال. أو مفعول معه.

____________

(1) الفقيه 3/ 57، ح 1.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) المجمع 4/ 57.

(4) ليس في المصدر.

(5) ليس في أ.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فتدفع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تدفع.

(8) ليس في م.

9 و 10- أنوار التنزيل 2/ 78.

(11) ليس في س و أ.

448

و قرئ‏ (1) بالرّفع، على الابتداء، أو العطف على الضّمير، على ضعف.

وَ كُنَّا فاعِلِينَ‏ (79) لأمثاله، فليس ببدع منّا، و إن كان عجيبا عندكم.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2) بإسناد إلى هشام بن سالم، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث يذكر فيه قصّة داود- (عليه السلام)-: انّه خرج يقرأ الزّبور. و كان إذا قرأ الزّبور، لا يبقى جبل و لا حجر و لا طائر إلّا جاوبه‏ (3).

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا داود، بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال‏ (5) معه لخوفه. فقال له عليّ- (عليه السلام)-:

لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو (6) أفضل من هذا. إنّه كان إذا قام إلى الصّلاة، سمع لصدره و جوفه أزيز (7) كأزيز المرجل‏ (8) على الأثافي‏ (9)، من شدّة البكاء. و قد آمنه اللّه- عزّ و جلّ- من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، و يكون إماما لمن اقتدى به.

و لئن سارت الجبال و سبّحت معه، لقد عمل لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما هو أفضل من هذا، إذ كنّا معه على جبل حراء، إذ تحرّك الجبل، فقال له: قرّ! قليس عليك إلّا نبيّ أو صدّيق شهيد. فقرّ الجبل مجيبا (10) لأمره، منتهيا إلى طاعته.

و لقد مررنا معه بجبل و إذا الدّموع تخرج من بعضه. فقال له [النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (11) يبكيك يا جبل؟ فقال: يا رسول اللّه، كان المسيح مرّ بي، و هو يخّوف النّاس بنار وقودها النّاس و الحجارة. فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة. قال له: لا تخفف.

تلك الحجارة الكبريت. فقرّ الجبل و سكن و هدأ، و أجاب لقوله.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كمال الدين/ 524، ح 6.

(3) المصدر: جاوبته.

(4) الاحتجاج/ 219- 220.

(5) المصدر: الجبل.

(6) ليس في المصدر.

(7) أي: خنين من الجوف. و هو صوت البكاء.

و قيل: هو أن يجيش جوفه و يغلي بالبكاء.

و في المصدر: أريز كأريز.

(8) المرجل: القدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: الإناء.

و الأثافي: الأحجار الّتي يوضع عليها القدر.

(10) المصدر: مطيعا.

(11) من المصدر.

449

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب، عن كتاب الإرشاد للزّهريّ: قال سعيد بن المسيّب: كان النّاس لا يخرجون إلى‏ (2) مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين- (عليهما السلام).

فخرج، و خرجت معه. فنزل في بعض المنازل. فصلّى ركعتين، فسبّح‏ (3) في سجوده. فلم يبق شجر و لا مدر إلّا سبّحوا معه. ففزعت منه. فرفع رأسه فقال: يا سعيد، أفزعت؟ قلت:

نعم يا ابن رسول اللّه. فقال: هذا التّسبيح الأعظم.

و في رواية سعيد بن المسيّب‏ (4) قال: كان القوم‏ (5) لا يحجّون حتّى يحجّ زين العابدين- (عليه السلام). و كان يتّخذ لهم السّويق الحلو و الحامض، و يمنع نفسه. فسبق يوما إلى الرّحل. فألفيته‏ (6) و هو ساجد. فو الّذي نفس سعيد بيده، لقد رأيت الشّجر و المدر و الرّحل و الرّاحلة يردّون عليه مثل كلامه.

وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ: عمل الدّرع. و هو في الأصل اللّباس. قال:

ألبس لكلّ حالة لبوسها* * * إمّا نعيمها و إمّا بؤسها

لَكُمْ‏:

متعلّق ب «علّمنا». أو صفة ل «لبوس».

لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ‏:

بدل منه، بدل الاشتمال، بإعادة الجارّ. و الضّمير ل «داود» أو ل «لبوس».

و قرئ‏ (7) بالتّاء للصّنعة أو للبوس على تأويل الدرع.

و قرئ‏ (8) بالنّون.

فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ‏ (80) ذلك؟

أمر أخرجه في صورة الاستفهام، للمبالغة و التّقريع.

و في الكافي‏ (9): أحمد بن أبي عبد اللّه، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرّة،

____________

(1) المناقب 4/ 136.

(2) المصدر: من.

(3) المصدر: سبّح.

(4) نفس المصدر/ 136- 137.

(5) المصدر: «كان القراء» بدل «قال: كان القوم».

(6) أي: وجدته. و في م: فألقيته. و في ن:

فلقيته.

(7) أنوار التنزيل 2/ 78.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) الكافي 5/ 74، ح 5.

450

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: انّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى داود- (عليه السلام)- إنّك نعم العبد، لولا أنّك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا.

قال: فبكى داود- (عليه السلام)- أربعين صباحا. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى الحديد أن لن لعبدي داود- (عليه السلام). فألان اللّه- عزّ و جلّ- له الحديد. فكان يعمل في كلّ يوم درعا، فيبيعها بألف درهم. فعمل ثلاثمائة و ستّين درعا، فباعها بثلاثمائة و ستّين ألفا، و استغنى عن بيت المال.

وَ لِسُلَيْمانَ‏: و سخّرنا له.

قيل‏ (1): و لعلّ اللّام فيه دون الأوّل، لأنّ الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له، و في الأوّل أمر يظهر في الجبال و الطّير مع داود بالإضافة إليه.

الرِّيحَ عاصِفَةً: شديدة الهبوب، يقطع مسافة كثيرة في مدّة يسيرة. كما قال‏ (2):

«غدوّها شهر و رواحها شهر».

قيل‏ (3): و كانت رخاء في نفسها (4) طيّبة.

و قيل‏ (5): كانت رخاء تارة و عاصفة أخرى، حسب إرادته.

تَجْرِي بِأَمْرِهِ‏ بمشيئته.

حال ثانية. أو بدل من الأولى. أو حال من ضميرها.

إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها:

قيل‏ (6): إلى الشّام رواحا (7) بعد ما سارت به منه‏ (8) بكرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): قال: إلى بيت‏ (10) المقدس و الشّام.

وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عالِمِينَ‏ (81). فنجريها على ما تقتضيه الحكمة.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 78.

(2) سبأ/ 12.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و كان رخاء في نفسه.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر/ 79.

(7) ليس في ع.

(8) كذا في المصدر. و في م: سار منه. و في غيرها: سار به.

(9) تفسير القمّي 2/ 74.

(10) م: البيت.

451

وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ‏ في البحار، و يخرجون نفائسها.

و «من» عطف على «الرّيح». أو مبتدأ خبره ما قبله، و هي نكرة موصوفة.

وَ يَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ‏: و يتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر- كبناء المدن و القصور و اختراع الصّنائع الغريبة- لقوله‏ (1)- تعالى-: يَعْمَلُونَ‏ (2) لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‏.

وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ‏ (82) أن يزيغوا عن أمره، أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلّتهم.

وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ: بأنّي مسنّي الضّرّ.

و قرئ‏ (3) بالكسر، على إضمار القول، أو تضمين النّداء معناه. و الضّرّ- بالفتح- شائع في كلّ ضرر. و بالضّمّ، خاصّ بما هو في النّفس، كمرض و هزال.

وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ (83):

وصف ربّه بغاية الرّحمة، بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها. و اكتفى بذلك عن عرض المطلوب، لطفا في السؤال.

قيل‏ (4): و كان روميّا من ولد عيص بن إسحاق. استنبأه اللّه، و كثّر أهله و ماله.

فابتلاه بهلاك أولاده- بهدم بيت عليهم- و ذهاب أمواله و المرض في بدنه.

و روي‏ (5) أنّ امرأته- ما خير بنت ميشاء بن يوسف، أو رحمة بنت إفراهيم بن يوسف- قالت له يوما (6): لو دعوت اللّه! فقال لها: كم كانت مدّة الرّخاء؟ فقالت:

ثمانين سنة. فقال: أستحي من اللّه أن أدعوه، و ما بلغت مدّة رخائي مدّة بلائي.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ابتلي أيّوب سبع سنين بلا ذنب.

عن جعفر بن محمّد (8)، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: إنّ أيّوب- (عليه السلام)-

____________

(1) سبأ/ 13.

(2) ليس في أ.

(3) أنوار التنزيل 2/ 79.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في أ.

(7) الخصال/ 399، ح 107.

(8) نفس المصدر/ 399- 400، ح 108.

452

ابتلي بغير (1) ذنب. و إنّ الأنبياء (2) معصومون [مطهّرون‏] (3)، لا يذنبون، و لا يزيغون، و لا يرتكبون ذنبا صغيرا و لا كبيرا.

و قال- (عليه السلام)-: إنّ أيّوب مع جميع ما ابتلي به، لم تنتن‏ (4) له رائحة. و لا قبحت له صورة. و لا خرجت منه مدّة من دم و لا قيح. و لا استقذره أحد رآه. و لا استوحش منه أحد شاهده. و لا تدوّد (5) شي‏ء من جسده. و هكذا يصنع اللّه- عزّ و جلّ- بجميع من يبتليه من أنبيائه و أوليائه المكرّمين عليه. و إنّما اجتنبه النّاس، لفقره و ضعفه في ظاهر أمره، لجهلهم. بما له عند ربّه- تعالى ذكره- من التّأييد و الفرج.

و قد قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعظم النّاس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل.

و إنّما ابتلاه [اللّه- عزّ و جلّ-] (6) بالبلاء العظيم الّذي يهون معه على جميع النّاس، لئلّا يدّعوا له‏ (7) الرّبوبيّة، إذا شاهدوا ما أراد اللّه- تعالى ذكره- أن يوصله إليه من عظائم نعمه، مع ما (8) شاهدوه. ليستدلّوا بذلك على أنّ الثّواب من اللّه- تعالى- على ضربين: استحقاق، و اختصاص. و لئلّا يحقّروا (9) ضعيفا لضعفه، و فقيرا لفقره، و لا مريضا لمرضه. و ليعلموا أنّه يسقم من يشاء، و يشفي من يشاء، متى شاء، كيف شاء، بأيّ شي‏ء (10) شاء. و يجعل ذلك عبرة لمن يشاء و شقاوة لمن يشاء [و سعادة لمن يشاء] (11).

و هو- عزّ و جلّ- في جميع ذلك عدل في قضائه، و حكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده إلّا الأصلح‏ (12) لهم. و لا قوّة إلّا باللّه‏ (13).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (14) بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّما كانت بليّة أيّوب الّتي ابتلي بها في الدّنيا، لنعمة أنعم اللّه بها عليه، فأدّى‏

____________

(1) المصدر: من غير.

(2) في المصدر بعدها: لا يدنبون لأنّهم.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: لم ينتن.

(5) المصدر: لا يدود.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: معه.

(8) المصدر: «متى» بدل «مع ما».

(9) المصدر: يحتقروا.

(10) المصدر: سبب.

(11) من المصدر.

(12) س، أ، ن: الأصحّ.

(13) المصدر: و لا قوّة لهم إلّا به.

(14) العلل/ 75، ح 1.

453

شكرها. و كان إبليس في ذلك الزّمان لا يحجب دون العرش.

فلمّا صعد عمل أيّوب بأداء شكر النّعمة، حسده إبليس. فقال: يا ربّ، إنّ أيّوب لم يؤدّ شكر هذه النّعمة، إلّا بما أعطيته من الدّنيا. فلو حلت بينه و بين دنياه، ما أدّى إليك شكر نعمة. [فسلّطني على دنياه حتّى‏ (1) تعلم أنّه لا يؤدّي شكر نعمة] (2). فقال: قد سلّطتك على دنياه. فلم يدع له دنيا و لا ولدا إلّا أهلكه كلّ ذلك‏ (3)، و هو يحمد اللّه- عزّ و جلّ.

ثمّ رجع إليه فقال: يا ربّ، إنّ أيّوب يعلم أنّك ستردّ إليه دنياه الّتي أخذتها منه.

فسلّطني على بدنه [حتّى‏] (4) تعلم أنّه لا يؤدّي شكر نعمة. قال اللّه- عزّ و جلّ-: قد سلّطتك على بدنه، ما عدا عينيه‏ (5) و قلبه و لسانه و سمعه.

فقال أبو بصير: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فانقضّ مبادرا خشية أن تدركه رحمة اللّه- عزّ و جلّ- فتحول بينه و بينه. فنفخ في منخريه من نار السّموم. فصار جسده نقطا نقطا.

حدّثنا أبي‏ (6)- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن أبيه، عن عبد اللّه بن يحيى البصريّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا الحسن الماضي- (عليه السلام)- عن بليّة أيّوب الّتي ابتلي بها في الدّنيا، لأيّ علّة كانت. قال: لنعمة أنعم اللّه عليه بها، فأدّى شكرها- و ذكر كالسّابق إلى قوله: «فتحول بينه و بينه» و يتّصل بذلك:

فلمّا اشتدّ به البلاء، و كان في آخر بليّة (7)، جاءه أصحابه فقالوا له: يا أيّوب! ما نعلم أحدا ابتلي بمثل‏ (8) هذه البليّة إلّا بإسراره بسوء (9). فلعلّك أسررت سوء في الّذي تبدي لنا!

____________

(1) ليس في البحار 12/ 345.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «أهلك كلّ شي‏ء له» بدل «أهلكه كلّ ذلك».

(4) من البحار.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عينه.

(6) نفس المصدر/ 76، ح 5.

(7) المصدر: بليّته.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: قبل.

(9) المصدر: إلّا لسريرة سوء.

454

قال: فعند ذلك ناجى أيّوب ربّه- عزّ و جلّ-: فقال: ربّ ابتليتني‏ (1) بهذه البليّة! و أنت تعلم أنّي لم يعرض لي أمران قطّ، إلّا لزمت أخشنهما على بدني. و لم آكل أكلة قطّ إلّا و على خواني يتيم. فلو أنّ لي منك مقعد الخصيم‏ (2)، لأدليت بحجّتي.

قال: فعرضت له سحابة (3)، فنطق فيها ناطق فقال: يا أيّوب! أدل بحجّتك.

قال: فشدّ عليه مئزده‏ (4) و جثا على ركبتيه و قال: ابتليتني [بهزه البليّة] (5)! و أنت تعلم أنّه لم يعرض لي أمران قطّ، إلّا لزمت‏ (6) أخشنهما على بدني. و لم آكل أكلة قط من طعام، إلّا و على خواني يتيم.

قال: فقيل له: يا أيّوب! من حبّب إليك الطّاعة!؟

قال: فأخذ كفّا من تراب، فوضعه في فيه. ثمّ قال: أنت يا ربّ!

بإسناده‏ (7) إلى الحسن بن‏ (8) الرّبيع، [بن علي الربعيّ‏] (9)، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أبتلى أيّوب- (عليه السلام)- بلا ذنب. فصبر حتّى عيّر. و إنّ الأنبياء لا يصبرون على التّعيير.

و في الكافي‏ (10): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سنان، عن عثمان النّوا، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يبتلي المؤمن بكلّ بليّة، و يميته بكلّ ميتة، و لا يبتليه بذهاب عقله. أما ترى أيّوب- (عليه السلام)- كيف سلّط إبليس على ماله [و ولده‏] (11) و على أهله و على كلّ شي‏ء منه، و لم يسلّطه على عقله!؟ ترك له [ما] (12) يوحّد اللّه- عزّ و جلّ- [به‏] (13).

____________

(1) كذا في المصدر. و في م و ن: «ربّ أبليتني» بدل «فقال ربّ ابتليتني» و في ع: «ابتلتني».

و في س و أ: «أبليتني».

(2) المصدر: الخصم.

(3) كذا في البحار 12/ 346. و في النسخ:

سبحانه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: شراه.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر، س، أ. و في سائر النسخ:

ألزمت.

(7) نفس المصدر/ 75- 76، ح 4.

(8) يوجد في ن.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 3/ 112، ح 10.

(11) من المصدر.

12 و 13- من المصدر.

455

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏.

فقال: يا أبا محمّد، يسلّط- و اللّه- من المؤمن على بدنه، و لا يسلّط على دينه. قد سلّط على أيّوب، فشوّه خلقه، و لم يسلّط على دينه. و قد يسلّط من المؤمنين على أبدانهم، و لا يسلّط على دينهم.

فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ بالشّفاء من مرضه.

وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏:

قيل‏ (2): بأن ولد له ضعف ما كان. أو أحي ولده، و ولد له منهم نوافل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن عيسى بن زياد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عبد اللّه بن بكير و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: أحي اللّه- عزّ و جلّ- له أهله الّذين كانوا قبل البليّة.

و أحي [له أهله‏] (4) الّذين ماتوا و هو في البليّة.

و في روضة الكافي‏ (5): يحيى بن عمران، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية، قلت: ولده كيف أوتي مثلهم معهم؟ قال: أحي اللّه‏ (6) له من ولده الّذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم، مثل الّذين هلكوا يومئذ.

رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدِينَ‏ (84): رحمة على أيّوب و تذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما أثيب. أو: لرحمتنا للعابدين، فإنّا نذكرهم بالإحسان و لا ننساهم.

و في إرشاد المفيد (7)- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل،

____________

(1) الكافي 8/ 288، ح 433. و فيه: علي بن محمّد، عن عليّ بن الحسن، عن منصور بن يونس ...

(2) أنوار التنزيل 2/ 79.

(3) تفسير القمّي 2/ 74.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 8/ 252، ح 354.

(6) ليس في المصدر.

(7) لم نعثر عليه في المصدر. و لكن رواه نور الثقلين 3/ 449، ح 134.

456

يقول فيه- (عليه السلام)-: أنا سيّد الشّيب. و فيّ سنّة من أيّوب.

وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْكِفْلِ‏:

قيل‏ (1): يعني إلياس.

[و قيل: يوشع.] (2) و قيل‏ (3): زكريّاء. سمّي به، لأنّه كان ذا حظّ من اللّه، أو تكفّل منه، أو له ضعف عمل أنبياء زمانه [و ثوابهم‏] (4). و الكفل يجي‏ء بمعنى النّصيب، و الكفالة، و الضّعف.

و في العيون‏ (5) عن الرّضا- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خبر الشّاميّ أنّه يوشع بن نون.

كُلٌ‏: كلّ هؤلاء مِنَ الصَّابِرِينَ‏ (85) على مشاقّ التكاليف و شدائد المصائب.

وَ أَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا، يعني: النّبوّة. أو: نعمة الآخرة.

إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (86): الكاملين في الصّلاح. و هم الأنبياء، فإنّ صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.

وَ ذَا النُّونِ‏: و صاحب الحوت يونس بن متّي‏ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه، لمّا برم لطول دعوتهم و شدّة شكيمتهم و تمادي إصرارهم، مهاجرا عنهم، قبل أن يؤمر به، كما سبق قصّته في سورته.

و قيل‏ (6): وعدهم بالعذاب. فلم يأتهم لميعادهم، بتوبتهم. و لم يعرف الحال، فظنّ أنّه كذبهم، و غضب من ذلك. و هو من بناء المغالبة للمبالغة.

و قرئ‏ (7): «مغضبا».

فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏:

قيل‏ (8): لن نضيّق عليه. أو: لن نقضي عليه بالعقوبة. من القدر. و يعضده أنّه قرئ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 79.

(2) من نفس المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) هكذا في ن و المصدر، و لا يوجد في سائر النسخ. و في م: «و قيل: يوشع ذا» بدل «و ثوابهم و».

(5) العيون 1/ 192، ح 1.

6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 80.

457

مثقّلا. أو: لن تعمل‏ (1) فيه قدرتنا.

و قيل‏ (2): هو تمثيل لحاله بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمرنا. أو خطرة شيطانيّة سبقت إلى وهمه، فسمّيت ظنّا للمبالغة.

و الموافق للتّفسير المنقول عن الأئمّة- (عليهم السلام)- أن «ظنّ» بمعنى «استيقن» و المعنى: انّه استيقن أن لن يضيّق عليه رزقه.

ففي عيون أخبار الرّضا (3) في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون مع أهل الملل و الدّيانات و ما أجاب به عليّ بن [محمّد بن‏] (4) الجهم في عصمة الأنبياء، بإسناده إلى أبي الصّلت الهرويّ قال: لمّا جمع المأمون لعليّ بن موسى الرّضا- (عليهما السلام)- إلى أن حكى قوله- (عليه السلام)-:

و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ إنّما «ظنّ» بمعنى: استيقن أنّ اللّه لن يضيّق عليه رزقه. ألّا تسمع قول اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-:

وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏، أي: ضيّق عليه رزقه. و لو ظنّ أنّ اللّه لا يقدر عليه، لكان قد كفر.

و بإسناده‏ (6) إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام). فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏. فقال الرّضا- (عليه السلام)-:

ذاك يونس بن متّى- (عليه السلام). ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه‏ فَظَنَ‏ بمعنى: استيقن‏ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ (7)، أي: لن نضيّق عليه رزقه- و منه قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏، أي: ضيّق عليه و قتر (8)- فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ‏، أي: ظلمة اللّيل، و ظلمة البحر، و ظلمة بطن الحوت‏ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ بتركي مثل هذه العبادة الّتي قد فرّغتني لها في بطن الحوت. فاستجاب اللّه له‏

____________

(1) م و ن: نعمل. و المصدر: يعمل.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) العيون 1/ 153- 154، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) الفجر/ 16.

(6) نفس المصدر/ 160، ح 1.

(7) ليس في المصدر.

(8) س و أ: «رزقه» بدل «و قتر».

458

[و قال‏] (1)- عزّ و جلّ-: فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ (2).

فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن!

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ قال: أنزله اللّه‏ (4) على أشدّ الأمرين، و ظنّ‏ (5) به أشدّ الظّنّ. و قال: إنّ جبرئيل- (عليه السلام)- استثنى في هلاك قوم يونس، و لم يسمعه يونس.

قلت: ما كان حال يونس لمّا ظنّ أن اللّه لن يقدر عليه؟ قال: كان من أمر شديد.

قلت: و ما كان سببه حتّى ظنّ أن اللّه لن يقدر عليه قال: وكله اللّه إلى نفسه طرفة عين.

قال‏ (6): و حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان‏ (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في بيت أمّ سلمة في ليلتها. ففقدته من الفراش. فدخلّها من ذلك ما يدخل النّساء. فقامت تطلبه في جوانب البيت، حتّى انتهت إليه، و هو في جانب من البيت، قائم رافع يديه يبكي‏ (8)، و هو يقول:

اللّهمّ، لا تنزع منّي صالح ما أعطيتني أبدا. اللّهمّ، لا تشمت بي عدوّا (9) و لا حاسدا أبدا. اللّهمّ، لا تردّني في سوء استنقذتني منه أبدا. اللّهمّ و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا (10).

قال: فانصرفت أمّ سلمة تبكي، حتّى انصرف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لبكائها. فقال لها: ما يبكيك يا أمّ سلمة؟ قالت: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه! و لم لا أبكي!؟ و أنت بالمكان الّذي أنت به من اللّه- و قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر- فتسأله أن لا يشمت بك عدوّا أبدا [و لا حاسدا] (11)! و أن لا يردّك في سوء

____________

(1) من المصدر.

(2) الصّافّات/ 143- 144.

(3) تفسير القمّي 2/ 74- 75.

(4) ليس في المصدر.

(5) س، أ و ن: فظنّ.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: سيار.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: «رافع يده و يبكي».

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عدوّي.

(10) توجه الفقرة الأخيرة في المصدر بعد الفقرة الأولى من دعائه- (صلّى اللّه عليه و آله).

(11) من المصدر.

459

استنقذك منه أبدا! و أن لا ينزع منك‏ (1) صالح ما أعطاك أبدا! و أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبدا! فقال: يا أمّ سلمة! و ما يؤمنني و إنّما و كل اللّه يونس بن متّي إلى نفسه طرفة عين، فكان منه ما كان.

و في رواية أبي الجارود (2) عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً يقول: من أعمال قومه. فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏. يقول: ظنّ أن لن يعاقب بما صنع.

حدّثني‏ (3) أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما ردّ اللّه العذاب إلّا عن قوم يونس. فكان يونس يدعوهم إلى الإسلام، فيأبون ذلك. فهمّ أن يدعو عليهم. و كان فيهم رجلان عابد و عالم. و كان اسم أحدهما مليخا.

و الآخر اسمه روبيل. و كان العابد يشير على يونس بالدّعاء عليهم. و كان العالم ينهاه و يقول: لا تدع‏ (4) عليهم، فإنّ اللّه يستجيب لك، و لا يحبّ هلاك عباده. فقبل قول العابد، و لم يقبل من العالم. فدعا عليهم. فأوحى اللّه إليه يأتيهم العذاب فيه سنة كذا، في شهر كذا، في يوم كذا.

فلمّا قرب الوقت، خرج يونس من بينهم مع العابد، و بقي العالم فيها. فلمّا كان اليوم الّذي نزل العذاب، فقال العالم لهم: [يا قوم‏] (5) افزعوا إلى اللّه، فلعلّه يرحمكم، و يردّ العذاب عنكم. فقالوا: كيف نصنع؟ فقال: اجتمعوا و اخرجوا إلى المفازة. و فرّقوا بين النّساء و الأولاد، و بين الإبل و أولادها، و بين البقر و أولادها، و بين الغنم و أولادها. ثمّ ابكوا و ادعوا. فذهبوا و فعلوا ذلك، و ضحّجوا و بكوا. فرحمهم اللّه، و صرف عنهم العذاب.

[و فرّق العذاب‏] (6) على الجبال، و قد كان نزل و قرب منهم.

فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم اللّه. فرأى الزارعين يزرعون في أرضهم. فقال لهم:

ما فعل قوم يونس؟ قالوا له- و لم يعرفوه-: إنّ يونس دعا عليهم، فاستجاب اللّه له و نزل العذاب عليهم. فاجتمعوا و بكوا و دعوا، فرحمهم اللّه. و صرف ذلك عنهم، و فرّق العذاب على الجبال. فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به. فغضب [يونس‏] (7) و مرّ على وجهه مغاضبا

____________

(1) المصدر: عنك.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر 1/ 317- 318.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: لا تدعو.

5 و 6- ليس في س و أ.

(7) من المصدر.

460

للّه، كما حكى اللّه عنه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ‏: في الظّلمة الشّديدة المتكاثفة. أو: ظلمات بطن الحوت و البحر و اللّيل.

أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ‏: بأن لا إله إلّا أنت.

سُبْحانَكَ‏ أن يعجزك شي‏ء.

إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (87) لنفسي، بالمبادرة إلى المهاجرة.

و في الكافي‏ (1): أحمد بن محمّد العاصمي، عن عليّ بن الحسن التيمليّ‏ (2)، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال له رجل من أهل خراسان بالرّبذة: جعلت فداك، لم أرزق ولدا.

فقال له: إذا رجعت إلى بلادك، فأردت أن تأتي أهلك، فاقرأ إذا أردت ذلك:

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ إلى ثلاث آيات. فإنّك سترزق ولدا- إن شاء اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و سأل بعض اليهود أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه. فقال:

يا يهوديّ، أمّا السّجن الّذي طاف أقطار الأرض بصاحبه، فإنّه الحوت الّذي حبس يونس- (عليه السلام)- في بطنه، فدخل‏ (4) في البحر (5) القلزم. ثمّ خرج إلى بحر مصر. ثمّ [دخل بحر] (6) طبرستان. ثمّ خرج في دجلة الغور (7).

قال: ثمّ مرّت به تحت الأرض، حتّى لحقت بقارون. و كان قارون هلك في أيّام موسى، و وكّل اللّه به ملكا يدخله في الأرض، كلّ يوم قامة [رجل‏] (8). و كان يونس في بطن الحوت يسبّح اللّه و يستغفره. فسمع قارون صوته فقال للملك الموكّل به: أنظرني، فإنّي‏

____________

(1) الكافي 6/ 10، ح 10.

(2) كذا في المصدر. و في م: الشيلمي. و في س، أ، ن: الشيملي. و في ع: السيملي.

(3) تفسير القمّي 1/ 318- 319.

(4) من ع.

(5) المصدر: بحر.

(6) من ع.

(7) المصدر: الغوراء.

(8) من المصدر.

461

أسمع كلام آدميّ. فأوحى اللّه إلى الملك [الموكّل به‏] (1): أنظره. فأنظره. ثمّ قال قارون:

من أنت؟ قال [يونس‏] (2): أنا المذنب العاصي‏ (3) الخاطئ، يونس بن متّي. قال: فما فعل الشّديد الغضب للّه موسى بن عمران؟ قال: هيهات! هلك. قال: فما فعل الرّؤوف الرّحيم على قومه هارون بن عمران؟ قال: هلك. قال: فما فعلت كلثم بنت عمران الّتي كانت سمّيت لي؟ قال: هيهات! ما بقي من آل عمران أحد. فقال قارون: وا أسفا على آل عمران. فشكر اللّه له ذلك، فأمر (4) الملك الموكّل به أن يرفع عنه العذاب أيّام الدّنيا. فرفع عنه.

فلمّا رأى يونس ذلك، نادى في الظّلمات‏ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏. فاستجاب اللّه له، و أمر الحوت أن يلفظه‏ (5). فلفظه‏ (6) على ساحل البحر، و قد ذهب جلده و لحمه. و أنبت اللّه عليه شجرة من يقطين- و هي الدّباء- فأظلّته من الشّمس. فسكن‏ (7).

و فيه أيضا (8): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيّام. و نادى‏ فِي الظُّلُماتِ‏: ظلمة بطن الحوت، و ظلمة اللّيل و ظلمة البحر أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏. فاستجاب له ربّة. فأخرجه‏ (9) الحوت إلى السّاحل. ثمّ قذفه، فألقاه بالسّاحل. و أنبت اللّه عليه شجرة من يقطين. و هو القرع. و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (10) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة- و قد قال: واحدة قد شهر هفوات أنبيائه، بحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغاضبا مذنبا-:

و أمّا هفوات الأنبياء- (عليهم السلام)- و ما بينّه اللّه‏ (11) في كتابه، [و وقوع الكناية من‏

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: فأمر اللّه.

(5) المصدر و أ: تلفظه.

(6) المصدر: فلفظته.

(7) المصدر: فشكر.

(8) نفس المصدر 1/ 319.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: أخرجته.

(10) الاحتجاج/ 249.

(11) ليس في س و أ.

462

أسماء من اجترم أعظم ممّا اجترمته الأنبياء، ممّن شهد الكتاب بظلمهم‏] (1)، فإنّ ذلك من أدلّ الدّلائل على حكمة اللّه- عزّ و جلّ- الباهرة، و قدرته القاهرة، و عزّته الظّاهره.

لأنّه علم‏ (2) أنّ براهين الأنبياء- (عليهم السلام)- تكبر في صدور أممهم، و أنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذكرها دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي انفرد به- عزّ و جلّ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3) عن أبي عبيدة الحذّاء (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال:

سمعته يقول: وجدنا في بعض‏] (5) [كتب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (6) قال: حدّثني [رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (7) أنّ جبرئيل- (عليه السلام)- حدّثه أنّ يونس بن متّى- (عليه السلام)- بعثه اللّه إلى قومه- و ذكر حديثا طويلا يذكر فيه ما فعل قوم يونس، و خروج يونس و تنوخا العابد من بينهم، و نزول العذاب عليهم و كشفه عنهم.

و فيه:

فلمّا رأى قوم يونس أنّ العذاب قد صرف عنهم، هبطوا إلى منازلهم من رؤوس الجبال، و ضمّوا إليهم نساءهم و أولادهم و أموالهم، و حمدوا اللّه على ما صرف عنهم.

و أصبح يونس- (عليه السلام)- و تنوخا يوم الخميس في موضعهما الّذي‏ (8) كانا فيه، لا يشكّان أنّ العذاب قد نزل بهم و أهلكهم جميعا، لمّا خفيت أصواتهم عنهما.

فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع [طلوع‏] (9) الشّمس ينظران‏ (10) إلى ما صار إليه القوم. فلمّا دنوا من القوم و استقبلهم الحطّابون و الحمّارة و الرّعاة بأغنامهم‏ (11)، و نظروا إلى أهل القرية مطمئنّين، قال يونس لتنوخا: يا تنوخا! كذّبني الوحي، و كذبت و عدي لقومي. لا و عزّة ربّي، لا يرون لي وجها أبدا بعد ما كذّبني الوحي.

فانطلق يونس هاربا على وجهه، مغاضبا لربّه، ناحية بحر إيلة متنكّرا (12)، فرارا من‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في م.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 129- 135، ح 44.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الخزاعي.

(5) من المصدر.

(6) ليس في ن.

(7) ليس في م.

(8) المصدر: الّتي.

(9) من المصدر.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: ينظرون.

(11) كذا في المصدر. و في س، أ، ن: بأعناقهم.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: مستنكرا.

463

أن يراه أحد من قومه فيقول له: يا كذّاب! فلذلك قال [اللّه‏] (1): وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ (الآية). و رجع تنوخا إلى القرية.

عن الثّماليّ‏ (2)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ يونس لما آذاه قومه، دعا اللّه عليهم. فأصبحوا أوّل يوم، و وجوههم صفر. و أصبحوا اليوم الثّاني، و وجوههم سود.

و قال: و كان اللّه واعدهم أن يأتيهم العذاب. حتّى نالوه برماحهم. ففرّقوا بين النّساء و أولادهنّ، و البقر و أولادها، و لبسوا المسوح و الصّوف، و وضعوا الحبال في أعناقهم، و الرّماد على رؤوسهم، و ضجّوا ضجّة واحدة إلى ربّهم، و قالوا: آمنّا بإله يونس.

قال: فصرف اللّه العذاب عنهم إلى جبال آمد (3).

قال: و أصبح يونس و هو يظنّ أنّهم هلكوا، فوجدهم في عافية. فغضب، و خرج- كما قال اللّه- مغاضبا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عن معمّر (4) قال: قال‏ (5) أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ يونس لمّا أمره اللّه بما أمره، فأعلم قومه، فأظلّهم العذاب. ففرّقوا بينهم و بين أولادهم، [و بين الإبل و أولادها] (6) و بين البقر و أولادها [و بين الغنم و أولادها] (7). ثمّ عجوّا إلى اللّه، و ضجّوا. فكفّ اللّه العذاب عنهم. فذهب يونس مغاضبا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (8) لابن شهر آشوب: و في حديث أبي حمزة الثّماليّ‏ أنّه دخل عبد اللّه بن عمر على زين العابدين- (عليه السلام)- و قال له: يا ابن الحسين أنت الّذي تقول: «إنّ يونس بن متّي إنّما لقي من الحوت ما لقي لأنّه عرضت عليه ولاية جدّي، فتوقّف عندها»!؟ قال: بلى، ثكلتك أمّك!

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 136، ح 46.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أعد.

قال الحمويّ: آمد- بكسر الميم-: أعظم ديار بكر.

(4) نفس المصدر/ 137، ح 47.

(5) ليس في س، أ، ع.

6 و 7- ليس في ع. و في المصدر بدل هذه الفقرات الثلاث: و بين البهائم و أولادها.

(8) المناقب 4/ 138- 139. أورده المؤلّف (ره) بحذف آخره عند تفسير الآية 69 من نفس السورة أيضا.

464

قال‏ (1): فأرني آية ذلك، إن كنت من الصّادقين فأمر بشدّ عينيه‏ (2) بعصابة، و عينيّ بعصابة. ثمّ أمر بعد ساعة بفتح أعيننا. فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه.

فقال ابن عمر: يا سيّدي، دمي في رقبتك. اللّه اللّه في نفسي! قال: هيه‏ (3) و أرنيه‏ (4) إن كنت من الصّادقين. ثمّ قال: يا أيّها (5) الحوت! قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم، و هو يقول: لبّيك، لبّيك، يا وليّ اللّه! فقال: من أنت؟ قال: [أنا] (6) حوت يونس يا سيّدي، قال: أنبئنا (7) بالخبر.

قال‏ (8): يا سيّدي، إنّ اللّه- تعالى- لم يبعث نبيّا من آدم إلى أن صار جدّك محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا و قد عرض عليه ولايتكم أهل البيت. فمن قبلها من الأنبياء، سلم و تخلّص. و من توقّف عنها، و تتعتع في حملها، لقي ما لقي آدم‏ (9) من المعصية (10)، و ما لقي نوح من الغرق، و ما لقى إبراهيم من النّار، و ما لقي يوسف من الجبّ، و ما لقي أيّوب من البلاء، و ما لقي داود من الخطيئة، إلى أن بعث اللّه يونس فأوحى اللّه إليه أن يا يونس، تولّ أمير المؤمنين عليّا و الأئمّة الرّاشدين من صلبه، في كلام له. قال: فكيف أتولّى من لم أره و لم أعرفه!؟ و ذهب مغاضبا (11).

فأوحى اللّه- تعالى- إليّ أن التقمي يونس، و لا توهني له عظما. فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث‏ (12) ينادي أنّه‏ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏. قد قبلت ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و الأئمّة الرّاشدين من ولده- (عليهم السلام). فلمّا أن أمن بولايتكم، أمرنى ربّي، فقذفته على ساحل البحر.

فقال زين العابدين- (عليه السلام)-: ارجع أيّها الحوت إلى وكرك‏ (13). فرجع‏

____________

(1) ليس في س و أ.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عينه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: هنيئة.

و «هيه» كلمة استزادة من الكلام.

(4) المصدر: أريه.

(5) من ع. و في غيرها و المصدر: أيّتها.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ، ائتنا.

(8) ليس في م.

(9) ليس في ع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: المصيبة.

(11) المصدر: مغتاظا.

(12) المصدر: مئات.

(13) كذا في المصدر. و في ع: فكرك. و في غيرها:

ذكرك.

465

الحوت، و استوى الماء.

و في مصباح شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)- في دعاء يوم الأربعاء: يا من سمع الهمس من ذي النّون في بطن الحوت، في الظّلمات الثّلاث، ظلمة اللّيل، و ظلمة قعر (2) البحر، و ظلمة بطن الحوت.

فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ‏ بأن قذفه الحوت إلى السّاحل بعد أربعين صباحا كان في بطنه.

و قيل‏ (3): بعد أربع ساعات.

و قيل‏ (4): بعد ثلاث ساعات‏ (5). و الغمّ غمّ الالتقام.

و قيل‏ (6): غمّ الخطيئة.

وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ‏ (88) من غموم دعوا اللّه فيها بالإخلاص.

و في الإمام «نجي». و لذلك أخفى الجماعة النّون الثّانية، فإنّها تخفى مع حروف الفم‏ (7)] (8).

و قرأ (9) ابن عامر و أبو بكر بتشديد الجيم، على أن أصله «ننجّي» فحذفت النّون الثّانية، كما حذفت التاء في «تظاهرون‏ (10)» (11). و هي، و إن كانت فاء، فحذفها أوقع من حرف المضارعة الّتي لمعنى. و لا يقدح فيه اختلاف حركتي النّونين. فإنّ الدّاعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذّر الإدغام. و امتناع الحذف في «تتجافى» (12) لخوف اللّبس في الماضي.

و قيل‏ (13): هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر، و سكّن آخره تخفيفا. و ردّ بأنّه لا يسند إليه، و المفعول مذكور، و الماضي لا يسكّن آخره.

و في تهذيب الأحكام‏ (14) بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن عبد الملك الزّيّات، عن رجل،

____________

(1) مصباح المتهجّد/ 427.

(2) ليس في ن.

3 و 4- أنوار التّنزيل 2/ 80.

(5) المصدر: ثلاثة أيّام.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 80. و في النسخ:

الغم.

(8) من ع.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: تظاهرين.

(11) البقرة/ 85.

(12) السجدة/ 16.

(13) نفس المصدر و الموضع.

(14) التّهذيب 6/ 170، ح 329.

466

عن كرام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أربع لأربع- إلى قوله:

و الرّابعة للغمّ و الهمّ: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏. قال اللّه- سبحانه-: فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ‏.

و في كتاب الخصال‏ (1) عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: عجبت لمن يفزع‏ (2) من أربع، كيف لا يفزع إلى أربع!؟- إلى قوله:

و عجبت لمن اغتمّ، كيف لا يفزع إلى قوله- تعالى-: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏!؟ فإنّي سمعت اللّه- تعالى- يقول بعقبها: فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ‏.

وَ زَكَرِيَّا إِذْ نادى‏ رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً: وحيدا بلا ولد يرثني.

وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏ (89)، فإن لم ترزقني [من يرثي‏] (3)، فلا أبالي به.

و في أمالي شيخ الطّائفة (4)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى عليّ بن محمّد الصّيمريّ‏ (5) الكاتب، قال: تزوجّت ابنة جعفر بن محمّد الكاتب. فأحببتها حبّا لم يحبّ أحدا أحدا مثله.

و أبطأ عليّ الولد. فصرت إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد الرّضا- (عليه السلام)- فذكرت ذلك له. فتبسّم و قال: اتّخذ خاتما فضّة فيروزج، و اكتب عليه: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏.

قال: ففعلت. فما أتى عليّ حول حتّى رزقت منها ولدا ذكرا.

و في عوالي اللآلي‏ (6): روي عن سيّد العابدين- (عليه السلام)- أنّه قال لبعض أصحابه: قل لطلب الولد: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً [وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏] (7). و اجعل لي من لدنك وليّا يرثني في حياتي، و يستغفر لي بعد وفاتي. و اجعله خلقا سويّا. و لا تجعل للشّيطان فيه نصيبا. اللّهمّ إنّي أستغفرك و أتوب إليك، إنّك التّواب الغفور (8) الرّحيم- سبعين مرّة.

____________

(1) الخصال/ 218، ح 43.

(2) المصدر: فزع.

(3) من أنوار التنزيل 2/ 80.

(4) الأمالي 1/ 47- 48.

(5) المصدر: الضميري.

(6) العوالي 3/ 308، ح 127.

(7) ليس في س و أ.

(8) ليس في المصدر.

467

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن رجل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (2)- (عليه السلام)- قال: من أراد أن يحبل له، فليصلّ ركعتين بعد الجمعة، يطيل فيهما الرّكوع و السّجود. ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به زكريّا إذ قال: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏. اللّهمّ هب لي ذرّيّة طيّبة، إنّك سميع الدّعاء. اللّهم باسمك استحللتها، و في أمانتك أخذتها. فإن قضيت في رحمها ولدا، فاجعله غلاما مباركا زكيّا، و لا تجعل للشّيطان فيه شركا و لا نصيبا (3).

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن الحرث النّصريّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّى من أهل بيت قد انقرضوا، و ليس لي ولد. فقال: ادع و أنت ساجد: ربّ هب‏ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [يَرِثُنِي‏ (5). رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ] (6). رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏. قال: ففعلت. فولد لي عليّ و الحسين.

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- في تفسيره قال:

حدّثنا أحمد بن محمّد بن موسى النّوفليّ، بإسناده عن عليّ بن داود قال: حدّثني رجل من ولد ربيعة بن عبد مناف: انّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا بارز عليّ- (عليه السلام)- عمرا، رفع يديه، ثمّ قال: اللّهمّ إنّك أخذت منّي عبيدة بن الحارث يوم بدر. و أخذت منّي حمزة يوم أحد. و هذا عليّ، ف لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏.

فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى‏ وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ‏، أي: أصلحناها للولادة بعد عقرها، أو لزكريّا بتحسين خلقها و كانت حردة (8).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): و في رواية عليّ بن إبراهيم: و قوله:

____________

(1) الكافي 6/ 8، ح 3.

(2) المصدر: أبي عبد الله.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فيه نصيبا و لا شركا.

(4) نفس المصدر، ح 2.

(5) مريم/ 5- 6.

(6) من المصدر.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 329، ح 13.

(8) أي التي تغضب.

(9) تفسير القمي 2/ 75.

468

وَ زَكَرِيَّا إِذْ نادى‏ رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى‏ وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ‏ قال: كانت لا تحيض، فحاضت.

إِنَّهُمْ‏، يعني: المتوالدين أو المذكورين من الأنبياء.

كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ‏: يبادرون إلى أبواب الخيرات.

وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً: ذوي رغب. أو: راغبين في الثّواب، راجين الإجابة. أو:

في الطّاعة، و خائفين العقاب أو المعصية.

و في كتاب الخصال‏ (1) عن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: إن النّاس يعبدون اللّه- تعالى- على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه‏ (2) رغبة في ثوابه. فتلك عبادة الحرصاء، و هي الطّمع. و آخرون يعبدونه فرقا من النّار. فتلك عبادة العبيد، و هي الرّهبة. و لكنّي أعبده حبّا له. فتلك عبادة الكرام‏ (3).

و في كتاب معاني الأخبار (4) بإسناده إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: الرّغبة أن تستقبل براحتيك‏ (5) إلى السّماء، و تستقبل بهما وجهك.

[و الرّهبة] (6) أن تكفئ‏ (7) كفّيك، و ترفعهما (8) إلى الوجه.

و في أصول الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الرّغبة أن تستقبل ببطن كفّيك إلى السّماء. و الرّهبة أن تجعل ظهر كفّيك إلى السّماء.

و بإسناده‏ (10) إلى مروك بيّاع اللّؤلؤ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ذكر الرّغبة، و أبرز باطن راحتيه إلى السّماء. و هكذا الرّهبة، و جعل ظهر كفّيه إلى السّماء.

عدّة من أصحابنا (11)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن فضّالة، عن العلا، عن‏

____________

(1) الخصال/ 188، ح 259.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يعبدون على.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الكرائم.

(4) المعاني/ 369- 370، ح 2.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: براحتك.

(6) ليس في ن.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تلقى.

(8) المصدر: فترفعهما.

(9) الكافي 2/ 479، ح 1.

(10) نفس المصدر/ 480، ح 3.

(11) نفس المصدر، ح 4.

469

محمّد بن مسلم. قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: مرّ بي رجل، و أنا أدعو في صلاتي بيساري. فقال: يا عبد اللّه‏ (1)، بيمينك! فقلت: يا عبد اللّه، إن اللّه- تبارك و تعالى- حقّه‏ (2) على هذه، كحقّه على هذه. قال: الرّغبة تبسط يديك، و تظهر باطنهما، و الرّهبة (3) تظهر ظهرهما.

و الأحاديث الثّلاث طوال. أخذت منها موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً. قال: راغبين و راهبين.

وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ‏ (90): مخبتين، أو دائمي الوجل. و المعنى أنّهم نالوا من اللّه ما نالوا بهذه الخصال.

وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الحلال و الحرام. يعني: مريم.

فَنَفَخْنا فِيها، أي: في عيسى فيها. أي: أحييناه في جوفها.

و قيل‏ (5): و فعلنا النّفخ فيها.

مِنْ رُوحِنا: من الرّوح الّذي هو بأمرنا وحده. أو: من جهة روحنا، يعني جبرئيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها. قال: مريم. لم ينظر إليها شي‏ء. و قوله: فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا. قال: روح مخلوقة (7). يعني: من أمرنا.

وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها، أي: قصّتهما، أو حالهما. و لذلك وحّد قوله: آيَةً لِلْعالَمِينَ‏ (91). فإنّ من تأمّل حالهما، تحقّق كمال قدرة الصّانع- تعالى.

إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ‏: إنّ ملّة التّوحيد و الإسلام ملّتكم الّتي يجب عليكم أن تكونوا عليها.

أُمَّةً واحِدَةً: غير مختلفة فيما بين الأنبياء. أو: لا مشاركة لغيرها في صحّة الاتّباع.

____________

(1) المصدر: يا أبا عبد اللّه.

(2) المصدر: إنّ للّه- تبارك و تعالى- حقّا ...

(3) يوجد في المصدر بعدها: تبسط يديك.

(4) تفسير القمّي 2/ 75.

(5) أنوار التنزيل 2/ 80.

(6) تفسير القمّي 2/ 75.

(7) المصدر: مخلوقة من أمر اللّه.

470

و قرئ‏ (1): «أمّتكم»- بالنّصب- على البدل. و «أمّة»- بالرّفع- على الخبر.

و قرئتا (2) بالرّفع، على أنّهما خبران.

وَ أَنَا رَبُّكُمْ‏ لا إله لكم غيري.

فَاعْبُدُونِ‏ (92) لا غير.

وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ‏:

صرفه إلى الغيبة التفاتا (3) لينعي على الّذين تفرّقوا في الدّين، و جعلوا أمره قطعا موزّعة، بقبيح فعلهم إلى غيرهم.

كُلٌ‏ من الفرق المتحزّبة إِلَيْنا راجِعُونَ‏ (93) فنجازيهم.

فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ‏ باللّه و رسله‏ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ‏: فلا تضييع لسعيه. استعير لمنع الثّواب، كما استعير الشّكر لإعطائه. و نفي نفي الجنس للمبالغة.

وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ‏ (94): مثبّتون في صحيفة عمله، لا يضيع بوجه ما.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث أجاب فيه بعض الزّنادقة. و قد قال معترضا: و أجده يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ‏. و يقول‏ (5): وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏. أعلم في الآية الأولى أنّ الأعمال الصّالحة لا تكفّر، و أعلم في الثّانية أنّ الإيمان و الأعمال الصّالحة (6) لا تنفع إلّا بعد الاهتداء!؟ قال- (عليه السلام)-:

و أمّا قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ‏ و قوله: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏، فإنّ ذلك كلّه لا يغني إلّا مع الاهتداء.

و ليس كلّ من وقع عليه اسم الإيمان، كان حقيقا بالنّجاة ممّا هلك به الغواة. و لو كان ذلك كذلك، لنجت اليهود مع اعترافها بالتّوحيد و إقرارها باللّه، و نجا سائر المقرّين بالوحدانيّة من إبليس فمن دونه في الكفر. و قد بيّن اللّه ذلك بقوله‏ (7):

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 81.

(3) ليس في ع.

(4) الاحتجاج/ 245 و 247.

(5) طه/ 82.

(6) المصدر: الصالحات.

(7) الأنعام/ 82.

471

الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏. و بقوله‏ (1): الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ‏.

وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ: و ممتنع على أهلها غير متصوّر منهم.

و قرأ (2) أبو بكر و حمزة و الكسائيّ: «و حرم‏ (3)» بكسر الحاء و سكون الرّاء.

و قرئ‏ (4): «حرم».

أَهْلَكْناها: حكمنا بإهلاكها. أو: وجدناها هالكة.

أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏ (95):

رجوعهم إلى التّوبة، أو الحياة. و «لا» صلة. أو عدم رجوعهم للجزاء، و هو مبتدأ خبره «حرام». أو فاعل له سادّ مسدّ خبره. أو دليل عليه، و تقديره: توبتهم، أو حياتهم، أو عدم بعثهم. أو: لأنّهم لا يرجعون و لا ينيبون. و «حرام» خبر محذوف. أي: و حرام عليها ذلك، و هو المذكور في الآية المتقدّمة. و يؤيّده القراءة بالكسر.

و قيل‏ (5): «حرام» عزم و موجب عليهم‏ أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏. فإنّه‏

حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي بصير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه و أبي جعفر- (عليهما السلام)- قالا: كلّ قرية أهلك اللّه- عزّ و جلّ- أهلها بالعذاب، لا يرجعون في الرّجعة. و هذا الآية من أعظم الدّلالة [في الرّجعة] (7). لأنّ أحدا من أهل الإسلام لا ينكر أنّ النّاس كلّهم يرجعون إلى القيامة، من هلك و من لم يهلك. انتهى كلامه.

و فيه أيضا (8): قال الصّادق- (عليه السلام)-: كلّ قرية أهلك اللّه- تعالى- أهلها بالعذاب، [لا يرجعون في الرّجعة. فأمّا إلى القيامة فيرجعون. و الّذين محضوا الإيمان محضا، و غيرهم ممّن لم يهلكوا بالعذاب‏] (9) و محضوا الكفر محضا، يرجعون.

____________

(1) المائدة/ 41.

(2) أنوار التنزيل 2/ 81.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: حرمة.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 2/ 75- 76.

(7) ليس في م.

(8) تفسير القمّي 1/ 25.

(9) ليس في أ.

472

حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ‏:

متعلّق ب «حرام» أو بمحذوف دلّ الكلام عليه، أو ب «لا يرجعون». أي: يستمرّ الامتناع، أو الهلاك، أو عدم الرّجوع إلى قيام السّاعة و ظهور أماراتها، و هو فتح سدّ يأجوج و مأجوج. و هي حتّى الّتي يحكى الكلام بعدها. و المحكيّ هي المجلة الشّرطيّة.

و قرأ (1) ابن عامر و يعقوب: «فتّحت» بالتّشديد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: إذا كان في آخر الزّمان، خرج يأجوج و مأجوج إلى الدّنيا، [و يأكلون النّاس‏] (3).

وَ هُمْ‏، يعني: يأجوج و مأجوج، أو النّاس كلّهم.

مِنْ كُلِّ حَدَبٍ‏: نشر من الأرض.

و قرئ‏ (4): «جدث». و هو القبر.

يَنْسِلُونَ‏ (96): يسرعون. من نسلان الذّئب.

و قرئ‏ (5) بضمّ السّين.

وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ‏ و هو القيامة.

فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا:

جواب الشّرط و «إذا» للمفاجأة، تسدّ مسدّ الفاء الجزائيّة، كقوله‏ (6): إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ‏ فإذا جاءت معها، تظاهرتا (7) على وصل الجزاء بالشّرط، فيتأكّد. و الضّمير للقصّة، أو مبهم يفسّره الأبصار.

يا وَيْلَنا:

مقدّر بالقول، واقع موقع الحال من الموصول.

قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا: لم نعلم أنّه حقّ.

بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ‏ (97) لأنفسنا بالإخلال بالنّظر.

إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 81.

(2) تفسير القمّي 2/ 76.

(3) ليس في ن.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 81.

(6) الروم/ 36.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 81. و في ع: تظاهر.

و في غيرها: تظاهرت.

473

يحتمل الأوثان و إبليس و أعوانه، لانّهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم.

حَصَبُ جَهَنَّمَ‏: ما يرمى به إليها، و تهيّج به. من: حصبه يحصبه: إذا رماه بالحصباء.

و قرئ‏ (1) بسكون الصّاد، وصفا بالمصدر.

و في‏ (2) مجمع البيان‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية، وجد منها أهل مكّة وجدا شديدا. فدخل عليهم عبد اللّه بن الزّبعريّ، و كفّار قريش يخوضون في هذا الآية. فقال ابن الزّبعريّ: أ محمّد (4) تكلّم بهذه الآية (5)؟ فقالوا: نعم. قال ابن الزّبعريّ: لئن اعترف بها، لأخصمنّه! فجمع بينهما. فقال: يا محمّد، أ رأيت الآية الّتي قرأت آنفا، أ فينا و في آلهتنا خاصّة؟ أم في الأمم [الماضية] (6) و آلهتهم؟ فقال: بل فيكم و في آلهتكم و في الأمم [الماضية] (7) و في آلهتهم، إلّا من استثنى اللّه.

فقال ابن الزّبعريّ: خصمتك‏ (8) و اللّه! أ لست تثني على عيسى‏ (9) خيرا!؟ و قد عرفت أنّ النصارى يعبدون عيسى [و أمّه‏] (10). و أنّ طائفة من النّاس يعبدون الملائكة! أ فليس هؤلاء مع الآلهة في النّار!؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [لا.

فضحكت قريش و ضحك. و قالت قريش: خصمك ابن الزبعريّ! فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (11) قلتم الباطل. أما قلت: إلّا من استثنى اللّه!؟ و هو (12) قوله‏ (13)- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ‏. و قوله: حَصَبُ جَهَنَّمَ‏ يقول: يقذفون فيها قذفا.

و قوله: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏، يعني: الملائكة و عيسى بن مريم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) في هامش نسخة «م»:

رأيت في بعض الأخبار عن الأئمّة الأطهار- (عليهم السلام)- في جواب قبل هذا السّؤال مضمونه أنّك من العرب و قال- تعالى- «و ما تعبدون» و «ما» لغير ذي العقول. (جعفر)

(3) لا يوجد في المجمع، بل نقله القمّي في تفسيره 2/ 76.

4 و 5- ليس في م.

6 و 7- من المصدر.

(8) المصدر: خاصمتك.

(9) ليس في أ.

(10) ليس في م.

(11) من المصدر.

(12) ليس في المصدر.

(13) الأنبياء/ 101- 102.

474

و في مجمع البيان‏ (1): و قراءة عليّ- (عليه السلام)-: «حطب» بالطّاء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، أتي بالشّمس و القمر في صورة ثورين عقيرين‏ (3)، فيقذفان‏ (4) بهما و بمن يعبدهما في النّار. و ذلك أنّهما عبدا، فرضيا.

أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ‏ (98):

استئناف أو بدل من «حصب جهنّم». و اللّام معوّضة من «على» للاختصاص و الدّلالة على أنّ ورودهم لأجلها.

لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها:

لأنّ المؤاخذ المعذّب لا يكون إلها.

وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ‏ (99) لا خلاص [لهم عنها] (5).

لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ: أنين و تنفّس شديد.

و هو من إضافة فعل البعض إلى الكلّ للتّغليب، إنّ أريد بما تعبدون الأصنام.

وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ‏ (100) من الهول و شدّة العذاب.

و قيل‏ (6): لا يسمعون ما يسرّهم.

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏: الخصلة الحسنى، و هي السّعادة، أو التّوفيق للطّاعة، أو البشرى بالجنّة.

أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏ (101):

لأنّهم يرفعون إلى أعلا علّيّين.

و في شرح الآيات الباهرة (7): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أبو جعفر الحسن بن عليّ بن الوليد الفسويّ بإسناده عن النّعمان بن بشير قال: كنّا ذات ليلة عند عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- سمارا إذا قرأ هذه الآية:

____________

(1) المجمع 4/ 63.

(2) العلل/ 605، ح 78.

(3) المصدر: العبقريّين. و العقير: المقطوع القوائم.

(4) المصدر: يقدمان.

(5) ليس في ن.

(6) أنوار التنزيل 2/ 82.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 329، ح 14.

475

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏. فقال: أنا منهم. و أقيمت الصّلاة. فوثب، و دخل المسجد، و هو يقول: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ‏. ثمّ كبّر للصّلاة.

و قال أيضا (1): حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن سهل‏ (2) النّيسابوريّ حديثا يرفعه بإسناده إلى ربيع‏ (3) بن قريع قال:

كنّا عند عبد اللّه بن عمر. فقال له رجل من بني تيم اللّه‏ (4)- يقال له حسّان بن رابصة (5)-: يا [أبا] (6) عبد الرّحمن، لقد رأيت رجلين ذكرا عليّا و عثمان فنالا (7) منهما. فقال ابن عمر: إن كانا لعناهما، فلعنهما اللّه- تعالى.

ثمّ قال: ويلكم يا أهل العراق! كيف تسبّون رجلا هذا منزله من منزل رسول اللّه!؟ و أشار بيده إلى بيت عليّ- (عليه السلام)- في المسجد [و قال‏] (8): فو ربّ هذه الحرمة (9)، إنّه من الّذين‏ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏. مالها مردود. يعني بذلك عليّا- (عليه السلام).

و في قرب الإسناد (10) للحميريّ بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يأتي يوم القيامة بكلّ شي‏ء يعبد من دونه، من شمس، أو قمر، أو غير ذلك. ثمّ يسأل كلّ إنسان عمّا كان يعبد. فيقول كلّ من عبد غير اللّه‏ (11):

ربّنا إنّا كنّا نعبدها لتقرّبنا (12) إليك زلفى.

قال: فيقول اللّه- تبارك و تعالى- للملائكة: اذهبوا بهم و بما كانوا يعبدون إلى النّار، ما خلا من استثنيت. فأولئك عنها مبعدون.

و في محاسن البرقيّ‏ (13): و روي ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) نفس المصدر/ 330، ح 15.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سهيل.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: بزيع.

(4) م: من بني تميم. س، أ، ن: من بني تيم.

(5) المصدر: رابضة.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فقالا.

(8) ليس في ع.

(9) من ع.

(10) قرب الإسناد/ 41.

(11) المصدر: غيره.

(12) المصدر: ليقرّبنا.

(13) المحاسن/ 254، ح 279.

476

إنّ اللّه يأتي بكلّ شي‏ء يعبد من دونه، من شمس، أو قمر، أو تمثال، أو صورة. فيقال:

اذهبوا [بهم‏] (1) و بما كانوا يعبدون من دون اللّه إلى‏ (2) النار.

لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها:

و هو بدل من «مبعدون» أو حال من ضميره. سيق للمبالغة في إبعادهم عنها.

و الحسيس: صوت يحسّ به.

وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ‏ (102): دائمون في غاية التّنعّم.

و تقديم الظّرف للاختصاص و الاهتمام به.

و في شرح الآيات الباهرة (3): و روى الشّيخ الصّدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني محمّد بن عليّ ماجيلويه، عن أبيه بإسناده عن جميل بن درّاج، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يبعث اللّه شيعتنا يوم القيامة، على ما فيهم من ذنوب و عيوب، مبيضّة [منتضرة (4) مسفرة] (5) وجوههم، مستورة عوراتهم، آمنة روعاتهم. قد سهّلت لهم الموارد، و ذهبت عنهم الشّدائد. يركبون نوقا من ياقوت. فلا يزالون يدورون خلال الجنّة، عليهم شرك من نور يتلألأ. توضع‏ (6) لهم الموائد. فلا يزالون يطعمون، و النّاس في الحساب. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ‏.

لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ: النّفخة الأخيرة، لقوله‏ (7): وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏. أو: الانصراف إلى النّار. أو: حين يطبق عليها (8)، أو يذبح الموت.

وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: تستقبلهم مهنّئين.

هذا يَوْمُكُمُ‏- أي: يوم ثوابكم. و هو مقدّر بالقول-

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «في» بدل «من دون الله إلى».

(3) تأويل الآيات الباهرة 1/ 330، ح 16.

(4) م و ن: متنضرة.

(5) ليس في المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: تضع.

(7) النمل/ 87

(8) يوجد هاهنا في جميع النسخ هذه الزيادة:

الذي كنتم توعدون.

477

الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏ (103) في الدّنيا.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا حميد بن زياد بإسناده‏ (2) يرفعه إلى أبي جميلة، عن عمر بن رشيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ عليّا و شيعته يوم القيامة على كثبان المسك الأذفر. يفزع النّاس، و لا يفزعون.

و يحزن النّاس، و لا يحزنون. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏.

و روي الصّدوق‏ (3) أبو جعفر محمّد بن بابويه- (رحمه اللّه)- عن أبيه قال: حدّثني سعد بن عبد اللّه بإسناده يرفعه إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- قال: قال لي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ! بشّر إخوانك بأنّ اللّه قد رضي عنهم، إذ رضيك‏ (4) لهم قائدا، و رضوا بك وليّا. يا عليّ! أنت أمير المؤمنين، و قائد الغرّ المحجّلين. يا عليّ! شيعتك المنتجبون‏ (5). و لو لا أنت و شيعتك، ما قام للّه دين. و لولا من في الأرض منكم، لما أنزلت السّماء قطرها.

يا عليّ! لك كنز في الجنّة (6)، و أنت ذو قرنيها (7). و شيعتك تعرف بحزب اللّه. يا عليّ! أنت و شيعتك القائمون بالقسط و خيرة اللّه من خلقه. يا عليّ! أنا أوّل من ينفض التّراب عن رأسه، و أنت معي، ثمّ سائر الخلائق‏ (8).

يا عليّ! أنت و شيعتك على الحوض، تسقون من أحببتم، و تمنعون من كرهتم.

و أنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر، في ظلّ العرش. يفزع النّاس، و لا تفزعون. و يحزن النّاس، و لا تحزنون.

و فيكم نزلت هذه الآيات: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 330- 331، ح 17.

(2) المصدر: بإسناد.

(3) نفس المصدر/ 331، ح 18.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: رضيتك.

(5) المصدر: المبتهجون.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ:

يا علي! إن بيوتنا كثيرة لك في الجنة.

(7) في غير ن: ذو قريتها.

(8) المصدر: الخلق.

478

يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ:

مقدّر باذكر. أو ظرف «لا يحزنهم» أو «تتلقّاهم». أو حال مقدّرة من الضّمير المحذوف من «توعدون».

و المراد بالطّيّ ضد النّشر، أو المحو، من قولك: اطو عنّي هذا الحديث. و ذلك لأنّها نشرت مظلّة لبني آدم، فإذا انتقلوا، قوّضت عنهم.

و قرئ‏ (1) بالياء و التّاء، و البناء للمفعول.

كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ‏:

قيل‏ (2): كطيّ الطّومار لأجل الكتابة. أو لما يكتب أو كتب فيه. و يدلّ عليه قراءته على الجمع. أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه.

و قيل‏ (3): «السّجلّ» ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه. أو كاتب كان لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: السِّجِلِ‏ اسم الملك الّذي يطوي الكتب.

و معني يطويها: يفنيها، فتتحوّل دخانا و الأرض نيرانا.

و قرئ‏ (5): «السّجل»- كالدّلو- و «السّجلّ»- كالعتلّ- و هما لغتان فيه.

كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ‏، أي: نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إيّاه في كونهما إيجادا عن العدم، أو جمعا من الأجزاء المتبدّدة.

و المقصود بيان صحّة الإعادة، بالقياس علي الإبداء، لشمول الإمكان الذّاتيّ المصحّح للمقدوريّة، و تناول القدرة القديمة لهما.

و «ما» كافّة أو مصدريّة، و «أوّل» مفعول «بدأنا» أو لفعل يفسّره «نعيده» (6). أو موصولة، و الكاف متعلّقة بمحذوف يفسّره «نعيده». أي: نعيد مثل الّذي بدأنا. و «أوّل خلق» ظرف ل «بدأنا» أو حال من ضمير الموصول المحذوف.

وَعْداً:

مقدّر بفعله، تأكيدا ل «نعيده» أو منتصب به، لأنّه عدة بالإعادة.

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 82.

(4) تفسير القمّي 2/ 77.

(5) أنوار التنزيل 2/ 82- 83.

(6) ليس في ع و ن.

479

عَلَيْنا: أي علينا إنجازه.

إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ‏ (104) ذلك لا محالة.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستي‏ (1) بإسناده إلى ابن عبّاس قال: لمّا نزلت هذه الآية (2) على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (3) عشي عليه، و حمل إلى حجرة أمّ سلمة. فانتظره أصحابه وقت الصّلاة. فلم يخرج. فاجتمع المسلمون فقالوا: ما لنبيّ اللّه؟ فقالت أمّ سلمة: إنّ نبيّ اللّه عنكم مشغول.

ثمّ خرج بعد ذلك، فرقى المنبر فقال: يا أيّها النّاس! إنّكم تحشرون إلى اللّه كما خلقتم حفاة عراة. ثمّ قرأ على أصحابه: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. ثمّ قرأ: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ‏.

و في نهج البلاغة (4): استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسّعة ضيقا، [و بالأهل غربة، و بالنّور ظلمة. فجاءوها، كما فارقوها، حفاة عراة. قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة] (5) [و الدّار الباقية، كما قال- سبحانه-: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ‏] (6).

و في مجمع البيان‏ (7): و يروى عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا (8). كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ‏.

وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ:

قيل‏ (9): في كتاب داود- (عليه السلام).

مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ:

قيل‏ (10): أي التّوراة.

____________

(1) نور الثقلين 3/ 463، ح 186.

(2) ليس في ع.

(3) الكهف/ 47.

(4) النّهج/ 166- 167، الخطبة 111.

(5) ليس في أ.

(6) ليس في ن.

(7) المجمع 4/ 66، باختلاف.

(8) ليس في س و أ. و الغرل: جمع الأغرل:

الأغلف، و هو الّذي لم يختن.

9 و 10- أنوار التنزيل 2/ 83.

480

و قيل‏ (1): المراد بالزّبور جنس الكتب المنزلة، و بالذّكر اللّوح المحفوظ.

أَنَّ الْأَرْضَ‏:

قيل‏ (2): أرض الجنّة، أو الأرض المقدّسة.

يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (105):

قيل‏ (3): يعني عامّة المؤمنين. أو الّذين [كانوا] (4) يستضعفون مشارق الأرض و مغاربها.

أو أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: الكتب كلّها ذكر. و أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ قال: القائم- (عليه السلام)- و أصحابه. قال‏ (6): و الزّبور فيه ملاحم و توحيد (7) و تمجيد و دعاء.

و فيه‏ (8): قال: أعطى اللّه داود و سليمان- (عليهما السلام)- ما لم يعط أحدا من أنبياء اللّه، من الآيات: علّمهما منطق الطّير. و ألان لهما الحديد و الصّفر من غير نار. و جعلت الجبال يسبحّن مع داود- (عليه السلام). و أنزل اللّه- عزّ و جلّ- عليه الزّبور فيه توحيد و تمجيد و دعاء، و أخبار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)- من ذرّيّتهما- (عليهما السلام)- و أخبار الرّجعة و ذكر (9) القائم- (صلوات اللّه عليه).

و في تفسير العيّاشي‏ (10) عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل.

و فيه يقول- (عليه السلام)-: فلما دنا عمر آدم- (عليه السلام)- هبط عليه ملك الموت ليقبض روحه. فقال له آدم: يا ملك الموت، قد بقي من عمري ثلاثون سنة (11). فقال له ملك الموت: ألم تجعلها لابنك داود [النّبيّ‏] (12) و طرحتها (13) من عمرك، حيث عرض [اللّه‏] (14) عليك [أسماء] (15)

____________

1 و 2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) من المصدر.

(5) تفسير القمّي 2/ 77.

(6) ليس في س و أ.

(7) المصدر: تحميد.

(8) نفس المصدر 2/ 126.

(9) ليس في المصدر.

(10) تفسير العيّاشي 2/ 219، ح 73.

(11) ليس في المصدر.

(12) من المصدر.

(13) المصدر: أطرحتها.

14 و 15- من المصدر.

481

الأنبياء من ذرّيّتك، و عرض عليك أعمارهم، و أنت يومئذ بوادي الروحا (1)!؟ فقال آدم:

[يا ملك الموت‏] (2) ما أذكر هذا. فقال له ملك الموت: يا آدم، لا تجهل. ألم تسأل اللّه أن يثبّتها لداود، و يمحوها من عمرك، فأثبتها لداود في الزّبور، و محاها من عمرك من الذّكر!؟

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سأله عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ، ما الزّبور؟ و ما الذّكر؟ قال:

الذّكر عند اللّه. و الزّبور الّذي أنزل على داود. و كلّ كتاب نزل، فهو عند أهل العلم.

و نحن هم!

و في مجمع البيان‏ (4): أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏. و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هم أصحاب المهديّ في آخر الزّمان. و يدلّ على ذلك ما رواه الخاصّ و العامّ عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يبعث رجلا [صالحا] (5) من أهل بيتي يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا.

و قد أورد (6) الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ، في كتاب البعث و النّشور، أخبارا كثيرة في المعنى، حدّثنا بجميعها عنه، حافده أبو الحسن عبيد اللّه بن محمّد بن أحمد في شهور سنة ثماني عشرة و خمسمائة. ثمّ قال في آخر الباب: فأمّا الحديث الّذي أخبرنا به أبو عبد اللّه الحافظ بالإسناد عن محمّد بن خالد الجنديّ، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لا يزداد (7) الأمر شدّة، و لا النّاس إلّا شحّا، و لا الدّنيا إلّا إدبارا. و لا تقوم السّاعة إلّا على شرار (8) النّاس. و لا مهديّ إلّا عيسى بن مريم. فهذا حديث تفرّد به محمّد بن خالد الجنديّ‏ (9).

[قال أبو عبد اللّه الحافظ: و محمّد بن خالد رجل مجهول و اختلف عليه في إسناده. فرواه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في ع: رخينا. و في غيرها:

دخنا.

(2) ليس في ع.

(3) الكافي 1/ 225- 226، ح 6.

(4) المجمع 4/ 66- 67.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يزاد.

(8) المصدر: أشرار.

(9) في هامش نسخه «م»:

482

مرّة] (1) عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس [بن مالك‏] (2)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). و مرّة عن أبان بن أبي عيّاش- و هو متروك- عن الحسن، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). [و هو منقطع، و الأحاديث في التّنصيص على خروج المهديّ- (عليه السلام)- أصحّ إسنادا، و فيها بيان كونه من عترة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏] (3).

هذا لفظه.

و من جملتها ما حدّثنا به أبو الحسن حافده عنه قال: حدّثنا أبو عليّ الرّودباريّ‏ (4) قال: حدّثنا أبو بكر بن داسة (5) قال: حدّثنا أبو داود السّجستانيّ، في كتاب السّنن، عن طرق كثيرة ذكرها، ثمّ قال: كلّهم عن عاصم المقريّ عن ذرّ (6)، عن عبد اللّه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم [واحد] (7)، لطوّل اللّه ذلك اليوم، حتّى يبعث فيه رجلا منّي و (8) من أهل بيتي- و في بعضها: يواطئ اسمه اسمي- يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا.

و بالإسناد حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثني عبد اللّه بن جعفر الرقيّ‏ (9) قال: حدّثني أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان‏ (10)، عن عليّ بن‏

____________

لا يخفى أنّ الاستثناء لا يستقيم على ما فهمه هذا الموجود ألا ترى أنّه لا يجوز لا زيد إلّا عمرو لعدم شمول المستثنى منه للمستثنى و غيره فالأصوب أن يقال:- يمكن أن يكون المراد بقوله- (عليه السلام)-: و لا مهديّ إلّا عيسى بن مريم أن لا تقوم السّاعة إلّا على شرار النّاس و الحساب أنّه لا حدّ في الهداية إلّا عيسى بن مريم فالمراد بالمهديّ من كان بصفة الهداية إلّا عيسى بن مريم فالمراد بالمهديّ من كان بصفة الهداية لا العلم أو المعنى لا تقوم السّاعة إلّا على شرّ النّاس و لا يقوم المهديّ إلّا على عيسى بن مريم حتّى يكون المراد أنّ قيامه- (عليه السلام)- «على» يكون خيار الناس و حينئذ يكون العطف بعاطف واحد على عاملين مختلفين و ذلك كقوله:

أ كلّ امرئ تحسبين امرأ* * * و نار توقد بالليل نارا

بجرّ النّار الأوّل و نصب الثّاني، أو يقال:

سقطت لفظة «على» بعد إلّا في قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا على عيسى من قلم النّسّاخ أو لم يسمعها الرّاوي- و اللّه يعلم (جعفر)

(1) ليس في أ.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في أ.

(4) كذا في نور الثقلين 3/ 465، ح 194. و في النسخ: الرودباري.

(5) كذا في المصدر. و في س، أ، م: دارسة. و في سائر النسخ: داسمة.

(6) المصدر: زيد.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: أو.

(9) كذا في المصدر. و في س، أ، م، ن: البرقيّ.

و في غيرها: المرقىّ.

(10) كذا في المصدر. و في ن: بيان. و في س، أ:

483

نفيل‏ (1)، عن سعيد بن المسيّب، عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: المهديّ من عترتي، من ولد فاطمة.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد بن الحسن‏ (3) [عن أبيه‏] (4) عن الحسين‏ (5) بن مخارق، عن أبي الورد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ هم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم).

و قال أيضا (6): حدّثنا محمّد بن عليّ قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن عليّ بن الحكم، عن سفيان بن إبراهيم الجريريّ‏ (7)، عن أبي صادق قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ (الآية). قال: نحن هم. قال: قلت:

إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ‏؟ قال: هم شيعتنا.

و قال أيضا (8): حدّثنا محمّد بن همام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ قال: آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- و من تابعهم على منهاجهم. و الأرض أرض الجنّة.

و قال أيضا (9): حدّثنا أحمد بن محمّد عن أحمد بن الحسن‏ (10)، عن أبيه، عن حسين بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ هم أصحاب المهديّ- (عليه السلام)- آخر الزّمان.

إِنَّ فِي هذا.- أي: فيما ذكر من الأخبار و المواعظ و المواعيد- لَبَلاغاً، أي: لكافية. أو: لسبب بلوغ إلى البغية.

____________

بنان. و في سائر النسخ: هنان.

(1) أ، س، م، ع: ثقيل.

(2) تأويل الآيات الباهرة 1/ 332، ح 19.

(3) س، أ، م: الحسين.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 253. و في النسخ: الحصين.

(6) نفس المصدر، ح 20.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 365. و في النسخ: الحريزي.

(8) نفس المصدر، ح 21.

(9) نفس المصدر، ح 22.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: حدّثنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين.

484

لِقَوْمٍ عابِدِينَ‏ (106): هممهم العبادة دون العادة.

وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ (107)، لأنّ ما بعثت به سبب لإسعادهم، و موجب لصلاح معاشهم و معادهم.

و قيل‏ (1): كونه رحمة للكفّار أمنهم به من الخسف و المسخ و عذاب الاستئصال.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة: و أمّا قوله لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ و أنّك ترى أهل الملل المخالفة للإيمان، و من يجري مجراهم من الكفّار، مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية، و أنّه لو كان رحمة عليهم، لاهتدوا به‏ (3) جميعا، و نجوا من عذاب السّعير، فإنّ اللّه- تبارك اسمه- إنّما عني بذلك أنّه جعله سببا لإنظار (4) أهل هذه الدّار.

لأنّ الأنبياء قبله بعثوا بالتّصريح، لا بالتّعريض. و كان النّبيّ منهم إذا صرع بأمر اللّه، و أجابه قومه، سلموا و سلم أهل دارهم من سائر الخليقة. و إن خالفوه، هلكوا، و هلك أهل دارهم [بالآفة الّتي‏] (5) كان نبيّهم‏ (6) يتوعّدهم بها، و يخوّفهم حلولها و نزولها بساحتهم‏ (7)، من خسف، أو قذف، أو رجف، أو ريح، أو زلزلة، و غير ذلك من أصناف العذاب الّتي هلكت بها الأمم الخالية.

و إنّ‏ (8) اللّه علم من نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من الحجج في الأرض الصّبر على ما لم يطق من تقدّمهم من الأنبياء الصّبر على مثله، فبعثه اللّه بالتّعريض، لا بالتّصريح.

و أثبت حجّة اللّه تعريضا، لا تصريحا، بقوله في وصيّه‏ (9): من كنت مولاه، فهذا مولاه. و هو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. و ليس من خليقة النّبيّ و لا من شيمته‏ (10)، أن يقول قولا لا معنى له. فلزم الأمّة أن تعلم أنّه لمّا كانت النّبوّة و الأخوّة

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 83.

(2) الاحتجاج/ 255.

(3) ليس في المصدر.

(4) ع: لانتظار.

(5) ليس في ع و أ.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «كانت بينهم» بدل «كان نبيّهم».

(7) ليس في م.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ألا إنّ.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: وصيّته.

(10) المصدر: النبوّة.

485

موجودتين في خلفه‏ (1) هارون‏ (2) معدومتين فيمن جعله النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بمنزلته، أنّه قد استخلفه على أمّته، كما استخلف موسى هارون، حيث قال: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي‏ (3). و لو قال لهم: «لا تقلّدوا الإمامة إلّا فلانا بعينه، و إلّا نزل بكم العذاب» لأتاهم العذاب، و زال باب الإنظار و الإمهال.

و في مجمع البيان‏ (4): و روي أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏ لجبرئيل- لمّا نزلت هذه الآية-: هل أصابك من هذه الرّحمة شي‏ء؟ قال: نعم. إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فأمنت بك لمّا أثنى اللّه عليّ بقوله‏ (5): ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ‏. و قد قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا رحمة مهداة.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6) بإسناده إلى عبد الرّحيم‏ (7) القصير قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: أما لو قام قائمنا، ردّت الحميراء حتّى يجلدها الحدّ، و حتّى ينتقم لابنة محمّد فاطمة- (عليها السلام)- منها.

قلت: جعلت فداك، و لم يجلدها [الحدّ] (8)؟ قال: لفريتها على أمّ إبراهيم.

قلت: فكيف أخّره اللّه للقائم؟ فقال: لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- رحمة، و بعث القائم- (عليه السلام)- نقمة.

و في الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال: بعث اللّه- عزّ و جلّ- محمّدا رحمة للعالمين في سبع و عشرين من رجب. فمن صام ذلك اليوم، كتب اللّه له صيام ستّين شهرا.

قُلْ إِنَّما يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي: ما يوحى إليّ إلّا أنّه لا إله لكم إلّا إله واحد.

____________

(1) المصدر: خلقة.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «هارون و موسى».

(3) الأعراف/ 142.

(4) المجمع 4/ 67.

(5) التكوير/ 20.

(6) العلل/ 579- 580، ح 10.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 455. و في النسخ: عبد الرحمن.

(8) من المصدر.

(9) الكافي 4/ 149، ح 2.

486

و ذلك أنّ المقصود الأصليّ من بعثته مقصور على التّوحيد. فالأولى لقصر الحكم على الشي‏ء، و الثّانية على العكس.

فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (108):

قيل‏ (1): مخلصون العبادة للّه، على مقتضى الوحي المصدّق بالحجّة.

و في كتاب المناقب‏ (2) لابن شهر آشوب: أبو بصير عن الصّادق- (عليه السلام)- في هذه الآية: فهل أنتم مسلّمون الوصيّة [لعليّ‏] (3) بعدي. نزلت مشدّدة.

فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التّوحيد أو الوصيّة، فَقُلْ آذَنْتُكُمْ‏: أعلمتكم ما أمرت به، أو حربي لكم، عَلى‏ سَواءٍ على عدل.

و قيل‏ (4): أي مستوين في الإعلام به. أو: مستوين أنا و أنتم في العلم بما أعلمتكم به، أو في المعاداة. أو: إيذانا على سواء.

وَ إِنْ أَدْرِي‏: ما أدري.

أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ‏ (109):

قيل‏ (5): من غلبة المسلمين، أو من الحشر لكنّه كائن لا محالة (6).

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ‏: ما تجهرون به من الطّعن في الإسلام.

وَ يَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ‏ (110) من الإحن و الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه.

وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ‏: و ما أدري لعلّ تأخير جزائكم‏ (7) استدراج لكم و زيادة في افتنانكم. أو امتحان لينظر كيف تعملون.

وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ (111): و تمتيع إلى أجل مقدّر تقتضيه مشيئته.

و في عيون الأخبار (8)، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- مع هارون الرّشيد و مع موسى بن المهديّ، حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: رأيت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلة الأربعاء في النّوم. فقال لي: يا موسى،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 83.

(2) المناقب 4/ 48.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 83.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا محال.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 83. و في النسخ:

و ما أدري لعلّكم جزاؤكم.

(8) العيون 1/ 61- 62، ح 4.

487

أنت محبوس مظلوم. فقلت: نعم يا رسول اللّه، محبوس مظلوم. فكرّر ذلك عليّ ثلاثا. ثمّ قال: وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي‏ أنّه لمّا قدم معاوية إلى الكوفة قيل له: إنّ الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- مرتفع في‏ (2) أنفس‏ (3) النّاس. فلو أمرته أن يقوم دون مقامك على المنبر، فتدركه الحداثة و العيّ، فيسقط من أنفس النّاس [و أعينهم‏] (4). فأبي عليهم. و أبوا عليه، إلّا أن يأمره بذلك. فأمره. فقام دون مقامه في المنبر.

فحمد اللّه و أثنى عليه. ثمّ قال: أمّا بعد، [أيّها النّاس!] (5) فإنّكم لو طلبتم ما بين كذا و كذا، لتجدوا رجلا جدّه نبيّ، لم تجدوه‏ (6) غيري و غير أخي. و إنّا أعطينا صفقتنا هذه الطّاغية (7)- و أشار بيده إلى أعلى المنبر، إلى معاوية، و هو في مقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من المنبر- و رأينا حقن دماء المسلمين أفضل من إهراقها. وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏- و أشاره بيده إلى معاوية.

فقال له معاوية: ما أردت بقولك هذا؟ فقال: أردت‏ (8) به ما أراد اللّه- عزّ و جلّ.

و في كتاب المناقب‏ (9) لابن شهر آشوب: و روي أنّه قال الحسن- (عليه السلام)- في صلح معاوية: أيّها النّاس! إنّكم لو طلبتم ما بين جابلق و جابرس‏ (10) رجلا جدّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما وجدتموه‏ (11) غيري و غير أخي. و إنّ معاوية نازعني حقّا هو لي.

فتركته لصلاح الأمّة و حقن دمائها. و قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت. و قد رأيت أن أسالمه و أن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر. وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏.

قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ‏:

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: لم تجدوا.

(3) في غير ع: الطائفة.

(4) المصدر: ما أردت.

(5) المناقب 4/ 34.

(6) المصدر: جابلقا و جابرسا.

(7) المصدر: ما وجدتم.

(8) الاحتجاج/ 282.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: على.

(10) ن: أعين.

(11) من المصدر.

488

قيل‏ (1): اقض بيننا و بين أهل مكّة بالعدل المقتضي لاستعجال العذاب و التّشديد عليهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: معناه: لا تدع الكفّار (3)، و الحقّ‏ (4) الانتقام من الظّالمين. قال: و مثله في سورة آل عمران‏ (5): لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ‏.

و قرئ‏ (6): «قال» على حكاية قول الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله).

و قرئ‏ (7): «ربّ» بالضّمّ. و «ربّي أحكم» على بناء التّفضيل. و «أحكم» من الإحكام.

وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ‏: كثير الرّحمة على خلقه.

الْمُسْتَعانُ‏: المطلوب منه المعونة عَلى‏ ما تَصِفُونَ‏ (112) الحال، بأنّ الشّوكة تكون لهم، و أنّ راية الإسلام تخفق أيّاما، ثمّ تسكن و أنّ الموعد به، لو كان حقّا، لنزل بهم.

فأجاب اللّه دعوة الرّسول، فخيّب أمانيّهم، و نصر رسوله عليهم.

و قرئ‏ (8) بالياء.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 84.

(2) تفسير القمّي 2/ 78.

(3) المصدر: لا تدعو (تدع- ط) لكفّار.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «لحق» بدل «و الحقّ».

(5) آل عمران/ 128.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 84.

(8) نفس المصدر و الموضع.