http://www.masaha.org

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏


الجزء التاسع‏


تأليف

محمد بن محمد رضا القمي المشهدي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org

44

فيأمر اللّه- عزّ و جلّ- نارا يقال لها «الفلق» أشدّ شي‏ء في جهنّم عذابا. فتخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسّلاسل و الأغلال. فيأمرها اللّه- عزّ و جلّ- أن تنفخ في وجوه الخلائق نفخة. [فتنفخ‏] (1). فمن شدّة نفختها تنقطع السّماء، و تنطمس النّجوم، و تجمد البحار، و تزول الجبال، و تظلم الأبصار، و تضع الحوامل حملها، و يشيب الولدان من هولها يوم القيامة.

وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏: كأنّهم سكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ على الحقيقة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: يعني ذاهبة (3) عقولهم من الحزن و الفزع متحيّرين.

وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) فأرهقهم هوله، بحيث تطير عقولهم و أذهب تميّزهم.

و قرئ‏ (4): «ترى» بالبناء للمفعول [من: أريتك قائما، أو رأيتك قائما] (5) بنصب «النّاس» (6) و رفعه، على أنّه ناب مناب الفاعل، و تأنيثه على تأويل الجماعة و إفراده بعد جمعه. لأنّ الزّلزلة يراها الجميع، و أثر السّكر إنّما يراه كلّ أحد على غيره.

و قرئ‏ (7): «سكرى»- كعطشى- إجراء للسّكر مجرى العلل.

و في طبّ الأئمّة (8)- (عليهم السلام)- بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- قال: إنّي لأعرف آيتين من كتاب اللّه المنزل، تكتبان للمرأة إذا عسر عليها [ولدها] (9). تكتبان في رقّ ظبي، و تعلّقه عليها في حقويها: بسم اللّه و باللّه. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (10)- سبع مرّات‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا (إلى آخره) مرّة واحدة.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏:

قيل‏ (11): نزلت في النّضر بن الحارث. و كان جدلا يقول: الملائكة بنات اللّه. و القرآن‏

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 78.

(3) المصدر: ذاهلة.

(4) أنوار التنزيل 2/ 85.

(5) من المصدر.

(6) يوجد في م بعدها: من أريتك قائما أو رؤيت قائما نفس القاضي.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) طبّ الأئمّة/ 35.

(9) من المصدر.

(10) الانشراح/ 6.

(11) أنوار التنزيل 2/ 85.

41

الجزء التاسع‏

سورة الحجّ‏

قيل‏ (1): مكّيّة، إلّا ستّ آيات من‏ هذانِ خَصْمانِ‏ الى‏ صِراطِ (2) الْحَمِيدِ (3).

و قيل‏ (4): مدنيّة. و هي ثمان و سبعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (5) بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة الحجّ في كلّ ثلاثة أيّام، لم تخرج سنته حتّى يخرج إلى بيت اللّه الحرام. و إن مات في سفره، دخل الجنّة.

قلت: فإن كان مخالفا؟ قال: يخفّف عنه بعض ما هو فيه.

و في مجمع البيان‏ (6): أبيّ بن كعب قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة الحجّ، أعطي من الأجر كحجّة حجّها و عمرة اعتمرها، بعدد من حجّ و اعتمر فيما مضى و فيها بقي‏ (7).

و فيه‏ (8): قال عمران بن الحصين و أبو سعيد الخدريّ: نزلت الآيتان من أوّل السّورة ليلا، و في غزاة بني المصطلق- و هم حيّ من خزاعة- و النّاس يسيرون. فنادى رسول اللّه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 84.

(2) ليس في ع.

(3) الآيات 19 إلى 24.

(4) مجمع البيان 4/ 68.

(5) ثواب الأعمال/ 135، ح 1.

(6) المجمع 4/ 68.

(7) س، م و أ: يأتي.

(8) نفس المصدر/ 70.

42

- (صلّى اللّه عليه و آله). فحثّوا المطيّ، حتّى كانوا حول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقرأها عليهم. فلم ير أكثر باكيا من تلك اللّيلة.

فلمّا أصبحوا، لم يحطّوا السّرج عن الدّوابّ، و لم يضربوا الخيام، و النّاس بين باك أو (1) جالس حزين. متفكّر. فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ تدرون أيّ يوم ذاك؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: ذاك يوم يقول اللّه- تعالى- لآدم: ابعث بعث النّار من ولدك. فيقول آدم: من كم و كم؟ فيقول [اللّه‏] (2)- عزّ و جلّ-: من كلّ ألف تسعمائة و تسعة و تسعين إلى النّار، و واحد إلى الجنّة.

فكبر ذلك على المسلمين، و بكوا. فقالوا: فمن ينجو يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أبشروا! فإنّ معكم خليقتين‏ (3): يأجوج، و مأجوج، ما كانتا في شي‏ء إلّا كثّرتاه. ما أنتم في النّاس إلّا كشعرة بيضاء في الثّور الأسود، أو كرقم في ذراع البكر، أو كشامة في جنب البعير.

ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا [ربع أهل الجنّة. فكبّروا. ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنّة. فكبّروا. ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا] (4) ثلثي أهل الجنّة، و هم مائة و عشرون صفّا، ثمانون منها أمّتي. ثمّ قال: و يدخل من أمّتي سبعون ألفا الجنّة بغير حساب.

و في بعض الرّوايات‏ أنّ عمر بن الخطّاب قال: يا رسول اللّه! سبعون ألفا!؟ قال:

نعم، و مع كلّ واحد سبعون ألفا. فقام عكاشة [بن محصن فقال: يا رسول اللّه! ادع اللّه أن يجعلني منهم. فقال: اللّهمّ اجعله منهم. فقام رجل من الأنصار فقال: ادع اللّه أن يجعلني منهم. فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سبقك بها عكاشة] (5). قال ابن عبّاس: كان الأنصاريّ منافقا. فلذلك لم يدع له.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ:

قيل‏ (6): تحريكها للأشياء علي الإسناد المجازيّ. أو تحريك الأشياء فيها، فأضيفت إليها إضافة معنويّة- بتقدير في- أو إضافة المصدر إلى الظّرف، على إجرائه مجرى المفعول‏

____________

(1) المصدر: أي.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: خلقتين.

(4) لا يوجد في ن.

(5) لا يوجد في أ.

(6) أنوار التنزيل 2/ 84.

43

به.

و قيل‏ (1): هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشّمس من مغربها. و إضافتها إلى «السّاعة» لأنّها من أشراطها.

شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ‏ (1): هائل.

علّل أمرهم بالتّقوى بفظاعة السّاعة، ليتصوّروها بعقولهم، و يعلموا أنّه لا يؤمنهم منها سوى التدرّع بلباس التّقوى، فيبقوا على أنفسهم، و يتّقوها بملازمة التّقوى.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه: معاشر النّاس! التّقوى! التّقوى! احذروا السّاعة! كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ‏.

يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ‏:

تصوير لهولها. و الضّمير للزّلزلة. و «يوم» منتصب ب «تذهل».

[و قرئ‏ (3): «تذهل»] (4) [و «تذهل»] (5) مجهولا و معروفا. أي: تذهلها الزّلزلة.

و الذّهول: الذّهاب عن الأمر بدهشة. و المقصود الدّلالة على أنّ هولها بحيث إذا دهشت الّتي ألقمت الرّضيع ثديها، نزعته عن فيه، و ذهلت عنه. و «ما» موصولة، أو مصدريّة.

وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها: جنينها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قال: كلّ امرأة تموت حاملة عند زلزلة السّاعة، تضع‏ (7) حملها يوم القيامة.

و في كتاب التّوحيد (8) بإسناده إلى عبد اللّه بن سلام مولى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (9) حديث طويل. و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الاحتجاج/ 65.

(3) أنوار التنزيل 2/ 84.

(4) ليس في ن.

(5) ليس في أ.

(6) تفسير القمّي 2/ 78.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: حتّى تضع.

(8) التّوحيد/ 291، ح 1.

(9) ليس في ن.

48

ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ‏: كما لكم في العقل و القوّة. جمع شدّة، كأنعم و نعمة.

كأنّها شدّة في الأمور.

و في الكافي‏ (1) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: انقطاع يتم اليتيم الاحتلام، و هو أشدّه‏ (2).

وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى‏ عند بلوغ الأشدّ أو قبله.

و قرئ‏ (3): «يتوفّى»، أي: يتوفّاه اللّه.

وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ: الهرم و الخرف.

و قرئ‏ (4) بسكون الميم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن أبي العبّاس‏ (6)، عن ابن أبي نجران، عن محمّد بن أبي القاسم، عن عليّ بن المغيرة، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه- (صلوات اللّه عليهما)- قال: إذا بلغ العبد مائة سنة، فذلك أرذل العمر.

و في مجمع البيان‏ (7) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- «خمس و سبعون» كما سبق في سورة النّحل.

و يمكن الجمع بين الاختلاف بحمله على الاختلاف بسبب الأمزجة و الطّبائع و اختلاف البلدان و محالّ القطّان.

لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً: ليعود كهيئته في أوان الطّفوليّة من سخافة العقل و قلّة الفهم، فينسى ما (8) عمله، و ينكر ما (9) عرفه.

و الآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أسنانه، من الأمور المختلفة و الأحوال المتضادّة. فإنّ من قدر على ذلك، قدر على نظائره.

وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً: ميّتة يابسة. من: همدت النّار: إذا صارت رمادا.

فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ‏: تحرّكت بالنّبات.

____________

(1) الكافي 7/ 68، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أشدّ.

(3) أنوار التنزيل 2/ 85.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمّي 2/ 78- 79.

(6) المصدر: عن العيّاش.

(7) المجمع 3/ 372.

8 و 9- كذا في أنوار التنزيل 2/ 85. و في النسخ: من.

46

علقة كعلقة دم المحجمة الجامدة [في الرّحم‏] (1) بعد تحويلها عن النّطفة أربعين يوما. ثمّ تصير مضغة. قال: و هي مضغة لحمة حمراء، و فيها عروق خضر مشتبكة. ثمّ تصير إلى عظم و شقّ له السّمع و البصر، و رتّبت جوارحه.

مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ: مسّواة لا نقص فيها و لا عيب، و غير مسوّاة. أو: تامّة و ساقطة. أو: مصوّرة و غير مصوّرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: المخلّقة إذا صارت دما. و غير مخلّقة السّقط.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان، عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ. قال: المخلّقة هم الذّرّ (4) الّذين خلقهم اللّه في صلب آدم، أخذ عليهم الميثاق. و أمّا قوله: وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ فهم كلّ نسمة لم يخلقهم اللّه- عزّ و جلّ- في صلب آدم حين خلق الذّرّ، و أخذ عليهم الميثاق. و هم النّطف من العزل و السّقط، قبل أن ينفخ فيه الرّوح و الحياة و البقاء.

و في قرب الإسناد (5) للحميريّ [عن أحمد بن محمّد، عن‏] (6) أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سألته أن يدعو اللّه- عزّ و جلّ- لامرأة (7) من أهلنا بها حمل. فقال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: الدّعاء ما لم تمض أربعة أشهر.

فقلت له: إنّما لها أقلّ من هذا. فدعا لها. ثمّ قال:

إنّ النّطفة تكون في الرّحم ثلاثين يوما. و تكون علقة ثلاثين يوما. و تكون مضغة ثلاثين يوما. و تكون مخلّقة و غير مخلّقة ثلاثين يوما. فإذا تمّت الأربعة أشهر، بعث اللّه- تبارك و تعالى- إليها ملكين خلّاقين، يصوّرانه، و يكتبان رزقه و أجله، و شقيّا أو سعيدا.

لِنُبَيِّنَ لَكُمْ‏ بهذا التّدريج قدرتنا و حكمتنا. و أنّ ما قبل التّغيّر و الفساد و التّكوّن، قبلها مرّة أخرى. و أنّ من قدر على تغييره و تصويره أوّلا، قدر على ذلك ثانيا.

____________

(1) ليس في م.

(2) تفسير القمّي 2/ 78.

(3) الكافي 6/ 12، ح 1.

(4) ليس في ن.

(5) قرب الإسناد/ 154- 155.

(6) من ع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لامرأته.

45

أساطير الأوّلين. و لا بعث بعد الموت. و هي تعمّه و أضرابه.

وَ يَتَّبِعُ‏ في المجادلة، أو في عامّة أحواله.

كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3): متجرّد للفساد. و أصله: العريّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: المريد الخبيث.

كُتِبَ عَلَيْهِ‏: على الشّيطان.

أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ‏: تبعه. و الضّمير للشّأن.

فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ‏:

خبر ل «من». أو جواب له. و المعنى: كتب عليه إضلال من يتولّاه، لأنّه جبل عليه.

و قرئ‏ (2) بالفتح، على تقدير: فشأنه أن يضلّه، لا على العطف، فإنّه يكون بعد تمام الكلام.

و قرئ‏ (3) بالكسر في الموضعين، على حكاية المكتوب، أو على إضمار القول، أو تضمين الكتب معناه.

وَ يَهْدِيهِ إِلى‏ عَذابِ السَّعِيرِ (4) بالحمل على ما يؤدّي إليه.

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ‏: من إمكانه و كونه مقدورا.

و قرئ‏ (4): «من البعث»- بالتّحريك- كالجلب.

فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ‏، أي: فانظروا في بدء خلقكم، فإنّه يزيح ريبكم، فإنّا خلقناكم‏ مِنْ تُرابٍ‏ بخلق آدم منه. أو: من الأغذية الّتي يتكوّن منها المنيّ.

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، أي: منيّ. من النّطف، و هو الصّبّ.

ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ: قطعة من الدّم جامدة.

ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ: قطعة من اللّحم. و هو في الأصل قدر ما يمضغ.

و في الكافي‏ (5) عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: النّطفة تكون بيضاء مثل النّخامة الغليظة. فتمكث في الرّحم إذا صارت فيه أربعين يوما. ثمّ تصير إلى علقة. و هي‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 78.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 85.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) في الكافي 6/ 12- 16 عدّة أحاديث عن أبي جعفر- (عليه السلام)- بهذا المضمون بتفاوت.

فراجع.

47

و حذف المفعول إيماء إلى أنّ أفعاله هذه يتبّين بها من قدرته و حكته ما لا يحيط به الذّكر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: لنبيّن‏ (2) لكم أنّكم‏ (3) كنتم كذلك في الأرحام.

وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ فلا يخرج سقطا.

إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏:

هو وقت الوضع. و أدنا ستّة أشهر. و أقصا تسعة أشهر. و العامّة يقولون: أقصاه آخر أربع سنين.

و في الكافي‏ (4) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: لا تلد المرأة لأقلّ من ستّة أشهر.

و عن أبي جعفر الباقر (5)- (عليه السلام)‏- سئل أنّ غاية الحمل بالولد في بطن أمّه كم هو، فإنّ النّاس‏ (6) يقولون ربّما بقي في بطنها سنين. فقال: كذبا! أقصى حدّ الحمل تسعة أشهر، لا يزيد لحظة. لو زاد ساعة، لقتل أمّه قبل أن يخرج.

و عن أبي عبد اللّه الصّادق و أبي الحسن موسى- (عليهما السلام)-: إذا جاءت به لأكثر من سنة لم تصدّق، و لو ساعة واحدة.

و قرئ‏ (7): «و نقرّ» بالنصب. و كذا قوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا: عطفا على «نبيّن». كأنّ خلقهم مدرجا لغرضين: تبيين القدرة، و تقريرهم في الأرحام، حتّى يولدوا و ينشئوا و يبلغوا حدّ التّكليف.

و قرئا (8) بالياء رفعا و نصبا. و «يقرّ» بالياء (9)، و «نقرّ» من: قدرت الماء: إذا صببته‏ (10)، و «طفلا» حال أجريت على تأويل كلّ واحد، أو للدّلالة على الجنس، أو لأنّه في الأصل مصدر.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 78.

(2) المصدر: و ليبيّن.

(3) ليس في المصدر.

(4) الكافي 5/ 563، ح 32.

(5) نفس المصدر 6/ 52، ح 3.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: «في الناس و» بدل «فإنّ الناس».

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 85.

(9) ليس في ن.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: حبسته.

49

وَ رَبَتْ‏ و انتفخت.

و قرئ‏ (1): «ربأت‏ (2)»، أي: ارتفعت.

وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ‏: من كلّ صنف‏ بَهِيجٍ‏ (5): حسن رائق.

و هذه دلالة ثالثة كرّرها اللّه لظهورها و كونها مشاهدة.

ذلِكَ‏: ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة، و تحويله على أوال متضادّة (3)، و إحياء الأرض بعد موتها.

و هو مبتدأ خبره:

بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ‏، أي: بسبب أنّه الثّابت في نفسه الّذي به تتحقّق الأشياء.

وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى‏: و أنّه يقدر على إحيائها، و إلّا لما أحيا النّطفة و الأرض الميّتة.

وَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (6):

لأنّ قدرته لذاته الّذي نسبته إلى الكلّ على سواء. فلمّا دلّت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات، لزم اقتداره على إحياء كلّها.

وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها:

فإنّ التّغيّر من مقدّمات الانصرام و طلائعه.

وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.

و في قرب الإسناد (4) للحميريّ بإسناده إلى صفوان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لجبرئيل: يا جبرئيل، أرني كيف يبعث اللّه- تبارك و تعالى- العباد يوم القيامة. قال: نعم. فخرج إلى مقبرة بني ساعدة. فأنى قبرا، فقال له: اخرج بإذن اللّه. فخرج رجل‏ (5) ينفض رأسه من التّراب، و هو يقول:

وا لهفاه!- و اللّهف هو الثّبور. ثمّ قال: ادخل. فدخل.

ثمّ قصد به إلى قبر آخر، فقال: اخرج بإذن اللّه. فخرج شابّ ينفض رأسه من‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 86.

(2) كذا في المصدر. و في ع: ورئت. و في غيرها:

رؤبت.

(3) ليس في س، أ، ن.

(4) قرب الإسناد/ 27- 28.

(5) ليس في س، أ، ن.

50

التّراب، و هو يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله. و أشهد أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها. وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. ثمّ قال:

هكذا يبعثون يوم القيامة يا محمّد!

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أراد اللّه أن يبعث الخلق، أمطر السّماء على الأرض أربعين صباحا. فاجتمعت الأوصال، و نبتت اللّحوم.

و في أمالي الصّدوق‏ (2)- (رحمه اللّه)- مثله سواء.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏:

قيل‏ (3): تكرير للتّأكيد و لما نيط به من الدّلالة بقوله:

وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ (8):

على أنّه لا سند له من استدلال، أو وحي. أو الأوّل في المقلّدين، و هذا في المقلّدين.

و المراد بالعلم العلم الفطريّ، ليصحّ عطف‏ (4) الهدى و الكتاب عليه.

ثانِيَ عِطْفِهِ‏، أي: متكبّرا. و ثني العطف كناية عن التّكبّر، كليّ الجيد. أو:

معرضا عن الحقّ، استخفافا.

و قرئ‏ (5) بالفتح. أي: مانع تعطّفه.

لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏:

علّة للجدال.

و قرئ‏ (6) بفتح الياء، على أنّ إعراضه عن الهدى المتّمكّن‏ (7) منه بالإقبال على الجدال الباطل، خروج من الهدى إلى الضّلال. و أنّه من حيث إنّه مؤدّاه كالغرض له.

لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ‏:

قيل‏ (8): و هو ما أصابه يوم بدر.

وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ‏ (9)، أي: المحرق. و هو النّار.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 253.

(2) الأمالي/ 149، ح 5.

(3) أنوار التنزيل 2/ 86.

(4) ليس في س، أ، م.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بالتمكّن.

(8) نفس المصدر و الموضع.

51

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: نزلت هذه الآية في أبي جهل. ثانِيَ عِطْفِهِ‏.

قال: تولّى عن الحقّ. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏. قال: عن طريق اللّه- عزّ و جلّ- و الإيمان.

و في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و من خاصم الخلق في غير ما يؤمر به، فقد نازع الخالقيّة و الرّبوبيّة. قال اللّه- تعالى-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ. و ليس أحد أشدّ عقابا ممّن لبس قميص النّسك بالدّعوى‏ (3) بلا حقيقة و لا معنى.

و في شرح الآيات الباهرة (4): جاء في [باطن‏] (5) تفسير اهل البيت- (صلوات اللّه عليهم)- عن حمّاد بن عيسى قال: حدّثني بعض أصحابنا حديثا يرفعه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ قال: هو الأوّل‏ ثانِيَ عِطْفِهِ‏ إلى‏ (6) الثّاني. و ذلك لمّا أقام‏ (7) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الإمام [أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (8) علما للنّاس، و قالا: و اللّه لا نفي‏ (9) له بهذا أبدا!

ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ‏:

على الالتفات أو إرادة القول. أي: يقال له يوم القيامة: ذلك الخزي و التّعذيب بسبب ما اقترفته‏ (10) من الكفر و المعاصي.

وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10). و إنّما هو مجاز لهم على أعمالهم.

قيل‏ (11): و المبالغة لكثرة العبيد.

و أقول: للإشعار بأنّه لا يتّصف بالظّلم، لأنّه نقص. و لو فرض كونه كمالا و اتّصف به، يجب أن يتّصف بما هو أكمل أفراده. لأنّ كلّ ما هو كمال يجب أن يكون فيه على‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 79.

(2) مصباح الشريعة/ 57.

(3) المصدر؟؟؟؟؟

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 333، ح 1.

(5) من المصدر.

(6) م، ن و المصدر: أي.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: قام.

(8) من المصدر مع المعقوفتين.

(9) كذا في المصدر. و في ع: لا تقى. و في غيرها:

لا نبقى.

(10) ع، م و ن: قرفته.

(11) أنوار التنزيل 2/ 86.

52

الكمال.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏: على طرف من الّدين، لا ثبات له فيه. كالّذي يكون على طرف الجيش، فإن أحسّ بظفر، قرّ، و إلّا، فرّ.

فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ‏:

قيل‏ (1): روي أنّها نزلت في أعاريب قدموا إلى المدينة. فكان أحدهم إذا صحّ بدنه، و نتجت فرسه مهرا سريّا، و ولدت امرأته غلاما سويّا، و كثر ماله و ماشيته، قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلّا خيرا. و اطمأنّ. و إن كان الأمر بخلافه، قال: ما أصبت إلّا شرّا! و انقلب.

و عن أبي سعيد (2) أنّ يهوديّا أسلم فأصابته مصائب. فتشاءم بالإسلام. فأتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: أقلني. فقال: إنّ الإسلام لا يقال. فنزلت.

خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ بذهاب عصمته و حبوط عمله بالارتداد.

و قرئ‏ (3): «خاسرا» بالنّصب- على الحال- و الرّفع، على الفاعليّة. و وضع الظّاهر موضع الضّمير، تنصيصا على خسرانه. أو على أنّه خبر محذوف.

ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ‏ (11)، إذ لا خسران مثله.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن بكير، عن ضريس، عن أبى عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏ قال: إنّ الآية تنزل في الرّجل ثمّ تكون في أتباعه.

ثمّ قلت: كل من نصب دونكم شيئا، فهو ممّن عبد (5) اللّه على حرف؟ فقال: نعم.

و قد يكون محضا.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل و زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏- إلى قوله:- خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ.

قال زرارة: سألت عنها أبا جعفر- (عليه السلام)- فقال: هؤلاء قوم عبدوا اللّه،

____________

1 و 2- نفس المصدر/ 86- 87.

(3) نفس المصدر/ 87.

(4) الكافي 2/ 397- 398، ح 4.

(5) المصدر: يعبد.

(6) نفس المصدر/ 413، ح 1.

53

و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه، و شكّوا في محمّد و ما جاء به. فتكلّموا بالإسلام، و شهدوا أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه و أقرّوا بالقرآن، و هم في ذلك شاكّون في محمّد و ما جاء به، [و ليسوا شكّاكا في اللّه. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏، يعني: على شكّ في محمّد و ما جاء به‏] (1) فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ، يعني: عافية في نفسه و ماله و ولده، اطْمَأَنَّ بِهِ‏ و رضي به. وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ: بلاء في جسده أو ماله، تطيّر و كره المقام على الإقرار بالنّبيّ. فرجع‏ (2) إلى الوقف و الشّكّ، فنصب العداوة للّه و لرسوله و الجحود بالنّبيّ و ما جاء به.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏. قال:

هم قوم وحّدوا اللّه، و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه. فخرجوا من الشرك، و لم يعرفوا أنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- رسول اللّه. فهم يعبدون اللّه على شكّ في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ما جاء به. فأتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قالوا: ننطر (4). فإن كثرت أموالنا، و عوفينا في أنفسنا و أولادنا، علمنا أنّه صادق، و أنّه رسول اللّه. و إن كان غير ذلك، نظرنا (5).

قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ‏، يعني: عافية في الدّنيا. وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ، يعني: بلاء في نفسه [و ماله‏] (6) انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ‏: انقلب على شكّه إلى الشّرك. خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ‏.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: فإنّ في النّاس من خسر الدّنيا و الآخرة بترك الدّنيا للدّنيا، و يرى أنّ لذّة الرّئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال و النّعم المباحة المحلّلة.

فيترك ذلك أجمع، طلبا للرّئاسة الباطلة.

____________

(1) ليس في س و أ.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فرج.

(3) نفس المصدر، ح 2. و للحديث ذيل.

(4) ع، م، ن: انتظر.

(5) س و أ: تطيّرنا.

(6) من المصدر مع المعقوفتين.

(7) لم نعثر عليه في المصدر. و لكن رواه نور الثقلين 3/ 474، ح 21.

54

يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ‏: يعبد جمادا لا يضرّ بنفسه و لا ينفع.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)- في الحديث السّابق المنقول عن الكافي‏ (1): ينقلب مشركا يدعو غير اللّه و يعبد غيره. فمنهم من يعرف فيدخل‏ (2) الإيمان قلبه، فيؤمن و يصدّق، و يزول عن منزلة من الشّكّ إلى الإيمان. و منهم من يثبت على شكّه. و منهم من ينقلب الى الشّرك.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن زرارة، مثله.

ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) عن المقصد.

مستعار من ضلال من أبعد في التّيه ضالّا.

يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ‏ بكونه معبودا- لأنّه يوجب القتل في الدّنيا و العذاب في الآخرة- أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ‏ الّذي يتوقّع بعبادته. و هو الشّفاعة و التّوسّل بها إلى اللّه.

و اللّام متعلّقة ب «يدعو» (4) من حيث إنّه بمعنى يزعم، و الزّعم قول مع اعتقاد. أو داخلة على الجملة الواقعة مقولا إجراء له مجرى يقول. أي يقول الكافر ذلك بدعاء و صراخ، حين يرى استضراره به. أو مستأنفة، على أنّ «يدعو» تكرير للأول، و «من» مبتدأ خبره.

لَبِئْسَ الْمَوْلى‏: النّاصر.

وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13): الصّاحب.

و في مصباح الشّريعة (5) قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: و أمّا السّائر في مفاوز الاعتداء، و الخائض في مراتع الغيّ و ترك الحياء، باستحباب السّمعة و الرّياء و الشّهرة، و التّصنّع‏ (6) إلى الخلق، المتزيّي بزيّ الصّالحين، المظهر بكلامه عمارة باطنه، و هو في الحقيقة خال عنها، قد غمرتها وحشة (7) حبّ المحمدة، و غشيتها ظلمة الطّمع فيما افتتنه‏

____________

(1) الكافي 2/ 414.

(2) المصدر: و يدخل.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 87. و في النسخ:

و اللام معلّقة ليدعو.

(5) مصباح الشريعة/ 160.

(6) المصدر: التصنيع.

(7) المصدر: وحشته.

55

لهواه‏ (1)، و أضل النّاس بمقالته، قال اللّه- عزّ و جلّ-: لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ.

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14) من إثابة الموحّد الصّالح و عقاب المشرك. لا دافع له، و لا مانع.

مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ:

قيل‏ (2): كلام فيه اختصار. و المعنى: انّ اللّه ناصر رسوله في الدّنيا و الآخرة. فمن كان يظنّ خلاف ذلك و يتوقّعه من غيظه.

و قيل‏ (3): المراد بالنّصر الرّزق و الضّمير ل «من».

فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [ثُمَّ لْيَقْطَعْ‏ (4)]: فليستقصّ في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كلّ ما يفعله الممتلئ غضبا، أو المبالغ جزعا، حتّى يمدّ حبلا إلى سماء بيته فيختنق. من قطع: إذا اختنق. فإنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. أو: فليمدد حبلا إلى سماء الدّنيا. ثمّ ليقطع به المسافة، حتّى يبلغ عنانه، فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه.

و قرئ‏ (5): «ليقطع» بكسر اللّام.

فَلْيَنْظُرْ: فليصوّره في نفسه‏ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ‏: فعله.

قيل‏ (6): سّماه على الأوّل كيدا، لأنّه منتهى ما يقدر عليه.

ما يَغِيظُ (15): غيظه، أو الّذي يغيظ من نصر اللّه.

و قيل‏ (7): نزلت في قوم من المسلمين استبطؤوا نصر اللّه، لاستعجالهم و شدّة غيظهم على المشركين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): إنّ الظّنّ في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- على وجهين: ظنّ يقين، و ظنّ شكّ. فهذا ظنّ شكّ. قال: من شكّ أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لن يثيبه‏ (9) في الدّنيا

____________

(1) المصدر: «فما أفتنه بهواه» بدل «فيما افتتنه لهواه».

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 87.

(4) ليس في أ و ن.

(5) نفس المصدر و الموضع.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمّي 2/ 79- 80.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: يصيبه.

56

و الآخرة، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، أي: يجعل بينه و بين اللّه دليلا. و الدّليل على أنّ السّبب هو الدّليل، قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ- في سورة الكهف: وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي: دليلا.

و قال: ثُمَّ لْيَقْطَعْ‏، أي: يميّز. و الدّليل على أنّ القطع هو التّميز قوله‏ (2)- تعالى-: وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً، أي: ميّزناهم. فقوله- عزّ و جلّ-:

ثُمَّ لْيَقْطَعْ‏، أي: يميّز. فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ، أي: حيلته. و الدّليل على أنّ الكيد هو الحيلة، قوله‏ (3)- تعالى-: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ‏، أي: احتلنا (4) له حتّى حبس أخاه. و قوله‏ (5)- تعالى- يحكي قول فرعون: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ‏، أي: حيلتكم.

قال: فإذا وضع لنفسه سببا و ميّز، دلّه على الحقّ. فأمّا العامّة، فإنّهم رووا في ذلك أنّه من لم يصدّق بما قال اللّه- عزّ و جلّ- فليلق‏ (6) حبلا إلى سقف البيت، ثمّ ليختنق.

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار قال: قال الإمام موسى بن جعفر: حدّثني أبي، عن أبيه أبي جعفر- (صلوات اللّه عليهم)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ ربّي وعدني نصرته، و أن يمدّني بملائكته، و أنّه ناصرني بهم و بعليّ [أخي‏] (8) خاصّة من بين أهل بيتي. فاشتدّ ذلك على القوم أن خصّ عليّا- (عليه السلام)- بالنّصرة، و أغاظهم ذلك. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: من كان يظن أن لن ينصر (9) الله محمدا بعلي في الدنيا و الآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ. قال: ليضع حبلا في عنقه إلى سماء بيته يمدّه حتّى يختنق فيموت، فلينظر هل يذهبنّ كيده غيظه‏ (10).

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك الإنزال‏ أَنْزَلْناهُ‏: أنزلنا القرآن كلّه‏ آياتٍ بَيِّناتٍ‏: واضحات.

____________

(1) الكهف/ 84- 85.

(2) الأعراف/ 160.

(3) يوسف/ 76.

(4) المصدر: حيلنا.

(5) طه/ 64.

(6) المصدر: فليلقى.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 334.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ينصره.

(10) س، أ و م: ما يغيظ.

57

وَ أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي‏:

قيل‏ (1): و لأنّ اللّه يهدي به، أو يثبّت على الهدى.

مَنْ يُرِيدُ (16) هدايته، أو ثباته. أنزله كذلك مبيّنا.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئِينَ وَ النَّصارى‏ وَ الْمَجُوسَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالحكومة بينهم، و إظهار المحقّ منهم عن المبطل، أو الجزاء، فيجازي كلّا منهم ما يليق به، و يدخله المحلّ المعدّ له.

و إنّما أدخلت «إنّ» على كلّ واحد من طرفي الجملة، لمزيد التّأكيد.

إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (17): عالم به، مراقب لأحواله.

و في كتاب التّوحيد (2) بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)-: سلوني قبل أن تفقدوني.

فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تؤخذ من المجوس الجزية، و لم ينزل إليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبيّ؟

قال: بلى يا أشعث، قد أنزل اللّه عليهم كتابا، و بعث إليهم رسولا. حتّى كان لهم ملك، سكر ذات ليلة. فدعا بابنته إلى فراشه، فارتكبها. فلمّا أصبح، تسامع به قومه.

فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيّها الملك! دنّست علينا ديننا، و أهلكته! فاخرج، نطهّرك و نقم‏ (3) عليك الحدّ. فقال لهم: اجتمعوا، و اسمعوا قولي، فإن يكن‏ (4) لي مخرج ممّا (5) ارتكبت، و إلّا فشأنكم.

فاجتمعوا. فقال لهم: هل علمتم أنّ اللّه لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم و أمّنا حوّاء؟ قالوا: صدقت أيّها الملك. قال: أو ليس قد زوّج بنيه من بناته [و بناته‏] (6) من بنيه؟

قالوا: صدقت. هذا هو الدّين. فتعاقدوا على ذلك. فمحا اللّه ما في صدورهم من العلم، و رفع عنهم الكتاب. فهم الكفرة يدخلون النّار بلا حساب. و المنافقون أشدّ حالا منهم.

قال الأشعث: و اللّه، ما سمعت بمثل هذا الجواب. و اللّه، لا عدت إلى مثلها أبدا.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏: يتسخّر

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 87.

(2) التوحيد/ 306، ح 1.

(3) كذا في المصدر. و في ع و م: نقيم.

(4) ليس في ع و م.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فما.

(6) ليس في أ.

58

لقدرته، و لا يتأبّى عن تدبيره. أو: يدلّ بذلّه على عظمة مدبّره. و «من» يجوز أن يعمّ أولي العقل و غيرهم، على التّغليب. فيكون قوله:

وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُ‏ إفرادا لها (1) بالذّكر لشهرتها و استبعاد ذلك منها.

و قرئ‏ (2): «و الدّواب» بالتّخفيف، كراهة التّضعيف، أو الجمع بين السّاكنين.

وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏:

عطف عليها، إن جوّز إعمال اللّفظ الواحد في كلّ واحد من مفهوميه. و إسناده باعتبار أحدهما إلى أمر و باعتبار الآخر إلى آخر. فإنّ تخصيص الكثير يدلّ على خصوص المعنى المسند إليهم. أو مبتدأ خبره محذوف، دلّ عليه خبر قسيمه نحو: حقّ له الثّواب، أو فاعل فعل مضمر. أي: يسجد له كثير من النّاس سجود طاعة.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن الأصبغ بن نباتة، قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ للشّمس ثلاثمائة و ستّين برجا. كلّ برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب. و تنزل كلّ يوم على برج منها. فإذا غابت، انتهت إلى حدّ بطنان العرش. فلم تزل ساجدة إلى الغد. ثمّ تردّ إلى موضع مطلعها، و معها ملكان يهتفان معها.

و إنّ وجهها لأهل السّماء، و قفاها لأهل الأرض. و لو كان وجهها لأهل الأرض، لاحترقت الأرض و من عليها، من شدّة حرّها. و معنى سجودها ما قال- سبحانه و تعالى-: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ [وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُ‏] (4) وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏.

وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ‏: بكفره و إبائه عن الطّاعة.

و يجوز أن يجعل «و كثير» تكريرا للأوّل مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب، و أن يعطف به على السّاجدين بالمعنى العامّ موصوفا بما بعده.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 88. و في ع:

«أفردها» بدل «إفرادا لها». و في غيرها: «إفراد لها».

(2) أنوار التنزيل 2/ 88.

(3) الكافي 8/ 157، ح 148.

(4) من المصدر.

59

و قرئ‏ (1): «حقّ» بالضّمّ، و «حقّا» بإضمار فعله.

وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ‏ بالشّقاوة، فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ‏ يكرمه بالسّعادة.

و قرئ‏ (2) بالفتح بمعنى الإكرام.

إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18) من الإكرام و الإهانة.

و في كتاب التّوحيد (3) بإسناده إلى عبد اللّه بن ميمون القّداح، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قيل لعليّ- (عليه السلام)-: إنّ رجلا يتكلّم في المشيئة فقال: ادعه لي. قال: فدعاه له.

فقال له: يا عبد اللّه، خلقك اللّه لما شاء، أو لما شئت؟ قال: لما شاء.

قال: فيمرضك إذا شاء، أو إذا شئت؟ قال: إذا شاء.

قال: فيشفيك إذا شاء، أو إذا شئت؟ قال: إذا شاء.

قال: فيدخلك حيث شاء (4)، أو حيث شئت؟ قال: حيث شاء (5).

قال: فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لو قلت غير هذا، لضربت الّذي فيه عيناك.

و بإسناده‏ (6) إلى سليمان بن جعفر الجعفريّ قال: قال الرّضا- (عليه السلام)-: المشيئة [و الإرادة] (7) من صفات الأفعال. فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريدا شائيا، فليس بموحّد.

هذانِ خَصْمانِ‏، أي: فوجان مختصمان. و لذلك قال: اخْتَصَمُوا حملا على المعنى. و لو عكس جاز. و المراد بهما المؤمنون و الكافرون.

فِي رَبِّهِمْ‏: في دينه، أو في ذاته و صفاته.

و قيل‏ (8): تخاصمت اليهود و المؤمنون. فقال اليهود: نحن أحقّ باللّه، و أقدم منكم كتابا. و نبيّنا قبل نبيّكم. و قال المؤمنون: نحن أحقّ باللّه. آمنّا بمحمّد و نبيّكم، و بما أنزل اللّه من كتاب. و أنتم تعرفون كتابنا و نبيّنا (9)، ثمّ كفرتم به حسدا. فنزلت.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 88.

(3) التوحيد/ 337، ح 2.

4 و 5- كذا في المصدر. و في النسخ: يشاء.

(6) نفس المصدر/ 338، ح 5.

(7) من المصدر.

(8) أنوار التنزيل 2/ 88.

(9) ليس في ن.

60

فَالَّذِينَ كَفَرُوا:

فصل لخصومتهم. و هو المعنيّ بقوله‏ (1): إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

قُطِّعَتْ لَهُمْ‏: قدّرت على مقادير جثثهم.

و قرئ‏ (2) بالتّخفيف.

ثِيابٌ مِنْ نارٍ نيران تحيط بهم إحاطة الثّياب.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن الفضيل، عن ابن‏ (4) أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-:

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا بولاية عليّ- (عليه السلام)- قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ.

و في كتاب الخصال‏ (5) عن النّضر بن مالك قال: قلت للحسين [بن عليّ بن أبي طالب‏] (6)- (عليه السلام)-: يا أبا عبد اللّه، حدّثني عن قوله- تعالى-: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏. فقال: نحن و بنو أميّة اختصمنا في اللّه- تعالى-. قلنا: صدق اللّه.

و قالوا: كذب [اللّه‏] (7). فنحن [و ايّاهم‏] (8) الخصمان يوم القيامة.

و في مجمع البيان‏ (9): قيل: نزلت الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في ستّة نفر من المؤمنين و الكفّار تبارزوا يوم بدر. و هم: حمزة بن عبد المطّلب، قتل عتبة بن ربيعة، و علي بن أبي طالب، قتل الوليد بن عتبة، و عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب، قتل شيبة بن ربيعة.

عن أبي ذرّ الغفاريّ و عطاء. و كان أبو ذرّ يقسم باللّه- تعالى- أنّها نزلت فيهم. و رواه البخاريّ في الصّحيح.

يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ‏ (19): حال من الضّمير في «لهم». أو خبر ثان. و الحميم: الماء [الحارّ] (10).

يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ (20)، أي: يؤثّر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم، كما يذاب به جلودهم.

____________

(1) الحجّ/ 17.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الكافي 1/ 422، ح 51.

(4) ليس في المصدر.

(5) الخصال/ 43، ح 35.

6 و 7 و 8- من المصدر.

(9) المجمع 4/ 77.

(10) من أنوار التنزيل 2/ 88.

61

و الجملة حال من «الحميم»، أو من ضمير «هم».

و قرئ‏ (1) بالتّشديد للتّكثير.

وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21): سياط منه يجلدون بها. جمع مقمعة، و حقيقتها ما يقمع به، أي: يكفّ بعنف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله- عزّ و جلّ-: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏. قال: نحن و بنو أميّة. نحن قلنا: صدق اللّه و رسوله. و قالت بنو أميّة: كذب اللّه و رسوله. فَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني بني أميّة قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ- إلى قوله تعالى:- حَدِيدٍ. قال: [تشويه النار، فتسترخي شفته [السفلى‏] (3) حتى تبلغ سرّته. و تقلّص شفته العليا حديد» قال:] (4) الأعمدة الّتي يضربون بها.

كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها: من النّار.

مِنْ غَمٍ‏: من غمومها. بدل من الهاء بإعادة الجارّ.

أُعِيدُوا فِيها، أي: فخرجوا، أعيدوا. لأنّ الإعادة لا تكون إلّا بعد الخروج.

و قيل: يضربهم لهيب النّار، فيرفعهم إلى أعلاها. فيضربون بالمقامع، فيهوون فيها.

وَ ذُوقُوا، أي: و قيل لهم: ذوقوا عَذابَ الْحَرِيقِ‏ (22): النّار البالغة في الإحراق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله- عزّ و جلّ-: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [ضربا بتلك الأعمدة] (6) وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ‏. فإنّه‏

حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خوّفني، فإنّ قلبي قد قسا. فقال:

يا أبا محمّد، استعدّ للحياة الطّويلة. فإنّ جبرئيل جاء إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو قاطب. و كان قبل ذلك يجي‏ء متبسّما. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا جبرئيل! جئتني اليوم قاطبا! فقال: يا محمّد، وضعت منافخ النّار. فقال:

و ما منافخ النّار يا جبرئيل؟ فقال: يا محمّد، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أمر بالنّار، فنفخ عليها

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 2/ 80.

(3) من المصدر.

(4) لا يوجد في ع.

(5) أنوار التنزيل 2/ 88.

(6) ليس في المصدر.

62

ألف عام، حتّى ابيضّت. ثمّ نفخ عليها ألف عام، حتّى احمرت. ثمّ نفخ عليها ألف عام، حتّى اسودّت. فهي سوداء مظلمة.

و لو أنّ قطرة من الضّريع قطرت في شراب [أهل‏] (1) الدّنيا، لمات أهلها من نتنها. و لو أنّ حلقة واحدة (2) من السّلسلة الّتي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدّنيا، لذابت الدّنيا (3) من حرّها. و لو أنّ سربالا من سرابيل أهل النّار علّق بين السّماء و الأرض، لمات أهل الأرض من ريحه و وهجه.

قال: فبكى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بكى جبرئيل. فبعث اللّه إليهما ملكا فقال لهما: إنّ ربّكما يقرئكما السّلام و يقول: قد آمنتكما أن تذنبا ذنبا أعذّبكما عليه.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: فما رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [جبرئيل‏] (4) متبسّما بعد ذلك. ثمّ قال: إنّ أهل النّار يعظّمون النّار. و إنّ أهل الجنّة يعظّمون الجنّة و النّعيم. و إنّ [أهل‏] (5) جهنّم إذا دخلوها، هووا فيها مسيرة سبعين عاما. فإذا [بلغوا أعلاها] (6) قمعوا بمقامع الحديد، و أعيدوا في دركها.

هذه حالهم‏ (7). و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ‏. ثمّ تبدّل جلودهم غير الجلود (8) الّتي كانت عليهم.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: حسبك يا أبا محمّد؟ قلت: حسبي، حسبي.

و في مجمع البيان‏ (9): و قد روي‏ أنّ اللّه- تبارك و تعالى- يجوّعهم حتّى ينسوا عذاب النّار من شدّة الجوع‏ (10). فيصرفون إلى مالك، فيحملهم إلى تلك الشّجرة. و فيهم أبو جهل. فيأكلون منها فتغلي بطونهم كغلي الحميم. فيسقون‏ (11) شربة من الماء الحارّ الّذي بلغ نهايته في الحرارة. فإذا قرّبوها (12) من وجوههم، شوت وجوههم. فذلك قوله‏ (13)- تعالى-:

يَشْوِي الْوُجُوهَ‏. فإذا وصل إلى بطونهم، صهر ما في بطونهم كما قال- سبحانه-:

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في م.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) ليس في أ.

(7) ليس في ن.

(8) المصدر: جلودا غير الجلود.

(9) المجمع 4/ 446.

(10) من ع.

(11) المصدر: فيستسقون.

(12) م: أقربوها.

(13) الكهف/ 29.

63

يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: (1) من شرب الخمر، لم يقبل له صلاة أربعين يوما. فإن مات، و في بطنه شي‏ء من ذلك، كان حقّا على اللّه- عزّ و جلّ- أن يسقيه من طينة خبال. و هو صديد أهل النّار، و ما يخرج من فروج الزّناة. فيجتمع ذلك في قدور جهنّم، فيشربه أهل النّار، ف يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ. رواه شعيب‏ (2) بن واقد (3) عن الحسين بن زيد، عن الصّادق، عن آبائه- (عليهم السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و روى أبو سعيد الخدريّ‏ (4) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- [في قوله:] (5) وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ: لو وضع مقمع من حديد في الأرض، ثمّ اجتمع عليه الثّقلان، ما أقلّوه من الأرض.

و عن علا بن سيابة (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال:] (7) قلت له: إنّ النّاس يتعجّبون‏ (8) منّا إذا قلنا: يخرج من النّار قوم فيدخلون الجنّة. فيقولون لنا: فيكونون مع أولياء اللّه [في الجنّة] (9)!؟ فقال: يا علا، إنّ اللّه يقول‏ (10): وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ‏. لا و اللّه، ما يكونون مع أولياء اللّه.

قلت: كانوا كافرين؟ قال: لا و اللّه، لو كانوا كافرين، ما دخلوا الجنّة.

قلت: كانوا مؤمنين؟ قال: لا و اللّه، لو كانوا مؤمنين، ما دخلوا النّار. و لكن بين ذلك.

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:

غيّر الأسلوب فيه، و أسند الإدخال إلى اللّه- تعالى- و أكّده ب «إنّ» إحمادا لحال المؤمنين و تعظيما لشأنهم.

____________

(1) نفس المصدر 3/ 308.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: شبيب.

(3) كذا في المصدر، م. و في سائر النسخ: واقذ.

(4) نفس المصدر 4/ 78.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 5/ 210.

(7) من المصدر.

(8) ع: يعجبون.

(9) ليس في س و أ.

(10) الرحمن/ 62.

64

يُحَلَّوْنَ فِيها:

من: حلّيت المرأة: إذا ألبست الحليّ.

و قرئ‏ (1) بالتّخفيف. و المعنى واحد.

مِنْ أَساوِرَ:

صفة مفعول محذوف. و «أساور» جمع أسورة، و هي جمع سوار.

مِنْ ذَهَبٍ‏:

بيان له.

وَ لُؤْلُؤاً:

عطف عليها، لا على «ذهب»- لأنّه لم يعهد السّوار منه- إلّا أن يراد المرصّعة به.

و نصبه نافع و عاصم، عطفا على محلّها، أو إضمار النّاصب، مثل: و يؤتون.

و روى‏ (2) حفص بهمزتين.

و قرئ‏ (3): «لؤلوا» بقلب الثّانية واوا. و «لوليا» بقلبهما واوين، ثمّ قلب الثّانية ياء.

و «ليليا» بقلبهما ياءين. و «لول» كأدل.

وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23):

غيّر أسلوب الكلام فيه، للدّلالة على أنّ الحرير ثيابهم المعتادة. أو للمحافظة على هيئة الفواصل.

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (4): ثمّ ذكر- سبحانه- ما أعدّه للمؤمنين. فقال- جلّ ذكره-: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏- إلى قوله تعالى:- وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.

حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير قال، قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، شوّقني. فقال:

يا أبا محمّد، إنّ من أدنى نعيم الجنّة أن يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدّنيا. و إنّ أدنى أهل الجنّة منزلا، لو نزل به الثّقلان- الجنّ و الإنس- لوسعهم طعاما و شرابا، و لا ينقص ممّا عنده شي‏ء (5). و إنّ أيسر أهل الجنّة منزلة من يدخل الجنّة فيرفع له ثلاث حدائق. فإذا دخل أدنا هنّ، رأى فيها من الأزواج و الخدم و الأنهار و الثّمار ما شاء

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 89.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 2/ 81- 83.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: شيئا.

65

اللّه، ممّا يملأ عينه قرّة و قلبه مسرّة. فإذا شكر اللّه و حمده، قيل له: ارفع رأسك إلى الحديقة الثّانية! ففيها ما ليس في الأولى‏ (1). فيقول يا ربّ، أعطني هذه! فيقول اللّه- تعالى-: إن أعطيتكها، سألتني غيرها. فيقول: يا ربّ، هذه! هذه! فإذا هو دخلها، شكر اللّه و حمده.

قال: فيقال: افتحوا له بابا إلى الجنّة (2). و يقال له: ارفع رأسك. فإذا قد فتح له باب من الخلد، و يرى أضعاف ما كان فيما قبل. فيقول عند مضاعفة (3) مسرّاته: ربّ، لك الحمد الّذي لا يحصى، إذ مننت عليّ بالجنان، و أنجيتني من النّيران.

قال أبو بصير: فبكيت و (4) قلت له: جعلت فداك، زدني! قال: يا أبا محمّد، إنّ في الجنّة نهرا في حافّتيه‏ (5) جوار نابتات. إذا مرّ المؤمن بجارية أعجبته، قلعها. و أنبت اللّه- عزّ و جلّ- مكانها أخرى.

قلت: جعلت فداك، زدني! قال‏ (6): يا أبا محمّد، المؤمن يزوّج ثمانمائة عذراء و أربعة آلاف ثيّب و زوجتين من الحور العين.

قلت: جعلت فداك، ثمانمائة عذراء!؟ قال: نعم، ما يفترش منهنّ‏ (7) شيئا، إلّا وجدها كذلك.

قلت: جعلت فداك، من أيّ شي‏ء خلقهنّ‏ (8) الحور العين؟ قال: من تربة الجنّة النّورانيّة. و يرى مخّ ساقيها (9) من وراء سبعين حلّة. كبدها مرآته، و كبده مرآتها.

قلت: جعلت فداك، أ لهنّ كلام يتكلّمن به في الجنّة (10)؟ قال: نعم، كلام لم يسمع الخلائق أعذب منه‏ (11).

قلت: ما هو قال: يقلن [بأصوات رخيمة] (12): نحن الخالدات، فلا نموت. و نحن النّاعمات، فلا نبؤس. و نحن المقيمات، فلا نظعن. و نحن الرّاضيات، فلا نسخط. طوبى‏

____________

(1) المصدر: الأخرى.

(2) المصدر: افتحوا له باب الجنّة.

(3) المصدر: تضاعف.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: حافّته.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: فهينّ.

(8) كذا في ع. و في سائر النسخ و المصدر:

خلقن.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ساقها.

(10) المصدر: يكلّمن به اهل الجنّة.

(11) المصدر: كلام يتكلّمن به لم يسمع الخلائق بمثله.

(12) لا يوجه في المصدر.

66

لمن خلق لنا. و طوبى لمن خلقنا له. و نحن اللّواتي لو أنّ قرن إحدانا (1) علّق في جوّ السّماء لأغشى نوره الأبصار.

فهاتان الآيتان و تفسيرهما ردّ على من أنكر خلق الجنّة و النّار.

وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ‏:

و هو قولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ‏ (2). أو كلمة التّوحيد.

وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ (24): المحمود نفسه، أو عاقبته، و هو الجنّة. أو الحقّ، أو المستحقّ لذاته لغاية (3) الحمد، و هو اللّه- تعالى- و صراطه الإسلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ‏.

قال: التّوحيد و الإخلاص. وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ. قال: إلى الولاية.

و في محاسن البرقيّ‏ (5): عنه، عن أبيه، عمّن ذكره، عن حنان أبي عليّ، عن ضريس الكناسيّ قال: سألت أبا جعفر (6)- (عليه السلام)- عن قول اللّه: وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ. فقال: هو- و اللّه- هذا الأمر الّذي أنتم عليه.

و في أصول الكافي‏ (7): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد [عن محمّد] (8) بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله:

وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ قال: ذلك حمزة و جعفر و عبيدة و سلمان و أبو ذرّ و المقداد بن الأسود و عمّار. هدوا إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام).

و في مجمع البيان‏ (9): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: ما أحد أحبّ إليه الحمد من اللّه- عزّ (10) ذكره.

و في شرح الآيات الباهرة (11): انّ قوله- تعالى-: هذانِ خَصْمانِ‏- إلى قوله:- الْحَرِيقِ» نزلت في شيبة و عتبة و الوليد أهل بدر، على ما يأتي بيانه. و قوله:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أحدبنا.

(2) الزمر/ 74.

(3) ليس في ن.

(4) تفسير القمي 2/ 83.

(5) المحاسن/ 169، ح 133.

(6) ن و المصدر: أبا عبد الله.

(7) الكافي 1/ 426، ح 71.

(8) من المصدر.

(9) المجمع 4/ 78.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(11) تأويل الآيات الباهرة 1/ 334، ح 2 و 3.

67

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ‏- إلى قوله:- صِراطِ الْحَمِيدِ نزلت في عليّ اللّه- (عليه السلام)- و حمزة و عبيدة يوم بدر، على ما يأتى تأويله.

و هو ما رواه محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن إبراهيم بن عبد اللّه بن مسلم‏ (1)، عن حجّاج بن منهال بإسناده إلى قيس بن عبّاد، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أنّه قال: أنا أوّل من يجثو للخصومة بين يدي الرّحمن.

و قال قيس: و فيهم نزلت هذه الآية: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏. و هم الّذين تبارزوا يوم بدر: عليّ- (عليه السلام)- و حمزة و عبيدة [و شيبة و عتبة و الوليد.

و روى محمّد بن يعقوب‏ (2)- (رحمه اللّه)- عن عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن‏] (3) الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا بولاية عليّ [و الأئمّة] (4) قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏:

لا يريد به حالا و لا استقبالا، و إنّما يريد استمرار الصّدّ منهم، كقولهم: فلان يعطي و يمنع. و لذلك حسن عطفه على الماضي.

و قيل: (5) و حال من فاعل «كفروا»، و خبر «إنّ» محذوف دلّ عليه آخر الآية. أي:

معذّبون.

وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏:

عطف على اسم اللّه.

و أوّله الحنفيّة بمكّة. و استشهدوا بقوله: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ- أي: المقيم و الطارئ- على عدم جواز بيع دورها و إجارتها.

قيل‏ (6): و هو مع ضعفه معارض بقوله‏ (7)- تعالى-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ‏.

و «سواء» خبر مقدّم، و الجملة مفعول ثان ل «جعلناه» و يكون «للنّاس» حالا من‏

____________

(1) ن: سالم.

(2) نفس المصدر، ح 4.

(3) لا يوجد في أ.

(4) ليس في المصدر.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 89.

(7) الحجّ/ 40.

68

الهاء، و إلّا فحال من المستكنّ فيه.

و نصبه‏ (1) حفص، على أنّه المفعول أو الحال و «العاكف» مرتفع به.

و قرئ‏ (2): «العاكف»- بالجرّ- على أنّه بدل من النّاس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ. قال: نزلت في قريش حين صدّوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن مكّة. و قوله: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ. قال: أهل مكّة و من جاء إليهم من البلدان. فهم سواء لا يمنع من النّزول و دخول الحرم.

و في نهج البلاغة (4): من كتاب كتبه إلى قثم بن العبّاس- رحمهما اللّه- و هو عامله على مكّة: و أمر أهل مكّة أن لا يأخذوا من ساكن‏ (5) أجرا. فإنّ اللّه- سبحانه- يقول:

سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ. فالعاكف: المقيم به. و البادي: الّذي يحجّ إليه من غير أهله.

و في قرب الإسناد للحميريّ‏ (6) بإسناده إلى أبي جعفر، عن أبيه، عن عليّ- (عليهم السلام)‏- كره إجارة بيوت مكّة و قرأ: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ.

و في تهذيب الأحكام‏ (7): موسى بن القاسم، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي العلا قال: ذكر أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- هذه الآية سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ فقال: كانت مكّة ليس على شي‏ء منها باب‏ (8). و كان أوّل من علّق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان [لعنه اللّه‏] (9). و ليس ينبغي لأحد أن يمنع الحاجّ شيئا من الدّور و منازلها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10): حدّثنا أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن‏

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 83.

(4) النهج/ 458، الكتاب 67.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: مساكن.

(6) قرب الإسناد/ 65.

(7) التهذيب 5/ 420، ح 1458.

(8) ليس في ع.

(9) من المصدر.

(10) العلل/ 396- 397، ح 1.

69

عثمان النّاب، عن عبيد اللّه‏ (1) بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ. فقال:

لم يكن ينبغي أن يصنع‏ (2) على دور مكّة أبواب، لأنّ للحاجّ أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدّار، حتّى يقضوا مناسكهم. و إنّ أوّل من جعل لدور مكّة أبوابا معاوية- لعنة اللّه عليه.

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلا قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ معاوية أوّل من علّق على بابه مصراعين بمكّة، فمنع حاجّ بيت اللّه. ما قال اللّه- عزّ و جلّ-: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ. و كان النّاس‏ (4) إذا قدموا مكّة، نزل البادي على الحاضر حتّى يقضي حجّه.

و كان معاوية صاحب السّلسلة الّتي قال اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ‏. و كان فرعون هذه الأمّة.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): موسى بن القاسم، عن ابن أبي عمير- إلى أن قال:- و عنه، عن عبد الرّحمن، عن حمّاد، عن حريز قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الطّواف بغير أهل‏ (7) مكّة ممّن جاور بها أفضل أو الصّلاة. فقال: الطّواف للمجاورين أفضل. و الصّلاة لأهل مكّة و القاطنين بها أفضل من الطّواف.

و عنه‏ (8)، عن عبد الرّحمن، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، و حمّاد و هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أقام‏ (9) الرّجل بمكّة سنة، فالطّواف أفضل. و إذا أقام‏ (10) سنتين، خلط من هذا و هذا. فإذا أقام‏ (11) ثلاث سنين، فالصّلاة أفضل.

موسى بن القاسم قال‏ (12): حدّثنا عبد الرحمن، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أقام بمكّة سنتين، فهو من أهل مكّة،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللّه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يضع.

(3) الكافي 4/ 243- 244، ح 1.

(4) ليس في س و أ.

(5) الحاقّة/ 32- 33.

(6) التهذيب 5/ 446، ح 1555.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «يعني لأهل» بدل بغير أهل».

(8) نفس المصدر/ 447، ح 1556.

9 و 10 و 11- كذا في المصدر. و في النسخ: قام.

(12) نفس المصدر/ 34، ح 101.

70

لا متعة له.

فقلت لأبي جعفر: أ رأيت إن كان له أهل بالعراق و أهل بمكّة؟ قال: فلينظر أيّهما الغالب عليه، فهو من أهله.

و عنه‏ (1)، عن محمّد بن عذافر، عن عمر (2) بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين. فإذا جاوز سنتين، كان قاطنا، و ليس له أن يتمتّع.

و عنه‏ (3)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-: لأهل مكّة أن يتمتّعوا؟ فقال: لا، ليس لأهل مكّة أن يتمتّعوا.

قال: قلت: فالقاطنون بها؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين، صنعوا كما يصنع أهل مكّة. فإذا أقاموا شهرا، فإنّ لهم أن يتمتّعوا.

قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم.

قلت: من أين يهلّون بالحجّ؟ قال: من مكّة نحوا ممّا يقول النّاس.

وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ‏:

ممّا ترك مفعوله، ليتناول كلّ متناول.

و قرئ‏ (4) بالفتح، من الورود.

بِإِلْحادٍ: عدول عن القصد بِظُلْمٍ‏: بغير حقّ.

و هما حالان مترادفان. أو الثّاني بدل من الأوّل، بإعادة الجارّ. أو صلة له. أي:

ملحدا بسبب الظّلم، كالإشراك و اقتراف الآثام.

نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ (25):

جواب ل «من».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏. قال: نزلت فيمن يلحد بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- [و يظلمه‏] (6).

____________

(1) نفس المصدر، ح 102.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة. و في النسخ:

عمير.

(3) نفس المصدر/ 35، ح 103.

(4) أنوار التنزيل 2/ 89.

(5) تفسير القمّي 2/ 83.

(6) لا يوجد في المصدر.

71

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1): أبي- رحمة اللّه عليه‏ (2)- قال: حدّثنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن [محمّد بن‏] (3) عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل‏ (4)، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏. فقال: كلّ ظلم يظلم به الرّجل نفسه بمكّة- من سرقة، أو ظلم أحد، أو شي‏ء من الظّلم- فإنّي أراه إلحادا.

و لذلك كان ينهى أن يسكن الحرم.

حدّثنا محمّد بن الحسن‏ (5) قال: [حدّثنا محمد بن الحسن الصفّار قال:] (6) حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان و معاوية بن حفص، عن منصور جميعا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- في المسجد الحرام. فقيل له: إنّ سبعا من سباع الطّير على الكعبة ليس يمرّ به شي‏ء من حمام الحرم إلّا ضربه. فقال: انصبوا له و اقتلوه، فإنّه قد ألحد في الحرم.

و في أصول الكافي‏ (7): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة و عليّ بن عبد اللّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- [في قول اللّه- عزّ و جلّ:] (8) وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ‏ قال: نزلت فيهم، حيث دخلا الكعبة، فتعاهدوا و تعاقدوا على كفرهم و جحودهم بما نزل في أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فألحدوا في البيت بظلمهم الرّسول و وليّه. فبعدا للقوم الظّالمين.

و في الكافي‏ (9): عن ابن أبي عمير، عن معاوية قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ‏. قال: كلّ ظلم إلحاد.

و ضرب الخادم من غير ذنب من ذلك الإلحاد.

____________

(1) العلل/ 445، ح 1. و في الكافي 4/ 227، ح 3: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، ... مثله.

كما سيورده المصنّف بعد صفحات.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «مرة» بدل «رحمة اللّه عليه».

(3) من المصدر.

(4) المصدر: الفضل.

(5) نفس المصدر/ 453، ح 4.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 1/ 421، ح 44.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر 4/ 227، ح 2.

72

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ‏. قال: كلّ ظلم إلحاد و ضرب الخادم في غير ذنب.

و في روضة الكافي‏ (2): ابن محبوب، عن أبي ولّاد و غيره من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ ذكره-: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ‏ (3) فقال:

من عبد فيه غير اللّه- عزّ و جلّ- أو تولّى فيه غير أولياء اللّه، فهو ملحد بظلم. و على اللّه- تبارك و تعالى- أن يذيقه من عذاب أليم.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبان، عن حكيم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أدنى الإلحاد. فقال: إنّ الكبر أدناه.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): روى موسى بن القاسم، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا ثمّ قال:

و عنه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏.

قال: كلّ الظّلم فيه الحاد. حتّى لو ضربت خادمك ظلما، خشيت‏ (6) أن يكون إلحادا.

و في الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏. فقال: كلّ ظلم يظلم الرّجل نفسه بمكّة- من سرقة، أو ظلم أحد، أو شي‏ء من الظّلم- فإنّي أراه إلحادا.

____________

(1) يوجد في الكافي (4/ 227، ح 3) حديث آخر بهذا السند، كما سيورده المؤلّف (ره) عن قريب.

و متن هذا الحديث يوجد عينا في الحديث الماضي بحذف «من ذلك الإلحاد» من آخره. و أمّا حديث بالصورة الموجودة في المتن، فلا يوجد في الكافي. و الظاهر أنّ هذا الحديث نشأ من غلط النسّاخ.

(2) الكافي 8/ 337، ح 533.

(3) لا يوجد في المصدر.

(4) نفس المصدر 2/ 309، ح 1.

(5) التهذيب 5/ 420، ح 1457.

(6) م: أخشيت.

(7) الكافي 4/ 227، ح 3.

73

و لذلك كان يتّقي أن يسكن الحرم.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار قال:

حدّثني إسماعيل بن جابر قال: كنت فيما بين مكّة و المدينة أنا و صاحب لي. فتذاكرنا الأنصار. فقال أحدنا: هم [نزّاع من قبائل. و قال: أحدنا هم‏] (2) من أهل اليمن.

قال: فانتهينا إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و هو جالس في ظلّ شجرة. فابتدأ الحديث- و لم نسأله- فقال:

[إنّ تبّعا] (3) لمّا أن جاء من قبل العراق، و جاع معه العلماء و أبناء الأنبياء، فلمّا انتهى إلى هذا الوادي لهذيل، أتاه ناس من بعض القبائل. فقالوا: إنّك تأتي أهل بلدة قد لعبوا بالنّاس زمانا طويلا حتّى اتّخذوا بلادهم حرما و بيتهم‏ (4) ربّا أو ربّة. فقال: إن كان كما تقولون، قتلت مقاتليهم، و سبيت ذرّيّتهم و هدمت بنيتهم‏ (5).

قال: فسالت عيناه حتّى وقعتا على خدّيه. قال: فدعا العلماء و أبناء الأنبياء فقال:

انظروني و أخبروني لما أصابني هذا.

قال: فأبوا أن يخبروه حتّى عزم عليهم. قالوا: حدّثنا بأيّ شي‏ء حدّثت نفسك؟ قال:

حدّثت نفسي أن أقتل مقاتليهم‏ (6)، و أسبي ذرّيّتهم، و أهدم بنيتهم‏ (7). فقالوا إنا لا ندري الّذي أصابك إلّا لذلك. قال: و لم هذا؟ قالوا: لأنّ البلد حرم اللّه، و البيت بيت اللّه، و سكّانه ذرّيّة إبراهيم خليل الرّحمن. فقال: صدقتم فما مخرجي‏ (8) ممّا وقعت فيه؟ قالوا:

تحدّث نفسك [بغير ذلك. فعسى اللّه أن يردّ عليك.

قال: فحدث نفسه بخير. فرجعت صدقتاه حتى ثبتتا مكانهما.

قال: فدعا بالقوم‏] (9) الّذين أشاروا عليه يهدمها، فقتلهم. ثمّ أتى البيت و كساه و أطعم الطّعام ثلاثين يوما، كلّ يوم [مائة] (10) جزور، حتّى حملت الجفان إلى السّباع في رؤوس‏

____________

(1) الكافي 4/ 215، ح 1.

(2) ليس في م.

(3) لا يوجد في س، أ، ن. و في ع بعدها هذه الزيادة: «لما جاءا».

(4) المصدر: بنيتهم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: أبنيتهم.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: مقاتليهم.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أبنيتهم.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يجزى.

(9) ليس في أ.

(10) من المصدر.

74

الجبال، و نثرت الأعلاف في الأدوية للوحش.

ثمّ انصرف من مكّة إلى المدينة. فأنزل بها قوما من أهل اليمن من غسّان. و هم الأنصار.

و في رواية أخرى: كساه النّطاع و طيّبه.

وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏، أي: و اذكر إذ عيّنّاه، و جعلناه‏ (1) له مباءة.

و قيل‏ (2): اللّام زائدة و مكان ظرف. أي: و إذ أنزلناه فيه.

قيل‏ (3): رفع البيت الى السّماء، أو انطمس أيّام الطّوفان، فأعلم [اللّه‏] (4) إبراهيم مكانه بريح أرسلها، فكنست ما حوله. فبناه على أسّه القديم.

أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (26):

«أن» مفسّرة ل «بوّأنا» من حيث إنّه تضمّن معنى تعبّدنا. لأنّ التّبوئة من أجل العبادة. أو مصدريّة موصولة بالنّهي. أي: فعلنا ذلك، لئلّا تشرك بعبادتي، و تطهّر بيتي من الأوثان و الأقذار (5) لمن يطوف به و يصلّي فيه. و لعلّه عبّر عن الصّلاة بأركانها، للدّلالة على أنّ كلّ واحد منها مستقلّ باقتضاء ذلك، كيف و قد اجتمعت.

و قرئ‏ (6): «يشرك» بالياء.

و قرأ (7) نافع و حفص و هشام: «بيتي» بالفتح.

و في الكافي‏ (8): حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تعالى- قال‏ (9) في كتابه: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. فينبغي للعبد أن لا يدخل مكّة، إلّا و هو طاهر، و قد غسل عرقه و الأذى، و تطهّر.

عليّ بن إبراهيم‏ (10)، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا عن‏

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 89. و في النسخ:

جعلنا.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) من المصدر.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 90. و في النسخ:

الإقرار.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) الكافي 4/ 400، ح 3.

(9) ليس في م.

(10) نفس المصدر/ 240، ح 2.

75

ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ للّه‏ (1)- تبارك و تعالى- حول الكعبة عشرين و مائة رحمة. منها ستّون للطّائفين، و أربعون للمصلّين، و عشرون للنّاظرين.

و في تهذيب الأحكام‏ (2): روى الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن عمران الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ تغسل النّساء إذا أتين البيت؟ فقال:

نعم إنّ اللّه- تعالى- يقول: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.

و ينبغي للعبد أن لا يدخل إلّا و هو طاهر، قد غسل عنه العرق و الأذى، و تطهّر.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود قال: قال الإمام موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: قوله- تعالى-: طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ يعني بهم آل محمد- (صلوات اللّه عليهم).

و في كتاب التّوحيد (4) بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عمّا يروون أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق آدم على صورته. فقال: هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها اللّه، و اختارها على سائر الصّور المختلفة. فأضافها إلى نفسه- كما أضاف الكعبة إلى نفسه و الرّوح إلى نفسه- فقال: «بيتي» و قال‏ (5): نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏.

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ‏: ناد فيهم.

و قرئ‏ (6): «آذن».

و قيل‏ (7): الخطاب لرسول اللّه. أمر بذلك في حجّة الوداع.

بِالْحَجِ‏: بدعوة الحجّ و الأمر به.

و في الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و الحسين بن محمّد، عن عبد اللّه‏ (9) بن عامر،

____________

(1) المصدر: اللّه.

(2) التهذيب 5/ 251، ح 852.

(3) تأويل الآيات الباهرة 1/ 335- 336، ح 7.

(4) التوحيد/ 103، ح 18.

(5) الحجر/ 29، و ص/ 72.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 90.

(8) الكافي 4/ 205، ح 4.

(9) المصدر: عبدويه.

76

و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، [جميعا عن أحمد بن محمّد] (1) بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن عقبة بن بشير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: إنّ اللّه- تعالى- أمر إبراهيم ببناء الكعبة، و أن يرفع قواعدها، و يري النّاس مناسكهم. فبنى إبراهيم و إسماعيل البيت كلّ يوم سافا (2)، حتّى انتهى إلى موضع الحجر الأسود.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فنادى أبو قبيس إبراهيم- (عليه السلام)-: إنّ لك عندي وديعة. فأعطاه‏ (3) الحجر. فوضعه موضعه. ثمّ إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- أذّن في النّاس بالحجّ فقال: يا أيّها النّاس! إنّي إبراهيم خليل اللّه. إنّ اللّه يأمركم‏ (4) أن تحجّوا هذا البيت، فحجّوه. فأجابه من يحجّ إلى يوم القيامة. و كان أوّل من أجابه من أهل اليمن.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال:

حدّثنا أحمد و عليّ ابنا الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عمرو بن سعيد المدائنيّ، عن موسى بن قيس بن أخي عمّار بن موسى السّاباطيّ، عن مصدّق [بن صدقة] (6)، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [أو عن عمّار عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (7) قال: لمّا أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى إبراهيم أن‏ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ‏، أخذ الحجر الّذي فيه أثر قدميه- و هو المقام- فوضعه بحذاء البيت، لاصقا بالبيت، بحيال الموضع الّذي هو فيه اليوم. ثمّ قام عليه. فنادى بأعلى صوته بما أمره اللّه- عزّ و جلّ- به. فلمّا تكلّم بالكلام، لم يحتمله الحجر، فغرقت رجلاه فيه. فقلع إبراهيم- (عليه السلام)- رجليه‏ (8) من الحجر قلعا. فلمّا كثر (9) النّاس، و صاروا إلى الشّرّ و البلاء (10)، ازدحموا عليه. فرأوا أن يضعوه في هذا الموضع الّذي هو فيه [اليوم‏] (11) ليخلو المطاف‏ (12) لمن يطوف بالبيت.

____________

(1) ليس في م.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ساقا.

(3) م: و أعطاه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أمركم.

(5) العلل/ 423، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: رجله.

(9) م: أكثر.

(10) م: و صاروا إلى المشرق و البلاد.

(11) من المصدر.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: الطّواف.

77

فلمّا بعث اللّه- عزّ و جلّ- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- ردّه إلى الموضع الّذي وضعه فيه إبراهيم- (عليه السلام)-. فما زال فيه، حتّى قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و في زمن أبي بكر و أوّل ولاية عمر. ثمّ قال عمر: قد ازدحم النّاس على هذا المقام، فأيّكم يعرف موضعه [في الجاهليّة] (1)؟ فقال له رجل: أنا أخذت قدره بقدر. قال:

و القدر عندك؟ قال: نعم. قال: فأت به. فجاء به. فأمر بالمقام، فحمل و ردّ إلى الموضع الّذي هو فيه السّاعة.

يَأْتُوكَ رِجالًا: مشاة. جمع راجل، كقيام و قائم.

و قرئ‏ (2) بضمّ الرّاء مخفّف الجيم و مثقّله. و «رجالي»- كعجالى.

وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ، أي: و ركبانا على كلّ بعير مهزول أتعبه بعد السّفر فهزله.

يَأْتِينَ‏:

صفة ل «ضامر» محمولة على معناه.

و قرئ‏ (3): «يأتون» صفة للرّجال و الرّكبان، أو استئناف، فيكون الضّمير للّناس.

مِنْ كُلِّ فَجٍ‏: طريق‏ عَمِيقٍ‏ (27): بعيد.

و قرئ‏ (4): «معيق». يقال: بئر بعيدة العمق و المعق بمعنى.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5) بإسناده إلى الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته: لم جعلت التّلبية؟ فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى إبراهيم- (عليه السلام)-: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا. فنادى. فأجيب من كلّ فجّ عميق [يلبّون‏] (6).

أبي- رضي اللّه عنه- قال‏ (7): حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أمر اللّه- عزّ و جلّ- إبراهيم و إسماعيل- (عليهما السلام)- ببناء البيت، و تمّ‏

____________

(1) ليس في ن.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 90.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) العلل/ 416، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر/ 419، ح 1.

78

بناؤه، أمره أن يصعد ركنا ثمّ ينادي في النّاس: ألا هلمّ الحجّ! [ألا (1) هلمّ الحجّ!] (2). فلو نادى: «هلّموا إلى الحجّ» لم يحجّ إلّا من كان يومئذ إنسيّا مخلوقا. و لكن نادى: «هلّم الحجّ» فلبّى النّاس في أصلاب الرّجال: «لبّيك داعي اللّه! لبّيك داعي اللّه!». فمن لبّى عشرا، حجّ عشرا. و من لبّى خمسا، حجّ خمسا. و من لبّى أكثر، فبعدد ذلك. و من لبّى واحدة (3)، حجّ واحدة (4). و من لم يلبّ، لم يحج.

و بإسناده‏ (5) إلى غالب بن عثمان، عن رجل من أصحابنا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- جلّ جلاله- لمّا أمر إبراهيم- (عليه السلام)- ينادي في النّاس بالحجّ، قام على المقام. فارتفع به، حتّى صار بإزاء أبي قبيس. فنادى في النّاس بالحجّ.

فأسمع من في أصلاب الرّجال و أرحام النّساء، إلى أن تقوم السّاعة.

و في الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أمر إبراهيم و إسماعيل ببناء البيت، تمّ بناؤه، قعد إبراهيم على ركن. ثمّ نادى: هلمّ الحجّ [هلمّ الحجّ‏] (7). فلو نادى: هلمّوا- و ذكر مثل ما نقلناه عن كتاب العلل.

عليّ بن إبراهيم‏ (8)، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالمدينة عشر سنين لم يحجّ. ثمّ أنزل اللّه- تعالى- عليه: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ [مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏. فأمر المؤذّنين أن يؤذّنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحجّ في عامه هذا. فعلم به من حضر في المدينة] (9) و أهل العوالي‏ (10) و الأعراب، و اجتمعوا لحجّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و إنّما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون و يتّبعونه، أو يصنع شيئا فيصنعونه.

فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أربع بقين من ذي القعدة. فلمّا انتهى‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) لا يوجد في ع و س.

3 و 4- المصدر: واحدا.

(5) نفس المصدر/ 419- 420، ح 2.

(6) الكافي 4/ 206، ح 6.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 245، ح 4.

(9) ليس في أ.

(10) العوالي: قرى بظاهر المدينة.

79

إلى ذي الحليفة، زالت الشّمس. فاغتسل. ثمّ خرج حتّى أتى المسجد الّذي عند الشّجرة، فصلّى فيه الظّهر. و عزم بالحجّ مفردا، و خرج حتّى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل.

فصفّ النّاس سماطين‏ (1). فلبّى بالحج مفردا، و ساق الهدي ستّا و ستّين، أو أربعا و ستّين.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في عوالي اللآلي‏ (2): و روي عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: إنّما الحاجّ الشّعث‏ (3) الغبر، يقول اللّه- تعالى- لملائكة: انظروا إلى زوّار بيتي! قد جاؤوني شعثا غبرا من كلّ فجّ عميق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: و لمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت، [أمره اللّه أن يؤذّن في النّاس بالحجّ. فقال: يا ربّ، ما يبلغ صوتي! فقال اللّه: أذّن! عليك الأذان، و عليّ البلاغ. و ارتفع على المقام، و هو يومئذ ملصق بالبيت‏] (5). فارتفع به المقام، حتّى كان أطول من الجبال. فنادى و أدخل إصبعيه في أذنيه‏ (6)، و أقبل بوجهه شرقا و غربا يقول:

أيّها النّاس! كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق. فأجيبوا ربّكم.

فأجابوه من تحت البحور السّبعة، و من بين المشرق و المغرب- إلى منقطع التّراب من أطراف الأرض كلّها- و من أصلاب الرّجال و أرحام النّساء، بالتّلبية: [لبّيك اللّهمّ‏] (7) لبّيك! أولا ترونهم يأتون يلبّون!؟ فمن حجّ من يومئذ إلى يوم القيامة، فهم ممّن استجاب للّه. و ذلك قوله‏ (8): فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏. يعني بذلك نداء إبراهيم على المقام [بالحجّ‏] (9).

و في مجمع البيان‏ (10): و في الشّواذّ قراءة ابن عبّاس: «رجّالا»- بالتّشديد و الضّمّ.

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-

[و روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏] (11) أنّه‏

____________

(1) أي: صفّين. و في المصدر: سماطان.

(2) العوالي 4/ 36، ح 123.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: شعثاء غبراء.

(4) تفسير القميّ 2/ 83.

(5) ليس في م.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إصبعه في أذنه.

(7) ليس في م.

(8) آل عمران/ 97.

(9) من المصدر.

(10) المجمع 4/ 79 و 80.

(11) ليس في م.

80

قرأ: «يأتون».

لِيَشْهَدُوا: ليحضروا مَنافِعَ لَهُمْ‏ دينيّة و دنيويّة.

و تنكيرها، لأنّ المراد بها نوع من المنافع مخصوص بهذه العبادة.

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن الرّبيع بن خيثم قال: شهدت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و هو يطاف به حول الكعبة في محمل، و هو شديد المرض‏ (2). فكان كلّما بلغ الرّكن اليمانيّ، أمرهم، فوضعوه بالأرض. فأخرج يده من كوّة المحمل حتّى يجرّها على الأرض. ثمّ يقول:

ارفعوني.

فلمّا فعل ذلك مرارا في كلّ شوط، قلت له: جعلت فداك، يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّ هذا يشقّ عليك! فقال: إنّي سمعت اللّه- عزّ و جلّ- يقول:

لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏. فقلت: منافع الدّنيا، أو منافع الآخرة؟ فقال: الكلّ.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (3)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن أبي المغراء (4)، عن سلمة بن محرز قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ جاءه رجل يقال له أبو الورد، فقال لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: رحمك اللّه، إنّك [لو كنت‏] (5) أرحت بدنك من المحمل. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: [يا أبا الورد، إنّي أحبّ أن أشهد المنافع الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ-: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏. إنّه لا يشهدها أحد إلّا نفعه‏] (6) اللّه. أمّا أنتم، فترجعون مغفورا لكم. و أمّا غيركم، فيحفظون في أهاليهم و أموالهم.

و في مجمع البيان‏ (7): لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏. و قيل:

منافع الآخرة، و هي العفو و المغفرة. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و في عيون الأخبار (8)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة الحجّ الوفادة إلى اللّه- عزّ و جلّ- و طلب الزّيادة و الخروج من كلّ ما

____________

(1) الكافي 4/ 422، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و هو لمرض.

(3) نفس المصدر 4/ 263- 264، ح 46.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي المعزاء.

(5) ليس في م.

(6) ليس في ع، م، ن.

(7) المجمع 4/ 81.

(8) العيون 2/ 88، ح 1.

81

اقترف. و ليكون تائبا ممّا مضى، مستأنفا لما يستقبل. و ما فيه من استخراج الأموال و تعب الأبدان و حظرها عن الشّهوات و اللّذّات، و التقرّب‏ (1) بالعبادة إلى اللّه- عزّ و جلّ- و الخضوع و الاستكانة و الذّلّ، شاخصا إليه في الحرّ و البرد و الأمن و الخوف، دائبا في ذلك دائما (2).

و ما في ذلك لجميع الخلق، من المنافع و الرّغبة [و الرّهبة] (3) إلى اللّه- تعالى. و منه ترك قساوة القلب و جسارة الأنفس و نسيان الذّكر و انقطاع الرّجاء و الأمل، و تجديد الحقوق، و حظر النّفس عن الفساد، و منفعة من في الشّرق و غربها، و من في البرّ و البحر، ممّن يحجّ و ممّن لا يحجّ، من تاجر و جالب و بائع و مشتر و كاسب و مسكين، و قضاء حوائج أهل الأطراف و المواضع الممكن لهم الاجتماع فيها. كذلك‏ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏.

و في باب العلل‏ (4) الّتي ذكر الفضل بن شاذان في آخرها أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام)- مرّة بعد مرّة و شيئا بعد شي‏ء: فإن قال: فلم أمر بالحجّ؟ قيل: لعلّة الوفادة إلى اللّه تعالى، و طلب الزّيّادة- و ذكر كما ذكر محمّد بن سنان، و زاد بعد قوله: «في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيها»:

مع ما فيه من التّفقّه و نقل أخبار الأئمّة- (عليهم السلام)- إلى كلّ صقع‏ (5) و ناحية.

كما قال اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ و لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏

وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ‏:

قيل‏ (7): عند إعداد الهدايا و الضّحايا و ذبحها.

و قيل‏ (8): كنّى بالذّكر عن النّحر- لأنّ ذبح المسلين لا ينفكّ عنه- تنبيها على أنّه المقصود ممّا يتقرّب به إلى اللّه تعالى.

فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ‏

____________

(1) المصدر: التقريب.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دائم.

(3) ليس في م.

(4) نفس المصدر/ 117- 118، ح 1.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: سقع.

(6) التوبة/ 122.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 90.

82

قيل‏ (1): هي عشر ذي الحجّة.

و قيل‏ (2): أيّام النّحر.

و في مجمع البيان‏ (3): و اختلف في هذه الآية. قيل: هي أيّام التّشريق يوم النّحر و ثلاثة أيّام بعده. و المعدودات أيّام العشر. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و في عوالي اللآلي‏ (4): و روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّ الذّكر في قوله:

وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ‏ هو التّكبير عقيب خمس عشرة صلاة أوّلها ظهر العيد. و روي عن الباقر- (عليه السلام)- مثله.

و في كتاب معاني الأخبار (5): حدّثنا محمّد بن الحسن‏ (6) بن أحمد بن الوليد- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: قال عليّ- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ‏ قال: أيّام العشر.

و بهذا الإسناد (7) عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ‏ قال: هي أيّام التشريق.

أبي- (رحمه اللّه)- قال‏ (8): حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن الصّلت، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن المفضّل بن صالح، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه‏ (9)- تبارك و تعالى-: وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ‏ قال: المعلومات و المعدودات واحدة. و هي أيّام التشريق.

و في تهذيب الأحكام‏ (10): موسى بن القاسم، عن عبد الرّحمن، عن حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: قال أبي- (عليه السلام)-: [قال عليّ‏

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) المجمع 4/ 81.

(4) العوالي 2/ 88، ح 237.

(5) المعاني/ 296- 297، ح 1.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(7) نفس المصدر، ح 2.

(8) نفس المصدر، ح 3.

(9) البقرة/ 203.

(10) التهذيب 5/ 447، ح 1558.

83

- (عليه السلام)-:] (1) اذكروا الله في أيام معلومات. قال: عشر ذي الحجّة. و أمّا (2) معدودات، قال: أيّام التّشريق.

العبّاس و عليّ بن السّندي‏ (3) جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: قال عليّ- (عليه السلام)- في قول اللّه: و اذكروا اسم الله في أيام معلومات قال: أيّام العشر. و قوله‏ (4): وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ‏ قال: أيّام التّشريق.

عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ‏:

علّق الفعل بالمرزوق، و بيّنه بالبهيمة، تحريضا على التّقرّب، و تنبيها على مقتضى الّذكر.

فَكُلُوا مِنْها: من لحومها.

أمر بذلك إباحة و إزاحة لما عليه أهل الجاهليّة من التّحرّج فيه، و ندبا إلى مواساة الفقراء و مساواتهم. و هذا في المتطوّع به دون الواجب.

وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ‏- الّذي أصابه بؤس، أي: شدّة- الْفَقِيرَ (28) المحتاج.

و الأمر فيه للوجوب. و قد قيل به في الأوّل.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللّه بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قول اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‏. قال: «الفقير» الّذي لا يسأل النّاس. و «المسكين» أجهد منه. و «البائس» أجهدهم.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن النّوفلي، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ قال: هو الزّمن الّذي‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: و أيّام.

(3) نفس المصدر/ 487، ح 1736.

(4) البقرة/ 203.

(5) الكافي 3/ 501، ح 16.

(6) التوبة/ 60.

(7) نفس المصدر 4/ 46، ح 4.

84

لا يستطيع أن يخرج لزمانته.

و في الكافي‏ (1) بإسناده إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل‏، و ستقف عليه مسندا عند قوله‏ (2)- تعالى-: وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ إن شاء اللّه. و فيه: «و البائس» هو الفقير.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): روى موسى بن القاسم، عن النخعيّ، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في حديث طويل‏ ستقف عليه عند قوله- تعالى-: وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ: و «البائس» الفقير.

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏: ثمّ ليزيلوا وسخهم، بقصّ الشّارب و الأظفار، و نتف الإبط، و الاستحداد عند الإحلال.

وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏: ما ينذرون من البرّ في حجّهم.

و قيل‏ (4): مواجب الحجّ.

و قرأ (5) أبو بكر بفتح الواو و تشديد الفاء.

و في أصول الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط، عن داود بن نعمان، عن أبي عبيدة، قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ (7) و رأى النّاس بمكّة و ما يعملون، قال: فقال:

فعال كفعال الجاهليّة! أما و اللّه، ما أمروا بهذا. و ما أمروا إلّا أن يقضوا تفثهم، و ليوفوا نذورهم، فيمرّوا بنا، فيخبرونا بولايتهم، و يعرضوا علينا نصرتهم.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا أحمد بن هوده بإسناده‏ (9) يرفعه إلى عبد اللّه بن سنان، عن ذريح المحاربيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-:

قوله- تعالى-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏. قال: هو لقاء الإمام- (عليه السلام).

____________

(1) نفس المصدر/ 500، ح 6.

(2) الحجّ/ 36.

(3) التهذيب 5/ 223، ح 751.

(4) أنوار التنزيل 2/ 90.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 1/ 392، ح 2.

(7) ليس في المصدر.

(8) تأويل الآيات الباهرة 1/ 336، ح 8.

(9) المصدر: بإسناد.

85

وَ لْيَطَّوَّفُوا طواف الرّكن الّذي به تمام التّحلّل، فإنّه قرينة قضاء التّفث.

و قيل‏ (1): طواف الوداع.

و قرأ (2) ابن عامر وحده بكسر اللّام.

بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (29): القديم- لأنّه أوّل بيت وضع للنّاس- أو المعتق من تسلّط الجبابرة. فكم من جبّار سار إليه ليهدمه، فمنعه اللّه.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، و ابن أبي عمير، جميعا عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا أحرمت، فعليك بتقوى اللّه- إلى أن قال:- و قال: اتّق المفاخرة. و عليك بورع يحجزك عن معاصي اللّه. فإنّ اللّه- تعالى- يقول: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (4).

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من التّفث أن تتكلّم في إحرامك بكلام قبيح.

فإذا دخلت مكّة، و طفت بالبيت، و تكلّمت بكلام طيّب، فكان ذلك كفّارة.

أحمد بن محمّد (5)، [عن‏] (6) ابن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (7)- (عليه السلام)-: إنّا حين نفرنا من منى، أقمنا أيّاما. ثمّ حلقت رأسي، طلب التّلذّذ. فدخلني من ذلك شي‏ء. فقال:

كان أبو الحسن- (صلوات اللّه عليه)- إذا خرج من مكّة، فاتي بثيابه، حلق رأسه.

قال: و قال في قوله اللّه- تعالى-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏. قال: التّفث تقليم الأظفار، و طرح الوسخ، و طرح الإحرام.

محمّد بن يحيى‏ (8)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل نسي أن يقصّر من شعره و هو حاجّ، حتّى ارتحل من منى.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 90.

(3) الكافي 4/ 337- 338، ح 3.

(4) ليس في أ.

(5) نفس المصدر/ 503- 504، ح 12.

6 و 7- من المصدر.

(8) نفس المصدر/ 503، ح 8.

86

قال: ما يعجبني أن يلقي شعر رأسه‏ (1) إلّا بمنى. و قال في قول اللّه- تعالى-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ قال: هو الحلق و ما في جلد الإنسان.

عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن سليمان، عن زياد القنديّ، عن عبد اللّه بن سنان، عن ذريح المحاربيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه أمرني في كتابه بأمر، فأحبّ أن أعمله.

قال: و ما ذاك؟ قلت: قول اللّه- تعالى-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏. قال:

لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ لقاء الإمام. و لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏ تلك المناسك.

قال عبد اللّه بن سنان: فأتيت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت: جعلت فداك، قول اللّه- تعالى-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏. قال: أخذ الشّارب، و قصّ الأظفار، و ما أشبه ذلك. قال: [قلت:] (3) جعلت فداك، إنّ ذريح المحاربيّ حدّثني عنك بأنّك قلت له: لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ لقاء الامام. و لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏ تلك المناسك. فقال:

صدق [ذريح‏] (4) و صدقت. إنّ للقرآن ظاهرا و باطنا. و من يحتمل ما يحتمل ذريح!؟

حميد بن زياد (5)، عن ابن سماعة، عن غير واحد، عن أبان عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- جلّ ثناؤه-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ قال: هو ما يكون من الرّجل في إحرامه. فإذا دخل مكّة، فتكلّم بكلام طيّب، كان ذلك كفّارة لذلك الّذي كان منه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و روى حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ قال: التّفث حقوق الرّجل من الطّيب. [فإذا قضى نسكه‏ (7)، حلّ له الطّيب‏] (8).

و روى ربعي‏ (9)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ فقال: قصّ الشّارب و الأظفار.

____________

(1) المصدر: شعره.

(2) نفس المصدر/ 549، ح 4.

3 و 4- من المصدر.

(5) نفس المصدر/ 543، ح 15.

(6) الفقيه 2/ 290، ح 1435.

(7) أ، م: مناسكه.

(8) ليس في س.

(9) نفس المصدر، ح 1433.

87

و في رواية البزنطيّ‏ (1) عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: التّفث تقليم الأظفار، و طرح الوسخ، و طرح الإحرام عنه.

و في قرب الإسناد (2) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

سألت الرّضا- (عليه السلام)‏- عن قول اللّه- تبارك و تعالى- لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏. قال: تقليم الأظفار، و طرح الوسخ عنك، و الخروج من الإحرام. وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ طواف الفريضة.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد قال: قال أبو الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ شأنه-:

وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ قال: طواف الفريضة طواف النّساء.

و روى محمّد بن أحمد بن يحيى‏ (4)، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن يحيى الصّيرفيّ، عن حمّاد النّاب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ قال: هو طواف النّساء.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «أنا ابن الذّبيحين» حديث طويل. و في آخره: و كانت لعبد المطلّب خمس سنن‏ (6) أجراها اللّه- تعالى- في الإسلام: حرّم نساء الآباء على الأبناء- إلى قوله:- و كان يطوف بالبيت سبعة أشواط.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه‏ (8)، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ، إنّ عبد المطّلب سنّ في الجاهليّة خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام: حرّم نساء الآباء على الأبناء- إلى قوله:- و لم يكن للطّواف عدد عند قريش، فسنّ فيهم عبد المطّلب سبعة أشواط. فأجرى اللّه ذلك في الإسلام.

____________

(1) نفس المصدر، ح 1436.

(2) قرب الإسناد/ 157- 158.

(3) التهذيب 5/ 252- 253، ح 854.

(4) نفس المصدر، ح 855.

(5) العيون 1/ 168، ح 1.

(6) المصدر: من السنن.

(7) الخصال/ 312- 313، ح 90.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: آبائه.

88

و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة الطّواف بالبيت أنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال للملائكة (2): إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ. فردّوا على اللّه- عزّ و جلّ- هذا الجواب. فندموا، فلاذوا (3) بالعرش، و استغفروا. فأحبّ اللّه- عزّ و جلّ- أن يتعبد بمثل ذلك العباد (4)، فوضع في السّماء الرّابعة بيتا بحذاء العرش يسمّى الضّراح‏ (5). ثمّ وضع في السّماء الدّنيا بيتا يسمّى البيت‏ (6) المعمور بحذاء الضّراح‏ (7). ثمّ وضع هذا البيت بحذا البيت المعمور. ثمّ أمر آدم، فطاف به. فتاب اللّه- عزّ و جلّ- عليه. فجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة.

و في الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن الحسين بن عليّ بن مروان، عن عدّة من أصحابنا، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- في المسجد الحرام: لأيّ شي‏ء سمّاه‏ (9) اللّه البيت‏ (10) العتيق؟

فقال: إنّه ليس من بيت وضعه اللّه على وجه الأرض، إلّا له ربّ و سكّان يسكنونه غير هذا البيت، فإنّه لا ربّ له إلّا اللّه- تعالى. و هو الحرّ. ثمّ قال: إنّ اللّه- تعالى- خلقه قبل الأرض. ثمّ خلق الأرض من بعده، فدحاها من تحته.

عليّ بن إبراهيم‏ (11)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن أبان بن عثمان، عمّن أخبره عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: لم سمّى اللّه‏ (12) البيت العتيق؟ قال: هو بيت‏ (13) حرّ (14) عتيق من النّاس، لم يملكه أحد.

____________

(1) العيون 2/ 89، ح 1.

(2) البقرة/ 30.

(3) المصدر: و لاذوا.

(4) ع: العبادة.

(5) كذا في المصدر. و في ع و ن: الصراخ. و في أ و م: الصراح. و في س: الضراخ.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في س و ن: الصراخ. و في غيرهما: الصراح.

(8) الكافي 4/ 189، ح 5.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: سمّى.

(10) ليس في س و المصدر.

(11) نفس المصدر، ح 6.

(12) ليس في المصدر.

(13) ليس في ن.

(14) ليس في م.

89

و في محاسن البرقيّ‏ (1): عنه، عن أبيه و محمّد بن عليّ، عن عليّ بن النّعمان، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّما سمّي‏ (2) البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق، و أعتق‏ (3) الحرم معه، كفّ عنه الماء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أراد اللّه هلاك قوم نوح- و ذكر حديثا طويلا.

و فيه يقول- (عليه السلام)-: و إنّما سمّي البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5) بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول- (عليه السلام)- في آخره: و إنّما سمّي البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق‏] (6).

و بإسناده‏ (7) إلى ذريح بن يزيد المحاربيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أغرق الأرض كلّها يوم نوح، إلّا البيت. فيومئذ سمّي العتيق، لأنّه أعتق يومئذ من الغرق. فقلت له: أصعد إلى السّماء؟ فقال: لا، لم يصل إليه الماء، و رفع عنه.

ذلِكَ‏:

خبر محذوف. أي: الأمر ذلك. و هو و أمثاله تطلق للفصل بين كلامين.

وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ‏: أحكامه و سائر ما لا يحلّ هتكه. أو: الحرم‏ (8) و ما يتعلّق بالحجّ من التّكاليف.

و قيل‏ (9): الكعبة، و المسجد الحرام، و البلد الحرام، و الشّهر الحرام، و المحرّم.

فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ‏: فالتّعظيم خير له‏ عِنْدَ رَبِّهِ‏ ثوابا.

و في شرح الآيات الباهرة (10): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا محمّد بن‏

____________

(1) المحاسن/ 336، ح 113.

(2) المصدر: سمّيت.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «عق» بدل «و أعتق».

(4) تفسير القمّي 1/ 327- 328.

(5) العلل/ 399، ح 1.

(6) لا يوجد في م.

(7) نفس المصدر، ح 5.

(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 91. و في النسخ:

الحرام.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) تأويل الآيات الباهرة 1/ 336، ح 10.

90

همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود، عن الإمام موسى بن جعفر (1)- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏ قال:

هي ثلاث حرمات واجبة. فمن قطع منها حرمة، فقد أشرك باللّه: الأولى انتهاك حرمة اللّه في بيته الحرام. و الثّانية تعطيل الكتاب و العمل بغيره. و الثّالثة قطيعة ما أوجب اللّه من فرض مودّتنا و طاعتنا.

وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏: إلّا المتلوّ عليكم تحريمه. و هو ما حرّم منها لعارض، كالميتة و ما أهلّ به لغير اللّه. فلا تحرّموا منها غير ما حرّمه اللّه، كالبحيرة (2) و السّائبة (3).

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏: فاجتنبوا الرّجس الّذي هو الأوثان.

و هو غاية المبالغة في النّهي عن تعظيمها و التّنفير عن عبادتها وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30):

تعميم بعد التّخصيص، فإنّ عبادة الأوثان رأس الزّور.

كأنّه لمّا حثّ على تعظيم الحرمات، أتبعه ذلك، ردّا لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر و السّوائب، و تعظيم الأوثان، و الافتراء على اللّه بأنّه حكم بذلك.

و قيل‏ (4): شهادة الزّور. و الزّور من الزّور، و هو: الانحراف. كما أنّ الإفك من الأفك، و هو: الصّرف. فإنّ الكذب منحرف مصروف عن الواقع.

و في كتاب معاني الأخبار (5): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن يحيى بن عبادة (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سمعه يقول: الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏

____________

(1) المصدر: عن عيسى بن داود النجّار، عن موسى، عن أبيه جعفر.

(2) البحيرة: النّاقة كانت في الجاهليّة إذا ولدت خمسة أبطن شقّوا أذنها و أعفوها أن ينتفع بها، و لم يمنعوها من مرعى و لا ماء، و قد أبطلها الإسلام.

(3) السّائبة: المهملة الّتي كانت تسيّب في الجاهليّة لنذر و نحوه. أو البعير الّذي يدرك يتاج نتاجه فيسيّب، أي: يترك و لا يركب و لا يحمل عليه.

(4) أنوار التنزيل 2/ 91.

(5) المعاني/ 349، ح 1، بسند غير هذا.

(6) أ، س، م، ع: عتادة.

91

الشّطرنج. و قَوْلَ الزُّورِ الغناء.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثنا أبي‏ (1)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى الخزّاز، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن‏ قَوْلَ الزُّورِ. قال: منه قول الرّجل للّذي يغنّي: أحسنت.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله اللّه- عزّ و جلّ-: فَاجْتَنِبُوا (3) الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: الغناء.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد، جميعا عن النّضر بن سويد، عن درست، عن زيد الشّحّام قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. قال:

الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ الشّطرنج. و قَوْلَ الزُّورِ الغناء.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ الشّطرنج. و قَوْلَ الزُّورِ الغناء.

و في مجمع البيان‏ (6): فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏. و روى أصحابنا أنّ اللّعب بالشّطرنج و النّرد و سائر أنواع القمار من ذلك. وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. و روى أصحابنا أنّه يدخل فيه الغناء و سائر الأقوال الملهية.

و روى أيمن بن خزيم‏ (7) عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قام خطيبا فقال: أيّها النّاس! عدلت شهادة الزّور بالشّرك باللّه. ثمّ قرأ: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) الكافي 6/ 431، ح 1.

(3) المصدر: و احتنبوا.

(4) نفس المصدر/ 435، ح 2.

(5) نفس المصدر/ 436، ح 7.

(6) المجمع 4/ 82.

(7) نفس المصدر و الموضع. و في أ: أيمن بن خزيمة.

(8) تفسير القمّي 2/ 84.

92

عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ الشّطرنج. و قَوْلَ الزُّورِ الغناء.

حُنَفاءَ لِلَّهِ‏: مخلصين له‏ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏:

و هما حالان من الواو.

و في كتاب التّوحيد (1) بإسناده إلى زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏ و عن الحنيفيّة. فقال: هي الفطرة الّتي فطر [اللّه‏] (2) النّاس عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏ (3). و قال: فطرهم اللّه على المعرفة.

وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ:

لأنّه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر.

فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ:

فإنّ الأهواء المردية توزّع أفكاره.

و قرأ (4) نافع وحده بفتح الخاء و تشديد الطّاء.

أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ‏ (31): بعيد، فإنّ الشّيطان قد طوّح به في الضّلالة.

و «أو» للتّخيير، كما في قوله‏ (5): «أو صيّب». أو للتّنويع- فإنّ من المشركين من لا خلاص لهم أصلا، و منهم من يمكن خلاصه بالتّوبة- و لكن على بعد.

و يجوز أن يكون من التّشبيهات المركّبة فيكون المعنى: و من يشرك باللّه، فقد هلكت نفسه هلاكا يشبه أحد الهلاكين.

ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ‏: دين اللّه. أو: فرائض الحجّ و مواضع نسكه. أو:

الهدايا لأنّها من معالم الحجّ‏ (6). و هو أوفق لظاهر ما بعده. و تعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان.

فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‏ (32):

____________

(1) التوحيد/ 330، ح 9.

(2) من المصدر.

(3) الرّوم/ 30.

(4) أنوار التنزيل 2/ 91.

(5) البقرة/ 19.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 91. و في النسخ بدل هذه العبارة: «و الهدايا من معالم الحجّ».

93

فإنّ تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب. فحذفت هذه المضافات. و العائد إلى «من». و ذكر «القلوب»، لأنّها منشأ التّقوى و الفجور، و الآمرة بهما.

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّما يكون الجزاء مضاعفا فيما دون البدنة، حتّى يبلغ البدنة. فإذا بلغ البدنة، فلا تضاعف، لأنّه أعظم ما يكون. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‏.

لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (33)، أي: لكم فيها منافع درّها و نسلها و صوفها و ظهرها إلى أن تنحر. ثمّ وقت نحرها منتهية إلى البيت، أي ما يليه من الحرم.

و «ثمّ» تحتمل التّراخي في الوقت و التّراخي في الرّتبة. أي: لكم فيها منافع دنيويّة إلى وقت النّحر، و بعده منافع دينيّة أعظم منها. و هو على الأوّلين إمّا متّصل بحديث الأنعام و الضّمير فيه لها. أو المراد على الأوّل: لكم فيها منافع [دينيّة] (2) تنتفعون بها إلى أجل مسمّى- هو الموت- ثمّ محلّها منتهية إلى البيت [العتيق‏] (3) الّذي ترفع إليه الأعمال، أو يكون فيه ثوابها، و هو البيت المعمور، أو الجنّة. و على الثّاني: لكم فيها منافع التّجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة، ثمّ وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزّيارة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله- تعالى-: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ‏. قال: تعظيم البدن و جودتها. و قوله- عزّ و جلّ-: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏. قال: البدن يركبها المحرم من موضعه الّذي يحرم فيه غير مضرّبها، و لا معنّف عليها. و إن كان لها لبن، يشرب من لبنها إلى يوم انّحر.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ قال: إن احتاج إلى ظهرها، ركبها من‏

____________

(1) الكافي 4/ 395، ح 5.

2 و 3- من أنوار التنزيل 2/ 91.

(4) تفسير القمّي 2/ 84.

(5) الكافي 4/ 492- 493، ح 1.

94

غير أن يعنّف عليها. و إن كان لها لبن، حلبها حلابا لا ينهكها (1).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و روى أبو بصير عنه‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ قال: إن احتاج إلى ظهرها، ركبها من غير أن يعنّف عليها.

و إن كان لها لبن، حلبها حلابا لا ينهكها.

و في مجمع البيان‏ (3): لَكُمْ فِيها، أي: في الشّعائر منافع. فمن تأوّل أنّ الشّعائر الهدي قال: إنّ منافعها ركوب ظهرها و شرب لبنها، إذا احتيج إليها. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام).

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ: و لكلّ أهل دين.

جَعَلْنا مَنْسَكاً: معتبّدا و قربانا يتقرّبون به إلى اللّه.

و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ بالكسر. أي: موضع نسك.

لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ‏ دون غيره، و يجعلوا نسكهم لوجهه.

علّل الجعل به، تنبيها على أنّ المقصود من المناسك تذكّر المعبود.

عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ‏ عند ذبحها.

و فيه تنبيه على أنّ القربان يجب أن يكون نعما.

فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا: أخلصوا التّقرّب أو الذّكر، و لا تشوبوه بالإشراك.

وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ‏ (34): المتواضعين، أو المخلصين، فإنّ الإخبات صفتهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله- عزّ و جلّ-: فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ‏. قال:

العابدين.

الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏، هيبة منه لإشراق أشعّة جلاله عليها.

وَ الصَّابِرِينَ عَلى‏ ما أَصابَهُمْ‏ من الكلف و المصائب.

وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها.

و قرئ‏ (6): «المقيمين الصّلاة على الأصل.

____________

(1) نهك الضرع: استوفى جميع ما فيه.

(2) الفقيه 2/ 300، ح 1493.

(3) المجمع 4/ 83.

(4) أنوار التنزيل 2/ 92.

(5) تفسير القمّي 2/ 84.

(6) أنوار التنزيل 2/ 92.

95

وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (35) في وجوه الخير.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل [العلويّ‏] (2)، عن عيسى بن داود قال: قال موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: سألت أبي عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ‏. قال: نزلت فينا خاصّة.

وَ الْبُدْنَ‏: جمع بدنة، كخشب و خشبة.

و أصله الضّمّ و قد قرئ‏ (3) به. و إنّما سمّي بها الإبل، لعظم بدنها مأخوذة من: بدن بدانة: إذا ضخم. و لا يلزم من مشاركة البقر لها في أجزائها عن سبعة

بقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «البدنة عن سبعة، [و البقرة عن سبعة] (4)».

تناول‏ (5) اسم البدنة لها شرعا بل الحديث يمنع ذلك. و انتصابه بفعل يفسّره.

جَعَلْناها لَكُمْ‏:

و من رفعه، جعله مبتدأ.

مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏: من أعلام دينه الّتي شرعها اللّه.

لَكُمْ فِيها خَيْرٌ: منافع دينيّة و دنيويّة.

فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها بأن تقولوا عند ذبحها: اللّه أكبر. لا إله إلّا اللّه.

و اللّه أكبر. اللّهمّ منك و إليك.

صَوافَ‏:

قيل‏ (6): قائمات قد صففن أيديهنّ و أرجلهنّ.

و قرئ‏ (7): «صوافن». من: صفن الفرس: إذا قام على ثلاث و طرف سنبك الرّابعة.

لأنّ البدنة تعقل إحدى يديها، و تقوم على ثلاث. و «صوافنا» بإبدال التّنوين من حرف الإطلاق عند الوقف. و «صوافيّ»، أي: خوالص لوجه اللّه. و «صوافي» [بسكون الياء] (8) على لغة من يسكّن الياء مطلقا، كقولهم: أعط القوس باريها.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 337، ح 11.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 92.

(4) ليس في م.

(5) ليس في س، ع، أ.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) من المصدر.

96

و في مجمع البيان‏ (1): و قيل: هو أن تنحر و هي صافّة- أي: قائمة- ربطت يداها (2) ما بين الرّسغ و الخفّ إلى الرّكبة. عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

و قرأ أبو جعفر (3)- (عليه السلام)-: «صوافن» بالنّون.

فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها: سقطت على الأرض. و هو كناية عن الموت.

و في الكافي‏ (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: ذلك حين تصفّ للنّحر، تربط يديها ما بين الخفّ إلى الرّكبة. و وجوب جنوبها إذا وقعت على الأرض.

فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ‏:

قيل‏ (5): الرّاضي بما عنده و بما يعطى من غير مسألة. و يؤيّده أنّه قرئ: «القنع». أو:

السّائل. من: قنعت إليه قنوعا: إذا خضعت له في السّؤال.

وَ الْمُعْتَرَّ:

قيل‏ (6): المعترض بالسؤال.

و قرئ‏ (7): «و المعتري». يقال: عرّه و عراه، و اعترّه‏ (8) و اعتراه‏ (9).

و في الكافي‏ (10): حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها قال: إذا وقعت على الأرض. فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ. قال: «القانع» الّذي يرضى بما أعطيته، و لا يسخط و لا يكلح و لا يلوي شدقه غضبا. و «المعترّ» المارّ بك لتطعمه.

عليّ بن إبراهيم‏ (11)، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان [بن يحيى‏] (12)، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال:

____________

(1) المجمع 4/ 86.

(2) المصدر: يديها.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الكافي 4/ 497، ح 1.

(5) أنوار التنزيل 2/ 92.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) ليس في ن.

(9) ليس في م.

(10) الكافي 4/ 499، ح 2.

(11) نفس المصدر/ 500، ح 6.

(12) ليس في المصدر.

97

«القانع» الّذي يقنع بما أعطيته. و «المعترّ» الّذي يعتريك. «و السّائل» الّذي يسألك في يديه. و «البائس» هو الفقير.

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن مولى لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: رأيت أبا الحسن- (عليه السلام)- دعا ببدنة فنحرها. فلمّا ضرب الجزّارون عراقيبها (2) فوقعت إلى الأرض، و كشفوا شيئا عن سنامها، قال: اقطعوا و كلوا منها [و أطعموا] (3). فإنّ اللّه- تعالى- يقول: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تصرم باللّيل. و لا تحصد باللّيل. و لا تضحّ باللّيل. و لا تبذر باللّيل. فإنّك إن تفعل، لم يأتك القانع و المعترّ.

فقلت: ما القانع و المعترّ؟ قال: «القانع» الّذي يقنع بما أعطيته. و «المعترّ» الّذي يمرّ بك فيسألك.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): روى موسى بن القاسم، عن النّخعي، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا ذبحت أو نحرت، فكل و أطعم، كما قال اللّه- تعالى-: فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ.

فقال: «القانع» الّذين يقنع بما أعطيته. و «المعترّ» الّذي يعتريك. و «السّائل» الّذي يسألك في يده. و «البائس» الفقير.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6): أبي- (رحمه اللّه)- و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- قالا (7): حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن‏ (8) عمران الأشعريّ، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى الأزرق قال: قلت لأبي إبراهيم- (عليه السلام)-: الرّجل يعطي الضّحية من يسلخها بجلدها. قال: لا بأس به. إنّما

____________

(1) نفس المصدر/ 501، ح 9.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عراقيها.

و العرقوب: عصب غليظ فوق عقب الإنسان، و من الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها.

(3) من المصدر مع المعقوفتين.

(4) نفس المصدر 3/ 565، ح 3.

(5) التهذيب 5/ 223، ح 751.

(6) العلل/ 439، ح 1.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(8) ن: عن.

98

قال اللّه- عزّ و جلّ-: فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا. و الجلد لا يؤكل و لا يطعم.

و في كتاب معاني الأخبار (1): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العبّاس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن فضّالة، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها قال:

إذا وقعت على الأرض. فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ. قال: «القانع» الّذي يرضى بما أعطيته، و لا يسخط و لا يكلح و لا يزبد (2) شدقه غضبا. و «المعترّ» المارّ بك تطعمه‏ (3).

و بهذا الإسناد (4)، عن عليّ بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن سيف التّمّار قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ سعيد بن عبد الملك قدم حاجّا فلقي أبي- (عليه السلام)- فقال: إنّي سقت هديا، فكيف أصنع؟

فقال: أطعم أهلك ثلثا. و أطعم القانع ثلثا. و أطعم المسكين ثلثا.

قلت: المسكين هو السّائل؟ قال: نعم. و القانع يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها. و «المعترّ» يعتريك لا يسألك.

و في عوالي اللآلي‏ (5): و روى معاوية بن عمّار، عن الصّادق- (عليه السلام)-: إذا ذبحت أو نحرت، فكل و أطعم، كما قال اللّه: فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ.

و في قرب الإسناد (6) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: سألته عن القانع و المعترّ. قال: «القانع» الّذي يقنع بما أعطيته. و «المعترّ» الّذي يعتريك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ. قال: «القانع» الّذي يسأل فتعطيه. و «المعترّ» الّذي يعتريك و لا يسأل‏ (8).

____________

(1) المعاني/ 208، ح 1.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يرتدّ.

(3) ن: تعطه.

(4) نفس المصدر، ح 2.

(5) العوالي 3/ 164، ح 53.

(6) قرب الإسناد/ 155.

(7) تفسير القمّي 2/ 84.

(8) المصدر: فلا يسأل.

99

و في مجمع البيان‏ (1): في رواية الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال: «القانع» الّذي يسأل فيرضى بما أعطي. و «المعترّ» الّذي يعترى رحلك ممّن لا يسأل.

و قال أبو جعفر و أبو عبد اللّه‏ (2)- (عليهما السلام)-:] (3) «القانع» الّذي يقنع بما أعطيته، و لا يسخط [و لا يكلح‏] (4) و لا يلوي شدقه غضبا. و «المعترّ» المارّ بك‏ (5) لتطعمه.

و روي عنهم‏ (6)- (عليهم السلام)- أنّه ينبغي أن يطعم ثلثه، و يعطي القانع و المعترّ ثلثه، و يهدي لأصدقائه الثّلث الباقي.

كَذلِكَ‏: مثل ما وصفنا من نحرها قياما.

سَخَّرْناها لَكُمْ‏ مع عظمها و قوّتها، حتّى تأخذوها (7) منقادة فتعقلو لها و تحبسوها (8) صافّة قوائمها، ثمّ تطعنون‏ (9) في لبّاتها (10).

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (36) إنعامنا عليكم بالتّقرّب و الإخلاص.

لَنْ يَنالَ اللَّهَ‏:

قيل‏ (11): لن يصيب رضاه، و لن يقع منه موقع القبول.

لُحُومُها المتصدّق بها، وَ لا دِماؤُها المهراقة بالنّحر، من حيث إنّها لحوم و دماء.

وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏: و لكن يصيبه [ما يصحبه‏] (12) من تقوى قلوبكم التّي تدعوكم إلى تعظيم أمر اللّه و التّقرّب إليه و الإخلاص له.

و قيل‏ (13): كان أهل الجاهليّة إذا ذبحوا القرابين، لطّخوا الكعبة بدمائها، قربة إلى اللّه.

فهمّ به المسلمون، فنزلت.

____________

(1) المجمع 4/ 86.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في أ.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: «المادّ يده» بدل «المارّ بك».

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 92. و في النسخ:

تأخذونها.

(8) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

فتعقلونها و تحبسونها.

(9) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في م و ن:

تطعنونها. و في غيرهما: تطغونها.

(10) اللبّة: موضع القلادة من العنق.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) ليس في ن.

(13) أنوار التنزيل 2/ 93.

100

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1) بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما علّة الأضحيّة؟ قال: إنّه يغفر لصاحبها، عند أوّل قطرة تقطر من دمها إلى الأرض. و ليعلم اللّه- عزّ و جلّ- من يتّقيه بالغيب. قال اللّه- عزّ و جلّ-: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏. ثمّ قال: انظر كيف قبل اللّه قربان هابيل، و ردّ قربان قابيل.

كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ‏:

كرّره تذكيرا للنّعمة، و تعليلا له بقوله:

لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ‏:

قيل‏ (2): أي: لتعرفوا عظمته‏ (3) باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحّدوه بالكبرياء.

و قيل‏ (4): هو التّكبير عند الإحلال أو الذّبح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: التّكبير أيّام التشريق في الصّلوات‏ (6) بمنى في عقيب خمس عشرة صلاة. و في الأمصار عقيب عشر صلوات.

عَلى‏ ما هَداكُمْ‏: أرشدكم إلى طريق‏ (7) تسخيرها و كيفيّة التّقرّب بها.

و «ما» تحتمل المصدريّة و الخبريّة. و «على» متعلّقة ب «تكبّروا» لتضمّنه معنى الشكر (8).

وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ‏ (37) المخلصين فيما يأتونه و يذرونه.

إن الله يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين.

و قرئ‏ (9): «يُدافِعُ»، أي: يبالغ في الدّفع مبالغة من يغالب فيه.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ‏- أي: في أمانة اللّه- كَفُورٍ (38) لنعمه، كمن يتقرّب إلى الأصنام بذبيحته‏ (10)، فلا يرتضي فعلهم و لا ينصرهم.

____________

(1) العلل/ 437- 438، ح 2.

(2) أنوار التنزيل 2/ 93.

(3) ن: عن نعمته.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمّي 2/ 84.

(6) م و المصدر: الصلاة.

(7) ليس في أ.

(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 93. و في النسخ:

التكبّر.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) م: بذبيحة.

101

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسين‏ (2) بن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية. قال: نحن الّذين آمنوا. و اللّه يدافع عنّا ما إذا أذاعت شيعتنا.

يعني أنّ بعض شيعتهم يذيع عنهم بعض أسرارهم إلى أعدائهم‏ (3)، يقصد بذلك أذاهم. أو لا يقصد، فإنّ اللّه- سبحانه- يدافع عنهم. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ‏ لمودّتهم [ «كفور» بولايتهم‏] (4).

أُذِنَ‏: رخّص.

و قرئ‏ (5) على البناء للفاعل، و هو اللّه.

لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ‏ المشركين.

و المأذون فيه محذوف لدلالته عليه.

و قرئ‏ (6) بفتح التّاء. أي: للّذين يقاتلهم المشركون.

بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا:

قيل‏ (7): هم أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). كان المشركون يؤذونهم.

و كانوا يأتونه من بين مضروب و مشجوج يتظلّمون إليه، فيقول لهم: اصبروا، فإنّي لم أؤمر بالقتال. حتّى هاجر، فأنزلت. و هي أوّل آية [نزلت‏] (8) في القتال بعد ما نهي عنه في نيف و سبعين آية.

وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39):

وعد لهم بالنّصر، كما وعد بدفع أذى الكفّار عنهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): قال. نزلت في عليّ و جعفر و حمزة- (صلوات اللّه عليه و عليهما). ثمّ جرت.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 337، ح 12.

(2) المصدر: الحسن.

(3) يوجد في أبعدها هذه الزيادة: نحن الّذين آمنوا و اللّه يدافع.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 93.

6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) من المصدر.

(9) تفسير القمّي 2/ 84.

102

حدّثني‏ (1) أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: إنّ العامّة يقولون: نزلت في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا أخرجته قريش [من مكّة] (2)، و إنّما هي للقائم‏ (3)- (صلوات اللّه عليه). إذا خرج، يطلب بدم الحسين- (عليه السلام)- و هو يقول‏ (4): نحن أولياء الدّم و طلّاب التّرة (5).

و في مجمع البيان‏ (6): روي عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: لم يؤمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بقتال، و لا أذن له فيه، حتّى نزل جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية.

و في شرح الآيات‏ (7) الباهرة: قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن إسماعيل العلويّ- (رحمه اللّه)- عن عيسى بن داود قال:

حدّثنا موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: نزلت هذه الآية في آل محمّد خاصّة: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ‏. ثمّ تلا إلى قوله: وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.

و قال أيضا (8): حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن صفوان بن يحيى، عن حكيم الحنّاط، عن ضريس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. قال: الحسن و الحسين- (عليهما السلام).

و قال أيضا (9): حدّثنا الحسين بن أحمد المالكي، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن المثنّى الحنّاط، عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ قال: هي‏

____________

(1) نفس المصدر/ 84- 85.

(2) لا يوجد في ع و ن. و في س و أ: من بكّة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: و إنّما هو القائم.

(4) المصدر: قوله.

(5) المصدر: الدية. و «الترة» من: وتر فلانا يتره، أي: قتل حميمه.

(6) لم نعثر عليه في المصدر. و لكن رواه نور الثقلين 3/ 501، ح 153.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 338، ح 14.

(8) نفس المصدر، ح 15.

(9) نفس المصدر، ح 16.

103

في القائم- (عليه السلام)- و أصحابه.

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‏، يعني: مكّة بِغَيْرِ حَقٍ‏: بغير موجب استحقّوا به، إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ‏:

على طريقة قول النّابغة:

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم‏* * * بهنّ فلول من قراع الكتائب‏

و قيل‏ (1): منقطع.

و في روضة الكافي‏ (2): ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا (الآية).

قال: نزلت في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ و حمزة و جعفر. و جرت في الحسين- (عليهم السلام) أجمعين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا (الآية). قال الحسين- [(صلوات اللّه عليه)، و على جدّه و أبيه، و أمّه و أخيه، و ذرّيّته و بنيه-] (4) حين طلبه يزيد- لعنه اللّه- ليحمله إلى الشّام، فهرب إلى الكوفة، و قتل بالطّفّ.

و في كتاب المناقب‏ (5) لابن شهر آشوب: محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‏ قال: نحن‏ (6). نزلت فينا.

و في مجمع البيان‏ (7): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: «نزلت في المهاجرين.

و جرت في آل محمّد الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [بِغَيْرِ حَقٍ‏] (8) و أخيفوا.

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن المفضّل‏ (10)، عن جعفر بن الحسين الكوفيّ، عن محمّد بن زيد مولى أبي جعفر، عن أبيه قال: سألت مولاي أبا جعفر- (عليه السلام)- قلت: قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 93.

(2) الكافي 8/ 337- 338، ح 534.

(3) تفسير القمي 2/ 84.

(4) ليس في المصدر.

(5) المناقب 4/ 179.

(6) ليس في المصدر.

(7) المجمع 4/ 87.

(8) من ن.

(9) تأويل الآيات الباهرة 1/ 339، ح 17.

(10) المصدر: الفضل.

104

قال: نزلت في عليّ و حمزة و جعفر- (عليهم السلام). ثمّ جرت في الحسين- (عليه السلام).

و قال أيضا: (1) حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود النّجّار، قال: حدّثنا مولانا موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قوله- تعالى-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ‏ قال: نزلت فينا خاصّة، في أمير المؤمنين و ذرّيّته، و ما ارتكب من‏ (2) أمر فاطمة- (عليها السلام).

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد (4)، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: أخبرني عن الدّعاء إلى اللّه- تعالى- و الجهاد في سبيله: أهو لقوم لا يحلّ إلّا لهم، و لا يقوم به إلّا من كان منهم، أم هو مباح لكلّ من وحّد اللّه- عزّ و جلّ- و آمن برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من كان كذا، فله أن يدعو إلى اللّه- عزّ و جلّ- و إلى طاعته و أن يجاهد في سبيله؟ فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، و لا يقوم بذلك إلّا من كان منهم.

قلت: من أولئك؟ قال: من قام بشرائط اللّه- تعالى- في القتال و الجهاد على المجاهدين، [فهو مأذون له في الدّعاء إلى اللّه- تعالى-. و من لم يكن قائما بشرائط اللّه في الجهاد على المجاهدين،] (5) فليس بمأذون له في الجهاد، و لا الدّعاء إلى اللّه، حتّى يحكم في نفسه ما أخذ اللّه عليه من شرائط الجهاد.

قلت: فبيّن لي- رحمك اللّه. قال: إنّ اللّه- تعالى- أخبر [نبيه‏] (6) في كتابه الدّعاء إليه، و وصف الدّعاة (7) إليه. فجعل ذلك لهم درجات يعرّف بعضها بعضا، و يستدلّ ببعضها على بعض- إلى أن قال- (عليه السلام)-:

ثمّ أخبر- تبارك و تعالى- أنّه لم يؤمر بالقتال إلّا أصحاب هذه الشّروط. فقال- سبحانه و تعالى-: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

____________

(1) نفس المصدر، ح 18.

(2) م و ن: في.

(3) الكافي 5/ 13- 19، ح 1.

(4) ع: بريد.

(5) لا يوجد في أ.

(6) من المصدر مع المعقوفتين.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: الدعاء.

105

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ‏.

و ذلك أنّ جميع ما بين السّماء و الأرض للّه- عزّ و جلّ- و لرسوله و لأتباعهما (1) من المؤمنين من أهل هذه الصّفة. فما كان من الدّنيا في أيدي المشركين و الكفّار و الظّلمة و الفجّار، من أهل الخلاف لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المولّي عن طاعتهما، ممّا كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصّفات و غلبوهم عليه ما أفاء اللّه على رسوله. فهو حقّهم أفاء اللّه عليهم، و ردّه إليهم.

و إنّما معنى الفي‏ء كلّما صار إلى المشركين، ثمّ رجع ممّا كان قد غلب عليه أو هو فيه.

فما يرجع إلى مكانه- من قول أو فعل- فقد فاء، مثل قول اللّه‏ (2)- عزّ و جلّ- فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏، أي: رجعوا. ثمّ قال: وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏.

و قال‏ (3) وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏، أي: ترجع. فَإِنْ فاءَتْ‏، أي: رجعت، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏. يعني بقوله: «تفي‏ء» ترجع.

فذلك الدّليل على أنّ الفي‏ء كلّ راجع إلى مكان قد كان عليه أو فيه. و يقال للشّمس [إذا زالت‏] (4): قد فاءت الشّمس، حين يفي‏ء الفي‏ء عند رجوع الشّمس إلى زوالها.

و كذلك ما أفاء اللّه على المؤمنين من الكفّار، فإنّما هي حقوق المؤمنين رجعت إليهم، بعد ظلم الكفّار إيّاهم. فذلك قوله‏ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ما كان المؤمنون أحقّ به منهم.

و إنّما أذن للمؤمنين الّذين قاموا بشرائط الإيمان الّتي وصفناها. و ذلك أنّه لا يكون مأذونا له في القتال، حتّى يكون مظلوما. و [لا يكون مظلوما،] (5) حتّى يكون مؤمنا. و لا يكون مؤمنا، حتّى يكون قائما بشرائط الإيمان الّتي اشترط اللّه- تعالى- على المؤمنين و المجاهدين‏ (6). فإذا تكاملت فيه شرائط اللّه- تعالى- كان مؤمنا. [و إذا كان مؤمنا،] (7) كان مظلوما. و إذا كان مظلوما، كان مأذونا له في الجهاد، لقوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: لأتباعهم.

(2) البقرة/ 226.

(3) الحجرات/ 9.

(4) ليس في ن.

(5) ليس في م.

(6) ن: المهاجرين.

(7) ليس في م.

106

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. و إن لم يكن مستكملا لشرائط الإيمان، فهو ظالم ممّن يبغي‏ (1)، و يجب جهاده حتّى يتوب. و ليس مثله مأذونا له في الجهاد و الدّعاء إلى اللّه- عزّ و جلّ-. لأنّه ليس من المؤمنين المظلومين الّذين أذن لهم في القرآن في القتال.

فلمّا نزلت هذه الآية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا في المهاجرين الّذين أخرجهم أهل مكّة من ديارهم و أموالهم، أحلّ لهم جهادهم. بظلمهم إيّاهم، و أذن لهم في القتال.

فقلت: فهذه نزلت في المهاجرين بظلم مشركي أهل مكّة لهم، فما بالهم في قتالهم كسرى و قيصر و من دونهم من مشركي قبائل العرب؟

فقال: لو كان [إنّما] (2) أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكّة فقط، لم يكن لهم إلى قتال جموع كسرى و قيصر و غير أهل مكّة من قبائل العرب سبيل. لأنّ الّذين ظلموهم غيرهم، و إنّما أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكّة لإخراجهم إيّاهم من ديارهم و أموالهم بغير حقّ. و لو كانت الآية إنّما عنت المهاجرين الّذين ظلمهم أهل مكّة، كانت الآية مرتفعة الفرض عمّن بعدهم، إذ لم يبق من الظّالمين و المظلومين أحد، و كان فرضها مرفوعا عن النّاس بعدهم، إذا لم يبق من الظّالمين و المظلومين أحد.

و ليس كما ظننت، و لا كما ذكرت، و لكنّ المهاجرين ظلموا من جهتين: ظلمهم أهل مكّة بإخراجهم من ديارهم [و أموالهم‏] (3)، فقاتلوهم بإذن اللّه لهم في ذلك. و ظلمهم كسرى و قيصر و من كان دونهم من قبائل العرب و العجم، بما كان في أيديهم، ممّا كان المؤمنون أحقّ به منهم. فقد قاتلوهم بإذن اللّه- تعالى- لهم في ذلك.

و بحجّة هذه الآية يقاتل مؤمنو كلّ زمان. و إنّما أذن اللّه- تعالى- للمؤمنين الّذين قاموا بما وصف اللّه- تعالى- من الشّرائط الّتي شرطها على المؤمنين في الإيمان و الجهاد.

و من كان [قائما بتلك الشرائط، فهو مؤمن، و هو مظلوم و مأذون له في الجهاد بذلك المعنى. و من كان‏] (4) على خلاف ذلك، فهو ظالم و ليس من المظلومين، و ليس بمأذون له في القتال، و لا بالنّهي عن المنكر و الأمر بالمعروف. لأنّه ليس من أهل ذلك، و لا مأذون‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ينبغي.

(2) من المصدر.

(3) ليس في م.

(4) ليس في ع.

107

له في الدّعاء إلى اللّه، لأنّه ليس يجاهد مثله و أمر بدعائه إلى اللّه. و لا يكون مجاهدا من قد أمر المؤمنين‏ (1) بجهاده، و حضر الجهاد عليه و منعه منه. و لا يكون داعيا إلى اللّه- تعالى- من أمر بدعاء (2) مثله إلى التّوبة و الحقّ و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر. و لا يأمر بالمعروف من قد أمر أن يؤمر به. و لا ينهى عن المنكر من قد أمر أن ينهى عنه.

فمن كانت قد تمّت فيه شرائط اللّه- تعالى- الّتي وصف بها أهلها من أصحاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو مظلوم، فهو مأذون له في الجهاد، كما أذن لهم في الجهاد. لأنّ حكم اللّه- تعالى- في الأوّلين و الآخرين و فرائضه عليهم سواء، إلّا من علّة، أو حادث يكون. و الأوّلون و الآخرون- أيضا- في منع الحوادث شركاء، و الفرائض عليهم واحدة. يسأل الآخرون عن أداء الفرائض عمّا يسال عنه الأوّلون، و يحاسبون عمّا به يحاسبون.

و من لم يكن على صفة من أذن اللّه له في الجهاد من المؤمنين، فليس من أهل الجهاد، و ليس بمأذون له فيه، حتّى يفي‏ء بما شرط اللّه- تعالى- عليه. فإذا تكاملت فيه شرائط اللّه- تعالى- على المؤمنين و المجاهدين‏ (3)، فهو من المأذون‏ (4) لهم في الجهاد.

فليتّق اللّه- تعالى- عبد (5) و لا يغترّ بالأمانيّ الّتي نهى اللّه- تعالى- عنها من هذه الأحاديث الكاذبة على اللّه الّتي يكذّبها القرآن، و يتبرّأ منها و من حملتها (6) و رواتها، و لا يقدم على اللّه- تعالى- بشبهة لا يعذر بها. فإنّه ليس وراء المتعرّض‏ (7) للقتل في سبيل اللّه منزلة يؤتى اللّه من قبلها، و هي غاية الأعمال في عظم قدرها.

فليحكم امرؤ لنفسه، و ليرها كتاب اللّه- تعالى- و يعرضها عليه. فإنّه لا أحد أعرف بالمرء من نفسه. فإن وجدها قائمة بما شرط اللّه عليه في الجهاد، فليقدم على الجهاد.

و إن علم تقصيرا، فليصلحها و ليقمها (8) على ما فرض اللّه عليها من الجهاد. ثمّ ليقدم بها و هي طاهرة [مطهّرة] (9) من كلّ دنس يحول بينها و بين جهادها.

____________

(1) المصدر و ن: المؤمنون. و لعلّ ما في المتن أصوب لقوله: «و منعه منه» بعدها.

(2) ع: بدعائه.

(3) ن: المهاجرين.

(4) م و المصدر: المأذونين.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عنده.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: جملتها.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: المعترض.

(8) في غير م: ليقرها.

(9) لا يوجد في ع، س، أ.

108

و لسنا نقول لمن أراد الجهاد، و هو على خلاف ما وصفناه من شرائط اللّه- عزّ و جلّ- على المؤمنين و المجاهدين: لا تجاهدوا! و لكن نقول: قد علّمناكم ما شرط اللّه- تعالى- على أهل الجهاد الّذين بايعهم، و اشترى منهم أنفسهم‏ (1) و أموالهم بالجنان.

فليصلح امرؤ ما علم من نفسه من تقصير عن ذلك، و ليعرضها على شرائط اللّه. فإن رأى أنّه قد و في بها، و تكاملت فيه، فإنّه ممّن أذن اللّه- تعالى- له في الجهاد. و إن أبى إلّا أن يكون‏ (2) مجاهدا- على ما فيه من الإصرار على المعاصي و المحارم و الإقدام على الجهاد بالتّخبيط و العمى، و القدوم على اللّه- عزّ و جلّ- بالجهل و الرّوايات الكاذبة- فلقد لعمري‏ (3) جاء الأثر فيمن فعل هذا الفعل‏ (4): أنّ اللّه- تعالى- ينصر هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم.

فليتّق اللّه- تعالى- امرؤ. و ليحذر أن يكون منهم. فقد بيّن لكم، و لا عذر لكم بعد البيان في الجهل. و لا قوّة إلّا باللّه. و حسبنا اللّه، عليه توكّلنا، و إليه المصير.

وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ‏ بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد (6) بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن حجر بن زائدة، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ‏ (الآية).

فقال: كان قوم صالحون هم مهاجرون قوم سوء خوفا أن يفسدوهم. فيدفع اللّه أيديهم عن الصّالحين، و لم يأجر أولئك بما يدفع‏ (7) بهم. و فينا مثلهم.

لَهُدِّمَتْ‏: لخرّبت باستيلاء المشركين على أهل الملل.

و قرئ‏ (8): «لهدمت» بالتّخفيف.

صَوامِعُ‏: صوامع الرّهبانيّة وَ بِيَعٌ‏: و بيع النّصارى.

وَ صَلَواتٌ‏:

____________

(1) ليس في م.

(2) المصدر: فإن أبى أن لا يكون.

3 و 4- ليس في م.

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 340، ح 19.

(6) المصدر: حميد.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ينفع.

(8) أنوار التنزيل 2/ 93.

109

قيل‏ (1): و كنائس اليهود سمّيت بها، لأنّها يصلّى فيها.

و قيل‏ (2): أصلها «صلوتا» بالعبريّة، فعرّب.

و في مجمع البيان‏ (3): و قرأ جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: «و صلوات»- بضمّ الصّاد [و اللّام‏] (4).

وَ مَساجِدُ: و مساجد المسلمين.

يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً:

صفة للأربع، أو ل «مساجد» خصت بها تفضيلا.

وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ‏: من ينصر دينه.

قيل‏ (5): و قد أنجز وعده بأن سلّط المهاجرين و الأنصار على صناديد العرب و أكاسرة العجم و قياصرتهم، و أورثهم أرضهم و ديارهم.

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ‏ على نصرهم‏ عَزِيزٌ (40) لا يمانعه شي‏ء.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ‏ (الآية) قال:

هم الأئمّة. و هم الأعلام. و لولا صبرهم و انتظارهم الأمر أن يأتيهم من اللّه- تعالى- لقتلوا جميعا. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ:

قيل‏ (7): وصف للّذين أخرجوا. و هو ثناء قبل بلاء.

وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)، فإنّ مرجعها إلى حكمه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 93.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المجمع 4/ 85.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 93- 94.

(6) تأويل الآيات الباهرة 1/ 340، ح 20.

(7) أنوار التنزيل 2/ 94.

110

و فيه تأكيد لما وعده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثمّ ذكر عبادة الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- و سيرتهم، فقال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.

و في رواية أبي الجارود (2) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ: فهذه لآل محمّد إلى آخر الأئمّة (3) و المهديّ و أصحابه. يملّكهم اللّه مشارق الأرض و مغاربها، و يظهر الدّين. و يميت اللّه به و بأصحابه‏ (4) البدع‏ (5) و الباطل، كما أمات الشّقاة (6) الحقّ. حتّى لا يرى أثر الظّلم.

[وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ. وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.] (7)

و في كتاب المناقب‏ (8) لابن شهر آشوب: موسى بن جعفر و الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)‏- في قوله- تعالى-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ [وَ آتَوُا الزَّكاةَ] (9). قال: هذه فينا أهل البيت.

و في مجمع البيان‏ (10): وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نحن هم [و اللّه‏] (11).

و في شرح الآيات الباهرة (12): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن أحمد بن الحسن‏ (13)، عن أبيه، عن حسين‏ (14) بن مخارق، عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ.

قال: نحن هم.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 85.

(2) نفس المصدر 2/ 87.

(3) المصدر: الآية.

(4) المصدر: أصحابه.

(5) ليس في المصدر.

(6) ن: السفهة. و المصدر: السفه.

(7) ليس في المصدر.

(8) المناقب 4/ 47.

(9) من ن.

(10) المجمع 4/ 88.

(11) من المصدر.

(12) تأويل الآيات الباهرة 1/ 342، ح 22.

(13) م: الحسين.

(14) المصدر: حصين.

111

و قال أيضا (1): حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد (2) بن الحسن عن الحسين‏ (3)، عن حصين بن مخارق، عن عمرو بن ثابت، عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين‏ (4)، عن أمّه، عن أبيها، عن أبيه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ. قال: هذه نزلت فينا أهل البيت.

و قال أيضا (5): حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود، عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: كنت عند أبي يوما في المسجد إذ أتاه رجل، فوقف أمامه و قال: يا ابن رسول اللّه، أعيت عليّ آية في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- سألت عنها جابر بن يزيد، فأرشدني إليك.

فقال: و ما هي؟ قال: قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ. فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.

فقال: إي نعم، فينا نزلت. و ذاك لأنّ فلانا و فلانا و طائفة معهم- و سمّاهم- اجتمعوا إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: يا رسول اللّه، إلى من يصير هذا الأمر بعدك؟ فو اللّه، لئن صار إلى رجل من أهل بيتك، إنّا لنخافهم على أنفسنا. و لو صار إلى غيرهم، لعلّ غيرهم أقرب و أرحم‏ (6) بنا منهم! فغضب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من ذلك غضبا شديدا. ثمّ قال: أما و للّه لو آمنتم باللّه و برسوله، ما أبغضتموهم، لأنّ بغضهم بغضي، و بغضي هو الكفر باللّه. ثمّ نعيتم إلى نفسي. فو اللّه، لئن مكّنهم اللّه في الأرض ليقيموا الصّلاة (7) لوقتها، و ليؤتوا (8) الزّكاة لمحلّها، و ليأمرنّ‏ (9) بالمعروف، و لينهنّ عن المنكر. إنّما يرغم اللّه أنوف رجال يبغضوني، و يبغضون أهل بيتي و ذرّيّتي.

فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.

____________

(1) نفس المصدر، ح 23.

(2) م: محمد.

(3) المصدر: [عن أبيه‏].

(4) المصدر: عن أبي عبد الله بن الحسن.

(5) نفس المصدر 342- 343، ح 24.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أهم.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: ليقيمون الصلوات.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ليؤتون.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ليأمرون.

112

فلم يقبل القوم ذلك، فأنزل اللّه- سبحانه-: وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى‏ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.

و قال أيضا (1): حدّثنا محمّد بن الحسين‏ (2) بن حميد، عن جعفر بن عبد اللّه، عن كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ. قال: هذه [الآية] (3) لآل محمّد. المهديّ و أصحابه، يملّكهم اللّه مشارق الأرض و مغاربها، و يظهر الدّين. و يميت اللّه- عزّ و جلّ- به و بأصحابه البدع و الباطل، كما أمات السّفهة الحقّ. حتّى لا يرى أثر من الظّلم. وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ. وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.

وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ (42) وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ (43) وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ‏:

تسلية له- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأنّ قومه إن كذّبوه، فهو ليس بأوحديّ في التّكذيب، فإنّ هؤلاء قد كذّبوا رسلهم قبل قومه.

وَ كُذِّبَ مُوسى‏: (4) غيّر فيه النّظم، و بنى الفعل للمفعول، لأنّ قومه بنو (5) إسرائيل و لم يكذّبوه، و إنّما كذّبه القبط. و لأنّ تكذيبه كان أشنع، و آياته كانت أعظم و أشيع.

فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ‏: فأمهلتهم حتّى انصرمت آجالهم المقدّرة.

ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44): إنكاري عليهم بتغيير النّعمة محنة، و الحياة هلاكا، و العمارة خرابا.

فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بإهلاك أهلها.

____________

(1) نفس المصدر/ 343- 344، ح 25.

(2) م: الحسن.

(3) من المصدر.

(4) ليس في ن.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 94. و في النسخ:

بني.

113

و قرأ (1) البصريّان: «أهلكتها» بغير لفظ التّعظيم‏ (2).

وَ هِيَ ظالِمَةٌ، أي: أهلها.

فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها: ساقطة حيطانها على سقوفها، بأن تعطّل بنيانها، فخرّت سقوفها، ثمّ تهدّمت حيطانها، فسقطت فوقها. أو: خالية مع بقاء عروشها و سلامتها. فيكون الجارّ متعلّقا ب «خاوية».

و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر. أي: هي خالية، و هي على عروشها. أي مطلّة عليها بأن سقطت و بقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها.

و الجملة معطوفة على «أهلكناها» لا على‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ، فإنّها حال و الإهلاك ليس حال خوائها. فلا محلّ لها إن نصبت «كأيّن» بمقدّر يفسّره «أهلكناها». و إن رفعته بالابتداء، فمحلّها الرّفع.

وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ:

عطف على «قرية». أي: و كم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها، لهلاك أهلها.

و قرئ‏ (3) بالتّخفيف. من: أعطله بمعنى عطله‏ (4).

وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ (45): مرفوع أو مجصّص أخليناه عن ساكنيه.

و ذلك يقوّي أنّ معنى‏ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها خالية مع بقاء عروشها.

و قيل‏ (5): المراد ب «بئر» بئر على سفح جبل [بحضر موت‏] (6)، و ب «قصر» قصر مشرف على قلّته، كانا لقوم حنظلة بن صفوان من بقايا قوم صالح. فلمّا قتلوه، أهلكهم اللّه و عطّلها.

و في مجمع البيان‏ (7): و في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)‏- في قوله: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ: أي: و كم من عالم لا يرجع إليه و لا ينتفع بعلمه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و قرأ البصريّ.

بغير لفظ التعظيم.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عطل.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) المجمع 4/ 89.

114

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1) بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ قال: البئر المعطّلة الإمام الصّامت. و القصر المشيد الإمام النّاطق.

و في كتاب معاني الأخبار (2) بإسناده إلى إبراهيم بن زياد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ. قال: البئر المعطّلة الإمام الصّامت. و القصر المشيد الإمام النّاطق.

حدّثنا أبي‏ (3)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن عليّ بن السّندي، عن محمّد بن عمرو، عن بعض أصحابنا، عن نصر بن قابوس قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ. قال: البئر المعطّلة الإمام الصّامت. و القصر المشيد الإمام النّاطق.

و بإسناده‏ (4) إلى عبد اللّه بن القاسم البطل، عن صالح [بن سهل‏] (5) أنّه قال: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- هو القصر المشيد. و البئر المعطّلة فاطمة و ولدها (6) معطّلين من الملك.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن الحسن و عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم البجليّ، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى- (عليهما السلام)‏- في قوله- تعالى-: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ. قال: البئر المعطّلة الإمام الصّامت. و القصر المشيد الإمام النّاطق.

و رواه محمّد بن يحيى‏ (8)، عن العمركي، عن عليّ بن جعفر، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- مثله.

و في شرح الآيات الباهرة (9): روى أبو عبد اللّه الحسين بن جبير- (رحمه اللّه)- في كتاب نخب المناقب حديثا يرفعه إلى الصّادق- (عليه السلام)‏- في تفسير قوله- تعالى-:

____________

(1) كمال الدين/ 417، ح 10.

(2) المعاني/ 111، ح 1.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) نفس المصدر، ح 3.

(5) ليس في م.

(6) كذا في المصدر، و في النّسخ: ولداها.

(7) الكافي 1/ 427، ح 75.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) تأويل الآيات الباهرة 1/ 344، ح 28.

115

وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ أنّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: القصر المشيد و البئر المعطّلة عليّ- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ قال: هو مثل لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم). قوله: بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هي الّتي‏ (2) لا يستقى منها. و هو الإمام الّذي قد غاب، فلا يقتبس منه العلم إلى وقت ظهوره. و القصر المشيد هو المرتفع. و هو مثل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة منهم‏ (3)- (صلوات اللّه عليهم)- و فضائلهم [المنتشرة في العالمين‏] (4) المشرقة (5) على الدّنيا. و هو قوله‏ (6): لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. و قال الشّاعر في ذلك:

بئر معطّلة و قصر مشرف‏* * * مثل لآل محمّد مستطرف‏ (7)

فالقصر مجدهم الّذي لا يرتقى‏* * * و البئر علمهم الّذي لا ينزف‏ (8)

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏:

حثّ لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين، فيعتبروا. و هم، و إن كانوا قد سافروا، لم يسافروا لذلك.

و في كتاب الخصال‏ (9): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه‏ (10)- تعالى-:

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏. قال: معناه: أو لم ينظروا في القرآن.

فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يجب أن يعقل من التّوحيد، بما حصل لهم من الاستبصار و الاستدلال.

أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما يجب أن يسمع من الوحي و التّذكير بحال من شهد آثارهم.

فَإِنَّها:

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 85.

(2) كذا في المصدر. و في النّسخ: هو الّذي.

(3) ليس في المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: المشرفة.

(6) التوبة/ 33، و الفتح/ 28، و الصفّ/ 9.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: متطرّف.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يشرف.

(9) لم نعثر عليه في كتاب الخصال، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 507، ح 171.

(10) الرّوم/ 9، و آيات أخر. و في الآية المفسّرة هنا و غيرها أيضا من الآي: «أ فلم ...».

116

الضّمير للقصّة. أو مبهم يفسّره «الأبصار». و في «تعمى» راجع إليه، و الظّاهر أقيم مقامه.

لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) عن الاعتبار.

أي: ليس الخلل في مشاعرهم، و إنّما إيفت‏ (1) عقولهم باتّباع الهوى و الانهماك في التّقليد. و ذكر «الصّدور» للتأكيد و نفي التّجوّز، و فضل التّنبيه على أنّ العمى الحقيقيّ ليس المتعارف الّذي يخصّ البصر.

قيل‏ (2): لمّا نزلت‏ (3): وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ قال ابن أمّ مكتوم: يا رسول اللّه، أنا في الدّنيا أعمى، أ فأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: تاه من جهل. و اهتدى من أبصر و عقل. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. و كيف يهتدي من لم يبصر!؟

و كيف يبصر من لم يتدبّر!؟ اتّبعوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أهل بيته. و أقرّوا بما نزل من عند اللّه. و اتّبعوا آثار الهدى، فإنّهم علامات الأمانة و التّقى.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (5) عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- حديث طويل يقول فيه: [ألا] (6) إنّ للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه و دنياه. و عينان يبصر بهما أمر آخرته. فإذا أراد اللّه بعبد خيرا، فتح له العينين اللّتين في قلبه. فأبصر بهما الغيب و (7) أمر آخرته. و إذا أراد به غير ذلك، ترك القلب بما فيه.

و في كتاب التّوحيد (8) عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)‏- مثل ما في‏

____________

(1) إيف الزرع و نحوه: أصابته آفة.

(2) أنوار التنزيل 2/ 95.

(3) الإسراء/ 72.

(4) الكافي 1/ 182، ح 6.

(5) الخصال/ 240، ح 90.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: في.

(8) التّوحيد/ 366- 367، ح 4.

117

الخصال سواء. و زاد في آخره: ثمّ التفت إلى السّائل عن القدر فقال: هذا منه! [هذا منه!] (1).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2) خطبة له- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيها: و أعمى العمى الضّلالة بعد الهدى. و شرّ العمى عمى القلب.

و في روضة الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرّأس، و عينان في القلب. ألا و إنّ‏ (4) الخلائق كلّهم كذلك، إلّا أنّ اللّه- عزّ و جلّ- فتح أبصاركم، و أعمى أبصارهم.

حميد بن زياد (5)، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن عديس، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصّباح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: و أعمى العمى عمى القلب.

و الحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّما الأعمى أعمى‏ (7) القلب. فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.

و في مصباح الشريعة (8): قال الصادق- (عليه السلام)-: و لا يصحّ الاعتبار إلّا لأهل الصّفا و البصيرة. قال اللّه‏ (9)- تعالى-: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. و قال- عزّ من قائل-: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ] (10). فمن فتح اللّه عين قلبه، و بصّر عينيه‏ (11) بالاعتبار فقد أعطاه منزلة رفيعة و ملكا عظيما.

____________

(1) لا يوجد في ع.

(2) لم نعثر عليه في تفسير القمّي، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 508، ح 175.

(3) الكافي 8/ 214- 215، ح 260.

(4) ليس في المصدر.

(5) الكافي 8/ 81، ح 39.

(6) الفقيه 1/ 248، ح 1110.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: عمى.

(8) مصباح الشريعة/ 201.

(9) الحشر/ 2.

(10) لا يوجد في النسخ. و إنّما أضفناها من نور الثقلين 3/ 508. و الظاهر أنّ المصنّف (ره) أسقط هذه العبارات عند نقل الروايتين من التفسير المذكور.

(11) من ن. و في غيرها: عينه.

118

و في عوالي الّلالي‏ (1): و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا أراد اللّه بعبد خيرا، فتح عيني قلبه، فيشاهد بها ما كان غائبا عنه.

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ‏ المتوعّد به.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ‏.

و ذلك أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخبرهم أنّ العذاب قد أتاهم، فقالوا (3):

فأين العذاب!؟ فاستعجلوه.

وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ‏:

لامتناع الخلف في خبره. فيصيبهم ما أوعدهم به، و لو بعد حين. لكنّه صبور لا يعجل بالعقوبة.

وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ (47):

قرأ (4) ابن كثير و حمزة و الكسائيّ بالياء.

بيان لتناهي صبره و تأنّيه، حتّى استقصر المدد الطّوال‏ (5). أو لتمادي عذابه و طول أيّامه حقيقة. أو من حيث إنّ أيّام الشّدائد مستطالة (6).

و في كتاب معاني الأخبار (7): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد (8)، عن جعفر بن محمّد بن عقبة، عن زرارة (9)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه‏ (10)- عزّ و جلّ-: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قال: الأحقاب ثمانية أحقاب. و الحقب‏ (11) ثمانون سنة. و السّنة ثلاثمائة و ستّون يوما. و اليوم كألف سنة ممّا تعدّون.

و في إرشاد المفيد (12)- (رحمه اللّه)- عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)-:

____________

(1) العوالي 4/ 116، ح 183.

(2) تفسير القمّي 2/ 88.

(3) المصدر: قالوا.

(4) أنوار التنزيل 2/ 95.

(5) ليس في أ.

(6) ن: متطاولة.

(7) المعاني/ 220- 221، ح 1.

(8) م: زيد.

(9) المصدر: عمّن رواه.

(10) النبأ/ 23.

(11) المصدر: الحقبة.

(12) الإرشاد/ 344.

119

إذا قام القائم- (عليه السلام)- سار إلى الكوفة، فهدم فيها أربعة (1) مساجد. و لم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلّا هدمها (2)، و جعلها جمّاء (3). و وسّع الطّريق الأعظم.

و كسر كلّ جناح خارج في الطّريق. و أبطل الكنف‏ (4) و الميازيب‏ (5) إلى الطّرقات و لا يترك‏ (6) بدعة إلّا أزالها، و لا سنّة إلّا أقامها. و يفتح قسطنطينة و الصين‏ (7) و جبال الدّيلم. فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار (8) كلّ سنة عشر سنين من سنيكم‏ (9) هذه. ثمّ يفعل اللّه ما يشاء.

قال: قلت: جعلت فداك، فكيف تطوّل السّنون‏ (10)؟ قال: يأمر اللّه- تعالى- الفلك باللّبوث و قلّة الحركة. فتطول الأيّام لذلك و السّنون.

قال [قلت‏] (11) له: إنّهم يقولون: «إنّ الفلك إن تغيّر فسد»؟ قال: ذلك قول الزّنادقة.

فأمّا المسلمون، فلا سبيل لهم إلى ذلك. و قد شقّ اللّه القمر لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ردّ الشّمس من قبله ليوشع بن نون. و أخبر بطول يوم‏ (12) القيامة، و أنّه‏ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏.

و في روضة الكافي‏ (13): علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عنهم- (عليهم السلام)- قال: فيما وعظ اللّه به عيسى- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و اعبدني ليوم‏ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏. و فيه أجزي بالحسنة (14) أضعافها.

و في أمالي شيخ الطّائفة (15)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال في كلام طويل: فإنّ في القيامة خمسين موقفا، كلّ موقف مثل ألف سنة ممّا تعدّون. ثمّ تلا هذه الآية (16): فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ: و كم من أهل قرية. فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أربع.

(2) كذا. و الصحيح: هدمه.

(3) أي: ملساء. أي: جعل الأرض ملساء.

(4) في غير ع: الكنيف.

(5) المصدر: المآزيب.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لا ترك.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: العير.

(8) ليس في المصدر. و في ن: يقدر.

(9) المصدر: سنينكم.

(10) المصدر: يطوّل السنين.

(11) من المصدر.

(12) ليس في م.

(13) الكافي 8/ 134، ح 103.

(14) ليس في أ.

(15) الأمالي 1/ 34.

(16) المعارج/ 4.

120

مقامه في الإعراب، و رجع الضّمائر و الأحكام الآتية (1) مبالغة في التّعميم و التّهويل.

قيل‏ (2): و إنّما عطف الأولى بالفاء، و هذه بالواو، لأنّ الأولى بدل من قوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ و هو في حكم ما تقدّمها من الجملتين، لبيان أنّ المتوعّد به يحيق بهم لا محالة، و أنّ تأخيره لعادته- تعالى.

أَمْلَيْتُ لَها، كما أمهلتكم‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ مثلكم.

ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب. وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (48): و إلى حكمي مرجع الجميع.

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏ (49) أوضّح لكم ما أنذركم به.

و الاقتصار على الإنذار، مع عموم الخطاب و ذكر الفريقين، لأنّ صدر الكلام [و مساقه‏] (3) للمشركين. و إنّما ذكر المؤمنين‏ (4) و ثوابهم زيادة في غيظهم.

فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما بدر منهم‏ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ (50) هي الجنّة. و الكريم من كلّ نوع: ما يجمع فضائله.

وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا بالرّدّ و الإبطال‏ مُعاجِزِينَ‏: مسابقين مشاقّين للسّاعين فيها بالقبول و التّحقيق. من: عاجزه فأعجزه و عجزه: إذا سابقه فسبقه. لأنّ كلّا من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللّحاق به.

و قرأ (5) ابن كثير و أبو عمرو: «معجزين» على أنّه حال مقدّرة.

أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ‏ (51): النّار الموقدة.

و قيل‏ (6): اسم دركة.

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود، عن الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ قال: أولئك آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم). وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا (8)

____________

(1) ليس في أنوار التنزيل 2/ 950.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في أ.

(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

المؤمنون.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 95.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 345، ح 29.

(8) لا يوجد في المصدر، و في غير ع من النسخ أيضا.

121

قطع مودّة آل محمّد مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ‏. قال: (1) الأربعة نفر. يعني:

التّيميّ، و العدويّ، و الأمويّين.

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏:

قيل‏ (2): الرّسول من بعثه اللّه بشريعة مجدّدة يدعو النّاس إليها. و النّبيّ يعمّه و من بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الّذين كانوا بين موسى و عيسى- (عليهما السلام).

و لذلك شبّه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- علماء أمّته بهم. و النّبيّ أعمّ من الرّسول‏ (3).

و يدلّ عليه‏

أنّه- (عليه السلام)- سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا.

قيل: فكم الرّسل منهم؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر جمّا غفيرا.

و قيل‏ (4): الرّسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه. و النّبيّ غير الرّسول من لا كتاب له.

و قيل‏ (5): الرّسول من يأتيه الملك بالوحي. و النّبيّ يقال له و لمن يوحى إليه في المنام.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد الحسنيّ، عن إدريس بن زياد الحنّاط (7)، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عيينة قال:

قال لي عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: يا حكم، هل تدري ما كانت الآية الّتي كان يعرف بها عليّ- (عليه السلام)- صاحب قتله، و يعرف بها الأمور العظام الّتي كان يحدّث بها النّاس؟

قال: قلت لا و اللّه، فأخبرني بها يا ابن رسول اللّه. قال: هي قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث».

قلت: فكان عليّ- (عليه السلام)- محدّثا؟ قال: نعم. و كلّ إمام منّا أهل البيت محدّث.

____________

(1) المصدر: هم.

(2) أنوار التنزيل 2/ 95.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الرسل.

(4) نفس المصدر/ 95- 96.

(5) نفس المصدر/ 96.

(6) تأويل الآيات الباهرة 1/ 345- 346، ح 30.

(7) ليس في م.

122

و قال أيضا (1): حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب‏ (2)، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن فرقد، عن الحارث بن المغيرة البصري‏ (3)، قال: قال لي الحكم بن عيينة: إنّ مولاي عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال لي: إنّما علم عليّ- (عليه السلام)- كلّه في آية واحدة.

قال: فخرج حمران‏ (4) بن أعين ليسأله. فوجد عليّا- (عليه السلام)- [قد قبض. فقال لأبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ الحكم حدّثنا عن عليّ بن الحسين أنّه قال: إنّ علم عليّ- (عليه السلام)- كلّه في آية واحدة. فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-:] (5) و ما تدري ما هي؟ قلت: لا. قال: هي قوله- تعالى-: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث». ثمّ أبان شأن الرّسول [و النبيّ‏] (6) و المحدّث- (صلوات اللّه عليهم).

و قال‏ (7): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن القاسم بن عروة، عن بريد العجليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الرّسول و النّبيّ و المحدّث. فقال:

الرّسول الّذي تأتيه الملائكة، و يعاينهم و تبلغه الرّسالة من اللّه. و النّبيّ يرى في المنام، فما رأى، فهو كما رأى. و المحدّث الّذي يسمع كلام الملائكة و حديثهم، و لا يرى شيئا، بل ينقر في أذنه و ينكت في قلبه.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام بن سالم، و درست بن أبي منصور، عنه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الأنبياء و المرسلون على أربع طبقات: فنبيّ نبّئ‏ (9) في نفسه لا يعدو غيرها. و نبيّ يرى في النّوم، و يسمع الصّوت، و لا يعاينه في اليقظة، و لم يبعث إلى أحد و عليه إمام، مثل ما كان إبراهيم على لوط- (عليهما السلام). و نبيّ يرى في منامه، و يسمع الصّوت، و يعاين الملك، و قد أرسل إلى طائفة، قلّوا أو كثروا. كيونس، قال اللّه‏ (10) ليونس:

____________

(1) نفس المصدر/ 346، ح 31.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عن محمد بن الحسين، عن أبيه الخطاب.

(3) المصدر: النضري. و في جامع الرواة 1/ 175: النصري.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عمران.

(5) لا يوجد في أ.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر/ 346- 347، ح 32.

(8) الكافي 1/ 174- 175، ح 1.

(9) المصدر: منبأ.

(10) الصافات/ 147.

123

وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏ قال: يزيدون ثلاثين ألفا. و عليه إمام. و الّذي يرى في منامه‏ (1)، و يسمع الصّوت، و يعاين في اليقظة، و هو إمام، مثل أولي العزم.

و قد كان إبراهيم- (عليه السلام)- نبيّا و ليس بإمام، حتّى قال اللّه‏ (2): إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ فقال اللّه: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏. من عبد صنما أو وثنا، لا يكون إماما.

عدّة من أصحابنا (3)، [عن أحمد بن محمّد] (4) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا: ما الرّسول؟ و ما النّبيّ؟ فقال: النّبيّ الّذي يرى في منامه، و يسمع الصّوت، و لا يعاين الملك. [و الرّسول الّذي يسمع الصّوت، و يرى في المنام، و يعاين الملك.

قلت: الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصّوت، و لا يرى، و لا يعاين الملك‏] (6). ثمّ تلا هذه الآية: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث».

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفيّ إلى الرّضا- (عليه السلام)-: جعلت فداك، أخبرني ما الفرق بين الرّسول و النّبيّ و الإمام؟ قال: فكتب [أو قال‏] (8):

الفرق بين الرّسول و النّبيّ و الإمام أنّ الرّسول الّذي ينزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فيراه، و يسمع كلامه، و ينزل عليه الوحي. و ربّما رأى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم- (عليه السلام)-. و النّبيّ ربّما سمع الكلام، و ربّما رأى الشّخص، و لم يسمع.

و الإمام هو الّذي يسمع الكلام و لا يرى الشّخص.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الرّسول و النّبيّ و المحدّث. قال:

الرّسول الّذي يأتيه جبرئيل قبلا، فيراه، و يكلّمه. فهذا الرّسول. و أمّا النّبيّ، فهو

____________

(1) المصدر: نومه. و في س بعدها: المنام.

(2) البقرة/ 124.

(3) نفس المصدر/ 176، ح 1.

(4) ليس في أ.

(5) مريم/ 54.

(6) ليس في ن.

(7) نفس المصدر، ح 2.

(8) ليس في م.

124

الّذي يرى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم، و نحو ما كان رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من أسباب النّبوّة قبل الوحي، حتّى أتاه جبرئيل [من عند اللّه بالرّسالة.

و كان محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين جمع له النّبوّة و جاءته الرّسالة من عند اللّه، يجيئه بها جبرئيل- (عليه السلام)‏] (1) و يكلّمه بها قبلا. و من الأنبياء من جمع له النّبوّة، و يرى في منامه، و يأتيه الرّوح، و يكلّمه و يحدّثه من غير أن يكون يرى في اليقظة.

و أمّا المحدّث، فهو الّذي يحدّث، فيسمع و لا يعاين، و لا يرى في منامه.

أحمد بن محمّد (2) و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن حسّان، عن ابن فضّال، عن عليّ بن يعقوب الهاشميّ، عن مروان بن مسلم، عن بريد (3)، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث».

قلت: جعلت فداك، ليست هذه قراءتنا. فما الرّسول و النّبيّ و المحدّث؟ قال:

الرّسول الّذي يظهر له الملك، فيكلّمه. و النّبيّ، هو الّذي يرى في منامه. و ربّما اجتمعت النّبوّة و الرّسالة لواحد. و المحدّث الّذي يسمع‏ (4) الصّوت، و لا يرى الصّورة.

قال: قلت: أصلحك اللّه، كيف يعلم أنّ الّذي رأى في النّوم حقّ، و أنّه من الملك؟

قال: يوفّق لذلك حتّى يعرفه. لقد ختم اللّه بكتابكم الكتب، و ختم بنبيّكم الأنبياء.

محمّد بن الحسن‏ (5)، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اتّخذ إبراهيم عبدا، قبل أن يتّخذه نبيّا. و إنّ اللّه اتّخذه نبيّا، قبل أن يتّخذه رسولا. و إنّ اللّه اتّخذه رسولا، قبل أن يتّخذه خليلا. و إنّ اللّه اتّخذه خليلا، قبل أن يتّخذه‏ (6) إماما.

عليّ بن محمّد (7)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن إسحاق بن عبد العزيز أبي السّفاتج، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ اللّه اتّخذ إبراهيم- (عليه السلام)- عبدا، قبل أن يتّخذه نبيّا. و اتّخذه نبيّا، قبل أنّ يتّخذه رسولا.

____________

(1) ليس في ن.

(2) نفس المصدر/ 177، ح 4.

(3) ن: يزيد.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: سمع.

(5) نفس المصدر/ 175، ح 2.

(6) المصدر: يجعله.

(7) نفس المصدر، ح 4.

125

و اتّخذه رسولا، قبل أن يتّخذه خليلا. و اتّخذه خليلا، قبل أن يتّخذه إماما.

و هذان الحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.

محمّد (1)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة (2) قال: دخلت على عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يوما. فقال: يا حكم، هل تدري الآية الّتي كان عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يعرف قاتله بها، و يعرف بها الأمور العظام الّتي كان يحدّث بها النّاس؟

قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقعت على علم من علم عليّ بن الحسين أعلم بذلك تلك الأمور العظام. قال: فقلت: لا و اللّه، لا أعلم. قال: ثمّ قلت‏ (3): الآية تخبرني بها يا ابن رسول اللّه؟ قال: هو و اللّه قول اللّه- عزّ ذكره-: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث». و كان عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- محدّثا.

فقال له رجل يقال له عبد اللّه بن زيد- كان أخا علي لأمّه-: سبحان اللّه! محدّثا!؟ كأنّه ينكر ذلك. فأقبل عليه‏ (4) أبو جعفر فقال: أما و اللّه إنّ ابن أمّك بعد قد كان يعرف ذلك.

قال: فلمّا قال له ذلك، سكت الرّجل. فقال: هي الّتي هلك فيها أبو الخطّاب، فلم يدر ما تأويل المحدّث و النّبيّ.

محمّد بن يحيى‏ (5)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أوّل وصيّ كان على وجه الأرض هبة اللّه بن آدم. و ما من نبيّ مضى، إلّا و له وصيّ. و كان جميع الأنبياء مائة ألف نبيّ و عشرين ألف نبيّ. منهم خمسة أولو العزم:

نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى و محمّد- (صلوات اللّه عليهم).

و إنّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان هبة اللّه لمحمّد- (عليهما السلام)- و ورث علم الأوصياء، و علم من كان قبله. أما إنّ محمّدا ورث علم من كان قبله من الأنبياء و المرسلين. على قائمة العرش مكتوب: حمزة أسد اللّه، و أسد رسوله، و سيّد

____________

(1) نفس المصدر/ 270، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عتبة.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «قلت ثمّ» بدل «ثمّ قلت».

(4) المصدر: علينا.

(5) نفس المصدر/ 224، ح 2.

126

الشّهداء. و في ذؤابة (1) العرش: عليّ أمير المؤمنين.

فهذه حجّتنا على من أنكر حقّنا و جحد ميراثنا. و ما منعنا من الكلام و أمامنا اليقين. فأيّ حجّة تكون أبلغ من هذا!؟

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن هشام، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: سادة النّبييّن و المرسلين خمسة، و هم أولو العزم من الرّسل. و عليهم دارت الرّحى: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)، و على جميع الأنبياء.

و في تهذيب الأحكام‏ (3) بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أحبّ أن يصافحه مائة ألف نبيّ و عشرون ألف نبيّ، فليزر قبر الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- في النّصف من شعبان. فإنّ أرواح النّبيّين تستأذن اللّه في زيارة قبره فيؤذن لهم.

و في كتاب الخصال‏ (4) عن عتبة (5) بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- قال: دخلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو جالس في المسجد (6) وحده. فاغتنمت خلوته- إلى أن قال:

قلت: يا رسول اللّه، كم النّبيّون؟ قال: مائة ألف و أربعة و عشرون ألف نبيّ.

قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر جمّا غفيرا (7).

قلت: من كان أوّل الأنبياء؟ قال: آدم.

قلت: من الأنبياء مرسلا؟ قال: نعم، خلقه اللّه بيده، و نفخ فيه من روحه.

ثمّ قال- (عليه السلام)-: يا أبا ذرّ، أربعة من الأنبياء سريانيّون: آدم، و شيث و أخنوخ، و هو إدريس، و هو أوّل من خطّ بالقلم- و نوح- (عليهم السلام). و أربعة من الأنبياء من العرب: هود، و صالح، و شعيب و أنا (8). و أوّل نبيّ من بني إسرائيل موسى.

____________

(1) كذا في المصدر. و في ن: رواية. و في غيرها:

زاوية.

(2) نفس المصدر/ 175، ح 3.

(3) التهذيب 6/ 48، ح 109.

(4) الخصال/ 523- 524، ح 13.

(5) المصدر: عبيد.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و هو في المسجد جالس.

(7) المصدر: جمّاء غفيراء.

(8) ليس في ع. و في المصدر: و نبيّك محمّد.

127

و آخرهم عيسى و ستّمائة نبيّ.

و بإسناده‏ (1) إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: خلق اللّه- عزّ و جلّ- مائة ألف نبيّ و أربعة و عشرين ألف نبيّ، أنا أكرمهم على اللّه، و لا فخر. و خلق اللّه- عزّ و جلّ- مائة ألف وصيّ و أربعة و عشرين ألف وصيّ. فعليّ أكرمهم و أفضلهم.

و بإسناد آخر (2) إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- نحوه.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ، و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: و سأله عن ستّة من الأنبياء لهم اسمان. فقال: يوشع [بن نون و هو ذو الكفل‏] (4)، و يعقوب، و هو إسرائيل‏ (5)، و الخضر، و هو خليقا (6)، و يونس، و هو ذو النّون، و عيسى، و هو المسيح، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو أحمد. (صلوات اللّه عليهم).

و سأله [عن خمسة من الأنبياء تكلّموا بالعربيّة. فقال: هود، و شعيب، و صالح، و إسماعيل، و محمّد- (صلوات اللّه عليهم)‏] (7).

و سأله عمّن خلق اللّه- تعالى- من الأنبياء مختونا. فقال: خلق اللّه آدم مختونا.

و ولد شيث مختونا. و إدريس، و نوح، و سام بن نوح، و إبراهيم، و داود، و سليمان، و لوط، و إسماعيل، و موسى، و عيسى، و محمّد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و في بصائر الدرجات‏ (8): [عليّ بن إسماعيل عن محمّد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، [عن عبد الأعلى‏] (9)، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: ما من نبيّ‏ (10) و لا رسول‏ (11) أرسل، الّا بولايتنا و بفضلنا على من‏ (12) سوانا] (13).

____________

(1) نفس المصدر/ 641، ح 18.

(2) نفس المصدر، ح 19.

(3) العيون 1/ 189- 192، ح 1.

(4) ليس في م.

(5) المصدر: إسرائيل اللّه.

(6) م: خليفا. و المصدر: حلقيا.

(7) ليس في ن.

(8) البصائر/ 94، ح 2.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: نبيّ نبئى.

(11) المصدر: و لا من رسول.

(12) المصدر: بفصلنا عمّن.

(13) لا يوجد في ع، س، أ.

128

عليّ بن إسماعيل‏ (1)، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة، عن حمران قال:

حدّثنا الحكم بن عتيبة (2)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال: إنّ علم عليّ- (عليه السلام)- في آية من القرآن. و كتمنا الآية.

قال: فكنّا نجتمع فنتدارس القرآن، فلا نعرف الآية.

قال: فدخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقلت: إنّ الحكم بن عتيبة حدّثنا (3) عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)‏- أنّ علم عليّ- (عليه السلام)- في آية من القرآن، و كتمنا الآية. قال: اقرأ يا حمران. فقرأت: و ما أرسلنا من رسول و لا نبي.

قال: فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و ما أرسلنا من رسول و لا نبي و لا محدّث». قال: [قلت: و كان عليّ محدّثا؟ قال: نعم.

فجئت إلى أصحابنا فقلت: قد أصبت الّذي كان الحكم يكتمنا. قال: قلت: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-!] (4) كان عليّ محدّثا (5). فقالوا لي: ما صنعت شيئا! ألا سألته من يحدّثه‏ (6)

قال: [فبعد ذلك أنّي أتيت أبا جعفر- (عليه السلام)- فقلت: أليس حدّثتني أن عليّا- (عليه السلام)- كان محدّثا؟ قال: بلى‏] (7). قلت: من يحدّثه؟ قال: ملك يحدّثه.

قلت: أقول إنّه نبيّ أو رسول؟ قال: لا، و لكن قل‏ (8): مثله مثل صاحب سليمان، و مثل صاحب موسى. و [مثله‏] (9) مثل ذي القرنين‏ (10).

العبّاس بن معروف‏ (11)، عن القاسم بن عروة، عن بريد العجليّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّسول و النّبيّ و المحدّث. قال: الرّسول الّذي تأتيه الملائكة

____________

(1) نفس المصدر/ 343- 344، ح 10، 11.

(2) المصدر: عيينة.

(3) ليس في ن.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: «كان يقول عليّ محدّث» بدل العبارة الأخيرة.

(6) كذا في المصدر و في النسخ: قالوا: ما صنع شيئا! ألا كان تسأله من يحدّثه!؟

(7) من المصدر.

(8) المصدر: «قال: بل» بدل «و لكن قل».

(9) من المصدر.

(10) هكذا في نور الثقلين 3/ 515، ح 201. و في النسخ: مثل صاحب ذي القرنين. و في المصدر:

مثل صاحب ذوي القرنين.

(11) نفس المصدر/ 388، ح 1.

129

[و يعاينه‏] (1)، فتبلّه عن اللّه- تبارك و تعالى. و النّبيّ الّذي يرى في منامه، [فما رأى‏] (2) فهو كما رأى. و المحدّث الّذي يسمع كلام الملائكة، و ينقر في أذنه، و ينكت في قلبه‏ (3).

محمّد بن الحسين‏ (4)، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن النّبيّ و الرّسول و المحدّث. قال:

الرّسول يأتيه جبرئيل فيكلّمه [قبلا] (5) فيراه كما يرى الرّجل صاحبه الّذي يكلّمه.

فهذا الرّسول. و النّبيّ الّذي يؤتى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم‏ (6)، و نحو ما كان يأتي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من السّبات‏ (7) إذا (8) أتاه جبرئيل. هكذا النّبيّ. و منهم من يجمع له الرّسالة و النّبوّة.

و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نبيّا يأتيه جبرئيل قبلا، فيكلّمه و يراه و يأتيه‏ (9) في النّوم. و النّبيّ الّذي يسمع كلام الملك حتى يعاينه فيحدّثه. فأمّا (10) المحدّث هو الّذي يسمع، و لا يعاين، و لا يؤتى في المنام‏ (11).

إِلَّا إِذا تَمَنَّى‏: إذا قدّر في نفسه ما يهواه‏ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ‏: في تشهّيه ما ينافيه.

فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏، فيبطله و يذهب به.

ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ‏: ثمّ يثبّت آياته الدّالّة على حقّيّة ما هواه النّبيّ.

وَ اللَّهُ عَلِيمٌ‏ بأحوال الإنسان‏ حَكِيمٌ‏ (52) فيما يفعله لهم.

قيل‏ (12): حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت.

و في كتاب الاحتجاج‏ (13) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فيذكر- جلّ ذكره- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما يحدثه عدوّه‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أذنه.

(4) نفس المصدر/ 393، ح 19.

(5) من المصدر.

(6) ليس في ن.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: البيّنات.

و السّبات: النوم. و قيل: خفّته. و قيل: ابتداؤه في الرأس حتّى يبلغ القلب.

(8) المصدر: إذ.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فيراه فيأتيه.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «من غير معاينة فيحدّث و» بدل «حتى يعانيه فيحدّثه. فأمّا».

(11) م: و لا يعاين، و لا في المنام.

(12) أنوار التنزيل 2/ 96.

(13) الاحتجاج/ 257.

130

في كتابه من بعده، بقوله: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ‏. يعني: أنّه ما من نبيّ تمنّى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه و عقوقهم و الانتقال عنهم إلى دار الإقامة (1)، «إلّا ألقى الشّيطان» المعرض بعداوته عند (2) فقده، في الكتاب الّذي [أنزل‏] (3) عليه ذمّه و القدح فيه و الطّعن عليه: فَيَنْسَخُ اللَّهُ‏ ذلك من قلوب المؤمنين، فلا تقبله، و لا تصغي إليه غير قلوب المنافقين و الجاهلين. و يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ‏ بأن يحمي أولياءه من الضّلال و العدوان، و مشايعة (4) أهل الكفر و الطّغيان الّذين لم يرض اللّه أن يجعلهم كالأنعام، حتّى‏ (5) قال‏ (6): بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.

و في مجمع البيان‏ (7): روي عن ابن عبّاس و غيره‏ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا تلا سورة و النجم‏ (8) و بلغ إلى قوله‏ (9): أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ ألقى الشّيطان في تلاوته: و تلك الغرانيق العلى و إنّ شفاعتهنّ لترتجى. فسرّ بذلك المشركون. [فلمّا انتهى إلى السّجدة، سجد المسلمون، و سجد أيضا المشركون‏] (10) لما سمعوا من ذكر آلهتهم ما (11) أعجبهم.

و هذا الخبر- إن صحّ- محمول على أنّه كان يتكرّر (12). فلمّا بلغ إلى هذا الموضع و ذكر أسماء آلهتهم- و قد علموا من عادته (عليه السلام) أنّه [كان‏] (13) يعيبها- قال بعض الحاضرين من الكافرين: تلك الغرانيق العلى. و ألقى ذلك في تلاوته، فوهم‏ (14) أنّ ذلك من القرآن. فأضافه [اللّه‏] (15)- سبحانه- إلى الشّيطان، لأنّه إنّما حصل بإغوائه و وسوسته.

و هذا، أورده المرتضى- (قدّس اللّه روحه)- في كتاب التّنزيه، و هو قول النّاصر للحقّ من أئمّة الزّيديّة. و هو وجه حسن في تأويله.

____________

(1) ن: الكرامة.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(3) من المصدر.

(4) ن: متابعة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حيث.

(6) الفرقان/ 44.

(7) المجمع 4/ 90- 91.

(8) ع: سورة الحجّ و النجم.

(9) النّجم/ 19 و 20.

(10) ليس في م.

(11) المصدر: بما.

(12) المصدر: يتلو القرآن.

(13) من المصدر.

(14) المصدر: توهم.

(15) من المصدر.

131

و قيل‏ (1): إنّ المراد بالغرانيق الملائكة. و قد جاء ذلك في بعض الحديث.

و قيل‏ (2): إنّه كان- (عليه السلام)- إذا تلا القرآن على قريش، توقّف في فصول الآيات، و أتى بكلام على سبيل الحجاج لهم. فلمّا تلا الآيات قال: «تلك الغرانيق العلى» على سبيل الإنكار عليهم، و على أنّ الأمر بخلاف ما قالوه و ظنّوه.

و ليس يمتنع أن يكون هذا في الصّلاة، لأنّ الكلام في الصّلاة حينئذ كان مباحا، و إنّما نسخ من بعد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ- إلى قوله:- وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏

فإنّ العامّة رووا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان في الصّلاة، فقرأ سورة النّجم في المسجد الحرام، و قريش يسمعون لقراءته. فلمّا انتهى إلى هذه الآية: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ أجرى إبليس على لسانه: فإنّها الغرانيق العلى‏ (4)، و إنّ شفاعتهنّ لترتجى.

ففرحت قريش، و سجدوا. و كان في القوم الوليد بن المغيرة المخزوميّ- و هو شيخ كبير- فأخذ كفّا من حصى، فسجد عليه و هو قاعد. فقالت قريش: قد أقرّ محمّد بشفاعة اللّات و العزّى. قال: فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- فقال له: قد قرأت ما لم انزل عليك! و أنزل عليه: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏.

و أمّا الخاصّة فإنّهم رووا عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصابه خصاصة. فجاء إلى رجل من الأنصار، فقال له: هل عندك من طعام؟ قال: نعم يا رسول اللّه! و ذبح له عناقا و شواه. فلمّا أدناه منه، تمنّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يكون معه عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم). فجاء أبو بكر و عمر (5)، ثمّ جاء عليّ بعدهما. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- في ذلك:

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث‏ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ‏ يعني أبا بكر و عمر (6). فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏. يعني لمّا جاء علي- صلّى اللّه عليه- بعدهما. ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ‏ للنّاس». يعني ينصر اللّه أمير المؤمنين‏

____________

(1) نفس المصدر/ 91.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القّمي 2/ 85- 86.

(4) المصدر: الأولى.

(5) المصدر: فجاء منافقان.

(6) المصدر: يعني فلانا و فلانا.

132

- (صلوات اللّه عليه).

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسين‏ (2) بن عليّ قال: حدّثني [أبي‏] (3)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد أصابه جوع شديد. فأتى رجلا من الأنصار.

فذبح له عناقا، و قطع له عذق بسر و رطب. فتمنّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- و قال: يدخل عليكم رجل من أهل الجنّة. قال: فجاء أبو بكر. ثمّ [جاء] (4) عمر. ثمّ [جاء] (5) عثمان. ثمّ جاء عليّ- (عليه السلام)-. فنزلت هذه الآية إلى قوله- عزّ و جلّ-: عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ‏.

لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏ علّة لتمكّن الشّيطان منه.

و ذلك يدلّ على أنّ الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ و المبطل.

فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: شكّ و نفاق.

وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ‏: المشركين.

وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ‏:

يعني الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظّلم.

لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53) عن الحقّ، أو عن الرّسول و المؤمنين.

وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏: أنّ القرآن هو الحقّ النّازل من عند اللّه.

فَيُؤْمِنُوا بِهِ‏: بالقرآن أو باللّه.

فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ‏ بالانقياد و الخشية.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا فيما أشكل.

إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (54):

هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحقّ فيه.

وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ: في شكّ‏ مِنْهُ‏: من القرآن، أو الرّسول،

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 347، ح 33.

(2) المصدر: الحسن.

(3) من المصدر.

4 و 5- من المصدر.

133

أو ممّا ألقى الشّيطان في أمنيّته.

حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ: القيامة، أو الموت، أو أشراطها بَغْتَةً: فجأة.

أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ‏ (55): يوم حرب يقتلون فيه، كيوم بدر.

سمّي به، لأنّ أولاد النّساء يقتلون فيه، فيصرن كالعقيم. أو: لأنّ المقاتلين أبناء الحرب، فإذا قتلوا، صارت عقيما. فوصل اليوم بوصفها، اتّساعا. أو لأنّه لا خير لهم فيه.

و منه: «الرّيح العقيم» لما لم تنشئ مطرا، و لم تلقح شجرا. أو: لأنّه لا مثل له، لقتال الملائكة فيه.

أو يوم القيامة، على أنّ المراد بالسّاعة غيره، أو على وضعه موضع ضميرها للتّهويل.

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏:

التّنوين فيه منوب عن الجملة الّتي دلّت عليها (1) الغاية. أي: يوم تزول مريتهم.

يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ‏ بالمجازاة.

و الضّمير يعمّ المؤمنين و الكافرين لتفصيله بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏ (56) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‏ (57). و إدخال الفاء في خبر الثّاني دون الأوّل، تنبيه على أنّ إثابة المؤمنين بالجنّات تفضّل من اللّه- تعالى- و أنّ عقاب الكافرين مسبّب عن أعمالهم.

و لذلك قال: لَهُمْ عَذابٌ‏ و لم يقل: هم في عذاب.

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا في الجهاد أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً: الجنّة و نعيمها.

و إنّما سوّى بين من قتل في الجهاد و من مات حتف أنفه، في الوعد، لاستوائهما في القصد و أصل العمل.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ (58)، فإنّه يرزق بغير حساب.

لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ‏: هو الجنّة، فيها ما يحبّونه.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ‏ بأحوالهم و أحوال معاديهم‏ حَلِيمٌ‏ (59) لا يعاجل في العقوبة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً يعني فلانا و فلانا

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 97. و في النسخ:

عليه.

(2) تفسير القمّي 2/ 86.

134

لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ‏. يعني إلى الامام المستقيم. ثمّ قال: وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ‏، أي: في شكّ من أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ‏. قال: العقيم الّذي لا مثل له في الأيّام. ثمّ قال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا. قال: و لم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‏. ثمّ ذكر أمير المؤمنين و المهاجرين من أصحاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال- جلّ ذكره-: وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً- إلى قوله- تعالى:- لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ‏.

و في جوامع الجامع‏ (1): الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏- إلى قوله:- وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ‏. و

روي‏ أنّهم قالوا: يا رسول اللّه، هؤلاء الّذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم اللّه من الخير، و نحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل اللّه هاتين الآيتين.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود، عن موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ هاجَرُوا- إلى قوله:- إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ‏.

قال: نزلت في أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- خاصّة.

ذلِكَ‏: الأمر ذلك.

وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ‏ و لم يزد في الاقتصاص.

و إنّما سمّي الابتداء بالعقاب الّذي هو الجزاء، للازدواج، أو لأنّه سببه.

ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ‏ بالمعاودة إلى العقوبة، لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ لا محالة.

إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) للمنتصر، حيث اتّبع هواه في الانتقام، و أعرض عمّا ندب اللّه إليه بقوله‏ (3): وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

و فيه تعريض بالحثّ على العفو و المغفرة. فإنّه- تعالى- مع كمال قدرته و تعالى شأنه، لمّا كان يعفو و يغفر، فغيره بذلك أولى. و تنبيه على أنّه- تعالى- قادر على العقوبة، إذ لا يوصف بالعفو إلّا القادر على ضدّه.

____________

(1) الجوامع/ 303.

(2) تأويل الآيات الباهرة 1/ 348- 349، ح 35.

(3) الشورى/ 43.

135

و في مجمع البيان‏ (1): وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ‏ (الآية).

روي‏ أنّ الآية نزلت في قوم من مشركي مكّة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم. فقالوا: إنّ أصحاب محمّد لا يقاتلون في هذا الشّهر. فحملوا عليهم. فناشدهم المسلمون ألّا يقاتلوهم في الشّهر الحرام‏ (2) فأبوا. فأظفر اللّه المسلمين بهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ فهو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا أخرجته قريش من مكّة، و هرب منهم إلى الغار. و طلبوه ليقتلوه، فعاقبهم اللّه- تعالى- يوم بدر، و قتل عتبة و شيبة و الوليد و أبو جهل و حنظلة بن أبي سفيان و غيرهم.

فلمّا قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- طلب يزيد بدمائهم. فقتل الحسين و آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- بغيا و عدوانا و ظلما (4). و هو قول يزيد حين تمثّل بهذا الشّعر:

ليت أشياخي ببدر شهدوا* * * جزع الخزرج من وقع الأسل‏

لأهلّوا و استهلّوا فرحا* * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل‏

لست من خندف إن لم أنتقم‏* * * من بني أحمد ما كان فعل‏

قد قتلنا القوم‏ (5) من ساداتهم‏* * * و عدلناه‏ (6) ببدر فاعتدل‏

و كذاك الشّيخ أوصاني‏ (7) به‏* * * فاتّبعت الشّيخ فيما قد سأل‏

و قال يزيد لعنه اللّه:

يقول و الرّأس مطروح يقلّبه‏* * * يا ليت أشياخنا الماضين‏ (8) بالحضر

حتّى يقيسوا قياسا لو (9) يقاس به‏* * * أيّام بدر لكان الوزن بالقدر

فقال اللّه- تبارك و تعالى-: وَ مَنْ عاقَبَ‏ يعني رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) المجمع 4/ 93.

(2) ليس في ع.

(3) تفسير القمّي 2/ 86- 87.

(4) ليس في المصدر.

(5) في رواية: «القرم». و القرم من الرجال:

السيد المعظم.

(6) في رواية: «عدلناهم».

(7) ن: وصّاني.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: الماضون.

(9) المصدر: لا.

136

و آله- بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ‏ يعني حسينا (1)- (عليه السلام)- أرادوا أن يقتلوه‏ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ‏ (2) اللَّهُ‏. يعني بالقائم- (صلوات اللّه عليه)- من ولده.

و في شرح الآيات الباهرة (3) بالإسناد المتقدّم عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: سمعت أبي محمّد بن عليّ- (صلوات اللّه عليه)- كثيرا ما يردّد هذه الآية: وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ فقلت: يا أبة، جعلت فداك، أحسب هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين خاصّة. [قال: نعم‏] (4).

ذلِكَ‏، أي: ذلك النّصر.

بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ‏: بسبب أن اللّه- تعالى- قادر على تغليب بعض الأمور على بعض، جار عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة. و من ذلك إيلاج أحد المتلوّين في الآخر، بأن يزيد فيه ما ينقص منه. أو بتحصيل ظلمة اللّيل مكان ضوء النّهار، بتغييب الشّمس، و عكس ذلك بإطلاعها.

وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏ يسمع قول المعاقب و المعاقب‏ بَصِيرٌ (61) يرى أفعالهما فلا يهملهما.

ذلِكَ‏ الوصف بكمال القدرة و العلم.

بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ‏ الثّابت في نفسه الواجب لذاته وحده، فإنّ وجوب وجوده و وحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكلّ ما يوجد سواه، عالما بذاته و بما عداه. أو: الثّابت الإلهيّة، و لا يصلح لها إلّا من كان قادرا عالما.

وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ‏: إلها.

و قرأ (5) ابن كثير و نافع و ابن عامر و أبو بكر بالتّاء، على مخاطبة المشركين.

و قرئ‏ (6) بالبناء للمفعول، فيكون الواو ل «ما» فإنّه في معنى الآلهة.

هُوَ الْباطِلُ‏: المعدوم في حدّ ذاته أو باطل الإلهيّة.

وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ‏: علا الأشياء الْكَبِيرُ (62) عن أن يكون له شريك، لا شي‏ء أعلى منه شأنا و أكبر سلطانا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حسين.

(2) المصدر: لينصره.

(3) تأويل الآيات الباهرة 1/ 349، ح 36.

(4) من المصدر، مع المعقوفتين.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 98.

137

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:

استفهام تقرير. و لذلك رفع.

فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً:

عطفا على «أنزل» إذ لو نصب جوابا، لدلّ على نفي الاخضرار. كما في قولك: ألم تر أنّي جئتك فتكر مني. و المقصود إثباته.

و إنّما عدل به عن صيغة الماضي، للدّلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان.

إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ‏: يصل علمه أو لطفه إلى كلّ ما جلّ و دقّ‏ خَبِيرٌ (63) بالتّدابير الظّاهرة و الباطنة.

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ خلقا و ملكا.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُ‏ في ذاته عن كلّ شي‏ء الْحَمِيدُ (64) المستوجب للحمد بصفاته و أفعاله.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ‏: جعلها مذلّلة لكم معدّة لمنافعكم.

وَ الْفُلْكَ‏:

عطف على «ما» أو على اسم «أنّ».

و قرئ‏ (1) بالرّفع على الابتداء.

تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ‏:

حال منها أو خبر.

وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ‏: من أن تقع- أو: كراهة أن تقع- بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك.

إِلَّا بِإِذْنِهِ‏: إلّا بمشيئته. و ذلك يوم القيامة.

قيل‏ (2): و فيه ردّ لاستمساكها بذاتها، فإنّها مساوية لسائر الأجسام في الجسميّة.

فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها.

إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (65) حيث هيّأ لهم أسباب الاستدلال، و فتح عليهم أبواب المنافع، و دفع عنهم أنواع المضارّ.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

138

و في كتاب كمال الدّين و تمام النعمة (1) بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عن آبائه- (عليهم السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل‏ يذكر فيه الاثني عشر- (صلوات اللّه عليهم)- بأسمائهم. و في آخره يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

و من أنكرهم، أو أنكر واحدا منهم، فقد أنكرني. بهم يسمك اللّه- عزّ و جلّ- السّماء أن تقع على الأرض إلّا باذنه. و بهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها.

قوله: «و من أنكرهم، أو أنكر واحدا منه، فقد أنكرني»

يدلّ على كفر أهل السّنة صريحا، لأنّه لا شكّ في كفر من أنكر الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله).

و بإسناده‏ (2) إلى سليمان بن مهران الأعمش، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)- حديث طويل، يقول فيه: بنا يمسك اللّه السّماء (3) أن تقع على الأرض إلّا بإذنه. و بنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4): حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد، عن الهيثم النّهديّ‏ (5)، عن بعض أصحابنا بإسناده رفعه قال: كان أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يقرأ: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (6) يقولها عند الزّلزلة. و يقول: وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏.

وَ هُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ‏ بعد أن كنتم جمادا عناصر و نطفا.

ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏: إذا جاء أجلكم.

ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏ في الآخرة.

إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66): لجحود للنّعم مع ظهورها.

لِكُلِّ أُمَّةٍ أهل دين‏ جَعَلْنا مَنْسَكاً: متعبّدا، أو شريعة تعبّدوا بها.

و قيل‏ (7): عيدا.

____________

(1) كمال الدين/ 258- 259، ح 3.

(2) نفس المصدر/ 207، ح 22.

(3) ليس في أ.

(4) العلل/ 555، ح 4.

(5) س، أ، م، ن: الهندىّ.

(6) فاطر/ 41.

(7) أنوار التنزيل 2/ 98.

139

هُمْ ناسِكُوهُ‏: ينسكونه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله- عزّ و جلّ-: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ‏. أي: مذهبا يذهبون به.

فَلا يُنازِعُنَّكَ‏ سائر أرباب الملل‏ فِي الْأَمْرِ، أي: في أمر الدّين، أو النسائك. لأنّهم بين جهّال و أهل عناد. أو: لأنّ أمر دينك أظهر من أن يقبل النّزاع.

و قيل‏ (2): المراد نهي الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن الالتفات إلى قولهم و تمكينهم من المناظرة المؤدّية إلى نزاعهم. فإنّها إنّما تنفع طالب الحقّ، و هؤلاء أهل مراء.

أو عن منازعتهم، كقولك: لا يضاربنّك زيد. و هذا إنّما يجوز في أفعال المغالبة للتّلازم.

و في جوامع الجامع‏ (3): روي‏ أنّ بديل بن ورقاء و غيره من كفّار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، و لا تأكلون ما قتله اللّه. يعنون الميتة.

و قرئ‏ (4): «فلا ينزعنّك» (5) على تهييج الرّسول و المبالغة في تثبيته على دينه. على أنّه من: نازعته فنزعته: إذا غلبته.

وَ ادْعُ إِلى‏ رَبِّكَ‏: إلى توحيده و عبادته.

إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ‏ (67) طريق إلى الحقّ سويّ.

وَ إِنْ جادَلُوكَ‏ و قد ظهر الحقّ و لزمت الحجّة، فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ‏ (68) من المجادلة الباطلة و غيرها، فيجازيكم عليها. و هو وعيد فيه رفق.

اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ‏: يفصل بين المؤمنين منكم و الكافرين بالثّواب و العقاب‏ يَوْمَ الْقِيامَةِ، كما فصل في الدّنيا بالحجج و الآيات.

فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ (69) من أمر الدّين.

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏ فلا يخفى عليه شي‏ء.

إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ‏:

هو اللّوح. كتبه فيه قبل حدوثه. فلا يهمنّك أمرهم، مع علمنا به و حفظنا له.

إِنَّ ذلِكَ‏: إنّ الإحاطة به و إثباته في اللّوح، أو الحكم بينكم‏ عَلَى اللَّهِ‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 87.

(2) أنوار التنزيل 2/ 98- 99.

(3) الجوامع/ 303.

(4) أنوار التنزيل 2/ 99.

(5) كذا في المصدر، و في النسخ: فلا ينازعنك.

140

يَسِيرٌ (70). لأنّ علمه مقتضى ذاته المتعلّق بكلّ المعلومات على سواء.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- بالإسناد المتقدّم، عن عيسى بن داود قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ‏ جمعهم [رسول اللّه‏] (2)- (صلّى اللّه عليه و آله). ثمّ قال: يا معشر الأنصار و المهاجرين! إنّ اللّه- تعالى- يقول:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ‏. و المنسك‏ (3) هو الإمام لكلّ أمّة بعد نبيّها، حتّى يدركه نبيّ. ألا و إنّ لزوم الإمام و طاعته هو الدّين، و هو المنسك. و هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- إمامكم بعدي. فإنّي أدعوكم إلى هداه، فإنّه على هدى مستقيم.

فقام القوم يتعجّبون من ذلك و يقولون: و اللّه إذا لننازعنّ‏ (4) في الأمر، و لا نرضى طاعته أبدا، و [إن‏] (5) كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مخص‏ (6) به. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ادْعُ إِلى‏ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ‏- الآية، إلى قوله:- إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.

وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً: حجّة تدلّ على جواز عبادته.

وَ ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ‏ حصل لهم من ضرورة العقل و استدلاله‏ (7).

وَ ما لِلظَّالِمِينَ‏: و ما للّذين ارتكبوا مثل هذا الظّلم‏ مِنْ نَصِيرٍ (71) يقرّر مذهبهم، أو يدفع العذاب عنهم.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن‏ بَيِّناتٍ‏: واضحات الدّلالة على العقائد الحقّة و الأحكام الإلهيّة.

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ: الإنكار، لفرط نكيرهم للحقّ، و غيظهم لأباطيل أخذوها تقليدا. و هذا منتهى الجهالة. و للإشعار بذلك، وضع‏ الَّذِينَ كَفَرُوا موضع الضمير. أو: ما يقصدونه من الشّرّ.

يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا: يثبون، و يبطشون بهم.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 349، ح 37.

(2) من المصدر.

(3) س، م، أ: النّسك.

(4) كذا في المصدر و في النسخ: لينازعنّ.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: المفتون.

(7) ن: الاستدلال.

141

قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ‏: من غيظكم على التّالين و سطوتكم عليهم أو ممّا أصابكم من الضّجر بسبب ما تلوا عليكم.

النَّارُ، أي: هو النّار.

كأنّه جواب سائل قال: ما هو؟ و يجوز أن يكون مبتدأ خبره: وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.

و قرئ‏ (1) بالنّصب، على الاختصاص. و بالجرّ، بدلا من «شرّ». فتكون الجملة استئنافا كما إذا رفعت‏ (2) خبرا أو حالا منها.

وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (72) النّار.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود (4) قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ‏ (5)- إلى قوله:- وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ قال:

كان القوم إذا نزلت في أمير المؤمنين عليّ- (عليه السلام)- آية في كتاب اللّه فيها فرض طاعته‏ (6) أو فضيلة فيه أو في أهله، سخطوا ذلك، و كرهوا، حتّى همّوا به، و أرادوا به العظيم‏ (7)، و أرادوا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [أيضا] (8) ليلة العقبة، غيظا و غضبا و حسدا. حتّى نزلت هذه الآية.

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ‏: بيّن لكم حال‏ (9) مستغربة، أو قصّة رائعة. و لذلك سمّاها مثلا. أو: جعل للّه مثل. أي مثل في استحقاق العبادة.

فَاسْتَمِعُوا لَهُ‏: للمثل- أو: لشأنه- استماع تدبّر و تفكّر.

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏، يعني: الأصنام.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 99.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: وقعت.

(3) تأويل الآيات الباهرة 1/ 350، ح 38.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: زياد.

(5) ليس في ع و ن.

(6) كذا في المصدر و في النسخ: طاعة.

(7) ليس في ن. و في غيرها: العظم. و المتن موافق المصدر.

(8) من المصدر.

(9) من م.

142

و قرأ يعقوب‏ (1) بالياء. و قرئ به مبنيّا للمفعول. و الرّاجع إلى الموصول محذوف على الأوّلين.

لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً: لا يقدرون على خلقه مع صغره. لأنّ «لن» بما فيها من تأكيد النّفي، دالّة على منافاة ما بين المنفيّ و المنفيّ عنه.

و الذّباب من الذّبّ. و جمعه: أذبّة و ذبّان.

وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ‏، [أي: للخلق. هو] (2) بجوابه المقدّر في موضع الحال. جي‏ء به‏ (3) للمبالغة. أي: لا يقدرون على خلقه، مجتمعين له متعاونين عليه. فكيف إذا كانوا منفردين!؟

وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ‏:

جهّلهم غاية التّجهيل بأن أشركوا إلها قدر على المقدّرات كلّها، و تفرّد بإيجاد الموجودات بأسرها، تماثيل هي أعجز الأشياء. و بيّن ذلك بأنّها لا تقدر على خلق أقلّ الأحياء و أذلّها، و لو اجتمعوا له. بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقلّ الأذلّ، و تعجز عن ذبّه عن نفسها، و استنقاذ ما يختطفه من عندها.

قيل: كانوا يطلونها بالطّيب و العسل، و يغلقون عليها الأبواب. فيدخل الذّباب من الكوى فيأكله.

ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ‏ (73): عابد الصّنم و معبوده. أو: الذّباب يطلب ما يسلب عن الصّنم من الطّيب، و الصّنم يطلب الذّباب منه السّلب. أو: الصّنم و الذّباب.

كأنّه يطلبه ليستنقذ منه ما سلبه، و لو حقّقت وجدت الصّنم أضعف بدرجات.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن العبّاس بن عامر، عن أحمد بن رزق‏ (5) القسمانيّ‏ (6)، عن عبد الرّحمن بن الأشلّ بيّاع الأنماط، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

1 2- أنوار التنزيل 2/ 99- 100.

(3) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

بهما.

(4) الكافي 4/ 542، ح 11.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 50. و في ن: ذرق. و في غيرها: زرق.

(6) م: القساني. و المصدر: الغشاني. و في جامع الرواة: الغمشاني.

143

كانت قريش تلطّخ الأصنام الّتي كانت حول الكعبة بالمسك و العنبر. و كان يغوث قبال الباب. و [كان‏] (1) يعوق عن يمين الكعبة. و كان نسر عن يسارها. و كانوا إذا دخلوا، خرّوا سجّدا ليغوث، و لا ينحنون. ثمّ يستديرون بحيالهم إلى يعوق. ثمّ يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر. ثمّ يلبّون فيقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك! لبّيك لا شريك لك [إلّا شريك هو لك‏] (2) تملكه و ما ملك.

قال: فبعث اللّه ذبابا أخضر له أربعة أجنحة. فلم يبق من ذلك المسك و العنبر شيئا إلّا أكله. و أنزل اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ‏ (3) مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ‏.

ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏: ما عرفوه حقّ معرفته، حيث أشركوا به، و سمّوا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة.

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ‏ على خلق الممكنات بأسرها عَزِيزٌ (74) لا يغلبه شي‏ء.

و آلهتهم الّتي يدعونها عجزة عن أقلّها، مقهورة من أذلّها.

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يتوسّطون بينه و بين الأنبياء بالوحي‏ وَ مِنَ النَّاسِ‏ يدعون سائرهم إلى الحقّ، و يبلّغون إليهم ما نزل.

كأنّه لمّا قرّر وحدانيّته في الألوهيّة، و نفى أن يشاركه غيره في صفاتها، بيّن أنّ له عبادا مصطفين للرّسالة، يتوسّل بإجابتهم و الاقتداء بهم إلى عبادة اللّه- سبحانه- و هو أعلى المراتب و منتهى الدّرجات لمن عداه من الموجودات، تقريرا للنّبوّة و تزييفا لقولهم:

ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ (4)، و الملائكة بنات اللّه، و نحو ذلك.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فاصطفى- جلّ ذكره- من الملائكة رسلا و سفرة بينه و بين خلقه. و هم الّذين قال فيهم: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله- عزّ و جلّ-: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في م.

(3) المصدر: يدعون.

(4) الزمر/ 3.

(5) الاحتجاج/ 247.

(6) تفسير القمّي 2/ 87.

144

أي: يختار. و هم‏ (1) جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل‏ (2)- (عليهم السلام). و من النّاس الأنبياء و الأوصياء. و من‏ (3) الأنبياء نوح- (عليه السلام)- و إبراهيم و موسى و عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) و عليهم. و من هؤلاء الخمسة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و من الأوصياء أمير المؤمنين و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم). و فيه تأويل غير هذا.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75): مدرك للأشياء كلّها.

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ‏: عالم لواقعها و مترقّبها.

وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76): و إليه ترجع الأمور كلّها. لأنّه مالكها. لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ‏ (4) من الاصطفاء أو غيره، وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ (5) عمّا يفعلون و يقولون.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا في صلاتكم. لأنّهم ما كانوا يفعلونهما (6) أوّل الإسلام. أو: صلّوا. و عبّر عن الصّلاة بهما، لأنّهما أعظم أركانها. أو: اخضعوا له، و خرّوا له سجّدا.

وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ‏ بسائر ما تعبّدكم به.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة- رضي اللّه عنه-: يا بنيّ، لا تقل ما (8) لا تعلم. بل لا تقل كلّ ما تعلم. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- قد فرض على جوارحك كلّها فرائض- إلى قوله:- ثمّ استعبدها بطاعته فقال- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏. فهذه فريضة جامعة واجبة على الجوارح.

و في جوامع الجامع‏ (9) عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول اللّه، في سورة الحجّ سجدتان؟ قال: نعم. إن لم تسجدهما، فلا تقرأهما.

و في أصول الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا

____________

(1) المصدر: هو.

(2) المصدر: ملك الموت.

(3) المصدر: فمن.

4 و 5- الأنبياء/ 23.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 100. و في النسخ:

يفعلونها.

(7) الفقيه 2/ 381، ح 1627.

(8) في غير ع: كلّما.

(9) الجوامع/ 304.

(10) الكافي 2/ 36- 37، ح 1.

145

يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم، و قسّمه عليها، و فرّقه فيها:

و فرض على الوجه السّجود له باللّيل و النّهار في مواقيت الصّلاة، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏. و هذه فريضة جامعة على الوجه و اليدين و الرّجلين. و قال في موضع آخر (1): وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً.

وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ: تحرّوا ما هو خير و أصلح فيما تأتون و تذرون، كنوا فل الطّاعات وصلة الأرحام و مكارم الأخلاق.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد (3) القاسانيّ، جميعا عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: جعل الخير كلّه في بيت. و جعل مفتاحه الزّهد في الدّنيا.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: من همّ بشي‏ء من الخير، فليعجّله. فإنّ كلّ شي‏ء فيه تأخير، فإنّ للشّيطان فيه نظرة.

و في عيون الأخبار (5) بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اصطنع‏ (6) الخير إلى من هو أهله [و إلى من هو ليس من أهله‏] (7). فإن لم تصب من هو أهله، فأنت أهله.

و بإسناده‏ (8) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رأس العقل بعد الإيمان التّودّد إلى النّاس، و اصطناع الخير إلى كلّ برّ و فاجر.

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (77)، أي: افعلوا هذه كلّها، و أنتم راجون الفلاح، غير

____________

(1) الجنّ/ 18.

(2) نفس المصدر 2/ 128، ح 2.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 601. و في النسخ: محمّد بن علي.

(4) نفس المصدر 2/ 143، ح 9.

(5) العيون 2/ 34، ح 76.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: اصطنعوا.

(7) ليس في س و أ.

(8) نفس المصدر، ح 77.

146

متيقّنين‏ (1) له، واثقين على أعمالكم.

وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ‏: للّه و من أجله، أعداء اللّه الظّاهرة- كأهل الزّيغ- و الباطنة، كالهوى و النّفس.

حَقَّ جِهادِهِ‏، أي: جهادا فيه حقّا خالصا لوجهه. فعكس و أضيف الحقّ إلى الجهاد مبالغة، كقولك: هو حقّ عالم. و أضيف الجهاد إلى الضّمير اتّساعا، أو لأنّه مختصّ باللّه، من حيث إنّه مفعول لوجه اللّه و من أجله.

هُوَ اجْتَباكُمْ‏: اختاركم لدينه و لنصرته. و فيه تنبيه على المقتضي للجهاد و الدّاعي إليه.

و في قوله: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏- أي: ضيق بتكليف ما يشتدّ القيام به عليكم- إشارة إلى أنّه لا مانع لهم عنه، و لا عذر لهم في تركه. أو إلى الرّخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شقّ عليهم،

لقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا أمرتكم بشي‏ء، فأتوا منه ما استطعتم.

و قيل‏ (2): ذلك بأن جعل لهم من كلّ ذنب مخرجا، بأن رخّص لهم في المضايق، و فتح عليهم باب التّوبة، و شرع لهم الكفّارات في حقوقه، و الأروش و الدّيات في حقوق العباد.

مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ‏:

منتصب على المصدر بفعل دلّ عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف. أي: وسّع دينكم توسعة ملّة أبيكم. أو على الإغراء. أو على الاختصاص.

و قيل‏ (3): بإضمار فعل تقديره: و اتّبعوا ملّة أبيكم.

[و قيل‏ (4): عليكم ملّة أبيكم.] (5) و قيل‏ (6): تقديره: و افعلوا الخير فعل أبيكم.

و إنّما جعله أباهم لأنّه أبو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو كالأب لأمّته، من حيث إنّه سبب لحياتهم الأبديّة، و وجودهم على الوجه المعتدّ به في الآخرة. أو لأنّ أكثر العرب كانوا من ذرّيّته، فغلّبوا على غيرهم.

____________

(1) أ: مستيقنين.

(2) أنوار التنزيل 2/ 101.

3 و 4- مجمع البيان 4/ 96.

(5) لا يوجد في م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

147

هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ‏: قبل القرآن في الكتب المتقدّمة (1) وَ فِي هذا: و في القرآن.

و الضّمير للّه. و يدلّ عليه أنّه قرئ‏ (2): «اللّه سمّاكم». أو لإبراهيم، و تسميتهم «مسلمين» في القرآن- و إن لم تكن منه- كان بسبب تسميته من‏ (3) قبل في قوله‏ (4):

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ‏.

و قيل‏ (5): «و في هذا» تقديره: و في هذا بيان تسميته إيّاكم مسلمين.

لِيَكُونَ الرَّسُولُ‏ يوم القيامة. شَهِيداً عَلَيْكُمْ‏:

قيل‏ (6): بأنّه بلّغكم.

و قيل‏ (7): بالطّاعة و القبول.

وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏ بتبليغ الرّسل إليهم.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجليّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ‏. قال:

إيّانا عنى. و نحن المجتبون. و لم يجعل اللّه- تبارك و تعالى- في الدّين من حرج.

فالحرج أشدّ من الضّيق. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ‏. إيّانا عنى خاصّة. هُوَ (9) سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ‏. اللّه- عزّ و جلّ- سمّانا المسلين من قبل في الكتب الّتي مضت، و في هذا القرآن‏ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏. فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّهيد علينا، بما بلّغنا عن اللّه- تبارك و تعالى. و نحن الشّهداء على النّاس يوم القيامة. فمن صدّق يوم القيامة، صدّقناه. و من كذّب، كذّبناه.

الحسين بن محمّد (10)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن‏

____________

(1) أ: المقدّمة.

(2) أنوار التنزيل 2/ 101.

(3) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: منه.

(4) البقرة/ 128.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) الكافي 1/ 191، ح 4.

(9) المصدر: و.

(10) نفس المصدر/ 190، ح 2.

148

عائذ، عن عمر بن أذينة، عن بريد العجليّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قول اللّه- عزّ و جلّ-: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ‏. قال:

إيّانا عنى خاصّة. هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ‏ في الكتب الّتي مضت‏ وَ فِي هذا القرآن‏ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ‏. فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّهيد علينا، بما بلّغنا عن اللّه- عزّ و جلّ. و نحن الشّهداء على النّاس. فمن صدّق، صدّقناه يوم القيامة. و من كذّب، يوم القيامة كذّبناه.

و في عيون الأخبار (1) بإسناده إلى ابن أبي عبدون، عن أبيه قال: لمّا حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون- و قد كان خرج بالبصرة، و أحرق دور ولد العبّاس- وهب المأمون جرمه لأخيه عليّ بن موسى الرّضا. و قال له: يا أبا الحسن، لئن خرج‏ (2) أخوك و فعل ما فعل، لقد خرج [قبله‏] (3) زيد بن عليّ، فقتل. و لو لا مكانك منّي، لقتلته. فليس ما أتاه بصغير.

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيدا إلى زيد بن عليّ! فإنّه كان من علماء (4) آل محمّد. غضب للّه- تعالى- فجاهد أعداءه حتّى قتل في سبيله. و لقد حدّثني أبي موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- أنّه سمع أباه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- يقول: رحم اللّه عمّي زيدا! إنّه دعا إلى الرّضا من آل محمّد- (عليهم السلام). و لو ظفر، لوفى بما دعا إليه. و لقد استشارني في خروجه، فقلت له: يا عمّي، إن رضيت أن تكون [المقتول‏] (5) المصلوب بالكناسة (6)، فشأنك. فلمّا ولّى، قال جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: ويل لمن سمع واعيته، فلم يجبه.

فقال المأمون: با أبا الحسن، أليس قد جاء فيمن ادّعى الإمامة بغير حقّها ما جاء؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ زيد بن عليّ- (عليه السلام)- لم يدّع ما ليس له بحقّ. و إنّه كان أتقى للّه- تعالى- من ذلك. إنّه قال: أدعوكم إلى‏ (7) الرّضا من آل محمّد. و إنّما جاء ما جاء فيمن يدّعى أنّ اللّه- تعالى- نصّ عليه، ثمّ يدعو إلى غير دين‏

____________

(1) العيون 1/ 194- 195 ح 1.

(2) يوجد في أ بعدها: بالبصرة و أحرق.

(3) من المصدر.

(4) أ: علماء إبراهيم.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بكناسة.

(7) ليس في المصدر.

149

اللّه، و يضلّ عن سبيله بغير علم. و كان زيد- و اللّه- ممّن خوطب بهذه الآية:

وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ‏.

و في كتاب الخصال‏ (1) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: الحجّ جهاد كلّ ضعيف.

جهاد المرأة حسن التّبعّل. لا يخرج المؤمن‏ (2) في الجهاد و هو مع من لا يؤمن على الحكم و لا ينفّذ في الفي‏ء (3) أمر اللّه- تعالى. فإن‏ (4) مات في ذلك، كان معينا لعدوّنا في حبس حقوقنا، و الإشاطة (5) بدمائنا و ميتته‏ (6) ميتة (7) جاهليّة.

عن الأصبغ بن نباتة (8) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه: و الجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف، و النّهي عن المنكر، و الصّدق في المواطن، و شنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف، شدّ ظهر المؤمن. و من نهى عن المنكر، أرغم‏ (9) أنف الشّيطان‏ (10). و من صدق في المواطن، قضى الّذي عليه. و من شنأ الفاسقين، و غضب للّه- تعالى- غضب اللّه له.

عن فضيل بن عياض‏ (11)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الجهاد:

أسنّة هو أم فريضة؟ فقال:

الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض، و جهاد سنّة لا يقام إلّا مع فرض، و جهاد سنّة.

فأمّا أحد الفرضين، فمجاهدة الرّجل نفسه عن معاصي اللّه، و هو من أعظم الجهاد.

و مجاهدة الّذين يلونكم من الكفّار فرض.

و أمّا الجهاد الّذي هو سنّة لا يقام إلّا مع فرض، فإنّ مجاهدة العدوّ فرض على جميع الأمّة (12). و لو تركوا الجهاد، لأتاهم العذاب. و هذا هو من عذاب الأمّة. و هو سنّة على الإمام أن يأتي العدوّ مع الأمّة فيجاهدهم. و أمّا الجهاد الّذي هو سنّة، فكلّ سنّة أقامها

____________

(1) الخصال/ 620 و 625. من حديث أربعمائة.

(2) المصدر: المسلم.

(3) ليس في ن. و في غيرها: الغى. و ما في المتن موافق المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(5) في غير ع: الإساطة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: ميتة.

(7) ليس في ع و المصدر.

(8) نفس المصدر/ 231- 232، ح 74.

(9) س، م، أ: رغم.

(10) المصدر: المنافق.

(11) نفس المصدر/ 240، ح 89.

(12) من ع.

150

الرّجل، و جاهد في إقامتها و بلوغها و أحياها. فالعمل و السّعي فيها من أفضل الأعمال، لأنّه إحياء سنّة. قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها و أجر من عمل بها (1) من غير أن ينقص من أجورهم شي‏ء.

و في محاسن البرقيّ‏ (2): عنه، عن ابن محبوب، عن عليّ بن حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ في الصّلاة و الزّكاة و الصّوم [و الخير] (3). إذا تولّوا اللّه و رسوله و أولي الأمر منّا أهل البيت، قبل اللّه أعمالهم.

و في جوامع الجامع‏ (4): و في الحديث: انّ أمّتي أمّة مرحومة.

و في الاستبصار (5) بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الجنب يجعل الرّكوة أو التّور، فيدخل إصبعه فيه. قال: إن كانت يده قذرة، فأهرقه.

و إن كانت لم يصبها قذر، فليغتسل منه. هذا ممّا قال اللّه- تعالى-: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏.

و بإسناده إلى أبي بصير (6) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّا نسافر. فربّما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية، فيكون فيه العذرة، و يبول فيه الصّبيّ، و يبول فيه الدّوابّ‏ (7) و تروث. فقال: إن عرض في قلبك منه شي‏ء، فافعل‏ (8) هكذا- يعني:

افرج الماء بيدك- ثمّ توضّأ. فإنّ الدّين ليس بمضيق. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏.

و في تهذيب الأحكام‏ (9): أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عليّ بن الحسن بن رباط، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: عثرت، فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة. كيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا

____________

(1) من المصدر.

(2) المحاسن/ 166- 167، ح 124.

(3) ليس في ع.

(4) الجوامع/ 304.

(5) الاستبصار 1/ 20، ح 46.

(6) نفس المصدر/ 22، ح 55.

(7) المصدر: الدابّة.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فقل.

(9) التهذيب 1/ 363، ح 1097.

151

و أشباهه من كتاب اللّه- عزّ و جلّ. قال اللّه: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏.

امسح عليه.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن ابن مسكان، قال: حدّثني محمّد بن ميسر قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطّريق، و يريد أن يغتسل منه، و ليس معه إناء يغرف. و يداه قذرتان. قال: يضع يده. ثمّ‏ (2) يتوضّأ. ثمّ يغتسل. هذا ممّا قال اللّه- عزّ و جلّ-: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏.

عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عليّ بن الحسن بن رباط، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: عثرت، فانقطع ظفري- و نقل كما نقلت عن التّهذيب سواء.

و في قرب الإسناد (4) للحميريّ بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ممّا أعطى اللّه أمّتي، و فضّلهم به على سائر الأمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلّا نبيّ. و ذلك أنّ اللّه- تبارك و تعالى- [كان إذا بعث نبيّا (5) قال له: اجتهد في دينك، و لا حرج عليك. و إنّ اللّه- تبارك و تعالى-] (6) أعطى أمّتي ذلك، حيث يقول: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏. يقول: من ضيق.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- أنّه قال: ليس على ملّة إبراهيم غيرنا. و سائر النّاس منها براء.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في قرب الإسناد (8) للحميريّ بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ممّا أعطى اللّه أمّتي، و فضّلهم به على‏

____________

(1) الكافي 3/ 4، ح 2.

(2) المصدر: و.

(3) نفس المصدر 3/ 33، ح 4.

(4) قرب الإسناد/ 41.

(5) يوجد في س هاهنا هذه الزيادة: جعله شهيدا على قومه. و إنّ اللّه- تبارك و تعالى- جعل أمّتي.

(6) ليس في م.

(7) الكافي 1/ 435، ح 91.

(8) قرب الإسناد/ 41.

152

سائر الأمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلّا نبيّ. و ذلك أنّ اللّه- تبارك و تعالى- كان إذا بعث نبيّا، جعله شهيدا على قومه، و أنّ اللّه- تبارك و تعالى- جعل أمّتي شهيدا (1) على الخلق، حيث يقول: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ [وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (2) لابن شهرآشوب: و في خبر أنّ قوله- تعالى-: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ‏ فدعوة إبراهيم و إسماعيل لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم). فإنّه لمن لزم الحرم من قريش حتّى جاء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ اتّبعه و آمن به. و امّا قوله- تعالى-: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ‏] (3) النبيّ يكون على آل محمّد شهيدا، و يكونون‏ (4) شهداء على الناس.

عبد اللّه بن الحسن‏ (5)، عن زين العابدين- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى‏ (6)-:

لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏ قال: نحن هم.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7) بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: نحن حجج اللّه في خلقه. و نحن شهداء اللّه و أعلامه في بريّته.

و بإسناده‏ (8) إلى سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال في جمع من المهاجرين و الأنصار بالمسجد أيّام خلافة عثمان: أنشدكم اللّه، أ تعلمون أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أنزل في سورة الحجّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏] (9)- إلى آخر السّورة- فقام سلمان فقال: يا رسول اللّه، من هؤلاء الّذين أنت عليهم شهيد، و هم شهداء على النّاس الّذين اجتباهم اللّه و لم يجعل عليهم في الدّين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم؟ فقال- (عليه السلام)-: عنى بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصّة دون هذه الأمّة. قال سلمان: بيّنهم لنا يا رسول اللّه. قال: أنا و أخي‏

____________

(1) ليس في م.

(2) المناقب 4/ 129.

(3) لا يوجد في ع.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يكون.

(5) نفس المصدر و الموضع. و فيه و م: عبد اللّه بن الحسين.

(6) البقرة/ 143.

(7) كمال الدّين/ 202، ح 6.

(8) نفس المصدر/ 278- 279، ح 25.

(9) من ن.

153

[عليّ‏] (1) و أحد عشر من ولدي. قالوا: اللّهم نعم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ: فتقرّبوا إلى اللّه بأنواع الطّاعات لما خصّكم بهذا الفضل و الشّرف.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى عبد اللّه بن عمر، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لا تقبل الصّلاة إلّا بالزّكاة.

وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ‏: و ثقوا به في مجامع أموركم، و لا تطلبوا الإعانة و النّصرة إلّا منه.

هُوَ مَوْلاكُمْ‏: ناصركم و متولّي أموركم.

فَنِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ (78) هو، إذ لا مثل له في الولاية و النّصرة، بل لا مولى و لا ناصر (3) سواه في الحقيقة.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا [وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ‏] (5) (الآية): أمرهم بالرّكوع و السّجود و عبادة اللّه و قد افترضها اللّه‏ (6) عليهم. و أمّا فعل الخير، فهو طاعة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ‏ يا شيعة آل محمّد وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏. قال: من ضيق.

مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ‏ يا آل محمّد، يا من قد استودعكم المسلمين، و افترض طاعتكم عليهم. وَ تَكُونُوا [أنتم‏] (7) شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏ بما قطعوا من رحمكم، و ضيّعوا من حقّكم، و مزّقوا من كتاب اللّه،

____________

(1) من المصدر.

(2) المجمع 4/ 97.

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 101. و في النسخ:

لا مولى و النصير.

(4) تأويل الآيات الباهرة 1/ 351- 352، ح 41.

(5) من ع. لا يوجد في المصدر أيضا.

(6) ليس في المصدر.

(7) من المصدر.

154

و عدلوا حكم غيركم بكم. فالزموا الأرض و أقيموا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ‏ يا آل محمد و أهل بيته. هُوَ مَوْلاكُمْ‏ أنتم و شيعتكم‏ فَنِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ.

155

تفسير سورة المؤمنون‏

157

سورة المؤمنون مكّيّة. و هي مائة و تسع عشرة آية عند البصريّين، و ثماني عشرة عند الكوفيّين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1) بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏ (2): من قرأ سورة المؤمنين، ختم اللّه له بالسّعادة، إذا كان يد من في قراءتها في كلّ جمعة. و كان في الفردوس الأعلى مع النّبيّين و المرسلين.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة المؤمنين، بشّرته الملائكة يوم القيامة بالرّوح و الرّيحان و ما تقرّبه عينه عند نزول ملك الموت.

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏ (1): قد فازوا بأمانيهّم.

و «قد» تثبّت المتوقّع، كما أنّ «لمّا» تنفيه. و تدلّ على ثباته إذا دخل الماضي.

و لذلك تقرّب «قد» الماضي من الحال. و لمّا كان المؤمنون متوقّعين ذلك من فضل اللّه، صدّرت بها بشارتهم.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 135، ح 1.

(2) لا يوجد في ع.

(3) المجمع 4/ 98.

158

و قرأ (1) ورش عن نافع: «قد أفلح» بإلقاء حركة الهمزة على الدّال و حذفها.

و قرئ‏ (2): «أفلحوا» على لغة (3) «أكلوني البراغيث». أو على الإبهام و التّفسير.

و «أفلح» اجتزاء بالضّمّة عن الواو. و «أفلح» على البناء للمفعول.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لمّا خلق اللّه- عزّ و جلّ- الجنّة، قال لها: تكلّمي. فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏.

و في عيون الأخبار (5) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- تعالى- أعطى المؤمن ثلاث خصال: العزّة في الدّنيا، و الفلاح‏ (6) في الآخرة، و المهابة في قلوب‏ (7) الظّالمين.

ثمّ قرأ (8): وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ و قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏- إلى قوله:- هُمْ فِيها خالِدُونَ.

عن عبد المؤمن الأنصاري‏ (9)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى المؤمن ثلاث خصال: العزّ في الدّنيا في دينه، و الفلاح‏ (10) في الآخرة، و المهابة في صدور العالمين‏ (11).

و في أصول الكافي‏ (12) بإسناده إلى كامل التّمّار قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏. أ تدري من هم؟ قلت: أنت أعلم. قال: قد أفلح المؤمنون المسلمون.

إنّ المسلمين هم النّجباء. فالمؤمن غريب. فطوبى للغرباء!

و في محاسن البرقي‏ (13): عنه، عن أبيه، عن عليّ بن النّعمان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن كامل التّمّار قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا كامل، المؤمن غريب! [المؤمن غريب!] (14) ثمّ قال: أ تدري ما قول اللّه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏؟ قلت: قد أفلحوا و فازوا و دخلوا الجنّة. فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏ المسلمون. إنّ المسلمين هم النّجباء.

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‏ (2): خائفون من اللّه، متذلّلون له، ملزمون‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 102.

(3) من م.

(4) تفسير القمّي 2/ 88.

(5) لم نعثر عليه في العيون، و لكن رواه في الخصال/ 152، ح 187.

(6) المصدر: الفلح.

(7) المصدر: صدور.

(8) المنافقون/ 8.

(9) الخصال/ 138- 139 ح 157.

(10) المصدر: الفلج.

(11) ن: الظّالمين.

(12) الكافي 1/ 391، ح 5.

(13) المحاسن/ 272، ح 367.

(14) من المصدر.

159

أبصارهم مساجدهم.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا كنت‏ (2) في صلاتك، فعليك بالخشوع‏ (3) و الإقبال على صلاتك، فإنّ اللّه يقول: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‏.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب، فهو عندنا نفاق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‏. قال: غضّك بصرك في صلواتك، و إقبالك عليها.

و في مجمع البيان‏ (6): الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‏.

روي‏ أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته، فقال: أما إنّه لو خشع قلبه، لخشعت جوارحه.

و روي‏ (7) أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يرفع بصره إلى السّماء في صلاته. فلمّا نزلت الآية، طأطأ رأسه، و رمى ببصره إلى الأرض.

و في كتاب الخصال‏ (8) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ليخشع الرّجل في صلاته.

فإنّه من خشع قلبه للّه- عزّ و جلّ- خشعت جوارحه، فلا يعبث بشي‏ء.

وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ‏ (3) لما بهم من الجدّ ما شغلهم عنه.

و هو أبلغ من «الّذين لا يلهون» من وجوه: جعل الجملة اسميّة، و بناء الحكم على الضّمير، و التّعبير عنه بالاسم، و تقديم الصّلة عليه، و إقامة الإعراض مقام التّرك، ليدلّ على بعدهم رأسا مباشرة و تسبّبا و ميلا و حضورا. فإنّ أصله أن يكون في عرض غير عرضه. و كذلك الجملة التّالية بهذه.

____________

(1) الكافي 3/ 300، ح 3.

(2) المصدر: إذا كنت دخلت.

(3) المصدر: بالتخشّع.

(4) نفس المصدر 2/ 396، ح 6.

(5) تفسير القمّي 2/ 88.

6 و 7- المجمع 4/ 99.

(8) الخصال/ 628، من حديث أربعمائة.

160

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا يقول فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم، و قسّمه عليها، و فرّقه فيها:

و فرض اللّه على السّمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم اللّه، و أن يعرض عمّا لا يحلّ له ممّا نهى اللّه- عزّ و جلّ- عنه، و الإصغاء إلى ما أسخط اللّه- عزّ و جلّ-. فقال في ذلك‏ (2): وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا (3) مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ‏. ثمّ استثنى اللّه- عزّ و جلّ- موضع النّسيان فقال: وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏. و قال‏ (4): فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ‏. و قال- عزّ و جلّ-: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ‏. و قال‏ (5): وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ‏ و قال‏ (6): وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً.

فهذا ما فرض اللّه- عزّ و جلّ- على السّمع من الإيمان أن لا يصغي إلى ما لا يحلّ له. و هو عمله. و هو من الإيمان.

و في إرشاد المفيد (7)- (رحمه اللّه)- كلام طويل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيه يقول- (عليه السلام)-: كلّ قول ليس فيه للّه ذكر (8)، فلغو.

و في مجمع البيان‏ (9): وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ‏. و

روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: هو أن يتقوّل‏ (10) الرّجل عليك بالباطل، أو يأتيك بما ليس فيك، فتعرض عنه للّه.

____________

(1) الكافي 2/ 35، ح 1.

(2) النساء/ 140.

(3) يوجد في س، م، هاهنا هذه الزيادة: بعد الذكرى.

(4) الزمر/ 18.

(5) القصص/ 55.

(6) الفرقان/ 72.

(7) لم نعثر عليه في الإرشاد، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 529، ح 15. و آخره فيه: فهو لغو.

(8) ن: «ذكر للّه» بدل «للّه ذكر».

(9) المجمع 4/ 99.

(10) ع: يقول.

161

و في رواية أخرى‏ (1) أنّه الغناء و الملاهي.

و في اعتقادات الإماميّة (2) للصّدوق- (رحمه اللّه)-: و سئل- (عليه السلام)- عن القصّاص، أ يحلّ الاستماع لهم. فقال: لا.

و في عيون الأخبار (3) بإسناده إلى محمّد بن أبي عبّاد- و كان مشتهرا بالسّماع و شرب النبّيذ- قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن السّماع. فقال: لأهل الحجاز رأي فيه، و هو في حيّز الباطل و اللهو. [أما سمعت اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ‏] (6) يعني عن الغناء و الملاهي.

وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ‏ (4):

وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصّلاة، ليدلّ على أنّهم بلغوا الغاية من القيام على الطّاعات البدنيّة و الماليّة، و التّجنّب عن المحرّمات، و سائر ما توجب المروءة اجتنابه. و الزّكاة تقع على المعنى و العين. و المراد الأوّل: لأنّ الفاعل فاعل الحدث، لا المحلّ الّذي هو موقعه. أو الثّاني، على تقدير مضاف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال الصّادق- (صلوات اللّه عليه)-: من منع قيراطا من الزّكاة، فليس بمؤمن و لا مسلم. و لا كرامة (8).

وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ‏ (5) لا يبذلونها.

إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ‏، يعني: الإماء.

و «على» صلة لحافظين، من قولك: احفظ على عنان فرسي. أو حال. أي:

حفظوها في كافّة الأحوال، إلّا في حال التّزوّج أو التّسرّي. أو بفعل دلّ عليه‏ غَيْرُ مَلُومِينَ‏.

و إنّما قال «ما» إجراء للمالك مجرى غير العقلاء، إذ الملك أصل شائع فيه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الاعتقادات/ 105.

(3) العيون 2/ 126، ح 5.

(4) الفرقان/ 72.

(5) تفسير القمّى 2/ 88.

(6) لا يوجد في ع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المصدر: و لا كرامة له.

162

و إفراد ذلك بعد [تعميم‏] (1) قوله: وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ‏ لأنّ المباشرة أشهى الملاهي إلى النّفس و أعظمها خطرا.

فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ‏ (6):

الضّمير ل «حافظون» أو لمن دلّ عليه الاستثناء. أي: فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم، فإنّهم غير ملومين على ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و المتعة حدّها حدّ الإماء.

و في مجمع البيان‏ (3): و ملك اليمين في الآية يعني الإماء. لأنّ الذّكور من المماليك لا خلاف في وجوب حفظ الفرج منهم.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا يقول فيه بعد أن قال: و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه، و أن يعرض عمّا نهى اللّه عنه، ممّا لا يحلّ له. و هو عمله. و هو من الإيمان. و ذكر قوله‏ (5)- تعالى-:

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏- إلى قوله:- وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ‏. و فسّرها: و كلّ شي‏ء في القرآن من حفظ الفرج، فهو من الزّنا، إلّا هذه الآية، فإنّها من النّظر.

و في كتاب الخصال‏ (6) عن مسعدة بن زياد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يحرم من الإماء عشرة: لا يجمع بين الأمّ و البنت، و لا بين الأختين، و لا أمتك، و هي أختك من الرّضاعة، و لا أمتك، و هي حامل من غيرك حتّى تضع، [و لا أمتك، و لها زوج،] (7) و لا أمتك، و هي عمّتك من الرّضاعة، [و لا أمتك، و هي خالتك من الرّضاعة،] (8) و لا أمتك، و هي حائض حتّى تطهر، و لا أمتك و هي رضيعتك، و لا أمتك، و لك فيها شريك.

عن أمير المؤمنين‏ (9)- (عليه السلام)-: أبعد ما يكون‏ (10) العبد من اللّه، إذا كان همّه‏

____________

(1) من أنوار التنزيل 2/ 102.

(2) تفسير القمّي 2/ 89.

(3) المجمع 4/ 99.

(4) الكافي 2/ 35- 36، ح 1.

(5) النّور/ 30- 31.

(6) الخصال/ 438، ح 27.

(7) ليس في أ.

(8) ليس في المصدر.

(9) نفس المصدر/ 630، من حديث أربعمائة.

(10) المصدر: كان.

163

فرجه و بطنه.

عن نجم‏ (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا نجم! كلّكم في الجنّة معنا، إلّا أنّه ما أقبح بالرّجل‏ (2) منكم أن يدخل الجنّة قد هتك ستره، و بدت عورته! قال:

قلت: جعلت فداك، و إنّ ذلك لكائن!؟ قال: نعم، إن لم يحفظ فرجه و بطنه.

عن أبي هريرة (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ أوّل ما يدخل به النّار من أمّتي الأجوفان. قالوا: يا رسول اللّه، و ما الأجوفان؟ قال: الفرج و الفم. و أكثر ما يدخل به الجنّة تقوى اللّه، و حسن الخلق.

عن الحسن‏ (4) بن المختار (5) بإسناده يرفعه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ملعون ملعون من نكح بهيمة.

عن أبي عبد اللّه‏ (6)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سلم من أمّتي من أربع خصال، فله الجنّة: من الدّخول في الدّنيا، و اتّباع الهوى، و شهوة البطن، و شهوة الفرج.

عن جعفر بن محمّد (7)، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: تحلّ الفروج بثلاثة وجوه: نكاح بميراث، و نكاح بلا ميراث، و نكاح بملك يمين.

و في الكافي‏ (8): و عنه، عن أحمد بن محمّد، عن العبّاس بن موسى، عن إسحاق بن أبي سارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عنها. يعني المتعة. فقال لي: حلال: فلا تتزوّج‏ (9) إلّا عفيفة. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ‏. فلا تضع فرجك حيث لا تأمن على درهمك.

فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ‏ المستثنى [فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ‏ (7) أي الظّالمون المتجاوزون إلى ما لا يحلّ‏] (10).

____________

(1) نفس المصدر/ 25، ح 88.

(2) ليس في أ.

(3) نفس المصدر/ 78، ح 126.

(4) المصدر: الحسين.

(5) نفس المصدر/ 129، ح 132.

(6) نفس المصدر/ 223، ح 54.

(7) نفس المصدر/ 119، ح 106.

(8) الكافي 5/ 453، ح 2.

(9) ع، ن، م: فلا تزوّج.

(10) لا يوجد في م، ن، أ.

164

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: من جاوز ذلك [فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ‏.، أي:

الكاملون في العدوان‏] (2).

وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ‏، أي: لما يؤتمنون عليه، و يعاهدون من جهة الحقّ أو الخلق [راعُونَ‏ (8): قائمون بحفظها و إصلاحها.

و قرأ (3) ابن كثير هنا و في المعارج: «لأمانتهم» على الإفراد، لأمن الالتباس، أو لأنّها في الأصل مصدر] (4).

وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ‏ (9) على أوقاتها و حدودها.

و لفظ الفعل فيه لما في الصّلاة من التّجدّد و التّكرّر. و لذلك جمعه غير حمزة و الكسائي‏ (5).

و ليس في ذلك تكرير لما وصفهم به أوّلا. لأنّ الخشوع في الصّلاة غير المحافظة عليها.

و في تصدير الأوصاف و ختمها بالصّلاة تعظيم لشأنها.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، و محمّد بن يحيى، عن أحمد [بن محمّد] (7)، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن الفضيل [بن يسار] (8) قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ‏. قال:

هي الفريضة. قلت: الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ‏ (9). قال: هي النّافلة.

أُولئِكَ‏، أي: الجامعون بهذه الصّفات‏ هُمُ الْوارِثُونَ‏ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (11).

و في عيون الأخبار (10) بإسناده عن عليّ- (عليه السلام)-: انّ هذه الآية فيّ نزلت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): حدّثني أبي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 89.

(2) ليس في ع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 103.

(4) لا يوجد في س و أ.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 3/ 269- 270، ح 12.

(7) من المصدر.

(8) ليس في المصدر.

(9) المعارج/ 23.

(10) العيون 2/ 65- ح 288.

(11) تفسير القمّي 2/ 89.

165

ما خلق اللّه خلقا إلّا جعل له في الجنّة منزلا و في النّار منزلا. فإذا سكن‏ (1) أهل الجنّة الجنّة، و أهل النّار النّار، نادى مناد: يا أهل الجنّة! أشرفوا. فيشرفون على أهل النّار، و ترفع لهم منازلهم فيها. ثمّ يقال لهم: هذه منازلكم الّتي‏ (2) لو عصيتم اللّه، لدخلتموها. [يعني النار] (3).

قال: فلو أنّ أحدا مات فرحا، لمات أهل الجنّة في ذلك اليوم فرحا، لما صرف عنهم من العذاب.

ثمّ ينادي مناد: يا أهل النّار! ارفعوا رؤوسكم. فيرفعون رؤوسهم، فينظرون إلى‏ (4) منازلهم في الجنّة، و ما فيها من النّعيم. فيقال لهم: هذه منازلكم الّتي لو أطعتم ربّكم، لدخلتموها.

قال: فلو أنّ أحدا مات حزنا، لمات أهل النّار حزنا. فيورث هؤلاء منازل هؤلاء.

و يورث هؤلاء منازل هؤلاء. و ذلك قول اللّه: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

و في مجمع البيان‏ (5): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: ما منكم من أحد إلّا له منزلان: منزل في الجنّة، و منزل في النّار. فإن مات، و دخل النّار، ورث أهل الجنّة منزله.

و «الفردوس» قيل‏ (6): هو اسم من أسماء الجنّة.

و قيل‏ (7): هو اسم لرياض الجنّة.

و قيل‏ (8): هو جنّة مخصوصة.

ثمّ اختلف في أصله فقيل‏ (9): إنّه روميّ فعرّب.

و قيل‏ (10): عربيّ وزنه فعلول. و هو البستان الّذي فيه الكرم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (11)، في خبر بلال عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- الّذي يذكر فيه صفة الجنّة، قال الرّاوي:

فقلت لبلال: هل فيها غيرها؟ قال: نعم، جنّة الفردوس.

____________

(1) المصدر: دخل.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ بعدها: في النّار.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

5 و 6 و 7 و 8 و 9 و 10- المجمع 4/ 99- 100.

(11) الفقيه 1/ 193، ح 905.

166

قلت: و كيف سورها؟ قال: نور.

قلت: الغرف الّتي هي فيها؟ قال: هي من نور ربّ العالمين.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى داود، عن الإمام موسى بن جعفر- (عليهما السلام) [عن أبيه‏] (2) في قول اللّه- عزّ و جلّ-: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏- إلى:- هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ قال: نزلت في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و في أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم).

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ: من خلاصة سلّت من بين الكدر مِنْ طِينٍ‏ (12):

متعلّق بمحذوف، لأنّه صفة ل «سلالة». أو «من» بيانيّة. أو بمعنى سلالة، لأنّها في معنى مسلولة. فتكون ابتدائيّة كالأولى.

و «الإنسان» آدم- (عليه السلام)- خلق من صفوة سلّت من الطّين. أو الجنس، فإنّهم خلقوا من سلالة جعلت نطفا بعد أدوار.

و قيل‏ (3): المراد بالطّين آدم، لأنّه خلق منه. و السّلالة نطفته.

ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً: خلقناه منها. أو: ثمّ جعلنا السّلالة نطفة.

و تذكير الضّمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء.

فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ (13): مستقرّ حصين. يعني: الرّحم. و هو في الأصل صفة للمستقرّ، وصف به المحلّ مبالغة، كما عبّر عنه بالقرار.

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً بأن أحلنا النّطفة البيضاء علقة حمراء.

فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً: فصيّرناها قطعة لحم.

فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً بأن صلّبناها.

فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ممّا بقي من المضغة، أو ممّا أنبتنا عليها ممّا يصل إليها.

و اختلاف العواطف، لتفاوت الاستحالات. و الجمع لاختلافها في الهيئة و الصّلابة.

و قرأ (4) ابن عامر و أبو بكر على التّوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 352، ح 1.

(2) من المصدر، مع المعقوفتين.

(3) أنوار التنزيل 2/ 103.

(4) نفس المصدر و الموضع.

167

و قرئ‏ (1) بإفراد أحدهما و جمع الآخر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سهام المواريث من ستّة أسهم لا تزيد عليها.

فقيل له: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم صارت ستّة أسهم؟ قال:

لأنّ الإنسان خلق من ستّة أشياء. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً.

و بإسناده‏ (3) إلى الحسين بن خالد قال: قلت للرّضا- (عليه السلام)-: إنّا روينا عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّ من شرب الخمر لم تحسب صلاته أربعين صباحا.

فقال: صدقوا.

فقلت: و كيف لا تحسب صلاته أربعين صباحا لا أقلّ من ذلك و لا أكثر؟ قال:

لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- قدّر خلق الإنسان، [فصيّر] (4) النّطفة أربعين يوما، ثمّ نقلها، فصيّرها علقة أربعين يوما. ثمّ نقلها، فصيّرها مضغة أربعين يوما. و هكذا إذا شرب الخمر، بقيت في مثانته على قدر ما خلق منه. و كذلك يجتمع غذاؤه و أكله و شربه يبقى في مثانته أربعين يوما.

و في كتاب الخصال‏ (5) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: كان فيما وعظ لقمان ابنه أنّه قال له: يا بنيّ، ليعتبر من قصر يقينه، و ضعفت نيّته في طلب الرّزق،- إلى قوله (عليه السلام):- أمّا أوّل ذلك، فإنّه كان في بطن‏ (6) أمّه يرزقه هناك في قرار مكين، حيث لا يؤذيه حرّ و لا برد. ثمّ أخرجه من ذلك.

(الحديث).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) العلل/ 567، ح 1.

(3) نفس المصدر/ 345، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) الخصال/ 122، ح 114.

(6) المصدر: رحم.

168

و في كتاب مصباح الشّريعة (1) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- في دعاء الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- يوم عرفة: ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا. و خلقتني من التّراب. ثمّ أسكنتني الأصلاب، آمنا لريب المنون و اختلاف الدّهور.

فلم أزل ظاعنا من صلب إلى رحم في تقادم الأيّام الماضية و القرون الخالية. لم تخرجني لرأفتك بي، و لطفك بي، و إحسانك إليّ، في دولة أيّام الكفرة الّذين نقضوا عهدك، و كذّبوا رسلك. لكنّك أخرجتني، رأفة منك و تحنّنا عليّ، للّذي سبق لي من الهدى الّذي يسّرتني، و فيه أنشأتني، و من قبل ذلك رؤفت بي جميل صنعك و سوابغ نعمك.

و ابتدعت خلقي من منيّ يمنى. ثمّ أسكنتني في ظلمات ثلاث [بين‏] (2) لحم و جلد دوم. لم تشهرني بخلقي و لم تجعل إليّ شيئا من أمري. ثمّ أخرجتني إلى الدّنيا تامّا سويّا.

و في الصّحيفة السّجادية (3) في دعائه- (عليه السلام)- بعد الفراغ من صلاة اللّيل: اللّهمّ و أنت حدرتني ماء مهينا (4) من صلب متضايق العظام، حرج المسالك، إلى رحم ضيّقة سترتها بالحجب. تصرّفني حالا عن حال، حتّى انتهيت بي إلى تمام الصّورة، و أثبتّ فيّ الجوارح، كما نعتّ في كتابك نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظما. ثمّ كسونا العظام لحما. ثمّ أنشأتني خلقا آخر كما شئت.

حتّى إذا احتجت إلى رزقك، و لم أستغن عن غياث فضلك، جعلت لي قوتا من فضل طعام و شراب أجريته لأمتك الّتي أسكنتني جوفها، و أودعتني قرار رحمها. و لو تكلني يا ربّ في تلك الحالات إلى حولي، أو تضطرّني إلى قوّتي، لكان الحول عنّي معتزلا، و لكانت القوّة منّي بعيدة. فغذوتني بفضلك غذاء البرّ اللّطيف. تفعل ذلك بي تطوّلا عليّ إلى غايتي هذه.

____________

(1) كذا في جميع النسخ. و الصحيح: «مصباح الزائر». كما نقله عنه نور الثقلين 3/ 533، ح 41.

(2) من نور الثقلين.

(3) الصحيفة/ 182- 184، الدعاء 32.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: حدرتني من ماء هينا.

169

و في الكافي‏ (1): ابن محبوب، عن رفاعة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ النّطفة إذا وقعت في الرّحم، تصير (2) إلى علقة، ثمّ إلى مضغة، ثمّ إلى ما شاء اللّه. و إنّ النطفة إذا وقعت في غير الرّحم، لم يخلق منها شي‏ء.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن الحجّال، عن ابن بكير، عن أبي منهال، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ النّطفة إذا وقعت في الرّحم، بعث اللّه- عزّ و جلّ- ملكا، فأخذ من التّربة الّتي يدفن فيها، فماثها (4) في النّطفة. فلا يزال قلبه يحنّ إليها [حتّى يدفن فيها] (5).

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن الحسن بن الجهم قال:

سمعت أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- يقول: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ النطفة تكون في الرّحم أربعين يوما. ثمّ تصير علقة أربعين يوما. ثمّ تصير مضغة أربعين يوما. فإذا كمل أربعة أشهر، بعث اللّه ملكين خلّاقين فيقولان: يا ربّ، ما تخلق؟

ذكرا أو أنثى؟ فيؤمران. فيقولان: يا ربّ، شقيّا أو سعيدا؟ فيؤمران. فيقولان: يا ربّ ما أجله و ما رزقه؟ و كلّ شي‏ء من حاله و عدّد من ذلك أشياء. و يكتبان الميثاق بين عينيه.

فإذا أكمل اللّه له الأجل‏ (7)، بعث اللّه إليه ملكا، فزجره زجرة فيخرج و قد نسي الميثاق.

فقال الحسن بن الجهم: [فقلت له:] (8) أ فيجوز أن يدعو اللّه، فيحوّل الأنثى ذكرا و الذّكر أنثى؟ فقال: إنّ اللّه يفعل ما يشاء.

محمّد بن يحيى‏ (9)، عن أحمد بن محمّد (10)، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- إذا أراد أن يخلق النّطفة الّتي ممّا أخذ عليها الميثاق في صلب‏

____________

(1) الكافي 3/ 108، ح 2.

(2) ليس في أ.

(3) نفس المصدر/ 203، ح 2.

(4) ماث الشي‏ء في الماء: أذابه فيه.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 6/ 13، ح 3.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فإذا كمل الأجل.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر/ 13- 15، ح 4.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عليّ.

170

آدم، أو ما يبدو له فيه‏ (1)، و يجعلها في الرّحم، حرّك الرّجل للجماع، و أوحى إلى الرّحم أن افتحي بابك حتّى يلج فيك خلقي و قضائي النّافذ و قدري. فتفتح الرّحم بابها، فتصل النّطفة إلى الرّحم. فتردّد فيه أربعين صباحا (2). ثمّ تصير علقة أربعين يوما. ثمّ تصير مضغة أربعين يوما. ثمّ تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة.

ثمّ يبعث اللّه ملكين خلّاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء اللّه. فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة، فيصلان إلى الرّحم. و فيها الرّوح القديمة المنقولة في أصلاب الرّجال و أرحام النّساء. فينفحان‏ (3) فيها روح الحياة و البقاء. و يشقّان له السّمع و البصر و جميع الجوارح، و جميع ما في البطن، بإذن اللّه.

ثمّ يوحي اللّه إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي و قدري و نافذ أمري. و اشترطا لي البداء فيما تكتبان فيقولان: يا ربّ، ما نكتب؟ قال: فيوحي اللّه- عزّ و جلّ- إليهما:

ارفعا رؤوسكما إلى رأس أمّه. فيرفعان رؤوسهما فإذا اللّوح يقرع جبهة أمّه. فينظران فيه.

فيجدان في اللّوح صورته و رؤيته‏ (4)، و أجله و ميثاقه، شقيّا أو سعيدا، و جميع شأنه.

قال: فيملي أحدهما على صاحبه. فيكتبان جميع ما في اللّوح، و يشترطان البداء فيما يكتبان. ثمّ يختمان الكتاب، و يجعلانه بين عينيه. ثمّ يقيمانه قائما في بطن أمّه‏ (5).

قال: و ربما عتى، فانقلب. و لا يكون ذلك إلّا في كلّ‏ (6) عات أو مارد.

فإذا بلغ أوان خروج الولد، تامّا أو غير تامّ، أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى الرّحم أن افتحي بابك، حتّى يخرج خلقي إلى أرضي، و ينفذ فيه أمري. فقد بلغ أوان‏ (7) خروجه.

قال: فتفتح الرّحم باب الولد. فيبعث اللّه- عزّ و جلّ- إليه ملكا يقال له زاجر.

فيزجره زجرة. فيفزع‏ (8) منها الولد. فينقلب، فتصير رجلاه فوق رأسه، و رأسه في أسفل البطن، ليسهّل اللّه على المرأة و على الولد الخروج.

قال: فإذا احتبس، زجره الملك زجرة أخرى. فيفزع منها. فيسقط الولد إلى الأرض‏

____________

(1) أي: يبدو له في خلقه، فلا يتمّ خلقه بأن يجعله سقطا. قاله العلّامة المجلسي.

(2) المصدر: يوما.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فينتفخان.

(4) المصدر: زينته.

(5) ليس في ع.

(6) ليس في ن.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و ان.

(8) أ: فينفزع.

171

باكيا فزعا من الزّجرة.

محمّد [بن يحيى‏ (1)] (2)، عن أحمد [بن محمّد] (3)، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الخلق. فقال:

إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا خلق الخلق بن طين، أفاض بها كإفاضة القداح‏ (4).

فأخرج المسلم، فجعله سعيدا. و جعل الكافر شقيّا. فإذا وقعت النّطفة، تلقّتها (5). الملائكة، فصوّروها. ثمّ قالوا: يا ربّ، أذكر أو أنثى؟ فيقول الرّبّ- جلّ جلاله-: أيّ ذلك شاء.

فيقولان: تبارك‏ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏.

ثمّ توضع في بطنها. فتردّد تسعة أيّام في كلّ عرق و مفصل‏ (6) منها. و (7) للرحم ثلاثة أقفال: قفل في أعلاها ممّا يلي أعلى السّرّة (8) من الجانب الأيمن، و القفل الآخر وسطها، و القفل الآخر أسفل الرّحم‏ (9). فيوضع بعد تسعة أيّام في القفل الأعلى. فيمكث‏ (10) فيه ثلاثة أشهر. فعند ذلك يصيب المرأة خبث النّفس و التّهوّع.

ثمّ ينزل إلى القفل الأوسط. فيمكث فيه ثلاثة أشهر (11). و سرّة (12) الصّبيّ فيها مجمع [العروق، و] (13) عروق المرأة كلّها منها، يدخل طعامه و شرابه من تلك العروق. ثمّ ينزل إلى القفل الأسفل. فيمكث فيه ثلاثة أشهر. فذلك تسعة أشهر.

ثمّ تطلق المرأة. فكلمّا طلقت، انقطع عرق من سرّة (14) الصّبيّ، فأصابها ذلك الوجع.

و يده على سرّته‏ (15)، حتّى يقع إلى الأرض و يده مبسوطة. فيكون رزقه حينئذ من فيه.

____________

(1) نفس المصدر/ 15، ح 5.

2 و 3- من المصدر.

(4) إفاضة القداح: الضرب بها. و القداح: جمع القدح- بالكسر- و هو: السهم قبل أن يراش أو ينصل. كأنّهم كانوا يخلطونها و يقرعون بها بعد ما يكتبون عليها أسماءهم.

قال الفيض (ره): و في التشبيه إشارة لطيفة إلى اشتباه خير بني آدم بشرّهم إلى أن يميّز الخبيث من الطيّب.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تلقيها.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يفصل.

(7) المصدر: «و منها» بدل «منها. و».

(8) المصدر: الصرّة.

(9) المصدر: من الرحم.

(10) م، س، أ: فيمكث الصبيّ.

(11) ليس في أ.

(12) المصدر: صرّة.

(13) من المصدر.

(14) المصدر: صرّة.

(15) المصدر: صرّته.

172

محمّد بن يحيى‏ (1) [عن أحمد بن محمّد] (2)، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل و (3) غيره قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: جعلت فداك، الرّجل يدعو للحبلى أن يجعل اللّه ما في بطنها ذكرا سويّا. فقال:

يدعو ما بينه و بين أربعة أشهر. فإنّه أربعين ليلة نطفة، و أربعين ليلة علقة، و أربعين ليلة مضغة. فذلك تمام أربعة أشهر. ثمّ يبعث اللّه ملكين خلّاقين. فيقولان: يا ربّ، ما تخلق؟ ذكرا أو أنثى؟ شقيّا أو سعيدا؟ فيقال ذلك. فيقولان: يا ربّ، ما رزقه؟ و ما أجله؟ و ما مدّته؟ فيقال ذلك. و ميثاقه بين عينيه ينظر إليه. فلا يزال منتصبا في بطن أمّه. حتّى إذا دنا خروجه، بعث اللّه إليه ملكا، فزجره زجرة. فيخرج و ينسى الميثاق.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، و عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول، إذا وقعت النّطفة في الرّحم، استقرّت فيها أربعين يوما. و تكون علقة أربعين يوما.

و تكون مضغة أربعين يوما. ثمّ يبعث اللّه ملكين خلّاقين فيقال لهما: اخلقا كما أراد (5) اللّه- تعالى- ذكرا أو أنثى. صوّراه. و اكتبا اجله و رزقه و نيّته، و شقيّا أو سعيدا. و اكتبا للّه‏ (6) الميثاق الّذي أخذه عليه في الذّرّ بين عينيه.

فإذا دنا خروجه من بطن أمّه، بعث اللّه إليه ملكا يقال له زاجر. فيزجره. فيفزع فزعا، فينسى الميثاق. و يقع على الأرض يبكي من زجرة الملك.

ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ:

و هو صورة البدن أو الرّوح أو القوى بنفخه فيه أو المجموع. و «ثمّ» لما بين الخلقين من التّفاوت.

فَتَبارَكَ اللَّهُ‏ فتعالى شأنه في قدرته و حكمته‏ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ (14) المقدّرين تقديرا.

فحذف المميّز لدلالة «الخالقين» عليه.

____________

(1) نفس المصدر/ 16، ح 6.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: أو.

(4) نفس المصدر، ح 7.

(5) المصدر: يريد.

(6) ليس في ن.

173

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏. قال: السّلالة الصّفوة من الطّعام و الشّراب الّذي يصير نطفة. و النّطفة أصلها من السّلالة. و السّلالة هو من صفوة الطّعام و الشّراب. و الطّعام من أصل الطّين. فهذا معنى قوله- جلّ ذكره-: مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏. يعني [في الأنثيين ثمّ‏] (2) في الرّحم.

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏. و هذه استحالة من أمر إلى أمر.

فحدّ النّطفة إذا وقعت في الرّحم أربعون‏ (3) يوما. ثمّ تصير علقة.

و قوله- عزّ و جلّ-: خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏- إلى قوله عزّ و جلّ:- ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فهي‏ (4) ستّة أجزاء و ستّ استحالات. و في كلّ جزء و استحالة دية محدودة. ففي النّطفة عشرون دينارا. و في العلقة أربعون دينارا. و في المضغة ستّون دينارا. و في العظم ثمانون دينارا. و إذا كسي لحما، فمائة دينار، حتّى يستهلّ. فإذا استهلّ، فالدّية كاملة.

فحدّثني أبي بذلك، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: يا ابن رسول اللّه، فإن خرج في النّطفة قطرة دم؟ قال: في القطرة عشر النّطفة. ففيها اثنان و عشرون دينارا.

قلت: فقطرتان؟ قال: أربعة و عشرون دينارا.

قلت: فثلاث؟ قال: ستّة و عشرون دينارا.

قلت: فأربع؟ قال: ثمانية و عشرون دينارا.

قلت: فخمس؟ قال: ثلاثون دينارا. [و ما زاد على النّصف‏] (5) فهو على هذا الحساب، حتّى تصير علقة، فيكون فيها أربعون دينارا.

قلت: فإن خرجت [النطفة] (6) متخضخضة بالدّم؟ قال: قد علقت، إن كان دما

____________

(1) تفسير القميّ 2/ 89- 90.

(2) ليس في المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أربعين.

(4) المصدر: فهم.

(5) ليس في ن.

(6) من المصدر.

174

صافيا (1)، ففيها أربعون دينارا. و إن كان دما (2) أسود، فذلك من الجوف، فلا شي‏ء عليه إلّا التّعزيز. لأنّه ما كان من دم صاف، فذلك للولد (3)، و ما كان من دم أسود، فهو من الجوف.

قال: فقال أبو شبل: فإنّ العلقة صارت‏ (4) فيها شبه العروق و اللّحم؟ قال: اثنان و أربعون دينارا العشر.

[قال:] (5) قلت: إنّ عشر الأربعين دينارا أربعة دنانير؟ قال: لا، إنّما هو عشر المضغة، لأنّه‏ (6) انّما ذهب عشرها. فكلّما ازدادت، زيد، حتّى تبلغ السّتّين.

قلت: فإن رأيت‏ (7) في المضغة مثل عقدة (8) عظم يابس؟ قال: إنّ ذلك عظم أوّل ما يبتدئ، ففيه أربعة دنانير. فإن زاد، فزاد أربعة دنانير، حتّى يبلغ الثّمانين‏ (9).

قلت: فإن كسي العظم لحما؟ قال: كذلك إلى مائة.

قلت: فإن و كزها (10)، فسقط الصّبيّ لا يدري حيّا كان أو ميّتا؟ قال: هيهات يا أبا شبل! إذا بلغ أربعة أشهر، فقد صارت فيه الحياة، و قد استوجب الدّية.

و في الكافي أيضا بعد أن قال‏ (11): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن مسمع، عن أبي عبد اللّه قال: قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال‏ (12):

و بهذا الإسناد (13) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: جعل دية الجنين مائة دينار.

و جعل منيّ الرّجل إلى أن يكون جنينا خمسة أجزاء. فإذا كان جنينا قبل أن تلجه الرّوح‏ (14)، مائة دينار. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الإنسان من سلالة، و هي النّطفة، فهذا جزء. ثمّ علقة، فهو جزءان. ثمّ مضغة، فهو ثلاثة أجزاء. ثمّ عظما، فهو أربعة أجزاء. ثمّ يكسى لحما، فحينئذ تمّ جنينا، فكملت له خمسة أجزاء مائة دينار. و المائة دينار

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: دم صاف.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: دم.

(3) المصدر: الولد.

(4) المصدر: إذا صارت.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: رأت.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: العقد.

(9) المصدر: مائة.

(10) المصدر: ركزها.

(11) الكافي 7/ 342، ح 12.

(12) ليس في م.

(13) نفس المصدر/ 342- 343، ح 1.

(14) ليس في ن.

175

خسمة أجزاء. فجعل للنّطفة خمس المائة، عشرين دينارا. و للعلقة خمسي المائة، أربعين دينارا. و للمضغة ثلاثة أخماس المائة، ستّين دينارا. و للعظم أربعة أخماس المائة، ثمانين دينارا. فإذا كسي اللّحم، كانت له مائة [دينار] (1) كاملة. فإذا نشأ فيه خلق آخر- و هو الرّوح- فهو حينئذ نفس [فيه‏] (2) ألف دينار كاملة، إذا كان ذكرا. و إن كان أنثى، فخمسمائة دينار.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- ما صفة [خلقة] (4) النّطفة الّتي تعرف بها؟ فقال:

النّطفة تكون بيضاء مثل النّخامة الغليظة. فتمكث في الرّحم، إذا صارت فيه، أربعين يوما. ثمّ تصير إلى علقة.

قلت: فما صفة خلقة العلقة الّتي تعرف بها؟ قال: هي علقة كعلقة دم‏ (5) المحجمة الجامدة. تمكث في الرّحم، بعد تحويلها عن النّطفة، أربعين يوما. ثمّ تصير مضغة.

قلت: فما صفة المضغة و خلقتها الّتي تعرف بها؟ قال: هي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشتبكة. ثمّ تصير إلى عظم.

قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما؟ قال: إذا كان عظما، شقّ له السّمع و البصر، و رتّبت جوارحه. فإذا كان كذلك، فإنّ فيه الدّية كاملة.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب قال: سألت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- عن رجل ضرب امرأة حاملا برجله، فطرحت ما في بطنها ميّتا. فقال: إن كان نطفة فعليه عشرون دينارا.

قلت: فما حدّ النّطفة؟ قال: هي الّتي إذا وقعت في الرّحم، فاستقرّت فيه [أربعين يوما. (قال:) (7) و إن طرحته و هو علقة، فإنّ عليه أربعين دينارا.

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) نفس المصدر/ 345، ح 10.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: الدم.

(6) نفس المصدر/ 347، ح 15.

(7) من المصدر.

176

قلت: فما حدّ العلقة؟ قال: هي الّتي إذا وقعت في الرّحم، فاستقرّت فيه‏] (1) ثمانين يوما. قال‏ (2): و إن طرحته و هو مضغة، فإنّ عليه ستّين دينارا.

قلت: فما حدّ المضغة؟ فقال: هي الّتي إذا وقعت في الرّحم، فاستقرّت فيه مائة و عشرين يوما (3). قال: و إن طرحته، و هو نسمة مخلّقة له عظم و لحم مزيّل‏ (4) الجوارح، قد نفخ فيه روح العقل، فإنّ عليه دية كاملة.

قلت له: أ رأيت تحوّله في بطنها إلى حال أ بروح كان ذلك أو بغير روح‏ (5)؟ قال: بروح عدا (6) الحياة القديم المنقول في أصلاب الرّجال و أرحام النّساء. و لو لا أنّه كان فيه روح عدا (7) الحياة، ما تحوّل عن حال بعد حال في الرّحم. و ما كان- إذا- على من يقتله دية، و هو في تلك الحال.

محمّد بن يحيى‏ (8) و غيره، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن إسماعيل بن عمر (9)، عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ للرّحم أربعة سبل. في أيّ سبيل سلك فيه الماء، كان منه الولد، واحد و اثنان‏ (10) و ثلاثة و أربعة. و لا يكون إلى سبيل أكثر من واحد.

أحمد (11) بن محمّد (12)، رفعه عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق للرّحم أربعة أوعية: فما كان في الأوّل، فللأب. و ما كان في الثّاني، فللأمّ. و ما كان في الثّالث، فللعمومة. و ما كان في الرّابع فللخئولة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (13): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ: فهو نفخ الرّوح فيه.

و في تهذيب الأحكام‏ (14): محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن‏

____________

1 و 2- ليس في ن.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عشرون يوم.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: مزيد. و المزيّل:

المفرّق. و في الوافي: «مرمّل»، أي: المزيّن. و في التهذيب: «مرتّب».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ذلك.

6 و 7- كذا في المصدر. و في النسخ: غذاء.

(8) نفس المصدر 6/ 16- 17، ح 1.

(9) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 100. و في النسخ: عمرو.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: اثنين.

(11) المصدر: عليّ.

(12) نفس المصدر/ 17، ح 2.

(13) تفسير القميّ 2/ 91.

(14) التهذيب 10/ 282، ح 1102.

177

العبّاس بن موسى الورّاق، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي جرير القمّيّ قال: سألت العبد الصّالح- (عليه السلام)- عن النّطفة: ما فيها من الدّية؟ و ما في العلقة؟ و ما في المضغة المخلّقة و ما يقرّ في الأرحام؟

قال: إنّه يخلق في بطن أمّه خلقا بعد خلق: يكون نطفة أربعين يوما. ثمّ يكون علقة أربعين يوما. [ثمّ مضغة أربعين يوما] (1). ففي النّطفة أربعون دينارا. و في العلقة ستّون دينارا. و في المضغة ثمانون دينارا. فإذا كسي العظام لحما، ففيه مائة دينار. قال اللّه- عزّ و جلّ-: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏. فإن كان ذكرا، ففيه الدّية. و إن كانت أنثى‏ (2)، ففيها ديتها.

و في كتاب التّوحيد (3) بإسناده إلى الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: قلت: جعلت فداك، و غير الخالق الجليل خالق؟

قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول-: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏. فقد أخبر أنّ في عباده خالقين [و غير خالقين‏] (4). منهم عيسى بن مريم. خلق من الطّين كهيئة الطّير بإذن اللّه. و نفخ فيه، فصار طائرا بإذن اللّه. و السّامريّ خلق لهم‏ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ (5).

و في كتاب الخصال‏ (6) عن زيد بن وهب قال: سئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن قدرة اللّه- عزّ و جلّ. فقام خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه. ثمّ قال:

إنّ للّه- تبارك و تعالى‏ (7)- ملائكة لو أنّ ملكا منهم هبط إلى الأرض، ما وسعته لعظم خلقته و كثرة أجنحته. و منهم من لو كلّفت الجنّ و الإنس أن يصفوه، ما وصفوه لبعد ما بين مفاصله‏ (8) و حسن تركيب صورته. و كيف يوصف من ملائكته من سبعمائة عام‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في ع.

(3) التوحيد/ 63، ح 18.

(4) ليس في المصدر.

(5) الأعراف/ 148.

(6) الخصال/ 400- 401، ح 109.

(7) يوجد هاهنا في أ هذه الزيادة: عليّ بن أبي طالب.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مقاصله.

178

ما بين منكبيه‏ (1) و شحمة أذنيه‏ (2)

و منهم من يسدّ الأفق بجناح من أجنحته دون عظم بدنه. و منهم من السّموات إلى حجزته. و منهم من قدمه على غير قرار في جوّ الهواء الأسفل، و الأرضون إلى ركبتيه‏ (3).

و منهم من لو ألقي في نقرة إبهامه جميع المياه، لوسعتها. و منهم من لو ألقيت السّفن في دموع عينيه، لجرت دهر الدّاهرين. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏.

[و في كتاب التّوحيد (4) مثله‏] (5).

و في كتاب الخصال‏ (6)- أيضا- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: خمسة خلقوا ناريّين: الطّويل الذّاهب، و القصير القمي‏ء (7)، و الأزرق بخضرة، و الزّائد، و النّاقص.

و في مجمع البيان‏ (8): و روي‏ أنّ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فلمّا بلغ إلى بوله: خَلْقاً آخَرَ خطر بباله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏. فلمّا أملأها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كذلك، قال عبد اللّه: إن كان محمّد نبيّا يوحى إليه، فأنا نبيّ يوحى إليّ! فلحق بمكّة مرتدّا.

و لو صحّ هذا، فإنّ هذا القدر لا يكون معجزا، و لا يمتنع أن يتّفق ذلك من الواحد منّا. لكن هذا الشّقيّ إنّما اشتبه عليه، أو شبّه على نفسه، لما كان في صدره من الكفر و الحسد للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). انتهى.

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ‏ (15): لصائرون إلى الموت لا محال. و لذلك ذكر النّعت الّذي للثّبوت دون اسم الفاعل. و قد قرئ‏ (9) به.

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ‏ (16) للمحاسبة و المجازاة.

وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ‏: سموات. لأنّها طوارق [بعضها فوق‏] (10) بعض، مطارقة النّعل بالنعل‏ (11). و كلّ ما فوقه مثله، فهو طريقه. أو لأنّها طرق الملائكة، أو

____________

(1) ن: منكبه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أذنه.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: ركبته.

(4) التوحيد/ 278، ح 3.

(5) ليس في أ.

(6) الخصال/ 286- 287، ح 41.

(7) أي: السمين.

(8) المجمع 4/ 101.

(9) أنوار التنزيل 2/ 103.

(10) ليس في م.

(11) ليس في المصدر.

179

الكواكب فيها مسيرها.

وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ‏: عن ذلك المخلوق الّذي هو السّموات، أو عن جميع المخلوقات‏ غافِلِينَ‏ (17): مهملين أمرها، بل نحفظها عن الزّوال أو الاختلال، و ندبّر أمرها حتّى تبلغ منتهى ما قدّر لها من الكمال، حسب ما اقتضته الحكمة، و تعلّقت به المشيئة.

وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ: بتقدير يكثر نفعه، و يقلّ ضرّه. أو: مقدار ما علمنا من صلاحهم.

فَأَسْكَنَّاهُ‏: فجعلناه ثابتا مستقرّا فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ‏: على إزالته بالإفساد أو التّصعيد أو التّعميق، بحيث يتعذّر استنباطه‏ لَقادِرُونَ‏ (18) كما كنّا قادرين على إنزاله.

و في تنكير «ذهاب» إيماء إلى كثرة طرقه، و مبالغة في الإيعاد به. و لذلك جعل أبلغ من قوله: (1) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ‏: فهي الأنهار و العيون و الآبار.

و في الكافي‏ (3): عنه، عن أحمد بن محمّد، عن العبّاس بن معروف، عن النّوفليّ، عن اليعقوبيّ، عن عيسى بن عبد اللّه، عن سليمان بن جعفر قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ‏: يعني بالتّعميق‏ (4).

و في مجمع البيان‏ (5): و روى مقاتل، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ اللّه- تعالى- أنزل من الجنّة خمسة أنّهار: سيحون، و هو نهر الهند، و جيحون، و هو نهر بلخ، و دجلة، و الفرات، و هما نهرا (6) العراق، و النّيل، و هو نهر مصر. أنزلها اللّه من عين واحدة، و أجراها في الأرض. و جعل فيها منافع للنّاس في‏

____________

(1) الملك/ 30.

(2) تفسير القمّي 2/ 91.

(3) الكافي 6/ 391، ح 4.

(4) المصدر: ماء العقيق. و في ع و ن: بالتعيّق.

(5) المجمع 4/ 102.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: نهر.

180

أصناف معايشهم‏ (1). فذلك قوله: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ (الآية).

فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ‏: بالماء جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ لَكُمْ فِيها: في الجنّات‏ فَواكِهُ كَثِيرَةٌ تتفكّهون بها.

وَ مِنْها: من الجنّات، ثمارها و زروعها تَأْكُلُونَ‏ (19) تغذّيا، أو ترتزقون‏ (2) و تحصلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكل من حرفته.

و يجوز أن يكون الضّميران للنّخيل و الأعناب. أي: لكم في ثمرتهما أنواع من الفواكه الرّطب و العنب و التّمر و الزّبيب و العصير و الدّبس و غير ذلك، و طعام تأكلونه.

وَ شَجَرَةً:

عطف على «جنّات».

و قرئت‏ (3) بالرّفع، على الابتداء. أي: و ممّا أنشأنا (4) لكم به شجرة.

تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ: جبل موسى بين‏ (5) مصر و أيلة.

و قيل‏ (6): بفلسطين.

و قد يقال له: طور سينين. و لا يخلو من أن يكون الطّور للجبل، و «سيناء» اسم بقعة أضيف إليها. أو المركّب منهما علم له، كامرئ القيس. و منع صرفه للتّعريف و العجمة، أو التّأنيث على تأويل البقعة، لا للألف. لأنّه فيعال- كديماس- من السّناء- بالمدّ- و هو: الرّفعة، أو بالقصر، و هو: النّور. أو ملحق بفعلال [- كعلباء- من السّين، إذا لا فعلاء بألف التّأنيث، بخلاف «سيناء» على قراءة الكوفيّين و الشّاميّ و يعقوب فإنّه فيعال‏] (7)- ككيسان- أو فعلاء- كصحراء- لا فعال، إذ ليس في كلامهم.

و قرئ‏ (8) بالكسر و القصر.

تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ‏، أي: تنبت ملتبسا بالدّهن، و مستصحبا له.

____________

(1) ن: معاشهم.

(2) ع: ترزقون.

(3) أنوار التنزيل 2/ 104.

(4) ع و م: أنشأ.

(5) يوجد في م هاهنا هذه العبارة: عطف «شجرة» على «جنّات» في نظري ضعيف ممّا ترى. و إنّما الرفع أجود. و التنوين للتعظيم.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في أ.

(8) نفس المصدر و الموضع.

181

و يجوز أن تكون الباء صلة معدّية ل «تنبت». كما في قولك: ذهبت بزيد.

و قرأ (1) ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب في رواية: «تنبت». و هو إمّا من أنبت بمعنى نبت، كقول زهير:

رأيت ذوي الحاجات عند بيوتهم‏* * * قطينا لهم حتىّ إذا أنبت البقل‏

أو على تقدير: تنبت‏ (2) زيتونها ملتبسا بالدّهن.

و قرئ‏ (3) على البناء للمفعول- و هو كالأوّل- و «تثمر بالدّهن» و «تخرج بالدهن» [و «تخرج الدّهن»] (4) و «تنبت بالدّهان».

وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ‏ (20):

معطوف على الدّهن، جار على إعرابه، عطف أحد وصفي الشّي‏ء على الآخر. أي:

تنبت بالشّي‏ء الجامع‏ (5) بين كونه دهنا يدهن به و يسرج منه، و كونه إداما (6) يصبغ فيه الخبز، أي يغمس فيه للائتدام.

و قرئ‏ (7): «و صباغ» كدباغ في دبغ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ‏. قال: شجرة الزّيتون. و هو مثل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما و آلهما). فالطّور الجبل. و. سيناء الشّجرة.

و في مجمع البيان‏ (9): تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ‏. و

قد روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: الزّيت شجرة مباركة فأتدموا (10) به، و ادهنوا.

و في تهذيب الأحكام‏ (11) بإسناده إلى الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- أنّه كان في وصيّة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أن أخرجوني إلى الظهر. فإذا تصوّبت‏ (12).

أقدامكم، و استقبلتكم ريح، فادفنوني. فهو أوّل طور سيناء. ففعلوا ذلك.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في ع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) من المصدر.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 104. و في النسخ:

المجامع.

(6) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

إذا ما.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القميّ 2/ 91.

(9) المجمع 4/ 103.

(10) المصدر: فاتّدموا.

(11) التهذيب 6/ 34، ح 69.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: تصوّتت.

182

و بإسناده‏ (1) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام)-: و الغريّ و هي قطعة من الجبل الّذي كلّم اللّه عليه موسى تكليما، و قدّس عليه عيسى تقديسا، و اتّخذ عليه إبراهيم خليلا، و اتّخذ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- حبيبا. و جعله للنّبيّين مسكنا. فو اللّه ما سكن بعد أبويه الطّيّبين آدم و نوح أكرم من أمير المؤمنين- (عليه السلام).

وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً تعتبرون بحالها و تستدلّون بها.

نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها من الألبان، أو من العلف. فإنّ اللّبن يتكوّن منه.

ف «من» للتّبعيض أو الابتداء.

وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ في ظهورها و أصوافها و شعورها.

وَ مِنْها تَأْكُلُونَ‏ (21) فتنتفعون بأعيانها.

وَ عَلَيْها: و على الأنعام. فإنّ منها ما يحمل عليه، كالإبل و البقر.

و قيل‏ (2): المراد الإبل، لأنّها هي المحمول عليها عندهم، و المناسب للفلك، فإنّها سفائن البرّ. قال ذو الرّمّة:

سفينة برّ تحت خدّي زمامها فيكون الضّمير فيه، كالضّمير في‏ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ (3).

وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ‏ (22) في البرّ و البحر.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏:

إلى آخر القصص مسوق لبيان كفران النّاس ما عدّد عليهم من النّعم المتلاحقة و ما حاقهم بهم من زوالها.

ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ‏:

استئناف لتعليل الأمر بالعبادة.

و قرأ (4) الكسائيّ بالجرّ على اللّفظ.

أَ فَلا تَتَّقُونَ‏ (23): أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه، فيهلككم و يعذّبكم، برفضكم عبادته إلى عبادة غيره، و كفرانكم نعمه الّتي لا تحصونها!؟

____________

(1) نفس المصدر/ 23، ح 51.

(2) أنوار التنزيل 2/ 105.

(3) البقرة/ 228.

(4) نفس المصدر و الموضع.

183

فَقالَ الْمَلَأُ: الأشراف‏ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ‏ لعوامّهم:

ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ‏: أن يطلب الفضل عليكم و يسودكم.

وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ‏ أن يرسل رسولا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً رسلا.

ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ‏ (24):

و يعنون نوحا. أي: ما سمعنا به أنّه نبيّ. أو ما كلّمهم به من الحثّ على عبادة اللّه و نفي إله غيره، أو من دعوى النّبوّة. و ذلك إمّا من فرط عنادهم، أو لأنّهم كانوا في فترة متطاولة.

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ، أي: جنون. و لأجله يقول ذلك.

فَتَرَبَّصُوا بِهِ‏: فاحتملوه و انتظروا حَتَّى حِينٍ‏ (25) لعلّه يفيق من جنونه.

قالَ‏ بعد ما أيس من إيمانهم:

رَبِّ انْصُرْنِي‏ بإهلاكهم. أي: بإنجاز ما وعدتهم من العذاب.

بِما كَذَّبُونِ‏ (26): بدل تكذيبهم إيّاي، أو بسببه.

فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا (1): بحفظنا نحفظه أن تخطئ فيه، أو يفسده عليك مفسد.

وَ وَحْيِنا: و أمرنا و تعليمنا كيف تصنع.

فَإِذا جاءَ أَمْرُنا بالرّكوب أو نزول العذاب.

وَ فارَ التَّنُّورُ:

في جوامع الجامع‏ (2): فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ (الآية).

روي‏ أنّه قيل لنوح- (عليه السلام)-: إذا رأيت الماء يفور من التّنّور، فاركب أنت و من معك في السّفينة. فلمّا نبع الماء من التّنّور، أخبرته امرأته، فركب.

فَاسْلُكْ فِيها: فأدخل فيها.

يقال: سلك فيه، و سلك غيره. قال اللّه‏ (3)- تعالى-: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ.

مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏: من كلّ أمّتي الذّكر و الأنثى واحدين مزدوجين.

____________

(1) ليس في م.

(2) الجوامع/ 306.

(3) المدّثّر/ 42.

184

و قرأ (1) حفص: «من كلّ» بالتّنوين. أي: من كلّ نوع زوجين. و «اثنين» تأكيد.

وَ أَهْلَكَ‏: و أهل بيتك. أو: و من آمن معك.

إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ‏:

أي القول من اللّه بإهلاكه لكفره. و إنّما جي‏ء ب «على» لأنّ السّابق ضارّ (2)، كما جي‏ء باللّام حيث كان نافعا في قوله‏ (3): إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏.

وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا بالدّعاء لهم بالإنجاء.

إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ‏ (27): لا محالة، لظلمهم بالإشراك و المعاصي.

و من هذا شأنه لا يشفع له، و لا يشفع فيه. كيف و قد أمره بالحمد على النّجاة منهم بهلاكهم بقوله:

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (28). كقوله‏ (4): فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي‏ في السّفينة، أو في الأرض.

مُنْزَلًا مُبارَكاً يتسبّب لمزيد الخير في الدّارين.

و قرئ‏ (5): «منزلا» بمعنى إنزالا أو موضع إنزال.

وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏ (29):

ثناء مطابق لدعائه. أمره بأن يشفعه به مبالغة فيه، و توسّلا به إلى الإجابة. و إنّما أفرده بالأمر و المعلّق به أن يستوي هو و من معه، إظهارا لفضله، و إشعارا بأنّ في دعائه مندوحة عن دعائهم، فإنّه يحيط بهم.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير: قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هل للشكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 105.

(2) ليس في س و أ.

(3) الأنبياء/ 101.

(4) الأنعام/ 45.

(5) أنوار التنزيل 2/ 106.

(6) الكافي 2/ 95- 96، ح 12.

185

قلت: ما هو؟ قال‏ (1): يحمد اللّه على كلّ نعمة عليه في أهل و مال. و إن كان فيما أنعم اللّه عليه في ماله حقّ، أدّاه. و منه قوله- تعالى-: رَبِ‏ (2) أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3) قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، إذا نزلت منزلا، فقل: اللّهمّ‏ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً، وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏. ترزق خيره، و يدفع عنك شرّه.

و في كتاب الخصال‏ (4) فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: و إذا نزلتم منزلا، فقولوا: اللّهمّ أنزلنا (5) مُنْزَلًا مُبارَكاً، وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: فيما فعل بنوح و قومه‏ لَآياتٍ‏ يستدلّ بها و يعتبر أو لو الاستبصار و الاعتبار.

وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ‏ (30): لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم. أو: ممتحنين عبادنا بهذه الآيات.

و «إن» هي المخفّفة. و اللّام هي الفارقة.

و في نهج البلاغة (6): أيّها النّاس! إنّ اللّه قد أعاذكم من أن يجور عليكم، و لم يعذكم من أن يبتليكم. و قد قال- جلّ من قائل-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ‏.

ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ‏ (31):

هم عاد أو ثمود.

فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ‏:

هو هود أو صالح. و إنّما جعل القرن موضع الإرسال، ليدلّ على أنّه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، و إنّما اوحي إليه و هو بين أظهرهم.

أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ‏:

____________

(1) ليس في أ.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

(3) الفقيه 2/ 195، ح 887.

(4) الخصال/ 634، من حديث أربعمائة.

(5) ن، س، أ: أنزلني.

(6) النهج/ 150، الخطبة 103.

186

تفسير ل «أرسلنا».

أي: قلنا لهم على لسان الرّسول: اعْبُدُوا اللَّهَ‏.

أَ فَلا تَتَّقُونَ‏ (32) عذاب اللّه!؟

وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا:

لعلّه ذكر بالواو، لأنّ كلامهم لم يتّصل بكلام الرّسول، بخلاف قول قوم نوح.

و حيث استؤنف به، فعلى تقدير السّؤال.

وَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ: بلقاء ما فيها من الثّواب و العقاب. أو: بمعادهم إلى الحياة الثّانية بالبعث.

وَ أَتْرَفْناهُمْ‏: و نعّمناهم‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بكثرة الأموال و الأولاد.

ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ في الصّفة و الحال.

يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ‏ (33):

تقرير للمماثلة. و «ما» خبريّة. و العائد إلى الثّاني منصوب محذوف، أو مجرور حذف مع الجارّ، لدلالة ما قبله عليه.

وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ‏ فيما يأمركم‏ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ‏ (34) حيث أذللتم أنفسكم.

و «إذا» جزاء للشّرط، و جواب [للّذين قاولوهم من قومهم‏] (1).

أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً مجردة من اللّحوم و الأعصاب، أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ‏ (35) من الأجداث- أو من العدم- تارة أخرى إلى الوجود.

و «أنّكم» تكرير للأوّل. أكّد به، لمّا طال الفصل بينه و بين خبره. أو أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ‏ مبتدأ خبره الظّرف المقدّم. أو فاعل للفعل المقدّر، جوابا للشّرط. و الجملة خبر الأوّل. أي: أنّكم‏ (2) إخراجكم إذا متّم. أو: أنّكم إذا متّم، وقع إخراجكم. و يجوز أن بكون خبر الأوّل محذوفا، لدلالة خبر الثّاني عليه، لا أن يكون خبره الظّرف. لأنّ اسمه جثة و لا يكون اسم زمان خبرا عن جثّة.

____________

(1) من ع.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 107. و في النسخ:

انّ.

187

هَيْهاتَ هَيْهاتَ‏: بعد التّصديق أو الصّحّة لِما تُوعَدُونَ‏ (36)، أي: بعد ما توعدون.

و اللّام للبيان كما في‏ هَيْتَ لَكَ‏ (1).

و قيل‏ (2): «هيهات» بمعنى البعد. و هو مبتدأ خبره‏ لِما تُوعَدُونَ‏.

و قرئ‏ (3) بالفتح منوّنا، للتّنكير. و بالضّمّ منوّنا، على أنّه جمع هيهة. و غير منوّن، تشبيها ب «قبل». و بالكسر، على الوجهين. و بالسّكون على لفظ الوقف. و بإبدال التّاء هاء.

إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا:

أصله: إن الحياة إلّا حياتنا الدّنيا. فأقيم الضّمير مقام الأولى، لدلالة الثّانية عليها، حذرا عن التّكرير، و إشعارا بأنّ تعيّنها مغن عن التّصريح بها. كقوله:

هي النّفس ما حمّلتها تتحمّل.

و معناه: لا حياة إلّا هذه الحياة. لأنّ «إن» نافية دخلت على «هي» الّتي في معنى الحياة الدّالّة على الجنس، فكانت مثل «لا» الّتي تنفي ما بعدها نفي الجنس.

نَمُوتُ وَ نَحْيا: يموت بعضنا، و يولد بعض.

وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ‏ (37) بعد الموت.

إِنْ هُوَ: ما هو إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فيما يدّعيه من الرّسالة له، و فيما يعدنا من البعث.

وَ ما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ‏ (38): بمصدّقين.

قالَ رَبِّ انْصُرْنِي‏ عليهم و انتقم لي منهم‏ بِما كَذَّبُونِ‏ (39): بسبب تكذيبهم إيّاي.

قالَ عَمَّا قَلِيلٍ‏: عن زمان قليل.

و «ما» صلة لتوكيد معنى القلّة. أو نكرة موصوفة.

لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ‏ (40) على التّكذيب، إذا عاينوا العذاب.

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ: صيحة جبرئيل. صاح عليهم صيحة هائلة تصدّعت منها قلوبهم، فماتوا.

و استدلّ به على أنّ القرن قوم صالح.

____________

(1) يوسف/ 23.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 107.

188

بِالْحَقِ‏: بالوجه الثّابت الّذي لا دافع له. أو: بالعدل من اللّه- كقولك: فلان يقضي بالحقّ. أو: بالوعد الصّدق.

فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً:

شبّههم في دمارهم بغثاء السّيل‏ (1) و هو حميله، كقول العرب: سال‏ (2) به الوادي لمن هلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً: الغثاء اليابس الهامد من نبات الأرض.

فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (41):

يحتمل الإخبار و الدّعاء. و «بعدا» مصدر بعد: إذا هلك. و هو من المصادر الّتي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها. و اللّام لبيان من دعي عليه بالبعد. و وضع الظّاهر موضع ضميرهم للتّعليل.

ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ‏ (42):

يعني: قوم صالح و لوط و شعيب و غيرهم.

ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها: الوقت الّذي حدّ لهلاكها.

و «من» مزيدة للاستغراق.

وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ‏ (43) الأجل.

ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا: متواترين واحدا بعد واحد. من الوتر و هو الفرد.

و التّاء بدل من الواو، كتولّج و يتقوّر (4). و الألف للتّأنيث، لأنّ الرّسل جماعة.

و قرأ (5) أبو عمرو بالتّنوين، على أنّه مصدر- بمعنى المواترة- وقع حالا.

كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ‏:

إضافة الرّسول مع الإرسال إلى المرسل، و مع المجي‏ء إلى المرسل إليهم، لأنّ الإرسال الّذي هو مبدأ الأمر منه و المجي‏ء الّذي هو منتهاه إليهم.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 107. و في النسخ:

العسل.

(2) ليس في م.

(3) تفسير القمّى 2/ 91.

(4) س، أ، م، ن: يتقوّل. و في أنوار التنزيل 2/ 108: تيقور.

(5) أنوار التنزيل 2/ 108.

189

فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الإهلاك.

وَ جَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ‏ لم نبق منهم إلّا حكايات يسمر بها. و هو اسم‏ (1) جمع للحديث. أو جمع أحدوثة، و هي ما يتحدّث به تلهّيا.

فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ‏ (44):

ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى‏ وَ أَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا: بالآيات التّسع‏ وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ‏ (45): و حجّة واضحة ملزمة للخصم.

و يجوز أن يراد به العصى. و إفرادها لأنّها أولى المعجزات و أمّها تعلّقت بها معجزات شتّى، كانقلابها حيّة، و تلقّفها [ما أفكته‏] (2) السّحرة، و انفلاق البحر و انفجار العيون من الحجر بضربهما بها، و حراستها، و مصيرها شمعة و شجرة خضراء مثمرة و رشاء و دلوا. و أن يراد به المعجزات، و بالآيات الحجج. و أن يراد بهما المعجزات، فإنّها آيات للنّبوّة و حجّة بيّنة على ما يدّعيه النّبيّ.

إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان و المتابعة.

وَ كانُوا قَوْماً عالِينَ‏ (46): متكبّرين.

فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا:

ثّنى البشر، لأنّه يطلق للواحد- كقوله‏ (3): بَشَراً سَوِيًّا- كما يطلق للجمع، كقوله‏ (4): فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً. و لم يثنّ المثل، لأنّه في حكم المصدر.

و هذه القصص- كما ترى- تشهد بأنّ قصارى شبه المنكرين للنّبوّة قياس حال الأنبياء على أحوالهم، لما بينهم من المماثلة في الحقيقة. و فساده يظهر للمستبصر بأذنى تأمّل. فإنّ النّفوس البشريّة، و إن تشاركت في أصل القوى و الإدراك، لكنّها متباينة الإقدام فيهما. و كما ترى في جانب النّقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادّة، يمكن أن يكون في طرف الزّيادة أغنياء عن التّعلّم و التّفكّر في أكثر الأشياء و أغلب الأحوال.

فيدركون ما لا يدرك غيرهم. و يعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم. و إليه أشار بقوله‏ (5)- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.

____________

(1) ليس في أ.

(2) ليس في م.

(3) مريم/ 17.

(4) مريم/ 26.

(5) الكهف/ 110.

190

وَ قَوْمُهُما- يعني: بني إسرائيل- لَنا عابِدُونَ‏ (47): خادمون منقادون كالعباد.

فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ‏ (48) بالغرق في بحر قلزم.

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏: التّوراة.

لَعَلَّهُمْ‏: لعلّ بني إسرائيل.

قيل‏ (1): و لا يجوز عود الضّمير إلى فرعون و قومه، لأنّ التّوراة نزلت بعد إغراقهم.

يَهْتَدُونَ‏ (49) إلى المعارف و الأحكام.

وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً بولادتها إيّاه من غير مسيس. فالآية أمر واحد مضاف إليهما. أو: جعلنا ابن مريم آية بأن تكلّم في المهد، و ظهرت منه معجزات أخر، و أمّه آية بأن ولدت من غير مسيس. فحذفت الأولى لدلالة الثّانية عليها.

وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ:

قيل‏ (2): أرض بيت‏ (3) المقدس، فإنّها مرتفعة. أو دمشق. أو رملة فلسطين. أو مصر (4)، فإنّ قراها على الرّبى.

و قرأ (5) ابن عامر و عاصم بفتح الرّاء.

و قرئ‏ (6): «رباوة» بالضّمّ و الكسر.

ذاتِ قَرارٍ: مستقرّ من أرض منبسطة.

و قيل‏ (7): ذات ثمار و زروع، فإنّ ساكنيها يستقرّون فيها لأجلها.

وَ مَعِينٍ‏ (50): و ماء معين ظاهر جار. فعيل من: معن الماء: إذا جرى. و أصله:

الإبعاد في الشّي‏ء. أو من الماعون، و هو: المنفعة. لأنّه نفّاع. أو مفعول من عانه: إذا أدركه بعينه. لأنّه لظهوره مدرك بالعيون. وصف مأواهما بذلك، لأنّه الجامع لأسباب التّنزّه و طيب المكان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- قوله‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 108.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ليس في م.

(4) م: حصر مصر.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر/ 109.

(8) تفسير القمّي 2/ 91.

191

- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً- إلى قوله- وَ مَعِينٍ‏. قال: الرّبوة الحيرة. و ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ الكوفة.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏. قيل:

حيرة الكوفة و سوادها. و القرار مسجد الكوفة. و المعين الفرات. عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).

و في جوامع الجامع‏ (2) مثله.

يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ‏:

قيل‏ (3): نداء و خطاب لجميع الأنبياء، لا على أنّهم خوطبوا بذلك دفعة- لأنّهم أرسلوا في أزمنة مختلفة- بل على معنى أنّ كلّا منهم خوطب به في زمانه. فيدخل تحته عيسى دخولا أوّليّا. و يكون ابتداء كلام ذكر تنبيها على أنّ تهيئة أسباب التّنعّم لم تكن له خاصّة، و أنّ إباحة الطّيّبات للأنبياء شرع قديم، و احتجاجا على الرّهبانيّة في رفض الطّيّبات. أو حكاية لما ذكر لعيسى و أمّة عند إيوائهما إلى الرّبوة ليقتديا بالرّسل في تناول ما رزقا (4).

و قيل‏ (5): النّداء له. و لفظ الجمع للتّعظيم.

و الطّيّبات: ما يستلذّ من المباحات.

و قيل‏ (6): الحلال الصّافي القوام. فالحلال ما لا يعصى اللّه فيه. و الصّافي ما لا ينسى اللّه فيه. و القوام ما يمسك النّفس و يحفظ العقل.

و في مجمع البيان‏ (7): يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ‏. و

روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: انّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا. و إنّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ‏. و قال‏ (8): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏.

وَ اعْمَلُوا صالِحاً، فإنّه المقصود منكم و النّافع عند ربّكم.

____________

(1) المجمع 4/ 108.

(2) الجوامع/ 307.

(3) أنوار التنزيل 2/ 109.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: رزقنا.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) المجمع 4/ 109.

(8) البقرة/ 172.

192

إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏ (51) فأجازيكم‏ (1) عليه.

وَ إِنَّ هذِهِ‏، و لأنّ هذه. و المعلّل به‏ فَاتَّقُونِ‏. أو: و اعلموا أنّ هذه.

و قيل‏ (2): إنّه معطوف على‏ بِما تَعْمَلُونَ‏.

و قرأ (3) ابن عامر بالتّخفيف. و الكوفيّون بالكسر، على الاستئناف.

أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً:

قيل‏ (4): ملّتكم ملّة واحدة. أي: متّحدة في العقائد و أصول الشّرائع. أو جماعتكم جماعة واحدة متّفقة على الإيمان و التّوحيد في العبادة و نصب «أمّة» علي الحال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: أُمَّةً واحِدَةً قال: على مذهب واحد.

وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏ (52) في شقّ العصا و مخالفة الكلمة.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين‏ (6) بن مخارق، عن أبي الورد و أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً قال: آل محمّد- (عليهم السلام).

فعلى هذا يكون الخطاب بقوله: «أمّتكم» لآل محمّد- صلّى اللّه عليهم. و قوله:

أُمَّةً واحِدَةً أي: غير متفرّقة في الأقوال و الأفعال‏ (7)، بل على طريقة واحدة [لا تفترق و لا تختلف أبدا. و لو كان المعنيّ بها أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) جميعها، لما قال:

«واحدة»] (8). لأنّ‏

النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ستفرق أمّتي من بعدي على ثلاث و سبعين فرقة. فرقة منها ناجية. و الباقي في النّار. و الفرقة النّاجية هي الأمّة الواحدة و هم آل محمّد و شيعتهم.

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ‏: تقطّعوا أمر دينهم، و جعلوه أديانا مختلفة. أو:

فتفرّقوا و تحزّبوا.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 109. و في النسخ:

فيجازيكم.

2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 109.

(5) تأويل الآيات الباهرة 1/ 352- 353، ح 2 و 3.

(6) المصدر: الحصين.

(7) المصدر: غير متفرّقة لا في أقوال و لا في الأفعال.

(8) ليس في م.

193

و «أمرهم» منصوب بنزع الخافض، أو التمييز. و الضّمير إلى ما دلّ عليه الأمّة من أربابها أو لها.

زُبُراً: قطعا. جمع زبور الّذي بمعنى الفرقة.

و يؤيّده القراءة بفتح الباء (1). فإنّه جمع‏ (2) زبرة. و هو حال من «أمرهم» أو من الواو.

أو مفعول ثان ل فَتَقَطَّعُوا. فإنّه متضمّن معنى جعل.

و قيل‏ (3): كتبا. من: زبرت الكتاب. فيكون مفعولا ثانيا، أو حالا من «أمرهم» على تقدير مثل كتب.

و قرئ‏ (4) بتخفيف الباء، كرسل في رسل.

كُلُّ حِزْبٍ‏ من المتحزّبين‏ بِما لَدَيْهِمْ‏ من الدّين‏ فَرِحُونَ‏ (53): معجبون‏ (5) معتقدون أنّهم على الحقّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ-: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏.

قال: كلّ من أختار لنفسه دينا، فهو فرح به.

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ‏: في جهالتهم.

شبّهها بالماء الّذي يغمر القامة، لأنّهم مغمورون فيها، أو لاعبون بها.

و قرئ‏ (7): «في غمراتهم».

حَتَّى حِينٍ‏ (54): إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ‏: أنّما نعطيهم و نجعله مددا لهم.

مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ‏ (55):

بيان ل «ما» و ليس خبرا له. فإنّه غير معاب عليه. و إنّما المعاب عليه اعتقادهم أنّ ذلك خير لهم.

فخبره: نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ‏، و الرّاجع محذوف. و المعنى: أ يحسبون أنّ الّذي نمدّهم به، نسارع به لهم فيما فيه خيرهم و إكرامهم!؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 109.

(2) ليس في أ.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 109. و في النسخ:

محبّون.

(6) تفسير القّمي 2/ 91.

(7) أنوار التنزيل 2/ 109.

194

بَلْ لا يَشْعُرُونَ‏ (56): بل هم كالبهائم لا فطنة لهم و لا شعور، ليتأمّلوا فيعلموا أنّ ذلك الإمداد استدراج لا مسارعة في الخير.

و قرئ‏ (1): «يمدّهم» على الغيبة. و كذلك «يسارع» و «يسرع». و يحتمل أن يكون فيهما ضمير الممدّ به. و «يسارع» مبنيّا للمفعول.

و في نهج البلاغة (2): فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد، لرخّص لأنبيائه و رسله‏ (3). و لكنّه- سبحانه- كره لهم التّكابر، و رضي لهم التّواضع. فالصقوا بالأرض خدودهم، و عفّروا في التّراب وجوههم، و خفضوا أجنحتهم للمؤمنين. فكانوا قوما مستضعفين قد اختبرهم اللّه بالمخمصة، و ابتلاهم بالمجهدة، و امتحنهم بالمخاوف‏ (4)، و محّصهم بالمكاره. فلا تعتبروا الرّضا و السّخط (5) بالمال و الولد، جهلا بمواقع الفتنة و الاختبار، في موضع الغنا و الاقتدار (6). فقد قال- سبحانه-: أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ‏. فإنّ اللّه- سبحانه- يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم.

و في مجمع البيان‏ (7): أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ‏. و

روى السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تعالى- يقول: يحزن عبدي المؤمن إذا قتّرت عليه شيئا من الدّنيا، و ذلك أقرب له منّي. و يفرح إذا بسطت له الدّنيا، و ذلك أبعد له منّي. ثم تلا هذه الآية إلى قوله: بَلْ لا يَشْعُرُونَ‏. ثمّ قال: إنّ ذلك فتنة لهم.

إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ‏: من خوف عذابه‏ مُشْفِقُونَ‏ (57):

حذرون.

وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ‏ المنصوبة و المنزلة يُؤْمِنُونَ‏ (58) بتصديق مدلولها.

____________

(1) نفس المصدر/ 110.

(2) النهج/ 290- 291، الخطبة 192.

(3) المصدر: لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه و أوليائه.

(4) كذا في المصدر. و في م: بالتخاويف. و في غيرها: بالمخاويف.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: السخطة.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الإقتار.

(7) المجمع 4/ 110.

195

وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ‏ (59) شركا جليّا و لا خفيّا.

وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا: يعطون ما أعطوا من الصّدقات.

و قرئ‏ (1): «يأتون ما أتوا»، أي: يفعلون ما فعلوا من الطّاعات.

وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ: خائفة أن لا يقبل منهم، و أن لا يقع على الوجه اللّائق، فيؤاخذ به.

أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ‏ (60): لأنّ مرجعهم إليه. أو: من أنّ مرجعهم إليه، و هو يعلم ما يخفى عليهم.

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ‏: يرغبون في الطّاعات أشدّ الرّغبة، فيبادرونها. أو: يسارعون في نيل الخيرات الدّنيويّة الموعودة على صالح الأعمال، بالمبادرة إليها، كقوله‏ (2): فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا. فيكون إثباتا لهم ما نفى عن أضدادهم.

وَ هُمْ لَها سابِقُونَ‏ (61) لأجلها فاعلون السّبق. أو: يسابقون النّاس إلى الطّاعة، أو الثّواب، أو الجنّة. أو: يسابقونها، أي: ينالونها قبل الآخرة، حيث عجّلت لهم في الدّنيا، كقوله‏ (3): هُمْ لَها عامِلُونَ‏.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا عن القاسم بن محمّد، عن سليمان المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إن قدرت أن لا تعرف، فافعل. و ما عليك أن لا يثني عليك النّاس. و ما عليك أن تكون مذموما عند النّاس، إذا كنت محمودا عند اللّه.

ثمّ قال‏ (5): قال [أبي‏] (6) عليّ بن أبي طالب: لا خير في العيش إلّا لرجلين: رجل يزداد كلّ يوم خيرا، و رجل يتدارك منيّته بالتّوبة.

و أنّى له بالتّوبة! و و اللّه، لو سجد حتّى ينقطع عنقه، ما قبل اللّه- تبارك و تعالى- منه، إلّا بولايتنا أهل البيت. ألا و من عرف حقّنا و رجا (7) الثّواب فينا، و رضي‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 110.

(2) آل عمران/ 148.

(3) المؤمنون/ 63.

(4) الكافي 2/ 456- 457، ح 15.

(5) ليس في م.

(6) من المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: رجاء.

196

بقوته نصف مدّ في كلّ يوم، و ما ستر عورته، و ما أكنّ رأسه. و هم و اللّه في ذلك خائفون وجلون. ودّوا أنّه حظّهم من الدّنيا. و كذلك وصفهم اللّه- عزّ و جلّ- فقال: وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ‏.

ثمّ قال: ما الّذين آتوا؟ آتوا- و اللّه!- مع الطّاعة المحبّة و الولاية، و هم في ذلك خائفون. ليس خوفهم خوف شكّ، و لكنّهم خافوا أن يكونوا مقصّرين في محبّتنا و طاعتنا!

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ذكر- عزّ و جلّ- من يريد بهم الخيرة فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ‏- إلى قوله:- يُؤْتُونَ ما آتَوْا. [قال: من العبادة و الطّاعة.

و في روضة الكافي‏ (2): وهيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا] (3) وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. قال: هي شفاعتهم و رجاؤهم. يخافون أن تردّ عليهم أعمالهم، إن لم يطيعوا اللّه- عزّ ذكره- و يرجون أن يقبل منهم.

و في مجمع البيان‏ (4): وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. و

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: معناه:

خائفة أن لا يقبل منهم.

و في رواية أخرى‏ (5): يؤتي ما آتى، و هو خائف راج.

و في محاسن البرقيّ‏ (6): عنه، عن [الحسن بن عليّ‏] (7) بن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه-: وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ‏ قال: يعملون ما عملوا من عمل، و هم يعلمون أنّهم يثابون عليه.

و روى عثمان بن عيسى‏ (8)، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يعملون و يعلمون أنّهم سيثابون عليه.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 91.

(2) الكافي 8/ 229، ح 294.

(3) لا يوجد في ع و ن.

4 و 5- المجمع 4/ 110.

(6) المحاسن/ 246، ح 256، و ص 247، ح 252.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر/ 247، ح 252.

197

عنه‏ (1)،

عن أبيه، عن ابن سنان، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لو أنّ العباد و صفوا الحقّ و عملوا به، و لم تعقد (2) قلوبهم على‏ (3) أنّه الحقّ، ما انتفعوا به‏ (4).

و في أصول الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن منصور بن يونس، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال: كان فيها الأعاجيب. و كان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف اللّه- عزّ و جلّ- خيفة لو جئته ببرّ الثّقلين، لعذّبك. و ارج اللّه رجاء لو جئته بذنوب الثّقلين، لرحمك.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن حمزة بن حمران قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ ممّا حفظ من خطب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال:

ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين‏ (7): بين أجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع فيه.

و بين أجل قد بقي لا يدري ما اللّه- عزّ و جلّ- قاض فيه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ‏ يقول: هو عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). لم يسبقه أحد (9).

و في شرح الآيات الباهرة (10): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر [عن أبيه‏] (11)- (عليهما السلام)- قال: نزلت في أمير المؤمنين و ولده:

____________

(1) نفس المصدر/ 248- 249، ح 255.

(2) المصدر: لم يعقد.

(3) ليس في المصدر.

(4) من ع. ليس في المصدر أيضا.

(5) الكافي 2/ 67، ح 1.

(6) نفس المصدر/ 70، ح 9.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: المحافتين.

(8) تفسير القمي 2/ 92.

(9) ليس في ع.

(10) تأويل الآيات الباهرة 1/ 353، ح 4.

(11) من المصدر مع المعقوفتين.

198

إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ‏- الآية إلى قوله:- وَ هُمْ لَها سابِقُونَ‏.

وَ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها: قدر طاقتها.

يريد التّحريض على ما وصف به الصّالحين، و تسهيله على النّفوس.

وَ لَدَيْنا كِتابٌ‏ يعني: اللّوح أو صحيفة الأعمال‏ يَنْطِقُ بِالْحَقِ‏: بالصّدق.

لا يوجد فيه ما يخالف الواقع.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب، في مناقب زين العابدين- (عليه السلام)-: و كان إذا دخل شهر رمضان، يكتب على غلمانه ذنوبهم. حتّى إذا كان آخر ليلة، دعاهم. ثمّ أظهر الكتاب و قال: يا فلان، فعلت كذا و كذا، و لم أوذيك. فيقرّون أجمع.

فيقوم وسطهم و يقول لهم: ارفعوا أصواتكم و قولوا: يا عليّ بن الحسين! ربّك قد أحصى عليك ما عملت، كما أحصيت علينا. ولديه كتاب ينطق بالحقّ، لا يغادر صغيرة و لا كبيرة. فاذكر ذلّ مقامك بين يدي ربّك الّذي لا يظلم مثقال ذرّة. وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً (2). فاعف و اصفح، يعف عنك المليك، لقوله‏ (3)- تعالى-: وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ‏. و يبكي و ينوح.

وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (62) بزيادة عقاب أو نقصان ثواب.

بَلْ قُلُوبُهُمْ‏: قلوب الكفرة فِي غَمْرَةٍ: في غفلة غامرة لها مِنْ هذا: من الّذي وصف به هؤلاء. أو: من كتاب الحفظة.

وَ لَهُمْ أَعْمالٌ‏ خبيثة مِنْ دُونِ ذلِكَ‏: متجاوزة لما وصفوا به، أو متخطّية عمّا هم عليه من الشّرك.

هُمْ لَها عامِلُونَ‏ (63): معتادون فعلها.

حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ‏: متنعّميهم‏ بِالْعَذابِ‏، يعني: القتل يوم بدر.

و في جوامع الجامع‏ (4): حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ‏. و العذاب قتلهم يوم بدر، و الجوع حين دعا عليهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر. و اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. فابتلاهم [اللّه‏] (5) بالقحط، حتّى أكلوا

____________

(1) المناقب 4/ 158.

(2) النّساء/ 79.

(3) النّور/ 22.

(4) الجوامع/ 308.

(5) من المصدر.

199

الجيف و الكلاب و العظام المحترقة و القذر (1) و الأولاد.

و في مجمع البيان‏ (2) ذكر نحو الثّاني، و نقله قولا عن الضّحّاك.

و في جوامع الجامع‏ (3): أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ‏ (4) حيث خافوا اللّه، فآمنوا به، و أطاعوه. «و آباءهم» إسماعيل و أعقابه‏ (5).

و عن النّبيّ‏ (6)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تسبّوا مضر، و لا ربيعة، فإنّهما كانا مسلمين. و لا تسبّوا الحارث بن كعب، و لا أسد بن خزيمة، و لا تميم بن عامر (7)، فإنّهم كانوا على الإسلام. و ما شككتم فيه‏ (8) من شي‏ء، فلا تشكّوا في أنّ تبّعا كان مسلما.

إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ‏ (64): فاجئوا الصّراخ بالاستغاثة.

و هو جواب الشّرط. و الجملة مبتد [بعد «حتّى»] (9).

و يجوز أن يكون الجواب: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ‏: فإنّه مقدّر بالقول. أي: قيل لهم: لا تجأروا.

إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ‏ (65):

تعليل للنّهي. أي: لا تجأروا، فإنّه لا ينفعكم، إذ لا تمنعون منّا، أو لا يلحقكم نصر و معونة من جهتنا.

قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏، يعني: القرآن.

فَكُنْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ‏ (66): تعرضون مدبرين عن سماعها و تصديقها و العمل بها.

و النكوص: الرّجوع قهقرى.

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ‏:

قيل‏ (10): الضّمير للبيت. و شهرة استكبارهم و افتخارهم بأنّهم قوّامه، أغنى عن سبق‏

____________

(1) المصدر: القدّ.

(2) المجمع 4/ 112.

(3) الجوامع/ 308.

(4) المؤمنون/ 68.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: و إسحاق و أعقابه.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: تميم بن مر.

(8) المصدر: منه.

(9) ليس في ع.

(10) أنوار التنزيل 2/ 111.

200

ذكره. أو ل «آياتي» فإنّها بمعنى كتابي، و الباء متعلّقة ب «مستكبرين» لانّه بمعنى مكذّبين.

أو لأنّ استكبارهم على المسلمين حدث بسبب استماعه. أو بقوله:

سامِراً، أي: تسمرون بذكر القرآن و الطّعن فيه. و هو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل، كالعاقبة.

و قرئ‏ (1): «سمّرا» جمع سامر.

تَهْجُرُونَ‏ (67):

من الهجر- بالفتح- إمّا بمعنى القطيعة، أو الهذيان. أي: تعرضون عن القرآن. أو:

تهذون في شأنه. أو الهجر- بالضّمّ-: الفحش. و يؤيّد الثّاني قراءة النّافع‏ (2): «تهجرون» من أهجر، بمعنى أفحش.

و قرئ‏ (3): «تهجّرون» على المبالغة.

أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ‏- أي: القرآن- ليعلموا أنّه الحقّ من ربّهم بإعجاز لفظه و وضوح مدلوله.

أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ‏ (68) من الرّسول و الكتاب- أو من الأمن من عذاب اللّه- فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون- كإسماعيل و أعقابه- فآمنوا به و بكتبه و رسله و أطاعوه.

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ‏ بالأمانة و الصّدق و حسن الخلق و كمال العلم مع عدم التّعلّم، إلى غير ذلك ممّا هو من صفة الأنبياء.

فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏ (69) دعواه لأحد هذه الوجوه، إذ لا وجه له غيرها. فإنّ إنكار الشّي‏ء، قطعا أو ظنّا، إنّما يتّجه إذا ظهر امتناعه بحسب النّوع أو الشّخص أو بحث عمّا يدلّ عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد.

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ فلا يبالون بقوله، و كانوا يعلمون أنّه أرجحهم عقلا، و أتقنهم نظرا.

بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ‏ (70). لأنّه يخالف شهواتهم و أهواءهم، فلذلك أنكروه.

و إنّما قيّد الحكم بالأكثر، لأنّه كان منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه،

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

201

أو لقلّة فطنته و عدم فكره، لا لكراهة الحقّ.

وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ‏ بأن كان في الواقع آلهة شتّى‏ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَ‏:

كما سبق تقريره في قوله‏ (1): لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.

و قيل‏ (2): لو اتّبع الحقّ أهواءهم و انقلب باطلا، لذهب ما قام به العالم فلا يبقى. أو:

لو اتّبع الحقّ الّذي جاء به محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أهواءهم [و انقلب شركا، لجاء اللّه بالقيامة و أهلك العالم من فرط غضبه. أو: لو اتّبع اللّه أهواءهم‏] (3) بأن أنزل ما يشتهونه من الشّرك و المعاصي، لخرج عن الألوهيّة، و لم يقدر أن يمسك السّموات و الأرض. [و هو على أصل المعتزلة.] (4) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَ‏. قال: الحقّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام).

بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ‏: بالكتاب الّذي هو ذكرهم، أي: وعظهم، أوصيتهم.

أو الذّكر الّذي تمنّوه بقولهم: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ‏ (6).

و قرئ‏ (7): «بذكراهم».

فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ‏ (71) لا يلتفتون إليه.

أَمْ تَسْأَلُهُمْ‏:

قيل‏ (8): إنّه قسيم قوله: «أم به جنّة».

خَرْجاً: أجرا على أداء الرّسالة.

فَخَراجُ رَبِّكَ‏: رزقه في الدّنيا. أو: ثوابه في الآخرة خَيْرٌ لسعته و دوامه.

ففيه مندوحة لك عن عطائهم.

و الخرج بإزاء الدّخل، يقال لكلّ ما تخرجه إلى غيرك. و الخراج غالب في الضّريبة على الأرض. ففيه إشعار بالكثرة و اللّزوم، فيكون أبلغ. و لذلك عبّر به عن عطاء

____________

(1) الأنبياء/ 22.

(2) أنوار التنزيل 2/ 111.

(3) لا يوجد في ع، س، أ.

(4) من ع.

(5) تفسير القمّي 2/ 92.

(6) الصّافّات/ 168.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 111.

202

اللّه إيّاه.

و قرأ (1) ابن عامر: «خرجا فخرج ربّك». و حمزة و الكسائيّ: «خراجا فخراج» للمزاوجة.

وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ (72):

تقرير لخيريّة خراجه.

وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (73) تشهد العقول السّليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتّهامهم له. و اعلم أنّه- سبحانه- ألزمهم الحجّة، و أزاح العلّة في هذه الآيات، بأن حصر أقسام ما يؤدّي إلى الإنكار و الاتّهام، و بيّن انتفاءها عدا كراهة الحقّ و قلّة الفطنة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ يقول: أم تسألهم أجرا، فأجر ربّك خير (3). و قوله: وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (4) قال: إلى ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في أمالي شيخ الطّائفة (5) بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: من أحبّك لدينك، و أخذ بسبيلك، فهو ممّن يهدى إلى صراط مستقيم. و من رغب عن هواك، و أبغضك و انجلاك، لقي اللّه يوم القيامة لا خلاق له.

وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ السّويّ‏ لَناكِبُونَ‏ (74):

لعادلون عنه، فإنّ خوف الآخرة أقوى البواعث‏ (6) على طلب الحقّ و سلوك طريقه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال: وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ‏. قال: عن الإمام لحائدون‏ (8).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 2/ 94، 92.

(3) ليس في ن.

(4) ليس في أ.

(5) لم نجده في المصدر، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 548، ح 96.

(6) ع و أ: لأقوى على ....

(7) تفسير القميّ 2/ 92- 93.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لحادون.

203

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن عبد اللّه‏ (2) بن عبد الرّحمن، عن الهيثم بن واقد، عن مقرن‏ (3) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ (4): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لو شاء، لعرّف العباد نفسه، و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله، و الوجه الّذي يؤتى منه. فمن عدل عن ولايتنا، أو فضّل علينا غيرنا، فإنّهم عن الصّراط لناكبون.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (5) خطبة مسندة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، يقول فيها- (عليه السلام)- و قد ذكر الأشقيين: يقول لقرينه إذا التقيا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ‏ (6). فيجيبه الأشقى على رثوثة: يا ليتني لم أتّخذك خليلا لَقَدْ أَضَلَّنِي‏ (7) عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (8).

فأنا الذّكر الّذي عنه ضلّ، و السّبيل الّذي عنه مال، و الإيمان الّذي به كفر، و القرآن الّذي إيّاه هجر، و الدّين الّذي به كذّب و الصّراط الّذي عنه نكب!

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن الفضيل‏ (10) الأهوازيّ، عن بكر بن محمّد بن إبراهيم غلام الخليل قال: حدّثنا زيد بن موسى، عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه عليّ بن طالب- (عليهم السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ‏ قال: عن ولايتنا [أهل البيت.

و عنه أيضا قال‏ (11): حدّثنا عليّ بن العبّاس، عن جعفر الرّيّانيّ‏ (12)، عن الحسين بن‏

____________

(1) الكافي 1/ 184، ح 9.

(2) س و أ: عبيد اللّه.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 262. و في النسخ: صفوان.

(4) ليس في ن.

(5) الكافي 8/ 27- 28، ح 4.

(6) الزّخرف/ 38.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أضلّني.

(8) العبارة مأخوذة من الآيتين 28 و 29 من سورة الفرقان.

(9) تأويل الآيات الباهرة 1/ 354- 355، ح 6.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الفضيل.

(11) نفس المصدر 1/ 355، ح 7.

(12) المصدر: الرمّاني.

204

علوان‏ (1)، عن سعد بن طريف‏ (2)، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ‏ قال: عن ولايتنا] (3).

وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ- يعني: القحط- لَلَجُّوا:

لثبتوا- و اللّجاج: التّمادي في الشّي‏ء- فِي طُغْيانِهِمْ‏: إفراطهم في الكفر و الاستكبار عن الحقّ و عداوة الرّسول و المؤمنين‏ يَعْمَهُونَ‏ (75) عن الهدى.

و

في جوامع الجامع‏ (4): وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏. و لمّا أسلم ثمامة بن أثال الحنفيّ، و لحق باليمامة، و منع الميرة من أهل مكّة، و أخذهم اللّه بالسّنين حتّى أكلوا العلهز- و هو دم القراد مع الصّوف- جاء أبو سفيان بن حرب إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: أنشدك اللّه و الرّحم، أ لست تزعم أنّك بعثت رحمة للعالمين!؟ فقال: بلى. فقال له: قتلت الآباء بالسّيف، و الأبناء بالجوع.

وَ لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ‏: يعني: القتل يوم بدر.

فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ‏ (76)، بل أقاموا على عتوّهم و استكبارهم.

و استكان: استفعل من الكون، لأنّ المفتقر انتقل من كون إلى كون. أو أفتعل من السّكون أشبعت فتحته. و ليس من عادتهم التّضرّع. و هو استشهاد على ما قبله.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ‏. فقال: الاستكانة هو الخضوع. و التّضرّع رفع اليدين، و التّضرّع بهما.

[محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: حسن بن حسين بن علوان.

(2) ع و س: ظريف.

(3) ليس في أ.

(4) الجوامع/ 309.

(5) الكافي 2/ 479- 480، ح 2.

(6) نفس المصدر 481، ح 6.

205

مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ‏. قال: الاستكانة هي الخضوع. و التّضرع رفع اليدين و التّضرع بهما.] (1)

و في مجمع البيان‏ (2): و روي عن مقاتل بن حيّان، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رفع الأيدي من الاستكانة.

[قلت: و ما الاستكانة؟] (3) قال: ألا تقرأ هذه الآية: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ‏!؟ أورده الثّعلبيّ و الواحديّ في تفسيريهما.

و قال أبو عبد اللّه‏ (4)- (عليه السلام)-: الاستكانة الدّعاء. و التّضرّع رفع اليدين‏ (5) في الصّلاة.

حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ:

قيل‏ (6): يعني الجوع، فإنّه أشدّ من الأسر و القتل.

و في مجمع البيان‏ (7): و ذلك حين دعا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليهم، فقال:

اللّهم [اجعلها عليهم‏] (8) سنين كسني‏ (9) يوسف. فجاعوا، حتّى أكلوا العلهز. و هو الوبر بالدّم.

و قال أبو جعفر (10): هو في الرّجعة.

و قيل‏ (11): هو القتل يوم بدر.

و قيل‏ (12): فتحنا عليهم بابا من عذاب جهنّم في الآخرة.

و قيل‏ (13): ذلك حين فتح مكّة.

إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ‏ (77): متحيّرون آيسون من كلّ خير، حتّى جاءك أعتاهم يستعطفك.

____________

(1) لا يوجد في أ.

(2) لم نعثر عليه في المجمع، و لكن رواه نور الثقلين 3/ 550، ح 103.

(3) ليس في ن.

(4) المجمع 4/ 113.

(5) المصدر: اليد.

(6) أنوار التنزيل 2/ 112.

(7) المجمع 4/ 114.

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: كسنين.

10، 11، 12، 13- نفس المصدر و الموضع.

206

وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ لتحسّوا بها ما نصب من الآيات‏ وَ الْأَفْئِدَةَ لتتفكّروا فيها، و تستدلّوا بها، إلى غير ذلك من المنافع الدّينيّة [و الدنيويّة] (1).

قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ (78): تشكرونها شكرا قليلا، لأنّ العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجلها، و الإذعان لمانحها من غير إشراك.

و «ما» صلة للتّأكيد.

و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام)-: اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، و يتكلّم بلحم، و يسمع بعظم، و يتنفّس من خرم.

وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ‏ [خلقكم‏] (3) و بثّكم فيها بالتّناسل.

وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏ (79): تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم.

وَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ و مختصّ به تعاقبهما، لا يقدر عليه غيره. فيكون ردّا لنسبته إلى الشّمس حقيقة. أو: لأمره و قضائه تعاقبهما، أو انتقاص أحدهما و ازدياد الآخر.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (80) بالنّظر و التّأمّل أنّ الكلّ منّا، و أنّ قدرتنا تعمّ الممكنات كلّها، و أنّ البعث من جملتها!؟

و قرئ‏ (4) بالياء، على أنّ الخطاب السّابق لتغليب المؤمنين.

بَلْ قالُوا- أي: كفّار مكّة- مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ‏ (81): آباؤهم و من دان بدينهم.

قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏ (82) استبعادا. و لم يتأمّلوا أنّهم كانوا قبل ذلك أيضا ترابا فخلقوا.

لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَ آباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ (83): إلّا أكاذيبهم الّتي كتبوها. جمع أسطورة، لأنّه يستعمل فيما يتلهّى به، كالأعاجيب و الأضاحيك.

و قيل‏ (5): جمع أسطار (6) جمع سطر.

____________

(1) من أنوار التنزيل 2/ 112.

(2) النهج/ 470، الحكمة 8.

(3) من أنوار التنزيل 2/ 112.

(4) أنوار التنزيل 2/ 112.

(5) أنوار التنزيل 2/ 113.

(6) ليس في م.

207

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (84): إن كنتم من أهل العلم، أو من العالمين بذلك.

فيكون استهانة بهم و تقريرا لفرط جبالتهم، حتّى جهلوا مثل هذا الجبلي الواضح.

و إلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره. و لذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا، فقال:

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ‏:

لأنّ العقل الصّريح قد اضطرّهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنّه خالقها.

قُلْ‏- أي بعد ما قالوه-: أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (85) فتعلمون أنّ من قد فطر الأرض و من فيها ابتداء، قدر على إيجادها ثانيا!؟ فإنّ بدء الخلق ليس أهون من إعادته.

و قرئ‏ (1): «تتذكّرون» على الأصل.

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ (86) فإنّها أعظم من ذلك.

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ‏:

قرأ (2) أبو عمرو و يعقوب بغير لام فيه و فيما بعده، على ما يقتضيه لفظ السّؤال.

قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ‏ (87) عقابه، فلا تشركوا به بعض مخلوقاته، و لا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته!؟

قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: ملكه غاية ما يمكن.

و قيل‏ (3): خزائنه.

وَ هُوَ يُجِيرُ: يغيث من يشاء و يحرسه.

وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ‏: و لا يغاث عليه أحد، و لا يمنع منه.

و تعديته ب «على» لتضمين معنى النّصرة.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (88).

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏ (89): فمن أين تخدعون، فتصرفون عن الرّشد مع ظهور الأمر و تظاهر الأدلّة!؟

بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِ‏ من التّوحيد و الوعد بالنّشور.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 113.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 113.

208

وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ (90) حيث أنكروا ذلك.

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ لتقدّسه عن مماثلة أحد.

وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ‏ يساهمه في الألوهيّة.

إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏:

جواب محاجّتهم. و جزاء شرط حذف، لدلالة ما قبله عليه. أي: لو كان معه آلهة كما تقولون، لذهب كلّ واحد منهم بما خلقه، و استبدّ به، و امتاز ملكه من ملك الآخرين، و وقع بينهم التّحارب و التّغالب، كما هو حال ملوك الدّنيا. فلم يكن بيده وحده ملكوت كلّ شي‏ء. و اللازم باطل بالإجماع و الاستقراء. و قيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب واحد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثمّ ردّ اللّه- عزّ و جلّ- على الثّنويّة الّذين قالوا بإلهين. فقال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏. قال: لو كانا (2) إلهين كما زعمتم، [لكانا يختلفان، فيخلق هذا و لا يخلق هذا، و يريد هذا و لا يريد هذا و يطلب‏] (3) لطلب كلّ واحد منهما العلوّ (4). و إذا شاء واحد أن يخلق إنسانا، شاء الآخر أن يخالفه فيخلق بهيمة، فيكون [الخلق منهما على مشيئتهما و اختلاف إرادتها] (5) إنسانا و بهيمة في حالة واحدة. فهذا [من أعظم المحال‏] (6) غير موجود. و إذا بطل هذا، و لم يكن بينهما اختلاف، بطل الاثنان و كان واحدا (7). فهذا التّدبير و اتّصاله و قوام بعضه ببعض، يدلّ على صانع واحد (8). و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏. [و قوله‏ (9): لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا] (10).

و في كتاب التّوحيد (11) بإسناده إلى الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن- عليه‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 93.

(2) المصدر: كان.

(3) من المصدر. و في النسخ: «لطلب» بدل هذه العبارة.

(4) المصدر: الغلبة.

5 و 6- ليس في المصدر.

(7) المصدر: و إذا بطل هذا، ثبت التدبير و الصنع لواحد.

(8) المصدر: و دلّ أيضا التدبير و ثباته و قوام بعضه ببعض على أنّ الصانع واحد.

(9) الأنبياء/ 22.

(10) ليس في المصدر.

(11) التوحيد/ 65، ح 18.

209

السّلام- حديث طويل، و في آخره.

قلت: جعلت فداك، بقيت مسألة. قال: هات، للّه أبوك.

قلت: يعلم القديم ما لم يكن أن لو كان، كيف كان يكون؟ قال: ويحك، إنّ مسائلك لصعبة. أما سمعت اللّه يقول‏ (1): لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا!؟ و قوله:

وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏. و قال‏ (2)- يحكي قول أهل النّار-: أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏، و قال‏ (3): وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏. فقد علم الشّي‏ء الّذي لم يكن أن لو كان، كيف كان يكون.

سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ‏ (91) من الولد و الشّريك، لما سبق من الدّليل على فساده.

عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ:

خبر مبتدأ محذوف. و قد جرّه‏ (4) ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو و يعقوب و حفص على الصّفة. و هو دليل آخر على نفي الشّريك، بناء على توافقهم في أنّه المتفرّد بذلك.

و لهذا رتّب عليه: فَتَعالى‏ اللَّه‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (92) بالفاء.

و في كتاب معاني الأخبار (5) بإسناده إلى ثعلبة بن ميمون، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ. فقال:

الغيب ما لم يكن. و الشّهادة ما قد كان.

قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي‏: إن كان لا بدّ من أن ترينّي. لأنّ «ما» و النّون للتّأكيد.

ما يُوعَدُونَ‏ (93) من العذاب في الدّنيا و الآخرة.

و في مجمع البيان‏ (6): و روى الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عبّاس و جابر بن عبد اللّه، أنهما سمعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول في حجّة الوداع- و هو بمنى-: لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض! و ايم اللّه، لئن فعلتموها، لتعرفوني‏ (7) في كتيبة يضاربونكم. قال: فغمز من خلفه منكبه الأيسر.

____________

(1) الأنبياء/ 22.

(2) فاطر/ 37.

(3) الأنعام/ 28.

(4) أنوار التنزيل 2/ 113.

(5) معاني الأخبار/ 146، ح 1.

(6) مجمع البيان 4/ 117. شواهد التنزيل 1/ 403، ح 559.

(7) المصدر: لتعرفنّي.

210

فالتفت، فقال: أو عليّ. فنزل: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي‏ (الآيات).

و في شرح الآيات الباهرة (1) روي هذا الخبر عن محمّد بن العبّاس بأدنى تغيير.

رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (94): قرينا لهم في العذاب.

و هو إمّا لهضم النّفس، أو لأنّ شؤم الظّلمة قد يحيق بمن وراءهم، كقوله‏ (2): وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً.

عن الحسن‏ (3): انّ اللّه- تعالى- أخبر نبيّه أنّ له في أمّته نقمة، و لم يطلعه على وقتها. فأمره بهذا الدّعاء و تكرير النّداء.

و تصدير كلّ واحد من الشّرط و الجزاء به، فضل تضرّع و جؤار.

وَ إِنَّا عَلى‏ أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ‏ (95)، لكنّا نؤخّره علما بأنّ بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون. أو: لأنّا لا نعذّبهم و أنت فيهم.

و لعلّه ردّ لإنكارهم الموعود و استعجالهم له استهزاء.

و قيل‏ (4): قد أراه، و هو قتل بدر، أو فتح مكّة.

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ:

و هو الصّفح عنها و الإحسان في مقابلتها، لكن بحيث لم يؤدّ إلى و هن في الدّين.

و قيل‏ (5): هي كلمة التّوحيد. و «السّيّئة» الشّرك.

و قيل‏ (6): هو الأمر بالمعروف. و «السّيّئة» المنكر. و هو أبلغ من «ادفع بالحسنة السّيّئة» لما فيه من التّنصيص على التّفضيل.

و في الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: بعث أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى بشير (8) بن عطارد (9) التّيميّ‏ (10) في كلام بلغه. فمرّ به رسول أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في بني أسد، و أخذه. فقام نعيم بن دجاجة الأسديّ‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 1/ 355، ح 8. و نقله في الهامش عن تفسير فرات/ 102.

(2) الأنفال/ 25.

(3) أنوار التنزيل 2/ 114.

4 و 5 و 6- نفس المصدر و الصفحة.

(7) الكافي 7/ 268، ح 40.

(8) المصدر: بشر.

(9) م: عطار. ن: عطاء.

(10) المصدر: التميمي.

211

فأفلته‏ (1).

فبعث إليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، فأتوه به و أمر به أن يضرب. فقال له نعيم:

أما و اللّه إنّ المقام معك لذلّ. و إنّ فراقك لكفر. قال: فلمّا سمع ذلك منه قال له: [يا نعيم‏] (2) قد عفونا عنك. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ. أمّا قولك: «إن المقام معك لذلّ»، فسيّئة اكتسبتها. و أمّا قولك: «و إن فراقك لكفر»، فحسنة اكتسبتها. فهذه بهذه اثم أمر أن يخلّى عنه.

و في محاسن البرقيّ‏ (3): عنه، عن أبيه، عن حمّاد، بن عيسى، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ قال: الّتي هي أحسن، التّقيّة. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‏ (4).

نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ‏ (96)، أي: منك بما يصفونك- أو: بوصفهم إيّاك على خلاف حالك- و أقدر على جزائهم، فكلّ إلينا أمرهم.

وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏ (97): وساوسهم.

و أصل الهمز: النّخس. و منه: مهماز الرّائض. شبّه حثّهم النّاس على المعاصي، بهمز الرّاضة الدّوابّ على المشي. و الجمع للمرّات، أو لتنوّع الوسوس، أو لتعدّد المضاف إليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله: وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏.

قال: ما يقع في قلبك من وسوسة الشّياطين.

وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‏ (98): يحوموا حولي في شي‏ء من الأحوال.

و تخصيص حال الصّلاة و قراءة القرآن و حلول الأجل، لأنّها أحرى الأحوال بأن يخاف عليه.

حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ‏:

متعلّق ب «يصفون». و ما بينهما اعتراض، لتأكيد الإغضاء بالاستعاذة باللّه عن الشّيطان أن يزلّه عن الحلم، و يغريه على الانتقام. أو بقوله: إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏.

____________

(1) أي: خلّصه.

(2) من المصدر.

(3) المحاسن/ 257، ح 297.

(4) فصّلت/ 34.

(5) تفسير القمي 2/ 93.

212

قالَ‏ تحسّرا على ما فرط فيه من الإيمان و الطّاعة، لمّا اطّلع على الأمر:

رَبِّ ارْجِعُونِ‏ (99): ردّوني إلى الدّنيا.

و الواو لتعظيم المخاطب.

و قيل‏ (1): لتكرير قوله «ارجعني»، كما قيل في قفا و أطرقا.

لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ‏: في الإيمان الّذي تركته. أي: لعلّي آتي بالإيمان و أعمل فيه.

و قيل‏ (2): في المال، أو في الدّنيا.

و عنه‏ (3)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: أ نرجعك إلى الدّنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم و الأحزان؟! بل قدوما إلى اللّه. و أمّا الكافر، فيقول: رَبِّ ارْجِعُونِ‏.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (4): و ذكر أحمد بن أبي عبد اللّه أنّ في رواية أبي بصير، قال:

سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: من منع الزّكاة، سأل الرّجعة عند الموت. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ‏.

و في الكافي‏ (5): يونس، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من منع قيراطا من الزّكاة، فليس بمؤمن و لا مسلم. و هو قوله تعالى:

رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ‏.

كَلَّا:

ردع عن طلب الرّجعة، و استبعاد لها.

إِنَّها كَلِمَةٌ:

يعني قوله‏ رَبِّ ارْجِعُونِ‏ إلى آخره. و الكلمة، الطّائفة من الكلام المنتظم‏ (6) بعضها مع بعض.

هُوَ قائِلُها لا محالة، لتسلّط الحسرة عليه.

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 114.

(4) ثواب الاعمال/ 280، ح 5.

(5) الكافي 3/ 503، ح 3.

(6) ليس في أ.

213

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1)، في وصيّة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا عليّ، تارك الزّكاة يسأل الرّجعة إلى الدّنيا. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ‏ (الآية).

و في أمالي الصّدوق‏ (2)- (رحمه اللّه)- عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إذا مات الكافر، شيّعة سبعون ألفا من الزّبانية إلى قبره.

و أنّه ليناشد حامليه بصوت يسمعه كلّ شي‏ء إلّا الثّقلان، و يقول: لو أنّ لي كرّة فأكون من المؤمنين‏ (3). و يقول: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ‏. فتجيبه الزّبانية:

كلّا إنّها كلمة أنت‏ (4) قائلها.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى العيّاشي بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ، قال: قلت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: جعلت فداك، أ يعرف القديم- سبحانه- الشّي‏ء الّذي لم يكن، أن لو كان كيف كان يكون؟

قال: ويحك، إنّ مسألتك لصعبة. أما قرأت قوله- عزّ و جلّ- إلى قوله:- و قال- يحكي قول الأشقياء-: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [و قال‏ (6): وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏] (7). فقد علم الشّي‏ء الّذي لم يكن أن لو كان، كيف كان يكون.

وَ مِنْ وَرائِهِمْ‏: أمامهم- و الضّمير للجماعة- بَرْزَخٌ‏: حائل بينهم و بين الرّجعة إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ (100): يوم القيامة.

و هو إقناط كلّيّ عن الرّجوع إلى الدّنيا، لما علم أنّه لا رجعة يوم البعث إلى الدّنيا، و إنّما الرّجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏

____________

(1) الفقيه 4/ 266، ح 823.

(2) أمالي الصدوق/ 239، المجلس 48، ح 12.

(3) حكى- سبحانه- هذا المضمون عن الكافر في كتابه المجيد، فقال في موضع: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (الشعراء/ 102). و في موضع آخر: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ (الزمر/ 58)

(4) س، أ، ن: هو.

(5) مجمع البيان 4/ 117- 118.

(6) الأنعام/ 28.

(7) من المصدر.

(8) تفسير القمي 2/ 93- 94.

214

. قال: البرزخ هو أمر بين أمرين. و هو الثّواب و العقاب بين الدّنيا و الآخرة.

[و هو ردّ على من أنكر عذاب القبر و الثواب و العقاب قبل القيامة]. (1) و هو

قول الصّادق- (عليه السلام)-: «و اللّه ما أخاف عليكم إلّا البرزخ. و أمّا إذا صار الأمر إلينا، فنحن أولى بكم.

و قال عليّ بن الحسين‏ (2)- (عليهما السلام)-: إنّ القبر إمّا روضة من رياض الجنّة، و إمّا حفرة من حفر النّار (3).

و فيه أيضا (4): و قوله: وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏. فقال‏ (5) الصادق- (عليه السلام)-: البرزخ، القبر. و هو الثّواب و العقاب بين الدّنيا و الآخرة. و الدّليل على ذلك، قول العالم- (عليه السلام)-: و اللّه ما نخاف عليكم إلّا البرزخ.

و في كتاب الخصال‏ (6) عن الزّهريّ قال: قال عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)-: أشدّ ساعات ابن آدم، ثلاث ساعات: السّاعة الّتي يعاين فيها ملك الموت، و السّاعة الّتي يقوم فيها من قبره، و السّاعة الّتي يقوم‏ (7) فيها بين يدي اللّه، فإمّا إلى الجنّة و إمّا إلى النّار.

ثمّ قال: إن نجوت- يا ابن آدم!- عند الموت، فأنت أنت، و إلّا هلكت. و إن نجوت- يا ابن آدم!- حين توضع في قبرك، فأنت أنت، و إلّا هلكت. و إن نجوت حين تحمل‏ (8) على الصراط، فأنت أنت، و إلّا هلكت. و إن نجوت- يا ابن آدم!- حين تقوم‏ (9) لربّ العالمين، فأنت أنت، و إلّا هلكت.

ثمّ تلا: وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏. و قال: هو القبر، و إنّ لهم فيه لمعيشة ضنكا. و اللّه، إنّ القبر لروضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النّار.

و في الكافي‏ (10): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد، عن‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ن: النيران.

(4) نفس المصدر/ 19- 20.

(5) ن: و قال.

(6) الخصال/ 119- 120، ح 108. و الحديث طويل.

(7) المصدر: يقف.

(8) المصدر: يحمل الناس.

(9) المصدر: يقوم الناس.

(10) الكافي 3/ 242، ح 3.

215

عبد الرّحمن بن حمّاد، عن عمر (1) بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّي سمعتك و أنت تقول: كلّ شيعتنا في الجنّة على ما كان فيهم. قال: صدقتك. كلّهم- و اللّه!- في الجنّة.

قال: قلت: جعلت فداك، إنّ الذّنوب كثيرة كبار! فقال: أمّا في القيامة، فكلّكم في الجنّة، بشفاعة النّبيّ المطاع، أو وصيّ النّبيّ. و لكنّي و اللّه أتخوّف عليكم في البرزخ.

[قلت: و ما البرزخ؟ فقال: القبر، منذ حين موته إلى يوم القيامة.

و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام)-: سلكوا في بطون البرزخ‏] (3) سبيلا سلّطت الأرض عليهم فيه. فأكلت من لحومهم و شربت من دمائهم. فأصبحوا في فجوات‏ (4) قبورهم جمادا لا ينمون‏ (5)، و ضمارا (6) لا يوجدون. لا يفزعهم ورود الأهوال. و لا يحزنهم تنكّر الأحوال.

و لا يحفلون‏ (7) بالرّواجف‏ (8)، و لا يأذنون‏ (9) للقواصف‏ (10). غيّبا لا ينتظرون و شهودا لا يحضرون.

و إنّما كانوا جميعا، فتشتّتوا، و آلافا (11) فافترقوا. و ما عن طول عهدهم و لا بعد محلّهم عميت أخبارهم و صمّت ديارهم، و لكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا، و بالسّمع صمما، و بالحركات سكونا.

____________

(1) المصدر: عمرو.

(2) نهج البلاغة/ 339، الخطبة 221.

(3) ليس في أ.

(4) قوله- (عليه السلام)-: «في فجوات» هي جمع فجوة، و هي الفرجة المتّسعة بين الشيئين. «و جمادا لا ينمون» قال الشارح المعتزلي: أي: خرجوا عن صورة الحيوانيّة إلى صورة الجماد الّذي لا ينمو و لا يزيد. و يروى: «لا ينمّون»- بتشديد الميم- من النميمة، و هي: الهمس و الحركة. و منه قولهم:

«أسكت اللّه نامّته» في قول من شدّد و لم يهمّز.

(5) في هامش نسخة «م»:

قوله- (عليه السلام)- جمادا لا ينمون لعلّ فيه إشارة إلى أنّ جسد الإنسان حين صيرورته ترابا لا يستحيل كسائر التّراب نباتا و شجرا و ثمرا بل كبرادة الذّهب يبقى كما له مختلطا بسائر التّراب إلى أن يتميّز بينهما الماء- مثلا- إذ قذف التّراب في طست فيه ماء فإنّ التّراب يختلط بالماء و يرتفع و تبقى البرادة راسبة بسماكته و من ذلك يتّجه أحد الأجوبة لشبهة الأكل و المأكول في الميعاد. ص‏

(6) الضّمار: المال لا يرجى رجوعه.

(7) أي: لا يبالون.

(8) الرّواجف: جمع راجفة: الزّلزلة توجب الاضطراب.

(9) أي: يستمعون. و المصدر منه: الأذن- بالتحريك.

(10) القواصف: من: قصف الرعد: اشتدّت قصفته.

(11) آلاف: جمع أليف، أي: مؤتلف مع غيره.

216

فكأنّهم في ارتجال الصّفة (1) صرعى سبات، جيران لا يتأنّسون‏ (2)، و أحباء لا يتزاورون. بليت‏ (3) بينهم عرى التّعارف. و انقطعت منهم أسباب الإخاء فكلّهم وحيد و هم جميع، و بجانب الهجر، و هم أخلّاء. لا يتعارفون لليل صباحا (4) و لا لنهار مساء. أيّ الجديدين‏ (5) ظعنوا فيه، كان عليهم سرمدا.

شاهدوا من أخطار دارهم أفزع‏ (6) ممّا خافوا. و رأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا. فكلتا الغايتين‏ (7) مدّت لهم إلى مباءة (8)، فأتت مبالغ الخوف و الرّجاء. فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا (9) بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا.

و في الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن خالد بن عمارة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إذا حيل بينه و بين الكلام، أتاه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و من شاء اللّه‏ (11). فجلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن يمينه، و الآخر عن يساره. فيقول له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أمّا ما كنت ترجو، فهو ذا أمامك. و أمّا ما كنت تخاف منه، فقد أمنت منه.

ثمّ يفتح له باب إلى الجنّة. فيقول: هذا منزلك من الجنّة. فإن شئت رددناك إلى الدّنيا، و لك فيها ذهب و فضّة. فيقول: لا حاجة في الدّنيا.

فعند ذلك يبيضّ لونه و يرشح جبينه، و تقلّص شفتاه، و ينتشر (12) منخراه، و تدمع عينه اليسرى. فأيّ هذه العاملات رأيت، فاكتف بها.

فإذا خرجت النّفس من الجسد، فيعرض عليها كما عرض عليه، و هي في الجسد، فتختار الآخرة. فيغسّله فيمن يغسّله [و يقلّبه فيمن يقلّبه‏] (13).

____________

(1) أي: وصف الحال بلا تأمّل.

(2) م: لا يستأنسون.

(3) أي: رثّت و فنيت.

(4) ليس في م.

(5) الجديدان: الليل و النّهار.

(6) المصدر: أفظع.

(7) يريد بالغايتين هنا: الجنّة و النّار.

(8) المباءة: مكان التّبوّء و الاستقرار، و المراد منها: ما يرجعون إليه في الآخرة.

(9) أي: لعجزوا.

(10) الكافي 3/ 129- 130، ح 2.

(11) كنّى بمن شاء اللّه عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و إنّما لم يصرّح به، كتمانا على المخالفين المنكرين.

(12) المصدر: تنتشر.

(13) ليس في س، أ.

217

فإذا أدرج في أكفانه، و وضع على سريره، خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدما، و تلقّاه أرواح المؤمنين، يسلّمون عليه و يبشّرونه بما أعدّ اللّه له- جلّ ثناؤه- من النّعيم.

فإذا وضع في قبره، ردّ إليه الرّوح إلى وركيه. ثمّ يسال عمّا يعلم. فإذا جاء بما يعلم، فتح له ذلك الباب الّذي أراه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيدخل عليه من نورها [وضوئها] (1) و بردها و طيب ريحها.

قال: قلت: جعلت فداك، فأين ضغطة القبر؟ فقال: هيهات، ما على المؤمنين [منها] (2) شي‏ء. و اللّه إنّ هذه الأرض لتفخر على هذه، فتقول: وطئ على ظهري مؤمن، و لم يطأ على ظهرك مؤمن. و تقول له الأرض: و اللّه لقد كنت أحبّك و أنت تمشي على ظهري. و أمّا إذا وليتك، فستعلم ما ذا أصنع بك. فيفسح له مدّ بصره.

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبديّ، عن ابن أبي يعفور قال: كان خطّاب الجهنيّ خليطا لنا، و كان شديد النّصب لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم). و كان يصحب نجدة الحروريّ‏ (4).

قال: فدخلت عليه، أعوده للخلطة و التّقيّة. فإذا هو مغمى عليه في حدّ الموت، فسمعته يقول: ما لي و لك يا عليّ!؟ فأخبرت بذلك أبا عبد اللّه- (عليه السلام). فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: رآه، و ربّ الكعبة! رآه، و ربّ الكعبة!

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت: لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أ رأيت الميّت إذا مات، لم تجعل معه الجريدة؟

قال: يتجافى عنه العذاب و الحساب، ما دام العود رطبا.

قال: و العذاب كلّه في يوم واحد، في ساعة واحدة، قدر ما يدخل القبر و يرجع القوم.

و إنّما جعلت السّعفتان لذلك، فلا يصيبه عذاب و لا حساب بعد جفوفهما- إن شاء اللّه.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن محمّد بن الحسين، عن عبد الرّحمن بن أبي هاشم، عن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما من موضع قبر، إلّا و هو ينطق كلّ يوم، ثلاث‏

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) الكافي 3/ 133- 134، ح 9.

(4) الحروريّة: طائفة من الخوارج منسوبة إلى حروراء، و هي قرية بالكوفة رئيسهم نجدة.

(5) الكافي 3/ 152، ح 4.

(6) الكافي 3/ 241- 242، ح 1.

218

مرّات: أنا بيت التّراب، أنا بيت البلاء، أنا بيت الدّود.

قال: فإذا دخله عبد مؤمن، قال: مرحبا و أهلا! أما و اللّه لقد كنت أحبّك، و أنت تمشي على ظهري. فكيف إذا دخلت بطني!؟ فسترى ذلك. قال: فيفسح له مدّ البصر، و يفتح له باب يرى مقعده من الجنّة.

قال: و يخرج من ذلك رجل، لم تر عيناه شيئا [قطّ] (1) أحسن منه. فيقول: يا عبد اللّه! ما رأيت شيئا قطّ أحسن منك. فيقول: أنا رأيك الحسن الّذي كنت عليه، و عملك الصّالح الّذي كنت تعمله.

قال: ثمّ تؤخذ روحه فتوضع في الجنّة، حيث رأى منزله. ثمّ يقال له: نم قرير العين! فلا تزال نفخة من الجنّة تصيب جسده‏ (2) و يجد لذّتها و طيبها، حتّى يبعث.

قال: و إذا دخل الكافر، قال له: لا مرحبا بك و لا أهلا! أما و اللّه لقد كنت أبغضك و أنت تمشي على ظهري. فكيف إذا دخلت بطني!؟ سترى ذلك.

قال: فيضمّ عليه فيجعله رميما، و يعاد (3) كما كان. و يفتح له باب إلى النّار، فيرى مقعده من النّار.

ثمّ قال: ثمّ إنّه يخرج منه رجل أقبح من رأى قطّ. قال: فيقول له: يا عبد اللّه! من أنت؟ ما رأيت شيئا أقبح منك! قال: فيقول: أنا عملك السّيّئ الّذين كنت تعمله، و رأيك الخبيث.

قال: ثمّ تؤخذ روحه فتوضع حيث رأى مقعده من النّار. ثمّ لم تزل نفخة من النّار تصيب جسده، فيجد ألمها و حرّها في جسده إلى يوم يبعث. و يسلّط اللّه على روحه تسعة و تسعين تنّينا تنهشه، ليس فيها تنّين ينفخ على وجه الأرض، فتنبت شيئا.

عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن عليّ، عن غالب بن عثمان، عن بشير الدّهّان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ للقبر كلاما في كلّ يوم. يقول:

أنا بيت الغربة! أنا بيت الوحشة! أنا بيت الدّود! أنا القبر! أنا روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النّار (5)!

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: من جسده.

(3) ليس في ن.

(4) الكافي 3/ 242، ح 2.

(5) م: النيران.

219

عليّ بن محمّد (1)، عن عليّ بن الحسن، عن حسين بن راشد، عن المرتجل‏ (2) بن معمّر، عن ذريح المحاربيّ، عن عبادة الأسديّ عن حبّة العرنيّ، قال: خرجت مع أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى الظّهر (3). فوقف بوادي السّلام، كأنّه مخاطب لأقوام. فقمت بقيامه، حتّى أعييت. ثمّ جلست، حتّى مللت. ثمّ قمت، حتّى نالني مثل ما نالني أوّلا. ثمّ جلست، حتّى مللت.

ثمّ قمت و جمعت ردائي. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّي قد أشفقت عليك من طول القيام، فراحة ساعة! ثمّ طرحت الرّداء ليجلس عليه. فقال لي: يا حبّة، إن هو إلّا محادثة مؤمن أو مؤانسته.

قال: قلت يا أمير المؤمنين، و إنّهم لكذلك!؟ قال: نعم. و لو كشف لك، لرأيتهم حلقا حلقا محتبين‏ (4) يتحادثون.

فقلت: أجسام‏ (5) أم أرواح؟ فقال: أرواح. و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض، إلّا قيل لروحه: الحقي بوادي السّلام. و إنّها لبقعة من جنّة عدن.

عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد عن الحسن بن عليّ، عن أحمد بن عمر، رفعه عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: إنّ أخي ببغداد، و أخاف أن يموت بها. فقال: ما تبالي حيث ما مات. أما إنّه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض و غربها، إلّا حشر اللّه روحه إلى وادي السّلام.

قلت له: و أين وادي السّلام؟ قال: ظهر الكوفة. أما إنّي كأنّي بهم حلق حلق، قعود يتحدّثون.

علي بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش! فقال: لا. المؤمن أكرم على اللّه من أن يجعل روحه في‏

____________

(1) الكافي 3/ 243، ح 1.

(2) ن: المرتحل.

(3) أي: ظهر الكوفة.

(4) من احتبى بالثّوب: اشتمل به. و قيل: جمع بين ظهره و ساقيه بعمامة و نحوها ليستند، إذ لم يكن للعرب في البوادي جدران تستند إليها في مجالسها.

(5) في بعض النسخ: أجساد.

(6) الكافي 3/ 243، ح 2.

(7) نفس المصدر/ 244، ح 1.

220

حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم.

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن مثنّى الحنّاط، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنّة، يأكلون من طعامها و يشربون من شرابها.

و يقولون: ربّنا أقم السّاعة لنا و أنجز لنا ما وعدتنا و الحق آخرنا بأوّلنا.

سهل بن زياد (2)، عن إسماعيل بن مهران، عن درست بن أبي منصور، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الأرواح في صفة الأجساد، في شجرة في الجنّة، تتعارف و تتسائل‏ (3). فإذا قدمت الرّوح على الأرواح، تقول: دعوها، فإنّها قد أقبلت‏ (4) من هول عظيم. ثمّ يسألونها: ما فعل فلان؟ و ما فعل فلان؟ فإن قالت لهم: «تركته حيّا» ارتجوه. و إن قالت لهم: «قد هلك» قالوا: قد هوى هوى.

علي بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، و عن محمّد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أرواح المؤمنين. فقال:

في حجرات في الجنّة. يأكلون من طعامها. و يشربون من شرابها. و يقولون: ربّنا أقم لنا السّاعة. و أنجز لنا ما وعدتنا. و الحق آخرنا بأوّلنا.

عليّ‏ (6)، عن أبيه، عن محسن بن أحمد، عن محمّد بن حمّاد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا مات الميّت، اجتمعوا عنده يسألونه عمّن مضى و عمّن بقي. فإن كان مات و لم يرد عليهم، قالوا: قد هوى هوى. و يقول بعضهم لبعض: دعوه، حتّى يسكن ممّا مرّ عليه من الموت.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن القاسم بن‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) نفس المصدر، ح 3.

(3) المصدر: تعارف و تسائل.

(4) المصدر: أفلتت.

(5) نفس المصدر، ح 4.

(6) نفس المصدر، ح 5.

(7) نفس المصدر/ 245، ح 6.

221

محمّد، عن الحسين بن أحمد، عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال: ما يقول النّاس في أرواح المؤمنين؟

فقلت: يقولون: تكون في حواصل طيور خضر، في قناديل تحت العرش. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

سبحان اللّه! المؤمن أكرم على اللّه من أن يجعل روحه في حوصلة طير. يا يونس! إذا كان ذلك، أتاه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و الملائكة المقرّبون- (عليهم السلام). فإذا قبضه اللّه- عزّ و جلّ- صيّر تلك الرّوح في قالب كقالبه في الدّنيا. فيأكلون، و يشربون. فإذا قدم عليهم القادم، عرفوه بتلك الصّورة الّتي كانت في الدّنيا.

محمّد (1)، عن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّا نتحدّث عن أرواح المؤمنين، أنّها في حواصل طيور خضر ترعى في الجنّة، و تأوي إلى قناديل تحت العرش. فقال: لا! إذن ما هي في حواصل طير.

قلت: فأين هي؟ قال: في روضة كهيئة الأجساد في الجنّة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2) عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمّد بن عثمان عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن أرواح المشركين. فقال: في النّار يعذّبون و يقولون: ربّنا لا تقم لنا السّاعة.

و لا تنجز لنا ما وعدتنا. و لا تلحق آخرنا بأوّلنا.

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن مثنّى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ أرواح الكفّار في نار جهنّم، يعرضون عليها يقولون: ربّنا لا تقم لنا السّاعة. و لا تنجز لنا ما وعدتنا. و لا تلحق آخرنا بأوّلنا.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن محمّد بن أحمد، بإسناد له، قال: قال أمير المؤمنين- عليه‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 7.

(2) نفس المصدر، ح 1.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) نفس المصدر/ 246، ح 3.

222

السّلام-: شرّ بئر في النّار برهوت، الّذي فيه أرواح الكفّار.

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: شرّ ماء على [وجه‏] (2) الأرض ماء برهوت. و هو الّذي بحضر موت. يرده‏ (3) هام‏ (4) الكفّار.

عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [عن آبائه، قال: قال امير المؤمنين- (عليه السلام)-] (6) قال: إنّما يسال في قبره من محض الإيمان محضا و الكفر (7) محضا. و ما سوى ذلك، فيلهى عنه‏ (8).

أبو عليّ الأشعريّ‏ (9)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن أبي بكر الحضرميّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا يسال في القبر، إلّا من محض الإيمان محضا، أو محض الكفر محضا، و الآخرون يلهون عنهم.

محمّد بن يحيى‏ (10)، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى‏] (11)، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا يسال في القبر إلّا من محض الإيمان محضا، أو محض الكفر محضا.

____________

(1) نفس المصدر، ح 4.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: ترده.

(4) هام- جمع هامة:- و هي الصّدى، و رئيس القوم. و الصّدى: الرّجل اللّطيف الجسد، و الجسد من الآدميّ بعد موته. و طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهليّة. و كانوا يزعمون أنّ عظام الميّت تصير هامة فتطير على قبره. و المراد بالهامة هنا: أرواح الكفّار و أبدانهم المثاليّة. [قاله المحدّث الكاشاني (ره).]

(5) الكافي 3/ 235، ح 2.

(6) لا يوجد في المصدر و في غير ن و س من النسخ أيضا.

(7) في نور الثقلين 3/ 560 ح 144، نقلا عن المصدر: أو محض الكفر.

(8) قوله (عليه السلام): «محض الايمان ...».

محض على صيغة الفعل، أي: أخلص. و قوله (عليه السلام): «فيلهى»: ليس على معناه الحقيقيّ، بل هو كناية عن عدم التّعرّض لهم في سؤال ما دون الإيمان و الكفر. (كذا في هامشي المصدر)

(9) نفس المصدر، ح 1.

(10) الكافي 3/ 236، ح 4.

(11) ليس في س، أ، ن.

223

عنه‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يسال و هو مضغوط.

عدّة من أصحابنا (2) عن أحمد بن محمّد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ يفلت من ضغطة القبر أحد؟ قال: فقال: نعوذ باللّه منها. ما أقلّ ما يفلت من ضغطة القبر!

و هذا الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن القاسم، عن أبي بكر الحضرميّ قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أصلحك اللّه، من المسئولون في قبورهم؟ قال:

من محض الإيمان‏ (4) و من محض الكفر.

قال: قلت: فبقيّة هذا الخلق؟ قال: يلهى- و اللّه- عنهم. ما يعبأ بهم.

قال: قلت: و عمّ يسألون؟ قال: عن الحجّة القائمة بين أظهركم. فيقال للمؤمن: ما تقول في فلان بن فلان؟ فيقول: ذلك إمامي. فيقال: نم! أنام اللّه عينيك‏ (5). و يفتح له باب من الجنّة، فلا يزال يتحفه‏ (6) من روحها إلى يوم القيامة.

و يقال للكافر: ما تقول في فلان بن فلان؟ قال: فيقول: سمعت به و ما أدري ما هو. قال: فيقال له: لا دريت. قال: و يفتح له باب من النّار. فلا يزال يتحفه‏ (7) من حرّها إلى يوم القيامة.

عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن ضريس الكناسيّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)-: أنّ النّاس يذكرون أنّ فراتنا يخرج من الجنّة.

فكيف، و هو يقبل من المغرب، و تصبّ فيه العيون و الأودية!؟

____________

(1) نفس المصدر، ح 5.

(2) نفس المصدر، ح 6.

(3) نفس المصدر/ 237، ح 8.

(4) ن: محض الايمان محضا.

(5) المصدر: عينك.

(6) م: بنفحة.

(7) م: بنفحة.

(8) الكافي 3/ 246- 247، ح 1.

224

قال: فقال أبو جعفر- (عليه السلام)- و أنا أسمع-: إنّ للّه جنّة خلقها اللّه في المغرب، و ماء فراتكم يخرج منها. و إليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كلّ مساء، فتسقط على ثمارها، و تأكل منها و تتنعّم فيها، و تتلاقى و تتعارف. فإذا طلع الفجر، هاجت من الجنّة، فكانت في الهواء» فيما بين السّماء و الأرض، تطير ذاهبة و جائية، و تعهد حفرها إذا طلعت الشّمس، و تتلاقى في الهواء و تتعارف.

قال: و إنّ اللّه نارا في المشرق، خلقها ليسكنها أرواح الكفّار. و يأكلون من زقّومها.

و يشربون من حميمها ليلهم. فإذا طلع الفجر، هاجت إلى واد باليمن، يقال له: برهوت، أشد حرّا من نيران الدّنيا. كانوا فيه يتلاقون و يتعارفون. فإذا كان المساء، عادوا إلى النّار، فهم كذلك إلى يوم القيامة.

قال: قلت: أصلحك اللّه، فما حال الموحّدين المقرّين بنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المسلمين المذنبين الّذين يموتون، و ليس لهم إمام، و لا يعرفون ولايتكم؟

فقال: أمّا هؤلاء، فإنّهم في حفرهم‏ (1) لا يخرجون منها. فمن كان منهم له عمل صالح، و لم يظهر منه عداوة، فإنّه يخدّ له خدّ إلى الجنّة الّتي خلقها اللّه في المغرب، فيدخل عليه منها الرّوح في حفرته إلى يوم القيامة. فيلقى اللّه، فيحاسبه بحسناته و سيّئاته، فإمّا إلى النّار، و إمّا إلى الجنّة. فهؤلاء موقوفون لأمر اللّه.

قال: و كذلك يفعل بالمستضعفين، و البله، و الأطفال، و أولاد المسلمين الّذين لم يبلغوا الحلم.

فأمّا النّصّاب من أهل القبلة، فإنّهم يخدّ لهم خدّ إلى النّار الّتي خلقها اللّه- عزّ و جلّ- في المشرق. فيدخل عليهم منها اللّهب و الشّرر و الدّخان و فورة الحميم إلى يوم القيامة. ثمّ مصيرهم إلى الحميم. ثمّ في النّار يسجرون. ثمّ قيل لهم: أينما كنتم تدعون من دون اللّه‏ (2)!؟ أين إمامكم الّذي اتّخذتموه دون الإمام الّذي جعله اللّه للنّاس إماما!؟

فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام السّاعة.

قيل‏ (3): و القراءة بفتح الواو، و به و بكسر الصّاد، يؤيد أنّ الصّور أيضا، جمع الصّورة.

____________

(1) المصدر: حفرتهم.

(2) مضمون آيات 71- 73 من سورة المؤمن.

(3) أنوار التنزيل 2/ 114- 115.

225

فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ‏ تنفعهم، لزوال التّعاطف و التّراحم، من فرط الحيرة و استيلاء الدّهشة، بحيث يفرّ المرء من أخيه و أمه و أبيه و صاحبته و بنيه‏ (1). أو: يفتخرون بها يَوْمَئِذٍ كما يفعلون اليوم.

وَ لا يَتَساءَلُونَ‏ (101): و لا يسأل بعضهم بعضا، لاشتغاله بنفسه.

و هو لا يناقض قوله: وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ‏ (2). لأنّه عند النّفخ، و ذاك بعد المحاسبة، أو دخول أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: انّ صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها. فأقبلت. فقال لها عمر (4): غطّي قرطك! فإنّ قرابتك من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا تنفعك شيئا.

فقالت له: هل رأيت لي قرطا يا بن اللّخناء!؟

ثمّ دخلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فأخبرته بذلك و بكت. فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنادى: الصّلاة جامعة! فاجتمع النّاس. فقال:

ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع!؟ لو قد قمت المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (5): و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كلّ حسب و نسب منقطع، إلّا حسبي و نسبي.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب، في مناقب زين العابدين- (عليه السلام)-:

قال طاوس الفقيه: رأيته يطوف من العشاء إلى السّحر و يتعبّد. فلمّا لم ير أحدا، رمق إلى السّماء بطرفه و قال:

إلهي! غارت نجوم سماواتك، و هجعت عيون أنامك، و أبوابك مفتّحات للسّائلين.

جئتك لتغفر لي و ترحمني، و تريني وجه جدّي محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في عرصات القيامة.

____________

(1) مضمون آيات 34- 36 من سورة عبس.

(2) الصافّات/ 27 و 50، و الطور/ 25.

(3) تفسير القمي 2/ 188.

(4) المصدر: الثاني.

(5) مجمع البيان 4/ 119.

(6) المناقب 4/ 151.

226

ثمّ بكى و قال:

و عزّتك و جلالك! ما أردت بمعصيتي مخالفتك. و ما عصيتك [إذ عصيتك‏] (1) و أنا بك شاكّ، و لا بنكالك جاهل، و لا لعقوبتك متعرّض. و لكن سوّلت لي نفسي، و أعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ. فالآن من عذابك من يستنقذني!؟ و بحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي!؟

فوا سوأتاه غدا من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين: جوزوا! و للمثقلين:

حطّوا! أ مع المخفّين أجوز! أم مع المثقلين أحطّ؟ ويلي! كلّما طال عمري، كثرت خطاياي، و لم أتب. أما آن لي أن أستحي من ربّي!؟

ثمّ بكى و أنشأ يقول:

أ تحرقني بالنّار يا غاية المنى‏* * * فأين رجائي، ثمّ أين محبّتي‏

أتيت بأعمال قباح رديّة* * * و ما في الورى خلق جنى كجنايتي‏

ثمّ بكى و قال:

سبحانك! تعصى كأنّك لا ترى! و تحلم كأنّك لم تعص! تتودّد إلى خلقك بحسن الصّنيع، كأنّ لك‏ (2) الحاجة إليهم. و أنت- يا سيّدي!- الغنيّ عنهم.

ثمّ خرّ إلى الأرض ساجدا.

قال: فدنوت منه، و شلت رأسه، فوضعته على ركبتي. و بكيت حتّى جرت دموعي على خدّه. فاستوى جالسا و قال: من الّذي أشغلني عن ذكر ربّي؟ فقلت له: أنا طاوس، يا ابن رسول اللّه. ما هذا الجزع و الفزع!؟ و نحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا، و نحن عاصون جافون. أبوك الحسين بن عليّ! و أمّك فاطمة الزّهراء! و جدّك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-! قال: فالتفت إليّ و قال: هيهات! هيهات! يا طاوس. دع عنّي حديث أبي و أمّي و جدّي! خلق اللّه الجنّة لمن أطاعه، و أحسن، و لو كان عبدا حبشيّا. و خلق‏ (3) النّار لمن عصاه و لو كان ولدا (4) قرشيّا. أما سمعت قول اللّه- تعالى-: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ‏!؟ و اللّه [لا ينفعك غدا إلّا تقدمة تقدّمها من عمل‏

____________

(1) ليس في ن.

(2) المصدر: بك.

(3) ن: خلق اللّه.

(4) ن: سيّدا.

227

صالح.

و في أصول الكافي‏ (1)، حديث طويل عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (2) جواب لرسالة طلحة و الزّبير إليه- (عليه السلام). و فيه: زعمتما أنكما أخواي في الدّين و ابنا عمّي في النّسب؟ فأمّا النّسب فلا أنكره، و إن كان النّسب مقطوعا، إلّا ما وصله اللّه بالإسلام.

و في كتاب مقتل الحسين‏ (3)- (عليه السلام)- [لأبي مخنف- (رحمه اللّه)- من كلامه- (عليه السلام)- في موقف كربلاء: أما أنا ابن بنت نبيّكم- (صلوات اللّه عليه)؟

فو اللّه‏] (4) ما بين المشرق و المغرب لكم ابن بنت نبيّ غيري.

و من أشعاره- (عليه السلام)- فيه أيضا (5):

أنا ابن عليّ الحرّ من آل هاشم‏* * * كفاني بهذا مفخر حين أفخر

و فاطمة أمّي ثمّ جدّي محمّد* * * و عمّي يدعى ذا الجناحين جعفر

و نحن ولاة الحوض نسقي محبّنا* * * بكأس رسول اللّه ما ليس ينكر

إذا ما أتى يوم القيامة ظامئا* * * إلى الحوض يسقيه بكفّيه حيدر

و من أشعاره- (عليه السلام)- أيضا (6):

خيرة اللّه من الخلق أبي‏* * * بعد جدّي فأنا ابن الخيرتين‏

أمّي الزّهراء حقّا و أبي‏* * * وارث العلم و مولى الثّقلين‏

فضّة قد صفّيت من ذهب‏* * * فأنا الفّضّة و ابن الذّهبين‏

والدي شمس و أمّي قمر* * * فأنا الكوكب و ابن القمرين‏

عبد اللّه غلاما يافعا* * * و قريش يعبدون الوثنين‏

من له جدّ كجدّي في الورى‏* * * أو كأمّي في جميع المشرقين‏

____________

(1) الكافي 1/ 344، ح 1.

(2) ليس في أ.

(3) مقتل الحسين- (عليه السلام)- لأبي مخنف/ 118.

(4) ليس في أ.

(5) أورد ابو الفرج هذه الأبيات باختلاف في الألفاظ كما في عوالم العلوم للبحراني 18/ 291، نقلا عنه.

(6) مقتل الحسين- (عليه السلام)- لأبي مخنف/ 134- 138. و نقله في عوالم العلوم 18/ 290 نقلا عن مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج باختلاف في الألفاظ.

228

خصّه اللّه بفضل و تقى‏* * * فأنا الأزهر و ابن الأزهرين‏

جوهر من فضّة مكنونة* * * فأنا الجوهر و ابن الدّرّتين‏

جدّي المرسل مصباح الدّجى‏* * * و أبي الموفي له بالبيعتين‏

والدي خاتمه جاد به‏* * * حين وافى رأسه للرّكعتين‏

أيده اللّه لطهر طاهر* * * صاحب الأمر ببدر و حنين‏

ذاك و اللّه عليّ المرتضى‏* * * ساد بالفضل على اهل الحرمين‏

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ‏: موزونات عقائده و اعماله. أي: فمن كانت له عقائد و اعمال صالحة، يكون لها وزن عند اللّه و قدر.

فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (102): الفائزون بالنّجاة و الدّرجات العلى‏ (1).

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليهم السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏. قال: نزلت فينا.

وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ‏: و من لم يكن له وزن.

و هم الكفّار، لقوله‏ (3): فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.

فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏: غبنوها، حيث ضيّعوا زمان استكمالها، و أبطلوا استعدادها لنيل كمالها.

فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ‏ (103):

بدل من الصّلة. أو خبر ثان ل «أولئك».

و في عيون الأخبار (4)، في باب قول الرّضا- (عليه السلام)- لأخيه زيد بن موسى، حين افتخر على من في مجلسه، بإسناده إلى إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ‏ (5)، قال: سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: من أحبّ عاصيا، فهو عاص. و من أحبّ مطيعا، فهو مطيع. و من أعان ظالما، فهو

____________

(1) ليس في ع، س، أ.

(2) تأويل الآيات 1/ 356، ح 9.

(3) الكهف/ 105.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 237، ح 8.

(5) المصدر: الهمداني.

229

ظالم. و من خذل ظالما، فهو عادل. [و من خذل عادلا، فهو ظالم‏] (1). إنّه ليس بين اللّه و بين أحد قرابة. و لا ينال أحد ولاية اللّه إلّا بالطّاعة.

و لقد قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لبني عبد المطّلب: ائتوني بأعمالكم، لا بأحسابكم و أنسابكم. قال اللّه- تبارك و تعالى-: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ‏.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لا يتقدّم يوم القيامة أحد إلّا بالأعمال. و الدّليل على ذلك قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

يا أيّها النّاس! إنّ العربيّة ليست بأب وجدّ. و إنّما هو لسان ناطق. فمن تكلّم به، فهو عربيّ. ألا إنّكم ولد آدم. و آدم من تراب. [و اللّه، لعبد حبشيّ حين أطاع، خير من سيّد قرشيّ عصى اللّه. و إِنَ‏] (3) أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ (4).

و الدّليل على ذلك قول اللّه: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ‏- قال‏ (5): بالأعمال الحسنة- فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ‏- قال: من الأعمال الحسنة- فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ‏.

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ: تحرقها.

و اللّفح كالنّفح، إلّا أنّه أشدّ تأثيرا.

وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ‏ (104) من شدّة الاحتراق.

و الكلوح: تقلّص الشّفتين عن الأسنان.

و قرئ‏ (6): «كلحون».

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه أحوال أهل القيامة. و فيه:

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 94.

(3) من المصدر.

(4) الحجرات/ 13.

(5) المصدر: يعني.

(6) أنوار التنزيل 2/ 115.

(7) الاحتجاج/ 244.

230

و منهم أئمّة الكفر و قادة الضّلالة، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا (1). و لا يعبأ بهم- لأنّهم لم يعبئوا بأمره و نهيه- يوم القيامة. أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله- عزّ و جلّ-: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ قال: أي:

تلهب عليهم، فتحرقهم. وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ‏، أي: مفتوحي الفم، متربّدي الوجوه.

أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏: على إضمار القول. أي: يقال لهم: ألم تكن.

فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ‏ (105):

تأنيب و تذكير لهم، عمّا استحقّوا هذا العذاب لأجله.

قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا: ملكتنا، بحيث صارت أحوالنا مؤدّية إلى سوء العاقبة.

و قرأ (3) حمزة و الكسائي: «شقاوتنا»- بالفتح- كالسّعادة.

و قرئ‏ (4) بالكسر، كالكتابة.

و في كتاب التّوحيد (5) بإسناده إلى عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا قال:

بأعمالهم [شقوا] (6).

و في كتاب الاحتجاج‏ (7) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه أحوال أهل المحشر. يقول فيه- و قد ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و يشهد على منافقي قومه و أمّته و كفّارهم، بإلحادهم و عنادهم و نقضهم عهوده‏ (8) و تغييرهم سنّته، و اعتدائهم على أهل بيته و انقلابهم على أعقابهم، و ارتدادهم على أدبارهم، و احتذائهم في ذلك سنّة من تقدمهم من الأمم الظّالمة الخائنة بأنبيائها فيقولون‏

____________

(1) من قوله- تعالى- في: الكهف/ 105.

(2) تفسير القمي 2/ 94.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 115.

(5) التوحيد/ 356، ح 2.

(6) من المصدر.

(7) الاحتجاج/ 242.

(8) ن: عمودهم. المصدر: عهده.

231

بأجمعهم: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا.

وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ‏ (106): عن الحقّ.

رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها: من النّار.

فَإِنْ عُدْنا إلى التّكذيب‏ فَإِنَّا ظالِمُونَ‏ (107): لأنفسنا.

قالَ اخْسَؤُا فِيها: اسكتوا سكوت هوان، إنّها ليست مقام سؤال. من: خسأت الكلب: إذا زجرته فخسأ.

وَ لا تُكَلِّمُونِ‏ (108): في رفع العذاب، فأنّه لا يرفع و لا يخفّف العذاب. أو:

لا تكلّمون رأسا.

و قيل‏ (1): إنّ أهل النّار يقولون ألف سنة: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا (2). فيجابون: حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي‏ (3). فيقولون ألفا: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ‏ (4). فيجابون: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ‏ (5) (6). فيقولون [ألفا: يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ‏ (7). فيجابون: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ‏ (8). فيقولون ألفا: رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏ (9). فيجابون: أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ‏ (10). فيقولون ألفا] (11): رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً (12). فيجابون: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ‏ (13). فيقولون ألفا: رَبِّ ارْجِعُونِ‏ (14). فيجابون: اخْسَؤُا فِيها (15). ثمّ لا يكون لهم فيها إلّا زفير و شهيق و عواء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (16): قالوا رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ‏. فبلغني- و اللّه أعلم- أنّهم تداركوا (17) بعضهم على بعض سبعين عاما، حتّى انتهوا إلى قعر جهنّم.

إِنَّهُ‏: إنّ الشّأن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 115.

(2) السجدة/ 12.

(3) السجدة/ 13.

(4) غافر/ 11.

(5) ليس في المصدر.

(6) غافر/ 12.

7 و 8- الزخرف/ 77.

9 و 10 إبراهيم/ 44.

(11) ليس في أ.

12 و 13- فاطر/ 37.

(14) المؤمنون/ 99.

(15) المؤمنون/ 108.

(16) تفسير القمي 2/ 94.

(17) كذا في النسخ و المصدر. و لكن الصحيح ما نقل في الصافي 3/ 412 و نور الثقلين 3/ 566 نقلا عن المصدر: «تداكّوا».

232

و قرئ‏ (1) بالفتح، أي: لأنّه.

كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي‏: يعني المؤمنين.

و قيل‏ (2): الصّاحبة.

و قيل‏ (3): أهل الصّفّة.

يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏ (109).

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا: هزوا.

و قرأ (4) نافع و حمزة و الكسائي بالضّمّ. و هما مصدرا سخر، زيدت فيهما ياء النّسب للمبالغة. و عند الكوفيّين، المكسور بمعنى الهزء، و المضموم- من السّخرة- بمعنى الانقياد و العبوديّة.

حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي‏: من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم، فلم تخافوني في أوليائي.

وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ‏ (110) استهزاء بهم.

إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا على أذاكم‏ أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ‏ (111) فوزهم بمجامع مراداتهم، مخصوصين به. و هو ثاني مفعولي‏ جَزَيْتُهُمُ‏.

و قرأ (5) حمزة و ابن كثير و الكسائيّ بالكسر، استئنافا.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليهم السلام)- قال‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ في علي‏ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ‏ (7): معناه أن يقال لمن خفّت موازينه: أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ في علي، فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ‏؟ فإذا قيل لهم ذلك، قالوا: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ‏- إلى قوله:- هُمُ الْفائِزُونَ‏. و هم شيعة آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم).

و في إرشاد المفيد (8)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى أمّ سلمة، قالت: سمعت رسول اللّه‏

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 115.

(4) أنوار التنزيل 2/ 115.

(5) أنوار التنزيل 2/ 116.

(6) تأويل الآيات 1/ 356، ح 10.

(7) المؤمنون/ 105.

(8) الإرشاد/ 18.

233

- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ عليّا و شيعته هم الفائزون.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (1) بإسناده عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ عشر آيات في ليلة، لم يكتب من الغافلين- إلى أن قال:- و من قرأ مائة (2) آية، كتب من الفائزين.

قالَ‏، أي اللّه، أو الملك المأمور بسؤالهم.

و قرأ (3) ابن كثير و حمزة و الكسائيّ على الأمر للملك، أو لبعض رؤساء أهل النّار.

كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ‏ أحياء أو أمواتا في القبور؟

عَدَدَ سِنِينَ‏ (112): تمييز ل «كم».

قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏ استقصارا لمدّة لبثهم فيها بالنّسبة إلى خلودهم في النّار. أو لأنّها كانت أيّام سرورهم، و أيّام السّرور قصار. أو لأنّها منقضية، و المنقضي في حكم المعدوم.

فَسْئَلِ الْعادِّينَ‏ (113): الّذين يتمكّنون من عدّ أيّامها، إن أردت تحقيقها، فإنّا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكّرها و إحصائها. أو: الملائكة الّذين يعدّون أعمار النّاس و يحصون أعمالهم.

و قرئ‏ (4): «العادين»- بالتّخفيف- أي: الظّلمة، فإنّهم يقولون ما نقول.

و «العاديين»، أي: القدماء المعمّرين، فإنّهم أيضا يستقصرون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ‏ قال: فاسأل‏ (6) الملائكة الّذين يعدّون علينا الأيّام، و يكتبون ساعتنا و أعمالنا الّتي اكتسبناها فيها.

قالَ‏:

و في قراءة الكوفيّين‏ (7): «قل‏ (8)».

إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (114):

____________

(1) ثواب الأعمال/ 129، ح 1.

(2) المصدر: ثلاثمائة.

(3) أنوار التنزيل 2/ 116.

(4) أنوار التنزيل 2/ 116.

(5) تفسير القمي 2/ 94- 95.

(6) المصدر: سل.

(7) المصدر: حمزة و الكسائي.

(8) أنوار التنزيل 2/ 116.

234

تصديق لهم في مقالهم.

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً:

توبيخ على تغافلهم. و «عبثا» حال بمعنى عابثين. أو مفعول له. أي: لم نخلقكم تلهّيا بكم، و إنّما خلقناكم لنتعبّدكم و نجازيكم على أعمالكم. و هو كالدّليل على البعث.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1) بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمّارة (2)، عن أبيه قال: سألت الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- فقلت له: لم خلق اللّه الخلق؟ فقال:

إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يخلق خلقه عبثا، و لم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته، و ليكلّفهم طاعته، فيستوجبوا بذلك رضوانه. و ما خلقهم ليجلب منهم منفعة، و لا ليدفع بهم مضرّة، بل خلقهم لينفعهم، و يوصلهم إلى نعيم الأبد.

و بإسناده‏ (3) إلى مسعدة بن زياد، قال: قال رجل لجعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: يا أبا عبد اللّه، إنّا خلقنا للعجب! قال و ما ذلك، للّه أنت!؟ قال: خلقنا للفناء. قال: مه! يا ابن أخ! خلقنا للبقاء. و كيف تفنى جنّة لا تبيد، و نار لا تخمد. و لكن قل: إنّما نتحوّل من دار إلى دار.

وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ‏ (115):

معطوف على‏ أَنَّما خَلَقْناكُمْ‏ أو «عبثا».

و قرأ (4) حمزة و الكسائيّ و يعقوب بفتح التّاء و كسر الجيم.

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ‏: الّذي يحقّ له الملك مطلقا. فإنّ من عداه مملوك بالذّات، مالك بالعرض، من وجه دون وجه و في حال دون حال.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: فإنّ من عداه عبيد.

رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏ (116): الّذي يحيط بالأجرام، و ينزل منه محكمات الأقضية و الأحكام. و لذلك وصفه بالكرم، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.

و قرئ‏ (5) بالرّفع، على أنّه صفة الرّبّ.

____________

(1) علل الشرايع/ 9، ح 2.

(2) س، أ، ن: عمّار.

(3) نفس المصدر/ 11، ح 5.

(4) أنوار التنزيل 2/ 116.

(5) أنوار التنزيل 2/ 116.

235

وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ: يعبده إفرادا، أو إشراكا.

لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ‏:

صفة أخرى ل «إله»، لازمة له، فإنّ الباطل لا برهان له به. جي‏ء بها للتّأكيد و بناء الحكم عليه، تنبيها على أنّ التّديّن بما لا دليل عليه ممنوع، فضلا عمّا دلّ الدّليل على خلافه. أو اعتراض بين الشّرط و الجزاء لذلك.

فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏ فهو مجاز له، مقدار ما يستحقّه.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ‏ (117): إنّ الشّأن.

و قرئ‏ (1) بالفتح، على التّعليل أو الخبر. أي: حسابه عدم الفلاح.

بدأ السّورة بتقرير فلاح المؤمنين، و ختمها بنفي الفلاح عن الكافرين. ثمّ أمر رسوله بأن يستغفره و يسترحمه فقال:

وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏ (118).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 116.

237

تفسير سورة النّور

239

سورة النّور مدنيّة بلا خلاف. و هي ثنتان أو أربع و ستّون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1) بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حصّنوا أموالكم و فروجكم بتلاوة سورة النّور. و حصّنوا بها نساءكم. فإنّ من أدمن قراءتها في كلّ يوم، أو في كلّ ليلة، لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتّى يموت. فإذا مات، شيّعه إلى قبره سبعون ألف ملك، كلّهم يدعون و يستغفرون له، حتّى يدخل في قبره.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قرأ سورة النّور، أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ مؤمنة و مؤمن‏ (3) فيما مضى و فيما بقي.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا تنزلوا النّساء الغرف. و لا تعلّموهنّ الكتابة. و علّموهن المغزل و سورة النّور.

عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 135، ح 1.

(2) مجمع البيان 4/ 122.

(3) المصدر: كلّ مؤمن و مؤمنة.

(4) الكافي 5/ 516، ح 1.

(5) نفس المصدر، ح 2.

240

سالم، رفعه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف. و لا تقرؤوهنّ إيّاها. فانّ فيها الفتن. و علّموهن سورة النّور. فإنّ فيها المواعظ.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين‏ (2) بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و سورة النّور أنزلت بعد سورة النّساء. و تصديق ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أنزل عليه في سورة النّساء: وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ. فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (3).

و السّبيل، الّذي قال اللّه‏ (4)- عزّ و جلّ-: سُورَةٌ أَنْزَلْناها- إلى قوله- طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

سُورَةٌ: أي: هذه سورة، أو فيما أو حينا إليك سورة.

أَنْزَلْناها:

صفتها. و من نصبها، جعله مفسّرا لناصبها. فلا يكون له محلّ، إلّا إذا قدّر: «اتل»، أو «دونك»، أو نحوه.

وَ فَرَضْناها: و فرضنا ما فيها من الأحكام.

و شدّده‏ (5) ابن كثير و أبو عمرو، لكثرة فرائضها، أو المفروض عليهم، أو للمبالغة في إيجابها.

وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ‏: واضحات الدّلالة.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (1): فتتّقون المحارم.

و قرئ‏ (6) بتخفيف الذّال.

الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي‏:

أي فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما، و هو الجلد. و يجوز أن يرفعا بالابتداء و الخبر.

فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ:

____________

(1) الكافي 2/ 32- 33، ح 1.

(2) ن: الحسن.

(3) النساء/ 15.

(4) النور/ 1- 2.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 117.

241

و الفاء لتضمّنها معنى الشّرط، إذ اللّام بمعنى الّذي.

و قرئتا (1) بالنّصب، على إضمار فعل يفسّره الظّاهر. و هو أحسن من نصب «سورة» لأجل الأمر. و «الزّان» بلا ياء.

و إنّما قدّم الزّانية، لأنّ الزّنا- في الأغلب- يكون بتعرّضها للّرجل و عرض نفسها عليه. و لأنّ مفسدته تتحقّق بالإضافة إليها. و الجلد: ضرب الجلد.

و هو حكم يخصّ بمن ليس بمحصن، لما دلّ على أنّ حد المحصن هو الرّجم.

و في تهذيب الأحكام‏ (2): يونس بن عبد الرّحمن، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا يرجم الرّجل و المرأة، حتّى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع و الإيلاج و الإدخال كالميل في المكحلة.

يونس بن عبد الرّحمن‏ (3)، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: الحرّ و الحرّة إذا زنيا، جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة. فأمّا المحصن و المحصنة، فعليهما الرّجم.

عنه‏ (4)، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الرّجم في القرآن قوله- تعالى-: [إذا زنى‏] (5) الشّيخ و الشّيخة فارجموهما البتّة. فإنّهما قضيا الشّهوة.

عنه‏ (6)، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: المحصن يرجم. و الّذي قد أملك و لم يدخل بها، يجلد مائة جلدة (7) و نفي سنة.

علي بن إبراهيم‏ (8)، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الشّيخ و الشّيخة، أن يجلدا مائة. و قضى للمحصن الرّجم. و قضى في البكر و البكرة إذا زنيا، جلد مائة و نفي سنة في غير مصرهما. و هما اللّذان قد أملكا و لم يدخل بها.

محمّد بن أحمد بن يحيى‏ (9)، عن إبراهيم بن صالح‏ (10) بن سعيد، عن محمّد بن حفص،

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 117. أي: «الزانية و الزاني». و في النسخ: قرئ.

(2) تهذيب الأحكام 10/ 2، ح 1.

(3) نفس المصدر/ 3، ح 6.

(4) نفس المصدر، ح 7.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر، ح 8.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر/ 3- 4، ح 9.

(9) نفس المصدر/ 4، ح 10.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عن إبراهيم بن صالح.

242

عن عبد اللّه بن طلحة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا زنى الشّيخ و العجوز، جلدا، ثمّ رجما، عقوبة لهما. و إذا زنى النّصف من الرّجال، رجم، و لم يجلد، إذا كان قد أحصن. و إذا زنى الشّابّ الحدث السّنّ، جلد، و نفي سنة من مصره.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن الفضل، عن أبان بن تغلب، قال:

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: «إذا زنى المجنون أو المعتوه‏ (2)، جلد الحدّ. و إن كان محصنا، رجم.

قلت: و ما الفرق بين المجنون و المجنونة، و المعتوه و المعتوهة؟ فقال: المرأة إنّما تؤتى و الرّجل يأتي. و إنّما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللّذّة. و إنّ المرأة إنّما تستكره و يفعل بها، و هي لا تعقل ما يفعل بها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و الزّنا على وجوه. و الحدّ فيه على وجوه.

فمن ذلك أنّه أحضر عمر بن الخطّاب ستّة نفر أخذوا بالزّنا. فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ.

و

كان أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- جالسا عند عمر. فقال: يا عمر، ليس هذا حكمهم. قال: فأقم أنت عليهم الحدّ. فقدّم واحدا منهم، فضرب عنقه. و قدم الثّاني، فرجمه. و قدم الثّالث، فضربه الحدّ. و قدّم الرّابع، فضربه نصف الحدّ. و قدّم الخامس، فعزّره. و أطلق السّادس‏ (4).

فتعجّب عمر و تحيّر النّاس. فقال عمر: يا أبا الحسن، ستّة نفر في قضيّة واحدة، أقمت عليهم خمس عقوبات، و أطلقت واحدا (5)]!؟ ليس منها حكم يشبه الآخر! فقال: نعم. أمّا الأوّل، فكان ذمّيّا زنى بمسلمة، فخرج عن ذمّته. فالحكم فيه بالسّيف‏ (6). و أمّا الثّاني، فرجل محصن زنى، فرجمناه. و أمّا الثّالث، فغير محصن، فحددناه.

و أمّا الرّابع، فرقّ‏ (7) زنى، فضربناه نصف الحدّ. و أمّا الخامس، فكان منه ذلك الفعل‏

____________

(1) نفس المصدر/ 19، ح 56.

(2) س، أ، م: المعتوه و المعتوهة.

(3) تفسير القمي 2/ 96.

(4) المصدر: و امّا السادس فأطلقه.

(5) في المصدر: أقمت عليهم ستّ عقوبات.

(6) المصدر: السيف.

(7) المصدر: فعبد.

243

بالشّبهة، فعزّرناه و أدّبناه. و أمّا السّادس، فمجنون مغلوب على عقله، سقط منه التّكليف.

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يضرب الرّجل الحدّ قائما، و المرأة قاعدة.

و يضرب كلّ عضو، و يترك الرّأس و المذاكير.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم- (عليه السلام)- عن الزّاني كيف يجلد. قال: أشدّ الجلد.

قلت: فمن فوق ثيابه؟ قال: بل تخلع‏ (3) ثيابه.

قلت: فالمفتري؟ قال: يضرب بين الضّربين، جسده كلّه فوق ثيابه.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (4)، عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان [بن يحيى‏] (5)، عن إسحاق بن عمّار، قال‏ سألت: أبا إبراهيم- (عليه السلام)- عن الزّاني كيف يجلد قال:

أشدّ الجلد. فقلت: فوق الثّياب؟ فقال: بل يجرّد.

وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ: رحمة.

فِي دِينِ اللَّهِ‏: في طاعته و إقامة حدّه، فتعطّلوه، أو تسامحوا فيه.

و قرأ (6) ابن كثير بفتح الهمزة.

و قرئت‏ (7) بالمدّ على فعالة.

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ:

فإنّ الإيمان يقتضي الجدّ في طاعة اللّه و الاجتهاد في إقامة أحكامه، و هو من باب التّهييج.

وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (2):

زيادة في التّنكيل. فإنّ التّفضيح قد ينكل أكثر ممّا ينكل التّعذيب.

و الطّائفة، فرقة يمكن أن يكون حافّة حول شي‏ء، من الطّواف.

____________

(1) الكافي 7/ 183، ح 1.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) المصدر: يخلع.

(4) نفس المصدر، ح 3.

(5) من المصدر.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 117.

244

قيل‏ (1): و أقلّها ثلاثة.

و قيل‏ (2): واحد أو اثنان.

و قيل‏ (3): أربعة. لأنّ أقلّ ما يثبت به الزّنا شهادة أربعة.

و قيل‏ (4): ليس لهم عدد محصور، بل هو موكول إلى رأي الإمام. و المقصود أن يحضر جماعة يقع لهم إذاعة الحدّ، ليحصل الاعتبار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما يقول: ضربهما طائفة من المؤمنين، يجمع لهما النّاس إذا جلدوا.

و لآي تهذيب الأحكام‏ (6): الحسين بن سعيد، عن ابن محبوب عن حمّاد بن زياد، عن سليمان بن خالد- و ذكر حديثا طويلا. ثمّ قال:

عنه، عن محمّد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ‏.

قال: في إقامة الحدود. و في قوله- تعالى-: لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏. قال:

الطّائفة واحد.

و في عوالي اللآلي‏ (7) عن الباقر- (عليه السلام)-: انّ أقلّ الطّائفة الحاضرة للحدّ، هي الواحد.

الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ‏:

إذ الغالب أنّ المائل إلى الزّنا، لا يرغب في نكاح الصّوالح، و المسافحة لا يرغب فيها الصّلحاء. فإنّ المشاكلة علّة الألفة و التّضامّ، و المخالفة سبب النّفرة و الافتراق.

قيل‏ (8): و كان حقّ المقابلة أن يقال: و الزّانية لا تنكح إلّا من هو زان أو مشرك.

لكنّ المراد بيان أحوال الرّجال في الرّغبة فيهنّ. لأنّ الآية نزلت في ضعفة المهاجرين، لمّا همّوا أن يتزوّجوا بغايا يكرين أنفسهنّ لينفقن عليهم من أكسابهنّ على عادة الجاهليّة.

و لذلك قدّم الزّاني.

و في الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر،

____________

1 و 2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 117- 118.

(5) تفسير القمي 2/ 95.

(6) تهذيب الأحكام 10/ 150، ح 602.

(7) عوالي اللآلي 2/ 153، ح 428.

(8) أنوار التنزيل 2/ 118.

(9) الكافي 5/ 354، ح 1.

245

عن داود بن سرحان، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، قال:

هنّ نساء مشهورات بالزّنا، و رجال مشهورون بالزّنا، شهروا به‏ (1) و عرفوا به. و النّاس اليوم بذلك المنزل. فمن أقيم عليه حدّ الزّنا أو متّهم بالزّنا، لم ينبغ لأحد أن يناكحه، حتّى يعرف منه التّوبة.

محمّد بن يحيى‏ (2)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً. فقال:

كنّ نسوة مشهورات بالزّنا، و رجال مشهورون بالزّنا، قد عرفوا بذلك. و النّاس اليوم بتلك المنزلة. فمن أقيم عليه حدّ الزنا، أو شهّر به، لم ينبغ لأحد أن يناكحه، حتّى يعرف منه التّوبة.

الحسين بن محمّد (3)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً. قال:

هم رجال و نساء كانوا على عهد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مشهورين بالزّنا. فنهى اللّه عن أولئك الرّجال و النّساء. و النّاس اليوم على تلك المنزلة. من شهر شيئا من ذلك، أو أقيم عليه الحدّ، فلا تزوّجوه حتّى تعرف توبته.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل تزوّج امرأة، فعلم بعد ما تزوّجها أنّها كانت زنت. قال: إن شاء زوجها أن يأخذ الصّداق ممّن زوجها، و لها الصّداق بما استحلّ من فرجها. و إن شاء تركها.

حميد بن زياد (5)، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن أبان، عن حكم بن حكيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) نفس المصدر/ 355، ح 3.

(4) نفس المصدر، ح 4.

(5) نفس المصدر، ح 6.

246

الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ‏. قال: إنّما ذلك في الجهر. ثمّ قال: لو أنّ إنسانا زنى، ثمّ تاب، تزوّج حيث شاء.

وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ (3):

قيل‏ (1): لأنّه تشبّه بالفسّاق، و تعرّض للتّهمة، و تسبّب لسوء المقالة و الطّعن في النّسب، و غير ذلك من المفاسد. و لذلك عبّر عن التّنزيه بالتّحريم، مبالغة.

و قيل‏ (2): النّفي بمعنى النّهي. و قد قرئ به. و الحرمة على ظاهرها. و الحكم مخصوص بالسّبب الّذي ورد فيه، أو منسوخ بقوله- تعالى-: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏ (3). فإنّه يتناول المسافحات. و يؤيّده‏

أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- سئل عن ذلك، فقال: أوّله سفاح. و آخره نكاح. و الحرام لا يحرّم الحلال.

قال البيضاويّ: و قيل‏ (4): المراد بالنّكاح: الوطء. فيؤول إلى نهي الزّاني عن الزّنا إلّا بزانية، و الزّانية لا يزني بها إلّا زان. و هو فاسد.

أقول: مراد من قال: «إنّ المراد بالنّكاح الوطء» أنّهما اشتركا في الزّنا، فهي مثله.

و هو ليس بفاسد كما توهّمه.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أنزل بالمدينة: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏. فلم يسمّ اللّه الزّاني مؤمنا، و لا الزّانية مؤمنة.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس يمتري فيه أهل العلم أنّه قال لا يزني الزّاني حين يزني، و هو مؤمن. و لا يسرق السّارق حين يسرق، و هو مؤمن. فإنّه إذا فعل ذلك، خلع عنه الإيمان كخلع القميص.

و في الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل قال: سأل رجل أبا الحسن الرّضا- (عليه السلام)- و أنا أسمع- عن رجل تزوّج المرأة متعة، و يشترط

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 118.

(3) النور/ 32.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 2/ 32، ح 1.

(6) نفس المصدر 5/ 454، ح 3.

247

عليها أن لا يطلب ولدها، فتأتي بعد ذلك بولد، فشدّد في إنكار الولد، و قال: أ تجحده‏ (1) إعظاما لذلك؟ فقال الرّجل: فإنّى‏ (2) أتهمها فقال:

لا ينبغي لك أن تتزوّج إلّا مؤمنة أو مسلمة. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: [الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏.

و رواه في الاستبصار (3) كذلك، إلّا أنّ فيه: لا ينبغي لك أن تتزوّج إلّا مأمونة. إنّ اللّه- تعالى- يقول:] (4)- إلى آخره.

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ‏، أي: يقذفون العفائف [من النّساء بالفجور و الزّنا.

و المراد بالإحصان هاهنا: إحصان الفرج بالعفّة. لأنّ ذلك حكم قذف مطلق العفائف‏] (5) مزوّجة و غير مزوّجة. كما يأتي في الأخبار.

ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، أي: ثمّ لم يأتوا على صحّة ما رموهنّ به من الزّنا، بأربعة عدول يشهدون أنّهم رأوهنّ يفعلن ذلك.

فَاجْلِدُوهُمْ‏: أي الّذين يرمونهنّ بالزّنا ثَمانِينَ جَلْدَةً: حدّا لقذفهم و رميهم بالزّنا.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6) بإسناده إلى عليّ بن أشيم عمّن رواه عن أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قيل له: لم جعل في الزّنا أربعة من الشّهود و في القتل شاهدان؟ فقال:

إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أحلّ لكم المتعة، و علم أنّها ستنكر (7) عليكم. فجعل الأربعة الشّهود احتياطا لكم. لولا ذلك، لأتي عليكم. و قلّ ما يجتمع أربعة شهادة بأمر واحد.

حدّثنا محمّد بن الحسن‏ (8)- (رحمه اللّه)- قال حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العّباس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن عليّ بن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن‏

____________

(1) المصدر: أ يجحده.

(2) المصدر: فإن.

(3) الاستبصار 3/ 153، ح 560.

(4) ليس في ن.

(5) ليس في س، أ.

(6) علل الشرائع/ 509، ح 1.

(7) س، أ، م، ن: مستنكر.

(8) نفس المصدر/ 510، ح 3.

248

إسماعيل بن [حمّاد بن‏] (1) أبي حنيفة [عن أبيه حماد] (2)، عن [أبيه‏] (3) أبي حنيفة، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّهما أشدّ: الزّنا أم القتل؟ قال: فقال: القتل.

قال: فقلت: فما بال القتل جاز فيه شاهدان، و لا يجوز في الزّنا إلّا أربعة؟ فقال لي:

ما عندكم فيه يا أبا حنيفة؟

قال: قلت ما عندنا فيه إلّا حديث عمر، أنّ اللّه أجرى في الشّهادة كلمتين على العباد. قال: ليس كذلك يا أبا حنيفة. و لكنّ الزّنا فيه حدّان. و لا يجوز أن يشهد كلّ اثنين على واحد، لأنّ الرّجل و المرأة جميعا عليهما الحدّ. و القتل، إنّما يقام الحدّ على القاتل و يدفع عن المقتول.

و في تهذيب الأحكام‏ (4): [سهل بن زياد، عن‏] (5) ابن محبوب، عن نعيم بن إبراهيم، عن عبّاد البصريّ، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: إذا قذف الرّجل الرّجل، فقال:

إنّه ليعمل‏ (6) عمل قوم لوط، ينكح‏ (7) الرّجال؟ قال: يجلد حدّ القاذف، ثمانين جلدة.

الحسين بن سعيد (8)، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن أبي مريم الأنصاريّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الغلام لم يحتلم، يقذف الرّجل، هل يجلد قال: لا. قال: و ذاك لو أنّ رجلا قذف الغلام، لم يجلد.

سهل بن زياد (9)، عن ابن أبي نصر، عن عاصم بن حميد، عن أبي نصر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل، يقذف الصّبيّة يجلد. قال: لا، حتّى تبلغ.

الحسن بن محبوب‏ (10)، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزّنا، لا يعلم منه إلّا خيرا، لضربته الحدّ حدّ الحرّ، إلّا سوطا.

عليّ بن إبراهيم‏ (11)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا قذف العبد الحرّ، جلد ثمانين. و قال: هذا من حقوق‏

____________

(1) من المصدر.

2 و 3- من المصدر.

(4) تهذيب الأحكام 10/ 66، ح 241.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: انك لتعمل.

(7) المصدر: تنكح.

(8) نفس المصدر/ 68، ح 251.

(9) نفس المصدر/ 68، ح 252.

(10) نفس المصدر/ 71، ح 266.

(11) نفس المصدر/ 72، ح 270.

249

النّاس.

أحمد بن محمّد (1)، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن المملوك يفتري على الحرّ. قال: عليه ثمانون. قلت: فإذا زنى؟ قال: يجلد خمسين.

يونس‏ (2) [بن عبد الرّحمن‏] (3)، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه نهى عن قذف من ليس على الإسلام، إلّا أن يطّلع على ذلك منهم. و قال: أيسر ما يكون، أن يكون قد كذب.

محمّد بن الحسن الصّفّار (4)، عن الحسين‏ (5) بن عليّ، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: جعلت فداك، ما تقول في الرّجل يقذف بعض جاهليّة العرب؟ قال: يضرب الحدّ. إنّ ذلك يدخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في عيون الأخبار (6)، في باب ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة ضرب القاذف و شارب الخمر ثمانين جلدة، لأنّ في القذف نفي الولد و قطع النّسل و ذهاب النّسب. و كذلك شارب الخمر، لأنّه إذا شرب هذى. و إذا هذى، افترى. فوجب [عليه‏] (7) حدّ المفتري.

و في الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل افترى على قوم جماعة. قال: إن أتوا به مجتمعين، ضرب حدّا واحدا. و إن أتوا به متفرّقين، ضرب لكلّ واحد منهم حدّ.

محمّد بن يحيى‏ (9)، عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن الحكم عن أبان بن عثمان عن الحسن العطّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: رجل قذف قوما.

قال: قال: بكلمة واحدة؟ قلت: نعم. قال: يضرب حدّا واحدا. فإنّ فرّق بينهم‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 271.

(2) نفس المصدر/ 75، ح 286.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر/ 87- 88 ح 339.

(5) ن، المصدر: الحسن.

(6) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 95، ح 1.

(7) من المصدر.

(8) الكافي 7/ 209، ح 1.

(9) نفس المصدر/ 109- 110، ح 2.

250

بالقذف، ضرب لكلّ واحد منهم حدّا.

وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً: أيّ شهادة كانت، لأنّه مفتر.

و قيل‏ (1): شهادتهم في القذف.

أَبَداً ما لم يتب.

و في الاستبصار (2): عن إسماعيل بن زياد، عن الصّادق، عن الباقر- (عليهما السلام)- أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: ليس بين خمس نساء و [بين‏] (3) أزواجهنّ ملاعنة- إلى قوله:- و المجلود في الفرية. لأنّ اللّه- تعالى- يقول: وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: القاذف يجلد ثمانين جلدة، و لا تقبل شهادته‏ (5) أبدا، إلّا بعد التّوبة أو يكذّب نفسه.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (4): المحكوم بفسقهم.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و نزل بالمدينة: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏- إلى قوله:- غَفُورٌ رَحِيمٌ‏. فبرّأه اللّه ما كان مقيما على الفرية من أن يسمّى بالإيمان. قال اللّه‏ (7)- عزّ و جلّ-: [أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏.

و جعله اللّه منافقا. قال اللّه‏ (8)- عزّ و جلّ:] (9) إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏.

و جعله اللّه من أولياء إبليس، قال‏ (10): إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 118.

(2) الاستبصار 3/ 375 ح 10.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمي 2/ 96.

(5) س، م، ن، المصدر: له شهادة.

(6) الكافي 2/ 32، ح 1.

(7) السجدة/ 18.

(8) التوبة/ 67.

(9) ليس في ع.

(10) الكهف/ 50.

251

و جعله ملعونا، فقال‏ (1): إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏. و ليس‏ (2) تشهد الجوارح على مؤمن. إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب. فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه. قال اللّه‏ (3)- عزّ و جلّ-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.

إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏ عن القذف.

في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته عن شهود الزّور. قال: فقال: يجلدون حدّا ليس له وقت. و ذلك إلى الإمام و يطاف بهم، حتّى تعرفهم‏ (5) النّاس.

و أمّا قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ... إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. قال:

قلت: كيف تعرف توبته؟ قال: يكذّب نفسه على رؤوس الخلائق‏ (6)، حتّى يضرب و يستغفر ربّه‏ (7). و إذا فعل ذلك فقط ظهرت توبته.

أحمد بن محمّد (8)، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد و حمّاد، عن القاسم بن سليمان، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل، يقذف الرّجل فيجلد حدّا، ثمّ يتوب و لا يعلم منه إلّا خيرا، أ تجوز شهادته؟ قال: نعم. ما يقال عندكم؟

قلت: يقولون توبته فيما بينه و بين اللّه، و لا تقبل شهادته أبدا. فقال: بئس ما قالوا.

كان أبي يقول: إذا تاب و لم يعلم منه إلّا خيرا، جازت شهادته.

و في مجمع البيان‏ (9): وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. و اختلف في هذا الاستثناء إلى ما ذا يرجع على قولين:

____________

(1) النور/ 23- 24.

(2) المصدر: و ليست.

(3) الإسراء/ 71.

(4) الكافي 7/ 241، ح 7.

(5) المصدر: يعرفهم.

(6) المصدر: الناس.

(7) م، ن: و يستغفرونه.

(8) نفس المصدر/ 397، ح 2.

(9) مجمع البيان 4/ 126.

252

أحدهما أنّه يرجع إلى الفسق [خاصّة دون قوله: وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.

فيزول‏ (1) عنه اسم‏] (2) الفسق بالتّوبة، و لا تقبل شهادته- إلى قوله:

و الآخر

أنّ الاستثناء يرجع إلى الأمرين. فإذا تاب، قبلت شهادته، حدّ أو لم يحدّ.

عن ابن عبّاس- إلى قوله:- و هو قول أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).

وَ أَصْلَحُوا أعمالهم بالتّدارك. و منه الاستسلام للحدّ، أو الاستحلال من المقذوف.

قيل‏ (3): و الاستثناء راجع إلى أصل الحكم، و هو اقتضاء الشّرع لهذه الأمور (4)، و لا يلزم سقوط الحدّ به كما قيل. لأنّ من تمام التّوبة الاستسلام له، أو الاستحلال. و محلّ المستثنى النّصب [على الاستثناء.

و قيل‏ (5): إلى النهي. و محلّه الجرّ على البدل من هم في «لهم».

و قيل‏ (6): إلى الأخيرة و محلّه النصب‏] (7)، لأنّه عن‏ (8) موجب.

و قيل: (9) منقطع، متّصل بما بعده.

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (5):

علّة للاستثناء.

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ‏:

نزلت في هلال بن أميّة، رأى رجلا على فراشه. و «أنفسهم» بدل من «شهداء» أو صفة ل «هم»، على أنّ «إلّا» بمعنى غير.

فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ‏:

فالواجب شهادة أحدهم، أو فعليهم شهادة أحدهم.

و «أربع» نصب على المصدر. و قد رفعه حمزة و الكسائيّ و حفص‏ (10)، على‏] (11) أنّه خبر شهادة.

____________

(1) ن: و يزول.

(2) ليس في أ.

(3) أنوار التنزيل 2/ 118.

(4) المصدر: لهذا الأمر.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: من.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر/ 119.

(11) ليس في أ.

253

بِاللَّهِ‏:

متعلّق ب «شهادات» لأنّها أقرب.

و قيل‏ (1): ب «شهادة» لتقدّمها.

إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏ (6):

أي: فيما رماها به من الزّنا. و أصله: على أنّه. فحذف الجارّ، و كسرت إنّ، و علّق العامل عنه، و عوّض باللّام تأكيدا.

وَ الْخامِسَةُ: و الشّهادة الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ (7) في الرّمي.

و قرأ (2) نافع و يعقوب بالتّخفيف في الموضعين [و رفع «لعنة»] (3).

هذا لعان الرّجل، و حكمه سقوط حدّ القذف عنه. و هذا حكم خصّ اللّه به الأزواج في قذف نسائهم. فتقوم الشّهادات الأربع، مقام الشهود الأربعة في دفع القذف عنهم.

في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن المثنّى‏ (5)، عن زرارة، قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ‏. قال:

هو القاذف‏ (6) الّذي يقذف امرأته. فإذا قذفها، ثمّ أقرّ أنّه‏ (7) كذب عليها، جلد الحدّ، و ردّت إليه امرأته. و إن أبى إلّا أن يمضي، فليشهد عليها أربع شهادات باللّه إنّه لمن الصّادقين. و الخامسة يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين.

و إن أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب- و العذاب هو الرّجم- شهدت أربع شهادات باللّه إنّه لمن الكاذبين. و الخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصّادقين. فإن لم تفعل، رجمت. و إن فعلت، درأت عن نفسها الحدّ، ثمّ لا تحلّ له إلى يوم القيامة.

[قلت: أ رأيت إن فرّق بينهما و لها ولد فمات؟ قال: ترثه أمّه. و إن ماتت أمّه، ورثه أخواله. و من قال إنّه ولد زنا، جلد الحدّ.

قلت: يردّ إليه الولد إذا أقرّبه؟ قال: لا، و لا كرامة. و لا يرث الابن و يرثه‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 119.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 7/ 211، ح 5.

(5) المصدر: مثنّى الحنّاط.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: بأنّه.

254

الابن.] (1)

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن الحسين بن سيف، عن محمّد بن سليمان، عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- قال: قلت: له: كيف صار الزّوج إذا قذف امرأته، كانت شهادته أربع شهادات باللّه؟

و كيف لا يجوز ذلك لغيره؟ و صار إذا قذفها غير الزّوج، جلد الحدّ، و لو كان ولدا أو أخا؟

فقال: قد سئل [أبو] (3) جعفر- (عليه السلام)- عن هذا. فقال: ألا ترى أنّه إذا قذف الزّوج امرأته، قيل له: و كيف علمت أنّها فاعلة؟ فإن قال رأيت ذلك منها بعيني، كانت شهادته أربع شهادات باللّه. و ذلك أنّه قد يجوز للرّجل أن يدخل المدخل في الخلوة الّتي لا يصلح‏ (4) لغيره أن يدخلها، و لا يشهدها ولد و لا والد في اللّيل و النّهار. فلذلك صارت شهادته أربع شهادات [باللّه‏] (5) إذا قال: رأيت ذلك بعيني. و إذا قال: إنّي لم أعاين، صار قاذفا [في حدّ غيره‏] (6)، و ضرب الحدّ، إلّا أن يقيم عليها البيّنة.

و إن زعم غير الزّوج إذا قذف و ادّعى أنّه رآه بعينه، قيل له: و كيف رأيت ذلك؟

و ما أدخلك ذلك المدخل الّذي رأيت فيه هذا وحدك؟ أنت متّهم في دعواك. فإن كنت صادقا، فأنت‏ (7) في حدّ التّهمة. فلا بدّ من أدبك بالحدّ الّذي أوجبه اللّه عليك.

قال: و إنّما صارت شهادة الزّوج أربع شهادات [باللّه‏] (8) لمكان الأربعة شهداء، مكان كلّ شاهد يمين‏ (9).

و في عوالي اللآلي‏ (10) روي في الحديث أنّ هلال بن أميّة، قذف زوجته بشريك بن السّحماء (11). فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: البيّنة، و إلّا حدّ في ظهرك. فقال: يا رسول اللّه، يجد أحدنا مع امرأته رجلا يلتمس البيّنة!؟ فجعل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) نفس المصدر/ 403، ح 6.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: لا تصلح.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) ليس في س، أ.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: شاهدين.

(10) عوالي اللآلي 3/ 411، ح 1.

(11) المصدر: شحماء.

255

و آله- يقول: البيّنة و إلّا حدّ (1) في ظهرك. فقال: و الّذي بعثك بالحقّ إنّني صادق‏ (2)، و سينزل اللّه ما يبرّئ ظهري من الجلد. فنزل قوله- تعالى-: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ‏ (الآية).

وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ‏- أي: الحدّ- أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ‏ (8) فيما رماني به.

وَ الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (9) في ذلك.

و رفع الخامسة بالابتداء، و ما بعدها الخبر. أو بالعطف على «أن تشهد». و نصبها (3) حفص عطفا على «أربع».

و قرأ (4) نافع: «أن غضب اللّه» بكسر الضّاد و فتح الباء، و رفع «اللّه».

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: إنّ عبّاد البصريّ سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا حاضر-: كيف يلاعن الرّجل المرأة؟ فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

إنّ رجلا من المسلمين أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه، أ رأيت لو أنّ رجلا دخل منزله، فوجد مع امرأته رجلا يجامعها، ما كان يصنع؟ قال:

فأعرض عنه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فانصرف الرّجل. و كان ذلك الرّجل، هو الّذي ابتلي بذلك من امرأته.

قال‏ (6): فنزل الوحي من عند اللّه- عزّ و جلّ- بالحكم فيهما. فأرسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى ذلك الرّجل. فدعاه، فقال له: أنت الّذي رأيت مع امرأتك رجلا؟ فقال: نعم. فقال له: انطلق، فأتني بامرأتك، فإنّ اللّه قد أنزل الحكم فيك و فيها.

قال: فأحضرها زوجها، و أوقفهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). ثمّ قال للزّوج:

اشهد أربع شهادات باللّه إنّك لمن الصّادقين، فيما رميتها به. قال: فشهد. ثمّ قال له: اتّق اللّه، فإنّ لعنة اللّه شديدة. ثمّ قال له: اشهد الخامسة أنّ لعنة اللّه عليك إن كنت من الكاذبين. قال: فشهد. قال: فأمر به فنحي.

____________

(1) المصدر: فحدّ.

(2) المصدر: لصادق.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 119.

(5) الكافي 6/ 163، ح 4.

(6) ليس في س، أ، ن.

256

ثمّ قال للمرأة: اشهدي أربع شهادات باللّه إنّ زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به.

قال: فشهدت. ثمّ قال لها: أمسكي. فوعظها و قال لها: اتّقي اللّه، فإنّ غضب اللّه شديد.

ثمّ قال لها: اشهدي الخامسة أنّ غضب اللّه عليك، إن كان زوجك من الصّادقين فيما رماك به. قال: فشهدت. ففرّق بينهما و قال لهما: لا تجتمعا بنكاح أبدا (1) بعد ما تلاعنتما.

الحسن بن محبوب‏ (2)، عن عبّاد بن صهيب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في رجل أوقفه الإمام للعان، فشهد شهادتين ثمّ نكل، فأكذب نفسه قبل أن يفرغ من اللّعان.

قال: يجلد حدّ القاذف، و لا يفرّق بينه و بين امرأته.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا قذف الرّجل امرأته، فإنّه لا يلاعنها حتّى يقول: رأيت بين رجليها رجلا يزني بها.

قال: و سئل عن الرّجل يقذف امرأته. قال: يلاعنها ثمّ يفرّق بينهما، فلا تحلّ له أبدا.

فإذا أقرّ على نفسه قبل الملاعنة، جلد حدّا و هي‏ (4) امرأته.

قال: و سألته عن المرأة الحرّة، يقذفها زوجها و هو مملوك. قال: يلاعنها، [ثم يفرّق بينهما، فلا تحلّ له ابدا. فإن أقرّ على نفسه بعد الملاعنة، جلد حدّا و هي امرأته‏] (5).

قال: و سألته عن الحرّ تحته أمة، فيقذفها. قال: يلاعنها.

قال: و سألته عن المرأة (6) الّتي يرميها زوجها و ينتفي من ولدها و يلاعنها و يفارقها، ثمّ يقول بعد ذلك: «الولد ولدي» و يكذّب نفسه. فقال: أمّا المرأة، فلا ترجع إليه أبدا. و أمّا الولد، فإنّي أردّه إليه إذا ادّعاه و لا أدعّ ولده. و ليس له ميراث. و يرث الابن الأب، و لا يرث الأب الابن. و يكون ميراثه لأخواله. فإن لم يدّعه أبوه، فإنّ أخواله‏ (7) يرثونه و لا يرثهم.

و إن دعاه أحد ابن الزّانية، جلد الحدّ.

الحسين بن محمّد (8)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشاء (9)، عن أبان، عن‏

____________

(1) ليس في ن.

(2) نفس المصدر، ح 5.

(3) نفس المصدر/ 164، ح 6.

(4) ن: إذ هي.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: الملاعنة.

(7) ن: فأخواله.

(8) نفس المصدر/ 162، ح 2.

(9) من ن.

257

محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لا تكون الملاعنة و لا الإيلاء إلّا بعد الدّخول.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الحرّ، بينه و بين المملوكة لعان. فقال: نعم. و بين المملوك و الحرّة، و بين العبد و الأمة، و بين المسلم و اليهوديّة و النّصرانيّة. و لا يتوارثان و لا يتوارث الحرّ و المملوكة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، [عن ابن أبي عمير] (3)، عن حمّاد عن الحلبي و محمّد بن مسلم [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في رجل قذف امرأته، و هي خرساء. قال: يفرّق بينهما.

محمد بن يحيى‏ (4)] (5) عن العمركيّ بن عليّ، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل لاعن امرأته، فحلف أربع شهادات باللّه، ثمّ نكل في الخامسة.

قال: إن نكل في الخامسة، فهي امرأته و جلد. و إن نكلت المرأة عن ذلك، إذا كانت اليمين عليها، فعليها مثل ذلك.

قال: و سألته عن الملاعنة، قائما يلاعن أو قاعدا. قال: الملاعنة، و ما أشبهها من قيام.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاث من كنّ فيه، كان منافقا، و إن صام و صلّى، و زعم أنّه مسلم: من إذا اؤتمن، خان، و إذا (7) حدّث، كذب، و إذا وعد، أخلف. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال في كتابه‏ (8): إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏ و قال: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏.

____________

(1) نفس المصدر/ 164، ح 7.

(2) نفس المصدر، ح 8.

(3) ليس في س، أ.

(4) نفس المصدر/ 165، ح 12.

(5) من ن.

(6) الكافي 2/ 290- 291، ح 8.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و إن.

(8) الأنفال/ 58.

258

و في قوله‏ (1)- تعالى-: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ‏- إلى قوله تعالى:- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏، فإنّها نزلت في اللّعان.

و كان سبب ذلك أنّه‏

لمّا رجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من غزوة تبوك، جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلانيّ- و كان من الأنصار- فقال: يا رسول اللّه، إنّ امرأتي زنى بها شريك بن السّمحاء، و هي منه حامل. فأعرض عنه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فأعاد عليه القول. فأعرض عنه. حتّى فعل ذلك أربع مرّات.

فدخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منزله، فنزلت عليه آية اللّعان. فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صلّى بالنّاس العصر. ثم قال لعويمر: ائتني بأهلك، فقد أنزل اللّه- عزّ و جلّ- فيكما قرآنا. فجاء إليها، فقال لها: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يدعوك. و كانت في شرف من قومها. فجاء معها جماعة.

فلمّا دخلت المسجد، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعويمر: تقدّما الى المنبر و التعنا. فقال: كيف أصنع؟ فقال: تقدّم، و قل: أشهد باللّه إنّي‏ (3) لمن الصّادقين فيما رميتها به. فتقدّم و قالها. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعدها. فأعادها. حتّى فعل ذلك أربع مرّات. فقال له في الخامسة: عليك لعنة اللّه إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به. فقال في الخامسة، أنّ لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به.

ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّعنة موجبة (4) إن كنت كاذبا. ثم قال له: تنحّ. فتنحّى‏ (5).

ثم قال لزوجته: تشهدين كما شهد، و إلّا أقمت عليك حدّ اللّه. فنظرت في وجوه قومها. فقالت: لا أسوّد هذه الوجوه في هذه العشيّة. فتقدّمت إلى المنبر. و قالت: أشهد باللّه إنّ عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما رماني به. فقال لها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعيديها. فأعادتها، حتّى أعادتها أربع مرّات. فقال لها رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) مريم/ 54.

(2) تفسير القمي 2/ 98- 99.

(3) المصدر: إنّي إذا.

(4) المصدر: لموجبة.

(5) المصدر: فتنحّى عنه.

259

و آله-: العني نفسك في الخامسة، إن كان من الصّادقين فيما رماك به. فقالت في الخامسة، أنّ غضب اللّه عليها إن كان من الصّادقين فيما رماني به. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ويلك إنّها موجبة إن كنت كاذبة.

ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لزوجها: اذهب، فلا تحلّ لك أبدا. قال:

يا رسول اللّه، فما لي الّذي أعطيتها؟ قال: إن كنت كاذبا، فهو أبعد لك منه. و إن كنت صادقا، فهو لها بما استحللت من فرجها. ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إن جاءت بالولد أحمش السّاقين و أخفش العينين، جعد (1) قطط (2)، فهو للأمر السيّئ. و إن جاءت به أشهل أصهب‏ (3)، فهو لأبيه. فيقال: إنّها جاءت به على الأمر السيّ‏ء، فهذه لا تحلّ لزوجها. و إن جاءت بولد، لا يرثه أبوه، و ميراثه لأمّه. و إن لم يكن له أمّ، فلأخواله.

و إن قذفه أحد، جلد حدّ القاذف.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ‏ (10):

متروك الجواب للتّعظيم، أي: لفضحكم و عاجلكم بالعقوبة.

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ‏: بأبلغ ما يكون من الكذب. من الأفك، و هو:

الصّرف، لأنّه قول مأفوك عن وجهه.

قيل‏ (4): و المراد ما أفك به على عائشة. و ذلك أنّه- عليه الصّلاة و السّلام- استصحبها في بعض الغزوات. فآذن ليلة في القفول بالرّحيل، فمشت لقضاء حاجة. ثمّ عادت إلى الرّحل. فلمست صدرها، فإذا عقد من جزع ظفار (5) قد انقطع. فرجعت لتلتمسه، فظنّ الّذي كان يرحلها أنّها دخلت الهودج، فرحله على مطيّتها و سار. فلمّا

____________

(1) الأحمش: الدّقيق السّاقين. و الخفش: صغر العين و ضعف البصر خلقة. و الجعد من الشّعر: ما فيه التواء و تقبّض، أو القصير منه. و القطط:

القصير الجعد من الشّعر.

(2) الشّهل: أن يشوب سواد العين زرقة.

و الأصهب: ما يخالط بياض شعره حمرة.

(3) في هامش نسخة «م»:

يقال للكريم من الرّجال: جعد و جعد و قطط، أي: شديد الجعودة. و قد قطط شعره بالكسر. و شعر جعد: بيّن الجعودة. و الجعودة: ضدّ السّبط. و شعر سبط و سبط مثال كنيف و فرس، أي: مسترسل.

(خ ص)

(4) أنوار التنزيل 2/ 119.

(5) الجزع: ضرب من العقيق يعرف بخطوط متوازية مستديرة مختلفة الألوان، و الحجر في جملته بلون الظّفر.

260

عادت إلى منزلها، لم تجد ثمّ‏ (1) أحدا. فجلست كي يرجع إليها منشد، و كان صفوان بن المعطّل السلمي قد عرس‏ (2) وراء الجيش. فأدلج‏ (3)، فأصبح عند منزلها، فعرفها. فأناخ راحلته فركبتها. فقادها، حتّى أتيا الجيش، فاتّهمت به.

عُصْبَةٌ مِنْكُمْ‏: جماعة.

و قيل‏ (4): هي من العشرة إلى الأربعين. و كذلك العصابة. يريد عبد اللّه بن أبيّ، و زيد بن رفاعة، و حسّان بن ثابت، و مسطح بن أثاثة، و حمنة بنت جحش، و من ساعدهم. و هي خبر «إنّ». و قوله:

لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ‏ مستأنف. و الخطاب لرسول اللّه و أبي بكر و عائشة و صفوان. و الهاء للإفك.

بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏ لاكتسابكم به الثّواب العظيم، و ظهور كرامتكم على اللّه، بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم و تعظيم شأنكم و تهويل الوعيد لمن تكلّم فيكم، و الثّناء على من ظنّ بكم خيرا.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (5): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏،

فإنّ العامّة روت‏ أنّها نزلت في عائشة، و ما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

و أمّا الخاصّة، فإنّهم رووا أنّها نزلت في مارية القبطيّة، و ما رمتها به عائشة.

حدّثنا (6) محمّد بن جعفر [قال: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، قال: حدّثني عبد اللّه‏ (7) بن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)-] (8) يقول: لمّا أهلك‏ (9) إبراهيم ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حزن عليه حزنا شديدا.

فقالت عائشة: ما الّذي يحزنك عليه؟ فما هو إلّا ابن جريح!

____________

(1) أي: هناك.

(2) عرس بالمكان: لزمه و أدام به.

(3) أدلج: سار من أوّل اللّيل.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 99.

(6) نفس المصدر/ 99- 100.

(7) المصدر: محمد- خ ل.

(8) ليس في أ.

(9) المصدر: مات.

261

فبعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- و أمره بقتله.

فذهب عليّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- اليه و معه السّيف. و كان جريح القبطيّ في حائط.

فضرب عليّ- (صلوات اللّه عليه)- باب البستان، فأقبل اليه جريح ليفتح له الباب. فلما رأى عليّا- (عليه السلام)- عرف في وجهه الغضب، فأدبر راجعا و لم يفتح باب البستان.

فوثب عليّ- (عليه السلام)- على الحائط، و نزل إلى البستان، و اتّبعه، و ولّى جريح مدبرا. فلمّا خشي أن يرهقه، صعد في نخلة و صعد عليّ‏ (1) في أثره. فلمّا دنا منه، رمى بنفسه من فوق النّخلة. فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرّجال و لا له ما للنّساء.

فانصرف عليّ- (عليه السلام)- إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: يا رسول اللّه! إذا بعثتني في الأمر، أكون فيه كالمسمار المحميّ في الوبر (2)، أم أثبت؟ قال:

فقال: لا بل اثبت. فقال‏ (3): و الّذي بعثك بالحقّ، ما له ما للرّجال و ما له ما للنّساء. فقال [رسول اللّه‏] (4): الحمد للّه الّذي صرف عنّا السّوء أهل البيت‏ (5).

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ‏: لكلّ جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه، مختصّا به.

وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ‏: أي تحمّل معظمه.

و قرأ (6) يعقوب بالضّمّ، و هو لغة فيه.

مِنْهُمْ‏: من الخائضين.

قيل‏ (7): هو ابن أبيّ، فإنّه بدأ به و أذاعه عداوة لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و قال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتّى أصبحت. ثمّ جاء (8) يقودها و اللّه ما نجت منه و لا نجا منها.] (9)

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: الوتر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: قال له: بل تثبت. قال.

(4) من المصدر.

(5) في هامش نسخة «م»:

عدم الإتيان بالشّهود لا يستزلم الكذب، لأنّ الصّادق قد يعجز عن البيّنة، فلا بدّ أن يكون المراد الحكم الظّاهريّ.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 120.

(8) من ع.

(9) ليس في المصدر.

262

و قيل‏ (1): هو (2) حسّان و مسطح، فإنّهما شايعاه بالتّصريح به. و «الّذي» بمعنى «الّذين».

لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (11) في الآخرة، أو في الدّنيا بأن جلدوا.

و صار ابن أبيّ مطرودا مشهورا بالنّفاق، و حسّان أعمى أشلّ اليدين، و مسطح مكفوف البصر. و هذا بناء على ما روته العامّة في سبب النّزول.

و أمّا على ما روته الخاصّة، فالمراد ب الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ‏ عائشة. و التّذكير لتأويلها بالمفتري و القاذف. و عدم التّصريح، للتّصريح بأنّ أمثالها ممّن تشرّفت بازدواج النّبيّ، ينبغي أن لا يصرّح بانتسابها بأمثال ذلك، فضلا عن اتّصافها بها صريحا. و في ذلك زيادة تقريع و توبيخ لها على ذلك.

لَوْ لا: هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً:

بالّذين منهم من المؤمنين و المؤمنات، كقوله‏ (3) تعالى: وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ‏.

و إنّما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة، مبالغة في التّوبيخ، و إشعارا بأنّ الإيمان يقتضي ظنّ الخير بالمؤمنين، و الكفّ عن الطّعن فيهم، و ذبّ الطّاعنين عنهم، كما يذبّونهم عن أنفسهم.

و إنّما جاز الفصل بين «لولا» و فعله بالظّرف، لأنّه منزّل منزلته، من حيث إنّه لا ينفكّ عنه. و لذلك يتّسع فيه ما لا يتّسع في غيره. و ذلك لأنّ ذكر الظّرف أهمّ، فإنّ التّحضيض على أن لا يخلو بأوّله.

وَ قالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ‏ (12): كما يقول المتيقّن المطّلع على الحال.

لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ‏ (13):

من جملة المقول، تقريرا لكونه كذبا، فإنّ مالا حجّة عليه مكذّب عند اللّه، أي في حكمه. و لذلك رتّب الحدّ عليه.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ:

لو لا هذه لامتناع الشّي‏ء لوجود غيره. و المعنى: و لو لا فضل اللّه عليكم في الدّنيا

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: هو و.

(3) الحجرات/ 11.

263

بأنواع النّعم الّتي من جملتها الإمهال للتّوبة، و رحمته في الآخرة بالعفو و المغفرة المقدّران لكم.

لَمَسَّكُمْ‏: عاجلا فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ‏: خضتم فيه‏ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (14) يستحقر دونه اللّوم و الجلد.

إِذْ:

ظرف ل «مسّكم» أو «أفضتم».

تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ‏: يأخذه بعضكم من بعض بالسّؤال عنه. يقال: تلقّى القول و تلقّفه و تلقّنه.

و قرئ‏ (1): «تتلقّونه» على الأصل. و «تلقون» من لقيه: [إذا لقفه‏]. و «تلقونه» بكسر حرف المضارعة. [و «تلقونه» من إلقائه بعضهم على بعض‏]. (2) و «تلقونه».

و «تألقونه» من الألق و الإلق، و هو الكذب. و «تثقفونه» من ثقفته: إذا طلبته فوجدته.

و «تقفونه»، أي تتّبعونه.

وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ‏، أي: و تقولون كلاما مختصّا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب، لانّه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم. كقوله‏ (3):

يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ‏.

وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً: سهلا لا تبعة له.

وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏ (15): في الوزر و استجرار العذاب.

فهذه ثلاثة آثام مترتّبة علّق بها مسّ العذاب العظيم: تلقّي الإفك بألسنتهم، و التّحدّث به من غير تحقّق، و استصغارهم لذلك، و هو عند اللّه عظيم.

و في مصباح الشّريعة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: لا تدع اليقين بالشّكّ و المكشوف بالخفيّ و لا تحكم على ما لم تره بما يروى لك عنه‏ (5). و قد عظّم اللّه- عزّ و جلّ- أمر الغيبة و سوء الظّنّ بإخوانك من المؤمنين، فكيف بالجرأة على إطلاق قول و اعتقاد بزور (6) و بهتان في أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال اللّه- تعالى-: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) آل عمران/ 167.

(4) مصباح الشريعة/ 67.

(5) المصدر: تروى عنه.

(6) المصدر: زور.

264

. وَ لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا: ما ينبغي و ما يصحّ لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا.

قيل‏ (1): يجوز أن تكون الإشارة إلى القول المخصوص، و أن تكون إلى نوعه. فإنّ قذف آحاد النّاس محرّم شرعا.

سُبْحانَكَ‏:

تعجّب ممّن يقول ذلك. و أصله أنّه يذكر عند كلّ متعجّب، تنزيها للّه- تعالى- من أن يصعب عليه مثله، ثمّ كثر، فاستعمل لكلّ متعجّب. أو تنزيه للّه- تعالى- من أن تكون حرمة نبيّه فاجرة، فإنّ فجورها ينفر عنه و مخلّ بمقصود الزّواج، بخلاف كفرها كامرأة نوح. فيكون تقريرا لما قبله و تمهيدا لقوله:

هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ‏ (16) لعظمة المبهوت عليه، فإنّ حقارة الذّنوب و عظمها، باعتبار متعلّقاتها.

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ‏: كراهة أن تعودوا، أو في أن تعودوا.

أَبَداً ما دمتم أحياء مكلّفين.

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (17):

فإنّ الإيمان يمنع عنه. و فيه تهييج و تقريع.

وَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ‏: الدّالّة على الشّرائع و محاسن الآداب، كي تتّعظوا و تتأدّبوا.

وَ اللَّهُ عَلِيمٌ‏: بالأحوال كلّها.

حَكِيمٌ‏ (18): في تدابيره. و لا يجوّز الكشخنة على نبيّه، و لا يقرّره عليها.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ‏: يريدون‏ أَنْ تَشِيعَ‏: أن تنتشر الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ الحدّ و السّعير، إلى غير ذلك.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (2) بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 121.

(2) ثواب الأعمال/ 295، ح 1.

265

قلت له: جعلت فداك، الرّجل من إخواني بلغني‏ (1) عنه الشّي‏ء الّذي أكرهه‏ (2)، فأسأله عنه، فينكر ذلك، و قد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال لي: يا محمّد، كذّب سمعك و بصرك عن أخيك. و إن شهد عندك خمسون قسامة، و قال لك قولا، فصدّقه و كذّبهم.

و لا تذيعنّ عليه شيئا تشينه به و تهدم به مروءته، فتكون من الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.

و في روضة الكافي‏ (3): سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)‏- مثل ما في كتاب ثواب الأعمال.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه، و سمعته أذناه، فهو من الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

و بإسناده‏ (5) إلى إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أذاع فاحشة، كان كمبتدئها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه، و سمعت‏ (7) أذناه، كان من الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ- فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.

و في أمالي الصّدوق‏ (8)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- [قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار] (9) قال: حدّثنا أيّوب بن نوح، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير قال: حدّثنا محمّد بن حمران، عن الصّادق جعفر بن محمّد

____________

(1) المصدر: يبلغني.

(2) المصدر: اكره له.

(3) الكافي 8/ 147، ح 125.

(4) نفس المصدر 2/ 357، ح 2.

(5) نفس المصدر/ 356، ح 2.

(6) تفسير القمي 2/ 100.

(7) المصدر: ما سمعت.

(8) أمالي الصدوق/ 276، ح 16.

(9) ليس في م.

266

- (عليهما السلام)- قال: من قال في أخيه المؤمن ما رأته عيناه، و سمعته أذناه، فهو ممّن قال اللّه- جلّ جلاله-: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ‏: ما في الضّمائر. وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (19): ذلك.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ‏:

تكرير للمنّة، بترك المعاجلة في العقاب، للدّلالة على عظيم الجريمة.

و لذا عطف قوله: وَ أَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (20): على حصول فضله و رحمة عليهم، و حذف الجواب، و هو مستغنى عنه، لذكره مرّة.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ‏ قيل‏ (1): بإشاعة الفاحشة.

و قيل‏ (2): آثاره و طرقه الّتي تؤدّي إلى مرضاته.

و قيل‏ (3): وساوسه.

و قرأ (4): نافع و البزّي و أبو عمرو و أبو بكر و حمزة بسكونها.

و قرئ‏ (5) بفتح الطّاء.

و في مجمع البيان‏ (6): و روي عن عليّ- (عليه السلام)‏- خطئات بالهمزة.

وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ:

بيان لعلّة النّهي عن اتّباعه.

و قيل‏ (7): الفحشاء: ما أفرط قبحه. و المنكر: ما أنكره الشّرع.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ‏ بتوفيق التّوبة الماحية للذّنوب، و شرع الحدود المكفّرة لها ما زَكى‏: ما طهر من دنسها مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً: آخر الدّهر.

وَ لكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ بحمله على التّوبة و قبولها.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 121.

2 و 3- مجمع البيان 4/ 133.

(4) أنوار التنزيل 2/ 121.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) مجمع البيان 1/ 251.

(7) أنوار التنزيل 2/ 121.

267

وَ اللَّهُ سَمِيعٌ‏: لمقالتهم‏ عَلِيمٌ‏ (21) بنيّاتهم و أفعالهم و أحوالهم.

و في الآية دلالة على أنّ اللّه- سبحانه- يريد من خلقه خلاف ما يريده الشّيطان.

و فيها دلالة على أنّ أحدا لا يصلح إلّا بلطفه.

وَ لا يَأْتَلِ‏: و لا يحلف. افتعال من الأليّة، أو لا يقصّر من الألو. و يؤيّد الأوّل، أنّه قرئ‏ (1): «و لا يتأل».

أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ‏ في الدّين‏ وَ السَّعَةِ في المال‏ أَنْ يُؤْتُوا: على أن لا يؤتوا. أو: في أن يؤتوا.

و قرئ‏ (2) بالتّاء على الالتفات.

أُولِي الْقُرْبى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏:

صفات لموصوف واحد- أي ناسا جامعين لها، لأنّ الكلام فيمن كان كذلك- أو لموصوفات أقيمت مقامها، فيكون أبلغ في تعليل المقصود.

وَ لْيَعْفُوا: [ما فرط منهم‏] (3).

وَ لْيَصْفَحُوا: بالإغماض عنه.

أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ‏ على عفوكم و صفحكم و إحسانكم إلى من أساء إليكم.

و في مجمع البيان‏ (4): و روي عن النّبيّ‏ (5)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «و لتعفوا و لتصفحوا» بالتّاء. كما روي بالياء أيضا.

و في نهج البلاغة (6): من كلام له- (عليه السلام)- على سبيل الوصيّة: إنّ أبق فأنا وليّ دمي. و إن أفن، فالفناء ميعادي. و إن أعف، فالعفو لي قربة، و لكم‏ (7) حسنة، فاعفوا.

ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم!؟

و في كتاب المناقب‏ (8) لابن شهر آشوب، في مناقب زين العابدين- (عليه السلام)-: و كان إذا دخل شهر رمضان، يكتب على غلمانه ذنوبهم، حتّى إذا كان آخر ليلة

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 122.

(3) ليس في م.

(4) مجمع البيان 4/ 133.

(5) المصدر: روي عن علي- (عليه السلام).

(6) نهج البلاغة/ 378، الكتاب 23.

(7) المصدر: و هو لكم.

(8) المناقب 4/ 158.

268

دعاهم. ثمّ أظهر الكتاب، و قال: يا فلان، فعلت كذا و لم أؤدّبك‏ (1). فيقروّن أجمع. فيقوم وسطهم، و يقول لهم: ارفعوا أصواتكم و قولوا: يا عليّ بن الحسين! ربّك قد أحصى عليك ما عملت، كما أحصيت علينا. ولديه كتاب ينطق بالحقّ لا يغادر صغيرة و لا كبيرة.

فاذكر ذلّ مقامك بين يدي ربّك، الّذي لا يظلم مثقال ذرّة وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً (2).

فاعف و اصفح، يعف عنك المليك- لقوله تعالى-: وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا، أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ‏. و يبكي و ينوح.

وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (22) مع كمال قدرته. فتخلّقوا بأخلاقه!

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى‏: و هم قرابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و اليتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا. يقول: يعفو بعضكم عن بعض، و يصفح [بعضكم بعضا] (4). فإذا فعلتم، كانت رحمة من اللّه لكم. يقول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

و في مجمع البيان‏ (5): قيل: إنّ قوله: وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ‏ (الآية) نزلت في أبي بكر و مسطح بن أثاثة، و كان ابن خالة أبي بكر، و كان من المهاجرين و من جملة البدريّين. و كان فقيرا، و كان أبو بكر يجري‏ (6) عليه و يقوم بنفقته. فلمّا خاض في الإفك، قطعها و حلف أن لا ينفعه بنفع أبدا. فلمّا نزلت الآية، عاد أبو بكر إلى ما كان و قال:

و اللّه إنّي لأحبّ أن يغفر اللّه لي. و اللّه لا أنزعها عنه أبدا. عن ابن عبّاس و عائشة و ابن زيد.

و قيل‏ (7): نزلت في يتيم كان في حجر أبي بكر، حلف لا ينفق عليه. عن الحسن و مجاهد.

____________

(1) المصدر: أوذيك.

(2) كلامه (عليه السلام) يشير إلى ما ورد في الآيات: المؤمنون/ 62، الكهف/ 49، النساء/ 40، و الفتح/ 28.

(3) تفسير القمي 2/ 100.

(4) ليس في المصدر.

(5) مجمع البيان 4/ 133.

(6) المصدر: يجتري.

(7) نفس المصدر و الموضع.

269

و قيل‏ (1): نزلت في جماعة من الصّحابة أقسموا على أن لا يتصدّقوا على رجل تكلّم بشي‏ء من الإفك و لا يواسوهم. عن ابن عبّاس و غيره. انتهى.

و البيضاويّ، بعد أن قال: «نزلت الآية في أبي بكر» و. فسّر أولي الفضل بأولي الفضل في الدّين، قال‏ (2): «و فيه دليل على فضل أبي بكر و شرفه». و لم يعلم أنّ ذلك لا يدلّ عليه، إلّا إذا كانت الإضافة في أولي الفضل للعهد و الإشارة إليه، و لم يعهد ذلك سابقا. فالمراد أنّ من كان ذا فضل بحسب الدّين، يجب عليه ذلك. و لا يلزم منه أنّ كلّ من عمل به، كان ذا فضل بحسب الدين، لجواز أن يكون الباعث على العمل به ادّعاؤه كونه ذا فضل منه، و إن كان في الواقع بخلافه.

بل يمكن أن يقال: فيه إشعار بخلاف ما ادّعاه و عدم فضله بحسبه في الواقع. لأنّ الدّاعي إلى الإنفاق على أولي القربى و غيرهم، هو السّعة في المال. فلو كان له فضل بحسب الدّين، لكفاه أن يقال: «و لا يأتل أولي السّعة». فلمّا لم يكن له ذلك، و يحتمل عدم امتثاله لعدم داع قويّ إلى ذلك، و أمكنه المعذرة بانتفاء السّعة الفاضلة عن كفافه الصّالحة لذلك- مع أنّ كونه ذا سعة، لا يوافق غرضه كمال المناسبة- أكّده بضمّ «الفضل» الدّالّ بحسب الظّاهر على الفضل في الدّين، ليدعوه ادّعاؤه اندراجه فيه إلى الامتثال.

و الحاصل أنّه لو لم يكن المقصود في الآية، الإشعار بكون أبي بكر غير ذي فضل بحسب الدّين، لزم الاستدراك بقوله- عزّ و جلّ-: «أولي الفضل»، و هو محال. فالواجب أن يكون هو لذلك الإشعار. و ظهر أن حبّ أبي بكر، أعمى و أصمّ ذلك الفاضل بحسبه.

وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ‏ العفائف‏ الْغافِلاتِ‏ ممّا قذفن به‏ الْمُؤْمِناتِ‏ باللّه و برسوله، استباحة لعرضهنّ و طعنا في الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المؤمنين‏ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ: أبعدوا عن الرّحمة في الدّارين، كما طعنوا فيهنّ.

وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (23): لعظم ذنوبهم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 122.

270

و قيل‏ (1): هو حكم كلّ قاذف، ما لم يتب.

و قيل‏ (2): مخصوص بمن قذف أزواج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ‏:

ظرف لما في «لهم»، من معنى الاستقرار لا للعذاب، لأنّه موصوف.

و قرأ حمزة و الكسائيّ‏ (3) بالياء، للفصل‏ (4).

أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (24): يعترفون بها بإنطاق اللّه إيّاها بغير اختيارهم، أو بظهور آثاره عليها.

و في ذلك مزيد تهويل للعذاب.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين‏ (6) بن ميمون، عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: و نزل بالمدينة (7): وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

فبرّأه اللّه ما كان مقيما على الفرية من أن يسمّى بالإيمان. قال اللّه‏ (8)- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏.

و جعله اللّه- عزّ و جلّ- منافقا. قال اللّه‏ (9)- عزّ و جلّ-: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏.

و جعله- عزّ و جلّ- من أولياء إبليس، قال‏ (10): إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏.

و جعله ملعونا، فقال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 122.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: للتقدم و الفصل.

(5) الكافي 2/ 32، ح 1.

(6) س، أ، ن: الحسن.

(7) النور/ 4 و 5.

(8) السجدة/ 18.

(9) التوبة/ 67.

(10) الكهف/ 50.

271

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

و ليست تشهد الجوارح على مؤمن. إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب. فأمّا المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه. قال اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

(2).

و في مصباح الشّريعة: قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: و اجعل ذهابك و مجيئك في طاعة اللّه و السّعي في رضاه. فإنّ حركاتك كلّها مكتوبة في صحيفتك. قال اللّه- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَ‏: جزاءهم المستحقّ.

وَ يَعْلَمُونَ‏ لمعاينتهم الأمر أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ‏ (25): الثّابت بذاته، الظّاهر ألوهيّته، لا يشاركه في ذلك غيره، و لا يقدر على الثّواب و العقاب سواه. أو: ذو الحقّ المبين، أي: العادل الظّاهر عدله. و من كان هذا شأنه، ينتقم من الظّالم للمظلوم، لا محالة.

الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ‏، أي: الخبائث يتزوجن الخباث و بالعكس. و كذلك أهل الطّيب.

و في روضة الكافي‏ (3): أحمد بن محمّد [بن أحمد] (4)، عن عليّ بن الحسين الميثميّ‏ (5)، عن محمّد بن عبد اللّه، عن زرارة، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ الرجل من الشّيعة: أنتم الطّيّبون و نساؤكم الطّيّبات.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (6): في معناه أقوال- إلى قوله:

الثّالث:

الخبيثات من النّساء للخبيثين من الرّجال. و الخبيثون من الرّجال للخبيثات من النّساء. و الطّيّبات من النّساء للطّيّبين من الرّجال. و الطّيّبون من الرّجال للطّيّبات من النّساء. عن أبي مسلم و الجبّائيّ. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه‏

____________

(1) الإسراء/ 71.

(2) مصباح الشريعة/ 12، الباب الرابع.

(3) الكافي 8/ 365، ح 556.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: عليّ بن الحسن التيمي.

(6) مجمع البيان 4/ 135.

272

- (عليهما السلام). قالا: هي مثل قوله‏ (1): الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً (الآية).

لأنّ‏ (2) أناسا همّوا أن يتزوّجوا منهنّ، فنهاهم اللّه عن ذلك، و كره ذلك لهم.

و قيل‏ (3): إنّ الخبيثات من الكلم، للخبثين من الرّجال. و الخبيثون من الرّجال، للخبيثات من الكلم. و كذلك أهل الطّيب.

و قيل‏ (4): الخبيثات من السّيّئات للخبيثين من الرجال. و الخبيثون من الرجال للخبيثات من السيئات. و الطّيّبات من الحسنات للطّيّبين من الرّجال. و الطيّبون من الرجال للطيّبات من الحسنات.

أُولئِكَ‏: [اهل بيت الرسول، أو الرسول و عائشة و صفوان، أو الطيّبون و الطيّبات‏] (5) مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ‏: ممّا يقوله الآفكون. أو: ممّا يقوله أو يعمله الخبيثون و الخبيثات.

لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ (26): يعني في الجنّة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه- و قد قام من مجلس معاوية و أصحابه، بعد أن ألقمهم الحجر-:

الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ‏. هم- و اللّه، يا معاوية!- أنت و أصحابك هؤلاء و شيعتك. وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏. هم عليّ بن أبي طالب و أصحابه و شيعته.

و في كتاب الخصال‏ (7)، عن عبد اللّه بن عمر و أبي هريرة، قالا: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا طاب قلب المرء، طاب جسده. و إذا خبث القلب، خبث الجسد.

قيل‏ (8): و لقد برّأ اللّه- تعالى- أربعة بأربعة: برّأ يوسف- (عليه السلام)- بشاهد من أهلها. و موسى- (عليه السلام)- من قول اليهود فيه، بالحجر الّذي ذهب بثوبه. و مريم‏

____________

(1) النور/ 3.

(2) المصدر: انّ.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ع، أ.

(6) الاحتجاج/ 278.

(7) الخصال 1/ 31، ح 110.

(8) أنوار التنزيل 2/ 223.

273

- (عليها السلام)- بإنطاق ولدها. و عائشة بهذه الآيات الكريمة مع هذه المبالغات. و ما ذلك إلّا لإظهار منصب الرّسول، و إعلاء منزلته- (صلّى اللّه عليه و آله).

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ‏ الّتي تسكنونها، فإن الآجر و المعير أيضا لا يدخلان إلّا بإذن.

حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا: تستأذنوا (1).

من الاستئناس بمعنى الاستعلام. من: آنس الشّي‏ء: إذا أبصره. فإنّ المستأذن، مستعلم للحال، مستكشف أنّه هل يرد دخوله، أي يؤذن له؟ أو من الاستئناس الّذي هو خلاف الاستيحاش. فإنّ المستأذن، مستوحش خائف أن لا يؤذن له. فإذا أذن له، استأنس. أو: تتعرّفوا هل ثمّ إنسان من الإنس؟

وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ أَهْلِها: بأن تقولوا: السّلام عليكم، أ أدخل؟

و عنه‏ (2)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: التّسليم، أن يقول: السّلام عليكم أ أدخل؟ ثلاث مرّات. فإن أذن له، دخل، و إلّا، رجع.

و في كتاب معناى الأخبار (3): حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد [بن الوليد قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، و محسن بن أحمد، عن أبان الأحمر] (4) عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ أَهْلِها. قال: الاستئناس، وقع النّعل و التّسليم.

و في مجمع البيان‏ (5): عن أبي أيّوب الأنصاريّ، قال: قلنا: يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما الاستئناس؟ قال: يتكلّم الرّجل بالتّسبيحة و التّحميدة و التّكبيرة، يتنحنح على أهل البيت.

و عن سهل بن سعيد (6)، قال: اطّلع رجل في حجرة من حجر رسول اللّه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه مدريّ‏ (7) يحكّ به رأسه-: لو أعلم أنّك تنظر، لطعنت به‏

____________

(1) ليس في م.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) معاني الاخبار/ 163 ح 1.

(4) من المصدر. و في النسخ بدلها: مرفوعا.

(5) مجمع البيان 4/ 135- 136.

(6) نفس المصدر و الموضع. و فيه: سهل بن سعد.

(7) أي: مشط.

274

في عينيك. إنّما الاستئذان من النّظر.

و روي‏ (1) أنّ رجلا قال للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أستأذن على أمّي؟ فقال:

نعم. قال: إنّها ليس لها خادم غيري، أ فأستأذن عليها كلّما دخلت؟ قال: أ تحبّ أن تراها عريانة؟ قال الرّجل: لا قال: فاستأذن عليها.

و روي‏ (2) أنّ رجلا أستأذن على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فتنحنح. فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)- لامرأة- يقال لها روضة-: قومي إلى هذا، فعلّميه و قولي له:

قل: السّلام عليكم، أدخل؟ فسمعها الرّجل، فقالها. فقال: ادخل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني عليّ بن الحسين قال: حدّثني أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، [عن أبان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الاستئناس، وقع النّعل و التّسليم.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن‏] (5) هارون بن الجهم عن جعفر [بن عمر] (6) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يدخل الرّجل‏ (7) على النّساء، إلّا بإذن أوليائهنّ.

عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يستأذن الرّجل إذا دخل على أبيه. و لا يستأذن الأب على الابن. قال: و يستأذن الرّجل على ابنته و أخته إذا كانتا متزوّجتين.

أحمد بن محمّد (9)، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الرّجل يستأذن على أبيه؟ فقال: نعم. و قد كنت أستأذن على أبي، و ليست أمّي عنده، و إنّما هي امرأة أبي. توفّيت أمّي و أنا غلام. و قد يكون من خلوتهما مالا أحبّ أن أفاجئهما عليه، و لا يحبّان ذلك منّي. و السّلام أصوب و أحسن.

عدّة من أصحابنا (10)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن إسماعيل بن مهران، عن عبيد بن‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 101.

(4) الكافي 5/ 528، ح 2.

(5) ليس في م.

(6) ليس في ن.

(7) المصدر: الرجال.

(8) نفس المصدر، ح 3.

(9) نفس المصدر، ح 4.

(10) نفس المصدر، ح 5.

275

معاوية بن شريح، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، [عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (1) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، قال: خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يريد فاطمة- (عليها السلام)- و أنا معه.

فلمّا انتهيت إلى الباب، وضع يده عليه، فدفعه. ثمّ قال: السّلام عليكم. فقالت فاطمة:

عليك السّلام يا رسول اللّه.

قال: أدخل؟ قال: قالت: ادخل يا رسول اللّه.

قال: أدخل أنا و من معي؟ قالت: يا رسول اللّه، ليس عليّ قناع.

فقال: يا فاطمة، خذي فضل مفحفتك، فقنّعي به رأسك. ففعلت، ثمّ قال: السّلام عليكم. فقالت فاطمة: و عليك السّلام يا رسول اللّه.

قال: أدخل؟ قالت: نعم، يا رسول اللّه.

قال: أنا و من معي؟ قالت: و من معك.

قال جابر: فدخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و دخلت. فإذا (2) وجه فاطمة- (عليهما السلام)- اصفر، كأنّه بطن جرادة.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: مالي أرى وجهك اصفر؟ قالت: يا رسول اللّه، الجوع! فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهم مشبع الجوعة و دافع الضيعة، أشبع فاطمة بنت محمّد.

قال جابر: فو اللّه لنظرت إلى الدّم ينحدر من قصاصها، حتّى عاد وجهها أحمر. فما جاعت بعد ذلك اليوم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): و روي عن جرّاح المدائنيّ قال‏ سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن دار فيها ثلاث أبيات، و ليس لهنّ حجر. قال: إنّما الإذن على البيوت. ليس على الدّار إذن.

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ‏، أي: الاستئذان و التّسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة، أو على تحيّة الجاهليّة.

كان الرّجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته، قال: «حيّيتم صباحا، و حيّيتم مساء»

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: و إذا.

(3) الفقيه 3/ 154، ح 677.

276

و دخل. فربّما أصاب الرّجل مع امرأته [في لحاف‏] (1).

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (27):

متعلّق بمحذوف، أي: أنزل عليكم. أو: قيل لكم هذا، إرادة أن تذكّروا، و تعملوا بما هو أصلح لكم.

فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً يأذن لكم، فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ‏: حتّى يأتي من يأذن لكم.

فإنّ المانع من الدّخول ليس الاطّلاع على العورات فقط، بل و على ما يخفيه النّاس عادة. مع أنّ التّصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور و استثني ما إذا عرض فيه حرق أو غرق، أو كان فيه منكر و نحوها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ثمّ أدّب اللّه- عزّ و جلّ- خلقه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ‏- إلى قوله:- فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ‏. قال:

معناه: فإنّ لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم، فلا تدخلوها حتّى يؤذن لكم.

وَ إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا و لا تلحّوا.

هُوَ أَزْكى‏ لَكُمْ‏: الرّجوع أطهر لكم، عمّا لا يخلو الإلحاح و الوقوف على الباب عنه، من الكراهة و ترك المروءة. أو: أنفع لدينكم و دنياكم.

وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏ (28): فيعلم ما تأتون و ما تذرون ممّا خوطبتم به، فيجازيكم عليه.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ، كالرّبط و الخانات و الحوانيت.

فِيها مَتاعٌ‏: استمتاع‏ لَكُمْ‏، كالاستكنان من الحرّ و البرد، و إيواء الأمتعة و الجلوس للمعاملة.

و ذلك استثناء من الحكم السّابق، لشموله البيوت المسكونة و غيرها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): ثمّ رخّص اللّه- تعالى- فقال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ‏.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: هي‏

____________

(1) ليس في ن. و في أ: في فراشه.

(2) تفسير القمي 2/ 100.

(3) تفسير القمي 2/ 101.

277

الحمّامات و الخانات و الأرحية، تدخلها بغير إذن.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ‏ (29):

و عيد لمن دخل مدخلا لفساد، أو تطّلع على عورات.

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏: أي ما يكون نحو محرّم.

وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏ إلّا على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم.

و لمّا كان المستثنى منه كالشّاذّ النّادر- بخلاف الغضّ- أطلقه، و قيدّ الغضّ بحرف التّبعيض.

و قيل‏ (1): حفظ الفروج هاهنا خاصّة سترها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله- عزّ و جلّ-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏.

فإنّه حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه قال: كلّ آية في القرآن في ذكر الفروج، فهو من الزّنا، إلّا هذه الآية، فإنّها من النّظر.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّة لابنه محمّد بن الحنفيّة: و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم اللّه- عزّ و جلّ- عليه. فقال- عزّ من قائل-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏ فحرّم أن ينظر أحد إلى فرج غيره.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما للرّجل أن يرى من المرأة إذا لم تكن له‏ (5) بمحرم؟ قال: الوجه و الكفّين و القدمين.

و فيه‏ (6): و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا عليّ، أوّل نظرة لك. و الثّانية عليك، لا لك.

و فيه أيضا (7) فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 124.

(2) تفسير القمّي 2/ 101.

(3) الفقيه 2/ 382، ح 1627.

(4) الخصال/ 302، ح 78.

(5) المصدر: لم يكن لها.

(6) نفس المصدر/ 306، ح 84.

(7) نفس المصدر/ 629، 630، 632، 637، من حديث أربعمائة.

278

ليس في البدن شي‏ء أقلّ شكرا من العين. فلا تعطوها سؤلها، فتشغلكم عن ذكر اللّه.

إذا تعرّى الرّجل نظر الشّيطان إليه، و طمع فيه، فاستتروا.

ليس للرّجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه‏ (1) و يجلس بين قوم.

لكم أوّل نظرة إلى المرأة، فلا تتبعوها بنظرة أخرى و احذروا الفتنة.

إذا أحدكم امرأة تعجبه، فليأت أهله، فإنّ عند أهله مثل ما رأى. و لا يجعلنّ للشّيطان إلى قلبه سبيلا. و ليصرف بصره عنها. فإذا لم تكن له زوجة، فليصلّ ركعتين، و يحمد اللّه كثيرا، و يصلّي على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ يسأل‏ (2) اللّه من فضله.

فإنّه يبيح له برأفته و برحمته‏ (3) ما يغنيه.

عن جعفر بن محمّد (4)، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كلّ عين باكية يوم القيامة، إلّا ثلاث أعين: عين بكت من خشية اللّه، و عين غضّت عن محارم اللّه، و عين باتت ساهرة في سبيل اللّه.

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (5)، قال: أربعة لا يشبعن من أربعة: الأرض من المطر، و العين من النّظر (الحديث).

عن الحسين بن عليّ‏ (6)، قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للشّاميّ الّذي سأله عن المسائل في جامع الكوفة: أربعة لا يشبعن من أربعة- و ذكر كالسّابق.

عن أبي عبد اللّه‏ (7)- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من سلم من نساء أمّتي من أربع خصال، فلها الجنّة: إذا حفظت ما بين رجليها، و أطاعت زوجها، و صلّت خمسها، و صامت شهرها.

و في قرب الإسناد للحميريّ‏ (8): أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن الرّجل، أ يحلّ له أن ينظر إلى شعر أخت امرأته؟ فقال: لا، إلّا أن تكون من القواعد. قلت له: أخت امرأته و الغريبة سواء؟ قال: نعم. قلت: فما لي النّظر إليه منها؟

____________

(1) المصدر: فخذه.

(2) المصدر: ليسأل.

(3) ليس في المصدر.

(4) نفس المصدر/ 98، ح 46.

(5) نفس المصدر/ 221، ح 47.

(6) نفس المصدر/ 222، ح 48.

(7) نفس المصدر/ 224، ح 54.

(8) قرب الاسناد/ 160.

279

فقال: شعرها (1) و ذراعها.

و قال‏ (2): إنّ أبا جعفر مرّ بامرأة محرمة، و قد استترت بمروحة على وجهها. فأماط المروحة بقضيبه‏ (3) عن وجهها.

و بإسناده‏ (4) إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل، ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة الّتي لا تحلّ له؟ قال: الوجه و الكفّ و موضع السّوار.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن سويد قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: إنّي مبتلى بالنّظر إلى المرأة الجميلة، يعجبني النّظر إليها. فقال لي: يا عليّ! لا بأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصّدق. و إيّاك و الزّنا، فإنّه يمحق البركة و يهلك الدّين.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا حرمة لنساء أهل الذّمّة، أن ينظر إلى شعورهنّ و أيديهنّ.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: ما يحلّ للرّجل أن يرى من المرأة إذا لم تكن محرما؟ قال: الوجه و الكفّان و القدمان.

عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا بأس بالنّظر إلى رؤوس أهل تهامة و الأعراب و أهل السّواد و العلوج، لأنّهم إذا نهوا لا ينتهون‏ (9). قال: و المجنونة و المغلوبة

____________

(1) كذا في كلّ النّسخ، و الظّاهر «وجهها» بدل «شعرها» لما تقدّم من الرّواية و لما يأتي من الرّوايات الأخر.

أو المقصود منه النّظر إلى شعرها في حالة أن يريد التّزويج منها و بشرط أن يكون النّظر إلى شعرها بدون تلذّذ كما ورد في الحديث عن الكافي 5/ 365 ح 5. و اللّه أعلم.

(2) نفس المصدر/ 160.

(3) أماط عنه الشّي‏ء: أبعده. و القضيب:

العصا.

(4) نفس المصدر/ 102.

(5) الكافي 5/ 542، ح 6.

(6) نفس المصدر/ 524، ح 1.

(7) نفس المصدر/ 521، ح 2.

(8) نفس المصدر/ 524، ح 1.

(9) لعلّ إرجاع ضمير المذكّر للتّجوّز، أو التّغليب.

280

على عقلها. و لا بأس بالنّظر إلى شعرها و جسدها، ما لم يتعمّد ذلك.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن [أبي‏] (2) أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الرّجل يريد أن يتزوّج المرأة، أ ينظر إليها؟ قال: نعم، إنّما يشتريها بأغلى الثّمن.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و حفص بن البختريّ، كلّهم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا بأس بأن ينظر الرّجل‏ (4) إلى وجهها و معاصمها، إذا أراد أن يتزوّجها.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (5)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحسن [بن عليّ‏] (6) السّريّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الرّجل يريد أن يتزوج المرأة، يتأمّلها و ينظر إلى حلقها (7) و إلى وجهها؟ قال: لا بأس بأن ينظر الرّجل إلى المرأة، إذا أراد أن يتزوّجها، ينظر إلى حلقها (8) و إلى وجهها.

عدّة من أصحابنا (9)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الفضل، عن أبيه، عن رجل عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: قلت له: أ ينظر الرّجل إلى المرأة، يريد تزويجها، فينظر إلى شعرها و محاسنها؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن متلذّذا.

محمّد بن يحيى‏ (10)، عن أحمد و عبد اللّه ابني محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن المملوك، يرى شعر مولاته؟ قال: لا بأس.

عليّ بن إبراهيم‏ (11)، عن أبيه، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: المملوك يرى شعر مولاته و ساقها؟ قال: لا بأس.

____________

أو المراد: أنّ رجالهنّ إذا نهوا عن كشفهنّ و أمروا بسترهنّ لا ينتهون و لا يأتمرون.

(1) نفس المصدر/ 365، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) ليس في المصدر.

(5) نفس المصدر، ح 3.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: خلفها.

(8) المصدر: خلفها.

(9) نفس المصدر، ح 5.

(10) نفس المصدر/ 531 ح 1.

(11) نفس المصدر، ح 3.

281

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن يونس [بن عمّار و يونس‏] (2) بن يعقوب، جميعا عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا يحلّ للمرأة أن ينظر عبدها إلى شي‏ء من جسدها، إلّا إلى شعرها، غير متعمّد لذلك.

و في رواية أخرى: لا بأس أن ينظر إلى شعرها، إذا كان مأمونا.

ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ‏: أنفع لكم، أو أطهر لما فيه من البعد عن الرّيبة.

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ‏ (30) لا يخفى عليه إجالة أبصارهم، و استعمال سائر حواسّهم، و تحريك جوارحهم، و ما يقصدون بها. فليكونوا على حذر منه في كلّ حركة و سكون.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة، و كان النّساء يتقنّعن خلف آذانهنّ. فنظر إليها و هي مقبلة. فلمّا جاوزت نظر إليها و دخل في زقاق‏ (4) قد سمّاه ببني فلان. فجعل‏ (5) ينظر خلفها و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة، فشقّ وجهه.

فلمّا مضت المراة، نظر. فإذا الدّماء تسيل على ثوبه و صدره‏ (6). فقال: و اللّه لآتينّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لأخبرنّه.

قال: فأتاه. فلمّا رآه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال له: ما هذا؟ فأخبره. فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- بهذه الآية: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ‏.

وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ‏ فلا ينظرن إلى ما لا يحلّ لهنّ النّظر إليه من الرّجال، وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ‏ بالتّستّر، أو بالتّحفّظ عن الزّنا.

و تقديم الغضّ، لأنّ النّظر يريد الزّنا.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن‏

____________

(1) نفس المصدر، ح 4.

(2) ليس في س، أ.

(3) الكافي 5/ 521، ح 5.

(4) الزّقاق: السّكّة.

(5) م: و جعل.

(6) المصدر: صدره و توبة. و في س، أ، م، بدلهما:

«وجهه».

(7) الكافي 2/ 35- 36 ح 1.

282

بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا قال فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم، و قسّمه عليها، و فرّقه فيها:

و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه، و أن يعرض عمّا نهى اللّه عنه، ممّا لا يحلّ له. و هو عمله، و هو من الإيمان. فقال- تبارك و تعالى-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏. فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم، و أن ينظر المرء إلى فرج أخيه، و يحفظ فرجه أن ينظر إليه. و قال: وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ‏ من أن تنظر إحداهنّ إلى فرج أختها، و تحفظ فرجها من أن ينظر إليها.

و قال: كلّ شي‏ء في القرآن من حفظ الفرج، فهو من الزّنا، إلّا هذه الآية، فإنّها من النّظر.

و في جوامع الجامع‏ (1): و عن أمّ سلمة- رضي اللّه عنها- قالت: كنت عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عنده ميمونة. فأقبل ابن أمّ مكتوم، و ذلك بعد أن أمرنا بالحجاب. فقال: احتجبا! فقلنا: يا رسول اللّه! أليس أعمى لا يبصرنا!؟ فقال:

أ فعمياوان أنتما!؟ أ لستما تبصرانه!؟

وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها:

الظّاهر أنّ المراد بزينتهنّ ما يزيّنهنّ. و هو مجموع الحليّ و الثّياب و مواضعها. فالمعنى:

و لا يبدين زينتهنّ إلّا ما ظهر منها، و هو الحليّ و الثّياب. فالمحرّم إبداء مواضع الحليّ و الثّياب، و المحلّل إبداؤهما.

و في الكافي‏ (2): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد و الحسن‏ (3) بن سعيد، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها قال: الزّينة الظّاهرة، الكحل و الخاتم.

الحسين بن محمّد (4)، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، [عن أبي بصير] (5)،

____________

(1) جوامع الجامع/ 314.

(2) الكافي 5/ 521، ح 3.

(3) المصدر، ن: الحسين.

(4) نفس المصدر، ح 4.

(5) من المصدر.

283

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها. قال: الخاتم و المسكة و هي القلب‏ (1).

و في جوامع الجامع‏ (2): فالظّاهرة لا يجب سترها، و هي الثّياب- إلى قوله:- و

عنهم- (عليهم السلام)-: الكفّان و الأصابع.

و في مجمع البيان‏ (3): و في تفسير عليّ بن إبراهيم: الكفّان و الأصابع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها: فهي الثّياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكفّ و السّوار. و الزّينة ثلاث: زينة للنّاس، و زينة للمحرم، و زينة للزّوج. فأمّا زينة النّاس، فقد ذكرناها. و أمّا زينة المحرم، فموضع القلادة فما فوقها، و الّدملج‏ (5) و ما دونه، و الخلخال و ما أسفل منه. و أمّا زينة الزّوج، فالجسد كلّه.

وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى‏ جُيُوبِهِنَ‏ سترا لأعناقهنّ.

وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ‏:

كرّره للتّأكيد لبيان [من يحلّ له الإبداء، و من لا يحلّ له.

إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ‏، فإنّهم المقصودون بالزّينة. و لهم أن ينظروا إلى‏] (6) جميع بدنهنّ، حتّى الفرج.

و في الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى‏] (8) عن ابن محبوب، عن جميل [بن دراج‏] (9) عن الفضيل [بن يسار] (10)، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الذراعين من المرأة، أ هما من الزّينة التّي قال اللّه- تعالى-: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ‏. قال: نعم. و ما دون الخمار من الزّينة، و ما دون السّوارين.

و في مجمع البيان‏ (11)، إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ‏، أي: أزواجهنّ. يبدين مواضع زينتهنّ لهم، استدعاء لميلهم، و تحريكا لشهوتهم.

فقد روي‏ أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعن السّلتاء

____________

(1) القلب: السّوار يكون نظما واحدا.

(2) جوامع الجامع/ 314- 315.

(3) مجمع البيان 4/ 138.

(4) تفسير القمي 2/ 101.

(5) الدّملج: سوار يحيط بالعضد.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(7) الكافي 5/ 520- 521، ح 1.

8 و 9 و 10- من المصدر.

(11) مجمع البيان 4/ 138.

284

من النّساء و المرهاء.

فالسّلتاء الّتي لا تختضب. و المرهاء الّتي لا تكتحل. و لعن- (عليه السلام)- المسوّفة و المفسّلة (1). فالمسوّفة التّي إذا دعاها زوجها إلى المباشرة، قالت: سوف أفعل. و المفسّلة، هي الّتي إذا دعاها، قالت: أنا حائض، و هي غير حائض.

أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَ‏:

و هؤلاء الّذين يحرم عليهم نكاحهنّ، فهم ذوو محارم لهنّ بالأسباب و الأنساب و يدخل أجداد البعولة فيه، و إن علوا، و أحفادهم، و إن سفلوا. يجوز الزّينة لهم من غير استدعاء لشهوتهم. و يجوز لهم تعمّد النّظر من غير تلذّذ.

أَوْ نِسائِهِنَ‏:

يعني المؤمنات، فإنّ الكافرات لا يتحرّجن عن وصفهنّ للرّجال.

أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ‏:

المراد بها الإماء.

و في مجمع البيان‏ (2): أَوْ نِسائِهِنَ‏. يعني النّساء المؤمنات. و لا يحلّ لها أن تتجرّد (3) ليهوديّة أو نصرانيّة أو مجوسيّة، إلّا إذا كانت أمة. و هو معنى قوله: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ‏، أي من الإماء.

عن ابن جريح و مجاهد و الحسن و سعيد بن المسيّب، قالوا (4): و لا يحلّ للعبد أن ينظر إلى شعر مولاته.

و قيل‏ (5):

معناه العبيد و الإماء. و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

قال الجبّائي‏ (6): أراد مملوكا لهم‏ (7)، لم يبلغ مبلغ الرّجال.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8): و روى حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهوديّة و النّصرانيّة، فإنّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ.

أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ‏: أي أولي الحاجة إلى النّساء، و هم‏

____________

(1) س، أ، م، ن: المغسلة.

(2) مجمع البيان 4/ 138.

(3) المصدر: يتجرّدن.

4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: له.

(8) الفقيه 3/ 366، ح 1742.

285

الشّيوخ الهمّ.

و قيل‏ (1): البله الّذين يتبعون النّاس لفضل طعامهم، و لا يعرفون شيئا من أمور النّساء.

و قرأ (2) ابن عامر و أبو بكر: «غير» بالنّصب، على الحال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أما قوله- عزّ و جلّ-: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ‏ فهو الشّيخ [الكبير] (4) الفاني الّذي لا حاجة له في النّساء.

و في مجمع البيان‏ (5): أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ‏. اختلف في معناه.

فقيل:

التّابع، الّذي يتبعك لينال من طعامك، و لا حاجة له في النّساء. و هو الأبله المولّى عليه. عن ابن عبّاس و قتادة و سعيد بن جبير. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

و في الكافي‏ (6): حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألته عن أولي الإربة من الرّجال. قال:

الأحمق المولّى عليه، الّذي لا يأتي النّساء.

الحسين بن محمّد (7)، عن معلّى بن محمّد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: كان بالمدينة رجلان، يسمّى أحدهما هيت‏ (8) و الآخر مانع. فقالا لرجل- و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يسمع-: إذا افتتحتم الطّائف- إن شاء اللّه تعالى- فعليك‏ (9) بابنة غيلان الثّقفيّة، فإنّها شموع نجلاء مبتّلة هيفاء شنباء. إذا جلست تثنّت.

و إذا تكلّمت غنّت. تقبل بأربع و تدبر بثمان‏ (10). بين رجليها مثل القدح.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 125.

(3) تفسير القمي 2/ 102.

(4) من المصدر.

(5) مجمع البيان 4/ 138.

(6) الكافي 5/ 523 ح 2.

(7) نفس المصدر، ح 3.

(8) هيت: رجل مخنّث، نفاه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من المدينة.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عليكم.

(10) الشموع: اللّعوب الطّروب. النّجلاء: واسعة العينين مع حسن. المبتّلة: الّتي لم يركب بعض لحمها بعضا، و لا يوصف به الرّجل. الهيف- بالتّحريك-: ضمر البطن ورقّة الخاصرة.

الشّنب- محرّكة-: عذوبة في الأسنان. التّثنّي:

ردّ بعض الشّي‏ء على بعض.

و المراد بالأربع: اليدان و الرّجلان. و بالثّمان:-

286

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا أراكما من أولي الإربة من الرّجال! فأمر بهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فغرّب بهما (1) إلى مكان يقال له «العرايا». فكانا يتسوّفان في كلّ جمعة.

أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ عَوْراتِ النِّساءِ لعدم تمييزهم. من الظّهور بمعنى الاطّلاع. أو: لعدم بلوغهم حدّ الشّهوة. من الظّهور بمعنى الغلبة.

و الطّفل وضع موضع الجمع، اكتفاء بدلالة الوصف.

وَ لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ‏: لتقعقع خلخالها، ليعلم أنّها ذات خلخال، فإنّ ذلك يورث ميلا في الرّجال.

و هو أبلغ من النّهي عن إظهار الزّينة، و أدلّ على المنع من رفع الصّوت.

و قيل‏ (2): معناه: و لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت، لتبيّن‏ (3) خلخالها، أو يسمع صوته.

وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ‏، إذ لا يخلو أحد منكم من تفريط سيّما في الكفّ [عن الشّهوات.

و قيل‏ (4): توبوا ممّا كنتم تفعلونه في الجاهليّة. فإنّه- و إن جبّ بالإسلام- لكن يجب النّدم عليه، و العزم على الكفّ‏] (5) عنه كلّما يتذكّر.

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (31) بسعادة الدّارين.

و في مجمع البيان‏ (6): و في الحديث أنّه- (عليه السلام)- قال: أيّها النّاس! توبوا إلى ربّكم! فإنّي أتوب إلى اللّه في كلّ يوم مائة مرّة. أورده مسلم في الصّحيح‏.

و المراد بالتّوبة، الانقطاع إلى اللّه.

وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏:

لمّا نهى عمّا عسى أن يفضي إلى السّفاح المخلّ بالنّسب، المتقضي للإلفة و حسن‏

____________

اليدان و الرّجلان مع الكتفين و الإليتين. و إقبالها بأربع كناية عن سرعتها في الإتيان و قبولها الدّعوة، و إدبارها بثمان كناية عن بطئها و يأسها من حاجتها فيها.

(1) غرّب بهما، أي: بعّدهما و نحّاهما.

(2) مجمع البيان 4/ 138.

(3) المصدر: ليتبيّن.

(4) أنوار التنزيل 2/ 125.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في س و أ.

(6) مجمع البيان 4/ 138.

287

التّربية و مزيد الشّفقة المؤدّية إلى بقاء النّوع، بعد الزّجر عنه مبالغة فيه، أمر بالنّكاح الحافظ له. و الخطاب للأولياء.

و «أيامى»: مقلوب «أيايم»- كيتامى‏ (1)- جمع أيم. و هو العزب ذكرا كان أو أنثى، بكرا أو ثيّبا.

و المعنى: تزوّجوا أيّها المؤمنون من لا زوج له، من أحرار رجالكم و نسائكم. و هذا أمر ندب و استحباب.

و في مجمع البيان‏ (2): و قد صحّ عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من أحبّ فطرتي، فليستنّ بسنّتي. و من سنّتي النّكاح.

و قال‏ (3)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر الشّباب! من استطاع منكم الباءة (4) فليتزوّج. فإنّه أغضّ للبصر، و أحصن للفرج. و من لم يستطع، فعليه بالصّوم. فإنّه له و جاء (5).

و روى عطاء بن السّائب‏ (6)، عن سعيد بن جبير قال: لقيني ابن عبّاس في حجّة حجّها. فقال: هل تزوّجت؟ قلت: لا. قال: فتزوّج.

قال: فلقيني في العام المقبل. فقال: هل تزوّجت؟ قلت: لا. فقال: اذهب و تزوّج.

فإنّ خير هذه الأمّة كان أكثرها نساء. يعني النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و عن أبي هريرة (7) قال: لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم واحد، للقيت اللّه بزوجة.

سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: شرار موتاكم‏ (8) عزّابكم.

و قال‏ (9)- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أدرك له ولد، و عنده ما يزوّجه، فلم يزوّجه، فأحدث، فالإثم بينهما.

و عن أبي أمامة (10)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربع لعنهم اللّه من فوق‏

____________

(1) لأنّه مقلوب «يتايم».

2 و 3- مجمع البيان 4/ 139- 140.

(4) الباءة: النّكاح. الجماع.

(5) الوجاء: أن ترضّ أنثيا الفحل رضّا شديدا يذهب بشهوة الجماع. أراد: أنّ الصّوم يقطع النّكاح كما يقطعه الوجاء.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المصدر: شراركم.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر و الموضع.

288

عرشه، و أمّنت عليه ملائكة: الّذي يحصر (1) نفسه، فلا يتزّوج و لا يتسرّى، لئلّا يولد له.

و الرّجل يتشبّه بالنّساء، و قد خلقه اللّه ذكرا. و المرأة تتشبّه بالرّجال و قد خلقها [اللّه‏] (2) أنثى. و مضلّل النّاس، يريد الّذي يهزأ بهم، يقول للمسكين: هلمّ أعطك! فإذا جاء، يقول: ليس معي شي‏ء. و يقول للمكفوف: اتّق الدّابّة! و ليس بين يديه شي‏ء. و الرّجل يسأل عن دار القوم، فيضلّله.

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي القدّاح قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ركعتان يصلّيهما المتزوّج، أفضل من سبعين ركعة يصلّيها الأعزب.

عدّة من أصحابنا (4)، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

عليّ بن محمّد بن بندار (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن كليب بن معاوية الأسديّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من تزوّج، أحرز نصف دينه.

و في حديث آخر: فليتّق اللّه في النّصف الآخر، أو الباقي.

و عنه‏ (6)، عن محمّد بن عليّ، عن عبد الرحمن‏ (7) بن خالد، عن محمّد الأصمّ‏ (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رذال موتاكم العزّاب.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا لقي يوسف- (عليه السلام)- أخاه، قال: يا أخي، كيف استطعت أن تتزوّج‏ (10) النّساء بعدي؟ قال: أبي أمرني، قال: إن استطعت أن يكون‏ (11)

____________

(1) س، ن: يحضر.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 5/ 328، ح 1.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر، ح 2.

(6) نفس المصدر/ 329، ح 3.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: محمّد.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: محمد بن الأصمّ.

و في رجال النجاشي/ 982: محمد بن خالد الأصمّ.

(9) نفس المصدر، ح 4.

(10) المصدر: تزوّج.

(11) المصدر: تكون.

289

لك ذرّيّة، تثقل الأرض بالتّسبيح، فافعل.

و في كتاب الخصال‏ (1): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أربع من سنن المرسلين: العطر، و النّساء، و السّواك، و الحنّاء.

و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من أخباره المجموعة: و بإسناده قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: للمرأة عشر عورات.

فإذا زوّجت‏ (3)، سترت لها عورة. و إذا ماتت، تستر (4) عوراتها كلّها.

وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ‏: و زوّجوا المستورين من عبيدكم و ولائدكم‏ (5).

و خصّصهم، لأنّ إحصانهم دينهم و الاهتمام بشأنهم، أهمّ.

و قيل‏ (6): المراد: الصّالحون للّنكاح، و القيام بحقوقه.

و قيل‏ (7): معنى الصّلاح هاهنا الإيمان.

إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏:

ردّ لما عسى أن يمنع النّكاح. و المعنى: لا يمنع فقر الخاطب أو المخطوبة من النّكاح، فإنّ في فضل اللّه، غنية عن المال، فإنّه غاد و رائح.

ففي الكافي‏ (8): عنه، عن الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن محمّد بن يوسف التّميميّ، عن محمّد بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من ترك التّزويج مخافة العيلة، فقد أساء ظنّه باللّه- عزّ و جلّ-. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن حريز، عن وليد بن صبيح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: من ترك التّزويج مخافة العيلة، فقد أساء الظّنّ باللّه.

____________

(1) الخصال/ 242، ح 93.

(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 38، ح 116.

(3) ن: تزوّجت.

(4) المصدر: سترت.

(5) الولائد- جمع الوليدة-: الأمّة.

(6) أنوار التنزيل 2/ 125.

(7) مجمع البيان 4/ 140.

(8) الكافي 5/ 330- 331 ح 5.

(9) نفس المصدر، ح 1.

290

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): روي عن محمّد بن أبي عمير، عن حريز، عن الوليد قال:

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من ترك التّزويج مخافة الفقر، فقد أساء الظّنّ باللّه- عزّ و جلّ. إنّ اللّه يقول: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏.

ففي الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن عبد المؤمن‏ (3)، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: الحديث الّذي يرويه النّاس حقّ؟ أنّ رجلا إنّي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فشكا إليه الحاجة. فأمره بالتّزويج. ففعل. ثمّ أتاه، فشكا إليه الحاجة. فأمره بالتّزويج. حتّى أمره ثلاث مرّات فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نعم، هو حقّ. ثمّ قال: الرّزق مع النّساء و العيال.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فشكا إليه الحاجة. فقال: تزوّج. فتزوّج، فوسّع عليه.

عليّ بن إبراهيم‏ (5) [عن أبيه‏] (6)، عن صالح بن السّندي، عن جعفر بن بشير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- شابّ من الأنصار فشكا إليه الحاجة. فقال له: تزوّج. فقال الشّابّ: إنّي لأستحيي أن أعود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

فلحقه رجل من الأنصار فقال: إنّ لي بنتا و سيمة (7). فزوّجها إيّاه، فوسّع اللّه عليه.

فأتى الشّابّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخبره. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معشر الشّبابّ! عليكم بالباه‏ (8).

عليّ بن محمّد بن بندار (9) و غيره، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن ابن فضّال و جعفر بن محمّد، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 243، ح 1153.

(2) الكافي 5/ 330، ح 4.

(3) المصدر: المؤمن.

(4) نفس المصدر، ح 2.

(5) نفس المصدر، ح 3.

(6) من المصدر.

(7) الوسيمة: الحسنة الوجه.

(8) الباه: النكاح، الجماع.

(9) نفس المصدر/ 329، ح 6.

291

جاء رجل إلى أبي- (عليه السلام)- فقال له: هل لك زوجة؟ فقال: لا.

فقال أبي- (عليه السلام)-: و ما أحبّ أنّ لي الدّنيا و ما فيها و انّى بتّ ليلة و ليست لي زوجة.

ثمّ قال: الرّكعتان يصلّيهما رجل متزوّج، أفضل من رجل أعزب، يقوم ليله و يصوم نهاره. ثمّ أعطاه أبي سبعة دنانير. ثمّ قال له: تزوّج بهذه.

ثمّ قال أبي: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اتّخذوا الأهل، فإنّه أرزق لكم.

وَ اللَّهُ واسِعٌ‏: ذو سعة لا تنفد نعمته، إذ لا تنتهي قدرته‏ عَلِيمٌ‏ (32) يبسط الرّزق و يقدر (1)، على ما تقتضيه حكمته.

و في الكافي‏ (2) بإسناده إلى عاصم بن حميد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فأتاه رجل، فشكا إليه الحاجة. فأمره بالتّزويج.

قال: فاشتدّت به الحاجة. فأتى أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فسأله عن حاله. فقال له: اشتدّت بي الحاجة. قال: ففارق.

ثمّ أتاه. فسأله عن حاله. فقال: أثريت و حسن حالي. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّي أمرتك بأمرين أمر اللّه بهما. قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏- إلى قوله:- وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ‏. و قال‏ (3): إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ‏.

و اعلم أنّ التّكافؤ الّذي اشترط في التّزويج، هو التّكافؤ في أصل الإيمان، و لا يشترط التّكافؤ في سواه.

ففي الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عمر بن أبي بكار، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- زوّج مقداد بن الأسود ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطّلب. و إنّما زوّجه لتتّضع المناكح، و ليتأسّوا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم.

____________

(1) أي: يضيّق.

(2) نفس المصدر/ 331، ح 6.

(3) النساء/ 130.

(4) الكافي 5/ 344، ح 1.

292

عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: انّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- زوّج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطّلب. ثمّ قال:

إنّما زوّجها المقداد، لتتّضع المناكح، و ليتأسّوا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لتعلموا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏. و كان الزّبير أخا عبد اللّه و أبي طالب لأبيهما و أمّهما.

و في تهذيب الأحكام‏ (2): عليّ بن الحسن بن فضّال، عن محمّد بن عبد اللّه، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- زوّج ضبيعة بنت الزّبير بن عبد المطّلب من مقداد بن الأسود.

فتكلّمت في ذلك بنو هاشم. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي إنّما أردت أن تتّضع المناكح.

و يستحبّ أن يختار من النّساء ما يدلّ عليه الأخبار:

ففي كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى محمّد بن طلحة (4) الصّيرفيّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- يقول: سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إيّاكم و خضراء الدّمن‏ (5)! قيل: يا رسول اللّه، و ما خضراء الدّمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السّوء (6).

حدّثنا (7) محمّد بن موسى بن المتوكّل- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم الكرخيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إن صاحبتي هلكت و كانت لي موافقة، و قد هممت أن أتزوّج. فقال: انظر أين تضع نفسك، و من تشركه في مالك، و تطلعه على دينك و سرّك و أمانتك. فإن كنت لا بدّ فاعلا، فبكرا تنسب إلى الخير و إلى حسن الخلق.

____________

(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) تهذيب الأحكام 7/ 395، ح 1581.

(3) معاني الأخبار/ 316، ح 1.

(4) المصدر: «أبي طلحة». و يمكن أن يكون هو الصحيح. أنظر: جامع الرواة 2/ 49.

(5) الدمن- جمع دمنة-: و هي ما تدمنه الإبل و الغنم بأبوالها و أبعارها، أي: تلبده في مرابضها، فربّما نبت فيها النّبات الحسن النّضير.

(6) المصدر: سوء.

(7) نفس المصدر/ 317- 318، ح 1.

293

ألا إنّ النّساء خلقن شتّى‏* * * فمنهنّ الغنيمة و الغرام‏

و منهنّ الهلال إذا تجلّى‏* * * لصاحبه و منهنّ الظلام‏

فمن يظفر بصالحهنّ يسعد* * * و من يغبن فليس له انتقام‏

و هنّ ثلاث: فامرأة ولود ودود، تعين زوجها على دهره لدنياه و لآخرته، و لا تعين الدّهر عليه. و امرأة عقيم، لا ذات جمال و لا خلق، و لا تعين زوجها على خير. و امرأة صخّابة ولّاجة همّازة (1)، تستقلّ الكثير، و لا تقبل اليسير.

و في كتاب الخصال‏ (2)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: النّساء أربع: جامع مجمع، و ربيع مربع، و كرب مقمع، و غلّ قمل‏ (3).

و بإسناده‏ (4) إلى زيد بن ثابت، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا زيد، تزوّجت؟ قال: قلت: لا. قال: تزوّج، تستعفّ مع عفّتك. و لا تتزوّجنّ خسما. قال زيد: من هنّ يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

لا تتزوّجنّ شهبرة، و لا لهبرة، و لا نهبرة، و لا هيدرة، و لا لفوتا.

فقال زيد: يا رسول اللّه، ما عرفت ممّا قلت شيئا، و إنّي بأمرهنّ لجاهل. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

ألستم عربا!؟ أمّا الشّهبرة، فالزّرقاء البذيئة. و أمّا اللّهبرة، فالطّويلة المهزولة. و أما النّهبرة، فالقصيرة الدّميمة. و أما الهيدرة، فالعجوز المدبرة. و أمّا اللّفوت، فذات الولد من غيرك.

و بإسناده‏ (5) إلى عبد الأعلى مولى آل سالم‏ (6) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) الصّخّابة: شديدة الصّياح. و الولّاجة: كثيرة الدّخول و الخروج. و الهمّازة: العيّابة الطّعّانّة.

(2) الخصال 1/ 241 ح 92.

(3) قال الصدوق بعد ذكر الحديث: جامع مجمع، أي: كثيرة الخير مخصبة. و ربيع مربع، أي: الّتي في حجرها ولد و في بطنها آخر. و كرب مقمع، أي: سيّئة الخلق مع زوجها. و غلّ قمل، أي: هي عند زوجها كالغلّ القمل، و هو غلّ من جلد يقع فيه القمل فيأكله، فلا يتهيّأ له أن يحكّ منه شي‏ء.

و هو مثل للعرب.

(4) الخصال 1/ 316، ح 98.

(5) التوحيد/ 395، ح 10، كما نقله عنه في نور الثقلين 3/ 600، ح 153. و ما وجدنا الخبر في الخصال.

(6) نور الثقلين: سام.

294

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تزوّجوا الأبكار، فإنّهنّ أطيب شي‏ء أفواها، و أدرّ شي‏ء أخلافا، و أفتح شي‏ء أرحاما. أما علمتم أنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة؟ حتّى بالسّقط. يظلّ محبنطئا (1) على باب الجنّة، فيقول اللّه- عزّ و جلّ- له: ادخل الجنة فيقول: لا، حتّى يدخل أبواي قبلي.

فيقول اللّه- عزّ و جلّ- لملك من الملائكة: ائتني بأبويه. فيأمر بهما إلى الجنّة، فيقول: هذا بفضل رحمتي لك.

و يستحبّ تزويج المسلم:

ففي كتاب الخصال‏ (2)، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش اللّه [يوم القيامة] (3) يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرّا.

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (4) قال: أربعة ينظر اللّه- تعالى- إليهم يوم القيامة: من أقال نادما، أو أغاث لهفان، أو أعتق نسمة، أو زوّج عزبا.

وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً:

قيل‏ (5): أي: و ليجتهد في العفّة و قمع الشّهوة، الّذين لا يجدون أسباب النّكاح.

حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ فيجدوا أسبابه.

و في الكافي‏ (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن بعض أصحابه، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: يتزوّجوا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏.

فعلى هذه الرّواية، الاستعفاف طلب العفّة بالتزوّج. و معنى‏ لا يَجِدُونَ نِكاحاً ما ينكح به من المهر و النّفقة، فليتزوّجوا بما في الذّمّة حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

____________

(1) المحبنطئ، بالهمز و تركه: المتغضّب المستبطئ للشّي‏ء. و قيل: هو الممتنع امتناع طلبة، لا امتناع إباء.

و قال ابن منظور في اللّسان: «المحبنطئ» الممتلئ غضبا. و النّون و الهمزة و الألف و الباء زوائد للإلحاق. إلى أن قال: و المحبنطئ: اللّازق بالأرض. (نقل من تعاليق تفسير نور الثقلين)

(2) الخصال/ 141، ح 162.

(3) ليس في المصدر.

(4) الخصال/ 224، ح 55.

(5) أنوار التنزيل 2/ 125.

(6) الكافي 5/ 331، ح 7.

295

وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ‏: المكاتبة.

و هو أن يقول الرّجل لمملوكه: «كاتبتك على كذا». من الكتاب، لأنّ السّيّد كتب على نفسه عتقه إذا أدّى المال. أو لأنّه ممّا يكتب لتأجيله. أو من الكتب، بمعنى الجمع، لأنّ العوض يكون فيه منجما بنجوم‏ (1) يضمّ بعضها إلى بعض.

مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ عبدا كان أو أمة. و الموصول مع الصّلة مبتدأ خبره:

فَكاتِبُوهُمْ‏، أو مفعول لمضمر هذا تفسيره. و الفاء لتضمّنه معنى الشّرط. و هذا أمر ندب و استحباب عند معظم الفقهاء.

و قيل‏ (2): أمر حتم و إيجاب، إذا طلبه العبد، [و علم فيه الخير.

و المكاتبة ضربان: مطلق و مشروط.

فالمشروط أن يقول لعبده في حال الكتابة: متى عجزت عن أداء ثمنك، كنت‏] (3) مردودا في الرّقّ. فإن كان كذلك، جاز له ردّه في الرّقّ عند العجز.

و المطلق ينعتق منه عند العجز بحساب ما أدّى من المال، و يبقى مملوكا بحساب ما بقي عليه، و يرث و يورث بحساب ما عتق منه.

إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً: صلاحا و قدرة على اكتساب المال.

قيل‏ (4): و لا يستحبّ أن يكاتب إذا لم يقدر على ذلك، و يذهب و يسأل النّاس، و يطعم مولاه أو ساخ أيديهم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): روى العلاء (6)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: الخير أن يشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و يكون بيده عمل يكتسب به، أو يكون له حرفة.

و في تهذيب الأحكام‏ (7): الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً. قال: كاتبوهم إن علمتم لهم مالا.

____________

(1) النّجوم- جمع نجم-: الوقت المعيّن لأداء دين أو عمل.

(2) مجمع البيان 4/ 140.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) مجمع البيان 4/ 140. نقل عنه بالمعنى.

(5) الفقيه 3/ 78، ح 278.

(6) م: العلاء بن زيد. ن: العلاء بن رزين.

(7) تهذيب الأحكام 8/ 268 ح 975.

296

و في الكافي‏ (1): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً. قال: إن علمتم لهم دينا و مالا (2).

أقول: و المراد إن علمتم دينا، و جواز تحصيل مال.

و كذا ما رواه‏ (3) بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عنها. قال: الخير إن علمت أنّ عنده مالا.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فيها. قال: كاتبوهم إن علمتم أنّ لهم مالا.

يدلّ على ما ذكرنا ما رواه محمّد بن يعقوب‏ (5)، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته- (عليه السلام)- عن العبد يكاتبه مولاه، و هو يعلم أنّه ليس له قليل و لا كثير (6). قال: يكاتبه و إن كان‏ (7) يسأل النّاس. و لا يمنعه المكاتبة من أجل أن ليس له مال.

فإنّ اللّه يرزق بعضهم من بعض. و المؤمن معان. و يقال: المحسن معان.

وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ‏:

قيل‏ (8): أمر للموالي كما قبله بأن يبذلوا لهم شيئا من أموالهم. و في معناه حطّ شي‏ء من مال الكتابة.

و قيل‏ (9): ندب لهم إلى الإنفاق عليهم، بعد أن يؤدّوا و يعتقوا.

و قيل‏ (10): أمر لعامّة المسلمين بإعانة المكاتبين و إعطائهم سهمهم من الزّكاة.

و من قال إنّه خطاب للموالي، فأكثرهم على أنّ الأمر للوجوب. و اختلفوا في قدر ما يجب فقيل‏ (11): يكفي أقلّ ما يتموّل.

و قيل‏ (12): يحطّ الرّبع. و قيل‏ (13): الثّلث.

____________

(1) الكافي 6/ 178، ح 10.

(2) المصدر: مالا و دينا.

(3) نفس المصدر/ 186- 187، ح 7.

(4) نفس المصدر/ 187، ح 9.

(5) نفس المصدر، ح 11.

(6) المصدر: يعلم أنّه لا يملك قليلا و لا كثيرا.

(7) المصدر: و لو كان.

(8) أنوار التنزيل 2/ 126.

9 و 10 و 11- نفس المصدر و الموضع.

12 و 13- مجمع البيان 4/ 140.

297

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن العلا بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏ في قوله- عزّ و جلّ-: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ‏. قال: تضع عنه من نجومه الّتي لم تكن تريد أن تنقصه منها، و لا تزيد فوق ما في نفسك. فقلت: كم؟ فقال: وضع أبو جعفر- (عليه السلام)- عن مملوك‏ (2) ألفا من ستّة آلاف.

و بإسناده‏ (3) عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ‏. قال: الّذي أضمرت أن تكاتبه عليه، لا تقول: أكاتبه بخمسة آلاف، و أترك له ألفا. و لكن انظر إلى الّذي أضمرت عليه، فأعطه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و روي عن القاسم بن سليمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ‏.

قال: سمعت أبي يقول: لا يكاتبه على الّذي أراد أن يكاتبه، ثمّ يزيد عليه، ثمّ يضع عنه. و لكنّه يضع عنه ممّا نوى أن يكاتبه عليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و معنى قوله‏ وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ‏، قال: إذا كاتبتهم تجعل لهم من ذلك شيئا.

و في مجمع البيان‏ (6): من قال إنّه خطاب للسّادة، اختلفوا في قدر ما يجب. فقيل:

يتقدّر بربع المال. عن الثّوريّ. و روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام)‏.

و الأظهر أنّ الأمر للندّب، كما في أصل الكتاب. و اختلاف الأخبار، محمول على اختلاف مراتب الكمال.

وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ: على الزّنا.

قيل‏ (7): كانت لعبد اللّه بن أبيّ ستّ جوار يكرههنّ على الزّنا، و ضرب عليهنّ الضّرائب. فشكا بعضهنّ إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فنزلت.

إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً: تعفّفا.

____________

(1) الكافي 6/ 189، ح 17.

(2) المصدر: مملوكه.

(3) نفس المصدر/ 186- 187، ح 7.

(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 78، ح 280.

(5) تفسير القمي 2/ 102.

(6) مجمع البيان 4/ 140.

(7) أنوار التنزيل 2/ 126.

298

شرط للإكراه، فإنّه لا يوجد بدونه. و إن جعل شرطا للنّهي، لم يلزم من عدمه جواز الإكراه، لجواز أن يكون ارتفاع النّهي بامتناع المنهيّ عنه.

و إيثار «إن» على «إذا»، لأنّ إرادة التّحصّن من الإماء كالشّاذّ النّادر.

لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا: كسبهنّ و بيع أولادهنّ.

وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَ‏: يجبرهنّ، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (33) لهنّ.

قيل‏ (1): أو له، إن تاب. و يؤيّد الأوّل ما في مصحف ابن مسعود: «من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم».

قيل‏ (2): و لا يرد عليه أنّ المكرهة غير آثمة، فلا حاجة إلى المغفرة. لأنّ الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذّات. و لذلك حرّم على المكره القتل، و أوجب عليه القصاص.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: كانت العرب و قريش يشترون الإماء، و يضعون عليهنّ الضّريبة الثّقيلة، إذ هن و ازنين و اكتسبن. فنهاهم اللّه عن ذلك فقال: وَ لا تُكْرِهُوا- إلى قوله تعالى:- غَفُورٌ رَحِيمٌ‏، أي: لا يؤاخذهنّ اللّه- تعالى- بذلك إذا أكرهن عليه.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: هذه الآية منسوخة نسختها فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ‏

(5).

وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ‏، يعني: الآيات الّتي بيّنت في هذه السّورة، و أوضحت فيها الأحكام و الحدود.

و قرأ ابن عامر و الكسائي و حفص‏ (6) بالكسر، لأنّها واضحات تصدّقها الكتب المتقدّمة و العقول المستقيمة، من بيّن بمعنى تبين، أو لأنّها بيّنت الأحكام و الحدود.

وَ مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‏: و أخبارا من الّذين مضوا من قبلكم و قصصا لهم، و شبها عن حالهم بحالكم لتعتبروا بها.

و قيل‏ (7): قصّة عجيبة مثل قصصهم. و هي قصّة عائشة، فإنّها كقصّة يوسف و مريم.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 126.

(3) تفسير القمي 2/ 102.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) النساء/ 25.

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 126.

299

وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ‏ (34):

يعني ما وعظ به في تلك الآيات. و تخصيص المتّقين، لأنّهم المنتفعون بها.

و قيل‏ (1): المراد بالآيات، القرآن. و الصّفات المذكورة، صفاته.

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏:

قيل‏ (2): النّور في الأصل كيفيّة تدركها الباصرة أوّلا، و بوساطتها سائر المبصرات، كالكيفيّة الفائضة من النّيّرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما.

و هو- بهذا المعنى- لا يصحّ إطلاقه على اللّه- تعالى- إلّا بتقدير مضاف- كقولك: زيد كرم، أي: ذو كرم- أو على تجوّز، بمعنى: «منوّر السّموات و الأرض»، و قد قرئ به. فإنّه- تعالى- نوّرّهما بالكواكب و ما يفيض عنها من الأنوار، أو بالملائكة و الأنبياء [و الأوصياء] (3).

أو: مدبّرهما. من قولهم للرئيس الفائق في التّدبير: «نور القوم» لأنّهم يهتدون به في الأمور.

أو: موجدهما. فإنّ النّور ظاهر بذاته، مظهر لغيره. و أصل الظّهور هو الوجود، كما أنّ أصل الخفاء هو العدم. و اللّه- سبحانه و تعالى- موجود بذاته، موجد لما عداه.

أو: الّذي به تدرك أو يدرك أهلهما. من حيث إنّه يطلق على الباصرة،- لتعلّقها به، أو لمشاركتها له في توقّف الإدراك عليه- ثمّ على البصيرة، لأنّها أقوى إدراكا، فإنّها تدرك نفسها و غيرها من الكليّات و الجزئيّات، الموجودات و المعدومات، و تغوص في بواطنها، و تتصرّف فيها بالتّركيب و التّحليل. ثمّ إنّ هذه الإدراكات ليست لذاتها، و إلّا لما فارقتها. فهي إذن من سبب يفيضها عليها، و هو اللّه- سبحانه و تعالى- ابتداء، أو بتوسيط (4) من الملائكة و الأنبياء، و لذلك سمّوا نورا. و يقرب منه قول ابن عبّاس: معناه هادي من فيهما، فهم بنوره يهتدون. فإضافته إليهما، للدّلالة على سعة إشراقه.

أو: لاشتمالهما على الأنوار الحسّيّة و العقليّة، و قصور الإدراكات البشريّة عليهما و على المتعلّق بهما و المدلول لهما. (5)

____________

1 و 2- نفس المصدر/ 127.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: بتوسّط.

(5) أنوار التنزيل 2/ 127.

300

و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن العبّاس بن هلال، قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏. فقال: هاد لأهل السّموات‏ (2) و هاد لأهل الأرض.

مَثَلُ نُورِهِ‏: [صفته نوره العجيبة الشّأن.

و إضافته إلى ضميره- سبحانه- دليل على أنّ إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره.

قيل‏ (3): مَثَلُ نُورِهِ‏] (4) الّذي هدى به المؤمنين، و هو الإيمان في قلوبهم.

و في مجمع البيان‏ (5): و كان أبيّ يقرأ: «مثل نور من آمن به».

و قيل‏ (6): مَثَلُ نُورِهِ‏ الّذي هو القرآن في القلب.

و قيل‏ (7): عنى بالنّور محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله). و أضافه إلى نفسه، تشريفا له.

و قيل‏ (8): نوره الأدلّة الدّالّة على توحيده و عدله، الّتي هي في الظّهور و الوضوح مثل النّور.

و قيل‏ (9): النّور هنا الطّاعة. أي: مثل طاعة اللّه في قلب المؤمن.

كَمِشْكاةٍ: كصفة مشكاة.

قيل‏ (10): إنّها روميّة معرّبة.

و قال الزّجّاج‏ (11): يجوز أن يكون عربيّة، لأنّ في الكلام مثل لفظها شكوة، و هي قرية صغيرة. فعلى هذا تكون مفعلة منها. و أصلها مشكوة، فقلبت الواو ألفا، لتحرّكها و انفتاح ما قبلها.

قيل‏ (12): و هي الكوّة الغير النّافذة في الحائط، يوضع عليها زجاجة، ثمّ يكون المصباح خلف تلك الزّجاجة. و يكون للكوّة باب آخر، يوضع المصباح فيه.

و قيل‏ (13): المشكاة، القنديل الّذي فيه الفتيلة.

____________

(1) التوحيد/ 155، ح 1.

(2) المصدر: السماء.

(3) مجمع البيان 4/ 142.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

5 و 6 و 7 و 8- نفس المصدر 142- 143.

(9) نفس المصدر و الموضع.

10 و 11- نفس المصدر/ 142.

(12) نفس المصدر/ 143.

(13) نفس المصدر و الموضع.

301

و قيل‏ (1)، الأنبوبة في وسط القنديل.

فِيها مِصْباحٌ‏:

و أصله من الصّبح بمعنى البياض، و الأصبح: الأبيض. و هو السّراج.

الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ: في قنديل من الزّجاج.

و فائدة اختصاص الذّكر، لأنّه أصفى الجواهر، فالمصباح فيه أضوء. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ‏: مضي‏ء متلألئ مثل كوكب، كالزّهرة في صفائه و زهرته.

منسوب إلى الدّرّ. أو فعيل- كمريق- من الدّرء، فإنّه يدفع الظّلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه، إلّا أنّه قلبت همزته ياء.

و قرأ حمزة و أبو بكر (2) على الأصل.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ، أي: ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزّيتون المتكاثر نفعه، بأن رويت ذبالته‏ (3) بزيتها.

و في إبهام الشّجرة و وصفها بالبركة، ثمّ إبدال الزّيتونة عنها، تفخيم لشأنها.

و قرأ نافع و ابن عامر و حفص‏ (4) بالياء و البناء للمفعول من أوقد، و حمزة و الكسائي و أبو بكر بالتّاء. كذلك على إسناده إلى الزّجاجة [بحذف المضاف‏].

و قرئ‏ (5): «توقد» بمعنى تتوقّد، و «يوقد» بحذف التّاء.

لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ تقع الشّمس عليها حينا دون حين، بل بحيث تقع عليها طول النّهار، كالّتي تكون على قلّة أو صحراء واسعة، فإنّ ثمرتها تكون أنضج و زيتها أصفى. أو: لا نابتة في شرق المعمورة و غربها، بل في وسطها و هو الشّام، فإنّ زيتونه أجود الزّيتون. أو: لا في مضحى تشرق الشّمس عليها دائما، فتحرقها، أو في مفيأة تغيب عنها دائما، فتتركها نيئا.

و في الحديث‏ (6): لا خير في شجرة و لا في نبات في مفيأة، و لا خير فيهما في مضحى.

يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، أي: يكاد يضي‏ء بنفسه من غير نار،

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 127.

(3) الذّبالة: الفتيلة الّتي تسرج.

(4) ليس في ن.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

302

لتلألئه و فرط وبيصه‏ (1).

نُورٌ عَلى‏ نُورٍ: متضاعف.

فإنّ نور المصباح، زاد في إنارته صفاء الزّيت و زهرة القنديل و ضبط المشكاة لأشعّته.

و قد ذكر في معنى التّمثيل وجوه:

«الأوّل» (2) أنّه تمثيل للهدى الّذي دلّ عليه الآيات البيّنات، في جلاء مدلولها، و ظهور ما تضمّنته من الهدى، بالمشكاة المنعوتة.

«الثّاني» (3) أنه تشبيه للهدى، من حيث إنّه محفوف بظلمات أوهام النّاس و خيالاتهم بالمصباح. و إنّما ولي الكاف المشكاة، لاشتمالها عليه. و تشبيهه به، أوفق من تشبيهه بالشّمس.

«الثّالث» (4) أنّه تمثيل لما نوّر اللّه به قلب المؤمن من المعارف و العلوم، بنور المشكاة المنبثّ فيها من مصباحها. و يؤيّده قراءة أبيّ: «مثل نور المؤمن».

الرابع‏ (5) أنّه تمثيل لما منح اللّه به عباده، من القوى الدّراكة الخمس المترتّبة الّتي ينوط بها المعاش و المعاد. و هي: الحسّاسة الّتي تدرك المحسوسات بالحواسّ الخمس.

و الخياليّة الّتي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوّة العقليّة متى شاءت.

و العاقلة الّتي تدرك الحقائق الكلّيّة. و المفكّرة، و هي الّتي تؤلّف المعقولات، لتستنتج منها علم ما لم يعلم. و القوّة القدسيّة الّتي تتجلّى فيها لوائح الغيب و أسرار الملكوت، المختصّة بالأنبياء و الأولياء المعنيّة بقوله‏ (6)- تعالى-: وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية، و هي المشكاة و الزّجاجة و المصباح و الشّجرة و الزّيت.

فإنّ الحسّاسة كالمشكاة، لأنّ محلّها كالكوى و وجهها إلى الظّاهر، لا تدرك ما وراءها و إضاءتها بالمعقولات لا بالذّات.

و الخياليّة كالزّجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب، و ضبطها للأنوار العقليّة، و إنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات.

____________

(1) و بص البرق و نحوه: لمع و برق. س، أ، م:

و ميضه.

2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 128.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الشورى/ 52.

303

و العاقلة كالمصباح، لإضاءتها بالإدراكات الكلّيّة و المعارف الإلهيّة.

و المفكّرة بالشّجرة المباركة، لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها.

و الزّيتونة المثمرة للزّيت الّذي هو مادّة المصابيح، الّتي لا تكون شرقيّة و لا غربيّة، لتجرّدها عن اللّواحق الجسميّة، أو لوقوعها بين الصّور و المعاني متصرّفة في القبيلين، منتفعة من الجانبين.

و القوّة القدسيّة كالزّيت، فإنّها لصفائها و شدّة ذكائها، تكاد تضي‏ء بالمعارف من غير تفكّر و لا تعليم.

«الخامس» (1) أنّه تمثيل للقوّة العقليّة في مراتبها بذلك. فإنّها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدّة لقبولها كالمشكاة. ثمّ تنتقش بالعلوم الضّروريّة بتوسّط إحساس الجزئيّات، بحيث تتمكّن من تحصيل النّظريّات. فتصير كالزجاجة متلألأة في نفسها قابلة للأنوار.

و ذلك التّمكّن، إن كان بفكر و اجتهاد، فكالشّجرة الزّيتونة. و إن كان بالحدس، فكالزّيت. و إن كان بقوّة قدسيّة فكالّتي يكاد زيتها يضي‏ء. لأنّها تكاد تعلم، و لو لم تتّصل بملك الوحي و الإلهام، الّذي مثله النّار من حيث أنّ العقول تشتعل عنه. ثمّ إذا حصل بها العلوم بحيث تتمكّن من استحضارها متى شاءت، كان كالمصباح. فإذا استحضرتها، كان نورا على نور.

السّادس» (2) أنّه مثل ضربه اللّه لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و المشكاة صدره.

و الزّجاجة قلبه. و المصباح فيه النّبوّة. لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ، أي: لا يهوديّة و لا نصرانيّة.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ هي شجرة النّبوّة، و هي إبراهيم- (عليه السلام). يكاد نور محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يتبيّن‏ (3) للنّاس، و لو لم يتكلّم به. كما أنّ ذلك الزّيت يكاد يضي‏ء. وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، أي: لم تصبه النّار.

«السّابع» (4) أنّ المشكاة إبراهيم- (عليه السلام). و الزّجاجة إسماعيل. و المصباح محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و يسمّى سراجا في موضع آخر (5). مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ يعني إبراهيم، لأنّ أكثر الأنبياء من صلبه. لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ: لا نصرانية [و لا يهوديّة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 143.

(3) المصدر: يبيّن.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أي في الآية 46 من سورة الأحزاب.

304

لأنّ النّصارى‏] (1) تصلّي إلى المشرق، و اليهود تصلّي إلى المغرب. يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ، أي: يكاد محاسن محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- تظهر قبل أن يوحى إليه. نُورٌ عَلى‏ نُورٍ، أي: نبيّ من نسل نبيّ.

«الثّامن» (2) أنّ المشكاة عبد المطّلب. و الزّجاجة عبد اللّه. و المصباح هو النّبيّ. لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ بل مكّيّة، لأنّ مكّة وسط الدّنيا.

و في كتاب التّوحيد (3): [بإسناده عن العبّاس بن هلال، قال: سألت الرضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏. فقال: هاد لأهل السماء، و هاد لأهل الأرض‏] (4).

و في رواية البرقي: هدى من في السموات، و هدى من في الأرض‏ (5).

و قد روي عن الصّادق‏ (6)- (عليه السلام)‏- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ‏. فقال: هو مثل ضربه اللّه لنا. فالنّبيّ و الأئمّة- (عليهم السلام)- من دلالات اللّه و آياته التي يهتدى‏ (7) بها إلى التّوحيد و مصالح الدّين و شرائع الإسلام و السّنن و الفرائض‏ (8). و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

و تصديق ذلك‏

ما حدّثنا به إبراهيم بن هارون الهيتي‏ (9) بمدينة السّلام قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن أبي الثّلج قال: حدّثنا الحسين بن أيّوب، عن محمّد بن غالب، عن عليّ بن الحسين، [عن الحسن‏] (10) بن أيّوب، عن الحسين بن سليمان، عن محمّد بن مروان الذّهليّ‏ (11)، عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏؟ قال: كذلك اللّه- عزّ و جلّ.

____________

(1) ليس في أ.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) التوحيد/ 155، ح 1.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع. و أورد الشيخ الصدوق- (رضوان اللّه عليه)- بيانا مفصّلا ذيل الخبر. راجع التوحيد/ 155- 157.

(6) نفس المصدر/ 157، ح 2.

(7) م، ن: يهدى.

(8) المصدر: و الفرائض و السنن.

(9) التوحيد/ 157- 158، ح 3.

(10) من المصدر. و انظر- أيضا- جامع الرواة 1/ 190.

(11) كذا في جامع الرواة 2/ 190. و في م:

الزهلي.

305

قال: قلت: مَثَلُ نُورِهِ‏؟ قال: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

[قلت: كَمِشْكاةٍ؟ قال: صدر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).] (1) قلت: فِيها مِصْباحٌ‏؟ قال: فيه نور العلم، يعني النّبوّة.

قلت: الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ؟ قال: علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى قلب عليّ- (عليه السلام).

قلت: كَأَنَّها؟ قال: لأيّ شي‏ء تقرأ كأنّها؟ قلت: فكيف، جعلت فداك؟

قال: «كأنّه‏ كَوْكَبٌ دُرِّيٌ‏ (2).

قلت: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ. قال: ذاك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (3) لا يهوديّ و لا نصرانيّ.

قلت: يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ؟ قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمّد، من قبل أن ينطق به.

قلت: نُورٌ عَلى‏ نُورٍ؟ قال: الإمام في أثر الإمام.

و بإسناده‏ (4) إلى عيسى بن راشد، عن محمّد بن عليّ بن الحسين- (عليهم السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ‏ قال: المشكاة نور العلم في صدر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ. الزّجاجة صدر عليّ- (عليه السلام). صار علم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى صدر عليّ- (عليه السلام). [علّم النّبيّ عليّا- (عليهما السلام)‏] (5).

الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ. قال: نور العلم‏ (6).

لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ. قال: لا يهوديّة و لا نصرانيّة.

____________

(1) ليس في م.

(2) تذكير الضمير، باعتبار تأويل الزجاجة بقلب أمير المؤمنين- (عليه السلام). (من هامش المصدر)

(3) المصدر: ذلك أمير المؤمنين علي بن ابى طالب- (عليه السلام).

(4) نفس المصدر/ 158، ح 4.

(5) ليس في المصدر.

(6) ليس في المصدر.

306

يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. قال: يكاد العالم من آل محمّد [يتكلّم بالعلم قبل أن يسال.

نُورٌ عَلى‏ نُورٍ، يعني: إماما مؤيّدا بنور العلم و الحكمة، في أثر إمام من آل محمّد] (1).

و ذلك من لدن آدم إلى أن تقوم السّاعة. فهؤلاء الأوصياء الّذين جعلهم اللّه- عزّ و جلّ- خلفاءه في أرضه و حججه على خلقه. لا تخلو الأرض في كلّ عصر من واحد منهم.

و بإسناده‏ (2) إلى جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ: فالمشكاة صدر النّبيّ‏ (3)- (صلّى اللّه عليه و آله). فِيها مِصْباحٌ‏. و المصباح هو العلم. فِي زُجاجَةٍ. و الزّجاجة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و علم نبيّ اللّه‏ (4) عنده.

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن إسحاق بن جرير قال: سألتني امرأة [منا] (6) أن أدخلها على أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

فاستأذنت لها، فأذن لها. فدخلت و معها مولاة لها. فقالت له: يا أبا عبد اللّه، قول اللّه- عزّ و جلّ-: زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ ما عنى بهذا؟ فقال لها: أيّتها المرأة! إنّ اللّه- تعالى- لم يضرب الأمثال للشّجر (7). إنّما ضرب الأمثال لبني آدم.

محمّد بن يحيى‏ (8)، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن إسحاق بن جرير مثله.

و الحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (9): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: ثمّ إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وضع العلم الّذي كان عنده عند الوصيّ. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏. يقول: أنا هادي‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) نفس المصدر/ 159، ح 5.

(3) المصدر: صدر نبيّ اللّه.

(4) المصدر: علم النبيّ.

(5) الكافي 3/ 91، ح 3.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: للشجرة.

(8) نفس المصدر 5/ 551، ح 2.

(9) نفس المصدر 8/ 380- 381، ح 574.

307

السّموات و الأرض. مثل العلم الّذي أعطيته، و هو نوري الّذي يهتدى به، مثل المشكاة فيها المصباح. و المشكاة، قلب محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و المصباح، النّور الّذي فيه العلم.

و قوله: الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، يقول: إنّي أريد أن أقبضك، فأجعل الّذي عندك عند الوصيّ، كما يجعل المصباح في الزّجاجة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ‏، فأعلمهم فضل الوصيّ.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ. فأصل الشّجرة المباركة إبراهيم- (عليه السلام)-. [و هو قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ] (2) و هو قول اللّه‏ (3)- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏.

لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ. يقول: لستم بيهود، فتصلّوا قبل المغرب. و لا نصارى، فتصلّوا قبل المشرق. و أنتم على ملّة إبراهيم- صلّى اللّه عليه. و قد قال اللّه‏ (4)- عزّ و جلّ-: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏.

و قوله‏ يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ.

يقول: مثل أولادكم الّذين يولدون منكم، مثل الزّيت الّذي يعصر من الزّيتون.

و في أمالي الصّدوق‏ (5)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه: أنا فرع من فروع‏ (6) الزّيتونة، و قنديل من قناديل بيت‏ (7) النّبوّة، و أديب السّفرة، و ربيب الكرام البررة، و مصباح من مصابيح المشكاة الّتي فيها نور النّور، و صفو الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر.

(8)

____________

(1) هود/ 73.

(2) ليس في أ.

(3) آل عمران/ 33- 34.

(4) آل عمران/ 67.

(5) أمالي الصدوق/ 490، ح 9.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فرع.

(7) ليس في م.

(8) في هامش نسخة «م»:

حدثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه-، قال حدثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه [عن- الزّيادة منّا] علي- (عليه السلام)-، قال: المؤمن من ينقلب (المصدر:

يتقلّب) في خمسة من النّور مدخله نور، و مخرجه نور، و عمله نور، و كلامه نور إلى [في المصدر:-

308

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ‏: لهذا النّور الثّاقب‏ مَنْ يَشاءُ:

فإنّ الأسباب دون مشيئته لاغية، إذ بها تمامها.

و في الحديث السّابق المنقول عن الروضة (1)- متّصلا بقوله: مثل الزّيت الّذي يعصر من الزّيتون- قوله: يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ: يكادون أن يتكلّموا بالنّبوّة، و لو لم ينزل عليهم ملك.

وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ‏، إدناء للمعقول من المحسوس، توضيحا و بيانا.

وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (35)، معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا كان أو خفيّا.

و فيه وعد و وعيد لمن تدبّرها، و لمن لم يكترث بها.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسين‏ (3)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن القاسم، عن صالح بن سهل الهمدانيّ، قال:

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ، فاطمة- (عليها السلام).

فِيها مِصْباحٌ‏: الحسن. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ: الحسين. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ‏: فاطمة كوكب درّيّ بين نساء أهل الدّنيا.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ: إبراهيم- (عليه السلام). زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ:

لا يهوديّة، و لا نصرانيّة. يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ: يكاد العلم ينفجر بها. وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.

نُورٌ عَلى‏ نُورٍ: إمام منها بعد إمام. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ: يهدي اللّه للأئمّة- (عليهم السلام)- من يشاء. وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و ستسمع تتمّته عند قوله- تعالى-:

أَوْ كَظُلُماتٍ‏ (إلى آخره) (4)- إن شاء اللّه- تعالى.

____________

- «و منظره» مكان «إلى».] يوم القيامة إلى نور. من الخصال (1/ 277، ح 20) (في)

(1) الكافي 8/ 381، ح 574.

(2) الكافي 1/ 195، ح 5.

(3) المصدر: الحسن.

(4) النور/ 40.

309

و بإسناده‏ (1) إلى يعقوب بن سالم، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: إنّ اللّه- تعالى- بعث إلى أهل البيت- (عليهم السلام)- بعد وفاة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من يعزّيهم. فسمعوا صوته، و لم يروا شخصه. فكان في تعزيته:

جعلكم أهل بيت نبيّه. و استودعكم علمه. و أورثكم كتابه. و جعلكم تابوت علمه، و عصا عزّه. و ضرب لكم مثلا من نوره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا حميد بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في هذه الآية:

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ قال: بدأ بنور نفسه. «مثل نور»: مثل هداه في قلب المؤمن. كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ‏. و المشكاة جوف المؤمن. و القنديل قلبه. و المصباح، النّور الّذي جعله اللّه في قلبه.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ. قال: الشّجرة، المؤمن. زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ.

قال: على سواء الجبل. لا غَرْبِيَّةٍ، أي: لا شرق لها. و لا شَرْقِيَّةٍ، أي: لا غرب لها.

إذا طلعت الشّمس، طلعت عليها. و إذا غربت‏ (3)، غربت عليها.

يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ: يكاد النّور الّذي جعله اللّه في قلبه يضي‏ء، و إن لم يتكلّم.

نُورٌ عَلى‏ نُورٍ: فريضة على فريضة، و سنّة على سنّة. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ يهدي اللّه لفرائضه و سننه من يشاء. وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ‏. فهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن.

ثمّ قال: فالمؤمن يتقلّب في خمسة من النّور: مدخله نور، و مخرجه نور، و علمه نور، و كلامه نور، و مصيره يوم القيامة إلى الجنّة نور.

قلت لجعفر [بن محمد- (عليهما السلام)-: جعلت فداك، يا سيّدي!] (4) إنّهم يقولون:

مثل نور الرّبّ. قال: سبحان اللّه! ليس للّه مثل. قال اللّه‏ (5): فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ‏.

قال عليّ بن إبراهيم‏ (6)- (رحمه اللّه)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) نفس المصدر/ 445- 446، ح 19.

(2) تفسير القمي 2/ 103.

(3) المصدر: غربت الشمس.

(4) من المصدر.

(5) النحل/ 74.

(6) تفسير القمي 2/ 104- 105.

310

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏- إلى قوله تعالى:- وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏: فإنّه‏

حدّثني أبي، عن عبد اللّه‏ (1) بن جندب قال‏ كتبت: إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أسأله عن تفسير هذه الآية.

فكتب إليّ الجواب:

أمّا بعد، فإنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان أمين اللّه في خلقه. فلمّا قبض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كنّا أهل البيت ورثته. فنحن أمناء اللّه في أرضه. عندنا علم المنايا و البلايا، و أنساب العرب، و مولد الإسلام. و ما من فئة تضلّ مائة به و تهدي مائة (2) به، إلّا و نحن نعرف سائقها و قائدها و ناعقها.

و إنّا لنعرف الرّجل إذا رأيناه، بحقيقة الإيمان و حقيقة النّفاق. و إنّ شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم و اسماء آبائهم. أخذ اللّه- عزّ و جلّ- علينا و عليهم الميثاق. يردون موردنا، و يدخلون مدخلنا. ليس على ملّة الإسلام غيرنا و غيرهم إلى يوم القيامة.

نحن الآخذون‏ (3) بحجزة نبيّنا. و نبيّنا الآخذ (4) بحجزة ربّنا. و الحجزة النّور. و شيعتنا آخذون بحجزتنا. من فارقنا هلك. و من تبعنا نجا. و المفارق لنا و الجاحد لولايتنا كافر.

و متّبعنا و تابع أوليائنا مؤمن. لا يحبّنا كافر و لا يبغضنا مؤمن. فمن‏ (5) مات و هو يحبّنا، كان حقّا على اللّه أن يبعثه معنا.

نحن نور لمن تبعنا، و هدى لمن اهتدى بنا. و من لم يكن منّا، فليس من الإسلام في شي‏ء. بنا فتح اللّه الدّين، و بنا يختمه. و بنا أطعمكم اللّه عشب الأرض. و بنا أنزل اللّه قطر السّماء. و بنا آمنكم اللّه- عزّ و جلّ- من الغرق في بحركم، و من الخسف في برّكم.

و بنا نفعكم‏ (6) اللّه في حياتكم، و في قبوركم، و في محشركم، و عند الصّراط، و عند الميزان، و عند دخولكم الجنان.

مثلنا في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- كمثل مشكاة، و المشكاة في القنديل. فنحن المشكاة فيها مصباح.

المصباح محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ من عنصرة

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: حدّثني أبو عبد اللّه.

(2) هكذا في المصدر. و في نور الثقلين نقلا عنه:

مائة. و في النسخ: بآية.

(3) المصدر: آخذون.

(4) المصدر: آخذ.

(5) المصدر: و من.

(6) س، أ: ينفعكم.

311

طاهرة. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ: لا دعيّة و لا منكرة. يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ القرآن. نُورٌ عَلى‏ نُورٍ: إمام بعد إمام. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏.

فالنّور عليّ- (صلوات اللّه عليه). يهدي اللّه لولايتنا من أحبّ. و حقّ على اللّه أن يبعث وليّنا، مشرقا وجهه، منيرا برهانه، ظاهرة عند اللّه حجّته.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال أبو عليّ الطّبرسيّ: روي عن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: نحن المصباح في المشكاة. (2) و هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ: يهدي اللّه لولايتنا من أحبّ.

و فيه أيضا (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أصحابنا أنّ أبا الحسن- (عليه السلام)- كتب إلى عبد اللّه بن جندب قال: قال لي عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: إنّ مثلنا في كتاب اللّه كمثل مشكاة، و المشكاة في قنديل. فنحن المشكاة فِيها مِصْباحٌ‏. و المصباح محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ. نحن الزّجاجة.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ: عليّ. زَيْتُونَةٍ: معروفة. لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ: لا منكرة و لا دعيّة.

يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ القرآن‏ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏. بأن يهدي من أحبّ إلى ولايتنا.

فِي بُيُوتٍ‏:

متعلّق بما قبله. أي: كمشكاة كائنة في بعض بيوت، أو توقد في بعض بيوت هذه صفتها. فيكون تقييدا للممثّل به بما يكون تحبيرا و مبالغة فيه. فإنّ قناديل المساجد تكون أعظم. أو تمثيلا لصلاة المؤمنين- أو أبدانهم- بالمساجد. و لا ينافي جمع البيوت وحدة

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 357- 358، ح 1.

(2) المصدر: نحن المشكاة فيها المصباح.

(3) نفس المصدر/ 360، ح 6.

312

المشكاة، إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبار وحدة و لا كثرة.

أو بما بعده و هو «يسبّح»، و فيها تكرير مؤكّد، لا ب «يذكر». لأنّه من صلة «أن» فلا يعمل فيما قبله.

أو بمحذوف، مثل: سبّحوا في بيوت.

قيل‏ (1): المراد بها المساجد. و يعضده‏

قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: المساجد بيوت اللّه في الأرض. و هي تضي‏ء لأهل السّماء، كما تضي‏ء النّجوم لأهل الأرض.

و قيل‏ (2): إنّها أربع مساجد لم يبنها إلّا نبيّ: الكعبة بناها إبراهيم و إسماعيل، و مسجد بيت المقدس، بناه داود و سليمان، و مسجد المدينة، و مسجد قباء، بناهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

و قيل‏ (3): هي بيوت الأنبياء. و روي ذلك مرفوعا أنّه سئل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- لمّا قرأ الآية: أيّ بيوت هذه؟ فقال: بيوت الأنبياء. فقام أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه، هذا البيت، منها بيت عليّ و فاطمة؟ قال: نعم، من أفاضلها.

و يعضد هذا القول، قوله‏ (4): إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، و قوله‏ (5): رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ‏، و الأحاديث الآتية.

و التّنكير في البيوت للتّعظيم.

أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ‏ بالتّعظيم و رفع القدر من الأرجاس، و التّطهير من المعاصي و الأدناس.

و قيل‏ (6): المراد برفعها، رفع الحوائج فيها إلى اللّه- تعالى.

و الاولى الحمل على لأعمّ منهما، و من الرّفع بالبناء.

وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏:

عامّ فيما يتضمّن ذكره، حتّى المذاكرة في أفعاله و المباحثة في أحكامه.

قيل‏ (7): يتلى فيها كتابه.

و قيل‏ (8): يذكر فيها أسماؤه الحسنى.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 144.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) الأحزاب/ 33.

(5) هود/ 73.

6 و 7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

313

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا محمّد بن همّام قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك قال: حدّثنا القاسم بن الرّبيع، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن منخل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏، قال: هي بيوت الأنبياء. و بيت عليّ منها.

و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب‏ (2): أبو حمزة الثّماليّ في خبر: لمّا كانت السّنة الّتي حجّ فيها أبو جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- و لقيه هشام بن عبد الملك، أقبل النّاس ينثالون‏ (3) عليه.

فقال عكرمة: من هذا؟ عليه سيماء زهرة العلم، لأجرّبنّه. فلمّا مثل بين يديه، ارتعدت فرائصه، و أسقط في يدي أبي جعفر- (عليه السلام). و قال: يا ابن رسول اللّه، لقد جلست مجالس كثيرة بين يدي ابن عبّاس و غيره، فما أدركني ما أدركني آنفا! فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: ويلك يا عبيد أهل الشّام! إنّك بين يدي‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏.

و في عيون الأخبار (4) ز في الزّيارة الجامعة لجميع الأئمّة- (عليهم السلام)- المنقولة عن الجواد (5)- (عليه السلام)-: خلقكم اللّه أنوارا، فجعلكم بعرشه محدقين، حتّى منّ علينا بكم، فجعلكم اللّه‏ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏.

و في كتاب إكمال الدّين و تمام النّعمة (6)، في باب اتّصال الوصيّة من لدن آدم- (عليه السلام)- بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّما الحجّة في آل إبراهيم، لقول اللّه‏ (7)- عزّ و جلّ-: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فالحجّة الأنبياء و أهل بيوتات الأنبياء، حتّى تقوم السّاعة. لأنّ كتاب اللّه ينطق بذلك، و وصيّة اللّه‏ (8) جرت بذلك، في العقب من البيوت‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 103- 104.

(2) المناقب 4/ 182.

(3) أي: يجتمعون عليه من كلّ ناحية.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 279، ح 1.

(5) بل عن الامام أبي الحسن علي بن محمد النقي الهادي- (عليه السلام).

(6) كمال الدين/ 218، ح 2.

(7) النساء/ 54.

(8) س، أ، م، ن: وصيّته.

314

الّتي رفعها اللّه- تبارك و تعالى- على النّاس. فقال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏. و هي بيوتات الأنبياء و الرّسل و الحكماء و أئمّة الهدى.

و في روضة الكافي‏ (1): أبان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏] (2). قال:

هي بيوت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: قال محمّد بن الحسن بن عليّ، عن أبيه قال: قال: حدّثنا أبي، عن محمّد بن عبد الحميد، عن محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏. قال: بيوت محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ بيوت عليّ- (عليه السلام)- منها.

يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏ (36) رِجالٌ‏ ينزّهونه، أو يصلّون له فيها بالغدوات و العشايا.

و الغدوّ مصدر أطلق للوقت. و لذلك حسن اقترانه بالآصال، و هو جمع أصيل.

و قرئ‏ (4): «و الإيصال»، و هو: الدّخول في الأصيل.

و قرأ (5) ابن عامر و عاصم‏ (6): «يسبّح» بالفتح، على إسناده إلى أحد الظّروف الثّلاثة و رفع «رجال» بما يدلّ عليه.

و قرئ‏ (7) بالتّاء مكسورا (8)، لتأنيث الجمع. و مفتوحا على إسناده إلى أوقات الغدوّ.

لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ: لا تشغلهم معاملة رابحة.

وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏:

مبالغة (9) بالتّعميم بعد التّخصيص، إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بإفراد ما هو الأهمّ من قسمي التّجارة. فإنّ الرّبح يتحقّق بالبيع، و يتوقّع بالشّراء.

____________

(1) الكافي 8/ 331، ح 510.

(2) من نسخة ن.

(3) تأويل الآيات 1/ 362، ح 9.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 129.

(6) المصدر: أبو بكر.

(7) أنوار التنزيل 2/ 129.

(8) أي: مكسور الباء التّحتانيّة.

(9) من نسخة م.

315

و قيل‏ (1): المراد بالتّجارة: الشّراء، فإنّه أصلها و مبدؤها.

و قيل‏ (2): الجلب، لأنّه الغالب فيها. و منه يقال: تجر فلان في كذا: إذا جلبه.

و قيل‏ (3): و فيه إيماء بأنّهم تجّار.

وَ إِقامِ الصَّلاةِ:

عوّض فيه الإضافة من التّاء المعوّضة عن العين السّاقطة بالإعلال. كقوله:

و أخلفوك عد الأمر الّذي و عدوا

وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ: ما يجب إخراجه من المال للمستحقّين.

يَخافُونَ يَوْماً- مع ما هم عليه من الذّكر و الطّاعة- تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ (37): تضطرب و تتغيّر من الهول. أو: تتقلّب أحوالها، فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه، و تبصر الأبصار ما لم تكن تبصر. أو: تتقلّب «القلوب» من توقّع النّجاة و خوف الهلاك، و «الأبصار» من أي ناحية يؤخذ بهم و يؤتى كتابهم.

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و صل اللّه طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله، و طاعة رسوله بطاعته‏ (5). فمن ترك طاعة ولاة الأمر، لم يطع اللّه و لا رسوله. و هو الإقرار بما أنزل من عند اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.

و التمسوا البيوت الّتي‏ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏. فإنّه يخبركم‏ (7) أنّهم‏ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن‏

____________

1 و 2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) الكافي 1/ 182، ح 6.

(5)

أشار- (عليه السلام)‏- إلى قوله- سبحانه-: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏

، (النساء/ 59)

(6) الاعراف/ 31.

(7) المصدر: أخبركم.

(8) الكافي 5/ 36- 37، ح 1.

316

عقيل الخزاعيّ: انّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- كان إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين بكلمات فيقول:

تعاهدوا الصّلاة. و حافظوا عليها. و استكثروا منها. و قد عرف حقّها من طرقها (1).

و أكرم بها من المؤمنين الّذين لا يشغلهم عنها زين متاع، و لا قرّة عين من مال و لا ولد.

يقول اللّه- تعالى-: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن يحيى‏ (2)، عن أحمد بن [محمّد، عن عليّ بن احكم، عن أسباط بن سالم قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فسألنا عن عمر بن‏] (3) مسلم ما فعل.

فقلت: صالح، و لكنّه ترك‏ (4) التّجارة.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: عمل الشّيطان- ثلاثا.

أما علم أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- اشترى عيرا أتت من الشّام، فاستفضل فيها ما قضى دينه، و قسّم في قرابته!؟ يقول اللّه- عزّ و جلّ-: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏ (إلى آخر الآية). يقول القصّاص: إنّ القوم لم يكونوا يتّجرون! كذبوا! و لكنّهم لم يكونوا يدعون الصّلاة في مواقيتها (5). و هو أفضل ممّن حضر الصّلاة و لم يتّجر.

عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد، عن الحسين بن بشّار، عن رجل رفعه‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏ قال: هم التّجّار الّذين‏ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏. إذا دخل مواقيت الصّلاة، أدّوا إلى اللّه حقّه فيها.

عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال:

قال أبو جعفر- (عليه السلام)- لقتادة: من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة

____________

(1) أي: أتى بها ليلا. من الطّروق، بمعنى:

الإتيان باللّيل، أي: واضب عليها في اللّيالي.

و قيل: جعلها دأبه و صنعه. قاله العلامة المجلسيّ (ره)

(2) نفس المصدر/ 75، ح 8.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) المصدر: قد ترك.

(5) ن و المصدر: ميقاتها.

(6) نفس المصدر/ 154 ح 21.

(7) نفس المصدر 6/ 256، ح 1.

317

البصريّ.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: ويحك يا قتادة! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق خلقا من خلقه، فجعلهم حججا على خلقه. فهم أوتاده في أرضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه. اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه.

قال: فسكت قتادة طويلا. ثمّ قال: أصلحك اللّه، و اللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء و قدّام ابن عبّاس‏ (1)، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم، ما اضطرب قدّامك! فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: أ تدري أين أنت؟ بين يدي‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ. فأنت ثمّ، و نحن أولئك.

فقال له قتادة: صدقت و اللّه، جعلني اللّه فداك. و اللّه ما هي بيوت حجارة و لا طين.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (2): قال (عليه السلام)- بعد أن ذكر الصّلاة و حثّ عليها المؤمنين-: الّذين لا يشغلهم‏ (3) عنها زينة متاع، و لا قرّة عين من ولد و لا مال. يقول اللّه- سبحانه-:

رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ.

و فيه أيضا (4): من كلام له- (عليه السلام)- عند تلاوته‏ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏: و إنّ للذّكر لأهلا، أخذوه من الدّنيا بدلا. فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه. يقطعون به أيّام الحياة (5). و يهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين. و يأمرون بالقسط، و يأتمرون به. و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه. كأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة، و هم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك. فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه. و حقّقت القيامة عليهم عداتها. فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا، حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى النّاس، و يسمعون ما لا يسمعون.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و قدّامهم ...

(2) نهج البلاغة/ 317، الخطبة 199.

(3) المصدر: لا تشغلهم.

(4) نفس المصدر/ 342- 343، الخطبة 222.

(5) أ: الحياة الدنيا.

318

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و روي عن روح بن عبد الرّحيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏ قال:

كانوا أصحاب تجارة. فإذا حضرت الصّلاة، تركوا التّجارة و انطلقوا إلى الصّلاة. و هم أعظم أجرا ممّن لا يتّجر.

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ‏:

متعلّق ب «يسبّح» أو «لا تلهيهم» أو «يخافون».

أَحْسَنَ ما عَمِلُوا: أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنّة.

وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏ أشياء لم يعدهم على أعمالهم و لم تخطر ببالهم.

وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (38):

تقرير للزّيادة، و تنبيه على كمال القدرة و نفاذ المشيئة وسعة الإحسان.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود قال: حدّثنا الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏ قال: بيوت آل محمّد: عليّ، و فاطمة، و الحسن و الحسين، و حمزة، و جعفر- (عليهم السلام).

قلت: بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏. قال: الصّلاة في أوقاتها. قال: ثمّ وصفهم اللّه- تعالى- فقال: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ. قال: هم الرّجال لم يخلط اللّه معهم غيرهم.

ثمّ قال: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏. قال: ما اختصّهم به من المودّة و الطّاعة المفروضة، و صيّر مأواهم الجنّة. وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

و ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره‏ (3) ما رواه عن أبيه، عن عبد اللّه بن جندب قال: كتبت إلى الرّضا- (عليه السلام)- أسأله عن تفسير هذه الآية: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏- إلى قوله:- وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏. فأجابني: نزلت هذه الآية فينا. و اللّه‏

____________

(1) الفقيه 3/ 119، ح 508.

(2) تأويل الآيات 1/ 362- 363، ح 10.

(3) تفسير القمي 2/ 104.

319

ضرب لنا المثل‏ (1). و عندنا علم المنايا و البلايا، و أسباب الغيب‏ (2)، و مولد الإسلام. و ما من فئة تضلّ مائة (3) و تهدي مائة، إلّا و عندنا علم قائدها و سائقها (4) و تابعها (5) إلى يوم القيامة.

[و قوله: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ‏ الكوّة الّتي فيها السّراج يضي‏ء بها البيت. فكذلك مثل آل محمّد في النّاس. أضاء اللّه بهم الدّنيا و الدّين. و الدّليل على أنّ هؤلاء هم آل محمّد، و أنّ هذا المثل لهم، قوله- تعالى-: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏- إلى قوله:- بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

] (6) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ:

و الّذين كفروا، حالهم على ضدّ ذلك. فإنّ أعمالهم الّتي يحسبونها صالحة نافعة عند اللّه، يجدونها لاغية مخيّبة في العاقبة كالسّراب، و هو ما يرى في الفلاة من لمعان الشّمس عليها وقت الظّهيرة، فيظنّ أنّه ماء يسرب- أي يجري- و الشّعاع يرتفع بين السّماء و الأرض، كالماء ضحوة النّهار. و الآل يرفع الشّخص الّذي فيه.

و القيعة: بمعنى القاع، و هو: الأرض المستوية. و قيل‏ (7): جمع كجار و جيرة.

و قرئ‏ (8): «بقيعات» كديمات في ديمة.

يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، أي: العطشان.

و تخصيصه لتشبيه الكافر به، في شدّة الخيبة عند مسيس الحاجة.

حَتَّى إِذا جاءَهُ‏: جاء ما توّهمه ماء، أو موضعه‏ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ممّا ظنّه.

وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ‏: عقابه أو زبانيته. أو: وجده محاسبا إيّاه.

فَوَفَّاهُ حِسابَهُ‏ استعراضا أو مجازاة.

وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (39) لا يشغله حساب عن حساب.

و في شرح الآيات الباهرة (9): عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا

____________

(1) جاء في المصدر، بدل العبارة الأخيرة: فكتب إليّ الجواب:

أما بعد، فإنّ محمدا كان أمين اللّه في خلقه. فلمّا قبض النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- كنّا أهل البيت ورثته. فنحن أمناء اللّه في أرضه.

(2) المصدر: و أنساب العرب.

(3) المصدر: مائة به. و في س و م: بآية.

(4) المصدر:

و نحن نعرف سائقها و قائدها.

(5) المصدر: و ناعقها.

(6) ما بين المعقوفتين، ليس في المصدر.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 129.

(9) تأويل الآيات 1/ 364- 365، ح 12.

320

جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية. فقال: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بنو أميّة. أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً. و الظَّمْآنُ‏ نعثل‏ (1). فينطلق بهم، فيقول: أوردكم الماء. حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ‏.

و في مجمع البيان‏ (2): و سئل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في حالة واحدة.

أَوْ كَظُلُماتٍ‏:

عطف على «كسراب». و «أو» للتّخيير. فإنّ أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها، كالسّراب. و لكونها خالية عن نور الحقّ، كالظّلمات المتراكمة من لجج البحر و الأمواج و السّحاب. أو للتّنويع. فإنّ أعمالهم، إن كانت حسنة، فكالسّراب، و إن كانت قبيحة، فكالظّلمات. أو للتّقسيم باعتبار وقتين. فإنّها كالظّلمات في الدّنيا، و السّراب في الآخرة.

فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ‏: عميق. منسوب إلى اللّجّ، و هو معظم الماء.

يَغْشاهُ‏: يغشى البحر.

مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ‏، أي: أمواج مترادفة متراكمة.

مِنْ فَوْقِهِ‏: من فوق الموج الثاني‏ سَحابٌ‏ غطّى النّجوم، و حجب أنوارها.

و الجملة صفة أخرى للبحر.

ظُلُماتٌ‏، أي: هذه ظلمات‏ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ‏:

و قرأ ابن كثير (3): «ظلمات» بالجرّ، على إبدالها من الأولى، أو بإضافة السّحاب إليها.

إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ- و هي أقرب ما يرى إليه- لَمْ يَكَدْ يَراها: لم يقرب أن يراها، فضلا أن يراها. كقول ذي الرمّة:

إذا غيّر النّأي‏ (4) المحبّين لم يكد* * * رسيس‏ (5)

الهوى من حبّ مية (6) يبرح‏

____________

(1) يعني: الثالث.

(2) مجمع البيان 4/ 146.

(3) أنوار التنزيل 2/ 130.

(4) أي: البعد.

(5) الرّسيس: بدء الشّي‏ء، أو بقيّته و أثره.

(6) ميّة: اسم امرأة ذكرها الشّاعر، إمّا لحبّه لها، أو ذكرها مجردا عن ذلك.

321

و الضمائر للواقع في البحر، و إن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه.

وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً: و من لم يقدّر له الهداية، و لم يوفّقه لأسبابها فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (40): خلاف الموفّق الّذي له نور على نور.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن القاسم، عن صالح بن سهل الهمدانيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏- إلى قوله:

قلت: أَوْ كَظُلُماتٍ‏؟ قال: الأوّل و صاحبه. يَغْشاهُ مَوْجٌ‏: الثّالث. مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ‏ ... ظُلُماتٌ‏: الثّاني. بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ‏: معاوية- لعنه اللّه- و فتن بني أميّة. إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ‏ المؤمن في ظلمة فتنتهم، لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً. إماما من ولد فاطمة- (عليها السلام)- فَما لَهُ مِنْ نُورٍ: إمام يوم القيامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثنا محمّد بن همّام، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن الحسين الصّائغ، عن الحسن بن عليّ، عن صالح بن سهل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَوْ كَظُلُماتٍ‏: فلان و فلان‏ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ‏- يعني نعثل- مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ‏: طلحة و الزّبير. ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ‏: معاوية و يزيد و فتن بني أميّة. إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ‏ في ظلمة فتنتهم‏ لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً- يعني إماما من ولد فاطمة (عليها السلام)- فَما لَهُ مِنْ نُورٍ: فما له من إمام يوم القيامة، يمشي بنوره. [يعني‏] (3) كما في قوله‏ (4)- تعالى-:

يَسْعى‏ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ‏. قال: إنّما المؤمنون يوم القيامة، نورهم يسعى بين أيديهم و بأيمانهم، حتّى ينزلوا منازلهم من الجنان.

و في شرح الآيات الباهرة (5) عن محمّد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن الحكيم بن حمران‏ (6) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الكافي 1/ 195، ح 5.

(2) تفسير القمي 2/ 106.

(3) من المصدر.

(4) الحديد/ 12.

(5) تأويل الآيات 1/ 365، ح 15.

(6) المصدر، و نسخة م و ن: الحكم بن حمران. أ:

الحكيم بن عمران.

322

أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ‏. قال: فلان و فلان. مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ‏. قال: أصحاب الجمل و صفّين و النّهروان. مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ‏. قال: بنو أميّة.

إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ‏- يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) في ظلماتهم- لَمْ يَكَدْ يَراها، أي:

إذا نطق بالحكمة بينهم، لا يقبلها (1) منه أحد، إلّا من أقرّ بولايته، ثمّ بإمامته. وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ، أي: من لم يجعل اللّه له إماما في الدّنيا، فماله في الآخرة من نور إمام يرشده و يتبعه إلى الجنّة.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: و الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالحقّ و أكرم اهل بيته، ما من شي‏ء يطلبونه‏ (3)، من حرز، أو حرق، أو غرق، أو سرق، أو إفلات دابّة من صاحبها، أو ضالّة، أو آبق‏ (4)، إلّا و هو في القرآن. فمن أراد ذلك، فليسألني عنه.

قال: فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن الآبق. فقال: اقرأ: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ‏- إلى قوله:- وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ. فقرأ (5) الرّجل، فرجع إليه الآبق.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و روي عن أبي جميلة، عن عبد اللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: اكتب للآبق في ورقة أو في قرطاس: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. يد فلان مغلولة إلى عنقه. إذا أخرجها لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ. ثمّ لفّها و اجعلها بين عودين. ثمّ ألقها في كوّة بيت مظلم، في الموضع الّذي كان يأوي فيه.

أَ لَمْ تَرَ: ألم تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين و الوثاقة بالوحي و الاستدلال.

لأنّ ما ذكر في الآية، لا يرى بالأبصار، و إنّما يعلم بالأدلّة.

____________

(1) س، أ، م، ن: لم يقبلها.

(2) الكافي 2/ 624- 625، ح 21.

(3) المصدر: تطلبونه. س، أ، م، ن: يطلبونه.

(4) الآبق: العبد الهارب.

(5) المصدر: فقالها.

(6) الفقيه 3/ 88- 89، ح 331.

323

و الخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المراد جميع المكلّفين.

أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: ينزّه ذاته عن كلّ نقص و آفة أهل السّموات و الأرض.

و «من» لتغليب العقلاء، أو الملائكة و الثّقلان، بما يدلّ عليه من مقال أو دلالة حال.

وَ الطَّيْرُ:

على الأوّل، تخصيص لما فيها من الصّنع الظّاهر و الدّليل الباهر.

و لذلك قيّدها بقوله: صَافَّاتٍ‏، فإنّ إعطاء الأجرام الثّقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجوّ صافّة أجنحتها بما فيها من القبض و البسط، حجّة قاطعة على كمال قدرة الصّانع و لطف تدبيره.

كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏، أي: قد علم اللّه دعاءه و تنزيهه، اختيارا أو طبعا، لقوله: وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ‏ (41). أو: علم كلّ على تشبيه حاله في الدّلالة على الحقّ و الميل إلى النّفع، على وجه يخصّه بحال من علم ذلك.

مع أنّه لا يبعد أن يلهم اللّه الطّير دعاء و تسبيحا- كما ألهمها علوما دقيقة في أسباب تعيّشها- لا يكاد يهتدي إليه العقلاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن بعض أصحابه يرفعه إلى الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ اللّه ملكا في صورة الدّيك الأبلج‏ (2) الأشهب براثنه‏ (3) في الأرض السّابعة، و عرفه تحت العرش. له جناحان: جناح بالمشرق، و جناح بالمغرب. فأمّا الجناح الّذي في المشرق‏ (4)، فمن ثلج. و أمّا الجناح الّذي في المغرب‏ (5)، فمن نار.

فكلّما حضر وقت الصّلاة، قام [الديك‏] (6) على براثنه، و رفع عرفه تحت‏ (7) العرش. ثمّ‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 106.

(2) المصدر: الأملح.

(3) براثن: جمع برثن، و هو من السّباع و الطّير بمنزلة الأصابع من الإنسان.

(4) المصدر: بالمشرق.

(5) المصدر: بالمغرب.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: من تحت.

324

أمال أحد جناحيه على الآخر، يصفّق بهما، كما يصفّق الدّيك‏ (1) في منازلكم. فلا الّذي من الثلج يطفئ النّار، و لا الّذي من النّار يذيب الثّلج. ثمّ ينادي بأعلى صوته: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد (2) أن محمّدا عبده و رسوله خاتم النّبيّين، و أنّ وصيّه خير الوصيّين. «صبّوح قدوس ربّ الملائكة و الرّوح».

فلا يبقى في الأرض ديك إلّا اجابه. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: «و الطّير صافّات‏ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏.

و بإسناده‏ (3) إلى إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما من طير يصاد في برّ و لا بحر (4)، و لا يصاد شي‏ء من الوحش، إلّا بتضييعه التّسبيح.

و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة، قال: جاء ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: يا أمير المؤمنين! و اللّه، إنّ في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- لآية قد أفسدت عليّ قلبي، و شكّكتني في ديني.

فقال له- (عليه السلام)-: ثكلتك أمّك و عدمتك، و ما تلك الآية؟ قال: قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏.

فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا ابن الكوّاء، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق الملائكة في صور شتّى. ألا إنّ للّه- تعالى- ملكا في صورة ديك أبلج أشهب، براثنه في الأرض السّابعة السّفلى، و عرفه مثنى تحت العرش. و له جناحان: جناح في المشرق، و جناح في المغرب. واحد من نار، و الآخر من ثلج. فإذا حضر وقت الصّلاة، قام على براثنه، ثمّ رفع عنقه من تحت العرش، ثمّ صفّق بجناحيه، كما تصفّق الدّيوك في منازلكم. فلا الّذي من النّار يذيب الثّلج، و لا الّذي من الثّلج يطفئ النّار. فينادي:

«أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا سيّد النّبيّين، و أنّ وصيّه سيّد الوصييّن، و أنّ اللّه سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الرّوح».

قال: فصفّق‏ (6) الدّيكة بأجنحتها في منازلكم. [فلا يبقى على وجه الأرض ديك إلّا

____________

(1) المصدر: تصفّق الديكة.

(2) ليس في المصدر.

(3) نفس المصدر/ 107.

(4) المصدر: في البرّ و لا في البحر.

(5) التوحيد/ 282، ح 10.

(6) المصدر: فتخفق. م: فتصفّق.

325

أجابه بنحو قوله. و هذا] (1) معنى قوله: وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏ من الدّيكة في الأرض.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ للّه- عزّ و جلّ- ملكا على صورة ديك أبيض. رأسه تحت العرش، و رجلاه في تخوم الأرض السّابعة. له جناح في المشرق، و جناح في المغرب. لا تصيح الدّيوك حتّى يصيح. فإذا صاح، خفق بجناحيه. ثمّ قال: «سبحان اللّه، سبحان اللّه، سبحان اللّه العظيم الّذي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ. قال: فيجيبه اللّه- عزّ و جلّ- فيقول: لا يحلف بي كاذبا، من يعرف ما تقول.

و روي‏ (3) أنّ فيه نزلت: وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏.

وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏:

فإنّه الخالق لهما و لما فيهما من الذّوات و الصّفات و الأفعال، من حيث إنّها ممكنة واجبة الانتهاء إلى الواجب.

وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42): مرجع الجميع.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً: يسوقه.

و منه: البضاعة المزجاة، فإنّها يزجيها كلّ أحد.

ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ‏:

بأن يكوّن قزعا (4)، فيضمّ بعضه إلى بعض. و بهذا الاعتبار صحّ «بينه»، إذ المعنى بين أجزائه.

ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً: متراكما بعضه على بعض.

فَتَرَى الْوَدْقَ‏: المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ‏: من فتوقه. جمع «خلل»، كجبال في جبل.

و قرئ‏ (5): من خلله.

و في كتاب الإهليلجة (6): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل، يذكر فيه‏

____________

(1) في المصدر، بدل ما في المعقوفتين: فتجيبه عن قوله تعالى و هو.

(2) من لا يحضر الفقيه 1/ 306، ح 1398.

(3) نفس المصدر، ح 1399.

(4) القزع: قطع السّحاب المتفرّقة في السّماء.

(5) أنوار التنزيل 2/ 130.

(6) راجع: بحار الأنوار 3/ 191. أورد الّعلامة المجلسي- (قدّس سرّه)- في هذا الجزء من البحار،-

326

الرّياح: و بها يتألّف المفترق، و بها يتفرق الغمام المطبق، حتّى ينبسط في السّماء كيف يشاء مدبّره. ف يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ‏ (1) بقدر معلوم، لمعاش مفهوم و أرزاق مقسومة و آجال مكتوبة.

وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ: من الغمام. و كلّ ما علاك، فهو سماء.

مِنْ جِبالٍ فِيها:

قيل‏ (2): أي من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها.

مِنْ بَرَدٍ:

بيان للجبل. و المفعول محذوف. أي: ينزل مبتدأ من السّماء من جبال فيها من برد بردا. و يجوز أن تكون «من» الثّانية أو الثّالثة للتّبعيض، واقعة موقع المفعول.

و قيل‏ (3): المراد بالسّماء المظلّة. و فيها جبال من برد، كما في الأرض جبال من حجر.

و ليس في العقل قاطع يمنعه.

و التّفسير الأوّل، بناء على ما هو المشهور من أنّ الأبخرة إذا تصاعدت و لم تحلّلها حرارة، فبلغت الطّبقة الباردة من الهواء و قوي البرد هناك، اجتمع و صار سحابا. فإن لم يشتدّ البرد، تقاطر مطرا. و إن اشتدّ، فإن وصل إلى الأجزاء البخاريّة قبل اجتماعها، نزل ثلجا، و إلّا نزل بردا. و قد يبرد الهواء بردا مفرطا، فينقبض و ينعقد سحابا، و ينزل منه المطر أو الثّلج.

ثمّ قال المتكلّمون منهم و من يحذو حذوهم من الحكماء (4): و كلّ ذلك لا بدّ و أن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم، لقيام الدّليل على أنّها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالّها و أوقاتها. و إليه أشار بقوله: (5) فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ.

و الضّمير للبرد.

و في كتاب التوحيد (6) حديث طويل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- يذكر فيه‏

____________

خبر مفضّل بن عمر المشتهر بالإهليلجة بتمامه.

(1) الروم/ 48.

(2) أنوار التنزيل 2/ 130.

(3) أنوار التنزيل 2/ 131.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 131.

(6) التوحيد/ 276- 277 ح 1.

327

عظمة اللّه- جلّ جلاله. قال (عليه السلام)- بعد أن ذكر الأرضين السّبع و الدّيك و الصّخرة و الحوت و البحر المظلم و الهواء و الثّرى بمن فيه و من عليه عند السماء كحلقة في فلاة قيّ‏ (1)-: و هذا و السماء الدنيا و من فيها و من عليها عند الّتي فوقها، كحلقة في فلاة قيّ. و هذا و هاتان السّماء ان عند الثّالثة، كحلقة في فلاة قيّ. و هذه الثّلاث و من فيهنّ و من عليهنّ عند الرّابعة، كحلقة في فلاة قيّ. حتّى انتهى إلى السّابعة. و هذه السّبع و من فيهنّ و من عليهنّ، عند البحر المكفوف عن أهل الأرض، كحلقة في فلاة قيّ. و السّبع و البحر المكفوف‏ (2) عند جبال البرد، كحلقة في فلاة قيّ. ثمّ تلا هذه الآية: وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ.

و في روضة الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن صفوان، عن خلف بن حمّاد، عن الحسين بن زيد الهاشميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثله.

و فيها أيضا (4): عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال:

حدّثني أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لي أبي- (عليه السلام)-: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل السّحاب غرابيل للمطر. هي تذيب البرد، حتّى يصير ماء لكي لا يضرّ به شيئا يصيبه. و الّذي ترون فيه من البرد و الصّواعق، نقمة من اللّه- عزّ و جلّ- يصيب بها من يشاء من عباده.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن عليّ بن أسباط، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: البرد لا يؤكل. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول:

فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ.

يَكادُ سَنا بَرْقِهِ‏: ضوء برقه.

____________

(1) القيّ: القفر من الأرض.

(2) م: و

هذه السبع و الديك و الصخرة و الحوت و البحر المظلم و الثرى السبع و البحر المكفوف.

(3) الكافي 8/ 153- 155، ح 143.

(4) نفس المصدر/ 240، ح 326.

(5) الكافي 6/ 388، ح 3.

328

و قرئ‏ (1) بالمدّ بمعنى العلوّ، و بإدغام الدّال في السّين. و «برقه» بضمّ الباء و بفتح الرّاء. و هو جمع برقه- و هي المقدار من البرق- كالغرفة. و بضمّها للإتباع.

يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43): بأبصار النّاظرين إليه من فرط الإضاءة. و ذلك أقوى دليل على كمال القدرة، من حيث إنّه توليد الضّدّ من الضّدّ.

و قرئ‏ (2): «يذهب» على زيادة الباء.

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما و زيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحرّ و البرد و النّور و الظّلمة، أو بما يعمّ ذلك.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: فيما تقدّم ذكره‏ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (44):

لدلالته على وجود الصّانع القديم، و كمال قدرته و إحاطة علمه و نفاذ مشيئته، و تنزّهه عن الحاجة، و ما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة.

وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ: حيوان يدبّ على الأرض.

و قرأ حمزة و الكسائي‏ (3): «خالق كلّ دابّة» بالإضافة.

مِنْ ماءٍ هو جزء مادّته. أو: ماء مخصوص هو النّطفة.

قيل‏ (4): فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكلّ، إذ من الحيوانات ما يتولّد لا من النّطفة.

و قيل‏ (5): «من ماء» متعلّق ب «دابّة»، و ليس صلة ل «خلق». (6) فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ بَطْنِهِ‏، كالحيّة.

و إنّما سمّى الزحف مشيا، على الاستعارة أو المشاكلة.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 131.

(2) نفس المصدر.

3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 131.

(6) في هامش نسخة «م»:

لا ريب في أنّ كون من ماء صنعه دابّة وجه وجيه حلوّ في المذاق لا غبار عليه. و فيه تخلّص من التّخصيص بمنفصل لكنّ الّذي يسبق إلى الذّهن أوّل وهلة كونه متعلّقا بخلق و إنّما يستحسن الذّوق تعلّقه بمحذوف بعد التّنبيه عليه و هذا من جملة ما يمثّل به للظّواهر إذا أريد تفسير معنى الظّاهر فيسئل إلى الظّاهر تعلّقها بالفعل المذكور أو المحذوف و قد كتبنا في هذه السّورة على قوله- تعالى- لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً (النور/ 12) حاشية «في» راجعها و من التّراكيب ما يحتمل أمرين كلّ منهما يسبق إلى الذّهن و لكنّ السّامع قد لا يتّعظنّ إلّا أحدهما مثل أناديك يا موجود في كلّ مكان لعلّك تسمع دعائي. «في كلّ مكان» يصحّ تعلّقه بموجود و أناديك و كلّ منهما صحيح و الإنصاف: أنّ الأوّل أظهر لأنّ يا موجود وحدها ليس لها موقع إلّا بتدقيق النّظر.

329

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ رِجْلَيْنِ‏، كالإنس و الطّير.

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ أَرْبَعٍ‏، كالنّعم و الوحش.

و يندرج فيه ما له أكثر من أربع، كالعناكب. فإنّها إذا مشت على أكثر، مشت على أربع. و تذكير الضّمير لتغليب العقلاء. و التّعبير ب «من» عن الأصناف ليوافق التّفصيل الجملة. و التّرتيب، لتقديم ما هو أعرف في القدرة.

يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ ممّا ذكر و ممّا لم يذكر، بسيطا و مركّبا، على اختلاف الصّور و الأعضاء و الهيئات و الحركات و الطّبائع و القوى و الأفعال، مع اتّحاد العنصر بمقتضى مشيئته.

إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (45): فيفعل ما يشاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ- وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، أي: من منيّ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ. قال: يمشي على رجلين، النّاس، و على بطنه، الحيّات، و على أربع، البهائم. و

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و منهم من يمشي على أكثر من ذلك.

و في مجمع البيان‏ (2): قال البلخيّ: إنّ الفلاسفة تقول‏ (3): كلّ ما له قوائم كثيرة، فإنّ اعتماده إذا سعى على أربعة قوائم فقط.

و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و منهم من يمشي على أكثر من ذلك.

لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ‏ للحقائق بأنواع الدّلائل.

وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بالتّوفيق للنّظر فيها، و التّدبّر لمعانيها إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (46): هو دين الإسلام الموصل إلى درك الحقّ و الفوز بالجنّة.

وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ‏:

قيل‏ (4): نزلت في بشر المنافق. خاصم يهوديّا، فدعاه إلى كعب بن الأشرف، و هو يدعوه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) تفسير القمي 2/ 107.

(2) مجمع البيان 4/ 148.

(3) س، أ، م، ن: يقولون.

(4) أنوار التنزيل 2/ 131.

330

و قيل‏ (1): في مغيرة بن وائل. خاصم عليّا- (عليه السلام)- في أرض، فأبى أن يحاكمه إلى الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله).

وَ أَطَعْنا، أي: و أطعنا لهما.

ثُمَّ يَتَوَلَّى‏ بالامتناع عن قبول حكمه‏ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏: بعد قولهم هذا.

وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏ (47):

اشارة إلى القائلين بأسرهم. فيكون إعلاما من اللّه بأنّ جميعهم- و إن آمنوا بلسانهم- لم تؤمن قلوبهم‏ (2). أو إلى الفريق منهم. و سلب الإيمان عنهم، لتولّيهم. و التّعريف فيه، للدّلالة على أنّهم ليسوا بالمؤمنين الّذين عرفتهم، و هو المخلصون في الإيمان و الثّابتون عليه.

وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏:

أي: ليحكم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). فإنّه الحاكم ظاهرا و المدعوّ إليه. و ذكر اللّه- تعالى- لتعظيمه، و الدّلالة على أنّ حكمه في الحقيقة حكم اللّه.

إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ‏ (48): فاجأ فريق منهم الإعراض، إذا كان الحكم‏ (3) عليهم، لعلمهم بأنّك لا تحكم لهم.

و هو شرح للتّولّي و مبالغة فيه.

وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُ‏، أي الحكم، لا عليهم‏ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ‏ (49):

منقادين، لعلمهم بأنّه يحكم لهم.

و «إليه» صلة ل «يأتوا» أو ل «مذعنين». و تقديمه للاختصاص.

أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: كفر، أو ميل إلى الظّلم.

أَمِ ارْتابُوا بأن رأوا منك تهمة، فزالت ثقتهم و يقينهم بك.

أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ‏ في الحكومة.

بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ (50):

إضراب عن القسمين الأخيرين، لتحقيق القسم الأوّل. و وجه التّقسيم أنّ امتناعهم‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ن: لم يؤمنوا بقلوبهم.

(3) س، أ، م، ن: الحقّ.

331

إمّا لخلل فيهم، أو في الحاكم. و الثّاني إمّا أن يكون محقّقا عندهم، أو متوقّعا. و كلاهما باطل. لأنّ منصب نبوّته و فرط أمانته تمنعهم. فتعيّن الأوّل. و ظلمهم يعمّ خلل عقيدتهم و ميل نفوسهم إلى الحيف. و الفصل، لنفي ذلك عن غيرهم، سيّما المدعوّ إلى حكمه.

إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (51)، على عادته- تعالى- في إتباع ذكر المحقّ المبطل، للتّنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي.

و قرئ‏ (1): «قول» بالرّفع. و «ليحكم» على البناء للمفعول. و إسناده إلى ضمير مصدره، على معنى ليفعل الحكم.

و في مجمع البيان‏ (2): و حكى البلخيّ‏ أنّه كانت بين عليّ- (عليه السلام)- و عثمان منازعة في أرض اشتراها من عليّ- (عليه السلام)- فخرجت فيها أحجار. فأراد ردّها بالعيب. فلم يأخذها، فقال: بيني و بينك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمّه، حكم‏ (3) له. فلا تحاكمه إليه. فنزلت الآيات. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أو قريب منه.

و روي عن عليّ‏ (4)- (عليه السلام)‏- أنّه قرأ «قول المؤمنين» بالرّفع.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏، أي: الفائزون بالثّواب، الظّافرون بالمراد.

و روي عن أبي جعفر (5)- (عليه السلام)‏- أنّ المعنيّ بالآية أمير المؤمنين- (عليه السلام).

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ فيما يأمرانه، أو في الفرائض و السّنن، وَ يَخْشَ اللَّهَ‏ على ما صدر عنه من الذّنوب، وَ يَتَّقْهِ‏: فيما بقي من عمره.

و قرأ يعقوب و قالون‏ (6) عن نافع، بلا ياء. و أبو عمرو و أبو بكر بسكون الهاء. و حفص بسكون القاف، فشبّه تقه بكتف و خفّف. [و الهاء في الوقف ساكنة بالاتفاق‏] (7).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 132.

(2) مجمع البيان 4/ 150.

(3) المصدر: يحكم.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 132.

(7) من المصدر.

332

فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ‏ (52) بالنّعيم المقيم.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن القاسم بن عبيد، عن جعفر بن عبد اللّه المحمّدي‏ (2)، عن أحمد بن إسماعيل، عن العبّاس بن عبد الرّحمن، عن سليمان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- المدينة، أعطى عليّا- (عليه السلام)- و عثمان أرضا، أعلاها لعثمان، و أسفلها لعليّ- (عليه السلام). فقال عليّ- (عليه السلام)- لعثمان: إنّ أرضي لا تصلح إلّا بأرضك، فاشتر منّي أو بعني. فقال له: أنا أبيعك.

فاشترى منه عليّ- (عليه السلام). فقال له أصحابه: أيّ شي‏ء صنعت؟ بعت أرضك من عليّ!؟ و أنت لو أمسكت عنه الماء، ما أنبتت أرضه شيئا، حتّى يبيعك بحكمك.

قال: فجاء عثمان إلى عليّ- (عليه السلام)- و قال له: لا أجيز البيع. فقال له:

بعت و رضيت، و ليس ذلك لك. قال: فاجعل بيني و بينك رجلا. قال عليّ- (عليه السلام)-: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عثمان: هو ابن عمّك، و لكن اجعل بيني و بينك غيره. فقال عليّ- (عليه السلام)-: لا أحاكمك إلى غير النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و النّبيّ شاهد علينا. فأبى ذلك. فأنزل اللّه هذه الآيات إلى قوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏.

و قال أيضا (3): حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد، عن جعفر بن عبد اللّه المحمديّ، عن كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏- إلى قوله:- مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ‏. قال:

إنّها نزلت في رجل اشترى من عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أرضا. ثمّ ندم، و ندّمه أصحابه. فقال لعليّ- (عليه السلام)-: لا حاجة لي فيها. فقال له: قد اشتريت و رضيت! فانطلق أخاصمك إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال له أصحابه: لا

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 367، ح 18.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: جعفر بن عبد المهديّ.

(3) نفس المصدر/ 367- 368 ح 19.

333

تخاصمه إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال: انطلق [أخاصمك‏] (1) إلى أبي بكر و عمر. أيّهما شئت كان بيني و بينك. قال عليّ- (عليه السلام)-: لا و اللّه! و لكن إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيني و بينك. فلا أرضى بغيره. فأنزل اللّه هذه الآيات: وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا- إلى قوله:- [وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا- إلى قوله:-] (3) وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏،

فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و عثمان‏ (4). و ذلك أنّه كان بينهما منازعة في حديقة. فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: نرضى‏ (5) برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عبد الرّحمن بن عوف لعثمان: لا تحاكمه إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإنّه يحكم له عليك، و لكن حاكمه إلى ابن أبي شيبة اليهوديّ.

فقال عثمان لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا أرضى إلّا بابن شيبة اليهوديّ! فقال ابن شيبة لعثمان: تأتمنون محمدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على وحي السّماء، و تتّهمونه في الأحكام!؟

فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- على رسوله: وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏- إلى قوله:- أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏. ثمّ ذكر أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فقال:

إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏- إلى قوله تعالى:- فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ‏.

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ‏:

إنكار للامتناع عن حكمه.

لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ‏ بالخروج عن ديارهم و أموالهم‏ لَيَخْرُجُنَ‏:

جواب ل «أقسموا» على الحكاية.

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 107.

(3) ليس في أ.

(4) المصدر: و الثالث.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ترضى.

334

قُلْ لا تُقْسِمُوا على الكذب.

طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، أي: المطلوب منكم طاعة معروفة، لا اليمين للطّاعة النّفاقيّة المنكرة. أو: طاعة معروفة أمثل منها. أو: لتكن طاعة.

و قرئت‏ (1) بالنّصب، على أطيعوا طاعة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2) بإسناده إلى عبد اللّه بن عجلان، قال: ذكرنا خروج القائم عند أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- فقلت له: و كيف لنا أن نعلم ذلك؟ فقال: يصبح أحدكم، و تحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏ (53)، فلا يخفى عليه سرائركم.

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏:

أمر بتبليغ ما خاطبهم اللّه به على الحكاية، مبالغة في تبكيتهم.

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ‏: على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما حُمِّلَ‏ من التّبليغ. وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ‏: من الامتثال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ‏. قال: ما حمّل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من النّبوّة.

وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ‏ من الطّاعة.

و في أصول الكافي‏ (4) بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- خطبة طويلة في وصف النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيها: و أدّى ما حمّل من أثقال النّبوّة.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (5)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن أبي نجران، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا معاشر قرّاء القرآن! اتّقوا اللّه- عزّ و جلّ- في ما حمّلكم من كتابه. فإنّي مسؤول و إنّكم مسؤولون. إنّي مسؤول عن تبليغ الرّسالة، و أمّا أنتم فتسألون عمّا حمّلتم من كتاب اللّه و سنّتي.

وَ إِنْ تُطِيعُوهُ‏ في حكمه، تَهْتَدُوا إلى الحقّ.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 132.

(2) كمال الدين/ 654، ح 22.

(3) تفسير القمي 2/ 107- 108.

(4) الكافي 1/ 445، ح 17.

(5) نفس المصدر 2/ 606، ح 9.

335

وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ (54): التّبليغ الموضح لما كلّفتم به، و قد أدّى. و إنّما بقي ما حمّلتم. فإن أدّيتم، فلكم. و إن تولّيتم، فعليكم.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن داود النّجّار، عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ‏ من السّمع و الطّاعة و الأمانة و الصّبر. وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ‏ من العهود الّتي أخذها اللّه عليكم في عليّ و ما بيّن لكم في القرآن من فرض طاعته. فقوله- تعالى-: وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، أي: و إن تطيعوا عليّا، تهتدوا. وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏. هكذا نزلت.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏:

خطاب للرسول و الأمّة، أو له و لمن معه. و «من» للبيان.

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ‏: ليجعلنّهم خلفاء، متصرفين في الأرض، تصرّف الملوك في ممالكهم.

و هو جواب قسم مضمر، تقديره: «وعدهم اللّه و أقسم ليستخلفنّهم». أو الوعد في تحقّقه منزل منزلة القسم.

كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏:

يعني بني إسرائيل، استخلفهم في مصر و الشّام بعد الجبابرة.

و في أصول الكافي‏ (2): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الوشاء، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- جلّ جلاله-:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏. قال: هم الأئمّة.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3) بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أمّا إبطاء نوح- (عليه السلام)- فإنّه لمّا استنزل‏ (4) العقوبة على قومه من السّماء،

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 368، ح 20.

(2) الكافي 1/ 193- 194، ح 3.

(3) كمال الدين/ 355- 357، ح 50.

(4) المصدر: استنزلت.

336

بعث اللّه- تبارك و تعالى- جبرئيل‏ (1) الرّوح الأمين معه بسبع نويات. فقال: يا نبيّ اللّه، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول لك:

إنّ هؤلاء خلائقي و عبادي، لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي، إلّا بعد تأكيد الدّعوة و إلزام الحجّة. فعاود اجتهادك في الدّعوة لقومك. فإنّي مثيبك عليه. و اغرس هذا النّوى، فإنّ لك في نباتها و بلوغها و إدراكها- إذا أثمرت- الفرج و الخلاص. فبشّر بذلك من اتّبعك من المؤمنين.

فلمّا نبتت الأشجار، و تأزّرت‏ (2) و تسوقت و تغصّنت و أثمرت، و زها الثّمر (3) عليها بعد زمان طويل، استنجز من اللّه- سبحانه و تعالى- العدة. فأمره اللّه- تبارك و تعالى- أن يغرس نوى تلك الأشجار، و يعاود الصبر و الاجتهاد، و يؤكّد الحجّة على قومه.

فأخبر بذلك الطّوائف الّتي آمنت به. فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل، و قالوا: لو كان ما يدّعيه نوح حقّا، لما وقع في وعد ربّه خلف! ثمّ إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل يأمره عند كلّ مرّة، بأن يغرسها مرّة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات. فما زالت تلك الطّوائف من المؤمنين ترتدّ منه طائفة بعد طائفة، إلى أن عاد إلى نيف و سبعين رجلا. فأوحى اللّه- تبارك و تعالى- عند ذلك إليه، و قال:

يا نوح، الآن أسفر الصّبح عن اللّيل لعينك، حين صرح الحقّ عن محضه و صفا [الأمر و الايمان من‏] (4) الكدر، بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة. فلو أنّي أهلكت الكفّار، و أبقيت من قد ارتدّ من الطّوائف الّتي كانت آمنت بك، لما كنت صدّقت و عدي السّابق للمؤمنين- الّذين أخلصوا التّوحيد من قومك و اعتصموا بحبل نبوّتك- بأن أستخلفهم في الأرض، و أمكّن لهم دينهم، و أبدّل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشّرك‏ (5) من قلوبهم.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المؤازرة: أن يقوّي الزّرع بعضه بعضا فيلتفّ.

و تسوّقت، أي: قوي ساقها. و تغصّنت، أي:

كثرت و قويت أغصانها. و زهو الثّمرة: احمرارها و اصفرارها.

(3) المصدر: التّمر.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: الشكّ.

337

و كيف يكون الاستخلاف و التّمكين، و بدل الخوف بالأمن‏ (1) منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا، و خبث طينتهم و سوء سرائرهم الّتي كانت نتائج النّفاق و سنوح‏ (2) الضّلالة!؟ فلو أنّهم تسنّموا منّي الملك الّذي أري‏ (3) المؤمنين وقت الاستخلاف، إذا أهلكت أعداءهم، [لنشقوا] (4) روائح صفائه، و لاستحكمت سرائر نفاقهم، و ثارت خبال‏ (5) ضلالة قلوبهم، و لكاشفوا إخوانهم بالعداوة، و حاربوهم على طلب الرّئاسة و التّفرّد بالأمر و النّهي.

و كيف يكون التّمكين في الدّين و انتشار الأمر في المؤمنين، مع إثارة الفتن و إيقاع الحروب!؟ كلّا! فاصنع الفلك بأعيننا و وحينا.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: و كذلك القائم. فإنّه تمتدّ أيّام غيبته، ليصرح الحقّ عن محضه، و يصفو الإيمان من الكدر، بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة، من الشّيعة الّذين يخشى عليهم النّفاق، إذا أحسّوا بالاستخلاف و التّمكين و الأمن المنتشر في عهد القائم- (صلوات اللّه عليه).

قال المفضّل: فقلت: يا ابن رسول اللّه! فإنّ هذه النّواصب تزعم أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر و عمر و عثمان و عليّ- (عليه السلام).

فقال: لا يهدي اللّه قلوب النّاصبة! متى كان الدّين الّذي ارتضاه اللّه و رسوله، متمكّنا بانتشار الأمن في الأمّة و ذهاب الخوف من قلوبها و ارتفاع الشّكّ من صدورها، في عهد واحد من هؤلاء، و في عهد عليّ!؟ مع ارتداد المسلمين و الفتن الّتي تثور في أيّامهم، و الحروب الّتي كانت تنشب بين الكفّار و بينهم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول‏- بعد ذكر معايب الثّلاثة و إمهال اللّه إيّاهم-:

كلّ ذلك لتتمّ الّنظرة الّتي أوجبها اللّه- تبارك و تعالى- لعدوّه إبليس، إلى أن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في جميع النسخ: و بدل الأمن.

(2) أي: الظهور.

(3) المصدر: أوتي.

(4) من المصدر.

(5) أي: الجنون و الفساد. نقلناه من نور الثقلين 3/ 618، ح 219 عن المصدر. و في المصدر:

حبال. و في النسخ: جبال.

(6) الاحتجاج 1/ 256- 257.

338

يبلغ الكتاب أجله، و يحقّ القول على الكافرين، و يقترب الوعد الحقّ الّذي بيّنه اللّه‏ (1) في كتابه، بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏.

و ذلك إذا لم يبق من الإسلام إلّا اسمه، و من القرآن إلّا رسمه، و غاب صاحب الأمر بإيضاح الغدر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب، حتّى يكون أقرب النّاس إليه أشدّهم عداوة له. و عند ذلك يؤيّده اللّه بجنود لم تروها، و يظهر دين نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على يديه، على الدّين كلّه و لو كره المشركون.

وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ‏- و هو الإسلام- بالتّقوية و التّثبيت.

وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ‏ من الأعداء أَمْناً منهم.

قيل‏ (2): و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أصحابه مكثوا بمكّة عشر سنين خائفين. ثمّ هاجروا إلى المدينة، و كانوا يصبحون في السّلاح و يمسون فيه. حتّى أنجز اللّه وعده. فأظهرهم على العرب كلّهم، و فتح لهم بلاد الشّرق و المغرب.

و في مجمع البيان‏ (3): وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً. قيل: معناه: و ليبدّلنّهم من بعد خوفهم في الدّنيا، أمنا في الآخرة. و يعضده ما

روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏- حاكيا عن اللّه سبحانه-: إنّي لا أجمع على عبد واحد بين خوفين و لا بين أمنين. إن خافني في الدّنيا، آمنته في الآخرة. و إن آمنني في الدّنيا، أخفته‏ (4) في الآخرة.

و اختلف‏ (5) في الآية.

و المرويّ عن أهل البيت- (عليهم السلام)‏- أنّها في المهديّ من آل محمّد.

و روى العيّاشيّ بإسناده عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)‏- أنّه قرأ الآية، و قال:

هم- و اللّه- شيعتنا، أهل البيت يفعل اللّه ذلك بهم على يدي رجل منّا. و هو مهديّ هذه الأمّة. و هو الّذي قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم، لطوّل اللّه ذلك اليوم، حتّى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطا

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 133.

(3) مجمع البيان 4/ 152.

(4) المصدر: خوّفته.

(5) نفس المصدر و الموضع.

339

و عدلا (1)، كما ملئت ظلما و جورا.

و روي‏ (2) مثل ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).

فعلى هذا يكون المراد من‏ الَّذِينَ آمَنُوا ... وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏، النّبيّ و أهل بيته- صلوات اللّه‏ (3) عليهم.

و في جوامع الجامع‏ (4): قال- (عليه السلام)-: زويت‏ (5) لي الأرض، فأريت مشارقها و مغاربها. و سيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها.

و روي المقداد (6) عنه- (عليه السلام)- أنّه قال: لا يبقى على الأرض‏ (7) بيت مدر و لا و بر، إلّا أدخله اللّه كلمة الإسلام بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل. إمّا أن يعزّهم اللّه، فيجعلهم من أهلها. و إمّا أن يذلّهم، فيدينون لها.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن يعقوب‏ (9)- (رحمه اللّه)-: روى الحسين بن [محمّد، عن‏] (10) معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏. قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من ولده- (عليهم السلام). وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ‏. قال: عنى به ظهور القائم- (عليه السلام).

يَعْبُدُونَنِي‏:

حال من «الّذين» لتقييد الوعد بالثّبات على التّوحيد. أو استئناف ببيان المقتضى للاستخلاف و الأمن.

لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً:

حال من الواو. أي: يعبدونني غير مشركين.

____________

(1) المصدر: عدلا و قسطا.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: الرحمن.

(4) جوامع الجامع/ 318.

(5) زوى الشي‏ء: جمعه.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: وجه الأرض.

(8) تأويل الآيات 1/ 368- 369، ح 21.

(9) المصدر: «محمّد بن العبّاس». و ذكر في هامشه أنّ صدر الحديث موجود في الكافي 1/ 193، ح 3، و لم يوجد الحديث بتمامه في الكافي.

(10) ليس في أ.

340

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً نزلت في القائم من آل محمّد- عليه و على آبائه السّلام.

و في مصباح شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)- زيارة للحسين- (عليه السلام)- مرويّة عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و فيها: اللّهمّ و ضاعف صلواتك و رحمتك و بركاتك على عترة نبيّك الضّائعة الخائفة المستذلّة، بقيّة الشّجرة الطّيّبة الزّاكية المباركة. و أعل اللّهمّ كلمتهم. و أفلج حجّتهم‏ (3).

و اكشف البلاء و اللأواء (4) و حنادس‏ (5) الأباطيل و الغمّ عنهم. و ثبّت قلوب شيعتهم و حزبك على طاعتهم و نصرتهم و موالاتهم. و أعنهم، و امنحهم الصّبر على الأذى فيك.

و اجعل لهم أيّاما مشهودة و أوقاتا محمودة مسعودة، توشك منها فرجهم، و توجب فيها تمكينهم و نصرتهم، كما ضمنت لأوليائك في كتابك المنزل. فإنّك قلت، و قولك الحقّ:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.

وَ مَنْ كَفَرَ: و من ارتدّ، أو كفر هذه النّعمة بَعْدَ ذلِكَ‏: بعد الوعد، أو حصول الخلافة، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (55): الكاملون في فسقهم، حيث ارتدّوا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا تلك النّعمة العظيمة.

و في أصول الكافي‏ (6) بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و لقد قال اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه لولاة الأمر من بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- خاصّة:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏- إلى قوله- فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏. يقول: أستخلفكم‏

____________

(1) تفسير القمي 1/ 14.

(2) مصباح المتهجّد/ 727.

(3) فلج بحجّته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه.

(4) اللأواء: الشّدّة و البلاء.

(5) الحنادس- جمع الحندس-: اللّيل المظلم.

(6) الكافي 1/ 250- 251، ح 7.

341

لعلمي و ديني و عبادتي، بعد نبيّكم، كما استخلفت‏ (1) وصاة آدم من بعده، حتّى يبعث النّبيّ الّذي يليه.

يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، يقول: يعبدونني [بالإيمان بأن لا نبيّ‏ (2) بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). فمن قال غير ذلك، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏.

فقد مكّن ولاة الأمر بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (3) بالعلم، و نحن هم.

فاسألونا. فإن صدقناكم، فأقرّوا. و ما أنتم بفاعلين!

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كشف المحجّة (4) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: فأمّا الآيات اللّواتي في قريش، فهي قوله- إلى قوله:- و الثّانية:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏- إلى قوله- هُمُ الْفاسِقُونَ‏.

وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ في سائر ما أمركم به.

و لا يبعد عطف ذلك على‏ أَطِيعُوا اللَّهَ‏. فإنّ الفاصل وعد على المأمور به، فيكون تكرير الأمر بطاعة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- للتّأكيد و تعليق الرّحمة بها، أو بالمندرجة هي فيه، بقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ (56)، كما علّق به الهدى.

لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ‏: لا تحسبنّ- يا محمّد- الكفّار، معجزين اللّه عن إدراكهم و إهلاكهم.

و فِي الْأَرْضِ‏ صلة مُعْجِزِينَ‏.

و قرأ ابن عامر و حمزة (5) بالياء، على أنّ الضّمير فيه لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و المعنى كما هو في القراءة بالتّاء، أو الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل، و المعنى: و لا يحسبن الكفّار في الأرض أحدا معجز (6) اللّه، فيكون‏ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ‏ مفعوليه. أو: لا يحسبوهم معجزين. فحذف المفعول الأوّل، لأنّ الفاعل و المفعولين لشي‏ء واحد، فاكتفى بذكر اثنين عن الثّالث.

وَ مَأْواهُمُ النَّارُ:

____________

(1) ن و المصدر: استخلف.

(2) المصدر: بإيمان لا نبي.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في ن.

(4) كشف المحجة/ 175.

(5) أنوار التنزيل 2/ 133.

(6) المصدر: يعجز.

342

عطف عليه من حيث المعنى. كأنّه قيل: الّذين كفروا ليسوا معجزين، و مأواهم النّار. لأنّ المقصود من النّهي عن الحسبان، تحقيق نفي الإعجاز.

وَ لَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57): المأوى الّذي يصيرون إليه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏:

رجوع إلى تتمّة الأحكام السّالفة، بعد الفراغ من الآيات الدّالّة على وجوب الطّاعة فيما سلف من الأحكام و غيرها، و الوعد عليها، و الوعيد على الإعراض عنها. و المراد به خطاب الرّجال و النّساء، و غلّب فيه الرّجال.

قيل‏ (1): إنّ غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته، فنزلت.

و قيل‏ (2): أرسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مدلج بن مرو الأنصاريّ- و كان غلاما- وقت الظّهيرة، ليدعو عمر. فدخل و هو نائم، و قد انكشف عنه ثوبه. فقال عمر:

لوددت أنّ اللّه- عزّ و جلّ- نهى آباءنا و أبناءنا و خدمنا، أن لا يدخلوا هذه السّاعات علينا إلّا بإذن. ثمّ انطلق معه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فوجده و قد أنزلت هذه الآية.

وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ‏: و الصّبيان الّذين لم يبلغوا من الأحرار.

فعبّر عن البلوغ بالاحتلام، لأنّه أقوى دلائله.

ثَلاثَ مَرَّاتٍ‏ في اليوم و اللّيلة. مرّة مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ، [لأنّه وقت القيام من المضاجع، و طرح ثياب النّوم، و لبس ثياب اليقظة. و محلّه النّصب، بدلا من «ثلاث مرّات». أو الرّفع، خبرا لمحذوف‏] (3). أي: هي من قبل صلاة الفجر.

وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ‏، أي: ثيابكم الّتي لليقظة للقيلولة.

مِنَ الظَّهِيرَةِ:

بيان للحين.

وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ، لأنّه‏ (4) وقت التّجرّد عن اللّباس و الالتحاف باللّحاف.

ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ‏، أي: هي ثلاث أوقات يختلّ فيها تستّركم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 134.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) ليس في م.

343

و يجوز أن يكون مبتدأ، و خبره ما بعده. و أصل العورة: الخلل. و منها: أعور المكان، و رجل أعور.

و قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر (1) بالنّصب، بدلا من «ثلاث مرّات».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و أمّا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏- إلى قوله- ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ‏، قال:

إن اللّه- تبارك و تعالى- نهى أن يدخل أحد في هذه الثّلاثة الأوقات على أحد، لا أب، و لا أخت، و لا أمّ، و لا خادم إلّا بإذن. و الأوقات‏ (3) بعد طلوع الفجر، و نصف النّهار، و بعد العشاء الآخرة. ثمّ أطلق بعد هذه الثّلاثة الأوقات، فقال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ‏: بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان.

و ليس فيه ما ينافي آية الاستئذان، فينسخها. لأنّه في الصّبيان و مماليك المدخول عليه، و تلك في الأحرار البالغين.

طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ‏، أي: هم طوّافون.

استيناف ببيان العذر المرخّص في ترك الاستئذان، و هو المخالطة و كثرة المداخلة.

و فيه دليل على تعليل الأحكام. و كذا في الفرق بين الأوقات الثّلاثة و غيرها، بأنّها عورات.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، جميعا عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جرّاح المدائنيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «ليستأذن الّذين ملكت أيمانكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرّات»، كما أمركم اللّه- عزّ و جلّ. و من بلغ الحلم، فلا يلج على أمّه، و لا على أخته، و لا على خالته، و لا على ما سوى ذلك، إلّا بإذن. فلا تأذنوا، حتّى يسلّموا. و السّلام طاعة للّه- عزّ و جلّ.

____________

(1) نفس المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 108.

(3) المصدر: و هذه الأوقات.

(4) الكافي 5/ 529، ح 1.

344

و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ليستأذن عليك خادمك إذا بلغ الحلم في ثلاث عورات: إذا دخل في شي‏ء منهنّ، و لو كان بيته في بيتك. قال: و ليستأذن عليك بعد العشاء الّتي تسمّى العتمة، و حين تصبحون، و حين تضعون ثيابكم من الظّهيرة. إنّما أمر اللّه- عزّ و جلّ- بذلك للخلوة، فإنّها ساعة غرّة (1) و خلوة.

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏. قال: هي خاصّة في الرّجال دون النّساء.

قلت: فالنّساء يستأذنّ‏ (3) في هذه الثّلاث ساعات؟ قال: لا، و لكن يدخلن و يخرجن.

وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ‏. قال: من أنفسكم. قال: عليكم استئذان، كاستئذان من قد بلغ في هذه الثّلاث ساعات.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمد (5)، و عدّة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبد اللّه، جميعا عن محمّد بن عيسى، عن يوسف بن عقيل، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ‏. و من بلغ الحلم منكم، فلا يلج على أمّه، و لا على أخته، و لا على ابنته، و لا على من سوى ذلك، إلّا بإذن. و لا يأذن لأحد حتّى يسلّم. فإنّ السّلام طاعة الرّحمن.

عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ‏. قيل: من هم؟ فقال:

المملوكون من الرّجال و النّساء، و الصّبيان الّذين لم يبلغوا، يستأذنون عليكم عند

____________

(1) الغرّة: الغفلة في اليقظة.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) ن: لتستأذن.

(4) نفس المصدر/ 530، ح 3.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: محمد بن أحمد.

(6) نفس المصدر، ح 4.

345

هذه الثّلاث عورات: من بعد صلاة العشاء- و هي العتمة- و حين تضعون ثيابكم من الظّهيرة، و من قبل صلاة الفجر. و يدخل مملوككم و غلمانكم من بعد هذه الثّلاث عورات، بغير إذن إن شاءوا.

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى الزّهريّ، أنّه سمع سهل بن سعد السّاعديّ يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه- (عليه السلام)- مذرى‏ (2) يحكّ بها رأسه. فقال: لو أنّي أعلم أنّك تنظر، لطعنت به في عينك. إنّما جعل الاستئذان من أجل النّظر.

بَعْضُكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏: بعضكم طائف على بعض. أو: يطوف بعضكم على بعض.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك التّبيين‏ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ‏، أي: الأحكام.

وَ اللَّهُ عَلِيمٌ‏ بأحوالكم، حَكِيمٌ‏ (58) فيما شرّع لكم.

وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: الّذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلّها.

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ (59):

كرّره تأكيدا و مبالغة في الأمر بالاستئذان.

وَ الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ: العجائز اللاتي قعدن عن الحيض و الحمل، اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً: لا يطمعن فيه لكبرهنّ، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ‏، أي: الثّياب الظّاهرة، كالجلباب. و الفاء فيه، لأنّ اللّام في «القواعد» بمعنى اللّاتي، أو لوصفها بها.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله في العلل: و حرّم النّظر إلى شعور النّساء المحجوبات بالأزواج و إلى غيرهنّ من النّساء، لما فيه من تهيّج‏ (4) الرّجال و ما يدعو التّهيّج إليه من الفساد، و الدّخول فيما لا يحلّ [و لا يجمل‏] (5).

____________

(1) امالي الطوسي 2/ 12.

(2) المذرى: خشبه ذات أصابع.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 96، ح 1.

(4) المصدر: تهييج.

(5) من المصدر.

346

و كذلك ما أشبه الشّعور، إلّا الّذي قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ، أي: غير الجلباب. فلا بأس بالنّظر إلى شعور مثلهنّ.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: القواعد من النساء، ليس‏ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ‏. قال: تضع الجلباب وحده.

عدّة من أصحابنا (2)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن علاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه‏ (3)- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ما الّذي يصلح لهنّ أن يضعن من ثيابهنّ؟ قال: الجلباب.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه قرأ: أن يضعن من ثيابهن. قال: الجلباب و الخمار، إذا كانت المرأة مسنّة.

غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ: غير مظهرات زينة ممّا أمرن بإخفائه في قوله: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ‏ (5).

و أصل التّبرّج: التّكلفّ في إظهار ما يخفى- من قولهم: سفينة بارجة: لا غطاء عليها. و البرج: سعة العين، بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها كلّه، لا يغيب منه شي‏ء- إلّا أنّه خصّ بكشف المرأة زينتها و محاسنها للرّجال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله‏ وَ الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ، قال: نزلت في العجائز الّلاتي قعدن‏ (7) من المحيض و التّزويج، أن يضعن النّقاب‏ (8). ثمّ قال: وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَ‏، أي لا يظهرن للرّجال.

____________

(1) الكافي 5/ 522، ح 2.

(2) نفس المصدر/ 522، ح 3.

(3) المصدر: أبي جعفر.

(4) نفس المصدر، ح 4.

(5) النور/ 31.

(6) تفسير القمي 2/ 108.

(7) المصدر: قد يئسن.

(8) المصدر: الثياب.

347

و في مجمع البيان‏ (1): غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ. و

قد روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: للزّوج ما تحت الدّرع. و للابن و الأخ ما فوق الدّرع. و لغير ذي محرم، أربعة أثواب: درع و خمار و جلباب و إزار.

وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَ‏ من الوضع، لأنّه أبعد من التّهمة.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن عمرو بن جبير العزرميّ‏ (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: جاءت امرأة إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألته عن حقّ الزّوج على المرأة.

فخبّرها. ثمّ قالت: فما حقّها عليه؟ قال: يكسوها من العري، و يطعمها من الجوع، و إذا أذنبت غفر لها. فقالت: فليس لها شي‏ء غير هذا؟ قال: لا. قالت: لا! و اللّه، لا تزوّجت أبدا. ثمّ ولّت. فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ارجعي. فرجعت. فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَ‏.

وَ اللَّهُ سَمِيعٌ‏ لأقوالكم، عَلِيمٌ‏ (60) بما في قلوبكم.

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ‏:

قيل‏ (4): نفي لما كانوا يتحرّجون من مؤاكلة الأصحّاء، حذرا من استقذارهم أو أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح، و يبيح لهم التّبسّط فيه إذا خرج إلى الغزو. و خلّفهم على المنازل، مخافة أن لا يكون ذلك من طيبة قلب‏ (5)، أو من إجابة من يدعوهم إلى بيوت آبائهم و أولادهم و أقاربهم، فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلّا عليهم.

و قيل‏ (6): نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 155.

(2) الكافي 5/ 511، ح 2.

(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 618. و في النسخ: العذري.

(4) أنوار التنزيل 2/ 135.

(5) المصدر: عن طيب قلب.

(6) أنوار التنزيل 2/ 135.

(7) تفسير القمي 2/ 108.

348

: و ذلك أنّ أهل المدينة قبل أن يسلموا، كانوا يعتزلون الأعمى و الأعرج و المريض [أن يأكلوا معهم،] (1) و كانوا لا يأكلون معهم. و كان الأنصار فيهم تيه‏ (2) و تكرّم، فقالوا:

إنّ الأعمى لا يبصر الطّعام، و الأعرج لا يستطيع الزّحام على الطّعام، و المريض لا يأكل كما يأكل الصّحيح. فعزلوا لهم طعامهم على ناحية، و كانوا يرون عليهم في مؤاكلتهم جناحا. و كان الأعمى و الأعرج و المريض يقولون: لعلّنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم. فاعتزلوا من مؤاكلتهم.

فلمّا قدم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سألوه عن ذلك. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً.

وَ لا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ‏:

قيل‏ (3): من بيوت أزواجكم و عيالكم، و بيت المرأة كبيت الزّوج.

و قيل‏ (4): من بيوت أولادكم، لأنّ بيت الولد كبيته،

لقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنت و مالك لأبيك. و قوله: إنّ أطيب ما يأكل المرء من كسبه، و إنّ ولده من كسبه‏

(5).

أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ‏ قيل‏ (6): و ما يكون تحت أيديكم و تصرّفكم، من ضيعة أو ماشية، وكالة أو حفظا.

و قيل‏ (7): بيوت المماليك.

و قيل‏ (8): إذا ملك الرّجل المفتاح، فهو خازن. فلا بأس أن يطعم الشّي‏ء اليسير.

و قيل‏ (9): هو الرّجل يولّى طعام غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه.

و المفتاح: جمع مفتح، و هو: ما يفتح به.

و قرئ: مفتاحه.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) التيه: التكّبر.

(3) مجمع البيان 4/ 156.

(4) أنوار التنزيل 2/ 135.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 156.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) أنوار التنزيل 2/ 135.

349

أَوْ صَدِيقِكُمْ‏: أو بيوت صديقكم، فإنّهم أرضى بالتّبسّط في أموالهم و أسرّ به.

و هو يقع على الواحد و الجمع، كالخليط.

رفع الحرج عن الأكل من بيت صديقه بغير إذن، إذا كان عالما بأنّه يطيب نفسه بذلك. و الصّديق، هو الّذي صدقك عن مودّته.

و قيل‏ (1): هو الّذي يوافق باطنه باطنك، كما وافق ظاهره ظاهرك.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً: مجتمعين أو متفرّقين.

قيل‏ (2): نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة، كانوا يتحرّجون أن يأكل الرّجل وحده.

و قيل‏ (3): في قوم من الأنصار. إذا نزل بهم ضيف، لا يأكلون إلّا معه، أو في قوم تحرّجوا عن الاجتماع على الطّعام، لاختلاف الطّبائع في القذارة و النهمة.

و الأقوال متقاربة، فالحمل على العموم أولى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال عليّ بن إبراهيم‏ في قوله- تعالى-: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ‏- إلى قوله:- أَوْ أَشْتاتاً:

فإنّها نزلت، لمّا هاجر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى المدينة، و آخى بين المسلمين من المهاجرين و الأنصار، و آخى بين أبي بكر و عمر، و بين عثمان و عبد الرّحمن بن عوف، و بين طلحة و الزّبير، و بين سلمان و أبي ذرّ، و بين المقداد و عمّار، و ترك أمير المؤمنين- (عليه السلام).

فاغتمّ من ذلك غمّا شديدا، و قال: يا رسول اللّه! بأبي أنت و أمّي، لم لا تؤاخي بيني و بين أحد؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ! ما حبستك إلّا لنفسي. أما ترضى أن تكون أخي و أنا أخوك!؟ و أنت أخي في الدّنيا و الآخرة. و أنت وصيّي و وزيري. و خليفتي في أمّتي، تقضي ديني و تنجز عداتي، و تتولّى غسلي‏ (5) و لا يليه غيرك. و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. فاستبشر أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بذلك.

فكان بعد ذلك إذا بعث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أحدا من أصحابه في‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 156.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 135.

(4) تفسير القمي 2/ 109.

(5) المصدر: على غسلي.

350

غزاة أو سريّة، يدفع الرّجل مفتاح بيته إلى أخيه في الدّين، فيقول له: خذ ما شئت و كل ما شئت. فكانوا يمتنعون من ذلك، حتّى ربّما فسد الطّعام في البيت. فأنزل اللّه:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً، يعني: إن حضر صاحبه أو لم يحضر، إذا ملكتم مفاتحه.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل لابنه مال، فيحتاج الأب. قال:

يأكل منه. فأمّا الأمّ، فلا تأكل منه، إلّا قرضا على نفسها.

عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن جعفر، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يأكل من مال ولده. قال: لا، إلّا أن يضطرّ إليه، فيأكل منه بالمعروف. و لا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذن والده.

سهل بن زياد (3)، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (صلوات اللّه عليه)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لرجل: أنت و مالك لأبيك.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و ما أحبّ له أن يأخذ من مال ابنه، إلّا ما احتاج إليه ممّا لا بدّله منه. إنّ اللّه لا يحبّ الفساد.

أبو عليّ الأشعري‏ (4) عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عيسى‏ (5) بن هشام، عن عبد الكريم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل يكون لولده مال، فأحبّ أن يأخذ منه. قال: فليأخذ. و إن كانت أمّه حيّة، فما أحبّ أن تأخذ منه شيئا، إلّا قرضا على نفسها.

سهل بن زياد (6)، عن ابن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل، يحتاج إلى مال ابنه. قال: يأكل منه ما شاء، من غير سرف.

____________

(1) الكافي 5/ 135، ح 1.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) نفس المصدر، ح 3.

(4) نفس المصدر، ح 4.

(5) كذا في رجال النجاشي/ 808. و في المصدر:

عبيس.

(6) نفس المصدر/ 135- 136 ح 5.

351

و قال: في كتاب عليّ- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ الولد، لا يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذنه: و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء. و له أن يقع على جارية ابنه، إذا لم يكن الابن وقع عليها. و ذكر أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لرجل: أنت و مالك لأبيك.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن عبد اللّه بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلا قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما يحلّ للرّجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف، إذا اضطرّ إليه.

قال: فقلت له: فقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- للرّجل الّذي أتاه، فقدّم أباه، فقال له: «أنت و مالك لأبيك»؟ فقال له: إنّما جاء بأبيه‏ (2) إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه! هذا أبي و قد ظلمني ميراثي من أمّي. فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه و على نفسه. فقال: «أنت و مالك لأبيك». و لم يكن عند الرّجل شي‏ء.

أو كان‏ (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يحبس الأب للابن!؟

أبو عليّ الأشعريّ‏ (4)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان، عن محمّد الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا ... مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ‏ (إلى آخر الآية). قلت: ما يعني بقوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ‏؟ قال: هو- و اللّه- الرّجل، يدخل بيت صديقه، فيأكل بغير إذنه.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن صفوان، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ‏. قال:

هؤلاء الّذين سمّى اللّه- عزّ و جلّ- في هذه الآية، يأكل بغير إذنهم من التّمر و المأدوم. و كذلك تطعم المرأة من منزل زوجها، بغير إذنه. فأمّا ما خلا ذلك من الطّعام،

____________

(1) نفس المصدر/ 136، ح 6.

(2) م: به.

(3) المصدر: أ فكان.

(4) نفس المصدر 6/ 277، ح 1.

(5) نفس المصدر/ 277، ح 2.

352

فلا.

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: للمرأة أن تأكل و أن تتصدّق. و للصّديق أن يأكل من منزل أخيه و يتصدّق.

و في جوامع الجامع‏ (2) عن الصّادق- (عليه السلام)-: من عظم حرمة الصّديق أن جعله اللّه من الانس و الثّقة و الانبساط و طرح الحشمة، بمنزلة النّفس و الأب و الأخ و الابن.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أحدهما- (عليهما السلام)- عن هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا ... مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ‏ الآية. قال: ليس عليكم جناح فيما أطعمت‏ (4) أو أكلت ممّا ملكت مفاتحه ما لم تفسده.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ‏. قال: الرّجل، يكون له وكيل يقوم في ماله، فيأكل بغير إذنه.

و في مجمع البيان‏ (6): أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ‏. و قيل: معناه من بيوت أولادكم.

و يدلّ عليه‏

قوله- (عليه السلام)-: أنت و مالك لأبيك.

و قوله- (عليه السلام)-: إنّ أطيب ما يأكل المرء من‏ (7) كسبه، و أنّ ولده من كسبه.

و في محاسن البرقيّ‏ (8): عنه، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حسين بن مختار، عن أبي أسامة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ‏ (الآية) [قال: بإذن و بغير إذن‏]

(9).

فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً من هذه البيوت.

____________

(1) نفس المصدر، ح 3.

(2) جوامع الجامع/ 319.

(3) الكافي 6/ 277 ح 4.

(4) المصدر: طعمت.

(5) نفس المصدر، ح 5.

(6) مجمع البيان 4/ 156.

(7) المصدر: ما يأكل المؤمن.

(8) المحاسن/ 415- 416، ح 171.

(9) ليس في م.

353

فَسَلِّمُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏: على أهلها الّذين هم منكم دينا و قرابة.

و في كتاب معاني الأخبار (1): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكناني‏ (2) قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏ (الآية). فقال: هو تسليم الرّجل على أهل البيت حين يدخل، ثمّ يردّون عليه، فهو سلامكم‏ (3) على أنفسكم.

تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ ثابتة بأمره‏ (4)، مشروعة من لدنه.

و يجوز أن تكون «من» صلة للتّحية، فإنّه طلب الحياة، و هي من عنده- تعالى.

و انتصابها بالمصدر، لأنّها بمعنى التّسليم.

مُبارَكَةً، لأنّها يرجى بها زيادة الخير و الثّواب.

طَيِّبَةً: تطيب بها نفس المستمع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، قال: يقول: إذا دخل الرّجل منكم بيته، فإن كان فيه أحد، يسلّم عليهم. و إن لم يكن فيه أحد، فليقل: السّلام علينا من عند ربّنا. يقول اللّه- عزّ و جلّ-: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً.

و قيل‏ (6): إذا لم ير الدّاخل بيتا أحدا فيه، يقول: السّلام عليكم و رحمة اللّه، يقصد به الملكين اللذين عليه شهود.

و في جوامع الجامع‏ (7): وصفها بالبركة و الطّيب، لأنّها دعوة مؤمن لمؤمن يرجو (8) بها من اللّه زيادة الخير و طيب الرّزق.

و منه قوله- (عليه السلام)-: سلّم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك.

و في كتاب الخصال‏ (9)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة

____________

(1) معاني الاخبار/ 162- 163 ح 1.

(2) من م.

(3) م: سلام.

(4) م: من أمره.

(5) تفسير القمي 2/ 109.

(6) نفس المصدر.

(7) جوامع الجامع/ 319.

(8) المصدر: يرجى.

(9) الخصال/ 626.

354

باب: إذا دخل أحدكم منزلا (1)، فليسلّم على أهله، يقول: السّلام عليكم. فإن لم يكن له أهل، فليقل: السّلام علينا من ربّنا، و ليقرأ قل هو اللّه أحد حين يدخل منزله، فإنّه ينفي الفقر.

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ‏:

كرّره ثلاثا لمزيد التّأكيد و تفخيم الأحكام المختتمة به. و فصل الأوّلين بما هو المقتضى لذلك، و هذا بما هو المقصود منه. فقال:

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ (61)، أي: الحقّ و الخير في الأمور.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ‏، أي: الكاملون في الإيمان‏ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ من صميم قلوبهم.

وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى‏ أَمْرٍ جامِعٍ‏، كالجمعة و الأعياد و الحروب و المشاورة في الأمور.

و وصف الأمر بالجمع، للمبالغة.

و قرئ‏ (2): «أمر جميع».

لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ‏: يستأذنوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيأذن لهم.

و اعتباره في كمال الإيمان، لأنّه كالمصداق لصحّته، و المميّز للمخلص فيه عن المنافق، فإنّ ديدنه التّسلّل و الفرار. و لتعظيم الجرم في الذّهاب عن مجلس الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- بغير إذنه. و لذلك أعاده مؤكّدا على أسلوب أبلغ، فقال:

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏:

فإنّه يفيد أنّ المستأذن، مؤمن لا محالة، و أنّ الذّاهب بغير إذن ليس كذلك.

فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ‏: ما يعرض لهم من المهامّ.

و فيه أيضا مبالغة و تضييق للأمر.

فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ‏:

تفويض للأمر إلى رأي الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) المصدر: منزله.

(2) أنوار التنزيل 2/ 136.

355

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏- إلى قوله تعالى:- حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ‏:

فإنّها نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأمر من الأمور، في بعث يبعثه أو في حرب قد حضرت يتفرّقون بغير إذنه. فنهاهم اللّه- عزّ و جلّ- عن ذلك.

و

قوله- عزّ و جلّ-: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ‏، قال:

نزلت في حنظلة بن أبي عيّاش. و ذلك أنّه تزوّج في اللّيلة الّتي كان‏ (2) في صبيحتها حرب أحد، فاستأذن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يقيم عند أهله. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- هذه الآية: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ‏.

فأقام عند أهله، ثمّ أصبح و هو جنب. فحضر القتال و استشهد. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن، في صحائف فضّة بين السّماء و الأرض. فكان يسمّى «غسيل الملائكة».

وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ‏ بعد الإذن.

فإنّ الاستئذان- و لو لعذر- قصور لأنّه تقديم لأمر الدّنيا على أمر الدّين.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لفرطات العباد، رَحِيمٌ‏ (62) بالتّستّر عليهم.

لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً:

[قيل‏ (3): لا تقيسوا دعاءه إيّاكم على دعاء بعضكم بعضا] (4) في جواز الإعراض و المساهلة في الإجابة و الرّجوع بغير إذن، فإنّ المبادرة إلى إجابته واجبة، و المراجعة بغير إذنه محرّمة.

و قيل‏ (5): لا تجعلوا نداءه و تسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، و رفع الصّوت به، و النّداء وراء الحجرة، و لكن بلقبه المعظّم- مثل: يا نبيّ اللّه، و يا رسول اللّه- مع التّوقير و التّواضع و خفض الصّوت.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 110.

(2) ليس في المصدر. و في م: كانت.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 136.

(5) ليس في أ.

356

و قيل‏ (1): لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فلا تبالوا بسخطه، فإنّ دعاءه موجب.

و قيل‏ (2): لا تجعلوا دعاءه ربّه كدعاء [صغيركم كبيركم، يجيبه مرّة و يردّه أخرى، فإنّ دعاءه مستجاب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ] (4) بَعْضِكُمْ بَعْضاً. قال: لا تدعوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كما يدعو بعضكم بعضا.

و في رواية أبي الجارود (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، يقول: لا تقولوا «يا محمّد» و لا «يا أبا القاسم»، لكن قولوا: يا نبيّ اللّه، و يا رسول اللّه.

و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب‏ (6): القاضي [أبو محمد الكرخي في كتابه، عن الصادق- (عليه السلام)-:] (7) قالت فاطمة- (عليها السلام)-: لمّا نزلت‏ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، هبت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن أقول له: يا أبه. فكنت أقول: يا رسول اللّه. فأعرض عنّي مرّة، أو ثنتين، أو ثلاثا. ثمّ أقبل عليّ، فقال: يا فاطمة! إنّها لم تنزل فيك، و لا في أهلك، و لا في نسلك. أنت منّي و أنا منك. إنّما نزلت في أهل الجفاء و الغلظة من قريش، أصحاب البذخ و الكبر. قولي: يا أبه، فإنّها أحيى للقلب، و أرضى للرّبّ.

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ‏: يخرجون قليلا قليلا من الجماعة. و نظير تسلّل: تدرّج و تدخّل.

لِواذاً: ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض، حتّى يخرج. أو: يلوذ بمن يؤذن له، فينطلق معه كأنّه تابعه.

و انتصابه على الحال.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 110.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في م.

(5) تفسير القمي 2/ 110.

(6) المناقب 3/ 320.

(7) من المصدر.

357

و قرئ‏ (1) بالفتح.

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏: يخالفون أمره بترك مقتضاه، و يذهبون سمتا خلاف سمته. و «عن» لتضمّنه معنى الإعراض. أو: يصدّون عن أمره دون المؤمنين.

من خالفه عن الأمر: إذا صدّ عنه دونه.

و حذف المفعول، لأنّ المقصود بيان المخالف و المخالف عنه. و الضّمير للّه، فإنّ الأمر له في الحقيقة. أو للرّسول، فإنّه المقصود بالذّكر.

أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ: محنة في الدّنيا.

أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (63) في الآخرة.

و استدلّ به على أنّ الأمر للوجوب. فإنّه يدلّ على أنّ ترك مقتضى الأمر، مقتض لأحد العذابين. فإنّ الأمر بالحذر عنه يدلّ على خشية المشروط بقيام المقتضى له. و ذلك يستلزم الوجوب.

و في الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن حسين بن عمر بن يزيد، عن أبيه قال: اشتريت إبلا و أنا بالمدينة مقيم، فأعجبتني إعجابا شديدا.

فدخلت على أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- فذكرتها له. فقال: مالك و للإبل!؟ أما علمت أنّها كثيرة المصائب!؟ قال: فمن إعجابي بها أكريتها، و بعثت بها مع غلمان لي إلى الكوفة. قال: فسقطت كلّها. فدخلت عليه، فأخبرته. قال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): ثمّ قال- جلّ ذكره-: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [يعني بليّة] (4). أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏. قال: القتل.

و فيه أيضا (5): قال اللّه- تبارك و تعالى-: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏، أي: يعصون أمره، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

و في جوامع الجامع‏ (6): و عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: يسلّط عليهم سلطان‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 136.

(2) الكافي 6/ 543، ح 7.

(3) تفسير القمي 2/ 110.

(4) ليس في ن.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) جوامع الجامع/ 320.

358

جائر (1)، أو عذاب أليم في الآخرة.

أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏- أيّها المكلّفون!- من المخالفة و الموافقة و النّفاق و الإخلاص.

و إنّما أكّد علمه ب «قد» لتأكيد الوعيد.

وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ‏: يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء.

و يجوز أن يكون الخطاب أيضا، مخصوصا بهم على طريق الالتفات.

فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا: من سوء الأعمال، بالتّوبيخ و المجازاة عليه.

وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (64) لا يخفى عليه خافية.

____________

(1) المصدر: سلطانا جائرا. و هذا يكون صحيحا، إذا بقي الفعل على حالة البناء للفاعل. و ما في المتن، أي: البناء للمفعول، أقوى.

359

تفسير سورة الفرقان‏

361

سورة الفرقان مكّيّة و هي سبع و سبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: يا ابن عمّار! لا تدع قراءة سورة تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى‏ عَبْدِهِ‏. فإنّ من قرأها في كلّ ليلة، لم يعذّبه اللّه أبدا، و لم يحاسبه. و كان منزله في الفردوس الأعلى.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة الفرقان، بعث يوم القيامة و هو مؤمن. أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.

(3)

تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى‏ عَبْدِهِ‏. تكاثر خيره. من البركة، و هي كثرة الخير. أو: تزايد على كلّ شي‏ء، و تعالى عنه في صفاته و أفعاله. فإنّ البركة تتضمّن معنى الزّيادة. و ترتيبه على تنزيل القرآن، لما فيه من كثرة الخير، أو لدلالته على تعاليه.

أو: دام. من بروك الطّير على الماء. و منه: البركة، لدوام الماء فيها. و هو لا يستعمل إلّا للّه، و لا يتصرّف فيه.

و الفرقان: مصدر فرق بين الشيئين: إذا فصل بينهما. سمّي به القرآن، لفصله بين الحقّ و الباطل بتقريره، أو المحقّ و المبطل بإعجازه، أو لكونه مفصولا بعضه عن بعض في‏

____________

(1) ثواب الأعمال/ 135- 136، ح 1.

(2) مجمع البيان 4/ 159.

(3) الحجّ/ 7.

362

الإنزال.

و في كتاب علل الشّرايع‏ (1) بإسناده إلى [عبد اللّه بن‏] (2) يزيد بن سلام‏ أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: لم سمّي الفرقان فرقانا؟ قال: لأنّه متفرّق الآيات و السّور، أنزلت في غير الألواح، و غيره- من الصّحف و التّوراة و الإنجيل و الزّبور- أنزلت كلّها جملة في الألواح و الورق.

و الحديث طويل: أخذت منه موضع الحاجة (3).

و قرئ‏ (4): «على عباده». و هم: الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمّته. كقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ‏ (5). أو: الأنبياء، على أنّ الفرقان اسم جنس للكتب السّماويّة.

لِيَكُونَ‏: العبد، أو الفرقان.

لِلْعالَمِينَ‏: للجنّ و الإنس.

نَذِيراً (1): منذرال. أو: إنذارا. كالنّكير بمعنى الإنكار.

و هذه الجملة و إن لم تكن معلومة، لكنّها لقوّة دليلها، أجريت مجرى المعلوم، و جعلت صلة.

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏:

بدل من الأوّل، أو مدح، مرفوع أو منصوب.

وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً: كزعم النّصارى.

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ‏: كقول الثّنويّة.

أثبت له الملك مطلقا. و نفى ما يقوم مقامه و ما يقاومه فيه. ثمّ نبّه على ما يدلّ عليه، فقال:

وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ: أحدثه إحداثا، مراعي فيه التّقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من موادّ مخصوصة و صور و أشكال معيّنة.

____________

(1) علل الشرايع/ 470، ح 33.

(2) ليس في المصدر.

(3) في هامش نسخة «م»:

عليّ بن إبراهيم [عن أبيه- من المصدر] عن ابن سنان [عن- المصدر] غيره عمّن ذكره، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن القرآن و الفرقان أ هما شيئان أم شي‏ء واحد، فقال- (عليه السلام)-: القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به. أصول الكافي. (2/ 630، ح 11).

(4) أنوار التنزيل 2/ 137.

(5) الأنبياء/ 10.

363

فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2): فقدّره و هيّأه لما أراد منه من الخصائص و الأفعال، كتهيئة الإنسان للإدراك و الفهم و النّظر و التّدبير و استنباط الصّنائع المتنوّعة و مزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك: أو: فقدّره للبقاء إلى أجل مسمّى.

و قد يطلق الخلق لمجرّد الإيجاد، من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فيكون المعنى:

و أوجد كلّ شي‏ء فقدّرة في إيجاده، حتّى لا يكون متفاوتا.

و في عيون الأخبار، (1) بإسناده إلى حمدان بن سليمان، قال: كتبت إلى الرّضا- (عليه السلام)- أسأله عن أفعال العباد، أ مخلوقة أم غير مخلوقة.

فكتب- (عليه السلام)-: أفعال العباد مقدّرة في علم اللّه- تعالى- قبل خلق العباد بألفي عام.

و فيه‏ (2)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و إنّ أفعال العباد مخلوقة للّه- تعالى- خلق تقدير، لا خلق تكوين. و اللّه خالق كلّ شي‏ء. و لا نقول بالجبر و التّفويض.

و فيه‏ (3)، عن الرّضا- (عليه السلام)- بإسناده، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قدّر المقادير، و دبّر التّدابير، قبل أن يخلق آدم بألفي عام.

و في كتاب الخصال‏ (4) مرفوع إلى عليّ- (عليه السلام)- قال: الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، و فضائل، و معاصي. فأمّا الفرائض، فبأمر اللّه، و برضا اللّه، و بقضاء اللّه و تقديره و مشيئته و علمه- عزّ و جلّ. و أمّا الفضائل، فليس‏ (5) بأمر اللّه، و لكن برضا اللّه، و بقضائه‏ (6)، [و بقدر اللّه‏] (7) بمشيئة اللّه، و بعلم اللّه. و أمّا المعاصي، فليست بأمر اللّه، و لكن بقضاء اللّه، و بقدر اللّه، و بمشيئته و بعلمه. ثمّ يعاقب عليها.

عن الأعمش‏ (8)، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الدّين‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 112، ح 34.

(2) نفس المصدر 2/ 123، ح 1.

(3) نفس المصدر 1/ 116، ح 39، و ج 2/ 30، ح 44.

(4) الخصال/ 168، ح 221. و الخبر في المصدر مسند.

(5) المصدر: فليست.

(6) المصدر: بقضاء اللّه.

(7) من م.

(8) نفس المصدر/ 608، ح 9.

364

- إلى أن قال- (عليه السلام)-: و أفعال العباد مخلوقة، خلق تقدير، لا خلق تكوين. و اللّه خالق كلّ شي‏ء. و لا نقول بالجبر و التّفويض.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن عليّ بن إبراهيم الهاشميّ، قال:

سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- يقول: لا يكون شي‏ء إلّا ما شاء اللّه، و أراد، و قدّر، و قضى:

قلت: ما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل.

قلت: ما معنى قدّر؟ قال: تقدير الشّي‏ء من طوله و عرضه.

قلت: ما معنى قضى؟ قال: إذا قضى، أمضاه. فذلك الّذي لا مردّ له.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: شاء و أراد و قدّر و قضى؟ قال: نعم.

قلت: و أحبّ؟ قال: لا.

قلت: و كيف شاء و أراد و قدّر و قضى و لم يجبّ؟ قال: هكذا خرج إلينا.

الحسين‏ (3) بن محمّد (4) [عن معلّى بن محمّد] (5)، قال: سئل العالم- (عليه السلام)-:

كيف علم اللّه؟ قال:

علم، و شاء، و أراد، و قضى، و قدّر (6)، و أمضى. فأمضى ما قضى، و قضى ما قدّر.

و قدّر ما أراد. فبعلمه كانت المشيئة. و بمشيئته كانت الإرادة. و بإرادته كان التّقدير.

و بتقديره كان القضاء. و بقضائه كان الإمضاء. و العلم متقدّم على المشيّة، و المشيئة ثانية، و الإرادة ثالثة، و التّقدير واقع على القضاء بالإمضاء.

فللّه- تبارك و تعالى- البداء فيما علم، متى شاء، و فيما أراد لتقدير الأشياء. فإذا وقع القضاء بالإمضاء، فلا بداء.

فالعلم في المعلوم قبل كونه. و المشيئة في المشاء قبل عينه. و الإرادة في المراد قبل‏

____________

(1) الكافي 1/ 150 ج 1.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) س، أ: الحسن.

(4) نفس المصدر/ 148- 149، ح 16.

(5) ليس في م.

(6) المصدر: و قدّر و قفى.

365

قيامه. و التّقدير لهذه المعلومات، قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا.

و القضاء بالإمضاء، هو المبرم من المفعولات، ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ، من ذوي لون و ريح و وزن و كيل، و ما دبّ و درج من إنس و جنّ و طير و سباع، و غير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ. فللّه- تبارك و تعالى- فيه‏ (1) البداء، ممّا لا عين له. فإذا وقع العين المفهوم المدرك، فلا بداء.

و اللّه يفعل ما يشاء. فبالعلم علم الأشياء قبل كونها. و بالمشيئة عرف صفاتها و حدودها، و أنشأها قبل إظهارها. و بالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها و صفاتها. و بالتّقدير قدر أقواتها، و عرف أوّلها و آخرها. و بالقضاء أبان للنّاس أماكنها، و دلّهم عليها. و بالإمضاء شرح عللها و أبان أمرها. و ذلك تقدير العزيز العليم.

و في كتاب التّوحيد (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: لا حاجة به إلى شي‏ء ممّا خلق، و خلقه جميعا يحتاجون‏ (3) إليه. و إنّما خلق الأشياء من غير حاجة و لا سبب، اختراعا و ابتداعا.

و بإسناده‏ (4) إلى عبد الرّحمن العزرميّ‏ (5)، [عن أبيه عبد الرحمن‏] (6) بإسناده، رفعه إلى من قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: قدّر اللّه المقادير، قبل أن يخلق السّموات و الأرض، بخمسين ألف سنة.

و بإسناده‏ (7) إلى عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)-، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قدّر المقادير، و دّبر التّدابير، قبل أن يخلق آدم بألفي عام.

و بإسناده‏ (8) إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: أفعال العباد مخلوقة، خلق تقدير، لا خلق تكوين. و معنى ذلك أنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل عالما بمقاديرها قبل كونها.

____________

(1) م: فيما علم.

(2) التوحيد/ 169- 170، ح 3.

(3) المصدر: محتاجون.

(4) نفس المصدر/ 368، ح 7.

(5) كذا في جامع الرواة 1/ 453. و في ن، المصدر العرزمي.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر/ 376. ح 22.

(8) نفس المصدر/ 416، ح 15.

366

و بإسناده‏ (1) إلى عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، في آخره قال- (عليه السلام)-: اللّه خالق الأشياء [لا من شي‏ء] (2) كان.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده إلى أبي إسحاق اللّيثيّ‏ (4)، عن الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل عالما قديما. خلق الأشياء لا من شي‏ء. و من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الأشياء من شي‏ء، فقد كفر. لأنّه لو كان ذلك الشّي‏ء الّذي خلق منه الأشياء، قديما معه في أزليّته و هويّته، كان ذلك الشّي‏ء أزليّا. بل خلق اللّه- عزّ و جلّ- الأشياء كلّها، لا من شي‏ء.

و في أصول الكافي‏ (5) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: و كلّ صانع شي‏ء، فمن شي‏ء صنع. و اللّه لا من شي‏ء صنع ما خلق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني محمّد بن عيسى، عن عبيد، عن يونس قال:

قال الرّضا- (عليه السلام)-: تدري ما التّقدير؟ قلت: لا. قال: هو وضع الحدود، من الآجال و الأرزاق و البقاء و الفناء. تدري ما القضاء؟ قلت: لا. قال: هو إقامة العين.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:

لمّا تضمّن الكلام إثبات التّوحيد و النّبوّة، أخذ في الرّدّ على المخالفين فيهما.

لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ‏:

لأنّ عبدتهم ينحتونهم، و يصوّر و نهم.

وَ لا يَمْلِكُونَ‏: و لا يستطيعون.

لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا: دفع ضرّ وَ لا نَفْعاً: و لا جلب نفع.

وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً (3): و لا يملكون إماتة أحد و إحياءه أوّلا، و بعثه ثانيا.

____________

(1) نفس المصدر/ 192، ح 6.

(2) من المصدر.

(3) علل الشرايع/ 607، ح 81.

(4) س، م، ن: المثنّى.

(5) الكافي 1/ 135، ح 1.

(6) تفسير القمي 1/ 24.

367

و من كان كذلك، فبمعزل‏ (1) عن الألوهيّة، لعرائه عن لوازمها و اتّصافه بما ينافيها.

و فيه تنبيه على أنّ الإله، يجب أن يكون قادرا على البعث و الجزاء.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ‏: كذب مصروف عن وجهه:

افْتَراهُ‏: اختلقه.

وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏:

قيل‏ (2): أي اليهود، فإنّهم يلقون إليه أخبار الأمم، و هو يعبّر عنها بعبارته.

و قيل‏ (3): جبر (4) و يسار و عداس. و قد سبق في قوله‏ (5): إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- إِفْكٌ افْتَراهُ‏، قال: الإفك الكذب. وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏، يعنون أبا فكيهة و حبرا و عداسا و عابسا مولى حويطب.

فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً: و هو جعل الكلام المعجز مختلقا متلقّفا من اليهود.

وَ زُوراً (4): بنسبة ما هو بري‏ء منه إليه.

و أتى و جاء، يطلقان بمعنى فعل، فيعدّيان تعديته.

وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏: ما سطّره المتقدّمون.

اكْتَتَبَها: كتبها لنفسه. أو: استكتبها.

و قرئ‏ (7) على البناء للمفعول، لأنّه أمّيّ، و أصله: اكتتبها كاتب له. فحذف اللّام و أفضى الفعل إلى الضّمير، فصار: اكتتبها إيّاه كاتب. ثمّ حذف الفاعل، و بني الفعل للضّمير، فاستتر فيه.

فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا (5): ليحفظها، فإنّه أمّيّ لا يقدر أن يكرّر من الكتاب. أو: ليكتب.

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏، لأنّه أعجزكم عن آخركم، بفصاحته و تضمّنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة و أشياء مكنونة، لا يعلمها إلّا عالم الأسرار. فكيف تجعلونه أساطير الأوّلين!؟

____________

(1) م: فيعزل.

(2) ليس في ن.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 138.

(5) النحل/ 103.

(6) تفسير القمي 2/ 111.

(7) أنوار التنزيل 2/ 138.

368

إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (6)، فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون، مع كمال قدرته عليها و استحقاقكم أن يصبّ عليكم العذاب صبّا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثمّ حكى- عزّ و جلّ- أيضا وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا يعني القرآن، إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏، قالوا: إن هذا الّذي يقرؤه رسول اللّه‏ (2)- (صلّى اللّه عليه و آله)- و يخبرنا به، إنّما يتعلّمه من اليهود و يكتبه من علماء النّصارى، و يكتب عن رجل يقال له ابن قبيطة و ينقله عنه بالغداة و العشي فحكى- سبحانه و تعالى‏ (3)- قولهم و ردّ عليهم. فقال- جلّ ذكره-: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ‏- إلى قوله:- بُكْرَةً وَ أَصِيلًا. فردّ اللّه- عزّ و جلّ- عليهم فقال:

قُلْ‏ لهم- يا محمّد-: أَنْزَلَهُ‏ الله‏ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. و قوله- عزّ و جلّ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فهو قول النّضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة.

وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ‏: ما لهذا الّذي يزعم الرّسالة- و فيه استهانة و تهكّم- يَأْكُلُ الطَّعامَ‏ كما نأكل!؟

وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ‏: يطلب المعاش، كما نمشي!؟

و المعنى: إن صحّ دعواه، فما باله لم يخالف حاله‏ (4) حالنا!؟ و ذلك لعمههم و قصور نظرهم على المحسوسات. فإنّ تميّز الرّسل عمّن عداهم، ليس بأمور جسمانيّة، و إنّما هو بأحوال نفسانيّة. كما أشار إليه بقوله‏ (5)- تعالى-: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.

لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7): ليعلم صدقه بتصديق الملك!؟

أَوْ يُلْقى‏ إِلَيْهِ كَنْزٌ، فيستظهر به، و يستغني عن تحصيل المعاش!؟

أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها

هذا على سبيل التّنزّل، أي إن لم يلق إليه كنز، فلا أقلّ أن يكون له بستان، كما

____________

(1) تفسير القمي 2/ 111.

(2) المصدر: يقرؤه محمّد.

(3) المصدر: فحكى اللّه.

(4) ليس في م.

(5) الكهف/ 110.

369

للدّهاقين و المياسير، فيتعيّش بريعه. (1) وَ قالَ الظَّالِمُونَ‏:

وضع الظّالمون موضع ضميرهم، تسجيلا عليهم بالظّلم فيما قالوه.

إِنْ تَتَّبِعُونَ‏: ما تتّبعون.

إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (8): سحر، فغلب على عقله.

و قيل: (2) ذا سحر، و هو الرّئة، أي بشرا لا ملكا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أبي محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- أنّه قال: قلت لأبي، عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)-: هل كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يناظر اليهود و المشركين إذا عاتبوه و يحاجّهم؟ قال: مرارا كثيرة. و ذلك أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان قاعدا ذات يوم بمكّة، بفناء الكعبة. فابتدأ عبد اللّه بن أبي أميّة المحزوميّ، فقال: يا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله)‏]! لقد ادّعيت دعوى عظيمة، و قلت مقالا هائلا! زعمت أنّك رسول ربّ العالمين‏ (4)، و ما ينبغي لربّ العالمين و خالق الخلق أجمعين، أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا، تأكل كما نأكل، و تمشي في الأسواق كما نمشي!؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اللّهمّ أنت السّامع لكلّ صوت، و العالم بكلّ شي‏ء، تعلم ما قاله عبادك. فأنزل اللّه عليه: يا محمّد وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ‏- إلى قوله: مَسْحُوراً.

انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ‏، أي: قالوا فيك الأقوال الشّاذّة، و اخترعوا لك الأحوال النّادرة.

فَضَلُّوا عن الطّريق الموصل إلى معرفة خواصّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و المميّز بينه و بين المتنبيّ، فخبطوا خبط عشواء.

فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9): إلى القدح في نبوّتك، أو إلى الرّشد و الهدى.

____________

(1) الرّيع: فضل كلّ شي‏ء.

و في الاقتصاد السّياسيّ: الجزء الّذي يؤدّيه المستأجر إلى المالك من غلّة الأرض مقابل استغلال قواها الطّبيعيّة الّتي لا تقبل الهلاك.

(2) أنوار التنزيل 2/ 139.

(3) الاحتجاج 1/ 29- 30.

(4) المصدر: رسول اللّه.

370

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا محمّد بن عبد اللّه، عن أبيه، عن محمّد بن الحسين، عن ابن سنان‏ (2)، عن عمّار بن مروان، عن منخّل بن جميل الرّقيّ‏ (3)، عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهذه الآية هكذا: «و قال الظّالمون لآل محمّد- (عليهم السلام)- حقّهم‏ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى ولاية عليّ- (عليه السلام)-». و عليّ- (عليه السلام)- هو السّبيل.

حدّثني محمّد بن همّام، (4) عن جعفر بن محمّد بن مالك، قال: حدّثني محمّد بن المثنى‏ (5)، عن أبيه، عن عثمان بن زيد، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- بمثله.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- في تفسيره: حدّثنا محمّد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ الصّيرفيّ، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)‏- أنّه قرأ: «و قال الظّالمون لآل محمّد حقّهم‏ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً. يعنون محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال اللّه- عزّ و جلّ- لرسوله: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ‏ إلى ولاية عليّ- (عليه السلام)- سبيلا». و عليّ هو السّبيل.

تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ‏ في الدّنيا.

خَيْراً مِنْ ذلِكَ‏: ممّا قالوا. و لكن أخرّه إلى الآخرة، لأنّه خير و أبقى.

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:

بدل من «خيرا».

وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (10):

عطف على محلّ الجزاء.

و قراء (7) ابن كثير و ابن عامر و أبو بكر بالرّفع. لأنّ الشّرط إذا كان ماضيا، جاز في جزائه الجزم و الرّفع، كقوله:

____________

(1) تفسير القمي 2/ 111- 112.

(2) المصدر: محمّد بن سنان.

(3) المصدر: البرقي (الرقى- ط)

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: محمّد بن المستنير.

(6) تأويل الآيات 1/ 371، ح 1.

(7) أنوار التنزيل 2/ 139.

371

و إن أتاه خليل يوم مسألة* * * يقول لا غائب مالي و لا حرم‏ (1)

و يجوز أن يكون استئنافا بوعده، ما يكون له في الآخرة.

و قرئ‏ (2) بالنّصب على أنّه جواب بالواو. (3) و

في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسي- (رحمه اللّه)- متّصلا بقوله إلى قوله: مَسْحُوراً:

ثمّ قال اللّه تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ثمّ قال: يا محمّد تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً. فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

يا عبد اللّه! أمّا ما ذكرت من أنّي آكل الطّعام كما تأكلون، و زعمت أنّه لا يجوز لأجل هذا أن أكون للّه رسولا، فإنّما الأمر للّه، يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و هو محمود.

و ليس لك- و لا لأحد- الاعتراض بلم و كيف. ألا ترى أنّ اللّه كيف أفقر بعضا و أغنى بعضا!؟ و أعزّ بعضا و أذلّ بعضا!؟ و أصحّ بعضا و أسقم بعضا!؟ و شرّف بعضا و وضع بعضا!؟ و كلّهم ممّن يأكل الطّعام! ثمّ ليس للفقراء أن يقولوا: لم أفقرتنا و أغنيتهم!؟ و لا للوضعاء أن يقولوا: لم [وضعتنا و شرّفتهم!؟ و لا للزّمناء (5) و الضّعفاء أن يقولوا: لم أزمنتنا و أضعفتنا و صحّحتهم!؟

و لا للأذلّاء أن يقولوا: لم‏] (6) أذللتنا و أعززتهم!؟ و لا لقباح الصّور أن يقولوا: لم أقبحتنا (7) و جمّلتهم!؟

بل إن قالوا ذلك، كانوا على ربّهم رادّين، و له في أحكامه منازعين، و به كافرين.

و لكان جوابه لهم: أنا الملك الخافض الرّافع، المغني المفقر، المعزّ المذلّ، المصحّح المسقم. و أنتم العبيد، ليس لكم إلّا التّسليم لي و الانقياد لحكمي. فإن سلّمتم، كنتم عبادا مؤمنين. (8) و إن‏

____________

(1) قوله: «خليل» من الخلّة و هي الفقر.

و يقال: «مالي حرم» إذا كان لا يعطى منه.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) قوله: «و قرئ بالنّصب على أنّه جواب بالواو» فشبّه الشّرط و الجزاء بالتّمنّي في عدم تحقّق وقوعهما حال المشارطة. فكما يجوز نصب الفعل بعد التّمنّي، كذلك بعد الجزاء.

(4) الاحتجاج 1/ 30- 32. رواه عن الامام العسكري، عن الامام الهادي- (صلوات اللّه عليهما).

(5) المصدر: للزّمنى.

(6) ليس في ن.

(7) المصدر: قبّحتنا.

(8) أ: عباد اللّه المؤمنين.

372

أبيتم، كنتم بي كافرين، و بعقوباتي من الهالكين.

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أمّا قولك: «ما أنت إلّا رجل مسحور»، فكيف أكون كذلك، و قد تعلمون أنّي في صحّة التّميّز و العقل فوقكم!؟ فهل جرّبتم عليّ- مذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة- خزية، أو ذلّة، أو كذبة، أو خيانة، أو خطأ من القول، أو سفها من الرّأي!؟ أ تظنّون أنّ رجلا يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه و قوّتها، أو بحول اللّه و قوّته؟ و ذلك ما قال اللّه: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في إرشاد المفيد (1) بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ للّه- تعالى- قصرا (2) من ياقوت أحمر، لا يناله إلّا نحن و شيعتنا. و سائر النّاس منه بريئون.

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ، فقصرت أنظارهم على الحطام الدّنيويّة، و ظنّوا أنّ الكرامة إنّما هي بالمال، فطعنوا فيك لفقرك. أو: فلذلك كذّبوك، لا لما تمحّلوا (3) من المطاعن الفاسدة. أو: فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، و يصدّقونك بما وعد اللّه لك في الآخرة؟ أو:

فلا تعجب من تكذيبهم إيّاك، فإنّه أعجب منه.

وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11): نارا شديدة الإسعار.

و قيل‏ (4): هو اسم لجهنّم، فيكون صرفه باعتبار المكان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثنا أحمد بن عليّ قال: حدّثني الحسين بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن عمرو (6) الكلبيّ، عن أبي الصّامت قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّيل و النّهار اثنتا عشرة ساعة. و إنّ عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)- أشرف ساعة من اثنتي عشرة ساعة. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً.

إِذا رَأَتْهُمْ‏، أي: إذا كانت بمرأى منهم.

____________

(1) الإرشاد/ 18.

(2) المصدر: قضيبا.

(3) تمحّل: أحتال.

(4) أنوار التنزيل 2/ 139.

(5) تفسير القمي 2/ 112.

(6) المصدر: عمر.

373

كقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «لا تتراءى ناراهما»

، أي: لا تتقاربان، بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز. و التّأنيث، لأنّه بمعنى النّار أو جهنّم.

مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ هو أقصى ما يمكن أن يرى منه.

و في مجمع البيان‏ (1): إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أي مسيرة مائة عام.

عن السّدّيّ و الكلبيّ.

و قال أبو عبد اللّه‏ (2)- (عليه السلام)-: من مسيرة سنة.

سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً (12): صوت تغيّظ.

شبّه صوت غليانها بصوت المغتاظ و زفيره، و هو صوت يسمع من جوفه.

قيل: (3) إنّ الحياة، لمّا لم تكن مشروطة [عندنا] (4) بالبيّنة، أمكن أن يخلق اللّه فيها حياة، فترى و تتغيّظ و تزفر. و هذا بناء على مذهب الأشاعرة.

و قيل‏ (5): إنّ ذلك لزبانيتها، فنسب إليها على حذف المضاف.

وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً: في مكان.

و «منها» بيان تقدّم، فصار حالا.

ضَيِّقاً: لزيادة العذاب، فإنّ الكرب مع الضّيق و الرّوح مع السّعة. و لذلك وصف اللّه الجنّة بأنّ عرضها السّموات و الأرض. (6) و في مجمع البيان‏ (7): وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً. و

في الحديث:

قال- (عليه السلام)- في هذه الآية: و الّذي نفسي بيده إنّهم يستكرهون في النّار، كما يستكره الوتد في الحائط.

مُقَرَّنِينَ‏: قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسّلاسل.

دَعَوْا هُنالِكَ‏: في ذلك المكان‏ ثُبُوراً (13): هلاكا. أي: يتمنّون الهلاك و ينادونه، فيقولون. يا ثبورا! تعال، فهذا حينك! لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً:

أي يقال لهم ذلك. وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14)، لأنّ عذابكم أنواع كثيرة،

____________

1 و 2- مجمع البيان 4/ 163.

(3) أنوار التنزيل 2/ 139.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) آل عمران/ 133، و الحديد/ 21.

(7) مجمع البيان 4/ 163.

374

كلّ نوع منها ثبور لشدّته. أو لأنّه يتجدّد، كقوله‏ (1)- تعالى-: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ‏. أو لأنّه لا ينقطع، فهو في كلّ وقت ثبور.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا أراد اللّه أن يبعث الخلق، أمطر السّماء على الأرض أربعين صباحا، فاجتمعت الأوصال و نبتت اللّحوم.

و قال: أتى جبرئيل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخذ بيده، و أخرجه إلى البقيع. فانتهى به إلى قبر. فصوّت بصاحبه، فقال: قم بإذن اللّه! فخرج منه رجل أبيض الرّأس و اللّحية، يمسح التّراب عن وجهه، و هو يقول: الحمد للّه، و اللّه أكبر. فقال جبرئيل: عد بإذن اللّه! ثمّ انتهى به إلى قبر آخر، فقال: قم بإذن اللّه! فخرج منه رجل مسودّ الوجه، و هو يقول: يا حسرتاه! يا ثبوراه! ثمّ قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت فيه بإذن اللّه. فقال: يا محمّد! هكذا يحشرون يوم القيامة. فالمؤمنون يقولون. هذا القول. و هؤلاء يقولون ما ترى.

و في أمالي شيخ الطّائفة (3)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى كثير بن طارق قال: سألت زيد بن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- تعالى- لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً.

فقال زيد: يا كثير، إنّك رجل صالح و لست بمتّهم. و إنّي أخاف عليك أن تهلك.

إنّ كلّ إمام جائر، فإنّ أتباعهم إذا أمر بهم إلى النّار، نادوا باسمه، فقالوا: يا فلان! يا من أهلكنا! هلمّ الآن، فخلّصنا ممّا نحن فيه! ثمّ يدعون بالويل و الثّبور. فعندها يقال لهم:

لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً.

قال زيد: حدّثني أبي، عن أبيه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-:- أنت- يا عليّ!- و أصحابك في الجنّة. [أنت- يا عليّ!- و أصحابك في الجنّة].

(4) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها، أي: فيها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ‏.

قال: مقيّدين بعضهم مع بعض. دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً.

____________

(1) النساء/ 56.

(2) تفسير القمي 2/ 253.

(3) امالي الشيخ 1/ 138.

(4) ليس في م.

(5) تفسير القمي 2/ 112.

375

قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ‏:

الإشارة إلى العذاب. و الاستفهام و التّفضيل و التّرديد، للتّقريع مع التّهكّم. أو إلى الكنز و الجنّة، و الرّاجع إلى الموصول محذوف.

و إضافة الجنّة إلى الخلد للمدح، أو للدّلال على خلودها، أو التّمييز عن جنّات الدّنيا.

كانَتْ لَهُمْ‏ في علم اللّه أو اللّوح- أو لأنّ ما وعده اللّه في تحقّقه كالواقع- جَزاءً على أعمالهم بالوعد، وَ مَصِيراً (15): ينقلبون إليه.

و لا يمنع كونها جزاء لهم، أن يتفضّل بها على غيرهم برضاهم، مع جواز أن يراد بالمتّقين من يتّقي الكفر و التّكذيب، لأنّهم في مقابلتهم.

لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ‏: ما يشاءونه من النّعيم.

و لعلّه تقصر همم كلّ طائف على ما يليق برتبته من النّعيم، إذ الظّاهر أنّ النّاقص لا يدرك شيئا [ممّا يدركه الكامل‏] (1) بالتّشهّي. و في تنبيه على أنّ كلّ المرادات لا تحصل إلّا في الجنّة.

خالِدِينَ‏:

حال من أحد ضمائرهم.

كانَ عَلى‏ رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا (16).

الضّمير في «كان» ل «ما يشاءون». و الوعد: الموعود. أي: كان ذلك موعودا، حقيقا بأن يسأل و يطلب. أو مسؤولا، سأله النّاس في دعائهم: رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ‏ (2)، أو الملائكة بقولهم: رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ‏. (3) و ما في «على» من معنى الوجوب، لامتناع الخلف في وعده. و لا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز فإنّ تعلّق الإرادة بالموعود، مقدّم على الوعد الموجب للإنجاز.

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ‏ للجزاء.

____________

(1) من أنوار التنزيل 2/ 140. و في النسخ بدلها:

و الكلّ.

(2) آل عمران/ 194.

(3) غافر/ 8.

376

و قرئ‏ (1) بكسر الشّين.

و قرأ (2) ابن كثير و يعقوب و حفص بالياء.

وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏:

يعمّ كلّ معبود سواه. و استعمال «ما» إمّا لأنّ وضعه أعمّ. و لذلك يطلق لكلّ شبح يرى و لا يعرف. أو لأنّه أريد به الوصف، كأنّه قيل: و معبوديهم. أو لتغليب الأصنام، تحقيرا. أو اعتبارا لغلبة عبّادها. أو يخصّ الملائكة و عزيرا و المسيح، بقرينة السّؤال و الجواب. أو الأصنام، ينطقها اللّه أو تتكلّم بلسان الحال، كما قيل في كلام الأيدي و الأرجل.

فَيَقُولُ‏:

أي للمعبودين. و هو على تلوين الخطاب.

و قرأ (3) ابن عامر بالنّون.

أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ‏ (17) لإخلالهم الصّحيح، و إعراضهم عن المرشد النّصيح!؟

و هو استفهام تقريع و تبكيت للعبدة. و أصله: «أ أضللتم أم ضلّوا»، فغيّر النّظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسّؤال، و هو المتولّي للفعل دونه، لأنّه لا شبهة فيه، و إلّا لما توجّه العتاب. و حذف صلة «ضلّ» للمبالغة.

قالُوا سُبْحانَكَ‏:

تعجّبا ممّا قيل لهم، لأنّهم إمّا ملائكة، أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شي‏ء. أو إشعارا بأنّهم الموسومون بتسبيحه و توحيده. فكيف يليق بهم إضلال عبيده. أو تنزيها للّه عن الأنداد.

ما كانَ يَنْبَغِي لَنا: يصحّ لنا.

أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ، للعصمة، أو لعدم القدرة. فكيف يصحّ لنا أن ندعو غيرنا أن يتولّى أحدا دونك!؟

و قرئ‏ (4): «أن نتّخذ»، على البناء للمفعول. من اتّخذ الّذي له مفعولان. كقوله‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 140.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 141.

377

تعالى‏ (1): وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا. و مفعوله الثّاني «من أولياء». و «من» للتّبعيض.

و على الأوّل، مزيدة لتأكيد النّفي.

وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ‏ بأنواع النّعم و طول أعمارهم بعد موت الأنبياء، فاستغرقوا في الشّهوات.

حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ المنزل على الأنبياء.

وَ كانُوا قَوْماً بُوراً (18): هالكين فاسدين.

مصدر وصف به. و لذلك يستوي فيه الواحد و الجمع. أو جمع بائر كعائذ و عوذ.

فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ‏:

التفات إلى العبدة بالاحتجاج و الإلزام، على حذف القول. و المعنى: قد كذّبكم المعبودون.

بِما تَقُولُونَ‏: في قولكم: إنّهم آلهة، و هؤلاء أضلّونا.

و الباء بمعنى «في»، أو مع المجرور بدل من الضّمير.

و عن ابن كثير (2) بالياء، أي: كذّبوكم بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا.

فَما تَسْتَطِيعُونَ‏:

أي المعبودون.

و قرأ (3) حفص بالتّاء على خطاب العابدين.

صَرْفاً: دفعا للعذاب عنكم.

و قيل‏ (4): حيلة، من قولهم «إنّه ليتصرّف» أي يحتال. وَ لا نَصْراً يعينكم عليه.

وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ‏، أيّها المكلّفون.

نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19)، أي: النّار.

و الشّرط، و إن عمّ كلّ من كفر أو فسق، لكنّه في اقتضاء الجزاء، مقيّد بعدم المزاحم وفاقا، و هو التّوبة و الإحباط بالطّاعة.

وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ‏:

أي: إلّا رسلا إنّهم. فحذف الموصوف، لدلالة «المرسلين» عليه. و أقيمت الصّفة

____________

(1) النساء/ 125.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

378

مقامه: كقوله‏ (1)- تعالى-: وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ‏. و يجوز أن تكون حالا اكتفى فيها بالضّمير.

و هو جواب لقولهم: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ.

و إذا قرى: «يمشّون» كان معناه تمشّيهم حوائجهم، أو النّاس.

و في مجمع البيان‏ (2): و روي عن عليّ- (عليه السلام)-: «و يمشّون في الأسواق» بضمّ الياء و فتح الشّين المشدّدة.

وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ‏، أيّها النّاس.

لِبَعْضٍ فِتْنَةً: ابتلاء.

و من ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، و المرسلين بالمرسل إليهم. و مناصبتهم لهم العداوة و إيذائهم لهم. و هو تسلية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على ما قالوه بعد نقضه‏ (3).

أَ تَصْبِرُونَ‏، علّة للجعل. و المعنى: و جعلنا بعضكم لبعض فتنة، لنعلم أيّكم يصبر. نظيره قوله‏ (4):

لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.

أو حثّ على الصّبر، على ما افتتنوا به.

وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20).

قيل‏ (5): بمن يصبر، أو بالصّواب، فيما يبتلي به و غيره.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود [النجّار] (7) قال: حدّثني مولاي أبو الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليهم السلام)- قال: جمع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، و فاطمة، و الحسن، و الحسين- (عليهم السلام)- و أغلق عليه و عليهم الباب، و قال:

يا أهلي و أهل اللّه! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقرأ عليكم السّلام. و هذا جبرئيل معكم‏

____________

(1) الصافّات/ 164.

(2) مجمع البيان: 4/ 162.

(3) ع، أ، س: نقضهم.

(4) الملك/ 2.

(5) أنوار التنزيل 2/ 141.

(6) تأويل الآيات 1/ 372، ح 3.

(7) من المصدر.

379

في البيت، يقول: [إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏]: (1) إنّي قد جعلت عدوّكم لكم فتنة، فما تقولون؟

قالوا: نصبر- يا رسول اللّه-! لأمر اللّه، و ما نزل من قضائه. حتّى نقدم على اللّه- عزّ و جلّ- و نستكمل جزيل ثوابه. فقد سمعناه يعد الصّابرين الخير كلّه.

فبكى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى سمع نحيبه‏ (2) من خارج البيت.

فنزلت هذه الآية: وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً أنّهم سيصبرون، أي: سيصبرون‏ (3) كما قالوا- (صلوات اللّه عليهم).

وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ‏: لا يأملون.

لِقاءَنا، بالخير، لكفرهم بالبعث. أو: لا يخافون لقاءنا بالشّرّ، على لغة تهامة و هذيل يضعون الرّجاء موضع الخوف، إذا كان معه جحد. لأنّ من رجا شيئا خاف فوته.

فإنّه إذا لم يخف، كان يقينا. و من خاف شيئا، رجا للخلاص منه. فوضع أحدهما موضع الآخر.

لَوْ لا: هلّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، فيخبروننا بصدق محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قيل‏ (4): فيكونون رسلا إلينا.

أَوْ نَرى‏ رَبَّنا، فيأمرنا بتصديقه و اتّباعه.

لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ‏، حيث طلبوا إنزال الملائكة عليهم، كما على الأنبياء، و اعتقدوا اللّه شيئا يجوز رؤيته مثلهم.

وَ عَتَوْا: و تجاوزوا الحدّ في الظّلم.

عُتُوًّا كَبِيراً (21): بالغا أقصى مراتبه، حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها.

و اللّام جواب قسم محذوف. و في الاستئناف بالجملة، حسن و إشعار بالتّعجّب من استكبارهم و عتوّهم.

يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ: ملائكة الموت أو العذاب.

و «يوم» نصب باذكر، أو بما دلّ عليه.

____________

(1) ليس في م.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: نعيجه.

(3) س، أ، م، ن: يصبرون.

(4) أنوار التنزيل 2/ 141.

380

لا بُشْرى‏ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ‏، فإنّه بمعنى: يمنعون البشرى، أو يعدمونها.

و «يومئذ» تكرير، أو خبر. و «للمجرمين» تبيين، أو خبر ثان، أو ظرف لما يتعلّق به اللّام، أو ل «بشرى»، إن قدّرت منوّنة غير مبنيّة مع «لا» فإنّها لا تعمل.

و «للمجرمين»، إمّا عامّ يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان- و لا يلزم من نفي البشرى لعامّة المجرمين حينئذ، نفي البشرى بالعفو و الشّفاعة في وقت آخر- و إمّا خاصّ، وضع موضع ضمير «هم»، تسجيلا على جرمهم، و إشعارا بما هو المانع للبشرى، و الموجب لما يقابلها.

وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22):

عطف على المدلول، أي: و يقول الكفرة حينئذ هذه الكلمة، استعاذة و طلبا من اللّه أن يمنع لقاءهم. و هي ممّا كانوا يقولون عند لقاء عدوّ أو هجوم مكروه.

أو يقولها الملائكة، بمعنى: حراما محرّما عليكم الجنّة، أو البشرى.

و قرئ‏ (1): «حُجرا» بالضّمّ. و أصله الفتح، غير أنّه لمّا اختصّ بموضع مخصوص‏ (2) غيّر، كقعدك‏ (3) و عمرك. و لذلك لا يتصرّف فيه، و لا يظهر ناصبه. و وصفه ب «محجورا»، للتّأكيد، كقولهم: موت مائت.

وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23)، أي:

و قصدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم- كقري الضّيف وصلة الرّحم و إعانة الملهوف- فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره.

و هو تشبيه حالهم و أعمالهم بحال قوم استعصوا سلطانهم، فقدم إلى أشيائهم، فمزّقها و أبطلها، و لم يبق لها أثرا.

و الهباء، غبار يرى في شعاع الشّمس، يطلع من الكوّة. من الهبوة، و هي الغبار. و «منثورا»- أي: مفرّقا- صفته. شبّه به عملهم المحبط بالهباء، في حقارته و عدم نفعه، ثمّ بالمنثور منه في انتشاره- بحيث لا يمكن نظمه- أو تفرّقه نحو أغراضهم الّتي كانوا يتوجّهون به نحوها. أو مفعول ثالث، من حيث إنّه كالخبر بعد الخبر، كقوله: (4) كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 142.

(2) قوله: «غير أنّه لمّا اختصّ. بموضع مخصوص» و هو موضع لقاء العدوّ و هجوم المكروه ... الخ. غيّر «حجر» لما ذكر، و لا يتصرّف فيه و لا يظهر ناصبه للإشعار بتغييره عن حالته الأصليّة، و المراد من عدم التّصرّف: أنّه لا يستعمل إلّا منصوبا على المصدر.

(3) المصدر. كقدك.

(4) البقرة/ 65، و الأعراف/ 166.

381

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً، فإنّه‏

حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يبعث اللّه- عزّ و جلّ- يوم القيامة قوما بين أيديهم نور كالقباطيّ‏ (2)، ثمّ يقول له: كن هباء منثورا. ثمّ قال: أما و اللّه- يا أبا حمزة!- إنّهم كانوا ليصومون و يصلّون، و لكن كانوا إذا عرض لهم شي‏ء من الحرام، أخذوه. و إذا ذكر (3) لهم شي‏ء من فضل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنكروه. قال: و الهباء المنثور، هو الّذي تراه يدخل البيت في الكوّة مثل شعاع الشّمس.

و في علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى أبي إسحاق اللّيثيّ، عن الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه أبو إسحاق بعد أن قال: و أجد من أعدائكم و من ناصبيكم‏ (5) من يكثر من الصّلاة و من الصّيام. و يخرج الزّكاة. و يتابع بين الحّج و العمرة و يحضّ‏ (6) على الجهاد. و يأثر على البرّ و على صلة الأرحام‏ (7). و يقضي حقوق إخوانه. و يواسيهم من ماله.

و يتجنّب شرب الخمر و الزّنا و اللّواط و سائر الفواحش. و أرى النّاصب- على ما هو عليه ممّا وصفته من أفعالهم- لو أعطي أحد [هم‏] (8) ما بين المشرق و المغرب ذهبا و فضّة، أن يزول عن محبّة الطّواغيت و موالاتهم إلى موالاتكم ما فعل و لا زال، و لو ضربت خياشيمه‏ (9) بالسّيوف فيهم، و لو قتل فيهم، ما ارتدع و لا رجع. و إذا سمع أحدهم منقبة لكم و فضلا، اشمأزّ من ذلك و تغيّر لونه و رئي كراهة ذلك في وجهه، بغضا لكم و محبّة لهم‏ (10)! قال: فتبسّم الباقر- (عليه السلام)- ثمّ قال‏ (11): يا إبراهيم، هاهنا هلكت العاملة النّاصبة: تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. (12) و من ذلك قال- عزّ و جلّ-:

____________

(1) تفسير القميّ 2/ 112- 113.

(2) القباطيّ: جمع القبطيّة- بضمّ القاف و قد تكسر-: ثياب من كتّان تنسبح بمصر منسوبة إلى القبط. (نقل من هامش نور الثقلين 4/ 9)

(3) المصدر: عرض.

(4) علل الشرايع/ 606- 607.

(5) المصدر: «و مناصبيكم» بدل «من ناصبيكم».

(6) المصدر: يحرض.

(7) ن: الرحم.

(8) من المصدر.

(9) الخياشيم- جمع الخيشوم- أقصى الأنف.

(10) م: لغيركم.

(11) م: و قال.

(12) الغاشية/ 4- 5. و قبلهما: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ-

382

وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.

و في بصائر الدّرجات‏ (1): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن منصور [البرزج‏] (2) عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ أعمال العباد تعرض كلّ خميس على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فإذا كان يوم عرفة، هبط الرّبّ- تبارك و تعالى-. و هو قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. قال: أما و اللّه أن كانت أعمالهم أشدّ بياضا من القباطيّ، و لكن فقلت: جعلت فداك، أفعال من هذه؟

فقال: أعمال مبغضينا و مبغضي شيعتنا.

و في أصول الكافي‏ (3): ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.

قال: أما و اللّه أن كانت أعمالهم أشدّ بياضا من القباطيّ، و لكن كانوا إذا عرض لهم حرام‏ (4) لم يدعوه.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله [- عزّ و جلّ-: وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً قال: أن كانت أعمالهم لأشدّ بياضا من القباطيّ، فيقول اللّه‏] (6)- عزّ و جلّ- لها: كوني هباء. و ذلك أنّهم كانوا إذا شرع لهم الحرام، أخذوه.

أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا:

قيل‏ (7): مكانا (8) يستقرّ فيه في أكثر الأوقات للتّجالس و التّحادث.

وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا (24):

قيل‏ (9): مكانا يرد (10) إليه للاسترواح بالأزواج و التّمتّع بهنّ، تجوّزا له من مكان‏

____________

- خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ.

(1) بصائر الدرجات/ 446، الجزء 9، الباب 4، ح 15.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 81، ح 5.

(4) المصدر: الحرام.

(5) الكافي 5/ 126، ح 10.

(6) ليس في أ.

(7) أنوار التنزيل 2/ 142.

(8) المصدر: مكان.

(9) أنوار التنزيل 2/ 142.

(10) المصدر: يؤوى.

383

القيلولة على التّشبيه. أو لأنّه لا يخل من ذلك غالبا، إذ لا نوم في الجنّة، و في أحسن رمز إلى ما يتزيّن به مقيلهم من حسن الصّور و غيره من المحاسن.

و يحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزّمان، إشارة إلى أنّ مكانهم و زمانهم أطيب ما يتخيّل من الأمكنة و الأزمنة. و التّفضيل، إمّا لإرادة الزّيادة مطلقا، أو بالإضافة إلى ما للمترفين في الدّنيا.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن [أبي نصر و الحسن بن عليّ، جميعا عن أبي جميلة مفضّل بن صالح، عن جابر عن عبد الأعلى، و عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن‏] (2) عيسى، عن يونس، عن إبراهيم بن‏ (3) عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا، و أوّل يوم من أيّام الآخرة، مثّل له ماله و ولده و عمله. فيلتفت إلى ماله، فيقول: و اللّه، إنّي كنت عليك لحريصا (4) شحيحا.

فما لي عندك؟ فيقول: خذ منّي كفنك.

قال: فيلتفت إلى ولده، فيقول: و اللّه إنّي كنت لكم محبّا [و إنّي كنت لكم محاميا] (5) فما ذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك، نواريك فيها.

قال: فيلتفت إلى عمله، فيقول: و اللّه، إنّي كنت فيك لزاهدا و إن كنت عليّ لثقيلا. فما ذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك و يوم نشرك، حتّى أعرض أنا و أنت على ربّك.

قال: فإن كان للّه وليّا، أتاه أطيب النّاس ريحا، و أحسنهم رياشا، و أحسنهم منظرا. (6) فيقول: أبشر بروح و ريحان و جنّة نعيم، و مقدمك خير مقدم. فيقول له: من أنت؟

فيقول: أنا عملك الصّالح. ارتحل من الدّنيا إلى الجنّة. و إنّه ليعرف غاسله، و يناشد حامله أن يعجّله.

فإذا أدخل قبره، أتاه ملكا القبر، يجرّان أشعارهما، و يخدّان الأرض بأقدامهما.

____________

(1) الكافي 3/ 231- 232 ح 1.

(2) ليس في أ.

(3) المصدر: عن.

(4) المصدر: حريصا.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: أحسنهم منظرا و أحسنهم رياشا.

384

أصواتهما كالرّعد القاصف. و أبصارهما كالبرق الخاطف. فيقولان له: من ربّك؟ و ما دينك؟ و من نبيّك؟ فيقول: اللّه ربّي. و ديني الإسلام. و نبيّي محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فيقولان له: ثبّتك اللّه فيما تحبّ و ترضى. و هو قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره. ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة. ثمّ يقولان له: نم قرير العين، نوم الشّابّ النّاعم! فإن اللّه- عزّ و جلّ- يقول: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و فيه دلالة على أنّ المستقرّ و المقيل في القبر، و «يومئذ» يوم دخوله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا. فبلغنا- و اللّه أعلم- أنّه إذا استوى أهل النّار إلى النّار، لينطلق بهم قبل أن يدخلوا النّار، فيقال لهم:

ادخلوا إلى ظلّ ذي ثلاث شعب من دخان النّار. (3) فيحسبون أنّها الجنّة. ثمّ يدخلون النّار أفواجا، و ذلك نصف النّهار. و أقبل أهل الجنّة فيما اشتهوا من التّحف، حتّى يأتوا (4) منازلهم في الجنّة نصف النّهار. فذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا.

و في مجمع البيان‏ (5): روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: لا ينتصف ذلك اليوم‏ (6)، حتّى يقيل أهل الجنّة في الجنّة، و أهل النّار في النّار.

وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ:

أصله تتشقّق، فحذفت التّاء و أدغمها (7) ابن كثير و نافع و ابن عامر و يعقوب.

بِالْغَمامِ‏:

قيل‏ (8): بسبب طلوع الغمام منها. و هو الغمام المذكور في قوله: (9)

____________

(1) إبراهيم/ 27.

(2) تفسير القمي 2/ 113.

(3) مضمون قوله- تعالى- في: المرسلات/ 30.

(4) المصدر: يعطوا.

(5) مجمع البيان 4/ 167.

(6) المصدر:

لا ينتصف النهار من يوم القيامة.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 143.

(9) البقرة/ 210.

385

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ.

و قيل‏ (1): المعنى تتشقّق السماء و عليها الغمام‏ (2). كما يقال: ركب الأمير (3) بسلاحه و خرج بثيابه، أبي: و عليه سلاحه و ثيابه.

وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (25): في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد.

و قرأ (4) ابن كثير: «و ننزّل».

و قرئ: (5) «و نزلت»، «و أنزل» [ «و نزل»] (6)، «و نزّل الملائكة» (7) بحذف نون الكلمة.

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ‏: الثّابت له. لأنّ كلّ ملك يبطل يومئذ، و لا يبقى إلّا ملكه، فهو الخبر. و «للرّحمن» صلته، أو تبيين. و «يومئذ» معمول الملك، لا «الحقّ»، لأنّه متأخّر. أو صفة (8)، و الخبر «يومئذ» أو «للرّحمن».

وَ كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (26): شديدا.

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسن بن عليّ، عن أبيه الحسن، عن أبيه، عليّ بن أسباط، قال: روى أصحابنا في قول اللّه- عزّ و جلّ- الْمُلْكُ‏ (10) يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ‏. قال: إنّ الملك للرّحمن، اليوم، و قبل اليوم، و بعد اليوم. و لكن إذا اقام القائم- (عليه السلام)- لم يعبد إلّا اللّه- عزّ و جلّ-.

وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ‏ من فرط الحسرة.

قيل‏ (11): عضّ اليدين و أكل البنان و حرق الأسنان و نحوها، كنايات عن الغيظ و الحسرة لأنّها من روادفهما.

و قيل‏ (12): يأكل يديه حتّى تذهبا إلى المرفقين. ثمّ تنبتان. و لا يزال هكذا، كلّما نبتت يده، أكلها ندامة على ما فعل.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 167.

(2) المصدر: غمام.

(3) س، أ: الإمام.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 143.

(6) من المصدر.

(7) قوله: «نزل الملائكة» بضمّ الّلام، و كان أصله «ننزّل الملائكة» بنصب الملائكة، حذف النّون و ضمّ النّون الباقية.

(8) قوله: «صفة»، أي: فالحقّ صفة الملك، و الخبر ما ذكر.

(9) تأويل الآيات 1/ 372 ح 4.

(10) المصدر: الملك بالطّاعة.

(11) أنوار التنزيل 2/ 143.

(12) مجمع البيان 4/ 168.

386

و المراد بالظّالم الجنس.

و

قيل‏ (1): عقبة بن أبي معيط. كان يكثر مجالسة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى ضيافته. فأبى أن يأكل طعامه، حتّى ينطق بالشّهادتين. ففعل. و كان أبيّ بن خلف صديقه. فعاتبه و قال: صبأت!؟ فقال: لا، و لكن الى أن لا يأكل‏ (2) من طعامي و هو في بيتي. فاستحييت منه، فشهدت له. فقال: لا أرضى منك إلّا أن تأتيه فتطأ قفاه، و تبزق في وجهه.

فوجده ساجدا في دار النّدوة. ففعل ذلك. (3) فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا ألقاك خارجا من مكّة، إلّا علوت رأسك بالسّيف. فأسر يوم بدر. فأمر عليّا بقتله‏ (4).

و طعن- (صلّى اللّه عليه و آله)- أبيّا بأحد في المبارزة. فرجع إلى مكّة و مات.

و قال الضّحّاك‏ (5): لمّا بزق عقبة في وجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عاد بزاقه في وجهه، فأحرق خدّيه. فكان أثر ذلك فيه، حتّى مات.

يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27): طريقا إلى النّجاة، أو:

طريقا واحدا- و هو طريق الحقّ- و لم تتشعّب بي طرق الضّلالة.

و في شرح الآيات الباهرة: (6) روى محمّد بن إسماعيل- (رحمه اللّه)- بإسناده عن جعفر بن محمّد الطّيّار، عن أبي الخطّاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و اللّه، ما كنّى اللّه في كتابه حتّى قال: يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. و إنّما هي في مصحف عليّ: يا ويلتى ليتني لم أتّخذ الثّاني خليلا. و سيظهر يوما.

و يؤيّده ما رواه محمّد بن جمهور (7)، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. قال: يقول الأوّل للثّاني.

يا وَيْلَتى‏:

و قرئ‏ (8) بالياء، على الأصل.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 143.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يأكل.

(3) في جميع النسخ بعدها: و أخذ رحم دابّة [دابته- ع‏] فألقاها بين كتفيه.

(4) المصدر: فقتله.

(5) مجمع البيان 4/ 166.

(6) تأويل الآيات 1/ 374، ح 8.

(7) نفس المصدر، ح 9.

(8) أنوار التنزيل 2/ 143.

387

لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (28): يعني: من أضلّه.

و فلان كناية عن الأعلام. كما أنّ هنا كناية عن الأجناس.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن خالد، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: قوله- عزّ و جلّ-: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يعني عليّ بن أبي طالب.

و بالإسناد المذكور (2) عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: يعني عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و جاء في تفسير الإمام العسكري‏ (3)- (عليه السلام)- بيان لذلك. قال العالم- (عليه السلام)- عن أبيه، عن جدّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من عبد و لا أمة أعطى بيعة أمير المؤمنين عليّ- (عليه السلام)- في الظّاهر و نكثها في الباطن و أقام على نفاقه، إلّا و إذا جاءه ملك الموت لقبض روحه، تمثّل له إبليس و أعوانه، و تمثّلت له النّيران و أصناف عقاربها لعينيه و قلبه و مقاعده من مضايقها. و تمثّل له أيضا الجنان و منازله فيها، لو كان بقي على إيمانه و وفى ببيعته. فيقول له ملك الموت:

انظر إلى ملك‏ (4) الجنان الّتي لا يقادر قدر سرّائها و بهجتها و سرورها إلّا اللّه ربّ العالمين، كانت معدّة لك. فلو كنت بقيت على ولايتك لأخ محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان إليها مصيرك يوم فصل القضاء. و لكن نكثت و خالفت، فتلك النّيران و أصناف عذابها و زبانيتها و أفاعيها الفاغرة أفواهها و عقاربها النّاصبة أذنابها و سباعها الشّائلة مخالبها و سائر أصناف عذابها، هو لك و إليها مصيرك.

فعند ذلك يقول: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا و قبلت ما أمرني به و التزمت من موالاة عليّ‏ (5) ما ألزمني.

لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ:

____________

(1) تأويل الآيات 1/ 373 ح 5.

(2) نفس المصدر، ح 6.

(3) تفسير الامام (عليه السلام)/ 44.

(4) المصدر: تلك.

(5) ع: من موالاته على.

388

قيل: (1) عن ذكر اللّه أو كتابه، أو موعظة الرّسول أو كلمة الشّهادة.

بَعْدَ إِذْ جاءَنِي‏: إذ تمكّنت منه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- لبعض الزّنادقة- و قد قال: ثمّ وارى أسماء (3) من اغترّ و فتن خلقه و ضلّ و أضلّ. و كنّى عن أسمائهم في قوله: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي‏. فمن هذا الظّالم الّذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء؟-:

و لم يكنّ عن أسماء الأنبياء تبّجرا (4) و تعذّرا، بل تعريفا لأهل الاستبصار. إنّ الكناية عن أسماء ذوي الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن، ليست من فعله- تعالى- و إنّها من فعل المغيّرين و المبدّلين الّذين جعلوا القرآن عضين و اعتاضوا الدّنيا من الدّين.

وَ كانَ الشَّيْطانُ‏، يعني: الخليل المضلّ. أو: إبليس، لأنّه حمله على ضلالته و مخالفة الرّسول. أو: كلّ من تشيّطن من جنّ و إنس.

لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (29): يواليه، حتّى يؤدّيه إلى الهلاك، ثمّ يتركه و لا ينفعه.

فعول من الخذلان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثنا محمّد بن همام قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن حمدان، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ- وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ‏، قال: الغمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و قوله‏ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يقول: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا عليّا وليّا. يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا، يعني: الثّاني. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي‏، يعنيّ الولاية. وَ كانَ الشَّيْطانُ‏ و هو الثّاني‏ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا.

____________

(1) أنوار التنزيل: 2/ 143.

(2) الاحتجاج ج 1/ 245 و 249.

(3) المصدر: اسم.

(4) البجر: العيب.

(5) تفسير القمي 2/ 113 بتقديم و تأخير.

(6) الفرقان/ 25.

389

و في روضة الكافي‏ (1) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة، يقول فيها- (عليه السلام)-: فيّ مناقب لو ذكرتها، لعظم بها الارتفاع، فطال لها الاستماع. و لئن تقمّصها (2) دوني الأشقيان‏ (3)، و نازعاني فيما ليس لهما بحقّ، و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا. و لبئس ما لأنفسهما مهّدا. يتلاعنان في دورهما و يتبّرأ كلّ (واحد) (4) منهما من صاحبه.

يقول لقرينه إذا التقيا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ‏ (5) فيجيبه الأشقى على رثوثة (6): يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا.

فأنا الذّكر الّذي عنه ضلّ، و السّبيل الّذي عنه مال، و الإيمان الّذي به كفر، و القرآن الّذي إيّاه هجر، و الدّين الّذي به كذّب، و الصّراط الّذي عنه نكب.

(7)

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن داود بن فرقد، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لو قرئ القرآن كما أنزل، لألفيتنا فيه مسمّين.

عن إبراهيم بن عمر (9)، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: [إنّ في القرآن ما مضى، و ما يحدث، و ما هو كائن. كانت فيه أسماء الرّجال، فألقيت. و إنما الاسم الواحد منه في وجوه.] (10) لا تحصى. يعرف ذلك الوصاة.

و في مجمع البيان‏ (11): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ليس رجل من قريش، إلّا و قد نزلت فيه آية أو آيتان تقوده إلى جنّة أو تسوقه إلى نار. تجري في من بعده. إن خيرا، فخير. و إن شرّا، فشرّ.

وَ قالَ الرَّسُولُ‏: محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يومئذ، أو في الدّنيا بثّا إلى اللّه:

____________

(1) الكافي 8/ 27- 28، ح 4.

(2) أي: لبسها كالقميص.

(3) كناية عن الأوّل و الثاني.

(4) من المصدر.

(5) الزخرف/ 38.

(6) الرثاثة: البذاذة. و من اللباس: البالي (من هامش نور الثقلين 4/ 12)

(7)

أشار- (عليه السلام)- إلى آيات عديدة: وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان/ 30)، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ‏ (الانفطار/ 9) و وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ‏ (المؤمن/ 74).

(8) تفسير العياشي 1/ 13، ح 4.

(9) نفس المصدر/ 12 ح 10.

(10) ليس في أ.

(11) مجمع البيان 4/ 166.

390

يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي‏: قريشا (1).

اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30): بأن تركوه و صدّوا عنه. أو هجروا و لغوا فيه إذا سمعوه‏ (2). أو زعموا أنّه هجر و أساطير الأوّلين. فيكون أصله: مهجورا فيه، فحذف الجارّ. و يجوز أن يكون بمعنى الهجر.

و في عيون الأخبار (3)، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان في آخرها أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام)- مرّة بعد مرّة و شيئا بعد شي‏ء: فإن قال‏ (4): فلم أمروا بالقراءة في الصّلاة؟ قيل: لئلّا يكون القرآن مهجورا مضيّعا، و ليكون محفوظا، فلا يضمحلّ و لا يجهل.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّها النّاس- و ذكر حديثا، و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

فإذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم، فعليكم بالقرآن! فإنّه شافع مشفّع و ماحل مصدّق. و من جعله أمامه، قاده إلى الجنّة. و من جعله خلفه، ساقه إلى النّار هو الدّليل، يدلّ على خير سبيل.

و هو كتاب، فيه تفصيل و بيان و تحصيل: و هو الفصل ليس بالهزل. و له ظهر و بطن، فظاهره حكم و باطنه علم. ظاهره أنيق و باطنه عميق. له نجوم و على نجومه نجوم. لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه. فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة. و دليل على المغفرة لمن عرف الصّفة.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود

____________

(1) في هامش نسخة «م»:

ينبغي في نظري أن يكون المراد بالقوم قريشا وحدهم بل المناسب في النّظر- و اللّه أعلم- الأعمّ و معناه أنّهم اتّخذوا القرآن و حملوه و صدّقوا به، لكن كلّ ذلك في الظّاهر و كان في الواقع و نفس الأمر مهجورا لأنّهم لا يعملون به و أقصى مراتب قبولهم له أن يعلموا (الظاهر: يعملوا) بما وافق غرضهم و تبادلوا منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله.

(2) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ‏. فصّلت/ 26.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 105، ح 1.

(4) ن: قالوا.

(5) الكافي 2/ 598- 599، ح 2.

(6) نفس المصدر/ 600، ح 4.

391

قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا أوّل وافد على العزيز الجبّار يوم القيامة، و كتابه و أهل بيتي، ثمّ أمّتي. ثمّ أسألهم: ما فعلتم بكتاب اللّه و بأهل بيتي؟

أبو عليّ الأشعريّ‏ (1)، عن بعض أصحابه، عن الخشّاب، رفعه، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا و اللّه! لا يرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبي بكر و عمر أبدا، و لا إلى بني أميّة أبدا، و لا في ولد طلحة و الزّبير أبدا. و ذلك أنّهم نبذوا القرآن، و أبطلوا السّنن، و عطّلوا الأحكام.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: القرآن هدى من الضّلالة (2)، و تبيان من العمى، و استقالة من العثرة، و نور من الظّلمة، و ضياء من الأحداث، و عصمة من الهلكة، و رشد من الغواية، و بيان من الفتن، و بلاغ من الدّنيا إلى الآخرة. و فيه كمال دينكم.

و ما عدل أحد من القرآن، إلّا إلى النّار.

ابن أبي عمير (3)، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن يعقوب الأحمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ عليّ دينا كثيرا، و قد دخلني ما كان القرآن يتفلّت‏ (4) منّي. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

القرآن: القرآن! إنّ الآية من القرآن و السّورة، لتجي‏ء يوم القيامة، حتّى تصعد ألف درجة، يعني في الجنّة. فتقول: لو حفظتني، لبلغت بك هاهنا.

أبو عليّ الأشعري، (5) عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن العبّاس بن عامر، عن الحجّاج الخشّاب، عن أبي كهمس‏ (6) الهيثم بن عبد اللّه‏ (7) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل قرأ القرآن ثمّ نسيه. فرددت عليه ثلاثا: أ عليه فيه حرج؟

قال: لا.

____________

(1) نفس المصدر: ح 8.

(2) ن: الضلال.

(3) نفس المصدر/ 608، ح 3.

(4) ع: ينفلت. و تفلّت الطّائر من الصّائد:

تخلّص. و كأنّه أراد أنّه نسي ما حفظه من القرآن من شدّة ما دخله من همّ الدّين (من هامش نور الثقلين 4/ 14). و في نسخة ع: ينفلت.

(5) نفس المصدر، ح 5.

(6) م: أبي كهمش.

(7) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 320. و في م: الهشيم بن حميد و في س، أ: الهيثم بن عميد و في سائر النسخ: الهشيم بن عبيد.

392

عليّ‏ (1)، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: القرآن عهد اللّه إلى خلقه. فقد ينبغي للمسلم‏ (2) أن ينظر في عهده، و أن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية.

وَ كَذلِكَ‏: و كما جعلنا لك عدوّا من مشركي قومك، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ‏: من كفّار قومهم، فاصبر كما صبروا.

و العدوّ يحتمل الواحد و الجمع. و المعنى في جعله إيّاهم عدوّا لأنبيائه، أنّه- تعالى- أمر الأنبياء أن يدعوهم إلى الإيمان باللّه- تعالى- و ترك ما ألفوه من دينهم و دين آبائهم، و إلى ترك عبادة الأصنام و ذمّها. و كانت هذه أسبابا داعية إلى العداوة. فإذا أمرهم بها، فقد جعلهم عدوّا لهم.

وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ هادِياً إلى طريق الحقّ و طريق قهرهم.

وَ نَصِيراً (31) لأوليائه في الدّنيا و الآخرة على أعدائهم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)- مجيبا لبعض الزّنادقة: و أمّا ما ذكرته من الخطاب الدّالّ على تهجين النّبيّ- (عليه السلام)- و الإزراء به و التّأنيب له- مع ما أظهره اللّه تبارك و تعالى في كتابه من تفضيله إيّاه على سائر أنبيائه- فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- «جعل لكلّ نبيّ عدوّا من المشركين» كما قال في كتابه.

و بحسب جلالة منزلة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- عند ربّه، كذلك عظّم محنته لعدوّه الّذي عاذ منه في حال‏ (4) شقاقه و نفاقه، كلّ أذى و مشقّة لدفع نبوّته و تكذيبه إيّاه و سعيه في مكارهه، و قصده لنقض كل ما أبرمه و اجتهاده، و من مالأه على كفره و عناده و نفاقه و إلحاده في إبطال دعواه و تغيير ملّته و مخالفة (5) سنّته.

فلم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيّة و إيحاشهم منه، و صدّهم عنه و إغرائهم لعداوته‏ (6) و القصد لتغيير (7) الكتاب الّذي جاء به، و إسقاط ما فيه من فضل‏

____________

(1) نفس المصدر/ 609، ح 1.

(2) المصدر: للمرء المسلم.

(3) الاحتجاج 1/ 257.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: مخالفته.

(6) المصدر: بعداوته.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: لتغيّر.

393

ذوي الفضل و كفر ذوي الكفر منه [و ممّن وافقه على ظلمه و بغيه و شركه‏] (1).

و لقد علم اللّه ذلك منهم، فقال‏ (2): إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا- إلى قوله عليه- (عليه السلام)-:- و تركوا منه ما قدّروا أنّه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهر تناكره و تنافره [و علم اللّه أنّ ذلك يظهر و يبين، فقال: ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ‏ (3).

و انكشف لأهل الاستبصار عوارهم و إغراؤهم‏] (4) و الذي بدا في الكتاب من الإزراء على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من فرية الملحدين.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ‏، أي: أنزل عليه. كخبره بمعنى أخبر. لئلّا يناقض قوله:

جُمْلَةً واحِدَةً: دفعة واحدة، كالكتب الثّلاثة.

و هو اعتراض لا طائل تحته. لأنّ الاعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرّقا، مع أنّ للتّفريق فوائد. منها ما أشار إليه بقوله:

كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ‏، أي: كذلك أنزلناه مفرّقا، لنقوّي بتفريقه فؤادك على حفظه و فهمه.

لأنّ حاله يخالف حال موسى و داود و عيسى، حيث كان أمّيّا، و كانوا يكتبون.

فلو ألقي عليه جمل تعنّى‏ (5) بحفظه. و لأنّ نزوله بحسب الوقائع، يوجب مزيد بصيرة. و لأنّه إذا نزل منجمّا (6) و هو يتحدّى بكلّ نجم، فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوّة قلبه. و لأنّه إذا أتى به جبرئيل حالا بعد حال، ثبّت به فؤاده. و منها معرفة النّاسخ و المنسوخ. إلى غير ذلك.

و «كذلك» صفة مصدر محذوف، و الإشارة إلى إنزاله مفرّقا، فإنّه المدلول عليه بقوله: لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً. و يحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة و لذلك وقف عليه فيكون حالا، و الإشارة إلى الكتب السّابقة. و اللّام على الوجهين، متعلّق بمحذوف.

وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32): و قرأناه عليك شيئا بعد شي‏ء، على تؤدة و تمهّل.

____________

(1) من المصدر.

(2) فصلت/ 40.

(3) النجم/ 30.

(4) من المصدر.

(5) تعنّى الأمر: تحمّله على مشقّة.

(6) أي: مقسّطا. من نجم المال و نحوه: أدّاه أقساطا.

394

قيل‏ (1): في عشرين سنة أو ثلاث و عشرين. و أصل التّرتيل في الأسنان، و هو تفليجها.

و في مجمع البيان‏ (2): روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: يا ابن عبّاس، إذا قرأت القرآن، فرتّله ترتيلا. قال: و ما التّرتيل؟ قال: بيّنه تبيينا. و لا تنثره نثر الرّمل‏ (3). و لا تهذّه هذّ الشّعر. قفوا عند عجائبه. و حرّكوا به القلوب. و لا يكون همّ أحدكم آخر السّورة.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن سعيد (5)، عن واصل بن سليمان، عن أبي عبد اللّه بن سليمان‏ (6) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: بيّنه تبيانا. و لا تهذّه هذّ الشّعر. و لا تنثره نثر الرّمل. و لكن أفرغوا (7) قلوبكم القاسية. و لا يكن همّ أحدكم آخر السّورة.

(8) وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ‏: سؤال عجيب- كأنّه مثل في البطلان- يريدون به القدح في نبوّتك، إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ‏: الدّامغ له في جوابه.

وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً (33): و بما هو أحسن بيانا، أو معنى من سؤالهم. أو: لا يأتونك‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 144.

(2) مجمع البيان 4/ 170.

(3) المصدر: الدقل.

(4) الكافي 2/ 614، ح 1.

(5) المصدر: على بن معبد.

(6) ع، م، س: سلمان.

(7) المصدر: أفزعوا.

(8) في هامش نسخة «م»،:

ابن عيسى عن الحسن بن عليّ، عن عبد اللّه بن البرقيّ و أبي أحمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ينبغي للعبد إذا صلّى أن يرتّل في قراءته. فإذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة و ذكر النار، سأل اللّه الجنّة، و تعوّذ باللّه من النّار.

و إذا مرّ بيا أيّها النّاس، أو يا ايّها الذين آمنوا يقول: لبيك ربّنا (التهذيب 2/ 124، ح 471)

بيان:

و التّرتيل حفظ الوقوف و بيان الحروف.

كذا عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- من الوافي. و الهذّة:

سرعة القراءة أي لا تسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر و لا تفرّق كلماته بحيث لا يكاد يجتمع كذرّات الرّمل. (الوافي 2/ 266).

و في حديث ابن مسعود: أ هذا كهذّا الشعر و نثرا كنثر الدقل بالنّصب على المصدر و الاستفهام الإنكاريّ.

و الدقل رديّ التمر و يابسه و ما ليس له اسم خاصّ فتراه ليبسه و رداءته لا يجتمع. من الوافي (2/ 266)

395

بحال عجيبة يقولون: هلّا كانت هذه حاله» إلّا أعطيناك من الأحوال ما يحقّ لك في حكمتنا و ما هو أحسن كشفا لما بعثت له.

الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ إِلى‏ جَهَنَّمَ‏، أي: مقلوبين أو مسحوبين إليها. أو: متعلّقة قلوبهم بالسّفليّات، متوجّهة وجوههم إليها.

و في مجمع البيان‏ (1): روى أنس قال: إنّ رجلا قال: يا نبيّ اللّه، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: إنّ الّذي أمشاه على رجلين‏ (2) قادر على ان يمشيه على وجهه يوم القيامة.

أورده البخاريّ في الصّحيح.

و روي عنه بطريق العامّة أيضا (3) أنّه قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يحشر النّاس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدّوابّ، و صنّف على الأقدام، و صنف على الوجوه.

و هو ذمّ منصوب أو مرفوع، أو مبتدأ خبره:

أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً، أي: منزلا و مصيرا.

وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (34)، أي دينا و طريقا من المؤمنين.

و قيل‏ (4): المفضّل عليه هو الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و على التّقديرين، فمعنى التّفضيل بحسب ما ظنّوه من أنّه و المؤمنين ضلّال و شرّ المكان. كأنّه قيل: إنّ حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه و تضليل سبيله‏ (5). و لا يعلمون حالهم، ليعلموا أنّهم شرّ مكانا و أضلّ سبيلا.

و يحتمل أن يكون المعنى- و اللّه أعلم- أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ سَبِيلًا من سائر الكفّار، بناء على ما سبق من الأخبار الدّالّة على أنّ المراد بهم منكر و الولاية.

و وصف السّبيل بالضّلال، من الإسناد المجازيّ للمبالغة.

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35)- يؤازره في الدّعوة و إعلاء الكلمة.

و لا ينافي ذلك مشاركته في النّبوّة. لأنّ المشاركين في الأمر، متآزران عليه.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 170.

(2) م: الرجلين. المصدر: رجليه.

(3) أنوار التنزيل 2/ 144.

(4) أنوار التنزيل 2/ 144.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: تحقير مكانهم و تضليل سبيلهم.

396

فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، يعنى: فرعون و قومه.

فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36)، أي: فذهبا إليهم، فكذّبوهما، فدمّرناهم.

فاقتصر على حاشيتي القصّة، اكتفاء بما هو المقصود منها، و هو إلزام الحجة ببعثة الرّسول، و استحقاق التّدمير بالتّكذيب و التّعقيب بالحكم‏ (1) لا الواقع.

و قرئ‏ (2): «فدمّرتهم».

و في مجمع البيان‏ (3): «فدمّرانّهم تدميرا» على التّأكيد بالنّون الثقيلة.

روي ذلك عن عليّ- (عليه السلام).

و عنه: «فدمّراهم». و هذا كأنّه أمر لموسى و هارون- (عليهما السلام)- أن يدمّراهم.

وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ‏: كذّبوا نوحا و من قبله، أو نوحا وحده. و من كذّب نبيّا، فقد كدّب جميع الأنبياء.

أَغْرَقْناهُمْ‏ بالطّوفان. و هو مجي‏ء السّماء بماء منهمر، و تفجّر الأرض عيونا، فالتقى الماء على أمر قد قدر (4).

وَ جَعَلْناهُمْ‏: و جعلنا إغراقهم أو قصّتهم.

لِلنَّاسِ آيَةً: عبره.

وَ أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (37).

يحتمل التّعميم و التّخصيص. فيكون وضعا للظّاهر، موضع المضمر لهم تظليما لهم.

وَ عاداً وَ ثَمُودَ:

عطف على «هم» في «جعلناهم»، أو على الظّالمين.

و قرئ‏ (5): «ثمود» على تأويل القبيلة.

وَ أَصْحابَ الرَّسِ‏:

قيل‏ (6): قوم كانوا يعبدون الأصنام. فبعث اللّه إليهم شعيبا، فكذّبوه. فبيناهم حول‏

____________

(1) أي: باعتبار الحكم.

(2) أنوار التنزيل 2/ 144. و فيه. و قرئ:

«فدمّراهم». «فدمرّاهم»، على التأكيد بالنّون الثّقلية.

(3) مجمع البيان 4/ 168- 169.

(4) اشارة إلى قوله- تعالى- في: القمر/ 12- 13.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 145.

397

الرّسّ- و هي البئر الغير المطويّة (1)- فانهارت، فخسف بهم و بديارهم.

و قيل‏ (2): قرية بفلج اليمامة، و كان فيها بقايا ثمود. فبعث إليهم نبيّ، فقتلوه. فهلكوا.

و قيل‏ (3): الأخدود.

و قيل‏ (4): بئر بأنطاكية، قتلوا فيها حبيب النّجّار.

و قيل‏ (5): هم أصحاب حنظلة بن صفوان النّبيّ. ابتلاهم اللّه بطير عظيم، كان فيها من كلّ لون. و سمّوها عنقاء، لطول عنقها. و كانت تسكن جبلهم الّذي يقال له فتح‏ (6) أو ضمخ‏ (7) تنقضّ كلى صبيانهم، فتخطفهم إذا أعوزها الصّيد. و لذلك سمّيت مغربا. فدعا عليها حنظلة. فأصابتها الصّاعقة. ثمّ إنّهم قتلوه. فأهلكوا.

و قيل‏ (8): إنّهم قوم كذّبوا نبيّهم و رسّوه، أي: دسّوه في بئر.

و في عيون الأخبار (9) بإسناده إلى [عبد السلام بن‏] (10) صالح الهرويّ قال: حدّثنا عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: أتى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قبل مقتله بثلاثة أيّام، رجل من أشراف تميم يقال له عمر (11). فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن أصحاب الرّسّ، في أيّ عصر كانوا؟

و أين كانت منازلهم؟ و من كان ملكهم؟ و هل بعث اللّه تعالى إليهم رسولا أم لا؟ و بماذا أهلكوا!؟ فإنّي أجد في كتاب اللّه- تعالى- ذكرهم، و لا أجد خبرهم.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد سألت‏ (12) عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك.

و لا يحدّثك به أحد بعدي الّا عنّي. و ما في كتاب اللّه- تعالى- آية، إلّا و أنا [أعرفها و] (13) أعرف تفسيرها، و في أيّ مكان نزلت من سهل أو جبل، و في أيّ وقت من ليل أو نهار. و إنّ هنا (14) لعلما جمّا- و أشار إلى صدره- و لكن طلّابه يسير. و عن قليل تندمون لو فقدتموني‏ (15).

____________

(1) اي: الغير المبنيّة.

(2) نفس المصدر و الموضع.

3 و 4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) م: فخ.

(7) س، أ، م: زنح. ن: زمخ. المصدر: دمخ.

(8) أنوار التنزيل 2/ 145.

(9) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 163- 166، ح 1.

(10) من المصدر.

(11) م، ن، المصدر: عمرو.

(12) المصدر: سألتني.

(13) من المصدر.

(14) المصدر: هاهنا.

(15) المصدر: يندمون لو فقدوني.

398

كان من قصّتهم- با أخا تميم- أنّهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر (1)، يقال لها «شاه درخت» كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين، يقال لها «روشاب» (2) كانت أنبتت لنوح- (عليه السلام)- بعد الطّوفان و إنّما سمّوا أصحاب الرّسّ، لانّهم رسّوا نبيّهم في الأرض، و ذلك بعد سليمان بن داود- (عليهما السلام)-.

و كانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر، يقال له‏ (3) الرّس من بلاد المشرق.

و بهم سمّي ذلك النّهر. و لم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه و لا أعذب منه، و لا قرى أكثر و لا أعمر منها. تسمّى إحداهنّ «آبان»، و الثّانية «آذر» و الثّالثة «دي» و الرّابعة «بهمن» و الخامسة «إسفندار» و السّادسة «فروردين» و السّابعة «أردي بهشت» و الثّامنة «خرداد» و التّاسعة «مرداد» و العاشرة «تير» و الحادية عشرة «مهر» و الثّانية عشرة «شهريور».

و كانت أعظم مدائنهم «إسفندار». و هي التّي ينزلها ملكهم و كان يسمّى تركوذ (4) بن غابور بن يارش بن سار بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم- (عليه السلام)-. و بها العين و الصّنوبرة.

و قد غرسوا في كلّ قرية منها، حبّة من طلع تلك الصّنوبرة. فنبتت الحبّة، و صارت شجرة عظيمة. و حرّموا ماء العين و الأنهار، فلا يشربون منها و الا أنعامهم. و من فعل ذلك قتلوه، و يقولون: هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها.

و يشربون هم و أنعامهم من نهر الرّس الّذي عليه قراهم. و قد جعلوا في كلّ شهر من السّنة في كلّ قرية، عيدا يجتمع إليه أهلها. فيضربون على الشّجرة الّتي بها كلّة (5) من حرير، فيها من أنواع الصّور. ثمّ يأتون بشياه و بقر، فيذبحونها قربانا للشّجرة، و يشعلون فيها النّيران بالحطب. فإذا سطع دخان تل الذّبائح و قتارها (6) في الهواء، و حال بينهم و بين النّظر إلى السّماء، خرّوا سجّدا للشّجرة (7) و يبكون و يتضرّعون إليها أن ترضى عنه.

فكان الشّيطان يجي‏ء فيحرّك أغصانها، و يصيح من ساقها صياح الصّبيّ: «إني‏ (8)

____________

(1) المصدر: صنوبرة.

(2) المصدر: دوشاب.

(3) المصدر: لها.

(4) م: تركون. ن: تركواذ.

(5) الكلّة: السّتر الرقيق، أو غشاء رقيق يخاط كالبيت يتوقّى به من البعوض.

(6) القتار: الدّخان من المطبوخ.

(7) المصدر: خرّوا للشجرة سجّدا.

(8) المصدر: و يقول.

399

قد رضيت عنكم عبادي، فطيبوا نفسا و قرّوا عينا». فيرفعون رؤوسهم عند ذلك. و يشربون الخمر و يضربون بالمعازف، و يأخذون الدّست بند. فيكون‏ (1) على ذلك يومهم. ثمّ ينصرفون.

و إنّما سمّت العجم شهورها بآبان ماه و آذر ماه و غيرهما، اشتقاقا من أسماء تلك القرى، لقول أهلها بعضهم لبعض: هذا عيد شهر كذا، و عيد شهر كذا. حتّى إذا كان عيد [شهر] (2) قريتهم العظمى، اجتمع عليها صغيرهم و كبيرهم.

فضربوا عند الصّنوبرة و العين، سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصّور له اثنا عشر بابا، كلّ باب لأهل قرية منهم. و يسجدون للصّنوبرة خارجا من السّرادق، و يقرّبون لها الذّبائح، أضعاف ما قرّبوا للشّجرة الّتي في قراهم. فيجي‏ء إبليس عند ذلك، فيحرّك الصّنوبرة تحريكا شديدا، و يتكلّم من جوفها كلاما جهوريّا، و يعدهم و يمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم و منّتهم الشياطين كلّها. فيرفعون رؤوسهم من السّجود، و بهم من الفرح و النّشاط مالا يفيقون و لا يتكلّمون من الشّرب و العزف. فيكونون على ذلك اثني عشر يوما و لياليها بعدد أعيادهم سائر السّنة. ثمّ ينصرفون.

فلمّا طال كفرهم باللّه- عزّ و جلّ- و عبادتهم غيره، بعث اللّه- عزّ و جلّ- إليهم نبيّا من بني إسرائيل، من ولد يهودا بن يعقوب. فلبث فيهم زمانا [طويلا] (3)، يدعوهم إلى عبادة اللّه- عزّ و جلّ- و معرفته و ربوبيّته، فلا يتّبعونه.

فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ و الضّلال، و تركهم قبول ما دعاهم إليه من الرّشد و النّجاح، و حضر عيد قريتهم العظمى، قال: «يا ربّ، إنّ عبادك أبوا إلّا تكذيبي و الكفر بك. و غدوا يعبدون شجرة لا تنفع و لا تضرّ، فأيبس شجرهم أجمع. و أرهم قدرتك و سلطانك».

فأصبح القوم، و قد يبس شجرهم، فهالهم، ذلك و فظع بهم، و صاروا فرقتين: فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرّجل الّذي زعم‏ (4) أنّه رسول ربّ السّماء و الأرض إليكم، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه. و فرقة قالت: لا، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرّجل، يعيبها و يقع فيها و يدعوكم إلى عبادة غيرها. فحجبت حسنها و بهاءها، لكي تغضبوا عليه‏ (5)

____________

(1) المصدر: فيكونون.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: يزعم.

(5) المصدر: لها.

400

فتنتصروا منه.

فأجمع رأيهم على قتله. فاتّخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه، ثمّ أرسلوها في قرار العين‏ (1) إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى، مثل البرابخ. (2) و نزحوا ما فيها من الماء. [ثمّ حفروا في قرارها بئرا ضيّقة المدخل عميقة. فأرسلوا فيها نبيّهم، و ألقموا فاها صخرة عظيمة. ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء.] (3) و قالوا: نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا، إذا رأت أنّا قد قتلنا من كان يقع فيها و يصدّ عن عبادتها، و دفنّاه تحت كبيرها يتشفّى منه، فيعود لنا نورها و نضرتها (4) كما كان.

فبقوا عامّة يومهم، يسمعون أنين نبيّهم- (عليه السلام)- و هو يقول: «سيّدي، قد ترى ضيق مكاني و شدّة كربي. فارحم ضعف ركني و قلّة حيلتي. و عجّل بقبض روحي.

و لا تؤخر إجابة دعوتي» حتّى مات- (عليه السلام)-.

فقال اللّه- جلّ جلاله- لجبرئيل: «يا جبرئيل، أ يظنّ عبادي هؤلاء الّذين غرّهم حلمي، و أمنوا مكري، و عبدوا غيري، و قتلوا رسولي، أن يقوموا لغضبي، و يخرجوا من سلطاني!؟ كيف، و أنا المنتقم ممّن عصاني و لم يخش عقابي!؟ و إنّي حلفت بعزّتي لأجعلنّهم عبرة و نكالا للعالمين».

فلم يرعهم، و هم في عيدهم ذلك، إلّا بريح عاصف شديد الحمرة. فتحيّروا فيها و ذعروا منها، و تضامّ بعضهم إلى بعض. ثمّ صارت الأرض من تحتهم حجر (5) كبريت يتوقّد، و أظلّتهم سحابة سوداء. فألقت عليهم كالقبّة جمرا يلتهب، فذابت أبدانهم [في النار] (6)، كما يذوب الرّصاص في النّار. فنعوذ باللّه- تعالى ذكره- من غضبه و نزول نقمته. و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

و في نهج البلاغة (7): قال- (عليه السلام)-: أين أصحاب مدائن الرّسّ الّذين قتلوا النّبيّين و أطفؤوا (8) سنن المرسلين، و أحيوا سنن الجبّارين!؟

____________

(1) المصدر: الأرض.

(2) البربخ: ما يعمل من الخزف، للبئر و مجاري الماء.

(3) ليس في ن.

(4) المصدر: نضارتها.

(5) المصدر: كعجر.

(6) من المصدر.

(7) نهج البلاغة/ 263-، الخطبة 182.

(8) س، أو: و أماتوا.

401

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة و هشام و حفص، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه دخل عليه نسوة. فسألته‏ (2) امرأة منهنّ عن السّحق. فقال: حدّها حدّ الزّاني. فقالت المرأة: ما ذكر اللّه- عزّ و جلّ- ذلك في القرآن فقال: بلى. فقالت: و أين هو؟ قال: هنّ أصحاب الرّسّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: دخلت امرأة مع مولاة لها على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقالت: ما تقول في اللّواتي مع اللّواتي؟ قال: هنّ في النّار. إذا كان يوم القيامة أتي‏ (4) بهنّ، فألبسن جلبابا من نار و خفّين من نار و قناعا من نار، و أدخل في أجوافهنّ و فروجهنّ أعمدة من نار (5)، و قذف بهنّ في النّار. فقال: أ ليس هذا في كتاب اللّه؟ قال: نعم. قالت: أين هو؟

قال: قوله‏ وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِ‏، فهنّ الرّسّيّات.

و في أصول الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن عليّ قال:

أخبرني سماعة بن مهران قال: أخبرني الكلبيّ النّسّابة، قال: صرت إلى منزل جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- فقرعت الباب. فخرج غلام له، فقال: أدخل يا أخا كلب! فو اللّه لقد أدهشني. فدخلت و أنا مضطرب. و نظرت، فإذا شيخ على مصلّى بلا مرفقة و لا بردعة (7). فابتدأني بعد أن سلّمت عليه. فقال لي: من أنت؟ فقلت- في نفسي-:

يا سبحان اللّه! غلامه يقول لي بالباب: ادخل يا أخا كلب، و يسألني المولى من أنت. فقلت له: أنا الكلبيّ النّسّابة.

فضرب بيده على جبهته، و قال: كذب العادلون باللّه، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و خسروا خسرانا مبينا. يا أخا كلب! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً. أ فتنسبها أنت؟ فقلت: لا، جعلت فداك.

____________

(1) الكافي 7/ 202، ح 1.

(2) م: فسألت.

(3) تفسير القمي 2/ 113- 114.

(4) المصدر: يؤتى.

(5) المصدر: من النار.

(6) الكافي 1/ 349- 350، ح 6.

(7) المرفقة: المتّكأ و المخدّة. و البردعة: الحلس، و هو كلّ ما يبسط في البيت من حصير و نحوه تحت كريم المتاع.

402

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

وَ قُرُوناً: و أهل أعصار.

قيل‏ (1): القرن أربعون سنة.

و قيل‏ (2): سبعون.

و قيل‏ (3): مائة و عشرون سنة.

بَيْنَ ذلِكَ‏: إشارة إلى ما ذكر.

كَثِيراً (38)، لا يعلمها إلّا اللّه.

أي: و أهلكنا أيضا قرونا كثيرا بين عاد و ثمود و أصحاب الرّسّ، على تكذيبهم.

وَ كُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ‏: بيّنّا له القصص العجيبة من قصص الأوّلين إنذارا. فلمّا أصرّوا، أهلكوا.

وَ كُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39): فتّتنا تفتيتا.

و منه: التّبر، لفتات الذّهب و الفضّة. و «كلّ» الأوّل منصوب، بما دلّ عليه «ضربنا» كأنذرنا. و الثّاني ب «تبّرنا» لأنّه فارغ له.

في كتاب معاني الأخبار (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عمّن ذكره، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ كُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً: يعني: كسّرنا تكسيرا. [قال: و هي بالنبطية] (5)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن حفص‏ (7) بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ كُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً: يعني: كسّرنا تكسيرا. قال: هي لفظة (8) بالنّبطيّة.

وَ لَقَدْ أَتَوْا، يعني: قريشا، مرّوا مرارا في متاجرهم إلى الشّام‏ عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ، يعني سدوم، عظمى قرى قوم لوط. أمطرت عليها الحجارة.

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 145.

(4) معاني الأخبار/ 220 ح 1.

(5) من المصدر.

(6) تفسير القمي 2/ 114.

(7) المصدر: جعفر.

(8) ع: لغة.

403

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: و أمّا القرية الّتي أمطرت مطر السّوء، فهي سدوم، قرية قوم لوط. أمطر اللّه عليهم حجارة من سجّيل، (2) يعني: من طين.

أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها: في مرار مرورهم، فيتّعظون بما يرون فيها من آثار عذاب اللّه.

بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40) بل كانوا كفرة، لا يتوقّعون نشورا و لا عاقبة.

فلذلك لم ينظروا و لم يتّعظوا. فمرّوا بها كما مرّت بها ركائبهم. أو: لا يأملون نشورا، كما يأمله المؤمنون، طمعا في الثّواب. أو: لا يخافونه، على اللّغة التّهاميّة و الهذيليّة.

وَ إِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً: ما يتّخذونك إلّا موضع هزء، أو مهزوء به.

أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) محكيّ بعد قول مضمر. و الإشارة للاستحقار. و إخراج بعث اللّه رسولا في معرض التّسليم، يجعله صلة. و هم على غاية الإنكار تهكّم و استهزاء. و لولاه، لقالوا: أ هذا الّذي زعم أنّه بعثه اللّه رسولا!؟

إِنْ كادَ: إنّه كاد لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا: ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدّعاء إلى التّوحيد، و كثرة ما يورد ممّا يسبق إلى الذّهن أنّها حجج و معجزات.

لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها: ثبتنا عليها. و استمسكنا بعبادتها.

وَ سَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42).

وعيد لهم، و تنبيه على أنّه لا يهملهم، و إن أمهلهم.

أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ‏: بأن أطاعه.

و قدّم المفعول الثّاني للعناية به. و الاستفهام للتّقرير و التّعجيب.

أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43): حفيظا، تمنعه عن الشّرك و المعاصي.

و حاله هذا. و الاستفهام للإنكار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: نزلت في قريش. و ذلك أنّه ضاق عليهم المعاش،

____________

(1) تفسير القمي 2/ 114.

(2) كما جاء في قوله تعالى في: هود/ 82، الحجر/ 74.

(3) تفسير القمي 2/ 114.

404

فخرجوا من مكّة و تفرّقوا. فكان الرّجل إذا رأى شجرة حسنة أو حجرا حسنا، هواه، فعبده.

و كانوا ينحرون لها النّعم و يلطّخونها بالدّم، و يسمّونها سعد صخرة.

و كان إذا أصابهم داء في إبلهم و أغنامهم، جاؤوا إلى الصّخرة، فيمسحون بها الغنم و الإبل. فجاء رجل من العرب بإبل له يريد أن يمسح‏ (1) بالصّخرة إبله و يتبارك‏ (2) عليها.

فنفرت إبله، فتقرّقت. فقال الرّجل شعرا.

أتيت إلى سعد ليجمع شملنا* * * فشتّتنا سعد فما نحن من سعد

و ما سعد إلّا صخرة مستوية* * * من الأرض لا تهدي لغيّ و لا رشد

و مرّ به رجل من العرب، و الثّعلب يبول عليه. فقال شعرا:

و ربّ يبول الثّعلبان برأسه‏* * * لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب‏

أَمْ تَحْسَبُ‏: بل أ تحسب‏ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ‏، فتجدي لهم الآيات أو الحجج، فتهتمّ بشأنهم و تطمع في إيمانهم.

و تخصيص الأكثر، لأنّه كان منهم من آمن، و منهم من عقل الحقّ و كابر استكبارا و خوفا على الرّئاسة.

إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ‏ في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم، و عدم تدبّرهم فيما شاهدوا من الدّلائل و المعجزات.

بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) من الأنعام. لأنّها تنقاد لمن يتعهدّها و تميّز من يحسن إليها ممّن يسي‏ء إليها، و تطلب ما ينفعها و تتجنّب ما يضرّها، و هؤلاء ليسوا كذلك.

و لأنّها إن لم تعتقد حقّا، و لم تكتسب خيرا، لم تعتقد باطلا، و لم تكتسب شرّا، بخلاف هؤلاء. و لأنّ جهالتها لا تضرّ بأحد، و جهالة هؤلاء تؤدّي إلى هيج الفتن و صدّ النّاس عن الحقّ. و لأنّها غير متمكّنة من. طلب الكمال، فلا تقصير منها و لا ذمّ، و هؤلاء مقصّرون، مستحقّون لأعظم العقاب على تقصيرهم. (3)

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، رفعه‏

____________

(1) المصدر: يتمسّح.

(2) المصدر: لإبله و يبارك.

(3) أنوار التنزيل 2/ 146.

(4) الكافي 2/ 283- 284، ح 16.

405

عن محمّد بن داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: فأمّا أصحاب المشأمة، فهم اليهود و النّصارى. يقول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ‏: يعرفون محمّدا و الولاية في التّوراة و الإنجيل، كما يعرفون أبناءهم في منازلهم. وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ أنّك الرّسول إليهم. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏.

فلمّا جحدوا ما عرفوا، ابتلاهم اللّه بذلك، فسلبهم روح الإيمان، و أسكن أبدانهم ثلاثة أرواح: روح القوّة، و روح الشّهوة، و روح البدن. ثمّ أضافهم إلى الأنعام، فقال: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ‏. لأنّ الدّابّة إنّما تحمل روح القوّة، و تعتلف بروح الشّهوة، و تسير بروح البدن.

و في روضة الكافي‏ (2): ابن محبوب، عن عبد اللّه بن غالب، عن أبيه عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أخبرني إن كنت عالما عن النّاس، و عن أشباه الناس. و عن النّسناس. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا حسين، أجب الرجل. فقال الحسين (عليه السلام)- إلى قوله‏ (3):

أمّا قولك: النّسناس، فهم السّواد الأعظم- و أشار بيده إلى جماعة النّاس. ثمّ قال:

إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (4)، عن أبي يحيى الواسطيّ، عمّن ذكره، أنّه قيل‏ (5) لأبى عبد اللّه- (عليه السلام)- أ ترى هذا الخلق كلّه من النّاس؟ فقال:

ألق منهم التّارك للسّواك، و المتربّع في موضع الضّيق، و الدّاخل فيما لا يعنيه، و المماري فيها لا علم له، و المستمرض‏ (6) من غير علّة، و المستشعث‏ (7) من غير مصيبة، و المخالف‏

____________

(1) البقرة/ 146 و 147.

(2) الكافي 8/ 244، ح 339.

(3) من المصدر.

(4) الخصال/ 409، ح 9.

(5) المصدر: قال.

(6) المصدر: و المتمرّض.

(7) شعث الشعر: تغيّر و تلبّد، و اتّسخ.

406

على أصحابه في الحقّ، و قد اتّفقوا عليه، و المفتخر (1) بآبائه، و هو خلو من صالح أعمالهم. فهو بمنزلة الخلنج‏ (2) يقشر لحاء عن لحاء حتّى يوصل إلى جوهريّته. و هو كما قال اللّه تعالى:

إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.

أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ‏: ألم تنظر إلى صنعه؟

كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ‏: كيف بسطه؟! أو: ألم تنظر إلى الظّلّ، كيف مدّه ربّك على القلب؟

و قيل‏ (3): معناه: ألم تعلم؟ فيكون من رؤية القلب.

و قيل‏ (4): المراد الظّلّ من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس. و جعله ممدودا عليه [لأنّه لا شمس معه. كما قيل في ظلّ الجنّة ممدودا (5)] (6) إذا لم يكن معه الشمس.

و قيل‏ (7): مدّ الظّلّ من وقت غروب الشّمس إلى وقت طلوعها.

و قال أبو عبيدة (8): الظّلّ ما نسخته الشّمس، و هو بالغداة. و الفي‏ء ما نسخ الشّمس، و هو بعد زوال الشّمس. و سمّي فيئا، لأنّه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ- أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ‏. فقال: الظّلّ، ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس.

وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً: ثابتا. من السّكنى. أو: غير متقلّص- من السّكون- بأن يجعل الشّمس مقيمة على وضع واحد.

و في هذا إشارة إلى أنّه قادر على تسكين الشّمس، حتّى يبقى الظّلّ ممدودا، بخلاف ما يقوله الفلاسفة.

ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45)، أي: على الظّل دليلا.

قيل‏ (10): بمعنى أنّه لو لا الشّمس، لما عرف الظّل. و لو لا النّور، لما عرفت الظّلمة.

____________

(1) المصدر: المفتخر يفتخر.

(2) الخلنج: شجر كالطّرفاء، و زهره أبيض و أحمر و أصفر، و حبّه كالخردل و خشبه تصنع منها القصاع، كقوله: لبن البخت في قصاع الخلنج.

(3) مجمع البيان 4/ 172.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) إشارة إلى قوله- تعالى- في: الواقعة/ 30.

(6) ليس في أ.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) تفسير القمي 2/ 115.

(10) مجمع البيان 4/ 173.

407

و كلّ الأشياء تعرف بأضدادها.

و قيل‏ (1): جعلنا الشّمس عليه دليلا، بإذهابها إيّاه عند مجيئها.

و قيل‏ (2): لأنّ الظّل يتبع الشّمس في طوله و قصره، كما يتبع السّائر الدّليل. فإذا ارتفعت الشّمس، قصر الظّلّ. و إذا انحطّت الشّمس، طال الظّلّ.

و قيل‏ (3): إنّ «على» هنا بمعنى «مع». فالمعنى: ثمّ جعلنا الشّمس مع الظّلّ دليلا على وحدانيّتنا.

ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا، أي: أزلناه بإيقاع الشّمس موقعه.

لمّا عبّر عن إحداثه بالمدّ بمعنى التّيسير، عبّر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الّذي هو في معنى الكفّ.

قَبْضاً يَسِيراً (46): قليلا قليلا، حسبما ترتفع الشّمس، لينتظم بذلك مصالح الكون، و يتحصّل به مالا يحصى من منافع الخلق.

و «ثمّ» في الموضعين لتفاضل الأمور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها.

و قيل‏ (4): مدّ الظّلّ لمّا بنى السّماء بلا نيّر، و دحا الأرض تحتها. فألقت عليها ظلّها، و لو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة. ثمّ خلق الشّمس عليه دليلا، أي مسلّطا عليه مستتبعا إيّاه، كما يستتبع الدّليل المدلول أو دليل الطّريق من يهديه. فإنّه يتفاوت بحركتها و يتحوّل بتحولّها. ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً شيئا فشيئا، إلى تنتهي غاية نقصانه. أو قبضا سهلا عند قيام السّاعة، بقبض أسبابه من الأجرام المظلّة و المظلّ عليها.

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً:

شبّه ظلامه باللّباس في ستره.

وَ النَّوْمَ سُباتاً: راحة للأبدان بقطع المشاغل. و أصل السّبت، القطع. أو: موتا، كقوله‏ (5): وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ‏. لأنّه قطع الحياة. و منه: المسبوت، للميّت.

وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47): ذا نشور، أي: انتشار ينتشر فيه النّاس للمعاش.

أو بعث من النّوم، بعث الأموات.

فيكون إشارة إلى أنّ النّوم و اليقظة، أنموذج للموت و النّشور.

____________

1 و 2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 146- 147.

(5) الانعام/ 60.

408

و عن لقمان‏ (1)- (عليه السلام)-: يا بنيّ، كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر.

وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ‏:

و قرأ (2) ابن كثير على التّوحيد، إرادة للجنس.

بُشْراً: ناشرات للسّحاب، جمع نشور.

و قرأ (3) ابن عامر بالسّكون، على التّخفيف. و حمزة و الكسائي به و بفتح النّون، على أنّه مصدر وصف به. و عاصم «بشرا» تخفيف بشر، جمع بشور، بمعنى مبشر.

بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏، يعني: قدّام المطر.

وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48): مطهّرا ليطهّركم. و هو اسم لما يتطهّر به، كالوضوء و الوقود، لما يتوضّأ به و يوقد به.

و قيل‏ (4): بليغا في الطّهارة. و فعول، و إن غلب في المعنيين، لكنّه قد جاء للمفعول- كالصّبوب بمعنى المصبوب- و للمصدر- كالقبول- و للاسم، كالذّنوب.

قيل‏ (5): توصيف الماء به يكون إشعارا بالنّعمة فيه، و تتميما للمنّة فيما بعده- فإنّ الماء الطّهور أهنأ و أنفع ممّا خالطه ما يزيل طهوريّته- و تنبيها على أنّ ظواهرهم لمّا كانت ممّا ينبغي أن يطهّروها، فبواطنهم بذلك أولى.

لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً: بالنّبات.

و تذكير «ميتا»، لأنّ البلدة في معنى البلد. و لأنّه غير جار على الفعل- كسائر أبنية المبالغة- فأجري مجرى الجامد.

وَ نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَ أَناسِيَّ كَثِيراً (49) قيل‏ (6): يعني أهل البوادي الّذين يعيشون بالحيا (7) و لذلك نكّر الأنعام و الأناسيّ‏ (8) و تخصيصهم لأنّ أهل المدن و القرى يقيمون بقرب الأنهار و المناقع‏ (9) فيهم و بما حولهم من الأنعام‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 147.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 147.

(7) الحيا: المطر.

(8) قوله: «و لذلك نكّر الأنعام و الأناسيّ»، أي: لمّا كان أهل البوادي قليلين بالنّسبة إلى أهل المدن و القرى، نكّر الأنعام و الأناسيّ لتدلّ على القلّة، و وصفهم بالكثرة في حدّ ذاتهم لا ينافي القلّة بالنّسبة.

(9) المناقع: البحار. و في م، ن و المصدر: المنابع.

409

غنية عن سقيا السّماء. و سائر الحيوانات تبعد في طلب الماء، فلا يعوزها الشّرب غالبا، مع أنّ مساق هذه الآيات، كما هو للدلالة على عظم القدرة، فهو لتعداد أنواع النّعمة. و الأنعام قنية الإنسان و عامّة منافعهم. و عليّة معايشهم منوطة بها. و لذلك قدّم سقيها على سقيهم، كما قدّم عليها إحياء الأرض، فإنّه سبب لحياتها و تعيّشها.

و قرئ‏ (1): «نسقيه» بالفتح و سقى و أسقى لغتان.

و قيل‏ (2): أسقاه: جعل له سقيا. و «أناسي» بحذف ياء، و هو جمع إنسيّ أو إنسان- كضرابيّ في ضربان- على أنّ أصله أناسين، فقلبت النّون ياء.

وَ لَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ‏:

قيل‏ (3): صرّفنا هذا القول بين النّاس، في القرآن و سائر الكتب.

و قيل‏ (4): أو المطر بينهم في البلدان المختلفة و الأوقات المتغايرة و على الصّفات المتفاوتة من وابل و طلّ و غيرهما، أو في الأنهار أو في المناقع.

لِيَذَّكَّرُوا: ليتفكّروا و ليعرفوا كمال القدرة و حقّ النّعمة في ذلك و يقوموا بشكره. أو ليعتبرا بالصّرف عنهم و إليهم.

فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (50): إلّا كفران النّعمة و قلّة الاكتراث لها.

وَ لَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51): نبيّا ينذر أهلها، فيخفّ عليك أعباء النّبوّة. لكن قصرنا الأمر عليك، إجلالا لك و تعظيما لشأنك و تفضيلا لك على سائر الرّسل. فقابل ذلك بالثّبات و الاجتهاد في الدّعوة و إظهار الحقّ.

فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ‏، فيما يريدونك عليه.

و هو تهييج له و للمؤمنين.

وَ جاهِدْهُمْ بِهِ‏: بالقرآن. أو: بترك طاعتهم الّذي يدلّ عليه، فَلا تُطِعِ‏.

و المعنى أنّهم. يجتهدون في إبطال حقّك، فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم و إزاحة باطلهم.

جِهاداً كَبِيراً (52) لأنّ مجاهدة السّفهاء بالحجج، أكبر من مجاهدة الأعداء بالسّيف. أو لأنّ مخالفتهم و معاداتهم فيما بين أظهرهم، مع عتوّهم و ظهورهم. أو لأنّه جهاد مع كلّ الكفرة، لأنّه مبعوث إلى كافّة القرى.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

410

و في مجمع البيان‏ (1): وَ جاهِدْهُمْ بِهِ‏، أي: بالقرآن- عن ابن عبّاس- جِهاداً كَبِيراً، أي: تامّا شديدا. و في هذا دلالة على أنّ من أجل الجهاد و أعظمه منزلة عند اللّه- سبحانه- جهاد المتكلّمين في حلّ شبه المبطلين و أعداء الدّين. و يمكن أن يتأوّل عليه‏

قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».

وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ‏: خلّاهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان. من: مرج دابّته: إذا خلّاها.

هذا عَذْبٌ فُراتٌ‏: قامع للعطش من فرط عذوبته. من: فرت الماء يفرت فروتا، فهو فرات: إذا عذب.

وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ‏: بليغ الملوحة.

و قرئ‏ (2): «ملح» على فعل. و لعلّ أصله مالح، فخفّف، كبرد في بارد.

و في الكافي‏ (3): و في رواية حمدان بن سليمان أنّهما قالا- (عليهما السلام)-: يا أبا سعيد، تأتي ما ينكر ولايتنا في كلّ يوم ثلاث مرّات. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- عرض ولايتنا على المياه. فما قبل ولايتنا، عذب و طاب. و ما جحد ولايتنا، جعله اللّه- عزّ و جلّ- مرّا و ملحا أجاجا.

وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً: حاجزا من قدرته‏ وَ حِجْراً مَحْجُوراً (53): و تنافرا بليغا، كأنّ كلّا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوّذ للمتعوّذ عنه.

و قيل‏ (4): حدّا محدودا. و ذلك كدجلة، تدخل البحر فتشقّه، فتجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمها.

و قيل‏ (5): المراد بالبحر العذب، النّهر العظيم، مثل النّيل. و بالبحر الملح، البحر الكبير. و بالبرزخ، ما يحول بينهما من الأرض، فتكون القدرة في الفصل و اختلاف الصّفة، مع أنّ مقتضى طبيعة أجزاء كلّ عنصر، أن تضامّت و تلاصقت و تشابهت في الكيفيّة.

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، يعني: الّذي خمّر به طينة آدم، أو جعله جزء من مادّة البشر، لتجتمع و تسلس و تقبل الأشكال و الهيئات بسهولة. أو: النّطفة.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 175.

(2) أنوار التنزيل 2/ 148.

(3) الكافي 6/ 390، ح 3.

(4) أنوار التنزيل 2/ 148.

(5) نفس المصدر و الموضع.

411

فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً، أي: قسّمه قسمين ذوي نسب- أي: ذكورا ينسب إليهم- و ذوات صهر- أي: إناثا يصاهر بهنّ- كقوله‏ (1): فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال للأبرش: يا أبرش، هو كما وصف نفسه. كان عرشه على الماء و الماء على الهواء. و الهواء لا يحدّ. و لم يكن يومئذ خلق غيرهما، و الماء يومئذ عذب فرات- إلى أن قال: و كانت السّماء خضراء [على لون الماء الأخضر] (3) و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. و هو بتمامه مذكور عند قوله‏ (4)- تعالى-: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.

حدّثني أبي‏ (5)، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن بريد العجليّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً. فقال: [إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق آدم من الماء العذب.

و خلق زوجته من سنخه‏ (6). فبرأها من أسفل أضلاعه فجرى بذلك الضّلع‏] (7) بينهما سبب و نسب. ثمّ زوّجها إيّاه، فجرى بينهما بسبب ذلك صهر. فذلك قوله: نَسَباً وَ صِهْراً.

فالنّسب- يا أخا بني عجل- ما كان [من نسب الرّجال. و الصّهر ما كان من‏] (8) سبب النّساء.

و في الكافي‏ (9): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن بريد العجليّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ- و ذكر كما في تفسير عليّ بن إبراهيم، إلّا أنّ في آخره: فالنّسب- يا أخا بني عجل- ما كان بسبب الرّجال. و الصّهر، ما كان بسبب‏

____________

(1) القيامة/ 39.

(2) تفسير القمي 2/ 69- 70.

(3) من المصدر.

(4) الأنبياء/ 30.

(5) نفس المصدر/ 114- 115.

(6) سنخه: أصله.

(7) ليس في أ.

(8) ليس في م، ن.

(9) الكافي 5/ 442، ح 9.

412

النّساء.

و في كتاب معاني الأخبار (1) بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء. احذروا أن تغلبوا عليها، فتضّلوا في دينكم. أنا الصّهر. يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54)، حيث خلق من مادّة واحدة، بشرا ذا أعضاء مختلفة و طباع متباعدة. و جعله قسمين متقابلين. و ربّما يخلق من نطفة واحدة، توأمين ذكرا و أنثى.

في أمالي شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أنس بن مالك، قال: ركب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم بغلته، فانطلق إلى جبل آل فلان. فنزل‏ (3) و قال:

يا أنس، خذ البغلة، و انطلق إلى موضع كذا و كذا، تجد عليّا جالسا يسبّح بالحصى فأقرئه منّي السّلام، و احمله على البغلة و آت به إليّ‏ (4).

قال انس: فذهبت، فوجدت عليّا كما قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فحملته على البغلة، و أتيت‏ (5) به إليه. فلمّا بصر برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (6) قال:

السّلام عليك يا رسول اللّه. قال: و عليك السّلام يا أبا الحسن، أجلس‏ (7). فإنّ هذا مكان جلس فيه سبعون [نبيا] (8) مرسلا. ما جلس فيه أحد من الأنبياء»، إلّا و أنا خير منه. و قد جلس في موضع كلّ نبيّ أخ له ما جلس من الإخوة أحد إلّا و أنت خير منه.

قال أنس: فنظر (9) إلى سحابة قد أظلّتهما و دنت من رؤوسهما. فمدّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يده إلى السّحابة، فتناول منها (10) عنقود عنب، فجعله بينه و بين عليّ. و قال: كل يا أخي! هذه‏ (11) هديّة من اللّه- تعالى- إليّ ثمّ إليك.

____________

(1) معاني الاخبار/ 59 ح 9.

(2) أمالي الشيخ 1/ 319- 321.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: فأتيت.

(6) المصدر: فلمّا أن بصر به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

(7) ليس في المصدر.

(8) من المصدر.

(9) ن، المصدر: فنظرت.

(10) ليس في المصدر.

(11) المصدر: فهذه.

413

قال أنس: قلت: يا رسول اللّه، عليّ أخوك!؟ قال: نعم، عليّ أخي. فقلت: يا رسول اللّه، صف لي كيف عليّ أخوك؟ قال:

إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق ماء تحت العرش، قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام.

و أسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه، إلى أن خلق آدم. فلمّا خلق‏ (1) آدم، نقل ذلك الماء من اللّؤلؤة، فأجراه في صلب آدم، إلى أن قبضه اللّه- تعالى-. ثمّ نقله إلى صلب شيث.

فلم يزل ذلك الماء ينقل‏ (2) من ظهر إلى ظهر، حتّى صار في [صلب‏] (3) عبد المطّلب.

ثمّ شقه اللّه- عزّ و جلّ- نصفين. فصار نصفه في [أبي‏] (4) عبد اللّه بن عبد المطّلب، و نصف في أبي طالب. فأنا من نصف الماء، و عليّ من النّصف الآخر. فعليّ أخي في الدّنيا و الآخرة.

ثمّ قرأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سلم: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً.

و في روضة الواعظين‏ (5) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خلق اللّه- عزّ و جلّ- نطفة بيضاء مكنونة. فنقلها من صلب إلى صلب، حتّى نقلت. النّطفة إلى صلب عبد المطّلب. فجعل نصفين، فصار (6) نصفها في عبد اللّه، و نصفها في أبي طالب. فأنا من عبد اللّه، و عليّ من أبي طالب. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً.

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهرآشوب: و خطب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- على المنبر في تزويج فاطمة خطبة رواها يحيى بن معين في أماليه و ابن بطّة في الإبانة

، بإسنادهما عن أنس بن مالك مرفوعا، و رويناها عن الرّضا- (عليه السلام)-. فقال: الحمد للّه المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع في سلطانه، المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب من عذابه، النّافذ أمره في سمائه و أرضه، الّذي‏ (8) خلق الخلق بقدرته، و ميّزهم بأحكامه، و أعزّهم بدينه، و أكرمهم بنبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

إنّ اللّه- تعالى- جعل المصاهرة نسبا لا حقا و أمرا معترضا، و شّج‏ (9) بها الأرحام،

____________

(1) المصدر: فلمّا أن خلق.

(2) المصدر: ينتقل.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) روضة الواعظين 1/ 71.

(6) المصدر: فصير.

(7) المناقب 3/ 350.

(8) ليس في المصدر.

(9) وشّج: ألّف و خلط.

414

و ألزمها الأنام. قال اللّه تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً. ثمّ إنّ اللّه- تعالى- أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ، و قد زوّجتها إيّاه على أربعمائة (1) مثقال فضّة. أرضيت يا عليّ؟ قال: رضيت يا رسول اللّه.

و في مجمع البيان‏ (2): قال ابن سيرين: نزلت في النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. زوّج فاطمة عليّا، فهو ابن عمّه و زوج ابنته، فكان نسبا و صهرا.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن أسد عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن أحمد بن معمّر الأسديّ، [عن الحسن بن محمّد الأسديّ‏] (4) عن الحكم بن ظهير، عن السّدّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس قال: قوله- عزّ و جلّ-:

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً نزلت في النّبيّ و عليّ- صلّى اللّه عليهما. زوّج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا ابنته و هو ابن عمّه، فكان له نسبا و صهرا.

و قال أيضا (5): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، قال: حدّثنا المغيرة بن محمّد، عن رجاء بن سلمة، عن نائل بن نجيح، عن عمرو (6) بن شمر، عن جابر الجعفيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس في هذه الآية قال:

خلق اللّه آدم‏ (7). و خلق نطفة من الماء، فمزجها بنوره. ثمّ أودعها آدم. ثمّ أودعها ابنه شيث، ثمّ أنونش‏ (8)، ثمّ فتيان‏ (9)، ثمّ أبا فأبا، حتّى أودعها إبراهيم- (عليه السلام)-. ثمّ أودعها إسماعيل- (عليه السلام)-. ثمّ أمّا فأمّا و أبا فأبا، من طاهر الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام، حتّى صارت إلى عبد المطّلب. فانفرق‏ (10) ذلك النّور فرقتين: فرقة إلى عبد اللّه، فولد محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و فرقة إلى أبي طالب، فولد عليّا- (عليه السلام)-.

ثمّ ألّف اللّه النّكاح بينهما، فزوّج اللّه عليّا بفاطمة- (عليهما السلام)-. فذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: مائة.

(2) مجمع البيان 4/ 175.

(3) تأويل الآيات 1/ 376- 377، ح 13.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر 1/ 377، ح 14.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: معمّر.

(7) س، أ، م، ن، المصدر: اللّه خلق آدم.

(8) ن، المصدر: انوش.

(9) المصدر: قينان.

(10) المصدر: ففرّق.

415

و في هذا المعنى ما

رواه الشّيخ أبو جعفر محمّد بن جعفر الحائري‏ (1) في كتابه «كتاب ما اتّفق فيه من الأخبار في فضل الأئمّة الأطهار» (2) حديثا مسندا يرفعه إلى مولانا عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-. قال: كنت أمشي خلف عمّي الحسن و أبي الحسين- (عليهما السلام)- في بعض طرقات المدينة، و أنا يومئذ غلام قد ناهزت‏ (3) الحلم. أو كدت. فلقيهما (4) جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ و أنس بن مالك و جماعة من قريش و الأنصار. فسلّم هناك جابر، حتى انكبّ على أيديهما و أرجلهما يقبلّهما.

فقال له رجل من قريش، كان نسيبا لمروان: أ تصنع هذا يا أبا عبد اللّه، و أنت في سنّك و موضعك من [صحبة] (5) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-؟ و كان جابر قد شهد بدرا.

فقال له: إليك عنّي! فلو علمت- يا أخا قريش- من فضلهما و مكانهما ما أعلم، لقبّلت ما تحت أقدامهما من التّراب.

ثمّ أقبل جابر على أنس، فقال: يا أبا حمزة، أخبرني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيهما بأمر ما ظننت أنّه يكون في بشر. فقال له أنس: و ما الّذي أخبرك به يا أبا عبد اللّه؟

قال عليّ بن الحسين: فانطلق الحسن و الحسين، و وقفت أنا أسمع محاورة القوم.

فأنشأ جابر يحدّث. قال:

بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم في المسجد. و قد خفّ من حوله، إذ قال لي: يا جابر، ادع لي ابنيّ حسنا و حسينا. و كان شديد الكلف‏ (6) بهما. فانطلقت فدعوتهما.

و أقبلت أحمل هذا مرّة و هذا مرّة، حتّى جئته بهما.

فقال لي- و أنا أعرف السّرور في وجهه لمّا رأى من حنوني عليهما-: أ تحبّهما يا جابر؟

قلت: و ما يمنعني من ذلك- فداك أبي و أمّي- و مكانهما منك مكانهما!؟ فقال: ألا أخبرك من فضلهما؟ قلت: بلى، فداك أبي و أمّي.

قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا أحبّ أن- يخلقني، خلقني نطفة بيضاء [طيّبة] (7)

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: «الجابري».

(2) كما نقل عنه في: تأويل الآيات 1/ 379- 381، ح 16.

(3) أي: دانيت و قاربت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فلقاهم.

(5) من المصدر.

(6) أي: شديد الولع. و في بعض نسخ المصدر:

شديد اللطف.

(7) من المصدر.

416

فأودعها صلب آدم. فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهرة (1)، إلى نوح و إبراهيم ثمّ كذلك إلى عبد المطّلب، لم يصبني من دنس الجاهليّة شي‏ء. ثمّ افترقت تلك النّطفة شطرين: إلى [أبي:] (2) عبد اللّه، و إلى أبي طالب. فولدني [أبي:] (3) عبد اللّه، فختم اللّه بي النّبّوة. و ولد عمّي أبو طالب عليّا، فختمت به الوصيّة.

ثمّ اجتمعت النّطفتان منّي و من عليّ و فاطمة، فولدنا الجهر و الجهيرة. فختم اللّه بهما أسباط النّبوة، و جعل ذرّيتّي منهما و أمرني بفتح مدينة- او قال: مدائن- الكفر، و أقسم ربّي ليظهرنّ منهما ذرّيّة طيّبة، تملأ الأرض عدلا بعد ما ملئت جورا. فهما طهران مطهّران، و هما سيّدا شباب أهل الجنّة. طوبى لمن أحبّهما و أباهما و أمّهما. و ويل لمن عاداهم و أبغضهم!

وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَ لا يَضُرُّهُمْ‏، يعني: الأصنام. أو كلّ ما عبد من دون اللّه، إذ ما من مخلوق يستقلّ بالنّفع و الضّرّ.

وَ كانَ الْكافِرُ عَلى‏ رَبِّهِ ظَهِيراً (55):

الظّهير: المعين. فقيل‏ (4): كان معينا للشّيطان على ربّه بالمعاصي، أي كان شريكا له بمعاصيه.

و قيل‏ (5): كان معينا [له في معصية الشّيطان لربّه، فإنّ عبادة الأصنام مثلا معاونة] (6) للشّيطان في معصيته.

و المراد ب «الكافر» الجنس. و قيل‏ (7): أبو جهل.

و قيل‏ (8): الظّهير: المهين. أي: كان الكافر على ربّه مهينا، لا وقع له عنده. من قولهم: ظهرت به: إذا نبذته خلف ظهرك.

و في بصائر الدّرجات: (9) عبد اللّه بن عابر (10) عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن الحسن‏ (11) بن عثمان، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ كانَ الْكافِرُ عَلى‏ رَبِّهِ ظَهِيراً. قال: تفسيرها في بطن القرآن، يعني:

____________

(1) المصدر: طاهر.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

4 و 5- مجمع البيان 4/ 175.

(6) ليس في م.

(7) أنوار التنزيل 2/ 148.

(8) مجمع البيان 4/ 175، أنوار التنزيل 2/ 148 بتفاوت.

(9) بصائر الدرجات/ 97 ح 5.

(10) سن، ن: جابر. م، المصدر: عامر.

(11) المصدر: الحسين.

417

عليّ. هو ربّه في الولاية [و الطّاعة] (1) و الرّبّ، هو الخالق الّذي لا يوصف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: و قد يسمّى الإنسان ربّا بهذا الاسم لغة، كقوله‏ (3)- تعالى-: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏. و كلّ مالك لشي‏ء يسمّى ربّه. فقوله- تعالى-: وَ كانَ الْكافِرُ عَلى‏ رَبِّهِ ظَهِيراً. قال: «الكافر» الثّاني. كان على أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- ظهيرا.

وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (56) للمؤمنين و الكافرين.

قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ‏: على تبليغ الرّسالة.

مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ: [إلّا فعل من شاء]. (4) أَنْ يَتَّخِذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا (57): أن يتقرّب إليه و يطلب الزّلفى عنده بالايمان و الطاعة.

صورّة بصورة الأجر، من حيث إنّه مقصود فعله. و استثناه منه، قطعا لشبهة الطّمع، و إظهارا لغاية الشّفقة.

و قيل‏ (5): الاستثناء منقطع. معناه: لكن من شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا، فليفعل.

وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ‏ في استكفاء شرورهم و الإغناء عن أجورهم. فإنّه الحقيق بأن يتوكّل عليه، دون الأحياء الّذين يموتون: فإنّهم إذا ماتوا، ضاع من توكلّ عليهم.

وَ سَبِّحْ بِحَمْدِهِ‏: و نزّهه عن صفات النّقصان، مثنيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشّكر على سوابغه.

وَ كَفى‏ بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ‏: ما ظهر منها و ما بطن.

خَبِيراً (58): مطّلعا. فلا عليك إن آمنوا أو كفروا.

الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏:

في روضة الكافي‏ (6) بإسناده إلى عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الخير يوم الأحد. و ما كان ليخلق‏

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 115.

(3) يوسف/ 42.

(4) ليس في أ.

(5) أنوار التنزيل 2/ 149.

(6) الكافي 8/ 145 ح 117.

418

الشّر قبل الخير. و في يوم الأحد و الاثنين، خلق الأرضين. و خلق أقواتها يوم الثّلاثاء. و خلق السّموات يوم الأربعاء، و يوم الخميس. و خلق أقواتها يوم الجمعة. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-:

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏.

ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ‏:

قد سبق الكلام فيه. و لعلّ ذكره زيادة تقرير، لكونه حقيقا بأن يتوكّل عليه، من حيث إنّه الخالق للكلّ و المتصرّف فيه. و تحريض على الثّبات و التّأنّي في الأمر.

فإنّه- تعالى- مع كمال قدرته و سرعة نفاذ أمره في كلّ مراد، خلق الأشياء على تؤدة و تدرّج.

و «الرّحمن»، خبر للّذي، إن جعلته مبتدأ، و لمحذوف، إن جعلته صفة للحيّ. أو بدل من المستكنّ في «استوى».

و قرئ‏ (1) بالجرّ صفة للحيّ.

فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59): فاسأل عمّا ذكر من الخلق و الاستواء عالما يخبرك بحقيقته. و هو اللّه- تعالى- أو جبرئيل، أو من وجده في الكتب المتقدّمة ليصدّقك فيه.

و قيل‏ (2): الضّمير للرّحمن. و المعنى: إن أنكروا إطلاقه على اللّه- تعالى- فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب، ليعرفوا مجي‏ء ما يرادفه في كتبهم. و على هذا يجوز أن يكون الرّحمن مبتدأ، و الخبر ما بعده. و السّؤال كما يعدّى ب «عن»، لتضمّنه معنى التّفتيش، يعدّى بالباء، لتضمّنه معنى الاعتناء.

و قيل‏ (3): إنّه صلة خبيرا.

[و في مجمع البيان‏ (4): روي‏ أنّ اليهود حكوا عن ابتداء خلق الأشياء بخلاف ما أخبر اللّه- تعالى- عنه. فقال- سبحانه-: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً.

] (5) وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ‏:

لأنّهم ما كانوا يطلقونه على اللّه- تعالى-. أو لأنّهم ظنّوا أنّه أراد به غيره. و لذلك قالوا:

أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا، أي: للّذي تأمرنا- يعني: تأمرنا بسجوده، أو لأمرك‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 149.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) مجمع البيان 4/ 176.

(5) ليس في ن.

419

لنا من غير عرفان.

و قيل‏ (1): لأنّه كان معرّبا لم يسمعوه.

و قرئ‏ (2): «يأمرنا» بالياء، على أنّه قول بعضهم لبعض.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ‏- إلى قوله:- وَ مَا الرَّحْمنُ‏. قال: جوابه: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ (4) وَ زادَهُمْ‏، إي: الأمر بالسجود للرّحمن‏ نُفُوراً (60): عن الإيمان.

تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً، يعنى: البروج الاثنا عشر.

سمّيت به- و هي القصور العالية- لأنّها للكواكب السّيّارة كالمنازل لسكّانها.

و اشتقاقه من التّبرّج لظهوره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً: فالبروج، الكواكب. و البروج الّتي للرّبيع و الصّيف، الحمل و الثّور و الجوزاء و السّرطان و الأسد و السّنبلة. و البروج الّتي للخريف‏ (6) و الشّتاء، الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدّلو و الحوت، و هي اثنا عشر برجا.

[و الكواكب السّيارة، هي: زحل و المشتري و المرّيخ و الشّمس و الزّهرة و عطارد و القمر] (7).

وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً، يعني: الشّمس، كقوله‏ (8): وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً.

و قرئ‏ (9): «سرجا» و هي الشّمس و الكواكب الكبار.

وَ قَمَراً مُنِيراً (61): مضيئا باللّيل.

و قرئ‏ (10): «و قمرا»، أي: ذا قمر. و هو جمع قمراء. و يحتمل أن يكون بمعنى القمر، كالرّشد و الرّشد، و العرب و العرب.

و في كتاب الإهليلجة (11): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً يسبحان في فلك، يدور بهما دائبين، يطلعهما تارة (12) و يؤفلهما أخرى،

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 149.

(3) تفسير القمي 2/ 115.

(4) الرحمن/ 1- 4.

(5) تفسير القمي 2/ 115- 116.

(6) المصدر: و بروج الخريف.

(7) ليس في المصدر.

(8) نوح/ 16.

(9) أنوار لتنزيل 2/ 149- 150.

(10) نفس المصدر/ 150.

(11) بحار الأنوار 3/ 191.

(12) ن: مرّة.

420

حتّى تعرف عدّة الأيّام‏ (1) و الشّهور و السّنين. و ما يستأنف من الصيف و الرّبيع و الشّتاء و الخريف، أزمنة مختلفة باختلاف اللّيل و النّهار. (2)

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً، أي: ذوي خلفة، يخلف كلّ منهما الآخر، بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه. فمن فاته عمل اللّيل، استدركه بالنّهار. و من فاته عمل النّهار، استدركه باللّيل. أو بأن يعتقبا، كقوله‏ (3): وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ.

و هي للحالة من خلف، كالرّكبة و الجلسة.

لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ: أن يتذكّر آلاء اللّه و يتفكّر في صنعه، فيعلم أن لا بدّ له من صانع حكيم واجب الذّات رحيم على العباد.

أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62): أن يشكر اللّه على ما فيه من النّعم.

و قرأ (4) حمزة: «أن يذكر»، من ذكر بمعنى تذكّر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي عن صالح بن عقبة، عن جميل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال له رجل: جعلت فداك، يا ابن رسول اللّه، ربّما فاتتني صلاة اللّيل، الشّهر و الشّهرين و الثّلاثة، فأقضيها بالنّهار. أ يجوز ذلك؟

قال: قرّة عين لك! و اللّه قرّة عين لك! قالها ثلاثا. إنّ اللّه يقول: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً (الآية) فهو قضاء صلاة النّهار باللّيل، و قضاء صلاة اللّيل بالنّهار. و هو من سرّ آل محمّد المكنون.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): قال الصّادق- (عليه السلام)-: كلّما فاتك باللّيل، فاقضه بالنّهار. قال اللّه- تبارك و تعالى-: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً، يعني: أن يقضي الرّجل ما فاته باللّيل بالنّهار (7). و ما فاته بالنّهار، باللّيل‏ (8).

وَ عِبادُ الرَّحْمنِ‏: مبتدأ خبره: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ (9) أو:

الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ‏

____________

(1) المصدر: فبنى عليه الأيّام.

(2) المصدر: أزمنة مختلفة الأعمال، أصلها اختلاف الليل و النهار.

(3) الجاثية/ 5.

(4) أنوار التنزيل 2/ 150.

(5) تفسير القمي 2/ 116.

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 315، ح 1428.

(7) م: في النهار.

(8) م: في الليل.

(9) الفرقان/ 75.

421

و إضافتهم إلى «الرّحمن» للتّخصيص و التّفضيل، أو لأنّهم الرّاسخون في عبادته، على أنّ «عباد» جمع عابد، كتاجر و تجار.

هَوْناً: هيّنين. أو: مشيا هيّنا. مصدر وصف به. و المعنى أنّهم يمشون بسكينة و تواضع.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، [عن ابن محبوب‏] (2)، عن محمّد بن النّعمان، عن سلام، قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً. قال: هم الأوصياء مخافة من عدوّهم. (3)

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، محمّد بن عيسى، عن يونس بن الفضيل‏ (5) بن صالح، عن محمّد الحلبيّ، عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً. قال: هذه الآيات للأوصياء، إلى أن يبلغوا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً

(6).

و في مجمع البيان‏ (7): الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً. و

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: هو الرّجل يمشي بسجيّته الّتي جبل عليها، لا يتكلّف و لا يتبختر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن [محمّد بن‏] (9) عيسى، عن ابن أبي نجران، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في، قوله: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً. قال: الأئمّة- (عليهم السلام)- يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً خوفا من عدوّهم.

وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (63): تسلّما منكم و متاركة لكم، لا خير بيننا و لا شرّ. أو سدادا من القول، يسلمون‏ (10) فيه من الإيذاء و الإثم.

و لا ينافيه آية القتال لتنسخه، فإنّ المراد هو الإغضاء عن السّفهاء، و ترك مقابلتهم‏

____________

(1) الكافي 1/ 427 ح 78.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: من مخافة عدوّهم.

(4) تأويل الآيات 1/ 381 ح 17.

(5) المصدر: عن يونس عن المفضّل.

(6) الفرقان/ 76.

(7) مجمع البيان 4/ 179.

(8) تفسير القمي 2/ 116.

(9) من المصدر.

(10) ن: ليسلمون.

422

في الكلام.

و في مصباح الشّريعة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: و لا يعرف ما في معنى حقيقة التّواضع إلّا المقرّبون من عباده، المتّصلون بوحدانيّته. قال اللّه- تعالى-:

وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً.

و في كتاب المناقب‏ (2) لابن شهر آشوب: كان إبراهيم بن المهديّ شديد الانحراف عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فحدّث المأمون يوما فقال: رأيت عليّا- (عليه السلام)- في النّوم، فمشيت معه حتّى جئنا قنطرة. فذهب يتقدّمني لعبورها. فأمسكته و قلت له: إنّما أنت رجل تدّعي هذا الأمر بامرأة (3)، و نحن أحقّ به منك. فما رأيته بليغا في الجواب. قال: و أيّ شي‏ء قال لك؟ قال: ما زادني على أن قال: «سلاما سلاما». فقال المأمون: قد و اللّه أجابك أبلغ جواب. قال: كيف؟ قال: عرفك أنّك جاهل لا تجاب. قال اللّه- تعالى-: وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً.

وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً: في الصّلاة.

و تخصيص البيتوتة، لأنّ العباد باللّيل أحمز (4) و أبعد من الرّياء. و تأخير القيام، للرّويّ‏ (5). و هو جمع قائم، أو مصدر أجري مجراه.

و في كتاب الخصال‏ (6) عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كلّ عين باكية يوم القيامة، إلا ثلاث أعين، عين بكت من خشية اللّه، و عين غضّت عن محارم اللّه، و عين باتت ساهرة في سبيل اللّه.

و فيه أيضا (7)، عن السّكونيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا سهر إلّا في ثلاث: متهجّد بالقرآن، أو في طلب العلم، أو عروس تهدى إلى زوجها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): عنه، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم،

____________

(1) مصباح الشريعة/ 73- 74.

(2) المناقب 3/ 270- 271.

(3) م، ن: بإمرة.

(4) أي: أشدّ.

(5) الرّويّ- في علم العروض-: الحرف الّذي تبنى عليه القصيدة، و إليه تنسب. يقال:

قصيدة بائيّة: إذا كان رويّها الباء. و المقصود هنا الحرف الّذي تنتهي به الآية.

(6) الخصال 1/ 98، ح 46.

(7) نفس المصدر/ 112، ح 88.

(8) تفسير القمي 2/ 116.

423

عن سليمان بن جعفر قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً. قال: هم الأئمّة، يتّقون في مشيهم.

وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65): لازما. و منه: الغريم، لملازمته.

و هو إيذان بأنّهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق و اجتهادهم في عبادة الحق، وجلون من العذاب، مبتهلون إلى اللّه في صرفه عنهم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم، و وثوقهم على استمرار أحوالهم.

إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً (66): أي: بئست مستقرّا. و فيها ضمير مبهم، يفسّره المميّز. و المخصوص بالذّمّ ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم «إنّ». أو: أحزنت، و فيها ضمير اسم «إنّ». و «مستقرّا» حال أو تمييز.

و الجملة تعليل للعلّة الأولى، أو تعليل ثان و كلاهما يحتملان الحكاية و الابتداء من اللّه.

وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا: لم يجاوزوا حدّ الكرم.

وَ لَمْ يَقْتُرُوا: و لم يضيّقوا تضييق الشّحيح.

و قيل‏ (1): الإسراف، هو الإنفاق في المحارم. و التّقتير منع الواجب.

و قرأ (2) نافع‏ (3) و ابن عامر: «و لم يقتروا» بضمّ الياء، من أقتر.

و قرئ‏ (4) بالتّشديد. و الكلّ واحد.

وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67): وسطا و عدلا. سمّي به لاستقامة الطّرفين، كما سمّي سواء لاستوائهما.

و قرئ‏ (5) بالكسر. و هو ما يقام به الحاجة، لا يفضل عنها و لا ينقص. و هو خبر ثان ل «كان»، أو حال مؤكّدة. و يجوز أن يكون الخبر و «بين ذلك» ظرفا (6) لغوا.

و قيل‏ (7): إنّه اسم «كان»، لكنّه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكّن. و هو ضعيف، لأنّه‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 150.

(3) النسخ: «الكوفيون و نافع». و هي خطأ. لأن في المصدر و مجمع البيان (4/ 177) نقلا أنّ الكوفيين قرؤوا بفتح الياء و ضمّ التاء.

(4) لم نعثر عليه في أيّ مصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 150.

(6) ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر/ 151.

424

بمعنى القوام. فيكون كالإخبار بالشّي‏ء عن نفسه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً يقول: ملازما لا يفارق. و قوله- عزّ و جلّ-:

وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا: و الإسراف، الإنفاق في المعصية في غير حقّ. وَ لَمْ يَقْتُرُوا: لم يبخلوا عن حقّ اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. القوام: العدل و الإنفاق فيما أمر اللّه به.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن الحلبيّ، عن بعض أصحابنا، عنه قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)- لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا بنيّ عليك بالحسنة بين السّيّئتين تمحوهما (3). قال: و كيف ذلك يا أبة؟ قال: مثل قوله: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا. فأسرفوا سيّئة و أقتروا سيّئة. وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً: حسنة فعليك بالحسنة بين السّيّئتين. و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عن عبد الرّحمن‏ (4)، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله‏ (5): يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. قال: الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً.

نزلت هذه بعد هذه. [هي الوسط] (6)

و في كتاب الخصال‏ (7): عن محمّد بن عمرو (8) بن سعيد، عن بعض أصحابه، قال:

سمعت العيّاشيّ و هو يقول: استأذنت الرّضا- (عليه السلام)- في النّفقة على العيال. فقال:

بين المكروهين. قال: فقلت: جعلت فداك، لا و اللّه ما أعرف‏ (9) المكروهين. فقال: بلى، يرحمك اللّه. أما تعرف أنّ اللّه- تعالى- كره الإسراف و كره الإقتار، فقال: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً.

و في أصول الكافي‏ (10): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال،

____________

(1) تفسير القمي 2/ 116- 117.

(2) تفسير العياشي 2/ 319، ح 179.

(3) ع: تمحقهما.

(4) نفس المصدر 1/ 106، ح 315.

(5) البقرة/ 219.

(6) من المصدر.

(7) الخصال 1/ 54- 55، ح 74.

(8) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 1001.

و في النسخ: عمر.

(9) ع: لا أعرف.

(10) الكافي 2/ 511، ح 2.

425

عن عبد اللّه بن إبراهيم، عن جعفر بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أربعة لا يستجاب لهم‏ (1): رجل كان له مال فأفسده، فيقول: اللّهمّ ارزقني. فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد!؟ ألم آمرك بالإصلاح!؟ ثمّ قال: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن عامر بن خزاعة قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: اتّق اللّه، و لا تسرف و لا تقتر، و لكن بين ذلك قواما. إنّ التّبذير من الإسراف. قال اللّه‏ (3)- تعالى-: وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، و عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، جميعا عن عثمان بن عيسى، عن إسحاق بن عبد العزيز، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّا نكون في طريق مكّة، فنريد الإحرام، فنطلي و لا يكون معنا نخالة نتدلّك بها من النّورة، فنتدلّك بالدّقيق. و قد دخلني من ذلك ما اللّه أعلم به. فقال: أ مخافة الإسراف؟

قلت: نعم.

فقال: ليس فيما أصلح البدن إسراف. إنّي ربّما أمرت بالنّقيّ‏ (5) فيلتّ‏ (6) بالزّيت، فأتدلّك به إنّما الإسراف فيما أفسد المال، و أضرّ بالبدن.

قلت: فما الإقتار؟ قال: أكل الخبز و الملح، و أنت تقدر على غيره.

قلت: فما القصد؟ قال:

الخبز و اللحم و اللّبن و الخلّ و السّمن، مرّة هذا و مرّة هذا.

عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن جميل بن صالح، عن عبد الملك بن عمرو الأحوال قال: تلا

____________

(1) المصدر: لا تستجاب لهم دعوة.

(2) نفس المصدر 3/ 501، ح 14.

(3) الاسراء/ 26.

(4) نفس المصدر 4/ 53- 54، ح 10.

(5) النّقيّ: الدّقيق الجيّد.

(6) يلتّ: يخلط.

(7) نفس المصدر/ 54، ح 1.

426

أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- هذه الآية: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. قال: فأخذ قبضة من حصى و قبضها بيده، فقال: هذه الإقتار الّذي ذكره اللّه في كتابه. ثمّ قبض قبضة أخرى، فأرخى كفّه كلّها، ثمّ قال: هذا الإسراف. ثمّ أخذ قبضة أخرى، فأرخى بعضها و أمسك بعضها، و قال: هذا القوام.

عنه‏ (1)، عن أبيه، عن محمّد بن عمرو، عن عبد اللّه بن أبان، قال: سألت أبا الحسن الأوّل- (عليه السلام)- عن النّفقة على العيال. فقال: ما بين المكروهين: الإسراف و الإقتار.

أحمد بن محمّد (2) [عن محمّد] (3) بن عليّ، عن محمّد بن سنان، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً، قال: القوام، هو المعروف: «على الموسع قدره و على المقتر قدره متاعا بالمعروف حقّا على المحسنين» (4) على قدر عياله و مئونتهم الّتي هي صلاح له و لهم. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها

(5) عدّة من أصحابنا (6)، عن سهل بن زياد، و أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، في قوله- تبارك و تعالى-: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. فبسط كفّه، و فرّق أصابعه، و حناها شيئا.

و عن قوله‏ (7)- تعالى-: وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ. فبسط راحته و قال: هكذا.

و قال: القوام ما يخرج من بين الأصابع، و يبقى في الرّاحة منه شي‏ء.

عليّ بن إبراهيم‏ (8)، [عن أبيه‏] (9)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: دخل سفيان الثّوريّ على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فرأى عليه ثيابا بيضا، كأنّها غرقئ البيض‏ (10).

فقال له: إنّ هذا اللّباس ليس من ثيابك.

فقال له: اسمع منّي، و ع ما أقول لك، فإنّه خير لك عاجلا و آجلا، إن أنت متّ‏

____________

(1) نفس المصدر/ 55، ح 2.

(2) نفس المصدر/ 56، ح 8.

(3) من المصدر.

(4) البقرة/ 236.

(5) الطلاق/ 7.

(6) نفس المصدر، ح 9.

(7) الإسراء/ 29.

(8) نفس المصدر 5/ 65- 67.

(9) ليس في المصدر.

(10) الغرقئ: القشرة الملتزقة ببياض البيض.

و قيل: البياض الذي يؤكل.

427

على السّنّة و الحقّ، و لم تمت على بدعة. أخبرك أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان في زمان مقفر جدب. فأمّا إذا أقبلت الدّنيا، فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، و مؤمنوها لا منافقوها، و مسلموها لا كفّارها.

فما أنكرت يا ثوريّ!؟ فو اللّه إنّني لمع ما ترى، ما أتي عليّ منذ (1) عقلت صباح و لا مساء، و للّه في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعا إلّا وضعته.

قال: و أتاه‏ (2) قوم ممّن يظهر الزّهد و يدعو النّاس أن يكونوا معهم، على مثل الّذي هم عليه من التّقشّف. فقالوا له: إنّ صاحبنا حصر عن كلامك، و لم تحضره حجّة (3).

فقال لهم: فهاتوا حججكم. فقالوا له: إنّ حججنا من كتاب اللّه.

فقال لهم: فأدلوا بها، فإنّها أحقّ ما اتّبع و عمل به. فقالوا: يقول اللّه- تبارك و تعالى- مخبرا عن قوم من أصحاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (4) فمدح فعلهم. و قال في موضع آخر: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (5) فنحن نكتفي بهذا.

فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطّيّبة، و مع ذلك تأمرون النّاس بالخروج من أموالهم، حتّى تمتعوا أنتم منها.

فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: دعوا عنكم مالا ينتفّع‏ (6) به. أخبروني أيّها النّفر! أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه، الّذي في مثله ضلّ من ضلّ و هلك من هلك من هذه الأمّة؟ فقالوا له: أو بعضه، فأمّا كلّه فلا.

فقال لهم: فمن هاهنا أتيتم؟ و كذلك أحاديث رسول اللّه. فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه- عزّ و جلّ- إيّانا في كتابه، عن القوم الّذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحا جائزا، و لم يكونوا نهوا عنه، و ثوابهم منه على اللّه- عزّ و جلّ-. و ذلك أنّ اللّه- جلّ و تقدّس- أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم. و كان نهي اللّه- تبارك و تعالى- رحمة منه للمؤمنين، و نظرا لكي لا يضرّوا بأنفسهم و عيالاتهم، منهم الضّعفة الصّغار و الولدان و الشّيخ الفاني و العجوز الكبيرة، الّذين لا يصبرون على الجوع. فإن تصدّقت برغيفي و لا رغيف لي‏

____________

(1) المصدر: مذ.

(2) المصدر: فأتاه.

(3) المصدر: حججه.

(4) الحشر/ 9.

(5) الإنسان/ 8.

(6) المصدر: تنتفعون.

428

غيره، ضاعوا و هلكوا جوعا.

ثمّ هذا ما نطق به الكتاب، ردّا لقولكم و نهيا عنه مفروضا من اللّه العزيز الحكيم.

قال: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. أفلا ترون أنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال غير ما أراكم تدعون النّاس إليه من الأثرة على أنفسهم!؟ و سمّى من فعل ما تدعون [النّاس‏] (1) إليه مسرفا، و في غير آية من كتاب اللّه يقول‏ (2): إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏.

فنهاهم عن الإسراف، و نهاهم عن التّقتير، و لكن أمر بين أمرين. لا يعطي جميع ما عنده، ثمّ يدعو اللّه أن يرزقه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (3): روي عن معاذ أنّه قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ذلك. فقال: من أعطى في غير حقّ، فقد أسرف. و من منع عن حقّ، فقد قتر.

و روي‏ (4) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ليس في المأكول و المشروب سرف، و إن كثر (5).

____________

(1) من المصدر.

(2) الأنعام/ 141، و الأعراف/ 31.

3 و 4- مجمع البيان 4/ 179.

(5) في هامش نسخة «م»:

و في أوائل الجزء العاشر من كتاب الوافي في باب إصلاح المال و تقدير العيش: ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من نفقة أحبّ إلى اللّه- عزّ و جلّ- من نفقة قصد، و يبغض الإسراف إلّا في الحجّ و العمرة فرحم اللّه مؤمنا كسب مليّا، و أنفق قصدا، و قدّم فضلا.

(الوافي/ 3/ 16)

يه: عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: يا عبيد! إنّ السّرف يورث الفقر، و أن القصد يورث الغنى.

(الفقيه 3/ 107، ح 446 و الوافي 3/ 16)

يه: قال العالم- (عليه السلام)‏- ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر.

(الفقيه 3/ 102، ح 409.

و الوافي 3/ 16).

يه: قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)‏- إنّ الرّجل لينفق ماله في حقّ و أنّه لمسرف.

بيان: يعني يزيد من الإنفاق في الحقّ على قدر الضّرورة. (الفقيه 3/ 102، ح 410 و الوافي 3/ 16)

يه: الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- أنّه قال: للمسرف ثلاث علامات يأكل ما ليس له، و يشرب ما ليس له، و يلبس ما ليس له‏

(الفقيه 3/ 102 ح 411 و الوافي 3/ 16)

يه: أبو هشام البصريّ، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: من الفساد، قطع الدّرهم و الدّينار و طرح النّوى. (الفقيه 3/ 102،-

429

وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ‏، أي: حرّمها بمعنى حرّم قتلها.

إِلَّا بِالْحَقِ‏:

متعلّق بالقتل المحذوف، أو ب «لا يقتلون».

وَ لا يَزْنُونَ‏:

و في مجمع البيان‏ (1): و روى البخاريّ و مسلم في صحيحيهما، بالإسناد عن عبد اللّه بن‏

____________

- ح 412. و الوافي 3/ 17).

يه: سأل إسحاق بن عمّار أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أدنى الإسراف. فقال:

ثوب صونك تتبذّله و فضل الإناء تهريقه، و قذفك النّوى هكذا و هكذا. (الفقيه 3/ 103، ح 413.

و الوافي 3/ 17).

كا: محمّد، عن أحمد، عن الحسن بن عليّ، عن عليّ بن عقبة، عن إسحاق بن عمّار مثله بأدنى تفاوت. (الكافي 6/ 460، ح 1، و الوافي 3/ 17).

كا: محمّد عن صالح بن عقبة عن سليمان بن صالح قال‏ قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ما أدنى ما يجي‏ء من الإسراف، قال: ابتذالك ثوب صونك الحديث على اختلاف ألفاظه‏ (الكافي 6/ 460، ح 2. و الوافي 3/ 17)

من أواسط الجزء الحادي عشر من أجزاء الوافي في باب السّكّر (3/ 48)

كا: محمّد، عن موسى بن الحسن، عن عبيد الخيّاط، عن عبد العزيز عن ابن سنان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: لو أنّ رجلا عنده ألف درهم ليس عنده غيرها، ثمّ اشترى بها سكّرا لم يكن مسرفا. (الكافي 6/ 334، ح 8)

كا: الاثنان عن يب أحمد عمّن أخبره، عن ابن طيفور المتطبّب، قال: سألني أبو الحسن- (عليه السلام)- أي شي‏ء تركب؟ قلت:

حمارا فقال: بكم ابتعته؟ قلت: بثلاثة عشر دينارا. فقال: إنّ هذا لهو السّرف أن تشتري حمارا بثلاثة عشر دينارا، و تدع برذونا. قلت: يا سيّدي! إنّ مؤنة البرذون أكثر من مؤنة الحمار. قال: فقال:

الّذي يموّن الحمار يموّن البرذون أما تعلم! أنّه من ارتبط دابّة متوقّعا به أمرنا، و يغيظ به عدوّنا. و هو منسوب إلينا، أدرّ اللّه رزقه و شرح صدره و بلغه أمله و كان عونا على حوائجه. من أجزاء الحادي عشر من أجزاء الوافي في باب ارتباط المركوب‏ (3/ 110 و الكافي 6/ 535، ح 1. و التهذيب 6/ 163 ح 300)

كا: العدة عن سهل، عن الجامورانيّ، عن ابن أبي حمزة، لمحن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-:

يكون للمؤمن عشرة أقمصة، قال: نعم. قلت:

عشرون. قال: نعم. قلت: ثلاثون. قال: نعم ليس هذا من السّرف. إنّما السّرف، أن تجعل ثوب صونك ثوب بذلتك‏ (الكافي 6/ 441، ح 4).

بيان: البذلة بالكسر ما لا يصان من الثّياب و الثوب الخلق. و قد مضى في معنى آخر الحديث أخبار أخر في باب تقدير المعيشة من الوافي في باب كثرة اللبّاس من الجزء الحادي عشر (3/ 95)

(1) نفس المصدر 4/ 179.

430

مسعود قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّ الذّنوب أعظم؟ قال: أن تجعل للّه ندّا، و هو خلقك.

قال: قلت: ثمّ أيّ: أن تقتل ولدك، مخافة أن يطعم معك.

قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: أن تزني‏ (1) حليلة جارك. فأنزل اللّه تصديقا (2): وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ (الآية).

و اعلم أنّه- تعالى- نفي عنهم أمّهات المعاصي، بعد ما أثبت لهم أصول الطّاعات، إظهارا لكمال إيمانهم، و إشعارا بأنّ الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، و تعريضا للكفرة بإضداده. و لذلك عقّبه بالوعيد تهديدا لهم، فقال:

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68): جزاء إثم. أو: إثما، بإضمار الجزاء.

و قرئ‏ (3): «أيّاما»، أي: شدائد. يقال: يوم ذو أيّام، أي: صعب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): «أثام» واد من أودية جهنّم من صفر مذاب، قدّامها حرّة (5) في جهنّم يكون فيه من عبد غير اللّه- تعالى- و من قتل النّفس الّتي حرّم اللّه، و يكون فيه الزّناة، و يضاعف لهم فيه العذاب.

يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ: بدل من «يلق»، لأنّه في معناه، كقوله:

متى تأتنا تلمم بنافي ديارنا* * * تجد حطبا جزلا و نارا تأجّجا

و قرأ (6) أبو بكر بالرّفع، على الاستئناف أو الحال. و كذلك: وَ يَخْلُدْ [فِيهِ مُهاناً (69):

و ابن كثير و يعقوب‏ (7) يضعف بالجزم و ابن عامر بالرّفع فيهما مع التشديد و حذف الألف في يضعف. و أبو عمرو: و «يخلد» على البناء للمفعول، مخفّفا.

و قرئ‏ (8) مثقّلا. و تضعيف العذاب مضاعفته‏] (9) لانضمام المعصية إلى الكفر.

____________

(1) المصدر: تزاني.

(2) المصدر: تصديقها.

(3) أنوار التنزيل 2/ 151.

(4) تفسير القمي 2/ 116.

(5) الحرّة: الأرض ذات أحجار سود.

(6) أنوار التنزيل 2/ 151.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مضاعفة العذاب.

(9) ليس في أ.

431

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن المحموديّ و محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد بن إسماعيل [الرّازيّ، عن محمّد (2) بن سعيد] (3) أنّ يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد عن مسائل، و فيها. أخبرنا عن قول اللّه‏ (4)- عزّ و جلّ- أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً. فهل يزوّج اللّه عباده الذّكران، و قد عاقب قوما فعلوا ذلك؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن العسكريّ- (صلوات اللّه عليه)-. و كان من جواب أبي الحسن- (عليه السلام)-:

أمّا قوله‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يزوّج ذكران المطيعين إناثا من الحور، و إناث المطيعات من الإنس من ذكران المطيعين. و معاذ اللّه أن يكون الجليل عنى ما لبست على نفسك، تطلب الرّخصة (5) لارتكاب المآثم قال: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً، أي: إن لم يتب.

إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏، بأن يمحو (6) سوابق معاصيهم بالتّوبة، و يثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو يبدّل ملكة المعصية في النّفس بملكة الطّاعة.

و قيل‏ (7): بأن يوفّقه لإضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كلّ عقاب ثوابا.

و في محاسن البرقي‏ (8): عنه، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن سليمان بن خالد قال: كنت في محملي‏ (9) أقرأ، إذ ناداني أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

اقرأ يا سليمان، فإنّا في هذه الآيات الّتي في آخر تبارك‏ (10): وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ‏.

فقال: هذه فينا. أما و اللّه لقد و عظنا، و هو يعلم أنّا لا نزني. اقرأ يا سليمان.

فقرأت، حتّى انتهيت إلى قوله: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏. قال: قف. هذه فيكم. إنّه يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتّى يوقف‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 278- 279.

(2) ن: أحمد.

(3) ليس في م.

(4) الشورى/ 50.

(5) المصدر: تطلّبّا للرخصة.

(6) ع: يمحق.

(7) أنوار التنزيل 2/ 151.

(8) المحاسن/ 170، ح 136.

(9) المصدر: محمل.

(10) أي: آخر سورة الفرقان.

432

بين يدي اللّه- عزّ و جلّ- فيكون هو الّذي يلي حسابه، فيوقفه على سيّئاته شيئا شيئا.

فيقول: عملت كذا في يوم كذا في ساعة كذا. فيقول: أعرف‏ (1) يا ربّ‏ (2)، حتّى يوقفه على سيّئاته كلّها. كلّ ذلك، يقول: أعرف. فيقول: سترتها عليك في الدّنيا، و أغفرها لك اليوم.

أبدلوها لعبدي حسنات. قال: فترفع صحيفته للنّاس. فيقولون: سبحان اللّه! أما كانت لهذا العبد سيّئة واحدة؟ فهو قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏.

و في كتاب سعد السّعود (3) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- نقلا عن تفسير الكلبيّ، قال: لمّا جعل مطعم بن عيسى‏ (4) بن نوفل لغلامه وحشيّ إن هو قتل حمزة، أن يعتقه. فلمّا قتله و قدموا مكّة، لم يعتقه.

فبعث وحشي و جماعة إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه ما يمنعنا من دينك، إلّا أننا سمعناك تقرأ في كتابك أنّ من يدعو مع اللّه إلها آخر و يقتل النّفس و يزني، يلق أثاما و يخلد في العذاب. و نحن قد فعلنا هذا كلّه. فبعث إليهم بقوله: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً.

فقالوا: نخاف أن لا نعمل صالحا! فبعث إليهم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (5).

فقالوا: نخاف أن لا ندخل في المشيئة. فبعث إليهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (6) فجاءوا و أسلموا. فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لوحشيّ قاتل حمزة- (رضوان اللّه عليه)-: غيّب وجهك عنّي، فانّني لا أستطيع النّظر إليك. قال: فلحق بالشّام، فمات في الخبر (7). هكذا ذكر الكلبيّ.

____________

(1) م: اعترف.

(2) ن: يا ربّى.

(3) سعد السعود/ 211.

(4) المصدر: عديّ.

(5) النساء/ 48 و 116.

(6) الزمر/ 53.

(7) المصدر: الخمر.

قال الحمويّ في المعجم: «الخبر» موضع على ستّة أميال من مسجد سعد بن أبي وقّاس و فيها قصور على طريق الحاجّ. (انتهى) امّا في أسد الغابة: فإنّه قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: مات وحشيّ في الخمر. أخرجه الثلاثة. (انتهى).

و قال ابن حجر في تهذيب التّهذيب في ترجمته:

و كان مغرما بالخمر. و فرض له عمر في ألفين، ثمّ ردّها إلى ثلاثمائة بسبب الخمر. (انتهى)

433

و في عوالي اللّالي‏ (1) عن أبي ذرّ- (رحمه اللّه)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يؤتى بالرّجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، و نحّوا كبارها (2). فيقال:

عملت يوم كذا و كذا، و هو يقرّ (3) ليس ينكر. و هو مشفق من الكبائر أن تجي‏ء. فإذا أراد اللّه به خيرا. قال: أعطوه مكان كلّ سيّئة حسنة. فيقول: يا ربّ، لي ذنوب ما رأيتها هاهنا! قال:

و رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ضحك، حتّى بدت نواجذه. ثمّ تلا: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏.

و في روضة الواعظين‏ (4) للمفيد- (رحمه اللّه)-: و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما جلس قوم يذكرون اللّه إلّا نادى بهم مناد من السّماء: قوموا فقد بدّل اللّه‏ (5) سيّئاتكم حسنات، و غفر لكم جميعا.

و في بصائر الدّرجات‏ (6): أحمد بن محمّد و يعقوب بن يزيد عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبي جميلة عن محمّد الحلبيّ‏ (7) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ ربّي وعدني في شيعة عليّ خصلة. قيل: يا رسول اللّه، و ما هي؟ قال:

المغفرة منهم لمن آمن و اتّقى، لا يغادر صغيرة و لا كبيرة، و لهم تبدّل السّيّئات حسنات.

و في عيون الأخبار (8) في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة:

و بهذا الإسناد قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إذا كان يوم القيامة، تجلّى اللّه- عزّ و جلّ- لعبده المؤمن، فيقفه‏ (9) على ذنوبه ذنبا ذنبا. ثمّ يغفر [اللّه‏] (10) له، لا يطلع اللّه على ذلك ملكا مقرّبا و لا نبيّا مرسلا. و يستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد (11). ثمّ يقول لسيّئاته: كوني حسنات.

و في باب استسقاء المأمون بالرّضا- (عليه السلام)- عنه‏ (12)- (عليه السلام)-: قيل: يا

____________

(1) عوالي اللآلى 1/ 124 ح 56.

(2) المصدر: «قال: فتعرض عليه و يخبّأ عنه كبارها».

(3) المصدر: مقرّ.

(4) روضة الواعظين 2/ 391.

(5) المصدر: بدّلت.

(6) بصائر الدرجات/ 103 الجزء 2، الباب 14، ح 1.

(7) المصدر: محمّد بن الحلبي.

(8) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 28/ 32 ح 57.

(9) المصدر: فيوقفه.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: و يستر عليه و لا يطلع عليه أحدا.

(12) نفس المصدر 2/ 167، ح 1.

434

رسول اللّه، هلك فلان، يعمل من الذّنوب كيت و كيت.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بل قد نجا، و لا يختم اللّه- تعالى- عمله إلّا بالحسنى. و سيمحو اللّه عنه السّيّئات، و يبدّلها حسنات. إنّه كان مرّة يمرّ (1) في طريق، عرض له مؤمن قد انكشفت عورته، و هو لا يشعر. فسترها عليه، و لم يخبره بها، مخافة أن يخجل. ثمّ إنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواه، فقال له: أجزل اللّه لك الثّواب و أكرم لك المآب و لا ناقشك في الحساب. فاستجاب اللّه له فيه. فهذا العبد لا يختم اللّه له إلّا بخير، بدعاء ذلك المؤمن.

فاتّصل قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهذا الرّجل. فتاب و أناب و أقبل على طاعة اللّه- عزّ و جلّ-. فلم يأت عليه سبعة أيّام، حتّى أغير على سرح‏ (2) المدينة. فوجّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في آثارهم‏ (3) جماعة، ذلك الرّجل أحدهم، فاستشهد فيهم.

و في أمالي شيخ الطّائفة (4)- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- حبّنا أهل البيت يكفّر الذّنوب و يضاعف الحسنات. و إنّ اللّه ليتحمّل من محبّينا (5) أهل البيت- (عليهم السلام)- ما عليهم من مظالم العباد، إلّا ما كان منهم فيها على إضرار و ظلم للمؤمنين. فيقول للسّيّئات: كوني حسنات.

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)، فلذلك يعفو عن السّيّئات و يثيب على الحسنات.

و في أمالي شيخ الطّائفة (6)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى محمّد بن مسلم الثّقفيّ قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. فقال- (عليه السلام)-:

يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة، حتّى يوقف‏ (7) بموقف الحساب. فيكون اللّه- تعالى- هو الّذي يتولّى حسابه، لا يطلع على حسابه أحدا من النّاس. فيعرّفه بذنوبه‏ (8)

____________

(1) المصدر: يمرّ مرّة.

(2) السّرح: المال السّائم.

(3) المصدر: أثرهم.

(4) أمالي الشيخ 1/ 166.

(5) المصدر: عن محبيّنا.

(6) أمالي الشيخ 1/ 70- 71.

(7) المصدر: يقام.

(8) المصدر: ذنوبه.

435

حتّى إذا أقرّ بسيّئاته، قال اللّه- عزّ و جلّ- للكتبة (1): بدّلوها حسنات و أظهروها للنّاس، فيقول النّاس حينئذ: ما كان لهذا العبد سيّئة واحدة! ثمّ يأمر اللّه به إلى الجنّة. فهذا تأويل الآية، و هي في المذنبين من شيعتنا خاصّة.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رفعه قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى التّائبين ثلاث خصال، لو أعطي خصلة منها جميع أهل السّموات و الأرض، لنجوا بها. قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن عليّ، عن عبد اللّه بن إبراهيم، عن عليّ بن [أبي‏] (4) علي اللّهبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- أربع من كنّ فيه، و كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا، بدّلها اللّه عزّ و جلّ حسنات: الصّدق، و الحياء و حسن الخلق، و الشّكر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5) بإسناده إلى إسحاق القّميّ، قال: دخلت على أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك، قد أرى المؤمن الموحّد الّذي يقول بقولي، و يدين بولايتكم‏ (6)، و ليس بيني و بينه خلاف، يشرب المسكر و يزني و يلوط. و آتيه في حاجة واحدة، فأصيبه معبّس الوجه، كالح اللّون، ثقيلا [في حاجتي‏ (7)] بطيئا فيها. و قد أرى النّاصب المخالف لما أنا عليه و يعرفني بذلك، فآتيه في حاجة. فأصيبه طلق الوجه، حسن البشر، مسرعا (8) في حاجتي، فرحا بها، يحبّ قضاءها كثير الصّلاة، كثير الصّوم، كثير الصّدقة يؤدّي الزّكاة، و يستودع فيؤدّي الأمانة. قال: يا إسحاق، ليس تدرون من أين أوتيتم؟

قلت: لا و اللّه- جعلت فداك- إلّا أن تخبرني. فقال:

____________

(1) المصدر: لملائكته.

(2) الكافي 2/ 432- 433، ح 5.

(3) نفس المصدر/ 107، ح 7.

(4) من المصدر.

(5) علل الشرائع/ 489- 491. ح 1

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: و يدين اللّه بولايتكم.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: متسرّعا.

436

يا إسحاق، إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا كان متفرّدا بالواحدانيّة، ابتدأ الأشياء لا من شي‏ء.

فأجرى الماء العذب على أرض طيّبة طاهرة، سبعة أيّام مع لياليها (1). ثمّ نضب الماء عنها، فقبض قبضة من صفاء (2) ذلك الطّين، و هي طينتا أهل البيت. ثمّ قبض قبضة من أسفل ذلك الطين، و هي طينة شيعتنا. ثمّ اصطفانا لنفسه.

فلو أنّ طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا، لما زنا أحد منهم، و لا سرق و لا لاط، و لا شرب الخمر، و لا ارتكب شيئا (3) ممّا ذكرت. و لكن اللّه- عزّ و جلّ- أجرى الماء المالح على أرض ملعونة، سبعة أيّام و لياليها. ثمّ نضب الماء عنها. ثمّ قبض قبضة و هي طينة ملعونة من حمأ مسنون، و حي طينة خبال، و هي طينة (4) أعدائنا. فلو أنّ اللّه- عزّ و جلّ- ترك طينتهم كما أخذها، لم تروهم في خلق الآدميّين، و لم يقرّوا بالشّهادتين، و لم يصوموا، و لم يصّلوا، و لم يزكوا، و لم يحجّوا البيت، و لم تروا أحدا منهم بحسن خلق. و لكنّ اللّه- تبارك و تعالى- جمع الطينتين: طينتكم و طينتهم، فخلطهما و عركهما عرك الأديم و مزجهما بالمائين.

فما رأيت من أخيك المؤمن من شرّ لفظ (5)، أو زنا، أو شي‏ء ممّا ذكرت من شرب مسكر أو غيره، فليس من جوهريّته و لا من إيمانه. إنّما هو بمسحة النّاصب، اجترح هذه السّيّئات الّتي ذكرت.

و ما رأيت من النّاصب من حسن وجهه، و حسن خلق، أو صوم، أو صلاة، أو حجّ بيت، أو صدقة، أو معروف، فليس من جوهريّته. إنّما تلك الأفاعيل من مسحة الإيمان، اكتسبها و هو اكتساب مسحة الإيمان.

قلت: جعلت فداك، فإذا كان يوم القيامة، فم؟ قال لي: يا إسحاق، لا يجمع اللّه الخير و الشّرّ في موضع واحد. إذا كان يوم القيامة، نزع اللّه- عزّ و جلّ- مسحة الإيمان منهم، فردّها إلى شيعتنا. و نزع مسحة النّاصب. بجميع ما اكتسبوا من السّيئات، فردّها على أعدائنا. و عاد كلّ شي‏ء إلى عنصره الأوّل الّذي منه كان ابتداء.

أما رأيت الشّمس إذا هي بدت؟ ألا ترى لها شعاعا زاجرا متّصلا بها أو بائنا منها؟

قلت: جعلت فداك، الشّمس إذا هي غربت، بدا إليها الشّعاع كما بدا منها. و لو كان بائنا

____________

(1) المصدر: بلياليها.

(2) المصدر: صفوة.

(3) المصدر: و لا شرب المسكر و لا اكتسب شيئا.

(4) ليس في م.

(5) من المصدر. و في النسخ: لوط.

437

منها، لما بدا إليها. قال: نعم يا إسحاق، كلّ شي‏ء يعود إلى جوهره الّذي منه بدا.

قلت: جعلت فداك، تؤخذ حسناتهم فتردّ إلينا، و تؤخذ سيّئاتنا فتردّ إليهم؟ قال:

إي، و اللّه الّذى لا إله إلّا هو.

قلت: جعلت فداك، أخذتها من كتاب اللّه- عزّ و جلّ-؟ قال: نعم يا إسحاق! قلت: أى مكان؟ قال لي: يا إسحاق، ما تتلو هذه الآية: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً؟ فلم يبدّل اللّه سيّئاتهم حسنات لهم. و اللّه يبدّل لكم.

أبي‏ (1)- رحمة اللّه- قال حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن أحمد، [عن أحمد بن محمّد] (2) السّيّاريّ قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن مهران الكوفيّ قال حدّثني حنان بن سدير عن أبيه عن أبي إسحاق اللّيثيّ، قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)-: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إنّي أجد من شيعتكم من يشرب الخمر، و يقطع الطّريق، و يخيف السّبل، و يزني و يلوط و يأكل الرّبا، و يرتكب الفواحش، و يتهاون بالصّلاة و الصّيام و الزّكاة، (3) و يقطع الرّحم، و يأتي الكبائر. فكيف هذا و لم ذلك؟

فقال: يا إبراهيم، هل يختلج في صدرك شي‏ء غير هذا؟ قلت: نعم، يا ابن رسول اللّه، أخرى أعظم من ذلك. فقال: ما هو يا أبا إسحاق؟

قال: قلت: يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أجد من أعدائكم و من ناصبيكم‏ (4) من يكثر من [الصّلاة و من‏] (5) الصّيام، و يخرج الزّكاة، و يتابع بين الحّج و العمرة، و يحضّ‏ (6) على الجهاد، و يأثر على البرّ و على صلة الرّحم‏ (7)، و يقضي حقوق إخوانه و يواسيهم من ماله، و يجتنب‏ (8) شرب الخمر و الزّنا و اللّواط و سائر الفواحش. فممّ ذلك‏ (9) و لم ذاك؟ فسّره لي يا ابن رسول اللّه، و برهنه و بيّنه. فقد و اللّه كثر فكري، و أسهر ليلي و ضاق‏

____________

(1) نفس المصدر/ 606- 610، ح 81.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: و مناصبيكم.

(5) ليس في أ.

(6) المصدر: يحرص.

(7) المصدر: الأرحام.

(8) س، أ، المصدر: يتجنّب.

(9) المصدر: ذاك.

438

ذرعي.

قال: فتبسّم الباقر- (صلوات اللّه عليه)- ثمّ قال: يا إبراهيم، خذ إليك بيانا شافيا فيما سألت و علما مكنونا من خزائن علم اللّه و سرّه. أخبرني يا إبراهيم كيف تجد اعتقادهما؟

قلت: يا ابن رسول اللّه، أجد محبّيكم و شيعتكم- على ما هم فيه ممّا و صفته من أفعالهم- لو أعطي أحدهم ما بين المشرق و المغرب ذهبا و فضّة أن يزول عن ولايتكم و محبّتكم‏ (1) إلى موالاة غيركم و إلى محبّتهم، ما زال. و لو ضربت خياشيمه بالسّيوف فيكم، و لو قتل فيكم، ما ارتدع و لا رجع من محبّتكم و ولايتكم. و أرى النّاصب- على ما هو عليه ممّا وصفته من أفعالهم- لو أعطي أحدهم ما بين المشرق و المرغب ذهبا و فضّة أن يزول عن محبّة الطّواغيت و موالاتهم إلى موالاتكم، ما فعل و لا زال. و لو ضربت خياشيمه بالسّيوف فيهم، و لو قتل فيهم، ما ارتدع و لا رجع. و إذا سمع أحدهم منقبة لكم و فضلا، اشمأزّ من ذلك، و تغيّر لونه، و رؤي كراهة (2) ذلك في وجهه، بغضا لكم و محبّة لهم.

قال: فتبسّم الباقر- (عليه السلام)-. ثمّ قال: يا إبراهيم، هاهنا هلكت العاملة النّاصبة تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. (3) و من ذلك قال‏ (4)- عزّ و جلّ-: وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. ويحك يا إبراهيم! أ تدري ما السّبب و القصّة في ذلك، و ما الّذي قد خفي على النّاس منه؟

قلت: يا ابن رسول اللّه، فبيّنه لي و اشرحه و برهنه.

قال: يا إبراهيم، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل عالما قديما، خلق الأشياء لا من شي‏ء و من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الأشياء من شي‏ء، فقد كفر، لأنّه كان ذلك الشي‏ء [الّذي خلق منه الأشياء، قديما معه في أزليّته و هويّته، كان ذلك الشي‏ء] (5) أزلّيا.

بل خلق- عزّ و جلّ- الأشياء كلّها لا من شي‏ء فكان ممّا خلق اللّه- عزّ و جلّ- أرضا طيّبة.

ثمّ فجّر منها ماء عذبا زلالا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت، فقبلها، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام، حتّى‏ (6) طبقها و عمّها. ثمّ نضب ذلك الماء عنها، فأخذ من صفوة ذلك‏

____________

(1) هكذا في المصدر و في النسخ: أن يزول عن ولايتكم لما فعل و لا عن محبتكم.

(2) المصدر: كراهية.

(3) الغاشية/ 3- 5.

(4) الفرقان/ 23.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر.

439

الطّين طينا، فجعله طين الأئمّة- (عليهم السلام)-. ثمّ أخذ ثفل‏ (1) ذلك الطّين، فخلق منه شيعتنا. و لو ترك طينتكم يا إبراهيم- على حالها، كما ترك طينتنا، لكنتم و نحن شيئا واحدا.

قلت: يا ابن رسول اللّه، فما فعل بطينتنا؟ قال: أخبرك يا إبراهيم. خلق اللّه- عزّ و جلّ- بعد ذلك أرضا سبخة خبيثة منتنة. ثمّ فجر منها ماء أجاجا آسنا (2) مالحا.

فعرضا عليها ولايتنا أهل البيت، فلم تقبلها. فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام، حتّى طبقها و عمّها. ثمّ نضب ذلك الماء عنها. ثم أخذ من ذلك الطّين، فخلق منه الطّغاة و أئمّتهم، ثمّ مزجه بثفل طينتكم‏ (3)، و لو ترك طينتهم على حالها و لم تمزج بطينتكم، لم يشهدوا الشّهادتين، و لا صلّوا، و لا صاموا، و لا زكوا، و لا حجّوا، و لا أدّوا أمانة، و لا أشبهوكم في الصّور. و ليس شي‏ء أكبر على المؤمن من أن يرى صورة عدوّه مثل صورته.

قلت: يا ابن رسول اللّه، فما صنع بالطّينتين؟ قال: مزج بينهما بالماء الأوّل و الماء الثّاني. ثمّ عركها عرك الأديم. ثمّ أخذ من ذلك قبضة فقال: هذه إلى الجنّة و لا أبالي! و أخذ قبضة أخرى، و قال: هذه إلى النّار و لا أبالي. ثمّ خلط بينهما، فوقع من سنخ‏ (4) المؤمن و طينته، على سنخ الكافر و طينته. و وقع من سنخ الكافر و طينته، على سنخ المؤمن و طينته.

فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط، أو ترك صلاة أو صيام أو حجّ أو جهاد، أو خيانة، أو كبيرة من هذه الكبائر، فهو من طينة النّاصب و عنصره الّذي قد مزج فيه. لأنّ من سنخ النّاصب و عنصره و طينته، اكتساب المآثم و الفواحش و الكبائر.

و ما رأيت من النّاصب من مواظبته على الصّلاة و الصّيام و الحجّ و الزّكاة (5) و الجهاد و أبواب البرّ، فهو من طينة المؤمن و سنخه الّذي قد مزج فيه. لأنّ من سنخ المؤمن و عنصره و طينته، اكتساب الحسنات و استعمال الخير و اجتناب المآثم.

فإذا عرضت هذه الأعمال كلّها على اللّه- عزّ و جلّ- قال: أنا اللّه‏ (6) عدل لا أجور، و منصف لا أظلم، و حكم لا أحيف. و لا أميل و لا أشطط. الحقوا الأعمال السّيّئة الّتي اجترحها المؤمن بسنخ النّاصب و طينته، و الحقوا الأعمال الحسنة الّتي اكتسبها النّاصب بسنخ المؤمن و طينته. ردّوها كلّها إلى أصلها. فإنّي أنا اللّه، لا إله إلّا أنا، عالم السّرّ و أخفى.

____________

(1) الثّفل: ما استقرّ تحت الماء من الكدر.

(2) الآسن: المتغيّر الطعم.

(3) س، أ، م، ن: طينكم.

(4) السّنخ: الأصل.

(5) س، أ، المصدر: و الزكاة و الحج.

(6) ليس في المصدر.

440

و أنا المطّلع على قلوب عبادي. لا أحيف و لا أظلم، و لا ألزم أحدا إلّا ما عرفته منه قبل أن أخلقه.

ثمّ قال الباقر- (عليه السلام)-: يا إبراهيم، اقرأ (1) هذه الآية. قلت: يا ابن رسول اللّه، أيّه آية؟ قال: قوله تعالى: قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ‏ (2) هو في الظّاهر ما تفهمونه. هو- و اللّه- في الباطن هذا بعينه. يا إبراهيم، إنّ للقرآن ظاهرا و باطنا و محكما و متشابها و ناسخا و منسوخا.

ثمّ قال: اخبرني يا إبراهيم عن الشّمس، إذا طلعت و بدا شعاعها في البلدان، أهو بائن من القرص؟ قلت: في حال طلوعه بائن. قال: أليس إذا غابت الشّمس اتّصل ذلك الشّعاع بالقرص حتّى يعود إليه؟ قلت: نعم قال: كذلك يعود كلّ شي‏ء إلى سنخه و جوهره و أصله. فإذا كان يوم القيامة، نزع اللّه- عزّ و جلّ- سنخ النّاصب و طينته، مع أثقاله و أوزاره من المؤمن، فيلحقها كلّها [بالنّاصب و ينزع سنخ المؤمن و طينته، مع حسناته و أبواب برّه و اجتهاده من النّاصب، فيلحقها كلّها] (3) بالمؤمن. أفترى هاهنا ظلما أو عدوانا؟ قلت: لا، يا ابن رسول اللّه.

قال: هذا- و اللّه- القضاء الفاصل و الحكم القاطع و العدل البيّن. لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏. (4) هذا يا إبراهيم‏ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏ (5) هذا من حكم الملكوت.

قلت: يا ابن رسول اللّه، و ما حكم الملكوت؟ قال: حكم اللّه و حكم أنبيائه، و قصّة الخضر و موسى- (عليهما السلام)- حين استصحبه. فقال: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (6) افهم يا إبراهيم و اعقل. أنكر موسى على الخضر، و استفظع أفعاله، حتّى قال له الخضر: يا موسى، ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي‏ (7) إنّما فعلته عن أمر اللّه- عزّ و جلّ-. من هذا- ويحك يا إبراهيم!- قرآن يتلى و أخبار تؤثر عن اللّه- عزّ و جلّ-.

و من ردّ منها حرفا، فقد كفر و أشرك و ردّ على اللّه- عزّ و جلّ-.

____________

(1) المصدر: اقرأ يا ابراهيم.

(2) يوسف/ 79.

(3) ليس في أ.

(4) الأنبياء/ 23.

(5) اقتبسه (عليه السلام) من قوله- تعالى- في:

البقرة/ 147.

(6) الكهف/ 67- 68.

(7) الكهف/ 82.

441

قال اللّيثي: فكأنّي لم أعقل الآيات- و أنا أقرأها أربعين سنة- إلّا ذلك اليوم.

فقلت: يا ابن رسول اللّه، ما أعجب هذا! تؤخذ حسنات أعدائكم، فتردّ على شيعتكم، و تؤخذ سيّئات محبّيكم، فتردّ على مبغضيكم!؟

قال: إي، و اللّه الّذي لا إله إلّا هو، فالق الحبّة و بارئ النّسمة، و فاطر الأرض و السّماء، ما أخبرتك إلّا بالحقّ، و لا أنبأتك إلّا بالصّدق‏ (1). و ما ظلمهم اللّه و ما اللّه بظّلام للعبيد. و إنّ ما أخبرتك موجود في القرآن كلّه.

قلت: هذا بعينه يوجد في القرآن؟ قال: نعم، يوجد في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن. أ تحبّ أن أقرأ ذلك عليك؟ قلت: بلى، يا ابن رسول اللّه.

فقال: قال اللّه‏ (2)- عزّ و جلّ-: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏ (الآية) أزيدك يا إبراهيم؟ قلت: بلى يا ابن رسول اللّه.

قال: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ‏ (3) أ تحبّ أن أزيدك؟ قلت: بلى، يا ابن رسول اللّه.

قال: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يبدّل اللّه سيّئات شيعتنا حسنات، و يبدّل اللّه حسنات أعدائنا سيّئات. و جلال اللّه [و وجه اللّه‏] (4) إنّ هذا لمن عدله و إنصافه. لا رادّ لقضائه و لا معقّب لحكمه. و هو السّميع العليم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (5): روى الشّيخ محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)- [عن عدّة من أصحابنا] (6)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- سبحانه- مثّل لي أمّتي في الطّين، و علّمني أسماءهم كما علّم آدم الأسماء كلّها. فمرّبي أصحاب الرّايات، فاستغفرت لعليّ و شيعته. و إن ربّي وعدني في شيعة عليّ خصلة.

____________

(1) المصدر: و ما أنبأتك إلّا الصدق.

(2) العنكبوت/ 12- 13.

(3) النحل/ 25.

(4) ليس في المصدر.

(5) تأويل الآيات 1/ 383، ح 21.

(6) من المصدر.

442

قيل: يا رسول اللّه، و ما هي؟ قال: المغفرة لمن آمن منهم، و لم يغادر لهم صغيرة و لا كبيرة، إلّا غفرها لهم، و يبدّل السّيّئات حسنات.

و روى الشّيخ أبو القاسم‏ (1) جعفر بن [محمّد بن‏] (2) قولويه- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى رجاله، عن منيع، عن صفوان بن يحيى، عن صفوان بن مهران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أهون ما يكسب زائر الحسين- (عليه السلام)- في كلّ حسنة، ألف ألف حسنة و السّيّئة واحدة. و أين الواحدة من ألف ألف؟ ثمّ قال: يا صفوان، أبشر.

إنّ للّه ملائكة معها قضبان من نور. فإذا أراد الحفظة أن تكتب على زائر الحسين سيّئة، قالت الملائكة للحفظة: كفّي. فتكفّ. فإذا عمل حسنة، قالت: لها اكتبي. أولئك الّذين‏ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.

وَ مَنْ تابَ‏ عن المعاصي، بتركها و النّدم عليها.

وَ عَمِلَ صالِحاً يتلافى به ما فرط. أو: خرج عن المعاصي، و دخل في الطّاعة.

فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ‏ يرجع إلى اللّه بذلك‏ مَتاباً (71): مرضيّا عند اللّه، ماحيا للعقاب، محصّلا للثّواب. أو: يتوب متابا إلى اللّه الّذي يجبّ النّائبين و يصطنع بهم. أو:

فإنّه يرجع إلى و إلى ثوابه، مرجعا حسنا.

و هذا تعميم بعد تخصيص.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و حدّثني أبي، عن جعفر و إبراهيم، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: إذا كان يوم القيامة، أوقف اللّه- عزّ و جلّ- المؤمن بين يديه، و عرض عليه عمله. فينظر في صحيفته. فأوّل ما يرى سيّئاته.

فيتغيّر بذلك لونه، و ترتعد فرائصه. ثمّ تعرض عليه حسناته، فتفرح لذلك نفسه.

فيقول اللّه- عزّ و جلّ-: «بدّلوا سيّئاتهم‏] (4) حسنات و أظهروها للنّاس»، فيبدّل اللّه لهم.

فيقول النّاس: أما كان لهؤلاء سيّئة واحدة!؟ و هو قوله- تعالى-: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏ إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ‏- إلى قوله- فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً. يقول: لا يعود إلى شي‏ء من ذلك، بإخلاص‏ (5) و نيّة صادقة.

____________

(1) نفس المصدر، ح 22، كامل الزيارات/ 330، ح 5.

(2) من المصدر.

(3) تفسير القمي 2/ 117.

(4) ليس في أ.

(5) المصدر: بالإخلاص.

443

وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ: لا يقيمون الشّهادة الباطلة. أو: لا يحضرون محاضر الكذب. فإنّ مشاهدة الباطل شركة فيه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، قال:

الغناء، أو مجالسة أهل اللّهو. (2)

و في الكافي‏ (3): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي الصّباح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، قال: الغناء.

عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، قال: هو الغناء.

و في جوامع الجامع‏ (5): لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، أي: مجالس الفسّاق، و لا يحضرون الباطل.

و قيل‏ (6):

هو الغناء. و روي ذلك عن السّيّدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)-.

و في مواعظ عيسى بن مريم‏ (7)- (عليه السلام)-: إيّاكم و مجالسة الخطّائين!

و في مجمع البيان‏ (8): وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ. قيل: هو الغناء. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ: ما يجب أن يلقى و يطرح، مَرُّوا كِراماً (72): معرضين عنه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه و الخوض فيه. و من ذلك: الإغضاء عن الفواحش و الصّفح عن الذّنوب، و الكناية عمّا يستهجن التّصريح به.

و في محاسن البرقيّ: (9) عنه، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن سليمان بن خالد قال: كنت في محملي‏ (10) أقرأ، إذ ناداني أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: اقرأ

____________

(1) تفسير القمي 2/ 117.

(2) المصدر: الغناء و مجالس اللهو.

(3) الكافي 6/ 431، ح 6.

(4) نفس المصدر/ 433، ح 13.

5 و 6- جوامع الجامع/ 326.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) مجمع البيان 4/ 181.

(9) المحاسن/ 170، ح 136.

(10) المصدر: محمل.

444

با سليمان، فإنّا في هذه الآيات الّتي في آخر تبارك‏ (1)- إلى قوله:- قال: ثمّ قرأت، حتّى انتهيت إلى قوله: وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. فقال: هذه فينا.

و في مجمع البيان‏ (2): وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. و قيل: هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج،- كنّوا عنه. عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (3): سهل بن زياد، عن سعيد بن جناح، عن حمّاد، عن أبي أيّوب الخزّاز قال: نزلنا المدينة، فأتينا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-. فقال لنا: أين نزلتم؟ قلنا: على فلان صاحب القيان‏ (4). فقال: «كونوا كراما» فو اللّه ما علمنا ما أراد به، و ظننّا أنّه يقول: تفضّلوا عليه. فعدنا إليه، فقلنا: إنّا لا ندري ما أردت بقولك. «كونوا كراما». فقال: أما سمعتم قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً.

و في عيون الأخبار (5) بإسناده إلى محمّد بن أبي عبّاد- و كان مشتهرا بالسّماع و بشرب النّبيذ- قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن السّماع. فقال: لأهل الحجاز رأي فيه، و هو في حيّز الباطل و اللّهو. أما سمعت اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا يقول فيه- (عليه السلام)-: و فرض اللّه على السّمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم اللّه، و أن يعرض عمّالا يحلّ له ممّا نهى اللّه- عزّ و جلّ- عنه و الإصغاء إلى ما أسخط اللّه. فقال‏ (7) في ذلك: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ‏- إلى أن قال- (عليه السلام)-:

و قال: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. فهذا ما فرض اللّه على السّمع من الإيمان، أن لا يصغي إلى مالا يحلّ له. و هو عمله و هو من الإيمان.

وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ‏: بالوعظ أو القراءة، لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها

____________

(1) يعني: آخر سورة الفرقان.

(2) مجمع البيان 4/ 181.

(3) الكافي 6/ 432، ح 9.

(4) القيان: جمع قينة: الجارية المغنّية.

(5) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 126، ح 5.

(6) الكافي 2/ 35، ح 1.

(7) النساء/ 140. و انظر: الأنعام/ 68.

445

صُمًّا وَ عُمْياناً (73): لم يقيموا عليها غير واعين لها و لا متبصّرين بما فيها كمن لا يسمع و لا يبصر، بل أكبّوا عليها سامعين بآذان واعية، مبصرين بعيون راعية. فالمراد من النّفي، نفي الحال دون الفعل، كقولك: لا يلقاني زيد مسلما.

و قيل‏ (1): الهاء للمعاصي المدلول عليها باللّغو.

و في روضة الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن محمّد بن زياد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً قال: مستبصرين، ليسوا بشكّاك.

و في محاسن البرقيّ‏ (3): عنه، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن سليمان بن خالد، قال: كنت في محملي‏ (4) أقرأ، إذ ناداني أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أقرأ يا سليمان، فإنّا في هذه الآيات الّتي في آخر تبارك- إلى قوله-: ثمّ قرأت: وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً، فقال: هذه فيكم. إذا ذكرتم فضلنا، لم تشكّوا.

وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏: بتوفيقهم للطّاعة و حيازة الفضائل. فإنّ المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة اللّه، سرّ بهم قلبه و قرّت. بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدّين و توقّع لحوقهم به في الجنّة.

و «من» ابتدائيّة أو بيانيّة، كقولك: رأيت منك أسدا.

و قرأ (5) أبو عمرو و حمزة و الكسائي و أبو بكر: «و ذرّيّنا».

و قرأ ابن عامر و الحرميّان و حفص و يعقوب: «ذريّاتنا» بالألف.

و تنكير الأعين، لإرادة تنكير القرّة تعظيما. و تقليلها لأنّ المراد، أعين المتّقين. و هي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم.

و في محاسن البرقيّ‏ (6) متّصل بقوله فضلنا لم تشكّوا: ثمّ قرأت‏ وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏ إلى آخر السّورة. فقال: هذه فينا.

وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74): يقتدون بنا في أمر الدّين، بإضافة العلم‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 151.

(2) الكافي 8/ 178، ح 199.

(3) المحاسن/ 170، ح 136.

(4) المصدر: محمل.

(5) أنوار التنزيل 2/ 152.

(6) المحاسن/ 170، ح 136.

446

و التّوفيق للعمل.

و توحيده إمّا لدلالته على الجنس و عدم اللّبس، كقوله‏ (1): ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا. أو لأنّه مصدر في أصله، أو لأنّ المراد: و اجعل كلّ واحد منّا. أو لأنّهم كنفس واحدة لاتّحاد طريقتهم و اتّفاق كلمتهم.

و قيل‏ (2): جمع آمّ، كصائم و صيام، في معنى قاصدين لهم مقتدين بهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: و قرئ عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً. فقال: قد سألوا اللّه عظيما أن يجعلهم للمتّقين أئمّة. فقيل له: كيف هذا يا ابن رسول اللّه؟ قال: إنّما أنزل اللّه: وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً».

حدّثنا محمّد بن أحمد (4)، قال: حدّثنا الحسن‏ (5) بن محمّد، عن حمّاد، عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً. قال: نحن هم أهل البيت.

و روي غيره‏ (6) أنّ‏ أَزْواجِنا خديجة. و ذُرِّيَّاتِنا فاطمة- (عليها السلام)-. و قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏ الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-. وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً عليّ بن أبي طالب و الأئمّة (7)- (صلوات اللّه عليهم). انتهى.

و في جوامع الجامع‏ (8) عن الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً. فقال- (عليه السلام)-: إيّانا عنى.

و روي‏ (9) عنه- (عليه السلام)- أنّه قال: هذه فينا.

و عن أبي بصير (10) قال: قلت: وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، فقال- (عليه السلام)-:

سألت ربّك عظيما! إنّما هي: «و اجعل لنا من المتّقين إماما».

____________

(1) غافر/ 67.

(2) أنوار التنزيل 2/ 152.

(3) تفسير القمي 2/ 117.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) م: الحسين.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في المصدر.

8 و 9 و 10- جوامع الجامع/ 326.

447

و في روضة الواعظين‏ (1) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حفّت الجنّة بالمكاره. و حفّت النّار بالشّهوات. قال اللّه- تعالى- لداود- (عليه السلام)-:

حرام على كلّ قلب عالم محبّ للشّهوات، أن أجعله إماما للمتّقين.

و في كتاب المناقب‏ (2) لابن شهر آشوب: أبو الفضل بن دكين‏ (3)، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، في قوله- تعالى-: وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا [وَ ذُرِّيَّاتِنا (الآية). قال: هذه الآية- و اللّه- خاصّة في أمير المؤمنين عليّ- (عليه السلام)-. كان أكثر دعائه يقول: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا] (4)، يعني: فاطمة- (عليها السلام)- وَ ذُرِّيَّاتِنا الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏.

قال أمير المؤمنين: و اللّه، ما سألت ربّي ولدا [نضير الوجه، و لا سألته ولدا حسن القامة، و لكن سألت ربّي ولدا] (5) مطيعين للّه، خائفين وجلين منه، حتّى إذا نظرت إليه، و هو مطيع للّه، قرّت به عيني. قال: وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، قال: نقتدي بمن قبلنا من المتّقين، فيقتدي المتّقون بنا من بعدنا.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن حريث بن عمر (7) الحارثيّ، عن إبراهيم بن الحكم، عن‏ (8) ظهير، عن أبيه، عن السّدّي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس قال: قوله‏ وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا (الآية) نزلت في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و قال‏ (9): حدّثنا محمّد بن الحسين، عن جعفر بن عبد اللّه المحمّدي، عن كثير بن عيّاش‏ (10)، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، أي: هداة يهتدي بنا. و هذه لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- خاصّة.

و قال أيضا محمّد بن العبّاس‏ (11)- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن القاسم بن سلام، عن‏

____________

(1) روضة الواعظين 2/ 421.

(2) المناقب 3/ 380.

(3) المصدر: أبو نعيم الفضل بن دكين.

(4) ليس في أ.

(5) ليس في م.

(6) تأويل الآيات 1/ 384، ح 24.

(7) المصدر: حريث بن محمّد.

(8) المصدر: بن.

(9) نفس المصدر/ 384، ح 25.

(10) كذا في المصدر و في النسخ: عبّاس.

(11) نفس المصدر/ 385، ح 27.

448

عبيد بن كثير، عن الحسين بن [نصر بن‏] مزاحم‏ (1)، عن عليّ بن زيد الخراسانيّ، عن عبد اللّه بن وهب الكوفيّ، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ، في قول اللّه- عزّ و جلّ-:

رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لجبرئيل- (عليه السلام)-: مِنْ أَزْواجِنا؟

قال: خديجة. قال: وَ ذُرِّيَّاتِنا؟ قال: فاطمة- صلوات اللّه عليها. قال: قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏؟ قال:

الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-.

قال: وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً؟ قال: عليّ بن أبي طالب- صلّى اللّه عليهم أجمعين، صلاة-» باقية إلى يوم الدّين.

أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ: أعلى مواضع الجنّة. و هي اسم جنس، أريد به الجمع- كقوله: (2) وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏- و للقراءة بها.

و قيل‏ (3): هي من أسماء الجنّة.

بِما صَبَرُوا: بصبرهم على المشاقّ، من مضض الطّاعات و رفض الشّهوات و تحمّل المجاهدات.

وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً (75):

دعاء بالتّعمير (4) و السّلامة، أي يحيّيهم الملائكة، و يسلّمون عليهم.

أو: يحيّي بعضهم بعضا، و يسلّم عليه. أو: تبقية دائمة و سلامة من كلّ آفة.

و قرأ (5) حمزة و الكسائي و أبو بكر: «و يلقون» من لقي.

خالِدِينَ فِيها: لا يموتون و لا يخرجون.

حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً (76): مقابل‏ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا (6) معنى، و مثله إعرابا.

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهر آشوب- (رحمه اللّه)- متّصلا بقوله: «فيقتدي المتّقون بنا

____________

(1) من المصدر.

(2) سبأ/ 37.

(3) أنوار التنزيل 2/ 152.

(4) قوله: «دعاء بالتعمير». و لعلّ فائدة الدعاء بالتعمير، أنّه قدر في علم اللّه أن بقاء أهل الجنّة بسبب دعاء الملائكة، إذ مقصودهم من الدعاء إظهار حبّهم لحياة المؤمنين و بقائهم في الجنة.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الفرقان/ 66.

(7) المناقب 3/ 380.

449

من بعدنا». و قال اللّه: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا، يعني عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين و فاطمة- (عليهم السلام)-. وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً.

قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي‏: ما يصنع بكم. من عبّأت الجيش: إذا هيّأته. أو:

لا يعتدّ بكم، لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏: لو لا عبادتكم.

فإنّ شرف الإنسان و كرامته بالمعرفة و الطّاعة، و إلّا فهو و سائر الحيوانات سواء.

و قيل‏ (1): معناه ما يصنع بعذابكم، لو لا دعاؤكم معه آلهة.

و «ما» إن جعلت استفهاميّة، فمحلّها النّصب على المصدرية. كأنّه قيل: أيّ عب‏ء يعبأ بكم.

و في أمالي شيخ الطّائفة (2)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- أنّه قال: أربع للمرء لا عليه- إلى قوله:- و الدّعاء. فإنّه قال- تعالى-: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (3): روى العيّاشيّ بإسناده عن بريد (4) بن معاوية العجليّ، قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدّعاء (5)؟ قال: كثرة الدّعاء أفضل. و قرأ هذه الآية.

فَقَدْ كَذَّبْتُمْ‏: بما أخبرتكم به، حيث خالفتموه.

و قيل‏ (6): فقد قصّرتم في العبادة، من قولهم: كذّب القتال: إذا لم يبالغ فيه.

و قرى‏ (7): «فقد كذّب الكافرون»، أي: الكافرون منكم. لأنّ توجّه الخطاب إلى النّاس عامّة، بما وجد في جنسهم من العبادة و التّكذيب.

فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77): يكون جزاء التّكذيب لازما يحيق بكم لا محال. أو أثره لازما بكم حتّى يكبّكم في النّار.

و إنّما أضمر من غير ذكر، للتّهويل و التّنبيه على أنّه ممّا لا يكتنهه الوصف.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 152.

(2) أمالى الشيخ 2/ 108.

(3) مجمع البيان 4/ 182.

(4) المصدر: يزيد.

(5) المصدر: أم كثرة الدعاء أفضل؟

6 و 7- أنوار التنزيل 2/ 152.

450

و قيل‏ (1): المراد قتل يوم بدر، و أنّه لوزم بين القتلى لزاما.

و قرئ‏ (2): «لزاما» بمعنى اللّزوم، كالثّبات و الثّبوت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏ يقول: ما يفعل ربّي بكم. فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً.

____________

1 و 2- نفس المصدر.

(3) تفسير القمي 2/ 117- 118.

451

تفسير سورة الشّعراء

453

سورة الشّعراء مكّيّة، إلّا قوله: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ‏ إلى آخرها (1). و هي مائتان و ستّ- أو سبع- و عشرون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2) بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سور الطّواسين الثّلاث‏ (3) في ليلة الجمعة، كان من أولياء اللّه، و في جواره‏ (4) و كنفه. و لم يصبه في الدّنيا بؤس أبدا. و أعطى في الآخرة من الجنّة حتّى يرضى و فوق رضاه، و زوّجه اللّه مائة [زوجة] (5) من الحور العين.

و في مجمع البيان‏ (6): أبيّ بن كعب، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة الشّعراء، كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بنوح و كذّب به و هود و شعيب و صالح و إبراهيم، و بعدد من كذّب بعيسى و صدّق بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و روى أبو بصير (7) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ الطّواسين الثّلاث‏

____________

(1) الشعراء/ 224- 226.

(2) ثواب الاعمال/ 136، ح 1.

(3) يعني: سورة الشعراء سورة النمل، و سورة القصص.

(4) المصدر: في جوار اللّه.

(5) من المصدر.

6 و 7- مجمع البيان 4/ 183.

454

في ليلة الجمعة (و ذكر مثل ما نقلنا من كتاب ثواب الأعمال سواء). و زاد بعد قوله: «من الحور العين»: و أسكنه اللّه في جنّة عدن وسط الجنّة، مع النّبيّين و المرسلين و الوصييّن الرّاشدين.

و عن ابن عبّاس‏ (1) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أعطيت السّورة الّتي يذكر فيها البقرة من [الذّكر الأوّل و أعطيت طه و الطّواسين من ألواح موسى.

و أعطيت فواتح القرآن و خواتيم السّورة الّتي يذكر فيها البقرة من‏] (2) تحت العرش. و أعطيت المفصّل‏ (3) نافلة.

طسم‏ (1) قرأ (4) حمزة و الكسائي و أبو بكر بالإمالة، و نافع بين كراهة للعود إلى الياء المهروب منها. و أظهر نونه حمزة، لأنّه في الأصل منفصل عمّا بعده.

و في مجمع البيان‏ (5): روي عن ابن الحنفيّة، عن عليّ- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لمّا نزلت‏ طسم‏ قال: الطّاء طور سيناء. و السّين الإسكندريّة. و الميم مكّة.

و قيل‏ (6): الطّاء شجرة طوبى. و السّين سدرة المنتهى. و الميم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال: طسم‏ هو حروف‏ (8) من حروف اسم اللّه الأعظم.

و في كتاب معاني الأخبار (9)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن الصّادق- (عليه السلام)-: و أمّا طسم‏ فمعناه: أنا الطّالب السّميع المبدئ المعيد.

و قد مرّ بعض معان أخر لهذه الحروف.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ‏ (2) الظّاهر إعجازه و صحّته.

و الإشارة إلى ما ليس بحاضر، لكنّه متوقّع فهو كالحاضر بحضور المعنى للنّفس.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في م.

(3) المصدر: المفصّلة.

(4) أنوار التنزيل 2/ 153.

5 و 6- مجمع البيان 4/ 184.

(7) تفسير القمي 2/ 118.

(8) المصدر: حرف.

(9) معاني الاخبار/ 22، ح 1.

455

لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ‏: قاتل نفسك.

و أصل البخع أن يبلغ بالذّبح البخاع، و هو عرق مستبطن الفقار. و ذلك أقصى حدّ الذّبح.

و قرئ‏ (1): «باخع نفسك» بالإضافة.

و «لعلّ» للإشفاق. أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة.

أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ (3): لئلا يؤمنوا، أو خيفة أن لا يؤمنوا.

إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً: دلالة ملجئة إلى الإيمان. أو: بليّة قاسرة عليه.

فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ (4): منقادين.

و أصله: فظلّوا لها خاضعين. فأقحمت الأعناق، لبيان موضع الخضوع، و ترك الخبر على أصله.

و قيل‏ (2): لمّا وصفت الأعناق بصفات العقلاء، أجريت مجراهم.

و قيل‏ (3): المراد بها الرّؤساء أو الجماعات، من قولهم: «جاءنا عنق من النّاس» لفوج منهم.

و قرئ‏ (4): «خاضعة». و «ظلّت» عطف على «ننزّل»، عطف و أكن على فأصدّق، لأنّه لو قيل أنزلنا بدله لصحّ.

و في إرشاد المفيد (5)- (رحمه اللّه)-: وهب بن حفص، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ في قوله- تعالى-: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏، قال: سيفعل اللّه ذلك بهم. قلت: و من هم؟ قال: بنو أميّة و شيعتهم. قلت: و ما الآية؟ قال: ركود الشّمس ما بين زوال الشّمس إلى وقت العصر، و خروج صدر و وجه في عين الشّمس، يعرف بحسبه و نسبه. و ذلك في زمان السّفيانيّ.

و عندها يكون بواره و بوار قومه.

و في الكافي‏ (6): روي أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال في خطبة له: و لو أراد

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 153.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) الإرشاد/ 338- 339.

(6) لم نعثر عليه في الكافي و لكن رواه الشريف الرضي- باختلاف يسير في الألفاظ في نهج البلاغة (ط صبحي صالح)، الخطبة 192 (القاصعة)، ص‏

456

اللّه- عزّ و جلّ- بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان و معادن البلدان و مغارس الجنان، و أن يحشر طير السّماء و وحش الأرض معهم، لفعل. و لو فعل، لسقط البلاء، و بطل الجزاء، و اضمحلّ الابتلاء. و لما وجب للقائلين أجور المبتلين. و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين. و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبيّن. و لذلك لو أنزل اللّه من السّماء آية، فظلّت أعناقهم لها خاضعين. و لو فعل، لسقط البلوى عن النّاس أجمعين.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: خمس علامات قبل قيام القائم- (عليه السلام)-: الصّيحة، و السّفياني، و الخسفة (2)، و قتل النّفس الزّكيّة، و اليمانيّ.

فقلت: جعلت فداك، إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات، أ نخرج معه؟ قال: لا. فلمّا كان من الغد، تلوت هذه الآية إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏.

فقلت له: أ هي الصّيحة؟ فقال: أما لو كانت، خضعت أعناق أعداء اللّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب الغيبة (3) لشيخ الطّائفة- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى الحسن بن زياد الصّقيل قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- يقول: إنّ القائم لا يقوم، حتّى ينادي مناد من السّماء، يسمع الفتاة في خدرها، و يسمع أهل المشرق و المغرب. و فيه نزلت هذه الآية: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏. فإنّه‏

حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: تخضع رقابهم- يعني بني أميّة- و هي الصّيحة من السّماء باسم صاحب الأمر- صلوات 291.

____________

(1) الكافي 8/ 310، ح 483.

(2) المصدر: الخسف.

(3) الغيبة للطوسي/ 110- 111.

(4) تفسير القمي 2/ 118.

457

اللّه عليه-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1): حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد قال:

قال عليّ بن موسى الرّضا- (عليهما السلام)-: لا دين لمن لا ورع له. و لا أيمان لمن لا تقيّة له. و إنّ أكرمكم عند اللّه أعملكم بالتّقيّة.

فقيل له: يا ابن رسول اللّه، إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم‏ (2). و هو يوم خروج قائمنا. فمن ترك التّقيّة قبل خروج قائمنا، فليس منّا.

فقيل له: يا ابن رسول اللّه، و من القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرّابع من ولدي، ابن سيّدة الإماء. يطهّر اللّه به الأرض من كلّ جور و يقدّسها من كلّ ظلم. و هو الّذي يشكّ النّاس في ولادته. و هو صاحب الغيبة قبل خروجه. فإذا خرج، أشرقت الأرض بنوره، و وضع ميزان العدل بن النّاس، فلا يظلم أحد أحدا. و هو الّذي تطوى له الأرض، و لا يكون له ظلّ.

و هو الّذي ينادي مناد من السّماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدّعاء إليه يقول: ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه. فاتّبعوه! فإنّ الحقّ معه و فيه. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد، عن أحمد بن معمر الأسديّ، عن محمّد بن الفضيل، عن الكبيّ، عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قوله- عزّ و جلّ-: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏، قال: هذه نزلت فينا و في بني أميّة. تكون لنا دولة تذلّ أعناقهم لنا بعد صعوبة و هو ان بعد عزّ

و قال أيضا (4): حدّثنا أحمد بن الحسن بن عليّ قال:

حدّثنا أبي، عن أبيه، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏

____________

(1) كمال الدين/ 371- 372، ح 5.

(2) لعله يشير- (عليه السلام)- إلى قوله- تعالى- في: الحجر/ 38، ص/ 81.

(3) تأويل الآيات 1/ 386، ح 1.

(4) نفس المصدر، ح 2.

458

. قال: نزلت في قائم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- ينادى باسمه من السماء.

و قال أيضا (1): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابنا، [عن أبي بصير]، (2) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏. قال:

يخضع‏ (3) لها رقاب بني أميّة. قال: ذلك بارز [عند زوال‏] (4) الشّمس. قال: و ذاك عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يبرز عند زوال الشّمس. و تركت الشّمس على رؤوس النّاس ساعة، حتّى يبرز وجهه، و يعرف النّاس حسبه و نسبه. ثمّ قال: إنّ بني أميّة ليختبئ الرّجل منهم إلى جنب شجرة، فتقول: خلفي رجل من بني أميّة، فاقتلوه!

و قال أيضا (5): حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس قال: حدّثنا صفوان بن يحيى، عن أبي عثمان، عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: انتظروا الفرج في ثلاث.

قيل: و ما هي؟ قال: اختلاف أهل الشّام بينهم، و الرّايات السّود من خراسان، و الفزعة في شهر رمضان.

فقيل له: و ما الفزعة في شهر رمضان؟ قال: أما سمعتم قول اللّه- عزّ و جلّ- في القرآن: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏. قال: إنّه تخرج الفتاة من خدرها، و يستيقظ النّائم، و يفزع اليقظان.

وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ: موعظة أو طائفة من القرآن.

مِنَ الرَّحْمنِ‏ يوحيه إلى نبيّه.

مُحْدَثٍ‏: مجدّد إنزاله لتكرير التّذكير و تنويع التّقرير، إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ‏ (5): إلّا جدّدوا إعراضا عنه و إصرارا على ما كانوا عليه.

فَقَدْ كَذَّبُوا، أي: بالذّكر، بعد إعراضهم و أمعنوا في تكذيبه، بحيث أدّى بهم‏

____________

(1) نفس المصدر/ 386- 387، ح 3.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: تخضع.

(4) من المصدر.

(5) نفس المصدر/ 387، ح 4.

459

إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمنا في قوله:

فَسَيَأْتِيهِمْ‏، أي: إذا مسّهم عذاب اللّه يوم بدر، أو يوم القيامة.

أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (6) من أنّه كان حقّا أم باطلا. و كان حقيقا بأن يصدّق فيعظّم قدره، أو يكذّب فيستخفّ أمره.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ‏: أو لم ينظروا إلى عجائبها.

كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ‏: صنف‏ كَرِيمٍ‏ (7): محمود كثير المنفعة. و هو صفة لكلّ ما يحمد و يرضى. و هاهنا يحتمل أن تكون مقيّدة لما يتضمّن الدّلالة على القدرة، و أن تكون مبيّنة منبّهة على أنّه ما من نبت إلّا و له فائدة، إما وحده أو مع غيره.

و «كلّ» لإحاطة الأزواج. و «كم» لكثرتها.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: إنّ في إنبات تلك الأصناف، أو في كلّ واحد.

لَآيَةً على أنّ منبتها تامّ القدرة و الحكمة، سابغ النّعمة و الرّحمة.

وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (8): لا يصدّقون و لا يعترفون به، عنادا و تقليدا لأسلافهم، و هربا من مشقّة التّكليف.

و قال سيبويه‏ (1): «كان» هاهنا مزيدة.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ: الغالب القادر على الانتقام من الكفرة.

الرَّحِيمُ‏ (9)، حيث أمهلهم. أو: «العزيز» في انتقامه ممّن كفر، «الرّحيم» لمن تاب و آمن.

وَ إِذْ نادى‏ رَبُّكَ مُوسى‏:

مقدّر باذكر. أو ظرف لما بعده.

أَنِ ائْتِ‏، أي: ائت. أو: بأن ائت‏ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (10): بالكفر و استعباد بني إسرائيل و ذبح أولادهم.

قَوْمَ فِرْعَوْنَ‏:

بدل من الأوّل. أو عطف بيان له. و لعلّ الاقتصار على القوم، للعلم بأنّ فرعون كان أولى بذلك.

أَ لا يَتَّقُونَ‏ (11):

____________

(1) مجمع البيان 4/ 184.

460

استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار، تعجبّا له من إفراطهم في الظّلم و اجترائهم عليه.

و قرئ‏ (1) بالتّاء، على الالتفات إليهم، زجرا لهم و غضبا عليهم. و هم- و إن كانوا غيّبا حينئذ- أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم، من حيث إنّه مبلّغه إليهم، و استماعه مبدأ استماعهم، مع ما فيه من مزيد الحثّ على التّقوى لمن تدبّره و تأمّل مورده.

و قرئ‏ (2) بكسر النّون، اكتفاء بها عن ياء الإضافة. و يحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتّقون، كقوله: ألا يا اسجدوا.

قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏ (12) وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى‏ هارُونَ‏ (13):

رتّب استدعاء ضمّ أخيه إليه و إشراكه له في الأمر على الأمور الثّلاثة: خوف التّكذيب، و ضيق القلب انفعالا عنه، و ازدياد الحبسة في اللّسان، بانقباض الرّوح إلى باطن القلب عند ضيقه، بحيث لا ينطلق. لأنّها إذا اجتمعت مسّت الحاجة إلى معين يقوّي قلبه و ينوب منابه متى تعتريه حبسة، حتّى لا تختلّ دعوته، و لا تنبتر حجّته. و ليس ذلك تعلّلا منه و توقّفا في تلّقي الأمر، بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله و تمهيد عذره فيه.

و قرأ (3) يعقوب: «و يضيق» و «لا ينطلق» بالنّصب، عطفا على «يكذّبون». فيكونان من جملة ما خاف منه.

و في مجمع البيان‏ (4): قال الجبّائيّ: لم يسأل موسى ذلك إلّا بعد أن أذن اللّه له في ذلك. لأنّ الأنبياء لا يسألون اللّه إلّا ما يؤذن لهم في مسألته.

وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ‏، أي: دعوى ذنب. فحذف المضاف و سمّي باسمه.

و المراد قتل القبطيّ. و هذا إنّما سمّاه ذنبا على زعمهم. و هذا اقتصار، قصّته المبسوطة في مواضع.

فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏ (14) به، قبل أداء الرّسالة.

و هو أيضا ليس تعلّلا. و إنّما هو استدفاع للبليّة المتوقّعة، كما أنّ ذلك استمداد و استظهار في أمر الدّعوة.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 154.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) مجمع البيان 4/ 186.

461

و قوله: قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إجابة له إلى الطّلبتين يوعده لدفع بلائهم اللّازم ردعه عن الخوف، و ضمّ أخيه إليه في الإرسال. فالخطاب في «اذهبا» على تغليب الحاضر، لأنّه معطوف على الفعل الّذي يدلّ عليه «كلا». كأنّه قيل: ارتدع يا موسى عمّا تظنّ، فاذهب أنت و الّذي طلبته.

إِنَّا مَعَكُمْ‏، يعني: موسى و هارون و فرعون‏ مُسْتَمِعُونَ‏ (15): سامعون لما يجري بينكما و بينه، فأظهر كما عليه.

مثّل نفسه- تعالى- بمن حضر مجادلة قومه استماعا لما يجري و ترقّبا لإمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإعانة. و لذلك تجوّز بالاستماع الّذي هو بمعنى الإصغاء [للسّمع الّذي هو مطلق إدراك الحروف و الأصوات. و هو خبر ثان، أو الخبر وحده.

و «معكم» ظرف لغو] (1).

فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (16):

قيل‏ (2): أفرد الرّسول، لأنّه مصدر وصف به، فإنّه مشترك بين المرسل و الرّسالة.

قال الشاعر:

لقد كذّب الواشون ما فهت عندهم‏* * * بسرّ و لا أرسلتهم برسول‏

و لذلك ثنّى تارة، و أفرد أخرى. أو لاتّحاد هما للأخوّة. أو لوحدة المرسل و المرسل به. أو لأنّه أراد أنّ كلّ واحد منّا.

أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ‏ (17)، أي: أرسل، لتضمّن الرّسول [معنى الإرسال المتضمّن‏] (3) معنى القول. و المراد: خلّهم يذهبوا معنا إلى الشّام.

قالَ‏- أي: فرعون لموسى، بعد ما أتياه فقالا له ذلك:

أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا: في منازلنا وَلِيداً: طفلا سمّي به لقربه من الولادة.

وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ‏ (18):

قيل‏ (4): لبث فيهم ثماني عشرة سنة.

و قيل‏ (5) أربعين سنة.

____________

(1) ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 155.

(3) ليس في م.

(4) مجمع البيان 4/ 186.

(5) نفس المصدر و الموضع.

462

و قيل‏ (1): لبث فيهم ثلاثين سنة. ثمّ خرج إلى مدين عشر سنين. ثمّ عاد إليهم يدعوهم إلى اللّه ثلاثين سنة. ثمّ بقي بعد الغرق خمسين.

وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ‏، يعني قتل القبطيّ. وبّخه به معظّما إيّاه، بعد ما عدّد عليه نعمته.

و قرئ‏ (2): «فعلتك» بالكسر، لأنّها كانت قتلة بالوكز.

وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ (19)، بنعمتي، حتّى عمدت إلى قتل خواصّي، أو ممّن تكفّرهم الآن، فإنّه- (عليه السلام)- كان يعايشهم بالتّقيّة. فهو حال من إحدى التائين.

و يجوز أن يكون حكما مبتدأ عليه بأنّه من الكافرين بالهيّته أو بنعمته، لمّا عاد عليهم بالمخالفة. أو من الّذين كانوا يكفرون في دينهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ نادى‏ رَبُّكَ مُوسى‏ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏. فإنّه‏

حدّثني أبي، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا بعث اللّه- عزّ و جلّ- موسى- (عليه السلام)- إلى فرعون، أتى بابه، فاستأذن عليه. فلم يؤذن له. فضرب بعصاه الباب. فاصطكّت الأبواب، ففتحت. ثمّ دخل على فرعون، فأخبره أنّه رسول اللّه‏ (4) و سأله أن يرسل معه بني إسرائيل. فقال له فرعون، كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً (إلى آخر الآية).

قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏ (20):

قيل‏ (5): أي: من الجاهلين. و قد قرئ به. و المعنى: من الفاعلين فعل أولي الجهل و السّفه.

و قيل‏ (6): من المخطئين، لأنّه لم يتعمّد قتله.

و قيل‏ (7): من الذّاهلين عمّا يؤول إليه الوكز، لأنّه أراد به التّأديب.

و قيل‏ (8): من النّاسين، من قوله‏ (9): أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 155.

(3) تفسير القمي 2/ 118.

(4) المصدر: رسول ربّ العالمين.

(5) أنوار التنزيل 2/ 155.

6 و 7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) البقرة/ 282.

463

و قيل‏ (1): من الظّالّين عن النّبوّة. أي: لم يوح إلىّ تحريم قتله. (2) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً: حكمة، وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (21):

ردّ أوّلا بذلك ما وبّخه به قدحا في نبوّته. ثمّ كرّ على ما عدّ عليه من النّعمة، و لم يصرّح بردّه، لأنّه كان صدقا غبر قادح في دعواه، بل نبّه على أنّه كان في الحقيقة نقمة، لكونه مسبّبا عنها، فقال:

وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ (22)، أي: و تلك التّربية نعمة تمنّها عليّ ظاهرا. و هي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل و قصدهم بذبح أبنائهم، فإنّه السّبب في وقوعي إليك و حصولي في تربيتك.

و قيل‏ (3): إنّه مقدّر بهمزة الإنكار، أي أو تلك نعمة تمنّها عليّ!؟ و هي أن عبّدت. و محلّ «أن عبّدت» الرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل «نعمة». أو الجرّ، بإضمار الباء. او النّصب، بحذفها.

و قيل‏ (4): «تلك» إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة. و «أن عبّدت» عطف بيانها.

و المعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنّها عليّ. و إنّما وحّد الخطاب في «تمنّها» و جمع فيها قبله، لأنّ المنّة كانت منه وحده، و الخوف و الفرار منه و من ملئه.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ذكر مجلس آخر للرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)- بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون، و عنده الرّضا- (عليه السلام)-. فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى.

قال: فما معنى قول موسى لفرعون: فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏؟ قال الرّضا- (عليه السلام)-: إن فرعون قال لموسى لمّا أتاه: وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ بى. قال موسى: فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏ عن الطّريق بوقوعي [إلى مدينة من مدائنك‏] (6). فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 187.

2، 4- نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 155.

(5) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 158- 159، الباب 15 ح 1.

(6) ليس في ن.

464

. و قد قال اللّه‏ (1)- تعالى- لنبيّه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ يقول: ألم يجدك وحيدا، فآوى إليك النّاس؟ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا، يعني: عند قومك.

فَهَدى‏، أي: فهداهم إلى معرفتك. وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏. يقول: أغناك بأن جعل دعاك مستجابا.

قال المأمون: بارك اللّه فيك يا ابن رسول اللّه!

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2) بإسناده إلى المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق، عن أبيه أبي جعفر الباقر- (عليهما السلام)- قال: إذا قام القائم- (عليه السلام)- قال: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (3): ذكر الشيخ المفيد (4)- (رحمه اللّه)- في كتاب الغيبة، بإسناده عن رجاله، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إذا قام القائم، تلا هذه الآية مخاطبا للناس: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً [وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (5).

فمعنى قوله: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً (6)، ذلك حقيق لأنّ اللّه- تعالى- [وهب له حكما عامّا في الدنيا لم يهبه لأحد] (7) قبله، و لا لأحد بعده، و عليه تقوم الساعة.

و قوله: جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏، على سبيل المجاز، أي: جعلني من أوصياء سيّد المرسلين و خاتم‏ (8) أوصياء خاتم النبيين- صلّى اللّه عليهم أجمعين، صلاة دائمة في كلّ عصر و كلّ حين، متواترة إلى يوم الدين.

قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ‏ (23):

____________

(1) الضّحى/ 6- 8.

(2) كمال الدين/ 328- 329، ح 10.

(3) تأويل الآيات 1/ 388، ح 5.

(4) راجع: هامش المصدر، في انّه من المراد من المفيد.

(5) هنا انتهت الرواية. و ملحقها من المصدر.

(6) ليس في م.

(7) ليس في أ.

(8) من أوّل خبر تأويل الآيات إلى هنا ساقطة من نسخة ع.

465

أي: لمّا سمع جواب ما طعن به فيه، و رأى أنّه لم يدع‏ (1) بذلك، شرع في الاعتراض على دعواه. فبدأ في الاستفسار عن حقيقة المرسل.

قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا:

عرّفه بأظهر خواصّه و آثاره، لمّا امتنع‏ (2) تعريف الإفراد (3) إلّا بذكر الخواصّ و الأفعال. و إليه أشار بقوله:

إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ‏ (24): أي: إن كنتم موقنين الأشياء محقّقين لها، علمتم أنّ هذه الأجرام‏ (4) المحسوسة ممكنة، لتركّبها و تعدّدها و تغيّر أحوالها، فلها مبدئ واجب لذاته.

و ذلك المبدئ، لا بدّ و أن يكون مبدئا لسائر الممكنات- ما يمكن أن يحسّ بها، و ما لا يمكن- و إلّا لزم تعدّد الواجب، أو استغناء بعض الممكنات عنه، و كلاهما محال. ثمّ ذلك الواجب، لا يمكن تعريفه إلّا بلوازمه الخارجيّة، لامتناع التّعريف بنفسه و بما هو داخل فيه، لاستحالة التّركيب في ذاته.

و في أصول الكافي‏ (5)، في باب جوامع التّوحيد، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و فيها يقول- (عليه السلام)-: الّذي سئلت الأنبياء عنه، فلم تصفه بحدّ و لا ببعض، بل و صفته بفعاله و دلّت عليه بآياته.

قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ‏ (25): جوابه!؟ سألته عن حقيقته، و هو يذكر أفعاله! أو يزعم أنّه ربّ السّموات، و هي واجبة متحرّكة لذواتها، كما هو مذهب الدّهريّة.

قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ‏ (26)، عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهّم فيه مثله، و يشكّ في افتقاره إلى مصوّر حكيم. و يكون أقرب إلى النّاظر و أوضح عند المتأمّل.

قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ‏ (27)، أسأله عن شي‏ء، و يجيبني عن آخر! و سمّاه رسولا على السّخرية.

قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما: تشاهدون كلّ يوم أنّه يأتي بالشّمس من المشرق، و يحرّكها على مدار غير مدار اليوم الّذي قبله، حتّى يبلغها إلى المغرب‏

____________

(1) لم يرعو: لم يكفّ و يرتدع.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 156. و في النسخ:

و أشار لما أمتنع.

(3) قوله: «الإفراد» هي البسائط إذ هي إفراد لا زوجيّة و لا تعدّد في ذواتها.

(4) ن: الأجسام.

(5) الكافي 1/ 141، ح 7.

466

على وجه نافع، تنتظم به أمور الكائنات.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ‏ (28): إن كان لكم عقل، علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك.

لاينهم أوّلا. ثمّ لمّا رأى شدّة شكيمتهم، خاشنهم و عارضهم بمثل مقالتهم.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1) بإسناده إلى ابن مسعود، قال: احتجّوا في مسجد الكوفة، فقالوا: ما بال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة و الزّبير و عائشة و معاوية!؟ فبلغ ذلك عليّا- (عليه السلام)-. فأمر أن ينادى بالصّلاة جامعة.

فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه. ثمّ قال: معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا و كذا. قالوا: صدق أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. قد قلنا ذلك.

قال: فإنّ لي بسنّة الأنبياء أسوة فيما فعلت. قال اللّه- تعالى- في محكم كتابه‏ (2):

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

قالوا: و من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: أوّلهم إبراهيم- (عليه السلام)- إلى أن قال:

ولي بموسى- (عليه السلام)- أسوة، إذ قال: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ‏. فإن قلتم: إنّ موسى فرّ من قومه بلا خوف كان له منهم، فقد كفرتم. و إن قلتم: إنّ موسى خاف منهم، فالوصيّ أعذر.

قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ‏ (29)، عدولا إلى التّهديد عن المحاجّة بعد الانقطاع. و هذا ديدن المعاند المحجوج.

و استدلّ به على ادّعائه الألوهيّة و إنكاره الصّانع. و إنّ تعجّبه بقوله: أَ لا تَسْتَمِعُونَ‏ (3) من نسبة الرّبوبيّة إلى غيره. و لعلّه كان دهريّا، اعتقد أنّ من ملك قطرا و تولّى أمره بقوّة طالعه، استحقّ العبادة من أهله.

و اللّام في «المسجونين» للعهد. أي: ممّن عرفت حالهم في سجوني. فإنّه كان يطرحهم في هوّة عميقة حتّى يموتوا، و لذلك جعل أبلغ من «لأسجننّك».

قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ‏ (30)، أي: أ تفعل ذلك، و لو جئتك بشي‏ء مبين صدق دعواي؟

____________

(1) علل الشرايع 1/ 148- 149، الباب 122، ح 7.

(2) الأحزاب/ 21.

(3) الشعراء/ 25.

467

يعني المعجزة، فإنّها الجامعة بين الدّلالة على وجود الصّانع و حكمته، و الدّلالة على صدق مدّعي نبوّته. فالواو للحال وليها الهمزة بعد حذف الفعل.

قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (31) في أنّ لك بيّنة. أو: في دعواك. فإنّ مدّعي النّبوّة، لا بدّ له من حجّة.

فَأَلْقى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ‏ (32): ظاهر ثعبانيّته.

و اشتقاق الثّعبان من: ثعبت الماء: إذا فجرته فانفجر.

وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ‏ (33):

روي‏ (1) أنّ فرعون لمّا رأى الآية الأولى، قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده. قال: فما فيها؟ فأدخلها في إبطه ثمّ نزعها، و لها شعاع يكاد يغشى الأبصار و يسدّ الأفق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قالَ‏ موسى‏ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ‏ قالَ‏ فرعون‏ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ‏. فلم يبق أحد من جلساء فرعون إلّا هرب. و دخل فرعون من الرّعب ما لم يملك به نفسه. فقال فرعون: يا موسى، أنشدك باللّه و بالرّضاع، إلّا ما كففتها عنيّ. فكفّها. ثمّ نزع يده‏ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ‏. فلمّا أخذ موسى- (عليه السلام)- العصا، رجع إلى فرعون نفسه و همّ بتصديقه. فقام إليه هامان، فقال: له: بينما أنت إله تعبد، إذ صرت تابعا لعبد!

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم، قال لعليّ- (عليه السلام)-: فإنّ موسى قد أعطي اليد البيضاء، فهل فعل بمحمّد شي‏ء من هذا؟ قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ نورا كان يضي‏ء عن يمينه حيثما جلس، و عن يساره أينما (4) جلس، و كان يراه النّاس كلّهم.

قال له اليهوديّ: فإنّ هذا موسى بن عمران، قد أعطي العصا، و كانت تحوّل ثعبانا؟ قال له عليّ- (عليه السلام)- لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل من هذا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 156.

(2) تفسير القمي 2/ 119.

(3) الاحتجاج 1/ 217- 218.

(4) المصدر: حيثما.

468

إنّ رجلا كان يطالب أبا جهل بن هشام بدين ثمن جزور (1) قد اشتراه. فاشتغل عنه، و جلس يشرب. فطلبه الرّجل، فلم يقدر عليه. فقال له بعض المستهزئين: من تطلب؟ قال:

عمرو بن هشام- يعني أبا جهل- لي عليه دين. قال: قال: فأدلّك على من يستخرج منه الحقوق. قال: نعم. فدلّه على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و كان أبو جهل يقول: ليست لمحمّد إليّ حاجة، فأسخر به و أردّه.

فأتى الرّجل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: يا محمّد، بلغني أنّ بينك و بين عمرو بن هشام حسن صداقة و أنا أستشفع بك إليه. فقام معه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأتى بابه‏ (2). فقال له: قم يا أبا جهل، فأدّ إلى الرّجل حقّه. و إنّما كنّاه أبا جهل‏ (3) ذلك اليوم. فقام مسرعا، فأدّى‏ (4) إليه حقّه.

فلمّا رجع إلى مجلسه، قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا (5) من محمّد؟ قال:

ويحكم! اعذروني. إنّه لمّا أقبل، رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم‏ (6) حراب تتلألأ، و عن يساره ثعبانين تصطلك أسنانهما، و تلمع النّيران من أبصارهما. و لو امتنعت لما آمن أن يبعجوا (7) بالحراب بطني، و تقضمني الثّعبانان.

هذا أكبر ممّا أعطي موسى. [ثعبان بثعبان موسى‏] (8) و زاد اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثعبانا، و ثمانية أملاك، معهم الحراب.

و في مجمع البيان‏ (9): وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ‏ إليها، أي: و أخرج يده من كمّه أو جيبه، على ما روي.

و في أصول الكافي‏ (10): أحمد بن مهران- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن عليّ، عن الحسن بن منصور (11)، عن أخيه، قال: دخلت على الرّضا- (عليه السلام)- في بيت داخل في جوف بيت ليلا. فرفع يده. فكانت كأنّ في البيت عشرة مصابيح. و استأذن عليه رجل. فخلا يده، ثمّ‏

____________

(1) الجزور: النّاقة التي تنحر.

(2) كذا في المصدر و في النسخ: فأتى به.

(3) المصدر: بأبي جهل.

(4) المصدر: حتّى أدّى.

(5) فرقا: خوفا.

(6) المصدر: معهم.

(7) بعج بطنه بالسّكّين: شقّه.

(8) ليس في المصدر.

(9) مجمع البيان 4/ 188.

(10) الكافي 1/ 487، ح 3.

(11) ن: المحبوب.

469

أذن له.

قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ‏: مستقرّين حوله. و هو ظرف وقع موقع الحال.

إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ‏ (34): فائق في علم السّحر.

يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ‏ (35):

بهره سلطان المعجزة، حتّى حطّه عن دعوى الرّبوبيّة إلى مؤامرة القوم و ائتمارهم، و تنفيرهم عن موسى و إظهار الاستشعار عن ظهوره و استيلائه على ملكه.

قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ‏:

قيل‏ (1): أخّر أمرهما.

و قيل‏ (2): احبسهما.

و في مجمع البيان‏ (3) روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث طويل، قال: فلمّا رجع موسى إلى امرأته، قالت: من أين جئت؟ قال: من عند ربّ تلك النّار. فغذا إلى فرعون. فو اللّه لكأنّي أنظر إليه: طويل الباع، ذو شعر آدم، عليه جبّة من صوف، عصاه في كفّه مربوط حقوه‏ (4) بشريط، نعله من جلد حمار، شراكها من ليف.

فقيل لفرعون: إنّ على الباب فتى يزعم أنّه رسول ربّ العالمين. فقال فرعون لصاحب الأسد: خلّ سلاسلها. و كان إذا غضب على رجل، خلّاها، فقطّعته. فخلّاها.

فقرع موسى الباب الأوّل، و كانت تسعة أبواب. فلمّا قرع الباب الأوّل، انفتحت له الأبواب التّسعة. فلمّا دخل، جعلن يبصبصن‏ (5) تحت رجليه، كأنّهن جراء. (6) فقال فرعون لجلسائه: رأيتم مثل هذا قطّ؟! فلمّا أقبل إليه، قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً- إلى قوله:- وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏. فقال فرعون لرجل من أصحابه: قم، فخذ بيده.

و قال للآخر: أضرب عنقه. فضرب جبرئيل بالسّيف، حتّى قتل ستّة من أصحابه. فقال:

خلّوا عنه.

قال: فأخرج يده، فإذا هي بيضاء، قد حال شعاعها بينه و بين وجهه. فألقى العصا، فإذا هي حيّة، فالتقمت الإيوان بلحييها. فدعاه أن يا موسى، أقلني إلى غد. ثمّ‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 157

(3) مجمع البيان 4/ 253.

(4) الحقو: الخصر.

(5) بصبص الكلب بذنبه: حرّكه.

(6) الجراء: جمع الجرو: الصّغير من الكلاب و الأسود.

470

كان من أمره ما كان.

وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ‏ (36). شرطا يحشرون السّحرة.

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ‏ (37). يفضلون عليه في هذا الفنّ. و قرئ‏ (1): «بكلّ ساحر».

فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏ (38): لما وقّت به من ساعات يوم معيّن. و هو وقت الضّحى من يوم الزّينة.

وَ قِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ‏ (39):

فيه، استبطاء لهم في الاجتماع، حثّا على مبادرتهم إليه.

لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ‏ (40): لعلّنا نتّبعهم في دينهم إن غلبوا.

و التّرجّي باعتبار الغلبة المقتضية للاتّباع. و مقصودهم الأصليّ أن لا يتّبعوا موسى، لا أن يتّبعوا السّحرة، فساقوا الكلام مساق الكناية [لأنهم إذا اتّبعوهم لم يتّبعوا موسى‏] (2).

فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ‏ (41) قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏ (42):

التزم لهم الأجر و القربة عنده، زيادة عليه إن غلبوا. ف «إذا» على ما يقتضيه من الجواب و الجزاء.

و قرئ‏ (3): «نعم» بالكسر. و هما لغتان.

قالَ لَهُمْ مُوسى‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ‏ (43)، أي بعد ما قالوا له: «إمّا أن تلقي و إمّا أن نكون نحن الملقين». (4) و لم يرد به أمرهم بالسّحر و التّمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة، توسّلا به إلى إظهار الحقّ.

فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ‏ (44):

أقسموا بعزّته على أنّ الغلبة لهم، لفرط اعتقادهم في أنفسهم، و إتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السّحر.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 157.

(2) ليس في ع، ن.

(3) نفس المصدر.

(4) الأعراف/ 115.

471

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثمّ قال فرعون للملإ حوله: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ‏- إلى قوله تعالى-: لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏.

فكان فرعون و هامان قد تعلّما السّحر، و إنّما غلبا النّاس بالسّحر، و ادّعى الرّبوبيّة بالسّحر.

فلمّا أصبح، بعث في المدائن حاشرين، مدائن مصر كلّها. و جمعوا ألف ساحر.

و اختاروا من الألف، مائة. و من المائة، ثمانين. فقال السّحرة لفرعون: قد علمت أنّه ليس في الدّنيا أسحر منا. فإن غلبنا موسى، فما يكون لنا عندك. «قال: إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏ عندي، أشارككم في ملكي. قالوا: فإن غلبنا موسى و أبطل سحرنا، علمنا أنّ ما جاء به ليس من قبل السّحر و لا من قبل الحيلة، و آمنّا به و صدّقناه. فقال فرعون: إن غلبكم موسى- (عليه السلام)- صدّقته أنا أيضا معكم، و لكن أجمعوا كيدكم، أي: حيلتكم.

قال: و كان موعدهم يوم عيد لهم. فلمّا ارتفع النّهار من ذلك اليوم، و جمع فرعون النّاس و السّحرة. و كانت له قبّة طولها في السّماء ثمانون ذراعا. و قد كانت كسيت بالحديد و الفولاذ المصقول. فكانت إذا وقعت الشّمس عليها، لم يقدر أحد أن ينظر إليها من لمع الحديد و وهج الشّمس.

و جاء فرعون و هامان و قعدا عليها ينظران، و أقبل موسى- (عليه السلام)- ينظر إلى السّماء. فقالت السّحرة لفرعون: إنّا نرى رجلا ينظر إلى السّماء، و لن يبلغ سحرنا إلى السّماء، و ضمنت السّحرة من في الأرض. فقالوا لموسى- (عليه السلام)-: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ‏ (2) قالَ لَهُمْ مُوسى‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ‏. فأقبلت تضطرب و صارت مثل الحيّات، و هاجت. وَ قالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ‏.

و في جوامع الجامع‏ (3): وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ‏. أقسموا بعزّة فرعون، و هي‏ (4) من أقسام الجاهليّة. و في الإسلام لا يصحّ الحلف إلّا باللّه- تعالى- أو بعض‏ (5) أسمائه و صفاته.

و في الحديث: لا تحلفوا إلّا باللّه. و لا تحلفوا باللّه، إلّا و أنتم صادقون.

و في أصول الكافي‏ (6) بإسناده إلى محمّد بن زيد الطّبريّ قال: كنت قائما على رأس الرضا- (عليه السلام)- بخراسان، و عنده عدّة من بني هاشم، و فيهم إسحاق بن موسى بن‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 119- 120.

(2) الأعراف/ 155.

(3) جوامع الجامع/ 329.

(4) ن: و هو.

(5) المصدر: ببعض.

(6) الكافي 1/ 187، ح 10.

472

عيسى العبّاسيّ. فقال: يا إسحاق، بلغني أنّ النّاس يقولون إنّا نزعم أنّ النّاس عبيد لنا! لا و قرابتي من رسول اللّه، ما قلته قطّ. و لا سمعته [من أحد] (1) من آبائي قاله. و لا بلغني عن أحد من آبائي قاله. و لكنّي أقول: النّاس عبيد لنا في الطّاعة، موال لنا في الدّين. فليبلّغ الشّاهد الغائب.

فَأَلْقى‏ مُوسى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ‏: تبتلع.

و قرأ (2) حفص: «تلقف» بالتّخفيف.

ما يَأْفِكُونَ‏ (45): ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم و تزويرهم، فيخيّلون حبالهم و عصيّهم أنّها حيّات تسعى. أو: إفكهم، تسمية للمأفوك به مبالغة.

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ‏ (46): لعلمهم بأنّ مثله لا يتأتّى بالسّحر.

و فيه دليل على أنّ منتهى السّحر، تمويه و تزويق‏ (3)، يخيّل شيئا لا حقيقة له. و أنّ التبّحر في كلّ فنّ نافع.

و إنّما بدّل الخرور بالإلقاء، ليشاكل ما قبله. و يدلّ على أنّهم لمّا رأوا [ما رأوا] (4)، لم يتمالكوا أنفسهم، كأنّهم أخذوا فطرحوا على وجوههم، و أنّه- تعالى- ألقاهم بما خولّهم من التّوفيق.

قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ (47):

بدل من «ألقي» بدل الاشتمال. أو حال بإضمار قد.

رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏ (48):

إبدال للتّوضيح و دفع التوهّم، و الإشعار على أنّ الموجب لإيمانهم ما أجراه على أيديهما.

قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ، فعلّمكم شيئا دون شي‏ء. و لذلك غلبكم أو أفوادعكم‏ (5) على ذلك و تواطأتم عليه.

أراد به التلبيس على قومه، كي لا يعتقدوا أنّهم آمنوا عن بصيرة و ظهور حقّ.

و قرأ (6) حمزة و الكسائي و أبو بكر و روح «أ آمنتم» بهمزتين.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 157.

(3) التّزويق: التّحسين و التّزيين. و في ن: تزوير.

(4) من أنوار التنزيل 2/ 157.

(5) فوادعكم، أي: هادنكم.

(6) أنوار التنزيل 2/ 158.

473

فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ و بال ما فعلتم. و قوله:

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (49) بيان له.

قالُوا لا ضَيْرَ: لا ضرر علينا في ذلك.

إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ‏ (50)، بما توعدنا به، فإنّ الصّبر عليه محاء للذّنوب، موجب للثّواب و القرب من اللّه. أو: بسبب من أسباب الموت و قتلك أنفعها و أرجاها.

إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا: لأن كنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (51): من أتباع فرعون، أو من أهل المشهد.

و الجملة في المعنى، تعليل ثان لنفي الضّير، أو تعليل للعلة المتقدّمة.

و قرئ‏ (1): «أن كنّا» على الشّرط، لهضم النّفس و عدم الثّقة بالخاتمة. أو على طريقة المدلّ بأمره، نحو: «إن أحسنت إليك، فلا تنس حقّي».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فألقى موسى عصاه، فذابت في الأرض مثل الرّصاص.

ثمّ طلع رأسها و فتحت فاها، و وضعت شدقها العليا على رأس قبّة فرعون. ثمّ دارت و أرخت شفتها السّفلى و التقمت عصيّ السّحرة و حبالهم. [و غلب كلّهم‏] (3). و انهزم النّاس حين رأوها، و عظمها و هولها ممّا لم تر العين و لا وصف الواصفون مثله.

قيل: فقتل في الهزيمة من وطء النّاس [بعضهم بعضا] (4) عشرة آلاف رجل و امرأة و صبيّ، و دارت على قبة فرعون.

قال: فأحدث فرعون و هامان في ثيابهما و شاب رأسهما، و غشي عليهما من الفزع، و مرّ موسى- (عليه السلام)- في الهزيمة مع النّاس. فناداه اللّه‏ (5)- عزّ و جلّ-: خُذْها وَ لا تَخَفْ، سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى‏.

فرجع موسى- (عليه السلام)- ولفّ على يده عباء كانت عليه. ثمّ أدخل يده في فمها، فإذا هي عصا كما كانت. فكان كما قال اللّه عزّ و جلّ: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ‏ لمّا رأوا ذلك. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 120- 121.

(3) ليس في ن.

(4) ليس في المصدر.

(5) طه/ 21.

474

فغضب فرعون عند ذلك غضبا شديدا، و قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ‏ موسى- (عليه السلام)- الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ‏. فقالوا له كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-: لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

فحبس فرعون من آمن بموسى- (عليه السلام)- [في السّجن‏] (1) حتّى أنزل اللّه- عزّ و جلّ- عليهم الطّوفان و الجراد و القمل و الضّفادع و الدّم. فأطلق فرعون عنهم.

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى موسى‏ أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ‏.

فخرج موسى- (عليه السلام)- ببني إسرائيل ليقطع بهم البحر. و جمع فرعون أصحابه و بعث في المدائن حاشرين. و حشر النّاس، و قدّم مقدّمته في ستّمائة ألف، و ركب هو في ألف ألف، و خرج كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-.

وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي‏:

و ذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحقّ و يظهر لهم الآيات، فلم يزيدوا إلّا عتوّا و فسادا.

و قراء (2) ابن كثير و ابن نافع: «أن أسر»- بكسر النّون و وصل الألف- من سرى.

و قرئ‏ (3): «أن سر». من السّير.

إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ‏ (52): يتبعكم فرعون و جنوده.

و هو علّة الأمر بالإسراء. أي: أسر بهم حتى إذا اتّبعوكم مصبحين، كان لكم تقدّم عليهم، بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم.

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ‏ حين أخبر بسراهم.

فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ‏ (53) العساكر ليتّبعوهم.

إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ‏ (54):

على إرادة القول. و إنّما استقلّهم- و كانوا ستّمائة و سبعين ألفا- بالإضافة إلى‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 158.

(3) نفس المصدر و الموضع.

475

جنوده، إذ نقل أنّه خرج و كانت مقدّمته ستّمائة (1) ألف.

و «الشّرذمة»: الطّائفة القليلة. و منها: ثوب شراذم: لما بلي و تقطّع. و «قليلون»، باعتبار أنّهم أسباط، كلّ سبط منهم قليل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ‏، يقول: عصبة قليلة.

و في أصول الكافي‏ (3) بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول- (عليه السلام)- في آخره: إنّ اللّه خلق أقواما لجهنّم و النّار. فأمرنا أن نبلّغهم كما بلّغناهم. و اشمأزّوا من ذلك، و نفرت قلوبهم. و ردّوه علينا، و لم يحتملوا، و كذّبوا به، و قالوا: ساحر كذّاب! فطبع اللّه على قلوبهم و أنساهم ذلك.

ثمّ أطلق اللّه لسانهم ببعض الحقّ، فهم ينطقون و قلوبهم منكرة، ليكون ذلك دفعا عن أوليائه و أهل طاعته. و لولا ذلك، ما عبد اللّه في أرضه. فأمرنا بالكفّ عنهم و السّتر [و الكتمان. فاكتموا عمّن أمر اللّه بالكفّ عنه، و استروا عمّن أمر اللّه بالسّتر] (4) و الكتمان عنه.

قال: ثمّ رفع يده و بكى و قال: اللّهمّ‏ إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ‏. فاجعل محيانا محياهم، و مماتنا مماتهم. و لا تسلّط عليهم عدوّا لك فتفجعنا بهم. فإنّك إن فجعتنا (5) بهم، لم تعبد أبدا في أرضك. و صلّى اللّه على محّمد و آله و سلّم-.

وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ‏ (55): لفاعلون ما يغيظنا.

وَ إِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ‏ (56): و إنّا لجمع من عادتنا الحذر و استعمال الحزم في الأمور.

أشار أوّلا إلى عدم ما يمنع اتّباعهم من شوكتهم، ثمّ إلى تحقّق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم و وجوب التّيقّظ في شأنهم حثّا عليه. أو اعتذار بذلك إلى أهل المدائن، كي لا يظنّ به ما يكسر سلطانه.

____________

(1) م، ن: سبعمائة.

(2) تفسير القمي 2/ 122.

(3) الكافي 1/ 402، ح 5.

(4) ليس في م.

(5) المصدر: أفجعتنا.

476

و قرأ (1) ابن عامر برواية ابن ذكوان و الكوفيّون: «حاذرون». و الأوّل للثّبات و الثّاني للتّجدّد.

و قيل‏ (2): الحاذر، المودّي في السّلاح. و هو أيضا من الحذر، لأنّ ذلك إنّما يفعل حذرا.

و قرئ: «حادرون» (3) بالدّال، أي: أقوياء (4).

فَأَخْرَجْناهُمْ‏: بأن خلقنا داعية الخروج بهذا السّبب، فحملتهم عليه.

مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ‏ (57) وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ (58)، يعني: المنازل الحسنة و المجالس البهيّة.

كَذلِكَ‏، مثل ذلك الإخراج، أخرجنا. فهو مصدر. أو: مثل ذلك المقام الّذي كان لهم، على أنّه صفة مقام. أو: الأمر كذلك. فيكون خبرا لمحذوف.

وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ‏ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ‏:

و قرئ‏ (5): فاتّبعوهم».

مُشْرِقِينَ‏ (60): داخلين في وقت شروق الشّمس‏] (6).

فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ‏: تقاربا، بحيث رأى كلّ منهما الآخر.

و قرئ‏ (7): «تراءت الفئتان».

قالَ أَصْحابُ مُوسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ‏ (61): لملحقون.

و قرئ‏ (8): «لمدّركون»، من: ادّرك الشّي‏ء: إذا تتابع ففني، أي: إنّا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم.

و في الخرائج و الجرائح‏ (9): أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: لمّا خرجنا إلى خيبر، فإذا نحن بواد ملآن ماء. فقدّرناه فإذا هو أربعة عشر قامة. فقال النّاس: يا رسول اللّه! العدوّ من ورائنا و الوادي أمامنا، فكان كما قال أصحاب موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ‏.

فنزل- (عليه السلام)- ثمّ قال: اللّهمّ إنّك جعلت لكلّ مرسل علامة، فأرنا قدرتك. ثمّ‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 158.

(3) ليس في م.

(4) أنوار التنزيل 2/ 158.

(5) نفس المصدر/ 159.

(6) ليس في م.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) الخرائج و الجرائح 1/ 54.

477

ركب و عبرت الخيل و الإبل، لا تندى حوافرها و لا أخفافها.

قالَ كَلَّا: لن يدركوكم. فإنّ اللّه وعدكم الخلاص منهم.

إِنَّ مَعِي رَبِّي‏ بالحظ و النّصرة.

سَيَهْدِينِ‏ (62) طريق النّجاة منهم.

و نقل‏ (1) أنّ مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى، فقال: أين أمرت؟ فهذا البحر أمامك، و قد غشيك آل فرعون! قال: أمرت بالبحر، و لعلّي أؤمر بما أصنع.

فَأَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ: القلزم‏ (2) أو النّيل.

فَانْفَلَقَ‏، أي: فضرب فانفلق. و صار اثني عشر فرقا، بينها مسالك.

فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏ (63): كالجبل المنيف الثّابت في مقرّه، فدخلوا في شعابها كلّ سبط في شعب‏ (3).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): فلمّا قرب موسى- (عليه السلام)- من البحر، و قرب فرعون من موسى، قالَ أَصْحابُ مُوسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ‏ موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏، أي: سينجّيني.

فدنا موسى- (عليه السلام)- من البحر، فقال له: انفرق‏ (5): فقال البحر له:

استكبرت يا موسى أن تقول لي أن أنفرق‏ (6) لك، و لم أعص اللّه- عزّ و جلّ- طرفة عين، و قد كان فيكم العاصي! فقال له موسى- (عليه السلام)-: فاحذر أن تعصي! و قد علمت أنّ آدم- (عليه السلام)- أخرج من الجنّة بمعصيته، [و إنّما لعن إبليس بمعصيته‏] (7). فقال البحر:

ربّي عظيم، مطاع أمره. و لا ينبغي لشي‏ء أن يعصيه.

فقام يوشع بن نون، فقال لموسى- (عليه السلام)-: يا نبيّ اللّه‏ (8)، ما أمرك ربّك؟

قال: بعبور البحر. فأقحم يوشع فرسه في الماء. و أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى موسى- (عليه السلام)- أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فضربه‏ فَانْفَلَقَ. فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏، أي: كالجبل العظيم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 159.

(2) أي: البحر الأحمر اليوم.

(3) الشّعب: انفراج بين الجبلين.

(4) تفسير القمي 2/ 121- 122.

(5) المصدر: انفلق.

(6) المصدر: انفلق.

(7) ليس في س، أ.

(8) المصدر: يا رسول اللّه.

478

فضرب له في البحر اثني عشر طريقا. فأخذ كلّ سبط منهم في طريق. فكان‏ (1) الماء قد ارتفع، و بقيت الأرض يابسة طلعت فيها الشّمس، فيبست كما حكى اللّه‏ (2)- عزّ و جلّ-:

[فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى‏.

و دخل موسى- (عليه السلام)- و أصحابه البحر. و كان أصحابه‏] (3) اثني عشر سبطا.

فضرب اللّه- عزّ و جلّ- لهم في البحر اثني عشر طريقا. فأخذ كلّ سبط في طريق، و كان الماء قد ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال.

فجزعت الفرقة الّتي كانت مع موسى- (عليه السلام)- في طريقه. فقالوا: يا موسى، أين إخواننا؟ فقال لهم: معكم في البحر. فلم يصدّقوه. فأمر اللّه- عزّ و جلّ- البحر، فصار طاقات، حتّى كان ينظر بعضهم إلى بعض و يتحدّثون.

و أقبل فرعون و جنوده. فلمّا انتهى إلى البحر، قال لأصحابه: ألا تعلمون أنّي ربّكم الأعلى؟ قد فرج لي البحر. فلم يجسر أحد أن يدخل البحر، و امتنعت الخيل منه لهول الماء.

فتقدّم فرعون، حتّى جاء إلى ساحل البحر. فقال له منّجمه: لا تدخل البحر.

و عارضه. فلم يقبل منه و أقبل على فرس حصان. فامتنع الحصان أن يدخل الماء. فعطف عليه جبرئيل- (عليه السلام)- و هو على ماديانة، فتقدمه و دخل. فنظر الفرس إلى الرّمكة (4)، فطلبها و دخل البحر، و اقتحم أصحابه خلفه. فلمّا دخلوا كلّهم، حتّى كان آخر من دخل من أصحابه و آخر من خرج من أصحاب موسى، أمر اللّه- عزّ و جلّ- الرّياح، فضربت البحر بعضه ببعض. فأقبل الماء يقع عليهم مثل الجبال.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن محمّد بن هشام، عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ قوما ممّن آمن بموسى- (عليه السلام)- قالوا: لو أتينا عسكر فرعون و كنّا فيه و نلنا من دنياه. فإذا كان الّذي نرجوه من ظهور موسى- (عليه السلام)- صرنا إليه. ففعلوا.

____________

(1) م: و كان.

(2) طه/ 77.

(3) ليس في ن.

(4) الرمكة: الفرس و البرذونة تتّخذ للنسل.

(5) الكافي 5/ 109، ح 13.

479

فلّما توجه موسى- (عليه السلام)- و من معه [إلى البحر] (1) هاربين من فرعون، ركبوا دوابّهم و أسرعوا في السّير [ليلحقوا] (2) بموسى- (عليه السلام)- و عسكره، فيكونوا معهم. فبعث اللّه- عزّ و جلّ- ملكا، فضرب وجوه دوابّهم، فردّهم إلى عسكر فرعون. فكانوا في من غرق مع فرعون.

وَ أَزْلَفْنا: و قرّبنا. ثَمَّ الْآخَرِينَ‏ (64): فرعون و قومه، حتّى دخلوا على أثرهم مداخلهم.

وَ أَنْجَيْنا مُوسى‏ وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ‏ (65): بحفظ البحر على تلك الهيئة، إلى أن عبروا.

ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ‏ (66): بإطباقه عليهم.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: و أيّة آية.

وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (67): و ما تنبّه عليها أكثرهم، إذ لم يؤمن بها أحد ممّن بقي في مصر، من القبط و بني إسرائيل، بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها و اتّخذوا العجل.

و قالوا: «لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرة (3)».

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ: المنتقم من أعدائه‏ الرَّحِيمُ‏ (68): بأوليائه.

وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ‏: على مشركي العرب‏ نَبَأَ إِبْراهِيمَ‏ (69).

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ‏ (70):

سألهم، ليريهم أنّ ما يعبدونه لا يستحقّ العبادة.

قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ‏ (71):

فأطالوا جوابهم بشرح أحوالهم معه تبحجا به‏ (4) و افتخارا. و «نظلّ» هاهنا، بمعنى ندوم.

و قيل‏ (5): كانوا يعبدونها بالنّهار، دون اللّيل.

قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ‏: يسمعون دعاءكم. أو: يسمعونكم تدعون، فحذف ذلك لدلالة: إِذْ تَدْعُونَ‏ (72) عليه.

و قرئ‏ (6) بضمّ الياء. أي: يسمعونكم الجواب عن دعاءكم. و مجيئه مضارعا، مع‏

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) البقرة/ 55.

(4) تبجّح: فرح و تباهي.

(5) أنوار التنزيل 2/ 160.

(6) نفس المصدر و الموضع.

480

«إذ» على حكاية الحال الماضية، استحضارا لها.

أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ‏ على عبادتكم لها أَوْ يَضُرُّونَ‏ (73) من أعرض عنها.

قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ‏ (74): أضربوا عن أن يكون لهم سمع، أو يتوقّع منهم ضرّ أو نفع، و التجأوا إلى التّقليد.

قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ‏ (75) أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ‏ (76):

فإنّ القدم‏ (1) لا يدلّ على الصّحّة، و لا ينقلب به الباطل حقّا.

فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي‏:

يريد أنّهم أعداء لعابديهم، من حيث أنّهم يتضرّرون من جهتهم، فوق ما يتضرّر الرّجل من جهة عدوّه. أو أنّ المغريّ بعبادتهم أعدى أعدائهم، و هو الشّيطان. لكنّه صوّر الأمر في نفسه، تعريضا لهم- فإنّه أنفع في النّصح من التّصريح- و إشعارا بأنّها نصيحة بدأ بها نفسه، ليكون أدعى إلى القبول.

و إفراد العدوّ لأنّه في الأصل مصدر، أو بمعنى النّسب.

إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ‏ (77):

استثناء منقطع. أو متّصل، على أنّ الضّمير لكلّ معبود عبدوه، و كان من آبائهم من عبد اللّه.

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ‏ (78):

لأنّه يهدي كلّ مخلوق لما خلق له من أمور المعاش و المعاد- كما قال‏ (2): وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏- هداية مدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله، يتمكّن بها من جلب المنافع و دفع المضارّ. مبدؤها بالنّسبة إلى الإنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطّمث من الرّحم. و منتهاها الهداية إلى طريق الجنّة و التّنعّم بلذائذها.

و الفاء للسّببيّة، إن جعل الموصول مبتدأ. و للعطف، إن جعل صفة رَبَّ الْعالَمِينَ‏.

فيكون اختلاف النّظم، لتقدّم الخلق و استمرار الهداية.

____________

(1) م، ن: التقدّم.

(2) الأعلى/ 3.

481

وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ‏ (79)، على الأوّل مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة ما قبله عليه. و كذا اللّذان بعده. و تكرير الموصول على الوجهين، للدّلالة على أنّ كلّ واحدة من الصّلات مستقلّة باقتضاء الحكم.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب: إبراهيم بن أدهم و فتح الموصليّ، قال كلّ واحد منهما: كنت أسيح في البادية مع القافلة، فعرضت لي حاجة. فتنجّيت عن القافلة.

و إذا (2) أنا بصبيّ يمشي، فقلت: سبحان اللّه! بادية بيداء و صبيّ يمشي! فدنوت منه، فسلّمت‏ (3) عليه. فردّ عليّ السّلام: فقلت له: إلى أين؟ قال: أريد بيت ربّي. فقلت: حبيبي! إنّك صغير، ليس عليك فرض و لا سنّة! فقال: يا شيخ، ما رأيت من هو أصغر منّي سنّا مات؟! فقلت: أين الزّاد و الرّاحلة؟ فقال: زادي تقواي، و راحلتي رجلاي، و قصدي مولاي:

فقلت: ما أرى معك شيئا من الطّعام! فقال: يا شيخ، هل تستحسن‏ (4) أن يدعوك إنسان إلى دعوة، فتحمل من بيتك الطّعام!؟ قلت: لا. قال: الّذي دعاني إلى بيته، هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ.

أقول: هذا الكلام طويل. و قد ذكر في أواسطه، أنّ الصّبيّ كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-.

وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‏ (80):

عطف على‏ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ‏، لأنّه من روادفهما، [من حيث إنّ الصّحة و المرض في الأغلب يتبعان المأكول و المشروب.

قيل‏ (5): و إنّما لم ينسب المرض إليه، لأنّ المقصود (6) تعديد النّعم‏] (7). و لا ينتقض بإسناد الإماتة إليه. فإنّ الموت من حيث إنّه لا يحسّ به، لا ضرر فيه. إنّما الضّرر في مقدّماته و هي المرض. ثمّ إنّه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحابّ التي يستحقر (8) دونها الحياة الدّنيويّة، و خلاص من أنواع المحن و البليّات‏ (9). و لأنّ المرض في غالب الأمر، إنّما يحدث بتفريط من‏

____________

(1) المناقب 4/ 137.

(2) أ، المصدر: فإذا.

(3) المصدر: و سلّمت.

(4) المصدر: يستحسن.

(5) أنوار التنزيل 2/ 160.

(6) المصدر: مقصوده.

(7) ليس في م.

(8) المصدر: تستحقر.

(9) المصدر: البليّة.

482

الإنسان في مطاعمه و مشاربه و بما بين الأخلاط و الأركان من التّنافي و التّنافر و الصّحّة، إنّما تحصل باستحفاظ اجتماعها و الاعتدال المخصوص عليها قهرا. و ذلك [بقدرة العزيز الحكيم‏] (1).

أقول: لمّا كان عروض المرض قد يكون شرّا، و هو ما يكون سبب عروضه الإنسان نفسه، نسبه إلى نفسه، و إن كان عروض المرض الّذي أعطاه اللّه- تعالى- نعمة في الأغلب، كما يدلّ عليه عبارة الصّحيفة السّجاديّة و بعض الأخبار، بخلاف الشّفاء، فإنّه على إطلاقه يكون منه- تعالى- فلذا ورد عبارة دالّة على الاختصاص به- تعالى-.

و في كتاب الخصال‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من ظهرت صحّته على سقمه، فتعالج‏ (3) بشي‏ء فمات، فأنا إلى اللّه منه بري‏ء.

و في كتاب التّوحيد (4) بإسناده إلى عبد اللّه بن مسعود، قال: بينا (5) نحن عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ تبسّم. فقلت له: مالك يا رسول اللّه؟ قال: عجبت من المؤمن و جزعه من السّقم. و لو يعلم ما له في السّقم من الثّواب، لأحبّ أن لا يزال سقيما، حتّى يلقى ربّه- عزّ و جلّ-.

و في الكافي‏ (6) بإسناده إلى جابر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللّه- عزّ و جلّ-: من مرض ثلاثا، فلم يشك إلى أحد من عوّاده، أبدلته لحما خيرا من لحمه، و دما خيرا من دمه. فإن عافيته، عافيته و لا ذنب له. و إن قبضته، قبضته‏ (7) إلى رحمتي.

عليّ بن إبراهيم‏ (8)، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال اللّه- تبارك و تعالى-: ما من عبد ابتليته ببلاء، فلم يشك إلى عوّداه، إلّا أبدلته لحما خيرا من لحمه، و دما خيرا من دمه. فإن قبضته، قبضته إلى رحمتي. و إن عاش، عاش و ليس له ذنب.

____________

(1) ليس في م.

(2) الخصال/ 26، ح 91.

(3) المصدر: فيعالج.

(4) التوحيد/ 400- 401، ح 3.

(5) المصدر: بينما.

(6) الكافي 3/ 115، ح 1.

(7) ليس في س، أ.

(8) نفس المصدر، ح 2.

483

و بإسناده‏ (1) عن بشير الدّهّان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال اللّه- عزّ و جلّ-: أيّما عبد ابتليته ببليّة، فكتم ذلك عوّداه ثلاثا، أبدلته لحما خيرا من لحمه، و دما خيرا من دمه، و بشرا خيرا من بشره. فإن أبقيته، أبقيته و لا ذنب له. و إن مات، مات إلى رحمتي.

و بإسناده‏ (2) إلى [أحمد بن‏] (3) الحسن الميثميّ، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من مرض ليلة، فقبلها بقبولها، كتب اللّه له عبادة ستّين سنة.

قلت: ما معنى قبولها؟ قال: لا يشكو ما أصابه فيها إلى أحد.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن العرزميّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من اشتكى ليلة، فقبلها بقبولها، و أدّى إلى اللّه شكرها، كانت كعبادة ستّين سنة. قال أبي: فقلت له: ما قبولها؟ قال: يصبر عليها، و لا يخبر بما كان فيها. فإذا أصبح، حمد اللّه على ما كان.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من مرض ثلاثة أيّام، فكتمه، و لم يخبر به أحدا، أبدل اللّه- عزّ و جلّ- له لحما خيرا من لحمه، و دما خيرا من دمه، و بشرة خيرا من بشرته، و شعرا خيرا من شعره. قال قلت له: جعلت فداك، و كيف يبدله؟ قال: يبدله لحما و شعرا و دما (6) و بشرة، لم يذنب فيها.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن حدّ الشّكاة (8) للمريض. فقال: إنّ الرّجل يقول:

حممت اليوم و سهرت البارحة، و قد صدق، و ليس هذا شكاة (9). و إنّما الشّكوى أن يقول: لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد. و يقول: لقد أصابني ما لم يصب أحدا. و ليس الشّكوى أن يقول:

سهرت البارحة و حممت اليوم، و نحو هذا.

____________

(1) نفس المصدر، ح 3.

(2) نفس المصدر، ح 4.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر/ 114، ح 5.

(5) نفس المصدر، ح 6.

(6) المصدر: و دما و شعرا.

(7) نفس المصدر، ح 1.

(8) ن، المصدر: الشكاية.

(9) المصدر: شكاية.

484

وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ‏ (81): في الآخرة.

وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ‏ (82):

ذكر ذلك هضما لنفسه، و تعليما للأمّة، أن يجتنبوا المعاصي و يكونوا على حذر.

و حمل الخطيئة على كلماته الثّلاث: إِنِّي سَقِيمٌ‏ (1)، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‏ (2)، و قوله:

«هي أختي» (3)، ضعيف، لأنّها معاريض، و ليست خطايا.

رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً: كمالا في العلم و العمل، أستعدّ به خلافة الحقّ و رئاسة الخلق.

وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ (83): و وفّقني للكمال في العمل، لأنتظم به في عداد الكاملين في الصّلاح، الّذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب و لا صغيره. و هم الأنبياء- (عليهم السلام)-.

وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ (84): جاها و حسن صيت في الدّنيا، يبقى أثره إلى يوم الدّين. و لذلك ما من أمّة إلّا و هم محبّون له مثنون عليه. أو: صادقا من ذرّيّتي يجدّد أصل ديني، و يدعو النّاس إلى ما كنت أدعوهم إليه. و هو محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في نهج البلاغة (4): قال- (عليه السلام)-: ألا و إنّ اللّسان الصّالح يجعله اللّه للمرء في النّاس، خير له من المال يورثه من لا يحمده.

و في شرح الآيات الباهرة (5): روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه أراد به النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و روي‏ (6) عنه- (عليه السلام)‏- أنّه أراد به عليّا- (عليه السلام)-. قال: إنّه عرضت على إبراهيم ولاية عليّ بن أبي طالب. قال: أللّهمّ اجعله من ذرّيّتي. ففعل اللّه ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)- (رحمه اللّه)-، في قوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الصافات/ 89.

(2) الأنبياء/ 63.

(3) أنوار التنزيل 2/ 160.

(4) نهج البلاغة/ 177، الخطبة 120.

(5) تأويل الآيات 1/ 388، ح 7.

(6) نفس المصدر، ح 8.

(7) تفسير القمي 2/ 123.

485

وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ قال: هو أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه).

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، [عن عثمان بن عيسى‏] (2)، عن يحيى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لسان الصّدق للمرء يجعله اللّه في النّاس، خير من المال يأكله و يورثه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ‏ (85) في الآخرة.

و قد مرّ معنى الوراثة فيها.

و في كتاب المناقب‏ (3) لابن شهر آشوب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل‏، في آخره بيان ما جرى منه- (عليه السلام)- أيّام تزويج فاطمة- (عليها السلام)- [من عليّ- (عليه السلام)-] (4). و فيه:

فسأل عليّا: كيف وجدت أهلك؟ قال: نعم العون على طاعة اللّه. و سأل فاطمة.

فقالت: خير بعل. فقال: اللّهمّ اجمع شملهما [و ألّف بين قلوبهما] (5) و اجعلهما و ذرّيّتهما من ورثة جنّة النّعيم.

وَ اغْفِرْ لِأَبِي‏ بالهداية و التّوفيق للإيمان، إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ‏ (86):

طريق الحقّ.

و قد مرّ بيان ذلك في سورة التّوبة.

وَ لا تُخْزِنِي‏، أي: لا تعيّرني و لا تفضحني بذنب.

و هذا الدّعاء منه على وجه الانقطاع إلى اللّه تعالى، لما بيّنّا أنّ القبيح لا يجوز وقوعه عن الأنبياء. و هو من الخزي بمعنى الهوان، أو من الخزاية بمعنى الحياء.

يَوْمَ يُبْعَثُونَ‏ (87): الضمير للعباد، لأنّهم معلومون. أو للضّاليّن.

يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ‏ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ (89)، أي:

لا ينفعان أحدا إلّا مخلصا سليم القلب عن الكفر و ميل المعاصي و سائر آفاته. أو: لا ينفعان إلّا مال من هذا شأنه و بنوه، حيث أنفق ماله في سبيل الخير، و أرشد بنيه إلى الحقّ، و حثّهم‏

____________

(1) الكافي 2/ 154، ح 19.

(2) من المصدر.

(3) المناقب 3/ 356.

(4) ليس في ن.

(5) من المصدر.

486

على البرّ، و قصدهم أن يكونوا عباد اللّه مطيعين، شفعاء له يوم القيامة.

و قيل‏ (1): الاستثناء، ممّا دلّ عليه المال و البنون. أي: لا ينفع غنى إلّا غناه.

و قيل‏ (2): منقطع. و المعنى: و لكن سلامة مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ تنفعه.

[و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عيينة:] (4) [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (5) قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏. قال: [القلب‏] (6) السّليم الذي يلقى ربّه، و ليس فيه أحد سواه. قال: كلّ قلب فيه شرك أو شكّ، فهو ساقط. و إنّما أراد بالزّهد في الدّنيا، لتفزع قلوبهم إلى الآخرة. (7)

و بإسناده‏ (8) إلى الحسن بن الجهم عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال:

التّواضع أن تعطي النّاس ما تحبّ أن تعطاه.

و في حديث آخر قال: قلت: ما حدّ التّواضع الّذي إذا فعله العبد، كان متواضعا؟

فقال: للتّواضع‏ (9) درجات. منها أن يعرف المرء قدر نفسه، فينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحبّ أن يأتي إلى أحد إلّا بمثل‏ (10) ما يؤتى إليه. إن رأى سيّئة، درأها بالحسنة. كاظم الغيظ، عاف عن النّاس. و اللّه يحبّ المحسنين. (11)

و في مجمع البيان‏ (12): و روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: هو القلب الّذي سلم من حبّ الدّنيا.

و يؤيّده‏

قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: «حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة».

و في مصباح الشّريعة (13): قال الصّادق- (عليه السلام)-: صاحب النّيّة الصّادقة، صاحب القلب السّليم. لأنّ سلامة القلب من هواجس المحذورات، بتخليص النّيّة للّه في الأمور كلّها. قال اللّه- تعالى-: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 161.

(3) الكافي 2/ 16، ح 5. و سند الحديث في ح 4.

(4) ليس في أ.

5 و 6- من المصدر.

(7) المصدر: لتفرغ قلوبهم للآخرة.

(8) نفس المصدر/ 124، ح 13.

(9) المصدر: التواضع.

(10) المصدر: مثل.

(11) إشارة إلى قوله- تعالى- في: آل عمران/ 134.

(12) مجمع البيان 4/ 194.

(13) مصباح الشريعة/ 53.

487

وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (90)، بحيث يرونها من الموقف، فيتبجّحون‏ (1) بأنّهم المحشورون إليها.

وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ‏ (91)، فيرونها مكشوفة و يتحسّرون على أنّهم المسوقون إليها.

و في اختلاف الفعلين، ترجيح لجانب الوعد.

وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ‏ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: أين آلهتكم، الّذين تزعمون أنّهم شفعاؤكم؟

هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ‏ بدفع العذاب عنكم؟

أَوْ يَنْتَصِرُونَ‏ (93): بدفعه عن أنفسهم؟

لأنّهم و آلهتهم، الملقون في النار، كما قال:

فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ‏ (94)، أي: الآلهة و عبدتهم.

و الكبكبة: تكرير الكبّ، لتكرير معناه. كأنّ من ألقي في النّار، ينكبّ مرّة بعد أخرى، حتّى يستقرّ في قعرها.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أبي سعيد المكاريّ، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ‏ قال: [يا أبا بصير] (3) هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثمّ خالفوه الى غيره.

[محمّد بن يحيى‏ (4)، عن الحسين بن إسحاق عن عليّ بن مهزيار، عن عبد اللّه بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏ في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ‏ قال: يا أبا بصير، هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره.] (5)

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله‏ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ‏ قال‏

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 161. و في النسخ:

فيتحجبون.

(2) الكافي 1/ 47، ح 4.

(3) من ع.

(4) نفس المصدر 2/ 300، ح 4.

(5) هذا الخبر ليس في ع.

(6) تفسير القمي 2/ 123.

488

الصّادق- (عليه السلام)- نزلت في قوم وصفوا عدلا بألسنته، ثمّ خالفوه إلى غيره.

و في خبر آخر قال: «هم» بنو أميّة. وَ الْغاوُونَ‏ بنو العبّاس‏ (1).

و في كتاب المناقب‏ (2) لابن شهر آشوب: أبو ذرّ في خبر عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أبا ذرّ، يؤتى بجاحد عليّ يوم القيامة أعمى أبكم، يتكبكب في ظلمات يوم‏ (3) القيامة، ينادي: يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ‏ (4)، و في عنقه طوق من النّار.

و في محاسن البرقيّ: (5) و في رواية عثمان بن عيسى- أو غيره- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ‏ قال: من وصف عدلا، ثمّ خالفه إلى غيره.

وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ‏: متّبعوه من عصاة الثّقلين، أو شياطينه.

أَجْمَعُونَ‏ (95):

تأكيد للجنود، أو للضّمير في «كبكبوا» و ما عطف عليه.

قالُوا وَ هُمْ‏: [متبّعوه‏] (6)، أي: العبدة.

فِيها يَخْتَصِمُونَ‏ (96): مع معبوديها.

تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ (98)، أي: في استحقاق العبادة.

و في كتاب التّوحيد (7) خطبة لعليّ‏ (8)- (عليه السلام)- يقول فيها: أيّها السائل اعلم أنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين أعضاء خلقه، و بتلاحم‏ (9) أحقاق‏ (10) مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته، إنّه‏ (11) لم يعقد غيب ضميره على معرفته، و لم يشاهد قلبه اليقين بأنّه لا ندّ له. و كأنّه لم يسمع بتبرّي التّابعين من المتبوعين، و هم يقولون: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏.

____________

(1) المصدر: و الغاوون هم بنو فلان.

(2) المناقب 3/ 273.

(3) ليس في المصدر.

(4) الزمر/ 56.

(5) المحاسن/ 120، ح 134.

(6) من م.

(7) التوحيد/ 54- 55، ح 13.

(8) ن: لأمير المؤمنين.

(9) ن: و تلاحم.

(10) الأحقاق- جمع الحقّ-: النقرة في رأس الكتف.

(11) ن: فانّه.

489

فمن ساوى ربّنا بشي‏ء، فقد عدل به. و العادل به، كافر بما تنزّلت‏ (1) به محكمات آياته، و نطقت به شواهد حجج بيّناته. لأنّه اللّه الّذي لم يتناه في العقول، فيكون في مهبّ فكرها مكيّفا، و في حواصل هويّات‏ (2) همم النّفوس محدودا مصرّفا. المنشئ أصناف الأشياء، بلا رويّة احتاج إليها، و لا قريحة غريزة أضمر عليها، و لا تجربة أفادها من مرّ حوادث الدّهور، و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور.

وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ‏ (99):

قيل‏ (3): أي: إلّا أوّلونا الّذين اقتدينا بهم.

و قيل‏ (4): إلّا الشّياطين.

و قيل‏ (5): إلّا الكافرون الّذين دعونا إلى الضّلال.

فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ‏ (100)، كما للمؤمنين من الملائكة و الأنبياء.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن مسلم‏ (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أنزل في طسم: وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ‏. جنود إبليس ذرّيّته من الشّياطين.

و قوله: وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ‏، يعني: المشركين الّذين اقتدى بهم هؤلاء، فاتّبعوهم على شركهم. و هم قوم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليس فيهم من اليهود و النّصارى أحد. و تصديق ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ‏ (8). كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ (9). كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (10). ليس هم اليهود الّذين قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ‏ (11) و لا النّصارى الّذين قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ‏ (12) سيد خل اللّه اليهود و النّصارى النّار، و يدخل‏

____________

(1) المصدر: نزلت.

(2) المصدر: رويّات.

(3) مجمع البيان 4/ 194.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 2/ 30- 31، ح 1.

(7) المصدر: سالم.

(8) ص/ 12 و آيات أخر.

(9) الشعراء/ 176.

(10) القمر/ 33.

11 و 12- التوبة/ 30.

490

كلّ قوم بأعمالهم، و قولهم: وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ‏ إذ دعونا إلى سبيلهم، ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ- فيهم حين جمعهم إلى النّار: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ. و قوله: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً بري‏ء بعضهم من بعض، و لعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحجّ بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، و ليس بأوان بلوى و لا اختبار، و لا قبول‏ (1) معذرة و لا حين نجاة.

وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏ (101): إذ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ‏.

أو فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ‏ ممّن نعدهم شفعاء و أصدقاء. أو وقعنا في مهلكة لا يخلّصنا منها شافع و لا صديق.

و جمع «الشّافع» و وحدة «الصّديق» لكثرة الشّفعاء في العادة و قلّة الصّديق، و لأنّ الصّديق الواحد يسعى أكثر ممّا يسعى الشّفعاء، أو لإطلاق الصّديق على الجمع، كالعدوّ، لأنّه في الأصل مصدر، كالحنين و الصّهيل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أسامة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّهما (3) قالا: و اللّه، لنشفعنّ في المذنبين من شيعتنا حتّى يقول أعداؤنا إذا رأوا ذلك: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن عثمان بن‏ (5) أبي شيبة، عن محمّد بن الحسين الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عبد اللّه بن زيدان‏ (6)، عن الحسن بن محمّد بن أبي عاصم، عن عيسى بن عبد اللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه‏ (7)، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: نزلت هذه الآية فينا و في شيعتنا، و ذلك أنّ اللّه- سبحانه- يفضّلنا و يفضّل شيعتنا حتّى أنّا لنشفع و يشفعون، فإذا رأى ذلك من ليس منهم قالوا: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

[و قال- أيضا-: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن رجل، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: قول.

(2) تفسير القمّي 2/ 123.

(3) ليس في المصدر.

(4) تأويل الآيات 1/ 389، ح 9.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(6) م: زيد.

(7) يعني: عبد اللّه، أبي عيسى.

491

عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏. فقال: لمّا يرانا هؤلاء و شيعتنا نشفع يوم القيامة يقولون: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏] (1)، يعني بالصّديق: المعرفة، و بالحميم: القرابة.

و روى البرقي‏ (2): عن ابن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن عبد الكريم بن عمرو، عن سليمان بن خالد قال: كنّا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقرأ: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏ [و قال: و اللّه، لنشفعنّ ثلاثا و لتشفعنّ شيعتنا ثلاثا حتّى يقول عدوّنا:

فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.] (3)

و في روضة الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن عمر بن أبان، عن عبد الحميد الوابشيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: و إنّ الشّفاعة لمقبولة و ما تقبل في ناصب، و إنّ المؤمن ليشفع في جاره‏ (5) و ماله حسنة فيقول: يا ربّ، جاري كان يكفّ عنّي الأذى.

فيشفع فيه، فيقول اللّه- تبارك و تعالى-: أنا ربّك، و أنا أحقّ من كافئ عنك. فيدخله اللّه الجنّة و ما له من حسنة، و إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا، فعند ذلك يقول أهل النّار: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (6) بإسناده إلى الحسن بن صالح بن حيّ قال: سمعت جعفر بن محمّد يقول: لقد عظمت منزلة الصّديق حتّى أنّ أهل النّار يستغيثون به و يدعون به في النّار قبل القريب الحميم، قال اللّه مخبرا عنهم: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.] (7)

و بإسناده‏ (8) إلى [أبي العبّاس‏] (9) الفضل بن عبد الملك: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: يا فضل، لا تزهدوا في فقراء شيعتنا، فإنّ الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة و مضر.

____________

(1) ليس في م.

(2) تأويل الآيات 1/ 390، ح 11.

(3) ليس في م.

(4) الكافي 8/ 101، ح 72.

(5) المصدر: لجاره.

(6) أمالي الطوسي 2/ 131.

(7) ليس في أ.

(8) أمالي الطوسي 1/ 45- 46.

(9) من المصدر.

492

ثمّ قال: يا فضل، إنّما سمّي المؤمن: مؤمنا، لأنّه يؤمن على اللّه فيجير أمانه.

ثمّ قال: أما سمعت اللّه- تعالى- يقول في أعدائكم إذا رأوا شفاعة الرّجل منكم لصديقه يوم القيامة: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

و في مصباح شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (1) في دعاء يوم المباهلة المرويّ عن أبي إبراهيم، موسى بن جعفر- (عليهما السلام)-: أللّهمّ، إنّا قد تمسّكنا بكتابك و بعترة نبيّك، محمّد- صلواتك عليه و عليهم- الّذين أقمتهم لنا دليلا و علما و أمرتنا باتّباعهم، أللّهمّ، فإنّا قد تمسّكنا بهم فارزقنا شفاعتهم حين يقول الخائبون: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

و في محاسن البرقي‏ (2): عنه، عن عمر بن عبد العزيز، عن المفضّل أو غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏ قال:

«الشّافعون» الأئمّة، و «الصّديق» من المؤمنين.

و في مجمع البيان‏ (3): و في الخبر المأثور عن جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ الرّجل يقول في الجنّة: ما فعل صديقي فلان؟ و صديقه في الجحيم، فيقول اللّه- تعالى-: اخرجوا له صديقه إلى الجنّة. فيقول من بقي في النّار:

فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

و عن أبان بن تغلب‏ (4) قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته، فيشفع فيهم حتّى يبقى خادمه فيقول و يرفع سبّابتيه: [يا ربّ‏] (5) خويدمي كان يقيني الحرّ و البرد. فيشفع فيه.

و في خبر آخر (6): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ المؤمن ليشفع في جاره و ماله حسنة، فيقول: يا ربّ، جاري كان يكفّ عنّي الأذى. فيشفع فيه، و إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا.

و في شرح الآيات الباهرة (7): محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)-، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن عمر بن أبان، عن عبد الحميد الوابشىّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: إنّ لنا جارا ينتهك‏

____________

(1) مصباح المتهجّد/ 711- 712.

(2) المحاسن/ 184، ح 187.

3 و 4- المجمع 4/ 194- 195.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تأويل الآيات 1/ 391، ح 15.

493

المحارم كلّها، حتّى أنّه ليترك الصّلاة فضلا عن غيرها.

فقال: سبحان اللّه، أو عظم‏ (1) ذلك عليك‏ (2) ألا أخبرك بمن هو شرّ منه؟

[فقلت: بلى.

فقال: الناصب لنا شرّ منه،] (3) أما إنّه ليس من عبد يذكر عنده أهل البيت فيرقّ لذكرنا إلّا مسحت الملائكة ظهره، و غفر اللّه له ذنوبه كلّها إلّا أن يجي‏ء بذنب يخرجه من الإيمان، و إن الشّفاعة لمقبولة و ما تقبل في ناصب، و إنّ المؤمن ليشفع لجاره و ماله من حسنة [فيقول: يا ربّ، جاري كان يكفّ عنّي الأذى فيشفع فيه، فيقول اللّه- تبارك و تعالى- أنا ربّك، و أنا أحقّ من كافئ عنك فيدخله الجنّة و ماله من حسنة] (4) و إنّ من أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا، فعند ذلك يقول أهل النّار: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏.

فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً: تمّن للرّجعة، و أقيم فيه «لو» مقام «ليت» لتلاقيهما في معنى التّقدير. أو شرط حذف جوابه.

فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (102): جواب التّمنّي. أو عطف على كرّة، أي: لو أنّ لنا أن نكرّ فنكون من المؤمنين‏ (5).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ قال: من المهتدين‏ (7)، قال: لأنّ الإيمان قد لزمهم بالإقرار.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: فيما ذكر من قصّة إبراهيم.

لَآيَةً: لحجّة و عظة لمن أراد أن يستبصر بها و يعتبر، فإنّها جاءت على أنظم ترتيب و أحسن تقرير يتفطّن المتأمّل فيها لغزارة علمه، لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدّينيّة و التّنبيه على دلائلها و حسن دعوته للقوم و حسن مخالقته‏ (8) معهم و كمال إشفاقه عليهم و تصوير الأمر في نفسه، و إطلاق الوعد و الوعيد على سبيل الحكاية تعريضا و إيقاظا لهم‏

____________

(1) و أعظم.

(2) ليس في المصدر.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 162. و في أ: تكرارا فنكون. و في ساير النسخ: تكرّرا فنكون.

(6) تفسير القمّي 2/ 123.

(7) م: المقرّين. س: المقيّدين. أ: المخبرين.

(8) كذا في المصدر و النسخ. و الصحيح مخالقته.

494

ليكون أدعى لهم إلى الاستماع و القبول.

وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ‏: أكثر قومه‏ مُؤْمِنِينَ‏ (103): به.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ: القادر على تعجيل الانتقام.

الرَّحِيمُ‏ (104): بالإمهال، لكي يؤمنوا هم أو أحد من ذرّيّتهم.

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ‏ (105):

«القوم» مؤنّثة، و لذلك تصغّر على قويمة. و قد مرّ الكلام في تكذيبهم الرّسل.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن الفضل: عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: فمكث نوح- (عليه السلام)- [في قومه‏] (2) ألف سنة إلّا خمسين عاما لم يشاركه في نبوّته أحد، و لكنّه قدم على قوم مكذّبين للأنبياء الّذين كانوا بينه و بين آدم، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ‏، يعني: من كان بينه و بين آدم- (عليه السلام)- إلى أن انتهى‏ (3) إلى قوله: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏.

و قال‏ (4) فيه‏ (5)- أيضا-: فكان بين آدم و بين نوح- (عليهما السلام)- عشرة آباء (6) كلّهم أنبياء [اللّه‏] (7).

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضل‏ (9)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.

إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ‏ لأنّه كان منهم‏ أَ لا تَتَّقُونَ‏ (106) اللّه، فتتركوا عبادة غيره.

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏ (107): مشهور بالأمانة فيكم.

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (108) فيما آمركم به من التوّحيد و الطّاعة [للّه-

____________

(1) كمال الدين/ 215، ح 2.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: ينتهى.

(4) كذا في نور الثقلين 4/ 62، ح 71. و في النسخ:

وفاقا.

(5) كمال الدين/ 214، ح 2.

(6) كذا في نور الثقلين 4/ 62، ح 71. و في النسخ: أنبياء.

(7) من المصدر.

(8) الكافي 8/ 114- 115، ح 92.

(9) المصدر: الفضيل.

495

سبحانه‏] (1).

وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ‏: على ما أنا عليه من الدّعاء و النّصح‏ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (109)، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (110) كرّره للتّأكيد و التّنبيه على دلالة كلّ واحد من أمانته و حسم طمعه لوجوب طاعته فيما يدعوهم إليه، فكيف إذا اجتمعا.

قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ‏ (111): الأقلّون جاها و مالا، جمع الأرذل، على الصّحّة.

و قرأ (2) يعقوب: «و أتباعك» و هو جمع تابع، كشاهد و أشهاد، أو تبع، كبطل و أبطال.

و هذا من سخافة عقلهم و قصور رأيهم على الحطام الدّنيويّة حتّى جعلوا اتّباع المقلّين فيها مانعا عن اتّباعهم و إيمانهم بما يدعوهم إليه و دليلا على بطلانه، و أشاروا بذلك إلى أنّ اتّباعهم ليس عن نظر و بصيرة و إنّما هو لتوقّع مال و رفعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله- عزّ و جلّ-: و قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ‏ يا نوح‏ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ‏ قال الفقراء.

قالَ وَ ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (112): أنّهم عملوه إخلاصا أو طمعا في طعمة، و م عليّ إلّا اعتبار الظّاهر.

إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى‏ رَبِّي‏: ما حسابهم على بواطنهم إلّا على اللّه- تعالى- فإنّه المطّلع عليها لَوْ تَشْعُرُونَ‏ (113) لعلمتم ذلك، و لكنّكم تجهلون فتقولون مالا تعلمون.

وَ ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (114): جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم، و توقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتّباعهم المانع عنه، و قوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ‏ (115) كالعلّة له، أي: ما أنا إلّا رجل مبعوث لإنذار المكلّفين عن الكفر و المعاصي، سواء كانوا أعزّاء أو أذلّاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء. أو ما عليّ إلّا إنذاركم إنذارا بيّنا بالبرهان الواضح، فلا عليّ أن أطردهم لاسترضائكم.

قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ‏ عمّا تقول‏ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ‏ (116):

____________

(1) من أنوار التنزيل 2/ 162.

(2) أنوار التنزيل 2/ 162.

(3) تفسير القميّ 2/ 123.

496

من المشتومين، أو المضروبين بالحجارة.

قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ‏ (117): إظهارا لما يدعو عليهم لأجله، و هو تكذيب الحقّ، لا تخويفهم له و استخفافهم عليه.

فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً [فاحكم بيني و بينهم،] (1) من الفتاحة (2).

وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (118): من قصدهم، أو شؤم عملهم.

فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏ (119): المملوء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في‏ (4) قوله: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏ المشحون المجهّز الّذي قد فرغ منه و لم يبق إلّا دفعه‏ (5).

ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ إنجائه‏ الْباقِينَ‏ (120): من قومه.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: دلالة واضحة على توحيد اللّه.

وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (121)، وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في إهلاك قوم نوح.

الرَّحِيمُ‏ (122) في إنجائه نوحا و من معه في الفلك.

كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ‏ (123).

أنثه باعتبار القبيلة، و هو في الأصل اسم أبيهم.

إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (126)، وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (127) تصدير القصص بها دلالة على أنّ البعثة مقصورة على الدّعاء إلى معرفة الحقّ و الطّاعة فيما يقرّب المدعو إلى ثوابه و يبعّده‏ (6) عن عقابه، و كان الأنبياء متّفقين على ذلك، و إن اختلفوا في بعض التّفاريع، مبرّئين عن المطامع‏ (7) الدّنيئة و الأغراض‏ (8) الدّنيويّة.

____________

(1) ليس في س، أ.

(2) أي: النصرة.

(3) تفسير القميّ 2/ 125.

(4) س، أ: و عن.

(5) كذا في تفسير الصافي 4/ 45. و نور الثقلين 4/ 62، ح 72. و في المصدر و النسخ: رفعه.

(6) في م: زيادة «و يدعوه».

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/. و في س، أ، م، ن: المطاعم. و في. غيرها: المطارمة.

(8) ن: الأعراض.

497

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن الفضل‏ (2): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قال نوح: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- باعث نبيّا يقال له: هود، و إنّه يدعو قومه إلى اللّه- عزّ و جلّ- فيكذّبونه، و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يهلكهم‏ (3) بالرّيح، فمن أدركه منكم فليؤمن به و ليتّبعه، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- ينجّيه من عذاب الرّيح. و أمر نوح ابنه سام أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة، و يكون يوم عيد لهم فيتعاهدون فيه بعث هود و زمانه الّذي يخرج فيه، فلمّا بعث اللّه- تبارك و تعالى- هودا نظروا فيما عندهم من العلم و الإيمان و ميراث العلم و الاسم الأكبر و آثار علم النّبوة فوجدوا هودا نبيّا، و قد بشّرهم أبوهم، نوح به، [فآمنوا به‏] (4) و صدّقوه و اتّبعوه فنجوا من عذاب الرّيح، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً. و قوله: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏.

و في روضة الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضل‏ (6)، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.

أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ‏: مكان مرتفع. و منه: ريع الأرض، لارتفاعها.

آيَةً: علما للمارّة تَعْبَثُونَ‏ (128): ببنائها، إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فلا يحتاجون إليها. أو بروج الحمام. أو بنيانا يجتمعون إليه للعبث بمن يمرّ عليهم. أو قصورا يفتخرون بها.

و في مجمع البيان‏ (7): آيَةً تَعْبَثُونَ‏، أي: بناء لا تحتاجون إليه لسكناكم و إنّما تريدون العبث بذلك و اللّعب و اللّهو، كأنّه جعل بناءهم ما يستغنون عنه عبثا منهم ... عن ابن عبّاس في رواية عطاء.

و يؤيّده‏

الخبر المأثور (8)، عن أنس بن مالك، أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خرج فرأى قبّة فقال: ما هذه؟

____________

(1) كمال الدين/ 216، ح 2.

(2) المصدر: الفضيل.

(3) المصدر: مهلكهم.

(4) ليس في س، أ.

(5) الكافي 8/ 116، ح 92.

(6) المصدر: الفضيل.

(7) المجمع 4/ 198.

(8) نفس المصدر و الموضع.

498

قال‏ (1) له أصحابه، هذا لرجل‏ (2) من الأنصار.

فمكث حتّى إذا جاء صاحبها فسلّم على النّاس أعرض عنه، و صنع ذلك به مرارا حتّى عرف الرّجل الغضب به‏ (3) و الإعراض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه و قال: و اللّه، إنّي لأنكر نظر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما أدري ما حدث فيّ و ما صنعته‏ (4)؟! قالوا: خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فرأى قبّتك، فقال: لمن هذه؟

فأخبرناه.

فرجع إلى قبّته فسوّاها بالأرض، فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم فلم ير القبّة، فقال: ما فعلت القبّة الّتي كانت هاهنا؟

قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه، فأخبرناه فهدمها.

فقال: إنّ كلّ‏ (5) يبنى و بال على صاحبه يوم القيامة إلّا ما لا بدّ منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و أمّا قوله: بِكُلِّ رِيعٍ‏ قال الإمام أبو جعفر- (عليه السلام)- يعني: بكلّ طريق آية، و الآية عليّ- (عليه السلام)-.

وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ‏: مآخذ الماء.

و قيل‏ (7): قصورا مشيّدة و حصونا.

لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ‏ (129): فتحكمون بنيانها.

وَ إِذا بَطَشْتُمْ‏ بسوط أو سيف.

بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ‏ (130): متسلّطين غاشمين بلا رأفة، و لا قصد تأديب و نظر في العاقبة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ‏ قال: تقتلون بالغضب من غير استحقاق.

فَاتَّقُوا اللَّهَ‏: بترك هذه الأشياء.

وَ أَطِيعُونِ‏ (131): فيما أدعوكم إليه، فإنّه أنفع لكم.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: فقالوا.

(2) كذا في المصدر: و في النسخ: الرّجل.

(3) ليس في المصدر.

(4) ن، المصدر: صنعت.

(5) المصدر: لكلّ.

(6) تفسير القمّي 2/ 125.

(7) أنوار التنزيل 2/ 163.

(8) تفسير القمّي 2/ 123.

499

وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ‏ (132) كرّره مرتّبا عليه إمداد اللّه- تعالى- إيّاهم بما يعرفونه من أنواع النّعم، تعليلا و تنبيها على الوعد عليه بدوام الإمداد، و الوعيد على تركه بالانقطاع.

ثمّ فصّل بعض تلك النّعم، كما فصّل بعض مساوئهم المدلول عليها إجمالا بالإنكار في‏ أَ لا تَتَّقُونَ‏ مبالغة في الإيقاظ و الحثّ على التّقوى فقال: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ‏ (133) وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ‏ (134) ثمّ أوعدهم فقال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (135): في الدّنيا و الآخرة، فإنّه كما قدر على الإنعام قدر على الانتقام.

قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ‏ (136): فإنّا لا نرعوي‏ (1) عمّا نحن عليه.

و تغيير شقّ النّفي‏ (2) عمّا تقتضيه المقابلة، للمبالغة في قلّة اعتدادهم بوعظه.

إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ‏ (137): ما هذا الّذي جئتنا به الّا كذب الأوّلين. أو ما خلقنا هذا إلّا خلقهم نحيا و نموت مثلهم، و لا بعث و لا حساب.

و قرأ (3) نافع و ابن عامر و عاصم و حمزة: «خلق» بضمّتين، أي: ما هذا الّذي جئت به إلّا عادة الأوّلين كانوا يلفّقون‏ (4) مثله. أو ما هذا الّذي نحن عليه من [الدّين إلّا خلق الأوّلين و عادتهم، و نحن بهم مقتدون. أو ما هذا الّذي نحن عليه من‏] (5) الحياة و الموت إلّا عادة قديمة لم يزل النّاس عليها.

وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏ (138): على ما نحن عليه.

فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ‏: بسبب التّكذيب بريح صرصر.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (139)، وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (140)، كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ‏ (141)، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏ (143)، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (144)،

____________

(1) أي: لا نكفّ و لا نرتدع.

(2) يعني: مقتضى المقابلة أن يقال: أ وعظت أم لم تعظ. لكنّه غيّر إلى ما ذكر للمبالغة، فإنّ المعنى حينئذ: أم لم تكن من جنس الواعظين.

(3) أنوار التنزيل 2/ 164.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: يلفقّونه.

(5) ليس في س، أ.

500

وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (145)، أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ‏ (146): إنكار لأن يتركوا كذلك. أو تذكير (1) بالنّعمة في تخلية اللّه- تعالى- إيّاهم في أسباب تنعّمهم آمنين، ثمّ فسرّها بقوله:

فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ‏ (147)، وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ‏ (148): لطيف ليّن للطف التّمر. أو لأنّ النّخل أنثى، و طلع إناث النّخل [ألطف.

و إفراد النّخل لفضله على سائر أشجار الجنان.] (2) أو لأنّ المراد بها غيرها من الأشجار.

وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ‏ (149): بطرين. أو حاذقين، من الفراهة:

و هي النّشاط، فإنّ الحاذق يعمل بنشاط و طيب قلب.

و قرئ‏ (3): «فرهين» و هو أبلغ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (150) وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ‏ (151):

استعير الطّاعة، الّتي هي انقياد الأمر، لامتثال الأمر. أو نسب حكم الآمر إلى أمره مجازا.

الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ‏: وصف موضّح لإسرافهم، و لذلك عطف‏ وَ لا يُصْلِحُونَ‏ (152) على «يفسدون» دلالة على خلوص فسادهم.

قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ‏ (153): الّذين سحروا كثيرا حتّى غلب على عقلهم. أو من ذوي السّحر، و هي الرّئة، أي: من الأناسيّ. [و المراد أنّه كثير] (4) فيكون. ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تأكيدا له.

فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (154) في دعواك.

قالَ هذِهِ ناقَةٌ: أي: بعد ما أخرجها اللّه- تعالى- من الصّخرة بدعائه، كما اقترحوها.

لَها شِرْبٌ‏: نصيب من الماء.

و قرئ‏ (5)، بالضّمّ.

____________

(1) فيكون الاستفهام للتّقرير.

(2) ليس في أ.

(3) أنوار التنزيل 2/ 164.

(4) ليس في س، أ، م.

(5) أنوار التنزيل 2/ 164.

501

وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏ (155) فاقتصروا على شربكم و لا تزاحموها على شربها.

و في مجمع البيان‏ (1): و روي عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّه أوّل عين نبعت في الأرض هي الّتي فجّرها اللّه- عزّ و جلّ- لصالح، فقال: لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏.

وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، كضرب و عقر فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (156) عظّم اليوم لعظم ما يحلّ فيه، و هو أبلغ من تعظيم العذاب.

فَعَقَرُوها أسند العقر إلى كلّهم لأنّ عاقرها إنّما عقرها برضاهم، و لذلك أخذوا جميعا.

فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ‏ (157) على عقرها، خوفا من حلول العذاب لا توبة. أو عند معاينة العذاب، و لذلك لم ينفعهم.

و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّما يجمع النّاس الرّضا و السّخط. و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرّضا، فقال- سبحانه-: فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ‏. فما كان إلّا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السّكّة المحماة في الأرض الخوّارة. (3)

فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ‏، أي: العذاب الموعود.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (158) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (159).

قيل‏ (4): في نفي الإيمان عن أكثرهم [في هذا المعرض‏] (5) إيماء بأنّه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب، و أنّ قريشا إنّما عصموا عن مثله ببركة من آمن منهم.

____________

(1) المجمع 4/ 200.

(2) النهج/ 319، الخطبة 201.

(3) قال ابن أبي الحديد في شرحه 2/ 589:

خارت أرضهم، أي صوّتت كما يخور الثور. و شبّه- (عليه السلام)- ذلك بصوت السكّة المحماة في الأرض الخوّارة، و هي الليّنة، و انّما جعلها محماة لتكون أبلغ في ذهابها في الأرض‏

و من كلامه- (عليه السلام)- يوم خيبر بقوله لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد بعثه بالراية أكون في أمرك كالسّكّة الحماة في الأرض- إلى آخر ما ذكره‏

- و قد أعقب كلامه بعلّة طبيعيّة لذلك.

(4) أنوار التنزيل 2/ 165.

(5) من المصدر.

502

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ‏ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏ (162)، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (163)، وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (164) أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ‏ (165)، أي: أ تأتون من بين [من‏] (1) عداكم من العالمين الذّكران لا يشارككم فيه غيركم. أو تأتون الذّكران من أولاد آدم مع كثرتهم و غلبة الإناث فيهم كأنّهنّ قد أعوزنكم، فالمراد بالعالمين على الأوّل: كلّ من ينكح، و على الثّاني: النّاس.

وَ تَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ‏: لاستمتاعكم.

مِنْ أَزْواجِكُمْ‏: لبيان إن‏ (2) أريد به جنس الإناث. أو للتّبعيض إن أريد العضو المباح منهنّ، فيكون تعريضا بأنّهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضا.

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ‏ (166): متجاوزون عن حدّ الشّهوة حيث زادوا على سائر النّاس بل الحيوانات. أو مفرطون في المعاصي، و هذا من جملة ذلك. أو أحقّاء بأن توصفوا بالعدوان لارتكابكم هذه الجريمة.

قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ: عمّا تدّعيه. أو عن نهينا. أو تقبيح أمرنا.

لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ‏ (167): من المنفيّين من بين‏ (3) أظهرنا. و لعلّهم كانوا يخرجون من أخرجوه على عنف و سوء حال.

قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ‏ (168): من المبغضين غاية البغض. و هو أبلغ من أن [يقول: إنّي‏] (4) لعملكم، قال: لدلالته على أنّه معدود في زمرتهم، مشهور بأنّه من جملتهم.

رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ‏ (169)، أي: من شؤمه و عذابه.

فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ‏ (170): أهل بيته و المتبعين له على دينه بإخراجهم من بينهم وقت حلول العذاب بهم.

إِلَّا عَجُوزاً: هي امرأة لوط.

فِي الْغابِرِينَ‏ (171): مقدّرة (5) في الباقين في العذاب، إذ أصابها حجر في‏

____________

(1) من نفس المصدر و الموضع.

(2) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

ما.

(3) ليس في س، أ، م، ن.

(4) ليس في أ.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 165. و في النسخ:-

503

الطّريق فأهلكها، لأنّها كانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم.

و قيل‏ (1): لأنّها كانت تدلّ أهل الفساد على أضيافه.

و قيل‏ (2): كائنة (3) فيمن بقي‏ (4) في القرية، فإنّها لم تخرج مع لوط.

ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ‏ (172): أهلكناهم.

وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً قيل‏ (5): أمطر اللّه على شذاذ القوم حجارة فأهلكهم‏ (6).

فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ‏ (173) «اللّام» فيه للجنس حتّى يصحّ وقوع المضاف إليه فاعل «ساء». و المخصوص بالذّمّ محذوف، و هو مطرهم.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (174)، وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (175)، كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ‏ (176).

«الأيكة» غيضة تنبت ناعم الشّجر، يريد، غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة، فبعث اللّه إليهم شعيبا- (عليه السلام)-، كما بعث إلى مدين، و كان أجنبيّا منهم، فلذلك قال: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏ (177). و لم يقل: أخوهم شعيب.

و قيل: الأيكة شجر ملتفّ، و كان شجرهم الدّوم‏ (7) و هو المقل.

و قرأ (8): ابن كثير و نافع و ابن عامر [: «ليكة»] (9) بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على اللّام.

و قرئت‏ (10) كذلك مفتوحة، على أنّها ليكة، و هي اسم بلدتهم، و إنّما كتبت هاهنا و في «ص» بغير الألف اتباعا للّفظ.

____________

مقرّرة.

(1) المجمع 4/ 201.

(2) أنوار التنزيل 2/ 165.

(3) ن، المصدر: كانت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بقيت.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 165- 166.

(7) الدّوم: شجر عظام من الفصيلة النخيلية، يكثر في صعيد مصر و في بلاد العرب و ثمرته في غلظ التّفاحة ذات قشر صلب أحمر، و له نواة ضخمة ذات لبّ إسفنجيّ، و يسمّى حمله المقل.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

(10) نفس المصدر و الموضع.

504

و في جوامع الجامع‏ (1): كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ‏

و في الحديث: أنّ شعيبا أخا مدين أرسل إليهم و إلى أصحاب الأيكة.

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏ (178)، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (179)، وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (180)، أَوْفُوا الْكَيْلَ‏:

أتمّوه.

وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ‏ (181): حقوق النّاس بالتّطفيف.

وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ‏ (182): بالميزان السّويّ. و هو إن كان عربيّا، فإن كان من «القسط» ففعلاس بتكرير العين، و إلّا ففعلال.

و قرأ (2) حمزة و الكسائي و حفص، بكسر القاف.

وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ‏: [و لا تنقصوا شيئا] (3) من حقوقهم.

وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏ (183): بالقتل و الغارة و قطع الطّريق.

وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ‏ (184): ذوي الجبلّة الأوّلين، يعني: من تقدّمهم من الخلائق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ‏ قال: الخلق الأوّلين.

قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ‏ (185)، وَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أتوا «بالواو» للدّلالة على أنّه جامع بين وصفين متنافيين للرّسالة مبالغة في تكذيبه.

وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ‏ (186): في دعواك.

فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ: قطعة منها. و لعلّه جواب لما أشعر به الأمر بالتّقوى من التّهديد.

و قرأ (5) حفص، بفتح السّين.

إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ (187): في دعواك.

____________

(1) الجوامع/ 332.

(2) أنوار التنزيل 2/ 166.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمّي 2/ 123.

(5) أنوار التنزيل 2/ 166.

505

قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ‏ (188): و بعذابه المنزّل عليكم ممّا أوجبه لكم عليه في وقته المقدّر له لا محالة.

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ: على نحو ما اقترحوا، بأن سلّط اللّه عليهم الحرّ سبعة أيّام حتّى غلت أنهارهم، و أظلّتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: فَكَذَّبُوهُ‏ قال: قوم شعيب.

فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ قال‏ (2): يوم حرّ و سمائم. (3) إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (189) في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و أمّا قولة- عزّ و جلّ-: عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ فبلغنا، و اللّه أعلم، أنّه أصابهم حرّ و هم في بيوتهم، فخرجوا يلتمسون الرّوح من قبل السّحابة الّتي بعث اللّه- عزّ و جلّ- فيها العذاب، فلمّا غشيتهم‏ (5) أخذتهم الصّيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، و هم قوم شعيب.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (190)، وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (191) هذا آخر القصص السّبع المذكورة على [سبيل‏] (6) الاختصار، تسلية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و تهديدا للمكذّبين به، و اطّراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرّسل و اقتراحهم له استهزاء و عدم مبالاة به‏ (7) يدفع أن يقال: إنّه كان بسبب اتّصالات فلكيّة، أو كان ابتلاء لهم‏ (8) لا مؤاخذة على تكذيبهم.

وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ‏ (193) عَلى‏ قَلْبِكَ‏:

تقرير لحقّيّة (9) تلك القصص، و تنبيه على إعجاز القرآن و نبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فإنّ الإخبار عنها ممّن لم يتعلّمها لا يكون إلّا وحيا من اللّه- تعالى-.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 123- 124.

(2) ليس في م.

(3) السمائم- جمع السّموم-: الرّيح الحارّة. و الحرّ الشّديد النافذ في المسامّ.

(4) تفسير القمّي 2/ 125.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: غشيهم.

(6) من أنوار التنزيل 2/.

(7) ليس في أ.

(8) ن: ابتلاءهم.

(9) س، أ، م: لحقيقة.

506

و «القلب» إن أراد به: الرّوح، فذاك. و إن أراد به: العضو، فتخصيصه لأنّ المعاني الرّوحانيّة إنّما تنزل أوّلا على الرّوح، ثمّ تنتقل إلى القلب لما بينهما من التّعلّق، ثمّ تتصعّد منه إلى الدّماغ فينتقش بها نوح‏ (1) المتخيّلة.

و الرُّوحُ الْأَمِينُ‏ [جبرئيل- (عليه السلام)- فإنّه أمين اللّه على وحيه.

و قرأ (2) ابن عامر و أبو بكر و حمزة و الكسائي، بتشديد الزّاء، و نصب الرّوح الأمين.] (3) لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏ (194): عمّا يؤدّي إلى عذاب من فعل أو ترك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي، عن جابر (5)، عن أبي عبد اللّه‏ (6)- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏ قال: الولاية الّتي‏ (7) نزلت لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- يوم الغدير.

بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏ (195): واضح المعنى، لئلّا يقولوا: ما نصنع بما لا نفهمه.

فهو متعلّق «بنزل».

و يجوز أن يتعلّق «بالمنذرين»، أي: لتكون ممّن أنذروا بلغة العرب، و هم هود و صالح و إسماعيل و شعيب و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في أصول الكافي‏ (8): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن حنان بن سدير، عن سالم الحنّاط قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أخبرني عن قول اللّه- تبارك و تعالى-: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏.

قال: هي الولاية لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

عليّ بن محمّد (9)، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحجّال، عمّن ذكره، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/. و في النسخ: الرّوح.

(2) أنوار التنزيل 2/ 166.

(3) ليس في أ.

(4) تفسير القمّي 2/ 124.

(5) المصدر: حسان (حنّان)

(6) ن: أبي جعفر.

(7) ليس في المصدر.

(8) الكافي 1/ 412، ح 1.

(9) نفس المصدر 2/ 632، ح 20.

507

قال: يبيّن الألسن و لا تبيّنه الألسن.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى مسلم بن خالد المكّيّ: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: ما أنزل اللّه- تبارك و تعالى- كتابا و لا وحيا إلّا بالعربيّة، فكان يقع في مسامع الأنبياء- (عليهم السلام)- [بألسنة قومهم‏] (2) و كان يقع في مسامع نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالعربيّة. فإذا كلّم به قومه كلّمهم بالعربيّة، فيقع في مسامعهم بلسانهم، و كان أحد (3) لا يخاطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأيّ لسان خاطبه إلّا وقع في مسامعه بالعربيّة، كلّ ذلك يترجم جبرئيل- (عليه السلام)- تشريفا من اللّه- عزّ و جلّ- له- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ‏ (196): و إنّ ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدّمة.

و في بصائر الدّرجات‏ (4): محمّد بن أحمد، عن العبّاس بن معروف، عن الحسن بن محبوب، عن حنان بن سدير، عن سالم‏ (5)، عن أبي محمّد [بن أحمد] (6) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: أخبرني عن الولاية أنزل بها جبرئيل- (عليه السلام)- من عند ربّ العالمين يوم الغدير؟

فقال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ‏ قال: هي الولاية لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن حنان بن سدير، عن أبي محمّد الحنّاط (8) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: قول اللّه- عزّ و جلّ-: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ‏.

قال: ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

محمّد بن يعقوب‏ (9)- (رحمه اللّه)-، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن‏

____________

(1) العلل/ 126، ح 8.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: أحدنا.

(4) البصائر/ 93، ح 6.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ساير.

(6) ليس في المصدر.

(7) تأويل الآيات 1/ 391- 392، ح 16.

(8) م: الخياط.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 17.

508

محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: ولاية عليّ- (عليه السلام)- مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، و لم يبعث اللّه رسولا إلّا بنبوّة محمّد و ولاية وصيّه‏ (1)- صلّى اللّه عليهما و على ذرّيّتهما الأبرار صلاة باقية ما بقي اللّيل و النّهار.

أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً: على صحّة القرآن. أو نبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ (197): أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم.

و هو تقرير لكونه دليلا.

و قرأ (2) ابن عامر: «تكن» بالتّاء، و «آية» بالرّفع على أنّها الاسم و الخبر «لهم» و «أن يعلمه» بدل، أو الفاعل و «أن يعلمه» بدل و «لهم» حال، أو أنّ الاسم ضمير القصّة و «آية» خبر «أن يعلمه» و الجملة خبر «تكن» (3).

وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى‏ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ‏ (198)، كما هو زيادة في إعجازه. أو بلغة العجم.

فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏ (199) لفرط عنادهم و استكبارهم. أو لعدم فهمهم و استنكافهم من اتّباع العجم.

و «الأعجمين» جمع، أعجم، على التّخفيف و لذلك جمع جمع السّلامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى‏ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏

قال الصّادق- (عليه السلام)-: لو أنزلنا (5) القرآن على العجم ما آمنت به العرب، و قد نزل على العرب فآمنت به العجم، فهذه فضيلة العجم.

كَذلِكَ سَلَكْناهُ‏: أدخلناه‏ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ‏ (200) قيل‏ (6): الضّمير للكفر المدلول عليه بقوله: ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏.

و قيل‏ (7): للقرآن، أي: أدخلناه فيها، [بأن أمرنا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن اقرأه عليهم و بيّنه لهم‏] (8)، فعرفوا معانيه و إعجازه ثمّ لم يؤمنوا به عنادا.

____________

(1) المصدر: «وصيّة عليّ» بدل «ولاية وصيّه».

(2) أنوار التنزيل 2/ 167.

(3) المصدر: يكن.

(4) تفسير القمّي 2/ 124.

(5) المصدر: أنزل.

(6) أنوار التنزيل 2/ 167.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ليس في المصدر.

509

لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ (201): الملجئ إلى الإيمان.

فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً: في الدّنيا و الآخرة.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (202): بإتيانه.

فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ‏ (203): تحسّرا و تأسّفا.

أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ‏ (204): فيقولون: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً. فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. و حالهم عند نزول العذاب طلب النّظرة.

أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ‏ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ‏ (206) ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏ (207): لم يغن عنهم تمتّعهم المستطال‏ (1) في دفع العذاب و تخفيفه.

و في الكافي‏ (2): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسين، عن محمّد بن الوليد و محمّد بن أحمد، عن يونس بن يعقوب، عن عليّ بن عيسى القمّاط، [عن عمّه‏] (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أري‏ (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في منامه بني أميّة يصعدون على منبره من بعده و يضلّون النّاس عن الصّراط القهقرى، فأصبح كئيبا حزينا.

قال: فهبط جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا رسول اللّه، مالي أراك كئيبا حزينا؟

قال: يا جبرائيل، إنّي رأيت بني أميّة في ليلتي هذه يصعدون منبري من‏ (5) بعدي و يضلّون النّاس عن الصّراط القهقرى.

فقال: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا، ما اطّلعت عليه. فعرج إلى السّماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها، قال: أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏ و أنزل عليه و أنزل عليه‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. جعل اللّه- عزّ و جلّ- ليلة القدر لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خيرا من ألف شهر ملك بني أميّة.

و في شرح الآيات الباهرة (6): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن‏

____________

(1) أي: المتطاول.

(2) الكافي 4/ 159، ح 10.

(3) ليس في م.

(4) المصدر: رأى.

(5) ليس في م.

(6) تأويل الآيات 1/ 392، ح 18.

510

أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن صفوان بن يحيى، عن أبي عثمان، عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ‏. قال: خروج القائم- (عليه السلام)-.

ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏ قال: هم بنو أميّة الّذين متّعوا في دنياهم.

وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ‏ (208): أنذروا أهلها إلزاما للحجّة.

ذِكْرى‏: تذكرة.

و محلّها النّصب على العلّة، أو المصدر لأنّها في معنى الإنذار. أو الرّفع على أنّها صفة «منذرون» بإضمار «ذوو» أو بجعلهم‏ (1) ذكرى لإمعانهم في التذكرة. أو خبر محذوف، و الجملة اعتراضيّة.

وَ ما كُنَّا ظالِمِينَ‏ (209): فنهلك غير الظّالمين، أو قبل‏ (2) الإنذار.

وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ‏ (210)، كما زعم المشركون أنّه من قبيل ما يلقي الشّياطين على الكهنة.

وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ‏: و ما يصلح لهم أن ينزلوا به.

وَ ما يَسْتَطِيعُونَ‏ (211): و ما يقدرون.

إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ‏: لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ‏ (212) لأنّه مشروط بمشاركة في صفاء (3) الذّات و قبول فيضان الحقّ و الانتقاش بالصّور الملكوتيّة، و نفوسهم خبيثة ظلمانيّة شرّيرة بالذّات لا تقبل ذلك، و القرآن مشتمل على حقائق و مغيبات لا يمكن تلقّيها إلّا من الملائكة.

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏ (213): تهييج لازدياد الإخلاص، و لطف لسائر المكلّفين.

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (214): الأقرب منهم فالأقرب، فإنّ الاهتمام بشأنهم أهمّ.

____________

(1) أ، ن: يجعلهم. م: نجعلهم.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 167. و في أ، م:

و قيل. و في سائر النسخ: و قبل.

(3) س، أ، م، ن: صفات.

511

روي‏ (1): أنّه لمّا نزلت صعد الصّفا و ناداهم فخذا فخذا (2) حتّى اجتمعوا إليه، فقال: لو أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أ كنتم‏ (3) مصدقيّ؟

قالوا: نعم.

قال: فإنّي‏ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ قال: نزلت:

«و رهطك‏ (5) المخلصين.» قال: نزلت بمكّة فجمع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بني هاشم، و هم أربعون رجلا، كلّ واحد منهم يأكل الجذع و يشرب القربة (6)، فاتّخذ لهم طعاما يسيرا [بحسب ما أمكن‏] (7) فأكلوا (8) حتّى شبعوا، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من يكون وصيّي و وزيرى و خليفتي؟

فقال أبو لهب: جزما سحركم‏ (9) محمّد.

فتفرّقوا، فلمّا كان اليوم الثّاني أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ففعل بهم مثل ذلك، ثمّ سقاهم اللّبن حتّى رووا، فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّكم يكون وصيّي و وزيري و خليفتي؟ [فقال أبو لهب: جزما سحركم محمد.

فتفرّقوا، فلّما كان اليوم الثالث أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ففعل بهم‏ (10) مثل ذلك ثمّ سقاهم اللبن فقال لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أيّكم يكون وصيّي و وزيرى و خليفتي‏ (11)] (12) و ينجز عداتي و يقضي ديني؟

فقام عليّ- (صلوات اللّه عليه)- و كان أصغرهم سنّا و أحمشهم‏ (13) ساقا و أقلّهم مالا، فقال: أنا، يا رسول اللّه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 168.

(2) ليس في أ.

(3) كذا في س، أ، م، المصدر. و في غيرها:

لكنتم.

(4) تفسير القمّي 2/ 124.

(5) في المصدر: زيادة «منهم».

(6) الجذع- محرّكة- من البهائم ما قبل الثّنيّ.

و القربة: الوطب يستقى به الماء.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: و أكلوا.

(9) في البحار 18/ 181: «هذا ما سحركم» بدل «جزما سحركم».

(10) المصدر: لهم.

(11) ليس في المصدر.

(12) يوجد في ن، المصدر.

(13) كذا في المصدر. في النسخ: أخمسهم.

و حشمت السّاق: دقّت.

512

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنت هو.

و في كتاب علل الشرائع‏ (1)، بإسناده إلى عبد اللّه بن الحرث بن نوفل: عن عليّ بن أبي طالب* * * (عليه السلام)- قال: لما نزلت: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و رهطك المخلصين» دعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بني عبد المطّلب، و هم إذ ذاك أربعون رجلا يزيدون‏ (2) رجلا (3) أو ينقصون رجلا، فقال: أيّكم أخي و وارثي و وزيري و وصيّي و خليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم [ذلك‏] (4) رجلا رجلا، كلّهم يأبى ذلك، حتّى أتى عليّ.

فقلت: أنا، يا رسول اللّه.

فقال النّبيّ لبني‏ (5) عبد المطّلب: هذا أخي و وارثي [و وصيّي‏] (6) و وزيرى و خليفتي فيكم بعدي.

فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض، و يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع و تطيع لهذا الغلام.

و في مجمع البيان‏ (7): وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و

في الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية جمع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بني عبد المطّلب، و هم يومئذ أربعون رجلا، الرّجل منهم يأكل المسنّة (8) و يشرب العسّ‏ (9)، فأمر عليّا- (عليه السلام)- برجل شاة فأدمها (10)، ثمّ قال: ادنوا بسم اللّه. فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتّى صدروا، ثمّ دعا بقعب‏ (11) من لبن فجرع منه جرعة، ثمّ قال لهم: اشربوا بسم اللّه. فشربوا حتّى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرّجل. فسكت- (صلّى اللّه عليه و آله)- يومئذ و لم يتكلّم.

ثمّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطّعام و الشّراب، ثمّ أنذرهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي أنا النّذير إليكم من‏

____________

(1) العلل/ 170، ح 2.

(2) يوجد في م.

(3) ليس في م.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: «يا بني» بدل «النبي لبني».

(6) من المصدر.

(7) المجمع 4/ 206.

(8) المسنّة من أولاد المعز: ما بلغ أربعة أشهر و فصل عن أمّه و أخذ في الرّعي.

(9) العسّ: القدح الكبير.

(10) أدم الخبز: خلطه بالإدام.

(11) القعب: القدح الضّخم الغليظ.

513

اللّه- عزّ و جلّ- و البشير فأسلموا و أطيعوني تهتدوا.

ثمّ قال: من يؤاخيني و يؤازرني و يكون وليّي و وصيّي من بعدي و خليفتي في أهلي و يقضي ديني. فسكت القوم، فأعادها ثلاثا كلّ ذلك يسكت‏ (1) القوم، و يقول عليّ: أنا.

فقال في المرّة الثّالثة: أنت. فقام القوم و هم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمّره عليك.

و أورده الثّعلبيّ في تفسيره.

و روي‏ (2) عن أبي رافع هذه القصّة، و أنّه جمعهم في الشّعب‏ (3) فصنع لهم رجل شاة فأكلوا حتّى تضلّعوا (4) و سقاهم عسّا فشربوا كلّهم حتّى رووا، ثمّ قال: إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي [الأقربين و أنتم عشيرتي‏] (5) و رهطي، و أنّ اللّه لم يبعث نبيّا إلّا جعل له من أهله أخا و وزيرا و وارثا و وصيّا و خليفة في أهله، فأيّكم يقوم و يبايعني على أنّه أخي و وارثي و وزيري و وصيّي و يكون منّي بمنزلة هارون من موسى [إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟ فسكت القوم.

فقال: ليقومنّ قائمكم أو ليكون في غيركم ثمّ لتندمنّ ثمّ أعاد الكلام ثلاث مرّات‏] (6) فقال‏ (7) عليّ- (عليه السلام)-: أنا (8) فقال: ادن منّي. [فدنا منه‏] (9) ففتح‏ (10) فاه و مجّ في فيه من ريقه و تفل بين كتفيه و ثدييه.

فقال أبو لهب: بئس ما حبوت به‏ (11) ابن عمّك أن أجابك فملأت فاه و وجهه بزاقا.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ملأته حكمة و علما.

و عن ابن عبّاس‏ (12) [قال‏] (13): لمّا نزلت الآية صعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الصّفا فقال: يا صباحاه‏ (14). فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك؟

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: سكت.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الشعب: انفراج بين جبلين.

(4) تضلّع الرجل: امتلأ شبعا و ريّا.

5 و 6- من المصدر.

(7) المصدر: فقام.

(8) في المصدر: «فبايعه و أجابه» بدل «أنا».

(9) من المصدر.

(10) ليس في أ.

(11) أي: أعطيت به.

(12) نفس المصدر و الموضع.

(13) من المصدر.

(14) في لسان العرب: هذه كلمة تقولها العرب إذا صاحوا للغارة لأنّهم أكثر ما يغيرون عند الصباح، و يسمّون يوم الغارة: يوم الصباح.

514

فقال: أ رأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدّقونني؟

قالوا: بلى.

قال: فإنّي‏ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ.

قال أبو لهب: تبّا لك، أ لهذا دعوتنا جميعا!؟ فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏ (إلى آخر السّورة).

و في قراءة (1) عبد اللّه [بن مسعود] (2): وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و رهطك‏ (3) المخلصين».

و روي ذلك عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل، و فيه‏ قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر اللّه الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر [موطنا و] (5) موضعا، فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و رهطك المخلصين.» هكذا في قراءة أبيّ بن كعب، و هي ثابتة في مصحف عبد اللّه بن مسعود، و هذه منزلة رفيعة و فضل عظيم و شرف عال حين عنى اللّه- عزّ و جلّ- بذلك: الآل‏ (6)، فذكره [لرسول اللّه‏] (7)- (صلّى اللّه عليه و آله)- فهذه واحدة.

و في الأمالي‏ (8)، مثله سواء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): و قوله: «و رهطك منهم المخلصون» (10). قال: عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)- و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين و الأئمّة من آل محمد- (صلوات اللّه عليهما)-.

و في شرح الآيات الباهرة (11): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن محمّد بن الحسين‏

____________

(1) المجمع 4/ 206.

(2) من المصدر.

(3) في المصدر: زيادة «منهم».

(4) العيون 1/ 181، ح 1.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: الإنذار.

(7) من المصدر.

(8) أمالي الصدوق/ 423، ح 1.

(9) تفسير القمّي 2/ 126.

(10) كذا في النسخ و المصدر.

(11) تأويل الآيات 1/ 395، ح 21.

515

الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن الحسن بن حمّاد، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله‏ (1)- عزّ و جلّ-: «و رهطك منهم المخلصين» قال: عليّ و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين و آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- خاصّة.

وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (215): ليّن جانبك لهم.

مستعار من خفض الطّائر جناحيه‏ (2): إذا أراد أن ينحطّ.

و «من» للتّبيين، لأنّ من اتّبع أعمّ ممّن اتّبع لدين أو غيره. أو للتّبعيض، على أنّ المراد من المؤمنين: المشارفون للإيمان، أو المصدّقون باللّسان.

و في مصباح الشّريعة (3): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و قد أمر اللّه أعزّ خلقه و سيّد برّيته محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالتّواضع، فقال- عزّ و جلّ-: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. و التّواضع مزرعة الخشوع‏ (4) و الخشية و الحياء (5)، و أنّهنّ لا ينبتن‏ (6) إلّا منها و فيها، و لا يسلم الشّرف التّام الحقيقيّ إلّا للمتواضع في ذات اللّه- تعالى-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فَإِنْ عَصَوْكَ‏: و لم يتّبعوك.

فَقُلْ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏ (216): ممّا تعملونه، أو من أعمالكم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): فَإِنْ عَصَوْكَ‏، يعني: من بعدك في ولاية عليّ و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- [من ذرّيته‏] (8) فَقُلْ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. و معصية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو ميّت، كمعصيته و هو حيّ.

وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏ (217): الّذي يقدر على قهر عدائه و نصر أوليائه يكفك‏ (9) شرّ من يعصيك منهم و من غيرهم.

و قرأ (10) ابن عامر و نافع «فتوكّل» على الإبدال من جواب الشّرط.

____________

(1) في المصدر: «قال» بدل «في قوله».

(2) ن: جناحه.

(3) مصباح الشريعة/ 74.

(4) في المصدر: زيادة «و الخضوع».

(5) ليس في م.

(6) المصدر: لا تتبيّن.

(7) تفسير القمّي 2/ 126.

(8) من المصدر.

(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 168. و في النسخ:

يكفيك. و هو جواب الأمر أي: و توكّل يكفك.

(10) أنوار التنزيل 2/ 168.

516

الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ‏ (218): في صلواتك.

و قيل‏ (1): حين تقوم للإنذار و أداء الرّسالة.

و قيل‏ (2): حين تقوم باللّيل، لأنّه لا يطّلع عليه أحد غيره.

وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ (219): تصرّفك فيما بين المصلّين بالقيام و الرّكوع و السّجود و القعود.

و المعنى: يراك حين تقوم إلى الصّلاة منفردا، و إذا صلّيت في جماعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثني محمّد بن الوليد، عن محمّد بن الفرات، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ‏ في النّبوّة وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ قال: في أصلاب النّبيّين- (صلوات اللّه عليهم)-.

و في مجمع البيان‏ (4): و قيل: معناه: و تقلّبك في أصلاب الموحّدين من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك‏ (5) نبيّا ... عن ابن عبّاس في رواية عطاء و عكرمة، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: في أصلاب النّبيّين نبيّ بعد نبيّ [حتّى أخرجه‏] (6) من صلب أبيه، عن‏ (7) نكاح غير سفاح من لدن آدم.

و روى‏ (8) جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لا ترفعوا قبلي و لا تضعوا قبلي، فإنّي أراكم من خلفي، كما أراكم من أمامي، ثمّ تلا هذه الآية.

و في شرح الآيات الباهرة (9): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسين‏ (10) الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن الحسن بن حمّاد، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ قال: في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و أهل بيته- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-.

____________

1 و 2- المجمع 4/ 207.

(3) تفسير القمي 2/ 125.

(4) المجمع 4/ 207.

(5) م: أخرجت.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: من.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) تأويل الآيات 1/ 396، ح 23.

(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 99. و في النسخ: الحسن.

517

و روى الشّيخ في أماليه‏ (1)، بإسناده: عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- قال: كان ذات يوم جالسا في الرّحبة و النّاس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّك بالمكان الّذي أنزلك اللّه [به‏] (2) و أبوك يعذّب بالنّار، [و ابنه قسيم النّار؟] (3).

فقال له: (مه) (4) فضّ اللّه فاك، و الّذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا، لو شفع أبي في كلّ مذنب على وجه الأرض لشفّعه‏ (5) اللّه فيهم، أبي يعذّب بالنّار و ابنه قسيم (الجنّة و) (6) النّار؟! ثمّ قال: و الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالحقّ [نبيّا] (7)، إنّ نور أبي طالب يوم القيامة يطفئ أنوار الخلق إلّا خمسة أنوار: نور محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نوري و نور فاطمة و نوري الحسن و الحسين و من ولده من الأئمّة، لأنّ نوره من نورنا الّذي خلقه اللّه- عزّ و جلّ- من قبل خلق آدم بألفي عام.

و جاء في ابتداء خلق نوره الكريم نبأ (8) عظيم لا يحتمله إلّا ذو القلب السّليم و الدّين القويم و الطّريق المستقيم، ينبئ عن فضله و فضل أهل بيته- عليهم أفضل الصّلاة و التّسليم- و هو:

ما نقله الشّيخ أبو جعفر الطّوسي‏ (9)- (قدّس اللّه روحه)-: عن الشّيخ أبي محمّد الفضل بن شاذان، بإسناده، عن رجاله، عن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن الإمام العالم موسى بن جعفر الكاظم- (صلوات اللّه عليهما)- قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق نور محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من نور اخترعه من نور عظمته و جلاله، و هو نور لاهوتيته الّذي تبدّى‏ (10) من لاه‏ (11)، أي: من إلهيّته، من إتّيّته‏ (12) الّذي تبدّى‏ (13) منه و تجلّى لموسى بن‏

____________

(1) أمالي الطوسي 1/ 311- 312، و ج 2/ 312. و تأويل الآيات 1/ 396- 397، ح 26.

(2) من تأويل الآيات مع المعقوفتين.

(3) ليس في تأويل الآيات.

(4) من تأويل الآيات مع القوسين.

(5) م: أشفعه.

(6) من تأويل الآيات مع القوسين.

(7) من تأويل لآيات مع المعقوفتين.

(8) كذا في تأويل الآيات. و في النسخ: بناء.

(9) تأويل الآيات 1/ 397- 399، ح 27.

و عند البحار 35/ 28، ح 24.

(10) الصحيح: تبدّأ.

(11) ليس في س، أ.

(12) كذا في المصدر. و في أ، ن: نية و في سائر النسخ: تته.

(13) الصحيح: تبدّأ.

518

عمران- (عليه السلام)- به‏ (1) في طور سيناء، فما استقرّ له و لا طاق موسى لرؤيته، و لا ثبت له حتّى خرّ صاعقا (2) مغشيّا عليه و كان ذلك النّور نور محمّد (3)- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فلمّا أراد أن يخلق محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- منه قسّم ذلك النّور شطرين:

فخلق من الشّطر الأوّل محمّدا، و من الشّطر الآخر عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليهما).

و لم يخلق من ذلك النّور غيرهما، خلقهما اللّه بيده و نفخ فيهما بنفسه من نفسه لنفسه، و صوّرهما على صورتهما، و جعلهما أمناء له و شهداء على خلقه، و خلفاء على خليقته، و عينا له عليهم، و لسانا له إليهم، قد استودع فيهما علمه و علّمهما البيان و استطلعهما على غيبه (و على نفسه) (4) و جعل أحدهما نفسه و الآخر روحه، لا يقوم واحد بغير صاحبه، ظاهرهما بشريّة و باطنهما لاهوتيّة، ظهرا (5) للخلق على هياكل النّاسوتيّة (6) حتّى يطيقوا (7) رؤيتهما، و هو قوله. وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ. فهما مقاما (8) ربّ العالمين و حجابا (9) خالق الخلائق أجمعين، بهما فتح [اللّه‏] (10) بدء الخلق، و بهما يختم الملك و المقادير.

ثمّ اقتبس من نور محمّد فاطمة ابنته، كما اقتبس نور عليّ‏ (11) من نوره، و اقتبس من نور فاطمة [و عليّ‏] (12) الحسن و الحسين، كاقتباس المصابيح، هم خلقوا من الأنوار و انتقلوا من ظهر إلى ظهر، و صلب إلى صلب، و من رحم إلى رحم في الطّبقة العليا من غير نجاسة، بل نقلا بعد نقل، لا من ماء مهين و لا نطفة جشرة (13) كسائر خلقه، بل أنوار انتقلوا من أصلاب الطّاهرين إلى أرحام المطهّرات، لأنّهم صفوة الصّفوة، اصطفاهم لنفسه و جعلهم خزّان علمه و بلغاء عنه إلى خلقه، أقامهم مقام نفسه لأنّه لا يرى و لا يدرك و لا تعرف كيفيّته و لا إنّيّته‏ (14)، فهؤلاء النّاطقون المبلّغون عنه، المتصرّفون في أمره و نهيه، فبهم‏ (15) يظهر قدرته، و منهم ترى‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: صعقا.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «محمدا» بدل «نور محمّد».

(4) من المصدر مع القوسين.

(5) س، أ، م، المصدر: ظهروا.

(6) الناسوت: الطبيعة البشريّة و يقابله اللّاهوت بمعنى الألوهيّة.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يطيقون.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مقام.

(9) كذا في المصدر. و في ن، م: حجاب. و في سائر النسخ: حجابي.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: نوره.

(12) ليس في م.

(13) م: حشرة. و المصدر: خشرة. و كلها صحيح. فالجشرة و الحشرة، أي: الوسخة. و الخشرة، أي: السّفلة.

(14) كذا في م و المصدر. و في سائر النسخ: أينيّته.

(15) س، أ، م، ن: فيهم.

519

آياته و معجزاته، و بهم و منهم عرّف عباده نفسه‏ (1)، و بهم‏ (2) يطاع أمره، و لولاهم ما عرف اللّه و لا يدرى كيف يعبد الرّحمن، فاللّه يجري أمره كيف يشاء فيما يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏.

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‏: بما تقوله.

الْعَلِيمُ‏ (220): بما تنويه.

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى‏ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ‏ (221)، تَنَزَّلُ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏ (222) لمّا بيّن أنّ القرآن لا يصحّ أن يكون ممّا تنزّلت به الشّياطين، أكّد ذلك بأن بيّن أنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يصح‏ (3) لأن يتنزّلوا (4) عليه من وجهين:

أحدهما أنّه إنّما يكون على شرّير كذّاب كثير الإثم، فإنّ اتّصال الإنسان بالغائبات لما بينهما من التّناسب و التّوادّ، و حال محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- على خلاف ذلك.

و ثانيهما قوله: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ‏ (223)، أي: الأفاكون‏ (5) يلقون السّمع إلى الشّياطين فيتلقّون منهم ظنونا و أمارات [لنقصان علمهم‏] (6) فيضمّون إليها على حسب تخيّلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها،

كما جاء في الحديث: الكلمة يحفظها الجنّيّ فيقرّها (7) في أذن وليّه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة.

و ليس كذلك محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإنّه أخبر من مغيبات كثيرة لا تحصى، و قد طابق كلّها.

و قد فسّر الأكثر بالكلّ لقوله: كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏ و الأظهر أنّ الأكثريّة باعتبار أقوالهم، على معنى: أنّ هؤلاء قلّ من يصدّق منهم فيما يحكى عن الجنّيّ.

و قيل‏ (8): الضّمائر للشّياطين، أي: يلقون السّمع إلى الملأ (9) الأعلى قبل أن يرجموا (10)

____________

(1) البحار: عبادة نفسه.

(2) في س، أ، م: زيادة «صرّح».

(3) كذا في س، أ، م، ن. و في غيرها: يصلح.

(4) ن: ينزلوا.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 168. و في النسخ:

الآفكون الكهنة.

(6) من نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في س، أ. و في سائر النسخ: يقرأها.

(8) أنوار التنزيل 2/ 168.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: السماء.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: رجموا.

520

فيختطفون منهم بعض المغيبات و يوحون به إلى أوليائهم. أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم و أكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم، لا على نحو ما تكلّمت به الملائكة، لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى‏ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏ قال:

هم سبعة: المغيرة، و بنان، و صائد، و حمزة بن عمارة البربريّ، و الحارث الشّاميّ، و عبد اللّه بن الحارث، و أبو الخطّاب.

وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ‏ (224) قيل‏ (2): و أتباع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليسوا كذلك، و هو استئناف أبطل كونه شاعرا، و قدّر بقوله: أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ‏ (225): لأنّ أكثر مقدّماتهم خيالات لا حقيقة لها، و أغلب كلماتهم في النّسيب بالحرم‏ (3) و الغزل و الابتهار (4) و تمزيق الأعراض و القدح في الأنساب‏ (5) و الوعد الكاذب و الافتخار الباطل و مدح من لا يستحقّه و الإطراء فيه، و إليه أشار بقوله: وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ‏ (226) و كأنّه لمّا كان إعجاز القرآن من جهة المعنى و اللّفظ، و قد قدحوا في المعنى بأنّه ممّا تنزّلت به الشّياطين و في اللّفظ بأنّه من جنس كلام الشّعراء، تكلّم في القسمين و بيّن منافاة القرآن لهما و مضادّة حال الرّسول لحال أربابهما.

____________

(1) الخصال 2/ 402، ح 111.

(2) أنوار التنزيل 2/ 169.

(3) الحرم- جمع الحرمة-: المرأة. فالمقصود:

النسيب بالنساء.

(4) الابتهار: ادعاء الشي‏ء كذبا.

(5) كذا في م. و في سائر النسخ: الإنسان.

521

و قرأ (1) نافع «يتبعهم» بالتّخفيف.

و قرئ‏ (2)، بالتّشديد و تسكين العين، تشبيها لتبعه‏ (3) بعضد.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال: نزلت في الّذين غيّروا دين اللّه‏ (5) و خالفوا أمر اللّه- عزّ و جلّ-. هل رأيتم شاعرا قطّ تبعه‏ (6) أحد؟ إنّما عنى بذلك: الّذين وضعوا دينا (7) بآرائهم فتتبعهم‏ (8) النّاس على ذلك.

و في أصول الكافي‏ (9): عن أبي جعفر حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: إنّه ليس من يوم و لا ليلة إلّا و جميع الجنّ و الشّياطين تزور أئمّة الضّلال، و يزور إمام الهدى عددهم من الملائكة، حتّى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى وليّ الأمر في‏ (10) خلق اللّه، أو قال: قيّض‏ (11) اللّه- عزّ و جلّ- من الشّياطين بعددهم ثمّ زاروا وليّ الضّلالة، فأتوه بالإفك و الكذب حتّى لعلّه يصبح فيقول: رأيت كذا و كذا. فلو سأل وليّ الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك بكذا و كذا. حتّى يفسّر له تفسيرا، و يعلمه الضّلالة الّتي هو عليها.

و في كتاب معاني الأخبار (12): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه‏ (13)، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ‏ قال: هل رأيت شاعرا يتّبعه أحد؟ إنّما هم قوم تفقّهوا لغير الدّين فضلّوا و أضلوا.

و في مجمع البيان‏ (14): وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ‏ و

روى العيّاشيّ، بالإسناد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: هم تعلّموا و تفقّهوا بغير علم فضلّوا و أضلّوا.

و في الحديث‏ (15) عن الزّهريّ قال: حدّثني عبد الرّحمن بن كعب بن مالك [أنّ كعب بن‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 169.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: له.

(4) تفسير القمّي 2/ 125.

(5) في المصدر: زيادة «بآرائهم».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يتّبعه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: دينهم.

(8) ن، المصدر: فيتبعهم.

(9) الكافي 1/ 253، ح 9.

(10) ليس في نور الثقلين 4/ 70، ح 102. و الصافي 4/ 55.

(11) كذا في س، أ، م، ن، المصدر. و في غيرها:

قبض.

(12) معاني الأخبار/ 385، ح 19.

(13) أ: محمد بن سعد عبد اللّه.

(14) المجمع 4/ 208.

(15) نفس المصدر و الموضع.

522

مالك‏] (1) قال: يا رسول اللّه، ما ذا تقول في الشّعراء (2)؟

قال: إنّ المؤمن مجاهد بسيفه و لسانه، و الّذي نفسي بيده، لكأنّما ترضخونهم‏ (3) بالنّبل.

و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- (4) لحسّان بن ثابت: اهجهم، أو هاجهم، و روح القدس معك ... رواه البخاريّ و مسلم في الصّحيحين.

و في اعتقادات الإمامية (5) للصّدوق- (رحمه اللّه)-: و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ‏.

قال: هم القصّاص.

و في جوامع الجامع‏ (6): قال- (عليه السلام)- لكعب بن مالك: اهجهم، فو الّذي نفسي بيده، لهو (7) أشدّ عليهم من النّبل.

و قال لحسّان بن ثابت: قل و روح القدس معك.

و في كتاب تلخيص الأقوال في أحوال الرّجال‏ (8): روى الكشّي من طريق ضعيف، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: علّموا أولادكم شعر العبديّ، يشير إلى الشّيعة.

و في كتاب الكشّي‏ (9) في حديث آخر، بإسناده إلى سماعة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا معشر الشّيعة، علّموا أولادكم شعر العبديّ فإنّه على دين اللّه.

و بإسناده‏ (10) إلى محمّد بن مروان قال: كنت قاعدا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [و معروف بن خربوذ (11)، فكان ينشدني الشّعر و أنشده و يسألني و أسأله و أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-] (12) يسمع.

____________

(1) ليس في م، المصدر.

(2) المصدر: الشعراء.

(3) م: تفضحونهم. و في المصدر: ينصحونهم.

و تراضخوا، و تناضحوا بالنّبل: تراموا بالسّهام.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) اعتقادات الصدوق/ 105.

(6) الجوامع/ 334.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: و.

(8) تفسير نور الثقلين 4/ 71، ح 110.

(9) رجال الكشي/ 401، ح 748.

(10) نفس المصدر/ 211، ح 375.

(11) كذا في نور الثقلين 4/ 71، ح 112 و جامع الرواة 2/ 246. و في ن: خربوز. و في سائر النسخ:

خزبوز.

(12) ليس في أ.

523

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: لئن يمتلئ جوف الرّجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا.

فقال معروف: إنّما يعني بذلك: الّذي يقول الشّعر.

فقال: ويحك، أو ويلك، قد قال ذلك‏ (1) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في شرح الآيات الباهرة (2): محمّد بن جمهور، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ‏ فقال: من رأيتم من الشّعراء يتّبع؟ إنّما عنى: هؤلاء الفقهاء الّذين يشعرون قلوب النّاس بالباطل، فهم الشّعراء الّذين يتّبعون.

و ممّا يدلّ على أنّ مطلق الشّعر و إنشاءه ليس مذموما

ما رواه في كتاب معاني الأخبار (3)، بإسناده إلى إبراهيم الكرخيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ صاحبتي هلكت و كانت لي موافقة، و قد هممت أن أتزوّج.

فقال: انظر أين تضع نفسك و من تشركه في مالك و تطلعه على دينك و سرّك و أمانتك فإن كنت لا بد فاعلا فبكرا تنسب إلى الخير و إلى حسن الخلق:

ألا (4) إنّ النساء خلقن شتّى‏* * * فمنهنّ الغنيمة و الغرام‏

و منهنّ الهلال إذا تجّلى‏* * * لصاحبه و منهنّ الظلام‏

فمن يظفر بصالحهنّ يسعد* * * و من يغبن فليس له انتقام‏

و في الكافي‏ (5): بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يتزوّج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته و معه نفر من قريش ...

إلى أن قال- (عليه السلام)-: و دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأهله، و قال رجل من قريش يقال له: عبد اللّه بن غنم:

هنيئا مريئا خديجة قد جرت‏* * * لك الطّير فيما كان كان منك بأسعد

____________

(1) ليس في س، أ، م، ن.

(2) تأويل الآيات 1/ 399، ح 28.

(3) معاني الأخبار/ 317- 318، ح 1.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: و اعلم.

(5) الكافي 5/ 374- 375، ح 9.

524

تزوّجت‏ (1) من‏ (2) من خير البريّة كلّها* * * و من

ذا الّذي في النّاس مثل محمّد

و بشّر به البرّان عيسى بن مريم‏* * * و موسى بن عمران فيا قرب موعد

أقرّت به الكتّاب قدما بأنّه‏* * * رسول من البطحاء هاد و مهتدي‏

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن أبي الأصبغ، عن بندار بن عاصم، رفعه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة و لا تذرّع بذريعة أقرب له إلى ما يريده منّي من رجل سلف إليه منّي يد (4) أتبعتها أختها و أحسنت ربّها، فإنّي رأيت منع الآخر (5) يقطع لسان شكر الأوائل‏ (6)، و لا سخت نفسي بردّ بكر (7) الحوائج‏ (8)، و قد قال الشّاعر:

و إذا بليت ببذل وجهك‏ (9) سائلا* * * فابذله للمتكرّم المفضال‏

إنّ الجواد إذا حباك بموعد* * * أعطاكه سلسا بغير مطال‏

و إذا السّؤال مع النّوال و زنته‏ (10)* * * رجح السّؤال و خفّ كلّ نوال‏

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11)، متّصلا بقوله: فيتبعهم النّاس على ذلك. آخر ما نقلناه عنه سابقا، و يؤكّد [ذلك‏] (12) قوله- جلّ ذكره-: أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ‏، يعني:

يناظرون بالأباطيل، و يجادلون بالحجج المضلّة (13)، و في كلّ مذهب يذهبون.

وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ‏ قال: يعظون النّاس و لا يتّعظون، و ينهون عن المنكر [و لا ينتهون‏] (14)، و يأمرون بالمعروف و لا يعملون، [و هم الّذين قال اللّه- عزّ و جلّ- منهم‏

____________

(1) المصدر: تزوجته.

(2) ليس في المصدر.

(3) الكافي 4/ 24- 25، ح 25.

(4) اليد. النعمة.

(5) الأظهر: الأواخر.

(6) كذا في س، أ، م، ن، المصدر. و في النسخ:

الأول.

(7) البكر: الابتداء.

(8) قال الفيض في الوافي: و إضافة المنع و الشكر إلى الأواخر و الأوائل إضافة إلى المفعول، و المعنى أن أحسن الوسائل الى التقدم تقدم العهد بالسؤال فإن المسئول ثانيا لا يرد السائل الأول لئلا يقطع شكره على الأول.

(9) كذا في المصدر. و في ن: و جهد. و في سائر النسخ: و جهل.

(10) المصدر: قرنته.

(11) تفسير القمي 2/ 125.

(12) من المصدر.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: المضلين.

(14) ليس في س، أ، م، ن.

525

أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ‏ أي في كلّ مذهب يذهبون و أنّهم يقولون مالا يفعلون‏] (1) و هم الّذين غصبوا آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم.

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا قيل‏ (2): استثناء للشّعراء المؤمنين‏ (3) الصّالحين الّذين يكثرون ذكر اللّه، [و يكون أكثر] (4) أشعارهم في التّوحيد و الثّناء على اللّه- تعالى- و الحثّ على طاعته، [و لو قالوا] (5) هجوا أرادوا به الانتصار ممّن هجاهم و مكافحة هجاة (6) المسلمين، كعبد اللّه بن رواحة، و حسّان بن ثابت، و الكعبين‏ (7)،

و كان- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول‏ (8) له‏ (9): اهجهم، فو الّذي نفسي بيده، [لهو] (10) أشدّ عليهم من النّبل. و قال لحسّان: قل و روح القدس معك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11)، متّصلا بقوله: و هم الّذين غصبوا آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم. ثمّ ذكر آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- و شيعتهم المهتدين، فقال- جلّ ذكره-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا.

و في كتاب معاني الأخبار (12): قد روي في خبر آخر، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن‏ (13) قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً (14) ما هذا الذّكر الكثير؟

قال: من سبّح تسبيح فاطمة الزّهراء- (عليها السلام)- فقد ذكر اللّه الذّكر الكثير.

و في أصول الكافي‏ (15): عليّ [بن إبراهيم‏] (16)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من أشدّ ما فرض اللّه على خلقه ذكر اللّه‏ (17) كثيرا.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 169.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الموقنين.

4 و 5- ليس في أ.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: هجاء.

(7) أراد بهما: كعب بن مالك و كعب بن زهير.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(9) أي لكعب بن مالك.

(10) من المصدر.

(11) تفسير القمّي 2/ 125.

(12) معاني الأخبار/ 193، ح 5.

(13) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(14) المصدر: اذكروا اللّه ذكرا كثيرا.

(15) الكافي 2/ 80، ح 4.

(16) من المصدر مع المعقوفتين.

(17) في م: زيادة «خيرا».

526

ثمّ قال: لا أعني: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، و إن كان منه، و لكن ذكر اللّه عند ما أحلّ و حرّم، فإن كان طاعة عمل بها و إن كان معصية تركها.

ابن محبوب‏ (1)، عن أبي أسامة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما ابتلي المؤمن بشي‏ء أشدّ عليه من [خصال‏] (2) ثلاث يحرمها.

قيل: و ما هنّ؟

قال: المواساة في ذات يده، و الإنصاف من نفسه، و ذكر اللّه كثيرا. أما إنّي لا أقول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه [و اللّه أكبر،] (3) و لكن ذكر اللّه عند ما أحلّ له، و ذكر اللّه عند ما حرّم عليه.

عدّة من أصحابنا (4)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو، عن أبي المغرا (5) الخصّاف رفعه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من ذكر اللّه- عزّ و جلّ- في السّرّ فقد ذكر اللّه كثيرا، إنّ المنافقين كانوا يذكرون اللّه علانية و لا يذكرونه في السّرّ، فقال اللّه- عزّ و جلّ-: يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (227): تهديد شديد لما في «سيعلم» من الوعيد البليغ، و في «الّذين ظلموا» من الإطلاق و التّعميم، و في «أيّ منقلب ينقلبون»، أي: بعد الموت من الإبهام و التّهويل.

و قرئ‏ (6): «أي منفلت ينفلتون.» من الانفلات، و هو النّجاة، و المعنى: أنّ الظّالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب اللّه، و سيعلمون أنّ ليس لهم وجه من وجوه الانفلات.

و في جوامع الجامع‏ (7): قرأ الصّادق- (عليه السلام)-: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): ثمّ ذكر أعداءهم و من ظلمهم فقال- جلّ ذكره-:

____________

(1) الكافي 2/ 145- 146، ح 9.

(2) من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) الكافي 2/ 501، ح 2.

(5) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 418، و في س، أ، م، ن: المعزا. و في غيرها: معز.

(6) أنوار التنزيل 2/ 169.

(7) الجوامع/ 334.

(8) تفسير القمّي 2/ 125.

527

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم‏ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ هكذا، و اللّه، نزلت.

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب: و في أثر (2): أنّهم لمّا صلبوا رأس الحسين- (عليه السلام)- على الشّجرة سمع منه: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏.

____________

(1) المناقب 4/ 61.

(2) كذا في س، أ، م، ن، المصدر. و في غيرها:

المآثر.

529

تفسير سورة النّمل‏

531

سورة النّمل مكّيّة. و هي ثلاث أو أربع و تسعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال، (1) بإسناده: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سور (2) الطّواسين الثّلاث في ليلة الجمعة كان من أولياء اللّه و في جواره و كنفه، و لم يصبه في الدّنيا بؤس أبدا، و أعطي في الآخرة من الجنّة حتّى يرضى و فوق رضاه، و زوّجه اللّه مائة زوجة من الحور العين.

و في مجمع البيان‏ (3): روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قال‏ من قرأ الطّواسين الثّلاث. (و ذكر مثله، و زاد في آخره:) و أسكنه اللّه في جنّة عدن وسط الجنّة مع النّبيّين و المرسلين و الوصيّين الرّاشدين.

أبيّ بن كعب‏ (4) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ طس سليمان، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بسليمان و كذّب به و هود و شعيب و صالح و إبراهيم، و يخرج من قبره و هو ينادي، لا إله إلّا اللّه.

و عن ابن عبّاس‏ (5) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و أعطيت طه و الطّواسين من ألواح موسى.

طس‏: قد مرّ الإشارة إلى بعض معانيه.

____________

(1) ثواب الأعمال 1/ 136.

(2) كذا في نور الثقلين 4/ 74، ح 1. و في النسخ و المصدر: سورة.

3 و 4 و 5- المجمع 4/ 209.

532

و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا طس‏ فمعناه:

أنا الطّالب السّميع.

تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَ كِتابٍ مُبِينٍ‏ (1) الإشارة إلى [آي‏] (2) السّورة. و الكتاب المبين، إمّا اللّوح و إبانته أنّه خطّ فيه ما هو كائن فهو يبّينه للنّاظرين فيه، و تأخيره هاهنا باعتبار تعلّق علمنا به و تقديمه في الحجر (3) باعتبار الوجود، أو القرآن و إبانته لما أودع فيه من الحكم و الأحكام، أو لصّحته بإعجازه.

و عطفه على القرآن، كعطف إحدى الصّفتين على الأخرى، و تنكيره للتّعظيم.

و قرئ‏ (4): «كتاب» بالرّفع، على حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه.

هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (2): حالان من «الآيات» و العامل فيهما معنى الإشارة، أو بدلان منها، أو خبران [آخران، أو] (5) خبران لمحذوف.

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ: الّذين يعملون الصّالحات من الصّلاة و الزّكاة.

وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏ (3): من تتمة الصّلة، و الواو للحال أو للعطف، و تغيير النّظم للدّلالة على قوّة يقينهم و ثباته و أنّهم الأوحدون فيه. أو جملة اعتراضيّة، كأنّه قيل: و هؤلاء الّذين يؤمنون باللّه و يعملون الصّالحات هم الموقنون بالآخرة، فإنّ تحمّل المشاقّ إنّما يكون لخوف العاقبة و الوثوق على المحاسبة. و تكرير الضّمير للاختصاص.

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ‏: زيّن لهم أعمالهم القبيحة، بأن جعلها مشتهاة للطّبع محبوبة للنّفس. أو الأعمال الحسنة الّتي وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المثوبات عليها.

فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏ (4): عنها، لا يدركون ما يتبعها من ضرّ أو نفع.

أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ‏، كالقتل و الأسر يوم بدر.

وَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ‏ (5): أشدّ النّاس خسرانا لفوت المثوبة

____________

(1) معاني الأخبار/ 22، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) أي: سورة الحجر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 170.

(5) ليس في أ.

533

و استحقاق العقوبة.

وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ‏: لتؤتاه.

مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏ (6): أيّ حكيم و أيّ عليم.

و الجمع بينهما، مع أنّ العلم داخل في الحكمة، لعموم العلم و دلالة الحكمة على اتّقان الفعل، و الإشعار بأنّ علوم القرآن منها ما هي حكمة، كالعقائد و الشّرائع، و منها ما ليس كذلك، كالقصص و الإخبار عن المغيبات.

ثمّ شرع في بيان بعض تلك العلوم بقوله: إِذْ قالَ مُوسى‏ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً، أي: اذكر قصّته «إذ قال».

و يجون أن يتعلّق «بعليم».

سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ، أي: عن حال الطّريق لأنّه قد ضله.

و جمع الضّمير، إن صحّ أنّه لم يكن معه غير امرأته، لما كنّي عنها بالأهل.

و «السّين» للدّلالة على بعد المسافة (1) و الوعد بالإتيان و إن أبطأ (2).

أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ‏: شعلة نار مقبوسة.

و إضافة الشّهاب [إليه لأنّه قد يكون قبسا و غير قبس.

و نوّنه الكوفيّون و يعقوب، على أنّ القبس بدل منه أو وصف له، لأنّه بمعنى:

المقبوس‏] (3).

و العدتان على سبيل الظّنّ، و لذلك عبّر عنهما بصيغة التّرجّي [في‏ طه‏] (4) و التّرديد، للدّلالة على أنّه إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما، بناء (5) على ظاهر الأمر أو ثقة بعادة اللّه أنّه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده.

لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏ (7): رجاء أن تستدفئوا بها.

«و الصّلاء» النّار العظيمة.

فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ‏، أي: بورك، فإنّ النّداء فيه معنى القول. أو

____________

(1) هذا خلاف ما قاله بعضهم: إنّ السين للاستقبال القريب و سوف للاستقبال البعيد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أبطأه.

(3) ليس في م.

(4) ليس في أ.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 170. و في النسخ:

بما.

534

بأن بورك، على أنّها مصدريّة. أو مخفّفة من الثّقيلة، و التّخفيف و إن اقتضى التعويض «بلا» أو «قد» أو «السّين» أو «سوف» لكنّه دعاء و هو يخالف غيره في أحكام كثيرة.

مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها: من في مكان النّار، و هو البقعة المباركة المذكورة في قوله- تعالى-: نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ. و من حول مكانها.

و الظّاهر أنّه عامّ في كلّ من تلك الوادي‏ (1) و حواليها من أرض الشّام الموسومة بالبركات، لكونها مبعث الأنبياء و كفاتهم‏ (2) أحياء و أمواتا، و خصوصا تلك البقعة الّتي كلّم اللّه- تعالى- فيها موسى.

و قيل‏ (3): المراد: موسى و الملائكة الحاضرون.

و تصدير الخطاب بذلك بشارة (4) بأنّه قد قضي له أمر عظيم تنتشر (5) بركته في أقطار الشّام.

وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (8): من تمام ما نودي به، لئلّا يتوهّم من سماع كلامه تشبيها و للتّعجب من عظمة ذلك الأمر، أو تعجّب من موسى لما دهاه من عظمته.

يا مُوسى‏ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ‏ «الهاء» للشّأن و أَنَا اللَّهُ‏ جملة مفسّرة له، أو للمتكلّم «و أنا» خبره «و اللّه» بيان له.

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (9): صفتان له ممهّدتان لما أراد أن يظهره، يريد: أنا القويّ القادر على ما يبعد من الأوهام، كقلب العصا حيّة، الفاعل كلّ ما أفعله‏ (6) بحكمة و تدبير.

وَ أَلْقِ عَصاكَ‏: عطف على «بورك»، أي: نودي أن بورك من في النار و أن ألق عصاك. و يدلّ عليه قوله: وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ‏ (7) بعد قوله‏ أَنْ يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا اللَّهُ‏ (8)

____________

(1) في أنوار التنزيل 2/ 171: البقعة.

(2) الكفات: أرض كفات: جامعة للأحياء و الأموات.

(3) أنوار التنزيل 2/ 171.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: إشارة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ينتشر.

(6) كذا في أنوار التنزيل 2/ 171. و في النسخ:

يفعله.

(7) القصص/ 31.

(8) القصص/ 30.

535

بتكرير «أن».

فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ: تتحرّك باضطراب.

كَأَنَّها جَانٌ‏: حيّة خفيفة سريعة.

و قرئ‏ (1): «جأن» على لغة من جدّ في الهرب من التقاء السّاكنين.

وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ‏: و لم يرجع، من عقّب المقاتل: إذا كرّ بعد الفرار.

و إنّما رعب لظنّه أنّ ذلك لأمر أريد به، و يدلّ عليه قوله: يا مُوسى‏ لا تَخَفْ‏: أي: من غيري ثقة بي، أو مطلقا لقوله: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏ (10): حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق، فإنّهم أخوف النّاس من اللّه.

أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة فيخافون منه.

إِلَّا مَنْ ظَلَمَ‏: استثناء منقطع، يعني: لكن من ظلم نفسه بفعل القبيح من غير المرسلين، لأنّ الأنبياء لا يقع منهم ظلم لكونهم معصومين من الذّنوب و القبائح.

ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي: بدّل توبة و ندما على ما فعله من القبيح، و عزما أن لا يعود إلى مثله في المستقبل.

فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (11)، أي: ساتر لذنبه قابل لتوبته.

وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ‏ قيل‏ (2): لأنّه كان بمدرعة صوف لا كمّ لها.

و قيل‏ (3): «الجيب» القميص، لأنّه يجاب، أي: يقطع.

تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ

في كتاب معاني الأخبار (4)، و بإسناده إلى خلف بن حمّاد: عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ قال: من غير برص.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فِي تِسْعِ آياتٍ‏: في جملتها، أو معها، على أنّ التّسع هي: الفلق‏ (5)، و الطّوفان، و الجراد، و القمل، و الضّفادع، و الدّم، و الطّمسة، و الجدب في بواديهم، و النّقصان في مزارعهم. و لمن عدّ العصا و اليد من التّسع أن يعدّ الأخيرين واحدا و لا يعدّ

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 171.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 171.

(4) معاني الأخبار/ 172- 173، ح 1.

(5) أي: فلق البحر.

536

الفلق، لأنّه لم يبعث به إلى فرعون.

أو اذهب في تسع آيات، على أنّه استئناف بالإرسال، فيتعلّق به‏ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ. و على الأوّلين‏ (1) يتعلّق بنحو: مبعوثا و مرسلا.

إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏ (12): تعليل للإرسال.

فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا: بأن جاءهم موسى بها.

مُبْصِرَةً: بيّنة. اسم فاعل أطلق للمفعول، إشعارا بأنّها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت ممّا يبصر. أو ذات تبصّر من حيث أنّها تهدي، و العمي لا تهتدي فضلا أن تهدي‏ (2). أو مبصرة كلّ من نظر إليها و تأمّل فيها.

و قرئ‏ (3): «مبصرة»، أي: مكانا يكثر فيه التّبصّر.

و في مجمع البيان‏ (4): و قراء عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: «مبصرة» بفتح الميم و الصّاد.

قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ‏ (13) واضح سحريّته.

وَ جَحَدُوا بِها: و كذّبوا بها.

وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏: [و قد استيقنتها،] (5) لأنّ الواو للحال.

ظُلْماً: لأنفسهم.

وَ عُلُوًّا: ترفّعا من الإيمان.

و انتصابهما على العلّة من «جحدوا».

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له:

أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب اللّه- عزّ و جلّ-.

قال: الكفر في كتاب اللّه على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود على وجهين.

... إلى قوله: و أمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة، و هو أن يجحد الجاحد و هو

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 171. و في النسخ:

الأوّل.

(2) كذا في أ. و في سائر النسخ: تهتدي.

(3) أنوار التنزيل 2/ 171- 172.

(4) المجمع 4/ 212.

(5) ليس في ن.

(6) الكافي 2/ 389، ح 1.

537

يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده، و قد قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏ (14): و هو الإغراق في الدّنيا، و الإحراق في الآخرة.

وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً: طائفة من العلم، و هو علم الحكم و الشّرائع. و علما أيّ علم.

وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ‏: عطفه بالواو إشعارا بأنّ ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النّعمة، كأنّه قال: ففعلا شكرا له ما فعلا وَ قالا: الْحَمْدُ لِلَّهِ‏.

الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (15)، يعني: من لم يؤت علما، و مثل علمهما.

و فيه دليل على فضل العلم و شرف أهله حيث شكرا على العلم و جعلاه أساس الفضل و لم يعتبر (1) دونه ما أوتيا من الملك الّذي لم يؤت غيرهما، و تحريض للعالم على أن يحمد اللّه على ما آتاه من فضله و أن يتواضع و يعتقد أنّه و إن فضّله على كثير فقد فضّل عليه كثير.

وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ قيل‏ (2): النّبوّة أو العلم أو الملك بأنّ قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه، و كانوا تسعة عشر.

و الصّحيح عند أهل البيت- (عليهم السلام)- أنّ الأنبياء يورثون المال كتوريث غيرهم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روى عبد اللّه بن الحسن، بإسناده، عن آبائه- (عليهم السلام)‏- أنّه لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك و بلغها ذلك جاءت إليه و قالت له: يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريّا، أ فعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) كذا في م. و في سائر النسخ: لم يعتبر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 172.

(3) الإحتجاج 1/ 102.

538

و في كتاب المناقب‏ (1) لابن شهر آشوب: و ذكر مسلم، عن عبد الرّزاق، عن معمّر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، و في حديث اللّيث بن سعد (2)، عن عقيل، عن ابن عروة (3)، عن عائشة في خبر طويل تذكر فيه، أنّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأل ميراثها من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- القصّة (4). قال: فهجرته و لم تكلّمه حتّى توفّيت و لم يؤذن بها ابو بكر يصلّي عليها.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): سلمة (6) بن الخطّاب، عن عبد اللّه بن القاسم، عن زرعة (7)، عن المفضّل قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏- داود ورّث سليمان و إنّا ورثنا محمّدا.

وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: تشهيرا لنعمة اللّه، و تنويها بها، و دعاء للنّاس إلى التّصديق بذكر المعجزة الّتي هي علم منطق الطّير و غير ذلك من عظائم ما أوتيه.

و النّطق و المنطق في التّعارف‏ (8) كلّ لفظ يعبّر به عمّا في الضّمير مفردا كان أو مركّبا، و قد يطلق لكلّ ما يصوّت به على التّشبيه أو التّبع، كقولهم: نطقت الحمامة. و منه النّاطق و الصّامت للحيوان و الجماد، فإنّ الأصوات الحيوانيّة من حيث أنّها تابعة للتّخيّلات منزلة منزل العبارات، سيما و فيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما من جنسه.

قيل‏ (9): و لعلّ سليمان- (عليه السلام)- مهما سمع صوت حيوان علم بقوّته القدسيّة التّخيّل الّذي صوّته و الغرض الّذي توخّاه به، و من ذلك ما حكي أنّه مرّ ببلبل يصوّت و يترقّص، فقال: يقول: إذا أكلت نصف تمرة (10) فعلى الدّنيا العفاء (11). و صاحت فاختة، فقال:

إنّها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. فلعلّه كان صوت البلبل‏ (12) عن شبع و فراغ بال، و صياح‏

____________

(1) المناقب 4/ 362- 363.

(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 31. و في النسخ: سعيد.

(3) المصدر: ابن شهاب.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الفضّة.

(5) البصائر/ 158، ح 15.

(6) م: مسلمة.

(7) كما في رجال النجاشي/ 466. و في المصدر:

ذرعة.

(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 172. و في النسخ:

التعارف.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: تمر.

(11) كذا في المصدر. و في س، أ، ن: العفار. و في سائر النسخ: العفا.

(12) كذا في المصدر. و في النسخ: صوته.

539

الفاختة (1) عن مقاساة شدّة و تألّم قلب.

و قال عليّ بن عيسى‏ (2): إنّ الطّير كانت تكلّم النّاس معجزة له، كما أخبر عن الهدهد.

و الضّمير في «علّمنا» و «أوتينا» له و لأبيه، أو له وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السّياسة.

و المراد مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: كثرة ما أوتي، كقولك: فلان يقصده كلّ واحد و يعلم كلّ شي‏ء.

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن سيف، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- قال: قلت له: إنّهم يقولون في حداثة سنّك.

فقال: إنّ اللّه- تعالى- أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان و هو صبيّ يرعى الغنم، فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل و علماؤهم، فأوحى اللّه إلى داود: أن خذ عصا المتكلّمين و عصا سليمان‏ (4) و اجعلهما في بيت و اختم عليها (5) بخواتيم القوم، فإذا كان من الغد فمن كانت عصاه قد أورقت و أثمرت فهو الخليفة. فأخبرهم داود- (عليه السلام)- فقالوا: قد رضينا و سلّمنا.

محمّد بن يحيى‏ (6) عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه، أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال: قلت له:

جعلت فداك، أخبرني عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ورث النّبيّين كلّهم؟

قال: نعم.

قلت: من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه؟

قال: ما بعث اللّه نبيّا إلّا و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعلم منه.

قال: قلت: إن عيسى بن مريم كان يحيي الموتى بإذن اللّه.

قال: صدقت، و سليمان بن داود كان يفهم منطق الطّير، و كان رسول اللّه- صلّى‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: صياحها.

(2) مجمع البيان 4/ 214.

(3) الكافي 1/ 383، ح 3.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: عصاه.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: عليهما.

(6) الكافي 1/ 226، ح 7.

540

اللّه عليه و آله- يقدر على هذه المنازل.

و بإسناده‏ (1) إلى أبي بصير: عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال لي: يا أبا محمّد، إنّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من النّاس و لا طير و لا بهيمة و لا شي‏ء فيه الرّوح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (2) إلى الفتح بن يزيد الجرجانيّ: عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّما قلنا: اللّطيف للخلق اللّطيف [و] (3) لعلمه بالشّي‏ء اللّطيف، أو لا ترى، وفّقك اللّه و تبتّك، الى أثر صنعه في النّبات اللّطيف و غير اللّطيف و من الخلق اللّطيف و من الحيوانات‏ (4) الصّغار و من البعوض و الجرجس و ما هو أصغر منها، ممّا لا تكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذّكر من الأنثى و الحدث المولود من القديم، فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه و اهتدائه للسفاد (5) و الهرب من الموت و الجمع لما يصلحه و ما في لجج البحار و ما في الحاء (6) الأشجار و المفاوز و القفاز و إنهام بعضها عن بعض منطقها و ما يفهم به أولادها عنها- إلى قوله-: علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطيف.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن محمّد بن أحمد، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عليّ، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كنت عنده يوما إذ وقع زوج ورشان على الحائط و هدلا هديلهما، فردّ أبو جعفر عليهما كلامهما ساعة ثم نهضا، فلمّا طارا على الحائط هدل الذّكر على الأنثى ساعة ثمّ نهضا.

فقلت: جعلت فداك، ما هذا الطّير؟

قال: يا ابن مسلم، كلّ شي‏ء خلقه اللّه من طير أو بهيمة أو شي‏ء فيه روح فهو أسمع لنا و أطوع من بني آدم، إنّ هذا الورشان ظنّ بامرأته فحلفت له ما فعلت، فقالت:

ترضى بمحمّد بن عليّ. فرضيابي، فأخبرته أنّه لها ظالم، فصدّقها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: أعطي سليمان بن‏

____________

(1) الكافي 1/ 285، ح 7.

(2) الكافي 1/ 119- 120، ح 1.

(3) من المصدر مع المعقوفتين.

(4) المصدر، س، أ، م، ن: الحيوان.

(5) السفاد: نزوّ الذكر على الأنثى.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: لحى. و اللحاء: قشر الشجر، أو ما على العود من قشره.

(7) الكافي 1/ 470- 471، ح 4.

(8) تفسير القمّي 2/ 129.

541

داود، مع علمه، معرفة المنطق بكلّ لسان و معرفة اللّغات و منطق الطّير و البهائم و السّباع، فكان إذا شاهد الحروب تكلّم بالفارسيّة، و إذا قعد لعمّاله و جنوده و أهل مملكته تكلّم بالرّوميّة، و إذا خلا بنسائه تكلّم بالسّريانيّة و النّبطيّة، و إذا اقام في محرابه لمناجاة ربّه تكلّم بالعربيّة، و إذا جلس للوفود و الخصماء تكلّم بالعبرانيّة.

و فيه‏ (1): قال: أعطي داود و سليمان- (عليهما السلام)- ما لم يعط أحد (2) من أنبياء اللّه من الآيات، علمهما منطق الطّير و ألان لهما الحديد و الصّقر من غير نار و جعلت الجبال يسبّحن مع داود- (عليه السلام)-.

و في الخرائج و الجرائح‏ (3): قال بدر مولى الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ إسحاق بن عمّار دخل على موسى- (عليه السلام)- فجلس عنده إذ استأذن عليه رجل من خراسان‏ (4) فكلّمه بكلام لم أسمع بمثله، كأنّه كلام الطّير.

قال إسحاق: فأجابه موسى- (عليه السلام)- بمثله و بلغته إلى أن قضى وطره من مسائله فخرج من عنده.

فقلت: ما سمعت بمثل هذا الكلام.

فقال: هذا كلام قوم من أهل الصّين، و ليس كلّ كلام أهل الصّين مثله.

ثمّ قال: أتعجب من كلامي بلغنه؟

فقلت: هو موضع العجب.

قال- (عليه السلام)-: أخبرك بما هو أعجب منه، إنّ الإمام يعلم منطق الطّير و نطق كلّ ذي روح خلقه‏ (5) اللّه- تعالى- و ما يخفى على الإمام شي‏ء.

و في كتاب المناقب‏ (6) لابن شهر آشوب: في تفسير الثّعلبيّ قال الصّادق- (عليه السلام)-: قال: الحسين بن عليّ- (صلوات اللّه عليهما)-: إذا صاح النّسر قال: يا بن آدم، عش ما شئت آخره الموت. و إذا صاح الغراب قال: إنّ في البعد عن النّاس‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 126.

(2) المصدر: أحدا.

(3) الخرائج 1/ 313، ح 6.

(4) في المصدر: «خراساني» بدل «من خراسان».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: خلقها. و الهاء في «خلقها» تعود على «الروح» و الهاء في «خلقه» تعود على «كلّ».

(6) المناقب 4/ 68.

542

أنس‏ (1). و إذا صاح القنبر (2) قال: اللّهمّ، العن مبغضي آل محمّد. و إذا صاح الخطّاف قرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و يمدّ الضَّالِّينَ‏، كما يمدّها القارئ.

و فيه‏ (3)، في مناقب أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)-: و سمع عصافير يصحن، قال: أ تدري، يا أبا حمزة، ما يقلن؟

قلت: لا.

قال: يسبّحن ربّي- عزّ و جلّ- و يسألن قوت يومهنّ.

محمّد بن مسلم‏ (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: علّمنا منطق الطّير، و أوتينا من كلّ شي‏ء.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء (6)، عمّن رواه، عن الميثميّ، عن منصور، عن الثّماليّ قال: كنت مع عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في داره و فيها [شجرة فيها] (7) عصافير و هنّ يصحن.

فقال لي: أ تدري ما يقلن هؤلاء؟

فقلت: لا أدري.

قال: يسبّحن ربّهنّ و يطلبن رزقهنّ.

محمّد بن إسماعيل‏ (8)، عن عليّ بن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة الثّماليّ.

قال: كنت عند عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- فانتشرت العصافير و صوّتت.

فقال لي: يا أبا حمزة، أ تدري ما تقول؟

قلت: لا.

قال: تقدّس ربّها و تسأله‏ (9) قوت يومها.

ثمّ قال: يا أبا حمزة، علّمنا منطق الطير و أوتينا من كلّ شي‏ء.

أحمد بن محمّد (10)، عن محمّد بن خالد، عن بعض رجاله، عن أبي‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أنسا.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: القنبرة.

(3) المناقب 4/ 185.

(4) نفس المصدر و المجلّد/ 195.

(5) البصائر/ 361، ح 1.

(6) المصدر: الحسن بن علي بن الوشاء.

(7) ليس في المصدر.

(8) البصائر/ 361- 362، ح 2.

(9) المصدر: تسأل.

(10) نفس المصدر/ 362، ح 3.

543

عبد اللّه- (عليه السلام)‏- و تلا (1) رجل عنده هذه الآية: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ليس فيها «من» إنّما هي «و أوتينا كلّ شي‏ء».

محمّد بن محمّد، (2) عن أحمد بن يوسف، عن داود الحدّاد، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كنت عنده إذ نظرت إلى زوج حمام‏ (3)، فهدر الذّكر على الأنثى.

فقال لي: أ تدري ما يقول؟

قلت: لا.

قال: يقول: يا سكني و عرسي، ما خلق اللّه‏ (4) أحبّ إليّ منك إلّا أن يكون مولاي جعفر بن محمّد.

عليّ بن إسماعيل‏ (5)، عن محمّد بن عمرو الزّيّات، عن أبيه، عن‏ (6) الفيض بن المختار قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ سليمان بن داود قال: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ. و قد، و اللّه، علّمنا منطق الطّير و علم كلّ شي‏ء.

أحمد بن موسى‏ (7)، عن محمّد بن أحمد المعروف بغزال، عن محمّد بن الحسين، عن سليمان من ولد جعفر بن أبي طالب قال: كنت مع أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- في حائط له إذ جاء عصفور فوقع بين يديه و أخذ يصيح و يكثر الصّياح و يضطرب.

فقال لي: يا فلان. أ تدري ما تقول‏ (8) هذا العصفور؟

قال‏ (9): قلت: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم.

قال: إنّها تقول: إنّ حيّة تريد أن تأكل‏ (10) فراخي في البيت، [فخذ معك العصا] (11) و ادخل [البيت و اقتل‏] (12) الحيّة.

____________

(1) المصدر: قال فتلا.

(2) نفس المصدر و الصفحة، ح 4.

(3) في المصدر: زيادة «عنده».

(4) ليس في المصدر.

(5) البصائر/ 364، ح 17.

(6) ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر/ 365، ح 19.

(8) كذا في المصدر: و في النسخ: يقول.

(9) ليس في س، أ، المصدر.

(10) في المصدر: «أكل» بدل «أن تأكل».

(11) ليس في أ. و في المصدر: «فقم فخذ تيك النبعة» بدل «فخذ معك العصا».

(12) ليس في أ.

544

قال: فأخذت التّبعة (1)، و هي العصا، و دخلت إلى البيت و إذا حيّة تجول‏ (2) في البيت فقتلتها.

أحمد بن محمّد (3)، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة، عن سالم، مولى‏ (4) أبان بيّاع الزّطّي قال: كنّا في حائط لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- معه‏ (5) و نفر معي، قال:

فصاحت العصافير.

فقال: أ تدري ما تقول هذه‏ (6)؟

فقلنا: جعلنا اللّه فداك، ما (7) ندري و اللّه‏ (8) ما تقول.

قال: تقول: اللّهمّ، إنّا خلق من خلقك و لا بدّ لنا من رزقك، فأطعمنا و اسقنا.

أحمد بن محمّد (9)، عن الحسين بن سعيد و البرقيّ، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن عبد اللّه بن فرقد قال: خرجنا مع أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- متوجّهين إلى مكّة، حتّى إذا كنّا بسرف‏ (10) استقبله عذاب ينعق في وجهه.

فقال: مت جوعا، ما تعلم شيئا إلّا و نحن نعلمه، ألا إنّا أعلم باللّه منك.

فقلنا: هل كان في وجهه شي‏ء؟

قال: نعم، سقطت ناقة بعرفات.

أحمد بن محمّد (11)، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى‏ (12) الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن أبي أحمد، عن شعيب بن الحسن قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- جالسا فسمع‏ (13) صوت فاختي‏ (14).

فقال: تدرون ما تقول [هذه؟

فقلنا: و اللّه، ما ندري.] (15)

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: التبعة.

(2) المصدر: تحول.

(3) البصائر/ 365، ح 20.

(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 350. و في النسخ: «بن» بدل «مولى».

5 و 6- ليس في المصدر.

(7) في س، أ، م، ن، المصدر: «لا» بدل «ما».

(8) ليس في المصدر.

(9) البصائر/ 365، ح 21.

(10) سرف: موضع على ستّة أميال من مكّة.

(11) البصائر/ 363، ح 8.

(12) ليس في المصدر.

(13) المصدر: نسمع.

(14) في المصدر: «صوتا من الفاختة» بدل «صوت فاختي».

(15) ليس في المصدر.

545

قال: تقول: فقدتكم. فافقدوها قبل أن تفقدكم.

محمّد بن عبد الجبّار (1)، عن الحسن بن الحسين‏ (2) اللّؤلؤيّ، عن أحمد بن الحسن الميثميّ [، عن محمّد بن الحسن بن زياد الميثميّ‏] (3)، عن مليح‏ (4)، عن أبي حمزة قال: كنت عند عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- و عصافير على الحائط (5) يصحن.

فقال: يا أبا حمزة، أ تدري ما يقلن؟

[قلت: لا أدري‏] (6).

قال: يتحدّثن أنّهنّ‏ (7) في وقت يشكون‏ (8) قوتهنّ.

أحمد بن محمّد، عن الحسين‏ (9) بن سعيد (10) و البرقي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن عليّ بن سنان قال: كنّا عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فسمع صوت فاختي‏ (11) في الدّار.

فقال: أين هذه الّتي أسمع صوتها؟

قلنا: هي في الدّار أهديت لبعضهم.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أما لنفقدنّك قبل أن تفقدنا.

قال: ثمّ أمر بها فأخرجت من الدّار.

أحمد بن محمّد (12)، عن بكر بن صالح، عن محمّد بن أبي حمزة، عن عمر بن [محمّد] (13) الإصبهانيّ قال: أهديت لإسماعيل بن أبي عبد اللّه صلصلا (14)، فدخل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- فلمّا رآها (15) قال: ما هذا الطّير المشئوم‏ (16)؟ فإنّه يقول: فقدتكم، فقدتكم‏ (17)، فافقدوه قبل أن يفقدكم.

____________

(1) نفس المصدر و الصفحة، ح 9.

(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 193. و في النسخ: الحسين بن الحسن.

(3) ليس في المصدر. و في أ: زيادة «عن محمد بن».

(4) المصدر: صالح.

(5) في المصدر، زيادة «قبالته».

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: أنّ لهنّ.

(8) المصدر: سألن فيه.

(9) ن: الحسن.

10 و 11- ليس في المصدر.

(12) البصائر/ 365- 366، ح 22.

(13) من المصدر.

(14) الصلصل: طائر أو الفاختة.

(15) المصدر: رآه.

(16) في المصدر: زيادة «اخرجوا».

(17) ليس في أ، المصدر.

546

و عنه‏ (1) عن الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن محمّد بن يوسف‏ (2) التّميميّ، عن محمّد بن جعفر، عن أبيه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أ تدرون ما تقول‏ (3) الصّنانية (4) إذا هي‏ (5) ترنّمت؟ تقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ حتّى تقرأ أمّ الكتاب، فإذا كان في آخرها قالت: وَ لَا الضَّالِّينَ‏.

عبد اللّه بن محمّد (6)، عن: محمّد بن إبراهيم بن شمر (7)، عن بشير (8)، عن عليّ بن أبي حمزة قال: دخل رجل من موالي أبي الحسن، فقال: جعلت فداك، أحبّ أن تتعذّى عندي. فقام أبو الحسن حتّى مضى معه و دخل البيت، و إذا في البيت سرير فقعد على السّرير و تحت السّرير زوج حمام، فهدر الذّكر على الأنثى، و ذهب الرّجل ليحمل الطّعام فرجع و أبو الحسن- (عليه السلام)- يضحك.

فقال: أضحك اللّه سنّك، ممّا (9) ضحكت؟

فقال: إنّ هذا الحمام هدر على هذه الحمامة (10)، فقال لها: يا سكني و يا (11) عرسي، و اللّه، ما على وجه الأرض [أحد] (12) أحبّ إليّ منك ما خلا هذا القاعد على السّرير. [قال:] (13) قلت: جعلت فداك، و تفهم كلام الطّير.

قال: نعم، عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ.

عبد اللّه بن محمّد (14)، عمّن رواه، عن محمّد بن عبد الكريم، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لابن عبّاس: إنّ اللّه علّمنا منطق الطّير، كما علّمه‏ (15) سليمان بن داود، و منطق كلّ دابّة في برّ و بحر.

إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏ (16): الّذي لا يخفى على أحد.

____________

(1) البصائر/ 366، ح 25.

(2) ن، المصدر: سيف.

(3) س، أ، ن: يقول.

(4) المصدر: الصائنيّة. و الظاهر أنّ المقصود منه الخطّاف كما مرّ بنا في حديث المناقب 4/ 68.

(5) ليس في المصدر.

(6) البصائر/ 366، ح 25.

(7) في المصدر: «عن عمر» بدل «بن شمر». و في ن: بن بستر.

(8) س، أ، م، ن: بشر.

(9) المصدر: بم.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: الحمام.

(11) ليس في المصدر.

12 و 13- من المصدر.

(14) البصائر/ 363- 364، ح 12.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: علّم.

547

و في مجمع البيان‏ (1): و روى الواحديّ بالإسناد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: أعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض و مغاربها، فملك سبعمائة سنة و ستّة أشهر، ملك أهل الدّنيا كلّهم من الجنّ و الإنس و الشّياطين و الدّوابّ و الطّير و السّباع، و أعطي علم كلّ شي‏ء و منطق كلّ شي‏ء، و في زمانه صنعت الصّنائع العجيبة (2) الّتي سمع بها النّاس، و ذلك قوله: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏.

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن موسى، عن محمّد بن الحسين، عن النّضر بن شعيب، عن عمر بن خليفة، عن شيبة بن‏ (4) الفيض، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: يا أيّها النّاس‏ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏.

و في جوامع الجامع‏ (5): إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏ و

عن الصّادق- (عليه السلام)- يعني: الملك و النّبوّة.

و يروى: أنّه خرج من بيت المقدس مع ستّمائة ألف كرسيّ عن يمينه و شماله‏ (6)، و أمر الطّير فأظلّتهم، و أمر الرّيح فحملتهم حتّى وردت بهم المدائن ثمّ رجع فبات في إصطخر، فقال: بعضهم لبعض: هل رأيتم‏ (7) ملكا قطّ (8) أعظم من هذا أو سمعتم؟ قالوا: لا فنادى ملك في السّماء لثواب تسبيحة واحدة في اللّه أعظم ممّا رأيتم.

وَ حُشِرَ: و جمع.

لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ (17):

يحبسون، يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا (9).

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): قوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) المجمع 4/ 214.

(2) المصدر: المعجبة. و في م: العجيب.

(3) البصائر/ 364- 365، ح 18.

(4) المصدر: عن.

(5) الجوامع/ 335- 336.

(6) المصدر: يساره.

(7) في المصدر: زيادة «قط».

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في أنوار التنزيل 2/ 172. و في النسخ:

ليتلاصقوا. و ليتلاحقوا أي ليدرك بعضها بعضا.

(10) تفسير القمي 2/ 126.

548

وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ فإنّه‏ (1) قعد على كرسيّه و حملته الرّيح فمرّت به على وادي النّمل، و هو واد ينبت فيه الذّهب و الفضّة، و قد و كلّ اللّه به النّمل، و هو قول الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ للّه واديا ينبت فيه‏ (2) الذّهب و الفضّة و قد حماه اللّه بأضعف خلقه و هو النّمل، لو رامته البخاتي‏ (3) ما قدرت عليه.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ قال: يحبس أوّلهم على آخرهم.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان سليمان عنده اسم اللّه الأكبر الّذي إذا سئل به‏ (6) أعطى و إذا دعي به أجاب، و لو كان اليوم لاحتاج إلينا.

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ‏ قيل‏ (7): واد بالشّام كثير النّمل. و تعدية الفعل إليه «بعلى» إمّا لأنّ إتيانهم كان من عال، أو لأنّ المراد قطعه من قولهم: أتى على الشّي‏ء: إذا أنفده و بلغ آخره، كأنّهم أرادوا أن ينزلوا أخريات الوادي.

قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ‏، كأنّها لمّا رأتهم متوجّهين إلى الوادي فرّت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها، فصاحت صيحة تنبّهت بها ما بحضرتها من النّمال فتبعتها، فشبّه ذلك بمخاطبة العقلاء و مناصحتهم فلذلك أجروا مجراهم، مع أنّه لا يمتنع أن خلق اللّه فيها العقل و النّطق.

لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ‏: نهي لهم عن الحطم، و المراد: نهيها (8) عن التّوقّف بحيث يحطمونها، كقولهم: لا أرينّك هاهنا. فهو استئناف، أو بدل من الأمر لا جواب له فإنّ النّون لا تدخله في السّعة.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (18): أنّهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا، كأنّها شعرت‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) في المصدر: زيادة «من الإبل» و البخاتي:

الإبل الخراسانيّة.

(4) تفسير القمّي 2/ 129.

(5) البصائر/ 231، ح 2.

(6) ليس في المصدر.

(7) أنوار التنزيل 2/ 172.

(8) م: نهيا.

549

عصمة الأنبياء من الظّلم و الإيذاء.

و قيل‏ (1): استئناف، أي: فهم سليمان و القوم لا يشعرون.

فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها: تعجّبا من حذرها و تحذيرها و اهتدائها إلى مصالحها. أو سرورا ممّا خصّه اللّه به من إدراك همسها و فهم غرضها، و لذلك سأل توفيق شكره.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى داود بن سليمان الغازيّ قال: سمعت عليّ بن موسى الرّضا- (عليهما السلام)- يقول عن أبيه، موسى بن جعفر (3) بن محمّد- (عليهم السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها. و قال: لمّا قالت النّملة: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ‏ حملت الرّيح صوت النّملة إلى سليمان- (عليه السلام)- و هو مارّ في الهواء و الريح قد حملته فوقف، و قال: عليّ بالنّملة.

فلمّا أتي‏ (4) بها قال سليمان- (عليه السلام)-: يا أيّتها النّملة، أما علمت أنّي نبيّ اللّه و أنّي لا أظلم أحدا؟

قالت النّملة: بلى.

قال سليمان- (عليه السلام)-: فلم تحذّرينهم‏ (5) ظلمي، و قلت: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ‏؟

قالت النّملة: خشيت أن ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا بها فيعبدون غير اللّه‏ (6)- عزّ و جلّ-:

ثمّ قالت النّملة: أنت أكبر أم أبوك، داود؟

قال سليمان- (عليه السلام)-: بل أبي، داود.

قالت النّملة: فلم يزيد في حروف [اسمك حرف على حروف اسم‏] (7) أبيك، داود؟

قال سليمان- (عليه السلام)-: مالي بهذا علم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 173.

(2) العيون 2/ 77، ح 8.

(3) المصدر: عن أبيه جعفر بن محمد.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أوتي.

(5) المصدر: حذّرتهم.

(6) المصدر: «عن ذكر اللّه» بدل «غير اللّه».

(7) ليس في س، أ، ن.

550

قالت: النّملة: لأنّ أباك، داود داود جرحه بودّ فسمّي داود، و أنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك.

ثمّ قالت النّملة: هل تدري لم سخّرت لك الرّيح من بين سائر المملكة؟

قال سليمان- (عليه السلام)-: مالي بهذا علم.

قالت النّملة: يعني- عزّ و جلّ- بذلك: لو سخّرت لك جميع المملكة، كما سخّرت لك هذه الرّيح، لكان زوالها من يديك كزوال الرّيح. فحينئذ تبسّم ضاحكا من قولها.

و في مجمع البيان‏ (1): و روي‏ أنّ نمل سليمان هذا كان كأمثال الذّئاب و الكلاب.

وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ‏: [اجعلني أزع‏ (2) شكر نعمتك‏] (3) عندي، أي: أكفه و أرتبطه لا ينفلت‏ (4) عنّي بحيث لا أنفكّ عنه.

الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَ‏: أدرج فيه ذكر والديه تكثيرا للنّعمة. أو تعميما لها فإنّ النّعمة عليهما نعمة عليه، و النّعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدّينيّة.

وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ‏: إتماما (5) للشّكر و استدامة للنّعمة.

وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ‏ (19): في عدادهم في الجنّة.

وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ: و تعرّف الطّير فلم يجد فيها الهدهد.

فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ‏ (20):

«أم» منقطعة، كأنّه لمّا لم يره ظنّ أنّه حاضر و لا يراه لساتر أو غيره، فقال: مالي لا أراه، ثمّ احتاط فلاح له أنّه غائب فأضرب عن ذلك و أخذ يقول: أهو غائب‏ (6)، كأنّه يسأل عن صحّة ما لاح له.

لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً، كنتف ريشه و إلقائه في الشّمس، أو حيث النّمل يأكله، أو جعله مع ضدّه في قفص.

أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ‏: ليعتبر به أبناء جنسه.

أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏ (21): بحجّة تبيّن عذره.

____________

(1) المجمع 4/ 216.

(2) كذا في م. و في سائر النسخ: أوزع.

(3) ليس في أ.

(4) أ، ن: لا ينفكّ.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 173. و في النسخ:

تماما.

(6) التقدير بل هو، لكنّه لمّا ذكر الإضراب علم تقدير «بل».

551

و الحلف في الحقيقة على أحد الأوّلين بتقدير عدم الثّالث، لكن لمّا اقتضى ذلك وقوع أحد الأمور الثّلاثة ثلّث المحلوف‏ (1) عليه بعطفه عليهما.

و في بصائر الدّرجات‏ (2): محمّد بن حمّاد (3) [، عن أخيه، أحمد بن حمّاد،] (4) عن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، [أخبرني عن‏] (6) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ورث [علم‏] (7) النّبيّين كلّهم؟

قال لي: نعم.

قلت: من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه؟

قال: [نعم. قلت: ورثهم النبوّة و ما كان في آبائهم من النبوّة و العلم، قال:] (8): ما بعث اللّه نبيّا إلّا و محمّد أعلم منه.

قال: قلت: إنّ عيسى بن مريم- (عليه السلام)- كان يحيي الموتى بإذن اللّه.

قال: صدقت.

قلت: و سليمان بن داود كان يفهم منطق‏ (9) الطّير، هل‏ (10) كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقدر على هذه المنازل؟

قال: فقال: إنّ سليمان- (عليه السلام)- قال للهدهد حين فقده‏ (11) و شكّ في أمره قال‏ (12): ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ‏. و غضب عليه فقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. و إنّما غضب عليه لأنّه كان يدلّه على الماء، فهذا و هو طير قد أعطي ما لم يعط سليمان [و إنّما أراده ليدلّه على الماء فهذا لم يعط سليمان‏] (13)، و كانت [الرّيح و النّمل و الجنّ و الإنس و الشّياطين‏] (14) و المردة له طائعين و لم يكن يعرف الماء (15) تحت الهواء [و كانت الطير تعرفه، إن اللّه يقول في كتابه:

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 173. و في النسخ:

المعطوف.

(2) البصائر/ 134- 135، ح 3.

(3) المصدر: محمد بن الحسن عن حماد.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: إبراهيم بن عبد الحميد.

(6) ليس في المصدر.

7 و 8- من المصدر.

(9) المصدر: كلام.

(10) في المصدر: «قال و» بدل «هل».

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: تفقده.

(12) ليس في المصدر.

(13) من المصدر.

(14) ليس في المصدر.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.

552

وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ فقد ورثنا نحن هذا القرآن، فعندنا ما يقطّع به الجبال و يقطّع به البلدان و يحيى به الموتى بإذن اللّه و نحن نعرف ما تحت الهواء] (1)، و إنّ‏ (2) في كتاب اللّه لآيات ما يراد بها أمر الآن إلى أن يأذن اللّه به مع ما قد يأذن اللّه ممّا كتبه للماضين‏ (3)، جعله اللّه لنا في أمّ الكتاب، إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏. ثمّ قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فنحن الّذين اصطفانا اللّه فورثنا هذا الّذي فيه كلّ شي‏ء (4) (5).

و في أصول الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه، أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، أخبرني عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ورث النّبيّين كلّهم؟

قال: نعم.

قلت: من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه؟

قال: ما بعث اللّه نبيّا الّا و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعلم منه.

قال: قلت: إنّ عيسى بن مريم كان يحيي الموتى بإذن اللّه.

قال: صدقت‏ (7).

و سليمان بن داود كان يفهم منطق الطّير، و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقدر على هذه المنازل؟

قال: فقال: إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده و شكّ في أمره: فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. حين فقده، و غضب عليه فقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. و إنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء، فهذا

____________

(1) من المصدر.

(2) في المصدر: «و إن كان» بدل «و إنّ».

(3) في المصدر: «من الأمور الّتي أعطاه اللّه الماضين النبيين و المرسلين إلّا و قد» بدل «الآن إلى أن ... للماضين.

(4) في المصدر: زيادة «ذلك كلّه».

(5) المصدر: هذا القرآن الّذي فيه تبيان كلّ شي‏ء.

(6) الكافي 1/ 226، ح 7.

(7) الصحيح من وجود «قلت» هنا.

553

و هو طائر قد أعطي ما لم يعط سليمان و قد (1) كانت الرّيح و النّمل و الجنّ و الإنس و الشّياطين [و] (2) المردة له طائعين، و لم يكن يعرف الماء تحت الهواء، و كان الطّير يعرفه، و إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ و قد ورثنا نحن‏ (3) هذا القرآن الّذي فيه ما تسيّر به الجبال و تقطّع به البلدان و تحيى به الموتى، و نحن نعرف الماء تحت الهواء، و إنّ في كتاب اللّه لآيات ما يراد بها أمر إلّا أن يأذن اللّه به مع ما قد يأذن اللّه ممّا كتبه الماضون، جعله اللّه لنا في أمّ الكتاب، إنّ اللّه يقول: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. ثمّ قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا. فنحن الّذين اصطفانا اللّه- عزّ و جلّ- و أورثنا هذا الكتاب فيه تبيان كلّ شي‏ء (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال الصّادق- (عليه السلام)-: قال آصف بن برخيا، وزير سليمان لسليمان- (عليه السلام)-: أخبرني عنك، يا سليمان، صرت تحبّ الهدهد و هو أخسّ الطّير منبتا (6) و أنتنه ريحا.

قال: إنّه يبصر الماء من وراء الصّفا (7) الأصمّ.

فقال: و كيف يبصر الماء من وراء الصّفا، و إنّما يوارى عنه الفخّ بكفّ من تراب حتّى يأخذ بعنقه؟

فقال سليمان: قف يا وقّاف، إنّه [إذا جاء القدر حال دون البصر. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و فيه‏ (8): و كان سليمان- (عليه السلام)- إذا قعد على كرسيّه‏] (9) جاءت جميع الطّير

____________

(1) ليس في ن.

(2) من المصدر مع المعقوفتين.

(3) ليس في م.

(4) هذا الحديث هو نفس الحديث الوارد في الصّفحات الماضية غير أنّ هذا الحديث أطول من ذاك، و كذلك نفس الحديث و بنفس السّند الوارد عن بصائر الدّرجات الذي مرّ آنفا. و الذي أريد بيانه أنّ في الأصول قد سقطت كلمة «قلت» بعد «قال: صدقت» في كلا الحديثين، مع ورودها صحيحة في بصائر الدرجات، و بناء على ما تقدّم فإنّ حديث الكافي ناقص غير تام.

لأنّه يحتاج إلى جواب لتكملته كما ورد في بصائر الدرجات.

(5) تفسير القمّي 2/ 238.

(6) المصدر: منتنا.

(7) الصفا: الحجر.

(8) تفسير القمّي 2/ 127.

(9) ليس في م.

554

الّتي سخّرها اللّه- عزّ و جلّ- لسليمان- (عليه السلام)- فتظلّ الكرسيّ و البساط بجميع من عليه عن‏ (1) الشّمس، فغاب عنه الهدهد من بين الطّير فوقع الشّمس من موضعه في حجر سليمان، فرفع رأسه و قال كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى [العيّاشيّ بالإسناد قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: كيف تفقّد سليمان الهدهد من بين الطّير؟

قال: لأنّ الهدهد] (3) يرى الماء في بطن الأرض، كما يرى أحدكم الدّهن في القارورة.

فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه و ضحك.

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما يضحكك؟

قال: ظفرت بك، جعلت فداك.

قال: و كيف ذلك؟

قال: الّذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخّ في التّراب حتّى يأخذ بعنقه؟

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا نعمان، أما علمت أنّه إذا نزل القدر أغشي البصر.

و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى سليمان بن جعفر: عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه- (عليهم السلام)- [عن عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)-] (5) قال: في جناح كلّ هدهد خلقه اللّه- عزّ و جلّ- مكتوب بالسّريانيّة: آل محمّد خير البريّة.

و في الخصال‏ (6): عن داود بن كثير الرّقّي قال: بينما نحن قعود عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ مرّ (7) رجل بيده خطّاف مذبوح، فوثب إليه أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- حتّى أخذه من يده ثمّ رمى‏ (8) به الأرض.

ثمّ قال: أ عالمكم أمركم بهذا أم فقيهكم؟ لقد أخبرني أبي، عن‏

____________

(1) المصدر: من.

(2) المجمع 4/ 217- 218.

(3) ليس في أ.

(4) العيون 1/ 203، ح 2.

(5) من المصدر.

(6) الخصال 1/ 326- 327، ح 18.

(7) المصدر: مرّ بنا.

(8) المصدر: دحى.

555

جدّي- (عليهما السلام)- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن قتل ستّة: النّحلة، و النّملة، و الضّفدع، و الصّرد، و الهدهد، و الخطّاف.

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و أمّا الهدهد فإنّه كان دليل سليمان- (عليه السلام)- إلى ملك بلقيس.

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ: زمانا غير مديد، يريد به: الدّلالة على سرعة رجوعه خوفا منه.

فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ‏، يعني: حال سبأ.

و في مخاطبته إيّاه بذلك تنبيه له على أنّ في أدنى خلق اللّه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه و يتصاغر لديه علمه.

و قرئ‏ (1) بإدغام الطّاء في التّاء، بإطباق و بغير إطباق.

وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ:

و قرأ (2) ابن كثير (3) و أبو عمرو غير مصروف، على تأويل القبيلة أو البلدة (4).

و في مجمع البيان‏ (5): و روى علقمة بن وعلة، عن ابن عبّاس قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن سبأ.

فقال: هو رجل ولد له عشرة من العرب، تيامن منهم ستّة و تشاءم أربعة، فالّذين تشاءموا: لخم‏ (6) و جدام و غسان و عاملة، و الّذين تيامنوا: كندة و الأشعرون و الأزد و مذحج و حمير و أنمار، و من الأنمار خثعم و بجيلة.

بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏ (22): بخبر محقّق.

إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ‏، يعني بلقيس بنت شراحيل‏ (7) بن مالك بن ريّان. و الضّمير «لسبأ» أو لأهلها.

وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: يحتاج إليه الملوك.

وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ‏ (23): عظّمه بالنّسبة إليها، أو إلى عروش أمثالها.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 173.

(3) في المصدر: زيادة «برواية البزّيّ».

(4) م: البلد.

(5) المجمع 4/ 218.

(6) كذا في المصدر. و في م: نخمة و في سائر النسخ: الخم.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 174. و في أ، س:

راحيل. و في سائر النسخ: سراحيل.

556

و قيل‏ (1): كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين‏ (2) عرضا و سمكا، أو ثمانين في ثمانين، من ذهب و فضّة مكلّلا بالجواهر.

وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏، كأنّهم كانوا يعبدونها (3).

وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏: عبادة الشّمس و غيرها من مقابيح أعمالهم.

فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ‏: سبيل الحقّ و الصّواب.

فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ‏ (24): إليه.

أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ‏: فصدّهم لئلّا يسجدوا. أو زيّن لهم أن لا يسجدوا على أنّه بدل من «أعمالهم». أو لا يهتدون إلى أن يسجدوا بزيادة «لا».

و قرأ (4) الكسائي و يعقوب: «ألا» بالتّخفيف على أنّها للتّنبيه و يا للنّداء و مناداه محذوف، أي: ألا يا قوم اسجدوا. و على هذا صحّ أن يكون استئنافا من اللّه- تعالى- أو من سليمان- (عليه السلام)- و الوقف على «لا يهتدون» و كان أمرا بالسّجود، و على الأوّل ذمّا على تركه.

و قرئ‏ (5): «هلّا» و «هلا» بقلب الهمزة هاء، و «ألّا تسجدون» و «هلّا تسجدون» على الخطاب.

الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ‏ (25): وصف له تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السّجود من التّفردّ بكمال القدرة و العلم، حثّا على سجوده و ردّا على من يسجد لغيره.

و «الخب‏ء» ما خفي في غيره، و إخراجه إظهاره، و هو يعمّ إشراف‏ (6) الكواكب و إنزال الأمطار و إنبات النّبات، بل الإنشاء فإنّه إخراج ما في الشّي‏ء بالقوّة إلى الفعل، و الإبداع فإنّه إخراج ما في الإمكان و العدم إلى الوجوب و الوجود، و معلوم أنّه يختصّ بالواجب لذاته.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) في المصدر: زيادة «ذراعا».

(3) إنّما قال: كأنّهم كانوا يعبدونها، بلفظ «كأنّ» المفيد لعدم الجزم لأنّه يحتمل أن يكون السّجود لها لا للعبادة التي هي غاية التعظيم و الخضوع، بل لشي‏ء منهما.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 174.

(6) كذا في أنوار التنزيل 1/ 174. و في النسخ:

إشراف.

557

اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ (26): الّذي هو أوّل الأجرام و أعظمها و المحيط بجملتها، فبين العظيمين بون عظيم‏ (1).

قالَ سَنَنْظُرُ: سنتعرّف، من النّظر بمعنى: التّأمّل.

أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ (27)، أي: أم كذبت.

و التّغيير (2) للمبالغة و محافظة الفواصل‏ (3).

اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ‏: ثمّ تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه.

فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ‏ (28): ما ذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول.

قالَتْ‏، أي: بعد ما ألقي إليها.

يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ‏ (29): لكرم مضمونه. أو مرسله. أو لأنّه كان مختوما. أو لغرابة شأنه، إذ كانت مستلقية في بيت مغلّقة الأبواب فدخل الهدهد في‏ (4) كوة و ألقاه على نحرها بحيث لا تشعر به.

إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ‏: استئناف، كأنّه قيل لها: ممّن هو، و ما هو؟ فقالت: إنّه، إي: [إنّ‏] (5) الكتاب، أو العنوان [من سليمان‏] (6).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): ثمّ قال سليمان- (عليه السلام)-: سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏- إلى قوله- تعالى-: ما ذا يَرْجِعُونَ‏ فقال الهدهد: إنّها في حصن منيع في عرش عظيم، أي: سرير. قال سليمان- (عليه السلام)-: ألق كتابي‏ (8) على قبّتها. فجاء الهدهد فألقى الكتاب في حجرها، فارتاعت من ذلك و جمعت جنودها و قالت لهم كما حكى اللّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ‏، أي: مختوم.

و في جوامع الجامع‏ (9): كِتابٌ كَرِيمٌ‏ و صفته‏ (10) بالكرم لأنّه من عند ملك كريم. أو

____________

(1) أي: بين العظيم الذي هو عرش بلقيس و بين العظيم الثّاني الذي هو عرش اللّه- تعالى- بون عظيم.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 175. و في النسخ:

التعبير.

(3) أفاد أنّه للمبالغة باعتبار إن‏ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ من المستمرّين على الكذب. لأنّه يدلّ على زمان مخصوص بل «كان» للاستمرار.

(4) الأظهر: من.

5 و 6- من أنوار التنزيل 2/ 175.

(7) تفسير القمّي 2/ 127.

(8) المصدر: الكتاب.

(9) الجوامع/ 337.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: وصفه.

558

مختوم‏

لقوله- (عليه السلام)-: كرم الكتاب ختمه.

وَ إِنَّهُ‏: و إنّ المكتوب، أو المضمون.

و قرئ‏ (1)، بالفتح، على الإبدال من «كتاب»، أو التّعليل لكرمه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَ‏ «أن» مفسّرة (2). أو مصدريّة، فتكون بصلتها خبر محذوف، أي: هو، أو أنّ المقصود:

أن لا تعلوا، أو بدل من «كتاب».

و في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)-: عن آبائه، عن عليّ- (عليهم السلام)- أنّه قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال لي: يا محمّد وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.

فأفرد عليّ الامتنان بفاتحة الكتاب و جعلها بإزاء القرآن العظيم، و إنّ فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش، و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خصّ محمّدا و شرّفه بها و لم يشرك معه فيها أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان- (عليه السلام)- فإنّه أعطاه منها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ يحكي عن [قول‏] (4) بلقيس حين قالت: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ‏ (31): مؤمنين، أو منقادين.

و هذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدّلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدّالّة على ذات الصّانع و صفاته صريحا أو التزاما، و النّهي عن التّرفّع الّذي هو أمّ الرّذائل، و الأمر بالإسلام الجامع لأمّهات الفضائل، و ليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجّة على رسالته حتّى يكون استدعاء للتّقليد، فإنّ إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدّلائل‏ (5).

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي‏: أجيبوني في أمري الفتى و اذكروا ما تستصوبون فيه.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 175.

(2) أي: مفسّرة لشي‏ء مقدّر، و التقدير أنهاكم عن شي‏ء و أعلمكم شيئا هو لا تعلوا عليّ.

(3) العيون 1/ 235، ح 60.

(4) من المصدر.

(5) أي: إلقاء الكتاب إليها من غير توسّط بأحد من الناس بل إتيانه إليها من حيث لم تشعر به معجزة.

559

ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً: ما أبتّ أمرا حَتَّى تَشْهَدُونِ‏ (32): إلّا بمحضركم.

استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإجابة.

قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ: بالأجساد و العدد.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال عن القائم: ما يخرج إلّا في أولي قوّة، و ما تكون أولو القوّة أقلّ من عشرة آلاف‏ (2).

وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ: نجدة و شجاعة.

وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ‏: موكول.

فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ‏ (33): من المقاتلة أو الصّلح نطعك و نتّبع رأيك.

قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها: تزييف لمّا أحسّت منهم من الميل إلى المقاتلة بادّعائهم القوى الذّاتيّة و العرضيّة، و إشعار بأنّها ترى الصّلح مخافة أن يتخطّى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم و عماراتهم، ثمّ إنّ الحرب سجال‏ (3) لا تدري عاقبتها.

وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً: بنهب أموالهم و تخريب ديارهم إلى غير ذلك من الإهانة و الأسر.

وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ‏ (34): تأكيد لما وصفت من حالهم، و تقرير بأنّ ذلك من عاداتهم الثّابتة المستمرّة. أو تصديق لها من اللّه- عزّ و جلّ-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)- (رحمه اللّه)-: فقالت لهم: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً فقال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ‏.

وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ: بيان لما ترى تقديمه في المصالحة (5)، [و المعنى: إنّي مرسلة رسلا بهدية أدفعه بها عن ملكي.

____________

(1) كمال الدين/ 654، ح 20.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ما يكون أولو قوّة إلّا عشرة آلاف.

(3) السجال- جمع السّجل-: النصيب من الشي‏ء. و الحرب بينهم سجال أي: نصرتها بينهم متداولة، سجل منها على هؤلاء و آخر على هؤلاء.

(4) تفسير القمّي 2/ 127- 128.

(5) كذا في أنوار التنزيل 2/ 175. و في النسخ:

للمصلحة.

560

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الهدية على ثلاثة أوجه: هدية مكافأة،] (2) و هدية مصانعة، و هدية للّه- عزّ و جلّ-.

فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏ (35): من حاله حتّى أعمل بحسب ذلك.

نقل‏ (3): أنّها بعث منذر بن عمرو في وفد، و أرسلت معهم غلمانا على زيّ الجواري و الجواري على زيّ الغلمان، و حقّا (4) فيه درّة عذراء، و جزعة معوجّة الثّقب و قالت: إن كان نبيّا ميّز بين الغلمان و الجواري، و ثقب الدّرّة ثقبا مستويا (5)، و سلك في الخرزة خيطا. فلمّا و صلوا إلى معسكره و رأوا عظمة شأنه تقاصرت إليهم نفوسهم، فلمّا وقفوا بين يديه، و قد سبقهم جبرئيل- (عليه السلام)- بالحال، فطلب الحقّ و أخبر عمّا فيه، فأمر الأرضة (6) فأخذت شعرة و نفذت في الدّرة، و أمر دودة بيضاء فأخذت الخيط و نفذت في الجزعة (7)، و دعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثمّ تضرب به وجهها، و الغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثمّ ردّ الهديّة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (8) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: «و النّاظرة» في بعض اللّغة هي المنتظرة، أ لم تسمع إلى قوله:

فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏.

فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ‏، أي: الرّسول، أو ما أهدت إليه.

و قرئ‏ (9): «فلمّا جاؤوا».

قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ‏: خطاب للرّسول و من معه. أو للرّسول و المرسل على تغليب المخاطب.

و قرأ (10) حمزة و يعقوب، بالإدغام.

و قرئ‏ (11)، بنون واحدة، و بنونين و حذف الياء.

____________

(1) الخصال 1/ 89، ح 26.

(2) ليس في م.

(3) أنوار التنزيل 2/ 176.

(4) الحقّ: وعاء صغير ذو غطاء يتّخذ من عاج أو زجاج أو غيرهما.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: مستوية.

(6) الأرضة: دودة أو دويبة صغيرة تأكل الخشب.

(7) كذا في المصدر. و في س، أ، م، ن: الخرعة.

و في غيرها: الجذعة.

(8) الإحتجاج 1/ 243.

(9) أنوار التنزيل 2/ 176.

10 و 11 نفس المصدر و الموضع.

561

فَما آتانِيَ اللَّهُ‏: من النّبوّة و الملك الّذي لا مزيد عليه‏ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ‏ فلا حاجة لي إلى هدّيتكم، و لا وقع لها عندي.

بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ‏ (36): لأنّكم لا تعلمون إلّا ظاهرا من الحياة الدّنيا فتفرحون بما يهدى إليكم حبّا لزيادة أموالكم، أو بما تهدونه‏ (1) افتخارا على أمثالكم.

و الإضراب عن إنكار الإمداد بالمال عليه و تقليله‏ (2) إلى بيان ما حملهم عليه، و هو قياس حاله على حالهم في قصور الهمّة بالدّنيا و الزّيادة فيها (3).

ارْجِعْ‏: أيّها الرّسول.

إِلَيْهِمْ‏: إلى بلقيس و قومها.

فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها: لا طاقة لهم بمقاومتها و لا قدرة لهم على مقابلتها.

و قرئ‏ (4) «بهم».

وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها: من سبأ أَذِلَّةً: بذهاب ما كانوا فيه من العزّ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏ (37): أسراء مهانون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، متّصلا بما سبق قريبا من قوله: وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ‏. ثم قالت: [إنّ هذا] (6) إن كان‏ (7) نبيّا من عند اللّه، كما يدّعي، فلا طاقة لنا به فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يغلب، و لكن سأبعث إليه بهديّة فإن كان ملكا يميل إلى الدّنيا قبلها و علمت أنّه لا يقدر علينا. فبعثت إليه حقّة فيها جوهرة عظيمة و قالت للرّسول: قل له يثقب هذه الجوهرة بلا حديد و لا نار. فأتاه الرّسول بذلك، فأمر سليمان- (عليه السلام)- بعض جنوده من الدّيدان فأخذ خيطا في فمه ثمّ نقبها و أخرج‏ (8) الخيط من الجانب الآخر، و قال سليمان- (عليه السلام)- لرسولها:

____________

(1) م، ن: تهتدونه.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 176. و في النسخ:

تعليله.

(3) إنكار الإمداد بالمال هو المستفاد من قوله:

أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ‏ و تقليله هو المستفاد من قوله:

فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ‏.

(4) أنوار التنزيل 2/ 176.

(5) تفسير القمّي 2/ 128.

(6) ليس في المصدر.

(7) في المصدر: زيادة «هذا».

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: أخذ.

562

فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها، [أي: لا طاقة لهم بها] (1) وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ‏. فرجع إليها الرّسول فأخبرها بذلك و بقوّة سليمان، فعلمت أنّه لا محيص لها فخرجت و ارتحلت‏ (2) نحو سليمان.

قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها أراد بذلك: أن يريها بعض ما خصّه اللّه من العجائب الدّالّة على عظم القدرة و صدقه في دعوى النّبوّة، و يختبر عقلها بأن ينكّر عرشها فينظر (3) أتعرفه أم تنكره.

قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏ (38): فإنّها إذا أتت مسلمة لم يحلّ أخذه إلّا برضاها.

قالَ عِفْرِيتٌ‏: خبيث مارد.

مِنَ الْجِنِ‏: بيان له، لأنّه يقال للرجل‏ (4) الخبيث المنكر المعفرّ أقرانه. و كان اسمه ذكوان، أو صخرا.

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ‏ من مجلسك للحكومة، و كان يجلس إلى نصف النّهار.

وَ إِنِّي عَلَيْهِ‏: على حمله‏ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ‏ (39): لا أختزل منه شيئا و لا أبدّه‏ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏ و قيل‏ (5): آصف بن برخيا وزيره. أو الخضر. أو جبرئيل. أو ملك أيّده اللّه- تعالى- به. أو سليمان نفسه، فيكون التّعبير عنه بذلك للدّلالة على شرف العلم، و أنّ هذه الكرامة كانت بسببه، و الخطاب في‏ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ للعفريت، كأنّه استبطأه فقال له ذلك، أو أراد إظهار معجزة في نقله فتحدّاهم أوّلا ثمّ أراهم أنّه يتأتّى له ما لا يتأتّى‏ (6) لعفاريت الجنّ فضلا عن غيرهم.

____________

(1) ليس في م.

(2) في المصدر: «فارتحلت» بدل «فخرجت و ارتحلت».

(3) كذا في أنوار التنزيل 2/ 176. و في النسخ:

فتنظره.

(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

للرجال.

(5) أنوار التنزيل 2/ 176.

(6) كذا في م. و في النسخ: يتهيّأ.

563

و المواد بالكتاب: جنس الكتب المنزلة، أو اللّوح.

و «آتيك» في الموضعين صالح للفعليّة و الاسميّة.

و «الطّرف» تحريك الأجفان للنّظر فوضع موضعه، و لمّا كان النّاظر يوصف بإرسال الطّرف، كما في قوله:

و كنت أذا أرسلت طرفك رائدا* * * لقلبك يوما أتعبتك المناظر

وصف بردّ الطّرف و الطّرف بالارتداد، و المعنى: أنّك ترسل طرفك نحو شي‏ء، و قيل أن تردّه أحضر عرشها بين يديك، و هذا غاية في الإسراع و مثل فيه.

و في جوامع الجامع‏ (1): يروى أنّها أمرت عند خروجها إلى سليمان فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات‏ (2)، و وكّلت به حرسا يحفظونه، فأراد سليمان أن يريها بعض ما يخصّه اللّه به من المعجزات الشّاهدة لنبوّته.

و روي‏ (3) أنّ آصف بن برخيا قال لسليمان- (عليه السلام)-: مدّ عينيك حتّى ينتهي طرفك. فمدّ عينيه فنظر نحو اليمن‏ (4)، و دعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب ثمّ نبع عند مجلس سليمان بالشّام بقدرة اللّه قبل أن يردّ (5) طرفه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6)، متّصلا بآخر ما سبق عنه قريبا، أعني: قوله: و ارتحلت نحو سليمان. فلّما علم سليمان بإقبالها نحوه قال للجنّ و الشّياطين: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ‏ (7) الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قال سليمان- (عليه السلام)-: أريد أسرع من ذلك، فقال آصف بن برخيا:

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ فدعا اللّه- عزّ و جلّ- بالاسم‏ (8) الأعظم، فخرج السّرير من تحت كرسيّ سليمان.

حدّثني‏ (9) أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الّذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و سئل عن الّذي عنده علم‏

____________

(1) الجوامع/ 338.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: أبواب.

(3) الجوامع/ 338.

(4) في بعض نسخ المصدر: «طرف اليمن» بدل «فنظر نحو اليمن».

(5) المصدر: يرتدّ.

(6) تفسير القمّي 2/ 128.

(7) المصدر: من عفاريت الجنّ.

(8) المصدر: باسمه.

(9) تفسير القمّي 2/ 367.

564

من الكتاب أعلم أم الّذي عنده علم الكتاب؟ فقال: ما كان علم الّذي عنده علم من الكتاب عند الّذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذه البعوضة بجناحها من ماء البحر.

و قال أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه- (1): ألا إنّ العلم الّذي هبط به آدم من السّماء إلى الأرض و جميع ما فضّلت به النّبيّون إلى خاتم النّبيّين في عترة خاتم النّبيّين.

و في روضة الواعظين‏ (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال أبو سعيد الخدريّ: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن قول اللّه- جلّ ثناؤه-: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏.

قال: ذاك وصيّ أخي، سليمان بن داود.

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن محمّد بن الفضيل‏ (4) قال: أخبرني ضريس الكناسيّ‏ (5)، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، و إنّما كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلّم به فخسف بالأرض‏ (6) ما بينه و بين سرير بلقيس ثمّ تناول السّرير بيده ثمّ عادت الأرض، كما كانت، أسرع من طرفة عين، و عندنا نحن من الاسم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه استأثر به في علم الغيب عنده، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

محمّد بن عيسى‏ (7)، عن عليّ بن الحكم، عن محمّد بن الفضيل، عن ضريس الوابشي، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك، قول العالم: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏.

فقال: يا جابر، إنّ اللّه جعل اسمه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، فكان عند العالم منها حرف‏ (8) فأخسفت‏ (9) الأرض ما بينه و بين السّرير، التفّت القطعتان و حوّل من هذه على هذه، و عندنا اسم اللّه الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف في علم الغيب المكنون عنده‏ (10).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) روضة الواعظين 1/ 111.

(3) البصائر/ 228، ح 1.

(4) المصدر: الفضل.

(5) المصدر: الوابشي.

(6) أ: به الأرض.

(7) البصائر/ 229، ح 6.

(8) المصدر: حرف واحد.

(9) المصدر: فانخسفت. و في ن: فأخسف.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: عنده المكنون.

565

أحمد بن محمّد (1)، عن عليّ بن الحكم، عن محمّد بن الفضيل، عن سعدان، عن عمر الجلّال‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، و إنّما كان عند آصف منها حرف فتكلّم به فخسف بالأرض بينه‏ (3) و بين سرير بلقيس، ثمّ تناول السّرير بيده، ثمّ عادت الأرض، كما كانت، أسرع من طرفة عين، و عندنا نحن من الاسم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه استأثر به في علم الغيب المكنون عنده.

و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى عمرو بن واقد قال: إنّ هارون الرّشيد لما ضاق صدره ممّا كان يظهر له من فضل موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- و ما كان يبلغه عنه من قول الشّيعة بإمامته و اختلافهم‏ (5) في السّرّ إليه باللّيل و النّهار خشيه على نفسه و ملكه، ففكّر في قتله بالسّمّ.

... إلى أن قال: ثمّ إنّ سيّدنا موسى- (عليه السلام)- دعا بالمسيّب، و ذلك قبل وفاته بثلاثة أيّام و كان موكّلا به، فقال له: يا مسيّب.

قال: لبّيك، يا مولاي.

قال: إنّي ظاعن في هذه اللّيلة إلى المدينة، مدينة جدّي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لأعهد إلى ابني عليّ ما عهده إليّ أبي، و أجعله وصيّي و خليفتي، أمره أمري.

قال المسيّب، فقلت: يا مولاي، كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب و أقفالها و الحرس معي على الأبواب؟

فقال: يا مسيّب، ضعف يقينك باللّه- عزّ و جلّ- و فينا؟

قلت: [لا] (6) يا سيّدي.

[قال: فمه؟

قلت: يا سيّدي،] (7) ادع [اللّه‏] (8) أن يثبّتني.

فقال: اللّهمّ، ثبّته.

____________

(1) البصائر/ 230، ح 8.

(2) في المصدر: «سعد أبي عمرو الجلاب» بدل «سعدان، عن عمر الجلّال». و في س، م، ن:

الحّلال.

(3) المصدر: ما بينه.

(4) العيون 1/ 82- 84، ح 6.

(5) اختلف إلى المكان: تردّد إليه.

6 و 7 و 8- من المصدر.

566

ثمّ قال: إنّي أدعو اللّه- عزّ و جلّ- باسمه العظيم، الّذي دعا به‏ (1) آصف حتّى جاء بسرير بلقيس و وضعه بين يدي سليمان- (عليه السلام)- قبل ارتداد طرفه إليه حتّى يجمع بيني و بين ابني عليّ بالمدينة.

قال المسيّب: فسمعته- (عليه السلام)- يدعو ففقدته عن مصلّاه فلم أزل قائما على قدمي حتّى رأيته قد عاد إلى مكانه و أعاد الحديد إلى رجليه‏ (2)، فخررت للّه ساجدا لوجهي شكرا على ما أنعم به عليّ من معرفته.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏.

قال: ففرج أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- بين أصابعه فوضعها في صدره، ثمّ قال:

و عندنا، و اللّه، علم الكتاب كلّه.

محمّد بن يحيى‏ (4) و غيره، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن محمّد بن الفضيل قال: أخبرني شريس‏ (5) الوابشيّ، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاث و سبعين حرفا، و إنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف به الأرض‏ (6) ما بينه و بين سرير بلقيس حتّى تناول السّرير بيده ثمّ عادت الأرض، كما كانت، أسرع من طرفة عين، و عندنا نحن‏ (7) من الاسم الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه- تبارك و تعالى- استأثر به في علم الغيب عنده، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

الحسين بن محمّد الأشعريّ‏ (8)، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، عن عليّ بن محمّد النّوفليّ، عن أبي الحسن، صاحب العسكر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، كان عند آصف حرف فتكلّم به فانخرقت له الأرض فيما بينه و بين سبأ فتناول عرش بلقيس حتّى صيّره إلى سليمان، ثمّ انبسطت‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رجله.

(3) الكافي 1/ 229، ح 5.

(4) الكافي 1/ 230، ح 1.

(5) م، ن: ضريس.

(6) المصدر: بالأرض.

(7) المصدر: و نحن عندنا.

(8) الكافي 1/ 230، ح 3.

567

الأرض في أقلّ من طرفة عين، و عندنا منه اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه مستأثر به في علم الغيب.

أحمد بن محمّد (1)، عن محمّد بن الحسن، عن عبّاد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن سدير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: يا سدير، ألم تقرأ القرآن؟

قلت: بلى.

قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه- عزّ و جلّ-: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ [أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏؟

قال: قلت: جعلت فداك، قد قرأته.] (2) قال: فهل عرفت الرّجل، و هل علمت ما كان عنده علم‏ (3) من علم الكتاب؟

قال: قلت له: أخبرني به.

قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك من علم [الكتاب‏] (4).

قال: قلت: جعلت فداك، ما أقلّ هذا!

عليّ بن إبراهيم‏ (5) [و أحمد بن مهران، جميعا، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر قال: كنت عند أبي إبراهيم‏] (6)- (عليه السلام)- و أتاه رجل من أهل نجران اليمن من الرّهبان و معه راهبة، فاستأذن لهما الفضل بن سوار.

فقال له: إذا كان غدا فأت بهما عند بئر أمّ خير.

قال: فوافينا من الغد فوجدنا القوم قد وافوا، فأمر بخصفة (7) بواري، ثمّ جلس و جلسوا، فبدأت الرّاهبة بالمسائل فسألت عن مسائل كثيرة كلّ ذلك يجيبها، و سألها أبو إبراهيم- (عليه السلام)- عن أشياء لم يكن عندها فيه شي‏ء، ثمّ أسلمت، ثمّ أقبل الرّاهب يسأله فكان يجيبه في كلّ ما يسأله.

فقال الرّاهب قد كنت قويّا على ديني، و ما خلّفت أحدا من النّصارى [في‏

____________

(1) الكافي 1/ 257، ح 3.

(2) ليس في أ.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 1/ 481، ح 5.

(6) ليس في أ.

(7) الخصفة: الجلّة تعمل من خوص النّخل.

568

الأرض‏] (1) يبلغ [مبلغي في العلم،] (2) و لقد سمعت برج في الهند إذا شاء حجّ إلى بيت المقدس في يوم و ليلة ثمّ يرجع إلى منزله بأرض الهند، فسألت عنه: بأيّ أرض هو؟ فقيل لي: إنّه بسيدان‏ (3). و سألت الّذي أخبرني، فقال: هو علم الاسم الّذي ظفر به آصف، صاحب سليمان، لما أتى بعرش سبأ، و هو الّذي ذكره اللّه لكم في كتابكم، و لنا معشر الأديان في كتبنا.

فقال أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: فكم للّه من اسم لا يردّ (4)؟

فقال الرّاهب: الأسماء كثيرة، فامّا المحتوم منها الذي لا يردّ سائله فسبعة.

و الحديث طويل أخذت مه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (5): قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ ذكر في ذلك وجوه.

... إلى قوله: الخامس، أنّ الأرض طويت له. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و روى‏ (6) العيّاشيّ في تفسيره، بالإسناد قال: التقى موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى و يحيى بن أكثم، فسأله‏ (7) [عن مسائل‏] (8).

قال: فدخلت على أخي، عليّ بن محمّد- (عليهما السلام)- (9) إذ دار بيني و بينه من المواعظ حتّى انتهيت إلى طاعته، فقلت له: جعلت فداك، إنّ ابن أكثم سألني عن مسائل أفتيه فيها.

فضحك، ثمّ قال: هل أفتيته فيها؟

قلت: لا.

قال: و لم؟

قلت: لم أعرفها.

[قال: و ما هي؟ قلت‏] (10):

____________

(1) ليس في ن.

(2) ليس في م.

(3) المصدر: بسبذان.

(4) أي: لا يردّ سائله.

(5) المجمع 4/ 223.

(6) المجمع 4/ 225.

(7) المصدر: نسأله.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: بعد أن.

(10) ليس في م.

569

قال: (1) أخبرني عن سليمان أ كان محتاجا إلى علم آصف بن برخيا، ثمّ ذكرت المسائل الأخر.

قال: اكتب، يا أخي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، سألت عن قول اللّه- تعالى- في كتابه: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ. فهو آصف بن برخيا، و لم يعجز سليمان عن معونة ما عرفه‏ (2) آصف، لكنّه- (صلوات اللّه عليه)- أحبّ أن يعرّف‏ (3) [امّته‏] (4) من الجنّ و الإنس أنّه الحجّة من بعده، و ذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر اللّه ففهّمه اللّه ذلك لئلّا يختلف في إمامته و دلالته، كما فهم سليمان في حياة داود، لتعرف إمامته و نبوّته من بعده لتأكيد الحجّة على الخلق.

و في الخرائج و الجرائح‏ (5): روي‏ أنّ خارجيّا اختصم مع آخر إلى عليّ- (عليه السلام)- فحكم بينهما بحكم اللّه و رسوله.

فقال الخارجيّ: لا عدلت في القضيّة.

فقال- (عليه السلام)- اخسأ، يا عدوّ اللّه. فاستحال كلبا و طارت ثيابه في الهواء، فجعل يبصبص‏ (6) و قد دمعت عيناه، فرقّ له- (عليه السلام)- فدعا اللّه فأعاده إلى حال الإنسانيّة و تراجعت إليه ثيابه من الهواء.

فقال: آصف وصيّ سليمان قصّ اللّه عنه بقوله: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ أيّهما أكبر على اللّه نبيّكم أم سليمان؟

فقيل: ما حاجتك إلى قتال معاوية إلى الأنصار؟

قال: إنّما أدعو على هؤلاء بثبوت الحجّة و كمال المحنة (7)، و لو أذن لي في الدّعاء لما تأخّر.

و بإسناده‏ (8) إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه أوحى إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- علم النّبيّين بأسره، و علّمه اللّه ما لم يعلّمهم، و أسرّه إلى‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في س، أ، م، ن: عرف و في غيرها: عرفت.

(3) المصدر: تعرف.

(4) من المصدر.

(5) الخرائج 2/ 568، ح 24.

(6) بصبص الكلب: حرّك ذنبه طمعا أو ملقا.

(7) كذا في نور الثقلين 4/ 92، ح 78. و في النسخ: المحبّة.

(8) الخرائج 2/ 797.

570

أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فيكون عليّ أعلم أو بعض الأنبياء؟ و تلا قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏ ثمّ فرق بين أصابعه و وضعها على صدره و قال: و عندنا، و اللّه، علم الكتاب.

فَلَمَّا رَآهُ‏: رأى العرش.

مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ‏: حاصلا (1) بين يديه.

قالَ‏: تلقّيا [للنّعمة] (2) بالشّكر على شاكلة المخلصين من عباد اللّه‏ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي‏ تفضّل به عليّ من غير استحقاق.

و الإشارة إلى التّمكّن من إحضار العرش في مدّة ارتداد الطّرف من مسيرة شهرين بنفسه، أو غيره.

لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ: بأن أراه فضلا من اللّه بلا حول منّي و لا قوّة، و أقوم بحقّه.

أَمْ أَكْفُرُ: بأن أجد نفسي في البين‏ (3)، أو أقصّر في أداء مواجبه. و محلّهما النّصب [على البدل من الياء.

وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‏: لأنّه به يستجلب لها دوام النّعمة و مزيدها، و يحطّ عنها عب الواجب،] (4) و يحفظها عن و صمة الكفران.

وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌ‏: عن شكره.

كَرِيمٌ‏ (40): بالإنعام عليه ثانيا.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم عن أبيه‏ (6)، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد (7)، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الوجه الثّالث من الكفر كفر النّعم، و ذلك قوله- تعالى- يحكي قول سليمان: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) ليس في م.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 177.

(3) البين: الفرقة.

(4) ليس في أ.

(5) الكافي 2/ 389- 390.

(6) يوجد في ن، م، المصدر.

(7) م، ن: بريد.

571

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قول سليمان- (عليه السلام)-: لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ لما (2) آتاني اللّه من الملك‏ أَمْ أَكْفُرُ إذا رأيت من هو أدون‏ (3) منّي أفضل منّي علما، فعزم اللّه له على الشّكر.

قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها: بتغيير هيئته و شكله‏ نَنْظُرْ جواب الأمر.

و قرئ‏ (4)، بالرّفع، على الاستئناف.

أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ‏ (5) (41): إلى معرفته، أو الجواب الصّواب.

و قيل‏ (6): إلى الإيمان باللّه و رسوله إذا رأت تقدّم عرشها، و قد خلّفته مغلّقة عليه الأبواب موكّلة عليه الحرّاس.

فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ‏: تشبيها عليها زيادة في امتحان عقلها، إذ ذكرت عنده بسخافة العقل، قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ و لم تقل: هو هو. لاحتمال أن يكون مثله، و ذلك من كمال عقلها.

وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنَّا مُسْلِمِينَ‏ (42):

قيل‏ (7): إنّه من تتمّة كلامها، كأنّها (8) ظنّت أنّه أراد بذلك اختبار عقلها و إظهار معجزة لها فقالت‏ (9): أُوتِينَا الْعِلْمَ‏ بكمال قدرة اللّه- تعالى- و صحّة نبوّتك قبل هذه الحالة. أو المعجزة بما تقدّم من الآيات.

و قيل‏ (10): إنّه من كلام سليمان و قومه، و عطفوه على جوابها لما فيه من الدّلالة على إيمانها باللّه و رسوله حيث جوّزت أن يكون ذلك عرشها تجويزا غالبا، و إحضاره ثمّة (11) من المعجزات الّتي لا يقدر عليها غير اللّه- تعالى- و لا تظهر إلّا على [يد] (12)

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 129.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ممّا.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: دون.

(4) أنوار التنزيل 2/ 177.

(5) لا يخفى أنّ الأصل أن يقال: أتهتدي.

أم لا تهتدي فالعدول إليه إمّا للمبالغة إذا لم تهتد إلى معرفة عرشها مع أنّه بعينه في ذاته فكأنّها لم تهتد إلى شي‏ء، أو لحفظ الفواصل.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) أنوار التنزيل 2/ 177.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لأنّها.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(10) نفس المصدر و المجلّد/ 178.

(11) أي: هناك.

(12) من المصدر.

572

الأنبياء- (عليهم السلام)-، أي: و أوتينا العلم باللّه و قدرته، و صحّة ما جاء به من عنده قبلها، و كنّا منقادين لحكمه، و لم نزل على دينه. و يكون غرضهم فيه، التّحدّث بما أنعم اللّه عليهم من التّقدم في ذلك شكرا له.

و في مهج الدّعوات‏ (1)، في دعاء العلويّ المصريّ: إلهي، و أسألك باسمك الّذي دعاك به آصف بن برخيا على عرش ملكة سبأ فكان أقلّ من لحظ الطّرف حتّى كان مصورا بين يديه، فلمّا رأته‏ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ.

وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏، أي: و صدّها عبادتها الشّمس عن التّقدّم إلى الإسلام. أو و صدّها اللّه عن عبادتها بالتّوفيق للإيمان. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ‏ (43) و قرئ‏ (2)، بالفتح، على الإبدال من فاعل «صدّ» (3) على الأوّل، أي: صدّها نشؤها بين أظهر الكفّار. أو التّعليل له.

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ‏ قيل‏ (4): القصر.

و قيل‏ (5): عرصة الدّار.

فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها نقل‏ (6): أنّه أمر قبل قدومها ببناء (7) قصر صحنه من زجاج أبيض و أجري من تحته الماء، و ألقي فيه حيوانات البحر، و وضع سريره في صدره فجلس عليه، فلمّا أبصرته ظنته‏ (8) ماء راكدا فكشفت عن ساقيها.

و قرئ‏ (9) ابن كثير (10): «سأقيها» بالهمزة، حملا على جمعه سؤوق و أسؤق.

قالَ إِنَّهُ‏ إنّ ما تظنّينه ماء.

صَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مملّس.

____________

(1) مهج الدعوات/ 287.

(2) أنوار التنزيل 2/ 178.

(3) المصدر: صدّها.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فبني.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: ظنت.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: و عن.

(10) نفس المصدر و الموضع. و فيه زيادة «برواية قنبل».

573

مِنْ قَوارِيرَ: من الزّجاج.

قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي‏: بعبادتي الشّمس.

و قيل‏ (1): بظنّي بسليمان، فإنّها حسبت أنّه يغرقها في اللّجّة.

وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (44): فيما أمر به عباده.

و قد اختلف في أمرها بعد ذلك، فقيل: إنّها تزوّجها سليمان و أقرّها على ملكها.

و قيل‏ (2): إنّه زوّجها من ملك يقال له: تبّع، و ردّها إلى أرضها، و أمر زوبعة (3) أمير الجنّ باليمن أن يعمل له و يطيع، فصنع له المصانع باليمن.

و في مجمع البيان‏ (4): قال عون بن عبد اللّه: جاء رجل إلى عبد اللّه بن عتبة (5) فسأله هل تزوّجها سليمان؟

قال: عهدي بها قالت: وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، يعني: أنّه لا يعلم ذلك، و أنّ آخر ما سمع‏ (6) من حديثها هذا القول.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و كان سليمان- (عليه السلام)- قد أمر أن يتّخذ لها بيتا (8) من قوارير و وضعه على الماء، ثمّ‏ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ‏ فظنّت أنّه ماء فرفعت [ثوبها و أبدت ساقيها، فإذا عليها شعر كثير، فقيل لها: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ‏] (9) مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ فتزوّجها سليمان، و هي بلقيس بنت الشّرح الحميريّة. و قال‏ (10) [سليمان- (عليه السلام)- للشّياطين‏] (11): اتّخذوا لها شيئا يذهب هذا الشّعر عنها. فعملوا لها الحمّامات و طبخوا النّورة، فالحمّامات و النّورة ممّا اتّخذته الشّياطين لبلقيس، و كذا الأرحية الّتي تدور على الماء.

و في الكافي‏ (12): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، [عن عليّ بن محمّد القاساني، عمّن ذكره، عن عبد اللّه بن القاسم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (13) عن أبيه،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 178.

(2) المجمع 4/ 225.

(3) س، أ، ن: ذويعة. و في م: ذريعة.

(4) المجمع 4/ 225.

(5) كما في جامع الرواة 1/ 495. و في م: عطية.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: سمعها.

(7) تفسير القمّي 2/ 128.

(8) الأظهر أن يكون العبارة إمّا يتّخذ لها بيت.

أو: يتّخذوا لها بيتا.

(9) ليس في أ.

(10) المصدر: و قالت.

(11) ليس في المصدر. و فيه: الشياطين.

(12) الكافي 5/ 83، ح 3.

(13) ليس في م.

574

عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو.

... [إلى أن قال- (عليه السلام)-] (1): و خرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان- (عليه السلام)-.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏: بأن اعبدوه.

و قرئ‏ (2)، بضمّ النّون، على اتّباعها الباء (3).

فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ‏ (45): ففاجئوا التّفرّق و الاختصام، فآمن فريق و كفر فريق. و الواو لمجموع الفريقين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ.

يقول: مصدّق و مكذّب. قال الكافرون منهم أ تشهدون‏ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ‏ (5) قال المؤمنون: إنّا بالّذي‏ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ‏ (6) قال الكافرون منهم: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ‏ (7).

قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ: بالعقوبة، فتقولون: ائْتِنا بِما تَعِدُنا. (8) قَبْلَ الْحَسَنَةِ: قبل التّوبة، فتؤخّرونها إلى نزول العقاب، فإنّهم كانوا يقولون: إن صدق إيعاده تبنا حينئذ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)- (رحمه اللّه)-: «و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ فإنّهم سألوه قبل أن [تأتيهم النّاقة] (10) أن يأتيهم بعذاب أليم، فأرادوا بذلك امتحانه، فقال: يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ يقول: بالعذاب قبل الرّحمة.

لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ‏: قبل نزوله‏ (11).

____________

(1) ليس في ن.

(2) أنوار التنزيل 2/ 178.

(3) أي الباء في «اعبدوا».

(4) تفسير القمّي 2/ 132.

5 و 6 و 7- الأعراف/ 75- 76.

(8) الأعراف/ 77.

(9) تفسير القمّي 2/ 132.

(10) ليس في ن.

(11) أي: نزول العذاب.

575

لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ (46): بقبولها، فإنّها لا تقبل حينئذ.

قالُوا اطَّيَّرْنا: تشاء منا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ‏ إذ تتابعت علينا الشّدائد، أو وقع بيننا الافتراق مذ اخترعتم دينكم.

قالَ طائِرُكُمْ‏: سببكم الّذي جاء منه شرّكم‏ عِنْدَ اللَّهِ‏ و هو قدّره. أو عملكم المكتوب عنده.

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏ (47): تختبرون بتعاقب السّرّاء و الضّرّاء.

و الإضراب، من بين طائرهم الّذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الدّاعي إليه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)- (رحمه اللّه)-: و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ‏ فإنّهم أصابهم جوع شديد، فقالوا: هذا من شؤمك و شؤم من معك أصابنا هذا القحط، و هي الطّيرة، قال: إنّما (2) طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ‏ يقول: خيركم و شرّكم من عند اللّه‏ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏ يقول: تبتلون بالاختبار.

وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ: تسعة أنفس. و إنّما وقع تمييزا للتّسعة باعتبار المعنى و الفرق بينه و بين النّفر أنّه من الثّلاثة أو السّبعة إلى العشرة، و النّفر من الثّلاثة إلى التّسعة.

يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ‏ (48)، أي: شأنهم الإفساد الخالص عن شوب الصّلاح.

كانت هذه التّسعة نفر من أشرافهم، و هم غواة قوم صالح، و هم الّذين سعوا في عقر النّاقة، و ذكر ابن عبّاس أسماءهم قال: هم قدار بن سالف، و مصدع، و دهمي، و ذهيم‏ (3)، و دعمي، و دعيم، و أسلم، و قتال، و صداف‏ (4).

قالُوا، أي: قال بعضهم لبعض‏ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ‏: أمر مقول، أو خبر وقع بدلا أو حالا بإضمار «قد».

لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ‏: لنباغتنّ صالحا و أهله ليلا.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 132.

(2) ليس في المصدر.

(3) س، أ، م، ن: دهيم.

(4) م، ن: صداق.

576

و قرأ (1) حمزة و الكسائي، بالتّاء، على خطاب بعضهم لبعض.

و قرئ‏ (2)، بالياء، على أنّ «تقاسموا» خبر.

ثُمَّ لَنَقُولَنَ‏ فيه القراءات الثّلاث‏ لِوَلِيِّهِ‏: لوليّ دمه.

ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ‏: فضلا أن تولّينا إهلاكهم.

و هو يحتمل المصدر و الزّمان و المكان، و كذا «مهلك» في قراءة حفص فإنّ مفعلا قد جاء مصدرا، كمرجع.

و قرأ (3) أبو بكر، بالفتح، فيكون مصدرا.

وَ إِنَّا لَصادِقُونَ‏ (49): فيما ذكرنا، لأنّ الشّاهد للشّي‏ء غير المباشر له عرفا، أو لأنّا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه و مهلكهم، كقولك: ما رأيت ثمّة (4) رجلا بل رجلين.

وَ مَكَرُوا مَكْراً: بهذه المواضعة.

وَ مَكَرْنا مَكْراً: بأن جعلناها سببا لإهلاكهم.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (50) بذلك.

نقل‏ (5): أنّه كان لصالح في الحجر مسجد في شعب يصلّي فيه، فقالوا: زعم أنّه يفرغ منّا إلى ثلاث، فنفرغ منه و من أهله قبل الثّلاث. فذهبوا إلى الشّعب‏ (6) ليقتلوه، فوقع عليهم صخرة حيالهم و طبقت عليهم فمه فهلكوا ثمّة، و هلك الباقون في أماكنهم بالصّيحة، كما أشار إليه بقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (51) و «كان» إن جعلت ناقصة فخبره‏ (7) «كيف» و «أنّا دمّرناهم» استئناف، أو خبر محذوف، لا خبر كان لعدم العائد. و إن جعلتها تامّة «فكيف» حال.

و قرأ (8) الكوفيّون و يعقوب: «أنّا دمّرناهم» بالفتح، على أنّه خبر محذوف، أو بدل من اسم «كان»، أو خبر له و «كيف» حال.

و في كتاب الخصال‏ (9): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قام رجل إلى‏

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 179.

(3) أنوار التنزيل 2/ 179.

(4) أي: هناك.

(5) أنوار التنزيل 2/ 179.

(6) الشعب: انفراج بين جبلين.

(7) الصحيح: فخبرها.

(8) أنوار التنزيل 2/ 179.

(9) الخصال 2/ 388، ح 78.

577

أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الجامع بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و التّطيّر منه و ثقله، و أيّ أربعاء هو؟

فقال- (عليه السلام)-: آخر أربعاء في الشّهر، و هو المحاق، و فيه قتل قابيل هابيل أخاه، و يوم الأربعاء ألقي إبراهيم- (عليه السلام)- في النّار، و يوم الأربعاء قال اللّه- تعالى-: أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

[و في عيون الأخبار (1)، مثله.] (2)

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، من خوى البطن: إذا خلا. أو ساقطة منهدمة، من خوى النّجم: إذا سقط.

و هي حال، عمل فيها معنى الإشارة.

و قرئ‏ (3) بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف.

بِما ظَلَمُوا: بسبب ظلمهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا قال: لا تكون الخلافة في آل فلان و لا آل فلان [و لا آل فلان‏]، (5) و لا آل طلحة و الزّبير (6).

و في أصول الكافي‏ (7): الحسين بن محمّد، عن محمّد بن أحمد النّهديّ، عن عمرو بن عثمان، عن رجل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: حقّ على اللّه- عزّ و جلّ- أن لا يعصى في دار إلّا أضحاها للشّمس حتّى تطهّرها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (52): فيتّعظون.

وَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا، صالحا و من معه.

وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏ (53): الكفر و المعاصي، فلذلك خصّوا بالنّجاة.

وَ لُوطاً: و اذكر لوطا. أو و أرسلنا لوطا لدلالة وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا عليه.

إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ‏ بدل على الأوّل، و ظرف على الثّاني.

____________

(1) العيون 1/ 193، ح 1.

(2) ليس في ن.

(3) أنوار التنزيل 2/ 179.

(4) تفسير القمّي 2/ 129.

(5) ليس في م، ن.

(6) المصدر: و لا الزّبير.

(7) الكافي 2/ 272، ح 18.

578

أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏ (54): تعلمون فحشها، من بصر القلب، و اقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح. أو يبصرها بعضكم من بعض، لأنّهم كانوا يعلنون بها فيكون أفحش.

أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً: بيان لإتيانهم الفاحشة، و تعليله بالشّهوة للدّلالة على قبحه، و التّنبيه على أنّ الحكمة في المواقعة طلب النّسل لا قضاء الوطر (1).

مِنْ دُونِ النِّساءِ: اللّاتي خلقن لذلك.

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏ (55): تفعلون فعل من جهل قبحها. أو يكون سفيها لا يميّز بين الحسن و القبيح. أو تجهلون العاقبة.

و التّاء فيه لكون الموصوف به في معنى المخاطب.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏ (56): يتنزّهون عن أفعالنا. أو عن الأقذار، و يعدّون فعلنا قذرا.

فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ‏ (57): قدّرنا كونها من الباقين في العذاب.

وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ‏ (58): مرّ مثله.

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏: أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، بعد ما قصّ عليه القصص الدّالّة على كمال قدرته و عظم شأنه و ما خصّ به رسله من الآيات الكبرى و الانتصار من العدى، بتحميده و السّلام على المصطفين من عباده، شكرا على ما أنعم عليهم، أو علمه‏ (2) ما جهل من أحوالهم و عرفانا لفضلهم و حقّ تقدّمهم و اجتهادهم في الدّين. أو لوطا بأن يحمده على هلاك كفرة قومه، و يسلّم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش و [النجاة] (3) من الهلاك.

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 180. و في النسخ:

الوطي. و الوطر: الحاجة فيها مآرب و همّة.

يقال: قضى منه وطره، أي: بغيته.

(2) أي: أو على علمه ما جهل من أحوالهم، فيكون معطوفا على «ما» و ليس معطوفا على «أنعم» حتّى يكون المعنى: أو على ما علمه ما جهل لفساد التركيب، هذا إذا جعل «ما» موصولة، و أمّا إذا كانت مصدريّة فالمعنى: على إنعامه، أو تعليمه ما جهل من أحوالهم.

(3) من أنوار التنزيل 2/ 180.

579

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)- (رحمه اللّه)-: و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- تعالى-:

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏: محمّد و آله- (عليهم السلام)-.

آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (59): إلزام لهم و تهكّم و تسفيه» لرأيهم، إذ من المعلوم أنّ لا خير فيما أشركوه رأسا حتّى يوازن بينه و بين من هو مبدأ كلّ خير.

و قرأ (2) أبو عمرو و عاصم و يعقوب، بالتاء.

و في تهذيب الأحكام‏ (3)، في الموثق: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: على الرّجل إذا قرأ: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ‏ أن يقول: اللّه خير، اللّه أكبر.

قلت: فإن لم يقل الرّجل شيئا من هذا إذا قرأ؟

قال: ليس عليه شي‏ء.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في جوامع الجامع‏ (4): الصّادق- (عليه السلام)- يقول‏ إذا قرأها: اللّه خير، ثلاث مرّات.

أَمَّنْ‏: بل من‏ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏: الّتي هي أصول الكائنات و مبادئ المنافع.

و قرئ‏ (5): «أمن» بالتّخفيف، على أنّه بدل من «اللّه».

وَ أَنْزَلَ لَكُمْ‏: لأجلكم‏ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ عدل به عن الغيبة إلى التّكلّم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، و التّنبيه على أنّ إنبات الحدائق البهيّة المختلفة الأنواع المتباعدة الطّباع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره، كما أشار إليه بقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها شجر الحدائق، و هي البساتين، من الإحداق و هو الإحاطة.

أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ‏: أغيره يقرن به و يجعل له شريكا، و هو المتفرّد بالخلق و التّكوين؟

و قرئ‏ (6): «أ إلهاً» بإضمار فعل، مثل: أ تدعون، أو أ تشركون، و بتوسيط مدّة بين الهمزتين و إخراج الثّانية بين بين.

بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏ (60) عن الحقّ، الّذي هو التّوحيد.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 129.

(2) أنوار التنزيل 2/ 180.

(3) التهذيب 2/ 297، ح 1195.

(4) الجوامع/ 339.

(5) أنوار التنزيل 2/ 180.

(6) أنوار التنزيل 2/ 180.

580

أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً: بدل من‏ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ‏، و جعلها قرارا بإبداء (1) بعضها من الماء و تسويتها بحيث يتأتّى استقرار الإنسان و الدّوابّ عليها.

وَ جَعَلَ خِلالَها: وسطها أَنْهاراً جارية.

وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ‏: جبالا تتكوّن فيها المعادن، و تنبع من حضيضها المنابع.

وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ‏: العذب و المالح، أو خليجي فارس و الرّوم‏ حاجِزاً:

برزخا، و قد مرّ بيانه‏ (2).

أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (61) الحقّ، فيشركون به.

و في شرح الآيات الباهرة (3): عليّ بن أسباط، عن إبراهيم الجعفريّ، عن أبي الجارود، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ قال: أي:

إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد، يعني: أنّه‏ (4) كما أنّه لا يجوز أن يكون إله مع اللّه- سبحان- كذلك لا يجوز أن يكون إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد، لأنّ الهدى و الضّلال لا يجتمعان في زمن من الأزمان، و الزّمان لا يخلو (5) من إمام هدى من اللّه يهدي الخلق.

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ‏ «المضطر» الّذي أحوجه شدّة ما به إلى اللجإ إلى اللّه من الاضطرار، و هو افتعال، من الضّرورة.

وَ يَكْشِفُ السُّوءَ: و يدفع عن الإنسان ما يسوءه.

وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏: خلفاء فيها، بأن ورثكم سكناها و التّصرّف فيها ممّن قبلكم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏ فإنّه‏

حدّثني أبي، عن الحسن [بن عليّ‏] (7) بن فضّال، عن صالح بن عقبة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: نزلت في‏

____________

(1) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: أبدأ.

(2) أي: في سورة الفرقان.

(3) تأويل الآيات 1/ 401، ح 2.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: لا يخل.

(6) تفسير القمّي 2/ 129.

(7) ليس في م.

581

القائم من آل محمّد- (عليهم السلام)-. هو، و اللّه، المضطرّ إذا صلّى في المقام ركعتين، و دعا إلى‏ (1) اللّه- عزّ و جلّ- فأجابه، و يكشف السّوء و يجعله خليفة في الأرض.

حدّثني‏ (2) أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي خالد الكابليّ قال:

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و اللّه، لكأنّي أنظر إلى القائم- (عليه السلام)- و قد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد اللّه حقّه ...

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: هو، و اللّه، المضطرّ في كتاب اللّه في قوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏ فيكون أوّل من يبايعه جبرئيل- (عليه السلام)- ثمّ الثّلاثمائة و الثّلاثة عشر رجلا، فمن كان ابتلي بالمسير وافاه‏ (3)، و من لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه، و هو قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: هم‏ (4) المفقودون عن فرشهم. و ذلك قول اللّه: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. قال:

الْخَيْراتِ‏ الولاية.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا إسحاق بن محمّد بن مروان، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن خنيس، عن صباح المزنيّ، عن الحرث بن حصيرة (6)، عن أبي داود، عن بريدة قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- إلى جنبه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏ قال: فانتفض‏ (7) عليّ- (عليه السلام)- انتفاض‏ (8) العصفور.

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لم تجزع، يا عليّ؟

فقال: ألا أجزع‏ (9) و أنت تقول: وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏.

قال: لا تجزع، فو اللّه، لا يبغضك مؤمن و لا يحبّك كافر.

و عن أحمد بن محمّد بن العبّاس‏ (10)- (رحمه اللّه)-، عن عثمان بن هاشم بن‏ (11) الفضل، عن‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 205.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: وافى.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: هو.

(5) تأويل الآيات 1/ 401- 402، ح 3.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: حفيرة.

(7) كذا في المصدر. و في س، أ، م، ن: فانتقض.

و في غيرها: فانتقص.

(8) كذا في المصدر. و في م، ن: انتقاض. و في غيره: انتقاص.

(9) كذا في م، المصدر. و في النسخ: نجزع.

(10) تأويل الآيات 1/ 402، ح 4.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

582

محمّد بن كثير، عن الحرث بن حصين‏ (1)، عن أبي داود السّبيي‏ (2)، عن عمران بن حصين قال‏ (3) قال: كنت جالسا عند النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عليّ- (عليه السلام)- إلى جنبه إذ قرأ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏ قال: فارتعد عليّ- (عليه السلام)-. فضرب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيده على كتفه و قال: مالك، يا عليّ؟

فقال: يا رسول اللّه، قرأت هذه الآية فخشيت أن نبتلي بها، فأصابني ما رأيت.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ، لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق إلى يوم القيامة.

محمّد بن العبّاس‏ (4)، عن أحمد بن محمّد (5) بن زياد، عن الحسن بن محمّد عن‏ (6) سماعة، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ القائم- (عليه السلام)- إذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل الكعبة، و يجعل ظهره إلى المقام، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمّ يقوم فيقول:

يا أيّها النّاس، أنا أولى النّاس بآدم، يا أيّها النّاس، أنا أولى النّاس بإبراهيم، يا أيّها النّاس، أنا أولى‏ (7) النّاس [بإسماعيل، يا أيّها النّاس، أنا أولى النّاس‏] (8) بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ يرفع يديه إلى السّماء فيدعو و يتضرّع حتّى يقع على وجهه، و هو قوله- عزّ و جلّ-: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ.

و بالإسناد (9): عن [بن‏] (10) عبد الحميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ‏ قال: هذه نزلت في القائم- (عليه السلام)-. إذا خرج تعمّم و صلّى عند المقام و تضرّع إلى اللّه‏ (11)،

____________

(1) المصدر: حصيرة.

(2) المصدر: السبيعيّ.

(3) ليس في المصدر.

(4) تأويل الآيات 1/ 402- 403، ح 5.

(5) في المصدر: «حميد» بدل «أحمد بن محمد».

(6) المصدر: بن.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: أوّل.

(8) ليس في ن.

(9) تأويل الآيات 1/ 403، ح 6.

(10) من المصدر مع المعقوفتين.

(11) م، ن، المصدر: ربّه.

583

فلا تردّ له راية أبدا.

أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ‏ الّذي خصّكم بهذه النّعم العامّة و الخاصّة.

قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ‏ (62)، أي: تذكرون آلاءه تذكّرا قليلا.

و «ما» مزيدة. و المراد بالقلّة: العدم، أو الحقارة المزيحة للفائدة.

و قرأ (1) أبو عمرو و روح، بالياء. و حمزة و حفص و الكسائيّ، بالتّاء، و تخفيف الذّال.

أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بالنّجوم و علامات الأرض.

و «الظّلمات» ظلمات اللّيالي، أضافها إلى «البرّ و البحر» للملابسة. أو مشتبهات‏ (2) الطّرق، يقال: طريقة ظلماء و عمياء، للّتي لا منار بها.

وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏، يعني: المطر.

قيل‏ (3): و لو صحّ أنّ السّبب الأكثريّ في تكوّن الرّياح معاودة الأدخنة المتصاعدة من الطّبقة الباردة، لانكسار حرّها و تمويجها الهواء، فلا شكّ أنّ الأسباب الفاعليّة و القابليّة لذلك من خلق اللّه، و الفاعل للسّبب فاعل للمسبّب‏ (4).

أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ‏: يقدر على مثل ذلك.

تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (63): تعالى القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق.

أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏ و الكفرة و إن أنكروا الإعادة فهم المحجوجون بالحجج الدّالّة عليها.

وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏، أي: بأسباب سماوّية و أرضيّة.

أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ‏ يفعل ذلك.

قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏ على أنّ غيره يقدر على شي‏ء من ذلك‏ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (64) في إشراككم، فإنّ كمال القدرة من لوازم الألوهيّة.

قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ‏ لمّا بيّن اختصاصه بالقدرة التّامّة الفائقة العامّة أتبعه ما هو كاللّازم له، و هو التّفرّد بعلم الغيب.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 181.

(2) كذا في م. و في النسخ: مشبهات.

(3) أنوار التنزيل 2/ 181.

(4) م: المسبّب.

584

و الاستثناء منقطع، و رفع المستثنى على اللّغة التّميمّة للدّلالة على أنّه- تعالى- إن كان ممّن في السّموات و الأرض ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم. أو متّصل على أنّ المراد بمن في السّموات و الأرض من تعلّق علمه بها و اطّلع عليها اطّلاع الحاضر فيها، فإنّه يعمّ اللّه- تعالى- و أولي العلم من خلقه، و هو موصول أو موصوف.

و في نهج البلاغة (1)، كلام يومئ به- (عليه السلام)- إلى وصف الأتراك: كأنّي أراهم قوما كأنّ وجوههم المجانّ المطرّقة (2)، يلبسون السرق‏ (3) و الدّيباج، و يعتقبون الخيل العتاق‏ (4). و يكون هنا استحرار (5) قتل حتّى يمشي المجروح على المقتول، و يكون المفلت أقلّ من المأسور! فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت، يا أمير المؤمنين، علم الغيب! فضحك- (عليه السلام)- و قال للرّجل، و كان كلبيّا: يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، و إنّما هو تعلّم من ذي علم. و إنّما علم الغيب علم السّاعة، و ما عدّده اللّه- سبحانه- بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (الآية) فيعلم- سبحانه- ما في الأرحام من ذكر أو أنثى، و قبيح أو جميل، و سخيّ أو بخيل، و شقيّ أو سعيد، و من يكون للنّار (6) حطبا، أو في الجنان للنّبيّين مرافقا. فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه إلّا اللّه، و ما سوى ذلك فعلم علّمه اللّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فعلّمنيه، و دعا لي أن يعيه صدري، و تضطّم عليه جوانحي‏ (7).

وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏ (65): متى ينشرون. مركّبة من «أيّ» و «آن».

و قرئت‏ (8)، بكسر الهمزة. و الضّمير «لمن». و قيل: للكفرة.

بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ لمّا نفى عنهم علم الغيب، و أكّده بنفي شعورهم بما هو مآلهم لا محال، بالغ فيه بأن أضرب عنه و بيّن أنّهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة، فقال: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ

____________

(1) النهج/ 186، الخطبة 128.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: المطرفة. و المجان المطرقة: النعال التي الزق بها الطراق و هو جلد يقور على مقدار الترس ثم يلزق به.

(3) كذا في المصدر. و في س، أ، م، ن: الرق.

و في غيرها: الإستبرق. و السرق: شقق الحرير الأبيض.

(4) أي: يحبسون كرائم الخيل و يمنعونها غيرهم.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: استجرار.

و الاستحرار هو الاشتداد.

(6) المصدر: في النار.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: جوارحي.

(8) أنوار التنزيل 2/ 181.

585

، أي: تتابع منهم العلم و تلاحق حتّى كمل علمهم في الآخرة ممّا أخبروا به في الدّنيا. فهو على لفظ الماضي، و المراد به: الاستقبال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ يقول: علموا ما كانوا جهلوا في الدّنيا.

بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها، كمن تحيّر في الأمر لا يجد عليه دليلا.

بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ‏ (66): لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم. و هذا و إن اختّص بالمشركين ممّن في السّموات و الأرض نسبه إلى جميعهم، كما يسند فعل البعض إلى الكلّ. و الإضرابات الثّلاث تنزيل لأحوالهم.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَ آباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ‏ (67)، كالبيان لعمههم‏ (2).

و العامل في «إذا» ما دلّ عليه «أئنا لمخرجون» و هو «نخرج» لا «مخرجون»، لأنّ كلّا من «الهمزة» و «إنّ» و «اللّام» مانعة من عمله فيما قبلها. و تكرير الهمزة للمبالغة في الإنكار. و المراد بالإخراج: الإخراج من الأجداث، أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ‏: من قبل وعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و تقديم «هذا» على «نحن» لأنّ المقصود بالذّكر: هو البعث، و حيث أخّر فالمقصود به: المبعوث.

إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ (68) الّتي هي كالأسمار.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ‏ (69):

تهديد لهم على التّكذيب، و تخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذّبين قبلهم. و التّعبير عنهم «بالمجرمين» ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرم.

و في كتاب الخصال‏ (3): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏.

قال: معناه: أو لم ينظروا في القرآن.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 132.

(2) العمه: التحيّر و التردّد.

(3) الخصال 2/ 396، ح 102.

586

وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏: على تكذيبهم و إعراضهم.

وَ لا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ‏: في حرج صدر.

و قرأ (1) ابن كثير، بكسر الضّاد، و هما لغتان.

و قرئ‏ (2): «ضيّق»، أي: أمر ضيق.

مِمَّا يَمْكُرُونَ‏ (70): من مكرهم، فإنّ اللّه- تعالى- يعصمك من النّاس.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ: العذاب الموعود.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (71)، قُلْ عَسى‏ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ‏: تبعكم و لحقكم.

و «اللّام» مزيدة للتّأكيد (3)، و الفعل مضمّن‏ (4) معنى فعل يتعدّى باللّام، مثل: دنا.

و قرئ‏ (5)، بالفتح، و هو لغة فيه.

بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ‏ (72) حلوله، و هو عذاب يوم بدر.

و «عسى» و «لعلّ» و «سوف» في مواعيد الملوك، كالجزم بها، و إنّما يطلقونه‏ (6) إظهارا لوقارهم، و إشعارا بأنّ الرمز منهم كالتّصريح من غيرهم، و عليه جر (7) وعد اللّه و وعيده.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ‏: بتأخير عقوبتهم على المعاصي.

و «الفضل» و «الفاضلة» الأفضال. و جمعها، فضول و فواضل.

وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ‏ (73): لا يعرفون حقّ النّعمة فيه فلا يشكرونه، بل يستعجلون بجهلهم وقوعه.

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ‏: ما تخفيه.

و قرئ‏ (8)، بفتح التّاء، من كننت، أي: سترت.

وَ ما يُعْلِنُونَ‏ (74): من عداوتك، فيجازيهم عليه.

وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏ خافية فيهما.

و هما من الصّفات الغالبة، و التّاء فيهما للمبالغة، كما في الرّواية. أو اسمان لما يغيب‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 182.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الصحيح: أو.

(4) م، ن: يتضمّن.

(5) أنوار التنزيل 2/ 182.

(6) الصحيح: يطلقونها.

(7) الصحيح: جرى.

(8) أنوار التنزيل 2/ 183.

587

و يخفى، و التّاء، كالتّاء في عافية و عاقبة.

إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (75): بيّن، أو مبيّن ما فيه لمن يطالعه، و المراد: اللّوح‏ (1)، أو القضاء على الاستعارة.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر (3) أو غيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه، أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- أنّه قال: و قد أورثنا (4) نحن هذا القرآن الّذي فيه ما تسيّر به الجبال و تقطّع به البلدان و يحيى‏ (5) به الموتى، و نحن نعرف الماء تحت الهواء. و إنّ في الكتاب‏ (6) لآيات ما يراد بها أمر إلّا أن يأذن اللّه‏ (7) مع ما قد يأذن اللّه ممّا كتبه الماضون، جعله اللّه لنا في أمّ الكتاب، إنّ اللّه يقول: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏. ثمّ قال:

أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا. فنحن الّذين اصطفانا اللّه- عزّ و جلّ- و أورثنا هذا الكتاب‏ (8)، فيه تبيان كلّ شي‏ء.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (76)، كالتّشبيه، و التّنزيه، و أحوال الجنّة و النّار، و عزير و المسيح.

وَ إِنَّهُ لَهُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (77): فإنّهم المنتفعون به.

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ‏: بين بني إسرائيل.

بِحُكْمِهِ‏: بما يحكم به و هو الحقّ. أو بحكمته، و يدلّ عليه أنّه قرئ: بحكمه.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: فلا يردّ قضاؤه، الْعَلِيمُ‏ (78): بحقيقة ما يقضي فيه و حكمه.

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏: و لا تبال بمعاداتهم‏ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ‏ (79).

و صاحب الحقّ حقيق بالوثوق بحفظ اللّه- تعالى- و نصره.

إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏: تعليل آخر للأمر بالتّوكل، من حيث أنّه يقطع طمعه عن مبايعتهم و معاضدتهم رأسا. و إنّما شبّهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم، كما شبّهوا بالصّمّ في قوله: وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏ (80).

____________

(1) س، أ، م، ن: اللوح المحفوظ.

(2) الكافي 1/ 226، ح 7.

(3) م: ظاهر.

(4) المصدر: ورثنا.

(5) المصدر: تحيي.

(6) المصدر: كتاب اللّه.

(7) في المصدر: زيادة «به».

(8) المصدر: الذي.

588

فإنّ إسماعهم في هذه الحال أبعد.

و قرأ (1) ابن كثير: «و لا يسمع الصّمّ».

وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ‏: حيث الهداية لا تحصل إلّا بالبصر.

إِنْ تُسْمِعُ‏، أي: ما يجدي إسماعك.

إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا: من هو في علم اللّه كذلك.

فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏ (81): مخلصون، مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏.

وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ‏: إذا دنا وقوع معناه، و هو ما وعدوا به من البعث و العذاب‏ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ‏.

قيل‏ (2): و هي الجسّاسة (3)، و أنّ طولها ستّون ذراعا، و لها [أربع‏] (4) قوائم و زغب و ريش و جناحان، لا يفوتها هارب و لا يدركها طالب.

تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا قيل: خروجها و سائر أحوالها، فإنّها من آيات اللّه- تعالى-.

و قيل‏ (5): القرآن.

لا يُوقِنُونَ‏ (82): لا يتيقّنون. و هو حكاية معنى قولها، أو حكايتها لقول اللّه، أو علّة خروجها أو تكلّمها على حذف الجارّ.

و قرأ (6) الكوفيّون: «أنّ» بالفتح‏ (7).

و في كتاب الغيبة (8) لشيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى عليّ بن مهزيار حديث طويل، يذكر فيه دخوله على صاحب الأمر- (عليه السلام)- و سؤاله إيّاه، و فيه: فقلت: يا سيّدي، متى يكون هذا الأمر؟

فقال: إذا حيل بينكم و بين سبيل الكعبة، و اجتمع الشّمس و القمر و استدار بهما الكواكب و النّجوم.

فقلت: متى، يا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 183.

(2) أنوار التنزيل 2/ 183.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسّاسة.

(4) من المصدر.

5 و 6- نفس المصدر و المجلّد/ 184.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: بالكسر.

(8) الغيبة للطوسي/ 161.

589

فقال: في سنة كذا و كذا تخرج دابّة الأرض من بين الصّفا و المروة، و معه‏ (1) عصا موسى و خاتم سليمان، يسوق‏ (2) النّاس إلى المحشر.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى النّزل بن سيارة (4): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، قال فيه- (عليه السلام)‏- بعد أن ذكر الدّجّال و من يقتله: ألّا إنّ بعد ذلك الطّامّة الكبرى.

قلت: و ما ذلك، يا أمير المؤمنين؟

قال: خروج دابّة [من‏] (5) الأرض من عند الصّفا، معها خاتم سليمان و عصا موسى، تضع‏ (6) الخاتم على وجه كلّ مؤمن فينطبع فيه: هذا مؤمن حقّا، و تضعه‏ (7) على وجه كلّ كافر فيكتب‏ (8): هذا كافر حقّا، حتّى أنّ المؤمن لينادي: الويل لك حقّا (9)، يا كافر.

و أنّ الكافر ينادي: طوبى لك، يا مؤمن، وددت أنّي‏ (10) كنت مثلك‏ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً. ثمّ ترفع الدّابّة رأسها [فيراها] (11) من بين الخافقين بإذن اللّه- جلّ جلاله-. و ذلك بعيد طلوع الشّمس من مغربها، فعند ذلك ترفع التوبة فلا تقبل توبة و لا عمل يرفع و لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً.

ثمّ قال- (عليه السلام)-: لا تسألوني عمّا يكون بعد هذا، فإنّه عهد إليّ حبيبي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ألّا أخبر به غير عترتي.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (12)، بإسناده إلى محمّد بن سنان: عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أنا قسيم اللّه بين الجنّة و النّار، و أنا الفاروق الأكبر، و أنا صاحب العصا و الميسم.

و في أصول الكافي‏ (13): محمّد بن يحيى و أحمد بن محمّد، جميعا، عن محمّد بن الحسن عن‏ (14)

____________

(1) الأظهر: معها.

(2) الأظهر: تسوق.

(3) كمال الدين/ 527، ح 1.

(4) المصدر: النزال بن سبزة.

(5) من المصدر مع المعقوفتين.

(6) المصدر: يضع.

(7) المصدر: يضعه.

(8) المصدر: فينكتب.

(9) ليس في المصدر.

(10) في المصدر: زيادة «اليوم».

(11) من المصدر.

(12) العلل/ 164، ح 3.

(13) الكافي 1/ 198، ح 3.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

590

عليّ بن حسّان قال: حدّثني أبو عبد اللّه الرّياحيّ، عن أبي الصّامت‏ (1) الحلوانيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لقد أعطيت السّتّ: علم المنايا و البلايا و القضايا (2) و فصل الخطاب، و إنّي لصاحب الكرّات و دولة الدّول، و إنّي لصاحب العصا و الميسم و الدّابّة الّتي تكلّم النّاس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)- (رحمه اللّه)-: و أمّا قوله: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ‏ (4)- إلى قوله: بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ. فإنّه‏

حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: انتهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو نائم في المسجد، قد جمع رملا و وضع رأسه عليه، فحرّكه برجله، ثمّ قال له: قم، يا دابّة الأرض.

فقال رجل من أصحابه: يا رسول اللّه، أ يسمّي بعضنا بعضا بهذا الاسم؟

فقال: لا، و اللّه، ما هو إلّا له خاصّة، و هو الدّابّة الّتي ذكرها اللّه في كتابه [فقال- عزّ و جلّ-] (5): وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ‏.

ثمّ قال: يا عليّ، إذا كان آخر الزّمان أخرجك اللّه في أحسن صورة، و معك ميسم تسم به أعداءك.

فقال رجل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إنّ العامّة (6) يقولون: هذه الدّابّة إنّما تكلمهم‏ (7).

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: كلمهم اللّه في نار جهنّم، إنّما هو تكلّمهم من الكلام.

و قال أبو عبد اللّه‏ (8)- (عليه السلام)-: قال رجل لعمّار بن ياسر: يا أبا اليقظان، آية في كتاب اللّه قد أفسدت قلبي و شكّكتني.

____________

(1) م: أبي الصّلت.

(2) المصدر: الوصايا.

(3) تفسير القمّي 2/ 130.

(4) ليس في الأرض.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: النّاس.

(7) أي: تجرحهم.

(8) تفسير القمّي 2/ 131.

591

قال عمّار: و أيّة (1) آية هي؟

قال: قوله: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ‏. فأيّة (2) دابّة هذه‏ (3)؟

قال عمّار: و اللّه، ما أجلس و لا آكل و لا أشرب حتّى أريكها. فجاء عمّار مع الرّجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو يأكل تمرا و زبدا.

فقال- (عليه السلام)-: يا أبا اليقظان، هلمّ. فأقبل عمّار و جلس يأكل‏ (4) معه، فتعجّب الرّجل منه.

فلمّا قام عمّار قال له الرّجل: سبحان اللّه‏ (5)، إنّك حلفت أن لا تأكل و لا تشرب و لا تجلس حتّى تريني‏ (6) الدّابّة (7).

قال: قد أريتكها إن كنت تعقل.

و في مجمع البيان‏ (8)، بعد أن نقل هذا الحديث الأخير: و روى العيّاشي هذه القصّة بعينها عن أبي ذرّ- أيضا.

و روى محمّد بن كعب القرظيّ‏ (9) قال: سئل عليّ- (عليه السلام)- عن الدّابّة.

فقال: أما، و اللّه، ما لها ذنب و إنّ لها للحية.

و عن حذيفة (10)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: دابّة الأرض طولها ستّون ذراعا، لا يدركها طالب و لا يفوتها هارب، فتسم المؤمن بين عينيه و تكتب بين عينيه مؤمن، و تسم الكافر بين عينيه و تكتب بين عينيه: كافر، و معها عصا موسى و خاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا و تختم أنف الكافر بالخاتم، حتّى يقال: يا مؤمن و يا كافر.

و روي‏ (11) عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- أنّه يكون للدّابّة ثلاث خرجات من الدّهر: فتخرج خروجا بأقصى المدينة فيفشو ذكرها في البادية، و لا يدخل ذكرها القرية، يعني: مكّة. ثمّ [تمكث زمانا طويلا، ثمّ تخرج خرجة أخرى قريبا من مكّة، فيفشو ذكرها

____________

1 و 2- المصدر: أيّ.

(3) المصدر: هي.

(4) م: أكل.

(5) في المصدر: زيادة «يا أبا اليقظان».

(6) المصدر: ترينيها.

(7) ليس في المصدر.

8 و 9- المجمع 4/ 234. و في ن: القرطي.

10 و 11- المجمع 4/ 234.

592

في البادية و يدخل ذكرها القرية، يعني: مكّة. ثمّ‏] (1) سار النّاس يوما في أعظم المساجد على اللّه- عزّ و جلّ- حرمة و أكرمها على اللّه [يعني:] (2) المسجد الحرام، لم ترعهم إلّا و هي في ناحية المسجد [تدنو] (3) و تدنو كذا ما بين الرّكن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فيرفض‏ (4) النّاس عنها، و يثبت لها عصابة عرفوا أنّهم لن يعجزوا اللّه، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التّراب، فمرّت بهم فجلت عن وجوههم حتّى تركتها كأنّها الكواكب الدّرّيّة، ثمّ ولّت في الأرض لا يدركها طالب و لا يعجزها هارب، حتّى أن الرّجل ليقوم فيتعوّذ منها في الصّلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان، الآن تصلّي. فيقبل عليها بوجهه فتسمه‏ (5) في وجهه، فيتجاور (6) النّاس في ديارهم و يصطحبون في أسفارهم و يشتركون في الأموال، يعرف الكافر من المؤمن فيقال للمؤمن: يا مؤمن، و للكافر: يا كافر.

و في جوامع الجامع‏ (7): و روي فتضرب المؤمن فيما (8) بين عينيه بعصا موسى، فتنكت نكتة بيضاء، فتفشو تلك النّكتة في وجهه حتّى يضي‏ء (9) لها وجهه، و تكتب‏ (10) بين عينيه:

مؤمن، و تنكت الكافر بالخاتم فتفشو تلك‏ (11) النّكتة حتّى يسودّ لها وجهه، و تكتب‏ (12) بين عينيه:

كافر.

و عن الباقر (13)- (عليه السلام)-: كلم اللّه من قرأ: تكلمهم‏ (14)، و لكن «تكلّمهم» (15) بالتّشديد.

و في شح الآيات الباهرة (16): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد الحلبيّ، عن عبد اللّه بن محمّد بن الزّيّات، عن محمّد بن الجنيد (17)، عن مفضّل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه الجدليّ قال: دخلت على عليّ- (عليه السلام)- يوما فقال: أنا دابّة الأرض.

____________

(1) ليس في أ، م.

2 و 3- من المصدر.

(4) أي: يتفرّق.

(5) المصدر: فتمسه.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: فتجاور.

(7) الجوامع/ 341.

(8) ليس في المصدر.

(9) المصدر: يبيض.

(10) المصدر: يكتب.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: يكتب.

(13) الجوامع/ 341.

14 و 15- كذا في المصدر. و في النسخ: يكلّمهم.

(16) تأويل الآيات 1/ 403، ح 7.

(17) المصدر: عبد الحميد.

593

و قال‏ (1): حدّثنا عليّ بن أحمد بن حاتم، عن إسماعيل بن إسحاق الرّاشديّ، عن خالد بن مخلّد، عن عبد الكريم بن يعقوب الجعفيّ، عن جابر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه الجدليّ قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فقال: ألا أحدثك ثلاثا قبل أن يدخل عليّ و عليك داخل؟

قلت: بلى.

قال: أنا عبد اللّه، و أنا دابّة الأرض صدقها و عدلها، و أخو نبيّها. ألا أخبرك بأنف المهديّ و عينيه؟

قال: قلت: بلى.

قال: فضرب بيده إلى صدره، و قال: أنا.

و قال‏ (2): حدّثنا أحمد بن محمّد بن الحسن الفقيه، عن أحمد بن عبيد بن ناصح، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف‏ (3)، عن الأصبغ بن نباتة قال: دخلت على أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو يأكل خبزا و خلا (4) و زيتا، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ. فما هذه الدّابّة؟

قال: هي دابّة تأكل خبزا و خلّا و زيتا.

و قال‏ (5)- أيضا-: حدّثنا الحسن‏ (6) بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن سماعة بن مهران، عن الفضل بن يزيد (7)، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال لي معاوية: يا معشر الشّيعة، تزعمون أنّ عليّا دابّة الأرض.

فقلت: نحن نقول، و اليهود يقولون.

قال: فأرسل إلى رأس الجالوت، فقال له: ويحك، تجدون دابّة الأرض عندكم مكتوبة؟

فقال: نعم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، 8.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 9.

(3) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 468.

و في النسخ: ظريف.

(4) ليس في س، أ، م، ن.

(5) تأويل الآيات 1/ 404- 405، ح 10.

(6) المصدر: الحسين.

(7) المصدر: الزبير.

594

فقال: فما هي؟

[فقال: رجل.

فقال:] (1) أ تدري ما اسمه‏ (2)؟

قال: نعم، اسمه‏ (3) إليّا (4).

قال: فالتفت إليّ فقال: ويحك، يا أصبغ، ما أقرب إليّا (5) من عليّا.

قال‏ (6): و روي في الخبر أنّ رجلا قال لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: بلغني أنّ العامّة يقرءون هذه [الآية هكذا:] (7) تكلمهم، أي: تجرحهم.

فقال: كلمهم اللّه في نار جهنّم، ما نزلت إلّا «تكلّمهم» من الكلام.

وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا: بيان للفوج، أي:

فوجا مكذّبين.

و «من» الأولى للتّبعيض، لأنّ أمّة كلّ نبي شامل للمصدّقين و المكذّبين.

فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ (83): يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا، و هو عبارة عن كثرة عددهم و تباعد أطرافهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8)، متّصلا بقوله سابقا: إنّما هو يكلّمهم من الكلام.

و الدّليل على أنّ هذا في الرّجعة وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً [مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَ لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ قال:

الآيات أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)-.

فقال الرجل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [إنّ العامّة تزعم‏] (9) أنّ قوله: يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً عنى يوم القيامة.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- أ فيحشر اللّه- عزّ و جلّ- يوم القيامة من كلّ أمّة فوجا.] (10) و يدع الباقين؟ لا، و لكنّه في الرّجعة، و أمّا آية [يوم القيامة] (11) فهو:

____________

(1) من المصدر.

2 و 3- كذا في المصدر. و في النسخ: اسمها.

4 و 5- المصدر: إيليا.

(6) تأويل الآيات/ 407- 408، ح 12.

(7) ليس في ن.

(8) تفسير القمي 2/ 130.

(9) ليس في أ.

(10) يوجد في س، أ، م، ن، المصدر.

(11) ليس في المصدر.

595

وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.

حدّثني‏ (1) أبي، عن ابن أبي عمير، عن جراد (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما يقول النّاس في هذه الآية: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً؟

قلت: يقولون: إنّها في القيامة.

قال: ليس كما يقولون، إنّها في الرّجعة، أ يحشر اللّه في القيامة من كلّ أمّة فوجا و يدع الباقين؟ إنّما آية القيامة: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.

حدّثني‏ (3) أبي، عن ابن أبي عمير، عن المفضّل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً قال- (عليه السلام)-: ليس أحد من المؤمنين قتل إلّا و يرجع حتّى يموت، و لا يرجع إلّا من محض الإيمان محضا و من محض الكفر محضا.

و في مجمع البيان‏ (4): و استدلّ بهذه الآية على صحّة الرّجعة من ذهب إلى ذلك من الإماميّة، بأن قال: إنّ دخول «من» في الكلام يوجب التّبعيض، فدلّ ذلك‏ (5) [على‏] (6) أنّ اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم، و ليس ذلك صفة يوم القيامة الّذي يقول فيه- سبحانه-: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. و قد تظافرت‏ (7) الأخبار عن أئمّة الهدى من آل محمّد- (عليهم السلام)- في أنّ اللّه- تعالى- سيعيد عند قيام المهديّ- (عليه السلام)- قوما ممّن تقدّم موتهم من أوليائه و شيعته، ليفوزوا بثواب نصرته و معونته، و يبتهجون بظهور دولته، و يعيد- أيضا- قوما من أعدائه لينتقم منهم، و ينالوا بعض ما يستحقّونه من العقاب في القتل على أيدي شيعته و الذّلّ و الخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته. و لا يشكّ عاقل أنّ هذا مقدور للّه- تعالى- غير مستحيل في نفسه، و قد فعل اللّه- تعالى- ذلك في الأمم الخالية، و نطق القرآن بذلك في عدّة مواضع، مثل قصّة عزير و غيره على ما فسّرناه‏ (8) في موضعه.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 24.

(2) س، أ، المصدر: حماد. و في م، ن: المفضل.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 131.

(4) المجمع 4/ 234- 235.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فدّل على ذلك.

(6) من المصدر.

(7) س، أ، م، المصدر: تظاهرت.

(8) ن: فسّرته.

596

و صحّ عن النّبيّ- صلّى اللّه‏ (1) عليه و آله- قوله: سيكون في أمّتي كل ما كان في بني إسرائيل، حذو النّعل بالنّعل و القذّة بالقذّة، حتّى لو أنّ أحدهم دخل حجر ضبّ لدخلتموه.

على أنّ جماعة من الإماميّة تأوّلوا ما ورد من الأخبار في الرّجعة على رجوع [الدّولة و الأمر و النّهي دون رجوع الأشخاص و إحياء الأموات، و أوّلوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنّوا أنّ الرّجعة] (2) تنافي التّكليف، و ليس كذلك لأنّه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب و الامتناع من القبيح، و التّكليف يصحّ معها، كما يصحّ مع ظهور المعجزات الباهرة و الآيات القاهرة، كفلق البحر و قلب العصا ثعبانا و ما أشبه ذلك، و لأنّ الرّجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرّق التّأويل عليها، و إنّما المعوّل في ذلك على إجماع الشّيعة الإماميّة و إن كانت الأخبار تعضده و تؤيّده.

و في جوامع الجامع‏ (3): و قد استدلّ بعض الإماميّة بهذه الآية على صحّة الرّجعة، و قال: إنّ المذكور فيها يوم يحشر فيه من كلّ جماعة فوج، و صفة يوم القيامة أنّه يحشر فيه الخلائق بأسرهم، كما قال- سبحانه-: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.

و ورد (4) عن آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-: أنّ اللّه- تعالى- يحيي عند قيام المهديّ- (عليه السلام)- قوما من أعدائهم قد بلغوا الغاية في ظلمهم و اعتدائهم، و قوما من مخلصي أوليائهم قد ابتلوا بمعاناة كلّ عناء و محنة في ولايتهم‏ (5)، لينتقم هؤلاء من أولئك و يتشفّوا ممّا تجرّعوه من الغموم بذلك، و ينال كلّا الفريقين بعض ما استحقّه من الثّواب و العقاب.

و روي‏ (6) عنه- (عليه السلام)-: سيكون في أمّتي كلّ ما (7) كان في بني إسرائيل، حذو النّعل بالنّعل و القذّة بالقّذة.

و على هذا فيكون المراد بالآيات: الأئمّة الهادية- (عليهم السلام)-.

و في إرشاد المفيد (8): روى عبد الكريم الخثعمي‏ (9) قال: قلت لأبي‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في أ.

(3) الجوامع/ 341.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: ولائهم.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(8) الإرشاد/ 342.

(9) بعض نسخ المصدر: الجعفي.

597

عبد اللّه- (عليه السلام)-: كم يملك القائم- (عليه السلام)

قال: سبع سنين، يطوّل اللّه‏ (1) له الأيّام و اللّيالي‏ (2) [حتّى‏] (3) يكون السّنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فيكون سنو (4) ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه، و إذا آن قيامه مطر النّاس جمادي الآخرة و عشرة أيّام من رجب مطرا لم ير الخلائق مثله، فينبت اللّه به لحوم المؤمنين و أبدانهم في قبورهم، و كأنّي أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينه‏ (5) ينفضون شعورهم من التّراب. (انتهى)

فعلى هذا «الآيات»: الأئمّة الطّاهرون، و مجيئهم إلى حيث يرجعون، و التّوبيخ من اللّه بلسان الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و وقوع القول: تعذيبهم و قتلهم على أيدي الأئمّة و المؤمنين.

و من قال: إنّ قوله‏ وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً المراد به: يوم القيامة، قال:

المراد بالفوج: الجماعة من الرّؤساء و المتبوعين في الكفر حشروا و جمعوا (6) لإقامة الحجّة عليهم.

و قال في قوله: حَتَّى إِذا جاؤُ، أي: إلى المحشر. قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَ لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً «الواو» للحال، أي: أ كذّبتم بها بادئ الرّأي غير ناظرين فيها نظرا يحيط علمكم بكنهها، و أنّها حقيقة بالتّصديق أو التّكذيب. أو للعطف‏ (7)، أي: أجمعتم بين التّكذيب بها و عدم إلقاء الأذهان لتحقّقها.

أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (84): أم أيّ شي‏ء كنتم تعلمونه بعد ذلك. و هو للتّبكيت، إذ لم يفعلوا غير التّكذيب من الجهل فلا يقدرون أن يقولوا: فعلنا غير ذلك.

وَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ‏: حلّ بهم العذاب الموعود على أيدي الأئمّة و المؤمنين على ما قلنا، و كبّهم في النّار على ما قالوا.

بِما ظَلَمُوا: بسبب ظلمهم، و هو التّكذيب بآيات اللّه.

____________

(1) في المصدر: «تطول» بدل «يطوّل اللّه».

(2) ليس في المصدر.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: سني.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: جهته.

(6) ن: جمعهم.

(7) أي: «الواو» للعطف.

598

فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ‏ (85): باعتذار لشغلهم بالعذاب.

أَ لَمْ يَرَوْا: ليتحقّق لهم [التوحيد و يرشدهم إلى تجويز الحشر و بعثة الرسل‏] (1)، لأنّ تعاقب النّور و الظّلمة على وجه مخصوص غير متعيّن بذاته لا يكون إلّا بقدرة قاهر، و أنّ من قدر [على إبدال الظّلمة بالنّور في مادّة واحدة قدر] (2) على إبدال الموت بالحياة في موادّ الأبدان، و أنّ من جعل النّهار ليبصروا فيه سببا من أسباب معاشهم لعلّه لا يخلّ بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم و معادهم.

أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ‏: بالنّوم و القرار وَ النَّهارَ مُبْصِراً فإنّ أصله:

ليبصروا فيه، فبولغ فيه بجعل الإبصار حالا من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفكّ عنها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (86): لدلالتها على أنّه لا يخلّ بما هو مناط جميع المصالح.

وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ قيل‏ (3): إنّه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق.

و في مجمع البيان‏ (4): وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ و اختلف في معنى الصّور، فقيل: هو صور الخلق، جمع، صورة ... عن الحسن و قتادة. و يكون معناه: [يوم‏] (5) ينفخ الرّوح في الصّور فيبعثون.

و قيل‏ (6):

هو قرن ينفخ فيه شبه البوق [عن مجاهد] (7) و قد ورد ذلك في الحديث.

و في كتاب شيخ الطّائفة (8)- (رحمه اللّه)- في دعاء أمّ داود المنقول عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: أللّهمّ، صلّ على إسرافيل حامل عرشك و صاحب الصّور المنتظر لأمرك.

فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏: من الهول‏

[قيل‏ (9): هي ثلاث نفخات الأولى: نفخة الفزع، و الثانية: نفخة الصعق و الثالثة: نفخة القيام لربّ العالمين‏] (10)

____________

1 و 2- من أنوار التنزيل 2/ 184.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المجمع 4/ 236.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) من المصدر.

(8) مصباح المتهجّد/ 744.

(9) المجمع 4/ 236.

(10) يوجد في س، أ، م، ن، المصدر.

599

و عبّر عنه بالماضي لتحقّق وقوعه.

إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ‏ أن لا يفزع، بأن يثبّت قلبه.

قيل‏ (1): هم جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل.

و قيل‏ (2): الحور و الخزنة و حملة العرش.

و قيل‏ (3): الشّهداء.

و قيل‏ (4): موسى لأنّه صعق مرّة، و لعلّ المراد ما يعمّ ذلك.

وَ كُلٌّ أَتَوْهُ‏: حاضرون الموقف بعد النّفخة الثّانية، أو راجعون إلى أمره.

و قرأ (5) حفص: «أتوه» على الفعل.

و قرئ‏ (6): «أتاه» على التّوحيد للفظ (7) «الكلّ».

داخِرِينَ‏ (87): صاغرين.

و قرى‏ (8): «دخرين».

وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً: ثابتة في مكانها وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ‏ في السّرعة، و ذلك لأنّ الأجرام الكبار إذا تحرّكت في سمت واحد لا تكاد تبين حركتها.

صُنْعَ اللَّهِ‏: مصدر مؤكّد لنفسه، و هو لمضمون الجملة المتقدّمة، كقوله: وَعَدَ اللَّهُ‏.

الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ: أحكم خلقه و سواه على ما ينبغي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9)- (رحمه اللّه)-: و قوله- عزّ و جلّ-: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قال: فعل اللّه الّذي أحكم كلّ شي‏ء.

إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ‏ (88): عالم بظواهر الأفعال و بواطنها فيجازيكم‏ (10) عليها، كما قال: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها

____________

1 و 2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 184- 185.

(5) نفس المصدر و المجلّد/ 185. و فيه: زيادة «حمزة و».

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: لتوحيد لفظ.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) تفسير القمّي 2/ 131.

(10) كذا في أنوار التنزيل 2/ 185. و في النسخ:

فيجازيهم.

600

قيل‏ (1): إذ ثبت له الشّريف بالخسيس، و الباقي بالفاني، و سبعمائة بواحدة.

و قيل‏ (2): خير منها، أي: خير حاصل من جهتها و هو الجنّة.

و قرأ (3) ابن كثير و أبو عمرو و هشام: «خبير بما يفعلون» بالياء، و الباقون بالتّاء.

و في كتاب معاني الأخبار (4): حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اللّهمّ، زدني. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً. فعلم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّ الكثير من اللّه ما لا يحصى و ليس له منتهى.

وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏ (89)، يعني به: خوف عذاب يوم القيامة.

و قرأ (5) الكوفيّون، بالتّنوين، لأنّ المراد فزع واحد من أفزاع ذلك اليوم.

و «آمن» يتعدّى‏ (6) بالجارّ و بنفسه، كقوله: أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ‏.

و قرأ (7) الكوفيّون [و نافع، [يومئذ] (8) بفتح الميم، و الباقون بكسرها.

و في مجمع البيان‏ (9): قال الكلبيّ: إذا أطبقت النّار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها،] (10) و أهل الجنّة آمنون من ذلك الفزع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11)- (رحمه اللّه)-: حدّثني أبي، عن محمّد (12) بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمر (13) بن شيبة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول ابتداء (14) منه: إنّ اللّه إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بدّ منه أمر مناديا ينادي، فاجتمع الجنّ و الإنس في أسرع من طرفة عين.

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 185.

(4) المعاني/ 397- 398، ح 54.

(5) أنوار التنزيل 2/ 185.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يعدّى.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) من المصدر.

(9) المجمع 4/ 237.

(10) ليس في المصدر.

(11) تفسير القمّي 2/ 77.

(12) ليس في المصدر.

(13) المصدر: عمرو.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: ابتدا.

601

... إلى أن قال- (عليه السلام)- رسول اللّه و عليّ و شيعته على كثبان من المسك الأذفر على منابر من نور، يحزن النّاس و لا يحزنون، و يفزع النّاس و لا يفزعون. ثمّ تلا هذه الآية: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏. فالحسنة، و اللّه، ولاية عليّ.

حدّثني‏ (1) أبي، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي العبّاس المكبّر قال: دخل مولى لامرأة عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- على أبي جعفر- (عليه السلام)- يقال‏ (2) له:

أبو أيمن [فقال‏] (3) يا أبا جعفر، تغرّون‏ (4) النّاس و تقولون‏ (5): شفاعة محمّد شفاعة محمّد.

فغضب أبو جعفر- (عليه السلام)- حتّى تربّد (6) وجهه، ثمّ قال: ويحك، يا أبا أيمن، أغرّك أن عفّ‏ (7) بطنك و فرجك؟ أما لو (8) قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. ويلك، فهل يشفع إلّا لمن وجبت له النّار؟

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (9): عن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-: إنّ الناس يعبدون اللّه- تعالى- على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطّمع، و آخرون يعبدونه فرقا (10) من النّار فتلك عبادة العبيد و هي الرّهبة، و لكنّي أعبده حبّا له فتل عباد الكرام و هو الأمن لقوله- تعالى-: وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏ و لقوله- تعالى-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏. فمن أحبّ اللّه [أحبّه اللّه- عزّ و جلّ- و من أحبّه اللّه- عزّ و جلّ-] (11) و أحبّه اللّه كان من الآمنين.

عن حمزة بن يعلي‏ (12)، يرفعه بإسناده، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من مقت نفسه دون مقت النّاس آمنه اللّه من فزع يوم القيامة.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 202.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(3) من المصدر.

(4) المصدر يعزون.

(5) المصدر: يقولون.

(6) أي: تغيّر.

(7) كذا في المصدر. و في س، أ: أن عزك.

و ليس في م، ن، و في غيرها: أن عن له.

(8) ليس في س، أ، م، ن.

(9) الخصال/ 1881، ح 259.

(10) أي: خوفا.

(11) من المصدر. و في النسخ: «و أحبّه اللّه» بدل ما بين المعقوفتين.

(12) الخصال 1/ 15، ح 54.

602

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من وقّر ذا شيبة في الإسلام آمنه اللّه من فزع يوم القيامة.

و في روضة الكافي‏ (2) عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس‏ (3)، عن عليّ بن حمّاد (4)، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً قال: من تولّى الأوصياء من آل محمّد و اتّبع آثارهم فذلك يزيده ولاية من [مضى من‏] (5) النّبيّين و المؤمنين الأوّلين، حتّى تصل‏ (6) ولايتهم إلى آدم- (عليه السلام)-. و هو قول اللّه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يدخله‏ (7) الجنّة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي شيخ الطّائفة (8)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى عمّار بن موسى السّاباطيّ قال:

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: لا يقبل اللّه من العباد الأعمال الصّالحة الّتي يعملونها إذا تولّوا الإمام الجائر الّذي ليس من اللّه- تعالى-.

فقال له أبو عبد اللّه بن أبي يعفور: أليس اللّه- تعالى- قال: مَنْ‏ (9) جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏. فكيف لا ينفع العمل الصّالح ممّن تولّى أئمّة الجور؟

فقال له أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و هل تدري ما الحسنة الّتي عناها اللّه- تعالى- في هذه الآية؟ هي [و اللّه‏] (10) معرفة الإمام و طاعته.

وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قيل‏ (11): بالشّرك.

و في كتاب سعد السّعود (12) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- قال: و قد نقل عن الفرّاء قوله:

____________

(1) الكافي 2/ 658، ح 3.

(2) الكافي 8/ 379، ح 574.

(3) س، أ: حمّاد.

(4) س، أ: العبّاس.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يصل.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: تدخله.

(8) أمالي الطوسي 2/ 31- 32.

(9) العبارات من هنا الى الموضع المذكور ليست في م.

(10) من المصدر.

(11) أنوار التنزيل 2/ 185.

(12) سعد السعود/ 262.

603

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ لا إله إلا الله، و «السّيّئة» الشّرك.

أقول: هذا تأويل غريب غير مطابق للمعقول و المنقول، لأنّ لفظ لا إله إلا الله يقع من الصّادقين و المنافقين، و لأنّ اليهود تقول: لا إله إلا الله. و كلّ فرق من‏ (1) الإسلام تقول ذلك، و واحده منها ناجية و اثنان‏ (2) و سبعون في النّار، و هذه الآية وردت مورد الأمان لمن جاء بالحسنة فكيف بتناولها على مالا يقتضيه ظاهرها و قد وردت‏ (3) النّقل متظافرا (4) أنّ الحسنة معرفة اللّه و رسوله و معرفة الّذين يقومون مقامه- (صلوات اللّه عليهم).

فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ: فكبّوا على وجوههم.

و يجوز أن يراد بالوجوه: أنفسهم، كما أريدت بالأيدي في قوله: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)- (رحمه اللّه)- و قوله- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال: الحسنة، و اللّه، ولاية أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه). و السّيّئة، و اللّه، عداوته.

و في روضة الواعظين‏ (6) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الباقر- (عليه السلام)-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ... وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ الحسنة ولاية عليّ و حبّه، و السّيّئة عداوته و بغضه، و لا يرفع معهما (7) عمل.

هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (90): على الالتفات. أو بإضمار القول، أي: قيل لهم ذلك.

و في أصول الكافي‏ (8): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمه و محمّد بن عبد اللّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: دخل أبو عبد اللّه الجدليّ على أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فقال- (عليه السلام)- يا أبا عبد اللّه، ألا أخبرك بقول‏

____________

(1) ليس في نور الثقلين 4/ 103، ح 123.

(2) الصحيح: اثنتان.

(3) ن: أوردت. و في نفس المصدر و الموضع:

رأيت.

(4) في نفس المصدر و الموضع: متظاهرا.

(5) تفسير القمّي 2/ 131.

(6) روضة الواعظين 1/ 106.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: معها.

(8) الكافي 1/ 185، ح 14.

604

اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏؟

قال: بلى، يا أمير المؤمنين، جعلت فداك.

فقال: الحسنة معرفة الولاية و حبّنا أهل البيت، و السّيّئة إنكار الولاية و بغضنا أهل البيت. ثمّ قرأ- (عليه السلام)- الآية.

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)، متّصلا بقوله: و هل تدري ما الحسنة الّتي عناها اللّه- تعالى- في هذه الآية؟ هي [و اللّه‏] (2) معرفة الإمام و طاعته. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏. و إنّما أراد بالسّيّئة إنكار الإمام الّذي هو من اللّه- تعالى-.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: من جاء يوم القيامة بولاية إمام جائر ليس من اللّه، و جاء منكرا الحقّنا جاحدا لولايتنا، أكبّه اللّه- تعالى- يوم القيامة في النّار.

و بإسناده‏ (3) إلى أبي عبد اللّه الجدليّ قال: قال لي عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: ألا أحدّثك، يا أبا عبد اللّه، بالحسنة الّتي من جاء بها أمن من فزع يوم القيامة و بالسّيّئة الّتي من جاء بها أكب اللّه وجهه في النّار؟

قلت: بلى، يا أمير المؤمنين.

قال: الحسنة حبّنا، و السّيّئة بغضنا.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- في تفسيره: حدّثنا المنذر بن محمّد، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد [عن أبيه‏] (5)، عن أبان بن تغلب، عن فضيل‏ (6) ابن الزّبير (7)، عن أبي الجارود، عن أبي داود السّبيعيّ، عن أبي عبد اللّه الجدليّ قال: قال لي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا أبا عبد اللّه، هل تدري ما الحسنة الّتي من جاء بها فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ؟

قلت: لا.

____________

(1) أمالي الطوسي 2/ 31- 32.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 107.

(4) تأويل الآيات 1/ 410، ح 16.

(5) ليس في المصدر.

(6) س، أ، ن، فضل.

(7) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 9. و في النسخ: الزمر.

605

قال: الحسنة مودّتنا أهل البيت، و السّيّئة عداوتنا أهل البيت.

و قال‏ (1) أيضا: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم عن‏ (2) محمّد الثّقفيّ، عن عبد اللّه بن جبلة الكنانيّ، عن سلام بن أبي عمرة (3) الخراسانيّ، عن أبي الجارود، عن أبي عبد اللّه الجدليّ قال: قال لي‏ (4) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- ألا أخبرك بالحسنة الّتي من جاء بها أمن من فزع يوم القيامة، و السّيّئة الّتي من جاء بها كبّ على وجهه في نار جهنّم؟

قلت: بلى، يا أمير المؤمنين.

قال: الحسنة حبّنا أهل البيت، و السّيّئة بغضنا أهل البيت.

و قال‏ (5) أيضا: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار السّاباطيّ قال: كنت عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و سأله عبد اللّه بن أبي يعقوب‏ (6) عن قول اللّه- عزّ و جلّ- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏.

فقال: و هل تدري ما الحسنة؟ إنّما الحسنة معرفة الامام و طاعته، و طاعته من طاعة اللّه.

و بالإسناد المذكور (7): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحسنة ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و قال‏ (8)- أيضا: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن محمّد عن إسماعيل بن يسار (9)، عن عليّ بن جعفر الحضري‏ (10) [عن جابر الجعفي‏] (11) أنّه سأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ.

قال: الحسنة ولاية عليّ، و السّيّئة عداوته و بغضه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 17.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: عن.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أبي حمزة.

(4) ليس في س، أ، ن، المصدر.

(5) نفس المصدر و المجلّد/ 411، ح 18.

(6) أ، ن: يعفور.

1- ليس في المصدر.

(7) تأويل الآيات 1/ 411، ح 19.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 20.

(9) المصدر: بشار.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: على بن الجعفري.

(11) من المصدر.

606

إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها: أمر الرّسول بأن يقول لهم ذلك بعد ما بيّن المبدأ و المعاد و شرح أحوال القيامة، إشعارا بأنّه قد أتمّ الدّعوة و قد كملت و ما عليه بعد إلّا الاشتغال بشأنه و الاستغراق في عبادة ربّه. و تخصيص مكّة بهذه الإضافة تشريف لها و تعظيم لشأنها.

و قرئ‏ (1): «الّتي حرّمها».

وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ خلقا و ملكا.

وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (91): المنقادين، أو الثّابتين على ملّة الإسلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)- (رحمه اللّه)-: [و قال عليّ بن إبراهيم‏] (3) في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها قال: مكّة.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، بن عليّ بن النّعمان، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ قريشا لمّا هدموا الكعبة وجدوا في قواعدها حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته حتّى دعوا رجلا فقرأه، فإذا فيه: أنا اللّه ذو بكّة، حرّمتها يوم خلقت السّموات و الأرض، و وضعتها بين‏ (5) هذين الجبلين، و حففتها بسبعة أملاك حفّا.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: حرّم اللّه حرمه أن يختلى خلاه، أو يعضد (7) شجره إلّا الإذخر (8)، أو يصاد طيره.

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مكّة يوم افتتحها فتح باب الكعبة، فأمر بصور في الكعبة فطمست، فأخذ بعضادتي الباب فقال: ألّا إنّ اللّه قد حرّم مكّة يوم خلق السّموات و الأرض، فهي حرام بحرام اللّه إلى يوم القيامة،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 185.

(2) تفسير القمّي 2/ 131.

(3) ليس في ن.

(4) الكافي 4/ 225، ح 1.

(5) س، أ: ما بين.

(6) الكافي 4/ 2225، ح 2.

(7) ليس في ن. و كذا في المصدر. و في النسخ:

يعضده.

(8) الإذخر: بنات طيّب الرّائحة.

(9) الكافي 4/ 225- 226، ح 3.

607

لا ينفّر صيدها و لا يعضد شجرها و لا يختلى خلاها و لا تحلّ لقطتها إلّا لمنشد.

فقال العبّاس: يا رسول اللّه، إلّا الإذخر فإنّه للقبر و البيوت.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إلّا الإذخر.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه. و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يوم فتح مكّة: إنّ حرم مكّة يوم خلق السّموات و الأرض، و هي حرام إلى أن تقوم السّاعة، لم تحلّ لأحد قبلي و لا تحلّ لأحد بعدي، و لم تحلّ لي إلّا ساعة من نهار.

وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ‏: و أن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا، أو أتباعه.

و قرئ: (2) «و اتل».

فَمَنِ اهْتَدى‏: باتّباعه إيّاي في ذلك‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ‏: فإنّ منافعه عائدة إليه.

وَ مَنْ ضَلَ‏ بمخالفتي‏ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏ (92): فلا عليّ من و بال ضلاله شي‏ء، إذ ما على الرّسول إلّا البلاغ و قد بلّغت.

وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ على نعمة النّبوّة أو على ما علّمني و وفّقني للعمل به.

سَيُرِيكُمْ آياتِهِ‏: القاهرة في الدّنيا، كوقعة بدر، و خروج دابّة الأرض، أو في الآخرة.

فَتَعْرِفُونَها: فتعرفون أنّها آيات اللّه، و لكن حين لا تنفعكم المعرفة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها قال: «الآيات» أمير المؤمنين و الأئمة- (عليهم السلام)- إذا رجعوا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم، و الدّليل على أنّ «الآيات» هم الأئمّة- (عليهم السلام)-: و اللّه، ما للَّه آية أكبر منّي. فإذا رجعوا إلى الدّنيا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم في الدّنيا.

وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ (93): فلا تحسبوا أنّ تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(2) أنوار التنزيل 2/ 186.

(3) تفسير القمّي 2/ 132.

608

و قرئ‏ (1)، بالياء (2).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 186.

(2) العبارات إلى هنا ليست في م.