
توحيد المفضل
تأليف
المفضل بن عمر
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
4
2- حياة المفضل:
ولد أبو محمّد و قيل أبو عبد اللّه المفضل بن عمر الجعفى الكوفيّ، فيما بين أواخر القرن الأول و أوائل القرن الثاني الهجري في مدينة الكوفة الآهلة- يومئذ- برواد العلم، و اقطاب الفكر الإسلامي.
و نستنتج من بعض الروايات ان المفضل عاصر الإمام الباقر و احتك به، فأدرك الدولة الأموية .. و من ثمّ اتصل بالامام الصادق، و بعده بالامام موسى الكاظم، و قد أخذ عنهما الحديث و الرواية، و كان أثيرا لديهما، قريبا اليهما، متوكلا عنهما، متوليا لهما في قبض الأموال، و تفويضه في ذلك تفويضا يدلّ على ثقة الجميع به و اعتمادهم عليه، و قد قال له الإمام الصّادق مرة: (اذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة، فافتدها من مالي) (1).
و عاصر بعد ذلك الإمام الرضا، و في أيامه توفي، و كان ذلك في أخريات المائة الثانية من الهجرة، عن عمر ناهز الثمانين سنة. و لما بلغ موته الرضا قال فيه هذه الكلمة الخالدة: (كان الوالد بعد الوالد .. اما انه قد استراح) (2)، و في خبر آخر ان الرضا خاطب أحد أصحابه بقوله
____________
(1) مستدرك الوسائل للعلامة النوريّ- مج 3 ص 562 ط دار الخلافة بطهران.
(2) معرفة أحوال الرجال للكشّيّ- ص 211 ط المصطفوية ببمبئي، و رجال ابى علي ص 308 ط إيران.
1
2
[المقدمات]
[مقدمة المحقق]
بسم اللّه الرحمن الرحيم
3
المفضل بن عمر سيرته و توحيده
1- توطئة:
في نهاية عام 1949 تقدم الأخ الفاضل محمّد كاظم الكتبي إلى طبع كتاب التوحيد الذي أملاه الامام أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) على تلميذه النجيب: المفضل بن عمر الجعفي، و ما ان نزل إلى الأسواق حتّى تداولته الأيدي، و نفذت نسخه الكثيرة في بضعة شهور، و ظل الأخ الكُتبي يحدث نفسه بطبع الكتاب مرة ثانية، و لكنه أحبّ هذه المرة أن يخرجه في حلة جديدة، و يضيف إليه شرح ما غمض من تعابيره و أشكل من ألفاظه و معانيه، ثمّ وضع مقدّمة له تبين أغراض الكتاب و مقاصده العالية، و ترجمة المفضل و علاقته بسيده الإمام الصّادق، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تمس الكتاب و تحوم حوله.
و قد تحدث إلى الأخ الكتبي بهذا الأمر، و كلفني بأن أتولى ذلك بنفسي، فلم أجد مناصا من ذلك، و قمت بالمهمة على عجالة و روعة، ذلك لانشغال البال، و كثرة الأعمال، و انصراف الذهن إلى اتهام؟؟؟ أخزن، و اني لأرجوا ان أتفرغ له مرة ثانية، فأزيد في شرحه إليه العناية التي هو أهلها.
و حسبي الآن هذه التعاليق البسيطة التي ارجو أن كون حافزا لغيرى من الأفاضل على درس كتاب التوحيد و القيام بشرحه شرحا مستفيضا.
8
9- كتاب بدء الخلق و الحث على الاعتبار: هو نفس كتاب التوحيد و قد ظنّ بعض المتاخرين (1) ان هذا الكتاب مستقل بذاته، و انا لا اقرهم على ذلك، فان النجاشيّ يصرح قائلا: (كتاب فكر كتاب في بدء الخلق و الحث على الاعتبار) (2) اي ان كتاب فكر هو كتاب يبحث في بدء الخلق و الحث على الاعتبار، لا سيما إذا علمنا ان حقيقة مضامين الكتاب لا تبحث إلّا في الابداع و الخلقة، و يتجلى ذلك في قول الامام مخاطبا المفضل (3) (نبدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به) و قوله ايضا (4): اعتبر يا مفضل، و قوله كذلك (5): اعتبر يا مفضل باشياء خلقت لمآرب الإنسان ..
4- الاخبار المروية في حقه:
إذا تصفحت كتب الرجال، و راجعت ما خطه المؤرخون في المفضل، وجدت ما يدعوك إلى اكباره، و الإعجاب به، و تقدير خدماته
____________
(1) كالشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء في المراجعات الريحانية ج 2 ص 81 ط الاهلية ببيروت، و الشيخ أغا بزرك في الذريعة ج 3 ص 51.
(2) رجال النجاشيّ ص 296.
(3) توحيد المفضل ص 6 ط الحيدريّة الأولى بالنجف.
(4) المصدر السابق ص 7.
(5) كذلك ص 31.
6
و فيها ردّ على الملحدين المنكرين للربوبية. و قد أوردها العلامة الشيخ محمّد باقر المجلسي في المجلد الثاني في التوحيد من (بحار الأنوار) مع الشرح و البيان، و قال في الفصل الثاني من اول البحار: (ان بعض علماء المخالفين نسب هذا الكتاب إلى الإمام الصّادق) و هذا ممّا يحقق نسبته إلى المفضل من إملاء الامام عليه، و ان داخل بعضهم ريب من ذلك!
2- كتاب كنز الحقائق و المعارف: هو نفس كتاب التوحيد، و لا ندري من وضع هذا الاسم الجديد لكتاب التوحيد، إلّا أن الشيخ أغا بزرك قال: (.. و سماه- أي كتاب التوحيد- بعض الفضلاء بكنز الحقائق و المعارف) (1) .. و هذا الاسم غير مطابق لمضامين الكتاب كل المطابقة.
3- الوصية: و هي التي أوصى بها الصادق تلميذه المفضل فيما يتعلق بأحوال المسلمين، و معايشهم، و أهوائهم، و ما كان لهم، و ما سيكون، و ما في العالمين السفلي و العلوي من اسرار و خفايا.
و قد ظنّ الدكتور مصطفى جواد أن رسالة الوصية هذه هي نفس كتاب بدء الخلق الآنى ذكره، و بعبارة أخرى هي نفس كتاب التوحيد بينما نرى أن الوصية رسالة خاصّة ليست لها أية علاقة بكتاب التوحيد، و نجد في بعض المصادر (2) قطعا مقتضبة من وصايا الصادق للمفضل
____________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 4 ص 482 ط الغري بالنجف.
(2) من تلك المصادر: كتاب بصائر الدرجات، و كتاب الإمام الصّادق ج 2 ص 55 ط الثانية.
7
مما يؤكد صحة قولنا.
أما ما ذكره الرجالي الثبت البصير أحمد بن علي النجاشيّ المتوفى عام 450 هج من مؤلّفات المفضل، فهي:
4- كتاب ما افترض اللّه على الجوارح من الايمان: جوهر هذا الكتاب دال و معروف من عنوانه و ان كان تفصيل موضوعاته غير بين لدينا
5- كتاب الإيمان و الإسلام: و يستفاد من النجاشيّ (1) ان هذا الكتاب هو نفس الكتاب السابق، و تطرق إلى ذكره الشيخ أغا بزرك (2) إلّا انه لم يشر إلى هذا المعنى، بل عده مستقلا عن الكتاب السابق.
6- كتاب يوم و ليلة: و لا يبعد أن يكون موضوع هذا الكتاب خاص في الأعمال المستحبة و الأدعية التي سمعها المفضل و رواها عن أهل البيت فيما يتعلق باعمال اليوم و الليلة.
7- كتاب علل الشرائع: و الظاهر أن هذا الكتاب يبحث عن فلسفة الاحكام الشرعية، و عن فوائدها و منافعها، و ما أشبه ذلك، و إذا تحقّق هذا فالكتاب جليل في بابه لا بدّ أن يكون على جانب من الخطورة 8- كتاب فكر و هو الاسم الذي اصطلحه النجاشيّ (3) لكتاب التوحيد
____________
(1) ص 295 من رجال النجاشيّ .. قال النجاشيّ: (كتاب ما افترض اللّه على الجوارح من الايمان و هو كتاب الإيمان و الإسلام و هذا القول صريح في إثبات ما ذكرناه.
(2) في موسوعته الجليلة (الذريعة) ج 2 ص 514.
(3) رجال النجاشيّ ص 292.
9
الجلي لآل البيت، و ما كان له من المواقف المحمودة في الذب عنهم، و نصرته لهم نصرة مؤمن بهم، موقن بما لهم من الدرجات الرفيعة .. و لما عرف الأئمة منه ذلك بجلوه غاية التبجيل، و قربوه من أنفسهم، و انزلوه منزلة الخواص من أصحابهم الثقاة من بطانتهم.
فمن الاخبار المعربة عن شخصيته المحترمة ما رواه أبو حنيفة الجمال قال: مرّ بنا المفضل انا و ختني (1) نتشاجر في ميراث لنا، فوقف علينا ساعة ثمّ قال: تعالا معي إلى المنزل، فاتيناه فأصلح بيننا باربعمائة درهم، و دفعها الينا من عنده حتّى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه قال:
أما انها ليست من مالي، و لكن الإمام الصّادق أمرنى إذا تنازع رجلان في شيء ان اصلح بينهما، و افتديهما من ماله، فهذا من مال الامام أبي عبد اللّه (2).
و دخل المفضل مرة على الإمام الصّادق، فلما بصر به تبسم في وجهه ثمّ قال: إلي إليّ يا مفضل فو ربى اني لأحبك و أحبّ من يحبك! .. يا مفضل لو عرف جميع أصحابى ما تعرف ما اختلف اثنان!. فقال له المفضل:
يا ابن رسول اللّه لقد حسبت ان اكون قد أنزلت فوق منزلتي ..؟ فاجابه
____________
(1) الختن: بفتحتين- كل من كان من قبل المرأة مثل الأب و الأخ جمعه اختان، و المراد من اللفظ هنا ظاهرا هو الأخ.
(2) أول من روى هذا الخبر ثقة الإسلام الكليني في كتابه: الكافي و نقله المجلسيّ في البحار مج 11 ص 120، و النوريّ في المستدرك مج 3 ص 562، و المامقاني في تنقيح المقال مج 3 ص 238- 239.
5
(أما ان المفضل كان انسي و مستراحي) (1).
و من المؤكد ان المفضل توفى، و هو لم يكن بطوس و لا ببغداد، و انما كان بالكوفة، فانها كانت مسقط راسه، و بها كان وكيلا من قبل الامامين الصادق و الكاظم، و كان المفضل حيا حتّى سنة 183 ه.
و هي السنة التي توفي بها الإمام الكاظم، و لم يدم بعد ذلك إلّا قليلا، لا سيما و ان الاخبار لم تكن متوفرة عن اتصاله بالامام الرضا ممّا ترجح عندنا وفاته بعد سنيات من موت الإمام الكاظم.
3- كتب المفضل:
كان المفضل دائبا على الحضور في مدرسة الإمام الصّادق، و قد استقى الكثير من الأحاديث و العلوم عنه، و عن ولده موسى الكاظم، و عن حفيده ابى الحسن الرضا. و عند اختمار تلكم الأحاديث و المعارف في ذهنه و عند ما نضجت في عقله و وعاها حقّ الوعي، استطاع ان يؤلف عددا من الكتب فيما لا تخرج مضامينها و مواضيعها عن حدود الشريعة الإسلامية و عن عظمة الخالق، و عن الموجودات و الخلائق.
و سنذكر هنا ما استطعنا الوقوف عليه من كتب المفضل و تآليفه.
و هي كما يلي:
1- كتاب الإهليلجة: هو من إملاء الإمام الصّادق على المفضل في قصة تروى في اول الكتاب و مفادها: ان طبيبا حاجّ الامام في الإهليلجة،
____________
(1) العيون للشيخ الصدوق في باب النصوص على امامة الرضا، و تنقيح المقال للمامقاني ج 3 ص 238 ط المرتضوية بالنجف.
11
من باب الامام على ما يظهر من بعض قدماء الأصحاب هو بابه في العلوم و الاسرار ..) و من كان اجدر من أصحاب الامام بالمفضل، لنيل هذه المكانة، و جعل الامام منه بابا لعلومه و مخبئا لاسراره.
عن هشام بن أحمد قال: دخلت على ابي عبد اللّه و انا أريد ان اسأله عن المفضل، و هو في ضيعة له، في يوم شديد الحر، و العرق يسيل على صدره، فابتدأنى بقوله: (نعم العبد- و اللّه لا إله إلّا هو- المفضل بن عمر) حتى احصيتها نيفا و ثلاثين مرة يقولها و يكررها لي (1).
____________
- في مقدّمته ص 243 ط الازهرية، و فعل ذلك جرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي ج 1 ص 244 ط الهلال .. و ان ممّا يستدل به على ان البواب هو بمعنى باب في العلوم و الاسرار، او ما يشابه هذا المعنى ما جاء في دائرة المعارف للمعلم بطرس البستاني مج 6 ص 689:
(.. و حجب السلطان نفسه عن الناس، فصار هذا الحاجب واسطة بين الناس، و أهل الرتب العالية، ثمّ جعل له آخر الدولة السيف و الحرب ثمّ الراي و المشورة، فصارت الخطة ارفع الرتب، و اوعبها للخطط) (و اظن ان هذا الكلام منقول عن ابن خلدون) و ان المراد من لفظ الباب في هذا الموضع بالذات هو باب الأئمة في علومهم و اسرارهم، كما صرّح بذلك القمّيّ في سفينة البحار ج 1 ص 143.
(1) رجال الكشّيّ ص 207، و رجال ابى علي ص 308 و المستدرك مج 3 ص 563، و رجال الشيخ محمّد طه نجف ص 272، و رجال الأسترآباديّ و رجال القهبائي المخطوط .. و روى هذا الخبر شيخ الطائفة الطوسيّ في-
15
أولاد الصادق على تفرق، فمن ميت في حال حياة أبيه لم يعقب، و من مختلف في موته، و من قائم مدة يسيرة ميت غير معقب. و كان موسى هو الذي تولى الأمر، و قام بعد موت أبيه، رجعوا إليه، و اجتمعوا عليه مثل المفضل بن عمر و زرارة بن أعين و عمارة الساباطي (1).
و كتب عدّة من أهل الكوفة إلى الصادق قالوا: (ان المفضل يجالس الشطار (2) و أصحاب الحمام (3) و قوما يشربون شرابا، فينبغي ان
____________
(1) ص 3- 4 ج 2 من كتاب الملل و النحل ط الأدبية بمصر.
(2) لعل المراد من الشطار: ما أشار إليه الزبيديّ في تاج العروس ج 3 ص 299 إذ يقول: «الشاطر من اعيا اهله و مؤدبه خبثا و مكرا جمعه الشطار كرمان، و هو مأخوذ من شطر عنهم: إذا نزح مراوغا، و قد قيل انه مولد» ا ه. و العامّة عندنا تستعمل هذا اللفظ في النبيه الماضى في أموره و يخلط المكر و يحسن المراوغة. و قد الف الجاحظ في هذا المعنى كتابا اسماه (اخلاق الشطار) راجع معجم الأدباء ج 16 ص 110 ط دار المأمون، و كتاب (آثار الجاحظ) لمحرر هذه السطور- مخطوط-.
(3) الحمام: طائر معروف- و الواحدة حمامة للذكر و الأنثى، لأن الهاء هنا ليست للتأنيث، و انما هي للدلالة على الفردية و أصحاب الحمام- كما يظهر- هم الذين يتعاطون بيعه و اللهو به و الانس بطيرانه، على نحو ما نراه في وقتنا .. و قد كتب عن الحمام مفصلا- 1- القلقشندى في صبح الاعشى ج 7 ص 231 و ج 14 ص 389 ط الأميرية بالقاهرة- 2 البستانى-
13
و ذكر شيخ الطائفة الطوسيّ (1) ان المفضل من قوام الأئمّة و كان محمودا عندهم محبوبا لديهم، ثمّ انه كان من وكلائهم الذين مضوا على منهاجهم.
5- تضميد جروحه:
روينا للقارئ بعض الأخبار و الأحاديث التي تدلّ على خطة المفضل الطيبة، و مكانته السامية في نفوس آل البيت، تلك المكانة التي دعت اعدائهم إلى نصب الشراك، و إيقاعه فيها، كرميه بالتهم و الاباطيل و قذفه بالاكاذيب و الافتراءات.
و إذا رجعنا إلى عصر الإمام الصّادق، للمسنا تشدد الحاكمين على آل البيت و أصحابهم. و كان أكثر الشيعة يلوذون بأئمتهم، حفظا لظهورهم من سياط جلاوزة العباسيين و ولاتهم الجائرين الذين لم يألوا جهدا في مطاردة أهل البيت و من يمت اليهم بصلة.
و من أجل ذلك اضطر الإمام الصّادق ان يعمل بالتقية، حتى صارت التقية هذه سياسة خاصّة سار عليها هو و أصحابه جميعا، و حتّى انه كان يعيب خاصّة أصحابه، كى يبعد الشبه التي تحوم حولهم و التي طالما هددتهم بالموت و الفناء. و قد فعل الامام ذلك بدافع الشفقة عليهم لاخفاء حالهم، حتى لا يتعرض أصحابه للشر.
و لهذا فان الأحاديث المروية في ذمّ المفضل و القدح به ينبغي حملها
____________
(1) في كتاب الغيبة ص 224.
16
تكتب إليه، و تأمره أن لا يجالسهم، فكتب إلى المفضل كتابا و ختمه و دفعه اليهم، و أمرهم ان يدفعوا الكتاب من أيديهم إلى المفضل. و لما جاءوا المفضل، و دفعوا إليه الكتاب، ففكه و قرأه، فإذا فيه: (بسم اللّه الرحمن الرحيم ... اشتر كذا و كذا و كذا) و لم يذكر فيه قليلا و لا كثيرا ممّا تحدثوا به مع الامام، فلما قرأ الكتاب دفعه إلى كل واحد من الذين جاءوا بالكتاب، ثمّ قال: ما تقولون ..؟ قالوا هذا مال عظيم ادعنا حتى ننظر فيه و نجمعه و نحمله إليك، ثمّ تدرك الانزال بعد ظهر في ذلك و أرادوا الانصراف فقال المفضل: تغدوا عندي، فاجلسهم لغدائه، و وجه المفضل إلى أصحابه الذين سعوا بهم، فلما جاءوا إليه، قرأ عليهم كتاب الصادق، فرجعوا من عنده، و حبس المفضل هؤلاء ليغدوا عنده فرجع الفتيان، و حمل كل واحد منهم على قدر مقدرته الفا و الفين و أكثر فحضروا و احضروا الفي دينار و عشرة آلاف درهم، قبل ان يفرغ هؤلاء من صلاتهم. فقال لهم المفضل: تأمرونى ان اطرد هؤلاء من عندي! ..
____________
- في دائرة المعارف مج 7 ص 163- 3 وجدي في دائرة معارف القرن العشرين مج 3 ص 607- 4- الجاحظ في كتاب الحيوان ج 3 ص 45- 79 ط النقدم- 5- الدميري في حياة الحيوان ص 188 ط الحجر- 6- ابن سيدة في المخصص سفر 8 ص 168 ط الأولى- 7- جرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي ج 1 ص 223 ط الثانية- 8- و كتابه الآخر عجائب الخلق ص 147- 154 ط الثانية- 9- مجلة الهلال السنة 44 ص 885.
17
تظنون ان اللّه محتاج إلى صلاتكم و صومكم (1).
و ذكر النوريّ (2) ان الشيخ الصدوق روى في- من لا يحضره الفقيه- عن المفضل بن عمر، و قد قال الصدوق في مقدّمة كتابه (3):
«ان لم اقصد قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى ايراد ما أفتى به، و احكم بصحته، و اعتقد انه حجة فيما بيني و بين ربي تقدس ذكره، و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول» و نحن إذا قرأنا هذا القول وضح لنا ان المفضل ممن يعتمد عليه الصدوق و لو كان غير مرضي عند الأئمة، لما خفي على الصدوق القريب من زمانهم و لما أودع خبر المفضل في كتابه، و جعله حجة فيما بينه و بين ربّه.
و حكم المشهور فيما لو تلبس بصلاة الليل، و لم يتم أربع ركعات، و طلع الفجر، قطعها و أنى بفريضة الصبح- ان هذا الحكم المشهور مأخوذ من رواية للمفضل (4).
و كان ابن شعبة قد عقد في كتابه النفيس- تحف العقول- بعد
____________
(1) رجال الكشّيّ ص 209- 210، و المستدرك مج 3 ص 563 و و رجال المامقاني مج 3 ص 239، و رجال الأسترآباديّ ص 152. و إتقان المقال ص 368- 369.
(2) في المستدرك ج 3 ص 562.
(3) كتاب من لا يحضره الفقيه.
(4) استدل لهم على هذا الحكم المشهور جماعة منهم النراقى في المستند ص 44، و الميرزا القمّيّ في الغنائم ص 125، و السيّد علي-
10
الامام: (بل أنزلت المنزلة التي انزلك اللّه بها ..) (1).
و ليس شيء ادل على واسع علم المفضل، و خبرته الواسعة في احكام الشريعة، من قول الفيض بن المختار للصادق: (انى لأجلس في حلقات أصحابنا بالكوفة، فأكاد اشك باختلافهم في حديثهم، حتى ارجع إلى المفضل، فيقضي من ذلك عليّ ما تستريح إليه نفسى، و يطمئن إليه قلبي) قال الإمام: (اجل هو كما ذكرت) (2).
و عدّ الشيخ الكفعمي (3) المفضل من البوابين (4) و قال: (ان المراد
____________
(1) مستدرك الوسائل مج 3 ص 564.
(2) تنقيح المقال للمامقاني مج 3 ص 239.
(3) في جدول المصباح ص 277 ط بمبي .. و نقل عن الكفعمي هذا القول النوريّ في المستدرك مج 3 ص 570 و أبو عليّ في رجاله ص 319 و ذكر الأمين في أعيان الشيعة في القسم الأوّل من الجزء الرابع ص 544 ط الترقى: ان المفضل كان بواب الإمام الصّادق. و مثل هذا في الفصول المهمة لابن الصباغ .. و ذكر الأمين أيضا في أعيان الشيعة في القسم الثاني من الجزء الرابع ص 6 ط ابن زيدون: ان المفضل كان بواب الامام الكاظم. قال ذلك نقلا عن كتاب المناقب لابن شهرآشوب.
(4) البواب في اللغة: هو بمعنى الحاجب، كما ورد ذلك في (تاج العروس) ج 1 ص 153 و ص 203، و في لسان العرب مج 1 ص 217 و ص 289. و كتب عن الحجابة قليلا محمّد فريد وجدي في دائرة معارف القرن العشرين مج 3 ص 347 ط الثانية، و فصل القول عنها ابن خلدون-
14
على التقية و كذا ما ورد في حقّ امثاله من اجلاء الاصحاب، بعد تحقّق عدلهم و تواتر المدح لهم ... فقد روي عن عبد اللّه بن زرارة بن اعين انه قال له الامام أبو عبد اللّه: (اقرأ والدك السلام و قل له: انما اعيبك دفاعا منى عنك، فان الناس و العدو يسارعون إلى كل من قربناه و حمدنا مكانه، لادخال الاذى فيمن نحبه و نقربه، فيذمونه لمحبتنا له، و قربه و دنوه منا، و يرون ادخال الأذى عليه و قتله، و يحمدون كل من عبناه، و ان نحمد أمره. فانما اعيبك لانك رجل اشتهرت بنا و بميلك الينا، و أنت في ذلك مذموم عند الناس، غير محمود الاثر لمودتك منا و ميلك الينا، فاحببت ان أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك و نقصك و يكون بذلك منا دفع شرهم عنك .. الخ (1)
و هناك خبر أورده الكشّيّ (2) و يستشف منه ان المفضل كان يؤمن بامامة إسماعيل بن الصادق، و لا صحة لهذا الخبر اطلاقا، لأن المفضل كان علما في الدعوة الى الإمام الكاظم، حتى دعيت الفرقة المتمسكة بامامة الكاظم و التي اتبعت المفضل في رأيه- دعيت هذه الفرقة ب (المفضلية) نسبة إليه .. قال محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى عام 548 ه:
(الموسوية او المفضلية: فرقة واحدة قالت بامامة موسى بن جعفر نصا عليه بالاسم، حيث قال الصادق (سابعكم قائمكم) .. و لما رأت الشيعة ان
____________
(1) رجال الكشّيّ ص 91، و كتاب الوسائل ج 3 ص 584.
(2) رجال الكشّيّ ص 209، و رجال أبو علي ص 308، و رجاك الأسترآبادي ص 342.
12
و سال أبو الحسن الكاظم بعض أصحابه فيما يقوله الناس في المفضل فاجابه! يقولون فيه هبه يهوديا او نصرانيا، و هو يقوم بأمر صاحبكم قال الإمام: (ويلهم ..!! ما اخبث ما انزلوه ..!! ما عندي كذلك، و ما لي فيهم مثله (1).
و صرّح الشيخ المفيد (2) بأن المفضل ممن روى النصّ عن أبي عبد اللّه على ابنه أبي الحسن موسى، و انه من شيوخ أصحابه و خاصته و بطانته و ثقاته الفقهاء الصالحين.
____________
- كتاب الغيبة، و الظاهر أنّه اخذه من غير رجاك الكشّيّ، للاختلاف في مواضع المتن و السند .. كما رواه أيضا محمّد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات، و المجلسيّ في البحار مج 11 ص 92 في باب معجزات الامام الصادق ط التبريزي بايران.
(1) رجال الكشّيّ ص 211، و المستدرك مج 3 ص 564.
(2) في كتابه الإرشاد ص 307- 308 في باب النصّ على امامة أبى الحسن موسى. و نقل هذا البيان جملة من أصحاب الرجال كالتفرشى في رجاله ص 352 ط طهران، و محمّد بن الحسن الأشعريّ في الجزء الثالث من الوسائل ص 598 ط دار الخلافة، و أبو عليّ في رجاله ص 309، و عناية اللّه القهبائي في مجمع الرجال- مخطوط، و الشيخ محمّد طه نجف في إتقان المقال ص 369، و النوريّ في المستدرك مج 3 ص 570، و المامقاني في تنقيح المقال مج 3 ص 240.
19
الذي بلغني.؟ ان هؤلاء يقولون لك و فيك، قلت: و ما عليّ في قولهم قال: اجل بل ذلك عليهم. أ يغضبون؟ بؤسا لهم! انك قلت ان اصحابك قليل، لا و اللّه ما هم لنا بشيعة، و لو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك و لا اشمأزوا منه، لقد وصف اللّه شيعتنا بغير ما هم عليه، و ما شيعة جعفر إلّا من كفّ لسانه، و عمل لخالقه، و رجا سيده، و خاف اللّه- و في آخر حديث الامام مخاطبا المفضل- اما اني لو لا انى اخاف عليهم ان اغويهم بك لأمرتك ان تدخل بيتك و تغلق بابك ثمّ لا تنظر اليهم ما بقيت و لكن ان جاءوك فاقبل منهم فان اللّه قد جعلهم حجة على انفسهم و احتج (1) على غيرهم (2).
6- اتصال العرب بالثقافة اليونانية:
في مقال للباحث القدير و الدكتور النبيه مصطفى جواد (3) تطرق إلى كتاب توحيد المفضل، فحاول ان يثبت ان هذا الكتاب ليس للامام
____________
(1) كذا في الأصل، و ربما كان الصحيح: احتج بهم على غيرهم، كما هو المفهوم من سياق العبارة.
(2) نقل هذا القول عن (تحف العقول) العلامة النوريّ في مستدركه مج 3 ص 570- 571.
(3) هذا المقال بعنوان (أ توحيد المفضل .. أم توحيد الجاحظ؟) نشر في العدد العاشر للسنة الأولى من مجلة- لواء الوحدة الإسلامية- الصادر بتاريخ 4/ 1/ 369- 22 4 1950 م.
20
الصادق، و انما هو للجاحظ ابى عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري!.
فقال ان رسالة التوحيد هذه: (تمثل النهضة العلمية التي بدأت على عهد المأمون، و اثمرت في أيّام الجاحظ و غيره من الفلاسفة و المتكلّمين، و ذلك لورود الأسماء اليونانية فيه مثل «قوسيموس» (1) و غير ذلك) .. و قد خفي على ذهن الدكتور الثاقب ان العرب لم يكونوا بمعزل عن الثقافات اليونانية المختلفة، فقد اتصلوا بها منذ العصر الجاهلي حتّى بزوغ فجر الإسلام ..
فهذا الحارث بن كلدة (2) كان من ثقيف أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس، و أخذ الطبّ من أهل تلكم الديار من جنديسابور و غيرها في الجاهلية، و جاد في هذه الصناعة، و طبّ بأرض فارس، و عالج فيها كثيرا، و شهد أهل تلكم الأرض- ممن رآه- بعلمه، و اشتهر طبه
____________
(1) قال الإمام الصادق في تفسير هذه الكلمة: (ان اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجاري المعروف عندهم قوسموس و تفسيره الزينة و كذلك سمته الفلاسفة و من ادعى الحكمة) انظر توحيد المفضل ص 89 ط الحيدريّة الأولى.
(2) كلدة (بكسر ففتحتين) كما في فجر الإسلام ج 1 ص 190، و صورة ثانية (بفتح فسكون فضم) كما في مقدّمة ابن خلدون ص 495 ط دار الكشّاف، و صورة ثالثة (بفتحات ثلاث) كما في لسان العرب ج 4 ص 384، و تاج العروس ج 2 ص 486، و هذه الصورة أصح الصور و أرجحها.
18
أبواب مواعظ الأئمة و حكمهم على الترتيب- عقد بابا في مواعظ المفضل، ذكر فيه جملة من النصائح القيمة التي روي أكثرها عن الصادق .. و مما فيه عن المفضل قال أبو عبد اللّه و انا معه: يا مفضل كم أصحابك ..؟
فقلت: قليل.! فلما انصرفت إلى الكوفة أقبلت عليّ الشيعة تمزقني شر ممزق! و تأكل لحمي، و تشتم عرضي! حتى ان بعضهم استقبلنى فوثب في وجهي. و بعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي! و رمانى الكثير منهم بالبهتان، فبلغ ذلك أبا عبد اللّه، فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان اول ما استقبلنى به- بعد تسليمه عليّ (1) ان قال: يا مفضل ما هذا
____________
- بحر العلوم في البرهان القاطع ج 3 ص 44 و المحقق شيخ الطائفة في الجواهر و أغا رضا الهمدانيّ في مصباح الفقيه استدلّ هؤلاء العلماء بعدة أحاديث منها حديث المفضل الذي رواه الشيخ الطوسيّ في التهذيب في باب كيفية الصلاة و صفتها، و روي عنه في الوافي ج 2 ص 56 في باب من ضاق عليهم وقت صلاة الليل. و ها هو الحديث:- .. عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن زرعة عن المفضل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه: اقوم و أنا أشك في الفجر، فقال: صلّ على شكك، فإذا طلع الفجر فأوتر و صلّ الركعتين، فإذا أنت قمت و قد طلع الفجر، فابدأ بالفريضة، و لا تصل غيرها، فإذا فرغت فاقض مكانك، و لا يكون هذا عادة، و اياك ان تطلع هذا اهلك، فيصلون على ذلك، و لا يصلون بالليل.
(1) لعل الصحيح في العبارة: تسليمي عليه، لما تقتضيه الآداب المرعية مع الامام.
21
بين العرب (1) .. و هذا الآخر النضر بن الحارث و هو ابن خالة النبيّ سافر إلى البلاد الفارسية كأبيه، و اجتمع مع الأفاضل و العلماء بمكّة و غيرها، و عاشر الأحبار و الكهنة، و اشتغل و حصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، و اطلع على علوم الفلسفة و اجزاء الحكمة، و تعلم من أبيه أيضا ما كان يعلمه من الطبّ و غيره (2)
و حتّى بعد الإسلام بوقت غير طويل ظلّ العرب متصلين بالثقافة اليونانية .. فقد كان الحكيم الأمير خالد بن يزيد بن معاوية الأموي المتوفى عام 85 ه من أعلم قريش بفنون العلم، و له كلام في صنعة (3) الكيمياء و الطبّ .. و قد ترجمت له جمهرة كبيرة من الكتب الفلسفية و الطبية و الكيماوية .. و خالد هذا أول من عنى بعلوم الفلسفة عناية تامّة، و كان قد أمر باحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر و يتفصح بالعربية، و قد اخذ هؤلاء بدورهم من نقل الكتب في اللسان اليوناني
____________
(1) اخبار الحكماء لابن القفطي ص 111- 112 ط السعادة، و طبقات الاطباء لابن أبي اصيبعة ج 1 ص 110، و مجلة المرشد ص 6 من المجلد الثاني، و الاعلام للزركلي ج 1، و شعراء النصرانية للويس شيخو.
(2) زهر الآداب للحصري ج 1 ص 27 ط التجارية و طبقات الأطباء
(3) غلب استعمال هذه الكلمة لما يطلق عليه الآن (علم الكيمياء) و قد أكثر من استعمالها العرب الأوائل. و المراد بها اليوم هي الكيمياء القديمة.
22
و القبطي إلى العربى (1).
و يحكى ان ماسرجويه البصري (2) كان عالما في الطبّ، و كان في أيامه كتابه في الطبّ هو كنّاش (3) من أفضل الكنانيش، الفها اهرون ابن أعين (4) في اللغة السريانية، فنقلها ماسرجويه إلى العربية، و هى تحتوي على ثلاثين مقالة، و زاد عليها ماسرجويه مقالتين (5).
____________
(1) تجد ترجمة خالد و ما كان من امر الترجمة و النقل في أيّامه في اخبار الحكماء ص 289، و فهرست ابن النديم ص 338 و 497، و معجم الأدباء لياقوت ج 4 ص 165، و شرح لامية العرب للصفدي ج 1 ص 12، و وفيات الأعيان ج 1 ص 168، و خطط الشام لمحمّد كرد علي ج 4 ص 21، و تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج 1 ص 228، و عصر المأمون لرفاعي ج 1 ص 47 و ضحى الإسلام لاحمد امين ج 1 ص 270.
(2) هو من معاصر الخليفة الاموي مروان بن الحكم، و قد يكتب اسمه ما سرجيس.
(3) الكناش: بضم فتشديد- مجموعة كالدفتر تدرج فيها الشوارد و الفوائد. و الوارد في اللغة تأنيث هذا الاسم.
(4) قال ابن النديم في الفهرست ص 431 ط مصر: اهرون القص في صدر الدولة- اي الدولة الاموية- و عمل. كتابه بالسرياني، و نقله ما سرجيس إلخ
(5) طبقات الاطباء ج 1 ص 109 .. قال ابن النديم في الفهرست-
23
و لما تولّى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وجد هذه الكناش في خزائن الكتب بالشام، فحرضه ذلك على اخراجها إلى المسلمين للانتفاع بها، فاستخار اللّه في ذلك أربعين يوما ثمّ اخرجها إلى الناس، و بثها في أيديهم (1).
و ممن عرف بالفلسفة أيّام الامويين يحيى النحوي .. و كان أسقفا في الكنائس بمصر، و يعتقد مذهب النصارى اليعاقبة (2) ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث (3) و عاش إلى ان فتحت مصر على يد عمرو بن العاص فدخل إليه و أكرمه، و رأى له موضعا ... و عرف عنه انه فسر كتب أرسطو (4).
و منهم اصطفن الحرّاني الراهب .. كان بالموصل في عمر (5) يقال
____________
- ص 413: ماسرجيس من الاطباء. و كان ناقلا من السرياني إلى العربي و له من الكتب: كتاب قوى الاطعمة و منافعها و مضارها، كتاب قوى العقاقير و منافعها و مضارها.
(1) فجر الإسلام ج 1 ص 192، و تاريخ التمدن الإسلامي لزيدان ج 3 ص 135 ط الهلال نقلا عن تاريخ الحكماء المخطوط.
(2) انظر عن اليعاقبة الفصل لابن حزم ج 1 ص 49 ط الأولى.
(3) التثليث هو القول بان اللّه ثالث ثلاثة هم: الأب، و الابن و الروح القدس.
(4) فهرست ابن النديم ص 356.
(5) عمر: بضم فسكون- البيعة او الكنيسة.
24
له ميخاييل، و قد نقل لخالد بن يزيد كتاب الصنعة، ذكره ابن بختيشوع في كتابه، و قال عنه انه كان طبيبا (1).
و منهم يعقوب الرّهاوي السرياني، و قد ترجم كثيرا من كتب الالهيات اليونانية (2).
و منهم أبو العلاء سالم كاتب هشام بن عبد الملك. و قد نقل من رسائل أرسطو الى الاسكندر (3).
و أول كتاب ترجم من اليونانية إلى العربية- بقطع النظر عن كتب الكيمياء- هو على المحتمل كتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم (4) و قد فرغ من ترجمته في ذي القعدة سنة 125 ه (5).
____________
(1) اخبار الحكماء ص 42، و الفهرست ص 505، و عصر المأمون ج 1 ص 49، و طبقات الاطباء.
(2) فجر الإسلام ج 1 ص 156، و علم الفلك لكرلونلينو ص 279 ط روما.
(3) الوزراء و الكتاب للجهشياري ص 39- 40 ط الأولى، و فهرست ابن النديم ص 171.
(4) وجدت نسخة من هذا الكتاب في جملة من نيف و الف و ستمائة مجلد عربية خطّ يد، اقتنتها في شهر نوفمبر عام 1909 م الامبرسيانيه في ميلانو من مدن ايطاليا.
(5) علم الفلك لكرلونلينو ص 142- 143.
25
و هكذا تبين لنا ان الثقافة اليونانية انتشرت في العصر الاموي في كثير من الحواضر العربية، كالشام و الاسكندرية و العراق، و امتزج العلماء السريانيون بالولاة الحاكمين من الامويين، فكان لذلك اثر كبير في تزاوج عقول المسلمين، و تفتحها على آفاق- تكاد تكون بعيدة- من المعرفة و العلم .. و من يرجع إلى فهرست ابن النديم، و إلى الكتب التاريخية الأخرى، و يتصفح ما فيها من أسماء المؤلّفات المترجمة من السريانية و اليونانية، يجد ان لرجال الدولة الاموية قسطا وفيرا في امتداد العقل العربى، و اتصاله بالعقول المثقفة الأخرى.
و ما كان تمضي على سقوط الدولة الاموية في الشام ثمانون سنة، إلّا و كان بين يدي العرب مترجمات من كثير ممّا كتب ارسطو، و تعليقات الذين اشتهروا من رجال «الافلاطونية الجديدة» و قسم من كتب أفلاطون، و الجزء الأكبر من كتب جالينوس، و أجزاء أخر نقلت عن كتب الاطباء، و طائفة غيرها من كتب اليونانيين و كتب الهند و فارس (1).
و يقسم المؤرخون أدوار الترجمة في العهد العباسيّ إلى ثلاثة أقسام، يهمنا هنا ذكر اولها، و هو يبتدأ من خلافة المنصور، و ينتهى بعهد هارون الرشيد أي من عام 136 ه إلى عام 193 ه.
و في هذا الدور ترجم كتاب كليلة و دمنة (2) من الفارسية،
____________
(1) تاريخ الفكر العربي لإسماعيل مظهر ص 27- 28.
(2) ترجمه ابن المقفع، انظر الكلام عن الكتاب- ضحى الإسلام لأحمد أمين ج 1 ص 216- 222 ط الثانية.
26
و السند هند (1) من الهندية، و ترجمت باقة من كتب ارسطو في المنطق، و ترجم أيضا كتاب المجسطي في الفلك (2).
و كان المنصور الدوانيقي اول من اهتم من خلفاء العباسيين بالنقل و الترجمة، و كان جلّ اهتمامه بالنجوم و الطبّ. و قد رغّب نقلة العلم في ذلك
____________
(1) في الكلام عن صيغة هذه اللفظة و اصلها راجع كتاب علم الفلك للسنيور كرلونلينو ص 150- 151 و قد نقل الأب انستاس الكرملي في مقال له نشر في مجلة المعلم الجديد جزء 3 سنة 4 هامش ص 257 جميع ما حققه السنيور نلينو، و لم يعزوه إلى مصدره، و هذا عمل يخالف ما تقتضيه الأمانة التأريخية، و يدعو إليه الضمير العلمي.
(2) ضحى الإسلام ج 1 ص 264- و كتاب المجسطي لبطليموس هو الذي عرفنا بتطبيق البراهين على بيان الحركات السماوية، و وضح كيفية الارصاد، إلى غير هذا من البحوث التي جعلت الكتاب أشرف و أحسن ما صنف في علم الفلك حتّى ذلك الزمن .. و الظاهر ان كتاب المجسطي قد ترجم إلى العربية في الزمن الأول ثلاث مرّات، فالاولى ترجمة ثابت بن قرة، و الثانية ترجمة قسطا بن لوقا البعلبكي، و الثالثة ترجمة حنين بن إسحاق العبادي .. ثم ترجم بعد ذلك عدة مرّات، حتى وقع في الترجمات شيء كثير من الاختلاف و اللبس، فانبرى الى تنقيح الكتاب العلامة الخواجة نصير الدين الطوسيّ و طبع كتابه بعنوان- تحرير المجسطي- ثمّ جاء العالم الفاضل عبد العلي بن محمّد بن الحسين فشرح التحرير و شرحه مخطوط محفوظ في خزانة معالي السيّد صادق كمونة.
27
بالبذل الكثير، و جعل لبعضهم رواتب و جواريا، و بالغ في إكرام النقلة و محاسنتهم، و أكثرهم كان من السريان النساطرة، لانهم اقدر من غيرهم على الترجمة من اليونانية. و أكثرهم اطلاعا على كتب الفلسفة و العلم اليونانى اشهرهم آل بختيشوع سلالة جورجيس بن بختيشوع السريانى النسطورى طبيب المنصور، و منهم من نقل من الفارسية إلى العربية، كابن المقفع و آل نوبخت (1)، و ترجم ابن المقفع كتب ارسطو المنطقية الثلاثة التي في صورة المنطق (2) .. و قبل انتهاء القرن الثاني نقل من اليونانية كتاب الاسرار لمؤلّف مجهول الاسم (3).
و تطرق الى ما في العصر العباسيّ الأول من العلوم المؤرخ المسعوديّ (4) فانه قال:- ان ذلك العصر كان خصيبا في الترجمة و الانتاج الادبى، فنقل فيه عدة مقالات عن ارسطو، و كتاب المجسطي لبطليموس في الفلك، و كتاب اقليدس في الهندسة، و مواد اخرى عن اليونانية-.
و بعد فان الدكتور مصطفى جواد يرد نفسه بنفسه، و ذلك في كتاب- تاريخ العرب- الذي اشترك في تأليفه هو و جماعة من إخوانه الفضلاء فجاء في الكتاب المذكور ص 26 ط العاني في الكلام عن سيرة العرب قبل الإسلام- .. و كان للعرب ثقافة تمثل نتيجة ما افادوه من
____________
(1) تأريخ آداب اللغة العربية ج 2 ص 32.
(2) طبقات الأمم لصاعد الاندلسى ص 77 ط السعادة.
(3) علم الفلك لكرلونلينو ص 219.
(4) في كتابه مروج الذهب ج 8 ص 191- 192 ط ليبزج.
33
ان هذه المقارنة تعطينا نظرة اجمالية عما بين أسلوب الجاحظ و الصادق من التنافر و البعد، فان الجاحظ في مثل هذه الموضوعات يبدو حريصا على تجميل الكلام و تنميق الأسلوب، و طالما نراه يستعمل الحذلقة و التظرف في المناقشة مع شيء غير قليل من التماجن و الدعابة و السخرية.
أما الإمام الصّادق فانه مسترسل في كلامه كل الترسل، سمح في عبارته كل السماحة.
ثمّ ان في كتاب التوحيد تناسق في البحوث، و وحدة موضوعية منعدمة في مؤلّفات الجاحظ، لان الجاحظ يتبع طريقة الاستطراد و يبتعد كثيرا عن صلب الموضوع.
و لو كان كتاب التوحيد للجاحظ حقا، لأودع فيه شيئا من آرائه الخاصّة في الاعتزال، او آراء بعض أئمة المعتزلة، و ما لهم من عقائد في باب الحكمة و التدبير في الخلق، كما هو شأنه في بحوثه الكلامية ...
و بعكس ذلك نرى روح التشيع متجلية ظاهرة في كتاب التوحيد، و ان سهولة عبارته اقرب ما تكون ميلا إلى أسلوب الإمام الصّادق و الأفكار التي كان يمليها على المآت من تلاميذه و أصحابه.
و الجاحظ كان يتناول الأفكار بروح يبدو انه خال من حرارة الايمان، و انه يأتي الفن بقصد العبث و التلاعب، و اظهار المقدرة البيانية، و هي روح تقصيه عن مكان الكاتب ذي الرسالة السامية، و الذي يقول و يعنى ما يقول، ثمّ يؤمن بما يقول، لذلك لا يحس قارئ الجاحظ إلّا بالنشوة تخامره، و باللذة تساوره، و بالاعجاب بقدرة هذا
29
الكبيرة، و عن طريق معرفته باللغة اليونانية اتصل بآدابها و علومها، و اثبت عددا من أسماء اليونانيين و كلماتهم في كتاب «توحيد المفضل» و لا يفوتنا أن نشير إلى ان للشيعة الإماميّة رأيا خاصا في أئمتهم، و يذهبون في علمهم مذهبا لا يخضع لما يقرره الدكتور مصطفى جواد، من لزوم انتشار العلم بين الناس، حتى يتسنى للامام أن يحصله على يد أساتذة علماء، ثمّ يمليه على تلاميذه و طلابه (1) ... و الامام يجب أن يكون- على رأي الإماميّة- عالما بكل شيء، و اعلم الناس في علم و في لسان و في لغة (2) و ان الامام مرجع العالم في كل شيء، و يجوز ان يسألوه عن كل شيء، فيجب أن يكون عنده علم كل شيء (3).
[حول الكتاب]
7- كتاب توحيد المفضل:
كان الباعث للإمام الصّادق على وضع كتاب التوحيد: ان المفضل كان جالسا ذات يوم في روضة القبر النبوي فإذا هو بجماعة من الزنادقة
____________
- و النبطي و الحبشي و الصقلبي (البحار مج 11 ص 95- 96. و بصائر الدرجات ج 7 الباب 11).
(1) راجع مقال السيّد محمّد حسين الصافي المنشور في مجلة الغريّ العدد 2- 3 السنة 11.
(2) كتاب الصادق للشيخ محمّد حسين المظفر ج 1 ص 212.
(3) الشيعة و الإمامة للمظفر ص 20 ط الغري.
30
فيهم عبد الكريم بن أبي العوجاء (1) فيدور الحديث بينهم في قضايا الحادية عنيفة، تثور لها ثائرة الايمان في قلب المفضل، و يتوجه- بعد نقاش حاد جرى بينه و بين ابن أبي العوجاء- الى دار الإمام الصّادق ليخبره بجلية الأمر. فما عتم الصادق ان أملى عليه كتاب التوحيد الذي ينتظم من أربعة مجالس في أربعة أيام، من الغدوة إلى الزوال.
و هذا الذي بين ايدينا من كتاب التوحيد له تتمة او جزء ثان، لأن الامام وعد المفضل ان يملي عليه حديثا آخر عن علم ملكوت السماوات و الأرض و ما خلق اللّه بينهما إلخ. و قد رأينا هذا الجزء الثاني من التوحيد مطبوعا بتمامه في «تباشير الحكمة»- فارسي طبع بايران سنة 1319 ه- تأليف السيّد ميرزا أبى القاسم الذهبي الشيرازي المتوفّى سنة 1286 ه. و لم يمكنا الوقت الضيق من درس هذا الجزء و الوقوف على ابحاثه بشكل دقيق و لم يغفل العلماء و الفضلاء عن مراجعة كتاب التوحيد، و الارتشاف من منهل علم الامام، و قد تطرق إلى ذكره جماعة من اولئك العلماء و الفضلاء نذكر منهم:
1- أبو العباس أحمد بن علي النجاشيّ المتوفى عام 450 ه في رجاله ص 296 ط بمبي.
____________
(1) انظر احواله و آراءه في كتاب الاحتجاج للطبرسيّ ص 180 و 181 ط ايران و تاريخ الطبريّ ج 3 ص 375 و ما بعدها ط ليدن و فهرست ابن النديم ص 338، و الفرق بين الفرق للبغدادي ص 255 ط محمّد بدر، و دائرة المعارف الإسلامية مج 1 ص 81، و أمالي المرتضى ج 1.
31
2- رضيّ الدين عليّ بن طاوس المتوفى عام 664 ه في كتابه الأمان من اخطار الاسفار و الازمان ص 78 ط الحيدريّة في النجف و في كتابه الآخر كشف الحجة ص 9 ط الحيدريّة في النجف.
3- محمّد تقيّ المجلسي المتوفى عام 1070 ه في كتاب شرح المشيخة- مخطوط- و قد شرحه باللغة الفارسية.
4- محمّد باقر المجلسيّ المتوفى عام 1110 ه في كتابه بحار الأنوار ج 2 ص 17- 18.
و طبع كتاب التوحيد نحو سبع مرّات، منها طبعة مصر على الحجر و طبعة النفاسة باستنبول و الجوائب المصرية و طهران و الهند و الآداب ببغداد، و الحيدريّة بالنجف، و كانت مظنته في الطبعة الأخيرة كتاب (بحار الأنوار) و قوبلت بنسخة خطية من كتاب التوحيد هي ملك الصديق الأستاذ الخطيب السيّد عبد الامير الاعرجي كتبت في 14 جمادى الأولى عام 1268 ه.
8- مقارنة بين توحيد المفضل و أسلوب الجاحظ:
ما كان الوهم ليختلج في ذهن الدكتور مصطفى جواد عن توحيد المفضل، لو لا ان محمّد راغب الطباخ قد طبع التوحيد منسوبا إلى الجاحظ بالمطبعة العلمية بحلب في 29 شعبان سنة 1346 ه- 1928 م تحت عنوان (الدلائل و الاعتبار على الخلق و التدبير) .. و ما ان رأى الدكتور هذه
32
النسخة حتّى راح يعتقد ان كتاب التوحيد من تأليف الجاحظ حقا و حقيقة مع انه سبق ان ذكرنا انه طبع في مختلف مطابع العالم الإسلامي و في شتّى أنحائه منذ نيف و مائة و خمسين عاما، و لو لم يكن مشهورا و معروفا عند اهل النظر و العلم في الهند و مصر و تركيا و ايران و العراق لما قاموا بطبعه و صححوا لسبته إلى الإمام الصّادق (عليه السلام).
و نحن إذا أجلنا الطرف بين صفحات كتاب التوحيد، و استقرينا جميع ما فيه من بحوث و مسائل، و قارناها بكتابات الجاحظ، و تمعنا في كل ذلك تمعنا بسيطا، لرأينا البون شاسعا بينهما، و الفرق كبيرا ظاهرا لكل ذي بصيرة .. و للتثبت من ذلك و الاستدلال عليه نحيل القارئ الى ما كتبه الجاحظ في صدد الكلام عن مشفر الفيل و خرطومه (1) و ما كتبه الإمام الصّادق في الموضوع نفسه (2) و قارن أيضا بين ما قاله الجاحظ عن النحل (3) و ما خاطب به الصادق المفضل في البحث ذاته (4)، و قارن مرة ثالثة بين ما ذكره الجاحظ في وصف العنكبوت (5) و ما وصف به الصادق طبائع هذا الحيوان العجيب (6).
____________
(1) كتاب الحيوان للجاحظ ج 7 ص 38 ط السعادة بمصر.
(2) راجع توحيد المفضل ص 41.
(3) كتاب الحيوان ج 5 ص 116.
(4) توحيد المفضل ص 52- 53.
(5) كتاب الحيوان ج 5 ص 124.
(6) توحيد المفضل ص 47.
28
الأمم، فكانوا يعرفون اخبار الأمم، كما كانوا يعرفون شيئا من السير و التاريخ و القصص و الاساطير. و كان منهم من يعرف اللغات الأجنبية الآرامية و الفارسية و الرومية، و عددهم قليل ..- ثم يتطرق الدكتور ناعته في ص 162- 163 الى حديث الترجمة في العصر الأموى، انقل من الكتب الطبيعية و الكيماوية.
و هكذا يظهر لما واضحا جليا ان حركة الترجمة و النقل كانت تسبق عهد الإمام الصّادق، بل ان العرب كانوا على علم تام بالثقافة اليونانية في زمانه و الامام عاصر تلك النهضة العلمية في عصر المنصور، و كان له في؟؟؟ دفتها نصيب كبير، حتى قال عنه السيّد امير علي (1):- .. و لا يفوتنا ان نشير الى ان الذي تزعم تلك الحركة هو حفيد عليّ بن أبي طالب المسمى بالامام جعفر و الملقب بالصادق، و هو رجل رحب افق التفكير بعيد اغوار العقل ملم، كل الالمام بعلوم عصره، و يعتبر في الواقع أنه أول من اسس المدارس المشهورة في الإسلام-.
يضاف الى ذلك انه ورد في اخبار الإمام الصّادق ما يدلّ على اطلاعه الوافر على جملة من اللغات الأجنبية (2) فلا نستبعد معرفته باللغة اليونانية، و العقل لا يمنع ذلك على مثل الصادق و ما له من المنزلة الثقافية
____________
(1) في كتابه- مختصر تاريخ العرب و التمدن الإسلامي- ص 179 لجنة التأليف و الترجمة و النشر بمصر.
(2) انظر في ذلك ما رواه عمّار الساباطي عن معرفة الصادق القبطية، و ما رواه أبان بن تغلب عن الإمام الصادق باللسان الفارسيّ-
34
الفنان، ان اخرج من الحق باطلا، و من الباطل حقا. لكنه مع هذا يعجز ان يحمل القارئ على الايمان بما يرى، و التصديق لما يقول (1) و الجاحظ إذا اخضع مختلف المواضيع لاسلوبه، لم يخضع بينها الفلسفة بحدودها و مصطلحاتها و تعاريفها و انما تناولها تناول أديب يتفلسف (2)
و كتاب التوحيد و ان لم يكن موضوعه فلسفيا، فهو من النتائج الفلسفية البعيدة الاغوار التي لا ينتهى إليها إلّا من أوتي حظا عظيما من الفهم و الدراية بشئون هذا الخلق، و أحوال هذا العالم، مما هو داخل في حظيرة علم المعقول .. و الجاحظ ليس اهلا لخوض مثل موضوع كتاب التوحيد و الوقوف عند أمثاله موقف العاجم لعوده، الغائص في اغواره الكاشف عن مبهماته، العارف باصوله و فروعه.
9- مقارنة أخرى بين توحيد المفضل و أخبار الصادق:
و لقد جاء في أخبار الإمام الصّادق- المروية في الموسوعات الكبيرة و المثبتة في أمّهات الكتب- الكثير ممّا يشابه المسائل العلمية التي تضمنها توحيد المفضل، و يقارب ما احتوى عليه من موضوعات في الطبيعة ..
من ذلك ما أثبته المجلسي (3) في حديث رواه سالم الضرير في ان نصرانيا سأل الصادق عن تفصيل الجسم، و جواب الامام له جوابا لا يعدو المراد
____________
(1، 2) أبو حيان التوحيدى لعبد الرزاق محي الدين ص 350 ط السعادة.
(3) راجع بحار الأنوار مج 11 ص 128.
35
منه ما حدث به المفضل في موضوع أعضاء البدن و فوائد كل منها (1) و مثل ذلك ما سأل به أبو حنيفة الإمام الصّادق عن الشمس و القمر و حديث هشام الخفاف، و توجيه الصادق إليه بعض الأسئلة في حركات النجوم، و عجزه عن الجواب، ثمّ تفصيله هو الجواب عما سأل به (2) و هذا كله مشابه كل الشبه لما تكلم به الصادق مع المفضل في المجلس الثالث (3) بل لا يعدو أن تكون المضامين متفقة اتفاقا يدلّ دلالة قوية على ان البحثين قد صدرا من فيض علم رجل واحد.
أما كتاب الاحتجاج للطبرسيّ 180- 206 ط النجف فتجد فيه كثيرا من أحاديث الإمام الصّادق، و احتجاجاته الجمة مع كثير من زنادقة عصره، و أنت تستطيع ان ترى شدة المشابهة بين تلك الاحتجاجات و بين أكثر المواضيع التي طرقها الامام في كتاب التوحيد.
10- الاسماعيلية و كتاب التوحيد:
كان الاسماعيليون في المرحلة الأولى من دعوتهم الثورية العقائدية قد تبنوا مكافحة الالحاد، و القيام بصد الموجة الطاغية التي اجتاحت الفكر الإسلامي من جماعة الشكاكين و الملحدين الذين كانوا يذهبون إلى انكار القوّة الخالقة و بعث الرسل، و أمثال ذلك من الأمور التي تتصل بالغيبيات و الالهيات.
____________
(1) توحيد المفضل ص 11 ط الحيدريّة.
(2) انظر البحار مج 11 ص 127 و ص 130.
(3) توحيد المفضل ص 55 و ص 56.
36
و قد ابتدأت هذه الحركة من جانب الاسماعيليين منذ ان وضعت الرسائل الرمزية بالاسم الموهوم جابر بن حيان في أوائل القرن الرابع للهجرة، و امتدت إلى عهد داعي دعاتهم الأول ذي العقل الموسوعي (الانسكلوبيدي) مؤيد الدين الشيرازي (1) و مجالسه المؤيدية المعروفة صورة واضحة تمثل لنا الحرب العوان التي شنها الاسماعيليون على الإلحاد و الملحدين و التشكيك و الشكاكين.
و الذي يظهر لدينا ان الاسماعيليين قد ظفروا بكتاب التوحيد، فوجدوا فيه ضالتهم المنشودة و املهم المرجو، فكتبوا منه عدة مئات من النسخ، و بثوه بين جماعاتهم و عمموه على انصارهم، للدرس عليه و الأخذ منه
و يظهر لدينا مرة اخرى بان واحدا من اولئك الدعاة الاسماعيليين المثقفين قد قرأ كتاب التوحيد، و سحره كثيرا، حتى لقد بدا له ان يغشيه ثوبا اسماعيليا خاصا، فكتب له مقدّمة قصيرة حشاها ببعض المصطلحات الاسماعيلية و أضاف له الآراء العامّة التي يعتقدها أصحاب هذه الفرقة .. فعل ذلك من اجل الدعوة إلى مذهبه، و اشاعته في أكثر عدد ممكن من الناس.
____________
(1) المؤيد في الدين هبة اللّه بن أبي عمران الشيرازي الاسماعيلي، داعي الدعاة في عصر الخليفة المستنصر باللّه الفاطمي، ولد في شيراز و تنقل في أكثر المناطق الإسلامية، حتى سكن مصر و توفي بها عام 470 ه اما مجالسه التي أشرنا إليها فقد عثر الدكتور حسين الهمداني على ثمانية مجلدات منها و هي تشتمل على 800 مجلس و كل مجلس عبارة عن محاضرة كان يلقيها مؤيد الدين في دار العلم بالقاهرة.
37
و نحن نستطيع ان نتعرف على هذه الزيادات التي اضافها الاسماعيليون على أصل كتاب التوحيد، كالذي جاء في مقدّمة المجلس الرابع من كلمات مثل هذه (صاحب السر المستور (1) و الغيب المحظور).
بل ان الشك ليساورنا في المجلس الرابع كله ... فالذي نخاله ان هذا المجلس كله من وضع الاسماعيليين، فهو لا ينسجم مع مجالس الكتاب الأولى من جهة، و ما فيه من آراء لم تعرف عن الإمام الصّادق من جهة أخرى، مع ملاحظة ان موضوعات هذا المجلس متأثرة بفلسفة فيثاغورس العددية التي كان ينهل من نميرها الاسماعيليون، بينما الشيعة الاثنى عشرية يواكبون المشائين و الرواقيين و الاشراقيين.
أما المقدّمة التي أضافها أحد الاسماعيليين فتجد فيها مثل هذه الكلمات (امام عصرنا المقيم دعوة الحق بالمطلقين الدعاة) و كذلك هذه الكلمات:
(أيد اللّه داعي هذا الوقت بالمواد اللطيفة و البركات) و مثل هذه المقدّمة و تلك الكلمات تبدو لنا دخيلة على كتاب التوحيد، و لا صلة لها بصلب البحث الذي تدور حوله موضوعات الكتاب.
و لما رجعنا إلى النسخة الخطية من كتاب التوحيد التي يقتنيها الأخ الأستاذ الاعرجي، وجدناها خالية من المقدّمة الاسماعيلية، و كذلك لم نجدها في كتاب بحار الأنوار، فاقتضى التنبيه على ذلك.
النجف الأشرف 10/ 7/ 1950 كاظم المظفر
____________
(1) يقول مؤيد الدين الشيرازي عن نفسه كما في ديوانه المخطوط:
رضيت التستر لي مذهبا-- و ما أبتغي عنه من معدل
[مقدمة أحد الإسماعيليين]
38
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
قلنا فيما سبق ان هذه المقدّمة ليست لها أية صلة بالكتاب، و انما وضعها أحد الاسماعيليين في عصر متأخر عن الإمام الصّادق (عليه السلام).
الحمد اللّه الذي اوجد الموجودات، و جعل فيها دلائل ربوبيته واضحات شاهدات، و صلّى اللّه تعالى على محمّد رسوله إلى كافة الناس بالبينات الجالية القلوب الى الإقرار بالباري، و للجاحدين رادعات صادات، و على الأئمة من ذريته سادة الخلق و لهم إلى ذي الحق هداة، و على امام عصرنا المقيم دعوة الحق بالمطلقين الدعاة، و ايد اللّه داعي هذا الوقت بالمواد اللطيفة و البركات.
(أما بعد): فهذا كتاب يشتمل على حكمة الباري جل و علا في خلق العالم و مواليده، الذي يسكن إليه المؤمنون. و يتحير فيه الملحدون لما فيه من صواب القول و سديده، الذي ذكره الصادق (عليه السلام) للمفضل و هو مقطوع اول ورقة منه و الموجود ما يليه هذا و هو نصه و شرحه:
39
[مقدمة الكتاب]
كلام ابن أبي العوجاء مع صاحبه
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ (1) قَالَ حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ (2) قَالَ كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ جَالِساً فِي الرَّوْضَةِ بَيْنَ الْقَبْرِ وَ الْمِنْبَرِ وَ أَنَا مُفَكِّرٌ فِيمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً ص مِنَ الشَّرَفِ
____________
(1) هو أبو جعفر الزاهري. ذكر الكشّيّ في شأنه ما يدلّ على مدح عظيم و على قدح ايضا، و ذكر انه روي عنه جماعة من العدو و الثقاة من أهل العلم و الإنصاف، و جميع الروايات المجرحة له واهية ساقطة، فقد أشار الكثير إلى قوته و الذب عنه، و تفنيد ما قيل فيه من الضعف. و ان اجتماع الأعيان على الرواية عنه ادل شيء على كمال قوته عده الشيخ المفيد من خاصّة الإمام الكاظم و ثقاته و أهل الورع و العلم و الفقه من شيعته كما عده الشيخ في الغيبة من الوكلاء المرضيين الذين لم يغيروا و لم يبدلوا، بل مضوا على منهاج الأئمّة، و في الخلاصة كان مكفوف البصر اعمى توفى عام 220 ه.
(2) مضت ترجمة المفضل بصورة مفصلة في المقدّمة.
40
وَ الْفَضَائِلِ وَ مَا مَنَحَهُ وَ أَعْطَاهُ وَ شَرَّفَهُ وَ حَبَاهُ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأُمَّةِ وَ مَا جَهِلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَ خَطِيرِ مَرْتَبَتِهِ فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ فَجَلَسَ بِحَيْثُ أَسْمَعُ كَلَامَهُ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَجْلِسُ إِذْ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَتَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ (1) فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ الْعِزَّ بِكَمَالِهِ وَ حَازَ الشَّرَفَ بِجَمِيعِ خِصَالِهِ وَ نَالَ الْحُظْوَةَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفاً ادَّعَى الْمَرْتَبَةَ الْعُظْمَى وَ الْمَنْزِلَةَ الْكُبْرَى وَ أَتَى عَلَى ذَلِكَ بِمُعْجِزَاتٍ بَهَرَتِ الْعُقُولَ وَ ضَلَّتْ فِيهَا الْأَحْلَامُ وَ غَاصَتِ الْأَلْبَابُ عَلَى طَلَبِ عِلْمِهَا
____________
(1) هو عبد الكريم بن أبي العوجاء ربيب حماد بن سلمة على ما يقول ابن الجوزي و من تلامذة الحسن البصري، و ذكر البغداديّ انه كان ما نويا يؤمن بالتناسخ و يميل إلى مذهب الرافضة (!) و يقول بالقدر، و يتخذ من شرح سيرة مانى وسيلة للدعوة، و تشكيك الناس في عقائدهم، و يتحدث في التعديل و التجوير على ما يذكر البيرونى. و من هنا يتبين ان ابن أبي العوجاء هذا كان زنديقا مشهورا بذلك و له مواقف حاسمة مع الإمام الصّادق، أفحمه الامام في كل مرة منها، سجنه والي الكوفة محمّد بن سليمان ثمّ قتله في أيّام المنصور عام 155 ه، و قيل عام 160 ه في أيّام المهدى تجد ذكره في تاريخ الطبريّ ج 3 ص 375 ط ليدن، و فهرست ابن النديم ص 338، و الفرق بين الفرق ص 255 ط محمّد بدر، و دائرة المعارف الإسلامية مج 1 ص 81، و احتجاج الطبرسيّ ص 182 و 183 ط النجف، و ما للهند من مقولة ص 123.
41
فِي بِحَارِ الْفِكْرِ فَرَجَعَتْ خَاسِئَاتٌ وَ هِيَ حُسَّرٌ فَلَمَّا اسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ الْعُقَلَاءُ وَ الْفُصَحَاءُ وَ الْخُطَبَاءُ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً فَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِ نَامُوسِهِ (1) فَصَارَ يَهْتِفُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَوَامِعِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْهَا دَعْوَتُهُ وَ عَلَتْهَا كَلِمَتُهُ وَ ظَهَرَتْ فِيهَا حُجَّتُهُ بَرّاً وَ بَحْراً سَهْلًا وَ جَبَلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ مُرَدِّداً فِي الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ لِيَتَجَدَّدَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ذِكْرُهُ وَ لِئَلَّا يُخْمَلَ أَمْرُهُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ دَعْ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ص فَقَدْ تَحَيَّرَ فِيهِ عَقْلِي وَ ضَلَّ فِي أَمْرِهِ فِكْرِي وَ حَدِّثْنَا فِي ذِكْرِ الْأَصْلِ الَّذِي نَمْشِي لَهُ ثُمَّ ذَكَرَ ابْتِدَاءً الْأَشْيَاءَ وَ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِإِهْمَالٍ لَا صَنْعَةَ فِيهِ وَ لَا تَقْدِيرَ وَ لَا صَانِعَ وَ لَا مُدَبِّرَ بَلِ الْأَشْيَاءُ تَتَكَوَّنُ مِنْ ذَاتِهَا بِلَا مُدَبِّرٍ وَ عَلَى هَذَا كَانَتِ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ وَ لَا تَزَالُ
محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي غَضَباً وَ غَيْظاً وَ حَنَقاً فَقُلْتُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَلْحَدْتَ فِي دِينِ اللَّهِ وَ أَنْكَرْتَ الْبَارِيَ جَلَّ قُدْسُهُ الَّذِي خَلَقَكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَ صَوَّرَكَ فِي أَتَمِّ صُورَةٍ وَ نَقَلَكَ فِي أَحْوَالِكَ حَتَّى بَلَغَ إِلَى حَيْثُ انْتَهَيْتَ فَلَوْ تَفَكَّرْتَ فِي نَفْسِكَ وَ صَدَقَكَ (2) لَطِيفُ حِسِّكَ لَوَجَدْتَ دَلَائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ وَ آثَارَ الصَّنْعَةِ فِيكَ قَائِمَةً وَ شَوَاهِدَهُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ فِي خَلْقِكَ
____________
(1) الناموس: الشريعة.
(2) صدقك: اي قال لك صدقا.
42
وَاضِحَةً وَ بَرَاهِينَهُ لَكَ لَائِحَةً فَقَالَ يَا هَذَا إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَلَّمْنَاكَ فَإِنْ ثَبَتَتْ لَكَ حُجَّةٌ تَبِعْنَاكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ فَلَا كَلَامَ لَكَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فَمَا هَكَذَا تُخَاطِبُنَا وَ لَا بِمِثْلِ دَلِيلِكَ تُجَادِلُ فِينَا وَ لَقَدْ سَمِعَ مِنْ كَلَامِنَا أَكْثَرَ مِمَّا سَمِعْتَ فَمَا أَفْحَشَ فِي خِطَابِنَا وَ لَا تَعَدَّى فِي جَوَابِنَا وَ إِنَّهُ الْحَلِيمُ الرَّزِينُ الْعَاقِلُ الرَّصِينُ لَا يَعْتَرِيهِ خُرْقٌ (1) وَ لَا طَيْشٌ وَ لَا نَزَقٌ (2) يَسْمَعُ كَلَامَنَا وَ يُصْغِي إِلَيْنَا وَ يَتَعَرَّفُ حُجَّتَنَا حَتَّى إِذَا اسْتَفْرَغْنَا (3) مَا عِنْدَنَا وَ ظَنَنَّا أَنَّا قَطَعْنَاهُ دَحَضَ حُجَّتَنَا بِكَلَامٍ يَسِيرٍ وَ خِطَابٍ قَصِيرٍ يُلْزِمُنَا بِهِ الْحُجَّةَ وَ يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَ لَا نَسْتَطِيعُ لِجَوَابِهِ رَدّاً فَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَخَاطِبْنَا بِمِثْلِ خِطَابِهِ
سبب إملاء الكتاب على المفضل
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ مَحْزُوناً مُفَكِّراً فِيمَا بُلِيَ بِهِ الْإِسْلَامُ وَ أَهْلُهُ مِنْ كُفْرِ هَذِهِ الْعِصَابَةِ وَ تَعْطِيلِهَا (4) فَدَخَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ (ع) فَرَآنِي مُنْكَسِراً فَقَالَ مَا لَكَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنَ الدَّهْرِيَّيْنِ (5) وَ بِمَا
____________
(1) الخرق: ضعف الرأي و سوء التصرف و الحمق.
(2) النزق: هو الطيش و الخفة عند الغضب.
(3) لعله من الافراغ بمعنى الصب. يقال: استفرغ مجهوده، أي بذل طاقته
(4) التعطيل: مصدر، و في الاصطلاح الديني هو انكار صفات الخالق الباري، و المعطلة: هم أصحاب مذهب التعطيل.
(5) واحده الدهري، و هو الملحد الذي يزعم بان العالم موجود ازلا و ابدا.
43
رَدَدْتُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ لَأُلْقِيَنَّ عَلَيْكَ مِنْ حِكْمَةِ الْبَارِي جَلَّ وَ عَلَا وَ تَقَدَّسَ اسْمُهُ فِي خَلْقِ الْعَالَمِ وَ السِّبَاعِ وَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ وَ الْهَوَامِّ وَ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنَ الْأَنْعَامِ وَ النَّبَاتِ (1) وَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ وَ غَيْرِ ذَاتِ الثَّمَرِ وَ الْحُبُوبِ وَ الْبُقُولِ الْمَأْكُولِ مِنْ ذَلِكَ وَ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُعْتَبِرُونَ وَ يَسْكُنُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ الْمُلْحِدُونَ فَبَكِّرْ عَلَيَّ غَداً
____________
(1) العطف التشريكي هنا يكشف عن رأي الإمام الصّادق في النبات و ان له روحا، و بعبارة اخرى ان لديه حسا و حركة. و لم تكتشف هذه النظرية العلمية إلّا في اواخر القرن الثامن عشر الميلادي، و اول من فاك بان في النبات حسا تشله السموم و تميته الكهربية هو «بيشا» العالم الفصيولوجي الفرنسي المتوفى عام 1802 م (عجائب الخلق لزيدان ص 193) و قد ثبتت هذه النظرية بوجود بعض الأزهار المتفتحة نهارا و المقفلة ليلا (ص 625 من كتاب التأريخ الطبيعي) و قام عالم هندي هو (السرجفادسبوز) بوضع آلة دقيقة تظهر بها حركات النبات، و ما يتأثر به من المؤثرات الخارجية، كالمنبهات و المخدرات، و انشأ هذا العالم معهدا كبيرا في (كلكتة) لدرس حركات النبات، و انفعاله بالحر و البرد و الظلمة و النور- فصول في التاريخ الطبيعي للدكتور يعقوب صروف ص 49- و قد أصبح من المشهور وجود بعض نباتات تفترس بعض الحشرات و الحيوانات الصغيرة، و توجد أيضا ازهار تضحك و اخرى تبكي- ص 1020 من السنة السادسة و الثلاثين لمجلة الهلاك- و امثلة ذلك النبتة المستحبة و ندى الشمس و اعجوبة القدر و الاباريق و مصيدة الذباب و اللقاح و غير هذه.-
45
عَنْ تَأَمُّلِ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ فِيمَا ذَرَأَ (1) الْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ وَ بَرَأَ (2) مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ السَّهْلِ وَ الْوَعْرِ فَخَرَجُوا بِقَصْرِ عُلُومِهِمْ إِلَى الْجُحُودِ وَ بِضَعْفِ بَصَائِرِهِمْ إِلَى التَّكْذِيبِ وَ الْعُنُودِ حَتَّى أَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَشْيَاءِ وَ ادَّعَوْا أَنَّ تَكَوُّنَهَا بِالْإِهْمَالِ لَا صَنْعَةَ فِيهَا وَ لَا تَقْدِيرَ وَ لَا حِكْمَةَ مِنْ مُدَبِّرٍ وَ لَا صَانِعٍ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُونَ وَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* (3) فَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ وَ غَيِّهِمْ وَ تَجَبُّرِهِمْ بِمَنْزِلَةِ عُمْيَانٍ دَخَلُوا دَاراً قَدْ بُنِيَتْ أَتْقَنَ بِنَاءٍ وَ أَحْسَنَهُ وَ فُرِشَتْ بِأَحْسَنِ الْفُرُشِ وَ أَفْخَرِهِ وَ أُعِدَّ فِيهَا ضُرُوبُ الْأَطْعِمَةِ وَ الْأَشْرِبَةِ وَ الْمَلَابِسِ وَ الْمَآرِبِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا وَ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا وَ وُضِعَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ عَلَى صَوَابٍ مِنَ التَّقْدِيرِ وَ حِكْمَةٍ مِنَ التَّدْبِيرِ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ فِيهَا يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ يَطُوفُونَ بُيُوتَهَا إِدْبَاراً وَ إِقْبَالًا مَحْجُوبَةً أَبْصَارُهُمْ عَنْهَا لَا يُبْصِرُونَ بُنْيَةَ الدَّارِ وَ مَا أُعِدَّ فِيهَا وَ رُبَّمَا عَثَرَ بَعْضُهُمْ بِالشَّيْءِ الَّذِي قَدْ وُضِعَ مَوْضِعُهُ وَ أُعِدَّ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَ هُوَ جَاهِلٌ لِلْمَعْنَى فِيهِ وَ لِمَا أُعِدَّ وَ لِمَا ذَا جُعِلَ كَذَلِكَ فَتَذَمَّرَ وَ تَسَخَّطَ وَ ذَمَّ الدَّارَ وَ بَانِيَهَا فَهَذِهِ حَالُ هَذَا الصِّنْفِ فِي إِنْكَارِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ أَمْرِ الْخِلْقَةِ وَ ثَبَاتِ الصَّنْعَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا عَزَبَتْ (4) أَذْهَانُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ وَ الْعِلَلِ فِي الْأَشْيَاءِ صَارُوا يَجُولُونَ فِي هَذَا الْعَالَمِ حَيَارَى فَلَا يَفْهَمُونَ
____________
(1) ذرأ اللّه الخلق: خلقهم.
(2) برأه: خلقه من العدم.
(3) أي ينصرفون عن الحق.
(4) أي غابت.
44
المجلس الأول
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَرِحاً مَسْرُوراً وَ طَالَتْ عَلَيَّ تِلْكَ اللَّيْلَةُ انْتِظَاراً لِمَا وَعَدَنِي بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ فَاسْتُوذِنَ لِي فَدَخَلْتُ وَ قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ ثُمَّ نَهَضَ إِلَى حُجْرَةٍ كَانَ يَخْلُو فِيهَا وَ نَهَضْتُ بِنُهُوضِهِ فَقَالَ اتْبَعْنِي فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ وَ دَخَلْتُ خَلْفَهُ فَجَلَسَ وَ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ كَأَنِّي بِكَ وَ قَدْ طَالَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ انْتِظَاراً لِمَا وَعَدْتُكَ فَقُلْتُ أَجَلْ يَا مَوْلَايَ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَ هُوَ بَاقٍ وَ لَا نِهَايَةَ لَهُ فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَنَا وَ الشُّكْرُ عَلَى مَا مَنَحَنَا فَقَدْ خَصَّنَا مِنَ الْعُلُومِ بِأَعْلَاهَا وَ مِنَ الْمَعَالِي بِأَسْنَاهَا وَ اصْطَفَانَا عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ بِعِلْمِهِ وَ جَعَلَنَا مُهَيْمِنِينَ (1) عَلَيْهِمْ بِحِكَمِهِ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَكْتُبَ مَا تَشْرَحُهُ وَ كُنْتُ أَعْدَدْتُ مَعِي مَا أَكْتُبُ فِيهِ فَقَالَ لِي افْعَلْ يَا مُفَضَّلُ
جهل الشكاك بأسباب الخلقة و معانيها
إِنَّ الشُّكَّاكَ جَهِلُوا الْأَسْبَابَ وَ الْمَعَانِيَ فِي الْخِلْقَةِ وَ قَصُرَتْ أَفْهَامُهُمْ
____________
- و في مقدمات كتابنا (في دنيا النبات) وضعنا فصلا طريفا عن طبائع النبات و حركاته، و منه اقتبسنا هذه الكلمات.
(1) جمع مهيمن، و هو الأمين و المؤتمن و الشاهد.
47
يُكْثِرَ حَمْدَ اللَّهِ مَوْلَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَ يَرْغَبَ إِلَيْهِ فِي الثَّبَاتِ عَلَيْهِ وَ الزِّيَادَةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ يَقُولُ- لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (1)
تهيئة العالم و تأليف أجزائه
يَا مُفَضَّلُ أَوَّلُ الْعِبَرِ وَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وَ تَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَ نَظْمُهَا (2) عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وَ خَبَرْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ وَ الْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ وَ النُّجُومُ مُضِيئَةٌ (3) كَالْمَصَابِيحِ وَ الْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ وَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ وَ الْإِنْسَانُ كَالْمَلِكِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَ الْمُخَوَّلِ (4) جَمِيعَ مَا فِيهِ وَ ضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ وَ صُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ وَ مَنَافِعِهِ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وَ حِكْمَةٍ وَ نِظَامٍ وَ مُلَائَمَةٍ وَ أَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ وَ هُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ وَ نَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ جَلَّ قُدْسُهُ وَ تَعَالَى جَدُّهُ وَ كَرُمَ وَجْهُهُ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ وَ جَلَّ وَ عَظُمَ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ الْمُلْحِدُونَ
____________
(1) سورة إبراهيم آية 7.
(2) الضمير راجع إلى الاجزاء.
(3) في نسخة منضودة اي جعل بعضها فوق بعض فهي منضودة.
(4) من التخويل و هو الاعطاء و التمليك.
46
مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْقَانِ خِلْقَتِهِ وَ حُسْنِ صَنَعْتِهِ وَ صَوَابِ هَيْئَتِهِ وَ رُبَّمَا وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْءِ يَجْهَلُ سَبَبَهُ وَ الْإِرْبَ (1) فِيهِ فَيُسْرِعُ إِلَى ذَمِّهِ وَ وَصْفِهِ بِالْإِحَالَةِ وَ الْخَطَإِ كَالَّذِي أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ الْمَنَانِيَّةُ (2) الْكَفَرَةُ وَ جَاهَرَتْ بِهِ الْمُلْحِدَةُ الْمَارِقَةُ الْفَجَرَةُ وَ أَشْبَاهُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ الْمُعَلِّلِينَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ (3) فَيَحِقُّ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَ هَدَاهُ لِدِينِهِ وَ وَفَّقَهُ لِتَأَمُّلِ التَّدْبِيرِ فِي صَنْعَةِ الْخَلَائِقِ وَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا خُلِقُوا لَهُ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ وَ صَوَابِ التَّقْدِيرِ بِالدَّلَالَةِ الْقَائِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صَانِعِهَا أَنْ
____________
(1) الارب:- بالفتح- المهارة او الحاجة.
(2) او المانوية: هم أصحاب الحكيم الفارسيّ مانى بن فاتك الذي ظهر في أيّام سابور «ثانى ملوك الدولة الساسانية» و مذهبة مزيج من المجوسية و النصرانية، و قد تبعه في معتقده خلق كثير، و بقى قسم كبير منهم في الدور العباسيّ الأول ثمّ تسربت آراؤه إلى أوربا و بقية الاقطار الاسيوية و مانى هذا كان راهبا بحران ولد حوالي عام 215 م و قتله بعدئذ بهرام بن هرمز. انظر في ذلك الملل و النحل للشهرستانى ج 2 ص 81 و مروج الذهب ج 1 ص 155، و الفهرست ص 456، و معرب الشاهنامه ج 2 ص 71، و الفرق بين الفرق ص 162 و 207، و الآثار الباقية للبيرونى ص 207، و تاريخ الفكر العربى لإسماعيل مظهر ص 39، و حرية الفكر لسلامة موسى ص 55.
(3) أي الشاغلين انفسهم عن طاعة ربهم بأمور يحكم العقل السليم باستحالتها.
48
خلق الإنسان و تدبير الجنين في الرحم
نَبْدَأُ يَا مُفَضَّلُ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَاعْتَبِرْ بِهِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ وَ هُوَ مَحْجُوبٌ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ وَ ظُلْمَةِ الرَّحِمِ وَ ظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ (1) حَيْثُ لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ فِي طَلَبِ غِذَاءٍ وَ لَا دَفْعِ أَذًى وَ لَا اسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ وَ لَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ مَا يَغْذُوهُ الْمَاءُ وَ النَّبَاتُ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ غِذَاؤُهُ
كيفية ولادة الجنين و غذائه و طلوع أسنانه و بلوغه
حَتَّى إِذَا كَمَلَ خَلْقُهُ وَ اسْتَحْكَمَ بَدَنُهُ وَ قَوِيَ أَدِيمُهُ (2) عَلَى مُبَاشَرَةِ الْهَوَاءِ وَ بَصَرُهُ عَلَى مُلَاقَاةِ الضِّيَاءِ هَاجَ الطَّلْقُ (3) بِأُمِّهِ فَأَزْعَجَهُ أَشَدَّ إِزْعَاجٍ وَ أَعْنَفَهُ حَتَّى يُولَدَ فَإِذَا وُلِدَ صَرَفَ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَغْذُوهُ مِنْ دَمِ أُمِّهِ إِلَى ثَدْيِهَا وَ انْقَلَبَ الطَّعْمُ وَ اللَّوْنُ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْغِذَاءِ وَ هُوَ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْمَوْلُودِ مِنَ الدَّمِ فَيُوَافِيهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَحِينَ يُولَدُ قَدْ تَلَمَّظَ (4) وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ طَلَباً لِلرِّضَاعِ فَهُوَ يَجِدُ ثَدْيَ أُمِّهِ كَالْإِدَاوَتَيْنِ (5) الْمُعَلَّقَتَيْنِ لِحَاجَتِهِ فَلَا يَزَالُ يَتَغَذَّى بِاللَّبَنِ مَا دَامَ رَطْبَ الْبَدَنِ رَقِيقَ الْأَمْعَاءِ لَيِّنَ الْأَعْضَاءِ-
____________
(1) المشيمة: غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة، جمعه مشيم و مشايم.
(2) الاديم: الجلد المدبوغ.
(3) الطلق «بسكون الثاني» وجع الولادة.
(4) تلمظ: إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه.
(5) الاداوة:- بكسر ففتح- إناء صغير من جلد يتخذ للماء، جمعه أداوى.
49
حَتَّى إِذَا يُحَرِّكُ وَ احْتَاجَ إِلَى غِذَاءٍ فِيهِ صَلَابَةٌ لِيَشْتَدَّ وَ يَقْوَى بَدَنُهُ طَلَعَتْ لَهُ الطَّوَاحِنُ مِنَ الْأَسْنَانِ وَ الْأَضْرَاسِ (1) لِيَمْضَغَ (2) بِهَا الطَّعَامَ فَيَلِينَ عَلَيْهِ وَ يَسْهُلَ لَهُ إِسَاغَتُهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ وَ كَانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الذَّكَرِ وَ عِزَّ الرَّجُلِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ جد [حَدِّ] الصَّبَا وَ شَبَهِ النِّسَاءِ وَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيّاً مِنَ الشَّعْرِ لِتَبْقَى لَهَا الْبَهْجَةُ وَ النَّضَارَةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الرَّجُلَ لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا يُدَبَّرُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ هَلْ تَرَى مِثْلَهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِهْمَالِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَجْرِ إِلَيْهِ ذَلِكَ الدَّمُ وَ هُوَ فِي الرَّحِمِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَذْوِي وَ يَجِفُّ كَمَا يَجِفُّ النَّبَاتُ إِذَا فَقَدَ الْمَاءَ وَ لَوْ لَمْ يُزْعِجْهُ الْمَخَاضُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي الرَّحِمِ كَالْمَوْءُودِ (3) فِي الْأَرْضِ وَ لَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ اللَّبَنُ مَعَ وِلَادَتِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَمُوتُ جُوعاً أَوْ يَغْتَذِي بِغِذَاءٍ لَا يُلَائِمُهُ وَ لَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُهُ وَ لَوْ لَمْ تَطْلُعْ لَهُ الْأَسْنَانُ فِي وَقْتِهَا أَ لَمْ يَكُنْ سَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَضْغُ الطَّعَامِ وَ إِسَاغَتُهُ أَوْ يُقِيمُهُ عَلَى الرَّضَاعِ فَلَا يَشْتَدُّ بَدَنُهُ وَ لَا يَصْلُحُ لِعَمَلٍ ثُمَّ كَانَ يَشْغَلُ أُمَّهُ بِنَفْسِهِ عَنْ تَرْبِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ
____________
(1) الطواحن: هي الأضراس، و تطلق الأضراس غالبا على المآخير و الأسنان على المقاديم، كما هو الظاهر هنا، و ان لم يفرق اللغويون بينهما.
(2) مضغ الطعام: لاكه بلسانه.
(3) و أد البنت: دفنها في التراب و هي حية، كما كان العرب يفعلون ذلك في العهد الجاهلي.
50
حال من لا ينبت في وجهه الشعر و علة ذلك
وَ لَوْ لَمْ يَخْرُجِ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فِي وَقْتِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي هَيْئَةِ الصِّبْيَانِ وَ النِّسَاءِ فَلَا تَرَى لَهُ جَلَالَةً وَ لَا وَقَاراً قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ لَهُ يَا مَوْلَايَ فَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ يَبْقَى عَلَى حَالَتِهِ وَ لَا يَنْبُتُ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ وَ إِنْ بَلَغَ الْكِبَرَ فَقَالَ (ع) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (1) فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَرْصُدُهُ (2) حَتَّى يُوَافِيَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَآرِبِ إِلَّا الَّذِي أَنْشَأَهُ خَلْقاً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ تَوَكَّلَ لَهُ بِمَصْلَحَتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فَإِنْ كَانَ الْإِهْمَالُ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا التَّدْبِيرِ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَمْدُ وَ التَّقْدِيرُ يَأْتِيَانِ بِالْخَطَإِ وَ الْمُحَالِ لِأَنَّهُمَا ضِدُّ الْإِهْمَالِ وَ هَذَا فَظِيعٌ مِنَ الْقَوْلِ وَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ لِأَنَّ الْإِهْمَالَ لَا يَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ التَّضَادَّ لَا يَأْتِي بِالنِّظَامِ (3) تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُونَ عُلُوّاً كَبِيراً
____________
(1) سورة آل عمران آية 182.
(2) يرصده: أي يرقبه.
(3) أي إذا لم تكن الأشياء منوطة باسبابها، و لم ترتبط الأمور بعللها، فكما جاز ان يحصل هذا الترتيب و النظام التام بلا سبب، فجاز أن يصير التدبير في الأمور سببا لاختلافها. و هذا خلاف ما يحكم به العقلاء لما يرون من سعيهم في تدبير الأمور و ذمهم من يأتي بها على غير تأمل و روية .. و يحتمل أن يكون المراد ان الوجدان يحكم بتضاد آثار الأمور-
51
حال المولود لو ولد فهما عاقلا و تعليل ذلك
وَ لَوْ كَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ فَهِماً (1) عَاقِلًا لَأَنْكَرَ الْعَالَمَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَ لَبَقِيَ حَيْرَانَ تَائِهَ الْعَقْلِ إِذَا رَأَى مَا لَمْ يَعْرِفْ وَ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنِ اخْتِلَافِ صُوَرِ الْعَالَمِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشَاهِدُهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ وَ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ سُبِيَ مِنْ بَلَدٍ وَ هُوَ عَاقِلٌ يَكُونُ كَالْوَالِهِ الْحَيْرَانِ فَلَا يُسْرِعُ إِلَى تَعَلُّمِ الْكَلَامِ وَ قَبُولِ الْأَدَبِ كَمَا يُسْرِعُ الَّذِي سُبِيَ صَغِيراً غَيْرَ عَاقِلٍ ثُمَّ لَوْ وُلِدَ عَاقِلًا كَانَ يَجِدُ غَضَاضَةً (2) إِذَا رَأَى نَفْسَهُ مَحْمُولًا مُرْضَعاً مُعَصَّباً بِالْخِرَقِ مُسَجًّى (3) فِي الْمَهْدِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا كُلِّهِ لِرِقَّةِ بَدَنِهِ وَ رُطُوبَتِهِ حِينَ يُولَدُ ثُمَّ كَانَ لَا يُوجَدُ لَهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ وَ الْوَقْعِ مِنَ الْقُلُوبِ مَا يُوجَدُ لِلطِّفْلِ فَصَارَ يَخْرُجُ إِلَى الدُّنْيَا غَبِيّاً (4) غَافِلًا عَمَّا فِيهِ أَهْلُهُ فَيَلْقَى الْأَشْيَاءَ بِذِهْنٍ ضَعِيفٍ وَ مَعْرِفَةٍ نَاقِصَةٍ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَزَايَدُ فِي الْمَعْرِفَةِ قَلِيلًا
____________
- المتضادة، و ربما أمكن اقامة البرهان عليه أيضا، فإذا أتي الاهمال بالصواب يجب ان يأتي ضده و هو التدبير بالخطإ، و هذا أفظع و أشنع.
(من تعليقات البحار)
(1) الفهم:- بفتح فكسر- السريع الفهم.
(2) الغضاضة: هى الذلة و المنقصة- جمعها غضائض.
(3) التسجية: هى التغطية بثوب يمد على الجسم.
(4) على وزن فعيل- و هو القليل الفطنة.
52
قَلِيلًا وَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ وَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ حَتَّى يَأْلَفَ الْأَشْيَاءَ وَ يَتَمَرَّنَ وَ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا فَيَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّأَمُّلِ لَهَا وَ الْحَيْرَةِ فِيهَا إِلَى التَّصَرُّفِ وَ الِاضْطِرَارِ إِلَى الْمَعَاشِ بِعَقْلِهِ وَ حِيلَتِهِ وَ إِلَى الِاعْتِبَارِ وَ الطَّاعَةِ وَ السَّهْوِ وَ الْغَفْلَةِ وَ الْمَعْصِيَةِ وَ فِي هَذَا أَيْضاً وُجُوهٌ أُخَرُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ تَامَّ الْعَقْلِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَذَهَبَ مَوْضِعُ حَلَاوَةِ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَ مَا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْوَلَدِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا يُوجِبُ التَّرْبِيَةَ لِلْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ مِنَ الْمُكَافَأَةِ بِالْبِرِّ وَ الْعَطْفِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ (1) ثُمَّ كَانَ الْأَوْلَادُ لَا يَأْلَفُونَ آبَاءَهُمْ وَ لَا يَأْلَفُ الْآبَاءُ أَبْنَاءَهُمْ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ كَانُوا يَسْتَغْنُونَ عَنْ تَرْبِيَةِ الْآبَاءِ وَ حِيَاطَتِهِمْ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُمْ حِينَ يُولَدُونَ فَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّهِ وَ أُخْتِهِ وَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْهُ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُهُنَّ وَ أَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَبَاحَةِ بَلْ هُوَ أَشْنَعُ وَ أَعْظَمُ وَ أَفْظَعُ وَ أَقْبَحُ وَ أَبْشَعُ لَوْ خَرَجَ الْمَوْلُودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَ هُوَ يَعْقِلُ أَنْ يَرَى (2) مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ لَا يُحْسِنُ بِهِ أَنْ يَرَاهُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُقِيمَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْخِلْقَةِ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ وَ خَلَا مِنَ الْخَطَإِ دَقِيقُهُ وَ جَلِيلُهُ (3)
____________
(1) أي بان يبر الابناء بآبائهم و العطف عليهم عند حاجة الآباء إلى ذلك في كبرهم و ضعفهم، و جزاء لما عانوا من الشدائد في سبيل تربية الابناء
(2) خبر لقوله: أقل ما في ذلك.
(3) ان بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج الإنسان في نموه، و نموه في أوقاته، كاف في حكم العقل، بان له صانعا صنعه عن علم و حكمة و تقدير و تدبير. (عن كتاب الإمام الصّادق) للشيخ محمّد حسين المظفر ج 1 ص 171.
53
منفعة الأطفال في البكاء
اعْرِفْ يَا مُفَضَّلُ مَا لِلْأَطْفَالِ فِي الْبُكَاءِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي أَدْمِغَةِ الْأَطْفَالِ رُطُوبَةً إِنْ بَقِيَتْ فِيهَا أَحْدَثَتْ عَلَيْهِمْ أَحْدَاثاً جَلِيلَةً وَ عِلَلًا عَظِيمَةً مِنْ ذَهَابِ الْبَصَرِ وَ غَيْرِهِ وَ الْبُكَاءُ يُسِيلُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيُعْقِبُهُمْ ذَلِكَ الصِّحَّةَ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ السَّلَامَةَ فِي أَبْصَارِهِمْ أَ فَلَيْسَ قَدْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ يَنْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ وَ وَالِدَاهُ لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ فَهُمَا دَائِبَانِ (1) لِيُسْكِتَانِهِ وَ يَتَوَخَّيَانِ (2) فِي الْأُمُورِ مَرْضَاتَهُ لِئَلَّا يَبْكِيَ وَ هُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الْبُكَاءَ أَصْلَحُ لَهُ وَ أَجْمَلُ عَاقِبَةً فَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَنَافِعُ لَا يَعْرِفُهَا الْقَائِلُونَ بِالْإِهْمَالِ وَ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْضُوا عَلَى الشَّيْءِ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ لَا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُنْكِرُونَ يَعْلَمُهُ الْعَارِفُونَ (3) وَ كَثِيراً مَا يَقْصُرُ عَنْهُ عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُ الْخَالِقِ جَلَّ قُدْسُهُ وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُ فَأَمَّا مَا يَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِ الْأَطْفَالِ مِنَ الرِّيقِ فَفِي ذَلِكَ خُرُوجُ الرُّطُوبَةِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِي أَبْدَانِهِمْ لَأَحْدَثَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ كَمَنْ تَرَاهُ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الرُّطُوبَةُ فَأَخْرَجَتْهُ إِلَى حَدِّ الْبَلَهِ وَ الْجُنُونِ وَ التَّخْلِيطِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُتْلِفَةِ كَالْفَالِجِ (4)
____________
(1) الدءوب: الجد و التعب.
(2) التوخي. التحرّي و القصد
(3) أي ان ذلك ممّا لا يقصر عن ادراكه ذو العلم و الفهم.
(4) الفالج: داء يحدث في أحد شقى البدن، فيبطل احساسه و حركته.
54
وَ اللَّقْوَةِ (1) وَ مَا أَشْبَهَهُمَا فَجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ تَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فِي صِغَرِهِمْ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الصِّحَّةِ فِي كِبَرِهِمْ فَتَفَضَّلَ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا جَهِلُوهُ وَ نَظَرَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ وَ لَوْ عَرَفُوا نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ لَشَغَلَهُمْ ذَلِكَ مِنَ التَّمَادِي فِي مَعْصِيَتِهِ فَسُبْحَانَهُ مَا أَجَلَّ نِعْمَتَهُ وَ أَسْبَغَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ (2) عُلُوّاً كَبِيراً
آلات الجماع و هيئتها
انْظُرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ كَيْفَ جُعِلَتْ آلَاتُ الْجِمَاعِ فِي الذَّكَرِ وَ الْأُنْثَى جَمِيعاً عَلَى مَا يُشَاكِلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ آلَةً نَاشِرَةً تَمْتَدُّ حَتَّى تَصِلَ النُّطْفَةُ (3) إِلَى الرَّحِمِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى أَنْ يَقْذِفَ مَاءَهُ فِي غَيْرِهِ وَ خَلَقَ لِلْأُنْثَى وِعَاءً قَعِراً (4) لِيَشْتَمِلَ عَلَى الْمَاءَيْنِ جَمِيعاً وَ يَحْتَمِلَ الْوَلَدَ وَ يَتَّسِعَ لَهُ وَ يَصُونَهُ حَتَّى يَسْتَحْكِمَ أَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِ حَكِيمٍ لَطِيفٍ- سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
أعضاء البدن و فوائد كل منها
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي أَعْضَاءِ الْبَدَنِ أَجْمَعَ وَ تَدْبِيرِ كُلٍّ مِنْهَا لِلْإِرْبِ-
____________
(1) اللقوة:- بفتح فسكون- داء يصيب الوجه، يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العنق، جمعه لقاء و القاء.
(2) يقال: أبطل اي جاء بالباطل.
(3) النطفة: ماء الرجل او المرأة، و الجمع نطاف و لطف.
(4) القعر من كل شيء: عمقه و نهاية أسفله.
55
فَالْيَدَانِ لِلْعِلَاجِ وَ الرِّجْلَانِ لِلسَّعْيِ وَ الْعَيْنَانِ لِلِاهْتِدَاءِ وَ الْفَمُ لِلِاغْتِذَاءِ وَ الْمَعِدَةُ لِلْهَضْمِ وَ الْكَبِدُ لِلتَّخْلِيصِ وَ الْمَنَافِذُ (1) لِتَنْفِيذِ الْفُضُولِ وَ الْأَوْعِيَةُ لِحَمْلِهَا وَ الْفَرْجُ لِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ إِذَا مَا تَأَمَّلْتَهَا وَ أَعْمَلْتَ فِكْرَكَ فِيهَا وَ نَظَرَكَ وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا قَدْ قُدِّرَ لِشَيْءٍ عَلَى صَوَابٍ وَ حِكْمَةٍ
زعم الطبيعيين و جوابه
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنَّ قَوْماً يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ فَقَالَ (ع) سَلْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ أَ هِيَ شَيْءٌ لَهُ عِلْمٌ وَ قُدْرَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَمْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنْ أَوْجَبُوا لَهَا الْعِلْمَ وَ الْقُدْرَةَ فَمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ إِثْبَاتِ الْخَالِقِ فَإِنَّ هَذِهِ صَنْعَتُهُ (2) وَ إِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا عَمْدٍ وَ كَانَ فِي أَفْعَالِهَا مَا قَدْ تَرَاهُ مِنَ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّ الَّذِي سَمَّوْهُ طَبِيعَةً هُوَ سُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ الْجَارِيَةُ عَلَى مَا أَجْرَاهَا عَلَيْهِ (3)
____________
(1) المنافذ هنا بمعنى النوافذ من الإنسان، اى كل سم او خرق فيه كالفم و الأنف، و الظاهر ان المراد بها هنا محل خروج البول و الغائط.
(2) لعل المراد انهم إذا قالوا بذلك فقد اثبتوا الصانع، فلم يسمونه بالطبيعة، و هي ليست بذات علم و لا إرادة و لا قدرة؟.
(3) أي ظاهر بطلان هذا الزعم، و الذي صار سببا لذهولهم إلى ان اللّه تعالى اجرى عادته بأن يخلق الأشياء باسبابها، فذهبوا إلى استقلال
56
عملية الهضم و تكون الدم و جريانه في الشرايين و الأوردة
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي وُصُولِ الْغِذَاءِ إِلَى الْبَدَنِ وَ مَا فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ الطَّعَامَ يَصِيرُ إِلَى الْمَعِدَةِ فَتَطْبُخُهُ وَ تَبْعَثُ بِصَفْوِهِ إِلَى الْكَبِدِ فِي عُرُوقٍ دِقَاقٍ وَاشِجَةٍ (1) بَيْنَهُمَا قَدْ جُعِلَتْ كَالْمُصَفِّي لِلْغِذَاءِ لِكَيْلَا يَصِلَ إِلَى الْكَبِدِ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَنْكَاهَا (2)- وَ ذَلِكَ أَنَّ الْكَبِدَ رَقِيقَةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْعُنْفَ ثُمَّ إِنَّ الْكَبِدَ تَقْبَلُهُ فَيَسْتَحِيلُ بِلُطْفِ التَّدْبِيرِ دَماً وَ يُنْفِذُهُ إِلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ فِي مَجَارِي مُهَيَّأَةٍ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَارِي الَّتِي تُهَيَّأُ لِلْمَاءِ لِيَطَّرِدَ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَ يَنْفُذَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الْخَبَثِ وَ الْفُضُولِ إِلَى مَفَايِضَ (3) قَدْ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ-
____________
- تلك الأسباب في ذلك. و بعبارة أخرى ان سنة اللّه و عادته قد جرت لحكم كثيرة، فتكون الأشياء بحسب بادي النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم- يعلم- بعد الاعتبار و التفكر- ان الكل مستند إلى قدرته و تأثيره تعالى، و انما هذه الأشياء وسائل و شرائط لذلك و من هنا تحير وافي الصانع تعالى «من تعليقات البحار»
(1) الواشجة: مؤنث الواشج اسم فاعل بمعنى المشتبك، يقال:
و شجت العروق و الاغصان إذا اشتبكت. و المراد بالواشجة هنا الموصلة او الواصلة.
(2) نكأ القرحة قشرها قبل ان تبرأ فندبت.
(3) المفايض: المجارى، مأخوذة من فاض الماء، و في بعض النسخ بالغين من غاض الماء غيضا، أي نضب و ذهب في الأرض.
57
فَمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ الْمِرَّةِ (1) الصَّفْرَاءِ جَرَى إِلَى الْمَرَارَةِ (2) وَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ السَّوْدَاءِ جَرَى إِلَى الطِّحَالِ وَ مَا كَانَ مِنَ الْبِلَّةِ وَ الرُّطُوبَةِ جَرَى إِلَى الْمَثَانَةِ (3) فَتَأَمَّلْ حِكْمَةَ التَّدْبِيرِ فِي تَرْكِيبِ الْبَدَنِ وَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ مَوَاضِعَهَا وَ إِعْدَادِ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فِيهِ لِتَحْمِلَ تِلْكَ الْفُضُولَ لِئَلَّا تَنْتَشِرَ فِي الْبَدَنِ فَتُسْقِمَهُ وَ تَنْهَكَهُ فَتَبَارَكَ مَنْ أَحْسَنَ التَّقْدِيرَ وَ أَحْكَمَ التَّدْبِيرَ وَ لَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّهُ
أول نشوء الأبدان تصوير الجنين في الرحم
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ صِفْ نُشُوءَ الْأَبْدَانِ وَ نُمُوَّهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ حَتَّى تَبْلُغَ التَّمَامَ وَ الْكَمَالَ قَالَ (ع) أَوَّلُ ذَلِكَ تَصْوِيرُ الْجَنِينِ فِي
____________
(1) المرة: بكسر ففتح- خلط من اخلاط البدن و هو الصفراء أو السوداء، جمعه مرار.
(2) المرارة: هنة شبه كيس لاصقة بالكبد تكون فيها مادة صفراء هي المرة أشار إليها الامام، جمعها مرائر و مرارات.
(3) في كلام الإمام (عليه السلام) هنا معان صريحة عن الدورة الدموية- التي اكتشفها العالم الانكليزي وليم هار في «1578- 1657» بل ان الامام قد فصل القول- كما ترى هنا- عن جريان الدم في الاوردة و الشرايين، و ان مركزه هو القلب فنستطيع إذن ان نقول بان الامام هو المكتشف الأول للدورة الدموية ...
58
الرَّحِمِ حَيْثُ لَا تَرَاهُ عَيْنٌ وَ لَا تَنَالُهُ يَدٌ وَ يُدَبِّرُهُ حَتَّى يَخْرُجَ سَوِيّاً مُسْتَوْفِياً جَمِيعَ مَا فِيهِ قِوَامُهُ وَ صَلَاحُهُ مِنَ الْأَحْشَاءِ وَ الْجَوَارِحِ وَ الْعَوَامِلِ إِلَى مَا فِي تَرْكِيبِ أَعْضَائِهِ مِنَ الْعِظَامِ وَ اللَّحْمِ وَ الشَّحْمِ وَ الْعَصَبِ وَ الْمُخِّ وَ الْعُرُوقِ وَ الْغَضَارِيفِ (1) فَإِذَا خَرَجَ إِلَى الْعَالَمِ تَرَاهُ كَيْفَ يَنْمُو بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَ هُوَ ثَابِتٌ عَلَى شَكْلٍ وَ هَيْئَةٍ لَا تَتَزَايَدُ وَ لَا تَنْقُصُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِنْ مُدَّ فِي عُمُرِهِ أَوْ يَسْتَوْفِيَ مُدَّتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ هَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ
اختصاص الإنسان بالانتصاب و الجلوس دون البهائم
انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي خَلْقِهِ تَشَرُّفاً وَ تَفَضُّلًا عَلَى الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُ خُلِقَ يَنْتَصِبُ قَائِماً وَ يَسْتَوِي جَالِساً لِيَسْتَقْبِلَ الْأَشْيَاءَ بِيَدَيْهِ وَ جَوَارِحِهِ وَ يُمْكِنَهُ الْعِلَاجُ وَ الْعَمَلُ بِهِمَا فَلَوْ كَانَ مَكْبُوباً عَلَى وَجْهِهِ كَذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَعْمَالِ
تخصص الإنسان بالحواس و تشرفه بها دون غيره
انْظُرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْحَوَاسِ (2) الَّتِي خُصَّ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي خَلْقِهِ وَ شُرِّفَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَيْفَ جُعِلَتِ الْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ كَالْمَصَابِيحِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُطَالَعَةِ الْأَشْيَاءِ وَ لَمْ تُجْعَلْ فِي الْأَعْضَاءِ
____________
(1) الغضاريف: جمع غضروف و هو كل عظم رخص لين.
(2) هى الأعضاء التي تؤمن مناسباتنا مع المحيط الخارجي، و هى خمسة أعضاء اللمس و الذوق و الشم و البصر و السمع
59
الَّتِي تَحْتَهُنَّ كَالْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ فَتَعْتَرِضَهَا الْآفَاتُ وَ يُصِيبَهَا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ وَ الْحَرَكَةِ مَا يُعَلِّلُهَا وَ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَ يَنْقُصُ مِنْهَا وَ لَا فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي وَسَطَ الْبَدَنِ كَالْبَطْنِ وَ الظَّهْرِ فَيَعْسُرَ تَقَلُّبُهَا وَ اطِّلَاعُهَا نَحْوَ الْأَشْيَاءِ
الحواس الخمس و أعمالها و ما في ذلك من الأسرار
فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مَوْضِعٌ كَانَ الرَّأْسُ أَسْنَى الْمَوَاضِعِ لِلْحَوَاسِّ وَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمَعَةِ لَهَا فَجَعَلَ الْحَوَاسَّ خَمْساً تَلْقَى خَمْساً لِكَيْ لَا يَفُوتَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ فَخَلَقَ الْبَصَرَ لِيُدْرِكَ الْأَلْوَانَ فَلَوْ كَانَتِ الْأَلْوَانُ وَ لَمْ يَكُنْ بَصَرٌ يُدْرِكُهَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَ خَلَقَ السَّمْعَ لِيُدْرِكَ الْأَصْوَاتَ فَلَوْ كَانَتِ الْأَصْوَاتُ وَ لَمْ يَكُنْ سَمْعٌ يُدْرِكُهَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِرْبٌ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْحَوَاسِّ ثُمَّ هَذَا يَرْجِعُ مُتَكَافِياً فَلَوْ كَانَ بَصَرٌ وَ لَمْ تَكُنِ الْأَلْوَانُ لَمَا كَانَ لِلْبَصَرِ مَعْنًى وَ لَوْ كَانَ سَمْعٌ وَ لَمْ تَكُنْ أَصْوَاتٌ لَمْ يَكُنْ لِلسَّمْعِ مَوْضِعٌ
تقدير الحواس بعضها يلقى بعضا
فَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ بَعْضَهَا يَلْقَى بَعْضاً فَجَعَلَ لِكُلِّ حَاسَّةٍ مَحْسُوساً (1) يَعْمَلُ فِيهِ وَ لِكُلِّ مَحْسُوسٍ (2) حَاسَّةً تُدْرِكُهُ وَ مَعَ هَذَا فَقَدْ جُعِلَتْ
____________
(1- 2) لعل الأصل في كلمة محسوس هنا هو «حس» و لا تأتي كلمة محسوس هنا، لان حس بمعنى شعر و علم فعل لازم، و من البديهي عدم جواز صيغة اسم المفعول من الفعل اللازم، إلّا إذا عدي بحرف-
60
أَشْيَاءُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ لَا تَتِمُّ الْحَوَاسُّ إِلَّا بِهَا كَمِثْلِ الضِّيَاءِ وَ الْهَوَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضِيَاءٌ يُظْهِرُ اللَّوْنَ لِلْبَصَرِ لَمْ يَكُنِ الْبَصَرُ يُدْرِكُ اللَّوْنَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَوَاءٌ يُؤَدِّي الصَّوْتَ إِلَى السَّمْعِ لَمْ يَكُنِ السَّمْعُ يُدْرِكُ الصَّوْتَ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى مَنْ صَحَّ نَظَرُهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ تَهْيِئَةِ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ بَعْضُهَا يَلْقَى بَعْضاً وَ تَهْيِئَةِ أَشْيَاءَ أُخَرَ بِهَا تَتِمُّ الْحَوَاسُّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلٍ وَ تَقْدِيرٍ مِنْ لَطِيفٍ خَبِيرٍ
فيمن عدم البصر و السمع و العقل و ما في ذلك من الموعظة
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَنْ عَدِمَ الْبَصَرَ مِنَ النَّاسِ وَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ وَ لَا يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَفْرُقُ بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَ بَيْنَ الْمَنْظَرِ الْحَسَنِ وَ الْقَبِيحِ وَ لَا يَرَى حُفْرَةً إِنْ هَجَمَ عَلَيْهَا وَ لَا عَدُوّاً إِنْ أَهْوَى إِلَيْهِ بِسَيْفٍ وَ لَا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِثْلِ الْكِتَابَةِ وَ التِّجَارَةِ وَ الصِّيَاغَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَا نَفَاذُ ذِهْنِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ الْمُلْقَى وَ كَذَلِكَ مَنْ عَدِمَ السَّمْعَ يَخْتَلُّ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهُ يَفْقِدُ رَوْحَ الْمُخَاطَبَةِ وَ الْمُحَاوَرَةِ وَ يَعْدَمُ لَذَّةَ الْأَصْوَاتِ وَ اللُّحُونِ الْمُشْجِيَةِ وَ الْمُطْرِبَةِ وَ تَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُحَاوَرَتِهِ حَتَّى يَتَبَرَّمُوا بِهِ وَ لَا يَسْمَعُ شَيْئاً مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَ أَحَادِيثِهِمْ حَتَّى يَكُونَ كَالْغَائِبِ وَ هُوَ شَاهِدٌ أَوْ كَالْمَيِّتِ
____________
- الجر او جاء مع المصدر او للظرف، و يأتي فعل حس متعديا بغير هذا المعنى، فيقال: حصه إذا قتله و استأصله.
61
وَ هُوَ حَيٌّ فَأَمَّا مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ بَلْ يَجْهَلُ كَثِيراً مِمَّا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْبَهَائِمُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ صَارَتِ الْجَوَارِحُ وَ الْعَقْلُ وَ سَائِرُ الْخِلَالِ (1) الَّتِي بِهَا صَلَاحُ الْإِنْسَانِ وَ الَّتِي لَوْ فَقَدَ مِنْهَا شَيْئاً لَعَظُمَ مَا يَنَالُهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَلَلِ يُوَافِي (2) خَلْقَهُ عَلَى التَّمَامِ حَتَّى لَا يَفْقِدَ شَيْئاً مِنْهَا فَلِمَ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ [لِأَنَّهُ] خُلِقَ بِعِلْمٍ وَ تَقْدِيرٍ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ فَلِمَ صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَفْقِدُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْجَوَارِحِ فَيَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مَا وَصَفْتَهُ يَا مَوْلَايَ قَالَ (ع) ذَلِكَ لِلتَّأْدِيبِ وَ الْمَوْعِظَةِ لِمَنْ يَحِلُّ ذَلِكَ بِهِ وَ لِغَيْرِهِ بِسَبَبِهِ كَمَا يُؤَدِّبُ الْمُلُوكُ النَّاسَ لِلتَّنْكِيلِ وَ الْمَوْعِظَةِ فَلَا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَلْ يُحْمَدُ مِنْ رَأْيِهِمْ وَ يُتَصَوَّبُ مِنْ تَدْبِيرِهِمْ ثُمَّ إِنَّ لِلَّذِينَ تَنْزِلُ بِهِمْ هَذِهِ الْبَلَايَا مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنْ شَكَرُوا وَ أَنَابُوا مَا يَسْتَصْغِرُونَ مَعَهُ مَا يَنَالُهُمْ مِنْهَا حَتَّى إِنَّهُمْ لَوْ خُيِّرُوا بَعْدَ الْمَوْتِ لَاخْتَارُوا أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الْبَلَايَا لِيَزْدَادُوا مِنَ الثَّوَابِ
الأعضاء المخلوقة أفرادا و أزواجا و كيفية ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أَفْرَاداً وَ أَزْوَاجاً وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ التَّقْدِيرِ وَ الصَّوَابِ فِي التَّدْبِيرِ فَالرَّأْسُ مِمَّا خُلِقَ فَرْداً وَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ
____________
(1) الخلال: جمع خلة و هي الخصلة.
(2) يوافي خبر الى صارت المتقدمة قبل سطرين.
62
أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُضِيفَ إِلَى رَأْسِ الْإِنْسَانِ رَأْسٌ آخَرُ لَكَانَ ثِقْلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي رَأْسٍ وَاحِدٍ ثُمَّ كَانَ الْإِنْسَانُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ فَإِنْ تَكَلَّمَ مِنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْآخَرُ مُعَطَّلًا لَا إِرْبَ فِيهِ وَ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَ إِنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمَا جَمِيعاً بِكَلَامٍ وَاحِدٍ كَانَ أَحَدُهُمَا فَضْلًا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ إِنْ تَكَلَّمَ بِأَحَدِهِمَا بِغَيْرِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ الْآخَرِ لَمْ يَدْرِ السَّامِعُ بِأَيِّ ذَلِكَ يَأْخُذُ وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْأَخْلَاطِ وَ الْيَدَانِ مِمَّا خُلِقَ أَزْوَاجاً وَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ خَيْرٌ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُخِلُّ بِهِ (1) فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَالَجَتِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَ لَا تَرَى أَنَّ النَّجَّارَ وَ الْبَنَّاءَ لَوْ شَلَّتْ إِحْدَى يَدَيْهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَالِجَ صِنَاعَتَهُ وَ إِنْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَمْ يُحْكِمْهُ وَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ مَا يَبْلُغُهُ إِذَا كَانَتْ يَدَاهُ تَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْعَمَلِ
الصوت و الكلام و تهيئة آلاته في الإنسان و عمل كل منها
أَطِلِ الْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّوْتِ وَ الْكَلَامِ وَ تَهْيِئَةِ آلَاتِهِ فِي الْإِنْسَانِ فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ لِخُرُوجِ الصَّوْتِ وَ اللِّسَانُ وَ الشَّفَتَانِ وَ الْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ الْحُرُوفِ وَ النَّغْمِ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ السِّينَ وَ مَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ الْفَاءَ وَ مَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ الرَّاءَ وَ أَشْبَهُ (2)
____________
(1) يقال: اخل بالشيء إذا قصر فيه.
(2) يظهر ان الجملة ناقصة و تكملتها: (مخرج الصوت اشبه شيء)
63
شَيْءٍ بِذَلِكَ الْمِزْمَارُ (1) الْأَعْظَمُ فَالْحَنْجَرَةُ تُشْبِهُ قَصَبَةَ الْمِزْمَارِ وَ الرِّئَةُ تُشْبِهُ الزِّقَ (2) الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِتَدْخُلَ الرِّيحُ وَ الْعَضَلَاتُ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الرِّئَةِ لِيَخْرُجَ الصَّوْتُ كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الزِّقِّ حَتَّى تَجْرِيَ الرِّيحُ فِي الْمَزَامِيرِ وَ الشَّفَتَانِ وَ الْأَسْنَانُ الَّتِي تَصُوغُ الصَّوْتَ حُرُوفاً وَ نَغْماً كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِي فَمِ الْمِزْمَارِ فَتَصُوغُ صَفِيرَهُ أَلْحَاناً غَيْرَ أَنَّهُ وَ إِنْ كَانَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ يُشْبِهُ الْمِزْمَارَ بِالْآلَةِ وَ التَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمِزْمَارَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِمَخْرَجِ الصَّوْتِ
ما في الأعضاء من المآرب الأخرى
قَدْ أَنْبَأْتُكَ بِمَا فِي الْأَعْضَاءِ مِنَ الْغِنَاءِ فِي صَنْعَةِ الْكَلَامِ وَ إِقَامَةِ الْحُرُوفِ وَ فِيهَا مَعَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مَآرِبُ أُخْرَى فَالْحَنْجَرَةُ لِيُسْلَكَ فِيهَا هَذَا النَّسِيمُ إِلَى الرِّئَةِ فَتَرَوَّحَ عَلَى الْفُؤَادِ بِالنَّفَسِ الدَّائِمِ الْمُتَتَابِعِ الَّذِي لَوْ حُبِسَ شَيْئاً يَسِيراً لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ وَ بِاللِّسَانِ تُذَاقُ الطُّعُومُ فَيُمَيِّزُ بَيْنَهَا وَ يَعْرِفُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُلْوَهَا مِنْ مُرِّهَا وَ حَامِضَهَا مِنْ مُرِّهَا وَ مَالِحَهَا مِنْ عَذْبِهَا وَ طَيِّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا وَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى إِسَاغَةِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ الْأَسْنَانُ لِمَضْغِ الطَّعَامِ حَتَّى يَلِينَ وَ تَسْهُلَ إِسَاغَتُهُ وَ هِيَ مَعَ ذَلِكَ كَالسَّنَدِ لِلشَّفَتَيْنِ تُمْسِكُهُمَا وَ تَدْعَمُهُمَا مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ مُسْتَرْخِيَ الشَّفَةِ وَ مُضْطَرِبَهَا وَ بِالشَّفَتَيْنِ يَتَرَشَّفُ (3) الشَّرَابَ حَتَّى
____________
(1) المزمار: الآلة التي يزمر فيها- جمعها مزامير.
(2) المراد بالزق هنا الجلد الذي يستعمل في المزمار.
(3) ترشف الشراب اي بالغ في مصه.
64
يَكُونَ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْهُ بِقَصْدٍ وَ قَدْرٍ لَا يَثُجُ (1) ثَجّاً فَيَغَصَّ بِهِ الشَّارِبُ أَوْ يَنْكَأَ (2) فِي الْجَوْفِ ثُمَّ همى (3) [هُمَا] بَعْدَ ذَلِكَ كَالْبَابِ الْمُطْبَقِ عَلَى الْفَمِ يَفْتَحُهَا الْإِنْسَانُ إِذَا شَاءَ وَ يُطْبِقُهَا إِذَا شَاءَ وَ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ هَذَا بَيَانُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ يَتَصَرَّفُ وَ يَنْقَسِمُ إِلَى وُجُوهٍ مِنَ الْمَنَافِعِ كَمَا تَتَصَرَّفُ الْأَدَاةُ الْوَاحِدَةُ فِي أَعْمَالٍ شَتَّى وَ ذَلِكَ كَالْفَأْسِ تُسْتَعْمَلُ فِي النِّجَارَةِ وَ الْحَفْرِ وَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ
الدماغ و أغشيته و الجمجمة و فائدتها
وَ لَوْ رَأَيْتَ الدِّمَاغَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ لَرَأَيْتَهُ قَدْ لُفَّ بِحُجُبٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِتَصُونَهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَ تُمْسِكَهُ فَلَا يَضْطَرِبَ وَ لَرَأَيْتَ عَلَيْهِ الْجُمْجُمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ كَيْمَا تَقِيهِ (4) هَدَّ الصَّدْمَةِ وَ الصَّكَّةِ الَّتِي رُبَّمَا وَقَعَتْ فِي الرَّأْسِ ثُمَّ قَدْ جُلِّلَتِ الْجُمْجُمَةُ بِالشَّعْرِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْوِ لِلرَّأْسِ يَسْتُرُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ فَمَنْ حَصَّنَ الدِّمَاغَ هَذَا التَّحْصِينَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَ جَعَلَهُ يَنْبُوعَ الْحِسِّ وَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحِيطَةِ وَ الصِّيَانَةِ بِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْبَدَنِ وَ ارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ وَ خَطِيرِ مَرْتَبَتِهِ
____________
(1) ثج يثج ثجا: اساله.
(2) لعله أراد انه يقع في غير ما حاجة
(3) همى الماء سال لا يثنيه شيء
(4) في نسخة يفته بدلا عن تقيه، و يفته من الفت و هو الكسر
65
الجفن و أشفاره
تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ الْجَفْنَ عَلَى الْعَيْنِ كَيْفَ جُعِلَ كَالْغِشَاءِ وَ الْأَشْفَارَ (1) كَالْأَشْرَاحِ (2) وَ أَوْلَجَهَا (3) فِي هَذَا الْغَارِ وَ أَظَلَّهَا بِالْحِجَابِ وَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ
الفؤاد و مدرعته
يَا مُفَضَّلُ مَنْ غَيَّبَ الْفُؤَادَ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ وَ كَسَاهُ الْمِدْرَعَةَ (4) الَّتِي غِشَاؤُهُ وَ حَصَّنَهُ بِالْجَوَانِحِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ وَ الْعَصَبِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَنْكَؤُهُ (5)
الحلق و المريء
مَنْ جَعَلَ فِي الْحَلْقِ مَنْفَذَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَخْرَجِ الصَّوْتِ وَ هُوَ الْحُلْقُومُ
____________
(1) الاشفار جمع شفر و هو أصل منبت الشعر في الجفن.
(2) الاشراح: العرى.
(3) أولجها: أدخلها.
(4) كأن المراد بالمدرعة هنا ثوب الجديد فالمدرعة في الأصل جبة مشقوقة المقدم او كما عند اليهود ثوب من كتان كان يلبس عظيم اخبارهم و لكن الذي يريده الامام من حدّ قولهم درع إذا لبس درع الحديد
(5) نكأه: جرحه و آذاه.
66
الْمُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ وَ الْآخَرُ مَنْفَذاً لِلْغِذَاءِ وَ هُوَ الْمَرِيءُ (1) الْمُتَّصِلُ بِالْمَعِدَةِ الْمُوصِلُ الْغِذَاءِ إِلَيْهَا وَ جَعَلَ عَلَى الْحُلْقُومِ طَبَقاً يَمْنَعُ الطَّعَامَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرِّئَةِ فَيَقْتُلَ
الرئة و عملها أشراج منافذ البول و الغائط
مَنْ جَعَلَ الرِّئَةَ مِرْوَحَةَ الْفُؤَادِ لَا تَفْتُرُ وَ لَا تَخْتَلُّ لِكَيْلَا تَتَحَيَّرَ (2) [تَتَحَيَّزَ] الْحَرَارَةُ فِي الْفُؤَادِ فَتُؤَدِّيَ إِلَى التَّلَفِ مَنْ جَعَلَ لِمَنَافِذِ الْبَوْلِ وَ الْغَائِطِ أَشْرَاجاً (3) تَضْبِطُهُمَا لِئَلَّا يَجْرِيَا جَرَيَاناً دَائِماً فَيَفْسُدَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْشُهُ فَكَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا بَلِ الَّذِي لَا يُحْصَى مِنْهُ وَ لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَكْثَرُ
المعدة عصبانية و الكبد
مَنْ جَعَلَ الْمَعِدَةَ عَصَبَانِيَّةً شَدِيدَةً وَ قَدَّرَهَا لِهَضْمِ الطَّعَامِ الْغَلِيظِ وَ مَنْ جَعَلَ الْكَبِدَ رَقِيقَةً نَاعِمَةً لِقَبُولِ الصَّفْوِ (4) اللَّطِيفِ مِنَ الْغِذَاءِ وَ لِتَهْضِمَ
____________
(1) المري: هو العرق الذي يمتلئ و يدر باللبن جمعه مرايا، و قد أبان الامام وظيفة المرى و عمله بتعبير لطيف.
(2) تحيرت الحرارة: ترددت كأنها لا تدري كيف تجري فتجمعت و في نسخة تتحيز و ليس لها معنى مستقيم.
(3) الاشراج جمع شرج و هو في الأصل الشقاق في القوس، و قد استعار الامام منها معنى لمنافذ البول و الغائط.
(4) الصفو من كل شيء: خالصه و خياره.
67
وَ تَعْمَلَ مَا هُوَ أَلْطَفُ مِنْ عَمَلِ الْمَعِدَةِ إِلَّا اللَّهُ الْقَادِرُ أَ تَرَى الْإِهْمَالَ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَلَّا بَلْ هُوَ تَدْبِيرُ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَلِيمٍ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهَا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
المخ و الدم و الأظفار و الأذن و لحم الأليتين و الفخذين
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ لِمَ صَارَ الْمُخُّ الرَّقِيقُ مُحَصَّناً فِي أَنَابِيبِ الْعِظَامِ هَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِيَحْفَظَهُ وَ يَصُونَهُ لِمَ صَارَ الدَّمُ السَّائِلُ مَحْصُوراً فِي الْعُرُوقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الظُّرُوفِ (1) إِلَّا لِتَضْبِطَهُ فَلَا يَفِيضَ لِمَ صَارَتِ الْأَظْفَارُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَّا وِقَايَةً لَهَا وَ مَعُونَةً عَلَى الْعَمَلِ لِمَ صَارَ دَاخِلُ الْأُذُنِ مُلْتَوِياً كَهَيْئَةِ اللَّوْلَبِ (2) إِلَّا لِيَطَّرِدَ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمْعِ وَ لِيَكْسِرَ حُمَّةَ الرِّيحِ فَلَا يَنْكَأَ فِي السَّمْعِ لِمَ حَمَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى فَخِذَيْهِ وَ أَلْيَتَيْهِ هَذَا اللَّحْمَ إِلَّا لِيَقِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا يَتَأَلَّمُ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا كَمَا يَأْلَمُ مَنْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَ قَلَّ لَحْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْأَرْضِ حَائِلٌ يَقِيهِ صَلَابَتُهَا
الإنسان ذكر و أنثى و تناسله و آلات العمل و حاجته و حيلته و إلزامه بالحجة
مَنْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ ذَكَراً وَ أُنْثَى إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ مُتَنَاسِلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ
____________
(1) الظروف جمع ظرف و هو كل ما يستقر فيه غيره و يغلب استعماله للقربة و السقاء.
(2) اللولب! آلة من خشب او حديد ذات محور ذي دوائر و هو الذكر او داخلة و هو الأنثى جمعه لوالب.
68
مُتَنَاسِلًا إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ مُؤَمِّلًا وَ مَنْ أَعْطَاهُ آلَاتِ الْعَمَلِ إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ عَامِلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ عَامِلًا إِلَّا مَنْ جَعَلَهُ مُحْتَاجاً وَ مَنْ جَعَلَهُ مُحْتَاجاً إِلَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِالْحَاجَةِ (1) وَ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْحَاجَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَقْوِيمِهِ (2) وَ مَنْ خَصَّهُ بِالْفَهْمِ إِلَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ وَ مَنْ وَهَبَ لَهُ الْحِيلَةَ إِلَّا مَنْ مَلَّكَهُ الْحَوْلَ (3) وَ مَنْ مَلَّكَهُ الْحَوْلَ إِلَّا مَنْ أَلْزَمَهُ الْحُجَّةَ مَنْ يَكْفِيهِ مَا لَا تَبْلُغُهُ حِيلَتُهُ إِلَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَدَى شُكْرِهِ فَكِّرْ وَ تَدَبَّرْ مَا وَصَفْتُهُ هَلْ تَجِدُ الْإِهْمَالَ يَأْتِي عَلَى مِثْلِ هَذَا النِّظَامِ وَ التَّرْتِيبِ تَبَارَكَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ
الفؤاد و ثقبه المتصلة بالرئة
أَصِفُ لَكَ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ الْفُؤَادَ اعْلَمْ أَنَّ فِيهِ ثُقَباً مُوَجَّهَةً نَحْوَ الثُّقَبِ الَّتِي فِي الرِّئَةِ تُرَوِّحُ عَنِ الْفُؤَادِ حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ تِلْكَ الثُّقَبُ وَ تَزَايَلَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لَمَا وَصَلَ الرَّوْحُ إِلَى الْفُؤَادِ وَ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ أَ فَيَسْتَجِيزُ ذُو فِكْرَةٍ وَ رَوِيَّةٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ بِالْإِهْمَالِ وَ لَا يَجِدُ شَاهِداً مِنْ نَفْسِهِ يزعه (4) [يَنْزِعُهُ] عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لَوْ رَأَيْتَ فَرْداً مِنْ مِصْرَاعَيْنِ فِيهِ
____________
(1) أي سبب له أسباب الاحتياج او خلفه بحيث يحتاج.
(2) أي تكفل يرفع حاجته و تقويم اوده.
(3) الحول مصدر بمعنى القدرة و القوّة على التصرف و جودة النظر و الحذق.
(4) يزعه: يكفه و يمنعه.
69
كَلُّوبٌ (1) أَ كُنْتَ تَتَوَهَّمُ أَنَّهُ جُعِلَ كَذَلِكَ بِلَا مَعْنًى بَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّهُ مَصْنُوعٌ يَلْقَى فَرْداً آخَرَ فَيُبْرِزُهُ لِيَكُونَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ هَكَذَا تَجِدُ الذَّكَرَ مِنَ الْحَيَوَانِ كَأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ زَوْجٍ مُهَيَّأٌ مِنْ فَرْدٍ أُنْثَى فَيَلْتَقِيَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَامِ النَّسْلِ وَ بَقَائِهِ فَتَبّاً (2) وَ خَيْبَةً وَ تَعْساً لِمُنْتَحِلِي الْفَلْسَفَةِ كَيْفَ عَمِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِلْقَةِ الْعَجِيبَةِ حَتَّى أَنْكَرُوا التَّدْبِيرَ وَ الْعَمْدَ فِيهَا
فرج الرجل و الحكمة فيه
لَوْ كَانَ فَرْجُ الرَّجُلِ مُسْتَرْخِياً كَيْفَ كَانَ يَصِلُ إِلَى قَعْرِ الرَّحِمِ حَتَّى يُفْرِغَ النُّطْفَةَ فِيهِ وَ لَوْ كَانَ منعضا (3) [مُنْعَظاً] أَبَداً كَيْفَ كَانَ الرَّجُلُ يَتَقَلَّبُ فِي الْفِرَاشِ أَوْ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ وَ شَيْءٌ شَاخِصٌ أَمَامَهُ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَعَ قُبْحِ الْمَنْظَرِ تَحْرِيكُ الشَّهْوَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ جَمِيعاً فَقَدَّرَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ ذَلِكَ لَا يَبْدُو لِلْبَصَرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَ لَا يَكُونَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْهُ مَؤُنَةٌ بَلْ جَعَلَ فِيهِ قُوَّةَ الِانْتِصَابِ وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ لِمَا قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ دَوَامِ النَّسْلِ وَ بَقَائِهِ
____________
(1) الكلوب- بفتح الأول و تشديد الثاني- المهماز او حديدة معطوفة الرأس يجربها الجمر او خشبة في رأسها عقافة منها او من حديد و الجمع كلاليب.
(2) تبا لفلان تنصبه على المصدر باضمار فعل اي الزمه اللّه هلاكا و خسرانا.
(3) المنعض كأنّه مأخوذ من العض و هو القرن يريد أنّه صلب شديد
70
منفذ الغائط و وصفه
اعْتَبِرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ بِعِظَمِ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مَطْعَمِهِ وَ مَشْرَبِهِ وَ تَسْهِيلِ خُرُوجِ الْأَذَى أَ لَيْسَ مِنْ حُسْنِ التَّقْدِيرِ فِي بِنَاءِ الدَّارِ أَنْ يَكُونَ الْخَلَاءُ فِي أَسْتَرِ مَوْضِعٍ مِنْهَا فَكَذَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَنْفَذَ الْمُهَيَّأَ لِلْخَلَاءِ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي أَسْتَرِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ بَارِزاً مِنْ خَلْفِهِ وَ لَا ناشزا [نَاشِراً] مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بَلْ هُوَ مُغَيَّبٌ فِي مَوْضِعٍ غَامِضٍ مِنَ الْبَدَنِ مَسْتُورٌ مَحْجُوبٌ يَلْتَقِي عَلَيْهِ الْفَخِذَانِ وَ تَحْجُبُهُ الْأَلْيَتَانِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ اللَّحْمِ فَتُوَارِيَانِهِ فَإِذَا احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْخَلَاءِ وَ جَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ أَلْفَى (1) ذَلِكَ الْمَنْفَذُ مِنْهُ مُنْصَبّاً مُهَيَّأً لِانْحِدَارِ الثُّفْلِ (2) فَتَبَارَكَ مَنْ تَظَاهَرَتْ آلَاؤُهُ وَ لَا تُحْصَى نَعْمَاؤُهُ
الطواحن من أسنان الإنسان
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْطَوَاحِنِ (3) الَّتِي جُعِلَتْ لِلْإِنْسَانِ فَبَعْضُهَا حِدَادٌ (4) لِقَطْعِ الطَّعَامِ وَ قَرْضِهِ وَ بَعْضُهَا عُرَاضٌ (5) لِمَضْغِهِ وَ رَضِّهِ فَلَمْ يَنْقُصْ وَاحِدٌ مِنَ الصِّفَتَيْنِ إِذْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَيْهِمَا جَمِيعاً
____________
(1) الفى. وجد
(2) الثفل- بالضم- ما يستقر في أسفل الشيء من كدرة.
(3) الطواحن جمع طاحن و هو الضرس.
(4) حداد أي قاطعة.
(5) عراض جمع عريض ضد طويل، و ربما أريد به المعارضة و هي السن التي في عرض الفم او ما يبدو من الفم عند الضحك.
71
الشعر و الأظفار و فائدة قصهما
تَأَمَّلْ وَ اعْتَبِرْ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الشَّعْرِ وَ الْأَظْفَارِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِمَّا يَطُولُ وَ يَكْثُرُ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى تَخْفِيفِهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا جُعِلَا عَدِيمَا الْحِسِّ لِئَلَّا يُؤْلِمَ الْإِنْسَانَ الْأَخْذُ مِنْهُمَا وَ لَوْ كَانَ قَصُّ الشَّعْرِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ مِمَّا يُوجَدُ لَهُ أَلَمٌ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَدَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَطُولَ فَيَثْقُلَ عَلَيْهِ وَ إِمَّا أَنْ يُخَفِّفَهُ بِوَجَعٍ وَ أَلَمٍ يَتَأَلَّمُ مِنْهُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ خِلْقَةً لَا تَزِيدُ فَيَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى النُّقْصَانِ مِنْهُ فَقَالَ (ع) إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ نِعَماً لَا يَعْرِفُهَا فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا اعْلَمْ أَنَّ آلَامَ الْبَدَنِ وَ أَدْوَاءَهُ (1) تَخْرُجُ بِخُرُوجِ الشَّعْرِ فِي مَسَامِّهِ (2) وَ بِخُرُوجِ الْأَظْفَارِ مِنْ أَنَامِلِهَا وَ لِذَلِكَ أُمِرَ الْإِنْسَانُ بِالنُّورَةِ وَ حَلْقِ الرَّأْسِ وَ قَصِّ الْأَظْفَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ لِيُسْرِعَ الشَّعْرُ وَ الْأَظْفَارُ فِي النَّبَاتِ فَتَخْرُجَ الْآلَامُ وَ الْأَدْوَاءُ بِخُرُوجِهِمَا (3) وَ إِذَا طَالا تَحَيَّرَا [تَحَيَّزَا] وَ قَلَّ خُرُوجُهُمَا فَاحْتَبَسَتِ الْآلَامُ وَ الْأَدْوَاءُ فِي الْبَدَنِ-
____________
(1) الادواء جمع داء و هو المرض و العلة.
(2) المسام من الجلد ثقبه و منافذه كمنابت الشعر، و منهم من يجعلها جمع سم اي الثقب مثل محاسن و حسن.
(3) يؤيد هذا الرأي علم الطبّ الحديث، و ان كانت نظرية التطور تقول بان الشعر و الاظافر من الزوائد الحيوانية الأولى التي لم يعد لها نفع و لا فائدة.
72
فَأَحْدَثَتْ عِلَلًا وَ أَوْجَاعاً وَ مَنَعَ مَعَ ذَلِكَ الشَّعْرَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْإِنْسَانِ وَ تُحْدِثُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ وَ الضُّرَّ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ فِي الْعَيْنِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعْمَى الْبَصَرُ وَ لَوْ نَبَتَ فِي الْفَمِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيُنَغِّصُ عَلَى الْإِنْسَانِ طَعَامَهُ وَ شَرَابَهُ وَ لَوْ نَبَتَ فِي بَاطِنِ الْكَفِّ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعُوقُهُ عَنْ صِحَّةِ اللَّمْسِ وَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَ لَوْ نَبَتَ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيُفْسِدُ عَلَيْهِمَا لَذَّةَ الْجِمَاعِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَنَكَّبَ (1) الشَّعْرُ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ثُمَّ لَيْسَ هَذَا فِي الْإِنْسَانِ فَقَطْ بَلْ تَجِدُهُ فِي الْبَهَائِمِ وَ السِّبَاعِ وَ سَائِرِ الْمُتَنَاسِلاتِ فَإِنَّكَ تَرَى أَجْسَامَهَا مُجَلَّلَةً بِالشَّعْرِ وَ تَرَى هَذِهِ الْمَوَاضِعَ خَالِيَةً مِنْهُ لِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ فَتَأَمَّلِ الْخِلْقَةَ كَيْفَ تَتَحَرَّزُ (2) وُجُوهَ الْخَطَإِ وَ الْمَضَرَّةِ وَ تَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ الْمَنْفَعَةِ
شعر الركب و الإبطين
إِنَّ الْمَنَّانِيَّةَ (3) وَ أَشْبَاهَهُمْ حِينَ أَجْهَدُوا فِي عَيْبِ الْخِلْقَةِ وَ الْعَمْدِ (4) عَابُوا الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى الرَّكَبِ وَ الْإِبْطَيْنِ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةٍ تَنْصَبُّ إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَيَنْبُتُ فِيهَا الشَّعْرُ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ فِي مستنفع [مُسْتَنْقَعِ] الْمِيَاهِ أَ فَلَا تَرَى إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَسْتَرَ وَ أَهْيَأَ لِقَبُولِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ مِنْ غَيْرِهَا-
____________
(1) تنكب عنه: عدل عنه و تجنبه.
(2) احترز منه و تحرز أي تحفظه و توقاه كأنّه جعل نفسه في حرز منه
(3) المنانية او المانوية سبق الكلام عنها في اوائل الكتاب.
(4) يقال فعله عمدا و عن عمد أي قصدا لا عن طريق الصدفة.
73
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ تُعَدُّ مِمَّا يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَؤُونَةِ هَذَا الْبَدَنِ وَ تَكَالِيفِهِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ اهْتِمَامَهُ بِتَنْظِيفِ بَدَنِهِ وَ أَخْذِ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الشَّعْرِ مِمَّا يَكْسِرُ بِهِ شِرَّتَهُ (1) وَ يَكُفُّ عَادِيَتَهُ (2) وَ يَشْغَلُهُ عَنْ بَعْضِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ (3) وَ الْبِطَالَةِ
الريق و ما فيه من المنفعة
تَأَمَّلِ الرِّيقَ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَجْرِي جَرَيَاناً دَائِماً إِلَى الْفَمِ لِيَبُلَّ الْحَلْقَ وَ اللَّهَوَاتِ (4) فَلَا يَجِفَّ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَوْ جُعِلَتْ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الْأَسْنَانِ ثُمَّ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسِيغَ (5) طَعَاماً إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَمِ بِلَّةٌ تُنْفِذُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرُّطُوبَةَ مَطِيَّةُ الْغِذَاءِ وَ قَدْ تَجْرِي مِنْ هَذِهِ الْبِلَّةِ إِلَى مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنَ الْمِرَّةِ (6) فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ تَامٌّ لِلْإِنْسَانِ وَ لَوْ يَبِسَتِ الْمِرَّةُ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ
محاذير كون بطن الإنسان كهيئة القباء
وَ لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ جَهَلَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَ ضَعَفَةِ الْمُتَفَلْسِفِينَ بِقِلَّةِ التَّمْيِيزِ
____________
(1) الشرة- بكسر فتشديد- الحدة و النشاط او الشر.
(2) العادية: الحدة و الغضب او الشغل او الظلم و الشر.
(3) الاشر- بفتحتين- البطر و شدة الفرح و الجمع أشرون و اشارى
(4) اللهوات جمع لهاة و هي اللحمة المشرفة على الحلق في اقصى سقف الفم.
(5) اساغ الطعام يصيغه سيغا: سهل مطعمه.
(6) المرة- بالكسر- خلط من اخلاط البدن و هو الصفراء او السوداء و الجمع مرار
74
وَ قُصُورِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ بَطْنُ الْإِنْسَانِ كَهَيْئَةِ الْقَبَاءِ (1) يَفْتَحُهُ الطَّبِيبُ إِذَا شَاءَ فَيُعَايِنُ مَا فِيهِ وَ يُدْخِلُ يَدَهُ فَيُعَالِجُ مَا أَرَادَ عِلَاجَهُ أَ لَمْ يَكُنْ أَصْلَحَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصْمَتاً (2) مَحْجُوباً عَنِ الْبَصَرِ وَ الْيَدِ لَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ إِلَّا بِدَلَالاتٍ غَامِضَةٍ كَمِثْلِ النَّظَرِ إِلَى الْبَوْلِ وَ جَسِّ الْعِرْقِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْغَلَطُ وَ الشُّبْهَةُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَباً لِلْمَوْتِ فَلَوْ عَلِمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا فِيهِ أَنْ كَانَ يَسْقُطُ عَنِ الْإِنْسَانِ الْوَجَلُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَانَ يَسْتَشْعِرُ الْبَقَاءَ وَ يَغْتَرُّ بِالسَّلَامَةِ فَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُتُوِّ (3) وَ الْأَشَرِ (4) ثُمَّ كَانَتِ الرُّطُوبَاتُ الَّتِي فِي الْبَطْنِ تَتَرَشَّحُ وَ تَتَحَلَّبُ (5) فَيُفْسِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَقْعَدَهُ وَ مَرْقَدَهُ وَ ثِيَابَ بدلته [بِذْلَتِهِ] وَ زِينَتِهِ بَلْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ عَيْشَهُ ثُمَّ إِنَّ الْمَعِدَةَ وَ الْكَبِدَ وَ الْفُؤَادَ إِنَّمَا تَفْعَلُ أَفْعَالَهَا بِالْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مُحْتَبِسَةً فِي الْجَوْفِ فَلَوْ كَانَ فِي الْبَطْنِ فَرْجٌ يَنْفَتِحُ حَتَّى يَصِلَ الْبَصَرُ إِلَى رُؤْيَتِهِ وَ الْيَدُ إِلَى عِلَاجِهِ لَوَصَلَ بَرْدُ الْهَوَاءِ إِلَى الْجَوْفِ فَمَازَجَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ وَ بَطَلَ عَمَلُ الْأَحْشَاءِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّمَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْأَوْهَامُ سِوَى مَا جَاءَتْ
____________
(1) القباء- بالفتح- ثوب يلبس فوق الثياب جمعه أقبية.
(2) مصمت اسم مفعول الذي لا جوف له.
(3) العتو: الاستكبار و تجاوز الحد.
(4) الأشر- بفتحتين- من أشر اي بطر و مرح فهو اشر و أشران و جمعه اشرون و أشارى.
(5) ترشح و تحلب بمعنى واحد و هو السيلان.
75
بِهِ الْخِلْقَةُ خَطَأٌ وَ خَطَلٌ (1)
أفعال الإنسان في الطعم و النوم و الجماع و شرح ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطُّعْمِ وَ النَّوْمِ وَ الْجِمَاعِ وَ مَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ وَ يَسْتَحِثُّ بِهِ فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطُّعْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ قِوَامُهُ وَ الْكَرَى (2) يَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامُ (3) قُوَاهُ وَ الشَّبَقُ (4) يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ وَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى (5) عَنْهُ أَحْيَاناً بِالثِّقْلِ وَ الْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ لِشَيْءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِهِ بَدَنُهُ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالْفِكْرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْفَعَهُ حَتَّى يُنْهَكَ بَدَنُهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَوْ يَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ وَ لَا يَحْفِلُ بِهِ-
____________
(1) الخطل: المنطق الفاسد المضطرب.
(2) الكرى: النعاس.
(3) الاجمام من الجمام و هو الراحة يقال: جم الفرس إذا ذهب اعياؤه.
(5) يتوانى: يقصر.
(4) الشبق بفتحتين شدة الشهوة.
76
فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وَ صَلَاحُهُ مُحَرِّكاً مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ لِذَلِكَ وَ يَحْدُوهُ عَلَيْهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةً جَاذِبَةً تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وَ تُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وَ قُوَّةً مَاسِكَةً تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وَ قُوَّةً هَاضِمَةً وَ هِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ وَ تَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وَ تَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وَ قُوَّةً دَافِعَةً تَدْفَعُهُ وَ تَحْدُرُ الثُّفْلَ (1) الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا فَفَكِّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَ أَفْعَالِهَا وَ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ الْإِرْبِ فِيهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فَلَوْ لَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ كَانَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّذِي بِهِ قِوَامُ الْبَدَنِ وَ لَوْ لَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ وَ لَوْ لَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ (2) حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوُ الَّذِي يَغْذُو الْبَدَنَ وَ يَسُدُّ خَلَلَهُ (3) وَ لَوْ لَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ وَ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلُطْفِ صُنْعِهِ وَ حُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ وَ الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ سَأُمَثِّلُ لَكَ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ لَهُ فِيهَا حَشَمٌ (4) وَ صِبْيَةٌ
____________
(1) الثفل هو ما يستقر في اسفل الشيء من كدرة.
(2) انطبخ مطاوع طبخ تقول طبخ اللحم اي أنضجه.
(3) الخلل جمع خلة- بالفتح- و هي الثقبة.
(4) الحشم: الخدم و العيال او من يغضبون له او يغضب لهم من اهل و عبيد و جيرة.
77
وَ قُوَّامٌ (1) مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْحَشَمِ وَ إِيرَادِهَا (2) عَلَيْهِمْ وَ آخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وَ خَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ وَ يُهَيَّأَ وَ آخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وَ تَهْيِئَتِهِ وَ تَفْرِيقِهِ وَ آخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وَ إِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ فِي هَذَا هُوَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ وَ الدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ وَ الْحَشَمُ هُمُ (3) الْأَعْضَاءُ وَ الْقُوَّامُ هُمْ (4) هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ وَ لَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وَ أَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وَصَفْتُ فَضْلًا وَ تَزْدَاداً (5) وَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَ لَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَ تَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وَ ذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وَ شِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِ (6) كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الشَّافِي وَ الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فِيهَا
قوى النفس و موقعها من الإنسان
تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ وَ مَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ-
____________
(1) لعل القوام جمع قيم إذ القيم على الامر هو المتولى عليه.
(2) أورده ايرادا اي احضره المورد ثمّ استعمل لمطلق الاحضار.
(3- 4) في بعض النسخ هى.
(5) لعل الأصل في الكلمة مزيدا من الزيادة أو تزيدا من قولك تزيد الرجل في حديثه اي زخرفه و زاد فيه على الحقيقة، و تزيد في الشيء أي تكلف الزيادة فيه.
(6) الغي: الضلال و الهلاك و الخيبة.
78
أَعْنِي الْفِكْرَ وَ الْوَهْمَ وَ الْعَقْلَ وَ الْحِفْظَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ نُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ (1) الْحِفْظَ وَحْدَهُ كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وَ كَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ وَ مَعَاشِهِ وَ تَجَارِبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وَ مَا عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذَهُ وَ مَا أَعْطَى وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ وَ مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ لَهُ وَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَ بِهِ وَ مَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوْ سَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى وَ لَا يَحْفَظُ عِلْماً وَ لَوْ دَرَسَهُ عُمُرَهُ وَ لَا يَعْتَقِدُ دِيناً وَ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ وَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ
النعمة على الإنسان في الحفظ و النسيان
فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ وَ كَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وَ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ لَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا (2) أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ وَ لَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ وَ لَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ وَ لَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ وَ لَا رَجَاءَ غَفْلَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ وَ لَا فَتْرَةَ مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ وَ النِّسْيَانُ وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ وَ جُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْباً مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايَنَةِ وَ قَدْ تَرَاهَا تَجْتَمِعُ
____________
(1) الخلال جمع خلة بالفتح- و هي الخصلة و الصفة.
(2) سلا الشيء و سلا عنه: نسيه و هجره و طابت نفسه عنه و ذهل عن ذكره.
79
عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْمَنْفَعَةُ (1)
اختصاص الإنسان بالحياء دون بقية الحيوانات
انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الْجَلِيلِ قَدْرُهُ الْعَظِيمِ غَنَاؤُهُ أَعْنِي الْحَيَاءَ فَلَوْلَاهُ لَمْ يُقْرَ ضَيْفٌ (2) وَ لَمْ يُوفَ بِالْعِدَاتِ وَ لَمْ تُقْضَ الْحَوَائِجُ وَ لَمْ يُتَحَرَّ الْجَمِيلُ وَ لَمْ يُتَنَكَّبِ (3) الْقَبِيحُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ أَيْضاً إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَيَاءِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَوْ لَا الْحَيَاءُ لَمْ يَرْعَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَصِلْ ذَا رَحِمٍ وَ لَمْ يُؤَدِّ أَمَانَةً وَ لَمْ يَعِفَّ عَنْ فَاحِشَةٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَفَى الْإِنْسَانُ جَمِيعَ الْخِلَالِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَ تَمَامُ أَمْرِهِ
اختصاص الإنسان بالمنطق و الكتابة
تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا الْمَنْطِقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ يُنْتِجُهُ فِكْرُهُ-
____________
(1) يقول علم النفس الحديث ان النسيان عمل من أعمال الذهن كالتذكر تماما، و ليس في مقدورنا ان نتذكر شيئا الا إذا نسينا اشياء حتى ليمكن القول بان الذاكرة هي أداة النسيان، و نحن نفكر بفضل ما نسينا، كما نفكر بفضل ما تذكرنا.
(2) قرى الضيف: اضافه.
(3) يتنكب: يتجنب.
80
وَ بِهِ يَفْهَمُ عَنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الَّتِي بِهَا تُقَيَّدُ أَخْبَارُ الْمَاضِينَ لِلْبَاقِينَ وَ أَخْبَارُ الْبَاقِينَ لِلْآتِينَ وَ بِهَا تُخَلَّدُ الْكُتُبُ فِي الْعُلُومِ وَ الْآدَابِ وَ غَيْرِهَا وَ بِهَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ ذِكْرَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ الْحِسَابِ وَ لَوْلَاهُ لَانْقَطَعَ أَخْبَارُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ وَ أَخْبَارُ الْغَائِبِينَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَ دَرَسَتِ الْعُلُومُ وَ ضَاعَتِ الْآدَابُ وَ عَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّظَرِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَ مَا رُوِيَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَ لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنَّهَا مِمَّا يُخْلَصُ إِلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَ الْفِطْنَةِ وَ لَيْسَتْ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ خَلْقِهِ وَ طِبَاعِهِ وَ كَذَلِكَ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَ لِهَذَا صَارَ يَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ كَذَلِكَ لِكِتَابَةِ الْعَرَبِيِّ وَ السِّرْيَانِيِّ وَ الْعِبْرَانِيِّ وَ الرُّومِيِّ وَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأُمَمِ إِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى الْكَلَامِ فَيُقَالُ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً فِعْلٌ أَوْ حِيلَةٌ فَإِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَ الْحِيلَةَ عَطِيَّةٌ وَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِي خَلْقِهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِسَانٌ مُهَيَّأٌ لِلْكَلَامِ وَ ذِهْنٌ يَهْتَدِي بِهِ لِلْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ لِيَتَكَلَّمَ أَبَداً وَ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كَفٌّ مُهَيَّئَةٌ وَ أَصَابِعُ لِلْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَكْتُبَ أَبَداً وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا كَلَامَ لَهَا وَ لَا كِتَابَةَ فَأَصْلُ ذَلِكَ فِطْرَةُ الْبَارِي جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ فَمَنْ شَكَرَ أُثِيبَ
81
وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
(1)
إعطاء الإنسان ما يصلح دينه و دنياه و منعه مما سوى ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَهُ وَ مَا مُنِعَ فَإِنَّهُ أُعْطِيَ جَمِيعَ عِلْمِ مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَمِمَّا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ مَعْرِفَةُ الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ وَ الشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ فِي الْخَلْقِ وَ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً وَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ مُوَاسَاةِ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تُوجَدُ مَعْرِفَتُهُ وَ الْإِقْرَارُ وَ الِاعْتِرَافُ بِهِ فِي الطَّبْعِ وَ الْفِطْرَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مُوَافِقَةٍ أَوْ مُخَالِفَةٍ وَ كَذَلِكَ أُعْطِيَ عِلْمَ مَا فِيهِ صَلَاحُ دُنْيَاهُ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ اسْتِخْرَاجِ الْأَرَضِينَ وَ اقْتِنَاءِ الْأَغْنَامِ وَ الْأَنْعَامِ وَ اسْتِنْبَاطِ الْمِيَاهِ وَ مَعْرِفَةِ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْأَسْقَامِ وَ الْمَعَادِنِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا أَنْوَاعُ الْجَوَاهِرِ وَ رُكُوبِ السُّفُنِ وَ الْغَوْصِ فِي الْبَحْرِ وَ ضُرُوبِ الْحِيَلِ فِي صَيْدِ الْوَحْشِ وَ الطَّيْرِ وَ الْحِيتَانِ وَ التَّصَرُّفِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَ وُجُوهِ الْمَتَاجِرِ وَ الْمَكَاسِبِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ أَمْرِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَأُعْطِيَ عِلْمَ مَا يَصْلُحُ بِهِ دِينُهُ وَ دُنْيَاهُ وَ مُنِعَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي شَأْنِهِ وَ لَا طَاقَتِهِ أَنْ يَعْلَمَ كَعِلْمِ الْغَيْبِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَ بَعْضُ مَا قَدْ كَانَ أَيْضاً كَعِلْمِ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ مَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ وَ مَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا حُجِبَ عَنِ النَّاسِ عِلْمُهُ-
____________
(1) كلام الامام في بحث اللغات و شأنها هاهنا يشعر بان الإنسان هو الذي وضع اللغات، بما خطره اللّه من قابلية المنطق و تعلم الكلام.
82
وَ قَدِ ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَأَبْطَلَ دَعْوَاهُمْ مَا يَبِينُ مِنْ خَطَئِهِمْ فِيمَا يَقْضُونَ عَلَيْهِ وَ يَحْكُمُونَ بِهِ فِيمَا ادَّعَوْا عَلَيْهِ [عِلْمَهُ] فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ وَ حُجِبَ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ نَقْصَهُ وَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِيهَا صَلَاحُهُ
ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته
تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وَ كَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وَ تَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوْ قَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ وَ الْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وَ خَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنُ إِلَى ذَلِكَ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وَ انْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَ الْمَعَاصِي وَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَ هَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَا يَقْبَلُهُ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْداً لَكَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يُسْخِطُكَ سَنَةً وَ يُرْضِيكَ يَوْماً أَوْ شَهْراً لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَمْ يَحُلَّ عِنْدَكَ مَحَلَّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ دُونَ أَنْ يُضْمِرَ طَاعَتَكَ وَ نُصْحَكَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَصَرُّفِ الْحَالاتِ فَإِنْ قُلْتَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يُقِيمُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِيناً ثُمَّ يَتُوبُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِغَلَبَةِ
83
الشَّهَوَاتِ لَهُ وَ تَرْكِهِ مُخَالَفَتَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَهَا فِي نَفْسِهِ وَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فَيَصْفَحُ اللَّهُ عَنْهُ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَأَمَّا مَنْ قَدَّرَ أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَتُوبَ آخِرَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُحَاوِلُ خَدِيعَةَ مَنْ لَا يُخَادَعُ بِأَنْ يَتَسَلَّفَ (1) التَّلَذُّذَ فِي الْعَاجِلِ وَ يَعِدَ وَ يُمَنِّيَ نَفْسَهُ التَّوْبَةَ فِي الْآجِلِ وَ لِأَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا يَعِدُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ النُزُوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَ التَّلَذُّذِ وَ مُعَانَاةَ (2) التَّوْبَةِ وَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ وَ ضَعْفِ الْبَدَنِ أَمْرٌ صَعْبٌ وَ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعَ مُدَافَعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ أَنْ يُرْهِقَهُ الْمَوْتُ فَيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ تَائِبٍ كَمَا قَدْ يَكُونُ عَلَى الْوَاحِدِ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ وَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَلَا يَزَالُ يُدَافِعُ بِذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَ قَدْ نفذ [نَفِدَ] الْمَالُ فَيَبْقَى الدَّيْنُ قَائِماً عَلَيْهِ فَكَانَ خَيْرَ الْأَشْيَاءِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فَيَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ وَ يُؤْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَإِنْ قُلْتَ وَ هَا هُوَ الْآنَ قَدْ سُتِرَ عَنْهُ مِقْدَارُ حَيَاتِهِ وَ صَارَ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَارِفُ (3) الْفَوَاحِشَ وَ يَنْتَهِكُ الْمَحَارِمَ (4) قُلْنَا إِنَّ وَجْهَ
____________
(1) التسلف: الاقتراض كأنّه يجرى معاملة مع ربّه، بان يتصرف في اللذات عاجلا و يعد ربّه في عوضها التوبة ليؤدي إليه آجلا .. و في بعض النسخ يستسلف و هو طلب و بيع الشيء سلفا.
(2) المعاناة: مقاساة العناء و المشقة.
(3) في الأصل المطبوع يفارق و لا يستقيم المعنى بها بل يكون عكسيا. و لما رجعنا إلى البحار وجدناها يقارف.
(4) المحارم جمع محرم و هو الحرام.
84
التَّدْبِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرْعَوِي (1) وَ لَا يَنْصَرِفُ عَنِ الْمَسَاوِئِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَحِهِ وَ مِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ لَا مِنْ خَطَإٍ فِي التَّدْبِيرِ كَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ قَدْ يَصِفُ لِلْمَرِيضِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مُخَالِفاً لِقَوْلِ الطَّبِيبِ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَأْمُرُهُ وَ لَا يَنْتَهِي عَمَّا يَنْهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِصِفَتِهِ وَ لَمْ تَكُنِ الْإِسَاءَةُ فِي ذَلِكَ لِلطَّبِيبِ بَلْ لِلْمَرِيضِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ لِلْمَوْتِ كُلَّ سَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَوْ وَثِقَ بِطُولِ الْبَقَاءِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْكَبَائِرِ الْفَظِيعَةِ فَتَرَقُّبُ الْمَوْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالْبَقَاءِ ثُمَّ إِنَّ تَرَقُّبَ الْمَوْتِ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ يَلْهَوْنَ عَنْهُ وَ لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ فَقَدْ يَتَّعِظُ بِهِ صِنْفٌ آخَرُ مِنْهُمْ وَ يَنْزِعُونَ عَنِ الْمَعَاصِي وَ يُؤْثِرُونَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ يَجُودُونَ بِالْأَمْوَالِ وَ الْعَقَائِلِ (2) النَّفِيسَةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُحْرَمَ هَؤُلَاءِ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ لِتَضْيِيعِ أُولَئِكَ حَظَّهُمْ مِنْهَا
الأحلام و امتزاج صادقها بكاذبها و سرّ ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَحْلَامِ كَيْفَ دَبَّرَ الْأَمْرَ فِيهَا فَمَزَجَ صَادِقَهَا
____________
(1) الارعواء: الكف عن الشيء، او الندم على الشيء و الانصراف عنه و تركه.
(2) العقائل جمع عقيلة و العقيلة من الإبل هي الكريمة، و العقيلة من كل شيء هي اكرمه.
85
بِكَاذِبِهَا فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَصْدُقُ لَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ وَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَكْذِبُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بَلْ كَانَتْ فَضْلًا لَا مَعْنَى لَهُ فَصَارَتْ تَصْدُقُ أَحْيَاناً فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ فِي مَصْلَحَةٍ يَهْتَدِي لَهَا أَوْ مَضَرَّةٍ يَتَحَذَّرُ مِنْهَا وَ تَكْذِبُ كَثِيراً لِئَلَّا يَعْتَمِدَ عَلَيْهَا كُلَّ الِاعْتِمَادِ
الأشياء المخلوقة لمآرب الإنسان و إيضاح ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَرَاهَا مَوْجُودَةً مُعَدَّةً فِي الْعَالَمِ مِنْ مَآرِبِهِمْ فَالتُّرَابُ لِلْبِنَاءِ وَ الْحَدِيدُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ الْخَشَبُ لِلسُّفُنِ وَ غَيْرِهَا وَ الْحِجَارَةُ لِلْأَرْحَاءِ (1) وَ غَيْرِهَا وَ النُّحَاسُ لِلْأَوَانِي وَ الذَّهَبُ وَ الْفِضَّةُ لِلْمُعَامَلَةِ وَ الذَّخِيرَةِ وَ الْحُبُوبُ لِلْغِذَاءِ وَ الثِّمَارُ لِلتَّفَكُّهِ وَ اللَّحْمُ لِلْمَأْكَلِ وَ الطِّيبُ لِلتَّلَذُّذِ وَ الْأَدْوِيَةُ لِلتَّصَحُّحِ (2) وَ الدَّوَابُّ لِلْحُمُولَةِ وَ الْحَطَبُ لِلتَّوَقُّدِ وَ الرَّمَادُ لِلْكِلْسِ (3) وَ الرَّمْلُ لِلْأَرْضِ وَ كَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا وَ شِبْهِهِ أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَاخِلًا دَخَلَ دَاراً فَنَظَرَ إِلَى خَزَائِنَ مَمْلُوءَةٍ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَ رَأَى كُلَّمَا فِيهَا مَجْمُوعاً مُعَدّاً لِأَسْبَابٍ مَعْرُوفَةٍ أَ كَانَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ بِالْإِهْمَالِ وَ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ هَذَا مِنْ صُنْعِ الطَّبِيعَةِ فِي الْعَالَمِ وَ مَا أُعِدَّ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ-
____________
(1) الارحاء جمع رحى و هي الطاحونة.
(2) التصحح من صحح المريض: أزال مرضه.
(3) الكلس:- بالكسر- ما يقوم به الحجر و الرخام و نحوهما و يتخذ منها باحراقها.
86
اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ بِأَشْيَاءَ خُلِقَتْ لِمَآرِبِ الْإِنْسَانِ وَ مَا فِيهَا مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ خُلِقَ لَهُ الْحَبُّ لِطَعَامِهِ وَ كُلِّفَ طَحْنَهُ وَ عَجْنَهُ وَ خَبْزَهُ وَ خُلِقَ لَهُ الْوَبَرُ لِكِسْوَتِهِ فَكُلِّفَ نَدْفَهُ وَ غَزْلَهُ وَ نَسْجَهُ وَ خُلِقَ لَهُ الشَّجَرُ فَكُلِّفَ غَرْسَهَا وَ سَقْيَهَا وَ الْقِيَامَ عَلَيْهَا وَ خُلِقَتْ لَهُ الْعَقَاقِيرُ لِأَدْوِيَتِهِ فَكُلِّفَ لَقْطَهَا (1) وَ خَلْطَهَا وَ صُنْعَهَا وَ كَذَلِكَ تَجِدُ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فَانْظُرْ كَيْفَ كُفِيَ الْخِلْقَةَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا حِيلَةٌ وَ تُرِكَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَوْضِعُ عَمَلٍ وَ حَرَكَةٍ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ لَوْ كُفِيَ هَذَا كُلَّهُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ مَوْضِعُ شُغُلٍ وَ عَمَلٍ لَمَا حَمَلَتْهُ الْأَرْضُ أَشَراً وَ بَطَراً (2) وَ لَبَلَغَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَتَعَاطَى أُمُوراً فِيهَا تَلَفُ نَفْسِهِ وَ لَوْ كُفِيَ النَّاسُ كُلَّمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لَمَا تَهَنَّئُوا (3) بِالعَيْشِ وَ لَا وَجَدُوا لَهُ لَذَّةً أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ امْرَءاً نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَقَامَ حِيناً بَلَغَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ خِدْمَةٍ لَتَبَرَّمَ بِالْفَرَاغِ وَ نَازَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى التَّشَاغُلِ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ لَوْ كَانَ طُولُ عُمُرِهِ مَكْفِيّاً لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ فَكَانَ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ جُعِلَ لَهُ فِيهَا مَوْضِعُ شُغُلٍ لِكَيْلَا تُبْرِمَهُ الْبِطَالَةُ وَ لِتَكُفَّهُ عَنْ تَعَاطِي مَا لَا يَنَالُهُ وَ لَا خَيْرَ فِيهِ إِنْ نَالَهُ
____________
(1) اللقط مصدر من لقط الشيء: اخذه من الأرض بلا تعب، و لقط الطائر الحب: أخذه بمنقاره
(2) الاشر و البطر «كلاهما بالفتح» بمعنى واحد.
(3) و في نسخة البحار تهنوا.
87
الخبز و الماء رأس معاش الإنسان و حياته
وَ اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ رَأْسَ مَعَاشِ الْإِنْسَانِ وَ حَيَاتِهِ الْخُبْزُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ كَيْفَ دُبِّرَ الْأَمْرُ فِيهِمَا فَإِنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْمَاءِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْخُبْزِ وَ ذَلِكَ أَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْجُوعِ أَكْثَرُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْعَطَشِ وَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُبْزِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِشُرْبِهِ وَ وُضُوئِهِ وَ غُسْلِهِ وَ غَسْلِ ثِيَابِهِ وَ سَقْيِ أَنْعَامِهِ وَ زَرْعِهِ فَجُعِلَ الْمَاءُ مَبْذُولًا لَا يُشْتَرَى لِتَسْقُطَ عَنِ الْإِنْسَانِ الْمَئُونَةُ فِي طَلَبِهِ وَ تَكَلُّفِهِ وَ جُعِلَ الْخُبْزُ مُتَعَذِّراً لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ الْحَرَكَةِ لِيَكُونَ لِلْإِنْسَانِ فِي ذَلِكَ شُغُلٌ يَكُفُّهُ عَمَّا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُدْفَعُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ وَ هُوَ طِفْلٌ لَمْ تَكْمُلْ ذَاتُهُ لِلتَّعْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ لِيَشْتَغِلَ عَنِ اللَّعِبِ وَ الْعَبَثِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا جَنَيَا عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِهِ الْمَكْرُوهَ الْعَظِيمَ وَ هَكَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ خَلَا مِنَ الشُّغُلِ لَخَرَجَ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ وَ الْبَطَرِ إِلَى مَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ (1) وَ رَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ وَ التَّرَفُّهِ وَ الْكِفَايَةِ وَ مَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ
اختلاف صور الناس و تشابه الوحوش و الطير و غيرها من الحكمة في ذلك
اعْتَبِرْ لِمَ لَا يَتَشَابَهُ النَّاسُ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ كَمَا تَتَشَابَهُ الْوُحُوشُ وَ الطَّيْرُ وَ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى السِّرْبَ مِنَ الظِّبَاءِ وَ الْقَطَا تَتَشَابَهُ حَتَّى لَا يُفَرَّقُ
____________
(1) الجدة- بالتخفيف- الغنى.
88
بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ بَيْنَ الْأُخْرَى وَ تَرَى النَّاسَ مُخْتَلِفَةً صُوَرُهُمْ وَ خَلْقُهُمْ حَتَّى لَا يَكَادَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَجْتَمِعَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَتَعَارَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ وَ حُلَاهُمْ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَيْسَ يَجْرِي بَيْنَ الْبَهَائِمِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ وَ حِلْيَتِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الطَّيْرِ وَ الْوَحْشِ لَا يَضُرُّهَا شَيْئاً وَ لَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَشَابَهَ التَّوْأَمُ (1) تَشَابُهاً شَدِيداً فَتَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلَتِهِمَا حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَ يُؤْخَذُ أَحَدُهُمَا بِذَنْبِ الْآخَرِ (2) وَ قَدْ يَحْدُثُ مِثْلُ هَذَا فِي تَشَابُهِ الْأَشْيَاءِ فَضْلًا عَنْ تَشَابُهِ الصُّوَرِ فَمَنْ لَطُفَ بِعِبَادِهِ بِهَذِهِ الدَّقَائِقِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَخْطُرُ بِالْبَالِ حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى الصَّوَابِ إِلَّا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لَوْ رَأَيْتَ تِمْثَالَ الْإِنْسَانِ مُصَوَّراً عَلَى حَائِطٍ وَ قَالَ لَكَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا ظَهَرَ هُنَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لَمْ يَصْنَعْهُ صَانِعٌ أَ كُنْتَ تَقْبَلُ ذَلِكَ بَلْ كُنْتَ تَسْتَهْزِئُ بِهِ فَكَيْفَ تُنْكِرُ هَذَا فِي تِمْثَالٍ مُصَوَّرٍ جَمَادٍ وَ لَا تُنْكِرُ فِي الْإِنْسَانِ الْحَيِّ النَّاطِقِ
____________
(1) التوأم: المولود مع غيره في بطن واحد جمعه توائم. و في جميع النسخ توأمان و ورودها هنا خطأ ظاهر، إذ لا يجوز فيها لأكثر من فردين، و مجيئها بهذا النصّ دلالة على التثنية فيكون معناها أربعة افراد
(2) أي قد يشبه مال شخص بمال شخص آخر كثوب او دينار فيصير سببا للاشتباه و التشاجر و التنازع فضلا عن تشابه الصورة فانه أعظم فسادا.
89
نمو أبدان الحيوان و توقفها و سبب ذلك
لِمَ صَارَتْ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ هِيَ تَغْتَذِي أَبَداً لَا تَنْمِي بَلْ تَنْتَهِي إِلَى غَايَةٍ مِنَ النُّمُوِّ ثُمَّ تَقِفُ وَ لَا تَتَجَاوَزُهَا لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ تَدْبِيرَ الْحَكِيمِ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَبْدَانُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُتَفَاوِتٍ فِي الْكَبِيرِ وَ الصَّغِيرِ وَ صَارَتْ تَنْمِي حَتَّى تَصِلَ إِلَى غَايَتِهَا ثُمَّ تَقِفُ ثُمَّ لَا تَزِيدُ وَ الْغِذَاءُ مَعَ ذَلِكَ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ وَ لَوْ تَنْمِي نُمُوّاً دَائِماً لَعَظُمَتْ أَبْدَانُهَا وَ اشْتَبَهَتْ مَقَادِيرُهَا (1) حَتَّى لَا يَكُونَ لِشَيْءٍ مِنْهَا حَدٌّ يُعْرَفُ
ما يعتري أجسام الإنس من ثقل الحركة و المشي لو لم يصبها ألم
لِمَ صَارَتْ أَجْسَامُ الْإِنْسِ خَاصَّةً تَثْقُلُ عَنِ الْحَرَكَةِ وَ الْمَشْيِ وَ تَجْفُو عَنِ الصِّنَاعَاتِ اللَّطِيفَةِ (2) إِلَّا لِتَعْظِيمِ الْمَئُونَةِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِلْمَلْبَسِ وَ الْمَضْجَعِ وَ التَّكْفِينِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يُصِيبُهُ أَلَمٌ وَ لَا وَجَعٌ بِمَ كَانَ يَرْتَدِعُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَ يَتَوَاضَعُ لِلَّهِ وَ يَتَعَطَّفُ عَلَى النَّاسِ ...-
____________
(1) أي لم يعرف غاية ما ينتهي إليه مقداره، فيشتبه الامر عليه، فيما يريد أن يهيئه لنفسه من دار و ثياب و زوجة.
(2) أي يبتعد و يجتنب و لا يداوم على الصناعات اللطيفة أي التي فيها دقة و لطافة. و المراد ان اللّه تعالي جعل اجسام الإنسان بحيث تثقل عن الحركة و المشى قبل سائر الحيوانات، و تكل عن الاعمال الدقيقة لتعظم عليه مئونة تحصيل ما يحتاج إليه، فلا يبطر و لا يطمع، او ليكون لهذه الاعمال اجر، فيصير سببا لمعايش أقوام يزاولونها.
90
أَ مَا تَرَى الْإِنْسَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ وَجَعٌ خَضَعَ وَ اسْتَكَانَ وَ رَغِبَ إِلَى رَبِّهِ فِي الْعَافِيَةِ وَ بَسَطَ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ وَ لَوْ كَانَ لَا يَأْلَمُ مِنَ الضَّرْبِ بِمَ كَانَ السُّلْطَانُ يُعَاقِبُ الدُّعَّارَ (1) وَ يُذِلُّ الْعُصَاةَ الْمَرَدَةَ وَ بِمَ كَانَ الصِّبْيَانُ يَتَعَلَّمُونَ الْعُلُومَ وَ الصِّنَاعَاتِ وَ بِمَ كَانَ الْعَبِيدُ يَذِلُّونَ لِأَرْبَابِهِمْ وَ يُذْعِنُونَ لِطَاعَتِهِمْ أَ فَلَيْسَ هَذَا تَوْبِيخَ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ (2) وَ ذَوِيِّهِ الَّذِينَ جَحَدُوا التَّدْبِيرَ وَ الْمَانَوِيَّةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْوَجَعَ وَ الْأَلَمَ
انقراض الحيوان لو لم يلد ذكورا و إناثا
وَ لَوْ لَمْ يُولَدْ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا ذَكَرٌ فَقَطْ أَوْ أُنْثَى فَقَطْ أَ لَمْ يَكُنِ النَّسْلُ مُنْقَطِعاً وَ بَادَ مَعَ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ فَصَارَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ يَأْتِي ذُكُوراً وَ بَعْضُهَا يَأْتِي إِنَاثاً لِيَدُومَ التَّنَاسُلُ وَ لَا يَنْقَطِعُ
ظهور شعر العانة عند البلوغ و نبات اللحية للرجل دون المرأة و ما في ذلك من التدبير
لِمَ صَارَ الرَّجُلُ وَ الْمَرْأَةُ إِذَا أَدْرَكَا تَنْبُتُ لَهُمَا الْعَانَةُ ثُمَّ تَنْبُتُ اللِّحْيَةُ لِلرَّجُلِ وَ تَتَخَلَّفُ عَنِ الْمَرْأَةِ لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ
____________
(1) الدعار جمع داعر و هو الخبيث .. و في النسخة المطبوعة الذعار بالذال و هذا تصحيف.
(2) تقدمت ترجمة ابن أبي العوجاء في مقدّمة الكتاب.
91
وَ تَعَالَى الرَّجُلَ قَيِّماً وَ رَقِيباً عَلَى الْمَرْأَةِ وَ جَعَلَ الْمَرْأَةَ عِرْساً وَ خَوَلًا (1) لِلرَّجُلِ أَعْطَى الرَّجُلَ اللِّحْيَةَ لِمَا لَهُ مِنَ الْعِزِّ وَ الْجَلَالَةِ وَ الْهَيْبَةِ وَ مَنَعَهَا الْمَرْأَةَ لِتَبْقَى لَهَا نَضَارَةُ الْوَجْهِ وَ الْبَهْجَةُ الَّتِي تُشَاكِلُ الْمُفَاكَهَةَ (2) وَ الْمُضَاجَعَةَ أَ فَلَا تَرَى الْخِلْقَةَ كَيْفَ تَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي الْأَشْيَاءِ وَ تَتَخَلَّلُ مَوَاضِعَ الْخَطَإِ (3) فَتُعْطِي وَ تَمْنَعُ عَلَى قَدْرِ الْإِرْبِ (4) وَ الْمَصْلَحَةِ بِتَدْبِيرِ الْحَكِيمِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ الْمُفَضَّلُ ثُمَّ حَانَ وَقْتُ الزَّوَالِ فَقَامَ مَوْلَايَ إِلَى الصَّلَاةِ وَ قَالَ بَكِّرْ (5) إِلَيَّ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ مَسْرُوراً بِمَا عَرَفْتُهُ مُبْتَهِجاً بِمَا أُوتِيتُهُ حَامِداً لِلَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ عَلَى مَا مَنَحَنِي بِمَا عَرَّفَنِيهِ مَوْلَايَ وَ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيَّ فَبِتُّ فِي لَيْلَتِي مَسْرُوراً بِمَا مَنَحَنِيهِ مَحْبُورٌ [مَحْبُوراً] بِمَا عَلَّمَنِيهِ
____________
(1) الخول- بفتحتين- العبيد و الإماء و غيرهم من الحاشية و هو يستعمل بلفظ واحد للجميع، و ربما قيل للواحد خائل.
(2) المفاكهة: هى الممازحة و المضاحكة.
(3) يحتمل أن تكون الجملة حالية، اي تأتي بالصواب مع انها تدخل مواضع هي مظنة الخطأ من قولهم تخللت القوم اي دخلت خلالهم و يحتمل أن يكون المراد بالتخلل التخلف أو الخروج من خلالها، لكن تطبيقها على المعاني اللغويّة يدعو الى التكلف.
(4) الارب- بفتحتين-: الحاجة و الغاية و الجمع آراب.
(5) بكر- بالتشديد- أتاه بكرة.
92
المجلس الثاني
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي بَكَّرْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَاسْتُؤْذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُدَبِّرِ الْأَدْوَارِ (1) وَ مُعِيدِ الْأَكْوَارِ (2) طَبَقاً (3) عَنْ طَبَقٍ وَ عَالَماً بَعْدَ عَالَمٍ- لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى عَدْلًا مِنْهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ جَلَّتْ آلَاؤُهُ- لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ قُدْسُهُ- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فِي نَظَائِرَ (4) لَهَا فِي كِتَابِهِ الَّذِي فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وَ لِذَلِكَ
____________
(1) الادوار جمع دور مصدر بمعنى الحركة.
(2) الاكوار جمع كور- بالفتح- مصدر بمعنى الجماعة الكثيرة او القطيع من الإبل و البقر و يقال كل دور كور و المراد اما استيناف قرن بعد قرن و زمان بعد زمان.
(3) الطبق: وجه الأرض و لعلّ المراد به معنى الحال يقال: الدهر اطباق- اى أحوال تختلف.
(4) أي قالها في ضمن نظائرها او مع نظائرها.
93
قَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ص إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ إِلَيْكُمْ ثُمَّ أَطْرَقَ الْإِمَامُ هُنَيْئَةً وَ قَالَ يَا مُفَضَّلُ الْخَلْقُ حَيَارَى عَمِهُونَ (1) سُكَارَى فِي طُغْيَانِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَ بِشَيَاطِينِهِمْ وَ طَوَاغِيتِهِمْ يَقْتَدُونَ بُصَرَاءُ عُمْيٌ لَا يُبْصِرُونَ نُطَقَاءُ بُكْمٌ (2) لَا يَعْقِلُونَ سُمَعَاءُ (3) صُمٌ (4) لَا يَسْمَعُونَ رَضُوا بِالدُّونِ (5) وَ حَسِبُوا أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَادُوا (6) عَنْ مَدْرَجَةِ (7) الْأَكْيَاسِ (8) وَ رَتَعُوا فِي مَرْعَى الْأَرْجَاسِ (9) الْأَنْجَاسِ كَأَنَّهُمْ مِنْ مُفَاجَأَةِ الْمَوْتِ آمِنُونَ وَ عَنِ الْمُجَازَاةِ مُزَحْزَحُونَ يَا وَيْلَهُمْ
____________
(1) عمهون، جمع عمه- بفتح فكسر- و هو المتردد في الضلال و المتحير في أمره أو طريقه.
(2) بكم، جمع أبكم و هو الاخرس.
(3) سمعاء، جمع سميع بمعنى السامع و المسمع و هو للمبالغة.
(4) الصم، جمع أصم و هو الذي انسدت اذنه و ثقل سمعه او ذهب عنه بتاتا.
(5) الدون، أريد به هنا معنى الخسيس الحقير السافل.
(6) حادوا: مالوا.
(7) مدرجة جمع مدارج: ما يساعد على التوصل الى ما هو أفضل او أعلى منه.
(8) الاكياس: جمع كيس بتشديد الياء- اي الفطن الحسن الفهم و الأدب
(9) الارجاس لعله جمع رجس- بالكسر- القذر و المأثم او كل ما استقذر من العمل و العمل المؤدي الى العذاب.
94
مَا أَشْقَاهُمْ وَ أَطْوَلَ عَنَاءَهُمْ وَ أَشَدَّ بَلَاءَهُمْ- يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَبَكَيْتُ لِمَا سَمِعْتُ مِنْهُ فَقَالَ لَا تَبْكِ تَخَلَّصْتَ إِذْ قَبِلْتَ وَ نَجَوْتَ إِذْ عَرَفْتَ
أبنية أبدان الحيوان و تهيئتها و إيضاح ذلك
ثُمَّ قَالَ أَبْتَدِئُ لَكَ بِذِكْرِ الْحَيَوَانِ لِيَتَّضِحَ لَكَ مِنْ أَمْرِهِ مَا وَضَحَ لَكَ مِنْ غَيْرِهِ فَكِّرْ فِي أَبْنِيَةِ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ وَ تَهْيِئَتِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَا هِيَ صِلَابٌ كَالْحِجَارَةِ وَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَا تَنْثَنِي (1) وَ لَا تَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْمَالِ وَ لَا هِيَ عَلَى غَايَةِ اللِّينِ وَ الرَّخَاوَةِ فَكَانَتْ لَا تَتَحَامَلُ وَ لَا تَسْتَقِلُّ بِأَنْفُسِهَا فَجُعِلَتْ مِنْ لَحْمٍ رَخْوٍ يَنْثَنِي تَتَدَاخَلُهُ عِظَامٌ صِلَابٌ يُمْسِكُهُ عَصَبٌ وَ عُرُوقٌ تَشُدُّهُ وَ تُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَ غُلِفَتْ (2) فَوْقَ ذَلِكَ بِجِلْدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ وَ أَشْبَاهُ ذَلِكَ هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي تُعْمَلُ مِنَ الْعِيدَانِ وَ تُلَفُّ بِالْخِرَقِ وَ تُشَدُّ بِالْخُيُوطِ وَ تُطَّلَى فَوْقَ ذَلِكَ بِالصَّمْغِ فَتَكُونُ الْعِيدَانُ بِمَنْزِلَةِ الْعِظَامِ وَ الْخِرَقُ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ وَ الْخُيُوطُ بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبِ وَ الْعُرُوقِ وَ الطِّلَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ الْمُتَحَرِّكُ حَدَثَ بِالْإِهْمَالِ مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ التَّمَاثِيلِ الْمَيِّتَةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا غَيْرَ جَائِزٍ فِي التَّمَاثِيلِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْحَيَوَانِ
____________
(1) لا تنثني: لا تنعطف و لا تميل.
(2) في نسخة و عليت.
95
أجساد الأنعام و ما أعطيت و ما منعت و سبب ذلك
وَ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ بَعْدَ هَذَا فِي أَجْسَادِ الْأَنْعَامِ (1) فَإِنَّهَا حِينَ خُلِقَتْ عَلَى أَبْدَانِ الْإِنْسِ مِنَ اللَّحْمِ وَ الْعَظْمِ وَ الْعَصَبِ أُعْطِيَتْ أَيْضاً السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ لِيَبْلُغَ الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عُمْياً صُمّاً لَمَا انْتَفَعَ بِهَا الْإِنْسَانُ وَ لَا تَصَرَّفَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ مَآرِبِهِ ثُمَّ مُنِعَتِ الذِّهْنَ وَ الْعَقْلَ لِتَذِلَّ لِلْإِنْسَانِ فَلَا تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ إِذَا كَدَّهَا الْكَدَّ الشَّدِيدَ وَ حَمَّلَهَا الْحِمْلَ الثَّقِيلَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ عَبِيدٌ مِنَ الْإِنْسِ يَذِلُّونَ وَ يُذْعِنُونَ بِالْكَدِّ الشَّدِيدِ وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ عَدِيمِي الْعَقْلِ وَ الذِّهْنِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ إِنَّ هَذَا الصِّنْفَ مِنَ النَّاسِ قَلِيلٌ فَأَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ فَلَا يُذْعِنُونَ بِمَا تُذْعِنُ بِهِ الدَّوَابُّ مِنَ الْحَمْلِ وَ الطَّحْنِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ لَا يُغْرَوْنَ (2) بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهُ ثُمَّ لَوْ كَانَ النَّاسُ يُزَاوِلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِأَبْدَانِهِمْ لَشُغِلُوا بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ يُحْتَاجُ مَكَانَ الْجَمَلِ الْوَاحِدِ وَ الْبَغْلِ الْوَاحِدِ إِلَى عِدَّةِ أَنَاسِيَّ فَكَانَ هَذَا الْعَمَلُ يَسْتَفْرِغُ النَّاسَ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِمْ عَنْهُ فَضْلٌ لِشَيْءٍ مِنَ الصِّنَاعَاتِ مَعَ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ التَّعَبِ الْفَادِحِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ الضِّيقِ وَ الْكَدِّ فِي مَعَاشِهِمْ
____________
(1) الأنعام جمع نعم- بفتحتين- الإبل و تطلق على البقر و الغنم.
(2) لا يغرون- بالغين على بناء المفعول- اي لا يؤثر فيهم الاغراء و التحريض على جميع الاعمال التي يحتاج إليها الخلق من ذلك العمل الذي تأتى به الدوابّ.
96
خلق الأصناف الثلاثة من الحيوان
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ فِي خَلْقِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَالْإِنْسُ لَمَّا قُدِّرُوا أَنْ يَكُونُوا ذَوِي ذِهْنٍ وَ فِطْنَةٍ وَ عِلَاجٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِنَ الْبِنَاءِ وَ التِّجَارَةِ وَ الصِّيَاغَةِ وَ الْخِيَاطَةِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ خُلِقَتْ لَهُمْ أَكُفٌّ كِبَارٌ ذَوَاتُ أَصَابِعَ غِلَاظٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقَبْضِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ أَوْكَدُهَا هَذِهِ الصِّنَاعَاتُ
آكلات اللحم من الحيوان و التدبير في خلقها
وَ آكِلَاتُ اللَّحْمِ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ تَكُونَ مَعَايِشُهَا مِنَ الصَّيْدِ خُلِقَتْ لَهُمْ أَكُفٌّ لِطَافٌ مُدْمَجَةٌ (1) ذَوَاتُ بَرَاثِنَ (2) وَ مَخَالِبَ (3) تَصْلُحُ لِأَخْذِ الصَّيْدِ وَ لَا تَصْلُحُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ آكِلَاتُ النَّبَاتِ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونُوا لَا ذَوَاتَ صَنْعَةٍ وَ لَا ذَاتَ صَيْدٍ خُلِقَتْ لِبَعْضِهَا أَظْلَافٌ تَقِيهَا خُشُونَةَ الْأَرْضِ إِذَا حَاوَلَتْ طَلَبَ الْمَرْعَى وَ لِبَعْضِهَا حَوَافِرُ مُلَمْلَمَةٌ (4) ذَوَاتُ قَعْرٍ (5)-
____________
(1) مدمجة أي مستقيمة محكمة متداخلة.
(2) البراثن جمع برثن بالضم- من السباع و الطير بمنزلة الاصبع من الإنسان.
(3) المخالب جمع مخلب- بالكسر- و هو الظفر خصوصا من السباع
(4) ململمة اي مجموعة بعضها الى بعض.
(5) قعر كل شيء اقصاه.
97
كَأَخْمَصِ الْقَدَمِ تَنْطَبِقُ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ تَهَيُّئِهَا لِلرُّكُوبِ وَ الْحَمُولَةِ تَأَمَّلِ التَّدْبِيرَ فِي خَلْقِ آكِلَاتِ اللَّحْمِ مِنَ الْحَيَوَانِ حِينَ خُلِقَتْ ذَوَاتُ أَسْنَانٍ حِدَادٍ وَ بَرَاثِنَ شِدَادٍ وَ أَشْدَاقٍ (1) وَ أَفْوَاهٍ وَاسِعَةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهَا (2) اللَّحْمَ خُلِقَتْ خِلْقَةً تُشَاكِلُ ذَلِكَ وَ أُعِينَتْ بِسِلَاحٍ وَ أَدَوَاتٍ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ وَ كَذَلِكَ تَجِدُ سِبَاعَ الطَّيْرِ ذَوَاتَ مَنَاقِيرَ وَ مَخَالِبَ مُهَيَّئَةٍ لِفِعْلِهَا وَ لَوْ كَانَتِ الْوُحُوشُ ذَوَاتَ مَخَالِبَ كَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تَصِيدُ وَ لَا تَأْكُلُ اللَّحْمَ وَ لَوْ كَانَتِ السِّبَاعُ ذَوَاتَ أَظْلَافٍ كَانَتْ قَدْ مُنِعَتْ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَعْنِي السِّلَاحَ الَّذِي تَصِيدُ بِهِ وَ تَتَعَيَّشُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مَا يُشَاكِلُ صِنْفَهُ وَ طَبَقَتَهُ بَلْ مَا فِيهِ بَقَاؤُهُ وَ صَلَاحُهُ
ذوات الأربع و استقلال أولادها
انْظُرِ الْآنَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَيْفَ تَرَاهَا تَتْبَعُ أُمَّاتِهَا (3) مُسْتَقِلَّةً بِأَنْفُسِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحَمْلِ وَ التَّرْبِيَةِ كَمَا تَحْتَاجُ أَوْلَادُ الْإِنْسِ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أُمَّاتِهَا مَا عِنْدَ أُمَّهَاتِ الْبَشَرِ مِنَ الرِّفْقِ وَ الْعِلْمِ بِالتَّرْبِيَةِ وَ الْقُوَّةِ عَلَيْهَا بِالْأَكُفِّ وَ الْأَصَابِعِ الْمُهَيَّأَةِ لِذَلِكَ أُعْطِيَتِ النُّهُوضَ وَ الِاسْتِقْلَالَ بِأَنْفُسِهَا وَ كَذَلِكَ
____________
(1) الاشداق جمع شدق- بالفتح او الكسر- زاوية الفم من باطن الخدين.
(2) الطعم- بالضم- الطعام.
(3) الامات جمع أم و قيل انها تستعمل في البهائم، و اما في الناس فهي أمّهات
98
تَرَى كَثِيراً مِنَ الطَّيْرِ كَمِثْلِ الدَّجَاجِ وَ الدُّرَّاجِ (1) وَ الْقَبْجِ (2) تَدْرُجُ وَ تَلْقُطُ حِينَ تَنْقَابُ عَنْهَا الْبَيْضَةُ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفاً لَا نُهُوضَ فِيهِ كَمِثْلِ فِرَاخِ الْحَمَامِ وَ الْيَمَامِ (3) وَ الْحُمَّرِ (4) فَقَدْ جُعِلَ فِي الْأُمَّهَاتِ فَضْلُ عَطْفٍ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تَمُجُ (5) الطَّعَامَ فِي أَفْوَاهِهَا بَعْدَ مَا تُوعِيهِ (6) حَوَاصِلُهَا (7) فَلَا تَزَالُ تَغْذُوهَا حَتَّى تَسْتَقِلَّ بِأَنْفُسِهَا وَ لِذَلِكَ لَمْ تُرْزَقِ الْحَمَامُ فِرَاخاً كَثِيرَةً مِثْلَ مَا تُرْزَقُ الدَّجَاجُ لِتَقْوَى الْأُمُّ عَلَى تَرْبِيَةِ فِرَاخِهَا فَلَا تَفْسُدُ وَ لَا تَمُوتُ فَكُلًّا أُعْطِيَ بِقِسْطٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ
____________
(1) الدراج- بضم فتشديد- طائر شبيه بالحجل و أكبر منه ارقط بسواد و بياض قصير المنقار يطلق على الذكر و الأنثى، جمعه دراريج و واحدته دراجة و التاء للوحدة لا للتأنيث.
(2) القبج- بفتحتين- طائر يشبه الحجل و في القاموس هو الحجل و الواحدة قبجة تقع على الذكر و الأنثى.
(3) اليمام: الحمام الوحشى.
(4) الحمر- بضم فتشديد- طائر احمر اللون و الواحدة حمرة.
(5) تمج الطعام اي ترمي به.
(6) توعيه من اوعى الزاد و نحوه- اي جعله في الوعاء.
(7) الحواصل كأنّها جمع حوصلة و حوصلاء و هي من الطير بمنزلة المعدة من الإنسان.
99
قوائم الحيوان و كيفية حركتها
انْظُرْ إِلَى قَوَائِمِ الْحَيَوَانِ كَيْفَ تَأْتِي أَزْوَاجاً لِتَتَهَيَّأَ لِلْمَشْيِ وَ لَوْ كَانَتْ أَفْرَاداً لَمْ تَصْلُحْ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَنْقُلُ قَوَائِمَهُ يَعْتَمِدُ عَلَى بَعْضٍ فَذُو الْقَائِمَتَيْنِ يَنْقُلُ وَاحِدَةً وَ يَعْتَمِدُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَ ذُو الْأَرْبَعِ يَنْقُلُ اثْنَتَيْنِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ لِأَنَّ ذَا الْأَرْبَعِ لَوْ كَانَ يَنْقُلُ قَائِمَتَيْنِ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى قَائِمَتَيْنِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يَثْبُتُ السَّرِيرُ وَ مَا أَشْبَهَهُ فَصَارَ يَنْقُلُ الْيُمْنَى مِنْ مَقَادِيمِهِ مَعَ الْيُسْرَى مِنْ مَآخِيرِهِ وَ يَنْقُلُ الْأُخْرَيَيْنِ أَيْضاً مِنْ خِلَافٍ فَيَثْبُتُ عَلَى الْأَرْضِ وَ لَا يَسْقُطُ إِذَا مَشَى
انقياد الحيوانات المسخرة للإنسان و سببه
أَ مَا تَرَى الْحِمَارَ كَيْفَ يَذِلُّ لِلطَّحْنِ وَ الْحَمُولَةِ وَ هُوَ يَرَى الْفَرَسَ مُودَعاً مُنَعَّماً وَ الْبَعِيرَ لَا يُطِيقُهُ عِدَّةُ رِجَالٍ لَوِ اسْتَعْصَى كَيْفَ كَانَ يَنْقَادُ لِلصَّبِيِّ وَ الثَّوْرَ الشَّدِيدَ كَيْفَ كَانَ يُذْعِنُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَضَعَ النِّيرَ (1) عَلَى عُنُقِهِ وَ يَحْرِثَ بِهِ وَ الْفَرَسَ الْكَرِيمَ يَرْكَبُ (2) السُّيُوفَ وَ الْأَسِنَّةَ بِالْمُوَاتَاةِ لِفَارِسِهِ وَ الْقَطِيعَ مِنَ الْغَنَمِ يَرْعَاهُ وَاحِدٌ وَ لَوْ تَفَرَّقَتِ الْغَنَمُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي
____________
(1) النير- بالكسر- الخشبة المعترضة في عنقي الثورين بأداتها و الجمع انيار و نيران.
(2) يركب السيوف و الاسنة اي يلقى نفسه عليها.
100
نَاحِيَةٍ لَمْ يَلْحَقْهَا وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ الْمُسَخَّرَةِ لِلْإِنْسَانِ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنَّهَا عُدِمَتِ الْعَقْلَ وَ الرَّوِيَّةَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْقِلُ وَ تَتَرَوَّى فِي الْأُمُورِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَلْتَوِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ الْجَمَلُ عَلَى قَائِدِهِ وَ الثَّوْرُ عَلَى صَاحِبِهِ وَ تَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ عَنْ رَاعِيهَا وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ
افتقاد السباع للعقل و الروية و فائدة ذلك
وَ كَذَلِكَ هَذِهِ السِّبَاعُ لَوْ كَانَتْ ذَاتَ عَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَتَوَازَرَتْ (1) عَلَى النَّاسِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَجْتَاحَهُمْ فَمَنْ كَانَ يَقُومُ لِلْأُسْدِ وَ الذِّئَابِ وَ النُّمُورِ وَ الدِّبَبَةِ لَوْ تَعَاوَنَتْ وَ تَظَاهَرَتْ عَلَى النَّاسِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ حُجِرَ (2) ذَلِكَ عَلَيْهَا وَ صَارَتْ مَكَانَ مَا كَانَ يُخَافُ مِنْ إِقْدَامِهَا وَ نِكَايَتِهَا تَهَابُ مَسَاكِنَ النَّاسِ وَ تُحْجِمُ عَنْهَا ثُمَّ لَا تَظْهَرُ وَ لَا تَنْتَشِرُ لِطَلَبِ قُوتِهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ فَهِيَ مَعَ صَوْلَتِهَا كَالْخَائِفِ مِنَ الْإِنْسِ بَلْ مَقْمُوعَةٍ (3) مَمْنُوعَةٍ مِنْهُمْ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَسَاوَرَتْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَ ضَيَّقَتْ عَلَيْهِمْ
عطف الكلب على الإنسان و محاماته عنه
ثُمَّ جُعِلَ فِي الْكَلْبِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ السِّبَاعِ عَطْفٌ عَلَى مَالِكِهِ وَ مُحَامَاةٌ
____________
(1) توازرت أي اجتمعت و اتحدت.
(2) حجر عليه الأمر: حرّمه و منعه.
(3) مقموعة: مقهورة ذليلة.
101
عَنْهُ وَ حَافِظٌ لَهُ يَنْتَقِلُ عَلَى الْحِيطَانِ وَ السُّطُوحِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِحِرَاسَةِ مَنْزِلِ صَاحِبِهِ وَ ذَبِّ الذعار [الدَّغَّارِ] عَنْهُ وَ يَبْلُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ دُونَهُ وَ دُونَ مَاشِيَتِهِ وَ مَالِهِ وَ يَأْلَفُهُ غَايَةَ الْإِلْفِ (1) حَتَّى يَصْبِرَ مَعَهُ عَلَى الْجُوعِ وَ الْجَفْوَةِ فَلِمَ طُبِعَ الْكَلْبُ عَلَى هَذِهِ الْأُلْفَةِ وَ الْمَحَبَّةِ إِلَّا لِيَكُونَ حَارِساً لِلْإِنْسَانِ لَهُ عَيْنٌ (2) بِأَنْيَابٍ (3) وَ مَخَالِبَ وَ نُبَاحٌ هَائِلٌ لِيَذْعَرَ مِنْهُ السَّارِقَ وَ يَتَجَنَّبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحْمِيهَا وَ يَخْفِرُهَا (4)
وجه الدابة و فمها و ذَنَبها و شرح ذلك
يَا مُفَضَّلُ تَأَمَّلْ وَجْهَ الدَّابَّةِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَى الْعَيْنَيْنِ شَاخِصَتَيْنِ أَمَامَهَا لِتُبْصِرَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا لِئَلَّا تَصْدِمَ حَائِطاً أَوْ تَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ وَ تَرَى الْفَمَ مَشْقُوقاً شَقّاً فِي أَسْفَلِ الْخَطْمِ (5) وَ لَوْ شُقَّ كَمَكَانِ الْفَمِ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي مُقَدَّمِ الذَّقَنِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ بِهِ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ بِفِيهِ وَ لَكِنْ بِيَدِهِ تَكْرِمَةً لَهُ عَلَى
____________
(1) الالف- بفتح فسكون- المحبة و الانس.
(2) العين- بالفتح- الغلظة في الجسم و الخشونة.
(3) الانياب جمع ناب و هو السن خلف الرباعية مؤنث.
(4) يخفرها: يجيرها و يؤمنها.
(5) خطم الدابّة: مقدم انفها و فمها.
102
سَائِرِ الْآكِلَاتِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلدَّابَّةِ يَدٌ تَتَنَاوَلُ بِهَا الْعَلَفَ جُعِلَ خُرْطُومُهَا (1) مَشْقُوقاً مِنْ أَسْفَلِهِ لِتَقْبِضَ عَلَى الْعَلَفِ ثُمَّ تَقْضَمَهُ وَ أُعِينَتْ بِالْجَحْفَلَةِ (2) لِتَتَنَاوَلَ بِهَا مَا قَرُبَ وَ مَا بَعُدَ اعْتَبِرْ بِذَنَبِهَا وَ الْمَنْفَعَةِ لَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبَقِ (3) عَلَى الدُّبُرِ وَ الْحَيَاءِ جَمِيعاً يُوَارِيهِمَا وَ يَسْتُرُهُمَا وَ مِنْ مَنَافِعِهَا فِيهِ أَنَّ مَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَ مَرَاقَّيِ الْبَطْنِ مِنْهَا وَضَرٌ (4) يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا الذُّبَابُ وَ الْبَعُوضُ فَجُعِلَ لَهَا الذَّنَبُ كَالْمِذَبَّةِ (5) تَذُبُّ بِهَا عَنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَ مِنْهَا أَنَّ الدَّابَّةَ تَسْتَرِيحُ إِلَى تَحْرِيكِهِ وَ تَصْرِيفِهِ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ قِيَامُهَا عَلَى الْأَرْبَعِ بِأَسْرِهَا وَ شُغِلَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ بِحَمْلِ الْبَدَنِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَ التَّقَلُّبِ كَانَ لَهَا فِي تَحْرِيكِ الذَّنَبِ رَاحَةٌ وَ فِيهِ مَنَافِعُ أُخْرَى يَقْصُرُ عَنْهَا الْوَهْمُ فَيُعْرَفُ مَوْقِعُهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّابَّةَ تَرْتَطِمُ فِي الْوَحَلِ (6) فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَعْوَنَ عَلَى نُهُوضِهَا مِنَ الْأَخْذِ بِذَنَبِهَا وَ فِي شَعْرِ الذَّنَبِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ كَثِيرَةٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي مَآرِبِهِمْ ثُمَّ جُعِلَ ظَهْرُهَا مُسَطَّحاً مَبْطُوحاً عَلَى قَوَائِمَ أَرْبَعٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوبِهَا وَ جُعِلَ حَيَاهَا بَارِزاً مِنْ وَرَائِهَا لِيَتَمَكَّنَ الْفَحْلُ مِنْ ضَرْبِهَا وَ لَوْ كَانَ أَسْفَلَ الْبَطْنِ كَمَا كَانَ الْفَرْجُ مِنَ الْمَرْأَةِ-
____________
(1) الخرطوم: الانف او مقدمه او ما ضممت عليه الحنكين.
(2) الجحفلة هي لذات الحافر كالشفة للإنسان.
(3) الطبق- بفتحتين- مصدر الغطاء جمعه اطباق.
(4) الوضر- بفتحتين- مصدر الوسخ.
(5) المذبة- بالكسر- ما يذب به الذباب.
(6) الوحل- بفتحتين- الطين الرقيق جمعه وحول و أوحال.
103
لَمْ يَتَمَكَّنِ الْفَحْلُ مِنْهَا أَ لَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَهَا كِفَاحاً (1) كَمَا يَأْتِي الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ
الفيل و مشفره
تَأَمَّلْ مِشْفَرَ (2) الْفِيلِ وَ مَا فِيهِ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ فِي تَنَاوُلِ الْعَلَفِ وَ الْمَاءِ وَ ازْدِرَادِهِمَا إِلَى جَوْفِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَمُدُّهَا كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ فَلَمَّا عَدِمَ الْعُنُقَ أُعِينَ مَكَانَ ذَلِكَ بِالْخُرْطُومِ الطَّوِيلِ لِيَسْدُلَهُ فَيَتَنَاوَلَ بِهِ حَاجَتَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي عَوَّضَهُ مَكَانَ الْعُضْوِ الَّذِي عَدِمَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَّا الرَّءُوفُ بِخَلْقِهِ وَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا بِالْإِهْمَالِ كَمَا قَالَتِ الظَّلَمَةُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا بَالُهُ لَمْ يَخْلُقْ ذَا عُنُقٍ كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ قِيلَ إِنَّ رَأْسَ الْفِيلِ وَ أُذُنَيْهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَ ثِقْلٌ ثَقِيلٌ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عُنُقٍ عَظِيمٍ لَهَدَّهَا وَ أَوْهَنَهَا فَجَعَلَ رَأْسَهُ مُلْصَقاً بِجِسْمِهِ لِكَيْلَا يَنَالَهُ مِنْهُ مَا وَصَفْنَاهُ وَ خَلَقَ لَهُ مَكَانَ الْعُنُقِ هَذَا الْمِشْفَرَ لِيَتَنَاوَلَ بِهِ غِذَاءَهُ فَصَارَ مَعَ عَدَمِ الْعُنُقِ مُسْتَوْفِياً مَا فِيهِ بُلُوغُ حَاجَتِهِ
____________
(1) الكفاح- بالكسر- الملاقاة وجها لوجه.
(2) المشفر- بكسر فسكون ففتح- الشفة و تستعمل للبعير الا ان الإمام الصّادق عدل المعنى الى خرطوم الفيل إذ هو بمثابة الشفاه، بل هو شفاهه الحقيقية التي بها يتناول العلف و الماء.
104
حياء الأنثى من الفيلة
انْظُرِ الْآنَ كَيْفَ جُعِلَ حَيَاءُ الْأُنْثَى مِنَ الْفِيَلَةِ فِي أَسْفَلِ بَطْنِهَا فَإِذَا هَاجَتْ لِلضِّرَابِ ارْتَفَعَ وَ بَرَزَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْفَحْلُ مِنْ ضَرْبِهَا فَاعْتَبِرْ كَيْفَ جُعِلَ حَيَاءُ الْأُنْثَى مِنَ الْفِيَلَةِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ ثُمَّ جُعِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخُلَّةُ لِيَتَهَيَّأَ لِلْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ قِوَامُ النَّسْلِ وَ دَوَامُهُ
الزرافة و خلقتها و كونها ليست من لقاح أصناف شتى
فَكِّرْ فِي خَلْقِ الزَّرَافَةِ وَ اخْتِلَافِ أَعْضَائِهَا وَ شِبْهِهَا بِأَعْضَاءِ أَصْنَافٍ مِنَ الْحَيَوَانِ فَرَأْسُهَا رَأْسُ فَرَسٍ وَ عُنُقُهَا عُنُقُ جَمَلٍ وَ أَظْلَافُهَا أَظْلَافُ بَقَرَةٍ وَ جِلْدُهَا جِلْدُ نَمِرٍ وَ زَعَمَ نَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ نِتَاجَهَا مِنْ فُحُولٍ شَتَّى قَالُوا وَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْنَافاً مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ تَنْزُو عَلَى بَعْضِ السَّائِمَةِ وَ يُنْتَجُ مِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ كَالْمُلْتَقَطِ مِنْ أَصْنَافٍ شَتَّى وَ هَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ وَ قِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِالْبَارِئِ جَلَّ قُدْسُهُ وَ لَيْسَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَانِ يُلْقِحُ كُلَّ صِنْفٍ فَلَا الْفَرَسُ يُلْقِحُ الْجَمَلَ وَ لَا الْجَمَلُ يُلْقِحُ الْبَقَرَ وَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّلْقِيحُ مِنْ بَعْضِ الْحَيَوَانِ فِيمَا يُشَاكِلُهُ وَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا يُلْقِحُ الْفَرَسُ الْحِمَارَ فَيَخْرُجُ بَيْنَهُمَا الْبَغْلُ وَ يُلْقِحُ الذِّئْبُ الضَّبُعَ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا السِّمْعُ (1) عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ فِي الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا عُضْوُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الزَّرَافَةِ عُضْوٌ مِنَ الْفَرَسِ-
____________
(1) السمع- بكسر فسكون- ولد الذئب من الضبع و الأنثى سمعة.
105
وَ عُضْوٌ مِنَ الْجَمَلِ وَ أَظْلَافٌ مِنَ الْبَقَرَةِ بَلْ يَكُونُ كَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَهُمَا الْمُمْتَزَجِ مِنْهُمَا كَالَّذِي تَرَاهُ فِي الْبَغْلِ فَإِنَّكَ تَرَى رَأْسَهُ وَ أُذُنَيْهِ وَ كَفَلَهُ (1) وَ ذَنَبَهُ وَ حَوَافِرَهُ وَسَطاً بَيْنَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْفَرَسِ وَ الْحِمَارِ وَ شَحِيجَهُ (2) كَالْمُمْتَزِجِ مِنْ صَهِيلِ الْفَرَسِ وَ نَهِيقِ الْحِمَارِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتِ الزَّرَافَةُ مِنْ لِقَاحِ أَصْنَافٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ كَمَا زَعَمَ الْجَاهِلُونَ بَلْ هِيَ خَلْقٌ عَجِيبٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ وَ لِيُعْلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَا يَشَاءُ مِنْ أَعْضَائِهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَ يُفَرِّقُ مَا شَاءَ مِنْهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَ يَزِيدُ فِي الْخِلْقَةِ مَا شَاءَ وَ يَنْقُصُ مِنْهَا مَا شَاءَ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ جَلَّ وَ تَعَالَى فَأَمَّا طُولُ عُنُقِهَا وَ الْمَنْفَعَةُ لَهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْشَأَهَا وَ مَرْعَاهَا فِي غَيَاطِلَ (3) ذَوَاتِ أَشْجَارٍ شَاهِقَةٍ ذَاهِبَةٍ طُولًا فِي الْهَوَاءِ فَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى طُولِ الْعُنُقِ لِتَتَنَاوَلَ بِفِيهَا أَطْرَافَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ فَتَقَوَّتَ مِنْ ثِمَارِهَا
القرد و خلقته و الفرق بينه و بين الإنسان
تَأَمَّلْ خِلْقَةَ الْقِرْدِ وَ شِبْهَهُ بِالْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَعْنِي الرَّأْسَ وَ الْوَجْهَ وَ الْمَنْكِبَيْنِ وَ الصَّدْرَ وَ كَذَلِكَ أَحْشَاؤُهُ شَبِيهَةٌ أَيْضاً بِأَحْشَاءِ الْإِنْسَانِ وَ خُصَّ مَعَ ذَلِكَ بِالذِّهْنِ وَ الْفِطْنَةِ الَّتِي بِهَا يَفْهَمُ عَنْ سَائِسِهِ مَا يُومِئُ إِلَيْهِ وَ يَحْكِي
____________
(1) الكفل- بفتحتين- من الدابّة: العجز او الردف و الجمع اكفال
(2) الشحيج من شحج البغل: صوّت و غلظ صوته.
(3) الغياطل جمع غيطل و هو الشجر الكثير الملتف.
106
كَثِيراً مِمَّا يَرَى الْإِنْسَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى إِنَّهُ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَ شَمَائِلِهِ فِي التَّدْبِيرِ فِي خِلْقَتِهِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عِبْرَةً لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ طِينَةِ الْبَهَائِمِ وَ سِنْخِهَا (1) إِذْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهَا هَذَا الْقُرْبَ وَ أَنَّهُ لَوْ لَا فَضِيلَةٌ فَضَّلَهُ بِهَا فِي الذِّهْنِ وَ الْعَقْلِ وَ النُّطْقِ كَانَ كَبَعْضِ الْبَهَائِمِ عَلَى أَنَّ فِي جِسْمِ الْقِرْدِ فُضُولًا أُخْرَى تَفْرُقُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ كَالْخَطْمِ (2) وَ الذَّنَبِ الْمُسَدَّلِ وَ الشَّعْرِ الْمُجَلِّلِ لِلْجِسْمِ كُلِّهِ وَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعاً لِلْقِرْدِ أَنْ يُلْحَقَ بِالْإِنْسَانِ لَوْ أُعْطِيَ مِثْلَ ذِهْنِ الْإِنْسَانِ وَ عَقْلِهِ وَ نُطْقِهِ وَ الْفَصْلُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ النَّقْصُ فِي الْعَقْلِ وَ الذِّهْنِ وَ النُّطْقِ
إكساء أجسام الحيوانات و خلقة أقدامها بعكس الإنسان و أسباب ذلك
انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى لُطْفِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ بِالْبَهَائِمِ كَيْفَ كُسِيَتْ أَجْسَامُهَا هَذِهِ الْكِسْوَةَ مِنَ الشَّعْرِ وَ الْوَبَرِ وَ الصُّوفِ لِتَقِيَهَا مِنَ الْبَرْدِ وَ كَثْرَةِ الْآفَاتِ أُلْبِسَتِ الْأَظْلَافُ وَ الْحَافِرُ وَ الْأَخْفَافُ لِتَقِيَهَا مِنَ الْحَفَاءِ (3) إِذْ كَانَتْ لَا أَيْدِيَ لَهَا وَ لَا أَكُفَّ وَ لَا أَصَابِعَ مُهَيَّأَةً لِلْغَزْلِ وَ النَّسْجِ فَكُفُوا بِأَنْ جُعِلَ كِسْوَتُهُمْ فِي خَلْقِهِمْ بَاقِيَةً عَلَيْهِمْ مَا بَقُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيدِهَا وَ اسْتِبْدَالٍ بِهَا فَأَمَّا الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ ذُو حِيلَةٍ وَ كَفٍّ مُهَيَّأَةٍ لِلْعَمَلِ فَهُوَ يَنْسِجُ وَ يَغْزِلُ-
____________
(1) النسخ- بالكسر- الأصل و الجمع اسناخ و سنوخ.
(2) الخطم من الدابّة: مقدم انفها و فمها.
(3) الحفاء هو المشي بلا خف و لا نعل.
107
وَ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ الْكِسْوَةَ وَ يَسْتَبْدِلُ بِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ مِنْ جِهَاتٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِصَنْعَةِ اللِّبَاسِ عَنِ الْعَبَثِ وَ مَا تُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْكِفَايَةُ وَ مِنْهَا أَنَّهُ يَسْتَرِيحُ إِلَى خَلْعِ كِسْوَتِهِ إِذَا شَاءَ وَ لُبْسِهَا إِذَا شَاءَ وَ مِنْهَا أَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْكِسْوَةِ ضُرُوباً لَهَا جَمَالٌ وَ رَوْعَةٌ فَيَتَلَذَّذُ بِلُبْسِهَا وَ تَبْدِيلِهَا وَ كَذَلِكَ يَتَّخِذُ بِالرِّفْقِ مِنَ الصَّنْعَةِ ضُرُوباً مِنَ الْخِفَافِ (1) وَ النِّعَالِ يَقِي بِهَا قَدَمَيْهِ وَ فِي ذَلِكَ مَعَايِشُ لِمَنْ يَعْمَلُهُ مِنَ النَّاسِ وَ مَكَاسِبُ يَكُونُ فِيهَا مَعَايِشُهُمْ وَ مِنْهَا أَقْوَاتُهُمْ وَ أَقْوَاتُ عِيَالِهِمْ فَصَارَ الشَّعْرُ وَ الْوَبَرُ وَ الصُّوفُ يَقُومُ لِلْبَهَائِمِ مَقَامَ الْكِسْوَةِ وَ الْأَظْلَافُ (2) وَ الْحَوَافِرُ وَ الْأَخْفَافُ مَقَامَ الْحِذَاءِ
مواراة البهائم عند إحساسها بالموت
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ (3) أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ وَ إِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَذِهِ الْوُحُوشِ وَ السِّبَاعِ وَ غَيْرِهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ وَ لَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْفَى لِقِلَّتِهَا بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ فَاعْتَبِرْ فِي ذَلِكَ بِمَا تَرَاهُ فِي الصَّحَارِي وَ الْجِبَالِ مِنْ أَسْرَابِ الظِّبَاءِ (4)
____________
(1) الخفاف جمع خف- بالضم- و هو ما يلبس بالرجل.
(2) الاظلاف- بالكسر- و هو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة و الظبي بمنزلة الحافر للفرس.
(3) يوارون انفسهم: يخفونها.
(4) الظباء جمع ظبية و هي انثى الغزال.
108
وَ الْمَهَا (1) وَ الْحَمِيرِ الْوَحْشِ وَ الْوُعُولِ (2) وَ الْأَيَائِلِ (3) وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ وَ أَصْنَافِ السِّبَاعِ مِنَ الْأُسْدِ وَ الضِّبَاعِ وَ الذِّئَابِ وَ النُّمُورِ وَ غَيْرِهَا وَ ضُرُوبِ الْهَوَامِّ وَ الْحَشَرَاتِ وَ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَ كَذَلِكَ أَسْرَابُ الطَّيْرِ مِنَ الْغِرْبَانِ وَ الْقَطَاةِ وَ الْإِوَزِّ وَ الْكَرَاكِي (4) وَ الْحَمَامِ وَ سِبَاعِ الطَّيْرِ جَمِيعاً وَ كُلُّهَا لَا يُرَى مِنْهَا إِذَا مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ يَصِيدُهُ قَانِصٌ أَوْ يَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّى تَفْسُدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ وَ تَحْدُثَ الْأَمْرَاضُ وَ الْوَبَاءُ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا بِالَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَ عَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ (5) الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وَ إِذْكَاراً (6) فِي الْبَهَائِمِ وَ غَيْرِهَا لِيَسْلَمَ
____________
(1) المها: جمع مهاة و هي البقرة الوحشية.
(2) الوعول جمع وعل و هو تيس الجبل له قرنان قويان منحنيان كسيفين أحدبين.
(3) الايائل جمع أيل- بفتح فتشديد- حيوان من ذوات الظلف للذكور منه قرون منشعبة لا تجويف فيها، أما الاناث فلا قرون لها.
(4) الكراكى جمع كركى- بضم فسكون فكسر- طائر كبير أغبر اللون طويل العنق و الرجلين أبتر الذنب قليل اللحم.
(5) المراد بالتمثيل ما ذكره اللّه تعالى في قصة قابيل.
(6) في الأصل المطبوع ادكارا بالدال المهملة، و لكن الاذكار اوضح و هو من قولهم ذكر الشيء: حفظه في ذهنه.
109
النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ (1) مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْفَسَادِ
الفطن التي جعلت في البهائم الأيل و الثعلب و الدلفين
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْفِطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ وَ الْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ نِعَمِهِ جَلَّ وَ عَزَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَإِنَّ الْأُيَّلَ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ فَيَعْطَشُ عَطَشاً شَدِيداً فَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَدِبَّ السَّمُّ فِي جِسْمِهِ فَيَقْتُلَهُ وَ يَقِفُ عَلَى الْغَدِيرِ وَ هُوَ مَجْهُودٌ عَطَشاً فَيَعِجُّ عَجِيجاً عَالِياً وَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ وَ لَوْ شَرِبَ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَانْظُرْ إِلَى مَا جُعِلَ مِنْ طِبَاعِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الظَّمَإِ الْغَالِبِ الشَّدِيدِ خَوْفاً مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الشُّرْبِ وَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ يَضْبِطُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَ الثَّعْلَبُ إِذَا أَعْوَزَهُ الطُّعْمُ تَمَاوَتَ وَ نَفَخَ بَطْنَهُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الطَّيْرُ مَيِّتاً فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِتَنْهَشَهُ وَثَبَ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا فَمَنْ أَعَانَ الثَّعْلَبَ الْعَدِيمَ النُّطْقِ وَ الرَّوِيَّةِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَوْجِيهِ الرِّزْقِ لَهُ مِنْ هَذَا وَ شِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّعْلَبُ يَضْعُفُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تَقْوَى عَلَيْهِ السِّبَاعُ مِنْ مُسَاوَرَةِ الصَّيْدِ أُعِينَ بِالدَّهَاءِ وَ الْفِطْنَةِ وَ الِاحْتِيَالِ لِمَعَاشِهِ وَ الدُّلْفِينَ (2) يَلْتَمِسُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَيَكُونُ حِيلَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ
____________
(1) المعرة: الأمر القبيح و المساءة و الاثم و الاذى.
(2) الدلفين- بضم فسكون- دابة بحرية كبيرة و الجمع دلافين، و اللفظ دخيل و مرادفه في العربية الدخس- بضم ففتح-.
110
يَأْخُذَ السَّمَكَ فَيَقْتُلَهُ وَ يَسْرَحَهُ (1) حَتَّى يَطْفُوَ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَكْمُنُ تَحْتَهُ وَ يُثَوِّرُ الْمَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ شَخْصُهُ فَإِذَا وَقَعَ الطَّيْرُ عَلَى السَّمَكِ الطَّافِي وَثَبَ إِلَيْهَا فَاصْطَادَهَا فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ كَيْفَ جُعِلَتْ طَبْعاً فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لِبَعْضِ الْمَصْلَحَةِ
التنين و السحاب
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ عَنِ التِّنِّينِ (2) وَ السَّحَابِ فَقَالَ (ع) إِنَّ السَّحَابَ كَالْمُوَكَّلِ بِهِ يَخْتَطِفُهُ حَيْثُمَا ثَقِفَهُ (3) كَمَا يَخْتَطِفُ حَجَرُ الْمِغْنَاطِيسِ الْحَدِيدَ فَهُوَ لَا يَطْلُعُ رَأْسَهُ فِي الْأَرْضِ خَوْفاً مِنَ السَّحَابِ وَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي الْقَيْظِ (4) مَرَّةً إِذَا صَحَتِ السَّمَاءُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا نُكْتَةٌ (5) مِنْ غَيْمَةٍ قُلْتُ فَلِمَ وَكَّلَ السَّحَابَ بِالتِّنِّينِ يَرْصُدُهُ وَ يَخْتَطِفُهُ إِذَا وَجَدَهُ قَالَ لِيَدْفَعَ عَنِ النَّاسِ مَضَرَّتَهُ (6)
____________
(1) في الأصل المطبوع يشرحه بالشين، لكن كلمة يسرحه هنا اكثر أداء للمعنى المقصود.
(2) التنين- بالكسر- الحية العظيمة و الجمع تنانين.
(3) ثقفه: أدركه و ظفر به.
(4) القيظ: حميم الصيف و شدة الحرّ و الجمع أقياظ و قيوظ.
(5) النكتة: النقطة السوداء في الأبيض او البيضاء في الأسود و الجمع نكت و نكات.
(6) الذي يظهر ان هذا الأمر الغريب كان معروفا عند العرب-
111
في الذرة و النمل و أسد الذباب و العنكبوت و طبائع كل منهما
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ قَدْ وَصَفْتَ لِي يَا مَوْلَايَ مِنْ أَمْرِ الْبَهَائِمِ مَا فِيهِ مُعْتَبَرٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ فَصِفْ لِيَ الذَّرَّةَ وَ النَّمْلَةَ وَ الطَّيْرَ فَقَالَ (ع) يَا مُفَضَّلُ تَأَمَّلْ وَجْهَ الذَّرَّةِ الْحَقِيرَةِ الصَّغِيرَةِ هَلْ تَجِدُ فِيهَا نَقْصاً عَمَّا فِيهِ صَلَاحُهَا فَمِنْ أَيْنَ هَذَا التَّقْدِيرُ وَ الصَّوَابُ فِي خَلْقِ الذَّرَّةِ إِلَّا مِنَ التَّدْبِيرِ الْقَائِمِ فِي صَغِيرِ الْخَلْقِ وَ كَبِيرِهِ انْظُرْ إِلَى النَّمْلِ وَ احْتِشَادِهِ فِي جَمْعِ الْقُوتِ وَ إِعْدَادِهِ فَإِنَّكَ تَرَى الْجَمَاعَةَ مِنْهَا إِذَا نَقَلَتِ الْحَبَّ إِلَى زُبْيَتِهَا (1) بِمَنْزِلَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَنْقُلُونَ الطَّعَامَ أَوْ غَيْرَهُ بَلْ لِلنَّمْلِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجِدِّ وَ التَّشْمِيرِ مَا لَيْسَ لِلنَّاسِ مِثْلُهُ-
____________
- الأوائل، و قد ورد ذكره في الشعر القديم، كالذي جاء في قصيدة للشاعر العباسيّ إسماعيل بن محمّد المعروف بالسيّد الحميري المتوفّى سنة 173، فقال من تلك القصيدة التي يذكر فيها إحدى فضائل الإمام عليّ (عليه السلام):-
ألا يا قوم للعجب العجاب-- لخف أبي الحسين و للحباب
عدو من عدات الجن عبد-- بعيد في المرادة من صواب
كريه اللون اسود ذو بصيص-- حديد الناب أزرق ذو لعاب
أتى خفا له فانساب فيه-- لينهش رجله منها بناب
فقض من السماء له عقاب-- من العقبان او شبه العقاب
فطار به فحلق ثمّ أهوى-- به للأرض من دون السحاب
(1) الزبية- بضم فسكون-: الرابية لا يعلوها ماء جمعها زبى.
112
أَ مَا تَرَاهُمْ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى النَّقْلِ كَمَا يَتَعَاوَنُ النَّاسُ عَلَى الْعَمَلِ ثُمَّ يَعْمِدُونَ إِلَى الْحَبِّ فَيُقَطِّعُونَهُ قِطَعاً لِكَيْلَا يَنْبُتَ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَصَابَهُ نَدًى أَخْرَجُوهُ فَنَشَرُوهُ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ لَا يَتَّخِذُ النَّمْلُ الزُّبْيَةَ إِلَّا فِي نَشَزٍ (1) مِنَ الْأَرْضِ كَيْلَا يُفِيضَ السَّيْلُ فَيُغْرِقَهَا وَ كُلُّ هَذَا مِنْهُ بِلَا عَقْلٍ وَ لَا رَوِيَّةٍ بَلْ خِلْقَةٌ خُلِقَ عَلَيْهَا لِمَصْلَحَةٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ اللَّيْثُ (2) وَ تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ أَسَدَ الذُّبَابِ وَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْحِيلَةِ وَ الرِّفْقِ فِي مَعَاشِهِ فَإِنَّكَ تَرَاهُ حِينَ يُحِسُّ بِالذُّبَابِ قَدْ وَقَعَ قَرِيباً مِنْهُ تَرَكَهُ مَلِيّاً حَتَّى كَأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا حَرَاكَ بِهِ فَإِذَا رَأَى الذُّبَابَ قَدِ اطْمَأَنَّ وَ غَفَلَ عَنْهُ دَبَّ دَبِيباً دَقِيقاً حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ بِحَيْثُ تَنَالُهُ وَثْبَتُهُ ثُمَّ يَثِبُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ فَإِذَا أَخَذَهُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِجِسْمِهِ كُلِّهِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْهُ فَلَا يَزَالُ قَابِضاً عَلَيْهِ حَتَّى يُحِسَّ بِأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ وَ اسْتَرْخَى ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَفْتَرِسُهُ وَ يَحْيَا بِذَلِكَ مِنْهُ فَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَإِنَّهُ يَنْسِجُ ذَلِكَ النَّسْجَ فَيَتَّخِذُهُ شَرَكاً وَ مَصِيدَةً لِلذُّبَابِ ثُمَّ يَكْمُنُ (3) فِي جَوْفِهِ فَإِذَا نَشِبَ فِيهِ الذُّبَابُ أَحَالَ (4) عَلَيْهِ يَلْدَغُهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَيَعِيشُ بِذَلِكَ مِنْهُ-
____________
(1) النشز- بفتحتين- المكان المرتفع جمعه نشاز و أنشاز.
(2) الليث: ضرب من العناكب و الجمع ليوث و مليثة.
(3) في الأصل المطبوع يتمكن و هو خطأ.
(4) أحال: أقبل و وثب.
113
فَذَلِكَ (1) يَحْكِي صَيْدَ الْكِلَابِ وَ الْفُهُودِ وَ هَذَا (2) يَحْكِي صَيْدَ الْأَشْرَاكِ وَ الْحَبَائِلِ فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الدُّوَيْبَّةِ الضَّعِيفَةِ كَيْفَ جُعِلَ فِي طَبْعِهَا مَا لَا يَبْلُغُهُ الْإِنْسَانُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ اسْتِعْمَالِ الْآلَاتِ فِيهَا فَلَا تَزْدَرِي بِالشَّيْءِ إِذَا كَانَتِ الْعِبْرَةُ فِيهِ وَاضِحَةً كَالذَّرَّةِ وَ النَّمْلَةِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْنَى النَّفِيسَ قَدْ يُمَثَّلُ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ فَلَا يَضَعُ مِنْهُ ذَلِكَ (3) كَمَا لَا يَضَعُ مِنَ الدِّينَارِ وَ هُوَ مِنْ ذَهَبٍ أَنْ يُوزَنَ بِمِثْقَالٍ مِنْ حَدِيدٍ
جسم الطائر و خلقته
تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ جِسْمَ الطَّائِرِ وَ خِلْقَتَهُ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طَائِراً فِي الْجَوِّ خُفِّفَ جِسْمُهُ وَ أُدْمِجَ (4) خَلْقُهُ وَ اقْتُصِرَ بِهِ مِنَ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ مِنَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ عَلَى أَرْبَعٍ وَ مِنْ مَنْفَذَيْنِ لِلزِّبْلِ وَ الْبَوْلِ عَلَى وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَا ثُمَّ خُلِقَ ذَا جُؤْجُؤٍ (5) مُحَدَّدٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرِقَ الْهَوَاءَ كَيْفَ مَا أَخَذَ فِيهِ كَمَا جُعِلَتِ السَّفِينَةُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِتَشُقَّ الْمَاءَ وَ تَنْفُذَ فِيهِ وَ جُعِلَ فِي جَنَاحَيْهِ وَ ذَنَبِهِ رِيشَاتٌ طِوَالٌ مِتَانٌ لِيَنْهَضَ بِهَا
____________
(1) يعني به أسد الذباب.
(2) يعني به العنكبوت و في نسخة- هكذا-.
(3) أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشيء الحقير.
(4) أدمج خلقه: لفه و أحسنه.
(5) الجؤجؤ من الطائر و السفينة: الصدر و الجمع جآجئ
114
لِلطَّيَرَانِ وَ كسا (1) (كُسِيَ) كُلُّهُ الرِّيشَ لِيَتَدَاخَلَهُ الْهَوَاءُ فَيُقِلَّهُ (2) وَ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهُ الْحَبَّ وَ اللَّحْمَ يَبْلَعُهُ بَلْعاً بِلَا مَضْغٍ نُقِصَ مِنْ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ وَ خُلِقَ لَهُ مِنْقَارٌ صُلْبٌ جاسي [جَاسٍ] يَتَنَاوَلُ بِهِ طُعْمَهُ فَلَا يَنْسَحِجُ (3) مِنْ لَقْطِ الْحَبِّ وَ لَا يَتَقَصَّفُ (4) مِنْ نَهْشِ اللَّحْمِ وَ لَمَّا عَدِمَ الْأَسْنَانَ وَ صَارَ يَزْدَرِدُ الْحَبَّ صَحِيحاً وَ اللَّحْمَ غَرِيضاً (5) أُعِينَ بِفَضْلِ حَرَارَةٍ فِي الْجَوْفِ تَطْحَنُ لَهُ الطُّعْمَ طَحْناً يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الْمَضْغِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَجَمَ الْعِنَبِ (6) وَ غَيْرِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِ الْإِنْسِ صَحِيحاً وَ يُطْحَنُ فِي أَجْوَافِ الطَّيْرِ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ ثُمَّ جُعِلَ مِمَّا يَبِيضُ بَيْضاً وَ لَا يَلِدُ وِلَادَةً لِكَيْلَا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْفِرَاخُ فِي جَوْفِهِ تَمْكُثُ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ لَأَثْقَلَتْهُ وَ عَاقَتْهُ عَنِ النُّهُوضِ وَ الطَّيَرَانِ فَجُعِلَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ مُشَاكِلًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ صَارَ الطَّائِرُ السَّائِحُ فِي هَذَا الْجَوِّ يَقْعُدُ عَلَى بَيْضِهِ فَيَحْضُنُهُ أُسْبُوعاً وَ بَعْضُهَا أُسْبُوعَيْنِ وَ بَعْضُهَا ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ حَتَّى يَخْرُجَ الْفَرْخُ مِنَ الْبَيْضَةِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَزُقُّهُ الرِّيحَ لتتسح [لِتَتَّسِعَ] حَوْصَلَتُهُ لِلْغِذَاءِ ثُمَّ يُرَبِّيهِ وَ يُغَذِّيهِ بِمَا يَعِيشُ بِهِ فَمَنْ كَلَّفَهُ أَنْ يَلْقُطَ الطُّعْمَ وَ الْحَبَّ يَسْتَخْرِجُهُ بَعْدَ
____________
(1) في الأصل كتبت بالالف المقصورة و هي خطأ.
(2) يقله: يحمله و يرفعه.
(3) ينسحج: أي ينتشر.
(4) يتقصف: أي يتكسر.
(5) الغريض: كل ابيض طري.
(6) عجم العنب: ما كان في جوف العنب من النوى الصغير.
115
أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي حَوْصَلَتِهِ وَ يَغْذُو بِهِ فِرَاخَهُ وَ لِأَيِّ مَعْنًى يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَشَقَّةَ وَ لَيْسَ بِذِي رَوِيَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا يَأْمُلُ فِي فِرَاخِهِ مَا يُؤَمِّلُ الْإِنْسَانُ فِي وَلَدِهِ مِنَ الْعِزِّ وَ الرِّفْدِ (1) وَ بَقَاءِ الذِّكْرِ فَهَذَا مِنْ فِعْلِهِ يَشْهَدُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى فِرَاخِهِ لَعَلَّهُ لَا يَعْرِفُهَا وَ لَا يُفَكِّرُ فِيهَا وَ هِيَ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ
الدجاجة و تهيجها لحضن البيض و التفريخ
انْظُرْ إِلَى الدَّجَاجَةِ كَيْفَ تُهَيَّجُ لِحِضْنِ الْبَيْضِ وَ التَّفْرِيخِ وَ لَيْسَ لَهَا بَيْضٌ مُجْتَمَعٌ وَ لَا وَكْرٌ مُوَطَّأٌ بَلْ تَنْبَعِثُ وَ تَنْتَفِخُ وَ تَقْوَى (2) [تُقَوْقِي] وَ تَمْتَنِعُ مِنَ الطُّعْمِ حَتَّى يُجْمَعَ لَهَا الْبَيْضُ فَتَحْضُنُهُ وَ تُفَرِّخُ فَلِمَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا لِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ مَنْ أَخَذَهَا بِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ لَا رَوِيَّةَ لَهَا وَ لَا تَفْكِيرَ لَوْ لَا أَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ
خلق البيضة و التدبير في ذلك
اعْتَبِرْ بِخَلْقِ الْبَيْضَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْمُحِ (3) الْأَصْفَرِ الْخَاثِرِ (4) وَ الْمَاءِ
____________
(1) الرفد- بالكسر- المعونة و العطاء و الجمع ارفاد و رفود.
(2) في الأصل كتبت الالف مشالة، و تقوى من القوى أي الجوع فكأن الدجاجة تبيت جائعة .. و في نسخة تقوقى اي تصيح
(3) المح- بالضم- صفرة البيض، و في بعض النسخ بالخاء المعجمة أي مخ
(4) خثر اللبن: نحن و اشتد فهو خاثر.
116
الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ فَبَعْضُهُ يَنْشُو مِنْهُ الْفَرْخُ وَ بَعْضُهُ لِيَغْتَذِيَ بِهِ إِلَى أَنْ تَنْقَابَ عَنْهُ الْبَيْضَةُ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نُشُوءُ (1) الْفَرْخِ فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْفَظَةِ (2) الَّتِي لَا مَسَاغَ لِشَيْءٍ إِلَيْهَا جُعِلَ مَعَهُ فِي جَوْفِهَا مِنَ الْغِذَاءِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهَا كَمَنْ يُحْبَسُ فِي حَبْسٍ حَصِينٍ لَا يُوصَلُ إِلَى مَنْ فِيهِ فَيُجْعَلُ مَعَهُ مِنَ الْقُوتِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهُ
حوصلة الطائر
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ وَ مَا قُدِّرَ لَهُ فَإِنَّ مَسْلَكَ الطُّعْمِ إِلَى الْقَانِصَةِ (3) ضَيِّقٌ لَا يَنْفُذُ فِيهِ الطَّعَامُ إِلَّا قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَوْ كَانَ الطَّائِرُ لَا يَلْقُطُ حَبَّةً ثَانِيَةً حَتَّى تَصِلَ الْأُولَى إِلَى الْقَانِصَةِ لَطَالَ عَلَيْهِ وَ مَتَى كَانَ يَسْتَوْفِي طُعْمَهُ فَإِنَّمَا يَخْتَلِسُهُ اخْتِلَاساً لِشِدَّةِ الْحَذَرِ فَجُعِلَتْ لَهُ الْحَوْصَلَةُ كَالْمِخْلَاةِ (4) الْمُعَلَّقَةِ أَمَامَهُ لِيُوعِيَ فِيهَا مَا أَدْرَكَ مِنَ الطُّعْمِ بِسُرْعَةٍ ثُمَّ تُنْفِذُهُ إِلَى الْقَانِصَةِ عَلَى مَهْلٍ وَ فِي الْحَوْصَلَةِ أَيْضاً خُلَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ مِنَ الطَّائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَزُقَّ فِرَاخَهُ فَيَكُونُ رَدُّهُ لِلطُّعْمِ مِنْ قُرْبٍ أَسْهَلَ عَلَيْهِ
____________
(1) سقطت الهمزة من الأصل.
(2) المستحفظة من استحفظه السر او المال: سأله ان يحفظه.
(3) القانصة للطير كالمعدة للإنسان جمعها قوانص.
(4) المخلاة: ما يجعل فيه العلف و يعلق في عنق الدابّة و الجمع مخال
117
اختلاف ألوان الطير و علة ذلك
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ إِنَّ قَوْماً مِنَ الْمُعَطِّلَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَشْكَالِ فِي الطَّيْرِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ امْتِزَاجِ الْأَخْلَاطِ وَ اخْتِلَافِ مَقَادِيرِهَا المرج [بِالْمَرَجِ] (1) وَ الْإِهْمَالِ قَالَ يَا مُفَضَّلُ هَذَا الْوَشْيُ الَّذِي تَرَاهُ فِي الطَّوَاوِيسِ وَ الدُّرَّاجِ (2) وَ التَّدَارِجِ عَلَى اسْتِوَاءٍ وَ مُقَابَلَةٍ كَنَحْوِ مَا يُخَطُّ بِالْأَقْلَامِ كَيْفَ يَأْتِي بِهِ الِامْتِزَاجُ الْمُهْمَلُ عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ وَ لَوْ كَانَ بِالْإِهْمَالِ لَعَدِمَ الِاسْتِوَاءَ وَ لَكَانَ مُخْتَلِفاً
ريش الطائر و وصفه
تَأَمَّلْ رِيشَ الطَّيْرِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ مَنْسُوجاً كَنَسْجِ الثَّوْبِ مِنْ سُلُوكٍ (3) دِقَاقٍ قَدْ أُلِّفَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَتَأْلِيفِ الْخَيْطِ إِلَى الْخَيْطِ وَ الشَّعْرَةِ إِلَى الشَّعْرَةِ ثُمَّ تَرَى ذَلِكَ النَّسْجَ إِذَا مَدَدْتَهُ يَنْفَتِحُ قَلِيلًا وَ لَا يَنْشَقُّ لِتُدَاخِلَهُ الرِّيحُ فَيَقِلَّ الطَّائِرُ إِذَا طَارَ وَ تَرَى فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ عَمُوداً غَلِيظاً مَتِيناً قَدْ نُسِجَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الشَّعْرِ لِيُمْسِكَهُ بِصَلَابَتِهِ وَ هُوَ الْقَصَبَةُ الَّتِي
____________
(1) المرج- بالتحريك- الاضطراب و اللبس و الفساد و الاختلاط و في بعض النسخ بالزاء المعجمة .. و الأول اظهر و اجلى للمعنى المقصود
(2) الدراج طائر تقدم ذكره.
(3) السلوك جمع سلك و هو الخيط ينظم فيه الخرز و نحوه.
118
فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ وَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ أَجْوَفُ لِيَخِفَّ عَلَى الطَّائِرِ وَ لَا يَعُوقَهُ عَنِ الطَّيَرَانِ
الطائر الطويل الساقين و التدبير في ذلك
هَلْ رَأَيْتَ يَا مُفَضَّلُ هَذَا الطَّائِرَ الطَّوِيلَ السَّاقَيْنِ (1) وَ عَرَفْتَ مَا لَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي طُولِ سَاقَيْهِ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي ضَحْضَاحٍ (2) مِنَ الْمَاءِ فَتَرَاهُ بِسَاقَيْنِ طَوِيلَيْنِ كَأَنَّهُ رَبِيئَةٌ (3) فَوْقَ مَرْقَبٍ (4) وَ هُوَ يَتَأَمَّلُ مَا يَدِبُّ فِي الْمَاءِ فَإِذَا رَأَى شَيْئاً مِمَّا يَتَقَوَّتُ بِهِ خَطَا خُطُوَاتٍ رَقِيقاً حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ وَ لَوْ كَانَ قَصِيرَ السَّاقَيْنِ وَ كَانَ يَخْطُو نَحْوَ الصَّيْدِ لِيَأْخُذَهُ يُصِيبُ بَطْنُهُ الْمَاءَ فَيَثُورُ وَ يُذْعَرُ مِنْهُ فَيُفَرَّقُ عَنْهُ فَخُلِقَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمُودَانِ لِيُدْرِكَ بِهِمَا حَاجَتَهُ وَ لَا يَفْسُدَ عَلَيْهِ مَطْلَبُهُ تَأَمَّلْ ضُرُوبَ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الطَّائِرِ فَإِنَّكَ تَجِدُ كُلَّ طَائِرٍ طَوِيلِ السَّاقَيْنِ طَوِيلَ الْعُنُقِ وَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِ طُعْمِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَ لَوْ كَانَ طَوِيلَ السَّاقَيْنِ قَصِيرَ الْعُنُقِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ-
____________
(1) ينطبق الوصف الذي ذكره الإمام الصّادق للطائر الطويل الساقين على بعض الطيور المائية كالنحام و الانيس.
(2) الضحضاح: الماء اليسير او القريب القعر.
(3) الربيئة: العين التي ترقب، أو الطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، و لا يكون إلّا على جبل.
(4) المرقب: الموضع المرتفع يعلوه الرقيب جمعه مراقب.
119
وَ رُبَّمَا أُعِينَ مَعَ الْعُنُقِ بِطُولِ الْمَنَاقِيرِ لِيَزْدَادَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ سُهُولَةً وَ إِمْكَاناً أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تُفَتِّشُ شَيْئاً مِنَ الْخِلْقَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ
العصافير و طلبها للأكل
انْظُرْ إِلَى الْعَصَافِيرِ كَيْفَ تَطْلُبُ أُكُلَهَا بِالنَّهَارِ فَهِيَ لَا تَفْقِدُهُ وَ لَا تَجِدُهُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً بَلْ تَنَالُهُ بِالْحَرَكَةِ وَ الطَّلَبِ وَ كَذَلِكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ الرِّزْقَ كَيْفَ فَرَّقَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إِذْ جَعَلَ بِالْخَلْقِ حَاجَةً إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجْعَلْ مَبْذُولًا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا (1) إِذْ كَانَ لَا صَلَاحَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُوجَدُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً كَانَتِ الْبَهَائِمُ تَنْقَلِبُ عَلَيْهِ وَ لَا تَنْقَلِعُ عَنْهُ حَتَّى تَبْشَمَ (2) فَتَهْلِكَ وَ كَانَ النَّاسُ أَيْضاً يَصِيرُونَ بِالْفَرَاغِ إِلَى غَايَةِ الْأَشَرِ وَ الْبَطَرِ حَتَّى يَكْثُرَ الْفَسَادُ وَ تَظْهَرَ الْفَوَاحِشُ
معاش البوم و الهام و الخفاش
أَ عَلِمْتَ مَا طُعْمُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ كَمِثْلِ الْبُومِ وَ الْهَامِ (3) وَ الْخُفَّاشِ-
____________
(1) الهوينا: التؤدة و الرفق، و هي تصغير الهوني، و الهونى تأنيث الأهون .. و قد كتبت الهوينا في الأصل هكذا: الهوينى.
(2) تبشم أي تتخم من الطعام.
(3) الهام جمع هامة: نوع من البوم الصغير تألف القبور و الاماكن الخربة و تنظر من كل مكان أينما درت ادارت رأسها، و تسمى أيضا الصدى.
120
قُلْتُ لَا يَا مَوْلَايَ قَالَ إِنَّ مَعَاشَهَا مِنْ ضُرُوبٍ تَنْتَشِرُ فِي الْجَوِّ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الْفَرَاشِ وَ أَشْبَاهِ الْجَرَادِ وَ الْيَعَاسِيبِ (1) وَ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مَبْثُوثَةٌ فِي الْجَوِّ لَا يَخْلُو مِنْهَا مَوْضِعٌ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ إِذَا وَضَعْتَ سِرَاجاً بِاللَّيْلِ فِي سَطْحٍ أَوْ عَرْصَةِ دَارٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الضُّرُوبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنَ الْقُرْبِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ يَأْتِي مِنَ الصَّحَارِي وَ الْبَرَارِي قِيلَ لَهُ كَيْفَ يُوَافِي تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَ كَيْفَ يُبْصِرُ مِنْ ذَلِكَ الْبُعْدِ سِرَاجاً فِي دَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِالدُّورِ فَيَقْصِدُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ عِيَاناً تَتَهَافَتُ عَلَى السِّرَاجِ مِنْ قُرْبٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجَوِّ فَهَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الطَّيْرِ تَلْتَمِسُهَا إِذَا خَرَجَتْ فَتَتَقَوَّتُ بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ وُجِّهَ الرِّزْقُ لِهَذِهِ الطُّيُورِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ مِنْ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي الْجَوِّ وَ اعْرِفْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي خَلْقِ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي عَسَى أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهَا فَضْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ
خلقة الخفاش
خُلِقَ الْخُفَّاشُ خِلْقَةً عَجِيبَةً بَيْنَ خِلْقَةِ الطَّيْرِ وَ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ هُوَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَقْرَبُ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ ذُو أُذُنَيْنِ نَاشِزَتَيْنِ (2) وَ أَسْنَانٍ وَ وَبَرٍ-
____________
(1) اليعاسيب جمع يعسوب و هو ذكر النجل و أميرها.
(2) الناشز: ما كان ناتئا مرتفعا عن مكانه .. و في نسخة ناشر بالراء أي مبسوط.
121
وَ هُوَ يَلِدُ وِلَاداً وَ يَرْضِعُ وَ يَبُولُ وَ يَمْشِي إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ وَ كُلُّ هَذَا خِلَافُ صِفَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ هُوَ أَيْضاً مِمَّا يَخْرُجُ بِاللَّيْلِ وَ يَتَقَوَّتُ بِمَا يَسْرِي (1) فِي الْجَوِّ مِنَ الْفَرَاشِ وَ مَا أَشْبَهَهُ وَ قَدْ قَالَ قَائِلُونَ إِنَّهُ لَا طُعْمَ لِلْخُفَّاشِ وَ إِنَّ غِذَاءَهُ (2) مِنَ النَّسِيمِ وَحْدَهُ وَ ذَلِكَ يَفْسُدُ وَ يَبْطُلُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَحَدُهُمَا خُرُوجُ الثُّفْلِ (3) وَ الْبَوْلِ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ طُعْمٍ وَ الْأُخْرَى أَنَّهُ ذُو أَسْنَانٍ وَ لَوْ كَانَ لَا يَطْعَمُ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ لِلْأَسْنَانِ فِيهِ مَعْنًى وَ لَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَ أَمَّا الْمَآرِبُ فِيهِ فَمَعْرُوفَةٌ حَتَّى أَنَّ زِبْلَهُ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِرْبِ فِيهِ خِلْقَتُهُ الْعَجِيبَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَ تَصَرُّفِهَا فِيمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ
حيلة الطائر أبو نمرة بالحسكة و منفعتها
فَأَمَّا الطَّائِرُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ نمرة (4)- [تُمَّرَةَ] فَقَدْ عَشَّشَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي بَعْضِ الشَّجَرِ فَنَظَرَ إِلَى حَيَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوَ عُشِّهِ فَاغِرَةً فَاهَا تَبْغِيهِ لِتَبْتَلِعَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَقَلَّبُ وَ يَضْطَرِبُ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ مِنْهَا إِذْ وَجَدَ حَسَكَةً فَحَمَلَهَا فَأَلْقَاهَا فِي فَمِ الْحَيَّةِ فَلَمْ تَزَلِ الْحَيَّةُ تَلْتَوِي وَ تَتَقَلَّبُ
____________
(1) يسرى: يسير في الليل.
(2) سقطت الهمزة في الطبعة الأولى.
(3) الثفل- بالضم- الكدرة المستقرة في اسفل الشيء.
(4) في الأصل المطبوع أبو تمرة و هو غير صحيح، و في نسخة البحار ابن تمرة .. و تمرة او ابن تمرة طائر أصغر من العصفور.
122
حَتَّى مَاتَتْ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ أُخْبِرْكَ بِذَلِكَ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَوْ بِبَالِ غَيْرِكَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ حَسَكَةٍ مِثْلُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ يَكُونُ مِنْ طَائِرٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مِثْلُ هَذِهِ الْحِيلَةِ اعْتَبِرْ بِهَذَا وَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ يَكُونُ فِيهَا مَنَافِعُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِحَادِثٍ يَحْدُثُ أَوْ خَبَرٍ يُسْمَعُ بِهِ
النحل عسله و بيوته
انْظُرْ إِلَى النَّحْلِ وَ احْتِشَادِهِ فِي صَنْعَةِ الْعَسَلِ وَ تَهْيِئَةِ الْبُيُوتِ الْمُسَدَّسَةِ وَ مَا تَرَى فِي ذَلِكَ مِنْ دَقَائِقِ الْفِطْنَةِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَمَلَ رَأَيْتَهُ عَجِيباً لَطِيفاً وَ إِذَا رَأَيْتَ الْمَعْمُولَ وَجَدْتَهُ عَظِيماً شَرِيفاً مَوقِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْفَاعِلِ أَلْفَيْتَهُ غَبِيّاً جَاهِلًا بِنَفْسِهِ (1) فَضْلًا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ فَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَ الْحِكْمَةَ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ لَيْسَ لِلنَّحْلِ بَلْ هِيَ لِلَّذِي طَبَعَهُ عَلَيْهَا وَ سَخَّرَهُ فِيهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ
____________
(1) أي ليس له عقل يتصرف في سائر الأشياء على نحو تصرفه في ذلك الأمر المخصوص، فظهر ان خصوص هذا الامر إلهام من مدبر حكيم او خلقة و طبيعة جبله عليها في شأن مصلحته الخاصّة، مع كون هذا الحيوان غافلا عن المصلحة أيضا، و لعلّ هذا يؤيد ما يقال ان الحيوانات العجم غير مدركة للكليات.
(من تعليقات البحار)
123
الجراد و بلاؤه
انْظُرْ إِلَى هَذَا الْجَرَادِ مَا أَضْعَفَهُ وَ أَقْوَاهُ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ خَلْقَهُ رَأَيْتَهُ كَأَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ وَ إِنْ دَلَفَتْ (1) عَسَاكِرُهُ نَحْوَ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَحْمِيَهُ مِنْهُ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ لَوْ جَمَعَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ (2) لِيَحْمِيَ بِلَادَهُ مِنَ الْجَرَادِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَ فَلَيْسَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ أَنْ يَبْعَثَ أَضْعَفَ خَلْقِهِ إِلَى أَقْوَى خَلْقِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ
كثرة الجراد
انْظُرْ إِلَيْهِ كَيْفَ يَنْسَابُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ السَّيْلِ فَيَغْشَى السَّهْلَ وَ الْجَبَلَ وَ الْبَدْوَ وَ الْحَضَرَ حَتَّى يَسْتُرَ نُورَ الشَّمْسِ بِكَثْرَتِهِ فَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي مَتَى كَانَ تَجْتَمِعُ مِنْهُ هَذِهِ الْكَثْرَةُ وَ فِي كَمْ سَنَةٍ كَانَ يَرْتَفِعُ فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي لَا يؤدها [يَئُودُهَا] شَيْءٌ وَ لَا يُكْثِرُ عَلَيْهَا
وصف السمك
تَأَمَّلْ خَلْقَ السَّمَكِ وَ مُشَاكَلَتَهُ لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خُلِقَ غَيْرَ ذِي قَوَائِمَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَشْيِ إِذْ كَانَ مَسْكَنُهُ الْمَاءَ وَ خُلِقَ غَيْرَ ذِي رِيَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَنَفَّسَ وَ هُوَ مُنْغَمِسٌ فِي اللُّجَّةِ-
____________
(1) دلف دلفا و دلفانا: مشى كالمقيد و قارب الخطو في مشيه.
(2) الرجل- بالفتح- جمع راجل و هو من يمشي على رجليه لا راكبا
124
وَ جُعِلَتْ لَهُ مَكَانَ الْقَوَائِمِ أَجْنِحَةٌ شِدَادٌ يَضْرِبُ بِهَا فِي جَانِبَيْهِ كَمَا يَضْرِبُ الْمَلَّاحُ بِالْمَجَاذِيفِ مِنْ جَانِبَيِ السَّفِينَةِ وَ كَسَا (1) جِسْمَهُ قُشُوراً مِتَاناً مُتَدَاخِلَةً كَتَدَاخُلِ الدُّرُوعِ وَ الْجَوَاشِنِ (2) لِتَقِيَهُ مِنَ الْآفَاتِ فَأُعِينَ بِفَضْلِ حِسٍّ فِي الشَّمِّ لِأَنَّ بَصَرَهُ ضَعِيفٌ وَ الْمَاءُ يَحْجُبُهُ فَصَارَ يَشَمُّ الطُّعْمَ مِنَ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ فَيَنْتَجِعُهُ (3) فَيَتَّبِعُهُ وَ إِلَّا فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِهِ وَ بِمَوْضِعِهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ فِيهِ إِلَى صِمَاخِهِ (4) مَنَافِذَ فَهُوَ يَعُبُّ الْمَاءَ بِفِيهِ وَ يُرْسِلُهُ مِنْ صِمَاخَيْهِ فَيَتَرَوَّحُ إِلَى ذَلِكَ كَمَا يَتَرَوَّحُ غَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى تَنَسُّمِ هَذَا النَّسِيمِ
كثرة نسل السمك و علة ذلك
فَكِّرِ الْآنَ فِي كَثْرَةِ نَسْلِهِ وَ مَا خُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى فِي جَوْفِ السَّمَكَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْبَيْضِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَّسِعَ لِمَا يَغْتَذِي بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا يَأْكُلُ السَّمَكَ حَتَّى إِنَّ السِّبَاعَ أَيْضاً فِي حَافَاتِ الْآجَامِ (5) عَاكِفَةٌ عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً كَيْ تُرْصِدَ السَّمَكَ فَإِذَا مَرَّ بِهَا خَطِفَتْهُ فَلَمَّا كَانَتِ السِّبَاعُ تَأْكُلُ السَّمَكَ
____________
(1) في الأصل كتبت الالف المقصورة.
(2) الجواشن جمع جوشن و هو الدرع او الصدر.
(3) ينتجع: يطلب الكلاء في موضعه.
(4) الصماخ- بالكسر- خرق الاذن الباطن الماضي الى الرأس، و الجمع صمخ و اصمخة.
(5) الآجام جمع الجمع للأجمة: الشجر الكثير الملتف.
125
وَ الطَّيْرُ يَأْكُلُ السَّمَكَ وَ النَّاسُ يَأْكُلُونَ السَّمَكَ وَ السَّمَكُ يَأْكُلُ السَّمَكَ كَانَ مِنَ التَّدْبِيرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَثْرَةِ
سعة حكمة الخالق و قصر علم المخلوقين
فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ وَ قِصَرَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَى مَا فِي الْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ السَّمَكِ وَ دَوَابِّ الْمَاءِ وَ الْأَصْدَافِ وَ الْأَصْنَافِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَ لَا تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلَّا الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِأَسْبَابٍ تُحْدَثُ مِثْلُ الْقِرْمِزِ (1) فَإِنَّهُ لَمَّا عَرَفَ النَّاسُ صِبْغَهُ بِأَنَّ كَلْبَةً تَجُولُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَوَجَدَتْ شَيْئاً مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُسَمَّى الْحَلَزُونَ (2) فَأَكَلَتْهُ فَاخْتَضَبَ خَطْمُهَا (3) بِدَمِهِ فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى حُسْنِهِ فَاتَّخَذُوهُ صِبْغاً (4) وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يَقِفُ النَّاسُ عَلَيْهِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَ زَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ (5)-
____________
(1) القرمز صبغ احمر.
(2) الحلزون: دويبة تكون في صدف و هي المعروفة بالبزاق.
(3) الخطم مقدم انف الدابّة و فمها.
(4) يظهر من كلام الإمام (عليه السلام) اتّحاد القرمز و الحلزون، و يحتمل أن يكون المراد ان من صبغ الحلزون تفطن الناس باعمال القرمز للصبغ، لما فيهما من تشابه.
(5) ليس العجب من خالق أمثال هذه الذرة و الدودة و اصناف الأسماك الغريبة التي اختلفت اشكالها و تنوعت الحكمة فيها، و ليس العجيب-
126
قَالَ الْمُفَضَّلُ وَ حَانَ وَقْتُ الزَّوَالِ فَقَامَ مَوْلَايَ (ع) إِلَى الصَّلَاةِ وَ قَالَ بَكِّرْ إِلَيَّ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْصَرَفْتُ وَ قَدْ تَضَاعَفَ سُرُورِي بِمَا عَرَّفَنِيهِ مُبْتَهِجاً بِمَا مَنَحَنِيهِ حَامِداً لِلَّهِ عَلَى مَا آتَانِيهِ فَبِتُّ لَيْلَتِي مَسْرُوراً مُبْتَهِجاً
المجلس الثالث
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ بَكَّرْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَاسْتُؤْذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَأَذِنَ لِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ (ع) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَانَا وَ لَمْ يَصْطَفِ عَلَيْنَا اصْطَفَانَا بِعِلْمِهِ (1)
____________
- ان يهتدي الى الحكمة في كل واحد من تلك المصنوعات بعد وجودها و تكوينها، و انما العجب ممن ينكر فاطر السماوات و الأرض و ما فيهن و ما بينهن، مع إتقان الصنعة و احكام الخلقة و بداعة التركيب، و لو نظر الجاحد الى نفسه مع غريب الصنع و تمام الخلق، لكان أكبر برهان على الوجود و وحدانية الوجود.
(الإمام الصّادق للمظفر ج 1 ص 177).
(1) اصطفانا اي اختارنا و فضلنا على الخلق، بان اعطانا من علمه ما لم يعط أحدا.
127
وَ أَيَّدَنَا بِحِلْمِهِ (1) مَنْ شَذَّ عَنَّا (2) فَالنَّارُ مَأْوَاهُ وَ مَنْ تَفَيَّأَ بِظِلِّ دَوْحَتِنَا فَالْجَنَّةُ مَثْوَاهُ قَدْ شَرَحْتُ لَكَ يَا مُفَضَّلُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ وَ مَا دُبِّرَ بِهِ وَ تَنَقُّلَهُ فِي أَحْوَالِهِ وَ مَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ وَ شَرَحْتُ لَكَ أَمْرَ الْحَيَوَانِ وَ أَنَا أَبْتَدِئُ الْآنَ بِذِكْرِ السَّمَاءِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ الْفَلَكِ وَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الرِّيَاحِ وَ الْجَوَاهِرِ الْأَرْبَعَةِ الْأَرْضِ وَ الْمَاءِ وَ الْهَوَاءِ وَ النَّارِ وَ الْمَطَرِ وَ الصَّخْرِ وَ الْجِبَالِ وَ الطِّينِ وَ الْحِجَارَةِ وَ النَّخْلِ وَ الشَّجَرِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَ الْعِبَرِ
لون السماء و ما فيه من صواب التدبير
فَكِّرْ فِي لَوْنِ السَّمَاءِ وَ مَا فِيهِ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ هَذَا اللَّوْنَ أَشَدُّ الْأَلْوَانِ مُوَافَقَةً وَ تَقْوِيَةً لِلْبَصَرِ حَتَّى إِنَّ مِنْ صِفَاتِ الْأَطِبَّاءِ لِمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَضَرَّ بِبَصَرِهِ إِدْمَانَ النَّظَرِ إِلَى الْخُضْرَةِ وَ مَا قَرُبَ مِنْهَا إِلَى السَّوَادِ وَ قَدْ وَصَفَ الْحُذَّاقُ مِنْهُمْ لِمَنْ كَلَّ بَصَرُهُ الِاطِّلَاعَ فِي إِجَّانَةٍ (3) خَضْرَاءَ مَمْلُوءَةٍ مَاءٌ فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَ تَعَالَى أَدِيمَ السَّمَاءِ بِهَذَا اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ إِلَى السَّوَادِ لِيُمْسِكَ الْأَبْصَارَ الْمُتَقَلِّبَةَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْكَأُ فِيهَا بِطُولِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ فَصَارَ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ النَّاسُ بِالْفِكْرِ وَ الرَّوِيَّةِ وَ التَّجَارِبِ يُوجَدُ مَفْرُوغاً
____________
(1) ايدنا بحلمه أي قوانا على تبليغ الرسالة بما حلانا به من حلمه لنصبر على ما يلقانا من أذى الناس و تكذيبهم.
(2) شذ عنا: ندر عنا و انفرد.
(3) الاجانة- بكسر فتشديد- إناء تغسل فيه الثياب و الجمع أجاجين
128
مِنْهُ فِي الْخِلْقَةِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ (1) لِيَعْتَبِرَ بِهَا الْمُعْتَبِرُونَ وَ يُفَكِّرَ فِيهَا الْمُلْحِدُونَ- قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (2)
طلوع الشمس و غروبها و المنافع في ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ غُرُوبِهَا لِإِقَامَةِ دَوْلَتَيِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ فَلَوْ لَا طُلُوعُهَا لَبَطَلَ أَمْرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَ الدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يَكُونُوا يَتَهَنَّوْنَ بِالعَيْشِ مَعَ فَقْدِهِمْ لَذَّةَ النُّورِ وَ رَوْحَهُ وَ الْإِرْبُ فِي طُلُوعِهَا ظَاهِرٌ مُسْتَغْنٍ بِظُهُورِهِ عَنِ الْإِطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ وَ الزِّيَادَةِ فِي شَرْحِهِ بَلْ تَأَمَّلِ الْمَنْفَعَةَ فِي غُرُوبِهَا فَلَوْ لَا غُرُوبُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ هُدُوءٌ وَ لَا قَرَارٌ مَعَ عِظَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْهُدُوءِ وَ الرَّاحَةِ لِسُكُونِ أَبْدَانِهِمْ وَ جُمُومِ حَوَاسِّهِمْ (3) وَ انْبِعَاثِ الْقُوَّةِ الْهَاضِمَةِ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَ تَنْفِيذِ الْغِذَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ ثُمَّ كَانَ الْحِرْصُ يَسْتَحْمِلُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ وَ مُطَاوَلَتِهِ عَلَى مَا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُ فِي أَبْدَانِهِمْ فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَوْ لَا جُثُومُ (4) هَذَا اللَّيْلِ بِظُلْمَتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هُدُوءٌ وَ لَا قَرَارٌ حِرْصاً عَلَى الْكَسْبِ وَ الْجَمْعِ وَ الِادِّخَارِ ثُمَّ كَانَتِ الْأَرْضُ تَسْتَحْمِى بِدَوَامِ الشَّمْسِ بِضِيَائِهَا وَ يُحْمَى كُلُّ مَا عَلَيْهَا مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ فَقَدَّرَهَا
____________
(1) خبر مبتدأ محذوف او بالنصب على الحالية او لكونه مفعولا لأجله
(2) يؤفكون: يكذبون.
(3) لجموم مصدر جم تقول جم القوم: استراحوا و كثروا.
(4) الجثوم مصدر من قولهم جثم الليل.
129
اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ وَ تَدْبِيرِهِ تَطْلُعُ وَقْتاً وَ تَغْرُبُ وَقْتاً بِمَنْزِلَةِ سِرَاجٍ يُرْفَعُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ تَارَةً لِيَقْضُوا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لِيَهْدَءُوا وَ يَقِرُّوا فَصَارَ النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ مَعَ تَضَادِّهِمَا مُنْقَادَيْنِ مُتَظَاهِرَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ وَ قَوَامُهُ
التدبير و المصلحة في الفصول الأربعة من السنة
ثُمَّ فَكِّرْ بَعْدَ هَذَا فِي ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَ انْحِطَاطِهَا لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ (1) مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْمَصْلَحَةِ فَفِي الشِّتَاءِ تَعُودُ الْحَرَارَةُ فِي الشَّجَرِ وَ النَّبَاتِ فَيَتَوَلَّدُ فِيهِمَا مَوَادُّ الثِّمَارِ وَ يَتَكَثَّفُ (2) الْهَوَاءُ فَيَنْشَأُ مِنْهُ السَّحَابُ وَ الْمَطَرُ وَ تَشْتَدُّ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ تَقْوَى وَ فِي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ وَ تَظْهَرُ الْمَوَادُّ الْمُتَوَلِّدَةُ فِي الشِّتَاءِ فَيَطْلُعُ النَّبَاتُ وَ تَنَوَّرُ (3) الْأَشْجَارُ وَ يَهِيجُ الْحَيَوَانُ لِلسِّفَادِ وَ فِي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الْهَوَاءُ فَتَنْضَجُ الثِّمَارُ وَ تَتَحَلَّلُ فُضُولُ الْأَبْدَانِ وَ يَجِفُّ وَجْهُ الْأَرْضِ فَتَهَيَّأُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَعْمَالِ وَ فِي الْخَرِيفِ يَصْفُو الْهَوَاءُ وَ تَرْتَفِعُ الْأَمْرَاضُ وَ تَصِحُّ الْأَبْدَانُ وَ يَمْتَدُّ اللَّيْلُ فَيُمْكِنُ فِيهِ بَعْضُ الْأَعْمَالِ لِطُولِهِ وَ يَطِيبُ الْهَوَاءُ فِيهِ إِلَى مَصَالِحَ أُخْرَى لَوْ تَقَصَّيْتُ لِذِكْرِهَا لَطَالَ فِيهَا الْكَلَامُ
____________
(1) يريد بذلك الإمام (عليه السلام) الفصول الأربعة.
(2) يتكثف الهواء- أي يغلظ و يكثر.
(3) تنور الاشجار اي تخرج نورها- بفتح فسكون- اي زهرها او الابيض منه.
130
معرفة الأزمنة و الفصول الأربعة عن طريق حركة الشمس
فَكِّرِ الْآنَ فِي تَنَقُّلِ الشَّمْسِ فِي الْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ (1) لِإِقَامَةِ دَوْرِ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ الدَّوْرُ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْأَزْمِنَةُ الْأَرْبَعَةُ مِنَ السَّنَةِ الشِّتَاءُ وَ الرَّبِيعُ وَ الصَّيْفُ وَ الْخَرِيفُ تَسْتَوْفِيهَا عَلَى التَّمَامِ وَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ دَوَرَانِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ الْغَلَّاتُ وَ الثِّمَارُ وَ تَنْتَهِي إِلَى غَايَاتِهِمْ ثُمَّ تَعُودُ فَيَسْتَأْنِفُ النُّشُوَّ وَ النُّمُوَّ أَ لَا تَرَى أَنَّ السَّنَةَ مِقْدَارُ مَسِيرِ الشَّمْسِ مِنَ الْحَمَلِ إِلَى الْحَمَلِ فَبِالسَّنَةِ وَ أَخَوَاتِهَا يُكَالُ الزَّمَانُ مِنْ لَدُنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَالَمَ إِلَى كُلِّ وَقْتٍ وَ عَصْرٍ مِنْ غَابِرِ الْأَيَّامِ وَ بِهَا يَحْسُبُ النَّاسُ الْأَعْمَارَ وَ الْأَوْقَاتَ الْمُوَقَّتَةَ لِلدُّيُونِ وَ الْإِجَارَاتِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَ بِمَسِيرِ (2) الشَّمْسِ تَكْمُلُ السَّنَةُ وَ يَقُومُ حِسَابُ الزَّمَانِ عَلَى الصِّحَّةِ انْظُرْ إِلَى شُرُوقِهَا عَلَى الْعَالَمِ كَيْفَ دُبِّرَ أَنْ يَكُونَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَبْزُغُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ السَّمَاءِ فَتَقِفُ لَا تَعْدُوهُ لَمَا وَصَلَ شُعَاعُهَا وَ مَنْفَعَتُهَا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْجِهَاتِ لِأَنَّ الْجِبَالَ وَ الْجُدْرَانَ كَانَتْ تَحْجُبُهَا عَنْهَا فَجُعِلَتْ تَطْلُعُ أَوَّلَ النَّهَارِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَشْرُقُ عَلَى مَا قَابَلَهَا مِنْ وَجْهِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ لَا
____________
(1) بروج السماء الاثنى عشر هي الحمل و الثور و الجوزاء و السرطان و الأسد و السنبلة و الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدلو و الحوت.
(2) في نسخة البحار «ميسر» بتقديم الياء على السين، و ليس للكلمة هنا معنى يوافق المراد.
131
تَزَالُ تَدُورُ وَ تَغْشَى جِهَةً بَعْدَ جِهَةٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَتَشْرُقَ عَلَى مَا اسْتَتَرَ عَنْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ مِنَ الْمَوَاضِعِ إِلَّا أَخَذَ بِقِسْطِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا وَ الْإِرْبِ الَّتِي قُدِّرَتْ لَهُ وَ لَوْ تَخَلَّفَتْ مِقْدَارَ عَامٍ أَوْ بَعْضَ عَامٍ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ حَالُهُمْ بَلْ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءٌ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لِلنَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهَا حِيلَةٌ فَصَارَتْ تَجْرِي عَلَى مَجَارِيهَا لَا تفتل (1) [تَعْتَلُ] وَ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ مَوَاقِيتِهَا لِصَلَاحِ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ بَقَاؤُهُ
الاستدلال بالقمر في معرفة الشهور
اسْتَدِلَّ بِالْقَمَرِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ جَلِيلَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَامَّةُ فِي مَعْرِفَةِ الشُّهُورِ وَ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ حِسَابُ السَّنَةِ لِأَنَّ دَوْرَهُ لَا يَسْتَوْفِي الْأَزْمِنَةَ الْأَرْبَعَةَ وَ نُشُوَّ الثِّمَارِ وَ تَصَرُّمَهَا وَ لِذَلِكَ صَارَتْ شُهُورُ الْقَمَرِ وَ سِنُوهُ تَتَخَلَّفُ عَنْ شُهُورِ الشَّمْسِ وَ سِنِيهَا وَ صَارَ الشَّهْرُ مِنْ شُهُورِ الْقَمَرِ يَنْتَقِلُ فَيَكُونُ مَرَّةً بِالشِّتَاءِ وَ مَرَّةً بِالصَّيْفِ
ضوء القمر و ما فيه من المنافع
فَكِّرْ فِي إِنَارَتِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ الْإِرْبِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَى الظُّلْمَةِ لِهُدُوءِ الْحَيَوَانِ وَ بَرْدِ الْهَوَاءِ عَلَى النَّبَاتِ لَمْ يَكُنْ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ ظُلْمَةً دَاجِيَةً لَا ضِيَاءَ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا
____________
(1) لا تفتل- اي لا تنصرف و لا تزول.
132
احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الْعَمَلِ بِاللَّيْلِ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ فِي النَّهَارِ وَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَ إِفْرَاطِهِ فَيَعْمَلُ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ أَعْمَالًا شَتَّى كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَ ضَرْبِ اللَّبِنِ وَ قَطْعِ الْخَشَبِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَجُعِلَ ضَوْءُ الْقَمَرِ مَعُونَةً لِلنَّاسِ عَلَى مَعَايِشِهِمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ وَ أُنْساً لِلسَّائِرِينَ وَ جُعِلَ طُلُوعُهُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ دُونَ بَعْضٍ وَ نُقِصَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ ضِيَائِهَا لِكَيْلَا يَنْبَسِطَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ انْبِسَاطَهُمْ بِالنَّهَارِ وَ يَمْتَنِعُوا مِنَ الْهُدُوءِ وَ الْقَرَارِ فَيُهْلِكَهُمْ ذَلِكَ وَ فِي تَصَرُّفِ الْقَمَرِ خَاصَّةً فِي مُهَلِّهِ (1) وَ مُحَاقِهِ (2) وَ زِيَادَتِهِ وَ نُقْصَانِهِ وَ كُسُوفِهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى خالفه [خَالِقِهِ] الْمُصَرِّفِ لَهُ هَذَا التَّصْرِيفَ لِصَلَاحِ الْعَالَمِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُعْتَبِرُونَ
النجوم و اختلاف مسيرها و السبب في أن بعضها راتبة و الأخرى منتقلة
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النُّجُومِ وَ اخْتِلَافِ مَسِيرِهَا فَبَعْضُهَا لَا تُفَارِقُ مَرَاكِزَهَا مِنَ الْفَلَكِ (3) وَ لَا تَسِيرُ إِلَّا مُجْتَمِعَةً وَ بَعْضُهَا مُطْلَقَةٌ تَنْتَقِلُ فِي الْبُرُوجِ وَ تَفْتَرِقُ فِي مَسِيرِهَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَسِيرُ سَيْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ مَعَ الْفَلَكِ نَحْوَ الْمَغْرِبِ وَ الْآخَرُ خَاصٌّ لِنَفْسِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ كَالنَّمْلَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَى الرَّحَى فَالرَّحَى تَدُورُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ النَّمْلَةُ تَدُورُ ذَاتَ الشِّمَالِ-
____________
(1) مهله: أى ظهوره.
(2) المحاق:- بكسر الأول او ضمه او فتحه- هو آخر الشهر القمري و قيل ثلاث ليال من آخره.
(3) لعل المراد انه ليس لها حركة بينة ظاهرة كما في النجوم السيارة
133
وَ النَّمْلَةُ فِي ذَلِكَ تَتَحَرَّكُ حَرْكَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنَفْسِهَا فَتَتَوَجَّهُ أَمَامَهَا وَ الْأُخْرَى مُسْتَكْرَهَةٌ مَعَ الرَّحَى تَجْذِبُهَا إِلَى خَلْفِهَا فَاسْأَلِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ النُّجُومَ صَارَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِالْإِهْمَالِ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَ لَا صَانِعٍ لَهَا مَا مَنَعَهَا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا رَاتِبَةً (1) أَوْ تَكُونَ كُلُّهَا مُنْتَقِلَةً فَإِنَّ الْإِهْمَالَ مَعْنًى وَاحِدٌ (2) فَكَيْفَ صَارَ يَأْتِي بِحَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَلَى وَزْنٍ وَ تَقْدِيرٍ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ مَسِيرَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى مَا يَسِيرَانِ عَلَيْهِ بِعَمْدٍ وَ تَدْبِيرٍ وَ حِكْمَةٍ وَ تَقْدِيرٍ وَ لَيْسَ بِإِهْمَالٍ كَمَا يَزْعُمُ الْمُعَطِّلَةُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَ لِمَ صَارَ بَعْضُ النُّجُومِ رَاتِباً وَ بَعْضُهَا مُنْتَقِلًا قُلْنَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا رَاتِبَةً لَبَطَلَتِ الدَّلَالاتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا مِنْ تَنَقُّلِ الْمُنْتَقِلَةِ وَ مَسِيرِهَا فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنَ الْبُرُوجِ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَشْيَاءَ مِمَّا يُحْدَثُ فِي الْعَالَمِ بِتَنَقُّلِ الشَّمْسِ وَ النُّجُومِ فِي مَنَازِلِهَا وَ لَوْ كَانَتْ
____________
(1) راتبة أي ثابتة غير متحركة.
(2) يحتمل أن يكون المراد ان الطبيعة او الدهر- الذين يجعلونهما أصحاب الإهمال مؤثرين- كل منهما أمر واحد غير ذي شعور و إرادة، و لا يمكن صدور الامرين المختلفين عن مثل ذلك .. أو المراد ان العقل يحكم بان مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين علي قانون الحكمة لا يكون إلّا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم .. او المراد ان الاهمال أي عدم الحاجة الى العلة، و ترجح الامر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما، فلم صارت إحداهما راتبة و الأخرى منتقلة؟ و لم لم يعكس الامر .. و لعلّ المعنى الأول الذي ذكرناه أفضل و أقرب.
(من تعليقات البحار)
134
كُلُّهَا مُنْتَقِلَةً لَمْ يَكُنْ لِمَسِيرِهَا مَنَازِلُ تُعْرَفُ وَ لَا رَسْمٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِمَسِيرِ الْمُنْتَقِلَةِ مِنْهَا بِتَنَقُّلِهَا فِي الْبُرُوجِ الرَّاتِبَةِ (1) كَمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى سَيْرِ السَّائِرِ عَلَى الْأَرْضِ بِالْمَنَازِلِ الَّتِي يَجْتَازُ عَلَيْهَا وَ لَوْ كَانَ تَنَقُّلُهَا بِحَالٍ وَاحِدٍ لَاخْتَلَطَ نِظَامُهَا وَ بَطَلَتِ الْمَآرِبُ فِيهَا وَ لَسَاغَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ كَيْنُونَتَهَا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهَا الْإِهْمَالَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي وَصَفْنَا فَفِي اخْتِلَافِ سَيْرِهَا وَ تَصَرُّفِهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَآرِبِ وَ الْمَصْلَحَةِ أَبْيَنُ دَلِيلٍ عَلَى الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ فِيهَا
فوائد بعض النجوم
فَكِّرْ فِي هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ وَ تَحْتَجِبُ فِي بَعْضِهَا كَمِثْلِ الثُّرَيَّا (2) وَ الْجَوْزَاءِ (3) وَ الشِّعْرَيَيْنِ (4) وَ سُهَيْلٍ (5) فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ
____________
(1) نرجح ان الإمام (عليه السلام) راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الاشكال .. و ان أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بقاء الحركة ليصلح كون تلك الاشكال علامات للبروج، و لو بقربها منه .. لكن هذا المعنى بعيد. «من تعليقات البحار»
(2) الثريا: مجموع كواكب في عنق الثور.
(3) الجوزاء: برج في السماء، سميت بذلك لاعتراضها في جوز السماء أي وسطه.
(4) الشعريان: تثنية الشعرى- بالكسر- و هو الكوكب الذي يطلع في الجوزاء و طلوعه في شدة الحر.
(5) سهيل- بالتصغير- نجم بهي طلوعه على بلاد العرب في اواخر القيظ.
135
بِأَسْرِهَا تَظْهَرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ فِيهَا عَلَى حِيَالِهِ دَلَالاتٌ يَعْرِفُهَا النَّاسُ وَ يَهْتَدُونَ بِهَا لِبَعْضِ أُمُورِهِمْ كَمَعْرِفَتِهِمُ الْآنَ بِمَا يَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الثَّوْرِ (1) وَ الْجَوْزَاءِ إِذَا طَلَعَتْ وَ احْتِجَابِهَا إِذَا احْتَجَبَتْ فَصَارَ ظُهُورُ كُلِّ وَاحِدٍ وَ احْتِجَابُهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الْآخَرِ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ وَ مَا جُعِلَتِ الثُّرَيَّا وَ أَشْبَاهُهَا تَظْهَرُ حِيناً وَ تَحْتَجِبُ حِيناً إِلَّا لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ كَذَلِكَ جُعِلَتْ بَنَاتُ نَعْشٍ (2) ظَاهِرَةً لَا تَغِيبُ لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ لِلطُّرُقِ الْمَجْهُولَةِ وَ كَذَلِكَ إِنَّهَا لَا تَغِيبُ وَ لَا تَتَوَارَى فَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا مَتَى أَرَادُوا أَنْ يَهْتَدُوا بِهَا إِلَى حَيْثُ شَاءُوا وَ صَارَ الْأَمْرَانِ جَمِيعاً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا مُوَجَّهَيْنِ نَحْوَ الْإِرْبِ وَ الْمَصْلَحَةِ وَ فِيهِمَا مَآرِبُ أُخْرَى عَلَامَاتٌ وَ دَلَالاتٌ- عَلَى أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ السَّفَرِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ أَشْيَاءَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْأَزْمِنَةِ مِنَ الْأَمْطَارِ وَ الرِّيَاحِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ بِهَا يَهْتَدِي السَّائِرُونَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِقَطْعِ الْقِفَارِ الْمُوحِشَةِ وَ اللُّجَجِ (3) الْهَائِلَةِ مَعَ مَا فِي تَرَدُّدِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ مُقْبِلَةً وَ مُدْبِرَةً وَ مُشْرِقَةً
____________
(1) الثور: برج في السماء من البروج الاثنى عشر.
(2) بنات نعش الكبرى: سبعة كواكب تشاهدها جهة القطب الشمالي، و بقربها سبعة اخرى تسمى بنات نعش الصغرى، و النجمة التي رسمت كبيرة هي النجمة القطبية التي يستدل بها على نقطة القطب الشمالي.
(3) اللجج جمع لجة: معظم الماء.
136
وَ مُغْرِبَةً مِنَ الْعِبَرِ فَإِنَّهَا تَسِيرُ أَسْرَعَ السَّيْرِ وَ أَحَثَّهُ (1) أَ رَأَيْتَ لَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ بِالْقُرْبِ مِنَّا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَنَا سُرْعَةُ سَيْرِهَا بِكُنْهِ مَا هِيَ عَلَيْهِ أَ لَمْ تَكُنْ تَسْتَخْطِفُ الْأَبْصَارَ بِوَهْجِهَا وَ شُعَاعِهَا كَالَّذِي يَحْدُثُ أَحْيَاناً مِنَ الْبُرُوقِ إِذَا تَوَالَتْ وَ اضْطَرَمَتْ فِي الْجَوِّ وَ كَذَلِكَ أَيْضاً لَوْ أَنَّ أُنَاساً كَانُوا فِي قُبَّةٍ مُكَلَّلَةٍ بِمَصَابِيحَ تَدُورُ حَوْلَهُمْ دَوَرَاناً حَثِيثاً لَحَارَتْ أَبْصَارُهُمْ حَتَّى يَخِرُّوا لِوُجُوهِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهَا فِي الْبُعْدِ الْبَعِيدِ لِكَيْلَا تَضُرَّ فِي الْأَبْصَارِ وَ تُنْكَأَ فِيهَا وَ بِأَسْرَعِ السُّرْعَةِ لِكَيْلَا تَتَخَلَّفَ عَنْ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ فِي مَسِيرِهَا وَ جُعِلَ فِيهَا جُزْءاً يَسِيراً مِنَ الضَّوْءِ لِيَسُدَّ مَسَدَّ الْأَضْوَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَمَرٌ وَ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَرَكَةُ إِذَا حَدَثَتْ ضَرُورَةٌ كَمَا قَدْ يَحْدُثُ الْحَادِثُ عَلَى الْمَرْءِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّجَافِي (2) فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الضَّوْءِ يُهْتَدَى بِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ فَتَأَمَّلِ اللُّطْفَ وَ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ حِينَ جُعِلَ لِلظُّلْمَةِ دَوْلَةٌ وَ مُدَّةٌ لِحَاجَةٍ إِلَيْهَا وَ جُعِلَ خِلَالَهَا شَيْءٌ مِنَ الضَّوْءِ لِلْمَآرِبِ الَّتِي وَصَفْنَا
الشمس و القمر و النجوم و البروج تدل على الخالق
فَكِّرْ فِي هَذَا الْفَلَكِ بِشَمْسِهِ وَ قَمَرِهِ وَ نُجُومِهِ وَ بُرُوجِهِ تَدُورُ عَلَى الْعَالَمِ هَذَا الدَّوَرَانَ الدَّائِمَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَ الْوَزْنِ لِمَا فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ-
____________
(1) أسرع السير و أحثه كلاهما بمعنى واحد.
(2) التجافي من تجافى أي لم يلزم مكانه.
137
وَ هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَوَالِيَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَصْلَحَةِ كَالَّذِي بَيَّنْتُ وَ شَخَّصْتُ لَكَ آنِفاً وَ هَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ مُقَدَّرٌ وَ صَوَابٌ وَ حِكْمَةٌ مِنْ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا فِي دُولَابٍ (1) يَرَاهُ يَدُورُ وَ يَسْقِي حَدِيقَةً فِيهَا شَجَرٌ وَ نَبَاتٌ فَيَرَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ آلَاتِهِ مُقَدَّراً بَعْضُهُ يَلْقَى بَعْضاً عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ تِلْكَ الْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا وَ بِمَ كَانَ يُثْبِتُ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ قَالَهُ وَ مَا تَرَى النَّاسَ كَانُوا قَائِلِينَ لَهُ لَوْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَ فَيُنْكِرُ أَنْ يَقُولَ فِي دُولَابِ خَشَبٍ مَصْنُوعٍ بِحِيلَةٍ قَصِيرَةٍ لِمَصْلَحَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ أَنَّهُ كَانَ بِلَا صَانِعٍ وَ مُقَدِّرٍ وَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الدُّولَابِ الْأَعْظَمِ الْمَخْلُوقِ بِحِكْمَةٍ تَقْصُرُ عَنْهَا أَذْهَانُ الْبَشَرِ لِصَلَاحِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا أَنَّهُ شَيْءٌ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ بِلَا صَنْعَةٍ وَ لَا تَقْدِيرٍ لَوِ اعْتَلَّ هَذَا الْفَلَكُ كَمَا تَعْتَلُّ الْآلَاتُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ غَيْرِهَا أَيُّ شَيْءٍ كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْحِيلَةِ فِي إِصْلَاحِهِ
مقادير الليل و النهار
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَقَادِيرِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ كَيْفَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ هَذَا الْخَلْقِ فَصَارَ مُنْتَهَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا امْتَدَّ إِلَى
____________
(1) الدولاب- بالفتح- كل آلة تدور على محور و الجمع دواليب، و الكلمة من الدخيل.
138
خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ (1) أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ النَّهَارُ يَكُونُ مِقْدَارُهُ مِائَةَ سَاعَةٍ أَوْ مِائَتَيْ سَاعَةٍ أَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَوَارُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ أَمَّا الْحَيَوَانُ فَكَانَ لَا يَهْدَأُ وَ لَا يَقِرُّ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَ لَا الْبَهَائِمُ كَانَتْ تُمْسِكُ عَنِ الرَّعْيِ لَوْ دَامَ لَهَا ضَوْءُ النَّهَارِ وَ لَا الْإِنْسَانُ كَانَ يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ وَ الْحَرَكَةِ وَ كَانَ ذَلِكَ يَنْهَكُهَا أَجْمَعَ وَ يُؤَدِّيهَا إِلَى التَّلَفِ وَ أَمَّا النَّبَاتُ فَكَانَ يَطُولُ عَلَيْهِ حَرُّ النَّهَارِ وَ وَهْجُ الشَّمْسِ حَتَّى يَجِفَّ وَ يَحْتَرِقَ كَذَلِكَ اللَّيْلُ لَوِ امْتَدَّ مِقْدَارَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ يَعُوقُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ عَنِ الْحَرَكَةِ وَ التَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ حَتَّى تَمُوتَ جُوعاً وَ تَخْمُدُ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَنِ النَّبَاتِ حَتَّى يَعْفَنَ وَ يَفْسُدَ كَالَّذِي تَرَاهُ يَحْدُثُ عَلَى النَّبَاتِ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ
الحر و البرد و فوائدهما
اعْتَبِرْ بِهَذَا الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ كَيْفَ يَتَعَاوَرَانِ (2) الْعَالَمَ وَ يَتَصَرَّفَانِ هَذَا التَّصَرُّفَ فِي الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ الِاعْتِدَالِ لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ
____________
(1) يتساوى الليل و النهار في جميع انحاء العالم مرتين في الخريف يوم 23 أيلول و مرة ثانية في الربيع يوم 22 مارت. و يطول الليل في الشتاء بتاريخ 21 كانون الأول حتّى يبلغ طوله في العراق أكثر من أربعة عشر ساعة، ثمّ يطول النهار في الصيف بتاريخ 21 حزيران و يزيد طوله في العراق على أربعة عشر ساعة.
(2) يتعاوران: يتداولان.
139
مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ دِبَاغِ الْأَبْدَانِ الَّتِي عَلَيْهَا بَقَاؤُهُا وَ فِيهِمَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ لَوْ لَا الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ وَ تَدَاوُلُهُمَا الْأَبْدَانَ لَفَسَدَتْ وَ أَخْوَتْ (1) وَ انْتَكَثَتْ (2) فَكِّرْ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا (3) عَلَى الْآخَرِ بِهَذَا التَّدْرِيجِ وَ التَّرَسُّلِ فَإِنَّكَ تَرَى أَحَدَهُمَا يَنْقُصُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ وَ الْآخَرَ يَزِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَهَاهُ فِي الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ لَوْ كَانَ دُخُولُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مُفَاجَأَةً لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْأَبْدَانِ وَ أَسْقَمَهَا كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ خَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ حَارٍّ إِلَى مَوْضِعِ الْبُرُودَةِ لَضَرَّهُ ذَلِكَ وَ أَسْقَمَ بَدَنَهُ فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ إِلَّا لِلسَّلَامَةِ مِنْ ضَرَرِ الْمُفَاجَأَةِ وَ لِمَ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرَرِ الْمُفَاجَأَةِ لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ- أَنَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي دُخُولِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِإِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَ انْحِطَاطِهَا سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي إِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَ انْحِطَاطِهَا فَإِنِ اعْتَلَّ فِي الْإِبْطَاءِ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقَيْنِ (4) سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرْقَى مَعَهُ إِلَى حَيْثُ رَقِيَ مِنَ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ لَوْ لَا الْحَرُّ لَمَا كَانَتِ الثِّمَارُ
____________
(1) اخوت: جاعت.
(2) انتكثت: انتقضت و انتبذت.
(3) احدهما أي الحرّ و البرد.
(4) المراد بالمشرقين هنا هما المشرق و المغرب من باب تغليب أحدهما على الآخر.
140
الْجَاسِيَةُ (1) الْمُرَّةُ تَنْضَجُ فَتَلِينُ وَ تَعْذُبُ حَتَّى يُتَفَكَّهَ بِهَا رَطْبَةً وَ يَابِسَةً وَ لَوْ لَا الْبَرْدُ لَمَا كَانَ الزَّرْعُ يُفْرِخُ (2) هَكَذَا وَ يَرِيعُ (3) الرَّيْعَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْقُوتِ وَ مَا يُرَدُّ فِي الْأَرْضِ لِلْبَذْرِ أَ فَلَا تَرَى مَا فِي الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ مِنْ عَظِيمِ الْغِنَاءِ وَ الْمَنْفَعَةِ وَ كِلَاهُمَا مَعَ غِنَائِهِ وَ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ يُؤْلِمُ الْأَبْدَانَ وَ يَمَضُّهَا (4) وَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِمَنْ فَكَّرَ وَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ
الريح و ما فيها
وَ أُنَبِّهُكَ يَا مُفَضَّلُ عَلَى الرِّيحِ وَ مَا فِيهَا أَ لَسْتَ تَرَى رُكُودَهَا إِذَا رَكَدَتْ كَيْفَ يُحْدِثُ الْكَرْبَ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النُّفُوسِ وَ يُمْرِضُ الْأَصِحَّاءَ وَ يَنْهَكُ الْمَرْضَى وَ يُفْسِدُ الثِّمَارَ وَ يُعَفِّنُ الْبُقُولَ وَ يُعْقِبُ الْوَبَاءَ فِي الْأَبْدَانِ وَ الْآفَةَ فِي الْغَلَّاتِ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ هُبُوبَ الرِّيحِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي صَلَاحِ الْخَلْقِ
____________
(1) الجاسية: أي الصلبة.
(2) يفرخ الزرع: أي تنبت افراخه و هي ما يخرج في أصوله من صغاره.
(3) يريع الريع أي تنمو الغلة و تزداد.
(4) يمضها: يوجعها و يؤلمها.
141
الهواء و الأصوات
وَ أُنَبِّئُكَ عَنِ الْهَوَاءِ بِخُلَّةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الصَّوْتَ أَثَرٌ يُؤَثِّرُهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْسَامِ فِي الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ يُؤَدِّيهِ إِلَى الْمَسَامِعِ (1) وَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ طُولَ نَهَارِهِمْ وَ بَعْضَ لَيْلِهِمْ فَلَوْ كَانَ أَثَرُ هَذَا الْكَلَامِ يَبْقَى فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَبْقَى الْكِتَابُ فِي الْقِرْطَاسِ لَامْتَلَأَ الْعَالَمُ مِنْهُ فَكَانَ يَكْرُبُهُمْ وَ يَفْدَحُهُمْ وَ كَانُوا يَحْتَاجُونَ فِي تَجْدِيدِهِ وَ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَجْدِيدِ الْقَرَاطِيسِ لِأَنَّ مَا يُلْفَظُ مِنَ الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِمَّا يُكْتَبُ فَجَعَلَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ جَلَّ قُدْسُهُ هَذَا الْهَوَاءَ قِرْطَاساً خَفِيّاً يَحْمِلُ الْكَلَامَ رَيْثَمَا يَبْلُغُ الْعَالَمُ حَاجَتَهُمْ ثُمَّ يُمْحَى فَيَعُودُ جَدِيداً نَقِيّاً وَ يَحْمِلُ مَا حَمَلَ أَبَداً بِلَا انْقِطَاعٍ وَ حَسْبُكَ بِهَذَا النَّسِيمِ الْمُسَمَّى هَوَاءً عِبْرَةً وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ حَيَاةُ هَذِهِ الْأَبْدَانِ وَ الْمُمْسِكُ لَهَا مِنْ دَاخِلٍ بِمَا يَسْتَنْشِقُ مِنْهُ مِنْ خَارِجٍ بِمَا يُبَاشِرُ مِنْ رَوْحِهِ وَ فِيهِ تَطَّرِدُ هَذِهِ الْأَصْوَاتُ فَيُؤَدِّي الْبُعْدَ الْبَعِيدَ وَ هُوَ الْحَامِلُ لِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ يَنْقُلُهَا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ-
____________
(1) تعريف الإمام (عليه السلام) للصوت لا يتعارض مع التعريف الذي اصطلحه العلم الحديث له، فالصوت في النظر العلمي هو حركة اهتزازية تحدث في الهواء من جسم اهتز فيه، و الصوت إذ يحدث الرجات في الهواء تنتقل هذه الرجات الى طبلة الاذن ليحملها عصب السمع الى المخ و ممّا يدلّ على ان الصوت هو رجات تحدث في الهواء انه لو احدث صوت داخل ناقوس مفرغ الهواء لم يسمع له حس أبدا.
142
أَ لَا تَرَى كَيْفَ تَأْتِيكَ الرَّائِحَةُ مِنْ حَيْثُ تَهُبُّ الرِّيحُ فَكَذَلِكَ الصَّوْتُ وَ هُوَ الْقَابِلُ لِهَذَا الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى الْعَالَمِ لِصَلَاحِهِ وَ مِنْهُ هَذِهِ الرِّيحُ الْهَابَّةُ فَالرِّيحُ تَرُوحُ عَنِ الْأَجْسَامِ وَ تُزْجِي السَّحَابَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ حَتَّى يَسْتَكْشِفَ فَيَمْطُرَ وَ تَفُضُّهُ حَتَّى يَسْتَخِفَّ فَيَتَفَشَّى وَ تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ تُسِيرُ السُّفُنَ وَ تُرْخِي الْأَطْعِمَةَ وَ تُبَرِّدُ الْمَاءَ وَ تَشُبُّ النَّارَ وَ تُجَفِّفُ الْأَشْيَاءَ النَّدِيَّةَ وَ بِالْجُمْلَةِ إِنَّهَا تُحْيِي كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ فَلَوْ لَا الرِّيحُ لَذَوَى النَّبَاتُ وَ لَمَاتَ الْحَيَوَانُ وَ حُمَّتِ الْأَشْيَاءُ وَ فَسَدَتْ
هيئة الأرض
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ الْأَرْبَعَةَ (1) لِيَتَّسِعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهَا فَمِنْ ذَلِكَ سَعَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَ امْتِدَادُهَا فَلَوْ لَا ذَلِكَ كَيْفَ كَانَتْ تَتَّسِعُ لِمَسَاكِنِ النَّاسِ وَ مَزَارِعِهِمْ وَ مَرَاعِيهِمْ وَ مَنَابِتِ أَخْشَابِهِمْ وَ أَحْطَابِهِمْ وَ الْعَقَاقِيرِ الْعَظِيمَةِ وَ الْمَعَادِنِ الْجَسِيمِ غَنَاؤُهَا وَ لَعَلَّ مَنْ
____________
(1) المراد بالجواهر الأربعة هي التراب و الماء و الهواء و النار، و المعروف ان المفكر اليوناني إمبذو قليس (495- 435) ق م قد رد الكون الى تلك العناصر أو الجواهر الأربعة التي هي في رأيه لا تفتأ في اتصال و انفصال يكونان سببا في نشأة الأشياء و اختلاف صفاتها تبعا للاختلاف في نسبة المزج بين العناصر .. و لا يخفى ان ما ذهب إليه إمبذو قليس هذا في التفريق بين صفات العناصر و صفات الأشياء التي تركبت منها تباين ظاهر و تناقص واضح.
143
يُنْكِرُ هَذِهِ الْفَلَوَاتِ (1) الْخَاوِيَةَ وَ الْقِفَارَ الْمُوحِشَةَ فَيَقُولُ مَا الْمَنْفَعَةُ فِيهَا فَهِيَ مَأْوَى هَذِهِ الْوُحُوشِ وَ مَحَالُّهَا وَ مَرَاعِيهَا ثُمَّ فِيهَا بَعْدُ تنفس [مُتَنَفَّسٌ] وَ مُضْطَرَبٌ لِلنَّاسِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الِاسْتِبْدَالِ بِأَوْطَانِهِمْ فَكَمْ بَيْدَاءَ وَ كَمْ فَدْفَدٍ (2) حَالَتْ قُصُوراً وَ جِنَاناً بِانْتِقَالِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَ حُلُولِهِمْ فِيهَا وَ لَوْ لَا سَعَةُ الْأَرْضِ وَ فُسْحَتُهَا لَكَانَ النَّاسُ كَمَنْ هُوَ فِي حِصَارٍ ضَيِّقٍ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عَنْ وَطَنِهِ إِذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ يَضْطَرُّهُ إِلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ ثُمَّ فَكِّرْ فِي خَلْقِ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ حِينَ خُلِقَتْ رَاتِبَةً رَاكِنَةً فَتَكُونُ مَوْطِناً مُسْتَقَرّاً لِلْأَشْيَاءِ فَيَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنَ السَّعْيِ عَلَيْهَا فِي مَآرِبِهِمْ وَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا لِرَاحَتِهِمْ وَ النَّوْمِ لِهُدُوئِهِمْ وَ الْإِتْقَانِ لِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْرَاجَةً مُنْكَفِئَةً لَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُتْقِنُوا الْبِنَاءَ وَ النِّجَارَةَ وَ الصِّنَاعَةَ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا لَا يَتَهَنَّوْنَ بِالعَيْشِ وَ الْأَرْضُ تَرْتَجُّ مِنْ تَحْتِهِمْ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُ النَّاسَ حِينَ الزَّلَازِلِ (3) عَلَى قِلَّةِ
____________
(1) الفلوات جمع فلات و هي الصحراء الواسعة.
(2) الفدفد: الفلاة و الجمع فدافد.
(3) الزلازل جمع زلزلة، و هي من آثار التفاعلات الارضية الحاصلة في بطن الأرض، و سببها هو سبب تكون البراكين، و ذلك ان مياه البحر تتسرب من خلال طبقات الأرض، حتى تصل الى عمق تكون فيه درجة الحرارة شدة، فإذا تبخر الماء بفعل الحرارة طلب له منفذا، و لا يزال يتراكم على بعضه إلى أن يهدم ما يصادفه أمامه من الحواجز، فترتج له القشرة الأرضية بحسب قوة البخار و اندفاعه و هذا ما يسمى بالزلزلة.
144
مَكْثِهَا حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى تَرْكِ مَنَازِلِهِمْ وَ الْهَرَبِ عَنْهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ تُزَلْزَلُ قِيلَ لَهُ إِنَّ الزَّلْزَلَةَ وَ مَا أَشْبَهَهَا مَوْعِظَةٌ وَ تَرْهِيبٌ يُرَهَّبُ بِهَا النَّاسُ لِيَرْعَوُوا وَ يَنْزِعُوا عَنِ الْمَعَاصِي وَ كَذَلِكَ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ يَجْرِي فِي التَّدْبِيرِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَ اسْتِقَامَتُهُمْ وَ يُدَّخَرُ لَهُمْ إِنْ صَلَحُوا مِنَ الثَّوَابِ وَ الْعِوَضِ فِي الْآخِرَةِ مَا لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَ رُبَّمَا عُجِّلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَلَاحاً لِلْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فِي طِبَاعِهَا الَّذِي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَ كَذَلِكَ الْحِجَارَةُ وَ إِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْحِجَارَةِ فَضْلُ يُبْسٍ فِي الْحِجَارَةِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْيُبْسَ أَفْرَطَ عَلَى الْأَرْضِ قَلِيلًا حَتَّى تَكُونَ حَجَراً صَلْداً أَ كَانَتْ تُنْبِتُ هَذَا النَّبَاتَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ وَ كَانَ يُمْكِنُ بِهَا حَرْثٌ أَوْ بِنَاءٌ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ نَقَصَتْ مِنْ يُبْسِ الْحِجَارَةِ وَ جُعِلَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ وَ الرَّخَاوَةِ لِتَتَهَيَّأَ لِلِاعْتِمَادِ
فوائد الماء و السبب في كثرته
وَ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ جَلَّ وَ عَلَا فِي خِلْقَةِ الْأَرْضِ أَنَّ مَهَبَّ الشَّمَالِ أَرْفَعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ (1) فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَذَلِكَ إِلَّا لِتَنْحَدِرَ الْمِيَاهُ
____________
(1) أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية، صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة ارفع ممّا يلي الجنوب، و لذا ترى أكثر الأنهار كدجلة و الفرات و غيرهما تجري من الشمال الى الجنوب، لأن الماء الساكن في جوف الأرض تابع للأرض في ارتفاعه و انخفاضه، و لذا-
145
عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَتَسْقِيَهَا وَ تَرْوِيَهَا ثُمَّ تُفِيضَ آخِرَ ذَلِكَ إِلَى الْبَحْرِ فَكَمَا يُرْفَعُ أَحَدُ جَانِبَيِ السَّطْحِ وَ يُخْفَضُ الْآخَرُ لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ عَنْهُ وَ لَا يَقُومَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمَالِ أَرْفَعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَبَقِيَ الْمَاءُ مُتَحَيِّراً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَكَانَ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ أَعْمَالِهَا وَ يَقْطَعُ الطُّرُقَ وَ الْمَسَالِكَ ثُمَّ الْمَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ تَدَفُّقُهُ فِي الْعُيُونِ وَ الْأَوْدِيَةِ وَ الْأَنْهَارِ لَضَاقَ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِشُرْبِهِمْ وَ شُرْبِ أَنْعَامِهِمْ وَ مَوَاشِيهِمْ وَ سَقْيِ زُرُوعِهِمْ وَ أَشْجَارِهِمْ وَ أَصْنَافِ غَلَّاتِهِمْ وَ شُرْبِ مَا يَرِدُهُ مِنَ الْوُحُوشِ وَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْحِيتَانُ وَ دَوَابُّ الْمَاءِ وَ فِيهِ مَنَافِعُ أُخَرُ أَنْتَ بِهَا عَارِفٌ وَ عَنْ عَظِيمِ مَوْقِعِهَا غَافِلٌ فَإِنَّهُ (1) سِوَى الْأَمْرِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنْ عَظِيمِ غَنَائِهِ فِي إِحْيَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ يُمْزَجُ الأشربة [بِالْأَشْرِبَةِ] فَتَلَذُّ وَ تَطِيبُ لِشَارِبِهَا وَ بِهِ تُنَظَّفُ الْأَبْدَانُ وَ الْأَمْتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ (2) الَّذِي يَغْشَاهَا وَ بِهِ يُبَلُ (3) التُّرَابُ فَيَصْلُحُ لِلْأَعْمَالِ وَ بِهِ
____________
- أيضا صارت العيون المتفجرة تجري هكذا من الشمال الى الجنوب .. و من أجل ذلك حكموا بفوقية الشمال على الجنوب. و يظهر لك ممّا بينه الامام (عليه السلام) انه لا ينافي كروية الأرض. «من تعليقات البحار»
(1) الضمير راجع إلى الماء و هو اسم ان و يمزج خبرها. أي للماء سوى النفع الجليل المعروف و هو كونه سببا لحياة كل شيء و منافع اخرى منها انه يمزج مع الاشربة.
(2) الدرن- بفتحتين- هو الوسخ جمعه أدران.
(3) بله الماء: نداه.
146
يُكَفُّ عَادِيَةُ النَّارِ إِذَا اضْطَرَمَتْ وَ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَ بِهِ يَسْتَحِمُّ الْمُتْعَبُ الْكَالُ (1) فَيَجِدُ الرَّاحَةَ مِنْ أَوْصَابِهِ إِلَى أَشْبَاهِ هَذَا مِنَ الْمَآرِبِ الَّتِي تَعْرِفُ عِظَمَ مَوْقِعِهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَإِنْ شَكَكْتَ فِي مَنْفَعَةِ هَذَا الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَرَاكِمِ فِي الْبِحَارِ وَ قُلْتَ مَا الْإِرْبُ فِيهِ فعلم [فَاعْلَمْ] أَنَّهُ مُكْتَنَفٌ وَ مُضْطَرَبٌ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَصْنَافِ السَّمَكِ وَ دَوَابِّ الْبَحْرِ وَ مَعْدِنِ اللُّؤْلُؤِ وَ الْيَاقُوتِ وَ الْعَنْبَرِ (2) وَ أَصْنَافٍ شَتَّى تُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ وَ فِي سَوَاحِلِهِ مَنَابِتُ الْعُودِ الْيَلَنْجُوجِ (3) وَ ضُرُوبٍ مِنَ الطِّيبِ وَ الْعَقَاقِيرِ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ مَرْكَبٌ لِلنَّاسِ وَ مَحْمِلٌ لِهَذِهِ التِّجَارَاتِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ كَمِثْلِ مَا يُجْلَبُ مِنَ الصِّينِ إِلَى الْعِرَاقِ وَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الصِّينِ (4) فَإِنَّ هَذِهِ التِّجَارَاتِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْمِلٌ إِلَّا عَلَى الظَّهْرِ لَبَارَتْ وَ بَقِيَتْ فِي بُلْدَانِهَا وَ أَيْدِي أَهْلِهَا لِأَنَّ أَجْرَ حَمْلِهَا يُجَاوِزُ أَثْمَانَهَا فَلَا يَتَعَرَّضُ أَحَدٌ لِحَمْلِهَا وَ كَانَ يَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا فَقْدُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا وَ الْآخَرُ انْقِطَاعُ مَعَاشِ مَنْ يَحْمِلُهَا وَ يَتَعَيَّشُ بِفَضْلِهَا
فوائد الهواء و السبب في كثرته
وَ هَكَذَا الْهَوَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ سَعَتُهُ لَاخْتَنَقَ هَذَا الْأَنَامُ مِنَ الدُّخَانِ-
____________
(1) الكال اسم فاعل من كلّ: تعب واعيا.
(2) العنبر هو الطيب و الزعفران، او حوت قد يبلغ طوله نحوا من 60 قد ما ضخم الرأس و له اسنان بخلاف البال و الجمع عنابر
(3) اليلنجوج: العود الطيب الرائحة.
(4) في نسخة البحار و من العراق الى العراق .. و ما ذكرناه أظهر
147
وَ الْبُخَارِ الَّذِي يَتَحَيَّرُ فِيهِ وَ يَعْجِزُ عَمَّا يُحَوَّلُ إِلَى السَّحَابِ وَ الضَّبَابِ أَوَّلًا أَوَّلًا فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ صِفَتِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ
منافع النار و جعلها كالمخزونة في الأجسام
وَ النَّارُ أَيْضاً كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَبْثُوثَةً كَالنَّسِيمِ وَ الْمَاءِ كَانَتْ تُحْرِقُ الْعَالَمَ وَ مَا فِيهِ وَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ظُهُورِهَا فِي الْأَحَايِينِ لِغَنَائِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَالِحِ جُعِلَتْ كَالْمَخْزُونَةِ فِي الْأَجْسَامِ فَتُلْتَمَسُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ تُمْسَكُ بِالْمَادَّةِ وَ الْحَطَبِ مَا احْتِيجَ إِلَى بَقَائِهَا لِئَلَّا تَخْبُوَ فَلَا هِيَ تُمْسَكُ بِالْمَادَّةِ وَ الْحَطَبِ فَتَعْظُمَ الْمَئُونَةُ فِي ذَلِكَ وَ لَا هِيَ تَظْهَرُ مَبْثُوثَةً فَتُحْرِقَ كُلَّ مَا هِيَ فِيهِ بَلْ هِيَ عَلَى تَهْيِئَةٍ وَ تَقْدِيرٍ اجْتَمَعَ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَنَافِعِهَا وَ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرَرِهَا ثُمَّ فِيهَا خُلَّةٌ أُخْرَى وَ هِيَ أَنَّهَا مِمَّا خُصَّ بِهَا الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ لِمَا لَهُ فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهُ لَوْ فَقَدَ النَّارَ لَعَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي مَعَاشِهِ فَأَمَّا الْبَهَائِمُ فَلَا تَسْتَعْمِلُ النَّارَ وَ لَا تَسْتَمْتِعُ بِهَا وَ لَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا خَلَقَ لِلْإِنْسَانِ كَفّاً وَ أَصَابِعَ مُهَيَّئَةً لِقَدْحِ النَّارِ وَ اسْتِعْمَالِهَا وَ لَمْ يُعْطِ الْبَهَائِمَ مِثْلَ ذَلِكَ لَكِنَّهَا أُعِينَتْ بِالصَّبْرِ عَلَى الْجَفَاءِ وَ الْخَلَلِ فِي الْمَعَاشِ لِكَيْلَا يَنَالَهَا فِي فَقْدِ النَّارِ مَا يَنَالُ الْإِنْسَانَ عِنْدَ فَقْدِهَا وَ أُنَبِّئُكَ مِنْ مَنَافِعِ النَّارِ عَلَى خِلْقَةٍ صَغِيرَةٍ عَظِيمٍ مَوْقِعُهَا وَ هِيَ هَذَا الْمِصْبَاحُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النَّاسُ فَيَقْضُونَ بِهِ حَوَائِجَهُمْ مَا شَاءُوا فِي لَيْلِهِمْ وَ لَوْ لَا هَذِهِ الْخُلَّةُ لَكَانَ النَّاسُ تُصْرَفُ أَعْمَارُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فِي الْقُبُورِ فَمَنْ كَانَ
148
يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتُبَ أَوْ يَحْفَظَ أَوْ يَنْسِجَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ كَيْفَ كَانَ حَالُ مَنْ عَرَضَ لَهُ وَجَعٌ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُعَالِجَ ضِمَاداً أَوْ سَفُوفاً (1) أَوْ شَيْئاً يَسْتَشْفِي بِهِ فَأَمَّا مَنَافِعُهَا فِي نَضْجِ الْأَطْعِمَةِ وَ دَفَاءِ الْأَبْدَانِ وَ تَجْفِيفِ أَشْيَاءَ وَ تَحْلِيلِ أَشْيَاءَ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى
الصحو و المطر و تعاقبهما على العالم و فوائد ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّحْوِ وَ الْمَطَرِ كَيْفَ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ لِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ لَوْ دَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ كَانَ فِي ذَلِكَ فَسَادُهُ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْأَمْطَارَ إِذَا تَوَالَتْ عَفِنَتِ الْبُقُولُ وَ الْخُضَرُ وَ اسْتَرْخَتْ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ حُصِرَ الْهَوَاءُ فَأَحْدَثَ ضُرُوباً مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ فَسَدَتِ الطُّرُقُ وَ الْمَسَالِكُ وَ أَنَّ الصَّحْوَ إِذَا دَامَ جَفَّتِ الْأَرْضُ وَ احْتَرَقَ النَّبَاتُ وَ غِيضَ مَاءُ الْعُيُونِ وَ الْأَوْدِيَةِ فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ وَ غَلَبَ الْيُبْسُ عَلَى الْهَوَاءِ فَأَحْدَثَ ضُرُوباً أُخْرَى مِنَ الْأَمْرَاضِ فَإِذَا تَعَاقَبَا عَلَى الْعَالَمِ هَذَا التَّعَاقُبَ اعْتَدَلَ الْهَوَاءُ وَ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَادِيَةَ الْآخَرِ فَصَلَحَتِ الْأَشْيَاءُ وَ اسْتَقَامَتْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَ لِمَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَضَرَّةٌ الْبَتَّةَ قِيلَ لَهُ لِيَمُضَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ وَ يُؤْلِمَهُ بَعْضَ الْأَلَمِ فَيَرْعَوِيَ عَنِ الْمَعَاصِي فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سَقُمَ بَدَنُهُ احْتَاجَ إِلَى الْأَدْوِيَةِ الْمُرَّةِ الْبَشِعَةِ لِيَقُومَ طِبَاعُهُ وَ يَصْلُحَ مَا فَسَدَ
____________
(1) السفوف- بالفتح-: ما تسفه من دواء و نحوه. و سف الدواء و نحوه: اخذه غير ملتوت.
149
مِنْهُ كَذَلِكَ إِذَا طَغَى وَ اشْتَدَّ احْتَاجَ إِلَى مَا يَمُضُّهُ وَ يُؤْلِمُهُ لِيَرْعَوِيَ وَ يَقْصُرَ عَنْ مَسَاوِيهِ وَ يُثْبِتَهُ عَلَى مَا فِيهِ حَظُّهُ وَ رُشْدُهُ وَ لَوْ أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ قَسَمَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ قناطيرا (قَنَاطِيرَ) (1) مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعْظُمُ عِنْدَهُمْ وَ يَذْهَبُ لَهُ بِهِ الصَّوْتُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ مَطْرَةٍ رَوَاءٍ يُعَمُّ بِهِ الْبِلَادُ وَ يَزِيدُ فِي الْغَلَّاتِ أَكْثَرَ مِنْ قَنَاطِيرِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ فِي أَقَالِيمِ الْأَرْضِ كُلِّهَا أَ فَلَا تَرَى الْمَطْرَةَ الْوَاحِدَةَ مَا أَكْبَرَ قَدْرَهَا وَ أَعْظَمَ النِّعْمَةَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا وَ هُمْ عَنْهَا سَاهُونَ وَ رُبَّمَا عَاقَتْ عَنْ أَحَدِهِمْ حَاجَةٌ لَا قَدْرَ لَهَا فَيَتَذَمَّرُ وَ يَسْخَطُ إِيثَاراً لِلْخَسِيسِ قَدْرُهُ عَلَى الْعَظِيمِ نَفْعُهُ جَمِيلًا مَحْمُوداً لِعَاقِبَتِهِ وَ قِلَّةَ مَعْرِفَتِهِ (2) لِعَظِيمِ الْغَنَاءِ وَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا
مصالح نزول المطر على الأرض و أثر التدبير فيه
تَأَمَّلْ نُزُولَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَ التَّدْبِيرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَنْحَدِرُ عَلَيْهَا مِنْ عُلْوٍ لِيَغْشَى مَا غَلُظَ وَ ارْتَفَعَ مِنْهَا فَيُرْوِيَهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَأْتِيهَا مِنْ بَعْضِ نَوَاحِيهَا لَمَا عَلَا الْمَوَاضِعَ الْمُشْرِفَةَ مِنْهَا وَ يَقِلُّ مَا يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الَّذِي يُزْرَعُ سَيْحاً (3) أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَالْأَمْطَارُ هِيَ الَّتِي تُطَبِّقُ الْأَرْضَ وَ رُبَّمَا تُزْرَعُ هَذِهِ الْبَرَارِي الْوَاسِعَةُ وَ سُفُوحُ الْجِبَالِ وَ ذُرَاهَا فَتُغِلُ
____________
(1) القناطير جمع قنطار و هو المال الكثير او وزن اختلف مقدار موزونه مع الايام.
(2) في الأصل المطبوع محمود العاقبة و قلة معرفة، و ما ذكرناه هو الأصح
(3) زراعة السيح هي الزراعة التي تحصل عن طريق الانهر و المياه الجارية
150
الْغَلَّةَ الْكَثِيرَةَ وَ بِهَا يَسْقُطُ عَنِ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ مَئُونَةُ سِيَاقِ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَ مَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّشَاجُرِ وَ التَّظَالُمِ حَتَّى يَسْتَأْثِرَ بِالْمَاءِ ذُو الْعِزِّ وَ الْقُوَّةِ وَ يُحْرَمُهُ الضُّعَفَاءُ ثُمَّ إِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَنْحَدِرَ عَلَى الْأَرْضِ انْحِدَاراً جُعِلَ ذَلِكَ قَطْراً شَبِيهاً بِالرَّشِّ لِيَغُورَ فِي قَعْرِ الْأَرْضِ فَيُرْوِيَهَا وَ لَوْ كَانَ يَسْكُبُهُ انْسِكَاباً كَانَ يَنْزِلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَا يَغُورُ فِيهَا ثُمَّ كَانَ يَحْطِمُ الزُّرُوعَ الْقَائِمَةَ إِذَا انْدَفَقَ عَلَيْهَا فَصَارَ يَنْزِلُ نُزُولًا رَقِيقاً فَيُنْبِتُ الْحَبَّ الْمَزْرُوعَ وَ يُحْيِي الْأَرْضَ وَ الزَّرْعَ الْقَائِمَ وَ فِي نُزُولِهِ أَيْضاً مَصَالِحُ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ الْأَبْدَانَ وَ يَجْلُو كَدَرَ الْهَوَاءِ فَيَرْتَفِعُ الْوَبَاءُ الْحَادِثُ مِنْ ذَلِكَ وَ يَغْسِلُ مَا يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ وَ الزَّرْعِ مِنَ الدَّاءِ الْمُسَمَّى بِالْيَرَقَانِ (1) إِلَى أَشْبَاهِ هَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الضَّرَرُ الْعَظِيمُ الْكَثِيرُ لِشِدَّةِ مَا يَقَعُ مِنْهُ أَوْ بَرَدٍ (2) يَكُونُ فِيهِ تَحَطُّمُ الْغَلَّاتِ وَ بَخُورَةٍ يُحْدِثُهَا فِي الْهَوَاءِ فَيُوَلِّدُ كَثِيراً مِنَ الْأَمْرَاضِ فِي الْأَبْدَانِ وَ الْآفَاتِ فِي الْغَلَّاتِ قِيلَ بَلَى قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْفَرْطُ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ الْإِنْسَانِ وَ كَفِّهِ عَنْ رُكُوبِ الْمَعَاصِي وَ التَّمَادِي فِيهَا فَيَكُونُ الْمَنْفَعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ دِينِهِ أَرْجَحَ مِمَّا عَسَى أَنْ يُرْزَأَ فِي مَالِهِ
____________
(1) اليرقان- بفتحتين او فتح فسكون- آفة للزرع او دود يسطو على الزرع.
(2) البرد- بفتحتين-: ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد و يسقط على الأرض حبوبا.
151
منافع الجبال
انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْجِبَالِ الْمَرْكُومَةِ مِنَ الطِّينِ وَ الْحِجَارَةِ الَّتِي يَحْسَبُهَا الْغَافِلُونَ فَضْلًا لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا وَ الْمَنَافِعُ فِيهَا كَثِيرَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهَا الثُّلُوجُ فَتَبْقَى فِي قِلَالِهَا (1) لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ يَذُوبُ مَا ذَابَ مِنْهُ فَتَجْرِي مِنْهُ الْعُيُونُ الْغَزِيرَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ مِنْهَا الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ وَ يَنْبُتُ فِيهَا ضُرُوبٌ مِنَ النَّبَاتِ وَ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي لَا يَنْبُتُ مِثْلُهَا فِي السَّهْلِ وَ يَكُونَ فِيهَا كُهُوفٌ وَ مَعَاقِلُ لِلْوُحُوشِ مِنَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ (2) وَ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْحُصُونُ وَ الْقِلَاعُ الْمَنِيعَةُ لِلتَّحَرُّزِ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ يُنْحَتَ مِنْهَا الْحِجَارَةُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَرْحَاءِ (3) وَ يُوجَدَ فِيهَا مَعَادِنُ لِضَرْبٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَ فِيهَا خِلَالٌ أُخَرُ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُقَدِّرُ لَهَا فِي سَابِقِ عِلْمِهِ
أنواع المعادن و استفادة الإنسان منها
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْمَعَادِنِ وَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُخْتَلِفَةِ مِثْلِ الْجِصِّ وَ الْكِلْسِ (4) وَ الْجِبْسِينِ (5) وَ الزَّرْنِيخِ (6)
____________
(1) القلال- بالكسر- جمع قلة- بضم فتشديد- اعلى الرأس و الجبل و كل شيء.
(2) العادية: المعتدية.
(3) الارحاء جمع رحى و هي الطاحون
(4) الكلس- بالكسر- تقدم ذكره.
(5) الجبسين كذا في النسخ و لم نجده فيما عندنا من كتب اللغة،-
152
وَ الْمَرْتَكِ (1) وَ التُّوتِيَاءِ (2) وَ الزِّئْبَقِ (3) وَ النُّحَاسِ وَ الرَّصَاصِ وَ الْفِضَّةِ وَ الذَّهَبِ وَ الزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ وَ الزُّمُرُّدِ (4) وَ ضُرُوبِ الْحِجَارَةِ وَ كَذَلِكَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْقَارِ وَ الْمُومِيَا وَ الْكِبْرِيتِ وَ النِّفْطِ (5) وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ فِي مَآرِبِهِمْ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا ذَخَائِرُ ذُخِرَتْ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِيَسْتَخْرِجَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ثُمَّ قَصُرَتْ حِيلَةُ النَّاسِ
____________
- و الظاهر أنّه الجبس و هو الجص الذي يبنى به و هو مركب من كبريتات الكالسيوم و يوجد في الأراضي الثلا
في الأصل الزرانيخ و الالف زائدة و لم ترد في كلام العرب،-- و الزرنيخ عنصر معروف يوجد منفردا و على حالة كبر تيور الزرنيخ و هو جسم صلب لونه سنجابى لماع متبلور يتطاير بالحرارة من غير أنّ يصهر و لا يذوب في الماء، و إذا خلط الزرنيخ مع الكلس حلق الشعر.
(1) المرتك و تضاف إليه غالبا كلمة الذهبي و هو اكسيد الرصاص عبارة عن بلورات صغيرة مسحوقة يدخل في تركيب مرهم للبواسير.
(2) التوتيا هي أوكسيد الزنك غير النقي مخلوطا مع الزرنيخ لا يستعمل في الطبّ.
(3) في الأصل الزيبق و هو استعمال عامي. و الزئبق سيال معدني لماع يتجمد على درجة 40 تحت الصفر و يغلى على درجة 360 فوق الصفر، و يستعمل لاستخراج الذهب و الفضة بالتملغم و في البارومتر و الترومومتر و في عمل المرايا و في الطبّ دهانا على الجلد في معالجة الزهرى
(4- 5) هذه العناصر و الاحجار معروفة كلها فلا حاجة الى شرحها
153
عَمَّا حَاوَلُوا مِنْ صَنْعَتِهَا عَلَى حِرْصِهِمْ وَ اجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَوْ ظَفِرُوا بِمَا حَاوَلُوا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيَظْهَرُ وَ يَسْتَفِيضُ فِي الْعَالَمِ حَتَّى تَكْثُرَ الْفِضَّةُ وَ الذَّهَبُ وَ يَسْقُطَا عِنْدَ النَّاسِ فَلَا تَكُونُ لَهُمَا قِيمَةٌ وَ يَبْطُلُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الشِّرَاءِ وَ الْبَيْعِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَا كَانَ يَجْبِي السُّلْطَانُ الْأَمْوَالَ وَ لَا يَدَّخِرُهُمَا أَحَدٌ لِلْأَعْقَابِ وَ قَدْ أُعْطِيَ النَّاسُ مَعَ هَذَا صَنْعَةَ الشَّبَهِ (1) مِنَ النُّحَاسِ وَ الزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ وَ الْفِضَّةِ مِنَ الرَّصَاصِ وَ الذَّهَبِ مِنَ الْفِضَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطُوا إِرَادَتَهُمْ فِي مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَ مُنِعُوا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ ضَارّاً لَهُمْ لَوْ نَالُوهُ وَ مَنْ أَوْغَلَ فِي الْمَعَادِنِ انْتَهَى إِلَى وَادٍ عَظِيمٍ يَجْرِي مُنْصَلِتاً بِمَاءٍ غَزِيرٍ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ وَ لَا حِيلَةَ فِي عُبُورِهِ وَ مِنْ وَرَائِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ تَفَكَّرِ الْآنَ فِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَرَى الْعِبَادُ قُدْرَتَهُ وَ سَعَةَ خَزَائِنِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَالْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ لَفَعَلَ لَكِنْ لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَيَكُونُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سُقُوطُ هَذَا الْجَوْهَرِ عِنْدَ النَّاسِ وَ قِلَّةُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الشَّيْءُ الظَّرِيفُ مِمَّا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَوَانِي وَ الْأَمْتِعَةِ فَمَا دَامَ عَزِيزاً قَلِيلًا فَهُوَ نَفِيسٌ جَلِيلٌ آخِذُ الثَّمَنِ فَإِذَا فَشَا وَ كَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ سَقَطَ عِنْدَهُمْ وَ خَسَّتْ قِيمَتُهُ وَ نَفَاسَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عِزَّتِهَا
____________
(1) الشبه- بكسر ففتح- هو النحاس الأصفر.
154
النبات و ما فيه من ضروب المآرب
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذَا النَّبَاتِ وَ مَا فِيهِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَآرِبِ فَالثِّمَارُ لِلْغِذَاءِ وَ الْأَتْبَانُ (1) لِلْعَلَفِ وَ الْحَطَبُ لِلْوُقُودِ وَ الْخَشَبُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ النِّجَارَةِ وَ غَيْرِهَا وَ اللِّحَاءُ (2) وَ الْوَرَقُ وَ الْأُصُولُ وَ الْعُرُوقُ وَ الصُّمُوغُ لِضُرُوبٍ مِنَ الْمَنَافِعِ أَ رَأَيْتَ لَوْ كُنَّا نَجِدُ الثِّمَارَ الَّتِي نَغْتَذِي بِهَا مَجْمُوعَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ لَمْ تَكُنْ تَنْبُتُ عَلَى هَذِهِ الْأَغْصَانِ الْحَامِلَةِ لَهَا كَمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مِنَ الْخَلَلِ فِي مَعَاشِنَا وَ إِنْ كَانَ الْغِذَاءُ مَوْجُوداً فَإِنَّ الْمَنَافِعَ بِالْخَشَبِ وَ الْحَطَبِ وَ الْأَتْبَانِ وَ سَائِرِ مَا عَدَدْنَاهُ كَثِيرَةٌ عَظِيمٌ قَدْرُهَا جَلِيلٌ مَوْقِعُهَا هَذَا مَعَ مَا فِي النَّبَاتِ مِنَ التَّلَذُّذِ بِحُسْنِ مَنْظَرِهِ وَ نَضَارَتِهِ الَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ مِنْ مَنَاظِرِ الْعَالَمِ وَ مَلَاهِيهِ
الريع في النبات و سببه
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذَا الرَّيْعِ الَّذِي جُعِلَ فِي الزَّرْعِ فَصَارَتِ الْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ تُخَلِّفُ مِائَةَ حَبَّةٍ وَ أَكْثَرَ وَ أَقَلَّ وَ كَانَ يَجُوزُ لِلْحَبَّةِ أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْلِهَا فَلِمَ صَارَتْ تَرِيعُ هَذَا الرَّيْعَ إِلَّا لِيَكُونَ فِي الْغَلَّةِ (3) مُتَّسَعٌ لِمَا يَرِدُ فِي
____________
(1) لم يرد في معاجم اللغة العربية لفظ الاتبان على معنى التبن المعروف و لعلّ اللفظ قد غيره النسّاخ و الصحيح تبن.
(2) اللحاء: قشر العود او الشجر.
(3) الغلة- بالفتح-: الدخل من كراء دار و فائدة ارض و نحو ذلك و الجمع غلات و غلال.
155
الْأَرْضِ مِنَ الْبَذْرِ وَ مَا يَتَقَوَّتُ الزُّرَّاعُ إِلَى إِدْرَاكِ زَرْعِهَا الْمُسْتَقْبَلِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْمَلِكَ لَوْ أَرَادَ عِمَارَةَ بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ كَانَ السَّبِيلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَهُ مَا يَبْذُرُونَهُ فِي أَرْضِهِمْ وَ مَا يَقُوتُهُمْ إِلَى إِدْرَاكِ زَرْعِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ تَجِدُ هَذَا الْمِثَالَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فَصَارَ الزَّرْعُ يَرِيعُ هَذَا الرَّيْعَ لِيَفِيَ بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْقُوتِ وَ الزِّرَاعَةِ وَ كَذَلِكَ الشَّجَرُ وَ النَّبْتُ وَ النَّخْلُ يَرِيعُ الرَّيْعَ الْكَثِيرَ فَإِنَّكَ تَرَى الْأَصْلَ الْوَاحِدَ حَوْلَهُ مِنْ فِرَاخِهِ أَمْراً عَظِيماً فَلِمَ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا لِيَكُونَ فِيهِ مَا يَقْطَعُهُ النَّاسُ وَ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَآرِبِهِمْ وَ مَا يُرَدُّ فَيُغْرَسُ فِي الْأَرْضِ وَ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ مِنْهُ يَبْقَى مُنْفَرِداً لَا يُفْرِخُ وَ لَا يَرِيعُ لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهُ شَيْءٌ لِعَمَلٍ وَ لَا لِغَرْسٍ ثُمَّ كَانَ إِنْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ انْقَطَعَ أَصْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ خَلَفٌ
بعض النباتات و كيف تصان
تَأَمَّلْ نَبَاتَ هَذِهِ الْحُبُوبِ مِنَ الْعَدَسِ وَ الْمَاشِ وَ الْبَاقِلَاءِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ فِي أَوْعِيَةٍ مِثْلِ الْخَرَائِطِ (1) لِتَصُونَهَا وَ تَحْجُبَهَا مِنَ الْآفَاتِ إِلَى أَنْ تَشْتَدَّ وَ تَسْتَحْكِمَ كَمَا قَدْ تَكُونُ الْمَشِيمَةُ (2) عَلَى الْجَنِينِ لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ-
____________
(1) لم نجد للفظ «الخرائط» هنا معنى يتسق و مراد الامام «ع» و لعله يريد الشكل المخروطي و هو ما يبتدئ من سطح مستدير و يرتفع مستدقا حتّى ينتهي إلى نقطة.
(2) المشيمة: غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة، جمعه:
مشيم و مشايم.
156
وَ أَمَّا الْبُرُّ (1) وَ مَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مُدْرَجاً فِي قُشُورٍ صِلَابٍ عَلَى رُءُوسِهَا أَمْثَالُ الْأَسِنَّةِ مِنَ السُّنْبُلِ لِيُمْنَعَ الطَّيْرُ مِنْهُ لِيَتَوَفَّرَ عَلَى الزُّرَّاعِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يَنَالُ الطَّيْرُ مِنَ الْبُرِّ وَ الْحُبُوبِ قِيلَ لَهُ بَلَى عَلَى هَذَا قُدِّرَ الْأَمْرُ فِيهَا لِأَنَّ الطَّيْرَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ فِي مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ حَظّاً وَ لَكِنْ حُصِنَتِ الْحُبُوبُ بِهَذِهِ الْحُجُبِ لِئَلَّا يَتَمَكَّنَ الطَّيْرُ مِنْهَا كُلَّ التَّمَكُّنِ فَيَعْبَثَ بِهَا وَ يُفْسِدَ الْفَسَادَ الْفَاحِشَ فَإِنَّ الطَّيْرَ لَوْ صَادَفَ الْحَبَّ بَارِزاً لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَحُولُ دُونَهُ لَأَكَبَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْسِفَهُ أَصْلًا فَكَانَ يَعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْشَمَ (2) الطَّيْرُ فَيَمُوتَ وَ يَخْرُجَ الزَّارِعُ مِنْ زَرْعِهِ صِفْراً فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْوَقَايَاتُ لِتَصُونَهُ فَيَنَالَ الطَّائِرُ مِنْهُ شَيْئاً يَسِيراً يَتَقَوَّتُ بِهِ وَ يَبْقَى أَكْثَرُهُ لِلْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهِ إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي كَدَحَ فِيهِ وَ شَقِيَ بِهِ وَ كَانَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الطَّيْرُ
الحكمة في خلق الشجر و أصناف النبات
تَأَمَّلِ الْحِكْمَةَ فِي خَلْقِ الشَّجَرِ وَ أَصْنَافِ النَّبَاتِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى الْغِذَاءِ الدَّائِمِ كَحَاجَةِ الْحَيَوَانِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَفْوَاهٌ كَأَفْوَاهِ الْحَيَوَانِ وَ لَا حَرَكَةٌ تَنْبَعِثُ بِهَا لِتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ جُعِلَتْ أُصُولُهَا مَرْكُوزَةً فِي الْأَرْضِ لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى الْأَغْصَانِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَرَقِ وَ الثَّمَرِ فَصَارَتِ الْأَرْضُ كَالْأُمِّ الْمُرَبِّيَةِ لَهَا وَ صَارَتْ أُصُولُهَا الَّتِي هِيَ كَالْأَفْوَاهِ مُلْتَقِمَةً لِلْأَرْضِ-
____________
(1) البر- بضم فتشديد- هو القمح، الواحدة برّة.
(2) يبشم الطعام: اي يتخم من الطعام.
157
لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ كَمَا تُرْضِعُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أُمَّهَاتُهَا أَ لَمْ تَرَ إِلَى عَمَدِ الْفَسَاطِيطِ (1) وَ الْخِيَمِ كَيْفَ تُمَدُّ بِالْأَطْنَابِ (2) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِتَثْبُتَ مُنْتَصِبَةً فَلَا تَسْقُطُ وَ لَا تَمِيلُ فَهَكَذَا تَجِدُ النَّبَاتَ كُلَّهُ لَهُ عُرُوقٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي الْأَرْضِ مُمْتَدَّةٌ إِلَى كُلِّ جَانِبٍ لِتُمْسِكَهُ وَ تُقِيمَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَيْفَ كَانَ يَثْبُتُ هَذَا النَّخْلُ الطِّوَالُ وَ الدَّوْحُ الْعِظَامُ فِي الرِّيحِ الْعَاصِفِ فَانْظُرْ إِلَى حِكْمَةِ الْخَالِقِ كَيْفَ سَبَقَتْ حِكْمَةَ الصِّنَاعَةِ فَصَارَتِ الْحِيلَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا الصُّنَّاعُ فِي ثَبَاتِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ مُتَقَدِّمَةً فِي خَلْقِ الشَّجَرِ لِأَنَّ خَلْقَ الشَّجَرِ قَبْلَ صَنْعَةِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ أَ لَا تَرَى عَمَدَهَا وَ عِيدَانَهَا مِنَ الشَّجَرِ فَالصِّنَاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِلْقَةِ
خلق الورق و وصفه
تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ خَلْقَ الْوَرَقِ فَإِنَّكَ تَرَى فِي الْوَرَقَةِ شِبْهَ الْعُرُوقِ مَبْثُوثَةً فِيهَا أَجْمَعَ فَمِنْهَا غِلَاظٌ مُمْتَدَّةٌ فِي طُولِهَا وَ عَرْضِهَا وَ مِنْهَا دِقَاقٌ تَتَخَلَّلُ تِلْكَ الْغِلَاظَ مَنْسُوجَةً نَسْجاً دَقِيقاً مُعْجَماً لَوْ كَانَ مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي كَصَنْعَةِ الْبَشَرِ لَمَا فُرِغَ مِنْ وَرَقِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَامٍ كَامِلٍ وَ لَاحتِيجَ إِلَى آلَاتٍ وَ حَرَكَةٍ وَ عِلَاجٍ وَ كَلَامٍ فَصَارَ يَأْتِي مِنْهُ فِي أَيَّامٍ قَلَائِلَ مِنَ الرَّبِيعِ مَا يَمْلَأُ الْجِبَالَ وَ السَّهْلَ وَ بِقَاعَ الْأَرْضِ كُلَّهَا بِلَا حَرَكَةٍ وَ لَا كَلَامٍ إِلَّا بِالْإِرَادَةِ النَّافِذَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَ الْأَمْرِ الْمُطَاعِ وَ اعْرِفْ مَعَ ذَلِكَ الْعِلَّةَ فِي تِلْكَ الْعُرُوقِ
____________
(1) الفساطيط جمع فسطاط- بالضم او الكسر- بيت من شعر.
(2) الاطناب جمع طنب- بضعتين- حبل طويل يشد به سرادق البيت
158
الدِّقَاقِ فَإِنَّهَا جُعِلَتْ تَتَخَلَّلُ الْوَرَقَةَ بِأَسْرِهَا لِتَسْقِيَهَا وَ تُوصِلَ الْمَاءَ إِلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوقِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْبَدَنِ لِتُوصِلَ الْغِذَاءَ إِلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ- [وَ فِي] الْغِلَاظِ مِنْهَا مَعْنًى آخَرُ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ الْوَرَقَةَ بِصَلَابَتِهَا وَ مَتَانَتِهَا لِئَلَّا تَنْهَتِكَ وَ تَتَمَزَّقَ فَتَرَى الْوَرَقَةَ شَبِيهَةً بِوَرَقَةٍ مَعْمُولَةٍ بِالصَّنْعَةِ مِنْ خِرَقٍ قَدْ جُعِلَتْ فِيهَا عِيدَانٌ مَمْدُودَةٌ فِي طُولِهَا وَ عَرْضِهَا لِتَتَمَاسَكَ فَلَا تَضْطَرِبَ فَالصِّنَاعَةُ تَحْكِي الْخِلْقَةَ وَ إِنْ كَانَتْ لَا تُدْرِكُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ
العجم و النوى و العلة في خلقه
فَكِّرْ فِي هَذَا الْعَجَمِ وَ النَّوَى وَ الْعِلَّةِ فِيهِ فَإِنَّهُ جُعِلَ فِي جَوْفِ الثَّمَرَةِ لِيَقُومَ مَقَامَ الْغَرْسِ إِنْ عَاقَ دُونَ الْغَرْسِ عَائِقٌ كَمَا يُحْرَزُ الشَّيْءُ النَّفِيسُ الَّذِي تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ فَإِنْ حَدَثَ عَلَى الَّذِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ حَادِثٌ وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ يُمْسِكُ بِصَلَابَتِهِ رَخَاوَةَ الثِّمَارِ وَ رِقَّتَهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَتَشَدَّخَتْ (1) وَ تَفَسَّخَتْ وَ أَسْرَعَ إِلَيْهَا الْفَسَادُ وَ بَعْضُهُ يُؤْكَلُ وَ يُسْتَخْرَجُ دُهْنُهُ فَيُسْتَعْمَلُ مِنْهُ ضُرُوبٌ مِنَ الْمَصَالِحِ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مَوْضِعُ الْإِرْبِ فِي الْعَجَمِ وَ النَّوَى فَكِّرِ الْآنَ فِي هَذَا الَّذِي تَجِدُهُ فَوْقَ النَّوَاةِ مِنَ الرَّطْبَةِ وَ فَوْقَ الْعَجَمِ مِنَ الْعِنَبَةِ فَمَا الْعِلَّةُ فِيهِ وَ لِمَا ذَا يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَ قَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ ذَلِكَ مَا لَيْسَ فِيهِ مَأْكَلٌ كَمِثْلِ مَا يَكُونُ فِي السِّدْرِ (2)
____________
(1) تشدخت: تكسرت.
(2) السدر- بالكسر- شجر النّبِق جمعه سدور.
159
وَ الدُّلْبِ (1) وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلِمَ صَارَ يَخْرُجُ فَوْقَهُ هَذِهِ الْمَطَاعِمُ اللَّذِيذَةُ إِلَّا لِيَسْتَمْتِعَ بِهَا الْإِنْسَانُ
موت الشجر و تجدد حياته و ما في ذلك من ضروب التدبير
فَكِّرْ فِي ضُرُوبٍ مِنَ التَّدْبِيرِ فِي الشَّجَرِ فَإِنَّكَ تَرَاهُ يَمُوتُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَوْتَةً فَتَحْتَبِسُ الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ فِي عُودِهِ وَ يَتَوَلَّدُ فِيهِ مَوَادُّ الثِّمَارِ ثُمَّ يَحْيَا وَ يَنْتَشِرُ فَيَأْتِيكَ بِهَذِهِ الْفَوَاكِهِ نَوْعاً بَعْدَ نَوْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْكَ أَنْوَاعُ الْأَطْبِخَةِ الَّتِي تُعَالَجُ بِالْأَيْدِي وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَتَرَى الْأَغْصَانَ فِي الشَّجَرِ تَتَلَقَّاكَ بِثِمَارِهَا حَتَّى كَأَنَّهَا تُنَاوِلُكَهَا عَنْ يَدٍ وَ تَرَى الرَّيَاحِينَ تَتَلَقَّاكَ فِي أَفْنَانِهَا (2) كَأَنَّهَا تَجِيئُكَ بِأَنْفُسِهَا فَلِمَنْ هَذَا التَّقْدِيرُ إِلَّا لِمُقَدِّرٍ حَكِيمٍ وَ مَا الْعِلَّةُ فِيهِ إِلَّا تَفْكِيهُ الْإِنْسَانِ بِهَذِهِ الثِّمَارِ وَ الْأَنْوَارِ وَ الْعَجَبُ مِنْ أُنَاسٍ جَعَلُوا مَكَانَ الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ جُحُودَ الْمُنْعِمِ بِهَا
خلق الرمانة و أثر العمد فيه
وَ اعْتَبِرْ بِخَلْقِ الرُّمَّانَةِ وَ مَا تَرَى فِيهَا مِنْ أَثَرِ الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّكَ تَرَى فِيهَا كَأَمْثَالِ التِّلَالِ مِنْ شَحْمٍ مَرْكُومٍ فِي نَوَاحِيهَا وَ حَبٍّ مَرْصُوفٍ صفا [رَصْفٍ] كَنَحْوِ مَا يُنْضَدُ بِالْأَيْدِي وَ تَرَى الْحَبَّ مَقْسُوماً أَقْسَاماً وَ كُلَّ قِسْمٍ
____________
(1) الدلب- بالضم- شجر عظيم عريض الورق لا زهر له و لا ثمر و الواحدة دلبة.
(2) الافنان جمع فنن و هو الغصن المستقيم.
160
مِنْهَا مَلْفُوفاً بِلَفَائِفَ مِنْ حُجُبٍ مَنْسُوجَةٍ أَعْجَبَ النَّسْجِ وَ أَلْطَفَهُ وَ قِشْرَهُ يَضُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَمِنَ التَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَشْوُ الرُّمَّانَةِ مِنَ الْحَبِّ وَحْدَهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبَّ لَا يَمُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً فَجُعِلَ ذَلِكَ الشَّحْمُ خِلَالَ الْحَبِّ لِيَمُدَّهُ بِالْغِذَاءِ أَ لَا تَرَى أَنَّ أُصُولَ الْحَبِّ مَرْكُوزَةٌ فِي ذَلِكَ الشَّحْمِ ثُمَّ لُفَّ بِتِلْكَ اللَّفَائِفِ لِتَضُمَّهُ وَ تُمْسِكَهُ فَلَا يَضْطَرِبَ وَ غُشِيَ فَوْقَ ذَلِكَ بِالْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْصِفَةِ لِتَصُونَهُ وَ تُحْصِنَهُ مِنَ الْآفَاتِ فَهَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ وَصْفِ الرُّمَّانَةِ وَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا لِمَنْ أَرَادَ الْإِطْنَابَ (1) وَ التَّذَرُّعَ (2) فِي الْكَلَامِ وَ لَكِنْ فِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ كِفَايَةٌ فِي الدَّلَالَةِ وَ الِاعْتِبَارِ
حمل اليقطين و ما فيه من التدبير و الحكمة
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي حَمْلِ الْيَقْطِينِ الضَّعِيفِ مِثْلَ هَذِهِ الثِّمَارِ الثَّقِيلَةِ مِنَ الدُّبَّاءِ (3) وَ الْقِثَّاءِ (4) وَ الْبِطِّيخِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ هَذِهِ الثِّمَارِ جُعِلَ نَبَاتُهُ مُنْبَسِطاً عَلَى الْأَرْضِ وَ لَوْ كَانَ يَنْتَصِبُ قَائِماً كَمَا يَنْتَصِبُ الزَّرْعُ وَ الشَّجَرُ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ هَذِهِ الثِّمَارِ الثَّقِيلَةِ وَ لتقصف [لَيَنْقَصِفُ] قَبْلَ إِدْرَاكِهَا وَ انْتِهَائِهَا إِلَى غَايَاتِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ
____________
(1) يقال: اطنب في الوصف أو القول، اى بالغ.
(2) التذرع في الكلام هو الإكثار منه و الافراط فيه.
(3) لم نقف عليه.
(4) القثاء- بالضم- نوع من النبات ثمره يشبه ثمر الخيار الواحدة قثاءة
161
صَارَ يَمْتَدُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِيُلْقَى عَلَيْهَا ثِمَارُهُ فَتَحْمِلَهَا عَنْهُ فَتَرَى الْأَصْلَ مِنَ الْقَرْعِ (1) وَ الْبِطِّيخِ مُفْتَرِشاً لِلْأَرْضِ وَ ثِمَارَهُ مَبْثُوثَةً عَلَيْهَا وَ حَوَالَيْهِ كَأَنَّهُ هِرَّةٌ مُمْتَدَّةٌ وَ قَدِ اكْتَنَفَتْهَا جِرَاؤُهَا (2) لِتَرْضَعَ مِنْهَا
موافاة أصناف النبات في الوقت المشاكل لها
وَ انْظُرْ كَيْفَ صَارَتِ الْأَصْنَافُ تُوَافِي فِي الْوَقْتِ الْمُشَاكِلِ لَهَا مِنْ حَمَارَّةِ (3) الصَّيْفِ وَ وَقْدَةِ الْحَرِّ فَتَلَقَّاهَا النُّفُوسُ بِانْشِرَاحٍ وَ تَشَوُّقٍ إِلَيْهَا وَ لَوْ كَانَتْ تُوَافِي الشِّتَاءَ لَوَافَقَتْ مِنَ النَّاسِ كَرَاهَةً لَهَا وَ اقْشِعْرَاراً (4) مِنْهَا مَعَ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ لِلْأَبْدَانِ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ رُبَّمَا أَدْرَكَ شَيْءٌ مِنَ الْخِيَارِ فِي الشِّتَاءِ فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ أَكْلِهِ إِلَّا الشَّرِهَ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ مَا يَضُرُّهُ وَ يُسْقِمُ مَعِدَتَهُ
____________
(1) القرع- بالفتح- نوع من اليقطين، الواحدة قرعة.
(2) في الأصل المطبوع «اجزاؤها» و هذا تصحيف شنيع، و الجراء جمع جرو- بتثليث الجيم- صغير كل شيء حتّى الرمان و البطّيخ و غلب على الكلب و الأسد، و المراد هنا بالجراء أولاد الهرة.
(3) الحمارة: شدة الحرّ و الجمع حمّار.
(4) اقشعر: تغير لونه.
162
في النخل و خلقة الجذع و الخشب و فوائد ذلك
فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النَّخْلِ فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ فِيهِ إِنَاثٌ تَحْتَاجُ إِلَى التَّلْقِيحِ جُعِلَتْ فِيهِ ذُكُورَةٌ لِلِّقَاحِ مِنْ غَيْرِ غِرَاسٍ فَصَارَ الذَّكَرُ مِنَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُلْقِحُ الْإِنَاثَ لِتَحْمِلَ وَ هُوَ لَا يَحْمِلُ تَأَمَّلْ خِلْقَةَ الْجِذْعِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ كَالْمَنْسُوجِ نَسْجاً مِنْ خُيُوطٍ مَمْدُودَةٍ كَالسَّدَى وَ أُخْرَى مَعَهُ مُعْتَرِضَةٌ كَاللُّحْمَةِ (1) كَنَحْوِ مَا يُنْسَجُ بِالْأَيْدِي وَ ذَلِكَ لِيَشْتَدَّ وَ يَصْلُبَ وَ لَا يَتَقَصَّفَ مِنْ حَمْلِ الْقَنَوَاتِ (2) الثَّقِيلَةِ وَ هَزِّ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِفِ إِذَا صَارَ نَخْلَةً وَ لِيَتَهَيَّأَ لِلسُّقُوفِ وَ الْجُسُورِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ إِذَا صَارَ جِذْعاً وَ كَذَلِكَ تَرَى الْخَشَبَ مِثْلَ النَّسْجِ فَإِنَّكَ تَرَى بَعْضَهُ مُدَاخِلًا بَعْضُهُ بَعْضاً طُولًا وَ عَرْضاً كَتَدَاخُلِ أَجْزَاءِ اللُّحَمِ وَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مَتَانَةٌ لِيَصْلُحَ لِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنَ الْآلَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَحْصَفاً (3) كَالْحِجَارَةِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي السُّقُوفِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْخَشَبَةُ كَالْأَبْوَابِ وَ الْأَسِرَّةِ وَ التَّوَابِيتِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ مِنْ جَسِيمِ الْمَصَالِحِ فِي الْخَشَبِ أَنَّهُ
____________
(1) اللحمة- بالضم- ما سدي به بين سدى الثوب أي ما نسج عرضا و هو خلاف سواه و الجمع لحم.
(2) في الأصل المطبوع- قنوان- و لا معنى لها هنا .. و القنوات جمع قناة و هي العسا الغليظة، و قد أراد بها الإمام (عليه السلام) هنا هي سعف النخل الغليظة.
(3) أراد بالمستحصف: الشديد المحكم كانه الحجارة.
163
يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ فَكُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا مِنْهُ وَ لَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ جَلَالَةَ الْأَمْرِ فِيهِ فَلَوْ لَا هَذِهِ الْخُلَّةُ كَيْفَ كَانَتْ هَذِهِ السُّفُنُ وَ الْأَظْرَافُ (1) تَحْمِلُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ مِنَ الْحَمُولَةِ وَ أَنَّى كَانَ يَنَالُ النَّاسُ هَذَا الرِّفْقَ وَ خِفَّةَ الْمَئُونَةِ فِي حَمْلِ التِّجَارَاتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَ كَانَتْ تَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَيْهِمْ فِي حَمْلِهَا حَتَّى يُلْقَى كَثِيرٌ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مَفْقُوداً أَصْلًا أَوْ عَسُرَ وُجُودُهُ
العقاقير و اختصاص كل منها
فَكِّرْ فِي هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ وَ مَا خُصَّ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْعَمَلِ فِي بَعْضِ الْأَدْوَاءِ فَهَذَا يَغُورُ فِي الْمَفَاصِلِ فَيَسْتَخْرِجُ الْفُضُولَ الْغَلِيظَةَ مِثْلَ الشَّيْطَرَجِ (2) وَ هَذَا يَنْزِفُ الْمِرَّةَ السَّوْدَاءَ (3) مِثْلَ الْأَفْتِيمُونِ (4) وَ هَذَا
____________
(1) كذا في النسخ، و الظرف لا يجمع على لفظ اظراف و انما يقال للجمع ظروف.
(2) جاء في تذكرة الانطاكى: شيطرج هندي هو الخامشة و هو نبت يوجد بالقبور الخراب له ورق عريض و دقيق ينتثر أعلاه إذا برد الجو و زهره أحمر إلى بياض، يخلف بزر أسود أصغر من الخردل و رائحته ثقيلة حادة و طعمه الى مرارة.
(3) المرة السوداء: خلط من أخلاط البدن و الجمع مرار.
(4) افتيمون لفظ يوناني معناه دواء الجنون و هو نبات له أصل كالجزر شديد الحمرة و فروع كالخيوط الليفية تحف باوراق دقاق خضر و زهره الى حمرة و غيرة و بزر دون الخردل أحمر إلى صفرة يلتف بما يليه.
164
يَنْفِي الرِّيَاحَ مِثْلَ السَّكْبِينَجِ (1) وَ هَذَا يُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ وَ أَشْبَاهَ هَذَا مِنْ أَفْعَالِهَا فَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْقُوَى فِيهَا إِلَّا مَنْ خَلَقَهَا لِلْمَنْفَعَةِ وَ مَنْ فَطَّنَ النَّاسَ لَهَا إِلَّا مَنْ جَعَلَ هَذَا فِيهَا وَ مَتَى كَانَ يُوقَفُ عَلَى هَذَا مِنْهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ- كَمَا قَالَ الْقَائِلُونَ وَ هَبِ الْإِنْسَانُ فَطَنَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِذِهْنِهِ وَ لَطِيفِ رَوِيَّتِهِ وَ تَجَارِبِهِ فَالْبَهَائِمُ كَيْفَ فَطَنَتْ لَهَا حَتَّى صَارَ بَعْضُ السِّبَاعِ يَتَدَاوَى مِنْ جِرَاحَةٍ إِنْ أَصَابَتْهُ بِبَعْضِ الْعَقَاقِيرِ فَيَبْرَأُ وَ بَعْضُ الطَّيْرِ يَحْتَقِنُ مِنَ الْحُصْرِ يُصِيبُهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَيَسْلَمُ وَ أَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ وَ لَعَلَّكَ تُشَكِّكُ فِي هَذَا النَّبَاتِ النَّابِتِ فِي الصَّحَارِي وَ الْبَرَارِي حَيْثُ لَا أُنْسَ وَ لَا أَنِيسَ فَتَظُنُّ أَنَّهُ فَضْلٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ طُعْمٌ لِهَذِهِ الْوُحُوشِ وَ حَبُّهُ عَلَفٌ لِلطَّيْرِ وَ عُودُهُ وَ أَفْنَانُهُ حَطَبٌ فَيَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ وَ فِيهِ بَعْدُ أَشْيَاءُ تُعَالَجُ بِهَا الْأَبْدَانُ وَ أُخْرَى تُدْبَغُ بِهَا الْجُلُودُ وَ أُخْرَى تُصْبَغُ [بِهِ] الْأَمْتِعَةُ وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَخَسِّ النَّبَاتِ وَ أَحْقَرِهِ هَذَا الْبَرْدِيُّ وَ مَا أَشْبَهَهَا فَفِيهَا مَعَ هَذَا مِنْ ضُرُوبِ الْمَنَافِعِ فَقَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الْبَرْدِيِّ الْقَرَاطِيسُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُلُوكُ وَ السُّوقَةُ وَ الْحُصُرُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ وَ يُعْمَلُ مِنْهُ الْغُلُفُ الَّتِي يُوقَى بِهَا الْأَوَانِي وَ يُجْعَلُ حَشْواً بَيْنَ الظُّرُوفِ فِي الْأَسْفَاطِ لِكَيْلَا تَعِيبَ وَ تَنْكَسِرَ وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ فَاعْتَبِرْ بِمَا تَرَى مِنْ ضُرُوبِ الْمَآرِبِ فِي صَغِيرِ الْخَلْقِ وَ كَبِيرِهِ وَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ
____________
(1) سكبينج او سكنبيج هو شجرة بفارس، و يورد الاطباء الاقدمون اوصافا طبية كثيرة من السكنبيج و يذكرون انه يذهب عدة أمراض لا مجال لذكرها هنا.
165
وَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ وَ أَخَسُّ مِنْ هَذَا وَ أَحْقَرُهُ الزِّبْلُ وَ الْعَذِرَةُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا الخَسَاسَةُ وَ النَّجَاسَةُ مَعاً وَ مَوْقِعُهَا مِنَ الزُّرُوعِ وَ الْبُقُولِ وَ الْخُضَرِ أَجْمَعُ الْمَوْقِعِ الَّذِي لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ حَتَّى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْخُضَرِ لَا يَصْلُحُ وَ لَا يَزْكُو إِلَّا بِالزِّبْلِ وَ السَّمَادِ الَّذِي يَسْتَقْذِرُهُ النَّاسُ وَ يَكْرَهُونَ الدُّنُوَّ مِنْهُ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْزِلَةُ الشَّيْءِ عَلَى حَسَبِ قِيمَتِهِ بَلْ هُمَا قِيمَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ بِسُوقَيْنِ وَ رُبَّمَا كَانَ الْخَسِيسُ فِي سُوقِ الْمُكْتَسَبِ نَفِيساً فِي سُوقِ الْعِلْمِ فَلَا تَسْتَصْغِرِ الْعِبْرَةَ فِي الشَّيْءِ لِصِغَرِ قِيمَتِهِ فَلَوْ فَطَنَ طَالِبُوا الْكِيمِيَاءِ لِمَا فِي الْعَذِرَةِ لَاشْتَرَوْهَا بِأَنْفَسِ الْأَثْمَانِ وَ غَالَوْا بِهَا قَالَ الْمُفَضَّلُ وَ حَانَ وَقْتُ الزَّوَالِ- فَقَامَ مَوْلَايَ إِلَى الصَّلَاةِ وَ قَالَ بَكِّرْ إِلَيَّ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْصَرَفْتُ وَ قَدْ تَضَاعَفَ سُرُورِي بِمَا عَرَّفَنِيهِ مُبْتَهِجاً بِمَا آتَانِيهِ حَامِداً لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَحَنِيهِ فَبِتُّ لَيْلَتِي مَسْرُوراً
166
المجلس الرابع
قَالَ الْمُفَضَّلُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ بَكَّرْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَاسْتُؤْذِنَ لِي فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ (ع) مِنَّا التَّحْمِيدُ وَ التَّسْبِيحُ وَ التَّعْظِيمُ وَ التَّقْدِيسُ لِلِاسْمِ الْأَقْدَمِ وَ النُّورِ الْأَعْظَمِ الْعَلِيِّ الْعَلَّامِ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ وَ مُنْشِئِ الْأَنَامِ وَ مُفْنِي الْعَوَالِمِ وَ الدُّهُورِ وَ صَاحِبِ السِّرِّ الْمَسْتُورِ وَ الْغَيْبِ الْمَحْظُورِ وَ الِاسْمِ الْمَخْزُونِ وَ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ وَ صَلَوَاتُهُ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَى مُبَلِّغِ وَحْيِهِ وَ مُؤَدِّي رِسَالَتِهِ الَّذِي بَعَثَهُ بَشِيراً وَ نَذِيراً- وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً- لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فَعَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ مِنْ بَارِئِهِ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَ التَّحِيَّاتُ الزَّاكِيَاتُ النَّامِيَاتُ وَ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام) وَ الرَّحْمَةُ وَ الْبَرَكَاتُ فِي الْمَاضِينَ وَ الْغَابِرِينَ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ وَ هُمْ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّوهُ
الموت و الفناء و انتقاد الجهال و جواب ذلك
قَدْ شَرَحْتُ لَكَ يَا مُفَضَّلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْخَلْقِ وَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صَوَابِ التَّدْبِيرِ وَ الْعَمْدِ فِي الْإِنْسَانِ وَ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وَ أَنَا أَشْرَحُ لَكَ الْآنَ الْآفَاتِ الْحَادِثَةَ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ الَّتِي اتَّخَذَهَا أُنَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ ذَرِيعَةً إِلَى جُحُودِ الْخَلْقِ وَ الْخَالِقِ وَ الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ وَ مَا أَنْكَرَتِ الْمُعَطِّلَةُ وَ الْمَنَانِيَّةُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَ الْمَصَائِبِ وَ مَا
167
أَنْكَرُوهُ مِنَ الْمَوْتِ وَ الْفَنَاءِ وَ مَا قَالَهُ أَصْحَابُ الطَّبَائِعِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَوْنَ الْأَشْيَاءِ بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ لَيَتَّسِعُ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ- قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
الآفات و نظر الجهال إليها و الجواب على ذلك
اتَّخَذَ أُنَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ هَذِهِ الْآفَاتِ الْحَادِثَةَ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ كَمِثْلِ الْوَبَاءِ وَ الْيَرَقَانِ وَ الْبَرَدِ (1) وَ الْجَرَادِ ذَرِيعَةً إِلَى جُحُودِ الْخَالِقِ وَ التَّدْبِيرِ وَ الْخَلْقِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقٌ وَ مُدَبِّرٌ فَلِمَ لَا يَكُونُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَ أَفْظَعُ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَسْقُطَ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ وَ تَهْوِيَ الْأَرْضُ فَتَذْهَبَ سُفْلًا وَ تَتَخَلَّفَ الشَّمْسُ عَنِ الطُّلُوعِ أَصْلًا وَ تَجِفَّ الْأَنْهَارُ وَ الْعُيُونُ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَاءٌ لِلشَّفَةِ وَ تَرْكُدَ الرِّيحُ حَتَّى تَخِمَّ الْأَشْيَاءُ وَ تَفْسُدَ وَ يَفِيضَ مَاءُ الْبَحْرِ عَلَى الْأَرْضِ فَيُغْرِقَهَا ثُمَّ هَذِهِ الْآفَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ الْوَبَاءِ وَ الْجَرَادِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا بَالُهَا لَا تَدُومُ وَ تَمْتَدُّ حَتَّى تَجْتَاحَ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ بَلْ تَحْدُثُ فِي الْأَحَايِينِ ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تُرْفَعَ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ الْعَالَمَ يُصَانُ وَ يُحْفَظُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي لَوْ حَدَثَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ فِيهِ بَوَارُهُ وَ يُلْذَعُ (2) أَحْيَاناً بِهَذِهِ الْآفَاتِ الْيَسِيرَةِ لِتَأْدِيبِ النَّاسِ وَ تَقْوِيمِهِمْ ثُمَّ لَا تَدُومُ هَذِهِ الْآفَاتُ بَلْ تُكْشَفُ
____________
(1) ذهب ذكر اليرقان و البرد سابقا.
(2) يقال لذعته النار اي احرقته و لذعه بلسانه اي اوجعه بكلام.
و في بعض النسخ باهمال الأول و اعجام الثاني من لدغ العقرب.
168
عَنْهُمْ عِنْدَ الْقُنُوطِ مِنْهُمْ فَيَكُونُ وُقُوعُهَا بِهِمْ مَوْعِظَةً وَ كَشْفُهَا عَنْهُمْ رَحْمَةً وَ قَدْ أَنْكَرَتِ الْمَنَانِيَّةُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ إِنْ كَانَ لِلْعَالَمِ خَالِقٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلِمَ تَحْدُثُ فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْمَكْرُوهَةُ وَ الْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَيْشُ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا صَافِياً مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَ لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَخْرُجُ مِنَ الْأَشَرِ (1) وَ الْعُتُوِّ (2) إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ فِي دِينٍ وَ لَا دُنْيَا كَالَّذِي تَرَى كَثِيراً مِنَ الْمُتْرَفِينَ وَ مَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ وَ الْأَمْنِ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْسَى أَنَّهُ بَشَرٌ وَ أَنَّهُ مَرْبُوبٌ أَوْ أَنَّ ضَرَراً يَمَسُّهُ أَوْ أَنَّ مَكْرُوهاً يَنْزِلُ بِهِ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَ ضَعِيفاً أَوْ يُوَاسِيَ فَقِيراً أَوْ يَرْثِيَ لِمُبْتَلًى أَوْ يَتَحَنَّنَ عَلَى ضَعِيفٍ أَوْ يَتَعَطَّفَ عَلَى مَكْرُوبٍ فَإِذَا عَضَّتْهُ الْمَكَارِهُ وَ وَجَدَ مَضَضَهَا اتَّعَظَ وَ أَبْصَرَ كَثِيراً مِمَّا كَانَ جَهِلَهُ وَ غَفَلَ عَنْهُ وَ رَجَعَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَ الْمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمُؤْذِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَدْوِيَةَ الْمُرَّةَ الْبَشِعَةَ وَ يَتَسَخَّطُونَ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الضَّارَّةِ وَ يَتَكَرَّهُونَ الْأَدَبَ وَ الْعَمَلَ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَفَرَّغُوا لِلَّهْوِ وَ الْبِطَالَةِ وَ يَنَالُوا كُلَّ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ لَا يَعْرِفُونَ مَا تُؤَدِّيهِمْ إِلَيْهِ الْبِطَالَةُ مِنْ سُوءِ النشو [النُّشُوءِ] وَ الْعَادَةِ وَ مَا تُعْقِبُهُمُ الْأَطْعِمَةُ اللَّذِيذَةُ الضَّارَّةُ مِنَ الْأَدْوَاءِ وَ الْأَسْقَامِ وَ مَا لَهُمْ فِي الْأَدَبِ مِنَ الصَّلَاحِ وَ فِي الْأَدْوِيَةِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ إِنْ شَابَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكَرَاهَةِ-
____________
(1) الاشر: البطر.
(2) العتو- بالضم- الاستكبار و تجاوز الحد.
169
فَإِنْ قَالُوا فَلِمَ لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ مَعْصُوماً مِنَ الْمَسَاوِئِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ تَلْذَعَهُ هَذِهِ الْمَكَارِهُ قِيلَ إِذَا كَانَ يَكُونُ غَيْرَ مَحْمُودٍ عَلَى حَسَنَهٍ يَأْتِيهَا وَ لَا مُسْتَحِقّاً لِلثَّوَابِ عَلَيْهَا فَإِنْ قَالُوا وَ مَا كَانَ يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْمُوداً عَلَى الْحَسَنَاتِ مُسْتَحِقّاً لِلثَّوَابِ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى غَايَةِ النَّعِيمِ وَ اللَّذَّاتِ قِيلَ لَهُمُ اعْرِضُوا عَلَى امْرِئٍ صَحِيحِ الْجِسْمِ وَ الْعَقْلِ أَنْ يَجْلِسَ مُنْعَماً وَ يُكْفَى كُلَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِلَا سَعْيٍ وَ لَا اسْتِحْقَاقٍ فَانْظُرُوا هَلْ تَقْبَلُ نَفْسُهُ ذَلِكَ بَلْ سَتَجِدُونَهُ بِالْقَلِيلِ مِمَّا يَنَالُهُ بِالسَّعْيِ وَ الْحَرَكَةِ أَشَدَّ اغْتِبَاطاً وَ سُرُوراً مِنْهُ بِالْكَثِيرِ مِمَّا يَنَالُهُ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ وَ كَذَلِكَ نَعِيمُ الْآخِرَةِ أَيْضاً يَكْمُلُ لِأَهْلِهِ بِأَنْ يَنَالُوهُ بِالسَّعْيِ فِيهِ وَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ فَالنِّعْمَةُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذَا الْبَابِ مُضَاعَفَةٌ فَإِنْ أُعِدَّ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ عَلَى سَعْيِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ جُعِلَ لَهُ السَّبِيلُ إِلَى أَنْ يَنَالَ ذَلِكَ بِسَعْيٍ وَ اسْتِحْقَاقٍ فَيَكْمُلَ لَهُ السُّرُورُ وَ الِاغْتِبَاطُ بِمَا يَنَالُهُ مِنْهُ فَإِنْ قَالُوا أَ وَ لَيْسَ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْكَنُ إِلَى مَا نَالَ مِنْ خَيْرٍ وَ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَمَا الْحُجَّةُ فِي مَنْعِ مَنْ رَضِيَ أَنْ يَنَالَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ هَذَا بَابٌ لَوْ صَحَّ لِلنَّاسِ لَخَرَجُوا إِلَى غَايَةِ الْكَلْبِ (1) وَ الضَّرَاوَةِ عَلَى الْفَوَاحِشِ وَ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ فَمَنْ كَانَ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ فَاحِشَةٍ أَوْ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ لَوَثِقَ بِأَنَّهُ
____________
(1) في الأصل المطبوع الكلبة. و لا معنى للفظ هنا، و الصحيح ما ذكرناه اذ الكلب- بفتحتين- هو داء يشبه الجنون يأخذ الكلاب فتعض الناس فتكلب الناس أيضا إذا تمنعوا عن استعمال لقاح الطبيب الفرنسي المعروف باستور.
170
صَائِرٌ إِلَى النَّعِيمِ لَا مَحَالَةَ أَوْ مَنْ كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ مِنَ النَّاسِ لَوْ لَمْ يَخَفِ الْحِسَابَ وَ الْعِقَابَ فَكَانَ ضَرَرُ هَذَا الْبَابِ سَيَنَالُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْعَدْلِ وَ الْحِكْمَةِ مَعاً وَ مَوْضِعٌ لِلطَّعْنِ عَلَى التَّدْبِيرِ بِخِلَافِ الصَّوَابِ وَ وَضْعُ الْأُمُورِ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا
لما ذا تصيب الآفات جميع الناس و ما الحجة في ذلك
وَ قَدْ يَتَعَلَّقُ هَؤُلَاءِ بِالْآفَاتِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَتَعُمُّ الْبَرَّ وَ الْفَاجِرَ أَوْ يُبْتَلَى بِهَا الْبَرُّ وَ يَسْلَمُ الْفَاجِرُ مِنْهَا فَقَالُوا كَيْفَ يَجُوزُ هَذَا فِي تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ وَ مَا الْحُجَّةُ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُمْ إِنَّ هَذِهِ الْآفَاتِ وَ إِنْ كَانَتْ تَنَالُ الصَّالِحَ وَ الطَّالِحَ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ ذَلِكَ صَلَاحاً لِلصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِمَا أَمَّا الصَّالِحُونَ فَإِنَّ الَّذِي يُصِيبُهُمْ مِنْ هَذَا يزدهم [يَرُدُّهُمْ] نِعَمَ رَبِّهِمْ عِنْدَهُمْ فِي سَالِفِ أَيَّامِهِمْ فَيَحْدُوهُمْ ذَلِكَ عَلَى الشُّكْرِ وَ الصَّبْرِ وَ أَمَّا الطَّالِحُونَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إِذَا نَالَهُمْ كَسَرَ شِرَّتَهُمْ وَ رَدَعَهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَ الْفَوَاحِشِ وَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ لِمَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ صَلَاحاً فِي ذَلِكَ أَمَّا الْأَبْرَارُ فَإِنَّهُمْ يَغْتَبِطُونَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ وَ الصَّلَاحِ وَ يَزْدَادُونَ فِيهِ رَغْبَةً وَ بَصِيرَةً وَ أَمَّا الْفُجَّارُ فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ رَأْفَةَ رَبِّهِمْ وَ تَطَوُّلَهُ عَلَيْهِمْ بِالسَّلَامَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَيَحُضُّهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرَّأْفَةِ بِالنَّاسِ وَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْآفَاتِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ فَمَا قَوْلُكَ فِيمَا يُبْتَلَوْنَ بِهِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَيَكُونُ فِيهِ تَلَفُهُمْ كَمِثْلِ الْحَرَقِ وَ الْغَرَقِ وَ السَّيْلِ وَ الْخَسْفِ فَيُقَالُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي هَذَا أَيْضاً صَلَاحاً لِلصِّنْفَيْنِ جَمِيعاً أَمَّا الْأَبْرَارُ فَلِمَا لَهُمْ فِي مُفَارَقَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا مِنَ الرَّاحَةِ
171
مِنْ تَكَالِيفِهَا وَ النَّجَاةِ مِنْ مَكَارِهِهَا وَ أَمَّا الْفُجَّارُ فَلِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ تَمْحِيصِ أَوْزَارِهِمْ وَ حَبْسِهِمْ عَنِ الِازْدِيَادِ مِنْهَا وَ جُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْخَالِقَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِحِكْمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ قَدْ يَصْرِفُ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَى الْخَيْرِ وَ الْمَنْفَعَةِ فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا قَطَعَتِ الرِّيحُ شَجَرَةً أَوْ قَطَعَتْ نَخْلَةً أَخَذَهَا الصَّانِعُ الرَّفِيقُ وَ اسْتَعْمَلَهَا فِي ضُرُوبٍ مِنَ الْمَنَافِعِ فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمُدَبِّرُ الْحَكِيمُ فِي الْآفَاتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِالنَّاسِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ فَيُصَيِّرُهَا جَمِيعاً إِلَى الْخَيْرِ وَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ قَالَ وَ لِمَ تَحْدُثُ عَلَى النَّاسِ قِيلَ لَهُ لِكَيْلَا يَرْكَنُوا إِلَى الْمَعَاصِي مِنْ طُولِ السَّلَامَةِ فَيُبَالِغَ الْفَاجِرُ فِي رُكُوبِ الْمَعَاصِي وَ يَفْتُرَ الصَّالِحُ عَنِ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِرِّ فَإِنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً يَغْلِبَانِ عَلَى النَّاسِ فِي حَالِ الْخَفْضِ وَ الدَّعَةِ وَ هَذِهِ الْحَوَادِثُ الَّتِي تَحْدُثُ عَلَيْهِمْ تَرْدَعُهُمْ وَ تُنَبِّهُهُمْ عَلَى مَا فِيهِ رُشْدُهُمْ فَلَوْ خُلُّوا مِنْهَا لَغَلَوْا فِي الطُّغْيَانِ وَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا غَلَا النَّاسُ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْبَوَارُ بِالطُّوفَانِ وَ تَطْهِيرِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ
الموت و الفناء و انتقاد الجهال و جواب ذلك
وَ مِمَّا يَنْتَقِدُهُ الْجَاحِدُونَ لِلْعَمْدِ وَ التَّقْدِيرِ الْمَوْتُ وَ الْفَنَاءُ فَإِنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مُخَلَّدِينَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُبَرَّءِينَ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى غَايَتِهِ فَيُنْظَرَ مَا مَحْصُولُهُ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ الْعَالَمَ وَ يَدْخُلُهُ يَبْقَوْنَ وَ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ تَضِيقُ بِهِمْ حَتَّى تُعْوِزَهُمُ الْمَسَاكِنُ وَ الْمَزَارِعُ وَ الْمَعَايِشُ فَإِنَّهُمْ وَ الْمَوْتُ يَفْنِيهِمْ أَوَّلًا فَأَوَّلًا يَتَنَافَسُونَ فِي الْمَسَاكِنِ
172
وَ الْمَزَارِعِ حَتَّى تَنْشَبَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُرُوبُ وَ تُسْفَكَ فِيهِمُ الدِّمَاءُ فَكَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُمْ لَوْ كَانُوا يُولَدُونَ وَ لَا يَمُوتُونَ وَ كَانَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْحِرْصُ وَ الشَّرَهُ وَ قَسَاوَةُ الْقُلُوبِ فَلَوْ وَثِقُوا بِأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ لَمَا قَنَعَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ يَنَالُهُ وَ لَا أَفْرَجَ لِأَحَدٍ عَنْ شَيْءٍ يَسْأَلُهُ وَ لَا سَلَا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَحْدُثُ عَلَيْهِ ثُمَّ كَانُوا يَمَلُّونَ الْحَيَاةَ وَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَمَا قَدْ يَمَلُّ الْحَيَاةَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ حَتَّى يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَ الرَّاحَةَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أنه [أَنْ] يُرْفَعُ عَنْهُمُ الْمَكَارِهُ وَ الْأَوْصَابُ حَتَّى لَا يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَ لَا يَشْتَاقُوا إِلَيْهِ فَقَدْ وَصَفْنَا مَا كَانَ يُخْرِجُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْعُتُوِّ وَ الْأَشَرِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى مَا فِيهِ فَسَادُ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ وَ إِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَوَالَدُوا كَيْلَا تَضِيقَ عَنْهُمُ الْمَسَاكِنُ وَ الْمَعَايِشُ قِيلَ لَهُمْ إِذَا كَانَ يُحْرَمُ أَكْثَرُ هَذَا الْخَلْقِ دُخُولَ الْعَالَمِ وَ الِاسْتِمْتَاعَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَوَاهِبِهِ فِي الدَّارَيْنِ جَمِيعاً إِذًا لَمْ يَدْخُلِ الْعَالَمَ إِلَّا قَرْنٌ (1) وَاحِدٌ لَا يَتَوَالَدُونَ وَ لَا يَتَنَاسَلُونَ فَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُخْلَقَ فِي ذَلِكَ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ مِنَ النَّاسِ مِثْلَ مَا خُلِقَ وَ يُخْلَقُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعَالَمِ يُقَالُ لَهُمْ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ ضِيقِ الْمَسَاكِنِ وَ الْمَعَايِشِ عَنْهُمْ ثُمَّ لَوْ كَانُوا لَا يَتَوَالَدُونَ وَ لَا يَتَنَاسَلُونَ لَذَهَبَ مَوْضِعُ الْأُنْسِ بِالْقَرَابَاتِ وَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَ الِانْتِصَارِ بِهِمْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَ مَوْضِعُ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَ السُّرُورِ بِهِمْ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْأَوْهَامُ سِوَى مَا جَرَى بِهِ التَّدْبِيرُ خَطَأٌ وَ سَفَهٌ مِنَ الرَّأْيِ وَ الْقَوْلِ
____________
(1) المراد بالقرن هنا أهل زمان واحد و الجمع قرون.
173
الطعن على التدبير من جهة أخرى و الجواب عليه
وَ لَعَلَّ طَاعِناً يَطْعُنُ عَلَى التَّدْبِيرِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَيَقُولُ كَيْفَ يَكُونُ هَاهُنَا تَدْبِيرٌ وَ نَحْنُ نَرَى النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَنْ عَزَّ بَزَّ فَالْقَوِيُّ يَظْلِمُ وَ يَغْصِبُ وَ الضَّعِيفُ يُظْلَمُ وَ يُسَالِمُ الْخَسْفَ وَ الصَّالِحُ فَقِيرٌ مُبْتَلًى وَ الْفَاسِقُ مُعَافًى مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ وَ مَنْ رَكِبَ فَاحِشَةً أَوِ انْتَهَكَ مُحَرَّماً لَمْ يُعَاجَلْ بِالْعُقُوبَةِ فَلَوْ كَانَ فِي الْعَالَمِ تَدْبِيرٌ لَجَرَتِ الْأُمُورُ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَائِمِ فَكَانَ الصَّالِحُ هُوَ الْمَرْزُوقَ وَ الطَّالِحُ هُوَ الْمَحْرُومَ وَ كَانَ الْقَوِيُّ يُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِ الضَّعِيفِ وَ الْمُنْتَهِكُ لِلْمَحَارِمِ يُعَاجَلُ بِالْعُقُوبَةِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ إِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا لَذَهَبَ مَوْضِعُ الْإِحْسَانِ الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ حَمْلِ النَّفْسِ عَلَى الْبِرِّ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ احْتِسَاباً لِلثَّوَابِ وَ ثِقَةً بِمَا وَعَدَ اللَّهُ عَنْهُ وَ لَصَارَ النَّاسُ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُسَاسُ بِالْعَصَا وَ الْعَلَفِ وَ يُلْمَعُ لَهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَاعَةً فَسَاعَةً فَتَسْتَقِيمُ عَلَى ذَلِكَ وَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْمَلُ عَلَى يَقِينٍ بِثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ حَتَّى كَانَ هَذَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ حَدِّ الْإِنْسِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهَائِمِ ثُمَّ لَا يَعْرِفُ مَا غَابَ وَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا عَلَى الْحَاضِرِ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَ كَانَ يَحْدُثُ مِنْ هَذَا أَيْضاً أَنْ يَكُونَ الصَّالِحُ إِنَّمَا يَعْمَلُ لِلرِّزْقِ وَ السَّعَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ يَكُونَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الظُّلْمِ وَ الْفَوَاحِشِ إِنَّمَا يَكُفُّ عَنْ ذَلِكَ لِتَرَقُّبِ عُقُوبَةٍ تَنْزِلُ بِهِ مِنْ سَاعَتِهِ حَتَّى تَكُونَ أَفْعَالُ النَّاسِ كُلُّهَا تَجْرِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْيَقِينِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ وَ النَّعِيمَ الدَّائِمَ فِيهَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّاعِنُ مِنَ
174
الْغِنَى وَ الْفَقْرِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْبَلَاءِ لَيْسَتْ بِجَارِيَةٍ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِهِ بَلْ قَدْ تَجْرِي عَلَى ذَلِكَ أَحْيَاناً وَ الْأَمْرِ الْمَفْهُومِ فَقَدْ تَرَى كَثِيراً مِنَ الصَّالِحِينَ يُرْزَقُونَ الْمَالَ لِضُرُوبٍ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ كَيْلَا يَسْبِقَ إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمَرْزُوقُونَ وَ الْأَبْرَارَ هُمُ الْمَحْرُومُونَ فَيُؤْثِرُونَ الْفِسْقَ عَلَى الصَّلَاحِ وَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الْفُسَّاقِ يُعَاجَلُونَ بِالْعُقُوبَةِ إِذَا تَفَاقَمَ طُغْيَانُهُمْ وَ عَظُمَ ضَرَرُهُمْ عَلَى النَّاسِ وَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا عُوجِلَ فِرْعَوْنُ (1) بِالْغَرَقِ وَ بُخْتَنَصَّرُ (2) بِالتَّيْهِ وَ بِلْبِيسُ (3) بِالْقَتْلِ وَ إِنْ أُمْهِلَ بَعْضُ الْأَشْرَارِ بِالْعُقُوبَةِ وَ أُخِّرَ بَعْضُ الْأَخْيَارِ بِالثَّوَابِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَسْبَابٍ تَخْفَى عَلَى الْعِبَادِ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا يُبْطِلُ التَّدْبِيرَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَكُونُ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَ لَا يُبْطِلُ تَدْبِيرَهُمْ بَلْ يَكُونُ تَأْخِيرُهُمْ مَا أَخَّرُوهُ وَ تَعْجِيلُهُمْ مَا عَجَّلُوهُ دَاخِلًا فِي صَوَابِ الرَّأْيِ وَ التَّدْبِيرِ وَ إِذَا كَانَتِ
____________
(1) قصة غرق فرعون في البحر معروفة في الكتب المقدّسة، و القرآن الكريم يشير إليها في أكثر من موضع واحد.
(2) او نبوخدنصر كان أعظم ملوك الكلدانيين، و ملك في بابل من سنة 604 الى سنة 561 ق م و قد وصف بالقوة و البأس و عد من أبطال التاريخ في الشرق، و جاء ذكره في التوراة كثيرا لأنّه عاقب الأمم الغربية عقابا شديدا، و هاجم اليهود- سكان مملكة يهوذا الصغيرة- هجوما صاعقا بعد ان أجلى أكثرهم الى بابل و دمر عاصمتهم اورشليم تدميرا شديدا
(3) بلبيس كذا في الأصل و هو غير معروف عند المؤرخين، و لم نجده فيما بين ايدينا من الكتب.
175
الشَّوَاهِدُ تَشْهَدُ وَ قِيَاسُهُمْ يُوجِبُ أَنَّ لِلْأَشْيَاءِ خَالِقاً حَكِيماً قَادِراً فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُدَبِّرَ خَلْقَهُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي قِيَاسِهِمْ أَنْ يَكُونَ الصَّانِعُ يُهْمِلُ صَنَعْتَهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ إِمَّا عَجْزٍ وَ إِمَّا جَهْلٍ وَ إِمَّا شَرَارَةٍ وَ كُلُّ هَذَا مُحَالٌ فِي صَنَعْتِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَاجِزَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الْخَلَائِقِ الْجَلِيلَةِ الْعَجِيبَةِ وَ الْجَاهِلَ لَا يَهْتَدِي لِمَا فِيهَا مِنَ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ وَ الشَّرِيرَ لَا يَتَطَاوَلُ لِخَلْقِهَا وَ إِنْشَائِهَا وَ إِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ لِهَذِهِ الْخَلَائِقِ يُدَبِّرُهَا لَا مَحَالَةَ وَ إِنْ كَانَ لَا يُدْرَكُ كُنْهُ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ وَ مَخَارِجُهُ فَإِنَّ كَثِيراً مِنْ تَدْبِيرِ الْمُلُوكِ لَا تَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ وَ لَا تَعْرِفُ أَسْبَابَهُ لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ دَخِيلَةَ أَمْرِ الْمُلُوكِ وَ أَسْرَارِهِمْ فَإِذَا عُرِفَ سَبَبُهُ وُجِدَ قَائِماً عَلَى الصَّوَابِ وَ الشَّاهِدُ الْمِحْنَةُ وَ لَوْ شَكَكْتَ فِي بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ وَ الْأَطْعِمَةِ فَيَتَبَيَّنُ لَكَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَنَّهُ حَارٌّ أَوْ بَارِدٌ أَ لَمْ تَكُنْ سَتَقْضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَ تَنْفِي الشَّكَّ فِيهِ عَنْ نَفْسِكَ فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ لَا يَقْضُونَ عَلَى الْعَالَمِ بِالْخَلْقِ وَ التَّدْبِيرِ مَعَ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ الْكَثِيرَةِ وَ أَكْثَرُ مِنْهَا مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَ لَوْ كَانَ نِصْفُ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ مُشْكِلًا صَوَابُهُ لَمَا كَانَ مِنْ حَزْمِ الرَّأْيِ وَ سَمْتِ (1) الْأَدَبِ أَنْ يُقْضَى عَلَى الْعَالَمِ بِالْإِهْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَ مَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنَ الصَّوَابِ وَ إِتْقَانِ مَا يَرْدَعُ الْوَهْمَ عَنِ التَّسَرُّعِ إِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَكَيْفَ وَ كُلُّ مَا فِيهِ إِذَا فُتِّشَ وُجِدَ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ حَتَّى لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ شَيْءٌ إِلَّا وُجِدَ مَا عَلَيْهِ الْخِلْقَةُ أَصَحَّ وَ أَصْوَبَ مِنْهُ
____________
(1) السمت- بالفتح- الطريق و المحجة و الجمع سموت.
176
اسم هذا العالم بلسان اليونانية
وَ اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْعَالَمِ بِلِسَانِ الْيُونَانِيَّةِ الْجَارِي الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ قوسموس وَ تَفْسِيرُهُ الزِّينَةُ وَ كَذَلِكَ سَمَّتْهُ الْفَلَاسِفَةُ وَ مَنِ ادَّعَى الْحِكْمَةَ أَ فَكَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَذَا الِاسْمِ إِلَّا لِمَا رَأَوْا فِيهِ مِنَ التَّقْدِيرِ وَ النِّظَامِ فَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُسَمُّوهُ تَقْدِيراً وَ نِظَاماً حَتَّى سَمَّوْهُ زِينَةً لِيُخْبِرُوا أَنَّهُ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوَابِ وَ الْإِتْقَانِ عَلَى غَايَةِ الْحُسْنِ وَ الْبَهَاءِ
عمي ماني عن دلائل الحكمة و ادعاؤه علم الأسرار
اعْجَبْ يَا مُفَضَّلُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَقْضُونَ عَلَى صِنَاعَةِ الطِّبِّ بِالْخَطَإِ وَ هُمْ يَرَوْنَ الطَّبِيبَ يُخْطِئُ وَ يَقْضُونَ عَلَى الْعَالَمِ بِالْإِهْمَالِ وَ لَا يَرَوْنَ شَيْئاً مِنْهُ مُهْمَلًا بَلِ اعْجَبْ مِنْ أَخْلَاقِ مَنِ ادَّعَى الْحِكْمَةَ حَتَّى جَهِلُوا مَوَاضِعَهَا فِي الْخَلْقِ فَأَرْسَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِالذَّمِّ لِلْخَالِقِ جَلَّ وَ عَلَا بَلِ الْعَجَبُ مِنَ الْمَخْذُولِ مَانِي حِينَ ادَّعَى عِلْمَ الْأَسْرَارِ وَ عَمِيَ عَنْ دَلَائِلِ الْحِكْمَةِ فِي الْخَلْقِ حَتَّى نَسَبَهُ إِلَى الْخَطَإِ وَ نَسَبَ خَالِقَهُ إِلَى الْجَهْلِ تَبَارَكَ الْحَكِيمُ الْكَرِيمُ
انتقاد المعطلة فيما راموا أن يدركوا بالحس ما لا يدرك بالعقل
وَ أَعْجَبُ مِنْهُمْ جَمِيعاً الْمُعَطِّلَةُ الَّذِينَ رَامُوا أَنْ يُدْرِكُوا بِالْحِسِّ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَلَمَّا أَعْوَزَهُمْ ذَلِكَ خَرَجُوا إِلَى الْجُحُودِ وَ التَّكْذِيبِ فَقَالُوا وَ لِمَ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ قِيلَ لِأَنَّهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْعَقْلِ كَمَا لَا يُدْرِكُ الْبَصَرُ مَا هُوَ
177
فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ حَجَراً يَرْتَفِعُ فِي الْهَوَاءِ عَلِمْتَ أَنَّ رَامِياً رَمَى بِهِ فَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ بَلْ مِنْ قِبَلِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُهُ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يَذْهَبُ عُلُوّاً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَقَفَ الْبَصَرُ عَلَى حَدِّهِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ فَكَذَلِكَ يَقِفُ الْعَقْلُ عَلَى حَدِّهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ فَلَا يَعْدُوهُ وَ لَكِنْ يَعْقِلُهُ بِعَقْلٍ أَقَرَّ أَنَّ فِيهِ نَفْساً وَ لَمْ يُعَايِنْهَا وَ لَمْ يُدْرِكْهَا بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِ
معرفة العقل للخالق معرفة إقرار لا معرفة إحاطة
وَ عَلَى حَسَبِ هَذَا أَيْضاً نَقُولُ إِنَّ الْعَقْلَ يَعْرِفُ الْخَالِقَ مِنْ جِهَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ وَ لَا يَعْرِفُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ فَإِنْ قَالُوا فَكَيْفَ يُكَلَّفُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مَعْرِفَتَهُ بِالْعَقْلِ اللَّطِيفِ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ قِيلَ لَهُمْ إِنَّمَا كُلِّفَ الْعِبَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي طَاقَتِهِمْ أَنْ يَبْلُغُوهُ وَ هُوَ أَنْ يُوقِنُوا بِهِ وَ يَقِفُوا عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ لَمْ يُكَلَّفُوا الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ لَا يُكَلِّفُ رَعِيَّتَهُ أَنْ يَعْلَمُوا أَ طَوِيلٌ هُوَ أَمْ قَصِيرٌ وَ أَبْيَضُ هُوَ أَمْ أَسْمَرُ وَ إِنَّمَا يُكَلِّفُهُمُ الْإِذْعَانَ لِسُلْطَانِهِ وَ الِانْتِهَاءَ إِلَى أَمْرِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَتَى بَابَ الْمَلِكِ فَقَالَ اعْرِضْ عَلَيَّ نَفْسَكَ حَتَّى أَتَقَصَّى مَعْرِفَتَكَ وَ إِلَّا لَمْ أَسْمَعْ لَكَ كَانَ قَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ بِالْعُقُوبَةِ فَكَذَا الْقَائِلُ إِنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ حَتَّى يُحِيطَ بِكُنْهِهِ مُتَعَرِّضاً لِسَخَطِهِ فَإِنْ قَالُوا أَ وَ لَيْسَ قَدْ نَصِفُهُ فَنَقُولُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ قِيلَ لَهُمْ كُلُّ هَذِهِ صِفَاتُ إِقْرَارٍ وَ لَيْسَتْ صِفَاتِ إِحَاطَةٍ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ حَكِيمٌ وَ لَا نَعْلَمُ بِكُنْهِ ذَلِكَ مِنْهُ وَ كَذَلِكَ
178
قَدِيرٌ وَ جَوَادٌ وَ سَائِرُ صِفَاتِهِ كَمَا قَدْ نَرَى السَّمَاءَ فَلَا نَدْرِي مَا جَوْهَرُهَا وَ نَرَى الْبَحْرَ وَ لَا نَدْرِي أَيْنَ مُنْتَهَاهُ بَلْ فَوْقَ هَذَا الْمِثَالِ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَ لِأَنَّ الْأَمْثَالَ كُلَّهَا تَقْصُرُ عَنْهُ وَ لَكِنَّهَا تَقُودُ الْعَقْلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ يُخْتَلَفُ فِيهِ قِيلَ لَهُمْ لِقِصَرِ الْأَوْهَامِ عَنْ مَدَى عَظَمَتِهِ وَ تَعَدِّيهَا أَقْدَارَهَا فِي طَلَبِ مَعْرِفَتِهِ وَ أَنَّهَا تَرُومُ الْإِحَاطَةَ بِهِ وَ هِيَ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ وَ مَا دُونَهُ
الشمس و اختلاف الفلاسفة في وضعها و شكلها و مقدارها
فَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الشَّمْسُ الَّتِي تَرَاهَا تَطْلُعُ عَلَى الْعَالَمِ وَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهَا وَ لِذَلِكَ كَثُرَتِ الْأَقَاوِيلُ فِيهَا وَ اخْتَلَفَتِ الْفَلَاسِفَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي وَصْفِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَلَكٌ أَجْوَفُ مَمْلُوءٌ نَاراً لَهُ فَمٌ يَجِيشُ بِهَذَا الْوَهَجِ وَ الشُّعَاعِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ سَحَابَةٌ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ جِسْمٌ زُجَاجِيٌّ يقل [يَقْبَلُ] نَارِيَّةً فِي الْعَالَمِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْهِ شُعَاعَهَا وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ صَفْوٌ لَطِيفٌ يَنْعَقِدُ مَاءُ الْبَحْرِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ أَجْزَاءٌ كَثِيرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مِنَ النَّارِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ مِنْ جَوْهَرٍ خَامِسٍ سِوَى الْجَوَاهِرِ الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي شَكْلِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ صَفِيحَةٍ عَرِيضَةٍ وَ قَالَ آخَرُونَ هِيَ كَالْكُرَةِ الْمُدَحْرَجَةِ وَ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهَا فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مِثْلُ الْأَرْضِ سَوَاءً وَ قَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ أَعْظَمُ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْعَظِيمَةِ وَ قَالَ أَصْحَابُ الْهَنْدَسَةِ هِيَ أَضْعَافُ الْأَرْضِ مِائَةٌ وَ سَبْعِينَ مَرَّةً فَفِي اخْتِلَافِ
179
هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مِنْهُمْ فِي الشَّمْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ أَمْرِهَا فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشَّمْسُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الْبَصَرُ وَ يُدْرِكُهَا الْحِسُّ قَدْ عَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهَا فَكَيْفَ مَا لَطُفَ عَنِ الْحِسِّ وَ اسْتَتَرَ عَنِ الْوَهْمِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ اسْتَتَرَ قِيلَ لَهُمْ لَمْ يَسْتَتِرْ بِحِيلَةٍ يَخْلُصُ إِلَيْهَا كَمَنْ يَحْتَجِبُ مِنَ النَّاسِ بِالْأَبْوَابِ وَ السُّتُورِ وَ إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِنَا اسْتَتَرَ أَنَّهُ لَطُفَ عَنْ مَدَى مَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ كَمَا لَطُفَتِ النَّفْسُ وَ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ ارْتَفَعَتْ عَنْ إِدْرَاكِهَا بِالنَّظَرِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ لَطُفَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنَ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالَّذِي هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِناً لِكُلِّ شَيْءٍ مُتَعَالِياً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى
الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء أربعة أوجه و تفصيل ذلك
فَإِنْ قَالُوا كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مُبَايِناً لِكُلِّ شَيْءٍ مُتَعَالِياً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قِيلَ لَهُمُ الْحَقُّ الَّذِي تُطْلَبُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ هُوَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فَأَوَّلُهَا أَنْ يُنْظَرَ أَ مَوْجُودٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَ الثَّانِي أَنْ يُعْرَفَ مَا هُوَ فِي ذَاتِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ الثَّالِثُ أَنْ يُعْرَفَ كَيْفَ هُوَ وَ مَا صِفَتُهُ وَ الرَّابِعُ أَنْ يُعْلَمَ لِمَا ذَا هُوَ وَ لِأَيِّ عِلَّةٍ فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ شَيْءٌ يُمْكِنُ لِلْمَخْلُوقِ أَنْ يَعْرِفَهُ مِنَ الْخَالِقِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ غَيْرُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَقَطْ فَإِذَا قُلْنَا وَ كَيْفَ وَ مَا هُوَ فَمُمْتَنِعٌ عِلْمُ كُنْهِهِ وَ كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَ أَمَّا لِمَا ذَا هُوَ فَسَاقِطٌ فِي صِفَةِ الْخَالِقِ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِلَّةُ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَيْسَ شَيْءٌ بِعِلَّةٍ لَهُ ثُمَّ لَيْسَ
180
عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ يُوجِبُ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا هُوَ وَ كَيْفَ هُوَ كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ بِوُجُودِ النَّفْسِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَا هِيَ وَ كَيْفَ هِيَ وَ كَذَلِكَ الْأُمُورُ الرُّوحَانِيَّةُ اللَّطِيفَةُ فَإِنْ قَالُوا فَأَنْتُمُ الْآنَ تَصِفُونَ مِنْ قُصُورِ الْعِلْمِ عَنْهُ وَصْفاً حَتَّى كَأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ قِيلَ لَهُمْ هُوَ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ إِذَا رَامَ الْعَقْلُ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ وَ الْإِحَاطَةَ بِهِ وَ هُوَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَقْرَبُ مِنْ كُلِّ قَرِيبٍ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَائِلِ الشَّافِيَةِ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ كَالْوَاضِحِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَ هُوَ مِنْ جِهَةٍ كَالْغَامِضِ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ وَ كَذَلِكَ الْعَقْلُ أَيْضاً ظَاهِرٌ بِشَوَاهِدِهِ وَ مَسْتُورٌ بِذَاتِهِ
أصحاب الطبائع و مناقشة أقوالهم
فَأَمَّا أَصْحَابُ الطَّبَائِعِ فَقَالُوا إِنَّ الطَّبِيعَةَ لَا تَفْعَلُ شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَا تَتَجَاوَزُ عَمَّا فِيهِ تَمَامُ الشَّيْءِ فِي طَبِيعَتِهِ وَ زَعَمُوا أَنَّ الْحِكْمَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُمْ فَمَنْ أَعْطَى الطَّبِيعَةَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ وَ الْوُقُوفَ عَلَى حُدُودِ الْأَشْيَاءِ بِلَا مُجَاوَزَةٍ لَهَا وَ هَذَا قَدْ تَعْجِزُ عَنْهُ الْعُقُولُ بَعْدَ طُولِ التَّجَارِبِ فَإِنْ أَوْجَبُوا لِلطَّبِيعَةِ الْحِكْمَةَ وَ الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَقَدْ أَقَرُّوا بِمَا أَنْكَرُوا لِأَنَّ هَذِهِ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ وَ إِنْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلطَّبِيعَةِ فَهَذَا وَجْهُ الْخَلْقِ يَهْتِفُ بِأَنَّ الْفِعْلَ لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ وَ قَدْ كَانَ مِنَ الْقُدَمَاءِ طَائِفَةٌ أَنْكَرُوا الْعَمْدَ وَ التَّدْبِيرَ فِي الْأَشْيَاءِ وَ زَعَمُوا أَنَّ كَوْنَهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ وَ كَانَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَجْرَى الْعُرْفِ وَ الْعَادَةِ كَإِنْسَانٍ يُولَدُ نَاقِصاً أَوْ زَائِداً إِصْبَعاً أَوْ يَكُونُ الْمَوْلُودُ مُشَوَّهاً مُبَدَّلَ الْخَلْقِ-
181
فَجَعَلُوا هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِعَمْدٍ وَ تَقْدِيرٍ بَلْ بِالْعَرَضِ كَيْفَ مَا اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ وَ قَدْ كَانَ أَرَسْطَاطَالِيسُ (1) رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي يَكُونُ بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَأْتِي فِي الْفَرْطِ مَرَّةً لِأَعْرَاضٍ تَعْرِضُ لِلطَّبِيعَةِ فَتُزِيلُهَا عَنْ سَبِيلِهَا وَ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ الْجَارِيَةِ عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ جَرْياً دَائِماً مُتَتَابِعاً وَ أَنْتَ يَا مُفَضَّلُ تَرَى أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أَنْ يَجْرِيَ أَكْثَرَ ذَلِكَ عَلَى مِثَالٍ وَ مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ كَالْإِنْسَانِ يُولَدُ وَ لَهُ يَدَانِ وَ رِجْلَانِ وَ خَمْسُ أَصَابِعَ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ فَأَمَّا مَا يُولَدُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لِعِلَّةٍ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَوْ فِي الْمَادَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ مِنْهَا الْجَنِينُ كَمَا يَعْرِضُ فِي الصِّنَاعَاتِ حِينَ يَتَعَمَّدُ الصَّانِعُ الصَّوَابَ فِي صَنْعَتِهِ فَيَعُوقُ دُونَ ذَلِكَ عَائِقٌ فِي الْأَدَاةِ أَوْ فِي الْآلَةِ الَّتِي يَعْمَلُ فِيهَا الشَّيْءَ فَقَدْ يَحْدُثُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَوْلَادِ الْحَيَوَانِ-
____________
(1) ارسطاطاليس لفظة يونانية معناها محبّ الحكمة و يقال ارسطو و هو احدى الشخصيات العالمية التي اشتهرت منذ قرون بعيدة، كان تلميذا لأفلاطون بعد ان خلفه على دار التعليم عند غيبته الى صقلية نظر في الفلسفة بعد ان أتى عليه من العمر (30) عاما. كان بليغ اليونانيين و اجل علمائهم، كما كان من ذوي الأفكار العالية في الفلسفة، و يعرف بالمعلم الأول لانه أول من جمع علم المنطق و رتبه و اخترع فيه، و قد عظم محله عند الملوك حتّى ان الاسكندر الأكبر كان يمضى الأمور عن رأيه، عاش سبعا و ستين سنة، بعد ان توفى في خلكيس عام 322 قبل الميلاد، و له كتب كثيرة في مختلف فروع العلم.
182
لِلْأَسْبَابِ الَّتِي وَصَفْنَا فَيَأْتِي الْوَلَدُ زَائِداً أَوْ نَاقِصاً أَوْ مُشَوَّهاً وَ يَسْلَمُ أَكْثَرُهَا فَيَأْتِي سَوِيّاً لَا عِلَّةَ فِيهِ فَكَمَا أَنَّ الَّذِي يَحْدُثُ فِي بَعْضِ أَعْمَالِ الْأَعْرَاضِ لِعِلَّةٍ فِيهِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا جَمِيعاً الْإِهْمَالَ وَ عَدَمَ الصَّانِعِ كَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ لِعَائِقٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْأَشْيَاءِ إِنَّ كَوْنَهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ شَيْئاً مِنْهَا يَأْتِي عَلَى خِلَافِ الطَّبِيعَةِ بِعَرَضٍ يَعْرِضُ لَهُ خَطَأٌ وَ خَطَلٌ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ صَارَ مِثْلُ هَذَا يَحْدُثُ فِي الْأَشْيَاءِ قِيلَ لَهُمْ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَوْنُ الْأَشْيَاءِ بِاضْطِرَارٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ وَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سِوَاهُ كَمَا قَالَ الْقَائِلُونَ بَلْ هُوَ تَقْدِيرٌ وَ عَمْدٌ مِنْ خَالِقٍ حَكِيمٍ إِذْ جَعَلَ لِلطَّبِيعَةِ تَجْرِي أَكْثَرَ ذَلِكَ عَلَى مَجْرًى وَ مِنْهَاجٍ مَعْرُوفٍ وَ تَزُولُ أَحْيَاناً عَنْ ذَلِكَ لِأَعْرَاضٍ تَعْرِضُ لَهَا فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُصَرَّفَةٌ مُدَبَّرَةٌ فَقِيرَةٌ إِلَى إِبْدَاءِ الْخَالِقِ وَ قُدْرَتِهِ فِي بُلُوغِ غَايَتِهَا وَ إِتْمَامِ عَمَلِهَا تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ يَا مُفَضَّلُ خُذْ ما آتَيْتُكَ وَ احْفَظْ مَا مَنَحْتُكَ- وَ كُنْ لِرَبِّكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَ لِآلَائِهِ مِنَ الْحَامِدِينَ وَ لِأَوْلِيَائِهِ مِنَ الْمُطِيعِينَ فَقَدْ شَرَحْتُ لَكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْخَلْقِ وَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صَوَابِ التَّدْبِيرِ وَ الْعَمْدِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ وَ جُزْءاً مِنْ كُلٍّ فَتَدَبَّرْهُ وَ فَكِّرْ فِيهِ وَ اعْتَبِرْ بِهِ فَقُلْتُ بِمَعُونَتِكَ يَا مَوْلَايَ أُقِرُّ عَلَى ذَلِكَ وَ أُبَلِّغُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ احْفَظْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَ لَا تَنْسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَخَرَرْتُ مَغْشِيّاً عَلَيَّ فَلَمَّا أَفَقْتُ قَالَ كَيْفَ تَرَى نَفْسَكَ يَا مُفَضَّلُ فَقُلْتُ قَدِ اسْتَغْنَيْتُ بِمَعُونَةِ مَوْلَايَ
183
وَ تَأْيِيدِهِ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُهُ وَ صَارَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيَّ كَأَنَّمَا أَقْرَؤُهُ مِنْ كَفِّي فَلِمَوْلَايَ الْحَمْدُ وَ الشُّكْرُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّهُ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ فَرِّغْ قَلْبَكَ وَ اجْمَعْ إِلَيْكَ ذِهْنَكَ وَ عَقْلَكَ وَ طُمَأْنِينَتَكَ فَسَأُلْقِي إِلَيْكَ مِنْ عِلْمِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا وَ فِيهِمَا مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِ وَ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ وَ صُفُوفِهِمْ وَ مَقَامَاتِهِمْ وَ مَرَاتِبِهِمْ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَ سَائِرِ الْخَلْقِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَ مَا تَحْتَ الثَّرَى حَتَّى يَكُونَ مَا وَعَيْتَهُ جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءٍ انْصَرِفْ إِذَا شِئْتَ مُصَاحِباً مَكْلُوءاً فَأَنْتَ مِنَّا بِالْمَكَانِ الرَّفِيعِ وَ مَوْضِعُكَ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مَوْضِعُ الْمَاءِ مِنَ الصَّدَى وَ لَا تَسْأَلَنَّ عَمَّا وَعَدْتُكَ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً قَالَ الْمُفَضَّلُ فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ مَوْلَايَ بِمَا لَمْ يَنْصَرِفْ أَحَدٌ بِمِثْلِهِ
184
فهرست محتويات الكتاب
المقدّمة
ص مواضيع الكتاب
3 المفضل بن عمر: سيرته و توحيده.
0 توطئة.
4 حياة المفضل.
5 كتب المفضل.
8 الأخبار المروية في حقه.
13 تضميد جروحه.
19 اتصال العرب بالثقافة اليونانية.
29 كتاب توحيد المفضل.
31 مقارنة بين توحيد المفضل و أسلوب الجاحظ.
34 مقارنة اخرى بين توحيد المفضل و أخبار الصادق.
35 الاسماعيلية و كتاب التوحيد.
185
كتاب توحيد المفضل
ص مواضيع الكتاب
38 المقدّمة.
39 كلام ابن أبي العوجاء مع صاحبه.
41 محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء.
42 سبب إملاء الكتاب على المفضل.
المجلس الأول
44 جهل الشكاك باسباب الخلقة و معانيها.
47 تهيئة العالم و تأليف أجزائه.
48 خلق الإنسان و تدبير الجنين في الرحم.
48 كيفية ولادة الجنين و غذائه و طلوع اسنانه و بلوغه.
50 حال من لا ينبت في وجهه الشعر و علة ذلك.
51 حال المولود لو ولد فهما عاقلا و تعليل ذلك.
53 منفعة الأطفال في البكاء.
54 آلات الجماع و هيئتها.
54 أعضاء البدن و فوائد كل منها.
55 زعم الطبيعيين و جوابه.
56 عملية الهضم و تكون الدم و جريانه في الشرايين و الاوردة.
186
57 اول نشوء الأبدان: تصوير الجنين في الرحم.
58 اختصاص الإنسان بالانتصاب و الجلوس دون البهائم.
58 تخصص الإنسان بالحواس و تشربها دون غيره.
59 الحواس الخمس و اعمالها و ما في ذلك من الاسرار.
59 تقدير الحواس بعضها يلقي بعضا.
60 فيمن عدم البصر و السمع و العقل و ما في ذلك من الموعظة.
61 الأعضاء المخلوقة افرادا و ازواجا و كيفية ذلك.
62 الصوت و الكلام و تهيئة آلاته في الإنسان و عمل كل منها.
63 ما في الأعضاء من المآرب الأخرى.
64 الدماغ و اغشيته و الجمجمة و فائدتها.
65 الجفن و اشفاره.
65 الفؤاد و مدرعته.
65 الحلق و المري.
66 الرئة و عملها. اشراج منافذ البول و الغائط
66 المعدة عصبانية و الكبد.
67 المخ و الدم و الاظفار و الاذن و لحم الأليتين و الفخذين.
67 الإنسان ذكر و انثى و تناسله و آلات العمل و حاجته و حيلته و الزامه بالحجة.
68 الفؤاد و ثقبه المتصلة بالرئة.
187
69 فرج الرجل و الحكمة فيه.
70 منفذ الغائط و وصفه.
70 الطواحن من اسنان الإنسان.
71 الشعر و الاظفار و فائدة قصهما.
72 شعر الركب و الابطين.
73 الريق و ما فيه من المنفعة.
73 محاذير كون بطن الإنسان كهيئة القباء.
75 أفعال الإنسان في الطعم و النوم و الجماع و شرح ذلك.
77 قوى النفس و موقعها من الإنسان.
78 النعمة على الإنسان في الحفظ و النسيان.
79 اختصاص الإنسان بالحياء دون بقية الحيوانات.
79 إعطاء الإنسان ما يصلح دينه و دنياه و منعه ممّا سوى ذلك.
82 ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته.
84 الاحلام و امتزاج صادقها بكاذبها و سر ذلك.
85 الأشياء المخلوقة لمآرب الإنسان و إيضاح ذلك.
87 الخبز و الماء رأس معاش الإنسان و حياته.
87 اختلاف صور الناس و تشابه الوحوش و الطير و غيرها و الحكمة في ذلك.
188
89 نمو أبدان الحيوان و توقفها و سبب ذلك.
89 ما يعتري اجسام الانس من ثقل الحركة و المشي لو لم يصبها ألم
90 انقراض الحيوان لو لم يلد ذكورا و اناثا.
90 ظهور شعر العانة عند البلوغ و نبات اللحية للرجل دون المرأة
المجلس الثاني
94 أبنية ابدان الحيوان و تهيئتها و إيضاح ذلك.
95 أجساد الانعام و ما اعطيت و ما منعت و سبب ذلك.
96 خلق الاصناف الثلاثة من الحيوان.
96 آلات اللحم من الحيوان و التدبير في خلقها.
97 ذوات الاربع و استقلال أولادها.
99 قوائم الحيوان و كيفية حركتها.
99 انقياد الحيوانات المسخرة للإنسان و سببه.
100 افتقاد السباع للعقل و الروية و فائدة ذلك.
100 عطف الكلب على الإنسان و محاماته عنه.
101 وجه الدابّة و فمها و ذنبها و شرح ذلك.
103 الفيل و مشفره.
104 حياء الأنثى من الفيلة.
189
104 الزرافة و خلقتها و كونها ليست من لقاح أصناف شتّى.
105 القرد و خلقته و الفرق بينه و بين الإنسان.
106 إكساء أجسام الحيوانات و خلقة أقدامها بعكس الإنسان
107 مواراة البهائم عند احساسها بالموت.
109 الفطن التي جعلت في البهائم: الأيل و الثعلب و الدلفين.
110 التنين و السحاب.
111 في الذرة و النمل و اسد الذباب و العنكبوت و طبائع كل منها.
113 جسم الطائر.
115 الدجاجة و تهيجها لحضن البيض و التفريخ
115 خلق البيضة و التدبير في ذلك
116 حوصلة الطائر
117 اختلاف ألوان الطير و علة ذلك
117 ريش الطائر و وصفه
118 الطائر الطويل الساقين و التدبير في ذلك
119 المصافير و طلبها للأكل
119 معاش البوم و الهام و الخفاش
120 خلقة الخفاش
121 حيلة الطائر أبو نمرة بالحسكة و منفعتها
122 النحل: عسله و بيوته
190
123 الجراد و بلاؤه
123 كثرة الجراد
123 وصف السمك
124 كثرة نسل السمك و علة ذلك
125 سعة حكمة الخالق و قصر علم المخلوقين
المجلس الثالث
127 لون السماء و ما فيه من صواب التدبير
128 طلوع الشمس و غروبها و المنافع في ذلك
129 التدبير و المصلحة في الفصول الأربعة من السنة
130 معرفة الأزمنة و الفصول الأربعة عن طريق حركة الشمس.
131 الاستدلال بالقمر في معرفة الشهور.
131 ضوء القمر و ما فيه من المنافع
132 النجوم و اختلاف مسيرها و السبب في ان بعضها راتبة و الأخرى متنقلة
134 فوائد بعض النجوم
136 الشمس و القمر و النجوم و البروج تدلّ على الخالق
137 مقادير الليل و النهار
138 الحرّ و البرد و فوائدهما
191
140 الريح و ما فيها
141 الهواء و الأصوات
142 هيئة الأرض
144 فوائد الماء و السبب في كثرته
146 فوائد الهواء و السبب في كثرته
147 منافع النار و جعلها كالمخزونة في الاجسام
148 الصحو و المطر و تعاقبهما على العالم و فوائد ذلك
149 مصالح نزول المطر على الأرض و أثر التدبير فيه
151 منافع الجبال
151 أنواع المعادن و استفادة الإنسان منها
154 النبات و ما فيه من ضروب المآرب
154 الريع في النبات و سببه
155 بعض النباتات و كيف تصان
156 الحكمة في خلق الشجر و أصناف النبات
157 خلق الورق و وصفه
158 العجم و النوى و العلة في خلقه
159 موت الشجر و تجدد حياته و ما في ذلك من ضروب التدبير
159 خلق الرمانة و أثر العمد فيه
160 حمل اليقطين و ما فيه من التدبير و الحكمة
192
161 موافاة أصناف النبات في الوقت المشاكل لها
162 في النخل و خلقة الجذع و الخشب و فوائد ذلك
163 العقاقير و اختصاص كل منها
المجلس الرابع
166 الموت و الفناء و انتقاد الجهال و جواب ذلك
167 الآفات و نظر الجهال إليها و الجواب على ذلك
170 لما ذا تصيب الآفات جميع الناس و ما الحجة في ذلك
171 الموت و الفناء و انتقاد الجهال و جواب ذلك
173 الطعن على التدبير من جهة اخرى و الجواب عليه
176 اسم هذا العالم بلسان اليونانية
176 زعم مانى عن دلائل الحكمة و ادعاؤه علم الاسرار
176 انتقاد المعطلة فيما راموا ان يدركوا بالحس ما لا يدرك بالعقل
177 معرفة العقل للخالق معرفة إقرار لا معرفة احاطة
178 الشمس و اختلاف الفلاسفة في وصفها و شكلها و مقدارها
179 الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء أربعة اوجه و تفصيل ذلك
180 أصحاب الطبائع و مناقشة أقوالهم
(تم الكتاب يوم 14/ 8/ 1969 م)
