
رجال الكشي مع تعليقات الميرداماد
الجزء الأول
تأليف
أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
م 1
م 3
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد:
علم الرجال هو علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث و أوصافهم التي لها دخل في جواز قبول قولهم و عدمه. و هذا العلم يحتاج اليه كل من أراد استنباط الاحكام الشرعية عن أدلتها التي عمدتها الأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، حيث أنه لا بد من أن ينظر في أحوال رجال سند الحديث، و يطمئن بأنهم ممن يصح التعويل عليهم، و يجوز الاخذ عنهم، حتى يكون حديثهم حجة له في عمل نفسه أو الافتاء لغيره.
و لشدة الحاجة اليه اشتد اهتمام علماء الشيعة من العصر الاول الى اليوم في تأليف كتب خاصة في هذا العلم، و تدوين أسماء رجال الحديث، مع ايراد بعض أوصافهم و ذكر بعض كتبهم و آثارهم، المعبر عن بعضها بالكتب و عن بعضها بالاصول.
و كان بدأ ذلك حسب اطلاعنا في النصف الثاني من القرن الاول، فان عبيد اللّه ابن أبي رافع كان كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد دوّن أسماء الصحابة الذين شايعوا عليا (عليه السلام)، و حضروا حروبه، و قاتلوا معه في البصرة و صفين و النهروان.
ثم في القرن الثاني الى أوائل الثالث دون «رجال ابن جبلة» و «ابن فضال» و «ابن محبوب» و غيرهم، و استمر تدوين الرجال الى أواخر القرن الرابع.
قال الشيخ الطوسي ملخصا في أول الفهرست: اني رأيت جماعة من شيوخ
م 4
طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا، و ما صنفوه من التصانيف و رووه من الاصول، و لم تكن مستوفاة. و استوفاها أبو الحسين أحمد [ابن الغضائري] على مبلغ ما قدر عليه في كتابين: أحد هما في المصنفات، و الاخر في الاصول، و أهلك الكتابان بعد موت المؤلف الخ.
و بالجملة في أول القرن الخامس دونت الاصول الاربعة الرجالية، المستخرجة عن تلك الكتب المدونة قبلها، و هي «الاختيار من كتاب الكشي» و «الفهرست» و «الرجال» المرتب على الطبقات هذه الثلاثة للشيخ الطوسي، و «كتاب الرجال» للنجاشي. و في القرن السادس ألّف «فهرس الشيخ منتجب الدين» و «معالم العلماء» لابن شهر آشوب.
و في القرن السابع ألّف السيد أبو الفضائل أحمد بن طاوس الحلي كتابه «حل الاشكال» و أدرج فيه ألفاظ تلك الاصول الاربعة على ما وصل اليه من مشايخه مسندا الى مؤلفيها، و أدرج أيضا ألفاظ كتاب «الضعفاء» المنسوب الى ابن الغضائري، و قد وجده السيد منسوبا اليه من غير سند اليه، كما صرح بذلك للخروج عن عهدته، و ليكون كتابه جامعا لجميع ما قيل في حق الرجل. و قد تبع السيد في ذلك تلميذاه العلامة الحلي في «الخلاصة» و ابن داود في رجاله.
و تبعهما المتأخرون في النقل عن الكتب الخمسة، و عن بعض ما بقيت نسخها من تلك الكتب الرجالية القديمة مثل «رجال البرقي» و «رجال العقيقي». و أما سائر الكتب القديمة فقد ضاعت أعيانها الشخصية من جهة قلة الاهتمام بها، بعد وجود عين ألفاظها مدرجة في الاصول الاربعة المتداولة عندنا.
فنحن نشكر القدماء على حسن صنيعهم في تأليفاتهم الواصلة إلينا، كما انا نشكر المتأخرين عنهم الذين أشرنا الى بعضهم في بسط كتب الرجال، بادخالهم تراجم العلماء و الرواة المتأخرين عن أولئك القدماء، لشدة احتياجنا الى معرفة أحوالهم.
و ذلك لان اللّه يقيض في كل عصر رجالا حاملين لعلوم أهل البيت (عليهم السلام)،
م 2
[مقدمة التحقيق]
أضواء على الكتاب:
الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ العزيز، هو أول شرح ألف على كتاب اختيار معرفة الرجال.
ألّفه المعلم الثالث امام المعارف الاسلامية الامير السيد محمد باقر المشتهر بالداماد.
و يشتمل هذا الشرح على بحوث رجالية معمقة، و كذلك يتضمن دراسة لغوية معمقة حول لغة الأحاديث و ألفاظها.
و قد كتب السيد الداماد كل ذلك بأسلوبه المتميز الذي يتسم بالعذوبة و الروعة، كما يلاحظ القارئ ذلك في سائر كتبه الاخرى.
و في هذا المضمار أقدر لمؤسسة آل البيت (عليهم السلام) اخراج هذا الكتاب بهذه الحلة القشيبة و الطباعة الانيقة، و التي يتجلى فيها كل مظاهر الخدمة الصادقة، و الاخلاص العميق في ابراز هذه الكتب بصورة مناسبة.
و اللّه سبحانه خير ناصر و معين السيد مهدى الرجائى
م 6
على المخالف، و كفاه تبجيلا أنه لا تخلو و لا واحدة من الكتب الرجالية من ذكر آرائه و أنظاره الى يومنا الحاضر.
و له تصانيف كثيرة في البحوث الرجالية، سنذكرها في مصنفاته، و من أهمها و أعلاها قيمة كتابه النفيس التعليقة على كتاب رجال الكشي، و سوف نبحث عنها في مقامه (1).
____________
(1) استخرجت أكثر هذه المقدمة من كتاب الذريعة.
م 7
ترجمة المؤلف
هو السيد محمد باقر ابن السيد الفاضل المير شمس الدين محمد الحسيني الأسترآبادي الاصل- الشهير ب «داماد»، و كان والده المبرور ختن شيخنا المحقق علي ابن عبد العالي الكركي (رحمه اللّه)، فخرجت هذه الدرة اليتيمة من صدف تلك الحرة الكريمة، و طلعت هذه الطلعة الرشيدة من أفق تلك النجمة السعيدة.
و كان سبب هذه المواصلة أن الشيخ الاجل علي بن عبد العالي رأى في المنام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أنه يقول له: زوّج بنتك من مير شمس الدين، يخرج منها ولد يكون و ارثا لعلوم الانبياء و الاوصياء، فزوج الشيخ بنته منه، و توفيت بعد مدة قبل أن تلد ولدا، فتحير الشيخ من ذلك و أنه لم يظهر لمنامه أثر، فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) مرة أخرى في المنام و هو (عليه السلام) يقول له: ما أردنا هذه الصبية بل البنت الفلانية فزوجها اياه، فولدت السيد المحقق المذكور.
وجه تلقبه بالداماد:
لقب والده الشريف للتعظيم لهذه المواصلة ب «الداماد» الذي هو بمعنى الختن بالفارسية، ثم غلب عليه و على ولده من بعده ذلك اللقب الشريف، و لقب هو نفسه بذلك، كما في بعض المواضع بهذه الصورة: «و كتب بيمناه الدائرة أحوج الخلق الى اللّه الحميد الغني محمد بن محمد يدعى باقر بن داماد الحسيني ختم اللّه له بالحسنى حامدا مصليا».
م 5
متحملين لأحاديثهم بالقراءة و السماع و الاجازة و غيرها، و تزاد بذلك عدة الرواة شيئا فشيئا و قرنا بعد قرن، فلا بد لنا من ترجمتهم اما مستقلا أو في ضمن الرواة القدماء و أول من ولج في هذا الباب الشيخ منتجب الدين ابن بابويه الذي كان حيا في سنة (585) فانه ألّف كتابا مستقلا في تراجم العلماء و الفقهاء و الرواة المتأخرين عن الشيخ الطوسي المتوفى (460) أو المعاصرين له ممن فاتت عنه ترجمتهم، و أوصل تراجمهم الى تراجم الذين نشئوا في عصره و أدركوا أوائل القرن السابع.
و كذا فعل الشيخ رشيد الدين ابن شهر آشوب فألّف «معالم العلماء» و ألحق بآخره أقساما من أعلام شعراء الشيعة المخلصين لأهل البيت. و بعده أدرج العلامة الحلي المتوفى (726) و الشيخ تقي الدين الحسن بن داود بعض علماء القرن السابع في رجاليهما.
ثم بعد هما ألّف السيد علي بن عبد الحميد النيلي المتوفى (841) رجاله، و أمر السيد جلال الدين ابن الاعرج العميدي أن يلحق به العلماء المتأخرين، فألحق به حسب أمره جمعا منهم، و نقلهم عنه صاحب المعالم، و كذا الشيخ الشهيد المتوفى (786) أورد في مجموعته جمعا من العلماء مع تواريخهم، ثم صاحب المعالم في «التحرير الطاوسي».
حتى انتهى الى القرن الحادي عشر فزهى نشاط تدوين أحاديث أهل العصمة (عليهم السلام) و حث المحدثون و العلماء قاطبتهم عليها، و اعتنوا بها بعد ما درست كل العناية، و أقبلوا بالشرح و التعليق عليها، و جدير أن يقال هو العصر الذهبي للحديث.
الى أن وفّق اللّه تعالى أساطين الحكمة و الفلسفة الى الشرح و التعليق عليها، و من جملتهم و أبرزهم هو المولى السيد محمد باقر الحسيني الأسترآبادي المعروف ب «الداماد» فقد كان من أئمة الحكمة و الفلسفة و الكلام و الفقه و الرجال و الآثار.
و قد وقعت آراءه الرجالية مطرحا للأنظار، و كل من أتى بعده من الرجاليين تلقّى آراءه الرجالية بالقبول، و استندوا اليه كل الاستناد، و صار رأيه حجة للمؤالف
م 8
قال المتتبع الخبير الميرزا عبد اللّه الافندي في الرياض في أحوال الشيخ عبد العالي بن الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي: ثم هذا الشيخ خال السيد الداماد المذكور، فان احدى بنتي الشيخ علي الكركي كانت تحت الآميرزا السيد حسن والد الامير السيد حسين المجتهد، و الاخرى تحت والد السيد الداماد هذا، و قد حصل منها السيد الداماد.
و لذلك يعرف الامير باقر المذكور بالداماد، لا بمعنى انه صهر، و لا بمعنى أنه هو بنفسه داماد الشيخ علي، أعني صهره كما قد يظن، بل والده.
فالسيد الامير محمد باقر الداماد من باب الاضافة لا التوصيف و لذلك ترى السيد الداماد حين يحكي عن الشيخ علي الكركي المذكور يعبر عنه بالجد القمقام يعني جده الامي. و بما أوضحنا ظهر بطلان حسبان كون المراد بالداماد هو صهر السلطان، و كذلك ظن كون نفسه صهرا (1).
الثناء عليه:
يوجد ثناء العلماء عليه في كثير من معاجم التراجم، و كتب الرجال مشفوعة بالاكبار و التبجيل و الاطراء:
قال السيد علي خان في سلافة العصر: طراز العصابة، و جواز الفضل سهم الاصابة، الرافع بأحاسن الصفات أعلامه، فسيد و سند و علم و علامة، اكليل جبين الشرف و قلادة جيده، الناطقة ألسن الدهور بتعظيمه و تمجيده.
باقر العلم و نحريره، الشاهد بفضله تقريره و تحريره، و و اللّه ان الزمان بمثله لعقيم، و ان مكارمه لا يتسع لبثها صدر رقيم، و أنا بريء من المبالغة في هذا المقال، و بر قسمي يشهد به كل وامق و قال، شعر:
و اذا خفيت على الغنى فعاذر * * *أن لا تراني مقلة عمياء
ان عدت الفنون فهو منارها الذي يهتدى به، أو الآداب فهو مؤملها الذي يتعلق
____________
(1) رياض العلماء: 3/ 132
م 9
بأهدابه، أو الكرم فهو بحره المستعذب النهل و العلل، أو النسيم فهو حميدها الذي يدب منه نسيم البرء في العلل، أو السياسة فهو أميرها الذي تجم منه الاسود في الاجم أو الرئاسة فهو كبيرها الذي هاب تسلطه سلطان العجم.
و كان الشاه عباس أضمر له السوء مرارا و أمر له حبل غيلته امرارا، خوفا من خروجه عليه، و فرقا من توجه قلوب الناس اليه فحال دونه ذو القوة و الحول، و أبى الا أن يتم عليه المنّة و الطول، و لم يزل موفور العز و الجاه، مالكا سبيل الفوز و النجاة حتى استأثر به ذو المنة، و تلا بآيتها النفس المطمئنة (1).
و قال تلميذه العارف قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب: السيد السند المحقق في المعقول، و المحقق في المنقول، سمي خامس أجدادها المعصومين مير محمد باقر الداماد، لأزال سعيه في كشف معضلات المسائل مشكورا، و اسمه في صدر جريدة أهل الفضل مسطورا:
علم عروس همه استاد شد * * *فطرت او بود كه داماد شد
ثم ذكر وجه التسمية و قال: كان شكر اللّه سعيه و رفع درجته يصرح النجابة بذكره، و يخطب المعارف بشكره، و لم يزل يطالع كتب الاوائل متفهما، و يلقى الشيوخ متعلما، حتى يفوق في أقصر مدة في كل من فنون العلم على كل أو حدي أخص، و صار في كل مآثره كالواسطة في النص:
عقليش از قياس عقل برون * * *نقليش از أساس نقل فزون
يخبر عن معضلات المسائل فيصيب، و يضرب في كل ما ينتحله من التعليم بأوفى نصيب، توحد بابداع دقائق العلوم و العرفان، و تفرد بفرائد أبكار لم يكشف قناع الاجمال عن جمال حقائقها الى الان، فلقد صدق: ما أنشد بعض الشعراء في شأنه:
بتخميرش يد اللّه چون فرو شد * * *نم فيض آنچه بد در كار او شد
و قال تلميذه أيضا صدر المتألهين في شرح الاصول الكافي: سيدي و سندي
____________
(1) سلافة العصر ص 477- 478
م 10
و أستادي، و استنادي في المعالم الدينية، و العلوم الالهية، و المعارف الحقيقية، و الاصول اليقينية، السيد الاجل الانور، العالم المقدس الاطهر، الحكيم الالهي، و الفقيه الرباني، سيد عصره، و صفوة دهره، الامير الكبير، و البدر المنير، علامة الزمان: أعجوبة الدوران، المسمى ب «محمد» الملقب ب «باقر الداماد الحسيني» قدس اللّه عقله بالنور الرباني (1).
و قال الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل: عالم فاضل جليل القدر، حكيم متكلم ماهر في العقليات، معاصر لشيخنا البهائي، و كان شاعرا بالفارسية و العربية مجيدا (2).
و قال الشيخ أسد اللّه الكاظمي في مقابس الأنوار: السيد الهمام، و ملاذ الانام عين الاماثل، عديم المماثل، عمدة الافاضل، منار الفضائل، بحر العلم الذي لا يدرك ساحله، و بر الفضل الذي لا تطوى مراحله، المقتبس من أنواره أنواع الفنون، و المستفاد من آثاره أحكام الدين المصون، الفقيه المحدث الاديب، الحكيم الاصبهاني المتكلم العارف الخائض في أسرار السبع المثاني الامير الكبير (3).
و قال السيد الخونساري في روضات الجنات: كان (رحمه اللّه) تبارك و تعالى عليه من أجلاء علماء المعقول و المشروع، و أذكياء نبلاء الاصول و الفروع، متقدما بشعلة ذهنه الوقاد، و فهمه المتوقد النقاد، على كل متبحر استاد، و متفنن مرتاد، صاحب منزلة و جلال، و عظمة و اقبال، عظيم الهيبة، فخيم الهيئة، رفيع الهمة، سريع الجمة، جليل المنزلة و المقدار، جزيل الموهبة و الايثار.
قاطنا بدار السلطنة اصبهان، مقدما على فضلائها الاعيان، مقربا عند السلاطين الصفوية، بل مؤدبهم بجميل الآداب الدينية، مواظبا للجمعة و الجماعات، مطاعا لقاطبة أرباب المناعات، اماما في فنون الحكمة و الادب، مطلعا على أسارير كلمات
____________
(1) شرح الاصول الكافى ص 16
(2) أمل الآمل: 2/ 249
(3) مقابس الأنوار ص 16
م 11
العرب، خطيبا قل ما يوجد مثله في فصاحة البيان و طلاقة اللسان، أديبا لبيبا فقيها نبيها عارفا ألمعيا، كأنما هو انسان العين و عين الانسان (1).
و قال الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين: فاضل، جليل، متكلم، حكيم، ماهر في النقليات، شاعر بالعربية و الفارسية (2).
و قال الشيخ المحدث النوري في خاتمة المستدرك: العالم المحقق النحرير السيد السند، النقاد الخبير (3).
و قال الميرزا محمد التنكابني في قصص العلماء ما هذا لفظه: و اين سيد امام أنام، و فاضل همام، و عالم قمقام، عين أماثل، أكامل أفاضل، و معدوم المماثل، و منار فضائل و فواضل، و درياي بيساحل، علامه فهامه است. و در علم لغت گوي از ميدان صاحب قاموس و صحاح ربوده.
در علوم عربيت حياظت علوم أرباب أدب نموده و در فصاحت و بلاغت و إنشاء و انشاد و نظم و نثر سر آمد أهل زمان، و در منطق و حكمت و كلام مسلم علماء أعلام، و در حديث و فقه فائق بر همگنان، و در علم رجال از أكامل رجال، و در علم رياضي بجميع أقسام متفرد و وحيد در مقال، و در اصول حلّال عويصات و أعضال، و در علم تفسير قرآن أعجوبة زمان (4).
و قال الميرزا محمد علي الكشميري في نجوم السماء ما هذا لفظه: مجمع شرافت و حذاقت، و مرجع كلام و حكمت، و حامي دين و ملت. و حاوي فقه و شريعت بود، كافة عقلاي ذوي الافهام از خاص و عام معترف علوم و كمالات و دقائق و افادات أويند، تصانيف او مشتمل بر تحقيقات دقيقه و تدقيقات أنيقه مشهور و معروف است (5) و غير هم مما لا مجال لذكرهم.
____________
(1) روضات الجنات: 2/ 62
(2) لؤلؤة البحرين ص 132
(3) مستدرك الوسائل: 3/ 424
(4) قصص العلماء ص 333
(5) نجوم السماء في تراجم العلماء ص 46
م 13
و الغابرات و السالفين و السالفات و العاقبات في الازل و الآباد.
و بالجملة آحاد مجامع الامكان و ذوات عوالم الامكان، بقضها و قضيضها و صغيرها و كبيرها ثابتاتها و بائداتها حالياتها و أنياتها.
و اذا الجميع زفة زفة و زمرة زمرة، بحشدهم (1) قاطبة معا، مولون وجوه مهياتهم شطر بابه سبحانه، شاخصون بأبصار انياتهم تلقاء جنابه جل سلطانه من حيث هم لا يعلمون، و هم جميعا بألسنة فقر ذواتهم الفاقرة و ألسن فاقة هو يأتهم الهالكة في ضجيج الضراعة و صراخ الابتهال ذاكروه و داعوه و مستصرخوه و مناده ب «يا غني يا مغني» من حيث لا يشعرون.
فطفقت في تينك الضجة العقلية و الصرخة الغيبية أخر مغشيا عليّ، و كدت من شدة الوله و الدهش أنسى جوهر ذاتي العاقلة، و أغيب عن بصر نفسي المجردة، و أهاجر ساهرة أرض الكون، و أخرج عن صقع قطر الوجود رأسا، اذ قد و دعتني تلك الخلسة شيقا حنونا اليها، و خلفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقا لهوفا عليها، فرجعت الى أرض التبار، و كورة البوار، و بقعة الزور، و قرية الغرور تارة أخرى (2).
و قال نور اللّه مرقده: و من لطائف ما اختطفته من الفيوض الربانية بمنه سبحانه و فضله جل سلطانه حيث كنت بمدينة الايمان حرم أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قم المحروسة، صينت عن دواهي الدهر و نوائبها، في بعض أيام شهر اللّه الاعظم لعام الحادي عشر بعد الالف من الهجرة المباركة المقدسة النبوية، أنه قد غشيني ذات يوم سنة شبه خلسة و أنا جالس في تعقيب صلاة العصر تاجه تجاه القبلة.
فأريت في سنتي نورا شعشعانيا على أبهة صوانية في شبح هيكل انساني مضطجع على يمينه، و آخر كذلك على هيأة عظيمة، و مهابة كبيرة في بهاء ضوء لا مع، و جلاء نور ساطع جالسا من وراء ظهر المضطجع، و كأني أنا دار من نفسي أو ادراني احد غيري ان المضطجع مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه و تسليماته عليه، و الجالس من
____________
(1) في البحار: بحزبهم
(2) البحار: 109/ 125 و هو رسالته المعروف ب «الخلعية»
م 14
وراء ظهره سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و أنا جاث على ركبتي و جاه المضطجع قبالته و بين يديه و حذاء صدره، فأراه (صلوات اللّه عليه و آله) متبسما في وجهي ممرا يده المباركة على جبهتي و خدي و لحيتي كأنه متبشر مستبشر لي منفس عني كربتي، جابر انكسار قلبي مستنفض بذلك عن نفسي حزني و كآبتي، و اذا أنا عارض عليه ذلك الحرز على ما هو مأخوذ سماعي و محفوظ جناني.
فيقول لي هكذا اقرأ و اقرأ هكذا: محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمامي، و فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليها فوق رأسي، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن يميني، و الحسن و الحسين و علي و محمد و جعفر و موسى و علي و محمد و علي و الحسن و الحجة المنتظر أئمتي صلوات اللّه و سلامه عليهم عن شمالي، و أبو ذر و سلمان و المقداد و حذيفة و عمار و أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من ورائي، و الملائكة (عليهم السلام) حولي، و اللّه ربي تعالى شأنه و تقدست أسماؤه محيط بي و حافظي و حفيظي، و اللّه من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ، فاللّه خير حافظا و هو أرحم الراحمين.
و اذ قد بلغ بي التمام فقال (سلام اللّه عليه) كرر، فقرأ و قرأت عليه بقراءته (صلوات اللّه عليه)، ثم قال أبلغ و أعاد علي، و هكذا كلما بلغت منه النهاية يعيده علي الى حيث حفظته، فانتبهت من سنتي متلهفا عليها الى يوم القيامة (1).
كلمات القصار:
له (قدس سره) القدوسي كلمات قصار في النصائح و المواعظ، و هي:
قال: أخلص معاشك لمعادك، و اجعل مسيرك في مصيرك، و تزود مما تؤتاه زادك، و لا تفسد بمتاع الغرور فؤادك، و لا تهتم برزقك، و لا تغتم في طسقك، فالذي يبقيك يرزقك و نصيبك يصيبك.
و قال أيضا: الموعظة اذا خرجت من صميم القلب و لجت في حريم القلب،
____________
(1) دار السلام للمحدث النورى: 2/ 52- 53
م 12
ورعه و عبادته:
كان (رحمه اللّه تعالى) متعبدا في الغاية، مكثارا من تلاوة كتاب اللّه المجيد بحيث ذكر بعض الثقات أنه كان يقرأ كل ليلة خمسة عشر جزءا من القرآن، مواظبا على أداء النوافل، لم يفته شيء منها منذ أن بلغ سن التكليف حتى مات، مجدا ساعيا في تزكية نفسه النفيسة، و تصفية باطنه الشريف حتى اشتهر أنه لم يضع جنبه على فراشه بالليل في مدة أربعين سنة.
مكاشفاته:
ذكر (قدس سره) في بعض المواضع أنه كثيرا ما يودع جسده الشريف و يخرج الى سير معارج الملكوت ثم يرجع اليه مكرها، و اللّه أعلم بحقيقة مراده و خبيئة فؤاده.
قال (قدس اللّه سره): كنت ذات يوم من أيام شهرنا هذا، و قد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شعبان المكرم لعام ثلاث و عشرين و ألف من هجرته المقدسة، في بعض خلواتي أذكر ربي في تضاعيف أذكاري و أورادي باسمه الغني فأكرر «يا غني يا مغني»، مشدوها بذلك عن كل شيء الا عن التوغل في حريم سره و الامحاء في شعاع نوره، فكان خاطفة قدسية قد ابتدرت إلي فاجتذبتني من الوكر الجسداني (1)، ففللت (2) حلق شبكة الحس، و حللت عقد حبالة الطبيعة.
و أخذت أطير بجناح الروع في جو ملكوت الحقيقة، فكأني قد خلعت بدني، و رفضت عدني، و مقوت خلدي، و نضوت جسدي، و طويت اقليم الزمان، و صرت الى عالم الدهر.
فاذا أنا في مصر الوجود بجماجم أمم النظام الجملي من الابداعيات و التكوينيات و الالهيات و الطبيعيات و القدسيات و الهيولانيات و الدهريات و الزمنيات، و أقوام الكفر و الايمان و أرهاط الجاهلية و الإسلام من الدارجين و الدارجات و الغابرين
____________
(1) في البحار: الجسمانى
(2) في البحار: ففككت
م 16
الملك و الملكوت بنظامها، و كأن ألفاظها برطوباتها، أنهار العلوم بعذوباتها، و كأن معانيها بأفواجها بحار الحق بأمواجها، و أيم اللّه ان طباعها من تنعيم و ان مزاجها من تسنيم، و ان نسميها لمن جنان الرمضوت، و ان رحيقها لمن دفاق الملكوت.
فاستقبلتها القوى الروحية، و برزت اليها القوة العقلية، و مدت اليها فطنة صوامع السر أعناقها، من كوى الحواس و روزاة المدارك و شبابيك المشاعر، و كادت حمامة النفس تطير من و كرها شغفا و اهتزازا، و تستطار الى عالمها شوقا و هزازا.
و لعمري لقد ترويت، و لكني لفرط ظمائي ما ارتويت:
شربت الحب كأسا بعد كأس * * *فما نفد الشراب و لا رويت
فلا زالت مراحمكم الجلية، مدركة للطالبين، بأضواء الاعطاف العلية، و مروية للظامئين بجرع الالطاف الخفية و الجلية.
ثم ان صورة مراتب الشوق و الاخلاص التي هي وراء ما يتناهى بما لا يتناهى أظنها هي المنطبعة كما هي عليها في خاطر كم الاقدس الانور الذي هو لأسرار عوالم الوجود كمرآة مجلوة، و لغوامض أفانين العلوم و معضلاتها كمصفاة مصحوة.
و انكم لأنتم بمزيد فضلكم المؤملون لإمرار المخلص على حواشي الضمير المقدس المستنير، عند صوالح الدعوات السانحات في منية الاستجابة و مظنة الاجابة بسط اللّه ظلالكم و خلد مجدكم و جلالكم، و السلام على جنابكم الارفع الابهى، و على من يلوذ ببابكم الاسمى، و يعكف بفنائكم الاوسع الاسنى، و رحمة اللّه و بركاته أبدا سرمدا (1).
و قد كانا معا موضع تقدير الشاه عباس و احترامه، يسود بينهما الصفاء و الود و قد ذكروا في كتب التراجم بعض القصص التي تمثل هذا الصفاء الذي كان يسود بينهما.
منها ما نقل أن السلطان شاه عباس الماضي ركب يوما الى بعض تنزهاته، و كان الشيخان المذكوران أيضا في موكبه، لأنه كان لا يفارقهما غالبا، و كان سيدنا المبرور
____________
(1) سلافة العصر ص 478
م 15
و اذا خرجت من ناحية اللسان لم يتجاوز أصمخة الاذان. و بعبارة أخرى: العظة الناصحة تخرج من القلب السليم فتلج في القلب الصميم، فاذا نطق ذو سر سقيم كان كمن يقعقع حلقة من عظم رميم.
و قال أيضا: المواعظ اذا خرجت من حريم القلب السليم و لجت في و تين القلب الصميم، و اذا كان مخرجها تقعقع أطراف اللسان فكأنما قد حلفت بمغلظات الايمان أن لا تتجاوز أصمخة الاذان، و لا تنفذ في منافذ الايمان و لا تدخل مشاعر الايقان و قال أيضا: اللسان مفتاح باب ذكر اللّه العظيم، فلا تحركوه بالفحش (باللغو) و إلا هجر، و القلب بيت اللّه الحرام فعظموه باخلاص النية فيه للّه، و لا تدنسوه بأقذار الهواجس الردية و النيات المدخولة، و السر حرم نور اللّه و حريم بيته المحرم، فلا تلحدوا فيه بالنكوب عن حاق الحق الذي هو صراط اللّه المستقيم.
و قال أيضا: اذا كان ملاك الامر حسن الخاتمة فراقب وقتك، و اجعل خير أيامك يومك الذي أنت فيه، فلعله هو الخاتمة، اذ لا غائب أقرب من الموت، و لا باغت ابغت فلتة و أفلت بغتة من الاجل ما غبر، ليس في يدك منه شيء، و ما يأتي في الغيب عنك ما خطبه، فما ميقات الاستدراك و وقت الاستصلاح الا حينك الحاضر، ان كان ما قد مضى و ذهب عنك لك صالحا فلا تفسدنه عليك بما تكسبه الان، و ان كان فاسدا فعليك الان بدرك فساده و الخروج عن عهدته (1).
صداقته مع الشيخ البهائى:
كان بينه و بين البهائي العاملي من التآخي و الخلطة و الصداقة ما يندر وجود مثله بين عالمين متعاصرين، و جدا في مكان واحد.
و يدل على ذلك ما كتبه (قدس سره) الى الشيخ البهائي مراجعا: و لقد هبت ريح الانس من سمت القدس، فأتتني بصحيفة منيفة كأنها بفيوضها بروق العقل بوموضها، و كأنها بمطاويها أطباق الافلاك بدراريها، و كأن أرقامها بأحكامها، أطباق
____________
(1) هذه الكلمات نقلته عن خطه الشريف
م 17
متبدنا عظيم الجثة، بخلاف شيخنا البهائي فانه كان نحيف البدن في غاية الهزال، فأراد السلطان أن يختبر صفاء الخواطر فيما بينهما، فجاء الى سيدنا المبرور و هو راكب فرسه في مؤخر الجمع، و قد ظهر من وجناته الاعياء و التعب لغاية ثقل جثته، و كان جواد الشيخ في القدام يركض و يرقص كأنما لم يحمل عليه شيء.
فقال: يا سيدنا ألا تنظر الى هذا الشيخ القدام كيف يلعب بجواده و لا يمشي على وقار بين هذا الخلق مثل جنابك المتأدب المتين. فقال السيد: أيها الملك ان جواد شيخنا لا يستطيع أن يتأنى في جريه من شعف ما حمل عليه، ألا تعلم من ذا الذي ركبه.
ثم أخفى الامر الى أن ردف شيخنا البهائي في مجال الركض، فقال: يا شيخنا ألا تنظر الى ما خلفك كيف أتعب جثمان هذا السيد المركب، و أورده من غاية سمنه في العي و النصب، و العالم المطاع لا بد أن يكون مثلك مرتاضا خفيف المؤونة. فقال لا أيها الملك، بل العي الظاهر في وجه الفرس من عجزه عن تحمل حمل العلم الذي يعجز عن حمله الجبال الرواسي على صلابتها.
فلما رأى السلطان المذكور تلك الالفة التامة و المودة الخالصة بين عالمي عصره نزل من ظهر دابته بين الجمع و سجد للّه تعالى و عفر وجهه في التراب شكرا على هذه النعمة العظيمة.
و حكايات سائر ما وقع أيضا بينهما من المصادقة و المصافاة و تأييد هما الدين المبين بخالص النيات كثيرة جدا، يخرجنا تفصيلها عن وضع هذه العجالة.
على أن ذلك لم يذهب بروح التنافس بينهما، شأن كل عالمين متعاصرين عادة. فقد ورد أن الشيخ البهائي حين صنف كتابه الاربعين أتى به بعض الطلبة الى السيد الداماد، فلما نظر فيه قال: ان هذا العربي رجل فاضل لكنه لما جاء في عصرنا لم يشتهر و لم يعد عالما.
م 18
مسلكه في الفلسفة:
يغلب على تفكير السيد الروح الاشراقية، يتحرك في تيار الروح العرفانية، و قد أثر باتجاهه الاشراقي هذا على تفكير تلميذيه صدر المتألهين و ملا محسن الفيض و ترك على أفكار هما ملامح كثيرة واضحة، و لعل أسماء كثير من كتب السيد توحي لنا بهذه الروح الاشراقية.
و يدل على ذلك اختتام كتابه القبسات بدعاء النور، و هو: «اللهم اهدني بنورك لنورك، و جللني من نورك بنورك، يا نور السماوات و الارض، يا نور النور، يا جاعل الظلمات و النور، يا نورا فوق كل نور، و يا نورا يعبده كل نور، و يا نورا يخضع لسلطان نوره كل نور، و يا نورا يذل لعز شعاعه كل نور».
و كثيرا ما يعبر عن ابن سينا بشريكنا السالف في رئاسة الفلسفة الاسلامية، و عن الفارابي بشريكنا التعليمي و غيره.
شعره:
له ديوان شعر جيد نقتبس منه بعض أشعاره العربية و الفارسية.
فمن منا شداته عند زيارة مولانا الرضا (عليه السلام):
طارت المهجة شوقا بجناح الطرب * * *لثمت سدة مولى بشفاه الادب
نحو أوج لسماء قصد القلب هوى * * *و لقد ساعدني الدهر فيا من عجب
أفق الوصل بدى اذ و مض البرق و قد * * *رفض القلب سوى ميتة تلك القلب
لا تسل عن نصل الهجر فكم في كبدي * * *من ثغور فيه و كم من ثقب
م 20
گر شخص ترا سايه نيفتد چه عجب * * *تو نوري و آفتاب خود سايه تست
و له أيضا:
گويند كه نيست قادر از عين كمال * * *بر خلقت شبه خويش حق متعال
نزديك شد اينكه رنگ امكان گيرد * * *در ذات علي صورت اين أمر محال
و له أيضا:
أي علم ملت و نفس رسول * * *خلقه كش علم تو گوش عقول
أي بتو مختوم كتاب وجود * * *وي بتو مرجوع حساب وجود
داغ كش ناقۀ تو مشك ناب * * *جزيه ده سايه تو آفتاب
خازن سبحاني تنزيل وحي * * *عالم رباني تأويل وحي
آدم از اقبال تو موجود شد * * *چون تو خلف داشت كه مسجود شد
تا كه شده كنيت تو بو تراب * * *نه فلك از جوي زمين خورده آب
راه حق و هادي هر گمرهي * * *ما ظلماتيم و تو نور اللهي
آنكه گذشت از تو و غيرى گزيد * * *نور بداد ابله و ظلمت خريد
در كعبه قل تعالوا از مام كه زاد * * *از بازوى باب حطه خيبر كه گشاد
بر ناقه لا يؤدى الا كه نشست * * *بر دوش شرف پاى كراسى كه نهاد
در مرحله على نه چون است و نه چند * * *در خانه حق زاده بجانش سوگند
بى فرزندي كه خانه زادي دارد * * *شك نيست كه باشدش بجاي فرزند
و له أيضا:
تجهيل من اى عزيز آسان نبود * * *بى از شبهات
محكمتر از ايمان من ايمان نبود * * *بعد از حضرات
مجموع علوم ابن سينا دانم * * *بافقه و حديث
و ينها همه ظاهر است و پنهان نبود * * *جز بر جهلات
م 19
كنت لا أعرف هاتين أ عيناي هما * * *أم كئوس ملئت من دم بنت العنب
بكرة الوصل أتتني فقصصنا قصصا * * *من هموم بقيت لي بليال كرب
قيل لي قلبك لم يؤثر من نار هوى * * *قلت دعني أنا ما دمت بهذا الوصب
أصدقائي أنا هذا و حبيبي داري * * *روضة الوصل و لم أغش غوامش الحجب
أنا في مشهد مولاي بطوس أنا ذا * * *ساكب الدمع بعين و ربت كالسحب
و له أيضا ينشد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام):
كالدر ولدت يا تمام الشرف * * *في الكعبة و اتخذتها كالصدف
فاستقبلت الوجوه شطر الكعبة * * *و الكعبة وجهها تجاه النجف
و له أيضا في أول الجذوات:
عينان عينان لم يكتبهما قلم * * *في كل عين من العينين عينان
نونان نونان لم يكتبهما رقم * * *في كل نون من النونين نونان
قيل: العينان عين الابداع و عين الاختراع، و القلم قلم العقل الفعال، و في عين الابداع عالم العقل و عالم النفس، و في عين الاختراع عالم المواد و عالم الصور. و النونان نون التكوين و نون التدوين، و في نون التكوين الامكان الذاتي و الامكان الاستعدادي، و في نون التدوين أحكام الدين و قوانين الشرع المبين.
و له أيضا بالفارسية:
أي ختم رسل دو كون پيرايه تست * * *أفلاك يكى منبر نه پايه تست
م 21
و له أيضا:
چشمى دارم چو حسن شيرين همه آب * * *بختى دارم چو چشم خسرو همه خواب
جانى دارم چو جسم مجنون همه درد * * *جسمى دارم چو زلف ليلى همه تاب
و له أيضا:
از خوان فلك قرص جوى بيش مخور * * *انگشت عسل مخواه و صد نيش مخور
از نعمت ألوان شهان دست بدار * * *خون دل صد هزار درويش مخور
مشايخه و من روى عنهم:
1- السيد حسين بن السيد حيدر الحسيني الكركي العاملي ثم الاصفهاني (1) 2- الشيخ عبد العالي بن الشيخ نور الدين على بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي (2).
3- الشيخ عبد على بن محمود الخادم الجابلقي خال الشيخ محمد بن على ابن خاتون العاملي (3).
4- السيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي قال في الرياض: و يروى عنه السيد الداماد، و قد اتصل به في المشهد المقدس الرضوي، قال (قدس سره) في سند بعض الاحراز المروية عن الائمة (عليهم السلام) هكذا: و من طريق آخر رويته عن السيد الثقة الثبت المركون اليه في فقهه المأمون في حديثه على بن أبي الحسن العاملي (رحمه اللّه تعالى) قراءة و سماعا و اجازة سنة ثمان و ثمانين و تسعمائة من الهجرة المباركة
____________
(1) رياض العلماء: 2/ 88
(2) أمل الآمل: 1/ 110
(3) أمل الآمل: 2/ 155
م 22
النبوية في مشهد سيدنا و مولانا أبي الحسن الرضا صلوات اللّه و تسليماته عليه بسناباد طوس.
ثم قال: و الظاهر عندي أنه بعينه والد السيد محمد صاحب المدارك و صهر الشهيد الثاني، و ان لم يصرح به الشيخ المعاصر أيده اللّه. و لا استبعاد في ملاقاته لاتحاد العصر، مع أن السيد الداماد رواه عنه في أوائل عمره، كما يظهر من بعض المواضع أنه وروده (قدس سره) بمشهد الرضا (عليه السلام) كان في أوان أوائل بلوغه، و قد صرح نفسه في بعض كتبه أيضا.
ثم قال: و قال السيد الداماد في سند بعض الادعية، رويته عن السيد الثقة الثبت المركون اليه في فقهه المأمون في حديثه علي بن أبي الحسن العاملي (رحمه اللّه تعالى) في مشهد مولانا الرضا (عليه السلام) عن الشهيد الخ (1).
5- السيد أبو الحسن الموسوي العاملي.
قال المحدث العاملي في أمل الآمل في ترجمته: و عنه يروي السيد الداماد (2) و قال في الرياض بعد ذكر عبارت أمل الآمل: و ظني أنه سهو، اذ السيد الداماد يروي عن السيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي، لا عن والده أبي الحسن، ثم ذكر سنده في سند حرز من احراز الادعية المتقدمة.
ثم قال: و قد عده الشيخ المعاصر على حدة، فلعل السيد الداماد روى عن والد هذا السيد أيضا، و يكون والده أيضا من تلامذة الشهيد الثاني، فلا اشكال.
فلاحظ (3).
6- السيد نور الدين علي بن السيد الزاهد الحسين بن أبي الحسن الحسيني الموسوي العاملي الجبعي والد صاحب المدارك.
____________
(1) رياض العلماء: 3/ 330- 331
(2) أمل الآمل: 1/ 192
(3) رياض العلماء: 5/ 452
م 23
قال في الرياض: و كان من مشايخ السيد الداماد، و لاقاه في مشهد الرضا (عليه السلام) (1).
و قال: و الظاهر عندي اتحاد السيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملى الجبعي مع السيد نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي، للاتحاد في أكثر المذكورات، و اتحاد العصر، و النسبة الى الجد شائع، و الشيخ المعاصر اعتقد تعددهما و عقد لهما ترجمتين (2).
و قال: فظن: التعدد و ايرادهما في ترجمتين، كما فعله الشيخ المعاصر في أمل (3) الآمل غير مستقيم.
ثم قال: و أما الاشكال في أن ملاقاة السيد الداماد لوالد صاحب المدارك، و خاصة في مشهد الرضا (عليه السلام) مما لم ينقل، و لا سمع مجيء والد صاحب المدارك الى بلاد العجم أصلا، فكيف بمشهد الرضا (عليه السلام)، فهو وهم، و قد كان ملاقاته له في أوائل عمر السيد الداماد (4).
7- الشيخ حسين عبد الصمد العاملى روى عنه اجازة.
تلامذته و الراوون عنه:
قد تخرج على يديه جملة من الاكابر منهم:
1- السيد أحمد بن السيد زين العابدين الحسيني العاملى، و كان صهر السيد الداماد، قال في الرياض: و قد أجاز له اجازة اثنى عليه فيها و ذكر أنه قرأ عنده بعض كتاب الشفاء و غيره (5).
____________
(1) رياض العلماء: 3/ 417
(2) رياض العلماء: 3/ 331
(3) أمل الآمل: 1/ 119
(4) رياض العلماء: 3/ 417
(5) رياض العلماء: 1/ 39
م 25
اجازته لسلطان العلماء:
له (قدس سره) اجازة لبعض أفاضل عصره و لعله سلطان العلماء قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم و الاعتصام بالعزيز العليم، صدر كتاب الوجود، حمد سلسلتي البدء و العود، لمدبر عوالم الصنع و الابداع، و صدرة نظام الكون صلاة العقل، و النفس في قوتي النظم و العمل على سفرة صقع النور، و خزنة سر الوحي و حملة سنة الدين و هداة سبيل القدس بمعالم الشرع و الايزاع.
و بعد: فان التي احتوتها صدور هذه الاوراق، و بطون هذه الاطباق، عضة من صحفي و مصنفاتي و زبري و مرصفاتي، فيها عضون من جذوات قبساتي و خلسات خلساتي، يتمض (1) بها المستريض المتبصر، و يلتمظ منها المستفيض المتمصر، قد اصطادتها شركة الانتساخ، و اقتنصتها شبكة الاستنساخ، اختداما لخزنة كتب نواب الصدر الاعظم، المخدوم المعظم، سلطان أعاظم الصدور و الامراء، برهان أكارم العلماء و الفقهاء، الفهامة المقدام، و العلامة المكرم، ملاذ الإسلام و المسلمين، ملاك الايمان و المؤمنين.
لا زالت مطالع سيادته و صدارته و سماه و هداه، كمجالي اسمه السامي، و لقبه الطامي، على قصوى مدار الحمد و الرضا، و قصيا معارج المجد و العلى، و لا عدمت الايام أضواء ثواقب حضرته، و لا فقدت الادوار أنوار كواكب دولته، رجاء أن يشرح صدر غوامض مباحثها بلحظ بصره القدسي، و يرفع قدر مغامض مداحضها بلحاظ نظره القدوسي.
و اني قد أجزت له خلد اللّه ظلاله أن يرويها كما شاء و كيف شاء، و أن يفيض على المستفيضين بسط أنوارها، و كشط أستارها، و حل مستشكهاتها، و كشف مستبهماتها، و هداية التائقين الى حمل عرش حملها، و روايتها، و ارواء الظامئين في مهامه فقهها و درايتها.
____________
(1) يتمض افتعال من الوموض. و المستريض استفعال من الروضة «منه»
م 26
و كتب بيمينه الجانية الفانية المستديم لظلال جلاله، و شروق عزه و اقباله، أحوج المربوبين، و أفقر المفتاقين، الى رحمة ربه الرحمن، الحميد الغني محمد ابن محمد يدعى باقر الداماد الحسيني، ختم اللّه له في نشأتيه الحسنى، و سقاه في المصير اليه من كأس المقربين ممن لديه لزلفى، و جعل خير يوميه غده، و لا أو هن من الاعتصام بحبل فضله العظيم يده، في هزيع من سابع ذي القعدة الحرام لعام 1024 من أعوام الهجرة المباركة المقدسة النبوية حامدا مصليا مسلما (1).
و له اجازات أخر لتلامذته بالخصوص صهره المير سيد أحمد العاملى راجع اجازات البحار.
تآليفه القيمة:
كتب المترجم مؤلفات و رسائل كثيرة، قد تجاوزت جهود الفرد الوحد تمثل اضطلاعه بجوانب المعرفة الشاملة، و من بينها مؤلفات مشهورة قيمة، لا تزال معينا للعلماء الى اليوم، و قد يعجب المرء من وفرة تآليفه، ذات المواضيع المختلفة و المعارف المتعددة.
و لا ريب أن ذكاءه المفرط و ذاكرته العجيبة و وعيه الشامل، كان ذلك من الاسباب الرئيسية في تغلبه على تلك العقبات التي تحول دون تأليفه و تصنيفه و هي:
1- اثبات سيادة المنتسب بالام الى هاشم. لؤلؤة البحرين ص 134
2- الاعضالات العويصات في فنون العلوم و الصناعات ذريعة 2/ 238 طبع مع السبع الشداد له سنة 1317.
3- الافق المبين في الحكمة الالهية ذريعة 2/ 261 غير مطبوع.
4- أمانة الهي فارسي في تفسير آية الامانة، كتبه للنواب (قوچيباشي) الهمداني الصفوي النسب أوان كونه في موكب السلطان في شيراز ذريعة 2/ 345.
5- أنموذج العلوم عده في الذريعة 2/ 404 كتابا مستقلا، مع أنه نفس كتاب
____________
(1) نقلته عن خطة الشريف في بعض مكتوباته بقلمه المنيف
م 24
2- المولى عبد اللّه بن الحاج حسين بابا السمناني (1).
3- المولى الكبير الجليل مولانا خليل بن الغازي القزويني (2).
4- المولى عبد الغفار بن محمد بن يحيى الرشتي الجيلاني، قال في الرياض و له حاشية على كتاب التقديسات لأستاده السيد الداماد، و حاشية على كتاب الايقاضات لأستاده المذكور أيضا، و حاشيته على كتاب أفق المبين لأستاده أيضا، و رسالة في المشاجرات التي وقعت بين المولى مراد التفريشي و بين بعض فضلاء العصر و لعله السيد الداماد في طائفة من المسائل الحكيمة و الفقهية و المحاكمة بينهما و تحقيق الحق فيها (3).
5- المولى محمود بن الآميرزا علي الاصفهاني (4).
6- السيد محمد تقي بن أبي الحسن الحسيني الأسترآبادي (5).
7- المولى صدر الدين محمد الشيرازي صاحب الاسفار (6).
8- الفيلسوف عبد الرزاق اللاهيجي.
9- الحكيم ملا محسن الفيض الكاشاني
10- سلطان العلماء
11- الشيخ شمس الدين الاشكوري صاحب محبوب القلوب
12- مير فضل اللّه الأسترآبادي
13- السيد الامير منصور بن محمد. الرياض 5/ 43
____________
(1) رياض العلماء: 2/ 240 و 3/ 207 و 210 و 4/ 276
(2) رياض العلماء: 2/ 261
(3) رياض العلماء: 3/ 157 و 158 و 5/ 401
(4) رياض العلماء: 4/ 306
(5) رياض العلماء: 5/ 46
(6) شرح اصول الكافى ص 16 و روضات الجنات 2/ 65
م 28
19- التعليقة على أوائل القواعد الشهيدية الرياض 2/ 203 راه بخطه الشريف
20- التعليقة على تهذيب الاحكام اشار اليه في التعليقة على الرجال هذا الكتاب بين يديك.
21- التعليقة على حاشية الخفري الرياض 5/ 44
22- التعليقة على حاشية السيد الرياض 5/ 42
23- التعليقة على الخلاصة للعلامة صرح به في هذا الكتاب
24- التعليقة على الدروس للشهيد الاول صرح به في هذا الكتاب
25- التعليقة على رجال ابن داود صرح به في هذا الكتاب
26- التعليقة على رجال الشيخ الطوسي الرياض 5/ 43
27- التعليقة على رجال الكشي و هو هذا الكتاب بين يديك
28- التعليقة على رجال النجاشي صرح به في هذا الكتاب
29- التعليقة على شرح مختصر العضدي الرياض 5/ 42
30- التعليقة على الصحيفة المكرمة السجادية صرح به في أكثر كتبه و سيطبع إن شاء اللّه بتحقيقنا و تعاليقنا عليه.
31- التعليقة على طبيعيات الشفاء الرياض 5/ 44 بخطه
32- التعليقة على قواعد العلامة طبع في الرسالة الاثنى عشر
33- التعليقة على مختلف الاحكام للعلامة طبع في الرسالة الاثنى عشر له بالاوفست على النسخة المخطوطة
34- التعليقة على من لا يحضره الفقيه صرح به في هذا الكتاب
35- التعليقة على نفلية الشهيد طبع في الاثنى عشر رسالة
36- التعليقة على نهج الدعوات صرح به في هذا الكتاب
37- تفسير سورة الاخلاص المطبوع في الاثنى عشر رسالة للمؤلف
38- تقدمة تقويم الايمان الذريعة: 4/ 364
39- التقديسات في الحكمة الالهية الذريعة 4/ 364
40- تقويم الايمان الذريعة 4/ 396
م 27
الاعضالات العويصات المتقدم.
6- الايام و الليالي الاربعة و أعمالها بالفارسية، الرياض 5/ 41
7- الايقاضات في خلق الاعمال و أفعال العباد مبسوط مشتمل على الادلة العقلية و الآيات و الروايات الذريعة 2/ 507 و الرياض 5/ 41 طبع على هامش القبسات له في طهران سنة 1315
8- الايماضات و التشريقات في مسألة الحدوث و القدم، كتبه بعد الافق المبين و الصراط المستقيم الذريعة 2/ 509 طبع مع القبسات سنة 1315.
9- تأويل المقطعات في أوائل السور القرآنية. الذريعة 3/ 307
10- تشريق الحق في المنطق. نسبه الى نفسه في السبع الشداد الرياض 5/ 42
11- تصحيح برهان المناسبة على تناهي الابعاد. الرياض 5/ 42
12- التصحيحات و التقويمات شرح على المختصر الموسوم بتقويم الايمان الذريعة 4/ 195 و اشار اليه في التعليقة على الكافي ص 342
13- التصحيفات. و هو مختصر في بيان بعض التصحيفات مثل تصحيف تايعت في زيارة عاشوراء بالباء الموحدة، و تصحيف محلئين في الزيارة الرجبية بالخاء المعجمة، و غير ذلك مما ذكرها في الرواشح (ص 133- 157) الذريعة:
4/ 196.
14- تعليقات و براهين على المجسطي. قال في الرياض 5/ 42: رأيتها بخطه في بلدة لاهيجان.
15- تعليقات على الهيئة فارسي. رآه صاحب الرياض بخطه في بلدة لاهيجان الرياض 5/ 42
16- التعليقة على الاستبصار مطبوع في الاثنى عشر رساله له.
17- التعليقة على أصول الكافي طبع أخيرا سنة (1403) بتصحيحنا و تحقيقنا و تعليقنا عليه.
18- التعليقة على إلهيات الشفاء الرياض 5/ 44.
م 29
41- الجذوات في الحكمة و خواص الحروف، ألفها بالفارسية بأمر السلطان شاه عباس بسفارة مولانا مظفر المنجم في شرح كلام بعض أفاضل الهند في حكمة احراق الجبل حين تكلم موسى مع اللّه تعالى مع عدم احراقه، طبع سنة 1302 في بمبئي.
42- الجمع و التوفيق بين رأيي الحكيمين في حدوث العالم الذريعة 5/ 134
43- الجنة الواقية في الدعاء. قال في الرياض 5/ 44 و قد تنسب اليه رسالة الجنة الواقية في الدعاء و هي مشهورة، و قد رأيت على خلف نسخة منها أنها تأليف هذا السيد، و الظن أنه سهو.
و قال في الذريعة 5/ 162: لا أرى وجها لنسبة المختصر الى المير داماد كما في بعض المواضع، غير أن المير داماد لما استحسن المختصر كتب بخطه نسخة منه و لم ينسبه الى أحد، و كتب امضائه في آخر مكتوبه، فلما وجدت النسخة بخطه و توقيعه من غير نسبة الى أحد نسبوه اليه الى آخر ما قال. و الظاهر أن الكتاب للكفعمي و اللّه أعلم.
44- جواب استفتاءات كثيرة الرياض 5/ 42.
45- جواب سؤال تلميذه السيد الامير منصور بن محمد في حدوث العالم
46- جواب السؤال عن اختلاف الزوجين قبل الدخول في قدر المهر مختصرة الرياض 5/ 41 48- جيب الزاوية الذريعة: 5/ 303
48- الحبل المتين في الحكمة الذريعة: 6/ 239
49- حدوث العالم ذاتا و قدمه زمانا انتصر فيه لأرسطو على افلاطون و انتقد على الفارابي لجمعه بين الرأيين الذريعة 6/ 292 و هو كتابه الجمع و التوفيق المتقدم.
50- الحكمة اليمانية الرياض 5/ 41.
51- خطب جمة لصلاة الجمعة و قد طبع مع الاثنى عشر رسالة له.
52- خلسة الملكوت صرح به في التعليقة على أصول الكافي ص 185 و 310 و طبع أخيرا مع القبسات و يسمى أيضا بصحيفة القدس.
م 30
53- ديوان شعره بالعربي و الفارسي قال في الرياض: و قد جمع أشعاره العربية و الفارسية صهره السيد أمير سيد أحمد بن زين العابدين العلوي في ديوان بأمر السلطان شاه صفي، و كان يتلخص ب «اشراق» و قد رأيت هذا الديوان ببلدة ساري. طبع.
54- رسالة الخليعة ذكرناها في مكاشفاته.
55- رسالة في ابطال الزمان الموهوم الذريعة: 11/ 6
56- رسالة في أغلاط الشيخ البهائي و تصحيفاته الرياض 5/ 44 رآها في بلدة رشت.
57- رسالة في أن اليوم الشرعي من طلوع الشمس لا طلوع الفجر الرياض 5/ 42
58- رسالة في تحقيق حقيقة القياسات المنطقية و كيفية انتاجها لم تتم على الظاهر الرياض 5/ 42
59- رسالة في حقيقة القدرة و الارادة و الداعي. سئل عنها في بيت المقدس الرياض 5/ 44
60- رسالة في طهارة الماء مع ملاقاة النجاسة اذا لم تتعد الرياض 5/ 44
61- رسالة في مسألة علم الواجب تعالى مختصرة الرياض 5/ 44
62- رسالة في وجوب صلاة الجمعة طبع مع الاثنى عشر رسالة له.
63- الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الامامية طبع سنة 1311.
64- السبع الشداد طبع سنة 1317.
65- سدرة المنتهى في تفسير سورة الحمد و الجمعة و المنافقين الرياض 5/ 44 رآها في بلدة رشت و قال: و لعلها لم تتم.
66- شارع النجاة خرج منه كتاب الطهارة ألفه بالتماس محمد رضا جلبي التبريزي الاسطنبولي الاصفهاني بالفارسية حسنة الفوائد، طبع في الاثني عشر رسالة للمؤلف.
67- شرح الاستبصار الذريعة 13/ 83 و لعله متحد مع تعليقته عليه.
م 31
68- شرح خطبة البيان الرياض 5/ 42
69- شرح تقدمة تقويم الايمان الذريعة 13/ 151
70- شرح تقويم الايمان الذريعة 13/ 151 و هو نفس كتاب التصحيحات و التقويمات.
71- صرح النيروزية ابن سينا صرح به في هذا الكتاب
72- شرعة التسمية في النهي عن تسمية صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه و على آبائه الطاهرين) و (عجل اللّه فرجه) الذريعة: 14/ 178.
73- الصراط المستقيم في ربط الحادث بالقديم مبسوط جدا، مشتمل على مسائل حكمية كثيرة جدا لم يتم ألفه بالفارسية حسنة الفوائد صرح به في أكثر كتبه و بالخصوص التعليقة على الكافي ص 197 و 315.
74- ضوابط الرضاع طبع في مجموعة كلمات المحققين سنة 1315.
75- عيون المسائل في العبادات طبع في الاثنى عشر رسالة له سنة 1397.
76- القبسات الحق اليقين في الحكمة طبع أخيرا على أحسن حال، و يا ليت كانت تطبع سائر مؤلفاته كذلك.
77- كلمات القصار في المواعظ و النصائح طبع في الاثنى عشر رسالة للمؤلف
78- محجه الاستقامة في الامامة، مشتمل على أخبار العامة و الخاصة و الادلة العقلية و النقلية الرياض 5/ 42
79- مشرق الأنوار، مثنوي تتبع فيه «مخزن الاسرار» للنظامي طبع مع ديوانه بايران في 1350 راجع الذريعة: 19/ 296
80- نبراس الضياء في معنى البداء الذريعة 24/ 28
81- نفي الجبر و التفويض الذريعة 24/ 268.
و غيرها من الرسائل و الكلمات، و له على كل واحد من تصانيفه حواشي كثيرة جدا، حتى أن في بعضها صارت الحواشي بقدر الاصل أو أزيد.
م 32
و كذا له على أكثر الكتب في فنون شتى تعليقات كثيرة غير مدونة، و له فوائد كثيرة متفرقة في علوم عديدة.
ولادته و وفاته:
لم يذكر في التراجم تاريخ ولادته، و الذي يستبين لي من التتبع في تاريخ اجازاته أن ولادته كان حوالي سنة (960).
و أما وفاته فانه قد سافر من اصفهان سنة (1041) بصحبة الشاه صفي الدين الصفوي الى زيارة العتبات المقدسة، و ذلك في أواخر عمره، ففاجأته المنية قرب قرية ذي الكفل بين الحلة و النجف في السنة المذكورة.
و في الرياض: و مات في الخان الذي بين كربلاء و النجف في بر مجنون انتهى.
و كان قد سبقه الشاه صفي الدين الى النجف الاشرف، فحمل جثمانه الى مثواه الاخير النجف الاشرف، و استقبله الشاه و حاشيته و أهل البلد بكل تجلة و احترام، و دفن فيها (رحمه اللّه)، و كان يوم وفاته يوما مشهودا.
و رثاه الشعراء بقصائد بليغة، و ما قيل في مادة تاريخ وفاته:
«عروس علم را مرد داماد» و ما قيل أيضا:
و السيد الداماد سبط الكركي * * *مقبضه الراضي عجيب المسلك
حول الكتاب:
نبحث في هذا المقام عن أمور:
الاول: أنه ليس للكتاب عنوان خاص تختص بها، و انما هو بعنوان «التعليقة» أو «الحاشية» أو «الشرح» على رجال الكشي، و كلها ترجع الى معنى واحد، هذا و لكن كل من المترجمين له عبروا عن الكتاب بأحد منها.
ففي الرياض قال: و له شرح رجال الكشي- و ان عبر بعد بعنوان «الحاشية»
م 33
عليه- و ذلك لأنه رأى أن السيد بسط الكلام حول المتن في بعض المواضع، فلذا سماه ب «شرح رجال الكشي».
و الشيخ الطهراني عبر عن الكتاب في الذريعة بعنوان «الحاشية على رجال الكشي» و ذلك حيث رأى أن السيد لم يشرح المتن بتمامها، و انما علق عليه بقوله «قوله» و ذلك آية الحاشية.
و أما هل فرق بين الحاشية و التعليقة، فأقول: أنه لا فرق في الواقع بينهما، غير ما تداول في الالسن من أن التعليقة تختص بالعلوم العقلية، و الحاشية لغيرها، كأنهم ما أحبوا تسمية تعليقاتهم الفلسفية بالحاشية، لما يتراءى منها من معنى الحشو.
و بما أن السيد الداماد يحيل الى بعض مصنفاته في كتبه بعنوان معلقاتنا على كتب الاصحاب، اخترنا عنوان «التعليقة على رجال الكشي أو اختيار معرفة الرجال» للكتاب.
الثاني: تمتاز هذه النسخة من الرجال الكشي المطبوع في أعلى صفحات التعليقة عن غيرها، بكونها مصححة علي يد السيد الداماد، و ذلك أنا عثرنا علي نسخة مخطوطة من الرجال الكشي و عليها بعض تعاليقه بخطه، و السيد قد قابل هذه النسخة مع نسخ صحيحة عتيقة أخرى كانت عنده و صححها عليها، كما أشار السيد اليها في التعليقة بعبارات شتى منها:
التصريح بكلمة «النسخ العتيقة» أو التصريح بكلمة «في نسخة عتيقة كأنها أصح النسخ» أو التصريح بكلمة «طائفة جمة من النسخ» أو التصريح بكلمة «عصبة من النسخ» أو التصريح بكلمة «النسخ الكثيرة» و هكذا «الموثوق بصحتها» و هكذا «النسخ الحديثة السقيمة» و هكذا «بعض النسخ» و هكذا «طائفة من النسخ» و هكذا «عضة من النسخ» و هكذا «نسخ معدودات» و هكذا «نسخ عديدة» و هكذا «عدة نسخ» هكذا «عامة النسخ» و هكذا «أكثر النسخ».
و المستفاد من جميع هذه التعبيرات ان السيد كان عنده نسخ كثيرة، و بهذا الاعتبار صحح نسخته عليها، و مع ذلك أنا نرى هذا التصحيح غير موجود في النسخ
م 34
المطبوعة من الرجال، فنسخة الرجال هذه تعد نسخة مستقلة للباحثين.
الثالث: حيث أن السيد لم يساعده التوفيق لمقابلة تمام نسخته هذا مع النسخ الموجودة عنده و انما اكتفى في مورد التعليقة على الرجال و غيرها نادرا و لذا اعتمدنا كثيرا على نسخة الرجال المطبوع بجامعة مشهد، الذي صححه و علق عليه الفاضل المتتبع الشيخ حسن المصطفوي دام عزه حيث ساعده التوفيق لمقابلة هذا الكتاب و تصحيحه على نسخ مخطوطة ممتازة، و اعتمد على النصوص من مصادرها، و لتسهيل مراجعة الباحثين اقتفيت أثره في هذا الكتاب في أرقام الأحاديث و عناوينها الا ما شذ و ندر فجزاه اللّه عنا خير جزاء المحسنين.
الرابع: يشتمل هذه التعليقة على بحوث رجالية و فلسفية، و كذلك يتضمن دراسة لغوية حول لغة الأحاديث و الفاظها و قد كتب السيد الداماد كل ذلك باسلوبه المتميز الذي يتسم بالعذوبة و الروعة.
هذا و من الاسف الشديد أن السيد لم يساعده التوفيق على تعليقة الكتاب تمامها، و انما علق الى أوائل الجزء السادس و بقي بقية الكتاب بلا تعليقة منه، كما نشير اليه في موضعه.
الخامس: لم توجد لدي بعض المصادر الذي ينقل عنها السيد الداماد في التعليقة، و مع الفحص المفرط لم اعثر عليها، و ذلك مثل جامع الاصول حيث ينقل كثيرا عن فوائده الرجالية، و هي تقع في الاجزاء الغير المطبوعة بعد الاثنى عشر جزءا المطبوع.
و كذا ينقل عن كتاب المغرب للمطرزي في اللغة، و هو مطبوع لكن لم أعثر عليه، و كذا ينقل كثيرا عن اختيار رجال الكشي للسيد جمال الدين أحمد بن طاوس و غيرها من المصادر المخطوطة النادرة الوجود.
و جدير أن يقال: ان هذه التعليقة تعد مصدرا للباحثين، و ينقلون عنها كثيرا، كالعلامة المجلسي في البحار، و الفاضل الافندي في الرياض و غير هما ممن تأخر
م 35
طبقته عنهما الى زماننا هذا، يستشهد بكلامه المؤلف و المخالف.
مصادر التحقيق و التصحيح:
قوبل هذا الكتاب على ثلاث نسخ:
1- نسخة مخطوطة ثمينة جدا بخط السيد الداماد المكتوبة على هوامش نسخة رجال الكشي، و هي ليس تمام التعليقة، و النسخة موجودة في خزانة (كتابخانه ملك) بطهران بالرقم 3589. و جعلت رمز النسخة «م».
2- نسخة كاملة من أولها الى آخرها بخط النسخ و هي تقع في 235 صحيفة كل صفحة 21 سطرا، و لم يعرف كاتبها و لا تاريخها، و النسخة محفوظة في مكتبة «مجلس الشورى» و جعلت رمز النسخة «س».
3- نسخة كاملة من أولها الى آخرها بخط النسخ، و هي تقع في (284) صحيفة كل صفحة 14 سطرا، طول كتابتها 5/ 18، و عرضها 12 سانتيمترا، و لم يعرف كاتبها و لا تاريخها، و النسخة محفوظة في مكتبة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف، و جعلت رمز النسخة «ن».
و قد بذلت الوسع في تصحيح الكتاب و عرضه على الاصول المنقولة عنها، أو المصادر المأخوذة منها، آلاما لم أعثر عليها، و لم آل جهدا في تنميقه و تحقيقه حق التحقيق.
لفت نظر:
أرجو من العلماء الافاضل الذين يراجعون الكتاب أن يتفضلوا علينا بما لديهم من النقد و تصحيح ما لعنا وقعنا فيه من الاخطاء و الاشتباهات و الزلات.
و الحمد للّه الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، و نستغفره مما وقع من خلل و حصل من زلل، و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا و زلات أقدامنا و عثرات أقلامنا، فهو الهادي الى الرشاد، و الموفق للصواب و السداد، و السلام على من اتبع الهدى.
15/ 6/ 1404 قم المشرفة السيد مهدى الرجائى
م 36
1
الجزء الأول
اختيار معرفة الرّجال المعروف برجال الكشّى لشيخ الطّائفة ابى جعفر الطّوسى (قده) تصحيح و تعليق المعلّم الثّالث مير داماد الأسترآبادى تحقيق السيّد مهدى الرّجائى مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)
3
[معرفة قدر الرواة]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
1- حمدويه بن نصير الكشّي، قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي
____________
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه العليم المهيمن المبين، و الصلاة على مصطفاه على العالمين، و مجتبيه من الاولين و الاخرين، محمد و آله الطاهرين و عترته الاطهرين و حامته الاقربين و و أهل بيته الاطيبين.
قول الشيخ الحديث الحافظ الناقد الراوية أبى عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشى (رحمه اللّه تعالى) فيما أورده شيخ الطائفة في كتاب الاختيار من كتابه:
حمدويه.
باهمال الحاء و فتحها و فتح الواو بين الدال المهملة المفتوحة و الياء المثناة من تحت الساكنة «ويه» أو «ويها» كلمة اغراء بالشيء و استحثاث عليه تنون بالرفع و النصب و يستوي فيها الواحد و الجمع و المذكر و المؤنث، و ذهب فيها قوم الى البناء فقيل: يبنى على الضم و قيل: بل على الكسر مطلقا، و يكون للصوت يختم به الاسم كسيبويه و سختويه و بابويه و قولويه، و كل اسم ختم ب «يه» ففيه لغات مختلفة بالجزم و الكسر و الضم و الاشهر فيه الكسر.
5
الخطاب، عن محمد بن سنان (1)، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اعرفوا منازل الرجال منا على قدر روايتهم عنا.
____________
و الكشي بفتح الكاف و اعجام الشين المشددة نسبة الى كش بالفتح و التشديد، البلد المعروف على مراحل من سمرقند منه كثير من مشيختنا و رجالنا و علماؤنا، و ضم الكاف فيه من الاغلاط الدائرة على ألسن عوام الطلبة كما التشديد في النجاشي.
قال الفاضل المهندس البرجندي في كتابه المعمول في مساحة الارض و بلدان الاقاليم: كش بفتح الكاف و تشديد الشين المعجمة من بلاد ما وراء النهر بلد عظيم ثلاثة فراسخ في ثلاث فراسخ، و النسبة اليه كشي.
و أما ما في القاموس: الكش بالضم الذي يلقح به النخل و كش بالفتح قرية بجرجان (1). فقد أوردت في الرواشح السماوية (2) أنه من أغلاط الفيروزآبادي، و على تقدير الصحة فليست هذه النسبة الى تلك القرية و لا في المعروفين من العلماء و المحدثين من يعد من أهلها،
فمن كش ما وراء النهر أبو عمر و الكشي صاحب كتاب الرجال و شيخه حمدويه ابن نصير الكشي و العياشي محمد بن مسعود الكشي.
قال الشيخ في كتاب الرجال في باب لم: حمدويه بن نصير بن شاهي سمع يعقوب بن يزيد، يروي عن العياشي يكنى أبا الحسن عديم النظير في زمانه كثير العلم و الرواية ثقة حسن المذهب (3).
قوله (رحمه اللّه): عن محمد بن سنان
العلامة (رحمه اللّه تعالى) في المختلف و المنتهى كثيرا ما يستصح الحديث و في الطريق محمد بن سنان، و في الخلاصة توقف في صحة حديثه (4).
____________
(1) القاموس: 2/ 286
(2) الرواشح السماوية: 76
(3) رجال الشيخ: 463
(4) الخلاصة: 251 قال: و الوجه عندى التوقف فيما يرويه
6
2- محمد بن سعيد الكشي ابن مزيد و أبو جعفر محمد بن أبي عوف البخاري قالا: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن حماد المروزي المحمودي، يرفعه، قال:
قال الصادق (عليه السلام) اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فانا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا. فقيل له أو يكون المؤمن محدثا؟ قال يكون مفهما و المفهم محدث.
3- ابراهيم بن محمد بن العباس الختلي، (1) قال حدثنا أحمد بن ادريس القمي المعلم، قال حدثني أحمد بن يحيى بن عمران، قال حدثني سليمان الخطابي، (2) قال حدثني محمد بن محمد، عن بعض رجاله، عن محمد بن حمران العجلي، عن علي بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال- اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنّا.
____________
و كلام الاصحاب فيه مختلف، و سيجيء في كلام أبي عمرو الكشي (رحمه اللّه تعالى) أنه يروي عن محمد بن سنان جماعة من العدول و الثقات و أهل العلم، و ذلك آية حسن حاله.
و قد وثقه الشيخ المفيد، و قول الشيخ في مواضع من كتبه قد اختلف بتوثيقه و تضعيفه، و بالجملة لا كلام في هذا السند الا من جهة محمد بن سنان، فان قلنا فيه بالتوثيق فهذا الخبر صحيح.
قوله (رحمه اللّه): الختلى
بضم الخاء المعجمة و تشديد التاء المثناة من فوق المفتوحة و ختل كسكر كورة بما وراء النهر.
قوله (رحمه اللّه): سليمان الخطابى
ذكر الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) سليمان ابن خالد الخطاب (1).
____________
(1) رجال الشيخ: 351 و في «ن»: الخطابى.
4
..........
____________
و اختاره الجوهري في الصحاح قال: و ويه كلمة يقال في الاستحثاث، و اما سيبويه و نحوه من الاسماء فهو اسم مبني (1) مع صوت فجعلا اسما واحدا، و كسروا آخره كما كسروا غاق لأنه ضارع الاصوات و فارق خمسة عشر، لان اخره لم يضارع الاصوات فينون في التنكير، و من قال هذا سيبويه و رأيت سيبويه و اعرابه (2) باعراب ما لا ينصرف ثناه و جمعه، فقال: السيبويهان و السيبويهون، و اما من لم يعربه فانه يقول في التثنيه ذوا سيبويه و كلاهما سيبويه، و يقول في الجمع ذووا سيبويه و كلهم سيبويه (3).
و النسخ المضبوطة مختلفة في نصير بضم النون و فتح المهملة على التصغير و بالفتح و الكسر على فعيل.
و اختلف قول الحسن بن داود في كتابه: ففي ترجمة الرجل خالف العلامة في ضبط اسم أبيه فقال: حمدويه بفتح الحاء و بالدال المهملتين و الصوت ابن نصير بالفتح ابن شاهي بالمعجمة أبو الحسن لم جخ أوحد زمانه لا نظير له (4).
و في ترجمة أخيه ابراهيم كان قد طابقه في الخلاصة و قال: ابراهيم بن نصير بالتصغير و الصاد المهملة الكشى لم جخ ثقة مأمون كثير الرواية (5).
فكأنه قد ذهل عن كون حمدويه و ابراهيم أخوين من جهة الاب، أو رجع في ضبط أبيهما أخيرا عما (6) قد ضبطه أو لا و هذا أظهر.
____________
(1) في «ن» و «س»: بنى
(2) و في المصدر: فأعربه
(3) الصحاح 6/ 2258
(4) رجال بن داود: 134
(5) رجال ابن داود: 19
(6) في ن: كما
7
4- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالا حدثنا محمد بن اسماعيل الرازي قال حدثني علي بن حبيب المدائني، عن علي بن سويد النسائي، (1) قال كتب إليّ ابو الحسن الاول و هو في السجن، و أما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك: لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا فانك ان تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين
____________
قوله (رحمه اللّه): سويد النسائى
الصحيح السايي كما في نسخ كثيرة باهمال السين قبل الالف ثم الياء المثناة من تحت، نسبة الى ساية قرية من قرى المدينة على ما هو المشهور.
و في القاموس: السايه فعلة من التسوية و قرية بمكة أو واد بين الحرمين، و ضرب لي ساية هيأ لي كلمة (1).
قال الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام): علي بن سويد السايي ثقة روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (2).
و قال النجاشي: و قيل انه روى أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3).
و في أكثر النسخ العتيقة عن علي بن سويد النسائي بفتح النون قبل السين و الهمزة بعد الالف، و هو المروي عن السيد جمال الدين أحمد بن طاوس (قدس اللّه نفسه الزكية)، و قد كتب بخطه بخطه يعني بخط الشيخ أبي جعفر الطوسي في كتاب الاختيار من كتاب الكشي و هو هذا الكتاب.
و النسائي نسبة الى نساء بفتح النون القصبة المعروفة من خراسان.
و في القاموس: انها قرية من سرخس (4).
____________
(1) القاموس 4:/ 346
(2) رجال الشيخ: 380 و ليس فيه روى عن أبى الحسن موسى (عليه السلام)
(3) رجال النجاشى: 211
(4) القاموس: 4/ 395
8
خانوا اللّه و رسوله و خانوا أماناتهم، (1) انهم اؤتمنوا على كتاب اللّه جل و علا فحرفوه و بدلوه فعليهم لعنة اللّه لعنة رسوله و لعنة ملائكته و لعنة آبائى الكرام البررة و لعنتي و لعنة شيعتي الى يوم القيمة- في كتاب طويل.
____________
قوله (عليه السلام): و خانوا أماناتهم
ربما و جد في نسخة غير معول عليها و خوّنوا أماناتهم من باب التفعيل، فاذا صحت الرواية بذلك فالتشديد للتكثير و المبالغة كما في حمده تحميدا، لا للنسبة الى الخيانة و ان كان هو السابق الى أوهام المتوهمين، يقال خونه تخوينا أي نسبه الى الخيانة و نقض العهد و حسبه خائنا غادرا، كما يقال جهله تجهيلا اذا نسبه الى الجهل و الجهالة و حسبه جاهلا، اذ لا يستقيم ذلك الا اعتبارا بقياس حال الخائن لا باعتبار قياس حال المخون.
و الصحيح و خانوا أماناتهم على ما في عامة النسخ لا غير، من الخيانة ضد الامانة و تعتبر بالاضافة الى من خين و نكث عهده و بالاضافة الى ما خين فيه و هو العهد و البيعة و الود و الخلة مثلا.
قال صاحب الكشاف في الاساس: خانه في العهد و خانه العهد و اختان المال و اختان نفسه (1).
و قال الراغب في المفردات: الخيانة و النفاق واحد الا ان الخيانة تقال اعتبارا بالعهد و الامانة، و النفاق يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، و نقيض الخيانة الامانة يقال: خنت فلانا و خنت أمانة فلان، و على ذلك قوله عز و جل «لٰا تَخُونُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ (2)» و قوله تعالى «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا صٰالِحَيْنِ فَخٰانَتٰاهُمٰا (3)»
____________
(1) اساس البلاغة: 178
(2) سورة الانفال: 27
(3) سورة التحريم: 10
9
..........
____________
و في قوله تعالى «وَ لٰا تَزٰالُ تَطَّلِعُ عَلىٰ خٰائِنَةٍ مِنْهُمْ (1)» أي على جماعة خائنة، و قيل:
على رجل خائن يقال: رجل خائن و خائنة نحو رواية و داهية، و قيل: خائنة موضوعة موضع المصدر نحو قم قائما أي قياما و قوله عز و جل «يَعْلَمُ خٰائِنَةَ الْأَعْيُنِ (2)» على ما تقدم (3).
و قال صاحب المغرب في المغرب: الخيانة خلاف الامانة و هي تدخل في أشياء سوى المال، من ذلك قوله: لا تجوز شهادة خائن و لا خائنة، و أريد بها في قوله تعالى «وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً (4)» نكث العهد و نقضه و قد خانه، و منه تقول: النعمة كفرت (5) و لم اشكر و تقول: الامانة خنت و لم احفظ و هو فعلت على ما لم يسم فاعله، و خائنة الاعين مسارقة النظر، و منه الحديث: ما كان لنبي ان تكون له خائنة الاعين انتهى.
و أما الاختيان فعلى الافتعال من الخيانة و معناه مراودة الخيانة و مواثبتها و المسارعة و المبادرة اليها، قال عز من قائل «عَلِمَ اللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ (6)» و لم يقل تخونون أنفسكم فليعرف.
قوله (عليه السلام): انهم أو تمنوا على كتاب اللّه
افتعالا من الامانة على صيغة المجهول يقال: أمنته على كذا بالكسر في الماضي من باب علم، و ائتمنته عليه أيضا فيهما بمعنى واحد.
و قال في الصحاح: و قرئ «مٰا لَكَ لٰا تَأْمَنّٰا عَلىٰ يُوسُفَ» بين الادغام و بين الاظهار، قال الاخفش: و الادغام أحسن، و تقول: أو تمن فلان على ما لم يسم فاعله،
____________
(1) سورة المائدة: 13
(2) سورة غافر: 19
(3) المفردات: 162
(4) سورة الانفال: 58
(5) و في «س» و «ن»: كفلت
(6) سورة البقرة: 187
10
5- محمد بن مسعود بن محمد، قال حدثني علي بن محمد فيروزان القمّي قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد البرقي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر عن اسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين (1)
____________
فان ابتدأت به صيرت الهمزة الثانية واوا، لان كل كلمة اجتمع في أولها همزتان و كانت الاخرى منهما ساكنة فلك أن تصيرها واوا ان كانت الاولى مضمومة، أو ياء ان كانت الاولى مكسورة نحو ائتمنه، أو ألفا ان كانت الاولى مفتوحة نحو آمن (1).
قوله (عليه السلام): انتحال المبطلين (2)
انتحل الشعر و تنحله ادعاه لنفسه و هو لغيره، و نحله القوم كمنعه نسبه اليه و هو بريء عنه. فانتحال المبطلين اشراق (3) المبطلة من المحقة شيئا من الطريقة الحقة، و جعلهم اياه نحلة لا نفسهم و اسنادهم اليهم ما ليس من مذهبهم، و محاولتهم بيان انطباق ما في الدين الحق على ما في عقيدتهم الباطلة،
مثال ذلك استراق الاشاعرة من الحكماء الالهيين استناد وجود كل ممكن الى الواجب بالذات حقيقة، و أن قدرة الباري الواجب بالذات و اختياره مما لا يوجب كثرة في جهات ذاته الاحد الحق و حيثياته كما في من عداه من المختارين، و أن ذاته الاحدية الصمدية غاية الغايات لكل تقرر و وجود على الاطلاق.
ثم اسنادهم اليهم القول بنفي تأثير ممكن في ممكن و عليّة ممكن لممكن بوجه من الوجوه أصلا، و نفي القول بكونه سبحانه قادرا مختارا، و نفي تعليل أفعاله تعالى بالعلة الغائية مطلقا. و هم براء عن ذلك كله فليعلم.
____________
(1) الصحاح: 5/ 2071- 2072
(2) و في النسخ كله و كذا في نسخة السيد من الرجال: تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين.
(3) في «ن»: اشراف
11
و تحريف الغالين (1) و انتحال الجاهلين (2) كما ينفي الكير خبث الحديد.
____________
قوله (عليه السلام): تحريف الغالين
بالتشديد أي المغشوشين في الاعتقاد الخائنين في الدين من الغل بالكسر الغش، و الغلول بالضم الخيانة. أو بالتخفيف من الغلو بضمتين و شدة الواو أي الذين يغلون في دينهم و لا يبالون من المغالاة في ملتهم.
و قال في المغرب: غل فلان كذا غلا من باب طلب اذا أخذه و دسه في متاعه، و قد نسي مفعوله في قولهم غل من المغنم غلو لا اذا خان فيه، و قالوا: الغلول و الاغلال الخيانة الا ان الغلول في المغنم خاصة و الاغلال عام، و منه ليس على المستعير غير المغل ضمان أي غير الخائن.
و في الصحاح: قال ابن السكيت: لم نسمع في المغنم إلا غل غلو لا، و قرئ «مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (1)» و يغل قال: فمعنى يغل يخون و معنى يغل يحتمل معنيين:
أحدهما يخان يعني أن يؤخذ من غنيمته، و الاخر يخون أي ينسب الى الغلول، و قال أبو عبيد: الغلول من المغنم خاصة و لا نراه من الخيانة و لا من الحقد، و مما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة أغل يغل، و من الحقد غل يغل بالكسر، و من الغلول غل يغل بالضم (2).
و في مجمل اللغة: فأما قوله (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن، فمن قال:
لا يغل فهو من الاغلال و من قال: لا يغل فهو من الغل و هو الضغن، و مثل ذلك في الفائق و النهاية (3).
قوله (عليه السلام): و تأويل الجاهلين
التأويل و التأول من الاول أي الرجوع الى الاصل، و منه الموئل للموضع الذي يرجع اليه، يقال: أول القرآن و تأوله و هذا متأول حسن و استآله طلب تأويله و ذلك هو رد الشيء الى الغاية المتوخاة منه علما كان أو فعلا، ففي العلم نحو قوله
____________
(1) سورة آل عمران: 161
(2) الصحاح: 5/ 1784
(3) نهاية ابن الاثير: 3/ 381
12
..........
____________
مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ (1)» و في الفعل كما في قوله سبحانه «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلّٰا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (2)» أي مصيره و منتهاه الذي هو غايته المقصودة منه، و منه قوله جل سلطانه «ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (3)»* قيل: أحسن معنى و ترجمة و قيل: أحسن ثوابا و مثوبة في الآخرة.
و المشهور في الاصطلاح أن التفسير ما يتعلق بظاهر السياق، و التأويل ما يتعلق بدخلة الباطن، و المروم في هذا الحديث ما يعم السبيلين كما في حديثه (عليه السلام): منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت أنا على تنزيله. يعني به أمير المؤمنين عليا (عليه السلام).
و من طريق رئيس المحدثين أبي جعفر الكليني في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان العلماء ورثة الانبياء و ذلك أن الانبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، و انما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا أهل البيت في كل خلف عدو لا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين (4).
و الطريق محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن أبي البختري عنه (عليه السلام) و أبو البختري هذا هو وهب بن وهب القرشي المدني، و كان قاضيا عامي المذهب كذابا، و لو لاه لكان السند صحيحا.
فاما طريق هذا الكتاب فصحيح نقي، و الصواب فيه علي بن محمد بن فيروزان القمي كما في أكثر النسخ الموثوق بصحتها، و كذلك أورده الشيخ في كتاب الرجال و ما في نسخ عديدة محمد بن علي بن فيروزان بالتقديم و التأخير فمن غلط الناسخين.
____________
(1) سورة آل عمران: 7
(2) سورة الاعراف: 53
(3) سورة النساء: 59
(4) أصول الكافى: 1/ 24- 25
14
..........
____________
و أما طعام البدن الهيولاني الذي هو آلة أدوية لما هو الانسان حقيقة في تحريكاته و تصريفاته ما دامت له هذه الحياة الظاهرية البائدة من الاغذية الجسمانية و الأطعمة الجرمانية، فربما يسند اليه بالعرض و بالمجاز العقلي اذ لم يعتبر في صحة الاتصاف بالعرض و تسويغ التجوز العقلي في الاسناد كون المسند اليه مما من شأنه في حد ذاته أن يتصف بالذات بذلك الوصف المسند اليه بالعرض.
و من ثم يقال على التجوز العقلي أنا جالس و أنا متحرك على علم يكون المعبر عنه بأنا هو النفس المجردة التي هي وراء اقليم القيام و القعود و الحركة و السكون، فاما اذا اعتبر ذلك على ما عليه السواد الاعظم من رؤساء العلوم العقلية فلا يتصحح الاسناد بالعرض من غير تسامح و توسع الا فيما لا يكون خارجا عن الجنس، كما في أسناد حركة السفينة الى جالسها اسنادا بالعرض لا على سبيل التوسع و التسامح.
فاذن ان سير الى المسلك المتوسع فيه صح في تأويل قول اللّه الكريم و تفسيره حمل طعام الانسان المأمور بالنظر اليه على الاعم من الجسماني الذي هو طعام بدنه و الروحاني الذي هو طعام جوهر ذاته و ان كان الاخير أبلغ و أولى و بالاعتبار أحق و أحرى،
و ان صير الى المذهب الحق المعتبر على جادة الحقيقة لا من سبيل التوسع تعين الحمل على الاخير الذي هو الحق المحقوق بالاعتبار لا غير، فلذلك نص عليه مولانا أبو جعفر الباقر (عليه السلام) بالتعيين، فليتعرف و ليتبصر.
و من الحديث في هذا الباب: اغد عالما أو متعلما و لا تكن أمعة (1).
قال ابن الاثير في النهاية: الامعة بكسر الهمزة و [تشديد] الميم الذي لا رأي معه، فهو تابع كل أحد على رأيه، و الهاء فيه للمبالغة، و يقال فيه امع أيضا، و لا يقال للمرأة أمعة، و همزتة أصلية لأنه لا يكون أفعل و صفا، و قيل: [هو الذي] يقول لكل أحد أنا
____________
(1) روى نحوه في البحار: 1/ 195
13
6- محمد بن مسعود، (1) قال حدثني علي بن محمد، قال حدثني أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، (2) عمّن ذكره، عن زيد الشحام، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ إِلىٰ طَعٰامِهِ» قال: الى علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه. (3)
____________
قوله (رحمه اللّه): محمد بن مسعود
هو العياشي الجليل القدر الواسع العلم الثقة من أهل سمرقند و كش. و علي بن محمد هو ابن فيروزان القمي.
قال الشيخ في كتاب الرجال: انه كثير الرواية يكنى أبا الحسن كان مقيما بكش (1).
قوله (رحمه اللّه): عن أحمد بن محمد البرقى عن أبيه
و هو أبو عبد اللّه محمد بن خالد البرقي عمن ذكره. و من طريق أبي جعفر الكليني في الكافي: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عمن ذكره الحديث بعينه (2).
قوله (عليه السلام): علمه الذى يأخذه عمن يأخذه
الانسان من جوهرين: نفس مجردة عاقلة فطرة جوهرها من عالم الامر، و موئل ذاتها و مصير أمرها الى اقليم القدس و مستقر الحياة و هي الانسان الحقيقي الذي اليه الخطاب و عليه الحساب في النشأتين، فهيكل هيولاني طينة عنصره من عالم الخلق و صيّور عمره المسير الى مهواة الدثور و البوار في مفعات الاجداث و الارماس.
فهو بما هو الانسان الحقيقي أي بحسب جوهر نفسه المجردة، انما طعامه الروحاني و غذاه العقلاني بالذات و على الحقيقة حقائق العلم و أسرار الحكمة و دقائق المعارف و لطائف المعرفة، اقتداء بملائكة اللّه المقرّبين، من الأنوار العقلية و الجواهر القدسية، فان طعامهم التسبيح و التحميد و شرابهم التقديس و التمجيد.
____________
(1) رجال الشيخ: 487
(2) اصول الكافى: 1/ 39
15
7- أبو محمد جبريل بن محمد الفاريابي، قال حدثني موسى بن جعفر بن وهب، قال حدثني أبو الحسن أحمد بن حاتم بن ماهويه، (1) قال كتبت اليه يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عمن آخذ معالم ديني و كتب أخوه أيضا (2) بذلك فكتب
____________
معك، و منه حديث ابن مسعود لا يكونن أحدكم أمعة قيل و ما الامعة؟ قال: الذي يقول أنا مع الناس (1).
و قال أبو الحسين أحمد بن فارس في مجمل اللغة: الامعة الذي يكون مع ضعف رأيه مع كل أحد و هو ضعيف الرأي، قال ابن مسعود: لا يكونن أحدكم امعة.
و تأمع و استامع صار أمعة قاله في القاموس (2).
قوله (رحمه اللّه): ماهويه
بفتح الواو و اسكان الياء المثناة من تحت على الصوت، كما في سيبويه و نفتويه (3). و سيجيء ذكر أخيه في الغلاة و تخصيص الذم به دونه يدل على استقامة عقيدة أبي الحسن أحمد و سلامته عن الطعن، و اياه يعنون حيث يقولون ابن ماهويه و هو كثير الروايه جدا.
قوله (رحمه اللّه): و كتب أخوه أيضا
أخوه فارس بن حاتم غال ملعون كان نزيل العسكر، و قد لعنه أبو الحسن الهادي (عليه السلام)، و كذلك أخوه الاخر طاهر بن حاتم غال كذاب انحرف عن السبيل و أظهر القول بالغلو بعد ما كان مستقيما صحيحا، روى عنه محمد بن عيسى بن عبيد في حال استقامته.
و في كلام الشيخ و النجاشي و ابن الغضائري أن لأخيه فارس أيضا حال استقامة ثم تغير و خلط و فسد، فهذه المكاتبة منه كانت في حال الاستقامة.
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 67 و ما بين المعوقين للمصدر.
(2) القاموس: 3/ 2
(3) و في «م»: نفطوية
16
اليهما فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على مستن في حبّنا (1) و كل كثير القدم في أمرنا، فانهم كافوكما (2) ان شاء اللّه تعالى.
____________
قوله (عليه السلام): مستن في حبنا
على اسم الفاعل افتعالا من السنن بالفتح بمعنى الطريق، أو من السنة بمعنى الطريقة، أو من استنت الطريق بمعنى و ضحت و استن المطر اذا كثر جرى الوابل، و ازداد السيل في مستنه أي محل جريانه و سيلانه، و سن الامير رعيته أحسن سياستهم و القيام بالامر فيهم، و سن فلان ابله أرسلها في الرعي و أحسن القيام اليها حتى كأنه صقلها، و سن الماء على وجهه صبه عليه و تعهد حسن استيعابه بالغسل.
و المعنى: فاصمدا أي اعتمدا في دينكما على مستن واضح الاستنان بسنة المعرفة و سنن الهدايه في ولايتنا، و على كل كبير التقدم في سبيل الحق بطريق الامم و الصراط السوي في أمرنا.
و في طائفة من النسخ (1) «على مسن» بضم الميم و كسر السين على اسم الفاعل من باب الافعال يقال: أسن اذا كبر بكسر الباء من باب علم أي طعن في السن و صار شيخا كبيرا في العمر و التجريب، أو بكسر الميم و فتح السين على اسم الآلة استعارة من المسن و هو ما به يحدد السكين و السيف و غيرهما.
و كل كثير القدم بالثاء المثلثة من قولهم لفلان قدم في هذا الامر أي سابقة و تقدم، و له قدم صدق أي رسوخ معرفة و ثبات يقين و اثرة حسنة.
قوله (عليه السلام): فانهم كافو كما
على اسم الفاعل للجمع (2) من الكفاية و اسقاط نون الجمع بالاضافة الى ضمير التثنية للخطاب.
____________
(1) كما في المطبوع منه بجامعة مشهد.
(2) و في «ن»: الجمع منه الكفاية.
17
..........
____________
قال في الصحاح: كفاه مؤنته كفاية و كفاك الشيء يكفيك و اكتفيت به و استكفيته الشيء فكفايته (1)، و هذا رجل كافيك من رجل و رجلان كافياك من رجلين و رجال كافوك من رجال (2).
و في عدة نسخ كافوتكما بالتاء المثناة من فوق بعد الواو على وزن التابوت، و هو فاعول من الكفت بمعنى الجمع و القبض و الضبط. يقال كفت الراعي مواشية كفتا أي جمعها و ضم بعضها الى بعض و منه في الحديث: اكفتوا صبيانكم بالليل. أي ضموهم إليكم عند انتشار الظلام. و كل ما ضممته الى شيء فقد كفته. و في رواية لا ترسلوا مواشيكم و صبيانكم اذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء و اللهم اكفته إليك أي اقبضه. و الارض تكفت [عند انتشار الظلام] (3) الناس أحياء و أمواتا و هي كفاتهم أي تجمعهم قال عز من قائل «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفٰاتاً أَحْيٰاءً وَ أَمْوٰاتاً (4)» و الكفت أيضا السوق الشديد. و رجل كفت أي سريع شديد.
و في الحديث حبب إلي النساء و الطيب و رزقت الكفيت. قال ابن الاثير: أي ما اكفت به معيشتي يعني أضمها و أصلحها (5).
لا فعلوة من الكوفة كما قد يتوهم يقال: تكوف القوم أي استداروا و أنه لفي كوفان أي في حرز و منعة.
و في النهاية الاثيرية في حديث سعد: لما أراد أن يبني الكوفة قال: تكوفوا في هذا الموضع، أي اجتمعوا فيه و به سميت الكوفة، و قيل: كان اسمها قديما
____________
(1) في المصدر: فكفانيه
(2) الصحاح: 6/ 2475
(3) الزيادة من «س».
(4) المرسلات: 25
(5) نهاية بن الاثير: 4/ 184
18
..........
____________
كوفان (1).
و أما التابوت أي الصندوق فليس بفاعول لقلته (2) نحو سلس و قلق، بل فعلوت من التوب الرجوع، فانه لا يزال يرجع اليه ما يخرج منه، و صاحبه يرجع اليه فيما يحتاج اليه من مودعاته، لا فعلوت منه اذ أصله تابوة مثل ترقوة فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء على مذهب الصحاح.
و في الكشاف جعله فعلوتا قال: و أما من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده الا فيمن جعل هاءه بدلا من التاء لاجتماعهما في الهمس، و أنهما من حروف الزيادة و لذلك أبدلت من تاء التأنيث. قيل: كان منحوتا من خشب الشمشاد مموها بالذهب نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين (3).
فيه سكينة: أي حكمة.
و في المفردات: انه عبارة عن القلب و السكينة و عما فيه من العلم، و يسمى القلب سقط العلم و بيت الحكمة و تابوته و وعاءه و صندوقه (4).
و في أساس البلاغة: ما أودعت تابوتي شيئا ففقدته، أي ما أودعت صدري علما فعدمته (5).
و قال الجوهري: قال القاسم بن المعن: لم تختلف لغة قريش و الانصار في شيء من القرآن الا في التابوت، فلغة قريش بالتاء و لغة الانصار بالهاء (6).
____________
(1) نهاية بن الاثير: 4/ 210
(2) و في «س» لقلة.
(3) الكشاف: 1/ 380
(4) المفردات: 72
(5) أساس البلاغة: 59
(6) الصحاح: 1/ 92
19
[شرطة الخميس]
8- نصر بن الصباح البلخي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن اسماعيل بن بزيع، عن أبي الجارود، قال قلت للأصبغ بن نباتة ما كان منزلة هذا الرجل فيكم؟ قال: ما أدري ما تقول الا أن سيوفنا (1) كانت على عواتقنا فمن أومي اليه ضربناه بها،، و كان يقول لنا تشرطوا (2) فو اللّه ما اشتراطكم لذهب و لا
____________
و في عصبة من النسخ: كانوا نكما بنونين من حاشيتي الواو كقانون على فاعول، أي ملاك صون دينكما و حفظ سر كما و جمع شملكما، من كننت الشيء في كنه اذا صنته، و اكننت الشيء أخفيته و أضمرته في نفسي، و الكنانة معروفة و هي التي تجعل فيها السهام، و الكانون الموقد و المصطلى و يقال أيضا: الكانون للرجل الثقيل الذي يلازم كما قال الشاعر:
أ غربالا اذا استودعت سرا * * *و كانونا على المتحدثينا
و كانون القوم الذي يكنون عنه الحديث على ما في الصحاح و مجمل اللغة و أساس البلاغة (1).
قوله (رحمه اللّه): الا أن سيوفنا
بفتح الهمزة و تخفيف اللام على حرف التنبيه و التحقيق، أو بالكسر و التشديد على كلمة الاستثناء، أو بمنزلة الواو للعطف أو للحال.
قوله (عليه السلام): تشرطوا
التشرط و التشارط و الاشتراط تفعل و افتعال من الشرطة.
قال في الاساس: و هؤلاء شرطة الحرب لأول كتيبة تحضرها، و منه صاحب الشرطة، و الصواب في الشرطي سكون الراء نسبة الى الشرطة و التحريك خطأ، لأنه نسب الى الشرط الذي هو جمع (2).
و في المغرب: الشرطة بالسكون و الحركة خيار الجند و أول كتيبة تحضر
____________
(1) أساس البلاغة: 552
(2) أساس البلاغة: 326
20
لفضة و ما اشتراطكم الا للموت، ان قوما من قبلكم من تشارطوا (1) بينهم فمامات أحد منهم حتى كان نبي قومه أو نبي قريته أو نبي نفسه، و انكم لبمنزلتهم غير أنكم لستم بأنبياء.
9- محمد بن مسعود العياشي، و أبو عمرو بن عبد العزيز، (2) قالا حدثنا محمد
____________
الحرب و الجمع شرط، و صاحب الشرطة [في باب الجمعة (1)] يراد به أمير البلدة كأمير التجار، أو قيل هذا على عادتهم لان أمور الدين و الدنيا كانت حينئذ الى صاحب الشرطة فأما الان فلا، و الشرطي بالسكون و الحركة منسوب الى الشرطة على اللغتين لا الى الشرط لأنه جمع.
قلت: فالشرط بضم الشين و فتح الراء جمع و الشرطة بضمتين لغة في الشرطة بالضم و السكون، و النسبة الى الشرطة بكل من اللغتين لا الى الشرط الذي هو جمع ففي كلام الاساس التباس.
قوله (عليه السلام): من تشارطوا
بفتح الميم أي اضمامة تشارطوا.
و في بعض النسخ مكان من من بني اسرائيل (2)، فما مات أحد منهم أي من المتشارطين الا و قد جعله اللّه تعالى بعد ذلك التشارط و قبل الممات نبيا، اما لقومه أي لبني اسرائيل جميعا أو لا هل قريته فقط أو لنفسه خاصة، و انكم أنتم لبمنزلتهم فحق على اللّه تعالى ان يجزل أجركم و يرفع ذكركم، غير ان النبوة ختم بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) لا تحصل لا حد بعده، فلا يصح لكم أن تكونوا أنبياء.
قوله (رحمه اللّه): و أبو عمرو بن عبد العزيز
هو أبو عمرو الكشي صاحب هذا الكتاب نفسه، و ذلك أن محمد بن نصير يروي عنه محمد بن مسعود العياشي أبو النضر السمرقندي لا بواسطة، و يروي عنه
____________
(1) الزيادة من «س».
(2) كما في المطبوع من الرجال بجامعة مشهد و النجف الاشرف.
21
بن نصير، قال حدثنا محمد بن عيسى، عن أبي الحسن العرني (1) عن غياث الهمداني عن بشير بن عمرو الهمداني قال مر بنا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال:
____________
أبو عمرو الكشي بواسطة أبي النضر العياشى كثيرا، و يروي عنه أيضا تارات من غير واسطة كما ذكره الشيخ في كتاب الرجال. و هذا الحديث روياه جميعا عنه و حدثهما اياه معا، فسياق القول أن محمد بن مسعود العياشي و أبا عمرو الكشي رحمهما اللّه تعالى قالا جميعا حدثنا محمد بن نصير (رحمه اللّه).
فالطريق عالي الاسناد في الطبقة الاولى.
قال العلامة في الخلاصة محمد بن نصير بالياء بعد الصاد المهملة من أهل كش ثقة جليل القدر كثير العلم و روى عنه ابو عمرو الكشي (1).
و هو حكاية قول الشيخ بعبارته.
و قال الحسن بن داود في كتابه: محمد بن نصير بضم النون و الصاد المهملة المفتوحة من أهل كش لم جخ ثقة جليل القدر كثير العلم (2).
و ما في بعض النسخ و أبو عمر بن عبد العزيز من غير و او، فاما ايهام من النساخ و اما بناء على تسويغ اسقاط و او عمرو في الكنية المضافة الى المضمر أو المظهر و في الاسم عند النسبة اليه، و كذلك اثبات واوي داود في الكنية بالاضافة و في الاسم بالنسبة اليه، كما ربما يدعى و يظهر من شرح النووي لصحيح مسلم.
قوله (رحمه اللّه): عن أبى الحسن العرنى
و يقال بالتصغير من أصحاب أبي الحسن الثاني الرضا (عليه السلام)، اسمه محمد بن القاسم. ذكره الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) في باب من لم يسم عنه فقال: أبو الحسين محمد بن القاسم العرني عن
____________
(1) الخلاصة: 73 ط الحجرى
(2) رجال ابن داود ص 338
22
..........
____________
رجل من جعفي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).
و نسخ كتاب الرجال مختلفة فيه باهمال العين المضمومة و الراء المفتوحة قبل النون و اعجامه الغين و الزاء، كما نسخ هذا الكتاب مختلفة كذلك، و لعل الاختلاف مبناه أن محمد بن القاسم من أصحاب الرضا (عليه السلام) مشترك بين رجلين ذكرهم الشيخ في كتاب الرجال في اصحاب أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أحدهما محمد بن القاسم النوشجاني (2) بالنون قبل الواو و المعجمة قبل الجيم و النون بعد الالف نسبة الى قبيلة.
و في القاموس: النوشجان قبيلة أو بلد (3).
و هو أبو الحسين محمد بن القاسم العرني بالعين المهملة و الراء الاددي بضم الهمزة و دالين مهملتين، أو الادي بالهمزة المضمومة و اهمال الدال المشددة. و أدد كعمر مصروفا بمنزلة ثقب و بضمتين أبو قبيلة من اليمن من بجيلة، و ادّ بن طابخة بن الياس بن مضر أبو قبيلة أخرى.
و الاخر محمد بن القاسم البوسنجي بالموحدة قبل الواو و النون بين السين المهملة و الجيم، أبو الحسن الغزني باعجام الغين و الزاء نسبة الى غزنة بالتحريك (4).
قال في القاموس: بوسنج معرب بوشنك بلد من هراة (5).
و قال الفاضل البرجندي: فوشنج بضم الفاء و سكون الواو و كسر الشين المعجمة و سكون النون ثم جيم من بلاد خراسان كان معمورا فخرب و هو اليوم غير عامر.
____________
(1) رجال الشيخ ص 341 و فيه الغرلى.
(2) رجال الشيخ ص 387
(3) القاموس: 1/ 209
(4) رجال الشيخ ص 393 و فيه البوشنجى.
(5) القاموس: 1/ 179
23
اكتتبوا (1) في هذه الشرطة فو اللّه لا غناء لمن بعدهم الا شرطة النار الا من عمل بمثل أعمالهم.
____________
و في بعض نسخ الكتاب الغزلي (1) باللام بعد الزاء.
قوله (عليه السلام): اكتتبوا
على الافتعال من الكتيبة، و في نسخة اكتبوا من الكتب بمعنى الجمع، أي اجمعوا شتاتكم و اجتمعوا في هذه الكتيبة، فو اللّه لا غنى بعدهم بالكسر مقصورا أو لا غناء بعدهم بالفتح ممدودا، أي لا مغني و لا مجزأ و لا معدي و لا منصرف عنهم ينصرف اليه و يقام فيه الاشرطة النار، كما قال عز من قائل «فَمٰا ذٰا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلٰالُ (2)» اما من غني عنهم أي استغنى عنهم، أو من غني فيهم يغني أي أقام فيهم و عاش، كلاهما من باب رضي.
قال في الصحاح: غني به غنية، و غنيت المرأة بزوجها غنيانا اي استغنت، و غني بالمكان أي أقام به، و غني أي عاش، و اغنيت عنك مغني فلان و مغناة فلان و مغني فلان و مغناة فلان أي أجزأت عنك مجزأه، و يقال: ما يغني عنك هذا أي ما يجدي عنك و ما ينفعك (3).
و في القاموس: و ما له عنه غنى و لا مغني و لا غنية و لا غنيان مضمومتين بد، و أغنى عنه غناء فلان و مغناه و مغناته و يضمن ناب عنه و أجزأ مجزأه، و ما فيه غناء ذاك أي اقامته و الاضطلاع به و كرضي أقام و عاش و بقي، و المغني المنزل الذي غني به أهله ثم ظعنوا أو عام، و غنيت لك مني بالمودة بقيت (4).
و في طائفة من النسخ لا غناء لمن بعدهم.
____________
(1) كما في المطبوع منه بجامعة مشهد.
(2) سورة يونس: 32
(3) الصحاح: 6/ 2449
(4) القاموس: 4/ 371- 372
24
10- و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، انه قال لعبد اللّه بن يحيى الحضرمي (1) يوم الجمل: أبشر يا ابن يحيى فانك (2) و أبوك من شرطة الخميس حقا، لقد أخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) باسمك و اسم أبيك في شرطة الخميس، و اللّه سماكم شرطة الخميس على لسان نبيه (عليه السلام).
____________
قوله (رحمه اللّه): لعبد اللّه بن يحيى الحضرمى
كنيته أبو الرضا و هو من أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام)، ذكره البرقي في كتاب الرجال (1) أعني أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي على ما في فهرست الشيخ و كتاب النجاشي، لا عمه الحسن بن خالد البرقي كما تو همه بعض المتوهمين.
و ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) (2).
و العلامة في الخلاصة ذكره في الاسماء في باب العين و روى هذا الحديث مزيدا فيه في السماء في قوله: و اللّه سماكم في السماء شرطة الخميس (3)، ثم في باب الكنى أورد جماعة من أوليائه (عليه السلام) منهم أبو الرضا عبد اللّه بن يحيى الحضرمي (4).
قوله (عليه السلام): أبشر يا بن يحيى فانك
في أكثر النسخ فانت (5) و أبوك، و في طائفة منها فانك و اباك عطفا على مدخول أن و هو ضمير الخطاب، و في بعضها فانك و أبوك عطفا على المحل لا على المدخول، كما في «فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصّٰالِحِينَ» (6) بالجزم للعطف على موضع الفاء و ما بعده لا على مدخولها.
____________
(1) رجال البرقى ص 3
(2) رجال الشيخ: 47 و فيه عبد اللّه بن بحر الحضرمى يكنى ابا الرضا
(3) الخلاصة: 51 ط الحجرى
(4) الخلاصة: 93
(5) كما في المطبوع منه
(6) سورة المنافقين: 10
25
و ذكر أن شرطة الخميس (1) كانوا ستة آلاف رجل أو خمسة آلاف.
11- و ذكر هشام، عن أبي خالد الكابلي، (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي
____________
و أبشر بفتح الهمزة على القطع يقال بشره و أبشره و بشره فبشر و أبشر و تبشر و استبشر ثلاثة في المتعدي و أربعة في اللازم، و ربما تضم الهمزة على الوصل.
قال في المغرب: بشره من باب طلب بمعنى بشره و هو متعد، و قد روي لازما الا انه غير معروف، و على هذا قوله أبشر فقد أتاك الغوث بضم الهمزة و انما الصحيح أبشر بقطع الهمزة.
قوله (رحمه اللّه): و ذكر أن شرطة الخميس
على ما لم يسم فاعله عطفا على و روي على صيغة المجهول، و اللفظتان لأبي عمرو الكشي.
في القاموس في خ س: الخميس الجيش لأنه خمس فرق المقدمة و القلب و الميمنة و الميسرة و الساقة. و في ش ط: و الشرطة بالضم ما اشترطت، يقال: خذ شرطتك، و واحد الشرط كصرد و هم أول كتيبة تشهد الحرب و تتهيأ للموت، و طائفة من أعوان الولاة معروف، و هو شرطي و شرطي كتركي و جهني، سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها (1).
و قد أدريناك أن قوله و شرطي كجهني خطأ و الصواب شرطي بضمتين نسبة الى الشرطة (2) على لغة من يضم فيها الشين و الراء جميعا.
و الرواية معناها: أن شرطة الخميس في جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين سماهم اللّه على لسان نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا ستة أو خمسة آلاف رجل.
قوله (رحمه اللّه): عن أبى خالد الكابلى
أي الذي اسمه وردان و لقبه كنكر و هو أبو خالد الكابلي الاكبر.
____________
(1) القاموس: 2/ 211 و 368
(2) و في «ن»: الشرط
27
ردة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الا ثلاثة. فقلت: و من الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الاسود و أبو ذر الغفاري (1) و سلمان الفارسي، ثم عرف الناس بعد يسير، (2) قال: هؤلاء الذين دارت
____________
قوله (عليه السلام): و أبو ذر الغفارى
بفتح المعجمة و تشديد الراء المعجمه و تخفيف الفاء.
قال في المغرب: أصل الغفر الستر، و غفار حي من العرب اليهم ينسب أبو ذر الغفاري و أبو بصرة الغفاري.
و قد صح عنه (صلّى اللّه عليه و آله) عند العامة و الخاصة: ما اظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر لهجة. و في رواية: ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء من ذي لهجه أصدق و لا أوفى من أبي ذر (1).
و في طريق العامة من الصحاح في مصابيحهم و مشكاتهم أن أبا سفيان أتى على سلمان و أبي ذر و صهيب و بلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدو اللّه فقال أبو بكر: أ تقولون هذا لشيخ قريش (2) و سيدهم، فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك اغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم فقال:
يا اخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر اللّه لك.
قوله (عليه السلام): ثم عرف الناس بعد يسير
أي تنبهوا و تعرفوا و استيقنوا الامر و اتبعوا الحق و رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد زمان يسير، و ازاحوا عن صدورهم وساوس تشكيكات المشككين، و عن ذلك التعبير في كتب الرجال بالرجوع الى أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما يقولون مثلا أبو سعيد الخدري مشكور من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام).
____________
(1) راجع الطرائف: 405 المطبوع أخيرا بقم بتحقيقنا و تعاليقنا عليه.
(2) و في «س»: أ تقولون هذا الشيخ قريشهم الخ
26
ابن أبي طالب (عليه السلام) عندكم بالعراق يقاتل عدوه و عنده أصحابه و ما كان منهم خمسون رجلا يعرفونه حق معرفته، و حق معرفته امامته.
(1)
سلمان الفارسى
12- أبو الحسن و أبو اسحاق (2) حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالا حدثنا محمد ابن عثمان، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال كان الناس أهل
____________
قال الشيخ في كتاب الرجال في اصحاب أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام): وردان أبو خالد الكابلي الاصغر روى عنه و عن أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و الكبير اسمه كنكر (1).
و قال في أصحاب أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): وردان أبو خالد الكابلي الاصغر روى عنهما (عليهما السلام) و الاكبر كنكر (2).
و قال في أصحاب أبي محمد علي بن الحسين (عليهما السلام): كنكر يكنى أبا خالد الكابلي و قيل ان اسمه وردان.
قلت: و ما يقال ان الاكبر و الاصغر يشتر كان في وردان و كنكر اسما و لقبا و هم من غير مستند.
قوله (عليه السلام): و حق معرفته امامته
أي بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من غير فصل بينهما صلى اللّه عليهما بأحد أصلا على حق اليقين.
قوله (رحمه اللّه): أبو الحسن و أبو اسحاق
الطريق موثق بحنان بالمهملة المفتوحة و نونين من حاشيتي الالف و بالتخفيف و عالي الاسناد في الطبقة الاولى.
(3)
____________
(1) رجال الشيخ: 139
(2) رجال الشيخ: 328
(3) رجال الشيخ: 100
28
عليهم الرحا (1)
____________
قوله (عليه السلام): هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا
فيه وجهان: الاول: أن يكون كناية عن شدة الملمة بهم و صعوبة الداهية عليهم، يعني أنهم كانوا في مضيق اعتداء المعتدين كأن الرحا تدور عليهم و تطحنهم، و مع ذلك فقد لازموا اتباع سبيل الحق و لم يبايعوا أمير الجور و العدوان.
الثاني: أن يرام أن هؤلاء هم الذين كانوا لملة الإسلام كالقطب و المدار عليهم تدور رحاها و بهم يستقيم أمرها، اتبعوا سبيل الحق و لم يبايعوا أهل الضلال.
يقال: دارت رحى الامر اذا قام عموده و استقام نظامه. و منه في حديث نعت النبي (صلّى اللّه عليه و آله): تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمسة و ثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا. على ما حققناه في المعلقات على زبور آل محمد الصحيفة الكريمة السجادية (1).
فدوران الرحا عليهم على هذا السبيل معناه دورانها حولهم كما يكون دوران الرحا و الفلك على القطب و المحور. و ما يقال: ان دوران الرحا اذا استعمل باللام كان للتنسيق و التنظيم، و اذا استعمل بعلى كان للتهويش و التهويل خارج عن هذا الاستعمال.
فاذن ما قاله السيد المكرم الرضي أخ السيد المعظم المرتضى رضي اللّه عنهما في كتاب مجازات الحديث: دور الرحا يكون عبارة عن حالين مختلفين: احداهما مذمومة و الاخرى محمودة: فالمذمومة هي الحال التي بني عليها الاخبار عن از عاج الامر عن مناطه و از حافه عن قراره، و اما الحال المحمودة فهي أن يكون دور الرحا عبارة عن تحرك جد القوم و قوة أمرهم و علو نجمهم يقال: دارت رحا بني فلان اذا اتفقت لهم هذه الاحوال المحمودة، فهذه حال كان دور الرحا فيهما محمودا لمن دارت له و مذموما لمن دارت عليه، و انما قالوا: دارت رحا الحرب لجولان الابطال
____________
(1) راجع التعليقة على الصحيفة السجادية المطبوع على هامش نور الأنوار للجزائرى:
ص 22. و هذه التعليقة قد صححناه و حققناه و لكن لم يطبع.
29
و أبوا أن يبايعوا (1) لأبي بكر حتى جاءوا بأمير المؤمنين (عليه السلام)
____________
فيها و حركات الخيل تحتها (1).
غير مستقيم على اطلاقه.
قوله (عليه السلام): و أبوا أن يبايعوا
من الصحيح الثابت في الاخبار أن قيس بن سعد بن عبادة الصحابي الانصاري من خلّص أنصار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من العشرة الذين نصروه (صلّى اللّه عليه و آله)، و من أصفياء أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا ممن لم يرتد و لم ينزعج و لم يبايع.
قال الشيخ في كتاب الرجال في أسماء من روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
قيس بن سعد بن عبادة و هو ممن لم يبايع أبا بكر (2).
و قال العلامة في الخلاصة: قيس بن سعد بن عبادة من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو مشكور لم يبايع أبا بكر (3).
و سيجيء في الكتاب ما رواه أبو عمرو الكشي: أن أنس بن مالك قال: كان قيس بن سعد من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بمنزلة صاحب الشرطة من الامير، و ما رواه في مصالحة أبي محمد الحسن (عليه السلام) و معاوية لم يبايع قيس بن سعد بن عبادة الانصاري صاحب شرطة الخميس معاوية قال له معاوية: قم يا قيس فبايع فالتفت الى الحسين (عليه السلام) ينظر ما يأمره فقال: يا قيس انه امامي يعني الحسن (عليه السلام).
و كان قيس و أبوه سعد طولهما عشرة أشبار باشبارهما، و قد كانا من جملة من كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم، و كان شبر الرجل منهم يقال انه مثل ذراع أحدنا، و سعد لم يزل سيد في الجاهلية و الإسلام، و أبوه و أجداده لم يزل فيهم الشريف
____________
(1) المجازات النبوية: 156
(2) رجال الشيخ: 54
(3) الخلاصة: 136
30
مكرها فبايع (1) و ذلك قول اللّه عز و جل «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
____________
و كان قيس ابنه مثله بعده (1).
و من المتفق عليه أن سعد بن عبادة أيضا لم يبايع أبا بكر أبدا، فاذن حصر من لم يرتد و لم يبايع في ثلاثة أو في سبعة محمول على أنهم قصوى الغاية في الاستيقان و الاستقامة و الانكار على متقمص (2) الخلافة و لص الامامة.
قوله (عليه السلام): مكرها فبايع
يعني أظهر البيعة كرها، أو أنه وقعت في البين شبهة البيعة فانه جيء به (عليه السلام) مكرها فكثر اللفظ و اضجت الاقوال و ارتفعت الاصوات فقال الناس: انه بايع لا أنه قد وقعت منه (عليه السلام) المبايعة، فان ذلك خلاف ما أطبق عليه المحدثون من العامة و الخاصة، على ما بسطنا تحقيقه في كتاب نبراس الضياء و في شرح تقدمة كتاب تقويم الايمان.
أ ليس قد اتفقت أصول أحاديث العامة فضلا من الخاصة على أنه (عليه السلام) كان يقول: أنتم بالبيعة لي أحق مني بالبيعة لكم و اني أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، و أنا أول من يحثو للخصومة بين يدي اللّه عز و جل (3).
و انما رواية البيعة في صحيحهم البخاري على هذه الصورة باسناده: عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن فاطمة بنت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلت الى أبي بكر تسأله ميراثها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فأبى أبو بكر أن يدفع الى فاطمة منها شيئا، فغضبت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، و عاشت بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا و لم
____________
(1) راجع رجال الكشى: 110 ط جامعة مشهد
(2) و في «ن»: متغمص
(3) روى نحوه العلامة المجلسى في البحار: 8/ 172
31
أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ» (1) الاية.
____________
يؤذن بها أبا بكر و صلى عليها.
و كان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر و مبايعته، و لم يكن يبايع تلك الاشهر فأرسل الى أبي بكر ان ائتنا و لا يأتنا أحد معك، كراهية ليحضر عمر، فقال عمر: لا و اللّه لا تدخل عليهم وحدك، و قال أبو بكر: و ما عسيتهم أن يفعلوا بي فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي فقال: انا لن ننفس عليك خيرا ساقه اللّه عليك، و لكنك استبددت علينا بالامر و كنا نرى لقرابتنا من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نصيبا حتى فاضت عينا أبي بكر فقال علي لا بي بكر: موعدك العشية للبيعة.
فلما صلّى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهّد و ذكر شأن علي و تخلفه عن البيعة، و تشهّد و تشهّد علي و قال: لا يحملني على التخلف عن البيعة نفاسة على أبي بكر و لا انكارا للذي فضّله اللّه به، و لكنا كنا نرى لنا في هذا الامر حقا، فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون و قالوا: أصبت و كان المسلمون الى علي قريبا حين رجع الامر الى المعروف انتهى ما في صحيح البخاري (1). فلينظر على جبلة الانصاف هل ذلك اذعان لا بي بكر بالامامة و اتيان له بالبيعة أو اعلان بأن أبا بكر متغلب بالخلافة و مستبد بالحق على أهله.
و قوله سبحانه: انقلبتم على أعقابكم
أي ارتددتم عن دينكم و رجعتم القهقرى، كما فعل بنو اسرائيل بعد موت موسى على نبينا و (عليه السلام).
____________
(1) و رواه مسلم في صحيحه: 3/ 1380. و هنا تحقيقات و نكات حول هذه الرواية عن السيد بن طاوس في كتاب الطرائف ص 258 فراجع تغتنم.
32
13- جبريل بن أحمد الفاريابي البرناني، (1) قال حدثني الحسن بن خرزاذ (2) قال
____________
قوله (رحمه اللّه): جبريل بن احمد الفاريابى البرنانى
و ربما يقال الفريابي. قال الفاضل البرجندي: فارياب بفاء بعدها ألف و سكون الراء المهملة و مثناة من تحت بعدها ألف ثم باء موحدة بلد صغير قريب بلخ بينهما اثنان و عشرون فرسخا.
و في القاموس: فرياب كجريال بلد ببلخ أو هو فيرياب ككيمياء أو فارياب كقاصعاء و كساباط ناحية وراء نهر سيحون (1).
و البرناني بنونين من حاشيتي الالف نسبة الى البرني أو الى البرنية، و بياء مثناة من تحت قبل الف ثم النون على اختلاف النسخ نسبة الى قرية بمرو أو الى برين بن عبد اللّه الانصاري.
قال في القاموس: يبرين أو أبرين موضع بحذاء الاحساء، و أبرينة و تكسر قرية بمرو، و برين بالضم ابن عبد اللّه أبو هند الداري الصحابي (2).
قال الشيخ في كتاب الرجال في باب لم: جبرئيل بن أحمد الفاريابي أبو محمد كان مقيما بكش كثير الرواية عن العلماء بالعراق و قم و خراسان (3).
و أورده الحسن بن داود كذلك في قسم الممدوحين من كتابه (4).
و من ديدن الاصحاب أن المشيخة المذكورين في باب «لم» لا يعتبرون فيهم صريح التوثيق اليه، بل يكتفون فيهم بالمدح، و اذا لم يكن في أحدهم مطعن و غميزة كان حديثه معدودا من الصحاح عندهم.
قوله (رحمه اللّه): الحسن بن خرزاذ
يشترك في هذا الاسم رجلان قمي و كشي، ذكر الشيخ في كتاب الرجال
____________
(1) القاموس: 1/ 112
(2) القاموس: 4/ 201
(3) رجال الشيخ: 458
(4) رجال ابن داود: 80
33
حدثني ابن فضّال، (1) عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: ضاقت الارض بسبعة (2) بهم ترزقون و بهم
____________
أحدهما في أصحاب أبي الحسن الهادي (عليه السلام) قال: الحسن بن خرزاذ قمي (1).
و ربما يدعى أنه قد قيل فيه الرمي بالغلو و لست أعرف كذلك مستندا.
و الاخر ذكره في باب لم: الحسن بن خرزاد من أهل كش (2). و هو هذا الرجل قوله (رحمه اللّه): ابن فضال
هو علي بن الحسن الفضال الفطحى الثقة الجليل القدر المختلط بأصحابنا جدا. و الطريق به موثق.
قوله (عليه السلام): ضاقت الارض بسبعة
أي عجزت عن كفاية أمرهم و التوسعة عليهم، مع أن نزول مطر الرحمة و مدد النصرة من السماء على أهل الارض بهم و لا جلهم، و من جهة دعائهم للخلق و دعوتهم اياهم الى الحق، منهم هؤلاء الخمسة الذين هم أركان الاربعة على اختلاف القولين.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في باب الجيم من أسماء من روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): جندب بن جنادة و يقال جندب بن السكن يكنى أبا ذر أحد الاركان الاربعة (3).
و قال في باب السين: سلمان الفارسي مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكنى أبا عبد اللّه أول الاركان الاربعة (4).
و قال في باب العين: عمار بن ياسر يكنى أبا اليقظان حليف بني مخزوم
____________
(1) رجال الشيخ: 413
(2) رجال الشيخ: 463
(3) رجال الشيخ: 36
(4) المصدر: 43
34
تنصرون و بهم تمطرون، منهم سلمان الفارسي و المقداد و أبو ذر و عمار و حذيفة (رحمة اللّه عليهم) و كان علي (عليه السلام) يقول: و أنا امامهم، و هم الذين صلوا على فاطمة (عليها السلام).
14- محمد بن مسعود، قال حدثني علي بن الحسن بن فضال، قال حدثني العباس ابن عامر، و جعفر بن محمد بن حكيم، عن أبان بن عثمان، عن الحارث النصري بن المغيرة، (1) قال سمعت عبد الملك بن أعين، يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال فلم يزل يسأله حتى قال له: فهلك الناس اذا؟ قال: أي و اللّه يا ابن أعين هلك الناس أجمعون.
قلت: من في الشرق و من في الغرب؟ قال، فقال: انها فتحت على الضلال أي و اللّه
____________
و ينسب الى عبس بن مالك و هو مذحج بن أدد رابع الاركان (1).
و قال في باب الميم: المقداد بن الاسود الكندي و كان اسم أبيه عمرو البهرائي، و كان الاسود بن عبد اليغوث قد تبناه فنسب اليه يكنى أبا معبد ثاني الاركان الاربعة (2).
و منهم من جعل حذيفة بن اليمان الانصاري رابع الاركان مكان عمار، و الشيخ (رحمه اللّه تعالى) قد نقل هذا القول في ترجمة حذيفة (3) و اختاره العلامة (رحمه اللّه) في الخلاصة (4) و الاشهر عند المتقدمين هو الاول.
قوله (رحمه اللّه): عن الحارث النضري ابن المغيرة
باهمال الصاد بعد النون المفتوحة من بني نصر بن معاوية، بصري روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهم السلام)، و روى عن زيد بن علي، و هو مستقيم ثقة ثقة.
و سيرد عليك في الكتاب ما رواه الكشي في مدحه و في ذمه و التعويل على روايات المدح.
____________
(1) المصدر: 46
(2) المصدر: 57 و في النسخ «قد بيناه».
(3) المصدر: 37
(4) الخلاصة: 60.
35
هلكوا الا ثلاثة (1) ثم لحق أبو ساسان (2) و عمار و شتيرة و أبو عمرة فصاروا سبعة.
____________
قوله (عليه السلام): و لكن الا ثلاثة
و في نسخ عدة: هلكوا مكان و لكن.
قوله (عليه السلام): ثم لحق أبو ساسان
أبو ساسان الانصاري اسمه الحصين بن المنذر.
قال الشيخ في كتاب الرجال في أسماء من روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
حصين بن المنذر يكنى أبا ساسان اليرقاشي صاحب رايته (عليه السلام) (1).
و في طائفة من النسخ «أبو سنان» مكانه و هو الانصاري. و ذكره الشيخ أيضا في كتاب الرجال (2) و هو من الاصفياء من أصحابه (عليه السلام).
و «أبو عمرة الانصاري» اسمه ثعلبة بن عمرو قاله الشيخ في كتاب الرجال في باب من روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة (3) و ذكره بكنيته في أسماء من روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4).
و «شتيرة» و في بعض النسخ «شتير» من دون الهاء باعجام الشين المضمومة و فتح التاء المثناة من فوق و اسكان الياء المثناة من تحت ثم الراء، على ما ضبطه ابن الاثير في جامع الاصول حيث.
قال في ترجمة شكل: هو شكل بن حميد العبسي من بني عبس بن بغيض روى عنه ابنه شتير بن شكل لم يرو عنه غيره و عداده في الكوفيين، شكل بفتح الشين و فتح الكاف و اللام و شتير بضم المعجمة و فتح التاء فوقها نقطتان، و بغيض بفتح الباء الموحدة و كسر الغين و بالضاد المعجمتين.
____________
(1) رجال الشيخ: 39
(2) المصدر: 63
(3) المصدر: 12
(4) المصدر: 63
36
..........
____________
و قال في القاموس: شتير كزبير ابن شكل و ابن نهار تابعيان (1).
و ما قاله العلامة في الخلاصة: و من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) من مضر شبير بضم الشين المعجمة أو لا و الباء المنقطة تحتها نقطة و الياء المنقطة تحتها نقطتين بعدها و الراء أخيرا ابن شكل العبسي بالباء المنقطة تحتها نقطة أبو عبد الرحمن (2). ضبط من غير مأخوذ من أصل.
فاما مؤاخذة الحسن بن داود عليه بقوله: و بعض المصنفين أثبت ستير بالسين المهملة. و هو و هم، و قد اثبته الشيخ أبو جعفر في باب الشين المجمعة (3). فزور و اختلاق.
و الشيخ في باب الشين المعجمة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
شرحبيل و هبيرة و كريب و بريد و شمير و يقال شتير هؤلاء اخوة بني شريح قتلوا بصفين، كل واحد يأخذ الراية بعد الاخر حتى قتلوا (4)، و قد نقله بالفاظه في الخلاصة (5).
و أما «ستير» باهمال السين المضمومة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من الاصفياء، فقد ذكره البرقي (6) و لم يذكره الشيخ، و قد أورده في الخلاصة ناقلا عن البرقي (7).
____________
(1) القاموس: 2/ 55
(2) الخلاصة: 193
(3) رجال ابن داود: 183
(4) رجال الشيخ: 45 و فيه سمير مكان شمير.
(5) الخلاصة: 87
(6) رجال البرقى: 3 و الموجود في المتن هو «شبير» و لكن قال في الهامش و في نسخة «ستير».
(7) الخلاصة: 192 قال ناقلا عن البرقى: ستير بضم السين المهملة و التاء المنقطة فوقها نقطتين و الياء المنقطة تحتها نقطتين و الراء.
37
15- حمدويه، قال حدثنا أيوب (1) عن محمد بن الفضل و صفوان، عن أبي خالد القماط، عن حمران، قال: قلت لا بي جعفر (عليه السلام) ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها! قال، فقال: الا اخبرك باعجب من ذلك؟ قال، فقلت: بلى. قال: المهاجرون و الانصار ذهبوا (و أشار بيده) الا ثلاثة.
16- علي بن محمد القتيبي النيسابوري، قال حدثني أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الرازي الخواري من قرية أسترآباد قال حدثني أبو الحسين عن عمرو بن عثمان الخزاز عن رجل، عن أبي حمزة، قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول: لما مروا بأمير المؤمنين (عليه السلام) و في رقبته حبل آل زريق، (2) ضرب أبو ذر بيده على الاخرى، ثم قال: ليت السيوف
____________
و «عمار» منسوب الى مذحج- بفتح الميم و اسكان الذال المعجمة و كسر الحاء المهملة و الجيم أخيرا- من قبائل الانصار، ذكره المطرزي في المغرب في ذ- ج و هو الصواب، و الجوهري في الصحاح أخطأ فأورده في م- ج، و كأنه ظن الميم أصلية.
و بالجملة مذحج أكمة ولد بها أبو هذه القبيلة فسمى باسمها.
قال الفيروزآبادي في القاموس في ذ- ج: و مذحج كمجلس أكمة ولدت مالكا و طيبا أمهما عندها فسموا مذحجا، و ذكر الجوهري اياه في الميم غلط و ان أحاله على سيبويه (1).
قوله (رحمه اللّه): حدثنا أيوب
هو أبو الحسين أيوب بن نوح، و الطريق صحيح و عالي الاسناد في الطبقة الثالثة.
قوله (عليه السلام): في رقبته حبل آل زريق
الزرق باسكان الراء بين الزاء المفتوحة و القاف معروف.
قال في المغرب: و بتصغيره سمي من اضيف اليه بنو زريق و هم بطن من
____________
(1) القاموس: 1/ 190
38
قد عادت بأيدينا ثانية، و قال مقداد: لو شاء لدعا عليه ربّه عز و جل، و قال سلمان:
مولانا أعلم بما هو فيه.
17- محمد بن اسماعيل، (1) قال حدثني الفصل بن شاذان، عن ابن أبي عمير عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ارتد الناس الا ثلاثة أبو ذر و سلمان و المقداد قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأين أبو ساسان و أبو عمرة الانصارى؟
18- محمد بن اسماعيل، قال حدثني الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: جاء المهاجرون و الانصار و غيرهم بعد ذلك الى علي (عليه السلام) فقالوا له: أنت و اللّه أمير المؤمنين و أنت و اللّه أحق الناس و أولاهم بالنبي (عليه السلام) هلم يدك نبايعك فو اللّه لنموتن قدامك! فقال
____________
الانصار، اليهم ينسب أبو عياش الزرقي بضم الزاء و فتح الراء، و حبل آل زريق يتخذ مما ينبت من الارض كلحاء شجر القنب و غير ذلك و هو من أخشن الحبل و أغلظها.
قوله (رحمه اللّه): محمد بن اسماعيل
هو الذي يروي عنه ابو جعفر الكليني (رضوان اللّه تعالى عليه) أيضا في الكافي، و كثيرا ما يجعله صدر السند في الطبقة الاولى، كما يروي عنه أبو عمرو الكشي (رحمه اللّه تعالى) و يصدر به الاسناد يكنى أبا الحسين نيسابوري فاضل.
و هو و علي بن محمد القتيبي النيسابوري تلميذا الفضل بن شاذان، و حديث كل منهما يعد صحيحا، كما استمر عليه هجير العلامة في المختلف و المنتهى و شيخنا الشهيد في الذكرى و شرح الارشاد.
و لقد أوضحت الحال و حققنا المقال في الرواشح السماوية (1) و في المعلقات على الاستبصار (2) بما لا مزيد عليه.
____________
(1) الرواشح السماوية: 70
(2) التعليقة على الاستبصار: 4. المطبوع في الاثنى عشر رسالة للمؤلف.
39
علي (عليه السلام): ان كنتم صادقين فاغدوا غدا عليّ محلقين فحلق علي (عليه السلام) و حلق سلمان و حلق مقداد و حلق أبو ذر و لم يحلق غيرهم.
ثم انصرفوا فجاءوا مرة أخرى بعد ذلك، فقالوا له أنت و اللّه أمير المؤمنين و أنت أحق الناس و أولاهم بالنبي (عليه السلام) هلمّ يدك نبايعك فحلفوا فقال: ان كنتم صادقين فاغدوا علي محلقين فما حلق الا هؤلاء الثلاثة قلت: فما كان فيهم عمار؟
فقال: لا. قلت: فعمار من أهل الردة؟ فقال: ان عمارا قد قاتل مع علي (عليه السلام) بعد.
19- و روى جعفر غلام عبد اللّه بن بكير، عن عبد اللّه بن محمد بن نهيك، عن النصيبي، (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام): يا سلمان اذهب الى فاطمة (عليها السلام) فقل لها تتحفك من تحف الجنة؟ فذهب اليها سلمان فاذا بين يديها ثلاث سلال، فقال لها يا بنت رسول اللّه أ تحفيني؟ قالت: هذه ثلاث سلال جاءتنى بها ثلاث وصائف، فسألتهن عن أسمائهن فقالت واحدة: أنا سلمى لسلمان، و قالت الاخرى: أنا ذرة لا بي ذر، و قالت الاخرى: أنا مقدودة للمقداد، ثم قبضت فناولتني، فما مررت بملاء الا ملئوا طيبا لريحها.
20- محمد بن قولويه، قال حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف، قال حدثني
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن النصيبى
هو محمد بن سلمة البناني، ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) و قال: نزل نصيبين أصله كوفي أسند عنه (1).
و ليس في رجالنا من أهل نصيبين الا هذا الرجل يروي عنه عبد اللّه بن محمد بن نهيك و عبيد اللّه بن أحمد بن نهيك، و هما شيخان صدوقان ثقتان جليلا القدر.
و آل نهيك- بفتح النون و كسر الهاء- بيت من أصحابنا بالكوفة، و يرويان أيضا عن درست بن أبي منصور الواسطي.
____________
(1) رجال الشيخ: 288
40
علي بن سليمان بن داود الرازي، (1) قال حدثنا علي بن أسباط، عن أبيه أسباط بن سالم
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): على بن سليمان بن داود الرازى
نسبة الى الري روى عنه سعد بن عبد اللّه، و كأنه كان رقي الاصل.
ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي محمد العسكري (عليه السلام) و قال:
علي بن سليمان بن داود الرقي (1).
و في بعض النسخ «الروياني» نسبة الى رويان- بضم الراء قبل الواو الساكنة و الياء المثناة من تحت قبل الالف و النون بعدها- بلد من طبرستان.
قال الفاضل البرجندي: بينه و بين قزوين ستة عشر فرسخا.
و في القاموس: محلة بالري و قرية بحلب و بلد بطبرستان و منه الامام أبو المحاسن عبد الواحد بن اسماعيل و غيره (2).
و ربما يظن أن الرجل هذا من بني أعين، و كان له اتصال بصاحب الامر (عليه السلام) و خرج (3) اليه توقيعات و كانت له منزلة في أصحابنا، و كان و رعا ثقة و فقيها لا يطعن عليه في شيء.
و يقال: انه فاسد، فان الذي من بني أعين هو علي بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين أبو الحسن الرازي، على ما في كتاب النجاشي و غيره مكتوبا بخط السيد المكرم جمال الدين أحمد بن طاوس. و تبعه العلامة في الخلاصة (4).
و الحسن بن داود حسبه و هما و زعم أن الصحيح أبو الحسن الزراري بالزاي
____________
(1) رجال الشيخ: 433
(2) القاموس: 4/ 230
(3) و في «س»: و خرجت
(4) الخلاصة: 100
41
قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) اذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبد اللّه رسول اللّه (1) الذين لم ينقضوا العهد و مضوا عليه؟ فيقوم سلمان و المقداد و أبو ذر؟ ثم ينادي مناد أين حواري علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصي
____________
المضمومة و الراء قبل الالف و بعدها (1).
و كذلك ضبطه العلامة أيضا في الايضاح نسبة الى زرارة بن أعين.
و ذلك عندي منظور في صحته.
قوله (عليه السلام): أين حوارى محمد بن عبد اللّه رسول اللّه (عليه السلام)
قال في الكشاف: حواري الرجل صفوته و خالصته، و منه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن و نظافتهن و في وزنه الحوالي و هو الكثير الحيلة (2).
قلت: و اما الذي بمعنى حول الشيء و جوانبه و أطرافه كما يقال: حوالينا و حواليكم و بين ظهرانينا و بين ظهرانيكم، فعلى هيئة صيغة المثناة من غير ارادة معنى التثنية لا على وزن الحواري و لا على هيئة وزن الجمع. و منه في حديث الاستسقاء:
اللهم حوالينا و لا علينا (3).
و المشهور أن الحواري أصله من الحور بمعنى خلوص البياض، و التحوير بمعنى التبييض، و الخبز الحواري الذي نخل طحينه مرة بعد مرة. و منه في الحديث:
الحواري من امتي أي خاصتي من أصحابي و أنصاري.
و الحواريون من أصحاب عيسى (عليه السلام) أول من آمن به من أصفيائه و خلصائه
____________
(1) رجال ابن داود: 245 قال: و بعض الاصحاب أثبته «الرازى» و هما، بناء على الوهم الاول. و قال في ص 41: و بعض فضلاء أصحابنا- و هو العلامة في الخلاصة- أثبته في تصنيفه «أبو غالب الرازى» و أن الامام (عليه السلام) قال: «و أما الرازى» و هو غلط، و انما هو «الزرارى» نسبة الى زرارة بن أعين.
(2) الكشاف: 1/ 432
(3) رواه مسلم في صحيحه: 2/ 614
42
..........
____________
و كانوا اثني عشر رجلا قيل: كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها فسموا الحواريين، ثم صار هذا الاسم مستعملا فيمن أشبههم من الذين خلصوا من كل ريب و نقوا من كل عيب و أخلصوا سرائرهم و نياتهم في نصرة الانبياء و الاوصياء و التصديق بهم.
و قيل: كانوا صيادين و قيل: كانوا ملوكا يلبسون البيض من الثياب قاله العزيزي في غريب القرآن و غيره.
و قال الراغب في المفردات: قال بعض العلماء: انما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بافادتهم الدين و العلم المشار اليه بقوله عز و جل «إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1). و قال: انما كانوا قصارين على التمثيل و التشبيه، و تصور منه من لم يتخصص بمعرفة الحقائق المهنة المتداولة بين العامة. قال: و انما كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة وقودهم الى الحق (2).
و عندي أنه يجوز أن يعتبر أصل الحواري من الحور بمعنى الرجوع، لان حواري الرجل يرجع اليه في أموره، و حواري النبي أو الوصي يرجع اليه في دينه لا الى غيره.
و منه المحاورة و التحاور: أي المراجعة في التكلم و التراجع في المخاطبة، و كلمته فلم يحر جوابا و لا أحار خطابا أي لم يرجع إليّ كلاما، و نعوذ باللّه من الحور بعد الكور، أي من الرجوع الى النقصان بعد كمال الزيادة.
____________
(1) سورة الاحزاب: 33
(2) المفردات: 135
43
محمد بن عبد اللّه رسول اللّه؟ فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي (1) و محمد بن أبي بكر و ميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد و أويس القرني.
قال ثم ينادي المنادي أين حواري الحسن بن علي بن فاطمة بنت محمد بن عبد اللّه رسول اللّه؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمداني و حذيفة بن أسيد الغفاري. قال، ثم ينادي المنادي أين حواري الحسين بن علي (عليه السلام)؟ فيقوم كل من استشهد معه و لم يتخلّف عنه. قال، ثم ينادي المنادي أين حواري علي بن الحسين (عليه السلام)؟ فيقوم جبير ابن مطعم و يحيى بن أم الطويل و أبو خالد الكابلي (2) و سعيد بن المسيب. ثم ينادي المنادي اين حواري محمد بن علي و حواري جعفر بن محمد؟ فيقوم عبد اللّه بن شريك العامري و زرارة بن أعين و بريد بن معاوية العجلي و محمد بن مسلم و أبو
____________
قوله (عليه السلام): فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعى
قال في القاموس: الحمق ككتف الخفيف اللحية و عمرو بن الحمق صحابي (1).
و الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال ذكره في رجال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) و في أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) (3).
و سيتكرر بعده في الكتاب مدحه.
قوله (عليه السلام): جبير بن مطعم و يحيى بن أم الطويل و ابو خالد الكابلى
جبير بن مطعم بضم الجيم و فتح الموحدة على صيغة التصغير، و ضم الميم و فتح العين على اسم المفعول من الاطعام.
ذكره الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في باب من روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) القاموس: 3/ 223
(2) رجال الشيخ: 47
(3) المصدر: 69
44
..........
____________
من الصحابة قال في باب الجيم: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف يكنى أبا محمد مات سنة ثمان و خمسين (1).
و في مختصر أبي عبد اللّه الذهبي: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ممن حسن اسلامه، عنه ابناه محمد و نافع و ابن المسيب، سيد حليم و قور نسابة، مات سنة ستة و خمسين.
فمن العجب قول الحسن بن داود في كتابه جبير بن مطعم «كش» أنه من حواري «ين» و لم أره في كتب الشيخ (رحمه اللّه) (2).
و سيرد في الكتاب من طريق أبي عمرو الكشي عن الفضل بن شاذان مسندا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): ارتد الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) الا ثلاثة أبو خالد الكابلي و يحيى بن أم الطويل و جبير بن مطعم. و في رواية يونس عن حمزة بن محمد الطيار مثله، و زاد فيه و جابر بن عبد اللّه الانصاري، ثم ان الناس لحقوا و كثروا (3). و قد روى الفضل بن شاذان و غيره.
و نقله حسن بن داود في كتابه: أن يحيى بن أم الطويل أمه وشيكته كانت ظئر علي بن الحسين سيد الساجدين (عليه السلام) و كان (عليه السلام) يدعوها أمّا، و هي التي زوجها فعابه على ذلك عبد الملك بن مروان بأنه زوج أمه توهما منه أنها والدته (عليه السلام) و كانت والدته (عليه السلام) شهر بانوى قد توفيت و هو صغير السن (4).
قلت: فاذن قد ظهر أن يحيى بن أم الطويل أخو سيد العابدين (عليه السلام) من جهة الرضاع، و أمه من النسب أمه (عليه السلام) من الرضاعة.
____________
(1) رجال الشيخ: 14
(2) رجال ابن داود: 81
(3) رجال الكشى: 123
(4) رجال ابن داود: 371- 372
46
21- جبريل بن أحمد، قال حدثني محمد بن عيسى، (1) عن ابن أبي نجران، عن صفوان بن مهران الجمّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ان اللّه تعالى أمرني بحب أربعة، قالوا: و من هم يا رسول اللّه؟ قال: علي بن أبي طالب (2) ثم سكت، ثم قال: ان اللّه أمرني بحب أربعة قالوا: و من هم يا رسول اللّه؟ قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) و المقداد بن الاسود و أبو ذر الغفاري و سلمان الفارسي.
22- حمدويه بن نصير، قال حدثني محمد بن عيسى. و محمد بن مسعود، قالا حدثنا جبريل بن أحمد، قال حدثنا محمد بن عيسى، عن النضر بن سويد، عن محمد ابن بشير، عمن حدثه، قال ما بقي أحد الا و قد جال جولة (3) الا المقداد بن الاسود فان قلبه كان مثل زبر الحديد.
____________
عليها في ارتفاع منزلة هؤلاء المتحورين السابقين المقربين.
و قول بعض شهداء المتأخرين في حواشي الخلاصة (1) أن في طريقها علي بن سليمان و هو مجهول، لا تعويل عليه كما دريت و مرفوعة الحسين بن سعيد في ذم عامر و حجر غير صالحة للمعارضة، و سيستبين لك إن شاء اللّه العزيز العليم.
قوله (رحمه اللّه): جبرئيل بن أحمد قال: حدثنى محمد بن عيسى
يعني به العبيدي اليقطيني
قوله صلى اللّه عليه و آله: ان اللّه أمرنى بحب أربعة قالوا: و من هم يا رسول اللّه قال: على بن أبى طالب (عليه السلام)
هذا الحديث ثابت الصحة عند العامة من طرقهم في صحاحهم و أصولهم و مصابيحهم و مشكاتهم بأسانيد غير محصورة.
قوله (رحمه اللّه): الا و قد جال جولة
بالجيم أي انزعج في سره انزعاجة ما، و حاد قلبه عن سبيله حيدة ما.
____________
(1) هو الشهيد الثانى (رحمة اللّه عليه) في حاشيته على الخلاصة غير مطبوع.
47
23- طاهر بن عيسى الوراق، (1) رفعه الى محمد بن سفيان، عن محمد بن سليمان الديلمى، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا سلمان لو عرض علمك على مقداد لكفر، (2) يا مقداد لو عرض علمك على سلمان لكفر.
24- علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، (3) عن أبي بكر الحضرمي، قال: قال
____________
قال في المغرب: أصاب المسلمين جولة هي كناية عن الهزيمة و لا تستعمل الا في حق الاولياء، و أصلها من الجولان.
قوله (رحمه اللّه تعالى): طاهر بن عيسى الوراق
هو أبو محمد من أهل كش من مشيخة الشيوخ.
قال الشيخ في كتاب الرجال: صاحب كتاب روى عنه الكشي، و روى هو عن أحمد بن جعفر الخزاعي عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (1).
و هذا الطريق بعد الرفع ضعيف بمحمد بن سليمان الديلمي عن علي بن أبي حمزة البطائني عن أبي بصير المكفوف يحيى بن القاسم، أو أبي القاسم.
قوله (عليه السلام): لكفر
بالتخفيف على المجرد من الكفور بالشيء و الكفران به، بمعنى الجحود و الانكار، أو بالتشديد على التفعيل للنسبة من كفره تكفيرا، أي نسبه الى الكفر.
قوله (رحمه اللّه): على بن الحكم عن سيف بن عميرة
الطريق صحيح على التعليق لان طريق أبي عمرو الكشي الى علي بن الحكم صحيح معروف.
و ليعلم أن رواية ارتداد الناس الا القليل منهم بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غير مختصة بطريق أصحابنا (رضوان اللّه تعالى عليهم)، بل أن حديث أنباء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه ترتد
____________
(1) رجال الشيخ ص 477 و فيه صاحب كتب
45
بصير ليث بن البختري المرادي و عبد اللّه بن أبي يعفور و عامر بن عبد اللّه بن جداعة (1) و حجر بن زائدة و حمران بن أعين. ثم ينادي سائر الشيعة مع سائر الائمة (عليهم السلام) يوم القيامة، فهؤلاء المتحورة أول السابقين (2) و أول المقربين و أول المتحورين من التابعين.
____________
و استبان معنى ما رواه أبو جعفر الكليني (رضوان اللّه تعالى عليه) في جامعه الكافي:
أن علي بن الحسين (عليه السلام) كان له أخ من أمه.
و كذلك ما في كتاب المحاضرات للراغب: ان أم علي بن الحسين بن زين العابدين (عليه السلام) تزوجت في زمانه بعد أبيه الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء و عابه على ذلك عبد الملك بن مروان فليعلم (1).
قوله (عليه السلام): عامر بن عبد اللّه بن جداعة
بضم الجيم و اهمال الدال على ما قد ضبطه العلامة في الايضاح، و ربما يضبط باعجام الدال بعد الجيم المضمومة.
و «حجر بن زائدة» باهمال الحاء المضمومة قبل الجيم الساكنة.
و «حمران بن أعين» بضم الحاء المهملة على ما ضبطه الاكثر، و قيل: بكسرها أخو زرارة بن أعين باهمال العين الساكنة بين الهمزة و الياء المثناة من تحت المفتوحتين، و هو من القراء المتقنين قرأ عليه حمزة، و علماء العامة يعرفون جلالته و يطعون فيه بالرفض.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال: حمران بن أعين كوفي روى عن أبي الطفيل و غيره، و قرأ عليه حمزة، و كان يتقن بالقرآن. و قال أبو حاتم: شيخ. و قال أبو داود: رافضي. و روى حمزة عن حمران بن أعين أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قرأ: ان لدينا أنكالا و جحيما. فصعق.
قوله (عليه السلام): فهؤلاء المتحورة أول السابقين
على التفعل من الحواري أي الجاعلون أنفسهم حواريين، فهذه الرواية معول
____________
(1) راجع رجال ابن داود: 372
48
..........
____________
الصحابة و ترجع القهقرى بعده عليه و آله السّلام، عند علماء العامة صحيح ثابت في أصولهم الستة الصحاح و جامع أصولهم و مستدركهم و مسندهم و مصابيحهم و مشكاتهم و غيرها من كتبهم المعتبرة بأسانيدهم المتصلة و مسانيدهم المعتمدة من طرق متكثرة، تحكم في القدر المشترك بينها بالتواتر و في كثير منها نصوص على أن ذلك الارتداد انما هو في الامامة و الخلافة، لا بعبادة الاوثان و الشرك باللّه عز و جل (1).
فمن جملة ذلك في صحيحي البخاري و مسلم و غيرهما عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه كان يحدث أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلئون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقال: انه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (2).
عن ابن المسيب أنه كان يحدث عن أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
يرد علي الحوض رجال من أصحابي فيحلئون عنه فأقول: يا رب أصحابي فيقول:
انك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (3).
عن أنس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى اذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك (4).
أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): اني فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب و من شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي اقوام أعرفهم و يعرفوني ثم يحال بيني و بينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل فقلت: نعم فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته و هو يزيد فيها فأقول:
____________
(1) و قد أوردنا مصادر رواية الارتداد في ذيل كتاب الطرائف: 376
(2) صحيح البخارى: 7/ 208 ط دار الطباعة العامرة باستانبول.
(3) نفس المصدر من البخارى.
(4) صحيح البخارى: 7/ 207. و روى نحوه عن أنس مسلم في صحيحه: 4/ 1800
49
..........
____________
انهم مني فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي (1).
عن المغيرة قال: سمعت أبا وائل عن عبد اللّه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أنا فرطكم على الحوض، و ليرفعن معي رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول: يا رب أصحابي فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك (2).
عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: بينا أنا قائم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم فقال: هلم فقلت: أين؟ قال الى النار و اللّه قلت: و ما شأنهم؟ قال: انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم فقال: هلم فقلت: أين؟ قال: الى النار و اللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال، انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى بعدك، فلا أراه يخلص فيهم الامثل همل النعم (3).
عن عقبة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خرج يوما فصلى على [أهل] أحد صلاته على الميت ثم انصرف الى المنبر فقال: اني فرطكم و أنا شهيد عليكم و اني و اللّه لا نظر الى حوضي الان و اني أعطيت مفاتيح خزائن الارض أو مفاتيح الارض، و اني و اللّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي و لكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها (4).
ففي الصحيحين من المتفق عليه في باب الحرص على الامارة عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: انكم ستحرصون على الامارة و ستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة و بئست الفاطمة (5).
____________
(1) صحيح البخارى: 7/ 207- 208 و صحيح مسلم: 4/ 1793
(2) صحيح البخارى: 7/ 206 و صحيح مسلم: 4/ 1796.
(3) صحيح البخارى: 7/ 208- 209
(4) صحيح البخارى: 7/ 173 و 209. و صحيح مسلم: 4/ 1795
(5) جامع الاصول: 4/ 450 قال: أخرجه البخارى و النسائى.
50
..........
____________
و في صحيحي الترمذي و النسائي و المصابيح و المشكاة عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أعيذك باللّه من امارة السفهاء قال: و ما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: أمراء سيكون بعدي من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم و أعانهم على ظلمهم، فليسوا مني و لست منهم و لن يردوا علي الحوض، و من لم يدخل عليهم و لم يصدقهم بكذبهم و لم يعنهم على ظلمهم فاولئك مني و أنا منهم و أولئك يردون علي الحوض (1).
و عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كيف أنتم و أئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء قلت: أما و الذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي فأقاتلهم حتى ألقاك قال:
أولا أدلك على خير من ذلك تصبر حتى تلقاني (2).
و في صحيح مسلم و سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: انكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرء «كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنٰا إِنّٰا كُنّٰا فٰاعِلِينَ» (3) و أول من يكسي يوم القيامة ابراهيم (عليه السلام)، و ان ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول، كما قال العبد الصالح: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّٰا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ الى قوله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)» قال أبو داود في السنن:
هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم من محمد بن مثنى، و غيره عن محمد بن
____________
(1) جامع الاصول: 4/ 460
(2) جامع الاصول: 10/ 394- 395. و الفىء ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار و أملاكهم عن غير قتال و لا حرب. و الاستئثار: الانفراد بالشيء و التخصص به
(3) الانبياء: 104
(4) المائدة: 117 و 118
51
أبو جعفر (عليه السلام) ارتد الناس: الا ثلاثة نفر سلمان و أبو ذر و المقداد. قال: قلت فعمار؟
قال: قد كان جاض جيضة (1) ثم رجع، ثم قال: ان اردت الذي لم يشك و لم يدخله شيء فالمقداد، فأما سلمان فانه عرض في قلبه عارض ان عند أمير المؤمنين (عليه السلام) اسم اللّه
____________
جعفر عن شعبة عن المغيرة (1).
و «الغرل» جمع أغرل و هو الاغلف، و قوله «لم يزالوا مرتدين».
لم يرد به الردة عن الإسلام، انما معناه التخلف عن بعض الحقوق الواجبة.
قال ابن الاثير في النهاية و جامع الاصول: انهم كانوا يمشون بعدك القهقرى قال الازهري: معناه الارتداد عما كانوا عليه، و قد قهقر و تقهقر و القهقرى مصدر (2)،
فهذه نبذة مما في أصول المخالفين و صحاحهم، و من أحب الاستقصاء فعليه بما أوردناه في كتبنا (3).
قوله (عليه السلام): قد كان جاض جيضة
يروى بالجيم قبل الالف و الضاد المعجمة بعدها يقال: جاض عن الحق جيضة أي عدل، و جاض في القتال اذا فر، و أصل الجيض الميل عن الشيء.
و يروى باهمال الحاء و الصاد من حاشيتي الالف من حاص عن الشيء اذا حاد عنه، و حاص القوم في القتال حيصا و حيصة: أي جالوا جولة يطلبون الفرار، و المحيص: المحيد و المهرب.
و بعض القاصرين أهمل الحاء و أعجم الضاد من حيض النساء، و تحامل توجيهه بما لا يتفوه به ذو مسكة ما.
____________
(1) صحيح مسلم: 4/ 2195 كتاب الجنة. و غر لا جمع أغرل، و هو الذى لم يختن و بقيت معه غرلته و هى الجلدة التى تقطع في الختان.
(2) نهاية ابن الاثير: 4/ 129.
(3) و من أحسن ما كتب المصنف في ذلك هو كتاب شرح تقدمة تقويم الايمان غير مطبوع
52
الاعظم لو تكلّم به لأخذتهم الارض و هو هكذا، فلبب و وجئت عنقه (1) حتى تركت كالسلقة، فمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له يا أبا عبد اللّه هذا من ذاك بايع، فبايع، و أما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسكوت و لم يكن يأخذه في اللّه لومة لائم فأبى الا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به، ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو سنان الانصاري و أبو عمرة و شتيرة و كانوا سبعة، فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين (عليه السلام) الا هؤلاء السبعة.
25- حمدويه بن نصير، قال حدثنا أبو الحسين بن نوح، قال حدثنا صفوان ابن يحيى، عن ابن بكير، عن زرارة، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أدرك سلمان العلم الاول و العلم الاخر، و هو بحر لا ينزح، و هو منّا أهل البيت.
بلغ من علمه: أنه مر برجل في رهط فقال له: يا عبد اللّه تب الى اللّه عز و جل من الذي عملت به في بطن بيتك البارحة، قال: ثم مضى، فقال له القوم: لقد رماك سلمان بأمر فما دفعته عن نفسك. قال: انه أخبرني بأمر ما اطلّع عليه الا اللّه و أنا.
و في خبر آخر مثله، و زاد في آخره: ان الرجل كان أبا بكر بن أبي قحافة.
____________
قوله (عليه السلام): فلبب و وجئت عنقه
كلتاهما على ما لم يسم فاعله، اللبة: المنخر. و اللبب: موضع القلادة من الصدر.
قال في الصحاح: لببت الرجل تلبيبا: اذا جمعت ثيابه عند صدره و نحره في الخصومة ثم جررته (1).
و في النهاية الاثيرية: لببت الرجل لبا و لبيته تلبيا اذا جعلت في عنقه ثوبا أو غيره و جررته، و أخذت بتلبيب فلان: اذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لا بسه و قبضت عليه تجره، و التلبيب: مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل (2).
و الوجيء: الضرب باليد أو بالسكين. يقال: وجأه في عنقه من باب منع،
____________
(1) الصحاح: 1/ 216
(2) نهاية ابن الاثير: 4/ 223
53
..........
____________
و منه ليس في كذا و كذا و لا في الوجاءة قصاص، و الوجاء: بالكسر على فعال نوع من الخصاء، و هو أن تضرب العروق بحديدة و تطعن فيها من غير اخراج البيضتين يقال: كبش موجوء اذا فعل به ذلك قاله في المغرب.
و السلقة: بالهاء واحدة السلق. باهمال السين المكسورة و اسكان اللام قبل القاف، و هو اسم لجنس النبت المعروف يؤكل يقال له في بلاد العجم «چقندر».
قال في القاموس: السلق بالكسر مسيل الماء، و الجمع كعثمان و بقلة معروفة تجلو و تحلل و تلين و تسر النفس نافع للنقرس و المفاصل، و عصيره اذا صب على الخمر خللها بعد ساعتين، و على الخل خمره بعد أربع، و عصير أصله سعوطا ترياق وجع السن و الاذن و الشقيقة، و سلق الماء و سلق البر نباتان، و السلق أيضا أثر التسع في جنب البعير، و كذلك السلق بالتحريك، و سلق فلانا طعنه و صرعه و ألقاه على ظهره و سلقه باللسان أذاه بالكلام و سلق اللحم عن العظم نحاه عنه (1).
و معنى الحديث: ان سلمان عرض في قلبه عارض الشك و الاعتراض أن أمير المؤمنين عنده الاسم الاعظم فليته يدعو اللّه عز و جل به عليهم، فاذا القوم قد هجموا عليه فلببوه و وجاؤا عنقه يجرونه الى أبي بكر للبيعة و هو ممتنع منها حتى تركوا عنقه الموجوء.
و تأنيث الضمير العائد اليه باعتبار معنى الرقبة، كأنه السلقة من فرط ما و جاؤها فمر به أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد اطلعه اللّه جل و عز على ما قد خالجه في سره و عرض له في قلبه، فقال له: يا أبا عبد اللّه هذا من ذاك بايعهم على التقية، و كن بقضاء اللّه و قدره من الراضين، و لا تكونن عن سر القدر من الغافلين، و لا على ما جف به القلم في القضاء الاول من المعترضين، فرضي سلمان و سارع و سمع و أطاع و بايع.
____________
(1) القاموس: 3/ 246
54
26- جبريل بن أحمد، قال حدثني الحسن بن خرزاذ، (1) قال حدثني أحمد بن علي و علي بن أسباط، قالا: حدثنا الحكم بن مسكين، عن الحسن بن صهيب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ذكر عنده سلمان الفارسي قال فقال أبو جعفر (عليه السلام): مه لا تقولوا سلمان الفارسي و لكن قولوا سلمان المحمدي، ذلك رجل منّا أهل البيت.
____________
و على نمط آخر: أنه عرض في قلبه العارض و تخالج في صدره الخاطر، ثم تنبه و أناب، فأخذ بتلبيبه فوجأ عنقه حتى تركها كالسلقة زجرا و عقوبة لنفسه، فمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له، هذا من ذاك و أن ذاك منك حيود ما عن السبيل، فاستأنف الانابة و جدد البيعة فأناب اليه (عليه السلام)، و بايع على تنقية السر من عوارض الشكوك و خواطر الاوهام.
قوله (رحمه اللّه): جبرئيل بن أحمد قال: حدثنى الحسن بن خرزاذ
يعني بالحسن بن خرزاذ الذي هو من أهل كش من طبقات باب «لم» لا القمي المعدود من أصحاب أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)،
ذكر الشيخ الاول في باب «لم» (1) و الثاني في أصحاب العسكري (عليه السلام) (2).
و قال النجاشي، الحسن بن خرزاذ قمي كثير الحديث له كتاب أسماء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كتاب المتعة، و قيل: انه غلا في آخر عمره، أخبرنا محمد بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا محمد بن الوارث السمرقندي قال: حدثنا أبو علي بن الحسن بن علي القمي قال: حدثنا الحسن بن خرزاذ بكتابه (3).
قوله (رحمه اللّه تعالى): الحكم بن مسكين
قال النجاشي في كتابه: الحكم بن مسكين أبو محمد كوفي مولى ثقيف المكفوف روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، ذكره أبو العباس، له كتاب الوصايا كتاب
____________
(1) رجال الشيخ: 463
(2) بل في أصحاب الهادى (عليه السلام) رجال الشيخ: 413.
(3) رجال النجاشى: 35. ط طهران
55
27- جبريل بن أحمد، قال حدثني الحسن بن خرّزاذ، قال حدثني الحسن بن علي بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) محدثا، و كان سلمان محدثا. (1)
____________
الطلاق كتاب الظهار، أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سفيان (1) قال: حدثنا حميد بن زياد قال: حدثنا الحسن بن موسى الخشاب عن الحكم بكتاب الطلاق و الظهار (2).
و شيخنا الشهيد في الذكرى نقل عن العلامة في المختلف في باب صلاة الجمعة أنه قال: في طريق رواية محمد بن مسلم «الحكم بن مسكين» و لا يحضرني الان حاله فنحن نمنع صحة السند، ثم اعترض عليه فقال قلت: الحكم ذكره الكشي و لم يتعرض له بذم (3)، و الرواية لا يطعن فيها كون الراوي مجهولا عند بعض الاصحاب (4).
و نحن نقول: نعم ذكر الكشي الرجل من دون أن يتعرض لنقل طعن فيه أو غميزة آية جلالة الرجل.
و لكن الحكم بن مسكين لا ترجمة له في كتاب الاختيار هذا للشيخ (رحمه اللّه تعالى)، و لا في كتاب اختيار السيد جمال الدين أحمد بن طاوس من كتاب الكشي، فكأنه (قدس اللّه لطيفه) قد وجده في أصل كتاب الكشي، أو كان رائما للنقل عن النجاشي فجرى على لسان قلمه الكشي و اللّه سبحانه أعلم.
قوله (عليه السلام): كان على (عليه السلام) محدثا و كان سلمان محدثا
بفتح الدال المشددة على اسم المفعول من باب التفعيل، أما علي (عليه السلام)
____________
(1) و في المصدر: سفين و لعله هو سفيان كتب على هذا النحو.
(2) رجال النجاشى: 105
(3) و في المصدر: بذم في الرواية مشهورة جدا بين الاصحاب لا يظهر فيها الخ.
(4) الذكرى: 231
56
28- محمد بن مسعود، قال حدثني أحمد بن منصور الخزاعي، (1) عن أحمد ابن الفضل الخزاعي، عن محمد بن زياد، (2) عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرحمن ابن أعين، قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان سلمان من المتوسمين.
(3)
29- جبريل بن أحمد، قال حدثني الحسن بن خرزاذ، قال حدثني اسماعيل ابن مهران، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
سلمان علّم الاسم الاعظم.
____________
فمحدث على المعنى المصطلح عليه حقيقة، و أما سلمان فكان محدثا على التجوز بمعنى المفهم الملهم، و سيستبين لك شرح ذلك إن شاء اللّه تعالى.
قوله (رحمه اللّه تعالى): أحمد بن منصور الخزاعى
هو الذي يقال له محمد بن منصور بن نصر الخزاعي من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام).
صرح بذلك الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال حيث ذكر في أصحاب علي بن موسى الرضا (عليه السلام) محمد بن منصور بن نصر الخزاعي، ثم كرر ذكره فقال:
محمد بن نصر الخزاعي، و يقال له: أحمد بن منصور (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن محمد بن زياد
يعني به محمد بن الحسن بن زياد العطار فانه يقال له: محمد بن زياد أيضا، كما قاله النجاشي في أسناد طريقه اليه و قال: كوفي ثقة روى أبوه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).
قوله (عليه السلام): كان سلمان من المتوسمين
قال الراغب في المفردات: الوسم التأثير و السمة الاثر، قال تعالى «سِيمٰاهُمْ
____________
(1) رجال الشيخ: 391 و 389
(2) رجال النجاشى: 285
57
30- جبريل بن أحمد، قال حدثني الحسن بن خرزاذ، عن اسماعيل بن مهران، عن أبان عن جناح، (1) قال حدثني الحسن بن حمّاد، بلغ به، قال: كان
____________
فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (1)» و قال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ (2)» و قوله تعالى «إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (3) أي للمتبرين العارفين المتعظين، و هذا التوسم هو الذي سماه قوم الذكاء: و قوم الفطنة، و قوم الفراسة، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): اتقوا فراسة المؤمن و قال: المؤمن ينظر بنور اللّه (4).
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن أبان عن جناح
أبان الذي يروي عنه اسماعيل بن مهران هو أبان بن محمد البجلي ابن أخت صفوان بن يحيى، كان ثقة وجها في أصحابنا الكوفيين قاله النجاشي (5).
أو هو أبان بن عثمان الاحمر البجلي أحد من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم.
و «جناح» الذي روى أبان عنه هو جناح بن عبد الحميد الكوفي، و يحتمل جناح بن رزين مولى مفضل بن قيس الاشعري، ذكرهما الشيخ في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) (6).
و ما في بعض النسخ (7) أبان بن جناح مكان «عن» فمن تصحيف الناسخين.
____________
(1) سورة الفتح: 29
(2) سورة البقرة: 273
(3) سورة الحجر: 75
(4) المفردات: 524
(5) رجال النجاشى: 12
(6) رجال الشيخ: 164
(7) كما في المطبوع من رجال الكشى بجامعة مشهد و النجف الاشرف.
58
سلمان اذا رأى الجمل الذي يقال له عسكر يضربه، (1) فيقال له يا أبا عبد اللّه ما تريد من هذه البهيمة؟ فيقول: ما هذا بهيمة و لكن هذا عسكر بن كنعان الجني، يا أعرابي لا ينفق جملك هاهنا (2) و لكن اذهب به الى الحوأب فانك تعطى به ما تريد.
31- جبريل بن أحمد، حدثني الحسن بن خرزاذ، قال حدثني اسماعيل بن مهران، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: اشتروا عسكرا بسبعمائة درهم و كان شيطانا.
____________
قوله (رحمه اللّه): اذا رأى الجمل الذى يقال له عسكر يضربه
كان هودج عائشة في وقعة الجمل على جمل اسمه عسكر قاله المطرزى في المغرب في: ن ك.
و قال أبو الحسن المسعودى (رحمه اللّه تعالى) في مروج الذهب: انصرف عن اليمن عامل عثمان فأتي مكه، فصادف فيها عائشة و طلحة و الزبير و مروان بن الحكم في آخرين من بني أمية، فكان ممن حرض على الطلب بدم عثمان و أعطي عائشة و طلحة و الزبير أربعمائة ألف درهم و كراعا و سلاحا و بعث الى عائشة بالجمل المسمى «عسكرا» و كان شراؤه من اليمن بمأتي دينار انتهى (1).
قلت: فلذلك كان يضربه سلمان رضي اللّه تعالى عنه.
قوله (رحمه اللّه): لا ينفق جملك هاهنا
أي لا يروج من النفاق بمعنى الرواج، و لكن اذهب به الى الحوأب بفتح الحاء المهملة و اسكان الواو بعدها همزة مفتوحة ثم باء موحدة.
و في طائفة من النسخ الحوب بتشديد الواو للقلب و الادغام.
و في الحديث المتواتر المشهور انه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ايتكن صاحبة الجمل تنبحها كلاب الحوأب.
____________
(1) مروج الذهب: 2/ 357 ط دار الاندلس.
59
32- حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن حنان بن سدير، عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جلس عدة من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ينتسبون و فيهم سلمان الفارسي، و ان عمر سأله عن نسبه و أصله؟ فقال: أنا سلمان بن عبد اللّه كنت ضالا فهداني اللّه بمحمد، و كنت عائلا فأغناني اللّه بمحمد، و كنت مملوكا فاعتقني اللّه بمحمد، فهذا حسبي و نسبي.
ثم خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحدثه سلمان و شكى اليه ما لقي من القوم و ما قال لهم فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا معشر قريش ان حسب الرجل دينه، و مروته خلقه، و أصله عقله، قال اللّه تعالي: «إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ». يا سلمان ليس لا حد من هؤلاء عليك فضل الا بتقوى اللّه، و ان كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل.
33- جبريل بن أحمد. قال حدثني أبو سعيد الادمي سهل بن زياد، عن منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخل أبو ذر على سلمان و هو يطبخ قدرا له، فبيناهما يتحدثان اذا انكبّت القدر (1) على وجهها على الارض، فلم يسقط من مرقها
____________
قال ابن الاثير في النهاية و جامع الاصول: الحوأب منزل بين بصرة و مكة و هو الذي نزلته عائشة فنبحتها الكلاب لما جاءت الى البصرة و في وقعة الجمل (1).
قوله (عليه السلام): فبينا هما يتحدثان اذا انكبت القدر
اختلفت النسخ في «بينا» و «بينما» و «اذ» و «اذا» و «انكبت» و «انكفأت» و المعنى في ذلك كله واحد يزاد في بين ما او الالف فيجعل بمنزلة حين، فيقال: بينما زيد يفعل كذا و بينا يفعل كذا،
و اذ وقتية لما مضى من الزمان، و قد تكون للمفاجأة و هي التي بعد بينا و بينما.
و اذا تكون للمفاجأة و تكون ظرفا زمانيا للماضي، أو للمستقبل، أو للحال، و قد تكون ظرف مكان و تكون شرطية.
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 456
60
و لا ودكها شيء، فعجب من ذلك أبو ذر عجبا شديدا، و أخذ سلمان القدر فوضعها على وجهها حالها الاول على النار ثانية، و أقبلا يتحدثان، فبيناهما يتحدثان اذ انكبت القدر على وجهها، فلم يسقط منها شيء من مرقها و لا ودكها، قال: فخرج أبو ذر و هو مذعور من عند سلمان، فبينا هو متفكر اذ لقى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: يا أبا ذر ما الذي أخرجك من عند سلمان و ما الذي ذعرك؟ (1) فقال له أبو ذر: يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا و كذا فعجبت من ذلك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا ذر ان سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت رحم اللّه قاتل سلمان، يا أبا ذر أن سلمان باب اللّه في الارض من عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا، و ان سلمان منا أهل البيت.
34- طاهر بن عيسى الوارق الكشي قال: حدثني أبو سعيد جعفر بن أحمد بن أيوب التاجر السمرقندي (2)
____________
و كببت الاناء فانكب و كفأته فانكفأ و قلبته فانقلب كلها بمعنى واحد،
و الودك و سم اللحم و هو بالتحريك كالمرق.
قوله (عليه السلام): و ما الذى ذعرك
باعجام الذال و اهمال العين. و في بعض النسخ «أذعرك» من باب الافعال، و هما بمعنى يقال: ذعره يذعره ذعرا بالفتح فهو مذعور من باب منع خوفه، و أذعره اذعارا فهو مذعر أيضا أخافه، كما فزعه يفزعه فزعا و أفزعه يفزعه افزاعا،
و «الذعر» بالضم الخوف، و الفعل منه ذعر يذعر فهو ذاعر من باب فرح يفرح، و الذعر بالتحريك الدهش و الفعل منه أيضا من باب فرح.
قوله (رحمه اللّه): أبو سعيد جعفر بن أحمد بن أيوب التاجر السمرقندى
في نسخ كتاب أبي العباس النجاشي التي وقعت إليّ جميعا «العاجز» أو «المعاجز» بالعين المهملة قبل الالف و بالجيم و الزاء بعدها قال: جعفر بن أحمد بن أيوب السمرقندي أبو سعيد يقال له ابن العاجز كان صحيح الحديث و المذهب روى
61
قال حدثني علي بن محمد بن شجاع (1) عن أبي العباس أحمد بن حماد المروزي عن الصادق (عليه السلام) انه قال في الحديث الذي روى فيه «ان سلمان كان محدثا» قال: انه
____________
عنه محمد بن مسعود العياشي، ذكر أحمد بن الحسين (رحمه اللّه) أن له كتاب الرد على من زعم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان على دين قومه قبل النبوة، طريقنا اليه شيخنا أبو عبد اللّه محمد بن محمد عن جعفر بن محمد بن قولويه عن محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي عنه (1).
و الذي رأيناه في كتاب الكشي، و في كتاب الاختيار منه للشيخ على اتفاق النسخ، و في الاختيار منه للسيد بن طاوس «التاجر» مكان «العاجز» بالتاء المثناة من فوق قبل الالف و الراء بعد الجيم.
و كذلك قال الحسن بن داود: جعفر بن أحمد بن أيوب السمرقندي يقال له:
ابن التاجر كذا رأيته بخط الشيخ (ره) (2).
و هو مطابق لما رأيناه مذ اشتغلنا بهذه العلوم الى الان في نسخ كتاب الرجال للشيخ، لكن الموجود فيها بأسرها جعفر بن محمد بن أيوب يعرف ب «ابن التاجر» أو «المتاجر» من أهل سمرقند متكلم له كتب (3)، لا جعفر بن أحمد كما في كتاب الكشي و النجاشي.
قوله (رحمه اللّه): على بن محمد بن شجاع
و هو الذي يقال له علي بن شجاع النيسابوري، ذكره الشيخ في أصحاب أبي محمد العسكري (عليه السلام) قال: علي بن شجاع نيسابوري (4)
____________
(1) رجال النجاشى: 93- 94 ط طهران.
(2) رجال ابن داود: 82
(3) رجال الشيخ: 458
(4) رجال الشيخ: 433
62
كان محدثا عن امامه لا يجوز به (1) لأنه لا يحدث عن اللّه عز و جل الا الحجة.
35- طاهر بن عيسى قال: حدثني أبو سعيد قال: حدثني الشجاعي (2) عن يعقوب ابن يزيد عن ابن أبي عمير عن خزيمة بن ربيعة يرفعه قال: خطب سلمان الى عمر فرده، ثم ندم فعاد اليه (3) فقال: انما أردت أن اعلم ذهبت حمية الجاهلية عن قلبك أم هي كما هي.
36- حمدويه بن نصير قال: حدثنا محمد بن عيسى العبيدي (4) عن يونس بن
____________
قوله (عليه السلام): لا يجوز به
الباء للتعدية و العائد لكونه محدثا، أي لا يتعدى بكونه محدثا و لا يعد به عن امامه الى ملك يحدثه عن اللّه عز و جل، فان المحدثية على هذا السبيل لا تكون الا للحجة و غير الحجة انما محدثيته بتوسط النبي، و الحجة لا عن اللّه بواسطة الملك لا غير.
و في بعض النسخ «لا عن ربه» و هو تصحيف لا يجوز به.
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال: حدثنى الشجاعى
الذي استبان لنا أن الشجاعي المتكرر و روده في الاسانيد اسمه الحسن بن طيب يروي عنه العاصمي ذكر أبو العباس النجاشي ذلك في كتابه، و استفدناه منه قال: الحسن بن طيب بن حمزة الشجاعي غير خاص في أصحابنا رووا عنه له كتاب ذوات الاجنحة، ثم أسند طريقه اليه و قال: أخبرنا محمد بن محمد عن أبي الحسن ابن داود قال حدثنا الحسين بن علان قال حدثنا العاصمي عنه بهذا الكتاب (1).
قوله (عليه السلام): ثم ندم فعاد اليه
يعني ثم سلمان ندم عن خطبته الى عمر، فعاد الى عمر فقال له ذلك.
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال حدثنا محمد بن عيسى العبيدى
هذا هو الصحيح، و في نسخ كثيرة «العنبري» مكان «العبيدي» و ذلك من
____________
(1) رجال النجاشى: 36
63
عبد الرحمن و محمد بن سنان عن الحسين بن المختار (1) عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه
____________
تحريفات الناسخين و تصحيفاتهم، و ان كان واردا في الانساب نسبة الى قرية باليمن، أو كناية عن خلوص النسب، و عنبري البلد مثل في الهداية، لان بني العنبر أهدى قوم قاله في القاموس (1) و غيره.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن الحسين بن المختار
هو القلانسي الكوفي قال الشيخ في كتاب الرجال: واقفي له كتاب (2).
و قال النجاشي: أبو عبد اللّه كوفي مولى أحمس من بجيلة و أخوه الحسن يكنى أبا محمد ذكرا فيمن روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام)، له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى و غيره (3).
و قال ابن عقدة: عن علي بن الحسن أنه كوفي ثقة (4).
و في ارشاد شيخنا المفيد في باب النص على الرضا (عليه السلام): أنّه من خاصة الكاظم و ثقاته و أهل الورع و العلم و الفقه من شيعته (5).
و روى أبو جعفر الكليني (رضوان اللّه تعالى عليه) في جامعه الكافي أنه قال:
الحسين بن المختار قال لي الصادق (عليه السلام) رحمك اللّه، و قد روى جماعة من الثقات عنه نصا على الرضا (عليه السلام).
قلت: فذلك يدافع كونه واقفيا، و لذلك لم يحكم به النجاشي و لا نقله عن أحد على ما هو المعلوم من ديدن النجاشي، و بالجملة الرجل من أعيان الثقات و عيون الاثبات و اللّه سبحانه أعلم.
____________
(1) القاموس: 2/ 96
(2) رجال الشيخ: 169 و 346
(3) رجال النجاشى: 43
(4) الخلاصة: 215
(5) الارشاد: 304 ط بيروت و فيه من خاصته الخ.
64
(عليه السلام) قال: كان و اللّه علي محدثا، و كان سلمان محدثا قلت: اشرح لي. قال: يبعث اللّه اليه ملكا (1) ينقر في اذنه يقول كيت و كيت.
37- جبرئيل بن أحمد حدثني محمد بن عيسى عن حماد بن عيسى عن حريز عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: تروي ما يروي الناس ان عليا (عليه السلام) قال في سلمان «أدرك علم الاول و علم الاخر»؟ قلت: نعم قال: فهل تدري ما عني؟ قلت: يعني علم بني اسرائيل و علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله). فقال: ليس هكذا يعني و لكن علم النبي و علم علي و أمر النبي و أمر علي.
____________
قوله (عليه السلام): قلت: اشرح لى قال: يبعث اللّه اليه ملكا
في الكافي رئيس المحدثين أبي جعفر الكليني رضي اللّه تعالى عنه في كتاب الحجة باب الفرق بين الرسول و النبي و المحدث (1).
و هذا الباب من غامضات العلم و غوامض الحكمة، و قد شرحنا منهجه و أوضحنا سبيله في غير موضع واحد فنقول: قد استبان في علم ما فوق الطبيعة في باب الإيحاءات و النبوات و في العلم الطبيعي في كتاب النفس، و حقق شريكنا السالف في الرئاسة في إلهيات الشفاء و طبيعياته، و نحن في قبسات الحق اليقين و في سدرة المنتهى و في الرواشح السماوية:
ان ذا القوة القدسية الصائر باستكمال نفسه المجردة في مرتبة العقل المستفاد عالما عقليا مطابقا لعوالم الوجود، قوته العقلية كبريت، و روح القدس الذي هو العقل الفعّال و واهب الصور باذن ربه نار، و اذا صار من حزبه و انخرط في سلكه اشتعل ناره في كبريته دفعة و أحال نفسه الى جوهر ذاته.
فالنفس المجردة العاقلة بحسب كمال هذه القوّة شجرة يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار نور على نور، فمن كانت لشجرة نفسه القدسية ثلاث خاصيات بحسب استكمال قوى ثلاث كان نبيا، له ضروب النبوة الثلاثة من جهة كمال قوتيه
____________
(1) أصول الكافى: 1/ 134
65
..........
____________
النظرية التي منها انبجاس مبادي الادراكات و العملية التي منها انبعاث مبادي التحريكات.
الاولى: ما بحسب كمال القوة العاقلة، و هي أن تكون علومه كلها بالحدس و نظريات العقلاء من المقتنصات الفكرية بالنسبة اليه جميعها حدسيات، و المعجزات العقلية كلها من هذا السبيل.
و الثانية: ما بحسب كمال القوة المتخيلة و كمال القوة المشتركة المسماة عند الفلاسفة «بنطاسيا»، و هي أن يتيسر له الابصار و السماع في اليقظة، لا من سبيل الظاهر من ممر الجليدية و طريق الصماخ، بل من جنبته الباطن من سبيل الاتصال بعالم العقل و الانخراط في سلك الصائرين الى اقليم نور اللّه سبحانه، لشدة صقالة مرائي (1) القوى الحسية و استحكام شبهها بألواح الاذهان النقية المجردة العقلية، و لا يتصحح ذلك للناقصين الا في النوم.
فبحسب كمال هذه القوة فتشبح و تتمثل الابصار النبي بالرؤية البصرية في اليقظة فيبصرهم، و ينتظم و يتركب لسماعه بالقوة السمعية كلام اللّه تعالى على لسان الملك المتشبح له فيسمعه.
و هذا سبيل باب الوحي و الايحاء و له من هذا السبيل المعجزات القولية و الاخبار بالمغيبات و الانذار بالعقوبات قبل وقوعها.
الثالثة: ما بحسب كمال قوة النفس في جوهر ذاتها باعتبار الفطرة الاولى الجبلية المفطورة على استعدادها الفطري و تأكد علاقة الارتباط بجناب اللّه، و التخلق بأخلاق اللّه في الفطرة الثانية المكسوبة في استعداداتها الكسبية، و هي أن تكون له ملكة ولوج في ملكوت السماء و مصير الى ذي الملك و الملكوت بحسبها تطيعه
____________
(1) المرائى جمع قلة للمراء و جمع الكثرة المرايا. قال في الصحاح: المراة بكسر الميم التى ينظر فيها و ثلاث مراء و الكثير مرايا «منه» 6/ 2349
66
38- علي بن محمد القتيبي قال: حدثني أبو محمد الفضل بن شاذان قال:
حدثنا ابن أبي عمير عن عمر بن يزيد قال: قال سلمان: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اذا حضرك أو أخذك الموت حضر أقوام يجدون الريح و لا يأكلون الطعام، ثم أخرج صرة من مسك فقال: هيه أعطانيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، (1) قال: ثم بلها و نضحها حوله ثم
____________
هيولى عالم العناصر و تنقاد له صور الاسطقسات (1).
و من هذا السبيل له المعجزات الفعلية، فالمرتبة المستجمعة لهذه الخاصيات في درجة النبوة بضروبها الثلاثة.
ثم اذا اشتعلت القوة و استعلت النبوة و اختص النبي بسنة قائمة بالقسط و شريعة ناسخة للشرائع ارتفع الى درجة الرسالة، فاذا قويت له هذه الشئون و استحكمت هذه الملكات و اشتدت أشعة الاتصال بنور الأنوار و استكملت الخاصيات الثلاث و استتم نصاب استكمال ضروب الثلاث جدا استحق خاتمية الانبياء و سيدودة المرسلين، و صار بحيث لا تتصور في مراتب سلسلة العود مرتبة صعودية تتوسط بينه و بين جناب معاد الوجود و منتهاه، كما لا تتصور في مراتب سلسلة البدو مرتبة هبوطية تتوسط بين جناب مبدء المبادي و غاية الغايات و بين مجعوله الاول.
و اذا كان ذو القوة القدسية انما يتهيأ في الاتصال بعالم الملكوت للسماع من سبيل الباطن فقط من دون أن يبصر شبحا متمثلا و يعاين صورة متشبحة فهو المحدث بالفتح على صيغة المفعول، و هو الامام و الحجة، و أما غيره فلا يكون محدثا على الحقيقة بل انما على سبيل التجوز و التوسع من باب المجاز فليعلم.
قوله (رحمه اللّه): فقال: هيه اعطانيها رسول اللّه (ص)
هيه مبنية على الكسر و أصلها «ايه» قلبت همزتها هاء، و لقد تكررت في الحديث جدا على الاصل و على القلب، و هي كلمة الاستزادة اسما لفعل هو فعل الامر أي زدني من كذا، أو فعل آخر يدل على ابتغاء الزيادة و طلبها مثل ابتغى زيادة كذا و أريدها و أطلبها مثلا.
____________
(1) في «س»: الاستقسات.
67
..........
____________
قال ابن الاثير في النهاية في حرف الهاء: في حديث أمية و أبي سفيان قال:
يا صخر هيه فقلت: هيها، هيه بمعنى ايه فأبدل من الهمزة هاء، و ايه اسم سمي به الفعل و معناه الامر، تقول للرجل: ايه بغير تنوين اذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، و ان نونت استزدته من حديث غير معهود. لان التنوين للتنكير، فاذا سكته و كففته قلت: ايها بالنصب فالمعنى ان أمية قال له: زدني من حديثك، فقال أبو سفيان كف عن ذلك (1).
و قال في باب الهمزة: فيه- أي الحديث- أنه (عليه السلام) أنشد شعر أمية بن أبي الصلت فقال عند كل بيت: ايه، هذه كلمة تراد بها الاستزادة و هي مبنية على الكسر فاذا وصلت نونت فقلت: ايه حدثنا، و اذا قلت ايها بالنصب فانما تأمره بالسكوت و قد ترد المنصوبة بمعنى التصديق و الرضا بالشيء. و منه حديث ابن الزبير لما قيل له يا بن ذات النطاقين فقال: ايها، أي صدقت و رضيت بذلك، و يروى ايه بالكسر أي زدني من هذه المنقبة (2).
و في أساس البلاغة: ايه حديثا استزاده و ايها لا تحدث كف (3).
و الجوهري زاد على ذلك في الصحاح قال: ايه اسم سمي به الفعل تقول للرجل اذا استزدته من حديث أو عمل: ايه بكسر الهاء، قال ابن السكيت: فان وصلت نونت فقلت: ايه حدثنا، اذا قلت ايه يا رجل فانما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما كأنك قلت هات الحديث، فان قلت ايه بالتنوين فانك قلت هات حديثا ما، لان التنوين تنكير، فاذا سكته و كففته قلت ايها عنا، و اذا أردت التبعيد قلت، أيها بفتح الهمزة بمعنى هيهات (4).
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 5/ 290
(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 87
(3) أساس البلاغة: 26 ط دار صادر.
(4) الصحاح: 6/ 2226
68
قال لا مرته: قومي أجيفي الباب (1) فقامت و أجافت الباب فرجعت و قد قبض رضي اللّه عنه.
حكي عن الفضل بن شاذان انه قال: ما نشأ في الإسلام رجل من كافة الناس كان أفقه من سلمان الفارسي.
39- أبو صالح خلف بن حماد الكشي قال: حدثني الحسن بن طلحة المروزي يرفعه عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
تزوج سلمان امرأة من كندة فدخل عليها فاذا لها خادمة و على بابها عباءة، فقال سلمان ان في بيتكم هذا لمريضا أو قد تحولت الكعبة (2) فيه فقيل: المرأة أرادت أن تستر على نفسها فيه. قال: فما هذه الجارية؟ قالوا كان لها شيء فأرادت أن تخدم. قال انّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أيّما رجل كانت عنده جارية فلم يأتها أو لم يزوجها
____________
قوله رضى اللّه عنه: أجيفى الباب
من الاجافة قال في الصحاح: أجفت الباب أي رددته (1).
و أصل الاجافة الايصال الى الجوف يقال: جافه الطعن و الداء اذا وصل الى جوفه و أجافه الطاعن أوصله الى الجوف و طعنة جائفة.
قوله (عليه السلام): فقال سلمان: ان في بيتكم هذا لمريضا أو قد تحولت الكعبة
أي في بيتكم مريض قد تخوفتم عليه فعطيتم على الباب بهذه العباءة خوفا من وصول الهواء اليه، أو تحولت الكعبة من مكانها الى موضع بيتكم فالبستموه لباس الكعبة.
و «العباية» بفتح العين كساء واسع مخطط. و العباءة بالمد و الهمزة لغة فيها، و الجمع عباء بالفتح قاله في المغرب.
____________
(1) الصحاح: 4/ 1339
69
من يأتيها ثم فجرت كان عليه و زر مثلها و من أقرض قرضا فكأنّما تصدق بشطره، فان أقرضه الثانية كان برأس المال و آدى الحق الى صاحبه أن يأتيه به في بيته (1) أو في رحله فيقول ها و خذه.
40- محمد بن مسعود، قال حدثني محمد بن يزداذ (2) الرازي، عن محمد بن
____________
قوله (ص): و آدى الحق الى صاحبه أن يأتيه به في بيته
آدى بالمد على صيغة أفعل التفضيل من الاداء، و الضمير في يأتيه و بيته و رحله لصاحب الحق و في «به» للحق، و هاء مبنيا على الفتح: اما صوت يفهم منه خذ، و اما من أسماء الافعال للواحد المذكر، و هاءيا للمثنى، و هاؤم للجمع.
و المعنى: أوثق الناس في الامانة و آداهم للحق الى أهله من يأتي صاحب الحق بحقه في بيته أو في رحله فيقول له: خذ حقك الذي أتيتك به.
خذه على التأكيد أوخذ استوف مني حقك، على اجتماع عاملين متوجهين نحسو معمول واحد، و اعمال الاول منهما على مذهب الكوفيين، و الثاني طريقة البصريين، كما في قوله سبحانه «هٰاؤُمُ اقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ (1)» و نظيره «آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (2)».
و اما اسقاط المد و الهمزة من هاء و جعل الكلام ها خذه على كلمة التنبيه و الاحضار، فحسبان واه، اذ هاء التنبيهية مسلكها تنبيه الطالب على حضور مطلوبه و مبتغاه.
و الحديث الكريم مغزاه: أن المرء انما يكون للحق آدى اذا أتى به صاحبه فأداه اليه من غير طلب منه فليعرف.
قوله (رحمه اللّه تعالى): محمد بن يزداذ
بالياء المثناة من تحت و الزاء قبل الدال المهملة و الذال المعجمة بعد الالف،
____________
(1) سورة الحاقه: 19
(2) سورة الكهف: 96
70
علي الحداد، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام) قال: ذكرت التقيّة يوما عند علي (عليه السلام) فقال: أن لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله و قد آخى رسول اللّه بينهما، فما ظنّك بسائر الخلق.
41- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، (1) قالا حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان ابن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن ابراهيم بن أبي يحيى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الميثب (2) هو الذي كاتب عليه سلمان فأفاءه اللّه على رسوله فهو في صدقتها، يعني صدقة فاطمة (عليها السلام).
____________
ذكره الشيخ في أصحاب أبي محمد العسكري (عليه السلام) (1).
قال أبو عمرو الكشي: قال ابن مسعود: لا بأس به (2).
قوله (رحمه اللّه): ابنا نصير
الطريق صحيح عالي الاسناد في الطبقة الاولى و ابراهيم بن أبي يحيى الصواب فيه ابراهيم بن أبي البلاد يحيى. و كأنه ايهام من النساخ.
قوله (عليه السلام): الميثب
هو من الحوائط التي هي من أوقاف سيدة النساء (عليها السلام) و هي سبعة وقفتها صلوات اللّه عليها و أوصت بها، و هذا معنى قوله (عليه السلام) فهو في صدقتها يعني صدقة فاطمة (عليها السلام).
روى ذلك أبو جعفر الكليني في الكافي و أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (3).
و «المئثب» بكسر الميم و الهمزة قبل الثاء المثلثة و الباء الموحدة أخيرا، و الميم فيه زائدة لا من جوهر الكلمة، و يروي الميثب بالياء المثناة من تحت مكان الهمزة.
____________
(1) رجال الشيخ: 436 و فيه بالدال المهملة أخيرا أيضا.
(2) رجال الكشى: 530 ط جامعة مشهد و 446 ط النجف الاشرف.
(3) الفقيه: 4/ 180 و فروع الكافى: 7/ 47.
71
42- نصر بن الصبّاح و هو غال، قال حدثني اسحاق بن محمد البصري و هو متّهم، (1) قال حدثنا أحمد بن هلال، عن علي بن أسباط، عن العلاء، عن محمد بن حكيم قال ذكر عند أبي جعفر (عليه السلام) سلمان، فقال: ذلك سلمان المحمدي، ان سلمان منّا أهل البيت، انه كان يقول للناس: هربتم من القرآن الى الأحاديث، وجدتم كتابا رقيقا حوسبتم فيه على النقير و القطمير و الفتيل و حبة خردل فضاق ذلك عليكم و هربتم الى الأحاديث التي اتبعت عليكم.
____________
قال في القاموس في أ- ب: المئثب: كمنبر المشمل و الارض السهلة و الجدول و ما ارتفع من الارض، و المآثب جمعه و موضع أو جبل كان فيه صدقاته (صلّى اللّه عليه و آله) (1).
و قال في و- ب: الميثب بكسر الميم الارض السهلة و ما ارتفع من الارض و ماء لعبادة و ماء لعقيل و مال بالمدينة إحدى صدقاته (صلّى اللّه عليه و آله) و موضع بمكة عند غدير خم و الجدول، و موثب كمجلس و مقعد موضع (2).
و قال الصدوق (رضوان اللّه تعالى عليه) في الفقيه: روي أن هذه الحوائط كانت وقفا، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يأخذ منها ما ينفق على أضيافه و من يمر به، فلما قبض جاء العباس يخاصم فاطمة (عليها السلام) فيها فشهد علي (عليه السلام) أنها وقف عليها.
المسموع من ذكر أحد الحوائط الميثب، و لكني سمعت السيد أبا عبد اللّه محمد بن الحسن الموسوي أدام اللّه توفيقه يذكر أنها تعرف بالميثم (3).
قوله (رحمه اللّه): اسحاق بن محمد البصرى و هو متهم
بضم الميم و فتح المثناة من فوق المشددة، كما يرد في الكتاب كذلك، و منهم بالنون تصحيف.
____________
(1) القاموس: 1/ 36
(2) القاموس: 1/ 136
(3) من لا يحضره الفقيه: 4/ 181
72
43- آدم بن محمد القلانسي البلخي، قال حدثنا علي بن الحسين الدقاق النيسابوري، قال أخبرنا محمد بن عبد الحميد العطار، قال حدثنا ابن أبي عمير، قال حدثنا ابراهيم بن عبد الحميد، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: مر سلمان على الحدادين بالكوفة و اذا شاب قد صرع و الناس قد اجتمعوا حوله. فقالوا يا أبا عبد اللّه هذا الشاب قد صرع فلو جئت و قرأت في أذنه! قال: فجاء سلمان فلما دنا منه رفع الشاب رأسه فنظر اليه فقال: يا أبا عبد اللّه ليس منه شيء مما يقول هؤلاء، لكني مررت بهؤلاء الحدادين و هم يضربون بالمرازب (1) فذكرت قول اللّه تعالى «وَ لَهُمْ مَقٰامِعُ مِنْ حَدِيدٍ» قال: فدخلت في قلب سلمان من الشاب محبة فاتخذه أخا، فلم يزل معه حتى مرض الشاب، فجائه سلمان فجلس عند رأسه و هو في الموت. فقال:
يا ملك الموت ارفق بأخي، فقال: يا أبا عبد اللّه اني بكل مؤمن رفيق.
44- نصر بن صباح البلخي أبو القاسم، قال حدثني اسحاق بن محمد البصري قال حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، عن محمد بن سنان، عن الحسن بن منصور، قال قلت للصادق (عليه السلام): أ كان سلمان محدثا؟ قال: نعم. قلت: من يحدثه؟ قال:
ملك كريم. قلت: فاذا كان سلمان كذا فصاحبه أى شيء هو؟ قال: أقبل على شأنك.
____________
قوله (عليه السلام): و هم يضربون بالمرازب
جمع المرزبة بكسر الميم و فتح الزاء و تخفيف الموحدة على اسم الاله، و منهم من شددها.
و قال ابن الاثير: المرزبة بالتخفيف المطرقة الكبيرة التي تكون للحدادين، و منه حديث الملك «و بيده مرزبة» و يقالها الارزبة أيضا بالهمزة و التشديد (1).
و كذلك في الصحاح: الارزبة التي يكسر بها المدر، فان قلتها بالميم خففت قلت المرزبة (2).
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 2/ 219
(2) الصحاح: 1/ 135
73
45- علي بن الحسن، قال حدثني محمد بن اسماعيل بن مهران، قال حدثنا اسحاق بن ابراهيم الصواف، قال حدثنا يوسف بن يعقوب، عن النهاش بن فهم، عن عمرو بن عثمان، قال دخل سلمان على رجل من إخوانه فوجده في السياق، فقال:
يا ملك الموت ارفق بصاحبنا! قال: فقال الاخر يا أبا عبد اللّه ان ملك الموت يقرئك السّلام و هو يقول: ألا و عزة هذا البناء ليس إلينا شيء.
(1)
46- أبو عبد اللّه جعفر بن محمد شيخ من جرجان عامي، قال حدثنا محمد بن حميد الرازى، قال حدثنا علي بن مجاهد، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد الاعلى، عن أبيه، عن المسيب بن نجبة الفزاري، قال: لما أتانا سلمان الفارسي قادما،
____________
و في المغرب: المرزبة الميتدة، و عن الكسائي تشديد الباء.
و في القاموس: الارزبة و المرزبة مشددتان أو الاولى فقط عصية من حديد (1).
قوله (رحمه اللّه): و هو يقول ألا و عزة هذا البناء ليس إلينا شيء
ألا بالفتح و التخفيف كلمة استفتاح و تزيين الكلام: اما لتنبيه المخاطب، أو لتوجيه الخطاب نحوه، أو لتفهيمه سر الامر و مغزاه، و اما للتحقيق و التأكيد و التسجيل على الامر، و اما للحث و التخصيص و التحريص على الطلب، و قد تورد للتوبيخ و الانكار و تكون أيضا للاستفهام على النفي، و قد وردت في التنزيل الكريم علي وجوه الاستعمالات جميعا.
و الواو للقسم و عزة هذا البناء مقسم بها.
و المعنى بهذا البناء بناء هيكل بدن العالم الصغير الذي هو الانسان، أو بناء هيكل بدن الانسان الكبير و هو العالم الاكبر بجملة نظام الوجود من البدو الى الساقة.
و المعنى: ليس لنا من الامر إلينا شيء، بل الامر كله بيد اللّه و انما نحن عباد مأمورون مطيعون.
____________
(1) القاموس: 1/ 73
74
تلقّيته فيمن تلقاه (1) فسار حتى انتهى الى كربلاء، فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا كربلاء فقال: هذه مصارع اخواني، هذا موضع رحالهم، و هذا مناخ ركابهم، (2) و هذا مهراق دمائهم، (3) قتل بها خير الاولين، و يقتل بها خير الاخرين، (4) ثم سار حتى انتهى الى حروراء، (5) فقال: ما تسمون هذه الارض؟ قالوا: حروراء. فقال: حروراء خرج بها
____________
قوله (رحمه اللّه): تلقيته فيمن تلقاه
على التفعل من اللقاء، أي استقبلته في جملة من استقبله، و منه النهي عن تلقي الركبان في كتاب المتاجر.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و هذا مناخ ركابهم
بضم الميم على اسم المكان من باب الافعال فانه يكون على هيئة اسم المفعول، و ركابهم بكسر الراء و هو اسم لجنس الابل.
قال في القاموس: المناخ بالضم مبرك الابل و قال: الركاب ككتاب الابل واحدتها راحلة (1).
قوله (رحمه اللّه): و هذا مهراق دمائهم
بضم الميم و فتح الهاء على مفعل، بالفتح أيضا اسم المكان من هراق الماء يهريقه، بفتح الهاء فيهما هراقة بالكسر، بمعنى أراقه يريقه اراقة صبه، و الهاء بدل من الهمزة و صارت بلزومها كأنها من نفس الحرف، فلذلك ربما يبنى منه أهراق بفتح الهمزة يهريق بتسكين الهاء فيهما أهرياقا على الجمع بين البدل و المبدل. و بسط القول فيه في المعلقات على الفقيه و على الاستبصار.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: قتل بها خير الاولين
كأنه عني به هابيل و خير الاخرين هو أبو عبد اللّه الحسين (عليه السلام).
قوله (رحمه اللّه): الى حرورا
هي بإهمال الهاء المفتوحة و ضم الراء قبل الواو و بالقصر و بالمد قرية الخوارج
____________
(1) القاموس: 1/ 272 و 75
75
شر الاولين (1) و يخرج بها شر الاخرين، ثم سار حتى انتهى الى بانقيا (2) و بها جسر الكوفة الاول، فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: بانقيا، ثم سار حتى انتهى الى الكوفة قال:
هذه الكوفة؟ قالوا: نعم. قال: قبة الإسلام.
47- محمد بن مسعود، قال حدثنا أبو عبد اللّه الحسين بن إشكيب، قال أخبرني الحسن بن خرزاذ القمي، قال أخبرنا محمد بن حماد الساسي، عن صالح بن فرج، عن زيد بن المعدل، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خطب سلمان
____________
لعنهم اللّه.
قال ابن الاثير في النهاية: الحرورية طائفة من الخوارج نسبوا الى حروراء و حرورا بالمد و القصر، هو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجتمعهم فيها، و هم أحد الخوارج الذين قاتلهم علي كرم اللّه وجهه (1).
و في القاموس: حروراء كجلولاء، و قد تقصر قرية بالكوفة و هو حروري (2).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: خرج بها شر الاولين
شر الاولين هو عاقر ناقة صالح و شر الاخرين قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد الرحمن ابن ملجم المرادي ضاعف اللّه عليه العذاب و اللعنة، و الحديث بذلك عنه (صلّى اللّه عليه و آله) مشهور متواتر عند العامة و الخاصة.
قوله (رحمه اللّه): حتى انتهى الى بانقيا
بالموحدة قبل الالف و النون المكسورة بعدها قبل القاف الساكنة و الياء المثناة من تحت قبل الالف.
قال في القاموس: نقيا- بالكسر- قرية بالانبار منها يحيى بن معين و بانقيا قرية بالكوفة (3).
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 366
(2) القاموس: 2/ 8
(3) القاموس: 4/ 397
76
فقال: الحمد للّه الذي هداني لدينه بعد جحودى له؛ اذ أنا مذك لنار الكفر أهلّ لها نصيبا أو أثبت لها رزقا، (1) حتى ألقى اللّه عز و جل في قلبي حب تهامة فخرجت جائعا ظمآن قد طردني قومي و أخرجت من مالي و لا حمولة تحملني و لا متاع يجهزني
____________
(خطبة سلمان رضى اللّه تعالى عنه المحتوية على الغوامض و الاسرار) قوله رضى اللّه تعالى عنه: اذ أنا مذك لنار الكفر أهل لها نصيبا أو أثبت لها رزقا
ذكت النار و الشمس تذكو اتقدت و أضاءت و ذكيتها تذكية، و ذكاء اسم للشمس، و ابن ذكاء للصبح، و ذلك أن يتصور الصبح تارة ابن للشمس، و تارة حاجبا لها فيقال: حاجب الشمس، و من هناك يعبر عن سرعة الادراك وحدة الفهم بالذكاء، و على ذلك قولهم فلان شعله نار و ذكيت الشاة ذبحتها.
و حقيقة التذكية اخراج الحرارة الغريزية، لكن خصت في الشرع بابطال الحياة و اذهاقها على وجه دون وجه.
و الاهلال أصله رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لكل صوت، و بذلك شبه اهلال الصبي و استهلاله و قوله عز من قائل «وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ (1)»* يعني ما ذكر عليه غير اسم اللّه، و هو ما كان يذبح لا جل الاصنام، و قيل: الاهلال و التهلل أن يقول: لا إله الا اللّه.
و من هذه الجملة ركبت هذه اللفظة، كما قولهم التبسمل و البسملة و التحولق و الحولقة و التجعفل و الجعفلة، بناء تركيبيا من قول الرجل «بسم اللّه الرحمن الرحيم» و «لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم» و «جعلت فداك».
و منه الاهلال بالحج، و تهلل السحاب برقه أي تلا لا تشبيها له في ذلك بالهلال.
و المعنى: كنت أهل للنار بما يكون للنيران من القرابين نصيبا، و أثبت و أحصل من ديوان السلطان من الارتزاق لبيوت النار طسقا و رزقا.
____________
(1) سورة المائدة: 3 و سورة النحل: 115
77
و لا مال يقويني، و كان من شأني ما قد كان، حتى أتيت محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) فعرفت من العرفان ما كنت أعلمه و رأيت من العلامة ما أخبرت بها، فأنقذني به من النار فبنت من الدنيا (1) على المعرفة التي دخلت عليها (2) في الإسلام.
الا أيّها الناس اسمعوا من حديثي ثم اعقلوا عنّي قد أتيت العلم كبيرا (3) و لو أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة لمجنون و قالت طائفة أخرى؛ اللهم اغفر لقاتل سلمان.
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فبنت من الدنيا
بكسر الموحدة و اسكان النون من بان عن الشيء يبين بينا و بينونة و بينونا:
انفصل عنه و انقطع و انقلع، و البين أيضا الوصل فهو من الاضداد، و البون: الفضل و المزية، يقال بانه يبينه و يبونه و باينه فاضله و فضل عليه، و منها و بينها بون بعيد.
قال في الصحاح: و الواو أفصح فأما في البعد فيقال: ان بينهما لبينا لا غير (1)
قوله رضى اللّه تعالى عنه: على المعرفه التى دخلت عليها
على بيانيه أو نهجية، أي بينونتي من الدنيا كانت على المعرفة التي كان دخولي في الإسلام عليها.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: قد أتيت العلم كبيرا
على صيغة المعلوم من أتاه يأتيه اتيانا، بمعنى جاءه و حضره، و «كبيرا» منصوب على الحال، أي أتيته على الكبر، أو على ما لم يسم فاعله منه، و «العلم» منصوب على أنه منزوع الخافض، أي أتيت بالعلم على الكبر.
و يروى (2) أتيت العلم كثيرا على المجهول من الايتاء بمعنى الاعطاء، اي قد اعطيت علما كثيرا.
____________
(1) الصحاح: 5/ 2082
(2) كما في المطبوع منه بجامعة مشهد
78
ألا أن لكم منايا تتبعها بلايا، فان عند علي (عليه السلام) علم المنايا و علم الوصايا و فصل الخطاب (1) على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنت وصيّي و خلفيتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى، و لكنّكم أصبتم سنّة الاولى (2) و أخطأتم سبيلكم،
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: علم المنايا و الوصايا و فصل الخطاب
المنايا الآجال جمع المنية، و هي الاجل المقدر للحيوان، من مناه يمنيه بمعنى قدره، و منى له الماني أي قدر، فالمنية سميت منية لأنها مقدرة لكل، و من هناك سمي بها الموت.
و علم الوصايا المراد به علم الشرائع.
و فصل الخطاب هو الفارق بين الحق و الباطل على الفصل و القطع.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: سنة الاولى
على اسم الاشارة، و اصابة الشيء ادراكه و نيله، و الخطأ العدول عن الجهة، و كل من عدل عن سمت شيء و لم يصبه فقد أخطأه، قالوا: و جملة الامر أن من أراد شيئا و اتفق منه غيره يقال: أخطأ، و ان وقع منه كما أراده يقال أصاب، و يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد ارادة لا تجمل يقال: أخطأ، و لهذا يقال: أصاب الخطأ و أخطأ الصواب و أصاب الصواب و أخطأ الخطاء.
و «أصبتم سنة الاولى» أي أصبتم طريقة أولئك الاقوام من بني اسرائيل الذين ارتدوا عن السبيل من بعد موسى (عليه السلام)، و أخطأتم سبيلكم و رجعتم في دينكم القهقرى كما أنهم رجعوا.
و قد أنبأ عن ذلك التنزيل الكريم بقوله سبحانه «أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ (1)» و السنة المتواترة الصحيحة الثابتة عند العامة و الخاصة من طرق متشعبة على متون متلونة.
من ذلك في صحيحي البخاري و مسلم و صحيحي النسائي و الترمذي و في
____________
(1) آل عمران: 144
79
و الذي نفس سلمان بيده لتركبنّ طبقا عن طبق سنة بني اسرائيل (1) القذة بالقذة.
____________
سائر أصولهم و صحاحهم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): انما الناس كالإبل الماية لا تكاد تجد فيها راحلة، و انكم لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قالوا: يا رسول اللّه اليهود و النصارى قال: فمن (1).
و في رواية تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي و لا يستنون بسنتي و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس قال حذيفة: كيف أصنع يا رسول اللّه ان أدركت ذلك؟ قال: تسمع و تطيع الامير و ان ضرب ظهرك و أخذ مالك (2).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: لتركبن طبقا عن طبق سنة بنى اسرائيل
اقتباس من التنزيل الكريم (3) «لَتَرْكَبُنَّ» هنا بضم الموحدة لا غير على خطاب القوم.
فاما بالتنزيل فقد قرأ بالضم على خطاب الجنس، و بالفتح على خطاب الانسان في يا أيها الانسان، و بالكسر على خطاب النفس، و قرأ بالياء للغيبة مكان تاء الخطاب على فتح الباء على لا يركبن الانسان.
و «طَبَقاً» في التنزيل متعين النصب على المفعول، فاما هنا فيحتمل أن يكون منصوبا على المفعولية فيكون نصب سنة بني اسرائيل على البدل عنه، أو على نزع الخافض.
أي على سنة بني اسرائيل و حذو طريقتهم، و يحتمل الحال من ضمير خطاب الجمع فتنصب سنة بني اسرائيل على المفعول، أي لتركبنها طبقا عن طبق.
و «الطبق» ما طابق غيره يقال: ما هذا بطبق لذا أي ليس يطابقه، و منه قيل للغطاء:
الطبق، و اطباق الثرى ما تطابق منه، ثم قيل للحال المطابقة لحال أخرى في الشدة
____________
(1) صحيح مسلم: 4/ 2054 و كتاب الطرائف: 380
(2) رواه مسلم في صحيحه: 3/ 1476 كتاب الامارة ح 52
(3) سورة الانشقاق: 19
80
أما و اللّه لو وليتموها عليّا لا كلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم، (1) فابشروا
____________
و الصعوبة، أو في الكيفية و الصفة، أو في المنزلة و المرتبة طبق، أو هو جمع طبقة و هي المرتبة من مراتب الشيء، يقال: الناس على طبقات أي على منازل و درجات بعضها أرفع من بعض.
و محل «عن طبق» النصب على أنه صفة لطبقا أي طبقا مجاوز الطبق، أو حال من ضمير الجمع في لتركبن طبقا. أي مجاوزين لطبق.
فالمعنى: لتركبن طبقا عن طبق أي منزلة بعد منزلة، أو حالا بعد حال في الحيص و الحيود عن سواء السبيل، أو أحوالا مختلفة هي طبقات و مراتب في الزيغ و العدول عن سبيل الحق، و أن ذلك الا سنة بني اسرائيل من قبل، أو لتركبن سنة بني اسرائيل في الزيغ و الحيود طبقا عن طبق أي منزلة بعد منزلة و مرتبة بعد مرتبة، أو طرقا متباينة و طبقات شتى هي مراتب مترتبة و أحوال مختلفة تحذونها حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة.
و قد استفاضت رواية الحديث على هذا الطريق في أصول العامة و الخاصة (1).
و «القذة» بضم القاف و اعجام الذال المشددة احدى رياش السهم و الجمع قذذ قال في الاساس: قذ الريش بالمقذ حذف أطرافه، و منه القذة الريشة المقذوذة يقال: حذو القذة بالقذة، و ألزق القذذ بالسهم و رجل مقذوذ الشعر مقصص حوالي قصاصه كله (2).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: اما و اللّه لو وليتموها عليا لا كلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم
أما بالفتح و التخفيف كلمة تنبيه و تحقيق و تأكيد و تسجيل، و لو ولّيتموها أي
____________
(1) رواه في الكشاف: 1/ 616، و رواه أيضا العلامة المجلسى في البحار عن صحيح الترمذى: 28/ 30 و أيضا السيد ابن طاوس في الطرائف، 380
(2) أساس البلاغة: 497
81
بالبلاء و اقنطوا من الرجاء و نابذتكم على سواء (1) و انقطعت العصمة فيما بيني و بينكم
____________
الخلافة، أو الامة أي و لو جعلتم عليا متولى الخلافة و واليها و ولي الامة و مالك أمرها.
و «لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم» اقتباس من القرآن الكريم، أي لا تسعت عليكم الارزاق الجسمانية من رزق البدن الهيولاني و الارزاق الروحانية من رزق النفس العاقلة المجردة، و اتصلت أسبابها (1) السماوية و الارضية من السماء و الارض على النصاب الكامل و السنة العادلة.
و قد روت العامة الحديث بذلك عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أصولهم من طرق كثيرة في المشكاة و مسند أحمد بن حنبل و غيرهما أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ان تؤمروا عليا و لا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و نابذتكم على سواء
اقتباس من قوله تعالى «فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ (2)» و هو القاء الشيء و طرحه لقلة اعتداد به.
قال ابن الاثير في النهاية: و في حديث سلمان و ان أبيتم نابذناكم على سواء.
أى كاشفناكم و قاتلناكم على طريق مستقيم مستوفي العلم في المنابذة منا و منكم بأن تظهر لهم العزم على قتالهم و نخبرهم به اخبارا مكشوفا، و النبذ يكون بالفعل و القول في الاجسام و المعاني و منه نبذ العهد اذا نقضه و ألقاه الى من كان بينه و بينه (3).
و في الكشاف: و قيل على استواء في العداوة، و الجار و المجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ اليهم ثابتا على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ و المنبوذ اليه معا (4).
____________
(1) في «س»: أسباب.
(2) سورة الانفال: 58
(3) نهاية ابن الاثير: 5/ 7
(4) الكشاف: 2/ 165
82
من الولاء.
(1)
أما و اللّه لو أني أدفع ضيما أو أعز للّه دينا لو ضعت سيفي على عاتقي ثم لضربت به قدما قدما. ألا اني أحدثكم بما تعلمون و ما لا تعلمون فخذوها من سنة السبعين بما فيها.
ألا ان لبني أميّة في بني هاشم نطحات. (2) ألا ان بني أميّة كالناقة الضروس (3) تعض بفيها و تخبط بيديها و تضرب برجلها و تمنع درها.
ألا انه حق على اللّه (4) أن يذل باديها و أن يظهر عليها عدوها مع قذف من السماء و خسف و مسخ و سوء الخلق حتى أن الرجل ليخرج من جانب حجلته الى صلاة
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فيما بينى و بينكم من الولاء
بفتح الواو بمعنى المحبة و الوداد، لا بكسرها بمعنى الولاية و السلطنة.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: نطحات
بالنون و فتح الطاء و الحاء المهملتين من تناطح الكباش و انتطاحها.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: كالناقة الضروس
الضرس كالضرب العض الشديد بالاضراس، و الضروس بفتح الضاد و ضم الراء على فعول الناقة السيئة الخلق تعض حالبها بفيها.
و في بعض النسخ «بنيبها» بكسر النون جمع الناب من الاسنان كالأنياب و الانيب، و هي الاسنان التي تلي الرباعيات.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: الا انه حق على اللّه
بالفتح و التخفيف على كلمة التنبيه و التحقيق.
«أن يذل ناديها» بالنون و هو مجلس القوم و مجتمعهم ما داموا مجتمعين فيه، أو بالباء الموحدة أي يذل أعزتهم من البدو بمعنى الظهور، و تعنى به الغلبة و العزة، كما في قوله سبحانه «فَأَصْبَحُوا ظٰاهِرِينَ» (1).
____________
(1) سورة الصف: 14
83
فمسخه اللّه قردا. ألا و فئتان تلتقيان بتهامة (1) كلتاهما كافرتان، ألا و خسف بكلب و ما أنا و كلب، و اللّه لو لا ما: لأريتكم (2) مصارعهم ألا و هو البيداء ثم يجيء ما تعرفون.
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فئتان تلتقيان بتهامة
قال ابن الاثير في النهاية: ذات عرق أول تهامة الى البحر و جدة و قيل: تهامة ما بين ذات عرق الى مرحلتين من وراء مكة و ما وراء ذلك من المغرب فهو غور و المدينة لا تهامية و لا نجدية فانها فوق الغور و دون نجد (1).
قوله رضى اللّه تعالى عنه لو لا ما لأريتكم
«لو لا ما» من باب الاختصار و الحذف في الكلام ليذهب الوهم فيه كل مذهب تنبيها على نبالة الامر و جلالته.
و المعنى: لو لا ما أعلمه أو لو لا ما ورد في النهي عن افشاء سر الربوبية على أشد التغليظ و التحذير، أو لو لا ما أنكم لا تستطيعون حمل الاسرار و أسبال الاستار لأريتكم مصارعهم.
و الاختصار باب شايع عند العرب، و منه قوله ليس بالذي لا بعد له، و ربما يقال ليس لا بعد له أصله ليس بعده غاية في الجودة أو الرداءة، فاختصر فقيل ليس بعده، ثم ادخل عليه لا النافية للجنس و استعمل استعمال الاسم المتمكن، و كذلك قولهم في مقام المدح أو مقام الذم «أنّه و انّه» أي انه عالم و انه كريم و انه أمين و انه عفيف مثلا، أو أنه جاهل و أنه لئيم و أنه خائن و أنه فاجر.
و من هذا الباب و هذا دليل على أنه، و هذا اختصار دون الاختصار في قولهم أجنك فان ذا اختصار حذف و ذاك اختصار بناء كبناء البلكفة و التبلكف من قولهم بلا كيف كما قال في الكشاف، و كذلك بناء الباباة للصبي مثلا من قولك له بأبي أنت و أمي.
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 201
84
فاذا رأيتم أيها الناس الفتن كقطع الليل المظلم (1) يهلك فيها الراكب الموضع و الخطيب المصقع و الرأس المتبوع: (2) فعليكم بآل محمد فإنّهم القادة الى الجنّة
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: الفتن كقطع الليل المظلم
قد ورد ذلك عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أخباره (عليه السلام) عن الفتن بعده، يروى بكسر القاف و اسكان الطاء على المفرد و فتح الطاء على الجمع.
قال ابن الاثير في النهاية: قطع الليل طائفة منه و قطعة و جمع القطعة قطع، أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيما لشأنها (1).
و قد ورد في تفسير قوله سبحانه «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (2)» أن المراد بها فتنة الامامة و الخلافة بعده (صلّى اللّه عليه و آله).
و روى ذلك صاحب الاستيعاب يوسف بن عبد البر عن عبد اللّه بن مسعود عنه (عليه السلام). و أخرجناه في شرح التقدمة.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: يهلك فيها الراكب الموضع و الخطيب المصقع و الرأس المتبوع
الموضع بضم الميم و كسر الضاد على اسم الفاعل من باب الافعال يقال:
وضع البعير و غيره أي أسرع في سيره و أوضعه راكبه.
قال ابن الاثير في النهاية: في حديث الحج و أوضع في وادي محسر، وضع البعير يضع وضعا و أوضع راكبه ايضاعا اذا حمله على سرعة السير، و أوضعت بالراكب أي حملته على أن يوضع مركوبه، و منه حديث حذيفة بن أسيد شر الناس في الفتنة الراكب الموضع أي المسرع فيها، و قد تكرر في الحديث (3).
و المصقع بكسر الميم و فتح القاف على البناء للمبالغة.
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 4/ 83
(2) سورة الانفال: 25
(3) نهاية ابن الاثير: 5/ 196
85
و الدعاة اليها الى يوم القيامة، (1) و عليكم بعلي فو اللّه لقد سلمنا عليه بالولاء مع
____________
قال في النهاية: في حديث حذيفة بن أسيد «شر الناس في الفتنة الخطيب المصقع» أي البليغ الماهر في خطبته الداعي الى الفتن الذي يحرض الناس عليها، و هو مفعل من الصقع رفع الصوت و متابعته، و مفعل من أبنية المبالغة (1).
و الرأس المتبوع على صيغة المفعول من التباعة، أي كبير القوم الذي يتبعه قوم و هو يدعوهم الى الفتنة.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فانهم القادة الى الجنة و الدعاة اليها الى يوم القيامة
و قد صح ذلك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بطرق متكثرة عند فرق المسلمين كلهم اتفاقا (2)، و في صحاح العامة و أصولهم جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قام خطيبا بماء يدعى خما بين مكة و المدينة فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكر ثم قال: أيها الناس انما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، فاني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض و عترتي أهل بيتي، و لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أذكر كم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي (3).
و حديث الاثنى عشر خليفة الى أن تقوم الساعة متكثر الطريق متنا مستفيض الاسناد سندا في أصولهم الصحاح (4).
و من طرقه متنا و سندا في الصحيحين و غيرهما عن جابر بن سمرة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 3/ 42
(2) و قد أوردنا مصادر حديث الثقلين عن العامة في كتاب الطرائف: 114- 122
(3) رواه مسلم في صحيحه: 4/ 1873 و كذا أحمد في مسنده: 4/ 366 و البحار:
23/ 107 و السيد ابن طاوس بطرق متكثرة في الطرائف: 114.
(4) و كذا أوردنا مصادره عن العامة في كتاب الطرائف: 168
86
نبينا، (1) فما بال القوم أحسد قد حسد قابيل هابيل، أو كفر فقد ارتد قوم موسى عن الاسباط و يوشع و شمعون و ابني هارون شبر و شبير و السبعين الذين اتهموا موسى على قتل
____________
قريش (1).
و في رواية قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا يزال الإسلام عزيزا الى أثني عشر خليفة كلهم من قريش (2).
و في رواية: لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنى عشر رجلا كلهم من قريش، و عن عبد اللّه بن عمر عنه (عليه السلام) مثله (3).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فو اللّه لقد سلمنا عليه بالولاء مع نبينا
بالولاء بكسر الواو و «مع نبينا» في حيز الحال من الضمير المجرور العائد الى علي (عليه السلام)، أو من ضمير المتكلم مع الغير في سلمنا أي حين كان (عليه السلام) مع نبينا، أو حين كنا مع نبينا (عليه السلام).
و ذلك أي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نصب عليا (عليه السلام) يوم الغدير للإمامة و الخلافة بعده و قال:
أ لست أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: ألا فمن كنت مولاه فعلي مولاه، و من كنت نبيه فعلي وليه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله و أدر الحق معه حيثما دار.
ثم قال لأصحابه: سلموا على علي (عليه السلام) بامرة المسلمين فسلموا عليه بالولاية و الامارة، و في المسلمين عليه بذلك أبو بكر و عمر و قال له عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة (4).
و في المشكاة عن البراء بن عازب و زيد بن أرقم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما نزل
____________
(1) رواه مسلم في صحيحه: 3/ 1453 و أحمد في مسنده 5/ 90
(2) ذيل احقاق الحق عن الجمع بين الصحاح الستة: 7/ 478 و الطرائف عنه: 171
(3) رواه البخارى في صحيحه: 9/ 81 ط أميريه و أحمد في مسنده: 5/ 92
(4) رواه ابن المغازلى في المناقب: 19 و السيد ابن طاوس بطرق كثيرة في الطرائف: 147
87
هارون فأخذتهم الرجفة من بغيهم، ثم بعثهم اللّه (1) أنبياء مرسلين و غير مرسلين، و أمر هذه الامة كأمر بني إسرائيل.
____________
بغدير خم أخذ بيد علي رضي اللّه عنه فقال: أ لستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى قال: أ لستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا:
بلى فقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و لقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولى كل مؤمن و مؤمنة (1).
قال ابن الاثير في النهاية و في جامع الاصول: كل من ولى أمر أو أقام به فهو مولاه و وليه، فالولاية بالفتح في النسب و النصرة و المعتق، و الولاية بالكسر في الامر و الولاء في العتق، و الموالاة من والى القوم. و منه الحديث من كنت مولاه فعلي مولاه، قال الشافعي: يعني بذلك ولاء الإسلام لقوله تعالى «ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكٰافِرِينَ لٰا مَوْلىٰ لَهُمْ» و قول عمر لعلي أصبحت مولى كل مؤمن أي ولي كل مؤمن.
و قيل: سبب ذلك أن أسامة قال لعلي لست مولاي انما مولاي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال (عليه السلام): من كنت مولاه فعلي مولاه، و منه الحديث أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل، و في رواية متولى أمرها انتهى كلام ابن الاثير (2).
و في بعض النسخ فسمعنا مكان فسلمنا و ذلك تصحيف من تحريف النساخ.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ثم بعثهم اللّه
ضمير الجمع لبني اسرائيل المبعوثين بعد ذلك أنبياء مرسلين و غير مرسلين.
و قوله «و أمر هذه الامة كأمر بني اسرائيل» قد تواتر به الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من طرق العامة و من طريق الخاصة اتفاقا.
____________
(1) مشكاة المصابيح: 557
(2) نهاية ابن الاثير: 5/ 228- 229
88
فأين يذهب بكم ما أنا و فلان و فلان ويحكم (1) و اللّه ما أدري أ تجهلون أم تتجاهلون أم نسيتم أم تتناسون! انزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد بل منزلة
____________
قال: «فأين يذهب بكم» بضم الياء و فتح الهاء على ما لم يسم فاعله، لان المقصود الذهاب بهم في تيه الضلال لا تعيين الذاهب بهم، أو لظهور كون الفاعل هو الشيطان.
و قوله «و فلان و فلان» اما المعنى بهما أبو بكر و عمر أو المراد كل من لم يكن ولي الامر من تلقاء اللّه و لا منصوصا عليه بذلك من قبل اللّه على لسان رسوله الكريم.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و يحكم
ويح كلمة ترحم و رحمة و ويس كلمة استملاح و رأفة و ويل كلمة عقوبة و عذاب و كذلك ويب في الاشهر.
قال في القاموس: أصله «وي» فوصلت بحاء مرة و بلام مرة و بسين مرة و بباء مرة، و كل منها يستعمل بالاضافة يقال مثلا ويح زيد بالرفع على الابتداء و بالنصب على اضمار فعل، و يستعمل باللام على الرفع أو على النصب يقال: ويح لزيد و ويحا له.
قال صاحب الكشاف في الفائق: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعمار: ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية.
ويح و ويب و ويس ثلاثتها في معنى الترحم، و قيل: ويح رحمة لنازل به بلية و ويس رأفة و استملاح، كقولك للصبي ويسه ما أملحه. و ويب مثل ويح.
و أما ويل فشتم و دعاء بالهلكة، و عن الفراء: ان الويل كلمة شتم و دعاء سوء و قد استعملتها العرب استعمال قاتله اللّه في موضع الاستعجاب، ثم استعظموها فكنوا عنها بويح و ويب و ويس كما كنوا عن قاتله اللّه بقولهم قاتعه اللّه و كاتعه، و كما كنوا عن جوعا له (1) بجوسا و جودا، و انتصابه بفعل مضمر كأنه قيل ترحم ابن سمية أي أ ترحمه ترحما.
____________
(1) و في «ن»: من جوعانه
89
العينين من الرأس، و اللّه لترجعن كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض (1) بالسيف يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة و يشهد الناجي على الكافر بالنجاة، ألا اني (2) أظهرت
____________
سمية كانت أمة أبي حذيفة بن المغيرة المخذومي زوجها ياسر، و كان حليفة فولدت له عمارا فاعتقه أبو حذيفة (1).
و قال ابن الاثير في النهاية في شرح حديثه (عليه السلام) لعمار: ويح كلمة ترحم و توجع تقال: لمن وقع في هلكة لا يستحقها و قد تقال: بمعنى المدح و التعجب، و هي منصوبة على المصدر، و قد ترفع و تضاف و لا تضاف، يقال: ويح زيد و ويحا له و ويح له و ذكر في الحديث ويس ابن سمية و قال: ويس كلمة تقال لمن ترحم و ترفق به بمعنى ويح و حكمها حكمها (2).
و نقل الجوهري في الصحاح: أنه قد يرد ويح بمعنى ويل (3).
و كأن ذلك هو المراد هاهنا على الاظهر.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: لترجعن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
و لقد صح الحديث بذلك عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بهذه الالفاظ و ما يجري مجراها عند الخاصة و عند العامة أيضا في صحيحهم و سائر صحاحهم و مستدركهم و جامع أصولهم و مصابيحهم و مشكاتهم و غيرها (4).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ألا انى
بالفتح على كلمة التنبيه. «و أسلمت بنبيي» بالباء على تضمين الايمان.
و المعنى: آمنت بربي و أسلمت له مؤمنا بنبي و اتبعت مولاي و مولي كل مسلم بأمر اللّه.
____________
(1) الفائق: 4/ 85- 86
(2) نهاية ابن الاثير: 5/ 235
(3) الصحاح: 1/ 417
(4) جامع الاصول: 10/ 428 أخرجه عن طرق مختلفة
90
أمري و آمنت بربّي و أسلمت بنبيي و اتبعت مولاي و مولى كل مسلم.
بأبي أنت و أمي قتيل كوفان يا لهف نفسي لأطفال صغار، و بأبى صاحب الجفنة و الخوان (1) نكاح النساء الحسن بن علي، ألا ان نبي اللّه نحله البأس و الحياء،
____________
و قوله «بأبي أنت و أمي قتيل كوفان» تبيين و تعيين لمولاي و مولى كل مسلم بأنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
و المعني: فديتك بأبي أنت و أمي يا قتيل كوفان.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: بأبى صاحب الجفنة و الخوان
أي فديت بأبي صاحب الجفنة.
قال في الصحاح: الجفنة كالقصعة و الجمع الجفان و الجفنات بالتحريك، لان ثاني فعلة يحرك في الجمع اذا كان اسما، الا أن يكون ياء أو واوا فانه يسكن حينئذ (1).
و «الخوان» بكسر الخاء و فتح الواو: ما يؤكل عليه الطعام كالمائدة.
في الصحاح: انه معرب، و جمع القلة أخونة، و جمع الكثرة خون (2).
و في القاموس: انه بالضم و الكسر كغراب و كتاب (3). و هو من متفرداته «نكاح النساء» بالفتح و التشديد على صيغة المبالغة.
و «الا أن نبي اللّه» بالفتح على التنبيه.
«و ظلم من بين ولده» على ما لم يسم فاعله في حيز العطف على نحل، و الضمير المجرور المضاف اليه في ولده للنبي (صلّى اللّه عليه و آله).
«و ياويح من احتقره لضعفه و استضعفه لقتله» اقتحام في البين و ويح كلمة الترحم.
____________
(1) الصحاح: 5/ 2092
(2) الصحاح: 5/ 2110
(3) القاموس: 4/ 220
91
و نحل الحسين المهابة و الجود، ياويح من احتقره لضعفه و استضعفه لقلته و ظلم من بين ولده و كان بلادهم عامر الباقين من آل محمد. (1)
____________
و تقدير الكلام و مساقه: ألا ان النبي (عليه السلام) نحل الحسن بن علي (عليهما السلام) البأس و الحياء، و نحل الحسين بن علي (عليهما السلام) المهابة و الجود، و ظلم الحسين (عليه السلام) و اختص بأرفع درجات الشهادة و أعلى مقامات السعادة من بين ولده.
و ياويح من لم يعلم ذلك و لم يعرف أن اختصاصه (عليه السلام) من بين ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بهذه المنزلة التي هي قصوى المنازل و أقصى الغايات آية كونه المجتبى المنتصى المقدس المكرم من خلص أحباء اللّه و روقة محبوبيه المظلومين في طريقه المذبوحين في سبيله.
فمن احتقره (عليه السلام) لضعف أمره و شدة مظلوميته و مقهوريته و استضعفه لقلة خيله و رجله و قلة أنصاره و أعوانه، فهو مرحوم في درجة عرفانه و ايمانه مكفوف بصر بصيرته و ايقانه مشدوه (1) بالظاهر الذي (2) هو ظل زائل بائد مشغول عن الباطن الذي هو نور سرمد و نعيم خالد.
و في هذا السياق ما قد قيل: المستحل توسيط الحق مرحوم من وجه، فانه لم يطعم لذة البهجة به فسيطعمها، انما معارفته مع اللذات المخدجة في حنون اليها غافل عما وراءها و ما مثله بالقياس الى العارفين الا مثل الصبيان بالقياس الى المحنكين قوله رضى اللّه تعالى عنه: و كان بلادهم عامر الباقين من آل محمد
يعني ظلم الحسين (عليه السلام) من ولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و سفك دمه في سبيل اللّه، و لكن نور الحق في مشكاة العترة الطاهرة باق لا يطفأ الى يوم القيامة، فكان بلادهم عامر الباقين من آل محمد، و القائم بالامر من بعده الحسين (عليه السلام) محفوظا بحفظ اللّه معصوما باذن اللّه، و الثقلان اللذان هما تريكة رسول اللّه أعني القرآن و العترة الطاهرة ناطقان
____________
(1) في «س» مشروه.
(2) في «ن»: الزائل.
92
أيها الناس لا تكل أظفاركم عن عدوكم (1) و لا تستغشوا صديقكم فيستحوذ الشيطان عليكم، و اللّه لتبتلن ببلاء لا تغيرونه بأيدكم الا اشارة بحواجبكم، ثلاثة خذوها بما فيها (2) و ارجوا رابعها و موافاها.
(3)
بأبى دافع الضيم شقاق بطون الحبالى (4) و حمال الصبيان على الرماح و مغلي الرجال في القدور، أما أني سأحدثكم بالنفس الطيبة الزكية و تضريح دمه بين الركن و المقام المذبوح كذبح الكبش.
____________
بالحق القائمان بالامر الى قيام الساعة.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: لا تكل أظفاركم عن عدوكم
«لا» للنهي. و «تكل» بفتح حرف المضارعة، و هو من أحسن الكنايات في التحريض على معاداة الاعداء في الدين.
«و لا تستغشوا صديقكم» على الاشتغال، أي لا تستغشوا صديقكم في الدين و لا تخونوه في المخالة و المصادقة فيستحوذ الشيطان عليكم، أي يغلبكم و يستولي عليكم.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ثلاثة خذوها بما فيها
يعنى بها عليا و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و الاخذ بسنن سنتهم و السلوك في مسير سيرتهم.
«و أرجو رابعها و موافاها»
أراد بالرابع السجاد زين العابدين (عليه السلام)، فان الثلاثة (عليهم السلام) موافوه و موازوه في ملمات المحن و صعوبات الفتن و شدائد المجاهدة في سبيل اللّه بما قد جرى عليه (عليه السلام) من المصائب و النوائب يوم الطف و بعده، و ان لم يقم هو بالجهاد من بعد، لفقدان الجنود و الاعوان.
و قوله «بأبي دافع الضيم شقاق بطون الحبالى»
يعني به قائم أهل البيت المهدي الحجة صاحب الزمان (عجل اللّه فرجه و سهل مخرجه).
«و مغلي الرجال» بالعين المعجمة في أكثر النسخ على صيغة الفاعل من باب
93
ياويح لسبايا نساء من كوفان (1) الواردون الثوية المستغدون عشية (2) و ميعاد ما بينكم و بين ذلك فتنة شرقية ستسير (3) موجئا (4) هاتفا يستغيث من قبل المغرب فلا تغيثوه لا أغاثه
____________
الافعال، و بالقاف في نسخ على اسم الفاعل من باب التفعيل.
«في القدور» جمع القدر بالكسر، و هو معروف.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ياويح لسبايا نساء من كوفان
يعني بذلك حمل نساء أهل البيت مع سيد الساجدين على طريقة السبايا من كوفان الى دمشق. الواردون الثوية بالثاء المثلثة على صيغة التصغير.
قال ابن الاثير في النهاية: و في الحديث ذكر الثوية بضم الثاء و فتح الواو [و تشديد الياء] موضع بالكوفة به قبر أبي موسى الاشعري و المغيرة بن شعبة (1).
و «المستغدون عشية»
باعجام العين و اهمال الدال على الاستفعال من الغداء بفتح الغين المعجمة و بالمد، و هو ما يتغذى به في وقت الغداة و العشاء بفتح العين المهملة ما يتعشى به في وقت العشاء بكسر العين، أي الذين تغدوا عشية فكان غداؤهم عشاءهم من شدة الداهية عليهم و صعوبة النازلة بهم.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فتنة شرقية ستسير
بضم تاء المضارعة لتأنيث الفتنة التي هي الفاعل و تشديد الياء المثناة من تحت المكسورة بعد السين المهملة من التسيير على التفعيل من السير.
«موجئا»
بضم الميم و فتح الجيم بعد الواو الساكنة على اسم المفعول من باب الافعال و بالتنوين نصبا على المفعول، أو بفتح الجيم المشددة بعد الواو المفتوحة على اسم المفعول من باب التفعيل و التنوين بالنصب على المفعولية، من وجي كرضي وجاء، فهو وج و وجي، و هي وجياء و أوجيته أنا إيجاء و وجيته توجية.
قال صاحب الكشاف في أساس البلاغة: وجي الماشي اذا حفي، و هو أن يرق القدم أو الفرس أو الحافر و يتشحج، و أصابه وجي، و فرس وج و دابة وجية
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 231
94
اللّه، و ملحمة بين الناس (1) الى أن يصير ما ذبح على شيبته المقتول بظهر الكوفة و هي كوفان
____________
و انه ليتوجي في مشيته، و من المجاز أوجيته عني أبعدته كأنك سيرته مسافة طويلة قد وجي فيها قال الشاعر:
و كان أبي أوصى بكم أن أضمكم * * *إليّ و أوجي عنكم كل ظالم
(1)
و في القاموس: الوجاء الحفاء أو أشد منه، وجي كرضي وجاء فهو وج و وجي و هي وجياء و توجي و أوجيته (2).
و في الصحاح: وجي الفرس بالكسر و هو أن يجد وجعا في حافره و أوجيته أنا (3).
أو بكسر الجيم و الهمزة الاصلية المنونة بالنصب للمفعولية على اسم الفاعل من باب الافعال من الوجأة على همزة الدخول و الاصابة لا همزة التعدية، و المراد الموجوع من شدة الوجا.
قال في المغرب: الوجاء الضرب باليد، أو بالسكين يقال وجاءه في عنقه من باب منع.
«هاتفا يستغيث من قبل المغرب» أي صائحا يصيح و يستغيث و يستصرخ و يطلب مغيثا من قبل أهل المغرب.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و ملحمة بين الناس
الملحمة بفتح الميم و سكون اللام على هيئة اسم المكان الوقعة العظيمة في الفتنة، قاله الجواهري (4) و غيره.
«الى أن يصير ما ذبح على شيبته المقتول بظهر الكوفة و هي كوفان يوشك أن يبني جسرها» الضمير المتصل المجرور في شيبته عائد الى «ما» و التذكير باعتبار
____________
(1) أساس البلاغة: 667
(2) القاموس: 4/ 398
(3) الصحاح: 6/ 2519
(4) الصحاح: 5/ 2027
95
..........
____________
حال اللفظ، و «ذبح» بضم الذال المعجمة و كسر الباء الموحدة على ما لم يسم فاعله و المقتول بظهر الكوفة، و يعنى به زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو المفعول المقام مقام الفاعل، و الضمير المنفصل المرفوع على الابتداء أعني «هي» في «و هي» أيضا يعود الى «ما» و التأنيث باعتبار حال المعنى، و كذلك الضمير المتصل المجرور بالإضافة في جسرها عائد اليها، و يبنى على البناء للمجهول، و المقام مقام الفاعل جسر المرفوع المضاف الى الضمير. و «الشيبة» بكسر الشين المعجمة و سكون الياء المثناة من تحت و الباء الموحدة بعدها جبل معروف.
قال في القاموس: الشيب بالكسر جبل و بهاء جبل باندلس (1).
و المراد بها الجودي الذي استوت عليه سفينة نوح (عليه السلام) و هو جبل كوفان.
و المعنى: أن الملحمة تتمادى بين الناس و لا ينطفئ طميسها الى أن تصير كوفان التي على شيبتها ذبح المقتول بظهر الكوفة عامرة يكاد و يوشك أن يبنى جسرها قال في المغرب: الكناسة الكساحة و موضعها أيضا، و بها سميت كناسة كوفان و هي موضع قريب من الكوفة، قتل بها زيد بن علي.
«تنبى» بضم تاء المضارعة و اسكان النون و فتح الموحدة قبل الالف، أي ترفع، منه النباوة بمعنى الارتفاع.
«جنبتها» بالتحريك أي ناحيتها.
«حتى يأتي زمان لا يبقى (2)» أي لا يقيم مؤمن «الا بها» أي فيها «أو يحن» أي يشتاق اليها من الحنين بمعنى الشوق و توقان النفس.
____________
(1) القاموس: 1/ 91
(2) و في «ن» و «س»: لا يغنى.
96
يوشك أن يبنى جسرها و تنبى جنبتها حتى يأتي زمان لا يبقى مؤمن الا بها أو يحن اليها، وقينة مصبوبة نطافي خطامها (1) لا ينهيها أحد، لا يبقي بيت من العرب الا دخلته.
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: وقينة مصبوبة نطافى خطامها
يعني و حتى تأتي قينة بفتح القاف و سكون الياء المثناة من تحت قبل النون، أي فتاة مغنية أو أمة مغنية نطافي خطامها مصبوبة، و تقديم الخبر للاعتناء و الاهتمام به.
«نطافي» بفتح النون قبل الطاء المهملة و اسكان الياء المخففة أخيرا بعد الفاء، اما جمع نطفي بضم النون و تشديد الياء أخيرا كما الكراسي بالتخفيف جمع كرسي بالتشديد، أو جمع نطفية كما الاماني جمع أمنية و النجاتي جمع نجتية.
و أما جمع نطيفة على القلب و الاصل نطايف حولت الياء الى حيز الفاء و عوملت معاملة الايامى في جمع أيم و الاينق بالياء قبل النون في جمع ناقة، يقال: نطف الماء أو أي مائع كان ينطف من باب طلب، نطفا و نطافا اذا سال، و أقبل فلان و سيفه ينطف دما و أتانا على جبينه نطاف من العرق و سقاني نطفة عذبة و نطفا و نطافا، و هي الماء الصافي قل أو كثر.
و منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة «هذه النطفة (1)» يعني بها نهر الفرات، و النطفتان: بحر المشرق و بحر المغرب، و قيل: ماء الفرات و ماء البحر الذي يلي جدة أو بحر الروم.
و النطفة في الاداوة الوضوء بفتح الواو، و النطفة: ماء صلب الرجل الذي منه يتكون الولد، و الناطف: القبيطي و ليلة نطوف تمطر الى الصباح.
قال في المفردات: و قد يكنى عن اللؤلؤة بالنطفة، و منه قيل: صبي منطف، اذا كان في أذنه لؤلؤة (2).
و في الصحاح: النطفة بالتحريك القرط و الجمع نطف و تنطفت المرأة: أي
____________
(1) نهج البلاغة: 87 من خطبه عند المسير الى الشام تحت رقم 48
(2) المفردات: 496
97
..........
____________
تقرطت و وصيفة منطفة: أي مقرطة (1).
و تنطف بكذا أي تبدى به.
«و الخطام» باعجام الخاء المكسورة قبل الطاء المهملة مستعار من خطام البعير و غيره، لما يوضع على الانف من الحلقة و نحوها، أو على الفم من نحو اللثام و النقاب. و انصباب نطافي خطامها عبارة: عن تقاطر العرق، منها الاهتزاز في النشاط و الاسراع في المسير، أو تقاطر ما تستعمله من مايعات الطيب.
و في نسخ معدودات «فتنة» (2) بالفاء المكسورة قبل المثناة من فوق الساكنة مكان «قينة» على العطف على ملحمة بين الناس و فتنة شرقية، فتكون مصبوبية تطأ في الخطام الى ارفضاض العرق لبعير الفتنة كناية أيضا عن شدة الاهتراز في الملحمة و اشتداد المسارعة اليها.
أو تكون مصبوبة صفة لفتنة لا متعلقة لما بعدها، و يكون ما بعدها تطأ في 3 خطامها على الفعل المضارع من وطي الشيء برجله يطأه وطيا، و وطى الارض و الطريق بأقدامه و الوطاءة موضع القدم على مطابقة ما في نهج البلاغة من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) «فتنة تطأ في خطامها و تذهب بأحلام قومها».
فهذه النسخة أرجح من جهة هذه المطابقة 4، و النسخة الاولى أولى من جهة أنها ألزق بحيزها و مقامها و ألصق، فانها أوردت في حيز الاخبار بعمارة كوفان و بناء جسرها من بعد الخراب لا في حيز الانباء عن خراب الكوفة بالملاحم و الفتن.
و قوله «لا ينهيها أحد» على رواية «قينة» بالقاف و المثناة من تحت الاشهرية الاكثرية بفتح حرف المضارعة، و الهاء قبل الالف المنقلبة عن الياء، من نهاه عن
____________
(1) الصحاح: 4/ 1434
(2) 2- 3 كما في المطبوع من الرجال بجامعة مشهد و النجف الاشرف.
(3) 4 في «س» المطالبة.
98
و أحدثك يا حذيفة أن ابنك مقتول، فان عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) فمن كان مؤمنا دخل في ولايته فيفتتح على أمر يمشي على مثله، (1) لا يدخل فيها الا مؤمن و لا يخرج منها الا كافر.
أبو ذر
48- أبو الحسن محمد بن سعد بن مزيد، و محمد بن أبي عوف، قالا حدثنا محمد بن أحمد بن حماد أبو علي المحمودي المروزي، رفعه، قال، أبو ذر الذي قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، يعيش وحده و يموت وحده و يبعث وحده و يدخل الجنة وحده، (2) و هو الهاتف بفضائل
____________
كذا ينهاه عنه نهيا، أي ردعه و منعه و صرفه و زجره.
و على نسخة «فتنة» بالفاء و المثناة من فوق بضم ياء المضارعة و كسر الهاء قبل الياء الساكنة، من الانهاء بمعنى الاعلام و الانباء و الابلاغ و الاخبار، يقال: أنهيت اليه كذا، أي أعلمته و أنبأته به و أبلغت اليه خبره، و عدم انهائها اما لمباغتها، و اما لكونها بصعوبة داهيتها خارجة عن الحد و وراء النهاية.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: فيفتتح على أمر يمشى على مثله
من الافتتاح و الاستمرار، أي برسوخ قدمه في الايمان و الاستيقان يفتتح من الولاية على أمر يستمر عليه و يستقيم فيه و يستديم ثباته.
و في نسخة «فيصبح على أمر يمسى على مثله» من الاصباح على أمر و الامساء عليه.
في أبى ذر رضى اللّه تعالى عنه
قوله (عليه السلام): يعيش وحده و يبعث وحده و يدخل الجنة وحده أي بصدق التوكل في المقامات، و نصوح الاخلاص في الحالات، كلها يستغني باللّه عمن عداه، و بفضله عن افضال غيره، و برحمته عن رحمة من سواه،
99
أمير المؤمنين و وصى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (1) و استخلافه إياه، فنفاه القوم (2) عن حرم اللّه
____________
فحيث انه اعتزل عن غير اللّه فيعيش وحده، و يبعث وحده، و يدخل الجنة وحده.
قوله (عليه السلام): و وصاية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)
عطف على فضائل، ثم استخلافه اياه معطوف عليها.
و ربما كان في بعض النسخ «و وصي رسول اللّه» على عطف البيان لأمير المؤمنين، ثم عطف استخلافه اياه على فضائل، أي هو الهاتف بفضائله (عليه السلام) و باستخلاف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اياه.
قوله (عليه السلام): فنفاه القوم
و في نسخ عديدة «فنفوه» من باب أكلوني البراغيث، و قد ورد في التنزيل الكريم مثله متكررا، و لقد تواتر أخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أبا ذر بنفي القوم اياه من المدينة الى ربذة عند الفرق كلهم من طرق شتى منها حديث لقابقا على التشديد من المضاعف، و يروى لقابقا بوزن عصا على التخفيف من الناقص اليائي، و العامة رووه في صحاحهم و أصولهم جميعا و شرحه علماؤهم عن آخرهم.
قال علامة زمخشرهم في فائقه و كشافه: قال (صلّى اللّه عليه و آله) لأبي ذر: ما لي أراك لقابقا؟
كيف بك اذا أخرجوك من المدينة؟ و روي: لقى بقى يقال: رجل لق بق و لقلاق (1) بقباق كثير الكلام مسهب فيه، و كان في أبي ذر شدة على الامراء و اغلاظ لهم و كان عثمان يبلغ (2) عنه الى أن استأذنه في الخروج الى الربذة فأخرجه.
لقى: منبوذا و بقى: اتباع. و عن ابن الاعرابي قلت لأبي المكارم: ما قولكم جائع نائع (3)؟ قال: انما هو شيء نبذ به كلامنا، و يجوز أن يراد مبقى حيث ألقيت و نبذت لا يلتفت إليك بعد. و قوله: أراك، حكاية حال مترقبة، كأنه استحضرها
____________
(1) و في «ن» و لقاق بقباق.
(2) و في «ن» بلغ عنه.
(3) و في «ن» تابع.
100
و حرم رسوله بعد حملهم إياه من الشام على قتب بلا وطاء (1) و هو يصيح فيهم قد خاب
____________
فهو يخبر عنها يعنى انه يستعمل فيما يستقبل من الزمان من تغلظ عليه و تكثر القول فيه.
و نحوه ما يروى عن أبي ذر قال: أتاني نبي اللّه و أنا نائم في مسجد المدينة فضربني برجله، و قال: ألا أراك نائما فيه قلت: يا نبي اللّه غلبتني عيني، فقال: كيف تصنع اذا أخرجت منه؟ قلت: ما أصنع يا نبي اللّه أضرب بسيفي؟ فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من قولك و أقرب رشدا تسمع و تطيع، و تنساق لهم حيث ساقوك (1) انتهى كلام الفائق بألفاظه.
و كذلك قال ابن الاثير في نهايته و جامع أصوله (2).
قوله (عليه السلام): بعد حملهم اياه من الشام على قتب بلا وطاء
كتب الأحاديث و الاخبار جميعا متطابقة على نقل ذلك من طرق غير محصورة، و لنورد أوثق الروايات و أخصرها.
قال الشيخ الجليل الثقة الثبت المأمون الحديث عند العامة و الخاصة علي بن الحسين المسعودي أبو الحسن الهذلي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه مروج الذهب:
و من ذلك فعله- يعني عثمان- بأبي ذر و هو أنه حضر مجلسه ذات يوم فقال له عثمان:
أ رأيتم من زكى (3) ماله هل فيه حق لغيره؟ قال كعب: لا يا أمير المؤمنين! فدفع أبو ذر في صدر كعب، و قال: كذبت يا بن اليهوديين ثم تلى «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ (4)» الاية.
فقال عثمان: أ ترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوب من أمرنا و نعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في
____________
(1) الفائق: 3/ 326
(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 147
(3) في النسخ: ذكى.
(4) سورة البقرة: 177
101
..........
____________
صدره، و قال: يا بن اليهودي ما أجرأك في ديننا، فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي غيب وجهك عني فقد آذيتني.
فخرج أبو ذر الى الشام، فكتب معاوية الى عثمان ان أبا ذر تجتمع اليه الجموع و لا آمن أن يفسدهم عليك، فان كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب اليه فحمله على بعير عليه قتب يا بس معه خمسون من الصقالبة يطردون (1) به حتى أتوا به المدينة، و قد تسلخت بواطن أفخاذه، و كاد يقلت (2) فقيل: انك تموت من ذلك فقال: هيهات أن أموت حتى أنفي.
و ذكر جوامع ما نزل به بعد و من يتولى دفنه، فأحسن اليه في داره أياما ثم ادخل عليه فجثا عليه و تكلم بأشياء، و ذكر الخبر في ولد أبي العاص اذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد اللّه حولا، و مر في الخبر بطوله و تكلم بكلام كثير.
و كان في ذلك اليوم قد أتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنضدت البدار حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائم، فقال عثمان: اني لأرجو لعبد الرحمن خيرا لأنه كان يتصدق و يقري الضيف و ترك ما ترون، فقال كعب الاحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب و لم يشغله ما كان به من الا لم و قال: يا بن اليهودي تقول لرجل مات و خلف هذا المال كله ان اللّه أعطاه خير الدنيا و خير الآخرة و تقطع على اللّه بذلك، و أنا سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ما يسرني أن أموت فادع ما يزن قيراطا.
فقال له عثمان و أرعني وجهك قال أسير الى مكة قال: لا و اللّه قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت قال: أي و اللّه فقال: الى الشام فقال: لا و اللّه قال:
فالبصرة قال: لا و اللّه، فاختر غير هذه البلدان قال: لا و اللّه ما اختار غير ما ذكرت لك
____________
(1) و في هامش النسخ: ينظرونه
(2) أى يهلك.
102
..........
____________
و لو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد.
فقال: اني مسيرك الى الربذة قال: اللّه اكبر صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد أخبرني بكل ما أنا لاق، قال عثمان: و ما قال لك؟ قال خبرني بأني أمنع عن مكة و المدينة و أموت بالربذة و يتولى مواراتي نفر يريدون من العراق نحو الحجاز.
و بعث أبو ذر الى حميل له فحمل عليه امرأته و قيل: ابنته، و أمر عثمان أن يتحاماه الناس حتى يسيروا الى الربذة، فلما طلع على المدينة و مروان يسيره عنها، طلع عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) و معه ابناه و عقيل أخاه و عبد اللّه بن جعفر و عمار بن ياسر فاعترض مروان فقال: يا علي ان أمير المؤمنين نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر و يشيعوه، فان كنت لم تعلم بذلك أعلمتك.
فحمل عليه علي بن أبي طالب فضرب بين أذني راحلته و قال: تنح نحاك اللّه الى النار، و مضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه و انصرف، فلما أراد على الانصراف بكى أبو ذر، و قال: رحمكم اللّه أهل بيت اذا رأيتك يا أبا الحسن وجهك ذكرت بكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فشكى مروان الى عثمان ما فعل به علي، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي رد رسولي عما وجهته و فعل و فعل و اللّه لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس فقالوا: ان أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي:
غضب الخيل على اللجم.
ثم جاء فلما كان العشي جاء الى عثمان فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروان؟
و لم اجترأت عليّ و رددت رسولي و أمري؟ قال: أما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي، و أما أمرك فلم أرده، قال عثمان: أو لم يبلغك أني قد نهيت الناس عن أبي ذر و عن تشييعه؟ قال علي: أو كلما أمرتنا به من شيء نرى طاعة اللّه و الحق في خلافه اتبعنا أمرك لعمر اللّه لا نفعل.
103
القطار يحمل النار: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: اذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين اللّه دخلا و عباد اللّه خولا و مال اللّه دولا. (1) فقتلوه فقرا و جوعا و ذلا
____________
قال عثمان: أقد مروان قال: و ما أقيده؟ قال: ضربت بين أذني راحلته و شتمته فهو شاتمك و ضارب بين أذني راحلتك، قال علي: أما راحلتي فهي تملك، فان أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل، فاما أنا فو اللّه لان شتمني لأشتمنك أنت بمثله بما لا أكذب فيه و لا أقول الا حقا، قال عثمان: فلم لا يشتمك اذا شتمته، فو اللّه ما أنت عندي بأفضل منه.
فغضب علي (عليه السلام) و قال: ألي تقول هذا القول و بمروان تعدلني، فأنا و اللّه أفضل منك، و أبي أفضل من أبيك، و أمي أفضل من أمك، و هذه نبلى قد نبلتها و هلم فانبل نبلك.
فغضب عثمان و احمر وجهه و قام فدخل، و انصرف علي فاجتمع اليه أهل بيته و رجال من المهاجرين و الانصار، فلما كان من الغد و اجتمع الناس الى عثمان شكى اليهم عليا و قال: انه يعيبني، و بظاهر من يعيبني، يريد بذلك أبا ذر و عمارا و غيرهما، فدخل الناس بينهما حتى أصلحوا بينهما، و قال له علي: و اللّه ما أردت بتشييعي أبا ذر الا اللّه انتهى كلام مروج الذهب في هذا الباب (1).
قوله (عليه السلام): اتخذوا دين اللّه دخلا و عباد اللّه خولا و مال اللّه دو لا
رواها أكثر الصحابة عنه (عليه السلام) على هذا النسق. دخلا و خولا بالتحريك و «دولا» بضم الدال و فتح الواو.
قال ابن الاثير في النهاية في د- خ: في حديث قتادة بن نعمان و كنت أرى اسلامه مدخولا، الدخل بالتحريك العيب و الغش و الفساد يعني: ان ايمانه كان متزلزلا فيه نفاق، و منه حديث أبي هريرة «اذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين كان دين
____________
(1) مروج الذهب: 2/ 339- 342
104
..........
____________
اللّه دخلا و عباد اللّه خولا» و حقيقته أن يدخلوا في الدين أمورا لم تجر بها السنة (1).
و قال في خ: و الخول حشم الرجل و أتباعه واحدهم خائل، و قد يكون واحدا و يقع على العبد و الامة، و هو مأخوذ من التخويل التمليك، و قيل من الرعاية، و منه حديث أبي هريرة «اذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان عباد اللّه خولا» أي خدما و عبيدا يعني أنهم يستخدمونهم و يستعبدونهم، و فيه «أنه كان يخولنا بالموعظة» أي يتعهدنا، من قولهم فلان خولي مال و خائل مال، و هو الذي يصلحه و يقيم به انتهى كلام النهاية (2).
و في الصحاح: الخائل الحافظ للشيء و يقال: فلان يخول على أهله أي يرعى عليهم، و خوله اللّه الشيء أي ملكه اياه، و قد خلت المال أخوله اذ أحسنت القيام عليه يقال: هو خال مال و خولي مال أي حسن القيام عليه، و التخول التعهد و في الحديث «كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يتخولنا بالموعظة مخافة السامة» و خول الرجل حشمه الواحد خائل و قد يكون الخول واحدا و هو اسم يقع على العبد و الامة قال الفراء: و هو جمع خائل و هو الراعي، و قال غيره: هو مأخوذ من التخويل و هو التمليك (3).
و «الدول» بضم الدال و فتح الواو جمع الدولة بالضم يقال: جاء فلان بدولاته أي بدواهيه.
قال الراغب في المفردات: الدولة- بالفتح- و الدولة- بالضم- واحدة و قيل:
الدولة بالضم في المال، و الدولة بالفتح في الحرب و الجاه، و قيل: الدولة اسم الشيء الذي يتداول بعينه، و الدولة المصدر، قال اللّه تعالى «كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ (4)» و تداول القوم كذا، أي تداولوه من حيث الدولة، و داول اللّه كذا بينهم
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 2/ 108
(2) نهاية ابن الاثير: 2/ 88 و فيه أخيرا: و يقوم به.
(3) الصحاح: 4/ 1690
(4) سورة الحشر: 7
105
و ضرا و صبرا.
(1)
49- أبو علي أحمد بن علي السلولي (2) شقران القمي، قال حدثني الحسن بن
____________
قال اللّه تعالى «وَ تِلْكَ الْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ النّٰاسِ (1)» و الدؤلول الداهية، و الجمع الدآليل و الدؤلات (2).
قوله (عليه السلام): و صبرا
الصبر في القتل و في اليمين في الفقه.
و الحديث معروف في النهاية الاثيرية: في حديث الصوم «صم شهر الصبر» هو شهر رمضان و أصل الصبر الحبس: يسمى الصوم صبرا لما فيه من حبس النفس عن الطعام و الشراب و النكاح، و فيه «أنه نهى عن قتل شيء من الدواب صبرا هو أن يمسك من ذوات الروح شيء حيا ثم يرمي بشيء حتى يموت، و منه الحديث «نهى عن المصبورة و نهى عن صبر ذي الروح» و منه الحديث «في الذي أمسك رجلا و قتلوا آخرا اقتلوا القاتل و اصبروا الصابر» أي أحبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت كفعله به، و كل من قتل في معركة و لا حرب و لا خطأ فانه مقتول صبرا، و منه حديث ابن مسعود «أن» رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن صبر الروح» و هو الخصاء و الخصاء صبر شديد، و فيه «من أحلف على يمين مصبورة كاذبا» و في حديث آخر «من حلف على يمين صبرا» أي ألزم بها و حبس عليها و كانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، و قيل:
لها مصبورة و ان كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور، لأنه انما صبر من أجلها أي حبس فوضعت بالصبر و أضيفت اليه مجازا (3).
قوله (رحمه اللّه تعالى): أبو على أحمد بن على السلولى
في القاموس: سلول فخذ من قيس (4).
____________
(1) سورة آل عمران: 140
(2) مفردات الراغب: 174
(3) نهاية ابن الاثير: 3/ 8
(4) القاموس: 3/ 397
106
حماد، (1) عن أبي عبد اللّه البرقي،
____________
و في الصحاح: سلول قبيلة من هوازن و هم بنو مرة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، و سلول اسم أمهم نسبوا اليها، منهم عبد اللّه بن همام الشاعر السلولي (1).
ثم في طائفة من النسخ في هذا الموضع «سعدان القمي» بالسين و العين و الدال المهملات قبل الالف و النون أخيرا، و ذلك تصحيف و تحريف من النساخ (2)، و الصواب ما يتكرر من بعد في الاسانيد على اتفاق عامة النسخ و هو «شقران» بضم الشين المعجمة قبل القاف الساكنة و الراء بعدها قبل الالف ثم النون أخيرا، و الرجل معروف كثير الرواية.
و ذكره الشيخ في كتاب الرجال قال في باب لم: أحمد بن علي السلولي المعروف بالشقران القمي المعروف بالشقران القمي المقيم بكش، و كان أشل دوارا (3).
و في بعض نسخ كتاب الرجال التيملي مكان السلولي.
قوله (رحمه اللّه): قال: حدثنى الحسن بن حماد
قد سبق مثله في الاسانيد السابقة، و الذي يستبين أنه من غلط الناسخ، و الصحيح خلف بن حماد بالخاء المعجمة ثم اللام و الفاء أخيرا، فهو الذي يروي عن أبى عبد اللّه محمد بن خالد البرقي، و يتكرر في الاسانيد كثيرا، و هو من الشيوخ.
ذكره الشيخ في باب الخاء المعجمة من باب لم قال: خلف بن حماد مكنى أبا صالح من أهل كش (4).
____________
(1) الصحاح: 5/ 1731
(2) كما في المطبوع من رجال الكشى بجامعة مشهد و النجف الاشرف.
(3) رجال الشيخ: 439 و الموجود فيه القمى بدل السلولى.
(4) رجال الشيخ: 472
107
عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي حكيم، (1) عن أبي خديجة الجمال، (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخل أبو ذر على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و معه جبريل، فقال جبريل: من هذا يا رسول اللّه؟
قال أبو ذر: قال أما أنه في السماء أعرف منه في الارض و سأله عن كلمات يقولهن اذا أصبح قال، فقال يا أبا ذر كلمات تقولهنّ اذا أصبحت فما هنّ؟ قال أقول
____________
و أبو عبد اللّه البرقي يروي عن خلف بن حماد الاسدي على ما في الفهرست (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى) عنه: عن عبد الرحمن بن محمد بن أبى حكيم
في النسخ على التصغير، و في كتب الرجال محمد بن الحكم بن المختار بن أبي عبيدة الثقفي الكوفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) مكبرا (2).
و عبد الرحمن بن محمد من أصحاب أبي جعفر الجواد (عليه السلام)، و يقال: ربما روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).
قوله (رحمه اللّه تعالى) عنه: عن أبى خديجة الجمال
هو سالم بن مكرم على ما يستبين فيما سيرد في الكتاب إن شاء اللّه العزيز، و هو الذي صرح الشيخ بتوثيقه في بعض المواضع، و ثنى توثيقه النجاشي (3).
و زعم الحسن بن داود أن ذاك هو أبو خديجة الرواجني، و ذا أبو خديجة الجمال و هما اثنان و لا توثيق في ذا من أحد (4).
و ذلك و هم منه فاسد، قد أوضحنا فساده في المعلقات على الخلاصة، و على كتابه، و على كتاب النجاشي، و على غيرها من كتب الرجال، و في الرواشح السماوية، و في المعلقات على الفقيه، و على الاستبصار.
____________
(1) الفهرست: 92
(2) رجال الشيخ: 306 و فيه محمد بن أبى الحكم الخ.
(3) رجال النجاشى: 142
(4) رجال ابن داود: 165
108
يا رسول اللّه: اللهم اني أسألك (1) الايمان بك و العافية من جميع البلايا و الشكر على العافية و الغنى عن الناس.
50- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، (2) قالا حدثنا أيّوب بن نوح، عن صفوان ابن يحيى، عن عاصم بن حميد الحنّاط، عن أبي بصير، عن عمرو بن سعيد، قال حدثنا عبد الملك بن أبي ذر الغفاري، (3) قال بعثني أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم مزق عثمان المصاحف، فقال: ادع أباك! فجاء أبي اليه مسرعا، فقال: يا أبا ذر أتى اليوم في الإسلام أمر عظيم، مزق كتاب اللّه و وضع فيه الحديد، و حق على اللّه أن يسلّط الحديد على من مزق كتابه بالحديد. قال، فقال له أبو ذر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
قوله (عليه السلام): اللهم انى أسألك
دعاء أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه معروف في كتب الدعاء و فيما أواظب عليه في وردي «اللهم اني أسألك الايمان بك، و الرضا بقضائك، و الغناء عن الناس و العافية من جميع البلاء، و الشكر على العافية يا ولي العافية».
قوله (رحمه اللّه تعالى): حمدويه و ابراهيم ابنا نصير الى اخره
الطريق نقي صحيح على الأصحّ، فان عمرو بن سعيد المدائني ثقة من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قد وثقه النجاشي (1)، و لم يذكر غميزة فيه و لا طعنا في مذهبه و انما روى أبو عمرو الكشي عن نصر بن الصباح أنه فطحي، و لكن قال نصر: لا اعتمد على قوله. و ابو بصير هو ليث المرادي، كما هو المستبين من الطبقة.
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال: حدثنا عبد الملك بن ابى ذر الغفارى
هو في الاستقامة على طريقة أبيه رضي اللّه تعالى عنهما.
____________
(1) رجال النجاشى: 221.
109
يقول: أن أهل الجبرية (1) من بعد موسى قاتلوا أهل النبوة فظهروا عليهم فقتلوهم زمانا
____________
قوله (عليه السلام): ان أهل الجبرية (1)
بالتحريك، و ربما يقال: الجبرية بكسر الجيم و الباء، و يعني (عليه السلام) بهم المجوس و هم لا يقولون بقدرة و ارادة للإنسان في فعله أصلا، بل يثبتون للعالم الاكبر بنظامه الجملي مبدئين: يسمون أحدهما يزدان و اليه يسندون الخيرات بأسرها، و الاخر أهر من و اليه يضيفون الشرور بأسرها على الاطلاق.
و على طريقتهم الاشاعرة في نفي تأثير قدرة العبد و ارادته في أفعاله مطلقا، فانهم يسندون أفاعيله من الخيرات و الشرور جميعا الى قدرة اللّه سبحانه و ارادته ابتداء، من غير مدخلية للعبد و لا لممكن ما من الممكنات في ذلك بجهة من جهات التأثير و العلية و التقدم العقلي بالذات أصلا، بل على مجرد المقارنة الاتفاقية المعبر عنها عندهم بالكسب لا غير.
و من هناك استتبت علاقة التشبيه في الحديث المشهور بالمتواتر عنه (صلّى اللّه عليه و آله):
القدرية مجوس هذه الامة (2).
أ ليس كل من على ساهرة اقليم العقل و في دائرة ملة الإسلام يعلم بالبرهان انه ما من ممكن ذاتي عينا كان أو فعلا، و جوهرا كان أو عرضا، الا و لا منتدح له في ترتب سلسلة السببية و المسببية من الانتهاء الى مسبب الاسباب من غير سبب على الاطلاق، و الاستناد الى قدرته الحقة القيومية و ارادته الربوبية الوجوبية بآخره، و ان كان الفاعل المباشر قريبا، و الاخير من أجزاء العلة التامة لفعل العبد قدرته و أرادته المنبعثتان عن القدرة التامة الواجبة و الارادة الحقة الفعالة.
فاذن ليس يصح التشبيه من حيث اثبات مبدئين، اذ ليس يقول بذلك أحد من المعتزلة و الامامية و الحكماء الالهيين المثبتين للحيوان قدرة مباشرة للفعل، و إرادة
____________
(1) و في المطبوع من رجال الكشى بجامعة مشهد. أهل الحبرية بالحاء المهملة.
(2) رواه في الطرائف: 344. و هناك مقالات حول عقائد المجبرة فراجع.
110
..........
____________
متقدمة عليه تقدما بالطبع، فقد انصرح أن ملاك التشبيه سلب الفعل عن العبد و نفي قدرته و اختياره على سبيل العلية كما قالته المجوس، و انما ذلك مذهب الاشعرية في هذه الامة فهم القدرية في قوله (عليه السلام) القدرية مجوس هذه الامة لا غيرهم.
و ما تحمله امام المتشككين فخر الدين الرازي و متابعوه في تصحيح كون المعتزلة هم القدرية مما ليس له مساق الى سبيل الصحة و معاد الى طريق الصواب، و ان أحببت بسط القول فيه فعليك بكتابنا الايقاضات.
قال الجوهري في الصحاح: الجبر أن تغني الرجل عن فقر أو تصلح عظمه من كسر، يقال: جبرت العظم جبرا و جبر العظم نفسه جبورا، أي انجبر و اجتبر العظم مثل انجبر، يقال: جبر اللّه فلانا فاجتبر أي سد مفاقره، و الجبر خلاف القدر، قال أبو عبيد: هو كلام مولد و الجبرية بالتحريك خلاف القدرية (1).
و قال الراغب في المفردات: أصل الجبر اصلاح الشيء بضرب من القهر، يقال: جبرته فانجبر و اجتبر، و قد قيل: جبرته فجبر لقول الشاعر:
«قد جبر الدين الاله فجبر»
هذا قول أكثر أهل اللغة و قال بعضهم: ليس قوله فجبر مذكورا على سبيل الانفعال، بل ذلك على سبيل الفعل، و كرره و نبه بالاول على الابتداء باصلاحه و بالثاني على تتميمه، فكأنه قال قصد جبر الدين و ابتدأ به فتمم جبره، و ذلك أن فعل تارة يقال لمن ابتدأ بفعل، و تارة لمن فرغ عنه، و تجبر يقال: اما لتصور معنى الاجتهاد، أو المبالغة، او لمعنى التكلف، و قد يقال: الجبر في الاصلاح المجرد نحو قول علي (عليه السلام) يا جابر كل كسير و مسهل كل عسير، و تارة في القهر المجرد نحو قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لا جبر و لا تفويض، و الجبر في الحساب الحاق شيء به اصلاحا لما يريد اصلاحه، و سمي السلطان جبرا لقهره الناس على ما يريده، أو لإصلاح أمورهم،
____________
(1) الصحاح: 2/ 607- 608
111
..........
____________
و الاجبار في الاصل حمل الغير على أن يجبر الاخر، لكن تعورف في الاكراه المجرد فقيل: أجبرته على كذا، كقولك أكرهته و سمي الذين يدعون أن اللّه تعالى يكره العباد على المعاصي في تعارف المتكلمين مجبرة، و في قول المتقدمين جبرية و جبرية (1).
أي بالتحريك و بكسر الجيم و الباء، كما نقلناه عن الصحاح.
و قال في القاموس: الجبرية خلاف القدرية، و التسكين لحن، أو هو الصواب، و التحريك للازدواج، و الجبار اللّه تعالى لتكبره، و المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا، فهو بين الجبرية و الجبرياء بمكسورتين، و الجبرية بكسرات و الجبرية و الجبروة و الجبروتي و الجبروت محركات (2).
و قال في أساس البلاغة: و قوم جبرية، و هو كذا ذراعا بذراع الجبار أي بذراع الملك، و في الحديث: دعوها فانها جبارة و ما كانت نبوة إلا تناسخها ملك جبرية.
أي الا تجبر الملوك فيها (3).
قلت: قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الحديث: ان أهل الجبرية من بعد موسى قاتلوا أهل النبوة تنصيص على أن أهل الجبرية مقابل أهل النبوة، و هم الكفرة من المجوس الذين قاتلوا بني اسرائيل فظهروا، أي غلبوا عليهم فقتلوهم، و استمروا في عتوهم و غلبتهم عليهم زمانا طويلا، و حديثه عليه و آله الصلاة و السّلام: القدرية مجوس هذه الامة. ناص على أن المجبرة القائلين بالقدر على سبيل محوضة الاجبار و صرافة الالجاء من غير مدخلية لاختيار العبد في فعله أصلا، منزلتهم في هذه الامة منزلة المجوس الجبرية الذاهبين الى أن فعل الانسان مطلقا انما فاعله التام على الاجبار
____________
(1) مفررات الراغب: 85- 86
(2) القاموس: 1/ 384- 385
(3) أساس البلاغة: 81
112
طويلا، ثم ان اللّه بعث فتية فهاجروا الى غبر آبائهم (1) فقاتلهم فقتلوهم، و أنت بمنزلتهم
____________
البحت يزدان أو أهرمن.
فاذن قد استبان أن الجبرية و القدرية واحدة و جعلهما متقابلين، كما ذهبت اليه علماء الاشاعرة في الصدر الاول، ثم جرى عليه كلام أهل اللغة، و المتأخرون بنوا عليه الاصطلاح أخيرا لا أصل له يركن اليه و لا ركن يعتمد عليه.
ثم كيف يسوغ اثبات نسبة نفاة أمر اليه و سلب القول به عن مثبتيه. و ما يقال:
ان تبالغهم في النفي و الانكار مصحح الاسناد و النسبة. ليس يستحق الاصاخة له و الاصغاء اليه.
قوله (عليه السلام): ثم ان اللّه بعث فتية فهاجروا الى غبر آبائهم
في أكثر النسخ «فتية» بكسر الفاء و اسكان المثناة من فوق قبل المثناة من تحت المفتوحة على جمع فتي بالتشديد، كما صبية في جمع صبي، يعني شبابا.
قال في المغرب: الفتى من الناس الشباب القوي و الجمع فتية و فتيان.
و في نسخة «فئة» بكسر الفاء و فتح الهمزة واحدة فيئين.
و «غبر» باعجام الغين قبل الباء الموحدة، اما محركة بمعنى التراب و الارض أي الى ديار آبائهم، أو بضم الغين و تسكين الباء أو تشديدها مفتوحة بمعنى بقية آبائهم و من بقي منهم، و الغبر و الغبر بقية اللبن في الضرع و غبر المرض بقاياه، و كذلك غبر الليل و الغابر من كل شيء الباقي منه قاله في الصحاح (1).
و قال في القاموس: غبر غبورا مكث و ذهب ضد، و هو غابر من غبر كركع، و غبر الشيء بالضم بقيته كغبره، و الجمع أغبار (2).
____________
(1) الصحاح: 2/ 765
(2) القاموس: 2/ 99
113
يا علي. فقال علي: قتلتني يا أبا ذر. (1) فقال أبو ذر: أما و اللّه لقد علمت أنه سيبدأ بك.
51- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، (2) قالا حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان ابن يحيى، عن عاصم بن حميد الحنفي، عن فضيل الرسّان، قال حدثني أبو عبد اللّه عن أبي سخيلة، قال حججت أنا و سلمان بن ربيعة، قال فمررنا بالربذة، قال فأتينا
____________
قوله (عليه السلام): قتلتنى يا أبا ذر
يعنى أخبرت بقتلي فقال أبو ذر: نعم قد علمت أنه سيبدأ في العترة الطاهرة بك يا أمير المؤمنين.
قوله (رحمه اللّه تعالى): حمدويه و ابراهيم ابنا نصير
الطريق حسن بفضيل الرسان، و هو الفضيل بن الزبير الاسدي مولاهم الكوفي الرسان، ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي جعفر الباقر و في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام) بالتصغير (1)، و كذلك في كتاب أبي عمرو الكشي (2)، و الحسن بن داود أورده في كتابه مكبرا (3).
و أبو عبد اللّه هذا الذي روى عنه الفضيل الرسان هو أبو عبد اللّه البجلي الكوفي من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من اليمن، ذكره العلامة في الخلاصة (4)، و الشيخ في كتاب الرجال (5). أو أبو عبد اللّه الجدلي بفتح الجيم و الدال من أوليائه (عليه السلام) و خواصه من مضر، كما أورده في الخلاصة، و اسمه عبيد بن عبد.
قال في الخلاصة: قيل: انه كان تحت راية المختار، و يقال: اسمه عبد الرحمن ابن عبد ربه (6).
____________
(1) رجال الشيخ: 132 و 272
(2) رجال الكشى: 338 ط مشهد و 287 ط نجف.
(3) رجال ابن داود: 271
(4) الخلاصة: 194
(5) رجال الشيخ: 63
(6) الخلاصة 127
114
أبا ذر فسلمنا عليه، قال فقال لنا: ان كانت بعدي فتنة و هي كائنة (1) فعليكم بكتاب اللّه و الشيخ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فاني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يقول: علي أول من آمن بي و صدقني، (2) و هو أول من يصافحني يوم القيامة، و هو الصديق الاكبر، و هو
____________
و ذكرة الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم أورده في أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قال: عبد الرحمن بن عبد ربه الخزرجي (1). طعنوا عليه بالرفض.
و قال ابن حجر في التقريب: عبد أو عبد الرحمن بن عبد أبو عبد اللّه الجدلي ثقة، رمي بالتشيع من كبار الثالثة.
و «أبو سخيلة» بضم السين المهملة و فتح الخاء المعجمة، كما قال في الخلاصة ناقلا عن البرقي (2)، و ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) (3).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و هى كائنة
يعني ألا و هي كائنة لا محال من غير امتراء، لما قد أخبرنا به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
قوله (ص): على أول من آمن بى و صدقنى
و العامة رووا هذا الحديث من طرق عديدة غير طريق أبي ذر (4).
أورد أبو عبد اللّه الذهبي مع شدة عناده و نصبه في ميزان الاعتدال أنه ذكر العقيلي بالاسناد عن ابن عباس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال لام سلمة: ان عليا لحمه من لحمي و هو مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، قال ابن عباس، ستكون فتنة فمن أدركها فعليه بخصلتين كتاب اللّه و علي بن أبي طالب، فاني سمعت
____________
(1) رجال الشيخ: 50 و 76
(2) الخلاصة: 195
(3) رجال الشيخ: 65
(4) و قد أوردنا مصادر هذا الحديث عن طرق العامة و الخاصة في كتاب الطرائف: 18
115
الفاروق بعدي يفرق بين الحق و الباطل، و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظلمة.
(1)
52- و بهذا الاسناد عن الفضيل الرسان، قال حدثني أبو عمر، عن حذيفة ابن أسيد، (2) قال سمعت أبا ذر، يقول و هو متعلق بحلقة باب الكعبة، أنا جندب بن جنادة لمن عرفني و أنا أبو ذر لمن لم يعرفني، اني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يقول:
____________
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول و هو آخذ بيد علي: هذا أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة، و هو فاروق هذه الامة يفرق بين الحق و الباطل، و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظلمة، و هو الصديق الاكبر، و هو خليفتي من بعدي.
و في ميزان الاعتدال أيضا: أن سليمان بن عبد اللّه روى عن معاذة عن علي:
أنا الصديق الاكبر قال مذكور في كتاب العقيلي (1):
قوله (عليه السلام): و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظلمة
أي يجتمع على اتباعه و التمسك به قلوب المؤمنين، كما على التمسك بالمال قلوب الظلمة.
قال في الصحاح: و اليعسوب ملك النحل، و منه قيل للسيد: يعسوب قومه و الياء فيه من الزوائد لأنه ليس في الكلام فعلول غير صعفوق (2).
قوله (رحمه اللّه تعالى): و بهذا الاسناد عن الفضيل الرسان قال: حدثنى أبو عمر عن حذيفة بن أسيد
أبو عمر هو زاذان الفارسي بالزاء قبل الالف و الذال المعجمة بعدها و النون بعد الالف الثانية، أورده في الخلاصة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من مضر (3)، و ذكر الشيخ في باب الزاء من أصحابه (عليه السلام) زاذان يكنى أبا عمر الفارسي زياد بن
____________
(1) ميزان الاعتدال: 2/ 212 ط السعادة بمصر و 1/ 417
(2) الصحاح: 1/ 181
(3) الخلاصة: 192 و فيه أبو عمرو الفارسى.
116
من قاتلني في الاولى و الثانية فهو في الثالثة من شيعة الدجال (1) انما مثل أهل بيتي
____________
الجعدة (1).
و «حذيفة» ذكره الشيخ في كتاب الرجال فيمن روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة قال: حذيفة بن أسيد الغفاري أبو سريحة صاحب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو ابن أمية (2).
ثم ذكره في أصحاب أبي محمد الحسن (عليه السلام) فقال: حذيفة بن أسيد الغفاري (3).
و قد تقدم في الكتاب في حديث الحواريين أنه من حواري الحسن بن علي (عليهما السلام).
قال ابن الاثير في جامع الاصول: أسيد بفتح الهمزة و كسر السين المهملة و بالدال المهملة. و أبو سريحة بفتح السين المهملة و كسر الراء بالحاء المهملة.
و قال الحسن بن داود: و في نسخة من كتاب الرجال للشيخ أبو سرعة (4).
قلت: و لا تعويل عليه.
قوله (ص): من قاتلنى في الاولى و الثانية و هو في الثالثة من شيعة الدجال
في الاولى و الثانية، و في نسخة و في الثانية خبر من قاتلني.
و المعنى: من قاتلني ففي الطبقتين الاولى و الثانية، يعني بالطبقة الاولى من بارزه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمقاتلة في زمانه، و بالطبقة الثانية من قاتل عليا (عليه السلام) بعده (صلّى اللّه عليه و آله).
لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): لعلي (عليه السلام): يا علي حربك حربي.
____________
(1) رجال الشيخ: 42 و زياد بن الجعدة رجل آخر غير زاذان الفارسى و لعل وقع سهوا من المؤلف.
(2) رجال الشيخ: 16 و فيه أبو سرعة.
(3) المصدر: 67
(4) رجال ابن داود: 101
117
في هذه الامّة مثل سفينة نوح (1) في لجة البحر من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق.
ألا هل بلّغت.
____________
و لقوله: منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت أنا على تنزيله (1).
و عني به عليا، فمن قاتل عليا (عليه السلام) فهو كمن بارز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمقاتلة، و أما من قاتله (صلّى اللّه عليه و آله) في الطبقة الثالثة فهم الذين يقاتلون المهدي من آل محمد (عليه السلام) في آخر الزمان، و هم من شيعة الدجال.
ففي الصحيفة المكرمة الرضوية بأسناده عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم صلوات اللّه و تسليماته: من قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتلنا للدجال.
قال الاستاذ أبو القاسم الطائي: سألت علي بن موسى الرضا عمن قاتلنا في آخر الزمان قال: من قاتل صاحب عيسى بن مريم و هو المهدي (عليه السلام).
قوله (ص): انما مثل أهل بيتى مثل سفينة نوح
هذا الحديث عنه (صلّى اللّه عليه و آله) متشعب الطريق متنا و سندا من طريق أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه و من طريق غيره عند العامة و الخاصة (2).
____________
(1) رواه جماعة من أعلام العامة بطرق مختلفة منهم أحمد بن حنبل في مسنده: 3/ 33 ط ميمنية بمصر و النسائى في الخصائص: 40 و الحاكم في المستدرك: 3/ 122 ط حيدرآباد الدكن و أبو نعيم في حلية الاولياء: 1/ 67 ط مصر و الطبرى في رياض النضرة: 2/ 191 ط محمد أمين بمصر و ابن كثير في البداية و النهاية: 6/ 217 و السيوطى في تاريخ الخلفاء.
173 و غيرها مما يطول ذكرها.
(2) و اما من طريق الخاصة فرواه السيد بن طاوس عن عدة طرق في كتاب الطرائف:
132، و ابن بطريق في العمدة: 187، و العلامة المجلسى في البحار: 23/ 124 و اما من طريق العامة فرواه ابن قتيبة في عيون الاخبار: 1/ 211 ط مصر، و الحاكم في المستدرك: 3/ 150 ط دكن، و ابن المغازلى في المناقب: 132- 134. و الخوارزمى في مقتل الحسين، و الذهبى في ميزان الاعتدال: 1/ 224 ط مصر و السيوطى في تاريخ الخلفاء: 573، و القندوزى في ينابيع المودة: 28 ط اسلامبول.
118
53- جعفر بن معروف، (1) قال حدثني الحسن بن علي بن النعمان، قال حدثنى أبي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
أرسل عثمان الى أبي ذر موليين له و معهما مائتا دينار، فقال لهما انطلقا بها الى
____________
و في الصحيفة المكرمة الرضوية باسناده المكرم عن آبائه الطاهرين عن أمير المؤمنين عليه و (عليهم السلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها زخ في النار (1).
و كذلك رواه كثير من العامة صاحب المشكاة و غيره، و في المشكاة و مسند أحمد بن حنبل عن أبي ذر أنه قال و هو آخذ بباب الكعبة: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ألا ان مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق (2).
قال ابن الاثير في النهاية في باب الزاء مع الخاء المعجمة: في الحديث مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من تخلف عنها زخ به في النار أي دفع و رمي يقال: زخه يزخه زخا (3).
و قال صاحب الكشاف في أساس البلاغة: زخه في وهدة دفعه فيها، و في الحديث مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق و زخ في النار و زخ في قفاه (4).
قوله (رحمه اللّه تعالى): جعفر بن معروف
ذكره الشيخ في باب لم، و قال: يكنى أبا محمد من أهل كش وكيل و كان مكاتبا (5).
____________
(1) صحيفة الرضا: 22
(2) رواه بهذه الالفاظ الطبرانى في المعجم الصغير: 78 ط الدهلى
(3) نهاية ابن الاثير: 2/ 298.
(4) أساس البلاغة: 268
(5) رجال الشيخ: 458
119
أبي ذر فقولا له: ان عثمان يقرئك السّلام و هو يقول لك هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك، فقال أبو ذر هل أعطي أحد من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا لا. قال:
فانما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسع المسلمين قالا له: انه يقول هذا من صلب ما لي و باللّه الذي لا إله الا هو ما خالطها حرام و لا بعثت بها إليك الا من حلال. فقال:
لا حاجة لي فيها و قد أصبحت يومي هذا و أنا من أغنى الناس. فقالا له عافاك اللّه و أصلحك! ما نرى في بيتك قليلا و لا كثيرا مما يستمتع به؟ فقال: بلى تحت هذه الاكاف (1)
____________
و ليس هو جعفر بن معروف السمرقندي الذي ذكره أحمد بن الحسين الغضائري و قال: كنيته أبو الفضل يروي عنه العياشي كثيرا.
و الحسن بن علي بن النعمان صحيح الحديث له كتاب كثير الفوائد قاله النجاشي (1)، و في طبقته من يروي عنه الصفار و أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي. و أبوه علي ابن النعمان الاعلم أبو الحسن النخعي مولاهم الكوفي من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ثقة ثبت وجه صحيح الحديث واضح الطريقة، و هو الوارد في أسناد زبور آل محمد و إنجيل أهل البيت الصحيفة الكريمة السجادية، يروي عنه كتابه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و محمد بن أبي عبد اللّه.
و علي بن أبي حمزة الثمالي لا البطائني لكون علي بن النعمان الاعلم أكثري الرواية عنه.
و أبو بصير هو ليث بن البخترى المرادي و يقال له: أبو بصير الاصغر لا يحيى بن القاسم المكفوف، لرواية ابن أبي حمزة الثمالي عنه، فالطريق نقي حسن بعلي بن أبي حمزة، بل صحيح على ما ستعلمه إن شاء اللّه العزيز.
قوله رضى اللّه عنه: تحت هذه الاكاف
اكاف الحمار بكسر الهمزة معروف. و في القاموس: و بالضم أيضا (2)،
____________
(1) رجال النجاشى: 31
(2) القاموس: 3/ 118
120
التي ترون رغيفا شعير قد أتي عليهما أيام فما أصنع بهذه الدنانير، لا و اللّه حتى يعلم اللّه اني لا أقدر على قليل و لا كثير، و لقد أصبحت غنيا بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) و عترته الهادين المهديين الراضين المرضيين الذين يهدون بالحق و به يعدلون، و كذلك سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول، فانه لقبيح بالشيخ أن يكون كذابا، فرداها عليه و أعلماه أنه لا حاجة لي فيها و لا فيما عنده، حتى ألقى اللّه ربي فيكون هو الحاكم فيما بيني و بينه.
54- حدثني علي بن محمد القتيبي، قال حدثني الفضل بن شاذان، قال حدثني أبي، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، (1) قال قال أبو الحسن (عليه السلام) قال أبو ذر: من جزى اللّه عنه الدنيا (2) خيرا فجزاها اللّه عني مذمة بعد رغيفي شعير أتغدى باحدهما و أتعشى بالاخر، و بعد شملتي صوف أتزر باحداهما و أرتدي بالاخرى.
____________
و الاكاف: صانعه. و الجمع الاكف بضمتين.
قال في المغرب: و السرج الذي على هيئته هو ما يجعل على مقدمة شبه الرمانة، و الوكاف لغة و منه او كف الحمار و أكفه ايكافا و وكفه توكيفا أي شد عليه الاكاف، و أما أكف الاكاف تأكيفا فمعناه اتخذه.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن موسى بن بكر الواسطى
ذكره الشيخ في أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) و قال: أصله كوفي واقفي له كتاب يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).
و اني لست استثبت وقف الرجل، و لا شيخنا أبو العباس النجاشي تعرض لنقله، و ستطلع على ما رواه أبو عمرو الكشي في مدحه مما ينصرح به أن أسناد الوقف اليه اختلاق عليه، فاذن الطريق حسن على الأصحّ.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: من جزى اللّه عنه الدنيا
يعني من كان شيء من الدنيا عنده مشكورا محمودا مرغوبا اليه يستحق أن يقال: جزاه اللّه عني خيرا فأنا على خلاف سيرته، فان كل ما في الدنيا مذموم مقبوح
____________
(1) رجال الشيخ: 359
121
قال، و قال: ان أبا ذر بكى من خشية اللّه حتى اشتكى عينيه فخافوا عليهما، فقيل له يا أبا ذر لو دعوت اللّه في عينيك؟ فقال: اني عنهما لمشغول و ما عناني أكبر. (1) فقيل له: و ما شغلك عنهما؟ قال: العظيمتان الجنة و النار. قال: و قيل له عند الموت يا أبا ذر ما مالك؟ قال علمي. قالوا انا نسألك عن الذهب و الفضة؟ قال ما أصبح فلا امسي و ما أمسي فلا أصبح (2) لنا كندوج ندع فيه حرّ متاعنا، سمعت حبيبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: كندوج المرء قبره. (3)
____________
منحي عن الخير لا يستحق الا أن يقال: جزاه اللّه عني مذمة و بعادا عن الرواء و النضارة بعد رغيفي شعير اتخذ أحدهما لي غذاء به أتغذى و الاخر عشاء به أتعشى و بعد شملتي صوف أتخذ لي أحدهما ازارا و بها أتزر و الاخرى رداء بها أرتدي.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و ما عنانى أكبر
بالتشديد على التفعيل من العناء باهمال العين المفتوحة قبل النون و بالمد المشقة و الشدة و الاذى و الالم، عناه يعنيه تعنية فتعنى و هو يتعاني الشدائد و المشاق و الآلام.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ما أصبح فلا أمسى و ما أمسى فلا أصبح
على سياقه الدعاء عليه، و الهمزة للدخول أي ما منه أصبح و دخل في الصباح فلا أبقاه اللّه الى الامساء، و ما منه أمسى و دخل في المساء فلا أبقاه اللّه الى الاصباح و الدخول في الصباح، «لنا كندوج» أي وعاء نضع فيه «حر متاعنا» حر كل شيء باهمال الحاء المضمومة قبل الراء المشددة نجيبه و نفيسه و طيبه و صميمه، و أرض حرة لا سبخة فيها، و طين حر لا رمل فيه، و رملة حرة طيبة النبات و نزل في حر الوادي أي في وسطها قاله في الاساس (1).
قوله (ص) كندوج المرء قبره
الكندوج بالضم على وزن صندوق شبه المخزن.
____________
(1) أساس البلاغة: 121
122
55- محمد بن مسعود و محمد بن الحسن البراثى، (1) قالا حدثنا ابراهيم بن
____________
قال في القاموس: معرب كندو (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): و محمد بن الحسن البراثى
في طائفة جمة من النسخ بالباء الموحدة قبل الراء و الثاء المثلثة بعد الالف.
قال في القاموس: قرية من نهر الملك، أو محلة عتيقة بالجانب الغربي، و جامع براثا معروف، و أحمد بن محمد بن خالد و جعفر بن محمد و أبو شعيب البراثيون محدثون (2).
و قال شيخنا الشهيد في الذكرى: مسجد براثا في غربي بغداد، و هو باق الى الان رأيته و صليت فيه (3).
و في بعض النسخ البراني بالراء المشددة بعد الباء الموحدة و النون بعد الالف.
قال الشيخ في باب لم: محمد بن الحسن البراني يكنى أبا بكر كاتب له رواية (4).
قلت: و كأنه محمد بن الحسن بن روزبه أبو بكر المدائني الكاتب نزيل الرحبة الوارد في أسناد الصحيفة الكريمة السجادية.
و في القاموس: البرة موضع قتل فيه قابيل هابيل، و البرانية قرية ببخارا منها سهل بن محمود البراني الفقيه و النجيب محمد بن محمد البراني المحدث (5).
و لقد حققنا القول فيه في المعلقات على الصحيفة الكريمة (6).
____________
(1) القاموس: 1/ 205
(2) القاموس: 1/ 162
(3) الذكرى: 155
(4) رجال الشيخ: 497
(5) القاموس: 1/ 371
(6) التعليقة على الصحيفة السجادية المطبوع على هامش نور الأنوار للجزائرى: 26 و الكتاب سيطبع قريبا بتحقيقنا و تعليقنا عليه.
123
محمد بن فارس، (1) قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان عن الحسين بن المختار، (2) عن زيد الشحام، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول طلب
____________
و في نسخة عتيقة كأنها أصح النسخ «البرنانى» بنونين من حاشيتي الالف و هذا هو الصحيح في هذا الاسناد.
قال الشيخ في باب لم: محمد بن الحسن البرناني روى عنه الكشي (1).
و قد أسلفنا تصحيح النسبة فيه، و ضبطه بعضهم «البرثاني» بضم الباء الموحدة و الثاء المثلثة بعد الراء نسبة الى قبيلة برثن.
قال في الصحاح: و برثن حي من بني أسد (2).
قوله (رحمه اللّه تعالى): قالا: حدثنا ابراهيم بن محمد بن فارس
هو النيسابوري من أصحاب أبي الحسن الثالث و أبي محمد العسكريين (عليهما السلام) ذكره الشيخ في أصحابهما (3).
قال في الخلاصة: لا بأس به في نفسه و لكن بعض من يروي هو عنه (4).
قلت: و هذه بعينها عبارة محمد بن مسعود العياشي على ما روى عنه الكشي (5) و سيجيء في الكتاب، فقول بعض شهداء المتأخرين (6) في حاشيته على الخلاصة في كتاب الكشي ثقة في نفسه نقل لا أصل له.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن الحسين بن المختار
هو القلانسي و قد أوضحنا لك فيما سبق استقامته و ثقته.
____________
(1) رجال الشيخ: 509.
(2) الصحاح: 5/ 2078
(3) رجال الشيخ: 410 و 428
(4) الخلاصة: 7
(5) رجال الكشى: 446 ط نجف.
(6) هو الشهيد الثانى في حاشيته على الخلاصة غير مطبوع.
124
أبو ذر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقيل له انه في حائط كذا و كذا، فتوجه في طلبه فوجده نائما فأعظمه أن ينبهه، فأراد ان يستبري نومه من يقظته فأخذ عسيبا يابسا (1) فكسره ليسمعه صوته فسمعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فرفع رأسه، فقال: يا أبا ذر تخدعني أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي كما أراكم في يقظتي ان عيني تنامان و لا ينام قلبي. (2)
____________
قوله (عليه السلام): فأخذ عسيبا يابسا
باهمال العين المفتوحة و كسر السين المهملة و تسكين المثناة من تحت قبل الياء الموحدة، أي جريدة من النخل مستقيمة دقيقة.
قوله (ص): ان عينى تنامان و لا ينام قلبى
قال السيد المكرم الرضي أخو السيد المعظم المرتضى رضي اللّه تعالى عنهما في كتاب مجازات الحديث: و من ذلك قوله عليه الصلاة و السّلام تنام عيناي و لا ينام قلبي. و هذا القول عند المحققين من العلماء مجاز، لأنه (عليه السلام) لو كان قلبه لا ينام على الحقيقة كقلوب الناس لكان ذلك من أكبر معجزاته و أبهر آياته، و لوجب أن تتظاهر الاخبار بنقله، كما تظاهرت بنقل غيره من أعلامه و دلالته.
و مما يحقق قولنا ما رواه عبد اللّه بن عباس رحمهما اللّه من أنه (صلّى اللّه عليه و آله) نام و نفخ فصلى و لم يتوض، فقيل له عليه الصلاة و السّلام في ذلك فقال: ليس الوضوء على من نام قاعدا انما الوضوء على من نام مضطجعا، و في بعض الروايات أو متوركا فانه اذا نام كذلك استرخت مفاصله.
فبين عليه الصلاة و السّلام أنه لو نام مضطجعا للزمه الوضوء لاسترخاء مفاصله، فلو كان قلبه لا ينام لما وجب عليه الوضوء اذا نام مضطجعا، كما لا يجب عليه اذا نام قاعدا، و قد يجوز أن يكون المراد بقوله (عليه السلام): تنام عيناي و لا ينام قلبي. أنه لا يعتقد في حال نومه من الرؤيا الفاسدة و المنامات المتضادة ما يعتقده غيره من سائر البشر، فيكون في حكم المستيقظ و بمنزلة المتحفظ (1) انتهى كلامه رفع مقامه.
____________
(1) المجازات النبوية: 175- 176
125
..........
____________
قلت: هذا الحديث متواتر قد تظافرت و تظاهرت طرق نقله، و ما ذكره من رواية ابن عباس خبر من باب الآحاد و لا تعويل عليه، و العمل في المذهب من طريق أهل البيت (عليهم السلام) أن مطلق النوم الغالب على الحواس ناقض للوضوء اضطجاعا كان أو قعودا.
فاما سبيل مغزاه من طريق العلوم البرهانية فهو: أنه قد أقر في مقره في العلوم الطبيعي و في العلم الذي فوق الطبيعة أن النفس الانسانية اذا كانت منهمكة في جنبة البدن و في غواشي عالم الطبيعة لم يكن طريقها في الرؤية الابصارية الا من سبيل الظاهر من ممر الجليدية.
و أما الانسان المتأله اذا صار أكيد العلاقة بعالم الملكوت و قوى ارتباط قوته القدسية بالجواهر النورية و الأنوار العقلية، فتهيأ له الرؤية البصرية في اليقظة و في النوم لا من سبيل الظاهر، بل من سبيل الباطن بانطباع الصورة في حسه المشترك و اختلاس قوته المتخيلة من فيض عالم العقل لا بحضور مادة خارجية.
و من هناك كان النبي احدى خاصياته الثلاث التي منها تستتم ضروب النبوة أن تتشبح له الملائكة فيرى من تتنزل عليه من ملائكة اللّه المقربين، و يسمع كلام اللّه منتظما على لسان روح القدس الامين باذن اللّه المهيمن الملك الحق المبين.
و هذا هو الذي يعبر عنه بالوحي و الايحاء على ما قد أسمعناك فيما تلونا عليك من قبل، و ليس يتيسر ذلك للنبي متى ما أراد و حيثما أراد، بل انما له وقت موقوت من اللّه سبحانه يلقى عليه فيضه اذا شاء كيف شاء، و سواء في ذلك حال النوم و حال اليقظة.
فاذن ربما يكون النبي تنام عيناه و لا ينام قلبه فيرى و يسمع في النوم ما يراه و يسمعه في اليقظة، و لكن لا من سبيل الظاهر، بل من سبيل الباطن من جهة الاتصال بالملأ الاعلى و الانخراط في سلك الملكوت، و لا كذلك ساير البشر، فهذا معنى قوله (صلّى اللّه عليه و آله) تنام عيناي و لا ينام قلبي، و لم يزد أنه يبصر و يسمع في النوم كما يبصر و يسمع في اليقظة دائما في جميع أوقات النوم و اليقظة فليتعرف.
126
عمار
(1) 56- حدثني علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، قال حدثنا الفضل بن شاذان عن محمد بن سنان، عن أبي خالد، (2) عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال قلت: ما تقول في عمار؟ قال: رحم اللّه عمارا، ثلاثا قاتل مع أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه و آله) و قتل شهيدا. قال: قلت في نفسي ما تكون منزلة أعظم من هذه المنزلة؟ فالتفت إليّ، فقال لعلك تقول مثل الثلاثة! هيهات! قال، قلت: و ما علمه انه يقتل في ذلك اليوم؟ قال: انه لما رأى الحرب لا تزداد الاشدة و القتل لا يزداد إلا كثرة ترك الصف و جاء الى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين هو هو؟ (3) قال:
ارجع الى صفك، فقال له ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول له ارجع الى صفك، فلما أن كان في الثالثة قال له نعم. فرجع الى صفه و هو يقول: اليوم ألقى الاحبة محمدا و حزبه.
____________
في عمار بن ياسر رضى اللّه عنه
هو أبو اليقظان سماه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالطيب المطيب شهد بدرا، و لم يشهدها ابن من المؤمنين غيره، و شهد أحدا و المشاهد كلها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الجمل و صفين مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قتل بصفين شهيدا و دفن هناك سنة سبع و ثلاثين و هو ابن ثلاث و تسعين سنة.
قوله (رحمه اللّه): عن أبى خالد
يعني به الكابلي و قد فصلنا القول فيه سابقا.
قوله (عليه السلام): فقال يا أمير المؤمنين هو هو؟
يعني يومنا هذا هو يومي الذي خبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه تقتلني فيه الفئة الباغية.
127
57- محمد بن أحمد بن أبي عوف البخاري و محمد بن سعد بن مزيد الكشي (1) قالا حدثنا أبو علي المحمودي محمد بن أحمد بن حماد المروزي، قال عمار بن ياسر الذي قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد ألقته قريش في النار: يا نار كوني بردا و سلاما على عمار كما كنت بردا و سلاما على ابراهيم، فلم تصله النار (2) و لم يصله منها مكروه و قتلت قريش أبويه و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: صبرا آل ياسر موعدكم الجنة، ما تريدون من عمار؟ عمار مع الحق و الحق مع عمار حيث كان، (3) عمار
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): محمد بن أحمد بن أبى عوف البخارى و محمد ابن سعد (1) بن مزيد الكشى
قد مر ذكرهما و تحقيق القول فيهما في صدر الكتاب.
قوله: فلم تصله النار
بفتح التاء المضارعة و تسكين الصاد المهملة، أي لم تشوه و لم تحرقه، يقال:
صلى اللحم يصليه صليا شواه و ألقاه في النار للإحراق، و الصلا بالفتح و القصر، و الصلاء بالكسر و المد النار أو الوقود أو الشواء، و لم يصله بفتح الياء و كسر الصاد من الوصول.
و في طائفة من النسخ «فلم يصبه» منها مكروه بالباء الموحدة بعد الصاد من الاصابة.
قوله (ص): عمار مع الحق و الحق مع عمار حيث كان
هذا الحديث عنه (صلّى اللّه عليه و آله) صحيح ثابت الصحة عند العامة و الخاصة من غير طريق واحد، و كذلك «و اهدوا هدي عمار» متفق عليه لدى الجميع، يروى بفتح الهاء و كسرها و اسكان الدال.
قال ابن الاثير في النهاية: الهدي السيرة و الهيئة و الطريقة، و منه الحديث:
و اهدوا هدي عمار. أي سيروا بسيرته و تهيّؤا بهيئته، يقال: هدى هدي فلان اذا
____________
(1) و في «ن» و «س»: سعيد
128
..........
____________
صار بسيرته (1).
و رووا: اذا سلك الناس واديا و عمارا واديا فاسلكوا مسلك عمار.
قلت: و ذلك كله اخبار منه (صلّى اللّه عليه و آله) بأن فيما يقع بعده من الاثرة يكون العمار مع علي (عليه السلام) متبعا له متبرءا عمن يستأثر عليه (صلوات اللّه عليه) بحقه، كالمقداد و أبو ذر و سلمان و غيرهم من السابقين، كما قد سبق في الكتاب.
قال المسعودي في مروج الذهب: و قد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان في الوقت الذي بويع فيه عثمان، و دخل داره و معه بنو أمية، قال أبو سفيان: أ فيكم أحد من غيركم؟ و قد كان أعمى قالوا:
لا قال: يا بني انكم تلقفتموها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان لتصيرن الى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان و ساءه ما قال، و نمى هذا القول الى المهاجرين و الانصار و غير ذلك:
فقام عمار في المسجد و قال: يا معشر قريش أما اذ صرفتم هذا الامر من أهل بيت نبيكم هاهنا مرة و هاهنا مرة، فما أنا بآمن أن ينزعه اللّه منكم فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله.
و قام المقداد فقال: ما رأيت مثل الذي أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: و ما أنت و ذلك يا مقداد بن عمرو فقال: اني و اللّه لا حبهم بحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اياهم، و أن الحق معهم و فيهم يا عبد الرحمن، أعجب من قريش، و انما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت، قد أصفقوا على نزع سلطان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعده من أيديهم، أما و ايم اللّه يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي اياهم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم بدر (2).
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 5/ 253
(2) مروج الذهب: 2/ 342
129
جلدة بين عيني و انفي (1) تقتله الفئة الباغية، و قال وقت قتلهم إياه: اليوم ألقى الاحبة محمدا و حزبه، يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار.
58- حمدويه و ابراهيم قالا حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان، عن عاصم ابن حميد، عن فضيل الرسان، (2) قال سمعت أبا داود، و هو يقول حدثني بريدة الاسلمى
____________
قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): عمار جلدة بين عينى و أنفى
و في بعض النسخ جلدة ما بين عيني و أنفي، و هذا أشهر في الرواية في أصول العامة و الخاصة، و ذلك كناية عن شدة الاتصال و الاختصاص. الجلد: قشر البدن، و جمعه الجلود.
قال في الصحاح: الجلد واحد الجلود، و الجلدة أخص منه (1).
و متن الحديث منتظما: تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار.
و أما «قال وقت قتلهم اياه اليوم ألقى الاحبة محمدا و حزبه» فكلام الراوي نقلا لقول عمار وقع في البين اقحاما.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن عاصم بن حميد عن فضيل الرسان
الطريق حسن بالفضيل الرسان، و عالي الاسناد في الطبقة الاولى، و أبو داود من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال (2).
و سيرد في الكتاب حديثه عن عمران بن حصين: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر فلانا و فلانا- يعني أبا بكر و عمر- أن يسلما على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين الحديث.
و بريدة الاسلمي أخوه لأمه و هو أيضا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام) قاله العلامة في الخلاصة (3) و سيرد في الكتاب
____________
(1) الصحاح: 1/ 455
(2) رجال الشيخ: 32
(3) الخلاصة: 27 و فيه بريد الاسلمى
130
قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ان الجنة تشتاق الى ثلاثة قال فجاء أبو بكر، فقيل له: يا أبا بكر أنت الصديق (1) و أنت ثاني اثنين اذ هما في الغار، (2) فلو سألت رسول
____________
من ذي قبل إن شاء اللّه العزيز.
و ذكر الشيخ في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) بريدة الخصيب الاسلمي الخزاعي و قال: مدني عربي (1).
و قيل: بريدة أبو الخصيب.
الصواب فيه ضم الحاء و فتح الصاد المهملتين على التصغير كزبير كما في جامع الاصول و القاموس (2) و المغرب، و ضبطه المصحفون باعجام الخاء المفتوحة و اهمال الصاد المكسورة بعدها و يقال باعجام الضاد.
قوله: أنت الصديق
بكسر الصاد و الدال المشددة المهملتين على فعيل بناء للمبالغة في التصديق.
و نحن نقول: يستبين من فزعه و حزنه في الغار، و هو مع النبي الكريم الموعود من السماء بالنصر و التأييد و الامن و الغلبة، و قوله «ان تصب اليوم ذهب دين اللّه» أنه كان ضعيف اليقين جدا في الوثوق باللّه و التصديق لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فهو بذلك خارج عن استحقاق اسم التصديق.
قوله: و أنت ثانى اثنين اذ هما في الغار
بسكون الياء ارتفاعا على الخبر، أي أنت أحد اثنين اذ هما في الغار، و أما في التنزيل الكريم فثاني اثنين عبارة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال اللّه تعالى «إِلّٰا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّٰهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثٰانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي الْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لٰا تَحْزَنْ إِنَّ اللّٰهَ مَعَنٰا فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا (3)» الضمائر كلها لرسول
____________
(1) رجال الشيخ: 35
(2) القاموس: 3/ 55
(3) سورة التوبة: 40
131
..........
____________
اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) باتفاق المفسرين.
قال في الكشاف: و أسند الاخراج الى الكفار كما أسند اليهم في قوله «مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ» لأنهم حين هموا باخراجه أذن اللّه له في الخروج فكأنهم أخرجوه «ثٰانِيَ اثْنَيْنِ» أحد اثنين، كقوله ثالث ثلاثة، و هما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبو بكر و انتصابه على الحال و قرئ ثاني اثنين بالسكون و «إِذْ هُمٰا» بدل من اذ أخرجه، و الغار نقب في أعلى ثور، و هو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثا.
«إِذْ يَقُولُ» بدل ثان قيل: طلع المشركون فوق الغار فاشفق أبو بكر على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: ان تصب اليوم ذهب دين اللّه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما و قيل: لما دخل الغار بعث اللّه حمامتين فباضتا في أسفله و العنكبوت فنسجت عليه فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اللهم أعم أبصارهم: فجعلوا يترددون حول الغار و لا يفطنون قد أخذ اللّه أبصارهم عنه «سكينة» ما ألقي في قلبه من الامنة التي سكن عندها و علم أنهم لا يصلون اليه، و الجنود الملائكة يوم بدر و الاحزاب و حنين (1).
قلت: سياق (2) الاية الكريمة بلسان بلاغتها تنطق بوجوه من الطعن في جلالة أبي بكر:
الاول: أن همه و حزنه و فزعه و انزعاجه و قلقه حين اذ هو مع النبي الكريم المأمور من تلقاء ربه الحفيظ الرقيب بالخروج و الهجرة، و الموعود من السماء على لسان روح القدس الامين بالتأييد و النصرة، مما يكشف عن ضعف يقينه و ركاكة ايمانه جدا.
الثاني: أن انزال اللّه سكينته عليه (صلّى اللّه عليه و آله) فقط لا على أبي بكر و لا عليهما جميعا، مع كون أبي بكر أحوج الى السكينة حينئذ لقلقه و حزنه يدل على أنه لم يكن
____________
(1) الكشاف: 2/ 190
(2) و في «س» ساقة آية الكريمة.
132
..........
____________
أهلا لذلك.
و تحامل احتمال أن يرجع الضمير في عليه على أبي بكر كما تجشمه البيضاوي مع أن فيه خرق اتفاق المفسرين و شق عصاهم خلاف ما تتعاطاه قوانين العلوم اللسانية و الفنون الادبية، أ ليس ضمير «أيده» و «عليه» في الجملتين المعطوفة و المعطوفة عليها يعودان الى مفاد واحد، و ضمير «وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا» في الجملة المعطوفة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا امتراء، فكذلك ضمير عليه في الجملة المعطوف عليها، أعني «فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ».
الثالث: أن أسلوب «إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لٰا تَحْزَنْ» في العبارة عن أبي بكر يضاهي أسلوب «يٰا صٰاحِبَيِ السِّجْنِ (1)» في سورة يوسف «فَقٰالَ لِصٰاحِبِهِ وَ هُوَ يُحٰاوِرُهُ (2)» في سورة الكهف، فلا تكونن عن ديدن القرآن الحكيم و هجيراه في رموزه و أسراره من الغافلين.
ثم اني أقول: يا سبحان اللّه ما أبعد البون و أبين البعد بين درجة أبي بكر في اليقين و الثقة باللّه و رسوله حين كان مع النبي في الغار، و بين درجة مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليلة المبيت على فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وحده، فاديا اياه بنفسه، باذلا مهجته في سبيل ربه و يقينه و ثقته باللّه، كجبل راس لا تزلزله الرياح العواصف و لا تزعجه الرماح القواصف، و قد نزل فيه التنزيل الكريم «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ (3)».
قال علامة علماء العامة و امام المتشككين منهم فخر الدين الرازي في التفسير الكبير: في سبب النزول روايات:
____________
(1) سورة يوسف: 39
(2) سورة الكهف: 34
(3) سورة البقرة: 207
133
اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من هؤلاء الثلاثة؟ قال اني أخاف أن أسأله فلا أكون منهم فتعيرني بذلك بنو تيم، (1) قال، ثم جاء عمر، فقيل له: يا أبا حفص ان رسول اللّه (ص) قال: ان الجنة تشتاق الى ثلاثة و أنت الفاروق (2) الذي ينطق الملك على لسانك فلو سألت رسول اللّه
____________
احداها: أنها نزلت في الذين عذبوا في اللّه عمار و أبويه ياسر و سمية و بلال و صهيب و خباب.
و الرواية الثانية: أنها نزلت في رجل أمر بمعروف و نهى عن منكر.
و الرواية الثالثة: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه بات على فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليلة خروجه الى الغار، يروى أنه لما نام على فراشه قام جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجله و جبرئيل ينادي بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب يباهي اللّه بك الملائكة و نزلت الاية انتهى كلامه (1).
و كذلك في تفسير العلامة الاعرج النيسابوري و في سائر التفاسير.
قوله: فتعيرنى بذلك بنو تيم
عجبا يا بن أبي قحافة جعلت مخافتك الانحطاط عن هذه الدرجة من حيث تعيير بني تيم اياك، لا من حيث ألم الحرمان عنها.
قوله: و أنت الفاروق
يروون في وجه تسميتهم اياه فاروقا ما تستشم منه رائحة الموضوعية.
فلنذكر ما في تفسير البيضاوي في ذلك فعليه يدور كلامهم جميعا «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ (2)» عن ابن عباس أن منافقا خاصم يهوديا، فدعاه اليهودي الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و دعاه المنافق الى كعب بن الاشرف، ثم احتكما الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحكم لليهودي فلم يرض المنافق و قال: تعال نتحاكم الى عمر فقال اليهودي لعمر:
____________
(1) التفسير الكبير: 5/ 204 و هو من المتفق عليه عند الخاصة و العامة.
(2) سورة النساء: 60
134
..........
____________
قضى لي رسول اللّه فلم يرض بقضائه و خاصم إليك فقال عمر للمنافق: أ كذلك؟
قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فأخذ بسيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد و قال، هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللّه و رسوله فنزلت و قال جبرئيل (عليه السلام): ان عمر فرق بين الحق و الباطل فسمي الفاروق.
و الطاغوت على هذا كعب بن الاشرف، و في معناه من يحكم بالباطل و يؤثر لا جله سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان، أو لان التحكم اليه تحاكم الى الشيطان من حيث أنه الحامل عليه كما قال «وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلٰالًا بَعِيداً» و قرئ أن يكفروا بها على أن الطاغوت جمع لقوله «أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ».
«وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا إِلىٰ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ»* و قرئ تعالوا بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطا، ثم ضم اللام لو او الضمير «رَأَيْتَ الْمُنٰافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً» و هو مصدر أو اسم للمصدر الذي هو الصد، و الفرق بينه و بين السد أنه غير محسوس و السد محسوس، و يصدون في موضع الحال.
فكيف يكون حالهم «إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ»* كقتل عمر المنافق أو النقمة من اللّه «بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ»* من التحاكم الى غيرك و عدم الرضا بحكمك «ثُمَّ جٰاؤُكَ» حين يصابون للاعتذار، عطف على أصابتهم و قيل: على يصدون و ما بينهما اعتراض، «يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ» حال «إِنْ أَرَدْنٰا إِلّٰا إِحْسٰاناً وَ تَوْفِيقاً» ما أردنا الا الفصل بالوجه الاحسن و التوفيق بين الخصمين و لم نرد مخالفتك، و قيل: جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه و قالوا: ما أردنا بالتحكم الى عمر الا أن يحسن الى صاحبنا و يوفق بينه و بين خصمه انتهى (1).
قلت: يا قوم أ ليس ما قدمت أيديهم الذي جاءوا أصحاب القتيل للاعتذار عنه
____________
(1) نقل القصة بتمامه الزمخشرى في الكشاف مع تفاوت يسير: 1/ 536
135
..........
____________
و هو التحاكم الى عمر باعترافكم هو التحاكم الى الطاغوت الذي عليه المعاتبة في الاية الكريمة، و عنه اعتذروا أصحاب القتيل الطالبون بدمه بأنه انما أرادوا بذلك الاصلاح و التوفيق بين الخصمين، لا القضاء و الحكم لمن له الحق على خصمه، و العدول عن رسول اللّه بالتحاكم اليه حتى يستحق القتل و يكون دمه هدرا.
فكيف يستقيم قولكم؟ و الطاغوت على هذا كعب بن الاشرف بل المستبين على هذا أن يكون الطاغوت هاهنا هو عمر أو عمر و كعب بن الاشرف جميعا.
و بالجملة كل من يراد أن يتحاكم اليه لا الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فليس يصح لكم في التوجيه الا أن تقولوا سمى عمر بذلك [كما سمى به كعب بن الاشرف على المجاز المرسل] لان التحاكم اليه كان تحاكما الى الطاغوت، أي الشيطان، لان الشيطان كان الحامل عليه، أو لما كان فيه من الفظاظة و الغلظة فسمي ذلك «طغيانا» و الفظّ الغليظ «طاغوتا»، و اذا كان الطاغوت جمعا كما قلتم و هو الصواب لقوله سبحانه «أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ» فلا يصح حمله على كعب بن الاشرف فقط.
فاذن ما أسندتموه الى جبرئيل (عليه السلام) من القول و جعلتموه سببا لتسميتكم عمر ب «الفاروق» غير مناسب لمشرع المقام و منهل البلاغة.
ثم أقول: قد روى مفسروكم و محدثوكم أن قوله سبحانه و تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْكُمُ الْبَيِّنٰاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1)» نزل في عمر فحديث التهوك في ذلك مستفيض مشهور متلون المتن متشعب الطريق في أصولكم الصحاح و شرحه شراح الحديث من علمائكم.
قال صاحب الكشاف في الفائق: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال له عمر: انا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أ فترى أن نكتب بعضها فقال: أ متهوكون أنتم؟ كما تهوكت اليهود
____________
(1) سورة البقره: 208- 209
136
..........
____________
و النصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، و لو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعي. تهوك و تهور أخوان في معنى وقع في الامر بغير روية، قال الاصمعي: المتهوك الذي يقع في كل أمر و أنشد الكسائى:
رآني امرؤ لا هذرة متهوكا * * *و لا واهنا شراب ماء المظالم
و قيل: التهوك و التهفك: الاضطراب في القول و أن لا يكون على استقامة، الضمير في بها للملة الحنفية. انتهى كلام الفائق (1).
و قال ابن الاثير في النهاية: في الحديث أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعمر في كلام: أ متهوكون أنتم كما تهوكت اليهود و النصارى لقد جئت بها بيضاء نقية، التهوك كالتهور و هو الوقوع في الامر بغير رؤية، و المتهوك الذي يقع في كل أمر و قيل: هو المتحير، و في حديث آخر أن عمر أتاه بصحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب فغضب و قال:
أ متهوكون فيها يا بن الخطاب. انتهى ما في النهاية (2).
و أيضا اعتراض عمر على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الحديبية و شكه في الامر و قوله:
ما شككت في ديني منذ أسلمت الا يومي هذا (3). من الصحيح الثابت في صحاحكم الستة، و كذلك خطأه في كثير من أقضيته و أحكامه في زمن خلافته، فهو ليس يستحق اسم الفاروق.
بل أن الصديق الاكبر و الفاروق الاعظم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو ديان هذه الامة بعد نبيها، أي قاضيها، و رباني هذه الامة، و ذو قرنيها، و باب حطة هذه الامة، و أقضى الناس في هذه الامة، و مثله في الناس كمثل قل هو اللّه أحد في القرآن، و هو مع الحق و الحق معه يدور معه حيث ما دار، و قد صح و ثبت
____________
(1) الفائق: 4/ 116
(2) نهاية ابن الاثير: 5/ 282
(3) رواه مسلم في صحيحه: 3/ 1411 و السيد بن طاوس في الطرائف: 441.
137
من هؤلاء الثلاثة؟ فقال اني أخاف أن أسأله فلا أكون منهم فتعيرني بذلك بنو عدي (1) ثم جاء علي (عليه السلام) فقيل له: يا أبا الحسن ان رسول اللّه (ص) قال: ان الجنة مشتاق الى ثلاثة فلو سألته من هؤلاء الثلاثة؟ فقال أسأله ان كنت منهم حمدت اللّه و ان لم أكن منهم حمدت اللّه، قال، فقال علي (عليه السلام) يا رسول اللّه انك قلت ان الجنة لتشتاق الى ثلاثة فمن هؤلاء الثلاثة؟ قال: أنت منهم و أنت أولهم، (2) و سلمان الفارسي فانّه قليل الكبر و هو لك ناصح فاتخذه لنفسك، و عمار بن ياسر شهد معك مشاهد غير واحدة ليس منها الا و هو فيها، كثير خيره، ضويّ نوره، (3) عظيم أجره.
____________
و استبان و استفاض جميع ذلك في الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برواية أثبته الثقات عند العامة و الخاصة (1)، و سيان في الاعتراف بذلك كله العدو و الولي و اللاجّ الجدلي و المتقن المبتغي لسواء السبيل فليتبصر.
قوله: فتعيرنى بذلك بنواعدى
اقتدى بأبي بكر في مخافة التعيير و عدم الاكتراث للانحطاط عن هذه الدرجة.
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أنت منهم و أنت أولهم
و في المشكاة و صحيح الترمذي و غيرهما من صحاح العامة و أصولهم عن أنس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الجنة تشتاق الى ثلاثة علي و عمار و سلمان (2).
قوله: ضوى نوره
بتشديد الياء، و أصله ضويء بالهمزة على فعيل للمبالغة من الضوء و الضياء، قلبت الهمزة ياء و ادغمت الياء في الياء، كما تقلب و تدغم همزة الملي بمعنى الغني المقتدر على فعيل من الملاءة، فيقال: مليّ بتشديد الياء.
و في بعض النسخ «وضيء» بتقديم الواو على الضاد اما نقلا مكانيا فيكون أيضا
____________
(1) روى جميع ذلك عن طرق مختلفة في احقاق الحق المجلد الرابع الى السابع فراجع.
(2) رواه الحاكم في المستدرك: 3/ 137 و ابن الاثير في أسد الغابة: 2/ 330 و الذهبى في ميزان الاعتدال: 1/ 116 و ابن حجر في الصواعق المحرقة: 75
138
59- محمد بن مسعود، قال حدثني جعفر بن أحمد، قال حدثنا حمدان بن سليمان النيسابوري و العمركي بن علي البوفكي (1) النيسابوري، عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه الحجال، عن علي بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و علي و عمار يعملون مسجدا فمرّ عثمان في بزّة له يخطر (2) فقال له امير المؤمنين (عليه السلام): ارجزبه فقال عمار:
____________
فعيلا من الضوء، و اما على أنه فعيل من الوضاءة و هي الحسن و البهجة و البهاء و النضرة.
و في النهاية الاثيرية: الوضاءة الحسن و البهجة، يقال: وضأت فهي وضيئة، و هي أوضأ منك، أي أحسن (1).
و في المغرب: الوضيء الحسن النظيف، و قد وضأ وضاءة و توضأ وضوءا حسنا بوضوء طاهر، بالضم المصدر، و بالفتح الماء الذي يتوضأ به، و الميضأة و الميضاءة على مفعلة و مفعالة المطهرة التي يتوضأ فيها أو منها.
قوله (رحمه اللّه): حمدان بن سليمان النيسابورى و العمركى بن على البوفكى
السند جليل جدا، و عالي الاسناد في الطبقة الثانية، و صحي بيونس بن عبد الرحمن عن رجل، و ان كان المرسل عن رجل هو علي بن عقبة، لا يونس بن عبد الرحمن فليعلم.
قوله (عليه السلام): فمر عثمان في بزة له يخطر
بكسر الموحدة و تشديد الزاء، أي في ثوب تجمل، يقال: خرجوا و عليهم الخزوز و البزوز أي الثياب الجياد قاله في الاساس (2).
و قال في المغرب: البزة بالهاء و كسر الباء الهيئة من قولهم رجل حسن البزة
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 5/ 195
(2) أساس البلاغة: 38
139
لا يستوى من يعمر المساجد * * *يظل فيها راكعا و ساجدا
(1)
و من تراه عاندا معاندا * * *عن العباد لا يزال حائدا
____________
و قيل: هي الثياب و السلاح.
و في القاموس: البز الثياب، أو متاع البيت من الثياب و نحوها، و بايعه البزاز و حرفته البزازة و السلاح كالبزة بالكسر (1).
و «يخطر» بفتح ياء المضارعة و كسر الطاء المهملة بعد الخاء المعجمة، أي يهتز و يرفع يديه في مشيته، و ناقة خطارة تحرك ذنبها اذا نشطت في السير قاله في الاساس و القاموس و غير هما (2).
و في الصحاح: خطر ان الرجل اهتزازه في المشي و تبختره، و خطر الرمح يخطر اهتز، و رمح خطار ذو اهتزاز، و يقال: خطران الرمح ارتفاعه و انخفاضه (3).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: يظل فيها راكعا و ساجدا
ظل يفعل كذا يظل بالكسر في الماضي و الفتح في المضارع من باب علم.
قال في القاموس: ظل نهاره يفعل كذا و ليله سمع في الشعر يظل بالفتح ظلا و ظلولا و ظللت بالكسر و ظلت كلست و ظلت كملت، و أصله ظللت (4).
و في الصحاح: و منه قوله تعالى «فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ» يكسر و يفتح و أصله و ظللتم تفكهون، فهو من شواذ التخفيف و منه قولهم: مست الشيء يحذفون منه السين الاولى و يحولون كسرتها الى الميم، و منهم من يذر الميم على حالها مفتوحة (5).
____________
(1) القاموس: 2/ 166
(2) اساس البلاغة: 168 و القاموس: 2/ 22
(3) الصحاح: 2/ 648
(4) القاموس: 4/ 10
(5) الصحاح: 5/ 1756
140
قال، فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال ما أسلمنا لتشتم أعراضنا و أنفسنا! فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أ فتحب أن تقال؟ (1) فنزلت آيتان «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا» الاية، ثم قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): اكتب هذا في صاحبك: (2) ثم قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): اكتب هذه الاية: انما المؤمنون الذين آمنوا باللّه و رسوله.
60- جعفر بن معروف، قال حدثنا الحسن بن علي بن نعمان، عن أبيه، عن صالح الحذاء، قال لما أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ببناء المسجد قسم عليهم المواضع و ضم الى كل رجل رجلا، فضم عمارا الى علي (عليه السلام) قال فبيناهم في علاج البناء اذ خرج عثمان من داره و ارتفع الغبار فتمنع بثوبه (3) و عرض بوجهه، قال، فقال علي (عليه السلام) لعمار اذا قلت شيئا فرد علي قال، فقال علي (عليه السلام):
لا يستوى من يعمر المساجد * * *يظل فيها راكعا و ساجدا
كمن يرى عن الطريق عائدا.
____________
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أ فتحب أن تقال
أي أن تذكر عند الناس بهذه المقالة و ينسب إليك هذا القول، أو أن تكون مكتوبا عند اللّه بها و تكتبها الكتبة عليك و تثبتها في صحيفة عملك.
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): اكتب هذا في صاحبك
أي في عمار، و هذا اشارة الى ما أمر بكتبته و هو «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (1)»* أو في عثمان فيكون هذا اشارة الى «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (2)» و المعنى: اكتب يمنون عليك أن أسلموا في عثمان و انما المؤمنون الذين آمنوا في عمار.
قوله (عليه السلام): فتمنع بثوبه
أي تأبه و تعزز، و تفعلا من المنعة بالتحريك، أو بالتسكين أيضا بمعنى العز،
____________
(1) سورة الحجرات: 15
(2) سورة الحجرات: 17
141
قال: فأجابه عمار كما قال: فغضب عثمان من ذلك فلم يستطيع أن يقول لعلي شيئا. فقال لعمار يا عبد يا لكع! (1) و مضى. فقال علي (عليه السلام) لعمار رضيت بما قال لك، ألا تأتي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فتخبره، قال، فأتاه فأخبره، فقال يا نبي اللّه ان عثمان قال لي يا عبد يا لكع، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من يعلم ذلك؟ فقال علي. فدعاه و سأله، قال، فقال له كما قال عمار، فقال لعلي (عليه السلام) اذهب فقال له حيث ما كان يا عبد يا لكع أنت القائل لعمار يا عبد يا لكع، فذهب علي (عليه السلام) فقال له ذلك ثم انصرف.
61- جعفر بن معروف، قال حدثني (2) محمد بن الحسن، عن جعفر بن بشير، عن حسين بن أبي حمزة، عن أبيه أبي حمزة، قال و اللّه اني لعلى ظهر بعيري بالبقيع اذ جاءنى رسول فقال: أجب يا أبا حمزة، فجئت و أبو عبد اللّه (عليه السلام) جالس، فقال اني لاستريح اذا رأيتك، ثم قال: ان أقواما يزعمون (3) أن عليا (عليه السلام)
____________
و «عرض بوجهه» بالتشديد، أي أعرض على التفعيل بمعنى الافعال، و في بعض النسخ «أعرض».
قوله (عليه السلام): فقال لعمار: يا عبد يا لكع
في الصحاح: رجل لكع أي لئيم، و يقال: هو العبد الذليل النفس، و امرأة لكاع مثل قطام، تقول في النداء: يا لكع للاثنين يا ذوي لكع (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): جعفر بن معروف قال: حدثنى
السند صحيح نقي، و محمد بن الحسن هو ابن أبي الخطاب، و جعفر بن بشير هو قفة العلم، و حسين بن أبي حمزة هو ابن أبي حمزة الثمالي، عن أبيه أبي حمزة ثابت بن دينار أبي صفية.
قوله (عليه السلام): ان أقواما يزعمون
يعني (عليه السلام) بهم الزيدية المشرطين في الامامة الخروج بالسيف.
____________
(1) الصحاح: 3/ 1280
142
لم يكن اماما حتى شهر سيفه، (1) خاب اذا عمار و خزيمة بن ثابت و صاحبك أبو عمرة، (2) و قد خرج يومئذ صائما بين الفئتين بأسهم (3) فرماها قربي يتقرب بها الى اللّه تعالى حتى قتل، يعني عمارا.
____________
قوله (عليه السلام): حتى شهر سيفه
في الصحاح و غيره: شهر سيفه يشهره شهرا: أي سله (1).
و في المغرب: أشهره بمعنى شهره غير ثبت.
قوله (عليه السلام): خاب اذن عمار و خزيمة بن ثابت و صاحبك أبو عمرة
و كذلك أبو ذر و سلمان و المقداد و حذيفة و غيرهم من السابقين، اذ كان علي (عليه السلام) امامهم حين اذ لم يشهر سيفه.
قوله (عليه السلام): و قد خرج يومئذ صائما بين الفئتين بأسهم
أي قائما واقفا ثابتا للقتال، من الصوم بمعنى القيام و الوقوف يقال: صام الفرس صوما أي قام على غير اعتلاف، و صام النهار صوما اذا قام قائم الظهيرة و اعتدل، و الصوم ركود الريح، و مصام الفرس و مصامته موقفه.
و الصوم أيضا الثبات و الدوام و السكون و السكوت و ماء صائم و دائم و قائم و ساكن بمعنى.
و الباء في بأسهم للملابسة و المصاحبة. أو خرج بين الفئتين و كان صائما من الصوم المصطلح بمعنى الصيام الشرعي، و الباء أيضا للملابسة.
أو من الصوم بمعنى البيعة، أي خرج مبايعا على بذل المهجة في سبيل اللّه، أو خرج بين صفي الفئتين راميا بأسهم، من قولهم صام النعام أي رمى بذرقه و هو صومه، فالباء أيضا للصلة أو للدعامة، فقد جاء الصوم بهذه المعاني كلها في الصحاح و أساس البلاغة و المعرب و المغرب و القاموس و النهاية (2).
____________
(1) الصحاح: 2/ 705
(2) أساس البلاغة: 365 و نهاية ابن الاثير: 3/ 61
143
62- و من طريق العامة: خلف بن محمد الملقب بمنان الكشي، قال حدثنا محمد بن حميد، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن سلمة، عن مجاهد، قال رآهم (1) و هم يحملون حجارة المسجد فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما لهم و لعمار يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار، و ذاك دار الاشقياء الفجار.
63- خلف بن محمد، قال حدثنا عبيد بن حميد، قال حدثنا هاشم بن القاسم، قال حدثنا شعبة، عن اسماعيل بن أبي خالد، قال سمعت قيس بن أبي حازم، قال، قال عمار بن ياسر: ادفنوني في ثيابي فاني مخاصم.
64- خلف بن محمد، قال حدثنا عبيد بن حميد قال أخبرنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن حبيب، (2) عن أبي البختري، (3) قال: أتي عمار يومئذ بلبن، فضحك،
____________
قوله: رآهم
يعني رآهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هم يحملون حجارة المسجد فأعجبه اهتراز عمار و اخلاصه في العمل، فكأنه (صلّى اللّه عليه و آله) استذكر ما كان يعلمه بالوحي من أمر الخلافة بعده و ما يصيب عمارا في قتال الفئة الباغية فاستحضر الحال فقال: ما لهم و لعمار يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار، يعني بهم الفئة الباغية من القاسطين.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن حبيب
قال أبو عبد اللّه الذهبي من علماء العامة في ميزان الاعتدال: حبيب بن أبي ثابت من ثقاة التابعين.
و قال في مختصره في الرجال: حبيب بن أبي ثابت الاسدي عن ابن عباس و زيد بن أرقم، و عنه شعبة و سفيان و أمم، كان ثقة مجتهدا فقيها مات 119.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن أبى البخترى
اسمه سعيد بن فيروز على الاشهر، ذكره البرقي في أصحاب علي (عليه السلام) من
144
ثم قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) آخر شراب تشربه من الدنيا مذقة من لبن حتى تموت.
____________
اليمن (1) و نقله عنه في الخلاصة (2).
و قال الشيخ في كتاب الرجال في باب السين المهملة من أسماء من روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): سعد بن عمران و يقال سعد بن فيروز كوفي مولى، كان خرج يوم الجماجم مع ابن الاشعث يكنى أبا البختري (3).
و قال أبو عبد اللّه الذهبي: أبو البختري بفتح الموحدة و المثناة من فوق بينهما معجمة ساكنة سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفي، قال: حبيب بن أبي ثابت كان أعلمنا و أفهمنا توفى 83.
قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): مذقة من لبن
الميم فيها أصلية من جوهر الكلمة مضمومة أو مفتوحة، على فعلة بالضم أو على فعلة بالفتح، من الممذق بمعنى الخلط و المزج و اللبن الممذوق هو الممزوج المخلوط بالماء، و الممذوق ممتزج المختلط.
قال في الفائق: (4) المذقة الشربة من اللبن الممذوق و قال: امذقه اللبن اختلط بالماء، و منه رجل الممذق الممتزج المختلط.
و قال في أساس البلاغة: مذق اللبن بالماء يمذقه و مذق الشراب مزجه فأكثر ماءه و لبن مذيق و سقاني مذقا و مذقة قال أعرابي:
إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة * * *و خمس تميرات صغار خوانز
فنحن ملوك الارض خصبا و نعمة * * *و نحن اسود الغيل عند الهزاهز
____________
(1) رجال البرقى: 7 ط جامعة طهران
(2) الخلاصة: 194 و الظاهر منها التعدد بين أبى البخترى و سعيد بن فيروز
(3) رجال الشيخ: 43
(4) الفائق: 3/ 354 و فيه: أمذقه اللبن: اختلط بالماء، و منه رجل ممذقر: مخلوط النسب
145
و في خبر آخر: أنه قال له: آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن. (1)
65- خلف بن محمد، قال حدثنا عبيد، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان عن أبي قيس الاودي، عن الهزيل، (2) قال: قيل للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) ان عمارا سقط عليه جدار
____________
و من المجاز: فلان يمذق الود و وده ممذوق و هو ممذوق الود (1).
و في النهاية الاثيرية: المذق المزج و الخلط، يقال، مذقت اللبن فهو مذيق اذا خلطته بالماء، و المذقة الشربة من اللبن الممذوق انتهى (2).
و في القاصرين من يحسب الميم زائدة، و الصيغة مأخوذة من ذاق الشيء يذوقه ذوقا و مذاقا، و ذلك حسبان فاسد فساده غير خاف على المتمهر.
قوله صلى اللّه عليه و آله: في خبر آخر ضياح من لبن
بفتح الضاد المعجمة و الياء المثناة من تحت و اهمال الحاء بعد الالف، و هو اللبن الرقيق الممزوج، و كذلك الضيح بالفتح، و ضيحت اللبن تضييحا و ضوحته تضويحا مزجته بالماء حتى صار ضيحا و ضياحا، و ضيحت فلانا و ضوحته سقيته الضيح و الضياح.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن ابى قيس الاودى عن الهزيل:
بضم الهاء و فتح الزاء على تصغير الهزل.
قال الذهبي في مختصره: عبد الرحمن بن ثروان أبو قيس الاودي عن شريح و سويد بن غفلة و عنه صفوان و شعبة ثقة توفى 125.
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: هزيل هو هزيل بن شرحبيل الاودي الكوفي سمع عبد اللّه بن مسعود، روى عنه أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان و طلحة بن مصرف و غير هما، هزيل بضم الهاء و فتح الزاء. و شرحبيل بضم الشين المعجمة
____________
(1) أساس البلاغة: 586
(2) نهاية ابن الاثير: 4/ 311
146
فمات، فقال ان عمارا لن يموت.
(1)
66- خلف، قال حدثنا فتح بن عمرو الوراق، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا اسرائيل (2) و سفيان، عن أبي اسحاق، (3)
____________
و فتح الراء. و ثروان بفتح الثاء المثلثة و بالنون و مصرف بضم الميم و فتح الصاد المهملة و تشديد الراء المكسورة.
و في القاموس: هزيل كزبير ابن شرحبيل تابعي (1).
قوله صلى الله عليه و آله: ان عمارا لن يموت
يعني عمارا لا يموت بل يقتل في سبيل اللّه تقتله الفئة الباغية، أو أنه لن يموت أبدا لقوله سبحانه «وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ» (2).
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال: حدثنا اسرائيل
في مختصر الذهبي و في ميزان الاعتدال: اسرائيل بن يونس بن أبي اسحاق السبيعي أحد الاعلام، عن جده و زياد بن علاقة و آدم بن علي، و عنه يحيى بن آدم و محمد بن كثير و أمم، قال: أحفظ حديث أبي اسحاق كما أحفظ سورة من القرآن، و قال أحمد بن حنبل: ثقة، و قال أبو حاتم: صدوق من أتقن أصحاب أبي اسحاق توفى 162.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن أبى اسحاق
هذا هو أبو اسحاق السبيعي اسمه عمرو بن عبد اللّه يروي عنه سفيان.
قال الكرماني في شرح صحيح البخاري: عمرو بن عبد اللّه بفتح المهملة الكوفي (3).
____________
(1) القاموس: 4/ 69
(2) سورة آل عمران: 169
(3) شرح صحيح البخارى للكرمانى: 25/ 184
147
عن هاني بن هاني، (1) قال: قال علي (عليه السلام) استأذن عمار على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فعرف صوته
____________
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: هو أبو اسحاق عمرو بن عبد اللّه السبيعي الهمداني الكوفي رأى عليا و ابن عباس و اسامة بن زيد و ابن عمر، و سمع برآء بن عازب و زيد بن أرقم، روى عنه منصور و الاعمش و شعبة و الثوري، و هو تابعي مشهور كثير الرواية، ولد لستين من خلافة عثمان و مات سنة تسع و عشرين و مائة و قيل: سنة سبع و عشرين، السبيعي بفتح السين المهملة و كسر الباء الموحدة و بالعين المهملة.
و في القاموس: السبيع كأمير ابن سبع أبو بطن من همدان، منهم الامام ابو اسحاق عمرو بن عبد اللّه محله بالكوفة منسوبة اليهم أيضا (1).
و الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال قال في باب الكنى من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): أبو اسحاق الهمداني (2).
و في باب الكنى من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: أبو اسحاق الهمداني، أبو اسحاق السبيعي (3).
قلت: و الظاهر المستبين أنهما واحد.
و في باب العين من أصحاب أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) قال:
عمر بن عبد اللّه بن علي أبو اسحاق الهمداني السبيعي الكوفي (4).
قلت: و لعل اسقاط الواو من عمرو من تلقاء الناسخين لا من قلم الشيخ.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن هانى بن هانى
عده البرقي من أصحاب أمير المؤمنين من اليمن (5).
____________
(1) القاموس: 3/ 36
(2) رجال الشيخ: 64
(3) المصدر: 71
(4) المصدر: 246 و فيه عمرو بن عبد اللّه الخ
(5) رجال البرقى: 7
148
..........
____________
و كذلك ذكره الشيخ في كتاب الرجال قال في باب الهاء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): هاني بن هاني الهمداني كان يروي أبو اسحاق عنه (1). يعني به أبا اسحاق السبيعي (2).
و قال الحسن بن داود في كتابه: و بخط الشيخ المرادي كان أبو اسحاق يروي عنه (3).
و ربما ينقل ايراده في كتاب الرجال في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)، و لست أجده هناك في نسخ عتيقة مصححة.
قال الذهبي في مختصره: هاني بن هاني عن علي، و عنه أبو اسحاق، قال النسائي: ليس به بأس.
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: هاني بن نيار هو أبو بردة هاني بن نيار و قيل: هاني بن عمرو نيار و قيل: اسمه الحارث بن عمرو، و قيل: مالك بن هبيرة، و الاول أشهر ما قيل فيه فهو هاني بن نيار بن عمرو بن كلاب بن غنم بن هبيرة بن هاني البلوي (4)، و في نسبه خلاف، حليف بني حارثة بن خزرج من الانصار، كان عقبيا شهد العقبة الثانية مع السبعين و شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد و هو خال البراء بن عازب، و لا عقب له مات في أول زمن معاوية بعد شهوده مع علي حروبه كلها، روى عنه البراء بن عازب، و جابر بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن أبي بكر بن أبي الجهم.
بردة بضم الباء الموحدة و سكون الراء، و هاني بكسر النون و بعدها همزة، و نيار بكسر النون و تخفيف الياء بعدها تحتها نقطتان و بالراء انتهى كلام جامع الاصول.
____________
(1) رجال الشيخ: 62 و فيه المرادى مكان الهمدانى
(2) رد على من زعم انه أبو اسحاق النحوى ثعلبة بن ميمون
(3) رجال ابن داود: 366
(4) قال في القاموس: البلى قبيلة و هو بلوى «منه» 4/ 305
149
فقال: مرحبا ائذنوا للطيب ابن الطيب.
(1)
67- خلف، قال حدثنا حاتم بن نصير، قال حدثنا حاتم بن يونس، عن أبي بكر، قال حدثنا أبو اسحاق، عن هاني بن هاني، عن علي (عليه السلام) قال استأذن عمار على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال من هذا؟ قال عمار قال: مرحبا بالطيب المطيب.
68- خلف قال حدثنا حاتم، قال سمعت أحمد بن يونس، قال سمعت أبا بكر بن عياش، في قوله عز و جل «أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ (قال ساعات الليل) سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ (قال: عمار) هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ (قال:
عمار) وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ» مواليه بنو المغيرة.
69- خلف، قال حدثنا حاتم، قال حدثنا عمرو بن مرزوق، قال حدثنا شعبة، قال
____________
قلت: يستبين من ذلك أن هاني بن هاني هو أبو بردة هاني بن نيار.
و ذكره الشيخ في أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (1).
و يسار في اسم أبيه بالمهملة بعد المثناة من تحت على ما في نسخ عديدة من كتاب الرجال تصحيف، وجده الاقدم هاني فنسب اليه فقيل هاني بن هاني فاعلم فلا تكونن من الغافلين.
و قال الشيخ في باب الكنى: أبو بردة الازدي (2).
و في مختصر الذهبي: أبو بردة بن نيار البلوي هاني، و يقال الحارث، و قيل:
مالك، من كبار الصحابة، روى عنه براء و جابر، مات عام الجماعة.
قوله صلى اللّه عليه و آله: مرحبا ائذنوا للطيب بن الطيب
و في المشكاة عن علي (عليه السلام) قال: استأذن عمار على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب رواه الترمذي (3).
____________
(1) رجال الشيخ: 31 و فيه هانى بن يسار أبو بردة.
(2) المصدر: 63
(3) رواه ابن الاثير عن الترمذى في جامع الاصول: 10/ 28
150
حدثنا سلمة بن كهيل، (1) قال سمعت محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن ابن زيد، عن الاشتر، قال كان بين عمار و خالد بن الوليد كلام فشكى خالد الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (2) فقال انه من يعادي عمارا يعاديه اللّه و من يبغض عمارا يبغضه اللّه و من سبّه سبّه اللّه. قال سلمة: هذا أو نحوه.
70- خلف، قال حدثنا أبو حاتم، قال حدثنا أحمد بن يونس، قال حدثنا الليث بن سعد، عن عمر مولى غفرة، (3) قال: حبس عمار فيمن حبس و عذب، قال
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال: حدثنا سلمة بن كهيل
أورده البرقي في خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) من مضر (1)، و ذكره الشيخ في أصحابه (عليه السلام)، و في أصحاب السجاد و الباقر و الصادق (عليهم السلام)، و قال: سلمة بن كهيل بن الحصين أبو يحيى الحضرمي الكوفي تابعي (2).
و سيرد ذكره في الكتاب في عداد البترية.
قال الذهبي في مختصره: سلمة بن كهيل أبو يحيى الحضرمي من علماء الكوفة رأى زيد بن أرقم، و عنه سفيان و شعبة، ثقة له مائتا حديث و خمسون حديثا.
قوله: فشكى خالد الى رسول اللّه (ص)
و في المشكاة عن خالد بن الوليد قال: كان بيني و بين عمار بن ياسر كلام فأغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فرفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) رأسه، و قال: من عادا عمارا عاداه اللّه و من أبغض عمارا أبغضه اللّه.
قوله: قال: حدثنا الليث بن سعد عن عمر مولى غفرة
في مختصر الذهبي: الليث بن سعد أبو الحارث الامام ثبت من نظراء مالك و فيه عمر بن عبد اللّه مولى غفرة يقال: أدرك ابن عباس و سمع أنسا، وثّقه ابن سعد، و ضعفه النسائي.
____________
(1) رجال البرقى: 4
(2) رجال الشيخ: 43 و 91 و 124 و 211 على ترتيب المتن.
151
فانفلت فيمن انفلت (1) من الناس فقدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: أفلح ابو اليقظان! قال ما أفلح و لا أنجح لفتنته (2) لأنهم لا يزالون يعذبونه حتى نال منك، (3)
____________
قوله: فانفلت فيمن انفلت
قال في المغرب: الانفلات خروج الشيء فلتة أي بغتة، و كذا الافلات و التفلت، و منه الدابة اذا فلتت من المشرك و ليس لها سائق و لا قائد: أي خرجت من يده و نفرت، و روي انفلتت و أجبر القصار اذا انفلتت منه المدقة أي خرجت من يده.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ما أفلح و لا أنجح لفتنته
الفلح محركة الفلاح و الفوز و النجاة و البقاء في الخير، و النجاح بالفتح و النجح بالضم الفوز و الظفر بالشيء، و أفلح فلان و انجح صار ذا فلاح و ذا نجح.
يعني فتنته التي ألمت به و فدحته من تعذيب المشركين اياه فوق الطاقة حجزته و أبعدته عن أن يفلح و ينجح.
و في بعض النسخ «لنفسه» (1) مكان لفتنته، أي لم يدخل في فلاح و نجاح لنفسه بما أصابته من داهية تعذيب المشركين اياه للإتيان بكلمة الكفر.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: لأنهم لا يزالون يعذبونه حتى نال منك
من النيل فانه اذا استعمل بمن كان بمعنى الاضرار و الشتم، أي حتى وقع فيك و عابك و سبك.
قال في المغرب، و نال من عدوه أضربه و منه قوله تعالى «لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا» (2) و باسم الفاعلة منه سميت نائلة بنت الفرافصة الكلبية، تزوجها عثمان على نسائه و هي نصرانية.
____________
(1) كما في المطبوع من الرجال
(2) سورة التوبة: 120
152
قال ان سألوا من ذاك فزد. (1)
____________
و في الاساس: نال من عدوه و نيل فلان قتل (1).
و في القاموس: و نال من عرضه سبه (2).
و من هناك قال في الفائق في و- ذ: بينا هو يخطب ذات يوم- يعني عثمان- فقام رجل فنال منه، فوذأه ابن سلام فاتذأ فقال له رجل: لا يمنعك مكان ابن سلام أن تسب نعثلا فانه من شيعته، و ذاءه: زجره، و اتذأ مطاوعه. كان يشبه عثمان برجل من أهل مصر اسمه نعثل لطول لحيته. و قيل: من أهل اصبهان، و النعثل الضبعان و الشيخ الاحمق (3).
و في المغرب: نعثل اسم رجل من مصر أو من اصبهان كان طويل اللحية فكان عثمان اذا نيل منه شبه بذلك الرجل لطول لحيته.
و قال ابن الاثير في النهاية: كان أعداء عثمان يسمونه نعثلا تشبيها برجل من مصر كان طويل اللحية اسمه نعثل، و قيل: النعثل الشيخ الاحمق، و ذكر الضباع، و منه حديث عائشة اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا تعني عثمان، و هذا كان منها لما غاضبته و ذهبت الى مكة انتهى كلامه (4).
قوله صلى اللّه عليه و آله: ان سألوا من ذاك فزد
و في نسخة من ذلك فزدهم. يعني لا عليك مما صدر منك من غير اختيارك من شيء أصلا، فان لحمك و دمك مسوط بالايقان، و صدرك و قلبك منشرح بالايمان، فان عادوا الى تعذيبك و سألوك شيئا من ذاك و عذبوك في ذلك فزدهم منه و لا تبال، فنكال ذلك و وباله عليهم لا عليك، و انما أنت مفلح بايمانك منجح بايقانك، فيا طوبى
____________
(1) أساس البلاغة: 662
(2) القاموس: 4/ 62
(3) الفائق: 4/ 52
(4) نهاية ابن الاثير: 5/ 80
153
71- خلف، قال حدثنا الفتح بن عمرو الوراق، قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا العوام بن حوشب: (1) قال أخبرني أسود بن مسعدة، عن حنظلة بن خويلد العنزي، (2) قال: اني لجالس عند معاوية اذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول
____________
لعمار قال له النبي الكريم: أفلح أبو اليقظان و نزل فيه التنزيل الحكيم «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» (1).
قال في الكشاف: روي أن ناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، و كان فيهم من أكره فاجرى كلمة الكفر على لسانه و هو معتقد للإيمان منهم عمار و أبواه ياسر و سمية و صهيب و بلال و خباب و سالم عذبوا، فأما سمية فقد ربطت بين بعيرين و وجأ في قبلها بحربة و قالوا انك أسلمت من أجل الرجال فقتلت و قتل ياسر و هما أول قتيلين في الإسلام، و أما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها فقيل: يا رسول اللّه ان عمارا كفر؟ فقال: كلا ان عمارا مليء ايمانا من قرنه الى قدمه و اختلط الايمان بلحمه و دمه، فأتى عمار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يبكي فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يمسح عينيه فقال: مالك ان عادوا فعد بما قلت انتهى ما في الكشاف (2).
قوله: أخبرنا العوام بن حوشب
في مختصر الذهبي: العوام بن حوشب الواسطي أحد الاعلام، عن ابراهيم و مجاهد، و عنه شعبه و يزيد بن هارون و خلق وثّقوه، له نحو مأتي حديث توفى 148
قوله: العنزى (3)
في جامع الاصول: العنزي بفتح العين و فتح النون و بالزاء منسوب الى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، و اسم عنزة عامر العنزي مثل الذي قبله الا أن نونه ساكنة منسوب الى عنز بن وائل بن قاسط، و قد تقدم باقي النسب في العجلى.
____________
(1) سورة النحل: 106
(2) الكشاف: 2/ 430
(3) و في المطبوع من الرجال بجامعة مشهد: العنبرى.
154
كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد اللّه بن عمرو: (1)
____________
قوله: فقال عبد اللّه بن عمرو
في جامع الاصول: هو أبو عبد الرحمن، و قيل: أبو محمد عبد اللّه بن عمرو ابن العاص بن وائل بن هاشم سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لوي السهمي القرشي، أسلم قبل أبيه و كان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة، و قيل: باثنتي عشرة سنة، و كان عابدا عالما حافظا، قرأ الكتب و استأذن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أن يكتب حديثه فأذن له.
و قد اختلف في وفاته و قيل: مات في ليالي الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث و ستين، و قيل: سنة ثلاث و سبعين و قيل: مات بفلسطين سنة خمس و ستين، و قيل:
مات بمكة سنة خمس و ستين و هو ابن اثنين و سبعين سنة، و قيل: مات بالطائف سنة خمس و خمسين، و قيل: مات بمصر سنة خمس و ستين.
سعيد بضم السين و فتح العين و سكون الياء و هصيص بضم الهاء و فتح الصاد المهملة الاولى و سكون الياء.
روى عنه مسروق و سعيد بن المسيب، و أبو سلمة بن عبد الرحمن، و عروة ابن الزبير، و حميد بن عبد الرحمن، و خلق كثير سواهم انتهى كلام جامع الاصول.
و هو في المشهور من العبادلة.
قال في المغرب: العبادلة الثلاثة ابن مسعود و ابن عباس و ابن عمر. هذا رأي الفقهاء و أما في عرف المحدثين فالعبادلة أربعة ابن عمر و ابن عباس و ابن عمرو و ابن الزبير، و لم يذكر فيهم ابن مسعود، لأنه من كبار الصحابة. و عن طاوس في الاقعاء رأيت العبادلة يفعلون ذلك عبد اللّه بن عمر و ابن عباس و ابن الزبير، و هي اما جمع عبدل في معنى عبد كزيدل في زيد، أو اسم جمع غير مبني على واحده.
و قال في القاموس: عبدل بن حنظلة المعروف بالنهاس كان شريفا و مزيد (1)
____________
(1) فمزيد كمحمد اسم رجل و محارب اسم قبيلة من فهر قاله في الصحاح «منه» 1/ 109 و 477
155
ليطيب به أحدكم نفسا لصاحبه (1) فاني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول تقتله الفئة الباغية، فقال معاوية ألا تغني عنا مخبرتك يا بن عمرو (2) فما بالك معنا؟ قال اني معكم و لست
____________
المحاربي و الحكم الكوفي ابنا عبدل شاعران، و العبادلة من الصحابة مائتان و عشرون، و اذا اطلقوا أرادوا أربعة ابن عباس و ابن عمر و ابن عمرو بن العاص و ابن الزبير، و ليس منهم ابن مسعود كما توهم الجوهري (1).
قوله: ليطيب به أحدكم نفسا لصاحبه
«نفسا» نصب على التمييز يعنى لتطيب نفس أحدكم بذلك لصاحبه، بأن يكون قاتل عمار صاحبه لا هو.
و في نسخة عتيقة «بصاحبه» بالباء مكان اللام، فيكون الكلام على سياق التهكّم و الباء للبدل أو للمجاوزة كما «عن»، أي ليكن أحد كم طيب النفس بأن يكون هو قاتل عمار بدل صاحبه، أو بأن يكون سابقا على صاحبه و مجاوزا اياه في قتل عمار، و صرح بأنه انما قال ذلك تهكّما بقوله «فاني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: تقتله الفئة الباغية».
قال في القاموس في عد معاني الباء: و للبدل فليت لي بهم قوما اذا ركبوا شنوا الاغارة فرسانا و ركبانا، و للمقابلة اشتريته بألف و كافأته بضعف احسانه، و للمجاوزة كعن و قيل: تختص بالسؤال «فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً» أو لا تختص نحو «وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمٰاءُ بِالْغَمٰامِ» و «مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» (2).
قوله: ألا تغنى عنا مخبرتك يا بن عمرو
«تغنى» بضم حرف المضارعة للخطاب على الافعال من غني بالمكان كفرح فهو غان، أي أقام به فهو مقيم فيه، و همزة الافعال للإزالة و السلب، و المعنى اما تصرف و تنحي عنا.
____________
(1) القاموس: 4/ 11
(2) القاموس: 4/ 408 و الآيات على الترتيب سورة الفرقان: 59، و 25، و سورة الانفطار: 6
156
..........
____________
قال ابن الاثير في النهاية: في حديث عثمان «أن عليا أرسل (1) اليه بصحيفة فقال للرسول: أغنها عنا» أي اصرفها و كفها كقوله تعالى «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» أي يكفه و يكفيه، يقال: أغن عني شرك أي اصرفه و كفه، و منه قوله تعالى و «لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً» و في حديث علي «و رجل سماه الناس عالما و لم يغن في العلم يوما سالما» أي لم يلبث في العلم يوما تاما، من قولك غنيت بالمكان أغني اذا أقمت به (2) و قال المطرزي في المغرب: الغناء بالفتح و المد الاجزاء و الكفاية، يقال:
أغنيت عنك مغني فلان و مغناته اذا أجزأت عنه و نبت منابه و كفيت كفايته، و يقال:
أغن عني كذا، أي نحه عني و بعده، و عليه حديث عثمان في صحيفة الصدقة التي بعثها علي على يد محمد بن الحنفية «أغنها عنا» و هو في الحقيقة من باب القلب كقولهم عرض الدابة على الماء.
قلت: على ما حققناه يستقيم الحمل على الحقيقة من غير تجشم الارجاع الى باب القلب، على أنه اذا أخذ من الغنى بمعنى ضد الفقر و الاجزاء و الكفاية كما ارتكبه لم يكن يستجدى فيه باب القلب أيضا فليتعرف.
و «المخبرة» بفتح الميم و اسكان المعجمة و فتح الموحدة أو ضمها و الراء قبل الهاء، بمعنى الخبر بالضم و يقال: بالكسر أيضا و هو العلم، و كذلك الخبرة.
قال الجوهري في الصحاح: الخبر واحد الاخبار: و أخبرته بكذا و خبرته بمعنى، و الاستخبار السؤال عن الخبر، و كذلك التخبر، و المخبر خلاف المنظر و كذلك المخبرة و المخبرة أيضا و هو نقيض المرآة، و يقال أيضا: من أين خبرت هذا الامر؟ أي من أين علمت؟ و الاسم الخبر بالضم و هو العلم بالشيء و الخبير العالم (3).
____________
(1) و في المصدر: بعث
(2) نهاية ابن الاثير: 3/ 392
(3) الصحاح: 2/ 641
157
أقاتل، ان أبي شكاني الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أطع أباك ما دام حيا و لا تعصه، فأنا معكم و لست أقاتل. (1)
____________
و في القاموس: الخبر و الخبرة بكسر هما و يضمان، و المخبرة و المخبرة العلم بالشيء كالاختبار و التخبر (1).
و قال الراغب في المفردات: الخبر العلم بالاشياء، و أخبرت أعلمت بما حصل لي من الخبر، و قيل: الخبرة المعرفة ببواطن الامور (2).
فالمعنى: ألا تصرف علمك و تنحيه عنا. و لا يبعد أن تحمل المخبرة هنا على اسم المكان، و يعنى بها الصدر فانه مكان العلم.
فيكون المعنى: ألا تولي عنا وجهك و تصرف عنا صدرك و ترينا ظهرك، أي تنصرف عنا و تتنحى عن معسكرنا، فما خطبك تكون مع الفئة الباغية.
قوله: فأنا معكم و لست أقاتل
صريح هذا الكلام من عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه لم يكسن يقاتل، و لم يخرج في معسكر معاوية بقصد القتال، بل انما أطاع اياه، فكان معهم اطاعة لأبيه لا مقاتلة لحرب الحق و ذويه، و لم يعلم أن اطاعة الوالد في معصية اللّه معصية للّه، و أن تكثير سواد الضلال ضلال، و الانخراط في سلك الفئة الباغية بغي.
و علامة زمخشر في بعض كتبه ليس يصدقه في هذا المقال أيضا فقد ذكر حديثه «سيأتي على جهنم زمان ينبت من قعرها الجرجير» ثم أنكر عليه أشد الانكار، و قال:
أنى له الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد كان مع معاوية يقاتل علي بن أبي طالب بسيفين و يبارز أعلام المهاجرين و الانصار برمحين.
و قال في الكشاف: و ما ظنك بقوم نبذوا كتاب اللّه، لما روى لهم بعض النوابت عبد اللّه بن عمرو بن العاص «ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد
____________
(1) القاموس: 2/ 17
(2) مفردات الراغب: 141
158
..........
____________
و ذلك بعد ما يلبثون أحقابا.
و بلغني أن من الضلال من اغتر بهذا الحديث فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار، و هذا و نحوه و العياذ باللّه من الخذلان المبين، زادنا اللّه هداية الى الحق و معرفة بكتابه، و تنبها على أن نغفل عنه.
و لئن صح هذا عن ابن ابن العاص فمعناه، أنهم يخرجون من حر النار الى برد الزمهرير فذلك خلق جهنم و صفق أبوابها، و أقول: أما كان لابن عمرو في سيفيه و مقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث (1) انتهى قول الكشاف.
و لكن السواد الاعظم من النقلة الثقات و حملة الاخبار و الروايات قد أطبقوا على هذا النقل عن ابن ابن العاص مثل ما رواه أبو عمرو الكشي جزاه اللّه عن دين أهل البيت خير الجزاء.
قال المسعودي (رحمه اللّه تعالى) في مروج الذهب: و تقدم عمار فقاتل ثم رجع الى موضعه فاستسقى فأتته امرأة من نساء بني شيبان من مصافهم بعس فيه لبن فدفعته اليه، فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر اليوم ألقى الاحبة تحت الاسنة صدق الصادق و بذلك أخبرني الناطق، هذا اليوم الذي وعدت فيه.
ثم قال: أيها الناس هل من رايح الى اللّه تحت العوالي، و الذي نفسي بيده لنقاتلنكم على تأويله كما قاتلناكم على تنزيله، و يقدم و هو يقول: نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله.
فتوسط القوم و اشتبكت علية الاسنة، فقتله أبو العادية العاملي و ابن جون السكسكي، و اختلفا في سلبه فاحتكما في سلبه على عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال:
اخرجا عني فاني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول أو قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و ولعت
____________
(1) لم أظفر عليه في الكشاف
159
..........
____________
قريش لعمار مالهم و لعمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم الجنة و يدعونه الى النار، و كان قتله عند المساء و له ثلاث و تسعون سنة و قبره بصفين و صلى عليه علي (عليه السلام) و لم يغسله انتهى كلام مروج الذهب (1)
و قال أيضا في مروج الذهب و قتل بصفين سبعون ألفا من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا، و كان المقام بصفين مائة يوم و عشرة أيام، و قتل بها من الصحابة، فمن كان مع علي (عليه السلام) خمسة و عشرون رجلا، منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سمية و هو ابن ثلاث و تسعين سنة انتهى كلامه.
في حذيفة بن اليمان رضى اللّه تعالى عنه حذيفة بن اليمان العبسي أبو عبد اللّه أحد الاركان الاربعة على قول، من كتاب أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و من السابقين من أنصار أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنصاري سكن الكوفة و مات بالمدائن بعد بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) بأربعين يوما قاله الشيخ (ره) في كتاب الرجال (2).
و أبو الحسن المسعودي في مروج الذهب بعد ذكر شهادة عمار بن ياسر و هاشم ابن عتبة المر قال قال: و استشهد في هذا اليوم صفوان و سعد ابنا حذيفة بن اليمان، و قد كان حذيفة عليلا بالكوفة في سنة ست و ثلاثين، فبلغه قتل عثمان و بيعة الناس لعلي (عليه السلام) فقال: أخرجوني و ادعوا الصلاة جامعة، فوضع على المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي و على آله.
ثم قال، أيها الناس ان الناس قد بايعوا علي بن أبي طالب فعليكم بتقوى اللّه و انصروا عليا و وازروه، فو اللّه أنه على الحق آخرا و أولا و أنه لخير من مضى بعد
____________
(1) مروج الذهب: 2/ 381
(2) رجال الشيخ: 16
160
حذيفة
72- حدثنا ابن مسعود، قال أخبرني أبو الحسن علي بن الحسن بن علي ابن فضّال، قال حدثني محمد بن الوليد البجلي، (1) قال حدثني العباس بن هلال، (2)
____________
نبيكم و من بقي الى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره، ثم قال: اللهم اشهد أني قد بايعت عليا.
و قال: الحمد للّه الذي أبقاني الى هذا اليوم، و قال لابنيه صفوان و سعد:
احملاني و كونا معه، فستكون له حروب كثيرة يهلك فيها خلق من الناس فاجتهدا أن تستشهدا معه، فانه و اللّه على الحق و من خالفه على الباطل، و مات بعد هذا بسبعة أيام و قيل: بأربعين يوما انتهى كلام مروج الذهب (1).
قوله (رحمه اللّه): محمد بن الوليد البجلى
هو أبو جعفر محمد بن الوليد البجلي الخزاز الكوفي.
قال النجاشي (رحمه اللّه تعالى): ثقة عين نقي الحديث، ذكره الجماعة بهذا، روى عن يونس بن يعقوب و حماد بن عثمان و من كان في طبقتهما، و عمر حتى لقيه محمد بن الحسن الصفار و سعد، له كتاب نوادر (2):
و لم يذكر كونه فطحيا، و سيجيء في الكتاب ذكره في عداد الاجلة الفقهاء العدول الكوفيين من الفطحية.
قوله (رحمه اللّه تعالى): العباس بن هلال
في كتاب النجاشي: عباس بن هلال السايي روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، يروي عنه محمد بن الوليد الخزاز (3).
____________
(1) مروج الذهب: 384
(2) رجال النجاشى: 265
(3) رجال النجاشى: 217 و فيه الشامى بدل السايى.
161
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ذكر أن حذيفة لما حضرته الوفاة و كان آخر الليل، قال لابنته أيّة ساعة هذه؟ قالت: آخر الليل. قال: الحمد للّه الذي بلغني هذا المبلغ و لم أوال ظالما على صاحب حق و لم أعاد صاحب حق، فبلغ زيد بن عبد الرحمن بن عبد يغوث، فقال: كذب و اللّه لقد و الى على عثمان، فأجابه بعض من حضره ان عثمان و اللّه يا أخا زهرة و الحديث منقطع. (1)
____________
قلت: السايي بالمهملة قبل الالف و المثناة من تحت بعدها قبل ياء النسبة المشددة نسبة الى سايه، و هي قرية بمكة أو واد بين الحرمين: كما ذكرناه في أول الكتاب في علي بن سويد السايي، و القاصرون يصحفون الياء بالباء الموحدة.
و في كتاب الرجال للشيخ في أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام): العباس بن هلال الشامي (1).
بالميم بعد الالف و الشين المعجمة قبلها، على ما في عامة ما وقعت إلينا من النسخ، و ذلك أيضا تصحيف، كأنه من النساخ لا من الشيخ.
قوله (رحمه اللّه تعالى): الحديث منقطع
الانقطاع على أن عثمان و اللّه يا أخا زهرة، من باب الاختصار بالحذف كما في أنه و انه، و قد أسلفنا بيانه في لو لا ما، أي أن عثمان و اللّه يا أخا زهرة جائر و ظالم و عات و منحرف عن السبيل و مستأثر بالحق على أهله.
في سهل بن حنيف رضى اللّه تعالى عنه
سهل بن حنيف باهمال الحاء المضمومة قبل النون المفتوحة و اسكان المثناة من تحت قبل الفاء، ابن واهب أبو ثابت الانصاري العقبي البدري الاحدي، من النقباء الاثنى عشر.
عده البرقي و أخاه عثمان بن حنيف من شرطة الخميس (2)
____________
(1) رجال الشيخ: 382
(2) رجال البرقى: 4
162
..........
____________
و قال الفضل بن شاذان: انه من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام).
و الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال أورده في باب من روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة (1).
ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: سهل بن حنيف أنصاري عربي، و كان و اليه على المدينة، يكنى أبا محمد (2).
و قال الذهبي من العامة في مختصره: سهل بن حنيف الاوسي بدري جليل، عنه ابن أبي ليلى و أبو وائل، مات 38، و كبّر عليه علي (عليه السلام) ستا.
قلت: و ذلك بعد الرجوع من صفين. في صحيح البخاري بأسناده عن أبي حصين قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبر فقال:
اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل، و لو استطيع أن أرد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمره لرددته و اللّه و رسوله أعلم، و ما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا الا أسهلن (3) بنا الى أمر نعرفه قبل هذا الامر، ما نسد منه (4) خصما الا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له.
و فيه بأسناده عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: أ لم تر الى الذين يدعون الى كتاب اللّه فقال علي: نعم فقال سهل ابن حنيف: اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و المشركين، و لو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق و هم على الباطل؟ أ ليس قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار؟
____________
(1) رجال الشيخ: 20
(2) رجال الشيخ: 43
(3) سهل الامر بنا الى كذا أفضى اليه «منه».
(4) و في خ ل منها.
163
سهل بن حنيف
73- محمد بن مسعود: قال حدثني أحمد بن عبد اللّه العلوي، قال حدثني علي بن محمد، عن أحمد بن محمد الليثي، عن عبد الغفار، (1) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) كفن سهل بن حنيف في برد أحمر حبرة. (2)
____________
قال: بلى قال: فبم نعطي الدنية في ديننا و نرجع و لما يحكم اللّه بيننا، فقال:
يا بن الخطاب اني رسول اللّه و لن يضيعني اللّه أبدا، فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق و هم على الباطل؟ قال: يا بن الخطاب انه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لن يضيعه اللّه أبدا. فنزلت سورة الفتح (1) انتهى ما في صحيح البخاري هاهنا.
و زاد فيه أكثرهم من طرق عديدة فقال عمر: و اللّه ما شككت في ديني منذ أسلمت الا يومي هذا. و على هذه الزيادة أورده علامتهم الشهرستانى في كتاب الملل (2) و النحل.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن عبد الغفار
هو أبو مريم الانصاري عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن قيس بن قهد، بفتح القاف و اسكان الهاء، الثقة من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام). لا عبد الغفار بن حبيب الطائي الجازي، بالجيم و الزاء، من أهل الجازية قرية بالنهرين الثقة أيضا من أصحاب الصادق (عليه السلام).
و الحسن بن داود قال في كتابه: و رأيت بخط الشيخ أبي جعفر في كتاب الرجال عبد الغفار بن حبيب الحارثي بالحاء المهملة و الراء و الثاء المثلثة (3).
قوله (عليه السلام): في برد أحمر حبرة
يستحب التكفين في القطن الابيض الا الحبرة، فان المستحب فيها أن تكون
____________
(1) صحيح البخارى: 6/ 46
(2) لم أظفر عليه مع التفحص التام و لعله صحف و أسقط منه.
(3) رجال ابن داود: 226
164
74- محمد بن مسعود، قال حدثني أحمد بن عبد اللّه العلوي، قال حدثني علي بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن زيد، أنه قال: كبر علي بن أبي طالب على سهل بن حنيف سبع تكبيرات، (1) و كان بدريا، و قال لو كبّرت عليه سبعين لكان أهلا.
75- محمد بن مسعود، قال حدثني محمد بن نصير، قال حدثنا محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كبّر علي (عليه السلام) على سهل بن حنيف و كان بدريّا خمس تكبيرات،
____________
بردا أحمر قاله في الذكرى، و قال أيضا: يستحب عندنا أن يزاد الرجل و المرأة حبرة- بكسر الحاء و فتح الباء- يمنية عبرية منسوبة الى موضع باليمن أو جانب واد، لقول أبي مريم الانصاري سمعت الباقر (عليه السلام) يقول: كفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ثلاثة أثواب: برد حبرة أحمر و ثوبين صحاريين. و قال: ان الحسن بن علي (عليه السلام) كفن اسامة بن زيد في برد أحمر، و أن عليا (عليه السلام) كفن سهل بن حنيف ببرد أحمر حبرة (1).
و قال المحقق في المعتبر و ابن ادريس في السرائر: الحبرة من التحبير و هو التحسين و التزيين، و يمنية منسوبة الى اليمن، و عبرية منسوبة الى العبر، و هو باهمال العين المكسورة أو المضمومة و اسكان الباء الموحدة شط النهر و جانب الوادي (2).
قوله رضى اللّه تعالى عنه: سبع تكبيرات
أي سبع صلوات كل منها بخمس تكبيرات فتكون جميعها خمسا و ثلاثين تكبيرة.
____________
(1) الذكرى: 47- 48
(2) المعتبر: 76
165
ثم مشى به ساعة ثم وضعه ثم كبّر عليه خمس تكبيرات (1) أخر، فصنع به ذلك حتى بلغ خمسا و عشرين تكبيرة.
____________
قوله (عليه السلام): ثم مشى به ساعة ثم وضعه ثم كبر عليه خمس تكبيرات
السيد جمال الدين أحمد بن طاوس (قدس اللّه نفسه الزكية) في اختياره من كتاب أبي عمرو الكشي ذكر هذا الحديث و قال: الطريق علي بن الحكم عن سيف ابن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام). و وافقه العلامة في الخلاصة (1)
و الطريق في كتاب الاختيار للشيخ و هو المعروف في هذا الاعصار بكتاب الكشي في عامة النسخ على هذه الصورة: محمد بن مسعود عن محمد بن نصير قال:
حدثني محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كبر علي (عليه السلام) علي سهل بن حنيف الحديث.
و رواه رئيس المحدثين في جامعه الكافي (2) و الصدوق في الفقيه (2)، و الشيخ في التهذيب (3) من طرق مختلفة.
قال العلامة في نهايته: (4) و صلى علي (عليه السلام) على سهل بن حنيف خمسا و عشرين تكبيرة، اما لتعظيمه و اظهار شرفه، أو لتلاحق من لم يصل (5).
و قال شيخنا الشهيد في الذكرى: و في الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: كبر أمير المؤمنين (عليه السلام) على سهل بن حنيف و كان بدريا خمس تكبيرات، ثم مشى به ساعة، ثم وضعه و كبر عليه خمس تكبيرات أخرى يصنع ذلك حتى كبّر
____________
(1) الخلاصة: 81
(2) فروع الكافى: 3/ 186
(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 102
(4) تهذيب الاحكام: 3/ 317 و الاستبصار: 1/ 476
(5) نهاية الاحكام: 259 مخطوط و توجد نسخة منها في مكتبتنا.
166
..........
____________
عليه خمسا و عشرين تكبيرة.
و في خبر عقبة أن الصادق (عليه السلام) قال: أما بلغكم أن رجلا صلى عليه علي (عليه السلام) فكبّر عليه خمسا حتى صلى عليه خمس صلوات، و قال: انه بدري عقبي أحدي من النقباء الاثنى عشر، و له خمس مناقب فصلى عليه لكل منقبة صلاة.
و في خبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على حمزة سبعين تكبيرة، و كبر علي (عليه السلام) عندكم على سهل بن حنيف خمسا و عشرين تكبيرة كلما أدركه الناس قالوا: يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل، فيضعه و يكبّر حتى انتهى الى قبره خمس مرات.
فتبيّن رجحان الصلاة بظهور الفتوى و كثرة الاخبار. و قال الفاضل: ان خيف على الميت كره تكرار الصلاة و الا فلا (1) انتهى كلام الذكرى.
و ما عدّه حسن الطريق عن الحلبي فهو صحيح الطريق عندي، و الفتوى عندي على استحباب التكرار لشرف الرجل، أو تلا حق من لم يدرك الصلاة على الجنازة و الجواز على كراهية عند فقد السبب و التحريم اذا خيف على الميت ظنا قويا يتأخم علما عاديا.
و من طريق العامة: أن عليا (عليه السلام) كرر الصلاة على سهل بن حنيف ستا (2).
قلت: كل منها بخمس تكبيرات فيكون على هذه الرواية قد كبّر (عليه السلام) عليه ثلاثين تكبيرة، و قوم من علماء العامة يحملونها على أربع و عشرين، زعما منهم أن كلا منها كانت بأربع تكبيرات.
قال في الذكرى: تجب فيها خمس تكبيرات لخبر زيد بن أرقم أنه كبر على جنازة خمسا و قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكبرها أوردها مسلم و أكثر المسانيد، و لفظ كان يشعر بالدوام و الاربع و ان رويت فالاثبات مقدم على النفي، و جاز أن يكون راوي
____________
(1) الذكرى: 56
(2) راجع جامع الاصول و ذيله: 7/ 143
167
..........
____________
الاربع لم يسمع الخامسة أو نسيها. قال بعض العامة الزيادة ثابتة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الاختلافات المنقولة في العدد من جملة الاختلافات في المباح و الكل سائغ، و في كلام بعض شراح مسلم انما ترك القول بالخمس لأنه صار علما للتشيع، و هذا عجيب و أما الاصحاب فمتفقون على ذلك و به أخبار كثيرة.
قلت: عني ببعض العامة ابن شريح من الشافعية و كذلك الرافعي فانه قال:
الاكثر على أن الزيادة لا تبطل لثبوتها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الا ان الاربع استقر أمر الصحابة عليها، و كلام النووي أيضا قريب من ذلك.
و عني ببعض شراح مسلم المازري و هو شيخهم الفقيه الامام المتقدم أبو عبد اللّه محمد بن علي التميمي المازري قال في شرح صحيح مسلم: ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كبّر أربعا، و في حديث آخر، ان زيدا كبر خمسا على جنازة و قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكبرها و قد قال به بعض الناس، و هذا المذهب الان متروك، لان ذلك صار علما على القول بالرفض.
و في الاخبار من طريق الاصحاب عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) و من طريقهم عن أم سلمة كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اذا صلى على ميت كبر و تشهد ثم كبر و صلى على الانبياء و دعا، ثم كبر و دعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة و دعا للميت، ثم كبر و انصرف، فلما نهاه اللّه عن الصلاة على المنافقين كبر و تشهد، ثم كبر فصلى على النبيين، ثم كبر و دعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة و انصرف و لم يدعو للميت (1).
قال في الذكرى: و في خبر عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) ان هبة اللّه صلى على أبيه آدم و كبر خمسا، و انها سنة جارية في ولده الى يوم القيامة، و روى هشام بن سالم عنه (عليه السلام) كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكبر على قوم خمسا و على قوم أربعا، فاذا كبر على رجل أربعا اتهم يعني بالنفاق، و مثله روى اسماعيل بن همام عن أبي الحسن (عليه السلام)،
____________
(1) جامع أحاديث الشيعة: 3/ 294
168
..........
____________
و روى اسماعيل بن سعد الاشعري عن الرضا (عليه السلام)، أما المؤمن فخمس تكبيرات و أما المنافق فأربع، فهذا جمع حسن بين ما رواه العامة لو كانوا يعقلون الى هنا كلام الذكرى (1).
أبو أيوب الانصارى
اسمه خالد بن زيد، ذكره المسعودى في مروج الذهب، و العلامة في الخلاصة (2)، و هو أنصاري مشكور من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام) و سيجيء في ذكر السابقين و من الذين شهدوا لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنهم سمعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، و سيجيء في ترجمة البراء بن عازب و أنس بن مالك، و قد نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منزله بالمدينة أول قدومه في الهجرة.
قال الشيخ في كتاب الرجال في باب من روى عن النبي (ص) من الصحابة:
خالد بن زيد الانصاري (3).
ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: خالد بن زيد مدني عربي خزرجي يكنى أبا أيوب الانصاري من الخزرج (4).
و قال الحسن بن داود: أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري في ي جخ كش:
عظيم الشأن (5).
و قال الذهبي في مختصره: خالد بن زيد أبو أيوب انصاري بدري جليل، عنه جبير بن نفير و أبو سلمة و عروة، و فد على ابن عباس البصرة فقال: اني أخرج
____________
(1) الذكرى: 58
(2) الخلاصة: 65
(3) رجال الشيخ: 18
(4) رجال الشيخ: 40
(5) رجال ابن داود: 392
169
ابو ايوب الانصارى
76- روى الحارث بن حصيرة الازدي، (1)
____________
عن مسكني لك كما خرجت عن مسكنك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأعطاه ذلك بما حوى و عشرين ألفا و أربعين عبدا، مات 51.
قوله (رحمه اللّه تعالى): روى الحارث بن حصيرة الازدى
في أكثر النسخ (1) «نصير» بالنون قبل الصاد، و هو تصحيف من غلط الناسخين و لم يتفطن القاصرون لفساد ذلك مع شدة ظهوره من وجوه عديدة.
و الصواب الحارث بن حصيرة بفتح الحاء و كسر الصاد المهملتين و الراء بعد الياء المثناة من تحت و الهاء أخيرا، و ربما يذكر باسقاط الهاء.
و هو أبو نعمان الازدي الكوفي التابعي من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و بقي الى زمن أبي جعفر الباقر و أبي عبد اللّه الصادق و روى عنهما (عليهما السلام)، ثقه جليل مطعون عند العامة بالتشيع و الرفض.
قال في القاموس في ح ص ر: و الحارث بن حصيرة محدث (2).
و الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال قال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) الحارث بن حصيرة (3).
و قال في أصحاب أبي جعفر الباقر (عليه السلام): الحارث بن حصير- بغير هاء- الازدي تابعي أبو النعمان كوفي (4).
و في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: الحارث بن حصيرة- باثبات الهاء- أبو النعمان الازدي كوفي تابعي (5).
____________
(1) كما في المطبوع من رجال الكشى بجامعة مشهد.
(2) القاموس: 2/ 9
(3) رجال الشيخ: 39
(4) رجال الشيخ: 118 و فيه حصين بدل حصير.
(5) رجال الشيخ: 178
170
عن أبي صادق، (1)
____________
و قال أبو عبد اللّه الذهبي من العامة في ميزان الاعتدال: الحارث بن حصيرة الازدي أبو النعمان الكوفي، عن زيد بن وهب و عكرمة و طائفة، و عنه مالك بن مغول و عبد اللّه بن نمير و طائفة.
قال أبو احمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة. و قال يحيى بن معين: ثقة خشبي ينسبون الى خشبة زيد بن علي لما صلب عليها. و قال النسائي ثقة و قال ابن عدي:
يكتب حديثه على ضعفه، و هو من المتحرفين بالكوفة في التشيع. و قال ربيح: سئلت جريرا أ رأيت الحارث بن حصيرة؟ قال: نعم رأيته شيخا كبيرا طويل السكوت يصر على أمر عظيم (1).
عباد بن يعقوب الرواجني حدثنا عبد اللّه بن عبد الملك المسعودي عن الحارث ابن حصيرة عن زيد بن وهب سمعت عليا يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسوله لا يقولها بعدي الا كذاب.
و روى الحارث عن أبي سعيد عقيصا عن علي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: مهما ضيعتم فلا تضيعوا الصلاة: و قال أبو حاتم الرازي هو من الشيعة العنق (2) لو لا الثوري روى عنه لترك انتهى كلام الذهبي.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن أبى صادق
أبو صادق هذا هو كيسان بن كليب الحرمي، و يقال له: أبو عاصم و هو من أصحاب أمير المؤمنين و أبي محمد الحسن و أبي عبد اللّه الحسين (عليهم السلام)، ذكره البرقي في عداد أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من اليمن (3) و أورده العلامة في الخلاصة نقلا
____________
(1) أى على سب الشيخين.
(2) العنق بضمتين اما بالنون بمعنى الرؤساء الكبار، أو بالتاء المثناة من فوق جمع العتيق بمعنى القديم «منه»
(3) رجال البرقى: 6
171
..........
____________
عنه قال: و أبو صادق كليب الحرمي بالحاء المهملة و الراء و الميم (1).
و الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال قال في باب من عرف بكنيته أو بقبيلته من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): أبو صادق، و هو أبو عاصم بن كليب الحرمي عربي كوفي (2).
و قال في أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام): كيسان بن كليب يكنى أبا صادق (3):
و كذلك في أصحاب أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: كيسان بن كليب يكنى أبا صادق (4).
في جامع الاصول: كيسان بفتح الكاف و سكون الياء تحتها نقطتان و بالسين المهملة.
و لنا أيضا في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): أبو صادق الازدي عبد خير بن ناجد، و في أصحاب أبي عبد اللّه الحسين من أصحاب أمير المؤمنين (عليهما السلام)، أبو صادق بشر بن غالب الاسدي الكوفي.
ذكر هما الشيخ أيضا في كتاب الرجال في أصحاب أبي جعفر الباقر (عليه السلام):
ربيعة بن ناجد بن كثير أبو صادق الكوفي، روى عنه و عن أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (5). و في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): ربعية بن ناجد الاسدي الازدي عربي كوفي (6).
و في مختصر الذهبي: أبو صادق الازدي مسلم. و قيل: عبد اللّه بن ناجد،
____________
(1) الخلاصة: 194
(2) رجال الشيخ: 63 و فيه الجرمى بدل الحرمى
(3) رجال الشيخ: 70
(4) رجال الشيخ: 79
(5) رجال الشيخ: 121
(6) رجال الشيخ: 41
172
عن محمد بن سليمان (1) قال: قدم علينا أبو أيوب الانصاري فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له، فآتيناه فأهدينا له، قال، قعدنا عنده فقلنا يا أبا ايوب قاتلت المشركين بسيفك هذا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثم جئت تقاتل المسلمين؟ فقال: ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أمرني بقتال القاسطين
____________
عن على و أخيه ربيعة، و عنه الحكم و شعيب بن جنحاب وثق، و قيل- لم يلق عليا.
و اما عبد خير الخيواني الهمداني من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو غير عبد خير أبي صادق الازدي.
و قد ذكره الشيخ أيضا في كتاب الرجال (1).
و في ترجمته قال في جامع الاصول: يقال: أدرك زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الا انه لم يلقه و صحب عليا، و هو من كبار أصحابه ثقة مأمون سكن الكوفة، يقال: أتى عليه مائة و عشرون سنة.
و قال الذهبي: عبد خير الهمداني عن أبي بكر و علي، و عنه أبو اسحاق و حصين ثقة محضرم (2).
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن محمد بن سليمان
و هو محمد بن سليمان الذي يروي عن أبي امامة أسعد بن سهل بن حنيف.
قال في جامع الاصول: و اسم أبي امامة أسعد بن سهل بن حنيف الانصاري الاوسي المدني سمع أباه، روى عنه مالك بن أنس.
و ذكره الذهبي في مختصره و قال: وثق.
و أبو امامة هذا من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو صحابي
قال الشيخ في كتاب الرجال: أبو امامة له صحبة، و كان معاوية وضع عليه الحرس لئلا يهرب الى علي (عليه السلام) (3).
____________
(1) رجال الشيخ: 53 و فيه الخيرانى بالراء المهملة.
(2) أى سكن حضرموت
(3) رجال الشيخ: 65
173
و المارقين و الناكثين، فقد قاتلت الناكثين و قاتلت القاسطين، و أنا نقاتل إن شاء اللّه بالمسعفات بالطرقات بالنهروانات، (1)
____________
و في طبقته محمد بن سليمان بن أبي جثمة.
ذكره الذهبي أيضا و قال: عن أبيه و عمه سهل، و عنه ابن اسحاق و غيره وثق.
و في بعض النسخ عن محمد بن سلمة، و ليس بصحيح لبعد طبقته عن أبي صادق، فانه لو كان لكان محمد بن سلمة الحراني لكونه أقرب من غيره، و هو أيضا بعيد الطبقة منه.
قال الذهبي: في معناه سمع ابن عجلان و ابن اسحاق، و عنه أحمد قال ابن سعد: ثقة عالم له فضل و رواية و فتوى مات 192.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: و انا نقاتل إن شاء اللّه بالمسعفات بالطرقات بالنهروانات
باء بالمسعفات ظرفية بمعنى في، أي في أراضي القرى المسعفات، و هي في أكثر النسخ بالميم المضمومة ثم السين المهملة الساكنة قبل العين المهملة المكسورة ثم الفاء، على اسم الفاعل من باب الافعال الغير المتعدي في معنى الاصل المجرد، أي المصقبات الدانيات من الطرقات، على استعمال الباء في معنى «من» الاتصالية أو الابتدائية أو التبعيضية، كما في التنزيل الكريم، عينا يشرب بها عباد اللّه» (1) «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» (2)
قال في أساس البلاغة: أسعفته بحاجته قضيتها له و أسعفت الحاجة حانت و أسعفت الدار بفلان أصقبت و هو يساعدني على ذلك و يسافعني به، و فلان قد ساعده جده و ساعفته الدنيا و تقول: الدنيا لك شاعفة الا انها غير مساعفة (3).
____________
(1) سورة الانسان: 6
(2) سورة المائدة: 6
(3) أساس البلاغة: 297
174
..........
____________
و قال: صقبت داره صقبا دنت: و في الحديث. المرء أحق بصقبه و أصقب اللّه داره أدناها، و أصقبت داره بمعنى صقبت، و داره صقب مني و داره أصقب من داره، و أتي علي رضي اللّه عنه بقتيل وجد بين قريتين فحمله على أصقب القريتين اليه، و صاقبه صقابا قاربه و واجهه (1).
و في القاموس: سعف بحاجته كمنع و أسعف قضاها له و أسعف دنا و له الصيد أمكنه و باهله ألم، و التسعيف تخليط المسك و نحوه بأفاويه الطيب و ساعفه ساعده أو و أتاه في مصافاة و معاونة، و مكان مساعف قريب (2).
و «الطرقات» بضمتين جمع الجمع للطريق و الجمع الاطرقة و الطرق.
و «النهروانات» هي مواضع و قرى قريبة من بلدة نهروان.
قال في القاموس: و النهروان بفتح النون و تثليث الراء و بضمهما ثلاث قرى أعلا و أوسط و أسفل هي بين واسط و بغداد (3).
و في الصحاح: و نهروان- بفتح النون و الراء- بلد، و المنهرة فضاء يكون بين أفنية القوم يلقون فيها كناستهم (4).
و في كتاب المساحة و البلدان للفاضل البيرجندي: نهروان بفتح النون سكون الهاء و ضم الراء و و او بعدها ألف و نون بلد قديم قريب بغداد منه الى دجلة أربعة فراسخ.
و قال في المغرب: في الحديث «تقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين» هم الذين نكثوا البيعة أي نقضوها و استزلوا عائشة و ساروا بها الى البصرة على جمل اسمه عسكر، و لهذا سميت الوقعة يوم الجمل، و القاسطون معاوية و أشياعه لا نهم قسطوا
____________
(1) أساس البلاغة: 358
(2) القاموس: 3/ 152
(3) القاموس: 2/ 150
(4) الصحاح: 2/ 840
175
..........
____________
أي حاروا حين حاربوا امام الحق، و الوقعة تعرف بيوم صفين، و اما المارقون فهم الذين مرقوا أي خرجوا من دين اللّه و استحلوا (1) القتال مع خليفة رسول اللّه، و هم عبد اللّه بن وهب الراسبي و حرقوص بن زهير البجلي المعرف ب «ذي ثدية» و تعرف تلك الوقعة بيوم النهروان، و هي من أرض العراق على أربعة فراسخ من بغداد انتهى كلام المطرزي بعبارته.
و في نسخ معدودات «بالسعفات» أي في أرض ذات السعفات بالتحريك جمع السعف محركة، و الباءات كلها للظرفية.
قال في المغرب: السعف ورق جريد النخل الذي تسف منه الزبل و المراوح و عن الليث أكثر ما يقال له السعف اذا يبس، و اذا كانت رطبة فهي الشطبة، و قد يقال للجريد نفسه سعف الواحد سعفة.
و في الصحاح: السعفة بالتحريك غصن النخل و الجمع سعف (2).
و يعاضد هذه النسخة أن الخوارج لعنهم اللّه كانوا بالرميلة اذ أشرف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقاتلهم و قتلهم ثم عسكر (عليه السلام) بالنخيلة، كلاهما على التصغير.
قال في القاموس: كجهينة موضع بالبادية و موضع بالعراق فيه قاتل علي (عليه السلام) الخوارج (3).
قال المسعودي (رحمه اللّه تعالى) في مروج الذهب: ان رسول الخوارج الى علي (عليه السلام) أخبر أن القوم قد عبروا نهر طخارستان (4)، و هذا النهر عليه قنطرة تعرف بقنطرة طخارستان الى هذا الوقت بين حلوان و بغداد من جادة طخارستان، فقال علي (عليه السلام): و اللّه ما عبروا و لا يقطعونه حتى نقتلهم بالرميلة دونه.
____________
(1) أى استحلوا مقاتلته (عليه السلام) «منه»
(2) الصحاح: 4/ 1374
(3) القاموس: 4/ 55
(4) و في المصدر كلها طبرستان
176
و ما أدري أنّى هي. (1)
____________
ثم تواترت عليه الاخبار بقطعهم هذا النهر و عبورهم هذا الجسر، و هو يأبى ذلك و يحلف أنهم لم يعبروه و أن مصارعهم دونه، ثم قال: سيروا الى القوم فو اللّه لا يفلت منهم الا عشرة و لا تقتل منكم الا عشرة فسار علي (عليه السلام) فأشرف عليهم و قد عسكروا بالموضع المعروف بالرميلة على حسب ما قال لأصحابه.
فلما أشرف عليهم قال: اللّه أكبر صدق اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فتصاف القوم فوقف عليهم (عليه السلام) بنفسه فدعاهم الى الرجوع و التوبة، فأبوا و رموا أصحابه، ثم بعد ذكر القتال و قتلهم عن آخرهم إلا عشرة منهم و قتل مخدج و صفته و وقوع كل ما أخبر به علي (عليه السلام) على طباق ما قد أخبر به (عليه السلام).
قال: فعسكر (عليه السلام) بالنخيلة فجعل أصحابه يتسللون و يلحقون بأوطانهم، فلم يبق معه الا نفر يسير (1).
قوله رضى اللّه عنه: و ما أدرى أنى هى
أنّى بفتح الهمزة و تشديد النون المفتوحة بعدها ظرفية، أي ما أدري أين تكون هذه المسعفات الصاقبات من الطرقات أو أين تكون هذه السعفات أي جرائد النخل بالطرقات.
و في بعض النسخ «أي هي» بالياء المشددة المنونة بالرفع بعد الهمزة المفتوحة أي ما أدري أيّ مكان هي.
في مروج الذهب: ان أول من قاتل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم النهروان أبو أيوب الانصاري حمل على زيد بن حصين من الخوارج فقتله (2)،
____________
(1) مروج الذهب: 2/ 405- 407
(2) مروج الذهب: 2/- 406
178
حذيفة و عبد اللّه بن مسعود
78- و سأل عن ابن مسعود و حذيفة؟ فقال: لم يكن حذيفة مثل ابن مسعود (1)
____________
أم عبد، و سخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد (1).
و كان خفيف اللحم قصيرا شديد الادمة، يكاد طوال (2) الرجل يوازيه جلوسا و لي القضاء بالكوفة و بيت مالها لعمر و صدرا من خلافة عثمان، ثم صار الى المدينة فمات بها سنة اثنين و ثلاثين، و دفن بالبقيع، و له بضع و ستون سنة.
حذيفة بن يمان أبو عبد اللّه العبسي من عظماء الصحابة و من الاركان الاربعة في الاستقامة مع علي (عليه السلام) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على قول، و قد أسلفنا ترجمته و ما ينبغي أن يذكر في معناه (3).
و اليمان اسمه حسيل بن جابر بن ربيعة العبسي، حسيل بضم الحاء و فتح السين المهملتين و اسكان الياء المثناة من تحت و اللام أخيرا، حالف بني عبد الاشهل فسماه قومهم يمان، لأنه حالف اليمانية، فحذيفة يعد من حلفاء الانصار.
و خرج حذيفة هو و أبوه فأخذهما كفار قريش فقالوا: انكما تريدان محمدا فقالا: ما نريد الا المدينة، فأخذوا منهما عهد اللّه ان لا يقاتلا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أن ينصرفا الى المدينة.
فأتيا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبراه و قالا: ان شئت قاتلنا معك قال: بل نفي و نستعين اللّه عليهم ففاتتهما بدر، و شهد حذيفة أحدا و ما بعدها، و مات بعد قتل عثمان بأيام يسيرة بعد أن بايع أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو بالكوفة و علي (عليه السلام) بالمدينة و قد بويع له.
قوله (رحمه اللّه تعالى): لم يكن حذيفة مثل ابن مسعود
لان حذيفة كان ركنا بضم الراء و اسكان الكاف قبل النون، أي كان ركنا من
____________
(1) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب: 2/ 319
(2) اى الطويل من الرجال قال في القاموس: طال طولا بالضم امتد كاستطال فهو طويل و طوال كغراب و هى- اى يقال للمؤنث طويلة بالهاء- بهاء «منه» 4/ 9
(3) أى في شأنه و أمره أو معناه اللغوى
177
77- و سئل الفضل بن شاذان عن أبي أيوب خالد بن زيد الانصاري و قتاله مع معاوية المشركين؟ فقال: كان ذلك منه قلة فقه (1) و غفلة، ظن أنه انما يعمل عملا لنفسه يقوي به الإسلام و يوهي به الشرك و ليس عليه من معاوية شيء كان معه أو لم يكن
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): كان ذلك منه قلة فقه
«كان» اما ناقصة و «قلة فقه» نصب على الخبر، أو تامة، و نصب «قلة فقه» على التمييز.
و «غفلة» منونة بالنصب عطفا على قلة فقه، اما على الخبر بعد الخبر، أو على التميز، أو الواو بمعنى أو، أي وقع ذلك منه اما من جهة قلة الفقه أو من جهة الغفلة.
و «ظن أنه» الخ جملة فعلية بيانا للغفلة و قلة الفقه.
و «يوهي» بضم ياء المضارعة و كسر الهاء على البناء للفاعل من باب الافعال يقال: و هي يهي وهيا أي ضعف، و أوهاه غيره يوهيه إيهاء أي أضعفه.
و في نسخة «يوهن» بالنون من الوهن بمعنى الضعف أيضا يتعدي و لا يتعدي يقال: و هن اذا و هي و ضعف، و أوهنتهم الحمى، و وهنتهم أيضا أي أوهنتهم و أضعفتهم.
في ابن مسعود و حذيفه و منزلتهما
هو أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن مسعود من كبار الصحابة، ذكر نسبه بما فيه من الاقوال في جامع الاصول ثم قال: و كان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد اللّه بن الحارث بن زهرة، و كان اسلام عبد اللّه قديما في أول الإسلام قبل دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دار الارقم و قبل عمر بزمان، و قيل: كان سادسا في الإسلام ثم ضمه اليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)
و كان من خواصه، و كان صاحب سر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سواكه و نعليه و ظهوره في السفر، هاجر الى الحبشة و شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد، و صلى الى القبلتين و شهد له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الجنة و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رضيت لأمتي ما رضي لها ابن
179
لان حذيفة كان ركنا و ابن مسعود خلط و والى القوم و مال معهم و قال بهم، (1) و قال أيضا:
____________
الاركان الاربعة بالاستقامة في موالاة علي بن أبي طالب (عليه السلام) و متابعته و مطاوعتة اياه بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا أحد القولين، و قد نقله الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال (1)
و القول الاشهر أن رابع الاركان عمار بن ياسر مكان حذيفة بن يمان رضي اللّه تعالى عنهما.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و ابن مسعود خلط و والى القوم و مال معهم و قال بهم
«خلط» بتشديد اللام من التخليط، «و والى القوم» أي أظهر موالاتهم، «و مال معهم» أي حاص معهم عن طريق الحق، و حاد عن سواء السبيل، كما حاصوا و حادوا «و قال بهم» أي أذعن لهم و انقاد في ظاهر الامر.
و قد ورد الاخبار و صح أن ابن مسعود قد رجع عما وقع منه و تندم و تظاهر بالتندم عليه.
و من ذلك ما رواه الحاكم صاحب المستدرك على الصحيحين و شواهد التنزيل و الحافظ أبو نعيم صاحب حلية الاولياء و ابن عبد البر صاحب الاستيعاب و أبو بكر ابن مردويه و أبو عبد اللّه بن السراج و رهط غيرهم بأسانيد معتبرة عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يا بن مسعود انه قد نزلت في علي آية «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (2)» و أنا مستودعكها و مسم لك خاصة الظلمة، لكن لا أقول و اعيا و عني له مؤديا، من ظلم عليا مجلسي هذا فهو كمن جحد نبوتي و نبوة من كان قبلي.
فقال له الراوي: يا أبا عبد الرحمن أسمعت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟! قال:
نعم قلت له: كيف؟ و أتيت الظالمين، قال: لا جرم جليت عقوبة عملي و ذلك أني
____________
(1) رجال الشيخ: 37
(2) سورة الانفال: 25
180
..........
____________
لم استأذن امامي كما استأذنه جندب و عمار و سلمان و أنا أستغفر اللّه و أتوب اليه (1).
و لهذا الحديث طرق متظافرة عن غير ابن مسعود من طريق ابن عباس و من طريق عمار بن ياسر و من طريق أبي ذر و من عداهم من كبار الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، قد أوردناها و نقلناها عن العامة و الخاصة في كتاب شرح التقدمة.
و «أتيت» من المواتاة بمعنى المجازات و المماشاة و المساعفة و المساعدة.
و «جليت» بضم الجيم و تشديد اللام المكسورة على البناء للمفعول، و أصله جلّلت بلامين مشددة مكسورة و أخرى بعدها ساكنة فاجتمعت ثلاث لا مات فقلبت الاخيرة منها ياء، كما في التظني و التقضي و مشاكلتهما.
و «عقوبة عملي» منصوبة على أنها منزوعة الخافض.
و المعنى: غطيت بعقوبة عملي فشملتني و عمتني عقوبة ذلك، كما يشمل الثوب البدن و يغطيه و يعمه.
قال في أساس البلاغة: و جلّله غطاه، و تجلّل بثوبه تغطي به، و من المجاز تجلّله الهم و المرض (2).
و في الصحاح: و جلل الشيء تجليلا أي عم، و المجلل السحاب الذي يجلل الارض بالمطر أي يعم، و تجليل الفرس أن تلبسه الجل، و تجلله أي علاه، و تجلله أي أخذ جلاله (3).
____________
(1) شواهد التنزيل: 1/ 206 رواه عن طرق مختلفة، و الطرائف: 36 و البحار 38/ 155
(2) أساس البلاغة: 98
(3) الصحاح: 4/ 1660
181
[السابقون الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (ع)]
[أبو الهيثم بن التيهان]
ان من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنين (عليه السلام) أبو الهيثم بن التيهان (1)
____________
السابقون الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (ع) ذكر منهم خمسة عشر رجلا باسمائهم.
قوله (رحمه اللّه تعالى): أبو الهيثم بن التيهان
بالهاء المفتوحة و المثناة من تحت الساكنة ثم المثلثة المفتوحة قبل الميم، اسمه في المشهور مالك بن تيهان بالمثناة من فوق قبل المثناة من تحت المشددة المفتوحتين و قيل: بكسر الياء المشددة البلوي، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و خواصه من الصحابة، ذكره الشيخ في كتاب الرجال (1)، و العلامة في الخلاصة (2). و الأصحّ أنه من شهداء أصحابه (عليه السلام) بصفين.
قال في المغرب: علي كرم اللّه وجهه قال لا بن عباس: انك رجل تايه: أما علمت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حرم لحوم الحمر. التيه: التحير و الذهاب عن الطريق القصد، يقال: تاه في المفازة، و انما خاطبه بهذا حيث اعتقد أنه استحل ما حرم رسول اللّه، فجعله كالتارك للقصد و المائل عنه.
و «تيهان» فيعلان- بالفتح- من تاه، و به سمي والد أبي الهيثم مالك بن تيهان و هو من الصحابة.
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: أبو الهيثم مالك بن التيهان بن مالك، و قيل: اسم التيهان مالك بن عمرو بن زيد، و في نسبه خلاف فمنهم من يجعله أنصاريا من الاوس، و منهم من يجعله بلويا من بلي بن الحاف بن فضاعة، و يقال: انه حليف بني عبد الاشهل، شهد العقبة الاولى و الثانية مع السبعين، و كان أحد الستة الذين لقوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل ذلك بالعقبة فيما زعم بنو عبد الاشهل، و هو أحد النقباء الاثنا عشر، و شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها، روي عنه أبو هريرة، و قيل: مات في
____________
(1) رجال الشيخ: 63
(2) الخلاصة: 189
182
[و أبو ايوب و خزيمة بن ثابت و جابر بن عبد اللّه و زيد بن أرقم]
و أبو ايوب (1) و خزيمة بن ثابت و جابر بن عبد اللّه (2) و زيد بن أرقم (3)
____________
خلافة عمر سنة عشرين بالمدينة، و قيل: قتل مع علي (عليه السلام) بصفين سنة سبع و ثلاثين و قيل: غير ذلك.
الهيثم بفتح الهاء و سكون الياء و بالثاء المثلثة، و التيهان بفتح التاء فوقها نقطتان و تشديد الياء تحتها نقطتان و كسرها و بالنون، و بلي بفتح الباء الموحدة و كسر اللام و تشديد الياء، و الحاف بالحاء المهملة و كسر الفاء. انتهى كلام جامع الاصول (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): و أبو أيوب
قد سبق القول فيه في ترجمته.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و خزيمة بن ثابت و جابر بن عبد اللّه
و كل منهما سيأتي ما في معناه في ترجمته.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و زيد بن أرقم
ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال في عداد من روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة.
و ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال زيد بن أرقم الانصاري عربي مدني خزرجي.
و ذكره أيضا في أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام).
و في أصحاب أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) (2).
و قال البرقي (رحمه اللّه): هو الذي أظهر نفاق المنافقين من بني الخزرج (3).
يعني به ما حكاه التنزيل الكريم من قول عبد اللّه بن أبي رئيس المنافقين «لَئِنْ
____________
(1) الفوائد الرجالية من جامع الاصول غير مطبوع و هو يقع بعد الاجزاء الاثنى عشر المطبوع
(2) رجال الشيخ: على الترتيب: 20 و 41 و 68 و 73
(3) رجال البرقى: 2
183
[و أبو سعيد الخدري و سهل بن حنيف و البراء بن مالك]
و أبو سعيد الخدري و سهل بن حنيف (1) و البراء بن مالك (2)
____________
رَجَعْنٰا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» (1) قال ذلك و عنى بالاعز نفسه، فسمع بذلك زيد بن أرقم و هو حدث فقال: أنت و اللّه الذليل القليل المبغض في قومه، و محمد في عزة من الرحمن و قوة من المسلمين فقال عبد اللّه: أسكت فانما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال الذهبي في مختصره: زيد بن أرقم الخزرجي بالكوفة، عن أسبع عشرة مرة، عنه طاوس و أبو اسحاق، و كان من خواص علي، توفي 68، و قيل 66.
و ليعلم أن والد زيد بن أرقم هو أرقم بن زيد بن قيس الانصاري، و في كنية زيد بن أرقم أقوال أربعة: أبو عمر و أبو عامر و أبو أنية (2)، و أما الذي كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يسكن داره بمكة صدر الإسلام فهو الارقم بن أبي الارقم، و اسم أبي الارقم عبد مناف بن أسد بن عبد اللّه عمر بن مخزوم: كانت داره على الصفا بمكة و هي التي دخلها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أول زمان النبوة و كان يكون فيها، ففيها دعى الناس الى دين الإسلام، و فيها أسلم خلق كثير، و شهد الارقم بن أبي الارقم بدرا و أحدا و المشاهد كلها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مات سنة خمس و خمسين بالمدينة، و هو ابن بضع و ثمانين سنة.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و أبو سعيد الخدرى، و سهل بن حنيف
قد تقدمت ترجمة سهل بن حنيف، و أبو سعيد الخدي سيجيء ما في معناه في ترجمته.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و البراء بن مالك
قال الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال في باب من روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة: البراء بن مالك الانصاري أخو أنس بن مالك، شهد أحدا و الخندق، و قتل يوم تستر (3).
____________
(1) سورة المنافقون: 8
(2) في «ن» أبو انيسه
(3) رجال الشيخ: 8
184
[و عثمان بن حنيف]
و عثمان بن حنيف (1)
____________
و في جامع الاصول و غيره: البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم أخو أنس لأبيه و أمه، و شهد أحدا و ما بعدها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كان شجاعا، روى أنس بن مالك عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّه لا بره، منهم البراء بن مالك (1). فلما كان يوم تستر انكشف الناس فقالوا: يا براء اقسم على ربك فقال: اقسم عليك أي رب لما منحتنا اكتافهم و الحقتني بنبيك فاستشهد.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و عثمان بن حنيف
هو أخو سهل بن حنيف، عثمان بن حنيف بن واهب أبو عبد اللّه الانصاري ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
عثمان ابن حنيف الانصاري عربي (2).
و ذكر المسعودي في مروج الذهب مسير عثمان بن حنيف الانصاري الى البصرة على خراجها من قبل علي (عليه السلام) قال: و سار القوم نحو البصرة في ست مائة راكب، فانتهوا في الليل الى ماء لبني كلاب يعرف بالحوأب عليه أناس من بني كلاب، فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: الحوأب فاسترجعت و ذكرت ما قيل لها في ذلك و قالت: ردوني الى حرم رسول اللّه لا حاجة لي في المسير.
فقال الزبير: باللّه ما هذا الحوأب و لقد غلط فيما أخبرك به، و كان طلحة في ساقة الناس فلحقها فاقسم أن ذلك ليس بالحوأب، و شهد معهما خمسون ممن كان معهم فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة فخرج اليهم عثمان ابن حنيف فما نعم و جرى بينهم قتال الى آخر ما ذكره (3).
____________
(1) جامع الاصول: 10/ 61
(2) رجال الشيخ: 47
(3) مروج الذهب: 2/ 357- 358
185
[و عبادة بن الصامت، ثم ممن دونهم قيس بن سعد بن عبادة]
و عبادة بن الصامت، (1) ثم ممن دونهم قيس بن سعد بن عبادة (2)
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): و عبادة بن الصامت
ممن أسلم قديما و ثبت في الايمان مستقيما، و هو السبب في اسلام كعب بن عجرة، و قد كانت بينهما صداقة.
ذكره الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال فيمن روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة (1).
ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: عبادة بن الصامت ابن أخي أبي ذر ممن أقام بالبصرة و كان شيعيا (2).
و في جامع الاصول: عبادة بضم العين و تخفيف الباء الموحدة. و قال الدارقطني و أبو بكر البرقي و غيرهما من العامة: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم ابن فهر بن ثعلبة، يكنى أبا الوليد شهد العقبة مع السبعين، و هو أحد النقباء الاثنا عشر، و شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان يعلم أهل الصفة القرآن، و له من الولد الوليد و محمد، و مات بالرملة من أرض الشام، و قيل: بيت المقدس سنة أربع و ثلاثين، و هو ابن اثنتين و سبعين، و قيل: بقي حتى توفى في خلافة معاوية (3).
قوله (رحمه اللّه): قيس بن سعد بن عبادة
قد أسلفنا ذكره في حديث المتحورين من السابقين، و هم الذين رجعوا الى أمير المؤمنين (عليه السلام) و أبوا أن يبايعوا فلانا و فلانا، و سيعاد ما في معناه مبسوطا في ترجمته
____________
(1) رجال الشيخ: 23
(2) رجال الشيخ: 47
(3) مخطوط لم أظفر عليه
186
[و عدي بن حاتم و عمرو بن الحمق و عمران بن الحصين]
و عدي بن حاتم (1) و عمرو بن الحمق (2) و عمران بن الحصين (3)
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): عدى بن حاتم
عدي بالمهملتين المفتوحة ثم المكسورة قبل الياء المشددة ابن حاتم بن عبد اللّه أبو طريف الطائي.
ذكره الشيخ في كتاب الرجال في الصحابة، و في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).
و في مختصر الذهبي: عدي بن حاتم بن عبد اللّه بن سعد الطائي الجواد بن الجواد، أسلم سنة سبع، عنه الشعبي و أبو اسحاق و سعيد بن جبير، نزل قرقيسا منعزلا قال ابن سعد: مات 68 عن مأئة و عشرين سنة.
قوله (رحمه اللّه): و عمرو بن الحمق
سيورد أمره في ترجمته من ذي قبل.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و عمران بن الحصين
هو أبو نجيد بضم النون و فتح الجيم على التصغير، عمران بن الحصين- باهمال الصاد المفتوحة بعد الحاء المهملة المضمومة- ابن عبيد بن خلب بن عبد نهم.
بفتح النون و اسكان الهاء- الخزاعي الازدي.
ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في الصحابة (2).
قال أكثر علماء الحديث و الرجال من العامة، أسلم قديما، و غزا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غزوات، و لم يزل في بلاد قومه، ثم تحول الى البصرة الى أن مات بها في خلافة معاوية، و كان به مرض، فكانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى انقطع التسليم ثم عاد اليه.
و قال الذهبي: منهم عمار بن حصين الخزاعي أبي نجيد أسلم مع أبي هريرة، و كانت الملائكة تسلم عليه مات 52.
____________
(1) رجال الشيخ: 23 و 49
(2) رجال الشيخ: 32
187
[و بريدة الاسلمي]
و بريدة الاسلمي (1)
____________
و في جامع الاصول: أسلم هو و أبوه عام خيبر، و سكن البصرة الى أن مات بها سنة اثنتين و خمسين، و قيل: سنة ثلاث، و كان من فضلاء الصحابة و فقهائهم، و سئل عمران بن الحصين عن متعة النساء فقال: أتانا بها كتاب اللّه و أمرنا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثم قال فيها رجل برأيه ما شاء فلا يتبع قوله، و لو لم ينه عنه ما زني الا شقي.
يعني به عمر بن الخطاب و نهيه عنها برأيه في مقابلة نص الكتاب و السنة.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و بريدة الاسلمى
هو أخو أبي داود لأمه، و قد سبق في ترجمة أبي داود في حديث أبي داود في حديث عمران بن حصين الخزاعي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر فلانا و فلانا أن يسلما على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين. و هو أبو عبد اللّه الاسلمي بريدة- بضم الموحدة و فتح الراء و اسكان المثناة من تحت ثم الدال المهملة و الهاء أخيرا- ابن الحصيب- بضم الحاء و فتح الصاد المهملتين على التصغير- ابن عبد اللّه بن الحارث.
و في القاصرين من يصحف غالطا فيعجم الخاء و يفتحها و يكسر الصاد المهملة بعدها.
قال في القاموس في ح ص ب: بريدة بن الحصيب كزبير صحابي و محمد بن الحصيب حفيده (1).
و في المغرب: البردة بالهاء كساء مربع أسود صغير و بها كني أبو بردة بن نيار صاحب الجذعة و اسمه هاني، و بتصغيرها سمي بريدة بن الحصيب و ابنه سليمان بن بريدة، يروي عن أبيه و عنه علقمة.
و الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال ذكره في عداد الصحابة قال: بريدة بن الحصيب الاسلمي، و قيل: أبو الحصيب (2)، ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)
____________
(1) القاموس: 1/ 55
(2) رجال الشيخ: 10 و فيه الخصيب بالخاء المعجمة
188
و بشر كثير.
____________
و قال: بريد بن الحصيب الاسلمي الخزاعي مدني عربي (1).
و في مختصر الذهبي: بريدة بن الحصيب الاسلمي شهد خيبر، عنه ابناه و الشعبي وعدة، تو في 62.
قوله (رحمه اللّه تعالى): و بشر كثير
أي كثير من الناس من أعيان الصحابة و من خيار التابعين، فهذه عبارة شائعة معروفة دائرة على ألسن العلماء من العامة و الخاصة، لا سيما في علم الرجال فكثيرا ما يذكرون رجلا و يقولون: روى عنه بشر كثير، أو خلق كثير، أو أمم، أو طائفة أو جماعة كثيرة.
و من عجائب التحريفات و الاغاليط ما قد وقع فيه بعض من يتمهر من القاصرين حيث (2) حرف بشر كثير الى بشر بن كثير ثم لم يقنع بذلك، بل بنى عليه أن بشر ابن كثير رجل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و من السابقين الذين رجعوا اليه، و تمسك في ذلك بقول أبي عمرو الكشي (رحمه اللّه تعالى)، و لم يعرف أنه ليس في الرجال من يقال له بشر بن كثير في شيء من كتب الرجال، و لم يحر له ذكر في شيء من الطرق و الاسانيد أصلا، فلا تكونن من الجاهلين.
____________
(1) رجال الشيخ: 35
(2) تعريض الى الرجالى الشهير الميرزا محمد الأسترآبادى في كتابه منهج المقال حيث قال: بشر بن كثير عن الفضل بن شاذان أنه من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنين (ع)
189
..........
____________
بلال رضى اللّه تعالى عنه و صهيب موليان بلال بن رباح بالموحدة بعد الراء المفتوحة و المهملة بعد الالف، و اسم امه حمامة مولاة بني جمح، و كان يعذبه قومه و يذكرون اللات و العزى، و هو يذكر اللّه سبحانه و يقول: أحد أحد، شهد مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بدرا و أحدا و المشاهد كلها، و هو أول من أذن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان يؤذن له حضرا و سفرا، و كان خازنه على بيت ماله، و هو سابق الحبشة، فلما توفى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يؤذن لأحد، خرج من المدينة فذهب الى الشام، و مات بدمشق و قيل: مات بحلب سنة عشرين و قيل: ثماني عشرة، و دفن هنالك، و كان نحيفا طوالا شديد الادمة.
ذكره الشيخ في الصحابة و قال: بلال مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهد بدرا، و توفى بدمشق في الطاعون، سنة ثماني عشرة، كنيته أبو عبد اللّه، و قيل: أبو عمرو، و يقال:
أبو عبد الكريم. و هو بلال بن رياح مدفون بباب الصغير بدمشق (1).
«صهيب» يكنى أبا يحيى، و هو ابن سنان بن مالك بن عبد عمرو النميري، بفتحتين نسبة الى نمر بن قاسط، بكسر الميم بعد النون المفتوحة، سبي و هو غلام صغير كانت منازلهم بأرض الموصل فيما بين دجلة و الفرات و أغارت الروم على تلك الناحية فسبته صغيرا فنشأ بالروم، فابتاعته منهم كلب ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد اللّه بن جدعان التيمي فاعتقه.
و يقال: انه لما كبر في الروم و عقل و هرب منهم و قدم مكة، فحالف عبد اللّه بن جدعان، بضم الجيم و اسكان الدال المهملة و اهمال العين، فأقام معه الى أن هلك و بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فأسلم قديما بمكة.
قال في جامع الاصول يقال: انه أسلم هو و عمار بن ياسر في يوم واحد و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بدار الارقم بعد بضعة و ثلاثين رجلا، و كان من المستضعفين المعذبين في اللّه
____________
(1) رجال الشيخ: 8
190
بلال و صهيب موليان
79- أبو عبد اللّه محمد بن ابراهيم، (1) قال حدثني علي بن محمد بن يزيد القمي، (2)
____________
ثم هاجر الى المدينة بعد هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، شهد بدرا و المشاهد كلها: و هو سابق الروم.
مات بالمدينة سنة ثمان و ثلاثين عن سبعين سنة، و قيل: سنة تسع و ثلاثين و هو ابن ثلاث و سبعين سنة و دفن بالبقيع.
ذكره الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في عداد الصحابة (1)، و لم يزد على مجرد ذكره بقوله: صهيب بن سنان شيئا.
و الحسن بن داود أورده في كتابه في قسم الضعفاء و قال: صهيب مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (2).
قوله (رحمه اللّه تعالى): أبو عبد اللّه محمد بن ابراهيم
هو محمد بن ابراهيم الوراق من أهل سمرقند، ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في باب لم (3).
فأما محمد بن ابراهيم بن يوسف الكاتب الذي كان يتفقه على مذهب الشافعي ظاهرا، و يرى رأي الشيعة في الباطن، و كان فقيها على المذهبين، و له في المذهبين كتب: فهو و ان كان في هذه الطبقة يروي عنه ابن عبدون، الا أنه ليس هذا الذي روى عنه أبو عمرو الكشي (رحمه اللّه)، و كنيته أبو الحسن و يعرف بأبي بكر الشافعي، لا أبو عبد اللّه.
قوله (رحمه اللّه): على بن محمد بن يزيد القمى
في بعض النسخ «بريدة» مكان يزيد
____________
(1) رجال الشيخ: 21
(2) رجال ابن داود: 462
(3) رجال الشيخ: 497
191
قال حدثني عبد اللّه بن محمد بن عيسى، (1) عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): عبد اللّه بن محمد بن عيسى
عبد اللّه بن محمد هذا هو أخو أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري القمي، و لقبه بنان، كما سيذكره أبو عمرو الكشي (رحمه اللّه) في مقامه من ذي قبل، فيورد في الاسانيد بلقبه فيقال: عن بنان بن محمد.
و بعض شهداء المتأخرين رفع اللّه درجته كأنه لم يعثر على ذلك فكثيرا ما في شرح الشرائع يحكم على الحديث بعدم الصحة، بأن في طريقه بنان بن محمد و هو مجهول، فنحن في المعلقات على الاستبصار و على التهذيب و في كتاب ضوابط الرضاع قد نبهنا على فساد قوله و أوضحنا حال الرجل.
و في الكافي في بعض أبواب كتاب الصوم، محمد بن يحيى عن بنان بن محمد عن أخيه عبد الرحمن بن محمد (1).
و على هذا فيكون أحمد و بنان و عبد الرحمن ثلاثة أخوة، و هم أبناء محمد بن عيسى.
و من أعاجيب الاوهام تحامل (2) احتمال الواو مكان «ابن» في قول الشيخ في الاستبصار في باب الجهر ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* فأما ما رواه سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عمير (3). و نفى البعد عن كون محمد هو محمد ابن محمد بن عيسى، فيكون أخا أحمد بن محمد بن عيسى.
فلم يبلغني عن أحد فيما وقع إليّ الى الان أن لمحمد بن عيسى ابنا يقال له:
محمد، فلا تكونن من المتوهمين.
____________
(1) الكافى: 4/ 174 باب الفطرة ح 22
(2) تحامله صاحب المنتقى «منه»
(3) الاستبصار: 1/ 312
192
عبد اللّه (عليه السلام) قال كان بلال عبدا صالحا (1) و كان صهيب عبد سوء كان يبكي على عمر.
أسامة بن زيد
(2) 80- حدثنا محمد بن مسعود، قال حدثني علي بن محمد قال حدثني محمد
____________
قوله (عليه السلام): و كان بلال عبدا صالحا
و روى الصدوق أبو جعفر ابن بابويه (رضوان اللّه تعالى عليه) في الفقيه عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: ان بلا لا كان عبدا صالحا فقال: لا أؤذن لا حد بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فترك يومئذ «حي على خير العمل» (1).
و في الفقيه أيضا: روي منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: هبط جبرئيل (عليه السلام) بالاذان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان رأسه في حجر علي (عليه السلام) فأذن جبرئيل (عليه السلام) و أقام، فلما انتبه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يا علي سمعت؟ قال: نعم يا رسول اللّه فقال: حفظت؟ قال: نعم قال: ادع بلالا فعلمه، فدعا بلا لا فعلمه (2).
أسامة بن زيد
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في باب الصحابة: أسامة بن زيد بن شراحيل مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمه أم أيمن اسمها بركة مولاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كنيته أبو محمد، و يقال: أبو زيد (3).
شراحيل بفتح الشين المعجمة و كسر الحاء المهملة.
و قال في باب أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الاصل من كليب و نسبه معروف (4).
____________
(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 184
(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 183
(3) رجال الشيخ: 3
(4) رجال الشيخ: 34
193
ابن أحمد، عن سهل بن زاذويه، عن أيوب بن نوح، عمن رواه، عن ابي مريم الانصاري، (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان الحسن بن علي (عليه السلام) كفّن أسامة بن زيد في برد أحمر حبرة.
____________
و قال ابن عبد البر: أبو محمد اسامة بن زيد بن حارثة الحب بن الحب، أمه أم أيمن، و هاجر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان النبي يحبه حبا شديدا، و استعمله و هو ابن ثماني عشرة سنة (1).
و في مختصر الذهبي: أسامة بن زيد بن حارثة حب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن حبه، مات 54، الحب بالكسر المحبوب.
و في الصحاح و القاموس: شراحيل لا ينصرف عند سيبويه في معرفة و لا نكرة، لأنه بزنة جمع الجمع، و عند الاخفش ينصرف في النكرة فاذا حقرته انصرف عندهما لأنه عربي، و فارق السراويل لأنها أعجمية (2).
فقد علم مما ذكرنا أن والد أسامة بن زيد- زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي- و ليس هو زيد بن حارثة الاوسي الانصاري.
ذكره الشيخ أيضا في باب الصحابة و قال: و ليس بأبي اسامة بن زيد (3).
قوله (رحمه اللّه تعالى): عمن رواه عن أبى مريم الانصارى
و هو عبد الغفار الجازي، و قد سبق في ترجمة سهل بن حنيف.
و الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب روى هذا الحديث عن أيوب بن نوح عمن رواه عن أبي مريم الانصاري، كما رواه أبو عمرو الكشي، و رواه أيضا بسند متصل صحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن علي بن
____________
(1) الاستيعاب: 1/ 57 المطبوع على هامش الاصابة
(2) الصحاح: 5/ 1734 و القاموس 3/ 400
(3) ذكره في أصحاب على (ع) قال: زيد بن حارثة و ليس بأبى أسامة بن زيد، الرجال ص 42
194
81- محمد بن مسعود، قال أحمد بن منصور، عن أحمد بن الفضل، (1) عن محمد بن زياد، عن سلمة بن محرز، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ألا أخبركم بأهل
____________
نعمان عن أبي مريم الانصاري قال: سمعت أبا جعفر يقول الحديث (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): أحمد بن منصور عن أحمد بن الفضل
محمد بن منصور بن نصر الخزاعي من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يقال له: أحمد بن منصور، و قد نقلنا ذلك فيما سبق عن الشيخ في كتاب الرجال.
و أحمد بن الفضل الخزاعي من أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) واقفي قاله الشيخ أيضا في كتاب الرجال (2).
فالطريق به ضعيف و لولاه لكان الطريق قويا بأحمد بن منصور و بسلمة بن محرز (3) القلانسي الكوفي أيضا، و هو من أصحاب أبي جعفر الباقر و أبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام).
و أما محمد بن زياد و هو محمد بن الحسن بن زياد العطار يقال له: محمد بن زياد ثقة (4).
قال العلامة في الخلاصة: قال الكشي: روي أنه رجع و نهينا أن نقول إلا خيرا في طريق ضعيف، ذكرناه في كتابنا الكبير، ثم قال: و الاولى عندي الوقف في روايته (5).
قلت: لا بل الاولى قبول روايته لصحيحة أبي مريم الانصاري من طريق التهذيب في تكفين مولانا أبي محمد الحسن (عليه السلام) اياه (6)، و سائر الروايات المتعاضدة
____________
(1) تهذيب الاحكام: 1/ 296
(2) رجال الشيخ: 344
(3) بضم الميم و اسكان الحاء المهملة و كسر الراء و الزاء أخيرا «منه»
(4) راجع رجال النجاشى: 285
(5) الخلاصة: 23
(6) تهذيب الاحكام: 1/ 296
195
الوقوف، قلنا: بلى. قال أسامة بن زيد و قد رجع فلا تقولوا إلا خيرا، و محمد بن مسلمة، و ابن عمر مات منكوبا. (1)
____________
في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عذره في الوقوف على متابعته و مبايعته و دعوة الناس اليه، و اظهار أن الحق فيه و معه و فيما قد وقع منه من الممايلة و المسايرة مع اولئك الاقوام و المواتاة لهم و المجازات و المماشاة معهم، و نقض الميثاق الذي قد أخذه منهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الغدير، و مراعاة العهد الذي كان جرى بينه و بينهم بعده.
و لان الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال أورده في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و لم يطعن (2) له أصلا.
و لتظافر الاخبار في أنه كان حب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن حبه (3).
و من الصحيح الثابت عند نقلة الاخبار و جملة الروايات أن أسامة بن زيد لم يبايع أبا بكر حتى مات و قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمّرني عليك فمن أمرك عليّ.
قوله (عليه السلام): و محمد بن مسلمة و ابن عمر مات منكوبا
يعنى محمد بن مسلمة أيضا رجع بعد الوقوف كما أسامة، فلا تقولوا فيه إلا خيرا، و ابن عمر من أهل الوقوف و لم يرجع و مات منكوبا.
أو يعنى كل منهما مات منكوبا- بالنون قبل الكاف و الباء الموحدة بعد الواو- أي معدولا به عن طريق الحق و عن سبيل الاستقامة.
يقال: نكب عن الطريق اذا عدل عنه: و نكب به عنه غيره و نكبه عنه تنكيبا اذ أحرفه و أزاغه عنه، و طريق منكوب على غير قصد و استقامة.
محمد بن مسلمة ذكره الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في باب الصحابة (4).
____________
(1) رجال الشيخ: 34
(2) و في «ن» فيه
(3) رواه في جامع الاصول: 10/ 26 و 27
(4) رجال الشيخ: 27
196
..........
____________
و في جامع الاصول: هو أبو عبد اللّه و قيل: أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة ابن خالد بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن ملك بن أوس الانصاري الحارثي الاشهلى، و قيل: في نسبه غير ذلك.
شهد المشاهد كلها الا في تبوك، و كان من فضلاء الصحابة، و كان من الذين أسلموا على يد مصعب بن عمر بالمدينة، و مات بها سنة ثلاث، و قيل: ست، و قيل:
سبع و أربعين، و هو ابن سبع و سبعين سنة، و في نسبه خلاف غير ما قيل أولا.
مجدعة بفتح الميم و سكون الجيم و فتح الدال المهملة.
و في مختصر الذهبي: محمد بن مسلمة الخزرجي بدري جليل، مات في عشر ثمانين بالمدينة سنة 43.
«ابن عمر» هو عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في الصحابة (1).
و في جامع الاصول: أسلم مع أبيه بمكة و هو صغير، و قد ذهب قوم الى أنه أسلم قبل أبيه و لم يصح، و لم يشهد بدرا و اختلفوا في شهوده أحدا.
و الصحيح أن أول مشاهده الخندق و قيل: انه استصغر يوم بدر و أجازه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يوم أحد، و روى نافع أنه رده يوم أحد لأنه كان ابن اربع عشر سنة، و شهد ما بعد الخندق من المشاهد، و كان من أهل الورع و العلم و الزهد شديد التحري و الاحتياط و التوقي في فتياه.
ولد قبل الوحي بسنة، و مات بمكة سنة ثلاث و سبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر و قيل: بستة أشهر، و دفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، و قيل: دفن بفخ، و له أربع و ثمانون سنة، و قيل: ستة و ثمانون، روى عنه خلق كثير، منهم ابناه سالم و حمزة و نافع مولاه انتهى كلام جامع الاصول.
____________
(1) رجال الشيخ: 22
197
82- قال ابو عمرو الكشي: وجدت في كتاب أبي عبد اللّه الشاذاني، (1) قال حدثني جعفر بن محمد المدائني، عن موسى بن القاسم العجلي، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: كتب علي (عليه السلام) الى والي المدينة لا تعطين سعدا و لا ابن عمر من الفيء شيئا، (2) فأما أسامة بن زيد
____________
و من تعاجيب الاوهام الفاسدة لبعض من أدرك عصرنا حسبانه أن ابن عمر في هذا الحديث هو الذي تقدم انه قال لمعاوية يوم قتل عمار بن ياسر رضي اللّه تعالى عنه: اني معكم و لست أقاتل ان أبي شكاني الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «أطع أباك ما دام حيا و لا تعصه» فأنا معكم و لست اقاتل (1).
فيا عجبا لهذا المتوهم كيف اعتراه هذا الحسبان، و لم يعلم أن ذاك عبد اللّه بن عمرو بن العاص كان في معسكر معاوية مع أبيه، و ذا عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فارق معسكر معاوية اذ شاهد قتل عمار، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): تقتله الفئة الباغية. و لم يرجع الى أمير المؤمنين (عليه السلام) بل خرج من عند معاوية منصرفا الى الحجاز و أقام بمكة الى أن تو في بها.
قوله (رحمه اللّه تعالى): وجدت في كتاب أبى عبد اللّه الشاذانى
و هو محمد بن أحمد بن نعيم النيسابوري الشاذاني- بالمعجمتين و النون- من أصحاب أبي محمد العسكري (عليه السلام)، أنفذ بما اجتمع عنده من مال الغريم اليه (عليه السلام) و زاده من ماله، فورد عليه الجواب منه (عليه السلام) قد وصل إلي ما أنفذت إليّ من خاصة مالك و هو كذا و كذا تقبل اللّه منك.
قوله (عليه السلام): لا تعطين سعدا و لا ابن عمر من الفىء شيئا
يعني سعد بن أبي و قاص و عبد اللّه بن عمر.
قال المسعودي في مروج الذهب: حدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري،
____________
(1) القائل هو الرجالى الميرزا محمد الأسترآبادى في كتاب منهج المقال: 209
198
..........
____________
عن محمد بن حميد الرازي، عن أبي مجاهد، عن محمد بن اسحاق، عن ابن ابي نجيح، قال: لما حج معاوية طاف بالبيت و معه سعد، فلما فرغ انصرف معاوية الى دار الندوة و أجلسه معه على سريره و وقع في علي (عليه السلام) و شرع في سبه، فزحف سعد.
ثم قال: أجلستني معك على سريرك، ثم شرعت في سب علي، و اللّه لان تكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و اللّه لان أكون صهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أن لي من الولد ما لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
و اللّه لان يكون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لي ما قال له يوم خيبر: «لأعطينّ الراية رجلا يحبه اللّه و رسوله و يحب اللّه و رسوله كرارا ليس بفرار يفتح اللّه على يديه» أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
و اللّه لان يكون (صلّى اللّه عليه و آله) قال لي ما قال له في غزوة تبوك: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي» أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و ايم اللّه لا دخلت لك دارا ما بقيت ثم نهض.
و وجدت في وجه آخر من الروايات أن سعدا لما قال لمعاوية هذه المقالة ثم نهض ليقوم قال له معاوية: فهلا نصرته؟ و لم تكن قعدت عن بيعته.
و كان سعد و أسامة بن زيد و عبد اللّه بن عمرو محمد بن مسلمة ممن قعد عن بيعة علي بن أبي طالب، و أبوا أن يبايعوه، و غيرهم مما ذكرنا من القعود عن بيعته، و ذلك أنهم قالوا: انها فتنة انتهى كلام مروج الذهب (1).
و قد ذكر قبل هذا الكلام نقلا عن أبي مخنف لوط بن يحيى و غيره أن هؤلاء المتخلفين قد رجعوا اليه أخيرا و بايعوه (عليه السلام) جميعا
____________
(1) مروج الذهب: 3/ 14
199
فاني قد عذرته في اليمين التي كانت عليه. (1)
____________
قوله (عليه السلام): فانى قد عذرته في اليمين التى كانت عليه
يقال: عذرته و أعذرته فهو معذور و معذر، يعني (عليه السلام) قبلت عذره و صدقته في اليمين التي كانت عليه في ذلك فقد أتي فيه بما كان يجب عليه و حلف على وجه يستوجب القبول و التصديق.
قال ابن الاثير في النهاية: في الحديث «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» أي يجب عليك أن تحلف له على ما يصدقك به اذا حلفت له (1).
قوله (عليه السلام): فانى قد عذرته في اليمين التى كانت عليه و هي يمينه بعد قتله مرداس و المعاتبة على ذلك التنزيل الكريم ان لا يقتل من بعد من يقول: «لا إله الا اللّه» أبدا.
و بيانه: أن رجلا كان يقال له مرداس من أهل فدك أسلم و لم يسلم من قومه غيره، فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سرية يغزوهم، فهربوا و بقي مرداس و لم يكن من الهاربين متكلا على اسلامه، و اذ رأى الخيل ألجأ غنمه الى عاقول في الجبل و صعد فلما تلاقوا و كبّروا كبّر و نزل و قال: لا إله الا اللّه محمد رسول اللّه السلام عليكم، فقتله اسامة بن زيد و استار غنمه فأخبروا بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فوجد عليه وجدا شديدا و قال: قتلتموه ابتغاء لما معه و طمعا فيه.
فنزل قوله سبحانه و تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» (2) الاية فحلف أسامة أن لا يقتل رجلا يقول لا إله الا اللّه، و بذلك اعتذر الى أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث تخلف عنه في وقعة الجمل و قتال الناكثين.
و هذا عذر مدخول غير مقبول لوجوب طاعته (عليه السلام) على أنه كان قد سمع
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 5/ 302
(2) النساء: 94
200
..........
____________
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول لعلي (عليه السلام) حربك حربي و سلمك سلمي و أنك تقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين، و غير ذلك مما سد على المتخلفين باب الاعتذار، و لكن العذر عند كرام الناس مقبول، و مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه و تسليماته عليه أعلم بالقضايا و الاحكام فليعلم (1)
أبو سعيد الخدرى
ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في الصحابة قال: سعد أبو سعيد الخدري (2)، ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سعد بن مالك الخزرجي يكنى أبا سعيد الخدري الانصاري العربي المدني (3).
و أبو الحسن المسعودي أورده في عداد الذين قعدوا و تثبطوا عن بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم ذكر أنهم رجعوا اليه (عليه السلام) و اعتذروا و بايعوا جميعا.
«الخدري» بضم الخاء و سكون الدال المهملة منسوب الى خدرة، و اسمه الابحر ابن عوف بن حارث، و قيل: خدرة أم أبحر و الاول أشهر، و هم بطن من الانصار كذا في جامع الاصول.
و في المغرب: خدرة بالسكون حي من العرب اليهم ينسب أبو سعيد الخدري.
قال ابن عبد البر: أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة الخدري، قال أبو سعيد: عرضت يوم أحد على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أنا ابن ثلاث عشرة فجعل أبي يأخذ بيدي فيقول: يا رسول اللّه انه عبل العظام و ان كان مؤدنا أي قصيرا، و جعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يصعد في و يصوب.
____________
(1) هذه التعليقة توجد في نسخة «م» فقط، بخط السيد الداماد (رحمه اللّه).
(2) رجال الشيخ: 20
(3) رجال الشيخ: 43
201
أبو سعيد الخدرى
83- حمدويه، قال حدثنا أيوب، عن عبد اللّه بن المغيرة، قال حدثني ذريح (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، ذكر أبو سعيد الخدري، فقال: كان من أصحاب رسول اللّه
____________
ثم قال: رده فردني فخرجنا نتلقى رسول اللّه حين أقبل من أحد، فنظر إليّ فقال: سعد بن مالك؟ قلت: نعم بأبي و أمي، فدنوت فقبلت ركبته، فقال: آجرك اللّه في أبيك و كان قتل يومئذ شهيدا.
توفى أبو سعيد في يوم الجمعة سنة أربع و سبعين و دفن بالبقيع، و هو ابن أربع و تسعين (1).
قال الذهبي: سعد بن مالك أبو سعيد الخدري من أصحاب الشجرة فقيه، عنه ابن المسيب و ابو بصيرة، تو في 74.
قلت: أبو سعيد الخدري كان على الاستقامة و مات على الاستقامة، شهد الجمل و الصفين و النهروان، و هو ممن يروي حديث المارقة الخوارج، و وصف المخدج ذي الثدية منهم، و قتله يوم النهروان على صفته التي كان يخبر بها أمير المؤمنين (عليه السلام)
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال حدثنى ذريح
هو أبو الوليد ذريح- باعجام الذال المفتوحة و كسر الراء و اسكان الياء المثناة من تحت و اهمال الحاء أخيرا- ابن محمد بن يزيد المحاربي عربي من بني محارب بن خصفة.
ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب الصادق (عليه السلام) (2). و قال في الفهرست: ثقة له أصل (3).
____________
(1) الاستيعاب لا بن عبد البر مطبوع على هامش الاصابة: 4/ 89
(2) رجال الشيخ: 191
(3) الفهرست: 95
202
و كان مستقيما؛ (1) قال: فنزع ثلاثة أيام فغسله أهله ثم حملوه الى مصلاه فمات فيه.
84- محمد بن مسعود، قال حدثني الحسين بن إشكيب، (2)
____________
و العلامة في الخلاصة نقل عن الشيخ توثيقه (1)، و لست أجد في الاخبار لتوثيقه مستندا.
و النجاشي لم يوثقه و قال: روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن (عليهما السلام) ذكره ابن عقده و ابن نوح له كتاب يرويه عدة من أصحابنا (2) و انما ذلك ضرب من المدح.
قال السيد جمال الدين أحمد بن طاوس في اختياره من كتاب الكشي: لم أجد فيه ما يوصف به من مدح له طائل أو ذم في هذا الكتاب.
قلت: و سنتلو عليك حق القول فيه حيث يحين حينه في ترجمته إن شاء اللّه العزيز، و الان نقول طريق هذا الحديث صحيح أو حسن بذريح المحاربي.
قوله (عليه السلام): و كان مستقيما
أي كان حنيف الدين مستقيم المذهب قويم الاعتقاد، و اشتد عليه النزع ثلاثة أيام فغسله أهله.
اما بالتخفيف أي غسلوه من الاقذار أي وضئوه، أي تولوا وضوءه، تعبيرا عن الوضوء بالغسل الذي هو أول أجزائه.
و اما بالتثقيل من التغسيل، أي تولوا ما كان عليه من غسل الجنابة، ثم حملوه الى مصلاه، و ذلك من السنن المأثورة، فمات رضي اللّه تعالى عنه.
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال حدثنا الحسين بن اشكيب
الحسين بالتصغير، و إشكيب بالاعجام بعد الهمزة، و قيل: بالاهمال، و الحسين هو خادم القبر.
____________
(1) الخلاصة: 70
(2) رجال النجاشى: 124
203
قال أخبرنا محمد بن أحمد، (1) عن أبان بن عثمان، عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان أبا سعيد الخدري كان قد رزق هذا الامر، (2) و أنه اشتد نزعه فأمر أهله أن يحملوه الى مصلاه الذي كان يصلي فيه ففعلوا فما لبث أن هلك.
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): أخبرنا محمد بن أحمد
هكذا في نسخ كثيرة و هو اما محمد بن أحمد بن حماد أبو علي المحمودي المروزي من أصحاب أبي الحسن الثالث الهادي (عليه السلام) و هو الاظهر.
أو محمد بن أحمد بن اسماعيل بن بزيع، من أصحاب أبي الحسن الاول الكاظم، و أبي الحسن الثاني الرضا، و أبي جعفر الثاني الجواد (عليهم السلام)، و ابن أخي محمد بن اسماعيل بن بزيع.
أو محمد بن أحمد بن قيس بن غيلان من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و المحمدون كلهم ثقاة، فالطريق صحي على كل حال بأبان بن عثمان.
و في طائفة من النسخ «محسن» مكان «محمد»، و هو أبو أحمد البجلي محسن ابن أحمد القيسي من موالي قيس بن غيلان، يروى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ذكره الشيخ (1) و النجاشي (2) و الطريق به حسن.
قوله (عليه السلام): كان قد رزق هذا الامر
أي دين التشيع و الولاية لأهل البيت (عليهم السلام)، و اشتد نزعه فأمر أهله أن يحملوه الى مصلاه الذي كان يصلى فيه ففعلوا فما لبث أن هلك.
و في الحديث: عنه أنه قال عند موته: ائتوني بثياب جدد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «يحشر المرء في ثيابه التي مات فيها» و كأنه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد بها ثياب الروح النورية الملكوتية من العلوم و الاعتقادات و الاخلاق و الملكات، لا ثياب البدن الظلماني الهيولاني من البرد و الصوف و القطن و الكتان.
____________
(1) رجال الشيخ: 393
(2) رجال النجاشى: 331
204
85- حمدويه، قال حدثنا يعقوب بن يزيد، (1) عن ابن أبي عمير، عن الحسين ابن عثمان، عن ذريح، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان علي بن الحسين (عليهما السلام)
____________
و معنى الحديث: أن مدار السعادة في النشأة الآخرة على حسن الخاتمة في هذه النشأة، فالمرء يحشر في ثيابه الروحانية التي هي خاتمة حال نفسها المجردة بحسب العقيدة و العمل.
قال ابن الاثير في النهاية: و في حديث الخدري لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم ذكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: «ان الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها».
قال الخطابي: أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره، و قد روي في تحسين الكفن أحاديث قال: و قد تأوله بعض العلماء على المعنى و أراد به الحالة التي يموت عليها من الخير و الشر و عمله الذي يختم له به.
و يقال: فلان طاهر الثياب اذا وصفوه بطهارة النفس و البراءة من العيب، و جاء في تفسير قوله تعالى «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» أي عملك فاصلح.
و يقال: فلان دنس الثياب اذا كان خبيث الفعل و المذهب، و هذا كالحديث الاخر يبعث العبد على ما مات عليه قال الهروي: و ليس قول من ذهب به الى الاكفان بشيء، لان الانسان انما يكفن بعد الموت انتهى كلام النهاية (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): قال حدثنا يعقوب بن يزيد
الطريق صحيح على المشهور، و حسن بذريح المحاربي على ما يستبين حاله من الاخبار، بل صحي للإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير، فكلما صح الطريق اليه و لم تكن روايته عن محكوم عليه بالضعف كان السند صحيا، سواء عليه أ كان أرسل أم أسند عن ثقة غير أمامي، أو امامي ممدوح لا تصريح فيه بالتوثيق،
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 227- 228
205
يقول: اني أكره للرجل أن يعافي في الدنيا و لا يصيبه شيء من المصائب، (1) ثم ذكر أن أبا سعيد الخدري كان مستقيما نزع ثلاثة أيام (2) فغسله أهله ثم حمل الى مصلاه فمات فيه.
جابر بن عبد اللّه الانصارى
(3) 86- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالا حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان
____________
أو عن امامي لا مدح فيه و لا ذم أصلا، على ما قد حققناه في الرواشح السماوية (1).
قوله (عليه السلام): انى لأكره للرجال أن يعافا في الدنيا و لا يصيبه شيء من المصائب
و ذلك لان المصيبة كفارة للذنب، و البلية مجلبة للأجر و مقنصة للمثوبة.
و في الخبر من طريق رئيس المحدثين أبي جعفر الكليني و غيره: المؤمن لا يخلو من قلة او علت او ذلة و ربما اجتمعت الثلاث (2).
قوله (عليه السلام): ان أبا سعيد الخدرى كان مستقيما نزع ثلاثة ايام
يعني (عليه السلام) انه ابتلي لذلك لزيادة التمحيص و لجزالة المثوبة.
جابر بن عبد اللّه الانصارى
ليعلم ان جابر بن عبد اللّه الصحابي الانصاري مشترك بين اثنين، و قد التبس الامر فيهما على غير واحد ممن لم يتمهر في المعرفة بأحوال الرجال، بل على بعض من تمهر أيضا، فها ابو عبد اللّه الذهبي من العامة قد وقع في هذا الالتباس، و كذلك بعض من الخاصة.
احدهما: الصحابي المشهور الكبير العظيم الشأن من عظماء الصحابة، و هو الذي نحن في ترجمته و بيان حاله، جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حزام بن ثعلبة
____________
(1) الرواشح السماوية: 40
(2) روى نحوه في الكافى: 2/ 190
206
..........
____________
الانصاري العقبي، شهد العقبة مع السبعين و كان اصغرهم، كنيته ابو عبد اللّه و قيل ابو عبد الرحمن قاله ابن عبد البر في كتاب الصحابة (1)، و ابن الاثير في جامع الاصول و علو مرتبته في صحة العقيدة و استقامة الطريقة و خلوص الانقطاع عن الاقوام الى اهل البيت صلّى اللّه عليهم مما لا امتراء فيه.
قال الشيخ (رحمه اللّه) في كتاب الرجال في باب الصحابة: جابر بن عبد اللّه بن عمر بن حزام نزل المدينة شهد بدرا و ثمانية عشر غزوة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، مات سنة ثمان و سبعين (2).
حزام باهمال الحاء المكسورة قبل الزاء قاله في القاموس (3) و غيره، و هو الصحيح، و ضبطه بعضهم بالراء بعد الحاء المفتوحة.
و قال الشيخ في باب اصحاب امير المؤمنين (عليه السلام): جابر بن عبد اللّه الانصاري العرني الخزرجي (4). بالراء المفتوحة بين العين المهملة المضمومة و النون نسبة الى العرنة، و قيل: الى العرنية بطن من بحيلة.
في المغرب: عرنة واد بحذاء عرفات، و بتصغيرها سميت عرينية، و هي قبيلة ينسب اليها العرنيون.
و في القاموس: العرينة كجهينة، منهم العرنيون المرتدون، و بطن عرنة كهمزة بعرفات، و ليس من الموقف (5).
و قال الشيخ في اصحاب ابي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام): جابر بن عبد اللّه
____________
(1) الاستيعاب: 1/ 221 و فيه حرام بالراء المهملة
(2) رجال الشيخ: 12
(3) القاموس: 4/ 96
(4) رجال الشيخ: 38 و فيه العربى بدل العرنى
(5) القاموس: 4/ 247
207
..........
____________
الانصاري (1).
و كذلك في أصحاب أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) (2).
و قال في أصحاب سيد الساجدين أبي محمد علي بن الحسين (عليهما السلام): جابر بن عبد اللّه بن حزام الانصاري صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (3).
و قال في أصحاب أبي جعفر الباقر محمد بن على بن الحسين (عليهم السلام): جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حزام أبو عبد اللّه الانصاري صحابي (4).
و قال (رحمه اللّه تعالى) في مصباح المتهجد في زيارة الاربعين و هو العشرون من صفر: في يوم العشرين منه كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) من الشام الى مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد اللّه بن حزام الانصاري صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رضي عنه من المدينة الى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام)، و كان أول من زاره من الناس، و تستحب زيارته (عليه السلام) و هي زيارة الاربعين (5).
قلت: ما قاله الشيخ (رحمه اللّه) أنه رضي اللّه تعالى عنه شهد بدرا هو الأصحّ.
و قال ابن عبد البر: و أراد جابر شهود بدر فخلفه أبوه على أخواته و كن تسعا و خلفه أبوه يوم أحد أيضا و شهد ما بعد ذلك، و كان له من الولد عبد الرحمن و محمد و حميد و ميمونة و أم حبيب، و مات سنة ثمان و سبعين و هو ابن أربع و تسعين.
و قال أبو الحسن المسعودي في مروج الذهب: مات جابر بن عبد اللّه الانصاري في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة، و ذلك في سنة ثماني و سبعين، و قد ذهب بصره
____________
(1) رجال الشيخ: 66
(2) رجال الشيخ: 72
(3) رجال الشيخ: 85. و فيه حرام بالراء المهملة
(4) رجال الشيخ: 111
(5) مصباح المتهجد 730
208
..........
____________
و هو ابن نيف و تسعين سنة، و قد كان قدم الى معاوية بدمشق فلما اذن له قال يا معاوية:
أما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «من حجب ذا فاقة و حاجة حجبه اللّه، يوم فاقته و حاجته، فغضب معاوية و قال: و أنت قد سمعته يقول: «انكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تردوا عليّ الحوض» فهلا صبرت.
قال: ذكرتني ما نسيت، و خرج فاستوى على راحلته، و مضى فوجه اليه معاوية بستمائة دينار، فردها و قال لرسوله: قل يا بن آكلة الاكباد: و اللّه لا وجدت في صحيفتك سنة أنا سببها أبدا انتهى كلام مروج الذهب (1).
و في الكشاف: في قوله عز سلطانه آخر سورة يونس «وَ اتَّبِعْ مٰا يُوحىٰ إِلَيْكَ وَ اصْبِرْ حَتّٰى يَحْكُمَ اللّٰهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحٰاكِمِينَ» و روي أنها لما نزلت جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الانصار فقال: انكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني، يعني أمرت في هذه الاية بالصبر على ما سامتني الكفرة فصبرت فاصبروا أنتم على ما يسومكم الامراء الجورة.
قال أنس: فلم نصبر، و روي ان ابا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة و قد تلقته الانصار، ثم دخل عليه فقال له: ما لك لم تتلقنا؟ فقال: لم يكن عندنا دواب فقال: أين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر.
و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا معشر الانصار انكم ستلقون بعدي أثرة، قال معاوية فما ذا قال؟ قال: فاصبروا حتى تلقوني قال: فاصبروا، قال: اذن نصبر فقال عبد الرحمن ابن حسان:
الا أبلغ معاوية بن حرب * * *أمير الظالمين نثا كلامي
بأنا صابرون فمنظروكم * * *الى يوم التغابن و الخصام
انتهى كلام الكشاف (2).
____________
(1) مروج الذهب: 3/ 115
(2) الكشاف: 2/ 256- 257
209
ابن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن معاوية بن عمار، عن أبي الزبير المكي، (1) قال سألت جابر بن عبد اللّه، فقلت أخبرني أي رجل كان علي بن أبي طالب؟ قال:
____________
و ثانيهما جابر بن عبد اللّه بن رآب السلمي الانصاري.
و ذكره الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في عداد الصحابة بعد جابر ابن عبد اللّه بن عمرو بن حزام فقال: جابر بن عبد اللّه بن رئاب السلمي سكن المدينة، روى عن أنس حديثين كنيته أبو ياسر (1). رئاب بالراء المكسورة و الهمزة بعدها.
في القاموس: رأب الصدع كمنع، أصلحه و أشعبه كأرتابه، و رئاب ككتاب، والد هارون بن رئاب الصحابي البدري، و رئاب بن عبد اللّه المحدث، و جد جابر ابن عبد اللّه الصحابي، و جد زينب بنت جحش رضي اللّه تعالى عنهم (2).
و السلمي باهمال السين المفتوحة و كسر اللام.
في المغرب: السلمة- بفتح السين و كسر اللام- الحجر، و بها سمي بنو سلمة بطن من الانصار.
قوله (رحمه اللّه): عن أبى الزبير المكى
الطريق الى أبي الزبير صحيح، و أبو الزبير المكي معروف الرواية عن جابر رضي اللّه تعالى عنه، و معاوية بن عمار معروف الرواية عنه، و كذلك فضيل بن عثمان.
قال الذهبي في مختصره: جابر بن عبد اللّه السلمي عقبي، عنه بنوه محمد و عبد الرحمن و عقيل و ابن المنكدر و أبو الزبير و خلق، مات 78.
و قال معاوية بن عمار الدهني، و دهن بالضم حي من بحيلة، و يقال: دهن بالتحريك، عن أبي الزبير و جعفر بن محمد، و عنه معبد بن راشد و قتيبة، ثقة.
____________
(1) رجال الشيخ: 12
(2) القاموس.
210
فرفع حاجبيه عن عينيه و قد كان سقط على عينيه، قال، فقال ذاك خير البشر أما و اللّه ان كنا لنعرف المنافقين (1) على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ببغضهم إياه.
____________
قوله رضى اللّه تعالى عنه: ان كنا لنعرف المنافقين
ان بكسر الهمزة و اسكان النون على المخففة من المثقلة و يبطل التخفيف عملها و تدخل على الجملة الاسمية مثل ان زيد لمنطلق، و على الجملة الفعلية ان كان زيد لكريما.
و الفعل الذي تدخل عليه ان المخففة يجب أن يكون مما يدخل على المبتدأ و الخبر، و اللام لازمة لخبرها، و هي التي تسمى «الفارقة» لأنها تفرق بين ان المخففة و ان النافية.
و تكون أيضا ان زائدة في الكلام للتحبير و التزيين، اذا لم يكن مستعملة مع اللام.
و روى أحمد بن حنبل في مسنده مرفوعا عن أبي الزبير قال: قلت لجابر كيف كان علي فيكم؟ قال: ذاك خير البشر، ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم اياه (1).
و روى مرفوعا الى أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي يا علي من فارقني فقد فارق اللّه، و من فارقك فقد فارقني (2).
و عن أبي سعيد الخدري مسندا قال: كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ببغضهم عليا (3).
و عن زيد بن أرقم: ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم عليا (4).
____________
(1) رواه الخوارزمى في المناقب: 231 و الطبرى في ذخائر العقبى: 91
(2) رواه الحاكم في المستدرك: 3/ 123 و 146 و الذهبى في ميزان الاعتدال 1/ 323
(3) رواه الترمذى في صحيحه: 13/ 168 و ابن الجوزى في تذكرة الخواص: 32
(4) أحمد بن حنبل في مسنده: 6/ 296 و مسلم في صحيحه: 1/ 86 و ذخائر العقبى: 91 و النسائى في خصائصه: 37 و الطرائف للسيد ابن طاوس: 69
211
..........
____________
و روى البغوي في المصابيح من الصحاح: أن عليا (عليه السلام) قال: و الذي فلق الحبة و برأ النسمة أنه لعهد النبي الامي إليّ أنه لا يحبني الا مؤمن، و لا يبغضني الا منافق (1).
و رواه مسلم في صحيحه عن زر بن حبش عن علي (عليه السلام) (2).
و في صحاح أصولهم و مسانيدهم بأسانيد متشعبة و طرق شتى أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام): لا يحبك الا مؤمن و لا يبغضك الا منافق (3).
و قال: لو لا انت لم يعرف حزب اللّه.
و قال (صلّى اللّه عليه و آله): من زعم أنه آمن بما جئت به و هو يبغض عليا، فهو كاذب ليس بمؤمن (4).
و انه (صلّى اللّه عليه و آله) كان جالسا فدخل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: كذب من زعم أنه تولاني و أحبني و هو يعادي هذا و يبغضه، و اللّه لا يبغضه و يعاديه الا كافر أو منافق ولد زنية (5).
و قال: من تولاه فقد تولاني و من تخلاه فقد تخلاني (6).
و أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: علي مع الحق و الحق مع علي، يدور معه حيث ما دار (7).
قال: يا علي أنت و شيعتك هم الفائزون يوم القيامة (8).
____________
(1) مصابيح السنة للبغوى: 1/ 201 ط الخيرية بمصر
(2) صحيح مسلم: 1/ 60
(3) راجع الطرائف: 69 المطبوع بقم، و رواه احمد في مسنده 6/ 292
(4) رواه الخوارزمى في المناقب: 45 ط تبريز
(5) روى نحوه احمد بن حنبل في مسنده: 1/ 84 ط مصر
(6) رواه ابن المغازلى في المناقب: 231
(7) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 14/ 321
(8) رواه الترمذى في المناقب المرتضوية: 113 ط بمبئى و ابن الجوزى في التذكرة: 59
212
..........
____________
و بالجملة من القطعيات المتواترات أن حب النبي عليه و آله الصلاة و التسليم و التصديق ما لم يكن مقرونا بحب علي (عليه السلام) و معرفة حقه و الاستيقان بمنزلته، لم يكن مخرجا للمرإ من هوة الكفر و النفاق، و لا مدخلا اياه في طوار الدين و الايمان.
نقل و تذييل أوردت في بعض معمولاتي و معلقاتي كلاما بهذه الالفاظ: للّه درّ امام المتشككين و علامة المتكلفين من أعاظم علماء العامة فخر الدين الرازي، و لي فيه وجهته، شطر كعبة الحق، و آثر في سلوكه سبيل مسلك الانصاف، و من ذلك ما قد أنطقه اللّه بالقول الفصل الثابت في التفسير الكبير حيث قال في حجج الجهر ب بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ:*
الحجة الثالثة أن الجهر بذكر اللّه يدل على كونه مفتخرا بذلك الذكر غير مبال بانكار من ينكره، و لا شك أنه مستحسن في العقل فيكون في الشرع كذلك، لقوله (عليه السلام) «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن».
و مما يقوى هذا الكلام أيضا ان الاخفاء و الاسرار لا يليق الا بما يكون عيبا و نقصانا، فيخفيه و يستره لئلا ينكشف ذلك العيب، اما الذي يفيد أعظم الورع الفخر و الفضيلة في الحقيقة، فكيف يليق بالعاقل اخفاؤه؟
و معلوم انه لا منقبة للعبد أعلى و أكمل من كونه ذاكرا للّه بالتعظيم، و لهذا قال (صلّى اللّه عليه و آله): طوبى لمن مات و لسانه رطب من ذكر اللّه» و كان علي بن ابي طالب (عليه السلام) يقول:
يا من ذكره شرف للذاكرين، و مثل هذا كيف يليق بالعاقل ان يسعى في اخفائه؟
و لهذا السبب نقل أن عليا (عليه السلام) كان مذهبه الجهر ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* في جميع الصلوات.
و اقول: ان هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول بسبب كلمات المخالفين.
الحجة الرابعة: ما رواه الشافعي بأسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم، و لم
213
..........
____________
يقرء «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* و لم يكبر عند الخفض الى الركوع و السجود.
فلما سلم ناداه المهاجرين و الانصار يا معاوية! سرقت من الصلاة، أين بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ و أين التكبير عند الركوع و السجود؟ ثم انه اعاد الصلاة مع التسمية و التكبير.
قال الشافعي: ان معاوية كان سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة، فلو لا ان الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين و الانصار، و الا لما قدروا على اظهار الانكار بسبب ترك التسمية.
الحجة الخامسة: روى البيهقي في السنن الكبير عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يجهر في الصلاة ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* ثم ان البيهقي روى الجهر عن عمر بن الخطاب و ابن عباس و ابن الزبير.
و أما أن عليا (عليه السلام) كان يجهر بالتسمية، فقد ثبت بالتواتر، و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد اهتدى، و الدليل قوله (صلّى اللّه عليه و آله): اللهم أدر الحق مع علي حيث دار انتهى كلامه بعبارته (1).
ثم قال: و أقول: ان أنسا و ابن المغفل خصصا عدم ذكر بسم اللّه الرحمن الرحيم للخلفاء الثلاثة، و لم يذكرا عليا، و ذلك يدل على اطباق الكل على أن عليا (عليه السلام) كان يجهر ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»*.
و أيضا هاهنا تهمة أخرى و هي أن عليا (عليه السلام) كان يبالغ في الجهر ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* فلما وصلت الدولة الى بني أمية بالغوا في المنع عن الجهر سعيا في ابطال آثار علي (عليه السلام)، فلعل أنسا خاف منهم، و لهذا السبب اضطربت أقواله فيه.
و نحن ان شككنا في شيء، فانا لا نشك أنه مهما وقع التعارض بين قول أنس
____________
(1) التفسير الكبير: 1/ 204
214
..........
____________
و ابن المغفل، و بين قول علي (عليه السلام)، و الذي بقي عليه طول عمره فان الاخذ بقول علي (عليه السلام) أولى، و هذا جواب قاطع في هذه المسألة.
ثم هب أنه حصل التعارض بين راويكم و راوينا، الا أن الترجيح معنا من وجوه: الاول راوي أخباركم أنس و ابن المغفل، و راوي قولنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) و ابن عباس، و الثاني ان الدلائل العقلية موافقة لنا و عمل علي بن أبي طالب (عليه السلام) معنا، و من اتخذ عليا (عليه السلام) اماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى (1). انتهى كلام امام المتشككين في التفسير الكبير في هذه المسألة بألفاظه.
قلت له: يا امام قومك و علامة أصحابك ما أحبر عقباك، و أكرم مثواك، و أحسن خاتمتك، و أسعد عاقبتك لو كنت مهتديا لسواء السبيل بالاقتداء بعلي بن ابي طالب (عليه السلام) في ساير ابواب الدين على العموم، كما اقتديت و اهتديت به (عليه السلام) في هذه المسألة بخصوصها.
و يحك ما خطبك علماؤكم و محدثوكم و حملة أخباركم و نقلة آثاركم و انت معهم مطبقون قاطبة على ان عليا (عليه السلام) لم يبايع ابا بكر الى ستة اشهر، و هي مدة بقاء البتول الزهراء (عليها السلام) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، مدعيا ان الخلافة حقه و الامامة منصبه، محتجا على الاقوام بقوله (عليه السلام): أنتم بالبيعة لي أحق مني بالبيعة لكم، و اني احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار يا ابا بكر قد استبدت علينا و استأثرت بحقنا و اخرجت سلطان محمد (صلّى اللّه عليه و آله) من بيته.
و الشيعة مجمعون على ان ابائه (عليه السلام) عن البيعة لم يكن متخصصا بستة أشهر، و انه لم يبايع أحدا ابدا، بل انما قعد عن القيام بمطالبة حقه، و ترك الجهاد في محاولة الاستواء على سرير منصبه، لعدم مساعدة الزمان و قلة الانصار و الاعوان، ذلك امر مكشوف ظاهر كالشمس في الهاجرة، مستبين من صحيحكم و اصولكم و مسانيدكم
____________
(1) التفسير الكبير: 1/ 207
215
..........
____________
كما قد نقلناه سابقا و كنا قد فصلنا القول فيه في كتاب نبراس الضياء.
فأنت اذا كنت من المستيقنين ان الحق مع علي (صلوات اللّه عليه) دائر معه حيث دار، و ان المقتدي به (عليه السلام) في دينه مستمسك بالعروة الوثقى في يقينه، فهلا كنت قد استمسكت به مصدقا في دعواه، مؤثرا اياه في اتخاذه اماما لدينك على من عداه و مثل هذه الحجة يجري على حجة اسلامكم الشيخ الغزالي حيث يقول في كتابه احياء العلوم: لم يذهب ذو بصيرة الى تخطئة علي قط. و يقول في رسالته اللدنية العاقل يقتدي بسيد العقلاء علي بن أبي طالب فليتبصر.
عبد اللّه أبو جابر و جابر أيضا في الترجمة، على ما في طائفة جمة من النسخ عبد اللّه بن جابر بن عبد اللّه و جابر أيضا و هو الصواب.
و أبو جابر عبد اللّه بن عمرو بن حزام- باهمال الحاء المكسورة و الزاء و قيل:
حرام بفتح الحاء المهملة و الراء ضد الحلال- الانصاري، كان من النقباء الاثنا عشر ليلة البيعة، و من السبعين في بيعة العقبة، شهد بدرا و هو من شهداء أحد.
و ابنه جابر بن عبد اللّه الانصاري كان من السبعين و لم يكن من النقباء الاثنا عشر رضي اللّه تعالى عنهما، ذكر ذلك أصحاب الحديث من أصحابنا و من العامة جميعا.
قال ابن الاثير في جامع الاصول: عبد اللّه بن عمرو بن حرام الانصاري السلمي والد جابر بن عبد اللّه، و قد تقدم تمام نسبه عند ذكر ابنه جابر، و عبد اللّه شهد العقبة مع السبعين، و هو أحد النقباء و شهد بدرا و قتل يوم أحد، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لجابر:
ان اللّه أحيا أباك و كلمه كفاحا انتهى كلامه.
و قال ابن عبد البر: عبد اللّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة أبو جابر، شهد العقبة مع السبعين و هو أحد النقباء الاثنا عشر، و شهد بدرا واحدا، و قتل يومئذ (1).
____________
(1) الاستيعاب: 2/ 339
216
..........
____________
ثم ان بعض النسخ الحديثة السقيمة الغير الملتفت لغتها قد صحف أبو با بن في الترجمة و في متن الحديث، فبعض من لم يتمهر من ابناء هذا العصر تو همه صحيحا و حسبه صوابا، و زعم من هناك ان عبد اللّه بن جابر بن عبد اللّه الانصاري المشهور من الرجال و من النقباء الاثنا عشر و من السبعين، و اما أبوه ابو جابر فهو من السبعين لا من الاثنا عشر (1).
و من له قدم معرفة في الاخبار و الأحاديث يعلم ان ذلك من ضعف قوة النظر و نقص رأس مال التتبع و قلة بضاعة التحصيل، و انه لم يكن لجابر بن عبد اللّه الانصاري المشهور رضي اللّه عنه ابن مذكور في كتب الرجال اسمه عبد اللّه، و لو فرضنا صحته فكيف يستقيم كونه من الاثنا عشر و من السبعين، و ابوه من السبعين لا من الاثنا عشر
ثم لو صح ذلك لكان يذكر جابر بن عبد اللّه و عبد اللّه بن جابر أيضا لا بالعكس، و كان هذا الحاسب المتوهم انما منشأ حسبانه مسبار تو همه انه رأى في كتب الرجال عبد اللّه بن جابر الانصاري، فالتبس الامر عليه فحسب انه ابن جابر بن عبد اللّه الانصاري المعروف و ليس كذلك.
قال في جامع الاصول: عبد اللّه بن جابر هو عبد اللّه بن جابر البياضي الانصاري قال ابن مندة: ان البياضي الذي روى عنه ابو حازم التمار، و هو الذي جاء حديثه في الجهر بالقراءة في الصلاة، و اخرجه الموطأ فقال: ان اسمه عبد اللّه بن جابر و قال: سماه ابو عبيد عن اسحاق بن عيسى عن مالك. حازم بالحاء المهملة و الزاء.
و التمار بتاء فوقها نقطتان انتهى كلام جامع الاصول.
فتثبت و لا تكونن من الغالطين.
____________
(1) ذكره الرجالى الميرزا محمد الأسترآبادى في كتابه منهج المقال: 200 و 77، و لكن قال في عبد اللّه بن جابر: و في بعضها- اى بعض نسخ الكشى- عبد اللّه أبو جابر بن عبد اللّه و هو الصحيح انتهى. و على هذا فلا يستحق هذه الطعون عليه
217
87- محمد بن مسعود، قال حدثني علي بن محمد بن يزيد بن القمي، قال حدثني أحمد بن محمد بن عيسى القمي، عن ابن فضال، عن عبد اللّه بكير، (1) عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان عبد اللّه أبو جابر (2) بن عبد اللّه من السبعين و من الاثنى عشر، و جابر من السبعين و ليس من الاثنى عشر.
88- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالا حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حريز، (3) عن أبان بن تغلب، قال حدثني أبو عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان جابر بن عبد اللّه كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن ابن فضال عن عبد اللّه بن بكير
هو الحسن بن علي بن فضال، و هو في عداد الذين على تصحيح ما يصح عنهم الاجماع على قول، كما سيأتي في مقامه، و هو من ثقاة الفطحية و أجلة عدولهم.
و عبد اللّه بن بكير ثقة جليل فقيه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و الاقرار له بالفقه و الفضل و الثقة.
قوله (عليه السلام): كان عبد اللّه أبو جابر
هذا هو الصحيح كما قد علمت و في نسخ غير مصححة «ابن» مكان «أبوه»، و هو تصحيف غلط بني عليه و لم يتفطن على فساده بعض القاصرين، فلا تكونن من الغافلين.
قوله (رحمه اللّه): محمد بن سنان عن حريز
و رواه بعينه رئيس المحدثين أبو جعفر الكليني رضوان اللّه تعالى في جامعه الكافي في كتاب الحجة بهذا السند، و لكن باسقاط حريز من البين على هذه الصورة:
عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان جابر بن عبد اللّه الانصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت الحديث بتمامه (1).
____________
(1) اصول الكافى: 1/ 390 باب مولد أبى جعفر محمد بن على (عليهما السلام)
218
و كان يقعد في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو معتم بعمامة سوداء (1) و كان ينادى يا باقر العلم يا باقر العلم، (2) فكان أهل المدينة يقولون جابر يهجر، (3) فكان يقول لا و اللّه ما أهجر و لكني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: انك ستدرك رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي و شمائله شمائلي يبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني الى ما أقول، قال، فبينا جابر يتردد ذات
____________
و حديث جابر هذا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مروي عند العامة و الخاصة من طرق شتى و طرائق مختلفات، و القدر المشترك بينهما متواتر بالاتفاق لدى الجميع.
قوله (عليه السلام): و هو معتم بعمامة سوداء
الاعتمام افتعال من العمامة، بمعنى اتخاذها و لفها على الرأس، و هي بكسر العين و تخفيف الميم واحدة العمائم، و في الكافي معتجر (1) مقام معتم، و الاعتجار أيضا لف العمامة على الرأس.
قال في المغرب: الاعتجار الاختمار و الاعتمام أيضا، و أما الاعتجار المنهي عنه في الصلاة، و هو ليّ العمامة على الرأس من غير ادارة تحت الحنك كالاقتعاط عن الغوري و الازهري، و تفسير من قال هو أن يلف العمامة على رأسه و يبدي الهامة أقرب لأنه مأخوذة من معجر المرأة، و هو ثوب كالعصابة تلفها المرأة على استدارة رأسها، و في الاجناس عن محمد المعتجر المنتقب بعمامته و قد غطى أنفه.
قوله (عليه السلام): كان ينادى يا باقر العلم
قال الجوهري في الصحاح: بقرت الشيء بقرا فتحته و وسعته، و منه قولهم أبقرها عن جنينها أي شق و التبقر التوسع في العلم و المال، و كان يقال لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الباقر لتبقره في العلم (2).
قوله (عليه السلام): يقولون جابر يهجر
قال في المغرب: الهجر بالفتح الهذيان و منه قوله تعالى «سامرا تهجرون» الهجر
____________
(1) اصول الكافى: 1/ 390
(2) الصحاح: 2/ 594
219
..........
____________
بالضم الفحش اسم من أهجر في منطقه اذا أفحش، و منه قول عمر للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) ان الرجل ليهجر حسبنا كتاب اللّه، أو أهجر على اختلاف الرواية في صحيحي البخاري و مسلم و غيرهما (1).
قال ابن الاثير في النهاية: يقال أهجر في منطقه يهجر اهجارا اذا أفحش، و كذلك اذا كثر الكلام فيما لا ينبغي، و الاسم الهجر بالضم، و هجر يهجر هجرا بالفتح اذا خلط في كلامه و اذا هذي.
و منه الحديث: اذا طفتم بالبيت فلا تلغوا و لا تهجروا، روي بالضم و الفتح من الفحش و التخليط، و منه حديث مرض النبي قالوا: ما شأنه أهجر؟ أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغير كلامه و اختلط لأجل ما به من المرض، هذا أحسن ما يقال فيه و لا يجعل اخبارا، فيكون اما من الفحش أو الهذيان، و القائل كان عمر، و لا يظن به ذلك (2) انتهى قول النهاية.
و قال صاحب الكشاف في الفائق: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال في مرضه ايتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده أبدا فقالوا: ما شأنه أهجر أي أهذي يقال:
هجر يهجر اذا هذي و أهجر أفحش (3) انتهى كلامه.
و نحن نقول: و ايم اللّه ان الاستفهام و الاخبار هناك من الكفر و النفاق لبمنزلة واحدة، فمن المستبين ان استناد الفحش أو الهذيان الى سيد الانبياء و المرسلين اخبارا كان أو استفهاما و الرد عليه عنادا كان أو اجتهادا لا يجامع الايمان أصلا.
و أما ما تجشمه الكرماني في شرح صحيح البخاري ان عمر أراد بذلك الهجرة و المهاجرة (4)، فمما لا يكاد يصح، و انما كان يكون له وجه بعيد في الاستقامة لو كان
____________
(1) مسلم في صحيحه: 3/ 1257 كتاب الوصية، و البخارى في صحيحه 5/ 127
(2) نهاية ابن الاثير: 5/ 246
(3) الفائق: 4/ 93
(4) شرح صحيح البخارى للكرمانى: 16/ 235
220
يوم في بعض طرق المدينة: اذا هو بطريق في ذلك الطريق كتاب (1) فيه محمد بن علي ابن الحسين (عليه السلام)، فلما نظر اليه قال يا غلام أقبل! فاقبل ثم قال أدبر! فأدبر، فقال:
شمائل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الذي نفس جابر بيده، يا غلام ما اسمك؟ فقال اسمي محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأقبل عليه يقبّل رأسه، و قال:
____________
قال: هاجر مكان هجر، كما قد فصلناه في الرواشح السماوية (1) فليعلم.
قوله (عليه السلام): في ذلك الطريق كتاب
الكتاب بضم الكاف و تشديد التاء بمعنى المكتب، أي مكان الكتابة على فعال في معنى مفعل.
قال في القاموس: الا كتاب تعليم الكتابة، كالتكتيب و الاملاء، و الكتاب كرمان المكتبة (2).
و قال في المغرب: و كتبه علمه الكتابة، و منه و سلم علامة الى مكتب أي الى معلم الخط، روي بالتخفيف و التشديد. أما المكتب و الكتاب فمكان التعليم، و قيل: الكتاب الصبيان.
و ليكن من المعلوم عندك أن الائمة الحجج المعصومين صلوات اللّه و تسليماته على نفوسهم المقدسة و أجسادهم المطهرة معلمهم اللّه و رسوله، و أنهم مستغنون بتأييد روح القدس باذن اللّه سبحانه عن الاساتذة و المعلمين الا عن آبائهم الطاهرين، و حضور أبي جعفر الباقر (عليه السلام) الكتاب لحكم و مصالح ليس يدافع ذلك، فلا تكونن من الممترين.
____________
(1) الرواشح السماوية ص 140
(2) القاموس: 1/ 121
221
بأبي أنت و أمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقرئك السلام و يقول لك، و يقول لك، (1) قال، فرجع محمد بن علي (عليه السلام) الى أبيه علي بن الحسين و هو ذعر، فأخبره الخبر، فقال له: يا بني قد فعلها جابر؟ قال: نعم. قال: يا بني ألزم بيتك.
____________
قوله (عليه السلام): بأبى أنت و أمي رسول اللّه (ص) يقرئك السلام و يقول لك و يقول لك
على التكرير يعني يقول لك كذا، و في الكافي يقول لك (1). مرة واحدة من من غير تكرير أي يقول لك كذا و كذا.
و «يقرئك السلام» بضم حرف المضارعة من باب الافعال أي يبلغك سلامه، فيحملك ان تقرأ السلام و ترده عليه.
قال ابن الاثير في النهاية: و في الحديث: ان الرب عز و جل يقرئك السلام.
يقال: اقرأ فلانا السلام و أقرأ (عليه السلام)، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام و يرده، و اذا قرأ الرجل القرآن أو الحديث على الشيخ يقول، أقر أني فلان أي حملني على أن أقرأ عليه، و قد تكرر في الحديث (2).
و قال الجوهري: قرأ (عليه السلام) و أقرأ السلام بمعنى (3).
و في القاموس قرأ (عليه السلام) أبلغه كأقرأه، و لا يقال اقرأه الا اذا كان السلام مكتوبا (4).
فأما صاحب المغرب فقد قال: و أقرأ سلامي على فلان و أقرأه سلامي عامي.
قلت عليه: كلا اقرأه سلامي ليس بعامي، بل عربي صميم، متكرر في الحديث و كذلك اقرأ عليه سلامي، و انما العامي المولد اقراه مني السلام.
____________
(1) أصول الكافى: 1/ 391 و فيه يقرئك السلام و يقول ذلك
(2) نهاية ابن الاثير: 4/ 31
(3) الصحاح: 1/ 65
(4) القاموس: 1/ 24
222
قال: فكان جابر يأتيه طرفي النهار فكان أهل المدينة يقولون وا عجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار و هو آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه، فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين (عليهما السلام) فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال، فجلس يحدثهم عن اللّه فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أجرأ من ذا (1) قال: فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول اللّه، قال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أكذب من هذا يحدث عمن لم يره، قال: فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد اللّه فصدقوه، و كان جابر و اللّه يأتيه يتعلم منه.
____________
كما قال علامة زمخشر، و هو شيخ صاحب المغرب في أساس البلاغة:
و اقرأ سلامي على فلان، و اقرأه سلامي، و يقال: اقرأه مني السلام (1).
هذا قوله و لكن قد تكرر في الحديث اقرأه السلام أيضا فليتثبت.
قوله (عليه السلام): فجلس يحدثهم عن اللّه فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أجرأ من ذا
بالهمزة على أفعل التفضيل من الجرأة، حسب أنه (عليه السلام) كان يحدث عن اللّه سبحانه فيقول: قال اللّه عز و جل، لأنه كان قد أخذ عن آبائه الطاهرين عن رسول اللّه و رسول اللّه عن جبرئيل عن اللّه عز و جل.
و في الكافي قال: فجلس يحدثهم عن اللّه تبارك و تعالى، فقال أهل المدينة:
ما رأينا أحدا أجرأ من هذا (2)، بزيادة «تبارك و تعالى» و اسقاط «قط» و ابدال «هذا» من «ذا».
و من أغلاط القاصرين الناظرين في كتاب الكشي لم يهتدوا في المرام فسقموا على زعم الصحيح و صحفوا عن اللّه بعن أبيه (3)، أعاذنا اللّه من الجهل بعد العلم،
____________
(1) أساس البلاغة: 499 و فيه و لا يقال أقرئه منى السلام انتهى. و لعل كلمة «لا» محذوفة من نسخة الاساس عند السيد، فلا يرد عليه ما أورده.
(2) أصول الكافى: 1/ 391
(3) كما في المطبوع من رجال الكشى بجامعة مشهد
223
89- حدثني أبو محمد جعفر بن معروف، (1) قال حدثنا الحسن بن علي بن النعمان، عن أبيه، عن عاصم الحناط، عن محمد بن مسلم، قال قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): ان لأبي مناقب ما هن لآبائي ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لجابر بن عبد اللّه الانصاري انك تدرك محمد بن علي فأقرئه مني السلام، (2) قال: فأتى جابر منزل علي بن الحسين (عليهما السلام) فطلب محمد بن علي، فقال له علي (عليه السلام) هو في الكتاب أرسل لك اليه، قال:
____________
و من الحور بعد الكور، و من الضلال بعد الهدى.
قوله (رحمه اللّه): حدثنى أبو محمد جعفر بن معروف
قد علمت فيما سبق أن أبا محمد جعفر بن معروف الذي يروي عنه أبو عمرو الكشي هو الذي من أهل كش، و كان وكيلا مكاتبا لا مطعن (1) فيه.
فهذا الطريق من عاصم بن الحناط- بالنون المشددة بعد المهملة المفتوحة- عن محمد بن مسلم بن رباح بالباء الموحدة، و قيل: بالياء المثناة من تحت الثقفي صحيح.
و في نسخة: حدثني أبو محمد جعفر بن معروف، عن محمد بن مسلمة قال:
قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام). و ذلك من غلط الناسخ.
«محمد بن مسلمة» بفتح الميم و اسكان السين على اسم المكان.
قال أبو العباس النجاشي (رحمه اللّه): كوفي ثقة، له كتاب يرويه علي بن الحسن الطاطري و غيره (2).
و لم يذكر أحد أنه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و أيضا لقاء أبي محمد جعفر بن معروف اياه لا يخلو من بعد.
قوله (عليه السلام): فأقرئه منى السلام
ما يقال: اقرأه مني السلام عامي مولد و ليس بعربي صميم، لا تعويل عليه،
____________
(1) و في «ن» لا يطعن فيه
(2) رجال النجاشى: 286
224
لا و لكني أذهب اليه، فذهب في طلبه فقال للمعلم: أين محمد بن علي؟ قال: هو في تلك الرفقة (1) أرسل لك اليه؟ قال: لا و لكني أذهب اليه، قال: فجائه فألتزمه و قبّل رأسه و قال ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلني إليك برسالة أن اقرئك السلام! قال: عليه و عليك السلام، ثم قال له جابر: بأبي أنت و أمي اضمن لي أنت الشفاعة يوم القيمة، قال:
فقد فعلت ذلك يا جابر.
90- أحمد بن علي القمّي السلولي، (2) قال حدثني ادريس بن أيوب القمي، عن الحسين بن سعيد، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، (3) عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جابر يعلم، و أثنى عليه خيرا، قال، فقلت له: و كان من أصحاب
____________
لتكرره في الحديث.
قوله (عليه السلام): قال هو في تلك الرفقة
الرفقة بضم الراء و اسكان الفاء الجماعة المترافقون، و الجمع رفاق بالكسر قاله في المغرب.
و في الصحاح: الرفقة بالضم الجماعة، ترافقهم في سفرك، و الرفقة بالكسر مثله، و الجمع رفاق، تقول منه: رافقته و ترافقنا في السفر (1).
قوله (رحمه اللّه): أحمد بن على القمى السلولى
هو المعروف بشقران المقيم بكش، و قد تقدم غير مرة.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدى
يعني به الحسن بن محبوب. و عبد العزيز العبدي قال النجاشي كوفي روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ضعيف ذكره ابن نوح (2).
و أما أن رواية الحسن بن محبوب عنه ضرب توثيق له، على ما قاله شيخنا
____________
(1) الصحاح: 4/ 1482
(2) رجال النجاشى: 184
225
علي (عليه السلام) قال: كان جابر يعلم قول اللّه عز و جل إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ. (1)
____________
الشهيد (قدس اللّه تعالى نفسه) في شرح الارشاد في رواية الحسن بن محبوب عن أبي الربيع الشامي، فيكون الطريق صحيا للإجماع على تصحيح ما يصح عن الحسن ابن محبوب، فانما كان يستقيم لو لم يكن عبد العزيز العبدي محكوما عليه بالضعف، كما الامر في أبي الربيع الشامي، فليعرف.
قوله (عليه السلام): كان جابر يعلم قول اللّه جل و عز «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ» (1)
الاية الكريمة منطوية في مطاوي بطونها الاشارة الى سلسلتي البدو و العود في نظام الوجود و مراتب الموجودات، و الموازات العقلية بين المراتب في الموجودات، و الموازات العقلية بين المراتب في السلسلتين، و أن اللّه سبحانه هو المبدأ في سلسلة البدو، و المعاد في سلسلة العود، فهو مبتدء الوجود و منتهاه، و مبدء كل موجود و معاده.
و الاشارة الى برهان التناسب من السبيل اللمي على اثبات العقل في سلسلة البدو، و الى برهان التوازي من السبيل اللمي على تجرد النفس الناطقة العاقلة الانسانية في سلسلة العود، و أن منزلة خاتم الانبياء في سلسلة العود منزلة العقل الاول في سلسلة البدو، و أن وصي خاتم النبوة يتلوه في منزلته في السلسلة العودية، كما العقل الاول يتلوه العقل الثانى في منزلته في السلسلة البدوية.
فلنشر الى هذه الاسرار اشارة اجمالية ثم نكرّ فنبين معنى الحديث و مغزاه
____________
(1) لا يخفى جواز أن يكون المراد بذلك المعاد هو الرجعة في أوان ظهور قائم أهل البيت (عليهم السلام)، و أنه (ص) يعاد أيضا، كما نطق به الاخبار، فالبارى الحق تعالى مجده قد وعده (ص) بأن الذى يعنى البارى جل مجده فرض عليك القرآن يردك الى معاد، و أن جابر كان يعلم تفسير ذلك فتدبر «سيد أحمد صهر المؤلف»
226
..........
____________
فنقول اذن: ان هناك مسائل:
المسألة الاولى: قال المفسرون: الذي فرض عليك أحكامه و فرائضه، و أوجب عليك تلاوته و تبليغه و العمل بما فيه، لرادك بعد الموت الى معاد، و تنكيره لتعظيمه، كأنه قال الى معاد و أي معاد، و هو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه ليس لا حد من البشر غيرك مثله.
أو الذي فرض عليك التخلق بخلق القرآن، و أوجب لك في بداية الامر بحسب قضائه الاول، و لوح الاستعداد التام الكامل المفطور الفطري الذي هو العقل القرآني الفرقاني، الجامع لقوة استجماع جميع كمالات النظر و العمل، و جوامع الكلم و الحكم في الفطرة الاولى، لرادك في نهاية استتمام عقلك المستفاد و استكمال كمالك الممكن المكسوب الموهوب الالهي في الفطرة الثانية، الى معاد عظيم بهي ما أعظمه و أبهاه، لا يبلغ كنهه و لا يقدر قدره، و هو الفناء المحض في اللّه في أحدية الذات و البقاء الحق به على التحقيق في جميع الاخلاق و الصفات.
و قيل: المعاد مكة زادها اللّه شرفا و تعظيما، و المراد رده (صلّى اللّه عليه و آله) اليها يوم الفتح المسألة الثانية: من المنصرح لدى العقل الصراح أنه ما لم تكن بين ذات العلة التامة و خصوصية ذات معلولها المنبعث عن نفس ذاتها بذاتها، مناسبة ذاتية، لا تكون بينها و بين غيره من سائر الاشياء تلك المناسبة، لم يكن يتعين ذلك المعلول بخصوصه من بين جملة الاشياء بالترتب (1) عليها، و الانبعاث عنها دون غيره من الاشياء بالضرورة الفطرية.
و اذ الباري الاول جل سلطانه ذاته الاحدية الحقة الواجبة بالذات من كل جهة كمالية تامة و فوق التمام، في أعلى مراتب المجد و الكمال و العز و الجلال و القدس و البهاء و العلو و الكبرياء، فيجب أن يكون مجعوله الاول الصادر عن نفس ذاته بذاته
____________
(1) في «س»: بالترتيب
227
..........
____________
و المنبجس عن علمه و عنايته و ارادته و اختياره التي هي عين مرتبة ذاته قبل سائر المجعولات، قبلية بالذات بحسب المرتبة العقلية، أفضل ما يبلغه ادراك العقول و الاذهان، و أشرف ما وسعه طباع عالم الامكان، و أن تكون أولى من مراتب مجعولاته و معلولاته التي هي من جملة الموجودات في نظام الوجود، أشرف المراتب و أفضلها و أكملها و أجملها، فاذن وجب أن يكون أولى مراتب نظام الوجود عالم الأنوار العقلية و أن يكون العقل الاول من بينها بخصوصية جوهر ذاته هو المجعول الاول لا غير.
المسألة الثالثة: انما ملاك الشرف و الكمال في مراتب الموجودات و جواهر الهويات القرب من جناب الباري الحق، و ميزان الخسة و النقص البعد عن جنابه الاعلى تعالى عزة، فالوجود يبتدأ منه عز و جل متنازلا في المراتب المترتبة، من الشرف الى الخسة، و من الكمال الى النقص، و من المستحيل أن يتمادي الى نهاية فيجب أن ينتهي التنازل الى حد محدود هو منتهى الخسة و النقصان لا يتعداه و ان هو الا مرتبة الهيولى الاولى الحاملة لطباع ما بالقوة، و هي لا محالة أخيرة مراتب البداءة، و هى مشتملة على قوة قبول جميع الصور اشتمالا انفعاليا، كما الجواهر العقلية التي هي أولى المراتب مشتملة عليها جميعا اشتمالا فعليا.
ثم يعود فيتدرج فيضان نظم الوجود من افاضة الباري الفعال على الانعكاس متصاعدا من الخسة الى الشرف، و من النقص الى الكمال، و اذ يستحيل أن يتمادى الى ما لا نهاية، فينتهي لا محالة الى حد أخير لا يتعداه، و هو منتهى المراتب في الشرف و الكمال.
فهذه المرتبة في العود التي هي أخيرة مراتب نظام الوجود في ازاء المرتبة الاولى في البدو، و اللّه سبحانه هو المبدأ و المعاد، و منه البدو و اليه العود، و هو ولي الامر في الاولى و الآخرة، له الخلق و الامر و الملك و الملكوت، منه البداءة
228
..........
____________
و اليه النهاية.
المسألة الرابعة: أخيرة المراتب العودية في ازاء أولى المراتب البدوية، و هي مرتبة نوع الانسان، فوجوب التوازي بين مراتب البدو و مراتب العود برهان تجرد النفس الناطقة الانسانية من طريق اللم، و تقريره من سبيلين:
الاول: أ ليس من المستبين أنه يجب أن يكون مبدأ المبادي تعالى كبريائه أولا في ترتيب البدو و آخرا في ترتيب العود؟ فكما المرتبة الاولى في ترتيب البدو تبتدأ في جهة التنازل من الجناب الحق القيومي الوجوبي، و لا شيء فوقها في مرتبة الكمال إلا ذاته الواجبة الاحدية الحقة، اذ كان من المستحيل انبجاس الناقص النذل من الكامل الحق المتعال في أقصى الكمال قريبا، و انبعاثه عنه ابتداء لا بواسطة ما هو أكمل منه في المرتبة، الا فيما يكون ذاته تحت الكون و وجوده مرهونا بالامكان الاستعدادي بتة.
فكذلك المرتبه الاخيرة في ترتيب العود الموازية للمرتبة المبتدئة في ترتيب البدو، تنتهى في جهة التصاعد الى جنابه الاعلى الربوبي، و لا شيء و رائها في مرتبة الكمال إلا ذاته التامة القيومية، اذ كان يستحيل الناقص الجراح (1)، و انتهاؤه في ترتيب الشرف و الكمال الى الكامل التام الحق من كل جهة، و اتصاله بجنابه من دون توسط ما هو أشرف مرتبة و أتم كمالا في البين.
فاذن وجب في الاصول البرهانية بالضرورة العقلية، ان يكون النفوس الانسانية التي هي آخر ترتيب في التصاعد جواهر مجردة عاقلة، صائرة في استكمال مرتبة العقل المستفاد على أعلى النصاب الممكن، عالما عقليا مطابقا لنظام الوجود كله من الصدر الى الساقة مضاهيا و موازيا لعالم الأنوار المفارقة العقلية التي هي أول ترتيب البدو في التنازل، فليتعرف.
الثاني: مقتضى الحكمة البالغة التامة الربوبية، و العناية الاولى السابغة الكاملة
____________
(1) في «ن»: الحذاح
229
..........
____________
الالهية تنسيق المراتب و اتساق النظام على الوجه الاكمل، و وجوب الموازاة من مراتب البدو و مراتب العود في السلسلتين على التعاكس بالتنازل و التصاعد، فذلك مبدأ استيجاب هذه المرتبة العقلية الاخيرة العودية في نظام الوجود على أقصى النصاب الممكن في الكمال و الشرف ازاءا لتلك المرتبة العقلية الاولى البدوية.
فاذن يجب لا محالة وجود النفس الناطقة المجردة العاقلة الانسانية و استكمال قصوى الغاية و استتمام نصاب الشرف و الكمال في مرتبة عقلها المستفاد في آخر ترتيب العود بازاء مرتبة العقول النورية المفارقة في أول ترتيب البدو، و الا لانتقصت تمامية الحكمة التامة و انتقصت كمالية العناية الكاملة فليثبت.
المسألة الخامسة: مراتب سلسلة البدو في التنازل في البسائط و هي خمس و المتقدمة فيها أكمل و أشرف من المتأخرة، و مراتب سلسلة العود بالتصاعد في المركبات، و هي أيضا خمس و المتأخرة فيها أشرف و أكمل من المتقدمة.
أما مراتب السلسلة الطولية البدوية فأولها: مرتبة عالم العقول النورية المفارقة و لها عرض عريض في الكمال (1) من العقل الاول الى العقل الاخير، و هذا العالم أتم ضربي عالم الامر، و أفضل ضروب ملائكة اللّه المقربين، و لهذا العالم من الحروف حرف «ب».
و ثانيتها: مرتبة عالم النفوس المجردة السماوية، و لها أيضا في الشرف و الكمال عرض عريض من نفس الفلك الاقصى الى نفس فلك القمر، و هذا العالم ضرب آخر من عالم الامر من الملائكة الفاضلة المجردة و الأنوار العاقلة المدبرة، و حرفا هذا العلم «ج- ز».
و ثالثتها: مرتبة عالم النفوس المنطبعة السماوية على عرض عريض باختلاف درجات الكمال، و هذا العلم أتم ضروب الملائكة الجسمانية و أعلاها.
____________
(1) و في «س» في اكمال
230
..........
____________
و رابعتها: مرتبة عالم الصورة الجرمية من صورة جرم الكرة الاقصى الى صورة جرم كرة الارض.
و خامستها: مرتبة عالم الهيوليات من هيولى الفلك الاقصى الى هيولى عالم العناصر المشتركة الواحدة بالهوية الشخصية، و هي مركز النقصان و الخسة و محل الامكان الاستعدادي و حامل القوة الانفعالية، و حرف هذا العلم «ط».
و أما مراتب السلسلة الطولية العودية فالاولى منها: مرتبة الاجسام النوعية البسيطة من الفلك الاعلى الى جرم الارض، و صورها المنوعة الجوهرية، و طبائعها المنطبعة الجسمانية.
و الثانية: مرتبة الصور الاولى الحادثة بعد التركيب المزاجي من البسائط التي هي الاسطقسات العنصرية، كالصور الجوهر المعدنية و غيرها على اختلاف مراتبها.
و الثالثة: مرتبة النفوس الجوهرية المنطبعة النباتية على اختلاف أنواعها بأسرها.
و الرابعة: مرتبة النفوس الجوهرية الحيوانية بأنواعها المختلفة بأسرها.
و الخامسة: مرتبة العالم الاصغر الذي هو نسخة العالم الاكبر المطابقة له الجامعة لما فيه من رطب نظام الوجود و يابسه، أي النفوس الناطقة الانسانية بأخيرة مراتبها في استتمام القسط و استكمال النصاب.
و هي مرتبة العقل المستفاد المشتمل على صور جميع الموجودات بالفعل اشتمالا انفعاليا، كما كانت العقول المفارقة في المرتبة الاولى البدوية مشتملة عليها اشتمالا فعليا بحرف هذا العالم العقلي، الذي هو آخر نظام الكل من الحروف الثمانية و العشرين «س»، كما بينه شريكنا السالف في النيروزية.
و نحن حققناها في شرحها و في الجذوات و المواقيت و في نبراس الضياء.
231
..........
____________
و لقد قلنا في نبراس الضياء: أن من رموز القرآن الحكيم و اسراره أن مبتدأه من الحروف «ب» حرف أول سلسلة البدو، و مختتمه «س» حرف آخر سلسلة العود، ليكون كتاب اللّه المبين الايجابي التدويني مطابقا لكتاب اللّه الابداعي التكويني، فيكونا متطابقين في الفاتحة و الخاتمة في البداية و النهاية.
فاذن فليتدبر كيف استدار نظام الوجود فعاد في آخر سلسلة العود الى عالم العقول المستفاد، كما كان ابتداء في أول سلسلة البدو من عالم العقول الفعالة، فنظام الكل دائرة عقلية وجودية نصف قطرها الهبوطي من العقل المحض بالفعل الى الهيولى الاولى، و نصف قطرها الصعودي من الجسم البسيط بالحقيقة النوعية الى العقل المستفاد.
و المحيط في الاول و الاخر هو اللّه سبحانه، و اللّه بكل شيء محيط، و لجناب كبريائه المتعال بحسب اضافته الى نظام الوجود بالابداع و الافاضة و العناية و الاحاطة و الفيض و الرحمة حرفا «1- 5» و حق تحقيق هذه المعارف الربوبية على ذمة قبسات حق اليقين و نبراس الضياء.
المسألة السادسة: كما أفضل هويات الجواهر العقلية في عرض المرتبة الاولى البدوية، أشرفها و أقربها الى جنات المبدأ الفياض المحيط الحق تعالى سلطانه، هو العقل الاول الذي هو العقل العرش الاعظم، و أول مجعولات الباري الفعال، و أتم كلماته التامات و أجمعها.
فكذلك أكمل مراتب العقول المستفادة لجواهر النفوس القدسية الانسانية في عرض المرتبة العودية، و أفضلها و أشرفها و أتمها على الاطلاق، و أقربها من المعاد الحق و المحيط المطلق علا كبريائه، مرتبة العقل المستفاد لجوهر نفس خاتم النبوة عليه و آله الطاهرين أفضل صلوات المصلين.
فمنزلة خاتم النبوة في عرض المرتبة الاخيرة من مراتب طول السلسلة العودية
232
..........
____________
منزلة العقل الاولى في عرض المرتبة الاولى من مراتب طول السلسلة البدوية، كما هناك ليس تتصور درجة رتبة كمالية نزولية تتوسط بين المبدأ الحق جل عزه و بين درجة العقل الاول، كذلك هاهنا لا يتصور درجة رتبة كمالية صعودية تتوسط بين درجة خاتم النبوة و بين معاد الحق علا كبريائه.
و من ثم كان العقل الاول نور نفس خاتم النبوة، لما بينهما من أتم المناسبة و الموازاة، و أشد المشابهة و المضاهاة بحسب الدرجة. فقال (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث: أول ما خلق اللّه العقل، و في حديث آخر: أول ما خلق اللّه نوري.
المسألة السابعة: براهين وجوب بعث النبي و ارسال الرسول و السنة الالهية و العناية الربوبية، ناهضة الحكم على وجوب اثبات وصي للرسول يقوم مقامه، و ينوب عنه منابه، يكون خليفته و بمنزلة نفسه، بواسطته يفيض الفيض، و ينبث الدين و يقوم العدل، و ينبسط النور، و يستوي الهدى، كما النفس خليفة العقل في ايصال الفيض الى عوالم الوجود: و القلب خليفة النفس، و الدماغ خليفة القلب في انبثاث القوى المدركة و القوى المحركة على جوانب البدن، و النخاع خليفة الدماغ على سائر الاعضاء.
فكذلك النبي الرسول كالقلب في بدن العالم، و وصيه و خليفته كالدماغ و النخاع فاذن وصي خاتم الانبياء و المرسلين خليفته على جميع الخلق، و في منزلة نفسه بحسب الدرجة، فيكون لا محالة مساهمة في رتبة درجته في عرض المرتبة الاخيرة في طول السلسلة العودية، فيشبه أن يكون درجته في عرض هذه المرتبة درجة العقل الثاني في عرض المرتبة الاولى البدوية.
فالعقل الاول نور خاتم الانبياء، و العقل الثاني نور سيد الاوصياء، بل العقل الاول نور هما معا، لا نهما كنفس واحدة.
قال (صلّى اللّه عليه و آله): أنا و علي من نور واحد (1).
____________
(1) رواه ابن الجوزى في تذكرة الخواص: 52 و القندوزى في ينابيع المودة 256 ط اسلامبول.
233
..........
____________
و قال عليه و آله الصلاة و التسليم: أنا و علي من شجرة واحدة و الناس من أشجار شتى (1).
و قال (صلّى اللّه عليه و آله): ان اللّه جعل ذرية كل نبي في صلبه و جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب (2).
و قال عليه و آله صلوات اللّه تسليماته: يا علي أنا و أنت أبوا هذه الامة و لعن اللّه من عق أباه.
و اذا تحققت ما تلوناه عليك: فاعلمن أن قوله سبحانه «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» اشارة الى المبدأ الباري الاول عز سلطانه، اذ كل حقيقة و كمال حقيقة و كل وجود و كمال وجود من صنعة وجوده، و كل علم و حكمة و حياة و بهاء من فيضه و نوره، و الى ترتيب البدو النازل في نظام الوجود من لدنه و درجة العقل في أول مراتب السلسلة البدوية.
اذ العقل الفعال الذي هو واهب الصور باذن ربه واسطة افاضة الفيض، و تنزيل الوحي على النفس نسبة اشراقه الى ادراك البصيرة العقلية نسبة اشراق الشمس الى أبصار الباصرة الحسية، كما قال في القرآن الكريم «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (3)» و قال «فَأَرْسَلْنٰا إِلَيْهٰا رُوحَنٰا فَتَمَثَّلَ لَهٰا بَشَراً سَوِيًّا قٰالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قٰالَ إِنَّمٰا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلٰاماً زَكِيًّا (4)»، و قوله تعالى «لَرٰادُّكَ» اشارة الى المعاد الحق لكل وجود موجود و الى ترتيب العود الصاعد في انسياق النظام العائد اليه، و درجة خاتم النبيين و سيد
____________
(1) رواه الحاكم في المستدرك 2/ 241 و الخوارزمى في المناقب: 86 و ابن حجر في الصواعق المحرقة 121 و الذهبى في ميزان الاعتدال 1/ 462
(2) رواه الهيثمى في مجمع الزوائد 9/ 172
(3) سورة الشعراء: 194
(4) سورة مريم: 17
234
91- أحمد بن علي، قال حدثني ادريس، عن الحسين بن بشير، (1) قال حدثني هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم و زرارة، قالا: سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن أحاديث فرواها عن جابر، فقلنا: ما لنا و لجابر؟ فقال: بلغ من ايمان جابر أنه كان يقرء هذه الاية- (2) ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد.
____________
الوصيين في أخيرة مراتب السلسلة العودية.
و الى رجوع النفس الصائرة بكمالها عالما فعليا في آخر منازل سفر الاستكمال في درجات العرفان و مقامات خلع البدن بالارادة في هذه النشأة، و مصيرها في أول أطوار طعن الروح و رفض الجسد بالطبيعة في النشأة الآخرة الى جنابه البهي الاحدي الحق.
فاذن فقد استبان سبيل قول أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في هذا الحديث و هو أن جابرا كيف لا يكون من أصحاب علي (عليه السلام) و قد كان يقرأ قول اللّه عز و جل «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ (1)» و يعرف معناه و مغزاه و يعرف تفسيره و تأويله.
قوله (رحمه اللّه): عن الحسين بن بشير
ذكر الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) الحسن بن بشير مكبرا و قال: مجهول (2).
و قال العلامة في الخلاصة: انه من أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) (3).
و أما الحسين بن بشير بالتصغير، ففي كتاب أبي عمرو الكشي (رحمه اللّه تعالى) في عامة النسخ.
قوله (عليه السلام): بلغ من ايمان جابر أنه يقرأ هذه الاية
أي يقرأها و يتدبرها و يعرف سرها و يعلم باطنها.
____________
(1) سورة القصص: 85
(2) رجال الشيخ: 374
(3) الخلاصة: 212
235
92- أحمد بن علي القمي شقران السلولي، (1) قال حدثني ادريس، عن الحسين ابن سعيد، عن محمد بن اسماعيل، عن منصور بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال؟ قلت ما لنا و لجابر تروي عنه؟ فقال: يا زرارة ان جابرا كان يعلم تأويل هذه الاية- (2) ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد.
93- محمد بن مسعود، قال حدثني علي بن محمد، قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الشقري، (3) عن علي بن الحكم،
____________
قوله (رحمه اللّه تعالى): شقراق السلولى
الشقران بضم الشين المعجمة و اسكان القاف لقب أحمد بن علي القمي.
قال في القاموس: الشقران كعثمان و شقران مولى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (1).
يروي عنه عبيد اللّه بن أبي رافع و كان حبشيا، يقال: شهد بدرا قاله الذهبي و غيره.
و «سلول» باهمال السين و فتحها، و ربما قيل: بالضم، فخذ من قيس، و هم بنو مرة بن صعصعة، و سلول اسم أمهم منهم عبد اللّه بن همام الشاعر السلولي، و أم عبد اللّه بن أبي المنافق، قاله في القاموس (2).
و في الصحاح: سلول قبيلة من هوازن، و هم بنو مرة بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن (3).
قوله (عليه السلام): ان جابرا كان يعلم تأويل هذه الاية
قد تلونا عليك باذن اللّه سبحانه ظاهر هذه الاية و باطنها و تفسيرها و تأويلها، يعني (عليه السلام): أن جابرا رضي اللّه تعالى عنه قد كان يعلم و يستيقن ذلك كله.
قوله (رحمه اللّه): قال حدثنى محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الشقرى
في أكثر النسخ «الشقري» باعجام الشين قبل القاف محركة نسبة الى قبيلة في
____________
(1) القاموس: 2/ 62
(2) القاموس: 3/ 397
(3) الصحاح: 5/ 1731
236
عن فضيل بن عثمان عن أبي الزبير، (1) قال: رأيت جابرا متوكأ على عصاه و هو يدور
____________
بني ضبة.
قال في القاموس: شقرة بن الحارث بن تميم، أبو قبيلة من ضبة، و النسبة شقري بالتحريك (1).
و قال في جامع الاصول: الشقري بفتح الشين و فتح القاف و بالراء، منسوب الى شقرة بكسر القاف و بالراء، منسوب الى شقرة- بكسر القاف- ابن الحارث بن تميم بن مرة، و قيل: شقرة اسمه الحارث بن تميم، و قيل: هو معاوية بن الحارث ابن تميم، قلبت كسرة القاف في النسبة فتحة على القياس.
و في بعض النسخ «السفري» (2) بالسين المهملة و الفاء، اما بالتحريك نسبة الى عبد اللّه بن أبي السفر الهمداني من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أو باسكان نسبة الى سفر ابن نسير بضم النون و اهمال السين المفتوحة التابعي.
قال في القاموس: الاسماء بالسكون و الكنى بالحركة. و قال: أبو السفر محركة سعيد بن محمد كيعلم من التابعين، و عبد اللّه بن أبي السفر من أتباعهم (3).
و في نسخة عتيقة «محمد بن المنقري» بكسر الميم و اسكان النون و فتح القاف نسبة الى منقر بن عبيد، و هو أبو بطن من تميم، منهم سليمان بن داود المنقري.
و بالجملة فحيث أن أبا جعفر محمد بن الحسن بن الوليد (رحمه اللّه)، لم يذكر محمدا هذا في عداد من استثناه من رجال نوادر الحكمة، فيكون رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه مما يركن اليه و يعتمد عليه، فليعلم.
قوله (رحمه اللّه): عن فضيل بن عثمان، عن أبى الزبير
و هو أبو الزبير المكي، و قد أسلفنا نقلا عن الذهبي أن معاوية بن عمار و فضيل
____________
(1) القاموس: 2/ 61
(2) كما في المطبوع من الكشى في جامعة مشهد.
(3) القاموس: 2/ 49
237
في سكك المدينة و مجالسهم و هو يقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، (1) يا معشر الانصار أدبوا أولادكم على حبّ علي فمن أبي فلينظر في شأن أمّه.
____________
ابن عثمان يرويان عنه.
قوله رضى اللّه تعالى عنه: على خير البشر فمن أبى فقد كفر
و روى الصدوق أبو جعفر بن بابويه (رضوان اللّه تعالى عليه) في أماليه بأسناده عن أبي الزبير المكي قال: رأيت جابرا متوكأ على عصاه و هو يدور في سكك الانصار و مجالسهم، و هو يقول عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، يا معشر الانصار أدبوا أولادكم على حب علي بن أبي طالب، فمن أبى فانظروا في شأن أمه (1).
و روى بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من وجد برد حبنا أهل البيت على قلبه فليشكر أمّه فانها لم تخن أباه (2).
عن طريق العامة بأسانيدهم المعتبرة عن أبي الزبير المكي و عتبة العوفي، قال كل منهما: رأيت جابر بن عبد اللّه الانصاري يتوكأ على عصاه و هو يدور في سكك المدينة و مجالسهم، و يقول: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): علي خير البشر، من أبى فقد كفر، و من رضي فقد شكر، ثم يقول: معاشر الانصار أدبوا أولادكم على حب علي بن أبي طالب فمن أبى فلينظر في شأن أمه (3).
و عن وكيع و يوسف القطان و الاعمش بأسانيدهم أنه سئل جابر و حذيفة عن علي بن أبي طالب، فقالا: علي خير البشر لا يشك فيه الا كافر (4).
____________
(1) أمالى الصدوق: 68 ط نجف الاشرف
(2) أمالى الصدوق: 546
(3) رواه المتقى الهندى في كنز العمال 12/ 221 و العسقلانى في لسان الميزان 2/ 252
(4) رواه محب الدين الطبرى في ذخائر العقبى 96 و القندوزى في ينابيع المودة 246
238
..........
____________
و عن عائشة مثله (1)، و رواه الطبرى و سالم عن جابر من احدى عشرة طريقة.
و عن جابر رضي اللّه تعالى عنه قال: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اذا أقبل علي يقول:
جاء خير البرية (2).
قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من لم يقل علي خير البشر فقد كفر (3).
و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): من لم يقل علي خير الناس فقد كفر (4).
و في حديث آخر: و كان أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله) اذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية (5).
و روى الدارمي باسناده عن عائشة، و كذلك الديلمي في الفردوس في الولاية و أحمد بن حنبل في الفضائل و في المسند، و الاعمش عن أبي وائل و عن عطيه العوفي عن عائشة، و عطاء أيضا عن عائشة جميعا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: علي خير البشر من أبى فقد كفر، و من رضي فقد شكر (6).
و أورده امامهم العلامة فخر الدين الرازي في نهاية العقول و في كتاب الاربعين عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): علي خير البشر من أبى فقد كفر (7).
و في مسانيدهم بأسانيدهم المعول عليها عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): علي خير البرية (8).
____________
(1) رواه ابن عساكر في ترجمة الامام على 2/ 448، و ابن شهاب الدين الهمدانى في مودة القربى 40
(2) رواه الخوارزمى في المناقب: 66
(3) رواه المتقى الحنفى في منتخب كنز العمال المطبوع على هامش المسند 5/ 35
(4) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 3/ 192
(5) رواه العسقلانى في لسان الميزان: 1/ 175
(6) راجع في جميع ذلك احقاق الحق 4/ 249
(7) أورده عنه في احقاق الحق 4/ 255
(8) رواه الخوارزمى في المناقب: 66 و العسقلانى في لسان الميزان 1/ 175
239
..........
____________
و من المتفق عليه لدى الجميع أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال في المخدج ذي الثدية يقتله خير الخلق و الخليقة، و في رواية يقتله خير هذه الامة (1).
و في روايات جمة عن عائشة قالت: سمعت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: هم- أي المخدج و أصحابه- شر الخلق و الخليقة، يقتله خير الخلق و الخليقة، و أقربهم الى اللّه وسيلة (2).
و من طرق عديدة عنها عنه (صلّى اللّه عليه و آله): هم شر الخلق و الخليقة يقتلهم سيد الخلق و الخليقة، و في أخبار كثيرة أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام): و انك أنت قاتله يا علي (3).
ثم قد أطبقت الامة على أن عليا (عليه السلام) قد قتله يوم النهروان و أخبر الناس بذلك و قد كان (عليه السلام) يخبر به و بصفته من قبل، ثم استخرجه من تحت القتلى فوجدوه على ما كان يذكر فيه من صفته، فكبر اللّه و قال: صدق اللّه و رسوله و بلغ رسوله.
و في صحيحي البخاري و مسلم و غيرهما من صحاحهم (4) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال فيه: ان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، و صيامه مع صيامهم، يقرءون الكتاب لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يخرجون على خير فرقة من الناس.
و كان أبو سعيد الخدري يقول، أشهد اني سمعت هذا الحديث من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم و قتلهم و أنا معه، ثم من بعد القتال استخرجوا من بين القتلى من هذه صفته فجاءوا به اليه، فشاهدت فيه تلك الصفات
____________
(1) رواه القاضى عضد الدين الايجى في المواقف 2/ 615
(2) رواه الحافظ نور الدين في مجمع الزوائد 6/ 239
(3) راجع في ذلك احقاق الحق: 8/ 475- 522
(4) مسلم في صحيحه 3/ 112 ط محمد على و أحمد بن حنبل في مسنده 3/ 56 و البخارى في صحيحه 4/ 200 ط الاميرية. و النسائى في الخصائص: 43 ط مصر
240
..........
____________
التي قد كان بخبرنا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و روى أبو بكر بن مردويه في كتابه مرفوعا الى حذيفة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): علي خير البشر فمن أبى فقد كفر.
و رواه أيضا مسندا عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): علي خير البشر و من أبى فقد كفر (1).
و روى أبو بكر البيهقي أن الانصار كانت تقول: انا كنا نعرف الرجل لغير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب (2).
و عن جابر بن عبد اللّه الانصاري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
بوروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب، فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة، و من أبغضه فاعلموا أنه لغية (3).
رشدة بكسر الراء و بفتحها أي نكاح صحيح، و غية أيضا بكسر الغين المعجمة و فتحها و تشديد الياء المثناة من تحت، أي لزنية و طي من غير نكاح صحيح.
و لبعض المتوهمين القاصرين من المعاصرين في ضبط هذه اللفظة عثرة، تستعاذ باللّه من خذيها و فضيحتها، أوردناها في الرواشح السماوية (4).
و روى الهروي في الغريبين عن عبادة: كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي طالب، فاذا رأينا أحدهم لا يحبه علمنا أنه لغير رشدة (5).
و قال ابن الاثير في النهاية: في الحديث أن داود سأل سليمان (عليهما السلام) و هو يتبار
____________
(1) المناقب لا بن مردويه غير مطبوع
(2) رواه الصفورى في نزهة المجالس 3/ 208 و الحكم في المستدرك: 3/ 129
(3) راجع احقاق الحق: 7/ 266
(4) الرواشح السماوية: 81
(5) روى احقاق الحق عنه: 7/ 266
241
البراء بن عازب
(1)
____________
علمه أي يختبره و يمتحنه، و منه الحديث «و كنا نبور أولادنا بحب علي بن ابي طالب» و حديث علقمة الثقفي حتى و اللّه ما نحسب الا أن ذلك شيء يبتار به اسلامنا (1).
و قال: و في حديث جعفر الصادق «لا يحبنا أهل البيت كذا و كذا و لا ولد الميافعة» أي ولد الزنا يقال: يافع الرجل جارية فلان اذا زنى بها (2).
و قال فيه: و في حديث أهل البيت «لا يحبنا اللاكع و لا المحبوس» (3).
لكع عليه الوسخ كفرح لصق به و لزمه، و لكع بضم اللام و فتح الكاف اللئيم الخسيس الوسخ الدنس، و أصل الخسيس الخلط، و ذلك عن خبث الطينة و اختلاط النطفة و عدم طيب الولادة.
و في النهاية الاثيرية أيضا: في حديث الصادق «لا يحبنا أهل البيت ذو رحم منكوس» قيل: هو المأبون لانقلاب شهوته الى دبره (4) انتهى كلام النهاية.
البراء بن عازب
هو أبو عامر أو أبو عمار، البراء- بالباء الموحدة و الراء المخففة المفتوحتين و بالمد كسماء- بن عازب باهمال العين قبل الالف و الزاء بعدها.
في القاموس: أنا براء منه لا يثنى و لا يجمع و لا يؤنث، أي بريء و البراء أول ليلة، أو يوم من الشهر، أو آخرها، أو آخره، كابن البراء و أبراء دخل فيه و اسم،
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 161
(2) نهاية ابن الاثير: 5/ 299
(3) نهاية ابن الاثير: 4/ 269
(4) نهاية ابن الاثير: 5/ 115
242
94- قال الكشي: روى جماعة من أصحابنا (1) منهم أبو بكر الحضرمي، (2) و أبان ابن تغلب، و الحسين بن أبي العلاء، و صباح المزني، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه
____________
و ابن مالك و عازب و أوس و المعرور الصحابيون (1).
قال الشيخ (رحمه اللّه) في باب الصحابة: البراء بن عازب الانصاري الخزرجي كنيته أبو عامر (2).
ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: البراء بن عازب الانصاري (3)
و قال صاحب كتاب الصحابة: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن خيثم بن مجذعة يكنى أبا عمارة، غزى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خمس عشرة غزوة، و استصغره النبي يوم بدر فلم يشدها، و اجازه يوم الخندق و هو ابن خمس عشر سنة، فنزل البراء الكوفة و توفى بها في أيام مصعب بن الزبير (4).
و في مختصر الذهبي: عنه عدي بن ثابت، و أبو اسحاق، و خلق، و شهد أحدا، و مات بعد التسعين.
قوله (رحمه اللّه تعالى): روى جماعة من أصحابنا
لم يذكر طريقته في الاسناد عن الجماعة، و عني أنه من الصحيح الثابت عنهم و كذلك كلما أرسل ارسالا جاريا مجرى التعليق، قال في صدر الطريق روي، و أسقط الاسناد من البين، كما سبق في ترجمة أبي أيوب الانصاري: روى الحارث بن حصيرة.
قوله (رحمه اللّه تعالى): منهم أبو بكر الحضرمى الخ
أبو بكر عبد اللّه بن محمد الحضرمي، قد بينا في المعلقات على الاستبصار
____________
(1) القاموس: 1/ 8
(2) رجال الشيخ: 8
(3) رجال الشيخ: 35
(4) الاستيعاب: 1/ 139 و فيه جشم بن مجدعة
243
(عليهما السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال للبراء بن عازب كيف وجدت هذا الدين؟ (1) قال كنّا بمنزلة اليهود قبل أن نتبعك، تخف علينا العبادة، فلما اتبعناك و وقع حقائق الايمان في قلوبنا وجدنا العبادة قد تثاقلت في أجسادنا. قال امير المؤمنين (عليه السلام): فمن ثم يحشر الناس يوم القيامة في صور الحمير و تحشرون فرادى فرادى يؤخذ بكم الى الجنة، ثم قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): ما بدا لكم! ما من أحد يوم القيامة الا و هو يعوي عواء البهائم أن اشهدوا و استغفروا لنا، فنعرض عنهم فما هم بعدها بمفلحين.
____________
توثيقه و صحة حديثه.
و أبان بن تغلب ظاهر الجلالة في الفضل و الثقة.
و الحسين بن أبي العلاء الحفاف الازدي و أخواه علي و عبد الحميد وجوه ثقاة أذكياء، قد أوضحنا حالهم و حال أبيهم في المعلقات على الاستبصار و على الفقيه و أبطلنا ما تو همه المتوهمون في أبي العلاء، و سيستبين الامر في ذلك كله حيث يحين حينه إن شاء اللّه العزيز.
و صباح بن يحيى- باهمال الصاد المفتوحة و تشديد الباء المفتوحة- أبو محمد المزني- بضم الميم و فتح الزاء قبل النون- كوفي ثقة.
في القاموس: مزينة كجهينة قبيلة، و هو مزني (1).
قوله (عليه السلام): للبراء بن عازب كيف وجدت هذا الدين؟
قال له ذلك في زمن خلافته اذ كان (عليه السلام) بالكوفة، يعني كيف وجدت هذا الدين معي بعد ما كنت مع المتقمصين للخلافة قبلي؟ قال كنا بمنزلة اليهود قبل أن نتبعك تخف علينا العبادة، أي كنا تائهين في الجهالة، مستخفين بالعبادة، مضيعين لحدودها و أركانها، غير خاشعين في مناسكها آدابها، فلما اتبعناك انبسط نور المعرفة في صدورنا، و وقع حقائق الايمان في قلوبنا، فتثاقلت العبادة في جوارحنا و أجسادنا، و ألذت و احلولت مع ذلك في نفوسنا و أرواحنا.
____________
(1) القاموس: 4/ 271
244
قال أبو عمرو الكشي: هذا بعد أن أصابته دعوة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما روي من جهة العامة. (1)
____________
روى البخاري في صحيحه بأسناده عن مطرف قال: صليت أنا و عمران خلف علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- فكان اذا سجد كبر، و اذا رفع كبر، و اذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بيدي، فقال: لقد صلى بنا هذا صلاة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أو قال: لقد ذكرني هذا صلاة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) (1).
و روى الصدوق عروة الإسلام أبو جعفر بن بابويه و غيره من أشياخنا و أصحابنا (رضوان اللّه تعالى عليهم) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه و تسليماته عليه تطويل القراءة في صلاة الكسوف بمثل الانبياء و الكهف.
قال في الفقيه: و انكسفت الشمس على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، فصلى بهم حتى كان الرجل ينظر الى الرجل قد ابتل قدمه من عرقه (2).
قوله (رحمه اللّه): هذا بعد أن أصابته دعوة أمير المؤمنين (ع) فيما روى من جهة العامة
و قد غلط الحسن بن داود في شرح هذه العبارة، فظن أن معناها أن اصابة دعوته (عليه السلام) اياه فيما روي من جهة العامة لا من طريق الخاصة.
قال في كتابه: البراء بن عازب «ل- ي- جخ- كش» شهد (عليه السلام) له بالجنة بعد أن روت العامة أنه (عليه السلام) دعا عليه لكتمانه الشهادة بيوم غدير خم فعمي (3).
فذلك ظن فاسد، فان دعائه (عليه السلام) عليه و إصابته دعوته اياه من الثابت، بل من المتواتر من طريق الخاصة و من طريق العامة جميعا، و روى الكشي ذلك من طريق الخاصة بعد هذا الكلام.
____________
(1) صحيح البخارى 1/ 191 ط عامرة استبول
(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 341
(3) رجال ابن داود: 64
245
95- روى عبد اللّه بن ابراهيم، قال أخبرنا أبو مريم الانصاري، عن المنهال ابن عمرو، (1)
____________
بل معنى العبارة: أن ما قاله (عليه السلام) في هذا الحديث له، و شهد له بقوله: «فيؤخذ بكم الى الجنة» روي من جهة العامة (1)، أنه كان بعد ان أصابته دعوته (عليه السلام) و عمي
قوله (رحمه اللّه): روى عبد اللّه بن ابراهيم (2)
أرسل اسناده عن عبد اللّه بن ابراهيم هذا، و هو عبد اللّه بن ابراهيم أبي عمر أبو محمد الغفاري، حليف الانصار سكن المزينة بالمدينة، فتارة يقال له: الغفاري، و تارة الانصاري، و تارة المزني، و يقال له أيضا: المدني، يروي عن أبي مريم الانصاري عبد الغفار الجازي و من في طبقته، و عنه الحسن بن علي بن فضال، و محمد ابن عيسى.
و ذكر في الفهرست عبد اللّه بن ابراهيم الانصاري و أسند طريقه في رواية كتابه الى محمد بن عيسى عنه (3)، ثم ذكر عبد اللّه بن ابراهيم الغفاري و طريقه في رواية كتابه بالاسناد الاول عن محمد بن عيسى عنه، و يظهر من ذلك التعدد، و الصحيح أنهما واحد.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن المنهال بن عمرو
قال الشيخ (رحمه اللّه)- في كتاب الرجال في أصحاب أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام): المنهال بن عمرو الاسدي.
و كذلك قال في أصحاب أبي محمد علي بن الحسين (عليهما السلام): المنهال بن عمرو الاسدي.
____________
(1) يعنى ان قوله فيما روى متعلق بقوله بعد ان أصابته، لا أنه متعلق بقوله أصابته دعوته
(2) و العجب من المصحح لرجال الكشى المطبوع في جامعة مشهد حيث زعم أنه من العامة لأنه رتب النسخة كذا: 95- فيما روى من جهة العامة: روى عبد اللّه بن ابراهيم الخ
(3) الفهرست: 127
246
عن زر بن حبيش، (1) قال: خرج علي بن أبي طالب (عليه السلام) من القصر، فاستقبله ركبان متقلدون بالسيوف عليهم العمائم، فقالوا: السّلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، السّلام عليك يا مولانا.
فقال علي (عليه السلام): من هاهنا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقام خالد بن زيد أبو أيوب، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و قيس بن سعد بن عبادة، و عبد اللّه بن بديل بن ورقاء، فشهدوا جميعا أنهم سمعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه.
فقال علي (عليه السلام) لأنس بن مالك، و البراء بن عازب: ما منعكما أن تقوما فتشهدا فقد سمعتما كما سمع القوم؟ ثم قال: اللهم ان كانا كتماها معاندة فابتلهما.
____________
و قال في أصحاب أبي جعفر الباقر (عليه السلام): منهال بن عمرو الاسدي مولاهم.
و قال في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): منهال بن عمرو الاسدي مولاهم كوفي، روى عن علي بن الحسين و أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السلام) (1).
و في مختصر الذهبي: المنهال بن عمرو الاسدي مولاهم، عن ابن الحنيفة وزر، و عنه الاعمش، و شعبة، و رواية عنه في «س» ثم تركه بآخرة، وثّقه ابن معين.
قوله (رحمه اللّه): عن زر بن حبيش
زر بالزاء المكسورة و الراء المشددة، و حبيش بضم الحاء المهملة و فتح الباء الموحدة و اسكان الياء المثناة من تحت و اعجام الشين أخيرا، على ما في جامع الاصول و القاموس و غيرهما من الكتب المعتبرة.
و قال العلامة في الخلاصة: بالسين المهملة (2).
فاعترض عليه الحسن بن داود بالتصحيف و التوهم (3).
____________
(1) رجال الشيخ على الترتيب: 79، 101، 138، 313
(2) الخلاصة: 76
(3) رجال ابن داود: 157
247
فعمي البراء بن عازب، و برص قدما أنس بن مالك، فحلف أنس بن مالك أن لا يكتم منقبة لعلي بن أبي طالب و لا فضلا أبدا، و أما البراء بن عازب فكان يسأل عن منزله؟ (1) فيقال: هو في موضع كذا و كذا، فيقول: كيف يرشد من أصابته الدعوة.
____________
فبعض شهداء المتأخرين في حاشية الخلاصة (1) رجح كلام ابن داود، بأنه في نسخة معتبرة لكتاب الرجال للشيخ وجد ذلك مضبوطا بالشين المعجمة، و لم يتعرض للتصريح بذلك في الاصول المعول عليها في هذا الباب، كأنه لم يتبعها أصلا.
و بالجملة زر بن حبيش من أفاضل رجال أمير المؤمنين (عليه السلام).
قال الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): زرّ بن حبيش و كان فاضلا (2).
و في مختصر الذهبي: زرّ بن حبيش أبو مريم الاسدي، عاش مائة و عشرين سنة، مات سنة 82.
قوله (عليه السلام): و أما البراء بن عازب فكان يسأل عن منزله
أي بعد أن أصابته دعوة أمير المؤمنين (عليه السلام) و عمي، فيقال: هو في موضع كذا و كذا، فيقول: كيف يرشد من أصابته الدعوة، و لعل قوله هذا قبل ما قد سبق من حديث شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) له بالجنة.
____________
(1) التعليقة على الخلاصة للشهيد الثانى غير مطبوع.
(2) رجال الشيخ: 42
248
عمرو بن الحمق
(1) 96- جبريل بن أحمد الفاريابي، (2) حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، عن الحسن بن محبوب، عن أبي القاسم و هو معاوية بن عمار (إن شاء اللّه) رفعه، قال:
____________
عمرو بن الحمق
عمرو بن الحمق- باهمال الحاء و فتحها و كسر الميم- صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان من قتلة عثمان، و شهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام) مشاهده كلها، و روى أبو عمرو الكشي- (رحمه اللّه تعالى)-: أنه من حواري أمير المؤمنين (عليه السلام).
قال الشيخ- (رحمه اللّه)- في باب أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): عمرو بن الحمق الخزاعي (1).
و كذلك قال في أصحاب أبي محمد الحسين بن علي (عليهما السلام): عمرو بن الحمق الخزاعي (2).
و في مختصر الذهبي: عمرو بن الحمق الخزاعي صحابي، عنه جبير بن نفير، و رفاعة بن شداد، و جماعة، قتل بالموصل سنة 51 بعثمان.
قوله (رحمه اللّه تعالى): جبريل بن أحمد الفاريابي
قد تقدم تحقيق حاله، و الطريق هذا ضعيف بمحمد بن عبد اللّه بن مهران و هو غال كذاب.
و في القاموس: فراب كسحاب قرية قرب سمرقند، ذكر تارة باصفهان، و كحربال بلد ببلخ، أو هو فيرياب ككيمياء، أو فارياب كقاصعاء و كساباط ناحية وراء نهر سيحون (3).
____________
(1) رجال الشيخ: 47
(2) رجال الشيخ: 69
(3) القاموس: 1/ 112
249
أرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سرية، فقال لهم: انكم تضلون ساعة كذا من الليل فخذوا ذات اليسار، فانكم تمرون برجل في شأنه فتسترشدونه، فيأبى أن يرشدكم حتى تصيبوا من طعامه فيذبح لكم كبشا فيطعمكم ثم يقوم فيرشدكم، فأقرئوه مني السّلام و اعلموه أني قد ظهرت بالمدينة.
فمضوا فضلوا الطريق، فقال قائل منهم: أ لم يقل لكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تياسروا ففعلوا فمروا بالرجل الذي قال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاستر شدوه؟ فقال لهم الرجل لا أفعل حتى تصيبوا من طعامي، ففعلوا، فأرشدهم الطريق. و نسوا ان يقرءوه السّلام من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
قال، فقال لهم و هو عمرو بن الحمق (رضي اللّه عنه) أظهر النبي (عليه السلام) بالمدينة فقالوا: نعم. فلحق به و لبث معه ما شاء اللّه.
ثم قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ارجع الى الموضع الذي منه هاجرت فاذا تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) فآته.
فانصرف الرجل حتى اذا تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة، أتاه و أقام معه بالكوفة، ثم ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له أ لك دار؟ قال: نعم. قال: بعها و اجعلها في الازد، فاني غدا لو غبت لطلبك، فمنعك الازد حتى تخرج من الكوفة متوجها الى حصن الموصل، فتمر برجل مقعد فتقعد عنده، ثم تستقيه فيسقيك، و يسألك عن شأنك فأخبره و ادعه الى الإسلام فانه يسلم، و أمسح بيدك على وركيه فان اللّه يمسح ما به و ينهض قائما فيتبعك.
و تمرّ برجل أعمى على ظهر الطريق، فتستسقيه فيسقيك، و يسألك عن شأنك فأخبره و ادعه الى الإسلام فانه يسلم، و أمسح يدك على عينيه فان اللّه عز و جل يعيده بصيرا فيتبعك، و هما يواريان بدنك في التراب، ثم تتبعك الخيل فاذا صرت قريبا من الحصن في موضع كذا و كذا رهقتك الخيل، فأنزل عن فرسك و مرّ الى الغار، فانه يشترك في دمك فسقة من الجن و الانس.
250
ففعل ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) قال، فلما انتهى الى الحصن قال للرجلين: اصعدا فانظرا هل تريان شيئا؟ قالا نرى خيلا مقبلة، فنزل عن فرسه و دخل الغار و عار فرسه (1) فلما دخل الغار ضربه أسود (2) سالخ فيه، و جاءت الخيل فلما رأوا فرسه عائرا قالوا هذا فرسه و هو قريب، فطلبه الرجال فأصابوه في الغار فكلما ضربوا ايديهم الى شيء من جسمه تبعهم اللحم، فأخذوا رأسه، فأتوا به معاوية، فنصبه على رمح، و هو أول رأس نصب في الإسلام.
97- قال الكشى: و روى أن مروان بن الحكم كتب الى معاوية و هو عامله على المدينة: أما بعد. فان عمرو بن عثمان ذكر أن رجلا من أهل العراق (3) و وجوه أهل
____________
قوله: و عار فرسه
باهمال العين قبل الالف و الراء بعدها. قال في المغرب: عار الفرس يعير ذهب هنا و هنا من نشاطه: أوهام على وجهه لا يثنيه شيء، و منه قوله فيما لا يجوز بيعه كذا و كذا. و الفرس العائر و العاند من العاند من العناد تصحيف، و يقال: سهم عاير لا يدري من رماه.
قوله: ضربه أسود سالخ
باهمال السين قبل الالف و اللام بعدها و اعجام الخاء أخيرا.
قال في القاموس: و السالخ اسم الاسود من الحيات و الانثى أسودة، و لا توصف بسالخة و أسود و أسودان سالخ، و أساود سالخة و سوالخ (1).
قوله أن رجلا من أهل العراق
بفتح الراء و اسكان الجيم على جمع راجل، أو بالزاء المضمومة و الجيم المفتوحة، أي جماعات على جمع الزجلة بالضم و هي الجماعة، أو بالزاء المفتوحة
____________
(1) القاموس: 1/ 261
251
الحجاز يختلفون الى الحسين بن علي، و ذكر أنه لا يأمن و ثوبه، و قد بحثت عن ذلك فبلغني أنه يريد الخلاف يومه هذا، و لست آمن أن يكون هذا أيضا لما بعده، فاكتب إلي برأيك في هذا، و السّلام.
فكتب اليه معاوية: أما بعد: فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فاياك أن تعرض للحسين في شيء و اترك حسينا ما تركك، فانا لا نريد أن تعرّض له في شيء ما و في ببيعتنا و لم ينز على سلطاننا، (1) فاكمن عنه ما لم يبدلك صفحته، (2) و السّلام.
____________
و الجيم الساكنة، بمعنى ارسال الحمام للاختبار و الاستخبار.
قوله عليه و على شجرته الملعونة الخبيثة أصلا و فصلا أشد اللعن و العذاب: ما لم ينز على سلطاننا
بفتح حرف المضارعة و اسكان النون و ضم الزاء، من نزا على الشيء ينزو نزوا و نزوانا: أي وثب و ثوبا و ثبانا، و قلب فلان ينزو الى كذا ينازع و يتوق اليه، و التنزي التوثب و التسرع.
و في مجمل اللغة: التنزي تسرع الانسان الى الشر، و ما نزاك على كذا أي ما حملك عليه، يقال: بالتشديد و بالتخفيف، و رجل منزو بكذا مولع به.
قوله: فاكمن عنه ما لم يبدلك صفحته
من كمن له كمونا، بمعنى تواري و استخفي.
قال في المغرب: و منه الكمين من حيل الحرب، و هو أن يستخفوا في مكمن لا يفطن لهم، و كمن عنه كمونا أي اختفي.
و في القاموس: ان الفعل منه من بابي نصر و سمع، و يقال: في المشهور من بابي ضرب و نصر (1).
____________
(1) القاموس: 4/ 263
252
98- و كتب معاوية الى الحسين بن علي (عليه السلام) أما بعد- فقد انتهيت إلي أمور عنك. ان كانت حقا فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، و لعمر اللّه ان من أعطى اللّه عهده و ميثاقه لجدير بالوفاء و ان كان الذي بلغني باطلا فانك أنت أعذل الناس لذلك (1) و عظ نفسك فاذكره و لعهد اللّه أوف، فانك متى ما أنكرك تنكرني و متى أكدك تكدني فاتق شقّك عصا هذه الامة و ان يردهم اللّه على يديك في فتنة، و قد عرفت الناس و بلوتهم، فانظر لنفسك و لدينك و لأمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و لا يسخفنّك السفهاء و الذين لا يعلمون.
99- فلما وصل الكتاب الى الحسين (عليه السلام) كتب اليه: أما بعد- فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب و أنا لغيرها عندك جدير فان الحسنات لا يهدى لها و لا يرد اليها الا اللّه، و أما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني فانه انما رقاه إليك الملاقون المشّاءون بالنميم، و ما أريد لك حربا و لا عليك خلافا، و ايم اللّه اني لخائف للّه في ترك ذلك، و ما أظن اللّه راضيا بترك ذلك، و لا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك و في أوليائك القاسطين الملحدين حزب الظلمة و أولياء الشياطين.
أ لست القاتل حجر بن عدي أخا كندة، (2) و المصلين العابدين الذين كانوا
____________
و «يبد» بضم حرف المضارعة من باب الافعال.
و «صفحة الشيء» وجهه و جانبه، أي ما لم يظهر لك وجهه و جانبه، و لم يتكافح و لم يتظاهر لك بالمعاندة و المعاداة.
قوله: فانك أنت أعذل الناس لذلك
باعجام الذال بعد العين المهملة، من العذل بمعنى الملامة، يقال: عذلت الرجل اذا لمته، و عذلنا فلان فاعتذل أي لام نفسه و أعتب، يعني أنت أحق الناس بأن تكون عاذلا لمثل ذلك لائما عليه مستنكرا اياه، فخليق بك أن لا ترتكبه أبدا.
قوله عليه و على شجرته الطيبة المقدسة المبارك أصلها و فرعها صلوات اللّه التامات و تسليماته الناميات: أ لست القاتل حجر بن عدى أخا كنده
حجر بن عدي الكندي من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) و أصفياء أصحابه
253
ينكرون الظلم و يستعظمون البدع و لا يخافون في اللّه لومة لائم؟ ثم قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الايمان المغلظة و المواثيق المؤكدة لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم و لا بإحنة تجدها في نفسك.
أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه و صفرت لونه؟ بعد ما آمنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك و استخفافا
____________
و أولياءه، و ذكره بعضهم في عداد الصحابة.
و في القاموس: حجر- بالضم- والد امرء القيس وجده الاعلى، و ابن عدي و ابن ربيعة و ابن يزيد صحابيون، و ابن العنبس تابعي (1).
و قال يوسف بن عبد البر و الحافظ أبو نعيم: حجر بن عنبس و قيل: ابن قيس الكندي و حجر بن عدي الأدبر، ذكرا فيمن روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا تثبت لأحدهما صحبته (2).
و الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب الرجال قال في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) حجر بن عدي الكندي و كان من الابدال (3) ثم ذكره في أصحاب أبي محمد الحسن ابن علي (عليهما السلام) و قال: حجر بن عدي الكندي الكوفي (4).
قلت: و ايراده في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) كان خطأ لقول سيد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) لمعاوية في هذه الرواية: أ لست القاتل حجر بن عدي أخا كنده.
و قال أبو الحسن المسعودي- (رحمه اللّه تعالى)- في مروج الذهب: و في
____________
(1) القاموس: 2/ 5
(2) الاستيعاب: 1/ 359
(3) رجال الشيخ: 38
(4) رجال الشيخ: 67
254
..........
____________
سنة ثلاث و خمسين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي، و هو أول من قتل صبرا في الإسلام، حمله زياد من الكوفة و معه تسعة عشر نفرا من أهل الكوفة و أربعة من غيرها.
فلما صار الى مرج عذراء على اثنى عشر ميلا من دمشق تقدم البريد بأخبارهم الى معاوية، فبعث اليهم برجل أعور، فلما أشرف على حجر و أصحابه، قال رجل منهم: ان صدق الرجل (1) فانه سيقتل منا النصف و ينجو الباقون فقيل له: و كيف ذلك؟ قال: أما ترون الرجل المقبل مصابا في إحدى عينيه.
فلما وصل اليهم قال لحجر: ان أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك يا رأس الضلال و معدن الكفر و الطغيان و المتولي لأبي تراب، الا أن ترجعوا عن كفركم و تلعنوا أصحابكم و تتبرّءوا منه.
فقال حجر و جماعته ممن كان معه: ان الصبر على مرّ (2) السيف لا يسر علينا مما تدعونا اليه، ثم القدوم على اللّه و على نبيه و على وصيه أحب إلينا من دخول النار و أجاب نصف من كان معه الى البراءة من علي.
فلما قدم حجر ليقتل قال: دعوني أصلي ركعتين فطول في صلاته، فقيل له:
أ جزعا من الموت؟ قال: لا، و لكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت، و ما صليت قط أخف من هذه، و كيف أجزع و أني لأرى قبرا مفتوحا و سيفا مشهورا و كفنا منشورا ثم قدم فنحر: و الحق به من وافقه على قوله من أصحابه.
و قيل: ان قتلهم كان في سنة خمسين، و ذكر أن عدي بن حاتم الطائي دخل على معاوية: فقال له معاوية: أما أنه قد بقيت قطرة من دم عثمان لا يمحوها الا دم شريف من أشراف اليمن.
____________
(1) و في المصدر: الزجر
(2) و في المصدر: حد
255
بذلك العهد، أ و لست المدعى زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف؟ فزعمت انه ابن أبيك (1) و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الولد للفراش و للعاهر الحجر، فتركت سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تعمدا و تبعت هواك بغير هدى من اللّه.
____________
فقال عدي: و اللّه ان قلوبنا التي أبغضاك فيها لفي صدورنا و ان سيوفنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، و لئن أدنيت إلينا شبرا لندلي إليك من الشر شبرا، و ان حرجمة (1) الحلقوم و حشرجة الحيزوم لا هون علينا من أن نسمع المساءة في علي (عليه السلام) فسل السيف يا معاوية يبعث السيف.
فقال معاوية: هذه كلمات حكم فاكتبوها، و أقبل على عدي محادثا كأنه ما خاطبه بشيء انتهى كلام مروج الذهب (2).
و سيأتي في أصل الكتاب تمام القول في ترجمة حجر بن عدي إن شاء اللّه العزيز العليم سبحانه.
قوله (عليه السلام) أ و لست المدعى زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك
قال المسعودي في مروج الذهب: أن معاوية ادعى ذلك و أدخله في نسبه بشهادة أبي مريم السلولي، و كان أخبر الناس ببدو الامر، و ذلك أنه جمع بين أبي سفيان و سمية أم زياد في الجاهلية على زنا، و كانت سمية من ذوات الرايات بالطائف تؤد الضريبة الى الحارث بن كلدة سمية، فقال: ايتني بها على ذفرها و قذرها فقال له زياد: مهلا يا أبا مريم! انما بعثت شاهدا و لم تبعث شاتما، فقال أبو مريم: نعم لو كنت أعفيتموني لكان أحب إلي و انما شهدت بما عاينت و رأيت، و اللّه لقد أخذ بكور (3) درعها و أغلقت الباب عليهما و قعدت دهشانا، فلم ألبث أن خرج
____________
(1) و في المصدر: حز
(2) مروج الذهب: 3/ 3- 5
(3) كار الشىء يكور كورا دار و كور العمامة دورها (منه) و في المصدر: بكم درعها
256
ثم سلطته على العراقين، يقطع أيدي المسلمين و أرجلهم، و يسمل أعينهم، و يصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الامة و ليسوا منك.
أ و لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية انهم كانوا على دين علي (عليه السلام)؟ فكتب اليه ان اقتل كل من كان على دين علي فقتلهم و مثلهم و دين علي (عليه السلام) سر اللّه الذي كان يضرب عليه أباك و يضربك، و به جلست مجلسك الذي جلست، و لو لا ذلك لكان شرفك و شرف أبيك الرحلتين. (1)
____________
علي يمسح جبينه فقلت: مه يا أبا سفيان فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم لو لا استرخاء من ثديها و ذفر من مرفقيها.
فقام زياد فقال: أيها الناس هذا الشاهد قد ذكر ما سمعتم و لست أدري حق ذلك من باطله، و انما كان عبيد ابا مبرورا و وليا مشكورا، و الشهود أعلم بما قالوا.
فقام يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي، و كانت صفية مولاة سمية، فقال: يا معاوية قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الولد للفراش و للعاهر الحجر و قضيت أنت الولد للعاهر و أن الحجر للفراش، مخالفة لكتاب اللّه و انصرافا عن سنة رسول اللّه بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان.
فقال معاوية: و اللّه لتنتهين يا يونس أو لأطيرن بك طيرة بطيئا وقوعها، فقال يونس: هل الا الى اللّه ثم أقع؟
فقال عبد الرحمن بن أم الحكم في ذلك:
أ لا أبلغ معاوية بن حرب * * *مغلغلة عن الرجل اليماني
أ تغضب أن يقال أبوك عف * * *و ترضى أن يقال أبوك زان
فاشهد أن رحمك من زياد * * *كرحم الفيل من ولد الاتان (1)
قوله (عليه السلام): لكان شرفك و شرف أبيك الرحلتين
الرحلة- بالكسر- الارتحال، الرحلة- بالضم- الوجهة التي يقصدها المرتحل
____________
(1) مروج الذهب: 3/ 6- 8
257
و قلت فيما قلت «انظر لنفسك و لدينك و لأمة محمد و اتق شق عصا هذه الامة و ان تردهم الى فتنة» و اني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الامة من ولايتك عليها و لا أعظم نظرا لنفسي و لديني و لأمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و علينا أفضل من أن أجاهدك، فان فعلت فانه قربة الى اللّه، و ان تركته فاني أستغفر اللّه لديني و أسأله توفيقه لإرشاد أمري.
و قلت فيما قلت «أني ان أنكرتك تنكرني و ان أكدك تكدني» فكدني ما بدا لك فاني أرجو أن لا يضرني كيدك فيّ، و أن لا يكون عليّ أحد أضر منه على نفسك، على أنك قد ركبت بجهلك و تحرصت علي نقض عهدك، و لعمري ما وفيت بشرط.
و لقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح و الايمان و العهود و المواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا و قتلوا، و لم تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا و تعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فأبشر يا معاوية بالقصاص و أستيقن بالحساب و اعلم أن للّه تعالى كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الا أحصاها، و ليس اللّه بناس لأخذك بالظنة و قتلك أوليائه على
____________
في مسيره.
و يعني (عليه السلام) بالرحلتين: رحلتي قريش بالشتاء و الصيف، للامتيار و الاتجار، كان لإشرافهم الرحلة في الشتاء الى اليمن و في الصيف الى الشام، فيمتارون و يتجرون و ذلك قصارى جاههم و شرفهم.
فدين الإسلام و هو دين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و دين علي بن أبي طالب (عليه السلام) علاهم و شرفهم و رفع قدرهم و أعلا منزلتهم، و جعل اللّه سبحانه استقرار ذلك منوطا بسيف علي (عليه السلام)، و لذلك كان ضربة علي (عليه السلام) يوم الخندق توازي عمل الثقلين و أفضل من عبادة الجن و الانس و أفضل من عمل الثقلين على اختلاف الروايات.
258
التهم و نقل أوليائه من دورهم الى دار الغربة، و أخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر، و يلعب بالكلاب، (1)
____________
قوله (عليه السلام): ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر و يلعب بالكلاب
قال في مروج: و كان يزيد صاحب طرب و جوارح و قرود و فهود، و منادمة على الشراب، و عن يمينه ابن زياد و غلب على أصحاب يزيد و عماله ما كان يفعله من الفسوق، و في أيامه ظهر الغناء بمكة و المدينة، و استعملت الملاهي، و أظهر الناس شرب الشراب.
و كان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، و يطرح له متكأ، و كان قردا خبيثا، فكان يحمله على أتان و حشية قد ريضت و ذللت لذلك بسرج و لجام، و يسابق بها الخيل يوم الحلبة.
فجاء في بعض الايام سابقا فتناول القصبة و دخل الحجرة قبل الخيل، و على أبي قيس قباء من الحرير الاحمر و الاصفر مشمر و على رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، و على الاتان سرج من الحرير الاحمر منقوش ملون بأنواع من الالوان.
و عامله الذي استعمله على جيشه المبعوث من الشام الى المدينة قاتل في الموضع المعروف بالحرة خلقا من بني هاشم، و سائر قريش و أنصار، و غيرهم من خيار الناس و أفاضلهم و قتلهم.
و أخاف المدينة و ألهبها و قتل أهلها و بايعهم على أنهم عبيدا ليزيد، و سماها «نتنة» و قد سماها رسول اللّه «طيبة» و قال: من أخاف المدينة أخافه اللّه.
و ليزيد و غيره من بني أمية أخبار عجيبة و مثالب كثيرة: من شرب الخمور، و قتل ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لعن الوصي، و هدم البيت و احراقه و سفك الدماء المحقونة، و الفسق و الفجور، و غير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كوروده فيمن جحد توحيده و خالف رسله انتهى ما في مروج الذهب (1).
____________
(1) مروج الذهب 3/ 67- 72
259
لا أعلمك الا و قد خسّرت نفسك و تبّرت دينك و غششت رعيتك (1) و أخربت أمانتك و سمعت مقالة السفيه الجاهل و أخفت الورع التقي لا جلهم- و السّلام.
فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: لقد كان في نفسه ضب ما اشعر به.
فقال يزيد يا أمير المؤمنين أجبه جوابا تصغر اليه نفسه، و تذكر فيه أباه بشيء فعله قال: و دخل عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال له معاوية: أما رأيت ما كتب به الحسين؟ قال و ما هو؟ قال: فأقرأه الكتاب، فقال و ما يمنعك أن تجيبه بما يصغر اليه نفسه؟ و انما قال ذلك في هوى معاوية، فقال يزيد كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأي؟ فضحك معاوية فقال: أما يزيد فقد أشار علي بمثل رأيك، قال عبد اللّه: فقد أصاب يزيد.
فقال معاوية أخطأتما أ رأيتما لو أني ذهبت لعيب عليّ محقا ما عسيت أن أقول فيه، و مثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل و ما لا يعرف، و متى ما عبت به رجلا بما لا يعرفه الناس لم يخول به صاحبه و لا يراه الناس شيئا و كذبوه، و ما عسيت أن أعيب حسينا، و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا و قد رأيت أن أكتب اليه أتوعده و أتهدده ثم رأيت ألا أفعل و لا أمحله.
____________
قوله (عليه السلام): لا أعلمك الا و قد خسرت نفسك و تبرت دينك و غششت رعيتك
«خسرت» باهمال السين المشددة بعد الخاء المعجمة، أي أهلكتها من التخسير بمعنى الاهلاك.
و «تبرت» بتشديد الباء الموحدة بعد التاء المثناة من فوق، من التتبير تفعيلا من التبر- بفتح التاء المثناة من فوق و اسكان الباء الموحدة- بمعنى الكسر و الاهلاك، و التبار- بالفتح أيضا- الهلاك.
و ايم اللّه لقد بلغ معاوية من خسارة نفسه و تبار دينه و غشه رعيته الى خيانته اياهم في الدين أمد الاحد فوقه.
260
خزيمة بن ثابت
(1)
____________
قال المسعودي في مروج الذهب: و لقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أن صلى بهم في مسيرهم الى صفين الجمعة يوم الاربعاء.
و سبط ابن الجوزي في الخصائص و المناقب قال: قال المسعودي: لقد بلغ من طاعة أهل الشام لمعاوية أنه صلى بهم الجمعة يوم الاربعاء، و غيره يقول: يوم السبت و قال: كان لنا بالامس عذر.
و كذلك قال جده أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم.
خزيمة بن ثابت
هو أبو عمارة الانصاري ذو الشهادتين، خزيمة- بالخاء المعجمة المضمومة و الزاء المفتوحة و الياء الساكنة و الميم و الهاء أخيرا- ابن ثابت بن الفاكة، من عظماء أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهد معه بدرا و ما بعدها، و من أصفياء أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، شهد معه جمل و الصفين، و قتل بصفين شهيدا.
ذكره الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب الرجال في باب الصحابة قال:
خزيمة بن ثابت (1).
ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: خزيمة بن ثابت (1) ذو الشهادتين (2).
و لقد أطبقت العامة و الخاصة على أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سماه ذو الشهادتين و أقامه وحده في باب الشهادة مقام شاهدين.
و السيد المرتضى علم الهدى ذو المجدين- رضي اللّه تعالى عنه- في كتاب الانتصار في مسألة قضاء القاضي بعلمه: و أن قول أبي علي بن الجنيد بخلاف ذلك خرق الاجماع الامامية، و مسبوق و ملحوق بانعقاده سابقا و لا حقا قبل ابن الجنيد و بعده، أورد قضية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ابتياعه الناقة من الاعرابي من طريقين.
____________
(1) رجال الشيخ: 19
(2) رجال الشيخ: 40
261
..........
____________
و نقل عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي- رضي اللّه تعالى عنه- في كتابه المعروف بمن لا يحضره الفقيه قوله: هذان الخبران غير مختلفين لا نهما في قضيتين.
ثم قال: و رووا أيضا- يعني العامة و الخاصة- حديث خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين لما شهد للنبي (عليه السلام) على الاعرابي فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كيف شهدت بذلك و علمته؟ قال: من حيث علمت أنك رسول اللّه (1).
قلت: حديث خزيمة بن ثابت كان ابتياع الفرس لا في ابتياع الناقة، و الصدوق- (رضوان اللّه تعالى عليه)- في الفقيه روى القضايا الثلاث جميعا، الاولى منهن بالارسال و الاخيرتين بالاسناد.
قال: جاء أعرابي الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فادعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه فقال: قد أوفيتك، فقال: اجعل بيني و بينك رجلا يحكم بيننا.
فأقبل رجل من قريش فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أحكم بيننا فقال للأعرابي: ما تدعي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللّه؟ قال: قد أوفيته، فقال للأعرابي: ما تقول: قال: لم يوفني، فقال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أ لك بينة على انك أوفيته؟ قال: لا، قال للأعرابي: أ تحلف أنك لم تستوف حقك و تأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تحاكمن مع هذا الى رجل يحكم بيننا بحكم اللّه عز و جل.
فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) و معه الاعرابي، فقال علي (عليه السلام) مالك يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): احكم بيني و بين هذا الاعرابي فقال علي (عليه السلام): يا أعرابي ما تدعي على رسول اللّه؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه فقال ما تقول يا رسول اللّه؟ قال قد أوفيته، ثمنها، فقال: يا أعرابي أصدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) الانتصار: 240 ط النجف
262
..........
____________
فيما قال؟ قال: لا، ما أوفاني شيئا.
فأخرج علي (عليه السلام) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لم فعلت يا علي ذلك؟ فقال: يا رسول اللّه نحن نصدقك على أمر اللّه و نهيه و على أمر الجنة و النار و الثواب و العقاب و وحي اللّه عز و جل و لا نصدقك في ثمن ناقة هذا الاعرابي.
و أني قتلته لأنه كذبك لما قلت له أصدق رسول اللّه فيما قال: فقال لا ما أوفاني شيئا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أصبت يا علي فلا تعد الى مثلها، ثم التفت الى القرشي و كان قد تبعه فقال: هذا حكم اللّه لا ما حكمت به.
ثم قال الصدوق: و في رواية محمد بن بحر [يحيى] الشيباني و عنعن الاسناد المتصل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من منزل عائشة فاستقبله أعرابي و معه ناقة، فقال: يا محمد تشتري هذه الناقة؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): نعم، بكم تبيعها يا أعرابي؟ قال: بمأتي درهم فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بل ناقتك خير من هذا قال فما زال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يزيد حتى اشترى الناقة بأربعمائة درهم.
قال: فلما دفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الى الاعرابي الدراهم ضرب الاعرابي يده الى زمام الناقة، فقال: الناقة ناقتي و الدراهم دراهمي، فان كان لمحمد شيء فليقم البينة.
قال: فأقبل رجل فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أ ترضى بالشيخ المقبل؟ قال: نعم يا محمد، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): تقضي بيني و بين هذا الاعرابي؟ فقال: تكلم يا رسول اللّه فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الناقة ناقتي و الدراهم دراهم الاعرابي، فقال الاعرابي:
بل الناقة ناقتي و الدراهم دراهمي ان كان لمحمد شيء فليقم البينة فقال الرجل:
القضية واضحة يا رسول اللّه، و ذلك أن الاعرابي طلب البينة.
فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أجلس فجلس، ثم أقبل رجل آخر فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):
أ ترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟ قال: نعم يا محمد، فلما دنا قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) اقض فيما بيني و بين هذا الاعرابي قال: تكلم يا رسول اللّه قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): الناقة ناقتي و الدراهم
263
..........
____________
دراهم الاعرابي، فقال الاعرابي: لا بل الدراهم دراهمي و الناقة ناقتي ان كان لمحمد شيء فليقم البينة فقال الرجل: القضية فيها واضحة يا رسول اللّه لان الاعرابي طلب البينة.
فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): اجلس حتى يأتي اللّه عز و جل بمن يقضي بيني و بين الاعرابي بالحق، فأقبل علي (عليه السلام) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أ ترضى بالشاب المقبل؟ قال: نعم، فلما دنا قال النبي: يا أبا الحسن اقض فيما بيني و بين الاعرابي.
فقال: تكلم يا رسول اللّه فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): الناقة ناقتي و الدراهم دراهم الاعرابي فقال الاعرابي: لا بل الناقة ناقتي و الدراهم دراهمي ان كان لمحمد شيء فليقم البينة قال: فدخل علي (عليه السلام) منزله فاشتمل على قائم سيفه، ثم أتى.
فقال: خل بين الناقة و بين رسول اللّه فقال الاعرابي: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة قال، فضربه علي (عليه السلام) ضربة فاجتمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه و قال بعض أهل العراق: بل قطع منه عضوا قال: فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما حملك على هذا يا علي؟ فقال: يا رسول اللّه نصدقك على الوحي من السماء و لا نصدقك على أربعمائة درهم.
ثم قال الصدوق- رضي اللّه تعالى عنه- قال مصنف هذا الكتاب: هذان الحديثان غير مختلفين لا نهما في قضيتين، و كانت هذه القضية قبل القضية التي ذكرتها قبلها.
ثم قال: و روى محمد بن بحر الشيباني عن عبد الرحمن بن أحمد الذهلي، و عنعن الاسناد المسلسل بلفظة التحديث متصلا، عن الزهري، عن عبد اللّه بن أحمد الذهلي، قال: حدثنا عمارة بن خزيمة بن ثابت أن عمه حدثه، و هو من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ابتاع فرسا من أعرابي فأسرع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ليقبضه ثمن فرسه، فأبطأ الاعرابي، فطفق رجال يعترضون الاعرابي فيسومونه بالفرس، و هم لا يشعرون أن
264
..........
____________
النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ابتاعه، حتى زاد بعضهم الاعرابي في السوم على الثمن، فنادى الاعرابي فقال: ان كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه و إلا بعته.
فقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حين سمع الاعرابي قال: أو ليس قد ابتعته منك، فطفق الناس يلوذون بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بالاعرابي و هما يتشاجران، فقال الاعرابي: شهيدا يشهد اني قد بايعتك، و من جاء من المسلمين قال للأعرابي: ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يقول الا حقا.
حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع لمراجعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الاعرابي فقال خزيمة:
اني أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على خزيمة فقال: بم تشهد؟ قال:
بتصديقك يا رسول اللّه، فجعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين، فسماه ذا الشهادتين.
ثم ذكر رواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قضية درع طلحة و قضاء شريح فيها، و أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) قال: ان هذا قد قضى بجور ثلاث مرات، فتحول شريح عن مجلسه و قال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات.
فقال له علي (عليه السلام): اني لما قلت لك انها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هات على ما تقول بينة، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حيث ما وجد غلولا أخذ بغير بينة، فقلت: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة.
ثم أتيتك بالحسن فشهد، فقلت: هذا شاهد واحد و لا أقضي بشاهد حتى يكون معه آخر، و قد قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بشاهد و يمين فهاتان اثنتان.
ثم أتيتك بقنبر فشهد فقلت هذا مملوك، و ما بأس بشهادة المملوك اذا كان عدلا فهذه الثالثة.
ثم قال علي (عليه السلام): يا شريح ان امام المسلمين يؤتمن في أمورهم على ما هو
265
..........
____________
أعظم من هذا. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): فأوّل من رد شهادة المملوك رمع انتهى كلام من لا يحضره الفقيه (1).
قلت: رمع قلب عمر، و يعني أبو جعفر (عليه السلام) عمر بن الخطاب.
و هذا كما في الحديث عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): ولد سابع. كناية عن بني العباس مقلوبا، اما للتقية، أو للاستحقار، أو لان الكناية أبلغ، و ربما يقال: ان عباس كان سابع أولاد عبد المطلب.
ثم ان قول أمير المؤمنين (عليه السلام) يا شريح ان امام المسلمين يؤتمن، معناه أن الجور من هذه الوجوه الثلاثة فيما لا يكون المدعي و لا الشاهد معصوما. و لسماع قول المدعي من غير بينة صور معدودة في الفقه، قد أحصى طائفة منها شيخنا الشهيد في غاية المراد في شرح الارشاد.
فاما اذا كان المدعي معصوما فلا يجوز طلبه البينة منه على دعواه و لا احلافه و لا استحلافه فيما ادعاه، و كذلك اذا كان الشاهد الواحد معصوما، فلا يسوغ طلب شاهد آخر معه، و ذلك لان البينة العادلة معه لا تفيد الا ظنا، و قول المعصوم يعطي علما قطعيا.
و اذن فقد استبان أن شريحا في تلك القضية قد قضى بجور من جهة الجهل بخمس مرات، و لقد وقع مثل هذا الجور و الجهل من أبي بكر أيضا فوق مرة واحدة.
قال السيد المرتضى في الانتصار: و كيف يخفى اطباق الامامية على وجوب الحكم بالعلم، و هم ينكرون توقف أبي بكر عن الحكم لفاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بفدك لما ادعت انه (عليه السلام) نحلها أبوها، و يقولون: اذا كان عالما بعصمتها و طهارتها و أنها لا تدعي الاحقا، فلا وجه لمطالبتها باقامة البينة، لان البينة لا وجه لها مع القطع
____________
(1) من لا يحضره الفقيه: 3/ 60- 64
266
100- روي عن الفضل بن دكين، (1) قال حدثنا عبد الجبار بن العباس الشامي،
____________
بالصدق. فكيف خفي على ابن الجنيد هذا الذي لا يخفى على أحد (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): روى عن الفضل بن دكين
يقال له الحافظ أبو نعيم الملابي، و الحافظ أبو نعيم المشهور ليس هو اياه بل هو أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني صاحب حلية الاولياء و احصاء الصحابة و غيرهما.
قال في جامع الاصول: هو أبو نعيم الفضل بن دكين، و دكين لقب و اسمه عمرو بن حماد بن زهير بن درهم مولى آل طلحة بن عبيد اللّه التيمي من أهل الكوفة و سمع سليمان الاعمش، و مشعر بن كدام، و ابن أبي ليلى، و سفيان الثوري، و مالك بن أنس، و شعبة بن الحجاج، و حماد بن زيد، و حماد بن سلمة، و سفيان بن عيينه، و حماد بن كثير (2).
سمع منه عبد اللّه بن المبارك، و روى عنه أحمد بن حنبل، و اسحاق بن راهويه و زهير بن حرب، و محمد بن اسماعيل البخاري، و أبو زرعة، و أبو حاتم الرازيان و خلق كثير من الائمة.
قدم بغداد و حدث بها، و كان مزاحا ذا دعابة مع فقهه و دينه و امانته، و كان غاية في الاتقان و الحفظ و هو حجة.
ولد سنة تسع و عشرين و مائة و قيل: سنة ثلاثين. و مات سنة ثماني عشرة و مأتين في آخرها، و قيل: سنة تسع عشرة في أيام المعتصم بن الرشيد.
«دكين» بضم الدال المهملة و فتح الكاف و سكون الياء و بالنون، و «كدام» بكسر الكاف و تخفيف الدال المهملة، و «راهويه» بالراء و فتح الهاء و فتح الواو و سكون الياء تحتها نقطتان و كسر الهاء الآخرة.
____________
(1) الانتصار: 238
(2) في «س»: و جماعة كثيرة
267
عن أبي اسحاق (1) قال: لما قتل عمار دخل خزيمة بن ثابت فسطاطه و طرح عنه سلاحه (2) ثم شن عليه الماء فاغتسل، (3) ثم قاتل حتى قتل.
____________
و في مختصر الذهبي: الفضيل بن دكين الحافظ أبو نعيم الملابي مولى آل طلحة، عن الأعمش، و زكريا بن أبي زايدة، و أمم، و عنه «خ» و أبو زرعة. مات 219 في سلخ شعبان بالكوفة.
قلت: و أما الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الاصبهاني، فمتأخر الطبقة عن الحافظ أبو نعيم هذا أمدا بعيدا، ولد سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة، و مات في صفر سنة ثلاثين و أربعمائة باصفهان. قاله صاحب المشكاة أبو محمد الحسين بن عبد اللّه الطبي في خلاصته في فن دراية الحديث.
قوله (رحمه اللّه): عن أبى اسحاق
يعني السبيعي بفتح السين المهملة و كسر الباء الموحدة، و قد تقدم ذكره فيما تقدم.
قوله: و طرح عنه سلاحه
و ذلك لما قد تاقت نفسه تشوقا الى الشهاده، و اشتدت لوعته شوقا الى نعيم النشأة الخالدة، حيث اذ شاهد أن عمارا- رضي اللّه تعالى عنه- قد فاز بذلك بقتل الفئة الباغية اياه بين يدي امامه الوصي الصفي المضطهد المبغي عليه في مسنده المغصوب منه حقه صلوات اللّه و تسليماته على روحه و جسده، لا أنه متشككا في أمره فلما شاهد قتل عمار استتم بصره، و استقامت بصيرته، فان حال خزيمة في الاستقامة و الاستيقان أجل.
قوله ثم شن عليه الماء فاغتسل
«شن» باهمال السين أو باعجام الشين قبل النون المشددة، فانهما كليهما بمعنى واحد، يقال: سن الماء على وجهه يسن- بالضم في المضارع- سنا بالسين
268
101- و روى أبو معشر (1)، عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال:
ما زال جدي بسلاحه يوم الجمل و يوم الصفين حتى قتل عمار، فلما قتل عمار سلّ سيفه (2) و قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: عمار تقتله الفئة الباغية فقاتل حتى قتل (رحمة اللّه عليهما).
____________
المهملة من باب طلب، أي صبه صبا سهلا قاله في المغرب.
و يقال: شن الماء يشنه شنا باعجام الشين من باب طلب أيضا اذا صبه متفرقا قاله في المغرب.
قوله (رحمه اللّه تعالى): أبو معشر
هو أبو معشر المدني قال النجاشي في باب الكنى: أبو معشر المدني أحمد ابن كامل قال: حدثنا داود بن محمد بن أبي معشر المدني، قال: حدثنا أبي، قال:
حدثنا أبو معشر بكتابه. (1)
قوله رضى اللّه تعالى عنه: حتى قتل فسل سيفه (2)
يعني فاذن اشتد شوقه الى لقاء اللّه سبحانه و الاتصال بالنفوس الطاهرة و العقول الماحضة، كما قال عمار- رضي اللّه تعالى عنه- اليوم ألقى الاحبة محمدا و حزبه، فسل سيفه و نزع سلاحه و قاتل حتى قتل، و لحق بنبيه و أحبته، فليعلم.
____________
(1) رجال النجاشى: 355
(2) و في النسخ كلها: فلما قتل عمار سل سيفه
269
ابنا فلان
(1) 102- روى محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن سنان، (2)
____________
ابنا فلان
يعنى به العباس بن عبد المطلب، و با بنيه عبد اللّه و عبيد اللّه، و سيأتي في أصل الكتاب حيث يحين حينه إن شاء اللّه العزيز أن مولانا أبا محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) بعد أبيه (عليه السلام) جعل ابن عمه عبيد اللّه بن العباس على مقدمة الجيش.
فبعث اليه معاوية بمائة ألف درهم؟ فمر بالراية، و لحق بمعاوية، و بقى العسكر بلا قائد و رئيس، فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس.
و قال: أيها الناس لا يهولنكم ذهاب عبيد اللّه هذا لكذا و كذا، فان هذا و أباه لم يأتيا قط بخير، ثم قام بأمر العسكر.
و الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب الرجال ذكره في أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، لحق بمعاوية. (1)
فأما عبد اللّه بن العباس أمره في الجلالة و الاستقامة مستبين فستطلع إن شاء اللّه تعالى.
قوله (رحمه اللّه تعالى): روى محمد بن عيسى بن عبيد عن محمد بن سنان
قال السيد المكرم جمال الدين أحمد بن طاوس- (قدس اللّه نفسه الزكية)-:
طريق هذا الحديث ضعيف بمحمد بن عيسى العبيدي، و بمحمد بن سنان.
و تبعه على ذلك بعض شهداء المتأخرين.
و الأصحّ عندي أن محمد بن عيسى العبيدي اليقطيني ثقة صحيح الحديث، فقد وثقه أبو عمرو الكشي، و أبو العباس النجاشي و غيرهما، و لذلك كثيرا ما يستصح
____________
(1) رجال الشيخ: 69.
270
عن موسى بن بكر الواسطى (1)، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال، سمعته يقول: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اللهم العن ابني فلان، و أعم أبصارهما، كما عميت قلوبهما الاجلين في رقبتي (2) و اجعل عمى أبصارهما دليلا على عمى قلوبهما.
____________
العلامة في المنتهى و المختلف روايته و ان كانت عن يونس، و استثناء محمد بن الحسن بن الوليد اياه من رجال نوادر الحكمة و من أصحاب يونس بن عبد الرحمن، لا يدل على ضعفه، و قد أوضحنا الحال في المعلقات على الاستبصار بما لا مزيد عليه.
نعم محمد بن سنان ضعيف على الأصحّ، و ان كان قد وثقه الشيخ المفيد و الشيخ الاعظم في بعض مواضعه، و حديثه عند العلامة معدود من الصحاح، و سيتضح الامر في جملة ذلك من ذي قبل إن شاء اللّه العزيز العليم.
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن موسى بن بكر الواسطى
قيل: انه واقفي، و لم يثبت كما قلناه في كتاب ضوابط الرضاع، و ان كان الشيخ قد حكم به في كتاب الرجال (1)، فان أبا عمرو الكشي و أبا العباس النجاشي لم يرويا ذلك أصلا، و الأصحّ انه ممدوح و حديثه حسن.
قوله (عليه السلام): الاجلين في رقبتى
بالالف الممدودة قبل الجيم و اللام المفتوحة قبل الياء المثناة من تحت الساكنة و النون أخيرا على صيغة التثنية، المثيرين الشر و المهيجين الفتنة علي، و الجانبين الساعين باثارة الشر و تهييج الفتنة في رقبتي، و الفعل منه من بابي نصر و ضرب.
قال في القاموس: أجل الشر عليهم يأجله و يأجله جناه، أو أثاره و هيجه (2).
و في الصحاح: أجل عليهم شرا يأجله و يأجله أي جناه و هيجه (3).
____________
(1) رجال الشيخ ص 359.
(2) القاموس: 3/ 327.
(3) الصحاح: 4/ 1621.
271
عبد اللّه بن عباس
(1)
____________
و في مجمل اللغة: أجل الرجل شرا على أهله يأجل أجلا اذا جناه.
و سيعاد هذا الحديث بعينه سندا و متنا في الجزء الثاني في ترجمة عبيد اللّه بن العباس. و هناك الكاف مكان الجيم في هذه اللفظة (1).
اما بالمد على تثنية اسم الفاعل من أكل يأكل أكلا، أي الاكل بمعنى المستأكل، أو بفتح الهمزة و تشديد اللام على تثنية أفعلة الصفة من الكل بمعنى الثقل.
و كون الرجل محارفا بفتح الراء أي منقوص الحظ منجوس البخت، حيث ما توجه لا يرجع بسعادة و خير، و هو ضد المبارك، أو من الكلال خلاف الحدة و الشحاذة أي الاعياء عن الامر و الطلبة و الحرمان عن الخير و البغية، و سنفصل هناك القول في تحقيق معناه إن شاء اللّه العزيز العليم.
عبد اللّه بن العباس
ذكره الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب الرجال في باب الصحابة (2).
ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، و عد أيضا أبوه العباس من أصحابه (3).
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: هو أبو العباس عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمه لبابة بنت الحارث من بني عامر بن صعصعة، أخت ميمونة بنت الحارث زوجة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، و توفي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و له ثلاث عشرة سنة، و قيل: خمس عشرة، و قيل: عشر. و ذلك قبل خروج بني هاشم من الشعب، و هم
____________
(1) رجال الكشى: 113 ط جامعة مشهد.
(2) رجال الشيخ: 22.
(3) رجال الشيخ: 46.
272
..........
____________
محصورون فيه: و قيل: ولد قبل الهجرة بسنتين.
كان حبر هذه الامة و عالمها، دعا له النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالحكمة و الفقه و التأويل و رأى جبرئيل (عليه السلام) مرتين، قال مسروق: كنت اذا رأيت عبد اللّه بن عباس قلت: أجمل الناس، فاذا تكلم قلت: أفصح الناس، فاذا تحدث قلت: أعلم الناس، و كان عمر ابن الخطاب يقربه و يدنيه و يشاوره مع جلة الصحابة، و كف بصره في آخر عمره.
و مات بالطائف سنة ثمان و ستين في أيام ابن الزبير، و هو ابن سبعين سنة، أو احدى و سبعين، و صلى عليه محمد بن الحنفية، روى عنه خلق كثير من الصحابة و التابعين.
و كان أبيض طويلا مشربا صفرة جسيما و سيما صبيح الوجه، له و قرة، يخضب بالحناء، و كان قدم مصر و غزى إفريقية مع عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في سنة سبع و عشرين.
«لبابة» بضم اللام و تخفيف الباء الموحدة الاولى.
و في مختصر الذهبي: انه كان يقال له ترجمان القرآن، عنه سعيد بن جبير و مجاهد.
و قال المسعودي في مروج الذهب: و في سلطنة عبد الملك مات عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب في سنة ثماني و ستين، و قيل: في سنة تسع و ستين بالطائف و أمه لبابة بنت الحارث بن حزن من ولد عامر بن صعصعة، و له احدى و سبعون سنة.
و قد قيل: انه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، و قد ذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنا ابن عشر سنين و صلى عليه محمد ابن الحنفية، و قد كان ذهب بصره لبكائه على علي و الحسن و الحسين، و كانت له و فرة طويلة يخضب شيبه بالحناء، و هو الذي يقول:
273
103- جعفر بن معروف، قال حدثنا يعقوب بن يزيد الانباري، عن حماد ابن عيسى، عن ابراهيم بن عمر اليماني، (1) عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أتى رجل أبي (عليه السلام) فقال: ان فلانا يعني عبد اللّه بن العباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت و فيم نزلت.
____________
ان يأخذ اللّه من عيني نورهما * * *ففي لساني و قلبي منهما نور
قلبي ذكي و عقلي غير مدخل * * *و في فمي صارم كالسيف مأثور
و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دعا له حين وضع له الماء الطهور في بيت خالته ميمونة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: اللهم فقه في الدين و علمه التأويل (1).
قوله (رحمه اللّه تعالى): جعفر بن معروف، عن يعقوب بن يزيد الانبارى، عن حماد بن عيسى، عن ابراهيم بن عمر اليمانى
قال السيد جمال الدين أحمد بن طاوس: في الطريق ضعف من جهة ابراهيم ابن عمر اليماني، فان ابن الغضائري قال: انه ضعيف.
و بعض شهداء المتأخرين قد تبعه على ذلك، و استضعف كثيرا من الاخبار، و كثيرا بأسانيد المتفق على صحتها عند أفاخم الاصحاب، لكون ابراهيم بن اليماني في الطريق.
و نحن نقول: ابراهيم بن عمر اليمانى قد وثقه و شيخه النجاشي على البت، ثم نقل اتفاق ابن نوح و غيره على ذلك.
قال: ابراهيم بن عمر اليماني الصنعاني شيخ من أصحابنا ثقة روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، ذكر ذلك أبو العباس و غيره له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى و غيره (2).
و الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: ابراهيم بن
____________
(1) مروج الذهب: 3/ 101.
(2) رجال النجاشى: 16
274
قال: فسله فيمن نزلت «وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا» (1) و فيم نزلت «وَ لٰا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ» (2) و فيم نزلت «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا وَ رٰابِطُوا» (3).
فأتاه الرجل و قال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله، و لكن سله ما العرش و متى خلق و كيف هو؟ فانصرف الرجل الى أبي فقال له ما قال، فقال:
و هل أجابك في الآيات؟ قال: لا.
____________
عمر الصنعاني اليماني له أصول رواها عنه حماد بن عيسى (4).
و في الفهرست: له أصل رواه عنه حماد بن عيسى، و ابن نهيك، و القاسم بن اسماعيل القرشي جميعا (5).
فاذن تضعيف ابن الغضائري- و هو أبو الحسن أحمد بن الحسين لا أبوه أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه- اياه لا يوجب ضعفه.
و لذلك قال العلامة: الاقوى قبول روايته (6). و يعني بذلك صحة حديثه.
و ما يقال: ان الجرح مقدم على التعديل لكونه شهادة بأمر وجودي، بخلاف التعديل، فقد أبطلناه في الرواشح السماوية (7) بأن التعديل أيضا شهادة بأمر وجودي بناء على أن العدالة على التحقيق هي ملكة اجتناب الكبائر لا مجرد عدم ارتكابها.
و بالجملة هذا الحديث الشريف طريقه صحيح على الأصحّ، و مسائل الغامضة من الحكمة منطوية في متنه.
____________
(1) سورة الاسراء: 72
(2) سورة هود: 34
(3) سورة آل عمران: 200
(4) رجال الشيخ: 103
(5) الفهرست: 32
(6) الخلاصة: 6
(7) الرواشح السماوية: 104
275
قال: و لكني أجيبك فيها بنور و علم غير المدعى و المنتحل، أما الاوليان فنزلتا في أبيه، و أما الاخيرة فنزلت في أبي و فينا، و ذكر الرباط الذي أمرنا به بعد و سيكون ذلك من نسلنا المرابط و من نسله المرابط.
فأما ما سألت عنه: فما العرش: فان اللّه عز و جل جعله أرباعا لم يخلق قبله شيئا الا ثلاثة أشياء الهواء و القلم و النور، ثم خلقه من ألوان مختلفة من ذلك، النور الاخضر الذي منه اخضرت الخضرة، و من نور أصفر خلقت منه الصفرة، و نور أحمر احمّرت منه الحمرة، و نور أبيض و هو نور الأنوار و منه ضوء النهار.
ثم جعله سبعين ألف طبق غلظ كل طبق كأول العرش الى أسفل السافلين، و ليس من ذلك طبق الا يسبّح بحمده و يقدسه بأصوات مختلفة و ألسنة غير مشتبهة و لو سمع واحدا منها شيء بما تحته لا نهدم الجبال و المدائن و الحصون و لخسف البحار و أهلك و ما دونه.
له ثمانية أركان يحمل كل ركن منها من الملائكة ما لا يحصى عدتهم الا اللّه يسبّحون الليل و النهار و لا يفترون، و لو حسّ حسّ شيء مما فوقه ما أقام لذلك طرفة عين، بينه و بين الاحساس الجبروت و الكبرياء و العظمة و القدس و الرحمة ثم العلم، و ليس وراء هذا مقال لقد طمع الخائن في غير مطمع.
أما أن في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم سيخرجون أقوام من دين اللّه أفواجا كما دخلوا فيه، و ستصبغ الارض بدماء الفراخ من فراخ آل محمد، تنهض تلك الفراخ في غير وقت و تطلب غير ما تدرك، و يرابط الذين آمنوا و يصبرون لما يرون حتى يحكم اللّه و هو خير الحاكمين.
104- حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة، قال حدثنا الفضل بن شاذان، عن محمد بن أبي عمير، عن أحمد بن محمد بن زياد قال: جاء رجل الى علي بن الحسين (عليهما السلام) و ذكر نحوه.
105- محمد بن مسعود، قال حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب: قال حدثني
276
حمدان بن سليمان أبو الخير، قال حدثني أبو محمد عبد اللّه بن محمد اليماني، قال حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الكوفي، عن أبيه الحسين، عن طاوس قال: كنا على مائدة ابن عباس، و محمد بن الحنفية حاضر، فوقعت جرادة فأخذها محمد، ثم قال هل تعرفون ما هذه النقط السود في جناحها؟ قالوا اللّه أعلم. فقال:
أخبرني أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه كان مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ثم قال: هل تعرف يا علي هذه النقط السود في جناح هذه الجرادة؟ قال: قلت اللّه و رسوله أعلم.
فقال (عليه السلام): مكتوب في جناحها أنا اللّه رب العالمين، خلقت الجراد جندا من جنودي أصيب به من أشاء من عبادي، فقال ابن عباس: فما بال هؤلاء القوم يفتخرون علينا يقولون أنهم أعلم منا، فقال محمد: ما ولدهم الا من ولدني.
قال: فسمع ذلك الحسن بن علي (عليه السلام) فبعث اليهما و هما في المسجد الحرام، فقال لهما: أما أنه قد بلغني ما قلتما اذ وجدتما جرادة، فأما أنت يا ابن عباس ففيمن نزلت هذه الاية «لَبِئْسَ الْمَوْلىٰ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ» (1) في أبي أو في أبيك؟ و تلى عليه آيات من كتاب اللّه كثيرا.
ثم قال: أما و اللّه لو لا ما نعلم لا علمتك عاقبة أمرك ما هو و ستعلمه، ثم انك بقولك هذا مستنقص في بدنك، و يكون الجرموز من ولدك، و لو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه و أنكروه.
106- حمدويه و ابراهيم، قالا حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى عن عاصم بن حميد، عن سلام بن سعيد، عن عبد اللّه بن عبد ياليل رجل من أهل الطائف، قال، أتينا ابن عباس (رحمة اللّه عليهما) نعوده في مرضه الذي مات فيه قال، فاغمي عليه في البيت فاخرج الى صحن الدار، قال، فأفاق.
فقال: ان خليلي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: اني سأهجر هجرتين و أني سأخرج من هجرتي: فهاجرت هجرة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هجرة مع علي (عليه السلام)، و أني سأعمي: فعميت، و أني سأغرق: فأصابني حكة فطرحني أهلي في البحر فغفلوا عني
____________
(1) سورة الحج: 13.
277
فغرقت ثم استخرجوني بعد.
و أمرني أن أبرأ من خمسة: من الناكثين و هم أصحاب الجمل، و من القاسطين و هم أصحاب الشام، و من الخوارج و هم أهل النهروان، و من القدريّة و هم الذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا لا قدر، و من المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا اللّه أعلم.
قال ثم قال: اللهم اني أحيي على ما حيى عليه علي بن أبي طالب و أموت على ما مات عليه علي بن أبي طالب، قال: ثم مات فغسّل و كفّن ثم صلى على سريره، قال: فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه فرأى الناس؛ انما هو فقهه فدفن.
107- جعفر بن معروف، قال حدثني محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن جريح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان ابن عباس لما مات و اخرج: خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون اليه يطير نحو السماء حتى غاب عنهم.
فقال: و كان أبي يحبّه حبّا شديدا، و كانت أمّه تلبّسه ثيابه و هو غلام، فينطلق اليه في غلمان بني عبد المطلب، قال فأتاه بعد ما أصاب بصره فقال: من أنت، قال:
أنا محمد بن علي بن الحسين، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك.
108- جعفر بن معروف، قال حدثني الحسين بن علي بن النعمان، عن أبيه، عن معاذ بن مطر، قال سمعت اسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال حدثني بعض أشياخي، قال: لما هزم علي بن أبي طالب (عليه السلام) أصحاب الجمل، بعت أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد اللّه بن عباس (رحمة اللّه عليهما) الى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل و قلة العرجة.
قال ابن عباس: فأتيتها و هي في قصر بني خلف في جانب البصرة قال: فطلبت الاذن عليها، فلم تأذن، فدخلت عليها من غير اذنها، فاذا بيت قفار لم يعدّ لي فيه مجلس فاذا هي من وراء سترين.
قال: فضربت ببصري فاذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة، قال: فمددت
278
الطنفسة فجلست عليها، فقالت من وراء الستر: يا ابن عباس أخطأت السنة دخلت بيتنا بغير اذننا، و جلست على متاعنا بغير اذننا، فقال لها ابن عباس (رحمة اللّه عليهما):
نحن أولى بالسنة منك و نحن علمناك السنة، و انما بيتك الذي خفّك فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فخرجت منه ظالمة لنفسك غاشية لدينك عاتية على ربك عاصية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاذا رجعت الى بيتك لم ندخله الا باذنك و لم نجلس على متاعك الا بأمرك، ان امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعث إليك يأمرك بالرحيل الى المدينة و قلّة العرجة.
فقالت: رحم اللّه أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب، فقال ابن عباس: هذا و اللّه امير المؤمنين و ان تزبّدت فيه وجوه و رغمت فيه معاطس، أما و اللّه لهو امير المؤمنين، و أمسّ برسول اللّه رحما، و أقرب قرابة، و أقدم سبقا، و أكثر علما، و أعلى منارا، و أكثر آثارا من أبيك و من عمر، فقالت: أبيت ذلك.
فقال: اما و اللّه ان كان اباؤك فيه لقصير المدة عظيم التبعة ظاهر الشؤم بيّن النكل، و ما كان اباؤك فيه الا حلب شاة حتى صرت لا تأمرين و لا تنهين و لا ترفعين و لا تضعين، و ما كان مثلك الا كمثل ابن الحضرمي بن نجمان أخي بني أسد، حيث يقول:
ما زال اهداء القصائد بيننا * * *شتم الصديق و كثرة الالقاب
حتّى تركتهم كأن قلوبهم * * *في كل مجمعة طنين ذباب
قال: فأراقت دمعتها، و أبدت عويلها، و تبدى نشيجها، ثم قالت: أخرج و اللّه عنكم فما في الارض بلد أبغض إليّ من بلد تكونون فيه، فقال ابن عباس (رحمه اللّه):
فو اللّه ما ذا بلاءنا عندك و لا بضيعتنا إليك، انّا جعلناك للمؤمنين أمّا و انت بنت أم رومان، و جعلنا أباك صدّيقا و هو ابن أبي قحافة.
فقالت: يا ابن عباس تمنّون علي برسول اللّه، فقال: و لم نمن عليك بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به، و نحن لحمه و دمه و منه و اليه، و ما أنت الا حشيّة من تسع حشايا خلّفهن بعده لست بأبيضهن لونا، و لا بأحسنهن وجها، و لا بأرشحهن
279
عرقا، و لا بأنضرهن ورقا، و لا بأطرإهنّ أصلا، فصرت تأمرين فتطاعين، و تدعين فتجابين، و ما مثلك الا كما قال أخو بني فهر:
مننت على قومي فأبدوا عداوة * * *فقلت لهم كفّوا العداوة و الشكرا
ففيه رضا من مثلكم لصديقه * * *و أحج بكم أن تجمعوا البغي و الكفرا
قال: ثم نهضت و أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبرته بمقالتها و ما رددت عليها، فقال. أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك.
109- قال الكشي: روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمد بن عبد الاعلى الجزري، عن خلف المحرومي البغدادي عن سفيان بن سعيد، عن الزهري، قال: سمعت الحارث يقول: استعمل علي (عليه السلام) على البصرة عبد اللّه بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة و لحق بمكة و ترك عليا (عليه السلام)، و كان مبلغه ألفي ألف درهم.
فصعد علي (عليه السلام) المنبر حين بلغه ذلك فبكي، فقال: هذا ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في علمه و قدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه، اللهم اني قد مللتهم فأرحني منهم، و اقبضني إليك غير عاجز و لا ملول.
110- قال الكشي: قال شيخ من أهل اليمامة، يذكر عن معلى بن هلال، عن الشعبي، قال: لما احتمل عبد اللّه بن عباس بيت مال البصرة و ذهب به الى الحجاز.
كتب اليه علي بن أبي طالب: من عبد اللّه علي بن أبي طالب الى عبد اللّه بن عباس أما بعد: فاني قد كنت أشركتك في أمانتي، و لم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي و موازرتي و أداء الامانة إلي فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، و العدو عليه قد حرب، و أمانة الناس قد خربت، و هذه الامور قد قست، قلبت لا بن عمك ظهر المجن، و فارقته مع المفارقين، و خذلته أسوأ خذلان الخاذلين.
فكأنك لم تكن تريد اللّه بجهادك، و كأنك لم تكن على بينة من ربك، و كأنك انما كنت تكيد أمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) على دنياهم، و تنوي غرتهم، فلما أمكنتك الشدة في
280
خيانة أمة محمد أسرعت الوثبة و عجلت العدوة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الازل رمية المعزى الكسير.
كأنك لا أبا لك، انما جررت الى أهلك تراثك من أبيك و أمك، سبحان اللّه، أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف من سوء الحساب؟ أو ما يكبر عليك أن تشترى الاماء و تنكح النساء بأموال الارامل و المهاجرين الذين أفاء اللّه عليهم هذه البلاد؟
اردد الى القوم أموالهم فو اللّه لئن لم تفعل ثم أمكنني اللّه منك لأعذرنّ اللّه فيك، فو اللّه لو أن حسنا و حسينا فعلا مثل ما فعلت لما كان لهما عندي في ذلك هوادة، و لا لواحد منهما عندي فيه رخصة حتى آخذ الحق و ازيح الجور عن مظلومها، و السّلام.
قال: فكتب اليه عبد اللّه بن عباس، أما بعد- فقد أتاني كتابك، تعظم علي اصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة: و لعمري أن لي في بيت مال اللّه اكثر مما أخذت، و السّلام.
قال: فكتب اليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) اما بعد- فالعجب كل العجب من تزيين نفسك، أن لك في بيت مال اللّه أكثر مما أخذت و أكثر مما لرجل من المسلمين:
فقد أفلحت ان كان تمنيك الباطل، و ادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الاثم، و يحل لك ما حرم اللّه عليك، عمّرك اللّه أنك لانت العبد المهتدي اذا.
فقد بلغني أنك اتخذت مكّة وطنا و ضربت بها عطنا تشتري مولّدات مكّة و الطائف، تختارهن على عينك، و تعطي فيهن مال غيرك، و أني لا قسم باللّه ربّي و ربك رب العزة: ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثا، فلا غرو و أشد باغتباطك تأكله رويدا رويدا، فكأن قد بلغت المدى و عرضت على ربّك و المحل الذي يتمنى الرجعة و المضيّع للتوبة كذلك و ما ذلك ولات حين مناص- و السّلام.
قال: فكتب اليه عبد اللّه بن عباس، اما بعد- فقد اكثرت عليّ فو اللّه لان ألقي اللّه بجميع ما في الارض من ذهبها و عقيانها أحب إلي أن القي اللّه بدم رجل مسلم.
281
محمد بن ابى بكر
111- حدثني محمد بن قولويه، و الحسين بن الحسن بن بندار القميان، قالا:
حدثنا سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمي، قال: حدثني الحسن بن موسى الخشاب، و محمد بن عيسى بن عبيد، عن علي بن أسباط، عن عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) من قريش خمسة نفر، و كانت ثلاثة عشر قبيلة مع معاوية.
فاما الخمسة: فحمد بن أبي بكر (رحمة اللّه عليه) أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس، و كان معه هاشم بن عتبة بن أبي و قاص المرقال.
و كان معه جعدة بن هبيرة المخزومي، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) خاله و هو الذي قال له عتبة بن أبي سفيان انما لك هذه الشدة في الحرب من قبل خالك فقال له جعدة لو كان خالك مثل خالي لنسيت أباك، و محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و الخامس سلف أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن ربيعة، و هو صهر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أبو الربيع.
112- حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالا حدثنا أيوب، عن صفوان، عن معاوية بن عمار و غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان عمار بن ياسر و محمد ابن ابي بكر لا يرضيان أن يعصى اللّه عز و جل.
113- محمد بن مسعود، قال حدثني علي بن محمد القمي، قال حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، عن زحل عمر بن عبد العزيز، (1) عن جميل بن دراج، عن
____________
محمد بن أبى بكر
قوله (رحمه اللّه تعالى): عن رحل عمر بن عبد العزيز عمر بن عبد العزيز لقبه «زحل» بالزاء المضمومة و الحاء المهملة المفتوحة و اللام أخيرا، و كنيته أبو حفص، يروي عنه أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى،
282
حمزة بن محمد الطيار، قال: ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) (رحمه اللّه) و صلى عليه.
قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوما من الايام: أبسط يدك أبايعك، فقال: أو ما فعلت؟
قال: بلى، فبسط يده، فقال: أشهد أنك امام مفترض طاعتك، و أن أبي في النار.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كان انجابه من قبل أمه أسماء بنت عميس (رحمة اللّه عليها) لا من قبل أبيه.
114- حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) أن محمد بن أبي بكر بايع عليا (عليه السلام) على البراءة من أبيه.
115- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا محمد بن عبد الحميد، قال: حدثني أبو جميلة، عن ميسر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني.
116- حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن
____________
و أبو عبد اللّه محمد بن خالد البرقي، و هو متكرر الذكر في هذا الكتاب في الاسانيد و سيجيء في الجزء الخامس ذكره في أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) و سلامته عن الغلو و فساد المذهب و ان كان فيه غمز بأنه يروي المناكير.
و ذكره النجاشي (رحمه اللّه تعالى) و رماه بالتخليط (1).
و الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- أورده في الفهرست (2) و في كتاب الرجال أيضا في باب «لم» (3). و لم يطعن فيه أصلا.
و في طائفة سقيمة من النسخ: عن رجل، عن عمر بن عبد العزيز و ذلك من أغلاط الناسخين و تحريفاتهم.
____________
(1) رجال النجاشى: 218
(2) الفهرست: 141
(3) رجال الشيخ: 486
283
موسى بن مصعب، عن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعت يقول: ما من أهل بيت الا و منهم نجيب من أنفسهم، و أنجب النجباء من أهل بيت سوء، منهم محمد ابن أبي بكر.
مالك الاشتر
117- حدثني عبيد بن محمد النخعي الشافعي السمرقندي، عن أبي أحمد الطرسوسي، قال حدثني خالد بن طفيل الغفاري، عن أبيه، عن حلام بن أبي ذر الغفاري و كانت له صحبة، قال مكث أبو ذر (رحمه اللّه) بالربذة حتى مات.
فلما حضرته الوفاة قال لامرأته: اذبحي شاة من غنمك و اصنعيها، فاذا نضجت فاقعدي على قارعة الطريق، فأول ركب ترينهم قولي يا عباد اللّه المسلسين هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد قضى نحبه و لقى ربّه فأعينوني عليه و أجيبوه، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرني أني اموت في أرض غربة، و أنه يلي غسلي و دفني و الصلاة علي رجال من أمتي صالحون.
118- محمد بن علقمة بن الاسود النخعي، قال: خرجت في رهط أريد الحج منهم مالك بن الحارث الاشتر، و عبد اللّه بن الفضل التيمي، و رفاعة بن شداد البجلي حتى قدمنا الربذة، فاذا امرأة على قارعة الطريق، تقول: يا عباد اللّه المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد هلك غريبا ليس لي أحد يعينني عليه.
قال: فنظر بعضنا الى بعض و حمدنا اللّه على ما ساق إلينا، و استرجعنا على عظيم المصيبة، ثم أقبلنا معها فجهزناه و تنافسنا في كفنه حتى خرج من بيننا بالسواء ثم تعاونا على غسله حتى فرغنا منه، ثم قدمنا مالكا الاشتر فصلى بنا عليه ثم دفناه.
فقام الاشتر على قبره ثم قال: اللهم هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عبدك في العابدين، و جاهد فيك المشركين، لم يغير و لم يبدل، لكنه رأى منكرا فغيره بلسانه و قلبه، حتى جفي و نفي و حرم و احتقر، ثم مات وحيدا غريبا، اللهم فاقصم من حرمه و نفاه من مهاجره و حرم رسولك (صلّى اللّه عليه و آله) قال، فرفعنا أيدينا جميعا و قلنا آمين ثم قدمت الشاة التي صنعت، فقالت: انها قد أقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تتغدوا، فتغدينا و ارتحلنا.
قال الكشي: ذكر أنه لما نعي الاشتر مالك بن الحارث النخعي الى أمير المؤمنين (عليه السلام) تأوه حزنا، و قال: رحم اللّه مالكا، و ما مالك عز علي به هالكا، لو كان
284
صخرا لكان صلدا، و لو كان حبلا لكان قيدا. و كأنه قدّ منى قدّا.
زيد بن صوحان
119- جبريل بن أحمد، قال: حدثني موسى بن معاوية بن وهب، قال:
و حدثني علي بن سعد، عن عبد اللّه بن عبد اللّه الواسطي، عن واصل بن سليمان، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لما صرع زيد بن صوحان (رحمة اللّه عليه) يوم الجمل، جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى جلس عند رأسه، فقال رحمك اللّه يا زيد قد كنت خفيف المئونة عظيم المعونة.
قال: فرفع زيد رأسه اليه و قال: و أنت فجزاك اللّه خيرا يا أمير المؤمنين، فو اللّه ما علمتك الا باللّه عليما، و في أم الكتاب عليا حكيما، و أن اللّه في صدرك لعظيم، و اللّه ما قاتلت معك على جهالة، و لكني سمعت أم سلمة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تقول سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، فكرهت و اللّه أن اخذ لك فيخذلني اللّه.
120- علي بن محمد القتيبي، قال، قال الفضل بن شاذان: ثم عرف الناس بعده فمن التابعين و رؤسائهم و زهادهم زيد بن صوحان.
و روي أن عائشة كتبت من البصرة الى زيد بن صوحان الى الكوفة: من عائشة زوج النبي الى ابنها زيد بن صوحان الخالص، أما بعد: فاذا أتاك كتابي هذا فاجلس في بيتك، و اخذل الناس عن علي بن ابي طالب حتى يأتيك أمري.
فلما قرأ كتابها، قال: أمرت بأمر و أمرنا بغيره، فركبت ما أمرنا به، و أمرتنا أن نركب ما أمرت هي به، أمرت أن تقر في بيتها، و أمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، و السلام.
صعصعة بن صوحان
121- محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو جعفر حمدان بن أحمد، قال: حدثني معاوية بن حكيم، عن أحمد بن النصر، قال: كنت عند أبي الحسن الثاني (عليه السلام) قال:
و لا أعلم الا قام و نفض الفراش بيده، ثم قال لي يا أحمد ان أمير المؤمنين (عليه السلام) عاد صعصعة بن صوحان في مرضه، فقال: يا صعصعة و لا تتخذ عيادتي لك أبهة على قومك.
285
قال: فلما قال أمير المؤمنين لصعصعة هذه المقالة، قال صعصعة: بلى و اللّه أعدها منّة من اللّه عليّ و فضلا، قال: فقال له امير المؤمنين (عليه السلام): ان كنت ما علمتك لخفيف المئونة حسن المعونة، قال، فقال صعصعة: و أنت و اللّه يا أمير المؤمنين ما علمتك الا باللّه عليما و بالمؤمنين رءوفا رحيما.
122- محمد بن مسعود: قال: حدثني علي بن محمد قال: حدثني محمد ابن احمد بن يحيى، عن العباس بن معروف، عن أبي محمد الحجال، عن داود ابن أبي يزيد، قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما كان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) من يعرف حقه الا صعصعة و أصحابه.
123- محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو الحسن علي بن علي الخزاعي، قال: حدثنا محمد بن علي بن خالد العطار، قال: حدثني عمرو بن عبد الغفار، عن أبي بكر بن أبي عياش، عن عاصم بن أبي النجود: عمن شهد ذلك، أن معاوية حين قدم الكوفة دخل عليه رجال من أصحاب علي (عليه السلام) و كان الحسن (عليه السلام) قد أخذ الامان لرجال منهم مسمين بأسمائهم، و أسماء آبائهم، و كان فيهم صعصعة.
فلما دخل عليه صعصعة، قال معاوية لصعصعة: أما و اللّه أني كنت لا بغض أن تدخل في أماني، قال: و أنا و اللّه أبغض أن أسميك بهذا الاسم، ثم سلم عليه بالخلافة.
قال فقال معاوية: ان كنت صادقا فاصعد المنبر فالعن عليا! قال: فصعد المنبر و حمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أتيتكم من عند رجل قدم شره و أخر خيره و أنه أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه اللّه فضج أهل المسجد بآمين.
فلما رجع اليه فأخبره بما قال ثم قال: لا و اللّه ما عنيت غيري ارجع حتى تسمية باسمه، فرجع و صعد المنبر، ثم قال: أيها الناس أن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوا من لعن علي بن أبي طالب قال: فضجوا بآمين، قال؛ فلما خبر معاوية قال: لا و اللّه ما عني غيري، أخرجوه لا يساكنني في بلد، فأخرجوه.
286
جندب بن زهير و عبد اللّه بن بديل و غيرهما
124- قال الفضل بن شاذان: فمن التابعين الكبار و رؤسائهم و زهادهم جندب ابن زهير قاتل الساحر، و عبد اللّه بن بديل، و حجر بن عدي، و سليمان بن صرد، و المسيب بن نجبة، و علقمة، و الاشتر، و سعيد بن قيس، و اشباههم كثير، أفناهم الحرب ثم كثروا بعد، حتى قتلوا مع الحسين (عليه السلام) و بعده.
محمد بن ابى حذيفة
125- حدثني نصر بن صباح، قال حدثني أبو يعقوب اسحاق بن محمد البصري، قال: حدثني أمير بن علي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول، ان المحامدة تأبى أن يعصى اللّه عز و جل.
قلت: و من المحامدة؟ قال: محمد بن جعفر، و محمد بن أبي بكر، و محمد ابن أبي حذيفة، و محمد بن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أما محمد بن أبي حذيفة هو ابن عتبة بن ربيعة، و هو ابن خال معاوية.
126- و أخبرني بعض رواة العامة، عن محمد بن اسحاق، قال: حدثني رجل من أهل الشام، قال: كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) و من أنصاره و اشياعه، و كان ابن خال معاوية، و كان رجلا من خيار المسلمين، فلما تو في علي (عليه السلام) أخذه معاوية و أراد قتله فحبسه في السجن دهرا، ثم قال معاوية ذات يوم: ألا نرسل الى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته، و نخبره بضلاله، و نأمره أن يقوم فيسب عليا؟ قالوا: نعم.
فبعث اليه معاوية فأخرجه من السجن، فقال له معاوية يا محمد بن أبي حذيفة أ لم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب أ لم تعلم أن عثمان قتل مظلوما، و أن عائشة و طلحة و الزبير خرجوا يطلبون بدمه، و أن عليا هو الذي دس في قتله، و نحن اليوم نطلب بدمه؟
287
رجل من أهل الشام، قال: كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) و من أنصاره و أشياعه، و كان ابن خال معاوية، و كان رجلا من خيار المسلمين، فلما توفى علي (عليه السلام) أخذه معاوية و أراد قتله فحبسه في السجن دهرا، ثم قال معاوية ذات يوم: ألا نرسل الى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته، و نخبره بضلاله، و نأمره أن يقوم فيسب عليا؟ قالوا: نعم.
فبعث اليه معاوية فأخرجه من السجن، فقال له معاوية يا محمد بن أبي حذيفة أ لم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب أ لم تعلم أن عثمان قتل مظلوما، و أن عائشة و طلحة و الزبير خرجوا يطلبون بدمه، و أن عليا هو الذي دس في قتله، و نحن اليوم نطلب بدمه؟
قال محمد بن أبي حذيفة: انك لتعلم اني أمس القوم بك رحما و أعرفهم بك، قال: أجل.
قال: فو اللّه الذي لا إله غيره ما أعلم أحدا شرك في دم عثمان و ألب عليه غيرك لما استعملك و من كان مثلك، فسأله المهاجرون و الانصار ان يعزلك فأبى، ففعلوا به ما بلغك، و و اللّه ما أحد أشرك في قتله بدئيا و لا أخيرا الا طلحة و الزبير و عائشة، فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة و ألبوا عليه الناس، و شركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف و ابن مسعود و عمار و الانصار جميعا، قال: قد كان ذاك.
قال: و اللّه اني لا شهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية و الإسلام لعلى خلق واحد ما زاد الإسلام فيك قليلا و لا كثيرا، و ان علامة ذلك فيك لبينة تلومني على حبي عليا كما خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري و أنصاري، و خرج معك أبناء المنافقين و الطلقاء و العتقاء، خدعتهم عن دينهم، و خدعوك عن دنياك، و اللّه يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت، و ما خفي عليهم ما صنعوا، اذا حلوا أنفسهم بسخط اللّه في طاعتك، و اللّه لا أزال أحب عليا للّه، و أبغضك في اللّه و في رسوله أبدا ما بقيت.
قال معاوية، و اني أراك على ضلالك بعد، ردوه، فردوه و هو يقرء في السجن
288
«رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» (1) فمات في السجن.
قنبر
127- محمد بن مسعود، قال: أخبرنا محمد بن يزداد الرازي، قال: حدثنا محمد بن علي الحداد، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليا (عليه السلام) قال:
لما رأيت أمرا منكرا * * *أوقدت ناري و دعوت قنبرا
128- محمد بن الحسن و عثمان بن حامد الكشيان، قالا: حدثنا محمد بن يزداد الرازي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى بن يسار، عن عبد اللّه بن شريك، عن أبيه، قال: بينما علي (عليه السلام) عند امرأة له من عنزة و هي أم عمر اذ أتاه قنبر فقال له: ان عشرة نفر بالباب يزعمون أنك ربهم قال: أدخلهم، قال:
فدخلوا عليه.
فقال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: نقول: انك ربنا، و أنت الذي خلقتنا، و أنت الذي ترزقنا، فقال لهم: ويلكم لا تفعلوا انما أنا مخلوق مثلكم، فأبوا و أعادوا عليه ثم ساق الحديث الى أن قذفهم في النار ثم قال علي (عليه السلام):
اني اذا أبصرت شيئا منكرا * * *أوقدت ناري و دعوت قنبرا
129- ابراهيم بن للحسين الحسيني العقيقي، رفعه، قال: سئل قنبر مولى من أنت؟ فقال: أنا مولى من ضرب بسيفين، و طعن برمحين، و صلى القبلتين، و بايع البيعتين، و هاجر الهجرتين، و لم يكفر باللّه طرفة عين، أنا مولى صالح المؤمنين، و وارث النبيين، و خير الوصيين، و أكبر المسلمين.
و يعسوب المؤمنين، و نور المجاهدين، و رئيس البكائين، و زين العابدين، و سراج الماضين، و ضوء القائمين، و أفضل القانتين، و لسان رسول رب العالمين،
____________
(1) سورة يوسف: 33
289
و أول المؤمنين من آل ياسين، المؤيد بجبريل الامين، و المنصور بميكائيل المتين، و المحمود عند أهل السماوات أجمعين، سيد المسلمين و السابقين، و قاتل الناكثين و القاسطين.
و المحامي عن حرم المسلمين، و المجاهد أعدائه الناصبين، و مطفي نيران الموقدين، و أفخر من مشى من قريش أجمعين، و أول من حارب و استجاب للّه أمير المؤمنين، و وصي نبيه في العالمين، و أمينه على المخلوقين، و خليفة من بعث اليهم أجمعين.
سيد المسلمين و السابقين، و قاتل الناكثين و القاسطين و مبيد المشركين، و سهم من مرامي اللّه على المنافقين، و لسان كلمة العابدين، ناصر دين اللّه، و ولي اللّه، و لسان كلمة اللّه، و ناصره في أرضه، و عيبة علمه، و كهف دينه، امام الابرار، من رضي عنه العلي الجبار.
سمح، سخي، حي، بهلول، سنحنحي، زكي، مطهر، أبطحي، باذل، جري، همام الصابر، صوام، مهدي، مقدام، قاطع الاصلاب، مفرق الاحزاب، عالي الرقاب أربطهم عنانا، و أثبتهم جنانا، و أشدهم شكيمة، بازل، باسل، صنديد، هزبر، ضرغام حازم، عزام، حصيف، خطيب، محجاج، كريم الاصل، شريف الفضل، فاضل القبيلة، نقي العشيرة زكي الركانة، مؤدي الامانة، من بني هاشم.
و ابن عم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام مهدي الرشاد، مجانب الفساد، الاشعث الحاتم، البطل الجماجم، و الليث المزاحم، بدري، مكي، حنفي، روحاني، شعشعاني، من الجبال شواهقها، و من الهضاب رءوسها، و من العرب سيدها، و من الوغاء ليثها، البطل الهمام، و الليث المقدام، و البدر التمام، محك المؤمنين، و وارث المشعرين، و أبو السبطين الحسن و الحسين، و اللّه أمير المؤمنين حقا حقا علي بن أبي طالب عليه من اللّه الصلوات الزكية و البركات السنية.
130- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن قيس القوميني،
290
قال: حدثني أحكم بن يسار، عن ابي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) ان قنبرا مولى أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل على الحجاج بن يوسف، فقال له: ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب؟ فقال: كنت أوضئه، فقال له: ما كان يقول اذا فرغ من وضوئه؟
فقال: كان يتلو هذه الاية «فَلَمّٰا نَسُوا مٰا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ أَبْوٰابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّٰى إِذٰا فَرِحُوا بِمٰا أُوتُوا أَخَذْنٰاهُمْ بَغْتَةً فَإِذٰا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دٰابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» (1) فقال الحجاج: أظنه كان يتأولها علينا، قال:
نعم، فقال: ما أنت صانع اذا ضربت علاوتك؟ قال: اذا أسعد و تشقي، فأمر به.
رشيد الهجرى
131- حدثني أبو أحمد و نسخت من خطه، حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران؟ عن وهب بن مهران، قال: حدثني محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد بن عبد اللّه الحناط، عن وهيب بن حفص الجريري، عن أبي حيان البجلي، عن قنواء بنت رشيد الهجري، قال: قلت لها: أخبريني ما سمعت من أبيك؟ قالت:
سمعت أبي يقول: أخبرني أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا رشيد كيف صبرك اذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك و رجليك و لسانك، قلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك الى الجنة؟ فقال: يا رشيد أنت معي في الدنيا و الآخرة.
قالت: فو اللّه ما ذهبت الايام حتى أرسل اليه عبيد اللّه بن زياد الدعي، فدعاه الى البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبى ان يبرأ منه، فقال له الدعي: فبأي ميتة قال لك تموت؟
فقال له: أخبرني خليلي انك تدعوني الى البراءة منه فلا أبرأ فتقد مني فتقطع يدي و رجلي و لساني، فقال و اللّه لأكذبن قوله فيك.
____________
(1) سورة الانعام: 45
291
قال: فقدموه فقطعوا يديه و رجليه و تركوا لسانه، فحملت أطراف يديه و رجليه فقلت: يا أبت هل تجد ألما لما أصابك؟ فقال: لا يا بنية الا كالزحام بين الناس، فلما احتملناه و أخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله، فقال: ايتوني بصحيفة و دوات أكتب لكم ما يكون الى يوم الساعة، فأرسل اليه الحجام حتى يقطع لسانه، فمات (رحمة اللّه عليه) في ليلته.
قال: و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسميه رشيد البلايا، و كان قد ألقى اليه علم البلايا و المنايا، و كان حياته اذا لقى الرجل قال له: فلان أنت تموت بميتة كذا، و تقتل أنت يا فلان بقتلة كذا و كذا، فيكون كما يقول رشيد.
و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: أنت رشيد البلايا، أي تقتل بهذه القتلة، فكان كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام).
132- جبريل بن أحمد، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، قال:
حدثني أحمد بن النضر، عن عبد اللّه بن يزيد الاسدي، عن فضيل بن الزبير، قال:
خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) يوما الى بستان البرني، و معه أصحابه، فجلس تحت نخلة ثم أمر بنخلة، فلقطت فأنزل منها رطب فوضع بين أيديهم، قالوا فقال رشيد الهجري:
يا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما أطيب هذا الرطب؟ فقال: يا رشيد أما أنك تصلب على جذعها، فقال رشيد: فكنت أختلف اليها طرفي النهار أسقيها.
و مضى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: فجئتها يوما و قد قطع سعفها: قلت اقترب أجلي ثم جئت يوما فجاء العريف فقال أجب الامير: فأتيته فلما دخلت القصر فاذا الخشب ملقى، ثم جئت يوما آخر فاذا النصف الاخر قد جعل زرنوقا يستقى عليه الماء، فقلت ما كذبني خليلي فأتاني العريف فقال: أجب الامير فأتيته.
فلما دخلت القصر اذا الخشب ملقى فاذا فيه الزرنوق، فجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي ثم قلت: لك غذيت و لي انبت ثم أدخلت على عبيد اللّه بن زياد، فقال: هات من كذب صاحبك: فقلت: و اللّه ما أنا بكذاب و لا هو، و لقد أخبرني
292
أنك تقطع يدي و رجلي و لساني، قال: اذا و اللّه نكذبه اقطعوا يده و رجله و أخرجوه.
فلما حمل الى أهله أقبل يحدث الناس بالعظايم، و هو يقول: ايها الناس سلوني فان للقوم عندي طلبة لم يقضوها، فدخل رجل على ابن زياد فقال له: ما صنعت قطعت يده و رجله و هو يحدث الناس بالعظايم؟ قال: ردوه و قد انتهى الى بابه، فردوه فأمر بقطع يديه و رجليه و لسانه و أمر بصلبه.
حبيب بن مظاهر
133- جبريل بن أحمد، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، قال:
حدثني أحمد بن النصر، عن عبد اللّه بن يزيد الاسدي، عن فضيل بن الزبير، قال:
مر ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الاسدي عند مجلس بني أسد، فتحدثا حتى اختلف أعناق فرسيهما.
ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الزرق، قد صلب في حب أهل بيت نبيه (عليه السلام)، و يبقر بطنه على الخشب.
فقال ميثم: و اني لا عرف رجلا أحمر له ضفيرتان يخرج لينصر ابن بنت نبيه فيقتل و يجال برأسه بالكوفة.
ثم افترقا، فقال أهل المجلس: ما رأينا أحدا أكذب من هذين، قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري، فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما؟
فقالوا: افترقا و سمعناهما يقولان كذا و كذا.
فقال رشيد: رحم اللّه ميثما نسي: و يزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم، ثم أدبر، فقال القوم: هذا و اللّه أكذبهم.
فقال القوم: و اللّه ما ذهبت الايام و الليالي حتى رأيناه مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث، و جيء برأس حبيب بن مظاهر قد قتل مع الحسين (عليه السلام) و رأينا كل ما قالوا.
293
و كان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين (عليه السلام) و لقوا جبال الحديد، و استقبلوا الرماح بصدورهم، و السيوف بوجوههم، و هم يعرض عليهم الامان و الاموال فيأبون، و يقولون: لا عذر لنا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ان قتل الحسين و منا عين تطرف حتى قتلوا حوله.
و لقد مزح حبيب بن مظاهر الاسدي، فقال له يزيد بن خضير الهمداني و كان يقال له سيد القراء يا أخي ليس هذه بساعة ضحك، قال: فأي موضع أحق من هذا بالسرور، و اللّه ما هو الا أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين.
قال الكشي. هذه الكلمة مستخرجة من كتاب مفاخر الكوفة و البصرة.
ميثم التمار
134- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان، عن عاصم ابن حميد، عن ثابت الثقفي، قال: لما مر بميثم ليصلب، قال رجل: يا ميثم لقد كنت عن هذا غنيا، قال: فالتفت اليه ميثم، ثم قال: و اللّه ما نبتت هذه النخلة الا لي و لا اغتذيت الا لها.
135- محمد بن مسعود، قال حدثني علي بن محمد، عن محمد بن أحمد الهندي، عن العباس بن معروف، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب، عن صالح ابن ميثم، قال: أخبرني أبو خالد التمار، قال: كنت مع ميثم التمار بالفرات يوم الجمعة فهبت ريح و هو في سفينة من سفن الرمان.
قال: فخرج فنظر الى الريح فقال: شدوا برأس سفينتكم ان هذه ريح عاصف مات معاوية الساعة، قال: فلما كانت الجمعة المقبلة قدم بريد من الشام فلقيته فاستخبرته، فقلت له: يا عبد اللّه ما الخبر؟ قال: الناس على أحسن حال توفى أمير المؤمنين و بايع الناس يزيد، قال: قلت أي يوم توفى؟ قال: يوم الجمعة.
136- محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن خالد الطيالسي، قال حدثني الحسن بن علي ابن بنت الياس الوشاء، عن عبد اللّه بن
294
خراش المغربي، عن علي بن اسماعيل، عن فضيل الرسان، عن حمزة بن ميثم، قال خرج أبي الى العمرة، فحدثني قال: استأذنت على أم سلمة (رحمة اللّه عليها) فضربت بيني و بينها خدرا، فقالت لي: أنت ميثم؟ فقلت: أنا ميثم. فقالت: كثيرا ما رأيت الحسين بن علي ابن فاطمة (صلوات اللّه عليهم) يذكرك، قلت: فأين هو؟ قالت خرج في غنم له آنفا، قلت: أنا و اللّه أكثر ذكره فأقرئيه السلام فاني مبادر.
فقالت: يا جارية اخرجي فادهنيه، فخرجت فدهنت لحيتي ببان، فقلت: أما و اللّه لئن دهنتها لتخضبن فيكم بالدماء، فخرجنا فاذا ابن عباس (رحمة اللّه عليهما) جالس، فقلت يا ابن عباس سلني ما شئت من تفسير القرآن، فاني قرأت تنزيله على أمير المؤمنين (عليه السلام) و علمني تأويله، فقال: يا جارية الدواة و قرطاسا، فأقبل يكتب.
فقلت: يا ابن عباس كيف بك اذا رأيتني مصلوبا تاسع تسعة أقصرهم خشبة و أقربهم بالمطهرة، فقال لي: و تكهن أيضا خرق الكتاب، فقلت: مه احتفظ بما سمعت مني، فان يك ما أقول لك حقا أمسكته، و ان يك باطلا خرقته قال: هو ذاك.
فقدم أبي علينا فما ليث يومين حتى أرسل عبيد اللّه بن زياد، فصلبه تاسع تسعة أقصرهم خشبة و أقربهم الى المطهرة، فرأيت الرجل الذي جاء اليه ليقتله و قد أشار اليه بالحربة، و هو يقول: أما و اللّه لقد كنت ما علمتك الا قواما، ثم طعنه في خاصرته فأجافه فاحتقن الدم فمكث يومين، ثم انه في اليوم الثالث بعد العصر قبل المغرب انبعث منخراه دما، فخضبت لحيته بالدماء.
137- قال أبو النصر محمد بن مسعود: و حدثني أيضا بهذا الحديث علي ابن الحسن بن فضال، عن أحمد بن محمد الاقرع. عن داود بن مهزيار، عن علي بن اسماعيل، عن فضيل، عن عمران بن ميثم. قال علي بن الحسن: هو حمزة بن ميثم خطأ، و قال علي: اخبرني به الوشاء بأسناده مثله سواء غير أنه ذكر عمران بن ميثم.
138- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا أيوب، عن حنان بن سدير، عن أبيه عن جده، قال: قال لي ميثم التمار ذات يوم: يا أبا حكيم اني أخبرك بحديث و هو
295
حق، قال: فقلت يا أبا صالح بأي شيء تحدثني؟ قال: اني أخرج العام الى مكة فاذا قدمت القادسية راجعا أرسل إلي هذا الدعي ابن زياد رجلا في مائة فارس حتى يجيء بي اليه، فيقول لي: أنت من هذه السبائية الخبيثة المحترقة التي قد يبست عليها جلودها، و أيم اللّه لا قطعن يدك و رجلك.
فأقول: لا رحمك اللّه فو اللّه لعلي كان أعرف بك من حسن حين ضرب رأسك بالدرة، فقال له الحسن: يا أبه لا تضربه فانه يحبنا و يبغض عدونا، فقال له علي (عليه السلام) مجيبا له اسكت يا بني فو اللّه لأنا أعلم به منك، فوالذي فلق الحبة و برء النسمة انه لولي لعدوك و عدو لوليك.
قال: فيأمر بي عند ذلك فأصلب فأكون أول هذه الامة ألجم بالشريط في الإسلام فاذا كان يوم الثالث فقلت غابت الشمس أو لم تغب ابتدر منخراي دما على صدري و لحيتي. قال: فرصدناه فلما كان يوم الثالث فقلت: غابت الشمس أو لم تغب ابتدر منخراه على صدره و لحيته دما.
قال: فاجتمعنا سبعة من التمارين فاتعدنا لحمله فجئنا اليه ليلا و الحراس يحرسونه، و قد أوقدوا النار فحالت بيننا و بينهم، فاحتملناه بخشبته حتى انتهينا به الى فيض من ماء في مراد فدفناه فيه، و رمينا بخشبته في مراد في الخراب، و أصبح فبعث الخيل فلم يجد شيئا.
قال، و قال يوما: يا أبا حكيم ترى هذا المكان ليس يؤدي فيه طسق. و الطسق أداء الاجر، و لئن طالت بك الحياة لتؤدين طسق هذا المكان الى رجل في دار الوليد بن عقبة اسمه زرارة. قال سدير: فأديته على خزي الى رجل في دار الوليد ابن عقبة يقال له: زرارة.
139- جبريل بن أحمد، حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، قال: حدثني محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد، عن يوسف بن عمران الميثمي، قال سمعت ميثم النهرواني يقول: دعاني أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: كيف أنت يا ميثم اذا
296
دعاك دعي بنى أمية ابن دعيها عبيد اللّه بن زياد الى البراءة مني؟ فقال يا أمير المؤمنين أنا و اللّه لا أبرأ منك، قال: اذا و اللّه يقتلك و يصلبك، قلت، أصبر فذاك في اللّه قليل، فقال: يا ميثم اذا تكون معي في درجتي.
قال، و كان ميثم يمر بعريف قومه، و يقول: يا فلان كأني بك و قد دعاك دعي بني أمية ابن دعيها فيطلبني منك أياما، فاذا قدمت عليك ذهبت بي اليه حتى يقتلني على باب دار عمرو بن حريث، فاذا كان يوم الرابع ابتدر منخراي دما عبيطا، و كان ميثم يمر بنخلة في سبعة فيضرب بيده عليها، و يقول: يا نخلة ما غذيت الا لي و ما غذيت الا لك، و كان يمر بعمرو بن حريث و يقول: يا عمرو اذا جاورتك فأحسن جواري، فكان عمرو يرى أنه يشتري دارا أو ضيعة لزيق ضيعته، فكان يقول له عمرو:
ليتك قد فعلت.
ثم خرج ميثم النهرواني الى مكة فأرسل الطاغية عدو اللّه بن زياد الى عريف ميثم فطلبه منه، فأخبره أنه بمكة، فقال له: لئن لم تأتني به لأقتلنك، فأجله أجلا، و خرج العريف الى القادسية ينتظر ميثما، فلما قدم ميثم قال: أنت ميثم؟ قال: نعم أنا ميثم قال: تبرأ من أبي تراب، قال: لا أعرف أبا التراب، قال: تبرأ من علي بن أبي طالب، فقال له: فان أنا لم أفعل؟ قال: اذا و اللّه لا قتلك.
قال: أما لقد كان يقول لي أنك ستقتلني و تصلبني على باب عمرو بن حريث فاذا كان يوم الرابع ابتدر منخراي دما عبيطا، فأمر به فصلب على باب عمرو بن حريث.
فقال للناس: سلوني (و هو مصلوب) قبل أن أقتل فو اللّه لأخبرنكم بعلم ما يكون الى أن تقوم الساعة و ما يكون من الفتن، فلما سأله الناس حدثهم حديثا واحدا، اذ أتاه رسول من قبل ابن زياد فألجمه بلجام من شريط، و هو أول من ألجم بلجام و هو مصلوب.
140- و روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن أبيه، عن آبائه (صلوات اللّه عليهم) قال أتي ميثم التمار دار أمير المؤمنين (عليه السلام) فقيل له انه نائم فنادى بأعلى صوته
297
انتبه أيها النائم فو اللّه لتخضبن لحيتك من رأسك، فانتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال:
ادخلوا ميثما، فقال له: أيها النائم و اللّه لتخضبن لحيتك من رأسك.
فقال: صدقت و أنت و اللّه لتقطعن يداك و رجلاك و لسانك و لتقطعن النخلة التي بالكناسة فتشق أربع قطع، فتصلب أنت على ربعها و حجر بن عدي على ربعها، و محمد ابن أكثم على ربعها، و خالد بن مسعود على ربعها.
قال ميثم: فشككت في نفسي و قلت: ان عليا ليخبرنا بالغيب، فقلت له، أو كائن ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أي و رب الكعبة كذا عهده إلي النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، قال، فقلت: لم يفعل ذلك بي يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليأخذنك العتل الزنيم ابن الأمة الفاجرة عبيد اللّه بن زياد.
قال: و كان (عليه السلام) يخرج الى الجبانة و أنا معه فيمر بالنخلة فيقول لي: يا ميثم ان لك و لها شأنا من الشأن، قال: فلما ولي عبيد اللّه بن زياد الكوفة و دخلها تعلق علمه بالنخلة التي بالكناسة فتخرق، فتطير من ذلك فأمر بقطعها، فاشتراها رجل من النجارين فشقها أربع قطع.
قال ميثم: فقلت لصالح ابني فخذ مسمارا من حديد فانقش عليه اسمي و اسم أبي ودقة في بعض تلك الاجذاع، قال: فلما مضى بعد ذلك أيام أتاني قوم من أهل السوق فقالوا: يا ميثم انهض معنا الى الامير نشكو اليه عامل السوق، و نسأله أن يعزله عنا و يولي علينا غيره.
قال: و كنت خطيب القوم فنصت لي و أعجبه منطقي، فقال له عمرو بن حريث أصلح اللّه الامير تعرف هذا المتكلم؟ قال: من هو؟ قال ميثم التمار الكذاب مولى الكذاب علي بن أبي طالب، قال: فاستوى جالسا فقال لي ما تقول؟ فقلت: كذب أصلح اللّه الامير، بل أنا الصادق مولى الصادق علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حقا فقال لي: لتبر أن من علي، و لتذكرن مساويه، و تتولى عثمان، و تذكر محاسنه، أو لأقطعن يديك و رجليك و لأصلبنك، فبكيت، فقال لي: بكيت من القول دون الفعل،
298
فقلت: و اللّه ما بكيت من القول و لا من الفعل، و لكن بكيت من شك كان دخلني يوم خبّرني سيدي و مولاي، فقال لي: و ما قال لك؟
قال، فقلت: أتيت الباب فقيل لي: أنه نائم، فناديت انتبه أيها النائم، فو اللّه لتخضبن لحيتك من رأسك فقال: صدقت و أنت و اللّه لتقطعن يداك و رجلاك و لسانك و لتصلبن، فقلت: و من يفعل ذلك بي؟ يا أمير المؤمنين فقال: يأخذك العتل الزنيم ابن الامة الفاجرة عبيد اللّه بن زياد.
قال: فامتلأ غيظا ثم قال لي: و اللّه لأقطعن يديك و رجليك و لأدعن لسانك حتى أكذبك و أكذب مولاك، فأمر به فقطعت يداه و رجلاه، ثم أخرج فأمر به أن يصلب فنادى بأعلى صوته أيها الناس من أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ قال: فاجتمع الناس و أقبل يحدثهم بالعجائب.
قال: و خرج عمرو بن حريث و هو يريد منزله فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا:
ميثم التمار يحدث الناس عن علي بن أبي طالب، قال: فانصرف مسرعا فقال:
أصلح اللّه الامير بادر فابعث الى هذا من يقطع لسانه، فاني لست آمن أن يغير قلوب أهل الكوفة فيخرجوا عليك، قال: فالتفت الى حرسي فوق رأسه فقال: اذهب فاقطع لسانه.
قال، فأتاه الحرسي فقال له: يا ميثم! قال: ما تشاء؟ قال: أخرج لسانك فقد أمرني الامير بقطعه، قال ميثم: ألا زعم ابن الأمة الفاجرة أنه يكذبني و يكذب مولاي هاك لساني، قال: فقطع لسانه و تشحط ساعة في دمه ثم مات، و أمر به فصلب، قال صالح فمضيت بعد ذلك بأيام، فاذا هو قد صلب على الربع الذي كنت دققت فيه المسمار.
عبد اللّه بن شداد الهاد
141- وجدت في كتاب محمد بن شاذان بن نعيم بخطه، روى عن حمران بن
299
أعين، أنه قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يحدث عن آبائه (عليهم السلام) أن رجلا كان من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) مريضا شديد الحمى، فعاده الحسين بن علي (عليه السلام) فلما دخل باب الدار طارت الحمى عن الرجل، فقال له قد رضيت بما أوتيتم به حقا حقا و الحمى تهرب منكم.
فقال: و اللّه ما خلق اللّه شيئا الا و قد أمره بالطاعة لنا يا كناسة قال: فاذا نحن نسمع الصوت و لا نرى الشخص يقول: لبيك، قال: أ ليس أمير المؤمنين أمرك ألا تقربي الا عدوا أو مذنبا لكي تكون كفارة لذنوبه، فما بال هذا؟ و كان الرجل المريض عبد اللّه بن شداد بن الهاد الليثي.
الحارث الاعور
142- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي عمر البزاز، قال: سمعت الشعبي، و هو يقول: و كان اذا غدا الى القضاء جلس في مكاني فاذا رجع جلس في مكاني، فقال لي ذات يوم: يا أبا عمر أن لك عندي حديثا أحدثك به؟ قال قلت له: يا أبا عمرو ما زال لي ضالة عندك، قال، قال لي: لا أم لك فأي ضالة تقع لك عندي، قال، فأبى أن يحدثني يومئذ.
قال: ثم سألته بعد فقلت: يا أبا عمرو حدثني بالحديث الذي قلت لي؟ قال:
سمعت الحارث الاعور و هو يقول: أتيت أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) ذات ليلة فقال:
يا أعور ما جاءك؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين جاء بي و اللّه حبك، قال، فقال: أما اني سأحدثك لشكرها، اما أنه لا يموت عبد يحبني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحب و لا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره. قال، ثم قال لي الشعبي بعد: أما أن حبه لا ينفعك و بغضه لا يضرك.
143- جعفر بن معروف، قال حدثني محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير،
300
عن أبان بن عثمان، عن محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن علي (عليه السلام) قال قال لي الحارث: تدخل منزلي يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): على شرط أن لا تدّخرني شيئا مما في بيتك و لا تكلف لي شيئا مما وراء بابك، قال: نعم.
فدخل يتحرق و يحب أن يشترى له و هو يظن أنه لا يجوز له، حتى قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا حارث، قال: هذه دراهم معي و لست أقدر على أن أشتري لك ما أريد، قال: أو ليس قلت لك: لا تكلف ما وراء بابك فهذه مما في بيتك.
تم الجزء الاول، و يتلوه حديث نعيم بن دجاجة الاسدي، و الحمد للّه رب العالمين أولا و آخرا و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين الطيبين.
303
نعيم بن دجاجة الاسدى
144- حدثنا حمدويه بن نصير، قال حدثنا محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب: عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: بعث علي بن أبي طالب (عليه السلام) الى بشر ابن عطارد التميمي في كلام بلغه عنه، فمر به رسول علي (1) الى بني أسد، فقام اليه نعيم ابن دجاجة الاسدي فأفلته، فبعث اليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأتوا به فأمر به أن يضرب
____________
نعيم بن دجاجة الاسدى
قوله (عليه السلام): فمر به رسول على (ع) الضمير المجرور لبشر، و الباء بمعنى «مع» فقام اليه أي الى رسول علي (عليه السلام) نعيم فافلته أي بشرا من الرسول، فبعث اليه علي (عليه السلام) أي الى نعيم بن دجاجة ليؤتى به، فأتوه به الفاعل بنو أسد.
و الضمير المنصوب لعلي (عليه السلام)، و الباء في «به» للتعدية، أو بمعنى «مع» و الضمير المجرور «بها» لنعيم.
أي فأتوا بنو أسد عليا (عليه السلام) بنعيم بن دجاجة فأمر علي نعيم بأن يضرب فقال نعيم لعلي (عليه السلام).
304
فقال له نعيم: أما و اللّه أن المقام معك لذل و ان فراقك لكفر.
قال: فلما سمع ذلك علي (عليه السلام) قال له قد عفوت عنك ان اللّه تعالى يقول «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ» (1) أما قولك ان المقام معك لذل فسيئة اكتسبتها، و أما قولك ان فراقك لكفر حسنة اكتسبتها، فهذه بهذه.
الاحنف بن قيس
145- قيل: للأحنف انك تطيل الصوم؟ قال: أعده لشر يوم عظيم، ثم قرأ «وَ يَخٰافُونَ يَوْماً كٰانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» (2).
و روي أن الاحنف بن قيس وفد الى معاوية و جارية بن قدامة و الحباب بن يزيد فقال معاوية للأحنف: أنت الساعي على أمير المؤمنين عثمان، و خاذل أم المؤمنين عائشة، و الوارد الماء على علي بصفين؟ فقال: يا أمير المؤمنين من ذاك ما أعرف، و منه ما أنكر.
أما أمير المؤمنين عثمان: فأنتم معشر قريش حصرتموه بالمدينة و الدار منا عنه نازحة، و قد حصره المهاجرون، و الانصار عنه بمعزل، و كنتم بين خاذل و قاتل.
و أما عائشة: فاني خذلتها في طول باع و رحب سرب، (1) و ذلك أني لم أجد في
____________
الاحنف بن قيس
قوله: طول باع و رحب سرب الباع قدر مد اليدين و ما بينهما من البدن و بسط اليد بالمال، و كذلك البوع و طول الباع كناية عن المقدرة و الميسرة و الاقتدار و الشوكة قاله صاحب الفائق و الاساس و القاموس و النهاية (3).
____________
(1) سورة المؤمنين: 96
(2) سورة الانسان: 7
(3) أساس البلاغة ص 54 و القاموس 3/ 7 و النهاية 1/ 174
305
كتاب اللّه الا أن تقر في بيتها.
و أما ورودي الماء بصفين: فاني وردت حين أردت أن تقطع رقابنا عطشا، فقام معاوية و تفرق الناس.
ثم أمر معاوية للأحنف بخمسين ألف درهم و لأصحابه بصلة، و قال للأحنف حين و دعه: حاجتك؟ قال: تدر على الناس عطياتهم و ارزاقهم، فان سألت المدد أتاك منا رجال سليمة الطاعة شديدة النكاية.
و قيل: انه كان يرى رأي العلوية. و وصل الحباب بثلاثين ألف درهم و كان يرى رأي الاموية، فصار الحباب الى معاوية و قال يا أمير المؤمنين تعطي الاحنف و رأيه رأيه خمسين ألف درهم و تعطيني و رأيي رأيي ثلاثين ألف درهم؟
فقال: يا حباب اني اشتريت بها دينه، فقال الحباب: يا امير المؤمنين تشتري مني أيضا ديني! فأتمها له و الحقه بالاحنف، فلم يأت على الحباب اسبوع حتى مات و رد المال بعينه الى معاوية، فقال الفرزدق يرثي الحباب:
____________
و قال في الصحاح: الرحب بالضم السعة، تقول منه: فلان رحب الصدر، و الرحب بالفتح الواسع تقول منه: بلد رحب و أرض رحبة (1).
و قال: السرب بالفتح الابل، و السرب أيضا الطريق و فلان آمن في سربه بالكسر أي في نفسه، و فلان واسع السرب أي رخي البال (2).
و في المغرب: السرب بالفتح في قولهم خل سربه أي طريقه، و منه قوله اذا كان مخلي السرب، أي موسعا عليه غير مضيق عليه.
يعني: اني لم أخذلها و هي محتاجة الى الانتصار، بل خذلتها و هي في طول باع و رحب سرب، أي في مندوحة فسيحة عن القتال و تجهيز الجيش، بأن تقر في
____________
(1) الصحاح: 1/ 134
(2) الصحاح: 1/ 146
306
أ تأكل ميراث الحباب ظلامة * * *و ميراث حرب جامد لك ذايبه
أبوك و عمي يا معاوي أورثا * * *تراثا فيختار التراث أقاربه
و لو كان هذا الدين في جاهلية * * *عرفت من المولى القليل حلائبه
و لو كان هذا الامر في غير ملككم * * *لا ديته أو غص بالماء شاربه
(1)
فكم من أب لي يا معاوي لم يكن * * *أبوك الذي من عبد شمس يقاربه
146- و روت بعض العامة، عن الحسن البصري، قال حدثني الاحنف، ان عليا (عليه السلام) كان يأذن لبني هاشم و كان يأذن لي معهم، قال، فلما كتب اليه معاوية ان كنت تريد الصلح فامح عنك اسم الخلافة، فاستشار بني هاشم.
فقال له رجل منهم: انزح هذا الاسم نزحه اللّه، قالوا: فان كفار قريش لما كان بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بينهم ما كان، كتب هذا ما قضى عليه محمد رسول اللّه أهل مكة كرهوا ذلك و قالوا لو نعلم أنك رسول اللّه ما منعناك أن تطوف بالبيت، قال: فكيف اذا؟
____________
بيتها، موقرة مكرمة، رحبة الصدر، رخية البال، واسع السرب.
لأنها لم تكن مأمورة بالمسير الى البصرة و تجهيز الجيش و المطالبة بدم عثمان و مقاتلة علي بن أبي طالب (عليه السلام) على ذلك، و لا مضطرة الى شيء من ذلك، بل كانت في سعة عن ذلك كله.
و مع ذلك فانها كانت في طول باع من الشوكة و المقدرة، و اجتماع الجيوش و كثرة الاعوان و الانصار و العدد و العدد.
و أيضا خذلتها لأني لم أجد في كتاب اللّه الا أن تقر في بيتها اذ قال عزمن قائل «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» (1).
قوله: أوغص بالماء شاربه
غص بفتح الغين المعجمة و اهمال الصاد المشددة، و شاربه بالرفع على الفاعلية
____________
(1) سورة الاحزاب: 33
307
قالوا: أكتب هذا ما قضى عليه محمد بن عبد اللّه أهل مكة فرضي. (1) فقلت لذلك الرجل كلمة فيها غلظة و قلت لعلي أيها الرجل و اللّه مالك ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنا ما حابيناك في بيعتنا، و لو نعلم أحدا في الارض اليوم أحق بهذا الامر منك لبايعناه و لقاتلناك معه، أقسم باللّه ان محوت عنك هذا الاسم الذي دعوت الناس اليه و بايعتهم عليه لا يرجع إليك أبدا.
أبو عبد اللّه الجدلى و أبو داود
147- حدثنا محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن بن علي بن فضال قال: حدثني العباس بن عامر، و جعفر بن محمد بن حكيم، عن أبان بن عثمان الاحمر عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي داود، عن أبي عبد اللّه الجدلي، قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أحدثك بسبعة أحاديث قبل أن يدخل علينا داخل، قال فقلت افعل جعلت فداك.
قال، فقال: ما أنف الهدى و عيناه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين قال: و حاجبا الضلالة و منخرها تبدو مخازيهما في آخر الزمان، قال، قلت: أظن و اللّه يا أمير المؤمنين قال: و الدابة و ما الدابة عدلها و موضع صدقها، و الحق بينها و اللّه يهلك ظالمها.
و الرابعة: يقتل هذا و انت حي لا تنصره، قال، فضرب بيده على كتف الحسين (عليه السلام) قال، قلت و اللّه ان هذه لحياة خبيثة، و دخل داخل.
____________
و باء بالماء للتعدية.
في النهاية الاثيرية: يقال: غصصت بالماء أغص غصصا، فأنا غاص و غصان اذا شرقت به، أو وقف في حلقك فلم تقدر تسيغه (1).
قوله: فرضى
أي فرضي علي (عليه السلام) بما قال ذلك الرجل الهاشمي.
____________
(1) نهاية ابن الاثير: 3/ 370
308
148- و بهذا الاسناد: عن أبان، عن فضيل الرسان، عن أبي داود، قال:
حضرته عند الموت و جابر الجعفي عند رأسه، قال، فهمّ أن يحدث فلم يقدر، قال، و محمد بن جابر أرسله، قال، فقلت يا أبا داود حدثنا الحديث الذي أردت؟.
قال: حدثني عمران بن حصين الخزاعي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر فلانا و فلانا أن يسلما على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، فقالا: من اللّه و من رسوله؟ ثم أمر حذيفة و سلمان فسلما، ثم أمر المقداد فسلم، و أمر بريدة أخي و كان أخاه لأمه.
فقال: انكم قد سألتموني من وليكم بعدي، و قد أخبرتكم به و قد أخذت عليكم الميثاق، كما أخذ اللّه تعالى على بني آدم: أ لست بربكم؟ قالوا بلى، و أيم اللّه لئن نقضتموها لتكفرن.
عامر بن واثلة
(1) 149- حدثنا محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن بن علي بن فضال قال حدثني عباس بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن شهاب بن عبد ربه، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف أصبحت جعلت فداك؟ قال: أصبحت أقول، كما قال أبو الطفيل عامر بن واثلة:
و ان لا هل الحق لا شك دولة * * *على الناس اياها أرجّي و أرقب
____________
عامر بن واثلة
ذكره الشيخ في كتاب الرجال في باب الصحابة و قال: عامر بن واثلة أبو الطفيل (1)، ثم ذكره في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: عامر بن واثلة يكنى أبا الطفيل أدرك ثماني سنين من حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ولد عام أحد (2).
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: هو أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد اللّه
____________
(1) رجال الشيخ: 25
(2) رجال الشيخ: 47
309
قال: أنا و اللّه ممن يرجي و سيرقب، و كان عامر بن واثلة كيسانيا ممن يقول بحياة محمد بن الحنفية، و له في ذلك شعر، و خرج تحت راية المختار بن أبي عبيدة و كان يقول: ما بقي من السبعين غيري، و يقول عامر بن واثلة:
و بقيت سهما في الكنانة واحدا * * *سترمي به أو يكسر السهم كاسره
و كان أبو الطفيل رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو آخر من رآه موتا، و هو القائل:
و يدعونني شيخا و قد عشت حقبة * * *و هن من الازواج نحوي نوازع
و ما شاب رأسي من سنين تتابعت * * *علي و لكن شيبتني الوقائع
بنو ذودان
150- حدثنا محمد بن مسعود قال: سألت علي بن الحسن بن فضال عن بني ذودان الذين في الحديث؟ قال: هم قوم من الفرس بزّازون.
قيس
151- حدثني محمد بن مسعود، قال أخبرنا علي بن الحسن، قال حدثني معمر ابن خلاد قال، قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): ان رجلا من أصحاب علي (عليه السلام) يقال له:
قيس كان يصلي فلما صلى ركعة أقبل أسود سالخ (1) فصار في موضع السجود، فلما نحى
____________
ابن عمير بن جابر، من بني سعد بن ليث الليثي الكناني، و يقال: اسمه عمرو غلبت عليه كنيته، أدرك من حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ثماني سنين: و مات سنة مائة و اثنتين بمكة.
و هو آخر من مات من الصحابة في جميع الارض، روى عنه الزهري و أبو الزبير و جابر بن يزيد، واثلة بكسر الثاء المثلثة.
قيس
قوله (عليه السلام): أسود سالخ قال في الصحاح: السالخ: الاسود من الحيات يقال: أسود سالخ غير
310
جبينه عن موضعه تطوق الاسود في عنقه، ثم أنساب (1) في قميصه.
و أني أقبلت يوما من الفرع، (2) فحضرت الصلاة فنزلت فصرت الى ثمامة، فلما صليت ركعة أقبل أفعى نحوي، فأقبلت على صلاتي لم أخففها و لم ينتقص منها شيء
____________
مضاف، لأنه يسلخ جلده كل عام، و الانثى أسودة، و لا توصف بسالخة (1).
و في القاموس: و الانثى أسودة، و لا توصف بسالخة، و أسود و أسودان سالخ، و أساود سالخة و سوالخ و سلخ و سلخة (2).
قوله (عليه السلام): ثم أنساب
السيوب مجرى الماء، و انسابت الحية انسيابا خرجت قاله في مجمل اللغة.
و في الصحاح: ساب الماء يسيب أي جرى، و السيب بالكسر مجرى الماء، و أنساب فلان نحوكم رجع، و انسابت الحية جرت (3).
و يكون أيضا بمعنى الاسراع في المشي. و هو المراد هاهنا.
قوله (عليه السلام): من الفرع
الفرع بالتحريك اسم موضع بين البصرة و الكوفة على ما في الصحاح و القاموس (4).
و الفرع- بالضم و الاسكان- اسم موضع بين الحرمين الشريفين.
قال ابن الاثير في النهاية: في الحديث ذكر الفرع و هو بضم الفاء و سكون الراء موضع معروف بين مكة و المدينة (5).
____________
(1) الصحاح: 1/ 423
(2) القاموس: 1/ 261
(3) الصحاح: 1/ 150
(4) القاموس: 3/ 62 و الصحاح: 3/ 1258
(5) نهاية ابن الاثير: 3/ 437
311
فدنا مني ثم رجع الى ثمامة، فلما فرغت من صلاتي و لم أخفف دعائي: دعوت بعضهم معي فقلت: دونك الافعى تحت الثمامة، و من لم يخف الا اللّه كفاه.
قال أبو عمرو محمد بن عمر الكشي: في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعة نفر و أكثر يقال لكل واحد قيس فلا أعلم أيّهم هذا، أول الاربعة قيس بن سعد بن عبادة و هو أمير هم و أفضلهم، و قيس بن عباد البكري و هو خليق أيضا بهذا ان كان، و قيس بن قرّة بن حبيب غير خليق به، لأنه هرب الى معاوية، و قيس به مهران أيضا خليق ذلك به، فكل هؤلاء صحبوا أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا أدري أيّهم أراد أبو الحسن الرضا (عليه السلام).
المرقع بن قمامة الاسدى
152- حدثنا حمدويه بن نصير، قال: حدثنا الحسين بن موسى قال حدثنا عمرو بن عثمان، عن اسماعيل بن أبان الازدي، قال: حدثني مطهر، عن عبد اللّه ابن شريك العامري، عن المرقع بن قمامة الاسدي، قال: اذا هزّ محمد بن علي الراية المعلية بين الركن و المقام لوددت أني في ظلّها مجزوم الانف و الاذنين ذاهب البصر لا شيء يسددني، قال قلت: ان هذا الخطر عظيم! قال، فقال مرقع: اني سمعت عليا (عليه السلام) يقول: ان تلك العصابة نظراء لأهل بدر. هذا الخبر يدل على أنه كان كيسانيا.
عوف العقيلى
(1) 153- حدثني طاهر بن عيسى، ذكره عن جعفر بن أحمد بن سعد، أو غيره، عن صالح بن سلمة أبي الخير الرازي، عن ابن أبي نجران، عن أبي عمران، عن
____________
عوف العقيلى
قال الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في باب أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام): عوف العقيلي (1).
____________
(1) رجال الشيخ: 54
312
فرات بن أحنف، قال: العقيلي كان من أصحاب عليّ (عليه السلام) و كان حمّارا، (1) و لكنه يؤدّي الحديث كما سمع.
____________
و في جامع الاصول: العقيلي بضم العين المهملة و فتح القاف، منسوب الى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
قوله: و كان حمارا
باهمال الحاء و تشديد الميم، و الحمار في رجال الحديث و أسانيد الاخبار متكرر الذكر غير محصور في رجل واحد، و من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) داود بن سليمان أبو سليمان الحمار الكوفي الثقة. ذكره أبو العباس النجاشي- (رحمه اللّه تعالى)- في كتابه (1)، و الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في الفهرست (2) و في كتاب الرجال (3).
و ضبطه العلامة- (رحمه اللّه)- في الايضاح فقال: الحمار بالحاء المهملة و الميم المشددة و الراء أخيرا.
و كذلك الحسن بن داود قال في كتابه: الحمار بفتح الحاء المهملة و تشديد الميم (4).
و في الصحاح: الحمارة أصحاب الحمير في السفر الواحد حمار مثل جماز و جمال و بغال (5).
و من العجائب أن القاصرين من أهل هذا العصر يصحفون الحاء المهملة بالخاء المعجمة (6)، و يتوهمون أن العقيلي من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يشرب
____________
(1) رجال النجاشى: 122
(2) الفهرست: 94
(3) رجال الشيخ: 190
(4) رجال ابن داود: 144
(5) الصحاح: 2/ 637
(6) كما في المطبوع من رجال الكشى بجامعة مشهد
313
الزهاد الثمانية
154- علي بن محمد بن قتيبة، قال: سئل أبو محمد الفضل بن شاذان، عن الزهاد الثمانية؟ فقال: الربيع بن خثيم، و هرم بن حيّان، (1)
____________
الخمر، و الخمار في اللغة بياع الخمر، نعوذ باللّه من هذه الاوهام الفاسدة و الجهالات المضلة.
ثم ان الحسن بن داود (رحمه اللّه) قال في كتابه: العقيلى (ي- جش) جماز الحديث يرويه كما سمعه (1).
بفتح الجيم و تشديد الميم و الزاي أخيرا. و الجماز من الانسان و البعير السريع الشديد، المسرع في السير و العدو و الكلام و الحديث و النقل و غير ذلك، فذلك غير بعيد من مسلك الاستقامة.
و في بعض النسخ (2) ترجمان الحديث و هو أيضا. مستقيم.
و لكن الصحيح في كتاب الكشي على ما في عامة النسخ «و كان حمارا» باهمال الحاء المهملة و تشديد الميم و الراء أخيرا على ما قد ضبطناه فليتثبت.
الزهاد الثمانية
قوله (رحمه اللّه): و هرم بن حيان هرم- ككتف- ابن حيان قاله في القاموس (3)، وعده صحابيا في آخرين.
و قال في المغرب: الهرم كبر السن من باب لبس و باسم الفاعل منه سمي هرم ابن حيان قال القتيبي: و انما سمي هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين.
و في جامع الاصول: هرم بفتح الهاء و كسر الراء، و حيان بفتح الحاء المهملة و تشديد الياء تحتها نقطتان و بالنون.
____________
(1) رجال ابن داود: 235 و فيه العقيلى جخ ترجمان الحديث يرويه كما سمع.
(2) أى نسخ رجال ابن داود و هو كما في المطبوع منه بجامعة طهران.
(3) القاموس: 4/ 189
314
و أويس القرني، (1) و عامر بن عبد قيس، و كانوا مع علي (عليه السلام) و من أصحابه و كانوا زهّادا أتقياء.
و أما أبو مسلم فانه كان فاجرا (2) مرائيا، و كان صاحب معاوية، و هو الذي كان يحث الناس على قتال علي (عليه السلام)، و قال لعلي (عليه السلام): ادفع إلينا الانصار و المهاجرين حتى نقتلهم بعثمان، فأبى علي (عليه السلام) ذلك، فقال أبو مسلم: الان طاب الضراب، انما كان وضع فخّا و مصيدة.
____________
قوله (رحمه اللّه): و أويس القرنى
القرن بفتحتين حي من اليمن اليهم ينسب أويس القرني.
قال ابن الاثير في جامع الاصول: القرني- بفتح القاف و فتح الراء و بالنون- منسوب الى قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد. ردمان بفتح الراء و سكون الدال المهملة، و ناجية بالنون و الجيم و الياء تحتها نقطتان.
قلت: و أما ميقات أهل نجد فهو القرن بالتسكين، يقال له: قرن المنازل، و هو جبل مشرف على عرفات.
و لقد وقع الجوهري في الصحاح هنالك في الغلط مرتين اذ قال: القرن بالتحريك موضع و هو ميقات أهل نجد و منه أويس القرني (1). فلا تكن من الغافلين.
قوله (رحمه اللّه): و أما أبو مسلم فانه كان فاجرا
أبو مسلم الفاجر المرائي هذا اسمه أهبان، أورده الشيخ- (رحمه اللّه)- في باب الصحابة و قال: أهبان بن صيفي أبو مسلم سيئ الرأي في علي (عليه السلام) (2).
و في القاموس: أهبان كعثمان صحابي (3).
____________
(1) الصحاح: 6/ 2181
(2) رجال الشيخ: 5
(3) القاموس: 1/ 37
315
و أما مسروق فانه كان عشّارا لمعاوية، و مات في علمه ذلك بموضع أسفل من واسط على دجلة يقال: الرصافة و قبره هناك.
و الحسن كان يلقي أهل كل فرقة بما يهوون و يتصنّع للرئاسة، و كان رئيس القدرية و أويس القرني مفضّلا عليهم كلّهم، قال أبو محمد: ثم عرف الناس بعد.
أويس القرنى
155- روى يحيى بن آدم، عن شريك، عن ابن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى عبد الرحمن، قال: خرج رجل بصفين من أهل الشام، فقال: فيكم أويس القرني؟
قلنا نعم. قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: خير التابعين، أو من خير التابعين أويس القرني، ثم تحول إلينا.
156- و روى الحسن بن الحسين القمي، عن علي بن الحسن العرني، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال كنا مع علي (عليه السلام) بصفين، فبايعه تسعة و تسعون رجلا، ثم قال: أين تمام المائة لقد عهد إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يبايعني في هذا اليوم مائة رجل.
قال: اذ جاء رجل عليه قباء صوف متقلدا بسيفين، فقال: أبسط يدك أبايعك قال علي (عليه السلام): على ما تبايعني؟ قال: على بذل مهجة نفسي دونك، قال: من أنت؟
قال: أنا أويس القرني، قال: فبايعه فلم يزل يقاتل بين يديه حتى قتل فوجد في الرجالة.
و في رواية أخرى، قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): كن أويسا، قال: أنا أويس، قال: كن قرنيّا قال: أنا أويس القرني، و إيّاه يعني دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يفتخر فيها على نزار، و ينقض على الكميت بن زيد قصيدته التي يقول فيها:
الا حييت عنّا يا مدينا * * *أويس ذو الشفاعة كان منّا
فيوم البعث نحن الشافعونا * * *
أويس ذو الشفاعة كان منّا * * *فيوم البعث نحن الشافعونا
316
و كان أويس من خيار التابعين لم ير النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يصحبه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (عليه السلام) ذات يوم لأصحابه: أبشروا برجل من أمتي يقال له: أويس القرني فانه يشفع لمثل ربيعة و مضر.
ثم قال لعمر: يا عمر ان أنت أدركته فأقرئه مني السّلام، فبلغ عمر مكانه بالكوفة فجعل يطلبه في الموسم لعله أن يحج، حتى وقع اليه هو و أصحاب له و هو من أحسنهم هيئة و أرثهم حالا، فلما سأل عنه أنكروا ذلك، و قالوا: يا أمير المؤمنين تسأل عن رجل لا يسأل عنه مثلك، قال: فلم؟ قالوا: لأنه عندنا مغموز عليه في عقله، و ربما عبث به الصبيان، قال عمر: ذاك أحب إليّ.
ثم وقف عليه فقال: يا أويس ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أودعني إليك رسالة و هو يقرأ عليك السّلام، و قد أخبرني أنك تشفع لمثل ربيعة و مضر، فخرّ أويس ساجدا و مكث طويلا ما ترقى، له دمعة حتى ظنّوا أنه قد مات، فنادوه يا أويس هذا أمير المؤمنين، فرفع رأسه.
ثم قال: يا أمير المؤمنين أ فاعل ذلك؟ (1) قال: نعم يا أويس فادخلني في شفاعتك فأخذ الناس في طلبه و التمسح به، فقال: يا أمير المؤمنين شهرتني و أهلكتني، و كان يقول كثيرا ما لقيت من عمر، ثم قتل بصفين في الرجالة مع علي بن أبي طالب (عليه السلام).
157- و روي من جهة العامة: عن يعقوب بن شيبة، قال حدثنا علي بن الحكيم الاودي، قال حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لما كان يوم صفين خرج رجل من الشام على دابته، قال: أ فيكم أويس؟ قلنا: نعم
____________
أويس القرنى
قوله: أ فاعل ذلك؟
يعني أربي جل و عز فاعل ذلك بي؟ أ يجعلني من أهل الشافعة؟ و يشفعني في مثل ربيعة و مضر؟
317
ما تريد منه؟ قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أويس القرني خير التابعين بإحسان، قال: فعطف دابته فدخل مع علي (عليه السلام).
قال شريك: و قتل أويس في الرجّالة مع علي (عليه السلام).
158- و قال يعقوب بن شيبة، حدثنا يزيد بن سعيد، قال: حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، قال: سئل أشهد أويس صفين؟ قال: نعم.
علقمة و أبى و الحارث بنو قيس
159- روى يحيى الحماني، (1) قال حدثنا شريك، عن منصور، قال قلت لإبراهيم: أشهد علقمة صفين؟ قال: نعم و خضب سيفه دما، و قتل أخوه أبي بن قيس يوم صفين، قال: و كان لأبي بن قيس خص من قصب و لفرسه، فاذا غزى أهدمه و اذا رجع بناه.
و كان علقمة فقيها في دينه قاريا لكتاب اللّه، عالما بالفرائض شهد صفين و أصيبت احدى رجليه فعرج منها، و أما أخوه أبي فقد قتل بصفين، و كان الحارث جليلا فقيها و كان أعور.
____________
علقمة و أبى و الحارث بنو قيس
قوله (رحمه اللّه): روى يحيى الحمانى هو يحيى بن عبد الحميد الحماني باهمال الحاء المفتوحة و تشديد الميم و النون بعد الالف، له كتاب المناقب ذكره النجاشي (1) و الشيخ في الفهرست (2) و في باب لم من كتاب الرجال (3).
و سيأتي في أصل الكتاب في ترجمة المفضل بن عمر أنه قال أبو عمرو
____________
(1) رجال النجاشى: 347
(2) الفهرست: 206
(3) رجال الشيخ: 517
318
عبد الرحمن بن ابى ليلى
160- روى يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا خالد بن أبي يزيد العرني، قال حدثنا ابن شهاب، عن الاعمش، قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، و قد ضربه الحجاج حتى أسود كتفاه، ثم أقامه للناس على سب علي (عليه السلام) و الجلاوزة معه (1) يقولون سب الكذابين، فجعل يقول: العن الكذابين علي و ابن الزبير و المختار.
قال ابن شهاب: يقول أصحاب العربية سمعك (2)
____________
الكشي: قال يحيى بن عبد الحميد الحماني في كتاب المؤلف في اثبات امامة أمير المؤمنين (عليه السلام) قلت لشريك الى آخر ما قاله (1).
فقد ظهر أن يحيي بن عبد الحميد الحماني هو الذي يروي عن شريك، و الحماني نسبة الى حمان بالتشديد.
قال في الصحاح: و حمان- بالفتح- اسم رجل.
و في القاموس: و حمان بالكسر- حي من تميم. (2)
عبد الرحمن بن أبى ليلى
قوله: و الجلاوزة معه الجلواز- بكسر الجيم و اسكان اللام- الشرطي و الجمع الجلاوز بالفتح قاله صاحب الصحاح و القاموس. (3)
قوله: سمعك
بالنصب على تقدير العامل المحذوف عن اللفظ، لا عن النية، أى ألق سمعك.
____________
(1) رجال الكشى: 324 ط جامعة مشهد تحت رقم 588.
(2) القاموس: 4/ 101
(3) القاموس: 2/ 169 و الصحاح: 2/ 866.
319
تعلم (1) ما يقول، لقوله على أي هو ابتداء الكلام.
حجر بن عدى الكندى
161- يعقوب، قال: حدثنا ابن عيينة، قال: حدثنا طاوس، عن أبيه، قال أنبأنا حجر بن عدي، قال، قال لي علي (عليه السلام): كيف تصنع أنت اذا ضربت و أمرت بلعنتي؟ قلت له: كيف أصنع؟ قال العني و لا تبرأ مني فاني على دين اللّه.
قال و لقد ضربه محمد بن يوسف، و أمره أن يلعن عليا، و أقامه على باب مسجد صنعاء، قال فقال: ان الامير أمرني أن العن عليا فالعنوه لعنه اللّه، فرأيت مجوادا من الناس الا رجلا فهمها، و سلم.
رميلة
162- جعفر بن معروف، قال: حدثني الحسن بن علي بن النعمان، عن ابيه
____________
قوله: تعلم
بالجزم على جواب الامر المقدر المنوي و التاء اما للخطاب أو لتأنيت السمع بمعنى الاذن.
حجر بن عدى الكندى
قوله: فرأيت مجوادا من الناس.
النسخ مختلفة في هذه اللفظة ففي عضة منها «فرأيت محوذا» بضم الميم و تسكين الحاء المهملة و الذال المجمعة أخيرا على اسم الفاعل من الباب الافعال.
و في طائفة منها «محواذا» بكسر الميم، على مفعال من ابنية المبالغة، و الحوذ و الاحواذ السوق السريع و المحافظة على الشيء، و الحواذ- بالكسر- البعد و التباعد و أحوذ ثوبه جمعه للتنحي و التباعد.
و في نسخة اعجام الخاء من المخاوذة بمعنى المخالفة.
320
قال حدثني الشامي أحور بن الحسين، عن أبي داود السبيعي، عن أبي سعيد الخدري عن رميلة، قال: و عكت و عكا شديدا في زمان امير المؤمنين (عليه السلام) فوجدت من نفسي خفة يوم الجمعة، فقلت: لا أصيب شيئا أفضل من أن أفيض علي من الماء و أصلي خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) ففعلت، ثم جئت المسجد فلما صعد أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر عاد عليّ ذلك الوعك.
فلما انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل القصر و دخلت معه، فالتفت إليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: يا رميلة مالي رأيتك و أنت منشبك بعضك في بعض؟ فقصصت عليه القصة التي كنت فيها و الذي حملني على الرغبة في الصلاة خلفه.
فقال لي: يا رميلة ليس من مؤمن يمرض إلا مرضنا لمرضه، و لا يحزن الا حزنا لحزنه، و لا يدعو الا آمنا له، و لا يسكت إلا دعونا له، فقلت: يا أمير المؤمنين جعلت فداك هذا لمن معك في المصر، أ رأيت من كان في أطراف الارض؟ قال: يا رميلة ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الارض و لا غربها.
163- جبريل بن أحمد الفاريابي، قال حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران عن علي بن قيس، عن علي بن النعمان، عن بعض أصحابنا، عن رميلة، و كان رجلا من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذكر مثله.
الاصبغ بن نباتة
164- طاهر بن عيسى الوراق، قال: حدثنا جعفر بن أحمد التاجر، قال:
حدثني أبو الخير صالح بن أبي حماد، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن الاصبغ بن نباتة، قال: قلت للأصبغ ما كان منزلة هذا الرجل فيكم؟ فقال: ما أدري ما تقول الا أن سيوفنا على عواتقنا فمن أومي اليه ضربناه بها.
____________
و قوله رجلا فهمها و سلم أي فهم أن ضمير المفعول في فالعنوه و لعنه اللّه للأمير الفاجر، فتنطق بلعنه و قال: لعنه اللّه و سلم من الشر و الاذى.
321
165- محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن، عن مروك بن عبيد قال: حدثني ابراهيم بن أبي البلاد، عن رجل، عن الاصبغ، قال: قلت له كيف سميتم شرطة الخميس يا أصبغ؟ قال: انا ضمنا له الذبح و ضمن لنا الفتح، يعنى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه).
المهدى مولى عثمان
166- محمد بن مسعود، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عباس ابن عامر، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) أن المهدي مولى عثمان، أتي فبايع أمير المؤمنين، و محمد بن أبي بكر جالس، قال: أبايعك على أن الامر كان لك أو لا و أبرأ من فلان و فلان و فلان، فبايعه.
سليم بن قيس الهلالى
167- حدثني محمد بن الحسن البراثى قال: حدثنا الحسن بن علي بن كيسان، عن اسحاق بن ابراهيم بن عمر اليماني، عن ابن أذينه، عن أبان بن أبي عياش، قال: هذا نسخة كتاب سليم بن قيس العامري ثم الهلالي، دفعه الى ابان ابن ابي عياش و قراه، و زعم ابان انه قرأه على علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: صدق سليم (رحمة اللّه عليه) هذا حديث نعرفه.
محمد بن الحسن، قال: حدثنا الحسن بن علي بن كيسان، عن اسحاق بن ابراهيم، عن ابن اذينة عن أبان بن ابي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، قال قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) اني سمعت من سلمان و من مقداد و من ابي ذر اشياء في تفسير القرآن و من الرواية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رايت في ايدي الناس اشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبي اللّه (عليه السلام) انتم تخالفونهم و ذكر الحديث بطوله.
قال ابان: فقدر لي بعد موت علي بن الحسين (عليهما السلام) اني حججت فلقيت ابا
325
في السبعين رجلا من الزط الذين ادعوا الربوبية في أمير المؤمنين (ع)
175- حدثني الحسين بن الحسن بن بندار القمي، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، و عبد اللّه بن محمد بن عيسى، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن سهل، عن مسمع بن عبد الملك أبي سيار، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان عليا (عليه السلام) لما فرغ من قتال أهل البصرة: أتاه سبعون رجلا من الزط فسلموا عليه و كلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم.
و قال لهم: اني لست كما قلتم أنا عبد اللّه مخلوق، قال، فأبوا عليه و قالوا له أنت أنت هو، فقال لهم: لئن لم ترجعوا عما قلتم في و تتوبوا الى اللّه تعالى لأقتلنكم.
قال: فأبوا أن يرجعوا و يتوبوا، فأمر أن تحفر لهم آبار فحفرت، ثم خرق بعضها الى بعض ثم فرقهم فيها ثم طم رءوسها ثم ألهب النار في بئر منها ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتوا.
قيس بن سعد بن عبادة
176- جبريل بن أحمد و أبو اسحاق حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالوا:
حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي، عن يونس بن يعقوب، عن فضيل غلام محمد بن راشد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام): يقول: ان معاوية كتب الى الحسن بن علي (صلوات اللّه عليهما) ان أقدم أنت و الحسين و أصحاب علي.
فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الانصاري و قدموا الشام، فأذن لهم معاوية و أعد لهم الخطباء، فقال يا حسن قم فبايع فقام فبايع، ثم قال للحسين (عليه السلام) قم فبايع فقام فبايع، ثم قال قم يا قيس فبايع فالتفت الى الحسين (عليه السلام) ينظر ما يأمره، فقال يا قيس انه امامي يعني الحسن (عليه السلام).
326
177- حدثني جعفر بن معروف، قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن ذريح، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: دخل قيس بن سعد بن عبادة الانصاري صاحب شرطة الخميس على معاوية، فقال له معاوية بايع! فنظر قيس الى الحسن (عليه السلام)، فقال: ابا محمد بايعت؟ فقال له معاوية: أما تنتهي أما و اللّه أني، فقال له قيس: ما شئت أما و اللّه لان شئت لتناقصن، فقال، و كان مثل البعير جسيما، (1) و كان خفيف اللحية، قال، فقام اليه الحسن فقال له: بايع يا قيس فبايع.
____________
قيس بن سعد بن عبادة قوله: و كان مثل البعير جسيما
قال ابن الاثير في جامع الاصول: قيس بن سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي و قد تقدم تمام نسبه عند اسم أبيه في حرف السين، كان من كرام أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كان أحد الفضلاء الجلة، و أحد دهاة العرب، و أهل الرأي و المكيدة في الحرب مع النجدة و البسالة.
و كان شريف قومه غير مدافع هو و أبوه وجده، و كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما قدم مكة مكان صاحب الشرطة من الامراء و أعطاه الراية يومئذ لما انتزعها من أبيه.
و كان واليا لعلي بن أبي طالب على مصر، و لم يفارق عليا الى أن قتل، و مات هو بالمدينة سنة ستين و قيل: سنة تسع و خمسين.
روى عنه أنس بن مالك، و ثعلبة بن مالك، و الشعبي، و أبو نجيح، و ميمون ابن أبي شبيب، و كان قيس و عبد اللّه بن الزبير و شريح القاضي و الاحنف ليس في وجوههم شعر، و لا لأحدهم لحية، و كانت الانصار تقول: لوددنا أن نشتري لقيس ابن سعد لحية بأموالنا و كان مع ذلك جميلا.
نجيح بفتح النون و كسر الجيم و بالحاء المهملة. و شبيب بفتح الشين المعجمة
322
جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) فحدثت بهذا الحديث كله لم اخط منه حرفا (1) فاغر و رقت عيناه.
ثم قال: صدق سليم قد أتى أبي بعد قتل جدي الحسين (عليه السلام) و انا قاعد عنده فحدثه بهذا الحديث بعينه، فقال له ابي صدقت قد حدثني أبي و عمي الحسن (عليه السلام) بهذا الحديث، عن امير المؤمنين (عليه السلام) فقالا لك: صدقت قد حدثك بذلك و نحن شهود، ثم حدثاه انهما سمعا ذلك من رسول اللّه، ثم ذكر الحديث بتمامه.
جون بن قتادة و جارية بن قدامة السعدى
168- طاهر بن عيسى الوراق و غيره، قالوا حدثنا ابو سعيد جعفر بن احمد ابن ايوب التاجر السمرقندي، و نسخت من خط جعفر، قال: حدثني ابو جعفر محمد بن يحيى بن الحسن، قال جعفر: و رايته خيرا فاضلا، قال: اخبرني ابو بكر محمد بن علي بن وهب، قال: حدثني عدي بن حجر، قال قال الجون بن قتادة العبسي، في جارية بن قدامة السعدي حين وجهه امير المؤمنين (عليه السلام) الى اهل نجران عند ارتدادهم عن الإسلام:
تهود أقوام بنجران بعد ما * * *أقروا بآيات الكتاب و أسلموا
قصدنا اليهم في الحديد يقودنا * * *أخو ثقة ماضي الجنان مصمم
خددنا لهم في الارض من سوء فعلهم * * *أخا ديد فيها للمسيئين منقم
جويرية بن مسهر العبدى
169- حدثنا معروف، قال أخبرني الحسن بن علي بن النعمان، قال:
حدثني علي بن النعمان، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن جويرية بن
____________
سليم بن قيس الهلالى
قوله: لم أخط (1) منه حرفا اما بضم الهمزة و كسر الطاء بعد الخاء الساكنة افعالا من الخطاء على حذف
____________
(1) و في المطبوع من الرجال: «لم أحط» بالحاء المهملة
323
مسهر العبدي، قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: أحب محب آل محمد ما أحبهم فاذا أبغضهم فأبغضه، و أبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم، فاذا أحبهم فأحبه، و أنا أبشرك و أنا أبشرك و أنا أبشرك ثلاث مرات.
عبد اللّه بن سبأ
170- حدثني محمد بن قولويه القمّي، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمي، قال: حدثني محمد بن عثمان العبدي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن سنان، قال: حدثني أبي، عن أبي جعفر (عليه السلام) ان عبد اللّه بن سبأ كان يدعى النبوة و يزعم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو اللّه (تعالى عن ذلك).
فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدعاه و سأله؟ فأقر بذلك و قال نعم أنت هو، و قد كان ألقى في روعي أنك أنت اللّه و أني نبي. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك و تب، فابى فحبسه و استتابه ثلاثة أيام فلم يتب، فأحرقه بالنار و قال: ان الشيطان استهواه، فكان يأتيه و يلقى في روعه ذلك.
171- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد و محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول و هو يحدث أصحابه بحديث عبد اللّه بن سبأ و ما ادعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: انه لما ادعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبى أن يتوب فأحرقه بالنار.
____________
الهمزة الاخيرة بعد الطاء للتخفيف، من قولهم أخطأ السهم الرمية اذا عدل عنها و لم يصبها.
و اما بفتح الهمزة و ضم الطاء من الخطوة، أي لم أتجاوز حرفا على خطوته بمعنى أخطيته و تخطيته، أي تعديته و تجاوزته، استعمالا للافتعال في معني التفعل
327
ذكر يونس بن عبد الرحمن في بعض كتبه: أنه كان لسعد بن عبادة ستة أولاد كلهم قد نصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و فيهم قيس بن سعد بن عبادة، و كان قيس أحد العشرة الذين لحقهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من العصر الأول ممن كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم، و كان شبر الرجل منهم يقال: أنه مثل ذراع أحدنا، و كان قيس و سعد أبوه طولهما عشرة أشبار بأشبارهما.
و يقال: انه كان من العشرة خمسة من الانصار، و أربعة من الخزرج كلها، و رجل من الاوس.
و سعد لم يزل سيّدا في الجاهلية و الإسلام، و أبوه و جده و جدّ جده لم يزل فيهم الشرف، و كان سعد يجير فيجار ذلك له السؤددة، و لم يزل هو و أبوه أصحاب اطعام في الجاهلية و الإسلام، و قيس ابنه بعد على مثل ذلك.
سفيان بن ليلى الهمدانى
178- روي عن علي بن الحسن الطويل: عن علي بن النعمان، عن عبد اللّه ابن مسكان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاء رجل من أصحاب الحسن (عليه السلام) يقال له: سفيان بن ليلى و هو على راحلة له، فدخل على الحسن (عليه السلام) و هو محتب في فناء داره، قال: فقال له السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين.
____________
و كسر الباء الموحدة الاولى انتهى كلام جامع الاصول.
و قد كنا ذكرنا من قبل أن قيس بن سعد بن عبادة كان ممن لم يبايع أبا بكر و كان في بيعة علي (عليه السلام) أو لا و آخرا رضي اللّه تعالى عنه.
سفيان بن ليلى الهمدانى
قوله (عليه السلام): و هو محتب بضم الميم و اسكان الحاء المهملة و التاء المثناة من فوق المفتوحة و الباء الموحدة من الاحتباء افتعالا من الحباء.
324
172- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد و محمد بن عيسى، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب الازدي عن أبان بن عثمان، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لعن اللّه عبد اللّه بن سبأ أنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان و اللّه أمير المؤمنين (عليه السلام) عبدا للّه طائعا، الويل لمن كذب علينا و أن قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ الى اللّه منهم نبرأ الى اللّه منهم.
173- و بهذا الاسناد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير.
و أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه و الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، قال، قال علي بن الحسين (عليهما السلام) لعن اللّه من كذب علينا، اني ذكرت عبد اللّه بن سبا فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرا عظيما ما له لعنه اللّه، كان علي (عليه السلام) و اللّه عبدا للّه صالحا، أخو رسول اللّه، ما نال الكرامة من اللّه الا بطاعته للّه و لرسوله، و ما نال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الكرامة من اللّه الا بطاعته للّه.
174- و بهذا الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسى، عن ابن أبي نجران عن عبد اللّه، قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) انا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا و يسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أصدق الناس لهجة و أصدق البرية كلها، و كان مسيلمة يكذب عليه.
و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) أصدق من برأ اللّه بعد رسول اللّه، و كان الذي يكذب عليه و يعمل في تكذيب صدقه و يفترى على اللّه الكذب عبد اللّه بن سبأ.
الكشي و ذكر بعض أهل العلم أن عبد اللّه بن سبأ كان يهوديا فأسلم و والى عليا (عليه السلام)، و كان يقول و هو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في اسلامه بعد وفات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في علي (عليه السلام) مثل ذلك.
و كان أول من شهر بالقول بفرض امامة علي و أظهر البراءة من أعدائه و كاشف مخالفيه و كفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة أصل التشيع و الرفض مأخوذ من اليهودية.
329
ما جاء بك؟ قال: حبك قال اللّه (1) قال، فقال الحسن (عليه السلام): و اللّه لا يحبنا عبد أبدا (2) و لو كان أسيرا في الديلم الا نفعه اللّه بحبنا، و أن حبنا ليساقط الذنوب من بني آدم، كما تساقط الريح الورق من الشجر.
عبيد اللّه بن العباس
179- ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه: ان الحسن لما قتل ابوه (عليه السلام) خرج في شوال من الكوفة الى قتال معاوية، فالتقوا بكسكر و حاربه ستة أشهر،
____________
و أوردها امام علماء العامة فخر الدين الرازي في التفسير الكبير، و نحن نقلناه عنه في نبراس الضياء.
قوله (عليه السلام): قال: اللّه
على النصب بتقدير فعل الذكر، أو فعل القسم.
قوله (عليه السلام): و اللّه لا يحبنا عبد أبدا
و من طريق العامة قال أبو عبد اللّه الذهبي في ميزان الاعتدال: سفيان بن الليل الكوفي، روى عنه الشعبي قال العقيلى: و كان ممن يغلو في الرفض، عن الشعبي حدثني سفيان بن الليل قال: لما قدم الحسن بن علي- رضي اللّه عنهما- من الكوفة الى المدينة أتيته فقلت: يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل ذاك فاني سمعت أبي يقول سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا تذهب الايام و الليالي حتى يملك رجل و هو معاوية ثم قال: و قال أبو الفتح الازدي: سفيان بن الليل له حديث لا تمضي الامة حتى يليها رجل واسع البلعوم قال: و في لفظ آخر واسع الصوم يأكل و لا يشبع.
و في الحديث الاول من طريق الشعبي و سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من أحبنا بقلبه و أعاننا بيده و لسانه كنت أنا و هو في عليين، و من أحبنا بقلبه و أعاننا بلسانه و كف يده فهو في الدرجة التي تليها، و من أحبنا بقلبه و كف عنا لسانه و يده فهو في الدرجة التي تليها.
328
فقال له الحسن (عليه السلام)، انزل و لا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار، و أقبل يمشي حتى انتهى اليه، قال، فقال له الحسن (عليه السلام): ما قلت؟ قال: قلت السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين، قال: و ما علمك بذلك؟ قال: عمدت الى أمر الامة فخلعته من عنقك و قلدته هذه الطاغية يحكم بغير ما أنزل اللّه.
قال، فقال له الحسن (عليه السلام): ما خبرك لم فعلت ذلك (1) قال: سمعت أبي يقول قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لن تذهب الايام و الليالي حتى يلي أمر هذه الامة رجل واسع البلعوم رحب الصدر يأكل و لا يشبع و هو معاوية، فلذلك فعلت.
____________
و الفناء- بكسر الفاء و النون و الالف الممدودة- متسع أمام الدار و الاحتباء و الحبوة في القعود معروف، و قد ورد النهي عن ذلك في المسجد يوم الجمعة و الامام يخطب.
قال في القاموس: هو أن يجمع بين ظهره و ساقيه بعمامته أو يديه (1).
و في المغرب: الاحتباء أن يجمع بين ظهره و ساقيه بثوب أو غيره، و منه يقعد كيف شاء محتويا أو متربعا.
و في النهاية الاثيرية: الاحتباء هو أن يضم الانسان رجليه الى بطنه يجمعها به مع ظهره و يشد عليها، و قد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب (2).
قوله (عليه السلام): ما خبرك لما فعلت ذلك
بضم المعجمة و سكون الموحدة بمعنى العلم، أي ما علمك و معرفتك لم فعلت ذلك، انما فعلته لأني سمعت أبي (عليه السلام) يقول: ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد أخبر بأن ذلك مما قد جرى به قلم القضاء و القدر.
و في عضة من الروايات أنه (عليه السلام) ذكر لسفيان بن ليلى حديث نعسة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على المنبر.
____________
(1) القاموس: 4/ 315
(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 335
330
و كان الحسن (عليه السلام) جعل ابن عمّه عبيد اللّه بن العباس على مقدمته، فبعث اليه معاوية بمائة ألف درهم فمر بالراية و لحق بمعاوية و بقي العسكر بلا قائد و لا رئيس.
فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس و قال: أيها الناس لا يهولنكم ذهاب عبيد اللّه هذا لكذا و كذا، فانّ هذا و أباه لم يأتيا قط بخير، و قام بأمر الناس.
و وثب أهل عسكر الحسن (عليه السلام) بالحسن في شهر ربيع الاول فانتهبوا فسطاطه و أخذوا متاعه، و طعنه ابن بشير الاسدي في خاصرته، فردّوه جريحا الى المدائن حتى تحصن فيها عند عم المختارين أبي عبيدة.
180- و روى محمد بن عيسى العبيدي، عن محمد بن سنان، عن موسى بن بكر الواسطي، عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) اللهم العن ابني فلان و اعم أبصارهما، كما عميت قلوبهما الا كلين في رقبتي، و اجعل عمى أبصارهما دليلا على عمى قلوبهما.
عمرو بن قيس المشرقى
(1) 181- وجدت بخط محمد بن عمر السمرقندي، و حدثني بعض الثقات من أصحابنا، قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران القمي قال: حدثني محمد:
ابن اسماعيل عن علي بن الحكم، عن أبيه، عن أبي جارود، عن عمرو بن قيس المشرقي، قال: دخلت على الحسين بن علي (عليهما السلام) أنا و ابن عم لي، و هو في قصر بني مقاتل فسلمت عليه.
____________
عمر بن قيس المشرقى
ضبطه العامة (1) بالقاف.
و قال ابن الاثير في جامع الاصول: المشرقي بكسر الميم و فتح الراء و بالقاف منسوب الى بطن من همدان و قيل: مشرق موضع باليمن.
____________
(1) و في «م»: العلامة
334
ففزعنا فرفع رأسه فقال: يا سعيد أفزعت؟ قلت: نعم يا بن رسول اللّه فقال: هذا التسبيح الاعظم، حدثني أبي عن جدي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: لا يبقى الذنوب مع هذا التسبيح، فقلت: علّمنا.
188- و في رواية علي بن زيد: عن سعيد بن المسيّب، أنه سبّح في سجوده فلم يبق حوله شجرة و لا مدرة الا سبّحت بتسبيحه، ففزعت من ذلك و أصحابي.
ثم قال: يا سعيد ان اللّه جل جلاله لما خلق جبريل ألهمه هذا التسبيح فسبحت السماوات و من فيهن لتسبيحه الاعظم، و هو اسم اللّه عز و جل الاكبر.
يا سعيد، أخبرني أبي الحسين، عن أبيه، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن جبريل عن اللّه جل جلاله أنه قال: ما من عبد من عبادي آمن بي و صدق بك و صلى في مسجدك ركعتين على خلا من الناس إلا غفرت له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فلم أر شاهدا أفضل من علي بن الحسين (عليه السلام) حيث حدثني بهذا الحديث.
فلما أن مات شهد جنازته البر و الفاجر، و أثنى عليه الصالح و الطالح، و أنهال الناس يتبعونه حتى وضعت الجنازة، فقلت: ان أدركت الركعتين يوما من الدهر فاليوم، و لم يبق الارجل و امرأة ثم خرجا الى الجنازة.
و وثبت لأصلّي فجاء تكبير من السماء فأجابه تكبير من الارض فأجابه تكبير من السماء فأجابه تكبير من الارض، ففزعت و سقطت على وجهي فكبّر من في السماء سبعا و كبّر من في الارض سبعا و صلّى على علي بن الحسين (عليه السلام).
و دخل الناس المسجد فلم أدرك الركعتين و لا الصلاة على علي بن الحسين (عليه السلام) فقلت: يا سعيد لو كنت أنا لم أختر الا الصلاة على علي بن الحسين (عليه السلام) ان هذا لهو الخسران المبين، قال، فبكى سعيد ثم قال: ما أردت الا الخير ليتني كنت صليت عليه فانه ما رأى مثله.
و التسبيح هو هذا: سبحانك اللهم و حنانيك، سبحانك اللهم و تعاليت، سبحانك
332
ثم قالت: أ لا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليه السلام) قلنا بلى، قالت: سمعت الحسين بن علي (عليه السلام) يقول: نحن و شيعتنا على الفطرة التي بعث اللّه عليها محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و سائر الناس منها براء، و كانت قد أدركت أمير المؤمنين (عليه السلام) و عاشت الى زمان الرضا (عليه السلام) على ما بلغنى. و اللّه أعلم.
183- حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن اسحاق بن سويد الفراء، عن اسحاق بن عمار، عن صالح بن ميثم، قال: دخلت أنا و عباية الاسدي على حبابة الوالبية، فقال لها: هذا ابن أخيك ميثم، قالت: ابن اخي و اللّه حقا، أ لا احدثكم بحديث عن الحسين بن علي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقلت: بلى.
قالت: دخلت عليه و سلّمت فردّ السّلام و رحّب ثم قال: ما بطّأ بك عن زيارتنا و التسليم علينا يا حبابة؟ قلت: ما بطّأني الا علّة عرضت، قال: و ما هي؟
قالت: فكشفت خماري عن برص.
قالت: فوضع يده على البرص و دعا فلم يزل يدعو حتى رفع يده، و كشف اللّه ذلك البرص، ثم قال: يا حبابة أنه ليس أحد على ملّة ابراهيم في هذه الامة غيرنا و غير شيعتنا، و من سواهم منها براء.
سعيد بن المسيب
184- قال الفضل بن شاذان: و لم يكن في زمن علي بن الحسين (عليه السلام) في أول أمره الا خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيّب، محمد بن جبير ابن مطعم، يحيى بن أم الطويل، أبو خالد الكابلي و أسمه وردان و لقبه كنكر، سعيد بن المسيب رباه أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان حزن جد سعيد أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام).
185- محمد بن مسعود: قال: حدثني علي بن الحسن بن فضال، قال:
حدثنا محمد بن الوليد بن خالد الكوفي، قال: حدثنا العباس بن هلال، قال:
ذكر أبو الحسن الرضا (عليه السلام) أن طارقا مولى لبني أمية نزل ذا المروة عاملا على
333
المدينة، فلقيه بعض بني أمية، و أوصاه بسعيد بن المسيب و كلّمه فيه و أثنى عليه، و أخبره طارق أنه أمر بقتله، فأعلم سعيد بذلك و قال له تغيّب، و قيل له: تنحّ عن مجلسك فانه على طريقه، فأبى.
فقال سعيد: اللهم ان طارقا عبد من عبيدك ناصيته بيدك و قلبه بين أصابعك تفعل فيه ما تشاء فانسه ذكري و اسمي، فلما عزل طارق عن المدينة لقيه الذي كان كلّمه في سعيد من بني أمية بذي المروة، فقال، كلمتك في سعيد لتشفعني فيه فأبيت و شفعت فيه غيري، فقال: و اللّه ما ذكرته بعد اذ فارقتك حتى عدت إليك.
و روي عن بعض السلف، أنه لما مر بجنازة علي بن الحسين (عليه السلام) انجفل الناس فلم يبق في المسجد الا سعيد بن المسيب، فوقف عليه خشرم مولى أشجع فقال أبا محمد: أ لا تصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح؟ فقال سعيد:
أصلي ركعتين في المسجد أحب إلي أن أصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح.
186- و روي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، و عبد الرزاق، عن معمر، عن علي بن زيد، قال: قلت لسعيد بن المسيب انك أخبرتني أن علي بن الحسين النفس الزكية، و انك لا تعرف له نظيرا؟ قال:
كذلك و ما هو مجهول ما أقول فيه و اللّه ما رأى مثله.
قال علي بن زيد: فقلت و اللّه ان هذه الحجة الوكيدة عليك يا سعيد، فلم لم تصل على جنازته؟ فقال: ان القراء كانوا لا يخرجون الى مكة حتى يخرج علي بن الحسين، فخرج و خرجنا معه ألف راكب، فلما صرنا بالسقيا نزل فصلى و سجد سجدة الشكر فقال فيها.
187- و في رواية الزهري: عن سعيد بن المسيب، قال: كان القوم لا يخرجون من مكة حتى يخرج علي بن الحسين سيد العابدين، فخرج و خرجت معه فنزل في بعض المنازل فصلّى ركعتين فسبّح في سجوده فلم يبق شجر و لا مدر الا سبحوا معه
331
فقال له ابن عمي: يا أبا عبد اللّه هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال: خضاب و الشيب إلينا بني هاشم أسرع عجل، ثم أقبل علينا فقال: جئتما لنصرتي؟ فقلت له أنا رجل كبير السن كثير العيال و في يدى بضايع للناس و لا أدرى ما يكون و أكره أن تضيع أمانتي، فقال له ابن عمى مثل ذلك.
فقال: أما لي فانطلقا فلا تسمعا لي واعية (1) و لا تريا لي سوادا، فانّه من سمع و اعيتنا أو رأى سوادنا، فلم يجبنا و اعيتنا كان حقا على اللّه أن يكبه على منخريه في نار جهنم.
حبابة الوالبية
182- محمد بن مسعود، قال: حدثني جعفر بن أحمد، قال: حدثني العمركي عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عنبسة بن مصعب، و علي ابن المغيرة، عن عمران بن ميثم، قال: دخلت أنا و عباية الاسدي على امرأة من بني أسد يقال لها: حبابة الوالبية، فقال لها عباية: تدرين من هذا الشاب الذي معي؟
قالت: لا، قال: مه ابن أخيك ميثم. قالت: أي و اللّه أي و اللّه.
____________
قوله (عليه السلام): فلا تسمعا لى واعية
الواعية الصراخ و الصوت لا الصارخة قاله في القاموس قال: و وهم الجوهري (1)
قلت: قال الجوهري: الوعي بالتحريك الجلبة و الاصوات، و الواعية الصارخة (2).
و الحق ان الوعي بالتحريك الصراخ و الصوت و الواعية الجلبة و الاصوات و الواعية الصارخة أيضا، فالواعية يقال تارة: للصارخة، و تارة لأصواتهم المختلطة
قال في أساس البلاغة: الواعية الصراخ، و واعية القوم أصواتهم (3).
و قال في مجمل اللغة: الواعية الصارخة.
____________
(1) القاموس: 4/ 400
(2) الصحاح: 6/ 2526
(3) أساس البلاغة: 683
335
اللهم و العز ازارك، سبحانك اللهم و العظمة رداؤك، و يقال سربالك، سبحانك اللهم و الكبرياء سلطانك، سبحانك من عظيم ما أعظمك، سبحانك سبحت في الا على، سبحانك تسمع و ترى ما تحت الثرى.
سبحانك أنت شاهد كل نجوى، سبحانك موضع كل نجوى، سبحانك حاضر كل ملأ، سبحانك عظيم الرجاء، سبحانك ترى ما في قعر الماء، سبحانك تسمع أنفاس الحيتان في قعور البحار، سبحانك تعلم وزن السماوات، سبحانك تعلم وزن الارضين.
سبحانك تعلم وزن الشمس و القمر، سبحانك تعلم وزن الظلمة و النور، سبحانك تعلم وزن الفيء و الهواء، سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرة سبحانك قدوس قدوس قدوس، سبحانك عجبا من عرفك كيف لا يخافك، سبحانك اللهم و بحمدك، سبحان اللّه العلي العظيم.
189- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه القمي، عن القاسم بن محمد الاصفهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن محمد بن عمر، قال:
أخبرني أبو مروان، عن أبي جعفر، قال: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: سعيد ابن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار و أفهمهم في زمانه.
سعيد بن جبير
190- أبو المغيرة، قال: حدثني الفضل، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أن سعيد بن جبير كان يأتم بعلي بن الحسين (عليه السلام) و كان علي (عليه السلام) يثني عليه، و ما كان سبب قتل الحجاج له الا على هذا الامر، و كان مستقيما.
و ذكر أنه لما دخل على الحجاج بن يوسف قال له: أنت شقي بن كسير، قال: أمي كانت أعرف باسمي سمتني سعيد بن جبير، قال: ما تقول في أبي بكر و عمر هما في الجنة أو في النار؟ قال: لو دخلت الجنة فنظرت أهلها لعلمت من فيها، و ان دخلت النار و رأيت أهلها لعلمت من فيها.
336
قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال أيّهم أحب إليك قال: أرضاهم لخالقي، قال: و أيّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم و نجواهم، قال: أبيت أن تصدقني، قال: بلى لم أحب أن اكذبك.
أبو خالد الكابلى
191- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو عبد اللّه الحسين بن إشكيب قال: حدثني محمد بن أورمة، عن الحسين بن سعيد، قال: حدثني علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن ضريس، قال قال لي أبو خالد الكابلي: أما أني سأحدثك بحديث ان رأيتموه و أنا حي فقلت صدقني، و ان متّ قبل أن تراه ترحّمت عليّ و دعوت لي.
سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: ان اليهود أحبّوا عزيرا حتى قالوا فيه ما قالوا فلا عزير منهم و لا هم من عزير، و أن النصارى أحبّوا عيسى حتى قالوا فيه ما قالوا، فلا عيسى منهم و لا هم من عيسى.
و انا على سنّة من ذلك ان قوما من شيعتنا سيحبونا حتى يقولوا فينا ما قالت اليهود في عزير، و ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، فلا هم منا و لا نحن منهم.
192- الكشي: وجدت بخط جبريل بن أحمد، حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، عن محمد بن علي بن محمد بن عبد اللّه الحناط، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهرا و ما كان يشك في أنه امام.
حتى أتاه ذات يوم فقال له: جعلت فداك ان لي حرمة و مودة و انقطاعا، فأسألك بحرمة رسول اللّه و أمير المؤمنين الا أخبرتني أنت الامام الذي فرض اللّه طاعته على خلقه، قال فقال: يا أبا خالد حلّفتني بالعظيم، الامام علي بن الحسين (عليه السلام) علي و عليك و على كل مسلم.
فأقبل أبو خالد لما أن سمع ما قاله محمد بن الحنيفة جاء الى علي بن الحسين
337
(عليه السلام) فلما استأذن عليه فأخبر أن أبا خالد بالباب، فأذن له، فلما دخل عليه دنا منه قال:
مرحبا بك يا كنكر ما كنت لنا بزائر ما بدا لك فينا؟ فخر أبو خالد ساجدا شاكر للّه تعالى مما سمع من علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى عرفت فقال له علي: و كيف عرفت امامك يا أبا خالد؟ قال: انك دعوتني باسمي الذى سمتني أمي التي ولدتني، و قد كنت في عمياء من أمري و لقد خدمت محمد ابن الحنفية عمرا من عمري و لا اشك الا و أنه امام.
حتى اذا كان قريبا سألته بحرمة اللّه و بحرمة رسوله و بحرمة أمير المؤمنين فأرشدني إليك و قال: هو الامام علي و عليك و على خلق اللّه كلهم، ثم أذنت لي فجئت فدنوت منك سميتني باسمي الذي سمتني أمي فعلمت أنك الامام الذي فرض اللّه طاعته علي و على كل مسلم.
ابن مهران و الحسن و أبوه كلهم كذا روى.
193- و وجدت بخط جبريل بن أحمد: قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مهران، عن محمد بن علي، عن علي بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعه يقول: خدم ابو خالد الكابلي على بن الحسين (عليهما السلام) دهرا من عمره.
ثم انه أراد أن ينصرف الى أهله فأتى علي بن الحسين (عليه السلام) فشكى اليه شده شوقة الى و الديه، فقال: يا أبا خالد يقدم غدا رجلا من أهل الشام له قدر و مال كثير و قد أصاب بنتا له عارض من أهل الارض، و يريدون أن يطلبوا معالجا يعالجها، فاذا أنت سمعت قدومه: فأته و قل له أنا أعالجها لك على انني أشترط عليك أني أعالجها على ديتها عشرة آلاف درهم فلا تطمئن اليهم و سيعطونك ما تطلب منهم.
فلما أصبحوا قدم الرجل و من معه و كان رجلا من عظماء أهل الشام في المال و المقدرة، فقال: أما من معالج يعالج بنت هذا الرجل؟ فقال له أبو خالد: انا أعالجها على عشرة آلاف درهم، فان أنتم وفيتم وفيت لكم على ألا يعود اليها أبدا، فشرطوا ان يعطوه عشرة آلاف درهم.
338
ثم اقبل الى علي بن الحسين (عليه السلام) فأخبره الخبر، فقال: أني لا علم: أنهم سيغدرون بك و لا يفون لك انطلق يا أبا خالد فخذ بأذن الجارية اليسرى ثم قل يا خبيث يقول لك علي بن الحسين أخرج من هذه الجارية و لا تقعد.
ففعل أبو خالد ما أمره و خرج منها فأفاقت الجارية، فطلب أبو خالد الذي شرطوا له فلم يعطوه، فرجع مغتما كئيبا، قال له علي بن الحسين (عليه السلام) مالي أراك كئيبا يا أبا خالد؟ انهم يغدرون بك دعهم فانهم سيعودون إليك، فاذا لقوك فقل لهم لست أعالجها حتى تضعوا المال على يدي علي بن الحسين (عليه السلام) فعادوا الى أبي خالد يلتمسون مداواتها، فقال لهم اني لا أعالجها حتى تضعوا المال على يدي علي بن الحسين فرجع أبو خالد الى الجارية و أخذ بأذنها اليسرى ثم قال: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين (عليهما السلام) أخرج من هذه الجارية و لا تعرض لها الا بسبيل خير، فانك ان عدت أحرقتك بنار اللّٰهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، فخرج منها و لم يعد اليها، و دفع المال الى أبي خالد فخرج الى بلاده.
يحيى بن أم الطويل
194- محمد بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن جعفر بن عيسى عن صفوان، عمن سمعه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ارتد الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) الا ثلاثة أبو خالد الكابلي، و يحيى بن أم الطويل، و جبير بن مطعم، ثم ان الناس لحقوا و كثروا.
و روى يونس، عن حمزة بن محمد الطيار، مثله و زاد فيه و جابر بن عبد اللّه الانصاري.
195- حدثني أحمد بن علي، قال: حدثني أبو سعيد الادمي، قال: حدثنا الحسين بن يزيد النوفلي، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر الاول (عليه السلام) قال:
أما يحيى بن أم الطويل: فكان يظهر الفتوة. و كان اذا مشى في الطريق وضع الخلوق على رأسه و بمضغ اللبان و يطول ذيله، و طلبه الحجاج فقال: تلعن أبا تراب و أمر
339
بقطع يديه و رجليه و قتله.
و أما سعيد بن المسيب فنجا، و ذلك أنه كان يفتي بقول العامة، و كان آخر أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فنجا.
و أما أبو خالد الكابلي: فهرب الى مكه و اخفى نفسه فنجا.
و أما عامر بن واثلة: فكانت له يد عند عبد الملك بن مروان فلهى عنه.
و أما جابر بن عبد اللّه الانصارى: فكان رجلا من اصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يتعرض له و كان شيخا قد أسن.
و أما أبو حمزة الثمالي و فرات بن أحنف، فبقوا الى أيام أبى عبد اللّه (عليه السلام) و بقي أبو حمزة الى أيام أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام).
القاسم بن عوف
196- حدثني علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، قال: حدثني أبو عبد اللّه جعفر بن أحمد الرازي الخواري من قرية أسترآباد، عن محمد بن خالد أظنه البرقي عن محمد بن سنان، عن زياد بن المنذر أبي الجارود، عن القاسم بن عوف، قال:
كنت اتردد بين علي بن الحسين (عليه السلام) و بين محمد بن الحنفية، و كنت آتي هذا مرة و هذا مرة.
قال: و لقيت علي بن الحسين، قال، فقال لي: يا هذا اياك ان تأتي أهل العراق فتخبرهم انا استودعناك علما، فانا و اللّه ما فعلنا ذلك و اياك ان تترايس بنا فيضعك اللّه، و اياك أن تستأكل بنا فيزيدك اللّه فقرا، و اعلم أنك ان تكن ذنبا في الخير خير لك من أن تكون رأسا في الشر.
و اعلم أنه من يحدث عنا بحديث سألناه يوما فان حدث صدقا كتبه اللّه صديقا و ان حدث و كذب كتبه اللّه كذابا، و اياك أن تشد راحلة ترحلها فانما هاهنا يطلب العلم حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج، ثم يبعث اللّه لكم غلاما من ولد فاطمة (عليها السلام) ينبت الحكمة في صدره كما ينبت الطل و الزرع.
340
قال: فلما مضى علي بن الحسين (صلوات اللّه عليهما) حسبنا الايام و الجمع و الشهور و السنين، فما زادت يوما و لا نقصت حتى تكلم محمد بن علي بن الحسين (صلوات اللّه عليهم) باقر العلم.
المختار بن أبى عبيدة
197- حمدويه، قال: حدثني يعقوب، عن ابن أبي عمير. عن هشام بن المثنى عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تسبّوا المختار فانه قتل قتلتنا، و طلب بثارنا، و زوج أراملنا، و قسم فينا المال على العسرة.
198- محمد بن الحسن، و عثمان بن حامد، قالا: حدثنا محمد بن يزداد الرازي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عبد اللّه المزخرف، عن حبيب الخثعمي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان المختار يكذب على علي بن الحسين (عليهما السلام)
199- محمد بن الحسن، و عثمان بن حامد، قالا: حدثنا محمد بن يزداد عن محمد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد اللّه بن الزبير، عن عبد اللّه بن شريك، قال: دخلنا على أبي جعفر (عليه السلام) يوم النحر و هو متكئ، و قد أرسل الى الحلاق فقعدت بين يديه اذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه، ثم قال من أنت؟ قال: أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي، و كان متباعدا من أبي جعفر (عليه السلام) فمد يده اليه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده.
ثم قال: اصلحك اللّه ان الناس قد أكثروا في أبي و قالوا و القول و اللّه قولك قال: و أي شيء يقولون؟ قال: يقولون كذاب، و لا تأمرني بشىء الا قبلته.
فقال: سبحان اللّه أخبرني أبي و اللّه ان مهر أمي كان مما بعث به المختار، أو لم يبن دورنا؟ و قتل قاتلنا؟ و طلب بدمائنا؟ ف(رحمه اللّه).
و اخبرنى و اللّه أبى أنه كان ليسمر عند فاطمة بنت علي يمهدها الفراش؛ و يثنى لها الوسائد و منها أصاب الحديث، رحم اللّه أباك رحم اللّه أباك؛ ما ترك لنا حقا عند أحد الا طلبه، قتل قتلتنا، و طلب بدمائنا.
341
200- جبرئيل بن أحمد، حدثني العنبري، قال: حدثني محمد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كتب المختار بن أبي عبيد الى علي بن الحسين (عليهما السلام) و بعث اليه بهدايا من العراق، فلما وقفوا على باب علي بن الحسين دخل الاذن يستأذن لهم، فخرج اليهم رسوله فقال أميطوا عن بابي فاني لا اقبل هدايا الكذابين و لا أقرأ كتبهم.
فمحوا العنوان و كتبوا المهدي محمد بن علي، فقال ابو جعفر: و اللّه لقد كتب اليه بكتاب ما اعطاه فيه شيئا انما كتب اليه يا بن خير من طشى و مشى، فقال ابو بصير، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) اما المشى فانا أعرفه، فأي شيء الطشى؟ فقال ابو جعفر (عليه السلام) الحياة.
201- جبرئيل بن أحمد، قال: حدثني العنبري، قال حدثني علي بن اسباط عن عبد الرحمن بن حماد، عن علي بن حزور؛ عن الاصبغ، قال رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يمسح رأسه و يقول: يا كيّس يا كيّس.
202- ابراهيم بن محمد الختلي، قال: حدثني أحمد بن ادريس القمي، قال: حدثني محمد بن أحمد، قال، حدثني الحسن بن علي الكوفي، عن العباس ابن عامر، عن سيف بن عميرة، عن جارود بن المنذر، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
ما امتشطت فينا هاشمية و لا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برءوس الذين قتلوا الحسين (عليه السلام).
203- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني ابو الحسن علي بن ابي علي الخزاعي، قال حدثني خالد بن يزيد العمري المكي، قال الحسن بن زيد بن علي ابن الحسين، قال: حدثني عمر بن علي بن الحسين، ان علي بن الحسين (عليه السلام) لما اتي برأس عبيد اللّه بن زياد و رأس عمر بن سعد، قال: فخرّ ساجدا و قال الحمد للّه الذي أدرك لي ثاري من أعدائي، و جزى اللّه المختار خيرا.
204- محمد بن مسعود، قال حدثني ابن أبي علي الخزاعي، قال خالد بن
342
يزيد العمري، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي، أن المختار أرسل الى علي ابن الحسين (عليه السلام) بعشرين الف دينار، فقبلها و بنا بها دار عقيل بن أبي طالب و دارهم التي هدمت، قال: ثم أنه بعث اليه باربعين الف دينار بعد ما ظهر الكلام الذي أظهره، فردها و لم يقبلها.
و المختار هو الذي دعا الناس الى محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية و سموا الكيسانية و هم المختارية و كان لقبه كيسان، و لقب بكيسان لصاحب شرطه المكنى أبا عمرة و كان اسمه كيسان.
و قيل، انه سمي كيسان بكيسان مولى على بن ابى طالب (عليه السلام) و هو الذي حمله على الطلب بدم الحسين (عليه السلام) و دله على قتلته و كان صاحب سره و الغالب على امره.
و كان لا يبلغه عن رجل من اعداء الحسين (عليه السلام) انه في دار او في موضع الا قصده، فهدم الدار بأسرها و قتل كل من فيها من ذي روح، و كل دار بالكوفه خراب فهي مما هدمها، و اهل الكوفة يضربون بها المثل، فاذا افتقر انسان قالوا دخل ابو عمرة بيته، حتى قال فيه الشاعر:
ابليس بما فيه خير من أبي عمرة * * *يغويك و يطغيك و لا يطغيك كسرة
شعيب مولى على بن الحسين (ع)
205- حدثني أبو الحسن عمر بن علي التفليسى، قال: حدثني محمد بن سعيد ابن أخي سهل بن زياد الادمي، عمن ذكره، عن يونس بن عبد الرحمن عن داود الرقي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: شعيب مولى علي بن الحسين (عليهما السلام) و كان ما علمناه جبارا.
عبد اللّه البرقى
206- وجدت في كتاب محمد بن الحسن بن بندار القمي بخطه. حدثني
343
علي بن ابراهيم بن هاشم، عن الحسين بن عبد اللّه البرقي المعرف بالسكري عن أبيه، قال: سألت علي بن الحسين (عليهما السلام) عن النبيذ؟ فقال: قد يشربه قوم، و حرمه قوم صالحون، فكان شهادة الذين منعوا بشهادتهم شهواتهم أولى بأن تقبل من الذين جروا بشهادتهم شهواتهم.
عبد اللّه البرقي هذا عامي، الا أن هذا حديث حسن قريب الاسناد.
الفرزدق
207- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني أبو الفضل محمد بن أحمد بن مجاهد، قال: حدثنا العلاء بن محمد بن زكريا بالبصرة، قال: حدثنا عبيد اللّه بن محمد بن عائشة، قال حدثني أبي، ان هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك و الوليد، فطاف بالبيت فاراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه و أطاف به أهل الشام.
فبينا هو كذلك اذ أقبل علي بن الحسين (عليه السلام) و عليه ازار و رداء، من أحسن الناس وجها و أطيبهم رائحة بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت فاذا بلغ الى موضع الحجر تنحى الناس عنه حتى يستلمه هيبة له و أجلالا، فغاظ ذلك هشاما.
فقال له رجل من اهل الشام لهشام، من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة و أفرجوا له عن الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق و كان حاضرا: لكني أعرفه، فقال الشامي من هذا يا أبا فراس؟ فقال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * * *و البيت تعرفه و الحل و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * * *هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا علي رسول اللّه والده * * *أمست بنور هداه تهتدي الامم
اذا رأته قريش قال قائلها * * *الى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمي الى ذروة العز الذي قصرت * * *عن نيلها عرب الإسلام و العجم
344
يكاد يمسكه عرفان راحته * * *ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم
يغضي حياء و يغضى من مهابته * * *فلا يكلم الا حين يبتسم
ينشق نور الهدى عن نور غرته * * *كالشمس تنجاب عن اشراقها الظلم
بكفه خيزران ريحها عبق * * *من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول اللّه نبعته * * *طابت عناصره و الخيم و الشيم
حمال أثقال أقوام اذا فدحوا * * *حلو الشمائل يحلوا عنده النعم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله * * *بجده أنبياء اللّه قد ختموا
اللّه فضله قدما و شرفه * * *جرى بذاك له في لوحه القلم
من جده دان فضل الانبياء له * * *و فضل أمته دانت له الامم
عم البرية بالاحسان و انقشعت * * *عنها العماية و الاملاق و العدم
كلتا يديه غياث عم نفعهما * * *تستو كفان و لا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره * * *يزينه خصلتان الخلق و الكرم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته * * *رحب الفناء أريب حين يعتزم
من معشر حبهم دين و بغضهم * * *كفر و قربهم منجى و معتصم
يستدفع السوء و البلوى بحبهم * * *و يستربّ به الاحسان و النعم
مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم * * *في كل يوم و مختوم به الكلم
ان عد أهل التقى كانوا ائمتهم * * *أو قيل من خير أهل الارض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم * * *و لا يدانيهم قوم و أن كرموا
هم الغيوث اذا ما أزمة أزمت * * *و الاسد أسد الشرى و الناس محتدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم * * *خيم كريم و أيد بالندى هضم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم * * *سيان ذلك ان اثروا و ان عدموا
أي الخلائق ليست في رقابهم * * *لأوّليّة هذا أوله نعم
من يعرف اللّه يعرف أولية ذا * * *فالدين من بيت هذا ناله الامم
345
قال: فغضب هشام و أمر بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان بين مكة و المدينة فبلغ ذلك علي بن الحسين (عليه السلام)، فبعث اليه باثنى عشر ألف درهم، و قال: أعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها عليه و قال: يا بن رسول اللّه ما قلت الذي قلت الا غضبا لله و لرسوله، و ما كنت لأرزي عليه شيئا، فردها عليه و قال: بحقي عليك لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك و علم نيتك، فقبلها فجعل الفرزدق يهجو هشاما و هو في الحبس فكان مما هجا به قوله:
أ يحبسني بين المدينة و التي * * *اليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * * *و عينا له حولاء باد عيوبها
فبعث اليه فاخرجه.
زرارة بن أعين
208- محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن بن فضال، قال:
حدثني أخواي محمد و أحمد ابنا الحسن، عن أبيهما الحسن بن علي بن فضال عن ابن بكير، عن زرارة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا زرارة ان اسمك في أسامي أهل الجنة بغير ألف، قلت: نعم جعلت فداك اسمي عبد ربه و لكني لقبت بزرارة.
209- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد القمي، قال:
حدثني محمد بن أحمد، عن عبد اللّه بن أحمد الرازي، عن بكر بن صالح، عن ابن أبي عمير: عن هشام بن سالم، عن زرارة، قال: اسمع و اللّه بالحرف من جعفر بن محمد (عليه السلام) من الفتيا فازداد به ايمانا.
210- حدثني جعفر بن محمد بن معروف، قال، حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن تغلب، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان أباك حدثني أن الزبير و المقداد و سلمان الفارسي حلقوا رءوسهم ليقاتلوا أبا بكر، فقال لي: لو لا زرارة لظننت أن أحاديث أبي (عليه السلام) ستذهب.
346
211- حدثني حمدويه بن نصير قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب السراد، عن العلاء بن رزين، عن يونس بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان زرارة قد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه لا يرث مع الام و الاب و الابن و البنت أحد من الناس شيئا إلا زوج أو زوجة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) فلا يجوز أن ترده.
و أما في الكتاب في سورة النساء فان اللّه عز و جل يقول «يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثٰا مٰا تَرَكَ وَ إِنْ كٰانَتْ وٰاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (1)» يعني اخوة الاب و أم و أخوة الاب، و الكتاب يا يونس قد ورّث هاهنا مع الابناء، فلا تورث البنات الا الثلثين.
212- محمد بن مسعود، عن الخزاعي عن محمد بن زياد أبي عمير، عن علي بن عطية، عن زرارة، قال: و اللّه لو حدثت بكلما سمعته من أبي عبد اللّه (عليه السلام) لانتفخت ذكور الرجال على الخشب.
213- حدثني ابراهيم بن العباس الختلي، قال: حدثني أحمد بن ادريس القمي، قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن أبي الصهبان او غيره عن سليمان بن داود المنقري، عن ابن أبي عمير، قال: قلت لجميل بن دراج، ما أحسن محضرك و أزين مجلسك؟ فقال: أي و اللّه ما كنا حول زرارة بن أعين الا بمنزلة الصبيان في الكتّاب حول المعلم.
214- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، و عبد اللّه بن محمد بن عيسى أخوه، و الهيثم بن أبي مسروق، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسين بن محبوب، عن
____________
(1) سورة النساء: 11
347
العلاء بن رزين، عن يونس بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان زرارة، و ذكر مثل الحديث الذي رواه حمدويه بن نصير، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب
215- حدثني حمدويه بن نصير، عن يعقوب بن يزيد، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أحب الناس إلي أحياء و أمواتا أربعة: بريد بن معاوية العجلي، و زرارة، و محمد بن مسلم، و الاحول و هم أحب الناس إلي أحياء و أمواتا.
216- محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه، قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يوما و دخل عليه الفيض بن المختار، فذكر له آية من كتاب اللّه عز و جل تأولها أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقال له الفيض: جعلني اللّه فداك ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ قال: و أي الاختلاف يا فيض؟
فقال له الفيض: اني لا جلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم. حتى أرجع الى المفضل بن عمر، فيوقفني من ذلك على ما تستريح اليه نفسي، و يطمئن اليه قلبي.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أجل هو كما ذكرت يا فيض، ان الناس أولعوا بالكذب علينا ان اللّه افترض عليهم لا يريد منهم غيره و اني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، و ذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا و بحبنا ما عند اللّه و انما يطلبون به الدنيا، و كل يحب أن يدعى رأسا، أنه ليس من عبد يرفع نفسه الا وضعه اللّه، و ما من عبد وضع نفسه الا رفعه اللّه و شرفه.
فاذا أردت بحديثنا فعليك بهذا الجالس و أومى بيده الى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه فقالوا: زرارة بن أعين.
217- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني يعقوب بن يزيد، و محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن أبي عمير، عن ابراهيم بن عبد الحميد
348
و غيره، قالوا: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): رحم اللّه زرارة بن أعين، لو لا زرارة بن أعين، لو لا زرارة و نظراؤه لاندرست أحاديث أبي (عليه السلام).
218- حدثني الحسين بن بندار القمي، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمي، قال: حدثنا علي بن سليمان بن داود الرازي، قال: حدثني محمد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: زرارة و أبو بصير و محمد بن مسلم و بريد من الذين قال اللّه تعالى «وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (1).
219- حدثني حمدويه: قال حدثني يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد الا قطع، قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول ما أجد أحدا أحيا ذكرنا و أحاديث أبي (عليه السلام) الا زرارة و ابو بصير ليث المرادي و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية العجلي، و لو لا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا.
هؤلاء حفاظ الدين و أمناء ابي (عليه السلام) على حلال اللّه و حرامه، و هم السابقون إلينا في الدنيا و السابقون إلينا في الآخرة.
220- حدثني محمد بن قولويه و الحسين بن الحسن، قالا: حدثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه المسمعي، قال: حدثني علي بن حديد المدائني عن جميل بن دراج، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستقبلني رجل خارج من عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) من أهل الكوفة من اصحابنا.
فلما دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لي. لقيت الرجل الخارج من عندي؟
فقلت بلي هو رجل من أصحابنا من أهل الكوفة، فقال لا (قدس اللّه روحه) و لا قدس مثله انه ذكر أقواما كان أبي (عليه السلام) ائتمنهم على حلال اللّه و حرامه و كانوا عيبة علمه و كذلك اليوم هم عندي، هم مستودع سري أصحاب أبي (عليه السلام) حقا، اذا أراد اللّه
____________
(1) سورة الواقعة: 10.
349
بأهل الارض سوءا صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي أحياء و أمواتا يحيون ذكر أبي (عليه السلام) بهم يكشف اللّه كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين و تأول الغالين، ثم بكى.
فقلت: من هم؟ فقال: من عليهم صلوات اللّه و رحمته احياء و امواتا، بريد العجلي و زرارة و أبو بصير و محمد بن مسلم، أما أنه يا جميل سيبين لك أمر هذا الرجل الى قريب، قال جميل: فو اللّه ما كان الا قليلا حتى رأيت ذلك الرجل ينسب الى أصحاب أبي الخطاب، قلت: اللّه يعلم حيث يجعل رسالاته، قال جميل: و كنا نعرف أصحاب أبي الخطاب ببغض هؤلاء (رحمة اللّه عليهم).
221- حدثني حمدوية بن نصير، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد قال:
حدثني يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن زرارة.
و محمد بن قولويه و الحسين بن الحسن؛ قالا: حدثنا سعد بن عبد اللّه قال حدثني هارون بن الحسن بن محبوب، عن محمد بن عبد اللّه بن زرارة و ابنيه الحسن و الحسين، عن عبد اللّه بن زرارة قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) اقرأ مني على والدك السّلام.
و قل له: اني انما أعيبك دفاعا مني عنك فان الناس و العدو يسارعون الى كل من قربناه و حمدنا مكانه لا دخال الاذى في من نحبه و نقربه، و يرمونه لمحبتنا له و قربه و دنوه منا، و يرون ادخال الاذى عليه و قتله و يحمدون كل من عبناه نحن و أن نحمد أمره.
فانما أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا و لميلك إلينا و أنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الاثر لمودتك لنا و لميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك و نقصك و يكون بذلك منا دافع شرهم عنك يقول اللّه جل و عز «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا وَ كٰانَ وَرٰاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» (1).
____________
(1) سورة الكهف: 79
350
هذا التنزيل من عند اللّه صالحة، لا و اللّه ما عابها الا لكي تسلم من الملك و لا تعطب على يديه، و لقد كانت صالحة ليس للعيب منها مساغ و الحمد للّه.
فافهم المثل يرحمك اللّه، فانك و اللّه أحب الناس إلي، و أحب أصحاب أبي (عليه السلام) حيا و ميتا، فانك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، أن من ورائك ملكا ظلوما غصوبا يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدى ليأخذها غصبا ثم يغصبها و أهلها.
فرحمة اللّه عليك حيا و رحمته و رضوانه عليك ميتا، و لقد أدى إلي ابناك الحسن و الحسين رسالتك، حاطهما اللّه و كلاهما و رعاهما و حفظهما بصلاح أبيهما كما حفظ الغلامين.
فلا يضيقن صدرك من الذي أمرك أبي (عليه السلام) و أمرتك به، و أتاك أبو بصير بخلاف الذي أمرناك به، فلا و اللّه ما أمرناك و لا أمرناه الا بأمر وسعنا و وسعكم الاخذ به.
و لكل ذلك عندنا تصاريف و معان توافق الحق، و لو أذن لنا لعلمتم أن الحق في الذي أمرناكم به، فردوا إلينا الامر و سلموا لنا و اصبروا لا حكامنا و ارضوا بها، و الذي فرق بينكم فهو راعيكم الذي استرعاه اللّه خلقه، و هو اعرف بمصلحة غنمه في فساد أمرها، فان شاء فرق بينها لتسلم، ثم يجمع بينها لتأمن من فسادها و خوف عدوها في آثار ما يأذن اللّه، و يأتيها بالامن من مأمنه و الفرج من عنده.
عليكم بالتسليم و الرد إلينا و انتظار أمرنا و أمركم و فرجنا و فرجكم، و لو قد قام قائمنا و تكلم متكلمنا، ثم استأنف بكم تعليم القرآن و شرايع الدين و الاحكام و الفرائض، كما أنزله اللّه على محمد (صلّى اللّه عليه و آله) لأنكم أهل البصائر (1) فتكم ذلك اليوم
____________
زرارة بن أعين
قوله (عليه السلام): لأنكم (1) أهل البصائر لام التعليل الداخلة على أن باسمها و خبرها على ما في أكثر النسخ متعلقة
____________
(1) و في المطبوع من الرجال: لا نكر أهل البصائر فتكم ذلك اليوم الخ.
351
انكار شديدا.
ثم لم تستقيموا على دين اللّه و طريقه، الا من تحت حد السيف فوق رقابكم،
____________
باستيناف التعليم.
و «فتكم» بفتح الفاء و تشديد التاء المثناة من فوق جملة فعلية على جواب لو.
و «ذلك اليوم» منصوب على الظرف، و «انكار شديد» مرفوع على الفاعلية.
و المعنى: شق عصاكم، و كسر قوة اعتقادكم، و بدد جمعكم، و فرق كلمتكم.
قال في أساس البلاغة: فتات المسك و هو كسارته و سقاطته و كذلك فتات الخبز و فتات العهن، و هذا مما يفت كبدي، وفت عضده اذا كسر قوته و فرق عنه أعوانه (1).
و في النهاية الاثيرية: يقال لكل من أحدث شيئا في أمرك دونك قد افتات عليك فيه، و فلان يفتات عليه في كذا (2).
قلت: و ذلك افتعال من الفوت لا من الفت.
و في القاموس: الفت الدق و الكسر بالاصابع و الشق في الصخرة، وفت في ساعده أضعفه، و الفتات ما تفتت و أهل بيت فت مثلثة الفاء منتشرون (3).
و في بعض النسخ «انكارا شديدا» نصبا على التمييز، أو على نزع الخافض و ذلك اليوم بالرفع على الفاعلية.
و ربما يوجد في النسخ: لأنكر، بفتح اللام، للتأكيد، و أنكر على الفعل من الانكار، و أهل البصائر بالرفع على الفاعلية، و فيكم بحرف الجر المتعلقة بمجرورها بأهل البصائر للظرفية، أو بمعنى منكم، و ذلك اليوم بالنصب على الظرف، و انكارا شديدا منصوبا على المفعول المطلق، أو على التمييز فليعرف.
____________
(1) أساس البلاغة: 461.
(2) نهاية ابن الاثير: 3/ 477.
(3) القاموس: 1/ 153.
352
ان الناس بعد نبي اللّه (عليه السلام) ركب اللّه به سنة من كان قبلكم، فغيروا و بدلوا و حرفوا و زادوا في دين اللّه و نقصوا منه، فما من شيء عليه الناس اليوم الا و هو محرف عما نزل به الوحي من عند اللّه فاجب رحمك اللّه من حيث تدعى الى حيث تدعى، حتى يأتي من يستأنف بكم دين اللّه استينافا، و عليك بالصلاة الستة و الاربعين، و عليك بالحج أن تهل بالافراد، و تنوي الفسخ اذا قدمت مكة و طفت و سعيت، فسخت ما أهللت به.
و قلبت الحج عمرة أحللت الى يوم التروية ثم استأنف الاهلال بالحج مفردا الى منى و تشهد المنافع بعرفات و المزدلفة، فكذلك حج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هكذا أمر أصحابه ان يفعلوا: ان يفسخوا ما أهلوا به و يقلبوا الحج عمرة، و انما أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على احرامه لسوق الذي ساق معه، فان السائق قارن و القارن لا يحل حتى يبلغ هديه محله، و محله المنحر بمنى، فاذا بلغ أحل، فهذا الذي أمرناك به حج المتمتع.
فالزم ذلك و لا يضيقن صدرك، و الذي أتاك به أبو بصير من صلاة احدى و خمسين، و الا هلال بالتمتع بالعمرة الى الحج و ما أمرنا به من أن يهل بالتمتع فلذلك عندنا معان و تصاريف لذلك ما يسعنا و يسعكم و لا يخالف شيء من ذلك الحق و لا يضاده، و الحمد للّه رب العالمين.
222- حدثني محمد بن قولويه، قال حدثنا سعد بن عبد اللّه القمي، عن محمد ابن عبد اللّه المسمعي، و أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن أسباط، عن الحسين ابن زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليهما السلام): ان أبي يقرأ عليك السّلام و يقول لك جعلني اللّه فداك أنه لا يزال الرجل و الرجلان يقدمان فيذكران أنك ذكرتني و قلت في فقال: اقرأ أباك السّلام، و قل له أنا و اللّه أحب لك الخير في الدنيا و أحب لك الخير في الآخرة، و أنا و اللّه عنك راض فما تبالي ما قال الناس بعد هذا.
223- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، قال: دخل زرارة على أبي
353
عبد اللّه (عليه السلام) فقال يا زرارة متأهل أنت؟ قال: لا، قال: و ما يمنعك من ذلك؟ قال: لأني لا أعلم تطيب مناكحة هؤلاء أم لا؟
قال: فكيف تصبر و أنت شاب؟ قال أشتري الاماء، قال: و من أين طاب لك نكاح الاماء؟ قال: لان الامة ان رابني من أمرها شيء بعتها، قال: لم أسألك عن هذا، و لكن سألتك من أين طاب لك فرجها؟ قال له: فتأمرني أن أتزوج؟ قال له: ذاك إليك.
قال: فقال له زرارة هذا الكلام ينصرف على ضربين: اما أن لا تبالي أن أعصي اللّه اذ لم تأمرني بذلك، و الوجه الاخر أن تكون مطلقا لي، قال: فقال عليك بالبلهاء
(1) قال فقلت: مثل التي تكون على رأي الحكم بن عيينة (2) و سالم بن أبي حفصة؟
____________
قوله (ع): عليك بالبلهاء
في حديث الزبرقان بن عمرو (1) امية الضميري: خير أولادنا الابله العقول و خير النساء البلهاء و قال: و لقد لهوت بطفلة مياله بلهاء تطلعني على أسرارها.
قال ابن الاثير في النهاية: يريد أنه لشدة حيائه كالأبله و هو عقول، و قال في الحديث «ان أكثر أهل الجنة البله» جمع الابله، و هو الغافل عن الشر المطبوع على الخير، و قيل: هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور و حسن الظن بالناس، لأنهم أغفلوا من دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها، و أقبلوا على آخرتهم، و شغلوا أنفسهم بها، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة، فاما الابله و هو الذي لا عقل له فغير مراد في الحديث (2).
قوله (رحمه اللّه): على رأى الحكم بن عيينة
الحكم بن عيينة كان استاذ زرارة من قبل، فانقطع عنه و اتصل بأبي جعفر (عليه السلام) كما ذكره أبو عمرو الكشي في الجزء الثالث من الكتاب.
____________
(1) و في «م»: عمرو بن امية
(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 155
354
قال: لا، التي لا تعرف ما أنتم عليه و لا تنصب، قد زوج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبا العاص ابن الربيع و عثمان بن عفان، و تزوج عائشة و حفصة و غيرهما، فقال: لست أنا بمنزلة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذي كان يجري عليهم حكمه و ما هو الا مؤمن أو كافر قال اللّه عز و جل «فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (1).
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأين أصحاب الاعراف؟ و أين المؤلفة قلوبهم؟
و أين الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا؟ و أين الذين لم يدخلوها و هم يطمعون؟
قال زرارة: أ يدخل النار مؤمن؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا يدخلها الا أن يشاء اللّه قال زرارة: فيدخل الكافر الجنة؟ فقال أبو عبد اللّه: لا، فقال زرارة: هل يخلو أن يكون مؤمنا أو كافرا؟.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قول اللّه أصدق من قولك يا زرارة، بقول اللّه أقول، يقول اللّه خ ج (1) «لَمْ يَدْخُلُوهٰا وَ هُمْ يَطْمَعُونَ» (2) لو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنة، و لو كانوا كافرين لدخلوا النار، قال: فما ذا؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أرجهم حيث أرجاهم اللّه أما أنك لو بقيت لرجعت عن هذا الكلام و لحللت عقدك قال، و أصحاب زرارة يقولون لرجعت عن هذا الكلام و تحللت عنك عقد الايمان.
قال أصحاب زرارة: فكل من أدرك زرارة بن أعين، فقد أدرك أبا عبد اللّه (عليه السلام) فانه مات بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) بشهرين أو أقلّ و توفى ابو عبد اللّه (عليه السلام) و زرارة مريض مات في مرضه ذلك.
____________
قوله (ع): خ ج
رمز خ ج مسمى الخاء المعجمة أولا و مسمى الجيم أخيرا، اشارة الى قول اللّه جل و عز «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ» (3).
____________
(1) سورة التغابن: 2
(2) سورة الاعراف: 46
(3) سورة التوبة: 106
355
224- حدثني ابو عبد اللّه محمد بن ابراهيم الوراق، قال: حدثني علي بن محمد بن يزيد القمي قال: حدثني بنان بن محمد بن عيسى. عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن أبي عمير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال كيف تركت زرارة؟ قال: تركته لا يصلي العصر حتى تغيب الشمس، قال: فأنت رسولي اليه فقل له فليصل في مواقيت اصحابه فاني قد حرقت، قال: فأبلغته ذلك فقال: أنا و اللّه أعلم أنك لم يكذب عليه و لكني أمرني بشيء فأكره أن أدعه.
225- حدثني محمد بن قولويه، قال حدثني سعد بن عبد اللّه، قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى و علي بن اسماعيل بن عيسى، عن محمد بن عمرو بن سعيد الزيات، عن يحيى بن محمد بن عيسى أبي حبيب، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العبد الى اللّه من صلاته؟ فقال: ست و أربعون ركعة فرائضه و نوافله، فقلت: هذه رواية زرارة، فقال: أ ترى أن أحدا كان أصدع بحق من زرارة.
226- حدثني حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن القاسم بن عروة عن ابن بكير، قال: دخل زرارة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: انكم قلتم لنا في الظهر و العصر على ذراع و ذراعين، ثم قلتم أبردوا بها في الصيف، فكيف الابراد بها؟
و فتح ألواحه ليكتب ما يقول، فلم يجبه أبو عبد اللّه (عليه السلام) بشىء، فأطبق ألواحه فقال: انما علينا أن نسألكم و أنتم أعلم بما عليكم.
و خرج و دخل أبو بصير على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال ان زرارة سألني عن شيء فلم أجبه و قد ضقت فاذهب أنت رسولي اليه، فقل صل الظهر في الصيف اذا كان ظلك مثلك و العصر اذا كان ظلك مثليك، و كان زرارة هكذا يصلي في الصيف، و لم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير.
227- حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمر، عن ابن أذينة، عن زرارة، قال: كنت قاعدا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنا و حمران، فقال له حمران:
356
ما تقول فيما يقول زرارة فقد خالفته فيه؟ قال: فما هو؟ قال يزعم أن مواقيت الصلاة مفوضة الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو الذي وضعها، قال: فما تقول أنت؟ قال: قلت أن جبريل (عليه السلام) أتاه في اليوم الاول بالوقت الاول و في اليوم الثاني بالوقت الاخير ثم قال جبريل: يا محمد ما بينهما وقت.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) يا حمران ان زرارة يقول: انما جاء جبريل مشيرا على محمد (عليه السلام)، صدق زرارة، فجعل اللّه ذلك الى محمد (عليه السلام) فوضعه و أشار جبريل عليه.
228- حدثنا محمد بن مسعود، قال حدثنا جبريل بن أحمد الفاريابي، قال:
حدثني العبيدى محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، قال:
سمعت زرارة يقول: رحم اللّه أبا جعفر و اما جعفر فان في قلبي عليه لعنة! (1) فقلت له:
____________
قوله (رحمه اللّه): فان في قلبى عليه لعنة (1)
بفتح اللام للتأكيد و اهمال العين مفتوحة أو مضمومة و تشديد النون، أي أن في قلبي عليه لعنة، أي أن في قلبي لعارضا و اعتراضا عليه، عنّ للنفس و عرض للقلب و هجس في الصدر و خطر في الضمير معتنا معترضا.
أو أن في قلبي شدة و ملاجة و هيجانا في المعانة و الاعتنان أي المعارضة و الاعتراض.
و العنن أي اللجاج و المحاجة و المؤاخذة عليه أو لعارضة و غائلة عليه فجأة لست أدري ما سببها، من قولهم: أعننت بعنة ما أدري ما هي، أي تعرضت لشيء ما أعرفه
قال في مجمل اللغة: و لقيته عين عنة، أي فجاءة. و العنن شبه اللجاج.
و في بعض النسخ اعجام الغين المضمومة اما على الاستعارة من الغنة للمستور في حجاب القلب المكنون في كنان الضمير، أو بمعنى الغلظة.
قال في المغرب: الغنه صوت من اللهاة و الانف مثل نون منك و عنك، لأنه لا حظ لها في اللسان، و الخنة أشد منها، قال أبو زيد: الغن الذي يجري كلامه في
____________
(1) و في المطبوع من الرجال: لفتة.
357
و ما حمل زرارة على هذا؟ قال: حمله على هذا لان أبا عبد اللّه (عليه السلام) أخرج مخازيه.
229- حدثني حمدويه، و ابراهيم ابنا نصير، قالا: حدثنا العبيدي، عن هشام ابن ابراهيم الختلي و هو المشرقي، قال قال لي أبو الحسن الخراساني (عليه السلام) كيف تقولون في الاستطاعة بعد يونس فذهب فيها مذهب زرارة، و مذهب زرارة هو الخطاء؟
فقلت: لا، و لكنه بأبي أنت و أمي ما يقول زرارة في الاستطاعة، و قول زرارة فيمن قدر و نحن منه براء و ليس من دين آبائك، و قال الآخرون بالجبر و نحن منه براء و ليس من دين آبائك.
قال: فبأي شيء تقولون؟ قلت بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سأل عن قول اللّه عز و جل
____________
لهاته، و الاخن الساد الخياشم، و الغنة أيضا ما يغتري الغلام عند بلوغه اذا غلظ صوته.
و قال في مجمل اللغة: واد أغن ملتف فترى الريح تجري و لها غنة و يقال: بل ذلك لكثرة ذبانه.
ثم ان السيد جمال الدين بن طاوس كأنه على ما يستذاق من كلامه و يستشم من سياقه، قد صحف النون بالياء المثناة من تحت بعد العين المهملة، من العي- بالكسر- و هو الجهل و خلاف البيان، و الغين المعجمة- بالفتح- و هو الجهل و خلاف الرشد كما في مجمل اللغة و غيره.
و ذلك لأنه قال في اختياره من كتاب الكشي في الجواب عن هذا الحديث و الطعن فيه بهذه العبارة: و قد روى من طريق محمد بن عيسى عن يونس ان زرارة استقل علم الصادق (عليه السلام).
و ما أبعد هذا من الحق و هل يشك مخالف أو مؤلف في جلالة علم مولانا الصادق (عليه السلام) و لقد أكثر محمد بن عيسى من القول في زرارة حتى لو كان بمقام عدالة كادت الظنون تسرع اليه بالتهمة، فكيف و هو مقدوح فيه انتهى كلامه.
و قد أسمعناك من قبل أن محمد بن عيسى غير ساقط الدرجة عن مقام العدالة
358
وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) ما استطاعته؟ قال، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) صحته و ما له فنحن بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) نأخذ قال: صدق أبو عبد الله (عليه السلام) هذا هو الحق.
230- حدثني طاهر بن عيسى الوراق، قال: حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب قال حدثني أبو الحسن صالح بن أبي حماد الرازي، عن ابن أبي نجران عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت الذين آمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم قال أعاذنا اللّه و اياك من ذلك الظلم قلت: ما هو؟ قال: هو و اللّه ما أحدث زرارة و أبو حنيفة و هذا الضرب قال: قلت: الزنا معه؟ قال: الزنا ذنب.
231- حدثني محمد بن نصير قال: حدثني محمد بن عيسى، عن حفص مؤذن علي بن يقطين يكني أبا محمد، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الذين آمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم؟ قال: أعاذنا الله و اياك يا أبا بصير من ذلك الظلم ذلك ما ذهب فيه زرارة و أصحابه و أبو حنيفة و أصحابه.
232- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن حمزة، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بلغني أنك برئت من عمي يعني زرارة؟ قال، فقال: انا لم أبرأ من زرارة لكنهم يجيئون و يذكرون و يروون عنه، فلو سكت عنه الزمونيه، فأقول من قال هذا فأنا الى اللّه منه بريء.
233- محمد بن مسعود، قال: حدثني عبد اللّه بن محمد بن خالد، قال: حدثني الوشاء، عن ابن خداش، عن علي بن اسماعيل عن ربعي، عن الهيثم بن حفص العطار قال سمعت حمزة بن حمران، يقول حين قدم من اليمن: لقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له بلغنى أنك لعنت عمي زرارة قال: فرفع يديه حتى صك بها صدره، ثم قال: لا و اللّه ما قلت و لكنكم تأتون عنه بأشياء فأقول من قال هذا فأنا منه بريء.
قال قلت فأحكي لك ما يقول؟ قال نعم قال قلت: ان الله عز و جل لم يكلف العباد
____________
(1) سورة آل عمران: 97
359
الا ما يطيقون، و أنهم لن يعملوا الا أن يشاء الله و يريد و يقضي، قال: هو و الله الحق.
و دخل علينا صاحب الزطى فقال له يا ميسر أ لست على هذا؟ قال: على أي شيء أصلحك الله أو جعلت فداك؟ قال: فأعاد هذا القول عليه كما قلت له، ثم قال:
هذا و الله ديني و دين آبائي.
234- حدثني أبو جعفر محمد بن قولويه، قال: حدثني محمد بن أبي القاسم أبو عبد اللّه المعروف بماجيلويه (1)، عن زياد بن أبي الحلال، قال: قلت لأبي عبد اللّه
____________
قوله: حدثنى أبو جعفر الى قوله حدثنى محمد بن أبى القاسم أبو عبد اللّه المعروف بما جيلويه
طريق هذا الحديث صحيح بلا امتراء اتفاقا.
و من العجب كل العجب من السيد جمال الدين بن طاوس اذ قال: الذي يظهر أن الرواية غير متصلة، لان محمد بن أبي القاسم كان معاصرا لأبي جعفر محمد ابن بابويه، و يبعد أن يكون زياد بن أبي الحلال عاش من زمن الصادق حتى لقيه محمد بن أبي القاسم معاصر أبي جعفر بن بابويه.
و كيف خفى عليه أن المعاصر لأبي جعفر بن بابويه محمد بن علي ما جيلويه لا محمد بن أبي القاسم، و كثيرا ما في الفقيه و في سائر كتبه يقول في الاسانيد: حدثني محمد بن علي ما جيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم.
و يظهر من النجاشي أن محمد بن أبي القاسم جد محمد بن علي ما جيلويه المعاصر لأبي جعفر محمد بن بابويه، فانه ذكر في كتابه ان محمد بن أبي القاسم الملقب ما جيلويه صهر أحمد بن أبي عبد اللّه على ابنته و ابنه محمد بن علي منها.
ثم قال أخبرنا اي علي بن أحمد (رحمه اللّه) قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين يعني به أبي جعفر بن بابويه قال: حدثنا محمد بن علي ما جيلويه قال: حدثنا أبي علي بن محمد عن أبيه محمد بن أبي القاسم (1) فتدبر.
____________
(1) رجال النجاشى: 273
360
(عليه السلام) ان زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئا (1) فقبلنا منه و صدقناه، و قد أحببت أن أعرضه عليك، فقال: هاته، قلت: فزعم أنه سألك عن قول اللّه عز و جل «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» فقلت: من ملك زادا و راحلة، فقال: كل من ملك زادا و راحلة، فهو مستطيع للحج و ان لم يحج؟ فقلت نعم.
____________
قوله: روى عنك في الاستطاعة شيئا.
القول المنسوب الى زرارة و أصحابه، و قد قال مولانا الصادق (عليه السلام) أنه بريء منه، و أن ذلك ليس من دينه و دين آبائه (صلوات اللّه عليهم)، هو تفويض الفعل و اسناده الى قدرة العبد و ارادته على الاستقلال بالذات من غير استناد الى اللّه و ارادته تعالى سلطانه أصلا الا بالعرض، و فريق جم من العامة يسمون أصحاب هذا القول بالقدرية.
و لعل من في اقليم العقل و البرهان يعلم أنه من الممتنع أن يتصحح للممكن الذاتي (1) تحقق بالفعل من دون الاستناد الى الواجب الحق بالذات.
و في ازاء هذا القول قول الجبرية بالتحريك و أولئك هم القدرية على التحقيق و اياهم عني النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «القدرية مجوس هذا الامة» كما قد أسلفنا بيانه، و هو اسناد أفعال العباد الى اللّه سبحانه ابتداء و نفي مدخلية قدرة العبد و ارادته في فعله مطلقا، و كان ذا العقل الصريح و الذهن الصراح ليس يحتاج في ابطال ذلك الى مؤنة تجشم.
و الطريق الوسط الذي هو القول الفصل و الدين الحق و الكلمة السواء أنه لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين الامرين، فان المبادي المترتبة المنبعث عنها فعل العبد مبتدأة في جهة التصاعد من القدرة الحقة الوجوبية و الارادة الحقيقية الربوبية، و منتهية في جهة التنازل الى قدرة العبد و ارادته المنبعث عنهما فعله، و الجميع في نظام الوجود مستند الى الذات الاحدية الحقة التي هي في حد نفسها عين العلم المحيط
____________
(1) في «س»: الذاتية
361
فقال: ليس هكذا سألني و لا هكذا قلت، كذب علي و اللّه كذب علي و اللّه لعن اللّه زرارة لعن اللّه زرارة، لعن اللّه زرارة، انما قال لي من كان له زاد و راحلة فهو مستطيع للحج؟ قلت: و قد وجب عليه الحج (1)، قال: فمستطيع هو؟ فقلت: لا حتى يؤذن له، قلت: فأخبر زرارة بذلك؟ قال: نعم. قال زياد: فقدمت الكوفة فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و سكت عن لعنه، فقال: اما أنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، و صاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال.
____________
التام، و القدرة الحقيقية الواجبة، و الارادة الحقة القدوسية.
فهذا دين مولانا الصادق و آبائه الصادقين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و هو دين اللّه الحق الذي ارتضاه لعباده المؤمنين فليثبت.
قوله (ع): قلت: وجب عليه الحج
مولانا الصادق (عليه السلام) حيث فسر الاستطاعة للحج بالصحة البدنية و السعة المالية انما رام بها الاستطاعة المترتبة عليها وجوب الحج و استقرار التكليف به في ذمة المكلف.
فزرارة لم يفهم ذلك، فمن سوء فهمه حسب أنه (عليه السلام) أراد بها الاستطاعة المنبعث عنها فعل الحج و ايقاعه.
و لم يعلم أن تلك الاستطاعة انما هي ارادة العبد المستندة الى ارادة اللّه تعالى و مشيته، كما يقول القرآن الحكيم «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ»* (1) فالعبد مختار غير مجبور في فعله.
ضرورة أن فعله منبعث عن ارادته و اختياره، و ان كانت المبادي و الاسباب المترتبة الموجبة لإرادته و اختياره مستندة الى إرادة اللّه تعالى و اختياره، فلا يريد و لا يختار الا أن يؤذن له في قضاء اللّه سبحانه و قدره، و الثواب و العقاب من لوازم
____________
(1) سورة الانسان: 30
362
235- قال أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي: و حدثني أبو الحسن محمد بن بحر الكرماني الدهني (1) النرماشيري قال: و كان من الغلاة الحنقين (2) قال: حدثني أبو العباس المحاربي الجزري، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، قال حدثنا فضالة بن أيوب، عن فضيل الرسان، قال: قيل لأبي عبد الله (عليه السلام) ان زرارة يدعى أنه أخذ عليك الاستطاعة؟ قال: لهم عقرا (3) كيف أصنع بهم، و هذا المرادي بين يدى و قد أريته و هو أعمى بين السماء و الارض فشك و أضمر أني ساحر، فقلت:
____________
، ماهيات الافعال و مترتبان على استحقاق العبد لهما من جهة ارادته و اختياره.
و بسط القول هنالك على ذمة كتاب الايقاضات و على ذمة كتاب قبسات الحق المبين.
قوله (رحمه اللّه): الدهنى
بضم الدال نسبة الى بني دهن.
قال في القاموس: بنودهن بالضم حي منهم معاوية بن عمار الدهني (1).
قوله: من الغلاة الحنقيين
بفتح الحاء المهملة و كسر النون قبل القاف، أي المتعصبين المعاندين المتغيظين على أهل الحق.
قال في الصحاح: الحنق الغيظ، و الجمع حناق كجبل و جبال و قد حنق عليه بالكسر أي اغتاظ فهو حنق (2).
قوله (ع): لهم عقرا (3)
يقال عقرا لفلان بفتح العين المهملة و التنوين و هو دعاء عليه بالقطع و الهلاك و الاستيصال.
____________
(1) القاموس: 4/ 224
(2) الصحاح: 4/ 1465
(3) و في المطبوع من الرجال: عفرا.
363
اللهم لو لم تكن جهنم الا اسكرجة (1) لوسعها آل اعين بن سنسن، قيل: فحمران؟ قال حمران ليس منهم.
قال الكشى: محمد بن بحر هذا غال، و فضالة ليس من رجال يعقوب. و هذا الحديث مزاد فيه (2) مغير عن وجهه.
____________
قال في مجمل اللغة: و جدعا و عقرا لفلان، و للمرأة حلقي و عقري أي عقر اللّه جسدها و أصابها بداء في حلقها.
و في أساس البلاغة: و يقال في الدعاء: جدعا له و عقرا و عقري حلقي و أن بني فلان عقروا مراعي القوم اذا قطعوها و أفسدوها (1).
و في المغرب: و لا تعقرن شجرا أي لا تقطعن و في حديث صفيه عقري حلقي على فعلي، و قيل: الالف للوقف، و فيه دعاء بقطع الرجل و الحلق أو بحلق الرأس و عن أبي عبيد عقر جسدها و أصيبت بداء في حلقها.
قوله: الا أسكرجة
في النهاية الاثيرية في الحديث «لا آكل في سكرجة» هى- بضم السين و الكاف و الراء و التشديد- اناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الادم، و هي فارسية معربة و أكثر ما يوضع فيها الكوامخ و نحوها (2).
و ربما يقال: الا سكرجة اناء صغير لا يسع من الماء أكثر من خمسة مثاقيل.
قوله (رحمه اللّه): مزاد فيه
بضم الميم على البناء للمجهول كما في مغير عن وجهه، فان الزوادة بالواو كالزيادة بالياء سيان في المعنى، فصح في البناء للمفعول المزاد فيه و المزيد فيه بمعنى واحد.
____________
(1) أساس البلاغة: 430
(2) نهاية ابن الاثير: 2/ 384.
364
236- حدثنا محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، قال: حدثني يونس بن عبد الرحمن؛ عن عمر بن أبان عن عبد الرحيم القصير، قال، قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): ايت زرارة و بريدا فقل لهما ما هذه البدعة التي ابتدعتماها؟ اما علمتما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كل بدعة ضلالة.
قلت له: اني أخاف منهما فأرسل معي ليثا المرادي فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله (عليه السلام)، فقال: و الله لقد أعطاني الاستطاعة و ما شعر، فاما بريد فقال:
لا و الله لا أرجع عنها أبدا.
237- حدثني حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن يونس، عن مسمع كردين أبي سيار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لعن الله بريدا و لعن الله زرارة.
238- حدثني محمد بن مسعود، قال حدثني جبريل بن أحمد، عن محمد ابن عيسى، عن يونس، عن اسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
ذكره عنده بنو أعين: فقال و اللّه ما يريد بنو أعين الا ان يكونوا علي غلب.
239- محمد بن مسعود، قال حدثني جبرئيل بن أحمد، عن العبيدي، عن يونس، عن هارون بن خارجة، قال: سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل
____________
و ذلك لان اليائي يتعدى و لا يتعدى يقال: زاد مال فلان زيادة، أي ازداد، أو زاد هو في علمه أو ماله أي ازداد فيه، و زاده اللّه خيرا أو علما على خلاف الامر في الواوي، فلا يقال: الا أزاده اياه زوادة.
و المزادة بالفتح و المزادة بالضم كلاهما في الاصل اسم المكان، الاول من الزيادة و الثاني على هيئة اسم المفعول من باب الافعال من الزوادة و الجمع المزاود و صاحب القاموس نسب الجوهري هناك الى الوهم و هو و هم (1).
____________
(1) هذه الزيادة في «م» فقط بخط السيد الداماد (ره).
365
«الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ» قال: هو ما استوجبه أبو حنيفة و زرارة.
240- و بهذا الاسناد: عن يونس، عن خطاب بن مسلمة، (1) عن ليث المرادي قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا يموت زرارة الا تائها.
241- بهذا الاسناد: عن يونس، عن ابراهيم المؤمن، عن عمران الزعفراني (2) قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لأبي بصير: يا أبا بصير و كنى (3) أثنى عشر رجلا ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع، لعنه الله، هذا قول ابي عبد الله.
242- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن عمار ابن المبارك، قال: حدثني الحسن بن كليب الاسدي، عن أبيه كليب الصيداوي، أنهم كانوا جلوسا، و معهم عذافر الصيرفي، و عدة من أصحابهم معهم أبو عبد الله (عليه السلام) قال، فابتدأ أبو عبد الله (عليه السلام) من غير ذكر لزرارة، فقال لعن الله زرارة لعن الله زرارة لعن اللّه زرارة ثلاث مرات.
243- محمد بن مسعود، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن حريز قال: خرجت
____________
قوله: عن خطاب بن مسلمة
خطاب ابن مسلمة- بفتح الميم و اسكان السين- الكوفي من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) ثقة، يروي كتابه عدة من أجلة أصحابنا منهم أبي عمير قاله النجاشي (1) و غيره.
قوله: عن عمران الزعفرانى
عمران بن اسحاق الزعفراني الكوفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ذكره الشيخ في كتاب الرجال (2).
قوله: كنى
بفتح الكاف و تشديد النون من التكنية، أي خاطب اثنى عشر رجلا بالكنية
____________
(1) رجال النجاشى: 118
(2) رجال الشيخ: 257
366
الى فارس، و خرج معنا محمد الحلبي الى مكة، فاتفق قدومنا جميعا الى حزين، (1) فسألت الحلبي فقلت له أطرفنا بشيء، قال: نعم جئتك بما تكره، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في الاستطاعة؟ فقال: ليس من ديني و لا دين آبائي.
فقلت: الان ثلج عن صدري، و الله لا أعود لهم مريضا، و لا أشيع لهم جنازة و لا أعطيهم شيئا من زكاة مالي، قال: فاستوى أبو عبد الله (عليه السلام) جالسا و قال لي كيف قلت؟ فأعدت عليه الكلام فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي (عليه السلام) يقول أولئك قوم حرم الله وجوههم على النار، فقلت: جعلت فداك فكيف قلت لي ليس من ديني و لا دين آبائي؟ قال: انما اعني بذلك قول زرارة و أشباهه.
244- حدثني محمد بن مسعود، قال حدثني جبرئيل بن أحمد، قال: حدثني موسى بن جعفر بن وهب، عن علي بن القصير، (2) عن بعض رجاله، قال: استأذن زرارة
____________
أو كنى اثنى عشر رجلا بأبي بصير و ناداهم بتلك الكنية.
قوله: فاتفق قدومنا جميعا الى حزين (1)
بفتح الحاء المهملة و كسر الزاي كفعيل ماء بنجد.
و حزن بضم الحاء و فتح الزاي كصرد الجبال الغلاظ الواحد حزنة بالضم قاله في القاموس (2) و غيره.
قوله: عن على بن القصير
في أكثر نسخ هذا الكتاب علي بن القصير، و هو اما ابن عبد الرحمن القصير أو ابن عبد الرحيم القصير.
و الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: علي القصير (3). باسقاط ابن و هذا أظهر.
____________
(1) و في المطبوع من الرجال بجامعة مشهد: حين، و المصحح للمطبوع وقع هنا في تحير عجيب.
(2) القاموس: 4/ 213
(3) رجال الشيخ: 268
367
ابن أعين و أبو الجارود على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا غلام ادخلهما فانهما عجلا المحيا و عجلا الممات.
(1)
245- حدثني محمد بن مسعود، قال حدثني جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن جعفر، عن علي بن أشيم، قال حدثني رجل، عن عمار الساباطي، قال: نزلت منزلا في طريق مكة ليلة فاذا أنا برجل قائم يصلي صلاة ما رأيت أحد صلى مثلها و دعا بدعا ما رأيت أحدا دعا بمثله.
فلما أصبحت نظرت اليه فلم أعرفه، فبينا أنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) جالسا اذ دخل الرجل فلما نظر أبو عبد الله (عليه السلام) الى الرجل، قال: ما أقبح بالرجل ان يتمنه (2) رجل من اخوانه على حرمة من حرمته فيخونه فيها.
____________
قوله (ع): عجلا المحيا و عجلا الممات
بكسر العين المهملة و اسكان الجيم تثنية العجل عجل السامري، يعني (عليه السلام) ان الناس يتذللون و يختضعون لهما، و يعتدون بهما و يسيرون على طريقهما، و يأخذون بقولهما في محياهما و في مماتهما، كما بنو اسرائيل تعبدت و تذللت و اختضعت للعجل فهما عجلا شيعتنا في المحيا و الممات.
و كيف يسعك أن لا تأذن لهما بالدخول؟ ادخلهما، و هذا صريح في أنه (عليه السلام) كان مغتاظا عليهما في دين اللّه.
و لكن طريق هذا الخبر علي القصير عن بعض رجاله، و هو غير معلوم. و أيضا انما أنكر (عليه السلام) عليهما في خصوص مسألة القضاء و القدر بقولهما بالاستطاعة، كما قد تضمنه خبر الحلبي و غيره من الاخبار، فليعلم.
قوله (ع) أن (1) يتمنه
بتشديد التاء المثناة من فوق بعد ياء المضارعة افتعالا من الامانة بقلب الهمزة تاء و ادغام التاء في التاء كما في تتخذه مثلا.
____________
(1) و في المطبوع من الرجال: تأتمنه.
368
قال: فولى الرجل، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا عمار أ تعرف هذا الرجل؟
قلت: لا و الله الا أني نزلت ذات ليلة في بعض المنازل، فرأيته يصلي صلاة ما رأيت احدا صلى مثلها، و دعا بدعاء ما رأيت أحدا دعا بمثله، فقال لي هذا زرارة بن أعين، هذا و الله من الذين و صفهم الله عز و جل في كتابه فقال: و قدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا.
246- حدثني حمدويه، قال. حدثني محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة، عن عبد اللّه الحلبى، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سأله انسان قال:
اني كنت أنيل التيمية (1) من زكاة مالى حتى سمعتك تقول فيهم، أ فأعطيهم أم أكف؟
قال: لا بل اعطهم فان الله حرم أهل هذا الامر على النار.
247- حدثني حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى، (2) عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن حمران، عن الوليد بن صبيح، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستقبلني زرارة خارجا من عنده، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا وليد أما تعجب من زرارة يسألني عن اعمال هؤلاء، أي شيء كان يريد؟ أ يريد أن أقول له لا، فيروي ذلك عني؟ ثم قال: يا وليد متى كانت الشيعة تسأل (3) عن أعمالهم، انما كانت الشيعة
____________
قوله: أنيل التيمية
في أكثر النسخ «التيمية» و هم بني ضبة نسبة الى تيم بن ضبة، لا من بني تيم بن مرة رهط أبي بكر فليعلم.
قوله: حدثنى حمدويه قال حدثنى محمد بن عيسى
الطريق صحيح على ما هو الأصحّ في محمد بن عيسى العبيدي.
قوله (ع): يا وليد متى كانت الشيعة تسأل
يعني (عليه السلام) أن الشيعة قاطبة يعلمون بتة أن الامامة و الخلافة منصب العترة الطاهرة و حق الذرية الطيبة (عليهم السلام)، و أن بني أمية و بني العباس و عمالهم المقلدين لا عمالهم كالولاة و القضاة من قبلهم، ظلمة و جورة غصبة لمسند من له الحكم و
369
تقول: من أكل من طعامهم و شرب من شرابهم، و استظل بظلهم، متى كانت الشيعة تسأل عن مثل هذا.
248- حدثني محمد بن مسعود، قال حدثني عبد اللّه بن محمد بن خالد الطيالسي قال: حدثني الحسن بن علي الوشاء، عن أبي خداش، عن علي بن اسماعيل عن أبي خالد.
و حدثني محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن محمد القمي، قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى، عن ابن الريان عن الحسن بن راشد، عن علي بن اسماعيل عن أبي خالد، عن زرارة قال: قال لى زيد بن علي (عليه السلام) و أنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول يا فتى في رجل من آل محمد استنصرك؟ فقلت ان كان مفروض الطاعة نصرته، و ان كان غير مفروض الطاعة فلي أن أفعل و لي أن لا أفعل، فلما خرج قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أخذته و اللّه من بين يديه و من خلفه و ما تركت له مخرجا.
249- و روى عن زرارة بن أعين: قال جئت الى حلقة بالمدينة فيها عبد الله ابن محمد و ربيعة الرأى، (1) فقال عبد الله: يا زرارة سل ربيعة عن شيء مما اختلفتم؟
فقلت: ان الكلام يورث الضغائن، فقال لي ربيعة الرأي: سل يا زرارة.
____________
الولاية بالحق، فآحاد الشيعة لا يسألون عن ذلك أحدا، لكونه من المعلوم المستبين عندهم، فضلا عن زرارة و نظائره.
انما الذي يتجه السؤال عنه عند الشيعة هو قبول جوائز هؤلاء الظلمة الجورة و عطاياهم و الاكل من طعامهم و الشراب من شرابهم و الاستظلال بظلهم.
فسؤال زرارة اياي عن عمالهم و أعمالهم تفوح منه رائحة أنه يريد أن يسمعني أقول في الجواب أنهم ظلمة جورة غصبة لمنصب الولاية و مسند الحكم، فيروي ذلك عني فيبلغهم أني أقول منهم كذا و كذا فليعرف.
قوله: ربيعة الرأى
أبو عبد الرحمن ربيعة بن عبد الرحمن المدني الفقيه، يقال له ربيعة الرأى.
370
قال قلت: بم كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) يضرب في الخمر؟ قال بالجريد و النعل، فقلت لو أن رجلا أخذ اليوم شارب خمر و قدم الى الحاكم ما كان عليه؟ قال: يضربه بالسوط لان عمر ضرب بالسوط، قال، فقال عبد اللّه بن محمد: يا سبحان اللّه يضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجريد و يضرب عمر بالسوط، فيترك ما فعل رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) و يأخذ ما فعل عمر.
250- حدثني حمدويه قال: حدثني أيوب، عن حنان بن سدير قال: كتب معي رجل أن أسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما قالت اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا: هو مما شاء أن يقولوا؟ (1) قال: قال لي ان ذا من مسائل آل أعين ليس من دينى و لا دين آبائي، قال، قلت ما معي مسألة غير هذه.
____________
قال الذهبي في ميزان الاعتدال و قد احتج به أصحاب الكتب كلها و قد قال سور بن عبد الله القاضي: ما رأيت أحدا أعلم من ربيعة الرأي قيل له و لا الحسن و لا ابن سيرين و قال: و لا الحسن و لا ابن سيرين.
و أما ربيعة بن محمد أبو قضاعة الطائي فقد قال في ميزان الاعتدال: انه الذي روى عن ذي النون، عن ملك بن غسان، عن ثابت، عن أنس انقض كوكب و قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله): انظروا فمن انقض في داره فهو الخليفة بعدي، فنظرنا فاذا هو في منزل علي بن ابي طالب (عليه السلام) فقال جماعة: قد غوى محمد في حب علي فنزلت «وَ النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ (1)».
و ربيعة بن ناجذ في ميزان الاعتدال: أنه روى علي أخي و وراثي، و رواه عنه أبو صادق.
قوله: مما شاء أن يقولوا
في حيز الانكار يعني ما قالت اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا كيف يسوغ أن يكون مما شاء اللّه أن يقولوا، و لو لم يكن القول بالاستطاعة هو
____________
(1) و قد رواه المغازلى في المناقب: 310 و البحار: 35/ 283 و العمدة: 38 و الطرائف: 22.
371
251- حدثني محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف قال: حدثنا محمد بن عثمان بن رشيد، قال: حدثني الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه أحمد بن علي، عن أبيه على بن يقطين، قال، لما كانت وفاة أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال الناس بعبد الله بن جعفر.
و اختلفوا: فقائل قال به، و قائل قال بأبي الحسن (عليه السلام) فدعا زرارة ابنه عبيدا فقال: يا بني الناس مختلفون في هذا الامر: فمن قائل بعبد الله فانما ذهب الى الخبر الذي جاء ان الامامة في الكبير من ولد الامام، فشد راحلتك و امض الى المدينة حتى تأتيني بصحة الامر، فشد راحلته و مضى الى المدينة.
و اعتل زرارة فلما حضرته الوفاة سأل عن عبيد، فقيل انه لم يقدم، فدعا بالمصحف فقال: اللهم انى مصدق بما جاء نبيك محمد فيما أنزلته عليه و بينته لنا على لسانه، و أني مصدق بما انزلته عليه في هذا الجامع، و ان عقيدتي و ديني الذي يأتيني به عبيد ابني و ما بينته في كتابك، فان أمتني قبل هذا فهذه شهادتي على نفسي و اقراري بما يأتى به عبيد ابني و انت الشهيد علي بذلك.
فمات زرارة، و قدم عبيد، فقصدناه لنسلم عليه، فسألوه عن الامر الذي قصده فأخبرهم ان أبا الحسن (عليه السلام) صاحبهم.
252- حدثني حمدويه، قال: حدثني يعقوب بن يزيد قال: حدثني على
____________
الحق للزم ذلك، فقال مولانا الصادق (عليه السلام) ان ذا من مسائل آل أعين ليس من ديني و دين آبائي.
و التحقيق أنه انما يلزم من ابطال القول بالاستطاعة دخول ذلك و امثاله من الشرور في قضاء الله سبحان بالعرض، و أن متعلق ارادة الله تعالى و مشيته بأمثال ذلك بالعرض من حيث هي لوازم الخيرات الكثيرة في نظام الوجود لا بالذات من جهة ما هي شرور.
و تمام القول هنالك في كتاب القبسات و في كتاب الايقاضات فليتعرف.
372
ابن حديد، عن جميل بن دراج، قال ما رأيت رجلا مثل زرارة بن أعين، انا كنا نختلف اليه فما نكون حوله إلا بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم، فلما مضى أبو عبد اللّه (عليه السلام) و جلس عبد اللّه مجلسه: بعث زرارة عبيدا ابنه زائرا عنه ليعرف الخبر و يأتيه بصحته، و مرض زرارة مرضا شديدا قبل ان يوافيه عبيد.
فلما حضرته الوفاة دعا بالمصحف فوضعه على صدره ثم قبله، قال جميل:
فحكى جماعة ممن حضره أنه قال: اللهم اني ألقاك يوم القيامة و امامى من ثبت في هذا المصحف امامته، اللهم اني أحل حلاله و أحرم حرامه و اومن بمحكمه و متشابهه و ناسخه و منسوخه و خاصه و عامه، على ذلك أحيا و عليه اموت ان شاء اللّه.
253- محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه، عن الحسن بن علي ابن موسى بن جعفر، عن أحمد بن هلال، عن أبي يحيى الضرير، عن درست ابن أبي منصور الواسطى، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول ان زرارة شك في امامتي فاستوهبته من ربي تعالى.
254- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، و محمد بن عبد اللّه المسمعى، عن علي بن أسباط، عن محمد بن عبد اللّه بن زرارة، عن أبيه قال: بعث زرارة عبيدا ابنه يسئل عن خبر أبي الحسن (عليه السلام) فجائه الموت قبل رجوع عبيد اليه فأخذ المصحف فأعلاه فوق رأسه.
و قال: ان الامام بعد جعفر بن محمد من اسمه بين الدفتين في جملة القرآن منصوص عليه من الذين أوجب اللّه طاعتهم على خلقه، أنا مؤمن به قال: فأخير بذلك ابو الحسن الاول (عليه السلام) فقال: و الله كان زرارة مهاجرا الى الله تعالى.
255- حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد عن محمد ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج و غيره، قال: وجه زرارة عبيدا ابنه الى المدينة يستخبر له خبر أبي الحسن (عليه السلام) و عبد الله بن أبي عبد الله، فمات قبل أن يرجع اليه عبيد.
373
قال محمد بن أبي عمير، حدثني محمد بن حكيم، قال: قلت لأبي الحسن الاول (عليه السلام) و ذكرت له زرارة و توجيهه ابنه عبيدا الى المدينة، فقال ابو الحسن: اني لا رجوا أن يكون زرارة ممن قال الله تعالى «وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ».
256- حدثني محمد بن مسعود، قال: أخبرنا جبريل بن أحمد، (1) قال: حدثنى محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابراهيم المؤمن، عن نصير بن شعيب عن عمة زرارة، قالت: لما وقع زرارة و اشتد به: قال: ناوليني المصحف فناولته و فتحته فوضعه على صدره، و أخذه مني ثم قال: يا عمة أشهدى أن ليس لي امام غير هذا الكتاب.
257- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد، قال:
حدثني العبيدي عن يونس، عن ابن مسكان، قال تدارأنا (2) عند زرارة في شيء من أمور الحلال و الحرام، فقال قولا برأيه، فقلت أ برأيك هذا أم برواية؟ فقال: اني اعرف، (3) أ و ليس رب رأى خير من أثر.
____________
قوله: حدثنى محمد بن مسعود قال حدثنى جبريل بن أحمد
هذا الحديث صحيح السند على التحقيق.
قوله: تدارأنا عند زرارة
تدارأنا بالهمزة تفاعلا من الدراء، و هو الدفع أي تناظرنا و تدافعنا فدفع كل منا كلام الاخر، أو تدارينا بالياء من الدراية بمعنى العلم و المعرفة.
و في نسخه «تذاكرنا» من الذكر و المذاكرة و الأصحّ الاول.
قوله: انى أعرف.
أعرف على صيغة أفعل التفضيل، أي أني أعلم بما قلت ما علي و لا عليك من ذلك من شيء، سواء علي أ كان برأي أم برواية.
و قوله «أ و ليس رب رأى خير من أثر» حق لا معدى عنه، و ذلك لأنه ربما كان
374
258- حدثني أبو صالح خلف بن حماد بن الضحاك، قال: حدثني أبو سعيد الادمي، قال: حدثني ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال قال لي زرارة بن أعين: لا ترى على اعوادها غير جعفر، (1) قال: فلما توفي أبو عبد اللّه (عليه السلام) أتيته فقلت له أتذكر الحديث الذى حدثتني به؟ و ذكرته له، و كنت أخاف ان يجحدنيه، فقال: اني و اللّه ما كنت قلت ذلك الا برأيي.
259- حمدويه بن نصير، قال: حدثنا محمد بن عيسى، عن الوشاء، عن هشام بن سالم، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن جوائز العمال؟ فقال:
لا بأس به، قال ثم قال: انما اراد زرارة أن يبلغ هشاما اني أحرم أعمال السلطان.
____________
رأى نتيجة برهان عقلي يقينى و الاثر ظني، فاليقين خير من الظن.
و ربما كان اثر بصريح منطوقه مدافعا للأصول العقلية و القوانين اليقينية، و ان كان سليم الاسناد صحيح الطريق فيجب تأويله، و ان لم يكن محتملا للتأويل وجب طرحه فليعلم.
قوله لا يرى على أعوادها غير جعفر
لا يرى اما بضم ياء المضارعة على البناء للمجهول، أو بفتح التاء للخطاب على صيغة المعلوم، أو بالنون للمتكلم مع الغير. «على أعوادها» جمع عود أي على عيدان سرير الامامة و الولاية و منبر الوصاية و الخلافة غير جعفر (عليه السلام).
يعني أنه (عليه السلام) هو المهدي القائم الموعود لخاتم الائمة، فلما توفي أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) اتيت زرارة فقلت له: أتذكر الحديث الذي حدثني به ابي أنه لا يرى على اعواد سرير الامامة و الوصاية غير جعفر بن محمد (عليهما السلام) و ذكرت الحديث له و كنت أخاف ان يجحدنيه فلم يجحده و لا اسنده الى الرواية عن احد.
بل قال: اني و اللّه ما كنت قلت ذلك الا برأي مني؛ لا برواية عن جعفر بن محمد و لا عن احد غيره، فتبين اني كنت مخطأ في رأي، و هذا يدل على جلالة قدر زرارة في الثقة و الديانة جدا.
375
260- محمد بن مسعود، قال حدثنا عبد اللّه بن محمد بن خالد الطيالسي قال:
حدثني الحسن بن علي الوشاء، عن محمد بن حمران، قال: حدثني زرارة قال، قال لي أبو جعفر (عليه السلام) حدث عن بني اسرائيل و لا حرج قال: قلت جعلت فداك و اللّه ان في احاديث الشيعة ما هو اعجب من احاديثهم قال: و أي شي هو يا زرارة؟ قال:
فاختلس من قلبي فمكثت ساعة لا أذكر ما أريد قال لعلك تريد الهفتية (1) قلت نعم قال:
فصدق بها فانها حق.
____________
قوله: الهفتية (1)
بالهاء المفتوحة ثم الفاء ثم التاء المثناة من فوق ثم ياء النسبة المشددة أي ملمة تتهافت منها القلوب فتتساقط العقائد و يهتاج منها تهاوش الوساوس في الصدور و تثاور الشكوك في الاعتقادات.
و في بعض النسخ «الهفية» بكسر الفاء و اسكان الياء المثناة من تحت قبل التاء المثناة من فوق على الفعيلة بمعنى الفاعلة.
قال في مجمل اللغة: التهافت تساقط الشىء شيئا شيئا، و تهافت الفراش في النار تساقط، و كل شيء انخفض و اتضع فقد هفت و انهفت، و وردت هفيتة من الناس اقحمتها السنة اي ساقطة.
و في الصحاح: هفت الشيء هفتا و هفاتا، اي تطاير لخفته، و كل شيء انخفض و اتضع فقد هفت و انهفت، و التهافت التساقط قطعة قطعة و يقال، وردت هفيته من الناس للذين اقحمتهم السنة (2).
و في القاموس: المفهوت المتحير (3).
و الهفتية او الهفيتة في هذا الحديث هي غيبة القائم المنتظر (عليه السلام) غيبة طويلة
____________
(1) و في المطبوع من الرجال: الغيبة
(2) الصحاح: 1/ 270
(3) القاموس: 1/ 160
376
261- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد: قال حدثني محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، قال سمعت زرارة يقول: اني كنت أرى جعفر اعلم مما هو، و ذاك أنه يزعم أنه سأل ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل من أصحابنا مختفى من غرامه، فقال اصلحك اللّه ان رجلا من اصحابنا كان مختفيا من غرامه فان كان هذا الامر قريبا صبر حتى يخرج مع القائم، و ان كان فيه تأخير صالح غرامه؟
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): يكون فقال زرارة، يكون الى سنة؟ فقال أبا عبد اللّه (عليه السلام):
يكون إن شاء اللّه، فقال زرارة: فيكون الى سنتين؟ (1) فقال أبو عبد اللّه: يكون إن شاء اللّه،
____________
و حيرة تتوحر منها الصدور في الاستيقان و تنزلق منها الاقدام عن الاستقامة، و تتحير في تماديها الاحلام و البصائر، كما قد ورد في اخباره كثيره جمة اوردنا طائفة منها في كتاب شرعة التسمية.
قوله: فقال زرارة تكون الى سنتين
قلت: غفر اللّه لزرارة و ثقف بصيرته و انعم باله ما أسوأ فهمه الاسرار و اسخف تدربه في معرفة الاساليب، أ ليس حيث سأله (عليه السلام) عن خروج القائم قال (عليه السلام) في الجواب، يكون: و لم يقرنه بالاستثناء ايذانا بأن ذلك أمر كائن واقع بتة، لا يعتريه ريب و لا يتطرق اليه امتراء أصلا.
ثم اذ سأل عن التأجيل الى سنة اجاب (عليه السلام) بقوله يكون إن شاء اللّه، يعني ان الامر في ذلك الى علم اللّه تعالى و مشيته.
ثم ازداد في الاجل و قال: الى سنتين، أعاد عليه الجواب بقوله يكون إن شاء اللّه تنبيها على ان ذلك امر موكول الى علم الله و مفوض الى مشيته.
و هو سر من اسرار الله لا يعلم وقته الا الله سبحانه، فكل من وقت و جعل لذلك أمدا مضروبا و وقتا معلوما و أجلا معينا، فقد أخطأ و كذب على الله و على الرسول و الائمة عليه و (عليهم السلام).
و قد ورد في أحاديثهم (عليه السلام) «كذب الوقاتون».
و لست اشعر كيف لم يوطن نفسه الى ان يكون الى سنة، ثم تجشم توطين النفس
377
فخرج زرارة فوطن نفسه على أن يكون الى سنتين فلم يكون فقال ما كنت أرى جعفر (1) الا أعلم مما هو. (2)
262- محمد بن مسعود، قال: كتب إلينا الفضل، يذكر عن ابن ابي عمير عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن عيسى بن ابي منصور و ابي اسامة الشحام و يعقوب الاحمر، قالوا: كنا جلوسا عند ابي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه زرارة فقال ان الحكم بن عيينة حدث عن ابيك أنه قال صل المغرب دون المزدلفة، فقال له ابو عبد اللّه (عليه السلام) انا تأملته (3) ما قال ابي هذا قط كذب الحكم على ابي، قال: فخرج زرارة و هو يقول: ما ارى الحكم كذب على أبيه.
____________
على سنتين مع أنه (عليه السلام) لم يزد في الجواب أولا و اخيرا على قوله يكون إن شاء الله شيئا و ليعرف
قوله: ما كنت أرى جعفرا
على صيغة المجهول بمعنى أظن، و في الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): البر ترون بهن.
على البناء للمجهول، أي تظنون بهن البر و الخير.
قول: الا أعلم مما هو
أى مما هو عليه في العلم، و قد استبان لك ان هذا الكلام من زرارة انما نشأ من سوء فهمه لكلام الامام (عليه السلام).
قوله (ع): أنا تأملته
سيرد هذا الحديث في ترجمة حكم بن عيينة، و فيه بأيمان ثلاثة، و هو الصحيح، يعني قال ابو عبد الله (عليه السلام): و الله و الله و الله ما قال ابي هذا قط.
فاما في هذا الموضع ففي اكثر النسخ «انا تأملته» من تأملت الشيء اذا نظرت اليه مستبينا له.
ثم ان هناك ختم الحديث على قوله (عليه السلام) كذب الحكم على أبي، و لم يذكر
378
263- محمد بن يزداد، قال: حدثني محمد بن علي الحداد، عن مسعدة بن صدقة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ان قوم يعارون الايمان عارية ثم يسلبونه يقال لهم يوم القيامة المعارون، أما أن زرارة بن أعين منهم.
264- حمدان بن أحمد: (1) قال حدثنا: معاوية بن حكيم، عن أبي داود
____________
ما بعد ذلك، و هو قال: و خرج زرارة و هو يقول: ما أرى الحكم كذب على أبيه.
لكن الاسناد هناك الى ابراهيم بن عبد الحميد حمدويه و ابراهيم ابنا نصير قالا: حدثنا الحسن بن موسى الخشاب الكوفي عن جعفر بن محمد بن حكيم عن ابراهيم بن عبد الحميد، فالرواية ليست بمضطربة المتن، بل روايتان باسنادين مختلفين.
و لعل مرام زرارة ما أظن الحكم كذب على أبيه (عليه السلام)، بل انما التبس على الحكم ما قاله أبو جعفر (عليه السلام)، و انما دعا زرارة الى هذا القول ان الحكم بن عيينة كان استاذ زرارة من قبل انقطاعه الى أبي جعفر (عليه السلام). فأحب أن يذب عنه بقوله هذا.
و السيد جمال الدين بن طاوس في الجواب من هذه الرواية ما زاد على قوله:
ابراهيم بن عبد الحميد واقفي ضال لا يثبت بروايته القدح في مثل زرارة شيئا.
قلت: ابراهيم بن عبد الحميد الذي هو من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) ثقة له أصل، يروي عنه ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى، قاله الشيخ في كتاب الرجال (1) و غيره، و لو كان ضعيفا كان ضعفه في هذا الحديث منجبرا برواية ابن أبي عمير اياه عنه، فكيف و هو ثقة بشهادة المشيخة الثقات، فالمصير في الجواب عنه الى ما قلناه فليتبصر
قوله: حمدان بن أحمد
اسمه محمد و يقال له حمدان و هو ابن خاقان النهدي القلانسي، و سيجيء في الكتاب توثيقه.
____________
(1) الرجال للشيخ: 146
379
المسترق قال: كنت قائد ابي بصير في بعض جنائز اصحابنا، فقلت له هو ذا زرارة في الجنازة قال لي: اذهب بي اليه، قال، فذهبت به اليه، قال، فقال له السلام عليك ابا الحسين فرد عليه زرارة السلام، و قال له: لو علمت أن هذا من رأيك (1) لبدأتك به، قال، فقال له أبو بصير: بهذا أمرت.
265- يوسف: (2) قال: حدثني علي بن أحمد بن بقاح، عن عمه عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التشهد؟ فقال: اشهد ان لا إله الا اللّه وحده لا شريك له و أشهد ان محمدا عبده و رسوله، قلت التحيات و الصلوات؟ قال التحيات و الصلوات (3) فلما خرجت قلت ان لقيته لا سألنه غدا فسألته من الغد عن التشهد، فقال كمثل ذلك قلت التحيات و الصلوات؟ قال التحيات و الصلوات، قلت: القاه بعد يوم لا سألنه غدا فسألته عن التشهد؟ فقال كمثله، قلت التحيات و الصلوات؟ قال التحيات و الصلوات فلما خرجت ضرطت في لحيته و قلت لا يفلح ابدا.
____________
قوله: ان هذا من رأيك
اسم الاشارة و الضمير المتصل المجرور للمجيء و التسليم، يعني لو كنت أعلم أن المجيء إلي و التسليم علي من رأيك و من عند نفسك لبدأتك بالتسليم، و لكني ظننت أنك في ذلك مأمور من قبل مولاك (عليه السلام)، فقال له أبو بصير: نعم الامر كما ظننت فأني قد أمرت بهذا.
قوله: يوسف
ابن السخت و هو ضعيف.
قوله: التحيات و الصلوات
ظن زرارة أن تقريره (عليه السلام) اياه على التحيات من باب التقية، مخافة أن يروي عنه زرارة أنه ينكر التحيات في التشهد، فقال: لئن لقيته غدا لا سألنه لعله يفتيني بالحق من غير تقية.
فلما سأله من الغد و أجابه بمثل ما قد كان أجابه و قرره أيضا على التحيات
380
266- علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثني محمد بن أحمد، عن محمد ابن عيسى، عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح، قال: مررت في الروضة بالمدينة فاذا انسان قد جذبني، فالتفت فاذا انا بزرارة، فقال لى: استأذن لى على صاحبك؟ قال: فخرجت من المسجد فدخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته الخبر فضرب بيده على لحيته، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تأذن له لا تأذن له، لا تأذن له فان زرارة يريدني على القدر (1) على كبر السن، و ليس من ديني و لا دين آبائي.
267- محمد بن أحمد: عن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم، عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخلت عليه فقال: متى عهدك بزرارة؟ قال، قلت
____________
كما قد كان قرره، حمل زرارة ذلك أيضا على التقية و قال سألقاه بعد اليوم فلا سألنه عن ذلك مرة أخرى، فلعله يترك التقية و يجيبني على دين الامامية، فلما سأله من الغد ثالثا و أجابه (عليه السلام) و قرره على قوله و التحيات بمثل ما قد أجابه و قرره بالامس و الامس، علم أنه ليس يترك التقية مخافة منه.
و قال: فلما خرجت ضرطت في لحيته فقلت: لا يفلح أبدا. و الضمير عائد الى من يعمل بذلك و يعتقد صحته، أي في لحية من يعتقد لزوم التحيات في التشهد، كما عند المخالفين من العامة، و يعمل بذلك و يحتسبه من دين الامامية، لا يفلح من يأتي بذلك على اعتقاد أنه من الدين أبدا.
قوله: (عليه السلام) يريدنى على القدر
اطلاق القدر في هذا الحديث على التفويض و الاستطاعة، و القدرية على المفوضة القائلين بالاستطاعة، بناء على ما قد كان شاع في زمن مولانا الصادق (عليه السلام) من اصطلاح العامة على ذلك.
و اما على التحقيق فالقدرية هم الجبرية الذاهبون الى القدر، أعني أسناد أفعال العباد الى قضائه و قدره من غير علية و مدخلية لقدرة العبد و ارادته في فعله أصلا، كما قد أدريناك فيما قد سبق غير مرة واحدة.
381
ما رأيته منذ أيام، قال: لا تبال و ان مرض فلا تعده و ان مات فلا تشهد جنازته قال، قلت زرارة؟ متعجبا مما قال، قال: نعم زرارة، زرارة شر من اليهود و النصارى و من قال ان مع اللّه ثالث ثلاثة.
268- علي، قال: حدثني يوسف بن السخت عن محمد بن جمهور، عن فضالة بن أيوب، عن ميسر، قال: كنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فمرت جارية في جانب الدار على عنقها قمقم قد نكسته، قال فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فما ذنبي ان اللّه قد نكس قلب زرارة كما نكست هذه الجارية هذا القمقم.
269- محمد بن نصير، قال: حدثنا محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى عن حريز، عن محمد الحلبي، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف قلت لي ليس من ديني و لا دين آبائى؟ قال: انما أعني بذلك (1) قول زرارة و اشباهه.
____________
قوله (عليه السلام): انما أعنى بذلك
فيصل القول في زرارة أن الاخبار في مدحه و ذمه متعارضة، لكنها جميعا مطابقة على أنه ثقة صحيح الحديث متدين متورع في رواية الحديث مستقيم على دين الامامية الى حين مماته.
و انما الذم في حقه من جهة خطأه في مسألة القضاء و القدر، و قوله بالتفويض و الاستطاعة، لشبهة عويصة عوصاء تصعب الفصية عنها، و من جهة إساءته في الادب بالنسبة الى الصادق (عليه السلام) اتكالا على ارتفاع منزلته عنده و شدة اختصاصه به.
ثم عمدة التعويل في صحة حديث زرارة عند الاصحاب، انعقاد الاجماع على تصحيح ما يصح عنه و الاقرار له بالفقه في آخرين، كما نقله أبو عمرو الكشي و غيره و سيرد عليك في أصل الكتاب فلا تكونن من الممترين.
382
في اخوة زرارة حمران و بكير و عبد الملك و عبد الرحمن بني أعين.
(1)
270- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثنا محمد بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد. و حدثني حمدويه بن نصير، قال حدثنا: محمد بن عيسى ابن عبيد، عن الحسن بن علي بن يقطين، قال: حدثني المشايخ: ان حمران و زرارة و عبد الملك و بكيرا و عبد الرحمن بني أعين كان مستقيمين، و مات منهم أربعة في زمان أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كانوا من أصحاب أبى جعفر (عليه السلام)، و بقي زرارة الى عهد أبي الحسن فلقي ما لقي.
____________
في اخوة زرارة
حمران في ميزان الاعتدال في ترجمة حمران: حمران بن أعين الكوفي، روى عن أبي الطفيل و غيره، و قرأ عليه حمزة، كان يتقن القرآن. قال أبو حاتم: شيخ. و قال أبو داود: رافضي.
و في ترجمة زرارة بن أعين الكوفي أخو حمران: يترفض عن ابن السماك قال: حججت فلقيني زرارة بن أعين بالقادسية و قال: ان لي لك حاجة و عظمها فقلت:
ما هي؟ فقال: اذا لقيت جعفر بن محمد فأقرئه مني السلام و سله أن يخبرني أنا من أهل النار أم من اهل الجنة؟ فأنكرت ذلك عليه فقال لى: انه يعلم ذلك و لم يزل بى حتى اجبته.
فلما لقيت جعفر بن محمد اخذته بالذى كان منه فقال: هو من اهل النار، فوقع في نفسى مما قال جعفر فقلت: من أين علمت ذاك؟ فقال: من ادعى عليّ هذا فهو من اهل النار.
فلما رجعت لقيني زرارة فأخبرته بأنه قال لي انه من اهل النار، فقال: كان لك من جراب النورة قلت: و ما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية. و لم يذكر ابن أبي
383
271- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني يعقوب بن يزيد؛ عن الحسن ابن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون عن بعض رجاله، قال، قال ربيعة الرأى لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما هؤلاء الإخوة الذين يأتونك من العراق و لم أر في أصحابك خيرا منهم و لا أهيأ؟ قال: أولئك أصحاب أبي، يعني ولد أعين.
محمد بن مسلم الطائفى الثقفى
(1) 272- حدثنا محمد بن مسعود، قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن بن علي بن فضال؛ يقول: كان محمد بن مسلم الثقفي كوفيا و كان أعور طحانا.
273- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمي، قال حدثنا: أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد اللّه بن محمد الحجال، عن العلاء بن رزين، عن عبد اللّه بن ابى يعفور، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انه ليس كل ساعة القاك و لا يمكن القدوم، و يجيء الرجل من اصحابنا فيسألني و ليس عندي كلما يسألني عنه، قال: فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنه قد سمع من أبي و كان عنده وجيها.
____________
حاتم في ترجمته سوى ان قال: روى عن ابي جعفر يعني الباقر انتهى كلام الذهبي في ميزان الاعتدال.
محمد بن مسلم الطائفى الثقفى
ذكر أبو عبد اللّه الذهبي في مختصره: محمد بن مسلم الطائفي، عن عمر بن دينار و ابن ابي يحيى، و عنه ابن مهدي و يحيى بن ابي يحيى، فيه لين و قد وثق له في «م» حديث واحد توفى 177.
قوله: قال شهد ابو كريب الازدى
قال ابن الاثير في جامع الاصول في حرف الكاف: اسم ابي كريب بضم الكاف و فتح الراء و سكون الياء تحتها نقطتان و بالياء الموحدة، محمد بن العلاء الهمداني بسكون الميم و بالدال المهملة.
384
274- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن الحسن ابن على بن فضال، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، قال: شهد أبو كريبة الازدى و محمد بن مسلم الثقفي عند شريك (1) بشهادة و هو قاض، فنظر في وجوههما مليا، ثم
____________
و قال في حرف الميم: محمد بن العلاء هو أبو كريب الهمداني الكوفي، سمع أبا بكر بن عياش و عمر بن عبيد، روى عنه البخاري و مسلم و غيرهما، مات سنة ثمان و أربعين و مأتين.
«كريب» بضم الكاف و فتح الراء و سكون الياء تحتها نقطتان و بالباء الموحدة.
قلت: أبو كريب الهمداني الذي ذكره في جامع الاصول كأنه غير أبي كريبة الازدي المذكور في الكتاب، و ربما يزعم أنهما واحد.
و في القاموس: أبو كريب كزبير محمد بن العلاء بن كريب شيخ للبخاري (1) و الذهبي في مختصره وصفه بالازدي و حكم عليه بالجهالة، و لعل ذلك من جهة تشيعه.
قوله: عند شريك
قال في ميزان الاعتدال: شريك بن عبد اللّه النخعي أبو عبد اللّه الكوفي القاضي الحافظ الصادق أحد الائمة، و روى عن ابن معين أنه صدوق ثقة، الا أنه يغلط و لا يتقن. و عن القطان أن في أصول شريك تخليطا.
و أنه قيل ليحيى بن سعيد: زعموا أن شريكا خلط بآخره فقال: ما زال مخلطا، ثم يطعن فيه بأنه كان يتشيع. قال: و روى أبو داود الرهاوي أنه سمع شريكا يروي و يقول: (علي خير البشر فمن أبى فقد كفر (2) و روى شريك (لكل نبي وصي و وارث و أن علي وصيي و وارثي (3)
____________
(1) القاموس: 1/ 123
(2) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 7/ 421.
(3) رواه ابن المغازلى في المناقب: 201
385
قال: جعفريان فاطميان! فبكيا، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا له: نسبتنا الى اقوام لا يرضون بأمثالنا أن يكونوا من اخوانهم لما يرون من سخف و رعنا، و نسبتنا الى رجل لا يرضى بأمثالنا ان يكونوا من شيعته، فان تفضل و قبلنا فله المن علينا و الفضل، فتبسم شريك، ثم قال: اذا كانت الرجال فلتكن امثالكم، يا وليد اجزهما (1) هذه المرة قال فحججنا فخبرنا ابا عبد اللّه (عليه السلام) بالقصة فقال: ما لشريك شركه اللّه يوم القيامة بشراكين من نار.
275- حدثني حمدويه، قال حدثنا محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن مسلم، قال: أني لنائم ذات ليلة على السطح اذ طرق الباب طارق فقلت: من هذا؟ فقال: شريك يرحمك اللّه، فأشرفت فاذا امرأة فقالت:
لي بنت عروس ضربها الطلق، فما زالت تطلق حتى ماتت و الولد يتحرك في بطنها و يذهب و يجيء فما اصنع؟ فقلت: يا أمة اللّه سأل محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال: يشق بطن الميت و يستخرج الولد، يا أمة اللّه افعلي مثل ذلك، أنا يا أمة اللّه رجل في ستر، من وجهك إلي؟!
____________
ثم ذكر أن عبد اللّه بن ادريس قال: و اللّه ان شريكا لشيعي. و روي أن قوما ذكروا معاوية عند شريك فقيل: كان حليما فقال شريك: ليس بحليم من سفه الحق و قاتل عليا.
ثم قال: و قد كان شريك من أوعية العلم حمل عنه اسحاق الازرق تسعة آلاف حديث قال النسائي: ليس به بأس.
قوله: يا وليد أجزهما
بفتح الهمزة و اسكان الزاي بعد الجيم المكسورة، على الامر من الاجازة أي أجز شهادتهما و اكتبها مقبولة هذه المرة. أو أخرهما بكسر الخاء المعجمة المشددة و اسكان الراء، من التاخير أو أخر قبول شهادتهما هذه المرة حتى ننظر في شأنهما. و الصحيح هو الاول.
386
قال، قالت لي: رحمك اللّه جئت الى أبي حنيفة صاحب الرأي فقال ما عندي فيها شيء، و لكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فانه يخبر، فمهما أفتاك به من شيء فعودي إلي فاعلمينيه فقلت لها: امضي بسلام فلما كان الغد خرجت الى المسجد و ابو حنيفة يسأل عنها اصحابه فتنحنحت فقال: اللهم عقرا دعنا نعيش.
276- حدثني حمدويه بن نصير، قال حدثنا محمد بن عيسى، عن ياسين الضرير البصري، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: ما شجر في رأيي (1) شيء قط الا سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث و سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ستة عشر ألف حديث.
____________
قوله: ما شجر في رأيى
أي ما وقع اختلاف الرأي في شيء قط الا سألته (عليه السلام) و منه في التنزيل الكريم «حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ» (1).
قال في مجمل اللغة: شجر بين القوم اذا اختلف الامر بينهم، و اشتجروا او تشاجروا تنازعوا و تناظروا.
و في نسخة ما «شجرني» أي ما تخالجني أمر، و لم يختلج في صدري رأي في شيء قط الا سألته عنه، و كل والج في شيء فهو مشاجر فيه.
قال في المفردات: و شجره بالرمح أي اوجره (2) الرمح، و ذلك أن يطعنه به فيتركه فيه (3).
و في مجمل اللغة: ان كل متداخلين متشاجران و بذلك سمي المشجر مشجرا و هو المشجب، و تشاجروا بالرمح تطاعنوا.
و في اساس البلاغة: اشتجر و تشاجروا اختلفوا، و بينهم مشاجرة، و شجر ما
____________
(1) النساء: 65.
(2) و في المصدر: طعنه بالرمح
(3) مفردات الراغب: 256
387
277- حدثنا محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه القمي، قال:
حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن فضال، عن أبي كهمس، (1) قال دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: يشهد محمد بن مسلم الثقفي القصير عند ابن أبي ليلى فيرد شهادته؟ فقلت: نعم، فقال اذا صرت الى الكوفة فأتيت ابن أبي ليلى، فقل له اسألك عن ثلاث مسائل تفتينى فيها بالقياس و لا تقول قال أصحابنا.
ثم سله عن الرجل يشك في الركعتين الاوليين من الفريضة، و عن الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله، و عن الرجل يرمي الجمار بسبع حصيات فتسقط منه واحدة كيف يصنع، فاذا لم يكن عنده فيها شيء فقل له يقول لك جعفر بن
____________
بينهم، و شجرته بالرمح طعنته و تشاجروا بالرماح تطاعنوا (1).
قوله: عن أبى كهمس
قال في جامع الاصول: كهمس بفتح الكاف و سكون الهاء و ضم الميم و بالسين المهملة.
و أبو كهمس بن عبد اللّه قال شيخنا أبو العباس النجاشي- رحمة اللّه- في كتابه هيثم بن عبد اللّه أبو كهمس كوفي عربي له كتاب، ذكره سعد بن عبد اللّه في الطبقات (2)
و قال الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب الرجال في اصحاب ابي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): الهيثم بن عبيد الشيباني ابو كهمس الكوفي أسند عنه (3).
و كذلك رئيس المحدثين ابو جعفر الكلينى (رضوان اللّه تعالى عليه)، قال في جامع الكافي في باب من حفظ القرآن ثم نسيه: عن ابي كهمس الهيثم بن عبيد قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) (4).
____________
(1) أساس البلاغة: 321
(2) رجال النجاشى: 340
(3) رجال الشيخ: 331
(4) اصول الكافى: 2/ 445
388
محمد ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف بأحكام اللّه منك و اعلم بسيرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منك.
قال أبو كهمس: فلما قدمت اتيت ابن أبي ليلى قبل أن أصير الى منزلي، فقلت له: أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتيني فيها بالقياس و لا تقول قال أصحابنا، قال هات! قال، قلت: ما تقول في رجل شك في الركعتين الاوليين من الفريضة؟
فاطرق ثم رفع رأسه فقال: قال أصحابنا، فقلت: هذا شرطي عليك الا تقول قال أصحابنا، فقال ما عندي فيها شيء.
فقلت له: ما تقول في الرجل يصيب جسده او ثيابه البول كيف يغسله؟ فأطرق ثم رفع رأسه فقال: قال أصحابنا، فقلت: له هذا شرطي عليك، فقال: ما عندي فيها شيء.
فقلت: رجل رمى الجمار بسبع حصيات فسقطت منه حصاة كيف يصنع فيها فطأطأ رأسه ثم رفعه، فقال: قال أصحابنا، فقلت أصلحك اللّه هذا شرطي عليك، فقال ليس عندي فيها شيء.
فقلت: يقول لك جعفر بن محمد ما حملك أن رددت شهادة رجل اعرف منك بأحكام اللّه و أعرف بسنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منك؟ فقال لى: و من هو؟ فقلت: محمد بن مسلم الطائفى القصير، قال، فقال: و اللّه ان جعفر بن محمد قال لك هذا؟ قال، فقلت و اللّه انه قال لي جعفر هذا، فأرسل الى محمد بن مسلم فدعاه فشهد عنده بتلك الشهادة فاجاز شهادته.
278- حدثني محمد بن مسعود، قال حدثني عبد اللّه بن محمد بن خالد الطيالسي، عن أبيه، قال: كان محمد بن مسلم من اهل الكوفه، يدخل على أبي جعفر (عليه السلام) فقال ابو جعفر بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، و كان محمد بن مسلم رجلا موسرا جليلا
فقال ابو جعفر (عليه السلام): تواضع، قال: فأخذ قوصرة من تمر فوضعها على باب المسجد و جعل يبيع التمر، فجاء قومه فقالوا: فضحتنا! فقال: أمرني مولاي بشيء
389
فلا أبرح حتى أبيع هذه القوصرة، فقالوا: أما اذا أبيت الا هذا فاقعد في الطحانين، ثم سلّموا اليه رحا، فقعد على بابه و جعل يطحن.
قال أبو النصر: سألت عبد اللّه بن محمد بن خالد، عن محمد بن مسلم؟ فقال:
كان رجلا شريفا موسرا، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): تواضع يا محمد فلما انصرف الى الكوفه أخذ قوصرة من تمر مع الميزان و جلس على باب مسجد الجامع، و جعل ينادى عليه، فاتاه قومه فقالوا له فضحتنا، فقال ان مولاي أمرني بأمر فلن أخالفه و لن أبرح حتى أفرغ من بيع باقي هذه القوصرة، فقال له قومه: اذا ابيت الا لتشتغل ببيع و شراء فاقعد في الطحانين! فهيأ رحى و جملا و جعل يطحن، و قيل: انه كان من العباد في زمانه.
279- حدثني ابو الحسن علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثني الفضل بن شاذان، قال: حدثنا أبي، عن غير واحد من اصحابنا، عن محمد بن حكيم و صاحب له، قال ابو محمد: قد كان درس اسمه في كتاب أبي، قالا: رأينا شريكا واقفا في حائط من حيطان فلان، قد كان درس اسمه أيضا في الكتاب.
قال أحدنا لصاحبه هل لك في خلوة من شريك؟ فأتيناه فسلمنا عليه، فرد علينا السّلام، فقلنا يا ابا عبد اللّه مسألة! قال: في أي شيء؟ فقلنا: في الصلاة، فقال: سلوا عما بدا لكم؟ فقلنا لا نريد ان تقول قال فلان و قال فلان انما نريد ان تسنده الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال (عليه السلام) أ ليس في الصلاة؟ فقلنا بلى، فقال سلوا عما بدا لكم.
قلنا في كم يجب التقصير، قال: كان ابن مسعود يقول: لا يغرنكم سوادنا هذا و كان يقول فلان، قال، قلت: انا استثنينا عليك الا تحدثنا الا عن نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
و اللّه انه لقبيح لشيخ يسئل عن مسئلة في الصلاة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يكون عنده فيها شيء و أقبح من ذلك أن أكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قلنا فمسألة أخرى! فقال أ ليس في الصلاة؟ قلنا بلى قال: فسلوا عما بدا لكم.
قلنا: على من تجب الجمعة؟ قال: عادت المسألة جذعة ما عندي في هذا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شيء، قال: فاردنا الانصراف، فقال: انكم لم تسألوا عن هذا الا
390
و عندكم منه علم، قال قلت نعم، أخبرنا محمد بن مسلم الثقفي عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال الثقفي الطويل اللحية؟ فقلنا نعم.
قال: أما أنه لقد كان مأمونا على الحديث، و لكن كانوا يقولون انه خشبي ثم قال ما ذا روى؟ قلنا روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ان التقصير يجب في بريدين، و اذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فلهم أن يجمعوا. (1)
____________
قوله (ص): فلهم أن يجمعوا
أن يجمعوا بالتشديد من باب التفعيل، أي يأتوا بصلاة الجمعة.
قال في الصحاح: و جمع القوم تجميعا، اي شهدوا الجمعة و قضوا الصلاة فيها (1)
و في المغرب: و جمعنا أي شهدنا الجمعة او الجماعة و قضينا الصلاة فيها.
و في النهاية الاثيرية: و في حديث الجمعة «اول جمعة جمعت بعد المدينة بجواثى» جمعت بالتشديد اي صليت، و يوم الجمعة سمى به لاجتماع الناس فيه.
و في حديث معاذ «انه وجد اهل مكة يجمعون في الحجر فنهاهم عن ذلك» اي يصلون صلاة الجمعة، و انما نهاهم لأنهم كانوا يستظلون بفيء الحجر قبل ان تزول الشمس، فنهاهم لتقديمهم في الوقت، و قد تكرر ذكر التجميع في الحديث انتهى كلامه (2).
جواثى- بضم الجيم و تخفيف الواو و الثاء المثلثة- اسم حصن بالبحرين، و المسجد الجامع المسجد الذي انعقدت فيه صلاة الجمعة.
و قال الجوهري: و المسجد الجامع و ان شئت قلت مسجد الجامع بالاضافة كقولك الحق اليقين و حق اليقين، بمعنى مسجد اليوم الجامع و حق الشيء اليقين، لان اضافة الشيء الى نفسه لا تجوز الا على هذا التقدير، و كان الفراء يقول: العرب تضيف الشيء الى نفسه لاختلاف اللفظين (3).
____________
(1) الصحاح: 3/ 1200
(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 297
(3) الصحاح: 3/ 1199
391
280- قال محمد بن مسعود، حدثني على بن محمد، قال: حدثني محمد ابن أحمد عن عبد اللّه بن أحمد الرازي، عن بكر بن صالح، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: اقام محمد بن مسلم بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر (عليه السلام) يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد يسأله، قال ابن أحمد: فسمعت عبد الرحمن بن الحجاج، و حماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم.
قال، فقال محمد بن مسلم: سمعت من أبي جعفر (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث ثم لقيت جعفرا ابنه فسمعت منه أو قال: سألته عن ستة عشر الف حديث أو قال:
مسألة.
281- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني جعفر بن أحمد، قال:
حدثني العمركى بن علي قال: أخبرني محمد بن حبيب الازدى، عن عبد اللّه بن حماد، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الاصم، عن مديح، عن محمد بن مسلم، قال:
خرجت الى المدينة و أنا وجع ثقيل.
فقيل له محمد بن مسلم وجع، فأرسل إليّ أبو جعفر بشراب مع الغلام مغطى بمنديل فناولنيه الغلام و قال لي: اشربه فانه قد أمرني الا أرجع حتى تشربه، فتناولته فاذا رائحة المسك منه و اذا شراب طيب الطعم بارد، فلما شربته قال لي الغلام يقول لك اذا شربت فتعال، (1) ففكرت فيما قال لي و لا أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي.
____________
قوله: اذا شربت فتعال
بفتح اللام على الامر بالاتيان و المجيء من تعالى يتعالى تعاليا.
قال في الصحاح: التعالى الارتفاع، تقول منه اذا أمرت: تعال يا رجل بفتح اللام، و للمرأة تعالى، و للمرأتين تعالى، و للنسوة تعالين، و لا يجوز ان يقال منه تعاليت و الى اي شيء أتعالى (1).
____________
(1) الصحاح: 6/ 2437
392
فلما استقر الشراب في جوفي كأنما نشطت من عقال، فأتيت بابه فاستأذنت عليه، فصوت بي: صح الجسم أدخل أدخل، فدخلت و أنا باك فسلمت عليه و قبلت يده و رأسه، فقال لي: و ما يبكيك يا محمد؟ فقلت جعلت فداك ابكي على اغترابي و بعد الشقة و قلة المقدرة على المقام عندك و النظر إليك.
فقال لي: أما قلة المقدرة: فكذلك جعل اللّه اوليائنا و أهل مودتنا و جعل البلاء اليهم سريعا، و أما ما ذكرت من الغربة: فلك بأبي عبد اللّه اسوة بأرض ناء عنا بالفرات.
و أما ما ذكرت من بعد الشقة: فان المؤمن في هذه الدار غريب، (1) و في هذا الخلق المنكوس حتى يخرج من هذه الدار الى رحمة اللّه.
و أما ما ذكرت من حبك قربنا و النظر إلينا و أنك لا تقدر على ذلك: فاللّه يعلم ما في قلبك و جزاؤك عليه.
____________
و كذلك قال في القاموس: التعالى الارتفاع اذا امرت منه قلت تعال بفتح اللام و لها تعالى (1)
قوله (ع): فان المؤمن في هذه الدار غريب
يعنى (عليه السلام) بالمؤمن العارف المستيقن، فانه يعلم ان جوهر ذاته العاقلة من عالم الامر و الفيض، و مستوطن نفسه المجردة في اقليم الحياة و البهجة، فهو لا محالة انما يرى طائر روحه القدسى غريبا في اقفاص هذه الدار البائدة البائرة المظلمة الموحشة، التي هي ناحية الاقذار و الاخباث و حاشية الارماس و الاجداث، و دارة غسق الطبيعة و كورة ظلمة الهيولي.
و قوله (عليه السلام) «المنكوس» اما بالجر على صفة هذا الخلق، و الواو العاطفة للعطف على في هذا الدار.
أي في هذا الخلق المنكوس غريب؟ سمي هذا الخلق منكوسا لانصرافهم عن
____________
(1) القاموس: 4/ 366
393
282- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد، عن محمد ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان امرأتي تقول بقول زرارة و محمد بن مسلم في الاستطاعة و ترى رأيهما؟ فقال: ما للنساء و للرأي و القول لها، انهما ليسا بشيء في ولاية، (1) قال: فجئت الى امرأتي فحدثتها، فرجعت عن ذلك القول.
____________
الاستقامة في سمك العالم الاعلى الروحاني الى الانتكاس في سجن العالم الا سفل الظلماني.
و اما بالرفع على الخبر، و تعريفه باللام لإفادة الحصر، أو ليكون الحمل حملا أوليا ذاتيا لا حملا شايعا متعارفا، كما هو مفاد تنكير الخبر و العاطف لعطف الجملة على الجملة.
اي و المؤمن العارف في هذا الحق و بين ظهرانيهم هو المنكوس، حتى يخرج من هذه الدار الى دار رحمة اللّه و طوار بهاء اللّه و جوار ملائكة اللّه.
فان هذه الدار هاوية التسفل و دارة الانتكاس، فالعارف منتكس متسافل فيها بالضرورة الطبيعية الى أن يخرج الى دار الحياة و البهجة، و يطأ أرض القرار و الاستقامة و ان كان في دار البوار قد طار بجناح الموت الارادي في فضاء أوج الحياة الحقيقة.
فأما غير العارف من جملة الخلق فحيث أنهم نسوا اللّه فأنساهم انفسهم، فهم بنسيان جوهر ذاتهم و موطن قرارهم قد استأنسوا بهذه الدار الباطلة و أهلها المنتكسين المنكوسين بالارادة و بالطبيعة فليعلم.
قوله (ع): انهما ليسا بشىء في ولايه
أي انهما في القول بالاستطاعة ليسا على شيء من ديننا، و لا في شيء من ولايتنا.
394
283- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن أبي الصباح، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يا أبا الصباح هلك المترئسون في أديانهم منهم زرارة و بريد و محمد بن مسلم و اسماعيل الجعفي، و ذكر آخر لم أحفظ.
284- حدثنى محمد بن مسعود، قال حدثني جبريل بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عيسى بن سليمان و عدة، عن مفضل بن عمر، قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لعن اللّه محمد بن مسلم كان يقول ان اللّه لا يعلم الشىء حتى يكون. (1)
____________
قوله (ع): لعن اللّه- الى قوله- حتى يكون
تفصيل القول أن هناك شكا معضلا (1) عويصا، هو مزلقة الاقدام و مدحضة الافهام، و ذلك أن العلم بالشيء: اما حصولي انطباعي بوجود المعلوم في ذهن العالم وجودا ظليا، و تمثل صورته فيه تمثلا ارتساميا. و اما حضوري انكشافي بحضور جوهر ذات المعلوم بوجوده الاصيل العيني عند العالم منكشفا عليه غير عازب عنه.
و اذ قد استبان بالبرهان أن اللّه سبحانه بنفس حقيقته الحقة القيومية عين الوجود الحق الاصيل المتأصل المتأكد العيني، فهو بعلو كبريائه متأبه و متنزه عن الظلية و التمثل مطلقا، فلا له وجود ظلي تمثلي في ذهن ما من الاذهان، و لا لشيء من الاشياء فيه وجود ذهني و تقرر ظلي انطباعي أصلا، بل أن له التأصل الحق و الحقية المحضة من كل جهة.
فاذن علمه بكل شيء يجب أن يكون علما حقا حضوريا بحضوره بجوهر ذاته عنده منكشفا متكشفا، ظاهرا غير عازب و لا متستر و لا محتجب أبدا، فعلمه تعالى بالاشياء قبل وجودها و تقررها في الاعيان مما تكل عن بيانه ألسنة العقول و الاذهان، و تحار في سبيله أبصار الاحلام و البصائر.
____________
(1) في «س» مفصلا.
395
..........
____________
فمحمد بن مسلم كأنه قد اعتراه هذا الشك، و لم يجد عنه مخرجا و محيصا فوقع فيما وقع.
و نحن قد يسرنا اللّه بفضله العظيم لتحقيق المعضلات و تبيين المهمات، حققنا في كتاب التقديسات، و في كتاب تقويم الايمان، و كتاب قبسات حق اليقين، و في شرح كتاب التوحيد من كتاب الكافي (1): أن الجاعل التام الذي من كنه ذاته ينبعث و ينبجس جوهر ذات المجعول، فان ظهور كنه ذاته و حضور سنخ حقيقته أقوى في إفادة انكشاف المجعول، و ظهوره من حضور عين هويته و وجود جوهر ذاته.
فاللّه سبحان حيث أنه بنفس ذاته الاحدية هو المبدع الصانع الجاعل التام لنظام الكل، من الصادر الاول الى أقصى نظام الوجود على الترتيب السبي و المسببي، النازل منه و العائد اليه جل سلطانه طولا و عرضا.
و هو ظاهر بذاته لذاته أتم الظهور، و عالم بذاته و لوازم ذاته من نفس ذاته على أكمل الوجوه، و هو تعالى مجده ينال الكل من نفس ذاته و لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض و لا في السماء، من غير أن يكون لوجود الاشياء مدخلية ما في تصحيح ظهورها لديه و انكشافها عليه أصلا.
فعلمه التام سبحانه بكل شيء قبل وجود الاشياء و مع وجودها على سبيل واحد ليس يزداد بوجود الاشياء علما و لا يستفيد من كونها خبرا، فهذا سبيل الحق و سنن البرهان.
و اذ كان المختلفون الى مولانا الصادق (عليه السلام) ينسبون الى محمد بن مسلم أنه يقول:
ان اللّه جل و عز انما يعلم الشيء حين هو كائن لا قبل ان يكون، فهو (عليه السلام) قال: لعن اللّه
____________
(1) و هو كتاب «التعليقة على الكافى» المطبوع أخيرا بقم بتحقيقنا و تصحيحنا و تعاليقنا عليه.
396
في أبى بصير ليث بن البخترى المرادى
(1)
____________
من كان يقول: انه سبحانه لا يعلم الشيء الا حين كونه، لا قبل كون الاشياء رأسا فليعرف.
في أبى بصير ليث بن البخترى المرادى
ليث بن البختري المرادي الضرير هو أبو بصير الاصغر، و كان يكنى أيضا أبو محمد. و شيخنا المعول عليه في معرفة أحوال الرجال أبو العباس النجاشي- (رحمه اللّه تعالى)- لم يوثقه و لا زاد في ترجمته على أن قال: ليث بن البختري المرادي أبو محمد و قيل: أبو بصير الاصغر، روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، له كتاب يرويه جماعة منهم أبو جميلة المفضل بن صالح (1).
و انما وثق أبا بصير الاسدي يحيى بن القاسم و قيل: يحيى بن أبي القاسم المكفوف.
قال في ترجمته: يحيى بن القاسم أبو بصير الاسدي و قيل: أبو محمد ثقة وجيه، روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، و قيل: يحيى بن أبي القاسم، و اسم أبي القاسم اسحاق، و روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، له كتاب يوم و ليلة- و ذكر طريقه اليه- ثم قال: و مات أبو بصير سنة خمسين و مائة (2)
و الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- أيضا لم يوثقه و لا ذكر له مدحا في الفهرست و لا في كتاب الرجال، بل اقتصر على مجرد ذكره في أصحاب أبي جعفر الباقر و في أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام).
و قال في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): الليث بن البختري المرادي ابو يحيى و يكنى أبا بصير، و أسند عنه (3).
____________
(1) رجال النجاشى: 245.
(2) رجال النجاشى: 344 و فيه سنة خمس و مائة و هو غلط.
(3) رجال الشيخ: 278.
397
285- روى عن ابن أبي يعفور، قال: خرجت الى السواد (1) أطلب دراهم لنحج
____________
و قال أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبد اللّه الغضائري (رحمه اللّه تعالى) و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتضجر به و يتبرم، و أصحابه يختلفون في شأنه، ثم قال: و عندي أن اللعن انما وقع على دينه لا على حديثه، و هو عندي ثقة (1).
و سيذكر أبو عمرو الكشي- (رحمه اللّه تعالى)- في الكتاب أن الذي هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم قيل: هو أبو بصير المرادي ليث بن البختري الضرير، و قيل: أنه أبو بصير الاسدي يحيى بن القاسم المولود مكفوفا (2).
ثم ان الحسن بن داود في باب الكنى من كتابه قال: ان أبا بصير مشترك بين أربعة: المرادي ليث بن البختري و هو ثقة عظيم الشأن. و الاسدي المكفوف يحيى ابن أبي القاسم. و يوسف بن الحارث البتري. و عبد اللّه بن محمد الاسدي (3).
فشاع من ذلك عند المتأخرين الا حدثين أن الثقة من هؤلاء الاربعة انما هو أبو بصير المرادي، و أما أبو بصير الاسدي يحيى بن أبي القاسم فحديثه ضعيف. و هذا و هم ليس له أصل.
بل الحق أن أبا بصير الاسدي يحيى بن أبي القاسم المكفوف ثقه ثبت صحيح الحديث، كما سيظهر عليك من ذي قبل حق الظهور، نعم علي بن أبي حمزة البطائني الذي يروي عنه، أكثريا واقفي ضعيف فليعلم.
قوله: خرجت الى السواد
أي الى سواد العراق. قال في المغرب: و سمي سواد العراق لخضرة أشجاره و زرعه، حده طولا من حديثه الموصل الى عبادان، و عرضا من العذيب
____________
(1) راجع جامع الرواة: 3/ 34.
(2) رجال الكشى: 238 ط جامعة مشهد.
(3) رجال ابن داود: 392- 393.
398
و نحن جماعة و فينا أبو بصير المرادي، قال: قلت له يا أبا بصير اتق اللّه و حج بمالك فأنك ذو مال كثير فقال: اسكت فلو ان الدنيا (1) وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه.
286- حدثني حمدويه بن نصير، قال حدثنا يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول بشر المخبتين بالجنة بريد بن معاوية العجلي، و أبو بصير بن ليث البختري المرادي، و محمد بن مسلم، و زرارة، أربعة نجباء أمناء اللّه على حلاله و حرامه، لو لا هؤلاء انقطعت (2) آثار النبوة و اندرست.
287- حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه القمي، عن محمد بن
____________
الى حلوان، و هو الذي فتح على عهد عمر، و هو أطول من العراق بخمسة و ثلاثين فرسخا.
قوله: اسكت فلو أن الدنيا
يعني اسكت فان المال الكثير من مكتسب حلال لا بأس به و لا مطعن فيه، فلو أن الدنيا وقعت لصاحبك من طريق الدين لاشتمل عليها بكسائه.
و السيد جمال الدين بن طاوس في اختياره قال في الجواب عنه: ان الطريق الى ابن يعفور غير متصل فلا عبرة بالحديث، ثم من صاحبك المشار اليه في الحديث.
قلت: و في جوابه من الوهن ما لا يخفى عنه.
قوله: لو لا هؤلاء انقطعت
روى الشيخ- (رحمه اللّه)- في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: صلى بنا أبو بصير في طريق مكة فقال و هو ساجد، و قد ضاعت ناقة لهم: اللهم رد على فلان ناقته، قال محمد: فدخلت على أبي عبد اللّه فأخبرته فقال: و فعل؟ فقلت: نعم قال:
فسكت، قلت أ فأعيد الصلاة؟ قال: لا.
و الظاهر أن أبا بصير الذي صلى بهم هو ليث المرادي.
399
عبد اللّه المسمعي، عن علي بن أسباط، عن محمد بن سنان، عن داود بن سرحان، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أني لا حدث الرجل الحديث و أنهاه عن الجدال و المراء في دين اللّه و أنهاه عن القياس، فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله، اني امرت قوما أن يتكلموا، و نهيت قوما فكل تأول لنفسه يريد المعصية للّه و لرسوله، فلو سمعوا و أطاعوا لا ودعتهم ما أودع أبي أصحابه، أن أصحاب أبي كانوا زينا أحياء و أمواتا، أعني زرارة و محمد بن مسلم، و منهم ليث المرادي و بريد العجلي، و هؤلاء القوامون بالقسط، و هؤلاء السابقون السابقون أولئك المقربون.
288- حدثني حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس ابن عبد الرحمن، عن أبي الحسن المكفوف، عن رجل، عن بكير، قال: لقيت أبا بصير المرادي قلت: أين تريد؟ قال: أريد مولاك قلت: أنا أتبعك، فمضى معي فدخلنا عليه، و أحد النظر اليه (1) و قال: هكذا تدخل بيوت الانبياء و أنت جنب؟! قال:
أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضبك فقال: أستغفر اللّه و لا أعود.
و روى ذلك أبو عبد اللّه البرقي عن بكير.
____________
قوله: و أحد النظر اليه
أحد- بفتح الهمزة و تشديد الدال- من الحداد بمعنى التحديد و التحديق:
كأنه نظر اليه و هو غضبان فهذا الحديث فيه مطعن ما في أبي بصير المرادي، و لكنه ليس يوجب القدح فيه، فلعله يومئذ لم يكن يعلم أن مشهد المعصوم في الحياة و بعد الوفاة حكمه حكم المسجد.
و السيد بن طاوس أجاب عنه في اختياره بأن في الطريق ضعفا، ثم أنه ما قال من المدخول عليه.
قلت: و هذا الجواب ركيك سخيف كما ترى، و الحق ما قلناه فلا تكن من المتكلفين.
400
289- محمد بن مسعود، قال: حدثني أحمد بن منصور، عن أحمد بن الفضل، و عبد اللّه بن محمد الاسدي، عن ابن أبي عمير، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: حضرت علباء عند موته؟ قال: قلت نعم، و اخبرني أنك ضمنت له الجنة و سألني أن اذكرك ذلك قال: صدق.
قال فبكيت ثم قلت: جعلت فداك فمالي أ لست كبير السن الضعيف الضرير البصير المنقطع إليكم؟ فاضمنها لي، قال: قد فعلت، قال: قلت اضمنها على آبائك و سميتهم واحدا واحدا، قال قد فعلت، قلت: فاضمنها لي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: قد فعلت، قال: قلت فاضمنها لي على الله تعالى، قال: فأطرق ثم قال: قد فعلت.
290- الحسين بن إشكيب، عن محمد بن خالد البرقي، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم و ابي العباس، قال: بينا نحن عند أبي عبد الله اذ دخل أبو بصير فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الحمد الله الذي لم يقدم أحد يشكو أصحابنا العام، قال هشام:
فظننت انه يعرض (1) بأبي بصير.
291- حمدويه، قال حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن شعيب العقرقوفي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال عليك بالاسدي، يعنى أبا بصير. (2)
____________
قوله: فظننت أنه يعرض
يعرض بالتشديد على صيغة المضارع المعلوم من التعريض.
قوله: يعنى أبا بصير
كلام شعيب العقرقوفي، و هو ابن اخت أبى بصير الاسدي يحيى بن أبي القاسم المكفوف، ثقة عين ممدوح جليل المنزلة، من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق و أبي الحسن الكاظم (عليهما السلام) فهذا الحديث واضح المتن صحيح الطريق اتفاقا.
و قد اعترف بذلك السيد المكرم جمال الدين بن طاوس في اختياره.
401
292- حمدان، قال حدثنا معاوية، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير، (1) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة تزوجت و لها زوج فظهر عليها؟ (2) قال: ترجم المرأة و يضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل.
قال شعيب: فدخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقلت له: امرأة تزوجت و لها زوج قال: ترجم المرأة و لا شيء على الرجل، فلقيت أبا بصير فقلت له: اني سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة التي تزوجت و لها زوج، قال: ترجم المرأة و لا شيء على الرجل، قال: فمسح على صدره (3) و قال: ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد. (4)
____________
و هو أول النصوص على جلالة أبي بصير الاسدي المكفوف في الثقة و الفقه و العلم و صحة الحديث و ارتفاع المرتبة.
و بالجملة قول رهط من المتأخرين في رميه بالضعف و الوقف مما لا مأخذ له أصلا، و هو و المرادي كلاهما ثقتان صحيحا الحديث، و سيجيء في الكتاب نقل الاجماع على تصحيح ما يصح عنهما و الاقرار لهما بالفقه.
بل الحق أن الاسدي أحق باستصحاح حديثه من المرادي، لشهادة النجاشي له بانه ثقة وجيه. و عدم توثيقه للمرادي، و لسلامته عن الذم في الروايات و الاخبار فلا تكن من الغافلين.
قوله: عن شعيب العقرقوفى عن أبى بصير
أي المرادي كما يصرح به في الحديث الآتي.
قوله: فظهر عليها
أي فعلت زوجها عليها و أثبت عند الحاكم زوجتها له.
قوله: فمسح على صدره
انما مسح على صدره عند قوله: هذا، لان الصدر موضع العلم.
قوله: تناهى حكمه بعد
اما بكسر الحاء المهملة و اسكان اللام بمعنى العلم، أو بضم الحاء و تسكين
402
293- علي بن محمد، قال حدثني محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسن، عن صفوان، عن شعيب بن يعقوب العقرقوفي، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة و لها زوج و لم يعلم؟ قال: ترجم المرأة و ليس على الرجل شيء اذا لم يعلم، فذكرت ذلك لأبي بصير المرادي، قال: قال لي و اللّه جعفر ترجم المرأة و يجلد الرجل الحد، و قال بيده على صدره يحكّها: اظن صاحبنا ما تكامل علمه.
394- علي بن محمد، قال حدثني محمد بن أحمد بن الوليد، عن حماد بن عثمان
____________
الكاف بمعنى كمال العلم و الحكمة كما في «رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً» (1).
و حيث أن هذا الحديث كان في زمان الصادق (عليه السلام) و أبو الحسن (عليه السلام)، لم يكن يومئذ اماما، و علم الامام انما يتكامل فيضانه من المبدأ الفياض على قلبه حين ما تصل نوبة الامامة اليه.
فمعنى كلام أبي بصير: ان صاحبنا أبا الحسن (عليه السلام) اذ ليس هو الامام اليوم لم يتناه علمه و لم يبلغ نهاية الكمال و اتمام بعده، بل انما يبلغ النهاية عند ما تنتقل اليه الامامة.
و يرد عليه أن الامر و ان كان كذلك الا أن ملكة العصمة عاصمة للنفس باذن اللّه تعالى عن الوقوع في الخطأ.
فالحق أن يقال: ان قول أبي الحسن (عليه السلام) فيما اذا كان الرجل المتزوج بها لم يعلم رأسا أن لها زوجا، و قول ابي عبد اللّه (عليه السلام) فيما اذا كان يعلم ذلك ثم عقد عليها و نكحها من غير أن يثبت عند الحاكم موت زوجها ببينة شرعية، فالقولان غير متدافعين.
و السيد بن طاوس في الجواب عن الحديث تجشم القدح في الطريق لمطالبه (2) باتصال السند و اعتباره، و فيه مالا يخفى على الممارس المتمهر.
____________
(1) سورة الشعراء: 83
(2) و في «م» بالمطالبة
403
قال: خرجت أنا و ابن أبي يعفور و آخر الى الحيرة أو الى بعض المواضع (1) فتذاكرنا الدنيا، فقال أبو بصير المرادي: أما أن صاحبكم لو ظفر بها لاستأثر بها، (2) قال: فأغفى فجاء كلب يريد أن يشغر عليه (3) فذهبت لا طرده، فقال لي ابن أبي يعفور: دعه قال:
فجاء حتى شغر في أذنه.
____________
قوله: الى الحيرة أو الى بعض المواضع
قال في المغرب: الحيرة بالكسر مدينة كان يسكنها النعمان بن المنذر و هي على رأس ميل من الكوفة.
و في القاموس: ان الحيرة بالكسر كربلا أو موضع بها (1).
و في النهاية الاثيرية: الحيرة بكسر الحاء البلد القديم بظهر الكوفة (2).
قوله: لو ظفر بها لاستأثر بها
الكلام فيه نظير ما سبق في «لاشتمل عليها بكسائه»
و قال السيد بن طاوس: مقتضاه أن الصادق (عليه السلام) لو ظفر بالخلافة لاستاثر بها و ان لم يصرح بالصادق (عليه السلام) لكن الظاهر هذا. ثم قال: أقول ان هذا حديث حسن السند، و انما القول في متنه حسب ما أسلفت.
قلت: سنده صحيح و محمد بن أحمد بن الوليد، هو محمد بن الوليد البجلى أبو جعفر الكوفي الحداد الثقة النقي الحديث، و قد أسلفنا تحقق حاله في الحواشي.
قوله: فأغفى فجاء كلب يريد أن يشغر عليه
غفى غفوا نام أو نعس، و كذلك أغفى إغفاء. و شغر الكلب يشغر بالفتح فيهما من باب منع رفع رجله فبال.
____________
(1) القاموس: 2/ 16 و فيه و حيران
(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 467
404
295- حمدويه و ابراهيم قال: حدثنا العبيدي، عن حماد بن عيسى، عن الحسين ابن مختار، عن أبي بصير، قال: كنت أقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن، قال:
فمازحتها بشيء، قال فقدمت على أبي جعفر (عليه السلام)، قال، فقال لي: يا ابا بصير اي شيء قلت للمرأة؟ قال: قلت بيدي هكذا، و غطا وجهه، قال، فقال لي: لا تعودن اليها.
296- محمد بن مسعود، قال: سألت علي بن الحسن بن فضال عن أبى بصير فقال: و كان اسمه يحيى بن أبي القاسم، (1) فقال: أبو بصير كان يكنى أبا محمد و كان
____________
و في القاموس: رفع احدى رجليه ليبول بال أو لم يبل (1).
قوله: فقال: و كان اسمه يحيى بن أبى القاسم
قلت: و قيل: اسم أبيه القاسم، و أما يحيى بن القاسم الازدي الحذاء فهو رجل آخر غير أبي بصير الازدي المكفوف يحيى بن القاسم، و هو أيضا من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام). و قيل فيه: انه كان واقفيا.
و الشيخ ذكر هما كليهما في كتاب الرجال (2) وليا من غير فصل، و كذلك السيد المكرم جمال الدين احمد بن طاوس في كتابه و اختياره.
و أبو عمرو الكشي روى عن حمدويه أنه ذكر عن بعض أشياخه أن يحيى بن القاسم الحذاء الازدي واقفي، و أنه روى عن أبي بصير الاسدي يحيى بن القاسم المكفوف عن الصادق (عليه السلام).
و روى الكشي أيضا في حديث آخر أن يحيى بن القاسم الحذاء الازدي رجع عن الوقف، و أوردهما السيد بن طاوس في اختياره.
ثم ان رهطا من المتأخرين توهم اتحاد الرجلين، كأنهم عن ذلك كله من الذاهلين، فبناء على و همهم الكاذب هذا زعموا أنه قد قيل في أبي بصير الاسدي
____________
(1) القاموس: 2/ 60
(2) رجال الشيخ: ص 364
405
مولى لبنى أسد و كان مكفوفا، فسألته هل يتهم بالغلو؟ فقال: أما الغلو: فلا (1) لم يتهم، و لكن كان مخلطا.
____________
المكفوف أنه واقفي، و ان هو الازور و اختلاق، و لذلك لم يورد ابو الحسين أحمد ابن الغضائري فيه طعنا و غميزة فليعلم.
قوله: و سألته هل يتهم بالغلو؟ فقال: اما الغلو فلا
قلت: كما من الاختلاق اتهامه بالغلو فكذلك من التكاذيب نسبته الى الواقفة أ ليس قد قال النجاشي: أن أبا بصير الاسدي يحيى بن أبي القاسم المكفوف مات سنة خمسين و مائة (1)؟
و كذلك الشيخ في كتاب الرجال قال في أصحاب أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) يحيى بن القاسم أبو محمد يعرف بأبي بصير الاسدي مولاهم كوفي تابعي مات سنة خمسين و مائة بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)؟
و قال في الفهرست: يحيى بن القاسم يكنى أبا بصير، له كتاب مناسك الحج، رواه علي بن أبي حمزة، و الحسين بن أبي العلاء عنه (3)
و مات سنة خمسين و مائة و مولانا أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قبض بالمدينة في شوال، و قيل: في منتصف رجب يوم الاثنين سنة ثمان و أربعين و مائة.
و قبض مولانا أبو الحسن الكاظم (عليه السلام) مسموما ببغداد في حبس السندي بن شاهك لست بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة و قيل: لخمس خلون من رجب سنة احدى و ثمانين و مائة.
فيكون أبو بصير يحيى بن أبى القاسم قد توفى بعد الصادق (عليه السلام) لسنتين و قبل الكاظم (عليه السلام) بثلاث و ثلاثين سنة أو احدى و ثلاثين سنة.
____________
(1) رجال النجاشى: 344
(2) رجال الشيخ: 333
(3) الفهرست: 207
406
..........
____________
و الواقفة هم الذين بعد الكاظم (عليه السلام) ذهبوا الى الوقف عليه و قالوا: انه حي لم يمت و أنه الامام القائم، و لم يقولوا بامامة مولانا الرضا علي بن موسى (عليه السلام).
فاذن الطعن في أبي بصير بالوقف من باب الجهل بأحوال الرجال، و نسبة ذلك الى الشيخ في كتاب الرجال في باب أصحاب أبي عبد اللّه، أو في باب أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) أيضا اختلاق و افتراء عليه، و ما وقع إلينا من نسخ كتاب الرجال غير موجود في شيء منه ما يدل عليه أصلا.
و أقول: لعل منشأ التباس الامر على القاصرين؛ أن يحيى بن القاسم أبا بصير الاسدي، و يحيى بن القاسم الحذاء الازدي رجلان ذكرهما الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) ولاء، و كذلك السيد بن طاوس في كتابه و في اختياره، و قد قيل في يحيى بن القاسم الحذاء الازدي: أنه واقفى، فظن أنهما واحد فنسب الى أبي بصير الاسدي أنه مرمي بالوقف.
فأما ما رواه أبو عمرو الكشي في الكتاب عن حمدويه عن بعض أشياخه أن يحيى بن القاسم الحذاء الازدي واقفي، و أنه عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: ان جاءكم من يخبركم أن ابني هذا- يعنى به أبا الحسن موسى (عليه السلام)- مات و لبن و قبر و نفضوا أيديهم من تراب قبره فلا تصدقوا.
ففيه أولا أن في الطريق الحسن أو الحسين بن قياما و هو واقفي عنيد ملعون لا يعبأ بروايته.
و ثانيا أن معنى كلام الصادق (عليه السلام) على تقدير صحة الرواية: ان من جاءكم يخبركم أن ابني موسى مات في زمني كما مات ابني اسماعيل فلا تصدقوه، فانه امام الخلق بعدي. و ليس المراد أنه الامام المهدي القائم المعهود بعدي.
و بالجملة جلالة أبي بصير الاسدي يحيى بن القاسم مما ليس يخفى على متمهر
407
297- محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد الناب، قال: جلس أبو بصير على باب أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليطلب الاذن، فلم يؤذن له، فقال: لو كان معنا طبق لإذن، (1) قال: فجاء كلب فشغر في وجه أبي بصير، قال: أف أف ما هذا؟ قال جليسه: هذا كلب شغر في وجهك.
____________
في علم الرجال، و كفاه ما رواه الكشي عن حمدويه عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن شعيب العقرقوفى قال قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالاسدى يعني أبا بصير.
و روايات ضمان الصادق (عليه السلام) له، فلا تكونن من الممترين.
قوله: لو كان معنا طبق لإذن
في القاموس: الطبق محركة غطاء كل شيء و الذي يؤكل عليه، و من الناس و الجراد الكثير، أو الجماعة كالطبق بالكسر و منه «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» (1).
و في مفردات الراغب: ذلك اشارة الى أحوال الانسان من ترقيه في أحوال شتى. و قيل: لكل جماعة متطابقة في أمر طبق (2)، و قيل: الناس طبقات (3).
و في الصحاح: الطبق واحد الاطباق، و يقال: أتانا طبق من الناس و طبق من الجراد، أي جماعة و طبقات الناس منازلهم في مراتبهم (4).
و في مجمل اللغة: الطبق الحال.
قال ابن الاثير: و قيل: الطبق المنزلة و الطبقات المنازل و المراتب (5).
____________
(1) القاموس: 3/ 255 و الاية سورة الانشقاق: 19.
(2) و في المصدر: لكل جماعة متطابقة هم في أم طبق.
(3) مفردات الراغب: 301
(4) الصحاح: 4/ 1512
(5) نهاية ابن الاثير: 3/ 114
408
298- محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد القمي، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط، (1) عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) قلت: تقدرون أن تحيوا الموتى و تبرءوا الاكمه و الابرص؟ فقال لي: باذن اللّه.
____________
و يوم مطبق اذا أطبق الغيم السماء و طبقها و غطاها، و الطبق أيضا ما توضع عليه الفواكه و نحوها.
و كلام أبي بصير يحتمل الحمل على أكثر هذه المعاني، فمعناه لو كان معنا جماعة لأذن لنا، أو لو كان معنا حال أو منزلة لأذن لنا، أو لو كان معنا من يكون مغطى على أمره متهما في دينه لأذن لنا من باب التقية و الخوف.
و أما أنا فحيث أني رجل ضرير مسكين غير مطبق بضم الشك في ديني فلم يؤذن لي.
فهذا فيه حزازة من سوء الادب غير مفضية الى الخروج عن سبيل الدين.
فأما اذا أريد به لو كان معنا طبق موضوع عليه شيء من الهدايا لأذن لنا، فهو كما قال السيد بن طاوس في اختياره: ما أبعد هذا من الحق و الحجة (1) من القول، أين مناسبة هذا القول لعلو مكان مولانا الصادق (عليه السلام) و جلالة قدره، نعوذ باللّه من اتباع الهوى و الوقوع في الفتنة و نستعين.
قوله: عن مثنى الحناط
الذي يظهر من الكتاب في هذا الموضع و مما قد سبق في ترجمة زرارة أن أبا بصير هذا هو الليث المرادي الضرير، و المشهور أنه الاسدي يحيى بن أبي القاسم المكفوف، و عندي أن القصة وقعت لهما كليهما.
و قال علي بن أحمد العقيقي: يحيى بن القاسم الاسدي مولاهم ولد مكفوفا،
____________
(1) و في نسخة «م» و أسمجه من القول.
409
ثم قال ادن مني فمسح على وجهي و على عيني، فأبصرت السماء و الارض و البيوت، فقال لي: أ تحب أن تكون كذا و لك ما للناس و عليك ما عليهم يوم القيامة أم تعود كما كنت و لك الجنة الخالص؟ قلت: أعود كما كنت، فمسح على عيني فعدت.
في أبى بصير عبد اللّه بن محمد الاسدى
299- طاهر بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن أحمد الشجاعي، عن محمد ابن الحسين، عن احمد بن الحسن الميثمي، عن عبد اللّه بن وضاح، عن أبي بصير قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسألة في القرآن؟ فغضب و قال: انا رجل تحضرني قريش و غيرهم و انما تسألني عن القرآن، فلم أزل أطلب اليه و أتضرع حتى رضي، و كان عنده رجل من اهل المدينة مقبل عليه.
فقعدت عند باب البيت على بثي و حزني، اذ دخل بشير الدهان فسلم و جلس عندي، و قال لي سله عن الامام بعده؟ فقلت: لو رأيتني مما قد خرجت من هيئة لم تقل لي سله، فقطع أبو عبد اللّه (عليه السلام) حديثه مع الرجل، ثم أقبل فقال: يا أبا محمد ليس لكم أن تدخلوا علينا في أمرنا و انما عليكم أن تسمعوا و تطيعوا اذا أمرتم.
في عبد الملك بن أعين أبى الضريس
(1) 300- حدثني حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن أبي نصر، عن
____________
رأى الدنيا مرتين؛ مسح أبو عبد اللّه (عليه السلام) على عينيه و قال: انظر ما ترى؟ فقال: أرى كوة في البيت و قد أرانيها أبوك من قبلك.
في عبد الملك بن أعين أبى الضريس
أبو الضريس بضم الضاد المعجمة على التصغير.
قال في القاموس. و كزبير علم (1).
____________
(1) القاموس: 2/ 225
410
الحسن بن موسى، عن زرارة، قال: قدم ابو عبد اللّه مكة، (1) فسأل عن عبد الملك ابن أعين؟ فقال: مات؟ قيل نعم فقال: لا و لكن صلى هاهنا، (2) و رفع يديه و دعا له و اجتهد في الدعاء و ترحم عليه.
____________
و الصدوق أبو جعفر بن بابويه- (رضوان اللّه تعالى عليه)- في مسندة كتاب من لا يحضره الفقيه في ذكر أسناده عن عبد الملك بن أعين قال: و كنيته أبو ضريس و زار الصادق (عليه السلام) قبره بالمدينة مع أصحابه (1). و ذلك أدل دليل على علو مرتبته و ارتفاع منزلته فليعرف.
قوله: قال قدم أبو عبد اللّه مكة
قلت: الظاهر أن لفظة «من» سقطت هاهنا من قلم الناسخ، فان عبد الملك بن أعين مات بالمدينة و قبره هناك و أبو عبد اللّه (عليه السلام) لما قدم من مكة زار قبره بالمدينة مع أصحابه، كما قد نقلناه عن الصدوق في مسندة الفقيه فليعلم.
قوله: فقال لا، و لكن صلى هاهنا
و لكن صلى اما أنه تتمة كلام الامام (عليه السلام)، و رفع يده أول كلام زرارة، و صلى بمعنى تلا السابق في السابقة: و هو مأخوذ من الصلا بالفتح و القصر أي الظهر من الانسان.
أو من كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو ما عن يمين الذئب و شماله، و هما صلوان، و المصلي تالي السابق مطلقا.
أو في الفرس على الحقيقة، و في الانسان على الاستعارة، يقال: صلى الفرس المصلى، و هو الذي يتلو السابق، لان رأسه عند صلا الفرس الاول.
يعني (عليه السلام) أن عبد الملك بن أعين لم يمت، بل هو من الاحياء المرزوقين الفرحين عند ربهم رزقا قدسيا روحانيا، و فرحا أبديا عقلانيا، و لكنه بموته الظاهري
____________
(1) من لا يحضره الفقيه: 4/ 97
411
301- علي بن الحسن، قال: حدثني علي بن أسباط، عن علي بن الحسن بن عبد الملك بن أعين، عن ابن بكير، عن زرارة، قال، قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) بعد موت عبد الملك بن أعين: اللهم ان أبا الضريس كنا عنده خيرتك من خلقك، فصيره في ثقل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) (1) يوم القيامة، ثم قال أبو عبد اللّه: أما رأيته يعني في النوم؟
فتذكرت فقلت: لا، فقال: سبحان اللّه مثل أبي الضريس لم يأت بعد.
____________
الجسداني هاهنا.
و في نسخ عديده «ما هنا» بالميم مكان الهاء، أي في هذه النشأة البائدة البائرة صلى، أي تلا من سبقه في السباق الى الحياة الحقيقية العقلية و البهجة الحقة الالهية.
و في بعض النسخ «صلى هنيئة هنا» أي تلا السابق في السباق هنا شيئا يسيرا، و اما أنه أول كلام زرارة و صلى هاهنا أي أتى هاهنا بالصلاة.
و المعنى أنه (عليه السلام) قال بلسانه لا: أي لم يمت عبد الملك و لكنه (عليه السلام) صلى في هذا الموضع و رفع يده بعد الصلاة و دعا لعبد الملك و اجتهد في الدعاء له، و ترحم عليه كما يترحم على الميت و يدعا له، فعلم من فعله (عليه السلام) أنه انما عني بقوله لا نفي الموت الحقيقي و اثبات الحياة الابدية الحقيقية، و لم يعن به نفي الموت الظاهر الجسماني، فليفقه.
قوله (عليه السلام): فصيره في ثقل محمد صلواتك عليه
ثقل الرجل- بالتحريك- حشمه أي قرابته و عياله و من يغضب له و يذب عنه، اذا أصابه أمر و نزلت به ملمة، و ثقل المسافر متاعه و أهل حزانته.
يعني (عليه السلام): ان أبا ضريس كان يعتقد أنا خيرتك من خلقك، فاجعله من حشم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل حزانته صلواتك عليه و آله، و صيره يوم القيامة في زمرتهم و من جملتهم (1).
____________
(1) و في «ن» جماعتهم.
412
302- حمدويه، قال: حدثني يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن علي ابن عطيه قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لعبد الملك بن أعين: كيف سميت ابنك ضريسا؟
فقال: كيف سماك أبوك جعفرا؟ قال: ان جعفرا نهر في الجنة و ضريس اسم شيطان.
في حمران بن أعين
303- حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام ابن الحكم، عن حجر بن زايدة عن حمران بن أعين، قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) اني أعطيت اللّه عهدا، لا اخرج من المدينة حتى تخبرني عما أسألك، قال، فقال لي: سل قال، قلت: أمن شيعتكم أنا؟ قال: نعم في الدنيا و الآخرة.
304- محمد، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن زياد القندى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في حمران: انه رجل من أهل الجنة.
محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، قال: روى عن ابن أبي عمير، عن عدة من اصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، كان يقول: حمران بن أعين مؤمن لا يرتد و اللّه أبدا.
305- محمد بن مسعود، قال: حدثنا علي بن الحسين بن علي بن فضال، قال: حدثني العباس بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة، قال قال حمران بن أعين: ان الحكم بن عيينه، (1)
____________
ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لزرارة: أما رأيته؟ يعني أبا ضريس في النوم، قال زرارة فتذكرت من حالي فقلت: لا فقال (عليه السلام): سبحان اللّه مثل أبي الضريس لم يأت بعد؟! و هو تعريض لزرارة.
في حمران بن أعين قوله: أن الحكم بن عيينه
الدائر على الالسن في المشهور مطابقا لما في المغرب و القاموس و غيرهما من
413
يروي عن علي بن الحسين (عليه السلام) (1) أن علم علي (عليه السلام) في أية مسأله فلا يخبرنا.
قال حمران: سألت أبا جعفر (عليه السلام)؟ فقال: ان علينا (عليه السلام) كان بمنزلة صاحب سليمان و صاحب موسى و لم يكن نبيا و لا رسولا، ثم قال: و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث، قال فعجب أبو جعفر.
____________
كتب اللغة «عيينة» بياءين مثناتين من تحت بعد العين المهملة المضمومة ثم النون.
و قال العلامة- (رحمه اللّه تعالى)- في الايضاح و الخلاصة (1) و طابقه الحسن ابن داود في كتابه (2): «الحكم بن عتيبة» بالتاء المنقطة فوقها نقطتين بعد العين و الياء المنقطة تحتها نقطتين و الباء المنقطة تحتها نقطة، و كذلك ضبطه بعض علماء العامة أيضا.
قوله: يروى عن على بن الحسين (عليهم السلام)
يعني قال حمران بن أعين: ان الحكم كان يروي عن علي بن الحسين (عليهم السلام) أن علم علي (عليه السلام) في أية مرتبة و منزلة يصح أن يسأل عنها و يستخبر عن درجتها، و لكن كان لا يخبرنا بذلك.
فسألت أبا جعفر (عليه السلام) عن حقيقة الامر، فقال (عليه السلام): ان عليا (عليه السلام) لم يكن رسولا و لا نبيا بل كان محدثا، منزلته في هذه الامة في العلم المنزل على قلبه باذن اللّه سبحانه منزلة آصف بن برخيا صاحب سليمان، و خضر صاحب موسى (عليهما السلام) في الامم السابقة، و ان كان علي (عليه السلام) منزلته أعلى من منزلتهما و أعظم، ثم قال (عليه السلام) في تأويل ما في التنزيل الكريم «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لٰا نَبِيٍّ و لا محدث الاية» (3).
ثم قال حمران: و اذ ذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) تعجب أبو جعفر (عليه السلام) من أمر الحكم بن عيينة.
____________
(1) الخلاصة: 218
(2) رجال ابن داود: 449
(3) سورة الحج: 52
414
306- محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن الحارث، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ان حمران كان يقول نمد الحبل، من جاوزه (1) من علوى و غيره برئنا منه.
307- حدثني محمد بن الحسن البرناني، و عثمان بن حامد، قالا: حدثنا محمد ابن يزداد، عن محمد بن الحسين، عن الحجال، عن العلاء بن رزين القلاء، عن ابي خالد الاخرس، قال قال حمران بن أعين، لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك أني حلفت أ لا أبرح المدينة حتى أعلم ما أنا، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): فتريد ما ذا يا حمران؟
قال: تخبرني ما أنا؟ قال: أنت لنا شيعة في الدنيا و الآخرة.
308- حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير عن ابن أذينه، عن زرارة، قال: قدمت المدينة و أنا شاب أمرد، فدخلت سرادقا لأبي جعفر (عليه السلام) بمنى، فرأيت قوما جلوسا في الفسطاط و صدر المجلس ليس فيه أحد و رأيت رجلا جالسا ناحية يحتجم، فعرفت برأيي أنه أبو جعفر (عليه السلام) فقصدت نحوه فسلمت عليه، فرد السّلام علي، فجلست بين يديه و الحجام خلفه.
فقال: امن بني أعين أنت؟ فقلت، نعم أنا زرارة بن أعين، فقال: انما عرفتك بالشبه، احج حمران؟ قلت: لا و هو يقرئك السّلام، فقال: انه من المؤمنين حقّا لا
____________
و يحتمل أن يكون أبو جعفر كنية للحكم أيضا، و ان كان يكنى أبا محمد فيكون المعنى: اني ذكرت قول أبي جعفر (عليه السلام) للحكم فعجب منه، و اللّه سبحانه أعلم.
قوله: نمد الحبل من جاوزه
يعني نحن نمد حبل الدين الحنيف القويم و الصراط السوي المستقيم، من لدن رسول اللّه و وصيه علي بن أبي طالب، ثم الائمة الاوصياء الطاهرين من ولده الى الامام الثاني عشر المهدي القائم الموعود، فمن جاوز هذا الحبل علويا كان أو غير علوي تبر أنا منه.
415
يرجع أبدا، اذا لقبته فاقرئه مني السّلام، و قل له: لم حدثت الحكم بن عيينة عني أن الاوصياء محدثون لا تحدثه و أشباهه بمثل هذا الحديث.
فقال زرارة: فحمدت اللّه تعالى و أثنيت عليه فقلت: الحمد للّه، فقال هو الحمد للّه ثم قلت أحمده و أستعينه، فقال: هو أحمد و أستعينه، فكنت كلما ذكرت اللّه في كلام ذكره كما أذكره حتى فرغت من كلامي.
309- حدثني الحسين بن الحسن بن بندار القمي، قال: حدثني سعد بن عبد اللّه القمي، قال: حدثنا عبد اللّه الحجال، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، قال: لوددت أن كل شيء في قلبي في قلب أصغر انسان من شيعة آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
310- و بهذا الاسناد: عن الحجال، عن صفوان، قال: كان يجلس حمران مع أصحابه فلا يزال معهم في الرواية عن آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فان خلطوا في ذلك بغيره ردهم اليه، فان صنعوا ذلك عدل ثلاث مرات قام عنهم و تركهم.
311- اسحاق بن محمد قال: حدثنا علي بن داود الحداد، عن حريز بن عبد اللّه، قال كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين و جويرية بن أسماء، فلما خرجا قال: أما حمران فمؤمن، و أما جويرية فزنديق لا يعلم أبدا، فقتل هارون جويرية بعد ذلك.
312- يوسف بن السخت قال: حدثني محمد بن جمهور (1)، عن فضالة بن أيوب،
____________
قوله: حدثنى محمد بن جمهور
قال النجاشي- (رحمه اللّه تعالى)- في كتابه: محمد بن جمهور أبو عبد اللّه القمي ضعيف الحديث فاسد المذهب و قيل فيه أشياء اللّه أعلم بها من عظمها، روى عن الرضا (عليه السلام) (1).
و كذلك الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن
____________
(1) رجال النجاشى: 260
416
عن بكير بن أعين، قال: حججت أول حجة فصرت الى منى، فسألت عن فسطاط أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخلت علية، فرأيت في الفسطاط جماعة فأقبلت أنظر في وجوههم فلم أره فيهم، و كان في ناحية الفسطاط يحتجم، فقال: هلم إلي! ثم قال: يا غلام أمن بني أعين أنت؟ قلت: نعم جعلني اللّه فداك قال: أيهم أنت؟ قلت: أنا بكير بن أعين، قال لي: ما فعل حمران؟ قلت: لم يحج العام على شوق شديد منه إليك، و هو يقرأ عليك السّلام، فقال: عليك و (عليه السلام)، حمران مؤمن من أهل الجنة لا يرتاب أبدا لا و اللّه لا و اللّه لا تخبره.
الى هنا انتهى الجزء الثاني و يتلوه في الجزء الثالث حدثني محمد بن مسعود قال حدثني علي بن محمد. و الحمد للّه رب العالمين و صلواته على سيدنا محمد النبي و آله الطاهرين.
____________
الرضا (عليه السلام) قال: محمد بن جمهور العمي عربي بصري غال (1).
و قال في باب لم: محمد بن الحسن بن جمهور العمي، روى سعد عن أحمد ابن الحسين بن سعيد عنه (2).
و هذا يدل على التعدد، و لكن في الفهرست قال، محمد بن الحسن بن الجمهور العمي البصري له كتب، جماعة منها كتاب الملاحم، و كتاب صاحب الزمان و له الرسالة الذهبية عن الرضا (عليه السلام)، و له كتاب وقت خروج القائم (عليه السلام). ثم ذكر طريقه اليه بالاسناد عن العمركي بن علي عن محمد بن جمهور (3).
فبين من ذلك أن محمد بن الحسن بن جمهور و محمد بن جمهور واحد، و هو العمي البصري. و ايراده مرة أخرى في باب لم لان حديثه عن الرضا (عليه السلام) من غير واسطة قليل، و اللّه سبحانه أعلم.
____________
(1) رجال الشيخ: 387
(2) رجال الشيخ: 512
(3) الفهرست: 172
